الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 22

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 22


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسيى (قدس الله سره) الجزء الثاني والعشرون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍. 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف: 386868 بسم الله الرحمن الرحيم { 37 باب } * (ما جرى بينه وبين أهل الكتاب والمشركين بعد الهجرة، وفيه) * * (نوادر أخباره وأحوال أصحابه صلى الله عليه وآله زائدا) * * (على ما تقدم في باب المبعث وكتاب الاحتجاج) * * (وما سيأتي في الابواب الاتية) * الآيات: البقرة " 2 ": ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم " 105 ". وقال تعالى: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير " 109 ". وقال سبحانه: إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا اولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم * اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار * ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد * 174 - 176. وقال تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث

[2]

والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد " 204 - 206 ". وقال تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " 256 ". آل عمران " 3 ": كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين * اولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم * إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم واولئك هم الضالون " 86 - 90 ". وقال تعالى: ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون * لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون * ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلى بحبل من الله وحبل من الناس وباؤا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الانبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * ليسوا سواء من أهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واولئك من الصالحين " 110 - 114 " وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواهم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور * إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط " 118 - 120 ". وقال تعالى: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم وما انزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا اولئك لهم أجرهم عند ربهم

[3]

إن الله سريع الحساب " 199 ". النساء " 4 ": ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة و يريدون أن تضلوا السبيل * والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا * من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعة ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا " 44 - 46 ". وقال تعالى: م فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما * ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلا منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما " 65 - 68 ". إلى قوله: ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " 81 ". وقال تعالى: وما كان المؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ. إلى قوله: وكان الله عليما حكيما " 92 ". وقال تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا إلى قوله: عظيما " 93 ". وقال تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق التحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائبين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذا يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا * أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيمة أم من يكون عليهم وكيلا * ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله

[4]

غفورا رحيما * ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب حطيئة أو إثما ثم يرم به برئيا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا * ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما * لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما * ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم وساءت مصيرا " 105 - 115 ". وقال تعالى: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا * بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " 137 - 139 ". إلى قوله تعالى: إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا * الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيمة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " 141 ". المائدة " 5 ": يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن اوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم * سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين * وكيف يحكمونك وعندهم التوارة فيها حكم الله يتولون من بعد وما اولئك بالمؤمنين * إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلوا

[5]

للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون " 41 - 44 ". إلى قوله تعالى: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون * وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون * أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " 48 - 50 ". وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون * قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل من قبل وإن أكثركم فاسقون * قل هل انبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت اولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل * وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون * وترى كثيرا منهم يسارعون في الاثم و العدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون * لو لا ينهاهم الربانيون والاخبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون " 57 - 63 ". وقال تعالى: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الارض فسادا والله لا يحب المفسدين " 64 ". إلى قوله تعالى: منهم امة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون " 66 ".

[6]

إلى قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والانجيل وما انزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما انزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين " 68 ". وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم و إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم عفا الله عنها والله غفور حليم * قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين " 101 و 102 ". وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين * فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين * ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين " 106 - 108 ". الانعام " 6 ": ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين * وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين * وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سواء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم " 52 - 54 ". وقال تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحي إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " 93 ". الاعراف " 7 ": واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه

[7]

فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون " 175 و 176 ". الانفال " 8 ": يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون * واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم " 28 ". وقال تعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الاولين * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير * وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى. ونعم النصير " 40 ". التوبة " 9 ": ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر اولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون * إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى اولئك أن يكونوا من المهتدين * أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله واولئك هم الفائزون " 17 - 20 ". وقال تعالى: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " 32 ". وقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله " 34 ". وقال تعالى: إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين " 37 ".

[8]

وقال سبحانه: ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن اعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون * ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون " 58 و 59 ". وقال تعالى: ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم * يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين * ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم " 61 - 63 ". إلى قوله تعالى: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون * وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم * كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا اولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة واولئك هم الخاسرون * ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وثوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " 67 - 70 ". إلى قوله تعالى: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة و ما لهم في الارض من ولي ولا نصير * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون * ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب * الذين يلمزون

[9]

المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم * استغفر لهم أو لا يستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين " 74 - 80 ". وقال تعالى: الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم * ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما و يتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم * ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم " 97 - 99 ". وقال تعالى: وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم * وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم " 101 و 102 ". إلى قوله تعالى: وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليهم حكيم " 109 ". وقال سبحانه: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم " 113 " إلى قوله تعالى: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون " 115 ". إلى قوله تعالى: وإذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون * أولا يرون أنهم يفتنون في كل عامر مرة أو مرتين ثم لا يتوبوا ولا هم يذكرون * وإذا ما انزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون " 124 - 127 ".

[10]

هود " 11 ": ألا إنهم يثنون صدورهم لستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور " 5 ". الرعد " 13 ": والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما انزل إليك ومن الاحزاب من ينكر بعضه قل إنما امرت أن أ عبد الله ولا اشرك به إليه أدعو وإليه مآب " 36 ". الكهف " 18 ": واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيوة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا * وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " 28 ". النور " 24 ": والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. الآيات. وقال تعالى: ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما اولئك بالمؤمنين * وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل اولئك هم الظالمون * إنما كان قول المؤمنين إذا رعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا و اولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فاولئك هم الفائزون * وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون " 47 - 53 ". القصص " 28 ": الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * اولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا " 52 - 54 ". العنكبوت " 29 ": الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * " 1 و 2 ".

[11]

إلى قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا اوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين * وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين " 11 ". لقمان " 31 ": وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور " 32 ". الاحزاب " 33 ": يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما * واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا * وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا * ما جعل الله رجل من قلبين في جوفه " 1 - 4 ". وقال تعالى: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا " 62 60 ". سبا " 34 ": وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه " 31 ". الاحقاف " 46 ": قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم " 11 و 12 ". محمد " 47 ": ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين اوتوا العلم ماذا قال آنفا اولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم " 16 ". إلى قوله تعالى: ويقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة فإذا انزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم * فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم *

[12]

اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم * أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهم * إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الامر والله يعلم إسرارهم * فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم * أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم * ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " 16 - 31 ". وقال تعالى: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " 38 ". الحجرات " 49 ": يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين * واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان اولئك هم الراشدون * فضلا من الله و نعمة والله عليم حكيم * وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنا المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون * يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكون خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون * يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم * يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و انثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير * قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان

[13]

في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله ولا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم " 6 - 14 ". النجم " 53 ": أفرأيت الذي تولى * وأعطى قليلا وأكدى * أعندي علم الغيب فهو يرى * أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر اخرى * وأن ليس للانسان إلا ما سعى " 33 - 39 ". الحديد " 57 ": يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم * لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " 28 و 29 ". المجادلة " 58 ": قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاور كما إن الله سميع بصير " 2 ". وقال تعالى: ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون * أعد الله لهم لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون " 14 و 15 ". الممتحنة " 60 ": يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور " 13 ". الجمعة " 62 ": يا أيها الذين (1) هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين * قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " 6 - 8 ". وقال تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين " 11 ".


(1) الصحيح كما في المصحف الشريف: قل يا أيها الذين هادوا.

[14]

القلم " 68 ": وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكر للعالمين " 51 و 52 ". الليل " 92 ": فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى * و ما يغني عنه ماله إذا تردى " 5 - 11 " إلى آخر السورة. التكاثر " 102 ": ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر " 1 و 2 " إلى آخر السورة. تفسير: قوله تعالى: " أن ينزل عليكم من خير من ربكم " قال الطبرسي رحمه الله: الخير الذي تمنوا أن لا ينزله الله عليهم ما أوحى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) وأنزل عليه من القرآن والشرائع بغيا منهم وحسدا " والله يختص برحمته من يشاء " روي عن أمير المؤمنين وأبي جعفر الباقر (عليهما السلام) أن المراد برحمته هيهنا النبوة (1). " ود كثير من أهل الكتاب " نزلت في حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر بن أخطب، وقد دخلا على النبي (صلى الله عليه وآله) حين قدم المدينة، فلما خرجا قيل لحيي: هو نبي ؟ فقال: هو هو فقيل: ماله عندك ؟ قال: العداوة إلى الموت، وهو الذي نقض العهد وأثار الحرب يوم الاحزاب عن ابن عباس، وقيل: نزلت في كعب بن الاشرف عن الزهري، وقيل: في جماعة اليهود عن الحسن " فاعفوا واصفحوا " أي تجاوزوا عنهم، وقيل: أرسلوهم فإنهم لا يعجزون الله " حتى يأتي الله بأمره " أي بأمره لكم بعقابهم أو يعاقبهم هو على ذلك ثم أتاهم بأمره فقال: " قاتلوا الذين لا يؤمنون (2) الآية، وقيل: بأمره، أي بآية القتل والسبي لبني قريظة، و الاجلاء لبني النضير، وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم والآخر (3) " وقيل: نسخت بقوله " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم (4) "


(1) مجمع البيان 1: 179. (2 و 3) براءة: 30. (4) براءة: 5 وفيها: " فاقتلوا ".

[15]

وروي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: لم يؤمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقتال ولا اذن له فيه حتى نزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية " اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا (1) " وقلده سيفا (2). وقال في قوله تعالى: " إن الذين يكتمون " المعني بهذه الآية أهل الكتاب بإجماع المفسرين إلا أنها متوجهة على قول كثير منهم إلى جماعة من اليهود قليلة (3) وهم علماؤهم ككعب بن الاشرف وحيي بن أخطب وكعب بن اسيد. وكانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا، ويرجون كون النبي منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا زوال مأكلتهم (4) فغيروا صفته فأنزل الله هذه الآية " ما أنزل الله من الكتاب " أي صفة محمد والبشارة به " ويشترون به ثمنا قليلا " أي يستبدلون به عوضا (5) قليلا، أي كل ما يأخذونه في مقابلة ذلك فهو قليل " اولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار " أي يؤديهم ما يأكلونه إلى النار وقيل يأكلون النار حقيقة في جهنم " ولا يكلمهم الله يوم القيامة " بما يحبون أو لا يكلمهم أصلا لغاية الغضب، بل تكلمهم الملائكة من قبل الله تعالى " ولا يزكيهم " أي لا يثني عليهم، أولا يقبل أعمالهم، أو لا يطهرهم بالمغفرة. " ولهم عذاب أليم " أي مؤلم " اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى " أي استبدلوا الكفر بالنبي (صلى الله عليه وآله) بالايمان به " والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار " أي ما أجرأهم على النار، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (6) أو ما أعملهم بأعمال أهل النار، وهو المروي أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أو ما أبقاهم وأدومهم على النار، وعلى الوجوه ظاهر الكلام التعجب (7) " ذلك " أي الحكم النار، أو العذاب، أو الضلالة " بأن


(1) الحج: 39 (2) مجمع البيان 1: 185. (3) في المصدر: إلى جماعة قليلة من اليهود. (4) في المصدر: زوال مملكتهم (5) عرضا خ ل أقول يوجد ذلك في المصدر: (6) في المصدر: رواه على بن إبراهيم باسناده عن أبى عبد الله (عليه السلام). (7) زاد في المصدر: والتعجب لا يجوز على القديم سبحانه لانه عالم بجميع الاشياء لا يخفى عليه شئ، والتعجب انما يكون مما لا يعرف سببه، وإذا ثبت ذلك فالغرض ان يدلنا على ان الكفار حلوا محل من يتعجب منه فهو تعجيب لنا منهم.

[16]

الله نزل الكتاب " أي القرآن أو التوراة " بالحق وأن الذين اختلفوا في الكتاب " أي الكفار أجمع، أو أهل الكتاب لانهم حرفوا الكتاب وكتموا صفة النبي (صلى الله عليه وآله) " لفي شقاق بعيد " أي عن الالفية بالاجتماع على الصواب (1). قوله تعالى: " ومن الناس من يعجبك " يروقك ويعظم في نفسك: " قوله في الحياة الدنيا " أي ما يقوله في امور الدنيا، أو متعلق بيعجبك أي يعجبك قوله في الدنيا حلاوة وفصاحة لا في الآخرة " ويشهد الله على " أن " ما في قلبه " موافق لكلامه " وهو ألد الخصام " شديد العداوة والجدال للمسلمين، قيل: نزلت في الاخنس بن شريق الثقفي، وكان حسن المنظر، حلو المنطق يوالي رسول الله، و يدعي الاسلام، وقيل: في المنافقين كلهم " وإذا تولى " أدبر وانصرف عنك، و قيل: إذا غلب وصار واليا " سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل " كما فعله الاخنس بثقيف إذا بيتهم وأحرق زرعهم وأهلك مواشيهم، أو كما يفعله ولاة السوء بالقتل والاتلاف، أو بالظلم حتى يمنع الله بشومه القطر فيهلك الحرث والنسل " والله لا يحب الفساد " لا يرتضيه فاحذروا غضبه عليه " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم " حملته الانفة وحميته بالجاهلية على الاثم الذي يؤمر باتقائه لجاجا " فحسبه جهنم " كفته جزاء وعذابا " ولبئس المهاد " المهاد: الفراش، و قيل: ما يوطأ للجنب. قوله تعالى: " لا إكراه في الدين " قال الطبرسي رحمه الله: قيل نزلت في رجل من الانصار كان له غلام أسود يقال له: صبح (2) وكان يكرهه على الاسلام وقيل: في رجل من الانصار يدعا أبا الحصين، وكان له ابنان فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا إلى الشام، فأخبر أبو الحصين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله سبحانه " لا إكراه في الدين " فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أبعدهما الله هما أول من كفر فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي (صلى الله عليه وآله) حيث لم يبعث في طلبهما، فأنزل الله


(1) مجمع البيان 1: 258 - 260. (2) في المصدر: صبيح.

[17]

سبحانه " فلا وربك لا يؤمنون (1) " الآية، قال: وكان هذا قبل أن يؤمر النبي (صلى الله عليه وآله) بقتال أهل الكتاب، ثم نسخ وامر بقتال أهل الكتاب في السورة براءة عن السدي، وهكذا قال ابن مسعود ابن زيد: إنها منسوخة بآية السيف، وقال الباقون: هي محكمة (2). قوله تعالى: " كيف يهدي الله " قيل: نزلت الآيات في رجل من الانصار يقال له الحارث ابن (3) سويد بن الصامت وكان قتل المحذر بن زياد البلوي غدرا وهرب وارتد عن الاسلام، ولحق بمكة ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) هل من توبة ؟ قالوا: فنزلت الآيات إلى قوله: " إلا الذين تابوا " فحملها إليه رجل من قومه فقال: إني لاعلم أنك لصدوق، وأن رسول ا لله لاصدق منك، وأن الله تعالى أصدق الثلاثة، ورجع إلى المدينة وتاب وحسن إسلامه عن مجاهد والسدي، وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وقيل نزلت في أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالنبي (صلى الله عليه وآله) قبل مبعثه ثم كفروا بعد البعث حسدا وبغيا عن الحسن والجبائي وأبي مسلم (4). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إن الذين كفروا بعد إيمانهم " قيل: نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله قبل مبعثه، ثم كفروا به بعد مبعثه عن الحسن، وقيل: نزلت في اليهود كفروا بعيسى والانجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم و كتبهم، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) والقرآن عن قتادة وعطا، وقيل: نزلت في الاحد عشر من أصحاب الحارث ابن سويد لما رجع الحارث قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا، فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا، فنزلت فينا ما نزلت في الحارث، فلما فتح (5) رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكة دخل في الاسلام من دخل منهم فقبلت توبته فنزل فيمن مات منهم كافرا: " إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار " الآية.


(1) النساء: 64. (2) مجمع البيان 2: 363 و 364. (3) سهيل خ ل. (4) مجمع البيان 2: 471. (5) في المصدر، فينزل فينا ما نزل في الحارث، فلما افتتح.

[18]

قوله تعالى: " لن تقبل توبتهم " لانها لم تقع على وجه الاخلاص، ويدل عليه قوله: " واولئك هم الضالون " ولو حققوا التوبة لكانوا مهتدين، وقيل: لن تقبل توبتهم عند رؤية البأس إذ لم يؤمنوا إلا عند حضور الموت، وقيل: لانها أظهرت الاسلام تورية فأطلع الله رسوله (1) على سرائرهم عن ابن عباس (2). قوله تعالى: " لن يضروكم إلا أذى " قال الطبرسي رحمة الله: قال مقاتل: إن رؤس اليهود مثل كعب بن الاشرف وأبي رافع وأبي ناشر وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد الله بن سلام وأصحابه فأنبوهم على إسلامهم، فنزلت الآية. وقال في قوله تعالى: " ليسوا سواء " قيل: سبب نزول الآية أنه لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا، فأنزل الله جريح (3)، وقيل: إنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على عهد عيسى (عليه السلام) فصدقوا محمدا (صلى الله عليه وآله) عن عطا (4). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ": نزلت في رجال من المسلمين كانوا يواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من الصداقة و القرابة والجوار والحلف والرضاع عن ابن عباس: وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصادقون المنافقين ويخالطونهم عن مجاهد " بطانة " البطانة: خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره " من دونكم " من غير أهل ملتكم " لا يألونكم خبالا " أي لا يقصرون فيما يؤدي إلى فساد أمركم " والخبال ": الشر والفساد " ودوا ما عنتم " تمنوا إدخال المشقة عليكم أو إضلالكم عن دينكم " إن تمسسكم حسنة " أي نعمة من الله تعالى " وإن تصبكم سيئة " أي محنة وبلية (5). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " وإن من أهل الكتاب " أقول: قد مر سبب


(1) في المصدر: فاطلع الله ورسوله. (2) مجمع البيان 2: 471 و 472. (3) الصحيح كما في المصدر: اين جريج بالجيم في اخره ايضا. (4) مجمع البيان 2: 487 و 488. (5) مجمع البيان 2: 492 - 494.

[19]

نزولها في باب الهجرة إلى الحبشة. قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين اتوا نصيبا " قال الطبرسي رحمه الله: نزلت في رفاعة بن زيد بن سائب ومالك بن دخشم، كانا إذا تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لويا بلسانهما وعاباه عن ابن عباس (1). وقال البيضاوي في قوله تعالى " ويقولون سمعنا " أي قولك " وعصينا " أمرك " واسمع غير مسمع " أي مدعوا عليك بلا سمعة بصمم أو موت، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعوا إليه، أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه، أو اسمع كلاما غير مسمع إياك، لان اذنك تنبو عنه. فيكون مفعولا به، أو سمع غير مسمع مكروها من قولهم: أسمعه فلان: إذا سبه، وإنما قالوه نفاقا و " راعنا " انظرنا نكلمك أو نفهم كلامك " ليا بألسنتهم " فتلا بها وصرفا للكلام على ما يشبه السب حيث وضعوا راعنا المشابه لما يتسابون به موضع انظرنا، وغير مسمع موضع لا اسمعت (2) مكروها، أو فتلا بها وضماما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرون من السب والتحقير نفاقا " وطعنا في الدين " استهزاء به وسخرية (3). قوله تعالى: " فلا وربك لا يؤمنون " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: نزلت في الزبير ورجل من الانصار، خاصمة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شراج من الحرة كانا يسقيان بها النخل كلاهما، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) للزبير: اسق ثم أرسل إلى جارك فغضب الانصاري وقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لان كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال للزبير: اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر (4) واستوف حقك، ثم أرسل الماء إلى جارك، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشار على الزبير (5) برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما احفظ (6) رسول الله (صلى الله عليه وآله) استوعب للزبير حقه من صريح الحكم.


(1) مجمع البيان 3: 53 وفيه: السائب. (2) في المصدر: لا سمعت. (3) انوار التنزيل 1: 279. (4) الشرجة: مسيل الماء من الوادي. والجدر جمع جدار، وهو ما يرفع حول المزارع من التراب. (5) في المصدر: اشار إلى الزبير. (6) احفظه: أغضبه، وأحفظ، مجهولا أي غضب.

[20]

ويقال: إن الرجل كان حاطب بن أبي بلتعة. قال الراوي: ثم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء يا ابا بلتعة ؟ قال: قضى لابن عمته ولوى شدقه، ففطن لذلك يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء يزعمون أنه رسول (1)، ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا مرة واحدة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التوراة فقال: " اقتلوا أنفسكم (2) " ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا حتى رضي عنا، فقال ثابت ابن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق، ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت، فأنزل الله في حاطب بن أبي بلتعة وليه شدقة هذه الآية. " فيما شجر بينهم " أي فيما وقع بينهم من الخصومة، والتبس عليهم من أركان الشريعة (3) " حرجا " أي ضيقا بشك أو إثم. " إلا قليل منهم " قيل: إن القليل الذين (4) استثنى الله تعالى هو ثابت بن قيس، وقيل: هو جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا: والله لو أمرنا لفعلنا، و الحمد لله (5) الذي عافانا، ومنهم عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن من امتي رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي. " ويقولون طاعة " يعني به المنافقين، وقيل: المسلمين الذين حكى عنهم أنهم يخشون الناس كخشية الله (6). وقال البيضاوى: " طاعة " أي أمرنا طاعة، أو منا طاعة " فإذا برزوا " أي خرجوا " من عندك بيت طائفة " أي زورت خلاف ما قلت لها، أو ما قلت لك من القبول وضمان الطاعة (7). قوله تعالى: " وما كان المؤمن " قال الطبرسي رحمه الله: نزلت في عياش بن


(1) في المصدر: يزعمون انه رسول الله. (2) البقرة: 54. (3) في المصدر: والتبس عليهم من احكام الشريعة. (4) في المصدر: ان القليل الذى. (5) في المصدر: فالحمد لله. (6) مجمع البيان 3: 69 و 70 و 80. (7) انوار التنزيل 1: 290 (*)

[21]

أبي ربيعة المخزومي أخي أبي جهل لامه، لانه كان أسلم وقتل بعد إسلامه رجلا مسلما وهو لا يعلم بإسلامه (1) والمقتول الحارث بن يزيد أبو أنيسة (2) العامري عن مجاهد وعكرمة والسدي، قال: قتله بالحرة بعد الهجرة، وكان أحد (3) من رده عن الهجرة، وكان يعذب عياشا مع أبي جهل، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، وقيل: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كانوا (4) في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة فوجد رجلا من القوم في غنم له فحمل عليه بالسيف فقال: لا إله إلا الله، فبدر فضربه حتى جاء بغنمه إلى القوم (5) ثم وجد في نفسه شيئا، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فذكر له ذلك، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا شققت عن قلبه وقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه ؟ قال: كيف بي (6) يا رسول الله ؟ قال: فيكف بلا إله إلا الله ؟ قال أبو درداء: فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إيماني، فنزلت الآية عن ابن زيد (7). قوله تعالى: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا " قال رحمه الله: نزلت في مقيس (8) بن صبابة الكناني وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فأرسل معه قيس بن هلال الفهري وقال له: قل لبني النجار: إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ليقتص منه، وإن لم تعلموا فادفعوا إليه ديته، فبلغ الفهري الرسالة فأعطوه الدية، فلما انصرف ومعه الفهري وسوس إليه الشيطان فقال: ما صنعت شيئا، أخذت دية أخيك فيكون صبة ؟ ؟ عليك، اقتل الذي معك لتكون نفس بنفس، والدية فضل، فرماه بصخرة فقتله، وركب بعيرا ورجع إلى مكة كافرا وأنشد يقول:


(1) في المصدر: وهو لا يعلم اسلامه. (2) نبيشة خ ل. أقول: في المصدر: ابى نبشة، وفى اسد الغابة: الحارث بن يزيد بن آنسة، وقيل: انيسة. (3) في المصدر: وكان من احد (4) في المصدر: كان. (5) في المصدر: فبدر بضربة ثم جاء بغنمه إلى القوم. (6) كيف لى خ ل. (7) مجمع البيان 3: 90. (8) قيس خ ل: اقول: الصحيح: مقيس.

[22]

قتلت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع (1) فأدركت ثاري واضطجعت موسدا * وكنت إلى الاوثان أول راجع فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لا اؤمنه في حل ولا حرام، فقتل يوم الفتح، رواه الضحاك وجماعة من المفسرين (2). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ": نزلت في بني ابيرق كانوا ثلاثة إخوة: بشر وبشير ومبشر، وكان بشير يكنى أبا طعمة وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم يقول: قاله فلان، وكانوا أهل حاجة في الجاهلية والاسلام، فنقب أبو طعمة على علية رفاعة بن زيد وأخذ له طعاما وسيفا ودرعا، فشكى ذلك إلى ابن أخيه قتادة بن النعمان، وكان قتادة بدريا فتحسسا (3) في الدار وسألا أهل الدار في ذلك، فقال بنو ابيرق: والله ما صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجل ذو حسب ونسب، فأصلت عليهم لبيد بن سهل سيفه و خرج إليهم، وقال: يا بني ابيرق أترمونني بالسرقة وأنتم أولى به مني وأنتم المنافقون، تهجون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتنسبون ذلك إلى قريش ؟ لتبينن ذلك أو لاضعن سيفي فيكم، فداروه، وأتى قتادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل بيت سوء عدوا على عمي فخرقوا عليه له من ظهرها، وأصابوا له طعاما وسلاحا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انظروا في شأنكم، فلما سمع بذلك رجل من بطنهم الذي هم منه يقال له: أسيد بن عروة، جمع رجالا من أهل الدار، ثم انطلق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منالهم حسب ونسب وصلاح وأنبوهم بالقبيح، وقالوا لهم مالا ينبغي وانصرف، فلما أتى قتادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك ليكلمه جبهه رسول الله (صلى الله عليه وآله) جبها شديدا، وقال: عمدت إلى أهل بيت لهم حسب ونسب تؤنبهم بالقبيح وتقول مالا ينبغي ؟ قال: فقام


(1) وفى القاموس: الفارع حصن بالمدينة وقرية بوادي السراة قرب سايه وموضع بالطائف، وقال: السراة أعلى كل شئ وسراة مضافة إلى بجيلة وزهران وعنز - إلى قوله - مواضع معروفة، منه. (2) مجمع البيان 3: 29. (3) في المصدر: فتجسسا.

[23]

قتادة من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجع إلى عمه فقال: ليتني مت ولم أكن كلمت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد قال لي ما كرهت، فقال عمه رفاعة: الله المستعان، فنزلت الآيات: " إنا أنزلنا إليك الكتاب " إلى قوله: " إن الله لا يغفر أن يشرك به " فبلغ بشيرا ما نزل فيه من القرآن فهرب إلى مكة وارتد كافرا، فنزل على سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت امرأة من الاوس من بني عمرو بن عوف نكحت في بني عبدالدار، فهجاها حسان، فقال: وقد أنزلته بنت سعد وأصحبت * ينازعها جلد استها وتنازعه ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم * وفينا نبي عندنا الوحي واضعه فحملت رحله على رأسها وألقته في الابطح وقالت: ما كنت تأتيني بخير أهديت إلى شعر حسان، هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة وابن جريج (1)، إلا أن قتادة وعكرمة قالا: (2) إن بني ابيرق طرحوا ذلك على يهودي يقال له: زيد بن السمين (3) فجاء اليهودي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجاء بنو ابيرق إليه وكلموه أن يجادل عنهم، فهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يفعل وأن يعاقب اليهودي فنزلت الآية، وبه قال ابن عباس، وقال الضحاك: نزلت في رجل من الانصار استودع درعا فجحد صاحبها فخونه رجال من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغضب له قومه وقالوا: يا نبي الله خون صاحبنا وهو مسلم أمين، فعذره النبي (صلى الله عليه وآله) وذب عنه وهو يرى أنه برئ مكذوب عليه، فأنزل الله فيه الآيات، واختار الطبري هذا الوجه، قال: لان الخيانة إنما تكون في الوديعة لا في السرقة (4). قوله تعالى: " ولا تكن للخائنين " أي لاجلهم والذب عنهم. قوله: يختانون أنفسهم " أي يخونونها، فإن وبال خيانتهم يعود إليهم، أو جعل المعصية خيانة لهم. قوله تعالى: " إذ يبيتون " أي يدبرون ويزورون مالا يرضى من القول


(1) هكذا في نسخة المصنف وهو وهم والصحيح: ابن جريج. (2) في المصدر: الا ان عكرمة قال. (3) في المصدر: زيد بن السهين. (4) مجمع البيان 3: 105.

[24]

من رمي البرئ والحلف الكاذب وشهادة الزور. أقول: قد مر بعض الكلام في تلك الآيات في باب العصمة (1). قوله تعالى: " لا خير " قال الطبرسي قدس الله روحه: قيل: نزلت في بنى ابيرق، وقد مضت قصتهم عن أبي صالح عن ابن عباس، وقيل: نزلت في وفد ثقيف قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: يا محمد جئناك نبايعك على أن لا تكسر (2) أصنامنا بأيدينا، وعلى أن نتمتع باللات والعزى سنة (3) فلم يجبهم إلى ذلك، وعصمه الله منه، عن ابن عباس. وقال في قوله تعالى: " ومن يشاقق الرسول " قيل: نزلت في شأن ابن ابيرق سارق الدرع، ولما أنزل الله في تقريعه وتقريع قومه الآيات كفر وارتد ولحق بالمشركين من أهل مكة، ثم نقب حائطا للسرقة فوقع عليه الحائط فقتله، عن الحسن. وقيل: إنه خرج من مكة نحو الشام فنزل منزلا وسرق بعض المتاع و هرب فاخذ ورمي بالحجارة حتى قتل، عن الكلبي (4). قوله: " نوله ما تولى " أي نجعله واليا لما تولى من الضلالة، ونخلي بينه وبين ما اختاره. قوله تعالى: " إن الذين آمنوا ثم كفروا " قال الطبرسي رحمه الله: قيل في معناه أقوال: أحدها أنه عنى به أن الذين آمنوا بموسى (عليه السلام) ثم كفروا بعبادة العجل وغير ذلك " ثم آمنوا " يعني النصاري بعيسى (عليه السلام) " ثم كفروا " به " ثم ازدادوا كفرا " بمحمد (صلى الله عليه وآله) عن قتادة. وثانيها: أن المراد آمنوا بموسى (عليه السلام) ثم كفروا بعده، ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد (صلى الله عليه وآله) عن الزجاج والفراء. وثالثها: أنه عنى به طائفة من أهل الكتاب أرادوا تشكيك نفر من أصحاب


(1) راجع ج 17: ص 38 و 39 و 78 - 80. (2) في المصدر: على ان لا نكسر. (3) في المصدر: " وعلى ان نتمتع بالعزى سنة " ولم يذكر اللات. (4) مجمع البيان: 3: 109 و 110.

[25]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكانوا يظهرون الايمان بحضرتهم، ثم يقولون: قد عرضت لنا شبهة في أمره ونبوته، فيظهرون الكفر، ثم يظهرون الايمان، ثم يقولون: عرضت لنا شبهة اخرى فيكفرون، ثم ازدادوا الكفر عليه إلى الموت، عن الحسن، وذلك معنى قوله تعالى: " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (1) ". ورابعها: أن المراد به المنافقون آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على كفرهم، عن مجاهد وابن زيد، وقال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل منافق كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) في البحر والبر (2). قوله: " الذين يتربصون بكم " قال البيضاوي: أي ينتظرون وقوع أمر بكم " ألم نكن معكم " مظاهرين لكم فاسهموا لنا فيما غنمتم، أي (3) نصيب من الحرب " قالوا " أي للكفرة: " ألم نستحوذ عليكم " ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم " ونمنعكم من المؤمنين " بأن أخذلناهم (4) بتخييل ما ضعفت به قلوبهم و توانينا في مظاهرتهم فأشركونا فيما أصبتم (5). قوله تعالى: " يا أيها الرسول لا يحزنك " قال الطبرسي رحمه الله: قال الباقر (عليه السلام) وجماعة من المفسرين: إن امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم وهما محصنان، فكرهوا رجمهما فأرسلوا إلى يهود المدينة وكتبوا لهم أن يسألوا النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك طمعا في أن يأتي لهم برخصة، فانطلق قوم منهم كعب بن الاشرف وكعب بن اسيد وشعبة بن عمرو ومالك بن الضيف (6) وكنانة ابن أبي الحقيق وغيرهم فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزانية والزاني إذا احصنا ما حدهما ؟ فقال: وهل ترضون بقضائي في ذلك ؟ قالوا: نعم، فنزل جبرئيل (عليه السلام) بالرجم فأخبرهم بذلك، فأبوا أن يأخذوا به، فقال جبرئيل: اجعل بينك وبينهم


(1) آل عمران: 72. (29 مجمع البيان 3: 126. (3) في المصدر: فيما غنمتم " نصيب " من الحرب. (4) في المصدر: بان خذلناهم (5) انوار التنزيل 1: 311. (6) في المصدر: مالك بن الضيف.

[26]

ابن صوريا، وصفه له (1) فقال النبي (صلى الله عليه وآله): هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور سكن فدك (2) يقال له: ابن صوريا ؟ قالوا: نعم، قال: فأي رجل هو فيكم ؟ قالوا: أعلم يهودي على وجه الارض (3) بما أنزل الله على موسى، قال: فأرسلوا إليه ففعلوا فأتاهم عبد الله بن صوريا فقال له النبي: إني انشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، وفلق لكم البحر فأنجاكم، وأغرق آل فرعون وظلل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المن والسلوى، هل تجدون في كتابكم الرجم على من احصن ؟ قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني به، لولا خشية أن يحرقني رب التوراة أن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك، ولكن أخبرني كيف هي في كتابك يا محمد ؟ قال: إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم، فقال ابن صوريا: هكذا أنزل الله في التوراة على موسى، فقال له النبي: فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله ؟ قال: كنا إذا زنى الشريف تركناه، وإذا زنى الضعيف أقمنا عليه الحد، فكثر الزنى في أشرافنا حتى زنى ابن عم ملك لنا فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر فأراد رجمه (4) فقال له قومه: لا حتى ترجم فلانا، يعنون ابن عمه، فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الشريف والوضيع، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلدا أربعين جلدة ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين ويجعل وجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما، فجعلوا هذا مكان الرجم، فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به، وما كنت لما أثنينا عليك بأهل، ولكنك كنت غائبا فكر هنا أن نغتابك، فقال: إن أنشدني بالتوراة، ولولا ذلك لما أخبرته به، فأمر بهما النبي (صلى الله عليه وآله) فرجما عند باب مسجده، وقال: أنا أول من احيي أمرك إذا أماتوه فأنزل الله سبحانه فيه " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير " فقام ابن صوريا فوضع يديه على ركبتي رسول


(1) في المصدر: ووصفه له. (2) في المصدر: يسكن فدكا. (3) في المصدر: اعلم يهودى بقى على ظهر الارض. (4) في المصدر: فاراد الملك رجمه. (*)

[27]

الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: هذا مقام العائذ بالله وبك أن تذكر لنا الكثير الذي امرت أن تعفو عنه، فأعرض النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك ثم سأله ابن صوريا عن نومه، فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، فقال: صدقت، فأخبرني عن شبه الولد بأبيه ليس فيه من شبه امه شئ، أو بامه ليس فيه من شبه أبيه شئ، فقال: أيهما علا وسبق ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له، قال: صدقت، فأخبرني ما للرجل من الولد وما للمرأة منه ؟ قال: فأغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) طويلا ثم خلى عنه محمرا وجهه يفيض عرقا، فقال: اللحم و الدم والظفر والشعر (1) للمرأة، والعظم والعصب والعروق للرجل، قال له: صدقت أمرك أمر نبي، فأسلم ابن صوريا عند ذلك، وقال: يا محمد من يأتيك من الملائكة ؟ قال: جبرئيل، قال: صفة لي فوصفه له النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أشهد أنه في التوراة كما قلت، وأنك رسول الله حقا، فلما أسلم ابن صوريا وقعت فيه اليهود وشتموه، فلما أرادوا أن ينهضوا تعلقت بنو قريظة ببني النضير فقالوا: يا محمد إخواننا بنو النضير أبونا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، إذا قتلوا منا قتيلا لم يفدونا (2) وأعطونا ديته: سبعين وسقا من تمر، إذا قتلنا منهم قتيلا قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف: مائة وأربعين وسقا من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا، وبالرجل منهم الرجلين منا، وبالعبد الحر منا، وجراحاتنا على النصف من جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، فأنزل الله في الرجم والقصاص الآيات (3). قوله تعالى: " سماعون للكذب " قال البيضاوي: خبر محذوف، أي هم سماعون، والضمير للفريقين، أو للذين يسارعون، ويجوز أن يكون مبتدأ، و " من الذين " خبره. واللام في " للكذب " إما مزيدة، أو لتضمين (4) معنى القبول أي قابلون لما تفتريه الاحبار، أو للعلة، والمفعول محذوف، أي سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه " سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " أي لجمع آخر من اليهود لم -


(1) في المصدر: " الشحم " مكان " الشعر ". (2) في المصدر: لم يقد. (3) مجمع البيان 3: 193 و 194. (4) في المصدر: أو لتضمين السماع معنى القبول.

[28]

يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرا أو إفراطا في البغضاء، والمعنى على الوجهين أي مصغون لهم قابلون كلامهم، أو سماعون منك لاجلهم وللانهاء إليهم، ويجوز أن يتعلق اللام بالكذب، لان سماعون الثاني مكرر للتأكيد، أي سماعون ليكذبوا لقوم آخرين " يحرفون الكلم من بعد مواضعه " أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، إما لفظا بإهماله أو تغيير وصفه (1) وإما معنى بحمله على غير المراد، و إجرائه في غير مورده " يقولون إن اوتيتم هذا فخذوه " اي ان اوتيتم هذا المحرف فاقبلوه واعملوا به " وإن لم تؤتوه " بل أفتاكم محمد بخلافه " فاحذروا " أي فاحذروا قبول ما أفتاكم به " وكيف يحكمونك " تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق، وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم " ثم يتولون من بعد ذلك " ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد التحكيم " الذين أسلموا " صفة اجريت على النبيين مد حالهم، وتنويها بشأن المؤمنين وتعريضا باليهود " للذين هادوا " متعلق بأنزل أو بيحكم " بما استحفظوا " بسبب أمر الله إياهم بأن يحفظوا كتابه من التضييع والتحريف " وكانوا عليه شهداء " رقباء لا يتركون أن يغيروا أو يبينون ما يخفى منه كما فعل ابن صوريا " عما جاءك " أي منحرفا عما جاءك " شرعة " شريعة، وهي الطريقة إلى الماء، شبه بها الدين " ومنهاجا " وطريقا واضحا " امة واحدة " جماعة متفقة على دين واحد في جميع الاعصار من غير نسخ (2). قوله تعالى: " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " قال الطبرسي: إنما كرر سبحانه الامر بالحكم بينهم لامرين: أحدهما أنهما حكمان أمر بهما جميعا لانهم احتكموا إليه في زنى المحصن، ثم احتكموا إليه في قتيل كان بينهم، عن جماعة من المفسرين وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام). والثاني: أن الامر الاول مطلق، والثاني يدل على أنه منزل " واحذرهم


(1) في المصدر: أو تغيير وضعه. (2) انوار التنزيل 1: 338 و 339 و 341.

[29]

أن يفتنوك " فيه قولان: أحدهما: احذرهم أن يضلوك عن ذلك إلى ما يهوون من الاحكام بأن يطمعوك منهم في الاجابة إلى الاسلام عن ابن عباس. والثاني: احذرهم أن يضلوك بالكذب على التوراة أنه (1) ليس كذلك الحكم فيها فإني قد بينت لك حكمها (2). وقال البيضاوي: روي أن أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد (صلى الله عليه وآله) لعلنا نفتنه عن دينه، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود، وإن اتبعناك اتبعك اليهود كلهم، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فتحكم لنا عليهم، ونحن نؤمن بك و نصدقك، فأبى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فنزلت (3). " أفحكم الجاهلية يبغون " قيل: نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى (4). قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهر الاسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يواد ونهم فنزلت الآية، عن ابن عباس (5). وقال في قوله: " اتخذوها هزوا ولعبا ": قيل في معناه قولان: أحدهما أنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم، وتغامزوا على طريق السخف والمجون تجهيلا لاهلها، وتنفيرا للناس عنها وعن الداعي إليها، والآخر أنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب الهاذئ بفعلها، جهلا منهم بمنزلتها، قال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة فسمع المؤذن ينادي أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال حرق الكاذب، فدخلت خادمة له ليله بنار وهو


(1) في المصدر: لانه ليس كذلك. (2) مجمع البيان 3: 204. (3) في المصدر: فنزلت (فان تولوا) عن الحكم المنزل وارادوا غيره (فاعلم انما يريد الله ان يصيبهم ببعض ذنوبهم " ا ه‍. (4) انوار التنزيل 1: 341 و 342. (5) مجمع البيان: 3: 212 فيه: (يوادونها) وهو الصحيح.

[30]

نائم وأهله، فسقطت شررة فاحترق هو وأهله، واحترق البيت (1). قوله تعالى: " هل تنقمون منا " أي تنكرون منا وتعيبون " بشر من ذلك مثوبة " أي بشر مما نقمتم من إيماننا جزاء أي إن كان ذلك عندكم شرا فأنا اخبركم بشر منه عاقبة، أو بشر من الذين طعنتم عليهم من المسلمين على الانصاف في المخاصمة والمظاهرة في الحجاج " وعبد الطاغوت " عطف على قوله: " لعنه الله " وقال الفراء: تأويله ومن جعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت. " وإذا جاؤكم قالوا آمنا " قال البيضاوي: نزلت في يهود نافقوا رسول الله أو في عامة المنافقين " وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به " أي يخرجون من عندك كما دخلوا لا يؤثر فيهم ما سمعوا منك (2). قوله تعالى: " منهم امة مقتصدة " قال الطبرسي: أي من هؤلاء قوم معتدلون في العمل من غير غلو ولا تقصير، قال الجبائي: وهم الذين أسلموا منهم وتابعوا النبي (صلى الله عليه وآله) وهو المروي في تفسير أهل البيت، وقيل: يريد به النجاشي وأصحابه وقيل: إنهم قوم لم يناصبوا النبي (صلى الله عليه وآله) مناصبة هؤلاء، حكاه الزجاج، ويحتمل أن يكون أراد به من يقر منهم بأن المسيح عبد الله، ولا يدعي فيه الالهية (3). وقال في قوله: " لستم على شئ " قال ابن عباس: جاء جماعة من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا له: ألست تقر أن التوراة من عند الله ؟ قال: بلى، قالوا: فإنا نؤمن بها، ولا نؤمن بما عداها، فنزلت الآية (4). وفي قوله تعالى: " لا تسألوا عن أشياء " اختلف في نزولها فقيل: سأل الناس رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضبا خطيبا فقال: " سلوني فوالله لا تسألوني عن شئ إلا بينته لكم، فقام رجل من بنى سهم يقال له: عبد الله بن حذافة وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي ؟ فقال: أبوك حذافة بن قيس، فقام إليه رجل آخر فقال: يا رسول الله أين أبي ؟ فقال: في النار، فقام عمر وقبل رجل


(1) مجمع البيان 3: 213. (2) انوار التنزيل 1: 347. (3) مجمع البيان 3: 222. (4) مجمع البيان 3: 224.

[31]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إنا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حديثو عهد بجاهلية وشرك، فاعف عنا عفا الله عنك فسكن غضبه، فقال: أما والذي نفسي بيده لقد صورت لي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر عن الزهري وقتادة عن أنس، وقيل: كان قوم يسألون رسول الله (صلى الله عليه وآله) استهزاء مرة، وامتحانا مرة، فيقول له بعضهم: من أبي ؟ ويقول الآخر: أين أبي ؟ ويقول الآخر إذا ضلت ناقته: أين ناقتي ؟ فأنزل الله عزوجل هذه الآية عن ابن عباس، وقيل: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: " إن الله كتب عليكم الحج " فقام عكاشة بن محصن ويروى سراقة بن مالك فقال: أفي كل عام يا رسول الله ؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ويحك وما يؤمنك أن أقول: نعم ؟ والله ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم كفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه " عن علي ابن أبي طالب (عليه السلام) وأبي أمامة الباهلي، وقيل: نزلت حين سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي عن مجاهد (1). وفي قوله: " قد سألها قوم من قبلكم " فيه أقوال: أحدها أنهم قوم عيسى (عليه السلام) سألوه إنزال المائدة ثم كفروا بها عن ابن عباس. وثانيها: أنهم قوم صالح، وثالثها: قريش حين سألوا النبي (صلى الله عليه وآله) أن يحول الصفا ذهبا، ورابعا: أنهم كانوا سألوا النبي (صلى الله عليه وآله) عن مثل هذه الاشياء، يعني من أبي ؟ ونحوه، فلما أخبرهم بذلك قالوا: ليس الامر كذلك فكفروا به فيكون على هذا نهيا عن سؤال النبي (صلى الله عليه وآله) عن أنساب الجاهلية، لانهم لو سألوا عنها ربما ظهر الامر فيها على خلاف حكمهم، فيحملهم ذلك على تكذيبه، عن الجبائي (2). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " شهادة بينكم " سبب نزول هذه الآية أن ثلاثة نفر خرجوا من المدينة تجارا إلى الشام: تميم بن أوس الداري، وأخوه


(1) مجمع البيان 3: 250. (2) مجمع البيان 3: 251 و 252.

[32]

عدي وهما نصرانيان، وابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص السهمي وكان مسلما حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية فكتب وصية (1) بيده ودسها في حتاعه وأوصى إليهما ودفع المال إليهما، وقال: أبلغا هذا أهلي، فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما منه ثم رجعا بالمال إلى الورثة، فلما فتش القوم المال فقدوا بعض ما كان خرج به صاحبهم، فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيها تاما فكلموا تميما وصاحبه فقالا: لا علم لنابه، وما دفعه إلينا أبلغناه كما هو، فرفعوا أمرهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فنزلت الآية عن الواقدي عن اسامة بن زيد عن أبيه و عن جماعة المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قالوا: فلما نزلت الآية الاولى صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) العصر ودعا بتميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله ما قبضنا له غير هذا، ولا كتمناه، وخلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبيلهما ثم اطلع (2) على إناء من فضة منقوش بذهب معهما، فقالوا: هذا من متاعه، فقالا: اشتريناه منه، ونسينا أن نخبركم به، فرفعوا أمرهما إلى رسول ا لله (صلى الله عليه وآله) فنزل قوله: " فإن عثر على أنهما استحقا " إلى آخره، فقام رجلان من أولياء الميت أحدهما عمرو بن العاص والآخر المطلب بن أبي وداعة السهمي فحلفا بالله أنهما خانا وكذبا فدفع الاناء إليهما وإلى أولياء الميت، وكان ميت الداري بعد ما أسلم يقول: صدق الله وصدق رسوله، أنا أخذت الاناء، فأتوب إلى الله وأستغفره (3). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " روى الثعلبي بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملا من قريش على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ؟ أفنحن نكون تبعا لهم ؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم ؟ اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله تعالى: " ولا تطرد " إلى آخره، و قال سلمان وخباب: فينا نزلت هذه الآية، جاء الاقرع بن حابس التميمي وعيينة


(1) في المصدر: فكتب وصيته بيده (2) في المصدر: ثم اطلعوا. (3) مجمع البيان 3: 256 و 259.

[33]

ابن حصن الفزاري وذووهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي (صلى الله عليه وآله) قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين فحقروهم، فقالوا: يا رسول الله لو نحيت هؤلاء عنك حتى نخلو بك، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن يرونا مع هؤلاء الاعبد، ثم إذا انصرفنا فإن شئت فأعدهم إلى مجلسك، فأجابهم النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ذلك، فقالا له: اكتب لنا بهذا على نفسك كتابا، فدعا بصحيفة وأحضر عليا (عليه السلام) ليكتب، قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله: " ولا تطرد الذين يدعون " إلى قوله: " أليس الله بأعلم بالشاكرين " فنحى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصحيفة، وأقبل علينا ودنونا منه وهو يقول: كتب ربكم على نفسه الرحمة، فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: " واصبر نفسك مع الذين " الآية، قال: فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقعد معنا ويدنوا حتى كادت ركبتنا تمس ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم وقال لنا: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من امتي معكم المحيا، ومعكم الممات (1). قوله تعالى: " ما عليك من حسابهم من شئ " قال البيضاوي: أي ليس عليك حساب إيمانهم، فلعل إيمانهم عند الله كان أعظم من إيمان من تطردهم بسؤالهم طمعا في إيمانهم لو آمنوا، وليس عليك اعتبار بواطنهم، وقيل: ما عليك من حساب رزقهم، أي من فقرهم، وقيل: الضمير للمشركين، أي لا تؤاخذ بحسابهم ولاهم بحسابك حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد المؤمنين طمعا فيه " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " أي ومثل ذلك الفتن، وهو اختلاف أحوال الناس في أمر الدنيا " فتنا " أي ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الايمان (2). وقال الطبرسي في قوله تعالى: " وإذا جاءك الذين يؤمنون " اختلف فيمن


(1) مجمع البيان 4: 305. (2) انوار التنزيل 1: 380 و 381.

[34]

نزلت هذه الآية، فقيل: نزلت في الذين نهى الله عزوجل نبيه عن طردهم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: " الحمد لله الذي جعل في امتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام " عن عكرمة، وقيل: نزلت في جماعة من الصحابة، منهم حمزة وجعفر ومصعب بن عمير وعمار وغيرهم، عن عطاء، وقيل: نزلت في التائبين وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1). وقال في قوله تعالى: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحي إلي ": اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فقيل: نزلت في مسيلمة حيث ادعى النبوة إلى قوله: " ولم يوح إليه شئ " وقوله: " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فإنه كان يكتب الوحي النبي (صلى الله عليه وآله)، فكان إذا قال له: اكتب عليما حكيما، كتب غفورا رحيما، وإذا قال له: اكتب غفورا رحيما كتب عليما حكيما، وارتد ولحق بمكة، وقال: إني انزل مثل ما أنزل الله عن عكرمة وابن عباس ومجاهد والسدي، وإليه ذهب الفراء، والزجاج و الجبائي، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، وقال قوم: نزلت في ابن أبي سرح خاصة، وقال قوم: نزلت في مسيلمة خاصة " ومن قال سأنزل " قيل: المراد به عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أملى عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " إلى قوله: " ثم أنشأناه خلقا آخر " فجرى على لسان ابن أبي سرح: " فتبارك الله أحسن الخالقين " فأملاه عليه، وقال: هكذا انزل فارتد عدو الله، وقال: إن كان محمد صادقا فلقد اوحي إلي كما اوحي إليه، و لئن كان كاذبا فلقد قلت كما قال، وارتد عن الاسلام، وهدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) دمه فلما كان يوم الفتح جاء به عثمان وقد أخذ بيده ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسجد، فقال: يا رسول الله صلى الله اعف عنه، فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم أعاد فسكت، ثم أعاد فقال: هو لك، فلما مر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاصحابه، ألم أقل من رآه فليقتله ؟ فقال


(1) مجمع البيان 4: 307.

[35]

عبد الله بن بشر (1): كانت عيني إليك يا رسول الله أن تشير إلي فأقتله، فقال (صلى الله عليه وآله): الانبياء لا يقتلون بالاشارة (2). قوله تعالى " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا " قال الطبرسي نور الله ضريحه: اختلف في المعني به، فقيل: هو بلعام بن باعور (3) عن ابن عباس وابن مسعود وأبي حمزة الثمالي، قال أبو حمزة: وبلغنا أيضا والله أعلم أنه امية بن أبي الصلت الثقفي الشاعر، وروي ذلك عن جماعة، وكان قصته أنه قد قرأ الكتب و علم أنه سبحانه مرسل رسولا في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو ذلك الرسول فلما ارسل محمد (صلى الله عليه وآله) حسده ومر على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه، واستنشد رسول الله (صلى الله عليه وآله) اخته شعره بعد موته فأنشدته: لك الحمد والنعماء والفضل ربنا * ولا شئ أعلى منك جدا وأمجد مليك على عرش السماء مهيمن * لعزته تعنو الوجوه وتسجد وهي قصيد طويلة - حتى أتت على آخرها، ثم أنشدته قصيدته التي فيها: وقف الناس للحساب جميعا * فشقي معذب وسعيد والتي فيها: عند ذي العرش يعرضون عليه * يعلم الجهر والسرار الخفيا يوم يأتي الرحمن وهو رحيم * إنه كان وعده مأتيا رب إن تعف فالمعافاة ظني * أو تعاقب فلم تعاقب بريا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " آمن شعره وكفر قبله " وأنزل الله فيه قوله: " واتل عليهم " الآية.


(1) الصحيح كما في المصدر: عباد بن بشر (2) مجمع البيان 4: 335. (3) في المصدر: وكان رجلا على دين موسى (عليه السلام) وكان في المدينة التى قصدها موسى وكانوا كفارا، وكان عنده اسم الله الاعظم، وكان إذا دعا الله اجابه، وقيل: هو بلعم ابن باعورا من بنى هاب بن لوط.

[36]

وقيل: إنه أبو عامر النعمان بن صيفي الراهب الذي سماه النبي (صلى الله عليه وآله) الفاسق، كان قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، فقدم المدينة فقال للنبي (صلى الله عليه وآله): ما هذا الذي جئت به ؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال: فأنا عليها فقال (صلى الله عليه وآله): " لست عليها لكنك أدخلت فيها ما ليس منها " فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا، فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا السلاح، ثم أتى قيصر وأتى بجند ليخرج النبي (صلى الله عليه وآله) من المدينة، فمات بالشام طريدا وحيدا، عن سعيد بن المسيب، وقيل: المعني به منافقو أهل الكتاب الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي (صلى الله عليه وآله) كما يعرفون أبناءهم، وقال أبو جعفر (عليه السلام): الاصل في ذلك بلعم، ثم ضربه الله مثلا لكل مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة (1). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " لا تخونوا الله " قال عطا: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا، قال: فكتب إليه رجل من المنافقين: إن محمد يريدكم، فخذوا حذركم، فأنزل الله هذه الآية، وقال السدي: كانوا يسمعون الشئ من النبي (صلى الله عليه وآله) فيفشونه حتى يبلغ المشركين، و قال الكلبي والزهري: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الانصاري، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصلح على ما صالح إخوانهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحا لهم، لان عياله وولده وماله كانت عندهم فبعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاهم فقالوا: ما ترى يا أبا لبابة ؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه: إنه الذبح فلا تفعلوا، فأتاه جبرئيل فأخبره بذلك، قال أبو لبابة: فوالله مازالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، فنزلت الآية فيه، فلما نزلت شد


(1) مجمع البيان 4: 499 و 500.

[37]

نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: لا والله لا احل نفسي حتى يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يجزيك الثلث أن التصدق به، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) (1). وقال في قوله تعالى: " ما كان للمشركين أن يعمروا " أي بالدخول واللزوم أو باستصلاحها ورم ما استرم منها، أو بأن يكونوا من أهلها " مساجد الله " قيل: المراد به المسجد الحرام خاصة، وقيل: عامة في كل المساجد. أقول: سيأتي في كتاب أحوال أمير المؤمنين (عليه السلام) أن قوله تعالى: " أجعلتم سقاية الحاج " إلى آخر الآية نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) وعباس وطلحة بن شيبة حين افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت وبيدي مفتاحه، وقال عباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي (عليه السلام): ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فنزلت. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " يريدون " أي اليهود والنصارى " أن يطفئوا نور الله " وهو القرآن والاسلام أو الدلالة والبرهان. وفي قوله " بالباطل " أي يأخذون الرشا على الحكم " ويصدون عن سبيل الله " أي يمنعون غيرهم عن اتباع الاسلام (2). أقول: قد مر تفسير النسئ في باب ولادته (صلى الله عليه وآله). قوله تعالى: " ومنهم من يلمزك " قال الطبرسي: عن أبي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم قسما، وقال ابن عباس: كانت غنائم هوازن يوم


(1) مجمع البيان 4: 535 و 536. (2) مجمع البيان 5: 23 و 25 و 26.

[38]

حنين إذ جاءه ابن أبي الخويصرة (1) التميمي وهو حر قرص بن زهير أصل الخوارج فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " دعه فإن له أصحابا يحتقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر في رصافة فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر في نصله (2) فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود في إحدى ثدييه - أو قال: إحدى ثديه - (3) مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر يخرجون على فترة من الناس. وفي حديث آخر: فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم (4). فنزلت الآية، قال أبو سعيد الخدري: أشهد أني سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأشهد أن عليا (عليه السلام) حين قتلهم وأنا معه جئ بالرجل على النعت الذي نعته رسول الله (صلى الله عليه وآله)، رواه الثعلبي بالاسناد في تفسير، وقال الكلبي: نزلت في المؤلفة قلوبهم وهم المنافقون، قال رجل منهم يقال له: ابن الحواظ (5) لم تقسم بالسوية، فأنزل الله الآية، وقال الحسن: أتاه رجل وهو يقسم فقال: ألست تزعم أن الله أمرك أن تضع الصدقات في الفقراء والمساكين ؟ قال: بلى، قال: فما بالك تضعها في رعاة الغنم ؟ قال: إن نبي الله موسى كان راعي غنم، فلما ولى الرجل قال: احذروا هذا، وقال ابن زيد: قال المنافقون: ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثر بها إلا هواه، فنزلت الآية، وقال أبو عبد الله (عليه السلام): أهل هذه الآية أكثر من ثلثي الناس. " يلمزك " أي يعيبك ويطعن عليك (6). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ومنهم الذين يؤذون " قيل: نزلت في جماعة


(1) في المصدر: ابن ذى الخويصرة. (2) القذذ جمع قذة: ريش السهم، والرصف: عقب يلوى على مدخل النصل. والنصل: حديدة الرمح. (3) في المصدر: أو قال في احدى يديه. (4) نعم إذا خرجوا فاقتلوهم خ. (5) في المصدر: ابن الجواظ. (6) مجمع البيان 5: 40 و 41.

[39]

من المنافقين، منهم الخلاس بن سويد (1)، وشاس بن قيس، ومخشي بن حمير، و رفاعة بن عبد المنذر وغيرهم، قالوا مالا ينبغي، فقال رجل منهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمدا ما تقولون فيقع بنا (2) قال الخلاس (3): بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول، فإن محمدا (عليه السلام) اذن سامعة، فأنزل الله الآية. وقيل: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث وكان رجلا أدلم أحمر العينين، أسفع الخدين (4) مشوه الخلقة، وكان ينم حديث النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد اذن، من حدثه شيئا صدقه، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا، وهو الذي قال فيه النبي (صلى الله عليه وآله): " من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث " عن محمد إسحاق وغيره وقيل: إنها نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزاة تبوك، فلما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تبوك أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلفهم ويعتلون ويحلفون فنزلت، عن مقاتل، وقيل: نزلت في حلاس بن سويد (5) وغيره من المنافقين قالوا: لئن كان يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، وكان عندهم غلام من الانصار يقال له: عامر بن قيس، فقال: والله إن ما يقول محمد حق وأنتم شر من الحمير ثم أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامرا كذاب، فنزلت الآية عن قتادة والسدي " هو اذن " معناه أنه يستمع إلى ما يقال له ويصغي إليه و يقبله (6). قوله تعالى: " ويقبضون أيديهم " أي عن الانفاق أو عن الجهاد " نسوا الله فنسيهم " أي تركوا طاعته فتركهم في النار، أو ترك رحمتهم وإثابتهم " بخلاقهم " أي بنصيبهم وحظهم من الدنيا " وخضتم " أي في الكفر والاستهزاء.


(1) في المصدر: الجلاس بن سويد. (2) في المصدر: فيوقع بنا. (3) في المصدر: الجلاس. (4) الادلم: من اشتد سواده في ملوسة. والاسفع: من كان لونه السود مشربا بالحمرة. (5) في المصدر: جلاس بن سويد، (6) مجمع البيان 5: 44.

[40]

أقول: قد مر سبب نزول قوله تعالى: " يحلفون بالله ما قالوا " في باب إعجاز القرآن. قوله تعالى: " وهموا بما لم ينالوا " أي بقتل النبي (صلى الله عليه وآله) ليلة العقبة، و التنفير بناقته، أو بإخراجه من المدينة، أو بالافساد بين أصحابه. قوله تعالى: " ومنهم من عاهد الله " قال الطبرسي رحمه الله: قيل نزلت في ثعلبة بن حاطب وكان من الانصار، قال للنبي (صلى الله عليه وآله): ادع الله أن يرزقني مالا، فقال: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، أمالك في رسول الله (صلى الله عليه وآله) اسوة ؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لاعطين كل ذي حق حقه، فقال (صلى الله عليه وآله): اللهم ارزق ثعلبة مالا قال: فاتخذ غنما فنمت كما ينمي الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها، ثم كثرت نموا حتى تباعد من المدينة، فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة، وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) المصدق ليأخذ الصدقة فأبى وبخل، وقال: ما هذه إلا اخت الجزية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، فأنزل الله الآيات، عن أبي أمامة الباهلي، وروي ذلك مرفوعا، وقيل: إن ثعلبة أتى مجلسا من الانصار فأشهدهم، فقال: لئن آتاني الله من فضله تصدقت منه، وآتيت كل ذي حق حقه، ووصلت منه القرابة، فابتلاه الله فمات ابن عم له فورثه مالا ولم يف بما قال، فنزلت الآيات، عن ابن عباس وابن جبير وقتادة وقيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف، قالا: لئن رزقنا الله مالا لنصدقن، فلما رزقهما المال بخلابه، عن الحسن ومجاهد، وقيل: نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن الحارث وجد بن قيس وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، عن الضحاك، وقيل: نزلت في حاصب بن أبي بلتعة كان له بالشام مال فأبطأ عليه، وجهد لذلك جهدا شديدا، فحلف لئن آتاه الله ذلك المال ليصدقن، فآتاه

[41]

الله تعالى فلم يفعل، عن الكلبي (1). وقال في قوله تعالى: " الذين يلمزون " أي يعيبون " المطوعين " أي المتطوعين بالصدقة " والذين لا يجدون إلا جهدهم " أي ويعيبون الذين لا يجدون إلا طاقتهم فيتصدقون بالقليل " سخر الله منهم " أي جازاهم جزاء سخريتهم " سبعين مرة " هو على المبالغة وليس المراد العدد المخصوص فان العرب تبالغ بالسبعة والسبعين (2). " الاعراب " أي سكان البوادي " أشد كفرا ونفاقا " يريد الاعراب الذين كانوا حول المدينة، ومعناه أن سكان البوادي إذا كانوا كفارا أو منافقين فهم أشد كفرا من أهل الحضر لبعدهم عن مواضع العلم، وعن استماع الحجج، وبركات الوحي (3) " وأجدر " أي أحرى وأولى " ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما " أي ومن منافقي الاعراب من يعد ما ينفق في الجهاد وفي سبيل الخير غرما لحقه لانه لا يرجو به ثوابا " ويتربص بكم الدوائر " أي وينتظر بكم صروف الزمان وحوادث الايام، والعواقب المذمومة، كانوا ينتظرون (4) موت النبي (صلى الله عليه وآله) ليرجعوا إلى دين المشركين " عليهم دائرة السوء " أي على هؤلاء المنافقين دائرة البلاء، يعني أن ما ينتظرون بكم هو لاحق بهم وهم المغلوبون أبدا " وصلوات الرسول " أي يرغب بذلك في داء الرسول واستغفاره " ألا إنها " أي صلوات الرسول (صلى الله عليه وآله) أو نفقتهم قربة لهم تقربهم إلى ثواب الله (5). وقال في قوله تعالى: " وممن حولكم " أي من جملة من حول مدينتكم قيل: إنهم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، وكانت منازلهم حول المدينة " ومن أهل المدينة أي منهم منافقون " مردوا على النفاق " أي مرنوا وتجرؤا عليه أو أقاموا عليه ولجوا فيه " سنعذبهم مرتين " أي في الدنيا بالفضيحة، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر رجالا منهم، وأخرجهم من المسجد يوم الجمعة في خطبته، وقال:


(1) مجمع البيان 5: 53 (2) مجمع البيان 5: 54 و 55. (3) في المصدر: واستماع الحجج ومشاهدة المعجزات وبركات الوحى. (4) في المصدر: يتربصون. (5) مجمع البيان 5: 63.

[42]

" اخرجوا إنكم (1) منافقون " ويعذبهم في القبر، وقيل: مرة في الدنيا بالقتل و السبي، ومرة بعذاب القبر، وقيل: إنهم عذبوا بالجوع مرتين، وقيل: إحداهما أخذ الزكاة منهم، والاخرى عذاب القبر، وقيل: إحداهما غيظهم من الاسلام، والاخير عذاب القبر، وقيل: إن الاولى إقامة الحدود عليهم، والاخرى عذاب القبر (2) " وآخرون اعترفوا " قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الانصار: أبو لبابة بن عبد المنذر، وثعلبة بن وديعة، وأوس بن حذام، تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند مخرجه إلى تبوك، فلما بلغهم ما انزل فيمن تخلف عن نبيه (صلى الله عليه وآله) أيقنوا بالهلاك، وأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، فلم يزالوا كذلك حتى قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسأل عنهم فذكر أنهم أقسموا لا يحلون (3) أنفسهم حتى يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحلهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " وأنا أقسم لا أكون أول من حلهم إلا أن اؤمر فيهم بأمر " فلما نزل " عيسى الله أن يتوب عليهم " عمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليهم فحلهم، فانطلقوا فجاؤا بأموالهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فخذها وتصدق بها عنا، فقال (صلى الله عليه وآله): ما امرت فيها بأمر فنزل: " خذ من أموالهم صدقة " الآيات، وقيل: إنهم كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقيل: كانوا ثمانية منهم أبو لبابة وهلال وكردم وأبو قيس، عن ابن جبير وزيد بن أسلم، وقيل: كانوا سبعة عن قتادة، وقيل: كانوا خمسة، وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنها نزلت في أبي لبابة، ولم يذكر معه غيره، وسبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حين قال: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح، وبه قال مجاهد، وقيل: نزلت فيه خاصة حين تأخير عن النبي (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية على ما تقدم ذكره عن الزهري، قال: ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار


(1) في المصدر: فانكم (2) زاد في المصدر وجها آخر وهوان الاولى اقامة الحدود عليهم، والاخرى عذاب القبر. (3) في المصدر: ان لا يحلون.

[43]

قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله، قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث، وفي جميع الاقوال أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلث أموالهم، وترك الثلثين، لان الله تعالى قال: " خذ من أموالهم " ولم يقل: خذ أموالهم (1). وقال في قوله تعالى: " ما كان للنبي " في تفسير الحسن أن المسلمين قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله): ألا تستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية وبين أنه لا ينبغي لنبي ولا مؤمن أن يدعو الكافر ويستغفر له. وفي قوله تعالى: " وما كان الله ليضل قوما ": قيل: مات قوم من المسلمين على الاسلام قبل أن تنزل الفرائض، فقال المسلمون: يا رسول الله إخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم ؟ فنزل: " وما كان الله ليضل قوما " الآية، وقيل: لما نسخ بعض الشرايع وقد غاب اناس وهم يعملون بالامر الاول إذ لم يعلموا بالامر الثاني مثل تحويل القبلة وغير ذلك، وقد مات الاولون على الحكم الاول سئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك فأنزل الله الآية، وبين أنه لا يعذب هؤلاء على التوجه إلى القبلة حتى يسمعوا بالنسخ ولا يعملوا بالناسخ فحينئذ يعذبهم (2) " وإذا مات انزلت سورة فمنهم " أي من المنافقين " من يقول " على وجه الانكار بعضهم لبعض " أيكم زادته هذه " السورة " إيمانا " وقيل: معناه يقول المنافقون للمؤمنين الذين في إيمانهم ضعف: أيكم زادته هذه إيمانا، أي يقينا وبصيرة " وأما الذين في قلوبهم مرض " أي شك ونفاق " فزادتهم رجسا إلى رجسهم " أي نفاقا وكفر إلى نفاقهم وكفرهم، لانهم يشكون فيها كما شكوا فيما تقدمها " إنهم يفتنون " أي يمتحنون " في كل عام مرة أو مرتين " أي دفعة أو دفعتين بالامراض والاوجاع أو بالجهاد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما يرون من نصرة الله رسوله، وما ينال أعداءه من القتل والسبي أو بالقحط والجوع أو بهتك أستارهم، وما يظهر من خبث سرائرهم أو بالبلاء والجلاء ومنع القطر وذهاب الثمار " نظر بعضهم إلى بعض " يؤمنون به " هل يراكم من أحد " وإنما يفعلون ذلك لانهم منافقون يحذرون أن


(1) مجمع البيان 5: 66 و 67. (2) مجمع البيان 5: 76 و 77.

[44]

يعلم بهم " ثم انصرفوا " عن المجلس أو عن الايمان " صرف الله قلوبهم " عن الفوائد التي يستفيدها المؤمنون أو عن رحمته وثوابه (1). قوله تعالى: " ألا إنهم يثنون صدورهم ". أقول: قد مر تفسيره في كتاب الاحتجاج. وقال في قوله: " والذين آيتناهم الكتاب " يريد أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) الذين آمنوا به وصدقوه: اعطوا القرآن وفرحوا بإنزاله " ومن الاحزاب " يعني اليهود والنصارى والمجوس أنكروا بعض معانيه وما يخالف أحكامه، وقيل: الذين آتيناهم الكتاب هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه فرحوا بالقرآن لانهم يصدقون به، والاحزاب بقية أهل الكتاب وسائر المشركين عن ابن عباس (2). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " واصبر نفسك ": نزلت في سلمان وأبي ذر وصهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، وذلك أن المؤلفة قلوبهم جاؤا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عيينة بن حصن والاقرع بن حابس وذووهم فقالوا: يا رسول الله إن جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وروائح صنانهم (3) وكانت عليهم جبات (4) الصوف جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك، فما يمنعنا من الدخول عليك إلا هؤلاء، فلما نزلت الآية قام النبي (صلى الله عليه وآله) يلتمسهم فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من امتي معكم المحيا ومعكم الممات " واصبر نفسك " أي احبس نفسك " مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " أي يداومون على الصلوات والدعاء عند الصباح والمساء " يريدون وجهه " أي رضوانه والقربة إليه " ولا تعد " أي ولا تتجاوز " عيناك عنهم " بالنظر إلى غيرهم من أبناء الدنيا " تريد


(1) مجمع البيان 5: 85 و 86. (29 مجمع البيان 6: 296. (39 الصنان جمع الاصنة والصنة: ذفر الابط والنتن عموما. (4) الصحيح الجباب كما في المصدر.

[45]

زينة الحياة الدنيا " في موضع الحال، أي مريدا مجالسة أهل الشرف والغنى، و كان (صلى الله عليه وآله) حريصا على إيمان العظماء من المشركين طمعا في إيمان أتباعهم، ولم يمل إلى الدنيا وزينتها قط " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " أي جعلنا قلبه غافلا بتعريضه للغفلة، أو نسبنا قلبه إلى الغفلة، أو صادفناه غافلا، أو جعلناه غفلا لم نسمه بسمة المؤمنين، من قولهم: أغفل فلان ماشيته: إذا لم يسمها بسمة يعرف، أو تركنا قلبه وخذلناه وخلينا بينه وبين الشيطان بتركه أمرنا " واتبع هواه " في شهواته وأفعاله " وكان أمره فرطا " أي سرفا وإفراطا، أو ضياعا وهلاكا " وقل الحق من ربكم " أي هذا القرآن أو ما آتيتكم به الحق " من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " هذا وعيد من الله سبحانه وإنذار (1). قوله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم " قال الطبرسي رحمه الله: روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما نزلت الآية: " والذين يرمون المحصنات " قال عاصم بن عدي: يا رسول الله إن رأى رجل منا مع امرأته رجلا فإن أخبر بما رأى جلد ثمانين، وإن التمس أربعة شهداء كان الرجل قد قضى حاجته ثم مضى، قال: كذلك انزلت الآية يا عاصم، فخرج سامعا مطيعا فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن امية يسترجع، فقال: ما وراءك ؟ قال: وجدت (2) شريك بن سمحا على بطن امرأتي خولة، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره هلال بالذي كان فبعث إليها فقال: ما يقول زوجك ؟ فقالت: يا رسول الله إن ابن سمحا كان يأتينا فينزل بنا فيتعلم الشئ من القرآن، فربما تركه عندي وخرج زوجي فلا أدري أدركته الغير أم بخل علي بالطعام، فأنزل الله تعالى آية اللعان، وعن الحسن قال: لما نزلت " والذين يرمون المحصنات " الآية قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين، أفلا يضربه بالسيف ؟ فقال رسول الله: كفى بالسيف شا، أراد أن يقول:


(1) مجمع البيان 6: 465 و 466. (2) في المصدر: شر، وجدت.

[46]

شاهدا، ثم أمسك وقال: لو لا أن يتتابع فيه السكران والغيران. وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال سعد بن عبادة: لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن اهيجه حتى آتي بأربعة شهداء ؟ فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، وإن قلت ما رأيت إن في ظهرى لثمانين جلدة فقال (صلى الله عليه وآله): يا معشر الانصار أما تسمعون إلى ما قال سيدكم ؟ فقالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأ قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة له فاجترئ امرء منا أن يتزوجها، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وامي والله لاعترف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال (صلى الله عليه وآله): فإن الله يأبى إلا ذاك، فقال: صدق الله ورسوله فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له: هلال بن امية من حديقة له قد رأى رجلا مع امرأته، فلما أصبح غدا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إني جئت أهلي عشاء فوجدت معها رجلا رأيته بعيني و سمعته باذني، فكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى رأى الكراهة في وجهه، فقال هلال: إني لارى الكراهة في وجهك، والله يعلم أني لصادق، وإني لارجو أن يجعل الله لي فرجا، فهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يضربه، قال: واجتمعت الانصار وقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته ؟ فنزل الوحي وأمسكوا عن الكلام حين عرفوا أن الوحي قد نزل فأنزل الله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم " الآيات، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أبشر يا هلال فإن الله قد جعل فرجا، فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى، فقال (صلى الله عليه وآله): أرسلوا إليها فجاءت فلاعن بينهما، فلما انقضى اللعان فرق بينهما، وقضى أن الولد لها ولا يدعى لاب ولا يرمى ولدها ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه (1). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ويقولون آمنا " قيل: نزلت الآيات في رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود حكومة فدعاه اليهودي إلى رسول


(1) مجمع البيان 7: 127 و 128.

[47]

الله (صلى الله عليه وآله) ودعاه المنافق إلى كعب بن الاشرف، وحكى البخلي أنه كانت بين علي (عليه السلام) وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي (عليه السلام) فخرجت فيها أحجار و أراد ردها بالعيب فلم يأخذها، فقال: بيني وبينك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال الحكم ابن أبي العاص: إن حاكمته إلى ابن عمه حكم له فلا تحاكمه إليه، فنزلت الآيات وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) أو قريب منه " وإن يكن لهم الحق " أي وإن علموا أن الحق يقع لهم " يأتوا " إلى النبي (صلى الله عليه وآله) مسرعين (1) طائعين منقادين " مرض " أي شك في نبوتك ونفاق " أن يحيف الله " أي يجور الله ورسوله عليهم في الحكم " وأقسموا بالله " لما بين الله سبحانه كراهتهم لحكمه قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله): والله لو أمرتنا بالخروج من ديارنا وأموالنا لفعلنا، فقال الله سبحانه: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم " أي حلفوا بالله أغلظ أيمانهم وقدر طاقتهم إنك إن أمرتنا بالخروج في غزواتك لخرجنا " قل " لهم لا تقسموا " أي لا تحلفوا، وتم الكلام " طاعة معروفة " أي طاعة حسنة للنبي (صلى الله عليه وآله) خالصة صادقة أفضل وأحسن من قسمكم، أو ليكن منكم طاعة (2). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " الذين آتيناهم الكتاب من قبله " نزل في عبد الله بن سلام وتميم الداري والجارود العبدي وسلمان الفارسي فانهم لما أسلموا نزلت فيهم الآيات، عن قتادة، وقيل: نزلت في أربعين رجلا من أهل الانجيل كانوا مسلمين بالنبي (صلى الله عليه وآله) قبل مبعثه اثنان وثلاثون من الحبشة أقبلوا مع جعفر ابن أبي طالب وقت قدومه، وثمانية قدموا من الشام، منهم بحيرا وأبرهة والاشرف وعامر وأيمن وإدريس ونافع وتميم " من قبله " أي من قبل محمد (صلى الله عليه وآله)، أو من قبل القرآن " مرتين " مرة بتمسكهم بدينهم حتى أدركوا محمدا (صلى الله عليه وآله) فآمنوا به ومرة بإيمانهم به (3).


(1) في المصدر: " مذعنين " مسرعين. (2) مجمع البيان 7: 150 و 151. (3) في المصدر 7: 358.

[48]

وقال رحمه الله في قوله تعالى: " أحسب الناس " قيل: نزلت في عمار بن ياسر وكان يعذب في الله عن ابن جريج، وقيل: نزلت في اناس مسلمين كانوا بمكة فكتب إليهم من (1) في المدينة أنه لا يقبل منكم الاقرار بالاسلام حتى تهاجروا فخرجوا إلى المدينة فأتبعهم المشركون فآذوهم وقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا عن الشعبي وقيل إن أراد بالناس الذين آمنوا بمكة سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد ابن الوليد وعمار بن ياسر وغيرهم عن ابن عباس (2). وفي قوله تعالى: " ومن الناس من يقول ": قال الكلبي: نزلت في عياش ابن أبي ربيعة المخزومي، وذلك أنه أسلم فخاف أهل بيته فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي (صلى الله عليه وآله) فحلفت امه أسماء بنت مخزمة بن أبي جندل التميمي أن لا تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها ولا تدخل كنا حتى يرجع إليها، فلما رأى ابناها أبو جهل والحارث ابنا هشام وهما أخوا عياش لامه جزعها ركبا في طلبه حتى أتيا المدينة فلقياه وذكرا له القصة، فلم يزالا به حتى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه وتبعهما وقد كانت امه صبرت ثلاثة أيام ثم أكلت وشربت فلما خرجوا من المدينة أخذاه فأوثقاه كتافا وجلده كل واحد منهما مائة جلدة فبرئ من دين محمد (صلى الله عليه وآله) جزعا (3) من الضرب، وقال مالا ينبغي، فنزلت الآية وكان الحارث أشدهما عليه، فحلف عياش لئن قدر عليه خارجا من الحرم ليضربن عنقه، فلما رجعوا إلى مكة مكثوا حينا ثم هاجر النبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنون إلى المدينة وهاجر عياش وحسن إسلامه وأسلم الحارث بن هشام وهاجر إلى المدينة وبايع النبي (صلى الله عليه وآله) على الاسلام، ولم يحضر عياش فلقيه عياش يوما بظهر قبا لم يشعر بإسلامه فضرب عنقه، فقيل له: إن الرجل قد أسلم، فاسترجع عياش وبكى ثم أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره بذلك فنزل: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ "


(1) المصدر: من كان في المدينة. (2) مجمع البيان 8: 272. (3) خوفا خ.

[49]

الآية وقيل: نزلت الآية في ناس من المنافقين يقولون: آمنا فإذا اوذوا رجعوا إلى الشرك، عن الضحاك، وقيل: نزلت في قوم ردهم المشركون إلى مكة، عن قتادة (1). وفي قوله تعالى: " وإذا غشيهم موج " روي السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس إلا أربعة نفر، قال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، و عبد الله ابن أختل (2)، وقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، فأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصفة فقال أهل السفينة: اخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ههنا، فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الاخلاص ما ينجيني في البر غيره اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه إني آتي (3) محمدا حتى أضع يدي في يده فلاجدنه عفوا كريما، فجاء فأسلم (4). وقال في قوله تعالى: " يا أيها النبي اتق الله " نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الاعور السلمي قدموا المدينة، ونزلوا على عبد الله بن أبي بعد غزوة احد بأمان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليكلموه فقاموا وقام معهم عبد الله بن ابي وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن ابيرق فدخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا محمد ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال عمر بن الخطاب: ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم، فقال: إني أعطيتهم الامان، وأمر (صلى الله عليه وآله) فاخرجوا من المدينة ونزلت الآية " ولا تطع الكافرين " من أهل مكة أبا سفيان وأبا الاعور وعكرمة، و المنافقين ابن ابي وابن سعد وطعمة، وقيل: نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فطلبوا منه أن يمتعهم باللات والعزى سنة، قالوا: ليعلم قريش منزلتنا منك. وقوله: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " نزل في أبي معمر


(1) مجمع البيان 8: 273 و 274. (2) في المصدر: عبد الله بن اخطل. (3) في المصدر ان آتى محمدا. (4) مجمع البيان 8: 323.

[50]

حميد بن معمر بن حبيب الفهري وكان لبيبا حافظا لما يسمع، وكان يقول: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكانت قريش تسميه ذا القلبين، فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم أبو معمر تلقاه أبو سفيان ابن حرب وهو آخذ بيده إحدى نعليه والاخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس ؟ قال: انهزموا، قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك، والاخرى في رجلك ؟ فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعرفوا يومئذ أنه لم يكن له إلا قلب واحد لما نسي نعله في يده، عن مجاهد وقتادة، وإحدى الروايتين عن ابن عباس، وقيل: إن المنافقين كانوا يقولون: إن لمحمد قلبين ينسبونه إلى الدهاء فأكذبهم الله تعالى بذلك، عن ابن عباس (1). وفي قوله تعالى: " لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض " أي فجور وضعف في الايمان " والمرجفون " وهم المنافقون أيضا الذين كانوا يرجفون في المدينة بالاخبار الكاذبة المضعفة لقلوب المسلمين بأن يقولوا: اجتمع المشركون في موضع كذا قاصدين لحرب المسلمين ونحو ذلك ويقولوا لسرايا المسلمين: انهم قتلوا وهزموا، وتقدير الكلام لئن لم ينته هؤلاء عن أذى المسلمين وعن الارجاف بما يشغل قلوبهم " لنغرينك بهم " أي لنسلطنك عليهم، أي أمرناك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلي عنهم المدينة، وقد حصل الاغراء بقوله: " جاهد الكفار والمنافقين " وقيل: لم يحصل لانهم انتهوا " أينما ثقفوا " أي وجدوا وظفر بهم (2). وفي قوله تعالى: " وقال الذين كفروا " وهم اليهود، وقيل: هم مشركو - العرب، وهو الاصح " ولا بالذي بين يديه " من أمر الآخرة، وقيل: يعنون به التوراة والانجيل، وذلك أنه لما قال مؤمنوا أهل الكتاب: إن صفة محمد (صلى الله عليه وآله) في كتابنا وهو نبي مبعوث كفر المشركون بكتابهم (3).


(1) مجمع البيان 8: 335 و 336. (2) مجمع البيان 8: 370 و 371. (3) مجمع البيان 8: 391 و 392.

[51]

وفي قوله تعالى: " وشهد شاهد من بني إسرائيل (1) " يعني عبد الله بن سلام " لو كان خيرا " اختلف فيمن قال ذلك فقيل: هم اليهود، قالوا: لو كان دين محمد (صلى الله عليه وآله) خيرا ما سبقنا إليه عبد الله بن سلام، عن أكثر المفسرين، وقيل: إن أسلم وجهينة ومزينة وغفارا لما أسلموا قال بنو عامر بن صعصعة بن غطفان (2) وأسد وأشجع هذا القول، عن الكلبي (3). وقال البيضاوي في قوله تعالى: " ومنهم من يستمع إليك " يعني المنافقين كانوا يحضرون مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويسمعون كلامه فإذا خرجوا " قالوا للذين اوتوا العلم " أي لعلماء الصحابة " ماذا قال آنفا " ما الذي قال الساعة ؟ استهزاء أو استعلاما، إذ لم يلقوا إليه آذانهم تهاونا به " لولا نزلت سورة " أي هلا نزلت سورة في أمر الجهاد " فإذا انزلت سورة محكمة " مبينة لا تشابه فيها " وذكر فيها القتال " أي الامر به " رأيت الذين في قلوبهم مرض " ضعف في الدين وقيل: نفاق " نظر المغشي عليه من الموت " جبنا ومخافة " فأولى لهم " فويل لهم، أفعل من الولي وهو القرب، أو فعلى من آل ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، أو يؤل إليه أمرهم " طاعة وقول معروف " استيناف، أي أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لهم، أو حكاية قولهم " فإذا عزم الامر " أي: جد، والاسناد مجاز " فلو صدقوا الله " أي فيما زعموا من الحرص على الجهاد أو الايمان " فهل عسيتم " فهل يتوقع منكم " إن توليتم " امور الناس وتأمرتم عليهم أو أعرضتم وتوليتم عن الاسلام " ان تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم " تناجزا على الولاية، وتجاذبا لها، أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغاور والمقاتلة مع الاقارب " أم على قلوب أقفالها " لا يصل إليها ذكر، ولا ينكشف لها أمر، وقيل: أم منقطعة


(1) قال الطبرسي في المجمع: نزلت في عبد الله بن سلام وهو الشاهد من بنى اسرائيل فروى ان عبد الله بن سلام جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأسلم وقال: يا رسول الله سل اليهود عنى فانهم يقولون: هو اعلمنا، فإذا قالوا ذلك قلت لهم: ان التوراة دالة على نبوتك وان صفاتك فيها واضحة، فلما سألهم قالوا ذلك فحينئذ اظهر عبد الله بن سلام ايمانه فكذبوه. (2) في المصدر: بنو عامر بن صعصعة وغطفان (3) مجمع البيان 9: 84 و 85.

[52]

" وأملى لهم " وأمد لهم في الاماني والآمال " ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله " أي قال اليهود الذين كفروا بالنبي (صلى الله عليه وآله) بعد ما تبين لهم نعته للمنافقين أو المنافقون لهم، أو أحد الفريقين للمشركين: " سنطيعكم في بعض الامر " في بعض اموركم، أو في بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد والموافقة في الخروج معهم أن اخرجوا والتظافر (1) على الرسول " فكيف إذا توفتهم الملائكة " فكيف يعملون ويحتالون حينئذ " يضربون وجوههم وأدبارهم " تصوير لتوفيهم بما يخافون منه. ويجبنون عن القتال له " ذلك " إشارة إلى التوفي الموصوف " أن لن يخرج الله " أن لن يبرز الله لرسوله والمؤمنين " أضغانهم " أحقادهم " ولو نشاء لاريناكهم " لعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم " فلعرفتهم بسيماهم " بعلاماتهم التي نسمهم بها ولحن القول اسلوبه به، وإمالته إلى جهة تعريض وتورية " ونبلو أخباركم " ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها وقبيحها، أو أخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين في صدقها وكذبها " يستبدل قوما غيركم " يقم مكانكم قوما آخرين " ثم لا يكونوا أمثالكم " في التولي والزهد في الايمان، وهم الفرس (2)، أو الانصار، أو اليمن أو الملائكة (3). وقال الطبرسي رحمه الله: وروى أبو هريرة أن ناسا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه ؟ وكان سلمان إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضرب يده على فخذ سلمان فقال: " هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجاله من فارس " وروى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن تتولوا يا معشر العرب يستبدل قوما غيركم يعني الموالي. وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قد والله أبدل بهم خيرا منهم الموالي (4).


(1) التضافر ظ، أقول: التظافر والتضافر بمعنى واحد، وهو التعاون. (2) في المصدر: وهم الفرس لانه سئل عليه الصلاة والسلام عنه وكان سلمان إلى جنبه فضرب فخذه وقال: هذا وقومه (3) انوار التنزيل 2: 437 - 440. (4) مجمع البيان 9: 108.

[53]

قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق " قال الطبرسي برد الله مضجعه: نزل في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقونه فرحا به، وكانت بينهم عدواة في الجاهلية فظن أنهم هموا بقتله فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إنهم منعوا صدقاتهم، وكان الامر بخلافه، فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) وهم أن يغزوهم فنزلت الآية، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقيل: إنها نزلت فيمن قال للنبي (صلى الله عليه وآله): إن مارية ام إبراهيم يأتيها ابن عم لها قبطي، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) وقال: يا أخي خذ هذا السيف فإن وجدته عندها فاقتله، فقال: يا رسول الله أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة، أمضي لما أمرتني أم الشاهد يرى مالا يرى الغائب ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): بل الشاهد يرى مالا يرى الغائب، قال علي (عليه السلام): فأقبلت موشحا بالسيف فوجدته عندها فاخترطت السيف، فلما عرف أني اريده أتى نخلة فرقى إليها، ثم رمى بنفسه على قفاه وشغر برجليه فإذا أنه أجب أمسح، ماله مما للرجال قليل ولا كثير فرجعت وأخبرت النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: " الحمد لله الذي يصرف عنا السوء أهل البيت (1) ". وقال البيضاوي: " فتبينوا " أي فتعرفوا وتفحصوا " أن تصيبوا " كراهة أصابتكم " قوما بجهالة " جاهلين بحالهم " فتصبحوا " فتصيروا " على ما فعلتم نادمين " مغتمين غما لازما متمنين أنه لم يقع " لعنتم " أي لوقعتم في الجهد (2). قوله: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " قال الطبرسي رحمه الله: نزل في الاوس والخزرج وقع بينهما قتال بالسعف والنعال، عن ابن جبير، وقيل: نزل في رهط عبد الله بن ابي بن سلول من الخزرج، ورهط عبد الله بن رواحة من الاوس وسببه أن النبي (صلى الله عليه وآله) وقف على عبد الله ابن ابي فراث حمار رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمسك عبد الله أنفه، وقال: إليك عني، فقال عبد الله بن رواحة: لحمار رسول الله (صلى الله عليه وآله) أطيب ريحا منك ومن أبيك، فغضب قومه وأعان ابن رواحة قومه، وكان بينهما


(1) مجمع البيان 9: 132. (2) انوار التنزيل 2: 450.

[54]

ضرب بالجريد والايدي والنعال (1). وقوله تعالى: " لا يسخر قوم من قوم " نزل في ثابت بن قيس بن شماس، و كان في اذنه وقر. ؟، وكان إذا دخل المسجد تفسحوا له حتى يقعد عند النبي (صلى الله عليه وآله) فيسمع ما يقول، فدخل المسجد يوما والناس قد فرغوا من الصلاة، وأخذوا مكانهم فجعل يتخطأ رقاب الناس يقول: تفسحوا تفسحوا حتى انتهى إلى رجل فقال له: أصبت مجلسا فاجلس، فجلس خلفه مغضبا، فلما انجلت الظلمة قال: من هذا ؟ قال الرجل: أنا فلان، قال ثابت: ابن فلانة ؟ ذكر اما له كان يعير بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه حياء، فنزلت الآية عن ابن عباس. وقوله " ولا يغتب بعضكم بعضا " نزلت في رجلين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) اغتابا رفيقهما وهو سلمان بعثاه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليأتي لهما بطعام، فبعثه إلى اسامة بن زيد كان خازن رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رحله، فقال: ما عندي شئ، فعاد إليهما فقالا: بخل اسامة، وقالا لسلمان: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان هل عند اسامة ما أمر لهما به رسول الله ((صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهما: " مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما " ؟ قالا: يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما، قال: " ظللتم تأكلون لحم سلمان واسامة " فنزلت الآية. وقوله: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى " قيل: نزل في ثابت ابن قيس بن شماس وقوله للرجل الذي لم يتفسح له: ابن فلانة: فقال (صلى الله عليه وآله): من الذاكر فلانة ؟ فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله، فقال: انظر في وجوه القوم، فنظر إليهم فقال: ما رأيت يا ثابت ؟ فقال: رأيت أسود وأبيض وأحمر، قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين، فنزلت هذه الآية وقوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس " الآية، عن ابن عباس، وقيل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال حارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب


(1) مجمع البيان 9: 132.

[55]

الاسود مؤذنا ؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا لغيره (1) وقال أبو سفيان إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبره رب السماء، فأتى جبرئيل رسول الله ((صلى الله عليه وآله) فأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسألهم عما قالوا فأقروا به، ونزلت الآية و زجرهم عن التفاخر بالانساب والازدراء بالفخر، والتكاثر بالاموال (2). وقال في قوله تعالى: " أفرأيت الذي تولى ": نزلت الآيات السبع في عثمان ابن عفان، كان يتصدق وينفق ماله، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن سعد ابن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع ؟ يوشك أن لا يبقى لك شئ، فقال عثمان: إن لي ذنوبا، وإني أطلب بما أصنع رضى الله وأرجو عفوه، فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الصدقة، فنزلت: " أفرأيت الذي تولى " أي يوم احد حين ترك المركز " وأعطى قليلا " ثم قطع نفقته إلى قوله: " وإن سعيه سوف يرى " فعاد عثمان إلى ما كان عليه، عن ابن عباس والسدي والكلبي وجماعة من المفسرين، وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دينه، فعيره المشركون وقالوا: تركت دين الاشياخ وضللتهم، وزعمت أنهم في النار، قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له، ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له فنزلت: " أفرأيت الذي تولى " عن الايمان " وأعطى " صاحبه الضامن " قليلا وأكدى " أي بخل بالباقي، عن مجاهد وابن زيد، وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه ربما كان يوافق رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض الامور، عن السدي، وقيل: نزلت في رجل قال لاهله: جهزوني حتى أنطلق إلى هذا الرجل، يريد النبي (صلى الله عليه وآله) فتجهز وخرج فلقيه رجل من الكفار فقال له: أين تريد ؟ فقال: محمد، لعلي اصيب من خيره، قال له الرجل: أعطني جهازك وأحمل عنك إثمك، عن عطا، وقيل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال: والله


(1) في المصدر: ان يرد الله شيئا يغيره لغيره. (2) مجمع البيان 9: 135 و 136.

[56]

ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الاخلاق، فذلك قوله: " أعطى قليلا وأكدى " أي لم يؤمن به، عن محمد بن كعب (1). وقال رحمه الله في قوله: " يؤتكم كفلين من رحمته " أي نصيبين: نصيبا لايمانكم بمن تقدم من الانبياء، ونصيبا لايمانكم بمحمد (صلى الله عليه آله) عن ابن عباس " ويجعل لكم نورا تمشون به " أي هدى تهتدون به، وقيل: هو القرآن، ثم قال: قال سعيد بن جبير: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلا: أئذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم به (2) فقدموا مع جعفر، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا رسول الله ((صلى الله عليه وآله) وقالوا: يا نبي الله إن لنا أموالا، ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة، فان أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله تعالى فيهم: " الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون " إلى قوله: " ومما رزقناهم ينفقون " فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن به قوله: " اولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا " فخروا على المسلمين فقالوا: يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابنا و كتابكم فله أجر كاجوركم (3) فما فضلكم علينا ؟ فنزل قوله: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله " الآية، فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة ثم قال: " لئلا يعلم أهل الكتاب " وقال الكلبي: كان هؤلاء أربعة وعشرين رجلا قدموا من اليمن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو بمكة لم يكونوا يهودا ولا نصارى، و كانوا على دين الانبياء فأسلموا، فقال لهم أبو جهل، بئس القوم أنتم والوفد لقومكم فردوا عليه: " ومالنا لا نؤمن بالله " الآية، فجعل الله لهم ولمؤمني أهل الكتاب


(1) مجمع البيان 9: 178 و 179. (2) في المصدر: فنلم به. (3) في المصدر: اما من آمن منا بكتابكم وكتابنا فله اجران، ومن آمن منا بكتابنا فله اجر كاجوركم. (*)

[57]

عبد الله بن سلام وأصحابه أجرين اثنين، فجعلوا يفتخرون على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون: نحن أفضل منكم، لنا أجران، ولكم أجر واحد، فنزل: " لئلا يعلم أهل الكتاب " إلى آخر السورة (1). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " قد سمع الله " نزلت الآيات في امرأة من الانصار ثم من الخزرج اسمها خولة بنت خويلد، عن ابن عباس، وقيل: خولة بنت ثعلبة، عن قتادة والمقاتلين. وزوجها أوس بن الصامت، وذلك أنها كانت حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة في صلاتها (2) فلما انصرفت أرادها فأبت عليه فغضب عليها، وكان امرأ فيه سرعة ولمم فقال لها: أنت علي كظهر امي، ثم ندم على ما قال، وكان الظهار من طلاق أهل الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلا وقد حرمت علي، فقالت: لا تقل ذلك وائت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاسأله، فقال: إني أجدني (3) أستحيى منه أن أسأله عن هذا، قالت: فدعني أسأله، فقال: سليه، فأتت النبي (صلى الله عليه وآله) وعايشة تغسل شق رأسه، فقالت: يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غانية ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شئ تجمعني وإياه تنعشني به ؟ (4) فقال (صلى الله عليه وآله): ما أراك إلا حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، وإنه أبو ولدي، وأحب الناس إلي، فقال ((صلى الله عليه وآله): ما أراك إلا حرمت عليه، ولم اؤمر في شأنك بشئ، فجعلت تراجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإذا قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): حرمت عليه، هتفت وقالت: أشكوا إلى الله فاقتي وحاجتي وشدة حالي، اللهم فأنزل على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهار في الاسلام، فقامت عايشة تغسل شق رأسها الآخر فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداك يا نبي الله، فقالت عايشة: اقصري حديثك ومجادلتك، أما ترين وجه


(1) مجمع البيان 9: 243 و 244. (2) مصلاها خ. (3) في المصدر: انى اجد أنى استحيى منه. (4) في المصدر: فهل من شئ يجمعنى واياه فتنعشني به ؟.

[58]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ وكان (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات، فلما قضي الوحي قال: ادعي زوجك، فتلا عليه رسول الله " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله " إلى تمام الآيات، قالت عايشة: تبارك الذي وسع سمعه الاصوات كلها، إن المرأة لتحاور رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه إذا أنزل الله " قد سمع الله " فلما تلا عليه الآيات قال له: هل تستطيع أن تعتق رقبة ؟ قال: إذا يذهب مالي كله، والرقبة غالية وأنا قليل المال، فقال (صلى الله عليه وآله): فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ فقال: والله يا رسول الله إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات كل بصري، وخشيت أن يغشى عيني، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ قال: لا والله إلا أن تعينني على ذلك يا رسول الله، فقال: إني معينك بخمسة عشر صاعا، وأنا داع لك بالبركة فأعانه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمسة عشر صاعا ودعا له بالبركة فاجتمع لهما أمرهما (1). وقال في قوله: " ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم " المراد بهم قوم من المنافقين كانوا يوالون اليهود، ويفشون إليهم أسرار المؤمنين، ويجتمعون معهم على ذكر مساءة النبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين " ماهم منكم ولا منهم " يعني أنهم ليسوا من المؤمنين في الدين والولاية ولا من اليهود " ويحلفون على الكذب " أي على أنهم لم ينافقوا " وهم يعلمون " أنهم منافقون (2). وقال في قوله تعالى: " قوما غضب الله عليهم " أي لا تتولوا اليهود، وذلك أن جماعة من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين يتواصلون إليهم بذلك، فيصيبون من ثمارهم، فنهى الله عن ذلك، وقيل: أراد جميع الكفار " كما يئس الكفار من أصحاب القبور " أي ان اليهود بتكذيبهم محمدا (صلى الله عليه وآله) قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة حظ كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور من أن يكون لهم في الآخرة حظ، لانهم قد أيقنوا بعذاب الله، وقيل: كما يئس


(1) مجمع البيان 9: 246 و 247. (2) مجمع البيان 9: 253.

[59]

كفار العرب من أن يحيا أهل القبور (1). وفي قوله تعالى: " يا أيها الذين هادوا " أي سموا يهودا " إن زعمتم أنكم أولياء الله " كما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه " فتمنوا الموت " الذي يوصلكم إليه (2) وقد مر شرحه مرارا، وقال رحمه الله في قوله تعالى: " وإذا رأوا تجارة " قال جابر بن عبد الله: أقبلت عير ونحن نصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الجمعة فانفض الناس إليها، فما بقي غير اثنى عشر رجلا أنا فيهم، فنزلت الآية وقال الحسن و أبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحية بن خلفية بتجارة زيت من الشام، والنبي (صلى الله عليه وآله) يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلا رهط فنزلت، فقال (صلى الله عليه وآله): " والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوداي نارا " وقال المقاتلان: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي ثم أحد بني الخزرج، ثم أحد بني زيد بن مناة من الشام بتجارة، وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق (3) إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إلى من دقيق أو بر أو غيره، فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه، فقدم ذات جمعة و كان ذلك قبل أن يسلم ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قائم على المنبر يخطب فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال (صلى الله عليه وآله): " لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء " وأنزل الله هذه الآية، وقيل: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط، عن الكلبي عن ابن عباس، وقيل: إلا أحد عشر رجلا، عن ابن كيسان وقيل: إنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة، عن قتادة ومقاتل. قوله تعالى: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا " اللهو هو الطبل، وقيل: المزامير


(1) مجمع البيان: 276. (2) مجمع البيان 10: 287. (3) العاتق: الجارية اول ما ادركت، أو التى بين الادراك والتعنيس.

[60]

" انقضوا إليها " أي تفرقوا عنك خارجين إليها، وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: انصرفوا إليها " وتركوك قائما " تخطب على المنبر، وقيل: أراد قائما في الصلاة " قل ما عند الله " من الثواب على سماع الخطبة وحضور الموعظة والصلاة و الثبات مع النبي (صلى الله عليه وآله) " خير " وأحمد عاقبة " من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين " يرزقكم وإن تتركوا الخطبة والجمعة (1). قوله تعالى: " وإن يكاد الذين كفروا " قال البيضاوي: " إن " هي المخففة واللام دليلها، والمعنى أنهم لشدة عداوتهم ينظرون إليك شزرا بحيث يكادوا يزلون قدمك ويرمونك، أو إنهم يكادون يصيبونك بالعين، إذ روي أنه كان في بنى أسد عيانون، فأراد بعضهم أن يعين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنزلت (2). أقول: سيأتي أنها نزلت عند نصب الرسول (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) للخلافة وما قاله المنافقون عند ذلك. قوله تعالى: فأما من أعطى " قال الطبرسي رحمه الله: روى الواحدي بالاسناد المتصل عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان الرجل إذا جاء فدخل الدار وصعد النخة ليأخذ منها التمر فربما سقطت التمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل من النخلة حتى يأخذ التمر من أيديهم، فإن وجدها في في أحدهم أدخل إصبعه حتى يخرج التمر من فيه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره بما يلقى من صاحب النخلة، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): اذهب، ولقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاحب النخلة فقال: تعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة ؟ فقال له الرجل: إن لي نخلا كثيرا، وما فيه نخلة أعجب إلي ثمرة منها، قال: ثم ذهب الرجل فقال رجل كان يسمع الكلام من رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله أتعطيني بما أعطيت الرجل نخلة في الجنة إن أنا أخذتها ؟ قال: نعم فذهب الرجل ولقي صاحب النخلة فساومها منه، فقال له: أشعرت أن محمدا أعطاني بها نخلة في الجنة فقلت له: يعجبني تمرها


(1) مجمع البيان 10: 287 و 289 (29 انوار التنزيل 2: 542.

[61]

وإن لي نخلا كثير فما فيه نخلة أعجب إلي تمرة منها ؟ فقال له الآخر: أتريد بيعها ؟ فقال: لا إلا أن اعطى بها مالا أظنه اعطى، قال: فما مناك ؟ قال: أربعون نخلة، فقال الرجل: جئت بعظيم تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة، ثم سكت عنه فقال له: أنا اعطيك أربعين نخلة، فقال له: أشهد إن كنت صادقا، فمر إلى ناس فدعاهم فأشهد له بأربعين نخلة، ثم ذهب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن النخلة قد صارت في ملكي، فهي لك، فذهب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى صاحب الدار فقال له: النخلة لك ولعيالك، فأنزل الله تعالى: " والليل إذا يغشى " السورة، وعن عطا قال: اسم الرجل أبوالدحداح " فأما من أعطى واتقى " هو أبوالدحداح " و أما من بخل واستغنى " هو صاحب النخلة. وقوله: " لا يصلاها إلا الاشقى " هو صاحب النخلة " وسيجنبها الاتقى " أبوالدحداح " ولسوف يرض " إذا أدخله الجنة، قال: فكان النبي (صلى الله عليه وآله) يمر بذلك الحش وعذوقه دانية فيقول: عذوق وعذوق لابي الدحداح في الجنة، والاولى أن تكون الآيات محمولة على عمومها في كل من يعطي حق الله من ماله، وكل من يمنع حقه سبحانه، وروى العياشي ذلك بإسناده عن سعد الاسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام) (1). أقول: سيأتي الاخبار في ذلك في أبواب الصدقات. قوله تعالى: " ألهيكم التكاثر " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: نزلت السورة في اليهود قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا، عن قتادة، وقيل: نزلت في فخذ من الانصار تفاخروا عن أبي بريدة، وقيل: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف بن قصي، وبني سهم بن عمرو، تكاثروا وعدوا أشرافهم فكثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا: نعد موتانا حتى زاروا القبور فعدوهم فقالوا: هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم، لانهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية، عن مقاتل والكلبي (2).


(1) مجمع البيان 10: 501 و 502. (2) مجمع البيان 10: 534.

[62]

بيان: البضعة: القطعة من اللحم، وفي النهاية: في حديث ذي الثدية له يديه (1) مثل البضعة تدردر، أي ترجرج تجئ وتذهب، والاصل تتدردر، فحذفت إحدى التائين تخفيفا، وقال: الادلم: الاسود الطويل، وقال: فيه: أنا وسعفاء الخدين الحانية على ولدها يوم القيامة كهاتين، وضم أصبعيه، السعفة: نوع من السواد ليس بالكثير، وقيل: هو السواد مع لون آخر، أراد أنها بذلت نفسها وتركت الزنية والترفه حتى شحب لونها واسود إقامة على ولدها بعد وفاة زوجها وقال: اللكع عند العرب: العبد، ثم استعمل في الحمق والذم، يقال للرجل: لكع، وللمرأة: لكاع، ومنه حديث سعد بن عبادة: أرأيت إن دخل رجل بيته فرأى لكاعا قذ تفخذ امرأته " هكذا روي في الحديث، جعل صفة للرجل، ولعله أراد لكعا فحرف. وفي القاموس سميحة كجهينة: بئر بالمدينة غزيرة. وفي النهاية: اللمم: طرف من الجنون يلم بالانسان، أي يقرب منه ويعتريه وفي حديث جميلة إنها كانت تحت الاوس بن الصامت، وكان رجلا به لمم، فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته. اللمم هنا: الالمام بالنساء وشدة الحرص عليهن، و ليس من الجنون، فإنه لو ظاهر في تلك الحال لم يلزمه شئ. وفي القاموس: الغانية: المرأة تطلب ولا تطلب، أو الغنية بحسنها عن الزينة أو التي غنيت ببيت أبويها ولم يقع عليها سباء، أو الشابة العفيفة ذات زوج أم لا وقال: العاتق: الجارية أول ما أدركت، والتي لم تتزوج. لسومت أي أرسلت، أو أعلمت بأسمائهم وأرسلت لهم كما أرسلت لقوم لوط. 1 - قب: الزجاج في المعاني، والثعلبي في الكشف، والزمخشري في الفائق والواحدي في أسباب نزول القرآن، والثمالي في تفسيره واللفظ له انه قال عثمان لابن سلام: نزل على محمد (صلى الله عليه وآله): " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون


(1) في المصدر: له ثدية.

[63]

أبناءهم " فكيف هذا ؟ قال: نعرف (1) نبي الله بالنعت الذي نعته الله إذا رأيناه فيكم كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه بين الغلمان، وأيم الله أنا بمحمد أشد معرفة مني بابني، لاني عرفته بما نعته الله في كتابنا، وأما ابني فإني لا أدري ما أحدثت أمه. ابن عباس: قال: كانت اليهود يستنصرون على الاوس والخزرج برسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل مبعثه، فلما بعثه الله تعالى من العرب دون بني إسرائيل كفروا به فقال لهم بشر بن معرور ومعاذ بن جبل: اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك، وتذكرون أنه مبعوث فقال سلام بن مسلم أخو بني النضير: ما جاءنا بشئ نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكركم فنزل: " ولما جاءهم كتاب من عند الله " قالوا في قوله (2): " وكانوا من قبل يستفتحون (3) " الآية، وكانت اليهود إذا أصابتهم شدة من الكفار يقولون: " اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة " فلما قرب خروجه (صلى الله عليه وآله) قالوا: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنته الله على الكافرين " وهو المروي عن الصادق (عليه السلام)، وكان لاحبار من اليهود طعمة فحرفوا (4) صفة النبي (صلى الله عليه وآله) في التوراة من الممادح إلى المقابح فلما قالت عامة اليهود: كان محمدا هو المبعوث في آخر الزمان، قالت الاحبار: كلا وحاشا، وهذه صفته في التوراة، وأسلم عبد الله بن سلام وقال: يا رسول الله سل اليهود عني فإنهم يقولون: هو أعلمنا، فإذا قالوا ذلك قلت لهم: إن التوراة دالة على نبوتك، وإن صفاتك فيها واضحة، فلما سألهم قالوا كذلك، فحينئذ أظهر ابن سلام إيمانه فكذبوه، فنزل: " قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد (5) " الآية. الكلبي: قال كعب بن الاشرف ومالك بن الصيف (6) ووهب بن يهود أو


(1) في المصدر: يعرف. (2) في المصدر: إلى قوله. (3) البقرة: 89. (4) في المصدر: وكان الاحبار من اليهود يعرفونه فحرفوا. (5) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (6) في المصدر: مالك بن الضيف.

[64]

فنحاص بن عازورا: يا محمد إن الله عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن زعمت أن الله بعثك إلينا فجئنا به نصدقك، فنزلت: " و لما جاءهم كتاب من عند الله " الآية. وقوله: " قل جاءكم (1) " أراد زكريا ويحيى وجميع من قتلهم اليهود. الكلبي: كان النضر بن الحارث يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الاعاجم ويحدث بها قريشا، ويقول لهم: إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا احدثكم بحديث رستم واسفنديار، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزل: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " (2). 2 - فس: " وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم (3) " الآية فهم قوم من اليهود والنصارى دخلوا في الاسلام منهم النجاشي وأصحابه (4). 3 - فس: " ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت (5) " الآية، قال: نزلت في اليهود حين سألهم مشركو العرب فقالوا: أديننا أفضل أم دين محمد ؟ قالوا: بل دينكم أفضل (6). 4 - فس: " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم (7) " الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أجدبت بلادهم، فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووادعه على أن يقيم بطن نخل ولا يتعرض له، وكان منافقا ملعونا، وهو الذي سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الاحمق المطاع في قومه (8). 5 - فس: " الذين يتربصون بكم " الآية فإنها نزلت في عبد الله ابن ابي وأصحابه الذين قعدوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله يوم احد، فكان إذا ظفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالكفار قالوا: " ألم نكن معكم " وإذا ظفر الكفار قالوا: " ألم نستحوذ عليكم " أن نعينكم، ولم نعن عليكم. قوله: " وهو خادعهم " قال: الخديعة من الله العذاب


(1) آل عمران: 183. (2) مناقب آل ابى طالب 1: 47 و 48. (3) ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (4) تفسير القمى: 118. (5) النساء: 51. (6) تفسير القمى: 128. (7) النساء: 91 (8) تفسير القمى: 135. فيه: وواعده.

[65]

" يراؤن الناس " أنهم يؤمنون (1) " لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " أي لم يكونوا من المؤمنين ولا من اليهود، ثم قال: " إن المنافقين في الدرك الاسفل " نزلت في عبد الله ابن ابي وجرت في كل منافق مشرك (2). 6 - فس: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " قال: لكل نبي شريعة و طريق " ولكن ليبلوكم فيما آتاكم " أي يختبركم (3). 7 - فس: " وإذا جاؤكم قالوا آمنا " قال: نزلت في عبد الله بن ابي لما أظهر الاسلام " وقد دخلوا بالكفر " قال: " وهم قد خرجوا به " من الايمان (4). 8 - فس: " ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل وما انزل إليهم من ربهم " يعني اليهود والنصارى " لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم " قال: من فوقهم المطر ومن تحت أرجلهم النبات (5). 9 - فس: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " فإنها نزلت في ابن بندي وابن أبي مارية نصرانيين، وكان رجل يقال له: تميم الداري مسلم (6) خرج معهما في سفر، وكان مع تميم خرج ومتاع وآنية منقوشة بالذهب وقلادة، أخرجها إلى بعض أسواق العرب ليبيعها، فلما مروا بالمدينة (7) اعتل تميم، فلما حضره الموت دفع ما كان معه إلى ابن بندي وابن أبي مارية، وأمرها أن يوصلاه إلى ورثته، فقدما المدينة فأوصلا ما كان دفعه إليهما تميم، وحبسا الآنية المنقوشة و القلادة، فقال ورثة الميت: هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيه نفقة كثيرة ؟ فقالوا: (8) ما مرض إلا أياما قليلة، قالوا: فهل سرق منه شئ في سفره هذا ؟ قالوا: (9) لا، قالوا: فهل اتجر تجارة خسر فيها ؟ قالوا: (10) لا، قالوا فقد افتقدنا


(1) مؤمنون خ ل. (2) تفسير القمى: 144 و 145 والايات في سورة النساء: 141 و 142 و 145. (3) تفسير القمى: 157 و 158 والاية في المائدة: 48. (4) تفسير القمى: 158 والاية في المائدة: 61. (5) تسفير القمى: 159 والاية في المائدة: 66. (6) مسلما خ ل. (7) فلما قربوا من المدينة خ ل. (8 و 9 و 10) في المصدر: قالا.

[66]

أنبل شئ كان معه: آنية منقوشة بالذهب مكللة وقلادة، فقالوا: (1) ما دفعه إلينا قد أديناه إليكم، فقدموهما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأوجب عليهما اليمين فحلفا و أطلقهما، ثم ظهرت القلادة والآنية عليهما فأخبروا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك فانتظر الحكم من الله، فأنزل الآية إلى قوله: " أو آخران من غيركم " يعني من أهل الكتاب فأطلق الله شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر ولم يجد المسلم " من بعد الصلاة " يعني بعد صلاة العصر " فيقسمان بالله " إلى قوله: " إنا إذا لمن الآثمين " فهذه الشهادة الاولى التي حلفها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال عزوجل: " فإن عثر على أنهما استحقا إثما " أي حلفا على كذب " فآخران يقومان مقامهما " يعني من أولياء المدعي " فيقسمان بالله " أي يحلفان بالله " لشهادتنا أحق من شهادتهما " وإنهما قد كذبا فيما حلفا بالله، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولياء تميم الداري أن يحلفوا بالله على ما أمرهم به، فأخذ الآنية (2) والقلادة من ابن بندي وابن أبي مارية وردهما على أولياء تميم (3). 10 - فس: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " الآية، فإنه كان سبب نزولها أنه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمون أصحاب الصفة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرهم أن يكونوا في صفة يأوون إليها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتعاهدهم بنفسه، و ربما حمل إليهم ما يأكلون، وكانوا يختلفون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقربهم ويقعد معهم ويؤنسهم، وكان إذا جاء الاغنياء والمترفون من أصحابه ينكرون ذلك عليه (4) ويقولون (5) له: اطردهم عنك، فجاء يوما رجل من الانصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده رجل من أصحاب الصفة قد لزق برسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يحدثه فقعد الانصاري بالبعد منهما، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): تقدم، فلم يفعل، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): لعلك خفت أن يلزق فقره بك ؟ فقال الانصاري: اطرد هؤلاء


(1) في المصدر: فقالا. (2) فأخذ رسول الله الانية خ. (3) تفسير القمى: ص 175 - 177 والاية في المائدة: 106 و 107. (4) انكروا عليه ذلك خ. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) ويقولوا خ ل.

[67]

عنك، فأنزل الله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " الآية، ثم قال: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " أي اختبرنا الاغنياء بالغنى لننظر كيف مواساتهم للفقراء، وكيف يخرجون ما فرض الله عليهم في أموالهم لهم، واختبرنا الفقراء لننظر كيف صبرهم على الفقر وعما في أيدي الاغنياء " ليقولوا " أي الفقراء (1) " أهؤلاء " الاغنياء " من الله عليهم " الآية، ثم فرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يسلم على التوابين الذين عملوا السئيات (2) ثم تابوا فقال: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " يعني أوجب الرحمة لمن تاب والدليل على ذلك قوله: " أنه من عمل منكم سواء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم " (3). 11 - فس: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله " الآية، نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، فلفظ الآية عام، ومعناها خاص، ونزلت (4) في غزوة بني قريظة في سنة خمس من الهجرة، وقد كتبت في هذه السورة مع أخبار بدر، وكانت بدر على رأس ستة عشر شهرا من مقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة، ونزلت مع الآية التي في سورة التوبة قوله: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا (5) " الآية نزلت في أبي لبابة، فهذا الدليل على أن التأليف على خلاف ما أنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله)، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خيانة الله ورسوله معصيتهما وأما خيانة الامانة فكل إنسان مأمون على ما افترض الله عليه (6). 12 - فس: " إنما النسئ زيادة في الكفر " كان سبب نزولها أن رجلا من كنانة كان يقف في الموسم فيقول: قد أحللت دماء المحلين طئ وخثعم في شهر المحرم وأنسأته وحرمت بدله صفر، فإذا كان العام المقبل يقول: قد أحللت صفر وأنسأته


(1) في المصدر: أي للفقراء. (2) في المصدر: والذين عملوا السيئات. (3) تفسير القمى: 189 و 190، والاية في الانعام: 51 - 54. (4) في المصدر: وهذه الاية نزلت. أقول: ويحتمل ان لا تكون هذه الجملة من تفسير القمى بل من زيادات غيره، لانه قال بعد حديث ابى الجارود: رجع إلى تفسير على بن ابراهيم. (5) التوبة: 102. (6) تفسير القمى: 249 والاية في الانفال: 27.

[68]

وحرمت بدله شهر المحرم. فنزلت الآية (1). 13 - فس: " ومنهم من يلمزك في الصدقات " فإنها نزلت لما جاءت الصدقات وجاء الاغنياء وظنوا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسمها بينهم، فلما وضعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الفقراء تغامزوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ولمزوه، وقالوا: نحن الذين نقوم في الحرب ونغزو معه ونقوي أمره، ثم يدفع الصدقات إلى هؤلاء الذين لا يعينونه ولا يغنون عنه شيئا، فأنزل الله: " ولو أنهم رضوا " إلى قوله: إنا إلى الله راغبون (2). 14 - فس: قوله: " ولو كانوا اولي قربى " أي ولو كانوا قراباتهم قوله: " رجسا إلى رجسهم " أي شكا إلى شكهم، قوله: " أنهم يفتنون " أي يمرضون قوله: " ثم انصرفوا " أي تفرقوا " صرف الله قلوبهم " عن الحق إلى الباطل باختيارهم الباطل على الحق (3). 15 - فس: " ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه " يقول: يكتمون ما في صدورهم من بغض علي (عليه السلام) فقال: " ألا حين يستغشون ثيابهم " فإنه كان إذا حدث بشئ من فضل علي (عليه السلام) أو تلا عليهم ما أنزل الله فيه نفضوا ثيابهم ثم قاموا، يقول الله: " يعلم ما يسرون وما يعلنون " حين قاموا " إنه عليم بذات الصدور (4) ". 16 - فس: " والذين يرمون أزواجهم " كان (5) سبب ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما رجع من غزوة تبوك جاء إليه عويمر بن ساعدة العجلاني وكان من الانصار فقال: يا رسول الله إن امرأتي زنى بها شريك بن سمحاء وهي منها حامل، فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعاد عليه القول، فأعرض عنه حتى فعل ذلك أربع مرات فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) منزله فنزل عليه آية اللعان، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلى


(1) تفسير القمى: 265. (2) تفسير القمى: 273. والاية في التوبة: 58 و 59. (3) تفسير القمى: 282 و 283 والايات في التوبة: 113 و 125 - 127. (4) تفسير القمى: 297 والاية في هود: 5. (5) في المصدر: قوله: " والذين يرمون ازواجهم " إلى قوله: " ان كان من الصادقين " فانها نزلت في اللعان، وكان.

[69]

بالناس العصر وقال لعويمر: ايتني بأهلك فقد أنزل الله فيكما قرآنا، فجاء إليها فقال لها: رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعوك (1) وكانت في شرف من قومها، فجاء معها جماعة (2) فلما دخلت المسجد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعويمر: تقدم إلى المنبر والتعنا، فقال: كيف أصنع ؟ فقال: تقدم وقل: أشهد بالله إني (3) لمن الصادقين فيما رميتها به فتقدم (4) وقالها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أعدها فأعادها، ثم قال: أعدها حتى فعل ذلك أربع مرات، وقال (5) في الخامسة: عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به، فقال في الخامسة: إن عليه لعنة الله (6) إن كان من الكاذبين فيما رماها به، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللعنة موجبة (7) إن كنت كاذبا، ثم قال له: تنح، فتنحى، ثم قال لزوجته: تشهدين كما شهد، وإلا أقمت عليك حد الله فنظرت في وجوه قومها فقالت: لا اسود هذه الوجوه في هذه العشية، فتقدمت إلى المنبر وقالت: أشهد بالله إن عويمر بن الساعدة من الكاذبين فيما رماني به، فقال لها رسول الله: أعيديها فأعادتها أربع مرات (8) فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): العني نفسك في الخامسة إن كان من الصادقين فيما رماك به (9) فقالت في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويلك إنها موجبة (10) ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لزوجها: اذهب فلا تحل لك أبدا، قال: يا رسول الله فمالي الذي (11) أعطيتها ؟ قال: إن كنت كاذبا فهو أبعد لك منه، وإن


(1) في المصدر: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعوك. (2) جماعة من قومها خ ل. (3) انى إذا خ ل. (4) قال: فتقدم خ ل. (5) وقال له خ ل. (6) في المصدر: والخامسة أن لعنة الله عليه. (7) لموجبة خ ل. أقول: في المصدر: ان اللعنة لموجبة. (8) حتى اعادتها اربع مرات خ ل. أقول: يوجد هذا في المصدر. (9) في المصدر: فيما رماني به. (10) موجبة إن كنت كاذبة خ ل. أقول: يوجد هذا في المصدر الا ان فيه: لموجبة. (11) فالذي خ ل.

[70]

كنت صادقا فهو لها بما استحللت من فرجها، ثم قال رسول الله: إن جاءت بالولد أحمش الساقين، أنفس العينين (1) جعدا قططا فهو للامر السئ، وإن جاءت به أشهل أصهب فهو لابيه، فيقال: إنها جاءت به على الامر السئ (2). بيان: أحمش الساقين أي دقيقهما، والنفس بالتحريك: السعة، والقطط: الشديد الجعودة، وقيل: الحسن الجعودة، والشهلة: حمرة في سواد العين. والصهب محركة: حمرة أو شقرة في الشعر. 17 - فس: " فإذا اوذي في الله " اي إذا أذاه إنسان أو أصابه ضر أو فاقة أو خوف من الظالمين دخل معهم في دينهم فرأى أن ما يفعلونه هو مثل عذاب الله الذي لا ينقطع (3). 18 - فس: " وإذا غشيهم موج كالظلل " يعني في البحر " فمنهم مقتصد " أي صالح والختار: الخداع (4). 19 - فس: " لئن لم ينته المنافقون " إلى قوله تعالى: " إلا قليلا " فإنها نزلت في قوم منافقين كانوا في المدينة يرجفون برسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خرج في بعض غزواته يقولون: قتل واسر، فيغتم المسلمون لذلك، ويشكون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله في ذلك " لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض " أي شك " ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا " أي نأمرك بإخراجهم من المدينة إلا قليلا، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " ملعونين " فوجبت عليهم اللعنة يقول الله بعد اللعنة: " أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا (5) ". 20 - فس: " ومنهم من يستمع إليك " فإنها نزلت في المنافقين من أصحاب


(1) في المصدر: اخفش العينين. (2) تفسير القمى: 452 و 453 والايات في النور: 6 - 9. (3) تفسير الفمى: 495 والاية في العنكبوت: 10. (4) تفسير الفمى: 510، والاية في لقمان: 32. (5) تفسير القمى: 534 والاية في سورة الاحزاب: 60 و 61.

[71]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن كان إذا سمع شيئا منه لم يؤمن به (1) ولم يعه، فإذا خرج قال للمؤمنين: " ماذا قال " محمد " آنفا " فقال الله: " اولئك الذين طبع الله عليه قلوبهم واتبعوا أهواءهم " حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يدعو أصحابه فمن أراد الله به خيرا سمع وعرف ما يدعوا (2) إليه و من أراد الله به شرا طبع على قلبه فلا يسمع ولا يعقل، وهو قول الله تبارك وتعالى " حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين اوتوا العلم ماذا قال آنفا " فإنها نزلت في المنافقين من أصحاب رسول الله ومن كان إذا سمع شيئا منه لم يؤمن به ولم يعه فإذا خرج قال للمؤمنين: ماذا قال رسول الله آنفا ؟ فقال: " اولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (3). 21 - فس: " ولكن قولوا أسلمنا " أي استسلمتم بالسيف " لا يلتكم " أي لا ينقصكم (4). 22 - فس: " قد سمع الله " الآية، قال: كان سبب نزول هذه السورة أنه أول من ظاهر في الاسلام كان رجلا يقال له: أوس بن الصامت من الانصار، و كان شيخا كبيرا، فغضب على أهله يوما فقال لها: أنت علي كظهر امي، ثم ندم على ذلك، قال: وكان الرجل في الجاهلية إذا قال لاهله: أنت علي كظهر امي حرمت عليه آخر الابد فقال (5) أوس لاهله: يا خولة إنا كنا نحرم هذا في الجاهلية وقد أتانا الله بالاسلام فاذهبي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاسأليه عن ذلك، فأتت خولة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: بأبي أنت وامي يا رسول الله إن أوس بن الصامت هو زوجي وأبو ولدي وابن عمي فقال لي: أنت علي كظهر امي، وكنا نحرم ذلك في


(1) في المصدر: لم يكن يؤمن به. (2) ما يدعوه إليه خ ل. (3) تفسير القمى: 627 والاية في سورة محمد: 16. (4) تفسير القمى: 642 والاية في الحجرات: 14. (5) وقال خ ل.

[72]

الجاهلية وقد أتانا الله الاسلام بك. حدثنا علي بن الحسين، عن أحمد بن أبي عبد الله (1)، عن الحسن بن محبوب عن أبي ولاد، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن امرأة من المسلمات أتت النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله إن فلانا زوجي قد نثرت له بطني، وأعنته على دنياه وآخرته، لم يرمني مكروها، أشكو (2) منه إليك، فقال: فيم تشكينه ؟ (3) قالت: إنه قال: أنت علي حرام كظهر (4) امي وقد أخرجني من منزلي، فانظر في أمري، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أنزل الله تبارك وتعالى علي كتابا (5) أقضي فيه بينك وبين زوجك، وأنا أكره أن أكون من المتكلفين: فجعلت تبكي وتشتكي (6) ما بها إلى الله عزوجل، وإلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانصرفت (7) قال: فسمع الله تبارك وتعالى مجادلتها لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في زوجها وما شكت إليه فأنزل الله في ذلك قرآنا: " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها " الآيات، قال: فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المرأة فأتته فقال لها: جيئيني بزوجك، فأتته به، فقال له: أقلت لامرأتك هذه: أنت علي حرام كظهر امي ؟ فقال: قد قلت لها ذلك، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد أنزل الله فيك وفي امرأتك قرآنا، وقرأ الآيات، فضم إليك امرأتك فإنك قد قلت منكرا من القول وزورا، وقد عفى الله عنك وغفر لك ولا تعد، قال: فانصرف الرجل وهو نادم على ما قال لامرأته، وكره الله عزو جل ذلك للمؤمنين بعد (8). بيان: قولها: نثرت له بطني، أرادت أنها كانت شابة تلد الاولاد عنده، و امرأة نثورة: كثيرة الولد ذكره الجزري. 24 - فس: قوله تعالى: " فتمنوا الموت إن كنتم صادقي " قال: في التوراة


(1) في المصدر: محمد بن ابى عبد الله. (2) أشكوه خ ل. اقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) فبم تشكينه خ ل. (4) مثل ظهر خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) في المصدر: في ذلك كتابا. (6) وتشكى خ ل. (7) ثم انصرفت خ ل. (8) تفسير القمى: 666 - 668. والاية في المجادلة: 1.

[73]

مكتوب: أولياء الله تمنون الموت. قوله تعالى: " وإذا رأوا تجارة " الآية قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي بالناس يوم الجمعة، ودخلت ميرة وبين يديها قوم يضربون بالدفوف والملاهي، فترك الناس الصلاة ومروا ينظرون إليهم، فأنزل الله: " و إذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما " أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا (1) إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة " للذين اتقوا (2) " والله خير الرازقين (3) ". 24 - فس: " وإن يكاد الذين كفروا " قال: لما أخبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بفضل أمير المؤمنين (عليه السلام) قالوا: هو مجنون، فقال الله سبحانه: " وما هو " يعني أمير المؤمنين " إلا ذكر للعالمين (4) ". 25 - ما: الغضائري عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان غلام من اليهود يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) كثيرا حتى استخفه، وربما أرسله في حاجة، وربما كتب له الكتاب إلى قوم، فافتقده أياما فسأل عنه فقال له قائل: تركته في آخر يوم من أيام الدنيا، فأتاه النبي (صلى الله عليه وآله) في ناس من أصحابه، وكان له (عليه السلام) بركة لا يكلم أحدا إلا أجابه، فقال: يا فلان (5) ففتح عينه وقال: لبيك يا أبا القاسم، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فنظر الغلام إلى أبيه فلم يقل له شيئا، ثم ناداه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثانية وقال له مثل قوله الاول فالتفت الغلام إلى أبيه فلم يقل له شيئا، ثم ناداه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الثالثة فالتفت


(1) انصرفوا خ ل اقول: في المصدر ايضا كذلك، والظاهر ان ذلك وما بعده تفسير للاية ولا يراد أنه منزل بذلك اللفظ. (2) في المصدر: يعنى للذين اتقوا. (3) الوارثين خ ل. تفسير القمى: 679. والايتين في الجمعة: 9 و 11. (4) تفسير القمى: 693. والاية في سورة القلم: 51 و 52. (5) في المصدر: فقال له: يا غلام.

[74]

الغلام إلى أبيه فقال: إن شئت فقل، وإن شئت فلا، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ومات مكانه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابيه: اخرج عنا ثم قال (عليه السلام) لاصحابه: اغسلوه وكفنوه وأتوني به اصلي عليه (1) ثم خرج وهو يقول: الحمد لله الذي أنجي بي اليوم نسمة من النار (2). 26 - فس: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما " فإنه كان سبب نزولها أن قوما من الانصار من بني ابيرق إخوة ثلاثة كانوا منافقين: بشير ومبشر وبشر، فنقبوا على عم قتادة بن النعمان، وكان قتادة بدريا، وأخرجوا طعاما كان أعده لعياله، وسيفا ودرعا فشكى قتادة ذلك إلى رسول لله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن قوما نقبوا على عمي وأخذوا طعاما كان أعده لعياله، ودرعا (3) وهم أهل بيت سوء، وكان معهم في الرأي رجل مؤمن يقال له: لبيد بن سهل، فقال بنو ابيرق لقتادة: هذا عمل لبيد بن سهل، فبلغ ذلك لبيدا فأخذ سيفه وخرج عليهم فقال: يا بني ابيرق أترمونني بالسرق وأنتم أولى به مني، وأنتم المنافقون تهجون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتنسبونه إلى قريش لتبينن ذلك أو لاملان سيفي منكم، فداروه فقالوا له: ارجع رحمك الله، فإنك برئ من ذلك، فمشى بنو ابريق إلى رجل من رهطهم يقال له: أسيد بن عروة و كان منطيقا بليغا، فمشى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا أهل شرف وحسب ونسب فرماهم بالسرق (4) واتهمهم بما ليس فيهم، فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك وجاء إليه قتادة فأقبل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: عمدت إلى أهل بيت شرف وحسب ونسب فرميتهم بالسرقة، فعاتبه عتابا شديدا، فاغتم قتادة من ذلك ورجع إلى عمه وقال: ليتني مت ولم اكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد كلمني بما كرهته، فقال عمه: الله المستعان، فأنزل الله في ذلك على نبيه: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله


(1) في المصدر: غسلوه. وفيه: لاصلى عليه. (2) مجالس ابن الشيخ: 280. (3) في المصدر: ودرعا وسيفا. (4) في المصدر: فرماهم بالسرقة.

[75]

ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " يعني الفعل فوقع القوم مقام الفعل، ثم قال: " ها أنتم هؤلاء " إلى " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به برئيا " لبيد بن سهل، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن اناسا من رهط بشير الاذنين قالوا: انطلقوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نكلمه (1) في صاحبنا ونعذره فإن صاحبنا برئ، فلما أنزل الله " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم " إلى وقوله " وكيلا " فأقبلت رهط بشير فقالوا: يا بشير استغفر الله وتب من الذنب (2) فقال: والذي أحلف به ما سرقها إلا لبيد فنزلت: " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به برئيا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا " ثم إن بشيرا كفر ولحق بمكة، وأنزل الله في النفر الذين أعذروا بشيرا وأتوا النبي (صلى الله عليه وآله) ليعذروه: " ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " فنزل (3) في بشير وهو بمكة: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (4) ". 27 - يج: روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يسير في بعض مسيره فقال لاصحابه: يطلع عليكم من بعض هذه الفجاج شخص ليس له عهد بابليس (5) منذ ثلاثة أيام، فما لبثوا أن أقبل أعرابي قد يبس جلده على عظمه وغارت عيناه في رأسه، واخضرت شفتاه من أكل البقل، فسأل عن النبي (صلى الله عليه وآله) في أول الرفاق حتى لقيه فقال له: أعرض علي الاسلام، فقال: قل: أشهد أن لا


(1) في المصدر: بشير الادنين انطلقوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: نكلمه. (2) في المصدر: وتب إليه من الذنب. (3) ونزل خ ل أقول: في المصدر: ونزلت. (4) تفسير القمى: ص 138 - 140. والايات في النساء: 105 - 115. (5) بانيس خ ل.

[76]

إله إلا الله، وأني محمد رسول الله، قال: أقررت، قال: تصلي الخمس (1) وتصوم شهر رمضان، قال: أقررت، قال (عليه السلام) تحج (2) البيت الحرام، وتؤدي الزكاة وتغتسل من الجنابة، قال: أقررت، فتخلف بعير الاعرابي ووقف النبي (صلى الله عليه وآله) فسأل عنه فرجع الناس في طلبه فوجدوه في آخر العسكر قد سقط خف بعيره في حفرة من حفر الجرذان فسقط فاندق (3) عنق الاعرابي وعنق البعير وهما ميتان، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) فضربت خيمة فغسل (4) فيه ثم دخل النبي (صلى الله عليه وآله) فكفنه، فسمعوا للنبي (صلى الله عليه وآله) حركة فخرج وجبينه يترشح عرقا وقال: إن هذا الاعرابي مات وهو جائع وهو ممن آمن ولم يلبس إيمانه بظلم، فابتدره الحور العين بثمار الجنة يحشون (5) بها شدقه وهي تقول: (6) يا رسول الله اجعلني في أزواجه (7). 28 - يج: روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب إلى قيس بن عرنة البجلي يأمره بالقدوم عليه، فأقبل ومعه خويلد بن الحارث الكلبي حتى إذا دنا من المدينة هاب الرجل أن يدخل، فقال له قيس: أما إذا أبيت أن تدخل فكن في هذا الجبل حتى آتيه، فإن رأيت الذي تحب أدعوك فاتبعني، فأقام ومضى قيس حتى إذا رجل على النبي (صلى الله عليه وآله) المسجد فقال: يا محمد أنا آمن ؟ قال: نعم وصاحبك الذي تخلف في الجبل، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فبايعه وأرسل إلى صاحبه فأتاه فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): يا قيس إن قومك قومي، وإن لهم في الله وفي رسوله خلفا. 29 - شا: لما دخل أبو سفيان المدينة لتجديد العهد بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين قريش عند ما كان من بني بكر في خزاعة وقتلهم من قتلوا منها فقصد أبو سفيان ليتلافى الفارط من القوم، وقد خاف من نصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم وأشفق مما حل بهم


(1) في المصدر: أن تصلى الخمس. (2) أتحج خ ل. (3) فاندقت خ ل. اقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) في المصدر: فغسل فيها (5) يحشين خ ل. (6) وهن يقلن خ ل أقول: في المصدر: وهذه تقول. (7) الخرائج والجرائح: 184 و 185.

[77]

يوم الفتح، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) وكلمه في ذلك فلم يرد عليه جوابا، فقام من عنده فلقيه أبو بكر فتشث به وظن أنه يوصله إلى بغيته من النبي (صلى الله عليه وآله) فسأله كلامه له فقال: ما أنا بفاعل ذلك، لعلم أبي بكر بأن سؤاله في ذلك لا يغني شيئا، فظن أبو سفيان بعمر ما ظنه بأبي بكر، فكلمه في ذلك فدفعه بغلظة وفظاظة كادت أن يفسد الرأي على النبي (صلى الله عليه وآله) فعدل إلى بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستأذن عليه فأذن له وعنده فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فقال (1): يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وأقربهم مني قرابة (2) وقد جئتك فلا أرجعن كما جئت خائبا، اشفع لي عند (3) رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما قصدته، فقال له: ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أمر لا نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت أبو سفيان إلى فاطمة (عليها السلام) فقال لها: يا بنت محمد (صلى الله عليه وآله) هل لك أن تأمري ابنيك أن يجيرا بين الناس فيكونا سيدي العرب إلى آخر الدهر ؟ فقالت: ما بلغ بنياي (4) أن يجيرا بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتحير أبو سفيان وأسقط في يديه (ذ) ثم أقبل على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أبا الحسن أرى الامور قد التبست علي، فانصح لي، فقال له أمير المؤمنين: ما أرى شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم وأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: فترى ذلك مغنيا عنى شيئا ؟ قال: لا والله ما أظن ولكن ما أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قدم على قريش قالوا ما وراءك ؟ قال: جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد علي شيئا، ثم جئت إلى ابن أبي قحافة (6) فلم أجد فيه خيرا، ثم لقيت ابن الخطاب فوجدته (7) فظا غليظا لا خير فيه، ثم جئت (8)


(1) فقال له خ ل. (2) واقربهم إلى قرابة خ ل. (3) في المصدر: إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). (4) ابناى خ ل. (5) في المصدر: " سقط في يديه " اقول: سقط واسقط في يديه: ندم. تحير. (6) في المصدر: ثم جئت ابن ابى قحافة. (7) فكان. خ ل. (8) ثم اتيت خ ل.

[78]

عليا فوجدته ألين القوم لي، وقد أشار علي بشئ فصنعته، فوالله ما أدري يغني عني شيئا أم لا، قالوا: بما أمرك (1) ؟ قال: أمرني أن اجير بين الناس ففعلت، فقالوا: هل أجاز ذلك محمد ؟ قال: لا، قالوا: فويلك فوالله إن زاد الرجل على أن لعب بك فما يغني عنك، فقال أبو سفيان: لا والله ما وجدت غير ذلك (2). 30 - قب: روي أنه أخذ بلال جمانة ابنة الزحاف الاشجعي، فلما كان في وادي النعام هجمت عليه وضربته ضربة بعد ضربة، ثم جمعت ما كان يعز عليها من ذهب وفضة في سفره (3) وركبت حجرة من خيل أبيها، وخرجت من العسكر تسير على وجهها إلى شهاب بن مازن الملقب بالكوكب الدري، وكان قد خطبها من أبيها، ثم إنه أنقذ النبي (صلى الله عليه وآله) سلمان وصهيبا إليه لابطائه فرأوه ملقى على وجه الارض ميتا، والدم يجري من تحته، فأتيا النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبراه بذلك فقال النبي (صلى الله عليه وآله): كفوا عن البكاء، ثم صلى ركعتين ودعا بدعوات ثم أخذ كفا من الماء فرشه على بلال فوثب قائما، وجعل يقبل قدم النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): من هذا الذي فعل بك هذا الفعال يا بلال ؟ فقال: جمانة بنت الزحاف، وإني لها عاشق، فقال: أبشر يا بلال فسوف انفذ إليها وآتي بها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا أبا الحسن هذا أخي جبرئيل يخبرني عن رب العالمين إن جمانة لما قتلت بلالا مضت إلى رجل يقال له: شهاب بن مازن. وكان قد خطبها من أبيها ولم ينعم له بزواجها وقد شكت حالها إليه، وقد سار بجموعه يروم حربنا، فقم واقصده بالمسلمين، فالله تعالى ينصرك عليه، وها أنا راجع إلى المدينة، قال: فعند ذلك سار الامام بالمسلمين وجعل يجد في السير حتى وصل إلى شهاب وجاهده ونصر المسلمين، فأسلم شهاب وأسلمت جمانة والعسكر وأتى بهم الامام إلى المدينة وجددوا الاسلام على يدي النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا بلال ما تقول ؟ فقال: يا رسول الله قد كنت


(1) بم امرك خ ل. (2) الارشاد: 66 - 68. (3) في المصدر: في سفرة.

[79]

محبا لها، فالآن شهاب أحق بها مني، فعند ذلك وهب شهاب لبلال جاريتين وفرسين وناقتين (1). بيان: في القاموس: الحجر بالكسر: الانثى من الخيل، وبالهاء لحن. 31 - م: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لقد بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) جيشا ذات يوم إلى قوم من أشداء الكفار فأبطأ عليهم (2) خبرهم وتعلق قلبه بهم، وقال: ليت لنا من يتعرف أخبارهم ويأتينا بأنبائهم، بينا هو قائل إذا جاءه البشير بأنهم قد ظفروا بأعدائهم واستولوا وصيروهم بين قتيل وجريح وأسير، وانتهبوا (3) أموالهم وسبوا ذراريهم وعيالهم، فلما قرب القوم من المدينة خرج إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأصحابه يتلقاهم فلما لقيهم، ورئيسهم زيد بن حارثة وكان قد أمر عليهم، فلما رأى زيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل عن ناقته وجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقبل رجله ثم قبل يده، فأخذه رسول الله (صلى الله عليه آله) وقبل رأسه، ثم نزل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الله بن رواحة فقبل رجله ويده وضمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليه (4)، ثم نزل إليه سائر الجيش ووقفوا يصلون عليه ورد عليهم رسول الله خيرا، ثم قال لهم: حدثوني خبركم وحالكم مع أعدائكم، وكان معهم من اسراء القوم وذراريهم (5) وعيالاتهم وأموالهم من الذهب والفضة وصنوف الامتعة شئ عظيم، فقالوا: يا رسول الله لو علمت كيف حالنا لعظم تعجبك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لم أكن أعلم ذلك حتى عرفنيه الآن جبرئيل (عليه السلام) وما كنت أعلم شيئا من كتابه ودينه أيضا حتى علمينه ربي، قال الله عزوجل: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " إلى قوله: " صراط مستقيم (6) " ولكن حدثوا بذلك


(1) مناقب آل ابى طالب 1: 121. (2) فأبطأ عليه خ ل. (3) ونهبوا خ ل اقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) زاد في المصدر: ثم نزل قيس بن عاصم المنقرى فقبل يده ورجله وضمه رسول الله (صلى الله عليه وآله). (5) وذرياتهم خ ل. (6) الشورى: 52.

[80]

إخوانكم هؤلاء المؤمنين لاصدقكم فقد اخبرني جبرئيل (عليه السلام) (1) فقالوا (2): يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنا لما قربنا من العدو بعثنا عينا لنا لنعرف (3) أخبارهم وعددهم لنا فرجع إلينا يخبرنا أنهم قدر ألف رجل وكنا ألفي رجل، وإذا القوم قد خرجوا إلى ظاهر بلدهم في ألف رجل، وتركوا في البلد ثلاثة آلاف يوهموننا (4) أنهم ألف وأخبرنا صاحبنا أنهم يقولون في ما بينهم: نحن ألف وهم ألفان، ولسنا نطيق مكافحتهم، وليس لنا إلا التحاصن (5) في البلد حتى تضيق صدورهم من منازلتنا (6) فينصرفوا عنا فتجرأنا بذلك عليهم وزحفنا إليهم فدخلوا بلدهم وأغلقوا دوننا بابه فقعدنا ننازلهم فلما جن علينا الليل وصرنا إلى نصفه فتحوا باب بلدهم ونحن غارون نائمون ما كان فينا منتبه إلا أربعة نفر: زيد بن حارثة في جانب من جوانب عسكرنا يصلي ويقرأ القرآن، وعبد الله بن رواحة في جانب آخر يصلي ويقرأ القرآن، و قتادة بن النعمان في جانب آخر يصلي ويقرأ القرآن، وقيس بن عاصم في جانب آخر يصلي ويقرأ القرآن، فخرجوا في الليلة الظلماء الدامسة ورشقونا بنبالهم. وكان ذلك بلدهم، وهم بطرقه ومواضعه عالمون، ونحن بها جاهلون، فقلنا فيما بيننا دهينا واوتينا، هذا ليل مظلم لا يمكننا أن نتقي النبال، لانا لا نبصرها، فبينا نحن كذلك إذ رأينا ضوءا خارجا من في قيس بن عاصم المنقري كالنار المشتعلة، و ضوءا خارجا من في قتادة بن النعمان كضوء الزهرة والمشتري، وضوءا خارجا من في عبد الله بن رواحة كشعاع القمر في الليلة المظلمة، ونورا ساطعا من في زيد بن الحارثة أضوأ من الشمس الطالعة، وإذا تلك الانوار قد أضاءت مسعكرنا حتى أنه أضوأ من نصف النهار، وأعداؤنا في ظلمة شديدة فأبصرناهم وعموا عنا، ففرقنا زيد عليهم حتى أحطنا بهم ونحن نبصرهم وهم لا يبصروننا، فنحن بصراء وهم عميان فوضعنا عليهم السيوف فصاروا بين قتيل وجريح وأسير، ودخلنا بلدهم فاشتملنا على


(1) في المصدر: فقد اخبرني جبرئيل يصدقكم. (2) فقال خ. (3) ليتعرف خ ل. أقول: في المصدر: ليعرف. (4) فتوهمنا خ. (5) التحصن خ ل. (6) من مقاتلتنا خ ل.

[81]

الذراري والعيال والاناث والاموال، هذه (1) عيالاتهم وذراريهم، وهذه أموالهم وما رأينا يا رسول الله أعجب من تلك الانوار من أفواه هؤلاء القوم التي عادت ظلمة على أعدائنا حتى مكننا (2) منهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فقولوا: الحمد لله رب العالمين على ما فضلكم به من شهر شعبان، هذه كانت غرة شعبان (3)، وقد انسلخ عنهم الشهر الحرام، وهذه الانوار بأعمال إخوانكم هؤلاء في غرة شعبان، و أسلفوا لها أنوارا في ليلتها قبل أن يقع منهم الاعمال، قالوا: يا رسول الله وما تلك الاعمال لنثاب عليها ؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما قيس بن عاصم المنقري فإنه أمر بمعروف في يوم غرة شعبان، وقد نهى عن منكر، ودل على خير، فلذلك قدم له النور في بارحة يومه عند قراءته القرآن، وأما قتادة بن النعمان فإنه قضى دينا كان عليه في يوم غرة شعبان، فلذلك أسلفه الله النور في بارحة يومه، وأما عبد الله ابن رواحة فإنه كان برا بوالديه فكثرت غنيمته في هذه الليلة، فلما كان من غده قال له أبوه: إني وأمك لك محبان، وإن امرأتك فلانة تؤذينا وتعيينا، وإنا لا نأمن من انقلاب (4) في بعض هذه المشاهد، ولسنا نأمن أن تستشهد في بعضها فتداخلنا هذه في أموالك، ويزداد علينا بغيها وغيها، فقال عبد الله: ما كنت أعلم بغيها عليكم (5) وكراهيتكما لها، ولو كنت علمت ذلك لابنتها (6) من نفسي، و لكني قد أبنتها الآن لتأمنا (7) ما تحذران، فما كنت بالذي احب من تكرهان (8) فلذلك أسلفه الله النور الذي رأيتم، وأما زيد بن حارثة الذي كان يخرج من فيه نور أضوء من الشمس الطالعة وهو سيد القوم وأفضلهم فلقد علم الله ما يكون منه فاختاره وفضله على علمه بما يكون منه، إنه في اليوم الذي ولي هذه الليلة التي


(1) في المصدر: وهذه. (2) مكنا خ ل. (3) في المصدر: هذه كانت ليلة غرة شعبان. (4) قضاء خ ل. أقول: في المصدر. من ان تصاب " نصاب خ ل ". (5) في المصدر: عليكما. (6) أي طلقتها. (7) لتكفيا خ ل. أقول: في نسخة من المصدر: لتكفنا. (8) في نسخة من المصدر: احب ما تكرهان.

[82]

كان فيها ظفر المؤمنين بالشمس الطالعة من فيه جاءه رجل من منافقي عسكرهم (1) يريد التضريب (2) بينه وبين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وإفساد ما بينهما، فقال له: بخ بخ لك، أصبحت لا نظير لك في أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصحابته، هذا بلاؤك وهذا الذي شاهدناه نورك، فقال له زيد: يا عبد الله اتق الله ولا تفرط في المقال، و لا ترفعني فوق قدري، فإنك بذلك مخالف (3)، وبه كافر، وإني إن تلقيت مقالتك هذا بالقبول كذلك (4)، يا عبد الله ألا احدثك بما كان في أوائل الاسلام وما بعده حتى دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة وزوجه فاطمة (عليها السلام)، وولدت الحسن والحسين (عليهما السلام) (5) ؟ قال: بلى، قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان لي شديد المحبة حتى تبناني لذلك (6)، فكنت ادعى زيد بن محمد، إلى أن ولد لعلي الحسن والحسين (عليهم السلام) فكرهت ذلك لاجلهما، وقلت لمن كان يدعوني: احب أن تدعوني زيدا مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإني أكره أن اضاهي الحسن والحسين، فلم يزل ذلك حتى صدق الله ظني وأنزل (7) على محمد (صلى الله عليه وآله) " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " يعني قلبا يحب محمد وآله ويعظمهم، وقلبا يعظم به غيرهم كتعظيمهم، أو قلبا يحب به أعداءهم، بل من أحب أعداءهم فهو يبغضهم ولا يحبهم (8) ثم قال: " وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن امهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم " إلى قوله: " واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " يعني الحسن والحسين (عليهما السلام) أولى ببنوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كتاب الله وفرضه " من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أولياءكم معروفا " إحسانا وإكراما لا يبلغ ذلك محل الاولاد " كان


(1) في المصدر: من منافقي عسكره. (2) التضريب: الاغراء وايجاد الخلاف. (3) في المصدر: فانك لله بذلك مخالف. (4) في المصدر: لكنت كذلك. (5) في المصدر: وولد له الحسن والحسين (عليهما السلام). (6) أي حتى اتخذني ابنا لذلك. (7) وانزل الله خ ل. (8) زاد في المصدر: ومن سوى بهم مواليهم فهو يبغضهم ولا يحبهم.

[83]

ذلك في الكتاب مسطورا (1) " فتركوا ذلك، وجعلوا يقولون: زيد أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما زال الناس يقولون لي هذا وأكرهه حتى أعاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المؤاخاة بينه وبين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثم قال زيد: يا عبد الله إن زيدا مولى علي بن أبي طالب، كما هو مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلا تجعله نظيره، ولا ترفعه فوق قدره فتكون كالنصارى لما رفعوا عيسى (عليه السلام) فوق قدره فكفروا بالله العظيم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فلذلك فضل الله زيدا بما رأيتم، وشرفه بما شاهدتم، والذي بعثني بالحق نبيا، إن الذي أعده الله لزيد في الآخرة ليصغر في جنبه ما شهدتم (2) في الدنيا من نوره، إنه ليأتي يوم القيامة ونوره يسير أمامه وخلفه ويمينه ويساره وفوقه وتحته من كل جانب مسيرة مأتي ألف سنة (3). 32 - كا: العدة عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رفع رأسه إلى السماء فتبسم فقيل له: يا رسول الله رأيناك رفعت رأسك إلى السماء فتبسمت، قال: نعم، عجبت لملكين هبطا من السماء إلى الارض يلتمسان عبدا مؤمنا صالحا في مصلى كان يصلي فيه ليكتبا له عمله في يومه وليلته فلم يجداه في مصلاه فعرجا إلى السماء فقالا: ربنا عبدك فلان المؤمن (4) التمسناه في مصلاه لنكتب له عمله ليومه وليلته فلم نصبه، فوجدناه في حبالك، فقال الله عزوجل: اكتبا لعبدي مثل ما كان يعمله في صحته من الخير في يومه وليلته مادام في حبالي، فإن علي أن أكتب له أجر ما كان يعمله إذا حبسته عنه (5). 33 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي سعيد المكاري، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6)


(1) الاحزاب: 4 - 6. (2) في المصدر: ما شاهدتم. (3) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري (عليه السلام): 268 - 271. وفيه: (مسيرة الف سنة) وفى نسخة مخطوطة: مسيرة مائة الف سنة. (4) في المصدر: عبدك المؤمن فلان. (5) فروع الكافي 1: 31 و 32. (6) النبي خ ل.

[84]

وفد من اليمن وفيهم رجل كان أعظمهم كلاما، وأشدهم استقصاء في محاجة النبي فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) حتى التوى عرق الغضب بين عينيه، وتربد وجهه وأطرق إلى الارض، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: ربك يقرؤك السلام ويقول لك: هذا رجل سخي يطعم الطعام، فسكن عن النبي (صلى الله عليه وآله) الغضب ورفع رأسه وقال له: لولا أن جبرئيل أخبرني عن الله عزوجل أنك سخي تطعم الطعام شددت (1) بك وجعلتك حديثا لمن خلفك، فقال له الرجل: وإن ربك ليحب السخاء ؟ فقال: نعم، قال: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والذي بعثك بالحق لارددت عن مالي أحدا (2). بيان: تربد وجهه: تغير. 34 - كا: العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن رجل، عن أبي عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إني شيخ كثير العيال، ضعيف الركن، قليل الشئ، فهل من معونة على زماني ؟ فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أصحابه ونظر إليه أصحابه، وقال: قد أسمعنا (3) القول وأسمعكم، فقال إليه رجل فقال: كنت مثلك بالامس، فذهب به إلى منزله فأعطاه مرودا (4) من تبر، وكانوا يتبايعون بالتبر وهو الذهب والفضة، فقال الشيخ: هذا كله، قال: نعم، فقال الشيخ: اقبل تبرك فإني لست بجني ولا إنسي، ولكني رسول من الله لابلوك، فوجدتك شاكرا فجزاك الله خيرا (5). بيان: المرود في بعض النسخ بالراء المهملة وهو الميل، أو حديد تدور في اللجام، ومحور البكرة من حديد، وفي بعض النسخ بالزاء، وهو ما يجعل فيه الزاد وهو أظهر. 35 - كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، وعلي بن محمد، عن صالح بن


(1) لشددت خ ل. (2) فروع الكافي 1: 173. (3) قد أسمعني خ. (4) مزودا خ. (5) فروع الكافي 1: 175.

[85]

أبي حماد جميعا عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رجل للنبي (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله علمني، قال: اذهب ولا تغضب، فقال الرجل: قد اكتفيت بذلك، فمضى إلى أهله فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفا ولبسوا السلاح، فلما رأى ذلك لبس سلاحه ثم قام معهم، ثم ذكر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تغضب، فرمى السلام ثم جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدو قومه فقال: يا هؤلاء ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر فعلي في مالي أنا أو فيكموه، فقال القوم: فما كان فهو لكم، نحن أولى بذلك منكم قال: فاصطلح القوم وذهب الغضب (1). 36 - فر: محمد بن أحمد، (2) عن محمد بن عماد البربري، عن محمد بن يحيى - و لقب أبيه داهر الرازي - عن عبد الله بن عبد القدوس، عن الاعمش، عن موسى بن السيف (3)، عن سالم بن الجعد، عن جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني وليعة قال: وكات بينه وبينهم شحناء في الجاهلية، قال: فلما بلغ إلى بني وليعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه، قال: فخشي القوم، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن بني وليعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة، فلما بلغ بني وليعة الذي قال لهم الوليد بن عقبة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقوا (4) رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله لقد كذب الوليد ولكن كان بيننا وبينه شحناء في الجاهلية فخشينا أن يعاقبنا بالذي بيننا وبينه، قال فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لتنتهن يا بني وليعة أو لابعثن إليكم رجلا عندي كنفسي، فقتل مقاتليكم، وسبى ذراريكم (5)، هو هذا حيث ترون " ثم ضرب بيده على كتف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأنزل الله في الوليد هذه الآية: " يا أيها الذين


(1) الاصول 2: 304. (2) فيه: محمد بن أحمد بن على. وفيه: البربري أبو أحمد. (3) فيه: موسى بن المسيب عن سالم بن ابى الجعد. وهو الصحيح. (4) في المصدر: اتوا. (5) في المصدر: يقتل مقاتلكم ويسبي ذراريكم.

[86]

آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (1). 37 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب (2)، عن أبي جميلة، عن سعد الاسكاف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مر النبي (صلى الله عليه وآله) في سوق المدينة بطعام فقال لصاحبه: ما أرى طعامك إلا طيبا وسأله عن سعره فأوحى الله عزوجل إليه: أن يدس يده (3) في الطعام، ففعل فأخرج طعاما رديا، فقال لصاحبه: ما أراك إلا وقد جمعت خيانة وغشا للمسلمين (4). 38 - مع: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن موسى بن عمر، عن موسى بن بكر، عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى النبي (صلى الله عليه وآله) أعرابي فقال له: ألست خيرنا أبا واما، وأكرمنا عقبا ورئيسا (5) في الجاهلية والاسلام ؟ فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: يا أعرابي كم دون لسانك من حجاب ! قال: اثنان: شفتان وأسنان، فقال (صلى الله عليه وآله): أما كان في أحد هذين ما يرد عنا غرب لسانك هذا ؟ أما إنه لم يعط أحد في دنياه شيئا هو أضر له في آخرته من طلاقه لسانه، يا علي قم فاقطع لسانه، فظن الناس أنه يقطع لسانه، فأعطاه دراهم (6). بيان: قال الجوهري: غرب كل شئ: حده، يقال: في لسانه غرب، أي حدة. 39 - دعوات الراوندي: عن ربيعة بن كعب قال: قال لي ذات يوم رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ربيعة خدمتني سبع سنين، أفلا تسألني حاجة ؟ فقلت: يا رسول الله أمهلني حتى افكر، فلما أصبحت ودخلت عليه قال لي: يا ربيعة هات حاجتك فقلت: تسأل الله أن يدخلني معك الجنة، فقال لي: من علمك هذا ؟ فقلت: يا رسول الله


(1) تفسير فرات: 165. والاية في الحجرات: 6. (2) في المصدر: عن ابيه عن ابن ابى عمير عن ابن محبوب. (3) في المصدر: ان يدس يديه. (4) فروع الكافي 1: 375. (5) ورئيسنا خ ل. (6) معاني الاخبار: 53 و 54.

[87]

ما علمني أحد، لكني فكرت في نفسي وقلت: إن سألته مالا كان إلى نفاد، وإن سألته عمرا طويلا وأولادا كان عاقبتهم الموت، قال ربيعة: فنكس رأسه ساعة ثم قال: أفعل ذلك فأعني بكثرة السجود. 40 - كنز الكراجكي: قال: كان أكثم بن صيفي الاسدي حكيما مقدما عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين، وكان ممن أدرك الاسلام، وآمن بالنبي (صلى الله عليه وآله) ومات قبل أن يراه، وروي (1) أنه لما سمع به (صلى الله عليه وآله) بعث إليه ابنه وأوصاه بوصية حسنة وكتب معه كتابا يقول فيه: " باسمك اللهم من العبد إلى العبد فأبلغنا ما (2) بلغك فقد أتانا عنك خبر لا ندري ما أصله، فإن كنت اريد فأرنا، وإن كنت علمت فعلمنا، وأشركنا في كنزك والسلام " فكتب إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله): " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أكثم بن صيفي، أحمد الله إليك، إن الله أمرني أن أقول: لا إله إلا الله، أقولها وآمر الناس بها، الخلق خلق الله، والامر كله لله خلقهم وأماتهم وهو ينشرهم وإليه المصير، أدبتكم (3) بآداب المرسلين، ولتسألن عن النبأ العظيم، ولتعلمن نبأه بعد حين " فلما وصل كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليه جمع بني تميم ووعظهم وحثهم على المسير معه إليه، وعرفهم وجوب ذلك عليهم فلم يجيبوه، وعند ذلك سار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحده ولم يتبعه غير بنيه وبني بنيه، و مات قبل أن يصل إليه (صلى الله عليه وآله) (4). 41 - أقول: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين و حسن اولئك رفيقا " قيل: نزلت في ثوبان مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان شديد الحب لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه فقال (صلى الله عليه وآله): يا ثوبان ما غير لونك ؟ فقال: يا رسول الله ما بي من مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك


(1) في المصدر: فما روى من حديثه. (2) في المصدر: فانا بلغنا ما بلغك. (3) آذنتكم باذانة خ ل. (4) كنز الفوائد: 249.

[88]

هناك، لاني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فلا أحسب أن أراك أبدا، فنزلت الآية، ثم قال (صلى الله عليه وآله): " والذي نفسي بيده لا يؤمنن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين " وقيل: إن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا: ما ينبغي لنا أن نفارقك فإنا لا نراك إلا في الدنيا، فأما في الآخرة فإنك ترفع فوقنا بفضلك فلا نراك، فنزلت الآية عن قتادة ومسروق (1). 42 - كا: الحسين بن محمد عن المعلى، وعلي عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمد الاشعري، عن القداح، عن أبي عبد الله، عن آبائه (عليهم السلام) قال: كان بالمدينة رجلان يسمى أحدهما هيت، والآخر مانع (2) فقالا لرجل ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يسمع: إذا افتتحتم الطائف إنشاء الله فعليك بابنة غيلان الثقفية فإنها شموع نجلاء مبتلة هيفاء شنباء، إذا جلست تثنت، وإذا تكلمت غنت، تقبل بأربع، وتدبر بثمان، بين رجليها مثل القدح، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لا أراكما من اولي الاربة من الرجال، فأمر بهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغرب بهما إلى مكان يقال له: الغرابا (3) وكانا يتسوقان في كل جمعة (4). بيان: هذا الخبر مروي من طرق المخالفين أيضا، قال في المغرب: هيت من مخنثي المدينة، وقيل: هو تصحيف هنب بالنون والباء وخطئ قائله، وفي بعض شروحهم الشموع مثل السجود: اللعب والمزاح، وقد شمع يشمع شمعا وشموعا و مشمعة، وفي المحمل مبالغة في كثرة لعبها ومزاحها. أقول: ويظهر من كتب اللغة أنه بقبح الشين، قال في الشمس العلوم: الشموع: المرأة المزاحة، وفي الصحاح: الشموع من النساء: اللعوب الضحوك، نجلاء، إما من نجلت الارض: اخضرت، أي خضراء، أو من النجل بالتحريك وهو سعة العين والرجل أنجل، والعين نجلاء، وفي النهاية: يقال: عين نجلاء أي واسعة، مبتلة


(1) مجمع البيان 3: 72. (2) ماتع خ. (3) في المصدر: العرايا. (4) فروع الكافي 2: 65.

[89]

يقال: امرأة مبتلة بتشديد التاء مفتوحة أي تامة الخلق، لم يركب لحمها بعضه على بعض، ولا يوصف به الرجل، ويجوز أن يقرأ منبتلة بالنون والباء الموحدة والتاء المكسورة، نحو منقطعة لفظا ومعنى، أي منقطعة عن الزوج، يعني أنها باكرة. هيفاء: الهيف محركة: ضمر البطن والكشح، ودقة الخاصرة، رجل أهيف، و امرأة هيفاء، وفي بعض النسخ بالقاف، والاهيق: الطويل العنق. شنباء: الشب بالتحريك: البياض، والبريق، والتحديد في الاسنان، وفي الصحاح: الشنب: حدة في الاسنان، ويقال: برد وعذوبة، وامرأة شنباء: بينة الشنب، قال الجرمي: سمعت الاصمعي يقول: الشنب: برد الفم والاسنان، فقلت: إن أصحابنا يقولون: هو حدتها حين تطلع فيراد بذلك حدائتها وطرواتها لانها إذا أتت عليه السنون احتكت، فقال: ما هو إلا بردها. قوله: تثنت أي ترد بعض أعضائها على بعض من ثنى الشئ كسعى: إذ رد بعضه على بعض فتثنى، فيكون كناية عن سمنها، أو من الثني بمعنى ضم الشئ إلى شئ، ومنه التثنية، فالمعنى أنها كانت تثني رجلا واحدة، وتضع الاخرى على فخذها، كما هو شأن المغرور بحسنه أو بجاهه من الشبان وأهل الدنيا، أو من ثنى العود: إذا عطفه، ومعناه إذا جلست انعطفت أعضاؤها وتمايلت كما هو شأن المتبختر والمتجبر الفخور، أو إنهار شيقة القد ليس لها انعطاف إلا إذا جلست، وفي روايات العامة: إذا مشت تثنت، وإذا جلست تبنت " فالمعنى أنها تتكبر في مشيتها وتتثنى فيه وتتبختر، قال الجزري في النهاية: إذا قعدت تبنت، أي فرجت رجليها لضخم ركبها كأنها شبهها بالقبة من الادم وهي مبناة لسمنها وكثرة لحمها. وقيل: شبهها بها إذا ضربت وطنبت انفرجت، وكذلك هذه، إذا قعدت تربعت وفرشت رجليها. قوله: وإذا تكلمت غنت، أقول: في روايات العامة " تغنت " قال القاضي عياض: هو من الغنة لامن الغناء أي تتغن في كلامها، وتدخل صوتها في الخيشوم وقد عد ذلك من علامات التجبر. قوله: تقبل بأربع، أقول: يحتمل وجوها: الاول ما ذكره المطرزي في المغرب حيث قال: يعني أربع عكن تقبل بهن، و

[90]

لهن أطراف أربعة من كل جانب فتصير ثماني تدبر بهن، وقال المازري: الاربع التي تقبل بهن هن من كل ناحية ثنتان، ولكل واحدة طرفان، فإذا أدبرت ظهرت الاطراف ثمانية. الثاني: أن يراد بالاربع اليدان والثديان، يعني أن هذه الاربعة بلغت في العظمة حدا توجب مشيها مكبة، مثل الحيوانات التي تمشي على أربع، فإذا أقبلت أقبلت بهذه الاربعة، ولم يعتبر الرجلين لانهما محجوبتان خلف الثديين لعظمتهما فلا تكونان مرئيتين عند الاقبال، وإذا أدبرت أدبرت بها مع أربعة اخرى، وهي الرجلان والاليتان، لان جميع الثمانية عند الادبار مرئية، ويؤيده ما ذكره الجزري حيث قال: إن سعدا خطب امرأة بمكة فقيل: إنها تمشي على ست إذا أقبلت، وعلى أربع إذا أدبرت، يعني بالست يديها ورجليها وثدييها، يعني إنها لعظم يديها وثدييها كأنها تمشي مكبة، والاربع رجلاها وأليتاها، وإنهما كادتا تمسان الارض لعظمهما، وهي بنت غيلان الثقفية التي قيل فيها: تقبل بأربع، و تدبر بثمان، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف انتهى. الثالث: أن يراد بالاربع الذوائب المرسلة في طرفي الوجه، في كل طرف اثنتان مفتول ومرسل، وبالثمان الذوائب المرسلة خلفها فإنهن كثيرا ما يقسمنه ثمانية أقسام، فالمقصود وصفها بكثرة الشعر. الرابع ما أفاده الوالد العلامة رحمه الله وهو أن يكون المراد بالاربع العينين والحاجبين، أو الحاجب والعين والانف والفم، أو مكان الانف النحر أو مثل ذلك وبالثمان تلك الاربع مع قلب الناظر ولسانه وعينيه، أو قلبه وعقله ولسانه و عينه، أو قلبه وعينه واذنه ولسانه، وهذا معنى لطيف وإن كان الظاهر أنه لم يخطر ببال قائله. قوله: مثل القدح، شبه فرجها بالقدح في العظم وحسن الهيئة. قوله (صلى الله عليه وآله): لا أراكما من اولي الاربة، أي ما كنت أظن أنكما من اولي الاربة، أي الذين لهم حاجة إلى النساء، بل كنت أظن أنكما لا تشتهيان النساء ولا تعرفان من حسنهن

[91]

ما تذكران، فلذا نفيهما عن المدينة، لانهما كانا يدخلان على النساء ويجلسان معهن. قوله: فعزب بهما، على بناء المفعول بالعين المهملة والزاء المعجمة، كما في أكثر النسخ بمعنى التبعيد والاخراج من موضع إلى آخر، أو بالغين المعجمة والراء المهملة بمعنى النفي عن البلد. قوله (عليه السلام): يتسوقان، أي يدخلان سوق المدينة للبيع والشراء. أقول: قد أثبتنا في باب غزوة تبوك وقصة العقبة أحوال أصحاب العقبة و كفرهم، وحال حذيفة، وفي باب أحوال سلمان أحوال جماعة، وفي أبواب غزوات النبي (صلى الله عليه وآله) أحوال جماعة، لا سيما في غزوة بدر واحد وتبوك، وحال زيد بن حارثة في باب أبي طالب، وباب جعفر وباب قصة زينب، وحال المستهزئين برسول الله (صلى الله عليه وآله) في أبواب المعجزات، وبعض أحوال جابر في غزوة الخندق، وبعض أحوال حاطب بن أبي بلتعة في باب فتح مكة، وفي باب أحوال أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي باب العباس حديث الاخوات من أهل الجنة، وفي باب فتح مكة خبر بديل بن ورقاء الخزاعي، وفي باب بني المصطلق ما صنع خالد بن الوليد لعنه الله بهم، وفي غزوة احد حال أبي دجانة، وفي غزوة خيبر بعض أحوال اسامة بن زيد، وفي باب غصب لصوص الخلافة الجماعة الذين أنكروا على أبي بكر، ويظهر منه أحوال جماعة اخرى، وفي أبواب الفتن إنكار اسامة بن زيد على أبي بكر، وإنكار أبي قحافة عليه، وفي احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على جماعة من الصحابة في زمن معاوية ما يظهر منه أحوال جماعة، وفي إرادة قتل خالد لامير المؤمنين (عليه السلام) أيضا كذلك، و سيظهر في أبواب احتجاجات الحسن بن علي (عليه السلام) وأصحابه على معاوية أحوال جماعة وحال أبي الدرداء في باب عبادة علي (عليه السلام)، وحال ام أيمن في باب ولادة الحسين (عليه السلام)، وشقاوة أربعة استشهدهم أمير المؤمنين (عليه السلام) على خلافته فكتموا فدعا عليهم وهم أنس بن مالك، والبراء بن عازب الانصاري، والاشعث بن قيس الكندي وخالد بن يزيد البجلي في بابه، وشقاوة سعد بن أبي وقاص في أحوال الحسين (عليه السلام) وأنه قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ما في رأسك ولحيتك من شعرة إلا وفي أصلها

[92]

شيطان جالس، وفي باب الاذان بعض أحوال بلال، وفي أبواب أحوال الباقر (عليه السلام) بعض فضائل جابر بن عبد الله الانصاري، وحال طلحة والزبير لعنهما الله في أبواب كتاب الفتن، وفي أخبار الغدير حال أبي سعيد الخدري وجماعة، وفي أبواب الفضائل أخبارا كثيرة عن أبي سعيد، وفي باب وجوب ولايتهم (عليهم السلام) فضلا عظيما لسعد بن معاذ، وكذا في باب فضائل أصحاب الكساء. 43 - لى: ماجيلويه، عن أبيه، عن البرقي، عن أبيه، عن خالد بن حماد الاسدي، عن أبي الحسن العبدي، عن الاعمش، عن سالم بن أبي الجعد، قال: سئل جابر بن عبد الله الانصاري عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: ذاك خير خلق الله من الاولين والآخرين ماخلا النبيين والمرسلين، إن الله عزوجل لم يخلق خلقا بعد النبيين والمرسلين أكرم عليه من علي بن أبي طالب والائمة من ولده بعده، قلت: فما تقول فيمن يبغضه وينتقضه ؟ فقال: لا يبغضه إلا كافر، ولا ينتقضه إلا منافق، قلت: فما تقول فيمن يتولاه ويتولى الائمة من ولده بعده ؟ فقال: إن شيعة علي (عليه السلام) والائمة من ولده هم الفائزون الآمنون يوم القيامة، ثم قال: ما ترون لو أن رجلا خرج يدعو الناس إلى ضلالة من كان أقرب الناس منه ؟ قالوا: شيعته وأنصاره، قال: فلو أن رجلا خرج يدعو الناس إلى هدى، من كان أقرب الناس منه ؟ قالوا: شيعته وأنصاره، قال: فكذلك علي بن أبي طالب (عليه السلام) بيده لواء الحمد يوم القيامة أقرب الناس منه شيعته وأنصاره (1). 44 - فس: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا " فإنها نزلت لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غزوة خيبر وبعث اسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الاسلام، وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس ابن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحسن بخيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع أهله و ماله، وصار في ناحية الجبل فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله


(1) الامالى: 297.

[93]

الله، فمر به اسامة بن زيد فطعنه وقتله، فلما رجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبره بذلك، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فلا شققت (1) الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف اسامة بعد ذلك أنه لا يقتل (2) أحدا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتخلف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حروبه، وأنزل الله في ذلك: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا (3). 45 - فس: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما انزل إليك وما انزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد امروا أن يكفروا به " فإنها نزلت في الزبير بن العوام فإنه نازع رجلا من اليهود في حديقة فقال الزبير: نرضى (4) بابن شيبة اليهودي، وقال اليهودي: نرضى (5) بمحمد، وأنزل الله (6): " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما انزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد امروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلال بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " - وهم أعداء آل محمد كلهم جرت فيهم هذه الآية (7). 46 - فس: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم " نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حاصر بني قريظة قالوا له: ابعث إلينا (8) أبا لبابة نستشيره


(1) في المصدر: افلا شققت. (2) لا يقاتل خ ل. (3) تفسير القمى: 136 و 137. والاية في النساء: 94. (4 و 5) ترضى خ ل. (6) في المصدر: فانزل الله. (7) كلهم خ ل. تفسير القمى: 129 و 130، والاية في النساء: 60 و 61. (8) ابعث لنا خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[94]

في أمرنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا لبابة ائت حلفاءك ومواليك، فأتاهم فقالوا له: يا أبا لبابة ما ترى ؟ أننزل على حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: انزلوا واعلموا أن حكمه فيكم هو الذبح، وأشار إلى حلقه، ثم ندم على ذلك فقال: خنت الله و رسوله، ونزل من حصنهم ولم يرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومر إلى المسجد وشد في عنقه حبلا، ثم شده إلى الاسطوانة التي كانت تسمى اسطوانة التوبة، فقال: لا احله حتى أموت أو يتوب الله علي، فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) فقال: أما لو أتانا لاستغفرنا الله له، فأما إذا قصد إلى ربه فالله أولى به، وكان أبو لبابة يصوم النهار ويأكل بالليل ما يمسك رمقه (2) وكانت بنته تأتيه بعشائه، وتحله عند قضاء الحاجة فلما كان بعد ذلك ورسول الله في بيت ام سلمة نزلت توبته، فقال: يا ام سلمة قد تاب الله على أبي لبابة، فقالت: يا رسول الله أفاؤذنه بذلك ؟ فقال: لتفعلن (3) فأخرجت رأسها من الحجرة فقال: يا أبا لبابة أبشر قد تاب (4) الله عليك، فقال: الحمد لله، فوثب المسلمون يحلونه، فقال: لا والله حتى يحلني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا أبا لبابة قد تاب الله عليك توبة لو ولدت من امك يومك هذا لكفاك، فقال: يا رسول الله أفأتصدق بما لي كله ؟ قال: لا، قال: فبثلثيه ؟ قال: لا، قال: فبنصفه قال: لا، قال: فبثلثه ؟ قال: نعم، فأنزل الله: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم * خذ من أموالهم صدقة " إلى قوله: " أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم (5) ". 47 - فس: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المؤلفة قلوبهم أبو سفيان بن حرب بن امية، وسهيل بن عمرو، وهو من بني عامر بن لوي، و


(1) فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك خ ل. (2) ما يمسك به نفسه خ ل. (3) فافعلي خ ل. (4) فقد تاب الله خ ل. (5) تفسير القمى: ص 279 والاية في التوبة: 102 - 104.

[95]

همام بن عمرو (1) وأخوه، وصفوان بن امية بن خلف القرشي ثم الجمحي، و الاقرع بن حابس التميمي، ثم أحد بني حازم (2)، وعيينة بن حصن الفزاري ومالك بن عوف، وعلقمة بن علانة (3) بلغني أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعطي الرجل منهم مائة من الابل ورعاتها (4) وأكثر من ذلك وأقل (5). 48 - فس: " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن " فإن كان سبب نزولها أن عبد الله بن نفيل كانا منافقا وكان يقعد إلى (6) رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين، وينم عليه، فنزل جبرئيل على رسول الله فقال: يا محمد إن رجلا من المنافقين ينم عليك وينقل حديثك إلى المنافقين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من هو ؟ فقال: الرجل الاسود (7) كثير الشعر الرأس (8) ينظر بعينين كأنهما قدران، وينطق بلسان (9) شيطان، فدعاه رسول الله فأخبره، فحلف أنه لم يفعل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد قبلت منك فلا تقعد (10) فرجع إلى أصحابه فقال: إن محمدا اذن، أخبره الله أني أنم عليه وأنقل أخباره فقبل، وأخبرته أني لم أفعل فقبل (11) فأنزل الله على نبيه: " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " أي يصدق الله فيما يقول له، ويصدقك فيما تعتذر إليه في الظاهر، ولا يصدقك في الباطن قوله: " ويؤمن للمؤمنين " يعني المقرين بالايمان من غير اعتقاد (12).


(1) في المصدر: وهمام بن عمر. (2) في المصدر: (ثم عمر احد بنى حازم) ولعله وهم. (3) في المصدر: (علقمة بن علاثة) وهو الصحيح. (4) برعاتها خ ل. (5) تفسير القمى: 274. (6) لرسول الله خ. (7) الاسود الوجه خ ل. (8) في المصدر: الرجل الاسود الكثير شعر الرأس. (9) بلسانه خ ل. (10) فلا تعد خ ل. (11) في المصدر: انى لم افعل ذلك فقبل. (12) تفسير القمى: 275 والاية في التوبة: 61، أقول: ولعل المعنى انه واقعا للمؤمنين واما غيرهم فلا يؤمن باقوالهم وان لم يظهر تكذيبهم تأليفا لقلوبهم.

[96]

49 - فس: " يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم " قال: نزلت في الذين تحالفوا في الكعبة أن لا يردوا هذا الامر في بني هاشم، فهي كلمة الكفر، ثم قعدوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في العقبة وهموا بقتله، وهو قوله: " وهموا بما لم ينالوا " ثم ذكر البخلاء وسماهم منافقين وكاذبين فقال: " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله " إلى قوله: " وبما كانوا يكذبون " وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: هو ثعلبة بن خاطب (1) بن عمرو بن عوف كان محتاجا فعاهد الله، فلما آتاه الله بخل به، ثم ذكر المنافقين فقال: " ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم " الآية، وأما قوله: " الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم " فجاء سالم ابن عمير الانصاري بصاع من تمر فقال: يا رسول الله كنت ليلتي أخبز (2) لجرير حتى نلت صاعين تمرا، أما أحدهما فأمسكته، وأما الآخر فأقرضته ربي، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينثره في الصدقات، فسخر منه المنافقون فقالوا: والله أن كان الله يغني عن هذا الصاع (3) ما يصنع الله بصاعه شيئا، ولكن أبا عقيل أراد أن يذكر نفسه ليعطى من الصدقات، فقال: " سخر الله منهم ولهم عذاب أليم " قوله (4): " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " قال علي ابن إبراهيم: إنها نزلت لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة ومرض عبد الله بن ابي، وكان ابنه عبد الله بن عبد الله مؤمنا، فجاء إلى رسول الله (5) (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبوه يجود بنفسه فقال: يا رسول الله بأبي أنت وامي إنك إن لم تأت أبي (6) كان ذلك عارا علينا، فدخل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) هكذا في الكتاب ومصدره، وفى اسد الغابة: حاطب. (2) أجيرا خ ل. أقول: في المصدر (اجير) ولعله مصحف اجيرا. (3) في المصدر: والله ان الله لغنى عن هذا الصاع. (4) لم يذكر (قوله) في المصدر. (5) إلى النبي خ ل. (6) ان لم تأت ابى عائدا كان خ ل. (*)

[97]

والمنافقون عنده فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله استغفر الله له، فاستغفر له فقال عمر: ألم ينهك الله يا رسول الله أن تصلي عليهم (1) ؟ أو تستغفر لهم ؟ فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأعاد عليه، فقال له " ويلك إني خيرت فاخترت إن الله (2) يقول: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " فلما مات عبد الله جاء ابنه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله إن رأيت أن تحضر جنازته، فحضر (3) رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقام على قبره، فقال له عمر يا رسول الله: ألم ينهك الله أن تصلي على أحد منهم مات أبدا، وأن تقوم (4) على قبره ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويلك وهل تدري ما قلت ؟ إنما قلت: اللهم احش قبره نارا، وجوفه نارا، وأصله النار، فبدا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم يكن يحب. قال: ولما قدم النبي (صلى الله عليه وآله) من تبوك كان أصحابه المؤمنون يتعرضون للمنافقين ويؤذونهم، فكانوا (5) يحلفون لهم أنهم على الحق، وليس (6) هم بمنافقين لكي يعرضوا عنهم (7) ويرضوا عنهم، فأنزل الله: " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين " ثم وصف الاعراب فقال: " الاعراب أشد كفرا ونفاقا " إلى قوله: " إن الله غفور رحيم (8) ". 50 - فس: أبي عن يحيى بن عمران عن يونس عن أبي الطيار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): الرجون لامر الله، قوم كانوا مشركين، قتلوا حمزة وجعفرا وأشباههما من المؤمنين، ثم دخلوا بعد ذلك في الاسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك


(1) على احد منهم. (2) ان الله عزوجل خ ل. (3) فحضره خ. (4) في المصدر: وان تقم. (5) وكانوا خ ل. (6) وليسوا خ ل. (7) في المصدر: لكيلا يعرضوا عنهم. (8) تفسير القمى: 277 و 278 والايات في التوبة: 74 - 80 و 84 و 95 - 99.

[98]

ولم يعرفوا الايمان بقلوبهم فيكونوا (1) من المؤمنين فتجب لهم الجنة، ولم يكونوا على جحودهم فيجب لهم النار، فهم على تلك الحال مرجون لامر الله إما يعذبهم و إما يتوب عليهم (2). 51 - فس: " ولكن من شرح بالكفر صدرا " فهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث من بني لوي، يقول الله: " فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الظالمين (3) * ذلك بأن الله ختم على سمعهم وأبصارهم وقلوبهم واولئك هم الغافلون (4) * لا جرم أنهم في الآخرة هم الاخسرون " هكذا في قراءة بن مسعود، هذا كله في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان عاملا لعثمان بن عفان على مصر، ونزل فيه أيضا: ومن قال: " سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت (5) ". 52 - فس: قوله: " ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا " إلى قوله: " وما اولئك بالمؤمنين " فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام) وعثمان، وذلك أنه كان بينهما منازعة في حديقة، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ترضى برسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف لعثمان: لا تحاكمه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنه يحكم له عليك، ولكن حاكنه إلى ابن شيبة اليهودي، فقال عثمان لامير المؤمنين (عليه السلام): لا أرضى إلا بابن شيبة اليهودي فقال ابن شيبة لعثمان: تأتمنون (6) محمدا على وحي السماء وتتهمونه في الاحكام ؟ فأنزل الله على رسوله: " وإذا دعوا إلى الله ورسوله


(1) في المصدر: فيكونون. (2) تفسير القمى: 280. (3) في المصدر: والمصحف الشريف: " الكافرين " (4) في المصحف الشريف: " اولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وابصارهم واولئك هم الغافلون " راجع النحل: 106 و 107. (5) تفسير القمى: 366 والاية في الانعام: 93. (6) في المصدر: تأمنون

[99]

ليحكم بينهم " إلى قوله: " بل اولئك هم الظالمون (1) ". 53 - فس: أبي عن حماد، عن حريز، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن جابر فقال: رحم الله جابرا بلغ من فقهه أن كان يعرف تأويل هذه الآية: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " يعني الرجعة (2). 54 - فس: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما مر بعمرو بن العاص وعقبة (3) بن أبي معيط وهما في حائط يشربان ويغنيان بهذا البيت في حمزة بن عبد المطلب حين قتل (4): كم من حواري تلوح عظامه * وراء الحرب عنه (5) أن يجر فيقبرا فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اللهم العنهما واركسهما في الفتنة ركسا ودعهما إلى النار (6) دعا (7). 55 - فس: " فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم " قال: نزلت في حنظلة بن أبي عامر، وذلك أنه تزوج في الليلة التي كان في صبحها حرب احد (8) فاستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقيم عند أهله، فأنزل الله هذه الآية: " فأذن لمن شئت منهم " فأقام عند أهله ثم أصبح وهو جنب فحضر القتال فاستشهد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن في صحاف فضة بين السماء والارض فكان يسمى غسيل الملائكة (9). 56 - فس: " فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى "


(1) تفسير القمى: 459 و 460 والايات في النور: 47 - 50. (2) تفسير القمى: 494. والاية في القصص: 85. (3) والوليد بن خ أقول: في غزوة احد: الوليد بن عقبة بن ابى معيط. وفى المصدر: عقبة كما في المتن. (4) لما قتل خ ل. (5) عند خ ل. (6) في النار خ ل. (7) تفسير القمى: 649 فيه: وراء الحرب ان يجر فيقبرا. (8) في المصدر: في الليلة التى في صبيحتها حرب احد. (9) تفسير القمى: 462. والاية في النور: 62.

[100]

قال: نزلت في رجل من الانصار كانت له نخلة في دار رجل فكان (1) يدخل عليه بغير إذن، فشكى ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لصاحب النخلة: بعني نخلتك هذه بنخلة في الجنة، فقال: لا أفعل، قال: فبعنيها بحديقة في الجنة، فقال: لا أفعل، وانصرف فمضى إليه أبوالدحداح (2) واشتراها منه وأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال أبوالدحداح: يا رسول الله خذها واجعل لي في الجنة التي قلت لهذا فلم يقبله (3) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لك في الجنة حدائق وحدائق، فأنزل الله في ذلك: " فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى " يعني أبا الدحداح " فسنيسره لليسرى * و أما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى * وما يغني عنه ماله إذا تردى " يعني إذا مات " إن علينا للهدى " قال: علينا أن نبين لهم. قوله: " فأنذرتكم نارا تلظى " أي تلتهب (4) عليهم " لا يصلاها إلا الاشقى " يعني هذا الذي بخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وسيجنبها الاتقى * الذي " قال: أبو الدحداح، وقال الله: " وما لاحد عنده من نعمة تجزى " قال: ليس لاحد عند الله يدعي ربه بما فعله (5) لنفسه وإن جازاه فبفضله يفعل، وهو قوله: " إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى * ولسوف يرضى " أي يرضى عن امير المؤمنين ويرضوا (كذا) عنه (6). 57 - فس: " فليدع ناديه " قال: لما مات أبو طالب فنادى أبو جهل والوليد عليهما لعائن الله: هلم (7) فاقتلوا محمدا فقد مات الذي كان ناصره (8) فقال الله: " فليدع ناديه * سندع الزبانية " قال: كما دعا إلى قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) نحن أيضا ندع الزبانية (9).


(1) في دار آخر وكان خ ل وفى المصدر: في دار رجل من الانصار. (2) ابن الدحداح خ ل. في المواضع. (3) في المصدر: فلم يقبلها. (4) تتلهب خ ل. (5) يدعى على ربه ما فعله خ ل. (6) تفسير القمى: 728 فيه: ويرضى عنه، والايات في سورة الليل. (7) في المصدر: هلموا (8) في المصدر: كان ينصره. (9) تفسير القمى: 731 والاية في سورة العلق: 17 و 18.

[101]

58 - ب: ابن عيسى، عن البزنطي قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول في تفسير " والليل إذا يغشى " قال: إن رجلا من الانصار كان لرجل في حائط نخلة وكان يضربه، فشكا ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعاه فقال: أعطني نخلتك بنخلة في الجنة فأبى فبلغ ذلك رجلا من الانصار يكنى أبا الدحداح جاء (1) إلى صاحب النخلة فقال: بعني نخلتك بحائطي، قال: فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله قد اشتريت نخلة فلان بحائطي، قال: فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): فلك بدلها نخلة في الجنة، فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله): فلك بدلها نخلة في الجنة، فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله) " وما خلق الذكر والانثى * إن سعيكم لشتى * فأما من أعطى " يعني النخلة " واتقى * وصدق بالحسنى " بوعد (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) " فسنيسره لليسرى (3) * وما يغني عنه ماله إذا تردى * إن علينا للهدى " فقلت له: قول الله تبارك وتعالى: " إن علينا للهدى " قال: الله (4) يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فقلت له: أصلحك الله إن قوما من أصحابنا يزعمون أن المعرفة مكتسبة، وإنهم إذا نظروا من (5) وجه النظر أدركوا، فأنكر ذلك وقال: فما هؤلاء القوم لا يكتسبون الخير لانفسهم ؟ ليس أحد من الناس إلا وهو يحب أن يكون هو خيرا ممن هو منه (6) هؤلاء بني هاشم موضعهم موضعهم، و قرابتهم قرابتهم وهم أحق بهذا الامر منكم، أفترون أنهم لا ينظرون لانفسهم وقد عرفتم ولم يعرفوا ؟ قال أبو جعفر (عليه السلام): لو استطاع الناس لاحبونا (7). 59 - ب: عنهما عن حنان قال: سأل صدقة بن مسلم أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده فقال: من الشاهد على فاطمة بأنها لا ترث أباها ؟ فقال: شهدت عليها عائشة وحفصة ورجل من العرب يقال له: أوس بن الحدثان من بني نصر شهدوا عند أبي بكر بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " لا اورث " فمنعوا فاطمة (عليها السلام) ميراثها من أبيها (8).


(1) في المصدر: فجاء (2) بموعد خ. (3) سقط عنه آيات وهن: " واما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى ". (4) في المصدر: ان الله. (5) إذا نظروا منه وجه النظر خ ل. (6) في المصدر: يحب ان يكون خيرا ممن هو خير منه. (7) قرب الاسناد: 156 والايات في سورة الليل. (8) قرب الاسناد: 47 و 48.

[102]

60 - ل: عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله (صلى الله عليه وآله): أبو هريرة وأنس بن مالك وامرأة (1). أقول: سيأتي بإسناده في باب عايشة. 61 - ل: الهمداني عن علي بن أبيه، عن ابن أبي عمير، والبزنطي معا عن أبان الاحمر عن جماعة مشيخة قالوا: اختار رسول الله (صلى الله عليه وآله) من امته اثني عشر نقيبا، أشار إليهم جبرئيل، وأمره باختياره كعدة نقباء موسى، تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس، فمن الخزرج أسعد بن زرارة، والبراء بن معاوية (2)، وعبد الرحمن بن حمام (3)، وجابر بن عبد الله، ورافع بن مالك، وسعد بن عبادة، و المنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ومن القوافل عبادة (4) بن الصامت، ومعنى القوافل ان الرجل من العرب كان إذا دخل يثرب يجئ إلى رجل من أشراف الخزرج فيقول له: أجرني مادمت بها من أن اظلم، فيقول: قوفل حيث شئت فأنت في جواري، فلا يتعرض له أحد، ومن الاوس أبو الهيثم بن التيهان، واسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة. قال الصدوق رحمه الله: وقد أخرجت قصتهم في كتاب النبوة، والنقيب: الرئيس من العرفاء، وقد قيل: إنه الضمين، وقد قيل: إنه الامين، وقد قيل: إنه الشهيد على قومه، وأصل النقيب في اللغة من النقب، وهو الثقب الواسع فقيل:


(1) الخصال 1: 89 و 90. أقول: لم يذكر المصنف اسناد الحديث اختصارا، والاسناد هكذا: محمد بن ابراهيم بن اسحاق الطالقاني رضى الله عنه قال: حدثنا عبد العزيز بن يمين قال حدثنى محمد بن زكريا قال: حدثنى جعفر بن محمد بن عمارة عن ابيه قال: سمعت جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول. (2) هكذا في الكتاب والمصدر واستظهر المصنف في الهامش ان الصحيح البراء بن معرور ونقله ايضا عن نسخة. (3) عبد الله بن حزام خ ل أقول: الظاهر انه وما في المتن كلاهما مصحفان والصحيح، عبد الله بن عمرو بن حرام، وهو أبو جابر بن عبد الله الانصاري. (4) كان ذكر عبادة هنا اعتذار عن عدم إدخاله في النقباء مع عظم شأنه، وذكر ابن الاثير انه من النقباء، وسعيد الكلام فيهم انشاء الله منه عفى عنه.

[103]

نقيب القوم لانه ينقب عن أحوالهم كما ينقب عن الاسرار، وعن مكنون الاضمار ومعنى قول الله عزوجل: " وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا (1) " هو أنه أخذ من كل سبط منهم ضمينا بما عقد عليهم من الميثاق في أمر دينهم، وقد قيل: إنهم بعثوا إلى الجبار ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى (عليه السلام)، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم لما رأوا من شدة بأسهم وعظم خلقهم، والقصة معروفة، و كان مرادنا ذكر معنى النقيب في اللغة، والله الموفق للصواب (2). أقول: سيأتي بعض أخبار الباب في باب مثالب الثلاثة لعنهم الله. 62 - ما: المفيد، عن علي بن محمد الكاتب، عن الحسن بن علي الزعفراني عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن علي، عن العباس بن عبد الله العنزي (3) عن عبد الرحمن بن الاسود اليشكري، عن عون بن عبيدالله، عن أبيه عن جده أبي رافع قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما وهو نائم وحية في جانب البيت فكرهت أن أقتلها فاوقظ النبي (صلى الله عليه وآله) فظننت أنه يوحى إليه، فاضطجعت بينه وبين الحية، فقلت: إن كان منها سوء كان إلي دونه، فمكثت هنيئة فاستيقظ النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يقرء: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا (4) " حتى أتى على آخر الآية، ثم قال: " الحمد لله الذي أتم لعلي نعمته، وهنيئا له بفضل الله الذي آتاه " ثم قال لي: مالك هيهنا ؟ فأخبرته بخبر الحية (5) فقال لي: أقتلها، ففعلت، ثم قال: يا أبا رافع كيف أنت وقوم يقاتلون عليا وهو على الحق وهم على الباطل جهادهم حق لله عز اسمه، فمن لم يستطع فبقلبه، ليس وراءه شئ، فقلت: يا رسول الله ادع الله لي إن أدركتهم أن يقويني على قتالهم، قال فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) و قال: " إن لكل نبي أمينا، وإن أميني أبو رافع " قال: فلما بايع الناس عليا بعد عثمان وسار طلحة والزبير ذكرت قول النبي (صلى الله عليه وآله) فبعت داري بالمدينة وأرضا لي


(1) المائدة: 12. (2) الخصال 2: 87. (3) في المصدر: العنبري. (4) المائدة: 55. (5) في المصدر: فاخبرته خبر الحية.

[104]

بخيبر، وخرجت بنفسي وولدي مع أمير المؤمنين (عليه السلام) لاستشهد بين يديه، فلم أدرك معه (1) حتى عاد من البصرة، وخرجت معه إلى صفين فقاتلت بين يديه بها وبالنهروان أيضا (2) ولم أزل معه حتى استشهد، فرجعت إلى المدينة وليس لي بها دار ولا أرض، فأعطاني الحسن بن علي (عليه السلام) أرضا بينبع، وقسم لي شطر دار أمير المؤمنين (عليه السلام) فنزلتها وعيالي (3). 63 - جا، ما: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن خالد بن يزيد عن أبي خالد، عن حنان بن سدير، عن أبي إسحاق، عن ربيعة السعدي (4) قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت له: حدثني بما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورأيته يعمل به (5) فقال: عليك بالقرآن، فقلت له: قد قرأت القرآن، وإنما جئتك لتحدثني بما لم أره ولم أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللهم إني اشهدك على حذيفة أني أتيته ليحدثني فإنه قد سمع وكتم، قال: فقال حذيفة: قد أبلغت (6) في الشدة، ثم قال لي: خذها قصيرة من طويلة، وجامعة لكل أمرك، إن آية الجنة في هذه الامة ليأكل الطعام ويمشي في الاسواق (7) فقلت له: فبين (8) لي آية الجنة فأتبعها، وآية النار فأتقيها، فقال لي: والذي نفس حذيفة بيده إن آية


(1) في المصدر: فلم ازل معه. (2) المصدر خال عن كلمة (ايضا). (3) امالي الشيخ: 37. (4) اسناد الحديث في المجالس يوافق ما يأتي بعد عن الامالى. (5) في المجالس والامالي بالاسناد الاتى: أو رأيته لا عمل به. (6) في المجالس والامالي بالاسناد الاتى: ليحدثني بما لم أره ولم اسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانه قد منعنيه وكتمنيه، فقال حذيفة: يا هذا قد ابلغت في الشدة. (7) في المجالس: [ان اية الجنة في هذه الامة لنبيه (صلى الله عليه وآله) انه ليأكل] وفى الامالى كذلك الا ان فيه: لبينه. (8) في المجالس والامالي بالاسناد الاتى: بين لى اية الجنة (في هذه الامة جا) اتبعها وبين (لى ما) اية النار فاتقيها، فقال لى: والذى نفسي بيده ان اية الجنة والهداة إليها إلى يوم القيامة واية (ائمة جا) الحق لال محمد (عليهم السلام)، وان اية النار واية (ائمة جا) الكفر والدعاة إلى النار إلى يوم القيامة لغيرهم.

[105]

الجنة والهداة إليها إلى يوم القيامة لائمة آل محمد وإن آية النار والدعاة إليها إلى يوم القيامة لاعداؤهم (1). ما: المفيد، عن الجعابي، عن محمد بن محمد بن سليمان، عن هارون بن حاتم عن إسماعيل بن توبة ومصعب بن سلام عن أبي إسحاق عن ربيعة مثله (2). 64 - ما: المفيد، عن علي بن محمد الكاتب، عن الحسن بن علي الزعفراني عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن أبي الوليد الضبي، عن أبي بكر الهذلي قال: دخل الحارث بن حوط الليثي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين ما أرى طلحة والزبير وعائشة أضحوا (3) إلا على الحق، فقال: يا حار إنك نظرت تحتك (4)، ولم تنظر فوقك، جزت عن الحق، إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه، والباطل باجتناب من اجتنبه، قال: فهلا أكون كعبد الله بن عمر، وسعد بن مالك (5) ؟ فقال أمير المؤمنين : (عليه السلام) إن عبد الله بن عمر وسعدا خذلا الحق، ولم ينصرا الباطل، متى كانا إمامين في الخير فيتبعان (6) ؟. 65 - ما: المفيد، عن علي بن خالد، عن العباس بن المغيرة، عن أحمد بن منصور، عن عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن خالد ابن خالد اليشكري قال: خرجت سنة فتح تستر حتى قدمت الكوفة فدخلت المسجد فإذا أنا بحلقة فيها رجل جهم من الرجال فقلت: من هذا ؟ فقال القوم: أما تعرفه ؟ فقلت: لا، فقالوا: هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: فقعدت إليه فحدث القوم فقال: إن الناس كانوا يسألون رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسأله عن الشر، فأنكر ذلك القوم عليه، فقال: سأحدثكم بما أنكرتم، إنه جاء


(1) المجالس: 196 و 197، الامالى: 53. (29 الامالى: 69. (3) في نسخة من المصدر: احتجوا. (4) في المصدر: يا حارث انك ان نظرت تحتك. (5) وهو سعد بن ابى وقاص. (6) الامالى: 83.

[106]

أمر الاسلام فجاء أمر ليس كأمر الجاهلية، وكنت اعطيت من القرآن فقها، و كان (1) يجيئون فيسألون النبي (صلى الله عليه وآله) فقلت أنا: يا رسول الله أيكون هذا الخير شرا (2) ؟ قال: نعم، قلت: فما العصمة منه ؟ قال: السيف، قال: قلت: وما بعد السيف بقية (3) ؟ قال: نعم يكون أمارة على اقذاء، وهدنة على دخن، قال: قلت: ثم ماذا ؟ قال: ثم تفشو رعاة الضلالة (4) فإن رأيت يومئذ خليفة عدل فالزمه، و إلا فمت (5) عاضا على جزل شجرة (6). بيان: يقال: رجل جهم الوجه، أي كالحة، وقال الجزري: في الحديث هدنة على دخن، وجماعة إلى أقذاء، الدخن بالتحريك مصدر دخنت النار تدخن: إذا الفي عليها حطب رطب فكثر دخانها، أي على فساد واختلاف، تشبيها بدخان الحطب والرطب، لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر، وقيل: أصل الدخن أن يكون في لون الدابة كدورة إلى سواد، وجاء تفسيره في الحديث ؟ انه لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه، أي لا يصفو بعضها لبعض، ولا ينصع حبها كالكدورة التي في لون الدابة، والاقذاء جمع قذى، والقذى جمع قذاة، وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك، أراد أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم، فشبه بقذى العين والماء والشراب، وقال: الهدنة: السكون والصلح والموادعة بين المسلمين انتهى. والجزل: الحطب اليابس أو الغليظ العظيم منه. 66 - ما: ابن بسران (7) عن محمد بن عمرو بن البختري، عن سعيد بن نصر


(1) في المصدر: وكانوا. (2) في المصدر: ايكون بعد هذا الخبر شر ؟ (3) تقيه خ ل. (4) في المصدر: دعاة الضلالة. (5) وإلا فمت، يحتمل أن يكون كناية عن اعتزال الخلق، والصبر على الفقر والجوع فيعض من شدة الجوع أو عن الموت غيظا، أو المراد بالعض اللزوم أي تلزم اصول الاشجار في البراري حتى تموت منه عفى عنه. (6) امالي ابن الشيخ: 138 و 139. (7) في المصدر: أبو الحسين على بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل.

[107]

البزاز (1) عن سفيان عن عيينة عن عمر أنه سمع جابر بن عبد الله الانصاري يقول: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبر عبد الله بن ابي بعد ما ادخل حفرته فأمر به فاخرج فوضعه على ركبته أو فخذه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه الله أعلم (2). 67 - لى: علي بن الحسين بن سفيان بن يعقوب، عن جعفر بن أحمد بن يوسف، عن علي بن برزج (3) عن عمرو بن اليسع عن عبد الله بن سنان (4) عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: اتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقيل له (5): سعد بن معاذ قد مات، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقام أصحابه معه، فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب، فلما حنط وكفن وحمل على سريره تبعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلا حذاء ولا رداء، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة، ويسرة السرير مرة حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى لحده وسوى عليه اللبن وجعل يقول: ناولوني حجرا ناولوني ترابا، فيسد (6) به ما بين اللبن، فلما أن فرغ وحثا عليه التراب وسوى قبره قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إني لاعلم أنه سيبلى ويصل البلا إليه، ولكن الله عزوجل يحب عبدا إذا عمل عملا أحكمه " فلما أن سوى التربة عليه قالت ام سعد من جانب: يا سعد هنيئا لك الجنة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا ام سعد مه لا تجزمي على ربك، فإن سعدا قد أصابته ضمة، قال: فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجع الناس فقالوا: يا رسول الله لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد، إنك تبعت جنازته بلا حذاء ولا رداء، فقال (صلى الله عليه وآله): إن الملائكة كانت بلا رداء ولا حذاء فتأسيت بها، قالوا: وكنت تأخذ يمنة السرير ويسرته (7) قال: كانت يدي في يد جبرئيل (عليه السلام) آخذ حيث يأخذ، فقال (8): أمرت بغسله وصليت


(1) في المصدر: حدثنا سعيد بن ابى النصر بن منصور أبو عثمان البزاز. (2) امالي الصدوق: 251. (3) نوح خ ل. (4) في المصدر: عمرو بن اليسع عن عبد الله بن اليسع عن عبد الله بن سنان ولعله وهم. (5) ان خ ل. أقول: في امالي الشيخ: اتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) آت فقال له. (6) في المصدر: فسدد. (7) في المصدر يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة. (8) في المصدر: فقالوا.

[108]

على جنازته ولحدته في قبره، ثم قلت: إن سعدا قد أصابته ضمة، قال: فقال (صلى الله عليه وآله): نعم إنه كان في خلقه مع أهله سوء (1). ما: الغضائري عن الصدوق مثله (2). 68 - ما: ابن مخلد، عن أبي عمرو (3) عن جعفر بن محمد بن شاكر، عن قبيصة عن عقبة، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حمزة بن مالك قال: قال عبد الله: لقد قرأت من في رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعين سورة، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يلعب مع الصبيان (4). 69 - ع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان البراء بن معرور الانصاري بالمدينة وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة، والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس، فأوصى إذا دفن أن يجعل وجهه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجرت فيه السنة ونزل به الكتاب (5). 70 ع: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد عن حماد، عن معاوية بن معاوية، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان البراء بن معرور الانصاري بالمدينة وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة وإنه حضره الموت فأوصى بثلث ماله فجرت به السنة (6). 71 - مع: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن البرقي، عن أبيه، عن يونس عن ابن أسباط، عن عمه، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يقولون: إن العرش اهتز لموت سعد بن معاذ، فقال: إنما هو السرير الذي كان عليه (7). 72 - ما: الغضائري، عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن هاشم، عن


(1) امالي الصدوق: 231. (2) امالي ابن الشيخ: 272 و 273. (3) فيه: أبو عمر. وهو محمد بن عبد الواحد النحوي المعروف بالزاهد ذكر ذلك في ص 243. (4) امالي ابن الشيخ: 246 و 247. (5) علل الشرائع: 109. (6) علل الشرائع: 189. (7) معاني الاخبار: 110.

[109]

النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد بن أبيه (عليها السلام) إن النبي (صلى الله عليه وآله) صلى على سعد بن معاذ وقال لقد وافى من الملائكة للصلاة عليه تسعون ألف ملك، وفيهم جبرئيل يصلون عليه، فقلت: يا جبرئيل بما استحق صلاتكم هذا منكم (1) عليه ؟ قال: بقراءة قل هو الله أحد قائما وقاعدا وراكبا وماشيا وذاهبا وجائيا (2). كا: علي عن أبيه عن النوفلي مثله، وفيه: سبعون (3). يد، لى: أبي عن سعد مثله (4). 73 - ما: جماعة عن أبي المفضل عن محمد بن جعفر الرزاز، عن جده (5) محمد بن عيسى، عن إسحاق بن يزيد، عن عبد المؤمن بن القاسم، عن عمران بن ظبيان، عن عباد بن عبد الله الاسدي عن زيد بن صوحان أنه حدثهم في البصرة عن حذيفة بن اليمان أنه أنذرهم فتنا مشتبه يرتكس (6) فيها أقوام على وجوههم قال: ارقبوها، قال: فقلنا: كيف النجاة يابا عبد الله ؟ قال: انظروا الفئة التي فيها علي (عليه السلام) فأتوها ولو زحفا (7) على ركبكم، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: علي أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله إلى يوم القيامة (8). 74 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر بن محمد بن رباح، عن عباد بن يعقوب، عن علي بن هشام (9) بن البريد، عن أبيه، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي، عن موسى بن عبد الله بن يزيد يعني الخطمي (10) عن صلة بن زفر أنه


(1) في المصدر: بما استحق صلاتكم عليه ؟ (2) امالي ابن الشيخ: 279. (3) اصول الكافي 2: 622. (4) التوحيد: 82، الامالى: 238. (5) في المصدر: حدثنى جدى ابوامى محمد بن عيسى أبو جعفر القيسي. (6) ارتكس: وقع على رأسه. (7) زحف: دب على مقعدته أو على ركبتيه قليلا قليلا. (8) امالي ابن الشيخ: 307 و 308. (9) في نسختي المصححة: [على بن هاشم] وهو الصحيح. (10) في نسختي المصححة: يعنى الخطى.

[110]

أدخل رأسه تحت الثوب بعد ما سجى على حذيفة فقال له: إن هذه الفتنة قد وقعت فما تأمرني ؟ قال: إذا أنت فرغت من دفني فشد على راحلتك والحق بعلي (عليه السلام) فإنه على الحق والحق لا يفارقه (1). 75 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد بن جعفر الحسني، عن أحمد بن عبدالمعنم، عن يحيى بن يعلى، عن الصباح بن يحيى، عن يعقوب بن زياد العبسي، عن علي بن علقمة الايادي قال: لما قدم الحسين (2) بن علي صلوات الله عليهما وعمار بن ياسر رضي الله عنه يستنفران الناس خرج حذيفة رحمه الله وهو مريض مرضه الذي قبض فيه، فخرج يتهادى (3) بين رجلين فحرص (4) الناس على اتباع علي (عليه السلام) وطاعته ونصرته، ثم قال: ألا من أراد والذي لا إله غيره أن ينظر إلى أمير المؤمنين حقا حقا فلينظر إلى علي بن أبيطالب (عليه السلام)، ألا فوازروه واتبعوه وانصروه، قال يعقوب: أنا والله سمعته من علي بن علقمة ومن عمومتي يذكرونه عن حذيفة (5). 76 - ما: بهذا الاسناد عن يحيى بن يعلى، عن العلا بن صالح الاسدي عن عدي بن ثابت، عن أبي راشد: لما أتى حذيفة علي (عليه السلام) ضرب بيده واحدة على الاخرى وبايع له، وقال: هذه بيعة أمير المؤمنين حقا، فوالله لا نبايع بعده لاحد من قريش إلا أصغر (6) أو أبتر يولي الحق إسته (7). ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبيدالله بن الحسين العلوي، عن محمد بن علي بن محمزة العلوي، عن أبيه، عن الحسين بن زيد بن علي قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن سن جدنا علي بن الحسين (عليهما السلام)، فقال: أخبرني أبي عن أبيه علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: كنت أمشي عمي وأبي الحسن والحسين في


(1) امالي ابن الشيخ: 308. (2) الحسن خ ل. (3) تهادى الرجل: مشى وحده مشيا غير قوى متمايلا. (4) في نسختي المصححة: فحرض الناس وحثهم على اتباع على (عليه السلام). (5) امالي ابن الشيخ: 310. (6) اصفر خ ل. (7) امالي ابن الشيخ: 310 وفيه: لا يبايع بعده لواحد.

[111]

بعض طرقات المدينة في العام الذي قبض فيه عمي الحسن وأنا يومئذ غلام قد ناهزت الحلم أو كدت، فلقيهما جابر بن عبد الله وأنس بن مالك الانصاريان في جماعة من قريش والانصار فما تمالك جابر بن عبد الله حتى أكب على أيديهما وأرجلهما يقبلها فقال له رجل من قريش كان نسيبا (1) لمروان: أتصنع هذا يابا عبد الله في سنك و موضعك من صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ وكان جابر قد شهد بدرا، فقال له: إليك عني فلو علمت يا أخا قريش من فضلهما ومكانهما ما أعلم لقبلت ما تحت أقدامهما من التراب، ثم أقبل جابر على أنس بن مالك فقال: يابا حمزة أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيهما بأمر ما ظننته أن يكون (2) في بشر، قال له أنس: وما الذي أخبرك يابا عبد الله ؟ قال علي بن الحسين: فانطلق الحسن والحسين (عليهما السلام) ووقف أنا أسمع محاورة القوم، فأنشأ جابر يحدث قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم في المسجد وقد خف من حوله إذ قال لي: يا جابر ادع لي ابني حسنا وحسينا، وكان (صلى الله عليه وآله) شديد الكلف بهما، فانطلقت فدعوتهما وأقبلت أحمل هذا مرة، وهذا مرة (3) حتى جئته بهما، فقال لي وأنا أعرف السرور في وجهه لما رأى من حنوي عليهما، وتكريمي إياهما: أتحبهما يا جابر ؟ قلت: وما يمنعني من ذلك فداك أبي وامي، ومكانهما منك مكانهما ؟ قال: أفلا اخبرك عن فضلهما ؟ قلت: بلى بأبي أنت وامي، قال: إن الله تعالى لما أراد أن يخلقني خلقني نطفة بيضاء طيبة، فأودعها صلب أبي آدم (عليه السلام)، فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم الطاهر إلى نوح وإبراهيم (عليهما السلام) ثم كذلك إلى عبد المطلب، فلم يصيبني من دنس الجاهلية شئ، ثم افترقت تلك النطفة شطرين: إلى عبد الله وأبي طالب، فولدني ابي فختم الله بي النبوة، وولد علي فختمت به الوصية، ثم اجتمعت النطفتان مني ومن علي فولدتا (4) الجهر والجهير: الحسنان، فختم الله بهما أسباط النبوة، وجعل ذريتي منهما، والذي يفتح مدينة - أو قال: مدائن - الكفر (5) ويملا أرض الله عدلا بعد


(1) النسيب: القريب. ذو النسب (2) في المصدر: انه يكون في بشر. (3) في المصدر: وهذا اخرى (4) في المصدر: فوالدنا. (5) في المصدر المطبوع: [ومن ذرية هذا واشار إلى الحسين (عليه السلام) رجل يخرج في آخر الزمان يملاء] ولم يذكره في نسختي المصححة.

[112]

ما ملئت (1) جوار فهما طهران مطهران، وهما سيدا شباب أهل الجنة، طوبى لمن أحبهما وأباهما وامهما، وويل لمن حادهم وأبغضهم (2). بيان: ناهز الصبي البلوغ: داناه. قوله: أو كدت أي أن أبلغ، ويقال كلفت بهذا الامر: أي أولعت به. وحنت المرأة على ولدها حنوا كعلو: عطفت. والجهر والجهير كأنهما من ألقابهما أو أسمائهما في الكتب السالفة، في القاموس جهر وجهير: ذو منظر، والجهر بالضم: هيئة الرجل وحسن منظره، والجهير: الجميل والخليق للمعروف. 77 - ص: الصدوق عن عبد الله بن حامد، عن محمد بن جعفر، عن علي بن حرب، عن محمد بن حجر، عن عمه سعيد عن أبيه عن امه عن وائل بن حجر قال: جاءنا ظهور النبي (صلى الله عليه وآله) وأنا في ملك عظيم وطاعة من قومي فرفضت ذلك وآثرت الله ورسوله، وقدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبرني أصحابه أنه بشرهم قبل قدومي بثلاث، فقال: هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في الاسلام، طائعا بقية أبناء الملوك، فقلت: يا رسول الله أتانا ظهورك وأنا في ملك فمن الله علي أن رفضت ذلك وآثرت الله ورسوله ودينه راغبا فيه، فقال (صلى الله عليه وآله): صدقت، اللهم بارك في وائل وفي ولده وولد ولده (3). 78 - ص: عن ابن عباس قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) بفناء بيته بمكة جالس إذ قربه (4) عثمان بن مظعون فجلس ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يحدثه إذ شخص بصره (صلى الله عليه وآله) إلى السماء فنظر ساعة ثم انحرف، فقال عثمان: تر كتني وأخذت بنفض رأسك كانك تشفه شيئا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أو فطنت إلى ذلك ؟ قال: نعم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل (عليه السلام): فقال عثمان: فما قال ؟ قال قال: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " قال


(1) في المصدر: كما ملئت ظلما وجودا. (2) امالي ابن الشيخ: 218 و 219. (3) قصص الانبياء مخطوط لم يطبع وليس عندي نسخته. (4) إذ مر به ظ.

[113]

عثمان: فاحببت محمدا واستقر الايمان في قلبي. 79 - يج: روي أن أبا الدرداء كان يعبد صنما في الجاهلية، وأن عبد الله ابن رواحة ومحمد بن مسلمة ينتظران خلوة أبي الدرداء فغاب فدخلا على بيته وكسرا صنمه، فلما رجع قال لاهله: من فعل هذا ؟ قالت: لا أدري، سمعت صوتا فجئت وقد خرجوا، ثم قال: لو كان الصنم يدفع لدفع عن نفسه، فقال: أعطيني حلتي فلبسها فقال النبي (صلى الله عليه وآله): هذا أبو الدرداء يجئ، ويسلم، فإذا هو جاء وأسلم. 80 - يج: روي أن عبد الله بن الزبير قال: احتجم النبي (صلى الله عليه وآله) فأخذت الدم لاهريقه، فلما برزت حسوته، فلما رجعت قال: ما صنعت ؟ قلت: جعلته في أخفى مكان، قال: ألفاك شربت الدم، ثم قال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس. 81 - يج: روي أنه ذكر زيد بن صوحان فقال: زيد وما زيد، يسبق منه عضو إلى الجنة، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله فكان كما قال (1). 82 - قب حكى العقبي أن أبا أيوب الانصاري رئي عند خليج قسطنطينة فسئل عن حاجته قال: أما دنياكم فلا حاجة لي فيها، ولكن إن مت فقدموني ما استطعتم في بلاد العدو، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يدفن عند سور القسطنطنية رجل صالح من أصحابي، وقد رجوت أن أكونه، ثم مات فكانوا يجاهدون والسرير يحمل ويقدم، فأرسل قيصر في ذلك فقالوا: صاحب نبينا وقد سألنا أن ندفنه في بلادك ونحن منفذون وصيته، قال: فإذا وليتم أخرجناه إلى الكلاب، فقالوا: لو نبش من قبره ما ترك بأرض العرب نصراني إلا قتل، ولا كنيسة إلا هدمت، فبنى على قبره قبة يسرج فيها إلى اليوم، وقبره إلى الآن يزار في جنب سور القسطنطنية (2). 83 - سر: موسى بن بكر عن المفضل قال: عرضت على أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) لم نجد الاحاديث في الخرائج المطبوع وذكرنا قبل ان ذلك المطبوع مختصر من الخرائج ظاهرا. (2) مناقب آل ابى طالب 1: 122.

[114]

اصحاب الردة فكل ما سميت إنسانا قال: اعزب حتى قلت: حذيفة، قال: اعزب قلت: ابن مسعود، قال: اعزب، ثم قال: إن كنت إنما تريد الذين لم يدخلهم شئ فعليك بهؤلاء الثلاثة: أبو ذر وسلمان والمقداد (1). بيان: اعزب أي ابعد، أقول: لعل ما ورد في حذيفة لبيان تزلزله أو ارتداده في أول الامر، فلا ينافي رجوعه إلى الحق أخيرا، كما يدل عليه الحصر الذي في آخر الخبر، فلا ينافي الاخبار السابقة. 84 - م: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " معاشر الناس أحبوا موالينا مع حبكم لالنا، هذا زيد بن حارثة وابنه اسامة بن زيد من خواص موالينا فاحبوهما فوالذي بعث محمدا بالحق نبيا لينفعكم حبهما " قالوا: وكيف ينفعنا حبهما ؟ قال: إنهما يأتيان يوم القيامة عليا (عليه السلام) بخلق عظيم أكثر (2) من ربيعة ومضر بعدد كل واحد منهما (3)، فيقولان: يا أخا رسول الله هؤلاء أحبونا بحب محمد رسول الله و بحبك، فيكتب لهم علي (عليه السلام) جوازا على الصراط فيعبرون عليه ويردون الجنة سالمين (4). 85 - م: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عباد الله هذا سعد بن معاذ من خيار عباد الله، آثر رضى الله على سخط قراباته وأصهاره من اليهود، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وغضب لمحمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعلي ولي الله ووصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما مات سعد بعد أن شفى من بني قريظة بأن قتلوا أجمعين قال (صلى الله عليه وآله): يرحمك الله يا سعد فلقد كنت شجا في حلوق الكافرين لو بقيت لكففت العجل الذي يراد نصبه في بيضة الاسلام. بيان: الشجا: ما ينشب في الحلق من عظم وغيره. أقول: تمام الخبر في باب احتجاج الرسول (صلى الله عليه وآله) على اليهود، وباب قصة أبي عامر الراهب.


(1) السرائر: 468. (2) في المصدر، بخلق عظيم من محبيهما اكثر. (3) في المصدر: منهم. (4) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري (عليه السلام): 178 و 179.

[115]

86 - جا: علي بن بلال، عن عبد الله بن (1) أسد، عن الثقفي عن إسماعيل ابن صبيح، عن سالم بن أبي سالم، عن أبي هارون العبدي قال: كنت أرى رأي الخوارج لا رأي لي غيره حتى جلست إلى أبي سعيد الخدري رحمه الله فسمعته يقول: امر الناس بخمس، فعملوا بأربع وتركوا واحدة، له رجل: يابا سعيد ما هذه الاربع التي عملوا بها ؟ قال: الصلاة والزكاة والحج وصوم شهر رمضان قال: فما الواحدة التي تركوها ؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال الرجل: وإنها المفترضة معهن ؟ (2) قال أبو سعيد ورب الكعبة، قال الرجل: فقد كفر الناس إذن ؟ قال أبو سعيد: فما ذنبي (3). 87 - جا: الحسين بن محمد النحوي، عن محمد بن الحسين، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة قال: كان النابغة الجعدي ممن يتأله في الجاهلية وأنكر الخمر والسكر وهجر الاوثان والازلام، وقال في الجاهلية كلمته التي قال فيها: الحمد لله لا شريك له * من لم يقلها لنفسه ظلما وكان يذكر دين إبراهيم (عليه السلام) والحنيفية (4) ويصوم ويستغفر ويتوقى أشياء لغوا فيها، ووفد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى * ويتلو كتابا كالمجرة نشرا وجاهدت حتى ما أحس ومن معي * سهيلا إذا ما لاح ثم تغورا وصرت إلى التقوى ولم أخش كافرا * وكنت من النار المخوفة أزجرا قال: وكان النابغة علوي الرأي وخرج بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى صفين فنزل ليله فساق به (5) وهو يقول: قد علم المصران والعراق * أن عليا فحلها العناق أبيض جحجاح (6) له رواق * وامه غالا بها الصداق


(1) في المصدر: عبد الله بن راشد. (2) في المصدر: وانها لمفترضة ؟ قال. (3) مجالس المفيد: 82. (4) المصدر يخلو عن العاطف. (5) في المصدر: فنزل ليلة ضاق به. (6) الجحجاح: السيد المسارع إلى المكارم. وفى المصدر [الحجاج] ولعله مصحف.

[116]

أكرم من شد به نطاق * إن الاولى جاروك لا أفاقوا (1) لكم سباق ولهم سباق * قد علمت ذلكم الرفاق سقتم إلى نهج الهدى وساقوا * إلى التي ليس لها عراق في ملة عادتها النفاق (2). 88 - طا: رأينا وروينا من بعض تواريخ أسفار النبي (صلى الله عليه وآله) أنه كان قصد (3) قوما من أهل الكتاب قبل دخولهم في الذمة فظفر منهم. بامرأة قريبة العرس بزوجها وعاد من سفره فبات في طريقه وأشار إلى عمار بن ياسر وعباد بن بشر أن يحرساه فاقتسما الليلة قسما (4) وكان لعباد بن بشر النصف الاول، ولعمار بن ياسر النصف الثاني، فنام عمار بن ياسر، وقام عباد بن بشر يصلي وقد تبعهم اليهودي يطلب (5) امرأته أو يغتنم إهمالا من التحفظ فيفتك بالنبي (صلى الله عليه وآله) فنظر اليهودي عباد بن (6) بشر يصلي في موضع العبور فلم يعلم في ظلام الليل هل هو شجرة أو اكمة أو دابة أو إنسان، فرماه بسهم فأثبته فيه فلم يقطع الصلاة، فرماه بآخر فخفف الصلاة (7) وأيقظ عمار بن ياسر فرأى السهام في جسده فعاتبه وقال: هلا أيقظتني في أول سهم ؟ فقال: قد كنت قد بدأت في سورة الكهف (8) فكرهت أن أقطعها، ولولا خوفي أن يأتي العدو على نفسي ويصل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأكون قد ضيعت ثغرا من ثغور المسلمين لما خففت من صلاتي، ولو أتى على نفسي، فدفعا العدو عما أراده. ثم قال: وقد ذكر أبو نعيم الحافظ في الجزء الثاني من كتاب حلية الاولياء بإسناده في حديث أبي ريحانة أنه كان مع رسول الله صلوات الله عليه في غزوة قال: فآوينا ذات ليلة إلى شرف (9) فأصابنا فيه برد شديد حتى رأيت الرجال يحفر أحدهم الحفيرة


(1) حار وك خ. (2) مجالس المفيد: 132. (3) انه كان قد قصد. (4) قسمين خ ل أقول: في المصدر: فاقتسما الليل فكان. (5) في المصدر: بطلب امرأته. (6) فنظر اليهودي إلى عباد بن بشر. (7) في المصدر: فلم يقطع عباد بن بشر الصلاة فرماه بآخر فاثبته فيه فلم يقطع الصلاة فرماه باخر فخفف الصلاة. (8) في المصدر: بسورة الكهف. (9) الشرف: المكان العالي.

[117]

فيدخل فيها ويكفئ عليه بحجفته، فلما رأى ذلك منهم قال: من يحرسنا في هذه الليلة فأدعو له بدعاء يصيب به فضله ؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: من أنت ؟ فقال: فلان بن فلان الانصاري، فقال: ادن مني فدنا منه فأخذ ببعض ثيابه ثم استفتح بدعاء له، قال أبو ريحانة: فلما سمعت ما يدعو به رسول الله (صلى الله عليه وآله) للانصاري فقمت فقلت: أنا رجل فسألني كما سأله: فقال: ادن كما قال له ودعا بدعاء دون ما دعا به للانصاري ثم قال: حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله وحرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وقال الثالثة أنسيتها (1) قال أبو شريح بعد ذلك: حرمت النار (2) على عين قد غضت عن محارم الله (3). 89 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) إذا استأذن عليه رجل فأذن له فدخل عليه فسلم، فرحب به أبو جعفر (عليه السلام) وأدناه وساءله فقال الرجل: جعلت فداك اني خطبت إلى مولاك فلان بن أبي رافع ابنته فلانة فردني ورغب عني و ازدرأني لدمامتي وحاجتي وغربتي، وقد دخلني من ذلك غضاضة هجمة عض (4) لها قلبي تمنيت عندها الموت، فقال أبو جعفر (عليه السلام): اذهب فأنت رسولي إليه، و قل له: يقول لك محمد بن على بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام): زوج منحج ابن رباح مولاي ابنتك فلانة ولا ترده، قال أبو حمزة: فوثب الرجل فرحا مسرعا برسالة أبي جعفر (عليه السلام) فلما أن توارى الرجل قال أبو جعفر (عليه السلام): إن رجلا كان من أهل اليمامة يقال له: جويبر أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منتجعا للاسلام فأسلم وحسن إسلامه، وكان رجلا قصير دميما محتاجا عاريا، وكان من قباح السودان، فضمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحال غربته وعراه (5) وكان يجري عليه طعامه صاعا من تمر


(1) في المصدر: نسيتها (2) في المصدر: وحرمت النار. (3) الامان من اخطار الاسفار والازمان: 122 - 124. (4) عصر خ ل. أقول: في المصدر: غض. أي كسر. (5) وعريه خ ل.

[118]

بالصاع الاول، وكساه شملتين، وأمره أن يلزم المسجد ويرقد فيه بالليل، فمكث بذلك ما شاء الله حتى كثر الغرباء ممن يدخل في الاسلام من أهل الحاجة بالمدينة وضاق بهم المسجد، فأوحى الله عزوجل إلى نبيه (صلى الله عليه وآله): أن طهر مسجدك، و أخرج من المسجد من يرقد فيه بالليل، ومر بسد أبواب كل من كان له في مسجدك باب إلا باب علي ومسكن فاطمة (عليهما السلام)، ولا يمرن فيه جنب، ولا يرقد فيه غريب قال: فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسد أبوابهم إلا باب علي (عليه السلام)، وأقر مسكن فاطمة صلى الله عليها على حاله، قال: ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أن يتخذ للمسلمين سقيفة فعملت لهم وهي الصفة، ثم أمر الغرباء والمساكين أن يظلوا فيها نهارهم و ليلهم، فنزلوها واجتمعوا فيها، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتعاهدهم بالبر والتمر و الشعير والزبيب إذا كان عنده، وكان المسلمون يتعاهدونهم ويرقونهم (1) لرقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويصرفون صدقاتهم إليهم فان (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) نظر إلى جويبر ذات يوم برحمة منه له ورقة عليه، فقال: يا جويبر لو تزوجت امرأة فعففت بها فرجك و أعانتك على دنياك وآخرتك، فقال له جويبر: يا رسول الله بأبي أنت وامي من يرغب في ؟ فوالله ما من حسب ولا نسب ولا مال ولا جمال، فأية امرأة ترغب في ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا جويبر إن الله قد وضع بالاسلام من كان في الجاهلية شريفا، وشرف بالاسلام من كان في الجاهلية وضيعا، وأعز بالاسلام من كان في الجاهلية ذليلا، وأذهب بالاسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها، فالناس اليوم كلهم أبيضهم وأسودهم وقرشيهم وعربيهم وعجميهم من آدم، وإن آدم (عليه السلام) خلقه الله من طين، وإن أحب الناس إلى الله عزوجل يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم، وما أعلم يا جويبر لاحد من المسلمين عليك اليوم فضلا إلا لمن كان أتقى لله منك وأطوع، ثم قال له: انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد فإنه من أشرف بني بياضة حسبا فيهم فقل له: إني رسول رسول الله إليك


(1) ويرقون عليهم. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) وان خ ل.

[119]

وهو يقول لك: زوج جويبر ابنتك الدلفاء، قال: فانطلق جويبر برسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى زيادة بن لبيد وهو في منزلة وجماعة من قومه عنده، فاستأذن فاعلم فأذن له وسلم عليه، ثم قال: يا زياد بن لبيد إني رسول رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليك في حاجة (1) فأبوح بها أم أسرها إليك ؟ فقال له زياد: بل بح بها فإن ذلك شرف لي وفخر فقال له جويبر: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لك: زوج جويبر ابنتك الدلفاء، فقال له زياد: أرسول الله أرسلك إلي بهذا يا جويبر ؟ فقال له: نعم ما كنت لاكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال له زياد: إنا لا نزوج فتياتنا إلا أكفاءنا من الانصار فانصرف يا جويبر حتى ألقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاخبره بعذري، فانصرف جويبر و هو يقول: والله ما بهذا انزل القرآن (2) ولا بهذا اظهرت نبوة محمد (صلى الله عليه وآله)، فسمعت مقالته الدلفاء بنت زياد وهي في خدرها، فأرسلت إلى أبيها ادخل إلي، فدخل إليها فقالت له: ما هذا (3) الكلام الذي سمعته منك تحاور به جويبرا ؟ فقال لها: ذكر لي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسله، وقال: يقول لك رسول الله (صلى الله عليه وآله): زوج جويبرا ابنتك الدلفاء، فقالت له: والله ما كان جويبر ليكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحضرته فابعث الآن رسولا يرد عليك جويبرا، فبعث زياد رسولا فلحق جويبرا فقال له زياد: يا جويبر مرحبا بك، اطمئن حتى أعود إليك، ثم انطلق زياد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: بأبي أنت وامي إن جويبرا أتانى برسالتك، وقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: زوج جويبرا ابنتك الدلفاء، فلم الن له في القول، ورأيت لقاءك و نحن لا نزوج إلا أكفاءنا من الانصار، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا زياد جويبر مؤمن، والمؤمن كفو للمؤمنة، والمسلم كفو للمسلمة، فزوجه يا زياد ولا ترغب عنه، قال: فرجع زياد إلى منزله ودخل على ابنته فقال لها ما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت له: إنك إن عصيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفرت، فزوج جويبرا


(1) في المصدر: في حاجة لى. (2) نزل القران خ ل. (3) يا ابت ما هذا خ.

[120]

فخرج زياد فأخذ بيد جويبر ثم أخرجه إلى قومه فزوجه على سنة الله وسنة رسوله (1) وضمن صداقها (2) قال: فجهزها زياد وهيأها ثم أرسلوا إلى جويبر فقالوا له: ألك منزل فنسوقها إليك ؟ فقال: والله مالي من منزل، قال: فهيؤها وهيؤا لها منزلا وهيؤا فيه فراشا ومتاعا، وكسوا جويبرا ثوبين، وادخلت الدلفاء في بيتها وادخل جويبر عليها معتما (3) فلما راها نظر إلى بيت ومتاع وريح طيبة قام ؟ إلى زاوية البيت فلم يزل تاليا للقرآن راكعا وساجدا حتى طلع الفجر، فلما سمع النداء خرج وخرجت زوجته إلى الصلاة فتوضأت وصلت الصبح، فسئلت: هل مسك ؟ فقال: ما زال تاليا للقرآن وراكعا وساجدا حتى سمع النداء فخرج، فلما كانت الليلة الثانية فعل مثل ذلك، وأخفوا ذلك من زياد، فلما كان يوم الثالث فعل مثل ذلك، فأخبر بذلك أبوها، فانطلق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: بأبي أنت و امي يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرتني بتزويج جويبر، ولا والله ما كان من مناكحنا، و لكن طاعتك أوجبت علي تزويجه، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): فما الذي أنكرتم منه ؟ قال: إنا هيأنا له بيتا ومتاعا، وأدخلت ابنتي البيت (4) وادخل معها معتما (5) فما كلمها (6) ولا نظر إليها ولا دنا منها، بل قام إلى زاوية البيت فلم يزل تاليا للقرآن راكعا وساجدا حتى سمع النداء فخرج، ثم فعل مثل ذلك في الليلة الثانية ومثل ذلك في الليلة الثالثة ولم يدن منها ولم يكلمها إلى أن جئتك، وما نراه يريد النساء فانظر في أمرنا (7) فانصرف زياد وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جويبر فقال له: أما تقرب النساء ؟ فقال له جويبر: أو ما أنا بفحل ؟ بلى يا رسول الله إني لشبق نهم إلى النساء، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد خبرت بخلاف ما وصفت به نفسك، قد ذكروا لي أنهم هيؤا لك بيتا وفراشا ومتاعا وادخلت عليك فتاة حسناء عطرة، و أتيت معتما (8) فلم تنظر إليها ولم تكلمها ولم تدن منها، فما دهاك إذن ؟ فقال له


(1) رسول الله خ ل. (2) في المصدر: وضمن صداقه. (3 و 5 و 8) مغتما خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) في المصدر: وادخلت ابنتى المبيت. (6) في المصدر: فلا كلمها. (7) إلى امرنا خ ل.

[121]

جويبر: يا رسول الله دخلت (1) بيتا واسعا، ورأيت فراشا ومتاعا وفتاة حسناء عطرة، وذكرت حالي التي كنت عليها، وغربتي وحاجتي وضيعتي وكينونتي (2) مع الغرباء والمساكين، فاحببت إذ أولاني الله ذلك أن أشكره على ما أعطاني، و أتقرب إليه بحقيقة الشكر، فنهضت إلى جانب البيت فلم أزل في صلاتي تاليا للقرآن راكعا وساجدا أشكر الله حتى سمعت النداء خرجت، فلما أصبحت رأيت أن أصوم ذلك اليوم ففعلت ذلك ثلاثة أيام ولياليها، ورأيت ذلك في جنب ما أعطاني الله يسير ولكني سارضيها وارضيهم الليلة إنشاء الله، فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى زياد فأتاه وأعلمه ما قال جويبر فطابت أنفسهم، قال: وفى لهم جويبر بما قال، ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج في غزوة له ومعه جويبر فاستشهد رحمه الله، فما كان في الانصار أيم أنفق منها بعد جويبر (3). بيان: رحب به ترحيبا، أي قال له: مرحبا، أي أتيت رحبا وسعة، وقيل: رحب به، أي دعاه إلى الرحب والسعة، والاول هو الذي صرح به اللغويون. والازدراء: الاحتقار والانتقاص. والدمامة بالمهملة: الحقارة والقبح. والغضاضة: الذلة. والهجمة: البغتة، والهجمة من الابل: ما بين السبعين إلى المائة، ومن الشتاء: شدة برده، ومن الصيف: شدة حره. والانتجاع: الطلب والباسق: المرتفع. وباح بسره: أظهره. والخدر بالكسر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت قوله: معتما في بعض النسخ بالغين المعجمة، وفي بعضها بالمهملة، إما من الاعتمام وهو لبس العمامة، أو من اعتم: إذا دخل في وقت العتمة. أو من عتم على بناء التفعيل بمعنى أبطأ، والاظهر أحد الاخيرين. قوله: من مناكحنا، أي موضع نكاحنا. والشبق: شدة شهوة الجماع. والنهم: الحريص. ودهاه: أصابه بداهية. والنفاق: ضد الكساد، أي رغب الناس كثيرا في تزويجها بعد جويبر، و لم يصر تزويج جويبر لها سببا لعدم رغبة الناس فيها.


(1) ادخلت خ ل. (2) في المصدر: وكثوثى مع الغرباء. (3) الفروع: 2: 8 و 9.

[122]

90 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن ضريس الكناسي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) برجل يغرس غرسا في حائط له فوقف عليه (1) فقال: ألا أدلك على غرس أثبت أصلا وأسرع إيناعا وأطيب ثمرا وأبقى ؟ قال: بلى فدلني يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: إذا أصبحت وأمسيت فقل: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " فإن لك إن قلته بكل تسبيحة عشر شجرات في الجنة من أنواع الفاكهة وهن (2) من الباقيات الصالحات، قال: فقال الرجل: فإني اشهدك يا رسول الله أن حائطي هذه صدقة مقبوضة على فقراء المسلمين أهل الصدقة، فأنزل الله عزوجل آيا (3) من القرآن: " فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى " (4). بيان: إيناع الثمرة: نضجها وإدراكها. 91 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فشكا إليه أذى جاره، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): اصبر، ثم أتاه ثانية فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): اصبر، ثم عاد إليه فشكاه ثالثة فقال النبي ((صلى الله عليه وآله) للرجل الذي شكا: إذا كان عند رواح الناس إلى الجمعة فأخرج متاعك إلى الطريق حتى يراه من يروح إلى الجمعة، فإذا سألوك فأخبرهم، قال: ففعل فاتى جاره المؤذي له فقال له: رد متاعك ولك الله علي أن لا أعود (5). 92 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤمن فقير شديد الحاجة من أهل الصفة، وكان ملازما (6) لرسول الله (صلى الله عليه وآله) عند مواقيت


(1) فوقف عليه خ. (2) وهو خ ل. (3) آيات خ ل. اقول يوجد هذا في المصدر. (4) الاصول 2: 506. والايات في الليل: 5 - 7. (5) الاصول 2: 228: فيه: فلك الله. (6) لازما خ ل.

[123]

الصلاة كلها، لا يفقده في شئ منها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرق له وينظر إلى حاجته وغربته، فيقول: يا سعد لو قد جاءني شئ لاغنيتك، قال: فأبطأ ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاشتد غم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسعد، فعلم الله سبحانه ما دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غمه لسعد، فأهبط عليه جبرئيل ومعه درهمان فقال له: يا محمد إن الله عزوجل قد علم ما قد دخلك (1) من الغم بسعد (2) أفتحب أن تغنيه ؟ فقال: نعم، فقال له: فهاك هذين الدرهمين فأعطهما إياه، ومره أن يتجر بهما، قال: فأخذهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم خرج إلى صلاة الظهر، وسعد قائم على باب حجرات رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينتظره، فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا سعد أتحسن التجارة ؟ فقال له سعد: والله ما أصحبت أملك مالا أتجر به، فأعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدرهمين وقال له: اتجر بهما وتصرف لرزق الله تعالى، فأخذهما سعد ومضى مع النبي (صلى الله عليه وآله) حتى صلى معه الظهر والعصر، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): قم فاطلب الرزق فقد كنت بحالك مغتما يا سعد، قال: فأقبل سعد لا يشتري بدرهم شيئا إلا باعه بدرهمين ولا يشتري شيئا بدرهمين إلا باعه بأربعة، وأقبلت الدنيا على سعد فكثر متاعه و ماله وعظمت تجارته، فاتخذ على باب المسجد موضعا وجلس فيه وجمع تجايره (3) إليه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أقام بلال الصلاة يخرج وسعد مشغول بالدنيا لم يتطهر ولم يتهيأ كما كان يفعل قبل أن يتشاغل بالدنيا، فكان النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: يا سعد شغلتك الدنيا عن الصلاة، فكان يقول: ما أصنع اضيع مالي ؟ هذا رجل قد بعته فاريد أن أستوفي منه، وهذا رجل قد اشتريت منه فاريد أن اوفيه، قال: فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أمر سعد غم أشد من غمه بفقره، فهبط عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد إن الله قد علم غمك بسعد، فأيما أحب إليك ؟ حاله الاولى أو حاله هذه ؟ فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): يا جبرئيل بل حاله الاولى قد ذهبت (4) دنياه بآخرته، فقال له جبرئيل (عليه السلام): إن حب الدنيا والاموال فتنة ومشغلة عن


(1) دخل عليك خ. (2) في المصدر: ما قد دخلك من الغم لسعد. (3) تجارته خ. (4) فقد ذهبت خ ل.

[124]

الآخرة، قل لسعد: يرد عليك الدرهمين اللذين دفعتهما إليه، فإن أمره سيصير إلى الحال (1) التي كان عليها أولا، قال فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) فمر بسعد فقال له: يا سعد أما تريد أن ترد علي الدرهمين الذين أعطيتكهما ؟ فقال سعد: بلى ومأتين فقال له: لست اريد منك يا سعد إلا الدرهمين، فأعطاه سعد درهمين، قال: فأدبرت الدنيا على سعد حتى ذهب ما كان جمع وعاد إلى حاله التي كان عليها (2). بيان: قال الجوهري: الصرف: الحيلة، ومنه قولهم إنه ليتصرف في الامور. 93 - كا: العدة عن البرقي عن أبيه عن القاسم بن محمد الجوهري عن إسحاق ابن ابراهيم الجعفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل بيت ام سلمة فشم ريحا طيبة فقال: أتتكم الحولاء ؟ فقالت: هو ذا، هي تشكو زوجها، فخرجت عليه الحولاء فقالت: بأبي أنت وامي إن زوجي عني معرض فقال: زيديه يا حولاء، فقالت: ما أترك شيئا طيبا مما أتطيب له به وهو عني معرض، فقال: أما لو يدري ماله بإقباله عليك، قالت: وماله بإقباله علي ؟ فقال: أما إنه إذا أقبل اكتنفه ملكان، وكان كالشاهر سيفه في سبيل الله، فإذا هو جامع تحات عنه الذنوب كما تتحات ورق الشجر، فإذا هو اغتسل انسلخ من الذنوب (3). 94 - كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أبي داود المسترق، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن ثلاث نسوة أتين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت إحداهن: إن زوجي لا يأكل اللحم، وقالت الاخرى: إن زوجي لا يشم الطيب وقالت الاخرى: إن زوجي لا يقرب النساء، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجر رداه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام من أصحابي لا يأكلون اللحم، ولا يشمون الطيب، ولا يأتون النساء ؟ أما إني آكل اللحم، وأشم الطيب وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (4). 95 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم


(1) في المصدر: إلى الحالة التى. (2) الفروع 1: 420. (3) الفروع 2: 57. (4) الفروع 2: 57.

[125]

عن سالم بن أبي سلمة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: حضر رجلا الموت فقيل: يا رسول الله إن فلانا قد حضره الموت، فنهض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه ناس (1) من أصحابه حتى أتاه وهو مغمى عليه، قال: فقال: يا ملك الموت كف عن الرجل حتى اسائله (2) فأفاق الرجل فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما رأيت ؟ قال: بياضا كثيرا، وسوادا كثيرا فقال: فايهما (3) كان أقرب إليك منك ؟ فقال: السواد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): قل: " اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك، واقبل مني اليسير من طاعتك " فقال (4): ثم اغمي عليه، فقال: يا ملك الموت خفف عنه ساعة حتى اسائله (5) فأفاق الرجل فقال: ما رأيت ؟ قال: رأيت بياضا كثيرا، وسوادا كثيرا، قال: فأيهما كان أقرب إليك ؟ فقال: البياض: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): غفر الله لصاحبكم، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا حضرتم ميتا فقولوا له: هذا الكلام ليقوله (6). 96 - كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن اورمة، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: " وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (7) " قال: ذاك حمزة وجعفر وعبيدة وسلمان وأبو ذر والمقداد بن الاسود وعمار هدوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقوله: " حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم " يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) " وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان " الاول والثاني والثالث (8). 97 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول حضر النبي (صلى الله عليه وآله) جنازته فقال عمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره ؟ فسكت فقال: يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره ؟ فقال له: ويلك وما يدريك ما


(1) في المصدر: اناس. (2 و 5) أسأله خ ل. (3) فايهم خ ل. (4) قال خ ل. أقول: في المصدر: فقاله. (6) الفروع 1: 35. (7) الحج: 24. (8) الاصول 1: 426 والاية في الحجرات: 7.

[126]

قلت: إني قلت: اللهم احش جوفه نارا، واملا قبره نارا، وأصله نارا، قال أبو عبد الله (عليه السلام): فأبدى من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان يكره (1). 98 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: استقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حارثة ابن مالك بن النعمان الانصاري فقال له: كيف أنت يا حارثة بن مالك النعماني (2) ؟ فقال: يا رسول الله مؤمن حقا (3) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكل شئ حقيقة، فما حقيقة قولك ؟ فقال: يا رسول الله عزفت نفسي (4) عن الدنيا، فأسهرت ليلي، و أظمأت هو اجري (5) وكأني أنظر إلى عرش ربي وقد وضع للحساب، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون في الجنة، وكأني أسمع عواء أهل النار في النار فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عبد نور الله قلبه، أبصرت فاثبت، فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يرزقني الشهادة معك، فقال: اللهم ارزق حارثة الشهادة، فلم يلبث إلا أياما حتى بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) سرية (6) فبعثه فيها فقاتل فقتل تسعة أو ثمانية ثم قتل. وفي رواية القاسم بن بريد عن أبي بصير قال: استشهد مع جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) بعد تسعة نفر وكان هو العاشر (7). 99 - كا: الحسين بن محمد، عن عبد الله بن عامر، عن علي بن مهزيار، عن


(1) الفروع 1: 51. (2) لم يذكر في المصدر لفظة [النعماني]. (3) ورواه الكليني باسناد آخر عن اسحاق بن عمار مفصلا وفيه: اصبحت موقنا. راجعه ففيه زيادات واختلاف. (4) قال الجزرى في النهاية: في حديث حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا، أي عافتها و كرهتها، ويروى عزفت بضم التاء أي منعتها وصرفتها. (5) الهواجر جمع الهاجرة: نصف النهار في القيظ، أو من عند زوال الشمس إلى العصر شدة الحر. (6) بسرية خ ل. (7) الاصول 2: 53 و 54.

[127]

حماد بن عيسى، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان البراء بن معرور التميمي الانصاري بالمدينة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة، وإنه حضره الموت وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس، فأوصى البراء إذا دفن أن يجعل وجهه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى القبلة فجرت به السنة، وأنه أوصى بثلث ماله فنزل به الكتاب وجرت به السنة (1). 100 - فر: عبيد بن كثير معنعنا عن مالك المازني (2) قال أتى تسعة نفر إلى أبي سعيد الخدري فقالوا: يا أبا سعيد هذا الرجل الذي يكثر الناس فيه ما تقول فيه ؟ فقال: عمن تسألوني ؟ قالوا: نسأل عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: أما إنكم تسألوني عن رجل أمر من الدفلى، وأحلى من العسل، وأخف من الريشة، وأثقل من الجبال، أما والله ما حلا إلا على ألسنة المؤمنين، وما أخف (3) إلا على قلوب المتقين، فلا أحبه أحد قط لله ولرسوله إلا حشره الله من الآمنين وإنه لمن حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، والله ما أمر إلا على لسان كافر، ولا ثقل (4) إلا على قلب منافق، وما ازور عنه (5) أحد قط ولا لوى ولا تحزب ولا عبس ولا بسر ولا عسر ولا مضر ولا التفت (6) ولا نظر ولا تبسم ولا يجرى (7) ولا ضحك إلى صاحبه ولا قال أعجب لهذا (8) الامر إلا حشره الله منافقا مع المنافقين وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (9). بيان: قال الفيروز آبادي: الدفل بالكسر وكذكرى: نبت مر فارسيته خرزهره انتهى. والازورار عن الشئ: العدول عنه. ولوى الرجل رأسه: أمال و أعرض. وتحزبوا: تجمعوا وبسر الرجل وجهه: كلح كعبس. وعسر الغريم


(1) الفروع 1: 70. (29 المزني خ ل. (3) في المصدر: وما خف. (4) أثقل خ ل. (5) أي عدل وانحرف. وما في المصدر: وما زوى. (6) لم يذكر في المصدر: [ولا التفت]. (7) هكذا في الكتاب ولعله مصحف [تجرأ] وفى نسخة: تجبر. وفى المصدر: تحرى. (8) في المصدر: ولا عجب لهذا الامر. (9) تفسير فرات: 109.

[128]

يعسره ويعسره: طلب منه على عسرة، وعسر عليه: خالفه، كعسره، قوله: ولا مضر، في بعض النسخ بالضاد المعجمة يقال: مضر تمضيرا، أي أهلك، وتمضر تغضب لهم، ويقال: مضرها أي جمعها (1) وفي بعضها بالمهملة، والتمصير: التقليل وقطع العطية قليلا قليلا. 101 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن بزيع، عن الخيبري (2) عن الحسين بن ثوير وأبي سلمة السراج (3) قالا: سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يلعن في دبر كل مكتوبة أربعة من الرجال، وأربعا من النساء: فلان (4) وفلان وفلان ومعاوية ويسميهم، وفلانة وفلانة وهندا وام الحكم اخت معاوية (5). 102 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن محمد الاسدي عن سالم بن مكرم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: اشتدت حال رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت له امرأته: لو أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألته، فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فلما رآه النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من سألنا أعطيناه، ومن استغنى أغناه الله، فقال الرجل: ما يعني غيري، فرجع إلى امرأته فأعلمها فقالت: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشر فأعلمه فأتاه، فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من سألنا أعطيناه، ومن استغنى أغناه الله حتى فعل الرجل ذلك ثلاث، ثم ذهب الرجل فاستعار معولا ثم أتى الجبل فصعده فقطع حطبا ثم جاء به فباعه بنصف مد من دقيق، فرجع به فأكله، ثم ذهب من الغد فجاء بأكثر من ذلك فباعه فلم يزل يعمل ويجمع حتى اشترى معولا، ثم جمع حتى اشترى بكرين وغلاما، ثم أثرى حتى أيسر، فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأعلمه كيف جاء يسأله وكيف سمع النبي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): قلت لك: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله (6).


(1) ومضر اللبن كنصر: حمض (2) هو خيبرى بن على الطحان الكوفى، قال النجاشي: ضعيف في مذهبه، ذكر ذلك احمد ابن الحسين، يقال في مذهبه ارتفاع. (3) لم اقف على اسمه ولا على حاله. (4) وفلان خ. (5) فروع الكافي 1: 95. (6) الاصول 2: 139.

[129]

بيان: يقال: أثرى الرجل: إذا كثرت أمواله. 103 - فر: الحسين بن الحكم معنعنا عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: " أفمن كان مؤمنا " يعني علي بن أبي طالب " كمن كان فاسقا " يعني الوليد ابن عقبة بن أبي معيط لعنة الله " لا يستوون " عند الله، وفي قوله تعالى: " أما الذين آمنوا وعملو الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون " نزلت في علي ابن أبي طالب (عليه السلام) " وأما الذين فسقوا فمأواهم النار " نزلت في الوليد بن عقبة (1). 104 - كا: علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاءت فخذ من الانصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسلموا عليه فرد) عليهم السلام)، فقالوا: يا رسول الله لنا إليك حاجة، فقال: هاتوا حاجتكم، قالوا: إنها حاجة عظيمة، فقال: هاتوها ما هي ؟ قالوا: تضمن (2) لنا على ربك الجنة ؟ قال: فنكس رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأسه ثم نكت (3) في الارض ثم رفع رأسه فقال: أفعل ذلك بكم على أن لا تسألوا أحدا شيئا، قال: فكان الرجل منهم يكون في السفر فيسقط سوطه فيكره أن يقول لانسان: ناولنيه فرارا من المسألة، فينزل فيأخذه ويكون على المائدة فيكون (4) بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه فلا يقول: ناولني حتى يقوم فيشرب (5). بيان: قال الجوهري: الفخذ في العشائر: أقل من البطن، أولها الشعب ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ. 105 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن أبي جميلة عن ليث المرادي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كسا اسامة بن


(1) تفسير فرات: 120 راجعه فان الظاهر ان المصنف أدرج رواية في اخرى. والايات في سورة السجدة: 18 - 20. (2) ان تضمن خ ل. (3) نكت الارض باصبعه أو بقضيب: ضربها به حال التكفر فاثر فيها. (4) ويكون خ ل (5) الفروع 1: 167.

[130]

زيد حلة حرير فخرج فيها فقال: مهلا يا اسامة إنما يلبسها من لا خلاق له، فاقسمها بين نسائك (1). 106 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن الحسين ابن أحمد، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبني سلمة: يا بني سلمة من سيدكم ؟ قالوا (2): يا رسول الله سيدنا رجل فيه بخل فقال (صلى الله عليه وآله): واي داء أدوا (3) من البخل ؟ ثم قال: بل سيدكم الابيض الجسد البراء بن معرور (4). توضيح: قال في النهاية: فيه أي داء أدوى من البخل أي أي عيب أقبح منه والصواب أدوأ بالهمزة، ولكن هكذا يروى إلا أن يجعل من باب دوي (5) يدوى دواء فهو دو: إذا هلك لمرض باطن. 107 - كا: العدة عن البرقي، عن نوح بن شعيب، عن أبي داود المسترق رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) دعي النبي (صلى الله عليه وآله) إلى طعام، فلما دخل منزل الرجل نظر إلى دجاجة فوق حائط قد باضت فتقع (6) البيضة على وتد في حائط فثبتت عليه ولم تسقط ولم تنكسر، فتعجب النبي (صلى الله عليه وآله) منها، فقال له الرجل: أعجبت من هذه البيضة ؟ فوالذي بعثك بالحق ما رزئت شيئا قط، فنهض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يأكل من طعامه شيئا، وقال: من لم يرزأ فما لله فيه من حاجة (7). بيان: الرزء: المصيبة ؟، ويقال: ما رزأته ماله بفتح الزاء وكسرها، أي ما نقصته. 108 - كا: العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل موسر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نقي الثوب فجلس إلى


(1) الفروع 2: 206. (2) فقالوا خ ل. (3) هكذا في نسخة المصنف بالالف، وفى المصدر: [أدوى] بالياء، والظاهر انه وهم في الكتابة. (4) الفروع 1: 174. (5) دوى الرجل: مرض. صدره: ضغن. (6) فوقعت خ ل. (7) الاصول 2: 256.

[131]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس إلى جنب الموسر فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أخفت أن يمسك من فقره شئ ؟ قال: لا، قال: فخفت أن يصيبه من غناك شئ ؟ قال: لا، قال: فخفت أن يوشح ثيابك ؟ قال: لا، قال: فما حملك على ما صنعت ؟ فقال: يا رسول الله إن لي قرينا يزين لي كل قبيح، ويقبح لي كل حسن، وقد جعلت له نصف مالي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمعسر: أتقبل ؟ قال: لا، فقال له الرجل: ولم ؟ قال: أخاف أن يدخل ما دخلك (1). بيان: درن الثوب بالكسر أي وسخ يوسخ بالفتح. 109 - كا: العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) بينما هو ذات يوم عند عايشة إذا استأذن عليه رجل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بئس أخو العشيرة، فقامت عايشة فدخلت البيت، فأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) للرجل، فلما دخل أقبل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بوجهه وبشره إليه يحدثه حتى إذا فرغ وخرج من عنده، قالت عايشة: يا رسول الله بينما أنت تذكر هذا الرجل بما ذكرته به إذا أقبلت عليه بوجهك وبشرك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند ذلك: إن من شرار عباد الله من تكره مجالسته لفحشه (2). 110 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل فقال: يا رسول الله أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة، فقال له رسول الله (صلى الله عليه آله): أما إنك عاشرهم في النار (3). 111 - كا: العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن هارون بن حمزة عن علي بن عبد العزيز قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): ما فعل عمر بن مسلم ؟ قلت: جعلت فداك أقبل على العبادة وترك التجارة، فقال: ويحه أما علم أن تارك الطلب


(1) الاصول 2: 262 و 263. (2) الاصول: 326 وفيه: [بينا] وفيه ايضا: من شر. (3) الاصول: 329.

[132]

لا يستجاب له، إن قوما من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما نزلت: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب (1) " أغلقوا الابواب وأقبلوا على العبادة وقالوا: قد كفينا، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فأرسل إليهم، فقال: ما حملكم على ما صنعتم ؟ فقالوا: يا رسول الله صلى الله تكفل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال: إنه من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب (2). 112 - كا: العدة، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن هارون بن الجهم عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما هاجرت (3) النساء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) هاجرت فيهن امرأة يقال لها: ام حبيب، وكانت خافضة تخفض الجواري فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لها: ام حبيب العمل الذي كان في يدك هو في يدك اليوم ؟ قالت: نعم يا رسول الله إلا أن يكون حراما فتنهاني عنه، قال: لابل حلال، فادني مني حتى اعلمك، قال: فدنت منه فقال: يا ام حبيب إذا أنت فعلت فلا تنهكي، أي لا تستأصلي، وأشمي فإن أشرق للوجه وأحظى عند الزوج قال: وكان لام حبيب اخت يقال لها: ام عطية، وكانت مقينة، يعني ما شطة فلما انصرفت ام حبيب إلى اختها أخبرتها بما قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبلت ام عطية إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فاخبرته بما قالت لها اختها، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): ادني مني يا ام عطية، إذا أنت قينت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة، فإن الخرقة تشرب ماء الوجه (4). بيان: قوله (صلى الله عليه وآله): أشمي، قال الجزري: شبه القطع اليسير بإشمام الرائحة والنهك بالمبالغة فيه، أي اقطعي بعض النواة ولا تستأصيلها، وقال: حظيت المرأة عند زوجها: دنت من قلبه وأحبها، انتهى، وقنيت الماشطة العروس تقيينا: زينتها. 113 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة عن الفضيل وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزوجل: " ومن الناس من يعبد الله على


(1) الطلاق: 2 و 3. (2) الفروع 1: 351. (3) لما هاجرن خ ل. (4) الفروع: 361.

[133]

حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب عن وجهه خسر الدنيا و الآخرة (1) " قال زرراة: سألت عنها أبا جعفر (عليه السلام) فقال: هؤلاء قوم عبدوا الله و خلعوا عبادة من يعبد من دون الله وشكوا في محمد (صلى الله عليه وآله) وما جاء به، فتكلموا بالاسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقروا بالقرآن، وهم في ذلك شاكون في محمد (صلى الله عليه وآله) وما جاء به وليسوا شكاكا في الله، قال الله عزوجل: " ومن الناس من يعبد الله على حرف " يعني على شك في محمد وما جاء به (صلى الله عليه وآله) " فإن أصابه خير " يعني عافية في نفسه وماله وولده " اطمأن به " ورضي به " وإن أصابته فتنة " بلاء (2) في جسده أو ماله تطير وكره المقام على الاقرار بالنبي فرجع إلى الوقوف والشك، فنصب العداوة لله ولرسوله والجحود بالنبي (صلى الله عليه وآله) وما جاء به (3). 114 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن موسى ابن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزوجل: " ومن الناس من يعبد الله على حرف " قال: هم قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله فخرجوا من الشرك، ولم يعرفوا أن محمدا رسول الله، فهم يعبدون الله على شك في محمد وما جاء به، فأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: ننظر فإن كان غير ذلك نظرنا، قال الله عزوجل: " فإن أصابه خير اطمأن به " يعني عافية في الدنيا " وإن أصابته فتنة " يعني بلاء في نفسه وماله " انقلب على وجهه " انقلب على شكه إلى الشرك " خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين * يدعو من دون الله مالا يضره ومالا ينفعه (4) " قال: ينقلب مشركا يدعوا غير الله ويعبد غير الله (5)، فمنهم من يعرف فيدخل الايمان قلبه فيؤمن فيصدق ويزول عن منزلته من الشك إلى الايمان، ومنهم من يثبت على شكه، ومنهم من ينقلب إلى الشرك (6).


(1 و 4) الحج: 11 و 12. (2) في المصدر: يعنى بلاء. (3) الاصول 2: 413. (5) في المصدر: [ويعبد غيره] وفيه: ويدخل. (6) الاصول 2: 413 و 414.

[134]

115 - يب: الشيخ عن ابن قولويه، عن الكليني، عن العدة، عن سهل عن أيوب بن نوح، عمن رواه، عن أبي مريم الانصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام) أن الحسن بن علي (عليهما السلام) كفن اسامة بن زيد ببرد حبرة (1) وإن عليا كفن سهل بن حنيف ببرد أحمر حبرة (2). 116 - كا: العدة عن البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن الحسين ابن زيد الهاشمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء النبي (صلى الله عليه وآله)، فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) فإذا هي عند هم، فقال: إذا أتيتنا طابت بيوتنا فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله، فقال: إذا بعت فاحسني ولا تغشي. فإنه أتقى لله، وأبقى للمال (3). 117 - كا: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الانصار، وكان منزل الانصار بباب البستان، فكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن فكلمه الانصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة، فلما تأبى جاء الانصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشكا إليه وخبره الخبر، فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخبره بقول الانصاري وما شكا، وقال: إذا أردت الدخول فاستأذن، فأبى، فلما أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق مذلل (4) في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للانصاري: اذهب فاقعلها وارم بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار (5). بيان: العذق بالفتح: النخلة بحملها، ذكره الجوهري، وقال قوله تعالى: " وذللت قطوفها تذليلا (6) " أي سويت عناقيدها ودليت، وقال الجزري: في


(1) الحبرة من البرود: ما كان موشيا مخططا وهو برديمان. (2) التهذيب 1: 84. (3) الفروع 1: 371. وذكره الكليني ايضا في كتاب الروضة: 153 باسناد آخر مفصلا. (4) يمد لك خ ل أقول: ذلك في المصدر. (5) فروع الكافي 413 1 و 414. (6) الانسان: 14.

[135]

الحديث كم من عذق مذلل لابي الدحداح، تذليل العذوق: أنها إذا اخرجت من كوافيرها التي تغطيها عند انشقاقها عنها يعمد الآبر فيمسخها (1) ويبسرها حتى تتدلى خارجة من بين الجريد والسلاء فيسهل قطافها عند إدراكها، وإن كانت العين مفتوحة فهي النخلة، وتذليلها: تسهيل اجتناء ثمرها وإدناؤها من قاطفها. 118 - كا: علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن بعض أصحابنا عن عبد الله بن مسكان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن سمرة يجئ فيدخل (2) إلى عذقة بغير اذن من الانصاري، فقال الانصاري: يا سمرة لا تزال تفجأنا على حال لا نحب أن تفجأنا عليها، فإذا دخلت فاستأذن، فقال لا أستأذن في طريقي، وهو طريقي إلى غذقي، قال: فشكاه الانصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاه فقال له: إن فلانا قد شكاك، وزعم أنك تمر عليه وعلى أهله بغير إذنه، فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل، فقال: يا رسول الله أستأذن في طريقي إلى عذقي ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): خل عنه ولك مكانه عذق في مكان كذا وكذا، فقال: لا، قال: فلك اثنان، قال: لا اريد، فلم يزل يزيده حتى بلغ عشرة أعذاق، فقال: لا، قال: فلك عشرة في مكان كذا وكذا فأبى، فقال: خل عنه ولك مكانه عذق في الجنة، قال: لا اريد، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنك رجل مضار، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن، قال: ثم أمر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلعت ثم رمي بها إليه، وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): انطلق فاغرسها حيث شئت (3). 119 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان وهشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكبر على قوم خمسا، و على قوم آخرين أربعا فإذا كبر على رجل أربعا اتهم، يعني بالنفاق (4).


(1) هكذا في الكتاب، وفى النهاية، فيسمحها وفى بعض النسخ: فيمسحها. (2) في المصدر: ويدخل. (3) فروع الكافي 1: 414. (4) الفروع 1: 49.

[136]

120 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن سالم، وعلي عن أبيه جميعا عن أحمد بن النضر، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن أبي القاسم، عن الحسين بن أبي قتادة جميعا، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعرض (1) الخيل، فمر بقبر أبي احيحة فقال أبو بكر: لعن الله صاحب هذا القبر، فوالله إن كان ليصد عن سبيل الله، ويكذب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال خالد ابنه: بل لعن الله أبا قحافة، فوالله ما كان يقري الضيف، ولا يقاتل العدو فلعن الله أهونهما على العشيرة فقدا، فألقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطام راحلته على غاربها ثم قال: إذا أنتم تناولتم المشركين فعموا ولا تخصوا فيغضب ولده، ثم وقف فعرضت عليه الخيل فمر به فرس فقال عيينة بن حصن: إن من أمر هذا الفرس كيت وكيت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذرنا فأنا أعلم بالخيل منك، فقال عيينة: وأنا أعلم بالرجال منك، مغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى ظهر الدم في وجهه، فقال له: فأي الرجال أفضل ؟ فقال عيينة بن حصن: رجال يكونون بنجد يضعون سيوفهم على عواتقهم، ورماحهم على كواثب خيلهم ثم يضربون بها قدما قدما، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كذبت، بل رجال أهل اليمن أفضل، الايمان يماني (2) والحكمة يمانية ولولا الهجرة لكنت أمرءا من أهل اليمن، الجفاء والقسوة في الفدادين أصحاب الوبر: ربيعة ومضر من حيث يطلع قرن الشمس، ومذحج أكثر قبيل يدخلون الجنة، وحضر موت خير من عامر بن صعصعة. وروى بعضهم: خير من الحارث بن معاوية. وبجيلة خير من رعل وذكوان، وإن يهلك لحيان فلا ابالي، ثم قال: لعن الله الملوك الاربعة: جمدا، ومخوسا، ومشرحا، وأبضعة، واختهم العمردة، لعن الله المحلل والمحلل له، ومن توالى (3) غير مواليه، ومن ادعى نسبا لا يعرف، و المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، ومن أحدث حدثا


(1) يعرض خ ل. (2) يمان خ ل. (3) في المصدر: ومن يوالى غير مواليه.

[137]

في الاسلام، أو آوى محدثا، ومن قتل غير قاتله، أو ضرب غير ضاربه، ومن لعن أبويه، فقال رجال: يا رسول الله أيوجد رجل يلعن أبويه، فقال: نعم يلعن آباء الرجال وامهاتهم فيلعنون أبويه، لعن الله رعلا وذكوان وعضلا ولحيان والمجذمين من أسد وغظفان وأبا سفيان بن حرب وشهيلا (1) ذا الاسنان، وابني مليكة بن جزيم ومروان وهوذة وهونة (2). بيان: قوله: أهونهما، أي من يكون فقده أسهل على عشيرته، ولا يبالون بموته، والغارب: ما بين السنام والعنق، وكأنه (صلى الله عليه وآله) ألقاه للغضب، أو لان يسير البعير، والكواثب جمع كاثبة وهي من الفرس مجمع كتفيه قدام السرج، ويقال: مضى قدما بضمتين: إذا لم يعرج ولم ينثن. وقال الجزري: في الحديث الايمان يمان، والحكمة يمانية، إنما قال (صلى الله عليه وآله) ذلك لان الايمان بدا من مكة وهي من تهامة، وتهامة من أرض اليمن، ولهذا يقال: الكعبة اليمانية، وقيل: إنه قال هذا القول للانصار لانهم يمانون، وهم نصروا الايمان والمؤمنين وآووهم فنسب الايمان إليهم انتهى. وقال في شرح السنة: هذا ثناء على أهل اليمن لاسراعهم إلى الايمان، و قال الجوهري: اليمن بلاد العرب والنسبة إليه يمني، ويمان مخففة، والالف عوض من ياء النسب فلا يجتمعان، قال سيبويه: وبعضهم يقول يماني بالتشديد. قوله تعالى (صلى الله عليه وآله): لولا الهجرة، لعل المعنى لولا أني هجرت عن مكة لكنت اليوم من أهل اليمن، إذ هي منها، أو أنه لولا أن المدينة كانت أولا دار هجرتي و اخترتها بأمر الله لاتخذت اليمن وطنا، أو أنه لو لا أن الهجرة أشرف لعددت نفسي من الانصار، ويؤيد الاخير ما مر في قصة حنين: " ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار ".


(1) ذكر المصنف في مرآت العقول انه في بعض النسخ بالسين المهملة والياء، اقول: لعله سهيل بن عمرو. (2) الروضة: 69 - 72.

[138]

قوله: في الفدادين، قال الجزري: الفدادون بالتشديد: الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم ومواشهيم، يقال: يفد الرجل يفد فديدا: إذا اشتد صورته، و قيل: هم المكثرون من الابل، وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون و الرعيان، وقيل: إنما هم الفدادين مخففا، واحدها فدان مشددا، وهو البقر الذي يحرث بها، وأهلها أهل جفاء وقسوة. قوله: أصحاب الوبر أي أهل البوادي فإن بيوتهم منه قوله: من حيث يطلع قرن الشمس، قال الجوهري: قرن الشمس أعلاها، وأول ما يبدو منها في الطلوع. أقول: لعل المراد أهل البوادي من هاتين القبيلتين الكائنتين في شرقي المدينة وفي روايات المخالفين حيث يطلع قرن الشمس، ومذحج كمسجد: أبو قبيلة من اليمن، وحضرموت: اسم بلد وقبيلة أيضا، وعامر بن صععصة أبو قبيلة، وبجيلة كسفينة: حي باليمن، ورعل بالكسر وذكوان بالفتح: قبيلتان من سليم، ولحيان أبو قبيلة، وفي القاموس مخوس كمنير ومشرح وجمد، وأبضعة: بنو معدي كرب الملوك الاربعة الذين لعنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولعن اختهم العمردة وفدوا مع الاشعث فأسلموا ثم ارتدوا فقتلوا يوم النجير، فقال نائحتهم: يا عين بكي لي الملوك الاربعة. قوله (صلى الله عليه وآله): لعن الله المحلل، قال في النهاية: فيه لعن الله المحلل والمحلل له، وفي رواية المحل والمحل له، وفي حديث بعض الصحابة: لا اوتي بحال ولا محلل إلا رجمته، جعل الزمخشري هذا الاخير حديثا لا أثرا، وفي هذه اللفظة ثلاث لغات: حللت وأحللت وحللت، فعلى الاولى جاء الاول، يقال: حلل فهو محلل ومحلل له، وعلى الثانية جاء الثاني تقول: أحل فهو محل ومحل له، وعلى الثالثة جاء الثالث تقول: حللت فأنا حال وهو محلول له، والمعنى في الجميع هو أن يطلق الرجل امرأته ثلاثا فيتزوجها رجل آخر على شريطة أن يطلقها بعد وطيها لتحل لزوجها الاول، وقيل: سمي محللا بقصده إلى التحليل كما يسمى مشتريا إذا قصد الشراء انتهى.

[139]

وقال الطيبي في شرح المشكاة: وإنما لعن لانه هتك مروة وقلة حمية و خسة نفس، وهو بالنسبة إلى المحلل له ظاهر، وأما المحلل فإنه كالتيس يعير نفسه بالوطئ لغرض الغير انتهى. أقول: مع الاشتراط ذهب أكثر العامة إلى بطلان النكاح، ولذا أولوا التحليل بقصده، ولا يبعد القول بالبطلان على اصول الاصحاب أيضا، ثم اعلم أنه يمكن أن يأول الخبر على وجهين آخرين: أحدهما أن يكون إشارة إلى تحليل القتال في الاشهر الحرام للنسئ كما مر، وقال الزمخشري: كان جنادة بن عوف الكناني مطاعا في الجاهلية، وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه. وثانيهما: أن يكون المراد مطلق تحليل ما حرم الله. قوله (صلى الله عليه وآله): ومن توالى، فسره أكثر العامة بالانتساب إلى غيره من انتسب إليه من ذي نسب أو معتق، وخصه بعضهم بولاء العتق، وفسر في أخبارنا بالانتساب إلى غير أئمة الحق واتخاذ غيرهم أئمة كما سيأتي. قوله: لا يعرف على بناء المعلوم أو المجهول. قوله (صلى الله عليه وآله): والمتشبهين، بأن يلبس الثياب المختصة بهن ويتزين بما يخصهن، وكذا العكس، والمشهور بين علمائنا حرمتهما، وفي بعض الاخبار أن المتشبهين من الرجال المفعولون منهم، و المتشبهات من النساء الساحقات قوله: حدثا، أي بدعة أو أمرا منكرا، وفسر في بعض الاخبار بالقتل كما مر في أول الكتاب، وقرئ المحدث بفتح الدال، أي الامر المبتدع، وإيواؤه الرضا به والصبر عليه وعدم الانكار على فاعله، وبكسرها أي نصر جانيا وأجاره من خصمه، أو مبتدعا، قوله: غير قاتله، أي مريد قتله، أو غير قاتل من هو ولي دمه. قوله: غير ضاربه، أي مريد ضربه، أو من يضربه. قوله: (صلى الله عليه وآله) ومن لعن أبويه، لعن النبي (صلى الله عليه وآله) هنا أبا بكر، حيث صار سببا للعن أبيه كما مر والعضل بالتحريك: أبو قبيلة. قوله: والمجذمين، لعل المراد من انتسب

[140]

إلى الجذيمة، ولعل أسدا وغطفان كلتيهما منسوبتان إليها: قال الجوهري: جذيمة: قبيلة من عبد القيس ينسب إليهم جذمى بالتحريك، وكذلك إلى جذيمة أسد، وقال الفيروز آبادي: غطفان محركة: حي من قيس، وما بعد ذلك أسماء الرجال. 121 - كا: علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) إن ثمامة بن أثال أسرته خيل النبي (صلى الله عليه وآله) وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم أمكني من ثمامة، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني مخيرك واحدة من ثلاث: أقتلك، قال: إذا تقتل عظيما، أو أفاديك، قال: إذا تجدني غاليا، أو أمن عليك، قال: إذا تجدني شاكرا، قال: فإني قد مننت عليك، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وقد والله علمت أنك رسول الله حيث رأيتك وما كنت لاشهد بها وأنا في الوثاق (1). 122 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان بن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل يقال له: ذو النمرة، وكان من أقبح الناس، وإنما سمي ذا النمرة من قبحه، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أخبرني ما فرض الله عزو جل علي، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): فرض الله عليك سبعة عشر ركعة في اليوم و الليلة، وصوم شهر رمضان إذا أدركته، والحج إذا استطعت إليه سبيلا، والزكاة وفسرها له، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا ما أزيد ربي على ما فرض علي شيئا، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ولم يا ذا النمرة ؟ فقال: كما خلقني قبيحا، قال: فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن ربك يأمرك أن تبلغ ذا النمرة عنه السلام وتقول له: يقول لك ربك تبارك وتعالى: أما ترضى أن أحشرك على جمال جبرئيل (عليه السلام) يوم القيامة ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ذا النمرة


(1) الروضة: 229 و 300. (*)

[141]

هذا جبرئيل يأمرني أن ابلغك اللام، ويقول لك ربك: أما ترضى أن أحشرك على جمال جبرئيل ؟ فقال ذو النمرة: فإني قد رضيت يا رب، فوعزتك لازيدنك حتى ترضى (1). 123 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن حديد، عن جميل بن دراج عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لولا أني أكره أن يقال: إن محمدا استعان بقوم حتى إذا ظفر بعدوه قتلهم لضربت أعناق قوم كثير (2). 124 - ختص: جعفر بن الحسين وأحمد بن هارون وغيرهما عن ابن الوليد عن الصفار، عن الخشاب، عن ابن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشترى فرسا من أعرابي فأعجبه فقام أقوام من المنافقين حسدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ما أخذ منه، فقالوا للاعرابي: لو بلغت به إلى السوق بعته بأضعاف هذا، فدخل الاعرابي الشره فقال: ألا أرجع فأستقيله ؟ فقالوا: لا وكلنه رجل صالح فإذا جاءك بنقدك فقل: ما بعتك بهذا، فإنه سيرده عليك فلما جاء النبي (صلى الله عليه وآله) أخرج إليه النقد فقال: ما بعتك بهذا، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) و الذي بعثني بالحق لقد بعتني، فجاء (3) خزيمة بن ثابت فقال: يا أعرابي أشهد لقد بعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا الثمن الذي قال، فقال الاعرابي: لقد بعته وما معنا من أحد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لخزيمة: كيف شهدت بهذا ؟ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وامي تخبرنا عن الله وأخبار السماوات فنصدقك، ولا نصدقك في ثمن هذا فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) شهادته شهادة رجلين فهو ذو الشهادتين (4). 125 - ختص: كان بلال مؤذن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) لزم بيته ولم يؤذن لاحد من الخلفاء وقال فيه أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام): رحم


(1) الروضة: 336. (2) الروضة: 345. (3) في المصدر: لقد بعتني بهذا فقام خزيمة. (4) الاختصاص: 64. ورواه الكليني في الكافي باسناده عن معاوية بن وهب باختلاف في الفاظة. راجع الفروع 7: 400 طبعة الاخوندى.

[142]

الله بلالا فإنه كان يحبنا أهل البيت، ولعن الله صهيبا فإنه كان يعادينا. وفي خبر آخر: كان يبكي علي عمر (1). 126 - كش: محمد بن إبراهيم، عن علي بن محمد بن يزيد القمي، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان بلال عبدا صالحا، وكان صهيب عبد سوء وكان يبكي على عمر (2). 127 - يه: عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: إن بلالا كان عبدا صالحا، فقال: لا اؤذن لاحد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فترك يومئذ حي على خير العمل (3). 128 - يب: محمد بن علي بن محبوب، عن معاوية بن حكيم، عن سليمان بن جعفر، عن أبيه قال: دخل رجل من أهل الشام على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: إن أول من سبق إلى الجنة بلال، قال: ولم ؟ قال: لانه أول من أذن (4). بيان: الظاهر أن القائل أولا أبو عبد الله (عليه السلام) فالاولية إضافية بالنسبة إلى جماعة من أضرابه أو المؤذنين، ويحتمل أن يكون القائل الشامي فقال (عليه السلام): ولم ؟ على وجه الانكار، فلما أصر القائل لم يجبه (عليه السلام) للمصلحة. 129 - ما: الحسين بن ابراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم بن أحمد، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن قوما أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله اضمن لنا على ربك الجنة، قال: فقال: على أن تعينوني بطول السجود، قالوا: نعم يا رسول الله، فضمن لهم الجنة، قال: فبلغ ذلك قوما من الانصار، قال (5): فأتوه فقالوا: يا رسول الله اضمن لنا الجنة، قال: على أن لا تسألوا أحدا شيئا، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فضمن لهم الجنة، فكان


(1) الاختصاص: 73 فيه: كان يبكى على ر م ع (2) رجال الكشى: 26. (3) من لا يحضره الفقيه: 76. (4) تهذيب الاحكام 1: 217. (5) لم يذكر [قال] في المصدر.

[143]

الرجل منهم يسقط سوطه وهو على دابته فينزل حتى يتناوله، كراهية أن يسأل أحدا شيئا، وأن كان الرجل لينقطع شسعه فيكره أن يطلب من أحد شيئا (1). 130 - يه: بإسناده عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: احتجم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حجمه مولى لبني بياضة وأعطاه، لو كان (2) حراما ما أعطاه، فلما فرغ قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أين الدم ؟ قال: شربته يا رسول الله فقال: ما كان ينبغي لك أن تفعله، وقد جعله الله لك حجاجا من النار (3). 131 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رجل يبيع الزيت، وكان يحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حبا شديدا، كان إذا أراد أن يذهب في حاجته لم يمض حتى ينظر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قد عرف (4) ذلك منه، فإذا جاء تطاول (5) له حتى ينظر إليه، حتى إذا كان ذات يوم دخل (6) فتطاول له رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى نظر إليه، ثم مضى في حاجته فلم يكن بأسرع من أن رجع، فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد فعل ذلك أشار إليه بيده اجلس، فجلس بين يديه، فقال: مالك فعلت اليوم شيئا لم تكن تفعله قبل ذلك ؟ فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا لغشى قلبي شئ من ذكرك حتى ما استطعت أن أمضي في حاجتي حتى رجعت إليك، فدعا له وقال له خيرا ثم مكث رسول الله (صلى الله عليه وآله) أياما لا يراه، فلما فقده سأل عنه، فقيل: يا رسول الله ما رأيناه منذ أيام فاتتعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانتعل معه أصحابه وانطلق حتى أتى (7) سوق الزيت، فإذا دكان الرجل ليس فيه أحد، فسأله عنه جيرته فقالوا: يا رسول الله مات، ولقد كان عندنا أمينا صدوقا إلا أنه قد كان فيه خصلة، قال: وماهي ؟


(1) المجالس والاخبار: 60 و 61. (2) في المصدر: ولو كان (3) من لا يحضره الفقيه: 354 طبعة طهران. (4) في المصدر: وقد عرف (5) يتطاول خ. (6) في المصدر: فإذا كانت ذات يوم دخل عليه. (7) حتى أتوا خ ل. اقول: يوجد ذلك في المصدر.

[144]

قالوا: كان يرهق، يعنون يتبع النساء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رحمه الله والله لقد كان يحبني حبا لو كان نخاسا (1) لغفر الله له (2). بيان: نخاسا فيما عندنا من النسخ بالنون، ولعله محمول على من يبيع الاحرار وربما يقرأ بالباء الموحدة من بخس المكيال والميزان فيناسب عمله أيضا. 132 - محص: عن سليمان الجعفري، عن أبي الحسن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: رفع إلى (3) رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوم في بعض غزواته فقال: من القوم ؟ قالوا: مؤمنون يا رسول الله، قال: ما بلغ من إيمانكم ؟ قالوا: الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء، والرضاء بالقضاء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حلماء علماء كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء، إن كنتم كما تقولون فلا تبنوا مالا تسكون، ولا تجمعوا مالا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون (4). 133 - كا: العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج في جنازة سعد وقد شيعه سبعون ألف ملك، فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأسه إلى السماء ثم قال: مثل سعد يضم، قال: قلت: جعلت فداك إنا نحدث أنه كان يستخف بالبول، فقال: معاذ الله إنما كان من زعارة في خلقه على أهله، قال: فقالت ام سعد: هنيئا لك يا سعد قال: فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ام سعد لا تحتمي على الله (5). بيان: الزعارة بتشديد الراء (6): شكاسة الخلق. 134 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابه، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني خرجت وامرأتي حائض، فرجعت وهي حبلى، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تتهم ؟ قال: أتهم رجلين، قال: ائت بهما فجاء بهما، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن يك ابن


(1) غفر خ ل. (2) الروضة: 77 و 78. (3) أي قدم إليه. (4) التمحيص: مخطوط. (5) الفروع 1: 64. (6) وتخفيفه.

[145]

هذا فيخرج قططا كذا وكذا، فخرج كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجعل معقلته (1) على قوم امه وميراثه لهم، ولو أن إنسانا قال: يا ابن الزانية يجلد الحد (2). 135 - كا: علي عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج رفعه قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاعد إذا جاءت امرأة عريانة حتى قامت بين يديه، فقالت: يا رسول الله إني فجرت فطهرني، قال: وجاء رجل يعدو في أثرها وألقى عليها ثوبا، فقال (صلى الله عليه وآله): ما هي منك ؟ قال: صاحبتي يا رسول الله خلوت بجاريتي فصنعت ما ترى، فقال: ضمها إليك ثم قال: إن الغيراء لا تبصر أعلى الوادي من أسفله (3). 136 - كا: العدة عن البرقي عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم الحضرمي عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رجلا من الانصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج في بعض حوائجه فعهد إلى امرأته عهدا أن لا تخرج من بيتها حتى يقدم، قال: وإن أباها مرض فبعثت المرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: إن زوجي خرج وعهد إلي أن لا أخرج من بيتي حتى يقدم، وإن أبي مرض فتأمرني أن أعوده، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك، قال: فثقل فأرسلت إليه ثانية بذلك فقالت: فتأمرني أن أعوده ؟ فقال: اجلسي في بيتك، وأطيعي زوجك، قال: فمات أبوها فبعثت إليه أن أبي قد مات فتأمرني أن اصلي عليه ؟ فقال: لا، اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك، قال: فدفن الرجل فبعث إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله قد غفر لك ولابيك بطاعتك لزوجك (4). 137 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن غالب، عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم النحر إلى ظهر المدينة على جمل عاري الجسم، فمر بالنساء فوقف عليهن ثم قال: يا معاشر


(1) المعقلة: الدية الغرامة. (2) فروع الكافي: 2. 55 وفيه: ولو ان انسانا قال له. (3) الفروع 2: 60. (4) الفروع 2: 62.

[146]

النساء تصدقن وأطعن أزواجكن، فإن أكثركن في النار، فلما سمعن ذلك بكين ثم قامت إليه امرأة منهن: فقالت يا رسول الله، في النار مع الكفار ؟ والله ما نحن بكفار فنكون من أهل النار، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنكن كافرات بحق أزواجكن (1). 1 38 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي ابن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: خطب رسول الله النساء فقال: يا معاشر النساء تصدقن ولو من حليكن، ولو بتمرة، ولو بشق تمرة، فإن أكثركن حطب جهنم، إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشيرة فقالت امرأة من بني سليم لها عقل: يا رسول الله أليس نحن الامهات الحاملات المرضعات ؟ أليس منا البنات المقيمات والاخوات المشفقات ؟ فرق لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: حاملات والدات مرضعات رحيمات، لولا ما يأتين إلى بعولتهن ما دخلت مصيلة منهن النار (2). 139 - نوادر الراوندي: بإسناده إلى موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحارث بن مالك: كيف أصبحت ؟ فقال: أصبحت والله يا رسول الله من المؤمنين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لكل مؤمن حقيقة، فما حقيقة إيمانك ؟ قال: أسهرت ليلي، وأنفقت مالي، وعزفت عن الدنيا، وكأني أنظر إلى عرش ربي - جل جلاله - وقد أبرز للحساب، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا عبد قد نور الله قلبه، قد أبصرت فالزم فقال: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فدعا له فاستشهد يوم الثامن (3). 140 - وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجبعي رحمه الله نقلا من خط الشهيد قدس سره قال: روي عن النابغة الجعدي قال: أنشدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) شعر:


(1 و 2) الفروع 2: 62. (3) نوادر الراوندي: 20 وتقدم الحديث عن مصدر آخر بادنى تغيير.

[147]

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال: أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قلت: الجنة، قال: أجل إنشاء الله، ثم قلت شعر: ولا خير في حلم إذا لم يكن له * بوادر يحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الامر أصدرا فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): [أجدت لا يفض الله فاك] مرتين. 141 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس، عن أبان بن أبي عياش عنه عن سلمان وأبي ذر والمقداد أن نفرا من المنافقين اجتمعوا فقالوا: إن محمدا ليخبرنا عن الجنة وما أعد الله فيها من النعيم لاوليائه وأهل طاعته، وعن النار وما أعد الله فيها من الانكال والهوان لاعدائه وأهل معصيته، فلو أخبرنا بآبائنا (1) و امهاتنا ومقعدنا من الجنة والنار فعرفنا الذي يبنى (2) عليه في العاجل والآجل فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمر بلالا فنادى بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس حتى غص المسجد وتضايق بأهله فخرج مغضبا حاسرا عن ذراعيه وركبتيه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أنا بشر مثلكم، أوحى إلي ربي فاختصني برسالته، واصطفاني لنبوته (3) وفضلني على جميع ولد آدم، واطلعني على ما شاء من غيبه، فاسألوني عما بدالكم، فو الذي نفسي بيده لا يسألني رجل منكم عن أبيه وامه وعن وعن مقعده من الجنة والنار إلا أخبرته، هذا جبرئيل عن يميني يخبرني عن ربي فاسألوني، فقام رجل مؤمن يحب الله ورسوله فقال: يا نبي الله من أنا ؟ قال: أنت عبد الله بن جعفر، فنسبه إلى أبيه الذي كان يدعي به، فجلس قريرة عينه، ثم قام منافق مريض القلب مبغض لله ولرسوله فقال: يا رسول الله من أنا ؟ قال: أنت فلان بن فلان راع لبني عصمة، وهم شر حي في ثقيف، عصوا الله فأخزاهم، فجلس، وقد أخزاه الله وفضحه على رؤس الاشهاد، وكان قبل ذلك لا يشك الناس أنه صنديد من صناديد قريش، وناب من أنيابهم، ثم قام ثالث منافق


(1) في المصدر: من آبائنا. وفيه: في الجنة. (2) نبنى خ نحن خ ل. (3) لشيعته خ ل.

[148]

مريض القلب فقال: يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار ؟ قال: في النار ورغما فجلس قد أخزاه (1) الله وفضحه على رؤس الاشهاد، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبك يا رسول الله نبيا، ونعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، اعف عنا يا رسول الله عفا الله عنك، واستر سترك الله، فقال: عن غير هذا أو تطلب سواه يا عمر ؟ فقال: يا رسول الله العفو عن امتك، فقام علي ابن أبي طالب فقال: يا رسول الله انسبني من أنا لتعرف الناس قرابتي منك، فقال: يا علي خلقت أنا وأنت من عمودين من نور معلقين من تحت العرش، يقدسان الملك من قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، ثم خلق من ذينك العمودين نطفتين بيضاوين ملتويتين، ثم نقل تلك النطفتين في الاصلاب الكريمة إلى الارحام الزكية الطاهرة حتى جعل نصفها في صلب عبد الله، ونصفها في صلب أبي طالب، فجزء أنا، وجزء أنت، وهو قول الله عزوجل: " وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا وكان ربك قديرا (2) " يا علي أنت مني وأنا منك، سيط لحمك بلحمي، و دمك بدمي، وأنت السبب فيما بين الله وبين خلقه بعدي، فمن جحد ولايتك قطع السبب الذي فيما بينه وبين الله، وكان ماضيا في الدرجات (3) يا علي ما عرف الله إلا بي ثم بك، من جحد ولايتك جحد الله ربوبيته، يا علي أنت علم الله بعدي الاكبر في الارض، وأنت الركن الاكبر في القيامة، فمن استظل بفيئك كان فائزا لان حساب الخلائق إليك ومآبهم إليك، والميزان ميزانك، والصراط صراطك، و الموقف موقفك، والحساب حسابك، فمن ركن إليك نجا، ومن خالفك هو و هلك، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم نزل (4). 142 - أبان، عن سليم، عن سلمان قال: كانت قريش إذا جلست في مجالسها فرأت رجلا من أهل البيت قطعت حديثها، فبينما هي جالسة إذ قال رجل منهم: ما


(1) في المصدر: وقد اخزاه الله. (2) الفرقان: 54. (3) في المصدر: وكان ماضيا في الدركات. (4) كتاب سليم بن قيس: 215 و 216.

[149]

مثل محمد في أهل بيته إلا مثل نخلة نبتت في كناسة، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغضب ثم خرج فأتى المنبر فجلس عليه حتى اجتمع الناس، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس من أنا ؟ قالوا: أنت رسول الله، قال: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، ثم مضى في نسبه حتى انتهى إلى نزار ثم قال: ألا وإني وأهل بيتي كنا نورا نسعى بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فكان ذلك النور إذا سبح سبحت الملائكة لتسبيحه، فلما خلق آدم وضع ذلك النور في صلبه، ثم أهبط إلى الارض في صلب آدم، ثم حمله في السفينة في صلب نوح ثم قذفه في النار في صلب إبراهيم، ثم لم يزل ينقلنا في أكارم الاصلاب حتى أخرجنا من أفضل المعادن محتدا (1) وأكرم المغارس منبتا بين الآباء والامهات لم يلتق (2) أحد منهم على سفاح قط، ألا ونحن بنو بعد المطلب سادة أهل الجنة: أنا وعلي وجعفر وحمزة والحسن والحسين وفاطمة والمهدي، ألا وإن الله نظر إلى أهل الارض نظرة فاختار منها (3) رجلين: أحدهما أنا فبعثني رسولا (4) والآخر علي بن أبي طالب، وأوحى إلي أن أتخذه أخا وخليلا ووزيرا ووصيا وخليفة، ألا وإنه ولي كل مؤمن بعدي، من والاه والاه الله، ومن عاداه عاداه الله، لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا كافر، هو زر الارض بعدي وسكنها، وهو كلمة الله التقوى، وعروة الله الوثقى (5) أتريدون أن تطفؤا نور الله بأفواهكم والله متم نوره ولو كره الكافرون، ألا وإن الله نظر نظرة ثانية فاختار بعدنا (6) اثنى عشر وصيا من أهل بيتي، فجعلهم خيار امتي واحدا بعد واحد مثل النجوم في السماء، كلما غاب نجم طلع نجم، هم أئمة هداة مهتدون لا يضرهم كيد من كادهم ولا خذلان من خذلهم، هم حجج الله في أرضه، وشهداؤه على خلقه، خزان علمه


(1) محملا خ ل. (2) في المصدر: لم يتلق. (3) في المصدر: فاختار منهم. (4) ونبيا خ. (5) في المصدر: [وعروته الوثقى] وفيه: يريدون ان يطفئوا نور الله بافواههم. (6) ولعل المعنى فاختار بعدنا اهل البيت. وهم اجداده المتقدم ذكرهم، أو بنو عبد المطلب اجمالا فلا ينافى ذكر على بن ابى طالب (عليه السلام) في الاوصياء بعد ذلك.

[150]

وتراجمة وحيه، ومعادن حكمته، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله، هم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقونه حتى يردوا علي الحوض، فليبلغ الشاهد الغائب، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات (1). بيان: السوط: خلط الشئ بعضه ببعض. والمحتد بكسر التاء: الاصل. وقال الجزري في النهاية: في حديث أبي ذر قال يصف عليا (عليه السلام) وإنه لعالم الارض وزرها الذي تسكن إليه، أي قوامها، وأصله من زر القلب، وهو عظيم صغير يكون قوام القلب به، وأخرج الهروي هذا الحديث عن سلمان. قوله: فاختار بعدنا اثني عشر، لعله كان بعدي فصحف، أو كان أحد عشر وعلى تقدير صحة النسخة يحتمل أن يكون المراد بقوله (صلى الله عليه وآله) بعدنا بعد الانبياء أو يكون الاثنا عشر بضم أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الاحد عشر تغليبا، وهذا أحد وجوه القدح في كتاب سليم بن قيس مع اشتهاره بين أرباب الحديث، وهذا لا يصير سببا للقدح، إذ قلما يخلو كتاب من أضعاف هذا التصحيف والتحريف، ومثل هذا موجود في الكافي وغيره من الكتب المعتبرة كما لا يخفى على المتتبع.


(1) كتاب سليم بن قيس: 217 و 218.

[151]

{ أبواب } * (ما يتعلق به (صلى الله عليه وآله) من أولاده وأزواجه) * * (وعشائره وأصحابه وامته وغيرها) * { 1 باب } * (عدد أولاد النبي (صلى الله عليه وآله) وأحوالهم) * * (وفيه بعض أحوال ام ابراهيم) * 1 - ما: ابن مخلد، عن ابن السماك، عن أحمد بن بشر، عن موسى بن محمد ابن حنان، عن إبراهيم بن أبي العزيز، عن عثمان بن أبي الكنات، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: لما مات إبراهيم، بكى النبي (صلى الله عليه وآله) حتى جرت دموعه على لحيته، فقيل له: يا رسول الله تنهى عن البكاء وأنت تبكي ؟ فقال: ليس هذا بكاء، إنما هذا رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم (1). 2 - ب: هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: ولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من خديجة القاسم والطاهر وام كلثوم ورقية وفاطمة وزينب فتزوج علي (عليه السلام) فاطمة (عليها السلام)، وتزوج أبو العاص بن ربيعة وهو من بني امية زينب، وتزوج عثمان بن عفان ام كلثوم، ولم يدخل بها حتى هلكت، وزوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكانها رقية، ثم ولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من ام إبراهيم، إبراهيم وهي مارية القبطية، أهداها إليه صاحب الاسكندرية مع البغلة الشهباء وأشياء معها (2). 3 - ل: أبي وابن الوليد، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من خديجة القاسم والطاهر وهو عبد الله وام كلثوم ورقية وزينب وفاطمة وتزوج علي بن أبي طالب (عليه السلام) فاطمة (عليها السلام)، وتزوج أبو العاص بن الربيع و


أمالى الشيخ: 247. (2) قرب الاسناد: 6 و 7. (*)

[152]

هو رجل من بني امية زينب، وتزوج عثمان بن عفان ام كلثوم فماتت ولم يدخل بها، فلما ساروا إلى بدر زوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) رقية، وولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إبراهيم من مارية القبطية، وهي ام إبراهم ام ولد (1). أقول: قد مر خبر عمرو بن أبي المقدام في أحوال خديجة (عليها السلام). 4 - قب: أولاده: ولد من خديجة القاسم وعبد الله وهما الطاهر والطيب، و أربع: بنات زينب ورقية وام كلثوم وهي آمنة وفاطمة وهي ام أبيها، ولم يكن له ولد من غيرها إلا إبراهيم من مارية ولد بعالية في قبيلة مازن في مشربة ام إبراهيم ويقال: ولد بالمدينة سنة ثمان من الهجرة، ومات بها ولد سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام وقبره بالبقيع. وفي الانوار والكشف واللمع وكتاب البلاذري أن زينب ورقية كانتا ربيبته من جحش، فأما القاسم والطيب فماتا بمكة صغيرين، قال مجاهد: مكث القاسم سبع ليال، وأما زينب فكانت عند أبي العاص القاسم بن الربيع، فولدت ام كلثوم وتزوج بها علي، وكان أبو العاص اسر يوم بدر فمن عليه النبي (صلى الله عليه وآله) و أطلقه من غير فداء، وأتت زينب الطائف، ثم أتت النبي (صلى الله عليه وآله) بالمدينة، فقدم أبو العاص المدينة فأسلم، وماتت زينب بالمدينة بعد مصير النبي (صلى الله عليه وآله) إليها بسبع سنين وشهرين، وأما رقية فتزوجها عتبة، وام كلثوم تزوجها عتيق، وهما ابنا أبي لهب فطلقاهما، فتزوج عثمان رقية بالمدينة، وولدت له عبد الله صبيا لم يجاوز ست سنين، وكان ديك نقرة على عينه فمات، وبعدها ام كلثوم ولا عقب للنبي (صلى الله عليه وآله) إلا من ولد فاطمة (عليها السلام) (2). 5 - كا: العدة، عن سهل، عن البزنطي، عن حماد بن عثمان، عن عامر ابن عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان على قبر إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عذق يظله من الشمس، يدور حيث دارت الشمس، فلما يبس العذق درس القبر فلم يعلم مكانه (3). 6 - ع: علي بن حاتم القزويني، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين


(1) الخصال 2: 37. (2) مناقب آل ابى طالب 1: 140. (3) الفروع 1: 70.

[153]

ابن الوليد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: لاي علة لم يبق لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولد ؟ قال: لان الله عزوجل خلق محمدا (صلى الله عليه وآله) نبيا، وعليا (عليه السلام) وصيا، فلو كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولد من بعده كان أولى برسول الله (صلى الله عليه وآله) من أمير المؤمنين، فكانت لا تثبت وصية أمير المؤمنين (1). 7 - قب: تفسير النقاش بإسناده عن سفيان الثوري، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كنت عند النبي ((صلى الله عليه وآله)) وعلى فخذه الايسر ابنه إبراهيم وعلى فخذه الايمن الحسين بن علي، وهو تارة يقبل هذا، وتارة يقبل هذا، إذ هبط جبرئيل بوحي من رب العالمين، فلما سري عنه قال: أتاني جبرئيل من ربي فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: لست أجمعهما فافد أحدهما بصاحبه، فنظر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى إبراهيم فبكى، ونظر إلى الحسين فبكى، وقال: إن إبراهيم امه أمة، ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وام الحسين فاطمة، وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي، وحزن ابن عمي، وحزنت أنا عليه، وأنا اؤثر حزني على حزنهما يا جبرئيل يقبض إبراهيم فديته للحسين، قال: فقبض بعد ثلاث، فكان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا رأى الحسين مقبلا قبله وضمه إلى صدره ورشف ثناياه وقال: فديت من فديته بابني إبراهيم (2). يف: من الجمع بين الصحاح الستة عن سفيان مثله (3). 8 - فس: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " فإنها نزلت في مارية القبطية ام إبراهيم وكان سبب ذلك أن عائشة قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إن إبراهيم (عليه السلام) ليس هو منك وانما هو من جريح القبطي فانه يدخل إليها في كل يوم فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال لامير المؤمنين (عليه السلام) خذ السيف وائتني برأس جريح فاخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) السيف ثم قال بأبى أنت وامى يا رسول الله انك إذا بعثتني في أمر اكون فيه كالسفود المحمى في الوبر فكيف تأمرني أتثبت فيه ام أمضى على ذلك فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل تثبت فجاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى مشربة ام ابراهيم فتسلق


علل الشرائع: 55 (2) مناقب آل ابى طالب 3: 234 و 235 (3) الطرائف: 52.

[154]

عليه فلما نظر إليه جريح هرب منه وصعد النخلة فدنا منه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له انزل فقال له يا على اتق الله ما ههنا باس انى مجبوب ثم كشف عن عورته فإذا هو مجبوب فاتا به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما شأنك يا جريح فقال يارسول الله (صلى الله عليه وآله) ان القبط يجبون حشمهم ومن يدخل إلى اهاليهم والقبطيون لا يأنسون إلا بالقبطيين فبعثني ابوها لادخل إليها واخدمها واونسها فانزل الله عزوجل " يا أيها الذين آمنوا ان جائكم فاسق بنبأ " الاية. 9 - وفي رواية عبيدالله ابن موسى، عن أحمد بن رشيد عن مروان بن مسلم عن عبد الله بن بكير قال قلت لابي عبد الله: جعلت فداك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) امر بقتل القبطى وقد علم أنها قد كذبت عليه اولم يعلم وانما دفع الله عن القبطى القتل بتثبت علي فقال بلى قد كان والله علم ولو كان عزيمة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) القتل ما رجع على حتى يقتله ولكن انما فعل رسول الله لترجع عن ذنبها فما رجعت و لا اشتد عليها قتل رجل مسلم بكذبها (1). بيان: " السفود " كتنور حديد يشوى بها " والمشربة " بفتح الراء وضمها الغرفة " وتسلق " الجدار تسوره " والجب " استيصال الخصية. 10 - ل: فيما احتج به أمير المؤمنين (عليه السلام) على أهل الشورى قال نشدتكم بالله هل علمتم أن عايشة قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إن إبراهيم ليس منك وإنه ابن فلان القبطى قال يا على اذهب فاقتله فقلت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا بعثتني أكون كالمسمار المحمى في الوبر أو اتثبت قال لابل تثبت فذهبت فلما نظر إلى استند إلى حايط فطرح نفسه فيه فطرحت نفسي على أثره فصعد على نخل وصعدت خلفه فلما رأني قد صعدت رمى بازاره فإذا ليس له شئ مما يكون للرجال فجئت فاخبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال الحمد لله الذى صرف عنا السوء أهل البيت فقالوا اللهم لا فقال اللهم اشهد (2). 11 - فس: واما قوله: " إن الذين جاؤا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم " فان العامة روت انها نزلت في عايشة وما رميت به في غزوة


(1) تفسير القمى: 639 و 640. (2) الخصال 2: 125 و 126.

[155]

بنى المصطلق من خزاعة، واما الخاصة فانهم رووا إنها نزلت في مارية القبطية و ما رمتها به عايشة. 12 - حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال قال حدثنى عبد الله بن بكير عن زرارة قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول لما هلك إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حزن عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حزنا شديدا فقالت عايشة ما الذى يحزنك عليه فما هو إلا ابن جريح فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) وأمره بقتله، فذهب علي إليه ومعه السيف، وكان جريح القبطي في حائط فضرب علي (1) باب البستان فأقبل إليه جريح ليفتح له الباب، فلما رأى عليا عرف في وجهه الشر (2) فأدبر راجعا ولم يفتح الباب، فوثب علي على الحائط ونزل إلى البستان وأتبعه وولى جريح مدبرا، فلما خشي أن يرهقه صعد في نخلة وصعد علي في أثره، فلما دنا منه رمى جريح بنفسه من فوق النخلة فبدت عورته، فإذا ليس له ما للرجال ولا له ما للنساء، فانصرف علي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إذا بعثتني في الامر أكون فيه كالمسمار المحمى (3) أم اثبت ؟ قال: لا بل أثبت (4) قال: والذي بعثك بالحق ماله ما للرجال وماله ما للنساء (5) فقال: الحمد لله الذي صرف عنا السوء أهل البيت (6). 13 - سن: أبو سمينة عن محمد بن أسلم، عن الحسين بن خالد قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: لما قبض إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جرت في موته ثلاث سنن، أما واحدة فإنه لما قبض انكسفت الشمس فقال الناس: إنما انكسفت الشمس لموت ابن رسول الله، فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس إن الشمس (7) والقمر آيتان من آيات الله يجريان


(1) عليه خ ل. (2) الغضب خ ل. (3) كالمسمار المحمر في الوبر خ ل. أقول: في المصدر: كالمسمار المحمى في الوبر. (4) تثبت خ ل. (5) ولا ما للنساء خ. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (6) تفسير القمى: 453. (7) في المصدر: ان كسوف الشمس.

[156]

بأمره مطيعان له لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا انكسفا أو أحدهما صلوا " ثم نزل من المنبر فصلى بالناس الكسوف، فلما سلم قال: يا علي قم فجهز ابني قال: فقام علي فغسل إبراهيم وكفنه وحنطه (1) ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهى به إلى قبره فقال الناس: إن رسول الله نسي أن يصلي على ابنه لما دخله من الجزع عليه، فانتصب قائما ثم قال: إن جبرئيل أتاني وأخبرني بما قلتم، زعمتم أني نسيت أن اصلي على ابني لما دخلني من الجزع، ألا وإنه ليس كما ظننتم ولكن اللطيف الخبير فرض عليكم خمس صلوات، وجعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة، وأمرني أن لا اصلي إلا على من صلى، ثم قال: يا علي انزل وألحد ابني، فنزل علي فألحد إبراهيم في لحده، فقال الناس: إنه لا ينبغي لاحد أن ينزل في قبر ولده إذ لم يفعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بابنه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيها الناس إنه ليس عليكم بحرام أن تنزلوا في قبور أولادكم، ولكن (2) لست آمن إذا حل أحدكم الكفن عن ولده أن يلعب به الشيطان فيدخله عن ذلك (3) من الجزع ما يحبط أجره " ثم انصرف (4). كا: علي، عن أبيه، عن عمرو بن سعيد، عن علي بن عبد الله بن أبي الحسن موسى (عليه السلام) مثله (5). 14 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان، عن عبد الله بن راشد قال: كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) حين مات إسماعيل ابنه فانزل في قبره ثم رمى بنفسه على الارض مما يلي القبلة ثم قال: هكذا


(1) في المصدر: [وحنطه ومضى، فمضى رسول الله] وفى الكافي: وحنطه وكفنه ثم خرج به ومضى رسول الله. (2) في الكافي: ولكني لست. (3) في الكافي: عند ذلك. (4) المحاسن: 313 و 314. (5) فروع الكافي 1: 57. وذكر الكليني قطعة من الحديث في باب صلاة الكسوف و فيه: [عمرو بن عثمان] مكان: عمرو بن سعيد.

[157]

صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بابراهيم (1). 15 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن ابن بكير، عن قدامة بن زائدة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سل إبراهيم ابنه سلا ورفع (2) قبره (3). 16 - كا: العدة، عن سهل، عن جعفر بن محمد، عن ابن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمع النبي (صلى الله عليه وآله) امرأة حين مات عثمان بن مظعون وهي تقول: هنيئا لك يا أبا السائب الجنة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): وما علمك ؟ حسبك أن تقولي: كان يحب الله عزوجل ورسوله، فلما مات إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حملت عين رسول الله بالدموع، ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله): تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، ثم رأى النبي (صلى الله عليه وآله) في قبره خللا فسواه بيده، ثم قال: " إذا عمل أحد كم عملا فليتقن " ثم قال: الحق بسلفك الصالح عثمان بن مظعون (4). 17 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن هلال عن عقبة بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) إنا نأتي المساجد التي حول المدينة فبأيها أبدء ؟ قال: ابدء بقبا فصل فيه وأكثر فإنه أول مسجد صلى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه العرصة، ثم ائت مشربة ام إبراهيم فهي مسكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) و مصلاه (5). 18 - يه: روى محمد بن أحمد الاشعري، عن السندي بن محمد، عن يونس بن يعقوب، عن أبي مريم ذكره عن أبيه أن أمامة بنت أبي العاص وامها زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت تحت علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد وفاة فاطمة (عليها السلام) فخلف عليها بعد علي (عليه السلام) المغيرة بن نوفل فذكر أنها وجعت وجعا شديدا حتى اعتقل


(1) فروع الكافي 1: 53. (2) وربع خ ل. (3) فروع الكافي 1: 55 (4) فروع الكافي 1: 72. (5) فروع الكافي 1: 318 فيه: ثم ائت مشربة ام ابراهيم فصل فيها وهى مسكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومصلاه. (*)

[158]

لسانها فجاءها الحسن والحسين ابنا علي (عليهم السلام) وهي لا تستطيع الكلام، فجعلا يقولان لها والمغيرة كاره لذلك: أعتقت فلانا وأهله ؟ فجعلت تشير برأسها لا (1) كذا وكذا، فجعلت تشير برأسها: أن نعم، لا تفصح بالكلام، فأجازا ذلك لها (2). 19 - يج: روي عن محمد بن عبد الحميد، عن عاصم بن حميد، عن يزيد بن خليفة قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) قاعدا، فسأله رجل من القميين أتصلي النساء على الجنائز ؟ فقال: إن المغيرة بن أبي العاص ادعى أنه رمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكسر (3) رباعيته وشق شفتيه وكذب، وادعى أنه قتل حمزة وكذب، فلما كان يوم الخندق ضرب على اذنيه فنام فلم يستيقظ حتى أصبح فخشي أن يؤخذ فتنكر وتقنع بثوبه وجاء إلى منزل عثمان يطلبه وتسمى باسم رجل من بني سليم كان يجلب إلى عثمان الخيل والغنم والسمن، فجاء عثمان فأدخله منزله وقال: ويحك ما صنعت، ادعيت أنك رميت رسول الله، وادعيت أنك شققت شفتيه، وكسرت رباعيته، وادعيت أنك قتلت حمزة، وأخبره بما لقي وأنه ضرب على اذنه، فلما سمعت ابنة النبي (صلى الله عليه وآله) بما صنع بأبيها وعمها صاحت فأسكتها عثمان ثم خرج عثمان إلى رسول الله وهو جالس في المسجد فاستقبله بوجهه وقال: يا رسول الله إنك آمنت عمي المغيرة فكذب (4) فصرف عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجهه ثم استقبله من الجانب الآخر فقال: يا رسول الله إنك آمنت عمي المغيرة فكذب (5) فصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجهه عنه (6) ثم قال: آمناه وأجلناه ثلاثا، فلعن الله من أعطاه راحلة أو رحلا أو قتبا (7) أو سقاء أو قربة أو دلوا (8) أو خفا أو نعلا أو زادا أو ماء، قال عاصم: هذه عشرة أشياء فأعطاها كلها إياه عثمان، فخرج فسار على ناقته فنقبت (9) ثم مشى في خفيه فنقبا، ثم مشى في نعليه فنقبتا ثم (10) مشى على رجليه فنقبتا ثم مشى


(1) نعم خ ل. (2) من لا يحضره الفقيه: 526 طبعة طهران. (3) فكسرت خ ل. (4 و 5) وكذب خ ل. (6) ثلاثا خ. (7) اوقباء خ ل. (8) أو اداوة خ ل. (9) نقب البعير: رقت اخفافه. (10) ثم حبا خ ل.

[159]

على ركبتيه فنقبتا، فأتى شجرة فجلس تحتها فجاء الملك فأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكانه فبعث إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) زيدا والزبير فقال لهما: ائتياه فهو في مكان كذا وكذا فاقتلاه، فلما أتياه (1) قال زيد للزبير: إنه ادعى أنه قتل أخي وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخى بين حمزة وزيدا فاتركني أقتله، فتركه الزبير فقتله، فرجع عثمان من عند النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لامرأته: إنك أرسلت إلى أبيك فأعلمته بمكان عمي فحلفت بالله ما فعلت فلم يصدقها فأخذ خشبة القتب فضربها ضربا مبرحا، فأرسلت إلى أبيها تشكو ذلك وتخبره بما صنع، فأرسل إليها أني لاستحي للمرأة أن لا تزال تجر ذيولها تشكو زوجها، فأرسلت إليه أنه قد قتلني، فقال لعلي: خذ السيف ثم ائت بنت عمك فخذ بيدها، فمن حال بينك وبينها فاضربه بالسيف، فدخل (2) علي فأخذ بيدها، فجاء بها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأرته ظهرها، فقال أبوها: قتلها قتله الله، فمكثت يوما وماتت في الثاني، واجتمع الناس للصلاة عليها، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بيته وعثمان جالس مع القوم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من ألم جاريته (3) الليلة فلا يشهد جنازتها، قالها مرتين وهو ساكت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليقومن أولا سمينه باسمه واسم أبيه، فقام يتوكأ على مهين، قال: فخرجت فاطمة في نسائها فصلت على اختها. بيان: في النهاية: فيه: فضرب على آذانهم، هو كناية عن النوم، ومعناه حجب الصوت والحس أن يلجأ آذانهم فينتبهوا كأنها قد ضرب عليها حجاب، و قال: ضربا غير مبرح، أي غير شاق، وكان مهينا اسم مولاه. 20 - سر: أبان بن تغلب، عن ثعلبة بن ميمون، عن محمد بن قيس الاسدي قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) زوج منافقين أبا العاص بن ربيع وسكت عن الآخر (4).


(1) فلما انتهيا إليه خ ل. (2) فدخل عليها خ ل. (3) بجاريته خ ل. (4) السرائر: 471.

[160]

21 - شى: عن يونس رفعه قال: قلت له: زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابنته فلانا ؟ قال: نعم، قلت: فكيف زوجه الاخرى ؟ قال: قد فعل، فأنزل الله " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم " إلى " عذاب مهين (1) ". 22 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، وأحمد بن محمد الكوفي عن بعض أصحابه، عن صفوان بن يحيى، عن يزيد بن خليفة الخولاني وهو يزيد بن خليفة الحارثي قال: سأل عيسى بن عبد الله أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر فقال: تخرج النساء إلى الجنازة وكان متكئا فاستوى جالسا، ثم قال (عليه السلام): إن الفاسق عليه لعنة الله آوى عمه المغيرة بن أبي العاص وكان ممن نذر (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) دمه فقال لابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تخبري أباك بمكانه، كأنه لا يوقن أن الوحي يأتي محمدا، فقالت: ما كنت لاكتم رسول (3) الله (صلى الله عليه وآله) عدوه، فجعله بين مشجب له و لحفه بقطيفة، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوحي فأخبره بمكانه، فبعث إليه عليا (عليه السلام) وقال: اشتمل على سيفك، وائت بيت ابنة عمك، فإن ظفرت بالمغيرة فاقتله، فأتى البيت فجال فيه فلم يظفر به فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره فقال: يا رسول الله لم أره: فقال: إن الوحي قد أتاني فأخبرني أنه في المشجب، ودخل عثمان بعد خروج علي (عليه السلام) فأخذ بيد عمه فأتى به النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما رآه أكب (4) ولم يلتفت إليه، وكان نبي الله حنينا (5) كريما، فقال: يا رسول الله هذا عمى، هذا المغيرة بن أبي العاص وقد (6) والذي بعثك بالحق آمنته، قال أبو عبد الله: و كذب والذي بعثه بالحق نبيا ما آمنه، فأعادها ثلاثا، وأعادها أبو عبد الله (عليه السلام) ثلاثا انى آمنته (7) إلا أنه يأتيه عن يمينه، ثم يأتيه عن يساره، فلما كان في الرابعة


(1) تفسير العياشي 1: 207 والاية في سورة آل عمران. (2) هدر خ ل. (3) في المصدر: لاكتم عن رسول الله. (4) في المصدر: فاتى به إلى النبي (صلى الله عليه آوله) فلما رآه اكب عليه. (5) حييا خ ل. (6) وقد بالذى خ ل اقول: في المصدر: [وفد] بالفاء (7) في المصدر: أنى آمنه.

[161]

رفع رأسه إليه فقال: قد جعلت لك ثلاثا فإن قدرت عليه بعد ثلاثة قتلته، فلما أدبر قال رسول الله: اللهم العن المغيرة بن أبي العاص، والعن من يؤويه، والعن من يحمل، والعن من يطعمه، والعن من يسقيه، والعن من يجهزه، والعن من يعطيه سقاء أو حذاء أو رشاء أو وعاء وهو يعدهن بيمينه، وانطلق به عثمان فآواه وأطعمه وسقاه وحمله وجهزه حتى فعل جميع ما لعن عليه النبي (صلى الله عليه وآله) من يفعله به، ثم أخرجه في اليوم الرابع يسوقه، فلم يخرج من أبيات المدينة حتى أعطب الله راحلته، ونقب حذاه، ودميت (1) قدماه، فاستعان بيده وركبته (2) وأثقله جهازه حتى وجربه (3) فأتى سمرة (4) فاستظل بها لو أتاها بعضكم ما أبهره (5) فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوحي فأخبره بذلك فدعا عليا (عليه السلام) فقال: خذ سيفك فانطلق أنت وعمار وثالث (6) لهم فإن المغيرة بن أبي العاص (7) تحت شجرة كذا وكذا فأتاه علي (عليه السلام) فقتله، فضرب عثمان بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: أنت أخبرت أباك بمكانه، فبعثت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تشكو ما لقيت، فأرسل إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) اقني حياءك فما أقبح بالمرأة ذات حسب ودين في كل يوم تشكو زوجها، فارسلت إليه مرات (8) كل ذلك يقول لها ذلك، فلما كان في الرابعة دعا عليا (عليه السلام) وقال: خذ سيفك واشتمل عليه، ثم ائت بنت ابن عمك فخذ بيدها، فإن حال بينك وبينها (9) فاحطمه بالسيف، وأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كالواله من منزله إلى دار عثمان، فأخرج علي (عليه السلام) ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما نظرت إليه رفعت صوتها بالبكاء، واستعبر


(1) درمت خ ل. أقول: هكذا في نسخة المصنف ولعله مصحف رمت كما في المصدر. (2) بيديه وركبتيه خ ل. (3) حسر خ ل وجس به خ ل. أقول: يوجد الاخير في المصدر. (4) شجرة خ ل. (5) في المصدر: ما ابهره ذلك. (6) وثالث لهما خ ل. (7) في المصدر: فأت المغيرة بن ابى العاص تحت سمرة " شجره خ ل " كذا وكذا. (8) مرارا خ ل. (9) في المصدر: فان حال بينك وبينها أحد.

[162]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبكى ثم أدخلها منزله وكشفت عن ظهرها، فلما أن رأى ما بظهرها قال ؟ ؟ ثلاث مرات: ماله ؟ قتلك قتله الله، وكان ذلك يوم الاحد وبات عثمان متحلفا (1) بجاريتها، فمكث الاثنين والثلثاء وماتت في اليوم الرابع، فلما حضر أن يخرج بها أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) فخرجت ونساء المؤمنين معها، وخرج عثمان يشيع جنازتها، فلما نظر إليه النبي (صلى الله عليه آوله) قال: من أطاف البارحة بأهله أو بفتاته فلا يتبعن جنازتها، قال ذلك ثلاثا، فلم ينصرف فلما كان في الرابعة: قال: لينصرفن أولا سمين باسمه، فأقبل عثمان متوكيا على مولى له ممسكا ببطنه (2) فقال: يا رسول الله إني أشتكي بطني، فإن رأيت أن تأذن لي أن أنصرف، قال: انصرف ! وخرجت فاطمة (عليها السلام) ونساء المؤمنين والمهاجرين فصلين على الجنازة (3). بيان: يقال: ندر الشئ، أي سقط، وأندره غيره، وفي بعض النسخ: هدر، وهو أظهر، وقد مر أن المشجب: خشبات منصوبة توضع عليها الثياب، قوله: فأعادها ثلاثا، هذا من كلام الامام (عليه السلام)، والضمير راجع إلى كلام عثمان بتأويل الكلمة أو الجملة أي أعاد قوله: قد والذي بعثك بالحق آمنتة، وقوله: وأعادها أبو عبد الله ثلاثا كلام الراوي، أدخله بين كلامي الامام، أي إنه (عليه السلام) كلما أعاد كلام عثمان أتبعه بقوله: وكذب والذي بعثه الخ، وقوله: إني آمنته، بيان لمرجع الضمير في قوله: أعادها أولا، وأحال المرجع في الثاني على الظهور، ويحتمل أن يكون قوله: إني آمنته، بدلا من الضمير المؤنث في الموضعين معا، بأن يكون غرض الراوي أنه لم يقل فأعادها ثلاثا، بل كرر القول بعينه ثلاثا، فيحتمل أن يكون (عليه السلام) كرر: والذي بعثه أيضا. ولم يذكره الراوي لظهوره، أو يكون مراده إلى آخره وأن يكون (عليه السلام) قال ذلك مرة بعد الاولى أو بعد الثالثة، وعلى التقادير قوله: إلا أنه، استثناء من قوله: ما آمنه، أي لم يكن آمنه إلا أنه أي عثمان يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) عن يمينه وعن شماله ويلح ويبالغ ليأخذ منه (صلى الله عليه وآله) الامان له، وفي


(1) ملتحفا خ ل. متخليا خ ل. (2) بطنه خ ل. (3) فروع الكافي 1: 69 و 70.

[163]

بعض النسخ [أنى آمنه] على صيغة الماضي الغائب، فأنى بالفتح والتشديد للاستفهام الانكاري، والاستثناء متعلق به، لكن في أكثر النسخ بصيغة التكلم، فيدل على أن قول اللعين سابقا [آمنته] بصيغة التكلم أيضا، وغرضه إني آمنته في المعركة وأدخلته المدينة، إذا الامان بعدها لا ينفع، وربما يقرء [أمنته] على بناء التفعيل، أي جعلته مؤمنا، وعلى النسخة الظاهرة [آمنته] بصيغة الخطاب، أي ادعى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) آمنه، فيكون موافقا لما مر في خبر الخرائج، قوله: حتى وجربه قال الجوهري: وجرت منه، بالكسر: خفت، وفي بعض النسخ حسربه، أي أعيا وانقطع بجهازه، وفي بعضها: وجس به، أي فزع. قوله: ما أبهره، ما نافية لبيان قرب المسافة، أو للتعجب لبيان بعدها و مشقتها، والبهر: انقطاع النفس من الاعيان، وبهره الحمل يبهر بهرا: إذا وقع عليه البهر، فانبهر، أي تتابع نفسه، وأبهر: احترق من حر بهرة النار، وقال الجوهري: قنيت الحياء بالكسر قنيانا أي لزمته، قال عنترة. اقني حياءك لا أبا لك واعلمي * إني امرؤ سأموت إن لم اقتل والحطم: الكسر، والتحف بالشئ: تغطى به، واللحاف ككتاب: ما يلتحف به وزوجة الرجل. 23 - كا: العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أيفلت من ضغطة القبر أحد ؟ قال: فقال: نعوذ بالله (1)، ما أقل من يفلت من ضغطة القبر، إن رقية لما قتلها عثمان وقف رسول الله (صلى الله عليه وآله) على قبرها فرفع رأسه إلى السماء فدمعت عيناه وقال للناس: إني ذكرت هذه وما لقيت فرققت لها واستوهبتها من ضمه القبر، قال: فقال: اللهم هب لي رقية من ضمة القبر، فوهبها الله له، قال: وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج في جنازة سعد وقد شيعه سبعون ألف ملك فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأسه إلى السماء ثم


(1) نعوذ بالله منهما خ ل.

[164]

قال: مثل سعد يضم، قال: قلت: جعلت فداك إنا نحدث أنه كان يستخف بالبول فقال: معاذ الله إنما كان من زعارة في خلقه على أهله، قال: فقالت ام سعد: هنيئا لك يا سعد، قال: فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ام سعد لا تحتمى على الله (1). 24 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لما ماتت رقية ابنة رسول الله (صلى الله عليه آله) قال رسول الله: الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون وأصحابه، قال: وفاطمة (عليها السلام) على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يتلقاه بثوبه قائم (2) يدعو، قال: إني لاعرف ضعفها، وسألت الله عزوجل أن يجيرها من ضمة القبر (3). بيان: قال الشيخ السعيد المفيد قدس الله روحه في المسائل السروية في جواب من سأل عن تزويج النبي (صلى الله عليه وآله) ابنته زينب ورقية من عثمان، قال رحمه الله بعد إيراد بعض الاجوبة عن تزويج أمير المؤمنين (عليه السلام) بنته من عمر: وليس ذلك بأعجب من قول لوط (4): " هؤلاء بناتي هن أطهر لكم " (5) فدعاهم إلى العقد عليهم (6) لبناته وهم كفار ضلال، قد أذن الله تعالى في هلاكهم (7)، وقد زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان الاصنام، أحدهما عتبة بن أبي لهب، والآخر أبو العاص بن الربيع، فلما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرق بينهما وبين ابنتيه، فمات عتبة على الكفر، وأسلم أبو العاص فردها عليه (8) بالنكاح الاول، ولم يكن (صلى الله عليه وآله) في حال من الاحوال كافرا ولا مواليا لاهل الكفر وقد زوج من يتبرأ من دينه وهو معاد له في الله عزوجل، وهما اللذان (9) زوجهما عثمان بعد هلاك عتبة وموت أبي العاص


(1) فروع الكافي 1: 64. (2) في المصدر: قائما يدعو. (3) فروع الكافي 1: 66. (4) في المصدر: من قوم لوط كما حكى الله عنه بقوله: هؤلاء. (5) هود: 78. (6) في المصدر: إلى العقد عليهن. (7) في المصدر: وقد اذن الله تعالى في إهلاكهم. (8) في المصدر: واسلم أبو العاص بعد ابانة الاسلام فردها عليه. (9) في المصدر: وقد زوج من يتبرأ من دينه من بنى امية هو يعاديه في الله عزوجل، و هاتان هما اللتان.

[165]

وإنما زوجه النبي (صلى الله عليه وآله) على ظاهر الاسلام، ثم إنه تغير بعد ذلك ولم يكن على النبي (صلى الله عليه وآله) تبعة فيما يحدث في العاقبة، هذا على قول بعض أصحابنا وعلى قول فريق آخر: إنه زوجه على الظاهر، وكان باطنه مستورا عنه ويمكن (1) أن يستر الله عن نبيه (صلى الله عليه وآله) نفاق كثير من المنافقين، وقد قال الله سبحانه: " ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم (2) " فلا ينكر أن يكون في أهل مكة كذلك، والنكاح على الظاهر دون الباطن، وأيضا يمكن أن يكون الله تعالى قد أباحه مناكحة من يظاهر الاسلام (3) وإن علم من باطنه النفاق، وخصه بذلك، ورخص له فيه كما خصه في أن يجمع بين أكثر من أربع حرائر في النكاح، وأباحه أن ينكح بغير مهر، ولم يحظر عليه المواصلة في الصيام ولا الصلاة (4) بعد قيامه من النوم بغير وضوء وأشباه ذلك مما خص به وحظر على غيره من عامة الناس، فهذه أجوبة ثلاثة عن تزويج النبي (صلى الله عليه وآله) عثمان، وكل واحد منها كاف بنفسه، مستغن عما سواه، والله الموفق للصواب. انتهى كلامه، طوبى له وحسن مآب (5). وقال السيد المرتضى رحمه الله في الشافي: فإن قيل: إذا كان جحد النص كفرا عندكم وكان الكافر على مذاهبكم لا يجوز أن يتقدم منه إيمان ولا إسلام. والنبي (صلى الله عليه وآله) عالم بكل ذلك، فكيف يجوز أن ينكح ابنته من يعرف من باطنه خلاف الايمان ؟ قلنا: ليس كل من قال بالنص على أمير المؤمنين (عليه السلام) يكفر دافعيه، ولا كل من كفر دافعيه يقول بالموافاة، وإن الموافي بالكفر لا يجوز أن يتقدم منه إيمان، ومن قال بالامرين لا يمتنع أن يجوز كون النبي (صلى الله عليه وآله) غير عالم بحال دافعي النص على سبيل التفصيل، فإذا علم ذلك علم ما يوجب تكفيرهم، ومتى لم يعلم جوز أن يتوبوا كما يجوز أن يموتوا على حالهم، وذلك يمنع من القطع في


(1) في المصدر: وليس بمكنر. (2) سورة التوبة: 101. (3) في المصدر: من ظاهره الاسلام. (4) في المصدر: ولا في الصلاة. (5) المسائل السروية: 62 - 64.

[166]

الحال على كفرهم وإن أظهروا الاسلام، ثم لو ثبت أنه (صلى الله عليه وآله) كان يعلم التفصيل والعاقبة وكل شئ جوزنا أن لا يعلمه لكان ممكنا أن يكون تزويجه قبل هذا العلم فلو كان تقدم له العلم لما زوجه، فليس معنى في العلم إذا ثبت تاريخ انتهى (1). أقول: سيأتي بعض القول في ذلك في باب المطاعن إن شاء الله. 25 - قال في المنتقى: ولدت خديجة له (صلى الله عليه وآله) زينب ورقية وام كلثوم وفاطمة والقاسم، وبه كان يكنى، والطاهر والطيب، وهلك هؤلاء الذكور في الجاهلية، وأدركت الاناث الاسلام فأسلمن وهاجرن معه، وقيل: الطيب والطاهر لقبان لعبدالله، وولد في الاسلام، وقال ابن عباس: أول من ولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة قبل النبوة القاسم يكنى به، ثم ولد له زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم ام - كلثوم، ثم ولد له في الاسلام عبد الله، فسمي الطيب والطاهر، وامهم جميعا خديجة بنت خويلد، وكان أول من مات من ولده القاسم، ثم مات عبد الله بمكة، فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع ولده فهو أبتر، فأنزل الله تعالى: " إن شانئك هو الابتر (2) " وعن جبير ابن مطعم قال: مات القاسم وهو ابن سنتين، وقيل: سنة (3)، وقيل إن القاسم والطيب عاشا سبع ليال، ومات عبد الله بعد النبوة بسنة وأما إبراهيم فولد سنة ثمان من الهجرة، ومات وله سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام، وقيل: كان بين كل ولدين لخديجة سنة، وقيل: إن الذكور من أولاده ثلاثة، والبنات أربع، أولهن زينب، ثم القاسم، ثم ام كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية ثم عبد الله وهو الطيب والطاهر، ثم إبراهيم، ويقال: إن أولهم القاسم، ثم زينب ثم عبد الله، ثم رقية، ثم ام كلثوم، ثم فاطمة، وأما بناته فزينب كانت زوجة أبي العاص واسمه القاسم بن الربيع، وكان لها منه ابنة اسمها أمامة، فتزوجها المغيرة بن نوفل ثم فارقها، وتزوجها علي (عليه السلام) بعد وفاة فاطمة (عليها السلام)، وكانت


(1) الشافي: 262 و 263. (2) الكوثر: 3. (3) في المصدر: وقيل: ابن سنة.

[167]

أوصت بذلك (1) قبل فوتها، وتوفيت زينب سنة ثمان من الهجرة، وقيل إنها ولدت من أبي العاص ابنا اسمه علي ومات في ولاية عمر، ومات أبو العاص في ولاية عثمان وتوفيت أمامة سنة خمسين، ورقية كانت زوجة عتبة بن أبي لهب فطلقها قبل الدخول بأمر أبيه وتزوجها عثمان في الجاهلية فولدت له ابنا سماه عبد الله، وبه كان يكنى وهاجرت مع عثمان إلى الحبشة ثم هاجرت معه إلى المدينة وتوفيت سنة اثنتين من الهجرة والنبي (صلى الله عليه وآله) في غزوة بدر وتوفي ابنها سنة أربع وله ست سنين ويقال: نقره ديك على عينيه فمات، وام كلثوم تزوجها عتيبة بن أبي لهب وفارقها قبل الدخول، وتزوجها عثمان بعد رقية سنة ثلاث، وتوفيت في شعبان سنة سبع، وفاطمة صلوات الله عليها تزوجها علي (عليه السلام) سنة اثنتين من الهجرة، ودخل بها منصرفه من بدر، وولدت له حسنا وحسينا (2) وزينب الكبرى وام كلثوم الكبرى، وانتشر نور النبوة والعصمة حسبا ونسبا من ذرياتها وتوفيت بعد وفاة أبيها صلوات الله عليهما بمائة يوم، وقيل: توفيت لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة، وقيل: غير ذلك (3) وأما منزل خديجة فإنه يعرف بها اليوم اشتراه معاوية فيما ذكر فجعله مسجدا يصلى فيه، وبناه على الذي هو عليه اليوم ولم يغير (4). 26 - الغرر للسيد المرتضى رضي الله عنه: روى محمد بن الحنفية عن أبيه (عليه السلام) قال: كان قد كثر على مارية القبطية ام إبراهيم الكلام في ابن عم لها قبطي كان يزورها ويختلف إليها، فقال لي النبي (صلى الله عليه وآله): خذ هذا السيف وانطلق (5) فإن وجدته عندها فاقتله، قلت: يا رسول الله أكون في أمرك كالسكة المحماة أمضي لما أمرتني، أم الشاهد يرى مالا يرى الغائب ؟ فقال لي النبي (صلى الله عليه وآله): بل الشاهد يرى


(1) في المصدر: وكانت اوصته بذلك. (2) في المصدر: ومسحنا. اقول وهو الصحيح كما يأتي في محله، وقد صرح بذلك رجال من اهل السنة منهم ابن قتيبة في المعارف. (3) يأتي الخلاف في تاريخ وفاتها في محله. (4) المنتقى في مولد المصطفى: الباب الثامن فيما كان سنة خمس وعشرين من مولده. (5) في المصدر: وانطلق به.

[168]

ما لا يرى الغائب، فأقبلت متوشحا بالسيف فوجدته عندها فاخترطت السيف، فلما أقبلت نحوه عرف أني اريده، فأتى نخلة فرقى إليها ثم رمى بنفسه على قفاه وشغر برجليه، فإذا إنه أجب أمسح ماله مما للرجل قليل ولا كثير، قال: فغمدت السيف ورجعت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبرته، فقال: الحمد لله الذي يصرف عنا أهل البيت (1). قال رضي الله عنه: في هذا الخبر أحكام وغريب، ونحن نبدأ بأحكامه ثم تتلوه بغرييه، فأول ما فيه أن القائل أن يقول: كيف يجوز أن يأمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بقتل رجل على التهمة بغير بينة وما يجري مجراها ؟ والجواب عن ذلك أن القبطي جائز أن يكون من أهل العهد الذين أخذ عليهم أن يجري فيهم أحكام المسلمين، وأن يكون الرسول الله (صلى الله عليه وآله) تقدم إليه بالانتهاء عن الدخول إلى مارية فخالف وأقام على ذلك، وهذا نقض للعهد، وناقض العهود من أهل الكفر مؤذن بالمحاربة، والمؤذن بها مستحق للقتل فأما قوله: " بل الشاهد يرى مالا يرى الغائب " فإنما عنى به رؤية العلم، لا رؤية البصر، لانه لا معنى في هذا الموضع لرؤية البصر، فكأنه (صلى الله عليه وآله) قال: بل الشاهد يعلم ويصح له من وجه الرأي والتدبير مالا يصح للغائب، ولو لم يقل ذلك لوجب قتل الرجل على كل حال، وإنما جاز منه أن يخير بين قتله والكف عنه، و يفوض الامر في ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) من حيث لم يكن قتله من الحدود و الحقوق التي لا يجوز العفو عنها، ولا يسع إلا إقامتها، لان ناقض العهد ممن إلى الامام القائم بامور المسلمين إذا قدر عليه قبل التوبة أن يقتله أو يمن عليه، ومما فيه أيضا من الاحكام اقتضاؤه أن مجرد أمر الرسول لا يقتضي الوجوب، لانه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته ولا استفهامه، وفي حسنها ووقوعها موقعها دلالة على أنه لا يقتضي ذلك، ومما فيه أيضا من الاحكام دلالته على أنه لا بأس بالنظر إلى عورة الرجل عند الامر ينزل فلا يوجد من النظر إليها بد، إما لحد يقام، أو لعقوبة تسقط، لان العلم بأنه أمسح أجب لم يكن إلا عن تأمل ونظر، وإنما جاز


(1) يصرف عنا الرجل أهل البيت.

[169]

التأمل والنظر ليتبين هل هو ممن يكون منه ما قرف به أم لا، والواجب على الامام فيمن شهد عليه بالزنا وادعى أنه مجبوب أن يأمر بالنظر إليه ويتبين أمره ومثله (1) أمر النبي (صلى الله عليه وآله) في قتل مقاتلة بني قريظة لانه (صلى الله عليه وآله) أمر أن ينظروا إلى مؤتزر كل من أشكل عليهم أمره، فمن وجدوه قد أثبت قتلوه، ولولا جواز النظر إلى العورة عند الضرورة لما قامت شهادة الزنا، لان من رأى رجلا مع امرأة واقعا عليها متى لم يتأمل أمرها حق التأمل لم تصح شهادته، ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله) لسعد بن عبادة وقد سألته عمن وجد مع امرأته رجلا أيقتله ؟ فقال: " حتى يأتي بأربعة شهداء " فلو لم يكن الشهداء إذا حضروا تعمدوا إلى النظر إلى عورتيهما لاقامة الشهادة كان حضورهم كغيبتهم، ولم تقم شهادة الزنا، لان من شرطها مشاهدة العضو في العضو كالميل في المكحلة. فإن قيل: كيف جاز لامير المؤمنين (عليه السلام) الكف عن القتل ؟ ومن أي جهة آثره لما وجده أجب ؟ وأي تأثير لكونه أجب فيما استحق به القتل وهو نقض العهد ؟ قلنا: إنه (صلى الله عليه وآله) لما فوض إليه الامر في القتل والكف كان له أن يقتله على كل حال وإن وجده أجب، لان كونه بهذه الصفة لا يخرجه عن نقض العهد وإنما آثر الكف الذي كان إليه ومفوضا إلى رأيه لازالة التهمة والشك الواقعين في أمر مارية، ولانه أشفق من أن يقتله فيتحقق الظن ويلحق بذلك العار، فرأى (عليه السلام) أن الكف أولى لما ذكرناه. فأما غريب الحديث فقوله: شغر برجليه، يريد رفعهما، وأصله في وصف الكلب إذا رفع رجله للبول، وأما قوله: فإذا إنه أجب، فيعني به المقطوع الذكر، لان الجب هو القطع، ومنه بعير أجب، إذا كان مقطوع السنام، وقد ظن بعض من تأول هذا الخبر أن الا مسح ههنا هو قليل لحم الالية، وهذا غلط لان الوصف بذلك لا معنى له في الخبر، وإنما أراد تأكيد الوصف له بأنه أجب، والمبالغة


(1) وتبيين امره، وبمثله أمر.

[170]

فيه لان قوله: أمسح، يفيد أن مصطلم الذكر، ويزيد على معنى الاجب زيادة ظاهره (1). انتهى كلامه قدس سره، ولم نتعرض لما يرد على بعض ما أفاده رحمه الله إحالة على فهم الناظرين. { 2 باب } * (جمل أحوال أزواجه (صلى الله عليه وآله) وفيه قصة زينب وزيد) * الاحزاب " 33 ": وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل * ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما * النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم 4 - 6 ". وقال تعالى: يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا و زينتها فتعالين امتعكن واسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما * يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما * يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا * إن المسلمين والمسلمات * هامش * (1) الغرر والدرر ويقال له الامالى 1: 54 - 57 طبعة السعادة بمصر.

[171]

والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين و الصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما * وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا * وإذا تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا * ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا * الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا * ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما " 29 - 40 ". وقال تعالى: " يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت اجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما * ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حكيما * لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا * يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكن إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسئلوهن من وراء حجاب ذلكم

[172]

أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما * إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما * لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيدا " 50 - 55 " إلى قوله تعالى: " يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما * لئن لم ينته المنافقون والذي في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا " 59 و 60 ". تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وما جعل أدعيائكم أبنائكم ": الادعياء جمع الدعي، وهو الذي يتبناه الانسان، بين سبحانه أنه ليس ابنا على الحقيقة، ونزلت في زيد بن الحارثة بن شراحيل الكلبي من بني عبد ود تبناه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الوحي، وكان قد وقع عليه السبي فاشتراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسوق عكاظ، ولما نبئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعاه إلى الاسلام فأسلم، فقدم أبوه حارثة مكة وأتى أبا طالب وقال: سل ابن أخيك فإما أن يبيعه وإما أن يعتقه، فلما قال ذلك أبو طالب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: هو حر فليذهب حيث شاء، فأبى زيد أن يفارق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال حارثة: يا معشر قريش اشهدوا أنه ليس ابني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اشهدوا أن زيدا ابني، فكان يدعى زيد بن محمد، فلما تزوج النبي (صلى الله عليه وآله) زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عنها، فقال الله سبحانه: ما جعل الله من تدعونه ولدا وهو ثابت النسب من غيركم ولدا لكم " ذلكم قولكم بأفواهكم " أي ان قولكم الدعي ابن الرجل شئ تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له عند الله تعالى " والله يقول الحق " الذي يلزم اعتقاده " وهو يهدي السبيل " أي يرشد إلى طريق الحق

[173]

" ادعوهم لآبائهم " الذين ولدوهم وانسبوهم إليهم أو إلى من ولدوا على فراشهم " هو أقسط عند الله " أي أعدل عند الله قولا وحكما، روي عن ابن عمر (1) قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آبائهم " أي لم تعرفوهم بأعيانهم " فإخوانكم في الدين " أي فهم إخوانكم في الملة فقولوا: يا أخي " ومواليكم " أي بني أعمامكم، أو أولياؤكم في الدين في وجوب النصرة، أو معتقوكم ومحرروكم إذا أعتقتموهم من رق فلكم ولاؤهم " وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به " أي إذا ظننتم أنه أبوه فلا يؤاخذكم الله به " ولكن ما تعمدت قلوبكم " أي ولكن الاثم والجناح في الذي قصدتموه من دعائهم إي غير آبائهم، وقيل: ما أخطأتم قبل النهي وما تعمدتموه بعد النهي " وكان الله غفورا " لما سلف من قولكم " رحيما " بكم " وأزواجه امهاتهم " أي انهن للمؤمنين كالامهات في الحرمة وتحريم النكاح، وليس امهات لهم على الحقيقة إذ لو كانت (2) كذلك لكانت بناته أخوات المؤمنين على الحقيقة، فكان لا يحل للمؤمنين التزوج بهن، ألا ترى أنه لا يحل للمؤمنين رؤيتهن، ولا يرثن المؤمنين ولا يرثون (3). " يا أيها النبي قال لازواجك " قال المفسرون: إن أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) سألته شيئا من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذنيه لغيرة بعضهن على بعض فآلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منهن شهرا، فنزلت آية التخيير، وهو قوله: " قل لازواجك " وكن يومئذ تسعا: عايشة وحفصة وام حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وام سلمة بنت أبي امية، فهؤلاء من قريش، وصفية بنت حيي الخيبرية وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الاسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وروى الواحدي بالاسناد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا مع حفصة فتشاجر بينهما فقال: هل لك أن أجعل


(1) في المصدر: وروى سالم عن ابن عمر. (2) في المصدر: إذ لوكن. (3) مجمع البيان 8: 336 و 337.

[174]

بيني وبينك رجلا ؟ قالت: نعم، فأرسل إلى عمر فلما أن دخل عليهما قال لها: تكلمي، قالت: يا رسول الله تكلم ولا تقل إلا حقا، فرفع عمر يده فوجأ وجهها ثم رفع يده فوجأ وجهها، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): كف، فقال عمر: يا عدوة الله النبي لا يقول إلا حقا، والذي بعثه بالحق لولا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي فقام النبي (صلى الله عليه وآله) فصعد إلى غرفة فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من نسائه يتغدى و يتعشى فيها فأنزل الله تعالى هذه الآيات " إن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها " أي سعة العيش في الدنيا وكثرة المال " فتعالين امتعكن " أي اعطيكن متعة الطلاق وقيل: بتوفير المهر " واسر حكن " أي اطلقكن " سراحا جميلا " أي طلاقا من غير خصومة ولا مشاجرة " وإن كنتن تردن الله ورسوله " أي طاعتهما والصبر على ضيق العيش " والدار الآخرة " أي الجنة " فإن الله أعد للمحسنات " أي العارفات المريدات الاحسان، المطيعات له " منكن أجرا عظيما " واختلف في هذا التخيير فقيل: إنه خيرهن بين الدنيا والآخرة، فإن هن اخترن الدنيا استأنف حينئذ طلاقهن بقوله: " امتعكن واسرحكن " وقيل: خيرهن بين الطلاق والمقام معه، واختلف العلماء في حكم التخيير على أقوال: أحدها: أن الرجل إذا خير امرأته فاختارت زوجها فلا شئ، وإن اختارت نفسها تقع تطليقة واحدة (1). وثانيها: إنه إذا اختارت نفسها تقع ثلاث تطليقات، وإن اختارت زوجها تقع واحدة (2). وثالثها: إنه إن نوى الطلاق كان طلاقا وإلا فلا (3). ورابعها: إنه لا يقع بالتخيير طلاق، وإنما كان ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله) خاصة ولو اخترن أنفسهن لبن منه، فأما غيره فلا يجوز له ذلك، وهو المروي عن أتمتنا (عليهم السلام).


(1) في المصدر: وهو قول عمر بن الخطاب وابن مسعود واليه ذهب أبو حنيفة واصحابه. (2) في المصدر: وهو قول زيد بن ثابت، واليه ذهب مالك. (3) في المصدر: وهو مذهب الشافعي.

[175]

" بفاحشة مبينة " أي بمعصية ظاهرة " يضاعف لها العذاب " في الآخرة " ضعفين " أي مثلي ما يكون على غيرهن، وذلك لان نعم الله سبحانه عليهن أكثر لمكان النبي (صلى الله عليه وآله) منهن، ونزول الوحي في بيوتهن، وإذا كانت النعمة عليهن أعظم وأوفر كانت المعصية منهن أفحش، والعقوبة بها أعظم وأكثر، وقال أبو - عبيدة: الضعفان أن يجعل الواحد ثلاثا، فيكون عليهن ثلاثة حدود، وقال غيره: المراد بالضعف المثل، فالمعنى أنها يزاد في عذابها ضعف كما زيد في ثوابها ضعف كما قال: " نؤتها أجرها مرتين ". " وكان ذلك " أي عذابها " على الله يسيرا " اي هينا " ومن يقنت منكن لله ورسوله " القنوت: الطاعة، وقيل: المواظبة عليها، وروى أبو حمزة الثمالي عن زيد بن علي أنه قال: إني لارجو للمحسن منا أجرين، وأخاف على المسئ عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن علي بن عبد الله بن الحسين، عن أبيه عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه قال له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم، قال: فغضب وقال: نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) من أن نكون كما تقول، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الاجر، ولمسيئنا ضعفين من العذاب، ثم قرأ الآيتين " وأعتدنا لها رزقا كريما " أي عظيم القدر، رفيع الخطر " لستن كأحد من النساء " قال ابن عباس: أي ليس قدركن عندي كقدر غيركن من النساء الصالحات " إن اتقيتن " شرط عليهن التقوى ليبين سبحانه أن فضيلتهن بالتقوى لا بمحض اتصالهن بالنبي (صلى الله عليه وآله) " فلا تخضعن بالقول " أي لا ترققن القول، و لا تلن الكلام للرجال، ولا تخاطبن الاجانب مخاطبة تؤدي إلى طمعهم فتكن كما تفعل المرأة التي تظهر الرغبة في الرجال " فيطمع الذي في قلبه مرض " أي نفاق و فجور، وقيل: شهوة الزنا " وقلن قولا معروفا " أي مستقيما جميلا بريئا عن التهمة بعيد من الريبة " وقرن في بيوتكن " من القرار، أو من الوقار، فعلى الاول يكون الامر اقررن فيبدل من العين الياء كراهة التضعيف، ثم تلقى الحركة على

[176]

الفاء وتسقط العين فتسقط همزة الوصل، والمعنى اثبتن في منازلكن والزمنها، و إن كان من وقر يقر فمعناه كن أهل وقار وسكينة " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى " أي لا تخرجن على عادة النساء اللاتي كن في الجاهلية، ولا تظهرن زينتكن كما كن يظهرن ذلك، وقيل: التبرج التبختر والتكبر في المشي، و قيل: هو أن تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فتواري قلائدها وقرطيها فيبدو ذلك منها، والمراد بالجاهلية الاولى ما كان قبل الاسلام، وقيل: ما كان بين آدم ونوح ثمان مائة سنة، وقيل: ما بين عيسى ومحمد، عن الشعبي، قال: وهذا لا يقتضي أن يكون بعدها جاهلية في الاسلام، لان الاول اسم للسابق تأخر عنه غيره أو لم يتأخر، وقيل: إن " معنى تبرج الجاهلية الاولى " أنهم كانوا يجوزون أن تجمع امرأة واحدة زوجا وخلا، فتجعل لزوجها نصفها الاسفل، و لخلها نصفها الاعلى يقبلها ويعانقها. أقول: سيأتي تفسير آية التطهير في المجلد التاسع. " واذكرن " الآية، أي اشكرن الله إذ صيركن في بيوت تتلى فيها القرآن والسنة، أو احفظن ذلك وليكن ذلكن منكن على بال أبدا لتعملن بموجبه، قال مقاتل: لما رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على نساء النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: هل نزل فينا شئ من القرآن ؟ قلن: لا، فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار، فقال: ومم ذلك ؟ قالت: لانهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فأنزل الله تعالى هذه الآية: " إن المسلمين " أي المخلصين الطاعة لله، أو الداخلين في الاسلام، أو المستسلمين لاوامر الله والمنقادين له من الرجال والنساء " والمؤمنين " أي المصدقين بالتوحيد " والقانتين " أي الدائمين على الاعمال الصالحات، أو الداعين " والخاشعين " أي المتواضعين الخاضعين لله تعالى " والحافظين فروجهم " من الزنا وارتكاب الفجور " والذاكرين الله " روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: من بات على تسبيح فاطمة (عليها السلام) كان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرت (1).


(1) مجمع البيان 8: 353 و 354 و 356 و 358.

[177]

" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة " نزلت في زينب بنت جحش الاسدية، وكانت بنت امية بنت عبد المطلب عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخطبها رسول الله (صلى الله عليه وآله) على مولاه زيد ابن حارثة، ورأت أنه يخطبها على نفسه، فلما علمت أنه يخطبها على زيد أبت و أنكرت، وقالت: أنا ابنة عمتك فلم أكن لافعل، وكذلك قال أخوها عبد الله بن جحش، فنزل " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة " الآية يعني عبد الله واخته زينب، فلما نزلت الآية قالت: رضيت يا رسول الله، وجعلت أمرها بيد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكذلك أخوها، فأنكحها رسول الله (صلى الله عليه وآله) زيدا فدخل بها، وساق إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشرة دنانير وستين درهما مهرا، وخمارا ومحلفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وقالت زينب: خطبني عدة من قريش فبعثت اختي حمنة بنت جحش إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أستشيره فأشار بزيد فغضبت اختي وقالت: أتزوج بنت عمتك مولاك ؟ ثم أعلمتني فغضبت أشد من غضبها، فنزلت الآية، فأرسلت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: زوجني ممن شئت، فزوجني من زيد، وقيل: نزلت في ام كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله) فقال: قد قبلت وزوجها زيد ابن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فزوجنا عبده فنزلت الآية، عن ابن زيد " إذا قضى الله ورسوله " أي أوجبا أمرا وألزماه وحكما به " أن يكون لهم الخيرة " أي الاختيار " من أمرهم " على اختيار الله تعالى " وإذ تقول " أي اذكر يا محمد حين تقول " للذي أنعم الله عليه " بالهداية " وأنعمت عليه " بالعتق، وقيل: أنعم الله عليه بمحبة رسول الله، وأنعم الرسول عليه بالتبني وهو زيد ابن حارثة " أمسك عليك زوجك " يعني زينب تقول: احبسها ولا تطلقها، وهذا الكلام يقتضي مشاجرة جرت بينهما حتى وعظه الرسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: أمسكها " و اتق الله " في مفارقتها ومضارتها " وتخفي في نفسك من الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " والذي أخفاه في نفسه هو أنه إن طلقها زيد تزوجها، و خشي (صلى الله عليه وآله) لائمة الناس أن يقولوا: أمره بطلاقها ثم تزوجها، وقيل: الذي

[178]

أخفاه في نفسه هو أن الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وأن زيدا سيطلقها فلما جاء زيد وقال له: اريد أن اطلق زينب قال له: أمسك عليك زوجك، فقال سبحانه: لم قلت: أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك ؟ و روي ذلك عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، وهذا التأويل مطابق لتلاوة القرآن، وذلك أنه سبحانه أعلم أنه يبدي ما أخفاه ولم يظهر غير التزويج فقال: " زوجناكها " فلو كان الذي أضمره محبتها أو إرادة طلاقها لاظهر الله تعالى ذلك مع وعده بأنه يبديه، فدل ذلك على أنه عوتب على قوله: أمسك عليك زوجك، مع علمه بأنها ستكون زوجته، وكتمانه ما أعلمه الله به حيث استحيى أن يقول لزيد: إن التي تحتك ستكون امرأتي، قال البلخي: ويجوز أيضا أن يكون على ما يقولونه: إن النبي (صلى الله عليه وآله) استحسنها فتمنى أن يفارقها فيتزوجها وكتم ذلك، لان هذا التمني قد طبع عليه البشر ولا حرج على أحد في أن يتمنى شيئا استحسنه وقيل: إنه (صلى الله عليه وآله) إنما أضمر أن يتزوجها، إن طلقها زيد من حيث أنها كانت ابنة عمته، فأراد ضمها إلى نفسه لئلا يصيبها ضيعة، كما يفعل الرجل بأقاربه، عن الجبائي قال: فأخبر الله سبحانه الناس بما كان يضمره من إيثار ضمها إلى نفسه ليكون ظاهره مطابقا لباطنه، وقيل: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يريد أن يتزوج إذا فارقها، ولكنه عزم أن لا يتزوجها مخافة أن يطعنوا عليه فأنزل الله هذه الآية كيلا يمتنع من فعل المباح خشية الناس، ولم يرد بقوله: " والله أحق أن تخشاه " خشية التقوى، لانه (صلى الله عليه وآله) كان يتقي الله حق تقاته ويخشاه فيما يجب أن يخشى فيه، ولكنه أراد خشية الاستحياء، لان الحياء كان غالبا على شيمته الكريمة كما قال سبحانه: " وإن ذلكم كان يؤذي النبي (صلى الله عليه وآله) فيستحيي منكم (1) " وقيل: إن زينب كانت شريفة فزوجها شرفا بأن يتزوجها، لانه كان السبب في تزويجها من زيد، فعزم أن يتزوج بها إذا فارقها، وقيل: إن العرب كانوا ينزلون الادعياء منزلة الابناء في الحكم


(1) الاحزاب: 53.

[179]

فأراد (صلى الله عليه وآله) أن يبطل ذلك بالكلية وينسخ سنة الجاهلية، فكان يخفي في نفسه تزويجها لهذا الغرض كيلا يقول الناس: إن تزوج امرأة ابنه ويقرفونه (1) بما هو منزه عنه، ولهذا قال: " أمسك عليك زوجك " عن أبي مسلم، ويشهد لهذا التأويل قوله فيما بعد: " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " الآية، ومعناه فلما قضى زيد حاجته من نكاحها فطلقها وانقضت عدتها فلم يكن في قبله ميل إليها ولا وحشة من فراقها، فإن معنى القضاء هو الفراغ من الشئ على التمام، أذنا لك في تزويجها، وإنما فعلنا ذلك توسعة على المؤمنين حتى لا يكون (2) إثم في أن يتزوجوا أزواج أدعيائهم الذين تبنوهم إذا قضى الادعياء منهن حاجتهم و فارقوهن " وكان أمر الله مفعولا " أي كائنا لا محالة، وفي الحديث أن زينب كانت تفتخر على سائر نساء النبي (صلى الله عليه وآله) وتقول: زوجني الله من النبي، وأنتن إنما زوجكن أولياؤكن. ورى ثابت عن أنس بن مالك قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لزيد: اذهب فاذكرها علي، قال زيد: فانطلقت فقلت: يا زينب أبشري قد أرسلني رسول الله (صلى الله عليه وآله) يذكرك، ونزل القرآن وجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخل عليها بغير إذن لقوله: " زوجناكها ". وفي رواية اخرى: قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في نفسي حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب ابشري، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطبك، ففرحت بذلك وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى اوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل: " زوجناكها " فتزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد (3) النهار.


(1) في المصدر: يقذفونه. (2) في المصدر: حتى لا يكون عليهم اثم. (3) حتى اشتد خ ل.

[180]

وعن الشعبي: قال: كانت زينب تقول للنبي (صلى الله عليه وآله): إني لادل (1) عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله في السماء، وإن السفير لجبرئيل (عليه السلام) " ما كاء على النبي من حرج " أي إثم وضيق " فيما فرض الله له " أي فيما أحل له من الزويج بامرأة المتبني، أو فيما أوجب عليه من التزويج ليبطل حكم الجاهلية في الادعياء " سنة الله في الذين خلوا من قبل " أي كسنة الله في الانبياء الماضين وطريقته وشريعته فيهم في زوال الحرج عنهم وعن اممه بما أحل سبحانه لهم من ملاذهم، وقيل: في كثرة الازواج كما فعله داود وسليمان، وكان لداود (عليه السلام) مأة امرأة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة، و سبعمائة سرية، وقيل: أشار بالنسبة إلى أن النكاح من سنة الانبياء، كما قال (صلى الله عليه وآله): النكاح من سنتي، فمن رغب عنه فقد رغب عن سنتي " وكان أمر الله قدر مقدورا " أي كان ما ينزله الله على أنبيائه من الامر الذي يريده قضاء مقضيا " ولا يخشون أحدا إلا الله " أي ولا يخافون من سوى الله فيما يتعلق بالاداء والتبليغ، ومتى قيل: فكيف ما قال لنبينا (صلى الله عليه وآله): " وتخشى الناس " فالقول إنه لم يكن ذلك فيما يتعلق بالتبليغ، وإنما خشي المقالة القبيحة فيه، والعاقل كما يتحرز عن المضار يتحرز عن إساءة الظنون به، والقول السيئ فيه، ولا يتعلق شئ من ذلك بالتكليف " وكفى بالله حسيبا " أي حافظا لاعمال خلقه ومحاسبا مجازيا عليها، ولما تزوج (صلى الله عليه وآله) زينب بنت جحش قال الناس: إن محمدا تزوج امرأة ابنه فقال سبحانه: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم (2) " وقد مر تفسيره. " اللآتي آتيت اجورهن " أي أعطيت مهورهن " وما ملكت يمينك " من الاماء " مما أفاء الله عليك " من الغنائم والانفال فكانت من الغنائم مارية القبطية ام ابنه إبراهيم ومن الانفال صفية وجويرية أعتقهما وتزوجهما " وبنات عمك وبنات عماتك "


(1) دل يدل: افتخر: تغنج وتلوى. دلت المرأة على زوجها: اظهرت جرأة عليه في تلطف كأنها تخالفه وما بها خلاف. (2) مجمع البيان 8: 359 - 361.

[181]

يعني نساء قريش " وبنات خالك وبنات خالاتك " يعني نساء بني زهرة " اللاتي هاجرن معك " إلى المدينة، وهذا إنما كان قبل تحليل غير المهاجرات، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " أي وأحللنا لك امرأة مصدقة بتوحيد الله تعالى وهبت نفسها منك بغير صداق، وغير المؤمنة إن وهبت نفسها منك لا تحل (1) " إن أراد النبي أن يستنكحها " أي إن آثر النبي نكاحها ورغب فيها " خالصة لك من دون المؤمنين " أي خاصة لك دون غيرك، قال ابن عباس: يقول: لا يحل هذا لغيرك وهو لك حلال، وهذا من خصائصه في النكاح، فكان ينعقد النكاح له بلفظ الهبة، ولا ينعقد ذلك لاحد غيره، واختلف في أنه هل كانت عند النبي (صلى الله عليه وآله) امرأة وهبت نفسها له أم لا ؟ فقيل: إنه لم تكن عنده امرأة وهبت نفسها له، عن ابن عباس ومجاهد، وقيل: بل كانت عنده ميمونة بنت الحارث بلا مهر قد وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله) في رواية اخرى عن ابن عباس وقتادة، وقيل: هي زينب بنت خزيمة ام المساكين امرأة من الانصار، عن الشعبي وقيل: هي امرأة من بني أسد يقال لها: ام شريك بنت جابر، عن علي بن الحسين (عليه السلام)، وقيل: هي خولة بنت حكيم، عن عروة بن الزبير، وقيل: إنها لما وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله) قالت عايشة: ما بال النساء يبذلن أنفسهن بلا مهر ؟ فنزلت الآية، فقالت عايشة: ما أرى الله تعالى إلا يسارع في هواك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنك إن أطعت الله سارع في هواك " قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم " أي قد علمنا ما أخذنا على المؤمنين في أزواجهم من المهر والحصر بعدد محصور، ووضعناه عنك تخفيفا عنك " وما ملكت أيمانهم " أي وما أخذنا عليهم في ملك اليمين أن لا يقع لهم الملك إلا بوجوه معلومة من الشراء والهبة والارث والسبي، وأبحنا لك غير ذلك، وهو الصفي الذي تصطفيه لنفسك من السبي، وإنما خصصناك على علم منا بالمصلحة فيه من غير محاباة ولا جزاف " لكيلا يكون عليك حرج " أي ليرتفع


(1) في المصدر: لا تحل لك.

[182]

عنك الحرج وهو الضيق والاثم " وكان الله غفورا " لذنوب عباده " رحيما " بهم أو بك في رفع الحرج عنك (1). " ترجي من تشاء " نزلت حين غار بعض امهات المؤمنين على النبي (صلى الله عليه وآله) و طلب بعضهن زيادة النفقة فهجرهن شهرا حتى نزلت آية التخيير، فأمره الله أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة، وأن يخلي سبيل من اختار الدنيا، ويمسك من اختار الله تعالى ورسوله على أنهن امهات المؤمنين ولا ينكحن أبدا، وعلى أنه يؤوي من يشاء منهن، ويرجي من يشاء منهن ويرضين به قسم لهن أو لم يقسم أو قسم لبعضهن ولم يقسم لبعضهن، أو فضل بعضهن على بعض في النفقة والقسمة و العشرة، أو سوى بينهن، والامر في ذلك إليه، يفعل ما يشاء، وهذا من خصائصه فرضين بذلك كله واخترنه على هذا الشرط، فكان (صلى الله عليه وآله) يسوي بينهن مع هذا إلا امرأة منهن أراد طلاقها وهي سودة بنت زمعة فرضيت بترك القسم، وجعلت يومها لعايشة، عن ابن زيد وغيره، وقيل: لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقن فقلن: يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا، فنزلت الآية، و كان ممن أرجى منهن سودة وصفية وجويرية وميمونة وام حبيب، فكان يقسم لهن ما شاء كما شاء، وكان ممن آوى إليه عايشة وحفصة وام سلمة وزينب، وكان يقسم بينهن على السواء، لا يفضل بعضهن على بعض عن ابن رزين " ترجي " أي تؤخر " من تشاء " من أزواجك " وتؤوي " أي تضم " إليك من تشاء " منهن، واختلف في معناه على أقوال: أحدها: أن المراد تقدم من تشاء من نسائك في الايواء وهو الدعاء إلى الفراش، وتؤخر من تشاء في ذلك، وتدخل من تشاء في القسم، و لا تدخل من تشاء، عن قتادة، قال: وكان (صلى الله عليه وآله) يقسم بين أزواجه، وأباح الله له ترك ذلك. وثانيها: أن المراد تعزل من تشاء منهن بغير طلاق، وترد إليك من تشاء منهن بعد عزلك إياها بلا تجديد عقد، عن مجاهد والجبائي وأبي مسلم.


(1) مجمع البيان 8: 364 و 365.

[183]

وثالثها: ان المراد تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء، عن ابن عباس. ورابعها: أن المراد تترك نكاح من تشاء منهن من نساء امتك، وتنكح منهن من تشاء، عن الحسن، قال: وكان (صلى الله عليه وآله)، إذا خطب امرأة لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يتزوجها أو يتركها. وخامسها: تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء منهن فلا تقبلها، عن زيد بن أسلم والطبري، قال أبو جعفر و أبو عبد الله (عليهما السلام): من أرجى لم ينكح، ومن آوى فقد نكح " ومن ابتغيت ممن إليك فلا سبيل عليك بلؤم ولا عيب (1) ولا إثم عليك في ابتغائها، أباح الله سبحانه له ترك القسم في النساء حتى يؤخر من يشاء عن وقت نوبتها، ويطأ من يشاء بغير نوبتها، وله أن يعزل من يشاء، وله أن يرد المعزولة إن شاء. فضله الله تعالى بذلك على جميع الخلق " ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن " أي إنهن إذا علمن أن له ردهن إلى فراشه بعدما اعتزلهن قرت أعينهن ولم يحزن ويرضين بما يفعله النبي (صلى الله عليه وآله) من التسوية والتفضيل، لانهن يعلمن أنهن لم يطلقن، عن ابن عباس ومجاهد، وقيل: ذلك أطيب لنفوسهن، وأقل لحزنهن إذا علمن أن لك الرخصة بذلك من الله تعالى، ويرضين بما يفعله النبي (صلى الله عليه وآله) من التسوية والتفضيل، عن قتادة، وقرة العين عبارة عن السرور وقيل: ذلك المعرفة بأنك إذا عزلت واحدة كان لك أن تؤويها بعد ذلك أدنى بسرورهن وقرة أعينهن، عن الجبائي، وقيل: معناه نزول الرخصة من الله تعالى أقر لاعينهن وأدنى إلى رضاهن بذلك، لعلمهن بمالهن في ذلك من الثواب في طاعة الله تعالى، ولو كان ذلك من قبلك لحزن وحملن ذلك على ميلك إلى بعضهن " والله يعلم ما في قلوبكم " من الرضا والسخط، والميل إلى بعض النساء دون بعض " وكان الله عليما " بمصالح عباده " حليما " في ترك معاجلتهم بالعقوبة " لا يحل لك


(1) في المصدر: بلوم ولا عتب.

[184]

النساء من بعد " أي من بعد النساء اللآتي أحللناهن لك في قولنا: " إنا أحللنا لك " وهي (1) ستة أجناس: النساء اللآتي آتاهن اجورهن، أي أعطاهن مهورهن وبنات عمه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته اللآتي هاجرن معه ومن وهبت نفسها له، يجمع من يشاء من العدد، ولا يحل له غيرهن من النساء عن ابي بن كعب وعكرمة والضحاك، وقيل: يريد المحرمات في سورة النساء عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وقيل: معناه لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات " ولا أن تبدل بهن من أزواج " أي ولا أن تتبدل (2) الكتابيات بالمسلمات، لانه لا ينبغي أن يكن امهات المؤمنين إلا ما ملكت يمينك من الكتابيات فأحل له أن يتسراهن، وقيل: معناه لا يحل لك النساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله وهن التسع صرت مقصورا عليهن، وممنوعا من غيرهن، و من أن تستبدل بهن غيرهن " ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك " أي وقع في قلبك حسنهن مكافأة لهن على اختيارهن الله ورسوله، وقيل: إن التي أعجبه حسنها اسماء بنت عميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب عنها، وقيل: إنه منع من طلاق من اختارته من نسائه كما أمر بطلاق من لم يختره، فأما تحريم النكاح عليه فلا، عن الضحاك، وقيل أيضا: إن هذه الآية منسوخة وابيح له بعدها تزويج ما شاء، فروي عن عايشة أنها قالت: ما فارق رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدنيا حتى حلل له ما أراد من النساء. وقوله: " ولا أن تبدل بهن من أزواج " فقيل أيضا في معناه: إن العرب كانت تتبادل بأزواجهم فيعطي أحدهم زوجته رجلا فيأخذ بها زوجته منه بدلا عنها فنهي عن ذلك، وقيل في قوله: " ولو أعجبك حسنهن ": يعني إن أعجبك حسن ما حرم عليك من جملتهن ولم يحللن لك، وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " وكان الله على كل شئ رقيبا " أي عالما حافظا " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا " الآية


(1) في المصدر: وهن ستة. (2) في المصدر: ولا ان تبدل.

[185]

نهاهم سبحانه عن دخول دار النبي (صلى الله عليه وآله) بغير إذن، يعني إلا أن يدعوكم إلى الطعام فادخلوا " غير ناظرين إناه " أي غير منتظرين إدراك الطعام فيطول مقامكم في منزله يقال: أنى الطعام يأني إنى مقصورا: إذا بلغ حالة النضج وأدرك وقته، والمعنى لا تدخلوها قبل نضج الطعام انتظار نضجه فيطول مكثكم ومقامكم (1) " ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا " أي فإذا أكلتم الطعام فتفرقوا واخرجوا " ولا مستأنسين لحديث " أي فلا تدخلوا وتقعدوا بعد الاكل متحدثين يحدث بعضكم بعضا ليؤنسه، ثم بين المعنى في ذلك فقال: " إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم " أي طول مقامكم في منزل النبي (صلى الله عليه وآله) يؤذيه لضيق منزله فيمنعه الحياء أن يامركم بالخروج من المنزل " والله لا يستحيي من الحق " أي لا يترك إبانة الحق " وإذا سئلتموهن متاعا فاسئلوهن من وراء حجاب " يعني فإذا سألتم أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) شيئا تحتاجون إليه فاسئلوهن من وراء ستر، قال مقاتل: أمر الله المؤمنين أن لا يكلموا نساء النبي (صلى الله عليه وآله) إلا من وراء حجاب " ذلكم " أي السؤال من وراء حجاب " أطهر لقلوبكم وقلوبهن " من الريبة ومن خواطر الشيطان " و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله " بمخالفة ما أمر به في نسائه ولا في شئ من الاشياء " ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " أي لا يحل لكم أن تتزوجوا واحدة من نسائه بعد مماته، وقيل: أي من بعد فراقه في حياته " إن ذلكم كان عند الله عظيما " أي إيذاء الرسول بما ذكرنا كان ذنبا عظيم الموقع عند الله تعالى " إن تبدوا شيئا أو تخفوه " أي تظهروا شيئا أو تضمروه مما نهيتم عنه من تزويجهن " فإن الله كان بكل شئ عليما " من الظواهر والسرائر، ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والابناء والاقارب لرسول الله (صلى الله عليه وآله): ونحن أيضا نكلمهم (2) من وراء حجاب ؟ فأنزل الله تعالى قوله: " لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن " الآية، أي في أن يرونهن ولا تحتجبن عنهم " ولا نسائهن " قيل: يريد نساء المؤمنين لا نساء اليهود


(1) في المصدر: فيطول لبثكم ومقامكم (2) في المصدر: نكلمهن.

[186]

والنصارى فيصفن نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله) لازواجهن إن رأينهن، عن ابن عباس، و قيل: يريد جميع النساء " ولا ما ملكت أيمانهن " يعني العبيد والاماء " واتقين الله " أي اتركن معاصيه أو اتقين عذاب الله من دخول الاجانب عليكم (1) " إن الله كان على كل شئ شهيدا " أي حفيظا لا يغيب عنه شئ قال الشعبي وعكرمة: وإنما لم يذكر العم والخال لئلا ينعتاهن لابنائهما (2). " يدنين عليهن من جلابيبهن " أي قل: لهؤلاء فليسترن موضع الجيب بالجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة، وقيل: الجلباب: مقنعة المرأة، أي يغطين جباههن ورؤسهن إذا خرجن لحاجة، بخلاف الاماء الاتي يخرجن مكشفات الرؤس والجباه، عن ابن عباس، وقيل: أراد بالجلابيب الثياب والقميص والخمار وما يتستر به المرأة " ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين " أي ذلك أقرب إلى أن يعرفن بزيهن أنهن حرائر ولسن باماء فلا يؤذيهن أهل الريبة، فإنهم كانوا يمازحون الاماء، وربما كان يتجاوز المنافقون إلى ممازحة الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك قالوا: حسبناهن إماء، فقطع الله عذرهم، وقيل: معناه ذلك أقرب إلى أن يعرفن بالستر والصلاح، فلا يتعرض لهن، لان الفاسق إذا عرف امرأة بالستر والصلاح لم يتعرض لها " لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض " أي فجور وضعف في الايمان وهم الذين لا امتناع لهم من مراودة النساء وإيذائهن " والمرجفون في المدينة " وهم المنافقون الذين كانوا يرجفون في المدينة بالاخبار الكاذبة بأن يقولوا: اجتمع المشركون في موضع كذا لحرب المسلمين، ويقولوا لسرايا المسلمين إنهم قتلوا وهزموا " لنغرينك بهم " أي لنسلطنك عليهم وأمرناك بقتلهم وإخراجهم وقد حصل الاغراء بهم بقوله: " جاهد الكفار والمنافقين (3) " وقيل: لم يحصل لانهم انتهوا، ولو حصل لقتلوا وشردوا واخرجوا عن المدينة " ثم لا يجاورونك


(1) في المصدر:. عليكن. (2) مجمع البيان 8: 366 - 368. (3) التوبة: 73 وتحريم: 9.

[187]

فيها إلا قليلا " أي لا يساكنونك في المدينة إلا يسيرا. انتهى كلام الطبرسي رحمه الله (1). وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب تنزيه الانبياء (عليهم السلام): فإن قيل: فما تأويل قوله تعالى: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " الآية، أو ليس هذا عتابا له (صلى الله عليه وآله) من حيث أضمر ما كان ينبغي أن يظهره، وراقب من لا يجب أن يراقبه ؟ فما الوجه في ذلك ؟ قلنا: وجه هذه الآية معروف، وهو أن الله تعالى لما أراد نسخ ما كانت عليه الجاهلية من تحريم نكاح زوجة الدعي والدعي هو الذي كان أحدهم يستحبه (2) ويربيه ويضيفه إلى نفسه على طريق النبوة، وكان من عادتهم أن يحرموا على نفوسهم (3) نكاح أزواج أدعيائهم كما يحرمون نكاح أزواج أبنائهم - فأوحى الله تعالى إلى نبيه أن زيد بن حارثة وهو دعي رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيأتيه مطلقا زوجته وأمره أن يتزوجها بعد فراق زيد لها، ليكون ذلك ناسخا لسنة الجاهلية التي تقدم ذكرها، فلما حضر زيد مخاصما زوجته عازما على طلاقها أشفق الرسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يمسك عن وعظه وتذكيره، لا سيما وقد كان ينصرف (4) على أمره وتدبيره فيرجف المنافقون به (صلى الله عليه وآله) إذا تزوج المرأة ويقرفوه بما قد نزهه الله تعالى عنه فقال له: أمسك عليك زوجك تبرئا مما ذكرناه وتنزها، وأخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد طلاقه لها، لينتهي إلى أمر الله تعالى فيها، ويشهد لصحة هذا التأويل قوله تعالى: " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " فدل على أن العلة في أمره بنكاحها ما ذكرناه من نسخ السنة المتقدمة. فإن قيل: العتاب باق على حاله: لانه قد كان ينبغي أن يظهر ما أضمره ويخشى الله ولا يخشى الناس. قلنا: أكثر ما في الآية إذا سلمنا نهاية الاقتراح فيها أن يكون (صلى الله عليه وآله) فعل


(1) في المصدر: 8. 370 و 371. (2) في المصدر: يجتبيه. (3) في المصدر: على انفسهم. (4) في المصدر: وقد كان يتصرف.

[188]

ما غيره أولى منه، وليس يكون (صلى الله عليه وآله) بترك الا ولى عاصيا، وليس يمتنع على هذا الوجه أن يكون صبره على قرف المنافقين وإهوانه (1) بقولهم أفضل له وأكثر ثوابا فيكون إبداء ما في نفسه أولى من إخفائه، على أنه ليس في ظاهر الآية ما يقتضي العتاب ولا ترك الاولى، وأما إخباره بأنه أخفى ما الله مبديه فلا شئ فيه من الشبهة، وإنما هو خبر محض، وأما قوله: " وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " ففيه أدنى شبهة، وإن كان الظاهر لا يقتضي عند التحقيق ترك الافضل، لانه خبر (2) أنه يخشى الناس وإن الله أحق بالخشية، ولم يخبر أنك لم تفعل الاحق، أو عدلت إلى الادون، ولو كان في الظاهر بعض الشبهة لوجب أن يترك ويعدل (3) عنه للقاطع من الادلة، وقد قيل: إن زيد بن حارثة لما خاصم زوجته ابنة جحش (4) وهي ابنة عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأشرف على طلاقها أضمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه إن طلقها زيد تزوجها من حيث كانت ابنة عمته، وكان يحب ضمها إلى نفسه، كما يحب أحدنا ضم قراباته إليه حتى لا ينالهم بؤس (5) فأخبر الله تعالى رسوله والناس بما كان يضمره من إيثار ضمها إلى نفسه، ليكون ظاهر الانبياء وباطنهم سواء، و لهذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الانصار يوم فتح مكة وقد جاءه عثمان بعبد الله بن سعد بن أبي سرح وسأله أن يرضى عنه، وكان رسول الله (صلى الله عليه آله) قبل ذلك قد هدر دمه فأمر بقتله (6)، فلما رأى عثمان استحيى من رده وسكت طويلا ليقتله بعض المؤمنين فلم يفعل المؤمنون ذلك انتظارا منهم لامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) مجددا، فقال للانصار: ما كان (7) منكم رجل يقوم إليه فيقتله ؟ فقال له عباد بن بشر: يا رسول الله إن عيني


(1) في المصدر: على قذف المنافقين واهانته. (2) في المصدر: لانه اخبر. (3) في المصدر: لوجب ان تتركه ونعدل عنه. (4) في الصدر: زوجته زينب ابنة جحش. (5) في المصدر: من حيث انها ابنة عمه، وكان يحب ضمها إلى نفسه، كما يحب احدنا ضم قرابته إلى نفسه حتى لا ينالهم بؤس ولا ضرر. (6) في المصدر: قد اهدر دمه وامر بقتله. (7) في المصدر: اما كان فيكم.

[189]

ما زالت في عينك انتظارا أن تؤمي إلى فأقتله، فقال له رسول الله: " إن الانبياء لا تكون لهم خائنة أعين " وهذا الوجه يقارب الاول في المعنى. فإن قيل: فما المانع مما وردت به الرواية من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى في بعض الاحوال زينب بنت جحش فهواها، فلما أن حضر زيد لطلاقها أخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعده وهواه لها، أو ليس الشهوة عندكم التي قد تكون عشقا على بعض الوجوه من فعل الله تعالى، وأن العباد لا يقدرون عليها، وعلى هذا المذهب لا يمكنكم إنكار ما تضمنه السؤال ؟ قلنا: لم ننكر ما وردت به هذه الرواية الخبيثة من جهة أن الشهوة تتعلق بفعل العباد، وأنها معصية قبيحة، بل من جهة أن عشق الانبياء (عليهم السلام) لمن ليس يحل لهم من النساء منفر عنهم، وحاط من رتبتهم ومنزلتهم، وهذا مما لا شبهة فيه وليس كل شئ وجب أن يجنب عنه الانبياء (عليهم السلام) مقصورا على أفعالهم (1) إن الله قد جنبهم الفظاظة والغلظة والعجلة وكل ذلك ليس من فعلهم، وأوجبنا أيضا أن يجنبوا الامراض المشوهة والخلق المشينة كالجذام والبرص وقباحة الصور وأضرابها، وكل ذلك ليس من مقدورهم ولا فعلهم، وكيف يذهب على عاقل أن عشق الرجل زوجة غيره منفر عنه معدود في جملة معائبه ومثالبه، ونحن نعلم أنه لو عرف بهذه الحال بعض الامناء أو الشهود لكان ذلك قادحا في عدالته وخافضا من منزلته، وما يؤثر في منزلة أحدنا أولى أن يؤثر في منازل من طهره الله وعصمه وأكمله وأعلى منزلته، وهذا بين لمن تدبره (2). انتهى كلامه، رفع الله مقامه وقد مضى الكلام في خصائصه (صلى الله عليه وآله) في أمر أزواجه في باب فضائله (صلى الله عليه وآله). 1 - فس: حميد بن زياد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله، عن أبيه (عليهما السلام) في قوله تعالى: " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى قال: أي ستكون جاهلية اخرى (3).


(1) في المصدر: وليس كل شئ يجب ان يجتنبه الانبياء (عليهم السلام) مقصورا على افعالهم الا ترى. (2) تنزيه الانبياء: 109 - 11 2. (3) تفسير القمى: 530.

[190]

2 - فس: قوله: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله " فإنه كان سبب نزولها أنه لما أنزل الله " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم " وحرم الله نساء النبي على المسلمين غضب طلحة فقال: يحرم محمد علينا نساءه ويتزوج هو بنسائنا (1)، لئن أمات الله محمدا لنركضن بين خلاخيل نسائه، كما ركض بين خلاخيل نسائنا، فأنزل الله: " وما كان أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما * وإن تبدوا شيئا أو تخفوه " الآية، ثم رخص لقوم معروفين الدخول عليهن بغير إذن فقال: " لا جناح عليهن " الآية، " يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن " فإنه كان سبب نزولها أن النساء كن يخرجن إلى المسجد ويصلين خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا كان بالليل وخرجن إلى صلاة المغرب والعشاء والغداة يقعد الشباب لهن في طريقهن فيؤذونهن ويتعرضون لهن، فنزلت الآية (2). 3 - سن: الوشاء عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: إن النجاشي لما خطب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ام حبيبة آمنة بنت أبي سفيان فزوجه دعا بطعام وقال: إن من سنن المرسلين الاطعام عند التزويج (3). كا: العدة، عن سهل والحسين بن محمد، عن المعلى جميعا عن الوشاء مثله (4). 4 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين تزوج ميمونة بنت الحارث أولم عليها، وأطعم الناس الحيس (5). كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير مثله (6). بيان: الحيس: تمر يخلط بسمن وأقط.


(1) في المصدر: ويتزوج هو نساءنا. (2) تفسير القمى: 533 و 534. وتقدم ذكر موضع الايات في صدر الباب. (3) المحاسن: 418. (4) فروع الكافي 2: 17. (5) المحاسن: 418. (6) فروع الكافي 2: 17.

[191]

5 - قب: قال الصادق (عليه السلام): تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمس عشرة امرأة و دخل بثلاث عشرة منهن، وقبض عن تسع. المبسوط: إنه قال أبو عبيدة: تزوج النبي (صلى الله عليه وآله) ثماني عشرة امرأة. وفي إعلام الورى ونزهة الابصار وأمالي الحاكم وشرف المصطفى: إنه تزوج بإحدى وعشرين امرأة. وقال ابن جرير وابن مهدي: واجتمع له إحدى عشرة امرأة في وقت. ترتيب أزواجه: تزوج بمكة أولا خديجة بنت خويلد، قالوا: وكانت عند عتيق بن عائذ المخزومي، ثم عند أبي هالة زرارة بن نباش الاسيدي، وروى أحمد البلادري وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما والمرتضى في الشافي وأبو جعفر في التخليص أن النبي (صلى الله عليه وآله): تزوج بها وكانت عذراء، يؤكذ ذلك ما ذكر في كتابي الانوار والبدع أن رقية وزينب كانتا ابنتي هالة اخت خديجة. وسودة (1) بنت زمعة بعد موتها بسنة، وكانت عند السكران بن عمرو، من مهاجري الحبشة فتنصر ومات بها. وعايشة بنت أبي بكر، وهي ابنة سبع قبل الهجرة بسنتين، ويقال: كانت ابنة ست ودخل بها بالمدينة في شوال وهي ابنة تسع، ولم يتزوج غيرها بكرا، وتوفي النبي (صلى الله عليه وآله) وهي ابنة ثمانية عشر سنة، وبقيت إلى أمارة معاوية، وقد قاربت السبعين. وتزوج بالمدينة ام سلمة واسمها هند بنت امية المخزومية، وهي بنت عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وكانت عند أبي سلمة بن عبد الاسد بعد وقعة بدر من سنة اثنتين من التاريخ. وفي هذه السنة تزوج بحفصة بنت عمر، وكانت قبله تحت خنيس بن عبد الله ابن حذافة السهمي فبقيت إلى آخر خلافة علي (عليه السلام)، وتوفيت بالمدينة. وزينب بنت جحش الاسدية وهي ابنة عمته اميمة بنت عبد المطلب، و كانت عند زيد بن حارثة، وهي أول من ماتت من نسائه بعده في أيام عمر بعد سنتين من التاريخ. وجويرية بنت الحارث بن ضرار (2) المصطلقية، ويقال: إنه اشتراها


(1) أي تزوج سودة. (2) في اسد الغابة: الحارث بن ابى ضرار.

[192]

فأعتقها فتزوجها، وماتت في سنة خمسين، وكانت عند مالك بن صفوان (1) بن ذي السفرتين، وام حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة، وكانت عند عبد الله بن جحش في سنة ست، وبقيت إلى أمارة معاوية. وصفية بنت حيي بن أخطب النضري، و كانت عند سلام بن مشكم، ثم عند كنانة بن الربيع، وكان بنى بها (2) وأسربها في سنة سبع. وميمونة بنت الحارث الهلالية خالة ابن عباس، وكانت عند عمير بن عمرو الثقفي، ثم عند أبي زيد بن عبد العامري خطبها للنبي (صلى الله عليه وآله) جعفر بن أبي طالب وكان تزويجها وزفافها وموتها وقبرها بسرف، وهو على عشرة أميال من مكة في سنة سبع، وماتت في سنة ست وثلاثين، وقد دخل بهؤلاء، والمطلقات أو من لم يدخل بها (3) أو من خطبها ولم يعقد عليها: فاطمة بنت شريح، وقيل: بنت الضحاك تزوجها بعد وفاة ابنته زينب، وخيرها حين انزلت عليه آية التخيير فاختارت الدنيا ففارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول: أنا الشقية اخترت الدنيا، وزينب بنت خزيمة بن الحارث ام المساكين من عبد مناف، وكانت عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وأسماء بنت النعمان بن الاسود الكندي من أهل اليمن، وأسماء بنت النعمان لما دخلت عليه قالت: أعوذ بالله منك، فقال: أعذتك الحقي بأهلك وكان بعض أزواجه علمتها وقالت: إنك تحظين (4) عنده، وقتيله اخت الاشعث بن قيس الكندي ماتت قبل أن يدخل بها، ويقال: طلقها فتزوجها عكرمة بن أبي جهل وهو الصحيح، وام شريك واسمها غزية بنت جابر من بني النجار، وسنى بنت (5) الصلت من بني سليم، ويقال: خولة بنت حكيم السلمي، ماتت قبل أن تدخل عليه وكذلك سراف (6) اخت دحية الكلي، ولم يدخل بعمرة الكلابية، واميمة بنت


(1) صفوان بن مالك خ ل. أقول: في اسد الغابة: كانت تحت مسافع بن صفوان المصطلقى، وذكر عن ابن اسحاق انه قال: كانت عند ابن عم لها يقال له: ابن ذى الشفر. (2) في المصدر: وكانت اتى بها. (3) في المصدر: أو من يدخل بهن. (4) أي تصير ذا منزلة عنده بذلك، فخدعتها بذلك. (5) في اسد الغابة: بنت اسماء بن الصلت. (6) في المصدر: صراف.

[193]

النعمان الجونية، والعالية بنت ظبيان الكلابية، ومليكة الليثية، وأما عمرة بنت بريد (1) رأى بها بياضا فقال: دلستم علي فردها، وليلى ابنة الحطيم (2) الانصارية ضربت ظهره وقالت: أقلني، فأقالها، فأكلها الذئب، وعمرة من العرطا وصفها أبوها حتى قال: إنها لم تمرض قط، فقال (صلى الله عليه وآله): ما لهذه عند الله من خير والتسع اللاتي قبض عنهن: ام سلمة، زينب بنت جحش، ميمونة، ام حبيبة، صفية جويرية، سودة، عايشة، حفصة، قال زين العابدين (عليه السلام) والضحاك ومقاتل: الموهوبة امرأة من بني أسد، وفيه ستة أقوال، ومات قبل النبي (صلى الله عليه وآله) خديجة وام هانئ وزينب بنت خزيمة، وأفضلهن خديجة ثم ام سلمة ثم ميمونة. مبسوط الطوسي: إنه اتخذ من الاماء ثلاثا: عجميتين وعربية، فأعتق العربية، واستولد إحدى العجميتين، وكان له سريتان يقسم لهما مع أزواجه: مارية بنت شمعون (3) القبطية، وريحانة بنت (4) زيد القرظية، أهداهما المقوقس صاحب الاسكندرية، وكانت لمارية اخت اسمها سيرين، فأعطاها حسان، فولد عبد الرحمن، وتوفيت مارية بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بخمس سنين، ويقال: إنه أعتق ريحانة ثم تزوجها. تاج التراجم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) اختار من سبي بني قريظة جارية اسمها تكانة بنت عمرو، وكانت في ملكه، فلما توفي زوجها العباس، وكان مهر نسائه اثنتا * (هامش) (1) في اسد الغابة: بنت يزيد بن الجون الكلابية، وقيل: بنت يزيد بن عبيد بن رواس ابن كلاب الكلابية، وكانت قبله عند الفضل بن العباس بن عبد المطلب. (2) في المصدر: بنت الحطيم، وفى اسد الغابة: ليلى بنت الخطيم - بالخاء المعجمة - ابن عدى بن عمرو بن سواد بن ظفر بن الخزرج بن عمرو الانصارية الظفرية اخت قيس بن الخطيم. (3) في المصدر: مارية القبطية. (4) في اسد الغابة: بنت سمعون بن زيد بن قثامة بنى قريظة وقال ابن اسحاق: بنت عمرو بن خنافة. أقول: تقدم في غزوة بنى قريظة انه اصطفى لنفسه من نساء بنى قريظة ريحانة بنت عمرو بن خناقة. (*)

[194]

عشرة اوقية ونش (1). 6 - كا: العدة: عن البرقي (2) رفعه قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا أراد تزويج امرأة بعث من ينظر إليها ويقول للمبعوثة: شمي ليتها، فإن طاب ليتها طاب عرفها وانظري لكعبها فإن درم كعبها عظم كعثبها (3). بيان: الليت بالكسر: صفحة العنق. والعرف بالفتح: الريح طيبة كانت أو منتنة، والدرم في الكعب: أن يواريه اللحم حتى لا يكون له حجم، والكعثب بالفتح الركب الضخم وهو منبت العانة. 7 - ل: الطالقاني، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمس عشرة امرأة، ودخل بثلاث عشرة منهن، وقبض عن تسع، فأما اللتان لم يدخل بهما فعمرة والسنى (4) وأما الثلاث عشرة اللاتي دخل بهن فأولهن خديجة بنت خويلد، ثم سودة بنت زمعة، ثم ام سلمة واسمها هند بنت أبي امية، ثم ام عبد الله عايشة بنت أبي بكر، ثم حفصة بنت عمر، ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث ام المساكين، ثم زينب بنت جحش ثم ام حبيب رملة بنت أبي سفيان، ثم ميمونة بنت الحارث، ثم زينب بنت عميس ثم جويرية بنت الحارث، ثم صفية بنت حيي بن أخطب، والتي وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله) خولة بنت حكيم السلمي، وكان له سريتان يقسم لهما مع أزواجه: مارية وريحانة الخندفية، والتسع اللاتي قبض عنهن عايشة وحفصة وام سلمة وزينب بنت جحش وميمونة بنت الحارث وام حبيب بنت أبي سفيان وصفية بنت حيي بن أخطب وجويرية بنت الحارث وسودة بنت زمعة، وأفضلهن خديجة بنت خويلد، ثم ام سلمة، ثم ميمونة بنت الحارث (5).


(1) مناقب آل ابى طالب 1: 137 - 140. اقول: اطنش: النصف. (2) في المصدر: البرقى عن بعض اصحابنا. (3) فروع الكافي 2: 6. (4) السبناء خ ل الشنباء خ ل. (5) الخصال 2: 44 و 45.

[195]

بيان: عمرة بالفتح، والسنا بالفتح والقصر، قال في القاموس: السنا: بنت أسماء بن الصلت ماتت قبل أن يدخل بها النبي (صلى الله عليه وآله)، وسائر النسخ تصحيف، وسودة بفتح السين وسكون الواو، وزمعة بفتح الزاي وسكون الميم، وقيل: بفتحها، و رملة بالفتح. 8 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن ابن حميد، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: رحم الله الاخوات (1) من أهل الجنة، فسماهن أسماء بنت عميس الخثعمية، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) وسلمى بنت عميس الخثعمية وكانت تحت حمزة، وخمس من بني هلال: ميمونة بنت الحارث، كانت تحت النبي (صلى الله عليه وآله)، وام الفضل عند العباس اسمها (2) هند والغميصاء ام خالد بن الوليد، وغرة (3) كانت في ثقيف عند الحجاج بن غلاظ (4) وحميدة لم يكن لها عقب (5). 9 - فس: " وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك " يعني من الغنيمة إلى قوله: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " فإنه كان سبب نزولها أن امرأة من الانصار أتت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد تهيأت وتزينت فقالت: يا رسول الله هل لك في حاجة فقد وهبت نفسي لك ؟ فقالت لها عايشة: قبحك الله ما انهمك للرجال ؟ فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): مه يا عايشة فإنها رغبت في رسول الله إذ زهدتي فيه، ثم قال:


(1) كان السبع كلهن اخوات اما من جهة الاب أو من جهة الام، فانى رأيت في بعض الكتب ان ام الفضل واسماء بنت عميس اختان لميمونة. منه عفى عنه أقول: قال ابن الاثير في اسد الغابة: اسماء بنت عميس اخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي (صلى الله عليه وآله) و اخت ام الفضل امرأة العباس واخت اخواتها لامهم وكن عشر اخوات لام وقيل، تسع اخوات. (2) واسمها خ ل أقول: في اسد الغابة: اسمها لبابة وهى لبابة الكبرى، واختها ام خالد بن الوليد اسمها أيضا لبابة وهى الصغرى وقال: في اسلامها وصحبتها أي ام خالد نظر. (3) في المصدر: عزة وهو الصحيح. (4) الصحيح حجاج بن علاط. راجع اسد الغابة 1: 381. (5) الخصال 2: 13.

[196]

رحمك الله ورحمكم يا معشر الانصار نصرنى رجالكم، ورغبت في نساؤكم، ارجعي رحمك الله فإني أنتظر أمر الله، فأنزل الله: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي أن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين " فلا تحل الهبة إلا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). 10 - ما: المفيد، عن علي بن خالد المراغي، عن علي بن الحسن الكوفي عن جعفر بن محمد بن مروان عن أبيه، عن شيخ (2) بن محمد، عن أبي علي بن عمر (3) الخراساني، عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي إسحاق السبيعي قال: دخلنا على مسروق الاجدع فإذا عنده ضيف له لا نعرفه وهما يطعمان من طعام لهما، فقال الضيف: كنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحنين (4)، فلما قالها عرفنا أنه كانت له صحبة من النبي (صلى الله عليه وآله) قال: جاءت صفية بنت حيي بن أخطب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله إني لست كأحد نسائك قتلت الاب والاخ والعم، فإن حدث بك حدث فإلى من ؟ فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): إلى هذا، وأشار إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) (5) الخبر. 11 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن محمد بن أحمد بن أبي شيخ (6)، عن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن معاد (7)، عن أبيه وعمه عن معاد وعبيدالله، ابني عبد الله، عن عمهما يزيد بن الاصم قال: قدم سفير (8) بن شجرة العامري بالمدينة فاستأذن على خالتي ميمونة بنت الحارث زوج النبي (صلى الله عليه وآله) وكنت عندها فقالت:


(1) تفسير القمى: 532 والاية في الاحزاب: 50. (2) في امالي المفيد ونسخة من المصدر: مسيح بن محمد (3) في امالي المفيد ونسخة من المصدر: عن ابى على بن عمرة الخراساني. (4) في نسخة من المصدر: [بخيبر] وفيى امالي المفيد [بخير] ولعله مصحف بخيبر. (5) امالي ابن الشيخ: 20 و 21، ورواه المفيد في الامالى: 158. (4) في المصدر المطبوع: مسيح. (7) في المصدر: [معاذ] وفيه: قال حدثنى ابى قال: حدثنى جدى عبد الله بن معاذ عن ابيه وعمه ومعاذ وعبيدالله ابني عبد الله. (8) في المصدر المطبوع: [صفير] وفى نسخة: شقير.

[197]

ائذن للرجل فدخل فقالت: من أين أقبل الرجل ؟ قال: من الكوفة، قالت: فمن أي القبائل أنت ؟ قال: من بني عامر، قالت: حييت ازدد قربا، فما أقدمك ؟ قال: يا ام المؤمنين رهبت أن تكبسني الفتنة لما رأيت من اختلاف الناس فخرجت، فقالت: هل كنت بايعت عليا ؟ قال: نعم، قالت: فارجع فلا تزل عن صفه، فوالله ما ضل وما ضل به، فقال: يا امه فهل أنت محدثتني (1) في علي بحديث سمعتيه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قالت: اللهم نعم، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: علي آية الحق وراية الهدى، علي سيف الله يسله على الكفار والمنافقين، فمن أحبه فبحبي (2) أحبه، ومن أبغضه فبغضي أبغضه، ألا ومن أبغضني أو أبغض عليا لقي الله عزوجل ولا حجة له (3). 12 - فس: " يا ايها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن " فإنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك أن عايشة وحفصة كانتا تؤذيانها وتشتمانها وتقولان لها: يا بنت اليهودية، فشكت ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لها: ألا تجيبنهما (4) ؟ فقالت: بماذا يا رسول الله ؟ قال: قولي: إن أبي هارون نبي الله وعمي موسى كليم الله، وزوجي محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فما تنكران مني ؟ فقالت لهما فقالتا: هذا علمك رسول الله، فأنزل الله في ذلك: " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم " إلى قوله: " ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان (5). 13 - ب: حماد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال أبي: ما زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا من بناته، ولا تزوج شيئا من نسائه على أكثر من اثنى


(1) في المصدر: تحدثني. (2) في المصدر: [فيحبنى] وفيه: فيبغضني. (3) امالي ابن الشيخ: 322. (4) في المصدر: لا تجيبينهما ؟ (5) تفسير القمى: 641 و 642. والاية في الحجرات: 11.

[198]

عشر اوقية ونش، يعني نصف اوقية (1). 14 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا من نسائه ولا زوج شيئا من بناته على أكثر من اثنى عشر اوقية ونش، والاوقية أربعون درهما، والنش عشرون درهما (2). 15 - فس: " يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا و زينتها " إلى قوله: " أجرا عظيما " فإنه كان سبب نزولها أنه لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غزوة خيبر وأصاب كنز آل أبي الحقيق قلن أزواجه: أعطنا ما أصبت فقال لهن رسول الله (صلى الله عليه وآله): قسمته بين المسلمين على ما أمر الله، فغضبن من ذلك وقلن: لعلك ترى أنك إن طلقتنا أن لا نجد الاكفاء من قومنا يتزوجونا ؟ فأنف الله لرسوله فأمره أن يعتزلهن، فاعتزلهن (3) رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مشربة ام إبراهيم تسعة وعشرين يوما حتى حضن وطهرن، ثم أنزل الله هذه الآية وهي آية التخيير فقال (4): " يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن " إلى قوله: " أجرا عظيما " فقامت ام سلمة أول من قامت فقالت: قد اخترت الله ورسوله، فقمن كلهن فعانقنه وقلن مثل ذلك، فأنزل الله: " ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء " فقال الصادق (عليه السلام): من آوى فقد نكح، و من أرجى فقد طلق، وقوله: " ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء " مع هذه الآية: " يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن واسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله و الدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما " وقد اخرت عنها في التأليف، ثم خاطب الله عزوجل نساء نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين " إلى قوله: " نؤتها أجرها مرتين


(1) قرب الاسناد: 10. (2) معاني الاخبار: 64 و 65. (3) يعتزلهم فاعتزلهم خ ل. (4) وقال خ ل.

[199]

وأعتدنا لها رزقا كريما " وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أجرها مرتين، والعذاب ضعفين، كل هذا في الآخرة حيث يكون الاجر يكون (1) العذاب (2). 16 - فس: محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن غالب، عن ابن أبي نجران عن حماد، عن حريز قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين " قال: الفاحشة (3): الخروج بالسيف (4). 17 - سر: موسى بن بكر، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما حرم الله شيئا إلا وقد عصي فيه، لانهم تزوجوا أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده، فخيرهن أبو بكر بين الحجاب ولا يتزوجن، أو يتزوجن، فاخترن التزويج فتزوجن قال زرارة: ولو سألت بعضهم أرأيت لو أن أباك تزوج امرأة ولم يدخل بها حتى مات أتحل لك إذن ؟ لقال: لا، وهم قد استحلوا أن يتزوجوا امهاتهم، ان كانوا مؤمنين فإن أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثل امهاتهم (5). بيان: إشارة إلى تزويج المستعيذة وغيرها كما سيأتي، قال البيضاوي في قوله تعالى: " ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " وخص التي لم يدخل بها لما روي أن الاشعث بن قيس تزوج المستعيذة في أيام عمر فهم برجمهما، فأخبر بأنه فارقها قبل أن يمسها، فترك من غير نكير (6) انتهى. 18 - شى: عن الحسين بن زيد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله


(1) ويكون خ ل. (2) تفسير القمى: 529 و 530. والايات في الاحزاب 28 - 31. (3) فسرها (عليه السلام) باحد افرادها، حيث ان الخروج على الامام (عليه السلام) من القبائح والسيئات الكبيرة خصوصا من النساء المأمورات. بقوله تعالى: وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى. (4) تفسير القمى: 530. (5) السرائر: 468. (6) انوار التنزيل 2: 279. (*)

[200]

حرم علينا نساء النبي (صلى الله عليه وآله) يقول الله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء (1) " بيان: لعل المراد الاستدلال بكون أولاد فاطمة (عليها السلام) أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) حقيقة، بكون تحريم زوجة الرجل على أولاد بناته إنما هو بهذه الآية كما سيأتي في كثير من الاخبار، فالمراد حرم علينا أهل البيت، ويحتمل أن يكون المراد حرم علينا كافة المسلمين، فيكون إشارة إلى ما ورد في قراءة أهل البيت (عليهم السلام)، و هو أب لهم، فالمعنى أنه كما يحرم نساؤه (صلى الله عليه وآله) على المسلمين بقوله: " وأزواجه امهاتهم " فكذلك يحرم بتلك الآية أيضا، فتكون المنكوحة غير المدخولة أيضا حراما كسائر الآباء، والاول أظهر، وسيأتي ما يؤيده. 19 - شى: محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: قلت له: أرأيت قول الله: " لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج " ؟ قال: إنما عنى به التي حرم عليه في هذه الآية: " حرمت عليكم امهاتكم (2) ". 20 - عم: أول امرأة تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) خديجة بنت خويلد بن أسد ابن عبد العزى بن قصي، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وكانت قبله عند عتيق بن عائذ المخزومي، فولدت له جارية، ثم تزوجها أبو هالة الاسدي فولدت له هند بن ابي هالة، ثم تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وربى ابنها هندا. ولما استوى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبلغ أشده وليس له كثير مال (3) استأجرته خديجة إلى سوق خباشة، فلما رجع تزوج خديجة، زوجها إياه أبوها خويلد بن أسد، وقيل: زوجها عمها عمرو بن أسد، وخطب أبو طالب لنكاحها ومن شاهده من قريش حضور فقال: " الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرية إسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوبا (4) وحرما آمنا (5) يجبى إليه ثمرات كل شئ، وجعلنا الحكام على الناس في بلدنا (6) الذي نحن فيه، ثم إن ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب


(1) تفسير العياشي 1: 230 والاية في النساء: 22. (2) تفسير العياشي 1: 230، والاية الاولى في الاحزاب: 52، والثانبة في النساء: 22. (3) في المصدر: مال كثير. (4) محجوجا خ ل. (5) في المصدر: وانزلنا حرما آمنا. (6) في المصدر: وبارك لنا في بلدنا.

[201]

لا يوزن برجل من قريش إلا رجح (1) ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه (2)، وإن كان في المال قل، فإن المال رزق حائل، وظل زائل، وله في خديجة رغبة، و لها فيه رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي " وله خطر عظيم (3)، و شأن رفيع، ولسان شافع جسيم فزوجه ودخل بها (4) من الغد، ولم يتزوج عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى ماتت، وأقامت معه أربعا وعشرين سنة وشهرا، ومهرها اثنتا عشرة اوقية ونش، وكذلك مهر سائر نسائه، فأول ما حملت ولدت عبد الله بن محمد، وهو الطيب الطاهر، وولدت له القاسم، وقيل: إن القاسم أكبر، وهو بكره (5) وبه كان يكنى، والناس يغلطون فيقولون: ولد له منها أربع بنين: القاسم وعبد الله والطيب والطاهر، وإنما ولد له منها ابنان، وأربع بنات: زينب و رقية وام كلثوم وفاطمة، فأما زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتزوجها أبو العاص (6) ابن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف في الجاهلية، فولدت لابي العاص جارية اسمها أمامة تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة (عليها السلام)، وقتل علي (عليه السلام) وعنده أمامة، فخلف عليها بعده المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب (7) وتوفيت عنده، وام أبي العاص هالة بنت خويلد، فخديجة خالته، وماتت زينب بالمدينة لسبع سنين من الهجرة، وأما رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتزوجها عتبة بن أبي لهب فطلقها قبل أن يدخل بها، ولحقها منه أذى، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " اللهم


(1) في المصدر: الارجح به. (2) في المصدر: الاعظم عنه: ولا عدل له في الخلق، وإن كان ماله قليلا. (3) في المصدر: وكان أبو طالب له خطر عظيم. (4) في المصدر: ودخلها من الغد. (5) البكر: اول مولود لابويه. (6) اختلف في اسمه فقيل: هشيم، وقيل، مهشك، والاكثر ان اسمه لقيط. (7) وذكر ابن الاثير في اسد الغابة 4: 41 أنها ولدت ابنا اسمه على، وكان مسترضعا في بنى غاضرة فضمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليه وابوه يومئذ مشرك، ولما دخل (صلى الله عليه وآله) مكة يوم الفتح اردف عليا خلفه، وتوفى على وقد ناهز الحلم في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

[202]

سلط على عتبة كلبا من كلابك " فتناوله الاسد من بين أصحابه، وتزوجها بعده بالمدينة عثمان بن عفان فولدت له عبد الله ومات صغيرا نقره ديك على عينيه فمرض ومات، وتوفيت بالمدينة زمن بدر، فتخلف عثمان على دفنها، ومنعه ذلك أن يشهد بدرا، وقد كان عثمان هاجر إلى الحبشة ومعه رقية، وأما ام كلثوم فتزوجها أيضا عثمان بعد اختها رقية وتوفيت عنده، وأما فاطمة (عليها السلام) فسنفرد لها بابا فيما بعد إنشاء الله، ولم يكن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولد من غير خديجة إلا إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مارية القبطية، وولد بالمدينة سنة ثمان من الهجرة ومات بها، وله سنو وستة أشهر وأيام، وقبره بالبقيع. والثانية: سودة بنت زمعة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو فمات عنها بالحبشة مسلما. والثالثة: عايشة بنت أبي بكر، تزوجها بمكة وهي بنت سبع، ولم يتزوج بكرا غيرها، ودخل بها وهي بنت تسع لسبعة أشهر من مقدمه المدينة، وبقيت إلى خلافة معاوية. والرابعة: ام شريك التي وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله)، واسمها غزية (1) بنت دودان بن عوف بن عامر، وكانت قبله عند أبي العكر بن سمي الازدي، فولدت له شريكا. والخامسة: حفصة بنت عمر بن الخطاب، تزوجها بعد ما مات زوجها خنيس ابن عبد الله بن حذافة السهمي، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد وجهه إلى كسرى فمات ولا عقب له، وماتت بالمدينة في خلافة عثمان. والسادسة: ام حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، وكانت تحت عبيدالله ابن جحش الاسدي فهاجر بها إلى الحبشة وتنصر بها، ومات هناك فتزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعده، وكان وكيله عمرو بن امية الضمري.


(1) وقيل: غزيلة ايضا.

[203]

والسابعة: ام سلمة، وهي بنت عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وقيل: هي عاتكة بنت عامر بن ربيعة من بني فراس بن غنم، واسمها هند بنت أبي امية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهي ابنة عم أبي جهل، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسل إلى ام سلمة أن مري ابنك أن يزوجك، فزوجها ابنها سلمة بن أبي سلمة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو غلام لم يبلغ، وأدى عنه النجاشي صداقها أربعمائة دينار عند العقد، وكانت ام سلمة من آخر أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) وفاة بعده وكانت عند أبي سلمة بن عبد الاسد وامه برة بنت عبد المطلب، فهو ابن عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان لام سلمة منه زينب وعمر (1) وكان عمر مع علي يوم الجمل و ولاه البحرين، وله عقب بالمدينة، ومن مواليها شيبة بن نصاح إمام أهل المدينة في القراءة، وخيرة أم الحسن البصري. والثامنة: زينب بنت جحش الاسدية، وهي ابنة عمته ميمونة بنت عبد المطلب، وهي أول من مات من أزواجه بعده، توفيت في خلافة عمر، وكانت قبله عند زيد بن حارثة فطلقها زيد، وذكر الله تعالى شأنه وشأن زوجته زينب في القرآن وهي أول امرأة جعل لها النعش، جعلت لها أسماء بنت عميس يوم توفيت، وكانت بأرض الحبشة رأتهم يصنعون ذلك. والتاسعة: زينب بنت خزيمة الهلالية من ولد عبد مناف بن هلال بن عامر ابن صعصعة، وكانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وقيل: كانت عند أخيه الطفيل بن الحارث وماتت قبله (صلى الله عليه وآله)، وكان يقال لها: ام المساكين. والعاشرة: ميمونة بنت الحارث من ولد عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة تزوجها وهو بالمدينة، وكان وكيله أبو رافع (2) وبنى بها بسرف حين رجع من عمرته على عشرة أميال من مكة، وتوفيت أيضا بسرف ودفنت هناك أيضا، وكانت


(1) في المصدر: [عمرو] وزاد في أسد الغابة: سلمة ودرة. (2) هكذا في نسخة المصنف، والصحيح ابا رافع. كما في المصدر.

[204]

قبله عند أبي سبرة بن أبي دهمر (1) العامري. والحادي عشر: جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، سباها فأعتقها و تزوجها، وتوفيت سنة ست وخمسين. والثانية عشر: صفية بنت حيي بن أخطب النضري، من خيبر، اصطفاها لنفسه من الغنيمة، ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها وصداقها، وتوفيت سنة ست وثلاثين. فهذه اثنتا عشرة امرأة دخل بهن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوج إحدى عشرة منهن وواحدة وهبت نفسها منه، وقد تزوج (صلى الله عليه وآله) عالية بنت ظبيان، وطلقها حين ادخلت عليه، وتزوج قتيلة بنت قيس اخت الاشعث بن قيس فمات قبل أن يدخل بها فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعده، وقيل: إنه طلقها قبل أن يدخل بها، ثم مات (عليه السلام)، وتزوج فاطمة بنت الضحاك بعد وفاة ابنته زينب، وخيرها حين انزلت عليه آية التخيير فاختارت الدنيا وفارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البعر و تقول: أنا الشقية اخترت الدنيا، وتزوج سنى بنت الصلت فمات قبل أن يدخل عليه (2) وتزوج أسماء بنت النعمان بن شراحيل فلما ادخلت عليه قالت: أعوذ بالله منك، فقال: قد أعذتك الحقي بأهلك، وكان بعض أزواجه علمتها ذلك فطلقها ولم يدخل بها، وتزوج مليكة الليثية فلما دخل عليها قال لها: هبي لي نفسك فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ؟ فأهوى (صلى الله عليه وآله) بيده يضعها عليها (3) فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: لقد عذت بمعاذ، فسرحها ومتعها، وتزوج عمرة بنت يزيد فرأى بها بياضا فقال: دلستم علي، وردها. وتزوج ليلى بنت الخطيم الانصارية فقالت: أقلني فأقالها: وخطب امرأة من بني مرة فقال أبوها: إن بها برصا، ولم يكن بها فرجع فإذا هي برصاء، و


(1) في المصدر: ابى رهم. (2) في المصدر: فماتت قبل أن تدخل عليه. (3) في المصدر: ليضعها عليها.

[205]

خطب عمرة (1) فوصفها أبوها ثم قال: وأزيدك أنها لم تمرض قط، فقال (صلى الله عليه وآله): ما لهذه عند الله من خير، وقيل: إنه تزوجها فلما قال ذلك أبوها طلقها. فهذه إحدى وعشرون امرأة، ومات رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عشرة، واحدة منهن لم يدخل بها، وقيل: عن تسع: عايشة وحفصة وام سلمة وام حبيبة وزينب بنت جحش وميمونة وصفية وجويرية وسودة، وكانت سودة قد وهبت ليلتها لعايشة حين أراد طلاقها وقالت: لا رغبة لي في الرجال، وإنما اريد أن احشر في أزواجك (2). 21 - كا: العدة عن سهل، عن البزنطي، عن حماد بن عثمان وابن دراج عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان صداق النبي (صلى الله عليه وآله) اثنتي عشرة اوقية ونشا، والاوقية أربعون درهما، والنش: عشرون درهما، وهو نصف الاوقية (3). 22 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى (4) عن علي بن الحكم عن معاوية ابن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ساق رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أزواجه اثنتى عشرة اوقية ونشا، والاوقية: أربعون درهما، والنش: نصف الاوقية عشرون درهما، فكان ذلك خمسمائة درهم، قلت: بوزننا (5) ؟ قال: نعم (6). 23 - كا: العدة عن سهل عن البزنطي، عن داود بن الحصين، عن أبي العباس قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصداق هل له وقت ؟ قال: لا، ثم قال: كان صداق النبي (صلى الله عليه وآله) اثنتى عشرة اوقية ونشا، والنش نصف الاوقية و الاوقية أربعون ردهما، فذلك خمسمائة درهم (7). 24 - كا: علي عن أبيه عن حماد بن عيسى بن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته


(1) وخطب امرأة فوصفها ابوها. (2) اعلام الورى: 85 - 88 (ط 1) و 146 - 150. ط 2. (3 و 6 و 7) فروع الكافي 2: 20. (4) في المصدر: احمد بن محمد بن عيسى. (5) بوزننا ؟ هذا خ ل.

[206]

يقول: قال أبي: ما زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساير بناته ولا تزوج شيئا من نسائه على أكثر من اثنتى عشرة اوقية ونش، الاوقية أربعون درهما، والنش عشرون درهما، وروى حماد، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: وكانت الدراهم وزن ستة يومئذ (1). 25 - كا: العدة، عن سهل، عن البزنطي، عن ابن سرحان، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزوجل: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " فقال: لا تحل الهبة إلا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأما غيره فلا يصلح نكاح إلا بمهر (2). 26 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تحل الهبة إلا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأما غيره فلا يصلح نكاح إلا بمهر (3). 27 - كا: علي عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في امرأة وهبت نفسها لرجل أو وهبها له وليها، فقال: لا، إنما كان ذاك لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأما غيره فلا يصلح نكاح إلا بمهر (3). 28 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حماد عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزوجل: " يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك " قلت: كم أحل له من النساء ؟ قال: ما شاء من شئ، قلت: قوله: " لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج " فقال: لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينكح ما شاء من بنات عمه، وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته، وأزواجه اللاتي هاجرن معه، وأحل له أن ينكح من عرض المؤمنين بغير مهر وهي الهبة، ولا تحل الهبة إلا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأما


(1) فروع الكافي 2: 20. (2) فروع الكافي 2: 23. وتقدم الايعاز إلى موضع الاية في صدر الباب. (3 و 4) فروع الكافي 2: 23. (*)

[207]

لغير رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلا يصلح نكاح إلا بمهر، وذلك معنى قوله تعالى: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " قلت: أرأيت قوله: " ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء " قال: من آوى (1) فقد نكح، ومن أرجى فلم ينكح، قلت قوله: " لا يحل لك النساء من بعد " قال: إنما عنى به النساء اللاتي حرم عليه في هذه الآية: " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم وأخواتكم " (2) إلى آخر الآية، ولو كان الامر كما يقولون (3) كان قد أحل لكم ما لم يحل له، إن أحدكم يستبدل كلما أراد، ولكن ليس الامر كما يقولون، إن الله عزوجل أحل لنبيه ما أراد من النساء إلا ما حرم عليه في هذه الآية التي في النساء (4). 29 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: " لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك " فقال: أراكم وأنتم تزعمون أنه يحل لكم ما لم يحل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قد أحل (5) الله تعالى لرسول (6) الله (صلى الله عليه وآله) أن يتزوج من النساء ما شاء، إنما قال: لا يحل لك النساء من بعد الذي حرم عليك قوله: " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم " إلى آخر الآية (7). 30 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن ابن دراج ومحمد بن حمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قالا: سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) كم احل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من النساء ؟ قال: ما شاء، يقول بيده هكذا وهي له حلال، يعني يقبض يده (8). 31 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن أبي نجران، عن عبد الكريم بن عمرو


(1) ومن آوى خ (2) النساء: 22. (3) في المصدر: كما تقولون. (4) فروع الكافي 2: 24 وتقدم الايعاز إلى موضع الايات في صدر الباب. (5) في المصدر: وقد احل. (6) لرسوله خ ل. (7) فروع الكافي 2: 24، والاية الاولى تقدمت في صدر الباب والثانية في النساء: 22. (8) فروع الكافي 2: 24.

[208]

عن الحضرمي، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزوجل لنبيه (صلى الله عليه وآله): " يا أيها النبي إنا أحللنا أزواجك " كم احل له من النساء ؟ قال: ما شاء من شئ قلت (1): " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " فقال: لا تحل الهبة إلا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأما لغير رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلا يصلح نكاح إلا بمهر، قلت: أرأيت قول الله عزوجل: " لا يحل لك النساء من بعد " فقال: إنما عنى به لا يحل لك النساء التي حرم الله في هذه الآية: " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم " إلى آخرها (2) ولو كان الامر كما يقولون كان قد أحل لكم ما لم يحل له، لان أحدكم يستبدل كلما أراد، ولكن ليس الامر كما يقولون (3) إن الله عزوجل أحل لنبيه (صلى الله عليه وآله) أن ينكح من النساء ما أراد إلا ما حرم عليه في هذه الآية في سورة (4) النساء. 32 - وعنه، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير وغيره في تسمية نساء النبي (صلى الله عليه وآله) ونسبهن وصفتهن: عايشة، وحفصة، وام حبيب بنت أبي سفيان بن حرب، وزينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة، وميمونة بنت الحارث وصفية بنت حيي بن أخطب، وام سلمة بنت أبي امية، وجويرية بنت الحارث وكانت عايشة من بني تيم وحفصة من بني عدي (5) وام سلمة من بني مخزوم، و سودة من بني أسد بن عبد العزى، وزينب بنت جحش من بني أسد، وعدادها من بني امية، وام حبيب بنت أبي سفيان من بني امية، وميمونة بنت الحارث من بني هلال، وصفية بنت حيي بن أخطب من بني إسرائيل، ومات (صلى الله عليه وآله) عن تسع (6) وكان له سواهن التي وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله)، وخديجة بنت خويلد ام ولده


(1) في المصدر: قلت: قوله. (2) إلى آخر الاية خ ل. (3) في المصدر: كما تقولون. (4) فروع الكافي 2: 24. ذكرنا موضع الايات في صدر الباب، والاية الاخيرة في سورة النساء: 22. (5) في المصدر: من تيم وحفصة من عدى. (6) في المصدر: عن تسعة نسوة.

[209]

وزينب بنت أبي الجون التي خدعت، والكندية (1). 33 - كا: أحمد بن محمد العاصمي، عن علي بن الحسن بن فضال، عن علي ابن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: له أرأيت قول الله عزوجل: " لا يحل لك النساء من بعد " فقال: إنما لم يحل له النساء التي حرم الله عليه في هذه الآية: " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم " في هذه الآية كلها، ولو كان الامر كما يقولون لكان قد أحل لكم ما لم يحل له هو، لان أحدكم يستبدل كلما أراد، ولكن ليس الامر كما يقولون، أحاديث آل محمد خلاف أحاديث الناس، إن الله عزوجل أحل لنبيه (صلى الله عليه وآله) أن ينكح من النساء ما أراد إلا ما حرم الله عليه في سورة النساء في هذه الآية (2). 34 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن العلا عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: لو لم يحرم على الناس أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) لقول الله عزوجل: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده (3) " حرم (4) على الحسن والحسين (عليهما السلام) بقول الله تبارك وتعالى اسمه: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء (5) " ولا يصلح للرجل أن ينكح امرأة جده (6). 35 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الحسن بن علي، عن أبان بن عثمان، عن أبي الجارود قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول وذكر هذه الآية: " ووصينا الانسان بوالديه حسنا (7) " فقال (عليه السلام): رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحد الوالدين فقال عبد الله بن عجلان: من الآخر ؟ قال: علي (عليه السلام) ونساؤه علينا حرام، وهي لنا خاصة (8).


(1 و 2) فروع الكافي 2: 24. (3) في المصدر: [من بعده ابدا] راجع سورة الاحزاب: 53. (4) في المصدر: حرمن. (5) النساء: 22. (6) فروع الكافي 2: 33. (7) العنكبوت: 8. (8) في المصدر: 33.

[210]

بيان: أي هذه الآية نزلت فينا، فالمراد بالانسان الائمة (عليهم السلام) وبالوالدين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) أو المعنى أن هذه الحرمة لنساء النبي (صلى الله عليه وآله) من جهة الوالدية مختصة بنا أولاد فاطمة، وأما الجهة العامة فمشتركة. 36 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة قال: حدثني سعيد بن أبي عروة (1) عن قتادة، عن الحسن البصري إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوج امرأة من بني عامر بن صعصعة يقال لها: سناة (2) وكانت من أجمل أهل زمانها، فلما نظرت إليها عايشة وحفصة قالتا: لتغلبنا هذه على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بجمالها، فقالتا لها لا يرى منك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرصا، فلما دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) تناولها بيده فقالت: أعوذ بالله، فانقبضت يد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنها، فطلقها وألحقها بأهلها وتزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) امرأة من كندة بنت أبي الجون، فلما مات إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابن مارية القبطية قالت: لو كان نبيا ما مات ابنه، فألحقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأهلها قبل أن يدخل بها، فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وولى الناس أبو بكر أتته العامرية والكندية وقد خطبتا، فاجتمع أبو بكر وعمر فقالا لهما: اختارا إن شئتما الحجاب، وإن شئتما الباه، فاختارتا الباه، فتزوجتا، فحذم أحد الرجلين وجن الآخر، فقال عمر بن اذينة: فحدثت بهذا الحديث زرارة والفضيل فرويا عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: ما نهى الله عزوجل عن شئ إلا وقد عصي فيه، حتى لقد نكحوا أزواج رسول الله (3) (صلى الله عليه وآله) من بعده، وذكر ها تين العامرية والكندية ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): لو سألتم عن رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أتحل لابنه ؟ لقالوا: لا، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) أعظم حرمة من آبائهم (4). ين: ابن أبي عمير مثله (5). 37 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن موسى


(1) في المصدر: سعد بن ابى عروة، ولعل الصحيح: سعيد بن ابى عروبة. (2) في الفروع المطبوع جديدا: [سنى] بالقصر. (3) في المصدر: ازواج النبي (صلى الله عليه وآله). (4) فروع الكافي 2: 33 و 34. (5) مخطوط لم يطبع بعد.

[211]

ابن بكر، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) نحوه وقال في حديثه: وهم يستحلون (1) أن يتزوجوا امهاتهم إن كانوا مؤمنين ؟ وإن أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحرمة مثل امهاتهم (2). 38 - كا: العدة، عن البرقي، عن أبيه أو غيره، عن سعد بن سعد، عن الحسن بن الجهم، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) له بضع أربعين رجلا، وكان عنده تسع نسوة، وكان يطوف عليهن في كل يوم وليلة (3). بيان: البضع بالضم: الجماع. 39 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاءت امرأة من الانصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخلت عليه وهو في منزل حفصة، والمرأة متلبسة متمشطة، فدخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله إن المرأة لا تخطب الزوج، وأنا امرأة أيم لا زوج لي منذ دهر ولا ولد، فهل لك من حاجة ؟ فإن تك فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيرا، ودعا لها، ثم قال: يا اخت الانصار جزاكم الله عن رسول الله خيرا، فقد نصرني رجالكم، ورغبت في نساؤكم، فقالت لها حفصة: ما أقل حياءك وأجراك وأنهمك للرجال ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كفي عنها يا حفصة فإنها خير منك، رغبت في رسول الله فلمتيها وعيبتها (4) ثم قال للمرأة انصرفي رحمك الله، فقد أوجب الله لك الجنة برغبتك (5) في، وتعرضك لمحبتي وسروري وسيأتيك أمري إنشاء الله، فأنزل الله عزوجل: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين (6) " قال: فأحل الله عزوجل هبة المرأة نفسها لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يحل ذلك لغيره (7).


(1) في المصدر: ولا هم يستحلون. (2) فروع الكافي 2: 34. (3) فروع الكافي 2: 78 و 79. (4) في المصدر: فلمتها وعيبتها. (5) لرغبتك. (6) الاحزاب: 49. (7) فروع الكافي 2: 79.

[212]

40 - كا: محمد أبي عبد الله، عن معاوية بن حكيم، عن صفوان وعلي بن الحسن بن رباط، عن أبي أيوب الخزاز عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الخيار، فقال: وما هو وما ذاك ؟ إنما ذاك شئ كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). 41 - كا: حميد (2) عن ابن سماعة، عن محمد بن زياد وابن رباط، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني سمعت أباك يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خير نساءه فاخترن الله ورسوله، فلم (3) يمسكهن على طلاق، ولو اخترن أنفسهن لبن، فقال: إن هذا حديث كان يرويه أبي عن عايشة، وما للناس والخيار، إن هذا شئ خص الله به رسول الله (صلى الله عليه وآله) (4). 42 - كا: حميد، عن ابن سماعة، عن ابن رباط، عن عيص بن القاسم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها بانت منه ؟ قال: لا إنما هذا شئ كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) خاصة، أمر بذلك ففعل، ولو اخترن أنفسهن لطلقهن (5) وهو قول الله عزوجل: قل لازواجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن واسرحكن سراحا جميلا (6). 43 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن الله عزوجل أنف لرسوله من مقالة قالتها بعض نسائه، فأنزل الله آية التخيير، فاعتزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) نساءه تسعا وعشرين ليلة في مشربة ام إبراهيم، ثم دعاهن فخيرهن فاخترنه فلم يك شيئا ولو اخترن أنفسهن كانت واحدة باينة، قال: وسألته عن مقالة المرأة ما هي ؟ قال: فقال: إنها قالت: يرى محمد أنه لو طلقنا أنه لا يأتينا الاكفاء من قومنا يتزوجونا (7).


(1) فروع الكافي 2: 122. (2) حميد بن زياد خ. (3) ولم يمسكهن خ ل. (4) فروع الكافي 2: 122. فيه: انما هذا شئ خص الله به رسوله. (5) لطلقن خ ل. (6) فروع الكافي 2: 122. وتقدم ذكر الاية في صدر الباب. (7) فروع الكافي 2: 122 فيه لو طلقنا لا يأتينا.

[213]

44 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني قال: ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) أن زينب قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تعدل وأنت رسول الله ؟ وقالت حفصة: إن طلقنا وجدنا أكفاءنا (1) من قومنا، فاحتبس الوحي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشرين يوما، قال: فأنف الله عزوجل لرسوله فأنزل: " يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين " إلى قوله: " أجرا عظيما " قال: فاخترن الله ورسوله ولو اخترن أنفسهن لبن، وإن اخترن الله ورسوله فليس بشئ (2). بيان: لعله سقط من الرواة لفظ التسعة في العدد، مع أنه يحتمل أن يكون احتباس الوحي بعد الامر بالاعتزال تلك المدة، فلا ينافي ما مر وما سيأتي. 45 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن عبد الاعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن بعض نساء النبي (صلى الله عليه وآله) قالت: أيرى (3) محمد إنه إن طلقنا لانجد الاكفاء من قومنا ؟ قال: فغضب الله عز وجل له من فوق سبع (4) سماواته، فأمره فخيرهن حتى انتهى إلى زينب بنت جحش فقامت فقبلته وقالت: أختار الله ورسوله (5). 46 - كا: حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن عبد الله بن جبلة، عن يعقوب ابن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل إذا خير امرأته، فقال: إنما الخيرة لنا ليس لاحد، وإنما خير رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمكان عايشة، فاخترن الله ورسوله، ولم يكن لهن أن يخترن غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6).


(1) في قومنا اكفانا خ ل. أقول: في المصدر: في قومنا اكفاء. (2) فروع الكافي: 2: 122 ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (3) ايرى محمدا انه لو طلقنا خ ل. (4) بيان لعظمته وجلالته، وانه فوق الخلائق ومحيط بجميعهن، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والارض وهو بكل شئ عليم. (5) فروع الكافي 2: 122. (6) فروع الكافي 2: 123.

[214]

بيان: لعل المعنى أنه (صلى الله عليه وآله) إنما لم يطلقن ابتداء، بل خيرهن لانه (صلى الله عليه وآله) كان يحب عايشة لجمالها، وكان يعلم أنهن لا يخترن غيره لحرمة الازواج عليهن أو لغيرها من الاسباب، أو أن السبب الاعظم في تلك القضية كان سوء معاشرة عايشة وقلة احترامها له (صلى الله عليه وآله)، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ولم يكن لهن أن يخترن أنه لو كن اخترن المفارقة لم يكن يقع الطلاق إلا بأن يطلقهن الرسول الله (صلى الله عليه وآله) كما يدل عليه كثير من الاخبار، لكنه خلاف المشهور. 47 - ين: النضر، عن حسين بن موسى، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن علي بن الحسين (عليه السلام) تزوج ام ولد عمه الحسن (عليه السلام)، وزوج امه (1) مولاه فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان كتب إليه: يا علي بن الحسين كأنك لا تعرف موضعك من قومك وقدرك عن الناس تزوجت مولاة، وزوجت مولاك بامك، فكتب إليه علي بن الحسين (عليه السلام): فهمت كتابك ولنا اسوة برسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد زوج زينب بنت عمته زيدا مولاه، وتزوج (صلى الله عليه وآله) مولاته صفية بنت حيي بن أخطب. 48 - يب: علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن محمد بن زياد، عن عمر ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خير رسول الله (عليه السلام) نساءه فاخترنه فكان ذلك طلاقا، قال: فقلت له: لو اخترن أنفسهن ؟ قال: فقال لي: ما ظنك برسول الله (صلى الله عليه وآله) لو اخترن أنفسهن أكان يمسكهن (2) ؟ 49 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله: " وما جعل أدعياءكم أبناءكم ": قال: فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان سبب ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما تزوج بخديجة بنت خويلد خرج إلى سوق عكاظ في تجارة لها، ورأى زياد يباع (3) ورآه غلاما كيسا حصيفا فاشتراه، فلما نبئ


(1) أي مولاة كانت تربيه. (2) تهذيب الاحكام 2: 274، في الحديث تقطيع. (3) خرجت امه به تزور قومها بنى معن فاغارت عليهم خيل بنى القين ابن جسر فاخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ ليبيعوه.

[215]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعاه إلى الاسلام فأسلم فكان (1) يدعى زيد مولى محمد فلما بلغ حارثة بن شراحيل الكلبي خبر زيد قدم مكة وكان رجلا جليلا فأتى أبا طالب فقال: يا أبا طالب إن ابني وقع عليه السبي وبلغني أنه صار لابن أخيك تسأله (2) إما أن يبيعه وإما أن يفاديه، وإما أن يعتقه، فكلم أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هو حر فليذهب حيث شاء، فقام حارثة فأخذ بيد زيد فقال له: يا بني الحق بشرفك وحسبك، فقال زيد: لست افارق رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبدا، فقال له أبوه: فتدع حسبك ونسبك وتكون عبدا لقريش ؟ فقال زيد: لست افارق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما دمت حيا، فغضب أبوه فقال: يا معشر قريش اشهدوا أني قد برئت منه وليس هو ابني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اشهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني، وكان يدعى زيد بن محمد، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبه وسماه زيد الحب، فلما هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة زوجه زينب بنت جحش وأبطأ عنه يوما فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منزله يسأله عنه، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر لها فدفع (3) رسول الله (صلى الله عليه وآله) الباب فنظر إليها وكانت جميلة حسنة، فقال: سبحان الله خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقين، ثم رجع (صلى الله عليه وآله) إلى منزله ووقعت زينب في قلبه وقوعا عجيبا (4) وجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لها زيد: هل لك أن اطلقك حتى يتزوجك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعلك (5) قد وقعت في قلبه ؟ فقالت: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجاء زيد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: بأبي أنت وامي (6) أخبرتني زينب بكذا وكذا، فهل لك أن اطلقها حتى تتزوجها ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا، اذهب واتق الله و أمسك عليك زوجك، ثم حكى الله فقال: " أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي


(1) وكان خ ل. (2) سله خ ل فسله خ ل. (3) فرفع خ ل. (4) في المصدر: [موقفا عجيبا] أقول: في الحديث غرابة شديدة، بل فيه ازراء بمقام النبوة، وكذلك يشكل انتسابه إلى الامام الصادق (عليه السلام). (5) فلعلك خ ل. (6) في المصدر: بابى انت وامى يا رسول الله.

[216]

في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " إلى قوله: " وكان أمر الله مفعولا " (1) فزوجه الله من فوق عرشه فقال المنافقون: يحرم علينا نساءنا (2) ويتزوج امرأة ابنه زيد، فأنزل الله في هذا: " وما جعل أدعياءكم أبناءكم " إلى قوله: " يهدي السبيل " ثم قال: " ادعوهم لآبائهم " إلى قوله: " ومواليكم (3) " فأعلم الله أن زيدا ليس هو ابن محمد، وإنما ادعاه للسبب الذي ذكرناه، وفي هذا أيضا ما نكتبه في غير هذا الموضع في قوله: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما (4) " ثم نزل: لا يحل لك النساء " بعد ما حرم عليه في سورة النساء وقوله: " ولا أن تبدل بهن من أزواج " معطوف على قصة امرأة زيد " ولو أعجبك حسنهن (5) " أي لا يحل لك امرأة رجل أن تتعرض لها حتى يطلقها وتتزوجها أنت فلا تفعل (6) هذا الفعل بعد هذا (7). بيان: عكاظ كغراب: سوق بصحراء بين نخلة والطائف كانت تقوم هلال ذي القعدة وتستمر عشرين يوما تجتمع قبائل العرب فيتعاكظون، أي يتفاخرون و يتناشدون، ومنه الاديم العكاظي، ذكره الفيروز آبادي، وقال: حصف ككرم: استحكم عقله فهو حصيف، والفهر: الحجر قدر ما يملا الكف. أقول: لعل هذا الخبر محمول على التقية، أو مؤول بما سيأتي في الاخبار الآتية. 50 - ج، ن: في خبر ابن الجهم أنه سأل المأمون الرضا (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق


(1) الاحزاب: 37. (2) في المصدر: نساء ابنائنا. (3) الاحزاب: 4. (4) الاحزاب: 40. (5) الاحزاب: 52. (6) فيه ايضا غرابة شديدة بعد ما كنا نعلم ان تزويجه (صلى الله عليه وآله) زينب بنت جحش كان لمصلحة الدين وبيان ان زوج الدعى ليست بمنزلة زوج الابن في حرمة النكاح وغيرها فلا مجال لما يرى في الحديث من التعريض به (صلى الله عليه وآله). (7) تفسير القمى: 514 - 516. وفيه: " لا يحل لك النساء من بعد " أي بعد ما حرم.

[217]

الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه (1) " قال الرضا (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قصد دار زيد بن حارثة بن شراجيل (2) الكلبي في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل فقال لها: " سبحان الذي خلقك " وإنما أراد بذلك تنزيه الله تبارك وتعالى عن قول من زعم أن الملائكة بنات الله، فقال الله عز وجل: " أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما (3) " فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لما رآها تغتسل: سبحان الذي خلقك أن يتخذ ولدا يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقوله لها: " سبحان الذي خلقك " فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، و ظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: يا رسول الله إن امرأتي في خلقها سوء وإني اريد طلاقها، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): " أمسك عليك زوجك واتق الله " وقد كان الله عزوجل عرفه عدد أزواجه وأن تلك المرأة منهن، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد، وخشي الناس أن يقولوا: إن محمدا يقول لمولاه: إن امرأتك ستكون لي زوجة فيعيبونه بذلك، فأنزل الله عز و جل: " وإذا تقول للذي أنعم الله عليه " يعني بالاسلام " وأنعمت عليه " يعني بالعتق أحق أن تخشاه " ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه فزوجها الله عزوجل من نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) وأنزل بذلك قرآنا، فقال عزوجل: " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا " ثم علم عزوجل أن المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل: " ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له " (4). 51 - ن: في خبر علي بن محمد بن الجهم أنه سأل الرضا (عليه السلام) عن قول الله عزوجل في نبيه محمد (صلى الله عليه وآله): " وتخفي في نفسك ما الله مبديه " فأجاب (عليه السلام) أن


(1) الاحزاب: 37. (2) في المصدر: شراحيل. (3) الاسراء: 40. (4) الاحتجاج: 236 و 237، عيون الاخبار: 113، والاية في الاحزاب: 37 و 38.

[218]

الله عرف نبيه (صلى الله عليه وآله) أسماء أزواجه في دار الدنيا وأسماء أزواجه في الآخرة وأنهن امهات المؤمنين، وأحد من سمي له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة، فأخفى (صلى الله عليه وآله) اسمها في نفسه ولم يبده لكيلا يقول أحد من المنافقين: إنه قال في امرأة في بيت رجل: إنها إحدى أزواجه من امهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، قال الله عزوجل: " وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " يعني في نفسك وإن الله عزوجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حوا من آدم (عليهما السلام) وزينب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقول: " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " الآية وفاطمة من علي (عليهما السلام) (1). أقول: قد مر هذا الخبر والذي قبله بإسنادهما في باب عصمة الانبياء (عليهم السلام) (2). 52 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه آله) خطب على زيد بن حارثة زينب بنت جحش الاسدية من بني أسد بن خزيمة، وهي بنت عمة النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله حتى اوامر نفسي فأنظر، فأنزل الله: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة " الآية، فقالت: يا رسول الله أمري بيدك، فزوجها إياه، فمكثت عند زيد ما شاء الله، ثم إنهما تشاجرا في شئ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنظر إليها النبي (صلى الله عليه وآله) فأعجبته، فقال زيد: يا رسول الله تأذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرا وإنها لتؤذيني بلسانها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اتق الله وأمسك عليك زوجك وأحسن إليها، ثم إن زيدا طلقها وانقضت عدتها، فأنزل الله نكاحها على رسول الله (صلى الله عليه وآله): " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " وفي قوله: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " فإن هذه نزلت في شأن زيد بن حارثة، قالت قريش يعيرنا محمد يدعي بعضنا بعضا وقد ادعى هو زيدا، فقال الله: " ما كان محمد


(1) عيون الاخبار: 108. (2) راجع ج 11: 72 - 74 و 78 - 85. (*)

[219]

أبا أحد من رجالكم " يعني يومئذ، قال: إنه ليس بأبي زيد (1) " وخاتم النبيين " يعني لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله) (2). 53 - فس: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه " فإنه لما (3) أن تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) بزينب بنت جحش وكان يحبها فأولم دعا (4) أصحابه وكان (5) أصحابه إذا أكلوا يحبون أن يتحدثوا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان يحب أن يخلو مع زينب فأنزل الله: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " وذلك أنهم كانوا يدخلون بلا إذن فقال (6) عزوجل: " إلا أن يؤذن " إلى قوله: " من وراء حجاب " (7). 54 - كا: حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن جعفر بن سماعة (8) عن داود ابن سرحان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن زينب بنت جحش قالت: يرى (9) رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن خلى سبيلنا أن لا نجد (10) زوجا غيره ؟ وقد كان اعتزل نساءه تسعا وعشرين ليلة، فلما قالت زينب التي قالت (11) بعث الله عزوجل جبرئيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله) فقال: " قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن " الآيتين كلتيهما (12) فقلن: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة (13). 55 - كا: حميد بن زياد، عن حسن بن سماعة، عن وهب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن زينب بنت جحش قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله):


(1) في المصدر: انه ليس باب زيد. (2) تفسير القمى: 531 و 532 والاية في الاحزاب: 36 و 40. (3) قال: لما تزوج خ ل. (4) ودعا خ ل. (5) في المصدر: فكان اصحابه (6) قال خ ل. (7) تفسير القمى: 532 و 533. والاية في الاحزاب: 53. (8) في المصدر: جعفر بن محمد بن سماعة. (9) في المصدر: ايرى. (10) في المصدر: أنا لا نجد. (11) في المصدر: الذى قالت. (12) كلتاهما خ ل. (13) فروع الكافي 2: 122 و 123. والاية في الاحزاب: 28 و 29.

[220]

لا تعدل وأنت بني ؟ ! فقال: تربت (1) يداك إذا لم أعدل فمن يعدل ؟ قالت: دعوت الله يا رسول الله ليقطع يداي ؟ فقال: لا، ولكن لتتربان، فقالت: إنك إن طلقتنا وجدنا في قومنا أكفاءنا، فاحتبس الوحي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تسعا وعشرين ليلة ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): فأنف الله لرسوله (صلى الله عليه آله)، فأنزل الله عزولج: " يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها " الآيتين، فاخترن الله ورسوله، ولم يكن شئ، ولو اخترن أنفسهن لبن (2). كا: حميد بن زياد، عن عبد الله بن جبلة، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير مثله (3). بيان: قال في النهاية: في الحديث: " تربت يداك " يقال: ترب الرجل: إذا افتقر، أي لصق بالتراب، وأترب: إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسن العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الامر بها، كما يقولون: قاتله الله، وقيل: معناها: لله درك، وقيل: أراد به المثل ليرى المأمور بذلك الجد، و أنه إن خالفه فقد أساء، وقال بعضهم: هو دعاء على الحقيقة، فإنه قد قال لعايشة: تربت يمينك، لانه رأى الحاجة خيرا لها، والاول الوجه، ويعضده قوله في حديث خزيمة: " أنعم صباحا تربت يداك " فإن هذا دعاء له وترغيب في استعماله ما تقدمت الوصية به، ألا تراه أنه قال: أنعم صباحا ؟.


(1) ترتبت خ ل. (2 و 3) فروع الكافي 2: 123 والاية في الاحزاب: 28 و 29 (*)

[221]

{ 3 باب } * (أحوال ام سلمة رضى الله عنها) * 1 - لى: ابى الوليد، عن محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الصيرفي عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله الصادق، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) قال: بلغ ام سلمة زوج النبي (صلى الله عليه آله) أن مولى لها يتنقص عليا (عليه السلام) ويتناوله، فأرسلت إليه، فلما أن صار إليها قالت له: يا بني بلغني أنك تتنقص عليا وتتناوله، قال لها: نعم يا اماه، قالت: اقعد تكلتك امك حتى احدثك بحديث سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم اختر لنفسك، إنا كنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) تسع نسوة وكانت ليلتي ويومي من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدخل النبي (صلى الله عليه وآله) وهو متهلل، أصابعه في أصابع علي، واضعا يده عليه، فقال: يا أم سلمة اخرجي من البيت واخليه لنا، فخرجت وأقبلا يتناجيان أسمع الكلام وما أدري ما يقولان حتى إذا قمت فأتيت (1) الباب فقلت: أدخل يا رسول الله، قال: لا، قالت: فكبوت (2) كبوة شديدة مخافة أن يكون ردني من سخطة أو نزل في شئ من السماء، ثم لم ألبث أن أتيت الباب الثانية فقلت: أدخل يا رسول الله ؟ فقال: لا، فكبوت كبوة أشد من الاولى، ثم لم ألبث حتى أتيت الباب الثالثة فقلت: أدخل يا رسول الله ؟ فقال: ادخلي يا ام سلمة، فدخلت وعلي جاث بين يديه، وهو يقول: فداك أبي وامي يا رسول الله إذا كان كذا وكذا فما تأمرني ؟ قال: آمرك بالصبر، ثم أعاد عليه القول الثانية فأمره بالصبر، فأعاد عليه القول الثالثة فقال له: يا علي يا أخي إذا كان ذاك منهم فسل سيفك وضعه على عاتقك، واضرب به قدما حتى تلقاني و سيفك شاهر يقطر من دمائهم، ثم التفت إلي فقال لي: والله ما هذه الكأبة يا ام


(1) في المصدر: حتى إذا قلت: قد انتصف النهار فأتيت الباب. (2) في المصدر: قال: لا، فكبوت.

[222]

سلمة ؟ قلت: للذي كان ردك لي يا رسول الله (1) فقال لي: والله ما رددتك من موجدة، وإنك لعلى خير من الله ورسوله، ولكن أتيتني وجبرئيل عن يميني وعلي عن يساري، وجبرئيل يخبرني بالاحداث التي تكون من بعدي، وأمرني أن أوصي بذلك عليا، يا ام سلمة اسمعي واشهدي، هذا علي بن أبي طالب أخي في الدنيا، وأخي في الآخرة، يا ام سلمة اسمعي واشهدي، هذا علي بن أبي طالب حامل لوائي في الدنيا، وحامل لوائي غدا في القيامة (2) يا ام سلمة اسمعي واشهدي، هذا علي بن أبي طالب وصيي وخليفيتي من بعدي، وقاضي عداتي، والذائد عن حوضي، يا ام سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، قلت: يا رسول الله من الناكثون ؟ قال: الذين يبايعونه بالمدينة وينكثون بالبصرة، قلت: من القاسطون ؟ قال: معاوية وأصحابه من أهل الشام، قلت: من المارقون ؟ قال: أصحاب النهروان، فقال مولى ام سلمة: فرجت عني فرج الله عنك، والله لا سببت عليا أبدا (3). ما: الغضائري، عن الصدوق، عن ابن الوليد مثله (4). أقول: سيأتي ما روت ام سلمة في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) في أبواب فضائلهم وهي كثيرة لا سيما في نزول آية التطهير. 2 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن علي بن محمد بن مخلد، عن عباد بن سعيد الجعفي، عن محمد بن عثمان بن أبي البهلول، عن صالح بن أبي الاسود، عن هاشم بن البريد، عن أبي سعيد التيمي، عن ثابت مولى أبي ذر رحمه الله قال: شهدت مع علي (عليه السلام) يوم الجمل فلما رأيت عايشة واقفة دخلني من الشك بعض ما يدخل


(1) في المجالس: من ردك اياى يا رسول الله. (2) في المجالس: وحامل لواء الحمد غدا يوم القيامة. (4) امالي الصدوق: 228 و 229. (3) مجالس الشيخ: 270 ؤ 271.

[223]

الناس، فلما زالت الشمس كشف الله ذلك عني فقاتلت مع أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم أتيت بعد ذلك ام سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) ورحمها فقصصت عليها قصتي فقالت: كيف صنعت حين طارت القلوب مطائرها ؟ قال: قلت: إلى أحسن ذلك، والحمد لله كشف الله عزوجل عني ذلك عند زوال الشمس فقاتلت مع أمير المؤمنين (عليه السلام) قتالا شديدا فقالت: أحسنت، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: علي مع القرآن، والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض (1). 3 - ب: السندي بن محمد، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كانت امرأة من الانصار تدعى حسرة، تغشى آل محمد وتحن (2) وإن زفر وحبتر لقياها ذات يوم فقالا: أين تذهبين يا حسرة ؟ فقالت: أذهب إلى آل محمد فأقضي من حقهم، واحدث بهم عهدا، فقالا: ويلك إنه ليس لهم حق إنما كان هذا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فانصرفت حسرة ولبثت أياما ثم جاءت فقالت لها ام سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله): ما بطأبك (3) عنا يا حسرة ؟ فقالت: استقبلني زفر وحبتر فقالا: أين تذهبين يا حسرة ؟ فقلت: أذهب إلى آل محمد فأقضي من حقهم الواجب، فقالا: إنه ليس لهم حق، إنما كان هذا على عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، فقالت ام سلمة: كذبا لعنهما الله لا يزال حقهم واجبا على المسلمين إلى يوم القيامة (4). بيان: زفر وحبتر عمر وصاحبه، والاول لموافقة الوزن، والثاني لمشابهته لحبتر وهو الثعلب في الحيلة والمكر. أقول: سيجئ في أبواب أحوال عايشة بعض فضائلها (5). 4 - ير: عمران بن موسى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن زرارة عن عيسى بن عبيدالله (6) عن أبيه، عن جده، عن عمر بن أبي سلمة عن امه ام


(1) مجالس الشيخ: 294. (2) أي تأتيهم. وتحن إليه أي تشتاق. (3) في المصدر: ما أبطأ بك علينا. (4) قرب الاسناد: 29. (5) أي فضائل ام سلمة. (6) في المصدر: [عيسى بن عبد الله] وهو عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن ابى طالب (عليه السلام).

[224]

سلمة قال: قالت: أقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) في بيتي ثم دعا بجلد شاة فكتب فيه حتى ملا أكارعه ثم دفعه إلي وقال: من جاءك من بعدي بآية كذا وكذا فادفعيه إليه، فأقامت ام سلمة حتى توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وولى أبو بكر أمر الناس بعثتني فقال: اذهب وانظر ما صنع هذا الرجل، فجئت فجلست في الناس حتى خطب أبو بكر ثم نزل فدخل بيته، فجئت فأخبرتها فأقامت حتى إذا ولى عمر بعثتني فصنع كما صنع صاحبه فجئت فأخبرتها، ثم أقامت حتى ولى عثمان فبعثتني فصنع كما صنع صاحباه فأخبرتها، ثم أقامت حتى ولى علي فأرسلتني فقالت: انظر ما يصنع هذا الرجل، فجئت فجلست في المسجد فلما خطب علي (عليه السلام) نزل فرآني في الناس، فقال: اذهب فاستأذن على امك، قال: فخرجت حتى جئتها فأخبرتها وقلت قال لي: استأذن على امك وهو خلفي يريدك، قالت: وأنا والله اريده فاستأذن علي فدخل فقال: أعطيني الكتاب الذي دفع إليك بآية كذى وكذى كأني أنظر إلى امي حتى قامت إلى تابوت لها في جوفه تابوت لها صغير (1) فاستخرجت من جوفه كتابا فدفعته إلى علي ثم قالت لي امي: يا بني الزمه، فلا والله ما رأيت بعد نبيك إماما غيره (2). بيان: الاكارع جمع كراع كغراب وهو مستدق الساق. أقول: قد أوردنا مثله بأسانيد في باب جهات علوم الائمة (عليهم السلام)، وأوردنا فيه وفي غيره بأسانيد أن الحسين (عليه السلام) لما أراد العراق استودعها الكتب فدفعتها إلى علي بن الحسين (عليهم السلام). 5 - كا: محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن الحسين بن علي بن يقطين، عن عاصم بن حميد، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ام سلمة، زوجها إياه عمر بن أبي سلمة وهو صغير لم يبلغ الحلم (3).


(1) في المصدر: [في جوفها تابوت صغير] اقول: التابوت: صندوق من الخشب، ومنه تابوت الميت. (2) بصائر الدرجات: 44. (3) فروع الكافي 2: 24.

[225]

6 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أبا بكر وعمر أتيا ام سلمة فقالا لها: يا ام سلمة إنك قد كنت عند رجل قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذاك ؟ (1) فقالت: ما هو إلا كسائر الرجال، ثم خرجا عنها وأقبل النبي (صلى الله عليه وآله) فقامت إليه مبادرة فرقا (2) أن ينزل أمر من السماء فأخبرته الخبر، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى تربد (3) وجهه، والتوى عرق الغضب بين عينيه، وخرج وهو يجر رداءه حتى صعد المنبر وبادرت (4) الانصار بالسلاح وأمر بخيلهم أن تحضر، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس ما بال أقوام يتبعون عيبي ويسألون عن عيبي (5) والله إني لاكرمكم حسبا، وأطهركم مولدا، وأنصحكم لله في الغيب ولا يسألني أحد منكم عن أبيه إلا أخبرته، فقال إليه رجل فقال: من أبي ؟ فقال: فلان الراعي، فقام إليه آخر فقال: من أبي ؟ فقال: غلامكم الاسود فقام (6) إليه الثالث فقال: من أبي ؟ فقال: الذي تنسب إليه، فقالت الانصار: يا رسول الله اعف عنا عفا الله عنك، فإن الله بعثك رحمة فاعف عنا عفا الله عنك، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا كلم استحيى وعرق وغض طرفه عن الناس حياء حين كلموه، فنزل، فلما كان في السحر هبط عليه جبرئيل (عليه السلام) بصحفة من الجنة فيها هريسة فقال: يا محمد هذه عملها لك الحور العين فكلها أنت وعلي وذريتكما، فإنه لا يصلح أن يأكلها غيركم، فجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فأكلوا فاعطي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المباضعة من تلك الاكلة قوة أربعين رجلا، فكان إذا شاء غشي نساءه كلهن في ليلة واحدة (7). 7 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن مالك بن عطية


(1) من ذلك في الخلوة خ ل. اقول: في المصدر: من ذاك في الخلوة. (2) أي خوفا وفزعا. (3) أي تغير من الغضب. (4) وسارت خ ل. (5) في المصدر: ويسألون عن غيبي. (6) وقام خ ل. (7) فروع الكافي 2: 78.

[226]

عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مات الوليد بن المغيرة (1) فقالت ام سلمة للنبي: إن آل المغيرة قد أقاموا مناحة فأذهب إليهم ؟ فأذن لها فلبست ثيابها وتهيأت وكانت من حسنها كأنها جان، وكانت إذا قامت فأرخت شعرها جلل جسدها، و عقد (2) بطرفيه خلخالها، فندبت ابن عمها بين يدي رسول الله (صلى الله عليه آله) فقالت: أنعي الوليد بن الوليد * أبا الوليد فتى العشيرة حامي الحقيقة ماجد * يسمو إلى طلب الوتيرة قد كان غيثا في السنين * وجعفرا غدقا وميرة (3) فما عاب النبي (4) (صلى الله عليه وآله) في ذلك ولا قال شيئا (5). بيان: الحقيقة: ما يحق على الرجل أن يحميه. والوتيرة: الطريقة، و الوتر: طلب الدم. والجعفر: النهر الصغير. والماء الغدق: الكثير. والميرة بالكسر: الطعام يمتاره الانسان. 8 - كا: علي، عن أبيه، عن حماد، عن حريز عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ام سلمة فقال لها: مالي (6) لا أرى في بيتك البركة ؟ قالت: بلى، والحمد لله إن البركة لفي بيتي، فقال: إن الله عزوجل أنزل ثلاث بركات: الماء، والنار، والشاة (7). (1) هو وليد بن الوليد بن المغيرة المخزومى اخو خالد بن الوليد. (2) في المصدر: وعقدت. (3) في اسد الغابة: يا عين فابكى للوليد * بن الوليد بن المغيرة قد كان غيثا في السنين * ورحمة فينا وميره ضخم الدسيعة ماجدا * يسمو إلى طلب الوتيره مثل الوليد بن الوليد * ابن الوليد كفى العشيرة (4) فما عاب عليها رسول الله خ. اقول: في المصدر: فما عاب (ذلك خ) عليها النبي (صلى الله عليه وآله). (5) فروع الكافي 1: 360. (6) في المصدر: مالك. (7) فروع الكافي 2: 231.

[227]

9 - كا: الحسين بن محمد، عن العلى، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) امرأة فأعجبته فدخل على ام سلمة و كان يومها فأصاب منها وخرج إلى الناس ورأسه يقطر فقال: أيها الناس إنما النظر من الشيطان، فمن وجد من ذلك شيئا فليأت أهله (1). 10 - دعوات الراوندي: عن ام سلمة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من اصيب بمصيبة فقال كما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني من مصيبتي وأعقبني خيرا منه، فعل الله ذلك به، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلته، ثم قلت: ومن مثل أبي سلمة فأعقبني الله برسوله (صلى الله عليه وآله) فتزوجني (2). { 4 باب } * (أحوال عايشة وحفصة) * الآيات: الحجرات " 49 ": يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن " 11 ". التحريم " 46 ": يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله موليكم وهو العليم الحكيم * وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير * إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات و أبكارا " 1 - 5 ". * هامش * (1) فروع الكافي 2: 56. (2) دعوات الراوندي: مخطوط.

[228]

إلى قوله تعالى: ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين " 10 ". تفسير: قال الطبرسي طيب الله رمسه: قوله: " ولا نساء من نساء " نزل في نساء النبي (صلى الله عليه وآله) يسخرن من أم سلمة، عن أنس، وذلك أنها ربطت حقويها بسبنية (1) وهي ثوب أبيض، وسدلت طرفيها خلفها، وكانت تجر (2) فقالت عايشة لحفصة: انظري ماذا تجر خلفها كأنه لسان كلب، فهذا كانت سخريتها (3) وقيل: إنها عيرتها بالقصر، وأشارت بيدها أنها قصيرة، عن الحسن (4) وقال رحمه الله في قوله تعالى: " يا أيها النبي لم تحرم " اختلف أقوال المفسرين في سبب نزول الآيات، فقيل: إن رسول الله كان إذا صلى الغداة يدخل على أزواجه امرأة امرأة، وكان قد اهديت لحفصة عكة من عسل، فكانت إذا دخل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسلما (5) حبسته وسقته منها، وإن عايشة أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية حبشية عندها: إذا دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على حفصة فادخلي عليها فانظري ما تصنع، فأخبرتها الخبر وشأن العسل، فغارت عايشة وأرسلت إلى صواحبها فأخبرتهن وقالت: إذا دخل عليكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلن: إنا نجد منك ريح المغافير - وهو صمغ العرفط كريه الرايحة - وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكره ويشق عليه أن توجد منه ريح غير طيبة، لانه يأتيه الملك، قال: فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سودة قالت: فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم إني فرقت (6) من عايشة فقلت: يا رسول الله ما هذه الريح التي أجدها منك ؟ أكلت المغافير ؟ فقال:


(1) قال في النهاية: السبنية: ضرب من الثياب، تتخذ من مشاقة الكتان، منسوب إلى موضع بناحية المغرب يقال له: سبن، وقال: المغافير: شئ ينضحه شجر العرفط حلو كالناظف وقال: العكة من السمن أو العسل هي وعاء من جلود مستدير يختص بهما وهو بالسمن أخص - منه -. (2) في المصدر: وكانت تجره. (3) في المصدر: سخريتهما (4) مجمع البيان 9: 135. (5) المصدر يخلو عن قوله، مسلما. (6) أي خفت وخشيت.

[229]

لا، ولكن حفصة سقتني عسلا، ثم دخل على امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك، فدخل على عايشة فأخذت بأنفها فقال لها: ما شأنك ؟ قالت: أجد ريح المغافير، أكلتها يا رسول الله ؟ قال: لا، بل سقتني حفصة عسلا، فقالت: جرست (1) إذا نحلها العرفط فقال (صلى الله عليه وآله): والله لا أطعمه أبدا، فحرمه على نفسه، وقيل: إن التي كانت تسقى رسول الله (2) (صلى الله عليه وآله) ام سلمة، عن عطا، وقيل: بل كانت زينب بنت جحش، قالت عايشة، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يمكث عند زينب ويشرب عندها عسلا فتواطيت أنا وحفصة أيتنا دخل عليها النبي (صلى الله عليه وآله) فلتقل: إني أجد منك ريح المغافير، أكلت مغافير ؟ فدخل (صلى الله عليه وآله) على إحداهما فقالت له ذلك فقالت: لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود إليه، فنزلت الآيات، وقيل: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قسم الايام بين نسائه فلما كان يوم حفصة قالت: يا رسول الله إن لي إلى أبي حاجة، فأذن لي أن أزوره، فأذن لها، فلما خرجت أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جاريته مارية القبطية، وكان قد أهداها له المقوقس فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا، فجلست عند الباب فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووجهه يقطر عرقا، فقالت حفصة، إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقا ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): أليس هي جاريتي قد أحل الله ذلك لي ؟ اسكتي فهي حرام علي، ألتمس بذاك رضاك فلا تخبرى بهذا امرأة منهن، وهو عندك أمانة، فلما خرج (صلى الله عليه وآله) قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عايشة فقالت: ألا ابشرك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد حرم عليه أمته مارية، وقد أراحنا الله منها، وأخبرت عايشة بما رأت وكانتا متصادقتين متظاهرتين على سائر أزواجه، فنزلت: " يا أيها النبي لم تحرم " فطلق حفصة، و اعتزل سائر نسائه تسعة وعشرين يوما، وقعد في مشربة ام إبراهيم مارية حتى


(1) قال في النهاية، فيه جرست نحلة العرفط، أي اكلت يقال للنحل الجوارس والجرس في الاصل: الصوت الخفى، والعرفظ: شجر - منه عفى عنه. (2) في المصدر: تسقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) العسل ام سلمة.

[230]

نزلت آية التخيير، وقيل: إن النبي خلا في يوم لعايشة مع جاريته ام إبراهيم فوقفت حفصة على ذلك فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تعلمي لعايشة ذلك، وحرم مارية على نفسه، فأعلمت حفصة عايشة بالخبر واستكتمتها (1) إياه، فاطلع الله نبيه على ذلك، وهو قوله: " وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا " يعني حفصة عن الزجاج، وقال: ولما حرم مارية القبطية أخبر حفصة أنه يملك من بعده أبو بكر ثم عمر، فعرفها بعض ما أفشت من الخبر، وأعرض عن بعض ان أبا بكر وعمر يملكان من بعدي، وقريب من ذلك ما رواه العياشي بالاسناد عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي جعفر إلا أنه زاد في ذلك: إن كل واحدة منهما حدثت أباها بذلك، فعاتبهما في أمر مارية وما أفشتا عليه من ذلك، وأعرض (2) أن يعاتبهما في الامر الآخر " ما أحل الله لك " من الملاذ " تبتغي " أي تطلب " مرضات أزواجك " وهن أحق بطلب مرضاتك، وليس في هذا دلالة على وقوع ذنب منه صغير أو كبير لان تحريم الرجل بعض نسائه أو بعض الملاذ بسبب أو لغير سبب ليس بقبيح ولا داخل في جملة الذنوب، ولا يمتنع أن يكون خرج هذا القول مخرج التوجع له (صلى الله عليه وآله) إذ بالغ في إرضاء أزواجه، وتحمل في ذلك المشقة، ولو أن إنسانا أرضى بعض نسائه بتطليق بعضهن لجاز أن يقال له: لم فعلت ذلك وتحملت فيه المشقة ؟ وإن كان لم يفعل قبيحا، ولو قلنا: إنه (صلى الله عليه وآله) عوتب على ذلك لان ترك التحريم كان أفضل من فعله لم يمتنع، لانه يحسن أن يقال لتارك النفل: لم لم تفعله ؟ ولم عدلت عنه ؟ ولان تطيب قلوب النساء مما لا تنكره العقول. واختلف العلماء فيمن قال لامرأته: أنت علي حرام (3) وقال أصحابنا: إنه لا يلزم به شئ، ووجوده كعدمه، وإنما أوجب الله فيه الكفارة، لان النبي (صلى الله عليه وآله) كان حلف أنه لا يقرب جاريته، أو لا يشرب الشراب المذكور فأوجب الله عليه أن يكفر عن يمينه ويعود إلى استباحة ما كان حرمه، وبين أن


(1) واستكتمها خ ل. (2) في المصدر: واعرض عن ان يعاتبهما. (3) ذكر في المصدر قول العامة في ذلك، ولم يذكره المصنف اختصارا.

[231]

التحريم لا يحصل إلا بأمر الله ونهيه، ولا يصير الشئ حراما بتحريم من يحرمه على نفسه إلا إذا حلف على تركه " والله غفور " لعباده " رحيم " بهم إذا رجعوا إلى ما هو الاولى والاليق بالتقوى " قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " أي قد قدر الله لكم ما تحللون به أيمانكم إذا فعلتموها، وشرع لكم الحنث فيها، لان اليمين ينحل بالحنث فسمى ذلك تحلة، وقيل: أي بين الله لكم كفارة أيمانكم في سورة المائدة، عن مقاتل، قال: أمر الله نبيه أن يكفر يمينه ويراجع وليدته، فأعتق رقبة وعاد إلى مارية، وقيل: أي فرض الله عليكم كفارة أيمانكم " والله مولاكم " أي وليكم يحفظكم وينصركم، وهو أولى بأن تتبعوا (1) رضاه " وهو العليم " بمصالحكم " الحكيم " في أوامره ونواهيه لكم، وقيل: هو العليم بما قالت حفصة لعايشة، الحكيم في تدبيره " وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه " وهي حفصة " حديثا " كلاما أمرها بإخفائه " فلما نبأت به " أي أخبرت غيرها بما خبرها به فأفشت سره " وأظهره الله عليه " أي واطلع الله نبيه على ما جرى من إفشاء سره " عرف بعضه وأعرض عن بعض " أي عرف النبي (صلى الله عليه وآله) حفصة بعض ما ذكرت، و أخبرها ببعض ما ذكرت، وأعرض عن بعض ما ذكرت، أو عن بعض ما جرى من الامر فلم يخبرها، وكان (صلى الله عليه وآله) قد علم جميع ذلك، لان الاعراض إنما يكون بعد المعرفة، لكنه (صلى الله عليه وآله) أخذ بمكارم الاخلاق والتغافل من شيم الكرام " فلما نبأها به " أي فلما أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حفصة بما أظهره الله عليه قالت حفصة: " من أنبأك هذا " أي من أخبرك بهذا ؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " نبأني العليم " بجميع الامور " الخبير " بسرائر الصدور، ثم خاطب سبحانه عايشة وحفصة فقال: " إن تتوبا إلى الله " من التعاون على النبي (صلى الله عليه وآله) بالايذاء والتظاهر عليه فقد حق عليكما التوبة، ووجب عليكما الرجوع إلى الحق " فقد صغت قلوبكما " أي مالت قلوبكما إلى الاثم، عن ابن عباس ومجاهد، وقيل: زاغت قلوبكما عن سبيل الاستقامة


(1) في المصدر: بان تبتغوا رضاه.

[232]

وعدلت عن الصواب إلى ما يوجب الاثم، وقيل: إنه شرط في معنى الامر، أي توبا إلى الله فقد صغت قلوبكما " وإن تظاهرا عليه " أي وإن تتعاونا على النبي (صلى الله عليه وآله) بالايذاء، وعن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: عايشة وحفصة، أورده البخاري في الصحيح (1) " فإن الله هو مولاه " الذي يتولى حفظه وحياطته ونصرته " و جبرئيل " أيضا معين له " وصالح المؤمنين " يعني خيار المؤمنين، وقيل: يعني الانبياء ووردت الرواية من طريق الخاص والعام أن المراد بصالح المؤمنين أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وهو قول مجاهد، وفي كتاب شواهد التنزيل بالاسناد عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لقد عرفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) أصحابه مرتين أما مرة فحيث قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " وأما الثانية فحيث نزلت هذه الآية: " فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين " وقالت أسماء بنت عميس: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: وصالح المؤمنين: علي بن أبي طالب " والملائكة بعد ذلك " أي بعد الله وجبرئيل وصالح المؤمنين " ظهير " أي أعوان للنبي (صلى الله عليه وآله) وهذا من الواحد الذي يؤدي معنى الجمع " عسى ربه " أي واجب من الله ربه " إن طلقكن " يا معاشر أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) " أن يبدله أزواجا خير منكن " أي أصلح له منكن " مسلمات " أي مستسلمات لما أمر الله به " مؤمنات " أي مصدقات لله و رسوله، وقيل: مصدقات في أفعالهن وأقوالهن " قاتتات " أي مطيعات لله تعالى ولازواجهن، وقيل: خاضعات متذللات لامر الله تعالى، وقيل: ساكتات عن


(1) صحيح البخاري 6: 195 - 197 اقول: ذكر البخاري وغيره من ائمة الحديث و جماعة من مفسري العامة ما سمعت من المصنف في تفسير الاية، وانى لا ينقضى تعجبي منهم، انهم صرحوا بذلك في شأن عائشة وحفصة وغيرهما من ازواج النبي (صلى الله عليه وآله) ومع ذلك يتمسكون باحاديثهم، ويجعلونها حجة بينهم وبين خالقهم، ويأمرون الناس بالاخذ عنهن والعمل بما روين، فكأنهم لم يروا الكذب والافتراء وايذاء النبي (صلى الله عليه وآله) ومخالفته مباينة للعدالة، وجارحة للراوى. اعاذنا الله عن التعصب والحمية حمية الجاهلية.

[233]

الخناء والفضول " تائبات " عن الذنوب، وقيل راجعات إلى أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) تاركات لمحاب أنفسهن، وقيل: نادمات على تقصير وقع منهن " عابدات " الله تعالى بما تعبدهن به من الفرائض والسنن على الاخلاص، وقيل: متذللات للرسول الله (صلى الله عليه وآله) بالطاعة " سائحات " أي ماضيات في طاعة الله، وقيل: صائمات، وقيل: مهاجرات (1). قوله تعالى: " ضرب الله مثلا " أقول: لا يخفى على الناقد البصير والفطن الخبير ما في تلك الآيات من التعريض بل التصريح بنفاق عايشة وحفصة وكفرهما وهل يحتمل التمثيل بامرأتي نوح ولوط في تلك السورة التي سيقت أكثرها في معاتبة زوجتي الرسول (صلى الله عليه وآله) وما صدر عنهما باتفاق المفسرين أن يكون لغيرهما ولو كان التمثيل لسائر الكفار لكان التمثيل بابن نوح وسائر الكفار الذين كانوا من أقارب الرسل أولى وأحرى، والعجب من أكثر المفسرين كيف طووا عن مثل ذلك كشحا مع تعرضهم لادنى إيماء وأخفى إشارة في سائر الآيات، وهل هذا إلا من تعصبهم ورسوخهم في باطلهم ؟ ولما رأى الزمخشري أن الاعراض عن ذلك رأسا ليس إلا كتطيين الشمس وإخفاء الامس قال في الكشاف في تفسير تلك الآية: مثل الله عزوجل حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم من غير إبقاء ولا محاباة ولا ينفعهم مع عداوتهم بالله ورسوله قطع العلائق وبث الوصل، وجعلهم أبعد من الاجانب وأبعد، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا من أنبياء الله تعالى بحال امرأة نوح وامرأة لوط لما نافقتا و خانتا الرسولين لم يغن الرسولان عنهما بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج إغناء مامن عذاب الله، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة: " ادخلا النار مع الداخلين " الذين لا وصلة بينهم وبين الانبياء أو مع داخلها (2) من إخوانكما من قوم نوح ومن قوم لوط صلوات الله عليهما، ومثل حال المؤمنين في أن وصلة الكافرين لا يضرهم ولا ينقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون و


(1) مجمع البيان 10: 313 - 316. (2) في المصدر: أو مع داخليها.

[234]

منزلتها عند الله مع كونها زوجة أعدى أعداء الله الناطق بالكلمة العظمى، ومريم ابنة عمران وما اوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفارا، وفي طي هذين التمثيلين تعريض بامي المؤمنين المذكورتين في أول السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما كرهه و تحذير لهما على أغلظ وجه وأشده، لما في التمثيل من ذكر الكفر، ونحوه في التغليظ قوله: " ومن كفر فإن الله غني عن العالمين " فإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الاخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنين، ولم تتكلا (1) على أنهما زوجا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا أن تكونا مخلصين (2) و التعريض بحفصة أرجح، لان امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا تدق عن تفطن العالم، وتزل عن تبصره (3) انتهى كلامه بعبارته. وقد أومأ إمامهم الرازي أيضا في تفسيره إلى ذلك إيماء لطيفا حيث قال: و أما ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط فمشتمل على فوائد متعددة لا يعرفها بتمامها إلا الله تعالى، والظاهر منها تنبيه الرجال والنساء على الثواب العظيم، والعذاب الاليم، ومنها العلم بأن صلاح الغير لا ينفع المفسد، وفساد الغير لا يضر المصلح (4) إلى آخر ما قال. 1 - يف: روى الثعلبي في تفسير قوله تعالى " وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين " قال: هو علي بن أبي طالب (5). 2 - نهج: فأما فلانة فأدركها رأي النساء، وضغن غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل، ولها بعد حرمتها الاولى والحساب على الله (6).


(1) في المصدر: وان لا تتكلا (2) في المصدر: الا مع كونهما مخلصتين. (3) الكشاف 4: 457 و 458 (4) راجع مفاتيح الغيب: الا مع كونهما مخلصتين. (5) الطرائف: 24. (6) نهج البلاغة 1: 302.

[235]

بيان: قال ابن أبي الحديد في شرح هذا القول: الضغن: الحقد. والمرجل: قدر كبير. والقين: الحداد، أي كغليان قدر من حديد. وفلانة كناية عن عايشة أبوها أبو بكر، وامها ام رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد شمس، تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الهجرة بسنتين بعد وفاة خديجة رضي الله عنها، وهي بنت سبع سنين وبنى عليها بالمدينة وهي بنت تسع سنين وعشرة أشهر، وكانت قبله تذكر لجبير بن مطعم، وكان نكاحه إياها في شوال، وبناؤه عليها في شوال، وتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنها وهي بنت عشرين سنة، وكانت ذات حظ من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وميل ظاهر إليها، وكانت لها عليه جرأة وإدلال، حتى كان (1) منها في أمره في قصة مارية ما كان من الحديث الذي أسره الاخرى (2) وأدى إلى تظاهرهما عليه، وانزل فيهما قرآن يتلى في المحاريب، يتضمن وعيدا غليظا عقيب تصريح بوقوع الذنب وصغو القلب، وأعقبتها تلك الجرأة وذلك الانبساط أن حدث منها في أيام الخلافة العلوية ما حدث. الاستيعاب (3) في باب عايشة بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لنسائه: أيتكن صاحبة الجمل الادبب، يقتل حولها قتلى كثير، وتنجو بعدما كادت. قال ابن عبد البر: هذا من أعلام نبوته (صلى الله عليه وآله) (4) ولم تحمل عايشة من رسول الله (عليه السلام) ولا ولد له ولد من مهيرة إلا من خديجة، ومن السراري من مارية، وقذفت عايشة في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصفوان بن المعطل السلمي، والقصة مشهورة، فأنزل الله


(1) في المصدر: [لم يزل ينمى ويستسرى حتى كان] أقول: ينمى الحديى أي يبلغه على جهة الافساد. (2) في المصدر: اسره الى الزوجة الاخرى. (3) في المصدر: وروى أبو عمر بن عبد البرفى كتاب الاستيعاب في باب عائشة عن سعيد ابن نصر عن قاسم بن اصبغ عن محمد بن وضاح عن ابى بكر بن ابى شيبة عن وكيع عن عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس. اقول: راجع الاستيعاب 4: 351. (4) زاد في المصدر: قال: وعصام بن قدامة ثقة، وسائر الاسناد فثقة رجاله اشهر من ان تذكر. (*)

[236]

براءتها في قرآن يتلى وينقل، وجلد قاذفوها الحد، وتوفيت في سنة سبع وخمسين للهجرة، وعمرها أربع وستون سنة، ودفنت بالبقيع في ملك معاوية. أقول: ثم ذكر ابن أبي الحديد عن شيخه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني أسبابا للعداوة بين عايشة وبين أمير المؤمنين وفاطمة صلوات الله عليهما وبسط الكلام في ذلك " إلى أن قال ": وأكرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة إكراما عظيما أكثر مما كان الناس يظنونه، وأكثر من إكرام الرجال لبناتهم، فقال بمحضر الخاص والعام مرارا لامرة واحدة وفي مقامات مختلفة لا في مقام واحد: إنها سيدة نساء العالمين، وإنها عديلة مريم بنت عمران، وإنها إذا مرت في الموقف نادى مناد من جهة العرش: يا أهل الموقف غضوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمد، و هذه من الاحاديث الصحيحة وليس من الاخبار المستنقحة (1) وإن إنكاحه عليا إياها لم يكن إلابعد أن أنكحه الله تعالى إياها في السماء بشهادة الملائكة، وكم قال مرة (2): " يؤذيني ما يؤذيها، ويغضبني ما يغضبها، وإنها بضعة مني، يريبني ما رابها " فكان هذا وأمثاله يوجب زيادة الضغن عند الزوجة، والنفوس البشرية تغيظ على ما هو دون (3) هذا، ثم كان بينها وبين علي (عليه السلام) في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) في المصدر: المستضعفة. (2) في المصدر: كم قال لا مرة. (3) في المصدر: [ثم حصل عند بعلها ما هو حاصل عندها، اعني عليا (عليه السلام) فان النساء كثيرا ما يحصلن الاحقاد في قلوب الرجال، لا سيما وهن محدثات الليل كما قيل في المثل، وكانت تكثر الشكوى من عائشة ويغشاها نساء المدينة وجيران بيتها فينقلن إليها كلمات عن عائشة ثم يذهبن إلى بيت عايشة فينقلن إليها كلمات عن فاطمة وكما كانت فاطمة تشكوا إلى بعلها كانت عائشة تشكوا إلى ابيها لعلمها ان بعلها لا يشكيها على ابنته، فحصل في نفس ابى بكر من ذلك اثر ما، ثم تزايد تقريظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلى (عليه السلام) وتقريبه واختصاصه فاحدث ذلك حسدا له وغبطة في نفس ابى بكر عنه وهو ابوها، وفى نفس طلحة وهو ابن عمها وهى تجلس اليهما وتسمع كلامهما وهما يجلسان إليها ويحادثانها فاعدى إليها منهما كما اعدتهما] أقول: ذكرت كلامه بطوله - وان كان فيه ما يضاد نفسيه بضعة الرسول (صلى الله عليه وآله)، ونفسية الامام المرتضى نفس الرسول (صلى الله عليه وآله) واخيه المنتجب صلوات الله عليه وعلى آله، لانهما كانا لا يؤثران على طاعة الله شيئا، ولا يقربان=

[237]

ما يقتضي تهييج ما في النفوس، نحو قولها له وقد استدناه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء حتى قعد بينه وبينها وهما متلاصقان: أما وجدت مقعد الكذا لا يكنى عنه (1) إلا فخدي ونحوه ما روي أنه سايره يوما وأطال مناجاته فجاءت وهي سايرة خلفهما حتى دخلت بينهما وقالت: فيم أنتما فقد أطلتما ؟ فيقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) غضب ذلك اليوم، وما روي من حديث الجفنة من الثريد التي أمرت الخادم فوقفت لها فأكفأتها ونحو ذلك مما يكون بين الاهل وبين المرأة وأحمائها، ثم اتفق أن فاطمة ولدت أولادا كثيرة بنين وبنات، ولم تلد هي ولدا، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقيم بني فاطمة مقام بنيه، ويسمي الواحد منهم ابني، ويقول: " دعوا لي ابني * ولا ترزموا (2) على ابني * وما فعل ابني (3) " ثم اتفق أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سد باب أبيها إلى المسجد وفتح باب صهره، ثم بعث أباها ببراءة إلى مكة ثم عزله عنها بصهره، فقدح ذلك أيضا في نفسها، وولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إبراهيم من مارية فأظهر علي (عليه السلام) بذلك سرورا كثيرا، وكان يتعصب لمارية ويقوم بأمرها عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ميلا على غيرها، وجرت لمارية نكبة مناسبة لنكبة عايشة فبرأها علي (عليه السلام) منها وكشف بطلانها، أو كشف الله تعالى على يده، وكان ذلك كشفا محسا بالبصر لا يتهيأ


= ما فيه سخط الله وسخط الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولذا كان لا يسمع قولهما فيهما ولا يشكيها على ابنته - لما فيه من بغضها وبغض ابيها وابن عمها طلحة اياهما، وانهم كانوا يجلسون ويغتابون النبي (صلى الله عليه وآله) واخيه وبضعته، ويدبرون عليهم، فكان من تدبيرهم وسوء صنيعتهم ما وقع بعد موته (صلى الله عليه وآله) من غصب الخلافة، ووقوع الفتن في حرب الجمل. (1) لما تكنى عنه خ ل. (2) هكذا في الكتاب ومصدره، وفيه وهم، والصيح: [لا تزرموا] بتقديم المعجمة قال الجزرى في النهاية، فيه انه بال عليه الحسن بن على فاخذ من حجره فقال: لا تزرموا ابني، أي لا تقطعوا عليه بوله. (3) زاد في المصدر: فما ظنك بالزوجة إذا حرمت الولد من البعل ثم رأت البعل يتبنى بنى ابنته من غيرها ويحنوا عليهم حنو الوالد المشفق هل تكون محبة لاولئك البنين ولامهم ولابيهم ام مبغضة، وهل تود دوام ذلك واستمراره ام زواله وانقضاءه ؟.

[238]

للمنافقين أن يقولوا فيه ما قالوه في القرآن المنزل ببراءة عايشة، وكل ذلك مما كان يوغر صدر عايشة، ثم مات إبراهيم فأبطنت شماتة وإن أظهرت كأبة، و وجم علي وفاطمة (عليهما السلام) من ذلك (1). أقول: ثم ساق كلامه بطوله، فلما ختمه قال: هذه خلاصة كلام أبي يعقوب، ولم يكن يتشيع، وكان شديدا في الاعتزال إلا أنه في التفصيل كان بغداديا (2). 3 - مع: القاسم بن محمد بن أحمد الهمداني، عن أحمد بن الحسين، عن إبراهيم ابن أحمد البغدادي، عن أبيه، عن عبد السلام (3) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة (4) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي (5) تنزل لي عن امرأتك فأنزل (6) لك عن امرأتي، فأنزل الله عزوجل: " ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن (7) " قال: فدخل عيينة بن حصين (8) على النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده عائشة فدخل بغير إذن فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): فأين الاستيذان ؟ قال: ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذه عائشة ام المؤمنين، قال عيينة: أفلا أنزل (9) لك عن أحسن الخلق وتنزل (10) عنها ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عزوجل


(1) ثم ذكر ما وقع في مرضه (صلى الله عليه وآله) وبعد موته راجعه. (2) شرح نهج البلاغة: 2: 456 - 460. (3) في المصدر: ابراهيم بن احمد بن نعيس البغدادي قال: حدثنا ابن الحمانى قال: حدثنا عبد السلام. (4) قروب خ ل. أقول: في نسخة ايضا: [فروب] والصحيح ما اخترناه في المتن، و وهو مذكور في رجال العامة. (5) تترك خ ل. (6) فاترك خ ل. (7) الاحزاب: 52. (8) استظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: [حصن] وهو كما استظهر. (9) افلا اترك خ ل. (10) تترك خ ل.

[239]

قد حرم ذلك علي، فلما خرج قالت له عائشة: من هذا يا رسول الله ؟ قال: هذا أحمق مطاع، وإنه على ما ترين سيد قومه (1). 4 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن سيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله (2) تعالى: " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " الآية، قال: اطلعت عايشة وحفصة على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو مع مارية فقال النبي: والله ما اقربها (3)، فأمره الله أن يكفر عن يمينه. وقال علي بن إبراهيم: كان سبب نزولها أن رسول الله كان في بعض بيوت نسائه، وكانت مارية القبطية تكون معه تخدمه، وكان ذات يوم في بيت حفصة فذهبت حفصة في حاجة لها فتناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) مارية، فعلمت حفصة بذلك فغضبت وأقبلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله هذا في يومي وفي داري وعلى فراشي، فاستحيى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: كفي فقد حرمت مارية على نفسي ولا أطأها بعد هذا أبدا، وأنا افضي إليك سرا، فإن أنت أخبرت به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقالت: نعم ما هو ؟ فقال: ان أبا بكر يلي الخلافة بعدي (4) ثم بعده أبوك (5) فقالت: من أخبرك بهذا ؟ قال: الله أخبرني، فأخبرت حفصة عايشة في يومها بذلك، وأخبرت عايشة أبا بكر فجاء أبو بكر إلى عمر فقال له: إن عايشة أخبرتني عن حفصة بشئ ولا أثق بقولها، فاسئل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة فقال لها: ما هذا الذي أخبرت عنك عايشة، فأنكرت ذلك، وقالت: ما قلت لها من ذلك شيئا، فقال لها عمر: إن كان هذا حقا فأخبرينا حتى نتقدم فيه فقالت: نعم قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك، فاجتمعوا أربعة على أن يسموا (6) رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذه السورة: يا أيها النبي لم تحرم


(1) معاني الاخبار: 97 و 80. (2) في قول الله تعالى خ ل. (3) لا اقربها خ ل. (4) من بعدى خ ل. (5) ثم من بعده ابوك خ ل. أقول: اراد ان ابا بكر وعمر يغتصبان الخلافة بعدى يدل عليه ما بعده ورواية تقريب المعارف. (6) أي يسقونه سما.

[240]

ما أحل الله لك " إلى قوله: " تحلة أيمانكم " يعني قد أباح الله لك أن تكفر عن يمينك " والله موليكم وهو العليم الحكيم * وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به " أي أخبرت به " وأظهره الله عليه " يعني أظهر الله نبيه على ما أخبرت به وما هموا به من قتله " عرف بعضه " أي خبرها وقال: لم أخبرت بما أخبرتك (1) ؟ وقوله: " وأعرض عن بعض " قال: لم يخبرها بما يعلم مما هموا به من قتله " قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير * إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو موليه وجبرئيل وصالح المؤمنين " يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) " والملائكة بعد ذلك ظهير " يعني لامير المؤمنين (عليه السلام) ثم خاطبها فقال: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا " عايشة (2) لانه لم يتزوج ببكر غير عايشة قال علي بن إبراهيم في قوله: " وضرب الله مثلا ": ثم ضرب الله فيهما مثلا فقال: ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما " قال والله ما عنى بقوله: " فخانتاهما " إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانه فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحل لك أن تخرجين (4) من غير محرم، فزوجت نفسها من فلان ثم ضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إلى قوله: " التي أحصنت فرجها "


(1) في المصدر: بما اخبرتك به. (2) اعرض عائشة خ ل. أقول: في المصدر المطبوع: عرض ولعل المراد أن قوله: [و ابكارا] عرض بعائشة، أي يبدله زوجا خيرا من عائشة. (3) فيه شناعة شديدة، وغرابة عجيبة، نستبعد صدور مثله عن شيخنا على بن ابراهيم بل نظن قريبا انه من زيادات غيره، لان التفسير الموجود ليس بتمامه منه قدس سره، بل فيه زيادات كثيرة من غيره، فعلى أي هذه مقالة يخالفها المسلمون باجمعهم من الخاصة والعامة وكلهم يقرون بقداسة اذيال أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) مما ذكر، نعم بعضهم يعتقدون عصيان بعضهن لمخالفتها امير المؤمنين على (عليه السلام). (4) هكذا في الكتاب ومصدره، واستظهر المصنف في الهامش ان الصحيح: ان تخرجي. (*)

[241]

قال: لم ينظر إليها " فنفخنا فيه من روحنا " أي روح الله (1) مخلوقة " وكانت من القانتين " أي من الداعين (2). بيان: قوله: أربعة، أي أبو بكر وعمر وبنتاهما، قوله: إلا الفاحشة، لعلها مؤولة بمحض التزويج (3) قوله: وليقيمن الحد، أي القائم (عليه السلام) في الرجعة، كما سيأتي، والمراد بفلان طلحة كما مر ما يؤمي إليه من إظهاره ذلك في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وفي هذا الخبر غرائب لا نعلم حقيقتها، فطوينا على غرها والله يعلم وحججه صلوات الله عليهم جهة صدورها. 5 - ما: المفيد، عن عمر بن محمد، عن الحسين بن إسماعيل، عن عبد الله بن شبيب، عن محمد بن محمد بن عبد العزيز قال: وجدت في كتاب أبي عن الزهري، عن عبيدالله بن عبد الله بن عباس قال: وجدت حفصة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع ام ابراهيم في يوم عائشة فقالت: لاخبرنها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اكتمي ذلك وهي علي حرام، فأخبرت حفصة عائشة بذلك، فأعلم الله نبيه (صلى الله عليه وآله) فعرف حفصة أنها أفشت سره، فقالت له: " من أنبأك هذا قال: نبأني العليم الخبير " فآلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نسائه شهرا، فأنزل الله عز اسمه: " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما " قال ابن عباس: فسألت عمر بن الخطاب من اللتان تظاهرتا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: حفصة وعائشة (4). 6 - ما: الفحام، عن عمه، عن إسحاق بن عبدوس، عن محمد بن بهار بن عمار عن زكريا بن يحيى، عن جابر، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، عن أمير المؤمنين صلوات عليه وآله قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده أبو بكر وعمر فجلست


(1) قال: روح مخلوقة خ ل. (2) الراغبين خ ل. تفسير القمى: 686 - 688 والايات في سورة التحريم: 1 - 5 و 10 - 12. (3) لم يرد غير ذلك، ولكنه أيضا فيه غرابة شديدة، لان نكاح ازواج النبي (صلى الله عليه وآله) كان محرما. والمسلمون باجمعهم قائلون بعدم وقوع ذلك منها. (4) مجالس ابن الشيخ: 93.

[242]

بينه وبين عائشة، فقالت لي عائشة، ما وجدت إلا فخذي أو فخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: مه يا عائشة لا تؤذيني في علي، فإنه أخي في الدنيا، وأخي في الآخرة، و هو أمير المؤمنين، يجلسه الله يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة، وأعداءه النار (1). شف: إبراهيم بن محمد الثقفي، عن إسماعيل بن أبان عن صباح المزني، عن جابر، عن إبراهيم، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبيه مثله (2). 7 - ل: الطالقاني، عن الجلودي، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، قال: سمعت جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة (3). أقول: قد مر في أحوال خديجة ما يدل على شقاوتها. 8 - ع: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سليمان عن داود بن النعمان، عن عبد الرحيم القصير قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): أما لو قام قائمنا لقد ردت إليه الحميراء (4) حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة (عليها السلام) منها، قلت: جعلت فداك ولم يجدلها الحد، ؟ قال: لفريتها على ام إبراهيم، قلت: فكيف أخره الله للقائم (عليه السلام) ؟ فقال له: لان (5) الله تبارك وتعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) رحمة، وبعث القائم (عليه السلام) نقمة (6).


(1) مجالس ابن الشيخ: 182. (2) اليقين في امرة امير المؤمنين: 39 لفظ الحديث فيه هكذا: [عن على (عليه السلام) انه دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أبو بكر وعمر فجلس بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعائشة، فقالت: ما وجدت لاستك مجلسا غير فخذي أو فخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال (صلى الله عليه وآله): مهلا لا تؤذيني في اخى فانه امير المؤمنين وسيد المسلمين وامير الغر المحجلين يوم القيامة، يقعده الله على الصراط فيدخل اولياء الجنة واعداء النار] ورواه باسناد آخر في ص 11. (3) الخصال 1: 8 9. والمراد بالمرأة عائشة (4) الحمراء خ ل. ان الله خ ل. (6) علل الشرائع: 193.

[243]

سن: أبي، عن محمد بن سليمان مثله (1). 9 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن محمود بن بنت الاشج، عن أحمد بن عبد الرحمن الذهلي، عن عمار بن الصباح، عن عبد الغفور أبي الصباح الوسطي، عن عبد العزيز بن سعيد الانصاري، عن أبيه عن جده وكانت له صحبة عن ام سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) قالت: حج رسول الله (صلى الله عليه وآله) عام حجة الوداع بأزواجه فكان يأوي في كل يوم وليلة إلى امرأة منهن، وهو حرام يبتغي بذلك العدل بينهن قالت: فلما أن كانت ليلة عائشة ويومها خلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) يناجيه وهما يسيران، فأطال مناجاته فشق ذلك على عائشة فقالت: إني اريد أن أذهب إلى علي فأناله أو قالت: أتناوله بلساني في حبسه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عني، فنهيتها فنصت ناقتها في السير ثم إنها رجعت إلي وهي تبكي، فقلت: مالك ؟ فقالت: إني أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فقلت: يابن أبي طالب ما تزال تحبس عني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تحولي بيني وبين علي، إنه لا يخافه في أحد وإنه لا يبغضه والذي نفسي بيده مؤمن ولا يحبه كافر، ألا إن الحق بعدي مع علي يميل حيث ما مال، لا يفترقان جميعا حتى يردا علي الحوض، قالت ام سلمة: فقلت لها: قد كنت نهيتك فأبيت إلا ما صنعت (2). بيان: نص ناقته بالصاد المهملة: استخرج أقص ما عندها من السير. 10 - شف: من كتاب إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي قال: أخبرنا إسماعيل ابن امية المقري، عن عبد الغفار بن القاسم الانصاري، عن عبد الله بن شريك العامري، عن جندب الازدي، عن علي (عليه السلام)، قال: وحدثنا سفيان بن إبراهيم عن عبد المؤمن بن القاسم، عن عبد الله بن شريك، عن جندب، عن علي (عليه السلام) قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده اناس قبل أن يحجب النساء، فأشار بيده أن اجلس


(1) الحاسن: 339 فيه: [وهو ينتقم لامه] وفيه: [ولم تجلد الحد] وفيه: ويبعث القائم (عليه السلام) نقمة. (2) مجالس ابن الشيخ: 302.

[244]

بيني وبين عائشة، فجلست فقالت: تنح كذا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ماذا تريدين إلى أمير المؤمنين (1) ؟ 11 - شف: محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن عيسى (2) عن إسحاق بن زيد عن عبد الغفار بن القاسم، عن عبد الله بن شريك العامري، عن جندب بن عبد الله البجلي، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل أن يضرب الحجاب وهو في منزل عائشة فجلست بينه وبينها، فقالت: يابن أبي طالب ما وجدت مكان لاستك غير فخذي ؟ امط عني، فضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين كتفيها ثم قال لها: ويك ما تريد من أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين (3). ما: جماعة عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر مثله (4). توضيح: أماط جاء بمعنى بعد، وأبعد، والمراد هنا الاول. 12 - كا: العدة، عن البرقي قال: استأذن ابن ام مكتوم ؟ على النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده عائشة وحفصة، فقال لهما: قوما فادخلا البيت، فقالتا، إنه أعمى، فقال: إن لم يركما فإنكما تريانه (5). 13 - كا: علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة (6) قال: سمعته يقول وسئل عن التزويج في شوال فقال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) تزوج بعائشة في شوال (7). * (ها مش) * (1) اليقين في امرة امير المؤمنين: 39. (2) في المصدر: حدثنا محمد بن جعفر بن الحسن الرزاز أبو العباس قال: حدثنى ابوامى محمد بن عيسى بن جعفر القيسي. (3) اليقين في امرة امير المؤمنين: 174، وقد ذكر روايات اخرى نحوه باسانيد مختلفة و اختلاف في الالفاظ في ص 11 و 42 و 161. راجعه. (4) المجالس والاخبار: 30. (5) فروع الكافي 2: 68. (6) في المصدر: مسعدة بن صدقة عن أبى عبد الله (عليه السلام). (7) فروع الكافي 2: 77. فيه: تزوج عائشة.

[245]

14 - كا: جماعة من أصحابنا، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند عائشة ذات ليلة فقام يتنفل فاستيقظت عائشة فضربت بيدها فلم تجده، فظنت أنه قد قام إلى جاريتها، فقامت تطوف عليه فوطئت على عنقه (1) وهو ساجد باك يقول: " سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء إليك بالنعم، وأعترف لك بالذنب العظيم، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إن لا يغفر الذنب العظيم إلا أنت، أعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، و أعوذ برحتمك من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا أبلغ مدحك والثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أستغفرك وأتوب إليك " فلما انصرف قال: يا عائشة لقد أوجعت عنقي، أي شئ خشيت ؟ أن أقم إلى جاريتك (2) ؟ !. أقول: قد مر بعض أحوال عائشة في باب تزويج خديجة، وفي باب أحوال أولاده (صلى الله عليه وآله) في قصص مارية وأنها قذفها فنزلت فيها آيات الافك، وسيأتي أكثر أحوالها في قصة الجمل. 15 - ووجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت سلمان وأبا ذر والمقداد وسألت علي بن أبي طالب عن ذلك (3) فقال: صدقوا، قالوا: دخل علي (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعائشة قاعدة خلفه، والبيت غاص بأهله، فيهم الخمسة أصحاب الكساء، والخمسة أصحاب الشورى، ولم يجد مكانا فأشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ههنا، يعني خلفه، وعائشة قاعدة خلفه وعليها كساء، فجاء علي (عليه السلام) فقعد بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين عائشة، فغضبت عائشة وأقعت كما يقعي الاعرابي (4) قد قدعته عائشة وغضبت وقالت: ما وجدت لاستك موضعا غير حجري ؟ فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: مه يا حميراء لا تؤذيني في أخي علي، فإنه أمير المؤمنين، وسيد


(1) في المصدر: فوطئت عنقه. (2) فروع الكافي 1: 89. (3) أي ما اقول بعد ذلك (4) اقعى الكلب: جلس على استه.

[246]

المسلمين، وصاحب الغر المحجلين، يوم القيامة يجعله الله على الصراط. وفي رواية اخرى: يقعده الله يوم القيامة على الصراط. فيقاسم النار فيدخل أولياء الجنة، ويدخل أعداءه النار (1). إيضاح: في بعض النسخ " قدعته " بالدال المهملة، والقدع: الكف والمنع وفي بعضها بالمعجمة يقال: قذعه كمنعه: رماه بالفحش وسوء القول، وبالعصا: ضربه. 16 - تقريب المعارف: عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: عزوجل: " إذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا (2) " قال: أسر إليهما امر القبطية وأسر إليهما أن أبا بكر وعمر يليان أمر الامة من بعده ظالمين فاجرين غادرين (3). 17 - الصراط المستقيم: في حديث الحسين بن علوان والديلمي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: " وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا (4) " هي حفصة، قال الصادق (عليه السلام): كفرت في قولها: " من أنبأك هذا " وقال الله فيها وفي اختها: " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما " أي زاغت، والزيغ: الكفر. وفي رواية: إنه أعلم حفصة أن أباها وأبا بكر يليان الامر فأفشت إلى عايشة فأفشت إلى أبيها فأفشى إلى صاحبه، فاجتمعا على أن يستعجلا ذلك على أن يسقياه سما، فلما أخبره الله بفعلهما هم بقتلهما فحلفا له أنهما لم يفعلا، فنزل: يا " أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم " (5). ملحة: قال ناصبي لشيعي: أتحب ام المؤمنين ؟ قال: لا، قال: ولم ؟ قال: يقول النبي (صلى الله عليه وآله): لم تجد امرأة غير امرأتي تحبها ؟ مالي ولزوجة النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ أفترضي أن احب امرأتك ؟.


(1) كتاب سليم بن قيس: 159. (2 و 4) تقدم موضع الاية في صدر الباب. (3) تقريب المعارف: مخطوط لم نظفر على نسخته. (5) التحريم: 7.

[247]

{ 5 باب } * (أحوال عشائره وأقربائه وخدمه ومواليه، لا سيما حمزة) * * (وجعفر والزبير وعباس وعقيل زائدا على) * (ما مر في باب نسبه (صلى الله عليه وآله)) * 1 - قب: كان لعبد المطلب عشرة بنين: الحارث والزبير، وحجل وهو الغيداق، وضرار وهو نوفل، والمقوم، وأبو لهب وهو عبد العزى، وعبد الله و أبو طالب، وحمزة، والعباس وهو أصغرهم سنا، وكانوا من امهات شتى إلا عبد الله وأبو طالب، فإنهما كانا ابني ام، وامهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ، وأعقب منهم البنون أربعة: أبو طالب وعباس والحارث وأبو لهب. وعماته ستة: عاتكة، اميمة البيضاء وهي ام حكيم، صفية وهي ام الزبير، أروى، برة، ويقال: وزيدة، وأسلم من أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس ومن عماته صفية وأروى وعاتكة، وآخرى من مات من أعمامه العباس، ومن عماته صفية. وجدته لابيه فاطمة بنت عمر والمخزومي، وجدته لامه برة بنت عبد العزى ابن عثمان بن عبدالدار. إخوته من الرضاعة: عبد الله وأنيسة. وخدامه أولاد الحارث، وكان له أخ في الجاهلية اسمه الخلاص بن علقمة وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يقرظه، وأخوه ووزيره ووصيه وختنه علي (عليه السلام)، وربيبه هند بن أبي هالة الاسدي من خديجة، وعمر بن أبي سلمة، وزينب اخته من ام سلمة. رفقاؤه: علي وابناه وحمزة وجعفر وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار و

[248]

حذيفة وابن مسعود وبلال وأبو بكر وعمر. كتابه: كان علي (عليه السلام) يكتب أكثر الوحي، ويكتب أيضا غير الوحي، و كان ابي بن كعب وزيد بن ثابت يكتبان الوحي، وكان زيد وعبد الله بن الارقم يكتبان إلى الملوك، وعلاء بن عقبة وعبد الله بن أرقم يكتبان القبالات، والزبير بن العوام وجهم بن (1) الصلت يكتبان الصدقات، وحذيفة يكتب صدقات التمر، وقد كتب له عثمان وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص والمغيرة بن شعبة والحصين بن نمير والعلاء بن الحضرمي وشرحبيل بن حسنة الطانحي وحنظلة بن ربيع الاسيدي وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو الخائن في الكتابة، فلعنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد ارتد، وفي تاريخ البلاذري أنه أنفذ النبي (صلى الله عليه وآله) ابن عباس إلى معاوية ليكتب له، فقال: إنه يأكل، ثم بعث إليه ولم يفرغ من أكله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لا أشبع الله بطنه. حاجبه: أنس بن مالك. مؤذنه: بلال، وهو أول من أذن له، وعمرو بن ام مكتوم، واسم أبيه قيس ؟ ؟، وزياد بن الحارث الصدائي، وأبو محذورة أوس بن مغير (2) كان لا يؤذن إلا في الفجر، وعبد الله بن زيد الانصاري، وأذن له سعيد القرظي في مسجد قبا. مناديه: أبو طلحة. ومن كان يضرب أعناق الكفار بين يديه علي والزبير ومحمد بن مسلمة و عاصم بن الافلح والمقداد. حراسه: سعد بن معاذ، حرسه يوم بدر وهو في العريش، وقد حرسه ذكوان ابن عبد الله، وباحد محمد بن مسلمة، وبالخندق الزبير، وليلة بنى بصفية وهو بخيبر سعد بن أبي وقاص وأبو أيوب الانصاري، وبلال بوادي القرى، وزياد بن أسد


(1) لعل الصحيح: جهيم بن الصلت. (2) في اسد الغابة: اوس بن معير. (*)

[249]

ليلة فتح مكة، وكان سعد بن عبادة يلى حرسه، فلما نزل: " والله يعصمك من الناس (1) " ترك الحرس. ومن قدمهم للصلاة فأمير المؤمنين كان يصلي بالمدينة أيام تبوك، وفي غزوة الطائف وفدك، وسعد بن عبادة على المدينة في الابواء وودان، وسعد بن معاذ في بواط، وزيد بن حارثة في صفوان، وبني المصطلق إلى تمام سبع مرات، وأبا سلمة المخزومي في ذي العشيرة، وأبا لبابة في بدر القتال وبني قينقاع والسويق وعثمان في بني غطفان وذي أمر وذات الرقاع، وابن ام مكتوم في قرقرة الكدر وبني سليم واحد وحمراء الاسد وبني النضير والخندق وبني قريظة وبني لحيان وذي قرد وحجة الوداع والاكيدر، وسباع ابن عرفطة في الحديبية ودومة الجندل وأبا ذر في حنين وعمرة القضا، وابن رواحة في بدر الموعد، ومحمد بن مسلمة ثلاث مرات، وقد قدم عبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبا عبيدة وعائشة بن محصن ومرثد الغنوي. عماله: ولى عمرو بن حزم الانصاري نجران، وزياد بن اسيد حضرموت وخالد بن سعيد بن العاص صنعاء، وأبا امية المخزومي كندة والصدق (2)، و أبا موسى الاشعري زبيد، وزمعة عدن والساحل، ومعاذ بن جبل الجبلة والفضا (3) من أعمال اليمين، وعمرو بن العاص عمان ومعه أبو زيد الانصاري، ويزيد بن أبي سفيان على نجران، وحذيفة (4) وبلالا على صدقات الثمار، وعباد بن بشير الانصاري على صدقات بني المصطلق، والاقرع بن حابس على صدقات بني دارم والزبرقان بن بدر على صدقات عوف، ومالك بن نويرة على صدقات بني يربوع


(1) المائدة: 17. (2) لم نعرف موضعه. ولعله مصحف: [سرف] وهو موضع قرب التميم أو [صدف] وهى قبيلة من حمير. (3) في المصدر: الغضا. وفى القاموس: ارض لبنى كلاب. وراد ؟ بنجد. والفضا: موضع بالمدينة. (4) في القاموس: دبى كعلى، سوق للعرب.

[250]

وعدي بن حاتم على صدقات طئ وأسد، وعيينة بن حصن على صدقات فزارة، و أبا عبيدة بن الجراح على صدقات مزينة وهذيل وكنانة. رسله: بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، وشجاع بن وهب الاسدي إلى الحارث بن شمر (1)، ودحية الكلبي إلى قيصر، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى وعمرو بن امية الضمري إلى النجاشي (2). المشبهون به: جعفر الطيار، والحسن بن علي (3) وقثم بن العباس (4) وأبو سفيان (5) بن الحارث بن عبد المطلب، وهاشم بن (6) عبد المطلب ومسلم بن معتب بن أبي لهب.


(1) في المحبر: إلى جبلة بن الايهم الغساني. اقول: الصحيح: الحارث بن ابى شمر. (2) زاد البغدادي في المحبر: 75 جرير بن عبد الله البجلى إلى ذى الكلاع وذى عمر وإلى اليمن. والعلاء بن الحضرمي إلى اهل البحرين، وعمرو بن العاص السهمى إلى جيفر وعبد ابني الجلندى، وعبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى بن هرمز أقول: وله رسل غيرهم يطول ذكرهم، فمن شاء فليراجع كتبه إلى الملوك وغيرهم. (3) ذكر البغدادي المشبهون به (صلى الله عليه وآله) في المحبر: 46 وفيه: وكانت فاطمة صلوات الله عليها إذا رقصته قالت: وا بأبى شبه ابى * غير شبيه بعلى (4) في المحبر: وكان العباس يرقصه ويقول: ايا بنى يا قثم * ايا شبيه ذى الكرم (5) اسمه مغيرة. (6) لم يذكره البغدادي، واضاف: محمد بن جعفر بن ابى طالب، وعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، والسائب بن عبد زيد بن المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكابس ابن ربيعة بن مالك بن عدى بن الاسود بن حشم بن ربيعة بن الحارث بن سامة بن لؤى، و كان بلغ معاوية ان بالبصرة رجلا يشبه برسول الله (صلى الله عليه وآله) فكتب إلى عامله عبد الله ابن عامر بن كريز ان يوفده إليه فاوفد كابسا، فلما دخل إلى معاوية نزل عن سريره ومشى إليه حتى قبل بين عينيه واقطعه المرغاب انتهى. أقول: يفعل به ذلك، ويقتل الحسن بن على (عليه السلام) شبيه النبي (صلى الله عليه وآله) وريحانته وسيد شباب اهل الجنة، ويحارب اباه أخا الرسول الله (صلى الله عليه وآله) وزوج البتول وابا السبطين الذى كان يحب الله ورسوله و يحبه الله ورسوله. لعن الله الدهاء والمكر.

[251]

من هاجر معه من مكة إلى المدينة: أبو بكر وعامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله ابن اريقط الليثي، وخلف عليا على الودايع، فلما سلمها إلى أصحابها لحق به فخرج إلى الغار، ومنها إلى المدينة وفي رواية أنه أدرك النبي (صلى الله عليه وآله) بقبا. خدامه من الاحرار: أنس وهند وأسماء ابنتا خارجة الاسلمية، وأبو الحمراء وأبو خلف. عيونه: الخزاعي وعبد الله بن حدرد (1). الذي حلق رأسه يوم الحديبية: خراش بن امية الخزاعي، وفي حجته معمر بن عبد الله بن حارثة بن نضر. الذي حجمه: أبو طيبة الذي شرب دم النبي (صلى الله عليه وآله) فخطب في الاشراف، و أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي الذي قال له النبي (صلى الله عليه وآله): إنما أبو هند رجل منكم فأنكحوه وانكحوا إليه، وأبو موسى الاشعري. شعراؤه: كعب بن مالك، قوله: وإني وان عنفتموني لقائل * فدء لرسول الله نفسي وماليا أطعناه لم نعدله فينا بغيره * شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا وله: وفينا رسول الله نتبع أمره * إذا قال فينا القول لا تتطلع (2) تدلى عليه الروح من عند ربه * ينزل من جو السماء ويرفع وعبد الله بن رواحة، قوله: وكذا قد ساد النبي محمد * كل الانام وكان آخر مرسل وحسان بن ثابت قوله:


(1) ذكر البغدادي في المحبر: 285: عينه على اهل بدر وغيره فقال: بسبس بن عمرو ابن ثعلبة الخزرجي، وعدى بن ابى الزغباء من الخزرج، وانس بن فضالة، كان عينه على اصحاب احد، واخوه مويس بن فضالة. (2) في المصدر: لا يتطلع.

[252]

ألم تر أن الله أرسل عبده * ببرهان والله أعلى وأمجد فشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد نبي أتانا بعد يأس وفترة * من الرسل والاوثان في الارض تعبد تعاليت رب العرش من كل فاحش * فإياك نستهدي وإياك نعبد وأمره النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجيب أبا سفيان فقال: ألا أبلغ أبا سفيان عني * مغلغلة وقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا * وعبد الدار سادتها الاماء أتهجوه ولست له بند * فشر كما لخير كما الفداء هجوت محمد برا حنيفا * أمين الله شيمته الوفاء أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء فإن أبي ووالدتي وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء والنابغة الجعدي قوله: أتيت رسول الله إذا جاء بالهدى * ويتلو كتابا كالمجرة نيرا بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا (1) * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أين ؟ قال: الجنة، فقال (صلى الله عليه وآله): أجل. كعب بن زهير: إن الرسول لنور يستضاء به (2) * مهند من سيوف الله مسلول في فتية من قريش قال قائلهم * ببطن مكة لما أسلموا زولوا شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل مهلا هداك الذي أعطاك نافلة * القرآن فيه مواعيظ وتفصيل (3) لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم * أذنب ولو كثرت في الاقاويل


(1) وجدودنا خ ل. أقول: في المصدر: بلغنا السما في مجدنا وسنائنا. (2) لسيف خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) وتفصيل خ ل أقول: في المصدر: مواعيد وتفصيل.

[253]

نبئت أن رسول أودعني * والعفو عند رسول الله مأمول قيس بن صرمة من بني النجار: ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى (1) صديقا مواتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه * فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلما أتاها أظهر الله دينه * فأصبح مسرورا بطيبة راضيا وألقى صديقا واطمأنت به النوى * وكان له عونا من الله باديا يقص لنا ما قال نوح لقومه * وما قال موسى إذا أجاب المناديا ولم يقبل لبيد بعد إسلامه إلا كلمة: زال الشباب فلم أحفل به بالا (2) * وأقبل الشيب بالاسلام إقبالا الحمد لله إذ لم يأتني أجلي * حتى لبست من الاسلام سربالا ابن الزبعرى: يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور إذا جارى الشيطان في سنن * الغي ومن مال ميله مثبور (3) شهد اللحم والعظام بربي * ثم قلبي الشهيد أنت النذير يعتذر من الهجار فأمر له النبي (صلى الله عليه وآله) بحلة. وله: ولقد شهدت بأن دينك صادق * حقا وأنك في العباد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى * مستقبل في الصالحين كريم وله: فالآن أخضع للنبي محمد * بيد مطاوعة وقلب تائب ومحمد أوفى البرية ذمة * وأعن مطلوبا وأظفر طالب هادي العباد إلى الرشاد وقائد * للمؤمنين بضوء نور ثاقب


(1) لو ألفى خ ل. أقول: في المصدر: يذكر من يلقى صديقا مواليا. (2) لم احفل به أي لم اهتم له. (3) الغى انا في ذاك حاسر مثبور خ ل.

[254]

إني رأيتك يا محمد عصمة * للعالمين من العذاب الواصب وامية بن الصلت: وأحمد أرسله ربنا * فعاش الذي عاش لم يهتضم وقد علموا أنه خيرهم * وفي بيته ذي الندى والكرم نبي الهدى طيب صادق * رحيم رؤف بوصل الرحم عطاء من الله أعطيته * وخص به الله أهل الحرم العباس بن مرداس: رأيتك ياخير البرية كلها * نشرت كتابا جاء بالحق معلما سننت لنا فيه الهدى بعد جورنا * عن الحق لما أصبح الحق مظلما ونورت بالبرهان أمرا مدمسا * وأطفأت بالبرهان جمرا تضرما أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجها * ودانت قديما وجهها قد تهدما طفيل الغنوي: فأبصرت الهدى وسمعت قولا * كريما ليس من شجع الانام فصدقت الرسول وهان قوم * علي رموه بالبهت العظام كعب بن نمط: وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفى ذمة من محمد ولا وضعت انثى لاحمد مشبها * من الناس في التقوى ولا في التعبد مالك بن عوف: ما إن رأيت ولا سمعت بواحد * في الناس كلهم شبيه محمد قيس بن بحر الاشجعي: عبد الله بن الحرب الاسهمي: فينا الرسول وفينا الحق نتبعه * حتى الممات ونصر غير محدود (1)


(1) في المصدر: غير مجذوذ. (*)

[255]

أبودهبل الجمحي: إن البيوت معادن فنجاره * ذهب وكل نبوته (1) ضخم عقم النساء فلا يلدن شبيهه * إن النساء بمثله عقم متهلل ينعم (2) بلا متباعد * سيان (3) منه الوفر والعدم بحير بن أبي سلمى: إلى الله وجهي والرسول ومن يقم * إلى الله يوما وجهه لا يخيب وأتى الاعشى مكة فقالت قريش: إن محمدا يحرم الخمر والزنا، فانصرف فسقط عن بعيره ومات، ويقال: إنه قال: نبي يرى مالا يرون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا ومن هاجته ابن الزبعرى السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، و مسافع بن عبد مناف الجمحي، وعمرو بن العاص، وامية بن الصلت الثقفي و أبو سفيان بن أبي حارث، ومن قوله: فأصبحت قد راجعت حلمي وردني * إلى الله من طردت كل مطرد أصد وأنأى جاهدا (4) عن محمد * وادعى وإن لم أنتسب من محمد فضرب النبي (صلى الله عليه وآله) يده في صدره وقال: متى طردتني يابا سفيان ؟ مواليه: سلمان الفارسي، وزيد بن حارثة، وابنه اسامة، وأبو رافع أسلم ويقال: اسمه بندويه العجمي، وهبه العباس وأعتقه النبي (صلى الله عليه وآله) لما بشر بإسلام عباس، وزوجه سلمى فولد له عبيد الله كاتب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبلال الحبشي وصهيب الرومي، وسفينة اسمه مفلح الاسود، ويقال: رومان البلخي، وكان لام سلمة فأعتقته، واشترطت عليه خدمة النبي (صلى الله عليه وآله) وثوبان الحميري، اشتراه النبي (صلى الله عليه وآله) وأعتقه، وبقي في خدمته وخدمة أولاده إلى أيام معاوية، ويسار النوبي اسر في غزوة بني ثعلبة فأعتقه، وهو الذي قتله العرنيون، وشقران و


(1) في المصدر: وكل بيوته. (2) في المصدر: نعم. (3 شتان خ ل. (4) في المصدر: جاهلا.

[256]

اسمه صالح بن عدي الحبشي، ورثه عن أبيه، ويقال: هو من أولاد دهاقين الري ومدعم الجشعمي (1) وهو هدية فروة بنت عمر والجذامي، وأبو مويهبة من مولدي مزينة، أعتقه النبي (صلى الله عليه وآله)، وأبو كبشة واسمه سليم من مولدي أرض دوس أو مكة فاشتراه وأعتقه، مات في أول يوم من جلوس عمر، وأبو بكرة واسمه نفيع تدلى من الحصن على بكرة ونزل من حصن الطائف إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فانعتق، وأبو أيمن واسمه رباح وكان أسود، وكان يستأذن على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم صيره مكان يسار حين قتل، وأبو لبابة القرظي اشتراه النبي (صلى الله عليه وآله) فأعتقه، وفضالة وهبه رفاعة بن زيد الجذامي وقتل بوادي القرى، وأنيسة (2) بن كردى من العجم قتل في بدر، و قيل: توفي في أيام أبي بكر، وكركرة اهدي له فأعتقه، ويقال: مات وهو مملوك، وأبو ضمرة كان مما أفاء الله عليه من العرب وهو أبو ضميرة، ويقال: اشترته ام سلمة للنبي (صلى الله عليه وآله) فأعتقه، ويقال: هو روح بن شير زاد من ولد كشتاسف (3) الملك، ونبيه (4) من مولدي السراة، وأسلم الاصفر الرومي، والحبشة الحبشي وماهر كان المقوقس أهداه إليه، وأبو ثابت، وأبو نيرز (5) أبو سلمى وأبو عسيب، و أبو رافع الاصغر، وأبو لقيط، وأبو البشر، ومهران، وعبيد، وأفلح، ورفيع، و يسار الاكبر. إماؤه: حارثة بنت شمعون أهداها له ملك الحبشة، سلمى ورضوى، وام أيمن اسمها بركة، وأسلمة، وآنسة، وأبو مويهبة (6) وقيل: هما من مواليه، وكان له خصى يقال له: مابورا (7).


(1) في المصدر: الخثعمي. (2) في المصدر: [انبسة] وفى اسد الغابة: أنسة. (3) في المصدر: كشتاسب. (4) في اسد الغابة: نبية، وقيل: النبية بالالف واللام وضم النون وقيل: بالفتح. (5) في المصدر: ابونيزر. (6) في المصدر: [مويهبة] وعده ابن الاثير في اسد الغابة في الرجال وقال: ابومويهبة. (7) مناقب آل أبى طالب 1: 137 و 140 - 149.

[257]

بيان: منهم من جعل أعمامه اثني عشر، بجعل الغيداق والحجل اثنين، و زيادة قثم وعبد الكعبة، فعبدالله ثالث عشرهم كذا في جامع الاصول، ومن جعلهم عشرة أسقط عبدالكعبة وقال: هو المقوم، وجعل الغيداق وحجلا واحدا، ومن جعلهم تسعة أسقط قثم، ولم أر من ذكر من عماته سوى الست، والغيداق بفتح الغين المعجمة والدال المهملة، والمقوم بضم الميم وفتح القاف والواو المشددة وضرار بالكسر والتخفيف، وقثم بضم القاف وفتح الثاء المثلثة، وحجل بفتح حاء المهلة وسكون الجيم، وصحح ابن عبد البر بتقديم الجيم على الحاء، وبرة بفتح الباء وتشديد الراء، وأنيسة كانت تعرف بالشيماء وهي التي كانت تحضن النبي (صلى الله عليه وآله)، والتقريظ: مدح الانسان وهو حي بحق أو باطل، وذكر الاكثر لام سلمة من أبي سلمة أربعة أولاد: زينب ولدت بأرض الحبشة، ثم سلمة وعمر ودرة، والعوام كشداد، وأبو محذورة بالحاء المهملة والدال المعجمة، قيل: اسمه سمرة بن مغير (1) وقيل: أوس بن مغير، وقيل: سليمان (2) بن سمرة. و قيل: سلمة بن مغير، ورجح ابن عبد البر (3) أنه أوس (4) ومغير بكسر الميم و سكون الغين المعجمة وفتح الياء المثناة التحتانية، وودان: موضع قرب الابواء قوله: إلى تمام سبع مرات، أي استخلف زيدا على المدينة في سبع غزوات، وقيل: إنه خرج في سبع سرايا. وعمرو ابن ام مكتوم قال بعضهم: استخلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث عشرة مرة في غزواته على المدينة وكان ضريرا، وفي الاستيعاب (5) أن سباع ابن عرفطة استعمله (صلى الله عليه وآله) على المدينة حين خرج إلى خيبر، وإلى دومة الجندل وأبو طيبة صححه الاكثر بالطاء المهملة، ثم الياء المثناة التحتانية، ثم الباء


(1) في اسد الغابة: [معير] وكذا فيما يأتي، وقال ضبطه بعضهم: [معين] بضم الميم وتشديد الياء، وآخره نون، والاكثر يقولون: معير، بكسر الميم وسكون العين وآخر راء. (2) في اسد الغابة: سلمان بن معير. (3) راجع الاستيعاب 4: 176. (4) زاد في اسد الغابة على اسمه في قول: معير بن محيريز. (5) الاستيعاب 2: 126.

[258]

الموحدة، وكان حجاما، واسمه نافع، وقيل: دينار، وقيل: ميسرة، وهو مولى محيصة بن مسعود الانصاري، وقوله: فخطب في الاشراف، أي صار ذلك سببا لشرفه حتى خطب في الاشراف وزوجوه. قوله: لا تتطلع أي لا ننتظر ولا نستكشف وقوعه وحقيته لعلمنا بمحض قوله، أو لا نعترض عليه كقولهم: عافى الله من لم يتطلع في فمك، أي لم يتعقب كلامك. وقال الجوهري: الغلغلة: سرعة السير، والمغلغلة: الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد. وقال: برح الخفاء، أي وضح الامر كأنه ذهب الستر وزال. و قال: الند بالكسر: المثل والنظير. والنابغة: قيس بن عبد الله، وقيل: حيان بن قيس وابن (1) عبد البر روى أولا: بلعنا السماء مجدنا وسناؤنا. ثم قال: وفي رواية: علونا على طر العباد تكرما * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا ثم قال: وفي ساير الروايات: مجدنا وجدودنا. وفي النهاية: الشمم: ارتفاع قصبة الانف، واستواء أعلاها وإشراف الارنبة قليلا، ومنه قصيدة كعب: " شم العرانين أبطال لبوسهم " شم جمع أشم، والعرانين: الانوف، و هو كناية عن الرفعة والعلو وشرف الانفس، ومنه قولهم للمتكبر المتعالي: شمخ بأنفه. قوله: نافا ؟، أي زائدة، والوشاة بالضم جمع الواشي، يقال: وشى به إلى السلطان، أي نم وسعى. وثوى بالمكان: أطال الاقامة به، فلما أتاها: الضمير لطيبة. وفي الصحاح: النوى: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، وهي مؤنثة لا غير، واستقرت نواهم: أقاموا.


(1) الاستيعاب 4: 554.

[259]

والبور بالضم: الفاسد والهالك لا خير فيه، ويكون للواحد والجمع. و دمس الظلام: اشتد، ودمسه في الارض: دفنه، كدمسه، والموضع: درس، و على الخبر: كتمه. ودان يدون: ضعف وصار دونا خسيسا، ودان يدين: خضع وذل. وتهدمت الناقة: اشتدت ضيعتها: وتلعثم: تمكث وتوقف وتأنى، أو نكص عنه وتبصره، والنجار بالكسر والضم: الاصل والحسب. وقال الجوهري: اختلفوا في قول الاعشى: أغار الخ، قال الاصمعي: أغار بمعنى أسرع وأنجد، أي ارتفع، ولم يرد أتى الغور ولا نجدا، وليس عنده في إتيان الغور إلا غار، وزعم الفراء أنها لغة، واحتج بهذا البيت، وناس يقولون أغار وأنجد، فإذا أفردوا قالوا: غار، كما قالوا: هناني الطعام ومرأني، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني، والتغوير: إتيان الغور. وقال ابن عبد البر: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من الشعراء المطبوعين، وكان سبق له هجاء في رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإياه عارض حسان بقوله: ألا أبلغ أبا سفيان الخ. ثم أسلم فحسن إسلامه فيقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حياء منه، وقال علي (عليه السلام) له: ائت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: " تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (1) " فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولا منه، ففعل ذلك أبو سفيان فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (2). أقول: ثم ذكر أبياتا منه في الاعتذار، منها: هداني هاد غير نفسي ودلني * على الله من طردته كل مطرد أصد وأنأى جاهلا عن محمد * وأدعى وإن لم أنتسب من محمد ثم قال: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبه وشهد له بالجنة انتهى (3).


(1) يوسف: 91. (2) يوسف: 92. (3) الاستيعاب 4: 83.

[260]

ومدعم بكسر الميم وفتح العين. وكركرة بفتح الكافين وكسرهما. و أبو ضميرة قيل اسمه: سعد، وقيل: روح بن سعد، وقيل: ابن شير زاد (1)، و المشهور أنه كان من العرب فأعتقه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكتب له كتابا يوصي به، و هو بيد ولده، قيل: وقدم حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة بكتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالايصاء بآل ضميرة وولده على المهدي، فوضعه على عينيه ووصله بمال كثير (2). وأسلم، ذكروا أنه كان حبشيا أسود مملوكا ليهودي فأسلم، وقاتل فقتل وأبو سلمى اثنان: أحدهما راعي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقيل: هما واحد. وأبو رافع اسمه أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت، ولم أر وصفه بما ذكر في كتبهم. والمشهور أن آنسة وأبا مويهبة من الموالي من الرجال، وكون الاخير من الموليات أو الاماء في غاية البعد. 2 - عم: كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تسعة أعمام هم بنو عبد - المطلب: الحارث، والزبير، وأبو طالب، والغيداق، والضرار، والمقوم وابو لهب - واسمه: عبد العزى - والعباس ولم يعقب منهم إلا أربعة. الحارث و أبو طالب، والعباس، وأبو لهب، فأما الحارث فهو أكبر ولد عبد المطلب، وبه كان يكنى، وشهد معه حفر زمزم، وولده أبو سفيان، والمغيرة، ونوفل، وربيعة وعبد شمس، أما أبو سفيان فأسلم عام الفتح ولم يعقب، وأما نوفل فكان أسن من حمزة والعباس، وأسلم أيام الخندق وله عقب، وأما عبد شمس فسماه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الله، وعقبه بالشام، وأما أبو طالب عم النبي (صلى الله عليه وآله) فكان مع أبيه (3) عبد الله ابني ام، وامهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، و اسمه عبد مناف، له أربعة أولاد ذكور: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، ومن


(1) في اسد الغابة: روح بن سندر، وقيل: روح بن شير زاد. وقال بعد ذكر الكتاب: وهو اسناد لا يقوم به حجة. (2) في اسد الغابة: بثلاثمائة دينار. (2) في المصدر: مع اخيه.

[261]

الاناث ام هاني، واسمها فاخته وجمانة، امهم جميعا فاطمة بنت أسد، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وأعقبوا إلا طالبا، وتوفي قبل أن يهاجر النبي (صلى الله عليه وآله) بثلاث سنين، ولم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممنوعا من الاذى بمكة، موقى له حتى توفي أبو طالب، فنبت به مكة ولم يستقر له بها دعوة حتى جاءه جبرئيل (عليه السلام) فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول لك: اخرج من مكة فقد مات ناصرك، ولما قبض أبو طالب أتى علي رسول الله (عليهما السلام) فأعلمه بموته، فقال له: امض يا علي فتول غسله وتكفينه وتحنيطه، فإذا رفعته على سريره فأعلمني، ففعل ذلك، فلما رفعه على السرير اعترضه النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم، فلقد ربيت وكفلت صغيرا، ووازرت ونصرت كبيرا (1) ثم أقبل على الناس وقال: أما والله لاشفعن لعمي شفاعة يعجب لها أهل الثقلين. وأما العباس فكان يكنى أبا الفضل، وكانت له السقاية وزمزم، وأسلم يوم البدر، واستقبل النبي (صلى الله عليه وآله) عام الفتح بالابواء، وكان معه حين فتح وبه ختمت الهجرة، ومات بالمدينة في أيام عثمان، وقد كف بصره، وكان له من الولد تسعة ذكور، وثلاث اناث: عبد الله، وعبيدالله، والفضل، وقثم، ومعبد، وعبد الرحمن وام حبيب امهم لبابة بنت الفضل بن الحارث الهلالية اخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه، وتمام، وكثير، والحارث وآمنة وصفية، لامهات أولاد شتى، وأما أبو لهب فولده عتبة وعتيبة (2) ومعتب، وامهم ام جميل بنت حرب اخت أبي سفيان حمالة الحطب، وكانت عماته (صلى الله عليه وآله) ستا من امهات شتى، وهن اميمة، وام حكيمة، وبرة، وعاتكة، وصفية، وأروى، وكانت اميمة عند جحش بن رباب الاسدي، وكانت ام حكيمة وهي البيضاء عند كريز بن ربيعة


(1) وكان أبو طالب يخفى ايمانه عن قومه، ليتيسر له الدفاع عن البنى (صلى الله عليه وآله) وان كانت اشعاره تنادى بالايمان بالله وبرسالته، وكان قوله النبي (صلى الله عليه وآله) هذا اشارة إلى ايمانه، وانه كان عونا ووزيرا في اداء رسالته. (2) زاد في المصدر: وعقبة. (*)

[262]

ابن حبيب بن عبد شمس، وكانت برة عند عبد الاسد بن هلال المخزومي، فولدت له أبا سلمة الذي كان تزوج ام سلمة، وكانت عاتكة عند أبي امية بن المغيرة المخزومي، وكانت صفية عند الحارث بن حرب بن امية، ثم خلف عليها العوام بن خويلد فولدت له الزبير، وكانت أروى عند عمير بن عبد العزى بن قصي، ولم يسلم منهن غير صفية، وقيل: أسلم منهن ثلاث: صفية، وأروى وعاتكة. ذكر قراباته من جهة امه من الرضاعة، لم يكن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قرابة من جهة امه إلا من الرضاعة، فإن امه آمنة بنت وهب لم يكن لها أخ ولا اخت فيكون خالا له أو خالة إلا أن بني زهرة يقولون: نحن أخواله، لان آمنة منهم ولم يكن لابويه عبد الله وآمنة ولد غيره، فيكون له أخ أو اخت من النسب، و كان له خالة من الرضاعة يقال لها: سلمى وهي اخت حليمة بنت أبي ذؤيب، له أخوان من الرضاعة: عبد الله بن الحارث وأنيسة بن الحارث، أبوهما الحارث بن عبد العزى بن سعد بن بكر بن هوزان، فهما أخواه من الرضاعة. ذكر مواليه ومولياته وجواريه: أما مواليه فزيد بن حارثة، وكان لخديجة اشتراه لها حكيم بن حزام بسوق عكاظ بأربع مائة درهم، فوهبته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن تزوجها فأعتقه فزوجه ام أيمن فولدت له اسامة وتبناه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان يدعى زيد بن رسول الله حتى أنزل الله تعالى: " ادعوهم لآبائهم (1) " وأبو رافع واسمه أسلم، وكان للعباس فوهبه له، فلما أسلم العباس بشر أبو رافع النبي (صلى الله عليه وآله) بإسلامه فأعتقه، وزوجه سلمى مولاته، فولدت له عبيد الله بن أبي رافع، فلم يزل كاتبا لعلي أيام خلافته، وسفينة واسمه رباح، اشتراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعتقه، و ثوبان يكنى أبا عبد الله من حمير أصابه سبي فاشتراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعتقه، ويسار وكان عبدا نوبيا أعتقه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقتله العرنيون الذين أغاروا على لقاح رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وشقران واسمه صالح، وأبو كبشة واسمه سليمان، وأبو ضميرة أعتقه وكتب له كتابا فهو في يد ولده، ومدعم أصابه سهم في وادي القرى فمات، و


(1) الاحزاب: 5.

[263]

أبو مويهبة، وأنيسة، وفضالة، وطهمان، وأبو أيمن، وأبو هند، وأنجشة، وهو الذي قال فيه (صلى الله عليه وآله): " رويدك يا أنجشة رفقا بالقوارير " وصالح، وأبو سلمى، و أبوعسيب، وعبيد، وأفلح، ورويفع، وأبو لقيط، وأبو رافع الاصغر، ويسار الاكبر، وكركره، أهداه هوذة بن علي الحنفي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأعتقه، و رباح، وأبو لبابة، وأبو اليسر، وله عقب. وأما مولياته فإن المقوقس صاحب الاسكندرية أهدى إليه جاريتين: إحداهما مارية القبطية ولدت له إبراهيم وماتت بعده بخمس سنين سنة ست عشر، ووهب الاخرى لحسان بن ثابت، وام أيمن حاضنة النبي (صلى الله عليه وآله) وكانت سوداء، ورثها عن امه، وكان اسمها بركة، فأعتقها وزوجها عبيد الخزرجي بمكة فولدت له أيمن، فمات زوجها فزوجها النبي (صلى الله عليه وآله) من زيد فولدت له اسامة أسود يشبهها فاسامة وأيمن أخوان لام، وريحانة بنت شمعون غنهما من بني قريظة. وأما خدمه من الاحرار فأنس بن مالك، وهند وأسماء ابنتا خارجة الاسلميتان (1). بيان: نبا بفلان منزله: إذا لم يوافقه، وفي النهاية: في حديث أنجشة رويدك رفقا بالقوارير، أي امهل وتأن، وهو تصغير رود يقال: رودبه، اروادا، ويقال: رويد زيد، ورويدك زيدا، وهي مصدر مضاف، وقد يكون صفة نحو ساروا سيرا رويدا، وحالا نحو ساروا رويدا، وهي من أسماء الافعال المتعدية، وأراد بالقوارير النساء، شبههن بالقوارير من الزجاج، لانه يسرع إليها الكسر، وكان أبخشة يحدو وينشد القريض والرجز، فلم يؤمن أن يصيبهن أو يقع في قلوبهن حداؤه فأمره بالكف عن ذلك، وفي المثل: الغناء رقية الزنا، وقيل: أراد أن الابل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت، فأزعجت الراكب وأتبعته، فنهاه عن ذلك، لان النساء يضعفن عن شدة الحركة. 3 - كا: العدة، عن سهل، عن جعفر بن محمد الاشعري، عن ابن القداح


(1) اعلام الورى: 88 - 90 (ط 1) و 151 - 154.

[264]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله إن عثمان يصوم النهار ويقوم الليل، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) مغضبا يحمل نعليه حتى جاء إلى عثمان فوجده يصلي، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: يا عثمان لم يرسلني الله بالرهبانية، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة، أصوم واصلي وألمس أهلي، فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح (1). 4 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل عثمان بن مظعون بعد موته (2). 5 - كا: العدة (3) عن سهل، عن جعفر بن محمد، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمع النبي (صلى الله عليه وآله) امرأة حين مات عثمان بن مظعون وهي تقول: هنيئا لك يا أبا السائب الجنة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): وما علمك ؟ حسبك أن تقولي: كان يحب الله عزوجل ورسوله، فلمات مات إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هملت عين رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالدموع، ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله): تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، ثم رأى النبي (صلى الله عليه وآله) في قبره خللا فسواه بيده، ثم قال: إذا عمل أحدكم عملا فليتقن، ثم قال: الحق بسلفك الصالح عثمان بن مظعون (4). 6 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن العلا بن رزين، عن موسى ابن بكر، عن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أذن ابن ام مكتوم لصلاة الغداة ومر رجل برسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يتسحر، فدعاه أن يأكل معه، فقال: يا رسول الله قد أذن المؤذن للفجر، فقال: إن هذا ابن ام مكتوم وهو يؤذن بليل، فإذا


(1) فروع الكافي 2: 56 و 57. (2) فروع الكافي 1: 45. (3) تقدم في باب احوال ابراهيم متنا وسندا. (4) فروع الكافي 1: 72 و 73.

[265]

أذن بلال فعند ذلك فأمسك (1). 7 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخيط الابيض من الخيط الاسود، فقال: بياض النهار من سواد الليل، قال: وكان بلال يؤذن للنبي (صلى الله عليه وآله)، وابن ام مكتوم، وكان أعمى يؤذن بليل، ويؤذن بلال حين يطلع الفجر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام والشراب فقد أصبحتم (2). 8 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن المثنى، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أرأيت ام أيمن فإني أشهد أنها من أهل الجنة وما كانت تعرف ما أنتم عليه (3). 9 - كا: العدة، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) زوج المقداد بن الاسود ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ثم قال: إنما زوجتها (4) المقداد لتتضع المناكح، و لتتأسوا (5) بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولتعلموا أن أكرمكم عند الله أتقاكم (6) وكان الزبير أخا عبد الله وأبي طالب لابيهما وامهما (7). 10 - كا: محمد بن يحيى، عن ابني عيسى، وعلي، عن أبيه معا، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما أرادت قريش قتل النبي (صلى الله عليه وآله) قالت: كيف لنا بأبي لهب ؟ فقالت ام جميل: أنا أكفيكموه، أنا أقول له: إني إن تقعد (8) اليوم في البيت نصطبح، فلما أن كان من الغد وتهيأ المشركون للنبي (صلى الله عليه وآله) قعد أبو لهب وام جميل (9) يشربان، فدعا أبو طالب عليا (عليه السلام) فقال


(1 و 2) فروع الكافي 1: 190. (3) اصول الكافي 2: 405. وللحديث صدر تركه المصنف. (4) زوجها خ ل. (5) وليتأسوا خ ل. أقول: في المصدر: ليتأسوا برسول الله. (6) وليعلموا ان اكرمهم عند الله اتقاهم. (7) فروع الكافي 2: 9 و 10. (8) في المصدر: انى احب ان تقعد. (9) في المصدر: وامرأته.

[266]

له: يا بني اذهب إلى عمك أبي لهب فاستفتح عليه، فإن فتح لك فادخل، وإن لم يفتح لك فتحامل على الباب واكسره وادخل عليه، فإذا دخلت عليه فقل له: يقول لك أبي: إن امرءا عمه عينة في القوم ليس بذليل، قال: فذهب أمير المؤمنين (عليه السلام) فوجد الباب مغلقا فاستفتح فلم يفتح له فتحامل على الباب فكسره ودخل فلما رآه أبو لهب قال له: مالك يا ابن أخي ؟ فقال له (1): أبي يقول لك إن امرءا عمه عينه في القوم ليس بذليل فقال: له: صدق أبوك فما ذاك يا ابن أخي ؟ فقال له: يقتل ابن أخيك وأنت تأكل وتشرب، فوثب فأخذ سيفه فتعلقت به ام جميل فرفع يده ولطم وجهها لطمة ففقأ عينها فماتت وهي عوراء وخرج أبو لهب ومعه السيف، فلما رأته قريش عرفت الغضب في وجهه فقالت: مالك يا أبا لهب ؟ فقال: ابايعكم على ابن أخي ثم تريدون قتله ؟ واللات والعزى لقد هممت أن أسلم ثم ترون ما أصنع فاعتذروا إليه ورجع (2). بيان: اصطبح، أي يشرب صبوحا. قوله: عمه عينه، المراد بالعم أبو لهب أو نفسه، والاول أطهر، والمراد بالعين السيد أو الرقيب أو الحافظ، والحاصل أن من كان عمه مثلك سيد القوم وزعيمهم لا ينبغي أن يكون ذليلا بينهم وكأنه كان مكان عينه أبو عتبة أو أبو عتيبة، فإنه كان يكنى بأبي عتبة وأبي عتيبة وأبي معتب اسماء أبنائه، ووجدت في ديوان أبي طالب أنه بعث إليه هذه الابيات: وإن امرء أبو عتيبة عمه * لفي معزل من أن يسام المظالما أقول له وأين منه نصيحتي * أبا معتب ثبت سوادك قائما إلى آخر ما سيأتي في باب أحوال أبي طالب رضي الله عنه. 11 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن إسماعيل بن مهران جميعا، عن سيف بن عميرة، عن عبد الله بن مسكان، عن عمار بن حيان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) في المصدر: فقال له: ان أبى. (2) روضة الكافي: 276 و 277 فيه: ثم تنظرون ما اصنع

[267]

قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتته اخته له من الرضاعة، فلما نظر إليها سر بها وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها، ثم أقبل يحدثها ويضحك في وجهها، ثم قامت فذهبت فجاء أخوها (1) فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل له: يا رسول الله صنعت باخته ما لم تصنع به وهو رجل ؟ فقال: لانها كانت أبر بوالديها منه (2). 12 - من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام): روى الشارح أن عثمان (1) كان قبل الهجرة في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى ما يلقى سائر الصحابة من الاذى خرج من جواره ليكون اسوة لهم، فقرأ في ذلك المجلس لبيد بن المغيرة: ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل فصدق عثمان المصراع الاول، وأنكر الثاني، ووقع التشاجر بينهم فلطم شاب من القريش عثمان فاصيب بإحدى عينيه، فقال له الوليد: يابن أخ كانت عينك عما أصابها لغنية، وكنت في ذمة منيعة، فقال عثمان: والله ان عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب اختها في الله، ثم أنشد: فإن تك عيني في رضا الرب نالها * يدا ملحد في الدين ليس بمهتدي فقد عوض الرحمن منها ثوابه * ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد وإني وإن قلتم غوي مضلل * سفيه غلى دين الرسول محمد اريد بذاك الله والحق ديننا * على رغم من يبغي علينا ويعتدي فمهلا بني فهر فلا تنطقوا الخنا * فتستوخموا غب الاحاديث (4) في غد وتدعوا بويل في الجحيم وأنتم * لدى مقعد في ملتقى النار موصد إذا دعوتم بالشراب سقيتم * حميما وماء آجنا لم يبرد فأنشد أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه الابيات غضبا له، وقيل: إن هذا أول شعر أنشده، شعر:


(1) في المصدر: وذهبت وجاء اخوها. (2) اصول الكافي 2: 161. (3) أي عثمان بن مظعون. (4) استوخمه: وجده وخيما. غب الاحاديث: فاسدها.

[268]

أمن تذكر قوم غير ملعون * أصبحت متكئبا تبكي كمحزون أمن تذكر أقوام ذوي سفه * يغشون بالظلم من يدعو إلى الدين لا ينتهون عن الفحشاء ما امروا * والغدر فيهم سبيل غير مأمون (1) ألا يرون أقل الله خيرهم * أنا غضبنا لعثمان بن مظعون إذ يلطمون ولا يخشون مقلته * طعنا دراكا وضربا غير موهون فسوف نجزيهم إن لم نمت عجلا * كيلا بكيل جزاء غير مغبون أو ينتهون عن الامر الذي وقفوا * فيه ويرضون منا بعد بالدون (2) ونمنع الضيم من يرجوه ضيمتنا * بكل مطرد في الكف مسنون ومرهفات كأن الملح خالطها * يشفى بها الداء من هام المجانين (3) حتى يقر رحال لا حلوم لهم (4) * بعد الصعوبة بالاسماح واللين أو يؤمنوا بكتاب منزل عجب * على نبي كموسى أو كذي النون يأتي بأمر جلي غير ذي عوج * كما تبين في آيات ياسين (5) بيان: لعل وصفهم بغير ملعون للتقية والمصلحة، أو للتعرض، والخطاب مع النفس، والمقلة: شحمة العين التي تجمع السواد والبياض. والدراك: المتتابع. والهضيمة: الظلم. واطرد الشئ: تبع بعضه بعضا، وجرى، وسننت السكين: أحددته. 13 - كا: العدة، عن سهل، عن أحمد بن هلال، عن زرعة، عن سماعة قال: تعرض رجل من ولد عمر بن الخطاب لجارية رجل عقيلي فقالت له: إن هذا العمري قد آذاني، فقال لها: عديه وادخليه الدهليز، فأدخلته فشد عليه فقتله، وألقاه في الطريق، فاجتمع البكريون والعمريون والعثمانيون وقالوا: ما لصحابنا


(1) في المصدر: والغدر منهم. (29 في المصدر: بالدين. (3) في المصدر: نشفي. (4) في المصدر: حتى تقر رجال. (5) الديوان المنسوب إلى امير المؤمنين (عليه السلام): 140. (*)

[269]

كفو، لن نقتل به إلا جعفر بن محمد، وما قتل صاحبنا غيره، وكان أبو عبد الله (عليه السلام) قد مضى نحو قبا، فلقيته بما اجتمع القوم عليه فقال دعهم، فلما جاء ورأوه وثبوا عليه وقالوا: ما قتل صاحبنا أحد غيرك، ولا نقتل (1) به أحدا غيرك، فقال: ليكلمني منكم جماعة، فاعتزل قوم منهم فأخذ بأيديهم وأدخلهم المسجد، فخرجوا وهم يقولون: شيخنا أبو عبد الله جعفر بن محمد معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا، ولا يأمر به فانصرفوا (2) قال: فمضيت معه فقلت: جعلت فداك ما كان أقرب رضاهم من سخطهم قال: نعم دعوتهم فقلت: أمسكوا وإلا أخرجت الصحيفة، فقلت: ما هذه الصحيفة جعلني الله فداك ؟ فقال: إن ام الخطاب كانت أمة للزبير بن عبد المطلب فسطر بها نفيل فأحبلها، فطلبه الزبير فخرج هاربا إلى الطائف. فخرج الزبير خلفه فبصرت به ثقيف فقالوا: يا أبا عبد الله ما تعمل هيهنا ؟ قال: جاريتي سطر بها نفيلكم، فهرب منه إلى الشام وخرج الزبير في تجارة له إلى الشام فدخل على ملك الدومة (3) فقال له: يابا عبد الله لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك أيها الملك، فقال: رجل (4) من أهلك قد أخذت ولده فأحب أن ترده عليه، فقال: ليظهر لي حتى أعرفه، فلما أن كان من الغد دخل الملك فلما رآه الملك ضحك قال: ما يضحكك أيها الملك ؟ قال: من أظن هذا الرجل ولدته عربية، لما رآك قد دخلت لم يملك إسته أن جعل يضرط، فقال: أيها الملك إذا صرت إلى مكة قضيت حاجتك، فلما قدم الزبير تحمل عليه ببطون قريش كلها أن يدفع إليه ابنه فأبى، ثم تحمل عليه بعبد المطلب فقال: ما بيني وبينه عمل، أما علمتم ما فعل في ابني فلان ؟ ولكن امضوا أنتم إليه فكلموه فقصدوه وكلموه، فقال لهم الزبير: إن الشيطان له دولة، وإن ابن هذا ابن الشيطان ولست آمن أن يتراءس علينا و لكن ادخلوه من باب المسجد علي على أن أحمي له حديدة وأخط في وجهه خطوطا وأكت عليه وعلى ابنه أن لا يتصدر في مجلس، ولا يتأمر على أولادنا، ولا يضرب


(1) في المصدر: وما نقتل. (2) في المصدر: انصرفوا. (3) أي دومة الجندل. (4) اراد به نفيلا.

[270]

معنا بسهم قال: ففعلوا وخط وجهه بالحديدة، وكتب عليه الكتاب، وذلك الكتاب عندنا فقلت لهم: إن أمسكتم وإلا أخرجت الكتاب ففيه فضيحتكم فأمسكوا. وتوفي مولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يخلف وارثا فخاصم فيه ولد العباس أبا عبد الله (عليه السلام)، وكان هشام بن عبد الملك قد حج في تلك السنة، فجلس لهم فقال داود بن علي: الولاء لنا، وقال أبو عبد الله (عليه السلام) بل الولاء لي، فقال داود بن علي: إن أباك قاتل معاوية، فقال: إن كان قاتل أبي معاوية (1) فقد كان حظ أبيك فيه الاوفر، ثم فر بجنايته (2) وقال: والله لاطوقنك غدا طوق الحمامة، فقال (3) داود بن علي: كلامك هذا أهون علي من بعرة في وادي الارزق، فقال: أما إنه وادليس لك ولا لابيك فيه حق، قال: فقال هشام: إذا كان غدا جلست لكم، فلما أن كان من الغد خرج أبو عبد الله (عليه السلام) ومعه كتاب في كرباسة، وجلس لهم هشام فوضع أبو عبد الله (عليه السلام) الكتاب بين يديه، فلما أن (4) قرأ قال: ادعوا لي جندل الخزاعي وعكاشة الضمري (5) وكانا شيخين قد أدركا الجاهلية، فرمى بالكتاب إليهما فقال: تعرفان هذه الخطوط ؟ قالا: نعم، هذا خط العاص بن امية، وهذا خط فلان وفلان لقوم فلان من قريش (6) وهذا خط حرب بن امية، فقال هشام: يا أبا عبد الله أرى خطوط أجدادي عندكم ؟ فقال: نعم، قال قد قضيت بالولاء لك قال: فخرج وهو يقول: إن عادت العقرب عدنالها * وكانت النعل لها حاضرة قال: فقلت: ما هذا الكتاب جعلت فداك ؟ قال: إن نثيلة كانت أمة لام الزبير ولابي طالب وعبد الله. فأخذها عبد المطلب فأولدها فلانا، فقال له الزبير: هذه الجارية ورثناها من امنا، وابنك هذا عبد لنا، فتحمل عليه ببطون قريش


(1) في المصدر: ان كان ابى قاتل معاوية. (2) بجناحيه خ ل. أقول: في المصدر: بخيانته. (3) في المصدر: فقال له داود بن على. (4) في المصدر: فلما ان قرأه. (5) في المصدر: الضميرى. (6) في المصدر: وهذا خط فلان وفلان لفلان من قريش.

[271]

قال: فقال له: قد أجبتك على خلة على أن لا يتصدر ابنك هذا في مجلس، ولا يضرب معنا في سهم (1) فكتب عليه كتابا وأشهد عليه، فهو هذا الكتاب (2). بيان: فشد عليه، أي حمل عليه، قوله: فسطر بالسين المهملة، أي زخرف لها الكلام وخدعها، قال الجزري، سطر فلانا على فلان: إذا زخرف له الاقاويل ونمقها، وفي بعض النسخ بالشين المعجمة، قال الفيروز آبادي: شطر شطره، أي قصد قصده، قوله: تحمل عليه، أي كلفهم الشفاعة عند الزبير ليدفع إليه الخطاب ثم إنه لما يئس من تأثير شفاعتهم ذهب إلى عبد المطلب ليتحمل عليه عبد المطلب مضافا إلى بطون قريش. قوله: عمل، أي معاملة والفة، قوله: في ابني فلان، يعني العباس، وأشار بذلك إلى ما سيأتي في آخر الخبر، قوله: ولكن امضوا، يعني نفيلا مع بطون قريش، قوله: أن لا يتصدر، أي لا يجلس في صدر المجلس. قوله: ولا يضرب معنا بسهم أي لا يشترك معنا في قسمة ميراث ولا غيره. قوله (عليه السلام): فقد كان حظ أبيك، أي جدك عبد الله بن العباس فيه الاوفر، أي خذ حظا وافرا من غنائم تلك الغزوة، وكان من أعوانه (عليه السلام) عليها، قوله: ثم فر بجنايته، إشارة إلى ما سيأتي من خيانة عبد الله في بيت مال البصرة (3) وفراره إلى الحجاز. قوله (عليه السلام): طوق الحمامة: أي طوقا لازما لا يفارقك عاره. قوله: أما إنه واد ليس لك، أي وإلا ادعيت بعرة تلك الوادي وأخذتها ولم تتركها، ويحتمل أن يكون اسما لواد كانت المنازعة فيها، فأجاب (عليه السلام) عن سفهه بكلام حق مفيد في الحجاج. قوله: فأولدها فلانا، يعني العباس، قال الحارث بن سعيد التغلبي في قصيدته الميمية التي مدح بها أهل البيت (عليهم السلام) يخاطب بني العباس في أبيات: ولا لجدكم مسعاة جدهم * ولا نثيلتكم من امهم أمم وقيل: كانت نثيلة بنت كليب بن مالك بن حباب، وكانت تعان في الجاهلية قوله (عليه السلام): فأخذها عبد المطلب، الظاهر أنه كان أخذها برضا مولاتها، أو كان


(1) في المصدر: ولا يضرب معنا بسهم. (2) روضة الكافي: 258 و 260. (3) وكان مبلغه الفى ألف درهم.

[272]

قومها على نفسه ولاية بعد موت ام الزبير، وإنما كانت منازعة زبير لجهله، إذ جلالة عبد المطلب ووصايته تمنع نسبة الذنب إليه. 14 - نهج: في كتاب كتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية: إن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين، ولكل فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل: سيد الشهداء، وخصه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه، أولا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل، حتى إذا فعل بواحدنا كما فعل (1) بواحدهم قيل: الطيار في الجنة، وذو الجناحين. وساق (عليه السلام) كلام إلى أن قال: منا أسد الله، ومنكم أسد الاحلاف (2). 15 - فس: نزلت النبوة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين، وأسلم علي (عليه السلام) يوم الثلثاء، ثم أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم دخل أبو طالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يصلي وعلي بجنبه وكان مع أبي طالب جعفر، فقال له أبو طالب: صل جناح ابن عمك، فوقف جعفر على يسار رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بينهما، فكان يصلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة إلى أن أنزل (3) الله عليه. " اصدع بما تؤمر " الآية (4). 16 - ع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر الخزاز عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أوحى الله عزوجل إلى رسوله: أني شكرت لجعفر بن أبي طالب أربع خصال، فدعاه النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره فقال: لولا أن الله تبارك وتعالى أخبرك ما أخبرتك، ما شربت خمرا قط، لاني علمت أني إن شربتها زال عقلي، وما كذبت قط لان الكذب


(1) في المصدر: ما فعل. (2) نهج البلاغة 2: 32 و 33 أقول: اسد الله حمزة، واسد الحلاف أبو سفيان، لانه حزب الاحزاب وحالفهم على قتال النبي (صلى الله عليه وآله) في غزوة الخندق وغيرها. (3) في المصدر: فلما اتى لذلك سنتين انزل الله عليه. (4) تفسير القمى: 353 والاية في سورة الحجر: 94 وفيه: فاصدع.

[273]

ينقص (1) المروة، وما زنيت قط لاني خفت أني إذا عملت عمل بي، وما عبدت صنما قط، لاني علمت أنه لا يضر ولا ينفع، قال فضرب النبي (صلى الله عليه وآله) يده على عاتقه وقال: حق الله (2) عزوجل أن يجعل لك جناحين تطير بهما مع الملائكة في الجنة (3). لى: أبي، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن عمه عبد الله بن الصلت عن يونس بن عبد الرحمن، عن عمرو بن شمر مثله (4). 17 - ما: المفيد، عن إسماعيل بن يحيى، عن محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن إسماعيل الصواري، عن أبي الصلت الهروي، عن الحسين الاشفر (5) عن قيس بن الربيع، عن الاعمش، عن عباية بن ربعي، عن أبي أيوب الانصاري عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لفاطمة: شهيدنا أفضل الشهداء وهو عمك، ومنا من جعل الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة وهو ابن عمك الخبر (6) ل: الطالقاني، عن الحسن بن علي العدوي، عن عمر بن المختار، عن يحيى الحماني، عن قيس بن الربيع مثله (7). أقول: قد مرت الاخبار الكثيرة في باب الركبان يوم القيامة، وسيأتي في أبواب فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال النبي (صلى الله عليه وآله): من الركبان يوم القيامة عمي حمزة أسد الله وأسد رسوله على ناقتي العضباء. 18 - ن: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) كبر على حمزة خمس تكبيرات، وكبر على الشهداء بعد حمزة خمس تكبيرات، فلحق حمزة سبعون تكبيرة (8).


(1) ينقض خ ل. (2) على الله خ ل. (3) علل الشرائع: 187. (4) امالي الصدوق: 46. (5) في الاصل [الاشعر] بغير الاعاجم، ولعل الصحيح: الاشقر، وهو الحسين بن الحسن الفزارى أبو عبد الله الاشقر الكوفى المتوفى 28. (6) امالي ابن الشيخ: 95 و 96. (7) الخصال 2: 41. (8) عيون الاخبار: 210.

[274]

19 - ن: بإسناد التميمي عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: خير إخواني علي، وخير أعمامي حمزة، والعباس صنوا أبي (1). 20 - لى: العطار، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن الاصم، عن عبد الله البطل، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وهو آخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يقول: يا معشر الانصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد المطلب، أنا محمد، أنا رسول الله، ألا إني خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي أنا، و علي، وحمزة، وجعفر، الخبر (2). 21 - لى: الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن يونس، عن ابن أسباط، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن ثابت بن أبي صفية قال: نظر علي ابن الحسين سيد العابدين صلى الله عليه إلى عبيدالله بن عباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فاستعبر ثم قال: ما من يوم أشد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من يوم احد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم موته، قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب، ثم قال (عليه السلام): ولا يوم كيوم الحسين صلى الله عليه ازدلف إليه (3) ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الامة، كل يتقرب إلى الله عزوجل بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا ثم قال (عليه السلام): رحم الله العباس فلقد آثرو أبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله الله عزوجل بهما جناحين، يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة (4). ل: مثله مع اختصار (5).


(1) عيون الاخبار: 222. (2) امالي الصدوق: 124. (3) في المصدر: ازدلف عليه. (4) امالي الصدوق: 277. (5) الخصال: 1: 37.

[275]

22 - لى: الطالقاني، عن إسماعيل بن إبراهيم الحلواني، عن أحمد بن منصور، عن هدبة بن عبد الوهاب، عن سعد بن عبد الحميد، عن عبد الله بن زياد اليماني، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنة: رسول الله، وحمزة سيد الشهداء، وجعفر ذو الجناحين، وعلي وفاطمة والحسن والحسين والمهدي (1). أقول: سيأتي بعض فضائل جعفر في باب فضائل أبي طالب (عليهما السلام). 23 - لى: ابن المغيرة، عن جده، عن جده، عن السكوني، عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أحب إخواني إلي علي بن أبي طالب وأحب أعمامي إلي حمزة (2). 24 - ب: محمد بن عيسى، عن القداح، عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): منا سبعة خلقهم الله عزوجل لم يخلق في الارض مثلهم الوصيين، وسبطاه خير الاسباط: حسنا وحسينا، وسيد الشهداء حمزة عمه، ومن طار مع الملائكة جعفر، والقائم (عليه السلام) (3). 25 - الاستيعاب: روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: حمزة سيد الشهداء، وروي: خير الشهداء، ولولا أن تجده (4) صفية لتركت دفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع، وكان قد مثل به وبأصحابه يومئذ (5). قال: وكان جعفر بن أبي طالب أشبه الناس خلقا وخلقا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان جعفر أكبر من علي بعشر سنين، وكان عقيل أكبر من جعفر بعشر سنين


(1) أمالى الصدوق: 284 و 285. (2) امالي الصدوق: 330. (3) قرب الاسناد: 13 و 14. (4) في المصدر: [ولو لا ان تجد صفية] اقول: وجده: اصابه، ووجد له: حزن. (5) الاستيعاب 1: 273. (*)

[276]

وكان طالب أكبر من عقيل بعشر سنين، وكان جعفر من المهاجرين الاولين هاجر إلى أرض الحبشة، وقد منها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين فتح خيبر، فتلقاه النبي (صلى الله عليه وآله) واعتنقه، وقال: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا، بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ؟ وكان قدومه وأصحابه من أرض الحبشة في السنة السابعة من الهجرة واختط له رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جنب المسجد، ثم غزا غزوة موتة في سنة ثمان من الهجرة وقاتل فيها حتى قطعت يداه جميعا، ثم قتل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء " فمن هنالك قيل له: جعفر ذو الجناحين. وعن سالم بن أبي الجعد قال: اري رسول الله (صلى الله عليه وآله) في النوم جعفر بن أبي طالب ذا جناحين مضرجا بالدم. وعن ابن عمر قال: وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة، ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح، ولما أتى النبي (صلى الله عليه وآله) نعي جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها في زوجها جعفر، ودخلت فاطمة وهي تبكى و تقول: واعماه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): على مثل جعفر فلتبك البواكي. وعن علي (عليه السلام) إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي يا جعفر وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): دخلت البارحة الجنة فإذا فيها جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة مع أصحابه (1). 26 - فس: الحسن (2) بن علي، عن أبيه، عن الحسن بن سعيد، عن الحسين ابن علوان، عن علي بن الحسين (3) العبدي، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة السعدي، عن حذيفة بن اليمان إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن ألهي اختارني في


(1) الاستيعاب 1: 211 - 213. (2) الحسين خ ل. (3) على بن الحسن خ ل.

[277]

ثلاثة من أهل بيتي، وأنا سيد الثلاثة وأتقاهم لله ولا فخر، اختارني، وعليا و جعفرا ابني أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب، كنا رقودا بالابطح ليس منا إلا مسجى بثوبه على وجهه، علي بن أبي طالب عن يميني، وجعفر بن أبي طالب عن يساري، وحمزة بن عبد المطلب عند رجلي، فما نبهني عن رقدتي غير حفيف (1) أجنحة الملائكة، وبرد ذراع علي بن أبي طالب (عليه السلام) في صدري، فانتبهت إلى رقدتي، وجبرئيل في ثلاثة أملاك يقول له أحد الاملاك الثلاثة: يا جبرئيل إلى أي هؤلاء الاربعة ارسلت ؟ فرفسني (2) برجله، فقال: إلى هذا، قال: ومن هذا ؟ يستفهمه، فقال: هذا محمد سيد النبيين (صلى الله عليه وآله)، وهذا علي بن أبي طالب سيد الوصيين، وهذا جعفر بن أبي طالب له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة، وهذا حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء (عليه السلام) (3). 27 - ما: بإسناده عن إبراهيم بن صالح، عن زيد بن الحسن، عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذكر نحوه (4)، وقد مر في باب المبعث (5). 28 - فس: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه في قوله: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " ألا يفروا أبدا " فمنهم من قضى نحبه " أي أجله وهو حمزة وجعفر بن أبي طالب " ومنهم من ينتظر " أجله (6) يعني عليا (عليه السلام) يقول الله: " وما بدلوا تبديلا " الآية (7). 29 - فس: " إنك لا تهدي من أحببت " قال: نزلت في أبي طالب، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: " يا عم لا إله إلا الله (8) أنفعك بها يوم القيامة "


(1) الحفيف: الصوت. (2) أي ضربني برجله. (3) تفسير القمى: 662. (4) مجالس الشيخ: 89. (5) راجع بحار الانوار 18: 193. (6) في المصدر: أي اجله. (7) تفسير القمى: 527. والاية في الاحزاب: 23. (8) في المصدر المطبوع: [قل: لا اله الا الله بالجهر]: أخذه القمى من تفاسير العامة، وهذا مزعمتهم في ابى طالب شيخ الابطح، واما الشيعة الامامية فمجمعون على انه آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وروايات اهل بيت العصمة ناطقة بذلك، واشعاره مصرحة به

[278]

فيقول: يا ابن أخ أنا أعلم بنفسى مات شهد العباس بن عبد المطلب عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه تكلم بها عند الموت (1) فقال رسول الله صلى الله عليه أما أنا فلم أسمعها منه وأرجو أن أنفعه يوم القيامة، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو قمت المقام المحمود لشفعت في أبي وامي وعمي وأخ كان لي مؤاخيا في الجاهلية (2). 30 - فس: " اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير قال: نزلت في علي وحمزة وجعفر، ثم جرت (3). 31 - ل: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن سهل، عن اللؤلؤي، عن علي ابن حفص العيسي، عن الصلت بن العلا، عن أبي الحزور، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خلق الناس من شجر شتى، وخلقت أنا وابن أبي طالب من شجرة واحدة، أصلي علي، وفرعي جعفر (4). 32 - كتاب الطرف للسيد ابن طاووس قدس الله روحه نقلا من كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد عن موسى بن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: لما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة وحضر (5) خروجه إلى بدر دعا الناس إلى البيعة فبايع كلهم على السمع والطاعة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخلا دعا عليا فأخبره من يفي منهم ومن لا يفي، ويسأله كتمان ذلك، ثم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا و حمزة وفاطمة (عليهم السلام) فقال لهم: بايعوني بيعة الرضا، فقال حمزة: بأبي أنت وامي على ما نبايع ؟ أليس قد بايعنا ؟ فقال: يا أسد الله وأسد رسوله تبايع لله ولرسوله بالوفاء والاستقامة لابن أخيك إذن تستكمل الايمان، قال: نعم سمعا وطاعة، و بسط يده، فقال لهم: يد الله فوق أيديكم (6) علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وحمزة سيد


(1) في المصدر المطبوع: تكلم بها باعلى صوته عند الموت. (2) تفسير القمى: 490. والاية في سورة القصص: 56. (3) تفسير المقمي: 440 والاية في الحج: 39. (4) الخصال 1: 13. (5) في المصدر: لما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة اجتمع الناس وسكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحضر. (6) في المصدر: ثم قال لهم يد الله فوق ايديهم.

[279]

الشهداء وجعفر الطيار في الجنة وفاطمة سيدة نساء العالمين والسبطان: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، هذا شرط من الله على جميع المسلمين من الجن والانس أجمعين، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما، ثم قرأ: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله (1) " قال: ولما كانت الليلة التي اصيب حمزة في يومها دعا به رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا حمزة يا عم رسول الله، يوشك أن تغيب غيبة بعيدة، فما تقول لو وردت على الله تبارك و تعالى، وسألك عن شرائع الاسلام وشروط الايمان ؟ فبكى حمزة وقال: بأبي أنت وامي ارشدني وفهمني، فقال: يا حمزة تشهد أن لا إله إلا الله مخلصا، وأني رسول الله تعالى بالحق (2) قال حمزة: شهدت، قال: وأن الجنة حق، وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الصراط حق، والميزان حق، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وفريق في الجنة، وفريق في السعير، وأن عليا أمير المؤمنين، قال حمزة: شهدت وأقررت وآمنت وصدقت وقال: الائمة من ذريته الحسن والحسين، وفي ذريته (3) قال حمزة: آمنت و صدقت، وقال: فاطمة سيده نساء العالمين (4) قال: نعم صدقت، وقال: حمزة سيد الشهداء وأسد الله وأسد رسوله وعم نبيه، فبكى (5) حتى سقط على وجهه وجعل يقبل عيني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال: جعفر ابن أخيك طيار في الجنة مع الملائكة، وأن محمد وآله خير البرية تؤمن يا حمزة بسرهم وعلانيتهم وظاهرهم وباطنهم، وتحيى على ذلك وتموت، توالي من والا هم، وتعادي من عاداهم قال: نعم يا رسول الله، أشهد الله واشهدك وكفى بالله شهيدا، فقال رسول الله


(1) في المصدر: [يبايعون الله يد الله فوق ايديهم] اقول: الاية في سورة الفتح: 10. (2) في المصدر: وانى رسول الله بعثنى بالحق. (3) في المصدر: وفى ذرية ولده. (4) في المصدر: سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين. (5) في المصدر: فبكى حمزة وقال: نعم صدقت وبررت يا رسول الله وبكى حمزة حتى سقط.

[280]

(صلى الله عليه وآله): سددك الله ووفقك (1). 33 - ل: محمد بن علي بن الشاة، عن إبراهيم بن عبد الله الوراق، عن يحيى ابن المستفاد، عن يزيد بن سلمة النميري، عن عيسى بن يونس، عن زكريا بن أبي زائدة، عن زاذان، عن زر بن حبيش قال: سمعت محمد بن الحنفية رضي الله عنه يقول: فينا ست خصال لم تكن في أحد ممن كان قبلنا، ولا تكون في أحد بعدنا: منا محمد سيد المرسلين، وعلي سيد الوصيين، وحمزة سيد الشهداء، والحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة، وجعفر بن أبي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، ومهدي هذه الامة الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم (2). 34 - ج، ل: في احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على أهل الشورى: نشدتكم بالله هل فيكم أحد له أخل مثل أخي جعفر المزين بالجناحين في الجنة، يحل فيها حيث يشاء، غيري ؟ قالوا: اللهم لا، قال: انشدتكم هل فيكم أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء، غيري ؟ قالوا: اللهم لا (3). 35 - ير: أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن بن بكير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: على قائمة العرش مكتوب: حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء، الخبر (4). 36 - ك: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن حماد، عن ابن اذينة عن أبان بن أبي عياش، وإبراهيم بن عمر، عن سليم بن قيس، عن سلمان قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة: شهيدنا سيد الشهداء، وهو حمزة بن عبد المطلب، وهو عم أبيك، قالت: يا رسول الله وهو سيد الشهداء الذين قتلوا معك ؟ قال: لا بل سيد شهداء الاولين والآخرين، ما خلا الانبياء والاوصياء، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار في الجنة مع الملائكة (5).


(1) الطرف: 8 - 10. (2) الخصال 1: 155. (3) الاحتجاج: 72. الخصال 2: 120. (4) بصائر الدرجات: 34. (5) اكمال الدين: 153.

[281]

أقول: تمامه في باب إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بمظلومية أهل بيته عليهم السلام. 37 - م: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه ليرى يوم القيامة إلى جانب الصراط عالم كثير من الناس لا يعرف عددهم إلا الله تعالى، هم كانوا محبي حمزة، وكثير منهم أصحاب الذنوب والآثام، فتحول حيطان بينهم وبين سلوك الصراط والعبور إلى الجنة، فيقولون: يا حمزة قد ترى ما نحن فيه، فيقول حمزة لرسول الله ولعلي ابن أبي طالب: قد تريان أوليائي يستغيثون بي، فيقول محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي ولي الله (عليه السلام): يا علي أعن عمك على إغاثة أوليائه، واستنقاذهم من النار، فيأتي علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الرمح الذي كان يقاتل به حمزة أعداء الله في الدنيا فيناوله إياه ويقول: يا عم رسول الله، ويا عم أخي رسول الله ذد الجحيم بالرمي عن أوليائك برمحك هذا، كما كنت تذود به عن أولياء الله في الدنيا أعداء الله فيناول حمزة الرمح بيده فيضع زجه في حيطان النار الحائلة بين أوليائه وبين العبور إلى الجنة على الصراط، ويدفعها دفعة فينحيها مسيرة خمسمائة عام، ثم يقول لاوليائه والمحبين الذين كانوا له في الدنيا: اعبروا، فيعبرون على الصراط آمنين سالمين قد انزاحت عنهم النيران، وبعدت عنهم الاهوال، ويردون الجنة غانمين ظافرين (1). 38 - كا: العدة، عن سهل، عن البزنطي، عن مثنى بن الوليد، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: صلى رسول الله على حمزة سبعين صلاة (2). 39 - كا: علي، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن إسماعيل بن جابر و زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمه حمزة في ثيابه بدمائه التي اصيب فيها، ورداه النبي (صلى الله عليه وآله) بردائه (3) فقصر عن رجليه، فدعا له بأذخر فطرحه عليه، فصلى عليه سبعين صلاة، وكبر عليه سبعين تكبيرة (4).


(1) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري (عليه السلام): 176. (2) فروع الكافي 1: 51 في نسخة: سبعين تكبيرة. (3) في المصدر: برداء. (4) فروع الكافي 1: 58. (*)

[282]

40 - فر: علي بن محمد الزهري معنعنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: " الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ": علي والحسن والحسين وجعفر وحمزة (عليهم السلام) (1). 41 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن علي بن الحزور الغنوي، عن أصبغ بن نباتة الحنظلي قال: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم افتتح البصرة وركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: " يا أيها الناس ألا اخبركم بخير الخلق يوم يجمعهم الله ؟ " فقام إليه أبو أيوب الانصاري فقال: بلى يا أمير المؤمنين حدثنا فإنك كنت تشهد ونغيب (2) فقال: " إن خير الخلق يوم يجمعهم الله سبعة من ولد عبد المطلب، لا ينكر فضلهم إلا كافر، ولا يجحد به إلا جاحد " فقام عمار بن ياسر رحمه الله فقال: يا أمير المؤمنين سمهم لنا لنعرفهم، فقال: إن خير الخلق يوم يجمعهم الله الرسل، وإن أفضل الرسل محمد وإن أفضل كل امة بعد نبيها وصي نبيها حتى يدركه نبي، ألا وإن أفضل الاوصياء وصي محمد (صلى الله عليه وآله)، ألا وإن أفضل الخلق بعد الاوصياء الشهداء، ألا وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب، له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة، لم ينحل (3) أحد من هذه الامة جناحان غيره، شئ كرم الله به محمدا (صلى الله عليه وآله) وشرفه، والسبطان: الحسن والحسين، والمهدي (عليه السلام) يجعله الله من يشاء منا أهل البيت، ثم تلا هذه الآية: " ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (4) ". 42 - ما: جماعة عن أبي المفضل بإسناده إلى أبي الطفيل قال: قال علي (عليه السلام) يوم الشورى: فانشدكم الله (5) هل فيكم أحد له مثل عمي حمزة أسد الله


(1) تفسير فرات: 99 والاية في الحج: 40. (2) وتغيب خ ل. (3) أي لم يعط احد. (4) اصول الكافي 1: 450. والاية في سورة النساء: 9 و 70. (5) في المصدر: فانشدكم بالله في الموضعين.

[283]

وأسد رسوله ؟ قالوا: اللهم لا، قال: فانشدكم الله هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر ذي الجناحين مضرج بالدماء الطيار في الجنة، قالوا: اللهم لا. الخبر (1). 43 - ما: بإسناده عن الصادق عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: قال الحسن بن علي (عليهما السلام) فيما احتج على معاوية وكان ممن استجاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) عمه حمزة و ابن عمه جعفر، فقتلا شهيدين رضي الله عنهما في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجعل الله تعالى حمزة سيد الشهداء من بينهم، وجعل لجعفر جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء من بينهم، وذلك لمكانهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله) و منزلتهما وقرابتهما منه (صلى الله عليه وآله) وصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على حمزة سبعين صلاة من بين الشهداء الذين استشهدوا معه الخبر (2). بيان: لعل الجناح في الجسد المثالي، ولا يبعد الاصلي أيضا. 44 - فر: الحسين بن سعيد معنعنا عن ابن عباس في قوله تعالى " من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت " قال نزلت في بني هاشم، منهم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث، وفيهم نزلت: " ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه (3) ". 45 - كا: العدة، عن البرقي، عن البزنطي، عن صفوان بن مهران، عن عامر بن السمط، عن حبيب بن أبي ثابت، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: لم يدخل الجنة حمية غير حمية حمزة بن عبد المطلب، وذلك حين أسلم غضبا للنبي (صلى الله عليه وآله) في حديث السلى الذي القي على النبي (صلى الله عليه وآله) (4). بيان: لم يدخل على بناء الافعال، ويحتمل المجرد فالاسناد مجازي. 46 - دعوات الراوندي: عن ابن عباس قال: قال لي النبي (صلى الله عليه وآله): رأيت


(1) مجالس الطوسى: 7. (2) مجالس الطوسى: 7. (3) تفسير فرات: 118. والايتان في سورة العنكبوت: 5 و 6. (4) اصول الكافي 2: 308.

[284]

فيما يرى النائم عمي حمزة بن عبد المطلب وأخي جعفر بن أبي طالب وبين أيديهما طبق من نبق (1) فأكلا ساعة فتحول العنب لهما رطبا، فأكلا ساعة فدنوت منهما و قلت: بأبي أنتما أي الاعمال وجدتما أفضل ؟ قالا: فديناك بالآباء والامهات وجدنا أفضل الاعمال الصلاة عليك، وسقي الماء، وحب علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2). أقول: قد مضى كثير من فضائل حمزة وجعفر وعبيدة رضي الله عنهم في باب غزوة بدر، وباب غزوة احد، وباب غزوة موتة، وسيأتي في أبواب الجنائز. 47 - ج: عن إسحاق بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة يعتذر فيها عن القعود عن قتال من تقدم عليه قال: وذهب من كنت أعتضد بهم على دين الله من أهل بيتي، وبقيت بين خفيرتين (3) قريبي عهد بجاهلية: عقيل وعباس (4). بيان: الخفير، المجار، والمجير، والمراد هنا الاول، أي اللذين اسرا فاجيرا من القتل، فصارا من الطلقاء، فلسا كالمهاجرين الاولين، كما كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض كتبه إلى معاوية: " ليس المهاجر كالطليق " وفي كتاب آخر إليه: ما للطلقاء وأبناء الطلقاء، والتميز بين المهاجرين الاولين ؟. 48 - ب: اليقطيني، عن القداح، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال أتى (5) النبي (صلى الله عليه وآله) بمال دراهم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) للعباس، يا عباس أبسط رداءك وخذ من هذا المال طرفا، فبسط رداءه فأخذ منه طائفة، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عباس هذا من الذي قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (6) ".


(1) النبق: حمل شجر الصدر. (2) دعوات الراوندي: مخطوط. (3) خفيرين خ ل. (4) الاحتجاج: 101. (5) في المصدر: اوتى. (6) قرب الاسناد: 12. والاية في سورة الانفال: 70.

[285]

49 - شى: عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) في قوله تعالى: " ولا ينفعكم نصحي إن اريد أن أنصح لكم " قال: نزلت في العباس (1). 50 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن محمد بن سليمان، عن نصر، عن شريك عن إسماعيل المكي، عن سليمان الاحول، عن أبي رافع قال: بعث النبي (صلى الله عليه وآله) عمر ساعيا على الصداقة، فأتى العباس يطلب صدقة ماله، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) وذكر ذلك (2) فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): يا عمر أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه، إن العباس أسلفنا صدقة للعام عام أول (3). بيان: قال في النهاية: في حديث العباس فإن عم الرجل صنو أبيه، وفي رواية: العباس صنو أبي، وفي رواية: صنوي، الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد، وهو مثل أبي أو مثلي. 51 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن الحسن بن محمد بن اشكاب (4)، عن أبيه، عن علي بن حفص، عن أيوب بن (5) سيار، عن محمد بن الكندر، عن جابر ابن عبد الله الانصاري قال: أقبل العباس ذات يوم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان العباس طوالا حسن الجسم، فلما رآه النبي (صلى الله عليه وآله) تبسم إليه، فقال: إنك يا عم لجميل، فقال العباس: ما الجمال بالرجل يا رسول الله ؟ قال: بصواب القول بالحق قال: فما الكمال ؟ قال: تقوى الله عزوجل وحسن الخلق (6). 52 - ما: ابن (7) بسران، عن محمد بن عمرو البختري، عن سعدان بن نصر عن سفيان بن عيينة، عن عمر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لما كان العباس


(1) تفسير العياشي 2: 144 والاية في سورة هود: 34 أقول: ولعل المراد ان الاية ينطبق نزولها على العباس ايضا، وانه كان قبل ان يؤمن. (2) في المصدر: وذكر ذلك له. (3) امالي ابن الشيخ: 156. (6) في المصدر: اسكاف. (5) في نسخة من المصدر: ايوب بن يسار. (7) في المصدر: ابن بشران.

[286]

بالمدينة وطلب الانصار ثوبا يكسونه فلم يجدوا قميصا يصلح عليه إلا قميص عبد الله ابن ابي فسكوه إياه (1). 53 - ما: بإسناد أخي دعبل عن الرضا عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): احفظوني في عمي العباس فإنه بقية آبائي (2). 54 - ما: أبو عمرو، عن أحمد بن يوسف الجعفي، عن محمد بن إسحاق، عن الحسن بن محمد الليثي قال: حدثني أبو جعفر المنصور، عن أبيه، عن جده عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من آذى العباس فقد آذاني، إنما عم الرجل صنو أبيه (3). 55 - ن: باسناد التميمي عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي وفاطمة والحسن والحسين والعباس بن عبد المطلب وعقيل: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم. قال الصدوق رحمه الله: ذكر العباس وعقيل غريب في هذا الحديث لم أسمعه إلا عن محمد بن عمر الجعابي في هذا الحديث (4). 56 - ن: وبهذا الاسناد عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: خير إخواني علي، وخير أعمامي حمزة، والعباس صنو أبي (5). 57 - قب: أنشد العباس في النبي (صلى الله عليه وآله): من قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق ثم هبط البلاد لا بشر * أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق


(1) امالي ابن الشيخ: 251. (2) امالي ابن الشيخ: 231. (3) امالي ابن الشيخ: 171 و 172. (4) عيون اخبار الرضا: 220. (5) عيون اخبار الرضا: 222.

[287]

حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرفت الار * ض وضاءت بنورك الافق فنحن في ذلك الضياء وفي * النور وسبل الرشاد نخترق فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يفضض الله فاك (1). بيان: من قبلها، قال في النهاية: أي من قبل نزولك إلى الارض، فكنى عنها، ولم يتقدم لها ذكر البيان المعنى، أي كنت طيبا في صلب آدم حيث كان في الجنة، وقال في الفائق: أراد بالظلال ظلال الجنة، يعني كونه في صلب آدم نطفة حين كان في الجنة، والمستودع: المكان الذي جعل فيه آدم وحواء من الجنة واستودعاه يخصف الورق: عنى به قوله تعالى: " وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة (2) " والخصف: أن تضم الشئ إلى الشي وتشكه معه. وأراد بالسفين سفينة نوح (عليه السلام). ونسر: صنم لقوم نوح. الصالب: الصلب. والطبق: القرن من الناس وفي النهاية: يقول: إذا مضى قرن بدا قرن، وقيل للقرن: طبق لانهم طبق للارض ثم ينقرضون، ويأتي طبق آخر. وقال: حتى احتوى بيتك، أراد شرفه فجعله في أعلى خندف بيتا. والمهيمن: الشاهد، أي الشاهد بفضلك، وفي الفائق: أراد ببيته شرفه، والمهيمن نعته، أي حتى احتوى شرفك الشاهد على فضلك أفضل مكان وأرفعه من نسب خندف. وفي النهاية: خندف لقب ليلى بنت عمران بن الحاف بن قضاعة سميت بها القبيلة. وقال: علياء: اسم للمكان المرتفع كاليفاع (3)، وليست بتأنيث الاعلى، لانها جاءت منكرة، وفعلى (4) أفعل يلزمها التعريف. والنطق جمع نطاق، وهي أعراض


(1) مناقب آل ابى طالب 1: 27. (2) الاعراف: 22. وطه: 121. (3) في المصدر: كالبقاع. (4) في المصدر: وفعلاء.

[288]

من جبال بعضها فوق بعض، أي نواح وأوساط منها، شبهت بالنطق التي تشد بها أوساط الناس، ضربه له مثلا في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته، وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال. وفي الفائق: يقال: ضاء القمر والسراج يضوء، نحو ساء يسوء و أنث الافق ذهابا إلى الناحية، كما أنث الاعرابي الكتاب على تأويل الصحيفة أو لانه أراد افق السماء فاجري مجرى ذهبت بعض أصابعه، أو أراد الآفاق، أو جمع افقا على أفق كما جمع فلك على فلك. وفي القاموس: اخترق: مر، ومخترق الرياح: مهبها. وفي النهاية والفائق: في حديث العباس أنه قال: يا رسول الله إني امتدحتك وفي الفائق إني اريد أن أمتدحتك فقال: قل، لا يفضض الله فاك، فأنشده الابيات القافية، في النهاية: أي لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا يسقط الله أسنان فيك فحذف المضاف، يقال: فضه: إذا كسره، وفي الفائق: والفم يقام مقام الاسنان يقال: سقط فم فلان. 58 - لى: ابن إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن محمد بن الحسين بن زيد، عن محمد بن زياد، عن زياد بن المنذر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله إنك لتحب عقيلا ؟ قال: إي والله، إني لاحبه حبين: حبا له، وحبا لحب أبي طالب له، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقربون، ثم بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي (1). 59 - فس: أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزلت في علي والعباس وشيبة، قال العباس، أنا أفضل لان سقاية الحاج بيدي، وقال شيبة: أنا أفضل لان حجابة البيت بيدي، وقال علي: أنا أفضل فإني آمنت قبلكما، ثم هاجرت وجاهدت، فرضوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) (2)


(1) امالي الصدوق: 78. (2) تفسير القمى: 260، والايات في سورة التوبة: 19 - 22.

[289]

فأنزل الله: " أجلعتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله " إلى قوله: إن الله عنده أجر عظيم. 60 - فس: أبي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: جاء العباس إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال: انطلق نبايع لك الناس، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أتراهم فاعلون ؟ قال: نعم، قال: فأين قول الله: " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم " أي اختبرناهم " فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (1) ". 61 - فس أبي، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى أبي علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال له: إن ابن عباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت و فيمن نزلت فقال أبي (عليه السلام): سله في من نزلت: " ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (2) " ؟ وفيمن نزلت: " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم " (3) وفيمن نزلت: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا (4) " فأتاه الرجل فسأله فقال: وددت أن الذي أمرك بهذا واجهني به فأسأله عن العرش ممن خلقه الله، ومتى خلق، وكم هو، وكيف هو ؟ فانصرف الرجل إلى أبي (عليه السلام) فقال أبي (عليه السلام): فهل أجابك بالآيات ؟ قال: لا قال أبي: لكن اجيبك فيها بعلم ونور غير المدعى ولا المنتحل أما قوله: " ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا " ففيه نزل وفي ؟ أبيه وأما قوله: " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم " ففي أبيه نزلت، وأما الاخرى ففي ابنه نزلت وفينا، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به، وسيكون ذلك من نسلنا المرابط (5)


(1) تفسير القمى: 494 والايات في العنكبوت 1 - 3. (2) الاسراء: 72. (3) هود: 34. (4) آل عمران: 200. (5) المرابطة خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[290]

ومن نسله المرابط. الخبر (1). 62 - الاستيعاب لابن عبد البر: روى ابن عباس وأنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحط أهل المدينة استسقى بالعباس، قال أبو عمر: وكان سبب ذلك أن الارض أجدبت إحدابا شديدا على عهد عمر سنة سبع عشرة، فقال كعب: إن بني إسرائيل كانوا إذا قحطوا وأصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة (2) الانبياء، فقال عمر: هذا عم النبي (صلى الله عليه وآله) وصنو أبيه وسيد بني هاشم، فمضى إليه عمر فشكى إليه ما فيه الناس ثم صعد المنبر ومعه العباس فقال: اللهم إنا قد توجهنا إليك بعم نبينا وصنو أبيه فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ثم قال: يا أبا الفضل قم فادع الله فقام العباس فقال بعد حمد الله والثناء عليه: " اللهم إن عندك سحابا، وعندك ماء، فانشر السحاب ثم أنزل الماء منه علينا، فاشدد به الاصل، وأطل به الفرع، وأدربه الضرع، اللهم إنك لم تنزل بلاء إلا بذنب، ولم تكشفه إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك، فاسقنا الغيث، اللهم شفعنا في أنفسنا وأهلنا، اللهم إنا شفعاء عمن لا ينطق من بهائمنا و أنعامنا، اللهم اسقنا سقيا وادعا، نافعا طبقا (3) سحا عاما، اللهم لا نرجو إلا إياك، ولا ندعو غيرك، ولا نرغب إلا إليك، اللهم إليك نشكو جوع كل جائع وعرى كل عار، وخوف كل خائف، وضعف كل ضعيف " في دعاء كثير وهذه الالفاط كلها لم يجئ في حديث واحد ولكنها جائت في أحاديث جمعتها واختصرتها قال: فأرخت السماء عزالها (4) وأخصبت الارض، فقال عمر: هذه والله الوسيلة إلى الله والمكان منه (5). 63 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن ابن حميد، عن


(1) تفسير القمى: 385. (2) العصبة: قوم الرجل الذين يتعصبون له. (3) سح الماء: صبه صبا متتابعا سحابة سحوح: شديدة المطر. (4) هكذا في الاصل ولعله مصحف [عزاليها] كما في المصدر، أو عزالاها، والعزالى و العزالى جمع العزلاء: مصب الماء من القربة ونحوها. وهذا اشارة إلى شدة وقع المطر. (5) الاستيعاب 3: 98، و 99.

[291]

أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: رحم الله الاخوات من أهل الجنة فسماهن: أسماء بنت عميس الخثعمية، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب، وسلمى بنت عميس الخثعمية، وكانت تحت حمزة وخمس من بني هلال: ميمونة بنت الحارث كانت تحت النبي (صلى الله عليه وآله)، وام الفضل عند العباس واسمها هند، والغميضاء ام خالد بن الوليد، وغرة كانت في ثقيف عند الحجاج بن غلاظ (1)، وحميدة لم يكن لها عقب (2). 64 - يه: روي أنه هبط جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليه قباء (3) أسود ومنطقة فيها خنجر، فقال: يا جبرئيل ما هذا الزي ؟ فقال: زي ولد عمك العباس، فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى العباس فقال: يا عم ويل لولدي من ولدك، فقال: يا رسول الله أفأجب نفسي ؟ قال: (4) جرى القلم بما فيه (5). 65 - كتاب الطرف: للسيد علي بن طاووس نقلا عن كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد قال: دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) العباس عند موته فخلا به وقال له: يا ابا الفضل اعلم أن من احتجاج ربي علي (6) تبليغي الناس عامة وأهل بيتي خاصة ولاية علي (7) (عليه السلام)، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، يا أبا الفضل جدد للاسلام عهدا وميثاقا، وسلم لولي الامر إمرته، ولا تكن كمن يعطي بلسانه ويكفر بقلبه يشاقني في أهل بيتي، ويتقدمهم، ويستأمر عليهم، ويتسلط عليهم ليذل قوما أعزهم الله وليعز قوما (8) لم يبلغوا ولا يبلغون ما مدوا إليه أعينهم، يا أبا الفضل إن ربي عهد إلي عهدا أمرني أن ابلغه الشاهد من الانس والجن، وأن آمر شاهدهم أن يبلغوا (9) غائبهم، فمن صدق عليا ووازره وأطاعه ونصره وقبله، وأدى ما عليه


(1) الصحيح: علاط. (2) الخصال 2: 13. (3) في المصدر: في قباء اسود. (4) جف خ ل. (5) من لا يحضره الفقيه: 68 طبعة طهران. (6) زاد في المصدر: يوم القيامة. (7) زاد في المصدر: وطاعته، على انى قد بلغت رسالة ربى فمن. (8) في المصدر: اقواما. (9) ان يبلغه خ ل.

[292]

من الفرائض (1) لله فقد بلغ حقيقة الايمان، ومن أبى الفرائض فقد أحبط الله عمله حتى يلقى الله ولا حجة له عنده، يا أبا الفضل فما أنت قائل ؟ قال: قبلت منك يا رسول الله وآمنت بما جئت به وصدقت وسلمت فاشهد علي (2). أقول: سيأتي بعض أحوال العباس في باب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وباب صدقاته وفي باب عصب الخلافة وباب شهادة فاطمة (عليها السلام)، وأحوال عقيل في باب أحوال عشائر أمير المؤمنين، وقد مر بعض أحوال عباس في باب أحوال عبد المطلب (عليه السلام) وباب غزوة بدر، وباب غزوة حنين وباب فتح مكة وغيرها (3). { 6 باب } * (نادر في قصة صديقه (عليه السلام) قبل البعثة) * 1 - ب: السندي بن محمد، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رجل في الجاهلية فأكرمه، فلما بعث محمد (صلى الله عليه وآله) قيل له: يا فلان ما تدري من هذا النبي المبعوث ؟ قال: لا، قالوا: هذا الذي نزل بك يوم كذا وكذا فأكرمته، فأكل كذا وكذا، فخرج حتى أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله تعرفني ؟ فقال: من أنت ؟ قال: أنا الذي نزلت بي يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا فأطعمتك كذا وكذا، فقال: مرحبا بك سلني، قال: ثمانين ضائنة برعاتها، فأطرق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساعة ثم أمر له بما سأل، ثم قال للقوم: ما كان على هذا الرجل أن يسأل سؤال عجوز بني (4) إسرائيل ؟ قالوا: يا رسول الله


(1) في المصدر: من فرائض. (2) الطرف: 17. (3) ذكر البغدادي في المحبر اسلافه وامراءه وعيونه ونقباءه وبشراءه وحواريه. راجعه وتقدم بعض ما يتعلق بابى طالب في احولاته (صلى الله عليه وآله)، ويأتى بعض اخر في باب احوال والدى امير المؤمنين (عليه السلام). (4) موسى خ ل.

[293]

وما سؤال عجوز بني إسرائيل (1) قال: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى (عليه السلام) أن يحمل عظام يوسف (عليه السلام)، فسأل عن قبره فجاءه شيخ فقال: إن كان أحد يعلم ففلانة، فأرسل إليها فجاءت فقال: أتعلمين موضع قبر يوسف ؟ فقالت: نعم، قال: فدليني عليه ولك الجنة، قالت: لا، والله لا أدلك عليه إلا أن تحكمني قال: ولك الجنة، قالت: لا، والله لا أدلك عليه حتى تحكمني، قال: فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: ما يعظم عليك أن تحكمها ؟ قال: فلك حكمك، قالت: أحكم عليك أن أكون معك في درجتك التي تكون فيها، قال (صلى الله عليه وآله)، فما كان على هذا أن يسألني أن يكون معي في الجنة (2). 2 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله إلا أن فيه انه قال: أسألك مائتي شاة برعاتها (3). 3 - كا: محمد بن يحيى، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن عبيدالله بن عبد الله، عن واصل بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان للنبي (صلى الله عليه وآله) خليط في الجاهلية، فلما بعث (صلى الله عليه وآله) لقيه خليطه، فقال للنبي (صلى الله عليه وآله: جزاك الله من خليط خيرا، فقد كنت تواتي ولا تماري، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): وأنت فجزاك الله من خليط خيرا، فإنك لم تكن ترد ربحا، ولا تمسك ضرسا (4). بيان: لعل المعنى أنك كنت وسطا في المخالطة لم تكن ترد ربحا تستحقه ولا تمسك ضرسا على ما في يدك من حقي فتخونني فيه، ويحتمل أن يكون المعنى لم تكن ترد ربحا اعطيك لقلته فتتهمني فيه، ولم تكن بخيلا في مالك أيضا (5) والمواتاه: الموافقة.


(1) موسى خ ل. (2) قرب الاسناد: 28. (3) روضة الكافي: 155 وفيه اختلافات راجعه وراجع ايضا ما يأتي تحت الرقم 5. (4) فروع الكافي 1: 418. (5) أو المعنى انه قال للنبى (صلى الله عليه وآله): انك لم تكن تخالف القوم وتجادلهم قبل ذلك، فكيف صرت الان إلى خلاف ذلك فتخالفهم ؟ فأجاب عنه بانك أيضا فيما مضى لن ترد ربحا فكيف ترد الان ربحا عظيما اعرض عليك وهو الاسلام، وكنت لا تبخل في قبول نصحي فيما مضى، والان كيف تبخل في قبول ما اشير اليك مما فيه صلاح دنياك، ونجاة الاخرة.

[294]

4 - كا: العدة، عن سهل، وأحمد بن محمد معا، عن ابن محبوب، عن ابن عميرة عن الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كانت العرب في الجاهلية على فرقتين: الحل، والحمس (1) فكانت الحمس قريشا، وكانت الحل سائر العرب، فلم يكن أحد من الحل إلا وله حرمي من الحمس، ومن لم يكن له حرمي من الحمس لم يترك يطوف (2) بالبيت إلا عريانا، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرميا لعياض بن حمار (3) المجاشعي وكان عياض رجلا عظيم الخطر، وكان قاضيا لاهل عكاظ في الجاهلية فكان عياض إذا دخل مكة ألقى عنه ثياب الذنوب والرجاسة وأخذ ثياب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لطهرها فلبسها فطاف (4) بالبيت، ثم يردها عليه إذا فرغ من طوافه، فلما أن ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه عياض بهدية فأبى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقبلها وقال: يا عياض لو أسلمت لقبلت هديتك، إن الله عزوجل أبى لي زبد المشركين ثم إن عياضا بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه، فأهدى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) هدية فقبلها منه (5). بيان: قال الجزري: الحمس جمع الاحمس وهم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس، سموا حمسا لانهم تحمسوا في دينهم، أي تشددوا، وقال: الزبد بسكون الباء: الرفد والعطاء. 5 - دعوات الراوندي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا سئل شيئا فأراد أن يفعل قال: نعم وإذا أراد أن لا يفعل سكت، وكان لا يقول لشئ: لا، فاتاه أعرابي فسأله فسكت، ثم سأله فسكت، ثم سأله فسكت فقال (صلى الله عليه وآله) كهيئة


(1) الحل والحمس بالضم جمع الا حل والاحمس. (2) في المصدر: ان يطوف. (3) حمان خ ل. اقول: في المصدر: حماز، وفى هامش النسخة: [صحح في رجال العامة عياض بن حمار بن ابى حمار بن ناجية بن عقال التميمي المجاشعى. عياض بكسر العين وتخفيف الياء، وحمار في الموضعين بالحاء والراء المهملتين منه رحمه الله] وفى اسد الغابة: عياض بن حماد بن ابى حماد بالدال. (4) في المصدر: وطاف بالبيت. (5) فروع الكافي 1: 368.

[295]

المسترسل: ما شئت يا أعرابي ؟ فقلنا: الآن يسأل الجنة، فقال الاعرابي: أسألك ناقة ورحلها وزادا: قال: لك ذلك، ثم قال (صلى الله عليه وآله): كم بين مسألة الاعرابي وعجوز بني إسرائيل ؟ قم قال: إن موسى لما أمر أن يقطع البحر (1). وساق الحديث قريبا مما مر في أول الباب أوردته في بابه من المجلد الخامس (2). { 7 باب } صدقاته واوقافه (صلى الله عليه وآله) 1 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه قال: عرض في نفس عمر بن عبد العزيز شئ من فدك، فكتب إلى أبي بكر (3) وهو على المدينة: انظر ستة الآف دينار فزد عليها غلة فدك أربعة آلاف دينار فاقسمها في ولد فاطمة رضي الله عنهم من بني هاشم، وكانت (4) فدك للنبي (صلى الله عليه وآله) خاصة، فكانت مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، قال: وكانت للنبي (صلى الله عليه وآله) أموال سماها منها العواف وبرقط والميثب والكلا وحسنا (5) والصانعة (6) وبيت ام إبراهيم، فأما العواف فمن سهمه من بني قريظة (7). بيان: الظاهر أن أكثر هذه الاسماء مما صحفه النساخ، والعواف صحيح مذكور في تاريخ المدينة، لكن في أكثر رواياته الاعواف، وفي بعضها العواف


(1) دعوات الراوندي: مخطوط. (2) في الحديث 33 من الباب الرابع راجع 3: 13. (3) أي إلى عامله ابى بكر عمرو بن حزم. (4) في المصدر: قال: وكانت (5) هكذا في نسخة المصنف والصحيح: حسنى (6) في المصدر: والضايقة. (7) امالي ابن الشيخ: 167. وفيه: فهو سهمه من بنى قريظة.

[296]

والظاهر أن برقط تصحيف برقة، وفي النهاية هو بضم الباء وسكون (1) الراء: موضع بالمدينة به مال كانت صدقات رسول الله (صلى الله عليه وآله) منها، والكلا غير مذكور والكلاب بالضم والتخفيف اسم ماء بالمدينة، وكأنه تصحيف الدلال، والحسنى (2) بضم الحاء وسكون السين، وقيل: بفتح الحاء، ذكره في التاريخ من الصدقات وذكر بدل الصانعة الصافية: 2 - ب: ابن عيسى، عن البزنطي قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الحيطان السبعة فقال: كانت ميراثا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقف وكان (3) رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأخذ منهاما ينفق على أضيافه والنائبة يلزمه فيها، فلما قبض جاء العباس يخاصم فاطمة (عليها السلام) فشهد علي (عليه السلام) وغيره أنها وقف، وهي الدلال، والعواف، والحسنى، والصافية، و مالام (4) إبراهيم، والميثب، وبرقة (5). 3 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قالا: سألناه عن صدقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصدقة فاطمة (عليها السلام) قال: صدقتهما لبني هاشم وبني المطلب (6). 4 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الميثب هو الذي كاتب رسول الله - (صلى الله عليه وآله) - سلمان، فأفاءه الله على رسوله فهو في صدقاتها (7). بيان: الضمير لفاطمة (عليها السلام)، لكونها معهودة بينه (عليه السلام) وبين المخاطب، ورواه الكشي (8) وزاد بعد تمام الخبر: يعني فاطمة (عليها السلام).


(1) وروى أيضا بالفتح. (2) في وفاء الوفاء: [حسنى] مقصورا بلا حرف التعريف. وفى كتاب تحقيق النصرة: [حسناء] بالمد، وقال: كذا رأيته ولعله تصحيف من [الحناء] بالنون، ورده السمهودى كما يأتي. (3) فكان خ ل. (4) ومال ام ابراهيم خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) قرب الاسناد: 160. (6 و 7) فروع الكافي 2: 247. (8) رجال الكشى: 12.

[297]

5 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أحمد بن عمر عن أبيه، عن أبي مريم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صدقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصدقة علي (عليه السلام)، فقال: هي لنا حلال، وقال: إن فاطمة (عليها السلام) جعلت صدقتها لبني هاشم وبني المطلب (1). 6 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي الحسن الثاني (عليه السلام) قال: سألته عن الحيطان السبعة التي كانت ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة (عليها السلام)، فقال: لا، إنما كانت وقفا، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأخذ إليه منها ما ينفق على أضيافه و التابعة تلزمه فيها، فلما قبض (صلى الله عليه وآله) جاء العباس يخاصم فاطمة (عليها السلام) فيها، فشهد علي (عليه السلام) وغيره أنها وقف على فاطمة (عليها السلام)، وهي الدلال، والعواف، والحسنى والصافية، وما لام إبراهيم، والميثب، والبرقة (2) بيان: الميثب: كمنبر بثاء مثلثة بعد الياء المثناة التحتانية، قال أهل اللغة: هي إحدى الصدقات النبوية، وبرقة بضم الباء وسكون الراء، وقال الصدوق رحمه الله في الفقيه: المسموع من ذكر احد الحوائط الميثب ولكني سمعت السيد أبا عبد الله محمد بن الحسن الموسوي أدام الله توفيقه يذكر أنها تعرف عندهم بالميثم انتهى (3). وأقول: ذكر السمهودي في تاريخ المدينة المسمى بالوفاء بأخبار دار المصطفى الميثب بالباء أيضا، وقال: هو من أودية العقيق (4) وقال: قال ابن شهاب: كانت


(1 و 2) الفروع: 2: 247. (3) الفقيه 2: 219 طبعة لكنهو، و 541 طبعة طهران. (4) وفاء الوفاء باخبار دار المصطفى 4: 1316 وفيه: ذو الميثب. وقال في ص 1298 المئثب مهموز كمنبر والثاء مثلثة، في اللغة: ما ارتفع من الارض، وكذا الارض السهلة، و هو اسم لاحدى صدقات النبي (صلى الله عليه وآله)، وفى القاموس: هو جبل أو موضع كان به صدقة البنى (صلى الله عليه وآله)، قلت: ووقع في كتاب يحيى: ميثم بميم في آخره بدل الموحدة والاول اصوب: وقال ياقوت، انه بكسر الميم والياء الساكنة والمثلثة والباء الموحدة، ومقتضى كلامه انه غير مهموز

[298]

صدقات رسول الله (صلى الله عليه وآله) أموالا لمخيريق اليهودي، بالخاء المعجمة والقاف مصغرا وقال عبد العزيز بن عمران: بلغني أنه كان من بقايا بني قينقاع. ونقل الذهبي عن الواقدي أنه قال: حبرا عالما من بني النضير، آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله)، ولذا عده الذهبي من الصحابة، لكن رأيت في أوقاف الحصاف قال الواقدي: مخيريق لم يسلم ولكنه قاتل وهو يهودي، فلما مات دفن في ناحية من مقبرة المسلمين ولم يصل عليه. انتهى. وقال ابن شهاب: أوصى بأمواله للنبي (صلى الله عليه وآله) وشهد احدا فقتل به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مخيريق سابق اليهود، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة قال: وأسماء أموال مخيريق التي صارت للنبي (صلى الله عليه وآله) الدلال، وبرقة، والاعواف والصافية، والميثب، وحسنا (1)، ومشربة ام إبراهيم، فأما الصافية وبرقة و الدلال والميثب فمجاورات بأعلى الصورين (2) من خلف قصر مروان بن الحكم ويسقيها مهزور (3) وأما مشربة ام إبراهيم سميت بها لان ام إبراهيم ابن النبي (صلى الله عليه وآله) ولدت فيها، وتعلقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشب تلك المشربة، فتلك الخشبة اليوم معروفة (4) وكان النبي (صلى الله عليه وآله) أسكن مارية هناك، و


(1) في المصدر: حسنى. (2) في المصدر: اعلى الصورين. (3) وفاء الوفاء: 988. (4) في المصدر بعد ذلك: قال ابن النجار: وهذا الموضع بالعوالى من المدينة بين النخيل وهو اكمة قد حوط عليها بلبن، والمشربة: البستان، واظنه قد كان بستانا لمارية القبطية ام ابراهيم ابن النبي (صلى الله عليه وآله)، قلت. قال في الصحاح، المشربة بالكسر: اناء يشرب فيه، والمشربة بالفتح: الغرفة، والمشارب: العلالى، وليس في كلامه اطلاق ذلك على البستان، والظاهر انها كانت عليه في ذلك البستان، وفى الاستيعاب ذكر الزبير ان مارية ولدت ابراهيم (عليه السلام) بالعالية في المال الذى يقال له اليوم مشربة ام ابراهيم بالقف وروت عمرة عن عائشة حديثا فيه ذكر غيرتها من مارية وانها كانت جميلة، قالت: واعجب بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان انزلها اول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان وكانت جارتنا، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عامة النهار والليل عندها حتى قذعنا لها - و القذع الشتم - فحولها إلى العالية، وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك اشد، ثم رزقها الله الولد وحرمنا منه. راجع وفاء الوفاء: 825.

[299]

المشربة: الغرفة فكأن ذلك المكان سمي باسمها (1) وأما حسنها (2) والاعواف فيسقيهما مهزور انتهى (3). وقال أبو غسان: اختلف في الصدقات فقال بعض الناس: هي من أموال بني قريظة والنضير. وعن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) قال: كان الدلال لامرأة من بني النضير وكان لها سلمان الفارسي فكاتبته على أن يحييها لها، ثم هو حر، فأعلم بذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فخرج إليها فجلس على فقير، ثم جعل يحمل إليه الودي فيضعه بيده فما عدت منها ودية أن أطلعت (4) قال: ثم أفاءها الله على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال أبو - غسان: الذي تظاهر عندنا ان الصدقات المذكورة من أموال بني النضير (5). و يؤيده ما في سنن أبي داود أنه كانت نخل بني النضير لرسول الله (صلى الله عليه وآله) خاصة أعطاه الله إياه فقال: " ما أفاء الله على رسوله " (6) الآية، فأعطى أكثرها المهاجرين، وبقي منها صدقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي في أيدي بني فاطمة الحوائط السبعة (7). ثم قال: وأما الصدقات السبع فالصافية معروفة اليوم شرقي المدينة بجزع زهيرة، وبرقة معروفة اليوم أيضا في قبلة المدينة مما يلي المشرق، والدلال جزع معروف أيضا قبل الصافية، والميثب غير معروف اليوم، والاعواف جزع معروف اليوم بالعالية (8) ومشربة ام إبراهيم أيضا معروفة بالعالية، وحسنا (9) ضبطه


(1) وقال في ص 989: واما مشربة ام ابراهيم فيسقيها مهزور، فإذا بلغت بيت مدراس اليهود فحيث مال ابى عبيدة بن عبد الله بن زمعة الاسدي فمشربة ام ابراهيم إلى جنبه. (2) في المصدر، واما حسنى فيسقيها مهزور، وهى من ناحية القف، واما الاعواف فيسقيها مهزور، وهى من اموال بنى محمم. (3) لفظة [انتهى] زائدة، لان بعده ايضا من كلام السمهودى. (4) في المصدر: [ان طلعت] أقول: الفقير: الحفرة تغرس فيها فسيلة النخل. (5) وفاء الوفاء: 988 و 989. وفيه: والذى يظهر عندنا. (6) الحشر: 6. (7) سنن ابى داود 2: 140. ولم يذكر فيه: [الحوائط السبعة] ولعله سقط عن الطبع. (8) زاد في المصدر: بقرب المربوع. (9) في المصدر: وحسنى.

[300]

المراغي بخطه بضم الحاء وسكون السين المهملتين ثم نون مفتوحة، ولا يعرف اليوم، ولعله تصحيف من الحناء بالنون بعد الحاء، وهو معروف اليوم، قلت: هو خطاء لانه مخالف للضبط، ولا تشرب من مهزور (1) والذي يظهر أن الحسنا هي الموضع المعروف اليوم بالحسينيار قرب جزع الدلال (2) وهو يشرب من مهزور وهذه الصدقات مما طلبته فاطمة (عليها السلام) من أبي بكر مع سهمه (صلى الله عليه وآله) بخيبر وفدك كما في الصحيح، فأبى أبو بكر عليها ذلك، ثم دفع عمر صدقته بالمدينة إلى علي والعباس وأمسك خيبر وفدك، وقال: هما صدقة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكانتا لحقوقه التي تعروه، وكانت هذه الصدقة بيد علي منعها العباس فغلبه عليها، ثم كانت بيد الحسن، ثم بيد الحسين (3) ثم بيد عبد الله بن الحسن، حتى ولى بنو العباس فقبضوها انتهى (4). وفي القاموس: الجزع، بالكسر: منعطف الوادي ووسطه أو منقطعه أو منحناه، أو هو مكان بالوادي لا شجر فيه، وربما كان رملا. ومحله القوم. والمشرف من الارض إلى جنبه طمأنينة، وقال: الفقير: البئر التي تغرس فيها الفسيلة.


(1) في المصدر: قلت: حمل ذلك على التصحيف المذكور متعذر، لانى رأيته بحاء ثم سين ثم نون في عدة مواضع من كتاب ابن شبة ومن كتاب ابن زبالة وغيرهما، وان اراد ان اهل زمانه صحفوه، بالحناء فلا يصح ايضا، لان الموضع المعروف اليوم بالحناء في شرقي الماجشونية لا يشرب بمهزور، وقد تقدم ان حسنى يسقيها مهزور، وانها بالقف، وسياتى في بيان القف ما يقتضى انه ليس بجهته الحناء. (2) في المصدر: فانه بجهة القف ويشرب بمهزور (3) في المصدر: ثم بيد على بن الحسين والحسن بن الحسن ثم بيد زيد بن الحسن. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري مثله وزاد: قال معمر: ثم كانت بيد عبد الله بن حسن حتى ولى بنو العباس فقبضوها. (4) وفاء الوفاء: 993 - 998 وفى الحديث اختصار راجع المصدر.

[301]

{ 8 باب } * (فضل المهاجرين والانصار وسائر الصحابة والتابعين) * * (وجمل أحوالهم) * الآيات: البقرة " 2 ": إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله " 218 ". آل عمران " 3 ": فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب " 195 ". التوبة " 9 ": والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم " 100 ". الفتح " 48 ": محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجهوهم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم نفرة ؟ ؟ وأجرا عظيما " 26 ". الحشر " 59 ": للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله اولئك هم الصادقون * والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون * والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا

[302]

الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم " 8 - 10 ". تفسير: قال الطبرسي نور الله ضريحه في قوله تعالى: " فالذين هاجروا ": أي إلى المدينة، وفارقوا قومهم من أهل الكفر " واخرجوا من ديارهم " أخرجهم المشركون من مكة " وقاتلوا وقتلوا " في سبيل الله " ثوابا " أي جزاء لهم " من عند الله " على أعمالهم " والله عنده حسن الثواب " أي عنده من حسن الجزاء على الاعمال مالا يبلغه وصف واصف (1). " والسابقون الاولون " أي السابقون إلى الايمان وإلى الطاعات " من المهاجرين " الذين هاجروا من مكة إلى المدينة و إلى الحبشة " والانصار " أي ومن الانصار الذين سبقوا نظراءهم من أهل المدينة إلى الاسلام " والذين اتبعوهم باحسان " أي بأفعال الخير والدخول في الاسلام بعدهم وسلوك مناهجهم، ويدخل في ذلك من يجيئ بعدهم إلى يوم القيامة " رضي الله عنهم " أي رضي أفعالهم " ورضوا عنه " لما أجزل لهم من الثواب، وفيها دلالة على فضل السابقين ومزيتهم على غيرهم لما لحقهم من أنواع المشقة في نصرة الدين فمنها مفارقة العشائر والاقربين، ومنها مباينة المألوف من الدين، ومنها نصرة الاسلام مع قلة العدد وكثرة العدو، ومنها السبق إلى الاسلام والدعاء إليه. وفي مسند السيد أبي طالب الهروي مرفوعا إلى أبي أيوب عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك أنه لم يصل فيها أحد غيري وغيره. وروى الحاكم الحسكاني مرفوعا إلى عبد الرحمن بن عوف في قوله سبحانه: " والسابقون الاولون " قال: هم عشرة من قريش، أولهم اسلاما علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2). " أشداء على الكفار رحماء بينهم " قال الحسن: بلغ من شدتهم على الكفار


(1) مجمع البيان 2: 559. (2) مجمع البيان 5: 64 و 65. (*)

[303]

أنهم كانوا يتحرزون من ثياب المشركين حتى لا تلتزق بثيابهم، وعن أبدانهم حتى لا تمس أبدانهم، وبلغ تراحمهم فيما بينهم أن كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه. ومثله قوله: " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين (1) ". " تراهم ركعا سجدا " هذا إخبار عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها " يبتغون فضلا من الله ورضوانا " أي يلتمسون بذلك زيادة نعمهم من الله ويطلبون مرضاته " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " أي علامتهم يوم القيامة أن يكون مواضع سجودهم أشد بياضا، عن ابن عباس وعطية، قال شهر بن حوشب: تكون مواضع سجودهم كالقمر ليلة البدر، وقيل: هو التراب على الجباه لانهم يسجدون على التراب، لا على الاثواب، عن عكرمة وابن جبير وأبي العالية. وقيل: هو الصفرة والنحول، قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى " ذلك مثلهم في التوراة " يعني أن ما ذكر من وصفهم هو ما وصفوا به في التوراة أيضا، ثم ذكر نعتهم في الانجيل فقال: " ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه " أي فراخه، وقيل: ليس بينهما وقف، والمعنى ذلك مثلهم في التوراة و الانجيل جميعا. " فارزه " أي شده وأعانه وقواه، قال المبرد: يعني أن هذه الافراخ لحقت الامهات حتى صارت مثلها " فاستغلظ " أي غلظ ذلك الزرع " فاستوى على سوقه " أي قام على قصبه واصوله، فاستوى الصغار مع الكبار، والسوق جمع الساق والمعنى أنه تناهى وبلغ الغاية " يعجب الزراع " أي يروق (2) ذلك الزرع الاكرة الذين زرعوه، قال الواحدي: هذا مثل ضربه الله تعالى لمحمد (صلى الله عليه وآله) وأصحابه، فالزرع محمد، والشطأ أصحابه والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلة كما يكون أول الزرع دقيقا ثم غلظ وقوي وتلاحق، فكذلك المؤمنون


(1) المائدة: 54. (2) في المصدر: أي يروع. قلت: راعه الامر: اعجبه.

[304]

قوى بعضهم بعضا حتى استغلظوا واستووا على اثرهم (1). " ليغيظ بهم الكفار " أي إنما كثرهم الله وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين بتوافرهم وتظاهرهم واتفاقهم على الطاعة " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم " أي من أقام على الايمان والطاعة منهم (2). " للفقراء المهاجرين " الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، ومن دار الحرب إلى دار الاسلام " وينصرون الله " أي دينة " اولئك هم الصادقون " في الحقيقة عند الله قال الزجاج: بين سبحانه من المساكين الذين لهم الحق فقال: " للفقراء المهاجرين " ثم ثنى سبحانه بوصف الانصار ومدحهم حتى طابت أنفسهم عن الفئ فقال: " والذين " مبتداء، خبره " يحبون " أو في موضع جر عطفا على الفقراء، فقوله: " يحبون " حال: " تبوؤ الدار " يعني المدينة، وهي دار الهجرة تبوأها الانصار قبل المهاجرين وتقدير الآية والذين تبوؤا الدار من قبلهم " والايمان " لان الانصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وعطف الايمان على الدار في الظاهر لا في المعنى، لان الايمان ليس بمكان يتبوأ، والتقدير وآثروا الايمان، وقيل: " من قبلهم " أي من قبل قدوم المهاجرين عليهم، وقيل: قبل إيمان المهاجرين، والمراد بهم أصحاب العقبة وهم سبعون رجلا بايعوا النبي (صلى الله عليه وآله) على حرب الاحمر والابيض " يحبون من هاجر إليهم " لانهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأسكنوهم دورهم، وأشركوهم في أموالهم " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اتوا " أي لا يجدون في قلوبهم حسدا وغيظا مما اعطي المهاجرون دونهم من مال بني النضير " ويؤثرون على أنفسهم " أي يقدمون المهاجرين على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم " ولو كان بهم خصاصة " أي فقر وحاجة، والشح: البخل، ثم ثلث سبحانه بوصف التابعين فقال: " والذين جاؤا من بعدهم " أي بعد المهاجرين والانصار، وهم جميع التابعين لهم إلى يوم القيامة " غلا " أي حقدا وعداوة (3).


(1) في المصدر: على امرهم. (2) مجمع البيان 9: 127 و 128. (3) مجمع البيان 9: 261 و 262.

[305]

1 - ل: ابن بندار، عن أبي العباس الحمادي، عن أبي جعفر الحضرمي عن هدبة بن خالد، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أيمن، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى يقولها سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي (1). 2 - ل: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) اثني عشر ألفا: ثمانية آلاف من المدينة. وألفان من أهل مكة، وألفان من الطلقاء، لم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل (2) خبز الخمير: (3). بيان: الخمير: هو ما يجعل في العجين ليجود، وكأنهم كانوا لا يفعلون ذلك لعدم اعتنائهم بجودة الغذاء، ويؤيده ما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله): " لا آكل الخمير " قال الكرماني: أي خبزا جعل في عجينه الخمير. 3 - لى: أبي وابن المتوكل وماجيلويه وابن ناتانة جميعا، عن علي بن إبراهيم، عن أبي هدبة (4)، عن أنس قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): طوبى لمن رآني و طوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني. وقد أخرج علي ابن ابراهيم هذا الحديث وحديث الطير بهذا الاسناد في كتاب قرب الاسناد (5). ما: الغضائري عن الصدوق مثله (6). 4 - ما: بإسناد المجاشعي عن الصادق، عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: اوصيكم


(1) الخصال 2: 2. (2) ان نسمع خبر الحسين خ ل. (3) الخصال 2: 172. (4) الظاهر هو ابراهيم بن هدبة ابو هدبة الفارسى ثم البصري، بقى إلى سنة مائتين، وكان يروى عن انس، وقال في ترجمة ابراهيم بن هاشم بن الخليل ابن اسحاق القمى: روى عن ابى هدبة الراوى عن انس. (5) امالي الصدوق: 240 و 241. (6) امالي ابن الشيخ: 281 و 282.

[306]

بأصحاب نبيكم لا تسبوهم الذين (1) لم يحدثوا بعده حدثا ولم يؤووا محدثا، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى بهم. الخبر (2). 5 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: صلى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله تعالى، ثم قال: أم والله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا بين أعينهم كركب المعزى، يبيتون لربهم سجدا وقياما، يراوحون بين أقدامهم وجباههم يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم وهم جميع (3) مشفقون منه خائفون (4). بيان: جميع أي مجتمعون على الحق لم يتفرقوا كتفرقكم. 6 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن، عن أبيه عن محمد بن إسحاق (5) قال: وحدثنا ابن عقدة، عن محمد بن عبيد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ طلع راكبان، فلما رآهما نبي الله قال: كنديان مذحجيان، فإذا رجلان من مذحج، فأتى أحدهما إليه ليبايعه، فلما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده ليبايعه قال: يا رسول الله أرأيت من رآك فآمن بك، وصدقك واتبعك ماذا له ؟ قال: طوبى له، قال، فمسح على يده وانصرف، قال: وأقبل الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه قال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك فصدقك واتبعك ولم يرك ماذا له ؟ قال: طوبى له ثم طوبى له قال: ثم مسح على يده ثم انصرف (6).


(1) في المصدر: لا تسبوهم وهم الذين. (2) امالي ابن الشيخ: 332. (3) في المصدر: لقد رايتهم مع ذلك وهم جميع. (4) امالي ابن الشيخ: 62. (ذ) أي أبا عمرو. (6) امالي ابن الشيخ: 166.

[307]

7 - ما: ابن مخلد، عن محمد بن عمرو بن البختري، عن سعدان بن نصر، عن محمد بن مصعب، عن الاوزاعي، عن أسيد بن خالد، عن عبد الله بن محيريز قال: قلت لرجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) - قال الاوزاعي: حسبت أنا أنه يكني أبا جمعة - حدثنا حديثا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لاحدثنك حديثا جيدا، تغدينا (1) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقلنا: يا رسول الله هل أحد خير منا ؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك، قال: بلى قوم من امتي يأتون بعدي يؤمنون بي (2). 8 - مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن الخشاب، عن ابن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما وجدتم في كتاب الله عزوجل فالعمل لكم به لا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله عزوجل وكانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا به، فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم بأيها (3) أخذ اهتدى، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة فقيل: يا رسول الله ومن أصحابك ؟ قال: أهل بيتي. قال الصدوق رحمه الله: إن اهل البيت (عليهم السلام) لا يختلفون، ولكن يفتون الشيعة بمر الحق وربما أفتوهم (4) بالتقية فما يختلف من قولهم فهو للتقية،، والتقية رحمة للشيعة (5).


(1) في المصدر: تغدينا يوما. (2) امالي ابن الشيخ: 249 فيه: يأتون بعدكم فيؤمنون بى. (3) بايما خ ل. (4) قد كان كثيرا اهل السنة يحضرون مجلس الامام ابى عبد الله (عليه السلام) فيسألونه عن مسائل، فكان (عليه السلام) يعلم انهم ليسوا من شيعته ومقلديه فيجيبهم على مذهبهم على قول مالك، أو ابى حنيفة مثلا، مخالفا لنظره وفتواه، وربما كان بعض الحاضرين في المجلس ينقل ما سمع إلى غيره من دون ان يبين وجه الخلاف غفلة عن حقيقة الحال، فهذا وجه ما يرى من الاختلاف في الاحاديث، ومعنى ما يقال: ان الحكم الفلاني صدر تقية. (5) معاني الاخبار: 50.

[308]

9 - كا: علي، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: له: إن للايمان درجات ومنازل يتفاضل المؤمنون فيها عند الله ؟ قال: نعم، قلت: صفه لي رحمك الله حتى أفهمه: قال: إن الله سبق بين المؤمنين كما يسبق بين الخيل يوم الرهان، ثم فضلهم على درجاتهم في السبق إليه، فجعل كل امرئ منهم على درجة سبقه لا ينقصه فيها من حقه ولا يتقدم مسبوق سابقا، ولا مفضول فاضلا، تفاضل بذلك أوائل هذه الامة أواخرها ولو لم يكن للسابق إلى الايمان فضل على المسبوق إذا للحق آخر هذه الامة أولها نعم ولتقدموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الايمان الفضل على من أبطأ عنه، ولكن بدرجات الايمان قدم الله السابقين، وبالابطاء عن الايمان أخر الله المقصرين، لانا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر عملا من الاولين وأكثرهم صلاة و صوما وحجا وزكاة وجهادا وإنفاقا، ولو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون بعضهم بعضا عند الله لكان الآخرون بكثرة العمل مقدمين على الاولين، ولكن أبى الله عزوجل أن يدرك آخر درجات الايمان أولها، ويقدم فيها من أخر الله، أو يؤخر فيها من قدم الله، قلت: أخبرني عما ندب الله المؤمنين إليه من الاستباق إلى الايمان ؟ فقال: قول الله عزوجل: " سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله (1) " وقال: " السابقون السابقون اولئك المقربون (2) " وقال: " السابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه (3) " فبدأ بالمهاجرين الاولين على درجة سبقهم، ثم ثنى بالانصار، ثم ثلث بالتابعين لهم باحسان، فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده، ثم ذكر ما فضل الله عزوجل به أولياءه بعضهم على بعض فقال: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض


(1) الحديد: 21. (2) الواقعة: 10 و 11. (3) التوبة: 100.

[309]

درجات (1) " إلى آخر الآية، وقال: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض (2) " وقال: " انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (3) " وقال: " هم درجات عند الله (4) " وقال: " ويؤت كل ذي فضل فضله (5) " وقال: " الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله (6) " وقال: " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه و مغفرة ورحمة (7) " وقال: " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل اولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا (8) " وقال: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات (9) " وقال: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب " إلى قوله: " إن الله لا يضيع أجر المحسنين (10) " وقال: وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله (11) " وقال: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (12) " فهذا ذكر درجات الايمان ومنازله عند الله عزوجل (13). 10 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): القرون أربعة، أنا في أفضلها قرنا، ثم الثاني، ثم الثالث فإذا كان الرابع التقى الرجال (14) بالرجال، والنساء بالنساء، فقبض الله كتابه من صدور بني آدم، فيبعث الله ريحا سوداء، ثم لا يبقى أحد سوى الله تعالى إلا قبضه الله إليه (15). 11 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا أمنة لاصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لامتي فإذا قبض أصحابي دنا من


(1) الصحيح كما في المصحف الشريف: [ورفع بعضهم درجات] ولعل السهو من الراوى أو النساخ راجع سورة البقرة: 253. (2) الاسراء: 55. (3) الاسراء: 21. (4) آل عمران: 163. (5) هود: 3. (6) التوبة: 2. (7) النساء: 95 و 96. (8) الحديد: 10. (9) المجادلة: 11. (10) التوبة: 120. (11) البقرة: 110 والمزمل: 20. (12) الزلزلة: 7 و 8. (13) اصول الكافي 2: 40 - 42. (14) في المصدر: اكتفى الرجال. (15) نوادر الراوندي: 16.

[310]

امتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهرا على الاديان كلها مادام فيكم من قد رآني (1). 12 - وبهذا الاسناد عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأتي أهل الصفة، وكانوا ضيفان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كانوا هاجروا من أهاليهم وأموالهم إلى المدينة، فأسكنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) صفة المسجد، وهم أربعمائة رجل، فكان يسلم عليهم بالغداة والعشي، فأتاهم ذات يوم فمنهم من يخصف نعله، ومنهم من يرقع ثوبه، ومنهم من يتفلى (2)، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرزقهم مدا مدا من تمر في كل يوم، فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله التمر الذي ترزقنا قد أحرق بطوننا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما إني لو استطعت أن اطعمكم الدنيا لاطعمتكم، ولكن من عاش منكم من بعدي يغدى عليه بالجفان، ويراح عليه بالجفان، ويغدو أحدكم في خميصة، ويروح في اخرى، وينجدون (3) بيوتكم كما تنجد الكعبة، فقام رجل فقال: يا رسول الله إنا إلى ذلك الزمان بالاشواق فمتى هو ؟ قال (صلى الله عليه وآله): زمانكم هذا خير من ذلك الزمان، إنكم من ملاتم بطونكم من الحلال توشكون أن تملاوها من الحرام، فقام سعد بن أشج فقال: يا رسول الله ما يفعل بنا بعد الموت ؟ قال: الحساب والقبر، ثم ضيقه بعد ذلك أو سعته، فقال: يارسول الله هل تخاف أنت ذلك ؟ فقال: لا، ولكن أستحيي من النعم المتظاهرة التي لا اجازيها ولا جزاء من سبعة، فقال سعد بن أشج: إني اشهد الله واشهد رسوله ومن حضرني أن نوم الليل علي حرام، والاكل بالنهار علي حرام ولباس الليل علي حرام، ومخالطة الناس علي حرام، وإتيان النساء علي حرام فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا سعد لم تصنع شيئا، كيف تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر إذا لم تخالط الناس ؟ وسكون البرية بعد الحضر كفر للنعمة، نم بالليل، وكل


(1) نوادر الراوندي: 23. (2) فلى رأسه أو ثوبه: نقاها من القمل. (3) الخميصة: ثوب اسود مربع. نجد البيت: زينه. انجد البناء: ارتفع.

[311]

لنهار، والبس ما لم يكن ذهبا أو حريرا أو معصفرا، وأت النساء، يا سعد اذهب إلى بني المصطلق فإنهم قد ردوا رسولي، فذهب إليهم فجاء بصدقة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كيف رأيتهم ؟ قال: خير قوم، ما رأيت قوما قط أحسن أخلاقا فيما بينهم من قوم بعثتني إليهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه لا ينبغي لاولياء الله تعالى من أهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم أن يكونوا أولياء الشيطان من أهل دار الغرور الذين لها (3) سعيهم وفيها رغبتهم، ثم قال: بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يقذفون الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بئس قوم لا يقومون لله تعالى بالقسط بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون الناس بالقسط في الناس، بئس القوم قوم يكون الطلاق عندهم أوثق من عهد الله تعالى، بئس القوم قوم جعلوا طاعة إمامهم (4) دون طاعة الله، بئس القوم قوم يختارون الدنيا على الدين، بئس القوم قوم يستحلون المحارم والشهوات والشبهات قيل: يا رسول الله فأي المؤمنين أكيس ؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له استعداد، اولئك هم الاكياس (5). 13 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عاصم بن أبي الجنود، عن أبي وائل، عن جرير بن عبد الله، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: المهاجرون والانصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة (6). ما: بالاسناد عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن الاعمش عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير عن النبي (صلى الله عليه وآله) مثله (5). 14 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن عبد الله بن أحمد، عن إسماعيل بن صبيح، عن سفيان، عن عبد المؤمن، عن الحسن بن عطية، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إني تارك فيكم الثقلين إلا أن أحدهما


(1) في المصدر: الذين كان لها. (2) آبائهم خ ل. (3) نوادر الراوندي: 25 و 26. (4 و 5) امالي ابن الشيخ: 168.

[312]

أكبر من الآخر: كتاب الله ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي، و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وقال: ألا إن أهل بيتي عيني التي آوى إليها، ألا وإن الانصار ترسي (1) فاعفوا عن مسيئهم، وأعينوا محسنهم (2). 15 - ع: أبي عن محمد العطار، عن الاشعري، عن محمد بن حسان، عن محمد ابن يزيد، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما دخل الناس في الدين أفواجا: أتتهم الازد أرقها قلوبا، وأعذبها أفواها، قيل: يا رسول الله هذه أرقها قلوبا عرفناه، فلم صارت أعذبها أفواها ؟ قال: لانها كانت تستاك في الجاهلية، قال: وقال جعفر (عليه السلام): لكل شئ طهور وطهور الفم السواك (3). 16 - قب: حلية الاولياء في خبر عن كعب بن عجرة أن المهاجرين والانصار وبني هاشم اختصموا في رسول الله (صلى الله عليه وآله) أينا أولى به وأحب إليه ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): أما أنتم يا معشر الانصار فإنما أنا أخوكم، فقالوا: الله أكبر ذهبنا به ورب الكعبة وأما أنتم معشر المهاجرين فانما أنا منكم، فقالوا: الله أكبر ذهبنا به ورب الكعبة وأما أنتم يا بني هاشم فأنتم مني والي، فقمنا وكلنا راض مغتبط برسول الله (4) (صلى الله عليه وآله). 17 - أقول: قال الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان: روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: ما سلت السيوف ولا اقيمت الصفوف في صلاة ولا زحوف ولا جهر بأذان ولا أنزل الله " يا أيها الذين آمنوا " حتى أسلم أبناء القيلة: الاوس و الخزرج (5). 18 نهج: قال (عليه السلام) في مدح الانصار: هم والله ربوا الاسلام كما يربي الفلو مع غنائهم (6) بأيديهم السباط، وألسنتهم السلاط (7).


(1) في المصدر: الا أن اهل بيتى عيبتي التى آوى إليها، وان الانصار كرشى. (2) امالي ابن الشيخ 160. (3) علل الشرائع: 107. (4) مناقب آل ابى طالب. (5) مجمع البيان. (6) مع عنائهم خ ل. (7) نهج البلاغة 2: 252.

[313]

بيان: الفول: المهر الصغير، ورجل سبط اليدين: سخي، ورجل سليط أي فصيح حديد اللسان. 19 - ما: المفيد، عن إبراهيم بن الحسن بن جمهور، عن أبي بكر المفيد الجرجرائي، عن المعمر أبي الدنيا، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: طوبى لمن رآني أو رآى من رآني، أو رأى من رأى من رآني (1). أقول: قد مر بعض أحوال الانصار في باب غزوة حنين وغيره. وقد ذكر سيد الساجدين (عليه السلام) في الدعاء الرابع من الصحيفة الكاملة في فضل الصحابة والتابعين ما يغني اشتهاره عن إيراده، وينبغي أن تعلم أن هذه الفضائل إنما هي لمن كان مؤمنا منهم لا للمنافقين، كغاصبي الخلافة وأضرابهم وأتباعهم، ولمن ثبت منهم على الايمان واتباع الائمة الراشدين، لا للناكثين الذين ارتدوا عن الدين، وسيأتي تمام الكلام في ذلك في كتاب الفتن إنشاء الله تعالى. { 9 باب } * (قريش وسائر القبائل ممن يحبه الرسول (صلى الله عليه وآله)) * * (ويبغضه) * 1 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم، عن عبد الله بن حماد، عن شريك عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تسبوا قريشا، ولا تبغضوا العرب، ولا تذلوا الموالي، ولا تساكنوا الخوز ولا تزوجوا إليهم، فإن لهم عرقا يدعوهم إلى غير الوفاء (2). بيان: قال الفيروز آبادي: الخوز بالضم: جيل من الناس، وفي النهاية:


(1) امالي ابن الشيخ: 281 و 282. (2) علل الشرائع: 137.

[314]

فيه ذكر خوز كرمان، وروي خوز وكرمان، الخوز: جيل معروف، وكرمان: صقع معروف في العجم، ويروى بالراء المهملة وهو من أرض الفارس، وصوبه الدار قطني، وقيل: إذا أصنفت فبالراء، وإذا عطفت فبالزاء. 2 - ع: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن أحمد بن محمد، عن الاصبغ عمن رواه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمع أبو عبد الله رجلا من قريش يكلم رجلا من أصحابنا فاستطال عليه القريش بالقرشية واستخزى الرجل لقريشته، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أجبه فإنك بالولاية أشرف منه نسبة (1). بيان: خزي: ذل وهان، أو استحيى. 3 - ل: أبي، عن سعد عن اليقطيني، عن الجعفر، عن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يحب أربع قبائل، كان يحب الانصار وعبد القيس وأسلم وبني تميم، وكان يبغض بني امية وبني حنيف وثقيف وبني هذيل وكان (عليه السلام) يقول: لم تلدني امي بكرية ولا ثقفية، وكان (عليه السلام) يقول: في كل حي نجيب إلا في بني امية (2). 4 - ما: المفيد، عن علي بن محمد الكاتب، عن الحسن بن علي الزعفراني عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن يوسف بن كليب، عن معاوية بن هشام عن الصباح ابن يحيى المزني، عن الحارث بن حصيرة قال: حدثني جماعة من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ادعوا غنيا وباهلة وحيا آخر قد سماها، فليأخذوا عطياتهم فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة مالهم في الاسلام نصيب، وأنا شاهد في منزلي عند الحوض وعند المقام المحمود أنهم أعداء لي في الدنيا والآخرة، لآخذن غنيا أخذة تضرط باهلة، ولئن ثبتت قدماي لاردن قبائل إلى قبائل، وقبائل إلى قبائل ولابهرجن ستين قبيلة مالها في الاسلام نصيب (3). بيان: تضرط باهلة، لعله كناية عن شدة الخوف كما هو المعروف، أي تخاف من تلك الاخذة قبيلة باهلة، ويمكن أن يقرأ بأهله باضافة الاهل إلى الضمير ويقال: بهرج دمه، أي أبطله.


(1) علل الشرائع: 137 (2) الخصال 1: 108. (3) امالي ابن الشيخ: 72.

[315]

{ 10 باب } * (فضائل سلمان وأبى ذر ومقداد وعمار رضى الله عنهم) * * (أجمعين، وفيه فضائل بعض أكابر الصحابة) * 1 - كتاب الطرف للسيد علي بن طاووس نقلا من كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد عن موسى بن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا ذر و سلمان والمقداد فقال لهم: تعرفون شرائع الاسلام وشروطه ؟ قالوا: نعرف ما عرفنا الله ورسوله، فقال: هي والله أكثر من أن تحصى، أشهدوني (1) على أنفسكم وكفى بالله شهيدا، وملائكته عليكم شهود، بشهادة أن لا إله إلا الله مخلصا لا شريك له في سلطانه، ولا نظير له في ملكه، وأني رسول الله بعثني بالحق، وأن القرآن إمام من الله وحكم عدل، وأن القبلة قبلتي (2) شطر المسجد الحرام لكم قبلة، وأن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصي محمد وأمير المؤمنين (3) ومولاهم، وأن حقه من الله مفروض واجب، وطاعته طاعة الله ورسوله، والائمة من ولده، وأن مودة أهل بيتي (4) مفروضة واجبة على كل مؤمن ومؤمنة، مع إقامة الصلاة لوقتها، و إخراج الزكاة من حلها، ووضعها في أهلها، وإخراج الخمس من كل ما يملكه أحد من الناس حتى يرفعه إلى ولي المؤمنين وأميرهم، وبعده إلى ولده (5) فمن عجز ولم يقدر إلا على اليسير من المال فليدفع ذلك إلى الضعفاء من أهل بيتي من ولد الائمة، فإن لم يقدر فلشيعتهم ممن لا يأكل بهم الناس، ولا يريد بهم إلا الله وما وجب عليهم من حقي، والعدل في الرعية، والقسم بالسوية، والقول بالحق


(1) في المصدر: اشهدوا. (2) في المصدر: وان قبلتى. (3) في المصدر: امير المؤمنين ولى المؤمنين. (4) في المصدر: اهل بيته. (5) في المصدر: حتى يدفعه إلى ولى المؤمنين واميرهم ومن بعده من الائمة من ولده.

[316]

وأن يحكم بالكتاب على ما عمل عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وبالفرايض (1) على كتاب الله وأحكامه، وإطعام الطعام على حبه، وحج البيت، والجهاد في سبيل الله، و صوم شهر رمضان، وغسل الجنابة، والوضوء الكامل على اليدين والوجه والذراعين إلى المرافق، والمسح على الرأس والقدمين إلى الكعبين، لا على خف ولا على خمار ولا على عمامة، والحب لاهل بيتي في الله، وحب شيعتهم لهم، والبغض لاعدائهم وبغض من والاهم (2) والعداوة في الله وله، والايمان بالقدر: خيره وشره، و حلوه ومره، وعلى أن يحللوا (3) حلال القرآن، ويحرموا حرامه، ويعملوا بالاحكام، ويردوا المتشابه إلى أهله، فمن عمي عليه من علمه شئ لم يكن علمه مني ولا سمعه فعليه بعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنه قد علم كما قد علمته (4) ظاهره وباطنه ومحكمه ومتشابهه، وهو يقاتل على تأويله كما قاتلت (5) على تنزيله، و موالاة أولياء الله محمد وذريته الائمة خاصة (6)، ويتوالى من والاهم وشايعهم، و البراءة والعداوة لمن عاداهم وشاقهم كعداوة الشيطان الرجيم، والبراءة ممن شايعهم وتابعهم، والاستقامة على طريقة الامام، واعلموا أني لا اقدم على علي أحدا، فمن تقدمه فهو ظالم، والبيعة بعدي لغيره ضلالة وفلتة وذلة، الاول ثم الثاني ثم الثالث وويل للرابع ثم الويل له، وويل له ولابيه مع ويل لمن كان قبله وويل لهما ولاصحابهما (7) لا غفر الله لهما، فهذه شروط الاسلام وما بقي أكثر، قالوا: سمعنا وأطعنا وقبلنا وصدقنا، ونقول مثل ذلك، ونشهد لك على أنفسها بالرضا به أبدا حتى نقدم عليك آمنا بسرهم وعلانيتهم ورضينا بهم أئمة وهداة وموالي، قال: وأنا معكم شهيد ثم قال: نعم، وتشهدون أن الجنة حق وهي محرمة على الخلائق حتى أدخلها


(1) والفرائض خ ل. (2) في المصدر: وحب من والاهم. (3) في المصدر: [ان تحللوا] بصيغة الخطاب وكذا فيما بعده. (4) في المصدر: كل ما قد علمته. (5) في المصدر: كما قاتل على تنزيله. (6) في المصدر: والائمة خاصة. (7) في المصدر: ولصاحبهما.

[317]

قالوا: نعم، قال: وتشهدون أن النار حق، وهي محرمة على الكافرين حتى يدخلها أعداء أهل بيتي، والناصبون لهم حربا وعداوة، ولاعنهم ومبغضهم وقاتلهم (1) كمن لعنني أو أبغضني أو قاتلني وهم في النار. قالوا: شهدنا وعلى ذلك أقررنا، قال: وتشهدون أن عليا صاحب حوضي، والذائد عنه، وهو قسيم النار، يقول (2): ذلك لك فاقبضه (3) ذميما، وهذا لي فلا تقربنه، فينجو سليما ؟ قالوا: شهدنا على ذلك ونؤمن به، قال: وأنا على ذلك شهيد (4). 2 - لى: العطار، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن نوح بن شعيب، عن الدهقان عن عروة بن أخي شعيب، عن شعيب عن أبي بصير قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) يحدث عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما لاصحابه: أيكم يصوم الدهر ؟ فقال سلمان رحمة الله عليه: أنا يا رسول الله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فأيكم يحيي الليل ؟ قال سلمان: أنا يا رسول الله، قال: فأيكم يختم القرآن في كل يوم ؟ فقال سلمان: أنا يا رسول الله، فغضب بعض أصحابه، فقال: يا رسول الله: إن سلمان رجل من الفرس يريد أن يفتخر علينا معاشر قريش، قلت: أيكم يصوم الدهر ؟ فقال أنا، وهو أكثر أيامه يأكل، وقلت: أيكم يحيي الليل ؟ فقال: أنا، وهو أكثر ليلته نائم، وقلت: أيكم يختم القرآن في كل يوم ؟ فقال: أنا، وهو أكثر نهاره صامت، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): مه يا فلان، أنى لك بمثل لقمان الحكيم، سله فإنه ينبئك، فقال الرجل لسلمان: يا أبا عبد الله أليس زعمت أنك تصوم الدهر ؟ فقال: نعم، فقال: رأيتك في أكثر نهارك تأكل، فقال: ليس حيث تذهب، إني أصوم الثلاثة في الشهر، وقال الله عزوجل: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها (5) " و أصل شعبان بشهر رمضان، فذلك صوم الدهر، فقال: أليس زعمت أنك تحيي الليل ؟ فقال: نعم، فقال: أنت أكثر ليلتك نائم، فقال ليس حيث تذهب، ولكني سمعت


(1) في المصدر: وان لاعنيهم ومبغضيهم وقاتليهم. (2) أي يقول للنار. (3) في المصدر: فاقبضيه. وفيه: فلا تقربيه. (4) الطرف: 11 - 13. (5) الانعام: 160.

[318]

حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من بات على طهر فكأنها أحيى الليل كله، فأنا أبيت على طهر، فقال: أليس زعمت أنك تختم القرآن في كل يوم ؟ قال: نعم، قال: فأنت أكثر أيامك صامت، فقال: ليس حيث تذهب، ولكني سمعت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي (عليه السلام) [يا أبا الحسن مثلك في امتي مثل قل هو الله أحد، فمن قرأها مرة قرأ (1) ثلث القرآن، ومن قرأها مرتين فقد قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثا فقد ختم القرآن، فمن أحبك بلسانه فقد كمل له ثلث الايمان ومن أحبك بلسانه وقلبه فقد كمل له ثلثا الايمان، ومن أحبك بلسانه وقلبه ونصرك بيده فقد استكمل الايمان، والذي بعثني بالحق يا علي لو أحبك أهل الارض كمحبة أهل السماء لك لما عذب أحد بالنار] وأنا أقرأ قل هو الله أحد في كل يوم ثلاث مرات، فقام وكأنه قد القم حجرا (2). 3 - لى: أبي، عن علي بن إبراهيم، عن جعفر بن سلمة، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن عبيدالله بن موسى العبسي، عن مهلهل العبدي، عن كريزة بن صالح الهجري، عن أبي ذر جندب بن جنادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لعلي كلمات ثلاث لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من الدنيا وما فيها، سمعته يقول: اللهم أعنه واستعن به، اللهم انصره وانتصر به، فإنه عبدك وأخو رسولك، ثم قال أبو ذر رحمة الله عليه: أشهد لعلي بالولاء والاخاء والوصية، قال كريزة بن صالح: وكان يشهد له بمثل ذلك سلمان الفارسي والمقداد وعمار وجابر بن عبد الله الانصاري وأبو الهيثم بن التيهان و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبو أيوب صاحب منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهاشم بن عتبة المرقال، كلهم من أفاضل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3). 4 - لى: أبي، عن عبد الله بن الحسن المؤدب، عن أحمد بن علي الاصفهاني عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن أبي غسان النهدي، عن يحيى بن سلمة بن كهيل


(1) في المصدر: فقد قرأ. (2) امالي الصدوق: 21 و 22. (3) امالي الصدوق: 32 و 33.

[319]

عن أبيه، عن أبي إدريس، عن المسيب بن نجية، عن علي (عليه السلام) أنه قيل له: حدثنا عن أبي ذر الغفاري، قال: علم العلم ثم أوكاه وربط عليه رباطا شديدا قالوا: فعن حذيفة، قال: يعلم أسماء المنافقين، قالوا: فعن عمار بن ياسر، قال مؤمن ملئ مشاشه إيمانا، نسي إذا ذكر ذكر، قيل: فعن عبد الله بن مسعود، قال قرأ القرآن فنزل عنده، قالوا: فحدثنا عن سلمان الفارسي، قال: أدرك العلم الاول والآخر وهو بحر لا ينزح، وهو منا أهل البيت، قالوا: فحدثنا عنك يا أمير المؤمنين، قال: كنت إذا سألت اعطيت، وإذا سكت ابتديت (2). بيان: أوكى القربة: شد رأسها، وقال الجوهري المشاش: رؤس العظام اللينة التي يمكن مضغها، قال في النهاية: ومنه الحديث ملئ عمار إيمانا إلى مشاشه. قوله: فنزل عنده، أي عند القرآن فلم يتجاوزه، وفي بعض النسخ: فبرك عنده، من بروك الناقة، وكأن فيه إشعارا بعدم توسله بأهل البيت (عليهم السلام)، إشارة إلى كونه من كتاب الوحي. 5 - لى: ابن موسى، عن الاسدي، عن النخعي، عن إبراهيم بن الحكم عن محمد بن الفضيل، عن مسعود الملائي، عن حبة العرني قال: أبصر عبد الله بن عمر رجلين يختصمان في رأس عمار، يقول هذا أنا قتلته ويقول هذا: أنا قتلته، فقال ابن عمر: يختصمان أيهما يدخل النار أولا، ثم قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: قاتله وسالبه في النار، فبلغ ذلك معاوية لعنه الله فقال ما نحن قتلناه، قتله من جاء به. قال الشيخ أبو جعفر بن بابويه أدام الله عزه: يلزمه على هذا أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قاتل حمزة رضي الله عنه، وقاتل الشهداء معه لانه (عليه السلام) هو الذي جاء بهم (1). ضه: مرسلا مثله (2).


(1) امالي الصدوق: 152. (2) امالي الصدوق: 243. (3) روضة الواعظين: 245.

[320]

6 - لى: بهذا الاسناد عن إبراهيم بن الحكم، عن عبيدالله بن موسى، عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى العبسي قال: لما قتل عمار رضي الله عنه أتوا حذيفة فقالوا: يا أبا عبد الله قتل هذا الرجل وقد اختلف الناس، فما تقول ؟ قال إذا أتيتم فأجلسوني، قال: فأسندوه إلى صدر رجل منهم، فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أبو اليقظان على الفطرة ثلاث مرات، لن يدعها حتى يموت (1). ضه: مرسلا مثله (2). 7 - لى: بهذا الاسناد عن إبراهيم بن الحكم، عن عبيدالله بن موسى، عن عبد العزيز، بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن يسار، عن عايشة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أشدهما (3). ضه: مرسلا مثله (4). 8 - ن: الدقاق، عن الصوفي، عن الروياني، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه (عليهم السلام) قال: دعا سلمان أبا ذر رحمة الله عليهما إلى منزله فقدم إليه رغيفين، فأخذ أبو ذر الرغيفين يقلبهما، فقال له سلمان: يابا ذر لاي شئ تقلب هذين الرغيفين ؟ قال: خفت أن لا يكونا نضيجين، فغضب سلمان من ذلك غضبا شديدا، ثم قال: ما أجرأك حيث تقلب هذين الرغيفين ؟ فوالله لقد عمل في هذا الخبز الماء الذي تحت العرش، وعملت فيه الملائكة حتى ألقوه إلى الريح، وعملت فيه الريح حتى ألقته إلى السحاب، وعمل فيه السحاب حتى أمطره إلى الارض، وعمل فيه الرعد (5) والملائكة حتى وضعوه مواضعه، وعملت فيه الارض والخشب والحديد و البهائم والنار والحطب والملح، ومالا احصيه أكثر، فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر ؟ فقال أبو ذر: إلى الله أتوب، وأستغفر الله مما أحدثت، وإليك أعتذر مما كرهت، قال: ودعا سلمان أبا ذر رحمة الله عليهما ذات يوم إلى ضيافة فقدم إليه من جرابه كسرا (6)


(1 و 3) امالي الصدوق: 243. (2 و 4) روضة الواعظين: 245. (5) في المصدر: وعمل فيه الرعد والبرق والملائكة. (6) في المصدر: كسرة.

[321]

يابسة وبلها من ركوته، فقال أبو ذر: ما أطيب هذا الخبز لو كان معه ملح، فقام سلمان وخرج فرهن ركوته بملح وحمله إليه، فجعل أبو ذر يأكل ذلك الخبز ويذر عليه ذلك الملح ويقول: الحمد لله الذي رزقنا هذه القناعة، فقال سلمان: لو كانت قناعة لم تكن ركوتي مرهونة (1). لى: ابن موسى، عن الصوفي إلى قوله: مما كرهت (2). 9 - لى: ابن ناتانه، عن علي بن إبراهيم، عن جعفر بن سلمة الاهوازي عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن المسعودي، عن يحيى بن سالم العبدي، عن إسرائيل عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش قال: مر علي (عليه السلام) على بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلمان في ملا، فقال سلمان رحمة الله عليه: ألا تقومون تأخذون بحجزته تسألونه ؟ فوالذي فلق الحبة وبرء النسمة إنه لا يخبركم بسير نبيكم (صلى الله عليه وآله) أحد غيره، وإنه لعالم الارض وربانيها، وإليه تسكن، ولو فقدتموه لفقدتم العلم وأنكرتم الناس (3). بيان: وأنكرتم الناس، أي عبتم أعمالهم ورأيتم منهم ما تنكرون. 10 - ب: السندي بن محمد، عن صفوان الجمال قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله تبارك وتعالى أمرني بحب أربعة، قالوا: من هم يا رسول الله ؟ قال: علي بن أبي طالب منهم، ثم سكت، ثم قال: إن الله تبارك و تعالى أمرني بحب أربعة، قالوا: من هم يا رسول الله ؟ قال: علي بن أبي طالب، و المقداد بن الاسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي (4). 11 - ب: هارون عن ابن صدقة عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) أنه لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله): " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (5) " قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال أيها الناس إن الله تبارك وتعالى قد فرض لي عليكم فرضا، فهل


(1) عيون اخبار الرضا: 215 و 216. (2) امالي الصدوق: 265 و 266. (3) امالي الصدوق: 327. (4) قرب الاسناد: 27. (5) الشورى: 23.

[322]

أنتم مؤدوه ؟ قال: فلم يجبه أحد منهم، فانصرف، فلما كان من الغد قام فيهم فقال مثل ذلك، ثم قام فيهم فقال مثل ذلك في اليوم الثالث فلم يتكلم أحد، فقال: يا أيها الناس إنه ليس من ذهب ولا فضة ولا مطعم ولا مشرب، قالوا: فألقه إذن قال: إن الله تبارك وتعالى أنزل علي " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " فقالوا: أما هذه فنعم، فقال أبو عبد الله: فوالله ما وفى بها إلا سبعة نفر: سلمان وأبو ذر و عمار والمقداد بن الاسود الكندي وجابر بن عبد الله الانصاري ومولى لرسول الله يقال له: الثبيت وزيد بن أرقم (1). 12 - ختص: جعفر بن الحسين، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن أبي الحسن الليثي، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) مثله (2). 13 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا (3) " فهذه نزلت في سلمان الفارسي كان عليه كساء فيه يكون طعامه، وهو دثاره ورداؤه، وكان كساؤه من صوف، فدخل عيينة بن حصن على النبي (صلى الله عليه وآله) وسلمان عنده، فتأذى عيينة بريح كساء سلمان، وقد كان عرق (4)، وكان يوم شديد الحر فعرق في الكساء، فقال: يا رسول الله إذا نحن دخلنا عليك فأخرج هذا واصرفه من عندك، فإذا نحن خرجنا فأدخل من شئت فأنزل الله: " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا (5) " وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري (6). 14 - فس: " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " إلى قوله: " لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (7) " فإنها نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام)


(1) قرب الاسناد: 38. (2) الاختصاص: 63. (3 و 5) الكهف: 28. (4) في المصدر: عرق فيه. (6) تفسير القمى: 395 و 396. (7) الانفال: 2 - 4.

[323]

وأبي ذر وسلمان والمقداد (عليهم السلام) (1). 15 - فس: " لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة " قال الصادق (عليه السلام) هكذا (2) نزلت، وهو أبو ذر وأبو خيثمة وعمرو بن وهب الذين تخلفوا ثم لحقوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك (3). 16 - فس: " من كفر بالله (4) بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " فهو عمار بن ياسر أخذته قريش بمكة يعذبوه بالنار حتى أعطاهم بلسانه ما أرادوا وقلبه مقر (5) بالايمان، وقال علي بن إبراهيم: ثم قال في عمار " ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (6) ". 17 - فس: جعفر بن أحمد (7)، عن عبيدالله بن موسى، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا " قال: هذه نزلت في أبي ذر و المقداد وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر جعل الله لهم جنات الفردوس نزلا: مأوى ومنزلا. الخبر (8). 18 - ل: علي بن محمد بن الحسن، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن إسماعيل بن موسى، عن شريك، عن أبي ربيعه الايادي، عن ابن بريدة، عن أبيه أن رسول الله


(1) تفسير القمى: 236. (2) في المصحف الشريف: [لقد تاب الله على النبي والمهاجرين] والحديث مرسل لا يوجب علما ولا عملا ويخالف ما عليه الشيعة الامامية من عدم التحريف. (3) تفسير القمى: 273، والاية في التوبة: 117. (4) الصحيح كما في المصحف الشريف والمصدر: من بعد. (5) مطمئن خ ملئ خ ل. (6) تفسير القمى: 366 والايتان في النحل: 106 و 110. (7) في المصدر: محمد بن احمد. (8) تفسير القمى: 407 فيه: أي مأوى. والاية في الكهف: 107.

[324]

(صلى الله عليه وآله) قال: إن الله عزوجل أمرني بحب أربعة، فقلنا يا رسول الله من هم ؟ سمهم لنا، فقال: علي منهم، وسلمان وأبو ذر والمقداد، أمرني بحبهم، وأخبرني أنه يحبهم (1). 19 - ل: الاشناني، عن جده، عن إبراهيم بن نصر، عن محمد بن سعيد، عن شريك، عن أبي ربيعة الايادي، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عزوجل أمرني بحب أربعة من أصحابي، وأخبرني أنه يحبهم، قلنا: يا رسول الله فمن هم ؟ فكلنا نحب أن نكون منهم، فقال: ألا إن عليا منهم، ثم سكت، ثم قال: ألا إن عليا منهم، ثم سكت، ثم قال: ألا إن عليا منهم وأبو ذر وسلمان الفارسي والمقداد بن الاسود الكندي (2). جا: المرزباني، عن أمد بن محمد بن عيسى المكي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن الحسين بن الحسين، عن شريك مثله (3). 20 - أقول: وروى ابن عبد البر في الاستيعاب عن سليمان وعبد الله ابني بريدة عن أبيهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله تعالى أمرني بحب أربعة من أصحابي وأخبرني أنه يحبهم، فقيل: يا رسول الله من من هم ؟ قال: علي والمقداد وسلمان وأبو ذر (4). 21 - ل: أبي، عن سعد، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن حفص، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال عمار بن ياسر: قاتلت تحت هذه الراية مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته ثلاثا، وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق أنهم على الباطل الخبر (5). 22 - ل: محمد بن عمر بن محمد بن سالم، عن الحسن بن عبد الله بن محمد الرازي عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله):


(1 و 2) الخصال 1: 121. (3) مجالس المفيد: 73. (4) الاستيعاب 2: 56. (5) الخصال 1: 132 و 133.

[325]

الجنة تشتاق إليك يا علي، وإلى عمار وسلمان وأبي ذر والمقداد (1). 23 - ل: محمد بن علي بن إسماعيل عن البحيري، عن محمد بن حرب الواسطي عن يزيد بن هارون، عن أبي شيبة، عن رجل من همدان، عن أبيه، قال: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): السباق خمسة، فأنا سابق العرب، وسلمان سابق فارس، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبش (2) وخباب سابق النبط (3). بيان: خباب هو ابن الارت بفتح الخاء وتشديد الباء، وفتح الهمزة و الراء وتشديد التاء، قال ابن عبد البر وغيره: وكان فاضلا من المهاجرين الاولين شهد بدرا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان قديم الاسلام ممن عذب في الله وصبر على دينه، نزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين (4) بعد أن شهد مع علي (عليه السلام) صفين والنهروان، وصلى عليه علي وكان سنه إذ مات ثلاثا وستين، و قيل: أكثر، وعن الشعبي أنه سأل عمر خبابا عما لقي من المشركين، فقال: انظر إلى ظهري فنظر فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل، فقال خباب: لقد اوقدت لي نار و سحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهرى (5). 24 - ل: في خبر الاعمش عن الصادق (عليه السلام) قال: الولاية للمؤمنين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله) واجبة، مثل سلمان الفارسي وأبي ذر الفغاري والمقداد بن الاسود الكندي وعمار بن ياسر وجابر بن عبد الله الانصاري وحذيفة بن اليمان وأبي الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وأبي أيوب الانصاري وعبد الله بن الصامت وعبادة بن الصامت وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبو (6) سعيد الخدري و من نحا نحوهم، وفعل مثل فعلهم (7).


(1) الخصال 1: 145. (2) الحبشة خ ل. (3) القبط خ ل الخصال 1: 150. (4) في الاستيعاب: وقيل: بل سنة تسع وثلاثين، وقيل: مات سنة تسع عشرة بالمدينة. (5) الاستيعاب 1: 423 و 424. (6) الصحيح كما في المصدر: وابى سعيد. (7) عيون اخبار الرضا: 269.

[326]

25 - ن: فيما كتب الرضا (عليه السلام) للمأمون من شرايع الدين مثله. 26 - ل: محمد بن عمير البغدادي، عن أحمد بن الحسن بن عبد الكريم عن عباد بن صهيب عن عيسى بن عبد الله العمري، عن أبيه، عن جده، عن جده، عن علي (عليه السلام) قال: خلقت الارض لسبعة (1) بهم يرزقون، وبهم يمطرون، وبهم ينصرون: أبو ذر وسلمان والمقداد وعمار وحذيفة وعبد الله بن مسعود، قال علي: وأنا إمامهم وهم الذين شهدوا الصلاة على فاطمة (عليها السلام). قال الصدوق رضي الله عنه: معنى قوله: خلقت الارض لسبعة نفر، ليس يعني من ابتدائها إلى انتهائها، وإنما يعني بذلك أن الفائدة في الارض قدرت في ذلك الوقت لمن شهد الصلاة على فاطمة (عليها السلام)، وهذا خلق تقدير لا خلق تكوين (2). 27 - ن: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله أمرني بحب أربعة: علي وسلمان وأبي ذر والمقداد بن الاسود (3). صح: عنه (عليه السلام) مثله (4). 28 - ن: بإسناد التميمي عن الرضا، عن علي (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه آله): سلمان منا أهل البيت (5). 29 - ن: بهذا الاسناد عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يقتل عمارا الفئة الباغية (6). 30 - ن: بهذا الاسناد عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: عمار على الحق حتى (7) يقتل بين فئتين، إحدى الفئتين على سبيلي وسنتي، والآخرون مارقة من الدين خارجة عنه (8). 31 - ما: أبو القاسم بن شبل، عن ظفر بن حمدون، عن إبراهيم بن إسحاق


(1) لانهم اكمل من في الارض في عصرهم، فبقاء الارض في زمانهم يكون لاجلهم. (2) الخصال 2: 12. (3) عيون اخبار الرضا: 200. (4) صحيفة الرضا: 31. (5) عيون اخبار الرضا: 224. (6) عيون اخبار الرضا: 223. (7) حين يقتل خ ل. (8) اخبار الرضا: 225.

[327]

الاحمري، عن ابن معروف وابن عيسى معا، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى عن الحسين بن مختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي محدثا وكان سلمان (1) محدثا، قال: قلت: فما آية المحدث ؟ قال يأتيه ملك فينكت في قلبه كيت وكيت (2). 32 - فس: " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار (3) " وهم النقباء وأبو ذر والمقداد وسلمان وعمار، ومن آمن وصدق وثبت على ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) (4). 33 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس معا، عن علي بن محمد بن علي الاشعري، عن محمد بن سالم (5) بن أبي سلمة، عن أبيه عن الحسن بن علي (6) الوشاء، عن محمد بن يوسف، عن منصور بزرج قال: قلت لابي عبد الله الصادق (عليه السلام): ما أكثر ما أسمع منك سيدي ذكر سلمان الفارسي فقال: لا تقل سلمان الفارسي، ولكن قل: سلمان المحمدي، أتدري ما كثرة ذكري له ؟ قلت: لا، قال لثلاث خلال: إحداها إيثاره هوى أمير المؤمنين (عليه السلام) على هوى نفسه، والثانية: حبه الفقراء واختياره إياهم على أهل الثروة والعدد، و الثالثة: حبه العلم والعلماء، إن سلمان كان عبدا صالحا حنيفا مسلما وما كان من المشركين (7). 34 - م، ج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري قال: قال سلمان لعبدالله بن صوريا عند ما قال: جبرئيل عدونا من بين الملائكة: إني أشهد أن من كان عدوا لجبرئيل، فإنه عدو لميكائيل، وإنهما جميعا عدوان لمن عداهما، سلمان لمن سالمهما فأنزل الله تعالى عند ذلك موافقا لقول سلمان رحمة الله عليه: " قل من كان عدو الجبريل "


(1) فيه غرابة جدة الا ان يحمل على ما يأتي في الحديث 41. (2) امالي ابن الشيخ: 260. (3) التوبة 101. (4) تفسير القمى: سورة التوبة (5) سلم خ ل. (6) الواسطي. (7) امالي ابن الشيخ: 83 فيه حبه للفقراء.

[328]

في مظاهرته لاولياء الله على أعدائه، ونزوله بفضائل علي ولي الله من عند الله " فإنه نزله " فإن جبرئيل نزل هذا القرآن " على قلبك بإذن الله " وأمره (1) " مصدقا لما بين يديه " من سائر كتب الله " وهدى " من الضلالة " وبشرى للمؤمنين " بنبوة محمد وولاية علي ومن بعده من الائمة بأنهم أولياء الله حقا إذا ماتوا على موالاتهم لمحمد وعلي وآلهما الطيبين، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا سلمان إن الله صدق قيلك (2) ووفق رأيك، فإن جبرئيل عن الله يقول: يا محمد سلمان والمقداد أخوان متصافيان في ودادك ووداد علي أخيك ووصيك وصفيك، وهما في أصحابك كجبرئيل وميكائيل في الملائكة، عدوان (3) لمن أبغض أحدهما وليان لمن والاهما ووالى محمدا وعليا عدوان لمن عادى محمدا وعليا وأولياءهما، ولو أحب أهل الارض سلمان والمقداد كما تحبهما ملائكة السماوات والحجب والكرسي والعرش لمحض ودادهما لمحمد وعلي وموالاتهما لاوليائهما ومعاداتهما لاعدائهما لما عذب الله تعالى أحدا منهم بعذاب البتة (4). 35 - ج: عن إسحاق بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) في حديث طويل ذكر فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) العذر في ترك قتال من تقدم عليه قال: فلما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشتغلت بدفنه والفراغ من شأنه، ثم آليت يمينا أني لا أرتدي إلا للصلاة وجمع القرآن (5) ففعلت، ثم أخذت بيد فاطمة وابني الحسن والحسين ثم درت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم حقي، ودعوتهم إلى نصرتي فما أجابني منهم إلا أربعة رهط: سلمان وعمار والمقداد وأبو ذر (6). 36 - ج: في رواية سليم بن قيس الهلالي، عن سلمان قال: لما فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من تغسيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتكفينه أدخلني وأدخل أبا ذر و


(1) بامره خ ل. (2) قولك خ ل. (3) عدوان أي: سلمان والمقداد، احدهما، أي: جبرئيل وميكائيل، والعكس بعيد. منه. (4) تفسير العسكري 185 و 186، الاحتجاج: 23 راجعه، والاية في البقرة: 97. (5) في المصدر: حتى اجمع القرآن. (6) الاحتجاج: 101.

[329]

المقداد وفاطمة وحسنا وحسينا (عليهم السلام) فتقدم وصففنا خلفه وصلى عليه، وعايشة في الحجرة لا تعلم، قد أخذ جبرئيل ببصرها، ثم قال سلمان بعد ذكر بيعة أبي بكر وما جرى فيها: فلما كان الليل حمل علي (عليه السلام) فاطمة (عليها السلام) على حمار وأخذ بيد ابنيه حسن وحسين (1) فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الانصار إلا أتاه في منزله، وذكره حقه، ودعاه إلى نصرته، فما استجاب له من جميعهم إلا أربعة وعشرون (2) رجلا، فأمرهم أن يصحبوا بكرة محلقين رؤسهم مع سلاحهم قد بايعوه على الموت، فأصبح ولم يوافه منهم أحد غير أربعة، قلت لسلمان: من الاربعة ؟ قال: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام، ثم أتاهم من الليل (3) فناشدهم فقالوا: نصبحك بكرة فما منهم أحد وفى غيرنا، ثم ليلة الثالثة فما وفى غيرنا فلما رأى علي (عليه السلام) غدرهم وقلة وفائهم لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه الخبر (4). 37 - ج: سليم بن قيس عن عبد الله بن جعفر أنه قال عبد الله بن العباس فيما احتج على معاوية: قد بقي مع صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون بن موسى من أهل بيته سلمان وأبو ذر ومقداد والزبير، ثم رجع الزبير وثبت هؤلاء الثلاثة حتى لقوا الله. الخبر (5). 38 - ج: الاصبغ قال: سأل ابن الكوا أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: عن أي أصحاب رسول الله تسألني ؟ قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أبي ذر الغفاري، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة (6) أصدق من أبي ذر، قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن سلمان الفارسي


(1) في المصدر: الحسن والحسين. (2) في المصدر: واربعون رجلا. وفيه: معهم سلاحهم وقد. (3) في المصدر: من الليل الثاني. (4) الاحتجاج: 52 و 53. وفيه: فما وفى احد غيرنا. (5) الاحتجاج: 155 فيه: [والمقداد] وفيه: مع امامهم حتى لقوا الله (6) في المصدر: على ذى لهجة.

[330]

قال بخ بخ سلمان منا أهل البيت، ومن لكم بمثل لقمان الحكيم ؟ علم علم الاول وعلم الآخر قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن عمار بن ياسر، قال: ذلك امرؤ حرم الله لحمه ودمه على النار، وأن تمس شيئا منهما، قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن حذيفة ابن اليمان، قال: ذلك امرؤ علم أسماء المنافقين، إن تسألوه عن حدود الله تجدوه بها عارفا عالما، قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن نفسك، قال: كنت إذا سألت اعطيت، وإذا سكت ابتديت (1). بيان: قال في النهاية: في الحديث ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر. الخضراء: السماء والغبراء: الارض للونهما، أراد أنه متناه في الصدق إلى الغاية، فجاء به على اتساع الكلام والمجاز انتهى، وتخصيصه بغير المعصومين ظاهر. 39 - ج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري (عليه السلام) قال: قدم جماعة فاستأذنوا على الرضا (عليه السلام) وقالوا: نحن من شيعة علي فمنعهم أياما، ثم لما دخلوا قال لهم: ويحكم إنما شيعة أمير المؤمنين الحسن والحسين وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار ومحمد بن أبي بكر الذين لم يخالفوا شيئا من أوامره (2). أقول: سيأتي الخبر بتمامه في باب صفات الشيعة. 40 - ما: المفيد، عن محمد بن الحسن المقري، عن الحسن بن علي بن عبد الله البغدادي، عن عيسى بن مهران، عن نعيم بن دكين، عن موسى بن قيس، عن الحسين بن أسباط البعدي: قال: سمعت عمار بن ياسر رحمه الله يقول عند توجهه إلى صفين: اللهم لو أعلم أنه أرضى لك أن أرمي بنفسي من فوق هذا الجبل لرميت بها، ولو أعلم أنه أرضى لك أن اوقد لنفسي نارا فاوقع (3) فيها لفعلت، وإني لا اقاتل أهل الشام إلا وأنا اريد بذلك وجهك، وأنا أرجوا أن لا تخيبني وأنا اريد وجهك الكريم (4).


(1) الاحتجاج: 139. (2) الاحتجاج: 234. (3) في المصدر: فأقع (4) امالي ابن الشيخ: 111.

[331]

41 - ع: روي أن سلمان الفارسي كان محدثا فسئل الصادق (عليه السلام) عن ذلك وقيل له: من كان يحدثه ؟ فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، وإنما صار محدثا دون غيره ممن كان يحدثانه: لانهما كانا يحدثانه بمالا يحتمله غيره من مخزون علم الله ومكنونه (1). بيان: لعله (عليه السلام) إنما ذكر هذا المعنى للمحدث هيهنا لضعف عقل السائل (2) أو لان الغالب من حديثه كان على هذا الوجه فلا ينافي ما مر، وما سيأتي من حديث الملك معه نادرا. 42 - ير: يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن زياد القندي، عن الفضل بن عيسى الهاشمي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) أنا وأبي فقال له: أمن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): سلمان رجل منا أهل البيت ؟ قفال: نعم، فقال: أي من ولد عبد المطلب ؟ فقال: منا أهل البيت، فقال له: أي من ولد أبي طالب ؟ فقال: منا أهل البيت، فقال له: إني لا أعرفه، فقال: فاعرفه يا عيسى فإنه منا أهل البيت ثم أومأ بيده إلى صدره، ثم قال: ليس حيث تذهب، إن الله خلق طينتنا من عليين وخلق طينة شيعتنا من دون ذلك، فهم منا، وخلق طينة عدونا من سجين، وخلق طينة شيعتهم من دون ذلك، وهم منهم، وسلمان خير من لقمان (3). 43 - شف: أحمد بن مردويه، عن أحمد بن محمد الخياط، عن الخضر بن أبان عن أبي هدية إبراهيم (4)، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الجنة مشتاقة إلى أربعة من امتي، فهبت أن أسأله من هم، فأتيت أبا بكر فقلت له: إن


(1) علل الشرائع: 72. (2) لعله كان في نظر السائل ان المحدث عن الله تعالى لا يكون إلا الحجة كما يأتي في حديث المروزى، فقرره (عليه السلام) على ذلك وذكر المعنى الصحيح، من كون سلمان محدثا، فعليه يحمل ما تقدم، واما الحديث الوارد من ان الملك كان يحدثه ففيه غرابة مع ضعف سنده. (3) بصائر الدرجات: 6. (4) هكذا في الكتاب ومصدره والصحيح: هدبة بالباء الموحدة.

[332]

النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إن الجنة تشتاق (1) إلى أربعة من امتي فاسأله من هم ؟ فقال: أخاف أن لا أكون منهم فيعيرني به بنو تيم، فأتيت عمر فقلت له مثل ذلك، فقال: أخاف أن لا أكون منهم فيعيرني به بنو عدي، فأتيت عثمان فقلت له مثل ذلك فقال: أخاف أن لا أكون منهم فيعيرني به بنو امية، فأتيت عليا وهو في ناضح له فقلت: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إن الجنة مشتاقة إلى أربعة من امتي فاسأله من هم، فقال: والله لاسألنه فإن كنت منهم لاحمدن الله عزوجل، وإن لم أكن منهم لاسألن الله أن يجعلني منهم، وأودهم، فجاء وجئت معه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فدخلنا على النبي (صلى الله عليه وآله) ورأسه في حجر دحية الكلبي، فلما رآه دحية قام إليه وسلم عليه وقال: خذ برأس ابن عمك يا أمير المؤمنين، فأنت أحق به، فاستيقظ النبي (صلى الله عليه وآله) و رأسه في حجر علي (عليه السلام) فقال له: يا أبا الحسن ما جئتنا إلا في حاجة، قال: بأبي (2) وامي يا رسول الله دخلت ورأسك في حجر دحية الكلبي فقام إلي وسلم علي وقال: خذ برأس ابن عمك إليك، فانت أحق به مني يا أمير المؤمنين، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): فهل عرفته ؟ فقال: هو دحية الكلبي، فقال له: ذاك جبرئيل فقال له: بأبي وامي يا رسول الله أعملني أنس أنك قلت: إن الجنة مشتاقة إلى أربعة من امتي، فمن هم ؟ فأومأ إليه بيده فقال: أنت والله أولهم، أنت والله أولهم أنت والله أولهم، ثلاثا، فقال له: بأبي وأمي فمن الثلاثة ؟ فقال له: المقداد و سلمان وأبو ذر (3). 44 - سر: موسى بن بكر، عن المفضل قال: عرضت على أبي عبد الله (عليه السلام) أصحاب الردة فكل ما سميت إنسانا قال: اعزب، حتى قلت: حذيفة، قال: اعزب، قلت: ابن مسعود، قال: اعزب، ثم قال: إن كنت إنما تريد الذين لم يدخلهم شئ فعليك بهؤلاء الثلاثة: أبو ذر، وسلمان، والمقداد (4).


(1) في المصدر: مشتاقة (2) في المصدر: بابى انت وامى (3) اليقين في امرة امير المؤمنين: 17 و 18. (4) السرائر: 468.

[333]

بيان: اعزب أي ابعد ولا تذكره، فإنه ليس كذلك، قال الجوهري: عزب عني فلان يعزب ويعزب أي بعد وغاب. 45 - شى: حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة ؟ قال: المقداد و أبو ذر وسلمان الفارسي، ثم عرف اناس بعد يسير فقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا حتى جاؤا بأمير المؤمنين (عليه السلام) مكرها فبايع، وذلك قول الله: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (1) ". 46 - شى: الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما قبض صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي، والمقداد، وسلمان، و أبو ذر، فقلت: فعمار ؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شئ فهؤلاء الثلاثة (2). 47 - شى: عن أبي جميلة، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن الله أوحى إلي أن احب أربعة: عليا وأبا ذر وسلمان والمقداد، فقلت: ألا فما كان من كثرة الناس أما كان أحد يعرف هذا الامر ؟ فقال: بلى ثلاثة، قلت: هذه الآيات التي انزلت: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا " وقوله: " أطعيوا الرسول واولي الامر منكم " أما كان أحد يسأل فيم نزلت ؟ فقال: من ثم أتاهم لم يكونوا (3) يسألون. 48 - م: أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما وقد غص مجسله بأهله، فقال: أيكم اليوم نفع بجاهه أخاه المؤمن ؟ فقال علي (عليه السلام): أنا، قال: صنعت ماذا (4) ؟ قال: مررت بعمار بن ياسر وقد لازمه بعض اليهود في ثلاثين درهما كانت له عليه، فقال


(1) تفسير العياشي 1: 199 والاية في آل عمران: 144. (2) تفسير العياشي 1: 199. (3) تفسير العياشي 1: 328 والاية الاولى في المائدة: 58 والثانية في النساء: 59. (4) في المصدر: ماذا صنعت ؟

[334]

عمار: يا أخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يلازمني (1) ولا يريد إلا أذاي وإذلالي لمحبتي لكم أهل البيت فخلصني منه بجاهك، فأردت أن أكلم له اليهودي فقال: يا أخا رسول الله أنا اجلك (2) في قلبي وعيني من أن أبذلك (3) لهذا الكافر، ولكن اشفع لي إلى من لا يردك عن طلبة، فلو أردت جميع جوانب العالم أن يصيرها كأطراف السفرة لفعل فاسأله أن يعينني عن أداء دينه، ويغنيي عن الاستدانة، فقلت: اللهم افعل ذلك به، ثم قلت له: اضرب (4) إلى ما بين يديك من شئ من حجر أو مدر (5) فإن الله يقلبه لك ذهبا ابريزا، فضرب يده فتناول حجرا فيه أمنان فتحول في يده ذهبا ثم أقبل على اليهودي فقال: وكم دينك ؟ قال: ثلاثون درهما، قال: فكم قيمتها من الذهب ؟ قال: ثلاثة دنانير، فقال عمار: اللهم بجاه من بجاهة قلبت هذا الحجر ذهبا لين لي هذا الذهب لافصل قدر حقه، فالأنه الله عزوجل له ففصل ثلاثة مثاقيل وأعطاه، ثم جعل ينظر إليه وقال: اللهم إني سمعتك تقول: " كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى (6) " ولا اريد غنا يطغيني، اللهم فأعد هذا الذهب حجرا بجاه من بجاهه جعلته ذهبا بعد أن كان حجرا، فعاد حجرا فرماه من يده وقال: حسبي من الدنيا والآخرة موالاتي لك يا أخا رسول الله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فتعجبت (7) ملائكة السماوات من قيله وعجت إلى الله تعالى بالثناء عليه، فصلوات الله من فوق عرشه تتوالى عليه، فأبشر يا أبا اليقظان فإنك أخو علي في ديانته (8) ومن أفاضل أهل ولايته ومن المقتولين في محبته، تقتلك الفئة الباغية، وآخر زادك من الدنيا صاع (9) من لبن، ويلحق روحك بأرواح محمد وآله الفاضلين، فأنت من خيار شيعتي (10).


(1) في المصدر: هذا يلازمني. (2) انك اجل خ ل. اقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) في المصدر: من ان اذلك. (4) في المصدر: اضرب يدك. (5) حجرا أو مدرا خ ل. أقول: في المصدر: بحجر أو مدر. (6) العلق: 6. (7) تعجبت خ ل. (8) في دنياه خ ل. (9) في المصدر: [ضياح]: والضيح والضياح: اللبن الممزوج بالماء ولعله مصحف. (10) التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام): 30 و 31.

[335]

49 - م: إن المسلمين لما أصابهم يوم احد من المحن ما أصابهم لقي قوم من اليهود بعده بأيام عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فقالوا لهما: ألم تريا ما أصابكم يوم احد ؟ إنما يحرب كأحد طلاب ملك الدنيا حربه سجال (1)، تارة له وتارة عليه، فارجعوا عن دينه، فأما حذيفة فقال: لعنكم الله لا اقاعدكم ولا أسمع مقالتكم (2)، أخاف على نفسي وديني فأفر بهما منكم، وقام عنهم يسعى، وأما عمار بن ياسر فلم يقم عنهم ولكن قال لهم: معاشر اليهود إن محمد وعد أصحابه الظفر يوم بدر إن يصبروا وظفروا، ووعدهم الظفر يوم احد أيضا إن صبروا ففشلوا وخالفوا فلذلك أصابهم ما أصابهم، ولو أنهم أطاعوا (3) فصبروا ولم يخالفوا غلبوا: فقالت له اليهود: يا عمار وإذا أطعت أنت غلب محمد سادات قريش مع دقة ساقيك ؟ فقال: نعم، والله الذي لا إله إلا هو باعثه (4) بالحق نبيا، لقد وعدني محمد (5) من الفضل والحكمة ما عرفنيه من نبوته، وفهمينه من فضل أخيه ووصيه (6) وخير من يخلفه بعده، والتسليم لذريته الطيبين المنتجبين وأمرني بالدعاء بهم عند شدائدي ومهماتي، ووعدني أنه لا يأمرني بشئ فاعتقدت فيه طاعته إلا بلغته، حتى لو أمرني بحط السماء إلى الارض أو رفع الارضين إلى السماوات لقوى عليه ربي بساقي هاتين الدقيقتين، فقالت اليهود: كلا والله يا عمار محمد أقل عند الله من ذلك وأنت أوضع عند الله وعند محمد من ذلك، وكان فيها أربعون منافقا، فقام عمار عنهم وقال: لقد أبلغتكم حجة ربي، ونصحت لكم ولكنكم للنصيحة كارهون، وجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له رسول الله: يا عمار قد وصل إلي خبركما، أما حذيفة فر (7) بدينه من الشيطان وأوليائه، فهو من عباد الله الصالحين، وأما أنت يا عمار


(1) سجالا خ ل. أقول: الحرب بينهم سجال أي تارة لهم وتارة عليهم. (2) كلامكم خ ل. (3) في المصدر: ولم يخالفوا لما غلبوا بل غلبوا. (4) في المصدر: وبعثه (5) لقد ورد على محمد خ ل. (6) في المصدر: ووصيه وصفيه. (7) في المصدر: فانه فر بدينه.

[336]

فإنك قد ناضلت (1) عن دين الله، ونصحت لمحمد رسول الله، فأنت من المجاهدين في سبيل الله الفاضلين، فبينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعمار يتحادثان إذا حضرت اليهود الذين كانوا كلموه فقالوا: يا محمد ها صاحبك يزعم انه (2) إن أمرته بحط السماء إلى الارض أو رفع الارض إلى السماء فاعتقد طاعتك وعزم على الايتمار لك لاعانه الله عليه، و نحن نقتصر منك ومنه على ما هو دون هذا، إن كنت نبيا فقد قنعنا أن يحمل عمار مع دقة ساقيه هذا الحجر، وكان الحجر مطروحا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بظاهر المدينة يجتمع عليه مائتا رجل ليحركوه فلم يقدروا، فقالوا له: يا محمد إن رام احتماله لم يحركه، ولو حمل في ذلك على نفسه لانكسرت ساقاه، وتهدم جسمه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تحتقروا ساقيه فإنهما أثقل في ميزان حسناته من ثور و ثبير وحراء وأبي قبيس، بل من الارض كلها وما عليها، وإن الله قد خفف بالصلاة على محمد وآله الطيبين ما هو أثقل من هذا الصخرة، خفف العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن كان لا يطيقه معهم العدد الكثير والجم الغفير، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عمار اعتقد طاعتي وقل: اللهم بجاه محمد وآله (3) الطيبين قوني ليسهل الله عليك (4) ما أمرك به كما سهل على كالب بن يوحنا (5) عبور البحر على متن الماء وهو على فرسه يركض عليه بسؤاله الله تعالى بجاهنا أهل البيت، فقالها عمار واعتقدها فحمل الصخرة فوق رأسه، وقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا هي أخف في يدي من خلالة أمسكها بها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حلق بها في الهواء فستبلغ بها قلة ذلك الجبل، وأشار بيده إلى جبل بعيد على قدر فرسخ، فرمى بها عمار وتحلقت في الهواء حتى انحطت على ذروة ذلك الجبل، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لليهود: أو رأيتم ؟ قالوا: بلى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عمار قم إلى ذروة الجبل فتجد هناك صخرة أضعاف ما كانت


(1) أي حاميت وجادلت ودافعت عنه. (2) في المصدر: انك ان امرته. (3) الطاهرين خ. (4) في المصدر: لك. (5) يوفنا خ ل. أقول: في التوراة. كالب بن يفنه.

[337]

فاحتملها وأعدها إلى حضرتي، فخطا عمار خطوة فطويت له الارض ووضع قدميه في الخطوة الثانية على ذروة الجبل وتناول الصخرة المضاعفة وعاد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخطوة الثالثة، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعمار: اضرب (1) بها الارض ضربة شديدة فتهابت اليهود وخافوا، فضرب بها عمار على الارض فتفتتت حتى صارت كالهباء المنثور وتلاشت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): آمنوا أيها اليهود فقد شاهدتم آيات الله، فآمن بعضهم، وغلب الشقاء على بعضهم، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أتدرون معاشر المسلمين ما مثل هذه الصخرة ؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحق نبيا إن رجالا (2) من شيعتنا تكون لهم ذنوب وخطايا أعظم من جبال الارض والارض كلها، والسماء (3) أضعافا كثيرة فما هو إلا أن يتوب ويجدد (4) على نفسه ولايتنا أهل البيت إلا كان قد ضرب بذنوبه الارض أشد من ضرب عمار هذه الصخرة بالارض، وإن رجلا يكون له طاعات كالسماوات والارضين والجبال والبحار فما هو إلا أن يكفر بولايتنا أهل البيت حتى يكون ضرب بها الارض أشد من ضرب عمار لهذه الصخرة بالارض وتتلا شى وتتفتت كتفتت هذه الصخرة، فيرد الآخرة ولا يجد حسنة، وذنوبه أضعاف الجبال والارض والسماء فيشدد حسابه و يدوم عذابه، قال: فلما رأى عمار بنفسه تلك القوة التي جلد بها على الارض تلك الصخرة فتفتت أخذته اريحية (5) وقال: أتاذن لي يا رسول الله اجادل بها هؤلاء (6) اليهود فأقتلهم أجمعين بما اعطيته من هذه القوة ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عمار إن الله يقول: " فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره " بعذابه، ويأتي بفتح مكة وسائر ما وعده (7).


(1) اذن اضرب خ ل. (2) ان رجلا. أقول: الصحيح على هذه النسخة: تكون له. (3) من الجبال والارض. اقول: في المصدر: من جبال احد ومن الارض والسماء كلها باضعاف (4) للصحيح في الافعال صيغة الجمع على نسخة (رجالا). (5) في نسخة من المصدر: اخذته الحمية. (6) ان اجادل هؤلاء. (7) التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام): 213 - 215. وفيه: ما وعدته والاية في سورة البقرة: 109.

[338]

بيان: قال الجوهري: راح فلان للمعروف يراح راحة: إذا أخذته له خفة واريحية، وراحت يده بكذا، أي خفت له. 50 - م: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد (1) " قال الامام (عليه السلام): " ومن الناس من يشري نفسه " يبيعها " ابتغاء مرضات الله " فيعمل بطاعة الله، ويأمر الناس بها، ويصبر على ما يلحقه من ا لاذى فيها، فيكون كمن باع نفسه وسلمها برضى الله (2) عوضنا منها، فلا يبالي ما حل بها بعد أن يحصل لها رضى ربها " والله رؤف بالعباد " كلهم، أما الطالبون لرضاه فيبلغهم أقصى أمانيهم ويزيدهم عليها ما لم تبلغه آمالهم، وأما الفاجرون في دينه فيتأناه ويرفق بهم و يدعوهم إلى طاعته، ولا يمنع (3) من علم أنه سيتوب عن ذنوبه التوبة الموجبة له عظيم كرامته. قال علي بن الحسين (عليه السلام): هؤلاء خيار من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عذبهم أهل مكة ليفتنوهم عن دينهم، منهم بلال وصهيب وخباب وعمار بن ياسر وأبواه فأما بلال اشتراه أبو بكر بن أبي قحافة بعبدين له أسودين، ورجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فكان تعظيمه لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) أضعاف تعظيمه لابي بكر، فقال المفسدون: يا بلال كفرت النعمة، ونقضت ترتيب الفضل، أبو بكر مولاك الذي اشتراك و أعتقك وأنقذك من العذاب، ورد (4) عليك نفسك وكسبك، وعلي بن أبي طالب لم يفعل بك شيئا من هذا، وأنت توقر أبا الحسن عليا بما لا توقر أبا بكر، إن هذا كفر النعمة وجهل بالترتيب (5)، فقال بلال: أفيلزمني أن اوقر أبا بكر فوق توقيري لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ معاذ الله، قال: قد خالف قولكم هذا قولكم الاول


(1) البقرة: 207 (2) في المصدر: مرضات الله. (3) فلا يقتطع خ ل. (4) وفر خ ل، أقول: في المصدر: وقر، ولعله مصحف، يقال: وفر عرض فلان ووفر: صانه ولم يشتمه ووفر العطاء: رده. ووفر الحصة: استبقاها. (5) بالتربية خ ل.

[339]

إن كان لا يجوز لي أن افضل عليا على أبي بكر، لان أبا بكر أعتقني فكذلك لا يجوز لي أن افضل رسول الله على أبي بكر، لان أبا بكر أعتقني، قالوا: لا سواء إن رسول الله أفضل خلق الله، قال بلال: ولا سواء أيضا أبو بكر وعلي، إن عليا نفس أفضل خلق الله، فهو أيضا أفضل خلق الله بعد نبيه، وأحب الخلق إلى الله تعالى لاكله الطير مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي دعا: " اللهم (1) ائتني بأحب خلقك إليك " وهو أشبه خلق الله برسوله لما جعله أخاه في دين الله، وأبو بكر لا يلتمس مني ما تلتمسون، لانه يعرف من فضل علي ما تجهلون، أي يعرف أن حق علي أعظم من حقه، لانه أنقذني من رق العذاب الذي لو دام علي وصبرت عليه لصرت إلى جنات عدن، وعلي أنقذني من رق عذاب الابد، وأوجب لي بمولاتي له وتفضيلي إياه نعيم الابد. وأما صهيب فقال: أنا شيخ كبير لا يضركم كنت معكم أو عليكم، فخذوا مالي ودعوني وديني، فأخذوا ماله وتركوه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا صهيب (2) كم كان مالك الذي سلمته ؟ قال: سبعة آلاف، قال: طابت نفسك بتسليمه ؟ قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا لو كانت الدنيا كلها ذهبة حمراء لجعلتها عوضا عن نظرة أنظرها إليك، ونظرة أنظرها إلى أخيك ووصيك علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا صهيب قد أعجزت (3) خزان الجنان عن إحصاء مالك فيها بمالك هذا واعتقادك فلا يحصيها إلا خالقها. وأما خباب بن الارت فكانوا قد قيدوه بقيد وغل، فدعا الله بمحمد وعلي والطيبين من آلهما فحول الله القيد فرسا ركبه، وحول الغل سيفا بحمايل يقلده فخرج عنهم من أعمالهم، فلما رأوا ما ظهر عليه من آيات محمد لم يجسر أحد أن يقربه وجرد سيفه وقال: من شاء فليقرب، فإني سألته بمحمد وعلي صلى الله عليهما


(1) باللهم خ ل. (2) في المصدر: فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما جاء إليه: يا صهيب. (3) في المصدر: قد عجزت.

[340]

أن لا اصيب بسيفي أبا قبيس إلا قددته نصفين، فضلا عنكم، فتركوه فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). وأما ياسر وام عمار فقتلا في دين الله (1) وصبرا. وأما عمار فكان أبو جهل يعذبه فضيق الله عليه خاتمه في اصبعه حتى أصرعه وأذله، وثقل عليه وقميصه (2) حتى صار أثقل من بدنات حديد، قال لعمار: خلصني مما أنا فيه، فما هو إلا من عمل صاحبك، فخلع خاتمه من إصبعه وقميصه من بدنه، وقال البسه ولا أراك بمكة يعيها (3) علي، فانصرف إلى محمد، فقيل لعمار ما بال خباب نجا بتلك الآية وأبوك أسلما للعذاب حتى قتلا ؟ قال عمار: ذاك حكم من أنقذ إبراهيم من النار، وامتحن بالقتل يحيى وزكريا، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت من كبار الفقهاء يا عمار، فقال عمار: حسبي يا رسول الله من العلم معرفتي بأنك رسول رب العالمين، وسيد الخلق أجمعين، وأن أخاك عليا وصيك وخليفتك وخير من تخلفه بعدك، وأن القول الحق قولك وقوله والفعل الحق فعلك وفعله، وأن الله عزوجل ما وفقني لمولاتكما ومعاداة أعدائكما إلا وقد أراد أن يجعلني معكما في الدنيا والآخرة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هو كما قلت يا عمار، ان الله تعالى يؤيد بك الدين، ويقطع بك معاذير الغافلين ويوضح بك عن عناد المعاندين إذا قتلتك الفئة الباغية على المحقين، ثم قال له: يا عمار بالعلم نلت ما نلت من هذا الفضل، فازدد منه تزدد فضلا، فإن العبد إذا خرج في طلب العلم ناداه الله عزوجل من فوق العرش: مرحبا يا عبدي أتدري أي منزلة تطلب ؟ وأية درجة تروم تضاهي ملائكتي المقربين لتكون لهم قرينا لابلغنك مرادك ولا وصلنك بحاجتك (4).


(1) في المصدر: في الله. (2) في المصدر: وقميصه من بدنه. (3) هكذا في نسخة المصنف، وذكر من نسخة مكانه: [تضيقها] وفى نسخة المصدر: تفتنها خ ل. (4) التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام): 262 و 263.

[341]

بيان: البدن بالتحريك، الدرع القصير. 51 - جا: ابن قولويه، عن أبيه، عن محمد بن يحيى وأحمد بن ادريس معا، عن علي بن محمد الاشعري، عن الحسين بن نصر بن مزاحم، عن أبيه، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعت جابر بن عبد الله بن حزام الانصاري يقول: لو نشر سلمان وأبو ذر رحمهما الله لهؤلاء الذين ينتحلون مودتكم أهل البيت لقالوا: هؤلاء كذابون، ولو رأى هؤلاء اولئك لقالوا: مجانين (1). 52 - ضه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إن الجنة تشتاق إليك وإلى عمار وسلمان وأبي ذر والمقداد. وقال أبو عبد الله (عليه السلام): الايمان عشر درجات، فالمقداد في الثامنة، وأبو ذر في التاسعة، وسلمان في العاشرة. وقال ابن عباس: رأيت سلمان الفارسي رحمه الله في منامي فقلت له: سلمان ؟ فقال: سلمان، فقلت: ألست مولى النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: بلى، وإذا عليه تاج من ياقوت وعليه حلي وحلل، فقلت: يا سلمان هذه منزلة حسنة أعطاكها الله عزوجل فقال: نعم، فقلت: فماذا رأيت في الجنة أفضل بعد الايمان بالله ورسوله ؟ فقال: ليس في الجنة بعد الايمان بالله ورسوله شئ هو أفضل من حب علي بن أبي طالب (عليه السلام) و الاقتداء به، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الجنة لاشوق إلى سلمان من سلمان إلى الجنة وإن الجنة لاعشق لسلمان من سلمان (2) للجنة. قال الباقر (عليه السلام): جاء المهاجرون والانصار وغيرهم بعد ذلك إلى علي (عليه السلام) فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين، وأنت والله أحق الناس وأولاهم بالنبي (صلى الله عليه وآله) هلم يدك نبايعك، فوالله لنموتن، قدامك، فقال علي (عليه السلام): إن كنتم صادقين فاغدوا علي غدا محلقين، فحلق علي (عليه السلام) وحلق سلمان، وحلق مقداد، وحلق أبو ذر، و لم يحلق غيرهم ثم انصرفوا، فجاؤا مرة اخرى بعد ذلك، فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين، وأنت أحق الناس وأولاهم بالنبي (صلى الله عليه وآله) هلم يدك نبايعك وحلفوا


(1) مجالس المفيد: 124 و 125. (2) في المصدر: إلى الجنة.

[342]

فقال: إن كنتم صادقين فاغدوا علي محلقين، فما حلق إلا هؤلاء الثلاثة، قلت: فما كان منهم عمار، قال: لا، قلت: فعمار من أهل النار، فقال: إن عمارا قد قاتل مع علي (عليه السلام). قال ابو الحسن موسى (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين حواري محمد بن عبد الله رسول الله، الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه ؟ فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر، ثم ينادي: أين حواري علي بن أبي طالب وصي محمد بن عبد الله رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فيقوم عمرو بن الحمق الخزاعي ومحمد بن أبي بكر وميثم بن يحيى التمار مولى بني أسد واويس القرني. وقيل لابي جعفر (عليه السلام): ما تقول في عمار قال: رحم الله عمارا ثلاثا، قاتل مع أمير المؤمنين وقتل شهيدا. قال الراوي: فقلت في نفسي: ما يكون منزلة أعظم من هذه المنزلة، فالتفت إلي وقال: لعلك تقول مثل الثلاثة ؟ هيهات هيهات، قال قلت: وما علمه أنه يقتل في ذلك اليوم (1)، قال: إنه لما رأى الحرب لا يزداد إلا شدة والقتل لا يزاد إلا كثرة ترك الصف وجاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين هو هو ؟ قال: ارجع إلى صفك فقال له ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يقول: ارجع إلى صفك، فلما كان في الثالثة قال له: نعم، فرجع إلى صفه وهو يقول: اليوم ألقى الا حبه: محمدا وحزبه. وروي أنه أتى عمار يومئذ بلبن فضحك، ثم قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): آخر شراب تشربه من الدنيا مذقة من لبن. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الجنة تشتاق (2) إلى ثلاثة، قال علي (عليه السلام): فمن هؤلاء الثلاثة ؟ قال: أنت منهم، وأنت أولهم، وسلمان الفارسي فإنه قليل الكبر، وهو لك ناصح فاتخذه لنفسك، وعمار بن ياسر يشهد معك مشاهد غير


(1) في المصدر: في ذلك الموضع واليوم. (2) في المصدر: لمشتاقة.

[343]

واحدة، ليس منها إلا وهو كثير خيره، ضيئ نوره (1)، عظيم أجره. قال الصادق (عليه السلام): ما من أهل بيت إلا ومنهم نجيب، وأنجب النجباء من أهل بيت سوء محمد بن أبي بكر. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حذيفة بن اليمان من أصفياء الرحمن، وأبصركم بالحلال والحرام، وعمار بن ياسر من السابقين، والمقداد بن الاسود من المجتهدين، ولكل شئ فارس، وفارس القرآن عبد الله بن عباس. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة (2) أصدق من أبي ذر، يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، ويدخل الجنة وحده. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أراد أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم (عليه السلام) فلينظر إلى أبي ذر (3). 53 - كا: أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكرت التقية يوما عند علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال: والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخى رسول الله بينهما فما ظنكم بسائر الخلق إن علم العلماء صعب مستصعب، لا يحتمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، فقال: وإنما صار سلمان من العلماء لانه امرؤ منا أهل البيت، فلذلك نسبته إلى العلماء (4). ير: عمران بن موسى، عن محمد بن علي وغيره عن هارون بن مسلم مثله إلا أن فيه: فلذلك نسبه إلينا (5). بيان قوله (عليه السلام): ما في قلب سلمان، أي من مراتب معرفة الله ومعرفة النبي و الائمة صلوات الله عليهم، فلو كان أظهر سلمان له شيئا من ذلك لكان لا يحتمله، ويحمله على الكذب، وينسبه إلى الارتداد أو العلوم الغريبة والآثار العجيبة التي لو أظهرها


(1) في المصدر: مضيئ نوره. (2) في المصدر: على ذى لهجة. (3) روضة الواعظين: 240 - 246 وفيه: إلى زهد ابى ذر. (4) اصول الكافي 1: 401. (5) بصائر الدرجات: 8.

[344]

له لحملها على السحر فقتله، أو كان يفشيه ويظهره للناس فيصير سببا لقتل سلمان على الوجهين، وقيل: الضمير المرفوع راجع إلى العلم، والمنصوب إلى أبي ذر أي لقتل وأهلك ذلك العلم أبا ذر، أي كان لا يحتمله عقله فيكفر بذلك، أولا يطيق ستره و صيانته فيظهره للناس فيقتلونه (1). وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في بعض فوائده حيث سئل عن هذا الخبر: الجواب وبالله التوفيق إن هذا الخبر إذا كان من أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا تثلج صدرا، وكان له ظاهر ينافي المقطوع والمعلوم تأولنا ظاهره على ما يطابق الحق ويوافقه إن كان ذلك مستسهلا، وإلا فالواجب إطراحه وإبطاله، وإذا كان من المعلوم الذي لا يحيل سلامة سريرة كل واحد من سلمان وأبي ذر ونقاء صدر كل واحد منهما لصاحبه، وإنهما ما كانا من المدغلين في الدين ولا المنافقين فلا يجوز مع هذا المعلوم أن يعتقد أن الرسول يشهد بأن كل واحد منهما لو اطلع على ما في قلب صاحبه لقتله على سبيل الاستحلال لدمه، ومن أجود ما قيل في تأويله: أن الهاء في قتله راجع إلى المطلع، لا المطلع عليه، كأنه أراد أنه إذا اطلع على ما في قلبه و علم موافقة باطنه لظاهره وشدة إخلاصه له، اشتد ضننه به، ومحبته له، وتمسكه بمودته ونصرته فقتله ذلك الضن أو الود بمعنى أنه كاد يقتله، كما يقولون: فلان يهوى غيره، وتشتد محبته له حتى إنه قد قتله حبه، أو أتلف نفسه أو ما جرى مجرى هذا من الالفاظ وتكون فائدة هذا الخبر حسن الثنآء على الرجلين، وأنه آخى بينهما وباطنهما كظاهرهما وسرهما في النقاء والصفاء كعلانيتهما. انتهى كلامه رفع الله مقامه ولا يخفى ما فيه (2). 54 - كا: العدة، عن سهل، عن محمد بن ارومة، عن النضر، عن يحيى بن


(1) ويقال في معناه ايضا: أي لكد فكره وخاطره كدا يجهده، وانه عبر بالقتل مبالغة عن شدة المبالغة والمشقة، كما يقول القائل: قتلني انتظار فلان، ومت إلى ان رأيتك وهو يريد الاخبار عن شدة الكلفة والمشقة والمبالغة في وصفها. (2) غرر الفوائد: 419 طبعة ايران.

[345]

أبي خالد القماط، عن حمران بن أعين قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك ما أقلنا، لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها، فقال: ألا احدثك بأعجب من ذلك. المهاجرون والانصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة، قال حمران: فقلت: جعلت فداك ما حال عمار ؟ قال: رحم الله عمارا أبا اليقظان بايع وقتل شهيدا فقلت في نفسي: ما شئ أفضل من الشهادة، فنظر إلي فقال: لعلك ترى أنه مثل الثلاثة ؟ أيهات (1) أيهات (2). 55 - كا: العدة، عن سهل، عن منصور بن العباس، عن سليمان المسترق عن صالح الاحوال قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين سلمان وأبي ذر واشتراط على أبي ذر أن لا يعصي سلمان (3). 56 - فر: علي بن محمد الزهري معنعنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير منمون " قال: هم المؤمنون سلمان الفارسي ومقداد بن الاسود وعمار وأبو ذر رضي الله عنهم، وأمير المؤمنين علي بن أبيطالب (عليه السلام) لهم أجر غير منمون (4). 57 - فر: عبيد بن كثير معنعنا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال خلقت الارض لسبعة، بهم يرزقون: وبهم يمطرون، وبهم ينظرون (5)، وهم عبد الله بن مسعود و أبو ذر وعمار وسلمان الفارسي ومقداد بن الاسود وحذيفة، وأنا إمامهم السابع قال الله تعالى: " وأما بنعمة ربك فحدث " هؤلاء الذين صلوا على فاطمة الزهراء (عليها السلام) (6). 58 - ختص: جعفر بن الحسين المؤمن، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:


(1) هيهات، هيهات خ ل. (2) اصول الكافي 2: 244 و 245. (3) روضة الكافي: 162. (4) تفسير فرات: 207 فيه: [لهم اجر غير ممنون. قال هو امير المؤمنين] والاية في سورة التين: 6. (5) في المصدر: وبهم ينصرون (6) تفسير فرات: 215.

[346]

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله أمرني بحب أربعة، قالوا: ومن هم يا رسول الله ؟ قال: علي ابن أبيطالب، ثم سكت، ثم قال: إن الله أمرني بحب أربعة، قالوا: ومن هم يا رسول الله ؟ قال: علي بن أبيطالب، ثم سكت، ثم قال: إن الله أمرني بحب أربعة، قالوا: ومن هم يا رسول الله ؟ قال: علي بن أبي طالب والمقداد بن الاسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفاسي (1). 59 - ختص: أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن سلمان علم الاسم الاعظم (2). كش: جبرئيل بن أحمد، عن الحسن بن خرزاد، عن ابن مهران، عن البطائني، عن أبي بصير مثله (3). 60 - ختص: أحمد بن محمد بن يحيى، عن أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن عمرو بن سعيد المدائني، عن عيسى بن حمزة قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الحديث الذي جاء في الاربعة، قال: وما هو ؟ قلت: الاربعة التي اشتاقت إليهم الجنة، قال: نعم، منهم سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار، قلنا: فأيهم أفضل ؟ قال: سلمان ثم أطرق ثم قال: علم سلمان علما لو علمه أبو ذر كفر (4). 61 - ختص: محمد بن المحسن، عن سعد، عن محمد بن إسماعيل بن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن المفضل بن صالح، عن محمد بن مروان، عن رجل، عن أبي - جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله أوحى إلي أن احب أربعة: عليا وأبا ذر وسلمان والمقداد (5). مختصر. 62 - ختص: الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن أحمد بن محمد عن أبيه، عن أبي أحمد الازدي، عن أبان الاحمر، عن أبان بن تغلب، عن ابن


(1) الاختصاص: 11. (2 و 3) رجال الكشى: 9. (4 و 5) الاختصاص: 12 و 13.

[347]

ظريف، عن ابن نباته قال: سألت أمير المؤمنين (عليه السلام) عن سلمان الفارسي رحمة الله عليه وقلت: ما تقول فيه ؟ فقال: ما أقول في رجل خلق من طينتا، وروحه مقرونة بروحنا، خصه الله تبارك وتعالى من العلوم بأولها وآخرها وظاهرها وباطنها وسرها وعلانيتها، ولقد حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلمان بين يديه، فدخل أعرابي فنحاه عن مكانه وجلس فيه، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى در العرق بين عينيه واحمرتا عيناه، ثم قال: يا أعرابي أتنحي رجلا يحبه الله تبارك وتعالى في السماء ويحبه رسوله في الارض، يا أعرابي أتنحي رجلا ما حضرني جبرئيل إلا أمرني عن ربي عزوجل أن اقرئه السلام، يا أعرابي إن سلمان مني، من جفاه فقد جفاني، ومن آذاه فقد آذاني، ومن باعده فقد باعدني، ومن قربه فقد قربني يا أعرابي لاتغلطن في سلمان فإن الله تبارك وتعالى قد أمرني أن أطلعه على علم المنايا والبلايا والانساب وفصل الخطاب، قال: فقال الاعرابي: يا رسول الله ما ظننت أن يبلغ من فعل سلمان ما ذكرت، أليس كان مجوسيا ثم أسلم ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا أعرابي اخاطبك عن ربي، وتقاولني، إن سلمان ما كان مجوسيا، ولكنه كان مظهرا للشرك، مبطنا للايمان، يا أعرابي أما سمعت الله عزوجل يقول: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما (1) " أما سمعت الله عزوجل يقول: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (2) " يا أعرابي خذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، ولا تجحد فتكون من المعذبين، وسلم لرسول الله قوله تكن من الآمنين (3). 63 - ختص: الصدوق، عن ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن ابن أبي نجران، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر قال: سمعت جابر بن عبد الله الانصاري يقول: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن سلمان الفارسي فقال (صلى الله عليه وآله): سلمان بحر العلم لا يقدر على نزحه، سلمان مخصوص بالعلم الاول والآخر، أبغض الله من أبغض


(1) النساء: 65. (2) الحشر: 8. (3) الاختصاص: 221 و 222.

[348]

سلمان، وأحب من أحبه، قلت: فما تقول في أبي ذر ؟ قال: وذاك منا، أبغض الله من أبغضه، وأحب من أحبه، قلت: فما تقول في المقداد ؟ قال: وذاك منا، أبغض الله من أبغضه، وأحب من أحبه، قلت: فما تقول في عمار ؟ قال: وذاك منا، أبغض الله من أبغضه، وأحب من أحبه، قال جابر: فخرجت لابشرهم، فلما وليت قال: إلي يا جابر إلى يا جابر، وأنت منا، أبغض الله من أبغضك، وأحب من أحبك، قال: فقلت: يا رسول الله فما تقول في علي بن أبيطالب ؟ فقال: ذاك نفسي، قلت: فما تقول في الحسن والحسين ؟ قال: هما روحي، وفاطمة امهما ابنتي يسوؤني ما ساءها ويسرني ما سرها، اشهد الله أني حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم، يا جابر إذا أردت أن تدعو الله فيستجيب لك فادعه بأسمائهم فإنهم أحب الاسماء إلى الله عزوجل (1). 64 - ختص: بلغنا أن سلمان الفارسي رضي الله عنه دخل مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم فعظموه وقدموه وصدروه إجلالا لحقه، وإعظاما لشيبته، واختصاصه بالمصطفى وآله، فدخل عمر فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب ؟ فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر فخطب فقال: إن الناس من آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لافضل للعربي على العجمي، ولا للاحمر على الاسود إلا بالتقوى سلمان بحر لا ينزف، وكنز لا ينفد، سلمان منا أهل البيت سلسل يمنح الحكمة ويؤتى البرهان (2). بيان: السلسل كجعفر: الماء العذب أو البارد، ولا يبعد أن يكون تصحيف سلمان. 65 - ختص: جرى ذكر سلمان وذكر جعفر الطيار بين يدي جعفر بن محمد (عليهما السلام) وهو متكئ، ففضل بعضهم جعفرا عليه، وهناك أبو بصير، فقال بعضهم: إن سلمان كان مجوسيا ثم أسلم، فاستوى أبو عبد الله (عليه السلام) جالسا مغضبا وقال:


(1) الاختصاص 222 (2) الاختصاص: 341.

[349]

يابا بصير جعله الله علويا بعد أن كان مجوسيا، وقرشيا ببعد أن كان فارسيا فصلوات الله عليه سلمان، وإن لجعفر شأنا عند الله يطير مع الملائكة في الجنة، أو كلام يشبهه (1). 66 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى: " والذين آمنوا وعملوا الصالحات " نزلت في أبي ذر وسلمان ومقداد وعمار، لم ينقضوا العهد وآمنوا بما نزل على محمد " أي ثبتوا على الولاية التي أنزلها الله " وهو الحق " يعني أمير المؤمنين " من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم " (2). 67 - كش: جبرئيل بن أحمد، عن الحسن بن خرزاد، عن محمد بن علي و علي بن أسباط، عن الحكم بن مسكين، عن الحسين بن صهيب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ذكر عنده سلمان الفارسي قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام) مه: لا تقولوا سلمان الفارسي، ولكن قولوا: سلمان المحمدي ذاك رجل منا أهل البيت (3). 68 - كش: جبرئيل، عن ابن خرزاد، عن الحسن بن فضال، عن ثعلبة ابن ميمون، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) محدثا، وكان سلمان محدثا (4). 69 - كش: محمد بن مسعود، عن أحمد بن منصور، عن أحمد بن الفضل، عن محمد بن زياد، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أعين قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان سلمان من المتوسمين (5). 70 - كش: طاهر بن عيسى الوراق، عن جعفر بن أحمد السمرقندي، عن علي بن محمد بن شجاع، عن أحمد بن حمار المروزي، عن الصادق (عليه السلام) انه قال في الخبر الذي روي فيه أن سلمان كان محدثا، قال: إنه كان محدثا عن إمامه، لا عن ربه لانه لا يحدث عن الله عزوجل إلا الحجة (6).


(1) الاختصاص: 341. (2) تفسير القمى: 625، والاية في سورة محمد: 3. (3) رجال الكشى: 8 وفيه: الحسن بن صهيب. (4 - 6) رجال الكشى: 9 و 10.

[350]

بيان: يحتمل هذا الخبر زائدا على ما ذكرناه في الخبر السابق أن يكون المراد بالمنفي تحديث الله تعالى من غير توسط ملك، ويحتملان أيضا أن يكون الغرض نفي نوع من التحديث يخص الامام، ولا يوجد في غيره. 71 - كش: بهذا الاسناد عن ابن شجاع، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير عن حزيمة بن ربيعة يرفعه قال: خطب سلمان إلى عمر فرده ثم ندم فعاد إليه، فقال: إنما أردت أن أعلم ذهبت حمية الجاهلية من قلبك، أم هي كما هي (1). 72 - كش: حمدويه بن نصير، عن اليقطيني، عن يونس بن عبد الرحمن و محمد بن سنان، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان والله علي (عليه السلام) محدثا، وكان سلمان محدثا، قلت: اشرح لي، قال: يبعث الله إليه ملكا ينقر في اذنيه يقول: كيت وكيت (2). 73 - كش: جبرئيل بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن حماد، عن حريز، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: تروي ما يروي الناس أن عليا (عليه السلام) قال في سلمان: أدرك علم الاول وعلم الآخر ؟ قلت: نعم، قال: فهل تدري ما عنى ؟ قال: قلت: يعني علم بني إسرائيل وعلم النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: فقال: ليس هكذا، ولكن علم النبي (صلى الله عليه وآله) وعلم علي (عليه السلام) وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) وأمر علي صلوات الله عليهما (3). 74 - كش: نصر بن الصباح، عن إسحاق بن محمد البصري، عن محمد بن عبد الله بن مهران، عن محمد بن سنان، عن الحسن بن منصور قال: قلت للصادق (عليه السلام): أكان سلمان محدثا ؟ قال: نعم، قلت: من يحدثه ؟ قال: ملك كريم، قلت: فإذا كان سلمان كذا فصاحبه أي شئ هو ؟ قال: أقبلي على شأنك (4). 75 - ل: ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن أبي عبد الله الرازي، عن ابن أبي عثمان، عن محمد بن حماد، عن عبد العزيز القراطيسي قال: قال


(1 - 3) رجال الكشى: 10 و 11. (4) رجال الكشى: 13.

[351]

لي أبو عبد الله (عليه السلام): إن الايمان عشر درجات بمنزلة السلم، يصعد منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولن صاحب الواحد لصاحب الاثنين: لست على شئ حتى ينتهي إلى العاشر، ولا تسقط من هو دونك فيسقطك الذي هو فوقك، فإذا رأيت من هو أسفل منك فارفعه إليك برفق ولا تحملن عليه مالا يطيق فتكسره، فإنه من كسر مؤمنا فعليه جبره، وكان المقداد في الثامنة، وأبو ذر في التاسعة، وسلمان في العاشرة (1). ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن الحسين بن معاوية، عن محمد بن حماد مثله (2). 76 - كش: حمدويه وإبراهيم ابنا نصير، عن محمد بن عثمان، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان الناس أهل ردة (3) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) سنة إلا ثلاثة فقلت: ومن الثلاثة ؟ فقال: المقداد بن الاسود وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ثم عرف الناس بعد يسير، وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى وأبوا أن يبايعوا (4) حتى جاؤا بأمير المؤمنين (عليه السلام) مكرها فبايع، وذلك قول الله عزوجل: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم (5) " الآية. 77 - كش: جبرئيل بن أحمد، عن الحسن بن خرزاد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: ضاقت الارض بسبعة بهم يرزقون، وبهم ينصرون، وبهم يمطرون منهم سلمان الفارسي والمقداد وأبو ذر وعمار وحذيفة رحمة الله عليهم، وكان علي (عليه السلام) يقول: وأنا إمامهم، وهم الذين صلوا على فاطمة (عليها السلام) (6).


(1 و 2) الخصال 2: 59 و 60. (3) في المصدر: اهل الردة. (4) في المصدر: ان يبايعوا لابي بكر. (5) رجال الكشى: 4 والاية في سورة آل عمران: 144. (6) رجال الكشى: 4.

[352]

78 - كش: محمد بن مسعود، عن علي بن الحسن بن فضال، عن العباس ابن عامر، وجعفر بن محمد بن حكيم عن أبان بن عثمان، عن الحارث النضري قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) قال: فلم يزل يسأله حتى قال له: فهلك الناس إذا ؟ قال: إي والله يا ابن أعين، هلك الناس أجمعون، قلت: من في المشرق ومن في المغرب ؟ قال: فقال: إنها فتحت على الضلال (1)، إي والله هلكوا إلا ثلاثة، ثم لحق أبو ساسان وعمار وشتيره وأبو عمرة، فصاروا سبعة (2). 79 - كش: علي بن محمد القتيبي، عن جعفر بن محمد الرازي، عن أبي الحسين (3)، عن عمرو بن عثمان، عن رجل، عن أبي جمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لما مروا بأمير المؤمنين (عليه السلام) في رقبته (4) حبل إلى زريق ضرب أبو ذر بيده على الاخرى ثم قال: ليت السيوف عادت بأيدينا ثانية، وقال مقداد: لو شاء لدعا عليه ربه عزوجل، وقال سلمان: مولاي أعلم بما هو فيه (5). 80 - كش: محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ارتد الناس إلا ثلاثة: أبو ذر وسلمان والمقداد ؟ قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فأين أبو ساسان وأبو عمرة الانصاري (6). بيان: لعل السائل توهم أن الجميع مضوا على الردة ولم يرجعوا، فرد عليه وأخبر باللذين رجعا عن قريب. أقول: سيأتي في باب غصب الخلافة كثير من فضائل الثلاثة وأحوالهم. 81 - كش: روى جعفر غلام عبد الله بن بكير، عن عبد الله بن محمد بن نهيك، عن النصيبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا سلمان اذهب إلى فاطمة (عليها السلام) فقل لها: تتحفك بتحفة من تحف الجنة، فذهب إليها سلمان فإذا بين


(1) في المصدر: انها ان بقوا فتحت على الضلال. (2) رجال الكشى: 5. (3) في المصدر: حدثنى ابو الخير. (4) وفى المصدر: وفى رقبته. (5 و 6) رجال الكشى: 5. (*)

[353]

يديها ثلاث سلال، فقال لها: يا بنت رسول الله اتحفيني (1) ؟ فقالت: هذه ثلاث سلال جاءتني بها ثلاث وصائف، فسألتهن عن أسمائهن فقالت واحدة: أنا سلمى لسلمان وقالت الاخرى: أنا ذرة لابي ذر، وقالت الاخرى: أنا مقدودة لمقداد، قال سلمان: ثم قبضت فناولتني فما مررت بملا إلا ملؤوا طيبا لريحها (2). أقول: سيأتي هذا في خبر طويل أورده السيد في مهج الدعوات في باب فضائل فاطمة صلوات الله عليها، وكتاب الدعاء. 82 - كش: جبرئيل بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله أمرني بحب أربعة، قالوا: ومن هم يا رسول الله ؟ قال: علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم سكت، ثم قال: إن الله أمرني بحب أربعة: قالوا: ومن هم يا رسول الله ؟ قال: علي بن أبي طالب والمقداد بن الاسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي. (3) 83 - ختص: أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه، عن سعد، عن محمد بن الحسين عن محمد بن أسلم الجبلي، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسلمان: يا سلمان لو عرض علمك على مقداد لكفر، يا مقداد لو عرض صبرك على سلمان لكفر (4). 84 - كتاب صفين لنصر بن مزاحم، عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قول الله عزوجل: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد (5) " قال: نزلت في رجل وهو صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جذعان أخذه المشركون في رهط من المسلمين، فيهم خير مولى (6) القريش لبني الحضرمي، وخباب بن الارت مولى ثابت بن ام أنمار، وبلال


(1) في المصدر: اتحفينى من تحف الجنة، قالت. (2) رجال الكشى: 6. (3) رجال الكشى: 7. (4) الاختصاص: 11 و 12. (5) البقرة: 203. (6) في المصدر: مولى قريش.

[354]

مولى أبي بكر، وعايش (1) مولى حويطب بن عبد العزى، وعمار بن ياسر، وأبو عمار، وسمية ام عمار، فقتل أبو عمار وام عمار، وهما أول قتيلين قتلا من المسلمين، وعذب الآخرون بعدما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة فأرادوهم على الكفر، فأما صهيب فكان شيخا كبيرا ذا متاع، فقال للمشركين: هل لكم إلى خير ؟ فقالوا: ما هو ؟ قال: أنا شيخ كبير ضعيف لا يضركم منكم كنت أو من عدوكم، وقد تكلمت بكلام أكره أن أنزل عنه، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني ؟ ففعلوا، فنزلت هذه الآية، فلقيه أبو بكر حين دخل المدينة فقال: ربح البيع يا صهيب، أو قال: وبيعك لا يخسر، وقرأ عليه هذه الآية، ففرح بها، و أما بلال وخباب وعايش (2) وعمار وأصحابهم فعذبوا حتى قالوا بعض ما أراد المشركون ثم ارسلوا، ففيهم نزلت هذه الآية: " والذين هاجروا في الله من بعد ما فتنوا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (3) ". 85 - ومنه: عن أيوب بن خوط، عن الحسن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أخذ في بناء المسجد قال: ابنوا لي عريشا كعريش موسى، وجعل يناول اللبن، وهو يقول: اللهم لا خير (4) إلا خير الآخرة، فاغفر للانصار والمهاجرة، وجعل يتناول من عمار بن ياسر ويقول: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية (5).


(1 و 2) الصحيح: عابس. (3) صفين: 168. والاية في سورة النحل: 41 والصحيح: من بعد ما ظلموا. (4) في المصدر: اللهم انه لا خير. (5) صفين: 168 و 169.

[355]

{ 11 باب } * (كيفية اسلام سلمان رضى الله عنه ومكارم اخلاقه و) * * (بعض مواعظه وسائر احواله) * 1 - لى: حمزة بن محمد العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير (1) عن حفص بن البختري، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) قال: وقع بين سلمان الفارسي رحمه الله وبين رجل كلام وخصومة، فقال له الرجل: من أنت يا سلمان ؟ فقال سلمان: أما أولي وأولك فنطفة قذرة، وأما آخري وآخرك فجيفة منتنة، فإذا كان يوم القيامة ووضعت الموازين فمن ثقل ميزانه فهو الكريم، ومن خف ميزانه فهو اللئيم (2). 2 - ك: أبي، عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا، عن ابن عيسى، عن محمد ابن علي بن مهزيار، عن أبيه، عمن ذكره، عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قلت: يا ابن رسول الله ألا تخبرنا كيف كان سبب إسلام سلمان الفارسي ؟ قال: نعم، حدثني أبي صلوات الله عليه أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله على وآله وسلمان الفارسي وأبا ذر وجماعة من قريش كانوا مجتمعين عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لسلمان: يابا عبد الله ألا تخبرنا بمبدء أمرك ؟ فقال سلمان: والله يا أمير المؤمنين لو أن غيرك سألني ما أخبرته، أنا كنت رجلا من أهل شيراز من أبناء الدهاقين، وكنت عزيزا على والدي، فبينا أنا سائر مع أبي في عيد لهم إذا أنا بصومعة، وإذا فيها رجل ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله، فرصف حب محمد في لحمي (3) ودمي، فلم يهنئني طعام ولا شراب فقالت لي امي: يا بني مالك اليوم لم تسجد لمطلع الشمس ؟ قال: فكابرتها حتى


(1) الصحيح كما في المصدر: على بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابى عمير. (2) امالي الصدوق: 363. (3) في المصدر: فرسخ وصف محمد في لحمى.

[356]

سكتت، فلما انصرفت إلى منزلي إذا أنا بكتاب معلق في السقف، فقلت لامي: ما هذا الكتاب ؟ فقالت: يا روزبه إن هذا الكتاب لما رجعنا من عيدنا رأيناه معلقا فلا تقرب ذلك المكان، فإنك إن قربته قتلك أبوك، قال: فجاهدتها حتى جن الليل، ونام أبي وامي، فقمت وأخذت الكتاب فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من الله إلى آدم، إنه خالق من صلبه نبيا يقال له: محمد، يأمر بمكارم الاخلاق وينهى عن عبادة الاوثان، يا روزبه ائت وصي عيسى فآمن واترك المجوسية. قال: فصعقت صعقة وزادني شدة، قال: فعلم أبي وامي بذلك فأخذوني و جعلوني في بئر عميقة، وقالوا لي: إن رجعت وإلا قتلناك، فقلت لهم: افعلوا بي ما شئتم، حب محمد لا يذهب من صدري، قال سلمان: والله ما كنت أعرف العربية قبل قراءتي الكتاب، ولقد فهمني الله العربية من ذلك اليوم، قال: فبقيت في البئر فجعلوا ينزلون إلي قرصا صغارا، فلما طال أمري رفعت يدي إلى السماء، فقلت: يا رب إنك حببت محمدا ووصيه إلي، فبحق وسيلته عجل فرجي وأرحني مما أنا فيه، فأتاني آت عليه ثياب بيض قال: قم يا روزبه، فأخذ بيدي وأتى بي الصومعة (1) فأنشأت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن عيسى روح الله، وأن محمدا حبيب الله فأشرف علي الديراني فقال: أنت روزبه ؟ فقلت: نعم، فقال: اصعد، فأصعدني إليه، وخدمته حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة قال: إني ميت، فقلت له: فعلى من تخلفني ؟ فقال: لا أعرف أحد يقول بمقالتي إلا راهبا (2) بانطاكية، فإذا لقيته فاقرأه منى السلام وادفع إليه هذا اللوح، وناولني لوحا، فلما مات غسلته وكفنته ودفنته، وأخذت اللوح وصرت به إلى انطاكية، وأتيت الصومعة وأنشأت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن عيسى روح الله، وأن محمدا حبيب الله، فأشرف علي الديراني فقال لي: أنت روزبه ؟ فقلت: نعم، فقال: اصعد فصعدت إليه، فخدمته


(1) في المصدر: إلى الصومعة. (2) راهب خ ل. أقول: في المصدر: يقول بمقالتي هذه الا رهبانا في انطاكية

[357]

حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة قال لي: إني ميت، فقلت: على من تخلفني، فقال: لا أعرف أحدا يقول بمقالتي (1) إلا راهبا (2) بالاسكندرية، فإذا أتيته فاقرأه مني السلام وادفع إليه هذا اللوح، فلما توفي غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح وأتيت الصومعة، وأنشأت أقول: أشهد لا إله إلا الله، وأن عيسى روح الله، و أن محمدا حبيب الله، فأشرف على الديراني، فقال: أنت روزبه ؟ فقلت: نعم، فقال: اصعد فصعدت إليه وخدمته حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة، قال لي: إني ميت قلت: على من تخلفني ؟ فقال: لا أعرف أحدا يقول بمقالتي (3) في الدنيا، وإن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد حانت ولادته، فإذا أتيته فاقرأه مني السلام، و ادفع إليه هذا اللوح، فلما توفي غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح، وخرجت فصحبت قوما فقلت لهم: يا قوم اكفوني الطعام والشراب أكفكم (4) الخدمة ؟ قالوا نعم، قال: فلما أرادوا أن يأكلوا شدوا على شاة فقتلوها بالضرب، ثم جعلوا بعضها كبابا وبعضها شواء (5) فامتنعت من الاكل، فقالوا: كل، فقلت: إني غلام ديراني وإن الديرانيين لا يأكلون اللحم، فضربوني وكادوا يقتلوني، فقال بعضهم: أمسكوا عنه حتى يأتيكم شراب (6)، فإنه لا يشرب، فلما أتوا بالشراب قالوا: اشرب، فقلت: إني غلام ديراني، وإن الديرانيين لا يشربون الخمر، فشدوا علي وأرادوا قتلي، فقلت لهم، يا قوم لا تضربوني، ولا تقتلوني، فإني اقر لكم بالعبودية، فأقررت لواحد منهم وأخرجني وباعني بثلاثمائة درهم من رجل يهودي قال: فسألني عن قصتي فأخبرته، وقلت: ليس لي ذنب إلا أن أحببت (7) محمدا و وصيه، فقال اليهودي: وإني لابغضك وابغض محمدا، ثم أخرجني إلى خارج داره وإذا رمل كثير على بابه، فقال: والله يا روزبه لئن أصبحت ولم تنقل هذا الرمل كله من هذا الموضع لاقتلنك، قال: فجعلت أحمل طول ليلي، فلما أجهدني التعب رفعت يدي


(1 و 3) في المصدر: يقول بمقالتي هذه. (2) راهب خ ل. (4) في المصدر: اكفيكم الخدمة. (5) في المصدر: وبعضها شويا. (6) في المصدر: حتى يأتيكم شرابكم. (7) في المصدر: الا انى احببت.

[358]

إلى السماء فقلت: يا رب إنك حببت محمدا ووصيه إلي، فبحق وسيلته عجل فرجي وأرحني مما أنا فيه، فبعث الله عزوجل ريحا قلعت ذلك الرمل من مكانه إلى المكان الذي قال اليهودي، فلما أصبح نظر إلى الرمل قد نقل كله، فقال: يا روزبه أنت ساحر وأنا لا أعلم، فلاخرجنك من هذه القرية لئلا تهلكها، قال: فأخرجني وباعني من امرأة سليمية فأحبتني حبا شديدا، وكان لها حائط فقالت: هذا الحائط لك، كل منه ما شئت، وهب وتصدق (1)، قال: فبقيت في ذلك الحائط ما شاء الله فبينما أنا ذات يوم في الحائط إذا أنا بسبعة رهط قد أقبلوا تظلهم غمامة، فقلت في نفسي: والله ما هؤلاء كلهم أنبياء، وإن فيهم نبيا، قال: فأقبلوا حتى دخلوا الحائط والغمامة تسير معهم، فلما دخلوا إذا فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وأبو ذر والمقداد وعقيل بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، فدخلوا الحائط فجعلوا يتناولون من حشف النخل، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لهم: كلوا الحشف، ولا تفسدوا على القوم شيئا، فدخلت على مولاتي فقلت لها: يا مولاتي هبي لي طبقا من رطب، فقالت: لك ستة أطباق، قال: فجئت فحملت طبقا من رطب فقلت في نفسي: إن كان فيهم نبي فانه لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، فوضعته بين يديه فقلت: هذه صدقة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كلوا، وأمسك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وعقيل بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب، وقال لزيد: مد يك وكل، فأكلوا وقلت في نفسي: هذه علامة، فدخلت إلى مولاتي فقلت لها هبي (2) طبقا آخر فقالت لك ستة أطباق، قال: جئت فحملت طبقا من رطب فوضعته بين يديه فقلت: هذه هدية فمد يده قال: بسم الله كلوا، فمد القوم جميعا أيديهم وأكلوا، فقلت في نفسي: هذه أيضا علامة قال: فبينا أنا أدور خلفه إذ حانت من النبي (صلى الله عليه وآله) التفاته فقال: يا روزبه تطلب خاتم النبوة ؟ فقلت: نعم فكشف عن كتفيه فإذا أنا بخاتم النبوة معجون بين كتفيه عليه شعرات (صلى الله عليه وآله)، فقال: فسقطت على قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) اقبلها، فقال لي: يا روزبه ادخل على هذه المرأة وقل لها: يقول لك محمد بن عبد الله: تبيعينا هذا الغلام ؟ فدخلت


(1) في المصدر: ونهب ونصدق. (2) في المصدر: هبى لى

[359]

فقلت لها: يا مولاتي إن محمد بن عبد الله يقول لك: تبيعينا هذا الغلام ؟ فقالت: قل له: لا أبيعكه إلا بأربعمائة نخلة: مائتي نخلة منها صفراء ومائتي نخلة منها حمراء قال: فجئت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبرته، فقال: ما أهون ما سألت، ثم قال: قم يا علي فاجمع هذا النوى كله، فأخذه وغرسه، قال: اسقه، فسقاه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فما بلغ آخره حتى خرج النخل ولحق بعضه بعضا، فقال لي: ادخل إليها وقل لها: يقول لك محمد بن عبد الله: خذي شيئك وادفعي إلينا شيئنا، قال: فدخلت عليها وقلت ذلك (1)، فخرجت ونظرت إلى النخل فقالت: والله لا أبيعكه إلا بأربع مائة نخلة كلها صفراء، قال: فهبط جبرئيل (عليه السلام) فمسح جناحه على النخل فصار كله أصفر قال: ثم قال لي: قل لها: إن محمدا يقول لك: خذي شيئك وادفعي إلينا شيئنا، فقلت لها (2) فقالت: والله لنخلة من هذه أحب إلي من محمد ومنك، فقلت: لها والله ليوم (3) مع محمد أحب إلي منك ومن كل شئ أنت فيه، فأعتقني رسول الله (صلى الله عليه وآله): وسماني سلمانا. قال الصدوق رحمه الله: كان اسم سلمان روزبه بن جشبوذان (4)، وما سجد قط لمطلع الشمس، وإنما كان يسجد لله عزوجل، وكانت القبلة التي امر بالصلاة إليها شرقية، وكان أبواه يظنان أنه إنما يسجد لمطلع الشمس كهيئتهم، وكان سلمان وصي وصي عيسى في أدآء ما حمل إلى من انتهت إليه الوصية من المعصومين وهو ابي (عليه السلام)، وقد ذكر قوم أن ابي هو أبو طالب وإنما اشتبه الامر به، لان أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن آخر أوصياء عيسى (عليه السلام) فقال: ابي، فصحفه الناس فقالوا: أبي، ويقال له: بردة أيضا (5). بيان: روي في " ضه (6) " أيضا خبر سلمان مرسلا إلى آخره. وقال الجوهري: رصفت الحجارة في البناء أرصفها رصفا: إذا ضممت بعضها إلى بعض.


(1) في المصدر: وقلت ذلك لها. (2) في المصدر: فقلت لها ذلك. (3) في المصدر: ليوم واحد. (4) في المصدر: خشبوذان. (5) اكمال الدين: 96 - 99. (6) روضة الواعظين: 325 - 328.

[360]

2 - ل: أبي عن محمد بن العطار، عن الاشعري، عن اللؤلؤي، عن إسحاق الضحاك، عن منذر الجوان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال سلمان رحمة الله عليه: عجبت بست ثلاث أضحكتني وثلاث أبكتني فأما الذي (1) أبكتني ففراق الاحبة: محمد وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الله عزوجل، وأما التي أضحكتني فطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أرضى لله أم سخط (2). سن: أبي رفعه إلى سلمان رضي الله عنه (3). 3 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن أحمد بن سلمة، عن إبراهيم بن محمد، عن الحسن بن حذيفة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مرض رجل من أصحاب سلمان رحمه الله فافتقده فقال: أين صاحبكم ؟ قالوا: مريض، قال: امشوا بنا نعوده فقاموا معه فلما دخلوا عليه فإذا هو يجود بنفسه، فقال سلمان: يا ملك الموت ارفق بولي الله، فقال ملك الموت بكلام يسمعه من حضر: يابا عبد الله إني أرفق بالمؤمنين ولو ظهرت لاحد لظهرت لك (4). 4 - ج: احتجاج سلمان الفارسي رضوان الله عليه على عمر بن الخطاب في جواب كتاب كتبه إليه كان حين هو عامل على المدائن بعد حذيفة بن اليمان، بسم الله الرحمن الرحيم، من سلمان مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عمر بن الخطاب، أما بعد فانه قد أتاني منك كتاب يا عمر تؤنبني (5) فيه وتعيرني وتذكر فيه أنك بعثتني أميرا على أهل المدائن. وأمرتني أن أقص أثر حذيفة، وأستقصي أيام أعماله وسيره، ثم اعلمك قبيحها وحسنها، وقد نهاني الله عن ذلك يا عمر في محكم كتابه، حيث قال: " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله (6) "


(1) في المصدر: فاما التى. (2) الخصال 1: 158. (3) المحاسن: 4 راجعه. (4) امالي ابن الشيخ: 80. (5) تنبئني خ ل. (6) الحجرات: 12.

[361]

وما كنت لاعطي الله في أثر حذيفة واطيعك، وأما ما ذكرت أني أقبلت على سف الخوص وأكل الشعير فما هما مما يعير به مؤمن ويؤنب عليه، وأيم الله يا عمر لاكل الشعير وسف الخوص والاستغناء به عن ريع المطعم والمشرب وعن عصب مؤمن وادعاء ما ليس لي بحق (1) أفضل وأحب إلى الله عزوجل، وأقرب للتقوى، ولقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أصاب الشعير أكله وفرح به ولم يسخط (2)، وأما ما ذكرت من عطائي (3) فإني قدمته ليوم فاقتي وحاجتي، ورب العزة يا عمر ما ابالي إذا جاز طعامي لهواتي، وساغ لي في حلقي، ألباب البر ومخ المعز كان أو خشارة الشعير وأما قولك: إني أضعفت سلطان الله وأوهنته وأذللت نفسي وامتهنتها حتى جهل أهل المدائن أمارتي فاتخذوني جسرا يمشون فوقي، ويحملون علي ثقل حمولتهم، وزعمت أن ذلك مما يوهن سلطان الله ويذله، فاعلم أن التذلل في طاعة الله أحب إلي من التعزز في معصية الله وقد علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتألف الناس ويتقرب منهم ويتقربون منه في نبوته وسلطانه، حتى كان (4) بعضهم في الدنو منهم، وقد كان يأكل الجشب ويلبس الخشن، وكان الناس عنده قرشيهم وعربيهم وأبيضهم وأسودهم سواء في الدين فأشهد أني سمعته يقول: " من ولى سبعة من المسلمين بعدي ثم لم يعدل فيهم لقي الله وهو عليه غضبان " فليتني يا عمر أسلم من أمارة المدائن مع ما ذكرت أني ذللت نفسي وامتهنتها، فكيف يا عمر حال من ولى الامة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإني سمعت الله يقول: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علو في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (5) " اعلم أني لم أتوجه أسوسهم واقيم حدود الله فيهم إلا بارشاد دليل عالم (6)، فنهجت فيهم بنهجه، وسرت فيهم بسيرته، واعلم أن الله تبارك وتعالى لو أراد بهذه الامة خيرا وأراد بهم رشدا الولى عليهم أفضلهم وأعلمهم، ولو كانت هذه


(1) في المصدر: عن غصب مؤمن حقه وادعاء ما ليس له بحق (2) في المصدر: ولم يسخطه (3) في المصدر: من اعطائي. (4) في المصدر: حتى كانه (5) القصص: 83. (6) اراد امير المؤمنين عليا (عليه السلام). وكذا قوله: افضلهم.

[362]

الامة من الله خائفين، ولقول نبيها (1) متبعين وبالحق عالمين ما سموك أمير المؤمنين فاقض ما أنت قاض، فإنما (2) تقضي هذه الحياة الدنيا، ولا تغتر بطول عفو الله (3) وتمديده لك من تعجيل عقوبته، واعلم أنه ستدركك عواقب ظلمك في دنياك واخراك وسوف تسئل عما قدمت وأخرت (4). بيان: سففت الخوص: نسجته، والحوض: بالضم: ورق النخل. الريع: الزيادة والنمآء. واللهوات: اللحمات في سقف أقصى الفم. وساغ الشراب: سهل مدخله في الحلق. والخشارة بالضم: ما يبقى على المائدة مما لا خير فيه، وكذلك الردي من كل شئ، ومالا لب له من الشعير، ويقال: طعام جشب، أي غليظ ويقال: هو الذي لا ادم معه. 5 - ص: الصدوق، عن عبد الله بن حامد، عن محمد بن يعقوب، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن أسد، عن ابن عباس، عن سلمان الفارسي - رحمه الله - قال: كنت رجلا من أهل إصفهان من قرية يقال لها: جي ؟، وكان أبي دهقان أرضه، وكن يحبني حبا شديدا، يحبسني في البيت كما تحبس الجارية، وكنت صبيا لا أعلم من أمر الناس إلا ما أرى من المجوسية، حتى أن أبي بنى بنيانا وكان له ضيعة فقال: يا بني شغلني من اطلاع الضيعة ما ترى، فانطلق إليها ومرهم بكذا وكذا، ولا تحبس عني (5) فخرجت اريد الضيعة فمررت بكنيسة النصارى فسمعت أصواتهم فقلت: ما هذا ؟ قالوا: هؤلاء النصارى يصلون، فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم فوالله ما زلت جالسا عندهم حتى غربت الشمس وبعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت ولم أذهب إلى ضيعته، فقال أبي: أين كنت ؟ قلت: مررت بالنصارى فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم: فقال: أي بني إن دين آبائك خير


(1) في المصدر: ولقول نبى الله متبعين، وبالحق عالمين. (2) في المصدر: انما. (3) في المصدر: عفو الله عنك. (4) الاحتجاج: 71 و 72. (5) ولا تحتبس خ ل. (*)

[363]

من دينهم، فقلت: لا والله ما هذا بخير من دينهم، هؤلاء قوم يعبدون الله ويدعونه ويصلون له، وأنت إنما تعبد نارا أوقدتها بيدك، إذا تركتها ماتت، فجعل في رجلي حديدا وحبسني في بيت عنده، فبعث إلى النصارى فقلت: أين أصل هذا الدين ؟ قالوا: بالشام، قلت: إذا قدم عليكم من هناك ناس فأذنوني، قال: نفعل، فبعثوا بعد أنه قد تجار فبعث إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الخروج فأذنوني به، قالوا: نفعل ثم بعثوا إلي بذلك، فطرحت الحديد من رجلي، وانطلقت معهم، فلما قدمت الشام قلت: من أفضل هذا الدين ؟ قالوا: الاسقف صاحب الكنيسة، فجئت فقلت: إني أحببت أن أكون معك وأتعلم منك الخير، قال: فكن معي، فكنت معه، وكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة فإذا جمعوها (1) اكتنزها ولم يعطها المساكين منها ولا بعضها، فلم يلبث أن مات، فلما جاؤا أن يدفنوه قلت: هذا رجل سوء ونبهتهم على كنزه، فأخرجوا سبع قلال مملوة ذهبا، فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة وجاؤا برجل آخر فجعلوه مكانه، فلا والله يا ابن عباس ما رأيت رجلا قط أفضل منه، وأزهد في الدنيا، وأشد اجتهادا منه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة وكنت احبه فقلت: يا فلان قد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي ؟ قال: أي بني ما أعلم إلا رجلا بالموصل، فأته فانك ستجده على مثل حالي فلما مات وغيب لحقت بالموصل فأتيته فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك، فقال: يا بني كن معي، فأقمت عنده حتى حضرته الوفاة، قلت: إلى من توصي بي ؟ قال: الآن يا بني لا أعلم إلا رجلا بنصيبين فالحق به، فلما دفناه لحقت به، فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك فقال: يا بني أقم، فأقمت عنده فوجدته على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة، فقلت: إلى من توصي بي ؟ قال: ما أعلم إلا رجلا بعمورية من أرض الروم، فأته فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه، فلما واريته خرجت إلى العمورية فأقمت عنده فوجدته على


(1) فإذا جمعوا خ ل.

[364]

مثل حالهم، واكتسبت غنيمة وبقرات إلى أن حضرته الوفاة، فقلت: إلى من توصي بي ؟ قال: لا أعلم أحدا على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظلك زمان بني يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض ذات سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تمضي إلى تلك البلاد فافعل، قال: فلما واريناه أقمت حتى مر رجال من تجار العرب منكلب فقلت لهم: تحملوني معكم حتى تقدموني أرض العرب واعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي، قالوا: نعم فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا جاؤا بي وادي القرى ظلموني وباعوني عبدا من رجل يهودي، فوالله لقد رأيت النخل وطمعت أن تكون البلد الذي نعت لي فيه صاحبي، حتى قدم رجل من بني قريظة من يهود وادي القرى، فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج حتى قدم بي المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها وعرفت نعتها، فأقمت مع صاحبي، وبعث الله رسوله بمكة لا يذكر لي شئ من أمره، مع ما أنا فيه من الرق حتى قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبا، وأنا أعمل لصاحبي في نخل له، فوالله إنى لكذلك إذ جاء ابن عم له فقال: قاتل الله بني قيلة (1)، والله إنهم لفي قبا يجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي، فوالله ما هو إلا قد سمعتها فأخذتني الرعدة حتى ظننت لاسقطن على صاحبي، ونزلت أقول: ما هذا الخبر ؟ ما هو ؟ فرفع مولاي يده فلكمني فقال: مالك ولهذا ؟ اقبل على عملك، فلما أمسيت وكان عندي شئ من طعام فحملته وذهبت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقباء فقلت: بلغني أنك رجل صالح وأن معك أصحابا، وكان عندي شئ من الصدقة فها هو ذا فكل منه، فأمسك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لاصحابه: كلوا ولم يأكل، فقلت في نفسي: هذه خصلة (2) مما وصف لي صاحبي، ثم رجعت وتحول رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، فجمعت شيئا كان عندي ثم جئته به فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية وكرامة ليست بالصدقة، فأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأكل أصحابه، فقلت: هاتان خلتان، ثم جئت


(1) قيلة: ام الاوس والخزرج (2) خلة خ ل.

[365]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يتبع جنازة وعليه شملتان، وهو في أصحابه، فاستدرت به لانظر إلى الخاتم في ظهره، فلما رآني رسول الله (صلى الله عليه وآله) استدبرته عرف أني أستثبت شيئا قد وصف لي، فرفع رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه اقبله وأبكي، فقال: تحول يا سلمان هنا، فتحولت وجلست بين يديه، وأحب (1) أن يسمع أصحابه حديثي عنه، فحدثته يا ابن عباس كما حدثتك، فلما فرغت قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كات يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة احييها له، وأربعين اوقية، فأعانني أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنخلة ثلاثين ودية، وعشرين ودية، كل رجل على قدر ما عنده، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا أضعها بيدي، فحفرت لها حيث توضع، ثم جئت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: قد فرغت منها فخرج معي حتى جاءها، فكنا نحمل إليه الودي فيضعه بيده فيسوي عليها، فوالذي بعثه بالحق نبيا ما مات منها ودية واحدة وبقيت علي الدراهم، فأتاه رجل من بعض المغازي (2) بمثل البيضة من الذهب، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أين الفارسي المكاتب المسلم ؟ فدعيت له، فقال: خذ هذه يا سلمان فأدها مما عليك فقلت: يا رسول الله أين تقع هذه مما علي ؟ فقال: إن الله عزوجل سيوفي بها عنك فوالذي نفس سلمان بيده لوزنت لهم منها اربعين اوقية فأديتها إليهم، وعتق سلمان قال: وكان الرق قد حبسني حتى فاتني مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدر واحد، ثم عتقت فشهدت الخندق، ولم يفتني معه مشهد. وفي رواية عن سلمان رضي الله عنه أن صاحب عمورية لما حضرته الوفاة قال: ائت غيضتين من أرض الشام، فإن رجلا يخرج من إحداهما إلى الاخرى في كل سنة ليلة يعترضه ذوو الاسقام فلا يدعو لاحد مرض إلا شفي، فاسأله عن هذا الدين الذي


(1) أي أحب النبي ان يسمع أصحابه ما أحدث عنه، أي عن أحواله وما سمعت الرهانبة فيه، ويمكن أن يقرأ أحب بصيغة المتكلم، أي كنت احب ان يخبر أحوالى بعلم النبوة فيسمع الاصحاب عنه، لكنه لم يفعل، والاول أظهر منه. (2) المعادن خ ل.

[366]

تسألني عنه عن الحنيفية دين إبراهيم (عليه السلام) فخرجت حتى أقمت بها سنة حتى خرج تلك الليلة من إحدى الغيضتين إلى الاخرى، وكان فيها حتى ما بقي إلا منكبيه (1) فأخذت (2) به فقلت: رحمك الله الحنيفية دين إبراهيم، فقال: إنك تسأل عن شئ ما سأل عنه الناس، اليوم قد أظلك نبي يخرج عند هذا البيت بهذا الحرم يبعث بذلك الدين فقال الراوي: يا سلمان لئن كان كذلك لقد رأيت عيسى بن مريم صلوات الله عليه (3). بيان: لكمه كنصرة: ضربه بجمع كفه: والودية: الصغيرة من النخل. والغيضة: مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. وكان فيها، أي في الغيضة الاخرى أي لحقته حين وضع رجله في الغيضة الثانية، وأراد أن يدخلها ولم يبق خارجا منها إلا منكبه. لقد رأيت عيسى أي مثله. 6 - يج: روي أنه لما وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة مهاجرا نزل بقبا، قال: لا أدخل المدينة حتى يلحق بي علي، وكان سلمان كثير السؤال عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان قد اشتراه بعض اليهود، وكان يخدم نخلا لصاحبه، فلما وافى (عليه السلام) قبا، وكان سلمان قد عرف بعض أحواله من بعض أصحاب عيسى وغيره فحمل طبقا من تمر وجاءهم به، فقال: سمعنا أنكم غرباء وافيتم إلى هذا الموضع فحملنا هذا إليكم من صدقتنا فكلوا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سموا وكلوا، ولم يأكل هو منه شيئا، وسلمان واقف ينظر فأخذ الطبق وانصرف وهو يقول: هذه واحدة، بالفارسية، ثم جعل في الطبق تمرا آخر وحمله فوضعه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: رأيتك لم تأكل من تمر الصدقة، وهذه هدية (4)، فمد يده (صلى الله عليه وآله) وأكل، وقال لاصحابه: كلوا باسم الله، فأخذ سلمان الطبق ويقول: هذان اثنان، ثم دار خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعلم (صلى الله عليه وآله) مراده منه، فأرخى


(1) منكبه خ ل. (2) بثوبه خ ل. (3) قصص الانبياء، مخطوط. وما ظفرت بنسخته. (4) فحملت هذا هدية خ ل.

[367]

رداءه عن كتفيه، فرأى سلمان الشأمة، فوقع عليها فقبلها، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ثم قال: إني عبد ليهودي فما تأمرني ؟ قال: اذهب فكاتبه على شئ ندفعه إليه، فصار سلمان إلى اليهودي فقال: إني أسلمت واتبعت هذا النبي على دينه، ولا تنتفع بي، فكاتبني على شئ أدفعه إليك وأملك نفسي فقال اليهودي: اكاتبك على أن تغرس لي خمسمائة نخلة، وتخدمها حتى تحمل ثم تسلمها إلي، وعلى أربعين أوقية ذهبا جيدا، وانصر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره بذلك، قال (صلى الله عليه وآله): اذهب فكاتبه على ذلك، فمضى سلمان وكاتبه على ذلك وقدر اليهودي أن هذه شئ لا يكون إلا بعد سنين، وانصرف سلمان بالكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: اذهب فائتني بخمسمائة نواة. وفي رواية الحشوية: بخمسمائة فسيلة. فجاء سلمان بخمسمائة نواة، فقال: سلمها إلى علي، ثم قال لسلمان: اذهب بنا إلى الارض التي طلب النخل فيها، فذهبوا إليها، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يثقب (1) الارض باصبعه، ثم يقول لعي: ضع في الثقب (2) نواة، ثم يرد التراب عليها و يفتح رسول الله أصابعه فينفجر الماء من بينها، فيسقى ذلك الموضع، ثم يصير إلى موضع ثان (3) فيفعل بها كذلك، فإذا فرغ من الثانية تكون الاولى قد نبتت ثم يصير إلى موضع الثالثة فإذا فرغ منها تكون الاولى قد حملت، ثم يصير إلى موضع رابع وقد نبتت الثالثة وحملت الثانية، وهكذا حتى فرغ من غرس الخمسمائة وقد حملت كلها، فنظر اليهودي، وقال: صدقت قريش أن محمدا ساحر، وقال: قد قبضت منك النخل فأين الذهب ؟ فتناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجرا كان بين يديه فصار ذهبا أجود ما يكون، فقال اليهودي: ما رأيت ذهبا قط مثله، وقدره مثل تقدير عشر أواقي، فوضعه في الكفة فرجح فزاد عشرا، فرجح حتى صار أربعين اوقية


(1) ينقب خ ل. (2) في النقب خ ل. (3) الثانية خ ل.

[368]

لا تزيد ولا تنقص، قال سلمان، فانصرفت إلى رسول الله فلزمت خدمته و أنا حر (1). 7 - يج: روي أن عليا (عليه السلام) دخل المسجد بالمدينة غداة يوم قال: رأيت في النوم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال لي: إن سلمان توفي ووصاني بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وها أنا خارج إلى المدائن لذلك، فقال عمر: خذ الكفن من بيت المال، فقال علي (عليه السلام) ذلك مكفي مفروغ منه، فخرج والناس معه إلى ظاهر المدينة، ثم خرج وانصرف الناس، فلما كان قبل ظهيرة رجع وقال: دفنته، وأكثر الناس لم يصدقوا حتى كان بعد مدة، وصل من المدائن مكتوب أن سلمان توفي في يوم كذا، ودخل علينا أعرابي فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه، ثم انصرف فتعجب الناس كلهم (2). 8 - قب: كتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهد لحي سلمان بكازرون: هذا كتاب من محمد بن عبد الله رسول الله، سأله الفارسي سلمان وصية بأخيه مهاد بن فروخ بن مهيار وأقاربه وأهل بيته وعقبه من بعده، ما تناسلوا من أسلم منهم، وأقام على دينه سلام الله، أحمد الله إليكم، إن الله تعالى أمرني أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أقولها وآمر الناس بها، والامر كله لله، خلقهم وأماتهم، وهو ينشرهم وإليه المصير. ثم ذكر فيه من احترام سلمان إلى أن قال: وقد رفعت عنهم جز الناصية والجزية والخمس والعشر وسائر المؤن والكلف فإن سألوكم فأعطوهم، وإن استغاثوا بكم فأغيثوهم، وإن استجاروا بكم فأجيروهم وإن أساؤا فاغفروا لهم، وإن اسئ إليهم فامنعوا عنهم وليعطوا من بيت مال المسلمين في كل سنة مائتي حلة، ومن الاواقي مائة، فقد استحق سلمان ذلك من رسول الله. ثم دعا لمن عمل به، ودعا على من أذاهم. وكتب علي بن أبي طالب والكتاب إلى اليوم في أيديهم، ويعمل القوم برسم النبي (صلى الله عليه وآله)، فلولا ثقته بأن


(1 و 2) لم نجده في الخرائج المطبوع، وهو مختصر من الخرائج الاصلى.

[369]

دينه يطبق الارض لكان كتبه هذا السجل مستحيلا (1). 9 - م: قال أبو محمد العسكري (عليه السلام): إن سلمان الفارسي رحمة الله عليه مر بقوم من اليهود فسألوه أن يجلس إليهم ويحدثهم بما سمع من محمد في يومه هذا فجلس إليهم لحرصه على إسلامهم، فقال: سمعت محمد (صلى الله عليه وآله) يقول: إن الله عزوجل يقول: يا عبادي أو ليس من له إليكم حوائج كبار لا تجودون بها إلا أن يتحمل عليكم بأحب الخلق إليكم تقضونها كرامة لشفيعهم ؟ ألا فاعلموا أن أكرم الخلق علي وأفضلهم لدي محمد وأخوه علي ومن بعده من الائمة الذين هم الوسائل إلي ألا فليدعني من همته حاجة يريد نفعها أو دهته (2) داهية يريد كشف (3) ضررها بمحمد وآله الافضلين الطيبين الطاهرين أقضها له أحسن ما يقيضها (4) ممن تستشفعون إليه بأعز الخلق عليه، فقالوا لسلمان وهم يسخرون ويستهزؤن به: يابا عبد الله ما بالك لا تقترح على الله وتتوسل بهم أن يجعلك أغنى أهل المدينة ؟ فقال سلمان: قد دعوت الله بهم وسألته ما هو أجل وأفضل وأنفع من ملك الدنيا بأسرها سألته بهم صلى الله عليهم أن يهب لي لسانا لتمجيده وثنائه ذاكرا، وقلبا لالائه شاكرا، وعلى الدواهي الداهية لي صابرا، وهو عزوجل قد أجابني إلى ملتمسي من ذلك، وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها، وما تشتمل عليه من خيراتها مائة ألف ألف مرة، قال (عليه السلام): فجعلوا يهزؤن به ويقولون: يا سلمان لقد ادعيت مرتبة عظيمة شريفة نحتاج أن نمتحن صدقك عن كذبك فيها، وها نحن أولا قائمون (5)


(1) مناقب آل ابى طالب 1: 97 أقول: وقد ذكر صاحب مجموعة الوثائق السياسية نسخة هذا العهد في القسم الرابع من كتابه، في ذكر ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من العهود ص 365 - 367. اخرجها من نسخة عهد نشرها جمشيد جى جيرجى من اعاظم مجوس الهند في بومباى سنة 1221 اليزد جردية لموافقة سنة 1851، وهى مبنية على اصل كان عندهم وذكرها ايضا عن طبقات المحدثين باصبهان لابن حبان واخبار اصفهان لابي نعيم وقد ذكرها مفصلة، وفيها ما يخالف المذكور ههنا عن المناقب، والفاظ العهد واسلوبه يغاير سائر عهوده راجعه. (2) أو دهمته خ ل. (3) كف خ ل. (4) احسن من يقضيها خ ل. (5) في المصدر: إذا قائمون.

[370]

إليك بسياطنا فضاربوك بها، فاسئل ربك أن يكف أيدينا عنك، فجعل سلمان يقول: اللهم اجعلني على البلاء صابرا. وجعلوا يضربونه بسياطهم حتى أعيوا وملوا، و جعل سلمان لا يزيد على قوله: اللهم اجعلني على البلاء صابرا، فلما ملوا وأعيوا قالوا له: يا سلمان ما ظننا أن روحا ثبت (1) في مقرها مع شدة هذا العذاب الوارد عليك، ما بالك لا تسأل (2) ربك أن يكفنا عنك ؟ فقال: لان سؤالي ذلك ربي خلاف الصبر، بل سلمت لامهال الله تعالى لكم، وسألته الصبر، فلما استراحوا قاموا إليه بعد بسياطهم فقالوا: لانزال نضربك بسياطنا حتى تزهق روحك، أو تكفر بمحمد (صلى الله عليه وآله)، فقال: ما كنت لافعل ذلك، فإن الله قد أنزل على محمد: " الذين يؤمنون بالغيب " وإن احتمالي لمكارهكم لادخل في جملة من مدحه الله تعالى بذلك سهل علي يسير، فجعلوا يضربونه بسياطهم حتى ملوا ثم قعدوا، وقالوا: يا سلمان لو كان لك عند ربك قدر لايمانك بمحمد لاستجاب الله دعاءك وكفنا عنك، فقال سلمان: ما أجهلكم كيف يكون مستجيبا دعائي إذا فعل بي خلاف ما اريد منه، أنا أردت منه الصبر فقد استجاب لي وصبرني، ولم أسأله كفكم عني فيمنعني حتى يكون ضد دعائي كما تظنون، فقاموا إليه ثالثة بسياطهم فجعلوا يضربونه وسلمان لا يزيد على قوله: اللهم صبرني على البلاء في حب صفيك وخليلك (3) محمد، فقالوا له: يا سلمان ويحك أو ليس محمد قد رخص لك أن تقول من الكفر به ما تعتقد (4) ضده للتقية من أعدائك ؟ فما لك لا تقول ما نقترح به عليك للتقية ؟ فقال سلمان: إن الله قد رخص لي في ذلك ولم يفرضه علي، بل أجاز لي أن لا اعطيكم ما تريدون وأحتمل مكارهكم، وجعله أفضل المنزلتين، وأنا لا أختار غيره، ثم قاموا إليه بسياطهم وضربوه ضربا كثيرا وسيلوا دماءه وقالوا له وهم ساخرون: لا تسأل الله كفنا عنك، ولا تظهر لنا ما نريده منك لنكف به عنك، فادع علينا بالهلاك إن كنت


(1) في المصدر: يثبت. (2) لم تسأل خ ل. (3) حبيبك خ ل. (4) في المصدر: ان تقول كلمة الكفر بما تعتقد.

[371]

من الصادقين في دعواك أن الله تعالى لا يرد دعاءك بمحمد وآله الطيبين، فقال سلمان: إني لاكره أن أدعو الله لهلاككم مخافة أن يكون فيكم من قد علم الله أنه سيؤمن بعد فأكون قد سألت الله تعالى اقتطاعه عن الايمان، فقالوا: قل اللهم أهلك من كان في معلومك (1) أنه يبقى إلى الموت على تمرده، فإنك لا تصادف بهذا الدعاء ما خفته، قال: فانفرج له حائط البيت الذي هو فيه مع القوم، وشاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: يا سلمان ادع عليهم بالهلاك، فليس فيهم أحد يرشد، كما دعا نوح (عليه السلام) على قومه لما عرف أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فقال سلمان: تريدون أن أدعو عليكم بالهلاك ؟ فقالوا: تدعوا أن يقلب الله سوط كل واحد منا أفعى تعطف رأسها، ثم تمشش (2) عظام سائر بدنه، فدعا الله بذلك فما من سياطهم سوط إلا قلبه الله تعالى عليهم أفعى لها رأسان، فتناول (3) برأس منها رأسه وبرأس آخر يمينه التي كان فيها سوطه، ثم رضضتهم ومششتهم وبلعتهم و التقمتهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في مجلسه: معاشر المسلمين إن الله قد نصر أخاكم سلمان ساعتكم هذه على عشرين من مردة اليهود والمنافقين، قلب سياطهم أفاعي رضضتهم ومششتهم وهشمت عظامهم والتقمتهم، فقوموا بنا ننظر إلى تلك الافاعي المبعوثة لنصرة سلمان، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه إلى تلك الدار، وقد اجتمع إليها جيرانها من اليهود والمنافقين لما سمعوا ضجيج القوم بالتقام الافاعي لهم، وإذا هم خائفون منها نافرون من قربها، فلما جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرجت كلها من البيت إلى الشارع المدينة، وكان شارعا ضيقا، فوسعه الله تعالى وجعله عشرة أضعافه، ثم نادت الافاعي: السلام عليك يا محمد يا سيد الاولين والآخرين السلام عليك يا علي يا سيد الوصيين، السلام على ذريتك الطبين الطاهرين الذين جعلوا على الخلائق قوامين، ها نحن سياط هؤلاء المنافقين، قلبنا الله تعالى أفاعي بدعاء هذا المؤمن سلمان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الحمد لله الذي جعل من امتي


(1) في نسخة من المصدر، في علمك. (2) تمش خ ل. (3) تناول خ ل.

[372]

من يضاهي بدعائه عند كفه وعند انبساطه نوحا نبيه، ثم نادت الافاعي: يا رسول الله: قد اشتد غضبنا غيظا على هؤلاء الكافرين، وأحكامك وأحكام وصيك جايزة علينا في ممالك رب العالمين، ونحن نسألك أن تسأل الله تعالى أن يجعلنا من أفاعي جهنم التي تكون فيها لهؤلاء معذبين، كما كنا لهم في الدنيا ملتقمين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد أجبتكم إلى ذلك، فالحقوا بالطبق الاسفل من جهنم بعد أن تقذفوا ما في أجوافكم من أجزاء هؤلاء (1) الكافرين ليكون أتم لخزيهم وأبقى للعار عليهم إذا كانوا بين أظهرهم مدفونين، يعتبر بهم المؤمنون المارون بقبورهم، يقولون: هؤلاء الملعونون المخزيون بعداء ولي محمد: سلمان الخير من المؤمنين، فقذفت الافاعي ما في بطونها من أجزاء أبدانهم فجاء أهلوهم فدفنوهم وأسلم كثير من الكافرين، وأخلص كثير من المنافقين، وغلب الشقاء على كثير من الكافرين والمنافقين، وقالوا: هذا سحر مبين، ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سلمان فقال: يابا عبد الله أنت من خواص إخواننا المؤمنين، ومن أحباب قلوب ملائكة الله المقربين إنك في ملكوت السماوات والحجب الكرسي والعرش وما دون ذلك إلى الثرى أشهر في فضلك عندهم من الشمس الطالعة في يوم لاغيم فيه ولا قتر ولا غبار في الجو أنت من أفاضل الممدوحين بقوله: " الذين يؤمنون بالغيب " (2). توضيح: قال الفيروز آبادي: المش: الخلط حتى يذوب، ومسح اليد بالشئ لتنظيفها، ومص أطراف العظام كالتمشش، وأخذ مال الرجل شيئا بعد شئ. والقتر: الغبرة. 10 - قب: روى حبيب بن حسن العتكي. عن جابر الانصاري قال: صلى بنا أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فقال: معاشر الناس أعظم الله أجركم في أخيكم سلمان، فقالوا في ذلك، فلبس عمامة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودراعته، و أخذ قضيبه وسيفه، وركب على العضباء وقال لقنبر: عد عشرا، قال: ففعلت فإذا


(1) في المصدر: من اجزاء اجسام هؤلاء الكافرين. (2) التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام): 24 - 26 والاية في البقرة: 3.

[373]

نحن على باب سلمان، قال زذان: فلما أدركت سلمان الوفات قلت له: من المغسل لك ؟ قال: من غسل رسول الله، فقلت: إنك بالمدائن وهو بالمدينة، فقال: يا زاذان إذا شددت لحيي تسمع الوجبة، فلما شددت لحييه سمعت الوجبة وأدركت الباب فإذا أنا بأمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا زاذان قضى أبو عبد الله سلمان ؟ قلت: نعم يا سيدي، فدخل وكشف الرداء عن وجهه فتبسم سلمان إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لم: مرحبا يا أبا عبد الله إذا لقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقل له ما مر على أخيك من قومك ثم أخذ في تجهيزه فلما صلى عليه كنا نسمع من أمير المؤمنين (عليه السلام) تكبيرا شديدا وكنت رأيت معه رجلين، فقال: أحدهما جعفر أخي، والآخر الخضر (عليهما السلام)، و مع كل واحد منهما سبعون صفا من الملائكة، في كل صف ألف ألف ملك (1). بيان: قوله: فقالوا في ذلك، أي ما قالوا، قوله، عشرا، لعل المراد الخطوات. والوجبة: السقطة مع الهدة، أو صوت الساقط. 11 - كش: حمدويه بن نصير، عن أبي الحسين بن نوح، عن صفوان، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أدرك سلمان العلم الاول والعلم الآخر، وهو بحر لا ينزح، وهو منا أهل البيت، بلغ من علمه أنه مر برجل في رهط فقال له: يا عبد الله تب إلى الله عزوجل من الذي عملت به في بطن بيتك البارحة. قال: ثم مضى، فقال له القوم: لقد رماك سلمان بأمر فما رفعته (2) عن نفسك، قال: إنه أخبرني بأمر ما اطلع عليه إلا الله وأنا. وفي خبر آخر مثله وزاد في آخره: إن الرجل كان أبا بكر بن أبي قحافة (3). ختص: ابن قولويه، عن أبيه وابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى عن ابن فضال، عن ابن بكير مثله إلى قوله: إلا الله رب العالمين وأنا (4). 12 - كش: جبرئيل بن أحمد، عن سهل بن زياد، عن مخل، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: دخل أبو ذر على سلمان وهو يطبخ قدرا له فبيناهما يتحادثان


(1) مناقب آل ابى طالب 2: 131. (2) فما دفعته خ ل. (3) رجال الكشى: 8. (4) الاختصاص: 11.

[374]

إذا انكبت (1) القدر على وجهها على الارض فلم يسقط من مرقها ولا من ودكها (2) شئ فعجب من ذلك أبو ذر عجبا شديدا، وأخذ سلمان القدر فوضعها على حالها الاول على النار ثانية، وأقبلا يتحدثان، فبينما هما يتحدثان إذا انكبت القدر على وجهها فلم يسقط منها شئ من مرقها ولا من ودكها قال فخرج أبو ذر وهو مذعور من عند سلمان، فبينما هو متفكر إذ لقي أمير المؤمنين (عليه السلام) على الباب، فلما أن بصر به أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له: يابا ذر ما الذي أخرجك وما الذي ذعرك (3) ؟ فقال له أبو ذر: يا أمير المؤمنين رأيت سلمان صنع كذا وكذا فعجبت من ذلك فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا با ذر إن سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان يابا ذر إن سلمان باب الله في الارض، من عرفه كان مؤمنا، ومن أنكره كان كافرا، وإن سلمان منا أهل البيت (4). 13 - يل: حدثنا الامام شيخ الاسلام أبو الحسن بن على بن محمد المهدي بالاسناد الصحيح عن الاصبغ بن نباتة أنه قال: كنت مع سلمان الفارسي رحمه الله وهو أمير المدائن في زمان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وذلك أنه قد ولاه المدائن عمر بن الخطاب، فقام إلى أن ولى الامر علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال الاصبغ: فأتيته يوما وقد مرض مرضه الذي مات فيه، قال: فلم أزل أعوده في مرضه حتى اشتد به الامر وأيقن الموت، قال: فالتفت إلي وقال لي: يا أصبغ عهدي برسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يا سلمان سيكلمك ميت إذا دنت وفاتك، وقد اشتهيت أن أدري وفاتي دنت أم لا، فقال الاصبغ: بماذا تأمر يا سلمان يا أخي ؟ قال له: تخرج وتأتيني بسرير وتفرش عليه ما يفرش للموتى، ثم تحملني بين أربعة فتأتون بي إلى المقبرة، فقال الاصبغ: حبا وكرامة، فخرجت مسرعا وغبت ساعة وأتيته بسرير وفرشت عليه ما يفرش للموتى، ثم أتيته بقوم حملوه حتى أتوا به إلى المقبرة


(1) إذا انكفت خ ل. (2) الودك: الدسم من اللحم والشحم. (3) في المصدر: اذعرك. (4) رجال الكشى: 10.

[375]

فلما وضعوه فيها قال لهم: يا قوم استقبلوا بوجهي القبلة، فلما استقبل القبلة بوجهه نادى بعلو (1) صوته: السلام عليكم يا أهل عرصة البلا، السلام عليكم يا محتجبين عن الدنيا، قال فلم يجبه أحد، فنادى ثانية: السلام عليكم يا من جعلت المنايا لهم غداء السلام عليكم يا من جعلت الارض عليكم غطاء، السلام عليكم يامن لقوا أعمالهم في دار الدنيا، السلام عليكم يا منتظرين النفخة الاولى، سألتكم بالله العظيم، والنبي الكريم إلا أجابني منكم مجيب، فأنا سلمان الفارسي مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنه قال لي: يا سلمان إذا دنت وفاتك سيكلمك ميت، وقد اشتهيت أن أدري دنت وفاتي أم لا، فلما سكت سلمان من كلامه فإذا هو بميت قد نطق من قبره وهو يقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، يا أهل البناء والفناء المشتغلون بعرصة الدنياها نحن لكلامك مستمعون، ولجوابك مسرعون، فسل عما بدالك يرحمك الله تعالى، قال سلمان: أيها الناطق بعد الموت، المتكلم بعد حسرة الفوت، أمن أهل الجنة أم من أهل النار (2) ؟ فقال: يا سلمان أنا ممن أنعم الله تعالى عليه بعفوه وكرمه، وأدخله جنته برحمته، فقال له سلمان: الآن يا عبد الله صف لي الموت كيف وجدته، وماذا لقيت منه، وما رأيت وما عانيت ؟ قال: مهلا يا سلمان فوالله إن قرضا بالمقاريض ونشرا بالمناشير لاهون علي من غصة الموت، اعلم أني كنت في دار الدنيا ممن ألهمني الله تعالى الخير، وكنت أعمل به، واؤدي فرائضه، وأتلوا كتابه، وأحرص في بر الوالدين، وأجتنب المحارم (3)، وأفزع عن المظالم (4)، وأكد الليل و النهار في طلب الحلال خوفا من وقفة السؤال، فبينا أنا في ألذ عيش وغبطة وفرح وسرور إذ مرضت وبقيت في مرضي أياما حتى انقضت من الدنيا مدتي، فأتاني عند ذلك شخص عظيم الخلقة، فظيع المنظر، فوقف مقابل وجهي، لا إلى السماء صاعدا، ولا إلى الارض نازلا، فأشار إلى بصري فأعماه، وإلى سمعي فأصمه، وإلى لساني


(1) بأعلى خ ل. (2) في المصدر: امن اهل الجنة بعفوه، ام من اهل النار بعدله. (3) واجتنب الحرام والمحارم خ ل. (4) في المصدر: وانزع عن المظالم.

[376]

فعقره (1)، فصرت لا أبصر ولا أسمع، فعند ذلك بكوا أهلي وأعواني، وظهر خبري إلى إخواني وجيراني، فقلت له عند ذلك: من أنت يا هذا الذي أشغلتني عن مالي وأهلي وولدي، فقال: أنا ملك الموت، أتيتك لانقلك من دار الدنيا إلى الآخرة فقد انقضت مدتك، وجاءت منيتك، فبينا هو كذلك يخاطبني إذ أتاني شخصان وهما أحسن خلق رأيت (2)، فجلس أحدهما عن يميني، والآخر عن شمالي فقالا لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، قد جئناك بكتابك فخذه الآن، وانظر ما فيه فقلت لهم: أي كتاب لي أقرأه ؟ قالا: نحن الملكان اللذان كنا معك في دار الدنيا نكتب مالك وما عليك، فهذا كتاب عملك فنظرت في كتاب الحسنات وهو بيد الرقيب فسرني ما فيه وما رأيت من الخير، فضحكت عند ذلك وفرحت فرحا شديدا، ونظرت إلى كتاب السيئات وهو بيد العتيد فساءني ما رأيت وأبكاني، فقالا لي: أبشر فلك الخير، ثم دنا مني الشخص الاول فجذب الروح، فليس من جذبه يجذبها إلا وهي تقوم مقام كل شدة من السماء إلى الارض، فلم يزل كذلك حتى صارت الروح في صدري، ثم أشار إلي بحربة لو أنها وضعت على الجبال لذابت، فقبض روحي من عرنين أنفي، فعلا (3) عند ذلك الصراخ، وليس من شئ يقال أو يفعل إلا وأنا به عالم، فلما اشتد صراخ القوم وبكاؤهم جزعا علي فالتفت إليهم ملك الموت بغيظ و حنق وقال: معاشر القوم ممن بكاؤكم ؟ فوالله ما ظلمناه فتشكوا، ولا اعتدينا عليه فتصيحوا وتبكوا، ولكن نحن وأنتم عند (4) رب واحد. ولو امرتم فينا كما امرنا فيكم لامتثلتم فينا كما امتثلنا فيكم، والله ما أخذناه حتى فني رزقه، وانقطعت مدته وصار إلى رب كريم يحكم فيه ما يشآء، وهو على كل شئ قدير، فإن صبرتم اجرتم (5)، وإن جزعتم أثمتم، كم لي من رجعة إليكم، أخذ البنين والبنات و الآباء والامهات، ثم انصرف عند ذلك عني والروح معه، فعند ذلك أتاه ملك


(1) في المصدر: فأخرسه ظ. (2) في المصدر: ما رأيت احسن منهما. (3) في المصدر: فعلا من اهلي. (4) عبيد خ ل. أقول: في المصدر: عبد. (5) أو جرتم خ ل.

[377]

آخر فأخذها منها وتركها في ثوب من حرير وصعد بها، ووضعها بين يدي الله في أقل من طبقة جفن، فلما حصلت الروح بين يدي ربي سبحانه وتعالى وسألها عن الصغيرة والكبيرة وعن الصلاة والصيام في شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، وقراءة القرآن والزكاة والصدقات، وسائر الاوقات والايام، وطاعة الوالدين، وعن قتل النفس بغير الحق، وأكل مال اليتيم، وعن مظالم العباد، وعن التهجد بالليل والناس نيام وما يشاكل ذلك، ثم من بعد ذلك ردت الروح إلى الارض بإذن الله تعالى، فعند ذلك أتاني غاسل فجردني من أثوابي، وأخذ في تغسيلي، فنادته الروح، يا عبد الله رفقا بالبدن الضعيف، فوالله ما خرجت من عرق إلا انقطع، ولا عضو إلا انصدع فوالله لو سمع الغاسل ذلك القول لما غسل ميتا أبدا، ثم إنه أجرى علي الماء وغسلني ثلاثة أغسال، وكفنني في ثلاثة أثواب، وحنطني في حنوط، وهو الزاد الذي خرجت به إلى دار الآخرة، ثم جذب الخاتم من يدي اليمنى بعد فراغه من الغسل، ودفعه إلى الاكبر من ولدي، وقال: آجرك الله في أبيك، وحسن (1) لك الاجر والعزاء ثم أدرجني في الكفن، ولقنني ونادى أهلي وجيراني وقال هلموا إليه بالوداع فأقبلوا عند ذلك لوداعي، فلما فرغوا من وداعي حملت على سرير من خشب، والروح عند ذلك بين وجهي وكفني وضعت للصلاة فصلوا علي، فلما فرغوا من الصلاة وحملت إلى قبري ودليت فيه فعانيت هولا عظيما، يا سلمان يا عبد الله اعلم، أني قد سقطت من السماء إلى الارض في لحدي، وشرج علي اللبن، وحثا التراب علي فعند ذلك سلبت الروح من اللسان، وانقلب السمع والبصر (2)، فلما نادى المنادي بالانصراف أخذت في الندم، فقلت ياليتني كنت من الراجعين، فجاوبني مجيب من جانب القبر: كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون، فقلت له: من أنت يا هذا الذي تكلمني وتحدثني، فقال: أنا منبه قال: أنا ملك وكلني الله عزوجل بجميع خلقه، لانبههم بعد مماتهم، ليكتبوا أعمالهم على أنفسهم بين يدي


(1) في المصدر: واحسن. (2) فعند ذلك رجعت الروح إلى اللسان والقلب والسمع خ ل.

[378]

الله عزوجل، ثم إنه جذبني وأجلسني، وقال لي: اكتب عملك، فقلت: إني لا احصيه، فقال لي: أما سمعت قول ربك: " أحصاه الله ونسوه (1) " ثم قال لي: اكتب وأنا املي عليك، فقلت: أين البياض ؟ فجذب جانبا من كفني فإذا هو رق فقال: هذه صحيفتك، فقلت: من أين القلم ؟ قال سبابتك، فقلت: من أين المداد قال: ريقك، ثم أملى قال تعالى: " ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (2) " ثم إنه أخذ الكتاب وختمه بخاتم وطوقه في عنقي، فخيل لي أن جبال الدنيا جميعا قد طوقوها في عنقي، فقلت له: يا منبه ولم تفعل بي كذا ؟ قال: ألم تسمع قول ربك: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك بنفسك اليوم عليك حسيبا (3) " فهذا تخاطب به يوم القيامة ويؤتى بك وكتابك بين عينيك منشورا، تشهد فيه على نفسك، ثم انصرف عني فأتاني منكر بأعظم منظر وأوحش شخص، وبيده عمود من الحديد، لو اجتمعت عليه الثقلان ما خركوه، ثم إنه صاح بي صيحة لو سمعها، أهل الارض لماتوا جميعا، ثم قال لي: يا عبد الله أخبرني من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ وما عليه أنت ؟ وما قولك في دار الدنيا ؟ فاعتقل لساني من فزعه، وتحيرت في أمري، وما أدري ما أقول، وليس في جسمي عضو إلا فارقني من الخوف، فأتتني رحمة من ربي فأمسك (4) قلبي، وأطلق بها لساني، فقلت له: يا عبد الله لما تفزعني وأنا أعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وأن الله ربي، ومحمد (5) نبيي، والاسلام، والقرآن كتابي، والكعبة قبلتي وعلي إمامي، والمؤمنون إخواني، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، فهذا قولي واعتقادي، وعليه ألقى ربي في معادي، فعند ذلك


(1) سورة المجادلة: 6. (2) الكهف: 49. (3) الاسراء: 13 و 14. (4) في المصدر: فامسك بها. (5) في المصدر: ومحمد نبيى.

[379]

قال لي: الآن أبشر يا عبد الله بالسلامة، فقد نجوت ومضى عني، وأتاني نكير وصاح صيحة هائلة أعظم من الصحية الاولى، فاشتبك أعضائي بعضها في بعض كاشتباك الاصابع ثم قال لي: هات الآن عملك يا عبد الله فبقيت حائرا متفكرا في رد الجواب، فعند ذلك صرف الله عني شدة الروع والفزع وألهمني حجتي، وحسن اليقين والتوفيق فقلت عند ذلك: يا عبد الله رفقا بي، فإني قد خرجت من الدنيا وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والميزان حق، والنار والبعث حق، وأن الجنة وما وعد الله فيها من النعيم حق، وأن النار وما أوعد الله فيها من العذاب حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ثم قال لي: يا عبد الله أبشر بالنعيم الدائم والخير المقيم، ثم إنه أضجعني وقال: نم نومة العروس، ثم إنه فتح لي بابا من عند رأسي إلى الجنة، وبابا من عند رجلي إلى النار، ثم قال لي: يا عبد الله انظر إلى ما صرت إليه من الجنة والنعيم، وإلى ما نجوت منه من نار الجحيم، ثم سد الباب الذي من عند رجلي، وأبقى الباب الذي من عند رأسي مفتوحا إلى الجنة، فجعل يدخل علي من روح الجنة ونعيمها، وأوسع لحدي مد البصر، ومضى عني، فهذا صفتي وحديثي وما لقيته من شدة الاهوال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، وأشهد أن الموت حق على طرف لساني (1)، فراقب الله أيها السائل خوفا من وقفه السائل (2) قال: ثم انقطع عند ذلك كلامه، قال سلمان رضي الله عنه عند ذلك: حطوني رحمكم الله فحطيناه (3) إلى الارض، فقال: أسندوني، فأسندناه، ثم رمق بطرفه إلى السماء وقال: يا من بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون، وهو يجير ولا يجار عليه، بك آمنت، ولنبيك اتبعت، وبكتابك صدقت، وقد أتاني ما وعدتني


(1) في المصدر: وانا اشهد بالله مرارة الموت في حلقى إلى يوم القيامة. (2) السؤال ظ. اقول، في المصدر: المسائل. (3) فحططناه خ ل.

[380]

يا من لا يخلف الميعاد اقبضني إلى رحمتك، وأنزلني دار كرامتك، فأنا أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فلما كمل شهادته قضى نحبه، لقي ربه رضي الله تعالى عنه، قال: فبينا نحن كذلك إذ أتى رجل على بغلة شهباء متلثما فسلم علينا، فرددنا السلام عليه، فقال: يا أصبغ جدوا في أمر سلمان، فأخذنا (1) في أمره، فأخذ معه حنوطا وكفنا، فقال: هلموا فإن عندي ما ينوب عنه، فأتيناه بماء ومغسل، فلم يزل يغسله بيده حتى فرغ، وكفنه وصلينا عليه ودفناه ولحده علي (عليه السلام) بيده، فلما فرغ من دفنه وهم بالانصراف تعلقت بثوبه وقلت له: يا أمير المؤمنين كيف كان مجيئك ؟ ومن أعلمك بموت سلمان ؟ قال: فالتفت (عليه السلام) إلي وقال: آخذ عليك يا أصبغ، عهد الله وميثاقه أنك لا تحدث به أحدا ما دمت حيا في دار الدنيا، فقلت: يا أمير المؤمنين أموت قبلك ؟ فقال: لا يا أصبغ، بل يطوع عمرك، قلت له: يا أمير المؤمنين خذ علي عهدا وميثاقا، فإني لك سامع مطيع، إني لا احدث به حتى يقضي الله من أمرك ما يقضي، وهو على كل شئ قدير، فقال لي: يا أصبغ بهذا عهدني رسول الله، فإني قد صليت هذه الساعة بالكوفة، وقد خرجت اريد منزلي، فلما وصلت إلى منزلي اضطجعت فأتاني آت في منامي، وقال: يا علي إن سلمان قد قضى نحبه، فركبت بغلتي، وأخذت معي ما يصلح للموتى، فجعلت أسير فقرب الله لي البعيد، فجئت كما تراني، وبهذا أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم إنه دفنه وواراه، فلم أر صعد إلى السماء أم في الارض نزل فأتى الكوفة والمنادي ينادي لصلاة المغرب، فحضر عندهم علي (عليه السلام)، وهذا ما كان من حديث وفاة سلمان الفارسي رضي الله عنه (2). بيان: العرنين بالكسر: الانف كله، أو ما صلب من عظمه. أقول: وجدت هذا الخبر في بعض مؤلفات أصحابنا، وساقه نحوا مما مر إلى قوله: وأوسع لحدي مد البصر، ومضى عني، وأنا يا سلمان لم أجد عند الله شيئا


(1) في نسخة من المصدر: واردنا ان نأخذ. (2) الفضائل: 113 - 122.

[381]

يحبه الله أعظم من ثلاثة: صلوة ليلة شديدة البرد، وصوم يوم شديد الحر، وصدقة بيمينك لا تعلم بها شمالك، إلى آخر ما مر من خبر فوته رضي الله عنه. 14 - ضه: روي أن سعد بن أبي وقاص دخل على سلمان الفارسي يعوده فبكى سلمان فقال له سعد: ما يبكيك يابا عبد الله ؟ توفي رسول الله وهو عنك راض وترد عليه الحوض، فقال سلمان: أما إني لا أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهد إلينا فقال: ليكن بلغة أحدكم كزاد الراكب، وحولي هذه الاوساد، وإنما حوله إجانة وجفنة ومطهرة (1). بيان: قال في النهاية: في حديث سلمان: دخل عليه سعد يعوده فجعل يبكي ويقول: لا أبكي جزعا من الموت، أو حزنا على الدنيا، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهد إلينا ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب، وهذه الاوساد حولي، وما حوله إلا مطهرة وإجانة وجفنة، يريد بالاوساد: الشخوص من المتاع الذي كان عنده وكل شخص من إنسان أو متاع أو غيره سواد، ويجوز أن يريد بالاوساد الحيات جمع أسود، شبهها بها لاستضراره بمكانها. 15 - كا: علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة عن جعفر (عليه السلام) قال: قال سلمان رضي الله عنه: إن النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت. بيان: قال الفيروز آبادي: الالتياث: الاختلاط، والالتفات، والابطاء والحبس. (2) 16 - كا: علي بن إبراهيم، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن حنان قال: سمعت أبي يروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان سلمان جالسا مع نفر من قريش في المسجد، فأقبلوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى بلغوا سلمان فقال له عمر بن الخطاب: أخبرني من أنت ؟ ومن أبوك ؟ وما أصلك ؟ فقال: أنا سلمان


(1) روضة الواعظين: 564 و 565. (2) فروع الكافي 1: 352.

[382]

بن عبد الله، كنت ضالا فهداني الله عزوجل بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) هذا نسبي وهذا حسبي، قال: فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) وسلمان يكلمهم، فقال له سلمان: يا رسول الله ما لقيت من هؤلاء جلست معهم فأخذوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى إذا بلغوا إلي قال عمر بن الخطاب: من أنت ؟ وما أصلك ؟ وما حسبك ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): فما قلت له يا سلمان ؟ قال: قلت له: أنا سلمان بن عبد الله، كنت ضالا فهداني الله غز ذكره بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت عائلا فأغناني الله عز ذكره بمحمد (صلى الله عليه وآله)، وكنت مملوكا فأعتقني الله عز ذكره بمحمد (صلى الله عليه وآله) هذا نسبي، وهذا حسبي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر قريش إن حسب الرجل دينه، ومروته خلقه، و أصله عقله، قال الله عزوجل: " إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله) لسلمان: ليس لاحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عزوجل، وإن كان التقوى لك عليهم فأنت أفضل (1). ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني مثله (2). كش: حمدويه بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن حنان بن سدير، عن أبيه مثله (3). 17 - كش: جبرئيل بن أحمد، عن الحسن بن خرزاد، عن إسماعيل بن مهران، عن أبان بن جناح، عن الحسن بن حماد بلغ به قال سلمان (4): إذا رأى الجمل الذي يقال له: عسكر، يضربه، فيقال: يا أبا عبد الله ما تريد من هذه البهيمة ؟ فيقول: ما هذا بهيمة، ولكن هذا عسكر بن كنعان الجني، يا أعرابي لا ينفق (5)


(1) روضة الكافي: 181 و 182. والاية في الحجرات: 13. (2) امالي ابن الشيخ: 91، راجعه. (3) رجال الكشى: 9 و 10 راجعه. (4) في المصدر: قال: كان سلمان. (5) في المصدر: لا ينعق.

[383]

جملك هيهنا، ولكن اذهب به إلى الحوأب فإنك تعطى به ما تريد (1). وبالاسناد عن ابن مهران، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: اشتروا عسكرا بسبعمائة درهم وكان شيطانا (2). بيان: سيأتي في غزوة الجمل أن عسكرا اسم جمل عائشة التي ركبتها يوم الحرب، وهذا مما أخبر به سلمان رضي الله عنه قبل وقوعه مما علم من علم المنايا والبلايا. 18 - ش: علي بن محمد القتيبي، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير عن عمير بن يزيد قال: قال سلمان: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا حضرك أو أخذك الموت حضر أقوام يجدون الريح، ولا يأكلون الطعام، ثم أخرج صرة من مسك فقال: هبة أعطانيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: ثم بلها ونضحها حوله، ثم قال لامرأته: قومي أجيفي الباب، فقامت فأجافت الباب فرجعت وقد قبض. رضي الله عنه (3). ضه: عن ابن يزيد مثله (4). 19 - كش: خلف بن حماد الكشي، عن الحسن بن طلحة يرفعه عن حماد ابن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تزوج سلمان امرأة من كندة فدخل عليها فإذا لها خادمة وعلى بابها عباءة، فقال سلمان: إن في بيتكم هذا لمريضا، أو قد تحولت الكعبة فيه ؟ فقيل: إن المرأة أرادت أن تسترت على نفسها فيه، قال: فما هذه الجارية ؟ قالوا: كان لها شئ فأرادت أن تخدم، قال: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أيما رجل كانت عنده جارية فلم يأتها أو لم يزوجها من يأتيها ثم فجرت كان عليه وزر مثلها، ومن أقرض قرضا فكأنما تصدق بشطره، فإذا أقرضه الثانية كان برأس المال، وأداء الحق إلى صاحبه أن يأتيه في بيته أو في رحله فيقول: ها خذه (5).


(1 و 2) رجال الكشى: 9. (3) رجال الكشى: 11. (4) الروضة: 243. (5) رجال الكشى: 11 و 12.

[384]

20 - ختص: جعفر بن الحسين، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى أو غيره، عن بعض أصحابنا، عن عباس بن حمزة الشهرزوري رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان سلمان يطبخ قدرا فدخل عليه أبو ذر فانكبت القدر فسقطت على وجهها، ولم يذهب منها شئ فردها على الاثافي (1)، ثم انكبت الثانية فلم يذهب منها شئ فردها على الاثافي، فمر أبو ذر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) مسرعا قد ضاق صدره مما رأى، وسلمان يقفو أثره حتى انتهى إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فنظر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى سلمان فقال: يابا عبد الله ارفق بصاحبك (2). 21 - مشارق الانوار: عن زاذان خادم سلمان قال: لما جاء أمير المؤمنين ليغسل سلمان وجده قد مات، فرفع الشملة عن وجهه فتبسم وهم أن يقعد، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): عد إلى موتك، فعاد (3). 22 - ين: حماد بن عيسى، عن حسين بن المختار رفعه إلى سلمان رضي الله عنه أنه قال: لولا السجود لله ومجالسة قوم يتلفظون طيب الكلام كما يتلفظ طيب التمر لتمنيت الموت (4). 23 - أقول: قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: قال أبو وائل ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان الفارسي فجلسنا عنده، فقال: لولا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن التكلف لتكلف لكم، ثم جاء بخبز وملح ساذج لا أبزار (5) عليه، فقال صاحبي: لو كان لنا في محلنا هذا سعتر، فبعث سلمان بمطهرته فرهنها على سعتر فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت بما رزقك لم تكن مطهرتي مرهونة (6). 23 - كش: حمدويه وإبراهيم ابنا نصير، عن أيوب بن نوح، عن صفوان


(1) الاثافي جمع الاثفية: الحجر توضع عليه القدر. (2) الاختصاص: 12. (3) مشارق الانوار:. ؟ (4) الزهد أو المؤمن: مخطوط. (5) لابزار عليه أي ليس معه شئ من الحبوب التى تخلط بالملح. منه. (6) شرح نهج البلاغة.

[385]

ابن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الميثب هو الذي كات عليه سلمان فأفاءه الله على رسوله، فهو في صدقتها، يعني فاطمة (عليها السلام) (1). 24 - كش: نصر بن الصباح، عن إسحاق بن محمد البصري، عن أحمد بن هلال عن علي بن أسباط، عن العلاء، عن محمد بن حكيم قال: ذكر عند أبي جعفر (عليه السلام) سلمان، فقال: ذاك سلمان المحمدي، إن سلمان منا أهل البيت إنه كان يقول للناس: هربتم من القرآن إلى الاحاديث: وجدتم كتابا دقيقا حوسبتم فيه على النقير والقطمير والفتيل وحبة خردل، فضاق ذلك عليكم، وهربتم إلى الاحاديث التي اتسعت عليكم (2). 25 - كش: علي بن الحسن، عن محمد بن إسما عيل بن مهران، عن إسحاق بن ابراهيم الصوان (3) عن يوسف بن يعقوب، عن النهاش بن فهم (4)، عن عمرو بن عثمان قال: دخل سلمان على رجل من إخوانه فوجده في السياق فقال: يا ملك الموت ارفق بصاحبنا، قال: فقال الآخر: يابا عبد الله إن ملك الموت يقرأ عليك السلام وهو يقول: وعزة هذا علينا (5) ليس إلينا شئ (6). 26 - جا: ابن قولويه، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مر سلمان رضي الله عنه على الحدادين بالكوفة، فرأى شابا قد صعق، والناس قد اجتمعوا حوله، فقالوا له: يابا عبد الله هذا الشاب قد صرع، فلو قرأت في اذنه، قال: فدنا منه سلمان، ؟ فلما رآه الشاب أفاق وقال: يابا عبد الله ليس بي ما يقول هؤلاء القوم، ولكني مررت بهؤلاء


(1) رجال الكشى: 12 فيه: يعنى صدقة فاطمة (عليها السلام). (2) رجال الكشى: 12. (3) في المصدر: الصواف. (3) هكذا في الكتاب ومصدره، ولكن في التقريب، النهاس - بتشديد الهاء - ابن قهم بفتح القاف وسكون الهاء. (5) الينا خ ل. أقول: في المصدر: لا وعزة هذا البناء ليس الينا شئ. (6) رجال الكشى: 13 (ط 1) و 24 (ط 2).

[386]

الحدادين وهم يضربون المرزبات (1)، فذكرت قوله تعالى: " ولهم مقامع من حديد (2) " فذهب عقلي خوفا من عقاب الله تعالى، فاتخذه سلمان أخا، ودخل قلبه حلاوة محبته في الله تعالى، فلم يزل معه حتى مرض الشاب فجاءه سلمان فجلس عند رأسه وهو يجود بنفسه فقال: يا ملك الموت ارفق بأخي، قال: يابا عبد الله إني بكل مؤمن رفيق (3). كش: آدم بن محمد القلانسي البلخي، عن علي ابن الحسين الدقاق، عن محمد بن عبد الحميد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن عمر بن يزيد مثله (4). 27 - كش: جعفر بن محمد شيخ من جرجان عامي، عن محمد بن حميد الرازي عن علي بن مجاهد، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد الاعلى عن أبيه عن المسيب بن نجبة الفزاري قال: لما أتانا سلمان الفارسي قادما تلقيناه فيمن تلقاه فسار حتى انتهى إلى كربلا فقال: ما تسمون هذه ؟ قالوا: كربلا فقال: هذه مصارع إخواني، هذا موضع رحالهم، وهذا مناخ ركابهم، وهذا مهراق دمائهم يقتل بها خير الاولين (5)، ويقتل بها خير الآخرين ثم سار حتى انتهى إلى حرورا فقال: ما تسمون هذه الارض ؟ قالوا: حرورا فقال: حرورا خرج (6) بها شر الاولين ويخرج بها شر الآخرين، ثم سار حتى انتهى إلى بانقيا وبها جسر الكوفة، فقال: هذه الكوفة ؟ قالوا: نعم، قال: قبة الاسلام (7). 28 - كش: محمد بن مسعود، عن الحسين بن اشكيب، عن الحسن بن خرزاد عن محمد بن حماد الشاشي، عن صالح بن نوح، عن زيد بن المعدل، عن عبد الله بن سنان


(1) المرزبات جمع المرزبة: عصية من حديد. (2) الحج: 21. (3) مجالس المفيد: 79 و 80 فيه: فقال ملك الموت: انى. (4) رجال الكشى: 12 و 13. فيه: على بن الحسن الدقاق النيسابوري راجعه. (5) في المصدر: يقتل بها ابن خير الاولين. (6) يخرج خ ل. (7) رجال الكشى: 13 (ط 1) و 24 (ط 2).

[387]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خطب سلمان فقال: الحمد لله الذي هداني لدينه بعد جحودي له، إذ أنا مذكي (1) لنار الكفر، أهل لها نصيبا، وأتيت لها رزقا حتى ألقى الله عزوجل في قلبي حب تهامه، فخرجت جائعا ظمئان قد طردني قومي واخرجت من مالي ولا حمولة تحملني، ولا متاع يجهزني، ولا مال يقويني، وكان من شأني ما قد كان، حتى أتيت محمدا (صلى الله عليه وآله) فعرفت من العرفان ما كنت أعلمه، و رأيت من العلامة ما خبرت بها فأنقذني به من النار، فنلت (2) من الدنيا على المعرفة التي دخلت عليها في الاسلام، ألا أيها الناس اسمعوا من حديثي ثم اعقلوه عني، قد اوتيت العلم كثيرا، ولو أخبرتكم بكل ما أعلم لقالت طائفة: لمجنون وقالت طائفة اخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان ألا إن لكم منايا تتبعها بلايا، فإن عند علي (عليه السلام) علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب، على منهاج هارون بن عمران قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): [أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى] ولكنكم أصبتم سنة الاولين، وأخطأتم سبيلكم والذي نفس سلمان بيده لتركبن طبقا عن طبق، سنة بني إسرائيل القذة بالقذة أما والله لو وليتموها عليا لاكلتم من فوقكم، ومن تحت أرجلكم، فأبشروا بالبلاء واقنطوا من الرخاء، ونابذتكم على سواء، وانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء، أما والله لو أني أدفع (3) ضيما أو أعز الله دينا لوضعت سيفي على عاتقي ثم لضربت به قدما قدما، ألا إني احدثكم بما تعلمون وبما لا تعلمون، فخذوها من سنة التسعين (4) بما فيها، ألا إن لبني امية في بني هاشم نطحات، وإن لنبي امية من آل هاشم نطحات، ألا وإن بني امية كالناقة الضروس تعض بفيها، و تخبط بيديها، وتضرب برجليها، وتمنع درها إلا إنه حق على الله أن يذل


(1) في المصدر: مذك. (2) فثبت خ ل أقول: في المصدر: فلبثت. (3) ارفع خ ل. اقول: الضيم: الظلم. (4) السبعين خ ل. أقول: يوجد ذلك في المطبعة الثانية من المصدر: ولعله الصحيح.

[388]

ناديها (1)، وأن يظهر عليها عدوها مع قذف من السماء وخسف ومسخ وشوه الخلق (2) حتى إن الرجل ليخرج من جانب حجلته إلى صلاة فمسخه (3) الله قردا، ألا وفئتان تلتقيان بتهامة كلتاهما كافرتان ألا وخسف بكلب وما أنا وكلب والله لو لا ما لاريتكم (4) مصارعهم، الا وهو البيداء، ثم يجيئ ما يقرفون (5)، فإذا أرأيتم أيها الناس الفتن كقطع الليل المظلم يهلك فيها الراكب الموضع (6) والخطيب المصقع، والرأس المتبوع، فعليكم بآل محمد، فإنهم القادة إلى الجنة، والدعاة إليها إلى يوم القيامة، وعليكم بعلي فوالله لقد سلمنا عليه بالولاء مع نبينا، فما بال القوم ؟ أحسد ؟ قد حسد قابيل هابيل، أو كفر ؟ فقد ارتد قوم موسى عن الاسباط ويوشع وشمعون وابني هارون شبر وشبير، والسبعين الذين اتهموا موسى على قتل هارون فأخذتهم الرجفة من بغيهم، ثم بعثهم الله (7) أنبياء مرسلين وغير مرسلين فأمر هذه الامة كأمر بني إسرائيل، فأين يذهب بكم، ما أنا وفلان وفلان، ويحكم والله ما أدري أتجهلون أم تجاهلون (8)، أم نسيتم أم تتناسون، انزلوا آل محمد منكم منزلة الرأس من الجسد، بل منزلة العين من الرأس، والله لترجعن كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض السيف، يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة، ويشهد الناجى على الكافر بالنجاة، ألا إني أظهرت أمري، وآمنت بربي، وأسلمت بنبيي، واتبعت مولاي ومولى كل مسلم، بأبي وامي قتيل كوفان، يا لهف نفسي لاطفال صغار وبأبي صاحب الجفنة والخوان نكاح النساء: الحسن بن علي، ألا إن نبي الله نحله البأس والحياء، ونحل الحسين المهابة والجود، يا ويح من أحقره لضعفه، واستضعفه


(1) باديها خ ل أقول: يوجد ذلك في الطبعة الثانية من المصدر. (2) شوه الخلق: قبحه. وفى المصدر: سوء الخلق. (3) في المصدر: فيمسخه الله. (4) في المصدر: لولا ما لولا لاريتكم. (5) في المصدر: ما تعرفون. (6) الراكب الموضع: السريع العدو. والمصقع: البليغ. العالي الصوت. من لا يرتج عليه في كلامه. (7) ثم بعث الله. (8) في المصدر: ام تتجاهلون.

[389]

لقلته (1)، وظلم من بين ولده فكان بلادهم عامر (2) الباقين من آل محمد، أيها الناس لاتكل أظفاركم من عدوكم، ولا تستغشوا صديقكم، يستحوذ الشيطان عليكم والله لتبتلن ببلاء لا تغيرونه بأيديكم إلا إشارة بحواجبكم ثلاثة خذوها بما فيها وارجوا رابعها وموافاها، بأبي (3) دافع الضيم شقاق بطون الحبالى، وحمال الصبيان على الرماح، ومغلى الرجال في القدور، أما إني سأحدثكم بالنفس الطيبة الزكية وتضريج دمه بين الركن والمقام، المذبوح ذبح الكبش (4)، يا ويح لسبأ (5) نساء من كوفان الواردون الثوية (6)، المسقرون (7) عشية، وميعاد ما بينكم وبين ذلك فتنة شرقية، ستسير موجأ هاتفا (8) يستغيث من قبل المغرب، فلا تغيثوه لا أغاثه الله، وملحمة بين الناس إلى أن تصير ما ذبح على شبيه المقتول بظهر الكوفة، وهي كوفان، ويوشك أن يبني جسرها، ويبنى (9) جما حتى يأتي زمان لا يبقى مؤمن إلا بها أو بحواليها (10)، وفتنة مصبوبة تطأ في خطامها، لا ينهاها أحد، لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، واحدثك يا حذيفة إن ابنك مقتول، وإن عليا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فمن كان مؤمنا دخل في ولايته فيصبح على أمر يسمي على مثله، لا يدخل فيها إلا مؤمن، ولا يخرج منها إلا كافر (11). بيان: تذكية النار: إيقادها، أهل لها: أي أصيح لاطلب نصيبا، أي قوما لعبادة النار وفي بعض النسخ: أهيل، أي كنت من قوام النار اعطي النصيب عبدتها، ويأتيني


(1) احتقره خ ل. أقول: في المصدر: لمن احتقره. (2) عامرة خ ل. (3) يأتي به خ ل. أقول: في المصدر يأتي دافع الضيم. (4) في المصدر: كذبح الكبش. (5) في المصدر: لسبايا نساء. (6) الثوية: موضع قريب من الكوفة، قيل: كانت سبحنا للنعمان بن المنذر. (7) المستعدون خ ل. أقول: في نسخة من المصدر: المستسعدون. (8) في المصدر: فتنة شرقية، وجاء هاتف. (9) وينبأ جنيها خ ل جنبها خ. أقول: في المصدر: ويبنى جبليها. (10) في المصدر: أو يحن إليها. (11) رجال الكشى: 13 - 16 (ط 1) و 25 - 27 (ط 2).

[390]

الرزق لها، وهو أظهر، وفي النهاية: القذذ: ريش السهم، واحدتها قذة، ومنه الحديث: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، أي كما يقذ كل واحدة منهما على صاحبتها وتقطع، وقال: فيه لفارس نطحة أو نطحتان، أي تقاتل المسلمين مرة أو مرتين، وفي القاموس: الضروس: الناقة السيئة الخلق تعض حالبها قوله: لولا ما، لعله اكتفى ببعض الكلام ولم يذكر العلة لبعض المصالح إن لم يكن سقط من الكلام شئ (1) من بين ولده، في أكثر النسخ: من بني ولده، إشارة إلى الظلم على أولاده المعصومين، وقد يطلق الولد على الآباء ايضا، وكان في النسخ التي عندنا في تلك الخطبة تصحيفات فأوردناها كما وجدنا. 29 - أقول: قال ابن أبي الحديد: سلمان رجل من فارس من رامهرمز، و قيل: بل من إصفهان من قرية يقال لها: جي، وهو معدود من موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنيته أبو عبد الله، وكان إذا قيل له: ابن من أنت ؟ يقول: أنا سلمان بن الاسلام أنا من بني آدم، وقد روي أنه تداوله بضعة عشر ربا عن واحد إلى آخر حتى أفضى إلى رسول الله (صلى الله عليه آله)، وروى أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب أن رسول الله صلوات الله عليه وآله اشتراه من أربابه وهم قوم يهود (2)، على أن يغرس لهم من النخل كذا وكذا، ويعمل فيها حتى يدرك (3)، فغرس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك النخل كله بيده إلا نخلة واحدة غرسها عمر بن الخطاب، فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من غرسها ؟ فقيل: عمر، فقلعها وغرسها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده فأطعمت، قال أبو عمر: وكان سلمان يسف الخوص وهو أمير على المدائن، ويبيعه ويأكل منه، ويقول: لا احب أن آكل إلا من عمل يدي، وكان تعلم سف الخوص من المدينة، وأول مشاهده الخندق، وقد روي أنه شهد بدرا واحدا. ولم يفته بعد ذلك مشهد. قال: وكان سلمان خيرا فاضلا حبرا عالما زاهدا متقشفا.


(1) تقدم ان الموجود في المصدر: لولا ما لولا. (2) في المصدر: بدراهم وعلى ان يغرس. (3) في المصدر: حتى تدرك.

[391]

وعن الحسن البصري قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به ويأكل من عمل يده، وكانت له عباءة يفرش بعضها، ويلبس بعضها. وقد ذكر ابن وهب وابن نافع أن سلمان لم يكن له بيت، إنما كان يستظل بالجدر والشجر، وإن رجلا قال له: ألا أبني لك بيتا تسكن فيه ؟ قال: لا حاجة لي في ذلك، فمازال به الرجل حتى قال له: أنا أعرف البيت الذي يوافقك قال: فصفه لي، قال: أبني لك بيتا إذا أنت قمت فيه أصاب رأسك سقفه، وإن أنت مددت فيه رجليك أصابهما الجدار، قال: نعم، فبنى له. قال أبو عمر: وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن (1) وجوه أنه قال: لو كان الدين في الثريا لناله سلمان. قال: وقد روينا عن عايشة قالت: كان لسلمان مجلس من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينفرد (2) به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أمرني ربي بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: علي وأبو ذر والمقداد وسلمان. وعن علي (عليه السلام) أنه قال: علم علم الاول والعلم الآخر، ذلك بحر لا ينزف هو منا أهل البيت. وفي رواية زاذان عن علي: سلمان الفارسي كلقمان الحكيم. وقال فيه كعب الاحبار: سلمان حشى علما وحكمة. قال: وروي أن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال في نفر من المسلمين فقالوا: ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها، فقال لهم أبو بكر: أتقولون هذا الشيخ قريش وسيدها وأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره، فقال: يابا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت الله، فأتاهم، أبو بكر فاعتذر منهم. وتوفي في آخر خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين، وقيل توفي في أول


(1) في المصدر: من وجوه. (2) في المصدر: يتفرد به بالليل.

[392]

سنة ست وثلاثين، وقال قوم: توفي في خلافة عمر، والاول أكثر. أقول: ثم ذكر ابن أبى الحديد خبر إسلامه نحوا مما مر، ثم قال: وكان سلمان من شيعة علي (عليه السلام) وخاصته، ويزعم الامامية أنه أحد الاربعة الذين حلقوا رؤسهم وأتوه متقلدي سيوفهم في خبر يطول، وليس هذا موضع ذكره وأصحابنا لا يخالفونهم في أن سلمان كان من الشيعة، وإنما يخالفونهم في أمر أزيد من ذلك وما يذكره المحدثون من قوله للمسلمين يوم السقيفة: " كرديد ونكرديد " محمول عند أصحابنا على أن المراد صنعتم شيئا، وما صنعتم، أي استخلفتم خليفة ونعم ما فعلتم (1)، إلا أنكم عدلتم عن أهل البيت، فلو كان الخليفة منهم كان أولى والامامية تقول (2): أسلمتم وما أسلمتم انتهى كلامه (3). وسيأتي جواب شبهته مع سائر أحوال سلمان في كتاب الفتن انشاء الله تعالى. 30 - الصراط المستقيم: جاء في الاخبار الحسان أن عليا (عليه السلام) مضى في ليلة إلى المدائن لتغسيل سلمان (4).


(1) فيه تحريف لمعنى الكلام، لان قوله: [نعم ما فعلتم] من زياداته في المعنى، ولم يفهم من قوله، والصحيح من معنى كلامه: فعلتم ما كان خطأ وضلالا، وما فعلتم ما كان حقا وصوابا. (2) في المصدر: يقول: معناه. (3) شرح نهج البلاغة 4: 224 و 225. (4) الصراط المستقيم: مخطوط.

[393]

{ 12 باب } * (كيفية اسلام أبى ذر رضى الله عنه وسائر أحواله إلى وفاته) * * (وما يختص به من الفضائل والمناقب وفيه) * * (أيضا بيان أحوال بعض الصحابة) * 1 - م: حدثني أبي، عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من خيار أصحابه عنده أبو ذر الغفاري، فجاءه ذات يوم فقال: يا رسول الله إن لي غنيمات قدر ستين شاة، فأكره أن أبدو فيها وافارق حضرتك وخدمتك، وأكره أن أكلها إلى راع فيظلمها ويسئ رعايتها فكيف أصنع ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ابد فيها فبدا فيها، فلما كان في اليوم السابع جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يابا ذر، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ما فعلت غنيماتك ؟ قال: يا رسول الله إن لها قصة عجيبة، قال: وما هي ؟ قال: يا رسول الله بينا أنا في صلاتي إذ عدا الذئب على غنمي، فقلت: يا رب صلاتي، ويارب غنمي، فآثرت صلاتي على غنمي وأخطر الشيطان ببالي: يابا ذر أين أنت إن عدت الذئاب على غنمك وأنت تصلي فأهلكتها وما يبقى لك في الدنيا ما تتعيش به ؟ فقلت للشيطان: يبقى لي توحيد الله تعالى والايمان (1) برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وموالاة أخيه سيد الخلق بعده علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومولاة الائمة الهادين الطاهرين من ولده، ومعاداة أعدائهم، و كل ما فات بعد ذلك جلل (2)، فأقبلت على صلاتي، فجاء ذئب فأخذ حملا فذهب به وأنا أحس به، إذا أقبل على الذئب أسد فقطعه (3) نصفين، واستنقذ الحمل و


(1) بمحمد رسول الله خ ل. (2) في المصدر: وكل ما فات من الدنيا بعد ذلك سهل. (3) بنصفين خ ل.

[394]

رده إلى القطيع، ثم ناداني: يابا ذر أقبل على صلاتك، فإن الله قد وكلني بغنمك إلى أن تصلي، فأقبلت على صلاتي وقد غشيني من التعجب مالا يعلمه إلا الله تعالى حتى فرغت منها، فجاءني الاسد وقال لي: امض إلى محمد فأخبره أن الله تعالى قد أكرم صاحبك الحافظ لشريعتك، ووكل أسدا بغنمه يحفظها، فعجب (1) من حول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) صدقت يابا ذر، ولقد آمنت به أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فقال بعض المنافقين: هذا لمواطاة بين محمد وأبي ذر، يريد أن يخدعنا بغرروه، و اتفق (2) منهم عشرون رجلا وقالوا: نذهب إلى غنمه وننظر إليها وننظر إليه إذا صلى هل يأتي الاسد فيحفظ غنمه (3) فيتبين (4) بذلك كذبه، فذهبوا القطيع ما شذ عنه منها، حتى إذا فرغ من صلاته ناداه الاسد: هاك قطيعك مسلما (5) وافر العدد سالما، ثاداهم الاسد: معاشر المنافقين أنكرتم لولي محمد وعلي وآلهما الطيبين (6) والمتوسل إلى الله بهم أن يسخرني الله ربي لحفظ غنمه، والذي أكرم محمدا وآله الطيبين الطاهرين لقد جعلني الله طوع يد أبي ذر حتى لو أمرني بافتراسكم و هلاككم لاهلكتكم، والذي لا يحلف بأعظم منه لو سأل الله بمحمد وآله الطيبين أن يحول البحار دهن زنبق وبان، والجبال مسكا وعنبرا وكافورا، وقضبان الاشجار قضب الزمرد والزبرجد لما منعه الله ذلك، فلما جاء أبو ذر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يابا ذر إنك أحسنت طاعة الله فسخر الله لك من يطيعك في كف العوادي عنك، فأنت من أفاضل من مدحه الله عزوجل بأنه يقيم الصلاة (7). بيان: الجلل محركة: العظيم والصغير، ضد. والعوادي جمع العادية من


(1) في المصدر: فتعجب من كان. (2) فاتفق منهم رجال خ ل. (3) غنمه له خ ل. (4) في المصدر: فتبين (5) مسلمة وافرة العدد، سالمة الاهل. (6) والطيبين من آلهما خ ل. (7) التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام): 26 و 27.

[395]

العدوان، أو من عدا على الشئ: إذا اختلسه، وفي الحديث: من كف عن مؤمن عادية ماء ونار. 2 - جا: علي بن بلال، عن علي بن عبد الله الاصبهاني، عن الثقفي، عن محمد بن علي، عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن أبي جهضم الازدي، عن أبيه وكان من أهل الشام قال: لما سير عثمان أبا ذر من المدينة إلى الشام كان يقص علينا، فيحمد الله فيشهد شهادة الحق، ويصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ويقول: أما بعد فإنا كنا في جاهليتنا قبل أن ينزل علينا الكتاب ويبعث فينا الرسول، ونحن نوفي بالعهد، ونصدق الحديث (1)، ونحسن الجوار، ونقري الضيف، ونواسي الفقير، فلما بعث الله تعالى فينا رسول الله وأنزل علينا كتابه كانت تلك الاخلاق يرضاها الله ورسوله، وكان أحق بها أهل الاسلام، وأولى أن يحفظوها، فلبثوا بذلك ما شاء الله أن يلبثوا، ثم إن الولاة قد أحدثوا أعمالا قباحا ما نعرفها: من سنة تطفى، وبدعة تحيى، وقائل بحق مكذب، وأثرة لغير تقي وأمين مستأثر عليه من الصالحين، اللهم إن كان ما عندك خيرا لي فاقبضني إليك غير مبدل ولا مغير، وكان يعيد هذا الكلام ويبديه، فأتى حبيب بن مسلمة معاوية بن أبي سفيان فقال: إن أبا ذر يفسد عليك الناس بقوله: كيت وكيت، فكتب معاوية إلى عثمان بذلك، فكتب عثمان أخرجه إلي، فما صار إلى المدينة نفاه إلى الزبدة (2). 3 - جا: بهذا الاسناد عن أبي جهضم، عن أبيه قال: لما أخرج عثمان أبا ذر الغفاري رحمه الله من المدينة إلى الشام كان يقوم في كل يوم فيعظ الناس ويأمرهم بالتمسك بطاعة الله، ويحذرهم من ارتكاب معاصيه، ويروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما سمعه منه في فضائل أهل بيته عليه و (عليهم السلام) ويحضهم على التمسك بعترته، فكتب معاوية إلى عثمان: أما بعد فإن أبا ذر يصبح إذا أصبح ويمسي إذا أمسى وجماعة من الناس كثيرة عنده، فيقول: كيت وكيت، فإن كان لك حاجة في الناس قبلي


(1) في المصدر: ونصدق بالحديث. (2) مجالس المفيد: 70 و 71.

[396]

فأقدم أبا ذر إليك، فإني أخاف أن يفسد الناس عليك. والسلام. فكتب إليه عثمان: أما بعد فاشخص إلي أبا ذر حين تنظر في كتاب هذا. والسلام. فبعث معاوية إلى أبي ذر فدعاه وأقرأه كتاب عثمان، وقال له: النجا الساعة فخرج أبو ذر إلى راحلته فشدها بكورها وأنساعها، فاجتمع إليه الناس فقالوا له: يابا ذر رحمك الله أين تريد ؟ قال: أخرجوني إليكم غضبا علي، وأخرجوني منكم إليهم الآن عبثاني، ولا يزال هذا الامر فيما أرى شأنهم فيما بيني وبينهم حتى يستريح برا، ويستراح من فاجر، ومضى وسمع الناس بمخرجه فاتبعوه حتى خرج من دمشق، فساروا معه حتى انتهى إلى دير المران فنزل ونزل معه الناس فاستقدم فصلى بهم، ثم قال: أيها الناس إني موصيكم بما ينفعكم، وتارك الخطب والتشقيق، احمدوا الله عزوجل، قالوا: الحمد لله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، فأجابوه بمثل ما قال، فقال: أشهد أن البعث حق، و وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأقر بما جاء من عند الله، واشهدوا علي بذلك، قالوا: نحن على ذلك من الشاهدين، قال: ليبشر من مات منكم على هذه الخصال برحمة الله وكرامته ما لم يكن للمجرمين ظهيرا، ولا لاعمال الظلمة مصلحا ولا لهم معينا، أيها الناس أجمعوا مع صلاتكم وصومكم غضبا لله عزوجل إذا عصي في الارض ولا ترضوا أئمتكم بسخط الله، وإن أحدثوا (1) مالا تعرفون فجانبوهم وازرؤا عليهم وإن عذبتم وحرمتم وسيرتم، حتى يرضى الله عزوجل. فإن الله أعلى وأجل، لا ينبغي أن يسخط برضا المخلوقين، غفر الله لي ولكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله، فناداه الناس أن: سلم الله عليك ورحمك يابا ذر يا صاحب رسول الله، ألا نردك إن كان هؤلاء القوم أخرجوك، ألا نمنعك (2) ؟ فقال لهم: ارجعوا رحمكم الله، فإني أصبر منكم على البلوى، وإياكم والفرقة


(1) في المصدر: وإذا احدثوا. (2) في المصدر: انا لا نردك ان كان هؤلاء القوم اخرجوك ولا نمنعك.

[397]

والاختلاف، فمضى حتى قدم عثمان، فلما دخل عليه قال له: لا قرب الله بعمرو عينا، فقال أبو ذر: والله ما سماني أبواي عمروا، ولكن لا قرب الله من عصاه، وخالف أمره، وارتكب هواه، فقام إليه كعب الاحبار فقال له: ألا تتقي الله يا شيخ تجبه (1) أمير المؤمنين بهذا الكلام ؟ فرفع أبو ذر عصا كانت في يده فضرب بها رأس كعب، ثم قال له: يا ابن اليهوديين، ما كلامكم مع المسلمين ؟ فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك بعد، فقال عثمان: والله لا جمعتني وإياك دار، قد خرفت وذهب عقلك، أخرجوه من بين يدي حتى تركبوه قتب ناقته بغير وطاء، ثم انجوا به الناقة وتعتعوه حتى توصلوه الربذة، فنزلوه بها من غير أنيس، حتى يقضي الله فيه ما هو قاض، فأخرجوه متعتعا ملهوزا (2) بالعصي، وتقدم ألا يشيعه أحد من الناس، فبلغ ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فبكى حتى بل لحيته بدموعه، ثم قال: أهكذى يضع بصاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم نهض ومعه الحسن والحسين (عليهما السلام) وعبد الله بن العباس والفضل و قثم وعبيدالله حتى لحقوا أبا ذرفشيعوه، فلما بضربهم أبو ذر رحمه الله حن إليهم وبكى عليهم، وقال: بأبي وجوه إذا رأيتها ذكرت بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشملتني البركة برؤيتها، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني احبهم، ولو قطعت إربا إربا في محبتهم ما زلت عنها ابتغاء وجهك والدار الآخرة، فارجعوا رحمكم الله والله أسأل أن يخلفني فيكم أحسن الخلافة، فودعه القوم ورجعوا وهم يبكون على فراقه (3). بيان: الكور بالضم: الرحل. والانساع جمع النسع بالكسر، وهو سير ينسج عريضا على هيئة أعنه البغال، تشد به الرحال، وشقق الكلام: أخرجه أحسن مخرج، وزرئ عليه: عابه، كأزرى. قوله: ثم انجوا أي أسرعوا،


(1) في المصدر: وتجيب. (2) في المصدر: موهونا. (3) مجالس المفيد: 95 - 98.

[398]

تعته: أقلقه وأزعجه، ولهزه بالرمح: طعنه في صدره، واللهز: الضرب، بجميع اليد في الصدر. 4 - كش: محمد بن سعيد بن مزيد، ومحمد بن ابي عوف معا عن محمد بن أحمد بن حماد رفعه قال: أبو ذر الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شأنه: [ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، يعيش وحده، ويموت وحده ويبعث وحده، ويدخل الجنة وحده] وهو الهاتف بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) و وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستخلافه إياه، فنفاه القوم عن حرم الله وحرم رسوله بعد حملهم إياه من الشام على قتب بلا وطاء، وهو يصيح فيهم قد خاب القطار (1) بحمل النار، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دخلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا " فقتلوه فقرا وجوعا وضرا و صبر (2). 5 - كش: جعفر بن معروف، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن أبيه، عن البطائني، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أرسل عثمان إلى أبي ذر موليين له، ومعهما مائتا دينار، فقال لهما: انطلقا إلى أبي ذر فقولا له: إن عثمان يقرئك السلام، ويقول لك: هذه مائتا دينار فاستعن بها على ما نابك، فقال أبو ذر: هل أعطى أحدا من المسلمين مثل ما أعطاني ؟ قال: لا، قال: إنما أنا رجل من المسلمين، يسعني ما يسع المسلمين، قالا له: إنه يقول: هذا من صلب مالي، وبالله الذي لا إله إلا هو ما خالطها حرام، ولا بعث (3) بها إليك إلا من حلال، فقال: لا حاجة لي فيها، وقد أصبحت يومي هذا وأنا من أغنى الناس، فقالا له: عافاك الله وأصلحك ما نرى في بيتك قليلا ولا كثيرا مما يستمتع (4) به، فقال: بلى تحت هذا الاكاف الذي ترون رغيفا شيعر قد أتى عليهما أيام، فما أصنع بهذه


(1) قد جاءت القطار تحمل خ ل. (2) رجال الكشى: 16 فيه: وذلا وضرا وصبرا. (3) ولا بعثت خ ل. (4) في المصدر: مما تستمتع به.

[399]

الدنانير ؟ لا والله حتى يعلم الله أني لا أقدر على قليل ولا كثير، وقد أصبحت غنيا بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعترته الهادين المهديين الراضين المرضيين، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، وكذلك سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " فإنه لقبيح بالشيخ أن يكون كذابا " فرداها عليه وأعلماه أني لا حاجة لي فيها ولا فيما عنده حتى ألقى الله ربي فيكون هو الحاكم فيما بيني وبينه (1). 6 - كش: عبيد بن محدم النخعي، عن أبي أحمد الطرسوسي، عن خالد بن طفيل الغفاري، عن أبيه، عن حلام بن دل الغفاري (2) وكانت له صحبة قال: مكث أبو ذر رحمه الله بالربذة حتى مات، فلما حضرته الوفاة قال لامرأته: اذبحي شاة من غنمك واصنعيها، فإذا نضجت فاقعدي على قارعة الطريق فأول ركب ترينهم قولي: يا عباد الله المسملين، هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قضى نحبه ولقي ربه، فأعينوني عليه وأجيبوه. فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني أني أموت في أرض غربة، وأنه يلي غسلي ودفني والصلاة علي رجال من امتي (3) صالحون (4). 7 - كش: محمد بن علمقة بن الاسود النخعي قال: خرجت في رهط اريد الحج منهم مالك بن الحارث الاشتر (5) حتى قدمنا الربذة، فإذا امرأة على قارعة الطريق تقول: يا عباد الله المسلمين هذا أبو صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد هلك غريبا ليس لي أحد يعينني عليه، قال: فنظر بعضنا إلى بعض، وحمدنا الله على ما ساق إلينا، واسترجعنا على عظم (6) المصيبة، ثم أقبلنا معها فجهزناه وتنافسنا في كفنه حتى خرج من بيننا بالسواء، ثم تعاونا على غسله حتى فرغنا منه، ثم قدمنا


(1) رجال الكشى: 18. (2) في الطبعة الاولى في المصدر: [حلام بن ركين] وفى الطبعة الثانية: [حلام بن دلف] وذكر المامقانى في تنقيح المقال 2: 49: حلام (غلام خ) بن دلف، كما انه ذكر: عبد العزيز بن محمد مكان عبيد بن محمد. (3) من امته خ ل. (4) رجال الكشى: 43 (ط 1) و 61 (ط 2). (5) زاد في المصدر: و عبد الله بن الفضل التميم ورفاعة بن شداد البجلى. (6) عظيم خ ل.

[400]

مالك (1) الاشتر فصلى بنا عليه، ثم دفناه، فقام الاشتر على قبره، ثم قال: اللهم هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبدك في العابدين، وجاهد فيك المشركين، لم يغير ولم يبدل، لكنه رأى منكرا فغيره بلسانه وقلبه حتى جفي ونفي وحرم واحتقر، ثم مات وحيدا غريبا، اللهم فاقصم من حرمه، ونفاه من مهاجره وحرم رسولك (صلى الله عليه وآله)، قال: فرفعنا أيدينا جميعا وقلنا: آمين، ثم قدمت الشاة التي صنعت فقالت: إنه قد أقسم عليكم ألا تبرحوا حتى تتغدوا فتغدينا وارتحلنا (2). 8 - ضه: قيل له عند الموت: يابا ذر ما مالك ؟ قال: عملي، قالوا: إنما نسألك عن الذهب والفضة، قال: ما أصبح ولا أمسي وما أمسي ولا أصبح لنا كندوج فيه حر متاعنا، سمعت خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كندوج المرء قبره (3). ما: بإسناده عن موسى بن بكر، عن أبي إبراهيم مثله (4). كش: علي بن محمد القيتبي، عن الفضل بن شاذان، عن أبيه، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر مثله (5). بيان: الكندوج بالكسر: شبه المخزن معرب كندو، والحر بالضم: خيار كل شئ. 9 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أبا ذر أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه جبرئيل في صورة دحيل الكلي وقد استخلاه رسول الله (صلى الله وآله)، فلما رآهما انصرف عنهما ولم يقطع كلامهما، فقال جبرئيل: يا محمد هذا أبو ذر قد مر بنا ولم يسلم علينا، أما لو سلم لرددنا عليه، يا محمد إن له دعاء يدعو به معروفا عند أهل السماء فاسأله عنه إذا عرجت إلى السماء فلما ارتفع جبرئيل (عليه السلام) جاء أبو ذر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما


(1) في المصدر: مالكا الاشتر. (2) رجال الكشى: 44 (ط 1) ر 62 (ط 2). (3) روضة الواعظين: 245. (4) امالي الشيخ: 78. (5) رجال الكشى: 18 و 19.

[401]

منعك يا أبا ذر أن تكون سلمت علينا حين مررت بنا، فقال: ظننت يا رسول الله أن الذي معك دحية الكلبي قد استخليته لبعض شأنك، فقال: ذاك جبرئيل (عليه السلام) وقد قال: أما لو سلم علينا لرددنا عليه، فلما علم أبو ذر أنه كان جبرئيل (عليه السلام) دخله من الندامة حيث لم يسلم عليه ما شاء الله، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما هذا الدعاء الذي تدعو به ؟ فقد أخبر ني جبرئيل (عليه السلام) أن لك دعاء تدعو به معروفا في السماء فقال: نعم يا رسول الله، أقول: اللهم إني أسألك الامن والايمان، والتصديق بنبيك، والعافية من جميع البلاء، واشكر على العافية، والغنى عن شرار الناس (1). لى: أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه مثله إلا أن فيه: أسألك الايمان بك، والتصديق (2). 10 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن موسى ابن بكر، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: قال أبو ذر رحمه الله: جزى الله الدنيا عني مذمة (3) بعد رغيفين من الشعير أتغدى بأحدهما، وأتعشى بالآخر، وبعد شملتي الصوف أتزر باحداهما، وأرتدي بالاخرى (4). كش: علي بن محمد القيتبي، عن الفضل بن شاذان، عن أبيه، عن علي بن الحكم مثله (5). ما: بإسناده عن موسى بن بكر مثله (6). 11 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن المثنى عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يقول في خطبته: يا مبتغي العلم كأن شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا ما ينفع خيره، ويضر شره إلا


(1) اصول الكافي 2: 587. (2) امالي الصدوق: 208. (3) في رجال الكشى، من جزى الله عنه الدنيا خيرا فجزاه الله عنى مذمة بعد رغيفي شعير. (4) اصول الكافي 2: 134. (5) رجال الكشى: 19 و 19 فيه وبعد شملتي صوف. (6) امالي الشيخ: 78.

[402]

من رحم الله، يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك، أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت عنهم إلى غيرهم، والدنيا والآخرة كمنزل تحولت منه إلى غيره، وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها، ثم استيقظت منها، يا مبتغي العلم قدم لمقامك بين يدي الله عزوجل فإنك مثاب بعملك كما تدين تدان يا مبتغي العلم (1). بيان: قوله: كأن شيئا من الدنيا، لعل المراد أن ما يتصور في هذه الدنيا إما شيئ ينفع خيره، أو شئ يضر شره، فاختر ما ينفع دون ما يضر، أوكل شئ في الدنيا له جهة نفع وجهة شرى، فاحترز عن جهة شره، ويمكن أن يقرأ " ألا " بالتخفيف بأن تكون ما نافية، وفيه بعد. 12 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن بعض أصحابه، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن واصل، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى أبي ذر فقال: يابا ذر ما لنا نكره الموت ؟ فقال: لانكم عمرتم الدنيا، وأخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب، فقال له: فيكف ترى قدومنا على الله ؟ فقال: أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله، و أما المسيئ (2) فكالآبق يرد على مولاه، قال: فكيف ترى حالنا عند الله ؟ قال: أعرضوا أعمالكم على الكتاب، إن الله يقول: " إن الابرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم (3) " قال: فقال الرجل: فأين رحمة الله ؟ قال رحمة الله قريب من المحسنين، قال أبو عبد الله (عليه السلام): وكتب رجل إلى أبي ذر رضي الله عنه يابا ذر أطرفني بشيئ من العلم، فكتب إليه: إن العلم الكثير، ولكن إن قدرت على أن لا تسيئ إلى من تحبه فافعل، فقال له الرجل: وهل رأيت أحدا يسيئ إلى من يحبه ؟ فقال: نعم، نفسك أحب الانفس إليك، فإذا أنت عصيت الله فقد أسأت إليها (4). 13 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن أيوب و


(1) اصول الكافي 2: 134. (2) في المصدر: واما المسئ منكم. (3) الانفطار: 13 و 14. (4) اصول الكافي 2: 458.

[403]

علي عن أبيه جميعا، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى أبو ذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني قد اجتويت المدينة، أفتاذن لي أن أخرج أنا وابن أخي إلى مزينة فنكون بها ؟ فقال ؟ إني أخشى أن تغير عليك خيل من العرب فيقتل ابن أخيك فتاتيني شعثا، فتقوم بين يدي متكيا على عصاك فتقول: قتل ابن أخي واخذ السرح، فقال: يا رسول الله بل لا يكون إلا خيرا إنشاء الله، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج هو وابن أخيه وامرأته فلم يلبث هناك إلا يسيرا حتى غارت خيل لبني فزارة فيها عيينة بن حصن فأخذ (1) السرح، وقتل ابن أخيه، واخذت امرأته من بني غفار، وأقبل أبو ذر يشتد حتى وقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبه طعنة جائفة فاعتمد على عصاه، وقال: صدق الله ورسوله، اخذ السرح، وقتل ابن أخي، وقمت بين يديك على عصاي فصاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسلمين فخرجوا في الطلب فردوا السرح، وقتلوا نفرا من المشركين (2). يج: مرسلا مثله (3). بيان: اجتوى البلد: كره المقام فيه، والجائفة: الطعنة التي تنفذ إلى الجوف، ولعل هذا كان قبل كمال أبي ذر رحمة الله في الايمان، أو فهم من كلامه (صلى الله عليه وآله) أنه راضح بخروجه، وإنما أخبره بذلك ليقوى إيمانه، أو كان يحتمل أن يكون هذا من الاخبار البدائية (4). 14 - كا: الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط عن سعدان بن مسلم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رجل بالمدينة يدخل مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال: اللهم آنس وحشتي، وصل وحدتي وارزقني جليسا صالحا، فإذا هو برجل في أقصى المسجد فسلم عليه وقال له: من


(1) فاخذت السرح وقتلوا خ ل. (2) روضة الكافي: 126 و 127. (3) الخرائج. (4) أو لم يفهم وقوع ذلك حتما، لانه (صلى الله عليه وآله) قال: أخشى.

[404]

أنت يا عبد الله ؟ فقال: أنا أبو ذر، فقال الرجل: الله أكبر، الله أكبر، فقال أبو ذر: ولم تكبر يا عبد الله ؟ فقال: إني دخلت المسجد فدعوت الله عزوجل أن يؤنس وحشتي، وأن يصل وحدتي، وأن يرزقني جليسا صالحا، فقال له أبو ذر: أنا أحق بالتكبير منك، إذ كنت (1) ذلك الجليس، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا وأنتم على ترعة يوم القيامة حتى يفرغ الناس من الحساب، قم يابا عبد الله فقد نهى السلطان عن مجالستي (2). 15 - ما: بإسناده عن أسعد بن زرارة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الانصاري قال: لما قدم أبو ذر على عثمان قال: أخبرني أي البلاد أحب إليك ؟ قال: مهاجري، قال: لست بمجاوري، قال: فألحق بحرم الله فأكون فيه، قال: لا، قال فالكوفة أرض بها أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: لا، قال: فلست بمختار غيرهن فأمره بالمسير إلى الربذة، فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي: اسمع والمع وانفذ حيث قادوك ولو لعبد حبشي مجدع، فخرج إلى الربذة، وأقام مدة، ثم أتى المدينة فدخل على عثمان والناس عنده سماطين فقال: يا أمير المؤمنين إنك أخرجتني من أرضي إلى أرض ليس بها زرع ولا ضرع إلا شويهات، وليس لي خادم إلا محررة، ولاطل يظلني إلا ظل شجرة، فأعطني خادما وغنيمات أعيش فيها، فحول وجهه عنه، فتحول إلى السماط الآخر، فقال مثل ذلك: فقال له حبيب بن سلمة: لك عندي يا أبا ذر ألف درهم وخادم وخمسمائة شاة، قال أبو ذر: أعط خادمك وألفك وشويهاتك من هو أحوج إلى ذلك مني، فإني إنما أسأل حقي في كتاب الله، فجاء علي (عليه السلام): فقال له عثمان: ألا تغني عنا سفيهك هذا ؟ قال أي سفيه ؟ قال ابو ذر: قال على (عليه السلام) ليس بسفيه، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر " أنزله بمنزلة مؤمن آل فرعون، إن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم (3).


(1) في المصدر: إذا كنت. (2) روضة الكافي: 307 فيه: قم يا عبد الله. (3) امالي الشيخ: 82 و 83.

[405]

بيان: أقول: سيأتي الخبر بتمامه في كتاب الفتن. وقال الفيروز آبادي: لمع البرق: أضاء، وبالشئ: ذهب، وبيده: أشار، والطائر بجناحيه: خفق، و فلان الباب: برز منه. والنفاذ: جواز الشئ عن الشئ والخلوص منه، وأنفذ الامر: قضاه، ونفذ القوم: جازهم وتخلفهم. والجذع: قطع الانف، أو الاذن أو اليد، أو الشفة، وحمار مجدع كمعظم: مقطوع الاذنين. والشويهة تصغير الشاة. 16 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، بإسناده عن شقيق البلخي عمن أخبره من أهل العلم قال: قيل لابي ذر رضي الله عنه: كيف أصبحت البلخي يا صاحب رسول الله ؟ قال: أصبحت بين نعمتين: بين ذنب مستور، وثناء من اغتر به فهو مغرور (1). 17 - ن: بإسناد التميمي عن الرضا (عليه السلام)، عن آبائه عن علي صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أبو ذر صديق هذه الامة (2). 18 - ما: المفيد، عن الحسين بن علي التمار، عن عبد الله بن محمد، عن أبي نصر التمار، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الدرداء، عن أبيه (3) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء ذا لهجة (4) أصدق من أبي ذر (5). 19 - مع، ع: محمد بن عمر بن علي البصري، عن عبد السلام بن محمد الهاشمي عن محمد بن محمد بن عقبة الشيباني، عن الخضر بن أبان، عن أبي هدية إبراهيم بن هدية (6) عن البني (صلى الله عليه وآله) في حديث طويل مثله (7). بيان: قال الجزري في النهاية: في الحديث ما أظلت الخضراء ولا أ قلت


(1) امالي الشيخ: 49 و 50. (2) عيون اخبار الرضا: 224. (3) خلى المصدر عن كلمة [عن ابيه]. (4) على ذى لهجة خ ل. أقول: يوجد ذلك في العلل والمعاني. (5) امالي الشيخ: 33. (6) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح: [ابى هدبة ابراهيم بن هدبة] بالباء وزاد في العلل والمعاني: عن انس بن مالك. (7) معاني الاخبار: 55، علل الشرائع: 70.

[406]

الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر. الخضراء: السماء، والغبراء: الارض. 20 - ما: ابن مخلد، عن محمد بن عبد الواحد النحوي، عن بشر بن موسى ابن صالح الاسدي، عن أبي عبد الرحمن المقري، عن سعيد بن أيوب (1)، عن عبيدالله بن أبي جعفر القرشي، عن سالم الجيشاني، عن أبيه، عن أبي ذر أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يابا ذر إني احب لك ما احب لنفسي، إني أراك ضعيفا فلا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم (2). 21 - ع: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن عثمان بن عمران عن عباد بن صهيب قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (عليه السلام): أخبرني عن أبي ذر، أهو أفضل أم أنتم أهل البيت ؟ فقال: يا ابن صهيب كم شهور السنة فقلت: اثنا عشر شهرا، فققال: وكم الحرم منها ؟ قلت: أربعة أشهر، قال: فشهر رمضان منها ؟ قلت: لا، قال: فشهر رمضان أفضل أم الاشهر الحرم ؟ فقلت: بل شهر رمضان، قال: فكذلك نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد، وإن أبا ذر كان في قوم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتذاكروا فضائل هذه الامة، فقال أبو ذر: أفضل هذه الامة علي ابن أبي طالب، وهو قسيم الجنة والنار، وهو صديق هذه الامة وفاروقها، و حجة الله عليها، فما بقي من القوم أحد إلا أعرض عنه بوجهه، وأنكر عليه قوله و كذبه، فذهب أبو أمامة الباهلي من بينهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره بقول أبي ذر وإعراضهم عنه، وتكذيبهم له، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء " يعني منكم يا أبا أمامة " من ذي لهجة أصدق من أبي ذر (3) ". 22 - مع: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن حمدان بن سليمان عن أيوب بن نوح، عن إسماعيل الفراء عن رجل قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أليس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أبي ذر رحمة الله عليه: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت


(1) في المصدر: سعيد بن ابى ايوب عن عبد الله بن ابى جعفر. (2) امالي ابن الشيخ: 244 و 245 فيه: مال اليتيم. (3) علل الشرائع: 70.

[407]

الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " ؟ قال: بلى، قال: قلت: فأين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين ؟ وأين الحسن والحسين ؟ قال: فقال لي: كم السنة شهرا ؟ قال: قلت: اثنا عشر شهرا، قال: كم منها حرم ؟ قال: قلت: أربعة أشهر قال: فشهر رمضان منها ؟ قال: قلت لا، قال: إن في شهر رمضان ليلة أفضل (1) من ألف شهر، إنا أهل البيت لا يقاس بنا أحد (2). ختص: جعفر بن الحسين، عن ابن الوليد، عن سعد، عن أيوب بن نوح مثله (3). 23 - ش.. ؟: أحمد بن علي الشلولي (4)، عن الحسن بن حماد، عن أبي عبد الله البرقي، عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي حكيم، عن أبي خديجة الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: دخل أبو ذر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه جبرئيل فقال جبرئيل: من هذا يا رسول الله ؟ قال: أبو ذر، قال: أما إنه في السماء أعرف منه في الارض وسله عن كلمات يقولهن إذا أصبح، قال: فقال: يا أبا ذر كلمات تقولهن إذا أصبحت فماهن ؟ قال: أقول يا رسول الله: اللهم إني أسألك الايمان بك، و التصديق بنبيك، والعافية من جميع البلاء، والشكر على العافية، والغنى عن الناس (5). 24 - كش: حمدويه وإبراهيم ابنا نصير، عن أيوب بن نوح، عن صفوان ابن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن عمرو بن سعيد، عن عبد الملك ابن أبي ذر الغفاري قال: بعثني أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم مزق عثمان المصاحف فقال لي: ادع أباك، فجاء أبي إليه مسرعا، فقال: يابا ذر أتى اليوم في الاسلام أمر عظيم، مزق كتاب الله، ووضع فيه الحديد، وحق على الله أن يسلط الحديد على من مزق كتابه بالحديد، فقال أبو ذر: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن


(1) العمل فيها افضل خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاختصاص. (2) معاني الاخبار: 56. (3) الاختصاص: 12 و 13. (4) في المصدر: السلولى. (5) رجال الكشى: 16 و 17 فيه: والغنى عن شرار الناس.

[408]

أهل الجبرية من بعد موسى قاتلوا أهل النبوة فظهروا عليهم فقتلوهم زمانا طويلا ثم إن الله بعث فتية فهاجروا إلى غير آبائهم فقاتلتهم (1) فقتلوهم، وأنت بمنزلتهم يا علي، فقال علي (عليه السلام): قتلتني (2) يابا ذر، فقال أبو ذر: أما والله لقد علمت أنه سيبدأ بك (3). 25 - كش: بالاسناد المتقدم عن عصام بن حميد، عن فضيل الرسان، عن أبي عمر، عن حذيفة بن اسيد قال: سمعت أبا ذر يقول وهو متعلق بحلقة باب الكعبة: أنا جندب (4) لمن عرفني، وأنا أبو ذر بن جنادة لمن لم يعرفني، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: من قاتلني في الاولى وفي الثانية فهو في الثالثة من شيعة الدجال، إنما مثل أهل بيتي في هذه الامة مثل سفينة نوح في لجة البحر من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، الأهل بلغت (5) ؟. بيان: لعل المراد بالثانية الخروج على أمير المؤمنين (عليه السلام). 26 - أقول: قال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الفصول: قال الشيخ رحمه الله: قال أبو مخنف: وأخبرني عبد الملك بن نوفل، عن أبي سعيد المغيري قال: لما انصرف علي (عليه السلام) من تشييع أبي ذر استقبله الناس فقالوا: يا أبا الحسن غضب عليك عثمان لتشييعك أبا ذر، فقال علي (عليه السلام): غضب الخيل على صم اللجم، قال: وحدثني الصلت، عن زيد بن كثير، عن أبي أمامة قال: كتب أبو ذر إلى حذيفة بن اليمان يشكو إليه ما صنع به عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أخي فخف الله مخافة يكثر منها بكاء عينيك وحرر قلبك، وسهر ليلك، وانصب بدنك في طاعة ربك، فحق لمن علم أن النار مثوى من سخط الله أن يطول بكاؤه ونصبه وسهر ليله حتى يلعم أنه قد رضي الله عنه، وحق لمن علم أن الجنة مثوى من رضي الله عنه أن يستقبل الحق كي


(1) في المصدر: فقاتلهم. (2) أي اخبرت عن قتلى. (3) رجال الكشى: 17. (4) في المصدر: انا جندب بن جنادة. (5) رجال الكشى: 18.

[409]

يفوز بها، ويستصغر في ذات الله الخروج من أهله وماله، وقيام ليله وصيام نهاره وجهاد الظالمين الملحدين بيده ولسانه حتى يعلم أن الله أوجبها له، وليس بعالم ذلك دون لقاء ربه، وكذلك ينبغي لك من رغب في جوار الله ومرافقة أنبيائه أن يكون، يا أخي أنت ممن أستريح إلى الضريح إليه بثي (1) وحزني، وأشكو إليه تظاهر الظالمين علي، إني رأيت الجور يعمل به بعيني، وسمعته يقال فرددته فحرمت العطاء وسيرت إلى البلاد، وغربت عن العشيرة والاخوان وحرم الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأعوذ بربي العظيم أن يكون هذا مني له شكوي إن ركب مني ما ركب، بل أنبأتك أني قد رضيت ما أحب لي ربي. وقضاه علي، و أفضيت ذلك إليك لتدعوا الله لي ولعامة المسلمين بالروح والفرج، وبما هو أعم نفعا وخير مغبة وعقبى، والسلام. فكتب إليه حذيفة: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أخي فقد بلغني كتابك تخوفني به، تحذرني فيه منقلبي، وتحثني فيه على خط نفسي، فقديما يا أخي كنت بي و بالمؤمنين حفيا لطيفا، وعليهم حدبا شفيقا، ولهم بالمعروف آمرا، وعن المنكرات ناهيا، وليس يهدي إلى رضوان الله إلا هو، لا إله إلا هو، ولا يتناهى من سخطه إلا بفضل رحمته وعظيم منه، فنسأل الله ربنا لانفسنا وخاصتنا وعامتنا وجماعة امتنا مغفرة عامة ورحمة واسعة، وقد فهمت ما ذكرت من تسييرك يا أخي وتغريبك وتطريدك، فعز والله علي يا أخي ما وصل إليك من مكروه، ولو كان يفتدى ذلك بمال لاعطيت فيه مالي، طيبة بذلك نفسي، يصرف الله عنك بذلك المكروه، والله لو سألت لك المواساة ثم اعطيتها لاحببت شطر ما نزل بك، ومواساتك في الفقر والاذى والضرر، لكنه ليس لانفسنا إلا ما شاء ربنا، يا أخي فافزغ بنا إلى ربنا، ولنجعل إليه رغبتنا، فإنا قد استحصدنا، واقترب الصرام، فكأني


(1) ببثي ظ.

[410]

وإياك قد دعينا فأجبنا، وعرضنا على أعمالنا فاحتجنا إلى ما أسلفنا، يا أخي ولا تأس على ما فاتك، ولا تحزن على ما أصابك، واحتسب فيه الخير، وارتقب فيه من الله أسنى الثواب، يا أخي لا أرى الموت لي ولك إلا خيرا من البقاء، فإنه قد أظلتنا فتن يتلو بعضها بعضا كقطع الليل المظلم، قد ابتعثت من مركبها (1) ووطئت في حطامها، تشهر فيها السيوف، وينزل فيها الحتوف فيها يقتل من اطلع لها والتبس بها، وركض فيها، ولا تبقى قبيلة من قبائل العرب من الوبر والمدر إلا دخلت عليهم، فأعز أهل ذلك الزمان أشدهم عتوا، وأذلهم أتقاهم، فأعاذنا الله وإياك من زمان هذه حال أهله فيه، لن أدع الدعاء لك في القيام والقعود والليل والنهار، وقد قال الله ولا خلف لموعوده: " ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (2) " فنستجير بالله من التكبر عن عبادته، و الاستنكاف عن طاعته، جعل الله لنا ولك فرجا ومخرجا عاجلا برحمته، والسلام عليك (3). بيان: قوله: على صم اللجم، الصم جمع الاصم، ويقال: حجر أصم، أي صلب مصمت، والمراد هنا الحديدة الصلبة التي تكون في اللجام تدخل في فم الفرس قوله: وحرر قلبك، أي من رق الشهوات. ومغبة الامر بالفتح: عاقبته. و يقال: هو حفي بفلان، أي يسر به، ويكثر السؤال عن حاله. والحدب: المتعطف واستحصد الزرع: حان أن يحصد. والصرام: قطع الثمرة. 27 - ين: حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: أتى أبا ذر رجل يبشره بغنم له قد ولدت، فقال: يابا ذر أبشر، فقد ولدت غنمك و كثرت، فقال: ما يسرني كثرتها وما احب ذلك، فما قل وكفى أحب إلي مما كثر وألهى، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: على حافتي الصراط يوم القيامة الرحم والامانة، فإذا مر عليه الوصول للرحم المؤدي للامانة لم يتكفأ به في النار (4).


(1) من مبركها خ ل. (2) غافر: 60. (3) لم نجده في كتاب الفصول. (4) كتاب الزهد، أو المؤمن: مخلوط.

[411]

28 - ين: ابن محبوب، عن الثمالي، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قال: إن أبا ذر عير رجلا على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) بامه فقال له: يا ابن السوداء، وكانت امه سوداء، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): تعيره بامه يابا ذر ؟ قال: فلم يزل أبو ذر يمرغ وجهه في التراب ورأسه حتى رضي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنه (1). 29 - كش: محمد بن مسعود ومحمد بن الحسن البرياني، عن إبراهيم بن محمد بن فارس، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن الحسين بن المختار، عن زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: طلب أبو ذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقيل إنه في حائط كذا وكذا، فتوجه في طلبه فوجده نائما، فأعظمه أن ينبه، فأراد أن يستبرئ نومه من يقظته، فتناول عسيبا (2) يابسا فكسره ليسمعه صوته ليستبرئ نومه، فسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرفع رأسه فقال: يابا ذر تخدعني ؟ أما علمت أني أرى أعمالكم في منامي، كما أراكم في يقظتي، إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي (3). 30 - نهج: ومن كلامه (عليه السلام) لابي ذر لما اخرج إلى الربذة: يابا ذر إنك غضبت لله فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وأغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غدا، والاكثر حسدا، ولو أن السماوات والارض كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لاحبوك، ولو قرضت منها لآمنوك (4). بيان: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح هذا الكلام: قد روى هذا الكلام أحد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة عن عبد الرزاق، عن أبيه


(1) كتاب الزهد، أو المؤمن: مخطوط. (2) العسيب: جريدة من النخل كشط خوصها. (3) رجال الكشى: 19. فيه: [ومحمد بن الحسن البرائى] وفيه: [ليسمعه صوته فسمه] وفى نسخة: كما اراها. (4) نهج البلاغة: القسم الاول: 266.

[412]

عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما اخرج أبو ذر إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس: أن لا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج (1) به فتحاماه الناس إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعقيلا أخاه وحسنا وحسينا (عليهما السلام) وعمار بن ياسر، فإنهم خرجوا معه يشيعونه، فجعل الحسن (عليه السلام) يكلم أبا ذر فقال له مروان: ايها يا حسن، ألا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام ذلك الرجل، فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك، فحمل علي (عليه السلام) على مروان فضرب بالسوط بين اذني راحلته، وقال: تنح لحاك الله إلى النار، فرجع مروان مغضبا إلى عثمان فأخبره خبر، فتلظى على علي (عليه السلام)، ووقف أبو ذر فودعه القوم ومعه ذكوان مولى ام هانئ بنت أبي طالب، قال ذكوان: فحفظت كلام القوم وكان حافظا فقال علي (عليه السلام): " يابا ذر إنك غضبت لله، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلا، ونفوك إلى الفلا، والله لو كانت السماوات والارض على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل له منهما مخرجا، يابا ذر لا يؤنسك إلا الحق ولا يوحشنك إلا الباطل " ثم قال لاصحاب: ودعوا عمكم، وقال لعقيل: ودع أخاك فتكلم عقيل فقال: ما عسى أن نقول يابا ذر أنت تعلم أنا نحبل وأنت تحبنا فاتق الله، فإن التقوى نجاة واصبر فإن الصبر كرم، واعلم أن استثقالك الصبر من الجزع واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع. ثم تكلم الحسن (عليه السلام) فقال: يا عماه لولا أنه لا ينبغي للمودع أن يسكت، وللمشيع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الاسف، وقد أتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراقها، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك (صلى الله عليه وآله) و هو عنك راض. ثم تكلم الحسين (عليه السلام) فقال: يا عماه إن الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى، والله كل يوم في شأن (2). وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل الله الصبر والنصر، واستعذبه


(1) زاد في المصدر: فخرج به. (2) في المصدر: كل يوم هو في شأن

[413]

من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن الجشع لا يقدم رزقا والجزع لا يؤخر أجلا. ثم تكلم عمار رحمه الله مغضبا فقال: لا آنس الله من أوحشك، ولا آمن من أخافك، أما والله لو أردت دنياهم لآمنوك، ولو رضيت أعمالهم لاحبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا، والجزع من الموت ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين. فبكى أبو ذر رحمه الله وكان شيخا كبيرا، وقال: رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مالي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إني ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن اجارو أخاه وابن خاله بالمصرين فافسد الناس عليهما، فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله، والله ما اريد إلا الله صاحبا، وما أخشى مع الله وحشة. ورجع القوم إلى المدينة فجاء علي (عليه السلام) إلى عثمان فقال له: ما حملك على رد رسولي وتصغير أمري ؟ فقال علي (عليه السلام): أما رسولك فأراد أن يرد وجهي فرددته وأما أمرك فلم أصغره، قال: أما بلغك نهيي عن كلام أبي ذر، قال: أوكل ما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه ؟ قال عثمان: أقد مروان من نفسك، قال: مم ذا ؟ قال: من شتمه وجذب راحلته، قال: أما الراحلة فراحلتي بها، وأما شتمه إياي فوالله لا يشتمني شتمه إلا شتمتك، لا أكذب عليك، فغضب عثمان وقال: لم لا يشتمك كأنك خير منه ؟ قال علي (عليه السلام) إي والله ومنك، ثم قام فخرج، فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والانصار، وإلى بني امية يشكو إليهم عليا (عليه السلام)، فقال القوم: أنت الوالي عليه، وإصلاحه أجمل، قال: وددت ذاك، فأتوا عليا (عليه السلام) و قالوا: لو اعتذرت إلى مروان وأتيته، فقال: كلا أما مروان فلا آتيه ولا أعتذر إليه (1)، ولكن إن أحب عثمان أتيته، فرجعوا إلى عثمان فأخبروه، فأرسل إليه فأتاه ومعه بنو هاشم، فتكلم علي (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما ما وجدت


(1) في المصدر: ولا اعتذر منه.

[414]

علي فيه من كلام أبي ذر ووداعه فوالله ما أردت مناواتك (1) ولا الخلاف عليك ولكن أدرت به قضاء حقه، وأما مروان فإنه اعترض يريد ردي عن قضاء حق الله عزوجل فرددته رد مثلي مثله، وأما ما كان مني إليك فإنك أغضبتني فاخرج الغضب مني ما لم أرده. فتكلم عثمان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما ما كان منك إلي فقد وهبته لك، وأما ما كان منك إلى مروان فقد عفا الله عنك، وأما ما حلفت عليه فأنت البر الصادق، فادن يدك، فأخذ يده فضمها إلى صدره، فلما نهض قالت قريش وبنو - امية لمروان: أنت رجل جبهك (2) علي فضرب راحلتك، وقد تفانت وائل في ضرع ناقة، وربيان وعبس في لطمة فرس (3)، والاوس والخزرج في نسعة، أفتحمل لعلي (عليه السلام) ما أتى إليك، فقال مروان: والله لو أردت ذلك لما قدرت عليه. واعلم أن الذي عليه أكثر أرباب السير وعلماء الاخبار والنقل أن عثمان نفى أبا ذر أولا إلى الشام، ثم استقدمه إلى المدينة لما شكى منه معاوية. ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام، وأصل هذه الواقعة أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الاموال واختص زيد بن ثابت بشئ منها جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله تعالى: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم (4) " فرفع ذلك إلى عثمان مرارا وهو ساكت، ثم إنه أرسل إليه مولى من مواليه أن انته عما بلغني عنك فقال أبو ذر: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى، وعيب من ترك أمر الله ؟


(1) في المصدر مساءتك. (2) جبه الرجل: ضربه على جبهته. فاجأه. رده عن حاجته. جبهه بالمكروه: استقبله به. (3) وائل: كليب بن ربيعة راجع حروب ايام العرب يوم البسوس. وربيان مصحف [ذبيان] وقعت بين ذبيان وعبس حروبا عظيمة، وبقيت نار الحرب مستعرة مدة مديدة بسبب فرسين اسمهما داحس والغبراء، وسمى بعض ايامهم بيوم داحس ويوم الغبراء. (4) التوبة: 34.

[415]

فوالله لان أرضى الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضى عثمان، فأغضب عثمان ذلك وأحفظ فتصابر وتماسك إلى أن قال عثمان يوما والناس حوله: أيجوز للامام أن يأخذ من بيت المال شيئا قرضا، فإذا أيسر قضى ؟ فقال كعب الاحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يابن اليهوديين أتعلمنا ديننا ؟ فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي، الحق بالشام، فأخرجه إليها، فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية يوما ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذر لرسوله: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها وردها عليه، ثم بنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذر يا معاوية إن كانت هذه من مال فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الاسراف وكان أبو ذر يقول بالشام: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه، إني لارى حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا مكذبا، و أثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه، فقال حبيب بن مسلمة الفهري: لمعاوية: إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام، فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة. وروى أبو عثمان الجاحظ عن جلام بن جندل الغفاري قال: كنت عاملا لمعاوية على قنسرين والعواصم في خلافة عثمان، فجئت إليه يوما أسأله عن حال عملي، إذ سمعت صارخا على باب داره يقول: أتتكم القطار بحمل النار، اللهم العن الآمرين بالمعروف التاركين له، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له فازبأر معاوية وتغير لونه وقال: يا جلام أتعرف الصارخ ؟ فقال: اللهم لا، قال: من عذيري من جندب بن جنادة، يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت ثم قال: أدخلوه، فجيئ بأبي ذر بين قوم يقودونه حتى وقف بين يديه، فقال له معاوية: يا عدو الله وعدو رسوله تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع، أما إني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك ولكني أستأذن فيك، قال جلام: وكنت احب أن أرى أبا ذر لانه رجل من قومي، فالتفت إليه فإذا رجل أسمر، ضرب من الرجال، خفيف العارضين، في

[416]

ظهره حناء فأقبل على معاوية وقال: ما أنا بعدو الله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان الله ولرسوله، أظهرتما الاسلام، وأبطنتما الكفر، ولقد لعنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا عليك مرات أن لا تشبع، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " إذا ولى الامة الاعين الواسع البلعون الذي يأكل ولا يشبع فلتأخذ الامة حذرها منه " فقال معاوية: ما أنا ذلك الرجل، قال أبو ذر: أنت ذلك الرجل أخبرني بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمعته يقول وقد مررت به: " اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب " وسمعته يقول: " اسيت (1) معاوية في النار " فضحك معاوية وأمر بحبسه، وكتب إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: أن احمل جنيدبا إلي على أغلظ مركب وأوعره، فوجه به من سار به (2) الليل والنهار، وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب حتى قدم به المدينة، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد فلما قدم بعث إليه عثمان: أن الحق بأي ارض شئت، قال بمكة، قال: لا، قال: ببيت المقدس قال: لا، قال: بأحد المصرين، قال: لا، قال: ولكني مسيرك إلى الربذة فسيرة إليها، فلم يزل بها حتى مات. وفي رواية الواقدي أن أبا ذر لما دخل على عثمان قال له: لا أنعم الله بقين عينا * نعم ولا لقاه يوما زينا تحية السخط إذا التقينا فقال أبو ذر: ما عرفت اسمي قينا. وفي رواية الاخرى: لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب، فقال أبو ذر، أنا جندب وسماني رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الله، فاخترت اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي سماني به على اسمي، فقال له عثمان: أنت الذي تزعم أنا نقول: يد الله مغلولة، وأن الله فقير ونحن أغنياء ؟ فقال أبو ذر: لو كنتم لا تقولون هذا لانفقتم مال الله على عباده ولكني أشهد (3) لسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين * (هامش) في المصدر: الست. (2) في المصدر: مع من سار به. (3) في المصدر: اشهداني سمعت.

[417]

رجلا جعلوا مال الله دولا، وعباده خولا (1) " فقال عثمان لمن حضر: أسمعتموها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قالوا: لا، قال عثمان: ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال أبو ذر لمن حضر: ما تدرون (2) أني صدقت ؟ قالوا: لا والله ما ندري، فقال عثمان: ادعوا لي عليا، فلما جاء قال عثمان لابي ذر: اقصص عليه حديثك في بني أبي العاص، فأعاده فقال عثمان لعلي (عليه السلام): أسمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: لا، وصدق أبو ذر، فقال: كيف عرفت صدقه ؟ قال: لاني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر " فقال من حضر: أما هذا فسمعناه كلنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال أبو ذر: احدثكم أني سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتتهموني ؟ ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله). وفي خبر آخر بإسناده عن صهبان مولى الاسلميين قال: رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان، فقال له: أنت الذي فعلت وفعلت، فقال أبو ذر: نصحتك فاستغششتني، ونحصت صاحبك فاستغشني، قال عثمان: كذبت، ولكنك تريد الفتنة وتحبها، قد انغلت الشام علينا، فقال له أبو ذر: اتبع سنة صاحبيك لا يكن لاحد عليك كلام، فقال عثمان: مالك وذلك ؟ لا ام لك قال أبو ذر: ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب، إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله، فإنه قد فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الاسلام، فتكلم علي (عليه السلام) وكان حاضرا فقال: اشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون: " وإن يك كاذبا فعليه كذبه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (3) " فاجابه عثمان بجواب غليظ، وأجابه علي (عليه السلام) بمثله، ولم يذكر الجوابين تذمما منهما. قال الواقدي: ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر أو يكلموه


(1) زاد في المصدر: ودينه دخلا. (2) في المصد: اما تدرون (3) غافر: 28.

[418]

فمكث كذلك أياما ثم أتى به فوقف بين يديه، فقال أبو ذر: ويحك يا عثمان أما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورأيت أبا بكر وعمر، هل هديك كهديهم ؟ أما إنك لتبطش بي بطش جبار، فقال عثمان: اخرج عنا من بلادنا، فقال أبو ذر: ما أبغض إلي جوارك، فإلى أين أخرج ؟ قال: حيث شئت، قال: أخرج إلى الشام أرض الجهاد قال: إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها، أفأردك إليها ؟ قال: أفأخرج إلى العراق ؟ قال: لا، إنك إلا تخرج إليها تقدم على قوم اولي شبه وطعن على الائمة والولاة، قال: أفأخرج إلى مصر ؟ قال: لا، قال: فإلى أين أخرج ؟ قال: إلى البادية، قال أبو ذر: أصير بعد الهجرة أعرابيا ؟ قال: نعم، قال أبو ذر: فأخرج إلى بادية نجد، قال عثمان: بل إلى الشرف الابعد فأقصى (1)، امض على وجهك هذا، فلا تعدون (2) فخرج إليها. وروى الواقدي أيضا عن مالك بن أبي الرجا (3) عن موسى بن ميسرة أن أبا الاسود الدؤلي قال: كنت احب لقاء أبي ذر لاسأله عن سبب خروجه إلى الربذة، فجئته فقلت له: ألا تخبرني أخرجت من المدينة طائعا أم اخرجت (4) ؟ فقال: كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغنى عنهم فاخرجت إلى المدينة، فقلت: دار هجرتي، فاخرجت من المدينة إلى ما ترى، ثم قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ مربي (صلى الله عليه وآله) فضربني برجله، وقال: لا أراك نائما في المسجد، فقلت: بأبي أنت وامي غلبتني فنمت فيه، قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت: آخذ سيفي فأضربهم به، فقال: ألا أدلك على خير من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع، فسمعت وأطعت وأنا أسمع واطيع، والله ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي (5) انتهى كلامه، وإنما أوردته بطوله لتعلم أن قبائح أعمال عثمان وطغيانه على أبي ذر وغيره متواتر بين الفريقين.


(1) في المصدر: اقصى فاقصى. (2) في المصدر: فلا تعدون ربذة. (3) في المصدر: مالك بن ابى الرجال. (4) في المصدر: ام اخرجت كرها. (5) شرح نهج البلاغة 2: 275 - 378.

[419]

بيان: يقال: لحاه الله، أي قبحه ولعنه، وازبأر الكلب: تنفش، والرجل للشر: تهيأ. والضرب بالفتح: الرجل الخفيف اللحم، والبلعوم بالضم: مجرى الطعام في الحلق واسيت كأنه تصغير الاست والشارف من النوق المسنة الهرمة وأنغله: أفسده، وفي القاموس: الشرف: المكان العالي، وجبل قرب جبل شريف، و الربذة والشرف الاعلى: جبل قرب زبيد. أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روى أبو عمرو (1) ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب لما حضر أبا ذر الوفاة وهو بالربذة بكت زوجته ام ذر، قالت: فقال لي: ما يبكيك ؟ فقلت (2): مالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الارض، وليس عندي ثوب يسعك كفنا، ولابد لي من القيام بجهازك، فقال: أبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاث فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدا " وقد مات لنا ثلاثة من الولد، وسمعت أيضا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لنفر، أنا فيهم: " ليموتن أحدكم بفلاة من الارض يشهده عصابة من المؤمنين " وليس من اولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة، فأنا لا أشك أني ذلك الرجل، والله ما كذبت ولا كذبت، فانظري الطريق. قالت أم ذر: فقلت: أنى وقد ذهب الحاج وتقطعت الطرق ؟ فقال: اذهبي فتبصري، فقالت فكنت أشتد إلى الكثيب فأصعد فأنظر ثم أرجع إليه فامرضه، فبينا أنا وهو على هذه الحال إذا أنا برجال على ركابهم كأنهم الرحم ؟ تخب (3) بهم رواحلهم، فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي، وقالوا: يا أمة الله مالك ؟ فقلت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه ؟ قالوا: ومن هو ؟ قلت: أبو ذر، قالوا: صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قلت: نعم، ففدوه بآبائهم، وامهاتهم وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم: أبشروا فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) الصحيح: أبو عمر. (2) فقالت خ ل. (3) خب الفرس في عدوه: رواح بين يديه ورجليه، أي قام على احداهما مرة وعلى الاخرى مرة.

[420]

يقول لنفر أنا فيهم: " ليموتن رجل منكم بفلاة من الارض تشهده عصابة من المؤمنين " وليس من اولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة، والله ما كذبت ولا كذبت ولو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أولا مرأتي لم اكفن إلا في ثوب لي أولها، و إني انشدكم الله أن يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا، قالت: وليس في اولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال إلا فتى من الانصار، قال له: أنا اكفنك يا عم في ردائي هذا، وثوبين معي في عيبتي من غزل امي، فقال أبو ذر أنت تكفنني، فمات فكفنه الانصاري، وغسله في النفر الذين حضروه وقاموا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان. قال أبو عمرو (1) بن عبد البر قبل أن يروي هذا الحديث: كان النفر الذين حضروا موت أبي ذر البربذة مصادفة جماعة منهم حجر بن عدي الذي قتله معاوية و هو من أعلام الشيعة وعظمائها، وأما الاشتر فهو أشهر في الشيعة من أبي الهذيل في المعتزلة، وقرئ كتاب الاستيعاب على شيخنا عبد الوهاب بن سكينة المحدث وأنا حاضر فلما انتهى القارئ إلى هذا الخبر قال استادي عمرو بن عبد الله الدباس وكنت أحضر معه سماع الحديث: لتقل الشيعة بعد هذا ما شاءت، فما قال المرتضى والمفيد إلا بعض ما كان حجر والاشتر يعتقدانه في عثمان ومن تقدمه، فأشار الشيخ إليه بالسكوت فسكت، انتهى كلامه. بلفظ. فانظر فيه ببصيرة تزدد يقينا. أقول: وقال ابن عبد البر بعد نقل الرواية الطويلة: روى عنه جماعة من الصحابة وكان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق سئل علي (عليه السلام) عن أبي ذر، فقال: ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس، ثم أوكأ عليه ولم يخرج شيئا منه، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: أبو ذر في امتي شبيه عيسى بن مريم في زهده، وبعضهم يرويه: من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر، وعن أبي ذر قال: كان قوتي على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاعا من


(1) الصحيح: أبو عمر.

[421]

تمر، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله (1). 31 - نوادر الراوندي: بإسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) ان أبا ذر الغفاري رضي الله عنه تمعك فرسه ذات يوم فحمحم في تمعكه، فقال أبو ذر: هي حسبك الآن فقد استجيب لك، فاسترجع القوم وقالوا: خولط أبو ذر، فقال للقوم: مالكم ؟ قالوا: تكلم بهيمة من البهائم ؟ فقال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إذا تمعك الفرس دعا بدعوتين فيستجاب له، يقول: اللهم اجعلني أحب ماله إليه، والدعوة الثانية: اللهم ارزقه على ظهري الشهادة، و دعوتاه مستجابتان (2). 32 - لى: ابي وابن الوليد وابن مسرور جميعا عن ابن عامر، عن عمه، عن ابن أبي عمير، عن مرازم بن حكيم، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لرجل من أصحابه: ألا اخبرك كيف كان سبب إسلام سلمان وأبي ذر رحمة الله عليهما ؟ فقال الرجل وأخطأ: أما إسلامه سلمان فقد علمت، فأخبرني كيف كان سبب إسلام أبي ذر فقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): إن أبا ذر رحمة الله عليه كان في بطن مر يرعى غنما له إذ جاء ذئب عن يمين غنمه فهش أبو ذر بعصاه عليه، فجاء الذئب عن يسار (3) غنمه فهش أبو ذر بعصاه عليه، ثم قال: والله ما رأيت ذئبا أخبث منك ولا شرا، فقال الذئب: شر والله مني أهل مكة بعث الله إليهم نبيا فكذبوه وشتموه فوقع كلام الذئب في اذن أبي ذر فقال لاخته (4): هلمي مزودي وإدواتي و عصاي ثم خرج يركض حتى دخل مكة فإذا هو بحلقة مجتمعين، فجلس إليهم فإذا هم يشتمون النبي (صلى الله عليه وآله) ويسبونه كما قال الذئب، فقال أبو ذر: هذا والله ما أخبرني به الذئب، فمازالت هذه حالتهم حتى إذا كان آخر النهار وأقبل أبو طالب قال بعضهم لبعض: كفوا فقد جاء عمه، فلما دنا منهم أكرموه وعظموه، فلم يزل أبو طالب متكلمهم وخطيبهم إلى أن تفرقوا، فلما قام أبو طالب: تبعته فالتفت إلي فقال:


(1) شرح نهج البلاغة 2: 217 و 218. (2) نوادر الراوندي: 15. (3) عن يساره خ ل. (4) في الكافي: لامرأته.

[422]

ما حاجتك ؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم قال: وما حاجتك إليه ؟ فقال أبو ذر اؤمن به وأصدقه ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، فقال أبو طالب: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟ قال: فقلت: نعم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، قال: فقال: إذا كان غدا في هذه الساعة فأتني، قال: فلما كان من الغد جاء أبو ذر فإذا الحلقة مجتمعون وإذا هم يسبون النبي (صلى الله عليه وآله) ويشتمونه كما قال الذئب، فجلس معهم حتى أقبل أبو طالب فقال بعضهم لبعض: كفو فقد جاء عمه، فكفوا فجاء أبو طالب فجلس فما زال متكلمهم وخطيبهم إلى أن قام، فلما قام تبعه أبو ذر فالتفت إليه أبو طالب، فقال: ما حاجتك ؟ فقال: هذا النبي المبعوث فيكم، قال: وما حاجتك إليه ؟ قال: فقال له: اؤمن به واصدقه، ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، فقال أبو طالب: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ؟ فقال: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمد رسول الله، قال: فرفعني إلى بيت فيه جعفر بن أبي طالب قال: فلما دخلت سلمت فرد علي السلام، ثم قال: ما حاجتك ؟ قال: فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم ؟ قال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: اؤمن به واصدقه، ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله ؟ قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فرفعني إلى بيت فيه حمزة بن عبد المطلب، فلما دخلت سلمت فرد علي السلام، ثم قال: ما حاجتك، فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم ؟ قال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: اؤمن به واصدقه، ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله ؟ قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله قال: فرفعني إلى بيت فيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلما دخلت سلمت فرد علي السلام، ثم قال: ما حاجتك ؟ قلت: هذا النبي المبعوث فيكم ؟ قال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: اؤمن به واصدقه، ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فرفعني إلى بيت فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإذا هو نور في نور، فلما دخلت سلمت فرد علي السلام ثم قال:

[423]

ما حاجتك ؟ قلت: هذا النبي المبعوث فيكم، قال: وما حاجتك إليه ؟ فقلت: اؤمن به واصدقه، ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله ؟ قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله): أنا رسول الله يابا ذر، انطلق إلى بلادك فإنك تجد ابن عم لك قد مات فخذ ماله، وكن بها حتى يظهر أمري، قال أبو ذر: فانطلقت إلى بلادي فإذا ابن عم لي قد مات، وخلف مالا كثيرا في ذلك الوقت الذي أخبرني فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاحتويت على ماله وبقيت ببلادي حتى ظهر أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتيته (1). كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن عبد الله بن محمد، عن سلمة اللؤلؤي، عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله إلى قوله: هلمي مزودي وإداوتي وعصاي، ثم خرج على رجليه يريد مكة ليعلم خبر الذئب وما أتاه به، فمشى حتى بلغ مكة فدخلها في ساعة حارة وقد تعب ونصب، فأتى زمزم وقد عطش فاغترف دلوا فخرج له لبن فقال في نفسه: هذا والله يدلني على أن ما خبرني به الذئب و ما جئت له حق، فشرب وجاء إلى جانب من جوانب المسجد فإذا حلقه من قريش فجلس إليهم فرآهم يشتمون النبي (صلى الله عليه وآله) كما قال الذئب (2). أقول: وساق الحديث نحوا مما مر إلى آخره إلا انه قدم ذكر حمزة على جعفر رضي الله عنهما. بيان: بطن مر بفتح الميم: موضع إلى مرحلة من مكة. وهش الورق: خبطه بعصا ليتحات، فاستعمل هنا مجازا لانه ضربه بآله الهش والمزود كمنبر: وعاء الزاد والاداوة بالكسرة: المطهرة. 33 - مع، ع: السناني والقطان والمكتب والورق والدقاق جميعا عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن أبي


(1) امالي الصدوق: 287 - 289. (2) روضة الكافي: 279 و 298 راجعه ففيه اختلافات لفظية.

[424]

الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم في مسجد قبا وعنده نفر من أصحابه فقال: أول من يدخل عليكم الساعة رجل من أهل الجنة، فلما سمعوا ذلك قام نفر منهم فخرجوا وكل واحد منهم يحب أن يعود ليكون هو أول داخل فيستوجب الجنة، فعلم النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك منهم، فقال لمن بقي عنده من أصحابه: سيدخل عليكم جماعة يستبقوني، فمن بشرني بخروج آزار (1) فله الجنة، فعاد القوم ودخلوا ومعهم أبو ذر فقال لهم: في أي شهر نجن من الشهور الرومية ؟ فقال أبو ذر قد خرج آزار يا رسول الله، فقال: قد علمت ذلك يابا ذر ولكن أحببت أن يعلم قومي أنك رجل من الجنة (2)، وكيف لا تكون كذلك وأنت المطرود عن حرمي بعدي لمحبتك لاهل بيتي، فتعيش وحدك. وتموت وحدك، ويسعد بك قوم يتولون تجهيزك ودفنك، اولئك رفقائي في جنة الخلد التي وعد المتقون (3). 34 - ما: الجعابي، عن ابن عقدة، عن أبي عوانة موسى بن يوسف، عن محمد بن يحيى الاودي، عن إسماعيل بن أبان، عن فضيل بن الزبير ن عن أبي عبد الله مولى بني هاشم، عن أبي سحيلة (4) قال: حججت أنا وسلمان الفارسي رحمه الله فمررنا بالربذة وجلسنا إلى أبي ذر الغفاري رحمه الله، فقال لنا: إن سيكون (5) بعدي فتنة فلابد منها، فعليكم بكتاب الله والشيخ علي بن أبيطالب فالزموهما، فاشهد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أني سمعته وهو يقول: علي أول من آمن بي، وأول من صدقني وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصديق الاكبر، وهو فاروق هذه الامة يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين. والمال يعسوب المنافقين (6). كش: حمدويه وإبراهيم ابنا نصير، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن


(1) الصحيح: اذار بالذال. (2) في المصدر: من اهل الجنة. (3) علل الشرائع: 69 و 70 معاني الاخبار: 62 فيه: الجنة الخلد. (4) في المصدر والتقريب: عن ابى سخيلة. (5) في المصدر: ستكون. (6) امالي الشيخ: 91.

[425]

يحيى، عن عاصم بن حميد، عن فضيل الرسان، عن أبي عبد الله، عن أبي سحيلة (1) مثله إلا أن فيه أنا وسلمان بن ربيعة ولعله أظهر إذ عود سلمان الفارسي إلى المدينة بعد خروج أبي ذر إلى الربذة بعيدة. 35 - مع: محمد بن أحمد بن تميم، عن محمد بن إدريس الشامي، عن هاشم بن عبد العزيز، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الحريري، عن أبي العلاء بن سحير، عن نعيم بن قعنب قال: أتيت الربذة ألتمس أبا ذر، فقالت لي امرأة: ذهب يمتهن، قال: فإذا أبو ذر قد أقبل يقود بعيرين قد قطر (2) أحدهما بذنب الآخر قد علق في عنق (3) كل واحد منهما قربة، قال: فقمت فسلمت عليه، ثم جلست فدخل منزله وكلم امرأته بشئ فقال: أوما (4) تزيد على ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إنما المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وفيها بلغة " ثم جاء بصحفة فيها مثل القطاة فقال: كل فإني صائم، ثم قام فصلي ركعتين، ثم جاء فأكل: قال: فقلت: سبحان الله ما ظننت أن يكذبني من الناس، فلم أظن أنك تكذبني، قال: وما ذاك ؟ قلت: إنك قلت لي أنا صائم ثم جئت فأكلت، قال: وأنا الآن أقوله إني صمت من هذا الشهر ثلاثا فوجب لي صومه وحل لي فطره (5). بيان: المهنة: الخدمة، ومهنت الابل: حلبتها عند الصدر، وامتهنت الشئ ابتذلته. قوله: أوما تزيدين، أي لزمت ما أخبرته النبي (صلى الله عليه وآله) فيكن من الاعوجاج لا تفارقينه، وفي بعض النسخ بالراء المهملة، ولعله على هذا كلمة علي بتشديد الياء وفي بعض النسخ: اف أما تزيدين: وفي بعضها: اف ما تزيدين، ولعله أظهر أي كل ما فعلت بي لا تزيدين على ما أخبر (صلى الله عليه وآله) فيكن، قوله: وفيها، من تتمة كلام النبي (صلى الله عليه وآله)، أي وفي المرأة بلغة وانتفاع إذا صبر الرجل على سوء خلقها


(1) رجال الكشى: 17 وفيه: ابى سخيلة. راجعه ففيه ايضا اختلاف. (2) قطر البعير: قرب بعضها إلى بعض على نسق. (3) في رقبة خ ل. (4) اف اما تزيدين خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) معاني الاخبار: 88.

[426]

ويحتمل أن يكون من كلام أبي ذر، فالضمير راجع إلى الكلمة، أي في تلك الكلمة بلغة وكفاية لمن عمل بالمقصود منها، قوله: ما ظننت كأن " ما " بمعنى " من " أي كل من أظن كذبه من جملة الناس فلا أظن كذبك، ويحتمل أن يكون بمعنى ما دام، أي كل وقت أظن كذب أحد من الناس فلا أظن كذبك والاول أظهر قوله: فوجب لي صومه، أي ثبت ولزم لي ثواب صومه. 36 - فس: " وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماء كم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (1) " الآية، فإنها نزلت في أبي ذر وعثمان بن عفان، وكان سبب ذلك لما أمر عثمان بنفي أبي ذر رحمه الله إلى الربذة دخل عليه أبو ذر وكان عليلا متوكيا على عصاه، وبين يدي عثمان مائة ألف درهم قد حملت إليه من بعض النواحي، وأصحاب حوله ينظرون إليه ويطعمون أن يقسمها فيهم، فقال أبو ذر لعثمان: ما هذا المال ؟ فقال عثمان: مائة ألف درهم حملت إلي من بعض النواحي اريد أن أضم إليها مثلها، ثم أرى فيها رأي، فقال أبو ذر: يا عثمان أيما أكثر ؟ مائة ألف درهم، أو أربعة دنانير ؟ فقال عثمان: بل مائة ألف درهم، فقال أما تذكر أنا وأنت وقد دخلنا (2) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشيا فرأيناه كئيبا حزينا، فسلمنا عليه، فلم يرد علينا السلام، فلما أصبحنا أتيناه فرأيناه ضاحكا مستبشرا، فقلنا له: بآبائنا وامهاتنا (3) دخلنا عليك البارحة فرأيناك كئيبا حزينا، وعدنا إليك اليوم فرأيناك فرحا (4) مستبشرا، فقال: نعم كان قد بقي عندي من فطئ المسلمين أربعة دنانير لم أكن قسمتها وخفت أن يدركني الموت وهي عندي، وقد قسمتها اليوم فاسترحت منها، فنظر عثمان إلى كعب الاحبار فقال له: يا أبا إسحاق ما تقول في رجل أدى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيما بعد ذلك فيها شئ ؟ قال: لا، ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة ما وجب عليه شئ فرفع أبو ذر - عصاه فضرب به رأس كعب، ثم قال له: يا ابن اليهودية الكافرة ما أنت


(1) البقرة: 84. (2) اما تذكر انى وانت قد دخلنا خ ل. (3) في المصدر: وامهاتنا انت. (4) ضاحكا خ ل.

[427]

والنظر في أحكام المسلمين، قول الله أصدق من قولك، حيث قال: " الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب إليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (1) " فقال عثمان: يابا ذر إنك شيخ خرفت وذهب عقلك، ولو لا صحبتك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لقتلتك، فقال: كذبت يا عثمان، أخبرني حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال " لا يفتنونك يا أبا ذر ولا يقتلونك " وأما عقلي فقد بقي منه ما أحفظ حديثا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيك وفي قومك، قال: وما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وفي قومي ؟ قال: سمعت يقول (صلى الله عليه وآله): " إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلا صيروا مال الله دولا، وكتاب الله دغلا (2)، وعباده خولا، والفاسقين حزبا، والصالحين حربا " فقال عثمان: يا معشر أصحاب محمد هل سمع أحد منكم هذا من رسول الله ؟ فقالوا: لا ما سمعنا هذا، فقال عثمان: ادع (3) عليا، فجاء أمير المؤمنين فقال له عثمان: يا أبا الحسن انظر ما يقول هذا الشيخ الكذاب، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): مه يا عثمان لا تقل: كذاب، فإنى سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، فقال أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) صدق علي (عليه السلام)، فقد سمعنا هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبكى أبو ذر عند ذلك فقال: ويلكم كلكم قد مد عنقه (4) إلى هذا المال، ظننتم أني أكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم نظر إليهم فقال: من خيركم ؟ فقال (5): أنت تقول: إنك خيرنا، قال: نعم خلفت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه الجبة وهي علي بعد، وأنتم قد أحدثتم أحداثا كثيرة (6)، والله سائلكم عن ذلك ولا يسألني، فقال عثمان: يا أبا ذر أسألك بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا ما أخبرتني عن شئ أسألك عنه، فقال أبو ذر: والله لو لم تسألني


(1) التوبة: 34 و 35. (2) دخلا خ ل. (3) ادعوا خ ل. (4) في المصدر: عنقكم. (5) في المصدر: فقالوا. (6) في المصدر: احداثا كبيرة.

[428]

بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيضا لاخبرتك، فقال: أي البلاد أحب إليك أن تكون فيها ؟ فقال: مكة حرم الله وحرم رسوله، أ عبد الله فيها حتى يأتيني الموت، فقال: لا، ولا كرامة لك، فقال: المدينة حرم رسول الله، قال: لا، ولا كرامة لك، قال: فسكت أبو ذر فقال عثمان: أي البلاد أبغض إليك أن تكون فيها ؟ قال: الربذة التي كنت فيها على غير دين الاسلام، فقال عثمان: سر إليها، فقال أبو ذر قد سألني فصدقتك وأنا أسألك فاصدقني، قال: نعم، فقال: أخبرني لو بعثتني في بعث من أصحابك إلى المشركين فأسروني فقالوا: لا نفديه إلا بثلث ما تملك، قال: كنت أفديك قال: فإن قالوا: لا نفديه إلا بنصف ما تملك، قال: كنت أفديك، قال: فإن قالوا: لا نفديه إلا بكل ما تملك قال كنت أفديك قال أبو ذر: الله أكبر قال لي حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما: يابا ذر كيف أنت إذا قيل لك: أي البلاد أحب إليك أن تكون فيها ؟ فتقول: مكة حرم الله وحرم رسوله، أ عبد الله فيها حتى يأتيني الموت ؟ فيقال لك: لا، ولا كرامة لك، فتقول: المدينة حرم رسول الله، فيقال لك: لا، ولا كرامة لك، ثم يقال لك: فأي البلاد أبغض إليك أن تكون فيها ؟ فتقول: الربذة التي كنت فيها على غير دين الاسلام، فيقال لك: سر إليها، فقلت: وإن هذا الكائن يا رسول الله ؟ فقال: إي والذي نفسي بيده إن لكائن، فقلت: يا رسول الله أفلا أضع سيفي هذا على عاتقي فأضرب به قدما قدما ؟ قال: لا، اسمع واسكت ولو لعبد حبشي، وقد أنزل الله فيك وفي عثمان آية، فقلت: وما هي يا رسول الله ؟ فقال: قوله تبارك تعالى: " وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وإن يأتوكم اسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (1) ".


(1) تفسير القمى: 43 - 46.

[429]

بيان: قوله: فلم يرد علينا، لعل المعنى كما يرد قبل ذلك على جهة البشاشة والبشر، وقال في النهاية: في أشراط الساعة إذا كان المغنم دولا، جمع دولة بالضم وهو ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم، وقال: الدخل بالتحريك: العيب والغش والفساد. ومنه حديث أبي هريرة: إذا بلغ بنوا أبي العاص ثلاثين كان دين الله دخلا، وحقيقته أن يدخلون في الدين امورا لم تجربها السنة، وفيه أيضا: كان عباد الله خولا أي خدما وعبيدا، يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم، وقال: مضى قدما، بضمتين، أي لم يعرج ولم ينثن. 37 - فس: كان أبو ذر تخلف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك ثلاثة أيام وذلك أن جمله كان أعجف، فلحق بعد ثلاثة أيام (1) ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره، فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كأن (2) أبا ذر، فقالوا: هو أبو ذر، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ادركوه بالماء فإنه عطشان، فأدركوه بالماء، ووافى أبو ذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه إداوة فيها ماء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يابا ذر معك ماء وعطشت ؟ فقال: نعم يا رسول الله، بأبي أنت وامي، انتهيت إلى صخرة وعليها (3) ماء السماء، فذقته فإذا هو عذب بارد، فقلت: لا أشربه حتى يشربه حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا ذر رحمك الله تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك وتدخل الجنة وحدك يسعد بك قوم من أهل العراق، يتولون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك، فلما سير به عثمان إلى الربذة فمات بها ابنه ذر وقف على قبره فقال: رحمك الله ياذر لقد كنت كريم الخلق، بارا بالوالدين، وما علي في موتك من غضاضة، ومالي إلى غير الله من حاجة، وقد شغلني الاهتمام لك عن الاغتمام بك، ولولا هول المطلع لاحببت أن أكون مكانك، فليت شعرى ما قالوا لك وما قلت لهم ؟ ثم قال: اللهم إنك فرضت لك عليه حقوقا، وفرضت لي عليه


(1) في المصدر: فلحق بعد ثلاثة ايام به. (2) كانه ابو ذر خ ل. كن ابا ذر خ. (3) في المصدر: وفيها.

[430]

حقوقا، فإني قد وهبت له ما فرضت عليه من حقوقي، فهب له ما فرضت عليه من حقوقك، فإنك أولى بالحق وأكرم (1) مني، وكانت لابي ذر غنيمات يعيش هو وعياله منها، فأصابها داء يقال لها: النقاب (2) فماتت كلها فأصاب أبا ذر وابنته الجوع وماتت أهله، فقالت ابنته: أصابنا الجوع وبقينا ثلاثة أيام لم نأكل شيئا فقال لي أبي: يا بنية قومي بنا إلى الرمل نطلب القت وهو نبت له حب، فصرنا إلى الرمل فلم نجد شيئا، فجمع أبي رملا ووضع رأسه عليه، ورأيت عينيه قد انقلبت، فبكيت فقلت له: يا أبه كيف أصنع بك وأنا وحيدة ؟ فقال: يا بنتي لا تخافي فإني إذا مت جاءك من أهل العراق من يكفيك أمري فإني (3) أخبرني حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك فقال لي: " يابا ذر تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، وتدخل الجنة وحدك، يسعد بك أقوام من أهل العراق يتولون غسلك وتجهيزك ودفنك " فإذا أنا مت فمدي الكساء على وجهي، ثم اقعدي على طريق العراق، فإذا أقبل ركب فقومي إليهم وقولي: هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد توفي قالت (4) فدخل إليه قوم من أهل الربذة فقالوا: يا أبا ذر ما تشتكي ؟ قال: ذنوبي، قالوا: فما تشتهي ؟ قال: رحمة ربي، قالوا: هل لك بطبيب (5) ؟ قال: الطبيب أمرضني، قالت ابنته: فلما عاين سمعته يقول: مرحبا بحبيب أتى على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم خنقني خناقك فوحقك انك لتعلم أني احب لقاءك، قالت: ابنته: فلما مات مددت الكساء على وجهه، ثم قعدت على طريق العراق فجاء نفر فقلت لهم: يا معشر المسلمين هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد توفي، فنزلوا ومشوا يبكون فجاؤا فغسلوه وكفنوه ودفنوه، و كان فيهم الاشتر، فروي أنه قال كفنته في حلة كانت معي قيمته أربعة آلاف درهم فقالت ابنته: فكنت اصلي بصلاته وأصوم بصيامه، فبينا أنا ذات ليلة نائمة عند قبره


(1) والكرم خ ل. (2) في المصدر: يقال له: النقاز. (3) في المصدر: فانه. (4) وكان قد دخل. (5) فهل لك في طبيب خ ل.

[431]

إذ سمعته يتهجد بالقرآن في نومي كما كان يتهجد به في حياته، فقلت: يا أبه ماذا فعل بك ربك ؟ قال: يا بنتي قدمت على رب كريم رضي عني ورضيت عنه، و أكرمني وحياني فاعملي ولا تغتري (1). بيان: العجف: الهزال. والغضاضة: الذلة والمنقصة. قوله: يقال لها: النقاب، قال الفيروز آبادي: النقب: قرحة تخرج في الجنب، وفي بعض النسخ بالزاء المعجمة، قال الفيروز آبادي: النقاز كغراب: داء للماشية شبيه بالطاعون. قوله: خنقني، هو طلب للموت. 38 - فس: " لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة " قال الصادق (عليه السلام): هكذا نزلت، وهي أبو ذر وأبو خيثمة و عمرو بن وهب الذين تخلفوا ثم لحقوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) (2). 39 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن يحيى بن أبي عمران عن يونس، عمن رواه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أكثر عبادة أبي ذر رحمة الله عليه التفكر والاعتبار (3). 40 - ل: أبي، عن محمد العطار، عن الحسين بن إسحاق التاجر، عن علي ابن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن السكوني، عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) قال: بكى أبو ذر رحمة الله عليه من خشية الله عزوجل حتى اشتكى بصره، فقيل له: يا أبا ذر لو دعوت الله أن يشفي بصرك، فقال: إني عنه لمشغول وما هو من أكبر همي، قالوا: وما يشغلك عنه ؟ قال: العظيمتان: الجنة والنار (4).


(1) تفسير القمى: 270 و 271. (2) تفسير القمى: 273، والاية في سورة التوبة: 117، وصحيحه هكذا: [لقد تاب الله عليه النبي والمهاجرين والانصار] والحديث كما ترى مرسل شاذ يخالف بظاهره ما عليه الشيعة الامامية انار الله برهانهم من بطلان القول بتحريف القرآن، ولعل المراد من الحديث التأويل لا التنزيل. (3) الخصال 1: 23. (4) الخصال 1: 21.

[432]

41 - ما: عن موسى بن بكر، عن العبد الصالح (عليه السلام) مثله (1). كش: علي بن محمد القتيبتي، عن الفضل بن شاذان، عن أبيه، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر مثله (2). 42 - ص: الصدوق، عن أحمد الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: " وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم (3) " دخل أبو ذر عليلا متوكيا على عصاه على عثمان، وعنده مائة ألف درهم حملت إليه من بعض النواحي، فقال: إني اريد أن أضم إليها مثلها، ثم أرى فيها رأيي، فقال أبو ذر: أتذكر إذ رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حزينا عشاء، فقال: بقي عندي من فئ المسلمين أربعة دراهم لم أكن قسمتها ثم قسمها، فقال: الآن استرحت، فقال: الآن استرحت، فقال عثمان لكعب الاحبار: ما تقول في رجل أدى زكاة ماله، هل يجب بعد ذلك شئ ؟ قال: لا، لو اتخذ لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، فقال أبو ذر رضي الله عنه: يا ابن اليهودية ما أنت والنظر في أحكام المسلمين، فقال عثمان: لولا صحبتك لقتلتك، ثم سيره إلى الربذة (4). 43 - شف: أحمد بن مردويه، عن محمد بن علي بن رحيم، عن الحسن بن الحكم الخيري، عن سعد بن عثمان الخزاز، عن أبي مريم، عن داود بن أبي عوف عن معاوية ابن ثعلبة الليثي قال: ألا احدثك بحديث لم يختلط ؟ قلت: بلى، قال: مرض أبو ذر فأوصى إلى علي (عليه السلام)، فقال بعض من يعوده: لو أوصيت إلى أمير المؤمنين عمر كان أجمل لوصيتك من علي، قال: والله لقد أوصيت إلى أمير المؤمنين حق أمير المؤمنين، والله إنه للربيع الذي يسكن إليه، ولو قد فارقكم لقد أنكرتم الناس وأنكرتم الارض، قال: قلت: يا أبا ذر إنا لنعلم أن أحبهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحبهم إليك، قال: أجل، قلنا: فأيهم أحب إليك ؟ قال: هذا الشيخ


(1) امالي الشيخ: 78. راجعه. (2) رجال الكشى: 18 و 19 راجعه. (3) البقرة: 84. (4) قصص الانبياء: مخطوط.

[433]

المظلوم المضطهد حقه، يعني علي بن أبي طالب (1). 44 - شف: ابن مردويه، عن أحمد بن محمد بن عاصم، عن عمران بن عبد الرحيم عن أبي الصلت الهروي عن يحيى بن يمان، عن سفيان الثوري، عن داود بن أبي عوف عن معاوية بن ثعلبة قال: دخلنا على أبي ذر رضي الله عنه نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا: اوص يا أبا ذر، قال: قد أوصيت، قلنا: إلى من ؟ قال: إلى أمير المؤمنين، قال: قلنا: عثمان ؟ قال: لا، ولكن إلى أمير المؤمنين حقا أمير المؤمنين والله إنه لربي الارض وإنه لرباني هذه الامة، ولو قد فقدتموه لانكرتم الارض ومنه عليها (2). بيان: الربي والرباني كلاهما منسوبان إلى الرب، أي العالم الراسخ في العلم والدين، وسيأتي في أكثر الروايات أنه لزر الارض بالزاء المكسورة المعجمة، ثم الراء المشددة المهملة، قال في النهاية: في حديث أبي ذر قال: يصف عليا أنه لعالم الارض وزرها الذي تسكن إليه، أي قوامها، وقد مر في باب سلمان أيضا. 45 - يج: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال الناس في غزاة تبوك: تخلف أبو ذر فنزل النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يبرح مكانه حتى أصبح، ثم جعل يرمق الطريق حتى طلع أبو ذر يحمل أشياءه على عاتقه. قال: وقد خلف عنه بعيره فتلوم عليه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه ومضى، قال: هذا أبو ذر، ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله): أبو ذر يمشي وحده، ويحيى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، اسقوه فإنه عطشان، فقلنا: يا رسول الله هذه إداوة معلقة معه بعصا مملوة ماء، قال: فالتفت وقال: وإياكم أن تقتلوه عطشا، اسقوه فإنه عطشان، قال أبو قتادة: فأخذت قدحي فملاته ثم سعيت به نحوه حتى لقيته، فبرك على ركبتيه، ثم شرب حتى أتى عليه، فقلت: رحمك الله أبلغ منك العطش ما أرى، وهذه إداوة معك مملوة ماء ؟ قال: إني مررت


(1) كشف اليقين: 15 و 16. (2) كشف اليقين: 17.

[434]

على نضحة من السماء فأودعتها إداوتي، وقلت: أسقيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). بيان: تلوم في الامر: تمكث وانتظر. 46 - سن: ابن فضالة، عن أبي المعزا، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد فيما أظن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: رئي أبو ذر رضي الله عنه يسقي حمارا له بالربذة، فقال له بعض الناس: أما لك يابا ذر من يسقي لك هذا الحمار ؟ فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما من دابة إلا وهي تسأل كل صباح اللهم ارزقني مليكا صالحا يشبعني من العلف، ويرويني من الماء، ولا يكلفني فوق طاقتي، فأنا احب أن أسقيه بنفسي (2). 47 - يج: روي عن أبي ذر أنه قال: كنت وعثمان نمشي ورسول الله (صلى الله عليه وآله) متكئ في المسجد، فلجسنا إليه، ثم قام عثمان وأبو ذر جالس، فقال (صلى الله عليه وآله): له بأي شئ كنت تناجي عثمان ؟ قال: كنت أقرأ سورة من القرآن، قال: أما إنه سيبغضك وتبغضه، والظالم منكما في النار، قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، الظالم مني ومنه في النار، فأينا الظالم ؟ فقال: يا أبا ذر قل الحق وإن وجدته مرا تلقني على العهد (3). 48 - دعوات الراوندي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وعك أبو ذر رضي الله عنه فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول الله إن أبا ذر قد وعك، فقال: امض بنا إليه نعوده، فمضينا إليه جميعا، فلما جلسنا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كيف أصبحت يا أبا ذر ؟ قال: أصبحت وعكا يا رسول الله، فقال: أصبحت في روضة من رياض الجنة قد انغمست في ماء الحيوان، وقد غفر الله لك ما يقدح في دينك، فأبشر يا أبا ذر (4).


(1) الخرائج. (2) المحاسن: 626. (3) الخرائج.. لم نجده ولا ما قبله في المطبوع، وتذكرنا قبلا ان الخرائج المطبوع مختصر من الاصل. (4) دعوات الراوندي: مخطوط.

[435]

49 - شف: من كتاب عتيق في المناقب قال أخبرني مخول بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن أبيه، عن أبي ذر قال: لما سير عثمان أبا ذر إلى الربذة أتيته اسلم عليه، فقال أبو ذر: ان اصبر (1) لي ولاناس معي عدة إنها ستكون فتنة ولست أدركها، ولعلكم تدركونها فاتقوا الله، وعليكم بالشيخ علي ابن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول (2): أنت أول من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة، وأنت الصديق الاكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكفرة (3). 50 - كا: علي بن إبراهيم رفعه قال: لما مات ذر بن أبي ذر مسح أبو ذر القبر بيده، ثم قال: رحمك الله يا ذر والله إن كنت بي بارا، ولقد قبضت وإني عنك لراض، أما والله ما بي فقدك وما علي من غضاضة، ومالي إلى أحد سوى الله من حاجة، ولو لا هول المطلع لسرني أن أكون مكانك، ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، والله ما بكيت لك، ولكن بكيت عليك، فليت شعري ماذا قلت وماذا قيل لك، ثم قال: اللهم إني قد وهبت له ما افترضت عليه من حقي، فهب له ما افترضت عليه من حقك، فأنت أحق بالجود مني (4). 51 - كا: العدة عن سهل، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن حفص التميمي عن أبي الجعفر الخثعمي قال: قال لما سير عثمان أبا ذر إلى الربذة شيعه أمير المؤمنين (عليه السلام) وعقيل والحسن والحسين (عليهما السلام) وعمار بن ياسر رضي الله عنه، فلما كان عند الوداع قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يابا ذر إنما غضبت (5) لله عزوجل فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فأرحلوك عن الفناء، وامتحنوك بالبلاء، ووالله لو كانت السماوات والارض على عبد رتقا ثم اتقى الله جعل له منها مخرجا، فلا يؤنسك إلا الحق، ولا يوحشك إلى الباطل.


(1) خلى المصدر عن قوله: ان اصبر (2) في المصدر: وهو يقول له. (3) كشف اليقين 201 و 202. (4) فروع الكافي 1: 69. (5) في المصدر: انك انما غضبت.

[436]

ثم تكلم عقيل فقال: يابا ذر أنت تعلم أنا نحبك، ونحن نعلم أنك تحبنا وأنت قد حفظت فينا ما ضيع الناس إلا القليل، فثوابك على الله عزوجل، ولذلك أخرجك المخرجون، وسيرك المسيرون، فثوابك على الله عزوجل، فاتق الله واعلم أن استعفاءك البلاء من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع، وقل: حسبي الله ونعم الوكيل. ثم تكلم الحسن (عليه السلام) فقال: يا عماه إن القوم قد أتوا إليك ما قد تري وإن الله عزوجل بالمنظر الاعلى، فدع عنك ذكر الدنيا بذكر فراقها، وشدة ما يرد عليك لرجاء ما بعدها (1) واصبر حتى تلقى نبيك (صلى الله عليه وآله) وهو عنك راض إنشاء الله. ثم تكلم الحسين (عليه السلام) فقال: يا عماه إن الله تبارك وتعالى قادر أن يغير ما ترى، وهو كل يوم في شأن، إن القوم منعوك دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم (2) إلى ما منعتهم، فعليك بالصبر، وإن (3) الخير في الصبر، والصبر من الكرم، ودع الجزع، فان الجزع لا يغنيك. ثم تكلم عمار رضي الله عنه فقال: يابا ذر أوحش الله من أوحشك ن وأخاف من أخافك، إنه والله ما منع الناس أن يقولوا الحق إلا الركون إلى الدنيا، و الحب لها، ألا إنما الطاعة مع الجماعة، والملك لمن غلب عليه، وإن هؤلاء القوم دعو الناس إلى دنياهم فأجابوهم إليها، ووهبوا لهم دينهم فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين. ثم تكلم أبو ذر رضي الله عنه فقال: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بأبي وامي هذه الوجوه، فإني إذا رأيتكم ذكرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكم، ومالي بالمدينة شجن ولا سكن غيركم، وإنه ثقل على عثمان جواري بالمدينة، كما ثقل على معاوية بالشام، فآلى أن يسيرني إلى بلدة فطلبت إليه أن يكون ذلك إلى الكوفة


(1) في المصدر: لرخاء ما بعدها. (2) في المصدر: وما احوجهم. (3) في المصدر: فان الخير في الصبر.

[437]

فزعم أنه يخاف أن افسد على أخيه الناس بالكوفة، وآلى بالله ليسيرني إلى بلدة لا أرى فيها أنيسا، ولا أسمع بها حسيسا، وإني والله ما اريد إلا الله عزوجل صاحبا، ومالي مع الله وحشة، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وصلى الله عليه محمد سيدنا وآله الطيبين (1). بيان: الشجن بالتحريك: الحاجة، والحسيس: الصوت الخفي. { 13 باب } * (أحوال مقداد رضى الله عنه وما يحضه من الفضائل) * * (وفيه فضائل بعض الصحابة) * 1 - مع، ن: أبي، عن القاسم بن محمد بن علي بن إبراهيم النهاوندي، عن صالح بن راهويه، عن أبي حيون مولى الرضا، عن الرضا (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إن الابكار من النساء بمنزلة الثمر على الشجر، فإذا أينع الثمر فلا دواء له إلا اجتناؤه، وإلا أفسدته الشمس وغيرته الريح، وإن الابكار إذا أدركن ما تدرك النساء فلا دواء لهن إلا البعول، وإلا لم يؤمن عليهن الفتنة، فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر فخطب الناس ثم أعملهم ما أمرهم الله به، فقالوا: ممن يا رسول الله ؟ فقال: الاكفاء، فقالوا: ومن الاكفاء ؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، ثم لم ينزل حتى زوج ضباعة المقداد بن الاسود، ثم قال: أيها الناس إنما زوجت انبة عمي المقداد ليتضع النكاح (2). 2 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن عمر بن أبي بكار


(1) روضة الكافي: 206 - 208. (2) علل الشرائع: 193، عيون اخبار الرضا: 160 وفيه [لتتضع المناكح] ولم نجد الحديث في المعاني، ولعل (مع) مصحف (ع). (*)

[438]

عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) زوج المقداد بن الاسود ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب، وإنما زوجه لتتضع المناكح وليتأسوا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وليعلموا أن أكرمهم عند الله أتقاهم (1). 3 - كا: حميد بن زياد، عن عبيد الله بن أحمد الدهقان، عن علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن زياد بياع السابري، عن أبان، عن يحيى، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن عثمان قال للمقداد: أما والله لتنتهين أو لاردنك إلى ربك الاول، قال: فلما حضرت المقداد الوفاة قال لعمار: أبلغ عثمان عني أني قد رددت إلى ربي الاول (2). بيان: لعله كان مراد عثمان لعنه الله بالرب الاول مولاه الذي أعتقه، أو الذي كان تبناه، أو الصنم الذي كان في الجاهلية يعبده، ومراد مقداد رضي الله عنه الرب القديم تعالى شأنه. 4 - ختص: كنية المقداد أبو معبد، وهو مقداد بن عمرو البهراني، وكان الاسود بن عبد يغوث الزهري تبناه، فنسب المقداد إليه رحمة الله عليه (3). بيان: قال الشهيد الثاني رحمه الله: البهراني نسبة إلى بهر بن عمرو بن الحاف ابن قضاعة انتهى، وقيل: منسوب إلى بهراء: قبيلة على غير قياس، إذ القياس بهراوي، وفي رجال العامة: المقداد هو أبو معبد، وقيل: أبو الأسود وهو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الكندي، وقيل: إنه قضاعي، وقيل: هو حضرمي، وذلك أن أباه حالف كندة فنسب إليها، وحالف المقداد، الاسود بن عبد يغوث الزهري فقيل له: زهري وإنما مكي (4) بن الاسود لانه كان حليفه أو لانه كان في حجره، وقيل: بل كان عبدا له فتبناه، قال ابن عبد البر: و الاول أصح، وقال: كان قديم الاسلام شهد بدرا واحد والمشاهد كلها، وكان


(1) فروع الكافي 2: 9. (2) روضة الكافي: 331. (3) الاختصاص: 9. (4) هكذا في نسخة المصنف ولعل الصحيح: وانما يكنى ابن الاسود.

[439]

من الفضلاء النجباء الكبار الخيار من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله). 5 - ما: المفيد، عن الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي، عن محمد بن علي، عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن لوط بن يحيى، عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه قال: لما بويع عثمان سمعت المقداد بن الاسود الكندي يقول لعبد الرحمن بن عوف: والله يا عبد الرحمن ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، فقال له عبد الرحمن: ما أنت وذاك يا مقداد ؟ قال: إني والله احبهم لحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم، ويعتريني والله وجد لا أبثه بثة لتشرف قريش على الناس بشرفهم، واجتماعهم على نزع سلطان رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أيديهم، فقال له عبد الرحمن: ويحك والله لقد اجتهدت (1) نفسي لكم، قال له المقداد: والله لقد تركت رجلا من الذين يأمرون بالحق وبه يعدلون، أما والله لو أن لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إياهم يوم بدر واحد،، فقال له عبد الرحمن: تكلتك امك يا مقداد لا يسمعن هذا الكلام منك الناس، أم والله إني لخائف أن تكون صاحب فرقة وفتنة، قال جندب: فأتيته بعد ما انصرف من مقامه، فقلت له: يا مقداد أنا من أعوانك، فقال: رحمك الله إن الذي نريد لا يغني فيه الرجلان والثلاثة فخرجت من عنده فأتيت علي بن أبي طالب (عليه السلام) فذكرت له ما قال وما قلت قال: فدعا لنا بخير (2). 6 - ختص: أحمد بن محمد ومحمد بن محسن (3)، عن سعد، عن الاشعري، عن بعض أصحابنا، عن أبي القاسم الايادي، عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما منزلة المقداد بن الاسود في هذه الامة كمنزلة ألف في القرآن لا يلزق بها شئ (4). بيان: لعل المراد أنه في بعض الصفات ممتاز لا يلحقه أحد، فلا ينافى كون سلمان أفضل منه، مع أنه يحتمل أن يكون الحصر إضافيا.


(1) اجهدت خ ل. (2) امالي ابن الشيخ: 119 و 120. (3) في المصدر: ومحمد بن الحسن (4) الاختصاص: 10.

[440]

7 - كش: حمدويه بن نصير، عن محمد بن عيسى ومحمد بن مسعود، عن جبرئيل ابن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن النضر بن سويد، عن محمد بن بشير، عمن حدثه قال: ما بقي أحد إلا وقد جال جولة إلا المقداد بن الاسود، فإن قلبه كان مثل زبر الحديد (1). 8 - كش: طاهر بن عيسى الوراق رفعه إلى محمد بن سفيان، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا سلمان لو عرض علمك على مقداد لكفر، يا مقداد لو عرض علمك على سلمان لكفر (2). 9 - كش: علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان وأبو ذر والمقداد قال: قلت: فعمار، قال: قد كان جاض جيضة (3) ثم رجع، ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شئ فالمقداد، فأما سلمان فإنه عرض في قلبه أن عند أمير المؤمنين (عليه السلام) اسم الله الاعظم لو تكلم به لاخذتهم الارض، وهو هكذا، فلبب ووجئت عنقه حتى تركت كالسلعة، فمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يابا عبد الله هذا من ذاك، بايع، فبايع، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسكوت، ولم يأخذه في الله لومة لائم، فأبى إلا أن يتكلم، فمر به عثمان فأمر به، ثم أناب الناس بعده، وكان أول من أناب أبو ساسان الانصاري، وأبو عمرة وشتيره، فكانوا سبعة ولم يكن يعرف حق أمير المؤمنين إلا هؤلاء السبعة (4). بيان: جاض عنه: حاد ومال، وفي بعض النسخ بالحاء والصاد المهملتين بمعناه، وحاصوا عن العدو: انهزموا.


(1 و 2) رجال الكشى: 7 و 8. (3) قد حاص حيصة خ ل. (4) رجال الكشى: 8.

[441]

{ 14 باب } * (فضائل امته (صلى الله عليه وآله)، وما أخبر بوقوعه) * (فيهم، ونوادر أحوالهم) * الآيات: البقرة " 2 ": وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " 143. آل عمران " 3 ": كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " 110 ". الحج " 22 ": هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير " 78 ". تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى " امة وسطا ": الوسط: العدل وقيل: الخيار، قال صاحب العين: الوسط من كل شئ: أعدله وأفضله، أو الواسطة بين الرسول وبين الناس، ومتى قيل: إذا كان في الامة من ليس هذه صفته فكيف وصف جماعتهم بذلك ؟ فالجواب: أن المراد به من كان بتلك الصفة، لان كل عصر لا يخلو من جماعة هذه صفتهم، وروى بريد العجلي عن الباقر عليه قال: نحن الامة الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه وحجته في أرضه. وفي رواية اخرى: إلينا يرجع الغالي، وبنا يلحق المقصر. وروى الحسكاني في شواهد التنزيل بإسناده عن سليم بن قيس، عن علي (عليه السلام) إن الله تعالى إيانا عنى بقوله: " لتكونوا شهداء على الناس " فرسول الله (صلى الله عليه وآله) شاهد علينا، ونحن شهداء الله على خلقه، وحجته في أرضه، ونحن الذين قال الله: " وكذلك جعلناكم امة وسطا ". وقوله: " لتكونوا شهداء على الناس " فيه أقوال: أحدها أن المعنى لتشهدوا

[442]

على الناس بأعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى " وجئ بالنبيين والشهداء (1) " وقال: " ويوم يقوم الاشهاد (2) " وقيل: الاشهاد أربعة: الملائكة والانبياء وامة محمد (صلى الله عليه وآله) والجوارح، والثاني أن المعنى لتكونوا حجة على الناس فتبينوا لهم الحق والدين، ويكون الرسول شهيدا مؤديا إليكم. والثالث: إنهم يشهدون للانبياء على اممهم المكذبين لهم بأن قد بلغوا، وجاز ذلك لاعلام النبي (صلى الله عليه وآله) إياهم بذلك " ويكون الرسول عليكم شهيدا " أي شاهدا عليكم بما يكون من أعمالكم، وقيل: حجة عليكم، وقيل شهيدا لكم بأنكم قد صدقتم يوم القيامة فيما تشهدون به (3). " كنتم خير امة " قيل: هل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) خاصة، وقيل: هو خطاب للصحابة، ولكنه يعم سائر الامة (4) " هو اجتباكم " اي اختاركم واصطفاكم لدينه " من حرج " اي من ضيق لا مخرج منه ولا مخلص من عقابه، بل جعل التوبة والكفارات ورد المطالم مخلصا من الذنوب، وقيل: لم يضيق عليكم أمر الدين فلم يكلفكم مالا تطيقون، بل كلف دون الوسع، وقيل: يعني الرخص عند الضرورات كالقصر والتيمم وأكل الميتة " ملة أبيكم إبراهيم " أي دينه، لان ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد (صلى الله عليه وآله)، وإنما سماه أبا للجميع لان حرمته على المسلمين كحرمة الوالد على الولد: أو لان العرب من ولد إسماعيل وأكثر العجم من ولد إسحاق، فالغالب عليهم أنهم أولاده " هو سماكم المسلمين " اي الله سماكم المسلمين، وقيل: ابراهيم " من قبل " أي من قبل إنزال القرآن " وفي هذا " أي في القرآن " ليكون الرسول شهيدا عليكم " بالطاعة والقبول، فإذا شهد لكم به صرتم عدولا تستشهدون على الامم الماضية بأن الرسل قد بلغوهم الرسالة وإنهم لم يقبلوا " واعتصموا بالله " أي تمسكوا بدين الله، أو امتنعوا بطاعة الله عن معصيته، أو بالله من أعدائكم، أثقوا بالله وتوكلوا عليه " هو مولاكم " أي وليكم وناصركم والمتولي لاموركم، ومالككم " فنعم المولى " هو لمن تولاه


(1) الزمر: 69. (2) غافر: 51. (3) مجمع البيان 1: 224 و 225. (4) مجمع البيان 2: 486.

[443]

" ونعم النصير " لمن انتصره (3). 1 - ل: سلمان بن أحمد اللخمي، عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن منجاب بن الحارث، عن أبي حذيفة الثعلبي، عن زياد بن علاقة، عن جابر بن سمرة السواني، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: سألت ربي تبارك وتعالى ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، قلت: يا رب لا تهلك امتي جوعا، قال: لك هذه، قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم - يعني من المشركين - فيجتاحوهم، قال: لك ذلك، قلت: يا رب لا تجعل بأسهم بينهم فمنعني هذه. قال سليمان بن أحمد: لا يروى هذا الحديث عن علي (عليه السلام) إلا بهذا الاسناد تفرد به منجاب بن الحارث (1). 2 - ل: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن ابن هاشم، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): لم تعط امتي أقل من ثلاث: الجمال، والصوت الحسن، والحفظ (5). بيان: قيل: المعنى أنه لم يخل واحد منهم من واحدة منها، والاظهر عندي أن المراد به أن تلك الخصال في تلك الامة أقل من سائر الخصال. 3 - ل: العطار، عن سعد، عن ابن يزيد، عن حريز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رفع عن امتي تسعة: الخطاء، والنسيان، وما اكرهوا عليه، ومالا يعلمون، ومالا يطيقون، وما اضطروا إليه. والحسد، والطيرة، و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفه (2). أقول: قد مر شرحه في كتاب العدل. ب: هارون، عن ابن زياد، عن جعفر، عن أبيه عن النبي صلوات الله عليهم قال: مما أعطى الله امتي وفضلهم به على سائر الامم، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها


(1) مجمع البيان 7: 97. (2) الخصال 1: 41. (3) الخصال 1: 67. (4) الخصال 2: 44.

[444]

إلا نبي، وذلك أن الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبيا قال له: اجتهد في دينك ولا حرج عليك، وإن الله تبارك وتعالى أعطى ذلك امتي، حيث يقول: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " يقول: من ضيق، وكان إذا بعث نبيا قال له: إذا أحزنك أمر تكرهه فادعني أستجب لك، وإن الله تعالى أعطى امتي ذلك حيث يقول " ادعوني أستجب لكم (1) " وكان إذا بعث نبيا جعله شهيدا على قومه، وإن الله تبارك وتعالى جعل امتي شهداء على الخلق حيث يقول: " ليكون الرسول عليكم شهيدا وتكونوا شهداء على الناس (2) ". 5 - ضه: قيل: إن الله سبحانه أعطى هذه الامة مرتبة الخليل، ومرتبة الكليم، ومرتبة الحبيب، فأما مرتبة الخليل فإن إبراهيم (عليه السلام) سأل ربه خمس حاجات فأعطاها إياه بسؤاله، وأعطى ذلك هذه الامة بلا سؤال، سأل الخليل المغفرة بالتعريض فقال في سورة الشعراء: " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (3) " وأعطى هذه الامة بلا سؤال، فقال: " يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا (4) " والثاني سأل الخليل فقال في الشعراء: " ولا تخزني يوم يبعثون (5) " وقال لهذه الامة: " يوم لا يخري الله النبي والذين آمنوا معه (6) " والثالث: سأل الخليل الوارثة قال في الشعراء: " و اجعلني من ورثة جنة النعيم (7) " وقال لهذا الامة: " اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (8) " والرابع سأل الخليل القبول فقال: " ربنا تقبل (9) منا " وقال لهذه الامة: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده (10) " والخامس


(1) غافر: 60. (2) قرب الاسناد: 41. والصحيح كما في المصحف الشريف: [شهيدا عليكم] والظاهر انه من تصحيف الناسخ راجع سورة الحج: 78. (3 و 5 و 7) الشعراء: 82 و 85 و 87 (4) الزمر: 53. (6) التحريم: 8. (8) المؤمنون: 10 و 11 (9) البقرة: 127. (10) الشورى: 25.

[445]

سأل الخليل الاعقاب الصالحة فقال: " رب هب لي من الصالحين (1) " وقال لهذه الامة في سورة الانعام: " وهو الذي جعلكم خلائف في الارض (2) " ثم أعطى الخليل ست مراتب بلا سؤال، وأعطى جميع هذه الامة بلا سؤال (3). الاول قال للخليل: " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما (4) " وقال لهذه الامة: " هو سماكم المسلمين (5) ". والثاني قال للخليل: " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (6) " وقال لهذه الامة: " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها (7) ". والثالث قال للخليل: " وبشرناه بغلام حليم (8) " وقال لهذه الامة: " وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (9) ". والرابع قال للخليل: " سلام على إبراهيم (10) " وقال لهذه الامة: " قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (11) ". والخامس قال للخليل: " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق (12) " وقال لامة الحبيب: " وعباد الرحمن (13) ". والسادس قال للخليل: " شاكرا لانعمه اجتباه (14) " وقال لهذه الامة: " هو اجتباكم (15) ". وأما مرتبة الكليم فإن الله تعالى أعطى الكليم عشرة مراتب، وأعطى امة


(1) الصافات: 100. (2) الانعام: 165. والصحيح كما في المصحف الشريف: خلائف الارض. (3) في المصدر: واعطى هذه الامة جميع ذلك بلا سؤال. (4) آل عمران: 67. (5) الحج: 78. (6) الانبياء: 69 (7) آل عمران: 103. (8) الصافات: 101 والصحيح: فبشرناه. (9) الاحزاب: 47. (10) الصافات: 109. (11) النحل: 59. (12) ص 45. (13) الفرقان: 63. (14) النحل: 121. (15) الحج: 78.

[446]

محمد عشر أمثالها، قال (1) للكليم: " وأنجينا موسى (2) " وقال لامة محمد: " كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (3) ". والثاني: أعطى الكليم النصرة فقال: " إنني معكما أسمع وأرى (4) " وقال لهذه الامة: " إن الله مع الذين اتقوا (5) ". والثالث القربة قال: " وقربناه نجيا (6) " وقال لهذه الامة: ونحن أقرب إليه منكم (7) ". والرابع المنة قال تعالى: " ولقد مننا على موسى وهارون (8) " وقال لهذه الامة: " بل الله يمن عليكم " (9). والخامس الامن والرفعة قال الله تعالى: " لا تخف إنك أنت الاعلى (10) " وقال لهذه الامة: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين (11) ". والسادس: المعرفة والشرح في القلب (12) فقال الكليم: " رب اشرح لي صدري (13) " فأعطاه ذلك بقوله: " قد اوتيت سؤلك (14) " وقال لامة محمد: " أفمن شرح الله صدره للاسلام (15) ". والسابع: التيسير قال: " ويسر لي أمري (16) " وقال لهذه الامة: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (17) ". والثامن الاجابة قال الله تعالى: " قد احببت دعوتكما (18) " وقال لهذه الامة: " ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله (19) ".


(1) في المصدر: الاول: قال. (2) الشعراء: 65. (3) يونس: 103. (4) طه: 46. (5) النحل: 128. (6) مريم: 52. (7) الواقعة: 85. (8) الصافات: 114. (9) الحجرات: 17. (10) طه: 68. (11) آل عمران: 139. (12) في المصدر: في الصدر. (13 و 14 و 16) طه: 25 و 26 و 36. (15) الزمر: 22. (17) البقرة: 185. (18) يونس: 89. (19) الشورى: 26.

[447]

والتاسع: المغفرة قال الكليم: " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له (1) " وقال لامة محمد (صلى الله عليه وآله): " يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم (2) ". والعاشر: النجاح قال: " قد اوتيت سؤلك يا موسى (3) " وقال لهذه الامة: " وآتاكم من كل ما سألتموه (4) " وفي ضمنها وما لم تسألوه كقوله: " سواء للسائلين (5) " أي لمن سأل ولمن لم يسأل. وأما مرتبة الحبيب فإن الله سبحانه أعطى حبيبه محمدا (صلى الله عليه وآله) تسع مراتب وأعطى امته مثلها تسعا: الاول التوبة قال للحبيب: " لقد تاب الله على النبي (6) " وقال لامته: " والله يريد أن يتوب عليكم (7) وقال: " ثم تاب عليهم ليتوبوا (8) ". والثاني المغفرة قال الله تعالى: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك (9) " وقال لامته: " إن الله يغفر الذنوب جميعا (10) ". والثالث: النعمة قال له: " ويتم نعمته عليك (11) " وقال لامته: " وأتممت عليكم نعمتي (12) ". والرابع: النصرة قوله تعالى: " وينصرك الله نصرا عزيزا (13) " وقال لامته: " وكان حقا علينا نصر المؤمنين (14) ". والخامس: الصلوات، قال له: " إن الله وملائكته يصلون على النبي (15) " وقال لامته: " هو الذي يصلي عليكم وملائكته " (16). والسادس: الصفوة، قال للحبيب: " الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن


(1) القصص: 16. (2) ابراهيم: 10. راجعها فانها ليست في امته (صلى الله عليه وآله). (3) طه: 25. (4) ابراهيم: 34. (5) فصلت: 10. (6 و 8) التوبة: 117 و 118. (7) النساء: 27. (9 و 11 و 13) الفتح: 2 و 3 و 4. (10) الزمر: 53. (12) المائدة: 3. (14) الروم: 47. (15 و 16) الاحزاب: 46 و 43.

[448]

الناس (1) " يعني محمدا، وقال لامته: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا (2) ". السابع: الهداية، قال للحبيب: " ويهديك صراطا مستقيما (3) " وقال لامته: " وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (4) ". والثامن: السلام، قال للحبيب في ليلة المعراج: السلام عليك أيها النبي و رحمة الله وبركاته، وقال لامته: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة (5) ". والتاسع: الرضا، قال للحبيب: " ولسوف يعطيك ربك فترضى (6) " وقال لامته: " ليدخلنهم مدخلا يرضونه (7) " يعني الجنة: ومن رحمة الله سبحانه على هذه الامة وتخصيصه إياهم دون الامم ما خص به شريعتهم من التخفيف والتيسير فقال سبحانه: " يريد الله أن يخفف عنكم (8) " وقال: " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج (9) " وقال: " وما جعل عليكم في الدين من حرج (10) " وقال: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (11) " وقال: " ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم (12) ". وكان مما أنعم الله تعالى على هذه الامة أن الامم الماضية كانوا إذا أصابهم بول أو غائط أو شئ من النجاسات كان تكليفهم قطعه وإباتته من أجسادهم، وخفف عن هذه الامة بأن جعل الماء طهورا لما يصيب أبدانهم وأثوابهم قال الله تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء طهورا (13) " وقال: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم (14) " ومنها أنهم كانوا يعتزلون النساء في حال الحيض فلم


(1) الحج: 75. (2) فاطر: 32. (3) الفتح: 2. (4 و 7) الحج: 54 و 59. (5) الانعام: 54. (6) الضحى: 5. (8) النساء: 28. (9) المائدة: 6. (10) الحج: 78. (11) البقرة. 185. (12) الاعراف: 157. (13) الفرقان: 48. (14) الانفال: 11.

[449]

يكونوا يؤاكلونهن ولا يجالسونهن، وما أصاب الحائض من الثياب والفرش و الاواني وغير ذلك نجس حتى لا يجوز الانتفاع به وأباح لها (1) جميع ذلك إلا المجامعة، ومنها أن صلاتهم كانت خمسين، وصلاتنا خمسة وفيها ثواب الخمسين وزكاتهم ربع المال، وزكاتنا العشر (2) وثوابه ثواب ربع المال، ومنها أنهم كانوا إذا فرغوا من الطعام ليلة صيامهم حرم عليهم الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من الغد، وأحل الله (3) التسحر والوطي في ليالي الصوم، فقال: " كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر (4) " يعني بياض النهار من سواد الليل، وقال: " احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم (5) " يعني الجماع، ومنها كانت الامم السالفة تجعل قربانها على أعناقها إلى بيت المقدس فمن قبلت ذلك من ارسلت عليه نار فأكلته، ومن لم يقبل منه رجع مثبورا، وقد جعل الله قربان امة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبل ذلك منه أضعف له أضعافا، ومن لم يقبل منه رفعت عنه عقوبات الدنيا. ومنها أن الله تعالى كتب عليهم في التوراة القصاص والدية في القتل والجراح ولم يرخص لهم في العفو وأخذ الدية، ولم يفرق بين الخطاء والعمد في وجوب القصاص، فقال: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس (6) " ثم خفف عنا في ذاك فخير بين القصاص والدية والعفو، وفرق بين الخطاء والعمد، فقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " إلى قوله: " فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة (7) " ومن ذلك تخفيف الله عنهم في أمر التوبة فقال لبني إسرائيل: " وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم (8) "


(1) واباح لنا خ ل. (2) وزكاتنا ربع خ ل. (3) في المصدر: واحل الله لنا التسحر. (4 و 5) البقرة: 187. (6) المائدة: 45. (7) البقرة: 178. (8) البقرة: 54.

[450]

فكانت توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا الاب ابنه، والابن أباه، والاخ أخاه، والام ولدها، ومن فر من القتل أو دفع عن نفسه أو اتقى السيف بيده أو أن ترحم على ذي رحمه لم تقبل توبته، ثم أمرهم الله بالكف عن القتل بعد أن قتلوا سبعين ألفا في مكان واحد، فهذا توبتهم، وجعل توبتنا الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، و ترك العود بالابدان، فقال عزوجل: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (1) " وقال: " أفلا يتوبون إلى الله (2) " وقال: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله (3) ". ومن الامم السالفة من ينظر إلى امرأة بريبة فيؤمر بقلع العين ليقبل عنه التوبة، وكفارتنا فيه غض البصر، والتوبة بالقلب، والعزم على ترك العود إليه وكان منهم من يلاقي بدنه بدن امرأة حراما فيكون التوبة منه إبانة ذلك العضو من نفسه، وتوبتنا فيه الندم وترك العود عليه، ومن يرتكب منهم الخطيئة في خفية و خلوة فيخرج وخطيئته مصورة على باب داره: ألا إن فلان بن فلا ارتكب البارحة خطيئة كذا وكذا، وكان ينادى عليه من السماء بذلك فيفتضح وينتهك ستره، ومن يرتكب منا الخطيئة ويخفيها عن الابصار فيطلع عليه ربه فيقول للملائكة: عبدي قد ستر ذنبه عن أبناء جنسه، لقلة ثقته بهم، والتجأ إلي لعله يتبعه رحمتي، اشهدوا أني قد غفرتها له لثقته برحمتي، فإذا كان في يوم القيامة وأوقف للعرض والحساب يقول: عبدي أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا الذي أسترها عليك اليوم، ومما فضل الله به هذه الامة أن قيض لهم الاكرمين من الملائكة يستغفرون لهم ويسترحمون لهم منه الرحمة، فقال سبحانه: " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا (4) " ومنها أنه جعلهم شهداء على الناس في الدنيا، وشهداء وشفعاء في الآخرة، قال (صلى الله عليه وآله): " المؤمنون شهداء في الارض


(1) آل عمران: 135. (2) المائدة: 74. (3) الحديد: 16. (4) غافر: 7.

[451]

وما روأوه حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ليتني قد لقيت إخواني، فقيل: يا رسول الله أو لسنا إخوانك آمنا بك وهاجرنا معك واتبعناك ونصرناك ؟ قال: بلى، ولكن إخواني الذين يأتون من بعدكم، يؤمنون بي كايمانكم، ويحبوني كحبكم، وينصروني كنصرتكم ويصدقوني كتصديقكم، ياليتني قد لقيت إخواني (1). أقول: أوردنا كثيرا من أخبار هذا الباب في باب خصائص النبي (صلى الله عليه وآله)، وسيأتي في باب فضائل الشيعة أيضا فإنهم امة الاجابة. 6 - ل: أبي، عن علي، عن أبيه عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن سليمان بن جعفر البصري، عن عبد الله بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أربعة لا تزال في امتي إلى يوم القيامة: الفخر بالاحساب، والطعن في الانساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة، وإن النايحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب (2). بيان: السربال بالكسر: القميص، والقطران: عصارة الا بهل. والقطر بالكسر: النحاس الذائب. قال الجوهري ومنه قوله تعالى: " من قطران (3) ": والجرب: داء معروف. 7 - ن: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث (4) أخافهن على امتي من بعدي: الضلالة بعد المعرفة، ومضلات الفتن، و شهوة البطن والفرج (5). ما: المفيد، عن عمر بن محمد الصيرفي، عن علي بن مهرويه، عن داود بن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله) مثله (6).


(1) روضة الواعظين: 255 - 258. (2) الخصال 2: 107 و 108. (3) ابراهيم: 50. (4) في المصدر: ثلاثة. (5) عيون اخبار الرضا: 198. (6) امالي ابن الشيخ: 97 و 98.

[452]

8 - ن: بهذه الاسانيد عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني أخاف عليكم استخفافا بالدين، وبيع (1) الحكم، وقطيعة الرحم، وأن تتخذوا القرآن مزامير، تقدمون أحدكم وليس بأفضلكم في الدين (2). بيان: قوله: (صلى الله عليه وآله) وبيع الحكم، أي لا يحكمون إلا بالرشوة، وفي بعض النسخ: ومنع الحكم، أي لا يحكمون بالحق، أو يمنعون الحكام عنه. قوله: مزامير، أي يتغنون به كأنهم جعلوه مزمارا، والمراد بالتقديم التقديم في إمامة الصلاة، أو في الخلافة الكبرى (3). 9 - مع: القطان، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن حفص، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (4) (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأتي على الناس زمان يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع، خير الناس يومئذ مؤمن بين كريمين. اللكع: العبد، واللئيم، وقد قيل: إن اللكع الصغير، وقد قيل، إنه الردي، ومؤمن بين كريمين أي بين أبوين مؤمنين كريمين وقد قيل: بين الحج و الجهاد، وقد قيل: بين فرسين (5) يغزو عليهما، وقيل: بين بعيرين يستقي عليهما (6) ويعتزل الناس (7). بيان: قال الجزري: اللكع عند العرب: العبد، ثم استعمل في الحمق والذم، وأكثر ما يقع في النداء وهو اللئيم، وقيل: الوسخ، وقد يطلق على الصغير. وقال: بين كريمين، أي بين أبوين مؤمنين، وقيل: بين أب مؤمن هو أصله وابن مؤمن: هو فرعه، والكريم: الذي كرم نفسه عن التدنس بشئ من مخالفة ربه. 10 - ما: ابن بسران، عن إسماعيل بن محمد الصفار، عن محمد بن إبراهيم بن


(1) منع خ ل. (2) عيون اخبار الرضا: 207. (3) بل يمكن أن يكون معناه اشمل حتى يشمل كل زعامة دينية كالمرجعية في الافتاء و غيرها. (4) عن ابيه عن آبائه. (5) الفرسين خ ل. (6) بهما خ ل. (7) معاني الاخبار: 93.

[453]

عبد الحميد، عن علي بن بحر، عن قتادة بن الفضل، عن هشام بن العار، عن أبيه عن جده ربيعة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يكون في امتي الخسف والمسخ والقذف، قال: قلنا: يا رسول الله بم ؟ قال: ياتخاذهم القينات وشربهم الخمور (1). 11 - جع: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه الآدميين، وقلوبهم قلوب الشياطين، كأمثال الذئاب الضواري، سفاكون للدماء لا يتناهون عن منكر فعلوه، إن تابعتهم ارتابوك، وإن حدثتهم كذبوك، وإن تواريت عنهم اغتابوك، السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنة، والحليم بينهم غادر والغادر بينهم حليم، المؤمن فيما بينهم مستضعف، والفاسق فيما بينهم مشرف، صبيانهم عارم، ونساؤهم شاطر، وشيخهم لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، والالتجاء إليهم خزي، والاعتداد (2) بهم ذل، وطلب ما في أيديهم فقر، فعند ذلك يحرمهم الله قطر السماء في أوانه، وينزله في غير أوانه، ويسلط عليهم شرارهم، فيسومونهم سوء العذاب، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يأتي على الناس زمان بطونهم آلهتهم ونساؤهم قبلتهم، و دنانيرهم دينهم، وشرفهم متاعهم، لا يبقى من الايمان إلا اسمه، ولا من الاسلام إلا رسمه، ولا من القرآن إلا درسه، مساجدهم معمورة من البناء، وقلوبهم خراب عن الهدى، علماؤهم شر خلق الله على وجه الارض، حينئذ ابتلاهم الله في هذا الزمان بأربع خصال: جور من السلطان، وقحط من الزمان، وظلم من الولاة والحكام فتعجبت الصحابة فقالوا: يا رسول الله أيعبدون الاصنام ؟ قال: نعم، كل درهم عندهم صنم. وقال النبي (صلى الله عليه وآله): يأتي في آخر الزمان ناس (3) من امتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا، ذكرهم الدنيا وحبهم (4) الدنيا لا تجالسون فليس لله بهم حاجة. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيأتي زمان على الناس (5) يفرون من العلماء كما


(1) امالي ابن الشيخ: 253. (2) الاعتزاز خ ل. (3) في المصدر: اناس. (4) حب الدنيا خ ل. (5) في الصدر: على امتى.

[454]

يفر الغنم من الذئب، ابتلاهم (1) الله بثلاثة أشياء: الاول يرفع البركة من أموالهم والثاني سلط الله عليهم سلطانا جائرا، والثالث يخرجون من الدنيا بلا إيمان. عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمرة. وقال (صلى الله عليه وآله) يأتي على (2) امتي زمان امراؤهم يكونون على الجور، و علماؤهم على الطمع، وعبادهم على الرياء، وتجارهم على أكل الربا، ونساؤهم على زينة الدنيا، وغلمانهم في التزويج، فعند ذلك كساد امتي ككساد الاسواق وليس فيها مستقيم، الاموات (3) آيسون في قبورهم من خيرهم، ولا يعيشون الاخيار فيهم، فعند ذلك (4) الهرب خير من القيام. قال النبي (صلى الله عليه وآله): سيأتي زمان على امتي لا يعرفون العلماء إلا بثوب حسن ولا يعرفون القرآن إلا بصوت حسن، ولا يعبدون الله إلا في شهر رمضان، فإذا كان كذلك سلط الله عليهم سلطانا لا علم له ولا حلم له ولا رحم له (5): توضيح: العارم: الخبيث الشرير والسيئ الخلق. والشاطر: من أعيا أهله خبثا. أقول: سيأتي كثير من الاخبار في ذلك في باب أشراط الساعة، وباب علامات ظهور القائم (عليه السلام).


(1) في المصدر: فإذا كان كذلك ابتلاهم الله. (2) في المصدر: على الناس. (3) امواتهم خ ل. (4) في المصدر: فعند ذلك الزمان. (5) جامع الاخبار: 129 و 130.

[455]

{ أبواب } * (ما يتعلق بارتحاله إلى عالم البقاء صلى الله عليه) * (ما دامت الارض والسماء) * { 1 باب } * (وصيته (صلى الله عليه وآله) عند قرب وفاته) * * (وفيه تجهيز جيش أسامة وبعض النوادر) * 1 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن يوسف بن الحكم، عن داود بن رشيد عن سلمة بن صالح، عن عبد الملك بن عبد الرحمن، عن الاسعد بن طليق قال: سمعت الحسين بن العربي (1) يحدث غير مرة عن عبد الله بن مسعود قال: نعى إلينا حبيبنا ونبينا (صلى الله عليه وآله) نفسه، فأبي (2) وامي ونفسي له الفداء قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت فنظر إلينا فدمعت عيناه، ثم قال: مرحبا بكم، حياكم الله حفظكم الله، نصركم الله، نفعكم الله، هداكم الله، وفقكم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، رزقكم الله، رفعكم الله، اوصيكم بتقوى الله، واوصي الله بكم إني لكم نذير مبين، أن لا تعلوا على الله في عباده وبلاده، فان الله تعالى قال لي ولكم: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (3) ". وقال سبحانه: " أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (4) " قلنا: متى يا بني الله أجلك ؟ قال: دنا الاجل والمنقلب إلى الله وإلى سدرة المنتهى، وجنة المأوى، والعرش الاعلى، والكأس الاوفى، والعيش الاهنأ، قلنا: فمن يغسلك ؟ قال: أخي وأهل بيتي الادنى فالادنى (5). 2 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن محمد بن سليمان، عن إسماعيل بن أبان، عن عبد الله بن مسلم الملائي، عن أبيه، عن إبراهيم بن علقمة بن الاسود عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حضره الموت: ادعوا لي حبيبي، فقلت:


(1) في المصدر: العرنى. (2) في المصدر: فبأبي. (3) القصص: 83. (4) الزمر: 60. (5) امالي ابن الشيخ: 129.

[456]

ادعوا له ابن أبي طالب، فوالله ما يريد غيره، فلما جاءه فرج الثوب الذي كان عليه، ثم أدخله فيه، فلم يزل محتضنه حتى قبض ويده عليه (1). بيان: احتضن الصبي: جعله في حضنه، وهو بالكسر: ما دون الابط إلى الكشح. 3 - ع: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن سهل، عن محمد بن الوليد الصيرفي عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) قال: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة دعا العباس بن عبد المطلب وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال للعباس: يا عم محمد تأخذ تراث محمد وتقضي دينه وتنجز عداته ؟ فرد عليه وقال: يا رسول الله أنا شيخ كبير، كثير العيال، قليل المال، من يطيقك وأنت تباري الريح ؟ قال: فأطرق (عليه السلام) هنيئة ثم قال: يا عباس أتأخذ تراث (2) رسول الله، وتنجز عداته، وتؤدي دينه ؟ فقال: بأبي أنت وامي أنا شيخ كبير كثير العيال، قليل المال، من يطيقك وأنت تباري الريح ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما أنا (3) سأعطيها من يأخذ بحقها، ثم قال: يا علي يا أخا محمد أتنجز عداة محمد وتقضي دينه، وتأخذ تراثه ؟ قال: نعم بأبي أنت وامي (4) قال: فنظرت إليه حتى نزع خاتمه من إصبعه، فقال: تختم بهذا في حياتي، قال: فنظرت إلى الخاتم حين وضعه علي (عليه السلام) في إصبعه اليمنى فصاح رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا بلال علي بالمغفر والدرع والراية، وسيفي ذي الفقار، وعمامتي السحاب، والبرد والابرقة، والقضيب (5) فوالله ما رأيتها قبل ساعتي تيك، يعني الابرقة، كادت تخطف الابصار، فإذا هي من أبرق الجنة، فقال: يا علي إن جبرئيل أتاني بها، فقال: يا محمد اجعلها في حلقة الدرع، واستوفر بها مكان المنطقة، ثم دعا بزوجي نعال عربيين إحداهما مخصوفة والاخرى غير مخصوفة، والقميص الذي أسرى به فيه، والقميص الذي خرج فيه يوم احد، والقلانس الثلاث: قلنسوة السفر، وقلنسوة العيدين (6)، وقلنسوة كان


(1) امالي ابن الشيخ: 211، وفيه: يحتضنه. (2) محمد خ ل. (3) انى خ ل. (4) في الكافي: بابى انت وامى ذلك على ولى، قال. (5) في المصدر: والقضيب يقال له: الممشوق. (6) في الكافي: قلنسوة العيد والجمع.

[457]

يلبسها ويقعد مع أصحابه، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا بلال علي بالبغلتين: الشهباء والدلدل، والناقتين: العضباء والصهباء (1)، والفرسين، الجناح الذي كان يوقف بباب مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحوايج الناس (2)، يبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) الرجل في حاجته فيركبه (3) وحيزوم وهو الذي يقول: اقدم حيزوم، والحمار اليعفور (4) ثم قال: يا علي اقبضها في حياتي حتى لا ينازعك فيها أحد بعدي، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن أول شئ مات من الدواب حماره اليعفور (5)، توفي ساعة قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) قطع خطامه، ثم مر يركض وأتى (6) بئر بني خطمة بقبا فرمى بنفسه فيها، فكانت قبره، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن يعفور كلم رسول الله فقال: بأبي أنت وامى إن أبي حدثني عن أبيه عن جده أنه كان مع نوح في السفينة، فنظر إليه يوما نوح (عليه السلام) ومسح يده على وجهه، ثم قال: يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم، والحمد لله الذي جعلني ذلك الحمار (7). كا: محمد بن الحسن وعلي بن محمد عن سهل مثله (8). بيان: باراه: عارضه، ويقال: فلان يباري الريح سخاء. قوله: قال: فنظرت، أي العباس. والابرق: الحبل الذي فيه لونان، و كل شئ اجتمع فيه سواد وبياض. قوله (صلى الله عليه وآله): واستوفر بها، أي طلب وفور الثياب وكثرتها بها، أو البسها وافرة كاملة، ويحتمل أن يكون بالزاي من قولهم استوفز في قعدته: انتصب فيها غير مطمئن، وتوفز بالامر: تهيأ، وفي الكافي: استذفر بها، من الذفر وهي الريح الطيبة لطيب ريحها، وفي بعض النسخ: استثفر بها، من ثفر الدابة، استعير للمنطقة، ولعله أظهر. قوله: وهو الذي يقول، أي جبرئيل كما مر في غزوة احد، أو النبي (صلى الله عليه وآله)


(1) في المصدر: والقصوى. (2) في المصدر: لحوائج رسول الله. (3) في الكافي: فيركضه في حاجة رسول الله. (4 و 5) يعفور خ ل. (6) حتى وافى خ ل. (7) علل الشرائع: 66 و 67. (8) اصول الكافي 1: 236 و 237 راجعه ففيه اختلاف.

[458]

كان يقول له: اقدم حيزوم، فيجيب ويقبل، وعلى الاول يدل على أن خطاب جبرئيل كان لفرس النبي (صلى الله عليه وآله) لا لفرس نفسه، كما فهمه الاكثر، قال الجوهري الحيزوم اسم فرس من خيل الملائكة، أقول: قد مر تفسير ساير أجزاء الخبر من أسماء الدواب وغيرها في باب أسمائه (صلى الله عليه وآله). 4 - فر: عبيد بن كثير معنعنا عن جابر الانصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فر مرضه الذي قبض فيه لفاطمة (عليها السلام): بأبي وامي أنت (1) ارسلي إلى بعلك فادعيه لي، فقالت فاطمة للحسين (2): انطلق إلى أبيك فقل: يدعوك جدي، قال: فانطلق إليه الحسين (3) فدعاه فأقبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) حتى دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السلام) عنده وهي تقول: واكرباه لكربك يا أبتاه، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة، إن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يشق عليه الجيب، ولا يخمش عليه الوجه، ولا يدعى عليه بالويل، ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم: تدمع العينان وقد يوجع القلب، ولا نقول: ما يسخط الرب، وإنا بك يا ابراهيم لمحزونون، ولو عاش إبراهيم لكان نبيا، ثم قال: يا علي ادن مني فدنا منه، فقال: ادخل اذنك في في ففعل فقال: يا أخي ألم تسمع قول الله في كتابه: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية " قال: بلى يا رسول الله، قال: هم أنت وشيعتك يجيئون غرا محجلين شباعا مرويين، أولم تسمع قول الله في كتابه " إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها اولئك هم شر البرية (4) " قال: بلى يا رسول الله، قال: هم عدوك وشيعتهم يجوزون (5) يوم القيامة ظمأ مظمئين أشقياء معذبين، كفارا منافقين، ذلك لك ولشيعتك، وهذا لعدوك ولشيعتهم، هكذا روى جابر الانصاري رضي الله عنه (6).


(1) في المصدر: بابى انت وامى. (2 و 3) للحسن خ ل. (4) البنية: 6 و 7. (5) في المصدر: يجيئون. (6) تفسير فرات: 220. (*)

[459]

أقول: روى الحسن بن سليمان في كتاب المحتضر من تفسير محمد بن العباس ابن مروان، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل عن إبراهيم بن عاصم، عن الحسن بن عبد الله، عن مصعب بن سلام، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) عن جابر (1) مثله. 5 - ع: ابن المتوكل، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن خالد، عن إبراهيم بن إسحاق الازدي، عن أبيه قال: أتيت الاعمش سليمان بن مهران أسأله عن وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: ائت محمد بن عبد الله فاسأله، قال: فأتيته فحدثني عن زيد بن علي (عليه السلام) قال: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة ورأسه في حجر علي (عليه السلام) والبيت غاص بمن فيه من المهاجرين والانصار، والعباس قاعد قدامه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عباس أتقبل وصيتي وتقضي ديني وتنجز موعدي (2) ؟ فقال: إني امرؤ كبير السن، كثير العيال، لا مال لي، فأعادها عليه ثلاثا كل ذلك يردها عليه، فقال رسول الله: سأعطيها رجلا يأخذها بحقها لا يقول مثل ما تقول ثم قال: يا علي أتقبل وصيتي، وتقضي ديني، وتنجز موعدي ؟ قال: فخنقته العبرة، ولم يستطع أن يجيبه، ولقد رأى رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) يذهب ويجئ في حجره، ثم أعاد عليه فقال له علي (عليه السلام): نعم بأبي أنت وامي يا رسول الله فقال: يا بلال ائت بدرع رسول الله، فأتى بها: ثم قال: يا بلال ائت براية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتى بها، ثم قال: يا بلال ائت ببغلة رسول الله بسرجها ولجامها فأتى بها، ثم قال: يا علي قم فاقبض هذا بشهادة من في البيت من المهاجرين والانصار، كي لا ينازعك فيه أحد من بعدي، قال: فقام علي (عليه السلام) حتى استودع جميع ذلك في منزله، ثم رجع (3). 6 - ع: ماجليويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن إبراهيم بن إسحاق عن أبيه، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي (عليه السلام) قال: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) المحتضر: 126. يوجد فيه الحديث مرسلا. ولم نجده بالاسناد وفيه: جائعين ظامئين. (2) في المصدر: عدتي. (3) علل الشرائع: 67.

[460]

الوفاة قال للعباس: أتقبل وصيتي، وتقضي ديني، وتنجز موعدي ؟ قال: إني امرؤ كبير السن ذو عيال، لا مال لي، فأعادها عليه ثلاثا فردها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لاعطينها رجلا يأخذها بحقها، لا يقول مثل ما تقول، ثم قال: يا علي أتقبل وصيتي، وتقضي ديني، وتنجز موعدي ؟ قال: فخنقته العبرة ثم أعاد عليه، فقال علي: نعم يا رسول الله، فقال: يا بلال ائت بدرع رسول الله فأتى بها، ثم قال: يا بلال ائت بسيف رسول الله، فأتى به، ثم قال: يا بلال ائت برآية رسول الله، فأتى بها، قال: (1) حتى تفقد عصابة كان يعصب بها بطنه في الحرب، فأتى بها، قال: يا بلال ائت ببغلة رسول الله بسرجها ولجامها، فأتى بها ثم قال لعلي: قم فاقبض هذا بشهادة من هنا من المهاجرين والانصار حتى لا ينازعك فيه أحد من بعدي، قال: فقام علي (عليه السلام) وحمل ذلك حتى استودعه منزله ثم رجع (2). 7 - مع: أبي عن أحمد بن إدريس، عن سلمة بن الخطاب، عن الحسين بن راشد بن يحيى (2). عن علي بن إسماعيل، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا الحسن أن أبا جعفر (عليهما السلام) يقول في هذه الآية: " ولا يعصينك في معروف " قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة (عليها السلام): إذا أنا مت فلا تخمشي علي وجها، و لا ترخي علي شعرا، ولا تنادي بالويل، ولا تقيمي علي نائحة، ثم قال: هذا المعروف الذي قال الله عزوجل في كتابه: " ولا يعصينك في معروف (4) ". 8 - بشا: يحيى بن محمد الجواني، عن جعفر بن محمد الحسيني، عن محمد بن عبد الله الحافظ، عن عمر بن إبراهيم الكلابي، عن حمدون بن عيسى، عن يحيى بن سليمان، عن عباد بن عبد الصمد. عن الحسن، عن أنس قال: جاءت فاطمة ومعها الحسن والحسين (عليهم السلام) إلى نبي (صلى الله عليه وآله) في المرض الذي قبض فيه، فانكبت عليه فاطمة وألصقت صدرها بصدره، وجعلت تبكي، فقال لها النبي: يا فاطمة، ونهاها


(1) لم يذكر لفظة (قال) في المصدر. (2) علل الشرائع: 67. (3) عن يحيى خ ل. (4) معاني الاخبار: 110 و 111 والاية في الممتحنة: 12.

[461]

عن البكاء، فانطلقت إلى البيت فقال النبي (صلى الله عليه وآله) ويستعبر الدموع: اللهم أهل بيتي وأنا مستودعهم كل مؤمن ثلاث مرات (1). 9 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى ومحمد بن عبد الجبار، عن محمد البرقي عن فضالة، عن ابن عميرة، عن الحضرمي، عن مولاه (2) حمزة بن رافع، عن ام سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي توفي فيه: ادعوا لي خليلي فرجع أبو بكر، وبعث حفصة إلى أبيها، فلما جاء غطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجهه وقال: ادعوا لي خليلي، فرجع عمر، وأرسلت فاطمة إلى على (عليه السلام) فلما جاء قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخل ثم جلل عليا (عليه السلام) بثوبه قال علي (عليه السلام): فحدثني بألف حديث يفتح كل حديث الف حديث (3) حتى عرقت، وعرق رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسال (4) علي عرقه، وسال عليه عرقي (5). ير: محمد بن عبد الجبار مثله (6). ختص: ابن عيسى وابن عبد الجبار مثله (7). 10 - ل: أبي، عن سعد ن عن اليقطيني وإبراهيم بن إسحاق معا، عن عبد الله بن حماد، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الاصبغ بن بناته عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) علمني ألف باب من الحلال والحرام، ومما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، كل باب منها يفتح ألف ألف باب (8)، حتى علمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب (9). 11 - ل: ابن موسى، عن علي بن الحسن الهنجاني، عن سعد (10) بن كثير


(1) بشارة المصطفى: 154. فيه: مؤمن ومؤمنة. (2) في البصائر: عن مولاة عمرة بنت ابى رافع. (3) في البصائر: يفتح كل حديث الف باب. (4) حتى سال خ ل. (5) الخصال 2: 173. (6) بصائر الدرجات: 90. (7) الاختصاص: 285. (8) في المصدر: كل باب منها يفتح ألف باب، فذلك الف الف باب. (9) الخصال 2: 173 و 174. (10) سعيد بن كثير.

[462]

عن أبي لهيعة، عن رشيد بن سعد، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الجبلي، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي توفي فيه: ادعوا لي أخي، قال: فأرسلوا إلى علي (عليه السلام) فدخل فوليا وجوههما إلى الحايط و ردا عليهما ثوبا فأسر (1) إليه، والناس محتوشون وراء الباب، فخرج علي (عليه السلام) فقال له رجل من الناس: أسر إليك نبي الله شيئا ؟ قال: نعم أسر إلي ألف باب في كل باب ألف باب، فقال: وعيته ؟ قال: نعم وعقلته، قال: فما السواد الذي في القمر، قال: إن الله عزوجل قال: " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " قال له الرجل: عقلت يا علي (2). 12 - ل: أبي والعطار وابن الوليد جميعا، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب عن جعفر بن بشير، والحسن بن علي بن فضال، عن المثنى بن الوليد، عن ابن حازم، عن بكر بن حبيب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه: ادعوا لي خليلي، فأرسلت عائشة وحفصة إلى أبويهما، فلما جاءا غطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجهه ورأسه، فانصرفا، فكشف رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأسه فقال: ادعوا لي خليلي، فأرسلت حفصة إلى أبيها وعائشة إلى أبيها، فلما جاءا غطى رسول الله رأسه (3) فانطلقا، وقالا: ما نرى رسول الله أرادنا، قالتا: أجل إنما قال: ادعوا لي خليلي، أو قال: حبيبي، فرجونا أن تكونا أنتما هما فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) وألزق رسول الله (صلى الله عليه وآله) صدره بصدره، وأومأ إلى اذنه فحدثه بألف حديث، لكل حديث ألف باب (4). ير: ابن أبي الخطاب مثله (5). 13 - ل: ابن موسى والسناني والمكتب والوراق جميعا، عن ابن زكريا


(1) فاسدي خ ل. (2) الخصال 2: 174 والاية في سورة الاسراء: 12. (3) في المصدر: وجهه. (4) الخصال 2: 179. (5) بصائر الدرجات الدرجات: 91.

[463]

القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبي معاوية، عن سليمان بن مهران عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) قال: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة دعاني، فلما دخلت عليه قال لي: يا علي أنت وصيي وخليفتي على أهلي وامتي في حياتي وبعد موتي، وليك وليي، ووليي ولي الله، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله، يا علي المنكر لامامتك بعدي كالمنكر لرسالتي في حياتي لانك مني وأنا منك، ثم أدناني فأسر إلي ألف باب من (1) العلم، كل باب يفتح ألف باب (2). أقول: سيأتي سائر أخبار الباب في أبواب فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام). 14 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، وعبد الله بن عامر، عن ابن أبي - نجران، عن صفوان بن يحيى، عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرضه الذي توفي فيه بعث إلى علي (عليه السلام) فلما جاء أكب عليه، فلم يزل يحدثه ويحدثه، فلما خرج لقياه فقالا: بما حدثك صاحبك ؟ فقال: حدثني بباب يفتح ألف باب، كل باب منها يفتح ألف (3) باب. ير: عبد الله بن عامر مثله (4). 15 - ل: العطار، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير عن يحيى بن معمر، عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (5) (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي توفي فيه: ادعوا لي خليلي، فأرسلتا إلى أبويهما، فلما نظر إليهما أعرض عنهما، وقال: ادعوا لي خليلي، فأرسل (6) إلى علي (عليه السلام) فلما نظر إليه أكب عليه يحدثه (7) فلما خرج لقياه وقالا: ما حدثك خليلك ؟


(1) في المصدر: من باب العلم. (2) الخصال 2: 179 و 180. (3) الخصال 2: 175. (4) بصائر الدرجات: 88. (5) في البصائر: قال لعائشة وحفصة. (6) الصحيح: فارسلتا كما في البصائر. (7) يحدثه ويحدثه.

[464]

قال: حدثني ألف باب، وكل باب يفتح ألف (1) باب. ير: ابن أبي الخطاب مثله (2). 16 - ل: أبي والعطار وابن الوليد جميعا، عن سعد، عن السندي بن محمد عن صفوان، عن محمد بن بشير، عن أبيه بشير الدهان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي توفي فيه: ادعوا لي خليلي، فأرسلتا إلى أبويهما، فلما رآهما أعرض بوجهه عنهما، ثم قال: ادعوا لي خليلي، فأرسلتا إلى علي (عليه السلام) فلما جاء أكب عليه فلم يزل يحدثه ويحدثه، فلما خرج لقياه فقالا له: ما حدثك ؟ قال: حدثني بباب يفتح له ألف باب، كل باب يفتح ألف باب (3). ير: السندي بن محمد، عن صفوان، عن محمد بن بشير، ولا أعلمه إلا أني سمعته عن بشير مثله (4). 17 - ل: الثلاثة عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن عقبة، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء أبو بكر وعمر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) حين دفن فاطمة (عليها السلام) في حديث طويل قال لهما فيه: أما ما ذكرتما أني لم اشهد كما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنه قال: " لا يرى عورتي أحد غيرك إلا ذهب بصره " فلم أكن لاريكما (5) به لذلك، وأما إكبابي عليه فإنه علمني ألف حرف، الحرف يفتح ألف حرف، فلم أكن لاطلعكما على سر رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6). 18 - ير: البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن عيسى بن عبد الله، وثابت، عن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما بعد أن صلى الفجر


(1) الخصال 2: 176. (2) بصائر الدرجات: 88. فيه: حدثني خليلي الف باب ففتح لى كل باب الف باب. (3) الخصال 2: 177. (4) بصائر الدرجات: 87 فيه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعائشة وحفصة في مرضه. (5) لاذيكما خ ل - أقول: يوجد ذلك في المصدر. (6) الخصال 2: 177.

[465]

في المسجد، وعليه قميصه سوداء، فأمر فيه ونهى ووعظ فيه وذكر، ثم قال: يا فاطمة اعملي فإني لا أملك من الله شيئا، وسمع الناس صوته وتساروا ومرأى (1) رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمعهم نساؤه من وراء الجدر فهن (2) يمشطن، وقلن: قد برئ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت لابي عبد الله (عليه السلام): توفي ذلك اليوم ؟ قال: نعم، قلت: فأين ما يرويه الناس أنه علم عليا (عليه السلام) ألف باب، كل باب فتح ألف باب ؟ قال: كان ذلك قبل يومئذ (3). 19 - عم، شا: ثم كان مما آكد النبي (صلى الله عليه وآله) لامير المؤمنين (عليه السلام) من الفضل وتخصصه منه بجليل رتبته ما تلا حجة الوداع من الامور المجددة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والاحداث التي اتفقت بقضاء الله وقدره، وذلك أنه (صلى الله عليه وآله) تحقق من دنو أجله ما كان قدم الذكر به لامته، فجعل (عليه السلام) يقوم مقاما بعد مقام في المسلمين يحذرهم الفتنة بعده، والخلاف عليه، ويؤكذ وصايتهم بالتمسك بسنته والاجماع (4) عليها، والوفاق، ويحثهم على الاقتداء بعترته، والطاعة لهم، النصرة والحراسة والاعتصام بهم في الدين، ويزجرهم عن الاختلاف والارتداد، وكان فيما ذكره من ذلك ما جاءت به الرواية على اتفاق واجتماع قوله: يا أيها الناس إني فرطكم، وأنتم واردون علي الحوض، ألا وإني سائلكم عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يلقياني، وسألت ربي ذلك فأعطانيه، ألا وإني قد تركتهما فيكم: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تسبقوهم فتفرقوا، ولا تسبقوهم فتقرقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، أيها الناس لا ألفينكم بعدي ترجعون كفارا، يضرب بعضكم


(1) برؤية خ ل. أقول في المصدر: ورأى (2) وهن خ ل أقول: في المصدر: فرأى يمشطن. (3) بصائر الدرجات: 88. أقول: قوله: قبل يومئذ: أي لم يكن في اليوم الاخر من حياته، بل كان قبل ذلك في مرض موته. (4) والاجتماع خ ل.

[466]

رقاب بعض، فتلقوني في كتيبة كمجر السيل الجرار، ألا وإن علي بن أبيطالب أخي ووصيي، يقاتل بعدي على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله " فكان (صلى الله عليه وآله) يقوم مجلسا بعد مجلس بمثل هذا الكلام ونحوه، ثم إنه عقد لاسامة بن زيد بن حارثة الامرة، وأمره وندبه أن يخرج بجمهور الامة إلى حيث اصيب أبوه من بلاد الروم، واجتمع رأيه على إخراج جماعة من مقدمي (1) المهاجرين و الانصار في معسكره، حتى لا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الرياسة، و يطمع في التقدم على الناس بالامارة، ويستتب (2) الامر لمن استخلفه من بعده ولا ينازعه في حقه منازع، فعقد له الامرة على ما ذكرناه، وجد في إخراجهم وأمر اسامة بالبروز عن المدينة بمعسكره إلى الجرف، وحث الناس على الخروج إليه (3) والمسير معه، وحذرهم من التلوم والابطاء عنه، فبينا هو في ذلك إذ عرضت له الشكاة التي توفي فيها، فلما أحس بالمرض الذي عراه أخذ بيد علي بن أبي طالب واتبعه جماعة من الناس وتوجه إلى البقيع، فقال للذي اتبعه: إنني قد امرت بالاستغفار لاهل البقيع، فانطلقوا معه حتى وقف بين أظهرهم، و قال: " السلام عليكم أهل القبور، ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها " (4) ثم استغفر لاهل البقيع طويلا، وأقبل على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: " إن جبرئيل (عليه السلام) كان يعرض علي القرآن كل سنة مرة، وقد عرضه علي العام مرتين، ولا أراه إلا لحضور أجلي ثم قال: " يا علي إني خيرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها أو الجنة (5)، فاخترت لقاء ربي والجنة، فإذا أنا مت فاستر عورتي (6) فانه لا يراها أحد إلا أكمه " ثم عاد إلى منزله فمكث ثلاثة أيام موعوكا، ثم خرج إلى المسجد (7)


(1) من متقدمي خ ل. (2) ليستتب خ ل. (3) على الخروج معه خ ل. (4) في المصدر: يتبع اولها آخرها. (5) في المصدر: والجنة. (6) فإذا انامت فاغسلني واستر عورتى خ ل. أقول: يوجد ذلك في اعلام الورى. (7) في اعلام الورى: ثم خرج إلى المسجد يوم الاربعاء.

[467]

معصوب الرأس معتمدا على أمير المؤمنين (عليهما السلام) بيمنى يديه، وعلى الفضل بن عباس باليد الاخرى، حتى صعد المنبر فجلس عليه ثم قال: " معاشر الناس وقد حان مني خفوق من بين أظهركم، فمن كان له عندي عدة فليأتني أعطه إياها، ومن كان له علي دين فليخبرني به، معاشر الناس ليس بين الله وبين أحد شئ يعطيه به خيرا، أو يصرف عنه به شرا إلا العمل، أيها الناس لا يدعي مدع ولا يتمنى متمن، والذي بعثني بالحق نبيا لا ينجي إلا عمل مع رحمة، ولو عصيت لهويت اللهم هل بلغت. ثم نزل فصلى بالناس صلاة خفيفة، ثم دخل بيته وكان إذا ذاك في بيت ام سلمة رضي الله عنها، فأقام به يوما أو يومين، فجاءت عائشة إليها تسألها أن تنقله إلى بيتها لتتولى تعليله، وسألت أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك فأذن لها، فانتقل إلى البيت الذي أسكنه عائشة، واستمر به المرض فيه أياما وثقل، فجاء بلال عند صلاة الصبح ورسول الله (صلى الله عليه وآله) مغعمور بالمرض، فنادى: الصلاة يرحمكم الله، فاؤذن رسول الله بندائه، فقال: يصلي بالناس بعضهم فإني مشغول بنفسي، فقالت عائشة: مروا أبا بكر، وقالت حفصة: مروا عمر، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين سمع كلامهما ورأى حرص كل واحد (1) منهما على التنويه بأبيها وافتتانهما بذلك ورسول الله (صلى الله عليه وآله) حي: " اكففن فإنكن صويحبات يوسف " ثم قام (صلى الله عليه وآله) مبادرا خوفا من تقدم أحد الرجلين، وقد كان (صلى الله عليه وآله) أمرهما بالخروج ما اسامة ولم يك عنده أنهما قد تخلفا، فلما سمع من عائشة وحفصة ما سمع علم أنهما متأخران عن أمره، فبدر لكف الفتنة وإزالة الشبهة، فقام (صلى الله عليه وآله) وإنه لا يستقل على الارض من الضعف، فأخذ بيهد علي بن أبي طالب والفضل بن العباس، فاعتمد عليهما و رجلاه يخطان الارض من الضعف، فلما خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب، فأومأ إليه بيده أن تأخر عنه، فتأخر أبو بكر، وقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) مقامه فكبر (2) وابتدأ الصلاة التي كان ابتد أها أبو بكر، ولم يبن على ما


(1) في المصدر: كل واحدة منهما. (2) مقامه فقام وكبر خ ل.

[468]

مضى من فعاله، فلما سلم انصرف إلى منزله، واستدعى أبا بكر وعمر وجماعة من حضر المسجد من المسلمين ثم قال: " ألم آمر أن تنفذوا جيش اسامة ؟ " فقالوا: بلى يا رسول الله، قال: " فلم تأخرتم عن أمري ؟ " قال أبو بكر: إني كنت قد خرجت ثم رجعت لاجدد بك (1) عهدا، وقال عمر: يا رسول الله إني لم أخرج لانني لم احب أن أسأل عنك الركب، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " نفذوا جيش اسامة نفذوا جيش اسامة " يكررها ثلاث مرات، ثم اغمي عليه من التعب الذي لحقه والاسف (2) فمكث هنيئة مغمى عليه وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه و ولده ونساء المسلمين (3) وجمع من حضر من المسلمين فأفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنظر إليهم ثم (4) قال: " ايتوني بدواة وكتف لاكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا " ثم اغمي عليه، فقام بعض من حضر يلتمس دواة وكتفا، فقال له عمر: " ارجع فإنه يهجر " فرجع وندم من حضر على ما كان منهم من التضجيع في إحضار الدواة والكتف وتلاوموا بينهم، وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أشفقنا من خلاف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما أفاق (صلى الله عليه وآله) قال بعضم: ألا نأتيك بدواة وكتف يا رسول الله ؟ فقال: " أبعد الذي (5) قلتم ؟ لا، ولكني اوصيكم بأهل بيتي خيرا "


(1) ثم عدت لاحدث خ ل. (2) في المصدر والاسف الذى ملكه. (3) والنساء المسلمات خ ل. (4) وكان ذلك في يوم الخميس، وكان ابن عباس بعد ذلك يقول: الخميس وما يوم الخميس. إلى آخر ما يأتي. (5) أي أبعد الذى قلتم: انه يهجر ؟ لا تبقى بعد ذلك فائدة في الكتابة، لان بعد موتى يستدلون بخلاف ما كتبت بما قالوا في حضوري، أقول: لا ينقضى تعجبي من اخواني اهل السنة حيث يروون ذلك الحديث في صحيح البخاري وسائر كتبهم، ومع ذلك يدينون بخلافة عمر وقداسته، أليسوا يعتقدون بأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان أعقل البشر، أليسوا يتلون قول الله تعالى: " ما ينطق عن الهوى ان هو الاوحى يوحى علمه شديد القوى " صباحا ومساء فكيف يمكنهم الجمع بين قوله تعالى وقول عمر وقداسته وخلافته: أعاذنا الله تعالى من العصبية العمياء.

[469]

وأعرض بوجهه عن القوم فنهظوا، وبقي عنده العباس والفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب وأهل بيته خاصة، فقال له العباس: يا رسول الله إن يكن هذا الامر فينا مستقرا من بعدك فبشرنا وإن كنت تعلم أنا نغلب عليه فأوص بنا، فقال: أنتم المستضعفون من بعدي، وأصمت، فنهض القوم وهو يبكون قد يئسوا من النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما خرجوا من عنده قال (صلى الله عليه وآله): ردوا علي أخي وعمي العباس فأنفذوا من دعاهما فحضرا، فلما استقر بهما المجلس قال (صلى الله عليه وآله): (1) " يا عم رسول الله تقبل وصيتي، وتنجز عدتي، وتقضي ديني ؟ " فقال العباس: يا رسول الله عمك شيخ كبير، ذو عيال كثير، وأنت تباري الريح سخاء وكرما، وعليك وعد لا ينهض به عمك، فأقبل على علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2) فقال له: " يا أخي تقبل وصيتي، وتنجز عدتي، وتقضي عني ديني، وتقوم بأمر أهلي من بعدي ؟ " فقال: نعم يا رسول الله، فقال له: ادن مني، فدنا منه، فضمه إليه، ثم نزع خاتمه من يده فقال له: خذ هذا فضعه في يدك، ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته فدفع ذلك إليه، والتمس عصابة كان يشدها على بطنه إذا لبس سلاحه وخرج إلى الحرب فجئ بها إليه فدفعها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقال له، امض على اسم الله إلى منزلك، فلما كان من الغد حجب الناس عنه وثقل في مرضه (3)، وكان أمير - المؤمنين (عليه السلام) لا يفارقه إلا لضرورة، فقام في بعض شؤنه فأفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) إفاقة فافتقد عليا (عليه السلام) فقال وأزواجه حوله: " ادعوا لي أخي وصاحبي " وعاوده الضعف فأصمت، فقالت عائشة: ادعوا له أبا بكر فدعي ودخل عليه وقعد عند رأسه، فلما فتح عينه نظر إليه فأعرض عنه بوجهه، فقال أبو بكر فقال: لو كان له إلي حاجة لافضى بها إلي، فلما خرج أعاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) القول ثانية وقال: " ادعوا لي أخي وصاحبي " فقالت حفصة: ادعوا له عمر، فدعي فلما حضر ورآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعرض عنه فانصرف، ثم قال: " ادعوا لي أخي وصاحبي " فقالت ام سلمة


(1) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عباس. (2) على أمير المؤمنين (عليه السلام) خ ل. (3) في المصدر: في موضعه.

[470]

رضي الله عنها: ادعوا له عليا (عليه السلام) فإنه لا يريد غيره، فدعي أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما دنا منه أومأ إليه، فأكب عليه فناجاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) طويلا، ثم قام فجلس ناحية حتى اغفي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما اغفي خرج فقال له الناس: ما الذي أوعز إليك يا أبا الحسن ؟ فقال: علمني ألف باب من العلم، فتح لي كل باب ألف باب، وأوصاني بما أنا قائم به إنشاء الله تعالى، ثم ثقل وحضره الموت وأمير - المؤمنين (عليه السلام) حاضر عنده، فلما قرب خروج نفسه قال له: " ضع يا علي رأسي في حجرك، فقد جاء أمر الله تعالى، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثم وجهني إلى القبلة وتول أمري، وصل علي أول الناس، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي، واستعن بالله تعالى " فأخذ علي (عليه السلام) رأسه فوضعه في حجره، فأغمي عليه، فأكبت فاطمة (عليها السلام) تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل ففتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عينه وقال بصوت ضئيل: يا بنية هذا قول عمك أبي - طالب لا تقوليه، ولكن قولي: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " (1) فبكت طويلا فأومأ إليها بالدنو منه، فدنت منه فأسر إليها شيئا تهلل وجهها له، ثم قبض (صلى الله عليه وآله) ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه (صلى الله عليه وآله) فيها، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها، ثم وجهه وغمضه ومد عليه إزاره، واشتغل بالنظر في أمره، فجاءت الرواية أنه قيل لفاطمة (عليها السلام): ما الذي أسر إليك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسرى عنك به ما كنت عليه من الحزن والقلق بوفاته ؟ قالت: إنه أخبرني أنني أول أهل بيته لحوقا به، وأنه لن تطول المدة لي بعده حتى أدركه (2)، فسرى ذلك عني (3).


(1) آل عمران: 144. (2) وكان فيما اسر إليها على ما جاء الرواية به: أن الائمة الاثنى عشر خلفاءه من ولدها، وكان فيه اشادة بمناقبهم ومناقب زوجها وسبطيها. (3) ارشاد المفيد: 94 - 98، اعلام الورى: 82 - 84. راجعه ففيه اختلافات وزيادات

[471]

بيان: قال الجزري: في حديث خطبته (صلى الله عليه وآله) في مرضه: قد دنا مني خفوق من بين أظهركم، أي حركة وقرب ارتحال، يريد الانذار بموته. وقال الجوهري: التضجيع في الامر: التقصير فيه، وقال: أو عزت إليه في كذا، أي تقدمت، و قال: انسرى عنه الهم: انكشف، وسري عنه مثله. 20 - قب: ابن عباس والسدي: لما نزل قوله تعالى: " إنك ميت و إنهم ميتون " (1) قال رسول الله (عليه السلام): " ليتني أعلم متى يكون ذلك " فنزل سورة النصر، فكان يسكت بين التكبير والقراءة بعد نزولها، فيقول: " سبحان الله و بحمده، أستغفر الله وأتوب إليه " فقيل له في ذلك، فقال: " أما إن نفسي نعيت إلي " ثم بكى بكاء شديدا، فقيل: يا رسول الله أو تبكي من الموت وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: فأين هول المطلع ؟ وأين ضيقة القبر، وظلمة اللحد ؟ وأين القيامة والاهوال ؟ فعاش بعد نزول هذه السورة عاما. الاسباب والنزول عن الواحدي: إنه روى عكرمة عن ابن عباس قال: لما أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غزوة حنين، وأنزل الله سورة الفتح قال: يا علي بن أبي طالب ويا فاطمة " إذا جاء نصر الله والفتح (2) إلى آخر السورة. وقال السدي وابن عباس: ثم نزلت: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " (3) الآية، فعاش بعدها ستة أشهر، فلما خرج إلى حجة الوداع نزلت عليه في الطريق: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " (4) الآية فسميت آية الصيف. ثم نزل (5) عليه وهو واقف بعرفة: " اليوم أكملت لكم دينكم " (6) فعاش بعدها إحدى وثمانين يوما، ثم نزلت عليه آيات الربا، ثم نزلت بعدها " واتقوا يوما ترجعون فيه " (7) وهي آخر آية نزلت من السماء، فعاش بعدها إحدى وعشرين يوما، قال ابن


(1) الزمر: 30. (2) سورة النصر: السورة 110. (3) التوبة: 128. (4) النساء: 176. (5) في المصدر: ثم نزلت عليه. (6) المائدة: 3. (7) البقرة: 281. (*)

[472]

جريح (1) تسع ليال، وقال ابن جبير ومقاتل: سبع ليال، وقال الله تعالى تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله): " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " (2) وقال: " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون " (3). لما مرض النبي (عليه السلام) مرضه الذي توفي فيه، وذلك يوم السبت، أو يوم الاحد من صفر، أخذ بيد علي وتبعه جماعة من أصحابه وتوجه إلى البقيع، ثم قال: " السلام عليكم أهل القبور، وليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها إن جبرئيل كان يعرض علي القرآن كل سنة مرة، وقد عرضه علي العام مرتين، ولا أراه إلا لحضور أجلي " ثم خرج يوم الاربعاء معصوب الرأس متكيا على علي بيمنى يديه، وعلى الفضل باليد الاخرى فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد أيها الناس فإنه قد حان مني خقوق من بين أظهركم، فمن كانت له عندي عدة فليأتني أعطه إياها، ومن كان له علي دين فليخبرني به " فقام رجل فقال: يا رسول الله إن لي عندك عدة، إني تزوجت فوعدتني أن تعطيني ثلاثة اواقي، فقال: انحلها يا فضل، ثم نزل، فلما كان يوم الجمعة صعد المنبر فخطب ثم قال: معاشر أصحابي أي نبي كنت لكم ؟ ألم اجاهد بين أظهركم ؟ (4) إلى آخر ما أوردنا في باب وفاته (صلى الله عليه وآله). 21 - قب: ابن بطة والطبري ومسلم والبخاري واللفظ له: إنه سمع ابن عباس يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بل دمعه الحصى فقال: اشتد (5) برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه يوم الخميس، فقال: " ائتوني بدواة و كتف أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا " فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وفي رواية مسلم والطبري - قالوا: إن رسول الله يهجر.


(1) فيه تصحيف، والصحيح: ابن جريج بالجيم مصغرا. (2) آل عمران: 144. (4) الانبياء: 34. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 201 و 202. (5) في المصدر: فقيل له: وما يوم الخميس ؟ فقال.

[473]

يونس الديلمي (1): وصى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال قائلهم: قد طل يهجر سيد البشر. البخاري ومسلم في خبر إنه قال عمر: " النبي قد غلب عليه الوجع، و عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله " فاختلف أهل ذلك البيت واختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول: القول ما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي (صلى الله عليه وآله) قال: قوموا ! فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. مسند أبي يعلى وفضائل أحمد عن ام سلمة في خبر: والذي تحلف به ام سلمة أن كان آخر (2) عهدا برسول الله (صلى الله عليه وآله) علي (عليه السلام)، وكان رسول الله بعثه في حاجة غداة قبض، فكان يقول: " جاء علي ؟ " ثلاث مرات، قال: فجاء قبل طلوع الشمس، فخرجنا من البيت لما عرفنا أن له إليه حاجة، فأكب عليه علي (عليه السلام) فكان آخر الناس به عهدا، وجعل يساره ويناجيه. الطبري في الولاية، والدار قطني في الصحيح، والسمعاني في الفضائل وجماعة من رجال الشيعة عن الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن وعبد الله بن عباس وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن الحارث، واللفظ للصحيح: أن عائشة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في بيتها لما حضره الموت: ادعوا لي حبيبي ! فدعوت له أبا بكر، فنظر إليه، ثم وضع رأسه ثم قال: ادعوا لي حبيبي، فدعوا له عمر، فلما نظر إليه قال: ادعوا لي حبيبي، فقلت: ويلكم ادعوا له علي بن أبي طالب، فوالله ما يريد غيره، فلما رآه أفرج الثوب الذي كان عليه، ثم أدخله فيه، ولم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه (3).


(1) في المصدر: قال يونس الديلمى. (2) في المصدر: أنه كان آخر الناس عهدا. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 202 و 203.

[474]

22 - جا: عمر بن محمد الصيرفي، عن العباس بن المغيرة الجوهري، عن أحمد بن منصور الرمادي، عن أحمد بن صالح، عن عتيبة، عن يونس، عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس قال: لما حضرت النبي (صلى الله عليه وآله) الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا " فقال: لا تأتوه بشئ فإنه قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا (1) يكتب لكم رسول الله، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوموا عني، قال عبيدالله بن عبد الله بن عتبة: و كان ابن عباس رحمه الله يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين أن يكتب لنا ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (2). بيان: أقول خبر طلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدواة والكتف ومنع عمر عن ذلك مع اختلاف ألفاظه متواتر بالمعنى، وأورده البخاري ومسلم وغيرهما من محدثي العامة في صحاحهم، وقد أورده البخاري في مواضع من صحيحه، منها في الصفحة الثانية من مفتتحه، وكفى بذلك له كفرا وعنادا، وكفى به لمن اتخذه مع ذلك خليفة وإماما جهلا وضلالا، وسيأتي تمام القول في ذلك في باب مثالب الثلاثة إن شاء الله تعالى. 23 - جا: عمر بن محمد الصيرفي، عن جعفر بن محمد الحسني، عن عيسى بن مهران، عن يونس بن محمد، عن عبد الرحمن بن الغسيل، عن عبد الرحمن بن خلاب الانصاري، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس قال: إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس دخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه، فقالوا: يا رسول الله هذه الانصار في المسجد تبكي رجالها ونساؤها عليك، فقال: وما يبكيهم ؟ قالوا: يخافون أن تموت، فقال: أعطوني أيديكم فخرج في ملحفة وعصابة حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:


(1) قوموا خ ل. (2) مجالس المفيد: 22 و 23.

[475]

" أما بعد أيها الناس فما تنكرون من موت نبيكم ؟ ألم أنع إليكم وتنع إليكم أنفسكم، لو خلد أحد قبلي ثم بعث إليه لخلدت فيكم، ألا إني لاحق بربي، و قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله تعالى بين أظهركم تقرؤونه صباحا ومساءا، فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا إخوانا كما أمركم الله، وقد خلفت فيكم عترتي أهل بيتي، وأنا اوصيكم بهم، ثم اوصيكم بهذا الحي من الانصار، فقد عرفتم بلاءهم عند الله عزوجل وعند رسوله وعند المؤمنين ألم يوسعوا في الديار، ويشاطر الثمار، ويؤثروا وبهم الخصاصة ؟ فمن ولى منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه فليقبل (1) من محسن الانصار، وليتجاوز عن مسيئهم " وكان آخر مجلس جلسه حتى لقي الله عزوجل (2). 24 - جا: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن الثقفي، عن محمد بن مروان عن زيد بن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما حضر النبي (صلى الله عليه وآله) الوفاة نزل جبرئيل (عليه السلام) فقال له جبرئيل: يا رسول الله هل لك في الرجوع ؟ قال: لا، قد بلغت رسالات ربي، ثم قال له: أتريد الرجوع إلى الدنيا ؟ قال: لا، بل الرفيق الاعلى، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمسلمين وهم مجتمعون حوله: " أيها الناس لا بني بعدي ولا سنة بعد سنتي، فمن ادعى ذلك فدعواه وبدعته في النار ومن ادعى ذلك فاقتلوه، ومن اتبعه فإنهم في النار أيها الناس أحيوا القصاص وأحيوا الحق ولا تفرقوا وأسلموا وسلموا تسلموا، كتب الله لاغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز " (3). 25 - جا: علي بن محمد الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي، عن حفص بن عمر، عن زيد بن الحسن الانماطي، عن معروف بن خربوذ قال: سمعت أبا عبيدالله مولى العباس يحدث أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: إن آخر خطبة خطبنا بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لخطبة خطبنا في مرضه


(1) فليقبل خ ل. (2) مجالس المفيد: 28 و 29. (3) مجالس المفيد: 32 و 33.

[476]

الذي توفي فيه، خرج متوكيا على علي بن أبي طالب وميمونة مولاته فجلس على المنبر، ثم قال: " يا أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين " وسكت فقام رجل فقال: يا رسول الله ما هذان الثقلان ؟ فغضب حتى احمر وجهه ثم سكن، وقال: ما ذكرتهما إلا وأنا اريد أن اخبركم بهما ولكن ربوت فلم أستطع، سبب طرفه بيد الله، وطرف بأيديكم، تعملون فيه كذى، ألا وهو القرآن والثقل الاصغر أهل بيتي، ثم قال: وأيم الله إني لاقول لكم هذا ورجال في أصلاب أهل الشرك أرجى عندي من كثير منكم، ثم قال: والله لا يحبهم عبد إلا أعطاه الله نورا يوم القيامة حتى يرد علي الحوض، ولا يبغضهم عبد إلا احتجب الله عنه يوم القيامة فقال أبو جعفر (عليه السلام): إن أبا عبيد الله يأتينا بما يعرف (1). بيان: الربو: التهيج وتواتر النفس الذي يعرض للمسرع في مشيه وحركته. 26 - كشف: قال أبو ثابت مولى أبي ذر سمعت ام سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه يقول وقد امتلات الحجرة من أصحابه: " أيها الناس يوشك أن اقبض قبضا سريعا، فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا إني مخلف فيكم كتاب الله ربي عزوجل، و عترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي (عليه السلام) فرفعها، فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، خليفتان نصيران، لا يفترقا حتى يردا علي الحوض فأسالهما ماذا خلفت فيهما (2). 27 - كتاب الطرف للسيد علي بن طاووس نقلا من كتاب الوصية للشيخ عيسى بن المستفاد الضرير، عن موسى بن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة دعا الانصار وقال: " يا معشر الانصار قد حان الفراق، وقد دعيت وأنا مجيب الداعي، وقد جاورتم فأحسنتم الجوار، ونصرتم فأحسنتم النصرة، وواسيتم في الاموال، ووسعتم في المسلمين، (3) وبذلتم لله مهج النفوس


(1) بما نعرف خ ل. مجالس المفيد: 79. (2) كشف الغمة: 43. (3) في المصدر: ووسعتم في السكنى.

[477]

والله يجزيكم بما فعلتم الجزاء الاوفى، وقد بقيت واحدة وهي تمام الامر و خاتمة العمل، العمل معها مقرون إني أرى أن لا أفترق بينهما جميعا (1) لو قيس بينهما بشعرة ما انقاست، من أتى بواحدة وترك الاخرى كان جاحدا للاولى ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " قالوا: يا رسول الله فأين لنا بمعرفتها (2)، فلا نمسك عنها فنضل ونرتد عن الاسلام، والنعمة من الله ومن رسوله علينا، فقد أنقذنا الله بك من الهلكة يا رسول الله، وقد بلغت ونصحت وأديت وكنت بنا رؤفا رحيما شفيقا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم: " كتاب الله وأهل بيتي فإن الكتاب هو القرآن وفيه الحجة والنور والبرهان، كلام الله جديد غض طرئ شاهد ومحكم عادل ولنا قائد بحلاله وحرامه وأحكامه يقوم غدا فيحاج أقواما فيزل الله به أقدامهم عن الصراط، واحفظوني معاشر الانصار في أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا وإن الاسلام سقف تحته دعامة، لا يقوم السقف إلا بها، فلو أن أحدكم أتى بذلك السقف ممدودا لا دعامة تحته فأوشك أن يخر عليه سقفه فيهوي في النار، أيها الناس الدعامة: دعامة الاسلام، وذلك قوله تعالى: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " (3) فالعمل الصالح طاعة الامام ولي الامر والتمسك بحبله، أيها الناس أفهمتم ؟ الله الله في أهل بيتي، مصابيح الظلم، ومعادن العلم، وينابيع الحكم، ومستقر الملائكة، منهم وصيي وأميني ووارثي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى ألا هل بلغت معاشر الانصار ؟ ألا فاسمعوا ومن حضر، ألا إن فاطمة بابها بابي وبيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله "، قال عيسى: فبكى أبو الحسن (عليه السلام) طويلا، وقطع بقية كلامه (4)، وقال: هتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله يا امه (5) صلوات الله عليها.


(1) في المصدر: ان لا يفرق بينهما. (2) في المصدر: نعرفها. (3) فاطر: 10. (4) في المصدر: وقطع عنه بقية حديثه واكثر البكاء. (5) في المصدر: يا امه يا امه.

[478]

ثم قال (عليه السلام): أخبرني أبي، عن جدي محمد بن علي قال: قد جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) المهاجرين فقال لهم: " ايها الناس إني قد دعيت، وإني مجيب دعوة الداعي، قد اشتقت إلى لقاء ربي واللحوق باخواني من الانبياء وإني اعلمكم أني قد أوصيت إلى وصيي، ولم اهملكم إهمال البهائم، ولم أترك من اموركم شيئا " فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله أوصيت بما أوصى به الانبياء من قبلك ؟ قال: نعم، فقال له: فبأمر من الله أوصيت أم بأمرك. قال له: " اجلس يا عمر، أوصيت بأمر الله، وأمره طاعته، وأوصيت بأمري و أمري طاعة الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى وصيي فقد عصاني، ومن أطاع وصيي فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله (1) لا ما تريد أنت وصاحبك " ثم التفت إلى الناس وهو مغضب فقال: " أيها الناس اسمعو وصيتي، من آمن بي وصدقني بالنبوة وأني رسول الله فاوصيه بولاية علي بن أبيطالب وطاعته و التصديق له، فإن ولايته ولايتي، وولاية ربي، قد أبلغتكم فليبلغ الشاهد الغائب (2) أن علي بن أبيطالب هو العلم، فمن قصر دون العلم فقد ضل، ومن تقدمه تقدم إلى النار، ومن تأخر عن العلم يمنيا هلك، ومن أخذ يسارا غوى وما توفيقي إلا بالله، فهل سمعتم ؟ قالوا: نعم. وبالاسناد المتقدم عن الكاظم عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنده موته وأخرج من كان عنده في البيت غيري. والبيت فيه جبرئيل، والملائكة (3) أسمع الحس ولا أرى شيئا، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتاب الوصية من يد جبرئيل مختومة فدفعها إلي وأمرني أن أفضها، ففعلت، وأمرني أن أقرأها فقرأتها، فقال: إن جبرئيل عندي (4) أتاني بها الساعة من عند ربي فقرأتها فإذا فيها كل ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوصي (5) به شيئا شيئا ما تغادر حرفا.


(1) الا ما تريد خ ل. (2) في المصدر: فليبلغ شاهدكم غائبكم. (3) في المصدر: والملائكة معه. (4) المصدر خال عن كلمة: عندي. (5) في المصدر: يوصيني.

[479]

وبالاسناد المتقدم عنه عن أبيه عن جده الباقر (عليهم السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال: كنت مسند (1) النبي (صلى الله عليه وآله) إلى صدري ليلة من الليالي في مرضه، وقد فرغ من وصيته، وعنده فاطمة ابنته، وقد أمر أزواجه والنساء أن يخرجن من عنده ففعلن، فقال: يا أبا الحسن تحول من موضعك وكن أمامي، قال: ففعلت، و أسنده جبرئيل (عليه السلام) إلى صدره، وجلس ميكائيل (عليه السلام) على يمينه فقال: يا علي ضم كفيك بعضها إلى بعض، ففعلت، فقال لي: قد عهدت إليك (2)، احدث العهد لك بمحضر أميني رب العالمين: جبرئيل وميكائيل، يا علي بحقهما عليك إلا أنفذت وصيتي على ما فيها، وعلى قبولك إياها بالصبر (3) والورع على منهاجي وطريقي، لا طريق فلان وفلان، وخذ ما آتاك الله بقوة، وأدخل يده فيما بين كفي، وكفاي مضمومتان، فكأنه أفرغ بينهما شيئا، فقال: يا علي قد أفرغت بين يديك الحكمة وقضاء ما يرد عليك، وما هو وارد لا يعزب عنك من أمرك شئ (4)، وإذا حضرتك الوفاة فأوص وصيتك إلى من بعدك على ما اوصيك واصنع هكذا بلا كتاب ولا صحيفة (5). 28 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن أحمد بن محمد، عن الحارث بن جعفر، عن علي بن إسماعيل بن يقطين، عن عيسى بن المستفاد أبي موسى الضرير قال: حدثني موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أليس كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كاتب الوصية، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) المملي عليه، وجبرئيل و الملائكة المقربون شهود ؟ قال: فأطرق طويلا، ثم قال: يا أبا الحسن قد كان ما قلت، ولكن حين نزل برسول الله (صلى الله عليه وآله) الامر نزلت الوصية من عند الله كتابا مسجلا، نزل به جبرئيل مع امناء الله تبارك وتعالى من الملائكة، فقال جبرئيل:


(1) في المصدر: كنت اسند. (2) في المصدر: قد اخذت العهد لك. (3) في المصدر: وعليك بالصبر. (4) في المصدر: حتى لا يعزب من امرك شئ. (5) الطرف: 18 - 21 و 27 و 28 فيه: على ما اوصيتك.

[480]

يا محمد مر باخراج من عندك إلا وصيك ليقبضها منا، وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامنا لها، يعني عليا (عليه السلام)، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) باخراج من كان في البيت ما خلا عليا وفاطمة فيما بين الستر والباب، فقال جبرئيل (عليه السلام): يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول: هذا كتاب ما كنت عهدت إليك، وشرطت عليك، وشهدت به عليك وأشهدت به عليك ملائكتي، وكفى بي يا محمد شهيدا، قال: فارتعدت مفاصل النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: يا جبرئيل ربي هو السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام، صدق عز وجل وبر، هات الكتاب، فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: اقرأه فقرأه حرفا حرفا، فقال: يا علي هذا عهد ربي تبارك وتعالى إلي، وشرطه علي وأمانته، وقد بلغت ونصحت وأديت، فقال علي (عليه السلام): وأنا أشهد لك بأبي أنت وامي بالبلاغ والنصحية والتصديق (1) على ما قلت، ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي، فقال جبرئيل (عليه السلام): وأنا لكما على ذلك من الشاهدين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أخذت وصيتي وعرفتها، وضمنت لله ولي الوفاء بما فيها ؟ فقال علي (عليه السلام): نعم بأبي أنت وامي على ضمانها، وعلى الله عوني وتوفيقي على أدائها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إني اريد أن اشهد عليك بموافاتي بها يوم القيامة فقال علي: نعم أشهد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن، وهما حاضران معهما الملائكة المقربون لاشهدهم عليك، فقال: نعم ليشهدوا وأنا بأبي وامي اشهدهم، فأشهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان فيما اشترط عليه النبي (صلى الله عليه وآله) بأمر جبرئيل (عليه السلام) فيما أمره الله عزوجل أن قال له: يا علي تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله، والبراءة و العداوة لمن عادى الله ورسوله، والبراءة منهم على الصبر منك على كظم الغيظ (2)، وعلى ذهاب حقك، وغصب خمسك، وانتهاك حرمتك، فقال: نعم يا رسول الله، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لقد سمعت


(1) والصدق خ ل. (2) في المصدر: وعلى كظم الغيظ.

[481]

جبرئيل يقول للنبي (صلى الله عليه وآله): يا محمد عرفه أنه ينتهك الحرمة وهي حرمة الله، وحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلى أن تخضب لحيته من رأسه بدم عبيط. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فصعقت حين فهمت الكلمة من الامين جبرئيل (عليه السلام) حتى سقطت على وجهي، وقلت: نعم قبلت ورضيت، وإن انتهكت (1) الحرمة وعطلت السنن، ومزق الكتاب، وهدمت الكعبة، وخضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط صابرا محتسبا أبدا، حتى أقدم عليك، ثم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة والحسن والحسين وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقالوا مثل قوله، فختمت الوصية بخواتيم من ذهب لم تمسه النار، ودفعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). فقلت لابي الحسن: بأبي أنت وامي ألا تذكر ما كان في الوصية ؟ فقال: سنن الله وسنن (2) رسوله (صلى الله عليه وآله)، فقلت: أكان في الوصية توثبهم وخلافهم على أمير المؤمنين. (عليه السلام) ؟ فقال: نعم، والله شئ بشئ وحرف بحرف (3)، أما سمعت قول الله عزوجل: " إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " والله لقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لامير المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام): أليس قد فهمتما ما تقدمت به إليكما وقبلتماه ؟ فقالا: بلى (4)، وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا (5). أقول: روى السيد علي بن طاووس قدس الله روحه في الطرف هذا الخبر مجملا من كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد (6). 29 - وروى أيضا من الكتاب المذكور عن الكاظم عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): كان في وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أولها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) وأوصى به، وأسنده بأمر الله إلى وصيه


(1) انتهكت خ ل. (2) في الطرف: سر الله وسر رسوله. (3) شيئا شيئا وحرفا حرفا خ ل. اقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) بلى بقبوله خ ل. (5) اصول الكافي ج 1 ص 281 - 283. (6) الطرف: 23 و 24.

[482]

علي بن أبيطالب أمير المؤمنين، وكان في آخر الوصية: شهد جبرئيل وميكائيل وإسرافيل على ما أوصى به محمد (صلى الله عليه وآله) إلى علي بن أبيطالب (عليه السلام)، و قبضه وصيه وضمانه على ما فيها على ما ضمن يوشع بن نون لموسى بن عمران (عليهما السلام) وعلى ما ضمن وأدى وصي عيسى بن مريم، وعلى ما ضمن الاوصياء قبلهم على أن محمد أفضل النبيين، وعليا أفضل الوصيين، وأوصى محمد وسلم إلى علي (1) وأقر علي، وقبض الوصية على ما أوصى به الانبياء، وسلم محمد الامر إلى علي بن أبيطالب وهذا أمر الله وطاعته، وولاه الامر على أن لا نبوة لعلي ولا لغيره بعد محمد، وكفى بالله شهيدا (2). 30 - وروى أيضا نقلا عن السيد رضي الدين الموسوي رضي الله عنه من كتاب خصائص الائمة عن هارون بن موسى، عن أحمد بن محمد بن عمار العجلي الكوفي، عن عيسى الضرير، عن الكاظم، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) حين دفع إليه الوصية: اتخذ لها جوابا (3) عدا بين يدي الله تبارك وتعالى رب العرش، فإني محاجك يوم القيامة بكتاب الله حلاله وحرامه، ومحكمه و متشابهه على ما أنزل الله، وعلى ما أمرتك (4)، وعلى فرائض الله كما انزلت وعلى الاحكام من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتنابه، مع إقامة حدود الله وشروطه، والامور كلها، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة لاهلها، وحج البيت، والجهاد في سبيل الله، فما أنت قائل يا علي (5) ؟ فقال علي: بأبي أنت و امي أرجو بكرامة الله لك ومنزلتك عنده ونعمته عليك أن يعينني ربي، ويثبتني


(1) في المصدر: وسلم الامر إلى على بن ابى طالب. (2) الطرف: 21 و 22. (3) رواه الرضى في الخصائص: 41 وفيه: اعد لهذا جوابا. (4) في الخصائص: وعلى تبليغه ما امرتك بتبليغه. (5) في الخصائص: وعلى أحكامه كلها من الامر المعروف والنهي عن المنكر والتحاض عليه واحيائه مع اقامة حدود الله كلها، وطاعته في الامور باسرها واقام الصلاة لاوقاتها وايتاء الزكاة اهلها، والحج إلى بيت الله والجهاد في سبيله، فما انت صانع يا على ؟.

[483]

فلا ألقاك بين يدي الله مقصرا ولا متوانيا ولا مفرطا، ولا أمغز (1) وجهك وقاه وجهى ووجوه آبائي وامهاتي بل تجدني بأبي أنت وامي مستمرا (2) متبعا لوصيتك ومنهاجك وطريقك مادمت حيا حتى أقدم بها عليك، ثم الاول فالاول من ولدي لا مقصرين ولا مفرطين قال علي (عليه السلام): ثم انكببت على وجهه وعلى صدره (3) و أنا أقول: واوحشتاه بعدك، بأبي أنت وامي، ووحشة ابنتك وبنيك (4) بل و أطول غمي بعدك يا أخي، انقطعت من منزلي أخبار السماء، وفقدت بعدك جبرئيل وميكائيل، فلا أحس أثرا ولا أسمع حسا، فأغمي عليه طويلا ثم أفاق (صلى الله عليه وآله). قال أبو الحسن: فقلت لابي: فما كان بعد إفاقته ؟ قال: دخل عليه النساء يبكين وارتفعت الاصوات وضج الناس بالباب من المهاجرين والانصار، فبيناهم كذلك إذ نودي: أين علي ؟ فأقبل حتى دخل عليه، قال علي (عليه السلام): فانكببت عليه فقال: يا أخي افهم فهمك الله وسددك وأرشدك ووفقك وأعانك وغفر ذنبك ورفع ذكرك، اعلم يا أخي إن القوم سيشغلهم عني ما يشغلهم، فانما مثلك (5) في الامة مثل الكعبة، نصبها الله للناس علما، وإنما تؤتى من كل فج عميق، ونأي سحيق ولا تأتي، وإنما أنت علم الهدى، ونور الدين، وهو نور الله يا أخي، والذي بعثني بالحق لقد قدمت إليهم بالوعيد بعد أن أخبرتهم رجلا رجلا ما افترض الله عليهم من حقك، وألزمهم من طاعتك، وكل أجاب وسلم إليك الامر (6)، وإني لاعلم خلاف قولهم، فإذا قبضت وفرغت من جميع ما اوصيك (7) به وغيبتني في


(1) يقال: تمعز وجهه أي تقبض. وفى المصدر والخصائص: ولا اصفر أي ولا اهلك. (2) في المصدر: مشمرا. (3) في الخصائص: ثم اغمى عليه (صلى الله عليه وآله) فانكببت على صدره ووجهه. (4) في الخصائص: وابنيك. (5) في المصدر والخصائص: سيشغلهم عنى ما يريدون من عرض الدنيا وهم على واردون فلا يشغلك عنى ما شغلهم، فانما مثلك. (6) في الخصائص: فكل اجاب اليك وسلم الامر لك وانى لا عرف. (7) في المصدر والخصائص: ما وصيتك به.

[484]

قبري فالزم بيتك، واجمع القرآن على تأليفه، والفرائض والاحكام على تنزيله ثم امض على غير لائمة على ما أمرتك (1) به، وعليك بالصبر على ما ينزل به وبها حتى تقدموا علي (2). 31 - وبالاسناد المتقدم عن عيسى الضرير، عن الكاظم (عليه السلام) قال: قلت لابي: فما كان بعد خروج الملائكة عن رسول الله (3) (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: فقال: ثم دعا (4) عليا وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وقال لمن في بيته: اخرجوا عني، وقال لام سلمة: كوني على الباب (5) فلا يقربه أحد، ففعلت، ثم قال: يا علي ادن مني فدنا منه فأخذ بيد فاطمة فوضعها على صدره طويلا، وأخذ بيد علي بيده الاخرى فلما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلام غلبته عبرته، فلم يقدر على الكلام، فبكت فاطمة بكاء شديدا وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) لبكآء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت فاطمة: يا رسول الله قد قطعت قلبي، وأحرقت كبدي لبكائك يا سيد النبيين من الاولين والآخرين، ويا أمين ربه ورسوله ويا حبيبه ونبيه، من لولدي بعدك ؟ ولذل ينزل بي بعدك (6) من لعلي أخيك، وناصر الدين ؟ من لوحي الله وأمره ؟ ثم بكت وأكبت على وجهه فقبلته، وأكب عليه علي والحسن والحسين صلوات الله عليهم فرفع رأسه (صلى الله عليه وآله) إليهم ويدها في يده فوضعها في يد علي وقال له: يا أبا الحسن هذه وديعة الله ووديعة رسوله محمد عندك فاحفظ الله واحفظني فيها، وإنك لفاعله (7) يا علي هذه والله سيدة نساء أهل الجنة من الاولين والآخرين، هذه والله مريم الكبرى أما والله ما بلغت نفسي هذا الموضع حتى سألت الله لها ولكم، فأعطاني ما سألته يا علي


(1) في المصدر والخصائص: ثم امض ذلك على عزائمه وعلى ما امرتك به. (2) الطرف: 25 - 27 وفى الخصائص: وعليك بالصبر على ما ينزل بك منهم حتى تقدم لى. (3) في المصدر: من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله). (4) في المصدر: فقال: لما كان اليوم الذى ثقل فيه وجع النبي (صلى الله عليه وآله) و حف عليه الموت دعا. (5) في المصدر: تكوني ممن على الباب. (6) في المصدر: ولذل اهل بيتك. (7) في المصدر: وانك لفاعل هذا. (*)

[485]

انفذ لما أمرتك به فاطمة فقد أمرتها بأشياء أمر بها جبرئيل (عليه السلام)، واعلم يا علي إني راض عمن رضيت عنه ابنتي فاطمة، وكذلك ربي وملائكته، يا علي ويل لمن ظلمها وويل لمن ابتزها حقها، وويل لمن هتك حرمتها، وويل لمن أحرق بابها، وويل لمن آذى خليلها (1)، وويل لمن شاقها وبارزها، اللهم إني منهم برئ، وهم مني برآء، ثم سماهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضم فاطمة إليه وعليا والحسن والحسين (عليهم السلام) وقال: اللهم إني لهم ولمن شايعهم سلم، وزعيم بأنهم يدخلون الجنة، وعدو وحرب لمن عاداهم وظلمهم وتقدمهم أو تأخر عنهم وعن شيعتهم، زعيم بأنهم يدخلون النار، ثم والله يا فاطمة لا أرضى حتى ترضى، ثم لا والله لا أرض حتى ترضى، ثم لا والله لا أرضى حتى ترضى. قال عيسى: فسألت موسى (عليه السلام) وقلت: إن الناس قد أكثروا في أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ثم عمر، فأطرق عني طويلا ثم قال: ليس كما ذكروا، ولكنك يا عيسى كثير البحث عن الامور، ولا ترضى عنها إلا بكشفها، فقلت: بأبي أنت وامي إنما أسال عما أنتفع به في ديني وأتفقه مخافة أن أضل، وأنا لا أدري، ولكن متى أجد مثلك يكشفها (2) لي، فقال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) لما ثقل في مرضه دعا عليا فوضع رأسه في حجره، واغمي عليه وحضرت الصلاة فاؤذن بها، فخرجت عائشة فقالت: يا عمر اخرج فصل بالناس فقال: ابوك أولى بها، فقالت: صدقت، ولكنه رجل لين، وأكره أن يواثبه القوم فصل أنت، فقال لها عمر: بل يصلي هو وأنا أكفيه إن وثب واثب أو تحرك متحرك، مع أن محمدا (صلى الله عليه وآله) مغمى عليه لا أراه يفيق منها، والرجل مشغول به لا يقدر أن يفارقه، يريد عليا (عليه السلام) فبادره (3) بالصلاة قبل أن يفيق، فإنه إن أفاق


(1) في المصدر: حليلها. (2) في الخصائص: من أسأل عما انتفع به في دينى ويهتدى به في نفس مخافة ان اضل غيرك ؟ وهل اجد احدا يكشف لى المشكلات مثلك ؟. (3) في المصدر: فبادر.

[486]

خفت أن يأمر عليا بالصلاة، فقد سمعت مناجاته منذ الليلة، وفي آخر كلامه: الصلاة الصلاة (1) قال: فخرج أبو بكر ليصلي بالناس فأنكر القوم ذلك، ثم ظنوا أنه بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يكبر حتى أفاق (صلى الله عليه وآله) وقال: ادعوا لي العباس، فدعي فحمله هو وعلي، فأخرجاه حتى صلى بالناس، وإنه لقاعد، ثم حمل فوضع على منبره، فلم يجلس بعد ذلك على المنبر، واجتمع له جميع أهل المدينة من المهاجرين والانصار حتى برزت العواتق من خدورهن، فبين باك وصائح وصارخ ومسترجع والنبي (صلى الله عليه وآله) يخطب ساعة، ويسكت ساعة، وكان مما ذكر في خطبته أن قال: يا معشر المهاجرين والانصار ومن حضرني في يومي هذا وفي ساعتي هذه من الجن والانس فليبلغ شاهدكم الغائب (2)، ألا قد خلفت فيكم كتاب الله، فيه النور والهدى والبيان، ما فرط الله فيه من شئ، حجة الله لي عليكم (3)، وخلفت فيكم العلم الاكبر علم الدين ونور الهدى وصيي علي بن أبي طالب، ألا هو حبل الله فاعتصموا به جميعا ولا تفرقوا عنه، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، أيها الناس هذا علي بن أبي - طالب كنز الله اليوم وما بعد اليوم، من أحبه وتولاه اليوم (4) وما بعد اليوم فقد أوفى بما عاهد عليه الله، وأدى ما وجب عليه (5)، ومن عاداه (6) اليوم وما بعد اليوم جاء يوم القيامة أعمى وأصم، لا حجة له عند الله، أيها الناس لا تأتوني غدا بالدنيا تزفونها زفا، ويأتي أهل بيتي شعثا غبرا مقهورين مظلومين، تسيل دماؤهم


(1) في المصدر: [يقول: الصلاة الصلاة] وفى الخصائص: منذ الليلة يقول لعلى (عليه السلام): الصلاة الصلاة. (2) في المصدر والخصائص: غائبكم. (3) في الخصائص: والبيان لما فرض الله تعالى من شئ، حجة الله عليكم وحجتي و حجة وليى (4) في المصدر والخصائص: ايها الناس هذا على [بن ابى طالب] من احبه وتولاه اليوم (5) المصدر والخصائص خاليان عن قوله: وادى ما وجب عليه. (6) في المصدر والخصائص: عاداه وابغضه.

[487]

أمامكم (1) وبيعات الضلالة (2) والشورى للجهالة، ألا وإن هذا الامر له أصحاب وآيات قد سماهم الله في كتابه، وعرفتكم وبلغتكم ما ارسلت به إليكم ولكني أراكم قوما تجهلون، لا ترجعن بعدي كفارا مرتدين متأولين للكتاب على غير معرفة، وتبتدعون السنة بالهوى (3)، لان كل سنة وحدث وكلام خالف القرآن فهو رد وباطل (4) القرآن إمام هدى، وله قائد يهدي إليه (5) ويدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة ولي الامر بعدي وليه (6)، ووراث علمي وحكمتي وسري وعلانيتي، وما ورثه النبيون من قبلي، وأنا وارث ومورث فلا تكذبنكم أنفسكم، أيها الناس الله الله في أهل بيتي، فانهم أركان الدين، ومصابيح الظلم، ومعدن العلم، علي أخي ووارثي، ووزيري وأميني، والقائم بأمري والموفي بعهدي على سنتي (7)، أول الناس بي إيمانا، وآخرهم عهدا عند الموت، وأوسطهم (8) لي لقاء يوم القيامة، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ألا ومن أم قوما إمامة عميآء وفي الامة من هو أعلم منه فقد كفر، أيها الناس ومن كانت له قبلي تبعة فها أنا، ومن كانت له عدة (9) فليأت فيها علي بن أبي طالب، فإنه ضامن لذلك كله حتى لا يبقى لاحد علي تباعة (10). 32 - وبالاسناد المتقدم إلى عيسى الضرير عن الكاظم عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) في وصيته لعلي (عليه السلام) والناس حضور حوله: أما والله يا علي ليرجعن


(1) في المصدر والخصائص: اياكم. (2) في الخصائص: واتباع الضلالة. (3) في الخصائص: بالاهواء. (4) في الخصائص: فهو زور وباطل. (5) في الخصائص: امام هاد وله قائد يهدى به. (6) في الخصائص: وهو على بن ابى طالب (عليه السلام) وهو ولى الامر من بعدى. (7) في الخصائص: على اخى ووزيرى واميني والقائم من بعدى بامر الله والموفى بذمتي ومحيى سنتى وهو اول. (8) في المصدر والخصائص: واولهم. (9) في الخصائص: عدة أو دين. (10) الطرف: 29 - 34 وفى الخصائص: تبعة.

[488]

أكثر هؤلاء كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض، وما بينك وبين أن ترى ذلك إلا أن يغيب عنك شخصي. وقال في مفتاح الوصية: يا علي من شاقك من نسائي وأصحابي فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله، وأنا منهم برئ، فابرأ منهم. فقال علي (عليه السلام): نعم (1) قد فعلت، فقال: اللهم فاشهد، يا علي إن القوم يأتمرون بعدي يظلمون ويبيتون على ذلك، ومن بيت على ذلك فأنا منهم برئ، وفيهم نزلت: " بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون " (2) 33 - وبهذا الاسناد عن الكاظم عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصيته لعلي (عليه السلام): يا علي إن فلانة وفلانة ستشاقانك ؟ وتبغضانك (3) بعدي وتخرج فلانة عليك في عساكر الحديد، وتخلف (4) الاخرى نجمع إليها الجموع هما في الامر سوآء، فما أنت صانع يا علي ؟ قال: يا رسول الله إن فعلتا ذلك تلوت عليهما كتاب الله، وهو الحجة فيما بيني وبينهما، فان قبلتا وإلا خبرتهما (5) بالسنة وما يجب عليهما من طاعتي وحقي المفروض عليهما، فإن قبتاه وإلا أشهدت الله وأشهدتك عليهما، ورأيت قتالهما على ضلالتهما، قال: وتعقر الجمل وإن وقع في النار ؟ قلت: نعم (6)، قال اللهم اشهد، ثم قال: يا علي إذا فعلتا ما شهد عليهما القرآن فأبنهما (7) مني، فإنهما بائنتان، وأبواهما شريكان لهما فيما عملتا وفعلتا. قال: وكان في وصيته (صلى الله عليه وآله): يا علي اصبر على ظلم الظالمين، فإن الكفر (8)


(1) في المصدر: فقال على: فقلت: نعم، فقال (2) الطرف: 34 و 35 والاية في النساء: 81. (3) في المصدر: وتعصيانك. (4) في المصدر: وتتخلف. (5) في المصدر: والا اخبرتهما. (6) في المصدر: قال: وعقر الجمل ؟ قال: قلت: وعقر الجمل، قال: وان وقع ؟ قلت: وان وقع في النار. (7) أي طلقهما، ومعنى طلاقهما. (8) في المصدر: على ظلم المضلين ما لم تجد اعوانا فالكفر.

[489]

يقبل والردة والنفاق مع الاول منهم، ثم الثاني وهو شر منه وأظلم، ثم الثالث، ثم يجتمع لك شيعة تقابل بهم الناكثين والقاسطين والمتبعين المضلين وأقنت عليهم، هم الاحزاب وشيعتهم (1). 34 - وبالاسناد المتقدم عن الكاظم، عن أبيه صلوات الله عليهما قال: دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) قبل وفاته بقليل فأكب عليه، فقال: أي أخي إن جبرئيل أتاني من عند الله برسالة، وأمرني أن أبعثك بها إلى الناس، فاخرج إليهم وعلمهم وأدبهم من الله (2)، وقل من الله ومن رسوله: أيها الناس يقول لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن جبرئيل أتاني من عند الله برسالة، وأمرني أن أبعث بها إليكم مع أميني علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ألا من ادعى إلى غير أبيه فقد برئ الله منه ألا من توالى إلى غير مواليه فقد برئ الله منه، ومن تقدم على إمامه أو قدم إماما غير مفترض الطاعة ووالى بائرا جائرا عن الامام فقد ضاد الله في ملكه والله منه برئ إلى يوم القيامة، ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، ألا هل بلغت ؟ ثلاثا ومن منع أجيرا اجرته وهو من عرفتم فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم (3) القيامة. 35 - قال السيد ابن طاووس رضي الله عنه: روى محمد بن جرير الطبري عن يوسف بن علي البلخي، عن أبي سعيد الادمي، عن عبد الكريم بن هلال، عن الحسين بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده (عليهما السلام) ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أخرج فانادي في الناس: ألا من ظلم أجيرا أجره فعليه لعنة الله، ألا من توالى غيره مواليه فعليه لعنة الله، ألا ومن سب أبويه فعليه لعنة الله، قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): فخرجت فناديت في الناس كما أمرني النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال لي عمر بن الخطاب: هل لما ناديت به من تفسير ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: فقام عمر وجماعة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فدخلوا عليه، فقال عمر: يا رسول الله هل لما نادى علي من تفسير ؟ قال: نعم أمرته


(1) الطرف: 36. (2) في المصدر: وناد فيهم من الله. (3) الطرف: 36 و 37.

[490]

أن ينادي: ألا من ظلم أجيرا أجره لعنة الله، والله يقول: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (1) " فمن ظلمنا فعليه لعنة الله، وأمرته أن ينادي: من توالى غير مواليه فعليه لعنة الله، والله يقول: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم (2) " ومن كنت مولاه فعلي مولاه، فمن توالى غير علي (3) فعليه لعنة الله، وأمرته أن ينادي: من سب أبويه فعليه لعنة الله، وأنا اشهد الله واشهدكم أني وعليا أبوا المؤمنين، فمن سب أحدنا فعليه لعنة الله، فلما خرجوا قال عمر: يا أصحاب محمد ما آكد النبي لعلي في الولاية في غدير خم ولا في غيره أشد من تأكيده في يومنا هذا. قال خباب بن الارت: كان هذا الحديث قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بتسعة عشر يوما (4). 36 - وبالاسناد المقدم، عن موسى بن جعفر عن أبيه (عليهم السلام) قال: لما كانت الليلة التي قبض النبي (صلى الله عليه وآله) في صبيحتها دعا عليا وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وأغلق عليه وعليهم الباب وقال: يا فاطمة، وأدناها منه، فناجاها من الليل طويلا، فلما طال ذلك خرج علي ومعه الحسن والحسين وأقاموا بالباب والناس خلف الباب، ونساء النبي (صلى الله عليه وآله) ينظرن إلى علي (عليه السلام) ومعه ابناه، فقالت عائشة: لامر ما أخرجك منه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخلا بابنته دونك في هذه الساعة، فقال لها علي (عليه السلام): قد عرفت الذي خلابها وأرادها له، وهو بعض ما كنت فيه وأبوك وصاحباه مما قد سماه: فوجمت أن ترد عليه كلمة، قال علي (عليه السلام): فما لبث أن نادتني فاطمة (عليها السلام) فدخلت على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يجود بنفسه، فبكيت ولم أملك نفسي حين رأيته بتلك الحال يجود بنفسه، فقال لي: ما يبكيك يا علي ؟ ليس هذا أو ان البكاء، فقد حان الفراق بيني وبينك، فأستودعك الله يا أخي، فقد اختار لي ربي ما عنده، وإنما بكائي وغمي (5) وحزني عليك وعلى هذه أن تضيع بعدي


(1) الشورى: 23. (2) الاحزاب: 6. (3) في المصدر: غير على وذريته. (4) الطرف: 37 و 38. (5) في المصدر: وخوفي.

[491]

فقد أجمع القوم على ظلمكم، وقد أستودعكم الله، وقبلكم مني وديعة يا علي، إني قد أوصيت فاطمة ابنتي بأشياء وأمرتها أن تلقيها إليك، فأنقذها، فهي الصادقة الصدوقة، ثم ضمها إليه وقبل رأسها، وقال: فداك أبوك يا فاطمة، فعلا صوتها بالبكاء، ثم ضمها إليه وقال: أما والله لينتقمن الله ربي، وليغضبن لغضبك فالويل ثم الويل ثم الويل للظالمين، ثم بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال علي (عليه السلام): فوالله لقد حسبت (1) بضعة مني قد ذهبت لبكائه حتى هملت عيناه مثل المطر، حتى بلت دموعه لحيته وملاءة كانت عليه، وهو يلتزم فاطمة لا يفارقها (2) ورأسه على صدري، وأنا مسنده، والحسن والحسين يقبلان قدميه ويبكيان بأعلا أصواتهما قال علي (عليه السلام): فلو قلت: إن جبرئيل في البيت لصدقت، لاني كنت أسمع بكاء ونغمة لا أعرفها، وكنت أعلم أنها أصوات الملائكة لا أشك فيها، لان جبرئيل لم يكن في مثل تلك الليلة يفارق النبي (صلى الله عليه وآله)، ولقد رأيت بكاء منها (3) أحسب أن السماوات والارضين قد بكت لها، ثم قال لها: يا بنية، الله خليفتي عليكم، و هو خير خليفة، والذي بعثني بالحق لقد بكى لبكائك عرش الله وما حوله من الملائكة والسماوات والارضون وما فيهما، يا فاطمة والذي بعثني بالحق (4) لقد حرمت الجنة على الخلائق حتى أدخلها، وإنك لاول خلق الله، يدخلها بعدي كاسية حالية ناعمة، يا فاطمة هنيئا لك، والذي بعثني بالحق إنك لسيدة من يدخلها من النساء، والذي بعثني بالحق إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا صعق، فينادي إليها أن: يا جهنم ! يقول لك الجبار: اسكني بعزي، واستقري (5) حتى تجوز فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) إلى الجنان، لا يغشاها قتر ولا ذلة، والذي بعثني بالحق ليدخلن حسن وحسين: حسن عن يمينك، و


(1) في المصدر: لقد حسست. (2) ما نفارقها خ ل. (3) أي من فاطمة (عليها سلام) الله. (4) في المصدر: والذى بعثنى بالحق نبيا. (5) في المصدر: اليك ان يا جهنم يقول لك الجبار: اسكتي واستقرى بعزتي.

[492]

حسين عن يسارك، ولتشرفن من أعلى الجنان بين يدي الله (1) في المقام الشريف ولواء الحمد مع علي بن أبي طالب (2) (عليه السلام) يكسى إذا كسيت، ويحبى إذا حبيت (3) والذي بعثني بالحق لاقومن بخصومة (4) أعدائك، وليندمن قوم أخذوا (5) حقك، وقطعوا مودتك، وكذبوا علي، وليختلجن (6) دوني فأقول: امتي امتي فيقال: إنهم بدلوا بعدك، وصاروا إلى السعير (7). 37 - وبالاسناد المقدم عن موسى بن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال علي ابن أبي طالب (عليه السلام): كان في الوصية أن يدفع إلي الحنوط، فدعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل وفاته بقليل فقال: يا علي ويا فاطمة هذا حنوطي من الجنة دفعه إلي جبرئيل، وهو يقرئكما السلام ويقول لكما: اقسماه واعز لا منه لي و لكما، قالت: لك ثلثه، وليكن الناظر في الباقي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضمها إليه. وقال: موفقة رشيدة مهدية ملهمة، يا علي قل في الباقي، قال: نصف ما بقي لها، ونصف لمن ترى يا رسول الله، قال: هو لك فاقبضه (8). 38 - وبالاسناد المتقدم عنه عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أضمنت ديني تقضيه عني ؟ قال: نعم، قال: اللهم فاشهد، ثم قال: يا علي تغسلني (9) ولا يغسلني غيرك فيعمى بصره، قال علي (عليه السلام): ولم يا رسول الله ؟ قال: كذلك قال جبرئيل (عليه السلام) عن ربي، إنه لا يرى عورتي غيرك إلا عمي بصره قال علي: فكيف أقوى عليك وحدي ؟ قال: يعينك جبرئيل وميكائيل وإسرافيل


(1) في المصدر: فينظرن اليك بين يدى الله. (2) في المصدر: مع على بن ابى طالب امامى. (3) في المصدر: ويحلى إذا حليت. (4) في المصدر: بالخصومة. (5) في المصدر: ابتزوا. (6) قال الجررى في النهاية: اصل الخلج الجذب والنزع، ومنه الحديث: [ليردن على الحوض اقوام ثم ليختلجن دوني] أي يجتذبون ويقتطعون. (7) الطرف: 38 - 41. (8) الطرف: 41 و 42. (9) في المصدر: غسلني.

[493]

وملك الموت وإسماعيل صاحب السماء الدنيا، قلت: فمن يناولني الماء ؟ قال: الفضل بن العباس من غير أن ينظر إلى شئ مني، فإنه لا يحل له ولا لغيره من الرجال والنساء النظر إلى عورتي، وهي حرام عليهم، فإذا فرغت من غسلي فضعني على لوح، وافرغ علي من بئري بئر غرس أربعين دلوا مفتحة الافواه - قال عيسى: أو قال: أربعين قربة، شككت أنا في ذلك - قال: ثم ضع يدك يا علي على صدري، وأحضر معك فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) من غير أن ينظروا إلى شئ من عورتي، ثم تفهم عند ذلك تفهم ما كان وما هو كائن إنشاء الله تعالى أقبلت يا علي ؟ قال: نعم، قال: اللهم فاشهد، قال: يا علي ما أنت صانع لو قد تأمر القوم عليك بعدي، وتقدموا عليك، وبعث إليك طاغيتهم يدعوك إلى البيعة ثم لببت بثوبك تقادكما يقاد الشارد من الابل مذموما (1) مخذولا محزونا مهموما وبعد ذلك ينزل بهذه الذل ؟ قال: فلما سمعت فاطمة ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) صرخت وبكت، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبكائها، وقال: يا بنية لا تبكين ولا تؤذين جلساءك من الملائكة، هذا جبرئيل بكى لبكائك، وميكائيل وصاحب سر الله إسرافيل، يا بنية لا تبكين فقد بكت السماوات والارض لبكائك، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله أنقاد للقوم، و أصبر على ما أصابني من غير بيعة لهم، ما لم اصب أعوانا لم اناجز القوم (2) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم اشهد، فقال: يا علي ما أنت صانع بالقرآن والعزائم و الفرائض ؟ فقال: يا رسول الله أجمعه، ثم آتيهم به، فإن قبلوه وإلا أشهدت الله عزوجل وأشهدتك عليه (3) قال: أشهد. قال: وكان فيما أوصى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدفن في بيته الذي قبض فيه ويكفن بثلاثة أثواب: أحدها يمان، ولا يدخل قبره غير علي (عليه السلام)، ثم قال:


(1) في المصدر: [مرمولا] أقول: رمل هرول في مشيه. ولم نجده متعديا. (2) في المصدر: ما لم اصب عليهم اعوانا لم اناظر القوم. (3) في المصدر: اشهدت الله عليهم واشهدتك عليهم.

[494]

يا علي كن أنت وابنتي فاطمة والحسن والحسين، وكبروا خمسا وسبعين تكبيرة وكبر خمسا، وانصرف، وذلك بعد أن يؤذن لك في الصلاة، قال علي (عليه السلام) بأبي أنت وامي من يؤذن غدا ؟ قال: جبرئيل (عليه السلام) يؤذنك، قال: ثم من جاء (1) من أهل بيتي يصلون علي فوجا فوجا، ثم نساؤهم، ثم الناس بعد ذلك (2). 39 - وبهذا الاسناد قال: قال علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله أمرتني ان اصيرك في بيتك إن حدث بك حدث ؟ قال: نعم يا علي بيتي قبري قال علي (عليه السلام): فقلت: بأبي وامي فحد لي أي النواحي اصيرك فيه، قال: إنك مسخر بالموضع وتراه، قالت له عايشة: يا رسول الله فأين أسكن ؟ قال: " اسكني (3) أنت بيتا من البيوت، إنما هي بيتي، ليس لك فيه من الحق إلا ما لغيرك، فقري في بيتك ولا تبرجي تبرج الجاهلية الاولى، ولا تقاتلي مولاك ووليك ظالمة شاقة، وإنك لفاعليه " فبلغ ذلك من قوله عمر، فقال لابنته حفصة: مري عايشة لا تفاتحه في ذكر علي ولا تراده، فإنه قد استهيم فيه في حياته وعند موته، إنما البيت بيتك لا ينازعك فيه أحد، فإذا قضت المرأة عدتها من زوجها كانت أولى ببيتها تسلك إلى أي المسالك شاءت (4). 40 - وبالاسناد المتقدم عن الكاظم عن أبيه عن جده الباقر (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): بينما نحن عند النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يجود بنفسه وهو مسجى بثوب ملاة (5) خفيفة على وجهه، فمكث ما شاء الله أن يمكث، ونحن حوله بين باك و مسترجع، إذ تكلم وقال: ابيضت وجوه، واسودت وجوه وسعد أقوام، وشقي آخرون، أصحاب الكساء (6) الخمسة أنا سيدهم، ولا فخر، عترتي أهل بيتي


(1) في المصدر: ومن يأذن لى بها ؟ قال: جبرئيل، قال: ثم من جاءك (2) الطرف: 42 و 43 و 45. (3) في المصدر: فاين اسكن انا ؟ قال: تسكنين. (4) الطرف: 46. (5) في المصدر: وملاءة (6) في المصدر: سعد اصحاب الكساء الخمسة.

[495]

السابقون المقربون (1)، يسعد من اتبعهم وشايعهم على ديني ودين آبائي، انجزت موعدك (2) يا رب إلى يوم القيامة في أهل بيتي، اسودت وجوه أقوام وردوا ظماء مطمئين إلى نار جهنم، مزقوا (3) الثقل الاول الاعظم، وأخروا الثقل الاصغر حسابهم على الله كل امرئ بما كسب رهين، وثالث ورابع غلقت الرهون، واسودت الوجوه، أصحاب الاموال، هلكت الاحزاب، قادة الامة بعضها إلى بعض في النار (4) كتاب دارس، وباب مهجور، وحكم بغير علم، مبغض علي وآل علي في النار و محب علي وآل علي في الجنة: ثم سكت (5). انتهى ما أخرجناه من كتاب الطرف مما أخرجه من كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد، وكتاب خصائص الائمة للسيد الرضي رضي الله عنه، وأكثرها مروي في كتاب الصراط المستقيم للشيخ زين الدين البياضي، وعيسى وكتابه مذكوران في كتب الرجال، ولي إليه أسانيد جمة، وبعد اعتبار الكليني رحمه الله الكتاب و اعتماد السيدين عليه لا عبرة بتضعيف بعضهم، مع أن ألفاظ الروايات ومضامينها شاهدة على صحتها. 41 - كا: العدة عن أحمد بن محمد، عن عبد الرحمن بن حماد وغيره، عن حنان ابن سدير الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: نعيت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه وهو صحيح ليس به وجع، قال: نزل به الروح الامين، فنادى (عليه السلام): الصلاة جامعة وأمر المهاجرين والانصار بالسلاح فاجتمع الناس فصعد النبي فنعى إليهم نفسه ثم قال: اذكر الله الوالي من بعدي على امتي ألا يرحم على جماعة المسلمين، فأجل كبيرهم ورحم ضعيفهم، ووقر عالمهم، ولم يضربهم فيذلهم، ولم يفقرهم فيكفرهم، ولم يغلق بابه دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم، ولم يخبرهم (6) في بعوثهم فيقطع نسل امتي، ثم


(1) في المصدر: اولئك المقربون. (2) مواعيدك خ ل. (3) مزق خ ل. (4) في المصدر: فادة الامة بعضها بعضا إلى النار. (5) الطرف: 47. (6) ولم يجنزهم خ ل.

[496]

قال: قد بلغت ونصحت فاشهدوا، قال أبو عبد الله (عليه السلام): هذا آخر كلام تكلم به رسول الله (صلى الله عليه وآله) على منبره (1). بيان: قوله (صلى الله عليه وآله) ألا يرحم، يحتمل أن يكون ألا حرف تحضيض، ويحتمل أيضا أن تكون " لا " زائدة، كما في قوله تعالى: " أن لا تسجد (2) " أي اذكره في أن يرحم، وأن لا تكون زائدة، ويكون المعنى اذكره في عدم الرحم، ويحتمل على بعد أن يقرأ بكسر الهمزة، بأن تكون إن شرطية، أو بأن يكون إلا كلمة استثناء، أي اذكره في جميع الاحوال إلا في حال الرحم، كما في قولهم: أسألك لما فعلت. قوله: ولم يخبزهم، كذا في بعض النسخ، والخبز: السوق الشديد. والبعوث الجيوش، وفي بعضها بالجيم والنون من جنزه: إذا جمعه وستره، وفي قرب الاسناد: ولم يجمرهم في ثغورهم، وهو أظهر، قال الجزري: تجمير الجيش: جمعهم في الثغور وحبسهم عن العود إلى أهلهم. 42 - كا: محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن سليمان بن سماعة الخزاعي، عن علي بن إسماعيل، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: تدرون ما قوله: " ولا يعصينك في معروف " ؟ قلت: لا، قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لفاطمة (عليها السلام): إذا أنامت فلا تخمشي علي وجها ولا ترخي علي شعرا، ولا تنادي بالويل، ولا تقيمي علي نائحة، قال: ثم قال: هذا المعروف الذي قال الله عزوجل (3). 43 - فر: محمد بن القاسم بن عبيد معنعنا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: سمعت سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو يقول: لما أن مرض (4) النبي (صلى الله عليه وآله) المرضة التي قبضه الله فيها دخلت فجلست بين يديه، ودخلت عليه فاطمة الزهراء (عليهما السلام) فلما رأت ما به خنقتها العبرة حتى فاضت دموعها على خديها


(1) اصول الكافي 1: 406. (2) الاعراف: 11. (3) فروع الكافي 2: 66. والاية في سورة الممتحنة: 12. (4) في المصدر: لما مرض.

[497]

فلما أن رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما يبكيك يا بنية ؟ قالت: وكيف لا أبكي و أنا أرى ما بك من الضعف، فمن لنا بعدك يا رسول الله ؟ قال لها: لكم الله، فتوكلي عليه واصبري كما صبر آباؤك من الانبياء، وامهاتك من أزواجهم، يا فاطمة أو ما علمت أن الله تعالى اختار أباك فجعله نبيا، وبعثه رسولا، ثم عليا فزوجتك إياه وجعله وصيا، فهو أعظم الناس حقا على المسلمين بعد أبيك، وأقدمهم سلما وأعزهم خطرا وأجملهم خلقا، وأشدهم في الله وفي غضبا، وأشجعهم قلبا، وأثبتهم وأربطهم جاشا، وأسخاها كفا، ففرحت بذلك الزهراء (عليها السلام) فرحا شديدا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هل سررت (1) يا بنية ؟ قالت: نعم يا رسول الله، لقد سررتني وأحزنتني، قال: كذلك امور الدنيا يشوب سرورها بحزنها، قال، أفلا أزيدك في زوجك من مزيد الخير كله ؟ قالت: بلى يا رسول الله، قال: إن عليا أول من آمن بالله، وهو ابن عم رسول الله، وأخ الرسول، ووصي رسول الله، وزوج بنت رسول الله، وابناه سبطا رسول الله، وعمه سيد الشهداء عم رسول الله، وأخوه جعفر الطيار في الجنة ابن عم رسول الله، والمهدي الذي يصلي عيسى خلفه منك ومنه، فهذه يا بنية خصال لم يعطها أحد قبله، ولا أحد بعده، يا بنتي هل سررتك ؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال: أولا أزيدك مزيد (2) الخير كله ؟ قالت بلى، قال: إن الله تعالى خلق الخلق قسمين، فجعلني وزوجك في أخيرهما قسما، وذلك قوله عزوجل: " وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة " ثم جعل الاثنين ثلثا فجعلني وزوجك في أخيرها ثلثا وذلك قوله: " والسابقون السابقون اولئك المقربون * في جنات النعيم (3) ". 44 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم قال: إني لعند عبد الله بن عباس في بيته، وعنده رهط من الشيعة، فذكروا


(1) في المصدر: هل سررتك. (2) في المصدر: اولا ازيدك في زوجك مزيد الخير كله ؟. (3) تفسير فرات: 179. والاية في سورة الواقعة: 8. (*)

[498]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) وموته فبكى ابن عباس وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين - وهو اليوم الذي قبض فيه وحوله أهل بيته وثلاثون رجلا من أصحابه -: ايتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا (1) بعدي ولا تختلفوا بعدي، فقال رجل منهم: إن رسول الله يهجر، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إني لاراكم تختلفون وأنا حي، فكيف بعد موتي ؟ فترك الكتف، قال سليم: ثم أقبل علي ابن عباس فقال: يا سليم لولا ما قال ذلك الرجل لكتب لنا كتابا لا يضل أحد ولا يختلف، فقال رجل من القوم: ومن ذلك الرجل ؟ فقال: ليس إلى ذلك سبيل، فخلوت باابن عباس بعد ما قام القوم فقال: هو عمر، فقلت: قد صدقت، قد سمعت عليا (عليه السلام) وسلمان وأبا ذر والمقداد يقولون: إنه عمر، قال: يا سليم اكتم إلا ممن تثق به من إخوانك فإن قلوب هذه الامة اشربت حب هذين الرجلين، كما اشربت قلوب بني إسرائيل حب العجل والسامري (2). 45 - ومن الكتاب المذكور عن أبان، عن سليم قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: أسر إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم توفي وقد أسندته إلى صدري، ورأسه عند اذني، وقد أصغت المرأتان لتسمعا الكلام، فقال رسول الله: اللهم سد مسامعهما ثم قال: يا علي أرأيت قول الله تعالى: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية " ؟ أتدري من هم ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فانهم شيعتنا (3) وأنصارك، وموعدي وموعدهم الحوض يوم القيامة إذا جئت الامم على ركبها وبدا لله في عرض خلقه، فيدعوك (4) وشيعتك فتجيئوني غرا محجلين، شباعا مرويين يا علي " إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها اولئك هم شر البرية " فهم اليهود وبنو امية وشيعتهم، يبعثون يوم القيامة أشقياء جياعا عطاشا مسودا وجوههم (5).


(1) في المصدر: لن تضلوا. (2) كتاب سليم: 186. (3) في المصدر: شيعتك. (4) في المصدر: قد دعا الناس إلى ما لابد لهم منه فيدعوك. (5) كتاب السليم: 204 والاتيان في سورة البينة: 6 و 7.

[499]

46 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر بن محمد بن رباح الاشجعي عن عباد بن يعقوب الاسدي، عن إبراهيم بن محمد بن أبي الرواس الخثعمي، عن عدي بن زيد الهجري، عن أبي خالد الواسطي قال إبراهيم بن محمد: فلقيت أبا خالد عمرو بن خالد فحدثني عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه، فكان رأسه في حجري، والعباس يذب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأغمي عليه إغماء، ثم فتح عينيه فقال: يا عباس يا عم رسول الله، اقبل وصيتي، واضمن ديني وعداتي فقال العباس: يا رسول الله أنت أجود من الريح المرسلة، وليس في مالي وفآء لدينك وعداتك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك ثلاثا يعيده عليه، والعباس في كل ذلك يجيبه بما قال أول مرة، قال فقال النبي لاقولنها لمن يقبلها، ولا يقول يا عباس مثل مقالتك، فقال: يا علي اقبل وصيتي، واضمن ديني وعداتي، قال: فخنقتني العبرة، وارتج جسدي، ونظرت إلى رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) يذهب ويجئ في حجري، فقطرت دموعي على وجهه، ولم أقدر أن اجيبه، ثم ثنى فقال: يا علي اقبل وصيتي، واضمن ديني وعداتي، قال: قلت: نعم بأبي وامي، قال: اجلسني فأجلسته، فكان ظهره في صدري، فقال: يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة ووصيي وخليفتي في أهلى، ثم قال: يا بلال هلم سيفي ودرعي وبلغتي وسرجها ولجامها ومنطقتي التي أشدها على درعي، فجاء بلال بهذه الاشيآء فوقف بالبغلة بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا علي قم فاقبض، قال: فقمت، وقام العباس فجلس مكاني، فقمت فقبضت ذلك، فقال: انطلق به إلى منزلك، فانطلقت، ثم جئت فقمت بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قائما، فنظر إلي ثم عمد إلى خاتمه فنزعه ثم دفعه إلي، فقال: هاك يا علي هذا لك في الدنيا والآخرة، والبيت غاص من بني هاشم والمسلمين، فقال: يا بني هاشم يا معشر المسلمين لا تخالفوا عليا فتضلوا ولا تحسدوه فتكفروا يا عباس قم من مكان علي، فقال: تقيم الشيخ، وتجلس الغلام ؟ فأعادها عليه ثلاث مرات، فقام العباس فنهض مغضبا، وجلست مكاني

[500]

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عباس يا عم رسول الله لا أخرج من الدنيا وأنا ساخط عليك فيدخلك سخطي عليك النار، فرجع فجلس (1). كشف: عن علي (عليه السلام) مثله إلى قوله: فتكفروا، ثم قال: وعن ثمامة من حديث آخر في معناه فقال: يا بلال ايتني بولدي الحسن والحسين، فانطلق فجاء بهما، فأسندهما إلى صدره فجعل يشمهما، قال علي (عليه السلام): فظننت أنهما قد غماه أي أكرباه، فذهبت لاؤخرهما عنه، فقال: دعهما يشماني وأشمهما، ويتزودا مني وأتزود منهما، فسيلقيان من بعدي زلزالا، وأمرا عضالا، فلعن الله من يحيفهما (2)، اللهم إني أستودعكهما وصالح المؤمنين (3). بيان: الزلزال بالفتح: الشدة. ودآء عضال، وأمر عضال، أي شديد أعيى الاطباء. 47 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن سعيد بن زائدة، عن أبي الجارود، عن محمد بن علي (عليه السلام) وعن زيد علي كليهما عن أبيهما: علي بن الحسين عن أبيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: لما ثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه كان رأسه في حجري، والبيت مملو من أصحابه من المهاجرين والانصار، والعباس بين يديه يذب عنه بطرف ردائه، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغمي عليه ساعة، ويفيق ساعة، ثم وجد خفا فأقبل على العباس فقال: يا عباس يا عم النبي اقبل وصيتي في أهلي وفي أزواجي، واقض ديني، وانجز عداتي، وابرئ ذمتي، فقال العباس: يا نبي الله أنا شيخ ذو عيال كثير، غير ذي مال ممدود، وأنت أجود من السحاب الهاطل، والريح المرسلة، فلو صرفت ذلك عني إلى من هو أطوق له مني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما إني سأعطيها من يأخذها بحقها، ومن لا يقول مثل ما تقول


(1) امالي الشيخ: 16 و 17. (2) يخيفهما خ ل. (3) كشف الغمة: 123.

[501]

يا علي هاكها خالصة لا يحاقك أحد (1)، يا علي اقبل وصيتي، وأنجز مواعيدي وأد ديني، يا علي اخلفني في أهلي، وبلغ عني من بعدي، قال علي (عليه السلام): لما نعى إلي نفسه رجف فؤادي، والقي علي لقوله البكاء، فلم أقدر أن اجيبه بشئ، ثم عاد لقوله، فقال: يا علي أو تقبل وصيتي ؟ قال: فقلت وقد خنقتني العبرة ولم أكد أن أبين: نعم يا رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله): يا بلال ايتني بسوادي، اتيني بذي الفقار، ودرعي ذات الفضول، ايتني بمغفري ذي الجبين ورايتي العقاب، ايتني بالعنزة والممشوق، فأتى بلال بذلك كله إلا درعه كانت يومئذ مرتهنة، ثم قال: ايتني بالمرتجز والعضباء، ايتني باليعفور والدلدل فأتى بها، فوقفها بالباب، ثم قال: ايتني بالاتحمية والسحاب، فأتى بهما فلم يزل يدعو بشئ بشئ، فافتقد عصابة كان يشد بها بطنه في الحرب، فطلبها فأتى بها والبيت غاص يومئذ بمن فيه من المهاجرين والانصار، ثم قال: يا علي قم فاقبض هذا ومد أصبعه، وقال: في حياة مني، وشهادة من في البيت، لكيلا ينازعك أحد من بعدي، فقمت وما أكاد أمشي على قدم حتى استودعت ذلك جميعا منزلي، فقال: يا علي أجلسني، فأجلسته وأسندته إلى صدري، قال علي (عليه السلام): فلقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن رأسه ليثقل ضعفا، وهو يقول يسمع أقصى أهل البيت وأدناهم: إن أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي علي بن أبي طالب يقضي ديني، وينجز موعدي، يا بني هاشم يا بني عبد المطلب لا تبغضوا عليا، ولا تخالفوا عن أمره فتضلوا، ولا تحسدوه وترغبوا عنه فتكفروا، أضجعني يا علي فأضجعته فقال: يا بلال ايتني بولدي الحسن والحسين، فانطلق فجاء بهما فأسندهما إلى صدره، فجعل يشمهما، قال علي (عليه السلام): فظننت أنهما قد غماه قال أبو الجارود: يعني أكرباه، فذهبت لآخذهما عنه فقال: دعهما يا علي يشماني وأشمهما، ويتزودا مني وأتزود منهما، فسيلقيان من بعدي زلزالا، وأمرا عضالا، فلعن الله من يخيفهما، اللهم إني أستودعكهما وصالح المؤمنين (2).


(1) في المصدر: لا يحاقك فيها احد. (2) امالي الشيخ: 29 و 30.

[502]

بيان: قوله: بسوادي، كذا في النسخة التي عندنا، ولعل المعنى بأمتعتي وأشيائي، قال الجوهري، سواد الامير: نقله، ولفلان سواد أي مال كثير، انتهى والاتحمية: ضرب من البرود. 48 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن محمد بن فيروز بن غياث الجلاب بباب الابواب، عن محمد بن الفضل بن مختار البابي، عن أبيه، عن الحكم بن ظهير، عن الثمالي، عن القاسم بن عوف، عن أبي الطفيل، عن سلمان الفارسي رحمه الله قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه، فجلست بين يديه وسألته عما يجد وقمت لاخرج فقال لي: اجلس يا سلمان فسيشهدك الله عزوجل أمرا، إنه لمن خير الامور، فجلست فبينا أنا كذلك إذ دخل رجال من أهل بيته ورجال من أصحابه، ودخلت فاطمة ابنته فيمن دخل، فلما رأت ما برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الضعف خنقتها العبرة حتى فاض دمعها على خدها فأبصر ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ما يبكيك يا بنية، أقر الله عينك ولا أبكاها، قالت: وكيف لا أبكي وأنا أرى ما بك من الضعف ؟ قال لها: يا فاطمة توكلي على الله واصبري كما صبر آباؤك من الانبياء، وامهاتك أزواجهم، ألا ابشرك يا فاطمة ؟ قالت: بلى يا بني الله، أو قالت: يا أبت، قال أما علمت أن الله تعالى اختار أباك فجعله نبيا، وبعثه إلى كافة الخلق رسولا، ثم اختار عليا فأمرني فزوجتك إياه واتخذته بأمر ربي وزيرا ووصيا، يا فاطمة إن عليا أعظم المسلمين على المسلمين بعدي حقا، وأقدمهم سلما، وأعلمهم علما، وأحلمهم حلما، وأثبتهم في الميزان قدرا، فاستبشرت فاطمة (عليها السلام)، فأقبل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: هل سررتك يا فاطمة ؟ قالت: نعم يا أبت، قال: أفلا أزيدك في بعلك وابن عمك من مزيد الخير وفواضله ؟ قالت: بلى يا نبي الله، قال: إن عليا أول من آمن بالله عزوجل ورسوله من هذه الامة، هو وخديجة امك، وأول من وازرني على ما جئت به يا فاطمة إن عليا أخي وصفيي وأبو ولدي، إن عليا اعطي خصالا من الخير لم يعطها أحد قبلها، ولا يعطاها أحد بعده، فأحسني عزاك، واعلمي أن أباك لاحق

[503]

بالله عزوجل، قالت: يا ابت قد سررتني وأحزنتني، قال: كذلك يا بنية امور الدنيا يشوب سرورها حزنها، وصفوها كدرها، أفلا أزيدك يا بنية ؟ قالت: بلى يا رسول الله، قال: إن الله تعالى خلق الخلق فجعلهم قسمين، فجعلني وعليا في خيرهما قسما، وذلك قوله عزوجل: " أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (1) " ثم جعل القسمين قبائل فجعلنا في خيرها قبيلة، وذلك قوله عزوجل: " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " (2) ثم جعل القبائل بيوتا فجعلنا في خيرها بيتا في قوله سبحانه: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ثم (3) إن الله تعالى اختارني من أهل بيتي، واختار عليا والحسن والحسين، واختارك فأنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب، وأنت سيدة النساء والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ومن ذريتك المهدي يملا الله عزوجل به الارض عدلا كما ملئت بمن قبله جورا (4). { 2 باب } * (وفاته وغسله والصلاة عليه ودفنه (صلى الله عليه وآله) * 1 - كشف: من تاريخ أحمد بن أحمد الخشاب (5) عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ابن ثلاث وستين سنة في سنة عشر من الهجرة فكان مقامه بمكة أربعين سنة، ثم نزل عليه الوحي في تمام الاربعين، وكان بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر إلى المدينة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فأقام بالمدينة عشر سنين، وقبض (صلى الله عليه وآله) في شهر ربيع الاول يوم الاثنين لليلتين خلتا منه، وروي لثماني عشرة ليلة منه، رواه البغوي، وقيل: لعشر خلون منه، وقيل: لثمان بقين


(1) الواقعة: 27. (2) الحجرات: 13. (3) الاحزاب: 33. (4) امالي الشيخ: 32 و 33 فيه: ومن ذريتكما. (5) في المصدر: الشيخ الاديب ابى محمد عبد الله بن احمد بن احمد بن الخشاب.

[504]

منه، رواه ابن الجوزي والحافظ أبو محمد بن حرم (1)، وقيل: لثمان خلون من ربيع الاول (2). 2 - ص: بإسناده عن الصدوق، عن أحمد بن موسى الدقاق، عن أحمد بن جعفر بن نصر الجمال، عن عمر بن خلاد والحسين بن علي، عن أبي قتادة الحراني، عن جعفر بن نوقان عن ميمون بن مهران، عن زاذان عن ابن عباس قال: دخل أبو سفيان على النبي (صلى الله عليه وآله) يوما فقال: يا رسول الله اريد أن أسألك عن شئ، فقال (صلى الله عليه وآله): إن شئت أخبرتك قبل أن تسألني، قال: افعل، قال: أردت أن تسأل عن مبلغ عمري، فقال: نعم يا رسول الله، فقال: إني أعيش ثلاثا وستين سنة، فقال أشهد أنك صادق، فقال (عليه السلام): بلسانك دون قلبك (3). الخبر. 3 - ع: أبي وابن الوليد معا عن محمد العطار، عن الاشعري، عن ابن هاشم عن ابن سنان رفعه قال: السنة في الحنوط ثلاثة عشر درهما وثلث (4)، قال محمد بن ابن أحمد: ورووا أن جبرئيل (عليه السلام) نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحنوط، وكان وزنه أربعين درهما، فقسمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة أجزاء: جزء له، وجزء لعلي، و جزء لفاطمة صلوات الله عليهم (5). كا: علي، عن أبيه رفعه قال: السنة في الحنوط ثلاثة عشر درهما وثلث وقال: وإن جبرئيل (6)، إلى آخر الخبر. 4 - لى: الطالقاني: عن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن سعيد بن بشير، عن ابن كاسب، عن عبد الله بن ميمون المكي قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين (عليهم السلام) انه دخل عليه رجلان من قريش فقال: ألا احدثكما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقالا: بلى حدثنا عن أبي القاسم قال: سمعت أبي (عليه السلام) يقول: لما كان قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بثلاثة أيام هبط عليه


(1) في المصدر: والحافظ ابو محمد بن حشرم. (2) كشف الغمة: 6. (3) قصص الانبياء: مخطوط. لم نظفر بنسخته (4) في المصدر: وثلث اكثره. (5) علل الشرائع: 109. (6) فروع الكافي 1: 42.

[505]

جبرئيل فقال: يا أحمد إن الله أرسلني إليك إكراما وتفضيلا لك وخاصة يسألك عما هو أعلم به منك يقول: كيف تجدك يا محمد ؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله): أجدني يا جبرئيل مغموما وأجدني يا جبرئيل مكروبا، فلما كان اليوم الثالث هبط جبرئيل وملك الموت ومعهما ملك يقال له: اسماعيل في الهواء على سبعين ألف ملك فسبقهم جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا أحمد إن الله عزوجل أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا لك وخاصة يسألك عما هو أعلم به منك، فقال: كيف تجدك يا محمد ؟ قال: أجدني يا جبرئيل مغموما، وأجدني يا جبرئيل مكروبا، فاستأذن ملك الموت فقال جبرئيل: يا أحمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، لم يستأذن على أحد قبلك ولا يستأذن على أحد بعدك، قال: ائذن له، فأذن له جبرئيل (عليهما السلام)، فأقبل حتى وقف بين يديه فقال: يا أحمد إن الله أرسلني إليك، و أمرني أن اطيعك فيما تأمرني إن أمرتني بقبض نفسك قبضتها، وإن كرهت تركتها فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أتفعل ذلك يا ملك الموت ؟ قال نعم بذلك امرت أن اطيعك فيما تأمرني، فقال له جبرئيل: يا أحمد إن الله تبارك وتعالى قد اشتاق إلى لقائك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ملك الموت امض لما أمرت به، فقال جبرئيل (عليه السلام): هذا آخر وطئي الارض، إنما كنت حاجتي من الدنيا، فلما توفي رسول الله صلى الله على روحه الطيب وعلى آله الطاهرين جاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم ورحمة الله، (1) كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون اجوركم يوم القيامة، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله (2)، قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): هل تدرون من هذا ؟ هذا الخضر (عليه السلام) (3). بيان: قوله (عليه السلام): هذا آخر وطئي الارض، لعل المراد آخر نزولي لتبليغ الرسالة، فلا ينافي في الاخبار الدالة على نزوله (عليه السلام) بعد ذلك، ويمكن أن يكون بعد ذلك لم يطأ الارض، بل وقف في الهواء، أو مراده أني لا اريد بعد


(1 و 2) في المصدر: ورحمة الله وبركاته. (3) امالي الصدوق: 165 و 166.

[506]

ذلك نزولا إلا أن يشآء الله، قوله: إن في الله، أي في ذاته تعالى، فإنه تعالى أنفع للباقي من كل هالك، أو في إطاعة أمر الله، حيث أمر بالصبر، أو في التفكر في ثواب الله وما أعد للصابرين من عظيم الاجر. 5 - ب: أبوالبختري عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) إن قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) رفع من الارض قدر شبر واربع أصابع، ورش عليه الماء، قال علي (عليه السلام): والسنة أن يرش على القبر الماء (1). 6 - ج: في رواية سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي أنه قال: أتيت عليا (عليه السلام) وهو يغسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد كان أوصى أن لا يغسله غير علي (عليه السلام) وأخبر عنه أنه (2) لا يريد أن يقلب منه عضوا إلا قلب له، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله): من يعينني على غسلك يا رسول الله ؟ قال: جبرئيل فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا (عليهم السلام) فتقدم وصففنا خلفه وصلى عليه، وعائشة في الحجرة لا تعلم، قد أخذ جبرئيل ببصرها، ثم أدخل عشرة من المهاجرين، وعشرة من الانصار فيصلون ويخرجون حتى لم يبق أحد من المهاجرين والانصار إلى صلى عليه. الخبر (3). 7 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن بن شريك، عن أبيه، عن أبي إسحاق (4)، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو، عن أبيه قال: توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شهر ربيع الاول في اثني عشرة مضت من شهر ربيع الاول يوم الاثنين، ودفن ليلة الاربعاء (5). 8 - ما: ابن مخلد، عن محمد بن عبد الواحد، عن محمد بن عمار العبسي، عن أحمد بن طارق، عن علي بن هاشم، عن محمد بن عبيدالله، عن عون بن أبي رافع، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: دخلت على نبي الله وهو مريض، فإذا


(1) قرب الاسناد: 72 (2) في المصدر: واخبر انه. (3) الاحتجاج: 52. (4) في المصدر: عن ابن اسحاق عن عبيدالله. (5) امالي ابن الشيخ: 167.

[507]

رأسه في حجر رجل أحسن ما رأيت من الخلق، والنبي (صلى الله عليه وآله) نائم، فلما دخلت عليه قال الرجل: ادن إلى ابن عمك فأنت أحق به مني، فدنوت منهما، فقام الرجل و جلست مكانه، ووضعت رأس النبي (صلى الله عليه وآله) في حجري كما كان في حجر الرجل فمكثت ساعة، ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) استيقظ فقال: أين الرجل الذي كان رأسي في حجره ؟ فقلت: لما دخلت عليك دعاني إليك، ثم قال: ادن إلى ابن عمك فأنت أحق به مني، ثم قام فجلست مكانه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) فهل تدري من الرجل ؟ قلت: لا بأبي وامي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ذاك جبرئيل، كان يحدثني حتي خف عني وجعي، ونمت ورأسي في حجره (1). 9 - لى: الطالقاني، عن محمد بن حمدان الصيدلاني، عن محمد بن مسلم الواسطي، عن محمد بن هارون، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عبد الله زيد الجرمي، عن ابن عباس قال: لما مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أصحابه قام إليه عمار بن ياسر فقال له فداك أبي وامي يا رسول الله من يغسلك من أعضائي إلا أعانته الملائكة على ذلك، فقال له: فداك أبي وامي يا رسول الله فمن يصلي عليك منا إذا كان ذلك منك ؟ قال: مه رحمك الله، ثم قال لعلي: يا ابن أبي طالب إذا رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني، وانق غسلي وكفني في طمري هاذين، أو في بياض مصر، وبرديمان، ولا تغال في كفني، واحملوني حتى تضعوني على شفير قبري فأول من يصلي علي الجبار جل جلاله من فوق عرشه، ثم جبرئيل وميكائيل و إسرافيل في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله عزوجل، ثم الحافون بالعرش، ثم سكان أهل السماء فسماء، ثم جل أهل بيتي ونسائي الاقربون فالاقربون، يؤمون إيماء، ويسلمون تسليما، لا يؤذوني (2) بصوت نادية (3) ولامرنة ثم قال: يا بلال هلم علي بالناس، فاجتمع الناس فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله (متعصبا


(1) امالي ابن الشيخ: 245. (2) لا تؤذوني خ. (3) نائحة خ ل.

[508]

بعمامته متوكيا على قوسه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: معاشر أصحابي أي نبي كنت لكم ؟ ألم اجاهد بين أظهركم ؟ ألم تكسر رباعيتي ؟ ألم يعفر جبيني ؟ ألم تسل الدماء على حر وجهي حتى كنفت (1) لحيتي ؟ ألم اكابد الشدة والجهد مع جهال قومي ؟ ألم أربط حجر المجاعة على بطني ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، لقد كنت لله صابرا، وعن منكر بلاء ناهيا، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء قال: وأنتم فجزاكم الله، ثم قال: إن ربي عزوجل حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم فناشدتكم بالله أي رجل منكم كانت له قبل محمد مظلمة إلا قام فليقتص منه، فالقصاص في دار الدنيا أحب إلي من القصاص في دار الآخرة على رؤوس الملائكة والانبياء، فقام إليه رجل من أقصى القوم يقال له: سوادة بن قيس فقال له: فداك أبي وامي يا رسول الله إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء، وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني، فلا أدري عمدا أو خطأ، فقال: معاذ الله أن أكون تعمدت ثم قال: يا بلال قم إلى منزل فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق، فخرج بلال وهو ينادي في سكك المدينة: معاشر الناس من ذا الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة فهذا محمد يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة وطرق بلال الباب على فاطمة (عليها السلام) وهو يقول: يا فاطمة قومي ! فوالدك يريد القضيب الممشوق، فأقبلت فاطمة (عليها السلام) وهي تقول: يا بلال وما يصنع والدي بالقضيب، وليس هذا يوم القضيب ؟ فقال بلال: يا فاطمة أما علمت أن والدك قد صعد المنبر وهو يودع أهل الدين والدنيا، فصاحت فاطمة (عليها السلام) وقالت: واغماه لغمك يا أبتاه، من للفقراء والمساكين وابن السبيل يا حبيب الله، وحبيب القلوب ؟ ثم ناولت بلالا القضيب، فخرج حتى ناوله رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أين الشيخ ؟ فقال الشيخ: ها أنا ذا يا رسول الله بأبي أنت وامي فقال: تعال فاقتص مني حتى ترضى، فقال الشيخ، فاكشف لي عن بطنك يا رسول الله، فكشف (صلى الله عليه وآله) عن بطنه، فقال الشيخ: بأبي أنت وامي يا


(9) لثقت خ ل.

[509]

رسول الله، أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟ فأذن له، فقال: أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النار يوم النار، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص ؟ فقال: بل أعفو يا رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله): اللهم اعف عن سوادة ابن قيس، كما عفى عن نبيك محمد ثم قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخل بيت ام سلمة و هو يقول: رب سلم امة محمد من النار، ويسر عليهم الحساب، فقالت ام سلمة: يا رسول الله مالي أراك معموما متغير اللون ؟ فقال: نعيت إلى نفسي هذه الساعة فسلام لك في الدنيا، فلا تسمعين بعد هذا اليوم صوت محمد أبدا، فقالت ام سلمة: واحزناه، حزنا لا تدركه الندامة عليك يا محمداه، ثم قال (عليه السلام): ادع لي حبيبة قلبي وقرة عيني فاطمة، تجيئ (1)، فجاءت فاطمة (عليها السلام) وهي تقول: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء يا أبتاه، ألا تكلمني كلمة ؟ فإني أنظر إليك وأراك مفارق الدنيا، وارى عساكر الموت تغشاك شديدا، فقال لها: يا بنية إني مفارقك، فسلام عليك مني، قالت: يا أبتاه فأين الملتقى يوم القيامة ؟ قال: عند الحساب، قالت: فإن لم ألقك عند الحساب ؟ قال: عند الشفاعة لامتي، قالت: فإن لم ألقك عند الشفاعة لامتك ؟ قال: عند الصراط، جبرئيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، والملائكة من خلفي وقدامي، ينادون: رب سلم امة محمد من النار، و يسر عليهم الحساب، قالت فاطمة (عليها السلام): فأين والدتي خديجة ؟ قال: في قصر له اربعة أبواب إلى الجنة، ثم اغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخل بلال وهو يقول: الصلاة رحمك الله، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلى بالناس و خفف الصلاة، قال: ادعوا لي علي بن أبي طالب واسامة بن زيد (2)، فجاءا فوضع (عليه السلام) يده على عاتق علي، والاخرى على اسامة، ثم قال: انطلقا بي إلى فاطمة، فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها، فإذا الحسن والحسين (عليهما السلام) يبكيان ويصطرخان وهما يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء، ووجوهنا لوجهك الوقاء، فقال


(1) ثم اغمى عليه خ ل. (2) لا يخلو من وهم، لان اسامة كان قد خرج عن المدينة وعسكر في خارجه للقتال.

[510]

رسول الله (صلى الله عليه وآله): من هذان يا علي ؟ قال: هذا ابناك: الحسن والحسين، فعانقهما وقبلهما، وكان الحسن (عليه السلام) أشد بكاء، فقال له: كف يا حسن فقد شققت على رسول الله، فنزل ملك الموت (عليه السلام) وقال: السلام عليك يا رسول الله، قال: وعليك السلام يا ملك الموت، لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك يا نبي الله ؟ قال: حاجتي أن لا تقبض روحي حتى يجيئني جبرئيل فيسلم علي واسلم عليه، فخرج ملك الموت وهو يقول: يا محمداه، فاستقبله جبرئيل في الهواء فقال: يا ملك الموت قبضت روح محمد ؟ قال: لا يا جبرئيل، سألني أن لا أقبضه حتى يلقاك فتسلم عليه ويسلم عليك، فقال جبرئيل: يا ملك الموت أما ترى أبواب السماء مفتحة لروح محمد ؟ أما ترى الحور العين قد تزين لروح محمد ؟ ثم نزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: السلام عليك يا أبا القاسم، فقال: وعليك السلام يا جبرئيل، ادن مني حبيبي جبرئيل، فدنا منه، فنزل ملك الموت، فقال له جبرئيل: يا ملك الموت احفظ وصية الله في روح محمد، وكان جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وملك الموت، آخذ بروحه (صلى الله عليه وآله)، فلما (1) كشف الثوب عن وجه رسول الله نظر (2) إلى جبرئيل فقال له: عند الشدائد تخذلني ؟ فقال: يا محمد إنك ميت وإنهم ميتون، كل نفس ذائقة الموت. فروي عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك المرض كان يقول: ادعوا لي حبيبي، فجعل يدعى له رجل بعد رجل، فيعرض عنه، فقيل لفاطمة، امضي إلى علي فما نرى رسول الله يريد غير علي فبعث فاطمة إلى علي (عليه السلام) فلما دخل فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عينيه وتهلل وجهه ثم قال: إلي يا علي إلي يا علي فما زال يدنيه حتى أخذه بيده وأجلسه عند رأسه، ثم اغمي عليه، فجاء الحسن والحسين (عليهما السلام) يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأراد علي (عليه السلام) أن ينحيهما عنه، فأفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: يا علي دعني أشمهما ويشماني، وأتزود منهما، ويتزودان مني، أما إنهما سيظلمان بعدي ويقتلان ظلما، فلعنة الله على


(1) كلما خ ل. (2) ينظر خ ل.

[511]

من يظلمهما، يقول ذلك ثلاثا، ثم مد يده إلى علي (عليه السلام) فجذبه إليه حتى أدخله تحت ثوبه الذي كان عليه، ووضع فاه على فيه، وجعل يناجيه مناجاة طويلة حتى خرجت روحه الطيبة، صلوات الله عليه وآله، فانسل علي من تحت ثيابه وقال: أعظم الله اجوركم في نبيكم، فقد قبضه الله إليه، فارتفعت الاصوات بالضجة والبكاء فقيل لامير المؤمنين (عليه السلام): ما الذي ناجاك به رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أدخلك تحت ثيابه ؟ فقال: علمني ألف باب، يفتح لي كل باب ألف باب (1). بيان: أرن ورن أي صاح، وحر الوجه بالضم: ما بدا من الوجنة، قوله (صلى الله عليه وآله): حتى كنفت، أي أحاطت، وفي بعض النسخ: لثقت بالثاء المثلثة والقاف، يقال: لثق يومنا كفرح: ركدت ريحه، وكثر نداه، وألثقه: بلله ونداه، ولثقة تلثيقا: أفسده. 10 - ل: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن ابن معروف عن ابن أبي عمير، عن أبي حمزة، عن عقبة بن بشير قال: جئت إلى أبي جعفر (عليه السلام) يوم الاثنين فقال: كل، فقلت، إني صائم، فقال: وكيف صمت ؟ قال: قلت: لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولد فيه، فقال: أما ما ولد فيه فلا تعلمون (2) وأما ما قبض فيه فنعم، ثم قال: فلا تصم ولا تسافر فيه (3). أقول: الاخبار كثيرة في أن وفاته (صلى الله عليه وآله) كان في يوم الاثنين، وستاتي في أبواب الاسبوع. 11 - ل: فيما أجاب أمير المؤمنين (عليه السلام) اليهودي الذي سأل عما ابتلي به (عليه السلام) وهو من علامات الاوصياء، فقال (عليه السلام): أما أو لهن يا أخا اليهود فإنه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة أحد آنس به، أو أعتمد عليه، أو أستنيم إليه، أو أتقرب به غير رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هو ربانى صغيرا، وبوأني كبيرا، وكفاني العيلة، وجبرني من اليتم، وأغناني عن الطلب، ووقاني المكسب، وعال لي النفس والولد والاهل، هذا في تصاريف أمر الدنيا، مع ما خصني به من الدرجات


(1) امالي الصدوق: 376 - 379. (2) يعلمون خ ل. (3) الخصال 2: 26.

[512]

التي قادتني إلى معالي الحظوة عند الله عزوجل، فنزل بي من وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم أكن أظن الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي بين جازع لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به، قد أذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاستماع، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معزي يأمر بالصبر، وبين مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم، وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت، والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه، ووضعه في حفرته، وجمع كتاب الله، وعهده إلى خلقه لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة، ولا هائج زفرة، ولا لاذع حرقة، ولا جزيل مصيبة حتى أديت في ذلك الحق الواجب لله عزوجل ولرسوله (صلى الله عليه وآله) علي، وبلغت منه الذي أمرني به، واحتملته صابرا محتسبا، ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك ؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين (1). بيان: استنام إليه: سكن. الحظوة بالضم والكسر: المكانة، والزفرة: التنفس الشديد ويقال: لذع النار الشئ، أي أحرقته. 12 - ك: علي بن أحمد الدقاق: عن حمزة بن القاسم، عن علي بن الجنيد الرازي، عن أبي عوانة، عن الحسين بن علي، عن عبد الرزاق، عن أبيه عن مثيا (2) مولى عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبي (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله من يغسلك إذا مت ؟ فقال: يغسل كل نبي وصيه، قلت: فمن وصيك يا رسول الله ؟ قال: علي بن أبي طالب، فقلت: كم يعيش بعدك يا رسول الله، قال: ثلاثين سنة، فإن يوشع بن نون وصي موسى عاش من بعده ثلاثين سنة وخرجت عليه صفراء (3) بنت شعيب زوج موسى فقالت: أنا أحق بالامر منك، فقاتلها فقتل مقاتلتها (4) وأسرها فأحسن أسرها، وإن ابنة أبي بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من امتي، فيقاتلها فيقتل مقاتلتها (5) ويأسرها فيحسن أسرها


(1) الخصال 2: 17. (2) هكذا في الكتاب وفيه وهم والصحيح: مينا. (3) تقدم في كتاب النبوة ان اسمها صفوراء. (4 و 5) في المصدر: مقاتليها.

[513]

وفيها أنزل الله تعالى: " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرجن الجاهلية الاولى " يعني صفراء بنت شعيب (1). 13 - ير: أحمد بن محمد وأحمد بن إسحاق عن القاسم بن يحيى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) هبط جبرئيل ومعه الملائكة والروح الذين كانوا يهبطون في ليلة القدر، قال: ففتح لامير المؤمنين بصره فرآهم في منتهى السماوات إلى الارض، يغسلون النبي معه، ويصلون معه عليه، ويحفرون له، والله ما حفر له غيرهم حتى إذا وضع في قبره، نزلوا مع من نزل، فوضعوه فتكلم وفتح لامير المؤمنين سمعه فسمعه يوصيهم به فبكى، وسمعهم يقولون: لا نألوه جهدا، وإنما هو صاحبنا بعدك إلا أنه ليس يعايننا ببصره بعد مرتنا هذه، حتى إذا مات أمير المؤمنين (عليه السلام) رأى الحسن والحسين مثل ذلك الذي رأى، ورأيا النبي أيضا يعين الملائكة مثل الذي صنعوا بالنبي حتى إذا مات الحسن رأى منه الحسن مثل ذلك، ورأى النبي وعليا يعينان الملائكة، حتى إذا مات الحسين رأى علي بن الحسين منه مثل ذلك، ورأى النبي وعليا والحسن يعينون الملائكة، حتى إذا مات علي بن الحسين رأى محمد بن علي مثل ذلك، ورأى النبي وعليا والحسن والحسين يعينون الملائكة، حتى إذا مات محمد بن علي رأى جعفر مثل ذلك، ورأى النبي وعليا والحسن والحسين وعلي بن الحسين يعينون الملائكة، حتى إذا مات جعفر رأى موسى منه مثل ذلك، هكذا يجري إلى آخرنا (2). 14 - ير: محمد بن الحسن، عن جعفر بن بشير وعن ابن فضال جميعا، عن مثنى الحناط، وأحمد بن محمد، عن الحسن بن علي الخزاز وعلي بن الحكم جميعا عن مثنى الحناط عن الحسين الخراز، عن الحسين بن معاوية قال: قال لي


(1) اكمال الدين: 17 و 18. والاية في الاحزاب: 33، والحديث تقدم ايضا في ج 13. 367. (2) بصائر الدرجات: 61 و 62.

[514]

جعفر بن محمد (عليهما السلام): دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) فقال له: يا علي إذا أنا مت فاستق ست قرب من ماء فإذا استقيت فانق غسلي، وكفني وحنطني فإذا كفنتني وحنطتني فخذ بي وأجلسني، وضع يدك على صدري وسلني عما بدالك (1). 15 - ير: أحمد بن محمد بن عيسى، عن البزنطي، عن فضيل سكرة قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، هل للماء حد محدود ؟ قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لامير المؤمنين علي (عليه السلام): إذا أنامت فاستق لي ست قرب من ماء بئر غرس، فغسلني وكفني وحنطني، فإذا فرغت من غسلي (2) فخذ بمجامع كفني وأجلسني ثم سائلني (3) عما شئت، فوالله لا تسألني عن شئ إلا أجبتك (4). كا: العدة، عن سهل، عن البزنطي مثله (5). يج: بإسناده عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن البزنطي مثله (6). أقول: سيأتي مثله بأسانيد في أبواب علم أمير المؤمنين صلوات الله عليه. 16 - ص: قبض النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة (7). بيان: هذا هو الموافق لما ذكره أكثر الامامية، قال الشيخ رحمه الله في التهذيب: قبض (صلى الله عليه وآله) مسموما يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشرة من الهجرة (8). لكن قال الكليني رحمه الله: قبض (صلى الله عليه وآله) لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الاول يوم الاثنين وهو ابن ثلاث وستين سنة (9). وفي تفسير الثعلبي: يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الاول حين زاغت


(1) بصائر الدرجات: 81. (2) وكفني وتحنيطي خ ل. (3) ثم سلنى خ ل. (4) بصائر الدرجات: 81. (5) اصول الكافي 1: 296. (6) الخرائج. (7) قصص الانبياء: مخطوط. (8) تهذيب الاحكام 2: 2. (9) اصول الكافي 1: 439.

[515]

الشمس، وسيأتي أقوال كثيرة من المخالفين في ذلك. 17 - ير: علي بن محمد، عن حمدان بن سليمان النيشابوري، عن عبد الله بن محمد اليماني، عن منيع، عن جده، عن أبي رافع قال: إن الله تعالى ناجى عليا (عليه السلام) يوم غسل رسول الله (1). 18 - ك: المظفر العلوي عن ابن العياشي، عن أبيه، عن جعفر بن أحمد عن ابن فضال، عن الرضا (عليه السلام) قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) جاء الخضر فوقف على باب البيت وفيه علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قد سجي بثوب فقال: السلام عليكم يا أهل البيت (2)، كل نفس ذائقة الموت، و إنما توفون اجوركم القيامة، إن في الله خلفا من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودركا من كل فائت، فتوكلوا عليه، وثقوا به، وأستغفر الله لي ولكم، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا أخي الخضر جاء يعزيكم بنبيكم (3). 19 - ك: الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاهم آت فوقف على باب البيت فعزاهم به، وأهل البيت يسمعون كلامه ولا يرونه فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): هذا هو الخضر، أتاكم يعزيكم بنبيكم (4). 20 - ك: الطالقاني، عن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن سعيد بن بشير، عن ابن كاسب، عن عبد الله بن ميمون المكي، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في حديث طويل يقول في آخره: لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون اجوركم يوم القيامة إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل ما فات (5)، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب، و


(1) بصائر الدرجات: 122. (2) في المصدر: بثوبه، فقال: السلام عليكم يا اهل بيت محمد. (3 و 4) اكمال الدين: 219. (5) فائت خ ل.

[516]

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال علي بن أبي طالب، هل تدرون من هذا ؟ هذا الخضر (عليه السلام) (1). 21 - ير: أحمد بن محمد، عن الاهو ازي، عن القاسم بن محمد، عن علي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سم رسول الله يوم خيبر فتكلم اللحم فقال: يا رسول الله إني مسموم، قال: فقال النبي عند موته: اليوم قطعت مطاياي (2) الاكلة التي أكلت بخيبر، وما من نبي ولا وصي إلا شهيدا (3). بيان: المطايا جمع مطية وهي الدابة التي تمطو في سيرها، وكأنه استعير هنا للاعضاء والقوى التي بها يقوم الانسان، والاصواب مطاي كما في بعض النسخ والمطا: الظهر. 22 - ير: إبراهيم بن هاشم، عن جعفر بن محمد، عن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمت اليهودية النبي في ذراع، قال: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحب الذراع والكتف، ويكره الورك لقربها من المبال، قال: لما اتي بالشواء أكل من الذراع وكان يحبها، فأكل ما شاء الله ثم قال الذراع: يا رسول الله إني مسموم فتركه، وما زال ينتقض به سمه حتى مات (صلى الله عليه وآله) (4). 23 - شى: عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تدرون مات النبي أو قتل إن الله يقول: " أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فسم قبل الموت إنهما سقتاه، فقلنا: إنهما وأبوهما شر من خلق الله (5). بيان: يحتمل أن يكون كلا السمين دخيلين في شهادته (صلى الله عليه وآله). 24 - ضا: روي أن عليا (عليه السلام) غسل النبي (صلى الله عليه وآله) في قميص، وكفنه في ثلاث أثواب: ثوبين صحاريين، وثوب حبرة يمنية، ولحد له أبو طلحة ثم خرج أبو طلحة ودخل علي القبر فبسط يده، فوضع النبي (صلى الله عليه وآله) فأدخله اللحد، وقال:


(1) اكمال الدين: 219 و 220 فيه. هذا هو الخضر. (2) مطاى خ ل. (3 و 4) بصائر الدرجات: 148. (5) تفسير العياشي 1: 200 والاية في النساء: 144.

[517]

إن عليا (عليه السلام) لما أن غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفرغ من غسله نظر في عينيه (1) فرأى فيهما (2) شيئا، فانكب عليه فأدخل لسانه فمسح ما كان فيهما (3)، فقال: بأبي وامي يا رسول الله صلى الله عليك، طبت حيا وطبت ميتا، قاله العالم (عليه السلام) وقال جعفر (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى إلى علي (عليه السلام) أن لا يغسلني غيرك، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله من يناولني الماء وإنك رجل ثقيل لا أستطيع أن اقلبك ؟ فقال: جبرئيل معك يعاونك ويناولك الفضل الماء، وقل له: فليغط عينيه فإنه لا يرى أحد عورتي غيرك إلا انفقأت عيناه، قال: كان الفضل يناوله الماء، و جبرئيل يعاونه، وعلي يغسله، فلما أن فرغ من غسله وكفنه أتاه العباس فقال: يا علي إن الناس قد اجتمعوا على أن يدفنوا النبي (صلى الله عليه وآله) في بقيع المصلى، وأن يؤمهم رجل منهم، فخرج علي إلى الناس فقال: يا أيها الناس أما تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إمامنا حيا وميتا ؟ وهل تعلمون أنه (صلى الله عليه وآله) لعن من جعل القبور مصلى، ولعن من يجعل مع الله إلها، ولعن من كسر رباعيته وشق لثته، قال: فقالوا: الامر إليك، فاصنع ما رأيت، قال: وإني أدفن رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله) في البقعة التي قبض فيها، ثم قام على الباب فصلى عليه، ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه، ثم يخرجون (4). 25 - يج: سعد، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن عباد بن يعقوب، عن الحسن ابن الحسن بن (5) علي بن زيد، عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن أبيه، قال: قال علي بن أبي طالب: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا توفي أن أستقي سبع قرب من بئر غرس فاغسله بها، فإذا غسلته وفرغت من غسله أخرجت من في البيت، قال فإذا أخرجتهم فضع فاك على في ثم سلني عما هو كائن إلى أن تقوم الساعة من أمر الفتن، قال علي: ففعلت ذلك فأنبأني بما يكون إلى أن القوم


(1) في المصدر: في عينه. (2) فيها خ ل. اقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) فيها خ ل. اقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) فقه الرضا: 20 و 21. (5) في المصدر: عن الحسين بن على.

[518]

الساعة، وما من فئة تكون إلا وأنا أعرف أهل ضلالها من أهلها حقها (1). 26 - يج: روى سعد عن الحسن بن علي الزيتوني، عن أحمد بن هلال عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لامير المؤمنين (عليه السلام): إذا أنا مت فغسلني وكفني (2)، وما املي عليك فاكتب، قلت: ففعل ؟ قال: نعم (3). 27 - شا: لما أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) غسل الرسول (صلى الله عليه وآله) استدعى الفضل ابن العباس فأمره أن يناوله الماء لغسله (4) بعد أن عصب عينه، ثم شق قميصه من قبل حبيبه حتى بلغ به إلى سرته، وتولى غسله وتحنيطه وتكفينه. والفضل يعاطيه (5) الماء، ويعينه عليه، فلما فرغ من غسله وتجهيزه تقدم فصلى عليه وحده ولم يشركه معه أحد في الصلاة عليه، وكان المسلمون في المسجد يخوضون فيمن يؤمهم في الصلاة عليه، وأين يدفن، فخرج إليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال لهم: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إمامنا حيا وميتا، فيدخل عليه فوج بعد فوج منكم فيصلون عليه بغير إمام وينصرفون، وإن الله تعالى لم يقبض نبيا في مكان إلا وقد ارتضاه لرمسه فيه، وإني لدافنه في حجرته التي قبض فيها، فسلم القوم لذلك ورضوا به ولما صلى المسلمون عليه أنفذ العباس بن عبد المطلب برجل إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان يحفر لاهل مكة ويضرح، وكان ذلك عادة أهل مكة، وأنفذ إلى زيد بن سهل وكان يحفر لاهل المدينة ويلحد فاستدعاهما، وقال: اللهم خر لنبيك، فوجد أبو طلحة زيد بن سهل وقيل له: احفر لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فحفر له لحدا، ودخل أمير المؤمنين (عليه السلام) والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس واسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنادت الانصار من وراء البيت: يا علي إنا نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يذهب أدخل منا رجلا


(1) الخرائج: 248 فيه روايات اخرى. (2) زاد في المصدر: وحنطنى. (3) الخرائج: 248 فيه روايات اخرى راجعه. (4) فغسله خ ل. (5) يناوله خ ل.

[519]

يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: ليدخل أوس بن خولي، و كان بدريا فاضلا من بني عوف من الخزرج، فلما دخل قال له علي (عليه السلام): انزل القبر، فنزل ووضع أمير المؤمنين رسول الله (عليهما السلام) على يديه ودلاه في حفرته، فلما حصل في الارض قال له: اخرج، فخرج، ونزل علي القبر فكشف عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووضع خده على الارض موجها إلى القبلة على يمينه، ثم وضع عليه اللبن وأهال عليه التراب، وكان ذلك في يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر (1) من هجرته (صلى الله عليه وآله)، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ولم يحضر دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر الناس لما جرى بين المهاجرين والانصار من التشاجر في أمر الخلافة، وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك، وأصبحت فاطمة (عليها السلام) تنادي: واسوء صباحاه، فسمعها أبو بكر فقال لها: إن صباحك لصباح سوء. واغتنم القوم الفرصة لشغل علي بن أبي طالب (عليه السلام) برسول الله (صلى الله عليه وآله) و انقطاع بني هاشم عنهم بمصابهم برسول الله (صلى الله عليه وآله) فتبادروا إلى ولاية الامر، واتفق لابي بكر ما اتفق، لاختلاف الانصار فيما بينهم، وكراهية الطلقاء والمؤلفة قلوبهم من تأخر الامر حتى يفرغ بنو هاشم فيستقر الامر مقره فبايعوا أبا بكر لحضوره المكان، وكانت أسباب معروفة تيسر للقوم منها ما راموه، ليس هذا الكتاب موضع ذكرها. فيشرح (2) القوم فيها على التفصيل، وقد جاءت الرواية أنه لما تم لابي بكر ما تم وبايعه من بايع جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يسوي قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمسحاة في يده فقال له: إن القوم قد بايعوا أبا بكر ووقعت الخذلة للانصار لاختلافهم، وبدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفا من إدراككم الامر فوضع طرف المسحاة على الارض ويده عليها ثم قال: " بسم الله الرحمن الرحيم * ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين


(1) احدى عشرة خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) في المصدر: فنشرح.

[520]

يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون " (1) وقد كان جاء أبو سفيان إلى باب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي والعباس متوفران على النظر في أمره، فنادى: بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الامر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها كف حازم * فإنك بالامر الذي تبتغي (2) ملي ثم نادى بأعلى صوته: يا بني هاشم يا بني عبد مناف، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل أما والله لو شئتم لاملانها عليهم خيلا ورجلا، فناداه أمير المؤمنين (عليه السلام): ارجع يا أبا سفيان فوالله ما تريد الله بما تقول وما زلت تكيد الاسلام وأهله، ونحن مشاغيل برسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى كل امرئ ما اكتسب وهو ولي ما احتقب، فانصرف أبو سفيان إلى المسجد فوجد بني امية مجتمعين فيه، فحرضهم على الامر ولم ينهضوا له، وكانت فتنة عمت، وبلية شملت، و أسباب سوء اتفقت، تمكن بها الشيطان، وتعاون فيها (3) أهل الافك والعدوان فتخاذل في إنكارها أهل الايمان، وكان ذلك تأويل قول الله عزوجل: " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " (4). توضيح: قال الجوهري: الضريح: الشق في وسط القبر، واللحد في الجانب وقال: توفر عليه، أي رعى حرماته. واحتقبه: احتمله. 28 - قب: أقام بالمدينة عشر سنين، ثم حج حجة الوداع، ونصب عليا إماما يوم غدير خم، فلما دخل المدينة بعث اسامة بن زيد وأمره أن يقصد حيث قتل أبوه، وجعل في جيشه وتحت رايته أبا بكر وعمر وأبا عبيدة، وعسكر اسامة بالجرف. فاشتكى شكواه التي توفي فيها، فكان يقول في مرضه: " نفذوا جيش اسامة " ويكرر ذلك، فلما دخل سنة إحدى عشرة أقام بالمدينة المحرم، ومرض


(1) العنكبوت: 1 - 4. (2) يرتجى خ ل. أقول: في المصدر: ترتجى. (3) عليها خ ل. (4) ارشاد المفيد: 98 - 101 والاية في الانفال.

[521]

أياما، وتوفي في الثاني من صفر يوم الاثنين، ويقال: يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول، وكان بين قدومه المدينة ووفاته عشر سنين، و قبض قبل أن تغيب الشمس وهو ابن ثلاث وستين سنة، فغسله علي (عليه السلام) بثوبيه بوصيته منه. وفي رواية: ونودي بذلك. وبقي غير مدفون ثلاثة أيام يصلي عليه الناس، وحفر له لحدا أبو طلحة زيد بن سهل الانصاري، ودفنه علي (عليه السلام) وعاونه العباس والفضل واسامة فنادت الانصار: يا علي نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذهب أدخل منا رجلا فيه، فقال: ليدخل أوس بن خولي، فلما دلاه في حفرته قال له: اخرج وربع قبره (1). 29 - قب: أحمد في مسنده عن ابن عباس: لما مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرضه الذي مات فيه قال: ادعوا لي عليا، قالت عائشة: ندعو لك أبا بكر، قالت حفصة: ندعو لك عمر، قالت: ام الفضل: ندعو لك العباس، فلما اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليا، فسكت، فقال عمر: قوموا عن رسول الله الخبر. ومن طريقة أهل البيت (عليهم السلام) إن عائشة دعت أباها فأعرض عنه، ودعت حفصة أباها فأعرض عنه، ودعت ام سلمة عليا فناجاه طويلا ثم اغمي عليه فجاء الحسن والحسين يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأراد علي أن ينحيهما عنه فأفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: يا علي دعهما أشمهما و يشماني، وأتزود منهما ويتزودان مني، ثم جذب عليا تحت ثوبه، ووضع فاه على فيه، وجعل يناجيه، فلما حضره الموت قال له: ضع رأسي يا علي في حجرك، فقد جاء أمر الله، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك، وامسح بها وجهك ثم وجهني إلى القبلة، وتول أمري، وصل علي أول الناس، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي، واستعن بالله عزوجل، وأخذ علي برأسه فوضعه في حجره


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 152.

[522]

فأغمي عليه، فبكت فاطمة فأومأ إليها بالدنو منه فأسر إليها شيئا تهلل وجهها. القصة. ثم قضى ومد أمير المؤمنين يده اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها، ثم وجهه ومد عليه إزاره واستقبل بالنظر في أمره. وري أنه قال جبرئيل: إن ملك الموت يستأذن عليك، وما استأذن أحدا قبلك ولا بعدك، فأذن له فدخل وسلم عليه، وقال: يا أحمد إن الله تعالى بعثني إليك لاطيعك، أقبض أو أرجع، فأمره فقبض. الباقر (عليه السلام): لما حضر (1) رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة نزل جبرئيل فقال: يا رسول الله تريد الرجوع إلى الدنيا ؟ قال: لا وقد بلغت، ثم قال له: يا رسول الله تريد الرجوع إلى الدينا ؟ قال: لا، الرفيق الاعلى. الصادق (عليه السلام): قال جبرئيل: يا محمد هذا آخر نزولي إلى الدنيا، إنما كنت أنت حاجتي منها. وروي أنه استل علي (عليه السلام) من تحت ثيابه، وقال: عظم الله اجوركم في نبيكم، فقيل له: ما الذي ناجاك به رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت ثيابه ؟ فقال: علمني ألف باب من العلم، فتح لي كل باب (2) ألف باب، وأوصاني بما أنابه قائم إنشاء الله. أبو عبد الله بن ماجه في السنن وأبو يعلى الموصلي في المسند: قال أنس: كانت فاطمة (عليها السلام) تقول لما ثقل النبي (صلى الله عليه وآله): يا أبتاه جبرئيل إلينا ينعاه، يا أبتاه من ربه ما أدناه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه أجاب ربا دعاه. الكافي: اجتمعت نسوة بني هاشم وجعلن يذكرن النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت فاطمة: اتركن التعداد، وعليكن بالدعاء. وقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي من اصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب. وأنشأ أمير المؤمنين (عليه السلام):


(1) في المصدر: لما حضرت. (2) في المصدر: من كل باب.

[523]

الموت لا والدا يبقي ولا ولدا * هذا السبيل إلى أن لا ترى أحدا هذا النبي ولم يخلد لامته * لو خلد الله خلقا قبله خلدا للموت فينا سهام غير خاطئة * من فاته اليوم سهم لم يفته غدا الزهراء (1) (عليها السلام): إذا مات يوما ميت قل ذكره (2) * ودكر أبي مذ مات والله أزيد تذكرت لما فرق الموت بيننا * فعزيت نفسي بالنبي محمد فقلت لها: إن الممات سبيلنا * ومن لم يمت في يومه مات في غد ديك (3) الجن: تأمل إذا الاحزان فيك تكاثرت * أعاش رسول الله أم ضمه القبر إبراهيم بن (4) المهدي: اصبر لكل مصيبة وتجلد * واعلم بأن المرء غير مخلد أو ما ترى أن الحوادث جمة * وترى المنية للرجال بمرصد فإذا ذكرت مصيبة تشجى لها فاذكر مصابك بالنبي محمد ولغيره: فلو كانت الدنيا يدوم بقاؤها * لكان رسول الله فيها مخلد تاريخ الطبري وإبانة العكبري: قال ابن مسعود: قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من يغسلك يا رسول الله ؟ قال: أهلي الادنى. حلية الاولياء وتاريخ الطبري: إن علي بن أبيطالب كان يغسل النبي (صلى الله عليه وآله) والفضل يصب الماء عليه، وجبرئيل يعينهما، وكان علي يقول: ما أطيبك حيا وميتا ؟ مسند الموصلي في خبر عن عائشة: ثم خلوا بينه وبين أهل بيته، فغسله علي بن أبيطالب (عليه السلام) واسامة بن زيد.


(1) في المصدر: وقالت الزهراء (عليها السلام). (2) في المصدر: إذا مات قرم قل والله ذكره. (3) و (4) زاد في المصدر: قال.

[524]

الصفواني في الاحن والمحن بإسناده عن إسماعيل بن عبد الله، عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: أوصاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أنامت فاغسلني بسبع قرب من بئري بئر غرس. إبانة ابن بطة قال: يزيد بن بلال، قال علي: أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) ألا يغسله أحد غيري، فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه، قال: فما تناولت عضوا إلا كأنما كان يقله (1) معي ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله. وروي أنه لما أراد علي غسله استدعى الفضل بن عباس ليعينه، وكان مشدود العينين، وقد أمره علي بذلك إشقاقا عليه من العمى. الحميري (2): هذا الذي وليته عورتي * ولو رأى عورتي سواه عمى وله: من ذا تشاغل بالنبي وغسله * ورأى عن الدنيا بذاك عزاء العبدي (3): من ولي غسل النبي ومن * لففه من بعد في الكفن السروجي (4): غسله إمام صدق طاهر * من دنس الشرك وأسباب الغير فأورث الله عليا علمه * وكان من بعد إليه يفتقر غيره (5): كان يغسل (6) النبي مشتغلا * فافتتنوا والنبي لم يقبر وقال أبو جعفر (عليه السلام): قال الناس كيف الصلاة عليه ؟ فقال علي: إن رسول الله وإمام حيا وميتا، فدخل عليه عشرة عشرة فصلوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلثاء حتى الصباح، ويوم الثلثاء حتى صلى عليه الاقرباء الخواص ولم يحضر


(1) في المصدر: يقبله. (2 - 5) زاد في المصدر: قال. (6) في المصدر: كان يغسل النبي مشتغلا.

[525]

أهل السقيفة، وكان علي أنفذ إليهم بريدة، وإنما تمت بيعتهم بعد دفنه. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنما نزلت هذه الآية في الصلاة علي بعد قبض الله لي: " إن الله وملائكته يصلون على النبي " (1) الآية. وسئل الباقر (عليه السلام) كيف كانت الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: لما غسله أمير المؤمنين وكفنه سجاه وأدخل عليه عشرة (2) فداروا حوله، ثم وقف أمير المؤمنين في وسطهم فقال: " إن الله وملائكته " (3) الآية، فيقول القوم: مثل ما يقول، حتى صلى عليه أهل المدينة. وأهل العوالي. واختلفوا أين يدفن، فقال بعضهم: في البقيع، وقال آخرون: في صحن المسجد، فقال أمير المؤمنين: إن الله لم يقبض نبيه إلا في أطهر البقاع، فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيها، فاتفقت الجماعة على قوله، ودفن في حجرته. تاريخ الطبري: في حديث ابن مسعود قلنا: فمن يدخلك قبرك يا نبي الله قال: أهلي. وقال الطبري وابن ماجة: الذي نزل في قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبيطالب والفضل وقثم وشقران، ولهذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا الاول، أنا الآخر، (4). 30 - شى: الحسين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) جاءهم جبرئيل والنبي (صلى الله عليه وآله) مسجى، وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة " كل نفس ذائفة الموت " إلى " متاع الغرور " (5) إن في الله عزاء من كل مصيبة، ودركا من كل ما فات وخلفا من كل هالك، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، وإنما المصاب من حرم


(1 و 3) الاحزاب 56. (2) في المصدر: عشرة عشرة. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 203 - 206. (5) أي إلى قوله: متاع الغرور.

[526]

الثواب، وهذا آخر وطئي من الدنيا، قال: قالوا: فسمعنا صوتا، فلم نر شخصا (1). كا: محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن سليمان بن سماعة. عن الحسين بن المختار عنه (عليه السلام) مثله (2). 31 - شى: هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمعوا صوتا من جانب البيت ولم يروا شخصا يقول: " كل نفس ذائقة الموت " إلى قوله: " فقد فاز " ثم قال: في الله خلف (3) وعزآء من كل مصيبة، ودرك لما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، وإنما المحروم من حرم الثواب، واستروا عورة نبيكم، فلما وضعه على السرير نودي: يا علي لا تخلع القميص، قال: فغسله علي (عليه السلام) في قميصه (4). 32 - جا: علي بن محمد القرشي، عن علي بن الحسن بن فضال، عن الحسين بن نصر، عن أبيه، عن أحمد بن عبد الله بن عبد الملك، عن عمرو بن حريث (5) عن الحسين بن سلمة، عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر


(1) تفسير العياشي 1: 209 والاية في آل عمران: 185. (2) فروع الكافي 1: 60 وفيه الاية بتمامها. (3) في المصدر: [خلفا وعزاء] وفيه: دركا. (4) تفسير العياشي 1: 210. والاية في آل عمران: 185، وروى العياشي في التفسير 1: 209 رواية اخرى وهى: جابر عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: ان عليا (عليه السلام) لما غمض رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: انا لله وانا إليه راجعون، يالها من مصيبة خصت الاقربين وعمت المؤمنين لما يصابوا بمثلها قط، ولا عاينوا مثلها، فلما قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمعوا مناديا ينادى من سقف البيت " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " والسلام عليكم اهل البيت ورحمة الله وبركاته " كل نفس ذائقة الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار، وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا الامتاع الغرور " ان في الله خلفا من كل ذاهب، وعزاء من كل مصيبة، ودركا من كا ما فات، فبالله فثقوا، وعليه فتوكلوا، واياه فارجوا، انما المصاب من حرم الثواب. (5) في المصدر: احمد بن عبد الله بن عبد الملك عن عبد الرحمن المسعودي عن عمرو بن حريث.

[527]

(عليهما السلام) قال: لما فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من تغسيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتكفينه وتحنيطه أذن للناس وقال: ليدخل منكم عشرة عشرة ليصلوا عليه، فدخلوا و قام أمير المؤمنين (عليه السلام) بينه وبينهم وقال: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " وكان الناس يقولون كما يقول قال أبو جعفر (عليه السلام): وهكذى كانت الصلاة عليه، (صلى الله عليه وآله) (1). 33 - جا: محمد بن الحسين المقري، عن عبد الله بن يحيى، عن أحمد بن الحسين بن سعيد القرشئ (2)، عن أبيه، عن الحسين بن مخارق، عن عبد الصمد بن علي، عن أبيه، عن عبد الله بن العباس رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) تولى غسله علي بن أبي طالب (عليه السلام) والعباس معه، والفضل بن العباس، فلما فرغ علي (عليه السلام) من غسله كشف الازار عن وجهه، ثم قال: بأبي أنت وامي طبت حيا وطبت ميتا، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممن سواك من النبوة والانباء خصصت حتى صرت مسليا عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك سوآء، ولو لا أنك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لانفذنا عليك الشؤن، ولكن مالا يدفع كمد وغصص مخالفان وهما داء الاجل وقلالك (3)، بأبي أنت وامي اذكرنا عند ربك، واجعلنا من همك، ثم أكب عليه فقبل وجهه والازار عليه (4). بيان: سيأتي في رواية النهج، ويظهر منه أن فيه تصحيفات (5). 34 - قب: سهيل بن أبي صالح، عن ابن عباس أنه اغمي على النبي (صلى الله عليه وآله)


(1) مجالس المفيد 19 والاية في الاحزاب: 52. (2) في المصدر: أبى سعيد. (3) في المصدر: لانفذنا عليك ماء الشئون، ولكان الداء مماطلا، والكمد محالفا و قلالك، ولكنه ما لا يملك رده لا يستطاع دفعه. (4) مجالس المفيد: 60. (5) سيأتي رواية النهج تحت رقم 55، وتعرف انها توافق ما نقلناه عن المصدر، وأن نسخة المصنف كانت مصحفة، ويأتى هناك شرح الفاظ الحديث راجعه.

[528]

في مرضه فدق بابه، فقالت فاطمة: من ذا قال: أنا رجل غريب أتيت أسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتأذنون لي في الدخول عليه ؟ فأجابت: امض رحمك الله لحاجتك، فرسول الله عنك مشغول، فمضى، ثم رجع فدق الباب وقال: غريب يستأذن على رسول الله أتأذنون للغرباء، فأفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غشيته وقال: يا فاطمة أتدرين من هذا ؟ قالت: لا يا رسول الله، قال: هذا مفرق الجماعات، ومنغص اللذات هذا ملك الموت، ما استأذن والله على أحد قبلي، ولا يستأذن على أحد بعدي استأذن علي لكرامتي على الله، ائذني له، فقالت: ادخل رحمك الله، فدخل كريح هفافة وقال: السلام على أهل بيت رسول الله، فأوصى النبي إلى علي بالصبر عن الدنيا، وبحفظ فاطمة، وبجمع القرآن، وبقضاء دينه، وبغسله، وأن يعمل حول قبره حائطا، وبحفظ الحسن والحسين (1). بيان: في القاموس: هفت الريح تهف هفا وهفيفا: هبت فسمع صوت هبوبها، وريح هفافة: طيبة ساكنة. 35 - عم: قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويد أمير المؤمنين (عليه السلام) اليمنى تحت حنكه، ففاضت نفسه فيها، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها، ثم وجهه وغمضه ومد عليه إزاره واشتغل بالنظر في أمره. وروي عن ام سلمة قالت: وضعت يدي على صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم مات فمر بي جمع آكل وأتوضأ ما تذهب ريح المسك (2) من يدي. وروى ثابت عن أنس قال: قالت فاطمة (عليها السلام) لما ثقل النبي (صلى الله عليه وآله) وجعل يتغشاه الكرب: يا أبتاه (3) إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه من ربه ما أدناه، يا أبتاه جنان الفردوس مأواه، يا أبتاه أجاب ربا دعاه. قال الباقر (عليه السلام): لما حضر رسول الله الوفاة: نزل جبرئيل فقال: يا رسول الله أتريد الرجوع إلى الدنيا ؟ قال: لا، وقد بلغت، ثم قال له: يا رسول الله أتريد


(1) مناقب آل أبى طالب 3: 116. (2) في المصدر: رائحة المسك. (3) في المصدر: نادت يا ابتاه إلى جبرئيل ينعاه.

[529]

الرجوع إلى الدنيا ؟ قال: لا، الرفيق الاعلى. وقال الصادق (عليه السلام): قال جبرئيل: يا محمد هذا آخر نزولي إلى الدنيا إنما كنت أنت حاجتي منها. قال: وصاحت فاطمة (عليها السلام) وصاح المسلمون ويضعون (1) التراب على رؤوسهم. ومات (عليه السلام) لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته. وروي أيضا لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الاول يوم الاثنين. ولما أراد علي (عليه السلام) غسله استدعى الفضل بن العباس فأمره أن يناوله الماء بعد أن عصب عينيه، فشق قميصه من قبل جيبه حتى بلغ به إلى سرته، وتولى غسله وتحنيطه وتكفينه، والفضل يناوله الماء، فلما فرغ من غسله وتجهيزه تقدم فصلى عليه. قال أبان: وحدثني أبو مريم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال الناس: كيف الصلاة عليه ؟ فقال علي (عليه السلام): إن رسول الله إمامنا حيا وميتا، فدخل عليه عشرة عشرة فصلوا عليه يوما الاثنين وليلة الثلثآء حتى الصباح، ويوم الثلثآء حتى صلى عليه كبيرهم وصغيرهم، وذكرهم وانثاهم، وضواحي المدينة بغير إمام. وخاض المسلمون في موضع دفنه فقال علي (عليه السلام): إن الله سبحانه لم يقبض نبيا في مكان إلا وارتضاه لرمسه فيه، وإني دافنه في حجرته التي قبض فيها، فرضي المسلون بذلك، فلما صلى المسلمون عليه أنفذ العباس (2) إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان يحفر لاهل مكة ويضرح، وأنفذ إلى زيد بن سهل أبي طلحة وكان يحفر لاهل المدينة ويلحد، فاستدعاهما وقال: اللهم خر لنبيك، فوجد أبو طلحة فقيل له: احفر لرسول الله فحفر له لحدا، ودخل أمير المؤمنين علي (عليه السلام) والعباس والفضل واسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول الله، فنادت الانصار من وراء البيت: يا علي إنا نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله أن يذهب، أدخل منا


(1) في المصدر: وصاروا يضعون. (2) في المصدر: انفذ العباس رجلا.

[530]

رجلا يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ليدخل أوس بن خولي رجل من بني عوف بن الخزرج، وكان بدريا، فدخل البيت وقال له علي: انزل القبر، فنزل ووضع علي رسول الله على يديه ثم دلاه في حفرته، ثم قال له: اخرج، فخرج ونزل علي فكشف عن وجهه، ووضع خده على الارض موجها إلى القبلة على يمينه، ثم وضع عليه اللبن وهال عليه التراب (1). بيان: لعل قوله: سنة عشر مبني على اعتبار سنة الهجرة من أول ربيع الاول حيث وقعت الهجرة فيه، والذين قالوا: سنة إحدى عشرة بنوه على المحرم وهو أشهر. 36 - كشف: عاش ثلاثا وستين سنة، منها مع أبيه سنتان وأربعة أشهر ومع جده عبد المطلب ثماني سنين، ثم كفله عمه أبو طالب بعد وفاة عبد المطلب فكان يكرمه ويحميه وينصره بيده ولسانه أيام حياته، وقيل: إن أباه مات وهو حمل، وقيل: مات وعمره سبعة أشهر، وماتت امه وعمره ست سنين. وروى مسلم في صحيحة أنه قال: استأذنت ربي في زيارة قبر امي فأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت. وتزوج خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وتوفي عمه أبو طالب وعمره ست وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرون يوما، وتوفيت خديجة (عليها السلام) بعده بثلاثة أيام، فسمي ذلك عام الحزن (2). وروى هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما زالت قريش كاعة (3) حتى مات أبو طالب.


(1) اعلام الورى: 83 و 84 (ط 1) 143 و 144 (ط 2). (2) في المصدر: فسمى ذلك العام عام الحزن. (3) في المصدر: كاعة عنى. أقول: يقال كاع عنه، أي جبن عنه وهابه فهو كاع وكائع. أي كانت قريش تهاب ابى طالب ولم يكن يجترؤ على اذى النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما مات اجترؤا عليه.

[531]

وأقام بمكة بعد البعثة ثلاث عشر سنة، ثم هاجر إلى المدينة بعد أن استتر في الغار ثلاثة أيام، وقيل: ستة أيام، ودخل المدينة يوم الاثنين الحادي عشر من ربيع الاول، وبقي بها عشر سنين، ثم قبض لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة للهجرة. عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: لما حضر النبي (صلى الله عليه وآله) جعل يغمى عليه، فقالت فاطمة: واكرباه لكربك يا أبتاه، ففتح عينه وقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم. وقال (عليه السلام) والمسلمون مجتمعون حوله: أيها الناس إنه لا نبي بعدي، ولا سنة بعد سنتي، فمن ادعى ذلك فدعواه وباغيه في النار، أيها الناس أحيوا القصاص، وأحيوا الحق لصاحب الحق، ولا تفرقوا، وأسلموا وسلموا، كتب الله لاغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز. ومن كتاب أبي إسحاق الثعلبي قال: دخل أبو بكر على النبي (صلى الله عليه وآله) وقد ثقل (1) فقال: يا رسول الله صلى الله متى الاجل ؟ قال: قد حضر قال أبو بكر: الله المستعان على ذلك فإلى ما المنقلب ؟ قال: إلى السدرة المنتهى، وجنة المأوى، وإلى الرفيق الاعلى، والكأس الاوفى، والعيش المهنى، قال أبو بكر: فمن يلي غسلك ؟ قال: رجال أهل بيتي، الادنى فالادنى، قال: ففيم نكفنك ؟ قال: في ثيابي هذه التي علي، أو في حلة (2) يمانية، أو في بياض مصر، قال: كيف الصلاة عليك ؟ فارتجت الارض بالبكاء، فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): مهلا عفا الله عنكم إذا غسلت وكفنت فضعوني على سريري في بيتي هذا، على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن الله تبارك وتعالى أول من يصلي علي، ثم يأذن للملائكة في الصلاة علي، فأول من ينزل جبرئيل (عليه السلام)، ثم إسرافيل، ثم ميكائيل، ثم ملك الموت (عليهم السلام) في جنود كثير (3) من الملائكة بأجمعها، ثم ادخلوا علي زمرة


(1) في المصدر: وهو قد ثقل. (2) في المصدر: أو حلة يمانية خ. (3) في المصدر: في جنود كثيرة.

[532]

زمرة فصلوا علي وسلموا تسليما، ولا تؤذوني بتزكية ولا رنة وليبدأ بالصلاة علي الادنى فالادنى من أهل بيتي، ثم النساء، ثم الصبيان زمرا، قال أبو بكر: فمن يدخل قبرك ؟ قال: الادنى فالادنى من أهل بيتي مع ملائكة لا ترونهم، قوموا فأدوا عني إلى من وراءكم، فقلت للحارث بن مرة، من حدثك هذا الحديث ؟ قال: عبد الله بن مسعود. عن علي (1) (عليه السلام) قال: كان جبرئيل ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه في كل يوم وفي كل ليلة، فيقول: السلام عليك، إن ربك يقرئك السلام، فيقول: كيف تجدك ؟ وهو أعلم بك، ولكنه أراد أن يزيدك كرامة وشرفا إلى ما أعطاك على الخلق، وأراد أن يكون (2) عيادة المريض سنة في امتك فيقول له النبي (صلى الله عليه وآله) إن كان وجعا: يا جبرئيل أجدني وجعا، فقال له جبرئيل (عليه السلام) اعلم يا محمد إن الله لم يشدد عليك، وما من أحد من خلقه أكرم منك، ولكنه أحب أن يسمع صوتك ودعاءك حتى تلقاه مستوجبا للدرجة والثواب الذي أعد لك والكرامة الفضيلة على الخلق، وإن قال له النبي (صلى الله عليه وآله): أجدني مريحا في عافية، قال له: فاحمد الله على ذلك، فإنه يحب أن تحمده وتشكره ليزيدك إلى ما أعطاك خيرا، فإنه يحب أن يحمد ويزيد من شكر (3)، قال: وإنه نزل عليه في الوقت الذي كان ينزل فيه فعرفنا حسه، فقال علي (عليه السلام): فيخرج من كان في البيت غيري، فقال له جبرئيل (عليه السلام): يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويسألك وهو أعلم بك كيف تجدك ؟ فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): أجدني ميتا، قال له جبرئيل: يا محمد أبشر، فإن الله إنما أراد أن يبلغك بما تجد ما أعد لك من الكرامة قال له النبي (صلى الله عليه وآله): إن ملك الموت استأذن علي فأذنت له، فدخل واستنظرته مجيئك، فقال له: يا محمد إن ربك إليك مشتاق، فما استأذن ملك الموت على أحد قبلك، ولا يستأذن على أحد بعدك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لا تبرح يا جبرئيل حتى


(1) في المصدر: وعن على (عليه السلام). (2) في المصدر: واراد ان تكون. (3) في المصدر: ان يحمده ويزيده من شكره. (*)

[533]

يعود، ثم أذن للنساء فدخلن عليه، فقال لابنته: ادني مني يا فاطمة، فأكبت عليه فناجاه فرفعت رأسها وعيناها تهملان دموعا، فقال لها: ادني مني، فدنت منه فأكبت عليه فناجاها فرفعت رأسها وهي تضحك، فتعجبنا لما رأينا، فسألناها فأخبرتنا أنه نعى إليها نفسه فبكت، فقال: يا بنية لا تجزعي، فإني سألت ربي أن يجعلك أول أهل بيتي لحاقا بي، فأخبرني أنه قد استجاب لي، فضحكت. قال: ثم دعا النبي (صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين (عليهما السلام) فقبلهما وشمهما وجعل يترشفهما وعيناه تهملان. وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهم السلام) قال: أتى جبرئيل (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعوده فقال: السلام عليك يا محمد هذا آخر يوم أهبط فيه إلى الدنيا. وعن عطاء بن يسار أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حضر أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد الآن أصعد إلى السماء، ولا أنزل إلى الارض أبدا. وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما حضرت النبي الوفاة استأذن عليه رجل فخرج إليه علي (عليه السلام) فقال: حاجتك ؟ قال: أردت (1) الدخول إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال علي: لست تصل إليه، فما حاجتك ؟ فقال الرجل: إنه لابد من الدخول عليه، فدخل علي فاستأذن النبي (عليهما السلام)، فأذن له، فدخل وجلس عند رأس رسول الله ثم قال: يا نبي الله إني رسول الله إليك، قال: وأي رسل الله أنت ؟ قال: أنا ملك الموت، أرسلني إليك يخيرك (2) بين لقائه والرجوع إلى الدنيا، فقال له النبي: فأمهلني حتي ينزل جبرئيل فأستشيره، ونزل جبرئيل فقال: يا رسول الله الآخرة خير لك من الاولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى لقاء الله خير لك، فقال (عليه السلام): لقاء ربي خير لي، فامض لما امرت به، فقال جبرئيل لملك الموت: لا تعجل حتى أعرج إلى ربي وأهبط، قال ملك الموت


(1) في المصدر: ما حاجتك ؟ قال: اريد الدخول على رسول الله. (2) في المصدر: نخيرك.

[534]

(عليه السلام): لقد صارت نفسه في موضع لا أقدر على تأخيرها، فعند ذلك قال جبرئيل: يا محمد هذا آخر هبوطي إلى الدنيا، إنما كنت أنت حاجتى فيها. واختلف أهل بيته وأصحابه في دفنه، فقال علي (عليه السلام): إن الله لم يقبض روح نبيه إلا في أطهر البقاع، وينبغي أن يدفن حيث قبض، فأخذوا بقوله، وروى الجمهور موته في الاثنين ثاني عشر ربيع الاول، قالوا: ولد يوم الاثنين، وبعث يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين، كما ذكرناه آنفا ودفن يوم الاربعاء، ودخل إليه العباس وعلي والفضل بن العباس، وقيل: وقثم ايضا، وقالت بنو زهرة: نحن أخواله، فأدخلوا منا واحدا، فأدخلوا عبد الرحمن بن عوف، وقيل: دخل اسامة بن زيد، وقال المغيرة بن شعبة: أنا أقربكم عهدا به، وذلك أنه ألقى خاتمه في القبر ونزل استخرجه. ولحده أبو طلحة ن وألقى القطيفة تحته شقران. قال صاحب كتاب التنوير ذو النسبين بين دحية والحسين: لاشك أنه توفي يوم الاثنين، واختلف أصحاب السير والتواريخ فقال ابن إسحاق: لاثنتي عشرة ليلة، وهذا باطل بيقين، واصول العلم المجمع عليها أهل الكتاب والسنة (1) لانه قد ثبت أن الوقفة بعرفات في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، فيكون أول ذي الحجة الخميس، فيكون أول المحرم الجمعة أو السبت، فإن كان الجمعة فصفر إما السبت أو الاحد، وإن كان السبت فصفر إما الاحد أو الاثنين، فإن كان أول صفر السبت فأول ربيع الاول الاحد أو الاثنين (2) وإن كان الاثنين فأول ربيع إما الثلثآء أو الاربعاء، وكيف ما دارت الحال على هذا الحساب لا يكون الاثنين ثاني عشر وذكر القاضي أبو بكر في كتاب البرهان: أنه توفي لليلتين خلتا من ربيع الاول، وكذا ذكر الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنف، وهذا لا يبعد إن كانت الاشهر الثلاثة التي قبله نواقص، فتدبر.


(1) في المصدر: والسنة مخالف له، لانه. (2) زاد في المصدر: وان كان صفر الاحد فاول ربيع الاول اما الاثنين أو الثلثا.

[535]

وذكر الخوارزمي أنه توفي (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين أول ربيع الاول، وهذا أقرب مما ذكره الطبري، فالذي تلخص أنه يجوز أن يكون موته في أول الشهر أو ثانيه، أو ثالث عشره، أو رابع عشره، أو خامش عشره لاجماع المسلمين أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة انتهى كلام ذي النسبين (1). بيان: بتزكية أي بذكر ما يعدونه من الفضائل وليس منها، كما كانت عادة العرب من الوصف بالحمية والعصبية وأمثالها أو مطلقها، فإن الدعاء في تلك الحال أفضل والترشف: المص وترضف الآناء: استقصى الشرب حتى لم يدع فيه شيئا، وأقول: الجمع بين ما نقلوا الاتفاق عليه من كون عرفة حجة الوداع الجمعة وبين ما اتفقوا عليه من كون وفاته (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين بناء على القولين المشهورين من كون وفاته (صلى الله عليه وآله) إما في الثامن والعشرين من صفر، أو الثاني عشر من ربيع الاول غير متيسر، وكذا لا يوافق ما روي أن يوم الغدير في تلك السنة كان يوم الجمعة فلابد من القدح في بعضها. 37 - كشف: روي عن ابن عباس قال: قالت فاطمة (عليها السلام) للنبي (صلى الله عليه وآله) وهو في سكرات الموت: يا أبه أنا لا أصبر عنك ساعة من الدنيا، فأين الميعاد غدا ؟ قال: أما إنك أول أهلي لحوقا بي، والميعاد على جسر جهنم، قالت: يا أبه أليس قد حرم الله عزوجل جسمك ولحمك على النار ؟ قال: بلى، ولكني قائم حتى تجوز امتي، قالت: فإن لم أرك هناك ؟ قال: تريني عند القنطرة السابعة من قناطر جهنم، أستوهب الظالم من المظلوم، قالت: فإن لم أرك هناك ؟ قال: تريني في مقام الشفاعة، وأنا أشفع لامتي قالت: فإن لم أرك هناك ؟ قال: تريني عن الميزان وأنا أسأل (2) لامتي الاخلاص من النار، قالت: فإن لم أرك هناك ؟ قال: تريني عند الحوض، حوضي عرضه ما بين ايله إلى صنعاء، على حوضي ألف غلام بألف كأس كاللؤلؤ المنظوم، وكالبيض المكنون، من تناول منه شربة فشربها لم يظمأ بعدها أبدا


(1) كشف الغمة: 6 - 8. (2) في المصدر: وانا اسأل الله.

[536]

فلم يزل يقولها حتى خرجت الروح من جسده (صلى الله عليه وآله) (1). 38 - نص: علي بن الحسن بن محمد، عن هارون بن موسى، عن محمد بن علي ابن معمر، عن عبد الله بن معبد، عن موسى بن إبراهيم، عن عبد الكريم بن هلال عن أسلم، عن أبي الطفيل، عن عمار قال: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة دعا بعلي (عليه السلام) فساره طويلا ثم قال: يا علي أنت وصيي ووارثي، قد أعطاك الله علمي وفهمي، فإذا مت ظهرت لك ضغائن في صدور قوم، وغصبت على حقك، فبكت فاطمة (عليها السلام) وبكى الحسن والحسين، فقال لفاطمة: يا سيدة النسوان مم بكاؤك ؟ قالت: يا أبه أخشى الضيعة بعدك، قال: أبشري يا فاطمة فإنك أول من يلحقني من أهل بيتي، لا تبكي ولا تحزني فإنك سيدة نساء أهل الجنة وأباك سيد الانبياء وابن عمك خير الاوصياء (2)، وابناك سيدا شباب أهل الجنة ومن صلب الحسين يخرج الله الائمة التسعة مطهرون معصومون ومنها مهدي هذه الامة، ثم التفت إلى علي (عليه السلام) فقال: يا علي لا يلي غسلي وتكفيني غيرك، فقال له علي: يا رسول الله من يناولني الماء، فإنك رجل ثقيل لا أستطيع أن اقلبك ؟ فقال له: إن جبرئيل معك، ويناولك الفضل الماء، قال: فليغط عينيه فانه لا يرى أحد عورتي غيرك إلا انفقأت عيناه، قال: فلما مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان الفضل يناوله الماء وجبرئيل يعاونه، فلما أن غسله وكفنه أتاه العباس فقال: يا علي إن الناس قد اجتمعوا على أن يدفنوا النبي (صلى الله عليه وآله) بالبقيع، وأن يؤمهم رجل واحد، فخرج على الناس (3) فقال: أيها الناس إن رسول الله كان إماما حيا وميتا، وهل تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعن من جعل القبور مصلى، ولعن من جعل مع الله إلها آخر، ولعن من كسر رباعيته وشق لثته ؟ قال: فقالوا: الامر إليك، فاصنع ما رأيت، قال: فإني أدفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في البقعة التي قبض فيها


(1) كشف الغمة: 148: فيه: يقول لها. (2) في المصدر: سيد الاوصياء. (3) في المصدر: فخرج على إلى الناس.

[537]

قال: ثم قام على الباب وصلى عليه، ثم أمر الناس عشرا عشرا يصلون عليه، ثم يخرجون (1). 39 - كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن منصور بن العباس، عن علي بن أسباط، عن يعقوب بن سالم، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) بات آل محمد (صلى الله عليه وآله) بأطول ليلة حتى ظنوا أن لا سماء تظلهم، ولا أرض تقلهم، لان رسول الله (صلى الله عليه آله) وتر الاقربين والابعدين في الله، فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه فقال: السلام عليكم: أهل البيت ورحمة الله وبركاته. إن في الله عزاء من كل مصيبة، ونجاة من كل هلكة، ودركا لما فات " كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (2) " إن الله اختاركم وفضلكم وطهركم وجعلكم أهل بيت نبيه، واستودعكم علمه. وأورثكم كتابه وجعلكم تابوت علمه، وعصا عزه، وضرب لكم مثلا من نوره، وعصمكم من الزلل، وآمنكم من الفتن، فتعزوا بعزاء الله، فإن الله لم ينزع منكم رحمته، ولن يزيل عنكم نعمته، فأنتم أهل الله عزوجل الذين بهم تمت النعمة، واجتمعت الفرقة، وائتلفت الكلمة، وأنتم أولياؤه، فمن تولاكم فاز، ومن ظلم حقكم زهق، مودتكم من الله واجبة في كتابه على عباده المؤمنين ثم الله على نصركم إذ يشاء قدير، فاصبروا لعواقب الامور فإنها إلى الله تصير، قد قبلكم الله من نبيه وديعة، واستودعكم أولياءه المؤمنين في الارض، فمن أدى أمانته أتاه الله صدقه، فأنتم الامانة المستودعة، ولكم المودة الواجبة، والطاعة المفروضة، وقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أكمل لكم الدين، وبين لكم سبيل المخرج، فلم يترك لجاهل حجة، فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى الله حسابه، والله من وراء حوائجكم، وأستودعكم الله، والسلام عليكم، فسألت


(1) كفاية الاثر: 304. (2) آل عمران: 185.

[538]

أبا جعفر (عليه السلام) ممن أتاهم التعزية ؟ فقال: من الله تبارك وتعالى (1). بيان: قال الفيروز آبادي: وتر الرجل: أفزعه، والقوم جعل شفعهم وترا ووتره ماله: نقصه إياه والموتور: الذي قتل له قتيل فلم فلم يدرك بدمه، تقول: وتره يتره وترا، فمن زحزح، أي ابعد. قوله: تابوت علمه، أي بمنزلة التابوت في بني إسرائيل، لكونه مخزنا لعلومهم، وهم خزان علوم هذه الامة. قوله: وعصا عزه أي أنتم للنبي (صلى عليه وآله) بمنزلة العصا لموسى، فإنها كانت سببا لعزة موسى (عليه السلام) وغلبته. قوله: فتعزوا بعزاء الله، قال الجزري: في الحديث: من لم يتعز بعزاء الله فليس منا، قيل: أراد بالتعزي: التأسي والتصبر عند المصيبة، وأن يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعوان (2) " كما أمر الله تعالى، فمعنى قوله: بعزاء الله، أي بتعزية الله تعالى إياه، فأقام الاسم مقام المصدر. قوله: واستودعكم أولياءه المؤمنين، أي جعلكم وديعة عندهم، وطلب منهم حفظكم ورعايتكم. قوله: أو تناسى، أي أظهر النسيان ولم يكن ناسيا. 40 - كا: علي، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن مفضل بن صالح، عن زيد الشحام قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بم كفن ؟ قال في ثلاثة (3) أثواب: ثوبين صحاريين وبرد حبرة (4). بيان: قال الجوهري: صحار بالضم: قصبة عمان، وقال الجزري: فيه كفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ثوبين صحاريين، صحار: قرية باليمن، نسب الثوب إليها وقيل: هو من الصحرة، وهي حمرة (5) خفية كالغبرة، يقال: ثوب أصحر، وصحاري. 41 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحد له أبو طلحة الانصاري (6).


(1) اصول الكافي 1: 445 و 446. (2) البقرة: 156. (3) بثلاثة خ ل. (4) فروع الكافي 1: 40. (5) يخالف ما يأتي تحت الرقم 51 من انهما كانا ابيضين. (6) فروع الكافي 1: 46.

[539]

42 - كا: علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير عن يحيى بن أبي العلا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ألقى شقران مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قبره القطيفة (1). 43 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن حسين ابن عثمان، عن ابن مسكان، عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: جعل علي (عليه السلام) على قبر النبي (صلى الله عليه وآله) لبنا (2). 44 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد، عن غير واحد، عن أبان، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) محصب حصباء حمراء (3). 45 - كا: محمد بن الحسين، عن سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن علي بن النعمان، عن أبي مريم الانصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: كيف كانت الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: لما غسله أمير المؤمنين (عليه السلام) وكفنه سجاه، ثم أدخل عليه عشرة، فداروا حوله، ثم وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في وسطهم فقال: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسلميا " فيقول القوم كما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة وأهل العوالي (4). بيان: قال الجزري: العوالي: أماكن بأعلى أراضي المدينة. 46 - كا: محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن سيف، عن أبي المعزا، عن عقبة بن بشير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) يا علي ادفني في هذا المكان، وارفع قبري من الارض أربع أصابع، ورش عليه من الماء (5). 47 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن


(1) فروع الكافي 1: 54 في نسخة: على بن ابراهيم عن ابيه عن صالح. (2 و 3) فروع الكافي 1: 54 و 55. (4) اصول الكافي 1: 450. والاية في الاحزاب: 56. (5) اصول الكافي 1: 450.

[540]

أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى العباس أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا علي إن الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بقيع المصلى، وأن يؤمهم رجل منهم، فخرج أمير المؤمنين إلى الناس فقال: يا أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إمام حيا وميتا وقال: إني أدفن في البقعة التي اقبض فيها، ثم قام على الباب فصلى عليه، ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه، ثم يخرجون (1). 48 - كا: محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن سيف، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما قبض النبي (صلى الله عليه وآله) صلت عليه الملائكة والمهاجرون والانصار فوجا فوجا قال: وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في صحته وسلامته: إنما انزلت هذه الآية علي في الصلاة (2) بعد قبض الله لي: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (3) ". 49 - نهج: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ولقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن رأسه لعلى صدري، وقد سالت نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله (صلى الله عليه وآله) والملائكة أعواني، فضجت الدار والافنية، ملا يهبط، وملا يعرج وما فارقت سمعي هينمة يصلون عليه، حتى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحق به مني حيا وميتا (4) ؟ بيان: الهينمة: الكلام الخفي لا يفهم. 50 - يب: محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن القاسم الصيقل قال كتبت إليه: جعلت فداك هل اغتسل أمير المؤمنين (عليه السلام) حين غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند موته ؟ فأجابه: النبي (صلى الله عليه وآله) طاهر مطهر، ولكن أمير المؤمنين (عليه السلام) فعل، و


(1) اصول الكافي 1: 451. (2) في المصدر: في الصلاة على. (3) اصول الكافي 1: 451. والاية في الاحزاب: 56. (4) نهج البلاغة القسم الاول: 432 فيه: هيمنة منهم. (*)

[541]

جرت به السنة (1). 51 - يب: أخبرني الشيخ، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن بزيع، عن علي بن النعمان، عن أبي مريم الانصاري قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ثلاثة أثواب: برد أحمر حبرة، وثوبين أبيضين صحاريين، قلت له: وكيف صلى عليه ؟ قال: سجي بثوب، وجعل وسط البيت، فإذا دخل قوم داروا به وصلوا عليه ودعوا له، ثم يخرجون ويدخل آخرون، ثم دخل علي (عليه السلام) القبر فوضعه على يديه، وأدخل معه الفضل بن العباس، فقال رجل من الانصار من بني الخيلاء يقال له: أوس بن الخولي: انشدكم الله أن تقطعوا حقنا، فقال له علي (عليه السلام): ادخل فدخل معهما، فسألته أين وضع السرير ؟ فقال: عند رجل القبر، وسل سلا (2). بيان: يظهر من مجموع ما مر في الاخبار في الصلاة عليه (صلى الله عليه وآله) أن الصلاة الحقيقة هي التي كان أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاها أولا مع الستة المذكورين في خبر سليم، ولم يدخل في ذلك سوى الخواص من أهل بيته وأصحابه، لئلا يتقدم أحد من لصوص الخلافة في الصلاة، أو يحضر من هؤلاء المنافقين فيها، ثم كان (عليه السلام) يدخل عشرة عشرة من الصحابة: فيقرأ الآية ويدعون ويخرجون من غير صلاة (3). 52 - يب: يعقوب بن يزيد، عن الغفاري، عن إبراهيم بن علي، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) أن قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) رفع شبرا من الارض (4). 53 - يب: أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده قال: قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) فستر بثوب، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) خلف الثوب، وعلي (عليه السلام) عند طرف ثوبه وقد وضع


(1) تهذيب الاحكام 1: 30. (2) تهذيب الاحكام 1: 84. (3) وكان ذلك ايضا يعلمهم على (عليه السلام)، يقوم وسطهم فيقرء ويقرؤن. (4) تهذيب الاحكام 1: 132.

[542]

خديه (1) على راحته، والريح يضرب طرف الثوب على وجه علي (عليه السلام)، قال: والناس على الباب وفي المسجد ينتحبون ويبكون، وإذا سمعنا صوتا في البيت: إن نبيكم طاهر مطهر فادفنوه ولا تغسلوه، قال: فرأيت عليا (عليه السلام) حين رفع رأسه فزعا فقال: اخسأ عدو الله، فإنه أمرني بغسله وكفنه ودفنه، وذاك سنة، قال: ثم نادى مناد آخر غير تلك النغمة: يا علي بن أبي طالب استر عورة نبيك، ولا تنزع القميص (2). 54 - نهج: إلا إن لي في التأسي بعظيم فرقتك، وفادح مصيبتك موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، إنا لله وإنا إليه راجعون (3). 55 - نهج: من كلام له (عليه السلام) قاله وهو يلي غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتجهيزه: بأبي أنت وامي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والانباء وأخبار السماء خصصت حتى صرت مسليا عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك سوآء، ولو لا أنك أمرت بالصبر، ونهيت عن الجزع لانفدنا (4) عليك ماء الشؤن ولكان الداء مماطلا، والكمد محالفا، وقلالك، ولكنه مالا يملك رده، ولا يستطاع دفعه، بأبي أنت وامي اذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك (5). بيان: قوله (عليه السلام): ما لم ينقطع، إذ في موت غيره (صلى الله عليه وآله) من الانبياء كان يرجى نزول الوحي على غيره فأما هو (صلى الله عليه وآله) فلما كان خاتم الانبياء لم يرج ذلك. قوله (عليه السلام): خصصت، أي في المصيبة، أي اختصت وامتازت مصيبتك في الشدة بين المصائب حتى صار تذكرها مسليا عما سواها، وعمت مصيبتك الانام بحيث لا يختص بها أحد دون غيره. قوله: لانفذنا، أي أفنينا وأذهبنا حتى لا يبقى شئ


(1) الضميران راجعان إلى على (عليه السلام). منه رحمه الله. (2) تهذيب الاحكام 1: 132. (3) نهج البلاغة القسم الاول: 417. والاية في البقرة: 156. (4) في المصدر: [لانفذنا] ولعله مصحف. (5) نهج البلاغة القسم الاول: 491 و 492.

[543]

منه بالبكاء، وشؤون الرأس هي عظامه وطرائقه ومواصل قبائله. قوله: مماطلا، أي يماطل في الذهاب ولا يذهب، والكمد بالفتح وبالتحريك: تغير اللون، والحزن الشديد، ومرض القلب منه. وحالفه: عاهده ولازمه. قوله: وقلالك، أي الداء والكمد قليلان في جنب مصيبتك، وإنه ينبغي لمصيبتك ما هو أعظم منهما. قوله: ولكنه أي الموت أو الحزن والبال: القلب: أي اجعلنا ممن حضر بالك، وتهتم بشأنه وتدعو وتشفع له. 56 - أقول: قال السيد ابن طاووس رحمه الله في كشف المحجة: ذكر الطبري في تاريخه في رواية أن النبي (صلى الله عليه وآله) توفي يوم الاثنين، وما دفن إلى يوم الاربعاء (1) وفي رواية أنه (صلى الله عليه وآله) بقي ثلاثة أيام حتى دفن، وذكر إبراهيم الثقفي في كتاب المعرفة أن النبي (صلى الله عليه وآله) بقي ثلاثة أيام حتى دفن، لاشتغالهم بولاية أبي بكر والمنازعات فيها (2). 57 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن الحسن بن علي بن زكريا، عن أحمد بن عبيدالله، عن الربيع بن سيار (3)، عن الاعمش، عن سالم بن أبي الجعد رفعه إلى أبي ذر رضي الله عنه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الشورى: هل فيكم أحد غسل رسول الله مع الملائكة المقربين بالروح والريحان، فقلبه لي الملائكة وأنا أسمع قولهم، وهم يقولون: استروا عورة نبيكم ستركم الله، غيري ؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم من كفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووضعه في حفرته، غيري ؟ قالوا: لا قال: فهل فيكم أحد بعث الله عزوجل إليه بالتعزية، حيث قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السلام) تبكيه، إذ سمعنا حسا على الباب، وقائلا يقول نسمع صوته، ولا نرى شخصه، وهو يقول: " السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، ربكم عزوجل يقرئكم السلام، ويقول لكم: إن في الله خلفا من كل مصيبة، وعزآء من كل هالك، ودركا من كل فوت، فتعزوا بعزاء الله، واعلموا أن أهل الارض يموتون


(1) في المصدر: إلى ليلة الاربعاء. (2) كشف المحجة: 7. (3) في المصدر: يسار.

[544]

وأن أهل السماء لا يبقون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأنا في البيت وفاطمة والحسن والحسين أربعة لا خامس لنا إلا رسول الله مسجى بيننا، غيري ؟ قالوا: لا ثم قال: فهل فيكم أحد أعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حنوطا من حنوط الجنة فقال: اقسم هذا أثلاثا: ثلثا (1) حنطني به، وثلثا لابنتي وثلثا لك، غيري ؟ قالوا: لا، الخبر (2). 58 - ما: جماعة عن أبي المفضل باسناده إلى أبي الطفيل قال: قال علي (عليه السلام) يوم الشورى: فأنشدكم الله (3) هل فيكم أحد غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) غيري ؟ قالوا: اللهم لا، قال: فأنشدكم الله هل فيكم أحد أقرب عهدا برسول الله مني ؟ قالوا: اللهم لا، قال: فأنشدكم الله هل فيكم أحد نزل في حفرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) غيري ؟ قالوا: اللهم لا. الخبر (4). 59 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم بن أحمد، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمعوا صوتا من جانب البيت ولم يروا شخصا يقول: " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز " ثم قال: في الله خلف من كل هالك، وعزآء من كل مصيبة ودرك لما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المحروم من يحرم الثواب واستروا عورة نبيكم، فلما وضعه علي (عليه السلام) على سريره نودي: يا علي لا تخلع القميص، قال: فغسله في قميصه، ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إذا أنا مت فغسلني، فإنه لا يرى أحد عورتي غيرك إلا انفقأت عيناه. قال: فقال له علي (عليه السلام): يا رسول الله إنك رجل ثقيل ولابد لي ممن يعينني قال: فقال له: إن جبرئيل معك يعينك، وليناولك الفضل بن العباس الماء


(1) في المصدر: ثلثا لى. (2) امالي الشيخ: 2 - 4 و 6. (3) في المصدر: [انشدكم بالله] وكذا فيما يأتي بعد ذلك. (4) امالي الشيخ: 7 و 8.

[545]

ومره فليعصب عينه، فإنه لا يرى أحد عورتي غيرك إلا أنفقأت (1). عيناه. 60 - ما: الحسين، عن ابن وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا، عن الحسن بن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي كهش، عن عمرو بن سعيد بن هلال قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن الناس لم يصابوا بمثله، ولن يصابوا بمثله أبدا (2). 61 - ج: عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الشورى: نشدتكم بالله هل فيكم أحد غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكفنه (3) غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد علمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألف كلمة كل كلمة مفتاح ألف كلمة غيري ؟ قالوا: لا: قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حنوطا من حنوط الجنة، ثم قال: اقسمه أثلاثا: ثلثا لي تحنطني به، وثلثا لابنتي وثلثا لك، غيري ؟ قالوا: لا (4). 62 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) دخل على فاطمة (عليها السلام) من وفاته من الحزن مالا يعلمه إلا الله عزوجل فأرسل إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لها: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته ذلك وجعل أمير المؤمنين (عليه السلام) يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا، قال: ثم قال أما إنه ليس فيه شئ من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون (5). 63 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن فاطمة (عليها السلام) مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوما، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان


(1) امالي الشيخ: 59 والاية في سورة آل عمران 185. (2) امالي الشيخ: 68. (3) زاد في المصدر ولحده. (4) احتجاج الطبرسي: 72 - 75 (5) اصول الكافي 1: 240.

[546]

جبرئيل (عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة (عليها السلام) (1). 64 - كتاب الطرف: - للسيد علي بن طاووس، وكتاب مصباح الانوار بإسنادهما إلى كتاب الوصية لعيسى الضرير، عن موسى بن جعفر عليه قال: قال لي أبي: قال علي (عليه السلام) لما قرأت صحيفة وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا فيها: يا علي غسلني ولا يغسلني غيرك، قال: فقلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): بأبي أنت وامي أنا أقوى على غسلك وحدي ؟ قال: بذا أمرني جبرئيل، وبذلك أمره الله تبارك وتعالى، قال: فقلت له: فإن لم أقو على غسلك وحدي فأستعين بغيري يكون معي ؟ فقال جبرئيل: يا محمد قل لعلي (عليه السلام): إن ربك يأمر أن تغسل ابن عمك فإن هذا السنة (2) لا يغسل الانبياء غير الاوصياء، وإنما يغسل كل نبي وصيه من بعده، وهي من حجج الله لمحمد (صلى الله عليه وآله) على امته فيما أجمعوا عليه من قطيعة ما أمرهم به، واعلم يا علي إن لك على غسلي أعوانا، نعم الاعوان والاخوان، قال علي (عليه السلام): فقلت: يا رسول الله من هم ؟ بأبي أنت وامي، فقال: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وإسماعيل صاحب السماء الدنيا أعوان لك، قال علي (عليه السلام): فخررت لله ساجدا، وقلت: الحمد لله الذي جعل لي إخوانا وأعوانا هم امناء الله، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أمسك هذه الصحيفة التي كتبها القوم، وشرطوا فيها الشروط على قطيعتك ودهاب حقك، وما قد أزمعوا عليه من الظلم تكون عندك لتوافيني بها غدا وتحاجهم بها، فقال علي (عليه السلام): غسلت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنا وحدي، وهو في قميصه، فذهبت أنزع عنه القميص فقال جبرئيل: يا علي لا تجرد أخاك من قميصه، فإن الله لم يجرده، وتأيد في الغسل فأنا اشاركك في ابن عمك بأمر الله، فغسلته بالروح والريحان والرحمة


(1) اصول الكافي 1: 241. (2) في المصدر: فانها السنة.

[547]

الملائكة الكرام الابرار الاخيار تبشرني (1) وتمسك واكلم ساعة بعد ساعة ولا اقلب منه (2) إلا قلب لي، فلما فرغت من غسله وكفنه وضعته على سريره وخرجت كما امرت، فاجتمع له من الملائكة ماسد الخافقين، فصلى عليه ربه والملائكة الكرام المقربون وحملة عرشه الكريم، وما سبح لله رب العالمين وأنفذت جميع ما أمرت، ثم واريته في قبره، فسمعت صارخا يصرخ من خلفي: يا آل تيم، و ويا آل عدي يا آل امية أنتم أئمة تدعون إلى النار ويوم القيامة لا تنصرون، اصبروا آل محمد توجروا، ولا تجزعوا (3) فتوزروا " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب (4) " 65 - من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مرثية سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله): نفسي على زفراتها محبوسة * يا ليتها خرجت مع الزفرات لاخير بعدك في الحياة وإنما * أبكي مخافة أن تطول حياتي (5) 66 - ومنه في المرثية عند زيارته (صلى الله عليه وآله): ما غاص (6) دمعي عند نائبة * إلا جعلتك للبكا سببا وإذا ذكرتك سامحتك به * مني الجفون فغاض (7) وانسكبا إني اجل، ثرى حللت به * عن أن أرى لسواه مكثئا (8) بيان: غاض الماء: قل وغار في الارض، والضمير في به راجع إلى الدمع والجفون فاعل سامحت، والانسكاب: الانصباب، وضمير في به راجع إلى الثرى. 67 - وقال شارح الديوان لفاطمة (عليها السلام) قريب منها: إذا اشتد شوقي زرت قبرك باكيا * أنوح وأشكو لا أراك مجاوبي


(1) في المصدر: تشير لى. (2) في المصدر: ولا اقلب منه عضوا. (3) ولا تحرفوا خ ل. (4) الطرف: 44 و 45 و 48 والاية في الشورى: 20. (5) الديوان: 32. (6) ما فاض خ ل. (7) ففاض خ ل. (8) الديوان: 21.

[548]

فيا ساكن الصحراء علمتني البكا * وذكرك أنساني جميع المصائب فإن كنت عني في التراب مغيبا * فما كنت عن قلب الحزين بغائب 68 - ومنه في مرثيته صلى الله عليهما: كنت السواد لناظري * فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت * فعليك كنت احاذر (1) 69 - ومنه: يعزونني قوم براة (2) من الصبر * وفي الصبر أشياء أمر من الصبر يعزي المعزى ثم يمضي لشأنه * ويبقى المعزى في أحر من الجمر (3) بيان: الصبر الاخير اريد به الدواء المر المعروف، وإنما سكن لضرورة الشعر. 70 - ومنه أيضا في مرثيته صلوات الله عليهما: أمن بعد تكفين النبي ودفنه * بأثوابه آسى على هالك ثوى رزئنا رسول الله فينا فلن نرى * بذاك عديلا ما حيينا من الردى وكان لنا كالحصن من دون أهله * له معقل حرز حريز من العدى وكنا بمرآه (4) نرى النور والهدى * صباح مساء راح فينا أو اغتدى لقد غشيتنا ظلمة بعد موته * نهارا فقد زادت على ظلمة الدجى فيا خير من ضم الجوانح والحشا * ويا خير ميت ضمه الترب والثرى كأن امور الناس بعدك ضمنت * سفينة موج حين في البحر قد سما وضاق فضاء الارض عنهم برحبه * لفقد رسول الله إذ قيل: قد مضى فقد نزلت بالمسلمين مصيبة * كصدع الصفا لاشعب للصدع في الصفا فلن يستقل الناس تلك مصيبة * ولن يجبر العظم الذي منهم وهى وفي كل وقت للصلاة يهيجه * بلال ويدعو باسمه كلما دعا ويطلب أقوام مواريث هالك * وفينا مواريث النبوة والهدى (5)


(1 و 3) الديوان: 95 و 60. (2) براء خ ل. (4) برؤياه خ ل. (5) الديوان: 6 و 7.

[549]

بيان: آسى، أي أحزن. وثوى بالمكان: أقام به. رزئنا على بناء المجهول من قولهم: رزأته مصيبة، أي أصابته، وما رزأته ماله بالكسر والفتح، أي ما نقصته والرزء بالضم: المصيبة، وربما يقرأ على بناء المعلوم من قولهم، رزأت الرجل أي أصبت منه خيرا، والاول أنسب، وقوله: من الردى، متعلق بحيينا بتضمين معنى النجاة. والردى: الهلاك. من دون أهله كأنه وضع الظاهر موضع الضمير أي كان لنا كالحصن من دوننا يمنع وصول الاذى إلينا، ومن غير سائر أهله. وقوله: معقل، كأنه حال، والمعقل: الملجأ. والحرز: الموضع الحصين. والعدى جمع العدو وهو جمع لا نظير له، والمرأى: المنظر. وقوله: صباح مساء، ظرف وصباح مبني، ومساء قد يكون معربا، وقد يكون مبنيا، واعرب هنا للوزن. قال الرضي رحمه الله: أصله صباحا فمساء، أي كل صباح، وكل مساء والفاء يؤدي معنى العموم، كما في قولك: انتظرته ساعة فساعة، أي كل ساعة إذ فائدة الفاء التعقيب، فيكون المعنى يوما ويوما عقيبه بلا فصل إلى مالا يتناهى فاقتصر على أول مراتب التكرار كما في قوله تعالى: " فارجع البصر كرتين (1) " ولبيك، أو أصله صباحا بعد مساء. والدجى جمع الدجية، وهي الظلمة. والجوانح: الاضلاع التي تحت الترائب، وهي مما يلي الصدر، الواحدة جانحة، والحشا ما اضطمت عليه الضلوع، ولعل ضم الجوانح والحشا كناية عن الموت كما قيل، أو المعنى خير جميع الناس، فإن كل إنسان له جوانح وحشا منضمين، والترب بالضم: التراب، والثرى: التراب الندي وقوله: قد سما، فاعله الموج، والرحب بالضم: السعة. والباء بمعنى مع. والصدع: الشق. والصفا: الحجر الصلب، والشعب: الصدع في الشئ وإصلاحه، وهو المراد هيهنا. وقوله (عليه السلام): لا شعب استيناف، كأن سائلا سأل هل يمكن إصلاح الشعب ؟ فأجاب بعدم الامكان. واستقلال الامر: عده قليلا. ومصيبة تميز أو حال. والوهي: الكسر. والضمير في يهيجه راجع إلى العظم. والواو في قوله: وفي كل وقت للحال.


(1) الملك: 4، والصحيح: ثم ارجع.

[550]

{ 3 باب } * (غرائب أحواله بعد وفاته، وما ظهر عند ضريحه (صلى الله عليه وآله)) * 1 - ير: محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) يوما لاصحابه: حياتي خير لكم ومماتي خير لكم قال: فقالوا: يا رسول الله هذا حياتك نعم، فكيف مماتك ؟ قال: إن الله حرم لحومنا على الارض أن تطعم منها شيئا (1). 2 - ير: محمد بن عبد الجبار عن عبد الرحمن بن حماد، عن القاسم بن عروة عن عبد الله بن عمر المسلي، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، فأما حياتي فإن الله هداكم بي من الضلالة، وأنقذكم من شفا حفرة من النار، وأما مماتي فإن أعمالكم تعرض علي، فما كان من حسن استزدت الله لكم، وما كان من قبيح استغفرت الله لكم، فقال له رجل من المنافقين: وكيف ذاك يا رسول الله وقد رممت ؟ يعنى صرت رميما، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): كلا إن الله حرم لحومنا على الارض فلا تطعم منها شيئا (2). 3 - ير: أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن زياد بن أبي الحلال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مامن نبي ولا وصي يبقى في الارض أكثر من ثلاثة أيام حتى يرفع بروحه وعظمه ولحمه إلى السماء، وإنما يؤتى مواضع آثارهم ويبلغونهم من بعيد السلام، ويسمعونهم على آثارهم من قريب (3). 4 - ب: معاوية بن حكيم، عن الوشاء قال: قال لي الرضا (عليه السلام) بخراسان: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) هيهنا والتزمته (4).


(1) بصائر الدرجات: 131. أقول: لم يضبط الراوى تمام الحديث، ولذا ترى فيه اضطرابا وفي الحديث الاتى شرح وتفصيل لذلك. (2 و 3) بصائر الدرجات: 131 و 132. (4) قرب الاسناد: 152.

[551]

ير: بهذا الاسناد مثله (1) 5 - ير: محمد بن الحسين، عن الحكم بن المسكين، عن أبي سعيد المكاري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتى أبا بكر فقال له: أما أمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تطيعني ؟ فقال: لا، ولو أمرني لفعلت، قال: فانطلق بنا إلى مسجد قبا، فإذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي، فلما انصرف قال علي (عليه السلام): يا رسول الله إني قلت لابي بكر، أمرك الله ورسوله أن تطيعني، فقال: لا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد أمرتك فأطعه، قال: فخرج فلقي عمر وهو ذعر فقال له: مالك ؟ فقال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): كذا وكذا، فقال: تبا لامة ولوك أمرهم، أما تعرف سحر بني هاشم (2) ! 6 - ير: إبراهيم بن هاشم، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي - عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: مالكم تسؤون رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال له رجل: جعلت فداك وكيف نسؤوه ؟ فقال: أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية الله ساءة، فلا تسوؤا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسروه (3). 7 - ير: السندي بن محمد، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاصحابه: حياتي خير لكم، تحدثون ونحدث لكم، ومماتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فإن رأيت حسنا جميلا حمدت الله على ذلك، وإن رأيت غير ذلك استغفرت الله لكم (4). ير: أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن عاصم مثله (5). أقول: سيأتي الاخبار في ذلك في كتاب الامامة مع شرحها، ودفع الاشكالات الواردة عليها ان شاء الله تعالى. 8 - ير، ختص: موسى بن جعفر: قال: وجدت بخط أبي يرويه عن محمد بن عيسى الاشعري، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله


(1) بصائر الدرجات: 77. (2) بصائر الدرجات: 78. (3) بصائر الدرجات: 132. (4 و 5) بصائر الدرجات: 131.

[552]

(عليه السلام) فقلت: جعلت فداك سمعتك وأنت تقول غير مرة: لولا أنا نزاد لانفدنا قال: أما الحلال والحرام فقد والله أنزله الله على نبيه بكماله، وما يزاد الامام في حلال ولا حرام، قال: فقلت: فما هذه الزيادة ؟ قال: في سائر الاشياء سوى الحلال والحرام، قال: قلت: فتزادون شيئا يخفى على رسول الله ؟ فقال: لا، إنما يخرج الامر من عند الله فيأتي به الملك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول: يا محمد ربك يأمرك بكذا وكذا، فيقول: انطلق به إلى علي، فيأتي عليا فيقول: انطلق به إلى الحسن فيقول: انطلق به إلى الحسين، فلم يزل هكذا ينطلق إلى واحد بعد واحد حتى يخرج إلينا قلت: فتزادون شيئا لا يعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: ويحك يجوز (1) أن يعلم الامام شيئا لم يعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والامام من قبله (2). 9 - ير: سلمة، عن عبد الله بن محمد، عن الحسين المنقري، عن يونس بن أبي الفضل، عن أبي عبد الله قال: ما من ليلة جمعة إلا ولاولياء الله فيها سرور قلت: كيف ذاك جعلت فداك ؟ قال: إذا كانت ليلة الجمعة وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) العرش، ووافيت معه، فما أرجع إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لنفد ما عندنا (3). 10 - ختص، ير: ابن عيسى، عن البزنطي، عن ثعلبة عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لولا نزاد لانفذنا، قال: قلت: تزادون شيئا لا يعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: إنه إذا كان ذلك عرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم على الائمة ثم انتهى إلينا (4). 1 - كا: عدة من أصحابنا، عن البرقي، عن جعفر بن المثنى الخطيب قال: كنت بالمدينة وسقف المسجد الذي يشرف على القبر قد سقط، والفعلة يصعدون وينزلون، ونحن جماعة، فقلت لاصحابنا: من منكم له موعد يدخل على أبي عبد الله


(1) في المصدر: كيف يجوز. (2) بصائر الدرجات: 116، الاختصاص: 313. (3) بصائر الدرجات: 36. فيه: ووافى الائمة العرش ووافيت معهم. (4) الاختصاص: 312، بصائر الدرجات: 116.

[553]

(عليه السلام) الليلة ؟ فقال مهران بن أبي نصر: أنا، وقال إسماعيل بن عمار الصيرفي أنا، فقلنا لهما: سلاه لنا عن الصعود لنشرف على قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما كان من الغد لقيناهما فاجتمعنا جميعا فقال إسماعيل: قد سألناه لكم عما ذكرتم، فقال: ما احب لاحد منهم أن يعلو فوقه، ولا آمنة أن يرى شيئا يذهب منه بصره، أو يراه قائما يصلي، أو يراه مع بعض أزواجه (صلى الله عليه وآله) (1). 12 - ما: ابن حشيش، عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن القاسم بن زكريا عن الحسن بن عبد الواحد (2). عن يوسف بن كليب، عن عامر بن كثير، عن أبي - الجارود قال: حفر عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) (3) عند رأسه وعند رجليه أول ما حفر فأخرج مسك أذفر لم يشكوا فيه (4). 13 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لما كان سنة إحدى وأربعين أراد معاوية الحج، فأرسل نجارا وأرسل بالآلة، وكتب إلى صاحب المدينة أن يقلع منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويجعلوه على قدر منبره بالشام، فلما نهضوا اليقلعوه انكسفت الشمس وزلزلت الارض فكفوا، وكتبوا بذلك إلى معاوية، فكتب إليهم يعزم عليهم لما فعلوه ففعلوا ذلك، فمنبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدخل الذي رأيت (5). يقول مؤلف الكتاب جعله الله من اولي الالباب، ووفقه لاقتناء آثار نبيه وأهل بيته صلوات الله عليه في كل باب: قد اتفق الفراغ من هذا المجلد من كتاب بحار الانوار في ليلة الجمعة لعشرين مضين من شهر الله المعظم شهر رمضان من شهور سنة أربع وثمانين بعد الالف من الهجرة المقدسة النبوية مع وفور الاشغال واختلال البال


(1) اصول الكافي 1: 452. (2) في المصدر: الحسن بن محمد بن عبد الواحد الخزاز. (3) في المصدر: عند قبر الحسين (عليه السلام). (4) امالي ابن الشيخ: 200. (5) فروع الكافي 1: 316.

[554]

فأرجو ممن نظر فيه أن لا يؤاخدني بما يجد فيه من الخطاء والخطل والنسيان ويدعو لي ولآبائي ولمشايخي وأسلافي بالرحمة والغفران. والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وأهل بيته الطاهرين المنتجين ولعنة الله على أعدائهم أبد الآبدين. عليهم لما فعلوه ففعلوا ذلك، فمنبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدخل الذي رأيت (5). يقول مؤلف الكتاب جعله الله من اولي الالباب، ووفقه لاقتناء آثار نبيه وأهل بيته صلوات الله عليه في كل باب: قد اتفق الفراغ من هذا المجلد من كتاب بحار الانوار في ليلة الجمعة لعشرين مضين من شهر الله المعظم شهر رمضان من شهور سنة أربع وثمانين بعد الالف من الهجرة المقدسة النبوية مع وفور الاشغال واختلال البال


(1) اصول الكافي 1: 452. (2) في المصدر: الحسن بن محمد بن عبد الواحد الخزاز. (3) في المصدر: عند قبر الحسين (عليه السلام). (4) امالي ابن الشيخ: 200. (5) فروع الكافي 1: 316.

[554]

فأرجو ممن نظر فيه أن لا يؤاخدني بما يجد فيه من الخطاء والخطل والنسيان ويدعو لي ولآبائي ولمشايخي وأسلافي بالرحمة والغفران. والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وأهل بيته الطاهرين المنتجين ولعنة الله على أعدائهم أبد الآبدين. إلى هنا تم المجلد السادس من كتاب بحار الانوار حسب تجرءة المصنف: والمجلد الثاني والعشرون على تجزئتنا، وهو في سيرة نبينا ابى القاسم محمد (صلى الله عليه وآله) ولعمري هو احسن كتاب واجمع مؤلف دون في سيرته (صلى الله عليه وآله)، وقد صححته على نسخة المؤلف قدس سره، وراجعت مصادره وعلقت عليه ما يحتاج إليه غرائب ألفاظه، وغامض معانيه، و نرجو ممن نظر فيه أن لا ينساني من صالح دعواته، وان يدعو لى ولوالدي بالرحمة والمغفرة والحمد لله أولا واخرا، والصلاة على خير خلقه محمد، وعترته الطيبين الطاهرين، واللعنة على اعدائهم أجمعين إلى ويوم الدين. قم المشرفة: عبد الرحيم الربانى الشيرازي عفى عنه وعن والديه

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية