الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 28

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 28


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر اخبار الائمة بالاطهار بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الثامن والعشرون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م موسسة الوفاء - بيروت - لبنان - ص ب: 1457 - هاتف 386868

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أوضح لنا مسالك الدين بأعلامه، ونور لنا بمصابيح اليقين لياليه كأيامه، فمن اهتدى فقد اقتدى بحجته وإمامه، ومن ضل فقد باء بأوزاره وآثامه، وصلى الله على من بعثه بشرائعه وأحكامه، محمد المخصوص من بين سائر الرسل بمزيد إكرامه، وأهل بيته الاطهرين الذين بهم أفاض على الخلق سوابغ إنعامه وبهم ينجو من نجا يوم يدعى كل أناس بامامه. اما بعد: هذا هو المجلد الثامن من كتاب بحار الانوار مما ألفه أحوج الخلق إلى رحمة الكريم الغفار ابن محمد التقى حشره الله تعالى مع الائمة الابرار محمد المدعو بباقر، رزقه الله العثور على خفايا الاسرار، وصانه عن الخطا والزلل في معارج الانظار، ومناهج الافكار، وهو مشتمل على ما وقع من الجور والظلم والبغي والعدوان، على أئمة الدين وأهل بيت سيد المرسلين بعد وفاته صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، وتوضيح كفر المنافقين والمرتدين الغاصبين للخلاقة من أهلها والنازعين لها من مقرها وأعوانهم من الملحدين، وبيان كفر الناكثين والقاسطين والمارقين، الذين اقتدوا بمن كان قبلهم من الظالمين، وحاربوا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى أولاده الطاهرين، وأنكروا حقه مع وضوحه على العالمين، وما جرى

[2]

في تلك الغزوات وما لحقها، وبيان أحوال بعض الممدوحين والمذمومين من الصحابة والتابعين، مقتصرا في جميع ذلك على نقل الاخبار وتوضيحها، والايماء إلى بعض الحجج من غير تعرض لبسط القول فيها وتنقيحها، وإيراد الشبه وتزييفها وتقبيحها فان ذلك مما يكبر به حجم الكتاب، ويورث إعراض الناس عنه وتعريضهم بالاطناب والاسهاب، والله الموفق للصواب. 1 * " (باب) " * * " (افتراق الامة بعد النبي صلى الله عليه وآله) " * * " (على ثلاث وسبعين فرقه) " * * " (وأنه يجرى فيهم ما جرى في غيرهم من الامم،) " * * " (وارتدادهم عن الدين) " * الايات: الاحزاب: سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (1). فاطر: فهل ينظرون إلا سنة الاولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا (2). الانشقاق: فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق * لتركبن طبقا عن طبق (3). تفسير: سنة الله تعالى طريقته وعادته الجارية المستمرة، وهي جارية


(1) الاحزاب: 62. (2) فاطر: 43. (3) الانشقاق: 16 - 19.

[3]

في الاخرين كما جرت في الاولين في المصالح المشتركة التى لا تتبدل بتبدل الازمان وهو المراد هنا لا جميع السنن والاحكام، ليدل على عدم النسخ، قوله تعالى " وما وسق " أي ما جمعه وستره من الدواب وغيرها أو طردها إلى أماكنها، قوله تعالى: " اتسق " أي اجتمع وتم بدرا. قوله " طبقا عن طبق " قال أكثر المفسرين أي حالا بعد حال مطابقة لاختها في الشدة أو مراتب من الشدة بعد المراتب، وهي الموت ومواطن القيامة، وأهوالها، أو هي وما قبلها من الدواهي، وسيظهر من أخبارهم عليهم السلام أنهم فسروها بما ارتكبت هذه الامة من الضلالة والارتداد والتفرق مطابقة لما صدر عن الامم السالفة. 1 - ل: ابن بندار، عن مجاهد بن أعين، عن محمد بن الفضل، عن ابن لهيعة عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن بني إسرائيل تفرقت على عيسى (عليه السلام) إحدى وسبعين فرقة، فهلك سبعون فرقة وتخلص فرقة، وإن أمتي ستفرق على اثنتين وسبعين فرقة، فتهلك إحدى وسبعون، وتتخلص فرقة: قالوا: يا رسول الله من تلك الفرقة ؟ قال: الجماعة الجماعة. قال الصدوق - رحمه الله -: الجماعة أهل الحق وإن قلوا، وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: المؤمن وحده حجة، والمؤمن وحده جماعة (1). 2 - شى: عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: تفرقت أمة موسى (عليه السلام) على إحدى وسبعين ملة سبعون منها في النار، و واحدة في الجنة، وتفرقت امة عيسى (عليه السلام) على اثنتين وسبعين فرقة إحدى وسبعون فرقة في النار، وواحدة في الجنة، وتعلوا متي على الفرقتين جميعا بملة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار، قالوا: من هم يارسول الله ؟ قال: الجماعات الجماعات. قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) إذا حدث هذا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تلا فيه قرآنا " ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم


(1) الخصال: 584 ط مكتبة الصدوق تحقيق على اكبر الغفاري (*).

[4]

سيئاتهم " إلى قوله " ساء ما يعملون " (1) وتلا أيضا " وممن خلقنا أمه يهدون بالحق وبه يعدلون " (2) يعنى امة محمد (صلى الله عليه وآله) (3). 3 - ل: العجلي، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبي معاوية، عن سليمان بن مهران، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن أمة موسى (عليه السلام) افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة فرقة منها ناجية وسبعون في النار، وافترقت امة عيسى (عليه السلام) بعده على اثنتين وسبعين فرقة فرقة منها ناجية وإحدى وسبعون في النار وإن أمتي ستفرق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة فرقة منها ناجية واثنتان وسبعون في النار (4). 4 - مع: محمد بن أحمد التميمي، عن محمد بن إدريس الشامي، عن إسحاق بن إسرائيل، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن الافريقى، عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سيأتي على امتي ما أتى على بني إسرائيل مثل بمثل وإنهم تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة، وستفرق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، تزيد عليهم واحدة كلها في النار غير واحدة، قال: قيل: يا رسول الله وما تلك الواحدة ؟ قال: هو ما نحن عليه اليوم أنا وأهل بيتي (5) 5 - ج: روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لرأس اليهود: على كم افترقتم ؟ قال: على كذا وكذا فرقة، فقال (عليه السلام): كذبت ثم أقبل على الناس فقال: والله لو ثنيت لي الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم وبين أهل القرآن بقرآنهم، افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة سبعون منها في


(1) المائدة: 65. (2) الاعراف: 181. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 331. (4) الخصال: 585. (5) معاني الاخبار: 323، وفيه " أنا وأصحابي " (*).

[5]

النار وواحدة ناجية في الجنة، وهى التي اتبعت يوشع بن نون وصي موسى (عليه السلام)، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة إحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي التي اتبعت شمعون وصي عيسى (عليه السلام)، وتفترق هذه الامة على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنة، وهي التى اتبعت وصي محمد (صلى الله عليه وآله) وضرب بيده على صدره، ثم قال: ثلاث عشرة فرقة من الثلاث و سبعين فرقة كلها تنتحل مودتي وحبى، واحدة منها في الجنة وهم المنط الاوسط واثنتا عشرة في النار (1). 6 - ما: باسناده المجاشعي عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) مثله (2). أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس عن أبان عنه عليه الصلاة والسلام مثله سواء (3). بيان: ثني الوسادة كناية عن التمكن في الامر، لان الناس يثنون الوسايد للامراء والسلاطين ليجلسوا عليها، وقد مر مرارا. والنمط بالتحريك ضرب من البسط معروف، والطريقة والنوع من الشئ، وجماعة أمرهم واحد، وفي بعض المعاني لابد من استعارة أو تقدير ; وأوسط الانماط في المجالس معد لاشارف أهلها وأوسط كل شئ أعدله وأفضله. 7 - شى: عن أبي الصهبان البكري قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد دعا رأس الجالوت واسقف النصارى فقال: إني سائلكما عن أمر، وأنا أعلم به منكما فلا تكتماني ! يا رأس الجالوت بالذي أنزل التورية على موسى (عليه السلام) وأطعمكم المن والسلوى، وضرب لكم في البحر طريقا يبسا، وفجر لكم من الحجر الطورى اثنتى عشرة عينا لكل سبط من بنى إسرائيل عينا، إلا ما أخبرتني على كم افترقت بنو إسرائيل بعد موسى ؟ فقال: ولا إلا فرقة واحدة، فقال: كذبت والذي لا إله


(1) الاحتجاج: 140 - 141. (2) امالي الطوسى ج 2 ص 137. (3) كتاب سليم: 96 (*).

[6]

غيره، لقد أفترقت على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فان الله يقول: " ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون " (1) فهذه التي تنجو (2). 8 - شى: أبو الصبهان البكري قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: والذي نفسي بيده لتفرقن هذه الامة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة " وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " (3) فهذه التي تنجو من هذه الامة (4). 9 - شى: عن يعقوب بن يزيد قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " قال: يعني أمة محمد (صلى الله عليه وآله) (5). بيان: لعل المعنى أن هذه الاية في امة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أو المراد بقوله تعالى: " يهدون " أي بعضهم، قال الطبرسي رحمه الله تعالى: روى ابن جريج عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: هي لامتي بالحق يأخذون، وبالحق يعطون، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها " ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون " وقال الربيع بن أنس قرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الاية فقال: إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم، ثم نقل رواية العياشي، ثم قال: وروى عن أبى جعفر وأبى عبد - الله (عليهما السلام) أنهما قالا: نحن هم (6). 10 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: تأخذون


(1) الاعراف: 159. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 32، وأبو الصهبان ضبطه في توضيح الاشتباه بضم الصاد. (3) الاعراف: 181. (4 و 5) تفسير العياشي ج 2 ص 43. (6) مجمع البيان ج 4 ص 503 (*).

[7]

كما أخذت الامم من قبلكم ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، وباعا بباع، حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه. قال: (1) قال أبو هريرة: وإن شئتم فاقرؤا القرآن " كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم " قال أبو هريرة: والخلاق الدين " فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم " (2) حتى فرغ من الاية. قالوا: يا نبى الله فما صنعت اليهود والنصارى ؟ قال: وما الناس إلا هم (3). بيان: تفسير الخلاق بالدين غريب، والمشهور في اللغة والتفسير أنه بمعنى النصيب، ولعل المعنى أنهم جعلوا ما أصابهم من الدين وسيلة لتحصيل اللذات الفانية الدنيوية. قال الطبرسي رحمه الله تعالى: " فاستمتعوا بخلاقهم " أي بنصيبهم وحظهم من الدنيا أي صرفوها في شهواتهم المحرمة عليهم، وفيمانها هم الله عنه، ثم أهلكوا " وخضتم " أي دخلتم في الباطل (4). وقال: وردت الرواية عن ابن عباس أنه قال في هذه الاية: ما أشبه الليلة بالبارحة، كالذين من قبلكم هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه (5).


(1) يعنى سعيدا الراوى عن أبى هريرة، وقد أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن أبى هريرة أنه قال: الخلاق الدين، راجع الدر المنثور ج 3 ص 255. (2) براءة: 69. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 272 - 273. (4) مجمع البيان ج 5 ص 48. (5) وهكذا أخرج الحديث ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس بلفظه، راجع در السيوطي ج 3 ص 255

[8]

وروى مثل ذلك عن أبي هريرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لتأخذن كما أخذت الامم من قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر، وباعا بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب ؟ قال: فهل الناس إلا هم (1). وقال عبد الله بن مسعود: أنتم أشبه الامم ببني إسرائيل سمتا وهديا، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة، غير أنى لا أدرى أتعبدون العجل أم لا ؟ وقال حذيفة: المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلنا: وكيف ؟ قال أولئك كانوا يخفون نفاقهم، وهؤلاء أعلنوه، أورد جميعها الثعلبي في تفسيره (2). 11 - فس: " لتركبن طبقا عن طبق " (3) يقول: حالا بعد حال، لتركبن سنة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة لا تخطؤن طريقهم، ولا يخطأ شبر بشبر، وذراع بذراع، وباع بباع، حتى أن لو كان من قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى تعنى يا رسول الله ؟ قال: فمن أعني ؟ لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة، فيكون أول ما تنقضون من دينكم الامانة وآخره الصلاة (4). بيان: قال في النهاية: القذذ ريشه السهم، ومنه الحديث " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " أي كما يقدر كل واحدة منها على قدر صاحبتها


(1) ترى الحديث بلفظه في صحيح البخاري الباب 50 من كتاب الانبياء والباب 14 من كتاب الاعتصام، صحيح مسلم الحديث 6 من كتاب العلم، سنن ابن ماجة الباب 17 من كتاب الفتن، مسند الامام احمد بن حنبل. ج 2 ص 325، و 327 و 336 و 367 و 450، و 511 و 527 ح 3 ص 84 و 89 و 94 (2) مجمع البيان ج 5 ص 49. (3) الانشقاق، 19. (4) تفسير القمى: 718، ومثله في مسند ابن حنبل ج 4 ص 125.

[9]

وتقطع، يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. 12 - جا: محمد بن الحسين الجوانى، عن المظفر العلوى، عن ابن العياشي عن ابيه، عن نصير بن أحمد، عن علي بن حفص، عن خالد القطواني، عن يونس بن أرقم، عن عبد الحميد بن أبى الخنسا، عن زياد بن يزيد، عن أبيه، عن جده فروة الظفاري قال: سمعت سلمان رضى الله عنه يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تفترق امتي ثلاث فرق فرقة على الحق لا ينقص الباطل منه شيئا يحبونني ويحبون أهل بيتي، مثلهم كمثل الذهب الجيد كلما أدخلته النار فأوقدت عليه لم يزده إلا جودة، وفرقة على الباطل لا ينقص الحق منه شيئا يبغضونني ويبغضون أهل بيتي مثلهم مثل الحديد كلما أدخلته النار فأوقدت عليه لم يزده إلا شرا، وفرقة مدهدهة على ملة السامري لا يقولون لامساس، لكنهم يقولون لاقتال، إمامهم عبد الله بن قيس الاشعري (1). بيان: دهدهت الحجر أي دحرجته، ولعله كناية عن اضطرابهم في الدين وتزلزلهم بشبهات المضلين. 13 - فس: علي بن الحسين، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله " لتركبن طبقا عن طبق " قال: يا زرارة أو لم تركب هذه الامة بعد نبيها طبقا عن طبق في أمر فلان وفلان وفلان (2). 14 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سيف، عن أخيه عن أبيه سيف بن عميرة، عن محمد بن مارد، عن عبد الاعلى بن أعين قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك حديث يرويه الناس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: حدث عن بني إسرائيل ولا حرج ؟ قال: نعم، قلت: فنحدث عن بني إسرائيل بما سمعناه ولا حرج علينا ؟ قال: أما سمعت ما قال: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ؟


(1) امالي المقيد: 26. (2) تفسير القمى: 718 (*).

[10]

فقلت: وكيف هذا ؟ قال: ماكان في الكتاب إنه كان في بني إسرائيل يحدث أنه كائن في هذه الامة ولا حرج (1). 15 - ك: الدقاق، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل ما كان في الامم السالفة فانه يكون في هذه الامة مثله، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة (2). 16 - شف: من كتاب أحمد بن مردويه، عن سليمان بن أحمد، عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن جندل بن والق، عن محمد بن حبيب، عن زياد بن المنذر، عن عبد الرحمن بن مسعود، عن عليم، عن سلمان رضي الله عنه. وأيضا من كتاب أخطب خوارزم، عن محمد بن الحسين البغدادي، عن الحسين ابن محمد الزينبي، عن محمد بن أحمد بن شاذان، عن محمد بن محمد بن مرة، عن الحسن ابن علي العاصمي، عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن جعفر بن سليمان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباته، عن سلمان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تفترق أمتي بعدي ثلاث فرق فرقة أهل حق لا يشوبونه بباطل، مثلهم كمال الذهب كلما فتنته بالنار ازداد جودة وطيبا، وإمامهم هذا - لاحد الثلاثة، وهو الذي أمر الله به في كتابه " إماما ورحمة " وفرقة أهل باطل لا يشوبونه بحق مثلهم كمثل خبث الحديد كلما فتنتهم بالنار ازداد خبثا ونتنا وإمامهم هذا - لاحد الثلاثة، وفرقة أهل ضلالة مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إمامهم هذا - لاحد الثلاثة، قال: فسئلته عن أهل الحق وإمامهم، فقال: هذا على بن أبى طالب إمام المتقين، وأمسك عن الاثنين فجهدت أن يسميهما فلم يفعل (3). 17 - جا: المراغي، عن محمد بن أحمد بن بهلول، عن أحمد بن الحسن


(1) معاني الاخبار: 158. (2) كمال الدين: 576 ط مكتبة الصدوق. (3) اليقين في امرة أمير المؤمنين (*):

[11]

الضرير، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن يحيى، عن إسماعيل بن أبان، عن يونس ابن أرقم، عن أبي هارون العبدي، عن أبي عقيل قال: كما عند أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) فقال: لتفرقن هذه الامة على ثلاث وسبعين فرقة، والذي نفسي بيده إن الفرق كلها ضالة إلا من اتبعني وكان من شيعتي (1). 18 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن عن أبيه، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم قال: ارتد الاشعث بن قيس وناس من العرب لما مات نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا نصلي ولا نؤدي الزكاة، فأبي عليهم أبو بكر ذلك، وقال لا أحل عقدة عقدها رسول الله، ولا أنقصكم شيئا مما أخذ منكم نبي الله (صلى الله عليه وآله)، ولا جاهدنكم ولو منعتموني عقالا مما أخذ منكم نبي الله (صلى الله عليه وآله)، لجاهدتكم عليه، ثم قرأ " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " (2) حتى فرغ من الاية، فتحصن الاشعث بن قيس هو وناس من قومه في حصن، وقال الاشعث: اجعلوا لسبعين منا أمانا فجعل لهم ونزل فعد سبعين ولم يدخل نفسه فيهم، فقال له أبو بكر: إنه لا أمان لك، إنا قاتلوك قال: أفلا أدلك على خير من ذلك ؟ تستعين بي على عدوك وتزوجني اختك ففعل (3). أقول: قال السيد ابن طاوس - ره -: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه: لم يلبث الاسلام بعد فوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في طوايف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطايف، وارتد سائر الناس ثم قال: ارتدت بنو تميم والرباب (4)


(1) أمالى المفيد: 132. (2) آل عمران: 144. (3) امالي الطوسى ج 1 ص 268 - 269. (4) بنو تميم قبيلة عظيمة من العدنانية، تنتسب إلى تميم بن مربن اد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ولتميم بطون كثيرة، تربو على عشرين بطنا، وقد وفد عام التسع سبعون أو ثمانون من رؤسائهم على النبي (صلى الله عليه وآله) وخبر وفودهم مذكور في التواريخ، انظر سيرة ابن هشام ج 2 ص 560، تاريخ الطبري ج 3 ص 115، صحيح =

[12]

واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي وارتدت ربيعة كلها وكانت لهم ثلاثة عساكر: عسكر باليمامة مع مسيلمة الكذاب، وعسكر مع معرور الشيباني، وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وايل وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن ارتد الاشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الاسود العنسي وارتدت بنو عامر إلا علقمة ابن علاثه. 19 - وروى ابن بطريق رحمه الله تعالى من تفسير الثعلبي في قوله تعالى: " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا " (1) باسناده عن ذاذان أبى عمر قال: قال لى على (عليه السلام): أبا عمر أتدرى كم افترقت اليهود ؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة هي ناجية، أتدري على كم افترقت النصارى ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: افترقت على اثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة هي الناجية، أتدري على كم تفترق هذه الامة ؟ قلت: الله أعلم، قال: تفترق على ثلاث وسبعين فرفة كلها في الهاوية إلا واحدة هي الناجية و أنت منهم يا أبا عمر (2).


= البخاري ج 3 ص 52، الترمذي الباب 73 من كتاب المناقب. وفى مرقاة المفاتيح ج 5 ص 510 (على ما في معجم قبائل العرب) قال أبو هريرة: مازلت احب بنى تميم منذ ثلاث سمعت رسول الله يقول فيهم: هم اشد امتى على الدجال، قال: وجاءت صدقاتهم فقال ص: هذه صدقات قومنا، وكانت سبية منهم عند عائشة فقال: أعتقيها فانها من ولد اسماعيل. وأما خبر ردتهم وأنها كيف كانت فسيأتي البحث عن ذلك في أبواب المطاعن. واما الرباب، فهم على ما ذكره ابن خلدون (ج 6 ص 318) بنو عبد مناة بن اد بن طابخة وانما سموا الرباب لانهم غمسوا في الرب أيديهم في حلف على بنى ضبة (1) الانعام: 159. (2) عمدة ابن بطريق: 241

[13]

20 - يل، فض: بالاسناد يرفعه إلى سليم بن قيس قال: دخلت على علي ابن أبي طالب (عليه السلام) في مسجد الكوفة، والناس حوله إذ دخل عليه رأس اليهود ورأس النصارى، فسلما وجلسا، فقال الجماعة: بالله عليك يا مولانا اسألهم حتى ننظر ما يعملون، قال (عليه السلام) لرأس اليهود: يا أخا اليهود قال: لبيك، قال على كم انقسمت أمة نبيكم ؟ قال هو عندي في كتاب مكنون، قال (عليه السلام): قاتل الله قوما أنت زعيمهم، يسأل عن أمر دينه فيقول هو عندي في كتاب مكنون. ثم التفت إلى رأس النصارى وقال له: كم انقسمت امة نبيكم ؟ قال على كذا وكذا، فأخطأ، فقال (عليه السلام): لو قلت مثل قول صاحبك لكان خيرا لك من أن تقول وتخطئ ولا تعلم. ثم أقبل (عليه السلام) عند ذلك وقال: أيها الناس أنا أعلم من أهل التوراة بتوراتهم وأعلم من أهل الانجيل بانجيلهم، وأعلم من أهل القرآن بقرآنهم، أنا أعرف كم انقسمت الامم أخبرني به أخي وحبيبي وقرة عيني رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة سبعون فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة وهي التي اتبعت وصيه، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فاحدى و سبعون فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة وهي التي اتبعت وصيه وستفرق امتي على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي التى اتبعت وصيي، وضرب بيده على منكبي. ثم قال اثنتان وسبعون فرقة حلت عقد الالة فيك، وواحدة في الجنة وهى التي اتخذت محبتك وهم شيعتك (1). 21 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبى خالد الكابلي، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا " (2) قال: أما


(1) كتاب سليم: المتقدمة ص 25 (2) الزمر: 30.

[14]

الذي فيه شركاء متشاكسون، فلان الاول يجمع المتفرقون ولايته، وهم في ذلك يلعن بعضهم بعضا ويبرء بعضهم من بعض، فأما رجل سلم لرجل فانه الاول حقا وشيعته. ثم قال: إن اليهود تفرقوا من بعد موسى على إحدى وسبعين فرقة منها فرقة في الجنة وسبعون فرقة في النار، وتفرقت النصارى بعد عيسى (عليه السلام) على اثنتين وسبعين فرقة فرقة منها في الجنة وإحدى وسبعون في النار، وتفرقت هذه الامة بعد نبيها (صلى الله عليه وآله) على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون فرقة في النار وفرقة في الجنة، ومن الثلاث وسبعين فرقة عشرة فرقة تنتحل ولايتنا ومودتنا اثنتا عشرة فرقة منها في النار وفرقة في الجنة، وستون فرقة من ساير الناس في النار (1). 22 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس، عن سلمان أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لتركبن أمتي سنة بنى إسرائيل حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وباعا بباع، حتى لو دخلوا جحرا لدخلوا فيه معهم إن التوراة والقرآن كتبته يد واحدة في رق واحد بقلم واحد، وجرت الامثال والسنن سواء (2). ثم قال أبان: قال سليم: وسمعت علي بن أبى طالب (عليه السلام) يقول: إن الامة ستفرق على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة في الجنة وثلاث عشرة فرقة من الثلاث وسبعين تنتحل محبتنا أهل البيت، واحدة منها في الجنة واثنتا عشرة في النار، وأما الفرقة الناجية المهدية المؤمنة المسلمة الموفقة المرشدة، فهي المؤتمة بي، المسلمة لامرى، المطيعة لي، المتبرئة من عدوي، المحبة لى، المبغضة لعدوي، التي قد عرفت حقى وإمامتي، وفرض طاعتي من كتاب الله وسنة نبيه، فلم ترتد ولم تشك لما قد نور الله في قلبها من معرفة حقنا وعرفها من فضلنا، وألهمها وأخذ بنواصيها فأدخلها في شيعتنا حتى اطمأنت


(1) الكافي ج 8 ص 224 (2) كتاب سليم: 93 (*).

[15]

قلوبها، واستيقنت يقينا لا يخالطه شك أني أنا وأوصيائي بعدي إلى يوم القيامة هداة مهتدون، الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه في آى من كتاب الله كثيرة، وطهرنا وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجته في أرضه، وخزانه على علمه، و معادن حكمه، وتراجمة وحيه، وجعلنا مع القرآن والقرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا، حتى نرد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حوضه، كما قال - وتلك الفرقة الواحدة من الثلاث والسبعين فرقة هي الناجية من النار، ومن جميع الفتن والضلالات والشبهات، هم من أهل الجنة حقا هم يدخلون الجنة بغير حساب، وجميع تلك الفرق الاثنتين والسبعين فرقة هم المتدينون بغير الحق، الناصرون دين الشيطان، الاخذون عن إبليس وأوليائه، هم أعداء الله وأعداء رسوله، وأعداء المؤمنين يدخلون النار بغير حساب، برؤا من الله ومن رسوله وأشركوا بالله وكفروا به، وعبدوا غير الله من حيث لا يعلمون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا يقولون يوم القيامة والله ربنا ما كنا مشركين يحلفون لله كما يحلفون لكم، ويحسبون أنهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون. قال: قيل يا أمير المؤمنين أرأيت من قد وقف فلم يأتم بكم ولم يضادكم ولم ينصب لكم، ولم يتولكم، ولم بتبرء من عدوكم، وقال: لاأدرى وهو صادق ؟ قال: ليس اولئك من الثلاث والسبعين فرقة إنما عنى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالثلاث والسبعين فرقة الباغين النصابين الذين قد شهروا أنفسهم، ودعوا إلى دينهم، ففرقة واحدة منها تدين بدين الرحمن، واثنتان وسبعون تدين بدين الشيطان، وتتولى على قبولها، وتتبرء ممن خالفها، فأنا من وحد الله وآمن برسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يعرف ولايتنا ولا ضلالة عدونا، ولم ينصب شيئا ولم يحرم، وأخذ بجميع ما ليس بين المختلفين من الامة خلاف في أن الله أمر به أو نهى عنه [وكف عما بين المختلفين من الامة خلاف في أن الله أمر به أو نهى عنه] فلم ينصب شيئا ولم يحلل ولم يحرم ولا يعلم، ورد علم ما أشكل عليه إلى الله، فهذا ناج وهذه الطبقة بين المؤمنين وبين المشركين هم أعظم الناس وجلهم، وهم أصحاب الحساب والموازين

[16]

والاعراف والجهنميون الذين يشفع لهم الانبياء والملائكة والمؤمنون، ويخرجون من النار فيسمون الجهنميين فأما المؤمنون فينجون ويدخلون الجنة بغير حساب وأنما الحساب على أهل هذه الصفات بين المؤمنين والمشركين والمؤلفة قلوبهم والمقترفة والذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا والمستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، لا يستطيعون حيلة الكفر والشرك، ولا يحسنون أن ينصبوا، ولا يهتدون سبيلا إلى أن يكونوا مؤمنين عارفين، فهم أصحاب الاعراف وهؤلاء كلهم لله فيهم المشية إن أدخل أحدهم النار فبذنبه، وإن تجاوز عنه فبرحمته. قلت: أيدخل النار المؤمن العارف الداعي ؟ قال: لا، قلت: أيدخل الجنة من لا يعرف إمامه ؟ قال: لا، إلا أن يشاء الله، قلت أيدخل النار إلا كافر أو مشرك قال: لا يدخل النار إلا كافر إلا أن يشاء الله، قلت: فمن لقي الله مؤمنا عارفا بامامه مطيعا له أمن أهل الجنة هو ؟ قال: نعم، إذا لقى الله وهو مؤمن، قال الله عزوجل: " الذين آمنوا وعملوا الصالحات " " الذين آمنوا وكانوا يتقون " " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " قلت فمن لقي الله منهم على الكباير قال: هو في مشيته إن عذبه فبذنبه، وإن تجاوز عنه فبرحمته، قلت فيدخله النار وهو مؤمن ؟ قال: نعم، بذنبه لانه ليس من المؤمنين الذين عنى أنه لهم ولي وأنه لاخوف عليهم ولاهم يحزنون، هم المؤمنون الذين يتقون الله والذين يعلمون الصالحات و الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم (1). وعن أبان، عن سليم بن قيس قال: سمعت أبا ذر وسلمان والمقداد يفولون إنا لقعود عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما معنا غيرنا إذا رهط من المهاجرين كلهم بدريون فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تفترق أمتي بعدى ثلاث فرق فرقة على الحق مثلهم كمثل الذهب كلما سبكته على النار ازداد طيبا وجودة، إمامهم هذا أحد الثلاثة، وفرقة أهل باطل مثلهم كمثل الحديد كلما أدخلنه النار ازداد خبثا ونتنا إمامهم هدا أحد


(1) كتاب سليم: 96 - 98 (*).

[17]

الثلاثة، وفرقة مذبذبين ضلالا لاإلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إمامهم هذا أحد الثلاثة فسألتهم عن الثلاثة فقالوا: امام الحق والهدى على بن ابي طالب، وسعد (1) إمام المذبذبين، وحرصت أن يسموا لى الثالث فأبوا علي وعرضوا لي حتى عرفت من يعنون (2). 23 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن محمد بن خالد، عن محمد بن معاذ، عن زكريا بن عدى، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن حمزة بن أبي سعيد الخدرى، عن أبيه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول - على المنبر: ما بال أقوام يقولون إن رحم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يشفع (3) يوم القيامة، بلى والله إن رحمى لموصولة في الدنيا والاخرة، وإنى أيها الناس فرطكم يوم القيامة على الحوض، فإذا جئتم قال الرجل: يارسول الله أنا فلان بن فلان، فأقول أما النسب فقد عرفته، ولكنكم أخذتم بعدي ذات الشمال وارتددتم على أعقابكم القهقرى (4). بيان: قال الجزرى: فيه " أنا فرطكم على الحوض " أي متقدمكم إليه، يقال فرط يفرط فهو فارط، وفرط إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء، ويهيئ لهم الدلاء والارشية. 24 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن عن أبيه، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن حمزة بن أبى سعيد الخدري، عن أبيه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: أتزعمون أن رحم نبي الله لا يشفع قومه يوم


(1) يريد سعد بن ابى وقاص حيث تنحى واعتزل عن أن يكون مع على (عليه السلام) أو مع من خالفه من اصحاب الجمل وصفين، ومن ذلك يظهر أن الرجل الثالث هو معاوية بن ابى سفيان. (2) كتاب سليم بن قيس: 227. (3) لا ينفع خ ل وهكذا فيما يأتي. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 92 (*).

[18]

القيامة، بلى والله إن رحمى لموصولة في الدنيا والاخرة، ثم قال: يا أيها الناس أنا فرطكم على الحوض، فإذا جئت، قام رجال يقولون: يا نبى الله أنا فلان بن فلان، وقال آخر: يا نبي الله أنا فلان بن فلان، وقال آخر يا نبي الله أنا فلان بن فلان، فأقول: أما النسب فقد عرفت، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى (1). 25 - ما: جماعة، عن أبى المفضل، عن أحمد بن محمد بن بشار، عن مجاهد بن موسى، عن عباد بن عباد، عن مجالد بن سعيد، عن خير بن نوف أبي الوداك قال: قلت لابي سعيد الخدري: والله ما يأتي علينا عام إلا وهو شر من الماضي، ولا أمير إلا وهو شر ممن كان قبله، فقال أبو سعيد: سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ما تقول، ولكن سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا يزال بكم الامر حتى يولد في الفتنة والجور من لا يعرف عددها حتى تملا الارض جورا فلا يقدر أحد يقول " الله " ثم يبعث الله عزوجل رجلا منى ومن عترتي فيملا الارض عدلا كما ملاها من كان قبله جورا، ويخرج له الارض أفلا ذكبدها ويحثو المال حثوا ولا يعده عدا، وذلك حين يضرب الاسلام بجرانه (2). بيان: قال في النهاية: في أشراط الساعة وتقئ الارض أفلا ذكبدها، أي تخرج كنوزها المدفونة فيها، وهو استعارة، والافلاذ جمع فلذ، والفلذ جمع فلذة، وهي القطعة المقطوعة طولا، والحثو رمى التراب ونحوه، وهو كناية عن كثرة العطاء وقال في النهاية: ومنه حتى ضرب الحق بجرانه أي قر قراره واستقام كما أن البعير إذا برك واستراح مد عنقه على الارض. 26 - ن: الحسين بن أحمد البيهقي، عن محمد بن يحيى الصولي، عن محمد بن موسى بن نصر الرازي، عن أبيه قال: سئل الرضا (عليه السلام) عن قول النبي (صلى الله عليه وآله):


(1) امالي الطوسى ج 1 ص 275. امالي المفيد ص 202 بهذا الاسناد. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 126 (*).

[19]

" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " (1) وعن قوله (صلى الله عليه وآله): " دعوا لي أصحابي " فقال: هذا صحيح يريد من لم يغير بعده ولم يبدل، قيل: وكيف نعلم أنهم قد غيروا وبدلوا ؟ قال: لما يرونه من أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليذادن رجال من أصحابي يوم القيامة عن حوضى، كما تذاد غرائب الابل عن الماء، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول بعدا لهم وسحقا، أفترى هذا لمن لم يغير ولم يبدل (2) ؟ بيان: قال في النهاية: في الحديث: فليذادن رجال عن حوضى، أي ليطردن.


(1) قال الشيخ في تلخيص الشافي ج 2 ص 248: " وأما الكلام في قوله: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "... لنا أن نقول: لو كان الخبر صحيحا لوجب بذلك عصمة كل واحد من الصحابة، وليس ذلك بقول لاحد، لان فيهم من ظهر فسقه وعناده وخروجه على الجماعة، على أن هذا الخبر معارض بما روى عن النبي من قوله ": انكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة، وانه سيجاء برجال من أمتى ويؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب اصحابي ؟ فيقال: انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارفنهم " أقول: راجع صحيح البخاري تفسير سورة الانبياء 2 و 5 و 14، الباب 45 و 53 من كتاب الرقاق والباب الاول من كتاب الفتن، صحيح مسلم الباب 37 من كتاب الطهارة، الباب 53 من كتاب الصلاة، الباب 29 و 32 و 40 من كتاب الفضائل، الباب 58 من كتاب الجنة، سنن الترمذي، الباب 3 من كتاب القيامة وهكذا تفسير سورة الانبياء 4، سنن النسائي الباب 21 من كتاب الافتتاح، الباب 119 من كتاب الجنائز والباب 50 و 52 من كتاب الحج، سنن ابن ماجة الباب 40 و 76 من كتاب المناسك، سنن الدارمي الباب 18 من كتاب المناسك. موطا مالك الباب 32 من كتاب الجهاد، مسند ابن حنبل ج 1 ص 39 و 50 ج 3 ص 28 و 102 ج 4 ص 396 ج 5 ص 48 و 388 و 412. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 87 (*).

[20]

27 - شى: عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): إن العامة تزعم أن بيعة أبى بكر حيث اجتمع لها الناس كانت رضا لله وما كان الله ليفتن امة محمد من بعده، فقال أبو جعفر (عليه السلام): وما يقرؤن كتاب الله ؟ أليس الله يقول: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " (1) الاية قال: فقلت له: إنهم يفسرون هذا على وجه آخر، قال: فقال: أو ليس قد أخبر الله عن الذين من قبلهم من الامم أنهم اختلفوا من بعد ما جاء تهم البينات، حين قال: " وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس " إلى قوله: " فمنهم من آمن ومنهم من كفر " (2) الاية ففي هذا ما يستدل به على أن أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام قد اختلفوا من بعده، فمنهم من آمن ومنهم من كفر (3). بيان: الاية هكذا " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس و لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جائتهم البينات، ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد " والاستدلال بها من وجهين: الاول: شمولها لامة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم). والثانى: بانضمام ما تواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن كل ما وقع في الامم السالفة يقع في هذه الامة، ويحتمل أيضا أن يكون الغرض دفع الاستبعاد عن وقوعه في تلك الامة كما هو ظاهر الخبر. 28 - شى: عبد الصمد بن بشير، عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: تدرون مات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو قتل ؟ إن الله يقول: " أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فسم


(1) ال عمران: 144. (2) البقرة: 253. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 200 (*).

[21]

قبل الموت، إنهما سمتاه ! فقلنا إنهما وأبويهما شر من خلق الله (1). 29 - شى: الحسين بن المنذر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: " أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " القتل أم الموت ؟ قال يعنى أصحابه الذين فعلوا ما فعلوا (2).


(1) المصدر نفسه، وضمير التثنية كناية عن المرءتين اللتين يقول الله عزوجل فيهما: " ان تتوبا إلى الله - فقد صغت قلوبكما - وان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ". (2) تفسير العياشي ج 1 ص 200، والسؤال وقع عن أنه ص هل قتل بالسم، أو مات كما يموت الانسان حتف أنفه، فأعرض عن سؤاله وأجابه بما هو أهم بالنسة إلى السائل، وهو أن كلامه تعالى: " وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على - أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين، وان كان تقريعا لجل المهاجرين والانصار الذين فروا عن المشركين يوم احد وكادوا أن ينقلبوا على أعقابهم إلى جاهليتهم الاولى، حيث زعموا أن رسول الله قد قتل - لكن السورة لما كانت نازلة بعد مقفل رسول الله من احد سالما فلا تريد الاية الكريمة الا أن تقرعهم بما في قلوبهم من الضعف والمرض وتبحث عما في نفوسهم بأنه هل الايمان نفذ في أعماق روحكم، أو أنكم تتلقونه بألسنتكم ظاهرا وتقولون في قلوبكم باطنا: هل لنا من الامر من شئ " ؟ فهل أنتم بحيث إذا حدث حادث فقتل رسول الله أو مات كما مات سائر أنبياء الله المرسلين ترجعون على أعقابكم القهقرى ؟ فاعلموا انه من ينقلب حين وفاة رسول الله على عقبيه وأحيا سنة الجاهلية الاولى فلن يضر الله شيئا، فان الله حافظ دينه " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " وسيجزى الله الشاكرين لنعمة الهداية الثابتين على سيرة رسول الله وهديه. فالامام (عليه السلام) ينبه السائل إلى أن الاية الكريمة بما في ذيلها " ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين " تشير إلى أن المؤمنين وفيهم الفارون عن غزاة احد =

[22]

30 - جا: الجعابي، عن جعفر بن محمد الحسنى، عن أبي موسى عيسى بن مهران المستعطفى، عن عفان بن مسلم، عن وهيب، عن عبد الله بن عثمان، عن ابن أبي مليكة عن عايشة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إني على الحوض أنظر من يرد على منكم، وليقطعن برجال دوني، فأقول: يا رب اصحابي أصحابي فيقال: إنك لا تدرى، ما عملوا بعدك ؟ إنهم ما زالوا يرجعون على أعقابهم القهقرى (1). 31 - جا: بهذا الاسناد عن عيسى، عن أبى معاوية عن الاعمش، عن شقيق عن ام سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: دخل عليها عبد الرحمن بن عوف فقال: يا امة قد خفت أن يهلكني كثرة مالي أنا أكثر قريش مالا، قالت يا بنى فأنفق فاني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " من أصحابي من لا يرانى بعد أن افارقه " قال: فخرج عبد الرحمن فلقي عمر بن الخطاب فأخبره بالذي قالت أم سلمة، فجاء يشتد حتى دخل عليها، فقال: بالله يا أمة أنا منهم ؟ فقالت: لا أعلم، ولن أبرئ بعدك أحدا (2). 32 - كشف: عن كفاية الطالب، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ثم قرأ " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " (3) ألا وإن أول من يكسى إبراهيم (عليه السلام) ألا وإن ناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول " أصيحابي أصيحابي، قال:


= لابد وان ينقسموا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قسمين: قسم يشكر الله على نعمة الهداية ويثبت على دين الاسلام بحقيقته، وقسم غير شاكرين ينقلبون على أعقابهم ويحيون سنن الجاهلية " لا يرى فيهم من أمر محمد (صلى الله عليه وآله) الا أنهم يصلون جميعا صلاة مضيعة ". فلو لا أنهم كانوا باقين على نفاقهم الباطني وانقسامهم بعد رسول الله إلى قسمين، لم يكن لتعرض الاية إلى هذا التقسيم وجزاء القسمين معنى أبدا. (1 و 2) أمالى المفيد: 31 ورواه أحمد وأبو يعلى كما في الزوائد 1 / 112. (3) الانبياء: 104 (*).

[23]

فيقال: إنهم لم يزالوا مرتد ين على أعقابهم مذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى (عليه السلام) " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم " إلى قوله: " العزيز الحكيم " (1) قلت: (2) هذا حديث صحيح متفق على صحته من حديث المغيرة بن النعمان رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن كثير، عن سفيان، ورواه مسلم في صحيحه عن محمد بن بشار بن بندار، عن محمد بن جعفر غندر عن شعبة، ورزقناه بحمد الله عاليا من هذا الطريق، هذا آخر كلامه (3). بيان: الغرل بضم الغين المعجمة ثم الراء المهملة جمع الاغرل وهو الاغلف. 33 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليجيئن قوم من أصحابي من أهل العلية والمكانة منى ليمروا


(1) المائدة: 117. (2) من كلام صاحب الكفاية: الگنجى. (3) كشف الغمة ج 1 ص 147، وقوله: " هذا آخر كلامه " من تتمة كلام الاربلي في - الكشف، يشير إلى أن كلام صاحب الكفاية: الگنجى الحافظ ينتهى ههنا، لا عند قوله تعالى " العزيز الحكيم "، فهو الذى شكر سند الحديث ثم قا ل: رزقناه عاليا. وزاد في المصدر بعد ذلك "... وليس هذا موضع هذا الحديث، ولعله ذكره من أجل قوله " نعوذ بالله من الحور بعد الكور ". يريد بكلامه هذا أن الگنجى الحافظ انما ذكر - الحديث المذكور في غير مورده، تحقيقا لما كان بخلده من أن أصحاب النبي ص كانوا قد نقضوا ايمانهم بعد توكيدها وقوله " نعوذ بالله من الحور بعد الكور " ويقال ايضا: " حار بمد ماكار " اصله من كور العمامة وادارتها ثم حورها ونقضها. واما الحديث، فقد رواه البغوي أيضا في كتابه المصابيح على ما في مشكاته ص 483 و قال: متفق عليه، يعنى في صحيحي البخاري ومسلم (8 / 157) (*).

[24]

على الصراط، فإذا رأيتهم ورأوني، وعرفتهم وعرفوني، اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي أصحابي، فيقال: ما تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم حيث فارقتهم، فأقول: بعدا وسحقا (1). بيان: قال الجوهري يقال: فلان من علية الناس وهو جمع رجل على أي شريف رفيع، مثل صبى وصبية، والعلية الغرفة وفي القاموس علا السطح يعليه عليا وعليا صعده، وقال في النهاية: الخلج الجذب والنزع، ومنه الحديث ليردن على الحوض أقوام ثم ليختلجن دوني أي يجتذبون ويقتطعون، وقال: في حديث الحوض: فأقول سحقا سحقا أي بعدا بعدا، ومكان سحيق بعيد. 34 - مد: باسناده إلى الثعلبي من تفسيره، عن عبد الله بن حامد، عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن شعيب، عن أبيه، عن يونس، عن ابن شهاب، ابن المسيب، عن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلؤن عن الحوض، فأقول يا رب أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا علم لك بما أحدثوا: ارتدوا على أدبارهم القهقهرى (2). بيان: قال: في النهاية فيه: يرد على يوم القيامة رهط فيحلؤن عن الحوض أي يصدون عنه ويمنعون من وروده. 35 - يف، مد: بإسنادهما إلى صحيحي البخاري، وسلم والجمع بين


(1) كتاب سليم: 93، والحديث تراه في صحيح البخاري كتاب الرقاق الباب 53 مسند أحمد ج 1 ص 439 و 455 ح 5 ص 388 و 393 و 400. (2) عمدة ابن البطريق: 242، ومثله في الصحيحين: صحيح مسلم والبخاري عن سهل ابن سعد قال: قال رسول الله ص: انى فرطكم على الحوض: من مر على شرب ومن شرب لم يظلما أبدا، ليردن على اقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بينى وبينهم، فأقول: انهم منى ! فيقال: انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدى، أخرجه في مشكاة المصابيح ص 488 وقال: متفق عليه (*).

[25]

الصحيحين باسنادهم إلى ابن عباس قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله عراة حفاتا غرلا ثم تلا " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " (1) ثم قال: ألا وإن أول الخلايق يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: " وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد " (2) فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. قال مسلم: وفي حديث وكيع ومعاذ: فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (3). 36 - مد: من الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه بين الصحيحين باسناده عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: والذي نفسي بيده لاذودن رجالا عن حوضى كما تذاد الغريبة من الابل عن الحوض. قال: وأخرجه البخاري من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب أنه كان يحدث عن بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يرد على الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلؤن عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي، فيقال إنه لا علم لك بما


(1) الانبياء: 104. (2) المائدة: 117. (3) الطرائف: 113، عمدة ابن البطريق: 242، والحديث هو الذى مر تحت - الرقم 32 من كتاب الكشف باخراجه عن الحافظ الگنجى ترى الحديث وما هو بمضمونه في صحيح البخاري الباب 8 و 48 من كتاب الانبياء، صحيح مسلم كتاب الجنة تحت الرقم 58، صحيح الترمذي الباب 3 من كتاب القيامة، صحيح النسائي الباب 119 من كتاب الجنائز، سنن ابن ماجة الباب 76 من كتاب المناسك، مسند ابن حنبل ج 1 ص 35 و 253 و 258 (*).

[26]

أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى. فقال: قال البخاري وقال شعيب عن الزهري كان أبو هريرة يحدث عن النبي (صلى الله عليه وآله) فيجلون وقال عقيل فيحلؤن (1). 37 - أقول: روى ابن الاثير في كتاب جامع الاصول مما أخرجه من صحيح البخاري وصحيح مسلم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا فرطكم على الحوض وليرفعن إلى رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لا ناولهم اختلجوا دوني فأقول أي رب أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (2). ومن الصحيحين أيضا عن أنس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلى اختلجوا دوني، فلا قولن أي رب أصحابي أصحابي فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وزيد في بعض الروايات قوله: فأقول سحقا لمن بدل بعدي (3) وأيضا من الصحيحين عن ابي حازم، عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا فرطكم على الحوض من رود شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن على أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، قال أبو حازم فسمع النعمان بن أبى عياش وأنا أحدثهم بهذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلا يقول ؟ فقلت: نعم قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري سمعته يزيد


(1) عمدة ابن البطريق: 242، وترى مثل الحديث وبمضمونه في صحيح البخاري كتاب المساقاة الباب 10، صحيح مسلم كتاب الطهارة الحديث 37 و 38 وكتاب الفضائل الحديث 39، سنن ابن ماجه كتاب الزهد الباب 36 مسند الامام ابن حنبل ج 2 ص 298 و 300 ج 5 ص 72 و 80 و 283. (2) جامع الاصول ج 11 ص 119 وقال: اختلجوا: أي استلبوا واخذوا بسرعة. (3) جامع الاصول ج 11 ص 120

[27]

فيقول: " فانهم مني فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدى (1). وأيضا من الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي أو قال من أمتى فيحلؤن عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى وفي رواية فيجلون (2). ومن البخاري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: هلم (3) قلت إلى أين ؟ قال إلى النار والله، فقلت: وما شأنهم، قال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى ثم إذا زمرة اخرى حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: هلم فقلت إلى أين ؟ قال إلى النار والله، قلت ما شأنهم قال إنهم قد ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (4).


(1) جامع الاصول ج 11 ص 120 مسلم 7 / 66. أقول قوله " سحقا سحقا لمن غير بعدى " قال القسطلانى في شرحه ارشاد السارى: أي سحقا لمن غير بعدى دينه، لانه ص لا يقول في العصاة بغير الكفر: سحقا سحقا، بل يشفع لهم ويهتم بأمرهم، كما لا يخفى. (2) جامع الاصول ج 11 ص 120، وقال في ص 216: فيحلؤن: أي يدفعون عن الماء، ويطردون عن وروده، ومن رواه بالجيم، فهو من الجلاء بمعنى النفى عن الوطن، وهو راجع إلى الطرد. (3) هلم يا رجل - بفتح الميم - بمعنى تعال، قال الخليل: واصله لم من قولهم: لم الله شعثه: أي جمعه، كانه أراد لم نفسك الينا، أي اقرب، وها للتنبيه، وانما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال، وجعلا اسما واحدا يستوى فيه الواحد والجمع والتأنيث في لغة أهل الحجاز، قال الله تعالى: " والقائلين لاخوانهم هلم الينا " وأهل نجد يصرفونها، قال الجوهرى. (4) جامع الاصول ج 11 ص 120 و 121 أقول:

[28]

وعن مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ترد على متي الحوض وأنا أذود الناس كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا يا نبي الله تعرفنا ؟ قال: نعم لكم سيماء ليست لاحد غيركم، تردون على غرا محجلين من آثار الوضوء وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيئني (1) ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك (2) ؟ ومن صحيح مسلم أيضا عن عايشة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول و هو بين ظهراني أصحابه إني على الحوض أنتظر من يرد على منكم، فليقتطعن دوني رجال، فلا قولن أي رب مني ومن أمتي، فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم (3). ومن الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني على الحوض أنظر من يرد على منكم، وسيؤخذناس دوني فأقول يا رب مني ومن أمتي - وفي رواية أخرى - فأقول أصحابي، فيقال هل شعرت ما عملوا بعدك ؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم (3). ومن صحيح مسلم عن ام سلمة رضي الله عنها عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال:


= الهمل بالتحريك. الابل التى ترعى بلا راع مثل النفش، الا أن النفش لا يكون الا ليلا، والهمل يكون ليلا ونهارا، يقال: ابل همل وهاملة، ونقل عن السندي في تعليقته على - البخاري شرحا لهذه الكلمة أنه قال: أي لا يخلص منهم من النار الا قليل. وقال القسطلانى في شرحه على البخاري: ارشاد السارى: يعنى أن الناجى منهم قليل في قلة النعم الضالة، وهذا يشعر بأنهم صنفان: كفار وعصاة. (1) فيجيبنى خ ل، وهو المضبوط في المصدر. (2) جامع الاصول ج 11 ص 121، وقال: في ص 216: الاقتطاع: أخذ طائفة من الشئ، تقول: اقنطعت طائفة من أصحابه: إذا أخذتهم دونه. (3) جامع الاصول ج 11 ص 121 (*).

[29]

إني لكم فرط على الحوض، فاياى لا يأتين أحدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال فأقول فيم هذا، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا (1) ومن البخاري عن ابن المسيب أنه كان يحدث عن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) أن النبي قال: يردن على الحوض رجال من أصحابي فيحلؤن عنه، فأقول يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى (2). ومن الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لاذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الابل عن الحوض (3) ومنهما عن حذيفة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن حوضي لابعد من أيلة إلى عدن، والذي نفسي بيده لاذودن عنه الرجال كما يذود الرجل الابل الغريبة عن حوضه (4). وروى من سنن أبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين، والنصارى مثل ذلك، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة (5). ومن صحيح الترمذي، عن ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):


(1) المصدر نفسه ص 123، وصدر الحديث: قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله، فلما كان يوما من ذلك والجارية تمشطنى، سمعت رسول الله يقول: ايها الناس ! فقلت للجارية: استأخري عنى، قالت: انما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: انى من الناس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)... الحديث (2 - 3) جامع الاصول ج 11 ص 122. (4) جامع الاصول ج 11 ص 122، لكنه قال: أخرجه مسلم، (5) جامع الاصول ج 10 ص 408 وقد أخرجه عن ابى داود والترمذي، ولفظ الترمذي: " وتفرقت النصارى على احدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة " بدل قوله " والنصارى مثل ذلك " (*).

[30]

ليأتين على امتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى امة علانية ليكونن في امتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وستفترق امتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله ؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي (1). ومن صحيح الترمذي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: والذي نفسي بيد لتركبن سنن من كان قبلكم - وزاد رزين - حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، حتى إن كان فيهم من أتى امة يكون فيكم، فلا أدرى أتعبدون العجل أم لا ؟ (2) ومن الصحيحين، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن (3) ؟ ومن صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا تقوم الساعة


(1) جامع الاصول ج 10 ص 408 وفى حديث أخرجه الخوارزمي في مناقبه الفصل 19 س 231، والكركي في نفحات اللاهوت 86 عن على (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قال "... يا أبا الحسن ان أمة موسى افترقت على احدى وسبعين فرقة: فرقة ناجية والباقون في النار، وان أمة عيسى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة: فرقة ناجية والباقون في النار، وستفرق امتى على ثلاث وسبعين فرقة: فرقة ناجية والباقون في النار، فقلت: يا رسول الله فما الناجية ؟ قال: المتمسك بما أنت وشيعتك وأصحابك.. الحديث. راجع تلخيص الشافي ج 3 ص 5 ذيله. (2) المصدر نفسه ص 408 و 409 وصدر الحديث: أبو واقد الليثى: أن رسول الله لما خرج إلى غزوة حنين مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها اسلحتهم يقال لها ذات انواط، فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات انواط، كما لهم ذات انواط، فقال رسول الله: سبحان الله: هذا كما قال قوم موسى: " اجعل لنا الها كمالهم آلهة " الحديث. (3) جامع الاصول ج 10 ص 409 وتراه في مشكاة المصابيح ص 458

[31]

حتى تأخذ أمتي مآخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع، قيل له: يا رسول الله كفارس والروم ؟ قال من الناس إلا أولئك (1). ومن الترمذي وسنن أبي داود: لا تزال طائفة من أمتي على الحق (2). انتهى ما أخرجناه من جامع الاصول. وروى السيد في الطرائف (3) هذه الاخبار من الجمع بين الصحيحين للحميدي ورواها ابن البطريق في العمدة (4) من صحاحهم ولا حاجة لنا إلى إيرادها لانا أخرجناها من اصولها. وقال السيد: روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند أبى الدرداء في الحديث الاول من صحيح البخاري قالت ام الدرداء: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب فقلت ما أغضبك ؟ فقال: والله ما أعرف من أمر محمد (صلى الله عليه وآله) شيئا إلا أنهم يصلون جميعا (5). وروى أيضا من صحيح البخاري من مسند أنس بن مالك عن الزهري قال: دخلت علي أنس بن مالك بدمشق وهو يبكى فقلت: ما يبكيك ؟ قال لا أعرف شيئا


(1) المصدر نفسه ص 409، وفيه " باخذ القرون " بكسر الهمزة (2) جامع الاصول ج 12 ص 62 ج 10 ص 410 ولفظ الحديث: " انما أخاف على امتى الائمة المضلين فإذا وضع السيف في امتى لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلتحق قبائل من امتى بالمشركين وحتى تعبد قبائل من امتي الاوثان، وانه يكون في امتى ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبى وأنا خاتم النبيين لانبى بعدى، ولا تزال طائفة من امتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. أقول ورواه في مشكاة المصابيح ص 465. (3) الطرائف: 113 - 114. (4) العمدة: 241 - 242. (5) الطرائف: 113، اقول: راجع صحيح البخاري كتاب الاذان الرقم 31، مسند احمد بن حنبل ج 5 ص 195 ج 6 ص 443 (*).

[32]

مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت (1). وفي حديث آخر منه: ما أعرف شيئا مما كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قيل الصلاة قال: أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها (2). وروى الحميدي أيضا من مسند أبي مالك وأبي عامر أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عض يستحل فه الخز والحرير (3). ومن المتفق عليه من مسند أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله) في أواخر الحديث المذكور: أن مثلى كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش و هذه الدواب التي تقع في النار تقع فيها، وجعل يحجزهن فيغلبن ويقتحمن فيها، قال: وذلك مثلى ومثلكم أنا آخذ بحجزتكم هلموا عن النار، هلموا عن النار فتغلبونني وتقتحمون فيها (3). ومن مسند ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما أخاف على امتي الائمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حى من امتي بالمشركين وحتى تعبد في امتي الاوثان (5).


(1 و 2) المصدر نفسه، هو في صحيح البخاري كتاب المواقيت الرقم 7. (3) المصدر نفسه ص 113، واخرجه في مشكاة المصابيح ص 456 وقال رواه البخاري وأخرج مثله ص 460 عن ابى عبيدة ومعاذ بن جبل وقال رواه البيهقى في شعب الايمان، و قوله " ملك عض " العض بالكسر: الداهية والجمع عضوض وفى النهاية: فيه: " ثم يكون ملك عضوض " أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه عضا، وهو جمع عض بالكسر، وهو الخبيث الشرس. (4) المصدر ص 114، راجع صحيح البخاري كتاب الانبياء الرقم 40. كتاب الرقاق 6، صحيح مسلم كتاب الفضائل الحديث 17 - 19، سنن الترمذي كتاب الادب، 82 مسند ابن حنبل ج 2 ص 244، 312. (5) المصدر ص 114، وقد مر اخراجه عن الاصول آنفا ص 31 (*).

[33]

ثم قال السيد: هذه بعض أحاديثهم الصحاح مما ذكروه عن صحابة نبيهم وعن أمته، وما يقع منهم من الضلال بعد وفاته (1) وسأذكر فيما بعد طرفا من أحاديثهم


(1) بل ونرى في صحاحهم: رووا عن الصحابة البدريين أنهم قد كانوا يخافون على انفسهم من النفاق والكفر بما أحدثوا بعد رسوله الامين الكريم. فهذا ابن ابى مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ص قد شهدوا بدرا كلهم يخاف النفاق على نفسه، ولا يأمن المكر على دينه، مامنهم من أحد يقول: انه على ايمان جبريل وميكائيل، أخرجه ابن الاثير في جامع الاصول ج 12 ص 201 عن البخاري، وتراه في صحيح البخاري كتاب الايمان الرقم 36. وهذا عمر فاروقهم البدرى، اعترف بمثل ذلك وتأسف على ما أحدث بعد رسول الله ص من الموبقات، كما روى عن ابى بردة بن أبى موسى قال: قال لى عبد الله بن عمر: هل تدرى ما قال أبى لابيك ؟ قال: قلت: لا، قال: فان أبى قال لابيك: يا با موسى ؟ هل يسرك أن اسلامنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه بردلنا، وأن كل عمل عملنا بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس ؟ فقال أبوك لابي: لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله وصلينا وصمنا و عملنا خيرا كثيرا وأسلم على أيدينا بشر كثير، وانا لنرجو ذلك، قال أبى: ولكني أنا - والذى نفس عمر بيده - لوددت أن ذلك بردلنا، وأن كل شئ عملنا بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس فقلت: ان اباك كان خيرا من أبى. رواه في المشكاة ص 458 وقال: رواه البخاري وهكذا أخرجه ابن الاثير في الجامع ج 9 ص 363 عن البخاري، قال: ومعنى بردلنا أي ليته ثبت لنا ثوابه ودام وخلص، اقول: راجع صحيح البخاري باب مناقب الانصار الرقم 45. وهذا ابى بن كعب سيد المسلمين عندهم يهتف ويقول: " هلك أهل العقدة ورب الكعبة - ثلاث - ألا أبعدهم الله، هلكوا وأهلكوا، أما انى لا آسى عليهم ولكني آسى على من يهلكون من المسلمين " وهل كان أهل العقد الا من عقد الخلافة والولاية لابي بكر ؟ ويقول في مقال له آخر: فوالله ما زالت هذه الامة مكبوبة على وجهها منذ قبض رسول الله وأيم الله لئن بقيت إلى يوم الجمعة لاقومن مقاما أقتل فيه " فمات يوم الخميس =

[34]

الصحاح المتضمنة لمخالفتهم له وذمه لهم في حياته. فإذا كان قد شهد على جماعة من أصحابه بالضلال والهلاك، وأنهم ممن كان يحسن ظنه بهم في حياته، ولحسن ظنه بهم قال أي رب أصحابي، ثم يكون ضلالهم قد بلغ إلى حد لا تقبل شفاعة نبيهم فيهم ويختلجون دونه وتارة يبلغ غضب نبيهم عليهم إلى أن يقول سحقا سحقا، وتارة يقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم، وتارة يشهد عليهم أبو الدرداء وأنس بن مالك وهما من أعيان الصحابة عندهم بأنه ما بقي من شريعة محمد (صلى الله عليه وآله) إلا الاجتماع في الصلاة ثم يقول أنس وقد ضيعوا الصلاة، وتارة يشهد نبيهم أن بعد وفاته يكون دينهم ملكا ورحمة وملكا وجبرية على عادة الملوك المتغلبين ففيهم الرحيم والمتجبر، وتارة يشهد على قوم من أصحابه أنه يشفق عليهم ويأخذ بحجزهم عن النار، وينهاهم مرارا بلسان الحال والمقال فيغلبونه ويسقطون فيها، وتارة يخاف على امته من أئمة مضلين ينزلون عليهم، وتارة يشهد باتباع ما أتى به القرون السالفة في الضلال و اختلال الاحوال. ثم قد أدوا عنه بغير خلاف من المسلمين أن أمة موسى افترقت بعده إحدى وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار، وأمة عيسى افترقت اثنتين وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار، وامته تفترق ثلاثا وسبعين فرقة واحدة ناجية واثنتان وسبعون في النار، وقد تضمن كتابهم " وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذ بهم مرتين " (1) فكيف يجوز لمسلم أن يرد شهادة الله وشهادة رسوله عندهم بضلال


= راجع طبقات ابن سعد ترجمة ابى بن كعب، سنن النسائي كتاب الامامة الرقم 23، مسند - ابن حنبل ج 5 ص 140، مستدرك الحاكم ج 2 ص 226 ج 3 ص 304، حلية الاولياء ج 1 ص 252. (1) براءة: 101، والايات التى تنص على أن في المسلمين جماعة منافقين، كثيرة، لا وجه لسردها، ولكن ينبغى الاشارة إلى أن الله ولا رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعرف لنا المنافقين بأسمائهم = (*).

[35]

كثير من صحابة نبيهم، وهلاك أكثر أمته واختلال أموره بعد وفاته، وهل يرد ذلك من المسلمين إلا من هو شاك في قول الله وقول نبيه، أو مكابر للعيان، وكيف يلام أو يذم من صدق الله ورسوله في ذم بعض أصحابه وأكثر امته


= حتى يشهروا ويخذلوا، فنحكم على أعيانهم بالكفر والفسق وعلى سائر المسلمين بالايمان والعدالة والاخلاص، وإذا كان الامر مشتبها، فكلما سمينا أحدا من صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأردنا أن نأخذ منه دينه وسمته ونتبعه في سيرته وسنته ونحتج بحديثه عن الرسول الامين ص جوز - العقل كونه منافقا، فلا يصح للعاقل المحتاط لدينه أن يأخذ منه ويتبعه ويصدقه فيما يحدث عن الرسول الاعظم، الا أن يكون الله ورسوله ص قد عرفه ونص عليه بالايمان والاخلاص والطهارة، ولسنا نعرف بذلك الا اهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النازل فيهم آية التطهير وآية الولاية المصرح باخلاصهم وحسن طويتهم سورة الدهر وساير الايات الكريمة النازلة فيهم وهى أكثر من أن تحصى، لا مجال للمقام لسردها والبحث عنها. وان قلت: لم لم يعرف الله ورسوله المنافقين الخائنين، ليحذرهم المؤمنون بعده ؟ قلت: للقوم آراء ووجوه في ذلك يطلب من مظانه، وعندي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على علم وعمد لم يعرف المنافقين من اصحابه لينفذ بذلك ارادة الله عزوجل من بلوى الامة واختبارهم بعده، فان اخبار الله عزوجل وهكذا رسوله الامين الصادق بأن في اصحابه وامته منافقين ظاهرين يخادعون الله ورسوله، من دون تعريف بهم، وفى قبال ذلك نص القرآن الكريم بآية التطهير بالنسبة إلى أهلبيته مضافا إلى سائر ما ورد فيهم من آيات الله البينات وتصديق ايمانهم واخلاص طويتهم في سورة الدهر، وهكذا هتاف الرسول بين الامة الاسلامية بأنه من كنت مولاه فهذا على مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وغير ذلك من النصوص. ففى ذلك بلوى واختبار عظيم بالنسبة إلى المؤمنين، فمن كان يرجو الله واليوم الاخر و ينصح لنفسه، لا يقتدى بأصحابه الا بمن شهد الله ورسوله بحقيقة ايمانه وحسن طويته وعلمه و فهمه وقضائه وهم أهل بيته الذين طهرهم الله من كل رجس واوجب ولايتهم، ومن كان يرجو الحياة الدنيا وزينتها وزخرفها لا يقتدى بمن قدمه الله وانما يقتدى بمن لا يؤمن فيه النفاق ويخاف عليه سوء النية في متابعة الرسول طمعا في حطام الدنيا، فليقتدوا بمن شاؤا ليميز الله الخبيث من =

[36]

أو اعتقاد ضلال بعضهم، وكيف استحسنوا لانفسهم أن يرووا مثل هذه الاخبار الصحاح ثم ينكروا على الفرقة المعروفة بالرافضة ما أقروا لهم بأعظم منه، وكيف يرغب ذو بصيرة في اتباع هؤلاء الاربعة المذاهب (1). بيان: اعلم أن أكثر العامة على أن الصحابة كلهم عدول، وقيل هم كغيرهم مطلقا، وقيل هم كغيرهم إلى حين ظهور الفتن بين علي (عليه السلام) ومعاوية، وأما بعدها فلا يقبل الداخلون فيها مطلقا، وقالت المعتزلة: هم عدول إلا من علم أنه قاتل عليا (عليه السلام) فانه مردود، وذهبت الامامية إلى أنهم كساير الناس من أن فيهم المنافق والفاسق والضال، بل كان أكثرهم كذلك، ولا أظنك ترتاب بعد ملاحظة تلك الاخبار المأثورة من الجانبين المتواترة بالمعنى في صحة هذا القول، وسينفعك تذكرها في المطالب المذكورة في الابواب الاتية إنشاء الله تعالى.


= الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعضه فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون. ومن اله لا تل على أن رسوله الامين الكريم على عمد ونظرا إلى تنفيذ هذا الاختبار والبلوى، لم يعرف المنافقين بأشخاصهم، أننا نراه - صلوات الله عليه يقول لثلاثة من اصحابه فيهم سمرة ابن جندب وأبو هريرة الدوسى: " آخركم موتا في النار " راجع الاستيعاب واسد الغابة ترجمه سمرة " فيعمى ذلك على أصحابه الاخرين لئلا يركنوا إلى أحد منهم في دينهم. وهكذا يقول لجماعة من اصحابه مجتمعين: " أحدكم ضرسه في النار مثل احد " راجع البحار ج 18 ص 132 من طبعتنا هذه. وعلى ذلك فليحمل ما رواه أحمد في المسند ج 5 ص 273، والطبراني في الكبير على ما في مجمع الزوائد ج 1 ص 112 عن ابى مسعود قال: خطبنا رسول الله خطبة فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: ان فيكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان ! قم يا فلان ! قم يا فلان ! حتى سمى ستة وثلاثين رجلا، ثم قال: ان فيكم - أو منكم فاتقوا الله. (1) الطرائف ص 113 - 115 (*).

[37]

(2) * " (باب) " * * " (اخبار الله تعالى نبيه واخبار النبي) " * * " ((صلى الله عليه وآله) امته بما جرى على) " * * " (أهل بيته صلوات الله عليهم من) " * * " (الظلم والعدوان) " * 1 - لى: ابن موسى، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان جالسا ذات يوم إذا أقبل الحسن (عليه السلام) فلما رآه بكى ثم قال: إلى إلى يا بنى، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى، ثم أقبل الحسين (عليه السلام) فلما رآه بكى ثم قال إلى إلى يا بني فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليسرى، ثم أقبلت فاطمة عليها السلام فلما رآها بكى ثم قال إلى إلى يا بنية فأجلسها بين يديه، ثم أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما رآه بكى، ثم قال إلى إلى يا أخى فما زال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه الايمن. فقال له أصحابه: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما ترى واحدا من هؤلاء إلا بكيت، أو ما فيهم من تسر برؤيته ؟ فقال (عليه السلام): والذي بعثني بالنبوة واصطفانى على جميع البرية إني وإياهم لاكرم الخلق على الله عزوجل، وما على وجه الارض نسمة أحب إلى منهم. أما على بن أبي طالب (عليه السلام) فانه أخى وشقيقي، وصاحب الامر بعدي وصاحب لوائي في الدنيا والاخرة، وصاحب حوضي وشفاعتي، وهو مولى كل

[38]

مسلم وإمام كل مؤمن، وقائد كل تقي، وهو وصيى وخليفتي على أهلي و امتي في حياتي وبعد موتي، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، وبولايته صارت أمتي مرحومة، وبعداوته صارت المخالفة له منها ملعونة، وإني بكيت حين أقبل لاني ذكرت غدر الامة به بعدي حتى أنه ليزال عن مقعدي وقد جعله الله له بعدي، ثم لا يزال الامر به حتى يضرب على قرنه ضربة تخضب منها لحيته في أفضل الشهور " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " (1). وأما ابنتي فاطمة فانها سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين، وهي بضعة مني، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الا نسية متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لاهل الارض، ويقول الله عزوجل لملائكته يا ملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يدي ترتعد فرائصها من خيفتي وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم أني قد آمنت شيعتها من النار، وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتا وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكسرت جنبتها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي يا محمداه، فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث، فلا تزال بعدى محزونة مكروبة باكية تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة، وتتذكر فراقي اخرى، و تستوحش إذا جنها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة، فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول: يا فاطمة " إن الله اصطفيك وطهرك واصطفيك على نساء العالمين " (2) يا فاطمة " اقنتي لربك واسجدي


(1) البقرة: 158. (2) آل عمران: 42 (*).

[39]

واركعى من الراكعين " (1). ثم يبتدى بها الوجع، فتمرض فيبعث الله عزوجل إليها مريم بنت عمران تمرضها وتؤنسها في علتها، فتقول عند ذلك: يا رب إني قد سئمت الحياة، و تبرمت بأهل الدنيا فألحقني بأبي، فيلحقها الله عزوجل بي فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم على محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك " اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وذلل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنبيها، حتى ألقت ولدها " فتقول الملائكة عند ذلك آمين. وأما الحسن (عليه السلام) فانه ابني وولدي، ومني وقرة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الامة، أمره أمري، وقوله قولي، من تبعه فانه مني، ومن عصاه فليس منى، وإني لما نظرت إليه تذكرت ما يجري عليه من الذل بعدي، فلا يزال الامر به حتى يقتل بالسم ظلما وعدوانا فعند ذلك تبكي الملائكة والسبع الشداد لموته، ويبكيه كل شئ حتى الطير في جو السماء، والحيتان في جوف الماء، فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمى العيون ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، ومن زاره في بقيعه ثبتت قدمه على الصراط، يوم تزل فيه الاقدام. وأما الحسين (عليه السلام) فانه منى، وهو ابني وولدي، وخير الخلق بعد أخيه وهو إمام المسلمين، ومولى المؤمنين، وخليفة رب العالمين، وغياث المستغيثين، وكهف المستجيرين، وحجة الله على خلقه أجمعين، وهو سيد شباب أهل الجنة وباب نجاة الامة، أمره أمري، وطاعته طاعتي، من تبعه فانه مني، ومن عصاه فليس مني، وإني لما رأيته تذكرت ما يصنع به بعدي، كأني به وقد استجار بحرمي وقربي فلا يجار، فأضمه في منامي إلى صدري وآمره بالرحلة عن دار هجرتي، وأبشره بالشهادة فير تحل عنها إلى أرض مقتله وموضع مصرعه، أرض


(1) آل عمران: 43 (*).

[40]

كرب وبلاء، وقتل وفناء، تنصره عصابة من المسلمين أولئك من سادة شهداء أمتي يوم القيامة، كأني أنظر إليه وقد رمي بسهم فخر عن فرسه صريعا ثم يذبح كما يذبح الكبش مظلوما، ثم بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبكى من حوله، وارتفعت أصواتهم بالضجيج ثم قام (عليه السلام) وهو يقول اللهم إنى أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي، ثم دخل منزله (1). بيان: قال في النهاية: في الحديث فاطمة بضعة مني البضعة بالفتح القطعة من اللحم، وقد تكسر أي إنها جزء مني، وفي القاموس: التمريض حسن القيام على المريض، وقال: الصرع الطرح على الارض كالمصرع كمقعد وهو موضعه أيضا. 2 - جا (2) ما: المفيد، عن محمد بن عمران المرزبانى، عن أحمد بن محمد الجوهري، عن الحسن بن عليل، عن عبد الكريم بن محمد، عن محمد بن علي، عن محمد بن منقر، عن زياد بن المنذر قال: حدثنا شرحبيل عن أم الفضل بن العباس قالت: لما ثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذي توفى فيه، أفاق إفاقة ونحن نبكي فقال: ما الذي يبكيكم ؟ قلت: يا رسول الله نبكي لغير خصلة، نبكي لفراقك إيانا ولا نقطاع خبر السماء عنا، ونبكي الامة من بعدك، فقال (عليه السلام): أما إنكم المقهورون والمستضعفون من بعدى (3). 3 - ما: المفيد، عن الحسن بن محمد، عن محمد بن همام، عن حمزة بن أبي حمزة، عن أبي الحارث شريح، عن الوليد بن مسلم، عن عبد العزيز بن سليمان، عن سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لتنقضن عري الاسلام عروة عروة كلما نقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقض


(1) امالي الصدوق: 68 - 71. (2) أمالى المفيد: 215. (3) امالي الطوسى ج 1 ص 122، وقوله " نبكى لغير خصلة " يعنى أن بكاءنا لخصال شتى علل كثيرة...

[41]

الحكم وآخرهن الصلاة (1). 4 - ما: المفيد عن الصدوق، عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن عبد الله بن العباس قال: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الوفاة بكى حتى بلت دموعه لحيته، فقيل: يا رسول الله ما يبكيك ؟ فقال: أبكي لذريتي وما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي، كأني بفاطمة بنتي وقد ظلمت بعدي، وهي تنادي يا أبتاه يا أبتاه فلا يعينها أحد من أمتي، فسمعت ذلك فاطمة (عليها السلام) فبكت، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تبكين يا بنية، فقالت لست أبكي لما يصنع بي من بعدك ولكني أبكي لفراقك يا رسول الله فقال لها: أبشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي، فانك أول من يلحق بي من أهل بيتي (2). 5 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن علي بن محمد بن مخلد الجعفي، عن عباد بن سعيد الجعفي، عن محمد بن عثمان بن أبي البهلول، عن صالح بن أبي الاسود عن أبي الجارود، عن حكيم بن جبير، عن سالم الجعفي قال: قال علي صلوات الله عليه وهو في الرحبة جالس: انتدبوا وهو على المسير من السواد فانتدبوا نحو من مائة فقال: ورب السماء والارض لقد حدثني خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن الامة ستغدر بي من بعده، عهدا معهودا وقضاء مقضيا، وقد خاب من افترى (3). بيان: انتدب أجاب. 6 - ما: المفيد عن علي بن خالد، عن العباس بن المغيرة، عن أحمد بن منصور، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن خالد بن خالد اليشكري قال: خرجت سنة فتح تستر حتى قدمت الكوفة، فدخلت المسجد


(1) امالي الطوسى ج 1 ص 189. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 191. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 90 (*).

[42]

فإذا أنا بحلقة فيها رجل جهم من الرجال، فقلت: من هذا ؟ فقال القوم: أما تعرفه ؟ فقلت: لا، فقالوا هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: فقعدت إليه فحدث القوم فقال: كان الناس يسألون رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، فأنكر ذلك القوم عليه فقال: سأحدثكم بما أنكرتم، إنه جاء أمر الاسلام فجاء أمر ليس كأمر الجاهلية، وكنت أعطيت من القرآن فقها، وكان رجال يجيئون فيسألون النبي (صلى الله عليه وآله) فقلت: أنا يا رسول الله أيكون بعد هذا الخير شر ؟ قال نعم، قلت: فما العصمة منه ؟ قال: السيف، قال: قلت: وما بعد السيف بقية ؟ قال: نعم، يكون إمارة على أقذاء، وهدنة على دخن، قال: قلت: ثم ماذا ؟ قال: ثم تفشو رعاة الضلالة، فان رأيت يومئذ خليفة عدل فالزمه، وإلا فمت عاضا على جذل شجرة (1). بيان -: الجهم العاجز الضعيف، وروى الحسين بن مسعود الفراء في شرح السنة هذه الرواية عن اليشكري هكذا: " خرجت زمن فتحت تستر حتى قدمت الكوفة، ودخلت المسجد فإذا أنا بحلقة فيها رجل صدع من الرجال، حسن الثغر، يعرف فيه أنه رجل من أهل الحجاز، قال: فقلت من الرجل ؟ فقال القوم: أو ما تعرفه ؟ قلت لا قالوا: هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: فقعدت، وحدث القوم فقال: إن الناس كانوا يسألون النبي (صلى الله عليه وآله) عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، فانكر ذلك القوم عليه، فقال لهم: سأخبركم بما أنكرتم من ذلك، جاء الاسلام حين جاء فجاء أمر ليس كأمر الجاهلية فكنت قد أعطيت فهما في القرآن، فكان رجال يجيئون ويسألون عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، قلت: يا رسول الله أيكون بعد هذا الخير شر كما كان قبله شر ؟ قال: نعم، قلت فما العصمة يا رسول الله قال (صلى الله عليه وآله): السيف، قلت: وهل بعد السيف بقية ؟ قال: نعم أمارة على أقذاء، وهدنة على دخن، قال: قلت: ثم ماذا ؟ قال: ثم ينشأ رعاة الضلالة، فان كان لله في الارض


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 224 (*).

[43]

خليفة جلد ظهرك وأخذ مالك فالزمه، وإلا فمت وأنت عاض على جذل شجرة قلت: ثم ماذا ؟ قال: ثم يخرج الدجال بعد ذلك معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره، وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره، قال: قلت: ثم ماذا ؟ قال ينتج المهر فلا يركب حتى تقوم الساعة " (1). ثم قال: الصدع مفتوحة الدال من الرجال الشاب المعتدل، ويقال الصدع الربعة في خلقة الرجل بين الرجلين، وقوله: " هدنة على دخن " معناه صلح على بقايا من الضغن، وذلك أن الدخان أثر النار يدل على بقية منها، وقال أبو عبيد أصل الدخن أن يكون في لون الدابة أو الثوب أو غير ذلك كدورة إلى سواد، وفي


(1) تراه في مشكاة المصابيح ص 461 ولفظه: وعن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدر كنى، قال: قلت: يا رسول الله انا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه ؟ قال: قوم يستنون بغير سنتى ويهدون بغير هديى، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا و يتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني ان أدركني ذلك ؟ قال: تلزم جماعة المسلمين امامهم، قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا امام ؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض باصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك. قال: وفى رواية لمسلم قال: يكون بعدى أئمة لا يهتدون بهداى ولا يستنون بسنتى، و سيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس، قال حذيفة: قلت كيف أصنع يا رسول الله أن أدركت ذلك ؟ قال: تسمع وتطيع الامير وان ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع و أطع. أقول: والحديث متفق عليه في صحيح مسلم والبخاري، راجع صحيح البخاري كتاب الفتن 11، كتاب المناقب 25 و 65، صحيح مسلم كتاب الامارة الحديث 51، سنن ابى داود كتاب الفتن الرقم 1، مسند الامام ابن حنبل ج 5 ص 386، 391، 399، 403، 404، 406 (*).

[44]

بعض الروايات (1) " قلت يا رسول الله الهدنة على الدخن ما هي، قال: لا يرجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه ويروى " جماعة على أقذاء " يقول يكون اجتماعهم على فساد من القلوب شبهه بأقذاء العين انتهى. وأقول: رواه في جامع الاصول (2) بأسانيد عن البخاري ومسلم وأبي داود وفي بعض رواياته " وهل للسيف من تقية " وفي بعضها قلت " وبعد السيف " قال " تقية على أقذاء، وهدنة على دخن " وفي شرح السنة وغيره بقية بالباء الموحدة، و المعاني متقاربة أي هل بعد السيف شئ يتقى به من الفتنة أو يتقى ويشفق به على النفس، وجذل الشجرة بالكسر أصلها، والمعنى مت معتزلا عن الخلق حتى تموت ولو احتجت إلى أن تأكل اصول الاشجار، ويحتمل أن يكون كناية عن شدة الغيظ. 7 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن مسدد بن يعقوب، عن إسحاق بن يسار عن الفضل بن دكين، عن مطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن


(1) رواه أبو داود ولفظه: " قا ل: قلت يا رسول الله أيكون بعد هذا الخير شر كما كان قبله شر ؟ قال: نعم، قلت: فما العصمة ؟ قال: السيف، قلت: وهل بعد السيف بقية [تقية] قال: نعم تكون امارة على اقذاء وهدنة على دخن، قلت: ثم ماذا ؟ قال: ثم ينشأ دعاة الضلال، فان كان لله في الارض خليفة جلد ظهرك وأخذ مالك فاطعه، والا فمت وأنت عاض على جذل شجرة قلت: ثم ماذا ؟ قال: ثم يخرج الدجال بعد ذلك معه نهرو نار، فمن وقع في ناره وجب اجره وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط اجره، قال: قلت: ثم ماذا ؟ قال: ثم ينتج المهر فلا يركب حتى تقوم الساعة. وفى رواية: قال: هدنة على دخن وجماعة على اقذاء، قلت: يا رسول الله الهدنة على - الدخن ماهى ؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذى كانت عليه، قلت: بعد هذا الخير شر ؟ قال: فتنة عمياء سماء عليها دعاة على أبواب النار، فان مت يا خذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع احدا منهم. راجع مشكاة المصابيح: 463. (2) جامع الاصول ج 10 ص 414 - 417 (*).

[45]

مرشد الحماني قال: سمعت عليا صلوات الله عليه قال: والله إنه لعهد النبي الامي إلى: إن الامة ستغدر بك بعدي (1). 8 - ما: الحفار عن الجعابي، عن علي بن موسى الخزاز، عن الحسن بن على الهاشمي، عن إسمعيل: عن عثمان بن أحمد، عن أبي قلابه، عن بشر بن عمر عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن إسماعيل بن أبان، عن أبي مريم، عن ثوير بن أبي فاخته، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: قال أبي: دفع النبي (صلى الله عليه وآله) الرأية يوم خيبر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ففتح الله عليه وأوقفه يوم غدير خم فأعلم الناس " أنه مولى كل مؤمن ومؤمنة " وقال له: " أنت منى وأنا منك " وقال له: " تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل " وقال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " وقال له: " أنا سلم لمن سالمت، وحرب لمن حاربت " و قال له: " أنت العروة الوثقى "، وقال له: " أنت تبين لهم ما اشتبه عليهم بعدى " وقال له " أن إمام كل مؤمن ومؤمنة وولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي "، وقال له: " أنت الذي أنزل الله فيه: " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر " (2) وقال له " أنت الاخذ بسنتى والذاب عن ملتى " وقال له: " أنا أول من تنشق الارض عنه وأنت معي " وقال له: " أنا عند الحوض وأنت معى " وقال له: أنا أول من يدخل الجنة وأنت بعدي تدخلها والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام، وقال له: إن الله أوحي إلي بأن أقوم بفضلك، فقمت به في الناس، وبلغتهم ما أمرني الله بتبليغه، وقال له: " اتق الضغاين التي لك في صدور من لا يظهرها إلا بعد موتى، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " ثم بكى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقيل مم بكاؤك يا رسول الله ؟ قال أخبرني جبرئيل (عليه السلام) أنهم يظلمونه ويمنعونه حقه، و يقاتلونه ويقتلون ولده، ويظلمونهم بعده، وأخبرني جبرئيل (عليه السلام) عن ربه عزوجل أن ذلك يزول إذا قام قائمهم، وعلت كلمتهم، وأجمعت الامة على محبتهم، وكان


(1) امالي الطوسى ج 2 ص 90 (2) براءة: 3 (*).

[46]

الشانئ لهم قليلا، والكاره لهم ذليلا، وكثر المادح لهم، وذلك حين تغير البلاد، وتضعف العباد، والاياس من الفرج، وعند ذلك يظهر القائم فيهم، قال النبي (صلى الله عليه وآله) اسمه كاسمي واسم أبيه كاسم ابني (1) وهو من ولد ابنتي يظهر الله الحق بهم، ويخمد الباطل بأسيافهم، ويتبعهم الناس بين راغب إليهم وخائف لهم، قال: وسكن البكاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: معاشر المؤمنين ابشروا بالفرج، فان وعد الله لا يخلف وقضاؤه لا يرد، وهو الحكيم الخبير، فان فتح الله قريب اللهم إنهم أهلى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، اللهم اكلاهم واحفظهم وارعهم، وكن لهم،


(1) في المصدر: " واسم أبيه كاسم أبي " وهو الثابت في كتب العامة، الا أن الحديث لا يصح من حيث السند، على ما تقف عليه في ج 51 ص 86 (تاريخ الامام الثاني عشر (عليه السلام)) راجعه ان شئت، وعلى فرض الصحة وتحقيق لفظ الحديث نقول: لما كان المهدى ص يخرج بعد دهر طويل من ولادته، لا يمكنه في بدء دعوته أن يعرف نفسه ويحقق نسبه بأنه محمد بن الحسن بن على.... عليهم الصلاة والسلام لعدم الجدوى بذلك، ولان اهل مكة - وهو عليه السلام انما يظهر في بدء الدعوة بمكة المكرمة زادها الله شرفا - غير معترفين بغيبته دهرا طويلا، ولا بامامة آبائه الكرام، عليهم الصلاة والسلام. فهو (عليه السلام) انما يعرف نفسه بأنه محمد بن عبد الله، يعنى أن اسمه الشريف محمد وأن أباه عبد من عباد الله الصالحين، لايهم الناس أن يعرفوه بأكثر من ذلك، وانما عليهم أن يعرفوه بأنه المهدى الموعود في كلام النبي الاعظم " انه لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا منى من أهل بيتى يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ". فالرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) انما أخبر أمته بخروج المهدى من اهل بيته وانما عرفه بما يعرف المهدى ص نفسه حين يظهر دعوته في آخر الزمان، فلا يناقض هذا الحديث ما أجمعت الامامية عليه بأن المهدى عليه الصلاة والسلام هو محمد بن الحسن العسكري المولود في سنة 255 من هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، غاب بأمر الله عزوجل وسيظهر انشاء الله عاجلا ليجمع شمل المسلمين ويحق الحق ويبطل الباطل ولو كره الكافرون (*).

[47]

وانصرهم وأعنهم، وأعزهم ولا تذلهم، واخلفني فيهم إنك على كل شئ قدير (1). 9 - ما: جماعة عن أبى المفضل، عن محمد بن الحسين بن حفص، عن إسماعيل ابن موسى، عن عمرو بن شاكر من أهل المصيصة عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر (2). بيان - الجمر بالفتح جمع الجمرة وهي النار المتقدة. 10 - ما: بهذا الاسناد عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه له أجر خمسين منكم، قالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أجر خمسين منا ؟ ! قال: نعم أجر خمسين منكم قالها ثلاثا (3). 11 - ما: جماعة، عن أبى المفضل، عن أحمد بن عبد الله الثقفى، عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن جعفر بن أبي سليمان، عن أبي هارون العبدى، عن أبي سعيد الخدرى قال: أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) بما يلقى بعده، فبكى على (عليه السلام) وقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أسألك بحقي عليك وحق قرابتي وحق صحبتي، لما دعوت الله عزوجل أن يقبضني إليه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 360 - 363. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 99، وأخرجه عن الترمذي في مشكاة المصابيح ص 459 وقال المولى على القارى في شرحه: يعنى كما لا يمكن القبض على الجمرة الا بصبر شديد وتحمل المشقة، كذلك في ذلك الزمان، لا يتصور حفظ دينه ونور ايمانه الا بصبر عظيم وتعب جسيم، من المعلوم أن المشبه به يكون أقوى، فالمراد به المبالغة، فلا ينافيه أن ما أحد يصبر على قبض الجمر، اقول: راجع الحديث في سنن الترمذي كتاب الفتن الرقم 73 تفسير سورة المائدة 18 سنن ابى داود كتاب الملاحم الرقم 17 سنن ابن ماجة كتاب الفتن الرقم 17، مسند ابن حنبل ج 2 ص 390 - و 391. (3) امالي الطوسى ج 2 ص 99 (*).

[48]

تسألني أن أدعو ربى لاجل مؤجل ؟ قال: فعلى ما أقاتلهم، قال: على الاحداث في الدين (1). بيان - قوله (صلى الله عليه وآله): " لاجل مؤجل " أي لامر محتوم لا يمكن تغييره. 12 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن الحسين بن محمد بن شعبة، عن سالم بن جنادة، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن عبد الله بن يحيى الحضرمي قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: كنا جلوسا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو نائم ورأسه في حجري، فتذاكرة الدجال فاستيقظ النبي (صلى الله عليه وآله) محمرا وجهه، فقال: لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال، الائمة المضلون وسفك دماء عترتي من بعدى، أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم (2) 13 - ما: باسناد المجاشعي، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يأتي على الناس زمان يذوب فيه قلب المؤمن في جوفه كما يذوب الانك في النار يعنى الرصاص، وما ذاك إلا لما يرى من البلاء والاحداث في دينهم لا يستطيع له غيرا (3). بيان: قال في القاموس: غيره جعله غير ما كان وحوله وبدله، والاسم الغير وغير الدهر كعنب أحداثه المغيرة. 14 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن الاشعري، عن على بن إبراهيم الجعفري، عن محمد بن معاوية باسناده رفعه قال: هبط جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليه قباء أسود، ومنطقة فيها خنجر، قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا جبرئيل ما هذا الزي ؟ قال: زي ولد عمك العباس يا محمد ويل لولدك من ولد العباس، فجزع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا عم ويل لولدي من ولدك، فقال:


(1) امالي الطوسى ج 2 ص 115 (2) امالي الطوسى ج 2 ص 126 (3) امالي الطوسى ج 2 ص 132 (*).

[49]

يا رسول الله أفأجب نفسي ؟ قال جف القلم بما فيه (1) بيان: الجب استيصال الخصية، ولعل المراد بجف القلم جريان القضاء والحكم


(1) علل الشرائع ج 2 ص 37 أقول: أخرج الخطيب في تاريخه ج 13 ص 452 قال: لما قدم الرشيد المدينة، أعظم أن يرقى منبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قباء أسود ومنطقة، فقال أبوالبخترى: حدثنى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه قال: " نزل جبريل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه قباء ومنطقة مخنجرا فيها بخنجر " ثم كذبه في حديثه ذلك ونقل عن المعافى التيمى أشعارا ينكر فيها على أبي الخترى منها: يا قاتل الله ابن وهب لقد * أعلن بالزور وبالمنكر يزعم أن المصطفى أحمدا * أتاه جبريل التقى السرى عليه خف وقبا أسود * مخنجرا في الحقو بالخنجر ثم ذكر في ص 453 باسناده عن يحيى بن معين أنه وقف على حلقة أبى البختري فإذا هو يحدث بهذا الحديث عن جعفر بن محمد عن أبيه فقال له: كذبت يا عدو الله على رسول الله، قال: فأخذني الشرط، قال: فقلت لهم: هذا يزعم أن رسول رب العالمين نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عليه قباء ! فقالوا لي: هذا والله قاض كذاب، وأفرجوا عنى. قلت: اصل الحديث ما تراه في الصلب، وظاهره نزول جبريل متمثلا بهذا الزى ليرى رسول الله كيف يتزيى بنو عمه بزى الجبابرة، وكيف يتخذون لباس أهل النار شعارا لهم، فالحديث قدح لبنى العباس ومثلبة خازية لهم ولمن يعجبه شأنهم، لكن وهب بن وهب أبا البخترى، حرف الكلام عن موضعه، وجاء بالحديث على غير وجهه، فجعله مدحا لبنى العباس وزيهم الجابرة الغاشمة طمعا في دنياهم الدنية ومن يرد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الاخرة من نصيب (*).

[50]

الالهى بعدم معاقبة رجل لفعل آخر، وعدم المعاقبة قبل صدور الذنب، أو أنه ولد عبد الله الذي يكون هذا النسل الخبيث منه فلا ينفع الجب وبالجملة إنه من أسرار القضاء والقدر الاتى تحير فيها عقول أكثر البشر (1). 15 - ن: باسناد التميمي عن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لبنى هاشم: أنتم المستضعفون بعدي (2). 16 - ن: بهذا الاسناد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): إذا مت ظهرت لك ضغاين في صدور قوم يتمالئون عليك ويمنعونك حقك (3). بيان: في القاموس ملاه على الامر ساعده وشايعه كما لاه، وتمالؤوا عليه اجتمعوا. 17 - ن: بهذا الاسناد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلى (عليه السلام): إن أمتي ستغدر بك بعدى، ويتبع ذلك برها وفاجرها (4).


(1) اقول: قال الله عزوجل " هو الذين خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " ولما كان بناء الخلقة على الابتلاء وبلوى السرائر بمعنى ظهور أعمالهم ونياتهم في منصة الظهور حتى لا ينكرها منكر حين الجزاء ; بعث إلى هذا العالم المشهود في كل زمن جيلا من المتمردين - في علمه - وشر ذمة قليلة من المتقين معهم، وجعل هؤلاء فتنة لاولئك، حتى يتعرف كل واحد من الفريقين ويتشكل على شاكلته، ثم يجمعهم الله جميعا يوم القيامة فيجازى كلا بما أظهر من نفسياته وأعماله: فريق في الجنة وفريق في السعير. فقد جف القلم على آل محمد بأن يخرجوا في هذا العالم المشهود حين تخرج آل امية وبنو العباس ظاهرين على أمر الامة، ولا مناص من ذاك الاختبار الالهى، الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ينفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين... وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 61 (3 و 4) عيون الاخبار ج 2 ص 67 (*).

[51]

18 - ن: بالاسناد إلى دارم عن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي لا يحفظني فيك إلا الاتقياء [الانقياء] الابرار الاصفياء، وما هم في أمتي إلا كالشعرة البيضاء في الثور الاسود في الليل الغابر (1) بيان: في الليل الغابر اي الذي مضى كثير منه واشتد لذلك ظلامه. 19 - فس: " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفان مت فهم الخالدون " (2) فانه لما أخبر الله نبيه بما يصيب أهل بيته بعده، وادعاء من ادعى الخلافة دونهم اغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله عزوجل " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفان مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة " أي نختبرهم " وإلينا يرجعون " فأعلم ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لابد أن يموت كل نفس (3). 20 - لى: ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس ومحمد العطار معا، عن الاشعري، عن أبى عبد الله الرازي، عن ابن البطائني، عن ابن عميرة، عن محمد بن عتبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: بينا أنا وفاطمة والحسن والحسين عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ التفت إلينا فبكى، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال: أبكى مما يصنع بكم بعدي، فقلت: وما ذاك يا رسول الله ؟ قال: أبكى من ضربتك على القرن، ولطم فاطمة خدها، وطعنة الحسن في الفخذ، والسم الذي يسقى، وقتل الحسين: قال: فبكى أهل البيت جميعا، فقلت: يا رسول الله ! ما خلقنا ربنا إلا للبلاء ؟ قال أبشر يا على فان الله عزوجل قد عهد إلى أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق (4).


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 132 والصحيح: الليل الغامر: شديد الظلمة. (2) الانبياء: 34. (3) تفسير القمى: 428. (4) أمالى الصدوق: 81 - 82 (*).

[52]

21 - ك: ابن الوليد عن الصفار، عن ابن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن ابن اذينه، عن أبان بن أبى عياش وإبراهيم بن عمر اليماني، عن سليم بن قيس الهلالي، قال: سمعت سلمان الفارسى رضى الله عنه قال: كنت جالسا بين يدى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضته التى قبض فيها، فدخلت فاطمة (عليها السلام) فلما رأت ما بأبيها صلوات الله عليه وآله من الضعف، بكت حتى جرت دموعها على خديها فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما يبكيك يا فاطمة ؟ قالت: يا رسول الله أخشى الضيعة على نفسي وولدي بعدك. فاغرورقت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالبكاء، ثم قال: يا فاطمة أما علمت أنا أهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا وإنه حتم الفناء على جميع خلقه، وأن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الارض [الطلاعة] فاختارني منهم وجعلني نبيا و اطلع إلى الارض اطلاعة ثانية، فاختار منها زوجك، فأوحى الله إلى أن أزوجك إياه، وأن أتخذه وليا ووزيرا، وأن أجعله خليفتي في امتي، فأبوك خير أنبياء الله ورسله، وبعلك خير الاوصياء، وأنت أول من يلحق بي من أهلي: ثم اطلع إلى الارض اطلاعة ثالثة فاختارك (1) وولدك وأنت سيدة نساء أهل الجنة، وابناك حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبناء بعلك أوصيائي إلى يوم القيامة، كلهم هادون مهديون، والاوصياء بعدي أخي علي ثم حسن وحسين ثم تسعة من ولد الحسين في درجتي وليس في الجنة درجة أقرب إلى الله عزوجل من درجتي، و درجة أوصيائي، وأبى إبراهيم. أما تعلمين يا بينة أن من كرامة الله عزوجل إياك أن زوجك خير أمتي، وخير أهل بيتي: أقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكثرهم علما، فاستبشرت فاطمة (عليها السلام) وفرحت بما قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله). ثم قال لها: يا بنية إن لبعلك (2) مناقب: إيمانه بالله ورسوله قبل كل


(1) فاختارك وأحد عشر رجلا من ولدك خ ل. وهو الموجود في كتاب سليم. (2) في كتاب سليم: ان لعلى بن ابي طالب ثمانية أضراس ثواقب نواقد: مناقب الخ (*).

[53]

أحد لم يسبقه إلى ذلك أحد من أمتى، وعلمه بكتاب الله عزوجل وسنتى، وليس أحد من أمتي يعلم جميع علمي غير علي (عليه السلام) إن الله عزوجل علمني علما لا يعلمه غيري، وعلم ملائكته ورسله علما، وكلما علمه ملائكته ورسله فأنا أعلم به، وأمرني الله عزوجل أن أعلمه إياه، ففعلت، فليس أحد من أمتى يعلم جميع علمي فهمي وحكمي غيره، وإنك يا بنيه زوجته، وابناه سبطاي حسن وحسين، وهما سبطا أمتي وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وإن الله عزوجل آتاه الحكمة و فصل الخطاب. يا بنية إنا أهل بيت أعطانا الله عزوجل سبع خصال لهم يعطها أحدا من الاولين كان قبلكم، ولا يعطيها أحدا من الاخرين غيرنا: نبينا سيد المرسلين وهو أبوك، ووصينا سيد الاوصياء وهو بعلك، وشهيدنا سيد الشهداء وهو حمزة بن عبد المطلب، وهو عم أبيك، قالت: يا رسول الله وهو سيد الشهداء الذين قتلوا معك ؟ قال: لابل، سيد شهداء الاولين والاخرين ما خلا الانبياء والاوصياء، وجعفر بن أبي طالب (1) ذو الجناحين الطيار في الجنة مع الملائكة وابناك حسن وحسين سبطا امتي وسيدا شباب أهل الجنة، ومنا والذي نفسي بيده مهدي هذه الامة الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. قالت: فأي هؤلاء الذين سميت أفضل قال: علي بعدي أفضل أمتي، وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد علي (عليه السلام) وبعدك وبعد ابني وسبطي حسن وحسين وبعد الاوصياء من ولد ابني هذا، وأشار إلى الحسين، ومنهم المهدي، إنا أهل بيت اختار الله عزوجل لنا الاخرة على الدنيا. ثم نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليها وإلي بعلها وإلى ابنيها فقال: يا سلمان أشهد الله أني سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، أما إنهم معي في الجنة ثم أقبل


(1) في كتاب سليم: ذو الهجرتين وذو الجناحين، أقول: والمراد أن جعفرا من الخصال التي أعطاها أهل البيت، ويحتمل سقوط عبارة هكذا: " وأخو بعلك جعفر بن ابي طالب " (*).

[54]

على علي (عليه السلام) فقال: يا أخي إنك ستبقى بعدى، وستلقى من قريش شدة من تظاهرهم عليك وظلمهم لك، فان وجدت عليهم أعوانا فقاتل من خالفك بمن وافقك وإن لم تجد أعوانا فاصبر، وكف يدك، ولا تلق بها إلى التهلكة، فانك منى بمنزلة هارون من موسى ولك بهارون أسوة حسنة، إذ استضعفه قومه وكادوا يقتلونه فاصبر لظلم قريش إياك، وتظاهر هم عليك، فانك مني بمنزلة هارون من موسى ومن اتبعه، وهم بمنزلة العجل ومن اتبعه. يا علي إن الله تبارك وتعالى قد قضى الفرقة والاختلاف على هذه الامة، ولو شاء لجمعهم على الهدى حتى لا يختلف اثنان من هذه الامة، ولا ينازع في شئ من أمره، ولا يجحد المفضول ذا الفضل فضله، ولو شاء لعجل النقمة والتغيير حتى يكذب الظالم، ويعلم الحق أين مصيره، ولكنه جعل الدنيا دار الاعمال، وجعل الاخرة دار القرار " ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " فقال على (عليه السلام): الحمد لله شكرا على نعمائه، وصبرا على بلائه (1). 22 - أقول: وجدت في أصل كتاب الهلالي مثله إلى قوله: " ولك بهارون أسوة حسنة، إذ قال لاخيه موسى: " إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني (2). قال سليم: وحدثني علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن قال: كنت أمشى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض طرق المدينة، فأتينا على حديقة فقلت: يا رسول الله ما أحسنها من حديقة ؟ قال (صلى الله عليه وآله): ما أحسنها ولك في الجنة أحسن منها، ثم أتينا على حديقة اخرى فقلت: يا رسول الله ما أحسنها من حديقة ؟ قال: ما أحسنها ولك في الجنة أحسن منها، حتى أتينا على سبع حدائق أقول يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أحسنها ؟ ويقول: لك في الجنة أحسن منها. فلما خلاله الطريق اعتنقني ثم أجهش باكيا وقال: بأبي الوحيد الشهيد، فقلت: يا رسول الله ما يبكيك ؟ فقال ضغاين في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من


(1) كمال الدين ص 262 - 264. (2) كتاب سليم 69 - 70. مع أدنى تفاوت (*).

[55]

بعدي أحقاد بدر وترات أحد، قلت: في سلامة من ديني ؟ قال في سلامة من دينك، فأبشر يا على فان حياتك وموتك معى، وأنت أخى وأنت وصيى وأنت صفيي ووزيري ووارثي والمؤدي عني وأنت تقضي ديني وتنجز عداتي عني، وأنت تبرئ ذمتي وتؤدى أمانتي، وتقاتل على سنتي الناكثين من امتي والقاسطين والمارقين، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ولك بهارون أسوة حسنة إذ استضعفه قومه وكادوا يقتلونه، فاصبر لظلم قريش إياك، وتظاهرهم عليك، فانك بمنزلة هارون من موسى ومن تبعه، وهم بمنزلة العجل ومن تبعه، وإن موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم إن ضلوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم بهم، وإن لم يجد أعوانا أن يكف يده ويحقن دمه، ولا يفرق بينهم. يا على ما بعث الله رسولا إلا وأسلم معه قومه طوعا وقوم آخرون كرها فسلط الله الذين أسلموا كرها على الذين أسلموا طوعا، فقتلوهم، ليكون أعظم لاجورهم، يا على إنه ما اختلفت امة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها، وإن الله قضى الفرقة والاختلاف على هذه الامة، وساق الخبر إلى قوله وصبرا على بلائه وتسليما ورضا بقضائه (1). بيان: قال الجزرى: الجهش أن يفزع الانسان إلى الانسان ويلجأ إليه و هو مع ذلك يريد البكاء كما يفزع الصبى إلى امه، يقال: جهشت وأجهشت. 23 - مل: عبيد الله بن الفضل بن محمد بن هلال (2) عن سعيد بن محمد، عن محمد


(1) كتاب سليم: 72 - 74. (2) في المصدر: الباب الثامن والثمانون: فضل كربلا وزيارة الحسين (عليه السلام): للحسين بن احمد بن المغيرة فيه حديث رواه شيخه أبو القاسم رحمه الله مصنف هذا الكتاب و نقل عنه وهو عن زائدة عن مولانا على بن الحسين (عليه السلام) ذهب على شيخنا (ره) أن يضمنه كتابه هذا، وهو مما يليق بهذا الباب، ويشتمل أيضا على معان شتى حسن تام الالفاظ، احببت ادخاله، وجعلته أول الباب.. وقد كنت استفدت هذا الحديث بمصر عن شيخي أبى القاسم على بن = (*).

[56]

ابن سلام الكوفي، عن أحمد بن محمد الواسطي، عن عيسى بن أبى شيبة القاضي، عن نوح بن دراج، عن قدامة بن زايدة، عن أبيه قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: بلغني يا زايدة أنك تزور قبر أبي عبد الله (عليه السلام) أحيانا ؟ فقلت: إن ذلك لكما


= محمد بن عبدوس الكوفى ره مما نقله عن مزاحم بن عبد الوارث البصري باسناده عن قدامة بن زائدة عن أبيه زائدة عن على بن الحسين (عليه السلام). وقد ذاكرت شيخنا ابن قولويه بهذا الحديث بعد فراغه من تصنيف هذا الكتاب ليدخله فيه، فما قضى ذلك وعاجلته منيته رضى الله عنه والحقه بمواليه عليهم السلام. وهذا الحديث داخل فيما أجاز لي شيخي ره وقد جمعت بين الروايتين بالالفاظ الزائدة والنقصان والتقديم والتأخير فيهما حتى صح بجميعه عمن حدثنى به اولا ثم الان، وذلك أنى ما قرأته على شيخي ره ولا قرأه على، غير أنى أرويه عمن حدثنى به عنه، وهو أبو عبد الله احمد ابن محمد بن عياش قال: حدثنى أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه قال: حدثنى أبو عيسى عبيد الله بن الفضل - الخ، وبعد تمام الخبر يقول: رجعنا إلى الاصل. أقول: الحسين بن أحمد بن المغيرة هو الراوى لكتاب الزيارات هذه عن شيخه ابى - القاسم ابن قولويه، ومعلوم من ادراجه هذا الحديث وغيره: (راجع كامل الزيارات المطبوع ص 223) أن نسخة الكتاب انما وصلت الينا من قبله وبخطه وروايته وهو الذى يقول في صدر الكتاب، بعد الخطبة وفهرس الابواب: أخبرنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمى الفقيه قال: حدثنى أبى الخ. والظاهر من تأخير سند الكتاب عن الخطبة والفهرس أنه هو الذى أنشأ الخطبة ورتب - الفهرس، لا شيخه، والا لوجب تقديم سند الكتاب على الخطبة كما في غير واحد من اسناد كتب الحديث، وكيف كان، فالرجل وثقة النجاشي في رجاله حيث قال: الحسين بن أحمد بن المغيرة أبو عبد الله البوشنجى، كان عراقيا مضطرب المذهب وكان ثقة فيما يرويه وهكذا عنونه ابن داود في رجاله، ناقلا نص ذلك عن النجاشي والغضائري، الا أنه أدرجه في القسم الثاني المختص بذكر المجروحين، والمجهولين، كما فعل ذلك العلامة في رجاله وذكره في الضعفاء ومن يرد قوله أو يقف فيه (*).

[57]

بلغك، فقال لى: فلما ذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحدا على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا، والواجب على هذه الامة من حقنا ؟ فقلت: والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه، فقال: والله إن ذلك لكذلك، يقولها ثلاثا وأقولها ثلاثا فقال: أبشر ثم أبشر ثم أبشر فلا خبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزونة. إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنها، وقتل أبي (عليه السلام)، وقتل من كان معه من ولده وإخوته وساير أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الاقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى، ولم يواروا، فيعظم ذلك في صدري، ويشتد لما أرى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت على الكبرى، فقالت مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدى وأبي وإخوتي ؟ فقلت: وكيف لا أجزع ولا أهلع، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مصرعين بدمائهم مرملين بالعراء، مسلبين لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر. فقالت: لا يجز عنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الامة لا تعرفهم فراعنة هذه الارض، وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الاعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرحة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء (عليه السلام) لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والايام و ليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا. فقلت: وما هذا العهد وما هذا الخبر ؟ فقالت: حدثتني أم أيمن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) زار منزل فاطمة عليها السلام في يوم من الايام، فعملت له حريرة صلى الله عليهما، وأتاه علي (عليه السلام) بطبق فيه تمر ثم قالت ام أيمن: فأتيتهم بعس فيه لبن

[58]

وزبد، فأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) من تلك الحريرة، وشرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكل وأكلوا من ذلك التمر والزبد، ثم غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده وعلى (عليه السلام) يصب عليه الماء. فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر إلى علي وفاطمة والحسن و الحسين (عليهم السلام) نظرا عرفنا فيه السرور في وجهه، ثم رمق بطرفه نحو السماء مليا ثم وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه ودعا، ثم خر ساجدا وهو ينشج، فأطال النشوج وعلا نحيبه، وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الارض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين وحزنت معهم لما رأينا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهبناه أن نسأله حتى إذا طال ذلك، قال له على وقالت له فاطمة: ما يبكيك يا رسول الله لا أبكى الله عينيك، فقد أقرح قلوبنا ما ترى من حالك ؟ فقال: يا أخى سررت بكم سرورا ما سررت مثله قط (1) وإني لانظر إليكم وأحمد الله على نعمته على فيكم، إذ هبط علي جبرئيل فقال يا محمد إن الله تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك، فأكمل لك النعمة، وهناك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم يحبون كما تحبى، ويعطون كما تعطى، حتى ترضى وفوق الرضا، على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ; ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملنك ويزعمون أنهم من أمتك براء من الله ومنك خبطا خبطا، وقتلا قتلا، شتى مصارعهم، نائية قبورهم، خيرة من الله لهم، ولك فيهم، فاحمد الله عزوجل على خيرته وارض بقضائه، فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم. ثم قال جبرئيل: يا محمد إن أحاك مضطهد بعدك، مغلوب على أمتك، متعوب من أعدائك، ثم مقتول بعدك يقتله أشر الخلق والخليقة، وأشقى البرية، نظير


(1) راجع ج 45 ص 180 - 181 من طبعتا هذه (*).

[59]

عاقر الناقة ببلد تكون إليه هجرته، وهو مغرس شيعته وشيعة ولده، وفيه على كل حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم. وإن سبطك هذا وأومأ بيده إلى الحسين (عليه السلام) مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك، وأخيار من أمتك، بضفة الفرات، بأرض تدعى كربلاء من أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذريتك، في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفني حسرته، وهي أطهر بقاع الارض وأعظمها حرمة، وإنها لمن بطحاء الجنة، فإذا كان ذلك اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله، وأحاطت بهم كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الارض من أقطارها، ومادت الجبال وكثر اضطرابها واصطفقت البحار بأمواجها، وماجت السماوات بأهلها، غضبا لك يا محمد ولذريتك واستعظاما لما ينتهك من حرمتك، ولشر ما تكافى به في ذريتك وعترتك، ولا يبقى شئ من ذلك إلا استأذن الله عزوجل في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين. الذينهم حجة الله على خلقه بعدك فيوحي الله إلى السماوات والارض والجبال والبحار من فيهن: إني أنا الله الملك القادر الذي لا يفوته هارب، ولا يعجزه ممتنع، وأنا أقدر فيه على الانتصار والانتقام، وعزتي وجلالى لاعذبن من وتر رسولي وصفيي، وانتهك حرمته وقتل عترته، ونبذ عهده وظلم أهله عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. فعند ذلك يضج كل شئ في السموات والارضين، بلعن من ظلم عترتك واستحل حرمتك، فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها، تولى الله عزوجل قبض أرواحها بيده، وهبط إلى الارض ملائكة من السماء السابعة، معهم آنية من الياقوت والزمرد، مملوءة من ماء الحياة، وحلل من حلل الجنة، وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء، وألبسوها الحلل، وحنطوها بذلك الطيب وصلى الملائكة صفا صفا عليهم. ثم يبعث الله قوما من أمتك لا يعرفهم الكفار لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولانية، فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك

[60]

البطحاء يكون علما لاهل الحق، وسببا للمؤمنين إلى الفوز، وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة، ويصلون عليه ويسبحون الله عنده و يستغفرون الله لزواره، ويكتبون أسماء من يأتيه زائرا من امتك متقربا إلى الله وإليك بذلك، وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله: " هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الانبياء " فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الابصار، يدل عليهم ويعرفون به. وكأني بك يا محمد بينى وبين ميكائيل وعلى أمامنا، ومعنا من ملائكة الله مالا يحصى عدده، ونحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق، حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك، لا يريد به غير الله عزوجل وسيجد أناس حقت عليهم من الله اللعنة والسخط أن يعفوا رسم ذلك القبر ويمحوا أثره، فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلا. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فهذا أبكاني وأحزنني، قالت زينب: فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبى (عليه السلام) ورأيت أثر الموت منه، قلت له يا أبه حدثتني أم أيمن بكذا وكذا. وقد أحببت أن أسمعه منك، فقال يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن، وكأني بك وببنات أهلك سبايا بهذا البلد، أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبرا، فوالذي فلق الحبة وبرء النسمة، مالله على الارض يومئذ ولى غيركم وغير محبيكم وشيعتكم. ولقد قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أخبرنا بهذا الخبر: أن إبليس في ذلك اليوم يطير فرحا، فيجول الارض كلها في شياطينه وعفاريته، فيقول: يا معشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة، وبلغنا في هلاكهم الغاية، وأورثنا هم السوء إلا من اعتصم بهذه العصابة، فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم، وحملهم على عداوتهم وإغرائهم بهم وبأوليائهم، حتى تستحكم ضلالة الخلق وكفرهم، ولا

[61]

ينجو منهم ناج " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " وهو كذوب إنه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر. قال زائدة: ثم قال علي بن الحسين (عليهما السلام) بعد أن حدثني بهذا الحديث: خذه إليك، وأما لو ضربت في طلبه آباط الابل حولا لكان قليلا (1). بيان: الطف اسم لكربلا، قال الفيروز آبادى: الطف موضع قرب الكوفة و الصرع الطرح على الارض، والتصريع الصرع بشدة، ورمل الثوب لطخه بالدم، وأرمل السهم تلطخ بالدم، والعراء الفضاء لا يستر فيه بشئ، والتعريج على الشئ الاقامة عليه، وتضرج بالدم أي تلطخ، وضرج أنفه بدم بالتشديد أي أدماه ودرس الرسم دروسا عفا، ودرسته الريح لازم ومتعد، والحريرة دقيق يطبخ بلبن، والعس بالضم القدح العظيم، ورمق بطرفه أي نظر، ونشج الباكى كضرب نشيجا إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتخاب، ونشج بصوته نشيجا ردده في صدر، والصوب الانصباب، ومجئ السماء بالمطر، وخبطه ضربه شديدا، والقوم بسيفه جلدهم، والمضطهد بالفتح المقهور المضطرة، وضفة النهر بالكسر جانبه و الكتيبة الجيش، والتزعزع التحرك، وكذلك الميد، والاصطفاق الاضطراب، و الموثور من قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، وضرب آباط الابل كناية عن الركض والاستعجال. ثم اعلم أن رواية سيد الساجدين (عليه السلام) هذا الخبر عن عمته واستماعه لها لا ينافي كونه (عليه السلام) عالما بذلك قبله، إذ قد تكون في الرواية عن الغير مصلحة، و قد يكون للاستماع إلى حديث يعرفه الانسان تأثير جديد في أحوال الحزن، مع أنه يحتمل أن يكون الاستماع لتطييب قلب عمته رضي الله عنها. 24 - مل: محمد الحميرى، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله الاصم، عن حماد بن عثمان، عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لما اسرى بالنبي (صلى الله عليه وآله) قيل له: إن الله مختبرك في ثلاث لينظر


(1) كامل الزيارات: 259 - 266.

[62]

كيف صبرك ؟ قال: اسلم لامرك يا رب، ولا قوة لي على الصبر إلا بك، فما هن ؟ قيل: أولهن الجوع والاثرة على نفسك وعلى أهلك لاهل الحاجة، قال: قبلت يا رب ورضيت وسلمت، ومنك التوفيق والصبر. وأما الثانية فالتكذيب والخوف الشديد، وبذلك مهجتك في ومحاربة أهل الكفر بمالك ونفسك، والصبر على ما يصيبك منهم من الاذى ومن أهل النفاق والالم في الحرب والجراح قال: يا رب قبلت ورضيت وسلمت ومنك التوفيق والصبر. وأما الثالثة فما يلقى أهل بيتك من بعدك من القتل: أما أخوك فيلقى من امتك الشتم والتعنيف والتوبيخ والحرمان والجهد والظلم وآخر ذلك القتل، فقال: يا رب سلمت وقبلت ومنك التوفيق والصبر. وأما ابنتك فتظلم وتحرم ويؤخذ حقها غصبا الذي تجعله لها، وتضرب وهي حامل، ويدخل على حريمها ومنزلها بغير اذن، ثم يمسها هو ان وذل ثم لا تجد مانعا وتطرح ما في بطنها من الضرب وتموت من ذلك الضرب، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون قبلت يا رب وسلمت ومنك التوفيق والصبر. ويكون لها من أخيك ابنان يقتل أحدهما غدرا ويسلب ويطعن، يفعل به ذلك امتك، قال: قبلت يا رب وإنا لله وإنا إليه راجعون، وسلمت ومنك التوفيق والصبر. وأما ابنها الاخر فتدعوه امتك إلى الجهاد، ثم يقتلونه صبرا ويقتلون ولده ومن معه من أهل بيته، ثم يسلبون حرمه فيستعين بي وقد مضى القضاء منى فيه بالشهادة له، ولمن معه، ويكون قتله حجة على من بين قطريها فتبكيه أهل السماوات والارضين جزعا عليه، وتبكيه ملائكة لم يدركوا نصرته، ثم أخرج من صلبه ذكرا به أنصرك وإن شبحه عندي تحت العرش، وفي نسخة اخرى: ثم أخرج من صلبه ذكرا أنتصر له به وإن شبحه عندي تحت العرش يملاء الارض بالعدل ويطفئها (1) بالقسط، يسير معه الرعب، يقتل حتى يسئل فيه قلت إنا لله


(1) ويطبقها خ ل. وهو ثبت المصدر (*).

[63]

فقيل: ارفع رأسك، فنظرت إلى رجل من أحسن الناس صورة وأطيبه ريحا، والثور يسطع من فوقه ومن تحته، فدعوته فأقبل إلى وعليه ثياب النور، وسيماء كل خير، حتى قبل بين عيني، ونظرت إلى ملائكة قد حفوا به لا يحصيهم إلا الله جل وعز، فقلت يا رب لمن يغضب هذا ولمن أعددت هؤلاء وقد وعدتني النصر فيهم، فأنا أنتظره منك، فهؤلاء أهلي وأهل بيتي وقد أخبرتني بما يلقون من بعدي ولو شئت لاعطيتني النصر فيهم على من بغى عليهم، وقد سلمت وقبلت ورضيت، ومنك التوفيق والرضا والعون على الصبر. فقيل لى: أما أخوك فجزاؤه عندي جنة المأوى نزلا بصبره، افلج حجته على الخلائق يوم البعث، وأوليه حوضك يسقي منه أولياءكم، ويمنع منه أعداءكم و أجعل جهنم عليه بردا وسلاما يدخلها فيخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من المودة وأجعل منزلتكم في درجة واحدة من الجنة. وأما ابنك المقتول المخذول وابنك المغدور المقتول صبرا فانهما مما ازين بهما عرشى، ولهما من الكرامة سوى ذلك ما لا يخطر على قلب بشر لما أصابهما من البلاء (1) ولكل من أتى قبره من الخلق (2) لان زواره زوارك، وزوارك زواري، وعلى كرامة زائري، وأنا اعطيه ما سأل وأجزيه جاء يغبطه من نظر إلى تعظيمي له، وما أعددت له من كرامتي. وأما ابنتك فانى أوقفها عند عرشى فيقال لها: إن الله قد حكمك في خلقه فمن ظلمك وظلم ولدك فاحكمي فيه بما أحببت، فاني أجيز حكومتك فيهم، فتشهد العرصة فإذا أوقف من ظلمها أمرت به إلى النار، فيقول الظالم " واحسرتاه على ما


(1) فعلى فتوكل خ، وهو ثبت في المصدر. (2) قوله " ولكل من أتى قبره من الخلق " عطف على قوله " ولهما من الكرامة سوى ذلك " الخ، أي لهما ولكل من أتى قبره من الخلق من الكرامة سوى ذلك مالا يخطر على قلب بشر، فما في المصدر وهكذا هامش نسخة الكمبانى: " ولكل من أتى قبره من الخلق من - الكرامة " سهو زائد (*).

[64]

فرطت في جنب الله " ويتمنى الكرة " ويعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا " وقال: " حتى إذا جاءنا قال يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين * ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون " فيقول الظالم: " أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون " أو الحكم لغيرك ؟ فيقال لهما: " ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالاخرة هم كافرون ". وأول من يحكم فيه محسن بن علي (عليه السلام) في قاتله ثم في قنفذ فيؤتيان هو وصاحبه فيضربان بسياط من نار، لو وقع سوط منها على البحار لغلت من مشرقها إلى مغربها، ولو وضعت على جبال الدنيا لذابت حتى تصيرر مادا، فيضربان بها. ثم يجثو أمير المؤمنين صلوات الله عليه بين يدي الله للخصومة مع الرابع و تدخل الثلاثة في جب فيطبق عليهم لا يراهم أحد، ولا يرون أحدا، فيقول الذين كانوا في ولايتهم " ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والانس تجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين " قال الله عزوجل " ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون " فعند ذلك، ينادون بالويل والثبور، ويأتيان الحوض يسئلان عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعهم حفظة فيقولان اعف عنا واسقنا وخلصنا، فيقال لهم: " فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون " بامرة المؤمنين، ارجعوا ظماء مظمئين إلى النار فما شرابكم إلا الحميم والغسلين، وما تنفعكم شفاعة الشافعين (1) بيان: قوله " يطفيها " لعل الضمير راجع إلى الارض، وفى الاسناد تجوز أي يطفئ نيران فتنتها وظلمها، أو إلى الفتن بقرينة المقام، وفي بعض النسخ " ويطبقها " أي يعمها وهو أظهر قوله: " حتى يسئل فيه " (2) أي يقتل الناس كثيرا


(1) كامل الزيارات: 332 - 335. (2) في المصدر: يشك فيه (*).

[65]

حتى يسأله الناس عن سبب كثيرة القتل، فالضمير راجع إلى القتل والضمير في قوله " ولكل من أتى قبره " إلى الحسين (عليه السلام)، ولعله سقط من الخبر شئ. 25 - شا: روى اسماعيل بن سالم، عن ابن أبى إدريس الاودى قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: إن فيما عهد إلى النبي الامي أن الامة ستغدر بك من بعدي (1).


(1) ارشاد المفيد: 136 ورواه الفضل بن شاذان في الايضاح قال: روى اسحاق بن اسماعيل عن هيثم بن بشير عن اسماعيل بن سالم عن ابى ادريس عن على بن ابي طالب أنه قال: فيما عهد إلى النبي أن الامة ستغدر بك، راجع ص 452 من كتابه الايضاح. وروى المفيد في الارشاد قبل هذا الحديث عن عبد الله بن بكير الغنوى عن حكيم بن جبير قال: حدثنا من شهد عليا بالرحبة يخطب فقال فيما قال: " أيها الناس انكم قد أبيتم الا أن اقول: اما ورب السماوات والارض لقد عهد إلى خليلي ان الامة ستغدر بك "، أقول: انما قال (عليه السلام) " قد أبيتم الا أن أقول " فان شر ذمة من منافقي أصحابه (عليه السلام) قد أنكروا عليه قتال المسلمين فسألوه: هل كان ذلك بعهد من رسول الله اليك أو رأى رأيته ؟ و سيجئ الكلام في ذلك مستوفى في باب الجمل انشاء الله تعالى. وروى ابن ابى الحديد هذين الحديثين في شرح النهج ج 1 ص 372 ثم قال: وقد روى أكثر أهل الحديث هذا الخبر بهذا اللفظ أو بقريب منه، وروى عن سدير الصيرفى عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: اشتكى على (عليه السلام) شكاة فعاده أبو بكر وعصر وخرجا من عنده فأتيا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألهما من أين جئتما ؟ قالا عدنا عليا، قال ص: كيف رأيتماه ؟ قالا: رأيناه يخاف عليه مما به، فقال: كلا انه لن يموت حتى يوسع غدرا وبغيا وليكونن في هذه الامة عبرة يعتبر به الناس من بعده. وروى البخاري في تاريخه الكبير ج 1 ق 2 ص 174 عن ثعلبة بن يزيد الحمانى قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلى: ان الامة ستغدر بك، ولا يتابع عليه. وقد أخرج العلامة المرعشي مثله في ذيل الاحقاق ج 7 ص 325 - 330 عن جمع كثير كالحاكم في المستدرك ج 3 ص 140، الخطيب في تاريخ بغداد ج 11 ص 216، =

[66]

26 - م: قوله عزوجل: " ولقد جائكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون " (1) قال الامام: قال الله تعالى لليهود الذين تقدم ذكرهم: " ولقد جائكم موسى بالبينات " الدالات على نبوته، وعلى ما وصفه من فضل محمد وشرفه على الخلائق، وأبان عنه من خلافة علي (عليه السلام) ووصيته وأمر خلفائه بعده " ثم اتخذتم العجل " إلها " من بعده " بعد انطلاقه إلى الجبل وخالفتم خليفته الذي نص عليه وتركه عليكم وهو هارون " وأنتم ظالمون " كافرون بما فعلتم من ذلك. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد مر معه بحديقه حسنة فقال علي (عليه السلام): ما أحسنها من حديقة ؟ فقال: يا علي لك في الجنة أحسن منها إلى أن مر بسبع حدائق كل ذلك على (عليه السلام) يقول ما أحسنها ؟ ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لك في الجنة أحسن منها، ثم بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكاء شديدا فبكى على (عليه السلام) لبكائه ثم قال: ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال: يا أخى يا أبا الحسن، ضغاين في صدور قوم يبدونها لك بعدى، قال علي: يارسول الله في سلامة من دينى ؟ قال: في سلامة من دينك، قال: يا رسول الله إذا سلم لى دينى فما يسوؤنى ذلك (2).


الذهبي في ميزان الاعتدال ج 1 ص 171، وغيرهم من أراد الاستقصاء فليراجع. (1) البقرة: 92 (2) حديث الحدائق السبعة مستفيض بل متواتر عنه ص وسيجئ تحت الرقم 33 أيضا وقد أخرجه العلامة المرعشي دام ظله في ج 6 ص 181 من شرحه على الاحقاق من حديث ابى عثمان النهدي عن 16 كتابا منها مستدرك الحاكم ج 3 ص 139، تاريخ بغداد ج 12 ص 398 ومن حديث ابن عباس عن 3 كتب منها مجمع الزوائد ج 9 / 118 قال رواه الطبراني، وعن حديث انس عن 3 كتب اخرى منها منتخب كنز العمال ج 5 ص 53 أضف إلى ذلك شرح النهج الحديدي ج 1 ص 372، رواه عن يونس بن حباب عن انس ولفظه في ذيل الحديث: "... فقال يا رسول الله أفلا أضع سيفى على عاتقي فأبيد خضراءهم ؟ قال =

[67]

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لذلك جعلك الله لمحمد تاليا وإلى رضوانه وغفرانه داعيا، وعن أولاد الرشدة والبغي بحبهم لك وبغضهم منبئا، وللواء محمد (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة حاملا، وللانبياء والرسل الصائرين تحت لوائى إلى جنات النعيم قايدا. يا علي إن أصحاب موسى اتخذوا بعده عجلا فخالفوا خليفته، وستتخذ أمتي بعدي عجلا ثم عجلا، ثم عجلا، ويخالفونك، وأنت خليفتي على هؤلاء، يضاهؤن أولئك في اتخاذهم العجل، ألا فمن وافقك وأطاعك فهو معنا في الرفيق الاعلى، ومن اتخذ بعدي العجل وخالفك ولم يتب فاولئك مع الذين اتخذوا العجل زمان


= بل تصبر قال: فان صبرت، قال: تلاقى جهدا، قال: أفى سلامة من ديني، قال: نعم، قال: فإذا لا ابالى. وروى بعد ذلك عن جابر الجعفي عن الباقر (عليه السلام) قال: قال على (عليه السلام): ما رأيت منذ بعث الله محمدا رخاء لقد أخافتني قريش صغيرا وأنصبتني كبيرا حتى قبض الله رسوله فكانت الطامة الكبرى، والله المستعان على ما تصفون. وأخرج ابن شهر آشوب في مناقبه ج 1 ص 323 حديث الحدائق السبعة عن مسند أبى يعلى واعتقاد الاشنهى ومجموع أبى العلاء الهمداني وقد رووه عن أنس وأبى برزة وأبي رافع وأخرجه عن ابانة ابن بطة وقد رواه عن ثلاثة طرق ولفظه في ذيل الحديث: قال يا رسول الله كيف أصنع ؟ قال: تصبر فان لم تصبر تلق جهدا وشدة، وقال: يا رسول الله أتخاف فيها هلاك دينى ؟ قال: بل فيها حياة دينك. ثم روى بعد ذلك مرسلا مثل ما مر عن شرح النهج ولفظه: قال أمير المؤمنين: ما رأيت منذ بعث الله محمدا رخاء - فالحمد لله - ولقد خفت صغيرا وجاهدت كبيرا اقاتل المشركين و أعادي المنافقين حتى قبض الله نبيه، فكانت الطامة الكبرى، فلم ازل محاذرا وجلا أخاف أن يكون مالا يسعنى فيه المقام، فلم أر بحمد الله الاخيرا، حتى مات أبو بكر فكانت أشياء ففعل الله ما شاء ثم أصيب فلان، فما زلت بعد فيما ترون دائبا أضرب بسيفي صبيا حتى كنت شيخا (*).

[68]

موسى: ولم يتوبوا في نار جهنم خالدين مخلدين (1). 27 - قب: أبو طالب الهروي باسناده عن علقمة وأبي أيوب أنه لما نزل " ألم أحسب الناس " الايات قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعمار إنه سيكون بعدي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم، وحتى يقتل بعضهم بعضا وحتى يتبرأ بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الاصلع عن يمينى، علي بن أبي طالب (عليه السلام) فان سلك الناس كلهم واديا [وسلك علي واديا] فاسلك وادي علي، وخل عن الناس، يا عمار إن عليا لايردك عن هدى ولا يردك إلى ردى، يا عمار طاعة علي طاعتي، وطاعتي طاعة الله (2). وفي رواية الناصر (3) باسناده عن جابر الانصاري وظريف العبدى وأبي عبد -


(1) تفسير الامام: 185 - 186. (2) المناقب (مناقب آل أبى طالب لابن شهر آشوب السروى) ج 3 ص 203، وفى مطبوعة الكمبانى شى رمز العياشي وهو سهو. أقول: وترى نص الحديث في فرائد السمطين على ما أخرجه العلامة المرعشي في ج 8 ص 469 من ذيل الاحقاق، ينا بيع المودة: 128 منتخب كنز العمال ج 11 ص 174 ط حيدر آباد. (3) يعنى الناصر لدين الله العباسي وكان عالما مؤلفا شجاعا شاعرا راويا للحديث ويعد في المحدثين، وأجاز لجماعة من الاعيان فحدثوا عنه، له كتاب في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) رواه السيد بن طاوس في كتابه اليقين عن السيد فخار بن معد الموسوي عن المولف - على مافى الكنى والالقاب. كتب إليه الملك الافضل على بن صلاح الدين (565 - 622) يشكو إليه عمه أبا بكر وأخاه عثمان لما أخذا منه دمشق (من البسيط): مولاى ان ابا بكر وصاحبه * عثمان قد غصبا بالسيف حق على وهو الذى كان قد ولاه والده * عليهما فاستقام الامر حين ولى فخالفاء وحلا عقد بيعته * والامر بينهما والنص فيه جلى =

[69]

الرحمن قال على (عليه السلام): والله نزلت هذه الايات في وفي شيعتي، وفي عدوي و في أشياعهم (1). 28 - قب: الحسين بن علي، عن أبيه عليهما السلام قال: لما نزلت " الم أحسب الناس - الايات " قلت يارسول الله ما هذه الفتنة ؟ قال: يا علي إنك مبتلى ومبتلى بك وإنك مخاصم فأعد للخصومة (2). 29 - قب: جابر عن أبى جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): كيف بك يا علي إذ ولوها من بعدى فلانا، قال: هذا سيفى أحول بينهم وبينها، قال النبي أو تكون صابرا محتسبا فهو خير لك منها، قال على (عليه السلام): فإذا كان خيرا لي فأصبر وأحتسب، ثم ذكر فلانا وفلانا كذلك، ثم قال: كيف بك إذا بويعت ثم خلعت، فأمسك على (عليه السلام) فقال: اختر يا علي السيف أو النار، قال علي (عليه السلام): فما زلت أضرب أمري ظهرا لبطن فما يسعني إلا جهاد القوم وقتالهم (3).


= فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقى * من الاواخر مالاقى من الاول فأجابه الناصر وفى أوله (من الكامل): وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا * بالود يخبر أن أصلك طاهر غصبا عليا حقه إذ لم يكن * بعد النبي له بيثرب ناصر فابشر فان غدا عليه حسابهم * واصبر فناصرك الامام الناصر راجع وفيات الاعيان الرقم 409 ج 3 ص 96 تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد ومن شعره أيضا: قسما بمكة والحطيم وزمزم * والراقصات ومشيهن إلى منى بغض الوصي علامة مكتوبة * تبدو على جبهات أولا دالزنى من لم يوال في البرية حيدرا * سيان عند الله صلى أم زنى (1 - 2) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 203، وفى ط الكمبانى رمز العياشي. (3) المناقب ج 3 ص 203 = (*).

[70]

30 - جا: محمد بن الحسين المقرى، عن عبد الكريم بن محمد، عن محمد بن علي عن زيد بن المعدل، عن أبان بن عثمان، عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه (عليهما السلام) قال: وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذي توفى فيه رأسه في حجر أم الفضل وأغمى عليه، فقطرت قطرة من دموعها على خديه ففتح عينيه وقال لها: مالك يا أم الفضل ؟ قالت: نعيت إلينا نفسك وأخبرتنا أنك ميت، فان يكن الامر لنا فبشرنا، وإن يكن في غيرنا فأوص بنا، قال: فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): أنتم المقهورون المستضعفون بعدي (1). بيان: النعي خبر الموت. 31 - نى: ابن عقدة، عن أحمد بن محمد الدينوري، عن علي بن الحسن الكوفي، عن عميرة بنت أوس قالت: حدثني جدي الخضر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده عمرو بن سعيد، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال يوما لحذيفة بن اليمان: يا حذيفة لا تحدث الناس بما لا يعلمون فيطغوا ويكفروا إن من العلم صعبا شديدا محمله (2) لو حملته الجبال عجزت عن حمله، إن علمنا


= أقول وفى النهج تحت الرقم 54 من قسم الخطب يقول (عليه السلام) في كلام له: " وقد قلبت هذا الامر بطنه وظهره، حتى منعنى النوم، فما وجدتني يسعنى الا قتالهم أو الجحود بما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكانت معالجة القتال أهون على من معالجة العقاب، وموتات الدنيا أهون على من موتات الاخرة " وترى نصوصا في ذلك أخرجه العلامة المرعشي مد ظله في ذيل الاحقاق ج 8 ص 420 عن شرح النهج ج 1 ص 183، الرياض النضرة ج 2 ص 243 نظم درر السمطين: 117. (1) امالي المفيد: 31 م 24. ومثله في مسند الامام ابن حنبل ج 6 ص 339. (2) أي حمله وتقبله والعمل به والاعتقاد له، كما روى: ان حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله الا ملك مقرب الخ

[71]

أهل البيت يستنكر ويبطل ويقتل رواته، ويساء إلى من يتلوه بغيا وحسدا لما فضل الله به عترة الوصي وصي النبي (صلى الله عليه وآله). يا ابن اليمان إن النبي (صلى الله عليه وآله) تفل في فمى وأمر يده على صدري، وقال: اللهم أعط خليفتي ووصيي وقاضي ديني ومنجز وعدي وأمانتي ووليى وولى حوضى وناصري على عدوك وعدوي ومفرج الكرب عن وجهى ما أعطيت آدم من العلم وما أعطيت نوحا من الحلم، وما أعطيت إبراهيم من العترة الطيبة والسماحة، وما أعطيت أيوب من الصبر عند البلاء، وما أعطيت داود من الشدة عند منازلة الاقران، وما أعطيت سليمان من الفهم، لا تخف عن علي شيئا من الدنيا حتى تجعلها كلها بين عينيه مثل المائدة الصغيرة بين يديه، اللهم أعطه جلادة موسى واجعل في نسله شبيه عيسى، اللهم إنك خليفتي عليه وعلى عترته وذريته الطيبة المطهرة التي أذهبت عنها الرجس والنجس، وصرفت عنها ملامسة الشيطان، اللهم إن بغت قريش عليه وقدمت غيره عليه فاجعله بمنزلة هارون إذ غاب عنه موسى. ثم قال: يا علي كم من ولدك من ولد فاضل يقتل، والناس قيام ينظرون لا يغيرون، فقبحت امة ترى أولاد نبيها يقتلون ظلما ولا يغيرون، إن القاتل والامر والمساعد الذي لا يغير كلهم في الاثم واللعان مشتركون. يا ابن اليمان إن قريشا لا تنشرح صدورها ولا ترضى قلوبها ولا تجرى ألسنتها ببيعة علي (عليه السلام) وموالاته إلا على الكره والعمى والطغيان، يا ابن اليمان ستبايع قريش عليا ثم تنكث عليه وتحاربه وتناضله وترميه بالعظايم، وبعد علي يلي الحسن وسينكث عليه ثم يلى الحسين (عليه السلام) فيقتل فلعنت امة تقتل ابن بنت نبيها، ولا تعز من امة ولعن القائد لها والمرتب لجيشها. فوالذي نفس علي بيده، لا تزال هذه الامه بعد قتل الحسين ابني في ضلال وظلمة وعسفة وجور واختلاف في الدين، وتغيير وتبديل لما أنزل الله في كتابه وإظهار البدع وإبطال السنن، واختلاف وقياس مشتبهات، وترك محكمات حتى

[72]

تنسلخ من الاسلام، وتدخل في العمى والتلدد والتسكع (1). مالك يا بني امية، لا هديت يا بني أمية ومالك يا بني فلان لك الاتعاس، فما في بني فلان إلا ظالم معتد متمرد على الله بالمعاصي، قتال لولدي، هتاك لستر حرمتي، فلا تزال هذه الامة جبارين يتكالبون على حرام الدنيا، منغمسين في بحار الهلكات في أودية الدماء حتى إذا غاب المتغيب من ولدي عن عيون الناس وماج الناس بفقده أو بقتله أو بموته، اطلعت الفتنة، ونزلت البلية، وأتيحت العصبية، وعلا الناس في دينهم، واجتمعوا على أن الحجة ذاهبة، والامامة باطلة ويحج حجيج الناس في تلك السنة من شيعة على ونواصبهم للتمكن والتجسس عن خلف الخلف، فلا يرى له أثر ولا يعرف له خلف. فعند ذلك سبت شيعة على سبها أعداؤها وغلبت علهيا الاشرار والفساق باحتجاجها، حتى إذا تعبت الامة وتدلهت، أكثرت في قولها إن الحجة هالكة، والامامة باطلة، فورب على إن حجتها عليها قائمة ماشية في طرقاتها، داخله في دورها وقصوره، جوالة في شرق الارض وغربها، يسمع الكلام، ويسلم على الجماعة برى ولا يرى إلى يوم الوقت والوعد ونداء المنادي من السماء ذلك يوم سرور ولد علي وشيعة علي (عليه السلام) (2). بيان: " محملة " على بناء المجهول من باب الافعال أو التفعيل أي لا يمكن حمله إلا باعانة من الله تعالى وإلا بمشقة قال في القاموس: تحامل في الامر وبه تكلفه على مشقة، وعليه كلفه مالا يطيقه، وأحمله الحمل أعانه عليه، وحمله فعل ذلك به انتهى، والمعنى أنه يحتمل وجوها من التأويل، قوله (عليه السلام): " ببيعة علي " هذا الفصل وما بعده إما من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا جرى على وجه الالنفات، أو من كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) قال لحذيفة في وقت آخر، فألحقه بهذا الخبر


(1) في المصدر: والتكسع، وكلاهما بمعنى، يقال: تكسع في ضلاله: ذهب كتسكع، قاله الشرتونى. (2) غيبة النعماني: 70 - 72.

[73]

وقال الجوهري: فلان يتلدد أي يلتفت يمينا وشمالا، ورجل ألد بين اللدد، وهو الشديد الخصومة، وقال: التسكع التمادي في الباطل وقال التعس الهلاك انتهى والمراد ببني فلان بنو العباس، ويقال يتكالبون على كذا أي يتواثبون عليه. قوله (عليه السلام) " ويحج حجيج الناس " أي تذهب الشيعة والنواصب في تلك السنة إلى الحج لتفحص الحجة والتمكن منه فالتمكن والتجسس نشر على خلاف اللف، وقوله: " سبها أعداؤها " إما مصدر أي يسب المخالفون الشيعة كما كانت الشيعة يسبونهم، أو فعل وأعداؤها مرفوع، وغلبة الاشرار عليهم بالاحتجاج أريد بها الغلبة عند العوام لانهم يحتجون عليهم بأنكم تدعون عدم خلو الزمان من الحجة وفي هذا الزمان لا تعرفون حجتكم، ولذا ينسبونهم بالبطلان والكذب والافتراء، والتدله ذهاب العقل من الهوى، ويقال: دلهه الحب أي حيره وأدهشه فتدله. 32 - فض يل: بالاسناد يرفعه إلى سليم بن قيس أنه قال: لما قتل الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهما السلام بكى ابن عباس بكاء شديدا ثم قال: ما لقيت هذه الامة بعد نبيها، اللهم إني أشهدك أني لعلي بن أبي طالب ولولده ولي، ولعدوه عدو، ومن عدو ولده برئ، وإنى سلم لامرهم. ولقد دخلت على ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذي قار فأخرج لي صحيفة وقال لي يا ابن عباس هذه صحيفة أملاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطي بيدي، قال: فأخرج لي الصحيفة فقلت: يا أمير المؤمنين اقرأها علي، فقرأها وإذا فيها كل شئ منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكيف يقتل الحسين ومن يقتله ومن ينصره ومن يستشهد معه ؟ وبكى بكاء شديدا وأبكاني، وكان فيما قرأه كيف يصنع به وكيف تستشهد فاطمة عليها السلام وكيف يستشهد الحسن (عليه السلام) وكيف تغدر به الامة فلما قرأ مقتل الحسين (عليه السلام) ومن يقتله أكثر البكاء ثم أدرج الصحيفة وفيها ماكان وما يكون إلى يوم القيامة. وكان فيما قرأ أمر أبي بكر وعمر وعثمان، وكم يملك كل انسان منهم و

[74]

كيف يقع على علي بن أبي طالب (عليه السلام) ووقعة الجمل ومسير عائشة وطلحة والزبير ووقعة صفين ومن يقتل بها، ووقعة النهروان وأمر الحكمين، وملك معاوية ومن يقتل من الشيعة، وما تصنع الناس بالحسن، وأمر يزيد بن معاوية حتى انتهى إلى قتل الحسين (عليه السلام) فسمعت ذلك فكان كما قرأ لم يزد ولم ينقص ورأيت خطه في الصحيفة لم يتغير ولم يعفر. فلما أدرج الصحيفة قلت يا أمير المؤمنين، لو كنت قرأت علي بقية الصحيفة قال: لا، ولكني أحدثك بما فيها من أمر بيتك وولدك، وهو أمير فضيح من قتلهم لنا وعداوتهم لنا، وسوء ملكهم وشوم قدرتهم، فأكره أن تسمعه فتغتم، ولكني احدثك أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند موته بيدي ففتح لي ألف باب من العلم ففتح لي من كل باب الف باب، وأبو بكر وعمر ينظران إلى وهو يشير إلى بذلك، فلما خرجت قالا لي: ما قال لك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلم فحدثتهما بما قال لي: فحركا أيديهما ثم حكيا قولى، ثم وليا. يا ابن عباس إن ملك بني أمية إذا زال أول من يملك ولدك من بنى هاشم فيفعلون الافاعيل، قال ابن عباس لئن نسخني ذلك الكتاب كان أحب إلى مما طلعت عليه الشمس (1).


(1) حديث الصحيفة التي عهد بما فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى على (عليه السلام) مستفيض مشهور وسيجئ تمام الكلام فيها في ابواب الجمل وصفين والنهروان ومن ذلك ما أخرجه الفضل ابن شاذان في كتابه الايضاح ص 452 عن اسحاق بن اسماعيل عن عمرو بن أبى قيس عن ميسرة النهدي عن المنهال بن عمرو الاسدي قال: أخبرني رجل من بنى تميم قال: نزلنا مع على ذاقار ونحن نرى أنا سنختطف من يومنا، فقال: والله لتظهران على هذه القرية و لنقتلن هذين الرجلين يعنى طلحة والزبير ولتستبيحن عسكرهما، فقال التميمي: فأتيت ابن عباس فقلت: أما ترى ابن عمك ما يقول ؟ والله ما نرى أن نبرح حتى نختطف من يومنا (أقول: كانه كان يستعظم قتال المسلمين) فقال ابن عباس: لا تعجل حتى ننظر ما يكون، فلما كان من أمر البصرة ماكان، أتيته فقلت: لا أرى ابن عمك الا قد صدق، فقال: ويحك انا =

[75]

بيان: " ولم يعفر " أي لم يظهر فيه أثر التراب والغبار، يقال: عفره كضربه وبالتشديد في التراب أي مرغه، وفي بعض النسخ ولم يصفر. 33 - كشف: من مناقب الخوارزمي، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كنت أمشى مع النبي (صلى الله عليه وآله) في بعض طرق المدينة فأتينا على حديقة وهي الروضة ذات الشجر، فقلت: يا رسول الله ما أحسن هذه الحديقة ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): ما أحسنها ولك في الجنة أحسن منها، ثم أتينا على حديقة أخرى فقلت: يا رسول الله ما أحسنها من حديقة ؟ فقال: لك في الجنة أحسن منها، حتى أتينا على سبع حدائق أقول: يا رسول الله ما أحسنها ؟ فيقول: لك في الجنة أحسن منها ! فلما خلاله الطريق اعتنقني وأجهش باكيا فقلت: يا رسول الله ما يبكيك قال ضغاين في صدور أقوام لا يبدونها إلا بعدي فقلت: في سلامة من ديني قال: في سلامة من دينك (1). يف: من مناقب ابن مردويه عن ابن عباس مثله بطريقين (2). يف: عن ابن المغازلى باسناده قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبى طالب (عليه السلام)


= كنا نتحدث أصحاب محمد أن النبي عهد إليه ثمانين عهدا، ولعل هذا مما عهد إليه. ورواه أبو نعيم في الحلية ج 1 ص 68 ولفظه " كنا نتحدث أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد إلى على سبعين عهدا لم يعهد إلى غيره " وأخرجه الخطيب البغدادي في موضع الاوهام ج 2 ص 139 والحمويى في فرائد السمطين، والهيتمى في المجمع ج 9 ص 113 عن الطبراني، والمناوى في شرح الجامع الصغير: 248، والقندوزى في الينابيع: 78 وغيرهم، راجع في ذلك هامش احقاق الحق للعلامة المرعشي دامت بركاته، ج 6 ص 47 - 49. (1) كشف الغمة ج 1 ص 130، راجع مناقب الخوارزمي ص 37 مقتل الحسين له ص 36، وأخرجه الگنجى في كفاية الطالب: 72، والحمويى في فرائد السمطين والذهبي في ميزان الاعتدال ج 2 ص 331. (4) الطرائف: 129، ورواه بهذا الطريق العلامة الكركي في نفحات اللاهوت: 85 على ما في احقاق الحق ج 6 ص 185 (*).

[76]

إن الامة ستغدر بك بعدي (1). 34 - كشف: روى جابر بن عبد الله الانصاري قال: دخلت فاطمة (عليها السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في سكرات الموت فانكبت عليه تبكى، ففتح عينه وأفاق، ثم قال يا بنية أنت المظلومة بعدي، وأنت المستضعفة بعدى، فمن آذاك فقد آذانى، ومن غاظك فقد غاظنى، ومن سرك فقد سرني، ومن برك فقد برني، ومن جفاك فقد جفاني، ومن وصلك فقد وصلني، ومن قطعك فقد قطعني، ومن أنصفك فقد أنصفني، ومن ظلمك فقد ظلمني، لانك مني وأنا منك، وأنت بضعة مني وروحي التي بين جنبي، ثم قال (عليه السلام): إلى الله أشكو ظالميك من أمتي. ثم دخل الحسن والحسين (عليهما السلام) فانكبا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهما يبكيان ويقولان: أنفسنا لنفسك الفداء يا رسول الله، فذهب على (عليه السلام) لينحيهما عنه فرفع رأسه إليه، ثم قال: دعهما يا أخى يشماني وأشمهما، ويتزودان مني وأتزود منهما، فانهما مقتولان بعدي ظلما وعدوانا، فلعنة الله على من يقتلهما، ثم قال: يا علي أنت المظلوم بعدي، وأنا خصم لمن أنت خصمه يوم القيامة (2). 35 - فر: أحمد بن عيسى بن هارون معنعنا عن جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أقبل على (عليه السلام) فلما نظر إليه النبي (صلى الله عليه وآله) قال: الحمد لله رب العالمين لا شريك له، قال: قلنا: صدقت يا رسول الله الحمد لله رب العالمين لا شريك له، قد ظننا أنك لم تقلها إلا لعجب من شئ رأيته، قال: نعم، لما رأيت عليا مقبلا ذكرت حديثا حدثني حبيبي جبرئيل (عليه السلام) قال: قال: إني سألت الله أن يجتمع الامة عليه فأبى عليه إلا أن يبلو بعضهم ببعض حتى يميز الخبيث من الطيب، وأنزل علي بذلك كتابا " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " أما إنه قد عوضه مكانه بسبع خصال: يلى


(1) الطرائف: 129، وقد مر تحت الرقم 25 أيضا (2) كشف الغمة ج 2 ص 58 (*).

[77]

ستر عورتك، ويقضى دينك وعداتك، وهو معك على عقر حوضك، وهو متكأ لك يوم القيامة، ولن يرجع كافرا بعد إيمان، ولا زانيا بعد إحصان، فكم من ضرس قاطع له في الاسلام مع القدم في الاسلام، والعلم بكلام الله، والفقه في دين الله مع الصهر والقرابة والنجدة في الحرب، وبذل الماعون، والامر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والولاية لوليى، والعداوة لعدوي، وبشره يا محمد بذلك (1) وقال السدى " الذين صدقوا " علي وأصحابه (2). 36 - كا: العدة عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسين، عن محمد بن الوليد ومحمد بن أحمد، عن يونس بن يعقوب، عن علي بن عيسى القماط، عن عمه، عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال، ارى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامه بنى امية يصعدون على منبره من بعده، ويضلون الناس عن الصراط القهقرى، فأصبح كئيبا حزينا، قال: فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا رسول الله ما لي أراك كئيبا حزينا ؟ قال: يا جبرئيل إني رأيت بني امية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلون الناس عن الصراط القهقرى ؟ فقال: والذي بعثك بالحق نبيا إن هذا شئ ما اطلعت عليه، فعرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يونسه بها قال: " أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جائهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " وأنزل عليه " إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدريك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر " جعل الله عزوجل ليلة القدر لنبيه (صلى الله عليه وآله) خيرا من ألف شهر ملك بنى امية (3).


(1) تفسير فرات: 117. (2) تفسير فرات: 118 والسند: حدثنى الحسن بن الياس معنعنا عن السدى. (3) الكافي ج 4 ص 159، والاية في سورة الشعراء: 206 - 208، وروى مثله في ج 8 ص 345 عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: أصبح رسول الله يوما كئيبا حزينا، فقال له على (عليه السلام): مالى اراك يا رسول الله كئيبا حزينا ؟ فقال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتى هذه أن بنى تيم وبنى عدى وبنى أمية يصعدون منبرى هذا =

[78]

37 - كا: العدة عن سهل، عن محمد بن عبد الحميد، عن يونس مثله (1). 38 - فر: علي بن حمدون، عن عيسى بن مهران، عن فرج، عن مسعدة عن أبان بن أبى عياش، عن أنس بن مالك قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم و يده في يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولقيه رجل فقال له: يا فلان لا تسبوا عليا فان من سبه فقد سبني، ومن سبني سبه الله، والله يا فلان إنه لا يؤمن بما يكون من علي وولد علي في آخر الزمان إلا ملك مقرب أو عبد قد امتحن الله قلبه للايمان، يا فلان إنه سيصيب ولد عبد المطلب بلاء شديد وأثرة وقتل و تشريد، فالله الله يا فلان في أصحابي وذريتي وذمتي فان لله يوما ينتصف فيه للمظلوم من الظالم (2).


= يردون الناس عن الاسلام القهقرى، فقلت: يا رب في حياتي أو بعد موتى ؟ فقال بعد موتك. أقول: روى في منتخب كنز العمال ج 5 ص 399 في حديث أخرجه عن مستدرك الصحيحين أنه ص قال: عرضت على النار فيما بينكم وبيني حتى رأيت ظلى وظلكم فيها فأو مأت اليكم أن استأخروا، فأوحى إلى أن أقرهم... فأولت ذلك ما يلقى امتى بعدى من الفتن. (عن ابن مسعود). وروى أيضا أنه ص قال: أتانى جبريل آنفا فقال: انا لله وانا إليه راجعون قلت... فمم ذلك ؟ قال: ان امتك مفتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير، قلت فتنة كفر أو فتنة ضلال ؟ قال: كل ذلك سيكون. الحديث. (1) الكافي ج 4 ص 159، ومثله في سنن الترمذي الرقم 3408، بوجه أبسط. (2) تفسير فرات: 164، وترى مثله في سنن ابن ماجه كتاب الفتن الباب 34 و لفظه: بينما نحن عند رسول الله إذ أقبل فتية من بنى هاشم، فلما رآهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اغرو رقت عيناه وتغير لونه، قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه فقال: أنا اهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا، وان اهل بيتي سيلقون بعدى بلاء وتشريدا وتطريدا، الحديث وروى ابن أبى الحديد في ج 1 ص 372 من شرحه على النهج عن شيخه ابى جعفر الاسكافي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل على فاطمة فوجد عليا نائما فذهبت تنبهه، فقال: دعيه ! قرب =

[79]

39 - فر: علي بن محمد بن إسماعيل الخزاز الهمداني معنعنا عن زيد قال: قال رجل قد أدرك ستة أو سبعة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله): قالوا: لما نزلت " إذا جاء نصر الله والفتح " قال النبي (صلى الله عليه وآله) يا علي يا فاطمة قد جاء نصر الله والفتح، و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فاسبح ربي بحمده، وأستغفر ربي إنه كان توابا، يا على إن الله قضى الجهاد على المؤمنين في الفتنة من بعدي فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): يا رسول الله وكيف نجاهد المؤمنين الذين يقولون في فتنتهم آمنا ؟ قال يجاهدون على الاحداث في الدين (1) إذا عملوا بالرأي في الدين، ولا رأي في الدين


= سهر له بعدى طويل، ورب جفوة لاهل بيتى من أجله شديدة، فبكت، فقال: لا تبكى فانكما معى وفى موقف الكرامة عندي. (1) روى جعفر بن سليمان الضبعى عن أبى هرون العبدى عن أبى سعيد الخدرى قال: ذكر رسول الله يوما لعلى ما يلقى بعده من العنت فأطال، فقال له على: أنشدك الله والرحم يا رسول الله لما دعوت الله أن يقبضنى إليه قبلك، قال: كيف أسأله في أجل مؤجل ؟ قال: يا رسول الله فعلى م أقاتل من أمرتنى بقتاله، قال: على الحدث في الدين. راجع شرح النهج ج 1 ص 373، مناقب الخوارزمي: 106، ينابيع المودة 134. وقد ذكر الفتنة نفسه (عليه السلام) على ما في نهج البلاغة تحت الرقم 154 من قسم الخطب، وهى مشهورة من أرادها فليراجعها، ولنذكر ما رواه شارح النهج (ج 2 ص 442) بمناسبة المقام، قال: وهذا الخبر يعنى خبر الفتنة مروى عن رسول الله قد رواه كثير من المحدثين عن على (عليه السلام) ان رسول الله قال له: ان الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب على جهاد المشركين قال: فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التى كتب على فيها الجهاد ؟ قال: قوم يشهدون أن لا اله الا الله وانى رسول الله وهم مخالفون للسنة، فقلت: يا رسول الله فعلام أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد ؟ قال على الاحداث في الدين ومخالفة الامر. فقلت: يا رسول الله انك كنت وعدتني الشهادة فاسأل الله أن يعجلها لى بين يديك قال: فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، أما انى وعدتك الشهادة وستستشهد تضرب على هذه فتخضب هذه، فكيف صبرك إذا ؟ قلت: يا رسول الله ليس ذا بموطن صبر، هذا موطن =

[80]

إنما الدين من الرب أمره ونهيه. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): يا رسول الله إنك قد قلت لي حين خزلت عني الشهادة واستشهد من استشهد من المؤمنين يوم أحد " الشهادة من ورائك ". قال: فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا ووضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده على رأسه ولحيته ثم قال أمير المؤمنين: يا رسول الله ليس حينئذ هو من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى يوم القيامة، قال: يا علي أعد خصومتك فانك مخاصم قومك يوم القيامة (1). بيان: خزلت: على المجهول أي قطعت. 40 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن علي بن حبشي، عن العباس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن الحسين ابن أبى غندر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير


= شكر، قال: أجل أصبت ! فأعد للخصومة فانك مخاصم. فقلت: يارسول الله لو بينت لى قليلا فقال: ان امتى ستفتن من بعدى فتناول القرآن وتعمل بالرأى وتستحل الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع وتحرف الكتاب عن مواضعه. وتغلب كلمة الضلال، فكن جليس بيتك حتى تقلدها، فإذا قلدتها، جاشت عليك الصدور وقلبت لك الامور فقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الاولى. فقلت: يا رسول الله فبأى المنازل أنزل هؤلاء المفتونين، من بعدك: أبمنزلة فتنة أم بمنزله ردة ؟ فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل، فقلت: يا رسول الله أيدركهم العدل منا أم من غيرنا قال: بل منا: بنا فتح الله وبنايختم، وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة، فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله. (1) تفسير فرات: 232، ومثله في كنز الفوائد للكراجكى: 220، وحديث الشهادة قد مر في باب تاريخه (ع) وان شئت راجع اسد الغابة ج 4 ص 34 (*).

[81]

المؤمنين (عليه السلام): زارنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أهدت لنا أم أيمن لبنا وزبدا وتمرا فقد مناه فأكل منه، ثم قام النبي (صلى الله عليه وآله) زاوية البيت وصلى ركعات، فلما أن كان في آخر سجوده بكى بكاء شديدا فلم يسأله أحد منا إجلالا له، فقام الحسين (عليه السلام) فقعد في حجره وقال له يا أبت لقد دخلت ببتنا فما سررنا بشئ كسرورنا بذلك، ثم بكيت بكاء غمنا فلم بكيت ؟ فقال: يا بني أتانى جبرئيل آنفا فأخبرني أنكم قتلى، وأن مصارعكم شتى، فقال: يا أبت فما لمن يزور قبورنا على تشتهها ؟ فقال: يا بني أولئك طوايف من امتي يزورونكم يلتمسون بذلك البركة، وحقيق علي أن آتيهم يوم القيامة حتى اخلصهم من أهوال الساعة من ذنوبهم، ويسكنهم الله الجنة (1). 41 - كنز: محمد بن العباس، عن محمد بن همام، عن محمد بن إسماعيل العلوي عن عيسى بن داود النجار، عن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وأغلق عليهم الباب، وقال: يا أهلي ويا أهل الله إن الله عزوجل يقرأ عليكم السلام، وهذا جبرئيل معكم في البيت، ويقول: إن الله عزوجل يقول: إني قد جعلت عدوكم لكم فتنة، فما تقولون ؟ قالوا: نصبر يا رسول الله لامر الله، و ما نزل من قضائه حتى نقدم على الله عزوجل، ونستكمل جزيل ثوابه، فقد سمعناه يعد الصابرين الخير كله، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى سمع نحيبه من خارج البيت فنزلت هذه الاية " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا " أنهم سيصبرون أي سيصبرون كما قالوا صلوات الله عليهم (2). 42 - كنز: محمد بن العباس، عن جعفر بن محمد الحسيني، عن إدريس بن زياد عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن ثابت، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له:


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 280 وترى مثله في الخرائج 220 وفى كتاب المزار أحاديث كثيرة بذلك. (2) كنز الفوائد:، والاية في الفرقان: 20 (*).

[82]

فسر لي قوله عزوجل لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): " ليس لك من الامر شئ " (1) فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان حريصا على أن يكون علي بن أبي طالب من بعده على الناس، وكان عند الله خلاف ذلك، فقال: وعنى بذلك قوله عزوجل " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " قال: فرضي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر الله عزوجل (2). 43 - كتاب المحتضر: للحسن بن سليمان نقلا من كتاب الدر المنتقى في مناقب أهل التقى، يرفعه باسناده إلى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا إذ أقبل الحسن (عليه السلام) فلما رآه بكى، ثم قال: إلى يا بني، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى، ثم أقبل الحسين عليه السلام فلما رآه بكى، ثم قال: إلى يا بنى، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليسرى، ثم أقبلت فاطمة عليها السلام فلما رآها بكى ثم قال إلى يا بنية، فما زال يدنيها حتى أجلسها بين يديه، ثم أقبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلما رآه بكى ثم قال: إلى يا أخي، فما زال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه الايمن. فقال له أصحابه: يا رسول الله ما ترى واحدا من هؤلاء إلا بكيت ؟ قال: يا ابن عباس لو أن الملائكة المقربين، والانبياء والمرسلين، واجتمعوا على بغضه ولن يفعلوا لعذبهم الله بالنار (3) قلت: يا رسول الله هل يبغضه أحد، فقال: يا ابن عباس نعم قوم يذكرون أنهم من أمتى لم يجعل الله لهم في الاسلام نصيبا، يا ابن عباس إن من علامة بغضهم له تفضيل من هو دونه عليه، والذي بعثنى بالحق نبيا ما خلق الله


(1) آل عمران: 128. (2) كنز الفوائد: وتراه في تفسير العياشي ج 1 ص 197. (3) وفى الحديث: " لو أن عبدا عبد الله ألف عام بعد ألف عام بين الركن والمقام ثم لقى الله مبغضا لعلى وعترتي لاكبه الله يوم القيامة على منخريه في نار جهنم، رواه الحمويى في الفرائد والخوارزمي في المناقب: 52 والسيوطي في ذيل اللئالى: 65 (*).

[83]

نبيا أكرم عليه مني، وما خلق وصيا أكرم عليه من وصيي علي، قال ابن عباس: فلم أزل له كما أمرني به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصاني بمودته وأنه لاكبر عمل عنده. قال ابن عباس: ثم قضى من الزمان وحضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة فحضرته فقلت له: فداك أبي وامي يا رسول الله قد دنا أجلك فما تأمرني ؟ فقال: يا ابن عباس خالف من خالف عليا ولا تكونن عليه ظهيرا ولا وليا، قلت: يا رسول الله فلم لا تأمر الناس بترك مخالفته ؟ قال: فبكى (صلى الله عليه وآله) حتى اغمي عليه، ثم قال: يا ابن عباس سبق الكتاب فيهم وعلم ربي، والذي بعثني بالحق نبيا لا يخرج أحد ممن خالفه وأنكر حقه من الدنيا حتى يغير الله ما به من نعمة، يا ابن عباس إن أردت وجه الله ولقاءه وهو عنك راض، فاسلك طريق علي بن أبي طالب، ومل معه حيث ما مال، وارض به إماما، وعاد من عاداه، ووال من والاه ! يا ابن عباس احذر أن يدخلك شك فيه فان الشك في علي كفر (1). أقول: وجدت منقولا من خط شيخنا الشهيد قدس الله روحه: روى الدار - قطني عن محمد بن سعد القاضي الرازي، عن عبد الله بن أبي حرب، عن محمد بن علي


(1) وفى الحديث: " من أراد منكم النجاة بعدى والسلامة من الفتن فليستمسك بولاية على فانه الصديق الاكبر والفاروق الاعظم من اقتدى به في الدنيا ورد على حوضى و من خالفه لم يرنى فاختلج دوني وأخذ ذات الشمال، أخرجه أبو بكر بن مؤمن الشيرازي في رسالة الاعتقاد. وفي رواية اخرى عنه (صلى الله عليه وآله) " ستكون بعدى فتنة فإذا كان ذلك فالزموا على بن أبى طالب فانه اول من يرانى " رواه الحافظ ابن منده في أسماء الرجال، وتراه في الاستيعاب ج 4 ص 169، اسد الغابة ج 5 ص 287 مناقب الخوارزمي: 62. وفى رواية اخرى: من نازع عليا في الخلافة بعدى فهو كافر قد حارب الله ورسوله ومن شك في على فهو كافر، وفى لفظ آخر: من قاتل عليا على الخلافة فاقتلوه كائنا من كان، راجع في ذلك هامش الاحقاق ج 7 ص 331، 371، 386 (*).

[84]

ابن اسامة من ولد اسامة بن زيد، عن أبيه، عن سفيان الثوري، عن داود بن هند عن الشعبي، عن ابن عباس عن خديجة رضى الله عنها قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن الله أعطاني في علي خصالا تسعا ثلاثا في الدنيا وثلاثا في الاخرة وثلاثا اثنتان أنا منهما آمن وواحدة أنا منها وجل، قالت خديجة بأبي أنت وأمي أخبرني بهذه التسعة ماهي ؟ قال لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أما الثلاث التي في الدنيا يقضي ديني وينجز موعدي ويستر عورتى، وأما الثلاث التي في الاخرة فمتكاي يوم تحل شفاعتي والقائم على حوضى وقائد أمتى إلى الجنة، وأما الاثنتان التي أنا منهما آمن فلا يرجع ضالا بعد هدى، ولا يموت حتى يعطيني ربي فيه الذي وعدني، وأما الواحدة التي أنا منها وجل فما يصنع به قريش بعدى (1).


(1) ترى مثله في الخصال ص 415 باسناده عن زيد ابن أرقم ولفظه في آخر الحديث: " وأما التى أخافها عليك فغدرة قريش بك بعدى يا على ". وفى نظم درر السمطين: 119 منتخب كنز العمال ج 5 ص 35: عن على (عليه السلام) أنه قال: قال لى رسول الله سألت فيك خمسا فمنعني واحدة وأعطاني فيك أربعة سألته أن تجمع عليك امتى فأبى على، الحديث (*).

[85]

(3) * " (باب) " * * " () " * 1 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن فضال، عن سفيان بن إبراهيم الجريري عن الحارث بن حصيرة الاسدي، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: كنت دخلت مع أبي الكعبة، فصلى على الرخامة الحمراء بين العمودين، فقال: في هذا الموضع تعاقد القوم إن مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا يردوا هذا الامر في أحد من أهل بيته أبدا، قال: قلت: ومن كان ؟ قال: الاول الثاني وأبو عبيدة بن الجراح وسالم ابن الحبيبة (1). 2 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبى بكر الحضرمي وبكر بن أبي بكر قالا: حدثنا سليمان بن خالد قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله " إنما النجوى من الشيطان " قال الثاني، قوله: " ما يكون من نجوى ثلثة إلا هو رابعهم " قال: فلان وفلان، وأبو فلان أمينهم، حين اجتمعوا ودخلوا الكعبة فكتبوا بينهم كتابا إن مات محمد أن لا يرجع الامر فيهم أبدا (2).


(1) الكافي ج 4 ص 545 ومثله في ج 8 ص 334، وابن الحبيبة أظنه تصحيفا من " مولى أبى حذيفة " كان اصله من العجم من اصطخر فارس كان عبدا لمولاته ثبيتة الانصارية بنت يعار، فاعتقته، فتولى أبا حذيفة زوج مولاته بالحلف، ثم تبناه أبو حذيفة - وهو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس - فصار سالم بن أبى حذيفة، وبعد ما نزل " ادعوهم لابائهم " خرج عن التبني واشتهر سالم مولى أبى حذيفة. (2) تفسير القمى: 669، والاية في سورة المجادلة: 10 و 7، وحديث الصحيفة =

[86]

بيان: فلان وفلان أبو بكر وعمر، وأبو فلان أبو عبيدة. - 3 ارشاد القلوب: بحذف الاسناد (1) قال: لما استخلف عثمان بن


= هذه تتسلم لنا بعد التعمق في ما جرى في السقيفة، حيث قام الشيخان يعرض كل منهما البيعة لصاحبه من دون تشاور مع الصحابة ومن دون حضور العترة الطاهرة من بنى هاشم، أبو عبيدة بن الجراح يدعو الناس اليهما، وهكذا نتفاهم ذلك من قول عمر حيث يقول: " لو أن سالما مولى أبى حذيفة وابا عبيدة كانا حيين، لما تخالجني فيهما شك أن أولى أحدهما " فلما لم يكن أحد من أصحاب الصحيفة هذه حيا جعله شورى على شريطة لا يشك أحد معها في أن الخلافة انما تثبت لعثمان دون غيره. وسيجئ الكلام في ذلك مستوفى في شرح السقيفة في محله انشاء الله تعالى. (1) هذا الحديث رواه العلامة الحلى قدس الله أسراره في كتابه كشف اليقين (: 137) نقلا من الكتاب المسمى حجة التفضيل تأليف ابن الاثير عن محمد بن الحسين الواسطي عن ابراهيم بن سعيد عن الحسن بن زياد الانماطى عن محمد بن بعيد الانصاري، عن أبى هارون العبدى، عن ربيعة السعدى، قال: كان حذيفة واليا لعثمان على المدائن، فلما صار على أمير المؤمنين كتب لحذيفة عهدا يخبره بما كان من أمره وبيعة الناس اياه... والحديث ملخص نحو خمسة وعشرين أبياتا ثم قال: قال السيد (يعنى ابن طاوس في كتابه اليقين): ورأيت هذا - حديث حذيفة - أبسط وأكثر من هذا في تسمية على بأمير المؤمنين، وهو باسناد هذا لفظه: حدثنى عمى السعيد الموفق أبو طالب حمزة بن محمد بن أحمد بن شهريار الخازن بمشهد مولانا أمير - المؤمنين قال: حدثنى خالي السعيد أبو على الطوسى عن والده المصنف عن الحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون وأبى طالب بن عزور وأبى الحسن الصقال عن أبى المفضل قال: حدثنا المحاربي عن الحضرمي عن ابن أسباط عن ابراهيم بن أبى البلاد عن فرات ابن أحنف عن الجملى عن عبيدالله ابن سلمة. قال: ومقدار هذه الرواية أكثر من خمس وثلاثين قائمة بقالب الثمن. وفيه أن حذيفة بن اليمان اعتذر إلى الشاب في سكونهم عن الانكار للتقدم على =

[87]

عفان، آوى إليه عمه الحكم بن العاص، وولده مروان، والحارث بن الحكم، و وجه عماله في الامصار، وكان فيمن وجه عمر بن سفيان بن المغيرة بن أبى العاص ابن امية إلى مشكان، والحارث بن الحكم إلى المداين، فأقام فيها مدة يتعسف أهلها ويسئ معاملتهم، فوفد منهم إلى عثمان وفد شكوا إليه، وأعلموه بسوء ما يعاملهم به، وأغلظوا عليه في القول، فولى حذيفة بن اليمان عليهم وذلك في آخر أيامه، فلم ينصرف حذيفة بن اليمان من المدائن إلى أن قتل عثمان، واستخلف علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأقام حذيفة عليها وكتب إليه " بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى حذيفة بن اليمان، سلام عليك فاني وليتك ما كنت تليه لمن كان قبل من حرف المداين، وقد جعلت إليك أعمال الخراج والرستاق وجباية أهل الذمة، فاجمع إليك ثقاتك ومن أحببت ممن ترضى دينه وأمانته، و


= مولانا على بما هذا لفظه، فقال له: " أيها الفتى انه أخذو الله بأسماعنا وأبصارنا، و كرهنا الموت وزينت عندنا الحياة الدنيا وسبق علم الله [بامرة الظالمين] ونحن نسأل الله التغمد لذنوبنا والعصمة فيما بقى من آجالنا فانه مالك ذلك " وسيأتى نصه في ص 94 بلفظه. وهكذا رواه السيد بن طاوس في كتاب الاقبال 454 - 459، نقلا عن كتاب النشر والطى بتقديم وتأخير في سرد القصص. وكيف كان، فالغرض من نقل هذا الحديث بطوله الاشارة إلى تلك الصحيفة الملعونة التى كتبوها وتعاقدوا بها فيما بينهم " ان أمات الله محمدا - أو قتل - لا نرد هذا الامر إلى أهل بيته " وأما ساير الواقعات التى تقدمها أو تأخرها، فانما نقلها المؤلف العلامة ليتبين أنه كيف تآمروا بذلك وكيف عملوا على منهاج صحيفتهم، ولذلك أضربنا عن تخريج هذه الواقعات المشهورة كحجة الوداع وحديث الثقلين وغدير خم وأمثالها مما ذكر في الحديث تبعا وسردا، فانها مما تبين في محالها من هذا الكتاب الجامع بحار الانوار بما لا مزيد عليه، وبعضها الاخر كتخلفهم عن جيش أسامة وصلاة أبى بكر بالناس ووقعة الجمل، سيأتي أبحاثها في محالها انشاء الله تعالى (*).

[88]

استعن بهم على أعمالك، فان ذلك أعز لك ولوليك، وأكبت لعدوك. وإنى آمرك بتقوى الله وطاعته في السر والعلانية، فاحذر عقابه في المغيب والمشهد، وأتقدم إليك بالاحسان إلى المحسن، والشدة على المعاند، وآمرك بالرفق في امورك، واللين والعدل في رعيتك، فانك مسؤول عن ذلك، وإنصاف المظلوم، والعفو عن الناس، وحسن السيرة ما استطعت، فالله يجزي المحسنين وآمرك أن تجبى خراج الارضين على الحق والنصفة، ولا تتجاوز ما تقدمت به إليك، ولا تدع منه شيئا، ولا تبتدع فيه أمرا، ثم اقسمه بين أهله بالسوية والعدل، واخفض لرعيتك جناحك، وواس بينهم في مجلسك، وليكن القريب والبعيد عندك في الحق سواء، واحكم بين الناس بالحق وأقم فيهم بالقسط، ولا تتبع الهوى و لا تخف في الله لومة لائم، فان الله مع الذين اتقوا والذينهم محسنون. وقد وجهت إليك كتابا لتقرأه على أهل مملكتك ليعلموا رأينا فيهم وفي جميع المسلمين، فأحضرهم واقرأ عليهم، وخذ البيعة لنا على الصغير والكبير منهم إنشاء الله تعالى. فلما وصل عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى حذيفة جمع الناس فصلى بهم ثم أمر بالكتاب فقرى عليهم وهو: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين، سلام عليكم فانى أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد وآله، فأما بعد، فان الله تعالى اختار الاسلام دينا لنفسه و ملائكته ورسله وإحكاما لصنعه وحسن تدبيره، ونظرا منه لعباده، وخص منه من أحب من خلقه، فبعث إليهم محمدا (صلى الله عليه وآله) فعلمهم الكتاب والحكمة إكراما وتفضلا لهذه الامة، وأدبهم لكى يهتدوا، وجمعهم لئلا يتفرقوا، وفقههم لئلا يجوروا فلما قضى ما كان عليه من ذلك مضى إلى رحمة ربه حميدا محمودا. ثم إن بعض المسلمين أقاموا بعده رجلين رضوا بهديهما وسيرتهما، قاما

[89]

ما شاء الله، ثم توفاهما الله عزوجل، ثم ولوا بعدهما الثالث فأحدث أحداثا و وجدت الامة عليه فعالا، فاتفقوا عليه ثم نقموا منه فغيروا، ثم جاؤني كتتابع الخيل، فبايعوني فأنا أستهدي الله بهداه وأستعينه على التقوى، ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة نبيه، والقيام بحقه، وإحياء سنته، والنصح لكم بالمغيب والمشهد، وبالله نستعين على ذلك، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وقد وليت أموركم حذيفة بن اليمان، وهو ممن أرتضى بهداه، وأرجو صلاحه، وقد أمرته بالاحسان إلى محسنكم، والشدة على مريبكم، والرفق بجميعكم، أسأل الله لنا ولكم حسن الخيرة والاحسان، ورحمته الواسعة في الدنيا والاخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال: ثم إن حذيفة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله، ثم قال: الحمد لله الذي أحيا الحق وأمات الباطل، وجاء بالعدل، وأدحض الجور، وكبت الظالمين، أيها الناس إنما وليكم الله ورسوله وأمير المؤمنين حقا حقا، وخير من نعلمه بعد نبينا محمد رسول الله، وأولى الناس بالناس، وأحقهم بالامر، و أقربهم إلى الصدق، وأرشدهم إلى العدل وأهداهم سبيلا وأدناهم إلى الله وسيلة وأمسهم برسول الله (صلى الله عليه وآله) رحما أنيبوا إلى طاعة أول الناس سلما، وأكثرهم علما وأقصدهم طريقا وأسبقهم إيمانا، وأحسنهم يقينا، وأكثرهم معروفا، وأقدمهم جهادا، وأعزهم مقاما، أخى رسول الله وابن عمه وأبي الحسن والحسين و زوج الزهراء البتول سيدة نساء العالمين، فقوموا أيها الناس فبايعوا على كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) فان لله في ذلك رضى، ولكم مقنع وصلاح، والسلام. فقام الناس بأجمعهم فبايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) أحسن بيعة، وأجمعها. فلما استتمت البيعة، قام إليه فتى من أبناء العجم وولاة الانصار لمحمد بن عمارة بن التيهان أخو أبو الهيثم بن التيهان يقال له مسلم، ومتقلدا سيفا، فناداه من أقصى الناس أيها الامير إنا سمعناك تقول: " إنما وليكم الله ورسوله وأمير -

[90]

المؤمنين حقا حقا " تعريضا بمن كان قبله من الخلفاء أنهم لم يكونوا أمراء المؤمنين حقا، فعرفنا ذلك أيها الامير رحمك الله ولا تكتمنا، فانك ممن شهد وعاين ونحن مقلدون ذلك أعناقكم، والله شاهد عليكم فيما تأتون به من النصحية لامتكم وصدق الخبر عن نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال حذيفة: أيها الرجل أما إذا سألت وفحصت هكذا فاسمع وافهم ما أخبرك به أما من تقدم من الخلفاء قبل على بن أبى طالب (عليه السلام) ممن تسمى أمير المؤمنين فانهم تسموا بذلك فسماهم الناس بذلك، وأما علي بن أبى طالب (عليه السلام) فان جبرئيل (عليه السلام) سماه بهذا الاسم عن الله تعالى، وشهد له رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن سلام جبرئيل (عليه السلام) له بامرة المؤمنين، وكان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعونه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله بامرة المؤمنين. قال الفتى: خبرنا كيف كان ذلك يرحمك الله ؟ قال حذيفة: إن الناس كانوا يدخلون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الحجاب إذا شاوا فنهاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدخل أحد إليه وعنده دحية بن خليفة الكلبى وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يراسل قيصرا ملك الروم وبنى حنيفة وملوك بنى غسان على يده، وكان جبرئيل (عليه السلام) يهبط على صورته، ولذلك نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدخل المسلمون عليه إذا كان عنده دحية. قال حذيفة: وإنى أقبلت يوما لبعض أمورى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مهجرا رجاء أن ألقاه خاليا، فلما صرت بالباب، فإذا أنا بالشملة قد سدلت على الباب، فرفعتها وهممت بالدخول، وكذلك كنا نصنع، فإذا أنا بدحية قاعد عند رسول الله والنبى نائم ورأسه في حجر دحية فلما رأيته انصرفت فلقيني علي بن أبي طالب (عليه السلام) في بعض الطريق فقال: يا ابن اليمان من أين أقبلت ؟ قلت من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: و ماذا صنعت عنده ؟ قلت أردت الدخول عليه في كذا وكذا فذكرت الامر الذي جئت له فلم يتهيأ لي ذلك، قال: ولم ؟ قلت: كان عنده دحية الكلبى، وسألت عليا (عليه السلام) معونتي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك، قال: فارجع معي فرجعت معه.

[91]

فلما صرنا إلى باب بالدار جلست بالباب ورفع على الشملة ودخله وسلم فسمعت دحية يقول: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم قال: اجلس فخذ رأس أخيك وابن عمك من حجري فانت أولى الناس به، فجلس علي (عليه السلام) وأخذ رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجعله في حجره وخرج دحية من البيت، فقال على: ادخل يا حذيفة فدخلت وجلست فلما كان بأسرع أن انتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضحك في وجه علي (عليه السلام) ثم قال: يا أبا الحسن من حجر من أخذت رأسي ؟ فقال: من حجر دحية الكلبى، فقال: ذلك جبرئيل (عليه السلام)، فما قلت له حين دخلت ؟ وما قال لك ؟ قال: دخلت فسلمت فقال لي: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله و بركاته، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا علي سلمت عليك ملائكة الله وسكان سمواته بامرة المؤمنين من قبل أن يسلم عليك أهل الارض، يا علي إن جبرئيل (عليه السلام) فعل ذلك من أمر الله تعالى، وقد أوحى إلى عن ربى عزوجل من قبل دخولك أن أفرض ذلك على الناس، وأنا فاعل ذلك إن شاء الله تعالى. فلما كان من الغد بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ناحية فدك في حاجة فلبثت أياما فقدمت فوجدت الناس يتحدثون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الناس أن يسلموا على على (عليه السلام) بإمرة المؤمنين، وأن جبرئيل (عليه السلام) أتاه بذلك عن الله عزوجل، فقلت: صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا قد سمعت جبرئيل (عليه السلام) يسلم على علي (عليه السلام) بامرة المؤمنين، وحدثتهم الحديث، فسمعني عمر بن الخطاب وأنا أحدث الناس في المسجد، فقال لي أنت رأيت جبرئيل وسمعته ؟ اتق القول، فقد قلت قولا عظيما أو قد خولط بك، فقلت نعم أنا سمعت ذلك ورأيته، فأرغم الله أنف من رغم فقال يا أبا عبد الله لقد رأيت وسمعت عجبا. قال حذيفة: وسمعني بريدة بن الحصيب الاسلمي (1) وأنا احدث ببعض


(1) حديث التسليم على على بامرة المؤمنين قد مر باسناد كثيرة في تاريخ مولانا أمير المؤمنين ج 37 - الباب 54، وينص على ذلك ما أخرجه عن كتاب كشف اليقين 75 - 76 نقلا من كتاب المعرفة تأليف عباد بن يعقوب الرواجنى باسناده عن بريدة بن =

[92]

ما رأيت وسمعت فقال لى: والله يا ابن اليمان لقد أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسلام على على بإمرة المؤمنين، قلت: يا بريدة أكنت شاهدا ذلك اليوم ؟ فقال: نعم من أوله إلى آخره، فقلت له: حدثني به يرحمك الله تعالى فانى كنت عن ذلك اليوم غايبا فقال بريدة: كنت أنا وعمار أخي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نخيل بنى النجار فدخل علينا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فسلم فرد (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وردنا، ثم قال له: يا على اجلس هناك، فجلس، ودخل رجال فأمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسلام على على بإمرة المؤمنين فسلموا وما كادوا. ثم دخل أبو بكر وعمر، فسلما فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله): سلما على علي (عليه السلام) بامرة المؤمنين، فقالا إن الامر من الله ورسوله ؟ فقال: نعم، ثم دخل طلحة و وسعد بن مالك فسلما فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) سلما على علي بامرة المؤمنين فقالا أمر من الله ورسوله ؟ فقال: نعم، قالا سمعنا، وأطعنا، ثم دخل سلمان الفارسى وأبو ذر الغفاري رضي الله عنهما فسلما فرد (عليهما السلام) ثم قال: سلما على علي بامرة المؤمنين فسلما ولم يقولا شيئا، ثم دخل خزيمة بن ثابت وأبو الهيثم التيهان فسلما فرد عليهما السلام ثم قال: سلما على علي بامرة المؤمنين فسلما ولم يقولا شيئا، ثم دخل عمار والمقداد فسلما فرد عليهما السلام، وقال: سلما على علي بامرة المؤمنين، ففعلا ولم يقولا شيئا، ثم دخل عثمان وأبو عبيدة فسلما فرد عليهما السلام ثم قال: سلما على علي بامرة المؤمنين، قالا عن الله ورسوله ؟ قال نعم. ثم دخل فلان وفلان وعد جماعة من المهاجرين والانصار، كل ذلك يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) سلموا وعلى على بامرة المؤمنين، فبعض يسلم ولا يقول شيئا، وبعض يقول للنبي أعن الله ورسوله ؟ فيقول نعم: حتى غص المجلس بأهله، وامتلات الحجرة وجلس بعض على الباب، وفي الطريق، وكانوا يدخلون فيسلمون ويخرجون، ثم قال لي ولاخي: قم يا بريدة أنت وأخوك فسلما على علي (عليه السلام) بامرة المؤمنين،


= الحصيب الاسلمي راجعه ان شئت وسيأتى نصه في باب احتجاج سلمان وأبى بن كعب وغيرهما على القوم انشاء الله (*).

[93]

فقمنا وسلمنا، ثم عدنا إلى مواضعنا، قال: ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليهم جميعا فقال اسمعوا وعوا إني أمرتكم أن تسلموا على علي بامرة المؤمنين، وإن رجالا سألوني " أذ لك عن أمر الله وأمر رسوله " ما كان لمحمد أن يأتي أمرا من تلقاء نفسه، بل بوحى ربه، وأمره، أفرايتم والذي نفسي بيده لان أبيتم ونقضتموه لتكفرن، ولتفارقن ما بعثنى به ربى، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. قال بريدة: فلما خرجنا سمعت بعض أولئك الذين امروا بالسلام على على بإمرة المؤمنين يقول لصاحبه وقد التفت بهما طائفة من الجفاة البطاء عن الاسلام من قريش، أما رأيت ما صنع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بابن عمه من علو المنزلة والمكان، و لو يستطيع والله لجعله نبيا من بعده، فقال له صاحبه: أمسك لا يكبرن عليك، هذا [الامر] فلو أنا فقدنا محمدا لكان فعله هذا تحت أقدامنا. فقال حذيفة: ومضى بريدة إلى بعض طرق الشام ورجع، وقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبايع الناس أبا بكر، فأقبل بريدة وقد دخل المسجد وأبو بكر على المنبر وعمر دونه بمرقاة فناداهما من ناحية المسجد: يا أبا بكر ويا عمر، قالا: ومالك يا بريده أجننت ؟ فقال لهما: والله ما جننت، ولكن أين سلامكما بالامس على علي (عليه السلام) بامرة المؤمنين ؟ فقال له أبو بكر: يا بريدة، الامر يحدث بعده الامر، وإنك غبت وشهدنا، والشاهد يرى ما لا يرى الغايب، فقال لهما: رأيتما ما لم يره الله ورسوله، ووفى لك صاحبك بقوله: " لو فقدنا محمدا لكان قوله هذا تحت أقدامنا " ألا إن المدينة حرام علي أن أسكنها أبدا حتى أموت، فخرج بريدة بأهله و ولد، فنزل بين قومه بني أسلم فكان يطلع في الوقت دون الوقت، فلما أفضى الامر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) سار إليه، وكان معه حتى قدم العراق، فلما أصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) صار إلى خراسان فنزلها، ولبث هناك إلى أن مات برحمة الله تعالى. قال حذيفة: فهذا نبأ ما سألتني عنه، فقال الفتى: لا جزى الله الذين شهدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمعوه يقول: هذا القول في علي خيرا، فقد خانوا الله ورسوله

[94]

وأزوالوا الامر (1) عن وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقروه فيمن لم يره الله ولا رسوله لذلك أهلا، لا جرم والله لن يفلحوا بعدها أبدا. فنزل حذيفة من منبره فقال: يا أخا الانصار إن الامر كان أعظم مما تظن أنه عزب والله البصر، وذهب اليقين، وكثر المخالف، وقل الناصر لاهل الحق فقال له الفتى: فهلا انتضيتم أسيافكم، ووضعتموها على رقابكم، وضربتم بها الزائلين عن الحق قدما قدما حتى تموتوا أو تدركوا الامر الذي تحبونه من طاعة الله عزوجل وطاعة رسوله، فقال له: أيها الفتى إنه اخذو الله بأسماعنا وأبصارنا، وكرهنا الموت، وزينت عندنا الدنيا، وسبق علم الله بامرة الظالمين، ونحن نسأل الله التغمد لذنوبنا، والعصمة فيما بقي من آجالنا، فانه مالك رحيم، ثم انصرف حذيفة إلى منزله وتقرق الناس. قال عبد الله بن سلمة: (2) فبينا أنا ذات يوم عند حذيفة أعوده في مرضه الذي مات فيه، وقد كان يوم قدمت فيه من الكوفة من قبل قدوم علي (عليه السلام) إلى العراق، فبينما أنا عنده إذ جاء الفتى الانصاري فدخل على حذيفة فرحب به وأدناه وقربه من مجلسه، وخرج من كان عند حذيفة من عواده، وأقبل عليه الفتى فقال: يا أبا عبد الله سمعتك يوما تحدث عن بريدة بن الحصيب الاسلمي أنه سمع بعض القوم الذين أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يسلموا على على بامرة المؤمنين يقول لصاحبه: أما رأيت القوم ما صنع محمد بابن عمه من التشريف وعلو المنزلة، حتى لو قدر أن يجعله نبيا لفعل، فأجابه صاحبه فقال: لا يكبرن عليك، فلو فقدنا محمدا لكان قوله تحت أقدامنا، وقد ظننت نداء بريدة لهما، وهما على المنبر أنهما صاحبا القول قال حذيفة: أجل، القائل عمر، والمجيب أبو بكر، فقال الفتى: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلك والله القوم، وبطلت أعمالهم، قال حذيفة: ولم يزل القوم على ذلك الارتداد وما يعلم الله منهم أكثر.


(1) وأزالوا الامر عمن رضى به الله ورسوله خ ل. (2) قد مر عن كشف اليقين أن اسم الراوى هو عبيد الله بن سلمة (*).

[95]

قال الفتى: قد كنت أحب أن أتعرف هذا الامر من فعلهم، ولكني أجدك مريضا وأنا أكره أن أملك بحديثي ومسئلتي، وقام لينصرف فقال حذيفة: لابل اجلس يا ابن أخى، وتلق مني حديثهم، وإن كربني ذلك، فلا أحسبنى إلا مفارقكم إني لا أحب أن تغتر بمنزلتهما في الناس، فهذا ما أقدر عليه من النصيحة لك، ولامير المؤمنين (عليه السلام) من الطاعة له، ولرسول الله (صلى الله عليه وآله) وذكر منزلته، فقال: يا أبا عبد الله حدثنى بما عندك من امورهم، لاكون على بصيرة من ذلك فقال حذيفة: إذا والله لاخبرنك بخبر سمعته ورأيته، ولقد والله دلنا على ذلك من فعلهم على أنهم والله ما آمنوا بالله ولا برسوله طرفة عين. واخبرك أن الله تعالى أمر رسوله في سنة عشر من مهاجرته من مكة إلى المدينة أن يحج هو ويحج الناس معه، فأوحى إليه بذلك " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق " (1) فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) المؤذنين فأذنوا في أهل السافلة والعالية: ألا إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عزم على الحج في عامه هذا ليفهم الناس حجهم، ويعلمهم مناسكهم، فيكون سنة لهم إلى آخر الدهر، قال فلم يبق أحد ممن دخل في الاسلام إلا حج مع رسل الله (صلى الله عليه وآله) لسنة عشر، ليشهدوا منافع لهم، ويعلمهم حجهم، ويعرفهم مناسكهم، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناس وخرج بنسائه معه، وهي حجة الوداع فلما استتم حجهم وقضوا مناسكهم، وعرف الناس جميع ما يحتاجون إليه، وأعلمهم أنه قد أقام لهم ملة إبراهيم (عليه السلام)، وقد أزال عنهم جميع ما أحدثه المشركون بعده، ورد الحجر [الحج] إلى حالته الاولى. ودخل مكة فأقام بها يوما واحدا، فهبط جبرئيل (عليه السلام) بأول سورة العنكبوت فقال: يا محمد اقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا، وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين، أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون " فقال


(1) الحج: 27.

[96]

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا جبرئيل وما هذه الفتنة ؟ فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول: إني ما أرسلت نبيا قبلك إلا أمرته عند انقضاء أجله أن يستخلف على امته من بعده من يقوم مقامه، ويحيى لهم سنته وأحكامه، فالمطيعون لله فيما يأمرهم به رسول الله هم الصادقون، والمخالفون على أمره هم الكاذبون، وقد دنا يا محمد مصيرك إلى ربك وجنته، وهو يأمرك أن تنصب لامتك من بعدك علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتعهد إليه فهو الخليفة القائم برعيتك وأمتك إن أطاعوه وإن عصوه، وسيفعلون ذلك وهي الفتنة التي تلوت الاى فيها، وإن الله عزوجل يأمرك أن تعلمه جميع ما علمك، وتستحفظه جميع ما حفظك واستودعك، فانه الامين المؤتمن يا محمد إني اخترتك من عبادي نبيا، واخترته لك وصيا. قال: فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) يوما فخلا به يوم ذلك وليلته، واستودعه العلم والحكمة التي آتاه إياها، وعرفه ما قال جبرئيل (عليه السلام)، وكان ذلك في يوم عائشة بنت أبي بكر، فقالت: يا رسول الله لقد طالت استخلاؤك بعلي (عليه السلام) منذ اليوم ؟ قال: فأعرض عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: لم تعرض عنى يا رسول الله بأمر لعله يكون لى صلاحا، فقال: صدقت وأيم الله إنه لامر صلاح لمن أسعده الله بقبوله والايمان به، وقد أمرت بدعاء الناس جميعا إليه، وستعلمين ذلك إذا أنا قمت به في الناس. قالت: يا رسول الله ولم لا تخبرني به الان لاتقدم بالعمل به والاخذ بما فيه الصلاح، قال: سأخبرك به فاحفظيه إلى أن اومر بالقيام به في الناس جميعا، فانك إن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والاجلة جميعا، وكانت لك الفضيلة بالسبقة والمسارعة إلى الايمان بالله ورسوله وإن أضعته وتركت رعاية ما القى إليك منه كفرت بربك، وحبط أجرك، وبرئت منك ذمة الله وذمة رسوله، وكنت من الخاسرين، ولن يضر الله ذلك ولا رسوله. فضمنت له حفظه، والايمان به ورعايته، فقال: إن الله تعالى أخبرني أن عمري قد انقضى، وأمرني أن أنصب عليا للناس علما، وأجعله فيهم إماما، وأستخلفه

[97]

كما استخلف الانبياء من قبلي أوصياءهم، واني صاير إلى أمر ربى، وآخذ فيه بأمره، فليكن الامر منك تحت سويداء قلبك إلى أن يأذن الله بالقيام به، فضمنت له ذلك، وقد اطلع الله نبيه على ما يكون منها فيه ومن صاحبتها حفصة وأبويهما فلم تلبث أن أخبرت حفصة وأخبرت كل واحدة منهما أباها فاجتمعا وأرسلا إلى جماعة الطلقاء والمنافقين فخبراهم بالامر، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا إن محمدا يريد أن يجعل هذا الامر في أهل بيته كسنة كسرى وقيصر إلى آخر الدهر، ولا والله مالكم في الحياة من حظ إن أفضى هذا الامر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وإن محمدا عاملكم على ظاهركم، وإن عليا يعاملكم على ما يجد في نفسه منكم، فأحسنوا النظر لانفسكم في ذلك، وقدموا رأيكم فيه. ودار الكلام فيما بينهم وأعادوا الخطاب وأجالوا الرأي فاتفقوا على أن ينفروا بالنبي (صلى الله عليه وآله) ناقته على عقبة هرشى (1) وقد كانوا عملوا مثل ذلك في غزوة تبوك (2) فصرف الله الشر عن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاجتمعوا في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من القتل والاغتيال وإسقاء السم على غير وجه، وقد كان اجتمع أعداء الله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)


(1) هرشى بالفتح ثم السكون والقصر ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة ترى من البحر، ولها طريقان، فكل من سلك واحدا منها أفضى به إلى موضع واحد. (2) حديث قصة العقبة في غزوة تبوك، رواه المؤلف العلامة في ج 21 ص 185 - 252، وترى نص أسمائهم ص 222 نقلا من كتاب الخصال، وروى القصة عن كتاب دلائل النبوة للبيهقي ص 247، وأخرجها الهيتمى في مجمع الزوائد ج 1 ص 110، قال رواه الطبراني في الكبير وج 6 ص 195 عن أحمد وقال رجاله رجال الصحيح (راجع مسند احمد ج 5 ص 390 و 453). وأقول: طرف من هذه القصة مذكور في صحيح مسلم كتاب المنافقين الرقم 11 و أخرجه ابن الاثير في الجامع ج 12 ص 199 وقال بعد ذلك: هؤلاء قوم عرضوا لرسول الله في عقبة صعدها لما قفل من غزوة تبوك، وقد كان أمر مناديا، فنادى لا يطلع العقبة أحد فلما أخذها النبي عرضوا له وهم ملثمون لئلا يعرفوا أرادوا به سوءا، فلم يقدرهم الله تعالى.

[98]

من الطلقاء من قريش والمنافقين من الانصار ومن كان في قلبه الارتداد من العرب في المدينة وما حولها، فتعاقدوا وتحالفوا على أن ينفروا به ناقته، وكانوا أربعة عشر رجلا. وكان من عزم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقيم عليا (عليه السلام) وينصبه للناس بالمدينة إذا قدم فسار رسول الله (صلى الله عليه وآله) يومين وليلتين فلما كان في اليوم الثالث أتاه جبرئيل (عليه السلام) بآخر سورة الحجر فقال اقرء: " فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون * فاصدع بما تؤمرو أعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين " (1) قال: ورحل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأغذ السير مسرعا على دخوله المدينة، لينصب عليا (عليه السلام) علما للناس، فلما كانت الليلة الرابعة هبط جبرئيل في آخر الليل فقرأ عليه " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الكافرين " (2) وهم الذين هموا برسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أما تراني يا جبرئيل أغذ السير مجدا فيه لادخل المدينة فأفرض ولايته على الشاهد والغايب ؟ فقال له جبرئيل: إن الله يأمرك أن تفرض ولايته غدا إذا نزلت منزلك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نعم يا جبرئيل غدا أفعل إنشاء الله. وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرحيل من وقته، وسار الناس معه حتى نزل بغدير خم وصلى بالناس وأمرهم أن يجتمعوا إليه ودعا عليه عليا السلام ورفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يد علي اليسرى بيده اليمنى، ورفع صوته بالولاء لعلي (عليه السلام) على الناس أجمعين وفرض طاعته عليهم، وأمرهم أن لا يتخلفوا عليه بعده، وخبرهم أن ذلك عن أمر الله عزوجل، وقال لهم: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، ثم أمر الناس أن يبايعوه فبايعه الناس


(1) الحجر: 92 - 95. (2) المائدة: 67 (*).

[99]

جميعا ولم يتكلم منهم أحد. قد كان أبو بكر وعمر تقدما إلى الجحفة، فبعث وردهما ثم قال لهما النبي (صلى الله عليه وآله) متهجما: يا ابن أبى قحافة ويا عمر بايعا عليا بالولاية من بعدي فقالا أمر من الله ومن رسوله ؟ فقال: وهل يكون مثل هذا عن غير أمر الله، ونعم أمر من الله ومن رسوله، فقال: وبايعا ثم انصرفا، وسار رسول الله (صلى الله عليه وآله) باقي يومه و ليلته حتى إذا دنوا من عقبة هر شى تقدمه القوم، فتواروا في ثنية العقبة، وقد حملوا معهم دبابا، وطرحوا فيها الحصا. فقال حذيفة: فدعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعا عمار بن ياسر وأمره أن يسوقها وأنا أقودها، حتى إذا صرنا رأس العقبة، ثار القوم من ورائنا، ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة، فذعرت وكادت أن تنفر برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فصاح بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن اسكني، وليس عليك بأس. فأنطقها الله تعالى بقول عربي مبين فصيح، فقالت: والله، يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا أزلت يدا عن مستقر يد، ولا رجلا عن موضع رجل، وأنت على ظهرى، فتقدم القوم إلى الناقة ليدفعوها فأقبلت أنا وعمار نضرب وجوههم بأسيافنا، وكانت ليلة مظلمة فزالوا عنا وأيسوا مما ظنوا، وقد روا [ودبروا]. فقلت: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين يريدون ما ترى ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): يا حذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا والاخرة، فقلت: ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطا فيأتوا برؤوسهم ؟ فقال إن الله أمرني أن أعرض عنهم، فأكره أن تقول الناس إنه دعا اناسا من قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا، فقاتل بهم حتى إذا ظهر على عدوه، أقبل عليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة، فان الله لهم بالمرصاد، وسيمهلهم قليلا ثم يضطر هم إلى عذاب غليظ. فقلت: ومن هؤلاء القوم المنافقون يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمن المهاجرين أم من الانصار ؟ فسماهم لي رجلا رجلا حتى فرغ منهم، وقد كان فيهم أناس أنا كاره

[100]

أن يكونوا فيهم، فأمسكت عند ذلك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا حذيفة كأنك شاك في بعض من سميت لك، ارفع رأسك إليهم فرفعت طرفي إلى القوم، وهم وقوف على الثنية، فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا، وثبتت البرقة حتى خلتها شمسا طالعة فنظرت والله إلى القوم فعرفتهم رجلا رجلا، فإذا هم كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، و عدد القوم أربعة عشر رجلا، تسعة من قريش، وخمسة من ساير الناس، فقال له الفتى: سمهم لنا يرحمك الله تعالى ! قال حذيفة: هم والله أبو بكر، وعمر، وعثمان وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، هؤلاء من قريش، وأما الخمسة الاخر فأبو موسى الاشعري (1) والمغيرة بن شعبة الثقفي، وأوس بن الحدثان البصري،


(1) وهو ممن شهد العقبة بتبوك على ما شهد بذلك حذيفة بن اليمان روى جرير بن عبد الحميد الضبى عن الاعمش عن شقيق أبى وائل قال: قال حذيفة: والله ما في أصحاب رسول الله أحد أعرف بالمنافقين منى وأنا أشهد أن أبا موسى الاشعري منافق، أخرجه ابن جرير من أصحابنا في المسترشد: 13، وفضل بن شاذان في الايضاح 61. وهو الذين كنى عنه أصحاب الحديث حيث رووا عن أبى الطفيل أنه كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال: أنشدك الله كم كان أصحاب العقبة ؟ قال: فقال له القوم أخبره إذ سألك، فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، قال: فان كنت منهم (فيهم) فقد كان القوم خمسة عشر وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد، وعذر ثلاثة قالوا ما سمعنا منادى رسول الله ولا علمنا بما أراد القوم، راجع صحيح مسلم ج 8 ص 123، ومسند أحمد ج 5 ص 390 - 391. فقوله " فان كنت منهم " الخ يعنى أن القوم لم يكونوا أربعة عشر بل كنت فيهم وكانوا خمسة عشر، الا ان ثلاثة منهم كانوا معذورين حيث لم يسمعوا منادى رسول الله " لا يطلع العقبة أحد، لا يطلع العقبة أحد " ولا علموا بما أراد القوم من تنفير ناقته ص، فاذلم تكن أنت أحد الثلاثة المعذورين، فلابد وأن كنت من الاثنى عشر الذين كانوا حربا لله ولرسوله. وهكذا شهد بنفاقه وكونه من أصحاب العقبة عمار بن ياسر حيث قال أبو موسى في =

[101]

وأبو هريرة، وأبو طلحة الانصاري. قال حذيفة: ثم انحدرنا من العقبة، وقد طلع الفجر فنزل رسول الله (صلى الله عليه آله) فتوضأ وانتظر أصحابه حتى انحدروا من العقبة واجتمعوا، فرأيت القوم بأجمعهم وقد دخلوا مع الناس وصلوا خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما انصرف من صلاته التفت فنظر إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة يتناجون فأمر مناديا فنادى في الناس لا تجتمع ثلاثة نفر من الناس يتناجون فيما بينهم بسر، وارتحل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناس من منزل العقبة. فلما نزل المنزل الاخر رأى سالم مولى حذيفة أبا بكر وعمر وأبا عبيدة يسار بعضهم بعضا، فوقف عليهم، وقال أليس قد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا تجتمع ثلاثة نفر من الناس على سر واحد، والله لتخبروني فيما أنتم، وإلا أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى اخبره بذلك منكم، فقال أبو بكر: يا سالم عليك عهد الله وميثاقه لئن خبرناك بالذي نحن فيه وبما اجتمعنا له، إن أحببت أن تدخل معنا فيه دخلت وكنت رجلا منا، وإن كرهت ذلك كتمته علينا، فقال سالم: لكم ذلك وأعطاهم بذلك عهده وميثاقه، وكان سالم شديد البغص والعداوة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد عرفوا ذلك منه. فقالوا له إنا قد اجتمعنا على أن نتحالف ونتعاقد على أن لا نطيع محمدا فيما فرض علينا من ولاية علي بن أبي طالب بعده فقال لهم سالم: عليكم عهد الله وميثاقه إن في هذا الامر كنتم تخوضون وتتناجون ؟ قالوا أجل علينا عهد الله وميثاقه أنا إنما كنا في هذا الامر بعينه لا في شئ سواه، قال سالم: وأنا والله أول من يعاقدكم على هذا الامر، ولا يخالفكم عليه، إنه والله ما طلعت الشمس على أهل بيت أبغض إلى من بني هاشم ولا في بني هاشم أبغض إلى ولا أمقت من علي بن أبي طالب فاصنعوا في


= كلام له لعمار " لا تفعل ودع عتابك لى فانما أنا أخوك، فقال له عمار: ما أنا لك بأخ، سمعت رسول الله يلعنك ليلة العقبة وقد هممت مع القوم بما هممت " وسيجئ تمام الكلام في باب بدو قصة التحكيم تحت الرقم 3 (*).

[102]

هذا الامر ما بدا لكم فاني واحد منكم، فتعاقدوا من وقتهم على هذا الامر ثم تفرقوا. فلما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسير أتوه فقال لهم: فيما كنتم تتناجون في يومكم هذا وقد نهيتكم من النجوى ؟ فقالوا: يا رسول الله ما التقينا غير وقتنا هذا، فنظر إليهم النبي (صلى الله عليه وآله) مليا ثم قال لهم: " أنتم أعلم أم الله، ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون " (1). ثم سار حتى دخل المدينة واجتمع القوم جميعا وكتبوا صحيفة بينهم على ذكر ما تعاهدوا عليه في هذا الامر، وكان أول ما في الصحيفة النكث لولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأن الامر إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسالم معهم، ليس بخارج منهم، وشهد بذلك أربعة وثلاثون رجلا: هؤلاء أصحاب العقبة وعشرون رجلا آخر، واستودعوا الصحيفة أبا عبيدة بن الجراح وجعلوه أمينهم عليها. قال: فقال الفتى يا أبا عبد الله يرحمك الله هبنا نقول إن هؤلاء القوم رضوا بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة لانهم من مشيخة قريش، فما بالهم رضوا بسالم وهو ليس من قريش ولا من المهاجرين ولا من الانصار وإنما هو عبد لامرءة من الانصار ؟ قال حذيفة: يا فتى إن القوم أجمع تعاقدوا على إزالة هذا الامر عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) حسدا منهم له وكراهة لامره، واجتمع لهم مع ذلك ماكان في قلوب قريش من سفك الدماء، وكان خاصة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانوا يطلبون الثأر الذي أوقعه رسول الله بهم من على من بني هاشم، فانما كان العقد على إزالة الامر عن علي (عليه السلام) من هؤلاء الاربعة عشر، وكانوا يرون أن سالما رجل منهم. فقال الفتى: فخبرني يرحمك الله عما كتب جميعهم في الصحيفة لاعرفه، فقال حذيفة حدثتني بذلك أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة أبي بكر أن القوم اجتمعوا في منزل أبي بكر فتآمروا في ذلك، وأسماء تسمعهم وتسمع جميع ما يدبرونه في ذلك، حتى اجتمع رأيهم على ذلك فأمروا سعيد بن العاص الاموي


(1) البقرة: 140 (*).

[103]

فكتب هو الصحيفة باتفاق منهم، وكانت نسخة الصحيفة: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما انفق عليه الملاء من أصحاب محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المهاجرين والانصار الذين مدحهم الله في كتابه على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، اتفقوا جميعا بعد أن أجهدوا في رأيهم، وتشاوروا في أمرهم، وكتبوا هذه الصحيفة نظرا منهم إلى الاسلام وأهله على غابر الايام، وباقي الدهور، ليقتدي بهم من يأتي من المسلمين من بعدهم. أما بعد فان الله بمنه وكرمه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) رسولا إلى الناس كافة بدينه الذي أرتضاه لعباده، فأدى من ذلك، وبلغ ما أمره الله به، وأوجب علينا القيام بجميعه حتى إذا أكمل الدين، وفرض الفرائض، وأحكم السنن، اختار الله له ما عنده فقبضه إليه مكرما محبورا من غير أن يستخلف أحدا من بعده، وجعل الاختيار إلى المسلمين يختارون لانفسهم من وثقوا برأيه ونصحه لهم، وإن للمسلمين في رسول الله أسوة حسنة، قال الله تعالى " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الاخر " (1) وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستخلف أحدا لئلا يجري ذلك في أهلبيت واحد، فيكون إرثا دون سائر المسلمين، ولئلا يكون دولة بين الاغنياء منهم، ولئلا يقول المستخلف إن هذا الامر باق في عقبه من والد إلى ولد إلى يوم القيامة. والذي يجب على المسلمين عند مضى خليفة من الخفاء أن يجتمع ذو والرأي والصلاح فيتشاوروا في امورهم، فمن رأوه مستحقا لها ولوه أمورهم، وجعلوه القيم عليهم، فانه لا يخفى على أهل كل زمان من يصلح منهم للخلافة. فان ادعى مدع من الناس جميعا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) استخلف رجلا بعينه نصبه للناس ونص عليه باسمه ونسبه، فقد أبطل في قوله، وأتى بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وخالف على جماعة المسلمين. وإن ادعى مدع أن خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إرث، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) الاحزاب: 21 (*).

[104]

يورث، فقد أحال في قوله، لان رسول الله قال: نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة. وإن ادعى مدع أن الخلافة لا تصلح إلا لرجل واحد من بين الناس وأنها مقصورة فيه، ولا تنبغي لغيره، لانها تتلو النبوة، فقد كذب لان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ". وإن ادعى مدع أنه مستحق للخلافة والامامة بقربه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم هي مقصورة عليه وعلى عقبه، يرثها الولد منهم عن والده، ثم هي كذلك في كل عصر وزمان لا تصلح لغيرهم، ولا ينبغي أن يكون لاحد سواهم إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، فليس له ولا لولده، وإن دنا من النبي نسبه، لان الله يقول - وقوله القاضي على كل أحد: " إن أكرمكم عند الله أتقيكم " وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وكلهم يد على من سواهم ". فمن آمن بكتاب الله وأقر بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد استقام وأناب، وأخذ بالصواب، ومن كره ذلك من فعالهم فقد خالف الحق والكتاب، وفارق جماعة المسلمين فاقتلوه، فان في قتله صلاحا للامة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جاء إلى امتي وهم جميع ففرقهم فاقتلوه، واقتلوا الفرد كائنا من كان من الناس، فان الاجتماع رحمة، والفرقة عذاب، ولا تجتمع أمتي على الضلال أبدا، وإن المسلمين يد واحدة على من سواهم، وأنه لا يخرج من جماعة المسلمين إلا مفارق ومعاند لهم، ومظاهر عليهم أعداءهم فقد أباح الله ورسوله دمه وأحل قتله ". وكتب سعيد بن العاص باتفاق ممن أثبت اسمه وشهادته آخر هذه الصحيفة في المحرم سنة عشرة من الهجرة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. ثم دفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح فوجه بها إلى مكة فلم تزل الصحيفة

[105]

في الكعبة مدفونة إلى أو ان عمر بن الخطاب، فاستخرجها من موضعها، وهي الصحيفة التي تمنى أمير المؤمنين (عليه السلام) لما توفي عمر فوقف به وهو مسجى ثبوبه، قال: ما أحب إلى أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجى (1). ثم انصرفوا وصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس صلاة الفجر، ثم جلس في مجلسه يذكر الله تعالى حتى طلعت الشمس، فالتفت إلى أبي عبيدة بن الجراح فقال له: بخ بخ من مثلك وقد أصبحت أمين هذه الامة ؟ ثم تلا " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند البه ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " (2) لقد أشبه هؤلاء رجال في هذه الامة " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا " (3).


(1) هذا الحديث رواه احمد في المسند ج 1 ص 109 ولفظه " رحمة الله عليك أبا حفص ! فوالله ما بقى بعد رسول الله أحد أحب إلى أن ألقى الله تعالى بصحيفته منك " ومعلوم أن لفظ الرواية حرفت عن وجهه، فان أحدا من المسلمين لا يجسر أن يتمنى على الله أن يلقاه بصحيفة النبي الاعظم ولا بمثل صحيفته ص، وإذا كان في المسلمين أحد يناسبه باخلاصه و طهارته وعدم سجوده لصنم قط وجهاده وفضله وعلمه ومؤازرته للنبى ص ومؤاخاته ووصايته و... وبالاخرة كونه كنفس النبي ص - أن يتمنى ذلك، فلا يكون يتمنى بعد ذلك أن يلقى الله بصحيفة اعمال عمر وهو هو، وقد كان مشركا في شطر من عمره، وهو الذى كان يقول لابي موسى الاشعري " لوددت أن ذلك برد لنا وأن كل شئ عملناه بعد رسول الله نجونا منه كفافا رأسا برأس " كما عرفت نصه ص 33 فيما سبق) إلى غير ذلك من المثالب التى رويت له. فاما أن يكون لفظ الحديث محرفا كما قلنا، أو يكون (عليه السلام) قد تعرض بذلك ليعرفه أهل المعرفة. (2) البقرة: 79. (3) النساء: 180، وفى هذه الاية روى الكليني في الكافي ج 8 ص 334 عن سليمان الجعفري قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول في قول الله تعالى: " إذ يبيتون مالا يرضى من =

[106]

ثم قال لقد أصبح في هذه الامة في يومي هذا قوم ضاهوهم في صحيفتهم التى كتبوها علينا في الجاهلية وعلفوها في الكعبة (1) وإن الله تعالى يمتعهم ليبتليهم، ويبتلي من يأتي بعدهم، تفرقة بين الخبيث والطيب، ولو لا أنه سبحانه أمرني بالاعراض عنهم للامر الذي هو بالغه لقد متهم فضربت أعناقهم. قال حذيفة: فوالله لقد رأينا هؤلاء النفر عند قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه المقالة وقد أخذتهم الرعدة فما يملك أحد منهم من نفسه شيئا ولم يخف على أحد ممن حضر مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك اليوم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إياهم عنى بقوله، ولهم ضرب تلك الامثال بما تلا من القرآن. قال: ولما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من سفره ذلك، نزل منزل أم سلمة زوجته فأقام بها شهرا لا ينزل منزلا سواه من منازل أزواجه كما كان يفعل قبل ذلك، قال فشكت عايشة وحفصة ذلك إلى أبويهما، فقالا لهما إنا لنعم لم صنع ذلك ولاي شئ هو، امضيا إليه فلا طفاه في الكلام، وخادعاه عن نفسه، فانكما تجدانه حييا


= القول " يعنى فلانا وفلانا وأبا عبيدة بن الجراح. (1) وفى كتاب النشر والطى، أن تعاهدهم ذلك كان بعد ما قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمسجد الخيف ووصى المسلمين بالتمسك بالثقلين: كتاب الله وعترته. ولفظه: فاجتمع قوم وقالوا: يريد محمد أن يجعل الامامة في أهل بيته، فخرج منهم أربعة ودخلوا إلى مكة ودخلوا الكعبة وكتبوا فيما بينهم " ان أمات الله محمدا أو قتل "، لا نرد هذا الامر في اهل بيته " فأنزل الله: " أم أبرموا أمرا فانا مبرمون، أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون " ثم ذكر بعد ذلك مشهد الغدير ثم قعودهم على العقبة ليقتلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسرد أسماءهم، ثم ذكر أنه بعد ما نزل رسول الله من هبوط العقبة قال: ما بال أقوام تحالفوا في الكعبة ان أمات الله محمدا أو قتل لا نرد هذا الامر إلى أهل بيته، ثم هموا بما هموا به ؟ " فجاؤا إلى رسول الله يحلفون أنهم لم يهموا بشئ.... الحديث (*).

[107]

كريما، فلعلكما تسلان ما في قلبه، وتستخرجان سخيمته. قال: فمضت عايشة وحدها إليه فأصابته في منزل ام سلمة وعنده علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال لها النبي: ما جاء بك يا حميراء ؟ قالت: يا رسول الله أنكرت تخلفك عن منزلك هذه المرة وأنا أعوذ بالله من سخطك يا رسول الله، فقال: لو كان الامر كما تقولين لما أظهرت سرا أوصيتك بكتمانه، لقد هلكت وأهلكت أمة من الناس. قال: ثم أمر خادمة سلمة فقال: اجمعي هؤلاء يعني نساءه فجمعتهن في منزل أم سلمة، فقال لهن: اسمعن ما أقول لكن، وأشار بيده إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال لهن: هذا أخي ووصيي ووارثي والقائم فيكن وفي الامة من بعدي فأطعنه فيما يأمركن به، ولا تعصينه فتهلكن بمعصيته، ثم قال: يا علي أوصيك بهن فأمسكهن ما أطعن الله وأطعنك، وأنفق عليهن من مالك، ومرهن بأمرك وانههن عما يريبك، وخل سبيلهن إن عصينك، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله إنهن نساء وفيهن الوهن وضعف الرأي، فقال: ارفق بهن ما كان الرفق أمثل بهن فمن عصاك منهن فطلقها طلاقا يبرأ الله ورسوله منها، قال: وكل نساء النبي قد صمتن فلم يقلن شيئا فتكلمت عايشة فقالت: يا رسول الله ما كنا لتأمرنا بشئ فنخالفه بما سواه، فقال لها: بلى: يا حميراء قد خالفت أمري أشد خلاف، وأيم الله لتخالفين قولى هذا ولتعصنه بعدي، ولتخرجن من البيت الذي اخلفك فيه متبرجة قد حف بك فئام من الناس، فتخالفينه ظالمة له عاصية لربك ولتنبحنك في طريقك كلاب الحوأب، ألا إن ذلك كائن، ثم قال: قمن فانصرفن إلى منازلكن قال فقمن فانصرفن. قال: ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع أولئك النفر ومن مالاهم على علي (عليه السلام) وطابقهم على عداوته، ومن كان من الطلقاء والمنافقين، وكانوا زهاء أربعة آلاف رجل، فجعلهم تحت يدي اسامة بن زيد مولاه، وأمره عليهم، وأمره بالخروج إلى ناحية من الشام، فقالوا: يا رسول لله إنا قدمنا من سفرنا الذي كنا فيه معك،

[108]

ونحن نسألك أن تأذن لنا في المقام لنصلح من شأننا ما يصلحنا في سفرنا، قال: فأمرهم أن يكونوا في المدينة ريث ما يحتاجون إليه، وأمر اسامة بن زيد فعسكر بهم على اميال من المدينة فأقام بمكانه الذي حد له رسول الله (صلى الله عليه وآله) منتظرا للقوم أن يوافوه إذا فرغوا من أمورهم وقضاء حوائجهم، وإنما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما صنع من ذلك أن تخلو المدينة منهم، ولا يبقى بها أحد من المنافقين. قال: فهم على ذلك من شأنهم ورسول الله (صلى الله عليه وآله) رائب يحثهم ويأمرهم بالخروج والتعجيل إلى الوجه الذي ندبهم إليه، إذ مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرضه الذي توفي فيه، فلما رأوا ذلك تباطؤا عما أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الخروج، فأمر قيس بن عبادة وكان سباق (1) رسول الله (صلى الله عليه وأله) والحباب بن المنذر في جماعة من الانصار يرحلوا بهم إلى عسكرهم، فأخرجهم قيس بن سعد والحباب بن المنذر حتى ألحقاهم بعسكرهم، وقالا لاسامة إن رسول الله لم يرخص لك في التخلف، فسر من وقتك هذا ليعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك، فارتحل بهم اسامة وانصرف قيس والحباب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعلماه برحلة القوم، فقال لهما: إن القوم غير سائرين. قال: فخلا أبو بكر وعمر وأبو عبيدة باسامة وجماعة من أصحابه فقالوا إلى أين ننطلق ونخلي المدينة ونحن أحوج ما كنا إليها وإلى المقام بها ؟ فقال لهم: وما ذلك ؟ قالوا إن رسول الله قد نزل به الموت، ووالله لئن خلينا المدينة لتحدثن بها امور لا يمكن إصلاحها، ننظر ما يكون من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم المسير بين أيدينا، قال: فرجع القوم إلى المعسكر الاول وأقاموا به وبعثوا رسولا يتعرف لهم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتى الرسول إلى عائشة فسألها عن ذلك سرا، فقالت امض إلى أبي وعمر ومن معهما وقل لهما: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ثقل فلا يبرحن أحد منكم وأنا أعلمكم بالخبر وقتا بعد وقت. واشتدت علة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعت عائشة صهيبا فقالت: امض إلى أبي


(1) سياف خ ل (*).

[109]

بكر وأعلمه أن محمدا في حال لا يرجى، فهلم إلينا أنت وعمر وأبو عبيدة ومن رأيتم أن يدخل معكم، وليكن دخولكم في الليل سرا، قال: فأتاهم الخبر فأخذوا بيد صهيب فأدخلوه إلى اسامة فأخبروه الخبر، وقالوا له كيف ينبغي لنا أن نتخلف عن مشاهدة رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستأذنوه في الدخول، فأذن لهم وأمرهم أن لا يعلم بدخولهم أحد، وإن عوفي رسول الله رجعتم إلى عسكركم، وإن حدث حادث الموت عرفونا ذلك لنكون في جماعة الناس. فدخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ليلا المدينة، ورسول الله (صلى الله عليه وأله) قد ثقل فأفاق بعض الافاقة فقال: لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شر عظيم، فقيل له: وما هو يا رسول الله ؟ فقال: إن الذين كانوا في جيش اسامة قد رجع منهم نفر يخالفون عن أمرى، ألا إني إلى الله منهم برئ، ويحكم نفذوا جيش اسامة، فلم يزل يقول ذلك حتى قالها مرات كثيرة، قال: وكان بلال مؤذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤذن بالصلاة في كل وقت [صلاة] فان قدر على الخروج تحامل وخرج وصلى بالناس، وإن هو لم يقدر على الخروج أمر علي بن أبي طالب (عليه السلام) فصلى بالناس، وكان علي بن أبى طالب (عليه السلام) والفضل بن العباس لا يزايلانه في مرضه ذلك. فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ليلته تلك التى قدم فيها القوم الذين كانوا تحت يدي اسامة، أذن بلال ثم أتاه يخبره كعادته، فوجده قد ثقل، فمنع من الدخول إليه، فأمرت عائشة صهيبا أن يمضى إلى أبيها فيعلمه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ثقل في مرضه وليس يطيق النهوض إلى المسجد، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) قد شغل به وبمشاهدته عن الصلاة بالناس، فاخرج أنت إلى المسجد فصل بالناس فانها حالة تهنئك وحجة لك بعد اليوم، قال: فلم يشعر الناس وهم في المسجد ينتظرون رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو عليا (عليه السلام) يصلى بهم كعادته التي عرفوها في مرضه، إذ دخل أبو بكر المسجد وقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ثقل، وقد أمرنى أن أصلى بالناس، فقال له رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنى لك ذلك وأنت في جيش اسامة، ولا والله لا أعلم أحدا بعث إليك ولا أمرك بالصلاة.

[110]

ثم نادى الناس بلال فقال: على رسلكم رحمكم الله لاستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك، ثم أسرع حتى أتى الباب فدقه دقا شديدا فسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ما هذا الدق العنيف ؟ فانظروا ما هو ؟ قال: فخرج الفضل بن العباس ففتح الباب فإذا بلال، فقال: ما وراءك يا بلال ؟ فقال: إن أبا بكر قد دخل المسجد وقد تقدم حتى وقف في مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بذلك، فقال: أو ليس أبو بكر مع جيش أسامة، هذا هو والله الشر العظيم الذى طرق البارحة المدينة، لقد أخبرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك، ودخل الفضل وأدخل بلالا معه، فقال: ما وراءك يا بلال ؟ فأخبر رسول الله الخبر فقال: أقيموني أقيموني أخرجوابي إلى المسجد، والذي نفسي بيده، قد نزلت بالاسلام نازلة وفتنة عظيمة من الفتن. ثم خرج معصوب الرأس يتهادى بين على والفضل بن العباس، ورجلاه تجران في الارض حتى دخل المسجد وأبو بكر قائم في مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أطاف به عمرو أبو عبيدة وسالم وصهيب، والنفر الذين دخلوا، وأكثر الناس قد وقفوا عن الصلاة ينتظرون ما يأتي بلال، فلما رأى الناس رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد دخل المسجد وهو بتلك الحالة العظيمة من المرض، أعظموا ذلك. وتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجذب أبا بكر من ورائه فنحاه عن المحراب وأقبل أبو بكر والنفر الذين كانوا معه فتواروا خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقبل الناس فصلوا خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو جالس، وبلال يسمع الناس التكبير حتى قضى صلاته ثم التفت فلم ير أبا بكر فقال أيها الناس ألا تعجبون من ابن أبي قحافة وأصحابه الذين أنفذتهم وجعلتهم تحت [يدي] اسامة، وأمرتهم بالمسير إلى الوجه الذي وجهوا إليه فخالفوا ذلك ورجعوا إلى المدينة ابتغاء الفتنة، ألا وإن الله قد أركسهم فيها، اعرجوا بي إلى المنبر. فقام وهو مربوط حتى قعد على ادنى مرقاة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

[111]

أيها الناس إنى قد جاءني من أمر ربي ما الناس إليه صائرون، وإني قد تركتكم على الحجة الواضحة ليلها كنهارها، فلا تختلفوا من بعدي كما اختلف من كان قبلكم من بني اسرائيل أيها الناس إنه لا أحل لكم إلا ما أحله القرآن، ولا احرم عليكم إلا ما حرمه القرآن، وإني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ولن تزلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي هما الخليفتان فيكم، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، فأسائلكم بما ذا خلفتموني فيهما ؟ وليذادن يومئذ رجال عن حوضى كما تذاد الغريبة من الابل، فتقول رجال أنا فلان وأنا فلان، فأقول أما الاسماء فقد عرفت ولكنكم ارتددتم من بعدي، فسحقا لكم سحقا. ثم نزل عن المنبر وعاد إلى حجرته، ولم يظهر أبو بكر ولا أصحابه حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان من الانصار وسعد من السقيفة ماكان، فمنعوا أهل بيت نبيهم حقوقهم التي جعلها الله عزوجل لهم، وأما كتاب الله فمزقوه كل ممزق، وفيما أخبرتك يا أخا الانصار من خطب معتبر، لمن أحب الله هدايته فقال الفتى: سم لي القوم الاخرين الذين حضروا الصحيفة، وشهدوا فيها، فقال حذيفة: أبو سفيان، وعكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن امية بن خلف، و سعيد بن العاص، وخالد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وبشير بن سعد، و سهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وصهيب بن سنان، وأبو الاعور السلمي، ومطيع بن الاسود المدري، وجماعة من هؤلاء ممن سقط عني إحصاء عددهم. فقال الفتى: يا أبا عبد الله ما هؤلاء في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى قد انقلب الناس أجمعون بسببهم ؟ فقال حذيفة: إن هؤلاء رؤس القبايل وأشرافها، وما من رجل من هؤلاء إلا ومعه من الناس خلق عظيم، يسمعون له ويطيعون، واشربوا في قلوبهم من حب أبي بكر، كما اشرب قلوب بنى اسرائيل من حب العجل والسامري حتى تركوا هارون واستضعفوه.

[112]

قال الفتى: فاني اقسم بالله حقا حقا أني لا أزال لهم مبغضا، وإلى الله منهم ومن أفعالهم متبرئا، ولا زلت لامير المؤمنين (عليه السلام) متواليا ولاعاديه معاديا، ولا لحقن به و إني لاؤمل أن ارزق الشهادة معه وشيكا إنشاء الله تعالى. ثم ودع حذيفة وقال: هذا وجهى إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فخرج إلى المدينة واستقبله وقد شخص من المدينة يريد العراق، فسار معه إلى البصرة، فلما التقى أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أصحاب الجمل كان ذلك الفتى أول من قتل من أصحاب أمير المؤمنين وذلك أنه لما صاف القوم واجتمعوا على الحرب أحب أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يستظهر عليهم بدعائهم إلى القرآن، وحكمه، فدعا بمصحف و قال: من يأخذ هذا المصحف يعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه فيحيى ما أحياه، ويميت ما أماته ؟ قال: وقد شرعت الرماح بين العسكرين حتى لو أراد امرؤ أن يمشي عليها لمشى، قال فقام الفتى فقال: يا أمير المؤمنين أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه، قال: فأعرض عنه أمير المؤمين (عليه السلام) ثم نادى الثانية من يأخذ هذا المصحف فيعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه ؟ فلم يقم إليه أحد، فقام الفتى وقال: يا أمير المؤمنين أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه، قال: فأعرض عنه أمير المؤمنين عليه اسلام ثم نادى الثالثة فلم يقم إليه أحد من الناس إلا الفتى وقال: أنا آخذه وأعرضه عليهم، وأدعوهم إلى ما فيه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنك إن فعلت ذلك فانك لمقتول ؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين (عليه السلام) ما شئ أحب إلى من أن ارزق الشهادة بين يديك، وأن اقتل في طاعتك، فأعطاه أمير المؤمنين (عليه السلام) المصحف، فتوجه به نحو عسكرهم فنظر إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: إن الفتى ممن حشى الله قلبه نورا وإيمانا، وهو مقتول، ولقد أشفقت عليه من ذلك، ولن يفلح القوم بعد قتلهم إياه. فمضى الفتى بالمصحف حتى وقف بازاء عسكر عائشة وطلحة والزبير حيئنذ عن يمين الهودج وشماله، وكان له صوت فنادى بأعلا صوته: معاشر الناس هذا كتاب الله فان أمير المؤمننين يدعوكم إلى كتاب الله والحكم بما أنزل الله فيه، فأنيبوا

[113]

إلى طاعة الله والعمل بكتابه، قال: وكانت عائشة وطلحة والزبير يسمعون قوله، فأمسكوا، فلما رأى ذلك أهل عسكرهم بادروا إلى الفتى والمصحف في يمينه فقطعوا يده اليمنى، فتناول المصحف بيده اليسرى وناداهم بأعلا صوته مثل ندائه أول مرة، فبادروا إليه وقطعوا يده اليسرى، فتناول المصحف واحتضنه ودماؤه تجرى عليه وناداهم مثل ذلك، فشدوا عليه فقتلوه، ووقع ميتا فقطعوه إربا اربا،، ولقد رأينا شحم بطنه أصفر. قال: وأمير المؤمنين (عليه السلام) واقف يراهم، قأفبل على أصحابه وقال اني والله ماكنت في شك ولا لبس من ضلالة القوم وباطلهم، ولكن أحببت أن يتبين لكم جميعا ذلك من بعد قتلهم الرجل الصالح حكيم بن جبلة العبدى في رجال صالحين معه، وتضاعف ذنوبهم بهذا الفتى وهو يدعوهم إلى كتاب الله، والحكم به، و العمل بموجبه، فثاروا إليه فقتلوه، ولا يرتاب بقتلهم مسلم، ووقدت الحرب واشتدت. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): احملوا بأجمعكم عليهم بسم الله حم لا ينصرون، و حمل هو بنفسه والحسنان وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) معه، فغاص في القوم بنفسه فوالله ما كان الا ساعة من نهار حتى رأينا القوم كله شلايا يمينا وشمالا صرعى تحت سنابك الخيل، ورجع أمير المؤمنين (عليه السلام) مؤيدا منصور أو فتح الله عليه ومنحه أكتافهم، وأمر بذلك الفتى، وجميع من قتل معه، فلفوا في ثيابهم بدمائهم لم تنزع عنهم ثيابهم وصلى عليهم ودفنهم، وأمرهم أن لا يجهزوا على جريح، ولا يتبعوا لهم مدبرا، وأمر بما حوى العسكر فجمع له، فقسمه بين أصحابه وأمر محمد بن أبي بكر أن يدخل اخته البصرة، فيقيم بها أياما ثم يرحلها إلى منزلها بالمدينة. قال عبد الله بن سلمة: كنت ممن شهد حرب أهل الجمل، فلما وضعت الحرب أوزارها، رأيت أم ذلك الفتى واقفة عليه، فجعلت تبكى عليه وتقبله وأنشأت يقول:

[114]

يا رب إن مسلما أتاهم * يتلو كتاب الله لا يخشاهم يأمرهم بالامر من مولاهم * فخضبوا من دمه قناهم وامهم قائمة تراهم * تأمرهم بالغي لا تنهيهم (1) توضيح قوله (عليه السلام): " من حرف المدائن " في بعض النسخ بالحاء المهملة أي من كسب المداين، من قولهم حرف لعياله أي كسب أو هو بمعنى الطرف والذروة، لكونه في جانب من بلاد العراق أو من أعالي البلاد، وفي بعضها بالجيم، قال في القاموس: الجرف المال من الناطق والصامت والخصب والكلاء الملتف، وبالكسر وقد يضم المكان الذي لا يأخذه السيل، وبالضم ما تجر فته السيول وأكلته من الارض، ولا يخفى مناسبة أكثرها للمقام ويقال: " كبت الله العدو " أي صرفه وأذله قوله (عليه السلام): " أحمد إليكم الله " ولعله ضمن معنى الانهاء أي أحمد الله منهيا إليكم نعمه، قال في النهاية: في كتابه (صلى الله عليه وآله) أما بعد فاني أحمد إليك الله أي أحمده معك فأقام إلى مقام مع، وقيل معناه أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها انتهى، والادحاض الابطال، والتهجير والتهجر السير في الهاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، والشملة كساء يشتمل به. قوله: " وما كادوا " أي ما كادوا يفعلون ذلك لعسره عليهم كما قال تعالى: " فذبحوها وما كادوا يفعلون " ويحتمل أن يكون من الكيد أي لم يسألوا شيئا كما سأل المنافقون بعد ذلك كيدا ومكرا، وبطؤككرم ضد أسرع كأبطأ، فالبطاء جمع الباطي، ويقال مللته، ومنه أي سئمته وأملني، وأمل علي أبرمني، وكربه الغم


(1) ارشاد القلوب 2 / 112 - 135، وقولها " وأمهم قائمة تراهم " تعنى عائشة ام المؤمنين روى ذلك الشيخ المفيد في كتابه الجمل: 181 ولفظه " فأقبل الغلام حتى وقف بازاء الصفوف ونشر المصحف، وقال: هذا كتاب الله، وأمير المومنين يدعوكم إلى ما فيه، فقالت عائشة: " اشجروه بالرماح فقبحه الله " فتبادروا إليه بالرماح فطعنوه من كل جانب " وروى القصة الطبري في ج 4 ص 511، وسيأتى في باب الجمل (*).

[115]

أحزنه، وقال الجزري، فيه ذكر العالية والعوالي في غير موضع وهي أماكن بأعلا أراضي المدينة على أربعة أميال وأبعدها من جهة نجد ثمانية. قوله تعالى " فليعلمن الله " أي علما حاليا متعلقا بالموجود، وبه يكون الثواب و العقاب. قوله تعالى: " أن يسبقونا " أي يفوتونا، فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم وقال الجوهري حفظته الكتاب حملته على حفظه واستحفظته سألته أن يحفظه، قوله: " وأغذ بالمعجمتين أي أسرع قال القاموس وأغذ السير وفيه أسرع، وقال جهمه، استقبله بوجه كريه كتجهمه، وقال: هر شى كسكرى ثنية قرب الجحفة والحبرة النعمة الحسنة، والدولة بالضم ما تتداوله الاغنياء وتدور بينهم، وأبطل أتى بالباطل وتكلم به كأحال أي أتى بالمحال. قوله: يسعى بها أدناهم: أي يجب على المسلمين إمضاء أمان أدناهم لاحاد المشركين، قوله " وكلهم يد " أي هم مجتمعون على دفع أعدائهم لا يسع التخاذل بينهم بل يعاون بعضهم بعضا على جميع الاديان والملل، كأنه جعل أيديهم يدا واحدة، وفعلهم فعلا واحدا. قوله: " أحب أن ألقى الله " أي أحب أن اخاصمه عند الله بسبب صحيفته التي كتبها، وفي بعض النسخ ما أحب إلى أن ألقى الله بصيغة التعجب والمسجى بالتشديد على بناء المفعول المغطى بثوب، والرعدة بالكسر والفتح الاضطراب، وفي النهاية والرأب لجمع والشد، يقال رأب الصدع إذا شعبه، ورأب الشئ إذا جمعه وشده برفق، والرسل بالكسر الهنيئة والتأني يقال افعل كذا على رسلك أي اتئد فيه وقال في الحديث " إنه خرج في مرضه يتهادى بين رجلين " أي يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله، من تهادت المرأة في مشيتها إذا تمايلت، وكل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه، قوله: " وهو مربوط " أي مشدود الرأس معصوب والتمزيق التخريق، والممزق أيضا مصدر والحضن بالكسر ما دون الابط إلى

[116]

الكشح، أو الصدر والعضدان وما بينهما، وحضن الشئ واحتضنه جعله في حضنه، قوله فشدوا أي حملوا عيه، والارب بالكسر العضو، واللبس بالضم الشبهة. قوله: ووقدت الحرب كوعد أي التهبت نار الحرب، وقال الجزري في حديث الجهاد " إن أبيتم فقولوا حم لا ينصرون " قيل معناه اللهم لا ينصرون، و يريد به الخبر لا الدعاء، لانه لو كان دعاء لقال لا ينصروا مجزوما فكأنه قال: والله لا ينصرون، وقيل إن السور التى أولها " حم " سور لها شأن " فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله، وقوله: " لا ينصرون " كلام مستأنف كأنه حين قال: قولوا حم، قيل ماذا يكون إذا قلناها ؟ فقال: لا ينصرون. وفي القاموس الشلو بالكسر العضو والجسد من كل شئ، كالشلا، وكل مسلوخ أكل منه شئ وبقيت منه بقية، والجمع أشلاء والشلية الفدرة (1) وبقية المال انتهى قوله: " ومنحه أكتافهم " لعله كناية عن تسلطه (عليه السلام)، كأنه ركب أكتافهم، أو عن انهزامهم وتعاقب عسكره (عليه السلام) لهم كما مر في حديث بدر " وإلا فاركبوا أكتافهم " أي اتبعوهم أو عن الظفر عليهم مكتوفين، قولها " قناهم " هي جمع القناة وهي الرمح. 4 - قب: عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: " كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم " (2) إذا عاينوا عند الموت ما أعد لهم من العذاب الاليم، وهم أصحاب الصحيفة التي كتبوا على مخالفة على " وما هم بخارجين من النار ". وعنه (عليه السلام) في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة " (3) أعملهم


(1) وهى القطعة من اللحم. (2) البقرة: 167. (3) آل عمران: 118 (*).

[117]

بما في قلوبهم وهم أصحاب الصحيفة (1). 5 - مع: ما جيلويه عن عمه عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لما نظر إلى الثاني وهو مسجى بثوبه: ما أحد أحب إلى أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى، فقال عنى بها صحيفته التي كتبت في الكعبة (2).


(1) مناقب السروى 3 / 212 - 213. (2) معاني الاخبار: 412 وقد روى سليم عن على (عليه السلام) نص ذلك في مفاخرة جرت بينه وبين طلحة بن عبيدالله ولفظه: فقال طلحة: فكيف نصنع بما ادعى أبو بكر وعمر أصحابه الذين صدقوه وشهدوا على مقالته... أنه سمع النبي يقول: ان الله أخبرني أن لا يجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة، فصدقه بذلك عمر وابو عبيدة وسالم ومعاذ بن جبل... فقال عند لك على - وقد غضب من مقالة طلحة - فأخرج شيئا كان يكتمه وفسر شيئا قد كان قاله يوم مات عمر، لم يد رما عنى به، وأقبل عى طلحة الناس يسمعون فقال: يا طلحة ! أما والله ما صحيفة القى الله بها يوم القيامة أحب إلى من صحيفة هؤلاء الخمسة الذين تعاهدوا وتعاقدوا على الوفاء بها في الكعبة في حجة الوداع " ان قتل الله محمدا أو مات أن يتوازروا ويتظاهروا على فلا أصل إلى الخلافة " راجع ص 117 - 118. وهكذا ورد ذكر الصحيفة الملعونة في احتجاجات هشام بن الحكم على ما نقله في الفصول المختارة: 58 وفيه أن أعمروا طأ أبا بكر والمغيرة وسالم مولى أبن حذيفة وأبا عبيدة على كتب صحيفة بينهم يتعاقدون فيها على أنه إذا مات رسول الله ص لم يورثوا أحدا من اهل بيته ولم يولوهم مقامه من بعده، فكانت الصحيفة لعمر، إذ كان عماد القوم، والصحيفة التى ود أمير المؤمنين ورجا أن يلقى الله بها، هي هذه الصحيفة فيخاصمه بها ويحتج عليه بمتضمنها. قال: والدليل على ذلك ما روته العامة عن ابى بن كعب أنه كان يقول في المسجد: " ألا هلك أهل العقدة والله ما آسى عليهم انما آسى على من يضلون من الناس، فقيل له: من هؤلاء =

[118]

بيان: هذا مما عد الجمهور من مناقب عمر زعما منهم أنه (عليه السلام) أراد بالصحيفة كتاب أعماله، وبملاقاة الله بها أن يكون أعماله مثل أعماله المكتوبة


= أهل العقدة ؟ وما عقدتهم ؟ فقال: قوم تعاقدوا بينهم " ان مات رسول الله لم يورثوا أحدا من اهل بيته ولا ولوهم مقامه، أما والله لئن عشت إلى يوم الجمعة لا قومن فيهم مقاما أبين به للناس أمرهم، قال: فما أتت عليه الجمعة ". أقول: قد مر منا الاشارة في ص 34 من هذا المجلد إلى مقالة أبى بن كعب هذا واليك الان تفصليها: روى الفضل بن شاذان في الايضاح ص 373 قال: حدثنا اسحاق عن سلمة عن ابن اسحاق، عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن عمر العوفي [وأظنه عن جندب كما سيأتي] قال: دخلت مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فإذا أنا برجل قد سجى وحوله قوم فسألته عن شئ فجبهونى فقلت يا أصحاب محمد تضنون بالعلم قال: فكشف الرجل المسجى الثوب عن وجهه فإذا شيخ أبيض الرأس واللحية فقال: عن أي هذه الامة تسأل ؟ فو الله ما زالت هذه الامة مكبوبة على وجهها منذ يوم قبض رسول الله وأيم الله لئن بقيت إلى يوم الجمعة لا قومن مقاما أقتل فيه. قال: وسمعته قبل ذلك وهو خارج دار الفضل وهو يقول: ألا هلك أهل العقدة أبعدهم الله، والله ما آسى عليهم انما آسى على الذين يهلكون من أمة محمد، فلما كان يوم الاربعاء رأيت الناس يموجون فقلت: ما الخبر ؟ فقالوا: مات سيد المسلمين أبى بن كعب فقلت ستر الله على المسلمين حيث لم يقم الشيخ ذلك المقام. وروى مثله ابن جرير الطبري من أصحابنا في المسترشد 28 - 29. ونقل ابن أبى الحديد في شرح النهج ج 4 ص 454 عن أبى جعفر الاسكافي كلاما لبعض الزيدية استحسنه وفيه " وكلمة أبى بن كعب مشهورة منقولة " ما زالت هذه الامة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيهم ". وقوله: " ألا هلك العقدة والله ما آسى عليهم انما آسى على من يضلون من الناس " وهذا النص في س 459 س 7 = (*).

[119]

فيه، فبين (عليه السلام) أنه (صلى الله عليه وآله) أزاد بالصحيفة العهد الذي كتبوا ردا على الله وعلى رسوله في خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) أن لا يمكنوه منها، وبالملاقاة بها مخاصمة أصحابها عند الله تعالى فيها.


= وروى الامام ابن حنبل عن قيس بن عباد قال: أتيت المدينة للقى أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلى من أبى فأقيمت الصلاة وخرج عمر مع اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقمت في الصف الاول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيرى فنحانى وقام في مكاني فما عقلت صلاتي فلما صلى قال: يا بنى لا يسوؤك الله فانى لم آتك الذى أتيتك بجهالة ولكن رسول الله قال لنا: كونوا في الصف الذى يلينى وانى نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك. ثم حدث فما رأيت الرجال متحت أعناقها إلى شئ متوجها إليه قال: فسمعته يقول: هلك أهل العقدة ورب الكعبة، ألا لا عليهم آسى ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين وإذا هو أبى. أقول وترى مثله في حلية الاولياء ج 1 ص 252 بطريقين عن قيس بن عباد بتلخيص يسير وفى لفظ " أما والله ما عليهم آسى ولكن آسى على من أضلوا " وأظن أن في السند سقطا والراوي كان هو جندب بن عبد الله البجلى الشيعي: روى ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 2 ص 61 س 20 عن جندب بن عبد الله البجلى قال: أتيت المدينة ابتغاء العلم فدخلت مسجد رسول الله فإذا الناس فيه حلق يتحدثون فجعلت أمضى الحلق حتى أتيت حلقة فيها رجل شاحب عليه ثوبان كانما قدم من سفر قال فسمعته يقول: " هلك أصحاب العقدة ورب الكعبة ولا آسى عليهم " أحسبه قال مرارا. قال: فجلست إليه فتحدث بما قضى له ثم قام: قال: فسألت عنه بعد ما قام، قلت من هذا ؟ قالوا: هذا سيد المسلمين أبى بن كعب قال: فتبعته حتى أتى منزله فإذا هورث المنزل رث الهيئة فإذا رجل زاهد منقطع يشبه أمره بعضه بعضا، فسلمت عليه فرد على السلام ثم سألني ممن أنت ؟ قلت من أهل العراق، قال: أكثر منى سؤالا ؟ ! قال: لما قال ذلك غضبت، قال: فجثوت على ركبتي ورفعت يدى هكذا - وصف =

[120]

[...]


= حيال وجهه - فاستقبلت القبلة، قال: قلت: اللهم نشكوهم اليك انا ننفق نفقاتنا وننصب ابداننا ونرحل مطايانا ابتغاء العلم فإذا لقيناهم تجهموا لنا وقالوا لنا. قال: فبكى أبى وجعل يترضانى ويقول: ويحك لم أذهب هناك، لم أذهب هناك، قال: ثم قال: اللهم انى اعاهدك لئن أبقيتنى إلى يوم الجمعة لا تكلمن بما سمعت من رسول الله لا أخاف فيه لومة لائم. وفى لفظ آخر " لا قولن قولا لا أبالى استحييتموني عليه أو قتلتموني " راجع الطبقات ج 3 ق 2 ص 61 س 11]. قال: لما قال ذلك انصرفت عنه وجعلت أنتظر الجمعة فلما كان يوم الخميس خرجت لبعض حاجتى فإذا السكك غاصة من اناس لا أجد سكة الا يلقانى فيها الناس، قال: قلت ما شأن الناس ؟ قالوا: انا نحسبك غريبا، قال: قلت: أجل، قالوا: مات سيد المسلمين ابى بن كعب، قال جندب فلقيت أبا موسى بالعراق فحدثته حديث أبى قال: والهفاه لو بقى حتى تبلغنا مقالته. قلت: " وروى مثله في مستدرك الصحيحين ج 2 ص 226 - 227 وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأخرجه في ج 3 ص 304 بلفظ آخر ملخصا. وروى النسائي في كتاب الامامة تحت الرقم 23 (ج 2 ص 88) وأخرجه في مشكاة المصابيح ص 99 باسناده عن قيس بن عباد ولفظه " ثم استقبل القبلة فقال: هلك أهل العقد [ة] ورب الكعبة - ثلاثا - ثم قال: والله ما عليهم آسى ولكن آسى على من أضلوا ". قلت: يا أبا يعقوب ما يعنى بأهل العقد ؟ قال: الامراء. قلت: فكما ترى الظاهر من ألفاظ الحديث أنه أراد بالعقد أو العقدة في كلامه، و خصوصا في هذا الموقف الصعب، عقد التحالف والتعاهد على أمر كان فيه ضلال أمة محمد =

[121]

[...]


= وهلاكهم، وليس يرى ذلك الا عقدهم بالصحيفة التى رويت في آثار أهل البيت من طرق الشيعة. واما تفسير أبى يعقوب - وهو يوسف بن يعقوب السلعى البصري الراوى عن سليمان التيمى عن أبى مجلز عن قيس - بان المراد من أهل العقد الامراء، فليس بشئ لان الامراء لم يضلوا أمة محمد ولا أهلكوهم وانما ظلموهم في فيئهم وتشريدهم ومنع حقوقهم ولان أبيا لم يكن يخاف من الامراء وهو في المدينة لا أمير عليه الا الخليفة عمر أو عثمان على ما ستقف عليه من الاختلاف في ذلك. على أن النكير والنقمة على الامراء مما قد كان شاع قبل ذلك في ألسنة الصحابة وفى رأسهم الفاروق حيث كان يشاطر أموالهم تارة ويصادر أموالهم اخرى، وخصوصا إذا كانت مقالته هذه في زمن عثمان حيث كان جل المهاجرين والانصار ينقمون على أمرائه بل وعلى نفسه، وفلا معنى لقوله " لا قولن مقالا اقتل فيه " وامثال ذلك، الا أن يكون أراد في كلامه المعنى المعروف بين العرب من كلمة العقد، وهو التعاقد والحلف على اجتماعهم في أمر من الامور. واما تفسير ابن الاثير في نهايته حيث قال: (ومنه حيث أبى " هلك أهل العقد و رب الكعبة " يعنى بيعة الولاة (فلا يكشف هذه السوءة، وذلك لان الولاة لا بيعة لهم، و انما البيعة للخلفاء، ولم يكن سبق في زمن أبى الا بيعة أبى بكر وعمر، وعلى قول بيعة عثمان، اما بيعة عثمان فقد كان على شريطة شرطها الفاروق، وأما بيعة عمر فقد كان بأمر من أبى بكر استخلفه، وأما بيعة أبى بكر فقد قال عمر نفسه: انها كانت فلنة وقى الله شرها ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه، ومعلوم أن حكم الامثال فيما يجوز ومالا يجوز واحد. فعلى هذا كلام ابن الاثير حيث أورد لفظ البيعة اعتراف منه ضمنا بأن العقد في كلام أبى لم يكن عقد اللواء للامراء كما قيل، بل كان مراده عقد البيعة، وهو مساوق لما قالت الشيعة من أن مراده بالعقد: العهد الذى كان بين جماعة أن لا يورثوا أهل بيت =

[122]

وقال في الصراط المستقيم: ويعضده (1) ما أسنده سليم إلى معاذ بن جبل أنه عند وفاته دعا على نفسه بالويل والثبور فقيل له: لم ذاك ؟ قال: لموالاتي عتيقا وعمر على أن أزوي خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن علي (عليه السلام)، وروى مثل ذلك عن ابن عمر أن أباه قاله عند وفاته وكذا أبو بكر، وقال: هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه علي بيده الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة، وهو يقول: وقد وفيت بها وتظاهرت على ولي الله أنت وأصحابك، فأبشر بالنار في أسفل السافلين، ثم لعن ابن صهاك، وقال: " هو الذي صدني عن الذكر بعد إذ جائني ". قال العباس بن الحارث: لما تعاقدوا عليها نزلت " إن الذين ارتدوا على أدبارهم " (2) وقد ذكرها أبو إسحاق في كتابه وابن حنبل في مسنده والحافط في حليته والزمخشري في فائقه، ونزل " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا " (3) الايتان. وعن الصادق (عليه السلام) نزلت " أم أبرموا أمرا فانا مبرمون " (4) الايتان. ولقد وبخهما النبي (صلى الله عليه وآله) لما نزلت فأنكرا، فنزلت " يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر " الاية. ورووا أن عمر أودعها أبا عبيدة فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أصبحت أمين هذه الامة


= محمد (صلى الله عليه وآله) كما وفوا بعهدهم هذا والا لماضر أبا بكر ولا عمر أن يكون فدك في يد فاطمة وبنيها أولا. وفى الختام نفثة مصدورة وهى أنه كيف عاهد أبى ان يقوم يوم الجمعة مقامه الذى كان يريده، ومات يوم الخميس ؟ أراه خنقه الجن ! فما ترى انت ايها القارى ؟ (1) قال: على أن عمل انسان لا يصح أن يكون لاخر، فلابد لهم من اضمار " مثلها " وحينئذ لنا أن نضمر " خلافها " بل هو المعهود من تظلماته من عمر، ويعضده الخ. (2) القتال: 25. (3) النمل: 50. (4) سيأتي سنده (*).

[123]

وروته العامة أيضا. وقال عمر عند موته: ليتني خرجت من الدنيا كفافا لا علي ولا لي (1) فقال ابنه: تقول هذا ؟ فقال: دعني نحن أعلم بما صنعنا أنا وصاحبى وأبو عبيدة ومعاذ. وكان ابى يصيح في المسجد: ألا هلك أهل العقدة ; فيسئل عنهم، فيقول: ما ذكرناه، ثم قال: لئن عشت إلى الجمعة لابينن للناس أمرهم، فمات قبلها (2). 6 - كا: باسناده عن أبي بصير، عن أبى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم " (3) قال: نزلت هذه الاية في فلان وفلان وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف، وسالم مولى أبي حذيفة، والمغيرة بن شعبة، حيث كتبوا الكتاب بينهم، وتعاهدوا وتوافقوا " لئن مضى محمد (صلى الله عليه وآله) لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة أبدا " فأنزل الله عزوجل فيهم هذه الاية. قال: قلت قوله عزوجل: " أم أبرموا أمرا فانا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجويهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون " (4) قال: وهاتان الايتان نزلنا فيهم ذلك اليوم، قال أبو عبد الله (عليه السلام): لعلك ترى أنه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلا يوم قتل الحسين (عليه السلام)، وهكذا كان في سابق علم الله عزوجل الذي أعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن إذا كتب الكتاب قتل الحسين (عليه السلام) وخرج الملك من بنى هاشم،


= (1) صحيح البخاري ج 9 ص 100. (2) الصراط المستقيم ج 3 ص 151 - 152 بتلخيص وقد مر مقال أبى بن كعب ذلك فيما سبق ص 34 و 118. (3) المجادلة: 7. (4) الزخرف: 79 - 80 (*).

[124]

فقد كان ذلك كله الحديث (1). 7 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس، عن أبان بن أبى عياش عنه قال شهدت أبا ذر مرض مرضا على عهد عمر في إمارته، فدخل عليه عمر يعوده وعنده أمير المؤمنين (عليه السلام) وسلمان والمقداد، وقد أوصي أبو ذر إلى على (عليه السلام) و كتب وأشهد، فلما خرج عمر قال: رجل من أهل أبي ذر من بني عمه بنى غفار: ما منعك أن توصي إلى أمير المؤمنين عمر ؟ قال: قد أوصيت إلى أمير المؤمنين حقا، أمرنا به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن ثمانون رجلا أربعون رجلا من العرب، و أربعون رجلا من العجم، فسلمنا على علي بامرة المؤمنين، فينا هذا القائم الذي سميته أمير المؤمنين، وما أحد من العرب ولا من الموالي العجم راجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا هذا وصويحبه الذي استخلفه، فانهما قالا: أحق من الله ومن رسوله ؟ قال: اللهم نعم، حق من الله ورسوله، أمرني الله بذلك فآمركم به. قال سليم: فقلت يا أبا الحسن وأنت يا سلمان وأنت يا مقداد تقولون كما قال أبو ذر ؟ قالوا نعم، صدق، قلت أربعة عدول ولو لم يحدثني غير واحد ما شككت في صدقه، ولكن أربعتكم أشد لنفسي وبصيرتي، قلت: أصلحك الله أتسمون الثمانين من العرب والموالي ؟ فسماهم سلمان رجلا رجلا، فقال علي (عليه السلام): وأبو ذر والمقداد: صدق سلمان رحمة الله ومغفرته عليه وعليهم، فكان ممن سمى أبو بكر وعمرو أبو عبيدة وسالم، والخمسة من الشورى - وفي رواية أخرى والخمسة أصحاب الصحيفة - وعمار بن ياسر وسعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، والباقي من صحابة العقبة - وفي رواية النقباء من أصحاب العقبة - وأبي بن كعب وأبو ذر والمقداد وجلهم وعظمهم من أهل بدر وعظمهم من الانصار فيهم أبو الهيثم بن التيهان، وخالد بن زيد أبو أيوب واسيد بن حضير، وبشير بن سعد، قال سليم: فأظنني قد لقيت عليتهم فسألتهم وخلوت بهم رجلا رجلا، فمنهم من سكت عني فلم يجبنى


(1) الكافي ج 8 ص 179 (*).

[125]

بشئ وكتمني، ومنهم من حدثني ثم قال: أصابتنا فتنة أخذت بقلوبنا وأسماعنا وأبصارنا. وذلك لما ادعى أبو بكر أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول بعد ذلك: إنا أهل بيت أكرمنا الله واختار لنا الاخرة على الدنيا، وإن الله أبى أن يجمع لنا أهل البيت البنوة والخلافة (1) فاحتج بذلك أبو بكر على علي (عليه السلام) حين جئ به للبيعة


(1) هذه مزعمة من يقدر الخلافة رئاسة دنيوية وسلطة تجبرية، ولما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " انا أهل بيت اختار الله لن الاخرة على الدنيا " تقدر من ذلك أن الخلافة تقابل النبوة وأنها لا تصل إلى أهل بيته بأمر من الله ولكن الله يقول عز من قائل " فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكم والنبوة وآتيناهم ملكا عظيما " بل لعمري هذه مزعمة من لم يعرف حقيقة النبوة، ولا الخلافة عنها، فان النبوة الاسلامية هي الجامعة لامور الدنيا والدين، وقد كان الرسول الاعظم على كمال زهده وأعراضه عن الدنيا رئيسا للمسلمين يأمرهم وينهاهم بأمر الله لا تعظما وتجبرا عليهم، وهكذا الخلافة الاسلامية، فان الخليفة هو الذى يقوم مقام النبي في أمره ونهيه يتبع بذلك حكم الله وسنة نبيه ليس يريد بذلك حرث الدنيا والتجبر فيها. فالخلافة لا تفترق بشئونها عن النبوة الا بالوحى فان النبي يلتقط الوحى من الله، والخليفة يلتقط ذلك عن النبي ويصدر عن أمره ونهيه، وأما من حيث الرئاسة الدينية الالهية فهما سيان لا يراد بهما الا احقاق الحق واقامة العدل، لا الدنيا وزخرفها. فهذا على بن ابي طالب حامل لواء الخلافة يقول في كلام له يتشكى أصحابه من سوء تربيتهم ونفورهم عن الحق وانسهم بالباطل في الفترة بين قيامه بالحق ورحلة النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): " أيتها النفوس المختلفة والقلوب المتشتتة، الشاهدة أبدانهم والغائبة عنهم عقولهم، أظأركم على الحق وأنتم تنفرون عنه نفور المعزى عن وعوعة الاسد، هيهات أن أطلع بكم سرار العدل أو اقيم اعوجاج الحق، اللهم انك تعلم أنه لم يكن الذى كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الاصلاح في بلادك، =

[126]

وصدقه وشهد له أربعة كانوا عندنا خيارا غير متهمين منهم أبو عبيدة وسالم و عمر ومعاذ، وظننا أنهم قد صدقوا، فلما بايع علي (عليه السلام) خبرنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ماقاله، وأخبر أن هؤلاء الخمسة كتبوا بينهم كتابا تعاهدوا عليه وتعاقدوا في ظل الكعبة إن مات محمد أو قتل أن يتظاهروا على فيزووا هذا الامر، واستشهد أربعة سلمان وأبا ذر والمقداد والزبير، وشهدوا له بعد ما وجبت في أعناقنا لابي بكر بيعته الملعونة الضالة. فعلمنا أن عليا (عليه السلام) لم يكن ليروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) باطلا وشهد له الاخيار من أصحاب محمد عليه وآله السلام، فقال جل من قال هذه المقالة إنا تدبرنا الامر بعد ذلك، فذكرنا قول نبي الله صلى الله عليه وآله ونحن نسمع إن الله يحب أربعة من


فيأ من المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك (النهج خ 129) إلى غير ذلك من كلماته المعتضدة بسيرته الكريمة الانسانية. وأما أبو بكر فهو الذى يقول حين ولى الامة: ايها الناس قد وليتكم ولست بخيركم فإذا رأيتموني قد استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني قد ملت فقوموني، الا وان لى شيطانا يعترينى فإذا رأيتموني مغضبا فتجنبوني لا أؤثر في اشعاركم وأبشاركم (الامامة والسياسة: 19، الطبري 3 / 224 البداية والنهاية 6 / 203 تاريخ الخلفاء: 27.) فالرجل كان يقدر الخلافة رياسة دنياوية تراه يتكلم بما يتكلم أحد الرؤساء الجمهورية ويراوغ كرو غانهم: تارة يصانعهم ويقول: " قه وليتكم ولست بخيركم " وتارة يهددهم و يقول " فإذا رأيتموني مغضبا فتجنبوني لا أو ثر في أشعاركم وأبشاركم " ومع هذا الغضب الذى يخرجه عن الحق (والمؤمن هو الذى لا يخرجه غضبه عن الحق) كيف ينتفع الناس بشريطته التى يأمر الناس بها: " فإذا رأيتموني " الخ، وهل تمكن أحد أن يقومه حين مال عن الحق في كثير من سيره ؟ لا والله ما انتفع المسلمون بشريطته تلك، حتى شقيقه عمر حيث نقم عليه ما فعله خالد بن الوليد بمالك بن نويرة عشيرته ثم عرسه بزجته قبل استبرائها من دون ريث، وطلب منه أن يقتله قودا فأبى وقال: لا أشيم سيفا سله الله، إلى غير ذلك من سيره التى تأتى في أبوابها (*).

[127]

أصحابي وأمرني بحبهم، وإن الجنة تشتاق إليهم، فقلنا: من هم يا رسول الله ؟ فقال: أخى ووزيري ووارثي وخليفتي في امتي وولي كل مؤمن من بعدي علي بن أبي طالب (عليه السلام) وسلمان الفارسى وأبو ذر والمقداد بن الاسود وفي رواية أنه قال: ألا إن عليا منهم، ثم سكت، ثم قال ألا إن عليا منهم ثم سكت،، ثم قال إن عليا منهم وأبو ذر وسلمان والمقداد (1) وإنا نستغفر الله ونتوب إليه مما ركبناه ومما أتيناه. قد سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول قولا لم نعلم تأويله ومعناه، إلا خيرا قال: ليردن على الحوض أقوام ممن صحبني ومن أهل المكانة مني والمنزلة عندي، حتى إذا وقفوا على مراتبهم اختلسوا دوني - وفي رواية اختلجوا دوني - وأخذ بهم ذات الشمال، فأقول يا رب أصحابي أصحابي، فيقال إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم القهقرى منذ فارقتهم (2). ولعمرنا لو أنا حين قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) سلمنا الامر إلى علي (عليه السلام) فأطعناه وتابعناه وبايعناه، لرشدنا واهتدينا ووفقنا، ولكن الله قضى الاختلاف والفرقة والبلاء (3) فلا بد من أن يكون ما علم الله وقضى وقدر. سليم بن قيس قال: فشهدت أبا ذر بالربذة حين سيره عثمان وأوصى إلى علي (عليه السلام) في أهله وما له، فقال له قائل: لو كنت أوصيت إلى مير المؤمنين عثمان، فقال: قد أوصيت إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على الصلاة والسلام، سلمنا عليه بامرة المؤمنين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لنا: سلموا على أخى ووزيري ووارثى وخليفتي في امتي وولي كل مؤمن بعدي بامرة


(1) راجع شرح ذلك وتواتر الحديث به ج 22 ص 354 - 315 من بحار الانوار احقاق الحق ج 6 ص 189 - 208. (2) راجع في ذلك ص 26 مما سبق. (3) يريد القضاء الذى نزل في قوله عزوجل: " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمناوهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم " الاية (*).

[128]

المؤمنين، فانه زر الارض الذي تسكن إليه، ولو قد فقد تموه أنكرتم الارض و أهلها، فرأيت عجل هذه الامة، وسامريها راجعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالا: حق من الله ورسوله ؟ فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: حق من الله ورسوله أمرني بذلك. فلما سلما عليه أقبلا على أصحابهما سالم وأبي عبيدة، حين خرجا من بيت علي (عليه السلام) من بعد ما سلما عليه - فقالا لهم: ما بال هذا الرجل ما زال يرفع خسيسة ابن عمه وقال أحدهما: إنه أمر ابن عمه وقال الجميع: ما لنا عنده خير ما بقي علي. قال: فقلت: يا أبا ذر هذا التسليم بعد حجة الوداع أو قبلها ؟ قال: أما التسليمة الاولى قبل حجة الوداع، وأما التسليمة الاخرى فبعد حجة الوداع، فقلت فمعاقدة هؤلاء الخمسة متى كان ؟ قال في حجة الوداع، قلت أخبرني أصلحك الله عن الاثنى عشر أصحاب العقبة المتلثمين الذين أرادوا أن ينفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) الناقة، متى كان ذلك قال: بغدير خم مقفل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قلت أصلحك الله تعرفهم ؟ قال: اي والله كلهم، قلت: من أين تعرفهم وقد أسرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى حذيفة ؟ قال: عمار بن ياسر كان قايدا وحذيفة سائقا فأمر حذيفة بالكتمان (1) ولم يأمر بذلك عمارا، قلت: تسميهم لي ؟ قال: خمسة أصحاب الصحيفة ؟ والخمسة أصحاب الشورى وعمرو بن العاص ومعاوية، قلت: أصلحك الله كيف تردد عمار وحذيفة في أمرهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين رأياهم - وفي رواية اخرى فكيف نزل عمار وحذيفة في أمرهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - قال: إنهم أظهروا التوبة والندامة بعد ذلك


(1) أمره ص هذا كان ارشاديا لام ولويا وانما أراد أن يستر عليهم ذلك، ليتم بلاء المسلمين ويجري قضاء الله بافتتان أمته " فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " ولذلك نرى حذيفة اكتتم ذلك طول حياته ص ودورا آخر بعد وفاته ولكنه في أواخر عمره حين تم الافتتان كان يعرض أحيانا ويصرح اخرى بأسماء بعضهم كابى موسى الاشعري كما عرفت من صحاحهم (*).

[129]

وادعى عجلهم منزلة وشهد له سامريهم والثلاثة معه بأنهم سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول، ذلك فقالوا لعلي (عليه السلام): هذا أمر حدث بعد الاول فشك من شك منهم، إلا أنهما تابا وعرفا وسلما. قال سليم بن قيس: فلقيت عمارا في خلافة عثمان بعد ما مات أبو ذر فأخبرته بما قال أبو ذر، فقال صدق أخى إنه لا بر وأصدق من أن يحدث عن عمار بما لا يسمع منه، فقلت: أصلحك الله وبما تصدق أبا ذر قال أشهد لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ولا أبر، قلت يا نبي الله ولا أهل بيتك ؟ قال: إنما أعنى غيرهم من الناس. ثم لقيت حذيفة بالمداين رحلت إليه من الكوفة، فذكرت له ما قال أبو ذر فقال: سبحان الله أبو ذر أصدق وأبر من أن يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بغير ما قال (1). بيان: قال في النهاية: في حديث أبي ذر قال يصف عليا (عليه السلام): وإنه لعالم الارض وزرها الذي تسكن إليه، أي قوامها وأصله من زر القلب وهو عظم صغير يكون قوام القلب به، وأخرج الهروي هذا الحديث عن سلمان، وقال: يقال رفعت خسيسته ومن خسيسته إذا فعلت به فعلا يكون فيه رفعته.


(1) كتاب سليم: 164 - 169، والغرض من نقل الحديث بطوله ذكر الصحيفة الملعونة وفى المصدر نفسه كتاب سليم موارد أخر يذكر أمر هذه الصحيفة منها في ص 119 يحدث عن على (عليه السلام) أنه قال حين تذكر لعبد الله بن عمر ما جرى بينه وبين أبيه: " فانه قال لك حين قلت له " فما يمنعك أن تستخلفه ؟ قال الصحيفة التى كتبناها بيننا، والعهد في الكعبة في حجة الوداع، فسكت ابن عمر، وقال: أسألك بحق رسول الله لما أمسكت عنى " (*).

[130]

تبيين وتتميم (1) اعلم أنه لما كان أمر الصلاة عمدة ما يصول به المخالفون، في خلافة أبي بكر وظهر من تلك الاخبار أنه حجة عليهم لا لهم، أردت أن أوضح ذلك بنقل أخبارهم والاشارة إلى بطلان حججهم. فمن جملة الاخبار التي رووه في هذا ما أسندوه في صحاحهم إلى عائشة:


(1) أقول: ستمر عليك في المقام احاديث مستخرجه من أصول القوم وصحاحهم تصرح بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أبا بكر أن يصلى بالناس في مسجده، وان اختلفت من حيث الوقت والمقام وعدد الايام، ولكن بعد التأمل في مضامينها وعرضها على التاريخ الصحيح المتسالم بين الفريقين، يظهر أنها غير صالحة للاحتجاج على ما ستقف عليه. فأول ما يحب التنبه له، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كان سير أبا بكر وهكذا عمر وجميع المهاجرين الاولين ووجوه الانصار في جيش أسامة (وهو ابن سبع عشرة سنة) قبل شكواه بيومين وأمرهم بالخروج إلى أرض أبنى ليغير عليهم ويوطئهم الخيل وإذا كان ص قد أمره بالخروج عن المدينة في عسكر أسامة، فكيف يصح أن يأمره ثانيا بالصلاة بالمسلمين ؟ بل وكيف تقبل صلاته في مسجد الرسول - أو صلاة عمر بن الخطاب على ما في بعض الروايات - وقد كانوا متخلفين عن أمر رسول الله في دخولهم إلى المدينة وخصوصا بعد ما أصر رسول الله بتنفيذ جيشه ولعن المتخلف عنها: ففى طبقات ابن سعد (ج 2 ق 1 ص 136) قالوا: لما كان يوم الاثنين لا ربع ليال بقين من صفر سنة 11 من مهاجر رسول الله أمر رسول الله الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك =

[131]

[...]


= هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أبنى وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الاخبار... فلما كان يوم الاربعاء، بدئ برسول الله فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لاسامة لواء بيده ثم قال: أغز بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله، فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الاسلمي وعسكر بالجرف، فلم يبق أحمد من وجوه المهاجرين الاولين و الانصار الا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابو عبيدة بن الجراح وسعد بن ابى وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم فتكلم قوم وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاولين فغضب رسول الله غضبا شديدا فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ايها الناس ! فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في امارتي أسامة لقد طعنتم في امارتي أباه من قبله وأيم الله ان كان للامارة لخليقا وان ابنه من بعده لخليق للامارة... ثم نزل فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الاول وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله ويمضون إلى العسكر بالجرف، وثقل رسول الله فجعل يقول: أنفذوا جيش أسامة (وزاد في رواية أخرجها ج 2 ق 2 ص 41: ثلاث مرات) فلما كان يوم الاحد اشتد برسول الله وجعه يرفع إلى السماء ثم يضعها على أسامة (بل يصبها على أسامة كما في رواية اخرى سيجئ نصها) قال: فعرفت أنه يدعو لى (وأقول: بل قد كان يأمره بالرحيل وتنقيذ الجيش اللهم الا أن يزعم أحد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يشير إلى الله ليفتهم عنه ويجيب دعاءه، نعوذ بالله من الكفر) ورجع أسامة إلى معسكره ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله مفيقا فقال له: اغد على بركة الله، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل، فبينا هو يريد الركوب، إذا رسول أمه أم أيمن (وفى رواية أخرى ج 4 ق 1 ص 47 فاطمة بنت قيس امرأته) قد جاءه يقول: ان رسول الله يموت... وروى أبو بكر احمد بن عبد العزيز الجوهرى على ما في شرح النهج ج 2 ص 20 =

[132]

[...]


= ان رسول الله في مرض موته امر اسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والانصار منهم أبو بكر وعمر وابو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير و امره أن يغير على مؤتة حيث قتل ابوه زيد - إلى ان قال - فلما افاق رسول الله سأل عن اسامة والبعث فأخبر انهم يتجهزون فجعل يقول: " انفذوا بعث اسامة لعن الله من تخلف عنه " وكرر ذلك فخرج اسامة واللواء على راسه والصحابة بين يديه حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر واكثر المهاجرين.. قال: فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان اسامة إلى ان ماتا الا بالامير. وفى شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1 ص 53 (شرح الخطبة الشقشقية) مثل ذلك مستوعبا وفيه " فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والانصار الا كان في ذلك الجيش منهم أبو بكر وعمر " وفيه " فدخل أسامة من معسكره والنبى مغمور.. فتطأطأ أسامة عليه فقبله ورسول الله قد أسكت فهو لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة كالداعي له ثم أشار إليه بالرجوع إلى عسكره والتوجه لما بعثه فيه فرجع أسامة إلى عسكره.. إلى أن قال: فدخل اسامة من معسكره يوم الاثنين الثنى عشر من شهر ربيع الاول فوجد رسول الله مفيقا فأمره بالخروج وتعجيل النفوذ وقال: اغد على بركة الله وجعل يقول أنفذوا بعث أسامة ويكرر ذلك، فودع رسول الله وخرج معه أبو بكر وعمر، فلما ركب جاءه رسول أم أيمن فقال: ان رسول الله يموت فأقبل ومعه أبو بكر وعمر وابو عبيدة فانتهوا إلى رسول الله حين زالت الشمس من هذا اليوم وهو يوم الاثنين وقد مات، الخبر، وسيجئ شطر آخر من كلامه نقلا عن شيخه اللمعانى في ص وفى كنز العمال ج 5 ص 312 ومنتخبه ج 4 ص 180 نقلا عن مسند ابن أبى شيبة باسناده عن عروة أن النبي كان قد قطع بعثا قبل موته وأمر عليهم أسامة بن زيد، وفى ذلك البعث أبو بكر وعمر فكان أناس من الناس يطعنون في ذلك الحديث بطوله = (*).

[133]

[...]


= وفى ص 181 من المنتخب نفسه عن الواقدي باسناده عن عروة مثل ذلك وفيه: " فعسكر اسامة بالحرف وضرب عسكره في موضع سقاية سليمان اليوم وجعل الناس يأخذون بالخروج فيخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره ومن لم يقض حاجته فهو على فراغ ولم يبق أحد من المهاجرين الاولين الا انتدب في تلك الغزوة عمر بن الخطاب وأبو عبيدة و.. و.. " الحديث بطوله فتراه قد أسقط أبا بكر من المنتدبين بعد ماكان مذكورا في حديث عروة على ما عرفت من مسند ابن أبى شيبة، وكأنه سها حيث ذكر في ذيل الحديث أنه لما كان يوم - الاثنين يوم الوفات " غدا أسامة من معسكره وأصبح رسول الله مفيقا فجاءه أسامة فقال اغد على بركة الله فودعه اسامة ورسول الله مفيق مريح وجعل نساؤه يتماشطن سرورا براحته، و دخل أبو بكر الصديق فقال: يا رسول الله أصبحت مفيقا بحمد الله واليوم يوم ابنة خارجة فائذن لى فأذن له فذهب إلى السنح وركب أسامة إلى معسكرة وصاح في أصحابه باللحوق إلى العسكر فانتهى إلى معسكره ونزل وأمر الناس بالرحيل... " فلو لا أنه كان في المنتدبين من جيش أسامة لما كان لا ستيذانه معنى أبدا، وحديث استيذانه هذا قد رواه ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2 ص 17 وسيجئ لفظه عن قريب انشاء الله وهكذا رواه ابن هشام في السيرة ج 2 ص 654. وهكذا في الطبقات (ج 4 ق 1 ص 46) باسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أمر رسول الله أسامة بن زيد وأمره أن يغير على أبنى من ساحل البحر... فخرج معه سروات الناس وخيارهم ومعه عمر " الحديث ولم يذكر أبا بكر. ثم ذكر أن يزيد بن هارون روى في حديثه هذا عن هشام نفسه عن أبيه بنحو هذا الحديث وزاد في الجيش الذى استعمله عليهم أبو بكر وعمر وابو عبيدة بن الجراح، قال: وكتبت إليه فاطمة بنت قيس ان رسول الله قد ثقل وانى لا أدرى ما يحدث فان رأيت أن تقيم فأقم، فدوم أسامة بالجرف حتى مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وهكذا ذكر ابن عساكر على ما في منتخب كنز العمال ج 4 ص 184 وهكذا الطبري=

[134]

[...]


= في تاريخه ج 3 ص 226 بالاسناد عن الحسن بن ابى الحسن البصري قال: ضرب رسول الله بعثا قبل وفاته على أهل المدينة ومن حولهم وفيهم عمر بن الخطاب، وأسقطوا ذكر أبى بكر وغيره من المنتدبين المسمين بأعيانهم. وهكذا ذكر ابن هشام في السيرة ج 2 ص 642 والطبري في تاريخه ج 3 ص 184 بعث أسامة هذا ولم يسم أحدا من المنتدبين لكنه قال: " وأوعب مع أسامة المهاجرون الاولون " ومعلوم أن ابا بكر وعمر عندهم من المهاجرين الاولين. وذكر ابن سعد في الطبقات أيضا (ج 4 ق 1 ص 46 وج 2 ق 2 ص 41) عن ابن عمر أن النبي بعث سرية فيهم أبو بكر وعمر واستعمل عليهم أسامة بن زيد، فكانوا الناس طعنوا فيه أي في صغره الحديث. وفى الطبقات (ج 2 ق 2 ص 41) عن ابن أسامة، عن أبيه قال: بلغ النبي قول الناس: استعمل أسامة بن زيد على المهاجرين والانصار فخرج رسول الله حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أنفذوا بعث أسامة... قال: فخرج جيش أسامة حتى عسكروا بالجرف وتتام الناس إليه فخرجوا وثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقام اسامة والناس ينتظرون ما الله قاض في رسول الله، قال أسامة: فلما ثقل هبطت من معسكري وهبط الناس معى وقد أغمى على رسول الله فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يصبها على فأعرف أنه يدعو لى. قلت: ترى ذيل الحديث من قوله " لما ثقل " في الترمذي ج 5 ص 341 تحت الرقم 3906 مسند الامام ابن حنبل ج 5 ص 201 باسنادهما عن ابن أسامة نفسه، ولا يريب ذولب في سقوط صدر الحديث، كما أن سائر اصحاب الصحاح قد أخرجوا في كتبهم حديث الطعن على أسامة من حديث ابن عمر وكلام النبي الاعظم في ردهم " ان تطعنوا في امرته فقد كنتم تطعنون في امرة أبيه " وأسقطوا سائر الفقرات صونا على مذهبهم، راجع صحيح البخاري كتاب الايمان الباب 2، فضائل الصحابة ب 17، المغازى: 42 و 87 صحيح مسلم فضائل الصحابة 63 و 64 (ج 7 ص 131) صحيح الترمذي كتاب المناقب الباب 39 (ج =

[135]

1 - روى في جامع الاصول عنها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلى بالناس، قالت عائشة: قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة: فقلت لحفصة قولى له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنكن لانتن صواحب


= 5 ص 341 مسند ابن حنبل ج 2 ص 20. وعلى أي فقد أجمع أصحاب السير والاخبار على أن أبا بكر وعمر وجميع المهاجرين الاولين ووجوه الانصار كانوا في جيش أسامة مأمورين بانفاذ الجيش والخروج إلى معسكرهم وفيما ذكرناه بلاغ وكفاية، وسيأتى بسط ذلك في أبواب المطاعن عن ساير المصادر مستوعبا، وإذا كان الامر كذلك فلا يريب منصف في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ليأمر أبا بكر بالصلاة ولا عمرو لا غيره من هؤلاء المهاجرين والانصار، بعد ما أمرهم بالخروج عن المدينة ولا كان أبو بكر وعمر وغيرهما من أهل الصحيفة المعهودة أن يجبهوا رسول الله بالمخالفة العلنية فيحضروا عنده أو يشخصوا إليه بأبصارهم ويرفعوا إليه رؤسهم، اللهم الا متسللين لواذا يتجسسون الاخبار من وراء الحجاب فكيف بما روى أن ابا بكر كان يصلى بهم أيام شكوى رسول الله ثلاثة ايام أو أكثر. فالظاهر من الحال بضميمة سائر ما روى في الباب أنه قد كان دخل أبو بكر إلى المدينة وقد ثقل رسول الله، فأمر الناس أن يصلى بهم أحدهم، فأخبرت عائشة من كان على الباب خلف الحجاب - وهو بلال على ما ستقف عليه - أنه ص يأمر أبا بكر بالصلاة بهم، فتقدم أبو بكر من دون ريث وصلى بهم ركعة فنذر بذلك رسول الله فخرج على ما به يتهادى بين على والفضل بن عباس ورجلاه تخطان على الارض من شدة الوجع حتى عزله عن ذلك غضبا عليه من مخالفة أمره حيث لم ينفذ جيش أسامة ودخل المدينة بغير اذنه وسيتلو عليك تمام الكلام في كل فرد فرد من الاحاديث اتى سردها المؤلف العلامة في المتن انشاء الله تعالى (*).

[136]

يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لاصيب منك خيرا (1). 2 - وروى في الباب المذكور أيضا عنها أنها قالت أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه، وكان يصلي بهم، قال عروة: فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نفسه خفة فخرج فإذا أبو بكر يؤم الناس، فلما رآه أبو بكر استأخر فأشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن كما أنت، فجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) حذاء أبي بكر إلى جنبه، و كان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والناس يصلون بصلاة أبي بكر (2).


(1) جامع الاصول ج 9 ص 436 الترمذي 5 / 275 وأهون ما فيه - مضافا إلى ما مر - أن البكاء لو كان بانسجام الدموع وانهما له فليس به بأس لكنه لا يمنع من الاسماع اللازم في امام الجماعة وان كان بالنشيج والانتحاب بصوت فهو ماح لصورة الصلاة، والعجب معذ لك أنها تقول ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعرج على امامته ولم ير ببكائه كذلك بأسا وشئ آخر، وهو أن الظاهر من حديث الاسماع وعدمه لاجل البكاء أن الصلاة كانت من الصلوات التى يجهر بها، كما في بعض الروايات عن عائشة أنها كانت صلاة العشاء الاخرة لكن سيجئ تحت الرقم 14 و 15 أنها كانت صلاة الظهر حيث يقول انس في حديثه " فنظر رسول الله الينا وهو قائم في باب الحجرة كأن وجهه ورقة مصحف، إلى آخر ما سيأتي انشاء الله. وأما قوله " انكن لانتن صواحب يوسف، فسيجئ البحث عنه في المتن والذيل. (2) جامع الاصول ج 9 / 436 وفيه: " والناس بصلاة رسول الله " وهو سهو من الطابع، راجع صحيح مسلم ج 2 / 24، وانما قالت عائشة: " فلما رآه أبو بكر " لان حجرات رسول الله ومسكنه كان في قبلة المسجد، فرآه أبو بكر من دون التفات، وقولها " إلى جنبه " لابد و أن يكون في يساره، لان أدب الجماعة والسنة فيها أن يقوم المأموم الواحد من يمين الامام إذا كان رجلا وفى عقبه إذا كان امرءة (راجع جامع الاصول 6 / 388) وسيجئ التصريح باليسار في رواياتهم أيضا لكن يبقى تحويل نية أبي بكر وقد كان اماما إلى الايتمام برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الركعة =

[137]

3 - قال صاحب جامع الاصول: وفي رواية قال الاسود بن يزيد، كنا عند عائشة فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها، قالت: لما مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأذن فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقيل له إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، فأعادها فأعادوا فأعاد الثالثة فقال: إنكن صواحب يوسف ! مروا أبا بكر فليصل بالناس، فخرج أبو بكر يصلى فوجد النبي (صلى الله عليه وآله) من نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي (صلى الله عليه وآله) أن مكانك، ثم أتيا به حتى جلس إلى جنبه، فقيل للاعمش: فكان النبي (صلى الله عليه وآله) يصلى وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبى بكر ؟ فقال برأسه: نعم. قال البخاري: وزاد أبو معاوية: جلس عن يسار أبى بكر، وكان أبو بكر قائما (1).


= الثانية، ولم يرد في ذلك حديث ولا سنة ولا أمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل ذلك حتى يعمل به حينذاك. (1) جامع الاصول 9 / 437، وأعمش هذا كان محبا لاهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معروفا بذلك يرى رأيهم، ولذلك جمع في حديثه بين ما اشتهر عن عائشة " مروا أبا بكر فليصل بالناس " وبين حديث غيره " فخرج يهادى بين رجلين كأنى أنظر رجليه تخطان من الوجع " ليظهر سقوط الرواية الاولى، فان خروجه ص بوجعه يتهادى بين رجلين ثم صلاته جلوسا عن يسار أبى بكر، لا يكون الا صريحا في عزله عن الامامة. ولاجل هذا التعريض نفسه كان يصرح بأن أبا بكر كان قائما ياتم بالنبي والناس يأتمون بأبى بكر ; فان هذا صريح في أن أبا بكر قد خالف السنة في قيامه بعد جلوس النبي الاعظم وقد قال رسول الله في غير مورد " انما جعل الامام ليؤتم به... فإذا صلى امامكم قائما فصلوا قياما وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون " روى ذلك في صحاحهم من دون أن يرد نسخ ذلك عن الرسول، راجع جامع الاصول ج 6 ص 400 أخرجه وما هو بمضمونه عن =

[138]

4 - وفي رواية للبخاري وفيه: جاء بلال يؤذنه للصلاة فقال مروا أبا بكر يصلى بالناس، قالت: فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف إنه متى يقوم مقامك لا


= الصحاح الست جميعا، ولا يجدى في ذلك ما ذكره البخاري تمحلا عن ذلك وصونا على رئيس مذهبة بأن " أمره هذا كان في مرضه القديم، وصلاته ص في مرض موته جالسا والناس خلفه قيام لم يأمرهم بالقعود ناسخ له، وانما نأخذ بالاخر فالاخر من أمر النبي ". وذلك لانهم كانوا يقتدون بصلاة أبى بكر زاعمين أنه مأمور بالصلاة من قبله ص ووظيفتهم القيام واما أبو بكر فهو الذى أخطأ حيث نوى الايتمام به ص من الركعة الثانية من دون أن يمتثل أمره السابق النافذ عليه فيجلس خلفه حتى يجلس المؤتمون به جميعا. وانما لم يؤنبهم رسول الله بأنه لم لم تجلسوا خلفي، لانهم كانوا معذورين، وانما لم يؤنب أبا بكر لم قمت خلفي ولم تجلس بجلوسي، لان الخطب قد كان أعظم من ذلك على أن كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) " انما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا... وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " يأبى النسخ كمالا يخفى على العارف بالموازين. وأما ما رواه في الجامع ج 6 ص 402 نقلا عن مسلم (ج 2 / 19) وابى داود والنسائي بالاسناد عن جابر بن عبد الله قال: " اشتكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصلينا وراء، وهو قاعد وابو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت الينافر آنا قياما فأشار الينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا " الحديث فان كان هذه صلاته ص في مرض الموت على ما يظهر من قوله " وأبو بكر يسمع الناس تكبيره " كان مناقضا لحديث غيره المجمع عليه أنه كان أبو بكر والمؤتمون به جميعا قائمين إلى آخر الصلاة وان كان في غير مرض الموت، لزمت الحجة على أبى بكر حيث كان بلغه السنة في هذه الشكاة قبل مرض الموت ولم يعمل بها في صلاته آخرا. على أن الحديث معلول من جهة أخرى، وهو أنه كيف التفت رسول الله في الصلاة و قد نهى نفسه الكريمة عن الالتفات في الصلاة وأعد عليه (راجع جامع الاصول ج 6 / 325 - 327) بل وكيف احتاج إلى الالتفات وقد كان يقول ص " انى لا راكم من خلفي كما اراكم من بين يدى " ويقول " اتموا الصفوف فانى اراكم من وراء ظهرى " في حديث متفق عليه (*).

[139]

يسمع الناس، فلو أمرت عمر ! فقال: مروا أبا بكر يصلى بالناس، ثم ذكر قولها لحفصة وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنكن لانتن صواحب يوسف، وأنه (صلى الله عليه وآله) وجد من نفسه خفة فخرج ثم ذكر إلى قوله: حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائما، وكان رسول الله (صلى الله عليه وأله) يصلي قاعدا يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس [يقتدون] بصلاة أبي بكر (1). وفي اخرى نحوه وفيه إن أبا بكر رجل أسيف إن يقم مقامك يبك فلا يقدر على القراءة، ولم يذكر قولها لحفصة، وفي آخرة فتأخر أبو بكر وقعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى جنبه وأبو بكر يسمع الناس التكبير (2). 5 - وفي اخرى لهما أن عائشة قالت: لقد راجعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك قام مقامه أبدا، وأني كنت أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أبي بكر (3). 6 - وفي اخرى لهما قالت: لما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيتي قال: مروا


(1) جامع الاصول ج 9 / 437 وفى: " وكان رسول الله يصلى قاعدا يقتدى به أبو بكر " وما لى الصلب لفظ مسلم في صحيحه ج 2 ص 23، ويرد على الحديث كل ما اورداه قبل ذلك. (2) جامع الاصول 9 / 438، وفيه ان قول عائشة: " فتأخر أبو بكر " لابد وان يكون التأخر إلى داخل الصف الاول، فيناقض قولها " وقعد النبي إلى جنبه " كما في سائر الروايات، اضف إلى ذلك قولها " ان يقم مقامك يبك فلا يقدر على القراءة " فشهدت على ابيها صريحا انه لا يصلح للامامة. (3) جامع الاصول: 9 / 438 صحيح مسلم 2 / 22 ويرد على الحديث ما ورد سابقا على غيره مضافا إلى اعترافها مصرحة بانها كانت تخادع رسول الله رحمة لابيها، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا انفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون (*).

[140]

أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فقلت: يا رسول الله أن أبا بكر رجل رقيق إذا قرء القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر قالت: والله ما بي إلا كراهة أن يتشاء الناس بأول من يقوم مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قالت فراجعته مرتين أو ثلاثا، فقال ليصل بالناس أبو بكر فانكن صواحب يوسف (1). قال صاحب جامع الاصول في باب فضل أبي بكر بعد ذكر تلك الروايات: هذه روايات البخاري ومسلم، وسيجئ لهما روايات في مرض النبي (صلى الله عليه وآله) وموته في كتاب الموت من حرف الميم، قال: وأخرج الموطا الرواية الاولى، وأخرج الرواية الثانية عن عروة مرسلا وأخرج الترمذي الرواية الاولى وأخرج النسائي الاولى والثانية. 7 - وله في اخرى قالت: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أبا بكر يصلى بالناس [وقالت: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا وأبو بكر يصلي بالناس] والناس خلف أبي بكر (2). 8 - وفي اخرى له قالت: إن أبا بكر صلى للناس ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصف (3). 9 - وأخرج أيضا هاتين الروايتين حديثا واحدا وقال فيه: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يسمع، وقال في آخره فقام [فكان] عن يسار أبي بكر جالسا، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلى بالناس جالسا، والناس يقتدون بصلاة


(1) المصدر نفسه ج 9 ص 438، صحيح مسلم 2 / 22. (2) المصدر نفسه ج 9 ص 438 وما بين العلامتين ساقط منه. (3) المصدر نفسه وقولها " ورسول الله في الصف " يناقض ما مر من " انه كان خلف النبي ورسول الله بين يدى ابى بكر " وكلاهما مناقض لما مر قبل ذلك انه ص جلس إلى جنبه أو يساره والمنصف يرى انها خرقة اتسع على راقعها كلما حيصت من جانب تهتكت من آخر، ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (*).

[141]

أبى بكر (1). هذا ما ذكره في جامع الاصول من روايات عائشة في باب فضل أبي بكر. 10 - وروى عن عبيدالله بن عبد الله عن عائشة في باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله) وموته قال: دخلت على عائشة فقلت لها ألا تحدثيني عن مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قالت: بلى، ثقل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أصلى الناس ؟ قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لى ماء في المخضب، قال: ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال أصلي الناس ؟ فقلنا: لاهم ينتظرونك يا رسول الله، قال ضعوا لي ماء في المخضب، فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس ؟ فقلنا: لا وهم ينتظرونك، قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله (صلى الله عليه وآله) لصلاة العشاء الاخرة. قالت: فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أبي بكر أن يصلى بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال عمر أنت أحق بذلك، قالت: فصلى [بهم] أبو بكر تلك الايام، ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجد في نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يتأخر، فقال لهما أجلساني إلى جنيه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلى وهو يأتم بصلاة النبي (صلى الله عليه وآله) والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبى (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعد. قال عبيد الله: دخلت على عبد الله بن عباس فقلت: ألا أعرض عليك ما حدثتني


(1) المصدر نفسه، والتناقض بين قولها " وكان رسول الله يصلى بالناس جالسا " وبين قولها بعده بلا فصل: " والناس يقتدون بصلاة ابى بكر " ظاهر، مضافا إلى ما مر من ان جلوسه ص في يسار ابى بكر يلازم عزله عن الامامة فكيف كان الناس يقتدون بصلاة ابى بكر، وهل هذا الا حيص بيص وقعت فيها لا تدرى كيف المناص والمخرج عنها ؟ وقد خاب من افترى (*).

[142]

عائشة عن مرض النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذى كان مع العباس ؟ قلت: لا، قال: هو علي صلوات الله عليه (1). وهذا الخبر رواه البخاري ومسلم. ورواه في المشكوة في الفصل الثالث من باب ما على المأموم من المتابعة وعده من المتفق عليه (2). 11 - وروى في جامع الاصول في فروع الاقتداء عن عائشة " قالت: صلى النبي (صلى الله عليه وآله) خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا قال: أخرجه الترمذي (3). 12 - قال: وقال: وقد روى عنها أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج في مرضه وأبو بكر يصلي بالناس فصلى إلى جنب أبي بكر: الناس، يأتمون بأبي بكر وأبو بكر يأتم بالنبي (صلى الله عليه وآله) (4). فهذه روايات ينتهى سندها إلى عايشة. ومن جملة: ما روى في أمر الصلاة ما أسندوه إلى أنس بن مالك: 13 - فمنها ما رواه في جامع الاصول في فروع الاقتداء عنه قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه خلف أبى بكر قاعدا في ثوب متوشحا به، قال: أخرجه الترمذي وأخرجه النسائي ولم يذكر " قاعدا " وقال: " في ثوب واحد وإنها آخر صلاة


(1) جامع الاصول ج 11 ص 382 - 383 ويرد على الحديث جميع ما اوردناه سابقا على غيره. (2) راجع مشكاة المصابيح 102 والمتفق عليه عندهم ما اخرجه الشيخان اخرجه غيرهما اولم يخرجه. (3 و 4) جامع الاصول 6 / 403، سنن الترمذي 1 / 226، والتناقض بين الحديثين بين (*).

[143]

صلاها (1). 14 - وروى عن أنس في باب فضل أبي بكر أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة، كشف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم فضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي (صلى الله عليه وآله) فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف وظن أن النبي (صلى الله عليه وآله) خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي (صلى الله عليه وآله) أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، فتوفى من يومه (2). 15 - قال وفي اخرى لم يخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثا وأبو بكر يصلى بالناس، فاقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين وضح لنا فأومأ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، وأرخى الحجاب فلم نقدر عليه حتى مات (3).


(1) جامع الاصول 6 / 404، سنن الترمذي 1 / 226، والحديث يناقض كل ما مر. (2 - 3) جامع الاصول ج 9 ص 439 وقال أخرجه البخاري ومسلم (ج 2 ص 24 و 25) وهذان الحديثان مما يدل على أن أبا بكر كان يصلى بهم أيام شكوى رسول الله، وقد عرفت أنه كان في جيش أسامة مأمورا بالخروج إلى الجرف معسكره فاستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غد يومه هذا فخرج إلى السنخ فلم يكن حين صلاة الظهر ولا العصر بالمدينة حتى يصلى بهم ورسول الله يشير إليهم أن أتموا صلاتكم. بل ومن المقطوع في حديث السقيفة على ما سيجئ شرحه أنه لم يرجع من السنح الا بعد ما مات رسول الله وبعد ما كثرت القالة من عمر أن رسول الله لم يمت ولكنه ذهب إلى ربه الخبر. وانما قلنا بأن الصلاة كانت صلاة ظهر أو عصر، دون العشاء والفجر، لترائى وجه =

[144]

16 - قال وفي اخرى: بيناهم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بهم لم يفجأهم إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف ثم تبسم يضحك فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يريد أن يخرج إلى الصلاة، قال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله (صلى الله عليه وآله) فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر (1). 17 - قال: وفى اخري قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كشف الستارة يوم الاثنين، وذكر نحوه والذي قبله أتم (2). 18 - واخرج النسائي هذه الاخيرة وهذا لفظه قال آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فأراد أبو بكر أن يرتد فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السجف، وتوفي من آخر ذلك اليوم يوم الاثنين (3). هذه رواياته عن أنس بن مالك. 19 - ومن جملة رواياتهم في أمر الصلاة ما رواه في جامع الاصول في الباب


= رسول الله واضحا كأنه ورقة مصحف، وقد مر أن ذلك يناقض ما روى سابقا أن الصلاة كانت عشاء ويناقض ما يأتي بعد ذلك آنفا أن الصلاة كانت صلاة فجر. (1 و 2) جامع الاصول 9 / 440 وقد أشرنا إلى تناقض الحديث مضافا إلى التناقض في نفسه حيث ان صلاة الفجر كانت تقام في اول وقتها قطعا والقمر في تلك الليالى يغرب قبل الفجر بقليل، وخصوصا على مذهبنا من أن رحلته (صلى الله عليه وآله) كانت في أواخر صفر، فلا معنى لترائى وجه رسول الله من بعيد متبسما يضحك. (3) جامع الاصول 9 / 440، سنن النسائي كتاب الجنائز الباب 7، ورواه ابن ماجة في كتاب الجنائز الباب 64 تحت الرقم 1624، ولفظ الحديث ينطبق على احدى صلاتي الظهرين (*).

[145]

المذكور عن عبد الله بن زمعة قال: لما استعز برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه وأنا عنده في نفر من الناس دعاه بلال إلى الصلاة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مروا أبا بكر يصلى بالناس، قال: فخرجنا فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبا، فقلت: يا عمر فقم فصل بالناس، فتقدم وكبر، فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوته وكان عمر رجلا مجهرا، قال: فأين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون [بأبي الله ذلك و المسلمون يأبى الله ذلك والمسلمون] فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس (1). 20 - وزاد في رواية قال: لما أن سمع النبي (صلى الله عليه وآله) صوت عمر خرج النبي حتى أطلع رأسه من حجرته، ثم قال: لا لا لا، ليصل بالناس ابن أبي قحافة، يقول ذلك مغضبا، قال أخرجه أبو داود (2). 21 - ومن جملتها ما رواه في الباب المذكور عن أبي موسى قال: مرض النبي (صلى الله عليه وآله) فاشتد مرضه، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلى بالناس فقال (صلى الله عليه وآله): مروا أبا بكر فليصل بالناس فعاودته فقال: مروه فليصل بالناس فانكن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1 و 2) الجامع 9 / 434. أقول: وهذا الذى نقله ابن الاثير من لفظ أبى داود مخالف لما جدناه في صلب كتابه، ففى سنن ابى داود ج 4 ص 348 من عون المعبود ط هند " فقال رسول الله مروا من يصلى بالناس فخرجت فإذا عمر في الناس " وهكذا فهرسه في المعجم ج 3 ص 70 س 56 كما أنه لفظ سائر مصادر الحديث نقلا عن ابن زمعة كالسيرة لابن هشام ج 2 ص 652 منسد الامام ابن حنبل ج 4 ص 322 وهكذا في طبقات ابن سعد ج 2 ق 2 ص 19 ولفظه " فقال لى رسول الله مر الناس فليصلوا قال عبد الله فخرجت فلقيت ناسا لا أكلمهم فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من وراءه " وهكذا لفظ الحديث في الاستيعاب كما سيأتي نقله ص 156 عند ما يتكلم المؤلف العلامة على لفظ الحديث (*).

[146]

قال: أخرجه البخاري ومسلم (1). 22 - ومن جملتها ما رواه في الباب المذكور عن ابن عمر قال: لما اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه قيل له في الصلاة فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء، قال: مروه فليصل إنكن صواحب يوسف قال أخرجه البخاري (2). 23 - ومن جملتها ما رواه ابن عبد البر في الاستيعاب قال: روى الحسن البصري عن قيس بن عباد قال: قال علي بن أبى طالب صلوات الله عليه إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرض ليالي وأياما ينادى بالصلاة، فنقول مروا أبا بكر يصلى بالناس، فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) نظرت فإذا الصلاة علم الاسلام، وقوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لديننا، فبايعنا أبا بكر (3). فهذه ما وقفت عليه من أخبارهم في هذا الباب بعد التصفح (4) ولنوضح بعض


(1 و 2) جامع الاصول 9 / 435 (3) الاستيعاب بترجمة أبى بكر وروى ذيله ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 1 ص 130 - باسناده عن الحسن البصري، هكذا نقله ابن الجوزى في صفة الصفوة 1 / 97، وأنت ترى أن واضع الحديث كان يرى أن الخلافة رئاسة دنياوية فقط، فنسب إلى على (عليه السلام) ما يليق بغيره، ومعلوم من التاريخ الصحيح والاحاديث المتواترة أن عليا (عليه السلام) كان على خلافهم رأيا ومسلكا، وقد مر ما يناسب توضيح ذلك في ص 125 من هذا المجلد. (4) أقول: ولتمام الكلام في هذا البحث يلزمنا أن ننقل بعض أحاديثهم التى تختلف ألفاظها مع ما أورده المؤلف العلامة رضوان الله عليه في الباب ونبحث عنها فنقول: روى ابن ماجة في حديث له (1235) عن ابن عباس " ثم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة: يا رسول الله ابن أبا بكر رجل رقيق حصر ومتى لا يراك يبكى والناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلى بالناس، فخرج أبو بكر فصلى بالناس =

[147]

ألفاظها قال في النهاية: " رجل أسيف " أي سريع البكاء والحزن، وقيل: هو الرقيق وقال: " المخضب " بالكسر شبه المركن وهي إجانة يغسل فها الثياب، وقال ناء ينوء


= فوجد رسول الله من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الارض، فلما رآه رسول الله سبحوا بأبى بكر فذهب ليستأخر فأومأء إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي مكانك، فجاء رسول الله فجلس عن يمينه وقام أبو بكر وكان أبو بكر يأتم بالنبي والناس يأتمون بأبى بكر، قال ابن عباس: وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر، قال وكيع: وكذا السنة، قال: فمات رسول الله في مرضه ذلك. والحديث هذا مع أنه مطعون في سنده كما عن مجمع الزوائد، متهافت متناقض في ذيله، لما عرفت من أنه ان كان رسول الله جلس عن يمين أبى بكر، فلا بد وأن كان النبي مؤتما به، وقد صرح نفس الحديث بخلافه. وأما ما ذكر من أن رسول الله أخذ من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر، وقول وكيع في تدعيم ذلك: وكذا السنة، كذب محض، فانه لم يرد سنة في ذلك بل السنة بخلافه حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) كل صلاة لا يقرء ليها بفاتحة الكتاب فهى خداج. بل ولو صح فرض القضية من جواز ابتناء أحد قراءته على قراءة غيره وصلاته على صلاة غيره أو أن يجئ آخر فينصب نفسه اماما لامام آخر قد دخل في الصلاة، لكان ذلك قضية لاول مرة لا أن تكون سنة متبعة قد أمر بها رسول الله قبل ذلك، وهذا واضح. وأما قوله " ومتى لا يراك يبكى والناس يبكون " كأنه أراد أن يوجه قصة البكاء حتى لا يرد عليها ما اوردت، لكنه قد ذهب عليهم جميعا أن أبا بكر تقدم في الصلاة وقام في مقام النبي فصلى بالناس صلاة واحدة أو في أيام عديدة في شكوى رسول الله على ما زعموا، وهكذا بعد ما نصب نفسه للخلافة ثلاث سنين فلم يبك في صلاته رغما لانف عائشة حيث نسب أباها إلى الضعف. وروى ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2 ص 17 ومثله في السيرة ج 2 ص 653 أن =

[148]

نوءا نهض، قوله: " أن نفتتن " أي نقطع الصلاة مفتونين برؤيته، " والسجف " بالفتح والكسر الستر وفى النهاية في حديث مرض النبي " فاستعز برسول الله " أي اشتد به


= رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذى توفى فيه أمر أبا بكر أن يصلى بالناس فلما افتتح أبو بكر بالصلاة وجد رسول الله خفة فخرج فجعلة يفرج الصفوف، فلما سمع أبو بكر الحس علم أنه لا يتقدم ذلك التقدم الا رسول الله، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته فخنس إلى الصف وراءه فرده رسول الله إلى مكانه فجلس رسول الله إلى جنب أبى بكر وأبو بكر قائم. فلما فرغا من الصلاة قال أبو بكر أي رسول الله أراك أصبحت بحمد الله صالحا وهذا يوم ابنة خارجة - امرءة لابي بكر من الانصار في بلحارث بن الخزرج - فأذن له وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنخ، الحديث. ففيه مضافا إلى ما ورد على مثله أن راوي الحديث لم يدر أن حجرات رسول الله كان في قبلة المسجد، وإذا جاء للصلاة لم يحتج إلى أن يأتي من ورائهم ويفرج الصفوف نعم في حديث رواه مسلم ج 2 ص 25 وهكذا غيره " أن رسول الله ذهب إلى بنى عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبى بكر فقال: أتصلى بالناس فأقيم ؟ قال نعم قال: فصلى أبو بكر فجاء رسول الله والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة فلما اكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله فأشار إليه أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي فصلى ثم انصرف فقال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ قال أبو بكر ما كان لابن أبى قحافة أن يصلى بين يدى رسول الله الحديث. فهذا الحديث يشبه الرواية السابقة ولا يرد عليه ما أوردناه، الا أنه في قضية أخرى من دون أن يأمره النبي بالصلاة، مع أنه قد أبطل صلاته بهم بالالتفات بعد ما أمره النبي بالمضي، ثم صرح بأنه لم يكن لابن ابى قحافة أن يصلى بين يدى رسول الله خلافا لمن زعم أنه صلى في مرض الموت بين يدى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكيف كان فقد تناقص هذه الاحاديث = (*)

[149]

المرض وأشرف على الموت، يقال: عز يعز بالفتح إذا اشتد به المرض وغيره، واستعز عليه إذا اشتد عليه وغلبه، ثم يبنى الفعل للمفعول به الذي هو الجار و المجرور، وقال في حديث عمر " إنه كان مجهرا " أي صاحب جهر ورفع لصوته، يقال: جهر بالقول إذا رفع به صوته فهو جهر، وأجهر فهو مجهر إذا عرف بشدة الصوت، وقال الجوهرى: رجل مجهر بكسر الميم إذا كان من عادته أن يجهر بكلامه. أقول: فإذ قد تبينت لك تلك الاخبار، فلنشرع في الكلام عليها وإبطال التمسك بها فنقول: أما الجواب عنها على وجه الاجمال: فهو أنها أخبار آحاد لم تبلغ حد التواتر، وقد وردت من جانب الخصوم وتعارضها رواياتنا الواردة عن أهل البيت عليهم السلام وقد تقدم بعضها فلا تعويل عليها. وأما على التفصيل: فان أكثر الروايات المذكورة تنتهى إلى عائشة وهي امرأة لم تثبت لها العصمة بالاتفاق، وتوثيقها محل الخلاف بيننا وبين المخالفين، وسيأتي في أخبارنا من ذمها والقدح فيها، وأنها كانت ممن يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما فيه كفاية للمستبصر، ومع ذلك يقدح في رواياتها تلك بخصوصها أن فيها التهمة من وجهين: أحدهما: بغضها لامير المؤمنين (عليه السلام) كما ستطلع عليه من الاخبار الواردة في ذلك من طرق أصحابنا والمخالفين. وذكر السيد الاجل رضي الله عنه في الشافي: أن محمد بن إسحاق روى أن


= بعضها مع بعض وتهافت صدر بعضها بذيله، فلا يريب ذو نصفة أنها رويت تأييدا لامر الخلافة والا فصلاة ابى بكر في شكوى رسول الله ثم خروجه ص في أثناء صلاته، لم يكن ليخفى على أصحابه ص والظرف ذاك الظرف حتى تختلف الروايات هذا الاختلاف، وعندي أنها موضوعة على لسان الصحابة من قبل التابعين خصوصا المتكلمين منهم ولنا في ذلك بحث لا يسعه المقام (*).

[150]

عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة، لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين (عليه السلام) وكتبت إلى معاوية وأهل الشام مع الاسود بن أبي البختري تحرضهم عليه (1). قال: وروى عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة فجلست إليها فحدثتني واستدعت غلاما لها أسود يقال له عبد الرحمن، فجاء حتى وقف، فقالت: يا مسروق أتدري لم سميته عبد الرحمن ؟ فقلت: لا، قالت: حبا مني لعبد الرحمن ابن ملجم (2). وفي رواية عبيد الله بن عبد الله التى ذكرناها في هذا المقام دلالة واضحة لاولي البصاير على بغضها، حيث سمت أحد الرجلين اللذين خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معتمدا عليهما، وتركت تسمية الاخر، وليس ذلك إلا إخفاء لقربه هذا من الرسول (صلى الله عليه وآله) وفضله، وقد أشعر سؤال ابن عباس بذلك فلا تغفل (3). وبالجملة بغضها لامير المؤمنين (عليه السلام) أولا وآخرا (4) هو أشهر من كفر إبليس، فلا يؤمن عليها التدليس، وكفى حجة قاطعة عليه قتالها وخروجها عليه


(1 و 2) الشافي: 466 تلخيص الشافي ج 4 ص 158، وروى المفيد في كتاب الجمل ص 84 مثل الاخير وسيأتى شرح ذلك في ابواب الجمل انشاء الله تعالى. (3) راجع الحديث بالرقم 10 وفى لفظ البخاري (ج 1 ص 170) " فقال لى ابن عباس: هل تدرى من الرجل الذى لم تسم عائشة ؟ قال: قلت لا، قال ابن عباس: هو على بن أبيطالب، ويظهر من سائر مصادر الحديث أنه قد زاد ابن عباس بعد كلامه هذا: " ان عائشة لا تطيب له نفسا بخير " راجع مسند ابن حنبل ج 6 ص 228، طبقات ابن سعد ج 2 ق 2 ص 29 س 13، وزاد الطبري: " ولكنها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهى تستطيع " راجع ج 3 ص 189. (4) وفى شرح النهج لابن ابى الحديد ج 2 ص 437 - 440 كلام نقله عن شيخه اللمعانى يبين كيفية نشوء تباغضها مع على (عليه السلام) وسيجئ شطر من كلامه في ص 159 وتمام الكلام في الابواب الاتية انشاء الله تعالى (*).

[151]

كما أنه كافى الدلالة على كفرها ونفاقها المانعين من قبول روايتها مطلقا وسيأتي في أبواب فضايل أمير المؤمنين (عليه السلام) من الاخبار العامية وغيرها الدالة على كفر مبغضه (عليه السلام) (1) ما فيه كفاية، ولو قيلنا من المخالفين دعواهم الباطل في توبتها و رجوعها (2) فمن أين لهم إثبات ورود تلك الاخبار بعدها، فبطل التمسك بها.


(1) راجع بحار الانوار ج 39 ص 246 - 310، وناهيك قوله عليه السلام " والله انه مما عهد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لا يبغضني الا منافق ولا يحبنى الا مؤمن " وقد أخرجه مسلم في 1 / 60، ابن حنبل في ج 1 / 84 و 95 و 128 ج 6 ص 292، ابن ماجة في المقدمة تحت الرقم 114 والنسائي في كتاب الايمان الباب 19، الترمذي كتاب المناقب الرقم، 3819، والبيهقي في سننه ج 2 ص 271. (2) ولعمري لقد كان رسول الله يشفق من سوء صنيعها وما تحدث في الناس من الفئن المضلة الهالكة للامة، من دون توبة منها، حيث تمنى موتها في ابتداء هذه الشكوى: فقد روى ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2 ص 10 عن عائشة قالت بدء برسول الله شكواه الذى توفى فيه وهو في بيت ميمونة، فخرج في يومه ذلك حتى دخل على فقلت: وارأساه، فقال: وددت أن ذلك يكون وأنا خى فأصلى عليك وادفنك، فقلت غيري: أو كانك تحب ذلك ؟ لكانى أراك في ذلك اليوم معرسا ببعض نساء ! فقال رسول الله: بل أنا وارأساه ثم رجع إلى بيت ميمونة فاشتد وجعه. وروى ابن ماجة ج 1 ص 470 تحت الرقم 1465 الباب 9 من كتاب الجنائز أنها قالت: رجع رسول الله من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول: وارأساه ! فقال: " بل أنا وارأساه " ثم قال: ما ضرك لومت قبلى فقمت عليك فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك "... وقال في ذيل الحديث نقلا عن الزوائد: اسناد رجاله ثقات، رواه البخاري من وجه آخر مختصرا. أقول ترى الحديث بلفظ ابن ماجة في سنن الدارمي المقدمة تحت الرقم 14 (وأخرجه في مشكاة المصابيح: 549) مسند ابن حنبل ج 6 ص 228، واعترف المولى على القارى =

[152]

وثانيهما جر النفع في الروايات المذكورة للفخر بخلافة أبيها، إذ أمر الصلاة - كما ستطلع عليه إنشاء الله تعالى - كان عمدة أسباب انعقاد الخلافة لابيها كما رووه في أخبارهم، وايضا في أسانيد تلك الروايات جماعة من النواصب المبغضين المنحرفين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي بعضها مكحول وقد روى في كتاب الاختصاص عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال كان الغالب على مكحول عداوة علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وكان إذا ذكر عليا عليه السلام لا يسميه ويقول أبو زينب (1).


= في محكى المرقاة بأن في قوله ص " ودفنتك " ايماء إلى أن موتها في حياته خير من حياتها بعد مماته. وأما رواية البخاري، فقد روى في كتاب المرضى تحت الرقم: 16 (ج 7 ص 155) وفى كتاب الاحكام الرقم 51 (ج 9 ص 190) باسناده عن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة وارأساه فقال رسول الله: ذاك لو كان وأنا حى فأستغفر لك وأدعو لك، فقالت: واثكلياه ! والله انى لاظنك تحب موتى، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك، الحديث. فتراها كيف يستوحش عن الموت بعد ما تمناه لها رسول الله ووعدها بالاستغفار والدعاء فرغبت عن استغفار الرسول ودعائه والدخول في الجنة، فحييت واشتغلت بالفتن والاحداث حتى صدق فيه قوله عزوجل " ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين " (البخاري 6 / 195). (1) الاختصاص: 128، وعنونه ابن حجر في التهذيب ونقل عن ابن حبان أنه ربما كان يدلس، وعن البزار انه كان يروى عن جماعة من الصحابة ولم يسمع منهم، وعده ابن ابى الحديد في شرح النهج ج 1 / 371 من المبغضين لعلى (عليه السلام) قال: روى زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر قال: لقيت مكحولا فإذا هو مطبوع - يعنى مملوء - بغضا لعلى (عليه السلام) فلم أزل به حتى لان وسكن، وروى المحدثون عن حماد بن زيد أنه قال: أرى أن أصحاب على أشد حبا له من أصحاب العجل لعجلهم، وهذا كلام شنيع،

[153]

وبعد التنزل عن هذا المقام نقول: رواياتها تشتمل على أنواع من الاختلاف فكثير منها تدل على أنه لما جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جلس إلى جنب أبي بكر وبعضها يدل على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بين يدى أبي بكر يصلي قاعدا وأبو بكر يصلي بالناس والناس خلف أبي بكر، وبعضها يدل على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في الصف ولعل عائشة في بعض المواطن استحيت في حضور طائفة من العارفين بصورة الواقعة فقربت كلامها إلى ما رواه أصحابنا من أنه (صلى الله عليه وآله) تقدمه في الصلاة وعزله عن الامامة، وفي الجهلة البالغين غايته قالت: كان في الصف، هذا هو الصحيح في وجه الجمع بين تلك الاخبار. ومن جملة وجوه اختلافها أن كثيرا منها يدل على أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر، وفي بعضها تصريح بأنهم كانوا يأتمون بأبى بكر، وفي بعضها أنه يسمعهم التكبير، وتفطن لذلك شارح المواقف ففسر بعد ما ذكر رواية البخاري عن عروة، عن أبيه (1) عن عائشة المشتملة على أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر قال: أي بتكبيره، والصحيح في وجه الجمع هو ما ذكرنا. ومن جملتها أن في بعض الاخبار أن أبا بكر أراد أن يتأخر فأشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يتأخر، ويبعد من ديانة أبي بكر أن يخالف أمره، وفي بعضها تصريح بأنه تأخر وقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جنبه.


(1) راجع الحديث الثاني، وأما عروة فقد كان من المنحرفين عن على (عليه السلام) مشهورا بذلك، روى ابن أبى الحديد في شرحه ج 1 ص 371 روايات في ذلك منها عن يحيى بن عروة قال: كان أبى إذا ذكر عليا نال منه، وقال لى مرة: يا بنى والله ما أحجم الناس عنه الا طلبا للدنيا لقد بعث إليه أسامة بن زيد أن ابعث إلى بعطائي فو الله انك لو كنت في فم أسد لدخلت معك [فيه ولكن هذا أمر لم أره] فكتب إليه " ان هذا المال لمن جاهد عليه ولكن لى مالا بالمدينة فأصب منه ما شئت، قال يحيى: فكنت أعجب من وصفه اياه بما وصفه به ومن عيبه له وانحرافه عنه (*).

[154]

ومن جملتها أن أكثرها صريحة في اقتداء أبي بكر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي رواية الترمذي التي ذكرها في جامع الاصول في فروع الاقتداء تصريح بأنه (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي مات فيه صلى قاعدا خلف أبى بكر، وهذا غير ما ذكرنا من اختلافها في جلوسه (صلى الله عليه وآله) وفي اقتداء الناس به فلا تغفل. ومن جملتها أن بعضها يدل على أن قول الرسول (صلى الله عليه وآله) إنكن صواحب يوسف كان لمعاودتها القول بأن أبا بكر رجل أسيف لا يقدر على القراءة، ولا يملك نفسه من البكاء، وفي بعضها أن ذلك كان لبعث حفصة إلى عمر أن يصلي بالناس و أنها قالت لعائشة " ما كنت لا صيب منك خيرا " وليت شعري إذا كان أبو بكر لا يملك نفسه من البكاء، ولا يستطيع القراءة لقيامه مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته ولا ريب أن حزنه وبكاءه كان لاحتمال أن يكون ذلك مرض موته (عليه السلام) فكيف ملك نفسه في السعي إلى السقيفة لعقدة البيعة، ولم يمنعه الحزن والاسف عن الحيل والتدابير في جلب الخلافة إلى نفسه، وعن القيام مقامه (صلى الله عليه وآله) في الرياسة العامة، مع أن جسده الطاهر المطهر كان بين أظهرهم لم ينقل إلى مضجعه. فهذه وجوه التخالف في أخبار عائشة، مع قطع النظر عن مخالفتها لما رواه غيرها. وأما روايات أنس فأول ما فيها أن أنسا من الثلاثة الكذابين كما سبق (1) في كتاب أحوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيأتى وهو الذي دعا عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) لما أنكر حديث الغدير، فابتلاه الله بالبرص (2) وبعد قطع النظر عن حاله وحال من روى عنه -


(1) بل سيجئ في باب ذكر اصحاب النبي وامير المؤمنين أواخر الجزء 34. (2) راجع ج 37 ص 199 وما بعده، ج 41 ص 204 و 206 وقد عده ابن ابى الحديد في المنحرفين عن على (عليه السلام) فيما نقله عن جماعة من شيوخه البغداديين قال فمنهم أنس بن مالك ناشد على الناس في الرحبة أيكم سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول " من كنت مولاه فهذا على مولاه " فقام اثنى عشر رجلا فشهدوا بها وأنس بن مالك في القوم لم يقم فقال له يا =

[155]

فمن رواياته ما صرحت بأن رسول الله لم يخرج إلى الصلاة في مرض موته، لانه قال: " لم يخرج رسول الله ثلاثا وأبو بكر يصلي بالناس واقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم، فرفع رسول الله الحجاب فأومأ إلى أبى بكر أن يتقدم وأرخى الحجاب فلم نقدر عليه حتى مات، وسوق الكلام في بعض رواياته الاخر أيضا يدل على ذلك، وهى مخالفة لروايات عائشة - وهو ظاهر - ولروايته المذكورة أولا الدالة على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى خلف أبي بكر في مرضه، وأنها كانت آخر صلاة صلاها، ولعل السر في وضع أنس تلك الاخبار الدالة على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخرج إلى الصلاة أنه أراد إبطال ما كانت الشيعة يتمسكون به من أن (صلى الله عليه وآله) لما سمع صوته خرج إلى الصلاة وأخره عن المحراب فتفطن. ومن وجوه تخالفها أنه قوله " فذهب أبو بكر يتقدم " وقوله: فأومأ بيده إلى أبى بكر أن يتقدم " صريح في أن رفع الحجاب والايماء كان قبل الصلاة وقبل أن يتقدم أبو بكر، وقوله في الرواية الاخرى " بينماهم في صلاة الفجر وأبو بكر يصلى بهم " وقوله في الرواية الاخرى " وهم المسلون أن يفتتنوا في صلاتهم " وقوله: " أن أتموا صلوتكم " يدل على أنه كان بعد اشتغالهم بالصلاة، والتأويلات البعيدة ظاهرة البطلان. وأما رواية عبد الله بن زمعة فكونه من رجال أهل الخلاف واضح، وذكره ابن الاثير (1) وغيره في كتبهم ولم يذكروا له توثيقا ولا مدحا، قالوا عبد الله بن


= أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد ولقد حضرتها ؟ فقال يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت، فقال: اللهم ان كان كاذبا فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة، قال طلحة بن عمير: فوالله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك ابيض بين عينيه. راجع شرح النهج ج 1 ص 362 وان شئت راجع الغدير ج 1 ص 166 احاديث المناشدة في الرحبة خصوصا ص 192. هامش احقاق الحق ج 6 ص 305. (1) اسد الغابة ج 3 ص 164 (*).

[156]

زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصى القرشي الاسدي عداده في المدنيين، روى عنه عروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن، وروايته تخالف رواية عبيدالله بن عبد الله لدلالتها على أنه لما قال الرسول (صلى الله عليه وآله) مروا أبا بكر يصلى بالناس، وجاء الرسول، كان أبو بكر غائبا فقام عمر فصلى بالناس تلك الصلاة ولما سمع الرسول (صلى الله عليه وآله) صوت عمر قال: يأبى الله ذلك والمسلمون، وكرر ذلك القول، وبعث إلى أبي بكر فجاء بعد ما صلى عمر، ودلالة رواية عبيدالله على أنه لما أمر رسول الله (صلى الله عليه واله) أبا بكر بالصلاة فجاء الرسول خاطب أبا بكر فقال أبو بكر: يا عمر صل بالناس فقال عمر: أنت أحق بذلك، فدلت على أن أبا بكر كان حاضرا حينئذ. ومن القرائن على وضع هذه الرواية هذا التكرير المذكور، وتكرير لفظة " لا " ثلاثا ولقد تنبه لذلك صاحب الاستيعاب، فحذف هذه التكريرات لئلا يظن الكذب بهذا الراوي تعصبا وترويجا للباطل بقدر الامكان، والرواية على ما ذكره في الاستيعاب في ترجمة أبي بكر توافق ما رواه أصحابنا من أنه لم يأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر على الخصوص بالصلاة بل قال: مروا من يصلى بالناس وأنا أذكرها بلفظها ليتضح هذا المعنى. قال: روى الزهري عن عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه عن عبد الله بن رمعة بن الاسود قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو عليل، فدعاه بلال إلى الصلاة، فقال لنا: مروا من يصلى بالناس، قال: فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا فقلت: قم يا عمر فصل بالناس، فقام عمر فلما كبر سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوته وكان مجهرا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فأين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس طول علته حتى مات (صلى الله عليه وآله) (1).


(1) الاستيعاب بترجمة أبى بكر، وتراه في السيرة ج 2 ص 652 وقد تكرر فيه اللفظ مرتين، وهكذا في طبقات ابن سعد ج 2 ق 2 ص 21 وفيه تكرير لا ثلاثا، وقد مر لفظ ابى =

[157]

ثم إن هيهنا نكتة لا ينبغي الغفلة عنها، وهي أنه إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أولا على وجه العموم الشامل لكل بر وفاجر أن يصلي بالناس أحد، ثم سمع صوت عمر وقال: يأبي الله ذلك والمسلمون مرة واحدة، على ما في هذه الرواية أو كرر هذا القول أو قال: لا لا لا ثلاثا، وقال: ليصل بالناس ابن أبي قحافة مغضبا، وقد كان رضي بصلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس، بل صلى بنفسه خلفه على ما اطبقت عليه رواياتهم (1) وكان إمامة الصلاة دليلا على استحقاق الخلافة كما سيجئ في رواياتهم إنشاء الله تعالى من أنه باحتجاج عمر بأمر الصلاة تمت بيعة أبي بكر، لكان ذلك دليلا على عدم استحقاق عمر للخلافة. ولو تنزلنا عن ذلك فهل يبقى لاحد ريب بعد ذلك في ان عبد الرحمن بن عوف الذي صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلفه، ولو ركعة واحدة كما ذكره بعضهم، كان أولى بالخلافة من عمر بن الخطاب، فكيف نص أبو بكر على عمر في الخلافة وترك عبد الرحمن بن عوف ؟ وكيف كان يقول لطلحة - لما خوفه من سؤال الله يوم القيامة: " أبا لله تخوفني ؟ إذا لقيت ربي فساءلني قلت: استخلفت عليهم خير أهلك " فقال طلحة أعمر خير الناس يا خليفة رسول الله ؟ فاشتد غضبه وقال: " إى والله هو خيرهم وأنت شرهم ". وكيف قال لعثمان: لو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان، وقد كان عبد الرحمن ابن عوف حاضرا عنده، وهو ممن شاوره أبو بكر في تعيين الخليفة فعاب عمر بالغلظة ثم لما حكم أبو بكر صريحا بأن طلحة شر الناس وجعل عثمان خير الناس و اولى بالخلافة بعد عمر، كيف جعل عمر طلحة وعثمان عدلين في الخلافة والشورى وهل كان ما فعلوه إلا خبطا في خبط، ولا ينفع ابتناء الكلام على جواز تفضيل


= داود موافقا للاستيعاب ص 145. (1) صحيح مسلم ج 2 ص 26 سنن ابى داود كتاب الطهارة بالرقم 60 سنن النسائي الطهارة بالرقم 87 مسند الامام ابن حنبل ج 4 ص 244 و 249 و 251 (*).

[158]

المفضول، إذ كلام ابي بكر صريح في ان خروجه عن عهدة السؤال يوم القيامة يكون باستخلافه الافضل (1). فظهر انه لا يخلو الحال عن احد الامرين: إما ان لا يدل التقديم في الصلاة على فضل، فانهدم اساس خلافتهم، أو كان تصريحا أو تلويحا يجرى مجرى التصريح باستحقاق الخلافة كما صرح به صاحب الاستيعاب، فكان أبو بكر يرى راى رسول الله (صلى الله عليه وآله) باطلا، ولذا لم يعد عبد الرحمن في امر الخلافة شيئا، وكان يجوز مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله) في اجتهاده كما زعموه، ومع ذلك كان يثب على عمر بن الخطاب ويجر لحيته، لما اشار إليه بعزل اسامة للمصلحة كما سيجئ إنشاء الله تعالى، وكان يقول له: " ثكلتك أمك يا ابن الخطاب لو اختطفتني الطير كان أحب إلى من أن أرد قضاء قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) " (2) فانظر بعين البصيرة حتى يتضح لك ان القوم لم يسلكوا في غيهم مسلكا واحدا، بل تاهوا في حيرتهم شمالا ويمينا، وخسروا خسرانا مبينا. واما أبو موسى وابن عمر فحالهما في عداوة امير المؤمنين (عليه السلام) ظاهر لا يحتاج إلى البيان، والظاهر ان روايتهما على وجه الارسال عن عائشة، وعلى تقدير ادعائهما الحضور، لا ينتهض قولهما حجة، لكونهما من أهل الخلاف ومن المجروحين. واما رواية صاحب الاستيعاب عن الحسن البصري ففيها أن الحسن ممن ورد في ذمه من طرق العامة والخاصة كقول امير المؤمنين (عليه السلام) فيه: هذا سامري هذه الامة، وكدعائه عليه: لا زلت مسوءا لما طعن على امير المؤمنين باراقة دماء المسلمين وغير ذلك مما سيأتي في أبواب اصحاب امير المؤمنين (عليه السلام) وقد عده ابن ابى


(1) راجع شرح النهج لابن ابى الحديد ج 1 ص 55 وسيأتى الكلام في ذلك في محله انشاء الله تعالى. (2) راجع تاريخ الطبري ج 3 ص 226، منتخب كنز العمال ج 4 ص 185، وكلامه هذا مذكور ذيل بعث أسامة وقد مر مصادره في ص 130 - 146 (*).

[159]

الحديد (1) من المنحرفين عن علي (عليه السلام)، وحكى أبو المعالى الجويني على ما ذكره بعض الاصحاب عن الشافعي أنه قال بعد ذكر الحسن: وفيه كلام. وبعد التنزل عن كونه خصما مجروحا، وتسليم أن الطريق إليه حسن، نقول: إذا كان ذلك من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما ذا ترك بيعة أبي بكر ستة أشهر أو أقل، حتى يقاد بأعنف العنف، ويهدد بالقتل بعد ظهور أماراته، وكيف كان يتظلم ويبث الشكوى منهم في كل مشهد ومقام، كما سيأتي في باب الشكوى وإسناد الكذب إلى الحسن أحسن من اسناد التناقض إلى كلامه عليه السلام، وغرضه من الوضع على لسانه (عليه السلام) إلزام الشيعة وإتمام الحجة عليهم، وإلا فانكاره (عليه السلام) لصدور الامر بالصلاة من الرسول (صلى الله عليه وآله) وتعيينه أبا بكر من المشهورات. وقد روى ابن أبى الحديد عن شيخه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعانى أن عليا (عليه السلام) كان ينسب عائشة إلى أنها أمرت بلالا أن يأمر أبا بكر بأن يصلى بالناس، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ليصل بهم رجل ولم يعين أحدا، فقالت مر ابا بكر يصلي بالناس، وكان (عليه السلام) يذكر ذلك لاصحابه في خلواته كثيرا ويقول إنه لم يقل (صلى الله عليه وآله) إنكن كصويحبات يوسف إلا إنكارا لهذه الحال، وغضبا منه، لانها وحفصة، تبادرنا إلى تعيين أبيهما وأنه استدركها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخروجه وصرفه عن المحراب انتهى (2).


(1) راجع شرح النهج ج 1 ص 368، قال: " روى عنه حماد بن سلمة أنه قال: لو كان على ياكل الحشف بالمدينة لكان خيرا له مما دخل فيه ثم ذكر حديث الوضوء ودعاء على (عليه السلام) عليه. (2) قال ابن ابى الحديد في شرح النهج عند كلامه (عليه السلام) " واما فلانة فأدركها رأى النساء وضغن غلافى صدره كمرجل القين ولو دعيت لتنال من غيرى ما أتت إلى لم تفعل ": اعلم أن هذا الكلام يحتاج إلى شرح وقد كنت قرأته على الشيخ ابى يعقوب يوسف بن اسماعيل اللمعانى - ره - ايام اشتغالي عليه بعلم الكلام وسألته عما عنده فأجابني بجواب طويل أنا أذكر محصوله، ثم ذكر بعض ما كان سبب معاداتها وبغضها إلى أن قال: =

[160]

فاتضح لك ضعف التمسك بهذه الاخبار سيما في أركان الدين. وقال السيد الاجل - رضي الله عنه - في موضع من الشافي ذكر فيه تمسك


= وما كان من حديث الصلاة بالناس ما عرف فنسب على (عليه السلام) عائشة انها أمرت بلالا مولا أبيها أن يأمره فليصل بالناس، لا ن رسول الله ص كما روى قال: ليصل بهم أحدهم ولم يعين، وكانت صلاة الصبح، فخرج رسول الله وهو في آخر رمق يتهادى بين على والفضل بن العباس حتى قام في المحراب كما ورد في الخبر، ثم دخل فمات ارتفاع الضحى، فجعل يوم صلاته حجة في صرف الامر إليه، وقال: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله في الصلاة ولم يحملوا خروج رسول الله إلى الصلاة لصرفه عنها بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن فبويع على هذه النكتة التى اتهمها على (عليه السلام) على أنها ابتدأت منها. وكان على يذكر هذا لاصحابه في خلواته كثيرا ويقول: انه لم يقل ص " انكن لصويحبات يوسف " الا انكارا لهذه الحال وغضبا منها، لانها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما وأنه ص استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب فلم يجد ذلك ولا أثر.. ثم قال ابن ابى الحديد: فقلت له - ره أفنقول أنت أن عائشة عينت أباها للصلاة و رسول الله لم يعينه ؟ فقال: أما أنا فلا أقول ذلك، ولكن عليا كان يقوله وتكليفي غير تكليفه، كان حاضرا ولم أكن حاضرا، فأنا محجوج بالاخبار التى اتصلت بى وهى تتضمن تعيين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لابي بكر في الصلاة، وهو محجوج بما كان قد علمه أو يغلب على ظنه من الحال التى كان حضرها، الخ راجع ج 2 ص 439. وقال الشارح في ج 3 ص 191: وروى الارقم بن شرحبيل قال: سألت ابن عباس هل أوصى رسول الله ؟ فقال: لا، قلت فكيف كان ؟ فقال ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في مرضه: ابعثوا إلى على فادعوه، فقالت عائشة: لو بعثت إلى ابى بكر، وقالت حفصة لو بعثت إلى عمر فاجتمعوا عنده جميعا. قال الشارح: هكذا لفظ الخبر على ما أورده الطبري في التاريخ (ج 3 ص 196) ولم يقل فبعث رسول الله اليهما. قال ابن عباس: فقال رسول الله: انصرفوا فان تكن لى حاجة أبعث اليكم فانصرفوا و =

[161]

قاضى القضاة بحكاية الصلاة: إن خبر الصلاة خبر واحد، والاذن فيها ورد من جهة عائشة، وليس بمنكر أن يكون الاذن صدر من جهتها، لا من جهة الرسول (صلى الله عليه وآله) وقد استدل أصحابنا على ذلك بشيئين: أحدهما بقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما أتت به الرواية لما عرف تقدم أبي بكر في الصلاة، وسمع قراءته في المحراب " إنكن كصويحبات يوسف " وبخروجه متحاملا من الضعف معتمدا على أمير المؤمنين والفضل ابن العباس إلى المسجد، وعز له لابي بكر عن المقام، وإقامة الصلاة بنفسه، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الاذن في الصلاة لم يكن منه (صلى الله عليه وآله).


= قيل لرسول الله: الصلاة، فقال: مروا أبا بكر أن يصلى بالناس فقالت عائشة ان أبا بكر رجل رقيق فمر عمر، فقال: مروا عمر، فقال عمر ما كنت لا تقدم وأبو بكر شاهد، فتقدم أبو بكر فوجد رسول الله خفة فخرج فلما سمع أبو بكر حركتة تأخر فجذب رسول الله ثوبه فأقامه مكانه وقعد رسول الله فقرأ من حيث انتهى أبو بكر. قال الشارح: قلت: عندي في هذه الواقعة كلام ويعترضني فيها شكوك واشتباه، إذا كان قد أراد أن يبعث إلى على ليوصي إليه [لان مخرج كلام ابن عباس هذا المخرج وسؤال شرحبيل كان عن الوصية] فنفست عائشة عليه، فسألت أن يحضر أبوها ونفست حفصة عليه، فسألت ان يحضر أبوها، ثم حضرا ولم يطلبا فلا شبهة أن ابنتيهما طلبتاهما، هذا هو الظاهر. وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد اجتمعوا كلهم عنده " انصرفوا فان تكن لى حاجة بعثت اليكم " قول من عنده ضجر وغضب باطن لحضورهما وتهمة للنساء في استدعائهما، فكيف يطابق هذا الفعل وهذا القول ما روى من أن عائشة قالت لما عين على أبيها في الصلاة " ان أبى رجل رقيق فمر عمر " وأين ذلك الحرص من هذا الاستعفاء والاستقالة ؟ وهذا يوهم صحة ما تقوله الشيعة من أن صلاة ابى بكر كانت عن امر عائشة، وان كنت لا اقول بذلك ولا أذهب إليه، الا أن تأمل هذا الخبر ولمح مضمونة يوهم ذلك، فلعل هذا الخبر غير صحيح. إلى آخر ما قال، وفيه الاعتراض بلزوم النسخ قبل تقضى وقت فعله حيث قال ص مروا أبا بكر أن يصلى بالناس، ثم قال: مروا عمر (*).

[162]

وقال بعض المخالفين: إن السبب في قوله: " إنكن صويحبات يوسف " أنه (صلى الله عليه وآله) لما أوذن بالصلاة وقال مروا أبا بكر ليصلي بالناس، فقالت له: عائشة إن أبا بكر رجل أسيف لا يحتمل قلبه أن يقوم مقامك في الصلاة، ولكن تأمر عمر أن يصلى بالناس، فقال عند ذلك " إنكن صويحبات يوسف " (1) وهذا ليس بشئ لان النبي لا يجوز أن يكون أمثاله إلا وفقا لاغراضه، وقد علمنا أن صويحيات يوسف لم يكن منهن خلاف على يوسف ولا مراجعة له في شئ أمرهن به، وإنما افتتن بأسرهن بحسنه، وأرادت كل واحدة منهن مثل ما أرادته صاحبتها فأشبهت حالهن حال عائشة في تقديها أباها للصلاة للتجمل والشرف بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولما يعود بذلك عليها وعلى أبيها من الفخر وجميل الذكر. ولا عبرة بمن حمل نفسه من المخالفين على أن يدعى أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لما خرج إلى المسجد لم يعزل أبا بكر عن الصلاة وأقره في مقامه، لان هذا من قائله غلط فظيع، من حيث يستحيل أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الامام المتبع في ساير الدين متبعا مأموما في حال من الاحوال (2) وكيف يجوز أن يتقدم على


(1) وقال الشيخ المفيد قدس سره على ما في مختار العيون والمحاسن ص 90: لا خلاف أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان من أحكم الحكماء وأفصح الفصحاء ولم يكن يشبه الشئ بخلافه و يمثله بضده، وانما كان يضع المثل في موضعه فلا يخرم مما مثله به في معناه شيئا، ونحن نعلم أن صويحبات يوسف انما عصين الله تعالى وخالفنه بأن أرادت كل واحدة منهن من يوسف ما أرادته الاخرى وفتنت به كما فتنت به صاحبتها، فلو كانت عائشة دفعت الامر عن أبيها ولم ترد شرف ذلك المقام له ولم تفتتن بمحبة الرئاسة وعلو المنزلة، لكان النبي في تشبيهها بصويحبات يوسف قد وضع المثل في غير موضعه وشبه الشئ بضده وخلافه، ورسول الله يجل عن هذه الصفة. (2) بل وقد مرص 148 في حديث أخرجه مسلم ج 2 ص 25 أن أبا بكر نفسه صلى صلاة أمها بالمسلمين حيث أحسن بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جاء إلى الصلاة أبطل صلاته وتأخر إلى داخل =

[163]

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غيره في الصلاة، وقد دلت الاخبار على أنه لا يتقدم فيها إلا الافضل على الترتيب والتنزيل المعروف (1). وأقول: ذلك من مذهب أصحابنا معلوم لا يحتاج إلى بيان، وقد ورد من صحاح الاخبار عند المخالفين ما يدل عليه: روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فان كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فان كانوا في الهجرة سواء فأقدنهم سنا ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا باذنه. وفي رواية له: ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله (2). وروى في جامع الاصول ما يدل على هذا المعنى بتغيير في اللفظ عن مسلم


= الصفوف، علما منه بأن صلاته ودعاءه لا يقبل إذا كان رسول الله حاضرا في الصف معهم، و لذلك صرح بذلك وقال: " ما كان لابن أبى قحافة أن يصلى بين يدى رسول الله " فلم ينكر عليه رسول الله ذلك، بل وفى لفظ البخاري ج 9 ص 92 سنن النسائي الامامة 15 مسند ابن حنبل ج 5 ص 332 و 333 و 336 و 338 أنه قال عند ذلك: " لم يكن لابن أبى قحافة أن يؤم النبي ". ويدل على ذلك أيضا ما رواه ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2 ص 69 أنه " لما وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على السرير قال على - ألا يقوم عليه أحد لعله يؤم: هو امامكم حيا وميتا فكان يدخل الناس رسلا رسلا فيصلون عليه صفا صفا ليس لهم امام " ولاجل أن رسول الله امام حيا وميتا ترى المسلمين لم يصلوا عليه (صلى الله عليه وآله) بامامة وهذا اتفاقى. (1) الشافي: 388، تلخيص الشافي ج 3 ص 30 (2) راجع صحيح مسلم ج 2 ص 33: كتاب المساجد الرقم 290 و 291 سنن الترمذي كتاب الصلاة الباب 60 كتاب الادب 24، سنن النسائي كتاب الامامة الرقم 3 و 6 سنن ابن ماجة كتاب اقامة الصلاة 46 (*).

[164]

والترمذي والنسائي وأبي داود، وقال: قال شعبة: قلت لاسماعيل ما تكرمته ؟ قال فراشه (1). وروى مسلم في صحيحه أيضا عن أبي سعيد قال: قال (صلى الله عليه وآله): إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالامامة أقرأهم (2). ووروى أبو داود في صحيحة عن ابن عباس قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم (3). وقد ذكر في المشكوة هذه الروايات على الوجه الذي ذكرناها (4). وقد قال بالترتيب في الامامة جمهور العامة، وإنما اختلفوا في تقدم الفقه أو القراءة فذهب أصحاب أبي حنيفة إلى تقدم القراءة لظاهر الخبر، والشافعي و مالك إلى تقدم الفقه على القراءة، فلو دل التقدم على الافضلية، فتقدم أحد على الرسول (صلى الله عليه وآله) مما لا نزاع في بطلانه، ولو لم يدل عليها، وجاز تقديم المفضول، وكان من قبيل ترك الاولى، فسقط الاحتجاج بتقدم أبي بكر وأضرابه إذ يجوز حينئذ أن يكون مفضولا بالنسبة إلى كل واحد من مؤتميه وهو واضح. وأنت بعد اطلاعك على أخبارهم السالفة، لا ترتاب في بطلان القول بأنه (صلى الله عليه وآله) صلى خلف أبى بكر إذ بعض روايات عائشة صريحة في أنه جلس بين يدي أبي بكر، وبعضها صريحة في أنه اقتدى أبو بكر بصلاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، و إن كان جلس إلى جنب أبي بكر، وبعض روايات أنس دلت على عدم خروجه في مرضه إلى الصلاة كما سبق، فكان منافيا لما دل على اقتدائه بأبي بكر، وتلك


(1) جامع الاصول ج 6 ص 373. (2) صحيح مسلم ج 2 ص 133. (3) سنن ابى داود كتاب الصلاة الباب 60 وأخرجه في جامع الاصول ج 6 ص 377. (4) مشكاة المصابيح: 100 ط كراچى (*).

[165]

الروايات أكثر، فلا يصلح ما دلت على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى خلف أبي بكر معارضة لها ولو سلمنا كونها صالحة للمعارضة لها فإذا تعارضتا تساقطتا، فبقي ما رواه أصحابنا سليما عن معارض، وقد صرح الثقات عندهم من أرباب السير كصاحب الكامل وغيره بأنه كان يصلى بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكفاك شاهدا على بطلانه اعتراف قاضي القضاة الذي يتشبث بكل رطب ويابس، فلو لا أنه راى القول بذلك فظيعا ظاهر البطلان لما فاته التمسك به. فظهر أن ما ذكره المتعصبون من متأخريهم كصاحب المواقف وشارحه و الشارح الجديد للتجريد من أنه (صلى الله عليه وآله) صلى خلفه، وان الروايات الصحيحة متعاضدة على ذلك، إنما نشأ من فرط الجهل والطغيان في العصبية، ولقد أحال السيد (1) حيث اورد في بيان تعاضد الروايات الصحيحة روايتين مجهولتين غير مسندتين إلى اصل أو كتاب قال: روى عن ابن عباس انه قال: لم يصل النبي (صلى الله عليه وآله) خلف احد من امته إلا خلف ابى بكر، وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف في سفر ركعة واحدة. قال: وروى عن رافع بن عمرو بن عبيد، عن أبيه أنه قال: لما ثقل النبي (صلى الله عليه وآله) عن الخروج أمر أبا بكر أن يقوم مقامه فكان يصلي بالناس، وربما خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما دخل أبو بكر في الصلاة فصلى خلفه ولم يصل خلف أحد غيره، إلا أنه صلى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة واحدة في سفر. ثم ذكر رواية أنس الدالة على أنه رفع الستر فنظر إلى صلاتهم وتبسم كما سبق ثم قال: وأما ما روى البخاري عن عروة عن أبيه عن عائشة وذكر الرواية السابقة (2) إلى قولها " فكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس يصلون بصلاة أبي بكر " ثم فسره فقال: أي بتكبيره، وجمع بينها وبين الخبرين السابقين


(1) يعنى السيد الشريف الجرجاني شارح المواقف المتوفى 816. (2) راجع الرواية تحت الرقم 14 و 15 ص 143 (*).

[166]

بأن هذا إنما كان في قوت آخر (1). وليت شعري إذا كانت الروايتان صحيحتين، فلم لم يسندهما إلى كتاب أو أصل معروف كما أسند رواية عروة عن عائشة ؟ ولو كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى خلفه في مرضه فلم كانت عائشة مع حرصها على إثبات فضل لابيها تارة تروي اقتداء الناس بأبي بكر واقتداء أبي بكر بصلاته (صلى الله عليه وآله)، وتارة جلوسه بين يدي أبي بكر، ولم لم يقل عمر يوم السقيفة " أيكم تطيب نفسه أن يتقدم على من فضله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على نفسه وصلى خلفه ". والعجب من السيد الشريف أنه ترك التمسك برواية الترمذي عن عائشة (2) وروايته ورواية النسائي عن أنس (3) وتمسك بهاتين لها، فعجز عن اسنادهما إلى أصل. وأما ما ذكره في وجه الجمع فظاهر البلاطن إذ لو كان المراد بوقت آخر غير مرض موته (صلى الله عليه وآله)، فكثير من الروايات السابقة مع اتفاق كلمة أرباب السير، يشهد بخلافه، ولو كان المراد وقوع الامرين كليهما في مرض الموت كل في وقت، فسوق رواية عبيدالله بن عبد الله عن عائشة التى رواها البخاري ومسلم وعدوها من المتفق عليه، وسوق كلام أرباب السير أيضا ينادي بفساده، ولو كان المراد أن ما تضمنه خبر رافع بن عمرو بن عبيد، عن أبيه كان في غير مرض موته (صلى الله عليه وآله) فواضح البطلان، إذ لم يذكر أحد من أرباب السير والرواة أنه أمر (صلى الله عليه وآله) أبا بكر أن يصلي بالناس إلا في تلك الحال، ولم يكن أحد يفهم من قولهم " لما ثقل النبي (صلى الله عليه وآله) عن الخروج " ومن حكايتهم الصلاة في مرضه وأمره أبا بكر بالصلاة، إلا مرض الموت، مع أن رواية الترمذي والنسائي صريحة في وقوعه حينئذ.


(1) راجع شرح المواقف ص 609. (2) الرواية تحت الرقم 11 ص 142. (3) الرواية تحت الرقم 13 ص 142 (*).

[167]

على أن التمسك بصلاته (صلى الله عليه وآله) خلف أبي بكر في إثبات الفضل لابي بكر حماقة عجيبة، إذ هو من قبيل الاستدلال بمقدمة مع الاعتراف بنقيضها، فان التقدم في الصلاة لو دل على فضل الامام لكان أبو بكر أفضل من الرسول صلى الله عليه وآله، وإلا فانقلع الاساس من أصله، وقد نبهناك عليه فلا تغفل. ثم قال السيد رضي الله عنه: ومما يدل على بطلان هذه الدعوي أنه (صلى الله عليه وآله) لو لم يعز له عند خروجه عن الصلاة، لما كان فيما وردت به الرواية من الاختلاف في أنه (صلى الله عليه وآله) لما صلى بالناس ابتدء من القرآن من حيث ابتدء أبو بكر أو من حيث انتهى معنى، على أنا لا نعلم لو تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه وجها يكون منه خبر الصلاة شبهة في النص، مع تسليم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بها أيضا، لان الصلاة ولاية مخصوصة في حالة مخصوصة لا تعلق لها بالامامة، لان الامامة تشتمل على ولايات كثيرة من جملتها الصلاة، ثم هي مستمرة في الاوقات كلها، فأي نسبة مع ما ذكرناه بين الامرين. على أنه لو كانت الصلاة دالة على النص، لم يخل من أن يكون دالة من حيث كانت تقديما في الصلاة، أو من حيث اختصت، مع أنها تقديم فيها بحال المرض فان دلت من الوجه الاول، وجب أن يكون جميع من قدمه الرسول في طول حياته للصلاة إماما للمسلمين، وقد علمنا أنه (صلى الله عليه وآله) قد ولي الصلاة جماعة لا يجب شئ من هذا فيهم، وإن دلت من الوجه الثاني فالمرض لا تأثير له في إيجاب الامامة، فلو دل تقديمه في الصلاة في حال المرض على الامامة، لدل على مثله التقديم في حال الصحة، ولو كان للمرض تأثير لوجب أن يكون تأميره اسامة بن زيد وتأكيده أمره في حال المرض - مع أن ولايته تشتمل على الصلاة وغيرها - موجبا للامامة، لانه لا خلاف في أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقول إلى أن فاضت نفسه الكريمة صلوات الله عليه وآله: " نفذوا جيش اسامة " ويكرر ذلك ويردده. فان قيل لم تدل الصلاة على الامامة من الوجهين اللذين أفسدتموهما، لكن

[168]

من حيث كان النبي (صلى الله عليه وآله) مؤتما بأبي بكر في الصلاة، ومصليا خلفه، قلنا قد مضى ما يبطل هذا الظن، فكيف يجعل ما هو مستحيل في نفسه حجة، على أن الرسول (صلى الله عليه وآله) عند مخالفينا قد صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، ولم يكن ذلك موجبا له الامامة، وخبر صلاة عبد الرحمن بن عوف أثبت عندهم، وأظهر فيهم من صلاته خلف أبي بكر، لان الاكثر منهم يعترف بعز له عن الصلاة عند خروجه (صلى الله عليه وآله)، وقد بينا أن المرض لا تأثير له، فليس لهم أن يفرقوا بين صلاته خلف عبد الرحمن وبينها خلف أبي بكر للمرض انتهى (1). أقول: ما ذكره السيد رضي الله تعالى عنه من عزله عن الصلاة فقد عرفت اشتمال رواياتهم عليه، إذ في بعض روايات عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا، وظهر من رواياتها الاخرى التي رواها مسلم والبخاري أن أبا بكر كان يسمع الناس التكبير، وقد عرفت اعتراف شارح المواقف بذلك وتأويله ما في الروايات الاخر، من أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر، بأن المراد: يصلون بتكبيره، ولابد لهم من هذا الجمع وإلا لتناقضت رواياتهم الصحيحة، وقد صرح بهذا التأويل بعض فقهائهم بناء على عدم جواز إمامة المأموم، ولعله لم يقل أحد بصحة الصلاة على هذا الوجه، وظاهر المقام أيضا ذلك، إذ ما بال أبي بكر يقتدى برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والناس يقتدون بأبي بكر مع حضوره (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يدل دليل على عدم جواز العدول في نية الاقتداء بامام إلى الايتمام بامام آخر، سيما الرسول (صلى الله عليه وآله) وجواز العدول من الامامة إلى الايتمام حتى يجوز اقتداء أبي بكر بصلاته (صلى الله عليه وآله) ولا يجوز اقتداء الناس. على أن علم عائشة بأن الناس كانوا يأتمون بأبى بكر، لا يخلو عن غرابة إذ يبعد أن تكون عائشة سألت الناس واحدا واحدا فأجابوا بأنا اقتدينا بأبى بكر ومجرد تأخر أفعالهم عن أفعاله على تقدير وقوعه لا يدل على إيتمامهم به وإلا لكان الناس خلف كل إمام مؤتمين بمن يرفع صوته بالتكبير، مع أن أكثر الناس


(1) الشافي 389 تلخيص الشافي ج 3 ص 31

[169]

كانوا لا يرون رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكونه جالسا فكانوا ينتظرون سماع صوت بالتكبير ونحوه، ولا يخفى أن العزل عن الصلاة ليس إلا هذا، فعلى تقدير مساعدتهم على أنه أمر أبا بكر [بالصلاة نقول: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أبا بكر] ظ أولا أو يصلي بالناس فلما وجد من نفسه خفة خرج، فعزله عنها، فظهر أنه قد جرت قصة الصلاة مجرى قصة البراءة، والحمد لله وحده. وأما ما ذكره السيد رضوان الله عليه من أنه (صلى الله عليه وآله) ولي الصلاة جماعة، فمنهم سالم مولى أبي حذيفة (1) على ما رواه البخاري وأبو داود في صحيحيهما و حكاه عنهما في جامع الاصول في صفة الامام، وذكره في المشكوة في الفصل الثالث من باب الامامة عن ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الاولون المدينة، كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وفيهم عمر وأبو سلمة بن عبد الاسد. قال في جامع الاصول وفي رواية اخرى نحوه، وفيها " وفيهم عمر وأبو - سلمة وزيد وعامر بن ربيعة " أخرجه البخاري وأبو داود، والظاهر أنه كان على وجه الاستمرار كما يدل عليه لفظة كان، وأنه كان بأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) عموما أو خصوصا وإلا لعزله، ولم يصل الاصحاب خلفه. ومنهم ابن ام مكتوم (2) على ما رواه أبو داود في صحيحه وذكره في جامع الاصول في صفة الامام وأورده في المشكوة في الفصل الثاني من الباب المذكور عن أنس قال: استخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابن ام مكتوم يؤم الناس وهو أعمى، واستدلوا بهذا الخبر علي إمامة الاعمى. وقال في مصباح الانوار: أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابن عبد المنذر في غزاة بدر أن يصلي بالناس فلم يزل يصلي بهم حتى انصرف النبي (صلى الله عليه وآله)، واستخلف عام الفتح ابن ام مكتوم الاعمى، فلم يزل يصلى بالناس في المدينة واستخلف في غزاة حنين كلثوم بن حصين أحد بني غفار، واستخلف عام خيبر أبا ذر الغفاري، وفي غزاة الحديبية ابن عرفطة، واستخلف عتاب بن أسيد على مكة ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)


(1 و 2) جامع الاصول ج 6 ص 378 مشكاة المصابيح: 100.

[170]

مقيم بالابطح، وأمره أن يصلي بمكة الظهر والعصر والعشاء الاخرة، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي بهم الفجر والمغرب، واستخلف في غزاة ذات السلاسل سعد ابن عبادة، واستخلف في طلب كرز بن جابر الفهري زيد بن حارثة، واستخلف في غزاة سعد العشيرة أبا سلم بن عبد الاسد المخزومي، واستخلف في غزاة الاكيدر ابن ام مكتوم، واستخلف في غزاة بدر الموعد عبد الله بن رواحة، فما ادعى أحد منهم الخلافة، ولا طمع في الامرة والولاية انتهى. وقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب استخلاف كلثوم بن حصين الغفاري على المدينة مرتين: مرة في عمرة القضاء، ومرة عام الفتح في خروجه إلى مكة وحنين والطائف، واستعمال عتاب بن أسيد على مكة عام الفتح حين خرج إلى حنين، وأنه أقام للناس الحج تلك السنة، وهى سنة ثمان، قال: فلم يزل عتاب أميرا على مكة حتى قبض (صلى الله عليه وآله) وأقره أبو بكر عليها إلى أن مات، واستعمال زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة (1). وأما ما ذكره السيد رضوان الله عليه من أنهم زعموا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى خلف عبد الرحمن فيدل عليه رواياتهم وكلام علمائهم: وقد روى في جامع الاصول في باب إمامة الصلاة وفي كتاب الطهارة (2) روايات عديدة حكاها عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وعن الموطأ لا فائدة في ذكرها بلفظها، وقد اعترف بها من المخالفين من ادعى صلاته (صلى الله عليه وآله) خلف أبي بكر كشارح المواقف ومن اعترف منهم بأنه (صلى الله عليه وآله) لم يصل خلف أبي بكر كقاضي القضاة. وقد ذكر ابن عبد البر صلاته (صلى الله عليه وآله) خلف عبد الرحمن بن عوف، ولم يذكر


(1) راجع تراجم هؤلاء في الاستيعاب واسد الغابة وهكذا ذكروهم في السير عند خروج رسول الله إلى المغازى. (2) جامع الاصول ج 8 ص 130 وج 6 ص 406 اسد الغابة 3 / 316 تهذيب التهذيب 6 / 245 (*).

[171]

ما ذكره في المغنى من ضيق الوقت، وكذا ليس ذلك في رواياتهم التي أشرنا إليها، ولا يذهب عليك أنه اعتذار سخيف، إذ على تقدير ضيق الوقت كان يجوز له (صلى الله عليه وآله) أن يصلي منفردا أو يقوم إلى جانب عبد الرحمن ويصلي حتى يصلي عبد الرحمن بصلاته (صلى الله عليه وآله)، والناس بصلاة عبد الرحمن كما دلت عليه كثير من رواياتهم التي اعتمدوا عليها في صلاة أبي بكر، أو يصلوا جميعا بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فصلاة عبد الرحمن أبلغ وأقوى في الدلالة على الخلافة على ما زعموه مع أنه لم يقل أحد بخلافة عبد الرحمن، ولا ادعاها هو، وحينئذ فنقول إذا صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلف عبد الرحمن على ما زعموه ولم يصل خلف أبي بكر فليس ذلك إلا إزالة لهذه الشبهة الضعيفة، وإن كان لو صلى لم يدل على استحقاقه للامامة، كما لم يدل في حق عبد الرحمن. وأما الفرق بين التقدم في الصلاة والامامة فغير منحصر فيما ذكره السيد رضي الله عنه أما على مذهب الاصحاب من اشتراط العصمة والتنصيص فواضح ; و أما على زعم المخالفين فلا طباقهم بل لاتفاق المسلمين على أن الامامة لا تكون إلا في قريش، قال صاحب المغنى: قد استدل شيوخنا على ذلك بما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الائمة من قريش. وروى عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: هذا الامر لا يصلح إلا في هذا الحي من قريش وقووا ذلك بما كان يوم السقيفة من كون ذلك سببا لصرف الانصار عما كانوا عزموا عليه، لانهم عند هذه الرواية انصرفوا عن ذلك، وتركوا الخوض فيه، وما قووا ذلك بأن أحدا لم ينكره في تلك الحال، فان أبا بكر استشهد في ذلك بالحاضرين فشهدوا حتى صار خارجا عن باب خبر الواحد إلى الاستفاضة، وقووا ذلك بان ما جرى هذا المجرى إذا ذكر في ملا من الناس وادعى عليه المعرفة فتركهم النكير يدل على صحة الخبر المذكور. ثم حكى في فصل آخر عن أبي علي أنه قال: إذا لم يوجد في قريش من يصلح للامامة يجوز أن ينصب من غيرهم، وأما على تقدير وجوده في قريش فلا

[172]

خلاف في عدم جواز العدول عنهم إلى غيرهم، ولا خلاف بين الامة في أن إمام الصلاة لا يشترط فيه أن يكون قرشيا، فالاستدلال بصلوح الرجل لامامة الصلاة على كونه صالحا للخلافة باطل باتفاق الكل. وأيضا اتفق الكل على اشتراط العدالة في الامام، وجوزت العامة أن يتقدم في الصلاة كل بر وفاجر، ومما رووه في ذلك من الاخبار ما رواه أبو داود في صحيحه ورواه في المشكوة، عن أبي هريرة قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برأ كان أو فاجرا، وإن عمل الكباير، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكباير (1). وايضا يشترط في الامام الحرية بالاتفاق بخلاف المتقدم في الصلاة فقد اختلف الاصحاب في اشتراطها، وذهب أكثر العامة إلى جواز الاقتداء بالعبد من غير كراهة، واستدل عليه في شرح الوجيز بأن عائشة كان يؤمها عبد لها يكنى أبا عمر (2) وذهب أبو حنيفة إلى أنه يكره إمامة العبد وأيضا يشترط في الامام أن يكون بالغا بالاتفاق، وجوز الشافعي الاقتداء بالصبى المميز، واستدلوا عليه بأن عمرو ابن سلمة كان يؤم قومه على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ابن سبع (3) ومنع أبو حنيفة ومالك وأحمد من الاقتداء به في الفريضة، وفى النافلة اختلفت الرواية عنهم.


(1) مشكاة المصابيح: 100. (2) أخرجه في جامع الاصول ج 6 ص 378 عن البخاري، راجع البخاري كتاب الاذان الباب 54 ج 1 ص 177 قال: باب امامة العبد والمولى وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف وولد البغى والاعرابي والغلام الذى لم يحتلم لقول النبي يؤمهم أقرءهم لكتاب الله، ثم روى في ص 178 باسناده عن أبي هريرة أن رسول الله قال: يصلون لكم فان أصابوا فلكم وان أخطأوا فلكم وعليهم. (3) رواه البخاري وابو داود والنسائي على ما في جامع الاصول ج 6 / 375 (*).

[173]

وأيضا يشترط في الامام بالاتفاق نوع من العلم فيما يتعلق بحقوق الناس والسياسات، ولم يشترط ذلك في المتقدم في الصلاة بالاتفاق، فظهر أن الامامة بمراحل عن تولي الصلاة، ومع ذلك فقدتم بما تمسك به عمر بن الخطاب يوم السقيفة من إمامة أبي بكر في الصلاة أمر بيعته، وانصرف الانصار بذلك عن دعواهم روى ابن عبد البر في الاستيعاب باسناده عن عبد الله بن مسعود قال: كان رجوع الانصار يوم سقيفة بنى ساعدة بكلام قاله عمر بن الخطاب " نشدتكم الله هل تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ؟ قالوا اللهم نعم، قال: فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقالوا كلنا لا تطيب نفسه ونستغفر الله " وقد روى هذا المعنى كثير من الثقات عندهم ونقلة آثارهم (1). فانظر أيها العاقل بعين الانصاف كيف استزلهم الشيطان، وقادهم إلى النار بكلام عمر بن الخطاب كما استهوى قوم موسى بخوار العجل، وأنساهم ما نطق به الرسول الامين (صلى الله عليه وآله) من النصوص الصريحة في أمير المؤمنين (عليه السلام) كما أغفل بنى


(1) رواه من أصحاب الصحاح النسائي عن ابن مسعود على ما في الجامع ج 9 ص 435 ولفظه: لما قبض رسول الله قالت الانصار منا أمير ومنكم امير، فأتاهم عمر فقال أنسيتم أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يصلى بالناس ؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر. ولكن قد عرفت بما لا مزيد عليه أن رسول الله لم يأمر أبا بكر بالصلاة وصحابة الرسول الذين كانوا يراجعون رسول الله ويعودونه في شكواه، اعرف بذلك، حيث كان الرسول (صلى الله عليه وآله) بمشهد منهم يوصيهم بأن ينفذوا جيش أسامة وفيهم أبو بكر وعمر و وجوه الانصار والمهاجرين، فهذا الكلام الذى نقلوه عن ابن مسعود من استدلال عمر على الانصار بصلاة أبى بكر موضوع مزور عليه فيما بعد من الزمن على عهد التابعين والمتكلمين الذين أسسوا قاعدة مذاهبهم على الادلة الصناعية، ومن أيديهم تخرجت هذه الاحاديث وما شابهها في غصون اعتقاداتهم تقليدا لسلفهم الصالح !

[174]

اسرائيل عن آيات رب العالمين، فنبذوا الحق وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وقد أورد السيد ابن طاووس رضى الله تعالى عنه في كتاب الطرائف (1) فصلا طويلا في ذلك تركناه حذرا من التكرار والاطناب، وفيما أوردناه غنية لاولى الالباب.


(1) راجع الطرائف: 60 - 63 (*).

[175]

(4) * (باب) * 1 - ج: عن أبى المفضل محمد بن عبد الله الشيباني باسناده الصحيح عن رجاله


ترى في هذا الباب شرح انعقاد السقيفة وكيفية الصفقة على يد أبي بكر بالبيعة وخلاصة الكلام في ذلك أن الخزرج اجتمعوا في سقيفتهم سقيفة بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج وعليهم رئيسهم الاعظم سعد بن عبادة بن دليم وقد جعل نقيبا عليهم في العقبة الثانية من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهكذا حضرت الاوس تبعا وفيهم نقيبهم أسيد بن حضير ولا رئيس عليهم يومئذ، إذ كان سعد بن معاذ وهو رئيسهم الاول قد استشهد في غزاة بنى قريظة. وانما اجتمعوا فيها ليرتأوا أمرهم في مستقبل الامر ويخطوا لانفسهم خطة جامعة يجمع شملهم، حيث كان يترشح من كلام النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله) أن أمته مفتونون بعده وأن أهل بيته يستضعفون ويضامون ويلقون بعده بلاء وتشريدا وتطريدا، وان قريشا ستغدر بعلى المنصوص خلافته وسترجع الامة كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض ولعلهم قد كانوا علموا بالصحيفة التى كتبها أهل العقدة على أن يمنعوا أهل بيت النبي من حقوقهم ويصرفوهم عن مستقرهم. إلى غير ذلك مما يقرع أسماعهم أن النبي قد أسر إلى بعض أزواجه حديث الملحمة

[176]

ثقة عن ثقة أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج في مرضه الذي توفى فيه إلى الصلاة متوكيا على الفضل بن العباس، وغلام له يقال له ثوبان، وهى الصلاة التي أراد التخلف عنها لثقله، ثم حمل على نفسه (صلى الله عليه وآله) وخرج، فلما صلى عاد إلى منزله، فقال لغلامه اجلس على الباب ولا تحجب أحدا من الانصار، وتجلاه الغشي، وجاءت الانصار


في الخلافة وأن ابا بكر وهكذا عمر كان يحدث احيانا أنه رآه بعض الكهنة يبشره بالزعامة والرئاسة بعد نبى يبعث بالحرم وخصوصا ما قال لهم الرسول على الخصوص " انكم سترون بعدى أثرة فاصبروا حتى تلقوني ". وبينما تخلص كلامهم في هذا الجمع إلى أن من مصلحة شؤنهم أن يختاروا لانفسهم أميرا يصدرون عن أمره ونهيه لئلا يختلف عليهم الكلمة فيتغلب عليهم المهاجرون الموتورون إذ ورد عليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح فأكثروا القالة وخالفوا الانصار قائلين أنا أسرة النبي وقومه وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الائمة من قريش، فقام حباب المنذر وقال: فمنا أمير ومنكم أمير فانا لا ننفس هذا الامر عليكم ولكنا نخاف أن يليها أقوام قتلنا آباءهم واخوتهم، فقال أبو بكر نحن الامراء وأنتم الوزراء وهذا الامر بيننا وبينكم نصفين كقد الابلمة يعنى الخوصة. وعند ذلك ارتفعت الاصوات وكثر اللغط، وتناول أبو بكر يد عمر وأبى عبيدة قائلا: بايعوا أيهما شئتم، وقال عمر لابي بكر ابسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعه ثم بايعه أبو عبيدة وسالم مولى أبى حذيفة ; وثار بشير بن سعد الانصاري رغما و حسدا على ابن عمه سعد بن عبادة ألا يتفق عليه كلمة الانصار فبايع أبا بكر بمن معه من عشيرته ثم بايعه أسيد بن حضير نقيب الاوس خوفا من أن يليها الخزرج وهم على ما هم عليه من الضغائن الكامنة في نفوسهم من عهود الجاهلية، فتمت صفقة أبى بكر وخزيت دعاية الخزرج في رئيسهم باختلاف الكلمة بينهم. فترى الانصار اجتمعوا في السقيفة سعيا في اتحاد كلمتهم ونصب أمير يجمع شملهم فعاد اجتماعهم هذا بلاء وأثرة عليهم، وتشريدا وتطريدا لاهل بيت نبيهم، ولله أمر هو بالغه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (*).

[177]

فأحدقوا بالباب، وقالوا: ائذن لنا على رسول الله فقال: هو مغشى عليه، وعنده نساؤه، فجعلوا يبكون. فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) البكاء فقال: من هولاء ؟ قالوا الانصار، فقال (صلى الله عليه وآله) من هيهنا من أهل بيتى ؟ قالوا علي والعباس، فدعاهما وخرج متوكئا عليهما، فاستند إلى جذع من أساطين مسجده وكان الجذع جريد نخلة، فاجتمع الناس وخطب وقال في كلامه: إنه لم يمت نبى قط إلا خلف تركة وقد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتى فمن ضيعهم ضيعه الله (1) أولا وإن الانصار كرشي التي آوي إليها، وإني أوصيكم بتقوى الله والاحسان إليهم، فاقبلوا من محسنهم، و تجاوزوا عن مسيئهم (2).


(1) هذه الرواية مما تواترت عن النبي الاعظم وقد اعترف به علماء المسلمين اجماعا وقد كان يقول ذلك مرارا، ومما حفظ عنه أنه (صلى الله عليه وآله) قال ذلك في أربعة مواطن: يوم عرفة على ناقته القصوى، وفى مسجد الخيف، وفى خطبة يوم الغدير، ويوم قبض على منبره، راجع في ذلك هامش الاحقاق ج 9 ص 309 - 375، وناهيك من ذلك اخراج أصحاب الصحاح مسلم ج 7 ص 122 و 123، الترمذي ج 5 ص 328 وفى ط ج 13 ص 200 الحاكم ج 3 ص 138 من مستدركه ابن حنبل في مسنده ج 3 ص 14 و 17 و 26 و 59 ج 4 ص 367 و 371 ج 5 ص 182 و 190، والدارمى في سننه ج 2 ص 431، إلى غير ذلك من المعاجم الكثيرة. (2) وروى الترمذي في صحيحه ج 5 ص 273 عن أبى سعيد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " ألا ان عيبتي التى آوى إليها أهل بيتى وان كرشى الانصار، فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم " وروى ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2 ص 42 عن ابى سعيد قال: خرج رسول الله والناس مستكفون يتخبرون عنه (يعنى في شكواه التى قبض فيها) فخرج مشتملا قد طرح طرفي ثوبه على عاتقيه عاصبا رأسه بعصابة بيضاء فقام على المنبر وثاب الناس إليه حتى امتلا المسجد قال فتشهد رسول الله حتى إذا فرغ قال: يا أيها الناس ان الانصار عيبتي ونعلي وكرشى التى آكل فيها فاحفظوني فيهم اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم =

[178]

ثم دعا أسامة بن زيد فقال سر على بركة الله والنصر والعافية حيث أمرتك بمن أمرتك عليه، وكان (عليه السلام) قد أمره على جماعة من المهاجرين والانصار فيهم أبو بكر وعمر وجماعة من المهاجرين الاولين، وأمره أن يغيروا على مؤتة واد في فلسطين فقال له اسامة: بأبي أنت وامى يا رسول الله أتأذن لى في المقام أياما حتى يشفيك الله، فاني متى خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفى قلبى منك قرحة، فقال: أنفذ يا أسامة، فان القعود عن الجهاد لا يجب في حال من الاحوال، فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الناس طعنوا في عمله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلغني أنكم طعنتم في عمل اسامة وفي عمل أبيه من قبل، وأيم الله إنه لخليق بالامارة وإن أباه كان خليقا بها، وإنه من أحب الناس إلى، فأوصيكم به خيرا فلئن قلتم في إمارته فقد قال قائلكم في إمارة أبيه. ثم دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بيته وخرج اسامة من يومه حتى عسكر على رأس فرسخ من المدينة (1) ونادى منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا يتخلف عن اسامة أحد ممن أمرته عليه فلحق الناس به، وكان أول من سارع إليه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، فنزلوا في زقاق واحد مع جملة أهل العسكر قال: وثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجعل الناس ممن لم يكن في بعث اسامة يدخلون عليه أرسالا، وسعد بن عبادة شاك (2) فكان لا يدخل أحد من الانصار على النبي (صلى الله عليه وآله) إلا انصرف إلى سعد يعوده. قال: وقبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقت الضحى من يوم الاثنين، بعد خروج اسامة إلى معسكرة بيومين، فرجع أهل العسكر والمدينة قد رجفت بأهلها، فأقبل


= وفي الباب روايات كثيرة راجع صحيح البخاري باب مناقب الانصار الرقم 11، صحيح مسلم فضائل الصحابة 176 (ج 7 ص 74) مسند ابن حنبل ج 3 ص 156، 176، 188 201 وغير ذلك. (1) يعنى الجرف، وقد مر في ص 130 - 135 مصادر هذا الحديث من كتب الجماعة. (2) من الشكوى، أي كان مريضا دنفا (*).

[179]

أبو بكر على ناقة له حتى وقف على باب المسجد فقال: أيها الناس ما لكم تموجون إن كان محمد قد مات فرب محمد (صلى الله عليه وآله) لم يمت " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب عى عقبيه فلن يضر الله شيئا " (1) ثم اجتمعت الانصار إلى سعد بن عبادة وجاؤا به إلى سقيفة بنى ساعدة


(1) آل عمران: 144، وانما قال ذلك بعد ماكان ينكر عمر موته (صلى الله عليه وآله)، وهذا أيضا متفق عليه قال الطبري في تاريخه ج 3 ص 200: توفى رسول الله وأبو بكر بالسنح وعمر حاضر، فحدثنا ابن حميد - بالاسناد - عن أبى هريرة قال: لما توفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام عمر بن الخطاب فقال: ان رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفى وان رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات. أقول: انما كان عمر ينكر وفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا التشدد والتهديد، ليكون موته (صلى الله عليه وآله وسلم) معلقا حتى يجتمع أهل العقدة، ولما جاء أبو بكر من السنح وقال هذا المقال قبل منه وسكت: روى ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2 ص 5، باسناده عن عروه بن عائشة أن النبي (صلى الله عليه وآله) مات وأبو بكر بالسنح فقام عمر فجعل يقول: " والله ما مات رسول الله - قالت: قال عمر: والله ماكان يقع في نفسي الا ذاك [أقول: لقد كان يشك في تصديق الناس له في هذه المزعمة حتى أقسم بالله] وليبعثنه الله فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن وجه النبي فقبله وقال: بأبى أنت وامى، طبت حيا وميتا و الذى نفسي بيده لا يذيقك الله الموت مرتين أبدا. ثم خرج فقال: ايها الحالف على رسلك فلم يكلم أبا بكر وجلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ثم قال: الا من كان يعبد محمدا الحديث. أفترى أنه قد كان يشك في موته (صلى الله عليه وآله وسلم) ولئن شك في يوم وفاته فمعلوم أنه لم يشك في يوم أحد قبل سنوات حين نادى المنادى: " ألا ان محمدا قد قتل " ففر مع من فرمن =

[180]

فلما سمع بذلك عمر أخبر به أبا بكر ومضيا مسرعين إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة ابن الجراح، وفى السقيفة خلق كثير من الانصار وسعد بن عبادة بينهم مريض، فتنازعوا الامر بينهم. فآل الامر إلى أن قال أبو بكر في آخر كلامه للانصار: إنما أدعوكم إلى أبى عبيدة بن الجراح أو إلى عمر، وكلاهما قد رضيت لهذا الامر، وكلاهما أراه له أهلا، فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغى لنا أن نتقدمك يا أبا بكر أنت أقدمنا إسلاما وأنت صاحب الغار وثاني اثنين، فأنت أحق بهذا الامر وأولانا به، فقالت الانصار نحذر أن يغلب على هذا الامر من ليس منا ولا منكم، فنجعل منا أميرا ومنكم أميرا، ونرضى به على أنه إن هلك اخترنا آخر من الانصار. فقال أبو بكر بعد أن مدح المهاجرين: وأنتم معاشر. الانصار ممن لا ينكر فضلهم، ولا نعمتهم العظيمة في الاسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ولرسوله، و


= أصدقائه، حتى عيرهم الله عز وجل بقوله هذا " وما محمد الا رسول قدخلت من قبله الرسل " الاية، أو لعلك ترى أن الاية نزلت وصرخت في صماخ الفارين عن زحف أحد وهو منهم، لكنه لم يلتفت بذلك حتى تلاه أبو بكر عليه يوم وفات الرسول صلى الله عليه وآله ؟ ولقد اعترف بذلك ابن أبي الحديد في شرحه ج 1 ص 129 حيث قال: ان عمر كان أجل قدرا من أن يعتقد ما ظهر منه في هذه الواقعة [يعنى نكيره موت الرسول حتى أنه كان يقول (ج 1 ص 130 نفس المصدر) وهكذا مرآت الجنان لليافعى 1 / 59 نقلا عن الترمذي في كتاب الشمائل لا أسمع رجلا يقول مات رسول الله الا ضربته بسيفي] ولكنه لما علم أن رسول الله قد مات، خاف من وقع فتنة في الامامة وتغلب أقوام عليها اما من الانصار أو غيرهم إلى آخر ما سيجئ من كلامه في محله، لكن يبقى عليه أنه كيف سكت بعد مجيئ أبى بكر ؟ أهو الذي كان منصوصا عليه بالولاية من بعد الرسول حتى يكون حضوره مانعا للفتنة في الامامة ؟ نعم قد كانوا تعاقدوا فيما بينهم عقدا وكان ينتظر مجيئ شيخهم وقدوتهم، وبعد ما جاء أبو بكر وحضر أبو عبيدة بن الجراح، انطلقوا إلى سقيفة بنى ساعدة (*).

[181]

جعل إليكم مهاجرته، وفيكم محل أزواجه، فليس أحد من الناس بعد المهاجرين الاولين بمنزلتكم، فهم الامراء وأنتم الوزراء. فقام الحباب بن المنذر الانصاري فقال: يا معشر الانصار أملكوا على أيديكم وإنما الناس في فيئكم وضلالكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، وأثنى على الانصار، ثم قال: فان أبي هولاء تأميركم عليهم، فلسنا نرضى تأميرهم علينا، ولا نقنع بدون أن يكون من أمير ومنهم أمير. فقام عمر بن الخطاب فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، ولنا بذلك على من خالفنا الحجة الظاهرة، والسلطان البين، فما ينازعنا في سلطان محمد (صلى الله عليه وآله) ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم، أو متورط في الهلاكة محب للفتنة. فقام الحباب بن المنذر ثانية فقال: يا معاشر الانصار أمسكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا الجاهل وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، وإن أبو أن يكون منا أمير ومنهم أمير، فأجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الامر عليهم، فأنتم والله أحق به منهم، فقد دان بأسيافكم قبل هذا الوقت من لم يكن يدين بغيرها، وأنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب، والله لئن رد أحد قولى لاحطمن أنفه بالسيف. قال عمر بن الخطاب: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام، فانه جرت بينى وبينه منازعة في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنهاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن مهاترته فحلفت أن لا أكلمه أبدا، ثم قال عمر لابي عبيدة: يا أبا عبيدة تكلم فقام أبو عبيدة بن الجراح وتكلم بكلام كثير ذكر فيه فضايل الانصار فكان بشير بن سعد (1) سيدا من سادات الانصار، لما رأى اجتماع الانصار على سعد


(1) قد مر في ص 111 أن بشيرا هذا كان من أصحاب الصحيفة المعهودة (*).

[182]

ابن عبادة، لتأميره، حسده وسعى في إفساد الامر عليه، وتكلم في ذلك ورضى بتأمير قريش، وحث الناس كلهم لا سيما الانصار على الرضا بما يفعله المهاجرون. فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة شيخا قريش فبايعوا أيهما شئتم فقال عمر وأبو عبيدة ما نتولى هذا الامر عليك، امدد يدك نبايعك، فقال بشير بن سعد: وأنا ثالثكما، وكان سيد الاوس (1) وسعد بن عبادة سيد الخزرج، فلما رأت الاوس صنيع بشير وما دعت إليه الخزرج من تأمير سعد أكبوا على أبى بكر بالبيعة، وتكاثروا على ذلك وتزاحموا، فجعلوا يطأون سعدا من شدة الزحمة، وهو بينهم على فراشه مريض فقال: قتلتموني، قال عمر: اقتلوا سعدا قتله الله، فوثب قيس بن سعد فأخذ بلحية عمرو قال: والله يا ابن صهاك الجبان الفرار في الحروب، الليث في الملا و الامن، لو حركت منه شعرة ما رجعت وفى وجهك واضحة (2) فقال أبو بكر مهلا يا عمر فان الرفق أبلغ وأفضل، فقال سعد يا ابن صهاك وكانت جدة عمر حبشية أما والله لو أن لى قوة على النهوض لسمعتما منى في سككها زئيرا يزعجك وأصحابك منها، ولالحقتكما بقوم كنتم فيهم أذنابا أذلاء، تابعين غير متبوعين لقد اجترأتما ! يا آل الخزرج احملوني من مكان الفتنة، فحملوه فأدخلوه منزله. فلما كان بعد ذلك بعث إليه أبو بكر أن قد بايع الناس فبايع، فقال لا والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، وأخضب منكم سنان رمحي، وأضربكم بسيفي، ما أقلت يدي، فأقاتلكم بمن تبعني من أهل بيتى وعشيرتي، ثم وايم الله لو اجتمع


(1) بل كان من الخزرج، وهذا وهم من الراوى. (2) وفى الطبري ج 3 ص 222 " فقال عمر: اقتلوه - يعنى سعدا - قتله الله ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطاك حتى تندر عضدك فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصحصت منه شعرة ما رجعت وفى فيك واضحة، فقال أبو بكر: مهلايا عمر ! الرفق ههنا أبلغ، ثم ذكر مثل ما في المتن (*).

[183]

الجن والانس علي ما بايعتكما أيها الغاصبان، حتى أعرض على ربى، وأعلم ما حسابى، فلما جاءهم كلامه قال عمر: لابد من بيعته فقال بشير بن سعد إنه قد أبي ولج، وليس بمبايع أو يقتل وليس بمقتول حتى تقتل معه الخزرج والاوس فاتركوه وليس تركه بضائر، فقبلوا قوله وتركوا سعدا، وكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يقضي بقضائهم (1) ولو وجد أعوانا لصال بهم ولقاتلهم، فلم يزل كذلك في ولاية أبي بكر حتى هلك أبو بكر، ثم ولي عمر فكان كذلك فخشى سعد غائلة عمر فخرج إلى الشام فمات بحوران في ولاية عمر، ولم يبايع أحدا وكان سبب موته أن رمي بسهم في الليل فقتله، وزعم أن الجن رموه، وقيل أيضا إن محمد بن مسلمة الانصاري تولى قتله بجعل جعلت له عليه وروى أنه تولى ذلك المغيرة بن شعبة (2). قال: وبايع جماعة من الانصار ومن حضر من غيرهم وعلي


(1) وفى الطبري 3 / 223: فكان سد لا يصلى بصلاتهم ولا يجمع معهم ويحج ولا يفيض معهم بافاضتهم، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر، وزاد في الامامة والسياسة: 17: ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، ولو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم. (2) وممن ذكر ذلك البلاذرى في انساب الاشراف 1 / 250 قال: ويقال انه امتنع من البيعة لابي بكر ثم من بعده لعمر فوجه إليه رجلا ليأخذ عليه البيعة وهو بحوران من أرض الشام فأباها فرماه فقتله، وفيه يروى هذا الشعر الذى ينتحله الجن: قتلنا سيد الخزرج * سعد بن عباده رميناه بسهمين * فلم نخط فؤاده وقال الشهيد المرعشي في الاحقاق ج 2 ص 345 قال البلاذرى في تاريخه: ان عمر ابن الخطاب أشار إلى خالد بن الوليد ومحمد بن مسلمة الانصاري بقتل سعد فرماه كل واحد بسهم فقتل، ثم أوقعوا على أوهام الناس أن الجن قتلوه، لاجل خاطر عمر، ووضعوا هذا الشعر على لسانهم: قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده * فرميناه بسهمين فلم نهط فؤاده

[184]

أبن أبي طالب (عليه السلام) مشغول بجهاز رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما فرغ من ذلك وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله) والناس يصلون عليه: من بايع أبا بكر، ومن لم يبايع جلس في المسجد، فاجتمع إليه بنو هاشم ومعه الزبير بن العوام واجتمعت بنو امية إلى عثمان ابن عفان وبنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد مجتمعين إذ أقبل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقالوا ما لنا نريكم حلقا شتى، قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعه الانصار والناس، فقام عثمان وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما فبايعوا وانصرف علي (عليه السلام) وبنو هاشم إلى منزل علي (عليه السلام) و معهم الزبير. قال: فذهب إليهم عمر في جماعة ممن بايع فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة (1) فألقوهم مجتمعين، فقالوا لهم: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، فوثب الزبير إلى سيفه فقال عمر: عليكم بالكلب فأكفونا شره، فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السيف من يده فأخذه عمر فضرب به الارض فكسره (2) وأحدقوا بمن كان


(1) في الامامة والسياسة: وسلمة بن أسلم وترى نص هذه الوقايع في ص 19 عند ذكره اباية على عن بيعة أبى بكر. (2) وفى الطبري ج 3 ص 203: وتخلف على والزبير واخترط الزبير سيفه وقال: لا أغمده حتى يبايع على، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقال عمر: خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر " وفى النهج الحديدي ج 1 ص 132 " قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبى بكر بغير مشورة وغضب على والزبير، فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح فجاء عمر في عصابة منهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش وهما من بنى عبد الاشهل فصاحت فاطمة (عليها السلام) وناشدتهم الله فأخذوا سيفى على والزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما ". وقال في ج 2 ص 5 في حديث يذكره " وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة منهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم فقال لهم: انطلقوا فبايعوا، فأبوا عليه وخرج إليهم الزبير بسيفه فقال عمر: عليكم الكلب، فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده =

[185]

هناك من بنى هاشم ومضوا بجماعتهم إلى أبي بكر فلما حضروا قالوا بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، وأيم الله لئن أبيتم ذلك لنحاكمنكم بالسيف. فلما رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل رجل فجعل يبايع حتى لم يبق ممن حضر لا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له: بابع أبا بكر فقال علي: أنا أحق بهذا الامر منه وأنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الامر من الانصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا ألستم زعمتم للانصار أنكم أولى بهذا الامر منهم لمكانكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأعطوكم المقادة، وسلموا لكم الامارة، وأنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم على الانصار، أنا أولى برسول الله حيا وميتا وأنا وصيه ووزيره ومستودع سره وعلمه، وأنا الصديق الاكبر أول من آمن به وصدقه، وأحسنكم بلاء في جهاد المشركين، وأعرفكم بالكتاب والسنة وأفقهكم في الدين وأعلمكم بعواقب الامور، وأذربكم لسانا، وأثبتكم جنانا فعلام تنازعونا هذا الامر، أنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم وأعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفته الانصار لكم، وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال عمر: أما لك بأهل بيتك أسوة ؟ فقال علي (عليه السلام) سلوهم عن ذلك فابتدر القوم الذين بايعوا من بني هاشم فقالوا: ما بيعتنا بحجة على علي (عليه السلام)، ومعاذ الله أن نقول أنا نوازيه في الهجرة وحسن الجهاد والمحل من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع طوعا أو كرها، فقال علي (عليه السلام): احلب حلبا لك شطره، اشدد له اليوم ليرد عليك غدا، إذا والله لا أقبل قولك ولا أحفل بمقامك ولا ابايع فقال أبو بكر: مهلا يا أبا الحسن ما نشدد عليك ولا نكرهك، فقام أبو عبيدة إلى علي فقال: يا ابن عمر لسنا ندفع قرابتك ولا سابقتك ولا علمك ولا نصرتك ولكنك حدث السن، وكان لعلي (عليه السلام) يومئذ ثلاث وثلاثون سنة، وأبو بكر شيخ من مشايخ قومك، وهو أحمل لثقل هذا الامر، وقد مضى الامر بما فيه، فسلم


= فضرب به الجدار... ثم ساق احتجاج على بمثل ما في الصلب وسيجئ متنه بطوله عن قريب انشاء الله.

[186]

له فان عمرك الله لسلموا هذا الامر إليك، ولا يختلف عليك اثنان بعد هذا ألا و أنت به خليق، وله حقيق، ولا تبعث الفتنة قبل أو ان الفتنة قد عرفت ما في قلوب العرب وغيرهم عليك. فقال أمير المومنين (عليه السلام): يا معاشر المهاجرين والانصار الله الله لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري، ولا تخرجوا سلطان محمد من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم، وتدفعوا أهله عن حقه ومقامه في الناس، يا معاشر الجمع إن الله قضى وحكم ونبيه أعلم وأنتم تعلمون أنا أهل البيت أحق بهذا الامر منكم، أما كان منا القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله، المضطلع بأمر الرعية، والله إنه لفينا لا فيكم، فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا، وتفسدوا قديمكم بشر من حديثكم. فقال بشير بن سعد الانصاري الذي وطأ الامر لابي بكر، وقالت جماعة الانصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الكلام سمعته الانصار منك قبل الانضمام لابي بكر، ما اختلف فيك اثنان (1) فقال علي (عليه السلام): يا هؤلاء أكنت أدع رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسجى لا أواريه وأخرج أنازع في سلطانه ؟ والله ما خفت أحدا يسمو له وينازعنا أهل البيت فيه، ويستحل ما استحللتموه (2) ولا علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ترك


(1) إلى هنا يتفق الرواية مع ما ذكره ابن قتيبة في الامامة والسياسة وابن أبي الحديد نقلا عن الجوهرى مؤلف السقيفة. (2) رواه في الامامة والسياسة 19 وزاد بعده: وخرج على كرم الله وجهه يحمل فاكمة بنت رسول الله على دابة ليلا في مجالس الانصار تسألهم النصرة فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق الينا قبل ابى بكر ما عدلنا به، فيقول على: أفكنت أدع رسول الله في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن الا ماكان ينبغى له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم. وروى ابن ابى الحديد ج 2 ص 5 عن احمد بن عبد العزيز الجوهرى باسناده عن =

[187]

يوم غدير خم لاحد حجة ولا لقائل مقالا، فانشد الله رجلا سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فهذا على مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، أن يشهد بما سمع، قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلا بدريا بذلك وكنت ممن سمع القول من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكتمت الشهادة يومئذ فذهب بصري (1) قال: وكثر الكلام في هذا المعنى، وارتفع الصوت، وخشي عمر أن


= ابى جعفر محمد الباقر (عليه السلام) مثله بلفظه. أقول: ومن ذلك قوله (عليه السلام) في النهج (الرقم 62 من قسم الرسائل والكتب شرح ابن أبى الحديد ج 4 ص 164) أما بعد فان الله سبحانه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) نذيرا للعالمين ومهيمنا على المرسلين فلما مضى (صلى الله عليه وآله) تنازع المسلمون الامر من بعده فوالله ما كان يلقى في روعى ولا يخطر ببالى أن العرب تزعج هذا الامر من بعده عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عنى من بعده، فما راعني الا انثيال الناس على فلان يبايعونه بأمسكت بيدى حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت يدعون إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله) فخشيت ان لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما، إلى آخر كلامه الشريف. وروى المدائني عن عبد الله بن جعفر عن أبى عون قال: لما ارتدت العرب مشى عثمان إلى على (عليه السلام) فقال: يا ابن عم لا يخرج واحد إلى قتال هذا العدو وأنت لم تبايع ولم يزل به حتى مشى إلى أبى بكر فسر المسلمون بذلك وجد الناس في القتال (راجع البلاذرى 2 / 587، الشافي ص 397). (1) حديث المناشدة برواية زيد بن أرقم تراه في ذيل الاحقاق ج 6 ص 320 للعلامة المرعشي دامت بركاته أخرجه عن الفقيه ابن المغازلى باسناده عن زيد بن ارقم قال: نشد على الناس في المسجد فقال: أنشد الله رجلا سمع النبي يقول: من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فكنت أنا فيمن كتم فذهب بصرى، والظاهر من قوله " في المسجد " مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فينطبق على ما في المتن، وسيجئ في حديث سليم مثل ذلك. وأما قوله: " فشهد اثنا عشر رجلا بدريا " الخ أظنه خلطا من الراوى بين المناشدة =

[188]

يصغى إلى قول علي (عليه السلام) ففسخ المجلس، وقال: إن الله تعالى يقلب القلوب و الابصار، ولا يزال يا أبا الحسن ترغب عن قول الجماعة، فانصرفوا يومهم ذلك (1). بيان: قال في القاموس: الكرش بالكسر ككتف لكل مجتر بمنزلة المعدة للانسان مؤنثة وعيال الرجل وصغار ولده، والجماعة، وفي النهاية فيه " الانصار كرشى وعيبتي " أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته، والذين يعتمد عليهم في اموره، واستعار الكرش والعيبة لذلك، لان المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته، وقيل أراد بالكرش الجماعة أي جماعتي وصحابتي، يقال عليه كرش من الناس أي جماعة انتهى، وفي القاموس الرسل محركة القطيع من كل شئ والجمع أرسال، وقال أدلى بحجته أظهرها، وتجانف تمايل، وفي النهاية ما تجانفنا لاثم أي لم نمل فيه لارتكاب الاثم انتهى والتورط الدخول في المهالك وما تعسر النجاة منه. وقال في النهاية في حديث السقيفة أنا جذيلها المحكك، هو تصغير جذل، و هو العود الذي ينصب للابل الجربى لتحتك به، وهو تصغير تعظيم أي أنا ممن يستشفى برأيه كما تستشفى الابل الجربى بالاحتكاك بهذا العود، وقال في المحكك بعد ذكر هذا المعنى والعود المحكك هو الذي كثر الاحتكاك به، وقيل أراد أنه شديد البأس صلب الكسر كالجذل المحكك، وقيل معناه أنا دون الانصار جذل حكاك فبي تقرن الصعبة وقال الرجبة هو أن تعمد النخلة الكريمة ببناء من حجارة أو خشب


= في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمناشدة في الرحبة، فان شهادة اثنى عشر وكتمان بعض آخرين كانس وزيد بن أرقم هذا كان في مناشدة الرحبة. وكيف كان فقد وقعت المناشدة بحديث الغدير مرات، يوم الشورى، أيام عثمان، يوم الرحبة، يوم الجمل وغير ذلك، ترى تفضيلها في كتاب الغدير للعلامة الاميني قدس الله سره ج 1 ص 159 - 196، احقاق الحق بذيل العلامة المرعشي - دام ظله ج 6 ص 318 - 340. (1) الاحتجاج لابي طالب الطبرسي: 43 - 47 (*).

[189]

إذا خيف عليها لطولها أو كثرة حملها أن تقع ورجبتها فهى مرجبة، والعذيق تصغير العذق بالفتح وهو تصغير تعظيم، وقد يكون ترجيبها بأن يجعل حولها شوك لئلا يرقي إليها، ومن الترجيب أن تعمد بخشبة ذات شعبتين، وقيل أراد بالترجيب التعظيم يقال رجب فلان مولاه أي عظمه انتهى. أقول: فعلى الاول التشبيه بالعذيق المخصوص إما لرفعته وكثرة حمله لما ينفع الناس من الاراء المتينة بزعمه، أو لانه يحتاج إلى من يعينه لينتفع به، ويقال حطمه أي ضرب أنفه، وهاتره: سابه بالباطل، والواضحة الاسنان تبد و عند الضحك، ويقال زأر الاسد زئيرا إذا صاح وغضب، وحوران بالفتح موضع بالشام، وفي القاموس أعطاه مقادته انقاد له، والذرابة حدة اللسان، وباء إليه رجع وبذنبه بوءا احتمله واعترف به، وفلان مضطلع على الامر أي قوي عليه. 2 - ج: عن أبان بن تغلب قال: قلت لابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: نعم كان الذي أنكر على أبى بكر اثنى عشر رجلا من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص وكان من بني امية، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الاسود، وعمار بن ياسر، وبريدة الاسلمي ; ومن الانصار أبو الهيثم بن التيهان، وسهل وعثمان ابنا حنيف، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وابى بن كعب، وأبو أيوب الانصاري. قال: فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم فقال بعضهم لبعض: والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال الاخرون منهم: والله لئن فعلتم ذلك إذا لاعنتم على أنفسكم، وقد قال الله عزوجل: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (1) فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) لنستشيره ونستطلع رأيه، فانطلق


(1) البقرة: 195 وتمام الاية. " وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا ان الله يحب المحسنين " وظاهر الاية في الانفاق صدرا وذيلا فيجب أن = (*)

[190]

القوم إلى أمير المؤمنين بأجمعهم فقالوا يا أمير المؤمنين تركت حقا أنت أحق به وأولى منه، لانا سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " علي مع الحق والحق مع علي يميل


= يكون وسطها أيضا كذلك، والا لاختل السياق، والمعنى أنه يجب عليكم أن تنفقوا في سبيل الله بكل معانيه من الانفاق في أمر الجهاد وتجهيز الجيوش واعداد القوة والرباط والانفاق على فقراء المسلمين ليتقووا ويرتفعوا عن حضيض المذلة وأن تنفقوا عليهم حتى يحجوا ويجاهدوا في الله حق جهاده إلى غير ذلك من مصاديق الانفاق في سبيل الله. ولكن لا تلقوا أيديكم وقدرتكم من الاموال والبنين إلى الهلكة والخسارة بأن تنفقوا كل ما في مقدرتكم فتبقون بلا مال ولا مقدرة فتصيرون هلكى أذلاء فقراء لا تقدرون بعد ذلك على شئ من الخير، بل اللازم عليكم في ذلك، الاحسان في الانفاق بأن تتقدروا مقدرتكم وأموالكم فتنفقوا ما يناسبها وليس هو الا الامر الوسط بين المنزلتين كما قال عزوجل في سورة الفرقان: 67 مادحا لهذه الطريقة الحسنى: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ". فوزان الاية من حيث التقدير في الانفاق وزان قوله عزمن قائل: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " أسرى: 29 وأما من حيث اللفظ فكقوله عزوجل ؟ " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء: تلقون إليهم بالمودة " الاية الاولى من الممتحنة، فتكون الباء زائدة والتقدير لا تلقوأ أيديكم إلى الهلكة، فالمراد بالايدي بقرينة الانفاق المقدم في صدر الاية والاحسان المؤخر في ذيلها المقدرة المالية. وان أبيت الا أن تجعل الباء سببية ومفعول " تلقوا " محذوف (لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة) لم تخرج الاية عن مورد الانفاق قطعا الا أنه ينطق على الذى ذكرناه بوجه آخر ويكون تقدير الكلام هكذا: أنفقوا في سبيل الله بين الاسراف والتقتير ولا تلقوا أنفسكم متعمدا وبأيدى أنفسكم إلى الهلكة والخسارة التى لا يتدارك فان ذلك خلاف الاحسان فأحسنوا في الانفاق في سيبل الله باتخاذ منزلة بين المنزلتين: الاسراف والتقتير والبسط والقبض،

[191]

مع الحق كيف مال " ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجئناك نستشيرك ونستطلع رأيك فيما تأمرنا، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): وأيم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حربا، ولكنكم كالملح في الزاد، وكالكحل في العين، وأيم الله لو فعلتم ذلك لاتيتموني شاهرين أسيافكم مستعدين للحرب والقتال إذا لاتوني فقالوا لي بايع، وإلا قتلناك، فلابد من أن أدفع القوم عن نفسي، و ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو عز إلى قبل وفاته قال لي: يا أبا الحسن إن الامة ستغدر بك بعدي، وتنقض فيك عهدي، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى، وإن الامة من بعدي بمنزلة هارون ومن اتبعه والسامري ومن اتبعه، فقلت يا رسول الله فما تعهد إلى إذا كان ذلك ؟ فقال: إن وجدت أعوانا فبادر إليهم وجاهدوهم إن لم تجد أعوانا كف يدك واحقن دمك حتى تلحق بى مظلوما. ولما توفى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اشتغلت بغلسه وتكفينه والفراغ من شأنه ثم آليت يمينا أن لا أرتدى إلا للصلاة حتى أجمع القرآن ففعلت، ثمأخذت بيد فاطمة وابني الحسن والحسين فدرت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم حقى ودعوتهم إلى نصرتي فما أجابني منهم إلا أربعة رهط منهم سلمان وعمار والمقداد وأبو ذر (1) ولقد راودت في ذلك تقييد بينتي، فاتقوا الله على السكوت لما علمتم


= فان الله يحب المحسنين ولا يحب الهالكين لانفسهم المخاطرين بها. وكيف كان، ليس المراد بالتهلكة الانتحار أو القاء بنفسه في صفوف الاعداء عازما على القتل، بل التهلكة والهلاكة انما يصدق في مورد يكون الانسان حيا لكنه صار كلاحى كالتاجر يفلس فيصير هالكا والانسان يرتكب أمرا عظيما يؤل أمره إلى الهلاك شرعا في الاخرة أو حكما عرفيا في الدنيا كما نص معاجم اللغة أن التهلكة هي كل ما عاقبته الهلاك. (1) قال ابن أبى الحديد في شرح النهج ج 1 ص 131: ومن كتاب معوية المشهور إلى على (عليه السلام): وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ويداك في يدى ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر الصديق فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق =

[192]

من وغر صدور القوم، وبغضهم لله ولرسوله ولاهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله)، فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل فعرفوه ما سمعتم من قول رسولكم (صلى الله عليه وآله) ليكون ذلك أو كد للحجة، وأبلغ للعذر، وأبعد لهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا وردوا عليه. فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان يوم الجمعة، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للانصار تقدموا فتكلموا، وقال الانصار للمهاجرين بل تكلموا أنتم ! فان الله عزوجل أدناكم في كتابه إذ قال الله " لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والانصار " قال أبان: فقلت له: يا ابن رسول الله إن العامة لا تقرأ كما عندك، فقال: وكيف تقرء يا أبان ؟ قال: قلت: إنها تقرء " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار " (1) فقال: ويلهم وأي ذنب كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى تاب الله عليه منه، إنما تاب الله به على امته. فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص ثم باقى المهاجرين ثم من بعدهم الانصار، وروى أنهم كانوا غيبا عن وفات رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقدموا وقد تولى أبو بكر وهم يومئذ أعلام مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقام خالد بن سعيد بن العاص (2) وقال:


= الادعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرءتك وأدليت إليهم بابنيك واستنصرتهم على صاحب رسول الله فلم يحبك منهم لا أربعة أو خمسة إلى آخر ما سيأتي في محله. (1) براءة: 117. (2) قال ابن الاثير في أسد الغابة: خالد بن سعيد بن العاص بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى القرشى الاموى يكنى أبا سعيد، كان من السابقين إلى الاسلام ثالثا أو رابعا بعثه رسول الله عاملا على صدقات اليمن وقيل على صدقات مذحج وعلى صنعاء فتوفى النبي وهو عليها ولم يزل خالد وأخواه عمرو وأبان على أعمالهم التى استعملهم عليها رسول الله حتى توفى رسول الله فرجعوا عن أعمالهم فقال لهم أبو بكر: ما لم رجعتم ؟ ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله ارجعوا إلى أعمالكم، فقالوا: نحن بنو أبى احيحة لا نعمل لاحد بعد رسول الله أبدا. كان خالد على اليمن وأبان على البحرين وعمرو على تيماء =

[193]

اتق الله يا أبا بكر فقد علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال - ونحن محتوشوه يوم قريظة حين فتح الله له وقد قتل على يومئذ عدة من صنا ديد رجالهم، وأولى البأس والنجدة منهم: يا معاشر المهاجرين والانصار إنى موصيكم بوصية فاحفظوها ومودعكم أمرا فاحفظوه، ألا إن علي بن أبى طالب (عليه السلام) أميركم بعدي، وخليفتي فيكم، بذلك أو صاني ربي ألا وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه، اختلفتم في أحكامكم، واضطرب علكيم أمر دينكم، ووليكم شراركم ألا إن أهل بيتى هم الوارثون لامرى، والعالمون بأمر أمتي من بعدي اللهم من أطاعهم من أمتى وحفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي، واجعل لهم نصيبا من مرافقتي، يدركون به نور الاخرة، اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماء والارض. فقال له عمر بن الخطاب: اسكت يا خالد ! فلست من أهل المشهورة، ولا ممن يقتدى برأيه، فقال خالد: اسكت يا ابن الخطاب فانك تنطق عن لسان غيرك، وأيم الله لقد علمت قريش أنك من ألامها حسبا وأدناها منصبا وأخسها قدرا و أخملها ذكرا وأفلهم غناء عن الله ورسوله، وإنك لجبان في الحروب، بخيل بالمال لئيم العنصر، مالك في قريش من فخر، ولا في الحروب من ذكر، وإنك في هذا الامر بمنزلة الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاؤ الظالمين، فأبلس عمر، وجلس خالد بن سعيد. 2 - ثم قام سلمان الفارسي (1) وقال: كرديد ونكرديد [وندانيد چه


= وخيبر قرى عربية وتأخر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبى بكر فقال لنبى هاشم: انكم لطوال الشجر طيبوا الثمر ونحن لكم تبع، فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد وأبان وسيجئ تمام الكلام فيه. (1) روى ابن أبى الحديد في شرح النهج ج 2 ص 17 عن أبى بكر أحمد بن عبد - العزيز الجوهرى باسناده عن المغيرة أن سلمان والزبير وبعض الانصار كان هواهم أن يبايعوا =

[194]

كرديد] أي فعلتم ولم تفعلوا [وما علمتم ما فعلتم] وامتنع من البيعة قبل ذلك حتى وجئ عنقه، فقال: يا أبا بكر إلى من تسند أمرك، إذا نزل بك ما لا تعرفه


= عليا بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما بويع أبو بكر قال سلمان للصحابة: أصبتم الخير ولكن أخطأتم المعدن قال: وفى رواية أخرى: أصبتم ذا السن منكم ولكنكم أخطأتم أهل بيت نبيكم، أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان ولا كلتموها رغدا. قال ابن ابى الحديد: قلت: هذا الخبر هو الذى روته المتكلمون في باب الامامة عن سلمان أنه قال: " كرديد ونكرديد " تفسره الشيعة فتقول: أراد أسلمتم وما اسلمتم، ويفسره أصحابنا فيقولون: معناه أخطأتم وأصبتم. وقال السيد المرتضى في الشافي: 401: فان قيل: المروى عن سلمان أنه قال كرديد ونكرديد وليس بمقطوع به قلنا: ان كان خبر السقيفة وشرح ما جرى فيها من الاقوال مقطوعا به، فقول سلمان مقطوع به، لان كل من روى السقيفة رواه وليس هذا مما يختص الشيعة بنقله فيتهم فيه... وليس لهم أن يقولوا كيف خاطبهم بالفارسية وهم عرب، وذلك أن سلمان وان تكلم بالفارسية فقد فسره بقوله أصبتم وأخطأتم: أصبتم سنة الاولين وأخطأتم اهل بيت نبيكم إلى آخر ما سيجئ في آخر هذا الباب (تتميم) نقلا عن تلخيص الشافي. أقول: ولفظ سلمان على ما في أنساب الاشراف 1 / 591 العثمانية ص 172 و 179 و 187 و 237 " كرداذ وناكرداذ " فالظاهر من قوله " كرداذ وناكرداذ " ان صنيعهم هذا صنيع و ليس بصنيع (قال في البرهان: كرداد - وزان بغداد بالفتح: البناء والاساس وقال: كردار بكر الاول القاعدة والسيرة: آئين - روش) فنفى الفعل ثانيا بعد اثباته الا يفيد أن ما صنعوه لم يكن على وفق الحق ومقتضاه حيث ان الناس وان كان لابد لهم من أمير يطاوعون له: يصدرون عن نهيه ويردون بأمره، لكن الذى يجب أن يطاوع ويبايع ليس هو أبو بكر الذى لا يمكنه أن يتخطا خطا النبي ص ويحذو حذوه، ولا له عصمة كعصمة النبي فلا يؤثر في اشعارهم وأبشارهم ولا... والف ولا. واما الاعتراض بأنه كيف خاطبهم بالفارسية أولا ثم خاطبهم بالعربية - وقد أكثر في =

[195]

وإلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلمه، وما عذرك في تقدم من هو أعلم منك و أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): وأعلم بتأويل كتاب الله عزوجل، وسنة نبيه، ومن قدمه النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته، وأوصاكم به عند وفاته، فنبذتم قوله، وتناسيتم وصيته، واخلفتم الوعد، ونقضتم العهد، وحللتم العقد الذي كان عقده عليكم من النفوذ تحت راية اسامة بن زيد، حذرا من مثل ما أتيتموه، وتنبيها للامة على عظيم ما اجترحتموه من مخالفة أمره، فعن قليل يصفو لك الامر وقد أثقلك الوزر ونقلت إلى قبرك، وحملت معك ما اكتسبت يداك، فلو راجعت الحق من قرب و تلافيت نفسك، وتبت إلى الله من عظيم ما اجترمت، كان ذلك أقرب إلى نجاتك يوم تفرد في حفرتك ويسلمك ذوو نصرتك، فقد سمعت كما سمعنا، ورأيت كما رأينا، فلم يردعك ذلك عما أنت متشبث به من هذا الامر الذي لا عذر لك في تقلده ولا حظ للدين والمسلمين في قيامك به، فالله الله في نفسك، فقد أعذر من أنذر، و لا تكن كمن أدبر واستكبر. 3 - ثم قام أبو ذر فقال: يا معاشر قريش أصبتم قباحة وتركتم قرابة، والله لترتدن جماعة من العرب (1) ولتشكن في هذا الدين، ولو جعلتم الامر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان، والله لقد صارت لمن غلب ولتطمحن


= ذلك الجاحظ في العثمانية ص 186 فعندي أن ذلك معهود من طبيعة الانسان إذا كان في نفسه نفثة لا يمكنه أن يصدرها كما هي، أخرجها مهمهما كخواطر النفوس وإذا كان عارفا بلسانين كسلمان الفارسى أصدر النفثة بلسان غير لسان المخاطبين ثم مضى في كلامه بلسانهم، فروى تلك الكلمة من سمعها من سلمان وترجمها من كان يعرف اللغة الفارسية بعد ذلك. (1) وقد صدق التاريخ كلام ابى ذر هذا حيث ارتد العرب بعد ما سمعت من أن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ابتزوا سلطانه من مقره، فطمعوا أن يكون لهم أيضا في ذلك نصيب، فطغوا على الخليفة أبى بكر واشتهرت طغيانهم هذا بعنوان الردة، نعم كانت ردة ولكن على من ؟ على الله ورسوله ؟ أو على الخليفة من بعده، سيجئ تمام الكلام في أبواب المطاعن عند خلاف بنى تميم وقتل مالك بن نويرة انشاء الله تعالى.

[196]

إليها عين من ليس من أهلها، وليسفكن في طلبها دماء كثيرة، فكان كما قال أبو ذر. ثم قال لقد علمتم وعلم خياركم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: الامر بعدي لعلي ثم لابني الحسن والحسين، ثم للطاهرين من ذريتي، فأطر حتم قول نبيكم وتناسيتم ما عهد به إليكم، فأطعتم الدنيا الفانية، وبعتم الاخرة الباقية التي لا يهرم شبابها، ولا يزول نعيمها، ولا يحزن أهلها، ولا تموت سكانها، بالحقير التافة الفاني الزائل، وكذلك الامم من قبلكم كفرت بعد أنبيائها، ونكصت على أعقابها، وغيرت وبدلت، واختلفت، فساويتموهم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، وعما قليل تذوقون وبال أمركم، وتجزون بما قدمت أيديكم، وما الله بظلام للعبيد. 4 - ثم قام المقداد بن الاسود وقال: ارجع يا أبا بكر عن ظلمك، وتب إلى ربك، والزم بيتك، وابك على خطيئتك، وسلم الامر لصاحبه الذي هو أولى به منك، فقد علمت ما عقده رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عنقك من بيعته، وألزمك من النفوذ تحت راية اسامة بن زيد وهو مولاه، ونبه على بطلان وجوب هذا الامر لك ولمن عضدك عليه بضمه لكما إلى علم النفاق ومعدن الشنآن والشقاق عمرو بن العاص الذي أنزل الله تعالى فيه على نبيه (صلى الله عليه وآله) " إن شانئك هو الابتر " - فلا اختلاف بين أهل العلم أنها نزلت في عمرو - وهو كما أميرا عليكما وعلى سائر المنافقين في الوقت الذي أنفذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزاة ذات السلاسل (1) وأن عمرا قلدكما حرس عسكره فمن الحرس إلى الخلافة ؟ اتق الله وبادر الاستقاله قبل فوتها، فان


(1) البلاذرى 1 / 380 وفى السير أن رسول الله بعث عمرو بن العاصى أولا ثم بعث ابا عبيدة مددا له وفيهم أبو بكر وعمر فاجتمعوا تحت قيادة عمرو، راجع سيرة ابن هشام ج 2 ص 632، اسد الغابة ج 4 ص 116 بترجمة ابن العاصى منتخب كنز العمال ج 4 ص 178، تاريخ الطبري ج 3 ص 32، ولعمرو بن العاصى ترجمة ضافية من شتى نواحى البحث تراها في كتاب الغدير ج 2 ص 120 - 176 (*).

[197]

ذلك اسم لك في حياتك وبعد وفاتك، ولا تركن إلى دنياك، ولا تغررك قريش وغيرها، فعن قليل تضمحل عنك دنياك، ثم تصير إلى ربك فيجزيك بعملك وقد علمت و تيقنت أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) صاحب هذا الامر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسلمه إليه بما جعله الله له، فانه أتم لسترك وأخف لوزرك فقد والله نصحت لك إن قبلت نصحي، وإلى الله ترجع الامور. 5 - ثم قام بريدة الاسلمي (1) فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا لقي


(1) بريدة بن الحصيب الاسلمي أبو ساسان وأبو عبد الله كان ذا بيت كبير في قومه مر به رسول الله مهاجرا فأسلم هو ومن معه وكانوا ثمانين بيتا فصلوا خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العشاء الاخرة ثم قدم عليه ص بعد غزوة أحد وشهد معه المشاهد كلها وولاه رسول الله صدقات قومه، روى أنه لما سمع بفوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان في قبيلته، أخذ رايته فنصبها على باب بيت أمير المؤمنين فقال له عمر: الناس اتفقوا على بيعة أبى بكر، مالك تخالفهم ؟ فقال: لا أبايع غير صاحب هذا البيت. واما حديث التسليم على على بامرة المؤمنين فقد أخرجه العلامة المرعشي دام ظله في ذيل الاحقاق عن معاجم كثيرة من كتب أهل السنة راجع ج 4 ص 275 وما بعده. وأما حديث خلافه فقد روى علم الهدى في الشافي 398 عن الثقفى باسناده عن سفيان بن فروة عن أبيه قال: جاء بريدة حتى ركز رايته في وسط أسلم ثم قال: لا أبايع حتى يباع على بن أبيطالب، فقال على: يا بريدة ادخل فيما دخل فيه الناس، فان اجتماعهم أحب إلى من اختلافهم اليوم. وباسناده عن موسى بن عبد الله بن الحسن قال: أبت أسلم أن تبايع، فقالوا: ماكنا نبايع حتى يبايع بريدة لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لبريدة " على وليكم من بعدى " قال: فقال على: ان هؤلاء خيرونى أن يظلموني حقى وأبايعهم، وارتد الناس حتى بلغت الردة أحدا فاخترت أن أظلم حقى وان فعلوا ما فعلوا. أقول: وحديث بريدة " يا بريدة لا تبغض عليا [لا تقع في على] ان عليا منى وانا منه و هو ولى كل مؤمن بعدى " من المتواترات وقد أخرجه أصحاب الصحاح راجع مسند الامام ابن حنبل ج 5 ص 356، خصائس النسائي: 33 شرح النهج الحديدي ج 2 ص 430 = (*).

[198]

الحق من الباطل يا أبا بكر أنسيت أم تناسيت أم خدعتك نفسك: سولت لك الاباطيل أو لم تذكر ما أمرنا به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تسمية على (عليه السلام) بإمرة المؤمنين، والنبي بين أظهرنا، وقوله في عدة أوقات: هذا أمير المؤمنين، وقاتل القاسطين، فاتق الله وتدارك نفسك قبل أن لا تدركها، وأنقذها مما يهلكها، واردد الامر إلى من هو أحق به منك، ولا تتماد في اغتصابه، وراجع وأنت تستطيع أن تراجع، فقد محصنتك النصح، ودللتك على طريق النجاة، فلا تكونن ظهيرا للمجرمين. 6 - ثم قام عمار بن ياسر فقال: يا معاشر قريش يا معاشر المسلمين إن كنتم علمتم وإلا فاعلموا أن أهل بيت نبيكم أولى به وأحق بارثه، وأقوم بأمور الدين وآمن على المؤمنين، وأحفظ لملته، وأنصح لامته، فمروا صاحبكم فليرد الحق إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم، ويضعف أمركم، ويظفر عدوكم، ويظهر شتاتكم وتعظم الفتنة بكم، وتختلفون فيما بينكم، ويطمع فيكم عدوكم، فقد علمتم أن بنى هاشم أولى بهذا الامر منكم، وعلي من بينهم وليكم بعهد الله، وبرسوله، وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند سد النبي (صلى الله عليه وآله) أبوابكم التي كانت إلى المسجد فسدها كلها غير بابه (1) وإيثاره إياه بكريمته فاطمة دون


= مجمع الزوائد ج 9 ص 127 وهكذا حديث عمران بن الحصين ويقال انه اخا بريدة لامه أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده: 111 تحت الرقم 829، الترمذي في صحيحه ج 5 ص 296 تحت الرقم 3796 و 3809 وأخرجه عنه في مشكاة المصابيح 564 جامع الاصول 9 / 470، ورواه النسائي في الخصائص: 33 و 26 مستدرك الصحيحين ج 3 ص 110، إلى غير ذلك من المعاجم الحديثية راجع بسط ذلك في ذيل الاحقاق ج 5 ص 274 - 317. (1) حديث سد الابواب الا باب على (عليه السلام) قد مر في ج 39 ص 19 - 34 من بحار الانوار تاريخ مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخرج المؤلف العلامة من روايات الفريقين في ذلك ما فيه غناء وكفاية، وان شئت راجع ذيل الاحقاق ج 5 ص 540 - 586، فقد أخرجه عن الترمذي ج 13 ص 173 ط الصاوى بمصر، وهو في ط الاعتماد ج 5 ص 305 تحت الرقم 3815، وعن النسائي في الخصائص: 13 و 14، الحافظ أبى نعيم في الحلية 4 / 153 = (*)،

[199]

سائر من خطبها إليه منكم، وقوله (صلى الله عليه وآله): أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها، وأنتم جميعا مصطرخون فيما أشكل عليكم من امور دينكم إليه، وهو مستغن عن كل أحد منكم، إلى ماله من السوابق التى ليست لافضلكم عند نفسه، فما بالكم تحيدون عنه، وتغيرون على حقه، وتؤثرون الحياة الدنيا على الاخرة، بئس للظالمين بدلا أعطوه ما جعله الله له " ولا تتولوا عنه مدبرين ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ". 7 - ثم قام أبى بن كعب (1) فقال: يا أبا بكر لا تجحد حقا جعله الله لغيرك


= ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية 7 / 338، ابن حنبل في مسنده ج 4 ص 369، الحاكم في مستدركه 3 / 125 وللعلامة الاميني قدس سره في كتابه الغدير بحث ضاف ونظرة ثاقبة في حديث سد الابواب من شاءها فليراجع ج 3 ص 202 وما بعده. ومما يناسب ذكره هنا أن الترمذي ج 5 ص 278 روى باسناده عن عروة عن عائشة " أن النبي ص أمر بسد الابواب الا باب أبى بكر " ولفظ البخاري 5 / 5 " لا يبقين في المسجد باب الاسد، الا باب ابى بكر " ولم يتفطنوا أن النبي لم يأمر بسد الابواب الابابه للخلة ولا للقرابة، وانما أمير بسد الابواب لحكم شرعى اقتضى ذلك، وهو أنه لا يحل لاحد أن يستطرق جنبا مسجد الرسول ص، الا من كان طاهرا طيبا بنص آية التطهير، ولذلك قال ص: " يا على لا يحل لاحد أن يجنب في هذا المسجد غيرى وغيرك " رواه الترمذي في ج 5 / 303 تحت الرقم 3811 البيهقى في سننه 7 / 65، الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح: 564، العسقلاني في تهذيبه 9 / 387 إلى غير ذلك مما تجده في ذيل الاحقاق. وأما حديث " أنا مدينة العلم وعلى بابها " فقد مضى البحث عنه في ج 4 ص 200 - 207 من تاريخ أمير المؤمنين (عليه السلام) وان شئت راجع ذيل الاحقاق ج 5 ص 469 - 515 أخرج الحديث بألفاظه عن معاجم كثيرة منها المستدرك 3 / 126 و 127 تاريخ بغداد 2 / 377 أنساب السمعاني 1182 تاريخ الخلفاء: 66. (1) استعرض ابو الفداء في كتابه المختصر في أخبار البشر حديث السقيفة قائلا: و بادروا سقيفة بنى ساعدة فبايع عمر أبا بكر وانثال الناس يبايعونه خلا جماعة من بنى هاشم =

[200]

ولا تكن أول من عصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصيه وصفيه، وصدق عن أمره، اردد الحق إلى أهله تسلم، ولا تتماد في غيك فتندم، وبادر الانابة يخف وزرك ولا تخصص بهذا الامر الذي لم يجعله الله لك نفسك، فتلقى وبال عملك، فعن قليل تفارق ما أنت فيه، وتصير إلى ربك، فيسئلك عما جنيت " وما ربك بظلام للعبيد ". 8 - ثم قام خزيمة بن ثابت فقال: أيها الناس ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل شهادتى وحدي، ولم يرد معى غيري ؟ قالوا بلى قال: فأشهد أنى سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أهل بيتي يفرقون بين الحق والباطل وهم الائمة الذين يقتدى بهم، وقد قلت ما علمت، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. 9 - ثم قام أبو الهيثم بن التيهان فقال: وأنا أشهد على نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه أقام عليا (عليه السلام) يعنى في يوم غدير خم، فقالت الانصار ما أقامه إلا للخلافة، وقال بعضهم ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مولاه، وأكثروا الخوض في ذلك، فبعثنا رجالا منا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه عن ذلك، فقال: قولوا لهم: علي (عليه السلام) ولي المؤمنين بعدي، وأنصح الناس لامتي، وقد شهدت بما حضرني فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إن يوم الفصل كان ميقاتا. 10 - ثم قام سهل بن حنيف فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي محمد وآله ثم قال: يا معاشر قريش اشهدوا على أني أشهد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد رأيته في هذا المكان يعنى الروضة، وهو آخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يقول: أيها


= والزبير وعتبة بن أبى لهب وخالد بن سعيد بن العاصى والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسى و ابى ذر وعمار بن ياسر وبراء بن عازب، وأبى بن كعب، وأبى سفيان من بنى أمية ومالوا مع على رضى الله عنهم. وقال اليعقوبي في تاريخه 2 / 114 أنه تخلف عن بيعة أبى بكر قوم من المهاجرين الانصار ومالوا مع على. ثم ذكر هؤلاء الجماعة المنكرين لبيعته (*).

[201]

الناس هذا علي إمامكم من بعدي، ووصيي في حياتي وبعد وفاتي، وقاضي دينى، ومنجز وعدي، وأول من يصافحني على حوضى، فطوبى لمن تبعه ونصره، والويل لمن تخلف عنه وخذ له. 11 - وقام معه أخوه عثمان بن حنيف فقال: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم يقول: أهل بيتي نجوم الارض فلا تتقدموهم، وقدموهم فهم الولاة بعدى فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله وأي أهل بيتك ؟ فقال (صلى الله عليه وآله) علي والطاهرون من ولده، وقد بين (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا تكن يا أبا بكر أول كافر به ولا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون. 12 - ثم قام أبو أيوب الانصاري فقال: أتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم و ردوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في مقام بعد مقام لنبينا (عليه السلام)، ومجلس بعد مجلس يقول أهل بيتي أئمتكم بعدي، ويؤمى إلى علي (عليه السلام) ويقول هذا أمير البررة، وقاتل الكفرة، مخذول من خذ له، منصور من نصره، فتوبوا إلى الله من ظلمكم إن الله تواب رحيم، ولا تتولوا عنه مدبرين، ولا تتولوا عنه معرضين. قال الصادق (عليه السلام): فأفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحر جوابا ثم قال: " وليتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني " (1) فقال عمر بن الخطاب: انزل عنها يا لكع


(1) روى حديث اقالته هذا في الصواعق المحرقة: 30 ولفظة " أقيلوني أقيلوني لست بخيركم " الامامة والسياسة 20 ولفظه بعد ما قالت السيدة فاطمة في محاجة لها معه: " والله لا دعون الله عليك في كل صلاة أصليها ": " فخرج أبو بكر باكيا فاجتمع إليه الناس فقال لهم: يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته مسرورا بأهله وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لى في بيعتكم أقيلوني بيعتى ". ورواه في مجمع الزوائد ج 5 ص 183 نقلا عن الطبراني في الاوسط ولفظه " قام أبو بكر الصديق الغد حين بويع فخطب الناس فقال: ايها الناس انى قد أقلتكم رأيى انى لست بخيركم فبايعوا خيركم " ونقله في شرح النهج ج 1 ص 56 وقال: اختلف الرواة في هذه =

[202]

إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام ؟ والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة، قال: فنزل ثم أخذ بيده وانطلق إلى منزله وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل، وقال لهم: ما جلوسكم فقد طمع فيها والله بنو هاشم، وجاءهم سالم مولى أبى حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل فما زال يجتمع رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر بن الخطأب حتى وقفوا بمسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فقال عمر: والله يا صحابة على لئن ذهب الرجل منكم يتكلم بالذي تكلم به بالامس لنأخذن الذي فيه عيناه. فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال: يا ابن صهاك الحبشية أبأسيافكم تهددونا، أم بجمعكم تفزعونا ؟ والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم، وإنا لاكثر منكم، وإن كنا قليلين، لان حجة الله فينا، والله لو لا أني أعلم أن طاعة إمامى أولى بي لشهرت سيفى، ولجاهدتكم في الله إلى أن ابلى عذري، فقاله له أمير المؤمنين اجلس يا خالد، فقد عرف الله مقامك، وشكر لك سعيك فجلس. وقام إليه سلمان الفارسي وقال: الله أكبر الله أكبر، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلا صمتا يقول: بينا أخى وابن عمى جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه إذ يكبسه جماعة من كلاب أهل النار، يريدون قتله وقتل من معه، ولست أشك ألا وإنكم هم، فهم به عمر بن الخطاب فوثب إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الارض، ثم قال يا ابن صهاك الحبشية، لو لا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) تقدم لاريتك أينا أضعف ناصرا وأقل عددا ثم التفت إلى أصحابه فقال انصرفوا رحمكم الله، فوالله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواى موسى وهارون إذ قال له أصحاب إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هيهنا قاعدون، والله


= اللفظة فكثير من الناس رواها " أقيلوني فلست بخيركم " ومن الناس من أنكر هذه اللفظة و انما روى " وليتكم ولست بخيركم " وسيجئ تمام الكلام في ذلك في ابواب المطاعن.

[203]

لا أدخل إلا لزيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لقضية أقضيها، فانه لا يجوز لحجة أقامه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يترك الناس في حيرة (1). بيان: أو عز إليه في كذا تقدم، قوله (عليه السلام): " ولقد راودت في ذلك تقييد بينتي " كذا في أكثر النسخ، ولعل فيه تصحيفا، وعلى تقديره لعل المعنى أني كنت أعلم أن ذلك لا ينفع، ولكن أردت بذلك أن لا تضيع وتضمحل حجتي عليهم، وتكون مقيدة محفوظة مر الدهور، ليعملوا بذلك أني ما بايعت طوعا، أو لضبط حجتي عند الله تعالى، وفي بعض النسخ " ولقد راودت في ذلك نفسي " فيكون كناية عن التدبر والتأمل. قوله (عليه السلام): " لقد تاب الله بالنبي ". أقول: قد مر الكلام في هذه الاية، وروى الطبرسي تلك القراءة عن الرضا (عليه السلام) (2) والصنديد بالكسر السيد الشجاع، والنجدة الشجاعة، ويقال: " ما يغنى عنك هذا " أي ما يجدي عنك ولا ينفعك، والابلاس الانكسار والحزن يقال أبلس فلان إذا سكت غما، ويقال وجأت عنقه وجاء أي ضربته، ويقال تناساه إذا أرى من نفسه أنه نسيه، قوله حذارا تعليل للعقد، قوله: " يصفو لك الامر " لعل المعنى يظهر لك الحق صريحا من غير شبهة، قوله: " فالله " أي اتق الله، والقسم بعيد، قوله: " فقد أعذر " أي صار ذا عذر وبين عذره، وقوله: " فكان كما قال " كلام الصادق (عليه السلام)، والتافة الحقير اليسير قوله فمن الحرس إلى الخلافة " هو استفهام إنكار أي أتنتهي أو تترقى من حراسة الجند التي هي أخس الامور إلى الخلافة الكبرى، قوله: " وفرق " بالجر عطفا على العهد أو بالرفع بتقدير أي له فرق ظاهر، والاستصراخ الاستغاثة، وصدف عنه أعرض، وأفحم على بناء المفعول أسكت فلم يطق جوابا، ويقال، ما أحار جوابا أي مارد واللكع كصرد اللئيم و


(1) الاحتجاج لابي منصور الطبرسي 47 - 50. (2) مجمع البيان ج 5 ص 80، والاية في براءة: 117 (*).

[204]

الاحمق، ومن لا يتجه لمنطق ولا غيره، ويقال أبلاه عذرا أي أداه إليه فقبله. 3 - ج: عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: ثم إن عمر احتزم بازاره، وجعل يطوف بالمدينة وينادي إن أبا بكر قد بويع له، فهلموا إلى البيعة (1) فينثال الناس فيبايعون، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون فكان يقصدهم في جمع فيكبسهم و يحضرهم في المسجد فيبايعون، حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فطالبه بالخروج فأبى فدعا عمر بحطب ونار وقال: والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لاحرقنه على ما فيه، فقيل له إن فيه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وولد رسول الله وآثار رسول الله ؟ فانكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك إنما اردت التهويل (2) فراسلهم على أن ليس إلى خروجي حيلة لاني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه، وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتى ولا أضع ردائي على عاتقي حتى


(1) وروى في شرح النهج ج 1 ص 74 في حديث عن البراء بن عازب: " وإذا أنا بأبى بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالازر الصنعانية لا يمرون بأحد الا خبطوه وقدموه ومدوايده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء أو أبى " وسيأتى تمام الحديث بطوله. (2) حديث احراق البيت على فاطمة وبنيها ومن فيها من أباة البيعة رواه عامة المؤرخين وسيجئ نصوصها في أبواب المطاعن وان شئت راجع في ذلك تاريخ الطبري 3 / 202 الامامة والسياسة 19، شرح النهج الحديدي 1 / 134، تاريخ ابى الفداء ج 1 ص 156، عقد الفريد: 3 / 63، مروج الذهب ج 3 ص 77، وفى الملل والنحل للشهرستاني: 83 ط مصر نقلا عن النظام أنه قال: " ان عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين (المحسن) من بطنها وكان يصيح: احرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير على و فاطمة والحسن والحسين ".

[205]

أجمع القرآن (1). قال: وخرجت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم فوقفت على الباب ثم قالت لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم فيما بينكم، فلم تؤمرونا، ولم تروا لنا حقنا، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم ؟ ! والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء، ولكنكم قطعتم الاسباب بينكم وبين نبيكم، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والاخرة (2). 4 - ما: باسناد سيأتي في باب أحوال إبليس، عن جابر بن عبد الله الانصاري أنه قال: تمثل ابليس في أربع صور: تصور يوم قبض النبي (صلى الله عليه وآله) في صورة المغيرة ابن شعبة، فقال: أيها الناس لا تجعلوها كسروانية ولا قيصرانية وسعوها تتسع، فلا تردوها في بنى هاشم فينتظر بها الحبالى (3). بيان: أي حتى لا يخرجوها منهم بحيث إذا كان منهم حمل في بطن أمة انتظروا


(1) روى في منتخب كنز العمال ج 2 ص 162 عن محمد بن سيرين قال: لما توفى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أقسم على أن لا يرتدى برداء الا للجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل قال: أخرجه ابن أبى داود في المصاحف، وروى مثله الجوهرى في سقيفته على ما أخرجه ابن أبى الحديد في شرح النهج ج 2 ص 16. (2) الاحتجاج: 51 ومثله في الامامة والسياسة: 19 قال: وان أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند على فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار على، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب، وقال: والذى نفس عمر بيده: لتخرجن أو لا حرقنها على من فيها فقيل له: يا أبا حفص ! ان فيها فاطمة ؟ فقال: وان، فخرجوا فبايعوا الا عليا فانه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن، فوقفت فاطمة على بابها فقالت: لا عهد لى بقوم حضروا أسوء محضر منكم: تركتم رسول الله جنازة بين ايدينا، إلى آخر الحديث (2) أمالى الطوسى 111 ط قديم ج 1 ص 180 ط نجف (*).

[206]

خروجه ولم يجوزوا لغيره (1). 5 - ج: روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: لما استخرج أمير المؤمنين صلوات الله عليه من منزله، خرجت فاطمة (عليها السلام) فما بقيت هاشمية إلا خرجت معها حتى انتهت قريبا من القبر، فقالت خلوا عن ابن عمى فو الذي بعث محمدا بالحق لئن لم تخلوا عنه لانشرن شعري، ولاضعن قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رأسي، ولاصرخن إلى الله تبارك وتعالى، فما ناقة صالح بأكرم على الله مني، ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي، قال سلمان رضي الله عنه: كنت قريبا منها، فرأيت والله أساس حيطان المسجد مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) تقلعت من أسفلها، حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها نفذ، فذنوت منها فقلت يا سيدني ومولاتي إن الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة، فلا تكوني نقمة، فرجعت ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسلفها، فدخلت في خياشيمنا (2). 6 - ل: فيما ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب الذي سأل عما فيه من خصال الاوصياء قال (عليه السلام): وأما الثانية يا أخا اليهود فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني في حياته على جميع امته وأخذ على جميع من حضره منهم البيعة والسمع والطاعة لامري وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغايب ذلك، فكنت المؤدي إليهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره إذا حضرته، والامير على من حضرني منهم، إذا فارقته، لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شئ من الامر في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ولا بعد وفاته. ثم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتوجيه الجيش الذي وجهه مع اسامة بن زيد عند الذى أحدث الله به من المرض الذي توفاه فيه، فلم يدع النبي (صلى الله عليه وآله) أحدا من أفناء العرب


(1) ذكر المؤلف العلامة هذا الحديث في ج 63 / 233 من طبعتنا هذه وقال في بيانه " أي إذا كانت الخلافة مخصوصة ببنى هاشم صار الامر بحيث ينتظر الناس أن تلد الحبالى أحدا منهم فيصير خليفة ولم يعطوها غيرهم ". (2) الاحتجاج: 56 ومثله في اليعقوبي 2 / 116 (*).

[207]

ولا من الاوس والخزرج وغيرهم من ساير الناس ممن يخاف على نقضه ومنازعته ولا أحدا ممن يراني بعين البغضاء ممن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه إلا وجهه في ذلك الجيش، ولا من المهاجرين والانصار والمسلمين وغيرهم والمؤلفة قلوبهم والمنافقين، لتصفو قلوب من يبقى معى بحضرته ولئلا يقول قائل شيئا مما أكرهه ولا يدفعني دافع عن الولاية، والقيام بأمر رعيته من بعده، ثم كان آخر ما تكلم به في شئ من أمر امته أن يمضي جيش اسامة ولا يتخلف عنه أحد ممن انهض معه، وتقدم في ذلك أشد التقدم، وأو عز فيه أبلغ الايعاز، وأكد فيه أكثر التأكيد. فلم أشعر بعد أن قبض النبي (صلى الله عليه وآله) إلا برجال من بعث اسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم، وأخلوا بمواضعهم، وخالفوا أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما أنهضهم له، وأمرهم به، وتقدم إليهم من ملازمة أميرهم، والسير معه تحت لوائه حتى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه، فخلفوا أميرهم مقيما في عسكره، وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضا إلى حل عقدة عقدها الله عزوجل ورسوله لي في أعناقهم، فحلوها، وعهد عاهدوا الله ورسوله فنكثوه، وعقدوا لانفسهم عقدا ضجت به أصواتهم، واختصت به آراؤهم، من غير مناظرة لاحد منا بني عبد المطلب، أو مشاركة في رأي، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي. فعلوا ذلك وأنا برسول الله مشغول، وبتجهيزه عن ساير الاشياء مصدود، فانه كان أهمها وأحق ما بدئ به منها، فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية، وفاجع المصيبة، وفقد من لا خلف منه إلا الله تبارك وتعالى، فصبرت عليها إذ أتت بعد اختها على تقاربها، وسرعة اتصالها. ثم التفت (عليه السلام) إلى اصحابه فقال: أليس كذلك ؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين (عليه السلام) (1).


(1) الخصال: 371 - 372، وتراه في الاختصاص 170 (*).

[208]

بيان: قال الجوهرى يقال: هو من أفناء الناس إذا لم يعلم ممن هو. 7 - ل: ابن البرقي، عن أبيه، عن جده (1) عن النهيكي، عن خلف بن سالم، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب قال: كان الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة وتقدمة على على بن أبى طالب (عليه السلام) اثنى عشر رجلا من المهاجرين والانصار: كان من المهاجرين: خالد ابن سعيد بن العاص، والمقداد بن الاسود، وأبى بن كعب، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وبريدة الاسلمي، وكان من الانصار: خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الانصاري، وأبو الهيثم بن التيهان وغيرهم (2). فلما صعد المنبر تشاوروا بينهم في أمره، فقال بعضهم: هلا نأتيه فننزله عن


(1) وفى آخر رجال البرقى نفسه (63 - 66) فصل ذكر فيه أسماء المنكرين على أبى بكر وهم اثنا عشر أسماؤهم على ترتيب قيامهم أمام القوم: خالد بن سعيد بن العاص، أبو ذر الغفاري، سلمان الفارسى، المقداد بن الاسود، بريدة الاسلمي، عمار بن ياسر، قيس بن سعد بن عبادة، خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، أبو الهيثم بن التيهان، سهل بن حنيف، أبو ايوب الانصاري، ومقالاتهم يشبه ما ذكره الصدوق في هذه الرواية باختلاف يسير، الا أن في الرجال ذكر قيس بن سعد ولفظه: " ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا معشر قريش ! قد علم خياركم أن أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحق بمكانه في سبق سابقة وحسن عناء، وقد جعل الله هذا الامر لعلى بمحضر منك وسماع أذنيك، فلا ترجعوا ضلالا فتنقلبوا خاسرين ". (2) استعرض ابن أبى الحديد ذكر هؤلاء المخالفين على أبا بكر الابين عن بيعته في حديث نقله عن كتاب السقيفة لابي بكر الجوهرى رواه باسناده عن ابى سعيد الخدرى وفيه رفع قال: سمعت البراء بن عازب يقول: لم أزل لبنى هاشم محبا فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تخوفت أن يتمالا قريش على اخراج هذا الامر عن بنى هاشم فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول فكنت أتردد إلى بنى هاشم وهم عند النبي في الحجرة وأتفقد وجوه قريش فانى =

[209]

منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال آخرون: إن فعلتم ذلك أعنتم على أنفسكم، وقد قال الله عزوجل: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ولكن امضوا بنا إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام نستشيره ونستطلع أمره، فأتوا عليا (عليه السلام) فقالوا: يا أمير المؤمنين ضيعت نفسك، وتركت حقا أنت أولى به، وقد أردنا أن نأتي الرجل فننزله عن منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فان الحق حقك وأنت أولى بالامر منه، فكرهنا أن ننزله من دون مشاورتك. فقال لهم علي (عليه السلام): لو فعلتم ذلك ما كنتم إلا حربا لهم، ولا كنتم إلا كالكحل في العين أو كالملح في الزاد، وقد اتفقت عليه الامة التاركة لقول نبيها، والكاذبة


= فانى كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر وإذا قائل يقول القوم في السقيفة وإذا قائل آخر يقول قد بويع أبو بكر. فلم ألبث وإذا أنا بأبى بكر قد أقبل ومعه عمر وابو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالازر الصنعانية لا يمرون بأحد الا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبى بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبى، فانكرت عقلي وخرجت أشتد حتى انتهيت إلى بنى هاشم والباب مغلق فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا وقلت: قد بايع الناس لابي بكر، فقال العباس: تربت أيديكم إلى آخر الدهر، أما انى قد أمرتكم فعصيتموني. فمكثت أكابد ما في نفسي فلما كان بليل خرجت إلى المسجد... ثم خرجت إلى الفضاء فضاء بنى بياضة وأجد نفرا يتناجون فلما دنوت منهم سكتوا فانصرفت عنهم فعرفوني وما أعرفهم فدعوني إليهم فأتيتهم فأجد المقداد بن الاسود وعبادة بن الصامت وسلمان الفارسى وأبا ذر وحذيفة وأبا الهيثم بن التيهان وعمارا وإذا حذيفة يقول لهم والله ليكونن ما أخبرتكم به والله ما كذبت ولا كذبت، وإذا القوم يريدون أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين ثم قال: ائتو أبى بن كعب فقد علم كما علمت... إلى أن قال: وبلغ ذلك أبا بكر وعمر فأرسلا إلى أبى عبيدة والى المغيرة بن شعبة فسألاهما عن الرأى فقال المغيرة: الرأى أن تلقوا العباس فتجعلوا له ولولده في هذه الامرة نصيبا ليقطعوا بذلك ناحية على بن ابي طالب الحديث راجع ج 1 ص 74 و 132 (*).

[210]

على ربها، ولقد شاورت في ذلك أهل بيتى فأبوا إلا السكوت، لما يعلمون من وغر صدور القوم، وبغضهم لله عزوجل ولاهل بيت نبيه، وإنهم يطالبون بثأرات الجاهلية، والله لو فعلتم ذلك لشهروا سيوفهم مستعدين للحرب والقتال، كما فعلوا ذلك حتى قهروني وغلبوني على نفسي، ولببوني وقالوا لي بايع وإلا قتلناك فلم أجد حيلة إلا أن أدفع القوم عن نفسي، وذاك أني ذكرت قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) " يا علي إن القوم نقضوا أمرك، واستبدوا بها دونك، وعصوني فيك، فعليك بالصبر حتى ينزل الله الامر، وإنهم سيغدرون بك لا محالة، فلا تعجل لهم سبيلا إلى إذ لا لك وسفك دمك، فان الامة ستغدر بك بعدي، كذلك أخبرني جبرئيل (عليه السلام) من ربي تبارك وتعالى، ولكن ائتو الرجل فأخبروه بما سمعتم من نبيكم، ولا تدعوه في الشبهة من أمره، ليكون ذلك أعظم للحجة عليه، وأبلغ في عقوبته إذا أتى ربه وقد عصى نبيه، وخالف أمره. قال فانطلقوا حتى حفوا بمنبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم جمعة فقالوا للمهاجرين إن الله عزوجل بدابكم في القرآن فقال " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين: والانصار " فبكم بدأ. 1 - فكان أول من بدأ وقام خالد بن سعيد بن العاص بادلاله ببنى امية فقال يا أبا بكر اتق الله فقد علمت ما تقدم لعلي من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ألا تعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لنا ونحن محتوشوه في يوم بنى قريظة، وقد أقبل على رجال منا ذوى قدر، فقال: معاشر المهاجرين والانصار اوصيكم بوصية فاحفظوها وإني مؤد إليكم أمرا فاقبلوه، ألا إن عليا (عليه السلام) أميركم من بعدي وخليفتي فيكم، أوصاني بذلك ربي وربكم، وإنكم إن لم تحفظوا وصيتي فيه وتوؤوه وتنصروه، اختلفتم في أحكامكم، واضطرب عليكم أمر دينكم، وولي عليكم الامر شراركم، ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون أمري، القائمون بأمر أمتي، اللهم فمن حفظ فيهم وصيتي فاحشره في زمرتي، واجعل له من مرافقتي نصيبا يدرك به فوز الاخرة، اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي، فاحرمه الجنة التى عرضها السموات

[211]

والارض. فقال له عمر بن الخطاب: اسكت يا خالد فلست من أهل الشورى ولا ممن يرضى بقوله، فقال خالد بل اسكت أنت يا ابن الخطاب، فو الله إنك لتعلم أنك لتنطق بغير لسانك، وتعتصم بغير أركانك، والله إن قريشا لتعلم أنك الامها حسبا وأقلها أدبا وأخملها ذكرا وأقلها غناء عن الله عزوجل وعن رسوله، وإنك لجبان عند الحرب، بخيل في الجدب، لئيم العنصر، مالك في قريش مفخر، قال فأسكته خالد فجلس. 2 - ثم قام أبو ذر رحمة الله عليه فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أما بعد يا معاشر المهاجرين والانصار ! لقد علمتم وعلم خياركم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الامر لعلي (عليه السلام) بعدي ثم للحسن والحسين ثم في أهل بيتي، من ولد الحسين عليهم السلام، فأطرحتم قول نبيكم، وتناسيتم ما أوعز إليكم واتبعتم الدنيا، و تركتم نعيم الاخرة الباقية التى لا يهدم بنيانها، ولا يزول نعيمها، ولا يحزن أهلها ولا يموت سكانها، وكذلك الامم التى كفرت بعد أنبيائها، بدلت، وغيرت، فحاذيتموها حذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل، فعما قليل تذوقون وبال أمركم، وما الله بظلام للعبيد. 3 - ثم قام سلمان الفارسى رضى الله عنه (1) فقال: يا أبا بكر إلى من تسند أمرك إذا نزل بك القضاء، وإلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلم، وفي القوم من هو أعلم منك، وأكثر في الخير أعلاما ومناقب منك، وأقرب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قرابة


(1) قال ابن شاذان في الايضاح 457 أن ابن عمر قال لما بايع الناس أبا بكر: سمعت سلمان الفارسى يقول كرديد ونكرديد، اما والله لقد فعلتم فعلة أطمعتم فيها الطلقاء ولعناء رسول الله، قال ابن عمر: فلما سمعت سلمان يقول ذلك أبغضته وقلت: لم يقل هذا الا بغضنا منه لابي بكر، قال: فأبقاني الله حتى رأيت مروان بن الحكم يخطب على منبر رسول الله، فقلت: رحم الله أبا عبد الله، لقد قال ما قال بعلم كان عنده. وروى السيد المرتضى في الشافي 402 مثل ذلك بتغيير يسير.

[212]

وقدحة في حياته، وقد أو عز إليكم فتركتم قوله، وتناسيتم وصيته، فعما قليل يصفو لك الامر حين تزور القبور وقد أثقلت ظهرك من الاوزار، لو حملت إلى قبرك لقدمت على ما قدمت، فلو راجعت الحق وأنصفت أهله، لكان ذلك نجاة لك يوم تحتاج إلى عملك، وتفرد في حفرتك بذنوبك، وقد سمعت كما سمعنا، و رأيت كما رأينا، فلم يردعك ذلك عما أنت له فاعل، فالله الله في نفسك فقد أعذر من أنذر. 4 - ثم قام المقداد بن الاسود - ره - فقال: يا أبا بكر أربع على نفسك، وقس شبرك بفترك، والزم بيتك، وابك على خطيئتك، فان ذلك أسلم لك في حياتك و مماتك، ورد هذا الامر إلى حيث جعله الله عزوجل ورسوله (صلى الله عليه وآله)، ولا تركن إلى الدنيا ولا يغرنك من قد ترى من أوغادها، فعما قليلا تضمحل دنياك، ثم تصير إلى ربك فيجزيك بعملك، وقد علمت أن هذا الامر لعلي وهو صاحبه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد نصحتك إن قبلت نصحي. 5 - ثم قام بريدة الاسلمي فقال يا أبا بكر نسيت أم تناسيت، أم خادعتك نفسك أما تذكر إذ أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسلمنا على علي بإمرة المؤمنين، ونبينا بين أظهرنا ؟ فاتق الله ربك، وأدرك نفسك قبل أن لا تدركها، وأنقذها من هلكتها، ودع هذا الامر، وكله إلى من هو أحق به منك، ولا تماد في غيك، وارجع و أنت تستطيع الرجوع، وقد منحتك نصحي، وبذلك لك ما عندي، وإن قبلت وفقت ورشدت. 6 - ثم قام عبد الله بن مسعود فقال: يا معشر قريش قد علمتم وعلم خياركم أن أهل بيت نبيكم أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منكم، وإن كنتم إنما تدعون هذا الامر بقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتقولون ان السابقة لنا. فأهل بيت نبيكم أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منكم، وأقدم سابقة منكم، وعلي بن أبي طالب صاحب هذا الامر بعد نبيكم، فأعطوه ما جعله الله له، ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين.

[213]

7 - ثم قام عمار بن ياسر - ره - فقال: يا أبا بكر لا تجعل لنفسك حقا جعله الله عزوجل لغيرك، ولا تكن أول من عصى رسول الله وخالفه في أهل بيته، واردد الحق إلى أهله يخف ظهرك، ويقل وزرك، وتلقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو عنك راض ثم تصير إلى الرحمن فيحاسبك بعملك، ويسألك عما فعلت. 8 - ثم قام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال: يا أبا بكر ألست تعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل شهادتي وحدي، ولم يرد معي غيري ؟ قال: نعم، قال: فأشهد بالله أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أهل بيتي يفرقون بين الحق والباطل وهم الائمة الذين يقتدى بهم. 9 - ثم قام أبو الهيثم بن التيهان فقال: أنا أشهد على النبي أنه أقام عليا فقالت الانصار ما أقامه إلا للخلافة، وقال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه ولي من كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مولاه، فقال (عليه السلام): إن أهل بيتي نجوم أهل الارض فقدموهم ولا تقدموهم. 10 - ثم قام سهل بن حنيف فقال أشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال على المنبر إمامكم من بعدى على بن أبي طالب (عليه السلام) وهو أنصح الناس لامتي. 11 - ثم قام أبو أيوب الانصاري فقال: اتقوا الله في أهل بيت نبيكم، وردوا هذا الامر إليهم، فقد سمعتم كما سمعنا في مقام بعد مقام من نبي الله (صلى الله عليه وآله) أنهم أولى به منكم، ثم جلس. 12 - ثم قام زيد بن وهب (1) فتكلم وقام جماعة بعده فتكلموا بنحو هذا فأخبر الثقة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أبا بكر جلس في بيته ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث أتاه عمر بن الخطاب وطلحة والزبير وعثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح، مع كل واحد منهم عشرة رجال من عشائرهم، شاهرين للسيوف، فأخرجوه من منزله، وعلا المنبر فقال قائل منهم: والله لئن عاد منكم أحد فتكلم بمثل الذي تكلم به لنملئن أسيافنا منه،


(1) زيد بن وهب هذا كان هو الراوى وسيتكلم مؤلفنا العلامة حول ذلك (*).

[214]

فجلسوا في منازلهم ولم يتكلم أحد بعد ذلك (1). 8 - شف: فيما تذكره عن أحمد بن محمد الطبري المروف بالخليلى من رواتهم ورجالهم فيما رواه من إنكار إثني عشر نفسا على أبي بكر بصريح مقالهم عقيب ولايته على المسلمين، وما ذكره بعضهم بما عرف من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن عليا أمير المؤمنين ورواه أيضا محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ في كتاب مناقب أهل البيت عليهم السلام ويزيد بعضهم على بعض في روايته (2). اعلم أن هذا الحديث روته الشيعة متواترين ولو كانت هذه الرواية برجال الشيعة ما نقلناه، لانهم عند مخالفيهم متهمون، ولكن نذكره حيث هو من طريقهم الذي يعتمدون عليه، ودرك ذلك على من رواه وصنفه في كتاب المشار إليه، فقال أحمد بن محمد الطبري ما هذا لفظه: خبر الاثنى عشر الذين أنكروا على أبى بكر جلوسه في مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله): حدثنا أبو علي الحسن بن علي بن النحاس الكوفي العدل الاسدي قال: حدثنا أحمد بن أبي الحسين العامري قال: حدثنى عمي أبو معمر شعبة بن خيثم


(1) الخصال: 461 - 465. (2) أقول: عقد العلامة البياضى في كتابه الصراط المستقيم 2 / 79 - 84 فصلا في ذكر الشهادة ثم قال: ولا خفاء ولا تناكر بين الشيعة أن اثنى عشر رجلا من المهاجرين والانصار أنكروا على أبى بكر مجلسه، وقد أسنده الحسين بن جبر في كتابه الاعتبار في ابطال الاختيار إلى أبان بن عثمان قال: قلت لابي عبد الله: هل كان في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنكر على أبى بكر جلوسه مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قال: نعم وعد منهم: خالد بن سعيد بن العاص، وسلمان، وأبا ذر، والمقداد، و عمارا، وبريدة الاسلمي، وقيس بن سعد بن عبادة، وأبا الهيثم بن التيهان: وسهل ابن حنيف وخزيمة بن ثابت وأبى بن كعب وأبا أيوب الانصاري.. ثم ساق الحديث بمثل ما ذكره الطبرسي في الاحتجاج ملخصا.

[215]

الاسدي قال: حدثنى عثمان الاعشى (1) عن زيد بن وهب وذكر مثله إلى آخر الخبر مع تغيير يسير (2). بيان: في شف عمرو بن سعيد مكان خالد بن سعيد وهما أخوان من بني امية أسلما بمكة وهاجرا إلى الحبشة، ولعل ما في شف أظهر، لان ابن الاثير وغيره ذكروا أنه كان عند وفات النبي باليمن عاملا على صدقاته وإن أمكن أن يكون جاء في هذا الوقت. وأيضا في شف لم يذكر عبد الله بن مسعود، وعد أبي بن كعب من الانصار، وذكر في الانصار عثمان بن حنيف أيضا فعد من كل من المهاجرين والانصار ستة وفيه " وقال آخرون إنكم إن أتيتموه لتنزلوه عن منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعنتم على أنفسكم، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ولكن امضوا بنا ". وفيه: " ونعلمه أن الحق حقك، وأنك أولى بالامر منه، وكرهنا أن نركب أمرا من دون مشاورتك " وفيه " أهل بيتي وصالح المؤمنين فأبوا " وفيه: " وأيم -


(1) عنونه ابن حجر في تهذيب التهذيب قال: عثمان بن المغيرة الثقى مولاهم أبو المغيرة الكوفى، وهو عثمان الاعشى وهو عثمان بن أبى زرعة، روى عن زيد بن وهب وابى صادق الازدي واياس بن أبى رملة وسالم بن أبى الجعد. وعنه شعبة واسرائيل والثوري وشريك ومسعر وقيس بن الربيع. قال صالح بن احمد عن أبيه: عثمان ابن المغيرة، هو عثمان بن أبى زرعة وهو عثمان الاعشى وهو عثمان الثقفى، كوفى ثقة ليس أحد أروى عنه من شريك، وقال ابن أبي خيثمه عن ابن معين: عثمان ابن المغيرة ثقة، وقال أبو حاتم والنسائي وعبد الغنى بن سعيد ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، قلت: ووثقه العجلى وابن نمير. راجع تهذيب التهيب 7 / 155 - 156. (2) اليقين في امرة أمير المؤمنين: 108 - 113 (*).

[216]

الله لو فعلتم لكنتم كأنا إذ أتوفى وقد شهروا سيوفهم مستعدين للحرب والقتال حتى قهروني ". وقال الجوهرى لببت الرجل تلبيبا إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة، ثم جررته، وقال: هو يدل بفلان أي يثق به، وفي شف " فقالوا يا معاشر المهاجرين إن الله قد قدمكم فقال: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار " وقال: " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار " فكان أول من تكلم عمرو ابن سعيد بن العاص " إلى قوله: " ونحن محتوشوه يوم بنى قريظة إذ فتح الله على رسوله (صلى الله عليه وآله) وقد قتل علي (عليه السلام) عشرة من رجالهم، واولى النجدة منهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر المهاجرين " ويقال: احتوش القوم على فلان أي جعلوه وسطهم. وفي شف " وليكم شراركم " وفيه " هم الوارثون لامري القائمون بأمر أمتي من بعدي اللهم فمن أطاعني من أمتي وحفظ " وفيه " ومن أساء خلافتي فيهم " وفيه " اسكت يا عمرو " وفيه " فقال له عمرو " قوله: " تنطق بغير لسانك " أي تنطق بما ليس من شأنك التكلم به أو لاجل غيرك، والاول أظهر، وكذا الثانية وفي شف " ألامها حسبا وأدناها منصبا " قوله فاسكته في شف " قال فسكت عمرو وجعل يقرع سنه بأنامله " قوله: " لا يهدم بنيانها " في شف " لا يهرم شبابها " إلى قوله " ولا يموت ساكنها بقليل من الدنيا فان وكذلك الامم من قبلكم كفرت " قوله: قرابة وقدمة، في شف " قرابة منك قد قدمه في حياته وأو عز إليكم عند وفاته فنبذتم قوله " إلى قوله: " وحملت معك إلى قبرك ما قدمت يداك فان راجعت " قوله أربع على نفسك في شف " على ظلعك " إلى قوله: " وقد علمت أن عليا (عليه السلام) صاحب هذا الامر من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاجعله له فان ذلك أسلم لك، وأحسن لذكرك، وأعظم لاجرك، وقد نصحت لك إن قبلت نصحي، وإلى الله ترجع خير كان أو بشر " وقال الجوهرى ربع الرجل يربع إذا

[217]

وقف وتحبس، ومنه قولهم أربع على نفسك، وأربع على ظلعك أي ارفق بنفسك وكف ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق، وقال الجزري في الحديث فانه لا يربع على ظلعك من ليس يحزنه أمرك، الظلع بالكسر العرج، وقد ظلع يظلع ظلعا فهو ظالع، والمعنى لا يقيم عليك في حال ضعفك وعرجك إلا من يهتم لامرك وشأنك ويحزنه أمرك انتهى. والفتر بالكسر ما بين طرف الابهام وطرف المسبحة أي كما أن فترك لا يمكن أن يكون بقدر شبرك، فكذا مراتب الرجال تختلف بحسب القابلية، ولا يمكن للادنى الترقي إلى درجة الاعلى، والاوغاد جمع وغد، وهو الرجل الدني الذي يخدم بطعام بطنه، قوله: " وأدرك نفسك " في شف " وتدارك نفسك قبل أن لا تداركها وادفع هذا الامر إلى من هو أحق به منك " وليس فيه قول عبد الله بن مسعود، وعدم كون ابن مسعود بين هؤلاء أظهر وأوفق بسائر ما نقل في أحواله (1)


(1) روى الكشى في ص 38 أنه سئل الفضل بن شاذان عن ابن مسعود وحذيفة، فقال: لم يكن حذيفة مثل ابن مسعود، لان حذيفة كان ركنا وابن مسعود خلط ووالى القوم ومال معهم وقال بهم. أقول: كان في ابتداء أمره عثمانيا روى ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 1 ص 43 قال اخبرنا عفان بن مسلم باسناده عن أبى وائل أن ابن مسعود سار من المدينة إلى الكوفة ثمانيا حين استخلف عثمان فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مات فلم نريوما اكثر نشيجا من يومئذ وانا اجتمعنا أصحاب محمد فلم نسأل عن خبرنا ذى فوق فبايعنا أمير المؤمنين عثمان فبايعوه وترى مثله في مستدرك الصحيحين 3 / 97، مجمع الزوائد 9 / 88، تاريخ الخلفاء: 60 وكلامه هذا متواتر عنه. لكنه رجع عنه ولعنه بعد ما أحدت الاحداث، روى الفضل بن شاذان في الايضاح 57 بروايته عن العامة أن ابن مسعود قال عند وفاته: يا أصحاب رسول الله أنشدكم الله هل سمعتم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: رضيت لامتي بما رضى لها ابن ام عبد ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم =

[218]

ولنذكر بعد ذلك تتمه رواية السيد للاختلاف الكثير بين الروايتين وهو هكذا. ثم قام عمار بن ياسر فقال: معاشر قريش هل علمتم أن أهل بيت نبيكم أحق بهذا الامر منكم، فمروا صاحبكم فليرد الحق إلى أهله، قبل أن يضطرب حبلكم، وبضعف مسلككم، وتختلفوا فيما بينكم، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الامر منكم، وأقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن قلتم ان السابقة لنا فأهل بيت نبيكم أقدم منكم سابقة، وأعظم غناء من صاحبهم، وعلي بن أبي طالب صاحب هذا الامر من بعد نبيكم، فأعطوه ما جعله الله له، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين. ثم قام سهل بن حنيف الانصاري فقال: يا أبا بكر لا تجحد حقا ما جعله الله لك، ولا تكن أول من عصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أهل بيته، وأد الحق إلى أهله يخف ظهرك، ويقل وزرك، وتلقى رسول الله راضيا، ولا تختص به نفسك فعما قليل ينقضي عنك ما أنت فيه، ثم تصير إلى الملك الرحمن فيحاسبك بعملك ويسئلك عما جئت له، وما الله بظلام للعبيد. ثم قام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال: يا أبا بكر ألست تعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل شهادتي وحدي ولم يرد معي غيري ؟ قال: نعم قال: فأشهد بالله أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول علي إمامكم بعدى. قال وقام أبي بن كعب الانصاري فقال: أشهد أني سمعت رسول الله


= انى لا ارتضى عثمان لهذه الامة، وروى ابو هلال العسكري في جمهرة الامثال 47 ط بمبئى قيل لعبد الله بن مسعود وهو ينال من عثمان: يايعتم رجلا ثم أنشأتم تشتمونه ؟ فقال: والله ما ألونا ان بايعنا أعلانا ذا فوق غير أنه أهلكه شح النفس وبطانة السوء، قال: أفلا تغيرون ؟ قال: فما أبالى أجبلا راسيا زاولت أم ملكا مؤجلا حاولت، لوددت أنى وعثمان برمل عالج يحثى كل واحد على صاحبه حتى يموت الاعجل. قلت: الحديث ذو شجون وسيأتى تمام الكلام في الابواب الاتية (*).

[219]

(صلى الله عليه وآله) يقول: أهل بيتي يفرقون بين الحق والباطل وهم الائمة الذين يقتدى بهم. وقام أبو الهيثم بن التيهان فقال: وأنا أشهد على نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) أنه أقام عليا لنسلم له، فقال بعضهم: ما أقامه إلا للخلافة، وقال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مولاه، فتشاجروا في ذلك فبعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا يسأله عن ذلك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هو وليكم بعدي، وأنصح الناس لكم بعد وفاتي. وقام عثمان بن حنيف الانصاري فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أهل بيتي نجوم الارض ونور الارض، فلا تقدموهم وقدموهم فهم الولاة بعدي، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأي أهل بيتك أولى بذلك ؟ فقال: علي وولده. وقام أبو أيوب الانصاري فقال: اتقوا الله في أهل بيت نبيكم وردوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم، فقد سمعنا مثل ما سمع إخواننا في مقام بعد مقام لنبينا (صلى الله عليه وآله) ومجلس بعد مجلس يقول أهل بيتي أئمتكم بعدي. قال فجلس أبو بكر في بيته ثلاثة أيام فأتاه عمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن عمرو بن نفيل فأتاه كل منهم متسلحا في قومه حتى أخرجوه من بيته ثم أصعدوه المنبر، وقد سلوا سيوفهم، فقال قائل منهم: والله لئن عاد أحد منكم بمثل ما تكلم به رعاع منكم بالامس لنملئن سيوفنا منه، فأحجم والله القوم، وكرهوا الموت. أقول: الرعاع الاحداث الاراذل. واعلم أن الظاهر من ساير الاخبار عدم دخول الزبير في هؤلاء كما لم يدخل في رواية السيد، فانه كان في أول الامر مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ثم اعلم أن في رواية الصدوق اشتباها بينا حيث ذكر في الاجمال أبي بن كعب ولم يذكره في التفصيل وأورد في التفصيل زيد بن وهب ولم يورده في الاجمال، مع أنه هو الراوى للخبر، وذكره بهذا الوجه بعيد، ولعله وقع اشتباه من النساخ

[220]

أو من الرواة، وإن كان قوله: عند الاجمال " وغيرهم " مما يومي إلى وجه بعيد لتصحيحه فلا تغفل. 9 - فس أحمد بن ادريس، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن ميسر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: " ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس " قال: ذلك والله يوم قالت الانصار: منا أمير ومنكم أمير (1). 10 - ختص، ير: أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن ربيع بن محمد المسلى، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما أخرج بعلي (عليه السلام) ملببا، وقف عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يابن ام إن القوم استضعفوني، وكادوا يقتلونني، قال: فخرجت يد من قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعرفون أنها يده، وصوت يعرفون أنه صوته، نحو أبي بكر: يا هذا أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سويك رجلا ؟ (2). قب: عن عبد الله مثله. 11 - ير: عبد الله محمد يرفعه باسناد له إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما استخلف أبو بكر أقبل عمر على علي (عليه السلام) فقال: أما علمت أن أبا بكر قد استخلف ؟ قال علي (عليه السلام): فمن جعله كذلك ؟ قال: المسلمون رضوا بذلك، فقال على (عليه السلام) والله لاسرع ما خالفوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونقضوا عهده، ولقد سموه بغير اسمه، والله ما استخلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3) فقال عمر: كذبت فعل الله بك وفعل، فقال


(1) تفسير القمى: 504، والاية في سورة الروم: 41. (2) الاختصاص: 274 - 275، بصائر الدرجات: 275. (3) وفى الامامة والسياسة: 19 في حديث له: فأتى عمر أبا بكر فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له: اذهب فادع لى عليا، قال فذهب إلى على فقال له: ما حاجتك ؟ فقال: يدعوك خليفة رسول الله، فقال علي: لسريع ما كذبتم على رسول الله، فرجع فأبلغ الرسالة.. فقال أبو بكر: عداليه فقل له: خليفة =

[221]

علي (عليه السلام)، إن شئت أن اربك برهانا على ذلك فعلت، فقال له عمر: ما تزال تكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته وبعد موته، فقال علي (عليه السلام): انطلق بنا لنعلم أينا الكذاب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته وبعد موته، فانطلق معه حتى أتى إلى القبر فإذا كف فيها مكتوب " أكفرت يا عمر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سويك رجلا " فقال له علي (عليه السلام): أرضيت ؟ والله لقد جحدت الله في حياته وبعد وفاته (1). ختص: ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن خالد القلانسي ; ومحمد بن حماد عن الطيالسي، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله (2). 12 - شف: من أصل عتيق من رواية المخالفين باسناده قال: ثم قام بريدة الاسلمي فقال: يا أبا بكر أتناسيت أم تعاشيت ؟ أم خادعتك نفسك ؟ أما تذكر إذ أمرنا رسول الله فسلمنا على علي بامرة المؤمنين، وهو بين أظهرنا، فاتق الله، و تدارك نفسك قبل أن لا تداركها، وأنقذها من هلكتها، وادفع هذا الامر إلى من هو أحق به منك من أهله، ولا تماد في اغتصابه، وارجع وأنت تستطيع أن ترجع فقد محضت نصيحتك، وبذلك لك ما عندي ما إن فعلته وفقت ورشدت (3). [13 - شف: من أصل عتيق من رواية المخالفين باسناده (4) عن يحيى بن


= رسول الله يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به فرفع على صوته فقال: سبحان الله لقد ادعى ما ليس له.... إلى أن قال: فلحق على بقبر رسول الله يصبح ويبكى وينادى: يا ابن ام ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، إلى آخر ما سيأتي عن قريب. (1) بصائر الدرجات: 276. (2) الاختصاص: 274. (3) اليقين: 171. (4) والاسناد هكذا: حدثنا الحسن بن محمد بن الفرزدق الفزارى قال: حدثنا محمد بن أبى هارون المقرى العلاف قال: حدثنا مخول بن ابراهيم قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن الحسن الخ (*).

[222]

عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن على (عليه السلام) قال: لما خطب أبو بكر قام ابي بن كعب يوم جمعة وكان أول يوم من شهر رمضان، فقال: يا معشر المهاجرين الذين هاجروا واتبعوا مرضات الرحمن، وأثنى الله عليهم في القرآن ! ويا معشر الانصار الذين تبوؤا الدار والايمان وأثنى الله عليهم في القرآن ! تناسيتم أم نسيتم أم بدلتم أم غيرتم أم خذلتم أم عجزتم ! ألستم تعلمون أن رسول الله قام فينا مقاما أقام (صلى الله عليه وآله) لنا عليا فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه ومن كنت نبيه فهذا أميره ؟ ألستم تعلمون أن رسول الله قال: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى طاعتك واجبة على من بعدي ؟ أو لستم تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أوصيكم بأهل بيتي خيرا فقدموهم ولا تتقدموهم، وأمروهم ولا تأمروا عليهم ؟ أو لستم تعلون أن رسول الله قال: أهل بيتي الائمة من بعدي ؟ أو لستم تعلمون أن رسول الله قال: أهل بيتى منار الهدى والمدلون على الله ؟ أو لستم تعلمون أن رسول الله قال: يا علي أنت الهادى لمن ضل ؟ أو لستم تعلمون أن رسول الله قال: على المحيي لسنتي ومعلم أمتي والقائم بحجتي وخير من اخلف بعدي وسيد أهل بيتى و أحب الناس إلى، طاعته من بعدي كطاعتي على أمتي ؟ أو لستم تعلمون أن رسول الله لم يول على علي (عليه السلام) أحدا منكم وولاه في كل غيبة عليكم ؟ أو لستم تعلمون أنهما كانا منزلتهما واحدا وأمرهما واحدا ؟ أو لستم تعلمون أنه قال: إذا غبت عنكم وخلفت فيكم عليا فقد خلفت فيكم رجلا كنفسي ؟ أو لستم تعلمون أن رسول الله جمعنا قبل موته في بيت ابنته فاطمة عليها السلام فقال لنا: إن الله أوحى إلى موسى أن أتخذ أخا من أهلك، أجعله نبيا وأجعل أهله لك ولدا وأطهرهم من الافات، وأخلعهم من الذنوب، فاتخذ موسى هارون وولده وكانوا أئمة بني إسرائيل من بعده، والذين يحل لهم في مساجدهم ما يحل لموسى

[223]

ألا وإن الله تعالى أوحى إلى ان أتخذ عليا أخا، كموسى اتخذ هارون أخا، و اتخذه ولدا، فقد طهرتم كما طهرت ولد هارون، ألا وإني ختمت بك النبيين فلا نبي بعدك، فهم الائمة !] (1). أفما تفقهون ؟ أما تبصرون ؟ أما تسمعون ؟ ضربت عليكم الشبهات فكان مثلكم كمثل رجل في سفر أصابه عطش شديد حتى خشي أن يهلك، فلقي رجلا هاديا بالطريق فسأله عن الماء فقال أمامك عينان إحداهما مالحة والاخرى عذبة، فان أصبت من المالحة ضللت وهلكت، وإن أصبت من العذبة هديت ورويت، فهذا مثلكم أيتها الامة المهملة كما زعمتم. وأيم الله ما أهملتم، لقد نصب لكم علم يحل لكم الحلال، ويحرم عليكم الحرام، ولو أطعتموه ما اختلفتم، ولا تدابرتم، ولا تعللتم، ولا برئ بعضكم من بعض، فو الله إنكم بعده لمختلفون في أحكامكم، وإنكم بعده لناقضون عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنكم على عترته لمختلفون، ومتباغضون، إن سئل هذا عن غير ما علم أفتى برأيه، وإن سئل هذا عما يعلم أفتى برأيه، فقد تحاريتم وزعمتم أن الاختلاف رحمة، هيهات أبى كتاب الله ذلك عليكم، يقول الله تبارك وتعالى " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جائهم البينات أولئك لهم عذاب عظيم " (2) وأخبرنا باختلافهم فقال: " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " (3) أي للرحمة وهم آل محمد وشيعتهم، وسمعت رسول الله


(1) ما بين العلامتين ساقط من طبع الكمپانى أضفناه بقرينة المصدر وكتاب الاحتجاج 69، وهكذا فيما يأتي من ذيل الحديث، والظاهر أن نسخة المؤلف العلامة كانت غير منقحة في هذا المقام. (2) آل عمران 105. (3) هود: 118، وضمير خلقهم راجع إلى " من " في " الا من رحم ربك " و " ذلك " اشارة إلى الرحمة والعناية الربانية والمعنى أن الناس لا يزالون مختلفين، الا من رحمهم =

[224]

(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يا علي أنت وشيعتك على الفطرة والناس منها براء. فهلا قبلتم من نبيكم، كيف وهو يخبركم بانتكاصكم، وينهاكم عن خلاف وصيه وأمينه ووزيره وأخيه ووليه، أطهركم قلبا وأعلمكم علما وأقدمكم اسلاما وأعظمكم غناء عن رسول الله (صلى الله عليه واله) أعطاه تراثه (1) وأوصاه بعداته واستخلفه


= الله عزوجل وعصمهم عن الاختلاف بعلم من لدنه وورع ذاتي يحجزهم عن الخلاف، وهم الذين خلقهم للرحمة لا للعذاب فلا يزال ينظر إليهم بعين الرحمة والعناية ويعصمهم عن الخلاف والاختلاف في الدين بالالهام أو الفقر في الاسماع والنكت في الاذان، ويؤيدهم بالروح القدسي ليكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول شهيدا عليهم. وأما الحاق الشيعة بهم كما في هذا الخبر، فهو الحاق بآل محمد تبعا، إذا كانوا يصدرون عن أمر آل محمد ونهيهم ويتبعونهم حق الاتباع فانهم ذلك. (1) لما قرب وفاته ص دعا عليا (عليه السلام) فضمه إليه ثم نزع خاتمه من أصبعه وسلمها إلى على وقال: تختم بهذا في حياتي ثم سلم إليه مغفره ودرعه ورايته والبرد والقضيب و بغلته دلدل وناقبه الصهباء وغير ذلك مما كان من خصائصه وقال: يا على اقبضها في حياتي حتى لا ينازعك فيها أحد بعد وفاتي. روى ذلك الكليني في الكافي ج 1 ص 236، والصدوق في علل الشرايع 1 / 160 162 ط قم والمفيد في الارشاد: 87 - 88، وشيخ الطائفة في أماليه 2، 185 و 214 و اعترف بذلك من أهل الجماعة ابن كثير في البداية والنهاية 6 / 9 ومحب الدين الطبري في الرياض النضرة 2 / 17. ناهيك من جميع ذلك ما رواه الطبري في تاريخه ج 2 ص 321 وأخرجه الصدوق في علله 1 / 163 وابن شهر آشوب في مناقبه 2 / 25 عن ربيعة بن ناجد - واللفظ للطبري - أن رجلا قال لعلى (عليه السلام) يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك دون عمك ؟ فقال على: هاؤم ! ثلاث مرات، حتى أشرأب الناس ونشروا آذانهم ثم قال: وذكر (عليه السلام) حديث الدار في اول البعثة وفيه: ثم قال رسول الله: يا بنى عبد المطلب انى بعثت اليكم بخاصة و =

[225]

على امته، ووضع عنده رأسه، فهو وليه دونكم أجمعين، وأحق به منكم أكتعين، سيد الوصيين، وأفضل المتقين، وأطوع الامة لرب العالمين، وسلم عليه بخلافة المؤمنين في حياة سيد النبيين، وخاتم المرسلين. قد أعذر من أنذر، وأدى النصيحة من وعظ. وبصر من عمى وتعاشى و


= إلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذا الامر ما قد رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخى وصاحبى ووارثى ؟ فلم يقم إليه أحد، قال على (عليه السلام): فقمت إليه، فقال: اجلس، ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لى: اجلس ! حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدى، قال (عليه السلام): فبذلك ورثت ابن عمى دون عمى. وروى البلاذرى في أنساب الاشراف 1 / 525 قال: خاصم العباس عليا إلى أبى بكر فقال: العم أولى أو ابن العم فقال أبو بكر: العم، فقال: ما بال دروع النبي وبغلته ودلدل وسيفه عند على ؟ فقال أبو بكر: هذه سيف (سيب ظ) وجدته في يده فأنا أكره نزعه منه فتركه العباس. وروى ابو منصور الطبرسي في الاحتجاج 57 عن محمد بن عمر بن على عن أبيه عن أبى رافع قال: انى لعند أبى بكر إذ طلع على والعباس يتدافعان ويختصمان في ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال أبو بكر: يكفيكم القصير الطويل، يعنى بالقصير عليا وبالطويل العباس، فقال العباس: أنا عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووراثه وقد حال بينى وبين تركته !. فقال أبو بكر: فأين كنت يا عباس حين جمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنى عبد المطلب وأنت أحدهم فقال: أيكم يوازرني ويكون وصيى وخليفتي في اهلي ينجز عداتي ويقضى دينى فأحجمتم عنها الا على فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت كذلك ؟ فقال العباس: فما أقعدك في مجلسك هذا تقدمته وتأمرت عليه ؟ قال أبو بكر: أغدرا يا نبى عبد المطلب ؟ !. قلت: وسيجئ الكلام في ذلك مستوفى في محله انشاء الله

[226]

ردى، فقد سمعتم كما سمعنا، ورأيتم كما رأينا، وشهدتم كما شهدنا. فقام عبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، فقالوا اقعد يا أبي ! أصابك خبل أم أصابتك جنة ؟ فقال: بل الخبل فيكم، كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فألفيته يكلم رجلا وأسمع كلامه ولا أرى وجهه. [فقال فيما يخاطبه ما أنصحه لك ولامتك، وأعلمه بسنتك ؟ فقال رسول الله: أفتري أمتي تنقاد له من بعدي ؟ قال: يا محمد يتبعه من امتك أبرارها ويخالف عليه من أمتك فجارها، وكذلك أوصياء النبيين من قبلك. يا محمد ! إن موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون وكان أعلم بني إسرائيل، وأخوفهم لله وأطوعهم له، وأمره الله عزوجل أن يتخذه وصيا كما اتخذت عليا وصيا، وكما أمرت بذلك، فحسده بنو إسرائيل سبط موسى خاصة فلعنوه وشتموه وعنفوه ووضعوا منه، فان أخذت امتك سنن بني إسرائيل كذبوا وصيك وجحدوا أمره، وابتزوا خلافته وغالطوه في علمه. فقلت: يا رسول الله من هذا ؟ فقال رسول الله صلى عليه وآله: هذا ملك من ملائكة ربى عزوجل، ينبئنى أن امتي تختلف على وصيي علي بن أبي طالب وإنى اوصيك يا أبي بوصية إن حفظتها لم تزل بخير، يا ابى عليك بعلي فانه الهادي المهدى الناصح لامتي، المحيي لسنتي، وهو إمامكم بعدي، فمن رضي بذلك لقيني على ما فارقته عليه، يا ابى ومن غير أو بدل لقيني ناكثا لبيعتي عاصيا أمري جاحدا لنبوتي، لا أشفع له عند ربى، ولا أسقيه من حوضى، فقامت إليه رجال من الانصار فقالوا: اقعد - رحمك الله - يا ابى فقد أديت ما سمعت ووفيت بعهدك (1)]. بيان: الاعشى هو الذي لا يبصر بالليل يقال: تعاشى إذا أرى من نفسه أنه


(1) اليقين في امرة أمير المؤمنين 170 - 172: ومثله في الاحتجاج 69 وسيأتى في باب احتجاج سلمان وأبى بن كعب انشاء الله تعالى (*).

[227]

أعشى، والنكوص الاحجام، وأكتعون وأبتعون وأبصعون، إتباع لاجمعين لا يأتي مفردا على المشهور بين أهل اللغة. أقول: وجدت الخبر هكذا ناقصا فأوردته كما وجدته. 13 - شى: عن ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها " قال إن الارض كانت فاسدة فأصلحه الله بنبيه، فقال: " لا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها " (1). 14 - شى: عن عمرو بن أبى المقدام عن أبيه، عن جده قال: ما أتى على علي (عليه السلام) يوم قط أعظم من يومين أتياه فأما أول يوم فيوم قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأما اليوم الثاني فو الله إني لجالس في سقيفة بني ساعدة عن يمين أبي بكر والناس يبايعونه إذ قال له عمر يا هذا ليس في يديك شئ منه ما لم يبايعك علي فابعث إليه حتى يأتيك فيبايعك فانما هؤلاء رعاع، فبعث إليه قنفذا فقال له اذهب فقل لعلي أجب خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فذهب قنفذ فما لبث فما لبث أن رجع فقال لابي بكر قال لك: ما خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحدا غيرى، قال ارجع إليه فقل أجب، فان الناس قد أجمعوا على بيعتهم إياه، وهؤلاء المهاجرون والانصار يبايعونه، وقريش، وإنما أنت رجل من المسلمين، لك مالهم، وعليك ما عليهم، وذهب إليه قنفذ فما لبث أن رجع فقال: قال لك: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي وأوصاني إذا واريته في حفرته أن لا أخرج من بيتى حتى أؤلف كتاب الله فانه في جرائد النخل، وفي أكتاف الابل. قال: قال عمر قوموا بنا إليه فقام أبو بكر وعمر وعثمان وخالد بن الوليد و المغيرة بن شعبة وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وقنفذ وقمت معهم فلما انتهينا إلى الباب فرأتهم فاطمة صلوات الله عليها أغلقت الباب في وجوههم وهي لا تشك أن لا يدخل عليها إلا باذنها، فضرب عمر الباب برجله فكسره، وكان من سعف، ثم دخلوا فأخرجوا عليا (عليه السلام) ملببا فخرجت فاطمة عليها السلام فقالت: يا أبا بكر * (هامش) (1) تفسير العياشي 2 / 19 والاية في الاعراف 56 (*).

[228]

أتريد أن ترملني من زوجي ؟ والله لئن لم تكف عنه لانشرن شعري، ولاشقن جيبي، ولاتين قبر أبى، ولاصيحن إلى ربى، فأخذت بيد الحسن والحسين (عليهما السلام) وخرجت تريد قبر النبي (صلى الله عليه وآله). فقال علي (عليه السلام) لسلمان: أدرك ابنة محمد، فانى أرى جنبتي المدينة تكفئان والله إن نشرت شعرها وشقت جيبها وأتت قبر أبيها وصاحت إلى ربها، ولا يناظر بالمدينة أن يخسف بها [وبمن فيها] فأدركها سلمان رضى الله عنه فقال: يا بنت محمد إن الله إنما بعث أباك رحمة، فارجعي، فقالت: يا سلمان يريدون قتل علي ما علي صبر، فدعني حتى آتى قبر أبي، فأنشر شعري، وأشق جيبي، وأصيح إلى ربي، فقال سلمان: إنى أخاف أن يخسف بالمدينة وعلي بعثني إليك يأمرك أن ترجعي له إلى بيتك، وتنصرفي، فقالت إذا أرجغ وأصبر وأسمع له واطيع. قال: فأخرجوه من منزله ملببا ومروا به على قبر النبي (صلى الله عليه وآله) قال: فسمعته يقول: " يا بن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " (1) وجلس أبو بكر في سقيفة بنى ساعدة، وقدم علي (عليه السلام) فقال له عمر: بايع، فقال له علي (عليه السلام): فان أنا لم أفعل فمه ؟ فقال له عمر: إذا أضرب والله عنقك، فقال له على: إذا والله


(1) اقتباس من كلامه تعالى في قصة هرون في سورة الاعراف: 149: " ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدى أعجلتم أمر ربكم وألقى لا لواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال: يا ابن ام ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بى الاعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين " وذلك لانه (عليه السلام) كان من الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بمنزلة هرون من موسى وقد جرى له بعد رحلة الرسول مثل ما جرى على هرون بعد غيبة موسى (عليه السلام) في الطور، من تغلب السامري بعجلة وفساد قومه ورجوعهم القهقرى إلى الشرك، فكلامه (عليه السلام) هذا مقتبسا من كلام الله العزيز نفثة مصدورة يحقق لنا مقال الرسول الكريم: " لستلكن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.

[229]

اكون عبد الله المقتول، وأخا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال عمر: أما عبد الله المقتول فنعم وأما أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا، حتى قالها ثلاثا، فبلغ ذلك العباس بن عبد - المطلب، فأقبل مسرعا يهرول، فسمعته يقول: ارفقوا بابن أخي، ولكم علي أن يبايعكم فأقبل العباس وأخذ بيد علي (عليه السلام) فمسحها على يد أبي بكر، ثم خلوه مغضبا فسمعته يقول: ورفع رأسه إلى السماء اللهم إنك تعلم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد قال لي: إن تموا عشرين فجاهدهم، وهو قولك في كتابك " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين " قال: وسمعته يقول: " اللهم وإنهم لم يتموا عشرين " حتى قالها ثلاثا ثم انصرف (1). 15 - ختص: أخبرني عبيد الله، عن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان عن محمد بن علي بن الفضل بن عامر، عن الحسين بن محمد بن الفرزدق، عن محمد بن علي بن عمرويه الوراق، عن أبي محمد الحسن بن موسى، عن عمرو بن أبي المقدام مثله، و زاد بعد قوله فأخرجوه من منزله ملببا قال: وأقبل الزبير مخترطا سيفه، وهو يقول يا معشر بني عبد المطلب أيفعل هذا بعلى (عليه السلام) وأنتم أحياء ؟ وشد على عمر ليضربه بالسيف، فرماه خالد بن الوليد بصخرة فأصابت قفاه، وسقط السيف من يده، فأخذه عمر وضربه على صخرة، فانكسر ومر علي على قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يابن ام إلى آخر الخبر (2). بيان: قولها (عليها السلام): " أن ترملني " ليس فيما عندنا من كتب اللغة أرمل أو رمل متعديا، بل قالوا الارملة المرأة التي ليس لها زوج، يقال أرملت ورملت قوله " تكفئان " بصيغة المجهول من باب الافعال أو كمنع أو المعلوم من باب التفعل بحذف إحدى التائين أي تتحركان وتنقلبان وتضطربان، يقال كفأت الاناء وأكفاته أي قلبته قوله (عليه السلام): يا بن ام " إنما قال (عليه السلام): ذلك للمواخاة الروحانية التي جددت يوم المؤاخاة فكأنه ابن امه مع أنه لا يبعد استعارة الام للطينة المقدسة التي اخذا


(1) تفسير العياشي 2 / 67، والاية في الانفال 69. (2) الاختصاص: 185 وصدر السند في ص 160 و 144 (*).

[230]

منها، أو لان فاطمة بنت أسد ربته (صلى الله عليه وآله) فكانت أما مربية، ولذا قال (صلى الله عليه وآله): حين أخبره أمير المؤمنين بموتها وقال ماتت امي " بل امي " (1) أو انه (عليه السلام) قرأ الاية إشارة إلى مشابهة الواقعتين والاوسط أظهر. 16 - شى: عن بعض أصحابنا عن أحدهما قال: إن الله قضى الاختلاف على خلقه، وكان أمرا قد قضاه في علمه، كما قضى على الامم من قبلكم، وهي السنن والامثال يجري على الناس، فجرت علينا كما جرت على الذين من قبلنا، وقول الله حق، قال الله تبارك وتعالى لمحمد (صلى الله عليه وآله) " سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا و لا تجد لسنتنا تحويلا " (2) وقال: " فهل ينظرون إلا سنة الاولين، فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا " (3) وقال: " فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين " (4) وقال (عليه السلام): " لا تبديل لقول الله " (5) وقد قضى الله على موسى (عليه السلام) وهو مع قومه يريهم الايات والنذر، ثم مروا على قوم يعبدون أصناما " قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " (6) فاستخلف موسى هارون فنصبوا عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى، وتركوا هارون فقال: يا قوم إنما فتنتم به و إن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (7).


(1) وهكذا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) " اللهم اغفر لامى فاطمة بنت اسد " راجع ج 35 / 179 و 180. (2) أسرى: 77. (3) فاطر: 43. (4) يونس: 102. (5) الروم: 30. (6) راجع ص 30 فيما سبق. (7) راجع الايات 91 - 88 من سورة طه (*).

[231]

فضرب لكم أمثالهم، وبين لكم كيف صنع بهم، وقال إن نبي الله (صلى الله عليه وآله) لم يقبض جتى أعلم الناس أمر علي (عليه السلام) فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، وقال إنه مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وكان صاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المواطن كلها، وكان معه في المسجد يدخله على كل حال، وكان أول الناس إيمانا به، فلما قبض نبي الله (صلى الله عليه وآله) كان الذي كان، لما قد قضى من الاختلاف، وعمد عمر فبايع أبا بكر ولم يدفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد، فلما رأي ذلك علي (عليه السلام) ورأى الناس قد بايعوا أبا بكر، خشي أن يفتتن الناس ففرغ إلى كتاب الله وأخذ يجمعه في مصحف فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع، فقال علي (عليه السلام): لا أخرج حتى أجمع القرآن، فأرسل إليه مرة اخرى فقال: لا أخرج حتى أفرغ فأرسل إله الثالثة عمر رجلا يقال له قنفذ فقامت فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليها تحول بينه وبين علي (عليه السلام) فضربها، فانطلق قنفذ، وليس معه علي فخشي أن يجمع علي الناس فأمر بحطب فجعل حوالي بيته ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على علي بيته وعلى فاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم فلما رأى (عليه السلام) ذلك خرج فبايع كارها غير طائع (1). 17 - جا: الجعابى عن العباس بن المغيرة، عن أحمد بن منصور، عن سعيد ابن عفير عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن ابن أبي هلال عن مروان بن عثمان قال لما بايع الناس ابا بكر دخل علي (عليه السلام) والزبير والمقداد بيت فاطمة (عليها السلام) وأبوا أن يخرجوا فقال عمر بن الخطاب أضرموا عليهم البيت نارا، فخرج الزبير ومعه سيفه، فقال أبو بكر عليهم بالكلب فقصدوا نحوه، فزلت قدمه وسقط على الارض ووقع السيف من يده فقال أبو بكر اضربوا به الحجر ; فضرب به الحجر حتى انكسر وخرج علي بن أبي طالب (عليه السلام) نحو العالية فلقيه ثابت بن قيس بن شماس (2) فقال:


(1) تفسير العياشي 2 / 307 - 308. (2) كان خطيب الانصار، وذكر اليعقوبي عند مقتل عثمان وبيعة الناس لامير المؤمنين أنه كان أول من تكلم من الانصار فقال: والله يا أمير المؤمنين لئن كانوا تقدموك في الولاية =

[232]

ما شأنك يا أبا الحسن فقال: أرادوا أن يحرقوا على بيتي وأبو بكر على المنبر يبايع له لا يدفع عن ذلك ولا ينكر فقال له: ثابت ولا تفارق كفى يدك أبدا حتى اقتل دونك، فانطلقا جميعا حتى عاد إلى المدينة، وفاطمة عليها السلام واقفة على بابها، وقد خلت دارها من أحد من القوم، وهي تقول لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا وصنعتم بنا ما صنعتم ولم تروا لنا حقا (1) 18 - جا: الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي، عن أبي إسماعيل العطار، عن ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير قال: لما بايع الناس أبا بكر خرجت فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) فوقفت على بابها وقالت: ما رأيت كاليوم قط، حضروا أسوء محضر، وتركوا نبيهم (صلى الله عليه وآله) جنازة بين أظهرنا، واستبدوا بالامر دوننا (2). 19 - قب: فضائل السمعاني وأبي السعادات وتاريخ الخطيب واللفظ للسمعاني قال اسامة بن زيد: جاء الحسن بن علي (عليهما السلام) إلى ابي بكر وهو على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: انزل عن مجلس أبي، قال: صدقت إنه مجلس أبيك ثم أجلسه في حجره وبكى، فقال علي (عليه السلام): والله ما كان هذا عن أمري، فقال: صدقتك والله ما اتهمتك (3). وفي رواية الخطيب أنه قال الحسين (عليه السلام): قلت لعمر: انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك، فقال عمر: لم يكن لابي منبر وأخذني وأجلسني معه، ثم سألني من علمك هذا ؟ فقلت: والله ما علمني أحد (4).


= فما تقدموك في الدين ولئن كانوا سبقوك أمس لقد لحقتهم اليوم، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك ولا يجهل مكانك، يحتاجون اليك فيما لا يعلمون وما احتجت إلى أحد مع علمك " راجع تاريخ اليعقوبي ج 2 / 168. (1) أمالى المفيد: 38. (2) أمالى المفيد: 64 وترى مثله في الامامة والسياسة: 19. (3 و 4) مناقب آل أبى طالب 4 / 40، وأخرجه عن الخطيب في منتخب كنز العمال =

[233]

20 - مأخوذ من مناقب ابن الجوزى خطبة خطب بها أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) روى مجاهد (1) عن ابن عباس قال: لما دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جاء العباس وأبو سفيان بن حرب ونفر من بني هاشم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام): فقالوا مد يدك نبايعك، وهذا اليوم الذي قال فيه أبو سفيان: إن شئت ملاتها خيلا و رجلا [وحرضوه فامتنع وقال له العباس: أنت والله بعد أيام عبد العصا] (2) فخطب وقال ايها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرجوا عن طريق


= 5 / 105 من حديث ابن سعد وابن راهويه عن الحسين بن على (عليه السلام) قال: صعدت إلى عمر بن الخطاب المنبر فقلت له: انزل عن منبر أبى واصعد منبر أبيك ! فقال: ان ابى لم يكن له منبر، فأقعدني معه، فلما ذهب إلى منزله قال: أي بنى ! من علمك هذا ؟ قلت: ما علمنيه أحد، قال: أي بنى لو جعلت تأتينا وتغشانا، فجئت يوما وهو خال بمعاوية وابن عمر بالباب لم يؤذن له، فرجعت فلقينى بعد فقال: يا بنى لم أرك أتيتنا، قلت: جئت وأنت خال بمعاوية، فرأيت ابن عمر، فرجعت، فقال: أنت أحق بالاذن من عبد الله بن عمر، انما أنبت الله في رؤسنا ما ترى الله ثم أنتم ! ووضع يده على رأسه. (1) في المطبوع من المصدر: قال مجالد: حدثنى عكرمة عن ابن عباس. (2) قال ابن ابى الحديد في ج 1 / 73 من شرحه على النهج: لما قبض رسول الله واشتغل على (عليه السلام) بغسله ودفنه وبويع أبو بكر، خلا الزبير وأبو سفيان وجماعه من المهاجرين - بعباس وعلى (عليه السلام) لاجالة الرأى وتكلموا بكلام يقتضى الاستنهاض والتهييج فقال العباس: قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم ولا لظنة نترك آراءكم، فأمهلونا نراجع الفكر، فان يكن لنا من الاثم مخرج يصر بنا وبهم الحق صرير الجدجد ونبسط إلى المجد أكفا لانقبضها أو نبلغ المدى، وان تكن الاخرى فلا لقلة في العدد، ولا لوهن في الايد، والله لو لا أن الاسلام قيد الفتك، لتد كدت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلى. فحل على (عليه السلام) حبوته وقال: الصبر حلم والتقوى دين، والحجة محمد والطريق الصراط أيها الناس شقوا أمواج الفتن الخطبة

[234]

المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، فقد فاز من نهض بجناح، أو استسلم فارتاح، ماء آجن، ولقمة يغص بها آكلها، أجدر بالعاقل من لقمة تخشى بزنبور، ومن شربة تلذبها شاربه مع ترك النظر في عواقب الامور، فان أقل يقولوا حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا جزع من الموت، هيهات هيهات بعد اللتيا واللتي، والله لابن أبى طالب آنس بالموت من الطفل بثدى امه، ومن الرجل بأخيه وعمه، ولقد اندمجت على علم لو بحت به لاضطربتم الارشية في الطوى البعيدة، وذكر لاما كثيرا (1). بيان: هذا الكلام أورده السيد رضى الله عنه في نهج البلاغة بأدني تغيير (2) وقال ابن ميثم رحمه الله: (3) سبب هذا الكلام ما روى أنه لما تم في السقيفة أمر البيعة لابي بكر، أراد أبو سفيان أن يوقع الحرب بين المسلمين، فمضى إلى العباس فقال له: إن هؤلاء ذهبوا بهذا الامر من بني هاشم، وإنه ليحكم فينا غدا هذا الفظ الغليظ من بني عدي، فقم بنا إلى علي (عليه السلام) حتى نبايعه بالخلافة وأنت عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا رجل مقبول القول في قريش، فان دافعونا قاتلناهم وقتلناهم، فأتيا أمير المؤمنين (عليه السلام): فأجابهم صلوات الله عليه بهذا الكلام. قوله (عليه السلام): " شقوا " أي اخرجوا من بين أمواج الفتن بما يوجب النجاة منها من المصالح الواقعية، لا بما يورث تكثير الفتنة، فشبه الفتن بالامواج والسفن بما يوجب النجاة منها، وقيل اريد بالسفن هنا أهل البيت عليهم السلام ومتابعتهم كما قال (صلى الله عليه وآله): " مثل أهلبيتي كمثل سفينة نوح " قوله: " وعرجوا " التعريج على الشئ الاقامة عليه، وعن الشئ تركه، والمراد بوضع تيجان المفاخرة ترك لبسها، كناية عن ترك التعظم والتكبر والتوجه إلى ما هو صلاح الدين والمسلمين قوله: " فقد فاز " في النهج " أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح " وقال ابن أبي


(1) مناقب ابن الجوزى (تذكرة خواص الامة) 75. (2) نهج البلاغة الرقم 5 من قسم الخطب. (3) شرح النهج للبحراني 104 ط حجر (*).

[235]

الحديد: استعار النهوض بالجناح للاعتزال أي نفض يديه كطاير ينهض بجناحيه و اعتزل عن الناس وساح في الارض أو فارق الدنيا ومات، ولو بقي فيهم ترك المنازعة ولا يخفى بعدهما، بل الاظهر في الروايتين أن المعنى فاز من قام بطلب الحق إذا تهيأت أسبابه أو انقاد لما يجرى عليه مع فقدها. وبعد ذلك في النهج " ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه " فعلى رواية ابن الجوزي الغرض ظاهر أي الصبر على الشدة والمذلة أولا مع حسن العاقبة أحسن من ارتكاب أمر يوجب اشتداد البلية وسوء العاقبة، وعلى الرواية الاخرى الاظهر أنه يعود إلى هذا المعنى، أي ما تدعوني إليه وتحملوني عليه ماء آجن أي متغير الطعم والرائحة، " ولقمة يغص " بفتح الغين أي ينشب في حلق آكلها ولا يمكنه إساغتها. وذهب شارحوا النهج إلى أن المعنى أن الخلافة والامارة مطلقا كالماء و اللقمة تستتبع المتاعب والمشاق في الدنيا أو عاجلا لو كان حقا، وعاجلا وآجلا مع بطلانها، وقيل إشارة إلى ما انعقد في السقيفة، واجتنى الثمرة قطفها أي من اجتني ثمرة في غير وقته لا ينتفع بها كزارع أرض لا يقدر على الاقامة فيها أو يخرجه عنها ما لكها، ولعله (عليه السلام) شبه طلبه في هذا الوقت بمن يجتني ثمرته مع عدم إيناعها، وشبه اختيار الملعون الخلافة بمن زرع في غير أرضه فيفيد ما تقدم مع كمال التشبيه في الفقرتين. " واللتيا " بفتح اللام وتشديد الياء تصغير التي وجوز الضم أيضا، واللتيا والتي من أسماء الداهية، فاللتيا للصغيرة، والتي للكبير، قيل تزوج رجل امرأة قصيرة سيئة الخلق فقاسى منها شدائد ثم طلقها وتزوج طويلة فقاسى منها أضعاف القصيرة، فطلقها، وقال بعد اللتيا والتي لا أتزوج أبدا، فصار مثلا (1) فالمعنى ما أبعد ظن جزع الموت في حقى بعد ما ارتكبته من الشدائد، وليس قوله: " ومن الرجل بأخيه وعمه " في النهج، والاندماج الانطواء وباح بالشئ أعلنه وأظهره


(1) راجع مجمع الامثال 1 / 92 تحت الرقم 440 (*).

[236]

والارشية جمع الرشاء بالكسر والمد وهو الحبل، والطوي بفتح الطاء وكسر الواو وتشديد الياء البئر المطوية. 21 - كش: محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن وهب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاء المهاجرون والانصار وغيرهم بعد ذلك إلى على (عليه السلام) فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين وأنت والله أحق الناس وأوليهم بالنبي (صلى الله عليه وآله) هلم يدك نبايعك، فوالله لنموتن قدامك، فقال علي (عليه السلام): إن كنتم صادقين فاغدوا علي غدا محلقين فحلق أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحلق سلمان، وحلق مقداد وحلق أبو ذر، ولم يحلق غيرهم، ثم أنصرفوا فجاؤا مرة اخرى بعد ذلك، فقالوا له أنت والله أمير المؤمنين وأنت أحق الناس وأوليهم بالنبي (صلى الله عليه وآله) هلم يدك نبايعك، وحلفوا، فقال إن كنتم صادقين فاغدوا علي محلقين، فما حلق إلا هؤلاء الثلاثة، قلت: فما كان فيهم عمار ؟ فقال: لا، قلت فعمار من أهل الردة ؟ فقال: إن عمارا قد قاتل مع على (عليه السلام) بعد (1). قب: أبو بصير عنه (عليه السلام) مثله (2). 22 - كش: أبو الحسن وأبو إسحاق حمدويه وإبراهيم ابنا نصير قالا حدثنا محمد بن عثمان، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة، فقال: المقداد بن الاسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسى ثم عرف الناس بعد يسير، و قال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى وأبوا أن يبايعوا حتى جاؤا بأمير المؤمنين (عليه السلام) مكرها فبايع وذلك قول الله عزوجل " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات


(1) رجال الكشى ص 8 - 9 تحت الرقم 18 وممن ذكر التحليق اليعقوبي في تاريخه 2 / 116 قال: واجتمع جماعة إلى على بن أبيطالب يدعونه إلى البيعه له، فقال اغدوا على هنا محلقين الرؤس، فلم يغد عليه الا ثلاثة نفر. (2) مناقب آل أبى طالب

[237]

أو قتل انقلبتم على أعقابكم " الاية (1). كا: علي عن أبيه عن حنان مثله (2). بيان: قوله (عليه السلام): " بعد يسير " يمكن أن يقرأ بعد بالفتح والضم، و " يسير " بالرفع والجر فلا تغفل، ودوران الرحى كناية عن قرار الايمان والاسلام، وفائدة نصب الامام، أو بقاء النظام وعدم نزول العذاب عليهم 23 - كش: علي بن محمد، عن القتيبي، عن جعفر بن محمد الرازي، عن عمرو ابن عثمان، عن رجل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لما مروا بأمير المؤمنين (عليه السلام) وفي رقبته حبل إلى زريق ضرب أبو ذر بيده على الاخرى فقال: ليت السيوف قد عادت بأيدينا ثانية، وقال مقداد: لو شاء لدعا عليه ربه عز وجل وقال سلمان: مولاي أعلم بما هو فيه (3). بيان: لعله عبر عن أبي بكر بزريق تشبيها له بطائر يسمى بذلك في بعض أخلاقه الردية، أو لان الزرقة مما يتشاءم به العرب، أو من الزرق بمعنى العمى وفي القرآن " يومئذ زرقا " (4). وفي بعض النسخ آل زريق باضاة الحبل إليه، وبنو زريق خلق من الانصار (5) وهذا وإن كان هنا أوفق، لكن التعبير عن أحد الملعونين بهذه الكناية كثير في الاخبار كما مر وسيأتي.


(1) رجال الكشى ص 6، الرقم 12، والاية في آل عمران: 144. (2) الكافي 8 / 245. (3) رجال الكشى ص 7 - الرقم 16 (4) " يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ رزقا " طه: 102، ومن المعاني المناسبة الخداع قال في اللسان: يقال: فلان زراق - كشداد - أي خداع. (5) بطن من الخزرج من الازد من القحطانية، وهم بنو زريق بن عامر بن زريق ابن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج، ينسب إليهم سكة " ابن زريق " بالمدينة (*).

[238]

24 - كش: محمد بن مسعود، عن علي بن فضال، عن العباس بن عامر و جعفر بن محمد بن حكيم، عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) فلم يزل يسئله حتى قال له فهلك الناس إذا ؟ قال: إي والله يا ابن أعين، هلك الناس أجمعون، قلت: من في الشرق ومن في الغرب ؟ قال: فقال إنها فتحت على الضلال، أي والله هلكوا إلا ثلاثة ثم لحق أبو ساسان وعمار وشتيرة وأبو عمرة فصاروا سبعة (1). 25 - كش: محمد بن اسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ارتد الناس إلا ثلاثة أبو ذر وسلمان والمقداد ؟ قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فأين أبو ساسان وأبو عمرة الانصاري ؟ (2). بيان: أي هذان لم يستمرا على الردة أو لم يصدر منهما غير الشك.


(1) رجال الكشى ص 7 - الرقم 14، وأبو ساسان هو بريدة بن الحصيب الاسلمي كما مر ص 197، وممن نقل أنه كان يكنى أبا ساسان: ابن الاثير في اسد الغابة 1 / 175 واما الحضين بن المنذر الرقاشى الذى كان يكنى أبا ساسان فهو من التابعين البصريين. عنونه في تهذيب التهذيب 2 / 395 وقال كان صاحب راية أمير المؤمنين على يوم صفين ثم ولاه الاصطخر وكان من سادات ربيعة وذكره البخاري في تاريخه الصغير والاوسط في فصل من مات بعد المائة. وقال في قاموس الرجال 3 / 350: توهم أن المراد بابى ساسان في الخبرين - يعنى خبرى الكشى - الحضين هذا لكونه مكنى بأبى ساسان وهذا وهم فاحش، فان أبا ساسان في الخبرين صحابي وهذا تابعي كان في ايام صفين حدث السن أحدث أصحابه كما ذكره ابن قتيبة حيث قال في عنوان تكلم من تكلم من أصحاب امير المؤمنين بعد رفع المصاحف: ثم قام الحضين بن المنذر وكان أحدث القوم سنا فقال: أيها الناس انما بنى هذا الدين على التسليم إلى آخر ما ذكره، وأما شتيرة فلم نتحققه فتحرر. (2) رجال الكشى ص 8 الرقم 17 (*).

[239]

26 - كش: علي بن الحكم عن ابن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان وأبو ذر والمقداد، قال: قلت فعمار ؟ قال: قد كان حاص حيصة ثم رجع ثم قال: إن أردت الذي لم يشك، ولم يدخله شئ فالمقداد، فأما سلمان فانه عرض في قلبه عارض أن عند أمير المؤمنين (عليه السلام) اسم الله الاعظم لو تكلم به لاخذتهم الارض وهو هكذا فلبب ووجئت عنقه حتى تركت كالسلعة، فمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يا أبا - عبد الله هذا من ذلك، بايع فبايع. وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسكوت، ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم، فأبي إلا أن يتكلم فمر به عثمان، فأمر به، ثم أناب الناس بعد، وكان أول من أناب أبو ساسان الانصاري وأبو عمرة وشتيرة وكانوا سبعة فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا هؤلاء السبعة (1). بيان: قوله: " حاص " في أكثر النسخ بالمهملتين يقال: حاص عنه يحيص حيصا وحيصة أي عدل وحاد، وفي بعض النسخ بالجيم والصاد المهملة بهذا المعنى وفي بعضها بالمعجمتين بهذا المعنى أيضا، وقال الفيروز آبادي: السلعة بالكسر كالغدة في الجسد، ويفتح ويحرك، وكعنبة، أو خراج في العنق أو غدة فيها، قوله: " فمر به عثمان، فأمر به " أي فتكلم أو هو يتكلم في شأنه فأمر به فأخرج من المدينة. ثم اعلم أنه رواه في الاختصاص عن علي بن الحسين بن يوسف، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن الحكم مثله، وفيه " أن عند ذا يعنى أمير المؤمنين (عليه السلام) " وفيه " فمر به من عثمان ما مر به " وفيه " وأبو عمرة وفلان حتى عقد سبعة " (2). 27 - كا، في الروضة: محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي، عن


(1) رجال الكشى ص 11، الرقم 24. (2) الاختصاص: 10 (*).

[240]

عبد الله بن أيوب الاشعري عن أبي عمرو الاوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الهيثم بن التيهان أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الناس بالمدينة فقال: الحمد لله الذي لا إله إلا هو كان حيا بلا كيف، ولم يكن له كان، ولا كان لكانه كيف، ولا كان له أين، ولا كان في شئ، ولا كان علي شئ، ولا ابتدع لكانه مكانا ولا قوي بعد ماكون شيئا، ولا كان ضعيفا قبل أن يكون شيئا ; ولا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا، ولا يشبه شيئا ولا كان خلوا عن الملك قبل إنشائه ولا يكون خلوا منه بعد ذهابه. كان إلها حيا بلا حيوة، ومالكا قبل أن ينشأ شيئا، ومالكا بعد إنشائه للكون، وليس يكون لله كيف ولا أين، ولاحد يعرف ; ولا شئ يشبهه ولا يهرم لطول بقائه، ولا يضعف لذعره، ولا يخاف كما يخاف خليقته من شئ، ولكن سميع بغير سمع، وبصير بغير بصر، وقوي بغير قوة من خلقه، لا تدركه حدق الناظرين ولا يحيط بسمعه سمع السامعين، إذا أراد شيئا كان، بلا مشورة ولا مظاهرة ولا مخابرة ولا يسأل أحدا عن شئ من خلقه أراده، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فبلغ الرسالة وأنهج الدلالة (صلى الله عليه وآله). ايها الامة التي خدعت فانخدعت، وعرفت خديعة من خدعها فأصرت على ما عرفت، واتبعت أهواءها وضربت في عشواء غوائها، وقد استبان لها الحق فصدعت عنه، والطريق الواضح فتنكبته، أما والذي فلق الحبة وبرا النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه وشربتم الماء بعذوبته، وادخرتم الخير من موضعه، وأخذتم من الطريق واضحة، وسلكتم من الحق نهجه لنهجت بكم السبل وبدت لكم الاعلام وأضاء لكم الاسلام، فأكلتم رغدا وما عال فيكم عائل ولا ظلم منكم مسلم ولا

[241]

معاهد، ولكن سلكتم سبيل الظلام، فأظلمت عليكم دنياكم برحبها، وسدت عليكم أبواب العلم، فقلتم بأهوائكم، واختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين الله بغير علم، واتبعتم الغواة فأغوتكم، وتركتم الائمة فتركوكم، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم، إذا ذكر الامر سئلتم أهل الذكر، فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه، فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه، رويدا عما قليل تحصدون جميع ما زرعتم، و تجدون وخيم ما اجترمتم، وما اجتلبتم. والذي فلق الحبة وبرا النسمة، لقد علمتم أني صاحبكم، والذي به امرتم وأني عالمكم، والذي بعلمه نجاتكم، ووصي نبيكم (صلى الله عليه وآله) وخيرة ربكم، ولسان نوركم، والعالم بما يصلحكم، فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم، وما نزل بالامم قبلكم، وسيسألكم الله عزوجل عن أئتكم، معهم تحشرون، وإلى الله عزوجل غدا تصيرون. أما والله لو كان لي عدة أصحاب طالوت، أو عدة أهل بدر، وهم أعداؤكم لضربتكم بالسيف حتى تؤلوا إلى الحق وتنيبوا للصدق، فكان أرتق للفتق، وآخذ بالرفق، اللهم فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين. قال: ثم خرج من المسجد فمر بصيرة فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال: والله لو أن لى رجالا ينصحون لله عزوجل ولرسول الله (صلى الله عليه وآله) بعدد هذه الشياه لازلت ابن آكلة الذبان عن ملكه. قال فلما أمسى بايعه ثلاثمائة وستون رجلا على الموت، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلقين وحلق أمير المؤمنين (عليه السلام)، فما وافى من القوم محلقا إلا، أبو ذر والمقداد وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، وجاء سلمان في آخر القوم، فرفع يديه إلى السماء فقال: اللهم إن القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارون، اللهم فانك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى عليك شئ في الارض ولا في السماء توفني مسلما وألحقني بالصالحين.

[242]

أما والبيت والمفضي إلى البيت (1) - وفي نسخة - والمزدلفة والخفاف إلى التجمير، لو لا عهد عهده إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاوردت المخالفين خليج المنية، ولارسلت عليهم شآبيب صواعق الموت، وعن قليل سيعلمون (2). تبيين " كان حيا بلا كيف " أي بلا حياة زائدة يتكيف بها، ولا كيفية من الكيفيات التي تتبع الحياة في المخلوقين، بل حياته علمه وقدرته، وهما غير زائدتين على ذاته " ولم يكن له كان " الظاهر أن " كان " اسم لم يكن، فنفى (عليه السلام) ما يوهمه لفظ كان من الزمانية أو الحدوث " ولا كان لكانه كيف " يحتمل أن يكون المراد لكونه، ويكون القلب على لغة بنى الحارث بن كعب حيث جوز قلب الواو والياء الساكنين أيضا مع انفتاح ما قبلهما ألفا أي ليس له وجود زائد يتكيف به الذات، أو ليس وجوده كوجود الممكنات مقرونا بالكيفيات، و قد مر في رواية اخرى (3) " لمكانه مكانا " ويحتمل أن يكون من الافعال الناقصة أي ليس بزماني أو ليس وجوده مقرونا بالكيفيات المتغيرة الزائدة، وإدخال اللام والاضافة بتأويل الجملة مفردا أي هذا اللفظ كقولك لزيد قائم معنى " ولا كان له أين " أي مكان " ولا كان في شئ " أي لا كون الجزئي في الكلى ولا كون الجزء في في الكل، ولا كون الحال في المحل، ولا كون المتمكن في المكان " ولا كان على شئ " هو نفي المكان العرفي كالسرير مثلا " ولا ابتدع لكانه " في الرواية المتقدمة لمكانه. " ولا كان خلوا من الملك قبل إنشائه " الملك بالضم والكسر يكون بمعنى


(1) يقال: أفضى فلان إلى فلان: وصل إليه وحقيقته أنه صار في فضائه، والمراد زائر البيت الذي يصل إلى البيت. (2) الكافي 8 / 31 - 32. (3) نقل هذا الشرح من كتاب مرآة العقول بلفظه، والمراد بالرواية الاخرى ما مر في كتاب التوحيد، راجعه ان شئت، ولفظ هذه الرواية تراه في الكافي ج 1 / 88 (*).

[243]

السلطنة والمالكية والعظمة، وبمعنى ما يملك، والضم في الاول أشهر، فيحتمل أن يكون المراد عند ذكره، وعند إرجاع الضمير إليه معا هو الاول، ويمكن إرادة الاول عند الذكر، والثاني عند الارجاع على الاستخدام، ويمكن إرجاع الضمير إليه تعالى لتكون الاضافة إلى الفاعل، لكنه لا يلائم ما بعدها، والحاصل على التقادير أن سلطنته تعالى ليس بخلق الاشياء لغناه عنها، بل بقدرته على خلقها وخلق أضعافها، وهى لا تنفك عنه تعالى، وفيه رد على القائلين بالقدم، ودلالة هذه الفقرات على الحدوث ظاهرة " بلا حياة " أي زائدة بل بذاته " ولاحد " أي من الحدود الجسمية يوصف ويعرف بها، أو من الحدود العقلية المركبة من الجنس والفصل ليعرف به، إذ كنه الاشياء يعرف بحدودها كما هو المشهور، ففيه استدلال على عدم إمكان معرفة كنهه تعالى والاول أظهر " ولا يضعف " وفي بعض النسخ ولا يصعق قال الجوهري: صعق الرجل أي غشي عليه، والذعر بالضم الخوف وبالتحريك الدهش " بغير قوة من خلقه " أي بأن يتقوى بمخلوقاته كما يتقوى الملوك بجيوشهم وخزاينهم، وبغير قوة زايدة قائمة به، وهذه القوة تكون مخلوقة له، فيكون محتاجا إلى مخلوق ممكن، وهو ينافي وجوب الوجود " حذق الناظرين " قال الجوهري حدقة العين سوادها الاعظم، والجمع حدق وحداق " ولا يحيط بسمعه " كأنه مصدر مضاف إلى المفعول، والمعنى أنه تعالى ليس من المسموعات كما أن الفقرة السابقة دلت على أنه ليس من المبصرات ويمكن أن يراد أنه لا يحيط سمع جميع السامعين بمسموعاته " ولا مظاهرة " أي معاونة " ولا مخابرة " المخابرة في اللغة المزارعة على النصف، ولعل المراد نفي المشاركة، أي لم يشاركه أحد في الخلق ويحتمل أن يكون مشتقا من الخبر بمعنى العلم أو الاختيار. " أرسله بالهدى " أي بالحجج والبينات والدلايل والبراهين " ودين الحق " وهو الاسلام وما تضمنه من الشرايع " ليظهره على الدين كله " الضمير في ليظهره للدين الحق اي ليعلي دين الاسلام على جميع الاديان بالحجة والغلبة والقهر

[244]

لها وللرسول أي يجعله غالبا على جميع أهل الاديان، وقد مر في الاخبار الكثيرة أنه يكون تمام هذا الوعد عند قيام القائم (عليه السلام) " وأنهج الدلالة " أي أوضحها " وضربت في عشواء غوائها " وفي بعض النسخ " غوايتها " وهو أصوب، والضرب في الارض السير فيها، والعشواء بالفتح ممدود الظلمة، والناقة التى لا تبصر أمامها فهى تخبط بيديها كل شئ، وركب فلان العشواء إذا خبط في أمره، ويقال أيضا خبط خبط عشواء، وظاهر أن المراد هنا الظلمة، أي صارت الامة في ظلمة غوايتها وضلالتها وإن كان بالمعنى الثاني، فيحتمل أن يكون " في " بمعنى " علي " أي سارت راكبة على عشواء غوايتها " فصدعت " في بعض النسخ " فصدت " والصد المنع ويقال صدع عنه أي صرفه " فلق الحبة " أي شقها وأخرج منها أنواع النبات " وبرأ النسمة " أي خلق ذوات الارواح، والتخصيص بهذين لانهما عمدة المخلوقات المحسوسة المشاهدة ويظهر آثار الصنع فيهما أكثر منها في غيرهما. " لو اقتبستم العلم من معدنه " يقال اقتبست النار والعلم أي استفدته " وشربتم الماء بعذوبته " شبه العلم والايمان بالماء لكونهما سببين للحياة المعنوية، وعذوبته كناية عن خلوصه عن التحريفات والبدع والجهالات " وسلكتم من الحق نهجه " قال الفيروز آبادى النهج الطريق الواضح كالنهج والمنهاج وأنهج وضح وأوضح ونهج كمنع وضح وأوضح والطريق سلكه واستنهج الطريق صار نهجا كأنهج، وفي بعض النسخ " لنهجت بكم السبل " أي وضحت بكم أو بسببكم أي كنتم هداة للخلق، وفي بعضها " لتنهجت " وهو قريب مما سبق أي اتضحت، وفي بعضها " لا بتهجت " والابتهاج السرور، أي كانت سبل الحق راضية عنكم مسرورة بكم حيث سلكتموها حق سلوكها " وأضاء " يتعدى ولا يتعدي وكلاهما مناسب. " فأكلتم رغدا " قال الجوهرى عيشة رغد أي واسعة طيبة " وما عال " يقال عال يعيل عيلة وعيولا إذا افتقر " ولا معاهد " بفتح الهاء أي من هو في عهد وأمان كأهل الذمة " دنياكم برحبها " دنياكم " فاعل أظلمت، والرحب بالضم السعة أي مع سعتها " فكيف وقد تركتموه " أي كيف ينفعكم هذا الاقرار والاذعان وقد تركتم متابعة قائله أو كيف

[245]

تقولون هذا مع أنه مخالف لافعالكم، والضمائر إما راجعة إلى الامام أو إلى علمه " رويدا " أي مهلا " عما قليل " أي بعد زمان قليل و " ما " زائدة لتوكيد معنى القلة أو نكرة موصوفة " وخيم ما اجترمتم " قال في النهاية يقال هذا الامر وخيم العاقبة أي ثقيل ردئ، والاجترام اكتساب الجرم والذنب والاجتلاب جلب الشئ إلى النفس، وفي بعض النسخ " اجتنيتم " من اجتناء الثمرة أو بمعنى كسب الجرم والجناية والاخير أنسب، لكنه لم يرد في اللغة " صاحبكم " أي إمامكم " والذي به امرتم " أي بمتابعته " وخيرة ربكم " بكسر الخاء وفتح الياء وسكونها أي مختارة من بين ساير الخلق بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) " ولسان نوركم " المراد بالثور إما الرسول أو الهداية والعلم أو نور الانوار تعالى شأنه. " عدة أصحاب طالوت " أي الذين لم يشربوا الماء وحضروا لجهاد جالوت وقد مر مرويا (1) عن الصادق (عليه السلام) أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر، فكلمة أو بمعنى الواو أو للتفسير " وهم أعداؤكم " أي لم يكونوا مثلكم منافقين، بل كانوا ناصرين للحق محبين له معاندين لكم لكفركم وفي بعض النسخ " وهم أعدادكم " ولم أعرف له معنى، ولعله كان أعدادهم اي أصحاب بدر كانوا بعدد أصحاب طالوت، وإنما كررت للتوضيح فصحف " حتى تؤلوا " أي ترجعوا " ولتنيبوا " من الانابة وهي الرجوع، وفي بعض النسخ " وتنبؤا " على البناء للمفعول أي تخبروا بالصدق وتذعنوا به " فكان أرتق للفتق " الفتق: الشق والرتق ضده أي كان يسد الخلال والفرج التي حدثت في الدين، وكان الاخذ بالرفق واللطف للناس أكثر " فمر بصيرة " الصيرة بالكسر حظيرة الغنم " لازلت ابن آكلة الذباب " وفي بعض النسخ الذبان بكسر الذال وتشديد الباء جمع الذباب والمراد به أبو بكر ولعله إشارة إلى واقعة كان اشتهر بها، ويحتمل أن يكون كناية عن دناءة أصله ورداءة نسبه وحسبه " على الموت " أي على أن يلتزموا الموت ويقتلوا في نصره وقال الفيروز آبادي أحجار الزيت موضع بالمدينة.


(1) راجع ج 13 ص 438 والحديث في الكافي 8 / 316 (*).

[246]

" أما والبيت والمفضي إلى البيت " قال الجوهري: الفضاء الساحة، وما اتسع من الارض، يقال أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء وأفضيت إلى فلان سري، وأفضى الرجال إلى امرأته باشرها، وأفضى بيده إلى الارض إذا مسها بباطن راحته في سجوده انتهى. فيحتمل أن يكون المراد القسم بمن يدخل في الفضاء أي الصحراء متوجها إلى البيت أي الحاج والمعتمر أو من يفضي أسراره إلى البيت أي إلى ربه ويدعو الله عند البيت، أو من يفضي الناس إلى البيت ويوصلهم إلى الله، وهو الله تعالى أو على صيغة المفعول أي الحاج الواصلين إلى البيت أو من الافضاء على بناء الفاعل بمعنى مس الارض بالراحة أي المستلمين بأحجار البيت أو من يفضى إلى الارض بالسجود في أطراف الارض متوجها إلى البيت، وقال في النهاية في حديث دعائه للنابغة لا يفضي الله فاك ومعناه أن لا يجعله فضاء لا سن فيه، والفضاء الخالي الفارغ الواسع من الارض انتهى. فيحتمل أن يكون المراد من جعل من أربعة جوانب فضاء غير معمور إلى البيت ليشق على الناس قطعها فيكثر ثوابهم، وهو الله تعالى " والخفاف إلى التجمير " التجمير رمى الجمار، والخفاف إما جمع الخف أي خف الانسان إذ خف البعير لا يجمع على الخفاف، بل على أخفاف، والمراد أثر الخفاف وأثر أقدام الماشين إلى التجمير أو جمع الخفيف أي السايرين بخفه وشوق إلى التجمير، وفيه دلالة على جواز الحلف بشعائر الله وحرماته، وسيأتي الكلام فيه في كتاب الايمان إنشاء الله تعالى. " لو لا عهد عهده " هو ما ورد في الاخبار المتواترة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى إليه (عليه السلام) أنك إن لم تجد ناصرا (1) فوادعهم وصالحهم حتى تجد أعوانا، وأيضا


(1) ومن ذلك قوله (عليه السلام) في الشقشقية: " أما والذى فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لا لقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها " (*).

[247]

نزل كتاب من السماء مختوم بخواتيم بعدة الائمة كان يعمل كل منهم بما يخصه " خليج المنية " الخليج شعبة من البحر والنهر، والمنية الموت، والشآبيب جمع شؤبوب بالضم مهموزا، وهو الدفعة من المطر وغيره. 28 - فر: الحسين بن على بن بزيع باسناده، عن أبي رجاء العطاردي قال: لما بايع الناس لابي بكر دخل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه المسجد فقال أيها الناس " إن الله أصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " فأهل بيت نبيكم هم الال من ابراهيم، والصفوه والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبمحمد شرف شريفهم، فاستوجبوا حقهم، ونالوا الفضيلة من ربهم كالسماء المبنية، والارض المدحية، والجبال المنصوبة، والكعبة المستورة، والشمس الضاحية، والنجوم الهادية، والشجرة النبوية: أضاء زيتها، وبورك ما حولها، فمحمد (صلى الله عليه وآله) وصي آدم، ووراث علمه وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وتأول القرآن العظيم، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) الصديق الاكبر، والفاروق الاعظم، ووصي محمد (صلى الله عليه وآله) ووارث علمه وأخوه. فما بالكم أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها، لو قدمتم من قدم الله، وخلفتم الولاية لمن خلفها له النبي، والله لما عال ولي الله، ولا اختلف إثنان في حكم الله ولا سقط سهم من فرائض الله، ولا تنازعت هذه الامة في شئ من أمر دينها، إلا وجدتم علم ذلك عند أهل بيت نبيكم لان الله تعالى يقول في كتابه العزيز " الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته " فذوقوا وبال ما فرطتم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (1). 29 - ما، جا: عن أبي المفضل، عن أحمد بن علي بن مهدي إملاء من


(1) تفسير فرات: 26 والاية في سورة البقرة: 121.

[248]

كتابه عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام) قال: لما أتى أبو بكر وعمر إلى منزل أمير المؤمنين (عليه السلام) وخاطباه في أمر البيعة، وخرجا من عنده، خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المسجد فحمد الله وأثنى عليه بما اصطنع عندهم أهل البيت إذ بعث فيهم رسولا منهم، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ثم قال: إن فلانا وفلانا أتياني وطالباني بالبيعة لمن سبيله أن يبايعني، أنا ابن عم النبي وأبو بنيه والصديق الاكبر، وأخو رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يقولها أحد غيري إلا كاذب، وأسلمت وصليت قبل كل أحد، وأنا وصيه وزوج ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد وأبو حسن وحسين سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن أهل بيت الرحمة، بنا هداكم الله، وبنا استنقذكم من الضلالة، وأنا صاحب يوم الدوح (1) وفي نزلت سورة من القرآن (2) وأنا الوصي على الاموات من هل بيته (صلى الله عليه وآله)، و


(1) يريد (عليه السلام) يوم الغدير، حيث أمر رسول الله ص بدوحات فقممن، ومنه قول كميت: ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا راجع غديرية كميت في الكتاب الممتع الغدير 2 / 180 وما بعده. (2) يريد (عليه السلام) سورة الدهر النازلة فيه وفى أهل بيته: فاطمة زوجته وابنيه الحسن والحسين عليهم السلام وترى البحث عن ذلك مستوفى في ج 35 / 237 - 257 من بحار الانوار تاريخ مولانا أمير المؤمنين الباب السابع، وان شئت راجع احقاق الحق بذيل العلامة المرعشي دام ظله ج 3 ص 157 - 170 الغدير للاميني 3 / 107 - 112. وأما الاعتراض على ذلك بأبن السورة مكية وزواج على (عليه السلام) بفاطمة الصديقة الطاهرة كان بالمدينة، فعندي أن السورة - وان كانت نازلة بمكة على ما يشهد به سياق آياتها صدرا وذيلا - الا أنها تذكر في أوصاف المؤمنين مالا يمكن تطبيقها وتحقيقها والاذعان بتحققها الا في العترة الطاهرة أهل بيت النبي الاقدس وهم: على وفاطمة وابناهما الحسن والحسين والذرية الطاهرة منهم. =

[249]

أنا بقيته على الاحياء من أمته، فاتقوا الله يثبت أقدامكم، ويتم نعمته عليكم


= وذلك أنه لم يوجد في الامة الاسلامية - منذ نزلت السورة الكريمة - جماعة من الابرار يكون اخلاص طويتهم وشدة ايمانهم وكمال محبتهم لله والخوف من جلاله - جل جلاله - بهذه المثابة التى تصفها الايات الكريمة " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما و أسيرا... " الا بعد برهة تشكل أهل بيت الوحى العترة الطاهرة بالمدينة، وظهر مصداق الاوصاف حين وفائهم بالنذر الذي نذروها في شفاء الحسنين عليهم الصلوات والسلام. فالمراد بنزول السورة فيهم أن الله عز وجل حيث أطلق هذه الاوصاف الكاملة للابرار، لم يكن ليريد غير هؤلاء العترة الطاهرة، لعلمه بعدم تحقق الاوصاف في غيرهم، ولذلك باهى بوجودهم وبحسن اخلاصهم وطويتهم كانه عزوجل يقول: انى اعلم مالا تعلمون، أنا الذى خلقت البشر وجعلته سميعا بصيرا ليصح ابتلاؤه، وهديناه السبيل ليتحقق ويتميز فيهم الشاكر من الكافر، ولا أبالى بكثرة الكافرين غير الشاكرين، بعد ما سيخرج فيهم أبرار من أوصافهم كذا وكذا. فوزان آيات السورة من حيث تعليل اصل الخلقة - خلقة البشر، ثم تشريع الشرع وانزال القرآن، وزان آيات البقرة 28 - 33 حيث قال عزوجل: " انى جاعل في الارض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ قال: انى أعلم مالا تعلمون، وعلم آدم الاسماء كلها (يعنى أسماء كل ما كان تشاهده الملائكه ومنهم الاشباح التى كانت تسبح الله عزوجل وتهلله وتمجده في السموات العلى) ثم عرضهم على الملائكة فقال: انبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا الا بما علمتنا انك أنت العزيز الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم (وعلمت الملائكة أن هؤلاء الاشباح النورانية المنلالئة ستنزل على صفحة الارض وتخرج من صلب آدم، صاروا محجوجين ساكتين، حيث علموا أن خلقة تنتهى بوجود هؤلاء الابرار، لخليق بالاعتبار، والسعى في خدمتهم ثم السجدة لله عزوجل شكرا وتفاخرا على هذه الخلقة التى بدئت بصنيع آدم أبيهم، ولذلك) قال عز وجل ألم =

[250]

ثم رجع إلى بيته (1). 30 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: إن فاطمة (عليها السلام) لما كان من أمرهم ما كان، أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها ثم قال: أما والله يا ابن الخطاب، لو لا أنى أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له، لعلمت ساقسم على الله ثم أجده سريع الاجابة (2). بيان: اللبب المنحر والتلبيب ما في موضع اللبب من الثياب. 31 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله عزوجل " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس " قال ذاك والله حين قالت الانصار منا أمير ومنكم أمير (3). 32 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن علي، عن ابن مسكان، عن ميسر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: قول الله عزوجل " ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها " قال: فقال: يا ميسر إن الارض كانت فاسدة فأصلحها الله بنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: " ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها " (4).


= أقل لكم انى اعلم غيب السموات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون. فلو لا أنه كان السؤال عن اسماء هؤلاء الابرار على الوجه الذي قصصناه، لما كانت الملائكة محجوجين، بل كانت حجتهم تامة كاملة بعد ما أجابوا: " سبحانك لا علم لنا الا بما علمتنا " وذلك لان آدم (عليه السلام) أيضا لم يكن ليعلم الاسماء كلها - كما أنه لم يعلمها - الا بتعليم الله عزوجل. (1) أمالى الطوسى 2 / 181. (2) الكافي ج 1 / 460. (3) الكافي 8 / 58 والاية في سورة الروم: 41. (4) الكافي 8 / 58 والاية في الاعراف 55 و 84 (*).

[251]

33 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن على بن النعمان، عن ابن مسكان، عن سدير قال: كنا عند أبي جعفر (عليه السلام) فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله) واستدلالهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال رجل من القوم أصلحك الله فأين كان عز بني هاشم وما كانوا فيه من العدد ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): ومن كان بقي من بني هاشم ؟ إنما كان جعفر وحمزة فمضيا، وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالاسلام، عباس وعقيل، وكانا من الطلقاء، أما والله لو أن حمزة وجعفرا كانا بحضرتهما، ما وصلا إلى ما وصلا إليه، ولو كانا شاهديهما لاتلفا نفسيهما (1). بيان: الضمير في نفسيهما راجع إلى حمزة وجعفر، وإرجاعه إلى أبي بكر وعمر بعيد. 34 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن محمد ابن الحصين، عن خالد بن يزيد القمي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: " وحسبوا أن لا تكون فتنة " قال: حيث كان النبي (صلى الله عليه وآله) بين أظهرهم " فعموا وصموا " حيث قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ثم تاب الله عليهم " حيث قام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " ثم عموا وصموا " إلى الساعة (2).


(1) الكافي 8 / 190. (2) الكافي 8 / 199 والاية في سورة المائدة: 71، وقال المؤلف قدس سره في شرحه على الكافي (مرآت العقول) المشهور بين المفسرين أنها لبيان حال بنى اسرائيل، أي حسبت بنو اسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الانبياء وتكذيبهم وعلى تفسيره عليه السلام المراد الفتنة التى حدثت بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غضب الخلافة وعماهم عن دين الحق وصممهم عن استماعه وقبوله. أقول: مبنى التأويل على قول رسول الله " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة... "

[252]

35 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان، عن أبى هاشم قال: لما أخرج بعلي (عليه السلام) خرجت فاطمة (عليها السلام) واضعة قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على رأسها، آخذة بيدي ابنيها، فقالت: مالي ولك يا أبا بكر ؟ تريد أن تؤتم ابني وترملني من زوجي ؟ والله لو لا أن يكون سيئة لنشرت شعري، ولصرخت إلى ربى، فقال رجل من القوم: ما تريد ؟ إلى هذا ؟ ثم أخذت بيده فانطلقت به (1). وبالاسناد عن أبان، عن علي بن عبد العزيز عن عبد الحميد الطائى، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: والله لو نشرت شعرها ماتوا طرا (2). بيان: المشهور في كتب اللغة أن الايتام ينسب إلى المرأة يقال: أيتمت المرءة أي صار أولادها يتامى، والتيتيم جعله يتيما، والارملة المرأة التي لازوج لها، وقولها (عليها السلام) " أن تكون سيئة " أي مكافاة السيئة بالسيئة، وليست من عادة الكرام فيكون إطلاق السيئة عليها مجازا أو أريد بها مطلق الاضرار، ويمكن أن يراد بها المعصية أي نهيت عن ذلك ولا يجوز لى فعله، قوله: " ما تريد إلى هذا " لعل فيه تضمين معنى القصد أي قال مخاطبا لابي بكر أو عمر ما تريد بقصدك إلى هذا الفعل ؟ أتريد أن تنزل العذاب على هذه الامة ؟ ويحتمل أن يكون " إلى هذا " استفهاما آخر أي أتنتهي إلى هذا الحد من الشدة والفضيحة، قوله (عليه السلام): طرا أي


(1) الكافي 8 / 237، وقال اليعقوبي في تارخيه 2 / 116: وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والانصار قد اجتمعوا مع على بن ابي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار وخرج على [وخرج الزبير] ومعه السيف فلقيه عمر فصارعه فصرعه وكسر سيفه ! ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: والله لتخرجن أولا كشفن شعرى ولا عجن إلى الله، فخرجوا وخرج من كان في الدار، وأقام القوم أياما ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع ولم يبايع على (عليه السلام) الا بعد ستة أشهر، وقيل: أربعين يوما. (2) الكافي 8 / 238.

[253]

جميعا وهو منصوب على المصدر أو الحال. 36 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد ; والعدة، عن سهل، جميعا عن ابن محبوب، عن عمرو بن ابى المقدام، عن أبيه قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): إن العامة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا لله عز ذكره وما كان الله ليفتن امة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): أو ما يقرؤن كتاب الله ؟ أو ليس الله يقول: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا و سيجزى الله الشاكرين " قال: فقلت له إنهم يفسرون على وجه آخر فقال: أو ليس قد أخبر الله عز وجل عن الذين من قبلهم من الامم أنهم قد اختلفوا من بعد ما جائتهم البينات حيث قال: " وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من قبلهم من بعدهم من بعد ما جائتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد " وفي هذا ما يستدل به على أن أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) قد اختلفوا من بعده، فمنهم من آمن ومنهم من كفر (1). بيان: قوله " ليفتن " أي يمتحن ويضل، قوله: " إنهم يفسرون على وجه آخر " أي يقولون إن هذا كلام على وجه الاستفهام، ولا يدل على وقوع ذلك و كان غرضه (عليه السلام) أنه تعالى عرض للقوم بما صدر عنهم بعده (صلى الله عليه وآله) بهذا الكلام، و هذا لا ينافي الاستفهام بل التهديد بالعقوبة، وبيان أن ارتدادهم لا يضره تعالى ظاهر في أنه تعالى إنما وبخهم بما علم صدوره منهم (2) ولما غفل السائل عن هذه الوجوه، ولم يكن نصا في الاحتجاج على الخصم، أعرض (عليه السلام) عن ذلك و استدل عليه بآية أخرى وهي قوله تعالى " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا " الاية.


(1) الكافي 8 / 270، وقد مر مثله عن تفسير العياشي ص 20. (2) راجع شرح ذلك ص 21 من هذا الجزء (*).

[254]

ويمكن الاستدلال بها من وجوه: الاول أن ضمير الجمع في قوله تعالى: " من بعدهم " راجع إلى الرسل فيدل بعمومه على أن جميع الرسل يقع الاختلاف بعدهم، فيكون فيهم كافر ومؤمن، ونبينا (صلى الله عليه وآله) منهم، فليزم صدور ذلك من امته. الثاني أن الاية تدل على وقوع الاختلاف والارتداد بعد عيسى، وكثير من الانبياء (عليهم السلام) في اممهم، وقد قال تعالى: " ولن تجد لسنة الله تبديلا " وقال النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك ما قال، كما مر، فيلزم صدور مثل ذلك عن هذه الامة أيضا. الثالث أن يكون الغرض رفع الاستبعاد الذي بني القائل كلامه عليه بأنه إذا جاز وقوع ذلك بعد كثير من الانبياء (عليهم السلام)، فلم لم يجز وقوعه بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) فيكون سندا لمنع المقدمة التي أوردها بقوله: " وما كان الله ليفتن امة محمد " و لعل هذا بعد الثاني أظهر. 37 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن غير واحد عن أبان بن عثمان، عن أبي جعفر الاحول والفضيل بن يسار عن زكريا النقاض، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الناس صاروا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنزلة من اتبع هارون (عليه السلام) ومن اتبع العجل، وإن أبا بكر دعا فأبي علي (عليه السلام) إلا القرآن وإن عمر دعا فأبي علي (عليه السلام) إلا القرآن، وإن عثمان دعا فأبي علي (عليه السلام) إلا القرآن، وأنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجال إلا سيجد من يبايعه، ومن رفع راية ضلال فصاحبها طاغوت (1). بيان، قوله: " وإن أبا بكر دعا " أي عليا (عليه السلام) إلى موافقته أو جميع الناس إلى بيعته وموافقته، فلم يعمل أمير المؤمنين (عليه السلام) في زمانه إلا بالقرآن ولم يوافقه في بدعه. 38 - كا: بهذا الاسناد، عن أبان، عن الفضيل، عن زرارة، عن أبي جعفر


(1) الكافي 8 / 296 (*).

[255]

(عليه السلام) قال: إن الناس لما صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر لم يمنع أمير المؤمنين (عليه السلام) من أن يدعو إلى نفسه إلا نظرا للناس، وتخوفا عليهم أن يرتدوا عن الاسلام، فيعبدوا الاوثان، ولا يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وكان الاحب إليه أن يقرهم على ما صنعوا من أن يرتدوا عن الاسلام، وإنما هلك الذين ركبوا ما ركبوا، فأما من لم يصنع ذلك ودخل فيما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لامير المؤمنين (عليه السلام) فان ذلك لا يكفره، ولا يخرجه من الاسلام فلذلك كتم على (عليه السلام) أمره، وبايع مكرها حيث لم يجد أعوانا (1). بيان: قوله (عليه السلام): " من أن يرتدوا عن الاسلام " أي عن ظاهره والتكلم بالشهادتين، فابقاؤهم على ظاهر الاسلام كان صلاحا للامة ليكون لهم ولاولادهم طريق إلى قبول الحق وإلى الدخول في الايمان في كرور الازمان، وهذا لا ينافي ما مر وسيأتي أن الناس ارتدوا إلا ثلاثة، لان المراد فيها ارتدادهم عن الدين واقعا، وهذا محمول على بقائهم على صورة الاسلام وظاهره، وإن كانوا في أكثر الاحكام الواقعية في حكم الكفار، وخص (عليه السلام) هذا بمن لم يسمع النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يبغضه ولم يعاده فان من فعل شيئا من ذلك فقد أنكر قول النبي (صلى الله عليه وآله)، وكفر ظاهرا أيضا ولم يبق له شئ من أحكام الاسلام ووجب قتله. 39 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد عن على بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن عبد الرحيم القصير قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): إن الناس يفزعون إذا قلنا إن الناس ارتدوا، فقال: يا عبد - الرحيم إن الناس عادوا بعد ما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل جاهلية (1) إن الانصار


(1) الكافي ج 8 / 295. (2) يعنى كما قال عزوجل وحكم به " أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " والا - نقلاب على الاعقاب ليس الا احياء أمر الجاهلية ولعله (عليه السلام) أشار إلى قوله ص في الصحيح " من لم يعرف امامه مات ميتة جاهلية " راجع شرح ذلك في كتاب الامامة من بحار الانوار ج =

[256]

اعتزلت فلم تعتزل بخير، جعلوا يبايعون سعدا وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية: يا سعد أنت المرجا * وشعرك المرجل * وفحلك المرجم (1). بيان: قوله " فلم تعتزل بخير " أي لم يكن اعتزالهم لاختيار الحق أو لترك الباطل، بل اختاروا باطلا مكان باطل آخر للحمية والعصبية، قال الفيروز آبادي الرجز بالتحريك ضرب من الشعر وزنه مستفعل ست مرات، سمي به لتقارب أجزائه وقلة حروفه، وزعم الخليل أنه ليس بشعر وإنما هو أنصاف أبيات وأثلاث، قوله " وفحك المرجم " أي خصمك مرجوم مطرود وقد مر بوجه آخر. 40 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن سليمان، عن عبد الله بن محمد اليماني، عن منيع بن الحجاج، عن صباح الحذاء عن صباح المزني، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد على (عليه السلام) يوم الغدير، صرخ إبليس في جنوده صرخة، فلم يبق منهم أحد في بر ولا بحر إلا أتاه، فقالوا:


= 23 ص 76 - 95، وروى مسلم في صحيحه 6 / 22 باسناده عن عبد الله بن عمر أنه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية وروى ابن حنبل في المسند 4 / 96 باسناده عن معاوية قال قال رسول الله من مات بغير امام مات ميتة جاهلية، وأخرجه في مجمع الزوائد 5 / 225 و 5 / 218 عن الطبراني، قال: وفى رواية من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، إلى غير ذلك مما روى بغير هذا اللفظ وان حرف فيها لفظ الامام بالجماعة أو السلطان تشييدا لمرامهم، راجع صحيح البخاري كتاب الفتن الباب 2 ج 9 ص 59 كتاب الاحكام الباب 4 (9 / 78)، صحيح مسلم كتاب الامارة الحديث 53 و 54 و 55 (6 / 21) سنن النسائي كتاب التحريم الباب 28 سنن الدارمي كتاب السير الباب 76، مجمع الزوائد ج 5 ص 218 و 223 و 224 و 225، منتخب كنز العمال 2 / 147 مسند الامام ابن حنبل ج 1 / 275 و 184 و 297 و 310 ج 2 / 70 و 83 و 93 و 111 و 296 و 306 و 488 ج 3 ص 445 و 446 ج 4 / 96 ج 5 / 180 و 387. (1) الكافي 8 / 296، وقد مر كلام في علة اجتماع الانصار في السقيفة، راع ص 159 - 160 من هذا الجزء (*).

[257]

يا سيدهم ومولاهم ! ماذا دهاك ؟ فما سمعنا لك صرخة أوحش من صرختك هذه ! فقال لهم: فعل هذا النبي فعلا إن تم لم يعص الله أبدا، فقالوا: يا سيدهم أنت كنت لادم. فلما قال المنافقون: إنه ينطق عن الهوى، وقال أحدهما لصاحبه: أما ترى عينيه تدوران في رأسه كأنه مجنون، يعنون رسول الله (صلى الله عليه وآله) صرخ إبليس صرخة يطرب فجمع أولياءه فقال: أما علمتم أني كنت لادم من قبل ؟ قالوا: نعم، قال: آدم نقض العهد ولم يكفر بالرب وهؤلاء نقضوا العهد وكفروا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأقام الناس غير علي لبس إبليس تاج الملك و نصب منبرا وقعد في الزينة، وجمع خيله ورجله، ثم قال لهم: اطربوا لا يطاع الله حتى يقوم إمام، وتلا أبو جعفر (عليه السلام) " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين " قال أبو جعفر (عليه السلام): كان تأويل هذه الاية لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والظن من إبليس حين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه ينطق عن الهوى فظن بهم إبليس ظنا فصدقوا ظنه (1). توضيح قوله: " يا سيدهم " أي قالوا يا سيدنا ومولانا، وإنما غيره لئلا يوهم انصرافه إليه، وهذا شايع في كلام البلغاء في نقل أمر لا يرضي القائل لنفسه، كقوله تعالى: " أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين " قوله: " ما ذادهاك " يقال: دهاه إذا أصابته داهية، قوله: " أحدهما لصاحبه " يعنى أبا بكر وعمر، قوله: في الزينة في بعض النسخ الوثبة أي الوسادة. 41 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن حديد، عن جميل ابن دراج، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوما كئيبا حزينا فقال له علي (عليه السلام): مالى أراك يا رسول الله كئيبا حزينا ؟ فقال: وكيف لا أكون كذلك، وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم وبني عدي وبني امية يصعدون


(1) الكافي 8 / 344، والاية في سورة سبأ: 20 (*).

[258]

منبرى هذا: يردون الناس عن الاسلام القهقرى، فقلت: يا رب في حياتي أو بعد موتى ؟ فقال: بعد موتك (1).


(1) الكافي 8 / 345 وروى الترمذي في تفسير سورة القدر ج 4 / 115 باسناده عن يوسف بن سعد قال: " قام رجل إلى الحسن بن على بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين - أو - يا مسود وجوه المؤمنين فقال: لا تؤنبنى - رحمك الله - فان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرى بنى امية على منبره فساءه ذلك فنزلت " انا أعطيناك الكوثر " يا محمد - يعنى نهرا في الجنة، ونزلت " انا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ماليلة القدر ليله القدر خير من ألف شهر " يملكها بعدك بنو أمية يا محمد، قال القاسم: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص. وروى في الدر المنثور 6 / 371 عن ابن عباس قال: رأى رسول الله بنى أمية على منبره فساءه ذلك فأوحى الله إليه: انما هو ملك يصيبونه ونزلت " انا انزلناه في ليلة القدر " و قال أخرجه الخطيب في تاريخه وروى مثل ذلك باسناده عن ابن المسيب وقال أخرجه الخطيب أيضا، وروى حديث الترمذي باسناده عن يوسف بن مازن الرؤاسى باختصار وقال أخرجه الترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، وروى حديث ابن المسيب في منتخب كنز العمال 5 / 304 وقال أخرجه البيهقى في الدلائل. وروى السيوطي في دره 4 / 191 في قوله تعالى: " وما جعلنا الرؤيا التى أريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن " أسرى: 60. باسناده عن سهل بن سعد قال رأى رسول الله بنى (صلى الله عليه وآله وسلم) فلان ينزون منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات، وأنزل الله وما جعلنا الرؤيا التى أريناك الا فتنة للناس، قال أخرجه ابن جرير، وروى مثل ذلك عن ابن عمر ويعلى بن مرة وقال أخرجه ابن ابى حاتم وعن الحسين بن على (عليه السلام) مثله وقال أخرجه ابن مردويه وروى عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله يقول لابيك وجدك " انكم الشجرة الملعونة في القرآن، وقال: أخرجه ابن مردويه. أقول: راجع في تفصيل مدة ملكهم مروج الذهب 3 / 234 (*).

[259]

42 - ختص: عدة من أصحابنا، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن الحسين عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم الحضرمي، عن عمرو بن ثابت قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) لما قبض ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة: سلمان، والمقداد، وأبو ذر الغفاري، إنه لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) جاء أربعون رجلا إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالوا: لا والله لا نعطي أحدا طاعة بعدك أبدا، قال: ولم ؟ قالوا: إنا سمعنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيك يوم غدير، قال: وتفعلون ؟ قالوا: نعم، قال: فأتوني غدا محلقين، قال: فما أتاه إلا هؤلاء الثلاثة، قال وجاءه عمار بن ياسر بعد الظهر فضرب يده على صدره ثم قال له: ما آن لك أن تستيقظ من نومة الغفلة ؟ ارجعوا فلا حاجة لي فيكم، أنتم لم تطيعوني في حلق الرأس فكيف تطيعوني في قتال جبال الحديد، ارجعوا فلا حاجة لي فيكم (1). 43 - ختص: جعفر بن الحسين المؤمن، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى يرفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن سلمان كان منه إلى ارتفاع النهار (2)


(1) الاختصاص: 6. (2) أي كان منه حيرة في تكليفه كيف يعمل فتلكا في انكار المنكر إلى ارتفاع النهار ثم جاء وأنكر عليهم قائلا كرداذ وناكرداذ إلى آخر ما عرفت نصه قبل ذلك، ولما كان التأخير منه وهو من المؤمنين المتيقنين دون شأنه، أصيب بأن وجئ عنقه تكفيرا، و هكذا ابتلاء أبى ذر رحمه اله بالمصائب التى ابتلى بها، كان تكفيرا لتلكوئه في انكار المنكر. وأما المقداد بن عمر، فهو الذى أنكر عليهم في بادى بدء الامر في السقيفة على ما ذكره ابن أبى الحديد في ج 1 ص 58 من شرحه (للخطبة الشقشقية) قال في كلام له: " وعمر هو الذى شيد بيعة أبى بكر ورغم المخالفين فيها: فكسر سيف الزبير لما جرده ودفع في صدر مقداد ووطئ في السقيفة سعد بن عبادة وقال: اقتلوا سعدا قتل الله سعدا وحطم أنف الحباب المنذر الذى قال يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، إلى =

[260]

فعاقبه الله أن وجئ في عنقه حتى صيرت كهيئة السلعة حمراء، وأبو ذر كان منه إلى وقت الظهر، فعاقبه الله إلى أن سلط عليه عثمان حتى حمله على قتب، وأكل لحم إليتيه، وطرده عن جوار رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأما الذي لم يتغير منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى فارق الدنيا طرفة عين فالمقداد بن الاسود (1) لم يزل


= آخر ما سيأتي من نصوص كلامه. (1) وقد كان متصلبا شجاعا ذا بأس وصولة في يقين وهو صاحب المقالة المعروفة في بدر على ما نقله أصحاب السير: روى ابن هشام في السيرة 1 / 614 أن رسول الله (صلى الله عليه آله وسلم) لما أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، استشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال و أحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى: " اذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون " ولن اذهب أنت وربك فقاتلا أنا معكما مقاتلون، فو - الذى بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد (موضع باليمن، أو هو اقصى هجر، أو مدينة بالحبشة) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله خيرا ودعا له به، راجع في ذلك اسد الغابة ج 4 / 410، تاريخ الطبري 2 / 434، تاريخ البلاذرى 1 / 293 الاغانى لابي الفرج 4 / 176 و 177 ط دار الكتب ولفظه: قال عبد الله بن مسعود: شهدت من المقداد مشهدا لان اكون صاحبه أحب إلى مما في الارض م كل شئ كان رجلا فارسا وكان رسول الله إذا غضب احمارت وجنتاه فأتاه المقداد على تلك الحال فقال: أبشر يا رسول الله فو الله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا أنا ههنا قاعدون ولكن والذى بعثك بالحق لنكونن بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وشمالك أو يفتح الله تبارك وتعالى. ومثل ذلك في طبقات ابن سعد ج 3 ق 1 / 115 باختصار، وروى الهيثمى مثل الاول في مجمع الزوائد 8 / 307 باسناده عن انس وظاهر لفظه أن مقالته تلك كانت في غزوة الحديبية عند بيعة الشجرة.

[261]

قائما قابضا على قائم السيف عيناه في عيني أمير المؤمنين (عليه السلام) ينتظر متى يأمره فيمضي (1). 44 - ختص: جعفر بن الحسين، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي عن أبيه، عن محمد بن عمرو، عن كرام، عن إسماعيل بن جابر، عن مفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لما بايع الناس أبا بكر اتي بأمير المؤمنين (عليه السلام) ملببا ليبايع، قال: سلمان أيصنع ذا بهذا ؟ والله لو أقسم على الله لا نطبقت ذه على ذه، قال: وقال أبو ذر. وقال المقداد: والله هكذا أراد الله أن يكون، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) كان المقداد أعظ الناس إيمانا تلك الساعة (2). 45 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي برواية أبان بن أبي عياش عنه موافقا لما رواه الطبرسي ره عنه في الاحتجاج (3): سليم بن قيس قال: سمعت سلمان الفارسى - ره - قال: لما أن قبض النبي (صلى الله عليه وآله) وصنع الناس ما صنعوا، جاء أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح فخاصموا الانصار فخصومهم بحجة علي فقالوا يا معشر الانصار قريش أحق بالامر منكم، لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قريش، والمهاجرون خير منكم، لان الله بدء بهم في كتابه وفضلهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الائمة من قريش (4).


(1) الاختصاص: 9. (2) الاختصاص 11. (3) راجع الاحتجاج: 52 وما بعده. (4) سيجئ كلام في حديثهم هذا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر هذا الفصل وناهيك من ذلك قوله (عليه السلام) على ما روى في النهج (خ 152): " بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى ان الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم: لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم. والظاهر من كلامه هذا أن رسول الله ص قد قال هذا الكلام في تأمير الولاة دون أمر الخلاة، كيف وهو الذى قام بغدير خم وعقد الخلافة من بعده علنا بين الامة لعلى وزيره =

[262]

وقال سلمان: فأتيت عليا وهو يغسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى عليا (عليه السلام) أن لا يلي غسله غيره، فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من يعينني على ذلك ؟ فقال: جبرئيل، فكان علي (عليه السلام) لا يريد عضوا إلا قلب له، فلما غسله وحنطه وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة والحسن و الحسين (عليهم السلام) فتقدم وصففنا خلفه، وصلى عليه، والعائشة في الحجرة لا تعلم، قد أخذ الله ببصرها ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الانصار فكانوا يدخلون ويدعون ويخرجون، حتى لم يبق أحد شهد من المهاجرين والانصار إلا صلى عليه. قال سلمان الفارسي فأخبرت عليا (عليه السلام) وهو يغسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما صنع القوم، وقلت إن أبا بكر الساعة لعلى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يرضون أن يبايعوا له بيد واحدة، وإنهم ليبايعونه بيديه جميعا بيمينه وشماله ؟ فقال علي (عليه السلام): يا سلمان وهل تدري من أول من بايعه على منبر رسول الله ؟ قلت: لا إلا أني رأيته في ظلة بني ساعدة حين خصمت الانصار وكان أول من بايعه المغيرة بن شعبة ثم بشير ابن سعد ثم أبو عبيدة بن الجراح ثم عمر بن الخطاب ثم سالم مولى أبي حذيفة و معاذ بن جبل. قال: لست أسألك عن هؤلاء، ولكن تدرى من أول من بايعه حين صعد


= وحليفه وناصره، وهو الذى قال في حديث متواتر عند الفريقين " انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتى فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم ". ويؤيد ذلك أن رسول الله كان يقدم قريشا في التأمير وخصوصا بنى عبد المطلب على غيرهم ومثل ذلك فعل على بن أبيطالب حين ظهر على الخلافة، والى ذلك يؤول كلام عمر لابن عباس حيث قال له " أما والله ان صاحبك هذا لاولى الناس بالامر بعد رسول الله ص الا انا خفناه على اثنين، قال ابن عباس: فقلت: ما هما يا أمير المؤمنين ؟ قال: خفناه على حداثة سنه وحبه بنى عبد المطلب " راجع شرح النهج الحميدى 2 / 20 و 1 / 134 وسيجئ تتمة كلامه في هذا المعنى ان شاء الله تعالى (*).

[263]

المنبر ؟ قلت: لا، ولكن رأيت شيخا كبيرا يتوكأ على عصاه بين عينيه سجادة شديد التشمير، صعد المنبر أول من صعد وخر وهو يبكي ويقول " الحمد لله الذي لم يمتنى حتى رأيتك في هذا المكان، أبسط يدك " فبسط يديه فبايعه، ثم قال: " يوم كيوم آدم " ثم نزل فخرج من المسجد (1). فقال على (عليه السلام): يا سلمان أتدري من هو ؟ قلت: لا، ولقد ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال علي (عليه السلام): فان ذلك إبليس لعنه الله، أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن إبليس ورؤساء أصحابه شهدوا نصب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إياى يوم غدير خم بما أمره الله، فأخبرهم بأني أولى بهم من أنفسهم، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب فأقبل إلى إبليس أبا لستة ومردة أصحابه، فقالوا إن هذه الامة أمة مرحوم معصومة فما لك ولا لنا عليهم سبيل، وقد أعلموا مفزعهم وإمامهم بعد نبيهم، فانطلق إبليس كئيبا حزينا. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): فأخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لو قبض أن الناس سيبايعون أبا بكر في ظلة بني ساعدة بعد تخاصمهم بحقنا وحجتنا، ثم يأتون المسجد فيكون أول من يبايعه على منبري إبليس في صورة شيخ كبير مشمر يقول كذا وكذا، ثم يخرج فيجمع شياطينه وأبا لسته ; فيخرون سجدا ويقولون يا سيدهم يا كبيرهم أنت الذي أخرجت آدم من الجنة، فيقول أي امة لم تضل بعد نبيها ؟ كلا زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل، فكيف رأيتموني صنعت بهم حين تركوا ما أمرهم الله به من طاعته، وأمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2) وذلك قوله تعالى " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (3).


(1) كأن سلمان رحمه الله رأى ذلك بعين الكشف، وقد كان خليقا بذلك. (2) ترى الحديث من اوله إلى هنا في الكافي 8 / 343 - 344 باسناده عن على بن ابراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن ابراهيم بن عمر اليماني عن سليم بن قيس الهلالي. (3) سبأ: 20 (*).

[264]

قال سلمان: فلما أن كان الليل، حمل علي (عليه السلام) فاطمة (عليها السلام) على حمار وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين (عليهما السلام)، فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الانصار إلا أتاه في منزلة، فذكرهم حقه، ودعاهم إلى نصرته، فما استجاب له منهم إلا أربعة وأربعون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤسهم، معهم سلاحهم، ليبايعوه على الموت، فأصبحوا فلم يواف منهم أحد إلا أربعة فقلت لسلمان: من الاربعة ؟ فقال: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام، ثم أتاهم علي (عليه السلام) من الليلة المقبلة، فناشدهم فقالوا نصبحك بكرة، فما منهم أحد أتاه غيرنا، ثم أتاهم الليلة الثالثة: فما أتاه غيرنا (1). فلما رأى علي (عليه السلام) غدرهم، وقلة وفائهم له، لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج من بيته حتى جمعه، وكان في الصحف والشظاظ و الاكتاف والرقاع، فلما جمعه كله وكتبه بيده: تنزيله وتأويله، والناسخ منه و المنسوخ، بعث إليه أبو بكر اخرج فبايع، فبعث إليه علي (عليه السلام) أني مشغول وقد آليت على نفسي يمينا أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أولف القرآن وأجمعه (2).


(1) راجع شرح ذلك في ص 186 من هذا الجزء. (2) راجع نصوص ذلك ص 205 من هذا الجزء نقلا عن منتخب كنز العمال 2 / 162 شرح النهج الحديدي 2 / 16. وأخرج ابن شهر آشوب السروى في مناقبه 2 / 41 عن أبى نعيم في حليته والخطيب في اربعينه بالاسناد عن السدى عن عبد خير عن على (عليه السلام) قال: لما قبض رسول الله أقسمت - أو حلفت - أن لا أضع رداى على ظهرى حتى أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت رداى حتى جمعت القرآن. قال: وفى أخبار أهل البيت (عليهم السلام) " أنه آلى أن لا يضع رداءه على عاتقه الا للصلاة حتى يؤلف القرآن ويجمعه " فانقطع عنهم مدة إلى ان جمعه ثم خرج إليهم به في ازار يحمله وهم مجتمعون في المسجد، فأنكروا مصيره بعد انقطاع مع البستة فقالوا: لامر =

[265]

فسكتوا عنه أياما فجمعه في ثوب واحد وختمه، ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فنادى علي (عليه السلام) بأعلا صوته: أيها الناس إني لم أزل منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشغولا بغسله، ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد، فلم ينزل الله على رسوله آية منه إلا وقد جمعتها وليست منه آية إلا وقد أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلمني تأويلها ثم قال علي (عليه السلام) لئلا تقولوا غدا أنا كنا عن هذا غافلين (1). ثم قال لهم علي (عليه السلام): لا تقولوا يوم القيامة إني لم أدعكم إلى نصرتي، ولم أذكركم حقي، ولم أدعكم إلى كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته، فقال له عمر:


= ما جاء به أبو الحسن، فلما توسطهم وضع الكتاب بينهم ثم قال: ان رسول الله قال: انى مخلف فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي، اهل بيتى، وهذا الكتاب وأنا العترة، فقام إليه الثاني فقال له: ان يكن عندك قرآن فعندنا مثله، فلا حاجة لنا فيكما، فحمل (عليه السلام) الكتاب وعاذبه، بعد أن ألزمهم الحجة. وقال السيوطي في الاتقان: قال ابن حجر: " وقد ورد عن على أنه جمع القرآن على ترتيب النزول عقيب موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أخرجه ابن ابى داود في المصاحف قال محمد بن سيرين: لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم " ثم أخرج السيوطي حديث عبد خير باللفظ الذي مر عن المناقب من كتاب الحلية والاربعين وحديث ابن سيرين باللفظ الذى مر عن المنتخب ص 186 من هذا الجزء عن كتاب المصاحف لابن ابى داود. وروى ابن النديم في فهرسته ص 47 عند الكلام في ترتيب سورة القرآن في مصحف أمير المؤمنين على بن أبيطالب: قال ابن المنادى باسناده عن عبد خير عن على (عليه السلام) أنه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقسم أنه لا يضع على ظهره رداه حتى يجمع القرآن فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن، فهو اول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه... =

[266]

ما أغنانا بما معنا من القرآن عما تدعونا إليه، ثم دخل علي (عليه السلام) بيته وقال عمر لابي بكر: أرسل إلى على فليبايع، فانا لسنا في شئ حتى يبايع، ولو قد بايع أمناه، فأرسل إليه أبو بكر أجب خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاه الرسول فقال له ذلك فقال له على (عليه السلام): سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا غيرى، وذهب الرسول فأخبره بما قال له، فقال: اذهب فقل له أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأتاه فأخبره بما قال: فقال على (عليه السلام): سبحان الله ! ما - والله - طال العهد فينسى، والله إنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لى، ولقد أمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سابع سبعة فسلموا على بامرة المؤمنين (1) فاستفهم هو وصاحبه من بين السبعة فقالا: أمر من الله ورسوله ؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): نعم حقا من الله ورسوله، إنه أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وصاحب لواء الغر المحجلين (2) يقعده الله عز وجل يوم القيامة


(1) روى العلامة المحدث الشهير بابن حسنويه الحنفي في كتابه: در بحر المناقب 78 (على ما في الاحقاق 4 / 277) بالاسناده إلى أبى ذر قال: أمرنا رسول الله أن نسلم على امير المؤمنين على بن ابي طالب وقال: سلموا على أخى ووارثى وخليفتي في قومي وولى كل مؤمن من بعدى، سلموا عليه بأمرة المؤمنين وأنه ولى كل من تسكن الارض إلى يوم العرض ولو قدمتموه لاخرجت لكم بركاتها فانه أكرم من عليها من أهلها، قال أبو ذر: فرأيته و قد تغير لونه وقال: أحق من الله يا رسول الله ؟ قال ص: حق من الله أمرنى به، ولذلك أمرتكم، فقال وسلم عليه بامرة المؤمنين، ثم أقبل على أصحابه وقال ما قاله. أقول: وترى حديث التسليم في كتاب المواقف للقاضى عضد الدين الايجى 2 / 613 بشرح الجرجاني رواه عن نهاية العقول لفخر الدين الرازي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سلموا على على بامرة المؤمنين. (2) أخرج ابو نعيم في حليته 1 / 63 باسناده عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا أنس اسكب لى وضوءا، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين، قال انس: قلت: =

[267]

على الصراط فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار (1) فانطلق الرسول فأخبره بما قال فسكتوا عنه يومهم ذلك. قال: فلما كان الليل حمل علي (عليه السلام) فاطمة (عليها السلام) على حمار وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين (عليهما السلام) فلم يدع أحدا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أتاه في منزله فناشدهم الله حقه، ودعاهم إلى نصرته فما استجاب منهم رجل غيرنا أربعة (2) فانا


= اللهم اجعله رجلا من الانصار، وكتمته، إذ جاء على، فقال: من هذا يا أنس ؟ فقلت: على فقام مستبشرا فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه قال على: يا رسول الله لقد رأيتك صنعت شيئا ما صنعت بى من قبل ! قال: وما يمنعنى وأنت تؤدى عنى وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدى. (1) روى الحافظ ابن مردويه في المناقب على ما أخرجه العلامة المرعشي في الاحقاق 4 / 18 باسناده عن عبد الله بن عباس قال دخل على (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده عائشة فجلس بين النبي وبين عائشة، فقالت: ما كان لك مجلس غير فخذي ؟ فضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ظهرها وقال: مه لا تؤذيني في أخى فانه أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين يوم القيامة: يقعد على الصراط فيدخل أولياءه الجنة ويدخل أعداءه النار. (2) روى ذلك جمع من رواة الاخبار كابن أبى الحديد في شرح النهج 1 / 131. وابن قتيبة في الامامة والسياسة 19، واليعقوبي في تاريخه 2 / 116، وقد مر نصوصهم فيما سبق. وقال ابن ابى الحديد في شرحه على النهج ج 3 ص 5 في كلام له: " وأما الزبير فلم يكن الا علوى الرأى شديد الولاء، جاريا من الرجل مجرى نفسه، ويقال انه عليه - السلام لما استنجد بالمسلمين عقيب يوم السقيفة وما جرى فيه، وكان يحمل فاطمة عليها السلام ليلا على حمار وابناها بين يدى الحمار، وهو (عليه السلام) يسوقه فيطوف بيوت الانصار وغيرهم ويألهم النصرة والمعونة أجابه أربعون رجلا فبايعهم على الموت وأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقى رؤسهم ومعهم سلاحهم، فأصبح لم يوافه منهم الا أربعة: الزبير و =

[268]

حلقنا رؤسنا وبذلنا له نصرتنا، وكان الزبير أشدنا بصيرة في نصرته، فلما أن رأى علي (عليه السلام) خذلان الناس إياه وتركهم نصرته، واجتماع كلمتهم مع أبي بكر، و تعظيمهم إياه، لزم بيته. فقال عمر لابي بكر: ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع، فانه لم يبق أحد إلا و قد بايع غيره وغير هؤلاء الاربعة، وكان أبو بكر أرق الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غورا، والاخر أفظهما وأغلظهما وأجفاهما، فقال له أبو بكر: من نرسل إليه ؟ فقال عمر نرسل إليه قنفذا فهو رجل فظ غليظ جاف من الطلقاء، أحد بني عدي بن كعب، فأرسله وأرسل معه أعونا، وانطلق فاستأذن على علي (عليه السلام) فأبي أن يأذن لهم فرجع أصحاب قنفذ إلى أبى بكر وعمر وهما جالسان في المسجد والناس حولهما، فقالوا: لم يؤذن لنا. فقال عمر: اذهبوا فان أذن لكم وإلا فادخلوا بغير إذن فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة (عليها السلام) أحرج عليكم أن تدخلوا علي بيتي بغير اذن، فرجعوا وثبت قنفذ الملعون، فقالوا: ان فاطمة قالت كذا وكذا، فتحرجنا أن ندخل بيتها بغير اذن. فغضب عمرو قال مالنا وللنساء ثم أمرا ناسا حوله بتحصيل الحطب (1) وحملوا


= المقداد وأبو ذر وسلمان، ثم أتاهم من الليل فناشدهم فقالوا نصبحك غدوة فما جاء منهم الا الاربعة وكذلك في الليلة الثالثة. وكان الزبير أشدهم له نصرة وأنفذهم في طاعته بصيرة، حلق رأسه وجاء مرارا و في عنقه سيفه وكذلك الثلاثة الباقون، الا أن الزبير، هو كان الرأس فيهم الحديث. (1) روى البلاذرى في تاريخه انساب الاشراف 1 / 586 عن المدائني عن مسلمة بن محارب عن سليمان التيمى وعن ابن عون أن أبا بكر أرسل إلى على يريد البيعة فلم يبايع فجاء عمر، ومعه فتيلة فنلقته فاطمة على الباب فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب ! أتراك محرقا على بابى ؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء أبوك ؟ وروى ابن قتيبة في كتابه الامامة والسياسة 19: أن أبا بكر بعث إليهم عمر فجاء =

[269]

الحطب وحمل معهم عمر فجعلوه حول منزل على (عليه السلام) وفيه على وفاطمة وابناهما (عليهم السلام) ثم نادى عمر حتى أسمع عليا وفاطمة: والله لتخرجن يا علي ولتبايعين خليفة رسول الله وإلا أضرمت عليك النار، فقامت فاطمة عليها السلام فقالت: يا عمر مالنا ولك ؟ فقال افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم بيتكم، فقالت: يا عمر أما تتقي الله تدخل علي بيتي ؟ فأبى أن ينصرف ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه فدخل. فاستقبلته فاطمة (عليها السلام) وصاحت يا أبتاه يا رسول الله ! فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأبه جنبها، فصرخت يا أبتاه، فرفع السوط فضرب به ذارعها، فنادت يا رسول الله لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر، فوثب علي (عليه السلام) فأخذ بتلابيه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته، وهم بقتله، فذكر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما أوصاه به، فقال: والذي كرم محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوة يا ابن صهاك لو لا كتاب من الله سبق، وعهد عهد إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلمت أنك لا تدخل بيتي. فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار، وثار علي (عليه السلام) إلى سيفه فرجع قنفذ إلى ابي بكر وهو يتخوف أن يخرج علي (عليه السلام) بسيفه، لما قد عرف من بأسه وشدته، فقال أبو بكر لقنفذ ارجع فان خرج فاقتحم عليه بيته، فان امتنع فأضرم عليهم بيتهم النار (1) فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن،


= فناداهم وهم في دار على فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذى نفس عمر بيده لتخرجن أو لا حرقنها على من فيها، فقيل له: يا ابا حفص ان فيها فاطمة ؟ ! فقال: وان. وروى الطبري في تاريخه 3 / 202 قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير عن المغيرة عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل على وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: والله لا حرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلنا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه. (1) وروى ابراهيم بن محمد الثقفى على ما رواه السيد علم الهدى في الشافي 397 قال: حدثنى أحمد بن عمرو البجلى قال: حدثنا أحمد بن حبيب العامري عن حمران بن =

[270]

وثار على (عليه السلام) إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه، فتناول بعض سيوفهم فكاثروه، فألقوا في عنقه حبلا وحالت بينهم وبينه فاطمة عليها السلام عند باب البيت فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت وان في عضدها مثل الدملج من ضربته لعنه الله ثم انطلقوا بعلي (عليه السلام) يتل (1) حتى انتهى به إلى أبي بكر، وعمر قائم بالسيف على رأسه، وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل والمغيرة بن شعبة وأسيد بن حضير وبشير بن سعد وساير الناس حول أبي بكر عليهم السلاح. قال: قلت لسلمان: أدخلوا على فاطمة بغير اذن ؟ قال أي والله، وما عليها خمار فنادت يا أبتاه يارسول الله فلبئس ما خلفك أبو بكر وعمر، وعيناك لم تتفقأ في قبرك، تنادي بأعلى صوتها، فلقد رأيت أبا بكر ومن حوله يبكون ما فيهم الاباك غير عمر وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة وعمر يقول: انا لسنا من النساء ورأيهن في شئ، قال: فانتهوا بعلي (عليه السلام) إلى أبى بكر وهو يقول: أما والله لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لم تصلوا إلى هذا أبدا، أما والله ما ألوم نفسي في جهادكم، ولو كنت استمسك من أربعين رجلا لفرقت جماعتكم، ولكن لعن الله أقواما بايعوني ثم خذلوني. ولما أن بصر به أبو بكر صاح: خلوا سبيله، فقال علي (عليه السلام): يا أبا بكر ما أسرع ما توثبتم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأي حق وبأي منزلة دعوت الناس إلى بيعتك ؟ ألم تبايعني بالامس بأمر الله وأمر رسول الله ؟ وقد كان قنفذ لعنه الله ضرب فاطمة (عليها السلام) بالسوط حين حات بينه وبين زوجها وأرسل إليه عمر إن حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها فألجأها قنفذ إلى عضادة بيتها ودفعها فكسر ضلعا من جنبها فألقت جنينا


= أعين عن أبى عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: والله ما بايع على (عليه السلام) حتى رأى الدخان قد دخل بيته. (1) في المصدر يعتل عتلا (*).

[271]

من يطنها (1) فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت - صلى الله عليها - من ذلك شهيدة. قال: ولما انتهى بعلي (عليه السلام) إلى أبي بكر انتهره عمر وقال: له بايع ودع عنك هذه الاباطيل فقال له علي (عليه السلام): فان لم أفعل فما أنتم صانعون ؟ قالوا نقتلك ذلا وصغارا، فقال إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله (صلى الله عليه وآله) قال أبو بكر أما عبد الله فنعم وأما أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما نقر لك بهذا، قال أتجحدون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخا بينى وبينه ؟ قال: نعم، فأعاد ذلك عليه ثلاث مرات (2).


(1) صرح بذلك النظام على ما في كتاب الملل والنحل للشهرستاني 83 قال: ان عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين (المحسن) من بطنها وكان يصيح: احرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير على وفاطمة والحسن والحسين " أقول: والمحسن كان سماه رسول الله بذلك الاسم حينما سما حسنا فقال: ومن بعد حسن حسين ومن بعده محسن كاسماء أولاد هرون، صرح بذلك الفيروز آبادى في القاموس (شبر) قال: وشبر كبقم وشبير كقمير ومشبر كمحدث أبناء هرون (عليه السلام) قيل وبأسمائهم سمى النبي (صلى الله عليه واله وسلم) الحسن والحسين والمحسن، ولفظ ابى نعيم في الحلية وابن منده على ما أخرجه في منتخب كنز العمال 5 / 104 " فقال ما سميته يا على ؟ قال: سميته جعفرا يا رسول الله قال: لا، ولكنه حسن وبعده حسين. وترى مثل ذلك في أنساب الاشراف للبلاذرى 1 / 404. (2) قال ابن اسحاق (سيرة ابن هشام 1 / 504:) آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه من المهاجرين والانصار فقال فيما بلغنا: تأخوا في الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد على بن أبيطالب فقال: هذا أخى، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سيد المسلمين واما المتقين ورسول رب العالمين الذى ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعلى بن أبيطالب رضى الله عنه أخوين. الحديث. وروى الترمذي في سننه 5 / 300 تحت الرقم 3804 باسناده عن ابن عمر قال: آخى رسول الله بين أصحابه فجاء على تدمع عيناه فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك =

[272]

ثم أقبل عليهم علي (عليه السلام) فقال: يا معشر المسلمين والمهاجرين والانصار !


= ولم تؤاخ بينى وبين أحد ! فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت أخى في الدنيا والاخرة. وروى ابن سعد في الطبقات 3 ق 1 / 14 باسناده عن محمد بن عمر بن على عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين آخى بين أصحابه وضع يده على منكب على ثم قال: أنت أخى ترثني و أرثك. فحديث المؤاخاة هذه رواه البلاذرى في انساب الاشراف 1 / 270، وابن حنبل في مسنده 1 / 230، والحافظ البغدادي في تاريخ بغداد 12 / 268 والخوارزمي في المناقب 90 والمحب الطبري في رياضه 2 / 209 وفى الذخائر 89 والهيتمى في مجمع الزوائد 9 / 173 وابن حجر في الاصابة 2 / 234، لسان الميزان 3 / 9 والحاكم في مستدركه 3 / 14 و 217، وحسام الدين الهندي في منتخب كنز العمال 5 / 45 و 46، إلى غير ذلك مما تجده في ذيل الاحقاق للعلامة المرعشي دامت بركاته ج 4 / 171 - 209. وناهيك من ذلك مؤاخاته مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله عزوجل في بدء الاسم حين نزل قوله تعالى: " وأنذر عشيرتك الاقربين " فجمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قومه خاصة ثم تكلم فقال: يا بنى عبد المطلب ! انى والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، انى قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة وقد أمرنى الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على هذا الامر على أن يكون أخى ووصيي وخليفتي فيكم ؟ قال على: فأحجم القوم جميعا وقلت - وانى لا حدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشم ساقا -: أنا يا نبى الله ! أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتى ثم قال: ان هذا أخى ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا. راجع تاريخ الطبري 2 / 321 ; كامل ابن الاثير 2 / 24، تاريخ ابى الفداء 1 / 116 والنهج الحديدي 3 / 254، مسند الامام ابن حنبل 1 / 159 جمع الجوامع ترتيبه 6 / 408، كنز العمال 6 / 401. وهذه المؤاخاة مع أنه كانت بأمر الله عزوجل انما تحققت بصورة البيعة والمعاهدة (الحلف) ولم يكن للنبى (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ أخا ووزيرا وصاحبا وخليفة غير ولا لعلى أن=

[273]

أنشدكم الله أسمعتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم كذا وكذا وفي غزوة تبوك كذا وكذا، فلم يدع على (عليه السلام) شيئا قاله فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علانية للعامة الا -


= يقصر في مؤازرته ونصرته والنصح له ولدينه كمؤازرة هرون لموسى على ما حكاه الله عزوجل في القرآن الكريم. ولذلك ترى رسول الله ص حين يؤاخى بعد ذلك المجلس بين المهاجرين بمكة فيؤاخى بين كل رجل وشقيقه وشكله: يؤاخى بين عمر وابى بكر وبين عثمان وعبد الرحمن ابن عوف وبين الزبير وعبد الله بن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال وبين مصعب بن عمير وسعد بن ابى وقاص، وبين ابى عبيدة بن الجراح وسالم مولى ابى حذيفة وبين حمزة ابن عبد المطلب وزيد بن حارثة الكلبى (راجع سيرة ابن هشام 1 / 504، المحبر 71 - 70 البلاذرى 1 / 270) يقول لعلى (عليه السلام): والذى بعثني بالحق نبيا ما أخرتك الا لنفسي، فانت منى بمنزلة هرون من موسى الا أنه لا نبى بعدى، وأنت أخى ووارثى، وأنت معى في قصرى في الجنة. ثم قال له: وإذا ذاكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله ولا يدعيها بعدى الا كاذب مفتر (الرياض النضرة 2 / 168 منتخب كنز العمال 5 / 45 و 46). ولذلك نفسه تراه ص حينما عرض نفسه على القبائل فلم ترفعوا إليه رؤسهم ثم عرض نفسه على بنى عامر بن صعصعة قال رجل منهم يقال له بيحرة بن قراس بن عبد الله بن سلمة الخيرين قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة: والله لو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب، ثم قال لرسول الله: أرأيت ان بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الامر من بعدك ؟ قال: الامر إلى الله يضعه حيث يشاء، قال: فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه (راجع سيرة ابن هشام 1 / 424، الروض الانف 1 / 264، بهجة المخاقل 1 / 128، سيرة زينى دحلان 1 / 302، السيرة الحلبية 2 / 3). فلو لا أنه ص كان تعاهد مع على (عليه السلام) بالخلافة والوصاية بأمر من الله عزوجل قبل ذلك لما ردهم بهذا الكلام المؤيس، وهو بحاجة ماسة من نصرة أمثالهم (*).

[274]

ذكرهم اياه، فقالوا اللهم نعم، فلما تخوف أبو بكر أن ينصره الناس وأن يمنعوه بادرهم، فقال: كلما قلت حق قد سمعناه بآذاننا ووعنه قلوبنا ولكن قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: بعد هذا إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا، واختار لنا الاخرة على الدنيا، وان الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة (1) فقال على (عليه السلام): هل أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شهد هذا معك ؟ فقال عمر: صدق خليفة رسول الله، قد سمعنا هذا منه كما قال (2) وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبى حذيفة ومعاذ بن جبل قد سمعنا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال على (عليه السلام) لقد وفيتم بصحيفتكم الملعونة التى قد تعاقدتم علينا شفى الكعبة: ان قتل الله محمدا أو مات لتزون هذا الامر عنا أهل البيت، فقال أبو بكر: فما علمك بذلك ما أطلعناك عليها ؟ فقال على (عليه السلام): أنت يا زبير وأنت يا سليمان وأنت يا أبا ذر وأنت يا أبا ذر وأنت يا مقداد أسألكم بالله وبالاسلام أما سمعتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ذلك وأنتم تسمعون أن فلانا وفلانا حتى عد هؤلاء الخمسة قد كتبوا بينهم كتابا وتعاهدوا فيه وتعاقدوا على ما صنعوا ؟ فقالوا اللهم نعم، قد سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ذلك لك: إنهم قد تعاهدوا و تعاقدوا على ما صنعوا وكتبوا بينهم كتابا إن قتلت أومت أن يزووا عنك هذا يا علي فقلت: بأبي أنت يا رسول الله فما تأمرني إذا كان ذلك أن افعل ؟ فقال لك: ان وجدت عليهم أعوانا فجاهدهم ونابذهم، وان لم تجد أعوانا فبايعهم واحقن دمك، فقال


وأما حيازة ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد عرفت شرحه في ص 224 من هذا الجزء راجعه ان شئت. (1) قد مر في ذلك كلام منا ص 125، راجعه. (2) لكنه نفسه كذب هذا الحديث حيث جعل الامر شورى بين ستة وجعل عليه واحدا منهم، ومع أنه أسس الشورى بشريطة لا يرجى الخلافة لعلى (عليه السلام)، لم يثق بذلك و وصاه فقال له (عليه السلام): ان وليت من أمر الناس شيئا فلا تحملن بنى عبد المطلب على رقاب الناس. وللكلام بقية سيوافيك انشاء الله تعالى.

[275]

علي (عليه السلام): أما والله لو أن اولئك الاربعين رجلا الذين بايعوني وفوا لى لجاهدتكم في الله، ولكن أما والله لا ينالها أحد من عقبكما إلى يوم القيمة، وفيما يكذب قولكم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول الله " أم يحسدون الناس على ما آتيهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " (1) فالكتاب النبوة، والحكمة السنة، والملك الخلافة، ونحن آل ابراهيم. فقام المقداد فقال: يا علي بما تأمر ؟ والله ان أمرتني لاضربن بسيفي وان أمرتني كففت، فقال علي (عليه السلام): كف يا مقداد واذكر عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما أوصاك به. ثم قمت وقلت: والذي نفسي بيده لو أني أعلم انى أدفع ضيما واعز لله دينا لوضعت سيفي على عنقي، ثم ضربت به قدما أتثبون على أخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصيه وخليفته في أمته وأبي ولده ؟ فأبشروا بالبلاء، واقنطوا من الرخاء. وقام أبو ذر فقال أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها، المخذولة بعصيانها، إن الله يقول: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " (2) وآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الاخلاف من نوح وآل ابراهيم من ابراهيم والصفوة والسلالة من إسماعيل، وعترة النبي (صلى الله عليه وآله) محمد أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وهم كالسماء المرفوعة، و الجبال المنصوبة، والكعبة المستورة، والعين الصافية، والنجوم الهادية، والشجرة المباركة، أضاء نورها، وبورك زيتها، محمد خاتم الانبياء، وسيد ولد آدم وعلي وصي الاوصياء، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وهو الصديق الاكبر و الفاروق الاعظم، ووصي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ووارث علمه وأولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم كما قال الله تعالى " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم واولوا الارحام


(1) النساء: 54. (2) آل عمران: 34.

[276]

بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " (1) فقدموا من قدم الله، وأخروا من أخر الله واجعلوا الولاية والوزارة لمن جعل الله. فقام عمر فقال لابي بكر وهو جالس فوق المنبر: ما يجلسك فوق المنبر و هذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك ؟ أو تأمر به فنضرب عنقه، والحسن والحسين (عليهما السلام) قائمان، فلما سمعا مقالة عمر بكيا فضمهما إلى صدره فقال: لا تبكيا فوالله ما يقدران على قتل أبيكما، وأقبلت أم أيمن حاضنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا أبا بكر ما أسرع ما أبديتم حسدكم ونفاقكم، فأمر بها عمر فاخرجت من المسجد وقال: ما لنا وللنساء. وقام بزيدة الاسلمي وقال: يا عمر أتثب على أخى رسول الله وأبى ولده ؟ وأنت الذي نعرفك في قريش بما نعرفك ؟ ألستما اللذين قال لكما رسول الله (صلى الله عليه وآله): انطلقا إلى على (عليه السلام) وسلما عليه بامرة المؤمنين فقلتما أعن أمر الله وأمر رسوله ؟ فقال: نعم ؟ فقال أبو بكر: قد كان ذلك ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال بعد ذلك: لا يجتمع لاهل بيتي الخلافة والنبوة، فقال: والله ما قال هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والله لا سكنت في بلدة أنت فيها أمير، فأمر به عمر فضرب وطرد. ثم قال قم يا بن أبي طالب فبايع فقال (عليه السلام): فان لم أفعل قال: إذا والله نضرب عنقك، فاحتج عليهم ثلاث مرات ثم مد يده من غير أن يفتح كفه فضرب عليها أبو بكر ورضي بذلك منه، فنادي علي (عليه السلام) قبل أن يبايع والحبل في عنقه " يا ابن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ". وقيل للزبير: بايع، فأبي فوثب عمرو خالد والمغيرة بن شعبة في اناس فانتزعوا سيفه فضربوا به الارض حتى كسروه، ثم لببوه فقال الزبير وعمر على صدره يا ابن صهاك أما والله لو أن سيفي في يدي لحدث عني فبايع. قال سلمان: ثم أخذوني فوجأوا عنقي حتى تركوها كالسلعة، ثم أخذوا يدي وفتلوها فبايعت مكرها ثم بايع أبو ذر والمقداد مكرهين، وما بايع أحد من الامة


(1) الاحزاب: 6 (*).

[277]

مكرها غير علي وأربعتنا، ولم يكن منا أحد أشد قولا من الزبير، فانه لما بايع قال يا ابن صهاك أما والله لو لا هؤلاء الطغاة الذين أعانوك لما كنت تقدم على ومعى سيفى، لما أعرف من جبنك ولؤمك، ولكن وجدت طغاة تقوى بهم وتصول فغضب عمر وقال أتذكر صهاكا ؟ فقال: ومن صهاك وما يمنعني من ذكرها، وقد كانت صهاك زانية، أو تنكر ذلك ؟ أو ليس قد كانت أمة حبشية لجدي عبد المطلب فزنا بها جدك نفيل فولدت أباك الخطاب، فوهبها عبد المطلب له بعد ما زنا بها، فولدته، وإنه لعبد جدي، ولد زنا (1) فأصلح بينهما أبو بكر وكف كل واحد


(1) روى العلامة قدس سره في كتابه كشف الحق عن الكلبى - وهو من رجال أهل السنة في كتاب المثالب قال: كانت صهاك أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف، فوقع عليها نفيل ابن هاشم، ثم وقع عليها عبد العزى بن رباح، فجاءت بنفيل جد عمر بن الخطاب. وسيجيئ في باب نسب عمر نقلا عن ابن شهر آشوب أن صهاكا كانت أمة حبشية لعبد المطلب، وكانت ترعى له الابل، فوقع عليها نفيل فجاءت بالخطاب، ثم ان الخطاب لما بلغ الحلم، رغب في صهاك فوقع عليها، فجاءت بابنة فلفتها في خرقة من صوف ورمتها خوفا من مولاها في الطريق، فرآها هاشم بن المغيرة مرمية فأخذها ورباها وسماها حنتمة، فلما بلغت رآها خطاب يوما فرغب فيها وخطبها من هاشم، فأنكحها اياه، فجاءت بعمر بن الخطاب، فكان الخطاب أبا وجدا وخالا لعمر، وكانت حنتمة أما وأختا وعمة له. وروى ابن أبى الحديد في ج 3 ص 24: أنه قال ابو عثمان: " وبلغ عمر بن الخطاب أن أناسا من رواة الاشعار وحملة الاثار يعيبون الناس ويسلبونهم في اسلافهم فقام على المنبر وقال: اياكم وذكر العيوب والبحث عن الاصول، فلو قلت لا يخرج اليوم من هذه الابواب الا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم أحد فقام رجل من قريش [وهو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة] فقال: إذا كنت أنا وأنت يا أمير المؤمنين نخرج. (أقول: وكانه عرض به) فقال: كذبت بل كان يقال لك ياقين بن قين اقعد ". ثم قال بعد توضيح له لحديث ابى عثمان: وروى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب امهات الخلفاء، وقال: انه روى عند جعفر بن محمد (عليه السلام) بالمدينة، فقال: لا تلمه =

[278]

منهما عن صاحبه. قال سليم: فقلت لسلمان: فبايعت أبا بكر يا سلمان ولم تقل شيئا ؟ قال: قد قلت بعد ما بايعت: تبا لكم ساير الدهر، أو تدرون ما صنعتم بأنفسكم ؟ أصبتم و أخطأتم، أصبتم سنة من كان قبلكم من الفرقة والاختلاف، وأخطأتم سنة نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أخرجتموها من معدنها وأهلها، (1) فقال عمر يا سلمان أما إذ بايع صاحبك وبايعت، فقل ما شئت، وافعل ما بدا لك، وليقل صاحبك مابدا له، قال سلمان: فقلت إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول إن عليك و على صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب امته إلى يوم القيامة، ومثل عذابهم جميعا، فقال: قل ما شئت أليس قد بايعت ؟ ولم يقر الله عينك بأن يليها صاحبك، فقلت أشهد أني قد قرأت في بعض كتب الله المنزلة أنه باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب جهنم، فقال لي: قل ما شئت أليس قد أزالها الله عن أهل البيت الذين اتخذتموهم أربابا من دون الله فقلت له: أشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: وسألته عن هذه الاية " فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد " (2) فأخبرني أنك


= يا ابن أخى، انه أشفق أن يخدج بقضية نفيل بن عبد العزى وصهاك أمة الزبير بن عبد - المطلب، ثم قال (عليه السلام): رحم الله عمر، فانه لم يعد السنة، وتلا " ان الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ". أقول: وسيجئ تمام الكلام في الابواب الاتية. (1) روى نص ذلك شارح النهج الحميدى ج 2 / 17، وقد مر نقله ص 193 مما سبق - وروى البلاذرى في أنساب الاشراف 1 / 591 عن المدائني عن جعفر بن سليمان الضبعى عن أبى عمرو الجونى قال: قال سلمان الفارسى حين بويع أبو بكر: كرداذ و ناكرداذ - أي عملتم وما عملتم، لو بايعوا عليا لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وقد مر شرح قوله كرداذ ونا كرداذ فيما سبق ص 193 راجعه ان شئت. (2) الفجر: 25 (*).

[279]

أنت هو، فقال لي عمر: اسكت أسكت الله نأمتك، أيها العبد ابن اللخناء فقال لي علي (عليه السلام): أقسمت عليك يا سلمان لما سكت، فقال سلمان: والله لو لم يأمرني علي (عليه السلام) بالسكوت لخبرته بكل شئ نزل فيه، وكل شئ سمعته من رسول الله فيه، وفي صاحبه، فلما رأني عمر قد سكت قال إنك له لمطيع مسلم. فلما أن بايع أبو ذر والمقداد ولم يقولا شيئا قال عمر: يا سلمان ألا تكف كما كف صاحباك، والله ما أنت بأشد حبا لاهل هذا البيت منهما، ولا أشد تعظيما لحقهم منهما وقد كفا كما ترى وبايعا، قال أبو ذر أفتعيرنا يا عمر بحب آل محمد (صلى الله عليه وآله) وتعظيمهم ؟ لعن الله - وقد فعل - من أبغضهم، وافترى عليهم وظلمهم حقهم، وحمل الناس على رقابهم، ورد هذه الامة القهقرى على أدبارها، فقال عمر: آمين، لعن الله من ظلمهم حقوقهم، لا والله مالهم فيها حق وما هم فيها وعرض الناس إلا سواء، قال أبو ذر: فلم خاصمتم الانصار بحقهم وحجتهم ؟ فقال علي (عليه السلام) لعمر: يا ابن صهاك فليس لنا فيها حق وهي لك ولابن آكلة الذبان ؟ قال عمر: كف الان يا أبا الحسن إذ بايعت، فان العامة رضوا بصاحبي ولم يرضوا بك فما ذنبي، قال علي (عليه السلام): ولكن الله ورسوله لم يرضيا إلا بي فأبشر أنت وصاحبك ومن اتبعكما ووازركما بسخط من الله وعذابه وخزيه، ويلك يا ابن الخطاب لو تدرى مما خرجت وفيما دخلت وماذا جنيت على نفسك وعلى صاحبك ؟ فقال أبو بكر: يا عمر أنا إذ قد بايعنا وأمنا شره وفتكه وغائلته، فدعه يقول: ما شاء. فقال علي (عليه السلام): لست بقائل غير شئ واحد اذكركم الله أيها الاربعة قال لسلمان وأبي ذر والزبير والمقداد: أسمعتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن في النار لتابوتا من نار ارى فيه إثنا عشر رجلا ستة من الاولين، وستة من الاخرين، في جب في قعر جهنم، في تابوت مقفل، على ذلك الجب صخرة، فإذا أراد الله أن يسعر جهنم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجب فاستعرت جهنم من وهج ذلك الجب ومن حره، قال علي (عليه السلام) فسألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنهم وأنتم شهود، فقال (صلى الله عليه وآله) أما

[280]

الاولون فابن آدم الذى قتل أخاه، وفرعون الفراعنة، والذي حاج إبراهيم في ربه، ورجلان من بني إسرائيل بدلا كتابهم، وغيرا سنتهم، أما أحدهما فهود اليهود، والاخر نصر النصارى، وإبليس سادسهم، والدجال في الاخرين، وهؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة الذين تعاهدوا وتعاقدوا على عداوتك يا أخى، وتظاهروا عليك بعدي، هذا وهذا حتى سماهم وعدهم لنا. قال سلمان: فقلنا صدقت نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال عثمان يا أبا الحسن أما عند أصحابك هؤلاء حديث في ؟ فقال له علي (عليه السلام): بلى سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يلعنك ثم لم يستغفر الله لك بعد ما لعنك (1) فغضب عثمان،


(1) لعله عليه الصلاة والسلام أراد لعنه وطرده يوم مات ام كلثوم ابنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، روى البخاري في كتاب الجنائز من صحيحه ج 2 / 100 و 114 باسناده عن فليح بن سليمان عن هلال بن على عن أنس قال: شهدنا بنت رسول الله (يعنى ام كلثوم على ما صرح به في الطبقات 8 / 26 ط ليدن والروض الانف 2 / 107، فتح الباري 3 / 122، عمدة القارى 4 / 85) ورسول الله جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة ؟ فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل في قبرها، قال: فنزل في قبرها فقبرها، قال ابن المبارك: قال فليح: أراه يعنى الذنب. قال أبو عبد الله (البخاري): " ليقترفوا " ليكتسبوا " فقد كان زوحها عثمان أحق بها وبأن ينزل في قبرها ويلحدها في حفرتها و يكشف عن وجهها ليضعه على التراب، لكن رسول الله، لعنه أعنى أنه طرده وحرمه عن ذلك و لم يستغفر لذنبه الذى قارفه ليلة وفاتها ولعله (عليه السلام) أراد نزول قوله تعالى فيه وفى طلحة بن عبيد الله على ما رواه السدى وابو حمزة الثمالى قال: لما توفى أبو سلمة وعبد الله بن حذافة وتزوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) امرءتيهما أم سلمة وحفصة، قال طلحة وعثمان: أينكح محمد نساءنا إذا متنا، ولا ننكح نساءه إذا مات ؟ والله لو قد مات لقد أجلينا على نسائه بالسهام، وكان طلحة يريد عائشة وعثمان يريد أم سلمة، فأنزل الله " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله - إلى قوله - ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا " =

[281]

ثم قال مالى ومالك لا تدعني على حالى على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا بعده (1)


= الاحزاب 53، راجع في ذلك كشف الحق للعلامة الحلى قدس سره باب مطاعن عثمان، مجمع البيان للطبرسي 8 / 366. ولعله عليه الصلاة والسلام أراد قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه على ما رواه الثقفى في تاريخه باسناده عن ابن عباس قال: استأذن ابو ذر على عثمان فأبى أن يأذن له، فقال لى: استأذن لى عليه قال ابن عباس: فرجعت إلى عثمان فاستأذنت له عليه، قال: انه يؤذيني، قلت: عسى أن لا يفعل، فأذن له من أجلى فلما دخل عليه قال له: اتق الله يا عثمان، فجعل يقول: اتق الله و عثمان يتوعده فقال أبو ذر: انه قد حدثنى نبى الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه يجاء بك وبأصحابك يوم القيامة فتبطحون على وجوهكم فتمر عليكم البهائم فتطأكم كلما مرت أخراها ردت اولاها، حتى يفصل بين الناس. قال يحيى بن سلمة: فحدثني العرزمى أن في هذا الحديث: ترفعون حتى إذا كنتم مع الثريا ضرب بكم على وجوهكم فتطأكم البهائم. (1) من ذلك ارتجازه عليه الصلاة والسلام عند بناء مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في بدو الهجرة، قال ابن اسحاق في السيرة 1 / 497: وارتجز على بن ابي طالب عليه الصلاة والسلام يومئذ: لا يستوى من يعمر المساجدا * يدأب فيه قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا. فأخذها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها، قال ابن هشام: فلما أكثر، ظن رجل من أصحاب رسول الله أنه انما يعرض به وقد سمى ابن اسحاق الرجل، (وهو عثمان بن عفان على ما صرح به أبو ذر الخشنى في شرح السيرة) فقال: قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية فو الله انى لارانى سأعرض هذه العصا لانفك فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: مالهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، ان عمارا جلدة ما بين عينى وأنفى، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه. أقول: معلوم أنه كان يرى أصلى الارتجاز لعلى (عليه السلام) لكنه لم يمكنه المعارضة =

[282]

فقال الزبير: نعم فأرغم الله أنفك، فقال عثمان: فو الله لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول إن الزبير يقتل مرتدا على الاسلام. قال سلمان: فقال لي علي (عليه السلام) فيما بيني وبينه: صدق عثمان وذلك أن الزبير يبايعني بعد قتل عثمان فينكث بيعتي، فيقتل مرتدا قال سليم ثم أقبل على سلمان فقال: إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير أربعة، إن الناس صاروا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنزلة هارون ومن تبعه، ومنزلة العجل ومن تبعه فعلي في سنة هارون، وعتيق في سنة العجل، وعمر في سنة السامري. وسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لتجئ قوم من أصحابي من أهل العلية والمكانة مني ليمروا على الصراط، فإذا رأيتهم ورأوني، عرفتهم وعرفوني، اختلجوا دوني، فأقول يا رب أصحابي أصحابي، فيقال لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم حيث فارقتهم، فأقول: بعدا وسحقا (1). وسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لتركبن امتي سنة بني اسرائيل حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وباعا بباع، إذ التورية والقرآن كتبة يد واحدة، في رق بقلم واحد، وجرت الامثال و السنن سواء (2). بيان: روى الكليني صدر الخبر عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن سليم بن قيس إلى قوله ثم يخرج فيجمع شياطينه وأبا لسته، فينخر ويكسع ويقول كلا زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل، فكيف رأيتم ما صنعت بهم حتى تركوا أمر الله عز ذكره وطاعته وما أمرهم به رسول


= معه، ولما أصر عمار على الارتجاز به، عارضه بما قال، فعارضه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أبكته و أسكته. (1) راجع نصوص ذلك ص 22 - 32 فيما سبق من هذا الجزء. (2) كتاب سليم بن قيس: 82 - 92، مع اختلاف يسير (*).

[283]

الله (صلى الله عليه وآله) (1). وقال الجوهري: الظلة بالضم كهيئة الصفة، وقال: السجادة أثر السجود في الجبهة، وقال شمر إزاره تشميرا رفعه، يقال شمر عن ساقه، وشمر في أمره أي خف أقول: اريد هنا أنه كان يرى من ظاهر حاله الاهتمام بالعبادة، قوله: " ثم قال يوم كيوم آدم " هذه الفقرة لم يذكرها في الاحتجاج والكافي والمراد بها أن ما فعلت في هذا اليوم شبيه بما فعلت بآدم وأخرجته من الجنة في الغرابة وحسن التدبير، والنخير صوت الانف، وكسعه كمنعه ضرب دبره بيده أو بصدر قدمه، و الشظاظ بالكسر العود الذى يدخل في عروة الجوالق. وفي الاحتجاج (2) " فلم يخرج حتى جمعه كله فكتبه على تنزيله والناسخ والمنسوخ، فبعث " إلى قوله: " فقد آليت بيمين " إلى قوله: " وأعلمني تأويلها ثم دخل بيته فقال عمر " إلى قوله: " فقال عمر أرسل إليه قنفذا وكان رجلا فظا غليظا جافيا من الطلقاء أحد بنى تيم " إلى قوله: " ثم أمر اناسا حوله فحملوا حطبا وحمل معهم عمر وجعلوه حول منزله وفيه علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام ثم نادى عمر حتى أسمع عليا (عليه السلام): والله لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول الله أو لاضرمن عليك بيتك نارا ثم رجع قنفذ إلى أبى بكر وهو يخاف أن يخرج علي (عليه السلام) بسيفه، لما عرف من بأسه وشدته، ثم قال لقنفذ إن خرج وإلا فاقتحم عليه، فان امتنع فأضرم عليهم بيتهم نارا، فانطلق قنفذ، فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وثار علي إلى سيفه فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا عليه فضبطوه و ألموا في عنقه حبلا، وحالت فاطمة (عليها السلام) بين زوجها وبينهم عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط على عضدها، وإن بعضدها مثل الدملوج من ضرب قنفذ إياها، فأرسل أبو بكر إلى قنفذ: اضربها فألجأها إلى عضادة باب بيتها فدفعها فكسر ضلعا من جنبها وألقت جنينا من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة صلوات


(1) راجع ص 263 فيما سبق. (2) رواه الطبرسي في الاحتجاج 52 - 56 عن سليم بن قيس (*).

[284]

الله عليها، ثم انطلقوا بعلي (عليه السلام) [ملبيا] يتل ". إلى قوله: " وساير الناس قعود حول أبي بكر عليهم السلاح ودخل علي (عليه السلام) وهو يقول: أما والله لو وقع سيفى بيدي لعلمتم أنكم لم تصلوا إلى هذا مني، وبالله ما ألوم نفسي في جهد، ولو كنت في أربعين رجلا لفرقت جماعتكم، فلعن الله قوما بايعوني ثم خذلوني، فانتهره عمر فقال بايع ". وقال في القاموس " كاثروهم فكثروهم: غالبوهم في الكثرة فغلبوهم، قال الدملج كجندب في لغتيه وزنبور المعضد، وقال تله صرعه أو ألقاء على عنقه وخده، والتلتلة التحريك والاقلاق والزعزعة والزلزلة والسير الشديد والسوق العنيف، وأتله ارتبطه واقتاده. " قوله (عليه السلام) من عقبكما " في الاحتجاج " من عقبكم إلى يوم القيامة ثم نادى قبل أن يبايع " يابن ام إن القوم استضعفوني " إلى قوله " أصبتم وأخطأتم أصبتم سنة الاولين وأخطأتم سنة نبيكم " قوله: " أسكت الله نأمتك " قال الجوهري النأمة بالتسكين الصوت، يقال أسكت الله نأمته أي نغمته وصوته، ويقال أيضا: نامته بتشديد الميم فيجعل من المضاعف، وقال: سعرت النار " هيجتها وألهبتها، واستعرت النار وتسعرت أي توقدت. قوله: " وإبليس سادسهم " أقول: هكذا في الاحتجاج وفي كتاب سليم هكذا " وعاقر الناقة وقاتل يحيى بن زكريا وفي الاخرين الدجال وهؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة والكتاب وجبتهم وطاغوتهم الذي تعاهدوا عليه وتعاقدوا على عداوتك " و لا يستقيم إلا بتكلف تام. قوله: " قال سليم " في الاحتجاج هكذا " ثم أقبل على سلمان فقال إن القوم ارتدوا بعد وفات رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا من عصمه الله بآل محمد، إن الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنزلة هارون " إلى قوله: " في سنة السامري وسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لتركبن " إلى قوله: " وباعا بباع ". 46 - وايضا: وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي أنه قال: سمعت البراء

[285]

ابن عازب (1) يقول: كنت أحب بنى هاشم حبا شديدا في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعد وفاته، فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى عليا (عليه السلام) أن لا يلى غسله غيره، وأنه لا ينبغي لاحد أن يرى عورته غيره، وأنه ليس أحد يرى عورة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ذهب بصره، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله فمن يعينني على غسلك ؟ قال جبرئيل (عليه السلام) في جنود من الملائكة، فكان علي (عليه السلام) يغسله والفضل بن العباس مربوط العينين يصب الماء، والملائكة يقلبونه له كيف شاء، ولقد أراد علي (عليه السلام) أن ينزع قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصاح به صايح " لا تنزع قميص نبيك يا علي " فأدخل يده تحت القميص فغسله ثم حنطه وكفنه ثم نزع القميص عند تكفينه وتحنيطه (2). قال البراء بن عازب: فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) تخوفت أن يتظاهر قريش على إخراج هذا الامر من بني هاشم، فلما صنع الناس ما صنعوا من بيعة أبي بكر، أخذني ما يأخذ الواله الثكول، مع ما بي من الحزن لوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجعلت أتردد وأرمق وجوه الناس، وقد خلا الهاشميون برسول الله (صلى الله عليه وآله) لغسله وتحنيطه، وقد بلغني الذي كان من قول سعد بن عبادة ومن اتبعه من جملة أصحابه فلم أحفل بهم وعلمت أنه لا يؤل إلى شئ. فجعلت أتردد بينهم وبين المسجد، وأتفقد وجوه قريش، وكأني لكذلك


(1) روى هذا الحديث ابن ابى الحديد في شرحه على النهج تارة ج 1 / 73 - 74 مرسلا (عند قوله (عليه السلام) شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة) وتارة اخرى ج 1 ص 32 باسناده عن كتاب السقيفة لعبد العزيز الجوهرى قال: حدثنى المغيرة بن محمد المهلبى من حفظه وعمر بن شبه من كتابه باسناد رفعه إلى أبى سعيد الخدرى قال: سمعت البراء بن عازب يقول... وقد مر بعض نصوصه فيما مضى ذيل هذا الجزء وسنشير إلى بعض الاختلاف بعد ذلك انشاء الله تعالى. (2) لم يذكر حديث التغسيل والتدفين في شرح النهج بل ساق الحديث هكذا: " قال البراء بن عازب لم أزل لبنى هاشم محبا فلما قبض...

[286]

إذ فقدت أبا بكر وعمر (1)، ثم لم ألبث حتى إذا أنا، بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة قد أقبلوا في أهل السقيفة، وهم محتجزون بالازر الصنعانية، لا يمر بهم أحد إلا خبطوه، فإذا عرفوه مدوا يده على يد أبي بكر شاء ذلك أم أبى، فأنكرت عند ذلك عقلي جزعا منه، مع المصيبة برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فخرجت مسرعا حتى أتيت المسجد ثم أتيت بني هاشم والباب مغلق دونهم، فضربت الباب ضربا عنيفا، وقلت: يا أهل البيت فخرج إلى الفضل بن العباس، فقلت: قد بايع الناس أبا بكر، فقال العباس: قد تربت أيديكم منها آخر الدهر أما إني قد أمرتكم فعصيتموني (2).


(1) في النهج 1 / 74: فانى كذلك إذ فقدت ابا بكر وعمر، وإذا قائل يقول: القوم في سقيفة بنى ساعدة، وإذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر، فلم ألبث الخ. (2) فأول ما أشار بذلك إلى على (عليه السلام) قبل رحلته ص روى ابن هشام في السيرة 2 / 654 والطبري في تاريخه 3 / 193، والبيهقي في سننه 8 / 149 نقلا عن البخاري و ابن كثير في تاريخه 5 / 251 وابن سعد في طبقاته 2 ق 2 / 38 كلهم بالاسناد عن ابن عباس قال: خرج يومئذ على بن أبيطالب على الناس من عند رسول الله فقال له الناس: يا أبا حسن ! كيف أصبح رسول الله ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا، قال: فأخذ العباس بيده ثم قال: يا على ! أنت والله عبد العصا بعد ثلاث، أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله كما كنت أعرفه في وجوه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله فان كان هذا الامر فينا عرفناه، وان كان في غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس، قال: فقال له على: انى والله لا أفعل، والله لئن متعناه لا يؤتيناه أحد بعده، فتوفى رسول الله ص حين اشتد الضحاء من ذلك اليوم. أقول: اما على بن أبيطالب عليه الصلاة والسلام، فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نذر إليه بأن الامة ستغدر به وأن الامر لا يصل إليه الا بعد ثالث ثلاثة، بل وقد كان يعرف جزئيات الامر وما سيقع في الامة المرحومة ! ! حذو النعل بالنعل، بل وقد كان عرف (ع) حين نزل قوله تعالى " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " أن الفتنة لا تنزل و =

[287]

فمكثت أكابد ما في نفسي، فلما كان الليل خرجت إلى المسجد، فلما صرت فيه تذكرت أني كنت أسمع همهمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقرآن، فانبعثت من مكاني


= رسول الله بين أظهر هم، وانما تنزل الفتن كقطع الليل المظلم حين ينزل برسول الله شكواه. فقد كان (ع) يصدر عن أمر الرسول ويرد بعهد عهده إليه، كانت الجبال تزول ولا يزول هو (عليه السلام) لا بقلق ولا باضطراب، وحيث كان الطامعون لامر الخلافة الشامخون لا نوفهم إليها يضطربون ويقلقون: هل يتم لهم الامر ؟ وكيف تكون عاقبة هذه الفلتة ؟ كان هو (عليه السلام) على سكينة ورباطة جأش يعلم عاقبة الامر رأى العين. حينما قام رسول الله الاعظم بمسجد الخيف وقال: يوشك أن ادعى فأجيب، وانى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتى " كان يعلم مآل امر الامة أنهم يحرقون كتاب الله ويمزقونه، ويجعلونه وراء ظهورهم، ثم يطردون ويشردون العترة الطاهرة و يقهرونهم. حينما قام بغدير خم ونادى: " من كنت مولاه فهذا على مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " كان يعلم ويرى برأى العين أن الامة سيردون اعقابهم القهقرى ويعيدون الامر جاهلية: يتخذون لرئاستهم وتنظيم شؤنهم أحدا منهم يرضونه على حد ما كان يتخذ كل قبيلة شيخا منهم للرئاسة والزعامة فيحالفون معه: هم يعطونه النصر والطاعة وهو يعطيهم رأيه في تدبير شؤنهم ونظم سياقهم - بصفقة خاسرة خائبة. كما أنهم ارتدوا على أعقابهم وأحيوا سنن الجاهلية بعد ماكان رسول الله بدل الحلف الجاهلي بالبيعة الشرعية: هم يعطونه النصر والطاعة، وهو يضمن لهم الجنة صفقة رايحة بأمر من الله عزوجل " ان الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجن يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا، في التوراة والانجيل والقرآن ". نعم أحيوا سنة الجاهلية، تحقيقا لكلام الله العزيز " ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا " فأعادوا البيعة الاسلامية حلفة جاهلية، وصراخ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصطك في آذانهم " لا حلف ولا عقد في الاسلام " حيث ان الله عزوجل قد أكمل دينه يوم غدير خم للمؤمنين فلا = (*)

[288]

فخرجت نحو الفضاء، فوجدت نفرا يتناجون، فلما دنوت منهم سكتوا، فانصرفت


= يحتاجون لعقد بيعة ولا حلف. وحينما بعث جيش أسامة وسير فيهم وجوه المهاجرين والانصار، كان يعلم أنهم لا يطيعونه، وحيث كان يصر ويكرر من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) " نفذوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنها " يعلم بعلم من الله عزوجل أنهم مفتونون غير مطيعين. وحينما قال لهم يوم الخميس - وما يوم الخميس لما ظهر له أن القوم غير تاركين للمدينة وليسوا منفذين لجيشهم الذى أو عبوا فيه - قال لهم: " ائتونى بدواة وصحيفة اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا " فعرف القوم أن هذا المكتوب لن يعدو ماقاله في عترته يوم خيف عموما. بل ولن يعدو ما قاله في على يوم غدير خم خصوصا قال أحدهم ان الرجل ليهجر قد غلبه الوجع، ولما قالت نساؤه ص " ائتوا رسول الله بحاجته " قال عمر: اسكتن ! فانكن صواحبه: إذا مرض عصرتن أعينكن وإذا صح أخذتن بعنقه، فقال رسول الله: هن خير مكنم، قوموا عنى ! فليس ينبغى عند نبى تنازع. فرسول الله ص كان يعلم ذلك، وعلى (عليه السلام) كان يعلم بعهد عهده إليه جميع ذلك، الا انهما كالظل وذى الظل كانا يتبعان أمر الله وارادته في اتمام الحجة ليهلك من هلك عن بينة، و يحيى من حى عن بينة. وأما العباس عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كان يومئذ بمعزل عن هذه الحقائق الباطنة و الملحمة الناشئة، فكان يرى ظاهر الامر، ويتفقد لعلى امرة المسلمين ويسعى وراء ذلك بكل جده، لكنه قد دهش من اطباق الفتن واقبالها كقطع الليل المظلم فتراءى لنفسه أن يذهب مع على إلى رسول الله ليتفرس حقيقة الامر، وهل يصل أمر الخلافة إلى على ويتحقق في مستحقه مع هذه الفتن الشاغبة، ليسعى هو وراء أمنيته هذه ; وان لا يصل إليه ولا يستقر الامر في مقره ويظفر هؤلاء الطغاة على سلطان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسئله أن يوصى الناس بهم كما أوصاهم بالانصار. فاقتراح العباس عم الرسول الاعظم لعلى أن يسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الامر، انم كان =

[289]

عنهم فعرفوني وما عرفتهم، فدعوني فأتيتهم، وإذا المقداد، وأبو ذر، وسلمان،


= أراد الامر الواقع في الخارج، على ما هو بعلم الله وعلم رسوله، لا حقيقة الامر والحكم الالهى الذى صدع به الرسول في غدير خم بين الملا من قومه أدانيهم وأقاصيهم، ولذلك أجابه على أمير المؤمنين حقا، بأنه لا يفعل ذلك أبدا، فان رسول الله إذا أحابه في الملا من قومه و عشيرته وبمحضر من الانصار والمهاجرين أن الامر لا يصل إلى على عليه الصلاة والسلام، يعبره الغاشمون الظالمون على غير وجهه، فيقولون ان الامر يحدث بعد الامر، كان رسول الله أقام عليا بغدير خم علما هاديا ومولا مطاعا، ثم بدا له في آخر ساعاته وأصى الامة بهم كما أوصاهم بالانصار. هذه الاشارة هي الاولى. وأما الاشارة الثانية من العباس إلى على (عليه السلام) وتفقده الامر له وسعيه وراء هذه البغية، انه لما قبض رسول الله قال العباس لعلى بن ابي طالب وهما في الدار: امدد يدك أبايعك فيقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله ويبايعك أهل بيتك فلا يختلف عليك اثنان فان هذا الامر إذا كان، لم يقل، فقال له على (عليه السلام): ومن يطلب هذا الامر غيرى ؟ أو يطمع فيها طامع غيرى ؟، قال العباس: ستعلم (شرح النهج الحديدي 1 / 53، الامامة و السياسة 1 / 12). وأما لفظ الطبقات ج 2 ق 2 / 39 بالاسناد عن فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) قالت: لما توفى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال العباس يا على قم حتى أبايعك ومن حضر، فان هذا الامر، إذا كان لم يرد مثله، والامر في ايدينا، فقال على وأحد - يعنى يطمع فيه - غيرنا ؟ فقال العباس: أظن والله سيكون، فلما بويع لابي بكر ورجعوا إلى المسجد سمع على التكبير فقال: ما هذا ؟ فقال العباس: هذا ما دعوتك إليه فأبيت على، فقال على أيكون هذا ؟ فقال العباس: مارد مثل هذا قط، فقال عمر: قد خرج أبو بكر من عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين توفى وتخلف عنده على وعباس والزبير، فذلك حين قال عباس هذه المقالة. وروى البلاذرى في الانساب 1 / 583 باسناده عن جابر بن عبد الله قال: " قال العباس لعلى: ما قدمتك إلى شئ الا تأخرت عنه، وكان قال له: لما قبض رسول الله اخرج حتى =

[290]

وعمار بن ياسر، وعبادة بن الصامت، وحذيفة بن اليمان، والزبير بن


= ابايعك على أعين الناس، فلا يختلف عليك اثنان، فأبى وقال: أو منهم من ينكر حقنا ويستبد علينا ؟ فقال العباس: سترى أن ذلك يكون، فلما بويع أبو بكر، قال له العباس، ألم أقل لك يا على ؟ فنرى العباس يزاول الامير بعين الظاهر، كأصحاب السقيفة، وعلى (عليه السلام) يأبى عليه الا مزاولة الباطن بعين الحقيقة وتنزيلهم منزلة الفتنة وهو على سكينة من الله عزوجل وعلم من لدنه لا يشوبه شك وريب. وهذه الاشارة هي الثانية. وأما الاشارة الثالثة، فقد أشار إليه بعد عمر أن لا يدخل معم في الشورى المسدسة و ينزه نفسه عن المقارنة معهم، وكان رأيه ذلك نصحا له من حيث الظاهر لكنه ص أبى عليه الا المضى على ارادة الله عزوجل من سلامة دينه وامضاء الفتنة واتمام الحجة عليهم وردا على تأول أصحاب النبي لقوله " انا اهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا، وان اهل بيتى سيلقون بعدى بلاء وتشريدا وتطريدا (ابن ماجة كتاب الفتن الباب 43) ولقوله ص " انكم ستبتلون في اهل بيتى من بعدى " (مجمع الزوائد 9 / 194) بأن رسول الله قال " ان الله أبى أن يجمع لنا اهل البيت النبوة والخلافة أبدا ". فلو كان العباس يعلم عند ذاك - على ما نعرف اليوم نحن من اخبارهم - أن عليا لا يصدر الاعن عهد عهده إليه رسول الله لما عاتبه بقوله: " لم أدفعك في شئ الا رجعت إلى متأخرا بما أكره: أشرت عليك عند وفاة رسول الله في هذا الامر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفات رسول الله أن تعاجل الامر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معههم فأبيت، فاحفظ عنى واحدة: كلما عرض عليك القوم فأمسك إلى أن يولوك، واحذر هذا الرهط فانهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الامر حتى يقوم لنا فيه غيرنا " (العقد الفريد: 2 / 257، أنساب الاشراف 5 / 23) والكلام طويل الذيل، وسيجئ في محاله انشاء الله تعالى (*).

[291]

العوام (1) وحذيفة يقول: " والله ليفعلن ما أخبرتكم به، فوالله ما كذبت ولا كذبت " وإذا القوم يريدون أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين والانصار، فقال حذيفة: انطلقوا بنا إلى ابى بن كعب فقد علم مثل ما علمت. فانطلقوا إلى ابى بن كعب، وضربنا عليه بابه، فأتى حتى صار خلف الباب ثم قال: من أنتم ؟ فكلمه المقداد، فقال: ما جاء بك ؟ فقال: افتح فان الامر الذي جئنا فيه أعظم من أن يجري وراء الباب، فقال: ما أنا بفاتح بابي، وقد علمت ما جئتم له، وما أنا بفاتح بابي كأنكم أردتم النظر في هذا العقد ؟ فقلنا: نعم، فقال: أفيكم حذيفة ؟ فقلنا: نعم، فقال: القول ما قال حذيفة، فأما أنا فلا أفتح بابي حتى يجري على ما هو جار عليه، وما يكون بعدها شر منها، وإلى الله جل ثناؤه المشتكى قال: فرجعوا ثم دخل ابى بن كعب بيته. قال وبلغ أبا بكر وعمر الخبر (2) فأرسلا إلى أبي عبيدة بن الجراح والمغيرة ابن شعبة، فسألاهما الراي، فقال المغيرة بن شعبة: أرى أن تلقوا العباس بن عبد المطلب فتطمعوه في أن يكون له في هذا الامر نصيب، يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعوه بذلك عن ابن أخيه علي بن أبي طالب، فان العباس لو صار معكم كانت الحجة


(1) زاد في النهج: أبا الهيثم ابن التيهان. (2) وفى تاريخ اليعقوبي 2 / 114 " أنه تخلف عن بيعة أبى بكر قوم من المهاجرين والانصار ومالوا مع على بن ابي طالب منهم العباس والفضل بن العباس والزبير بن العوام وخالد ابن سعيد بن العاص والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسى وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والبراء ابن عازب وابى بن كعب فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وابى عبيدة بن الجراح والمغيرة ابن شعبة فقال: ما الرأى ؟ قالوا: الرأى أن تلقى العباس... ثم ساق القصة بنحو ما ساقه شارح النهج. وروى ابن قتيبة في كتابه الامامة والسياسة 1 - 21 قصة مشاورتهم المغيرة بن شعبة و رأيه بنحو مما ساقه اليعقوبي في تاريخه، من شاءه فليراجعه (*).

[292]

على الناس، وهان عليكم أمر علي بن أبي طالب وحده. قال: فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة حتى دخلوا على العباس في الليلة الثانية من وفات رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: فتكلم أبو بكر فحمد الله عزوجل، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله ابتعث محمدا (صلى الله عليه وآله) نبيا، و للمؤمنين وليا، فمن الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم، حتى اختار له ما عنده، و ترك للناس أمرهم ليختاروا لانفسهم مصلحتهم، متفقين لا مختلفين فاختاروني عليهم واليا، ولامورهم راعيا، فتولوني ذلك، وما أخاف بعون الله وهنا، ولا حيرة، ولا جبنا، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. غير أني لا أنفك من طاعن يبلغني، فيقول بخلاف قول العامة، فيتخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع، وخطبه البديع، فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه أو صرفتموهم عما مالوا إليه، فقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الامر نصيبا يكون لك، ولعقبك من بعدك، إذ كنت عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك فعدلوا بهذا الامر عنكما (1). فقال عمر: إي والله وأخرى يا بني هاشم على رسلكم، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) منا ومنكم، ولم نأتك حاجة منا إليكم ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لانفسكم وللعامة. فتكلم العباس فقال: إن الله ابتعث محمدا (صلى الله عليه وآله) نبيا وللمؤمنين وليا (2) فان


(1) في النهج 1 / 74: " وان كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله ومكان أهلك ثم عدلوا بهذا الامر عنكم وعلى رسلكم بنى هاشم فان رسول الله منا ومنكم، فاعترض كلامه عمر وخرج إلى مذهبه في الخشونة... إلى آخر ما سيأتي في المتن، وهكذا في تاريخ اليعقوبي 2 / 115 والامامة والسياسة 1 / 21 جعل " وعلى رسلكم " من كلام أبى بكر. (2) زاد النهج واليعقوبي: فمن الله به على أمته حتى اختار له ما عنده، فخلى الناس على أمرهم ليختاروا لانفسهم مصيبين للحق مائلين عن زيغ الهوى، فان كنت... الخ (*).

[293]

كنت برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طلبت هذا الامر فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم، ما تقدم رأينا في أمرك، ولا شورنا، ولا نحب لك ذلك إذ كنا من المؤمنين، وكنا لك كارهين (1). وأما قولك أن تجعل لي في هذا الامر نصيبا، فان كان هذا الامر لك خاصة فأمسك عليك، فلسنا محتاجين إليك، وإن كان حق المؤمنين، فليس لك أن تحكم في حقهم، وإن كان حقنا، فانا لا نرضى ببعضه دون بعض (2). وأما قولك يا عمر إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منا ومنكم، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) شجرة نحن أغصانها، وأنتم جيرانها، فنحن أولى به منكم، وأما قولك إني نخاف تفاقم الخطب بكم، فهذا الذي فعلتموه أوايل ذلك، والله المستعان. فخرجوا من عنده وأنشا العباس يقول: ما كنت أحسب هذا الامر منحرفا * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم * وأعلم الناس بالاثار والسنن وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن * جبريل عون له بالغسل والكفن من فيه ما في جميع الناس كلهم * وليس في الناس ما فيه من الحسن من ذا الذي ردكم عنه فنعرفه * ها إن بيعتكم من أول الفتن (3) بيان: روى ابن أبى الحديد في شرح نهج البلاغة هذا الخبر عن البراء بن عازب أنه قال: لم أزل لبني هاشم محبا فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، خفت أن تتمالا قريش على إخراج هذا الامر من بني هاشم، فأخذني ما يأخذا لواله العجول " وساق


(1) زاد اليعقوبي: " ما أبعد قولك من " انهم طعنوا عليك " من قولك " انهم اختاروك ومالوا اليك " وما أبعد تسميتك خليفة رسول الله من قولك، خلى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك... (2) زاد في النهج: وما أقول هذا أروم صرفك عما دخلت فيه ولكن للحجة نصيبها من البيان. (3) مصنف سليم بن قيس الهلالي 74 - 78 (*).

[294]

الحديث إلى قوله: " وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومكان أهلك ثم عدلوا بهذا الامر عنكم، وعلى رسلكم بني هاشم فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) منا ومنكم، فاعترض كلامه عمر وخرج إلى مذهبه في الخشونة والوعيد وإتيان الامر من أصعب جهاته، فقال إي والله، وأخرى أنا لم نأتكم حاجة إليكم، و لكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم " وساق الحديث إلى قوله: " وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم ما تقدمنا في أمركم فرطا، ولا حللنا منكم وسطا ولا برحنا شحطا، فان كان هذا الامر يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين، وما أبعد قولك إنهم طعنوا عليك من قولك إنهم مالوا إليك، وأما ما بذلت لنا، فان يكن حقك أعطيتناه، فأمسكه عليك " إلى قوله " والله المستعان " (1). قال الفيروز آبادي: ترب كفرح خسر وافتقر، ويداه لا أصاب خيرا، وقال خبطه يخبطه ضربه شديدا والقوم بسيفه جلدهم، والشيطان فلانا مسه، وقال الجزري الرسل بالكسر التؤدة والتأني، يقال افعل كذا وكذا على رسلك بالكسر أي اتئد فيه، قوله: " ما تقدمنا في أمركم فرطا " أي لم نختر لكم رأيا وأمرا كالفرط الذي يتقدم القوم يرتاد لهم المكان، ولا حللنا وسط مجالسكم عند المشاورة والمحاروة " ولا برحنا شحطا " أي ما زلنا كنا مبعدين عنكم وعن رأيكم، ومن سحط كمنع وفرح أي بعد، وفي بعض النسخ " ولا نزحنا " بالنون والزاي المعجمة، فهو إما من نزح بمعنى بعد، والشحط بمعنى السبق أي لم نتكلم معكم حتى نسبقكم في الرأي ونبعد عنكم فيه، أو من الشحط بمعنى العبد أيضا أي لم نكن منكم في مكان بعيد يكون ذلك عذرا لكم في ترك مشورتنا، أو من نزح البئر والشحط بمعنى الدلوا لمملو من قولهم شحط الاناء أي ملاه أي لم نعمل في أمركم رأيا مصيبا، و في بعضها بالتاء والراء المهملة أي لم نحزن ولم نهتم لمفارقتكم عنا وتباعدكم منا


(1) قد مر مواضعه من المصدر، وذكرنا من موارد الاختلاف ما لم يذكره المؤلف العلامة ره -

[295]

وعلى هذا يحتمل أن يكون سخطا بالسين المهملة والخاء المعجمة ولعل النسخة الاولى أصوب. 47 - ووجدت ايضا في كتاب سليم (1) في موضع آخر: قال أبان بن أبي عياش: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): ما لقينا أهل البيت من ظلم قريش، وتظاهرهم علينا، وقتلهم إيانا، وما لقيت شيعتنا ومحبونا من الناس، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبض وقد قام بحقنا، وأمر بطاعتنا، وفرض ولايتنا، ومودتنا، وأخبرهم بأنا أولى بهم من أنفسهم، وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب، فتظاهروا على على (عليه السلام) فاحتج عليهم بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه، وما سمعت العامة فقالوا: صدقت، قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن قد نسخه، فقال: إنا أهل بيت أكرمنا الله عزوجل و اصطفانا، ولم يرض لنا بالدنيا، وإن الله لا يجمع لنا النبوة والخلافة (2) فشهد


(1) ذكر هذه الرواية ابن أبى الحديد في شرحه على النهج 3 / 15 عن أبى جعفر الباقر (عليه السلام) مرسلا، ملخصا وانما أسقط منها في خلالها ماكان يزرى على مذهبه فان الحديث على ما أخرجه في النهج نحو مائتين كلمة وهى في أصل سليم أكثر من أربعمائة وأربعين كلمة، ارجعه ان شئت. (2) راجع شرح ذلك ص 125 و 274 مما سبق، أضف إلى ذلك ما نقله ابن أبى الحديد في 1 / 63 من شرحه قال: روى القطب الراوندي أن عمر لما قال: كونوا مع الثلاثة التى عبد الرحمن فيها، قال ابن عباس لعلى (عليه السلام): ذهب الامر منا، الرجل يريد أن يكون الامر في عثمان فقال على (عليه السلام): وأنا أعلم ذلك، ولكني أدخل معهم في الشورى، لان عمر قد أهلني الان للخلافة، وكان قبل يقول: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " ان النبوة والامامة لا يجتمعان في بيت " فأنا أدخل في ذلك لا ظهر للناس مناقضة فعله لروايته. ثم قال: والذى رواه غير معروف ولم ينقل عمر هذا عن رسول الله ولكنه قال لعبد الله بن العباس يوما: يا عبد الله ما تقول في منع قومكم منكم ؟ قال: لا أعلم يا أمير المؤمنين، قال: اللهم اغفر ! ان قومكم كرهوا أن يجتمع لكم النبوة والخلافة فتذهبون في السماء بذخا و شمخا = (*).

[296]

له بذلك أربعة نفر عمر وأبو عبيدة ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، فشبهوا على العامة وصدقوهم، وردوهم على أدبارهم، وأخرجوها من معدنها، حيث جعلها الله. واحتجوا على الانصار بحقنا فعقدوها لابي بكر ثم ردها أبو بكر إلى عمر يكافيه بها ثم جعلها عمر شورى بين ستة، ثم جعلها ابن عوف لعثمان على أن يردها عليه (1) فغدر به عثمان وأظهر ابن عوف كفره وجهله، وطعن في حياته، وزعم أن عثمان سمه فمات. ثم قام طلحة والزبير فبايعا عليا (عليه السلام) طائعين غير مكرهين، ثم نكثا وغدرا


= أقول: كلام عمر هذا الذى نقله ابن أبى الحديد واعترف به يكشف عن حسادتهم و قد قال الله عزوجل: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ". واما الرواية التى أشار إليها، فقد ذكره في ج 1 / 134 عن كتاب السقيفة لابي بكر الجوهرى قال حدثنى ابو زيد قال حدثنا هرون بن عمر باسناد رفعه إلى ابن عباس قال: تفرق الناس ليلة الجابية عن عمر فسار كل واحد مع الفه ثم صادفت عمر تلك الليلة في المسير فحادثته فشكى إلى تخلف على عنه، فقلت: ألم يعتذر اليك ؟ قال: بلى، فقلت هو ما اعتذر به، قال: يا ابن عباس ان اول من رائكم عن هذا الامر أبو بكر، ان قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة، قلت: لم ذاك يا أمير المؤمنين ألم تنلهم خيرا ؟ قال: بلى و لكنهم لو فعلوا لكنتم عليهم حجفا حجفا. (1) لما عرض عبد الرحمن بن عوف صفقته على على (عليه السلام) بشرط أن يعمل بسيرة الشيخين فقال: بل اجتهد برأيى فبايع عثمان بعد أن عرض عليه فقال نعم، قال على: ليس هذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون والله ما وليته الامر الا ليرده إليك، والله كل يوم في شأن راجع شرح النهج 1 / 65، وقوله (عليه السلام) " والله كل يوم في شأن " يريد أنك لا تصل إلى بغيتك، فانك تموت قبله، وللكلام ذيل طويل سيوافيك في بابه انشاء الله تعالى.

[297]

وذهبا بعائشة معهما إلى البصرة، ثم دعا معاوية طغاة أهل الشام إلى الطلب بدم عثمان، ونصب لنا الحرب، ثم خالفه أهل حرورا على أن يحكم كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلو كانا حكما بما شرط عليهما لحكما أن عليا أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب الله وعلى لسان نبيه (صلى الله عليه وآله) وفي سنته، فخالفه أهل النهروان وقاتلوه (1). أقول: سيأتي تمامه في باب ما وقع من الظلم على أهل البيت (عليهم السلام) في كتاب الامامة. (2) 48 - أقول: وجدت أيضا في كتاب سليم بن قيس برواية ابن أبي عياش عنه قال كنت عند عبد الله بن عباس (3) في بيته ومعنا جماعة من شيعة علي (عليه السلام) فحدثنا فكان فيما حدثنا أن قال: يا إخوتي ! توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم توفى فلم يوضع في حفرته حتى نكث الناس، وارتدوا، وأجمعوا على الخلاف، واشتغل علي بن أبي طالب (عليه السلام) برسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى فرغ من غسله وتكفينه وتحنيطه ووضعه في حفرته ثم أقبل على تأليف القرآن وشغل عنهم بوصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يكن همته الملك لما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبره عن القوم، فافتتن الناس (4) بالذي افتتنوا به من الرجلين، فلم يبق إلا علي (عليه السلام) وبنو هاشم وأبو ذر والمقداد وسلمان في اناس معهم يسير. فقال عمر لابي بكر: يا هذا إن الناس أجمعين قد بايعوك، ما خلا هذا الرجل وأهل بيته وهؤلاء النفر، فابعث إليه، فبعث إليه ابن عمر لعمر يقال له قنفذ، فقال له: يا قنفذ انطلق إلى علي فقل له أجب خليفة رسول الله، فانطلق فأبلغه،


(1) كتاب سليم بن قيس: 108 - 111. (2) أخرجه في ج 27 ص 214 - 211. (3) قد مر جريان السقيفة برواية سلمان ص 261 - 282 بشبه هذه الرواية بمضامينها راجعها وذيلها. (4) راجع حديث الافتنان في هذا الجزء ص 78 - 80 (*).

[298]

فقال علي (عليه السلام): ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وارتددتم، والله ما استخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غيري، فارجع باقنفذ، فانما أنت رسول، فقل له: قال لك على (عليه السلام): والله ما استخلفك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) وإنك لتعلم من خليفة رسول الله فأقبل قنفذ إلى أبي بكر فبلغه الرسالة، فقال أبو بكر: صدق على ما استخلفني رسول الله (صلى الله عليه وآله). فغضب عمر، ووثب وقام، فقال أبو بكر: اجلس، ثم قال: لقنفذ إذهب إليه فقل له أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأقبل قنفذ حتى دخل على علي (عليه السلام) فأبلغة الرسالة، فقال: كذب والله، انطلق إليه فقل له: لقد تسميت باسم ليس لك، فقد علمت أن أمير المؤمنين غيرك، فرجع قنفذ فأخبرهما، فوثب عمر غضبان فقال: والله إني لعارف بسخفه وضعف رأيه، وإنه لا يستقيم لنا أمر حتى نقتله فخلني آتيك برأسه، فقال أبو بكر: اجلس فأبى فأقسم عليه فجلس. ثم قال يا قنفذ انطلق فقل له: أجب أبا بكر، فأقبل قنفذ فقال: يا علي أجب أبا بكر فقال علي (عليه السلام) إني لفي شغل عنه، وما كنت بالذي أترك وصية


(1) راجع الامامية والسياسة: 1 / 91 آخر الصفحة، وقد مر ص 220. أضف إلى ذلك ما رواه ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 21 قال: كان العباس لقى أبا بكر فقال: هل أوصاك رسول الله بشئ قال: لا، ولقى العباس أيضا عمر فقال له مثل ذلك، فقال عمر: لا، فقال العباس لعلى: ابسط يدك أبايعك ويبايعك اهل بيتك فقال له على: ومن يطلب هذا الامر غيرنا ؟ وناهيك من ذلك قول عمر نفسه عند وفاته: " ان أستخلف فقد استخلف من هو خير منى (يعنى أبا بكر استخلف من بعده عمر) وان أتركهم فقد تركهم من هو خير منى (يعنى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بزعمه) فعرف الناس أن رسول الله لم يستخلف أحدا منهم، راجع سيرة ابن هشام 2 / 653، طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 248، شرح النهج الحميدى 1 / 62.

[299]

خليلي، وأخي (1) وأنطلق إلى أبي بكر وما اجتمعتم عليه من الجور، فانطلق قنفذ فأخبر أبا بكر. فوثب عمر غضبان، فنادى خالد بن الوليد وقنفذا فأمرهما أن يحملا حطبا و نارا، ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي وفاطمة (عليها السلام) قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها ونحل جسمها في وفات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى يا ابن أبي طالب افتح الباب، فقالت فاطمة (عليها السلام): يا عمر مالنا ولك ؟ لا تدعنا وما نحن فيه ؟ قال افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم، فقالت: يا عمر أما تتقى الله عزوجل تدخل علي بيتي، وتهجم على دارى ؟ فأبى أن ينصرف، ثم عاد عمر بالنار فأضرمها في الباب فأحرق الباب (2) ثم دفعه عمر فاستقبلته فاطمة عليها السلام وصاحت يا أبتاه يا رسول الله، فرفع السيف وهو في غمدة فوجئ به جنبها فصرخت، فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت يا أبتاه. فوثب علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأخذ بتلا بيب عمر ثم هزه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته، وهم بقتله، فذكر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما أوصى به من الصبر و الطاعة، فقال: والذي كرم محمدا (صلى الله عليه وآله) بالنبوة يا ابن صهاك، لو لا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي، فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وسل خالد بن الوليد السيف ليضرب به عليا (عليه السلام) فحمل علي (عليه السلام) بسيفه، فأقسم على علي فكف، وأقبل المقداد وسلمان وأبو ذر وعمار وبريدة الاسلمي حتى دخلوا الدار أعوانا لعلي (عليه السلام) حتى كادت تقع فتنة. فاخرج على (عليه السلام) وتبعه الناس وأتبعه سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وبريدة وهم يقولون: ما أسرع ما خنتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخرجتم الضغاين التي في


(1) كانه أراد جمع القرآن الكريم في صحيفة واحدة، وقد مر نصوصه ص 205 و ص 264 أضف إلى ذلك تاريخ البلاذرى 1 / 587، نهج الحديدي 1 / 9 قال: نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة ابى بكر تشاغلا بجمع القرآن. (2) راجع ص 204 و 268.

[300]

صدوركم، وقال بريدة بن الحصيب الاسلمي يا عمر أتيت على أخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصيه وعلى ابنته فتضربها وأنت الذي تعرفك قريش بما تعرفك به، فرفع خالد بن الوليد السيف ليضرب بريده وهو في غمده، فتعلق به عمر ومنعه من ذلك. فانتهوا بعلي (عليه السلام) إلى أبي بكر ملببا، فلما نظر به أبو بكر صاح خلوا سبيله فقال: ما أسرع ما توثبتم على أهل بيت نبيكم، يا أبا بكر بأي حق وبأي ميراث وبأى سابقة تحث الناس إلى بيعتك ؟ ألم تبايعني الامس بأمر رسول الله ؟ فقال عمر: دع هذا عنك يا علي فو الله إن لم تبايع لنقتلنك، فقال علي (عليه السلام) إذا والله أكون عبد الله وأخا رسوله المقتول، فقال عمر أما عبد الله المقتول فنعم، وأما أخو رسول اله فلا (1) فقال على (عليه السلام) أما والله لو لا قضاء من الله سبق وعهد عهده إلى خليلي لست أجوزه، لعلمت أينا أضعف ناصرا وأقل عددا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم. فقام بريدة فقال: يا عمر ألستما اللذين قال لكما رسول الله (صلى الله عليه وآله) انطلقا إلى على (عليه السلام) فسلما عليه بامرة المؤمنين (2) فقلتما أعن أمر الله وأمر رسوله، فقال: نعم ؟ فقال أبو بكر: قد كان ذلك يا بريدة ولكنك غبث وشهدنا، والامر يحدث بعده الامر فقال عمر: ما أنت وهذا يا بريدة وما يدخلك في هذا ؟ قال بريدة: والله لا سكنت في بلدة أنتم فيها امراء، فأمر به عمر فضرب واخرج. ثم قام سلمان فقال: يا أبا بكر اتق الله وقم عن هذا المجلس، ودعه لاهله يأكلوا به رغدا إلى يوم القيامة، لا يختلف على هذه الامه سفيان، لم يجبه أبو بكر فأعاد سلمان فقال مثلها، فانتهره عمر، وقال: مالك وهذا الامر ؟ وما يدخلك فيما هيهنا ؟ فقال: مهلا يا عمر، قم يا أبا بكر عن هذا المجلس ودعه لاهله يأكلوا به والله خضرا إلى يوم القيامة، وإن أبيتم لتحلبن به دما وليطمعن فيها الطلقاء و


(1) راجع حديث المؤاخاة ص 271 - 273. (2) راجع ص 91 و 197 و 266 من هذا الجزء (*).

[301]

الطرداء والمنافقون (1) والله إنى لو أعلم أنى أدفع ضيما أو اعز لله دينا لوضعت سيفي على عنقي، ثم ضربت به قدما، أتثبون على وصي رسول الله ؟ فابشروا بالبلاء واقنطوا من الرخاء. ثم قام أبو ذر والمقداد وعمار، فقالوا لعلي (عليه السلام) ما تأمر ؟ والله إن أمرتنا لنضر بن بالسيف حتى نقتل، فقال علي (عليه السلام) كفوا رحمكم الله، واذكروا عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما أوصاكم به، فكفوا. فقال عمر لابي بكر وهو جالس فوق المنبر: ما يجلسك فوق المنبر وهذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك ؟ أو تأمر به فنضرب عنقه، والحسن والحسين عليهما السلام قائمان على رأس علي (عليه السلام) فلما سمعا مقالة عمر بكيا ورفعا أصواتهما يا جداه يا رسول الله فضمهما علي (عليه السلام) إلى صدره وقال: لا تبكيا، فوالله لا يقدران على قتل أبيكما، هما أذل وأدخر من ذلك، وأقبلت ام أيمن النوبية حاضنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأم سلمة فقالتا: يا عتيق ! ما أسرع ما أبديتم حسدكم لال محمد ! فأمر بهما عمر أن تخرجا من المسجد، وقال: مالنا وللنساء. ثم قال: يا على قم بايع، فقال علي (عليه السلام): إن لم أفعل ؟ قال: إذا الله نضرب عنقك، قال: كذبت والله يا ابن صهاك لا تقدر على ذلك، أنت الام أضعف من ذلك، فوثب خالد بن الوليد واخترط سيفه وقال: والله لئن لم تفعل لاقتلنك فقام إليه علي (عليه السلام) وأخذ بمجامع ثوبه ثم دفعه حتى ألقاه على قفاه، ووقع السيف من يده. فقال عمر: قم يا علي بن أبي طالب فبايع، قال: فان لم أفعل ؟ قال: إذن والله نقتلك، واحتج عليهم علي (عليه السلام) ثلاث مرات ثم مد يده من غير أن يفتح كفه، فضرب عليها أبو بكر ورضي بذلك، ثم توجه إلى منزله وتبعه الناس.


(1) راجع ص 193 و 211 (*).

[302]

قال: ثم إن فاطمة (عليها السلام) بلغها أن أبا بكر قبض فدكا (1) فخرجت في نساء بني هاشم حتى دخلت على أبي بكر، فقالت: يا أبا بكر تريد أن تأخذ منى أرضا جعلها لى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتصدق بها على من الوجيف الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ؟ أما كان قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرء يحفظ في ولده ؟ وقد علمت أنه (صلى الله عليه وآله) لم يترك لولده شيئا غيرها ؟ فلما سمع أبو بكر مقالتها والنسوة معها دعا بدواة ليكتب به، لها فدخل عمر فقال: يا خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تكتب لها حتى تقيم البينة بما تدعي (2)، فقالت فاطمة (عليها السلام): نعم أقيم البينة، قال: من ؟ قالت علي وام أيمن، فقال عمر: ولا تقبل شهادة امرأة أعجمية لا تفصح، وأما علي فيجر النار


(1) عقد المؤلف العلامة لبحث فدك بابا مستقلا وسيجئ تمام الكلام عند ذلك، و ان شئت راجع في منع فدك عنها صحيح البخاري كتاب الخمس 1، فضائل اصحاب النبي 12، كتاب المغازى 38 و 14 الفرائض 3 صحيح مسلم كتاب الجهاد 49، 53 الامارة 19، سنن النسائي الجهاد 52 و 53 و 54 كتاب الفئ 9 مسند الامام ابن حنبل 1 / 4 و 6 و 9 و 10 و 13 - 2 و 353، سنن الترمذي كتاب السير 44، تاريخ الطبري 3 / 208 مشكل الاثار للطحاوي 1 / 48. سنن البيهقى 6 / 300 كفاية الطالب 226، تاريخ ابن كثير 5 / 285 الخميس 2 / 93. (2) وفى رواية الثقفى باسناده عن ابراهيم بن ميمون بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبيطالب عن أبيه عن جده عن على أمير المؤمنين قال: جاءت فاطمة إلى أبى بكر فقالت: ان أبى أعطاني فدك، وعلى يشهد لى وأم أيمن، قال: ماكنت لتقولين على أبيك الا الحق، قد أعطيتكها، ودعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها، فخرجت فلقيت عمر، فقال: من أين حبئت يا فاطمة ؟ قالت: جئت من عند أبى بكر، أخبرته أن رسول الله أعطاني فدك... فأعطانيها وكتب بها لى، فأخذ عمر منها الكتاب، ثم رجع إلى أبى بكر فقال: أعطيت فاطمة فدك وكتبت لها ؟ قال: نعم، قال عمر: على يجر إلى نفسه وأم أيمن امرأة، وبصق في الكتاب ومحاه، راجع الشافي 408 تلخيص الشافي 3 / 125، وترى مثله في الاحتجاج لابي منصور الطبرسي 58 (*).

[303]

إلى قرصته، فرجعت فاطمة (عليها السلام) وقد دخلها من الغيظ ما لا يوصف، فمرضت وكان على (عليه السلام) يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله... إلى أن ثقلت فسألا عنها وقالا: قد كان بيننا وبينها ما قد علمت، فان رأيت أن تأذن لنا لنعتذر إليها من ذنبنا، قال: ذلك إليكما. فقاما فجلسا بالباب (1) ودخل علي (عليه السلام) على فاطمة (عليها السلام) فقال لها: أيتها الحرة ! فلان وفلان بالباب، يريد ان أن يسلما عليك فما ترين ؟ قالت: البيت بيتك، والحرة زوجتك، افعل ما تشاء، فقال: سدي قناعك فسدت قناعها، و حولت وجهها إلى الحائط، فدخلا وسلما، وقالا ارضي عنا رضي الله عنك، فقالت ما دعاكما إلى هذا ؟ فقالا اعترفنا بالاساءة، ورجونا أن تعفي عنا [وتخرجي سخيمتك] فقالت: إن كنتما صادقين فأخبرانى عما أسئلكما عنه فاني لا أسئلكما عن أمر إلا وأنا عارفة بأنكما تعلمانه، فان صدقتما علمت أنكما صادقان في مجيئكما، قالا: سلى عما بدا لك، قالت نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني (2) قالا: نعم، فرفعت يدها إلى السماء فقالت اللهم إنهما قد آذياني فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك، لا والله لا أرضى عنكما أبدا حتى ألقى أبى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بما صنعتما، فيكون هو الحاكم فيكما قال: فعند ذلك دعا أبو


(1) روى قصة استيذانهما على فاطمة وما جرى بعدها ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 20 والجاحظ في اعلام النساء 3 / 1214. (2) الحديث مقطوع به راجع صحيح البخاري فضائل الصحابة الباب 12 و 16 و 29 كتاب النكاح 109، صحيح مسلم فضائل الصحابة الحديث 93، 94، سنن ابى داود كتاب النكاح 12 سنن الترمذي كتاب المناقب 60، سنن ابن ماجة كتاب النكاح الباب 56 مسند الامام ابن حنبل 4 / 5 و 328 و 326 و 323 سنن السجستاني 1 / 324 خصائص النسائي 35، مستدرك الحاكم 3 / 154 و 158 و 159، حلية الاولياء 2 / 40 سنن البيهقى 7 / 307، مشكاة المصابيح 560، شرح النهج الحديدي 2 / 438، مجمع الزوائد 9 / 203، وان شئت راجع الغدير ج 7 ص 232 (*).

[304]

بكر بالويل والثبور، وجزع جزعا شديدا، فقال عمر: تجزع يا خليفة رسول الله من قول امرأة ؟. قال: فبقيت فاطمة (عليها السلام) بعد وفات أبيها رسول الله أربعين ليلة، فلما اشتد بها الامر دعت عليا (عليه السلام) وقالت يا ابن عم ما أرانى إلا لما بي، وأنا أوصيك أن تتزوج أمامة بنت اختى زينب، تكون لولدي مثلي، واتخذلي نعشا فاني رأيت الملائكة يصفونه لي (1)، وأن لا تشهد أحدا من أعداء الله جنازتي ولا دفني ولا الصلاة علي. قال ابن عباس وهو قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " أشياء لم أجد إلى تركهن سبيلا لان القرآن بها انزل على قلب محمد (صلى الله عليه وآله): قتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين، الذي أوصاني وعهد إلى خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقتالهم، وتزويج أمامة بنت زينب أوصتني بها فاطمة (عليها السلام). قال ابن عباس: فقبضت فاطمة (عليها السلام) من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبل أبو بكر و مر يعزيان عليا (عليه السلام) ويقولان له: يا أبا الحسن: لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله، فلما كان في الليل دعا علي العباس والفضل والمقداد وسلمان وأبا ذر و عمارا فقدم العباس فصلى عليها ودفنوها، فلما أصبح الناس، أقبل أبو بكر وعمر والناس يريدون الصلاة على فاطمة (عليها السلام) فقال المقداد: قد دقنا فاطمة البارحة


(1) هذا سهو من الراوى، فان اول من جعل لها نعشا هي زينب بنت جحش الاسدية وهى أول من مات من أزواجه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعده، توفيت في خلافه عمر، سنة عشرين فجعلت لها أسماء بنت عميس نعشا وكانت بأرض الحبشة رأتهم يصنعون ذلك، ذكره الطبرسي في اعلام الورى 149، ابن سعد في الطبقات 8 / 79، وأما فاطمة بضعة الرسول الاعظم فقد دفنت ليلا في بيتها ولم تكن لتحتاج إلى نعش. ولاى الامور تدفن ليلا * بضعة المصطفى ويعفى ثراها

[305]

فالتقت عمر إلى أبى بكر فقال: لم أقل لك إنهم سيفعلون ؟ قال العباس إنها أوصت أن لا تصليا عليها، فقال عمر: لا تتركون يا بنى هاشم حسدكم القديم لنا أبدا، إن هذه الضعائن التى في صدوركم لن تذهب، والله لقد هممت أن أنبشها فأصلي عليها. فقال على (عليه السلام): والله لو رمت ذاك يا ابن صهاك لا رجعت إليك يمينك، لئن سللت سيفي لا غمدته دون إزهاق نفسك فرم ذلك، فانكسر عمر وسكت، وعلم أن عليا (عليه السلام) إذا حلف صدق. ثم قال علي (عليه السلام): يا عمر ألست الذي هم بك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأرسل إلى فجئت متقلدا بسيفي ثم أقبلت نحوك لاقتلك فأنزل الله عزوجل " فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا " (1). قال ابن عباس: ثم إنهم توامروا وتذاكروا، فقالوا: لا يستقيم لنا أمر ما دام هذا الرجل حيا، فقال أبو بكر: من لنا بقتله ؟ فقال عمر: خالد بن الوليد، فأرسلا إليه فقالا: يا خالد ما رأيك في أمر نحملك عليه ؟ قال: احملاني على ما شئتما، فوالله إن حملتماني على قتل ابن أبي طالب لفعلت، فقالا: والله ما نريد غيره قال: فاني له، فقال أبو بكر: إذا قمتما في الصلاة صلاة الفجر، فقم إلى جانبه، ومعك السيف، فإذا سلمت فاضرب عنقه، قال: نعم، فافترقوا على ذلك، ثم إن أبا بكر تفكر فيما أمر به من قتل علي (عليه السلام)، وعرف إن فعل ذلك، وقعت حروب شديدة وبلاء طويل، فندم على ما أمر به، فلم ينم ليلته تلك حتى أتى المسجد، وقد أقيمت الصلاة فتقدم وصلى بالناس مفكرا لا يدري ما يقول، وأقبل خالد بن الوليد متقلدا بالسيف حتى قام إلى جانب علي (عليه السلام) وقد فطن علي (عليه السلام) ببعض ذلك. فلم فرغ أبو بكر من تشهده صاح قبل أن يسلم: يا خالد لا تفعل ما أمرتك،


(1) مريم: 84 (*).

[306]

فان فعلت قتلتك، ثم سلم عن يمينه وشماله (1) فوثب علي (عليه السلام) فأخذ بتلابيب خالد وانتزع السيف من يده، ثم صرعه وجلس على صدره، وأخذ سيفه ليقتله، و اجتمع عليه أهل المسجد ليخلصوا خالدا، فما قدروا عليه، فقال العباس: حلفوه بحق القبر لما كففت، فحلفوه بالقبر فتركوه فتركه، وقام فانطلق إلى منزله. وجاء الزبير والعباس وأبو ذر والمقداد وبنو هاشم واخترطوا السيوف وقالوا والله لا ينتهون حتى يتكلم ويفعل، واختلف الناس، وماجوا واضطربوا، و خرجت نسوة بني هاشم فصرخن وقلن: يا أعداء الله، ما أسرع ما أبديتم العداوة لرسول الله وأهل بيته، ولطال ما أردتم هذا من رسول الله فلم تقدروا عليه، فقتلتم ابنته بالامس، ثم تريدون اليوم أن تقتلوا أخاه وابن عمه ووصيه وأبا ولده، كذبتم ورب الكعبة، وما كنتم تصلون إلى قتله، حتى تخوف الناس أن تقع فتنة


(1) قال الفضل بن شاذان في الايضاح 155: روى سفيان بن عيينة والحسن بن صالح ابن حى وأبو بكر بن عياش وشريك بن عبد الله وجماعة من فقهائكم أن أبا بكر أمر خالد بن الوليد: إذا أنا فرغت من صلاة الفجر وسلمت، فاضرب عنق على، فلما صلى بالناس في آخر صلاته ندم على ماكان منه، فجلس في صلاته مفكرا حتى كادت الشمس أن تطلع، ثم قال: يا خالد لا تفعل ما أمرتك به - ثلاثا - ثم سلم. وكان على يصلى إلى جنب خالد يومئذ فالتفت على إلى خالد فإذا هو مشتمل على السيف تحت ثيابه، فقال له: يا خالد أو كنت فاعلا ؟ قال: أي والله إذا لوضعته في أكثرك شعرا، فقال على ص: كذبت ولؤمت أنت أضيق حلقة من ذاك، أما والذى فلق الحبة و برا النسمة، لو لا ما سبق به القضاء لعلمت أي الفريقين شر مكانا وأضعف جندا. فقيل لسفيان وابن حى ووكيع: ما تقولون فيما كان من أبى بكر في ذلك، فقالوا جميعا: كانت سيئة لم تتم، وأما من يجسر من أهل المدينة فيقولون: وما بأس بقتل رجل في صلاح الامة، انه انما أراد قتله لان عليا أراد تفريق الامة وصدهم عن بيعة أبى بكر. أقول: والكلام طويل الذيل سيجئ في محله انشاء الله تعالى (*).

[307]

عظيمة (1). بيان: حلب الدم كناية عن فعل ما يورث الندم وجلب ما يضر جالبه، و جر النار إلى القرصة عن جلب النفع، أي هو يجر النفع بشهادته فلا تسمع. 49 - فس: أبى عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن صلوات الله عليه قال جاء العباس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: انطلق نبايع لك الناس، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أتراهم فاعلين ؟ قال: نعم، قال فأين قول الله تعالى: " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " (2). بيان التنزيل: لابن شهر آشوب عن العياشي باسناده عن أبي الحسن (عليه السلام) مثله. 50 - أقول: قال علي بن الحسين المسعودي في كتاب الوصية: قام أمير - المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأمر الله جل وعلا، وعمره خمس وثلاثون سنة واتبعه المؤمنون، وقعد عنه المنافقون، ونصبوا للملك وأمر الدنيا رجلا اختاروه لانفسهم دون من اختاره الله، عزوجل، ورسول الله (صلى الله عليه وآله). فروي أن العباس رضي الله عنه صار إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: امد ديدك أبايعك، فقال: ومن يطلب هذا الامر ؟ ومن يصلح له غيرنا ؟ وصار إليه ناس من المسلمين منهم الزبير وأبو سفيان صحر بن حرب فأبى واختلف المهاجرون والانصار، فقالت الانصار منا أمير ومنكم أمير فقال قوم من المهاجرين، سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول الخلافة في قريش، فسلمت الانصار لقريش، بعد أن داسوا سعد بن عبادة، ووطئوا بطنه، وبايع عمر بن الخطاب أبا بكر وصفق على يديه، ثم بايعه قومه ممن قدم المدينة ذلك الوقت من


(1) كتاب سليم 249 - 257، آخر الكتاب. (2) تفسير القمى: 494، راجع شرح ذلك ص 79.

[308]

الاعراب والمؤلفة قلوبهم، وتابعهم على ذلك غيرهم واتصل الخبر بأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد فراغه من غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و تحنيطه وتكفينه وتجهيزه ودفنه، بعد الصلاة عليه من حضر من بني هاشم، وقوم من صحابته، مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة وأبي بن كعب وجماعة نحو أربعين رجلا، فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن كانت الامامة في قريش فأنا أحق قريش بها، وإن لا تكن في قريش فالانصار على دعواهم (1) ثم اعتزلهم ودخل بيته، فأقام فيهم ومن اتبعه من المسلمين، وقال: إن لي في خمسة من النبيين اسوة: نوح إذ قال: " إني مغلوب فانتصر " وابراهيم إذ قال " وأعتزلكم وما تدعون من دون الله " ولوط إذ قال " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " وموسى إذ قال " ففررت منكم لما خفتكم " وهارون إذ قال: " إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " ثم ألف (عليه السلام) القرآن، وخرج إلى الناس وقد حمله في إزار معه، وهو يئط من تحته، فقال لهم: هذا كتاب الله قد ألفته كما أمرني وأوصاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما انزل، فقال له بعضهم: اتركه وامض فقال لهم: إن رسول الله قال لكم: إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي لن يفترقا حتى يردا على الحوض، فان قبلتموه فاقبلوني معه، أحكم بينكم بما فيه من أحكام الله، فقالوا لا حاجة لنا فيه ولا فيك، فانصرف به معك لا تفارقه، فانصرف عنهم (2) فأقام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن معه من شيعته في منازلهم، بما عهده إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فوجهوا إلى منزله فهجموا عليه وأحرقوا بابه، و استخرجوه منه كرها، وضغطوا سيدة النساء بالباب، حتى أسقطت محسنا، وأخذوه


(1) ومن ذلك قوله (عليه السلام) في النهج تحت الرقم 28 من قسم الرسائل:... ولما احتج المهاجرون على الانصار يوم السقيفة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلجوا عليهم، فان يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وان يكن بغيره فالانصار على دعواهم. (1) راجع شرح ذلك ص 205 و 264

[309]

بالبيعة فامتنع، وقال: لا أفعل: فقالوا نقتلك فقال: إن تقتلوني فاني عبد الله وأخو رسوله، وبسطوا يده فقبضها، وعسر عليهم فتحها، فمسحوا عليه وهي مضمومة (1). ثم لقي أمير المؤمنين بعد هذا الفعل بأيام أحد القوم، فنا شده الله وذكره بأيام الله، وقال له: هل لك أن أجمع بينك وبين رسول الله حتى يأمرك وينهاك فقال له: نعم، فخرجا إلى مسجد قبا فأراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاعدا فيه، فقال له: يا فلان على هذا عاهد تموني في تسليم الامر إلى علي وهو أمير المؤمنين، فرجع، وقدهم بتسليم الامر إليه، فمنعه صاحبه من ذلك، فقال هذا سحر مبين، معروف من سحر بني هاشم، أو ما تذكر يوم كنا مع ابن أبي كبشة فأمر شجرتين فالتقتا فقضى حاجته خلفهما ثم أمرهما فتفرقتا وعادتا إلى حالهما ؟ فقال له. أما إن ذكرتني هذا فقد كنت معه في الكهف، فمسح يده على وجهي ثم أهوى برجله فأراني البحر، ثم أرانى جعفرا وأصحابه في سفينة تعوم في البحر (2). فرجع عما كان عزم عليه، وهموا بقتل أمير المؤمنين وتواصوا وتواعدوا بذلك، وأن يتولى قتله خالد بن الوليد، فبعثت أسماء بنت عميس إلى أمير المؤمنين بجارية لها فأخذت بعضادتي الباب ونادت " إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين " فخرج (عليه السلام) مشتملا بسيفه، وكان الوعد في قتله أن يسلم إمامهم، فيقوم خالد إليه بسيفه، فأحسوا بأسه، فقال الامام قبل أن يسلم لا تفعلن خالد ما أمرت به (3). ثم كان من أقاصيصهم ما رواه الناس. وفي سنتين وشهرين وسبعة أيام من إمامة أمير المؤمنين مات ابن أبي قحافه، وهو عتيق ابن عثمان، وأوصى بالامر بعده إلى عمر بن الخطاب لعهد كان بينهما واعتزله


(1) راجع شرح ذلك ص 204 / 268. (2) راجع الاختصاص 274. (3) راجع ص 306 مما سبق (*).

[310]

أمير المؤمنين (عليه السلام) كاعتزاله لصاحبه قبله، إلا بما لم يجد منه بدا، ولا ينهى إلا عما لهم يجد من النهي عنه بدا، وهم في خلال ذلك يسئلونه ويستفتونه في حلالهم و حرامهم، وفي تأويل الكتاب وفصل الخطاب (1). بيان: قال الجوهرى الاطيط صوت الرحل والابل من ثقل أحمالها. 50 - وقال ابن أبي الحديد عند شرح قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (2): فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت فأغضيت على القذى، وشربت على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم ". ما هذا لفظه: اختلفت الروايات في قصة السقيفة، فالذي تقوله الشيعة، وقد قال قوم من المحدثين بعضه، ورووا كثيرا منه، إن عليا امتنع من البيعة حتى اخرج كرها و أن الزبير بن العوام امتنع من البيعة، وقال لا أبايع إلا عليا، وكذلك أبو سفيان ابن حرب، وخالد بن سعيد بن العاص بن امية بن عبد شمس، والعباس بن عبد - المطلب، وبنوه، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وجميع بني هاشم، و قالوا: إن الزبير شهر سيفه، فلما جاء عمر ومعه جماعة من الانصار وغيرهم، قال في جملة ما قال: خذوا سيف هذا فاضربوا به الحجر، ويقال إنه أخذ السيف من يد الزبير فضرب به حجرا فكسره، وساقهم كلهم بين يديه إلى أبي بكر، فحملهم على بيعته، ولم يتخلف إلا علي وحده، فانه اعتصم ببيت فاطمة (عليها السلام) فتحاموا إخراجه منه قسرا، فقامت فاطمة (عليها السلام) إلى باب البيت فأسمعت من جاء يطلبه، فتفرقوا وعلموا


(1) اثبات الوصية 116 - 119 ط نجف الثالثة. (2) نهج البلاغة الرقم 26 من قسم الخطب، شرح النهج الحديدي ج 1 و 122 (*).

[311]

أنه بمفرده لا يضر شيئا فتركوه، وقيل إنهم أخرجوه فيمن اخرج وحمل إلى أبي بكر فبايعه وقد روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (1) كثيرا من هذا، فأما حديث التحريق (2) وما جرى مجراه من الامور الفظيعة ; وقول من قال إنهم أخذوا عليا (عليه السلام) يقاد بعمامته والناس حوله، فأمر بعيد، والشيعة تنفرد به، على أن جماعة من أهل الحديث قد رووا نحوه وسنذكر ذلك. وقال أبو جعفر: إن الانصار لما فاتها ما طلبت من الخلافة، قالت أو قال بعضها: لا نبايع إلا عليا (3).


(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 200 - (2) كيف ينكر حديث الاحراق وقد نص عليه الطبري الذى يعتمد عليه، قال الطبري ج 3 / 202: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن المغيره عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل على وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لاحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتا، بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه. وشارح النهج هو نفسه قد أخرج 1 / 134 - 2 / 19 باسناده عن أبى بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهرى قال حدثنى أبو زيد عمر بن شبه قال حدثنا أحمد بن معاوية قال حدثنى النضر بن شميل قال حدثنا محمد بن عمرو عن سلمة بن عبد الرحمن قال: لما جلس أبو بكر على المنبر كان على (عليه السلام) والزبير وناس من بنى هاشم في بيت فاطمة فجاء عمر إليهم فقال: والذى نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لا حرقن البيت عليكم الحديث. وأما أبو بكر الجوهرى فعند شارحنا بمكان من الوثاقة حيث يقول في غير مورد منها 4 / 78 " وأبو بكر الجوهرى هذا عالم محدث كثير الادب ثقة ورع أثنى عليه المحدثون و رووا عنه مصفاته ". قلت: وقد روى حديث الاحراق جمع كثير مر تخريجه عن مصادره ص 204 و 268 أضف إلى ذلك تاريخ ابن شحنة في هامش الكامل 7 / 164، منتخب كنز العمال 2 / 174 وأما سائر ما تقوله الشيعة فراجع ص 317 وما بعده. (3) راجع تاريخ الطبري 3 / 202 (*).

[312]

وذكر نحو هذا علي بن عبد الكريم المعروف بابن الاثير الموصلي في تاريخه (1). فأما قوله: " لم يكن لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت " فنقول ما زال علي (عليه السلام) يقوله، ولقد قاله عقيب وفات رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: لو وجدت أربعين ذوي عزم، ذكر ذلك نصر بن مزاحم في كتاب صفين، وذكره كثير من أرباب السيرة وأما الذي يقوله جمهور المحدثين وأعيانهم، فانه (عليه السلام) امتنع من البيعة ستة أشهر ولزم بيته فلم يبايع حتى ماتت فاطمة (عليها السلام) فلما ماتت بايع طوعا (2). وفي صحيحي مسلم والبخاري (3) كانت وجوه الناس إليه، وفاطمة لم تمت بعد، فلما ماتت فاطمة (عليها السلام) انصرفت وجوه الناس عنه، وخرجوا من بيته، فبايع أبا بكر وكانت مدة بقائها بعد أبيها عليه الصلاة والسلام ستة أشهر (4).


(1) تاريخ الكامل 2 / 220. (2) تاريخ الطبري 3 / 208، تاريخ اليعقوبي 2 / 116. (3) صحيح مسلم كتاب الجهاد 52 (ج 5 ص 154) صحيح البخاري كتاب المغازى 38 وقال القرطبى في شرحه: وجه: أي جاه واحترام كان الناس يحترمون عليا في حياتها كرامة لها لانها بضعة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مباشر لها، فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكر، انصرف الناس عن ذلك الاحترام، ليدخل فيما دخل فيه الناس، ولا يفرق جماعتهم. (4) صدر الحديث في مطالبة فاطمة حقها من خمس خيبر وصدقات بنى النضير وفدك وبعد ذلك على لفظ مسلم: رفأبى وأبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا فوجدت (ولفظ البخاري فغضبت) فاطمة على أبى بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر. فلما توفيت دفنها زوجها على بن أبيطالب ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها على وكان لعلى من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الاشهر، راجع شرح النهج 1 / 124 (*).

[313]

قال أيضا: روى أحمد بن عبد العزيز الجوهرى قال: لما بويع لابي بكر كان الزبير والمقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى علي (عليه السلام) وهو في بيت فاطمة، فيتشاورون ويتراجعون امورهم، فخرج عمر حتى دخل على فاطمة (عليها السلام)، وقال: يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما من أحد من الخلق أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا منك بعد أبيك، وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بتحريق البيت عليهم، فلما خرج عمر جاؤها فقالت: تعلمون أن عمر جاءني وحلف لي بالله إن عدتم ليحرقن عليكم البيت ؟ وأيم الله ليمضين لما حلف له، فانصرفوا عنا راشدين، فلم يرجعوا إلى بيتها، وذهبوا فبايعوا لابي بكر (1). ثم قال: ومن كلام معاوية المشهور إلى علي (عليه السلام): وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ويداك في يدى ابنيك حسن وحسين يوم بويع أبو بكر، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدليت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنت محقا لاجابوك ولكنك ادعيت باطلا، وقلت ما لا يعرف، ورمت مالا يدرك، ومهما نسيت فلا أنسى قولك لابي سفيان لما حركك وهيجك " لو وجدت أربعين ذوى عزم منهم لنا هضت القوم " فما يوم المسلمين منك بواحد (2). وروى أيضا من كتاب الجوهري عن جرير بن المغيرة أن سلمان والزبير و الانصار كان هواهم أن يبايعوا عليا (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما بويع أبو بكر قال سلمان: أصبتم الخيرة وأخطأتم المعدن (3).


(1) شرح النهج 1 / 130، وأخرجه في منتخب كنز العمال 2 / 174 عن مسند ابن أبى شيبة، ولما كان اصل الاحراق مقطوعا به، صورة الراوى بهذه الصورة حتى لا يزرى بشأن الخلفاء. (2) شرح النهج 1 / 131 ومثله في ج 3 / 5 وقد مر نصه ص 267. (3) راجع معنى الخيرة ص 194 مما سبق (*).

[314]

وعن حبيب بن أبى ثابت قال: قال سلمان يومئذ: اصبتم ذا السن منكم و أخطأتم أهل بيت نبيكم، لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان، ولاكلتموها رغدا. وروى ايضا عن غسان بن عبد الحميد قال: لما أكثر في تخلف علي (عليه السلام) عن بيعة أبي بكر، واشتد أبو بكر وعمر عليه في ذلك، خرجت ام مسطح بن أثائة (1) فوقفت عند القبر، وقالت: كانت امور وأنباء وهنبئة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إلى آخر الابيات المعروفة (2). وروى أيضا منه عن أبى الاسود قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبى بكر بغير مشورة، وغضب علي (عليه السلام) والزبير، فدخلا بيت فاطمة (عليها السلام) معهما السلاح فجاء عمر في عصابة منهم أسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وهما من بني عبد الاشهل، فصاحت فاطمة (عليها السلام) وناشدتهم الله فأخذوا سيفي علي والزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا، ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم، وقال إن بيعتي انت فلتة وقى الله شرها وخشيت الفتنة، و أيم الله ما حرصت عليها يوما قط، ولقد قلدت أمرا عظيما مالي به طاقة، ولا يدان ولوددت أن أقوى الناس عليه مكاني، وجعل يعتذر إليهم، فقبل المهاجرون عذره..


(1) أم مسطح هي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف بن قصى تزوجها أثاثة بن عباد بن المطلب فولدت له مسطحا من أهل بدر وهندا وأسلمت أم مسطح فحسن اسلامها وقد نسب هذه الاشعار مع ثلاثة أبيات غيرها إلى هند بنت أثاثة راجع طبقات ابن سعد 8 / 2 166 ق 2 / 67، ونسبه الباقر (عليه السلام) إلى صفية بنت عبد المطلب على ما أخرجه الهيتمى في مجمع الزوائد 9 / 39 قال رواه الطبراني واسناده حسن. (2) وبعده على ما في المصدر 1 / 132 وج 2 / 17: انا فقد ناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب

[315]

إلى آخر ما رواه (1). وقد روى باسناد آخر ذكره أن ثابت بن قيس بن شماس كان مع الجماعة الذين حضروا مع عمر في بيت فاطمة (عليها السلام)، قال وروى سعد بن إبراهيم أن عبد - الرحمن بن عوف (2) كان مع عمر ذلك اليوم، وأن محمد بن مسلمة كان معهم وأنه هو الذي كسر سيف الزبير. وروى أيضا من الكتاب المذكور باسناده إلى سلمة بن عبد الرحمن قال لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي (عليه السلام) والزبير واناس من بني هاشم في بيت فاطمة (عليها السلام) فجاء عمر إليهم فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أولا حرقن البيت عليكم، فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الانصار وزياد بن لبيد فدق به، فندر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر اضرب بن الحجر قال أبو عمرو بن حماس فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال هذه ضربة سيف الزبير، ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال الجوهرى: وقد روى في رواية اخرى أن سعد بن أبى وقاص كان معهم في بيت فاطمة (عليها السلام)، والمقداد بن الاسود أيضا، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا (عليه السلام) فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة (عليها السلام) تبكى وتصيح، فنهنهت من الناس، وقالوا ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنؤلف القرآن في مصحف واحد، فبايعوا


(1) شرح النهج 1 / 132 ورواه أيضا في 2 / 19، وقول أبى بكر " ان بيعتى كانت فلتة وقى الله شرها " ذكرها البلاذرى في انسابه 1 / 590 ولفظه:... الا وانى قد وليتكم و لست بخيركم ألا وقد كانت بيعتى فلنة وذلك أنى خشيت فتنة... فعلى هذا أول من اعترف بان بيعته أبى بكر كانت فلتقه، هو نفسه وسيجئ تمام الكلام في ذلك. (2) سقط عن المصدر 1 / 132 ذكر عبد الرحمن بن عوف، لكنه مثبت في ج 2 / 19 و هكذا كثير مما رواه في 1 / 132 ذكره في 2 / 19 (*).

[316]

أبا بكر فاستمر الامر واطمئن الناس (1). وروى الجوهري أيضا عن داود بن المبارك قال أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب (عليه السلام) ونحن راجعون من الحج في جماعة فسألناه عن مسائل وكنت أحد من سأل، فسألته عن أبي بكر وعمر، فقال أجيبك بما أجاب به عبد الله بن الحسن، فانه سئل عنهما فقال: كانت امنا فاطمة (عليها السلام) صديقة ابنه نبى مرسل، وماتت وهي غضبى علي قوم فنحن غضاب لغضبها (2). وروى أيضا باسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) عن ابن عباس قال: قال لى عمر: أما والله إن كان صاحبك أولى الناس بالامر بعد وفات رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أنا خفناه على اثنتين، فقلت: ما هما ؟ قال خشيناه على حداثة سنه، وحبه بنى عبد المطلب (3).


(1) شرح النهج 1 / 134، ورواه في 2 / 19. (2) تراه في شرح النهج 2 / 20 وزاد بعده: قلت: قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيين من أهل الحجاز أنشدنيه النقيب جلال الدين عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد العلوى قال: أنشدني هذا الشعر وذهب عنى اسمه قال: يا أبا حفص الهوينا وما كنت مليا بذاك لو لا الحمام أتموت البتول غضبى ونرضى * ما كذا يصنع البنون الكرام يخاطب عمر ويقول له: مهلا يا عمر ! ارفق واتئد ولا تعنف بنا " وما كنت مليا " أي وما كنت أهلا لان تخاطب بهذا وتستعطف ولا كنت قادرا على ولوج دار فاطمة على ذلك الوجه الذي ولجتها عليه، لو لا أن أباها الذي كان بيتها يحترم ويصان لاجله مات، فطمع فيها من لم يكن يطمع، ثم قال: أتموت امنا وهى غضبى ونرضى نحن ؟ إذا لسنا بكرام فان الولد الكريم يرضى لرضى أبيه وأمه وغضب لغضبهما. قال ابن ابى الحديد: والصحيح عندي أنها ماتت وهى واجدة على أبى بكر وعمر، و أنها أوصت أن لا يصليها عليها... الخ (3) شرح النهج 1 / 134 وتراه في 2 / 20

[317]

ثم قال ابن أبى الحديد فأما امتناع علي (عليه السلام) من البيعة حتى اخرج على الوجه الذي أخرج عليه، فقد ذكره المحدثون، ورواة السير، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين، وقد ذكر غيره من هذا النحو مالا يحصى كثرة. فأما الامور الشنيعة المستهجنة التي يذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة (عليها السلام) (1) وأنه ضربها بالسوط، فصار في عضدها كالدملج، وبقي أثره إلى أن ماتت، وإن عمر أضغطها بين الباب والجدار، فصاحت وا أبتاه يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وألقت جنينا ميتا (2) وجعل في عنق علي (عليه السلام) حبلا يقاد به، وهو يعتل، و


(1) حديث ارسال قنفذ، رواه ابن قتيبة في الامامة والسياسة 19 وقد مر نصها ص 220 لكنه لم يذكر ضربها بالسوط، ومعلوم أن ابن قتيبة أسقط شطرا من الحديث، كما أن سائر المحدثين على عمد لم يذكروا قنفذا في حديث السقيفة ولا البيعة أبدا. (2) مر في ص 204 نقلا عن الملل والنحل للشهرستاني: 83 ط مصر أنه نقل عن النظام قوله: " ان عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين (المحسن) من بطنها وكان يصيح: احرقوا دارها بمن فيها وما كان في الدار غير على وفاطمة والحسن والحسين " وهكذا مر في ص 271 ما يسلم لنا أن جنينا في بطنها قد سقط في حوادث البيعة والهجوم على دارها، كما سيجئ عن شارح النهج نفسه تحت الرقم 53 نقلا عن شيخه أبى جعفر النقيب. فلو لا ذلك، لم يكن أبو بكر نفسه يقول في مرضه الذى مات فيه " وددت أنى لم أكن أكشف عن بيت فاطمة، وتركته ولو أغلق على حرب " وكلامه هذا رواه أصحاب السير ورواه شارح النهج نفسه عن كامل المبرد في ج 1 / 130 راجع تاريخ الطبري 3 / 430، كنز العمال 3 / 132 منتخبه 2 / 171 بهامش المسند، العقد الفريد 2 / 254، الاموال لابي عبيد 131 الامامة والسياسة 1 / 24، مروج الذهب 2 / 301 ولفظه " فوددت أنى لم أكن فتشت بيت فاطمة، وذكر في ذلك كلاما كثيرا ". فترى ما هو الكلام الكثير الذى أشار إليه المسعودي الناقد البصير ؟ وكيف يقول اليعقوبي على =

[318]

فاطمة خلفه تصرخ وتنادي بالويل والثبور، وابناه حسن وحسين (عليهما السلام) معهما يبكيان (1) وإن عليا (عليه السلام) لما احضر سألوه البيعة فامتنع فهدد بالقتل، فقال


= ما مر نصه ص 252 " ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: " والله لتخرجن أولا كشفن شعرى ولا عجن إلى الله " أفتكون السيدة المطهرة تريد أن تكشف شعرها من دون مصيبة نزلت بها ؟ (1) هذا الذى ينكره الشارح الحميدى ذكره ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 20، وسيأتى نصه تحت الرقم 56 وذكره البلاذرى في أنساب الاشراف 1 / 587 باسناده عن ابن عباس قال: بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى على حين قعد عن بيعته وقال: ائتنى به بأعنف العنف فلما أتى به جرى بينهما كلام فقال: أحلب حلبا لك شطره، والله ما حرصك على امارته اليوم الا ليؤثرك غدا، وقد ذكر نحوا من ذلك نفسه نقلا عن الجوهرى الثقة المأمون في شرح النهج 2 / 19 ويأتى نصه بعد أسطر في المتن تحت الرقم 51 وفيه " أن عمر دفع عليا كما دفع الزبير وساقه سوقا عنيفا واجتمع الناس ينظرون " و " أنه أخذ بتلابيبهم يساقون سوقا عنيفا " وذكر في 3 / 546 - 457 شرحا لكلامه (عليه السلام) في كتاب كتبه جوابا لمعاوية: " وقلت انى كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مر تابا بيقينه، وهذه حجتى، إلى غيرك قصدها ولكني اطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها ". فنقل عن شيخه النقيب أبى جعفر يحيى بن أبى زيد، أن كتابه (عليه السلام) هذا جواب عن كتاب أرسله معاوية مع أبى أمامة الباهلى، ولفظه " وما من هؤلاء - يعنى الخلفاء الثلاث - الا من بغيت عليه وتلكأت في بيعته حتى حملت إليه قهرا تساق بحرائم الاقتسار كما يساق الفحل (الجمل) المخشوش... " وهذا الذى ذكره النقيب رواه في العقد الفريد 2 / 285، صبح الاعشى 1 / 228 أفليس كلام معاوية هذا يصرح بأنهم جعلوا في عنقه حبلا يقاد به ؟ والا فما معنى الاقتسار بالحزائم ؟

[319]

إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله، فقالوا: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسول الله فلا، وأنه طعن فيهم في أوجههم بالنفاق، وسطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها وبأنهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله ليلة العقبة (1) فكله لا أصل له عند أصحابنا


= وأما التهديد بالقتل وانكارهم مؤاخاته مع الرسول الاكرم، فقد مر نصوص في ذلك وسيجئ نصوص أخر عن قريب وناهيك ما رواه الشارح نفسه في 2 / 18 عن ابى بكر الجوهرى الثقة المأمون عنده باسناده عن ليث بن سعد قال: تخلف على عن بيعة أبى بكر، فأخرج ملببا يمضى به ركضا وهو يقول: معاشر المسلمين ! علام تضرب عنق رجل من المسلمين لم يتخلف لخلاف وانما تخلف لحاجة، فما مر بمجلس من المجالس الا يقال له: انطلق فبايع ". أفترى أنهم أرادوا قتله لاجل تخلفه في البيت - كما يذكره الراوى تقية - ليجمع القرآن الكريم بوصية من رسول الله ؟ ان شئت فقل هذا، فان القوم لا حريجة لهم في الدين ولقد تحقق فيهم ما قال النبي الاعظم: " ان اهل بيتى سيلقون بعدى بلاء وتشريدا وتطريدا وقتلا " (سنن ابن ماجة كتاب الفتن الباب 34 تحت الرقم 4082، مجمع الزوائد 9 / 194 مستدرك الحاكم 4 / 464 و 481) وحققوا قوله ص " انكم ستجرصون على الامارة، وانها ستكون ندامته يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة " رواه البخاري في كتاب الاحكام الباب 7 (ج 9 / 79) النسائي في كتاب البيعة الرقم 39 كتاب القضاة 56، وابن حنبل في مسنده 2 / 448 مع تحريف، وأخرجه المتقى في منتخب كنز العمال 2 / 135 عن البخاري والنسائي، وذكره في مبارق الازهار شرح المشارق للصغانى ونقل عن الطيبى أنه انما لم تلحق التاء بنعم والحقت ببئس اشارة إلى أن ما يناله الامير في الاخرة من البأساء داهية بالنسبة إلى ما ناله في الدنيا من النعماء. (1) قد مر ص 85 - 87 و 105 و 115 و 117 - 122 ما يتعلق بالصحيفة التى كتبوها بينهم وأوضحنا أن الصحيفة التى ذكرت في مسانيدهم (مسند ابن حنبل 1 / 109 طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 319 شرح النهج 3 / 147) ان عليا (عليه السلام) تمنى أن يلقى الله بها هي هذه الصحيفة الملعونة لا صحيفة أعمال عمر، وأما قصة العقبة وأن اثنى عشر رجلا =

[320]

[...]


= من صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أرادوا أن ينفروا ناقته ليلة العقبة في تبوك، فقد جاء ذكرها و التصريح بها في صحاحهم ومسانيدهم راجع ص 97 مما سبق وقد عرفت ص 100 من هذا الجزء أن أبا موسى الاشعري كان أحدهم والمرء يعرف بخليله. أضف إلى: ذلك ما أخرجه ابن أبى شيبة على ما في منتخب كنز العمال 5 / 91 باسناده عن أبى الطفيل قال: كان بين حذيفة وبين رجل من أهل العقبة بعض ما يكون بين الناس، قال: أنشد الله كم كان أصحاب العقبة، فقال أبو موسى الاشعري: قد كنا نخبر أنهم أربعة عشر فقال حذيفة: فان كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، أشهد بالله أن أثنى، عشر منهم حرب لله و لرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد. وما أخرجه ابن عدى في الكامل وابن عساكر في التاريخ على ما في منتخب كنز العمال 5 / 234 بالاسناد عن ابى نجاء حكيم قال: كت جالسا مع عمار فجاء ابو موسى فقال: مالى ولك ؟ ألست أخاك ؟ قال: ما أدرى ولكن سمعت رسول الله يلعنك ليلة الجبل، قال: انه استغفر لى، قال عمار، قد شهدت اللعن ولم أشهد الاستغفار. والاستغفار الذى ذكره أبو موسى الاشعري هو ما رووه عن رسول الله أنه قال: " اللهم انما أنا بشر، فأيما عبد من المؤمنين دعوت عليه دعوة فاجعلها له زكاة ورحمة " وهذا مختلق قطعا، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ليدعو على أحد من دون استحقاق لمكان عصمته ص وعلمه ببواطن الامر. نعم قد أشاعوا هذه الرواية عن رسول الله ليلجموا أفواه رجال الحق عن أنفسهم، و لذلك ترى عبد الله بن عثمان بن خيثم يقول: " دخلت على أبى الطفيل فوجدته طيب النفس، فقلت: لاغتنمن ذلك منه، فقلت يا أبا الطفيل ! النفر الذين لعنهم رسول الله من بينهم من هم (من هم سمهم من هم) فهم أن يخبرني بهم، فقالت له امرأته سودة: مه يا أبا الطفيل ! أما بلغك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اللهم انما أنا بشر فأيما عبد من المؤمنين دعوت عليه دعوة، فاجعلها له زكاة ورحمة " ؟ رواه أحمد في مسنده 5 / 454، والهيثمي في زوائده 1 / 111 = (*).

[321]

أصحابنا، ولا يثبته أحد منهم، وإنما هو شئ تنفرد الشيعة بنقله (1). أقول: عدم ثبوت تلك الاخبار عند متعصبي أصحابه لا يدل على بطلانها، مع نقل محدثيهم الذين يعتمدون على نقلهم، موافقا لروايات الامامية، كما اعترف به، مع أن فيما ذكره من الاخبار التي صححها لنا كفاية، وما رواه مخالفا لرواياتنا فمما تفردوا بنقله، ولا يتم الاحتجاج إلا بالمتفق عليه بين الفريقين. 52 - وروى ابن أبي الحديد أيضا في الكتاب المذكور من كتاب السقيفة للجوهري قال: حدثنى أبو زيد عمر بن شبة عن رجاله قال: جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الانصار، ونفر قليل من المهاجرين، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أولا حرقن البيت عليكم، فخرج الزبير مصلتا بالسيف، فاعتنقه زياد بن لبيد الانصاري ورجل آخر، فندر السيف من يده، فضرب به عمر الحجر


= بل وروى الشارح نفسه في ابى موسى الاشعري 3 / 292 بعد ما نقل عن الاستيعاب أنه كان واليا لعثمان على الكوفة " فلما قتل عثمان عزله على (عليه السلام) عنها فلم يزل واجدا لذلك على على (عليه السلام) حتى جاء منه ما قال حذيفة فيه، فقد روى حذيفة فيه كلاما كرهت ذكره والله يغفر له " قال الشارح: قلت: الكلام الذى أشار إليه أبو عمر بن عبد البر، ولم يذكره، قوله فيه وقد ذكر عنده بالدين: " أما أنتم فنقولون ذلك، وأما أنا فأشهد أنه عدو لله ولرسوله وحرب لهما في الحياة الدنيا يوم الدنيا ويوم يقوم الاشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار، وكان حذيفة عارفا بالمنافقين أسر إليه رسول الله أمرهم و أعلمه أسماءهم. قال: وروى أن عمارا سئل عن أبى موسى فقال: لقد سمعت فيه من حذيفة قولا عظيما سمعته يقول: صاحب البرنس الاسود، ثم كلح كلوحا علمت منه أنه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط. (1) شرح النهج 1 / 135.

[322]

فكسره، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقا عنيفا حتى بايعوا أبا بكر (1). قال أبو زيد: روى النضر بن شميل قال: حمل سيف الزبير لما ندر من يده إلى أبي بكر وهو على المنبر يخطب، فقال اضربوا به الحجر وقال أبو عمرو بن حماس: ولقد رأيت الحجر وفيه تلك الضربة والناس يقولون هذا أثر ضربة سيف الزبير (2). وروى أيضا عن الجوهري عن أبي بكر الباهلي عن إسماعيل بن مجالد عن الشعبي قال: قال أبو بكر: يا عمر أين خالد بن الوليد ؟ قال: هو هذا، فقال انطلقا إليهما يعنى عليا (عليه السلام) والزبير، فأتيانى بهما، فدخل عمر، ووقف خالد على الباب من خارج فقال عمر للزبير: ما هذا السيف ؟ قال أعددته لا بايع عليا، قال: وكان في البيت ناس كثير منهم المقداد بن الاسود وجمهور الهاشميين فاخترط عمر السيف، فضرب بن صخرة في البيت فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه وقال: يا خالد دونك هذا، فأمسكه خالد، وكان في الخارج مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر ردءا لهما، ثم دخل عمر فقال لعلي (عليه السلام) قم فبايع فتلكا واحتبس فأخذ بيده فقال: قم فأبى أن يقوم فحمله ودفعه كما دفع الزبير ثم أمسكهما خالد وساقهما عمر ومن معه سوقا عنيفا واجتمع الناس ينظرون، وامتلات شوارع المدينة بالرجال، ورأت فاطمة عليها السلام ما صنع عمر، فصرخت و ولولت، واجتمعت معها نسوة كثيرة من الهاشميات وغيرهن، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فلما بايع علي عليه السلام والزبير، وهدأت تلك الفورة، مشى إليها أبو بكر بعد ذلك، فشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه (3). قال ابن أبي الحديد بعد ايراد تلك الاخبار والصحيح عندي أنها ماتت وهى واجدة على أبي بكر وعمر وأنها أوصت أن لا يصليا عليها وذلك عند أصحابنا من الصغاير المغفورة لهما، وكان الاولى بهما إكرامها، واحترام منزلتها، لكنهما خافا


(1 - 3) شرح النهج 2 / 19 (*).

[323]

الفرقة، وأشفقا الفتنة ! ففعلا ما هو الاصلح بحسب ظنهما، وكانا من الدين وقوة اليقين بمكان مكين... ومثل هذا لو ثبت خطأ لم تكن كبيرة، بل كان من باب الصغاير التي لا يقتضي التبري ولا يوجب التولي (1). 53 - وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور بعد ذكر قصة هبار بن الاسود وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أباح دمه يوم فتح مكة، لانه روع زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرمح، وهي في الهودج، وكانت حاملا، فرأت دما و طرحت ذا بطنها. قال: قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر فقال: إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أباح دم هبار لانه روع زينب فألقت ذا بطنها، فظاهر الحال أنه لو كان حيا لاباح دم من روع فاطمة (عليها السلام) حتى ألقت ذا بطنها، فقلت: أروى عنك ما يقوله قوم إن فاطمة (عليها السلام) روعت فألقت المحسن ؟ فقال لا تروه عني ولا ترو عنى بطلانه، فاني متوقف في هذا الموضع لتعارض الاخبار عندي فيه (2).


(1) شرح النهج 2 / 20 والعجب منه ثم العجب كيف يقول أن ايذاءها بالهجوم على دارها صغيرة، لم يرو هو نفسه (ج 438 2 س 2) وهكذا صحاحهم بالتواتر على ما مر ص 303 أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " فاطمة بضعة منى فمن أغضبها فقد اغضبني، وفى لفظ " يؤذيني ما آذاها ويغضبني ما أغضبها " أليس يكون أذى رسول الله واغضابه كبيرة ؟ أو ليس الله عزوجل يقول في كتابه " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن - والذين يوذون رسول الله لهم عذاب أليم " أو ليس الله عزوجل يقول " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا واثما مبينا " أفيرى أن ايذاء رسول الله بالهجوم على دار ابنته الصديقة اهون من القول بأنه أذن، أو كان فاطمة البتول المطهرة الطاهرة بنص آية التطهير قد أكتسبت ما يوجب ايذاءها والظلم عليها ؟ لاها الله ولكن الملك عقيم. (2) شرح النهج 3 / 359 أقول: وآثار التقية على كلام النقيب ظاهر (*).

[324]

54 - وروى في موضع آخر عن محمد بن جرير الطبري (1) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قبض اجتمعت الانصار في سقيفة بنى ساعدة، وأخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الخلافة وكان مريضا، فخطبهم ودعاهم إلى إعطائه الرياسة والخلافة، فأجابوه، ثم ترادوا الكلام فقالوا: فان أبى المهاجرون وقالوا نحن أولياؤه وعترته ؟ فقال قوم من الانصار نقول: من أمير ومنكم أمير، فقال سعد فهذا أول الوهن. وسمع عمر الخبر فأتى منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفيه أبو بكر (2) فأرسل إليه أن أخرج إلى فأرسل أني مشغول، فأرسل عمر إليه أن أخرج فقد حدث أمر لابد أن تحضره، فخرج فأعلمه الخبر، فمضيا مسرعين نحوهم، ومعهما أبو عبيدة


(1) تاريخ الطبري 3 / 218 - 222، أخرجه عز الدين ملخصا وسيأتى لفظ الطبري بطوله تحت الرقم 56 ص 330 عن تلخيص الشافي لشيخ الطائفة قدس الله سره. (2) هذا على رواية رواها الطبري باسناده عن هشام بن محمد عن أبى مخنف عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة الانصاري، ولكن الذى اختاره وقال به في 3 / 206 و نسبه شارح النهج نفسه في 1 / 128 إلى أصحاب السير جميعهم، هو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) توفى وأبو بكر بالسنح وعمر حاضر، ثم ذكر انكار عمر موت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن جاء أبو بكر فسكت عن انكاره ثم ذكر أن أبا بكر وعمر وابا عبيدة بن الجراح انطلقوا إلى سقيفة بنى ساعدة فقال أبو بكر: ما هذا ؟ فقالوا منا امير ومنكم امير فقال أبو بكر: منا الامراء و منكم الوزراء. ونص الحديث في البخاري باب مناقب أبى بكر 5 / 8 بالاسناد عن عائشة أن رسول الله مات وأبو بكر بالسنح - يعنى بالعالية فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله وليبعثنه الله فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله فقبله وقال: بأبى أنت وامى طبت حيا وميتا، والذى نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: ايها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر... واجتمعت الانصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بنى ساعدة فقالوا: منا أمير ومنكم أمير... فتكلم أبو بكر فقال في كلامه: نحن الامراء وأنتم الوزراء الحديث، وقد مر في ص 179 ما يتعلق بالمقام (*).

[325]

فتكلم أبو بكر فذكر قرب المهاجرين من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنهم أولياؤه وعترته، ثم قال: نحن الامراء وأنتم الوزراء، لا نفتات عليكم بمشورة، ولا نقضي دونكم الامور (1). فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الانصار املكوا عليكم أمركم، فان الناس في ظلكم ولن يجترء مجترئ على خلافكم، ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم أنتم أهل العزة والمنعة، وأولوا العدد والكثرة، وذو والبأس والنجدة وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم، فان أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير. فقال عمر: هيهات لا يجتمع سفيان في غمد، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولا تمنع العرب أن تولى أمرها من كانت النبوة منهم، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته ؟ فقال الحباب بن المنذر: يا معشر الانصار املكوا أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر فان أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد، فأنتم أحق بهذا الامر منهم، فانه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، أنا أبو شبل في عريسة الاسد، والله إن شئتم لنعيدها جذعة. فقال عمر: إذن يقتلك الله فقال: بل إياك يقتل، فقال أبو عبيدة: يا معشر الانصار إنكم أول من نصر، فلا تكونوا أول من بدل أو غير، فقام بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فقال: يا معشر الانصار ألا إن محمدا من قريش، وقومه أولى به، وأيم الله لا يرانى الله أنا زعهم هذا الامر، فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم، فقالا: والله لا نتولى هذا الامر عليك، وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الصلاة، وهي أفضل الدين، أبسط يدك، فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناده الحباب بن المنذر: يا بشير


(1) وفى سائر المصادر زادوا في كلامه: " وهذا الامر بيننا وبينكم نصفين كشق الابلمة - يعنى الخوصة - " وسيأتى برواية الجوهرى (*).

[326]

عقتك عقاق أنفست على ابن عمك الامارة ؟ فقال أسيد بن حضير رئيس الاوس لاصحابه: والله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا، فقاموا فبايعوا أبا بكر، فانكسر على سعد بن عبادة والخزرج ما اجتمعوا عليه، وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب (1). ثم حمل سعد بن عبادة إلى داره فبقى أياما فأرسل إليه أبو بكر ليبايع ; فقال: لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي ما أطاعني وأقاتلكم بأهل بيتي، ومن تبعني، ولو اجتمع معكم الجن والانس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي، فقال عمر: لا تدعه حتى يبايع، فقال بشير بن سعد: إنه قد لج وليس بمبايع لكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه أهله، وطايفة من عشيرته، ولا يضركم تركه، إنما هو رجل واحد، فتركوه وجاءت أسلم فبايعت فقويت بهم جانب أبي بكر، وبايعه الناس (2) ثم قال: وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز، عن أحمد بن إسحاق بن صالح عن عبد الله بن عمر، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: لما توفى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اجتمعت الانصار إلى سعد بن عبادة، فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، إنا والله لا ننفس هذا الامر عليكم أيها الرهط ولكنا نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم، فقال عمر بن الخطاب إذا كان ذلك، فمت إن استطعت، فتكلم أبو بكر فقال: نحن الامراء وأنتم الوزراء والامر بيننا نصفان كقد الابلمة، فبويع وكان أول من بايعه بشير بن سعد والد النعمان بن بشير. فلما اجتمع الناس على أبي بكر قسم قسما بين نساء المهاجرين والانصار فبعث إلى امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت، فقالت: ما هذا


(1) أسقط الشارح من هنا شطرا من حديث الطبري مما كان يزرى بمذهبه، راجع نصه تحت الرقم 56 ص 336. (2) شرح النهج 1 / 127 - 128 (*).

[327]

قال: قسم قسمة أبو بكر للنساء، قالت: أتراشوني عن ديني ؟ والله لا أقبل منه شيئا فردته عليه (1). ثم قال ابن أبي الحديد: قرأت هذا الخبر على أبي جعفر يحيى بن محمد العلوى قال: لقد صدقت فراسة الحباب بن المنذر، فان الذي خافه وقع يوم الحرة، واخذ من الانصار ثأر المشركين يوم بدر، ثم قال لي رحمه الله: ومن هذا خاف أيضا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذريته واهله، فانه كان (عليه السلام) قد وتر الناس، وعلم أنه إن مات وترك ابنته وولدها سوقة ورعية تحت أيدي الولاة، كانوا بعرض خطر عظيم، فما زال يقرر لابن عمه قاعدة الامر بعده، حفظا لدمه ودماء أهل بيته، فانهم إذا كانوا ولاة الامر، كانت دماؤهم، أقرب إلى الصيانة والعصمة، مما إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم، فلم يساعده القضاء والقدر وكان من الامر ما كان، ثم أفضى أمر ذريته فيما بعد إلى ما قد علمت (2). قال: وروى أحمد بن عمر بن عبد العزيز، عن عمر بن شبة عن محمد بن منصور عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث أبا سفيان ساعيا فرجع من سعايته وقد مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلقيه قوم فسئلهم فقالوا: مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: من ولي بعده ؟ قيل أبو بكر، قال: أبو الفصيل ؟ قالوا: نعم، قال: فما فعل المستضعفان علي والعباس ؟ أما والذى نفسي بيده، لارفعن لهما من أعضادهما. قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: وذكر جعفر بن سليمان أن أبا سفيان قال: شيئا آخر لم تحفظه الرواة، فلما قدم المدينة قال إني لارى عجاجة لا يطفيها إلا الدم، قال: فكلم عمر أبا بكر فقال إن أبا سفيان قد قدم، وإنا لا نأمن شره، فدع


(1) شرح النهج 1 / 133، وتراه في طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 129، أنساب الاشراف للبلاذرى 1 / 580 منتخب الكنز 2 / 168، عن ابن جرير. (2) شرح النهج 1 / 133 (*).

[328]

له ما في يده فتركه فرضى (1). 54 - وقال ابن أبي الحديد في موضع آخر: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و اشتغل علي (عليه السلام) بغسله ودفنه، وبويع أبو بكر، خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعلي (عليه السلام) والعباس لا جالة الرأى، وتكلموا بكلام يقتضي الاستنهاض والتهييج، فقال العباس رضي الله عنه قد سمعنا قولكم، فلا لقلة نستعين بكم، ولا لظنه نترك آراءكم فأمهلونا نراجع الفكر، فان يكن لنا من الاثم مخرج، يصر بنا وبهم الحق صرير الجدجد، ونبسط إلى المجد أكفا لا نقبضها، أو نبلغ المدى، وإن تكن الاخرى فلا لقلة في العدد، ولا لوهن في الايد، والله لو لا أن الاسلام قيد الفتك، لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلي، فحل علي (عليه السلام) حبوته وقال: الصبر حلم، والتقوى دين، والحجة محجة، والطريق الصراط، أيها الناس شقوا أمواج الفتن إلى آخر ما نقلنا سابقا، ثم نهض فدخل إلى منزله وافترق القوم (2). وقال أيضا في شرح هذا الكلام منه (عليه السلام): لما اجتمع المهاجرون على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول: أما والله إنى لارى عجابة لا يطفيها إلا الدم يا لعبد مناف فيم أبو بكر من أمركم ؟ أين المستضعفان ؟ أين الاذلان ؟ يعني عليا (عليه السلام) والعباس، ما بال هذا الامر في أقل حي من قريش، ثم قال لعلي (عليه السلام) أبسط يدك أبايعك، فو الله إن شئت لاملانها على أبي فصيل يعنى أبا بكر خيلا ورجلا، فامتنع عليه علي (عليه السلام) فلما يئس منه قام عنه وهو ينشد شعر المتلمس. ولا يقيم على ضيم يراد به * إلا الاذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته * وذا يشج فلا يرثي له أحد (3)


(1) شرح النهج 1 / 130، وتراه في العقد الفريد 2 / 249، أنساب الاشراف 1 / 589: وترك ذيله. (2) شرح النهج 1 / 73 وقد مر في ص 233. (3) شرح النهج 1 / 74 الكامل لابن الاثير 2 / 220 تاريخ الطبري 3 / 209 وزادا =

[329]

وقيل لابي قحافة يوم ولي الامر ابنه: قد ولي ابنك الخلافة فقرأ " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء " ثم قال: لم ولوه ؟ قالوا: لسنه قال: فأنا أسن منه (1). وقال أيضا عند ما ذكر تنفيذ جيش أسامة كما سنذكره حيث قال: فلما ركب يعنى اسامة جاءه رسول أم أيمن فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يموت فأقبل ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فأنتهوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين زالت الشمس من يوم الاثنين، وقد مات واللواء مع بريدة بن الخصيب فدخل باللواء، فركزه عند باب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مغلق، وعلي (عليه السلام) وبعض بني هاشم مشتغلون باعداد جهازه وغسله، فقال العباس لعلي (عليه السلام) وهما في الدار: امد ديدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بايع ابن عم رسول الله، فلا يختلف عليك اثنان، فقال له: أو يطمع يا عم فيها طامع غيرى ؟ قال: ستعلم فلم يلبثا أن جاءتهما الاخبار بأن الانصار أقعدت سعدا لتبعايعه، وأن عمر جاء بأبي بكر فبايعه وسبق الانصار بالبيعة فندم علي (عليه السلام) على تفريطه في أمر البيعة وتقاعده عنها، وأنشده العباس قول دريد: أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد (2).


= فزجره على وقال: والله ما أردت بهذا الا الفتنة، وانك والله طالما بغيت للاسلام شرا، لا حاجة لنا في نصحك، وروى الطبري أيضا ج 3 / 210 عن هشام بن محمد قال: أخبرني أبو محمد القرشى قال: لما بويع أبو بكر قال أبو سفيان لعلى والعباس: أنتم الاذلان ثم أنشد يتمثل: ان الهوان حمار الاهل يعرفه * والحر ينكره والرسلة الاجد ولا يقيم على ضيم يراد به * الا الاذلان عير الحى والوتد هذا على الخسف معكوس برمته * وذا يشج فلا يبكى له أحد (1) شرح النهج 1 / 74. (2) شرح النهج 1 / 54 - 53 وحديث بعث أسامة وفيهم أبو بكر وعمر ووجوه =

[330]

[.................................] (1). 56 - وروى الشيخ قدس سره في تلخيص الشافي (2) عن هشام بن محمد، عن أبي


= المهاجرين والانصار قد مر اخراجه ص 130 - 135 نقلا من طبقات ابن سعد 2 ق 1 / 136، 2 ق 2 / 41، 4 ق 1 / 47 و 46 شرح النهج 2 / 20 أيضا كنز العمال 5 / 312، منتخب الكنز 4 / 180 و 184، أصنف إلى ذلك تاريخ اليعقوبي 3 / 103 ط نجف أنساب الاشراف 1 / 474 و 384 مغازى الواقدي 1117 - 1119. وأما عرض البيعة من العباس لامير المؤمنين على (عليه السلام) فقد مر مصادره ص 286 فراجع. (1) توجد في مكتبة دانشگاه بتهران تحت الرقم 542 من قسم المخطوطات نسخة من المجلد الثامن وفيها زيادة ههنا ونصها: [وقال ابن أبى الحديد أيضا في موضع آخر من شرحه: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واشتغل على (عليه السلام) بغسله ودفنه وبويع أبو بكر خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعلى والعباس (عليهما السلام) لا جالة الرأى - وذكر نحوا مما مر آنفا إلى قوله فدخل إلى منزله وافترق القوم]. ولما كانت تكرار لما سبق آنفا ص 328 تحت الرقم 54، أسقطناها، وهكذا توجد في النسخة التى طبع عليها الكمبانى ص 63 - 64 عين هذه الزيادة وبعدها مكررات أخر مر اخراجها في المتن عن نفس المصدر (شرح النهج الحميدى) بعضها آنفا تحت الرقم 54 بعين اللفظ وبعضها سابقا: متنه تحت الرقم 46 عن كتاب سليم والاشارة بكونه موجودا في شرح النهج ص 293. وهذه الزيادة مع كونها تكرارا سيق باضطراب وقلق وخلط يشهد أنها كانت مسودة للمؤلف، واشتبه على مصححى الطبعة الكمبانى فأدرجوها في المتن، ولذلك أضربنا عنها صفحا. (2) ذكره علم الهدى في الشافي 396، ووجدنا نصه في الطبري 3 / 218 -

[331]

مخنف عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الانصاري أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قبض أجتمعت الانصار في سقيفة بني ساعدة، فقالوا نولي هذا الامر من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) سعد بن عبادة، وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض، قال: فلما اجتمعوا قال لابنه أو لبعض بني عمه: إني لا أقدر لشكواي أن اسمع القوم كلهم كلامي، ولكن تلق مني قولي فأسمعهم، فكان يتكلم، ويحفظ الرجل قوله، فيرفع به صوته ويسمع به أصحابه. فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الانصار إن لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الاسلام، ليست لقبيلة من العرب، إن محمدا (صلى الله عليه وآله) لبث بضع عشر سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الاوثان، فما آمن به من قومه إلا رجال قليل، والله ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به حتى إذا أراد بكم ربكم الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الايمان به وبرسوله، المنع له و لاصحابه، والاعزاز له ولدينه، والجهاد لاعدائه، وكنتم أشد الناس على عدوه منهم، وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لامر الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا، وحتى أثخن الله لرسوله بكم الارض ودانت بأسيفاكم له العرب، وتوفاه الله إليه وهو عنكم راض، وبكم قرير عين، استبدوا بهذا الامر دون الناس فانه لكم دون الناس. فأجابوه بأجمعهم بأن قد وفقت في الرأى وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت نوليك هذا الامر، فانك فينا متبع، ولصالح المؤمنين رضا. ثم إنهم ترادوا الكلام، فقالوا فان أبت مهاجرة قريش فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الاولون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلام تنازعوننا الامر من بعده ؟ فقالت طائفة منهم: فانا نقول إذا منا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبدا، فقال سعد بن عبادة حين سمعها هذا أول الوهن. وأتى عمر الخبر فأقبل إلى منزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسل إلى أبى بكر وأبو بكر

[332]

في الدار (1) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) دائب في جهاز النبي (صلى الله عليه وآله) فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إلى فأرسل إليه أني مشتغل، فأرسل إليه إنه قد حدث أمر لابد لك من حضوره، فخرج إليه، فقال: أما علمت أن الانصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولوا هذا الامر سعد بن عبادة، وأحسنهم مقالة من يقول: منا أمير ومن قريش أمير. فمضيا مسرعين نحوهم، فلقيا أبا عبيدة فتماشوا إليهم، فلقيهم عاصم بن عدي وعويم بن ساعدة (2) فقالا لهم: ارجعوا فانه لا يكون إلا ما تحبون، فقالوا:


(1) قد عرفت آنفا ص 324 موضع النظر في هذه الرواية. (2) بل الثابت المسلم في التاريخ أنهما هما اللذان كانا أخبرا أبا بكر وعمر باجتماع الخزرج في السقيفة وقد كانا من الاوس ولاء، فالاول وهكذا أخوه معن بن عدى على ما ورد ذكره في روايات السقيفة حليف بنى عبيد بن زيد من بنى عمرو بن عوف و الثاني حليف بنى امية بن زيد، ومعلوم من آدابهم الجاهلي أن مولى القوم لا يدخل في شؤنهم الخاصة بهم الا بأمرهم، فالظاهر أنهما خرجا من السقيفة باشارة رئيسهم أسيد بن حضير الاوسي لينذرا قريشا بذلك، حسدا منهم أن يجتمع الامر لسعد بن عبادة. قال البلاذرى في أنساب الاشراف 1 / 581 بالاسناد عن يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن ابن شهاب قال: " بينا المهاجرون في حجرة رسول الله وقد قبضه الله إليه، وعلى بن أبى طالب والعباس متشاغلان به، إذ جاء معن بن عدى وعويم بن ساعدة، فقالا لابي بكر: " باب فتنة ! ان لم يغلقه الله بك فلن يغلق أبدا، هذا سعد بن عبادة الانصاري في سقيفة بنى ساعدة يريدون أن يبايعوه " فمضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح حتى جاؤا السقيفة "... إلى أن قال: فقال أبو بكر: ان تطيعوا أمرى تبايعوا أحد هذين الرجلين: أبا عبيدة - وكان عن يمينه - أو عمر بن الخطاب - وكان عن يساره - فقال عمر: وأنت حى ؟ ماكان لا حد أن يؤخرك عن مقامك الذى أقامك فيه رسول الله فابسط يدك فبسط يده فبايعه عمر وبايعه أسيد بن حضير وبايع الناس وازدحموا على أبى بكر، فقالت الانصار قتلتم سعدا وقد كادوا يطأونه فقال عمر: اقتلوه فانه صاحب فتنة = (*).

[333]

لا تفعل، فجاؤهم وهم مجتمعون، فقال عمر بن الخطاب: أتيناهم وقد كنت زورت كلاما


= قال: قال ابن رومان: وقد يقال: ان أول من بايع من الانصار، بشير بن سعد، وأتى بأبى بكر المسجد فبايعوه وسمع العباس وعلى التكبير في المسجد، ولم يفرغوا من غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال علي: ما هذا ؟ فقال العباس ما رد مثل هذا قط، لهذا ما قلت لك الذي قلت. وترى ما يشبه ذلك في سيرة ابن هشام 2 / 656، تاريخ الطبري 3 / 203، و أوضح من ذلك نص عمر على ما ورد في الصحاح والمسانيد: " فقلت لابي بكر: انطلق بنا إلى اخواننا هؤلاء من الانصار، فانطلقنا نؤمهم فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدرا فذكرا ما تمالئا عليه القوم، وقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا: نريد اخواننا هؤلاء من الانصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين ! اقضوا أمركم بينكم فقلنا: والله لنأتينهم.. راجع سيرة ابن هشام 2 / 658، تاريخ الطبري 3 / 205، منتخب كنز العمال 2 / 157 قال رواه ابن حنبل والبخاري (ج 8 / 210) وأبو عبيد في الغريب. وزاد الطبري في 3 / 206 بعد تمام الحديث باسناده عن عروة بن الزبير قال: ان أحد الرجلين اللذين لقوا من الانصار حين ذهبوا إلى السقيفة: عويم بن ساعدة والاخر معن ابن عدى أخو بنى العجلان.. الحديث. فهذان الرجلان الصالحان بزعم عمر ! انما صلحا لاجل أنهما أخبرا قريشا قبل أن يتفاقم الامر، ولذلك ترى عم يشكر صنيعه هذا ويقول وهو واقف على قبر عويم بن ساعدة " لا يستطيع أحد من أهل الارض أن يقول انه خير من صاحب هذا القبر... " الخبر. وصرح باسمهما ابن ابى الحديد في شرح النهج 1 / 123 نقلا عن تاريخ الطبري و نصه: فلقينا رجلان صالحان من الانصار أحدهما عويم بن ساعدة والثانى معن بن عدى فقالا لنا: ارجعوا فاقضوا أمركم بينكم.. " الحديث. وهكذا نص شارح النهج ج 2 / 3 وسيجئ بلفظه تحت الرقم 60 انشاء الله تعالى، وأصرح من ذلك كله ما رواه الزبير في الموفقيات على ما ذكره ابن أبى الحديد في شرحه =

[334]

أردت أن أقوم به فيهم، فلما اندفعت إليهم ذهبت لابتدئ المنطق، فقال لي أبو بكر رويدا حتى أتكلم، ثم انطق بعد ما أحببت، فنطق فقال عمر: فما شئ كنت أريد أن أقول به إلا وقد أتى به أو زاد عليه. قال عبد الله بن عبد الرحمن فبدأ أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) رسولا إلى خلقه، وشهيدا على امته، ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، يزعمون أنها لمن عبدها شافعة، ولهم نافعة، وإنما هي من حجر منحوت وحشب منجور، ثم قرأ و " يعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " (1) وقالوا " ما نعبدهم إلا


= على النهج 2 / 7 قال: قال الزبير في الموفقيات: وقد كان مالا أبا بكر وعمر على نقض سعد وافساد حاله رجلان من الانصار ممن شهدا بدرا وهما عويم بن ساعدة ومعن بن عدى، قلت كان هذان الرجلان ذوى حب لابي بكر في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واتفق مع ذلك بغض وشحناء كانت بينهما وبين سعد بن عبادة ولها سبب مذكور في كتاب القبائل لابي عبيدة معمر بن المثنى فليطلب من هناك، و عويم بن ساعدة هو القائل لما نصب الانصار سعدا: يا معشر الخزرج ! ان كان هذا الامر فيكم دون قريش فعرفونا ذلك وبرهنوا حتى نبايعكم عليه، وان كان لهم دونكم فسلموا إليهم، فو الله ما هلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى عرفنا أن أبا بكر خليفة حين أمره أن يصلى بالناس، فشتمه الانصار وأخرجوه، فانطلق مسرعا حتى التحق بأبى بكر فشحذ عزمه على طلب الخلافة، ذكر هذا بعينه الزبير بن بكار في الموفقيات. وذكر المدائني والواقدى: أن معن بن عدى اتفق هو وعويم بن ساعدة على تحريض أبى بكر وعمر على طلب الامر وصرفه عن الانصار، قالا: وكان معن بن عدى يشخصهما اشخاصا ويسوقهما سوقا عنيفا إلى السقيفة مبادرة إلى الامر قبل فواته. أقول: فاعتبروا يا أولى الابصار ! (1) يونس: 18 = (*).

[335]

ليقربونا إلى الله زلفى " (1) فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله المهاجرين الاولين من قومه بتصديقه، والايمان به، والمواساة له، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم، وتكذيبهم إياه، وكل الناس لهم مخالف، وعليهم زار، فلم يستوحشوا لقلة عددهم، وتشذب الناس عنهم، وإجماع قومهم عليهم. فهم أول من عبد الله في الارض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه و عشيرته وأحق الناس بهذا الامر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشر الانصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الاسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكن جلة أزواجه وأصحابه، وليس بعد المهاجرين الاولين عندنا بمنزلتكم فنحن الامراء وأنتم الوزراء لا تفتاتون بمشورة ولا يقضى دونكم الامور. فقام المنذر بن الحباب بن الجموح - هكذا روى الطبري (2) والذي رواه غيره أنه الحباب بن المنذر فقال: يا معشر الانصار املكوا على أيديكم - وساق الحديث نحوا مما رواه ابن أبى الحديد عن الطبري إلى قوله - فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا اجتمعوا له من أمرهم. ثم قال: قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثني أبو بكر بن محمد الخزاعي أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بهم السكك ليبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلا - أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر (3).


(1) الزمر: 3. (2) في تاريخ الطبري ط دار المعارف بمصر " الحباب المنذر بن الجموح " وحكى اتفاق الطبعات على ذلك، ولعله كانت نسخة السيد علم الهدى مغلوطة في هذا الموضع. (3) قد مر ص 197 في الذيل وسيجئ في تتميم الباب ص.. أن أسلم أبت أن تبايع الا بعد بيعة بريدة بن الحصيب الاسلمي وهو لم يبايع الا بعد بيعة على (عليه السلام)، وكيف كان فالمراد من كلام عمر هذا غير معلوم، لان أسلم بطن من خزاعة وليسوا بأكثر العرب فرسانا ولا بأشجعهم وأعزهم، وكيف أيقن عمر بالنصر عند بيعتهم ولم يتيقن حينما صفقت الانصار =

[336]

قال هشام عن أبي مخنف قال: قال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر، وكادوا يطأون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطأوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله (1) ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضدك، فأخذ قيس بن سعد (2) بلحية عمر ثم قال: والله لئن حصحصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، فقال أبو بكر مهلا يا عمر الرفق هيهنا أبلغ: فأعرض عنه، وقال سعد: أما والله لو أرى من قوة ما أقوى على النهوض، لسمعتم مني بأقطارها وسككها زئيرا يحجرك وأصحابك أما والله إذا لالحقنك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، أحملوني من هذا المكان فحملوه فأدخلوه داره، وترك أياما. ثم بعث إليه أن أقبل فبايع ! فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، ولا أفعل، وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الانس، ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي، فلما أتي أبو بكر بذلك، قال له عمر: لا تدعه حتى يبايع، فقال له بشير بن سعد إنه قد لج وأبا فليس يبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فليس تركه بضاركم، إنما هو رجل واحد، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه لما بدا لهم منه، وكان سعد لا يصلي


= بالبيعة لهم ؟ نعم قد يكون الراوى وهو أبو بكر بن محمد الخزاعى أراد أن يباهى بقومه و يكتسب لهم نوالا بذلك، والله أعلم. (1) وفى حديث عمر - وهو مثبت في الصحاح والمسانيد -: " ثم نزونا على سعد حتى قال قائلهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعدا " والظاهر من لفظه أنه هو وأصحابه هم الذين وطأوه وداسوه، الطبري 3 / 206، سيرة ابن هشام 2 / 660 البخاري 8 / 210. (2) في الطبري: فأخذ سعد بلحية عمر...

[337]

بصلاتهم، ولا يجمع معهم، ويحج ولا يحج معهم، ويفيض فلا يفيض معهم بافاضتهم (1) فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر (2). 57 - أقول: قال السيد رضي الله عنه بعد إيراد هذا الخبر: فهذا الخبر يتضمن من شرح أمر السقيفة ما فيه للناظرين معتبر، ويستفيد الواقف عليه أشياء. منها: خلوه من احتجاج قريش على الانصار بجعل النبي (صلى الله عليه وآله) الامامة فيهم لانه تضمن من احتجاجهم عليهم ما يخالف ذلك، وأنهم إنما أدعوا كونهم أحق بالامر من حيث كانت النبوة فيهم، ومن حيث كانوا أقرب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) نسبا و أولهم له اتباعا. ومنها: أن الامر إنما بني في السقيفة على المغالبة والمخالسة، وأن كلا منهم كان يجذبه بما أتفق له، وعن حق وباطل، وقوي وضعيف. ومنها: أن سبب ضعف الانصار وقوة المهاجرين عليهم انحياز بشير بن سعد حسدا لسعد بن عبادة، وانحياز الاوس بانحيازه عن الانصار. ومنها: أن خلاف سعد وأهله وقومه كان باقيا لم يرجعوا عنه، وإنما أقعدهم عن الخلاف فيه بالسيف قلة الناصر انتهى كلامه رفع الله مقامه (3). 58 - وقال ابن الاثير في الكامل: لما توفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجتمع الانصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا ؟ فقالوا منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر منا الامراء ومنكم الوزراء، ثم قال أبو بكر: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر وأبو عبيدة أمين هذه الامة فقال عمر: أيكم يطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما


= (1) وزاد في الامامة والسياسة 1 / 17: ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم ولو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم. (2) تلخيص الشافي 3 / 67 - 60. (3) الشافي: 395 تلخيص الشافي 3 / 67 (*).

[338]

النبي (صلى الله عليه وآله) فبايعه عمر وبايعه الناس، فقالت الانصار أو بعضهم: لا نبايع إلا عليا قال: وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة، قال الزبير لا أغمد سيفي حتى يبايع علي فقال عمر: خذوا سيفه واضربوا به الحجر، ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة. ثم ذكر ما مر من قصة أبي سفيان والعباس. ثم روى عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف حديثا طويلا وساقه إلى أن قال: لما رجع عمر من الحج إلى المدينة، جلس على المنبر وقال: بلغني أن قائلا منكم يقول: لو مات أمير المؤمنين بايعت فلانا، فلا يغرن امرءا أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع إليه الاعناق مثل أبي بكر، وأنه كان حريا حين توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن عليا (عليه السلام) والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة (عليها السلام) وتخلف عنا الانصار، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر وساق قصة السقيفة نحوا مما مر (1). ثم روى عن أبى عمرة الانصاري مثل ما أخرجناه من تلخيص الشافي وساق الكلام إلى أن قال: وقال الزهري ; بقي علي (عليه السلام) وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة (عليها السلام) فبايعوه، فلما كان الغد من بيعة أبي بكر جلس على المنبر وبايعه الناس بيعة عامة انتهى (2). 59 - وقال العلامة قدس سره في كتاب كشف الحق: روى الطبري في تاريخه قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي (عليه السلام) فقال: والله لاحرقن عليكم أو لتخرجن


(1) حديثه هذا هو الذى رواه البخاري باب رجم الحبلى من الزنا ج 8 ص 210 وابن حنبل في مسنده 1 / 55 والطبري في تاريخه 3 / 203 - 206 وابن هشام في السيرة 2 / 657 - 660، والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال 2 / 156 - 157 قال: وأخرجه أبو عبيد في الغريب. (2) تاريخ الكامل 2 / 220 - 224 (*).

[339]

للبيعة (1). وروى الواقدي أن عمر بن الخطاب جاء إلى علي (عليه السلام) في عصابة فيهم أسيد ابن حضير وسلمة بن أسلم فقال: أخرجوا أو لنحرقنها عليكم (2). وروى ابن خنزابة (3) في غرره قال زيد بن أسلم: كنت ممن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة (عليها السلام) حين امتنع علي (عليه السلام) وأصحابه عن البيعة، فقال عمر لفاطمة أخرجي من في البيت أولا حرقنه ومن فيه، قال: وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، وجماعة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت فاطمة (عليها السلام)، أتحرق عليا وولدي ؟ قال إي والله أو ليخرجن وليبايعن (4). وقال ابن عبد ربه (5) وهو من أعيانهم: فأما علي (عليه السلام) والعباس فقعدا في بيت فاطمة (عليها السلام) وقال أبو بكر لعمر بن الخطاب إن أبيا فقاتلهما، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهما النار، فلقيته فاطمة عليها السلام فقالت: يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال: نعم.


(1) تاريخ الطبري 3 / 202 (2) كتاب الواقدي غير مطبوع وترى مثل الحديث في شرح النهج 1 / 34، أخرجه من كتاب السقيفة لابي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهرى. (3) قال العلامة المرعشي في شرح الاحقاق 2 / 371: في أكثر النسخ " ابن خنزابة " وهو الوزير المحدث الجليل جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات البغدادي نزيل مصر (308 - 391)، وفي بعض النسخ " ابن خرداذبه " وهو السائح الرحالة الرياضي عبيد الله ابن عبد الله صاحب كتاب المسالك والممالك المتوفى حدود 300. وفى بعضها " ابن خيرانة " وهو محمد بن خيرانة المغربي المحدث من علماء المائة الرابعة، وفى بعضها المصححة " ابن خذابة " وهو عبد الله بن محمد بن خذابة المحدث الفقيه وأقوى المحتملات عندي أولها. (4) غير مبطوع. (5) العقد الفريد: 3 / 63 ط مصر (*).

[340]

ونحوه روى مصنف كتاب المحاسن وأنفاس الجواهر انتهى ما رواه العلامة رحمه الله تعالى (1). 60 - وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في أول المجلد السادس من كتاب السقيفة لاحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن أحمد بن إسحاق، عن أحمد بن سيار، عن سعيد بن كثير الانصاري أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قبض اجتمعت الانصار في سقيفة بنى ساعدة، فقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قبض، فقال سعد بن عبادة لابنه قيس أو لبعض بنيه: إني لا أستطيع أن أسمع الناس كلامي لمرضي، ولكن تلق منى قولي فأسمعهم، فكان سعد يتلكم وسمع ابنه يرفع به صوته، ليسمع قومه، فكان من قوله بعد حمد الله والثناء عليه أن قال: إن لكم سابقة إلى الدين، وفضيلة في الاسلام، ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الاوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يعزوا دبنه، ولا يدفعوا عنه عداه، حتى أراد الله بكم خير الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصكم بدينه، ورزقكم الايمان به، و برسوله، والاعزاز لدينه، والجهاد لاعدائه، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم، وأثقلهم على عدوه من غيركم، حتى استقاموا لامر الله طوعا وكرها وأعطى البعيد المقادة بأسيافكم صاغرا داحضا حتى أنجز الله لنبيكم الوعد، و دانت لاسيافكم العرب، ثم توفاه الله إليه وهو عنكم راض، وبكم قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الامر، فانكم أحق الناس وأولاهم به (2).


(1) كشف الحق قسم المطاعن، وقد تقدم مصادر ذلك في ص 204 و 268 وسيجئ بعضها تحت الرقم (2) شنشنة أخزمية وحمية كحمية الجاهلية الاولى: كانوا يحضرون مجتمع القوم وناديهم - دار الشورى - ويعاقدون الحلف فيما بينهم وبين حليفهم: ينصرونه ويحامون عنه، ثم إذا مات كانوا أولى بميراثه وسلطانه، ولذلك ترى سعدا حضر السقيفة وهى ظلة =

[341]

فأجابوا جميعا: أن وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما أمرت نوليك هذا الامر، فأنت لنا مقنع، ولصالح المؤمنين رضي.


= كانوا يجتمعون تحتها في الادوار الجاهلية لعظائم الامور والنوائب التى تنوبهم، ثم تكلم و احتج بأن الانصار حيث كانوا أنصار رسول الله والذابون عنه وبأسيافهم دانت العرب واستحكم سلطان الدين وعرى الاسلام، فهم أولى بأن يجوزوا سلطانه ويتوارثوا الملك الذى أسسوه بأسيافهم وتفدية أرواحهم ؟ ! من هؤلاء المهاجرن الذين راموا ميرات رسول الله ووطنوا انفسهم حيازة سلطانه وملكه ! وعلى هذا المبنى يبتنى أيضا حجة المهاجرين حيث قالوا: نحن عشيرته وأولياؤه، وانما يكون الاحلاف والانصار أولى بميرات حليفهم واحراز سلطانه، إذا لم يكن له قرابة وعصبة فعلام تنازعونا هذا الامر من بعده ؟ واما رسول الله الاعظم - نفسي له الفداء - لم يبايع الانصار على الحلف الجاهلي و لو كان ص يريد الحلف الجاهلي بأحكامه، لما رد نصرة بنى عامر بن صعصعة قبل بيعة الانصار بسنة أو سنوات، على ما مر شرحه ص 273، وانما بايعهم على أن يعطوه النصر والحماية و يضمن هو لهم الجنة، سواء في ذلك بيعتهم في العقبة الاولى والثانية، وقد اعترف بشير بن سعد بذلك في هذا المجلس على ما سيجئ. وهكذا بيعته ص مع المهاجرين والانصار في بيعة الرضوان، بيعة اسلامية رضى بها الله عزوجل وأيدها بقوله " ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الحنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " براءة: 111. أفترى - أيها القارئ الكريم - أن سعدا وسائر المهاجرين والانصار وفوا ببيعهم الذى بايعوا به ؟ نعم بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا في صدر الاسلام بأمر من الله عزوجل على أن يكون أخاه ووارثه وخليفته، وبايع هو - نفسي له الفداء - رسول الله على أن يؤازره ويقيه بنفسه و =

[342]

ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم فقالوا (1) إن أبت مهاجروا قريش فقالوا: نحن المهاجرون، وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الاولون، ونحن عشيرته وأولياؤه فعلام تنازعونا هذا الامر من بعده ؟ فقالت طائفة منهم: إذا نقول منا أمير ومنكم أمير، لن نرضى بدون هذا أبدا، لنا في الايواء والنصرة مالهم في الهجرة، ولنا في كتاب الله ما لهم، فليسوا يعدون شيئا إلا ونعد مثله، وليس من رأينا الاستيثار عليهم فمنا أمير و منهم أمير. فقال سعد بن عبادة: هذا أول الوهن. وأتى الخبر عمر فأتى منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجد أبا بكر في الدار وعليا في جهاز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان الذي أتاه بالخبر معن بن عدي فأخذ بيد عمر وقال:


= يذب عنه أعداءه، وقد وفيا - سلام الله عليهما - ببيعها الذى بايعاه بفضل من الله ورحمته و عونه: واساه على في المعارك وذب عنه وعن دينه مخلصا محتسبا موفيا في المشاهد كلها: بدر وأحد وخندق وخيبر وحنين و.... حتى عجبت الملائكة من مؤاساته ; وقال رضوان في السموات العلى: لا فتى الا على. وقام رسول الله ص في كل مشهد ولا سيما غدير خم فقال: من كنت مولاه فهذا على مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ". أفترى - أيها القارئ الكريم - أن المهاجرين والانصار نصروا عليا أو خذلوه ؟ للكلام في هذا المضمار ذيل طويل، مر شطر منه ص 273 وترى شطرا آخر في ج 91 ص 365 - 369 من بحار الانوار طبعتنا هذه ; والله المستعان. (1) الظاهر أن هولاء الرادين على الانصار، كانوا من الاوس كما مر ص 334 أو عشيرة بشير بن سعد بى النعمان الخزرجي، وكان هذا بدء الخلاف، وسيجئ نقلا عن الجوهرى وابن قتيبة أن بشيرا هو الراد عليهم (*).

[343]

قم، فقال عمر: إنى عنك مشغول، فقال إنه لابد من قيام، فقام معه له إن هذا الحي من الانصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة معها سعد بن عبادة يدورون حوله " أنت المرجى ونجلك (1) المرجى وثم أناس من أشرافهم، وقد خشيت الفتنة فانظر يا عمر ماذا ترى ؟ واذكر لاخوتك، واحتالوا لانفسكم، فاني أنظر إلى باب فتنة قد فتح الساعة، إلا أن يغلقه الله. ففزع عمر أشد الفزع، حتى أتى أبا بكر فأخذ بيده، فقال: قم فقال أبو بكر إنى عنك مشغول، فقال عمر لابد من قيام وسنرجع إنشاء الله، فقام أبو بكر مع عمر فحدثه الحديث، ففزع أبو بكر أشد الفزع، وخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة وفيها رجال من أشراف الانصار، ومعهم سعد بن عبادة، وهو مريض بين أظهر هم فأراد عمر أن يتكلم ويمهد لابي بكر، وقال: خشيت أن يقصر أبو بكر عن بعض الكلام، فلما ابتدأ عمر كفه أبو بكر، وقال على رسلك فتلق الكلام، ثم تكلم بعد كلامي بما بدالك. فتشهد أبو بكر ثم قال إن الله جل ثناؤه بعث محمدا بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الاسلام، فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعانا إليه، وكنا معاشر المهاجرين أول الناس إسلاما، والناس لنا في ذلك تبع، ونحن عشيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوسط العرب أنسابا، ليس من قبايل العرب قبيلة إلا ولقريش فيها ولادة، وأنتم أنصار الله، وأنتم نصرتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أنتم وزراء (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في الدين، وفيما كنا فيه من خير، فأنتم أحب الناس إلينا، وأكرمهم علينا، وأحق الناس بالرضا بقضاء الله، والتسليم لما ساق الله إلى إخوانكم من المهاجرين، وأحق الناس أن لا تحسدوهم، فأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، وأحق الناس أن لا يكون


(1) وهذه من عاداتهم الجاهلي أيضا، ويسمونها " حوسة " وقد مر ص 256 نقلا عن الكافي ارتجازهم هذا بصورة أخرى. (2) في المصدر: ثم أنتم وراء رسول الله واخواننا.

[344]

انتقاض هذا الامر واختلاطه على أيديكم، وأنا أدعوكم إلى أبي عبيدة وعمر، فكلاهما قد رضيت لهذا الامر، وكلاهما أراه له أهلا. فقال عمر وأبو عبيدة ما ينبغى لاحد من الناس أن يكون فوقك، أنت صاحب الغار، ثاني اثنين، وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الامر فقال الانصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، ولا أحد أحب إلينا، ولا أرضى عندنا منكم، ولكنا نشفق مما بعد هذا اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الامر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منكم بايعنا ورضينا على أنه إذا هلك اخترنا وأحدا من الانصار، فإذا هلك كان آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الامة، كان ذلك أجدر أن يعدل في امة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيشفق الانصاري أن يزيع فيقبض عليه القرشى، ويشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الانصاري. فقام أبو بكر فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخالفوه وشاقوه، وخص الله المهاجرين الاولين بتصديقه، والايمان به، والمواساة له، والصبر معه على شدة أذى قومه، ولم يستوحشوا لكثرة عدوهم فهم أول من عبد الله في الارض، وهم أول من آمن برسول الله، وهم أولياؤه وعترته، وأحق الناس بالامر بعده، لا ينازعهم فيه إلا ظالم، وليس أحد بعد المهاجرين يعد فضلا وقدما في الاسلام مثلكم، فنحن الامراء وأنتم الوزراء لا نفتات دونكم بمشورة، ولا نقضي دونكم الامور. فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الانصار، أملكوا عليكم أيديكم، إنما الناس في فيئكم وظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، و لا يصدر الناس إلا عن أمركم، أنتم أهل الايواء والنصر وإليكم كانت الهجرة وأنتم أصحاب الدار والايمان، والله ما عبد الله علانية إلا عندكم وفي بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا عرف الايمان إلا من أسيافكم، فأملكوا عليكم أمركم، فان أبي هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير.

[345]

فقال عمر: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد إن العرب لا ترضى أن تؤمركم ونبيها من غيركم، وليس تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، و أول الامر منهم (1) لنا بذلك الحجة الظاهرة، على من خالفنا والسلطان المبين على من نازعنا، من ذا يخاصمنا في سلطان محمد وميراثه ؟ ونحن أولياؤه وعشيرته ؟ إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم، أو متورط في هلكة. فقام الحباب وقال: يا معاشر الانصار لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من الامر، فان أبوا عليكم ما أعطيتموهم فأجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الامر عليهم، فأنتم اولى الناس بهذا الامز إنه دان لهذا الامر بأسيافكم من لم يكن يدين له، أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، إن شئتم لنعيدنها جذعة والله لا يرد أحد علي ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف. قال: فلما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اجتمعت عليه الانصار من أمر سعد بن عبادة وكان حاسدا له، وكان من سادة الخزرج، قام فقال أيها الانصار إنا وان كنا ذوي سابقة، فانا لم نرد بجهادنا وإسلامنا إلا رضى ربنا وطاعة نبينا، ولا ينبغى لنا أن نستظهر بذلك على الناس، ولا نبتغي به عوضا من الدنيا (2) إن محمدا رجل من قريش وقومه أحق بميراث أمره، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الامر، فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم. فقام أبو بكر وقال: هذا عمر وأبو عبيدة، بايعوا أيهما شئتم، فقالا: والله لا نتولى هذا الامر عليك، وأنت أفضل المهاجرين، وثاني اثنين، وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصلاة، والصلاة أفضل الدين، أبسط يدك نبايعك،


(1) في المصدر: وأولوا الامر منهم. (2) كلام بشير بن سعد هذا كلام حق اريد به باطل. أراد أن يرد على الحباب و يحطم أنفه بالحق، والحق غالب حاطم، لكنه نسى أو تناسى أن رسول الله انما عقد الخلافة لوزيره وصهره على بن ابي طالب يوم غدير خم، فلا مجال لاى مسلم أن يحتج للامامة بالقرابة أو النصرة = (*).

[346]

فلما بسط يده وذهبا يبايعانه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه. فناداه الحباب بن المنذر يا بشير عقتك عقاق، والله ما اضطرك إلى هذا إلا الحسد لابن عمك، فلما رأت الاوس أن رئيسا من رؤساء الخزرج قد بايع، قام أسيد بن حضير وهو رئيس الاوس فبايع حسدا لسعد أيضا، ومنافسة له أن يلى الامر فبايعت الاوس كلها لما بايع أسيد. وحمل سعد بن عبادة وهو مريض فادخل إلى منزله، فامتنع من البيعة في ذلك اليوم، وفيما بعده، وأراد عمر أن يكرهه عليه فأشير عليه أن لا يفعل، وأنه لا يبايع حتى يقتل، وإنه لا يقتل حتى يقتل أهله، ولا يقتل أهله حتى يقتل الخزرج كلها وإن حوربت الخزرج كانت الاوس معها، وفسد الامر، فتركوه، فكان لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجماعتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولو وجد أعوانا لضاربهم، و لم يزل كذلك حتى مات أبو بكر ثم لقي عمر في خلافته وهو على فرس وعمر على بعير، فقال له عمر: هيهات يا سعد فقال سعد: هيهات يا عمر، فقال أنت صاحب من أنت صاحبه، قال: نعم، أنا ذاك، ثم قال لعمر: والله ما جاورني أحد هو أبغض إلى جوارا منك، قال عمر: فانه من كره جوار رجل انتقل عنه، فقال سعد: إني لارجو أن اخليها لك عاجلا إلى جوار من هو أحب إلى جوارا منك ومن أصحابك فلم يلبث سعد بعد ذلك إلا قليلا حتى خرج إلى الشام، فمات فيها (1)


(1) في المصدر: فمات بحوران، ولكن الصحيح أنه قتل فتكا، وقد مر ص 183 من هذا الجزء ما يثبت ذلك، أضف إلى ذلك نص المسعودي في مروجه 2 / 301 قال: و كان للمهاجرين والانصار يوم السقيفة خطب طويل ومجاذبة في الامامة، وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع فصار إلى الشام فقتل هناك في سنة خمس عشرة، وليس كتابنا هذا موضعا لخبر مقتله.. وذكر شارح النهج 2 / 520 أنه لم يبايع أبا بكر حين بويع وخرج إلى حوران فمات بها، قيل قتلته الجن لانه بال قائما في الصحراء ليلا، ورووا روايتين من شعر قيل انها سمعا ليلة قتله ولم ير قائلهما: =

[347]

ولم يبايع لاحد لا لابي بكر ولا لعمر ولا لغيرهما. قال: وكثر الناس على أبي بكر فبايعه معظم المسلمين في ذلك اليوم، واجتمعت بنو هاشم إلى بيت على بن أبي طالب (عليه السلام) ومعهم الزبير، وكان يعد نفسه رجلا من بنى هاشم، كان علي يقول: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا، واجتمعت بنو امية إلى عثمان بن عفان، واجتمعت بنو زهرة إلى


= نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده ورميناه بسهمين فلم تخطا فؤاده ويقول قوم: ان أمير الشام يومئذ (وهو خالد بن الوليد) كمن له من رماه ليلا وهو خارج إلى الصحراء بسهمين فقتله لخروجه عن طاعة الامام، وقد قال بعض المتأخرين. يقولون سعد شكت الجن بطنه * الا ربما صححت دينك بالغدر وما ذنب سعد أنه بال قائما * ولكن سعدا لم يبايع أبا بكر وقد صبرت من لذة العيش أنفس * وما صبرت عن لذة النهى والامر وحكى شارح النهج 4 / 191: " أنه قال شيطان الطاق (يعنى مؤمن الطاق محمد ابن على بن النعمان الاحول) لسائل سأله: ما منع عليا أن يخاصم أبا بكر في الخلافة ؟ فقال: يا ابن أخى ! خاف أن تقتله الجن ؟. ثم قال: أما أنا فلا أعتقد أن الجن قتلت سعدا، ولا أن هذا شعر الجن ولا أرتاب أن البشر قتلوه، وأن هذا الشعر شعر البشر، ولكن لم يثبت عندي أن أبا بكر أمر خالدا ولا أستبعد أن يكون فعله من تلقاء نفسه ليرضى بذلك أبا بكر، أو أمر - وحاشاه - فيكون الاثم على خالد وأبو بكر برئ من اثمه، وما ذلك من أفعال خالد ببعيد. أقول: إذا اعترف بأن أبا بكر أمره، وهو أمير عليه: يجب عليه متابعته، كيف يكون الاثم على خالد وأبو بكر برئ ؟ وسيجئ نص البلاذرى في ذلك تحت الرقم انشاء الله تعالى.

[348]

سعد وعبد الرحمن فأقبل عمر وأبو عبيدة، فقال مالي أراكم حلقا (1) قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايع له الناس وبايعه الانصار، فقام عثمان ومن معه وقام سعد وعبد - الرحمن ومن معهما فبايعوا أبا بكر وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة عليها السلام معهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم فقال لهم: انطلقوا فبايعوا، فأبوا عليه وخرج الزبير بسيفه فقال عمر: عليكم الكلب، فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم وعلي (عليه السلام) يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقيل له: بايع، فقال أنا أحق بهذا الامر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لى، أخذتم هذا الامر من الانصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأعطوكم المقاده و سلموا إليكم الامارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفت الانصار لكم وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي (عليه السلام): احلب يا عمر حلبا لك شطره، اشدد له اليوم أمره، ليرد عليك غدا (2) لا والله لا أقبل قولك، و لا ابايعه، فقال له أبو بكر: فان لم تبايعني لم أكرهك، فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنك حدث السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك وأشد احتمالا له، و اضطلاعا به، فسلم له هذا الامر، وارض به، فانك إن تعش ويطل عمرك، فأنت لهذا الامر خليق، وبه حقيق، في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك. فقال علي (عليه السلام): يا معشر المهاجرين ! الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن


(1) في المصدر: مالى أراكم ملتاثين، وفى الامامة والسياسة ساق القصة هكذا و لفظه، مالى أراكم مجتمعين حلقا شتى. (2) نص على ذلك البلاذرى في 1 / 587، ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 18 راجع نصوصهم تحت الرقم 69 (*).

[349]

داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس، وحقه، فو الله يا معشر المهاجرين، لنحن أهل البيت أحق بهذا الامر منكم، أما كان منا القاري لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بالسنة، المضطلع بأمر الرعية ؟ والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى، فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك الانصار يا علي قبل بيعتهم لابي بكر، ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم قد بايعوا وانصرف على (عليه السلام) إلى منزله ولم يبايع، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة (عليها السلام) فبايع (1). ثم قال ابن أبي الحديد (2): هذا الحديث يدل على أن الخبر المروي في أبي بكر


(1) شرح النهج 2 / 3 - 5. (2) قال: هذا الحديث يدل على بطلان ما يدعى من النص على أمير المؤمنين وغيره لانه لو كان هناك نص صريح لاحتج به ولم يجر للنص ذكر، وانما كان الاحتجاج منه ومن أبى بكر ومن الانصار بالسوابق والفضائل والقرب، فلو كان هناك نص على أمير - المؤمنين أو على أبى بكر لا حتج به أبو بكر أيضا على الانصار، ولا حتج به أمير المؤمنين على أبى بكر، فان هذا الخبر وغيره من الاخبار المستفيضة يدل على أنه قد كان كاشفهم وهتك القناع بينه وبينهم، ألا تراه كيف نسبهم إلى التعدي عليه وظلمة وتمنع من طاعتهم و أسمعهم من الكلام أشده وأغلظه، فلو كان هناك نص لذكره أو ذكره بعض من كان من شيعته وحزبه، لانه لا عطر بعد عروس، وهذا أيضا يدل... إلى آخر ما نقله المؤلف العلامة في المتن. أقول: انما لم يحتج - روحي له الفداء - بنص الغدير وساير النصوص الواردة في امامته وولايته، لانه (صلى الله عليه وآله) لم يحضر السقيفة من أول الامر، ولا حين احتجت الانصار على المهاجرين والمهاجرون على الانصار، وانما كلمهم واحتج عليهم حينما قادوه كالجمل المخشوش إلى البيعة التى تمت صفقتها بالاحتجاج بالقرابة فأنكر عليهم لزوم البيعة عليه، لانه أقرب الاقربين إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). فكان انكاره واحتجاجه من باب الالزام (ألزموهم بما الزموا به أنفسهم) اتماما =

[350]

في صحيحي البخاري ومسلم غير صحيح، وهو ما روى من قوله (عليه السلام) لعائشة في مرضه:


= للحجة، والا فالقوم كانوا مفتونين بالامارة مشغوفين بحب الرئاسة عازمين على منع العترة من حقوقهم ولذلك لم ينفذوا جيش أسامة حذرا أن يلحق الرسول الاكرم بالرفيق الاعلى في غيابهم فلا يمكنهم بعد ذلك تنفيذ نياتهم أو يشق عليهم ذلك ولذلك قالوا انما الرجل يهجر حين أمرهم باحضار الكتف والدواة ولذلك أرادوا أن يفتكوا به (صلى الله عليه وآله) ولذلك.. على انك قد عرفت فيما سبق ص 187 و 273 أنه وهكذا أصحابه وشيعته احتجوا بحديث الغدير وسائر الايات النازلة في ولايته وامامته عند انكارهم لامر السقيفة، وشارح النهج نفسه قد روى احتجاجه بحديث الغدير، واعترف بأنه حق ثابت حيث قال في كلام له 2 / 61: " نحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى - يعنى بعد موت عمر - وتعديده فضائله وخصائصه التى بان بها منهم ومن غيرهم قد روى الناس فأكثروا، والذى صح عندنا أنه لم يكن الامر كما روى من تلك التعديدات الطويلة لكنه قال لهم بعد أن بايع عبد الرحمن والحاضرون عثمان وتلكأ هو عليه السلام عن البيعة " ان لنا حقا ان نعطه نأخذه وان نمنعه نركب أعجاز الابل وان طال السرى " في كلام قد ذكره أهل السيرة وقد أوردنا بعضه فيما تقدم، ثم قال لهم: أنشدكم الله أفيكم أحد آخى رسول الله بينه وبين نفسه غيرى ؟ فقالوا: لا، فقال: أفيكم أحد قال له رسول الله: من كنت مولاه فهذا مولاه غيرى ؟ فقالوا: لا، فقال: أفيكم أحد قال له رسول الله أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبى بعدى غيرى ؟ قالوا: لا، إلى أن قال: قال (عليه السلام): فأينا أقرب إلى رسول الله نسبا ؟ قالوا: أنت... " فعلى هذا لا معنى لا نكاره النص وهو نفسه يروى نص الغدير والمؤاخاة والمنزلة، ويعترف باحتجاجه عليه الصلاة والسلام بهذه النصوص المذكورة يوم الشورى، فان الاحتجاج بالنص حيث ثبت ثبت النص، من دون فرق بين أن يكون في مناشدة الشورى أو في الرحبة أو يوم الجمل أو يوم صفين، فان شئت تفصيل ذلك فراجع الغدير المجلد الاول حيث أنه أثبت تواتر الحديث من دون ريب وترى أحاديث المناشدة من ص 213 - 159 وهكذا المجلد السادس من احقاق الحق ونصوص المناشدة من ص 305 - 340 - على أن احتجاجه - روحي له الفداء - بالاولوية والاقربية، كان في اثبات امامته =

[351]

ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لابي بكر كتابا فاني أخاف أن يقول قائل أو يتمنى متمن، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر (1). ثم روى من كتاب السقيفة لاحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن أحمد بن


= ولزوم بيعته، لو كانوا مطيعين سامعين، وذلك في قول الله عزوجل (الاحزاب 6) " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين الا أن تفعلوا إلى اوليائكم معرفا كان ذلك في الكتاب مسطورا ". فالنبى (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالمؤمنين من أنفسهم مادام الحيات: يأمرهم وينهاهم، حتى في أمورهم الشخصية - ان شاء - حسب ما أوضحناه في ج 89 ص 141 - 142، كما أمر زينب بنت جحش أن تزوج نفسها من زيد بن حارثة مولاه، وفيه نزلت الاية " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا ". وأما أولو الارحام، فالمراد بالارحام أرحام الرسول (صلى الله عليه وآله) بقرينة المقام، وان شئت فقل لام العهد انما يدل على حذف المضاف إليه بقرينة المقام وتقدير الكلام: " و أولوا أرحامه - يعنى أولوا أرحام الرسول - بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من سائر المؤمنين كالانصار وهكذا أولى من المهاجرين وفيهم قرابة الرسول ورهطه. فصريح الاية ان لا ولاية ولا حكومة لاحد من المؤمنين والمهاجرين على أرحام النبي (صلى الله عليه وآله) ولا لهم أن يتخذوا من دونهم أولياء امراء ولا... ولا... الا ان يفعلوا إلى أوليائهم معروفا، واما اولو أرحامه، فبعضهم اولى ببعض ابدا، فان فيهم من هو اولى بهم سائر الدهر، فبعد الرسول الاعظم هو على (عليه السلام) بالقرابة والبيعة والمؤاخاة والمؤازرة والنص وبعده الحسن والحسين ثم من بعده من هو اولى به إلى ان برث الله الارض ومن عليها: والعاقبة للمتقين. (1) صحيح مسلم فضائل الصحابة الرقم 11 مسند احد 6، 106 صحيح البخاري كتاب الاحكام 51 (ج 9 و 100)، واللفظ لمسلم (*).

[352]

إسحاق، عن ابن عفير، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) حمل فاطمة صلوات الله عليها على حمار، وسار بها ليلا إلى بيوت الانصار يسألهم النصرة، وتسألهم فاطمة (عليها السلام) الانتصار له، فكانوا يقولون يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلناه به، فقال علي (عليه السلام): أكنت أترك رسول الله ميتا في بيته لا أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه ؟ وقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ماكان ينبغى له، وصنعوا هم ما الله حسيبهم عليه (1). وروى أيضا من الكتاب المذكور عن عمر بن شبة عن أبي قبيصة قال: لما توفي النبي (صلى الله عليه وآله)، وجرى في السقيفة ما جرى، تمثل علي: وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا * ويطغون لما غال زيدا غوائله (2) وقال: وروى الزبير بن بكار عن محمد بن إسحاق أن أبا بكر لما بويع افتخرت تيم بن مرة قال: وكان عامة المهاجرين وجل الانصار لا يشكون أن عليا (عليه السلام) هو صاحب الامر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال الفضل بن عباس: يا معشر قريش و خصوصا يا بني تيم إنكم إنما أخذتم الخلافة بالنبوة، ونحن أهلها دونكم، ولو طلبنا هذا الامر الذي نحن أهله، لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسدا منهم لنا، وحقدا علينا، وإنا لنعلم أن عند صاحبنا عهدا هو ينتهى إليه. وقال بعض ولد أبي لهب بن عبد المطلب شعرا: ما كنت أحسب أن الامر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم * وأعلم الناس بالقرآن والسنن وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن


(1) وفى الامامة والسياسة 1 / 19 مثله وقد مر ص 186. (2) شرح النهج 2 / 5 (*).

[353]

ماذا الذي ردهم عنه فنعلمه * ها إن ذا غبن من أعظم الغبن قال الزبير: فبعث إليه علي (عليه السلام) ونهاه وأمره أن لا يعود، وقال: سلامة الدين أحب إلينا من غيره (1). ثم قال ابن أبي الحديد: وروى البخاري ومسلم في الصحيحين باسنادهما إلى عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من النبي (صلى الله عليه وآله)، وهما يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: إنى سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنا معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال، وإنى والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنعه إلا صنعته فهجرته فاطمة، ولم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها على (عليه السلام) ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر، وكان لعلى وجه من الناس حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة (عليها السلام) انصرفت وجوه الناس عن علي (عليه السلام) فمكثت فاطمة (عليها السلام) ستة أشهر، ثم توفيت، فقال رجل للزهري وهو الراوي لهذا الخبر عن عائشة: فلم يبايعه إلى ستة أشهر ؟ قال: ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي فلما رأى ذلك ضرع إلى مبايعة أبي بكر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما عرف من شدته، فقال عمر: لا تأتهم وحدك، فقال أبو بكر: والله لاتينهم وحدي وما عسى أن يصنعوا بي فانطلق حتى دخل على علي (عليه السلام) وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فانا لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضلك، ولا نفاسة لخير ساقة الله إليك، و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر حقا فأستبددتم به علينا، وذكر قرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحقه، فلم يزل يذكر حتى بكى أبو بكر.


(1) شرح النهج 2 / 8 - 9، ومثله في تاريخ اليعقوبي 2 / 114 قال: وكان المهاجرون والانصار لا يشكون في على (عليه السلام) فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس وكان لسان قريش فقال: يا معشر قريش انه ما (انما) حقت لكم الخلافة بالتمويه، ونحن أهلها دونكم، و صاحبنا أولى بها منكم، وقام عتبة بن أبى لهب فقال: ما كنت أحسب الخ (*).

[354]

فلما صمت علي (عليه السلام) تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحب إلى أن أصلها من قرابتي، وإني والله ما آلوكم من هذه الاموال التي كانت بيني وبينكم إلا الخير، ولكني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم يقول لا نورث ما تركناه صدقة، وإنما يأكل آل محمد (صلى الله عليه وآله) في هذا المال، وإني والله لا أترك أمرا صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا صنعته إنشاء الله، قال علي (عليه السلام) موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر به، ثم قام علي (عليه السلام) فعظم من حق أبي بكر، وذكر فضله وسابقته ثم مضى إلي أبي بكر فبايعه، فأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسنت (1). 69 - أقول: روى أبو محمد بن مسلم بن قتيبة من أعاظم علماء المخالفين و مؤرخهم في تاريخه المشهور، عن أبي عفير، عن أبي عون، عن عبد الله بن عبد الرحمن الانصاري قصة السقيفة بطولها نحوا مما رواه ابن أبي الحديد من كتاب السقيفة إلا أنه قال مكان: " بشير بن سعد " قيس بن سعد فساق الكلام إلى قوله: فلما ذهبا أي أبو عبيدة وعمر يبايعانه سبقهما إليه قيس بن سعد (2) فبايعه فنادى الحباب بن المنذر يا قيس بن سعد عاقك عائق ما اضطرك إلى ما صنعت ؟ حسدت ابن عمك على الامارة قال: لا ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا هو لهم، فلما رأت الاوس ما صنع قيس وهو سيد الخزرج وما دعوا إليه من قريش، وما يطلب الخزرج من تأمير سعد، قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير: والله لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة، ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه، فقام الحباب إلى سيفه فأخذه فبادروا إليه فأخذوا سيفه وجعل يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر


(1) شرح النهج 2 / 18 - 19 وقد مر ص 312 شطر من كلامه هذا راجعه. (2) في المصدر، في كل المواضع بشير بن سعد الافى الاخير، وكيف كان، السهو من الكاتب قطعا (*).

[355]

الانصار، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم، قد وقفوا يسألونهم بأكفهم لا يسقونهم الماء (1). وساق الحديث إلى قوله: فقال سعد بن عبادة: أما لو أن لي ما أقوى به على النهوض لسمعتم في أقطارها وسككها زيئرا يخرجك وأصحابك ولالحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز. ثم ذكر أن سعدا لم يبايع وكان لا يصلي بصلاتهم ولا يجمع بجمعهم ولا يفيض بافاضتهم، ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، ولو تابعه أحد على قتالهم، لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر وولي عمر فخرج إلى الشام ومات بها ولم يبايع لاحد - ره -. ثم ذكر امتناع بني هاشم من البيعة واجتماعهم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و أنه ذهب عمر مع جماعة إليهم وخرج عليهم الزبير بسيفه وساق ما مر في رواية الجوهري إلى أن قال: ثم إن عليا أتى به أبا بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال أنا أحق بهذا الامر منكم، لا ابايعكم وأنتم أولى بالبيعة على أخذتم هذا الامر من الانصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأخذونه منا أهل البيت غضبا. ثم ذكر ما احتج (عليه السلام) به نحوا مما مر مع زيادات تركناها إلى أن قال: وخرج علي (عليه السلام) يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دابة ليلا يدور في مجالس الانصار، تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فيقول علي (عليه السلام) أفكنت أدع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيته لم أدفنه وأخرچ أنازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، وقد صنعوا ما الله حسيبهم طالبهم.


(1) في المصدر: ولا يسقون الماء (*).

[356]

ثم قال: وإن بابكر اخبر بقوم تخلفوا عن بيعته عند على (عليه السلام) فبعث إليهم عمر بن الخطاب فجاء فناداهم وهم في دار على (عليه السلام) فلابوا أن يخرجوا، فدعا عمر بالحطب فقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أولا حرقنها عليكم على من فيها فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة، فقال: وإن. فخرجوا فبايعوا إلا علي فانه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي علي عاتقي حتي أجمع القرآن، فوقفت فاطمة عليها السلام على بابها فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوء محضر منكم تركتم جنازة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تشاورونا ولم تروا لنا حقا، فأتا عمر أبا بكر فقال له ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ فقال أبو بكر يا قنفذ وهو مولى له اذهب فادع عليا قال: فذهب قنفذ إلى علي (عليه السلام) فقال: ما حاجتك ؟ قال يدعوك خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال علي (عليه السلام) لسريع ما كذبتم على رسول الله، فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة قال: فبكا أبو بكر طويلا فقال عمر الثانية: ألا تضم هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ فقال أبو بكر: لقنفذ: عد إليه فقل أمير المؤمنين يدعوك لتبايع فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به، فرفع على صوته فقال: سبحان الله لقد ادعى ما ليس له، فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة قال: فبكا أبو بكر طويلا. ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة عليها السلام فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلا صوتها باكية: يا رسول الله ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، فكادت قلوبهم تتصدع وأكبادهم تتفطر، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا عليا ومضوا به إلى أبي بكر فقالوا بايع فقال إن أنا لم أفعل فمه قالوا إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك، قال إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، فقال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخا رسوله فلا (1) وأبو بكر ساكت لا يتكلم.


(1) حديث المؤاخاة بينه وبين الرسول الاكرم مما لامرية فيه لاحد، وقد مر شطر من الاحاديث الصحيحة والمسانيد ص 271 - 273، وأما قوله (عليه السلام): إذا تقتلون عبد الله =

[357]

فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق على بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصيح ويبكي وينادى يابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني. فقال عمر لابي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة فانا قد أغضبناها، فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما فأتيا عليا فكلماه فأدخلهما عليها فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحايط، فسلما عليها، فلم ترد عليهما السلام فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله والله إن قرابة رسول الله أحب إلى أن أصل من قرابتي وإنك لاحب إلى من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقي بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك، وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله إلا إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول نحن معاشر الانبياء لا نورث وما تركناه فهو صدقة فقالت أرأيتكما إن حدثتكما حديثا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتعرفانه وتعقلانه ؟ قالا: نعم، فقالت نشدتكما بالله ألم تسمعا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: رضا فاطمة من رضاى وسخط فاطمة من سخطى، ومن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضا فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ قالا: نعم، سمعناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالت: فاني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني، وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي (صلى الله عليه وآله) لاشكونكما إليه، قال أبو بكر: عائذا بالله من سخطه و سخطك يا فاطمة، ثم انتخب أبو بكر باكيا يكاد نفسه أن تزهق وهي تقول: والله


= فقد أراد - نفسي له الفداء - أن يذكره قول الرسول الاعظم: " ان الله لم يحل في الفتنة شيئا حرمه قبل ذلك، ما بال أحدكم يأتي أخاه فيسلم عليه ثم يجئ بعد ذلك فيقتله ؟ (منتخب كنز العمال 6 / 37 قال: رواه الطبراني في الاوسط). وهكذا أراد أن يذكرهم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " انها ستكون بعدى أحداث وفتن و اختلاف، فان استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل " (مسند الامام ابن حنبل 5 / 110 و 292). أفتراه نفعه الذكرى ؟ لا والله ! أنى له الذكرى ؟ !

[358]

لادعون الله عليك في كل صلاة اصليها. ثم خرج باكيا فاجتمع إليه الناس فقال لهم: أيبيت كل رجل منكم معانقا لحليلته مسرورا بأهله وتركتموني وأما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي ! فقالوا يا خليفة رسول الله إن هذا الامر لا يستقيم وأنت أعلمنا بذلك، إنه إن كان هذا لا يقم لله دين، فقال والله لو لا ذلك وما أخاف من رخاء هذه العروة، ما بت ليلة، ولي في عنق مسلم بيعة، بعد ما سمعت ورأيت من فاطمة، قال: فلم يبايع على حتى ماتت فاطمة، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمسا وسبعين ليلة (1). ولنوضح بعض ما ربما يشتبه على الناظر فيما أوردنا من الاخبار السالفة. قال الجزري القعيد الذي يصاحبك في قعودك، فعيل بمعنى فاعل، وقال الفيروز آبادي أدلى فلان برحمه: توسل وبحجته أحضرها، وإليه ماله دفعه، و قال نهنهه عن الامر فتنهنه زجره فكف، وقال تلكأ عليه اعتل وعنه أبطأ، وقال الجزري في النهاية يقال تفوت فلان على فلان في كذا، وافتات عليه إذا انفرد برأيه دونه في التصرف فيه، ولما ضمن معنى التغليب عدي بعلى، ومنه حديث عبد الرحمن ابن أبي بكر أمثلي يفتات عليه في بناته، هو افتعل من الفوت السبق يقال لكل من أحدث شيئا في أمرك دونك: قد افتات عليه فيه. والشبل بالكسر ولد الاسد، والعريس والعريسة بكسر العين وتشديد الراء فيهما مأوى الاسد قوله " لنعيدها جذعة " أي نعيد المحاربة التي كانت في بدو الامر مستأنفة جديدة، قال الجوهري قولهم فلان في هذا الامر جذع، إذا كان أخذ فيه حديثا، قوله عفتك عفاة لعله دعاء له أي أتتك الاضياف دائما، وعليه أي محا أثرك المصايب التي تذهب بالديار والاثار، قال الجوهري عفت الريح المنزل درسته وقال أيضا العفاة طلاب المعروف، وفلان تعفوه الاضياف وهو كثير العفاة، وفي أكثر النسخ غفتك غفاف بالغين المعجمة ولم أحد له معنى مناسبا، وفي أكثر الكتب عقتك عقاق أي كما عققت الرحم وقطعتها عقتك أرحامك العاقة وفي رواية ابن قتيبة " عافك


(1) الامامة والسياسة: 1 / 12 - 20 (*).

[359]

عائق ". وقال الجزري في حديث السقيفة الامر بيننا وبينكم كقد الابلمة: الا بلمة بضم الهمزة وفتحها وكسرها خوصة المقلة، وهمزتها زائدة يقول: نحن وإياكم في الحكم سواء لافضل لامير على مأمور كالخوصة إذا شقت باثنتين متساويتين انتهى. وكانوا يكنون بأبي الفصيل عن أبي بكر لقرب معنى البكر والفصيل والعجاجة بالفتح الغبار، وقال الجوهري الجدجد بالضم صرار الليل، وهو قفاز وفيه شبه من الجراد، وقال الفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله، وفي الحديث قيد الايمان الفتك، لا يفتك مؤمن. وقال: تدكدكت الجبال أي صارت دكاوات وهى رواب من طين، والدكداك من الرمل ما التبد منه بالارض ولم يرتفع، وقال: الجندل الحجارة، والصراط بالكسر السبيل الواضح، والعير الحمار الوحشي والاهلي أيضا، والخسف الذل والمشقة، وشج الوتد كناية عن دقه، ويقال: رثاله أي رق له، ومنعرج الوادي منعطفه يمنة ويسرة، واللوى كالى ما التوى من الرمل أي اعوج أو مستدقه، و استبان أي أوضح، أو وضح لازم ومتعد أي لم يعرفوا أني ناصح إلا ضحى الغد وقد جرى ما جرى في اليوم فلم تنفعهم ومعرفتهم، والبيت من قصيدة في الحماسة وقصته مذكورة في مواضعها (1). والنجر نحت الخشب، ويقال زرى عليه زريا عابه وعاتبه، والتشذب التفرق ويقال: ندر الشئ ندورا سقط، والحص حلق الشعر، والزئير صوت الاسد من صدره، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة وهو كأمير الداهية، وفي النهاية ما تجانفنا فيه الاثم أي لم نمل فيه لارتكاب الاثم، قوله " فقال أنت صاحب من أنت صاحبه " الظاهر أن القول لسعد أيضا، والمعنى أنك خليفة من جعلته خليفة.


= (1) راجع الاغانى 10 / 7 - 9 (*).

[360]

* (تنبيه) * اعلم أيها الطالب للحق واليقين بعد ما احطت خبرا بما اوردنا في قصة السقيفة من أخبارنا وآثار المخالفين ان الاجماع الذي ادعوه على خلافة أبي بكر، هذا حاله ولهذا انجر إلى خراب الدين مآله، وقد ذكر جل علماء الاصول من المخالفين أن الاجماع عبارة عن اتفاق جميع أهل الحل والعقد، أي المجتهدين وعلماء المسلمين على أمر من الامور في وقت واحد، والجمهور أنفسهم تكلموا على تحقق الاجماع وشرائطه حسبما ذكر في شرح المختصر العضدي وغيره، بأن الاجماع أمر ممكن أو محال وعلى تقدير إمكانه هل له تحقق أم لا ؟ وعلى التقادير كلها هل هو حجة ودليل علي شئ أم لا ؟، وعلى تقدير كونه حجة ودليلا هل هو كذلك ما لم يصل ثبوته إلى حد التواتر أو لا ؟ وفي كل ذلك وقع بين علمائهم التشاجر والتنازع، فلابد لهم من إثبات ذلك كله حتى تثبت إمامة أبي بكر. وليت شعري إن من لم يقل منهم بذلك كله كيف يدعى حقية إمامة أبي بكر ويتصدى لا ثباتها. ثم بعد ذلك خلاف آخر، وهو أنه هل يشترط في حقية الاجماع أن لا يتخلف ولا يخاف أحد من المجمعين إلى أن يموت الكل أم لا ؟ وأيضا قد اختلفوا في أن الاجماع وحده حجة أم لابد له من سند هو الحجة حقيقة، والسند الذي قد ذكر في دعوي خلافة أبي بكر هو قياس فقهي حيث قاسوا رياسة الدين والدنيا بامامة الصلاة في مرضه (صلى الله عليه وآله) على ما ادعوه، وقد عرفت حقيقته، ولا يخفى فساده على من له أدنى معرفة بالاصول لان إثبات حجية القياس في غاية الاشكال، وعلماء أهل البيت عليهم السلام والظاهرية من أهل السنة (1) وجمهور المعتزلة ينفون حجيته،


(1) هم اتباع داود الاصفهانى ومن أركانهم ابن حزم الاندلسي، وهؤلاء استندوا في الاحكام والعقائد إلى ظاهر ألفاظ الشريعة: الكتاب والسنة، وتركوا الاقيسة والاستحسانات والاراء، وقد أدى جمودهم إلى ظاهر الالفاظ أن ذهبوا إلى القول بالجسم واثبات الاعضاء =

[361]

ويقيمون على مذهبهم حججا عقلية ونقلية، ولغيرهم أيضا في أقسامه وشرائطه اختلاف كثير. وعلى تقدير ثبوت جميع ذلك، إنما يكون القياس فيما إذا كان هناك علة في الاصل، ويكون الفرع مساويا للاصل في تلك العلة، وهيهنا العلة مفقودة، بل الفرق ظاهر، لان الصلاة خلف كل بر وفاجر جايز عندهم، بخلاف الخلافة، إذ شرطوا فيها العدالة والشجاعة والقرشية وغيرها، وأيضا أمر إمامة الجماعة أمر واحد لا يعتبر فيه العلم الكثير ولا الشجاعة والتدبير وغيرها مما يشترط عندهم في الخلافة فانها لما كانت سلطنة وحكومة في جميع أمور الدين والدنيا، تحتاج إلى علوم وشرائط كثيرة لم يكن شئ منها موجودا في أبي بكر وأخويه، فلا يصح قياس هذا بذاك. وقول بعضهم: إن الصلاة من امور الدين، والخلافة من امور الدنيا غلط ظاهر، لان المحققين (1) منهم كالشارح الجديد للتجريد عرفوا الامامة بالحكومة العامة في الدين والدنيا، وظاهر أنه كذلك، مع أن الاصل ليس بثابت، لان الشيعة ينكرون ذلك أشد الانكار كما عرفت مما مضى من الاخبار (2) وسيأتي بعضها. وقال (3) بعضهم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) [أمر الناس في مرضه بالصلاة ولم يعين


= له تعالى وتقدس ذاهلين عن أن امثال قوله تعالى " استوى على العرش " و " يد الله فوق ايديهم " على الكناية والتشبيه. (1) راجع شرح المواقف 2 / 469 ط مصر شرح التجريد للفاضل القوشچى باب الامامة. (2) راجع ص 130 - 174 من هذا الجزء وقد مر ص 145 و 156 عن صحاحهم و مسانيدهم (سنن ابى داود، سيرة ابن هشام، مسند ابن حنبل، طبقات ابن سعد، الاستيعاب) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انما قال: " مروا من يصلي بالناس " ولم يعين أحدا. (3) قد مر ص 160 من هذا الجزء كلام يشبه هذا نقله ابن أبي الحديد عن شيخه =

[362]

أحدا، فقالت عائشة بنت أبي بكر لبلال: إنه (صلى الله عليه وآله) أمر أن يؤم أبو بكر في الصلاة فلما اطلع النبي] على تلك الحال، وضع إحدى يديه على منكب علي عليه السلام والاخرى على منكب الفضل بن العباس وخرج إلى المسجد ونحى أبا بكر عن المحراب فصلى بالناس حتى لا تصير إمامته موجبا للخلل في الدين ويعضده ما رواه البخاري باسناده عن عروة (1) " فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نفسه خفة فخرج إلى المحراب فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس يصلون بصلاة أبي بكر: أي بتكبيره انتهى (2). وأيضا لو كان خبر تقديم أبي بكر في الصلاة صحيحا كما زعموا، وكان مع صحته دالا على إمامته، لكان ذلك نصا من النبي (صلى الله عليه وآله) بالامامة، متى حصل النص لا يحتاج معه إلى غيره، فكيف لم يجعل أبو بكر وأصحاب السقيفة ذلك دليلا على إمامة أبي بكر، وكيف لم يحتجوا به على الانصار، فعلم أن ذلك ليس فيه حجة أصلا. وأيضا ظاهر أن الامامة من الاصول، فلا يصح إثباته بالقياس، على تقدير تحقق القياس الصحيح، فانه على تقدير تسليم حجيته إنما يجرى في الفروع، ولو كان


= أبي يعقوب يوسف بن اسماعيل اللمعانى، وفى احقاق الحق 2 / 363 نسبة هذا الكلام بعبارته إلى جمهور الشيعة. (1) راجع صحيح البخاري كتا ب الاذان الباب 39 (ج 2 / 174) ولفظ ".. قال عروة: فوجد رسول الله في [من] نفسه خفة فخرج فإذا أبو بكر يؤم الناس فلما رآه أبو بكر استأخر فأشار إليه أن كما أنت، فجلس رسول الله حذاء أبى بكر إلى جنبه فكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله والناس يصلون بصلاة أبى بكر ". واما قوله " أي بتكبيره " فهو تفسير ذكره شارح المواقف في وجه الجمع على ما مر ص 153، نعم في رواية البخاري 2 / 182 من طريق الاعمش عن ابراهيم عن الاسود: " وقعد النبي ص إلى جنبه وأبو بكر يسمع الناس التكبير " راجع متن الحديث ص 139 و متن حديث عروة ص 136. (2) راجع احقاق الحق 2 / 363 وما بين العلامتين زيادة منه.

[363]

ظن المجتهد كافيا في مسألة الامامة كما في الفروع الفقهية، لزم عدم جواز تخطئة المجتهد الذي ظن أن أبا بكر لم يكن إماما، وكان تقليد ذلك المجتهد جائزا، مع أنهم لا يقولون به (1). وأيضا الاستخلاف لا يقتضي الدوام، إذ الفعل لا دلالة له على التكرار والدوام إن ثبت خلافته بالفعل، وإن ثبت بالقول فكذلك، كيف وقد جرت العادة بالتبعية مدة غيبتة المستخلفة، والانعزال بعد حضوره. وأيضا ذلك معارض بأنه (صلى الله عليه وآله) استخلف عليا (عليه السلام) في غزوة تبوك في المدينة، ولم يعز له، وإذا كان خليفة على المدينة كان خليفة في ساير وظايف الامة، لانه لا قائل بالفصل، والترجيح معنا، لان استخلافه (عليه السلام) على المدينة أقرب إلى الامامة الكبرى، لانه متضمن لامور الدين والدنيا بخلاف الاستخلاف في الصلاة كما مر. وبعد تسليم ذلك كله نقول إن إجماع الامة بأجمعهم على إمامة أبي بكر لم يتحقق في وقت واحد، وهذا واضح مع قطع النظر عن عدم حضور أهل البيت (عليهم السلام)، وسعد بن عبادة سيد الانصار وأولاده وأصحابه، ولذا قال صاحب المواقف وشارحه السيد الشريف: " وإذا ثبت حصول الامامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أن ذلك الحصول لا يفتقر إلى الاجماع من جميع أهل الحل والعقد، إذ لم يقم عليه دليل من العقل والسمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف في ثبوت الامامة، ووجوب اتباع الامام على أهل الاسلام، وذلك لعلمنا بأن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا في عقد الامامة بذلك، كعقد عمر لابي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا في عقدها اجتماع من في المدينة من أهل الحل والعقد، فضلا عن إجماع الامة من علماء الامصار، هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه - أي علي الاكتفاء بالواحد والاثنين في عقد الامامة - انطوت


(1) وزاد في الاحقاق: مع أنه لو قال أحد عندهم: أنى اعتقد امامة على (عليه السلام) لظن غلب على أو تقليدا للمجتهد الفلاني، لا يخطئونه بل يقتلونه.

[364]

الاعصار بعدهم إلى وقتنا هذا انتهى (1). وقال التفتازانى في شرح المقاصد، محتجا على إمامة أبى بكر: لنا وجوه الاول وهو العمدة إجماع أهل الحل والعقد على ذلك، وإن كان من البعض بعد تردد وتوقف على ما روى أن الانصار قالوا منا أمير ومنكم أمير، وأن أبا سفيان قال أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلى عليكم تيم ؟ والله لاملان الوادي خيلا ورجلا، وذكر في صحيح البخاري وغيره من كتب الاصحاب أن بيعة علي كانت بعد توقف، وفي إرسال أبي بكر وعمر أبا عبيدة بن الجراح إلى على (عليه السلام) رسالة لطيفة روتها الثقات باسناد صحيح يشتمل على كلام كثير من الجانبين، وقليل غلظة من عمر، وعلى أن عليا (عليه السلام) جاء إليهما ودخل فيما دخلت فيه الجماعة، وقال حين قام من المجلس: بارك الله فيما ساءني وسركم، فما روي أنه لما بويع لابي بكر وتخلف علي (عليه السلام) و الزبير ومقداد وسلمان وأبو ذر أرسل أبو بكر من الغد إلى علي (عليه السلام) فأتاه مع أصحابه فبايعه وسائر المتخلفين محل نظر انتهى. وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور: وتنعقد الامامة بطرق: أحدها بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والروساء ووجوه الناس من غير اشتراط عدد ولا اتفاق الكل من سائر البلاد، بل لو بايع واحد مطاع كفت بيعته، ثم قال فيه: طريق ثبوت الامامة عندنا وعند المعتزلة والخوارج والصالحية خلافا للشيعة، اختيار أهل الحل والعقد وبيعتهم، من غير أن يشترط إجماعهم على ذلك، ولا عدد محدود، بل ينعقد بعقد واحد منهم، ولهذا لم يتوقف أبو بكر إلى انتشار الاخبار في الاقطار، ولم ينكر عليه أحد، وقال عمر لابي عبيدة: أبسط يدك لا بايعك، فقال: أتقول هذا وأبو بكر حاضر ؟ فبايع أبا بكر، وهذا مذهب الاشعري إلا أنه يشترط أن يكون ذلك العقد بمشهد من الشهود، لئلا يدعى الاخر عقدا سرا متقدما على هذا العقد انتهى (2).


(1) راجع شرح المواقف 2 / 467 ط دار الطباعة القاهرة. (2) شرح المقاصد: 2 / 271 و 272، وقال في كلام له: " ان ما وقع بين الصحابة =

[365]

واعترف إمامهم الرازي في كتاب نهاية العقول بأنه لم ينعقد الاجماع على خلافة أبي بكر في زمانه، بل إنما تم انعقاده بموت سعد بن عبادة، وكان ذلك في خلافة عمر ! فعلى أحكام هؤلاء السفهاء المدعين للانخراط في سلك العلماء، فليضحك الضاحكون، وفي وقاحتهم وقلة حيائهم فليتحير المتحيرون، أخزاهم الله ماذا يصنعون بعهد الله، وكيف يلعبون بدين الله، وهل يذعن عاقل بأنه يكفى لرئاسة الدين والدنيا والتصرف في نفوس جميع الامة وأموالهم وأعراضهم بيعة واحد أو اثنين من آحاد الامة، ممن لا يجرى حكمه على نفسه، ولم يثبت عصمته، ولا تقبل شهادته في درهم ولا في نصف درهم. فان قيل: إن لم يتحقق الاجماع على خلافة أبي بكر في يوم السقيفة، لكنه بعد ذلك إلى ستة أشهر قد تحقق اتفاق الكل على خلافته، ورضوا بامامته، فتم


= من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدل بظاهرة على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق وبلغ حد الظلم والفسق وكان الباعث عليه الحقد والعناد، والحسد واللداد، وطلب الملك والرياسات، والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخير موسوما، الا أن العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله ذكروا لها محامل وتأويلات بها يليق، وذهبوا إلى أنهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق صونا لعقائد المسلمين من الزيغ والضلالة، في حق كبار الصحابة، سيما المهاجرين منهم والانصار، المبشرين بالثواب في دار القرار. وأما ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن الظهور بحيث لا مجال للاخفاء ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الاراء، ويكاد يشهد به الجماد العجماء، و يبكى له من في الارض والسماء وتنهد منه الجبال، وتنشق منه الصخور، ويبقى سوء عمله على كر الشهور والدهور، فلعنة الله على من باشر أو رضى أو سعى، ولعذاب الاخرة أشد وأبقى انتهى.

[366]

الاجماع، قلنا: ذلك أيضا ممنوع، لما عرفت من عدم بيعة علي (عليه السلام) وأصحابه له بعد ستة أشهر أيضا، ولو سلم أنه صفق على يده كما يفعله أهل البيعة، فلا ريب في أن سعد بن عبادة وأولاده لم يتفقوا على ذلك، ولم يبايعوا أبا بكر ولا عمر، كما قال ابن عبد البرفي الاستيعاب (1) في ترجمة أبي بكر أنه بويع له بالخلافة في اليوم الذي قبض فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سقيفة بني ساعدة، ثم بويع البيعة العامة يوم الثلثاء من غد ذلك اليوم، وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش. وروى أيضا ابن عبد البر في الكتاب المذكور (2) وابن حجر العسقلاني في الاصابة (3) أن سعدا لم يبايع أحدا من أبي بكر وعمر ولم يقدروا على إلزامه كالزامهم لغيره، لكثرة أقوامه من الخزرج، فاحترزوا عن فتنتهم، ولما وصل حكومة أهل الاسلام إلى عمر، مر ذات يوم سعد على سوق المدينة فوقع عليه نظر عمر و قال له: ادخل يا سعد في بيعتنا أو اخرج من هذا البلد، فقال سعد: حرام علي أن أكون في بلد أنت أميره، ثم خرج من المدينة إلى الشام، وكانت له قبيلة كثيرة في نواحى دمشق، كان يعيش في كل اسبوع عند طائفة منهم، ففي تلك الايام كان يذهب يوما من قرية إلى اخرى، فرموه من وراء بستان كان على طريقه بسهم فقتل. وقال صاحب روضة الصفا (4) ما معناه إن سعدا لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام وقتل بعد مدة فيها بتحريك بعض العظماء. وقال البلاذري في تاريخه (5) إن عمر بن الخطاب أشار إلى خالد بن الوليد ومحمد


(1) الاستيعاب 2 / 655. (2) الاستيعاب 1 / 333 راجع الرقم 2337. (3) الاصابة 2 / 27 ط مصر. (4) روضة الصفا 2 / 219. (5) قد مر عن تاريخ البلاذرى ص 183 نص في ذلك راجعه، وهكذا مر ص 346 =

[367]

مسلمة الانصاري بقتل سعد، فرماه كل منهما بسهم فقتل، ثم أوقعوا في أوهام الناس أن الجن قتلوه، ووضعوا هذا الشعر على لسانهم: قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * فرميناه بسهمين فلم نخط فؤاده ولو سلم فنقول: قد اعتبر في تعريف الاجماع اتفاق أهله على أمر واحد في وقت واحد إذا لو لم يقع ذلك في وقت واحد، احتمل رجوع المتقدم قبل موافقة المتأخر فلا معنى لحصول الاجماع على خلافة أبي بكر تدريجا، والحاصل أنهم أرادوا بوقوع الاجماع على خلافته حصول الاتفاق على ذلك بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل أو في زمان قليل، فهو معلوم البطلان، وإن أرادوا تحققه بعد تطاول المدة، فمع تسليمه مخالف لما اعتبر في حقيقة الاجماع من اتحاد الوقت وأيضا لا يقوم حجة إلا إذا


= نصوص آخر من المسعودي في مروجه وشارح النهج الحديدي في موضعين من شرحه راجعه ان شئت. ونص البلاذرى مرة أخرى في تاريخه انساب الاشراف 1 / 589 بنحو أبسط حيث قال: حدثنى المدائني عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان ; وعن أبى مخنف، عن الكلبى و غيرهما أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام فبعث عمر رجلا وقال: ادعه إلى البيعة واحتل له، وان أبى فاستعن بالله عليه، فقدم الرجل الشام فوجد سعدا في حائط بحوارين، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشيا أبدا. قال: فانى أقاتلك، قال: وان قاتلتنى، قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الامة ؟ قال: أما من البيعة فانى خارج، فرماه بسهم فقتله، وروى أن سعدا رمى في حمام وقيل كان جالسا يبول فرمته الجن وقال قائلهم: قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * رميناه بسهمين فلم نخط فؤاده فكما ترى لم يذكر في مقاله هذا ولا في مقاله المنقول ص 183، أن المباشر لقتله من كان ؟ ولعله ذكره في مورد آخر لم يطبع من كتابه بعد، فليراجع مظانها كترجمة أبى بكر (ج 2 / 470 المخطوطة بالاستانة) وترجمة خالد بن الوليد (2 / 540 المخطوطة) وترجمة عمر بن الخطاب (2 / 577 المخطوطة) وترجمة المغيرة بن شعبة (2 / 1211 المخطوطة) (*).

[368]

دخل الباقون طوعا، أما إذا استظهر الاكثر وخاف الاقل، ودخلوا فيما دخل فيه الاكثر خوفا وكرها، فلا. ولا أظنك تستريب بعد الاطلاع على ما أوردنا سابقا من روايات الخاصة و العامة أن الحال كانت كذلك، وأن بني هاشم لم يبايعوا أولا ثم قهروا وبايعوا بعد ستة أشهر حتى أن معاوية كتب إلى علي (عليه السلام) يؤنبه بذلك حيث يقول " إنك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش " وكتب (عليه السلام) في جوابه " وقلت إنى كنت اقاه كما يقاد الجمل المخشوش حتى ابايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه أو مر تابا في يقينه، وهذه حجتي عليك وعلي غيرك " (1) وسيأتي في باب شكواه عن المتقدمين المتغلبين ما فيه كفاية للمعتبرين. ومن الغرايب أنهم اتفقوا جميعا على صحة الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث ما دار (2) وقد اعترف ابن أبي الحديد بصحته، وقال الغزالي مع شدة تعصبة في كتاب الاحياء " لم يذهب ذو بصيرة ما إلى تخطئه علي (عليه السلام) قط، ومن المتفق على روايته في صحاحهم وأصولهم " كان


(1) راجع ص 318 مما سبق. (2) راجع البحار ج 38 ص 27 - 40 والحديث أخرجه الحفاظ الاثبات راجع تاريخ بغداد 14 / 321 مجمع الزوائد 7 / 233 و 234 و 9 / 134، سنن الترمذي 5 / 297 بالرقم 3798، مستدرك الصحيحين 3 / 124 مناقب الخوارزمي 62، جامع الاصول 9 / 420 منتخب كنز العمال 5 / 62 و 34 شرح النهج الحميدى 2 / 572 ولفظه فان قلت: فما هذا الامر الذى لم ينس ولم يخلق ان لم يكن هناك نص (يعنى قوله (عليه السلام): هذا ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر) قلت: قوله ص " انى مخلف فيكم الثقلين وقوله ص اللهم أدر الحق معه حيث دار وامثال ذلك من النصوص الدالة على تعظيمه وتبجيله ومنزلته في الاسلام...

[369]

علي ديان هذه الامة بعد نبيها " (1) وقال الزمخشري وابن الاثير عند ذكر الرواية: الديان القهار، وقيل القاضي والحاكم، وقد نقلنا ما أوردوه في صحاحهم من أخبار السفينة (2) والمنزلة (3) والثقلين (4) وغيرها في أبواب النصوص عليه (عليه السلام) وأبواب فضائله ومع ذلك لا يبالون بمخالفته في إمامة خلفائهم، بلى من لم يجعل الله له نورا فما له من نور.


(1) راجع تاج العروس للزبيدي الفائق للزمخشري والنهاية لابن الاثير مادة دى ن. (2) راجع ج 23 ص 140 - 166 من بحار الانوار كتاب الامامة الباب 7 باب فضائل أهل البيت والنص عليهم جملة من خبر الثقلين والسفينة وباب حطة وغيرها، والحديث متواتر في كتبهم نقله الحفاظ ورواة الاخبار، راجع معجم الطبراني الصغير 78 و 170، مستدرك الحاكم 3 / 150 و 2 / 343، ميزان الاعتدال 1 / 224، مجمع الزوائد 9 / 168، تاريخ الخلفاء 573، الخصائص الكبرى 2 / 266، تاريخ بغداد 12 / 91، حلية الاولياء 4 / 306 منتخب كنز العمال 5 / 92 و 95، شرح النهج الحديدي 1 / 73. (3) راجع ج 37 ص 254 - 289، والحديث متواتر قطعا راجع سيرة ابن هشام 2 / 520، المحبر 125، مسند الطيالسي 28 بالرقم 205، صحيح البخاري فضائل أصحاب النبي الباب 9، سنن الترمذي كتاب المناقب الباب 20 سنن ابن ماجة المقدمة الباب 11، مسند ابن حنبل 1 / 170 و 77 و 179 و 182 و 184 و 185 و 3 / 32، خصائص النسائي 15 ط مصر، صحيح مسلم 7 / 120 بطرق كثيرة، إلى غير ذلك مما تجده في احقاق الحق 5 / 133 - 234. (4) راجع ج 23 ص 104 - 166 من بحار الانوار كتاب الامامة الباب 7 وقد مر في ص 177 من هذا الجزء بعض مصادر الحديث، وان شئت راجع احقاق الحق 9 / 309 - 375.

[370]

* (تتميم) * أحببت أن اورد هيهنا فصلا من كتاب تلخيص الشافي (1) يتضمن كثيرا مما أجاب به السيد رضي الله عنه في الشافي عن شبه المخالفين وأخبارا جمة مأخوذة من كتبهم، يؤيد ما أسلفناه من الاخبار، حيث قال في الكلام في خلافة أبي بكر: والطريقة الثانية بنوها على الاجماع، وادعوا أن الامة أجمعت على إمامته واختياره، ولهم في ترتيب الاجماع طرق: منها: أن يقولوا انتهى الامر في إمامته إلى أن لم يكن في الزمان إلاراض بامامته، وكاف عن النكير، فلو لم يكن حقا لم يصح ذلك، ولا فرق بين أن نبين ذلك في أول الامر أو في بعض الاوقات، وإنما يذكرون ذلك لادعائهم من أن ما ظهر من العباس والزبير وأبي سفيان، ووقع من تأخر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن بيعته ومن غيره، وال كل ذلك. والاخر أن يقول إن كل من يدعي عليه الخلاف قد ثبت عنه - فعلا وقولا - الرضا والبيعة ممن يعتمد عليه، ويذكرون أن سعد بن عبادة لم يبق على الخلاف أولا يعتد بخلافه. والثالث أن يقولوا إن إجماعهم على فرع لاصل يتضمن تثبيت الاصل، وقد استقر الاجماع في أيام عمر على إمامته، وهي فرع لامامة أبي بكر، فيجب بصحتها صحة ذلك، أو نبين أن أحدا لم يقل بصحة إمامة أحدهما دون الاخر، ففي ثبوت أحدهما ثبوت الاخر من جهة الاجماع الثاني. قالوا: والكلام في هذا أوضح لان أيام عمر امتدت وظهر للناس الطاعة له و القبول من قبله، وحضور مجلسه والمعاضدة له في الامور، لان سعد بن عبادة مات في أوائل أيام عمر فاستقر الاجماع بعده بغير شبهة. ولنا في الكلام على ابطال هذه الطريقة وجهان من الكلام. (1) تلخيص الشافي 3 / 44 وما بعده (*).

[371]

أحدهما أن نبين أن ترك المنازعة والامساك عن النكير اللذين توصلوا بهما إلى الرضا والاجماع، لم يكونا في وقت من الاوقات. والثانى أن نسلم أن الخلاف في إمامته بعد ظهوره انقطع، غير أنه لم ينقطع على وجه يوجب الرضا، وأن السخط ممن كان مظهرا للنكير ثم كف عنه باق في المستقبل وإن كف عن معاذير يذكرها. فأما الكلام في الوجه الاول فبأن الخلاف ظهر في أول الامر ظهورا لا يمكن دفعه من أمير المؤمنين (عليه السلام) والعباس رضى الله عنه وجماعة بنى هاشم ثم من الزبير حتى روى عنه أنه خرج شاهرا سيفه، واستلب من يده فضرب به الصفا ثم من سلمان وخالد بن سعيد وأبى سفيان صخر بن حرب، فكل هؤلاء قد ظهر من خلافهم ما شهرته تغنى عن ذكره، وخلاف سعد وولده وأهله أيضا معروف، وكل هذا كان ظاهرا في ابتداء الامر. ثم إن الخلاف من بعض من ذكرنا بقي واستمر وإن لم يكن ظاهرا منه في المستقبل على حد ظهوره في الماضي إلا أنه منقول معروف فمن أين للمخالف أن الخلاف انقطع وأن الاجماع وقع في حال من الاحوال، فما نراه عول في ذلك إلا على الدعوى. فان قال: أما الخلاف في الابتداء، فقد عرفته وأقررت به، وما تدعونه من استمراره باطل لانه غير منقول ولا معروف، فعلى من ادعى استمرار الخلاف أن يبين ذلك فانى أنكره. قيل له: لا معتبر بانكارك ما نذكره في هذا الباب لانك بين أمرين إما أن تكون منكرا لكونه مرويا في الجملة، وتدعى أن أحدا لم يرو استمرار الخلاف على وجه من الوجوه، أو تعترف بأن قوما رووه غير ثقات عندك، ولم يظهر ظهور الخلاف، ولم ينقله كل من نقل ذلك. فان أردت ما ذكرناه ثانيا فقد سبقناك إلى الاعتراف به، لانا لم ندع في الاستمرار ما حصل في الابتداء من الظهور، ولا ندفع أنك لا توثق أيضا كل من

[372]

روى ذلك إلا أن أقل ما في هذا الباب أن يمنعك هذا من القطع على أن النكير زال وارتفع، والرضا حصل وثبت، وإن أردت ما ذكرناه أولا فهو يجري مجرى المشاهدات لان وجودها في الرواية أظهر من أن يدفع، ولم يزل أمير المؤمنين (عليه السلام) متظلما متألما منذ قبض الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى أن توفاه الله إلى جنته، ولم يزل أهله وشيعته يتظلمون له من دفعه عن حقه، وكان ذلك منه (عليه السلام) ومنهم يخفى ويظهر ويترتب في الخفاء والظهور ترتب الاوقات في شدتها وسهولتها، فكان (عليه السلام) يظهر من كلامه في هذا الباب في أيام أبي بكر ما لم يكن ظاهرا في أيام عمر، ثم قوى كلامه وصرح بكثير مما في نفسه في أيام عثمان ثم أزداد قوة في أيام تسليم الامر إليه ومن عنى بقراءة الاثار علم أن الامر جرى على ما ذكرناه. روى أبو إسحاق ابراهيم بن سعيد الثقفى عن عثمان بن أبي شيبة العبسى عن خالد المدايني، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: سمعت عليا (عليه السلام) على المنبر يقول: قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما من الناس أحد أولى بهذا الامر مني (1). وروي إبراهيم الثقفي قال أخبرنا عثمان بن أبي شيبة وأبو نعيم الفضل بن دكين عن فطر بن خليفة عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول:


(1) كتاب الثقفى (الغارات) غير مطبوع بعد، واما كونه (عليه السلام) أحق بهذا الامر، فقد روى في النهج تحت الرقم 215 كلاما يشبه هذا وهو قوله: " اللهم انى استعديك على قريش ومن أعانهم فانهم قد قطعوا رحمى واكفأوا انائي وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيرى، وقالوا الا ان في الحق أن تأخذه وفى الحق أن تمنعه فاصبر مغموما أومت متأسفا، الخطبة وذكره الحميدى في شرح النهج 3 / 37 وقال في شرحه: قد روى كثير من المحدثين أنه عقيب يوم السقيفة تألم وتظلم واستنجد واستصرخ حيث ساموه الحضور والبيعة وأنه قال وهو يشير إلى القبر " يا ابن أم ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " وأنه قال: واجعفراه ولا جعفر لى اليوم، واحمزتاه ولا حمزة لى اليوم، وقد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدم.

[373]

ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) إلى يوم الناس هذا (1) وروى ابراهيم عن يحيى بن عبد الحميد الحمانى وعباد بن يعقوب الاسدي عن عمرو بن ثابت عن سلمة بن كهيل عن مسيب بن نجبة قال: بينما علي (عليه السلام) يخطب وأعرابى يقول: وامظلمتاه فقال علي (عليه السلام): ادن فدنا، فقال: لقد ظلمت عدد المدر والوبر. وفي حديث عبادة قال جاء أعرابي يتخطا فنادى يا أمير المؤمنين مظلوم قال علي (عليه السلام): ويحك وأنا مظلوم ظلمت عدد المدر والوبر (2) وروى أبو نعيم الفضل بن دكين عن عمر بن أبى مسلم قال: كنا جلوسا عند جعفر بن عمرو بن حريث قال: حدثنى والدى أن عليا (عليه السلام) لم يقم مرة على المنبر إلا قال في آخر كلامه قبل أن ينزل: " مازلت مظلوما منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ". وروى ابراهيم عن القناد عن علي بن هاشم عن أبي الجحاف عن معاوية بن ثعلبة قال: جاء رجل إلى ابى ذر رحمة الله عليه وهو جالس في المسجد وعلي (عليه السلام) يصلى أمامه فقال: يا أبا ذر ألا تحدثني بأحب الناس اليك ؟ فو الله لقد علمت أن


(1) هذا شطر من كلامه (عليه السلام) تراه في النهج تحت الرقم 6 من قسم الخطب و رواه الشارح الحميدى في شرحه 1 / 76 عن طارق بن شهاب الاحمسي مرسلا، (2) قال الحميدى في شرح النهج 2 / 476 عند كلامه (عليه السلام): " اللهم انى استعديك على قريش ومن أعانهم فانهم قطعوا رحمى وصغروا عظيم منزلتي وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لى " ما نصه: اعلم انه قد تواترت الاخبار عنه (عليه السلام) بنحو من هذا القول نحو قوله: " مازلت مظلوما منذ قبض الله رسوله حتى يوم الناس هذا " وقوله " اللهم اخز قريشا فانها منعتني حقى وغصبتني أمرى " وقوله " فجزى قريشا عنى الجوازى فانهم ظلموني حقى واغتصبوني سلطان ابن امى " وقوله وقد سمع صارخا ينادى انا مظلوم فقال: " هلم فلنصرخ معا ما زلت مظلوما " وقوله [في الخطبة الشقشقية] " وانه ليعلم أن محلى منها محل القطب من الرحى " وقوله " أرى تراثي نهبا " وقوله " أصغيا بانائنا وحملا الناس على رقابنا " وقوله " مازلت مستأثرا على مذعوفا عما أستحقه واستوجبه "...

[374]

أحبهم إليك أحبهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: أجل والذى نفسي بيده إن أحبهم إلى لاحبهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو هذا الشيخ المظلوم المضطهد حقه (1). وقد روى من طرق كثيرة أنه (عليه السلام) كان يقول أنا أول من يحشر للخصومة بين يدى الله يوم القيمة (2) وقوله (عليه السلام) " يا عجبا بينما يستقيلها في حياته، إذ عقدها لاخر بعد وفاته مشهور " (3) وروى ابراهيم عن اسماعيل عن عثمان بن سعيد بن على بن عايش عن أبي الجحاف عن معاوية بن ثعلبة أنه قال ألا أحدثك حديثا لا يختلط ؟ قلت: بلى قال: مرض أبو ذر مرضا شديدا فأوصى إلى على (عليه السلام) فقال له بعض من يدخل عليه: لو أوصيت إلى أمير المؤمنين كان أجمل من وصيتك إلي على (عليه السلام) قال: والله قد أوصيت إلى أمير المؤمنين حقا (4). وروى عبد الله بن جبلة الكنانى عن ذريح المحاربي عن أبي حمزة الثمالى عن جعفر بن محمد عليها السلام أن بريدة كان غائبا بالشام، فقدم وقد بايع الناس أبا بكر، فأتاه في مجلسه فقال: يا أبا بكر هل نسيت تسليمنا على علي (عليه السلام) بامرة المؤمنين واجبة من الله ورسوله ؟ قال: يا بريدة إنك غبت وشهدنا وإن الله تعالى يحدث الامر بعد الامر ولم يكن الله ليجمع لاهل هذا البيت النبوة والملك. وقد روي خطاب بريدة لابي بكر بهذا المعنى في الفاظ مختلفة من طرق كثيرة (5).


(1 و 4) كتاب الغارات مخطوط بعد وأخرجه الحافظ ابن مردويه في المناقب على ما في مناقب عبد الله الشافعي ص 87. راجع ذيل الاحقاق 8 / 679. (2) راجع ص 80 من هذا الجزء. (3) يريد اقالت ابى بكر عن بيعته، وهذا شطر من خطبته المعروفة بالشقشقية وسيأتى تمامها عن قريب انشاء الله. (5) راجع ص 91 و 93 و 197 و 211 وغير ذلك

[375]

وقد روى أيضا من طرق مختلفة وبألفاظ متقاربة المعاني خطاب سلمان الفارسى رضى الله عنه للقوم وانكاره ما فعلوه، وقوله " أصبتم وأخطاتم أصبتم سنة الاولين وأخطأتم أهل بيت نبيكم " (صلى الله عليه وآله) وقوله ما أدرى " أنسيتم أم تناسيتم أو جهلتم أم تجاهلتم " وقوله " والله لو أعلم أنى أعز لله دينا أو أمنع لله ضيما لضرب بسيفي قدما قدما " (1). ولم نذكر أسانيد هذه الاخبار وطرقها بألفاظها لئلا يطول به الكتاب ومن أراده أخذه من مظانه، وهذا الخلاف من سلمان وبريدة لا ينفع فيه أن يقال: رضى سلمان بعده وتولى الولايات وأمسك بريدة وسلم وبايع لان تصريحهم بسبب الخلاف يقتضى أن الرضا لا يقع منهما أبدا، وأنهما وإن كفا في المستقبل عن الانكار، لفقد النصار والخوف عن النفس، فان قلوبهم منكرة، ولكن ليس لمضطر اختيار. وروى ابراهيم الثقفى، عن يحيى بن عبد الحميد الحمانى، عن عمرو بن حريث عن حبيب بن أبى ثابت، وعن ثعلبة بن يزيد الحمانى، عن على (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كان فيما عهد إلى النبي الامي أن الامة ستغدر بك (2). وروى ابراهيم، عن اسماعيل بن عمرو البجلى قال: حدثنا هشيم بن بشير الواسطي عن اسماعيل بن سالم الاسدي، عن أبي إدريس الاودى عن علي (عليه السلام) قال: لان أخر من السماء إلى الارض فتخطفني الطير أحب إلى من أن أقول سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم أسمعه قال لي يا علي ستغدر بك الامة بعدى. وروى زيد بن على بن الحسين قال: كان علي (عليه السلام) يقول: بايع الناس والله أبا بكر وأنا اولى بهم منى بقميصي هذا فكظمت غيظي، وانتظرت أمرى والزقت كلكلى بالارض ثم إن أبا بكر هلك واستخلف عمر، وقد والله [أ] علم أنى أولى بالناس منى بقميصي هذا، فكظمت غيظي، وانتظرت أمرى، ثم إن عمر هلك وجعلها شورى


(1) راجع ص 193 و 211 و 278 وغير ذلك. (2) حديث غدر الامة قد مضى مصادره ص 41 و 45 في المتن وص 65 في الذيل و المتن..

[376]

وجعلني فيهم سادس ستة كسهم الجدة، فقال اقتلوا الاقل فكظمت غيظي وانتظرت امرى ; والزقت كلكلى بالارض حتى ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله (1). وقوله (عليه السلام) " ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله " منبها بذلك على سبب قتاله لطلحة والزبير ومعاوية، وكفه عمن تقدم، لانه لما وجد الاعوان والنصار لزمه الامر، وتعين عليه فرض القتال والدفاع، حتى لم يجد إلا القتال أو الخلاف لله، وفي الحال الاولى كان معذورا لفقد النصار والاعوان (2). وروى جميع أهل السير أن أمير المؤمنين (عليه السلام) والعباس لما تنازعا في الميراث وتخاصما إلى عمر، قال عمر: من يعذرني من هذين: ولي أبو بكر فقالا: عق وظلم، والله يعلم أنه كان برا تقيا، ثم وليت فقالا: عق وظلم (3) [وهذا الكلام من أصح دليل على أن تظلمه (عليه السلام) عن القوم كان ظاهرا] وغير خاف عليهم، وانما كانوا يجاملونه ويجاملهم. وروى الواقدي في كتاب الجمل باسناده أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين بويع خطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: حق وباطل ولكل أهل ولئن أمير الباطل لقديما فعل، ولئن قال الحق لربما ولعل، ولقل ما أدبر شئ فأقبل، وإني لاخشى أن


(1) كتاب الغارات مخطوط، وسيجئ في باب شكوى أمير المؤمنين (عليه السلام) شطر كثير من تظلماته (عليه السلام) انشاء الله تعالى. (2) ويشهد على ذلك كلامه (عليه السلام) " أما والذى فلق الحبة وبرا النسمة لو لا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لا لقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها.. الخ وقد مر ص 246 فيما سبق. (3) أثبته الصحاح والمسانيد ولفظ مسلم على ما في ج 5 / 152 في حديث مالك ابن أوس "... قال: فلما توفى رسول الله قال أبو بكر أنا ولى رسول الله فجئتما تطلب ميراثك من ابن اخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله ما نورث ما تركناه صدقة فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا والله يعلم انه لصادق بار راشد =

[377]

تكونوا في فترة، وما على إلا الاجتهاد، وقد كانت أمور مضت فملتم فيها ميلة كانت عليكم، ما كنتم فيها عندي بمحمودين، أما إني لو أشاء لقلت " عفا الله عما سلف " سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب همته بطنه، يا ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له، في كلام طويل بعدها. وقد رويت هذه الخطبة عن الواقدي من طرق مختلفة (1).


= تابع للحق، ثم توفى أبو بكر وأنا ولى رسول الله وولى أبى بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا والله يعلم انى لصادق بار راشد تابع للحق فوليتها... الحديث. راجع صحيح البخاري كتاب النفقات الباب 3 كتاب المغازى الباب 14 كتاب الاعتصام الباب 5 سنن أبي داود كتاب الامارة 19، سنن الترمذي كتاب السير الباب 43 مسند الامام ابن حنبل 1 / 209، منتخب كنز العمال 3 / 129 قال: رواه عبد الرزاق في الجامع وابن حنبل وأبو عبيد في الاموال والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في السنن، وأخرجه ابن أبى الحديد في شرحه 4 / 82 وما بعده بألفاظ مختلفة عن أبى بكر الجوهرى ولفظه " ظالم فاجر " وفى ص 85 ولفظه " خائن فاجر " وسيوافيك سائر المصادر في باب فدك ان شاء الله تعالى. (1) رواه المفيد في الارشاد: 115 قال: ومن كلامه (عليه السلام) في الدعاء إلى نفسه والدلالة على فضله والابانة عن حقه والتعريض بظالمه والاشارة إلى ذلك والتنبيه عليه ما رواه الخاصة والعامة عنه وذكر ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره ممن لا يتهمه خصوم الشيعة في روايته.. الخ. وقال ابن أبى الحديد في شرح النهج 1 / 92 في شرح الخطبة 16: وهذه الخطبة من جلائل خطبه (عليه السلام) ومن مشهوراتها، قد رواها الناس كلهم وفيها زيادات حذفها الرضى اما اختصارا أو خوفا من ايحاش السامعين، وقد ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين على وجهها ورواها عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: أول خطبة خطبها أمير المؤمنين على (عليه السلام) بالمدينة في خلافته، حمد الله وأثنى عليه = (*)

[378]

ثم روى الخطبة الشقشقية (1) ثم قال: والذى ذكرناه قليل من كثير، ولو تقصينا جميع ما روى في هذا الباب عنه (عليه السلام) وعن أهله وولده وشيعته، لم يتسع جميع حجم كتابنا له، وفي بعض ما ذكرناه أوضح دلالة على أن الخلاف ما زال وأنه كان مستمرا وأن الرضا لم يحصل في حال من الاحوال. فان قيل: جميع ما رويتموه أخبار آحاد لا توجب علما ولا يرجع بمثلها عن المعلوم، والمعلوم أن الخلاف لم يظهر على حد ظهوره في الاول، ولم يروها أيضا إلا متعصب غير موثوق بأمانته. قلنا أما هذه الاخبار وإن كانت على التفصيل أخبار آحاد فمعناها متواتر لانه قد رواه عدد كثير وجم غفير، وإن كان اللفظ في التفصيل آحادا، ثم لو سلمنا على اقتراحكم أنها آحاد ليس يجب أن يكون مانعة من القطع على ارتفاع النكير و ادعاء العلم بأن الخلاف قد زال وارتفع، لانه لا يمكن مع هذه الاخبار - وهي توجب الظن إن لم توجب العلم - أن يدعى العلم بزوال الخلاف فأما قول السائل إنا لا نرجع بها عن المعلوم، فأى معلوم هيهنا رجعنا بهذه


= وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قال: ألا لا يرعين مرع الاعلى نفسه، شغل من الجنة والنار أمامه: ساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصر في النار ثلاثة، واثنان: ملك طار بجناحيه ونبى أخذ الله بيده، لا سادس، هلك من ادعى وردى من اقتحم... إلى أن قال: قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين أما انى لو أشاء لقلت، عفا الله عما سلف، سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه ويحه لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له، انظروا فان أنكرتم فانكروا وان عرفتم فآزروا، حق وباطل ولكل أهل... إلى آخر الخطبة. وأخرجه المتقى الهندي في منتخب كنز العمال 2 / 190 - 191 وقال: رواه اللالكائى، الا أنه أسقط لفظ الغراب وما بعده مما يتعلق بعثمان. (1) راجع الشافي 392، تلخيص الشافي 3 / 53 والخطبة الشقشقية بشرحها و اخراج مصادرها سيأتي انشاء الله تعالى في باب شكواه (عليه السلام) (*).

[379]

الاخبار عنه، فان أراد الاجماع وزوال الخلاف، فكل ذلك لا يثبت إلا مع فقد ما هو أضعف من هذه الاخبار، وزوال الخلاف لا يكون معلوما مع وجداننا رواية واردة به، وإنما يتوصل إلى الرضا والاجماع بالكف عن النكير، وزوال الخلاف وإذا كان الخلاف والنكير مرويين من جهة ضعيفة أو قوية، كيف يقطع على ارتفاعهما أو زوالهما، وأما القدح في الرواة، فأول ما فيه أن أكثر ما رويناه هيهنا وارد من طرق العامة، ومسند إلى من لا يتهمونه ولا يجرحونه، ومن تأمل ذلك علمه، ثم ليس يقنع في جرح الرواة بمحض الدعوى دون أن يشار إلى امور معروفة، وأسباب ظاهرة، و إذا روى الخبر من ظاهره العدالة والتدين لم يقدح فيه ما جرى هذا المجرى من القدح. فان قيل: هذا يؤدي إلى الشك في ارتفاع كل خلاف. قلنا إن كان الطريق فيما تشيرون إليه يجري مجرى ما نتكلم عليه في هذا الباب فلا سبيل إلى القطع على انتفائه، فكيف يقطع على انتفاء أمر وهو مروي منقول، وإنما نقطع على ذلك في الموضع الذي لا يوجد فيه نقل بخلاف ولا رواية لنكير. فان قيل: الشئ إذا كان مما يجب ظهوره إذا كان فانا نستدل بانتفاء ظهوره على انتفائه ولا نحتاج إلى أكثر من ذلك، ولهذا نقول: لو كان القرآن عورض لوجب أن تظهر معارضته على حد ظهور القرآن، فإذا لم نجدها ظاهرة قطعنا على انتفائها ولو روى لنا راو من طريق الاحاد أن معارضته وقعت لم نلتفت إلى روايته، وهذه سبيل ما تدعونه من النكير الذي لم يثبت، ولم يظهر. قلنا: قد شرطت شرطا كان ينبغي أن تراعيه وتوجدناه فيما اختلفنا فيه، لانك قلت إن كل أمر لو كان وجب ظهوره ومتى لم يظهر يجب القطع على انتفائه، وهذا صحيح وبه تبطل معارضة القرآن على ما ذكرت لان الامر في أنها لو كانت لوجب ظهورها واضح، وعليه بني الكلام، وليس هذا موجودا في النكير على أصحاب الاختيار لانك لا نقدر على أن تدل على أن نكيرهم يجب ظهوره لو كان، وأن الداعي إليه داع إلى إظهاره، بل الامر بخلاف ذلك لان الانكار على مالك الحل والعقد، و

[380]

الامر والنهى والنفع والضر، الذي قد مال إليه أكثر المسلمين، ورضى بامامته أكثر الانصار والمهاجرين، يجب طيه وستره، ولا يجوز إذاعته ونشره، والدواعي كلها متوفرة إلى إخفائه، وترك إعلانه، فأين هذا من المعارضة ؟ ولو جوزنا في المعارضة أو غيرها من الامور أن يكون ولا تدعو الدواعى إلى اظهاره، بل إلى طيه ونشره، لم يجب القطع على انتفائه من حيث لم يظهر للكل ولم ينقله الجميع، ولكنا متى وجدنا أيسر رواية في ذلك نمنع لاجلها من القطع على انتفاء ذلك الامر وعلى انه لم يكن وسنشبع الكلام في السبب المانع من اظهار الخلاف واعلان النكير فيما يأتي بمشية الله. فأما قولهم إن كل من يدعى عليه الخلاف فانه ثبت عنه قولا وفعلا الرضا بالبيعة، وقد بينا وسنبين أن الامر بخلافه، وأن الذى اعتمدوه من الكف عن النزاع، ليس بدلالة على الرضا لانه وقع عن أسباب ملجئة، وكذلك سائر ما يدعى من ولاية من تولى من قبل القوم ممن كان مقيما على خلافهم، ومنكرا لامرهم. وأما بناؤهم العقد الاول على الثاني، وأنه لما ظهر في الثاني من الرضا والانقياد لطول الايام وتماديها ما لم يظهر في الاول، جاز أن يجعل أصلا له، فالكلام على العقد الاول الذي ذكرناه مستمر في الثاني بعينه لان خلاف من حكينا خلافه وروينا عنه ما روينا، هو خلاف في العقدين جميعا. ثم لو سلمنا ارتفاع الخلاف على ما يقترحونه، لكان ذلك لا يدل على الرضا إذا بينا ما أحوج إليه وألجأ إلى استعماله. فأما قولهم: إن سعدا لا يعتد بخلافه من حيث طلب الامامة لنفسه وكان مبطلا في ذلك، واستمر على هذه الطريقة، فلا اعتبار بخلافه، فليس بشئ يعول عليه، لان أول ما في ذلك أن الذي ادعوه من " ان الائمة من قريش " ليس بمقطوع به ولا رواه أحد من أهل السير، وخلاف سعد في الامامة والانصار خلاف واحد ونحن نبين ما ذكره أهل السير من خبر السقيفة ليعلم أن ما ادعوه

[381]

لا أصل له (1) ثم روى ما روينا منه سابقا من أخبار السقيفة (2) فقال: وقد روى الطبري وغيره خبر السقيفة من طرق مختلفة خالية كلها من ذكر الاحتجاج بالخبر المروى ان الائمة من قريش، ويدل على ضعفه ما روى عن أبى بكر من قوله عن موته (3):


(1) الشافي: 395، تلخيص الشافي 3 / 60. (2) مر متنه في ص 330 - 337 مما سبق. (3) مر مصادره ص 317 فيما سبق، وقد مر في ص 261 كلام منافى الذيل تأيدنا من قوله (عليه السلام): " ان الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم " أن كلام الرسول انما كان في الولاة والمراد أن بنى عبد المطلب وهم أرحام النبي (صلى الله عليه وآله) هم الذين يلون أمر الناس تحت قيادة وليهم من عترته (صلى الله عليه وآله). ثم ذكرنا في ص 351 أن قوله تعالى " واولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين " ينص على أن لاولاية لاحد على أرحامه، سواء كان مهاجريا أو انصاريا أو من سائر المؤمنين إلى الابد. فالمسلم أن لهذا الحديث أصلا من القرآن العظيم وبيان الرسول الكريم، فالقرآن هو آية الاحزاب 6، والحديث قوله (صلى الله عليه وآله) " انما الولاة من بنى هاشم وبنى عبد المطلب " أو كلام مثل هذا لكنهم بدلوه قولا غير الذى قيل لهم ومن يبدل نعمة الله كفرا من بعد ما جاءته فان الله شديد العقاب. وأما الشواهد التاريخية على ذلك فكثيرة ومما يحضرني الان ما رواه الطبري في تاريخه 4 / 233 في حديث الشورى: "... فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، انى لا عجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول ان أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل، أما والله لو أجد عليه أعوانا، فقال عبد الرحمن: يا مقداد اتق الله فانى خائف عليك الفتنة، فقال رجل للمقداد: رحمك الله من أهل هذا البيت و من هذا الرجل ؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل على بن =

[382]

ليتنى كنت سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ثلاثة اشياء ذكر من جملتها " ليتنى كنت


أبى طالب، فقال على (عليه السلام): ان الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر إلى بيتها فتقول " ان ولى عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم... " والعجب أن شارح النهج ذكر في قصة الشورى هذا الذى رواه الطبري بطوله عن نفس التاريخ، لكن سؤال الرجل عن مقداد وجوابه ساقط عنه ولا أظن في ذلك الاسهو الطابع دون التعمد انشاء الله، والا فشارح النهج قد روى كثيرا من هذا المعنى في غصون كتابه، وهو الذى روى في 2 / 18 أن المغيرة بن شعبة قال لابي بكر وعمر: " أتريدون أن تنظروا حبل الحبلة من أهل هذا البيت ؟ وسعوها في قريش تتسع " (راجع أيضا ص 205 ما مر عن الطوسى ره). ومن الشواهد ما رواه البلاذرى في 5 / 17 من أنسابه أن عمر قال لعلى (عليه السلام) " ان وليت من أمر الناس شيئا فلا تحملن بنى عبد المطلب على رقاب الناس " وهكذا روى كلام عمر هذا شارح النهج وقد مر نصه ص 274 وروى أيضا في 2 / 20 و 1 / 34 من شرحه كلاما آخر لعمر يؤيد ما ذكرناه، وأنهم خافوا امارة على لحداثة سنة وحبه بنى عبد المطلب، راجع نصه ص 262، ولذلك نفسه ترى عبد الرحمن بن عوف يقول لعلي " عليك عهد الله وميثاقه ان بايعتك أن لا تحمل بنى عبد المطلب على رقاب الناس.. " أنساب الاشراف للبلاذرى 5 / 22. ومن الشواهد ما رواه المفيد في الارشاد 116 والسيد المرتضى في الشافي 442 تلخيص الشافي 4 / 45 ونقله عنه شارح النهج 3 / 172 عن جندب في حديث مبايعة عثمان يوم الشورى وفيه أنه أشار إلى على أن يقاتلهم ولو بعشرة من أصحابه فقال عليه السلام: " أو تراه كان تابعي من كل مائة عشرة ؟ قلت: لا رجو ذلك، قال: لكنى لا أرجو، لا والله ولا من المائة اثنين وسأخبرك من أين ذلك، ان الناس انما ينظرون إلى قريش فيقولون هم قوم محمد وقبيلته وان قريشا تنظر الينا فتقول: ان لهم بالنبوة فضلا على سائر قريش وأنهم أولياء هذا الامر، دون قريش والناس، وأنهم ان ولوه لم يخرج هذا =

[383]

سألته هل للانصار في هذا الامر حق " فكيف يقول هذا القول من يروى عنه (عليه السلام) " ان الائمة من قريش " و " ان هذا الامر لا يصلح إلا لهذا الحى من قريش " ويدل على ضعفه أيضا ما روى أن عمر قال عند موته لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه الشكوك (1) بعد أن ذكر أهل الشورى وطعن على واحد واحد، وسالم لم يكن من قريش فكيف يجوز أن يقول هذا وقد سمع أبا بكر روى هذا الخبر. وروى الطبري في تاريخه عن شيوخه من طرق مختلفة أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت، قال: من أستخلف ؟ لو كان أبو عبيدة ابن الجراح حيا لاستخلفته، فان سألني ربي قلت: سمعت نبيك (صلى الله عليه وآله) يقول إنه أمين هذه الامة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته فان سئلني ربي قلت: سمعت نبيك يقول إن سالما شديد الحب لله، فقال له رجل: أدلك عليه عبد الله بن عمر ؟ فقال: قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا، ويحك كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته (2). وروى البلاذري في كتابه المعروف بتاريخ الاشراف عن عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب كان مستندا إلى ابن عباس وعنده ابن عمر وسعيد بن زيد فقال اعلمو أني لم أقل في الكلالة شيئا ولم أستخلف بعدي أحدا وأنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله قال سعيد بن زيد أما إنك لو أشرت برجل من المسلمين ائتمنك الناس، فقال عمر:


= السلطان منهم إلى أحد أبدا، ومتى كان في غيرهم تداولتموه بينكم، فلا والله لا تدفع قريش الينا هذا السلطان طائعة أبدا... الحديث. (1) طبقات ابن سعد 3 ق 2 / 248، الاستيعاب 2 / 561، اسد الغابة 2 / 246، تاريخ الطبري 4 / 227، العقد الفريد 2 / 256، الامامة والسياسة 1 / 28 اعلام النساء 2 / 876 منتخب كنز العمال 4 / 427 و 2 / 188 راجع ترجمة سالم ص 85 فيما سبق. (2) تاريخ الطبري 4 / 227، العقد الفريد 2 / 156، تاريخ الكامل 3 / 34، الصواعق المحرقة 102 وقصة طلاق امرأته في الحيض معروف في الفقه (*).

[384]

لقد رأيت من أصحابي حرصا سيئا وأنا جاعل هذا الامر إلى النفر الستة الذين مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عنهم راض، ثم قال لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الامر إليه، ولو ثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح. فقال له رجل يا أمير المؤمنين فأين أنت عن عبد الله بن عمر ؟ فقال له: قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا، أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته ؟ قال عفان، يعنى بالرجل الذي أشار إليه بعبد الله بن عمر، المغيرة ابن شعبة (1). وهذا كما ترى تصريح بأن تمنى سالم انما كان لان يستخلفه كما أنه تمنى أبا عبيدة لذلك فأي تأويل يبقى مع هذا الشرح. والعجب من أن يكون بحضرته مثل أمير المؤمنين، ومنزلته في خلال الفضل منزلته وباقي أهل الشورى الذي كانوا في الفضل الظاهر على أعلا طبقاته، ثم يتمني مع ذلك حضور سالم تمنى من لا يجد منه عوضا وإن ذلك لدليل قوي على سوء رأيه في الجماعة (2) ولو كان تمنيه للرأى والمشورة كان يكون أيضا الخطب جليلا، لانا نعلم أنه لم يكن في هذه الجماعة التي ذكرناها إلا من مولاه يساوي سالما إن لم يفضله في الراى وجودة التحصيل، فكيف يرغب عنهم في الرأي واختيار من لا يصلح للامر، ويتلهف على حضور من لا يدانيهم في علم ولا رأى، وكل هذه الاخبار إذا سلمت و أحسنا الظن بعمر، دلت على أن الخبر الذى رووه بأن الائمة من قريش لا أصل له. فان قيل: كيف تدفعون هذا الخبر وأنتم تقولون بمثل ذلك.


(1) يطلب في 2 / 577 من تاريخ البلاذرى وما بعدها من مخطوطة استانبول المحفوظة في بناء المكاتب المسمى سليمانية تحت الرقم 958، لم يطبع بعد وقد طبع بعض أجزائه والحديث أخرجه بهذا السند وتغيير يسير في الالفاظ كاتب الواقدي في طبقاته 3 ق 2 / 248. (2) بل هو أقوى شاهد على أنهم كانوا أصحاب العقدة التى كتبوها بينهم في صحيفة راجع ذيل ص 86 من هذا الجزء (*).

[385]

قلنا: نحن لا نرجع في ثبوت إمامة من نقول بامامته إلى أمثال هذه الاخبار، بل لنا على ذلك أدلة واضحة وحجج بينة، وإنما أوردنا خبر السقيفة ليعلم أن خلاف سعد وذويه كان قادحا. ثم لو سلمنا أنه كان مبطلا في طلب الامامة لنفسه، على ما يقترحونه، لم لا يعتد بخلافه، وهو خالف في أمرين أحدهما أنه اعتقد أن الامامة تجوز للانصار والاخر أنه لم يرض بامامة أبى بكر، ولا بايعه، وهذان خلافان، ليس كونه مبطلا في أحدهما يقتضى أن يكون مبطلا في الاخر، وليس أحدهما مبنيا على صاحبه فيكون في إبطال الاصل إبطال الفرع، لان من ذهب إلى جواز الامامة في غير قريش لا يمنع من جوازها في قريش، فكيف يجعل امتناعه من بيعة قريش مبنيا على أصله في أن الامامة تجوز في غير قريش دليلا على أنه مبطل في امتناعه من بيعة إنسان بعينه. وليس لاحد أن يقول: إن سعدا وحده لا يكون محقا ولا يكون خروجه عما عليه الامة مؤثرا في الاجماع، وذلك أن هذا استبعاد لا وجه له، لان سعدا مثل غيره من الصحابة الذين إذا خالفوا في شئ أثر خلافهم في الاجماع، ولا يعد إجماعا. فان قيل: إن خلاف واحد واثنين لا يعتد به، لانه لا يكون سبيلا للمؤمنين وقول الجماعة يصح ذلك فيه. قيل أول ما فيه أنه كان لسعد من الاولاد من يجوز أن يتناوله الكناية عن الجماعة، لان أقل من يتناوله اللفظ ثلاثة فصاعدا، وبعد فإذا كان لفظ " المؤمنين " يفيد الاستغراق على وجه الحقيقة، فمن حمله على جماعة دون الاستغراق كان مجازا وإذا جاز حمله على هذا الضرب من المجاز، جاز أن يحمل على الواحد، لانه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجماعة مجازا، على أنا قد بينا فيما تقدم أن هذه الايات لا دلالة فيها على صحة التعلق بالاجماع وفي ذلك إسقاط هذا السؤال. وأما الطريقة الثانية: فهي أن نسلم لهم ترك النكير واظهار البيعة، و

[386]

نقول: ما الذي يدل على أنهم كانوا راضين بها، والرضا من أفعال القلوب لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم يقال لهم: قد علمنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تأخر عن البيعة، وامتنع منها علما لا يتخالجنا فيه الشك، واختلف الناس في مدة تأخرها، فمنهم من قال ستة أشهر، ومنهم من قال أربعين يوما (1) ومنهم من قال أقل وأكثر، وذلك يدل على إنكاره للبيعة وتسخطه لها، فمن أدعى أنه بايع بعد ذلك مختارا راضيا بالبيعة فعليه الدلالة. فان قيل: لو لم يكن راضيا بها لانكر لانه كان يتعين عليه الانكار من حيث أن ما ارتكبوه قبيح، ومن حيث أنه دفع عن مقامه واستحقاقه، فلما لم ينكر دل على أنه كان راضيا. قيل: ولم زعمتم أنه لا وجه لترك النكير إلا الرضا دون غيره، لانه إذا كان ترك النكير قد يقع ويكون الداعي إليه غير الرضا، كما قد يدعو إليه الرضا، فليس لاحد أن يجعل فقده دليل الرضا، والنكير قد يرتفع لامور منها التقية و الخوف على النفس وما جرى مجراها، ومنها العلم أو الظن بأنه يعقب من النكير ما هو أعظم من المنكر الذي يراد انكاره، ومنها الاستغناء منه بنكير تقدم وامور ظهرت ترفع اللبس والابهام في الرضا بمثله، ومنها أن يكون للرضا، وإذا كان ترك النكير منقسما لم يكن لاحد أن يخصه بوجه واحد، وإنما يكون ترك النكير دلالة على الرضا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا، فمن أين لهم أنه لا


(1) قال اليعقوبي في تاريخه 2 / 116، ولم يبايع على (عليه السلام) الا بعد ستة أشهر، وقيل أربعين يوما، وقد مر عن ابن أبى الحديد أنه قال: " والذى يقوله جمهور المحدثين وأعيانهم فانه (عليه السلام) امتنع عن البيعة ستة أشهر ولزم بيته فلم يبايع حتى ماتت فاطمة عليها السلام، وكيف كان، الاختلاف مبنى على الاختلاف في وفاة فاطمة الصديقة، فقد قيل أنها توفيت بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بستة أشهر، وقيل ثمانية أشهر، وقيل مائة يوم، وقيل بتسعين وقيل بخمسة وسبعين يوما، ولا أقل من القول بأربعين يوما " راجع ذخائر العقبى 52 أسد الغابة 5 / 524، تهذيب التهذيب 12 / 442 (*).

[387]

وجه لترك النكير هيهنا إلا الرضا ؟ فان قيل: ليس الرضا أكثر من ترك النكير، فمتى علمنا ارتفاع النكير، علمنا الرضا. قلنا: هذا مما قد بينا فساده، وبينا أن ترك النكير ينقسم إلى الرضا وغيره وبعد فما الفرق بين من قال هذا، وبين من قال: " وليس السخط أكثر من ارتفاع الرضا، فمتى لم أعلم الرضا وأتحققه قطعت على السخط " فيجب على من ادعى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان راضيا، أن ينقل ما يوجب كونه كذلك ولا يعتمد في أنه كان راضيا على أن نكيره ارتفع، فان للمقابل أن يقابل ذلك بما قدمنا ذكره، ويجعل دليل كونه ساخطا ارتفاع رضاه. فان قال: ليس يجب علينا أن ننقل ما يدل على رضاه أكثر من بيعته وترك نكيره، لان الظاهر من ذلك يقتضي ما ذكرناه، وعلى من ادعى خلافه، وأن كان مبطنا لخلاف الرضا، أن يدل على ذلك، فانه خلاف الظاهر. قيل له: ليس الامر على ما قدرته، لان سخط أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الاصل لانه لا خلاف بين الامة في أنه (عليه السلام) سخط الامر وأباه، ونازع فيه، وتأخر عن البيعة، ثم لا خلاف أنه في المستقبل أظهر البيعة ولم يقم على ماكان عليه من إظهار الخلاف والنكير، فنقلنا عن أحد الاصلين اللذين كان عليهما من الامتناع عن البيعة وإظهار الخلاف أمر معلوم، ولم ينقلنا عن الاصل الاخر الذي هو السخط والكراهة شئ، فيجب على من ادعى تغير الحال أن يدل على تغيرها، ويذكر أمرا معلوما يقتضي ذلك، ولا يرجع علينا فيلزمنا أن ندل على ما ذكرنا، لانا على ما بيناه متمسكون بالاصل المعلوم، وإنما تجب الدلالة على من ادعى تغيير الحال. وليس له أن يجعل البيعة وترك النكير دلالة الرضا، لانا قد بينا أن ذلك منقسم، ولا ينقل من المعلوم المتحقق بأمر محتمل. فان قيل: هذه الطريقة التي سلكتموها توجب الشك في كل اجماع وتمنع

[388]

من أن نقطع على رضا أحد بشي من الاشياء، لانا إنما نعلم الرضا في كل موضع نثبته فيه بمثل هذه الطريقة، وبما هو أضعف منها. قيل له: إن كان لا طريق إلى معرفة الاجماع ورضي الناس بالامر، إلا ما ادعيته، فلا طريق إذا إليه، لكن الطريق إلى ذلك واضح، وهو أن يعلم أن النكير لم يرتفع إلا للرضا، وأنه لا وجه هناك سواه، وهذا قد يعلم ضرورة من شاهد الحال، وقد يعلم من غاب عنها بالنقل وغيره، حتى لا يرتاب بأن الرضا هو الداعي إلى ترك النكير، ألا ترى أنا نعلم كلنا علما لا يعترضه شك أن بيعة عمر وأبي عبيدة وسالم لابي بكر كانت عن رضى وموافقة، ومبايعة في الظاهر و الباطن، وأنه لا وجه لما أظهروه من البيعة والموافقة إلا الرضا، ولا نعلم ذلك في أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن جرى مجراه، فلو كان الطريق واحدا لعلمنا الامرين على سواء. وهذا أحد ما يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضع، فيقال: لو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) راضيا وظاهره كباطنه في الكف عن النكير، لوجب أن نعلم ذلك من حاله كما علمناه من حال عمر وأبي عبيدة، فلما لم يكن ذلك معلوما دل على اختلاف الحال فيه. وكيف يشكل على منصف أن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام لم تكن عن رضا، و الاخبار متظاهرة من كل روى السير بما يقتضي ذلك، حتى أن من تأمل ما روى في هذا الباب لم يبق عليه شك في أنه (عليه السلام) الجئ إلى البيعة، وصار إليها بعد المدافعة والمحاجزة لامور اقتضت ذلك، ليس من جملتها الرضا. فقد روى أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري وحاله في الثقة عند العامة والبعد عن مقاربة الشيعة والضبط لما يرويه معروفة، قال: حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبى، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي (عليه السلام) حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال له: احلب حلبا لك شطره، والله

[389]

ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غدا، وما ننفس على أبي بكر هذا الامر، ولكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا إن لنا حقا لا تجهلونه، ثم أتاه فبايعه (1). وهذا الخبز يتضمن ما جرت عليه الحال، وما تقوله الشيعة بعينه، وقد أنطق الله به رواتهم. وقد روى البلاذري عن المدائني عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمى عن ابن عون أن أبا بكر أرسل عمر إلى علي (عليه السلام) يريده إلى البيعة، فلم يبايع فجاء عمر ومعه قبس فتلقته فاطمة عليها السلام على الباب، فقالت: يا ابن الخطاب أتراك محرقا علي بابي ؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك، وجاء علي (عليه السلام) فبايع (2). وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة، وإنما الطريف أن يرويه شيوخ محدثي العامة، لكنهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة، وربما تنبهوا على ما في بعض ما يروونه عليهم، فكفوا عنه (3) وأي اختيار لمن يحرق عليه بابه حتى يبايع.


(1) تاريخ البلاذرى 1 / 587 وقد مر فيما سبق نصوص في ذلك، راجع ص 318. (2) تاريخ البلاذرى (انساب الاشراف) 1 / 586 وحديث الاحراق قد مضى مصادره ص 204 و 268 و 311، راجعه. (3) وهذا كثير في أحاديثهم، من ذلك أن ابن ابى شيبة والحسن بن سفيان و البزار والبيهقي في السنن رووا في حديث فرض العطايا - والحديث طويل -: قالوا: وفرض عمر لاهل مكة وللناس ثمانمائة ثمانمائة فجاءه طلحة بن عبيدالله بابنه عثمان ففرض له ثمانمائة، فمر به النضر بن أنس فقال عمر: افرضوا له في ألفين، فقال طلحة: جئتك بمثله ففرضت له ثمانمائة وفرضت لهذا ألفين ؟ فقال: ان أبا هذا لقيني يوم أحد فقال لي: ما فعل رسول الله ؟ فقلت: ما أراه الا قد قتل، فسل سيفه وكسر غمدة وقال: ان كان رسول الله قد قتل فان الله حى لا يموت، فقاتل حتى قتل.. " =

[390]

وروى إبراهيم بن سعيد الثقفى عن أحمد بن عمرو البجلي، عن أحمد بن حبيب العامري، عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: والله ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته (1) وروى المدايني عن عبد الله بن جعفر، عن أبي عون قال: لما ارتدت العرب مشى عثمان إلى علي (عليه السلام) فقال: يا ابن عم إنه لا يخرج أحد إلى قتال هذا العدو و أنت لم تبايع، ولم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر فسر المسلمون بذلك، وجد


= أخرج الحديث في منتخب كنز العمال عن هؤلاء المذكورين ج 2 ص 163، وقال: روى ابن سعد صدره. فترى ابن سعد يخرج الحديث في طبقاته 3 ق 1 / 213 حديث فرض العطايا كما ذكره المتقى الهندي، لكنه أعرض عن ذيل الحديث لما فيه من الازراء بعمر والفضيحة له حيث يقول نفسه ويعترف بأنه قد قال لنضر بن مالك بن ضمضم من بنى عدى بن النجار يوم أحد " ما أرى رسول الله الا قد قتل ". مع أنه كان يقول يوم السقيفة بغلظة وتشدد " لا أسمع رجلا يقول مات رسول الله الا ضربته بسيفي، انه ما مات رسول الله " (راجع ص 179 من هذا الجزء). بل وكان يؤيد اعتقاده بذلك ويبرمه قائلا: والله ماكان يقع في نفسي الا ذاك. وكنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا حتى يكون آخرنا " (طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 5 الطبري 3 / 210) فحديث أنس هذا - وهو عم مالك بن أنس خادم رسول الله جاء في سيرة ابن اسحاق وهكذا مغازى الواقدي واللفظ للاول: قال: حدثنى القاسم بن عبد الرحمن ابن رافع أخو بنى عدى بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر ابن الخطاب وطلحة بن عبيدالله في رجال من المهاجرين والانصار، وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم ؟ قالوا: قتل رسول الله، قال: فما ذا تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل (راجع سيرة ابن هشام 1 / 83، مغازى الواقدي.. وأخرجه شارح النهج في 3 / 389. (1) الغارات مخطوط بعد (*).

[391]

الناس في القتال (1). وروى البلاذري، عن المدائني، عن أبي جزي، عن معمر، عن الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة (عليها السلام) بعد ستة أشهر، فلما ماتت ضرع إلى صلح أبي بكر فأرسل إليه أن يأتيه، فقال له عمر: لا تأته وحدك، قال: فما ذا يصنعون بي ؟ فأتاه أبو بكر فقال له علي (عليه السلام): والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر نصيبا أستبد به علينا، فقال أبو بكر: والله لقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحب إلى من قرابتي فلم يزل علي يذكر حقه وقرابته حتى بكى أبو بكر، فقال: ميعادك العشية، فلما صلى أبو بكر الظهر، خطب فذكر عليا (عليه السلام) وبيعته، فقال علي (عليه السلام) إني لم يحبسني عن بيعة أبي بكر ألا أكون عارفا بحقه، لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر نصيبا استبد به علينا، ثم بايع أبا بكر، فقال المسلمون: أصبت و أحسنت (2).


(1) رواه البلاذرى في الانساب 1 / 587 بهذا السند واللفظ وزاد: " وقطعت البعوث ". (2) أنساب الاشراف 1 / 586 والحديث مختصر رواه الطبري في تاريخه 3 / 207 - 209 على وجهه، وصدر الحديث في مطالبة فاطمة والعباس ميراثهما إلى أن قال: فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله ثم توفيت. قال معمر: فقال رجل للزهري: أفلم يبايعه على ستة أشهر ؟ قال: لا ولا أحد من بنى هاشم، حتى بايعه على فلما رأى على انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبى بكر فأرسل إلى أبى بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدك.. فانطلق أبو بكر فدخل على على وقد جمع بنى هاشم عنده فقام على فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فانه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر انكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله اليك ولكنا نرى أن لنا في هذا الامر حقا فاستبددتم به علينا =

[392]

ومن تأمل هذه الاخبار علم كيف وقعت هذه البيعة، وما الداعي إليها، و لو كانت الحال سليمة، والنيات صافية، والتهمة مرتفعة، لما منع عمر أبا بكر من أن يصير إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وحده. وروى إبراهيم الثقفي عن محمد بن أبي عمر، عن أبيه، عن صالح بن أبي الاسود عن عقبة بن سنان، عن الزهري قال: ما بايع على (عليه السلام) إلا بعد ستة أشهر وما اجترئ عليه إلا بعد موت فاطمة (عليها السلام) (1). وروى الثقفى، عن محمد بن علي، عن عاصم بن عامر البجلي، عن نوح بن دراج، عن محمد بن إسحاق، عن سفيان بن فروة، عن أبيه قال: جاء بريدة حتى ركز رايته في وسط أسلم، ثم قال: لا ابايع حتى يبايع علي بن أبى طالب (عليه السلام) فقال علي (عليه السلام): يا بريدة ادخل فيما دخل فيه الناس، فان اجتماعهم أحب إلى من اختلافهم اليوم (2). وروى إبراهيم، عن محمد بن أبي عمر، عن محمد بن إسحاق، عن موسى بن عبد الله بن الحسن أن عليا (عليه السلام) قال لهم: بايعوا فان هؤلاء خيروني أن يأخذوا ما ليس لهم أو أقاتلهم وافرق أمر المسلمين (3). وروى إبراهيم، عن يحيى بن الحسن بن الفرات، عن قليب بن حماد، عن موسى بن عبد الله بن الحسن قال: أبت أسلم أن تبايع، فقالوا: ما كنا نبايع حتى يبايع بريدة، لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لبريدة علي وليكم من بعدي، قال: فقال علي (عليه السلام) يا هؤلاء إن هؤلاء خيرونا أن يظلموني حقي وأبايعهم فارتد الناس حتى بلغت


= ثم ذكر قرابته من رسول الله وحقهم، فلم يزل على يقول ذلك حتى بكى أبو بكر، فلما صمت على تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فو الله لقرابة رسول الله أحب إلى أن أصل من قرابتي، وانى والله ما ألوت في هذه الاموال التى كانت بينى وبينكم غير الخير، ولكني سمعت رسول الله يقول: " لا نورث ما تركنا فهو صدقة انما يأكل آل محمد في هذا المال.. الحديث. (1 - 3) الغارات مخطوط (*).

[393]

الردة احدا، فاخترت أن اظلم حقى وإن فعلوا ما فعلوا (1). وروى إبراهيم، عن يحيى بن الحسن، عن عاصم بن عامر، عن نوح ابن دراج، عن داود بن يزيد الاودى، عن أبيه، عن عدي بن حاتم قال: ما رحمت أحدا رحمتى عليا حين أتى به ملببا فقيل له بايع، قال: فان لم أفعل ؟ قالوا إذا نقتلك، قال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله ! ثم بايع كذا وضم يده اليمنى (2). وروى إبراهيم عن عثمان بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد البجلى عن داود ابن يزيد الاودي، عن أبيه، عن عدي بن حاتم قال إني لجالس عند أبي بكر إذ جئ بعلى (عليه السلام) فقال له أبو بكر: بايع، فقال له علي (عليه السلام): فان أنا لم ابايع ؟ قال أضرب الذي فيه عيناك، فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: اللهم اشهد ثم مد يده فبايعه (3). وقد روي هذا المعنى من طرق مختلفة وبألفاظ متقاربة المعنى وإن اختلف لفظها وإنه (عليه السلام) كان يقول في ذلك اليوم لما أكره على البيعة وحذر من التقاعد عنها " يابن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بى الاعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين " ويردد ذلك ويكرره، وذكر أكثر ما روى في هذا المعنى يطول (4) فضلا عن ذكر جميعه وفيما أشرنا إليه كفاية ودلالة على أن البيعة لم تكن عن رضا واختيار. فان قيل: كل ما رويتموه في هذا المعنى أخبار آحاد لا توجب علما. قلنا: كل خبر مما ذكرناه وإن كان واردا من طريق الاحاد، فان معناه الذي تضمنه متواتر، والمعول على المعنى دون اللفظ، ومن استقرى الاخبار، وجد معنى إكراهه (عليه السلام) على البيعة، وأنه دخل فيها مستدفعا للشر، وخوفا من تفرق كلمة المسملين، وقد وردت به أخبار كثيرة من طرق مختلفة تخرج عن حد الاحاد


(1 - 3) الغارات مخطوط. (4) سبق ذكرها في هذا المجلد (*).

[394]

إلى التواتر، وبعد، فأدون منزلة هذه الاخبار إذا كانت آحادا أن تقتضي الظن، و تمنع من القطع على أنه لم يكن هناك خوف ولا إكراه، وإذا كنا لا نعلم أن البيعة وقعت عن رضا واختيار مع التجويز لان يكون هناك أسباب إكراه، فأولى أن لا نقطع على الرضا والاختيار مع الظن لاسباب الاكراه والخوف. فان قيل: التقية لا تكون إلا عن خوف شديد، ولابد له من أسباب وأمارات تظهر، فمتى لم تظهر أسبابه لم يسغ تجويزه، وإذا كان غير جايز فلا تقية. قلنا: وأي أسباب وأمارات هي أظهر مما ذكرناه ورويناه، هذا إن أردتم بالظهور النقل والرواية على الجملة، وإن أردتم بالظهور أن ينقله جميع الامة ويعلموه، ولا يرتابوا به، فذاك اقتراح منكم لا ترجعون فيه إلى حجة، ولنا أن نقول لكم من أين أوجبتم ذلك ؟ وما المانع من أن ينقل أسباب التقية قوم ويعرض عن نقلها آخرون لاغراض لهم، وصوارف تصرفهم عن النقل، ولا خفاء بما في هذه الدعوى وأمثالها. على أن الامر في ظهور أسباب التقيه أوضح من أن يحتاج فيه إلى رواية خبر ونقل لفظ مخصوص لانكم تعلمون أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تأخر عن البيعة تأخرا علم وارتفع الخلاف فيه، ثم بايع بعد زمان متراخ وإن اختلف في مدته، ولم تكن بيعته وإمساكه عن النكير الذي كان وقع منه، إلا بعد أن استقر الامر لمن عقد له، وبايعه الانصار والمهاجرون، وأجمع عليه في الظاهر المسلمون، وشاع بينهم أن بيعته انعقدت بالاجماع والاتفاق، وأن من خالف عليه كان شاقا لعصا المسلمين مبتدعا في الدين، رادا على الله وعلى رسوله، وبهذا بعينه احتجوا على من قعد عن البيعة وتأخر عنها، فأي سبب للخوف أظهر مما ذكرناه. وكيف يراد سبب له ولا شئ يذكر في هذا الباب إلا وهو أضعف مما أشرنا إليه، وكيف يمكن أمير المؤمنين (عليه السلام) المقام على خلاف من بايعه جميع المسلمين وأظهروا الرضا به والسكون إليه، وأن مخالفه مبتدع خارج عن الملة. وإنما يصح أن يقال إن الخوف لابد له من أمارة وأسباب تظهر، وأن نفيه

[395]

واجب عند ارتفاع أسبابه، لو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بايع في الابتداء من الامر مبتدئا بالبيعة، طالبا لها راغبا فيها، من غير تقاعد، ومن غير أن تأخذه الالسن باللوم والعذل، فيقول واحد: حسدت الرجل، ويقول آخر: أردت الفرقة ووقوع الاختلاف بين المسلمين، ويقول آخر: متى أقمت على هذا لم يقاتل أحد أهل الردة، ويطمع المرتدون في المسلمين، ومن غير أن يتلوم أو يتربص حتى يجتمع المتفرقون، ويدخل الخارجون، ولا يبقى إلا راض أو متظاهر بالرضا، فأما و الامر جرى على خلاف ذلك، فالظاهر الذي لا إشكال فيه أنه (عليه السلام) بايع مستدفعا للشر، وفرارا من الفتنة، وبعد أن لم يبق عنده بقية ولا عذر في المحاجزة و المدافعة. هذا إذا عولنا في إمساكه عن النكير على الخوف المقتضى للتقية، وقد يجوز أن يكون سبب إمساكه عن النكير غير الخوف إما منفردا أو مضمونا إليه، وذلك أنه لا خلاف بيننا وبين من خالفنا في هذه المسألة أن المنكر إنما يجب انكاره بشرائط منها أن لا يغلب في الظن أنه يودي إلى منكر هو أعظم منه، وأنه متى غلب في الظن ما ذكرناه لم يجز انكاره، ولعل هذه كانت حال أمير المؤمنين في ترك النكير. والشيعة لا تقتصر في هذا الباب على التجويز، بل تروى روايات كثيرة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك وأنذره بأن القوم يدفعونه عن الامر ويغلبونه عليه، وأنه متى نازعهم فيه أدى ذلك إلى الردة، ورجوع الحرب جذعة وأمره بالاغضاء والامساك إلى أن يتمكن من القيام بالامر، والتجويز في هذا الباب لما ذكرنا كاف. فان قيل: هذا يؤدي إلى أن يجوز في كل من ترك انكار منكر هذا الوجه بعينه فلا نذمه على ترك نكيره، ولا نقطع على رضاه به. قلنا: لا شك في أن من رأيناه كافا عن نكير منكر ونحن نجوز أن يكون انما كف عن نكيره لظنه أنه يعقب ما هو أعظم منه، فانا لا نذمه ولا نرميه أيضا

[396]

بالرضا به، وانما نفعل ذلك عند علمنا بارتفاع ساير الاعذار، وحصول شرائط جميع انكار المنكر، وما نعلم بيننا وبينكم خلافا في هذا الذي ذكرناه على الجملة وانما يقع التناسي للاصول إذا بلغ الكلام إلى الامامة. وليس لاحد أن يقول ان غلبة الظن بأن انكار المنكر يؤدي إلى ما هو أعظم منه، لابد فيه من امارات تظهر وتنقل، وفي فقد علمنا بذلك دلالة على أنه لم يكن، وذلك أن الامارات إنما يجب أن تكون ظاهرة لمن شاهد الحال، وغلب في ظنه ما ذكرناه، دون من لم تكن هذه حاله، ونحن خارجون عن ذلك، والامارات الظاهرة في تلك الحال لمن غلب في ظنه ما يقتضيه ليست مما ينقل و يروى، وإنما يعرف بشاهد الحال، وربما ظهرت أيضا لبعض الحاضرين دون بعض. على أن كل هذا الكلام إنما نتكلفه متى لم نبن كلامنا على صحة النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) ومتى بنينا الكلام في أسباب ترك النكير على ما قدمناه من صحة النص ظهر الامر ظهورا يرفع الشبهة، لانه إذا كان هو (عليه السلام) المنصوص عليه بالامامة، والمشار إليه من بينهم بالخلافة، ثم رآهم بعد وفات الرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تنازعوا الامر بينهم تنازع من لم يسمعوا فيه نصا ولا أعطوا فيه عهدا، وصاروا إلى احدى الجهتين بطريقة الاختيار، وصمموا على أن ذلك هو الواجب الذي لا معدل عنه، ولا حق سواه، علم صلى الله عليه أن ذلك مويس من نزوعهم ورجوعهم ومخيف من ناحيتهم، وأنهم إذا استجازوا اطراح عهد الرسول واتباع الشبهة فيه فهم بأن يطرحوا انكار غيره ويعرضوا عن وعظه وتذكيره أولى وأحرى. ولا شبهة على عاقل في أن النص ان كان حقا على ما نقوله، ودفع ذلك الدفع، فان النكير هناك لا ينجع ولا ينفع، وأنه مؤد إلى غاية مكروه فاعليه. فان قالوا إنما تأخر (عليه السلام) استيحاشا من استبدادهم بالامر، دون مشاورته ومطالعته، أو لاشتغاله بتجهيز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم بأمر

[397]

فاطمة (عليها السلام). قيل: هذا لا يصح على مذهبكم، لان مشاورته لا تجب عليهم، وعقد الامامة يتم بمن عقدها ولا يفتقر في صحته وتمامه إلى حضوره (عليه السلام)، وما تدعونه من خوف الفتنة فهو (عليه السلام) كان أعلم به وأخوف له، فكيف يتأخر (عليه السلام) عما يجب عليه من أجل أنهم لم يفعلوا ما لا يجب عليهم، وكيف يستوحش ممن عدل عن مشاورته وهى غير واجبة عندهم في حال السلم والامن، وهل هذا إلا سوء ثناء على أمير المؤمنين (عليه السلام) ونسبة له إلى ما يتنزه قدره ودينه عنه. فان قيل: إن هذا يجري مجرى امرأة لها إخوة كبار وصغار، فتولى امرها الصغار في التزويج فانه لابد أن يستوحش الكبار من ذلك. قيل له: إن الكبير متى كان دينا خائفا من الله تعالى فان استيحاشه وثقل ما يجرى على طبعه لا يجوز أن يبلغ به إلى إظهار الكراهة للعقد والخلاف فيه، وإبهام أنه غير ممضى ولا صواب، وكل هذا جرى من أمير المؤمنين (عليه السلام) فكيف يضاف إليه - مع المعلوم من خشونة أمير المؤمنين في الدين وغضبه له (1) - الاستيحاش من الحق والغضب مما يورد إليه تحرزا عن الفتنة وتلافيا للفرقة ؟ وأما الاشتغال بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فانه كان ساعة من نهار والتأخر كان شهورا والمقلل قال أياما، وتلك الساعة أيضا كان يمكن فيها اظهار الرضا والمراسلة به بدلا من إظهار السخط والخلاف. وأما فاطمة (عليها السلام) فانها توفيت بعد أشهر، فكيف يشتغل بوفاتها عن البيعة المتقدمة مع تراخيها، وعندهم أيضا أنه تأخر عن البيعة أياما يسيرة، ومكثرهم يقول أربعين يوما، فكيف يشتغل ما يكون بعد أشهر عما كان قبلها، ومن أدل دليل على أن كفه عن النكير واظهار الرضا لم يكن اختيارا وإيثارا، بل كان لبعض


(1) في المصدر المطبوع: " الا كراهية للواجب والاستيحاش من الحق والغضب مما يورد إليه... " وفى هامش الشافي كالاستدراك، " الا كراهية للواجب والاستيحاش من الحق، والاستيحاش من الحق والغضب... " وكلاهما سهو ظاهر عند التأمل.

[398]

ما ذكرناه، أنه لا وجه لمبايعته بعد الاباء الا ما ذكرناه بعينه، فان اباءه المتقدم لا يخلو من وجوه إما أن يكون لاشتغاله بالنبي وابنته صلوات الله وسلامه عليهما، أو استيحاشا من ترك مشاورته، وقد أبطلنا ذلك بما لا زيادة عليه، أو لانه كان ناظرا في الامر ومرتئيا في صحة العقد إما بأن يكون ناظرا في صلاح المعقود له الامامة أو في تكامل شرائط عقد امامته، ووقوعه على وجه المصلحة، فكل ذلك لا يجوز أن يخفى على أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا ملتبسا، بل كان به أعلم، واليه أسبق، ولو جاز أن يخفى عليه مثله وقتا ووقتين لما جاز أن يستمر عليه الاوقات، ويتراخى المدد في خفائه. وكيف يشكل عليه صلاح أبي بكر للامامة، وعندهم أن ذلك كان معلوما ضرورة لكل أحد، وكذلك عندهم صفات العاقدين وعددهم وشروط العقد الصحيح مما نص النبي (عليه السلام) عليه وأعلم الجماعة به على سبيل التفصيل، فلم يبق شئ يرتئي فيه مثل أمير المؤمنين (عليه السلام) وينظر في اصابته النظر الطويل، ولم يبق وجه يحمل عليه إباؤه وامتناعه من البيعة في الاول الا ما نذكره من أنها وقعت في غير حقها ولغير مستحقها وذلك يقتضي أن رجوعه إليها لم يكن الالضرب من التدبير. فان استدلوا على رضاه بما ادعوه من إظهار المعاونة والمعاضدة وإشارته عليه بقتال أهل الردة فكل ذلك قد مضى الجواب عنه، وقد بينا أن ذلك دعوى لا يعلم منه (عليه السلام) معاضدة ولا مشورة، وأن الفتيا يجب عليه من حيث لا يجوز للعالم إذا استفتى عن شئ أن لا يجيب عنه، وما يروى من دفاعه عن المدينة فانما فعل لوجوب ذلك عليه وعلى كل مسلم، لا لمكانهم وأمرهم، بل لانه دفع عن حريمه وحرم النبي (صلى الله عليه وآله) وليس لهم أن يقولو إنه لو ادعى الحق لوجد انصارا كالعباس الزبير وأبي سفيان وخالد بن سعيد، لانه لانصرة فيمن ذكر ولا في أضعافهم إذا كان الجمهور على خلافه، وهذا أظهر من أن يخفى. وليس لاحد أن يقول كيف يجوز مع شجاعته وما خصه الله به من القوة الخارقة للعادة أن يخاف منهم ولا يقدم على قتالهم لو لا أنهم كانوا محقين، وذلك

[399]

أن شجاعته وان كانت على ما ذكرت وأفضل، فلا تبلغ إلى أن يغلب جميع الخلق ويحارب سائر الناس وهو مع الشجاعة بشر يقوى ويضعف، ويخاف ويأمن، والتقية جايزة على البشر الذين يضعفون عن دفع المكروه عنهم. فان قيل: أليس الحسين (عليه السلام) أظهر النكير على بني امية من يزيد وغيره وكان يجب أن لا ينقص نكيره عن نكيره، ولم يكن فزعه من أبي بكر الا دون فزعه من يزيد. قيل: هذا بعيد من الصواب، لانا قد بينا الاسباب المانعة من النكير، وليس الخوف في تلك الحال كالخوف من يزيد وبني امية، وكيف يكون الخوف من مظهر للفسوق والخلاعة والمجانة، متهتك لا مسكة عنده، ولا شبهة في أن امامته ملك و غلبة، وأنه لا شرط من شرايط الامامة فيه، كالخوف من مقدم معظم جميل الظاهر يرى أكثر الامة أن الامامة له دونه، وأنها أدنى منازله، وما الجامع بين الامرين الا كالجامع بين الضدين. على أن القوم الذين امتنعوا من بيعة يزيد قد عرف ما جرى عليهم من القتل والمكروه فيه. على أن الحسين (عليه السلام) أظهر الخلاف لما وجد بعض الاعوان عليه، وطمع في معاونة من خذله وقعد عنه، ثم ان حاله آلت مع اجتهاده (عليه السلام) واجتهاد من اجتهد معه في نصرته إلى ما آلت إليه. وليس لاحد أن يقول إنه كان بعيدا من التقية لما انتهت الامامة إليه، و حين فاضل أهل البصرة وصفين، كان واجد الانصار، فكان يجب أن يظهر النكير وذلك أن كثيرا من التقية وإن كان زال في أيامه فقد بقي كثير منها لان أكثر من كان معه كان يعتقد امامة المتقدمين عليه، وأن إمامته ثبتت كما ثبتت إمامة من تقدم بالاختيار، فلاجل ذلك لم يتمكن من إظهار جميع ما في نفسه، ولم ينقض أحكام القوم، وأمر قضاته على أن يحكموا بما كانوا يحكمون، وقد بينا ذلك فيما تقدم على وجه لا يخفى على من أمعن النظر، وأنصف من نفسه.

[400]

فان قيل: لو جاز التقية مع فقد أسباب التقية لم نأمن في اكثر ما ظهر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكون على سبيل التقية. قيل: هذا باطل لانا قد بينا أن أسباب التقية كانت ظاهرة لم تكن مفقودة فأما الرسول (صلى الله عليه وآله) فانما لم تجز التقية عليه لان الشريعة لا تعرف إلا من جهته ولا يوصل إليها إلا بقوله، فمتى جازت التقية عليه، لم يكن لنا إلى العلم بما كلفناه طريق، وليس العلم بأن الامام منصوص عليه موقوفا على قول الامام، ولا يعلم إلا من جهته حتى يكون تقيته دافعة لطريق العلم، فبان الفرق بين الامرين (1). ثم يقال له (2): وقد كان فيمن أنكر وامتنع من البيعة، مثل خالد بن سعيد بن العاص (3) وسلمان، وقوله " كرديد ونكرديد " (4) ومثل أبي ذر وعمار والمقداد


(1) تلخيص الشافي 87، الشافي 400، وفيهما بعد ذلك أسولة وأجوبة أضرب عنها المؤلف، لعدم التناسب بالمقام كثيرا. (2) تلخيص الشافي: 91، الشافي 401. (3) راجع ص 192، وأضف إلى ذلك ما رواه اليعقوبي في تاريخه 2 / 116 قال: " وكان خالد غائبا فأتى عليا فقال: هلم أبايعك، فو الله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك ". وروى الجوهرى بالاسناد، عن مكحول ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) استعمل خالد بن سعيد بن العاص على عمل [يعنى صنعاء] فقدم بعد ما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد بايع الناس أبا بكر فدعاه إلى البيعة فأبى، فقال عمر: دعني واياه، فمنعه أبو بكر حتى مضت عليه سنة، ثم مر به أبو بكر وهو جالس على بابه، فناداه خالد يا أبا بكر هل لك في البيعة قال: نعم قال: فادن فدنا منه فبايعه خالد وهو قاعد على بابه " أخرجه ابن أبى الحديد في شرح النهج 2 / 17، وروى مثله البلاذرى في أنساب الاشراف 1 / 588 عن المدائني وفيه: فقال أبو بكر ما رأيك في البيعة ؟ قال: أبايع، فأتاه أبو بكر فأدخله الدار وبايعه، قال: وقال غير المدائني: بايع خالد أبا بكر بعد شهرين. (4) راجع ص 193 - 194 وما بعده (*).

[401]

وغيرهم، وأقوالهم في ذلك معروفة. فان قالوا: كل هؤلاء بايعوا وتولوا الامور من قبله، ومن قبل غيره، فلم يبق منهم خلاف. قيل: نحن نسلم أنهم بايعوا، فمن أين أنهم رضوا به، لانا قد بينا في ذلك ما فيه مقنع، وإذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مع عظم قدره وعلو منزلته قد ألجأته الحال إلى البيعة، فأولى أن تلجئ غيره ممن لا يدانيه في أفعاله. فان قيل المروى عن سلمان أنه قال " كرديد ونكرديد " وليس بمقطوع به، قلنا إن كان خبر السقيفة وشرح ما جرى فيها من الاقوال والافعال مقطوعا به، فقول سلمان مقطوع به، لان كل من روى السقيفة رواه، وليس هذا مما يختص الشيعة بنقله فيتهمونهم فيه، وليس لهم أن يقولوا كيف خاطبهم بالفارسية وهم عرب وإن كان فيهم من فهم الفارسية لا يكون إلا آحادا لا يجب قبول قولهم، وذلك أن سلمان وإن تكلم بالفارسية، فقد فسره بقوله أصبتم وأخطأتم أصبتم سنة الاولين، وأخطأتم أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقوله أما والله لو وضعتموها حيث وضعها الله لاكلتم من فوق رؤسكم وتحت أرجلكم رغدا، أما والله حيث عدلتم بها عن أهل بيت نبيكم ليطمعن فيها الطلقاء وأبناء الطلقا حتى روي عن ابن عمر أنه قال: ما أبغضت أحدا كبغضي سلمان يوم قال هذا القول، وإنى قلت يريد شق عصا المسلمين ووقوع الخلاف بينهم، ولا أحببت أحدا كحبي له يوم رأيت مروان بن الحكم على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: رحم الله سلمان، لقد طمع فيه الطلقاء وأبناء الطلقاء (1) وغير ذلك من الالفاظ المنقولة عنه. وقد يجوز أن يجمع في إنكاره بين الفارسية والعربية، ليفهم إنكاره أهل اللغتين معا، فلم يخاطب على هذا العرب بالفارسية فأما قول السائل إن راويه واحد من حيث لا يجوز أن يرويه إلا من فهم الفارسية فطريف لان الشئ قد يرويه من لا يعرف معناه، فلعل الناقلين لهذا الكلام كانوا جميعا أو كان أكثرهم لا يفهم معناه


(1) راجع ص 211 (*).

[402]

غير أنهم نقلوا ما سمعوا وفهم معناه من عرف اللغة أو أخبره عنه من يعرفها. فان قالوا قوله " كرديد ونكرديد " فيه تثبيت لامامته، قيل: هذا باطل لانه أراد بقوله " كرديد " فعلتم، وبقوله " نكرديد " لم تفعلوا، والمعنى أنكم عقدتم لمن لا يصلح للامر ولا يستحقه، وعدلتم عن المستحق، وهذه عادة الناس في إنكار ما يجرى على غير وجهه، لانهم يقولون " فعل فلان ولم يفعل " والمراد ما ذكرناه، وقد صرح سلمان ره بذلك في قوله أصبتم سنة الاولين وأخطاتم أهل بيت نبيكم وقد فسر بالعربية معنى كلامه. فان قالوا: أراد أصبتم الحق وأخطأتم المعدن لان عادة الفرس أن لا يزيل الملك عن أهل بيت الملك. قيل الذى يبطل هذا الكلام تفسير سلمان لكلام نفسه، فهو أعرف بمعناه، على أن سلمان رحمة الله عليه كان أتقى الله وأعرف به من أن يريد من المسلمين أن يسلكوا سنن الاكاسرة والجبابرة، ويعدلوا عما شرعه لهم نبيهم (صلى الله عليه وآله). فان قيل: فقد تولى سلمان لعمر المداين، فلو لا أنه كان راضيا بذلك لم يتول ذلك. قيل: ذلك أيضا محمول على التقية، وما اقتضى اظهار البيعة والرضا يقتضيه وليس لهم أن يقولوا: وأي تقية في الولايات، لانه غير ممتنع أن يعرض عليه هذه الولايات ليمتحن بها، ويغلب في ظنه أنه ان عدل عنها وأباها نسب إلى الخلاف واعتقدت فيه العداوة، ولم يأمن المكروه، وهذه حال توجب عليه أن يتولى ما عرض عليه، وكذلك الكلام في تولى عمار رحمة الله عليه الكوفة ونفوذ المقداد في بعوث القوم. على أنه يجوز عندنا تولى الامر من قبل من لا يستحقه إذا ظن أنه يقوم بما أمر الله تعالى، ويضع الاشياء في مواضعها من الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر ولعل القوم علموا ذلك أو ظنوه.

[403]

وأما أقوال أبي ذر - تصريحا وتلويحا - فمعروفة مذكورة وليس لهم أن يقولوا إنه روي عنه تعظيم القوم ومدحهم، وذلك أن ذلك يمكن أذا سلم حمله على التقية والخوف، كما قلناه فيما رووه عن أمير المؤمنين (عليه السلام). ثم يقال للمعتزلة: ما اعتبر تموه من الاجماع في إمامة أبي بكر يلزم عليه القول بامامة معاوية، لان الناس بعد صلح الحسن (عليه السلام) بين نفسين مظهر للرضا ببيعته، و بين كاف عن النكير، فيجب أن يكون ذلك دلالة على إمامته، وهم لا يقولون بها فأما أن يقولوا بذلك أو يتركوا الاعتماد على هذا الضرب من الاستدلال. فان قالوا: إن معاوية لم يصلح للامامة لما ظهر منه من الفسق نحو استلحاقه زيادا، وقتله حجرا وشقه العصا في أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومقاتلته إياه (1) إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، فلا يصح والحال هذه أن يدعى الاجماع لان الاجماع إنما يدعى فيما يصح، فأما ما لا يصح فلا يدعى فيه الاجماع، ولو ثبت الاجماع على ما قالوه لعلمنا أنه على سبيل القهر كما يقع من الملوك، على أنه قد صح واشتهر الخلاف في ذلك، بل ربما كانوا يظهرون الخلاف بحضرته فلا ينكره، وقد كان الحسن و الحسين (عليهما السلام) ومحمد بن علي وابن عباس وإخوته وغيرهم من قريش يظهرون ذمه والوقيعة فيه، فكيف يدعى الاجماع في ذلك، مع علمنا ضرورة من حال من ذكرناه أنه كان لا يقول بامامته ولا يدين بها. قيل هذا تعليل للنقص لانه إذا كان لا يصلح للامامة وقد وجدنا في الاتفاق عليه والكف عن منازعته ومخالفته ما وجدناه فيمن تقدم، فيجب إما أن يكون إماما أو أن تكون هذه الطريقة ليست مرضية في تصحيح الاجماع، وكل شئ يبين به أنه لا يصلح للامامة يؤكد الالزام، ويؤيده. وقول السائل: إن الاجماع إنما يدل على ثبوت ما يصح، صحيح إلا أنه كان يجب أن يبين أن الاجماع لم يقع هيهنا باعتبار يقتضي أن شروطه لم تتكامل، ولا يرجع - في أنه لم يقع مع تكامل شروطه وأسبابه - إلى أن المجمع عليه


(1) سيجئ الكلام فيها الاجزاء الاتية انشاء الله تعالى (*).

[404]

لا يصلح للامامة، لان ذلك مناقضة، وإن رضوا بهذا القول فالشيعة أيضا يقولون إن من تقدم على أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلح للامامة، والاجماع يجب أن يقع على ما يصح دون ما لا يصح، مثل ما قلتموه فأما ادعاء القهر والغلبة، فمما لا يقول لهم المخالف لهم في امامة معاوية بمثل ما قالوه لنا فيما تقدم " من أن القهر والغلبة لا بدلهما من أسباب تظهر وتنقل وتعلم، فلو كانت هناك غلبة لعلمها الناس كلهم على سواء " ومتى ادعوا شيئا مما نقل في هذا المعنى لم يلتفت إليه مخالفهم وقال لهم: لو كان ذلك صحيحا لنقل إلى وعلمته كما علمتموه، وقابلهم في هذا الموضع بمثل ما يقابلنا السائل في إمامة من تقدم، حذو النعل بالنعل، ولهذا يقول من ينسب إلى السنة منهم أن إبطال إمامة معاوية والوقيعة فيه طريق مهيج لاهل الرفض إلى القدح في امامة من تقدمه، وقولهم إن معاوية كالحلقة للباب، يريدون بذلك أن قرع الباب طريق لى الولوج وسبب للدخول. فأما ما ادعوه من اشتهار الخلاف من الحسن والحسين عليهم السلام وفلان وفلان، وأنهم كانوا يظهرون ذمه والوقيعة فيه، فيقال لهم: من أين علمتم هذا الذي ادعيتموه أبضرورة أم باستدلال، فان كان بالضرورة قلنا: وما بال علم الضرورة يخصك دون مخالفك [وهم أكثر عددا منك وآنس بالاخبار ونقلة الاثار، وليس جاز لك أن تدعى على مخالفك] في هذا الباب علم الضرورة، مع علمك بكثرة عددهم وتدين اكثرهم إلا وتجوزون للشيعة التي تخالفك في إمامة من تقدم أن تدعى الضرورة عليك في العلم بانكار أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهله وشيعته ظاهرا وباطنا على المتقدمين عليه، وأنه كان يتظلم ويتألم من سلب حقه، والدفع له عن مقامه، وهيهات أن يقع بين الامرين فصل. وإن قال: أعلم ذلك باستدلال. قلنا اذكر أي طريق شئت في تصحيح ما ادعيته من إنكار من سميته ووصفته حتى نبين بمثله صحة ما رويناه من الانكار على ما من تقدم، فانك لا تقدر إلا أن تروى أخبارا نقلتها أنت ومن وافقك، ويدفعها مخالفك، ويدعى أنها من رواية

[405]

أهل الرفض، ودسيس من قصده الطعن في السلف، ويقول فيمن يروى هذه الاخبار ويقبلها، أكثر مما تقول أنت وأصحابك فيمن يروى ما ذكرناه من الاخبار. على أن الظاهر الذي لا يمكن دفعه من القوم الذين أشاروا إليهم أنهم كانوا يفتخرون عليه بالنسب، وما جرى مجراه، وكانت تجرى بينهم مفاضلة ومفاخرة لا ذكر للامامة فيها، وما كان يكون ذلك إلا بتعرض من معاوية فانه كان رجلا عريضا يريد أن يتحدث عنه بالحلم، وكان دأبه أن يتحك (1) بمن يعلم أنه لا يحتمله حتى يصدر منه من الكلام ما يغضي عليه ويعرض عنه، فيكون ذلك داعيا إلى وصفه بالحلم، وما كان في جميع من ذكره ممن كان يقابله بغليظ الكلام وشديده إلا من يخاطبه بامرة المؤمنين في الحال، ويأخذ عطاءه، ويتعرض لجوايزه ونوافله فأي انكار كان مع ما ذكرناه. ومما يعارض جميع من خالفنا إجماعهم على قتل عثمان، لان الناس كانوا بين فريقين أحدهما المؤلب عليه والمتولي لمغالبته ومطالبته بالخلع، حتى أدى ذلك إلى قتله، والاخر ممسك عنهم غير منكر عليهم، وذلك دال عندهم على الاجماع. فان قالوا: كيف يدعى الاجماع في هذا الباب، وقد حصل هناك أمران يمنعان من النكير: أحدهما أنه كان غلبة، والثانى ماكان من منع عثمان من القتال، فكيف يقابل ما قلناه، وقد ثبت أيضا بالنقل ما كان من أمير المؤمنين (عليه السلام) من الانكار حتى بعث الحسن والحسين عليهما السلام وقنبرا على ما روى في ذلك وكيف يدعى في ذلك الاجماع وعثمان نفسه مع شيعته وأقاربه خارجون منه. قيل: ليس الغلبة أكثر من استيلاء الجمع الكثير الذين يخشى سطوتهم، ويخاف بادرتهم، وهذه كانت حال من عقد الامامة لابي بكر، لان أكثر الامة تولاها، ومال إليها، واعتقد أنها السنة، وما يخالفها البدعة، فأي غلبة أوضح مما ذكرناه


(1) العريض: من يتعرض للناس بالشر، ويقال: فلان يتحكك بك أي يتحرش بك ويتعرض لشرك (*).

[406]

وكيف يدعى الغلبة في قتل عثمان وعندهم أن الذين تولوا قتله وباشروا حربه نفر من أهل مصر التف إليهم قوم من أوباش المدينة ممن يريد الفتنة ويكره الجماعة و أن أكابر المسلمين ووجوه الصحابة والمهاجرين، وهم أكثر أهل المدينة، وعليهم مدار أمرها، وبهم يتم الحل والعقد فيها، كانوا لذلك كارهين، على من أتاه منكرين، فأي غلبة يكون من القليل على الكثير، والصغير على الكبير، لو لا أن أصحابنا يدفعون الكلام في الامامة بما يسنح ويعرض من غير نكير في عواقبه ونتايجه. فأما منع عثمان من القتال، فعجيب وأي عذر في منع عثمان لمن قعد عن نصرته وخلا بينه وبين الباغين عليه، والنهي عن المنكر واجب، وكيف لم يمتنع من القتال لاجل منع عثمان منه من كان معه في الدار من أقاربه وعبيده، وهم له أطوع وبأن ينتهوا إلى أمره أولى، وكيف لم يطعه في المنع من المنكر والصبر على إيقاع الفتنة إلا المهاجرون والانصار، دون أهله وعبيده. وأما ذكره انكار أمير المؤمنين لذلك، وبعثه الحسن والحسين للنصرة والمعاونة فالمعروف أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان ينكر قتله ويبرء من ذلك في أقوال محفوظة معروفة، لان قتله منكر لا شك فيه ولم يكن لمن تولاه أن يقوم به، فأما حصره ومطالبته بخلع نفسه وتسليم من كان سبب الفتنة، ممن كان في جهته، فما يحفظ عن أمير المؤمنين في ذلك انكار، بل الظاهر أنه كان بذلك راضيا وبخلافه ساخطا و كيف لا يكون كذلك وهو الذي قام بأمره في الدفعة الاولى وتوسط حتى جرى الامر على إرادته بعد أن كاد يخرج الامر إلى ما خرج إليه في المرة الثانية، وضمن عنه لخصومه الاعتاب الجميل، فكان ذلك سببا لتهمته له (عليه السلام) ومشافهته بأنه لا يتهم سواه فمضى (عليه السلام) من فوره، وجلس في بيته، وأغلق بابه. فأما بعث الحسن والحسين فلا نعرفه في جملة ما يدعى، والذي كان يدعى أنه بعث الحسن (عليه السلام) وفي ذلك نظر ولو سلم لكان إما بعثه للمنع من الانتهاء بالرجل إلى القتل، أو لانهم كانوا حصروه ومنعوه الطعام والشراب، وفي داره حرم وأطفال

[407]

ومن لا تعلق له بهذا الامر، وهذا منكر يجب على مثل أمير المؤمنين (عليه السلام) دفعه، ولو كان أمير المؤمنين وطلحة والزبير وفلان وفلان كارهين لكل ما جرى، لما وقع شئ منه، ولكانوا متمكنين من دفعه باليد واللسان والسيف. فأما قول السائل وكيف يدعى الاجماع وعثمان وشيعته وأقاربه خارجون منه ؟ فطريف لانه إن لم يكن في هذا الاجماع إلا خروج عثمان عنه، فبازائه خروج سعد بن عبادة وولده وأهله من الاجماع على إمامة أبي بكر، ممن يقول خصومنا: إنا لا نعتد بهم إذا كان في مقابلته جميع الامة، فأما من كان معه في الدار، فلم يكن معه من أهله إلا ظاهر الفسق، عدو الله تعالى، كمروان بن الحكم وذويه ممن لا يعتبر بخروجه عن الاجماع لارتفاع الشبهة في أمره أو عبيد أوباش طغام لا يفرقون بين الحق و الباطل، ولا يكون خلاف مثلهم قادحا في الاجماع، وإذا بلغنا في هذا الباب إلى أن لا نجد منكرا من جميع الامة إلا عبيد عثمان والنفر من أقاربه الذين حصروا في الدار، فقد سهلت القضية، ولم يبق فيها شبهة. وليس لاحد أن يقول إن هذا طريق إلى ابطال الاجماع في كل موضع، و ذلك أنا قد بينا أن الامر على خلاف ما ظنوه، وأن الاجماع يثبت ويصح بطرق صحيحة ليست موجودة فيما ادعوه ولا طائل في اعادة ما مضى (1). انتهى ملخص تلخيصه قدس سره، وكلام أصحابنا في هذا الباب كثير لا يناسب ذكره في هذا الكتاب، وفيما أوردنا كفاية لاولي الالباب. تكملة إذا عرفت أن ما ادعوه من الاجماع الذى هو عمدة الدليل على إمامة إمامهم لم يثبت بما أوردوه في ذلك من الاخبار، نرجع ونقول: نثبت بتلك الاخبار التي أوردوها لاثبات ذلك عدم استحقاقهم للامامة، بل كفرهم ونفاقهم (2) ووجوب


(1) الشافي: 403، تلخيص الشافي 3 / 101. (2) المراد بالكفر هو معناه اللغوى بمعنى اخفاء الحق وكراهة التسليم له، والا لم يذكر - رضوان الله عليه - بعده النفاق: وأول من جبههم بذلك ابن عباس على ما ذكره =

[408]

لعنهم إذ تبين بالمتفق عليه من أخبارهم وأخبارنا أن عمرهم باحراق بيت فاطمة (عليها السلام) بأمر أبي بكر أو برضاه، وقد كان فيه امير المؤمنين وفاطمة والحسنان صلوات الله عليهم و


= الطبري في تاريخه 4 / 223، وأورده الشارح الحميدى في شرحه 3 / 107 برواية اخرى واللفظ للاول والزيادات بين العلامتين للثاني، قال: " بينا عمر بن الخطاب وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان أشعر، وقال بعضهم فلان أشعر، قال: فأقبلت فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها، فقال عمر: من شاعر الشعراء يا ابن عباس ؟ قال: فقلت زهير بن أبي سلمي، فقال عمر: هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت، فقلت: امتدح قوما من بنى عبد الله بن غطفان، فقال: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا قوم أبوهم سنان حين تنسبهم * طابوا وطاب من الاولاد ما ولدوا انس إذا أمنوا جن إذا فزعوا * مرزؤن بها ليل إذا حشدوا محسدون على ماكان من نعم * لا ينزع الله منهم ماله حسدوا فقال عمر: أحسن ! وما أعلم أحدا اولى بهذا الشعر من هذا الحى من بنى هاشم لفضل رسول الله وقرابتهم منه، فقلت: وفقت يا أمير المؤمنين ولم تزل موفقا، قال: يا ابن عباس ! ما منع قومكم منهم بعد محمد ؟ فكرهت أن أجيبه فقلت: ان لم أكن أدرى فأمير المؤمنين يدرينى، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لانفسنا فأصابت ووفقت. فقلت: يا أمير المؤمنين - ان تأذن لى في الكلام وتمط عنى الغضب تكلمت، فقال: تكلم يا ابن عباس، فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت [فان الله تعالى يقول: " وربك يخلق ما يشاء ويختار ماكان لهم الخيرة " وقد علمت يا أمير المؤمنين أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار] فلو أن قريشا اختارت لانفسها حيث اختار الله عزوجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك: انهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فان الله عزوجل وصف قوما بالكراهية فقال: " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ".

[409]

هددهم وآذاهم مع أن رفعة شأنهم عند الله وعند رسوله (صلى الله عليه وآله) مما لا ينكره إلا من خرج عن الاسلام، وقد استفاض في رواياتنا بل في رواياتهم أيضا أنه روع فاطمة


[وأما قولك انا كنا نجحف، فلو جحفنا بالخلافة لجحفنا بالقرابة ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذى قال الله تعالى: " وانك لعلى خلق عظيم " وقال له: " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين "]. فقال عمر: هيهات والله يا ابن عباس ! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرك عنها فتزيل منزلتك منى، فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين ؟ فان كانت حقا فما ينبغى أن تزيل منزلتي منك، وان كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه. فقال عمر: بلغني أنك تقول انما صرفوها عنا حسدا وظلما ؟ فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلما، فقد تبين للجاهل والحليم [وأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو]، وأما قولك: حسدا، فان ابليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون. فقال عمر: هيهات ! أبت والله قلوبكم يا بنى هاشم الا حسدا [حقدا] ما يحول، وضغثا وغشا ما يزول، فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين ! لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد [بالحقد] والغش، فان قلب رسول الله من قلوب بنى هاشم [وأما قولك حقدا فكيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره ؟] فقال عمر: اليك عنى يا ابن عباس ! فقلت: أفعل، فلما ذهبت لا قوم استحيى منى فقال: يا ابن عباس مكانك ! فوالله انى لراع لحقك، محب لما سرك، فقلت: يا أمير - المؤمنين ان لى عليك حقا وعلى كل مسلم، فمن حفظه فحظه أصاب ومن أضاعه فحظه أخطأ [ثم قام فمضى] فقال عمر لجلسائه: واها لابن عباس ما رأيته لاحا أحدا قط الا خصمه. فكما ترى، وقد اعترف به عمر، قد لاحاه وخصمه وجبهه بأنه غاصب لحق أهل البيت ظالم لهم وأنه ما رضى باختيار الله عزوجل حيث اختار بنى عبد المطلب على غيرهم ثم اختار منهم عليا علما هاديا، بل رد اختيار الله واختار لقريش من اختار. بل جبهه بالكفر حيث استشهد بقوله عزوجل " ذلك بانهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط =

[410]

حتى ألقت ما في بطنها وقد سبق في الروايات المتواترة وسيأتي أن إيذاءها صلوات الله عليها ايذاء للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وآذيا عليا (عليه السلام) وقد تواتر في روايات الفريقين قول النبي (صلى الله عليه وآله) من آذى عليا فقد آذاني (1) وقد قال الله تعالى " إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا (2) " وهل يجوز عاقل خلافة من كان هذا حاله ومآله.


= أعمالهم " ومعلوم أن " ذلك " اشارة إلى ما في الاية قبلها " والذين كفروا فتعسا لهم و أضل أعمالهم: ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم " ولعل ابن عباس ذكر الايتين كملا وأسقطها الرواة. (1) راجع ج 39 ص 330 - 334 الباب 89 من تاريخ مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وان شئت راجع مسند ابن حنبل 3 / 483 فقد روى بالاسناد إلى عمرو بن شاس قال: خرجت مع على إلى اليمن فجفاني في سفري ذلك حتى وجدت في نفسي عليه، فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد حتى بلغ ذلك رسول الله فدخلت المسجد ذات غدوة ورسول الله في ناس من أصحابه، فلم رأني أبدنى عينيه - يقول حدد إلى النظر - حتى إذا جلست قال: يا عمرو والله لقد آذيتنى، قلت: أعوذ بالله أن أوذيك يا رسول الله، قال: بلى من آذى عليا فقد آذانى. ترى الحديث في المستدرك 3 / 122، البداية والنهاية 7 / 346 مجمع الزوائد 9 / 129، منتخب كنز العمال 5 / 32. وروى الحاكم في مستدركه 3 / 122 أيضا عن ابن أبى مليكة قال: جاء رجل من أهل الشام فسب عليا عند ابن عباس فقال: يا عدو الله آذيت رسول الله " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة واعد لهم عذابا مهينا " لو كان رسول الله حيا لا ذينه. وفى الباب روايات أخر، راجعها ومصادرها في ذيل الاحقاق 6 / 380 - 394. للعلامة المرعشي دام ظله. (2) الاحزاب 57.

[411]

وأجاب عن ذلك قاضي القضاة بأنا لا نصدق ذلك ولا نجوزه، ولو صح لم يكن طعنا على عمر لان له أن يهدد من امتنع من المبايعة ارادة للخلاف على المسلمين لكنه غير ثابت لان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد بايع، وكذلك الزبير والمقداد و الجماعة، وقد بينا أن التمسك بما تواتر به الخبر من بيعتهم أولى من هذه الروايات الشاذة. ورد عليه السيد رضي الله عنه في الشافي أولا بأن خبر الاحراق قد رواه غير الشيعة ممن لا يتهم على القوم، وأن دفع الروايات من غير حجة لا يجدي شيئا فروى البلاذري وحاله في الثقة عند العامة والبعد عن مقاربة الشيعة، والضبط لما يرويه معروفة، عن المدايني عن سلمة بن محارب عن سليمان التيمي عن ابن عون أن أبا بكر أرسل إلى على (عليه السلام) يريده على البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قبس فلقيته فاطمة (عليها السلام) على الباب فقالت: يابن الخطاب أتراك محرقا على داري ؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك، وجاء على (عليه السلام) فبايع (1). وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة، وإنما الطريف أن يرويه شيوخ محدثي العامة. وروى إبراهيم بن سعيد الثقفى باسناده عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: والله ما بايع علي (عليه السلام) حتى رأى الدخان قد دخل بيته (2). وثانيا بأن ما أعتذر به من حديث الاحراق إذا صح، طريف وأي عذر لمن أراد أن يحرق على أمير المؤمنين وفاطمة (عليها السلام) منزلهما، وهل يكون في ذلك علة تصغي إليه، وانما يكون مخالفا للمسلمين، وخارقا لا جماعهم، إذا كان الاجماع قد تقرر وثبت، وانما يصح لهم الاجماع متى كان أمير المؤمنين ومن قعد عن البيعة ممن انحاز إلى بيت فاطمة عليها السلام داخلا فيه وغير خارج عنه، وأى اجماع يصح مع خلاف امير المؤمنين (عليه السلام) وحده فضلا عن أن يتابعه غيره، وهذه زلته من صاحب


(1 - 2) قد مر آنفا ص 389 (*).

[412]

المغنى وممن حكي احتجاجه. وبعد فلا فرق بين أن يهدد بالاحراق للعلة التي ذكرها وبين ضرب فاطمة (عليها السلام) لمثل هذه العلة، فان احراق المنازل أعظم من ضربها، وما يحسن الكبير بمن أراد الخلاف على المسلمين أولى بأن يحسن الصغير، فلا وجه لا متعاض صاحب الكتاب من ضربها بالسوط وتكذيب ناقله، واعتذاره في غيره بمثل هذا الاعتذار (1).


(1) الشافي: 241، 240 تلخيص الشافي 3 / 156 - 157 ونقله في شرح النهج 4 / 105 تم بحمد الله وحسن توفيقه اخراج هذا الجزء من البحار وتوشيحه بالتعاليق والحواشي وروى إبراهيم بن سعيد الثقفى باسناده عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: والله ما بايع علي (عليه السلام) حتى رأى الدخان قد دخل بيته (2). وثانيا بأن ما أعتذر به من حديث الاحراق إذا صح، طريف وأي عذر لمن أراد أن يحرق على أمير المؤمنين وفاطمة (عليها السلام) منزلهما، وهل يكون في ذلك علة تصغي إليه، وانما يكون مخالفا للمسلمين، وخارقا لا جماعهم، إذا كان الاجماع قد تقرر وثبت، وانما يصح لهم الاجماع متى كان أمير المؤمنين ومن قعد عن البيعة ممن انحاز إلى بيت فاطمة عليها السلام داخلا فيه وغير خارج عنه، وأى اجماع يصح مع خلاف امير المؤمنين (عليه السلام) وحده فضلا عن أن يتابعه غيره، وهذه زلته من صاحب

(1 - 2) قد مر آنفا ص 389 (*).

[412]

المغنى وممن حكي احتجاجه. وبعد فلا فرق بين أن يهدد بالاحراق للعلة التي ذكرها وبين ضرب فاطمة (عليها السلام) لمثل هذه العلة، فان احراق المنازل أعظم من ضربها، وما يحسن الكبير بمن أراد الخلاف على المسلمين أولى بأن يحسن الصغير، فلا وجه لا متعاض صاحب الكتاب من ضربها بالسوط وتكذيب ناقله، واعتذاره في غيره بمثل هذا الاعتذار (1).


(1) الشافي: 241، 240 تلخيص الشافي 3 / 156 - 157 ونقله في شرح النهج 4 / 105 تم بحمد الله وحسن توفيقه اخراج هذا الجزء من البحار وتوشيحه بالتعاليق والحواشي التى يسرها الله توضيحا وتأييدا في هذه العجالة بعد تحقيق النصوص وتخريجها عن مصادرها والله ولى التوفيق. محمد الباقر البهبودى ذو الحجة الحرام 1392 (*). -

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية