الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 21

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 21


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الحادي والعشرون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م مؤسسة الوفاء بيروت لبنان صرب: 1457 هاتف: 386868 بسم الله الرحمن الرحيم 22 * (باب) * * (غزوة خيبر وفدك، وقدوم جعفر بن أبى طالب عليهما السلام) * الآيات: الفتح " 48 ": سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا " 15 ". وقال تعالى: فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما * وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما " 18 - 20 ". تفسير: أقول: قد مر تفسير الآيات في باب نوادر الغزوات وباب غزوة الحديبية. وقال الطبرسي رحمه الله: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلة، ثم خرج منها غاديا إلى خيبر، وذكر ابن إسحاق باسناده عن أبي مروان الاسلمي، عن أبيه، عن جده (1) قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خيبر حتى إذا كنا قريبا منها وأشرفنا عليها قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " قفوا " فوقف الناس فقال: " اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الارضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أظللن (2) إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها و خير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، قدموا (3)


(1) في سيرة ابن هشام: قال ابن اسحاق حدثنى من لا اتهم، عن عطاء بن ابى مروان الاسلمي عن ابيه، عن ابى معتب بن عمرو. (2) زاد في السيرة: ورب الرياح وما أذرين، فانا. (3) أقدموا خ ل. أقول: في المصدر والسيرة: اقدموا بسم الله.

[2]

بسم الله الرحمن الرحيم ". وعن سلمة بن الاكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خيبر فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر بن الاكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك (1) ؟ وكان عامر رجلا شاعرا، فجعل يقول: لا هم لولا أنت ما اهتدينا (2) * ولا تصدقنا ولا صلينا (3) فاغفر فداء لك ما اقتنينا * وثبت الاقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا * إنا إذا صيح بنا أنينا وبالصياح عولوا علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من هذا السائق ؟ " قالوا: عامر، قال: " يرحمه الله " قال عمر وهو على جمل: وجبت يا رسول الله لولا أمتعتنا به، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما استغفر لرجل قط يخصه إلا استشهد، قالوا: فلما جد الحرب وتصاف القوم خرج يهودي وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فبرز (4) إليه عامر وهو يقول: قد علمت خيبر أني عامر * شاكي السلاح بطل مغامر فاختلفا ضربتين فوقع سيف اليهودي في ترس عامر، وكان سيف عامر فيه قصر، فتناول به ساق اليهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، قال سلمة: فإذا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وأنا أبكي، فقلت: قالوا: إن عامرا بطل


(1) في السيرة: من هناتك. (2) حجينا خ ل. أقول: في السيرة: والله لولا الله ما اهتدينا. (3) الموجود في السيرة بعد ذلك: انا إذا قوم بغوا علينا * وان ارادوا فتنة ابينا * فانزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام ان لاقينا (4) فبدر خ ل.

[3]

عمله، فقال: " من قال ذلك ؟ " قلت: نفر من أصحابك، فقال: كذب اولئك بل أوتي من الاجر مرتين، قال: فحاصرناهم حتى إذا أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله فتحها علينا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله أعطى اللواء عمر بن الخطاب (1) ونهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يجبنه أصحابه ويجبنهم. وكان رسول الله أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، فقال حين أفاق من وجعه: " ما فعل الناس بخيبر ؟ " فأخبر فقال: " لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه ". وروى البخاري ومسلم عن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن الاسكندراني، عن أبي حازم، عن سعيد بن (2) سهل أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوم. خيبر: " لاعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، و يحبه الله ورسوله " قال: فبات الناس يدوكون بجملتهم (3) أيهم يعطاها (4) فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: " أين علي ابن أبي طالب ؟ " فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه (5) قال: " فأرسلوا إليه " فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وآله في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع (6)، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله ! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ قال (7): انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله (8) فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم (9).


(1) وكان ذلك بعد ما اعطى اللواء ابا بكر فرجع. ذكره ابن هشام في السيرة. (2) سعد خ ل أقول: في المصدر: سعد بن سهل، وفى صحيح البخاري ومسلم: سهل بن سعد. وروياه ايضا بأسانيد اخرى. راجع البخاري 5: 22 و 23 و 171 طبعة محمد على صبيح وصحيح مسلم 5: 195 و 6: 121 و 122 طبعة محمد على صبيح. (3) في الصحيحين: يدوكون ليلتهم. (4) يعطيها خ ل. (5) في الصحيحين: فقالوا: هو يا رسول الله يشتكى عينيه. (6) في الصحيحين، فبرأ حتى كان لم يكن به وجع. (7) في الصحيحين: فقال. (8) في الصحيحين: من حق الله فيه. (9) في الصحيحين: " خير لك من ان يكون لك حمر النعم " إلى هنا تمام الخبر فيهما. (*)

[4]

قال سلمة: فبرز مرحب وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب الابيات. فبرز له علي عليه السلام وهو يقول: أنا الذي سمتني امي حيدرة * كليث غابات كريه المنظرة أو فيهم بالصاع كيل السندرة (1) فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله وكان الفتح على يده (2) أورده مسلم في الصحيح. وروى أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: خرجنا مع علي عليه السلام حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي عليه السلام باب الحصن فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني في سبعة نفر أنا منهم (3) نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه. وبإسناده عن ليث بن أبي سليم (4)، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: حدثني جابر بن عبد الله أن عليا عليه السلام حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فاقتحموها ففتحوها، وإنه حرك بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا. قال: وروي من وجه آخر عن جابر: ثم اجتمع عليه سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب. وبإسناده، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان علي عليه السلام يلبس في الحر والشتاء القباء المحشو الثخين، وما يبالي الحر، فأتاني أصحابي فقالوا: إنا رأينا من أمير المؤمنين شيئا، فهل رأيت ؟ قلت: وما هو ؟ قالوا: رأيناه يخرج علينا في الحر الشديد في القباء المحشو الثخين وما يبالي الحر، ويخرج علينا


(1) يأتي قرييا تمام الابيات عن الديوان وفيه اختلاف. (2) في صحيح مسلم: قال فضرب رأس مرحب فقتله ثم كان الفتح على يديه. راجع صحيح مسلم 5: 195. (3) ثامنهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر والسيرة. (4) سلمة خ ل.

[5]

في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين وما يبالي البرد، فهل سمعت في ذلك شيئا ؟ فقلت: لا، فقالوا: فسل لنا أباك عن ذلك، فإنه يسمر (1) معه، فسألته فقال ما سمعت في ذلك شيئا، فدخل على علي عليه السلام فسمر معه فسأله عن ذلك، فقال: أو ما شهدت معنا خيبر ؟ قلت: بلى، قال: أو ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا أبا بكر فعقد له ثم بعثه إلى القوم فانطلق فلقي القوم ثم جاء بالناس وقد هزموا (2) ؟ فقال: بلى، قال: ثم بعث إلى عمر فعقد له ثم بعثه إلى القوم فانطلق فلقي القوم فقاتلهم ثم رجع وقد هزم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لاعطين الرأية اليوم رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، كرارا غير فرار " فدعاني فأعطاني الراية، ثم قال: " اللهم اكفه الحر والبرد " فما وجدت بعد ذلك حرا ولا بردا. وهذا كله منقول من كتاب دلائل النبوة للامام أبي بكر البيهقي. ثم لم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يفتح الحصون حصنا فحصنا ويحوز الاموال حتى انتهوا إلى حصن الوطيح والسلالم، وكان آخر حصون خيبر افتتح، وحاصرهم رسول الله بضع عشر ليلة. قال ابن إسحاق: ولما افتتح القموص: حصن ابن أبي الحقيق أتي رسول الله صلى الله عليه وآله بصفية بنت (3) حي بن أخطب، وبأخرى معها، فمر بهما بلال - وهو الذي جاء بهما - على قتلى من قتلى اليهود (4) فلما رأتهم التي معها صفية صاحت وصكت وجهها، وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " أعزبوا (5) عني هذه الشيطانة " وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أنه قد اصطفاها لنفسه، وقال صلى الله عليه وآله لبلال لما رأى من تلك اليهودية ما رأى: " أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلى رجالهما " ؟. وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق


(1) أي يتحدث معه بالليل. (2) في المصدر: وقد هزم. (3) حيى خ ل أقول: هذا هو الصحيح كما في المصدر والسيرة (4) في المصدر والسيرة: من قتلى يهود. (5) أي باعدوا.

[6]

أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز محمدا، ولطم على وجهها لطمة اخضرت عينها منها، فأتي بها رسول الله صلى الله عليه وآله وبها أثر منها، فسألها رسول الله صلى الله عليه وآله ما هو ؟ فأخبرته. وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنزل لاكلمك (1) قال: نعم، فنزل وصالح رسول الله صلى الله عليه وآله على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء والكراع وعلى الحلقة وعلى البز إلا ثوب (2) على ظهر إنسان، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا " فصالحوه على ذلك، فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يسألونه أن يسيرهم (3) ويحقن دماءهم، ويخلون بينه وبين الاموال، ففعل، وكان ممن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود أحد بني حارثة، فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعاملهم الاموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، وصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت أموال خيبر فيئا بين المسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله، لانهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب. ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وآله أهدت له زينب بنت الحارث بن سلام بن مشكم وهي ابنة أخي مرحب شاة مصلية (4) وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السم وسمت (5) سائر الشاة، ثم جاءت بها: فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فأخذها فلاك منها مضغة وانتهش (6)


(1) فاكلمك خ ل. أقول: يوجد هذا في المصدر. (2) في المصدر: " الا ثوبا " أقول: الحلقة بسكون اللام: السلاح عاما وقيل: هي الدروع خاصة. والبز: الثباب. (3) أي ينفيهم من أرضهم. (4) أي مشوية. (5) وسممت خ ل. (6) نهش خ ل.

[7]

منها، ومعه بشر بن البرآء بن معرور فتناول عظما فانتهش منه (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة " فدعاها (2) فاعترفت، فقال: " ما حملك على ذلك ؟ " فقال: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان نبيا فسيخبر، وإن كان ملكا استرحت منه، فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وآله، ومات بشر بن البراء من أكلته التي أكل، قال: ودخلت أم بشر بن البراء على رسول الله صلى الله عليه وآله تعوده في مرضه الذي توفي فيه، فقال صلى الله عليه وآله: " يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تعاودني، فهذا أوان قطعت (3) أبهري " فكان (4) المسلمون يرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات شهيدا، مع ما أكرمه الله به من النبوة (5). بيان: قوله: من هنيهاتك: قال الجزري: أي من كلماتك، أو من أراجيزك قوله: وجبت، أي الرحمة أو الشهادة، في مجمع البحار: أي وجبت له الجنة و المغفرة التي ترحمت بها عليه، وإنه يقتل شهيدا. وقال النووي في شرح الصحيح: أي ثبتت له الشهادة وستقع قريبا، وكان معلوما عندهم أنه كل من دعا له النبي صلى الله عليه وآله هذا الدعاء في هذا الموطن استشهد: وفي النهاية: في حديث ابن الاكوع قالوا يا رسول الله لولا متعتنا به، أي هلا تركتنا ننتفع به انتهى. وقال النووي: أي وددنا أنك أخرت الدعاء له فنتمتع بمصاحبته مدة، وقال غيره: أي ليتك أشركتنا في دعائه. وقال الجزري في النهاية، في حديث خيبر لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون تلك


(1) في سيرة ابن هشام: تناول الذراع، فلاك منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله، فاما بشر فأساغها، واما رسول الله صلى الله عليه وآله فلفظها " أقول: فلم يسغها أي فلم يبلعها. فلفطها أي طرحها ورماها. (2) ثم دعاها خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) أن قطعت خ ل: أقول الابهر: عرق إذا انقطع مات صاحبه. (4) في المصدر: وكان. (5) مجمع البيان 9: 119 - 122.

[8]

الليلة، أي يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه، يقال: وقع الناس في دوكة، أي خوض واختلاط، وقال: النهس: أخذ اللحم بأطراف الاسنان، والنهش: الاخذ بجميعها. أقول: قال الطبرسي قدس الله روحه في قوله تعالى: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) " قيل: إن المراد بالفتح هنا فتح خيبر، وروي عن مجمع بن حارثة الانصاري وكان أحد القراء قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الاباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس ؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي صلى الله عليه وآله واقفا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع الناس عليه قرأ: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " السورة، فقال عمر: أفتح هو يا رسول الله ؟ قال: نعم، فقال (2): والذي نفسي بيده إنه لفتح، فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل فيها أحد إلا من شهدها (3). بيان: في النهاية إذا الناس يهزون الاباعر، أي يحثونها ويدفعونها، والوهز: شدة الدفع والوطي انتهى. وقد يقرأ بتشديد الزاي من الهز، وهو إسراع السير. وكراع الغميم كغراب: موضع على ثلاثة أميال من عسفان ذكره الفيروز آبادي. 1 - نوادر الراوندي بإسناده عن عبد الواحد بن إسماعيل، عن محمد بن الحسن التميمي عن سهل بن أحمد الديباجي، عن محمد بن محمد بن الاشعث، عن محمد بن عزيز، عن سلامة بن عقيل، عن ابن شهاب قال: قدم جعفر بن أبي طالب عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله (4) فقام فتلقاه فقبل بين عينيه، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس ما أدري بأيهما أنا أسر ؟ بافتتاحي خيبر أم بقدوم ابن عمي جعفر ؟ (5). 2 - وبهدا الاسناد: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أهل خيبر يريدون أن يلقوكم فلاتبدؤهم بالسلام، فقالوا: يا رسول الله فإن سلموا علينا فما ذا نرد عليهم ؟


(1) السورة: 48. (2) خلى المصدر عن لفظة: فقال. (3) مجمع البيان 9: 110 (4) أي من الحبشة (5) نوادر الراوندي: 29. (*)

[9]

قال: تقولون وعليكم (1). 3 - ما: المفيد، عن الحسين بن علي بن محمد التمار، عن علي بن ماهان عن عمه، عن محمد بن عمر، عن ثور بن يزيد، عن مكحول قال: لما كان يوم خيبر خرج رجل من اليهود يقال له: مرحب، وكان طويل القامة، عظيم الهامة وكانت اليهود تقدمه لشجاعته ويساره، قال: فخرج في ذلك اليوم إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فما واقفه قرن إلا قال: أنا مرحب، ثم حمل عليه، فلم يثبت له، قال: وكانت له ظئر وكانت كاهنة تعجب بشبابه وعظم خلقه (2). وكانت تقول له: قاتل كل من قاتلك، وغالب كل من غالبك إلا من تسمي عليك بحيدرة، فإنك إن وقفت له هلكت، قال: فلما كثر مناوشته وجزع (3) الناس بمقاومته شكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسألوه أن يخرج إليه عليا عليه السلام، فدعا النبي صلى الله عليه وآله عليا وقال له: " يا علي اكفني مرحبا " فخرج إليه أمير المؤمنين عليه السلام فلما بصر به مرحب يسرع إليه فلم يره يعبأ به فأنكر ذلك وأحجم عنه، ثم أقدم وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي مرحبا. فأقبل علي عليه السلام (4) وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدرة. فلما سمعها منه مرحب هرب ولم يقف خوفا مما حذرته منه ظئره، فتمثل له إبليس في صورة حبر من أحبار اليهود فقال: إلى أين يا مرحب ؟ فقال: قد تسمي علي هذا القرن بحيدرة، فقال له إبليس: فما حيدرة ؟ فقال: إن فلانة ظئري كانت تحذرني من مبارزة رجل اسمه حيدرة، وتقول: إنه قاتلك، فقال له إبليس: شوها لك، لو لم يكن حيدرة إلا هذا وحده لما كان مثلك يرجع عن مثله، تأخذ بقول النساء وهن يخطئن أكثر مما يصبن ؟ وحيدرة في الدنيا كثير، فارجع فلعلك تقتله، فإن قتلته سدت قومك، وأنا في ظهرك أستصرخ اليهود لك، فرده، فوالله ما كان إلا كفواق ناقة حتى ضربه على ضربة سقط منها لوجهه، وانهزم اليهود يقولون: قتل مرحب، قتل مرحب.


(1) نوادر الراوندي: 33. (2) في المصدر: وعظم خلقته. (3) وثقل خ ل. (4) واقبل على عليه السلام بالسيف.

[10]

قال: وفي ذلك يقول الكميت بن يزيد الاسدي رحمه الله في مدحه عليه السلام شعرا: سقى جرع الموت ابن عثمان بعد ما * تعاورها منه وليد ومرحب والوليد هو ابن عتبة خال معاوية ابن أبي سفيان، وعثمان بن طلحة (1) من قريش، ومرحب من اليهود (2). يج: عن مكحول مثله مع اختصار، ولم يذكر البيتين (3). 4 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم أبي شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير ومسور بن مخرمة أن نبي الله صلى الله عليه وآله لما افتتح خيبر وقسمها على ثمانية عشر سهما كانت الرجال ألفا وأربعمائة رجل، والخيل مائتا (4) فرس، وأربعمائة سهم للخيل كل سهم من الثمانية عشر سهما مائة سهم، ولكل مائة سهم رأس، فكان عمر بن الخطاب رأسا، وعلي رأسا (5) والزبير رأسا، وعاصم بن عدي رأسا، فكان سهم النبي صلى الله عليه وآله مع عاصم بن عدي (6). 5 - ما: محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، عن أحمد بن محمد الصائغ، عن محمد بن إسحاق السراج، عن قتيبة بن سعيد، عن حانم، عن بكير بن يسار، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي ثلاث، فلان يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي وخلفه في بعض مغازيه، فقال: يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " وسمعته يقول يوم خيبر: " لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " قال: فتطاولنا لهذا، قال: ادعوا لي عليا، فأتى علي أرمد العين فبصق في عينيه، ودفع إليه الراية ففتح عليه، ولما نزلت هذه الآية: " ندع أبناءنا و


(1) استظهر المصنف في الهامش ان الصحيح طلحة بن عثمان. (2) مجالس ابن الشيخ: 2 و 3. (3) لم نجده في الخرائج. (4) في المصدر: والخيل مائتي فرس. (5) زاد في المصدر: وطلحة رأسا. (6) امالي ابن الشيخ 164.

[11]

أبنإكم (1) " دعى رسول الله صلى الله عليه وآله عليأ وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم السلام وقال: اللهم هؤلاء أهلي (2). 6 - فس: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا (3) " فإنها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة خيبر، وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الاسلام، وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس ابن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحس بخيل رسول الله صلى الله عليه وآله جمع أهله وماله وصار في ناحية الجبل فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فمر به أسامة بن زيد فطعنه وقتله، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ؟ " فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " فلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت " فحلف أسامة بعد ذلك أنه لا يقاتل أحدا " شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فتخلف عن أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه وأنزل الله في ذلك: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا (4) ". 7 - ج: عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث سعد بن (5) معاذ براية الانصار إلى خيبر فرجع منهزما، ثم بعث عمر بن الخطاب براية المهاجرين فأتي بسعد جريحا، وجاء عمر يجبن أصحابه ويجبنونه، فقال رسول


(1) زاد في المصدر: " وانفسنا وانفسكم " أقول: والاية في سورة آل عمران: 61. (2) امالي ابن الشيخ: 193. (3) النساء: 94. (4) تفسير القمى: 136 و 137. (5) لم نظفر في المصدر بالحديث حتى نرى نصه والفاظه، وسعد بن معاذ كما قال المصنف لم يكن حيا في تلك. الغزوة بل مات بعد غزوة قريظة، والمقريزي قال في الامتاع انه صلى الله عليه وآله دفع راية إلى رجل من الانصار ولم يبين شخصه.

[12]

الله صلى الله عليه وآله: " هكذا تفعل المهاجرون والانصار ؟ " حتى قالها ثلاثا، ثم قال: " لاعطين الراية رجلا ليس بفرار يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله " الخبر. بيان: لعله كان سعد بن عبادة فصحف، إذ الفرار منه بعيد، مع أنه مات يوم قريظة ولم يبق إلى تلك الغزوة. 8 - لى: أخبرني سليمان بن أحمد اللحمي (1) فيما كتب إلي، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن رماخس بن محمد بن خالد بن حبيب بن قيس بن عمرو بن عبد بن غزية بن جشم بن بكر بن هوازن برمادة القليسيين: رمادة العليا، وكان فيما ذكر ابن مائة وعشرين سنة، قال: حدثنا زياد بن طارق الجشمي وكان ابن تسعين سنة قال: حدثنا جدي أبو جرول زهير وكان رئيس قومه، قال: أسرنا رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح خيبر (2) فبينا هو يميز الرجال من النساء إذ وثبت حتى جلست بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فأسمعته شعرا، اذكره حين شب فينا ونشأ في هوازن وحين أرضعوه، فأنشأت أقول: امنن علينا رسول الله في كرم * فإنك المرء نرجوه وننتظر امنن على بيضة قد عاقها قدر * مفرق شملها في دهرها عبر (3) أبقت لنا الحرب هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركهم نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما " حين يختبر (4) امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك يملاؤه من محضها (5) الدرر إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها * وإذ يزينك (6) ما تأتي وما تذر


(1) الصحيح كما في المصدر: اللخمى بالخاء المعجمة. (2) اورده ايضا بطريق آخر وجده بخط الشهيد رحمه الله في باب غزوة حنين وفيه: " لما أسرنا رسول الله صلى الله عليه وآله يوم هوازن " وهو الصواب، والظاهر ان لفظه " خيبر " مصحفة (حنين) والوهم من الرواة كما ان الظاهر ان ابا جرول زهير المذكور في الحديث وفيما يأتي من الشهيد مصحف ايضا والصواب أبو صرد زهير، وهو مذكور في سيرة ابن هشام 4: 134 راجعه. (3) في نسخة من المصدر: " غير " وفيما يأتي من خط الشهيد: مشتت شملها في دهرها غير. (4) فيما يأتي من خط الشهيد: تختبر. (5) في المصدر: من مخضها. (6) فيما يأتي من خط الشهيد: واذ يريبك وفى المصدر: واذ يرينك.

[13]

يا خير من مرحت كمت الجياد به * عند الهياج إذا ما استو قد الشرر لا تتركنا (1) كمن شالت نعامته * واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر للنعماء وقد كفرت (2) * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر فألبس العفو من قد كنت ترضعه * من أمهاتك إن العفو مشتهر (3) إنا نؤمل عفوا منك تلبسه * هادي البرية ان تعفو وتنتصر (4) فاعف عفى الله عما أنت راهبه * يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لله ولكم، و قالت الانصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، فردت الانصار ما كان في أيديهما من الذراري والاموال (5). بيان: البيضة: الاصل والعشيرة، ومجتمع القوم، وموضع سلطانهم، و يقال: شالت نعامتهم: إذا ماتوا وتفرقوا كأنهم لم يبق منهم إلا بقية. والنعامة: الجماعة ذكره الجزري. ثم إن الظاهر أنه كان يوم فتح حنين فصحف كما سيظهر مما سيأتي في تلك الغزاة. 9 - ن: بإسناد التميمي عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: دفع النبي صلى الله عليه وآله الراية يوم خيبر إلي فما برحت حتى فتح الله علي (6). 10 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما مر بالنبي صلى الله عليه واله يوم كان أشد عليه من يوم خيبر، وذلك أن العرب تباغت عليه " 7 ". بيان: الاظهر أنه كان يوم حنين، كما في بعض النسخ، أو يوم الاحزاب فصحف.


(1) فيما يأتي من خط الشهيد: لا تجعلنا. (2) فيما يأتي من خط الشهيد: إذ كفرت. (3) فيما يأتي من خط الشهيد: منتشر. (4) كتب في نسخة المصنف على كلمة (هادى) هذا. وفيما يأتي من خط الشهيد: هذى البرية إذ تعفو وتنتصر. (5) امالي الصدوق: 300 و 301، وذكر ابن هشام في السيرة من تخلف ولم يرد إليهم الاموال والذراري. (6) عيون اخبار الرضا: 224 وفيه: حتى فتح الله على يدى. (7) علل الشرائع: 158.

[14]

11 - شا: ثم تلت الحديبية خيبر وكان الفتح فيها لامير المؤمنين عليه السلام بلا ارتياب، وظهر من فضله في هذه الغزاة ما أجمع على نقله الرواة، وتفرد فيها من المناقب ما لم يشركه فيها (1) أحد من الناس، فروى يحيى بن (2) محمد الازدي عن مسعدة بن اليسع وعبد الله بن عبد الرحيم، عن عبد الملك بن هشام ومحمد بن إسحاق وغيرهم من أصحاب الآثار قالوا: لما دنا رسول الله صلى الله عليه واله من خيبر قال للناس: " قفوا " فوقف الناس فرفع يديه إلى السماء وقال: " اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب االارضين السبع (3) وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، أسألك خير (4) هذه القرية وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها (5) ". ثم نزل تحت شجرة في المكان ثم (6) أقام وأقمنا بقية يومنا ومن غده، فلما كان نصف النهار نادى منادي رسول الله صلى الله عليه واله فاجتمعنا إليه، فإذا عنده رجل جالس فقال: " إن هذا جاءني وأنا نائم فسل سيفي وقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم ؟ قلت: الله يمنعني منك، فشام السيف وهو جالس كما ترون لاحراك به " فقلنا: يا رسول الله لعل في عقله شيئا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " نعم دعوه " ثم صرفه ولم يعاقبه، وحاصر رسول الله خيبر بضعا وعشرين ليلة، وكانت الراية يومئذ لامير - المؤمنين عليه السلام فلحقه رمد فمنعه (7) من الحرب، وكان المسلمون يناوشون (8) اليهود من بين أيدي حصونهم وجنباتها، فلما كان ذات يوم فتحوا الباب وقد كانوا خندقوا على أنفسهم خندقا، وخرج مرحب برجله يتعرض للحرب، فدعا رسول الله صلى الله عليه واله


(1) بما لم يشرك فيه خ ل. (2) محمد بن يحيى خ ل. (3) لم يذكر ابن هشام في السيرة " السبع " في الموضعين. (4) من خير خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) في السيرة: " ورب الشياطين وما اضللن ورب الرياح وما أذرين، فانا نسألك خير هذه القرية وخير اهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر اهلها وشر ما فيها، اقدموا بسم الله " قال: وكان يقولها عليه السلام لكل قرية دخلها. (6) فاقام خ ل. (7) أعجزه عن الحرب خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (8) يتناوشون خ ل.

[15]

أبا بكر (1) فقال له: " خذ الراية " فأخذها في جمع من المهاجرين (2) فاجتهد فلم يغن شيئا فعاد (3) يؤنب القوم الذين اتبعوه ويؤنبونه، فلما كان من الغد تعرض لها عمر فسار بها غير بعيد، ثم رجع يجبن أصحابه ويجبنونه، فقال النبي (4) صلى الله عليه واله: " ليست هذه الراية لمن حملها، جيؤني بعلي بن أبي طالب " فقيل له: إنه أرمد (5) قال: " أرونيه تروني رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله يأخذها بحقها ليس بفرار " فجاؤا بعلي عليه السلام يقودونه إليه، فقال له النبي صلى الله عليه واله: " ما تشتكي يا علي ؟ " قال: رمد ما ابصر معه، وصداع برأسي، فقال له: " اجلس وضع رأسك على فخذي " ففعل علي عليه السلام ذلك فدعا له النبي صلى الله عليه واله فتفل (6) في يده فمسح (7) بها على عينيه ورأسه، فانفتحت عيناه، وسكن ما كان يجده من الصداع، وقال في دعائه (8): " اللهم قه الحر والبرد " وأعطاه الراية، وكانت راية بيضاء وقال له: " خذ الراية وامض بها، فجبرئيل (9) معك، والنصر أمامك والرعب مبثوث في صدور القوم، واعلم يا علي إنهم يجدون في كتابهم أن الذي يدمر عليهم اسمه إيليا، فإذا لقيتهم فقل: أنا علي، فإنهم يخذلون إنشاء الله تعالى " قال أمير المؤمنين (10) عليه السلام: فمضيت بها حتى أتيت الحصون (11) فخرج مرحب وعليه مغفر وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب * شاك السلاح (12) بطل مجرب فقلت: أنا الذي سمتني أمي حيدرة (13) * كليث غابات (14) شديد قسورة أكيلكم بالسيف كيل السندرة (15)


(1) وقال خ ل. (2) في المهاجرين خ ل. (3) وعاد خ ل. (4) رسول الله خ ل (5) فقال خ ل. (6) وتفل خ ل. (7) فمسحها خ ل. (8) في دعائه له خ ل. (9) فجبرائيل خ ل. (10) على خ ل. (11) الحصن خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (12) سلاحي خ ل. (13) عبل الذراعين شديد القصرة خ. (14) ليث لغابات. (15) أطعن بالرمح وجوه الكفرة خ.

[16]

واختلفنا ضربتين فبدرته وضربته فقددت الحجر والمغفر ورأسه حتى وقع السيف في أضراسه: فخر صريعا (1). وجاء في الحديث أن أمير المؤمنين عليه السلام لما قال: أنا علي بن أبي طالب قال: حبر من أحبار القوم: غلبتم وما انزل على موسى (2) فدخل في قلوبهم (3) من الرعب ما لم يمكنهم معه الاستيطان به، ولما قتل أمير المؤمنين عليه السلام مرحبا رجع من كان معه وأغلقوا باب الحصن عليهم دونه فصار أمير المؤمنين عليه السلام إليه فعالجه حتى فتحه وأكثر الناس من جانب الخندق لم يعبروا معه، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام باب الحصن فجعله على الخندق جسرا لهم حتى عبروا، فظفروا (4) بالحصن، ونالوا الغنائم، فلما انصرفوا من الحصن أخذه أمير المؤمنين عليه السلام بيمناه فدحا (5) به أذرعا من الارض وكان الباب يغلقه عشرون رجلا (6) ولما فتح أمير المؤمنين عليه السلام الحصن وقتل مرحبا وأغنم الله المسلمين أموالهم استأذن حسان بن ثابت الانصاري رسول الله صلى الله عليه واله أن يقول فيه شعرا، فقال له (7): قل فأنشأ يقول: وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يحس مداويا شفاه رسول الله منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي الراية اليوم صارما * كميا محبا للرسول مواليا يحب إلهي والاله يحبه * به يفتح الله الحصون الاوابيا فأصفى بها دون البرية كلها * عليا وسماه الوزير المواخيا وقد روى أصحاب الآثار، عن الحسن بن صالح، عن الاعمش، عن أبي (8) إسحاق


(1) وخر خ ل. (2) في السيرة: فاطلع إليه يهودى من رأس الحصن فقال: من أنت ؟ قال: انا على بن أبى طالب، قال اليهودي: علوتم وما انزل على موسى أو كما قال، فما رجع حتى فتح الله على يديه. (3) على قلوبهم خ ل. (4) وظفروا خ ل. (5) ودحا خ ل. (6) عشرون رجلا منهم خ. (7) قل قال خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (8) ابن خ ل أقول: في المصدر: عن أبى اسحاق.

[17]

عن أبي عبد الله الجدلي (1) قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لما عالجت باب خيبر جعلته مجنا لي فقاتلتهم (2) به، فلما أخزاهم الله وضعت الباب على حصنهم طريقا ثم رميت به في خندقهم، فقال له رجل: لقد حملت منه ثقلا، فقال ما كان إلا مثل جنتي التي في يدى في غير ذلك المقام. وذكر أصحاب السيرة أن المسلمين لما انصرفوا من خيبر راموا حمل الباب فلم يقله منهم إلا سبعون (3) رجلا. وفي حمل أمير المؤمنين عليه السلام الباب يقول الشاعر: إن امرءا حمل الرتاج (4) بخيبر * يوم اليهود بقدرة لمؤيد حمل الرتاج رتاج باب قموصها * والمسلمون وأهل خيبر حشد فرمى به ولقد تكلف رده * سبعون شخصا كلهم متشدد (5) ردوه بعد تكلف ومشقة * ومقال بعضهم لبعض ارددوا وفيه أيضا قال شاعر من شعراء الشيعة يمدح أمير المؤمنين عليه السلام، ويهجو أعداءه على ما رواه أبو محمد الحسن بن محمد بن جمهور قال: قرأت على أبي عثمان المازني: بعث النبي براية منصورة * عمر بن حنتمة الدلام الادلما (6) فمضى بها حتى إذا برزوا له * دون القموص نبا (7) وهاب وأحجما فأتى النبي براية مردودة * ألا تخوف عارها فتذمما ؟ فبكى النبي له وأنبه بها * ودعا امرءا حسن البصيرة مقدما فغدا بها في فيلق ودعا له * ألا يصد بها وألا يهزما فزوى اليهود إلى القموص وقد كسا * كبش الكتيبة ذاغرار مخذما


(1) في المصدر: عن ابن ابى عبد الله الجدلي ولعله وهم. (2) وقاتلت القوم خ ل. (3) ذكره المقريزى في الامتاع عن جابر (4) الرتاج: الباب. (5) في المصدر: سبعون كلهم له يتشددوا. (6) الادلم: الاسود الطويل: قال الجزرى: ومنه الحديث: فجاء رجل أدلم فاستأذن على النبي صلى الله عليه واله، قيل: هو عمر بن الخطاب. (7) ثنى خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر ونبا أي تجافى ورجع.

[18]

وثنى بناس بعدهم فقراهم * طلس الذئاب وكل نسر قشعما ساط الا له بحب آل محمد * وبحب من والاهم مني الدما (1) بيان: قال الجوهري: شمت السيف: أغمدته، وشمته: سللته من الاضداد قوله: يجبن أصحابه: أي ينسبهم إلى الجبن وقال الجزري: في حديث على عليه السلام " أكيلكم بالسيف كيل السندرة " أي أقتلكم قتلا واسعا ذريعا، والسندرة: مكيال واسع، وقيل: يحتمل أن يكون اتخذ من السندرة وهي شجرة تعمل منها النبل و القسي، والسندرة أيضا العجلة. أقول في الديوان المنسوب إليه عليه السلام: أنا الذي سمتني امي حيدرة * ضرغام آجام وليث قسورة عبل الذراعين شديد القصرة * كليث غابات كريه المنظرة أكيلكم بالسيف كيل السندرة * أضربكم ضربا يبين الفقرة وأترك القرن بقاع جزرة * أضرب بالسيف رقاب الكفرة ضرب غلام ماجد حزورة * من ترك (2) الحق يقوم صغرة أقتل منهم سبعة أو عشرة * فكلهم أهل فسوق فجرة (3) العبل: الضخم من كل شئ، والقصرة بالتحريك: أصل العنق وجزر السباع: اللحم الذي تأكله، والحزور كجعفر، وبتشديد الواو وفتح الزاء أيضا: الغلام إذا اشتد وقوي وخدم. وصغرة جمع صاغر بمعنى الذليل، والفيلق: الجيش. و الغرار بالكسر: حد الرمح والسهم والسيف، والمخذم بالكسر: السيف القاطع، والقرى: الضيافة، والطلس بالكسر: الذئب الامعط، أي المتساقط الشعر، والقشعم المسن من النسور والضخم، والسوط: الخلط. 12 - قب: أركبه رسول الله صلى الله عليه واله يوم خيبر وعممه بيده وألبسه ثيابه وأركبه بغلته، ثم قال: " امض يا علي وجبرئيل عن يمينك، وميكائيل عن يسارك، و


(1) الارشاد: 62 - 65. (2) في المصدر: من يترك. (3) الديوان: 61.

[19]

عزرائيل أمامك، وإسرافيل وراءك. ونصر الله فوقك، ودعائي خلفك " وخبر النبي صلى الله عليه واله رميه باب خيبر أربعين ذراعا فقال صلى الله عليه واله: والذي نفسي بيده لقد أعانه عليه أربعون (1) ملكا. 13 - ما: في خبر الشورى باسناده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: فهل فيكم أحد احتمل باب خيبر يوم فتحت حصنها، ثم مشى به ساعة، ثم ألقاه، فعالجه بعد ذلك أربعون رجلا فلم يقلوه من الارض (2) ؟ قالوا: لا (3). 14 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن عبد الرحمن بن سليمان الازدي عن الحسن بن علي الازدي، عن عبد الوهاب بن الهمام، عن جعفر بن سليمان، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة السعدي، عن حذيفة بن اليمان قال: لما خرج جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة إلى النبي صلى الله عليه واله قدم جعفر رحمه الله والنبي صلى الله عليه واله بأرض خيبر فأتاه بالفرع من الغالية والقطيفة فقال النبي صلى الله عليه واله: " لادفعن هذه القطيفة إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " فمد أصحاب النبي صلى الله عليه واله أعناقهم إليها، فقال النبي صلى الله عليه واله: " أين علي ؟ " فوثب عمار بن ياسر رضي الله عنه فدعا عليا عليه السلام، فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه واله: " يا علي خذ هذه القطيفة إليك " فأخذها علي عليه السلام وأمهل حتى قدم المدينة فانطلق إلى البقيع وهو سوق المدينة فأمر صائغا ففصل القطيفة سلكا سلكا فباع الذهب وكان ألف مثقال، ففرقه علي عليه السلام في فقراء المهاجرين والانصار، ثم رجع إلى منزله ولم يترك (4) من الذهب قليلا ولا كثيرا، فلقيه النبي صلى الله عليه واله من غد في نفر من أصحابه فيهم حذيفة وعمار فقال: " يا علي إنك أخذت بالامس ألف مثقال فاجعل غدائي اليوم وأصحابي هؤلاء عندك " ولم يكن علي عليه السلام يرجع يومئذ إلى شئ من العروض: ذهب أو فضة، فقال حياء منه وتكرما: نعم يا رسول الله وفي الرحب والسعة ادخل يا نبي الله أنت


(1) مناقب آل ابى طالب 2: 78. (2) في المصدر: فلم يقلوه من الارض غيرى ؟ (3) المجالس والاخبار: 6. (4) في المصدر: لم يترك له. (*)

[20]

ومن معك، قال: فدخل النبي صلى الله عليه واله ثم قال لنا: ادخلوا، قال حذيفة: وكنا خمسة نفر: أنا، وعمار، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد رضي الله عنهم، فدخلنا و دخل علي على فاطمة عليهما السلام يبتغي عندها شيئا من زاد، فوجد في وسط البيت جفنة من ثريد تفور، وعليها عراق كثير، وكأن رائحتها المسك، فحملها علي عليه السلام حتى وضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله ومن حضر معه، فأكلنا منها حتى تملانا ولا ينقص منها قليل ولا كثير، وقام النبي صلى الله عليه واله حتى دخل على فاطمة عليها السلام، وقال: " أنى لك هذا الطعام يا فاطمة ؟ " فردت عليه ونحن نسمع قولهما فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فخرج النبي صلى الله عليه واله إلينا مستعبرا وهو يقول: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيت لابنتي ما رأى زكريا لمريم، كان إذا دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا، فيقول لها: يا مريم أنى لك هذا ؟ فتقول: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (1). بيان: في القاموس: فرع كل شئ: أعلاه، ومن القوم: شريفهم، والمال الطائل المعد. 15 - ل: باسناده عن عامر بن واثلة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول يوم الشورى: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله حين رجع عمر يجبن أصحابه و يجبنونه قد رد راية رسول الله صلى الله عليه واله منهزما، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " لاعطين الراية غدا رجلا ليس بفرار، يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله عليه " فلما أصبح قال: " ادعوا لي عليا " فقالوا: يا رسول الله هو رمد ما يطرف، فقال: " جيؤني به " فلما قمت بين يديه تفل في عيني وقال: " اللهم أذهب عنه الحر والبرد " فأذهب الله عني الحر والبرد إلى ساعتي هذه، فأخذت الراية وهزم الله المشركين وأظفرني بهم، غيري ؟ قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد حين جاء مرحب وهو يقول: أنا الذي سمتني امي مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب


(1) المجالس والاخبار: 36. راجع حكاية مريم في سورة آل عمران: 37.

[21]

فخرجت إليه فضربني وضربته، وعلى رأسه نقير من جبل (1) لم يكن (2) تصلح على رأسه بيضة من عظم رأسه، ففلقت النقير. ووصل السيف إلى رأسه فقتله، ففيكم أحد فعل هذا ؟ قالوا: اللهم لا (3). 16 - ج: عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث الشورى قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: نشدتكم بالله هل فيكم أحد مسح رسول الله صلى الله عليه واله عينيه وأعطاه الراية يوم خيبر فلم يجد حرا ولا بردا غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قتل مرحبا اليهودي مبارزة فارس اليهود غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد احتمل باب خيبر حين فتحها فمشى به مائة ذراع ثم عالجه بعده أربعون رجلا " فلم يطيقوه غيري ؟ قالوا: لا (4). 17 - عم: ثم كانت غزوة خيبر في ذى الحجة من سنة ست، وذكر الواقدي أنها كانت أول سنة سبع من الهجرة، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه واله بضعا وعشرين ليلة وبخيبر أربعة عشر ألف يهودي في حصونهم، فجعل رسول الله عليه السلام يفتحها حصنا حصنا، وكان من أشد حصونهم وأكثرها رجالا القموص، فأخذ أبو بكر راية المهاجرين فقاتل بها ثم رجع منهزما، ثم أخذها عمر من الغد فرجع منهزما يجبن الناس ويجبنونه حتى ساء رسول الله صلى الله عليه واله ذلك، فقال: لاعطين الراية غدا رجلا كرارا غير فرار، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه، فغدت قريش يقول بعضهم لبعض: أما علي فقد كفيتموه فإنه أرمد لا يبصر موضع قدمه، وقال علي عليه السلام لما سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه واله: " اللهم لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت " فأصبح رسول الله صلى الله عليه واله واجتمع إليه الناس قال سعد: جلست نصب عينيه، ثم جثوت على ركبتي، ثم قمت على رجلي قائما، رجاء أن يدعوني، فقال: " ادعوا لي عليا " فصاح الناس من كل جانب إنه أرمد رمدا لا يبصر موضع قدمه، فقال: " أرسلوا إليه وادعوه " فاتي به يقاد، فوضع رأسه على فخذه


(1) من حجر خ ل. (2) في المصدر: لم تكن. (3) الخصال 2: 120 و 124. (4) الاحتجاج: 73 و 74.

[22]

ثم تفل في عينيه، فقام وكأن (1) عينيه جزعتان، ثم أعطاه الراية ودعا له فخرج يهرول هرولة، فوالله ما بلغت اخراهم حتى دخل الحصن، قال جابر: فأعجلنا أن نلبس أسلحتنا وصاح سعد: (2) اربع يلحق بك الناس، فأقبل حتى ركزها قريبا من الحصن، فخرج إليه مرحب في عادته باليهود، فبارزه فضرب رجله فقطعها وسقط، وحمل علي عليه السلام والمسلمون عليهم فانهزموا. قال أبان: وحدثني زرارة قال: قال الباقر عليه السلام: انتهى إلى باب الحصن وقد اغلق في وجهه، فاجتذبه اجتذابا وتترس به، ثم حمله على ظهره، واقتحم الحصن اقتحاما واقتحم المسلمون والباب على ظهره، قال: فو الله ما لقي علي من الناس تحت الباب أشد مما لقي من الباب، ثم رمى بالباب رميا، وخرج البشير إلى رسول الله صلى الله عليه واله إن عليا عليه السلام دخل الحصن، فأقبل رسول الله فخرج علي عليه السلام يتلقاه فقال صلى الله عليه واله: " بلغني (3) نبأك المشكور، وصنيعك المذكور، قد رضي الله عنك فرضيت أنا (4) عنك " فبكى علي عليه السلام فقال له: " ما يبكيك يا علي ؟ " فقال: فرحا بأن الله ورسوله عني راضيان. قال: وأخذ علي فيمن أخذ صفية بنت حبي فدعا بلالا فدفعها إليه، وقال له: لا تضعها إلا في يدي رسول الله صلى الله عليه واله حتى يرى فيها رأيه، فأخرجها بلال ومر بها إلى رسول الله صلى الله عليه واله على القتلى وقد كادت تذهب روحها (5) فقال صلى الله عليه واله: " أنزعت منك الرحمة يا بلال ؟ " ثم اصطفاها لنفسه، ثم أعتقها وتزوجها. قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه واله من خيبر عقد لواء، ثم قال: " من يقوم إليه (6) فيأخذه بحقه ؟ " وهو يريد أن يبعث به إلى حوائط فدك، فقام الزبير إليه فقال: أنا، فقال: " امط عنه " ثم قام إليه (7) سعد فقال: " امط عنه " ثم قال:


(1) في المصدر: فكأن. (2) في المصدر: وصاح سعد يا ابا الحسن اربع. (3) في المصدر: قد بلغني. (4) في المصدر: ورضيت أنا. (5) في المصدر: وقد كادت تذهب روحها جزعا. (6 و 7) المصدر خلى عن لفظة: " إليه ".

[23]

" يا علي قم إليه فخذه " فأخذه فبعث به إلى فدك فصالحهم على أن يحقن دماء هم فكانت حوائط فدك لرسول الله خاصا خالصا، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: إن الله عزوجل يأمرك أن تؤتي ذا القربى حقه، قال: يا جبرئيل ومن قرباي (1) ؟ و ما حقها ؟ قال فاطمة، فأعطها حوائط فدك وما لله ولرسوله فيها، فدعا رسول الله صلى الله عليه واله فاطمة وكتب لها كتابا جاءت به بعد موت أبيها إلى أبي بكر، وقالت: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه واله لي ولابني. قال: ولما افتتح (2) رسول الله صلى الله عليه واله خيبر أتاه البشير بقدوم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة إلى المدينة، فقال صلى الله عليه واله: " ما أدري بأيهما أنا (3) أسر ؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ؟ ". وعن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول الله صلى الله عليه واله، فلما نظر جعفر إلى رسول الله صلى الله عليه واله حجل، يعني مشى على رجل واحدة إعظاما لرسول الله صلى الله عليه واله، فقبل رسول الله بين عينيه (4). وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله لما استقبل جعفرا التزمه ثم قبل بين عينيه (5)، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه واله بعث قبل أن يسير إلى خيبر عمرو بن أمية الضمري (6) إلى النجاشي عظيم الحبشة (7) ودعاه إلى الاسلام فأسلم، وكان أمر عمروا أن يتقدم بجعفر وأصحابه، فجهز النجاشي جعفرا وأصحابه بجهاز حسن، وأمر لهم بكسوة وحملهم في سفينتين (8). بيان: قال الجزري: الجزع بالفتح. الخرز اليماني، ويقال: ربع يربع


(1) في المصدر: ومن قراباتى ؟ (2) في المصدر: ولما فتح. (3) في المصدر: ما أدرى بايهما أسر ؟ (4) في المصدر: ما بين عينيه. (5) في المصدر: ثم قبل عينيه. (6) في المصدر: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن يسير إلى خيبر ارسل عمرو بن امية الضميرى. أقول: الاصوب: الضمرى. (7) الحبش خ ل. (8) اعلام الورى بأعلام الهدى: 62 و 63 (ط 1) و 107 - 109 ط 1.

[24]

أي وقف وانتظر، وقال: في حديث خيبر أنه أخذ الراية فهزها ثم قال: " من يأخذها بحقها ؟ " فجاء فلان فقال: أنا، فقال: " امط " ثم جاء آخر فقال: " امط " أي تنح واذهب. وقال: الحجل: أن يرفع رجلا، ويقفز على الاخرى من الفرح، وقد يكون بالرجلين إلا أنه قفز، وقيل: الحجل مشي المقيد. 18 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يحيى الحلبي، عن هارون ابن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله لجعفر: " يا جعفر ألا أمنحك ؟ ألا اعطيك ؟ ألا أحبوك ؟ " فقال له جعفر: بلى يا رسول الله، قال: فظن الناس أنه يعطيه ذهبا أو فضة، فتشوف الناس لذلك، فقال له: إني اعطيك شيئا إن أنت صنعته في كل يوم كان خيرا لك من الدنيا وما فيها " ثم علمه صلى الله عليه واله صلاة جعفر على ما سيأتي إنشاء الله (1). بيان: تشوف للشئ، أي طمح إليه بصره. 19 - ل، ن: المفسر بإسناده إلى أبي محمد العسكري، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله لما جاءه جعفر بن أبي طالب من الحبشة قام إليه واستقبله اثنتى عشرة خطوة، وقبل ما بين عينيه وبكى، وقال: " لا أدري بأيهما أنا أشد سرورا. بقدومك يا جعفر أم بفتح الله على أخيك خيبر ؟ " وبكى فرحا برؤيته (2). 20 - يب: الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن بسطام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له رجل: جعلت فداك أيلتزم الرجل أخاه ؟ فقال: نعم إن رسول الله صلى الله عليه واله يوم افتتح خيبر أتاه الخبر أن جعفرا قد قدم، فقال: " والله ما أدري بأيهما أنا أشد سرورا، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر ؟ " قال: فلم يلبث أن جاء جعفر، قال: فوثب رسول الله صلى الله عليه واله فالتزمه وقبل ما بين عينيه، قال: فقال له الرجل: الاربع ركعات التي بلغني أن رسول الله صلى الله عليه واله أمر جعفرا أن يصليها ؟ فقال: لما قدم عليه السلام عليه قال له: " يا جعفر ألا اعطيك ؟ ألا أمنحك ؟ ألا أحبوك ؟ " قال: فتشوف الناس ورأوا


(1) فروع الكافي 1: 129 - 130. (2) الخصال 2: 82 و 83، عيون اخبار الرضا: 140.

[25]

أنه يعطيه ذهبا أو فضة، قال: بلى يا رسول الله، قال: صل أربع ركعات متى ما صليتهن غفر لك ما بينهن، إن استطعت كل يوم، وإلا فكل يومين، أو كل جمعة، أو كل شهر، أو كل سنة، فإنه يغفر لك ما بينهما الخبر (1). 21 - قب: فتح خيبر في المحرم سنة سبع، ولما رأت أهل خيبر عمل علي عليه السلام قال ابن أبي الحقيق للنبي صلى الله عليه واله: أنزل فاكلمك، قال: نعم، فنزل وصالح النبي صلى الله عليه واله على حقن دماء في حصونهم، ويخرجون منها بثوب واحد، فلما سمع أهل فدك قصتهم بعثوا محيصة بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه واله يسألونه أن يسترهم بأثواب، فلما نزلوا سألوا النبي صلى الله عليه واله أن يعاملهم الاموال على النصف، فصالحهم على ذلك، وكذلك فعل بأهل خيبر (2). 22 - ل: الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، عن جده، عن داود بن القاسم عن الحسن بن زيد قال: سمعت جماعة من أهل بيتي يقولون: إن جعفر بن أبي طالب لما قدم من أرض الحبشة - وكان بها مهاجرا، وذلك يوم فتح خيبر - قام النبي صلى الله عليه واله فقبل بين عينيه، ثم قال: ما أدري بأيهما أنا أسر، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر (3) ؟. 23 - كا: العدة، عن أحمد، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن أبي الفضل قال: كنت مجاورا بمكة فسألت أبا عبد الله عليه السلام من أين احرم بالحج ؟ فقال: من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه واله من الجعرانة (4)، أتاه في ذلك المكان فتوح الطائف وفتح خيبر والفتح (5). بيان: لعل " خيبر " هنا تصحيف " حنين " كما في بعض النبسخ، ويمكن أن يقال: كانت البشارة بفتح خيبر في الحديبية، وهو قريب من الجعرانة.


(1) التهذيب 1: 175 و 176. (2) مناقب آل ابى طالب 1: 176. (3) الخصال 1: 38 و 39. (4) الجعرانة بسكون العين والتخفيف وقد تكسر العين وتشد الراء: موضع قريب من مكة. (5) فروع الكافي 1: 249.

[26]

24 - لى: الصائغ، عن محمد بن العباس بن بسام. عن محمد بن خالد بن إبراهيم عن سويد بن عبد العزيز، عن عبد الله بن لهيعة، عن ابن قنبل، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله دفع الراية يوم خيبر إلى رجل من أصحابه فرجع منهزما، فدفعها إلى آخر فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه قد رد الراية منهزما، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، و يحبه الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه " فلما أصبح قال: ادعوا لي عليا، فقيل له: يا رسول الله هو رمد، فقال: ادعوه، فلما جاء تفل رسول الله صلى الله عليه واله في عينيه وقال: " اللهم ادفع عنه الحر والبرد " ثم دفع الراية إليه ومضى، فما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه واله إلا بفتح خيبر، ثم قال: إنه لما ؟ ؟ من القموص أقبل أعداء الله من اليهود يرمونه بالنبل والحجارة، فحمل عليهم علي عليه السلام حتى دنا من الباب، فثنى رجله (1) ثم نزل مغضبا إلى أصل عتبة الباب فاقتلعه، ثم رمى به خلف ظهره أربعين ذراعا، قال ابن عمرو: ما عجبنا من فتح الله خيبر على يدي علي عليه السلام، ولكنا عجبنا من قلعه الباب ورميه خلفه أربعين ذراعا، ولقد تكلف حمله أربعون رجلا فما أطاقوه فاخبر النبي صلى الله عليه واله بذلك، فقال: والذي نفسي بيده لقد أعانه عليه أربعون ملكا (2). 25 - لى: الدقاق، عن الصوفي، عن عبيدالله بن موسى الحبال، عن محمد ابن الحسين الخشاب، عن محمد بن محصن، عن ابن ظبيان، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في رسالته إلى سهل بن حنيف رحمه الله، والله ما قلعت باب خيبر ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعا بقوة جسدية، ولا حركة غذائية، لكني ايدت بقوة ملكوتية، ونفس بنور ربها مضيئة (3) وأنا من أحمد كالضوء من الضوء، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت، ولو أمكنتني الفرصة من رقابها لما بقيت، ومن لم يبال متى حتفه عليه ساقط فجنانه في الملمات رابط (4).


(1) رجليه خ ل. (2) امالي الصدوق: 307. (3) مضية خ ل. (4) امالي الصدوق: 307.

[27]

26 - ل: فيما أجاب أمير المؤمنين عليه السلام اليهودي الذي سأل عن علامات الاوصياء أن قال: وأما السادسة يا أخا اليهود فإنا وردنا مع رسول الله صلى الله عليه واله مدينة أصحابك خيبر على رجال من اليهود وفرسانها من قريش وغيرها فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح، وهم في أمنع دار، وأكثر عدد، كل ينادي يدعو (1) ويبادر إلى القتال فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلا قتلوه، حتى إذا احمرت الحدق ودعيت إلى النزال، وأهمت كل امرئ نفسه، والتفت بعض أصحابي إلى بعض وكل يقول: يا أبا الحسن انهض، فأنهضني رسول الله صلى الله عليه واله إلى دارهم، فلم يبرز إلي منهم أحد إلا قتلته، ولا يثبت لي فارس إلا طحنته، ثم شددت عليهم شدة الليث على فريسته حتى أدخلتهم جوف مدينتهم مسددا عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها وأسبي من أجد من نسائها حتى افتتحتها وحدي، ولم يكن لي فيها معاون إلا الله وحده (2). 27 - ما: ابن الحمامي، عن أحمد بن سليمان بن الحسن، عن معاذ بن المثنى، عن مسدد، عن أبي عوانة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح الله عليه " قال عمر: ما أحببت الامارة قبل يومئذ، فدعا عليا عليه السلام فبعثه، فقال له: " اذهب فقاتل حتى يفتح الله عزوجل عليك، ولا تلتفت " فمشى ساعة أو قال: قليلا، ثم وقف ولم يلتفت، فقال: يا رسول الله على ما اقاتل الناس ؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عزوجل (3). 28 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن الحسن بن القاسم، عن إبراهيم


(1) ويدعو خ ل. (2) الخصال 2: 16 (3) امالي ابن الشيخ: 242.

[28]

ابن شيبان، عن سليمان بن بلال، عن علي بن موسى بن الحسن، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله دفع خيبر إلى أهلها بالشطر، فلما كان عند الصرام بعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال: " إن شئتم أخذتم بخرصنا، وإن شئنا أخذنا واحتسبنا لكم ؟ " فقالوا: هذا الحق بهذا قامت السماوات والارض (1). 29 - يج: روي عن علي عليه السلام قال: لما خرجنا إلى خيبر فإذا نحن بواد ملأ (2) ماء فقدرناه أربع عشر (3) قامة، فقال الناس: يا رسول الله العدو من ورائنا، والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى: إنا لمدركون، فنزل صلى الله عليه واله فقال (4): " اللهم إنك جعلت لكل مرسل علامة، فأرنا قدرتك (5) " فركب و عبرت الخيل والابل لا تندى حوافرها وأخفافها (6) ففتحوه ثم اعطي بعده في أصحابه حين عبور عمرو بن معدي كرب البحر (7) بالمدائن بحبشه (8). 30 - يج: من معجزاته صلى الله عليه واله أنه لما سار إلى خيبر أخذ أبو بكر الراية إلى باب الحصن فحاربهم، فحملت اليهود فرجع منهزما " يجبن أصحابه ويجبنونه ولما كان من الغد أخذ عمر الراية فخرج بهم، ثم رجع يجبن الناس (9) فغضب رسول الله صلى الله عليه واله وقال: " ما بال أقوام يرجعون منهزمين يجبنون أصحابهم ؟ أما لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله و رسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده (10) " وكان علي عليه السلام أرمد العين، فتطاول جميع المهاجرين والانصار فقالوا: أما علي فإنه لا يبصر شيئا، لا سهلا ولا جبلا


(1) الامالى: 218. (2) ملان خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر (3) عشرة خ ل. أقول: في المصدر: فإذا هو اربعة عشر قامة. (4) ثم قال خ ل (5) من قدرتك خ ل (6) في المصدر: " ولا اخفافها " ولم يذكر بعد ذلك فيه. (7) بالمدائن والبحر. (8) الخرائج: 184. أقول: لعل (بحبشه) مصحف بجيشه. (9) اصحابه خ ل. (10) على يديه خ ل.

[29]

فلما كان من الغد خرج رسول الله صلى الله عليه واله من الخيمة والراية في (1) يده فركزها وقال: " أين علي ؟ " فقيل: يا رسول الله هو رمد معصوب العينين، قال: " هاتوه إلي " فاتي به يقاد، ففتح رسول الله صلى الله عليه واله عينيه ثم تفل فيهما فكأن عليا (2) لم ترمد عيناه قط (3) ثم قال: " اللهم أذهب عنه الحر والبرد " فكان علي يقول: ما وجدت بعد ذلك حرا ولا بردا في صيف ولا شتاء، ثم دفع إليه الراية وقال له: سر في المسلمين إلى باب الحصن، وادعهم إلى إحدى ثلاث خصال: إما أن يدخلوا في الاسلام ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم وأموالهم لهم، وإما أن يذعنوا للجزية (4) والصلح ولهم الذمة وأموالهم لهم، وإما الحرب فإن (5) اختاروا الحرب فحاربهم. فأخذها وسار بها والمسلمون خلفه حتى وافى باب الحصن، فاستقبله حماة اليهود، وفي أولهم مرحب يهدر (6) كما يهدر البعير، فدعاهم إلى الاسلام فأبوا، ثم دعاهم إلى الذمة فأبوا، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام فانهزموا بين يديه ودخلوا الحصن وردوا بابه، وكان الباب حجرا منقورا في صخر، والباب من الحجر في ذلك الصخر المنقور كأنه حجر رحى، وفي وسطه ثقب لطيف، فرمى أمير المؤمنين عليه السلام بقوسه من يده اليسرى، وجعل يده اليسرى في ذلك الثقب الذي في وسط الحجر دون اليمنى، لان السيف كان في يده اليمنى، ثم جذبه إليه فانهار الصخر المنقور، وصار الباب في يده اليسرى، فحملت عليه اليهود، فجعل ذلك ترسا له، وحمل عليهم فضرب مرحبا فقتله، وانهزم اليهود من بين يديه فرمى عند ذلك الحجر بيده اليسرى إلى خلفه، فمر الحجر الذي هو الباب على رؤس الناس من المسلمين إلى أن وقع في آخر العسكر، قال المسلمون: فذرعنا المسافة التي مضى فيها الباب فكانت أربعين ذراعا، ثم اجتمعنا على الباب (7) لنرفعه من الارض وكنا أربعين رجلا حتى تهيأ لنا أن نرفعه قليلا من الارض.


(1) بيده خ ل. (2) فكان على خ ل. (3) فكأنهما لم ترمدا قط. (4) بالجزية خ ل. (5) فان هم خ ل. (6) الهدير، ترديد صوت البعير في حنجرته. (7) على ذلك الباب خ ل.

[30]

31 - يج: روي أنه لما انصرف رسول الله صلى الله عليه واله من خيبر راجعا إلى المدينة قال جابر: وصرنا (1) على واد عظيم قد امتلا بالماء فقاسوا عمقه برمح فلم يبلغ قعره، فنزل رسول الله صلى الله عليه واله وقال: " اللهم أعطنا اليوم آية من آيات أنبيائك و رسلك " ثم ضرب الماء بقضيبه واستوى على راحلته ثم قال: سيروا خلفي باسم الله (2) " فمضت راحلته على وجه الماء فاتبعه (3) الناس على رواحلهم ودوابهم فلم تترطب (4) أخفافها ولا حوافرها (5). 32 - يج: روي أن النبي صلى الله عليه واله لما صار (6) إلى خيبر كانوا قد جمعوا حلفاءهم من العرب من غطفان أربعة آلاف فارس، فلما نزل صلى الله عليه واله بخيبر سمعت غطفان صائحا يصيح في تلك الليلة: يا معشر غطفان، الحقوا حيكم، فقد خولفتم إليهم، وركبوا من ليلتهم، وصاروا إلى حيهم من الغد، فوجدوهم سالمين قالوا: فعلمنا أن ذلك من قبل الله ليظفر محمد بيهود خيبر، فنزل صلى الله عليه واله تحت شجرة، فلما انتصف النهار نادى مناديه، قالوا: فاجتمعنا إليه فإذا عنده رجل جالس فقال: عليكم هذا جاءني وأنا نائم وسل سيفي، وقال: من يمنعك مني ؟ قلت: الله يمنعني منك، فصار كما ترون لا حراك به، فقال: دعوه ولم يعاقبه، ولما فتح علي عليه السلام حصن خيبر الاعلى بقيت لهم قلعة فيها جميع أموالهم ومأكولهم، ولم يكن عليها حرب بوجه (7) من الوجوه، نزل رسول الله محاصرا لمن فيها، فصار إليه يهودي منهم فقال: يا محمد تؤمنني على نفسي وأهلي ومالي وولدي حتى أدلك على فتح القلعة، فقال له النبي صلى الله عليه واله: أنت آمن، فما دلالتك ؟ قال: تأمر أن يحفر هذا الموضع فإنهم يصيرون إلى ماء أهل القلعة فيخرج ويبقون بلا ماء (8) ويسلمون إليك القلعة طوعا، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أو يحدث الله غير هذا وقد أمناك، فلما


(1) في المصدر: أشرفنا. (2) في المصدر: على اسم الله. (3) واتبعه خ ل. وفى المصدر: فاتبعها. (4) فلم يترطب خ ل. (5) الخرائج: 188. (6) سار خ ل. (7) من وجه خ ل. (8) بغير ماء خ ل.

[31]

كان من الغد ركب رسول الله صلى الله عليه واله بغلته وقال للمسلمين: اتبعوني، وسار نحو القلعة، فأقبلت السهام والحجارة نحوه وهي تمر عن يمنته ويسرته فلا تصيبه ولا أحدا من المسلمين شئ منها حتى وصل رسول الله صلى الله عليه واله إلى باب القلعة، فأشار بيده إلى حائطها، فانخفض الحائط حتى صار من (1) الارض وقال للناس: ادخلوا القلعة من رأس الحائط بغير كلفة (2). بيان: فقد خولفتم إليهم، أي أتى عدوكم حيكم مخالفين لكم في الطريق في القاموس: هو يخالف فلانة، أي يأتيها إذا غاب زوجها. 33 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: أخبرني أبو عبد الله عليه السلام أن أباه عليه السلام حدثه أن رسول الله صلى الله عليه واله أعطى خيبر بالنصف أرضها ونخلها، فلما أدركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة فقوم عليهم قيمة، فقال لهم: " إما أن تأخذوه وتعطوني نصف الثمر (3) وإما أعطيتكم نصف الثمر (4) و آخذه " فقالوا: بهذا قامت السماوات والارض (5). 34 - كا: العدة عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن عمار، عن أبي الصباح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن النبي صلى الله عليه واله لما افتتح خيبر تركها في أيديهم على النصف، فلما بلغت الثمرة بعث عبد الله ابن رواحة إليهم فخرص عليهم، فجاؤا إلى النبي صلى الله عليه واله فقالوا له: إنه قد زاد علينا فأرسل إلى عبد الله فقال: " ما يقول هؤلاء ؟ " قال: قد خرصت عليهم بشئ، فإن شاؤا يأخذون بما خرصت، وإن شاؤا أخذنا، فقال رجل من اليهود: بهذا قامت المساوات والارض (6). 35 - أقول: قال الكازروني: في سنة سبع من الهجرة كانت غزوة خيبر في جمادى الاولى، وخيبر على ثمانية برد من المدينة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله لما


(1) مع الارض خ ل. (2) لم نجد الحديث في الخرائج المطبوع ولا ما تقدم تحت رقم 30 وذكرنا مرارا ان الخرائج المطبوع مختصر من الاصل. (3 و 4) التمر خ ل. (5) فروع الكافي 1: 405. (6) فروع الكافي 1: 405 و 406.

[32]

رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة، وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم لسنة سبع، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري (1)، و أخرج معه أم سلمة، فلما نزل بساحتهم أصبحوا وغدوا (2) إلى أعمالهم معهم المساحي والمكاتل، فلما نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه واله قالوا: محمد والخميس (3) فولوا هاربين إلى حصونهم، وجعل رسول الله صلى الله عليه واله يقول: " الله أكبر خزيت (4) خيبر إنا جيش إذا نزلنا (5) بساحة قوم فساء صباح المنذرين " فقاتلوهم أشد القتال وفتحها حصنا حصنا، وهي حصون ذوات عدد، وأخذ كنز (6) آل أبي الحقيق، وكان قد غيبوه في خربة فدله الله عليه فاستخرجه وقتل منهم ثلاثة وتسعين (7) رجلا من يهود حتى ألجأهم إلى قصورهم، وغلبهم على الارض والنخل فصالحهم على أن يحقن دماءهم ولهم ما حملت ركابهم، وللنبي صلى الله عليه واله الصفراء والبيضاء والسلاح، ويخرجهم وشرطوا للنبي صلى الله عليه واله أن لا يكتموه شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فلما وجد المال الذي غيبوه في مسك الجمال (8) سبى نساءهم وغلب على الارض والنخل ودفعها إليهم على الشطر. ثم ذكر حديث الراية ورجوع أبي بكر وعمر وانهزامهما وقوله صلى الله عليه واله: " أما والله لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله يأخذها " إلى آخر ما مر.


(1) في سيرة ابن هشام 3: 378: واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثى، وذكر المقريزى في الامتاع سباع أولا، ثم قال: وقيل: أبا ذر، وقيل نميلة بن عبد الله الليثى. (2) في المصدر: أصبحوا وأفئدتهم تخفق وفتحوا حصونهم وغدوا. (3) الخميس الجيش، سمى بذلك لانه ينقسم إلى خمسة اقسام: مقدمة، وساقة، وقلب، وميمنة، وميسرة. (4) في السيرة: خربت خيبر. (5) في المصدر والسيرة وغيرهما: إنا إذا نزلنا. (6) في الامتاع: كان مسك جمل فيه: أسورة الذهب، ودمالج الذهب، وخلاخل الذهب واقرطة ذهب، ونظم من جوهر وزمرد: وخواتم ذهب: وفتخ بجزع ظفار مجزع بالذهب انتهى أقول: الفتخ بالخاء المعجمة جمع فتخة: حلقة تلبس في الاصبع كالخاتم. (7) في المصدر: سبعين. (8) في المصدر: في مسك الجمل.

[33]

ثم قال: قال ابن عباس: لما أراد النبي صلى الله عليه واله أن يخرج من خيبر قال القوم: الآن نعلم أسرية صفية أم امرأة، فإن كانت امرأة فسيحجبها، وإلا فهي سرية. فلما خرج أمر بستر فستر دونها، فعرف الناس أنها امرأة، فلما أرادت أن تركب أدنى رسول الله صلى الله عليه واله فخذه منها لتركب عليها، فأبت ووضعت ركبتها على فخذه ثم حملها، فلما كان الليل نزل فدخل الفسطاط ودخلت معه، وجاء أبو - أيوب فبات عند الفسطاط معه السيف واضع رأسه على الفسطاط، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه واله سمع صوتا فقال: " من هذا ؟ " فقال: أنا أبو أيوب، فقال: " ما شأنك ؟ " قال: يا رسول الله جارية شابة حديثة عهد بعرس وقد صنعت بزوجها ما صنعت فلم آمنها، قلت: إن تحركت كنت قريبا منك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " رحمك الله يا أبا أيوب " مرتين، وكانت صفية عروسا بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق حين نزل رسول الله خيبر، فرأت في المنام كأن الشمس نزلت حتى وقعت على صدرها فقصت ذلك على زوجها، فقال: والله ما تمنيت (1) إلا هذا الملك الذي نزل بنا. ففتحها رسول الله صلى الله عليه واله وضرب عنق زوجها فتزوجها. وفي بعض الروايات أن صفية كانت قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز، فلطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها، فاتي رسول الله صلى الله عليه واله بها وبها أثر منها، فسألها ما هو، فأخبرته هذا الخبر. واتي رسول الله صلى الله عليه واله بزوجها كنانة وكان عنده كنز بني النضير فسأله فجحده أن يكون يعلم مكانه، فاتي رسول الله صلى الله عليه واله برجل من اليهود فقال لرسول الله صلى الله عليه واله: إني قد رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " أرأيت إن وجدناه عندك أنقتلك ؟ " قال: نعم، فأمر رسول الله صلى الله عليه واله بالخربة فحفرت فاخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله ما بقي فأبي أن يؤديه، فأمر صلى الله عليه واله الزبير بن العوام قال: " عذبه حتى تستأصل ما عنده " وكان الزبير يقدح بزند في


(1) في المصدر: ما تمنين.

[34]

صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه واله إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. وبإسناده عن أنس قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه واله خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالا: وإن لي بها أهلا اريد أن آتيهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك وقلت (1) شيئا ؟ فأذن له رسول الله صلى الله عليه واله أن يقول ما شاء فأتى امر أنه حين (2) قدم وقال: اجمعي لي ما كان عندك، فإني اريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا، وقد اصيبت أموالهم، وفشا ذلك في مكة فانقمع المسلمون، وأظهر المشركون فرحا وسرورا، فبلغ الخبر العباس بن عبد المطلب فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم، ثم أرسل الغلام إلى الحجاج: ويلك ما ذا جئت به ؟ وماذا تقول ؟ فما وعد الله خير مما جئت به، فقال الحجاج: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: فليخل لي بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر على ما يسره، قال: فجاء غلامه، فلما بلغ الباب قال: أبشر يا أبا الفضل، قال: فوثب العباس فرحا حتى قبل بين عينيه، فأخبره بما قال الحجاج فأعتقه، قال: ثم جاء الحجاج فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه واله قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله تعالي في أموالهم، واصطفى رسول الله صلى الله عليه واله صفية، واتخذها لنفسه و خيرها بين أن يعتقها وتكون زوجته، أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، ولكن جئت (3) لمال لي ههنا أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه واله فأذن لي أن أقول ما شئت، فاخف علي ثلاثا ثم اذكر ما بدا لك، قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع فدفعته إليه ثم انشمر به، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك ؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل لا يحزنني الله تعالى، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر


(1) في المصدر: أو قلت. (2) في المصدر: حتى قدم. (3) في المصدر: ولكني جئت.

[35]

على رسول الله صلى الله عليه واله، واصطفى رسول الله صلى الله عليه واله صفية لنفسه، فإن كان لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقا، قال: فوالله إني لصادق، والامر على ما أخبرتك، قال: ثم ذهب حتى أتى مجلس قريش (1) وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، قال: لم يصبني إلا خير بحمد الله، لقد أخبرني الحجاج أن خيبر فتح الله على رسوله، وجرت سهام الله فيها، واصطفى رسول الله صلى الله عليه واله صفية لنفسه، وقد سألني أن اخفي عنه ثلاثا، وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شئ ههنا، ثم يذهب، قال: فرد الله الكأبة التي بالمسلمين على المشركين وخرج من كان دخل بيته مكتئبا حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر فسر المسلمون ورد الله ما كان من كأبة أو غيظ أو حزن على المشركين (2). قوله: (3) فانقمع أي انكسر، وعقر، أي دهش من كراهة الخبر الذي سمعه، وانشمر به أي خف به وأسرع به. 36 - من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام مما أنشده في غزاة خيبر: ستشهد لي بالكر والطعن راية * حباني بها الطهر النبي المهذب وتعلم أني في الحروب إذا التظت * بنيرانها الليث الهموس المجرب ومثلي لاقى الهول في مفظعاته * وقل له الجيش الخميس العطبطب (4) وقد علم الاحياء أني زعيمها * وأني لدى الحرب العذيق المرجب (5) بيان: الالتظاء: الاشتعال والالتهاب، وقال الجوهري: الاسد الهموس: الخفي الوطئ، و " قل " المضبوط في النسخ بالقاف، ولعل الفاء أنسب من قولهم: فل الجيش: إذا هزمهم، والعطبطب لم أجده في اللغة، وفي الشرح المهلك، و الزعيم: سيد القوم ورئيسهم، والعذيق تصغير العذق بالفتح وهي النخلة، وهو


(1) في الصدر: مجالس قريش. (2) المنتقى في مولد المصطفى: الباب السابع فيما كان سنة سبع من الهجرة. (3) ذكر في الطبعة السابقة قبل ذلك لفظة (بيان) ولكن نسخة المصنف خالية عنها. (4) الخميس: الجيش، سمى به لان له خمسة اركان: مقدمة وقلب وميمنة وميسرة وساق. (5) في المصدر: المرحب. راجع الديوان: 23 و 24.

[36]

تصغير تعظيم، والرجبة هو أن تعمد النخلة الكريمة ببناء من حجارة أو خشب إذا خيف عليها لطولها وكثرة حملها أن تقع وقد يكون ترجيبها بأن يجعل حولها شوك لئلا يرقى إليها، ومن الترجيب: أن تعمد بخشبة ذات شعبتين، وقيل: أراد بالترجيب التعظيم، كل ذلك ذكره في النهاية. ومنه فيها: أنا علي وابن عبد المطلب * مهذب ذو سطوة وذو غضب غذيت (1) في الحرب وعصيان الئوب * من بيت عز ليس فيه منشعب وفي يميني صارم يجلو (2) الكرب * من يلقني يلقى المنايا والعطب إذ كف مثلي بالرؤس يلتعب (3) بيان: وعصيان النؤب، أي عدم إطاعة نوائب الدهر لي وغلبتها علي، و المنشعب مصدر ميمي أو اسم مكان، والانشعاب: التفرق، وإذ للتعليل أو ظرف ليلقى. ومنه فيها مخاطبا لياسر وغيره: هذا لكم من الغلام الغالب * من ضرب صدق وقضاء الواجب (4) وفالق الهامات والمناكب * أحمي به قماقم الكتائب (5) بيان: القمقام: السيد، والعدد الكثير، والكتيبة: الجيش. ومنه فيها مخاطبا لعنتر وسائر عسكر خيبر: هذا لكم معاشر الاحزاب * من فالق الهامات والرقاب فاستعجلوا للطعن والضراب * واستبسلوا للموت والمآب صيركم سيفي إلى العذاب * بعون ربي الواحد الوهاب (6) بيان: استبسل: طرح نفسه في الحرب ويريد أن يقتل أو يقتل لا محالة و


(1) في المصدر: عذيت. (2) في المصدر: تجلو. (3) الديوان: 24. (4) الواهب خ ل. (5) الديوان: 24. (6) الديوان: 25.

[37]

المآب: المرجع في الآخرة. ومنه فيها مخاطبا لربيع بن أبي الحقيق: أنا علي وابن عبد المطلب * أحمي ذماري وأذب عن حسب والموت خير للفتى من الهرب (1) ومنه فيها مخاطبا لجماهير أهل خيبر: أنا علي وابن عبد المطلب * مهذب ذو سطوة وذو حسب قرن إذا لاقيت قرنا لم أهب * من يلقني يلقى المنايا والكرب (2) ومنه فيها مخاطبا لمرة بن مروان: أنا علي وابن عبد المطلب * أخو النبي المصطفى المنتجب رسول رب العالمين قد غلب * بينه رب السماء في الكتب وكلهم (3) يعلم لا قول كذب * ولا بزور حين يدء (4) بالنسب صافي الاديم والجبين كالذهب * اليوم أرضيه بضرب وغضب ضرب غلام أرب من العرب * ليس بخوار يرى عند النكب فاثبت لضرب من حسام كاللهب (5) بيان: حين يدء قال الشارح: الدأو والدأي: الحكاية، ولم أجده فيما عندنا من الكتب، وفي القاموس دأيت الشئ كسعيت: ختلته، ويحتمل أن يكون بالباء الموحدة من الابتداء. ومنه فيها مخاطبا لمرحب: نحن بنو الحرب بنا سعيرها * حرب عوان حرها نذيرها تحث ركض الخيل في زفيرها (6) ومنه فيها مجيبا لياسر الخيبري:


(1 و 2) الديوان: 25. (3) وكلكم خ ل. (4) في المصدر: يدوى. أقول: دوى يدوى: سمع له دوى. (5) الديوان: 25 و 26 (6) الديوان: 61. وهو خال عن المصرع الاخير.

[38]

تبا وتعسا لك يا بن الكافر * أنا علي هازم العساكر أنا الذي أضربكم وناصري * إله حق وله مهاجري أضربكم بالسيف في المصاغر * أجود بالطعن وضرب طاهر (1) مع ابن عمي والسراج الزاهر * حتى تدينوا للعلي القاهر ضرب غلام صارم مماهر (2) وأيضا " في جوابه: ينصرني ربي خير ناصر * آمنت بالله بقلب شاكر أضرب بالسيف على المغافر * مع النبي المصطفى المهاجر (3) ومنه فيها مجيبا لابي البليت عنتر: أنا علي البطل المظفر * غشمشم القلب بذاك اذكر وفي يميني للقاء أخضر * يلمع من حافته برق يزهر (4) للطعن والضرب الشديد محضر * مع النبي الطاهر المطهر اختاره الله العلي الاكبر * اليوم يرضيه ويخزى عنتر (5) بيان: قال الجوهري: الغشمشم: الذي يركب رأسه لا يثنيه شئ عما يريد ويهوى من شجاعته، وإنما عبر عن السيف بالاخضر، لانه من الحديد وهو أسود، والعرب يعبر عن السواد بالخضرة، أو لكثرة مائه كما يسمى البحر الاخضر. ومنه فيها، قال ارتجز داود بن قابوس فقال: يا أيها الحامل (6) بالترغم * ماذا تريد من فتى غشمشم أروع مفضال هصور هيصم * ماذا ترى ببازل معتصم (7) وقاتل القرن الجرئ المقدم * والله لا أسلم حتى تحرم


(1) في المصدر: وضرب ظاهر. (2) الديوان: 62 وفيه: للعلى القادر. (3) الديوان: 62. (4) في المصدر: من حافة. (5) الديوان: 62 و 63. (6) الجاهل خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (7) في المصدر: معصم.

[39]

فأجابه صلوات الله عليه: اثبت لحاك الله إن لم تسلم * لوقع سيف عجر في خضرم تحمله مني بنان المعصم * أحمي به كتائبي وأحتمي إني ورب الحجر المكرم * قد جدت لله بلحمي ودمي (1) بيان: الترغم: التغضب. والغشمشم: الشجاع الذي لا يرده شئ، و الاروع: الذي يعجبك حسنه، والهصور: الاسد، والهيصم: الاسد، والقوي من الرجال، من الرجال، وبزل البعير: انشق نابه، لحاك الله أي لعنك الله، ويقال: جمل فيه عجرفة، أي قلة مبالات لسرعته، وفلان يتعجرف علي: إذا كان يركبه بما يكره ولا يهاب شيئا "، وعجارف الدهر: حوادثه، وقال الجوهري: الخضرم بالكسر: الكثير العطية، مشبه بالبحر الخضرم وهو الكثير الماء، وكل شئ كثير واسع خضرم، والمعصم: موضع السوار من الساعد، والحجر المكرم: الحجر الاسود. ومنه فيها مخاطبا " لليهود: هذا لكم من الغلام الهاشمي * من ضرب صدق في ذرى الكمائم ضرب يقود (2) شعر الجماجم * بصارم أبيض أي صارم أحمي به كتائب القماقم * عند مجال الخيل بالاقادم (3) بيان: الكمة: القلنسوة المدورة، ويقال: سيد قماقم بالضم لكثرة خيره وبالفتح جمع القمقام وهو السيد. ومنه عند قتل الخيبري: أنا آآآعلي ولدتني هاشم * ليث حروب للرجال قاصم معصوصب في نقعها مقادم * من يلقني يلقاه موت هاجم (4) بيان: قصمت الشئ قصما: كسرته، واعصوصب القوم: اجتمعوا، والنقع: الغبار، والمقادم جمع مقدام كمفاتح ومفتاح.


(1) الديوان: 127. (2) في المصدر: ضرب نفوذ. (3) الديوان: 127. (4) الديوان: 127 و 128.

[40]

37 - البرسي في مشارق الانوار قال: لما جاءت صفية إلى رسول الله صلى الله عليه واله وكانت من أحسن الناس وجها، فرأى في وجهها شجة فقال: ما هذه وأنت ابنة الملوك ؟ فقالت: إن عليا عليه السلام لما قدم إلى الحصن هز الباب فاهتز الحصن وسقط من كان عليه من النظارة (1) وارتجف بي السرير فسقطت لوجهي فشجني جانب السرير، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: يا صفية إن عليا عظيم عند الله، وإنه لما هز الباب اهتز الحصن، واهتزت السماوات السبع، والارضون السبع، واهتز عرش الرحمن غضبا لعلي. وفي ذلك اليوم لما سأله عمر فقال: يا أبا الحسن لقد اقتلعت منيعا (2) وأنت ثلاثة أيام خميصا، فهل قلعتها بقوة بشرية ؟ فقال: ما قلعتها بقوة بشرية، ولكن قلعتها بقوة إلهية، ونفس بلقاء ربها مطمئنة رضية. وفي ذلك اليوم لما شطر مرحبا شطرين وألقاه مجدلا جاء جبرئيل من السماء متعجبا، فقال له النبي صلى الله عليه واله: مم تعجبت ؟ فقال: إن الملائكة تنادي في صوامع جوامع (3) السماوات: لا فتى إلا علي، لا سيف إلا ذو الفقار. وأما إعجابي فإني لما امرت أن ادمر قوم لوط حملت مدائنهم وهي سبع مدائن من الارض السابعة السفلى إلى الارض السابعة العليا على ريشة من جناحي ورفعتها حتى سمع حملة العرش صياح ديكتهم وبكاء أطفالهم، ووقفت بها إلى الصبح أنتظر الامر ولم أثقل بها، واليوم لما ضرب علي ضربته الهاشمية وكبر امرت أن أقبض فاضل سيفه حتى لا يشق الارض، وتصل إلى الثور الحامل لها فيشطره شطرين، فتنقلب الارض بأهلها، فكان فاضل سيفه علي أثقل من مدائن لوط، هذا وإسرافيل وميكائيل قد قبضا عضده في الهواء (4).


(1) النظارة: القوم يقعدون في مرتفع من الارض ينظرون منه القتال ولا يشهدونه. (2) المنيع: الحصن الذى يتعذر الوصول إليه. (3) وجوامع خ ل. (4) ليست عندي نسخة مشارق الانوار: والبرسى معروف في اخباره بالغرابات والشواذ لا يعول على متفرداته، وقصة الثور في الحديث من الرموز التى لم تكشف عنها الاستار، ولعل يوما يرشدنا العلم إلى معناها الصحيح.

[41]

أقول: سيأني بعض ما يتعلق بتلك الغزوة في باب أحوال جعفر بن أبي طالب عليهما السلام، وفي أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، وفي احتجاج الحسن عليه السلام على معاوية، واحتجاج سعد عليه. 23 - * (باب) * (ذكر الحوادث بعد غزوة خيبر إلى غزوة موته) * 1 - قب، عم: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه واله بعد غزوة خيبر فيما رواه الزهري عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا فيهم عبد الله بن أنيس إلى البشير بن رزام اليهودي لما بلغه أنه يجمع غطفان ليغزو بهم، فأتوه فقالوا: أرسلنا (1) إليك رسول الله صلى الله عليه واله ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما صاروا ستة أميال ندم البشير فأهوى بيده إلى سيف عبد الله ابن أنيس ففطن له عبد الله فزجر بعيره، ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى إذا استمكن من البشير ضرب رجله فقطعه (2) فاقتحم البشير وفي يده مخرش من شوحط فضرب به وجه عبد الله فشجه مأمومة، وانكفأ (3) كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا، ولم يصب من المسلمين أحد، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه واله فبصق في شجة عبد الله بن أنيس فلم تؤذه حتى مات. وبعث غالب بن عبد الله الكلبي إلى أرض بني مرة فقتل وأسر. وبعث عيينة بن حصن البدري إلى أرض بني العنبر فقتل وأسر. ثم كانت عمرة القضاء سنة سبع اعتمر رسول الله صلى الله عليه واله والذين شهدوا معه الحديبية، ولما بلغ قريشا ذلك خرجوا متبددين، فدخل مكة وطاف بالبيت على بعيره بيده محجن يستلم به الحجر، وعبد الله بن رواحة أخذ بخطامه وهو يقول:


(1) في المصدر: انا ارسلنا. (2) في المصدر: فقطعها. (3) أي مال.

[42]

خلوا بني الكفار عن سبيله * خلوا فكل الخير في رسوله إلى آخر ما مر من الابيات وأقام بمكة ثلاثة أيام تزوج بها ميمونة بنت الحارث الهلالية، ثم خرج فابتنى بها بسرف، ورجع إلى المدينة فأقام بها حتى دخلت سنة ثمان (1). بيان: المخرش: عصاء معوجة الرأس كالصولجان، والشوحط: ضرب من شجر الجبال يتخذ منه القسي والمأمومة: الشجة التي بلغت أم الرأس. 2 - أقول: قال الكازروني في حوادث سنة سبع: وفيها نام رسول الله صلى الله عليه واله عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس. بالاسناد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه واله حين قفل من غزوة خيبر سار حتى إذا أدركه الكرى عرس (2) وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قدر له ونام رسول الله صلى الله عليه واله فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر فعلبت بلالا عينه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه واله ولا بلال ولا أحد من الصحابة حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله صلى الله عليه واله أولهم استيقاظا، ففزع رسول الله صلى الله عليه واله فقال: أي بلال، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، بأبي أنت يا رسول الله صلى الله عليه واله قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه واله وأمر بلالا فأقام الصلاة وصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: " أقم الصلاة لذكرى " (3). أقول: قد مضى الكلام فيه في باب سهوه صلى الله عليه واله. ثم قال: وفيها طلعت الشمس بعد ما غربت لعلي عليه السلام على ما أورده الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من (4) طريقين أن النبي صلى الله عليه واله كان يوحى


(1) مناقب آل ابى طالب 1: 176، اعلام الورى: 63 (ط 1) و 109 و 110 ط 2، والفاظ الحديث من الثاني، واما المناقب فاختصر الحديث، راجعه.. (2) عرس القوم: نزلوا من السفر للاستراحة ثم يرتحلون. (3) طه: 14. (4) ستمر بك في احاديث فضائل على عليه السلام احاديث في ذلك من العامة والخاصة.

[43]

إليه ورأسه في حجر علي عليه السلام، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " أصليت يا علي ؟ " قال: لا، فقال رسول الله: " اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس " قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، ووقعت على الجبل والارض وذلك بالصهباء في خيبر، وهذا حديث ثابت رواته ثقات. وحكى الطحاوي أن أحمد بن صالح كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لانه من علامات النبوة. قصة ام حبيبة: كانت قد خرجت مهاجرة إلى أرض الحبشة مع زوجها عبيدالله بن جحش فتنصر (1) وثبتت على الاسلام، روي عن سعيد بن العاص قال: قالت ام حبيبة: رأيت في المنام كان عبيدالله بن جحش زوجي أسوأ صورة وأشوهها ففزعت فقلت: تغيرت والله حاله، فإذا هو يقول حين أصبح: يا ام حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر دينا خيرا من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد قد رجعت (2) إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك، وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها (3) وأكب على الخمر حتى مات، فأرى في المنام كأن آتيا يقول: يا ام المؤمنين، ففزعت فأولتها أن رسول الله يتزوجني، قالت: فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن، فإذا جارية له يقال لها: أبرهة، كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله صلى الله عليه واله كتب إلي أن أزوجكه، فقلت: بشرك الله بخير، قالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد ابن العاص فوكلته، فأعطت (4) أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجليها وخواتيم (5) فضة كانت في أصابع رجليها، سرورا بما بشرتها، فلما كان العشي


(1) في المصدر: فتنصر هو. (2) في المصدر: ثم قد رجعت. (3) أي لم يبال بها ولم يهتم لها (4) في المصدر: فأعطيت ابرهة. (5) في المصدر: كانتا في رجلها، وخواتم فضة.

[44]

أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا، فخطب النجاشي فقال: " الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه واله كتب إلي أن ازوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه واله، وقد أصدقتها أربعمائة دينار ". ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد فقال: " الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه واله، وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه واله ". ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن سنة الانبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا، قالت ام حبيبة: فلما أتى بالمال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي، فهذه خمسون مثقالا فخذيها فاستعيني بها، فأخرجت حقا فيه كل ما كنت أعطيتها فردته علي، و قالت: عزم علي الملك أن لا أرزاك (1) شيئا، وأنا الذي أقوم على ثيابه ودهنه، و قد اتبعت دين محمد رسول الله، وأسلمت لله، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر، قالت: فلما كان الغد جاءتني بعدد ورس وعنبر و زباد (2) كثير فقدمت بكله على النبي صلى الله عليه واله، وكان يراه علي وعندي ولا ينكره ثم قالت أبرهة: حاجتي إليك أن تقرئي على رسول الله صلى الله عليه واله مني السلام وتعلميه أني قد اتبعت دينه، قالت: وكانت هي التي جهزتني، وكانت كلما دخلت علي


(1) رزأ الرجل ماله: أصاب منه شيئا مهما كان، أي نقصه، ورزأ ورزئ الرجل: أصاب منه خيرا. (2) الزباد: مادة عطرة تتخذ من دابة كالسنور هي أكبر منه قليلا

[45]

تقول: لاتنسي (1) حاجتي إليك، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه واله أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بي أبرهة فتبسم، وأقرأته منها السلام، فقال: وعليها السلام ورحمة الله وبركاته، وكان لام حبيبة حين قدم بها المدينة بضع وثلاثون سنة، ولما بلغ أبا سفيان تزويج رسول الله صلى الله عليه واله ام حبيبة قال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه وقيل: إن هذه القصة في سنة ست. وفيها قتل شيرويه أباه، قال الواقدي: كان ذلك في ليلة الثلثاء لعشر (2) مضين من جمادى الآخرة سنة سبع لست ساعات مضين من الليل، وروي أنه لما قتل أباه قتل معه سبعة عشر أخا له ذوي أدب وشجاعة، فابتلي بالاسقام، فبقي بعده ثمانية أشهر فمات (3). وفيها وصلت هدية المقوقس، وهي مارية، وسيرين أخت مارية، ويعفور ودلدل كانت بيضاء، فاتخذ لنفسه مارية، ووهب سيرين لحسان بن وهب، وكان معهم خصي يقال له: ما يوشنج (4) كان أخا مارية، وبعث ذلك كله (5) مع حاطب ابن أبي بلتعة، فعرض حاطب الاسلام على مارية ورغبها فيه فأسلمت، وأسلمت أختها، وأقام الخصي على دينه حتى أسلم بالمدينة (6) وكان رسول الله صلى الله عليه واله معجبا بام إبراهيم، وكانت بيضاء جميلة، وضرب عليها الحجاب، وكان يطأها بملك اليمين فلما حملت ووضعت إبراهيم قبلتها (7) سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه واله، فجاء أبو رافع زوج سلمى فبشر رسول الله صلى الله عليه واله بإبراهيم، فوهب له عبدا، وذلك في ذي الحجة سنة ثمان في رواية اخرى.


(1) في المصدر: لا تنسنى. (2) في المصدر: في ليلة ثلاث عشر مضين. (3) زاد في المصدر: وقيل: ستة أشهر ثم مات. (4) في المصدر: ما بوشح. وفى غيره: مأبور. (5) وبعث إليه صلى الله عليه واله أشياء اخرى منها فرس يسمى اللزاز، ومكحلة ومربعة توضع فيها المكحلة، وقارورة دهن، ومقص، ومسواك ومشط ومرآت وغير ذلك. (6) زاد في المصدر: في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. (7) أي كانت قابلتها. (*)

[46]

وفيها كانت عمرة القضاء وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله أمر أصحابه حين رأوا هلال ذي القعدة أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم أحد إلا من استشهد منهم بخيبر، ومن مات، وخرج مع رسول الله صلى الله عليه واله قوم من المسلمين عمارا، وكانوا في عمرة القضية ألفين، واستخلف على المدينة أبارهم الغفاري (1) وساق رسول الله صلى الله عليه واله ستين بدنة، وجعل على هديه ناجية بن جندب الاسلمي، وحمل رسول الله صلى الله عليه واله السلاح والدروع والرماح، وقاد مائة فرس، وخرجت قريش من مكة إلى رؤس الجبال، وأخلوا مكة فدخل رسول الله صلى الله عليه واله من الثنية بطلعة الحجون وعبد الله بن رواحة أخذ بزمام راحلته (2) فلم يزل رسول الله صلى الله عليه واله يلبي حتى استلم الركن بمحجنه، وأمر النبي صلى الله عليه واله بلالا فأذن على ظهر الكعبة، وأقام بمكة ثلاثا، فلما كان عند الظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد - العزى فقالا: قد انقضى أجلك فاخرج عنا، فأمر أبا رافع ينادي بالرحيل، ولا يمسين بها أحد من المسلمين، وركب رسول الله صلى الله عليه واله حتى نزل بسرف وهي على عشرة أميال من مكة. وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه واله ميمونة بنت الحارث، زوجه إياها العباس، و كان يلي أمرها، وهي اخت ام ولده، وكان هذا التزويج بسرف حين نزل بها مرجعه من عمرة القضية، وكانت آخر امرأة تزوجها صلى الله عليه واله وبنى بها بسرف (3). ثم ذكر في حوادث السنة الثامنة: فيها أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة قدموا المدينة في صفر. وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه واله فاطمة بنت الضحاك الكلابية، فلما دخلت


(1) ذكره ابن الاثير في اسد الغابة وقال: اسمه كلثوم بن الحصين الغفاري وقال ابن هشام في السيرة: استعمل على المدينة عويف بن الاضبط الديلى. وذكر المقريزى ابارهم كلثوم بن حصن الغفاري فيمن يسوق الهدى في عمرة القضاء. وقال: واستخلف على المدينة ابا ذر الغفاري (2) وكان يقول اشعارا ذكرها في المصدر. (3) المنتقى في مولد المصطفى الباب السابع فيما كان سنة سبع من الهجرة.

[47]

على رسول الله صلى الله عليه واله ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: عذت بعظيم، الحقي بأهلك. وفيها اتخذ المنبر لرسول الله صلى الله عليه واله وقيل: كان ذلك في سنة سبع، والاول أصح، وعن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يخطب على جذع نخلة (1) فقالت امرأة من الانصار كان لها غلام نجار: يا رسول الله إن لي غلاما نجارا، أفلا آمره يتخذ لك منبرا تخطب عليه، قال: بلى، قال: فاتخذ له منبرا، فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال: فأن الجذع الذي كان يقوم عليه كأنين الصبي، فقال النبي صلى الله عليه واله: " إن هذا بكى لما فقد من الذكر " واسم تلك الانصارية عائشة، و اسم غلامها النجار يا قوم الرومي (2). وفي رواية أن رجلا سأل ذلك فأجابه إليه وفيها أنه صنع له ثلاث درجات، وفيها أنه حن الجذع حتى تصدع وانشق فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، فلما هدم المسجد وغير ذلك أخذ ذلك الجذع ابي بن كعب وكان عنده في تلك الدار حتى بلي وأكلته الارضة وعاد رفاتا (3). بيان: في النهاية: قاد البعير واقتاده: جره خلفه، ومنه حديث الصلاة: اقتادوا رواحلهم وقال: الخدمة بالتحريك: الخلخال، وقال: القدع: الكف والمنع ومنه حديث زواجه بخديجة قال ورقة بن نوفل: محمد يخطب خديجة هو الفحل لا يقدع أنفه، يقال: قدعت الفحل وهو أن يكون غير كريم، فإذا أراد ركوب الناقة الكريمة ضرب أنفه بالرمح أو غيره حتى يرتدع وينكف، ويروى بالرأ (4) أي أنه كفو كريم لا يرد. 3 - وقال ابن الاثير في حوادث السنة السابعة: وفيها قدم حاطب من عند


(1) في المصدر: يخطب إلى جذع نخلة. (2) في المصدر: باقوم الرومي (3) المنتقى في مولد المصطفى: الباب الثامن فيما كان سنة ثمان من الهجرة. (4) وهو الموجود في المتن والمصدر.

[48]

المقوقس بمارية واختها (1). وبغلته دلدل، وحماره يعفور (2). وفيها كانت سرية بشير بن سعد والد النعمان بن بشير الانصاري إلى بني مرة (3) في شعبان في ثلاثين رجلا اصيب أصحابه وارتث (4) في القتلى، ثم رجع إلى المدينة. وفيها كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى أرض بني مرة فأصاب مرداس ابن بهل (5) حليفا لهم من جهينة قتله اسامة، ورجل من الانصار، قال اسامة: لما غشيناه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه واله أخبرناه الخبر، فقال: كيف نصنع بلا إله إلا الله ؟. وفيها كانت سرية غالب بن عبد الله أيضا " في مائة وثلاثين راكبا إلى بني عبد بن تغلبة (6) فأغار عليهم واستاق الغنم إلى المدينة (7). وفيها كانت سرية بشير بن سعد إلى نمر وصاب في شوال. وفيها كانت عمرة القضاء، وتزوج في سفره هذا بميمونة بنت الحارث (8). وفيها كانت غزوة ابن أبي العوجا السلمي إلى بني سليم (9) فلقوه وأصيب هو وأصحابه، وقيل: بل نجا وأصيب أصحابه. وقال في حوادث السنة الثامنة: وفيها توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه واله. وفيها كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح (10) فلقيهم الحارث


(1) في المصدر: بمارية ام ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله واختها سيرين. (2) زاد في المصدر: وكسوة، فأسلمت مارية واختها قبل قدومها على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ مارية لنفسه، ووهب سيرين حسان بن ثابت الانصاري، فهى ام ابنه عبد الرحمن فهو وابراهيم ابنا خالة. وفيها اتخذ صلى الله عليه وآله منبره الذى كان يخطب الناس عليه، و اتخذ درجتين ومقعدة، وقيل: انه عمل سنة ثمان وهو الثبت. (3) في المصدر: إلى بنى مرة بفدك. (4) ارتث على المجهول: حمل من المعركة جريحا وبه رمق. (5) في المصدر: مرداس بن نهيك. (6) في المصدر: ثعلبة. (7) في المصدر: واستاق النعم والشاء وحدروها إلى المدينة. (8) ذكر في المصدر مفصلا واختصره المصنف. (9) زاد في المصدر: في ذى القعدة. (10) زاد في المصدر: في صفر.

[49]

ابن البرصاء الليثي فأخذوه أسيرا، فقال: إنما جئت لاسلم، فقال له غالب: إن كنت صادقا فلن يضرك رباط ليلة، وإن كنت كاذبا استوثقنا منك، ووكل به بعض أصحابه وقال له: إن نازعك فخذ رأسه، وأمره بالقيام (1) إلى أن يعود، ثم ساروا حتى أتوا بطن الكديد فنزلوا بعد العصر، وأرسل جندب الجهني رئية (2) لهم قال: فقصدت تلا هناك يطلعني على الحاضر فانبطحت عليه، فخرج منهم رجل فرآني ومعه قوسه وسهمان (3) فرماني بأحدهما، فوضعه في جنبي، قال: فنزعته ولم أتحول (4) ثم رماني بالثاني فوضعه في رأس منكبي، قال: فنزعته فلم أتحول (5) فقال: أما والله لقد خلطه سهماي، ولو كان رئية لتحرك (6) قال: فأمهلناهم حتى راحت مواشيهم واحتلبوا وشننا عليهم العارة فقتلنا منهم، واستقنا النعم ورجعنا سراعا، وإذا بصريخ القوم فجاءنا مالا قبل لنا به حتى إذا لم يكن بيننا إلا بطن الوادي بعث الله بسيل لا يقدر أحد أن يجوزه (7) فلقد رأيتهم ينظرون إلينا لا يقدر أحد أن يتقدم، وقدمنا المدينة، وكان شعار المسلمين: أمت أمت، وكان عدتهم بضعة عشر رجلا. وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه واله العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وبها المنذر بن شاوي (8) وصالحه المنذر على أن على المجوس الجزية، ولا يؤكل ذبائحهم، ولا ينكح نساؤهم، وقيل: إن إرساله كان سنة ست من الهجرة مع الرسل الذين أرسلهم


(1) في المصدر: وامره بالمقام. (2) في المصدر: وارسلوا جندب بن مكيث الجهنى ربيئة لهم، أقول: الربيئة: الطليعة من الجيش. (3) في المصدر: فرأني منبطحا فأخذ قوسه وسهمين فرمانى. (4 و 5) في المصدر: ولم اتحرك. (6) في المصدر: لقد خالطه سهماى ولو كان ربيئة لتحرك. (7) في المصدر: الا بطن الوادي من قديد بعث الله عز وجل من حيث شاء سحابا ما رأينا قبل ذلك مطرا مثله فجاء الوادي بما لا يقدر احد يجوزه. (8) في المصدر: ساوى.

[50]

رسول الله صلى الله عليه واله إلى الملوك (1). وفيها كانت سرية عمرو بن كعب الغفاري (2) إلى ذات أطلاح في خمسة عشر رجلا فوجد بها جمعا كثيرا فدعاهم إلى الاسلام فأبوا أن يجيبوا، وقتلوا أصحاب عمرو (3) ونجا حتى قدم إلى المدينة، وذات أطلاح: من ناحية الشام (4). 24 - (باب) * (غزوة مؤتة وما جرى بعدها إلى غزوة ذات السلاسل) * 1 - ما: المفيد، عن محمد بن عمران المرزباني، عن علي بن سليمان، عن محمد بن حميد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن شهاب الزهري قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من بلاد الحبشة بعثه رسول الله صلى الله عليه واله إلى مؤتة، واستعمل على الجيش معه زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة فمضى الناس معهم حتى كانوا بنحو البلقاء فلقيهم جموع هرقل من الروم والعرب فانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: موتة، فالتقى الناس عندها، واقتتلوا قتالا شديدا، وكان اللواء يومئذ مع زيد بن حارثة فقاتل به حتى شاط في رماح القوم ثم أخذه جعفر فقاتل به قتالا شديدا، ثم اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها وقاتل حتى قتل، قال: وكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر فرسه في الاسلام، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقتل، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد (5) فناوش القوم


(1) زاد في المصدر: وفيها كان سرية شجاع بن وهب إلى بنى عامر في شهر ربيع الاول في اربعة عشر رجلا فشن الغارة عليهم فأصابوا نعماء فكان سهم كل رجل منهم خمسة عشر بعيرا. (2) في المصدر: كعب بن عمير الغفاري وهو الصحيح. (3) في المصدر: أصحاب كعب. (4) الكامل 2: 152 - 155. (5) في المصدر: ثم اخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، فاعطى المسلمون اللواء بعدهم خالد بن الوليد.

[51]

وراوغهم حتى انحاز بالمسلمين منهزما، ونجا بهم من الروم، وأنفذ رجلا (1) يقال له: عبد الرحمن بن سمرة إلى النبي صلى الله عليه واله بالخبر، قال عبد الرحمن: فسرت إلى النبي صلى الله عليه واله فلما وصلت إلى المسجد قال لي رسول الله صلى الله عليه واله: " على رسلك يا عبد الرحمن " ثم قال صلى الله عليه واله: " أخذ اللواء زيد فقاتل به فقتل، رحم الله زيدا، ثم أخذ اللواء جعفر وقاتل وقتل، رحم الله جعفرا، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وقاتل فقتل، فرحم الله عبد الله " قال: فبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وهم حوله فقال لهم النبي صلى الله عليه واله: " وما يبكيكم ؟ " فقالوا: وما لنا لا نبكي وقد ذهب خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا ؟ فقال لهم صلى الله عليه واله: " لا تبكوا فإنما مثل امتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فأصلح رواكبها، وبنى مساكنها، وحلق سعفها، فأطعمت عاما فوجا ثم عاما فوجا، ثم عاما فوجا (2) فلعل آخرها طعما أن يكون أجودها قنوانا، و أطولها شمراخا، والذي بعثني بالحق نبيا ليجدن عيسى بن مريم في أمتي خلفا (3) من حواريه " قال: وقال كعب بن مالك: يرثي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه والمستشهدين معه: هدت العيون (4) ودمع عينك يهمل * سحا كما وكف الضباب (5) المخضل وكأن ما بين الجوانح والحشا * مما تأو بني شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا * يوما (6) بمؤتة أسندوا لم ينقلوا (7) فتغير القمر المنير لفقدهم * والشمس قد كسفت وكادت تأفل قوم بهم نصر الاله (8) عباده * وعليهم نزل الكتاب المنزل


(1) في المصدر: وأنفذ رجلا من المسلمين. (2) المصدر خال عن قوله: " ثم عاما فوجا " الثاني. (3) في المصدر: (خلقا) بالقاف. (4) في سيرة ابن هشام: نام العيون. (5) في السيرة: " الطباب المخضل "، والطباب: ثقب في خرز المزادة التي يجعل فيها الماء. (7) قتلا خ ل. (7) لم يقفلوا خ ل. (8) في السيرة: عصم الاله.

[52]

قوم علا بنيانهم من هاشم (1) * فرع أشم وسودد ما ينقل (2) ولهديهم (3) رضي الاله لخلقه * وبجدهم نصر النبي المرسل بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * تندى إذا اغبر (4) الزمان الممحل (5) بيان: شاط فلان: هلك، وفي بعض النسخ بالسين المهملة، والسوط: الخلط وساطت نفسي: تقلصت، والاول أصح، قال في النهاية: في حديث زيد بن حارثة يوم مؤته: إنه قاتل براية رسول الله صلى الله عليه واله حتى شاط في رماح القوم أي هلك. وقال في جامع الاصول: أراد بالاقتحام هنا نزوله عن فرسه مسرعا. وفي القاموس: راغ الرجل والثعلب روغا وروغانا: حاد ومال، والمراوغة: المصارعة، وأن يطلب بعض القوم بعضا، وقال: انحاز عنه: عدل، والقوم: تركوا مراكزهم. والراكب والراكبة والراكوب والراكوبة والركابة: فسيلة في أعلى النخل متدلية لا تبلغ الارض. قوله: وحلق سعفها بالحاء المهملة، أي أزال زوائدها أو بالمعجمة من خلق العود بتخفيف اللام وتشديده: إذا سواه. والسح: الصب والسيلان من فوق. والضباب: ندي كالغيم، أو سحاب رقيق، وفي رواية ابن أبي الحديد: " الرباب " مكان " الضباب " وهو السحاب الابيض. وأخضله: بله. وتأو به: أناه ليلا. وفرع كل شئ: أعلاه، ومن القوم: شريفهم، والشمم: ارتفاع في الجبل. والاشم: السيد ذو الآنفة. والنفل: العطاء، وانتفل: طلب، ومنه تبرأ وانتفى (6) وفي بعض النسخ بالغين من نغل الاديم كفرح: إذا فسد، وفي بعضها بالقاف. 2 - يج: روي أنه لما قتل زيد بن حارثة بمؤتة قال صلى الله عليه واله بالمدينة: " قتل


(1) في السيرة: قرم علا بنيانه من هاشم * فرعا أشم وسؤددا ما ينقل. (2) ما ينغل خ ل. أقول: ذكر في السيرة هذا البيت قبل البيت السابق. (3) في المصدر والسيرة: وبهديهم. (4) في السيرة: " إذا اعتذر " والممحل من المحل وهو الشدة والقحط وكلب الزمان والجدب. وذكر في السيرة هذا البيت قبل البيت السابق. (5) امالي ابن الشيخ: 87 و 88 (6) في هامش السيرة: ويروى (ينفل) بالفاء ومعناه لا يحجر.

[53]

زيد وأخذ الراية جعفر " ثم قال: " قتل جعفر " وتوقف وقفة ثم قال: " وأخذ الراية عبد الله بن رواحة " وذلك أن عبد الله لم يسارع في أخذ الراية كمسارعة جعفر ثم قال: " وقتل عبد الله " ثم قام النبي صلى الله عليه واله إلى بيت جعفر إلى أهله، ثم جاءت الاخبار بأنهم قد قتلوا على تلك الهيئة (1). 3 - يج: روي أنه لما بعث النبي صلى الله عليه واله عسكرا إلى مؤتة ولى عليهم زيد بن حارثة ودفع الراية إليه، وقال: " إن قتل زيد فالوالي عليكم جعفر بن أبي طالب وإن قتل جعفر فالوالي عليكم عبد الله بن رواحة الانصاري " وسكت، فلما ساروا وقد حضر هذا الترتيب في الولاية من رسول الله صلى الله عليه واله قال رجل من اليهود (2): إن كان محمد نبيا كما يقول سيقتل هؤلاء الثلاثة، فقيل له: لم قلت هذا ؟ قال: لان أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا بعث نبي منهم بعثا في الجهاد فقال: (3) إن قتل فلان فالوالي فلان بعده عليكم، فإن سمى للولاية كذلك اثنين (4) أو مائة أو أفل أو أكثر قتل جميع من ذكر فيهم الولايات، قال جابر: فلما كان اليوم الذي وقع فيه حربهم صلى النبي صلى الله عليه واله بنا الفجر (5) ثم صعد المنبر فقال: " قد التقى إخوانكم من المشركين (6) للمحاربة " فأقبل يحدثنا بكرات بعضهم على بعض إلى أن قال: " قتل زيد بن حارثة وسقطت الراية " ثم قال: " قد أخذها جعفر بن أبي طالب و تقدم للحرب بها (7) " ثم قال: " قد قطعت يده وقد أخذ الراية بيده الاخرى " ثم قال: " قطعت (8) يده الاخرى وقد أخذ (9) الراية في صدره " ثم قال: " قتل جعفر بن أبي طالب وسقطت الراية، ثم أخذها عبد الله بن رواحة وقد قتل من


(1) لم نظفر بالحديث في الخرائج المطبوع. (2) رجل من اليهود فقال اليهودي: ان كان خ ل. أقول: في المصدر: جاء رجل من اليهود فقال ان كان (3) في المصدر: يقول لهم. (4) في المصدر: لاثنين. (5) الغداة خ ل. (6) مع المشركين خ ل أقول: في المصدر: من المسلمين (7) خلى المصدر عن لفظة (بها). (8) وقطعت خ ل. (9) وقد احتضن خ ل.

[54]

المشركين كذا وقتل من المسلمين كذا فلان وفلان (1) " إلى أن ذكر جميع من قتل من المسلمين بأسمائهم، ثم قال: " قتل عبد الله بن رواحة، وأخذ الراية خالد ابن الوليد فانصرف (2) المسلمون " ثم نزل عن المنبر وصار إلى دار جعفر فدعا عبد الله بن جعفر فأقعده في حجره، وجعل يمسح على رأسه، فقالت والدته أسماء بنت عميس: يا رسول الله إنك لتمسح على رأسه كأنه يتيم، قال: قد استشهد جعفر في هذا اليوم، ودمعت عينا رسول الله صلى الله عليه واله وقال: قطعت يداه قبل أن استشهد (3) وقد أبدله الله من يديه جناحين من زمرد أخضر فهو الآن يطير بهما في الجنة مع الملائكة كيف يشاء (4). 4 - سن: النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: لما كان يوم مؤتة كان جعفر على فرسه، فلما التقوا نزل عن فرسه فعرقبها (5) بالسيف وكان أول من عرقب في الاسلام (6)، 5 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي مثله (7). 6 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم بن أحمد، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما مات جعفر بن أبي طالب أمر رسول الله صلى الله عليه واله فاطمة عليها السلام أن تتخذ طعاما لاسماء بنت عميس وتأتيها و نساؤها (8) ثلاثة أيام فجرت بذلك السنة أن يصنع لاهل الميت (9) ثلاثة أيام طعام (10). سن: أبي، عن ابن أبي عمير مثله (11).


(1) في المصدر: كذا وكذا، وقتل من المسلمين فلان وفلان. (2) وانصرف خ ل أقول: في المصدر: ثم انصرف. وفيه: ونزل. (3) في المصدر: قبل أن يستشهد. (4) الخرائج: 188. (5) عرقب الدابة: قطع عرقوبها. والعرقوب: عصب غليظ فوق العقب. (6) المحاسن: 634. (7) فروع الكافي 1: 341. (8) وتسليها خ ل أقول: في المصدر: ويأتيها نساؤها. وفى المحاسن: وتسليها. (9) لاهل المصيبة خ ل. (10) امالي الشيخ: 57 و 58. (11) المحاسن: 419.

[55]

كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري وهشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (1). 6 - سن: بعض أصحابنا، عن العباس بن موسى بن جعفر قال: سألت أبي عليه السلام عن المأتم (2) فقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله لما انتهى إليه قتل جعفر بن أبي طالب دخل على أسماء بنت عميس امرأة جعفر فقال: أين (3) بني ؟ فدعت بهم وهم ثلاثة: عبد الله وعون ومحمد، فمسح رسول الله صلى الله عليه واله رؤوسهم فقالت: إنك تمسح رؤوسهم كأنهم أيتام، فعجب (4) رسول الله صلى الله عليه واله من عقلها فقال: " يا أسماء ألم تعلمي أن جعفرا رضوان الله عليه استشهد " فبكت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: " لا تبكي فإن الله (5) أخبرني أن له جناحين في الجنة من ياقوت أحمر " فقالت: يا رسول الله لو جمعت الناس وأخبرتهم بفضل جعفر لا ينسى فضله، فعجب رسول الله صلى الله عليه واله من عقلها، ثم قال: (6) " ابعثوا إلى أهل جعفر طعاما " فجرت السنة (7). 7 - يه: قال الصادق عليه السلام: إن النبي صلى الله عليه واله حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدا، ويقول: كانا يحدثاني ويؤنساني فذهبا جميعا (8). 8 - عم: وكانت غزوة موتة في جمادى من سنة ثمان بعث جيشا عظيما، و أمر على الجيش زيد بن حارثة، ثم قال: فإن اصيب زيد فجعفر، فإن اصيب جعفر فعبدالله بن رواحة فإن اصيب فليرتض المسلمون واحدا فليجعلوه عليهم. وفي رواية أبان بن عثمان، عن الصادق عليه السلام أنه استعمل عليهم جعفرا فإن قتل فزيد فان قتل فابن رواحة، ثم خرجوا حتى نزلوا معان فبلغهم أن هرقل ملك


(1) الفروع: 1: 59. فيه " لما قتل جعفر بن ابى طالب " وفيه: ثلاثة ايام وتأتيها و نساؤها فتقيم عندها ثلاثة ايام. (2) المأتم: مجتمع الناس عموما وقد غلب على مجتمعهم في حزن والجمع المآتم. (3) أي بنى خ ل. (4) في المصدر: فتعجب. (5) فان رسول الله خ ل. أقول: وفى المصدر: فان جبرئيل. (6) في المصدر: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله. (7) المحاسن: 420. (8) الفقيه: ج 1 ص 57.

[56]

الروم قد نزل بمأرب (1) في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة. وفي كتاب أبان بن عثمان: بلغهم كثرة عدد الكفار من العرب والعجم من لخم وحذام وبلي وقضاعة (2) وانحاز المشركون إلى أرض يقال لها: المشارف، و إنما سميت السيوف المشرفية لانها طبعت لسليمان بن داود بها، فأقاموا بمعان يومين، فقالوا: نبعث إلى رسول الله صلى الله عليه واله فنخبره بكثرة عدونا حتى يري في ذلك رأيه، فقال عبد الله بن رواحة: يا هؤلاء إنا والله ما نقاتل الناس بكثرة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فقالوا: صدقت، فتهيأوا وهم ثلاثة آلاف حتى لقوا (3) جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها: شرف ثم انحاز المسلمون إلى مؤنة قرية فوق الاحساء. وعن أنس بن مالك قال: نعى النبي صلى الله عليه واله جعفرا وزيد بن حارثة وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجئ خبرهم وعيناه تذرفان. رواه البخاري في الصحيح. قال أبان: وحدثني الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: اصيب يومئذ جعفر وبه خمسون جراحة: خمس وعشرون منها في وجهه. قال عبد الله بن جعفر: أنا أحفظ حين دخل رسول الله صلى الله عليه واله على امي فنعى لها أبي: فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تهراقان الدموع حتى تقطر (4) لحيته، ثم قال: " اللهم إن جعفرا قد قدم إليك إلى أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته " ثم قال: " يا أسماء


(1) قال ياقوت: المأرب، بلاد الازد باليمن. (2) لخم: بطن عظيم ينتسب إلى لخم واسمه مالك بن عدى بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان. من القحطانية. وحذام مصحف وصحيحه جذام كما في المصدر المطبوع جديدا، وهم بطن من كهلان من القحطانية، وهم بنو جذام بن عدى بن الحارث. وبلى بفتح الباء وسكون اللام: بطن من قضاعة من القحطانية تنتسب إلى بلى بن عمرو بن الحافى بن قضاعة. وقضاعة: شعب عظيم ينتسب إلى قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير أو إلى قضاعة بن معد بن عدنان على اختلاف فيهم انهم من حمير، أو من العدنانية. (3) في المصدر: حتى بلغوا. (4) في المصدر: حتى تقطرت لحيته.

[57]

ألا ابشرك ؟ " قالت: بلى بأبي وامي (1) يا رسول الله، قال: " إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة " قالت: فأعلم الناس ذلك، فقام رسول الله صلى الله عليه واله وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتى رقي إلى المنبر، وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى والحزن يعرف عليه، فقال: " إن المرء كثير بأخيه (2) وابن عمه، ألا إن جعفرا قد استشهد، وجعل له جناحان يطير بهما في الجنة " ثم نزل صلى الله عليه واله ودخل بيته، و أدخلني معه، وأمر بطعام يصنع لاجلي، وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده غداء (3) طيبا مباركا، وأقمنا ثلاثة أيام في بيته ندور معه كلما صار في بيت إحدى نسائه ثم رجعنا إلى بيتنا فأتانا رسول الله صلى الله عليه واله وأنا اساوم شاه أخ لي، فقال: " اللهم بارك له في صفقته " قال عبد الله: فما بعث شيئا ولا اشتريت شيئا إلا بورك لي فيه. قال الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه واله لفاطمة: اذهبي فابكي على ابن عمك فإن لم تدعي بثكل فما قلت فقد صدقت. وذكر محمد بن إسحاق، عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه واله والمسلمون معه فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرار فررتم (4) في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ليسوا بفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله (5). بيان: قال الفيروز آبادي: المعان: موضع بطريق حاج الشام، وقال: مؤتة: موضع بمشارف الشام قتل فيه جعفر بن أبي طالب، وفيه كان تعمل السيوف. قوله صلى الله عليه واله: إن المرء كثير (6) لعل المراد بالكثرة هنا العزة كما يكنى عن الذلة بالقلة، أي عزة المرء وكثرة أعوانه إنما يكون بأخيه وابن عمه. قوله: إن لم تدعي بثكل، أي لا تقولي واثكلاه، ثم كل ما قلت فيه من الفضائل فقد صدقت، لكثرة فضائله، وقيل: المعنى لا تقولي إلا صدقا ولا يخفى بعده.


(1) في المصدر: بابى انت وامى. (2) في المصدر: ان المرء كثير حزنه باخيه. (3) في المصدر: فتغذينا جميعا عنده غذاء طيبا مباركا. (4) في المصدر: افررتم. (5) إعلام الورى بأعلام الهدى: 64 و 65 ط 1 و 110 - 112 ط 2. (6) ذكرنا قبلا ان الموجود في المصدر: ان المرء كثير حزنه بأخيه، فعليه لا يحتاج إلى توجيه.

[58]

9 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد الميثمي (1) عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه واله في المسجد إذ خفض له كل رفيع، ورفع له كل خفيض، حتى نظر إلى جعفر يقاتل الكفار. قال: فقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: قتل جعفر. وأخذه المغص في بطنه (2). بيان: المغص بالفتح ويحرك: وجع في البطن، والاظهر إرجاع الضمير في " أخذه " إلى النبي صلى الله عليه واله، وإرجاعه إلى جعفر بعيد. أقول: سيأني بعض أخبار شهادته عليه السلام في باب فضائله. 10 - وروى في جامع الاصول عن ابن عمر قال: أمر النبي صلى الله عليه واله في غزوة موتة زيد بن حارثة، فقال: " إن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فعبدالله بن رواحة " قال ابن عمر: فكنت معهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفرا فوجدناه في القتلى ووجدنا فيما أقبل من جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية. وفي رواية اخرى أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شئ في دبره. 11 - وقال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روى الواقدي عن عمر بن الحكم (3) قال: بعث رسول الله صلى الله عليه واله الحارث بن عمير الازدي في سنة ثمان إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد ؟ قال: الشام، قال: لعلك من رسل محمد ؟ قال: نعم، فأمر به فاوثق رباطا، ثم قدمه فضرب عنقه صبرا، ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه واله رسول غيره، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه واله فاشتد عليه وندب الناس وأخبرهم بقتل الحارث فأسرعوا وخرجوا فعسكروا بالجرف فلما صلى رسول الله صلى الله عليه واله الظهر جلس وجلس أصحابه حوله، وجاء النعمان بن مهض اليهودي فوقف مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه واله:


(1) في المصدر: عن احمد بن الحسن الميثمى. (2) روضة الكافي: 376. (3) في المصدر: قال الواقدي: حدثنى ربيعة بن عثمان عن عمر بن الحكم.

[59]

" زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن اصيب جعفر فعبدالله بن رواحة، فان اصيب ابن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم " فقال النعمان بن مهض: يا أبا القاسم إن كنت نبيا فسيصاب من سميت قليلا كانوا أو كثيرا، إن الانبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا: إن اصيب فلان، فلو سمى مائة اصيبوا جميعا، ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة: اعهد فلا ترجع إلى محمد أبدا إن كان نبيا، قال: زيد: أشهد أنه نبي صادق، فلما أجمعوا المسير وعقد رسول الله صلى الله عليه واله لهم اللواء بيده دفعه إلى زيد بن حارثة، وهو لواء أبيض، ومشى الناس إلى امراء رسول الله صلى الله عليه واله يودعونهم ويدعون لهم وكانوا ثلاثة آلاف فلما ساروا في معسكرهم ناداهم المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين (1). قلت: اتفق المحدثون على أن زيد بن حارثة هو كان الامير الاول، و أنكرت الشيعة وقالوا: كان جعفر بن أبي طالب هو الامير الاول، فإن قتل فزيد ابن حارثة، فان قتل فعبدالله، ورووا في ذلك روايات. وروى الواقدي باسناده عن زيد بن أرقم (2) أن رسول الله صلى الله عليه واله خطبهم فأوصاهم فقال: " أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث، فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، و اكفف عنهم: ادعهم إلى الدخول في الاسلام فان فعلوه فاقبل واكفف، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين وإن دخلوا في الاسلام واختاروا دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله، ولا يكون لهم في الفئ ولا في الغنيمة شئ إلا أن


(1) في المصدر: صالحين سالمين غانمين. (2) في المصدر: قال الواقدي: فحدثني ابن ابى سبرة، عن اسحاق بن عبد الله بن ابى طلحة عن رافع بن اسحاق، عن زيد بن ارقم.

[60]

يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوا أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوا أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. قال الواقدي: وروى أبو صفوان عن خالد بن بريد (1) قال: خرج النبي صلى الله عليه واله مشيعا لاهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع فوقف ووقفوا حوله، فقال: " اغزوا بسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرين للشيطان في رؤسهم مفاحص (2) فاقلعوها بالسيوف، لا تقتلن امرأة ولا صغيرا ضرعا، ولا كبيرا فانيا، ولا تقطعن نخلا ولا شجرا، ولا تهد من بناء " قال: فلما ودع عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه واله قال له: مرني (3) بشئ أحفظه عنك، قال: " إنك قادم غدا بلدا السجود به قليل فأكثر (4) السجود " فقال: عبد الله: زدني يا رسول الله، قال، " اذكر الله فإنه عون لك على ما تطلب " فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبا رجع، فقال: يا رسول الله إن الله وتر يحب الوتر، فقال: " يا ابن رواحة ما عجزت فلا تعجز - إن أسأت عشرا - أن تحسن واحدة " فقال ابن رواحة: لا أسألك عن شئ بعدها.


(1) في المصدر: وحدثني أبو صفوان عن خالد بن يزيد. (2) في النهاية: المفحص مفعل من الفحص كالافحوص وجمعه مفاحص، ومنه الحديث انه اوصى امراء جيش مؤتة: ستجدون آخرين للشيطان في رؤسهم مفاحص فافلقوها بالسيوف، أي ان الشيطان قد استوطن رؤسهم فجعله له مفاحص كما تستوطن القطا مفاحصها، وهو من الاستعارات اللطيفة لان من كلامهم إذا وصفوا انسانا بشدة الغى والانهماك في الشر قالوا: قد فرخ الشيطان في رأسه. وعشش في قلبه. (3) في المصدر: اؤمرنى. (4) في المصدر: فاكثروا السجود.

[61]

قال الواقدي: ومضى المسلمون ونزلوا وادي القرى (1) فأقاموا به أياما وساروا حتى نزلوا بمؤتة، وبلغهم أن هرقل ملك الروم قد نزل ماء من مياه البلقاء في بكر وبهراء (2) ولخم وجذام وغيرهم مائة ألف مقاتل، وعليهم رجل من بلي، فأقام المسلمون ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه واله فنخبره الخبر، فإما أن يردنا أو يزيدنا رجلا، فبينا الناس على ذلك إذ جاءهم عبد الله بن رواحة فشجعهم وقال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد (3)، ولا كثرة سلاح ولا كثرة خيل إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، انطلقوا فقاتلوا فقد والله رأيتنا (4) يوم بدر ما معنا إلا فرسان، إنما هي إحدى الحسنين: إما الظهور عليهم فذاك ما وعدنا الله ورسوله وليس لوعده خلف، وإما الشهادة فنلحق بالاخوان نرافقهم في الجنان فشجع الناس على قول ابن رواحة. قال: وروى أبو هريرة قال: شهدت مؤتة، فلما رأينا المشركين رأينا ما لا قبل لنا به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري فقال لي ثابت بن أقرم (5): مالك يابا هريرة ؟ كأنك ترى جموعا كثيرة ؟ قلت: نعم قال: لم تشهدنا ببدر، إنا لم ننصر بالكثرة. قال: الواقدي: فالتقى القوم فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل، طعنوه بالرماح، ثم أخذه جعفر فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها فقاتل حتى قتل، قيل: إنه ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوقع أحد نصفيه في كرم هناك، فوجد فيه ثلاثون أو بضع وثلاثون جرحا. قال: وقد روى نافع، عن ابن عمر أنه وجد في بدن جعفر بن أبي طالب اثنتان وسبعون ضربة وطعنة بالسيوف والرماح.


(1) في المصدر: فنزلوا وادى القرى. (2) بهراء: بطن من قضاعة من قضاعة القحطانية، وهم بنو بهراء بن عمرو بن الحافى بن قضاعة وترجمنا قبل ذلك سائر القبائل. (3) في المصدر: بكثرة عدة. (4) في المصدر: رأينا. (5) في المصدر: (ثابت بن ارقم) وهو من تصحيف الطابع.

[62]

وقال البلاذري: قطعت يداه ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه واله: " لقد أبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الجنة " ولذلك سمي الطيار. قال: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فنكل (1) يسيرا ثم حمل فقاتل حتى قتل، فلما قتل انهزم المسلمون أسوأ هزيمة كانت في كل وجه، ثم تراجعوا فأخذ اللواء ثابت بن أقرم (2) وجعل يصيح: يا للانصار، فثاب إليهم (3) منهم قليل، فقال لخالد بن الوليد: خذ اللواء يا أبا سليمان، قال خالد: لا بل خذه أنت فلك سن وقد شهدت بدرا، قال ثابت: خذه أيها الرجل فوالله ما أخذته إلا لك، فأخذه خالد و حمل به ساعة وجعل المشركون يحملون عليه حتى دهمه منهم بشر كثير، فانحاز بالمسلمين وانكشفوا راجعين. قال الواقدي، وقد روي أن خالدا ثبت بالناس فلم ينهزموا، والصحيح أن خالدا انهزم بالناس (4). وروى محمد بن إسحاق قال: لما أخذ جعفر بن أبي طالب الراية قاتل قتالا شديدا حتى إذا أثخنه (5) القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر عليه السلام أول رجل عقر في الاسلام (6). قال الواقدي: وقال عبيدالله بن عبد الله (7): ما لقي جيش بعثوا مبعثا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة، لقوهم بالشر حتى أن الرجل لينصرف إلى بيته وأهله فيدق عليهم فيأبون أن يفتحوا له، يقولون ألا تقدمت مع أصحابك فقتلت، وجلس الكبراء منهم في بيوتهم استحياء من الناس، حتى أرسل النبي صلى الله عليه واله رجلا رجلا يقول لهم: أنتم الكرار في سبيل الله فخرجوا.


(1) نكل عن كذا أو من كذا: نكص. (2) في المصدر: (ثابت بن ارقم) وهو من تصحيف الطابع. (3) إليه خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) هنا زيادات في المصدر لم يذكرها المصنف راجعه. (5) أي أوهنه وأضعفه. وفى المصدر: حتى إذا لحمه القتال. (6) وهنا زيادات في المصدر لم يذكرها المصنف اختصارا راجعه. (7) في المصدر: عبيدالله بن عبد الله بن عتبة.

[63]

وروى الواقدي بإسناده (1) عن أسماء بنت عميس قالت: أصبحت في اليوم الذي اصيب فيه جعفر وأصحابه فأتاني رسول الله صلى الله عليه واله وقد منأت أربعين منا من ادم وعجنت عجيني، وأخذت بني فغسلت وجوههم ودهنتهم، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا أسماء أين بنو جعفر ؟ فجئت بهم إليه فضمهم وشمهم ثم ذرفت عيناه فبكى، فقلت يا رسول الله لعله بلغك عن جعفر شئ ؟ قال: نعم إنه قتل اليوم فقمت أصيح واجتمعت إلي النساء، فجعل رسول الله صلى الله عليه واله يقول: يا أسماء لا تقولي هجرا ولا تضربي صدرا، ثم خرج حتى دخل على ابنته فاطمة عليها السلام وهي تقول: واعماه فقال: " على مثل جعفر فلتبك الباكية " ثم قال: " اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم (2) ". وروى أبو الفرج في كتاب مقاتل الطالبيين أن كنية جعفر بن أبي طالب أبو - المساكين، وكان ثالث الاخوة من ولد أبي طالب، أكبرهم طالب، وبعده عقيل، و بعده جعفر، وبعده علي عليه السلام وكل واحد منهم أكبر من الآخر بعشر سنين، وأمهم جميعا فاطمة بنت أسد (3)، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وفضلها كثير، وقربها من رسول الله صلى الله عليه واله وتعظيمه لها معلوم عند أهل الحديث: قال أبو الفرج: ولجعفر عليه السلام فضل (4) وقد ورد فيه حديث كثير من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله لما فتح خيبر قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فالتزمه رسول الله صلى الله عليه واله، وجعل يقبل بين عينيه، ويقول: " ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا ؟ بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ". وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: خير الناس حمزة وجعفر وعلي عليهم السلام. قال: وقد روى جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: قال: رسول الله صلى الله عليه واله:


(1) والاسناد على ما في المصدر: الواقدي حدثنى مالك بن أبى الرجال، عن عبد الله بن أبى بكر بن حزم، عن ام جعفر بنت محمد بن جعفر عن جدتهما اسماء بنت عميس. (2) هنا في المصدر زيادات اسقطها المصنف اختصارا راجعه. (3) في المصدر: بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف. (4) في المصدر: فضل كثير.

[64]

خلق الناس من أشجار شتى، وخلقت أنا وجعفر من شجرة واحدة. أو قال: من طينة واحدة. وبالاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله لجعفر: أشبهت (1) خلقي وخلقي. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: كانت سن جعفر عليه السلام يوم قتل إحدى و أربعين سنة. وقد روى سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: مثل لي جعفر وزيد وعبد الله في خيمة من در كل واحد منهم على سرير، فرأيت زيدا وابن رواحة في أعناقهما صدود، ورأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود، فسألت فقيل لي: إنهما حين غشيهما الموت أعرضا وصدا بوجههما، وأما جعفر فلم يفعل. وروى الشعبي قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: كنت إذا سألت عمي عليا عليه السلام شيئا فمنعني أقول له: بحق جعفر فيعطيني. وروي أن رسول الله صلى الله عليه واله لما أتاه قتل جعفر وزيد بمؤتة بكى وقال: أخواي ومونساي ومحدثاي (2). 12 - وقال الكازروني بعد إيراد غزوة موتة في حوادث السنة الثامنة: وفي هذه السنة كانت سرية الخبط، روي عن جابر بن عبد الله قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه واله في ثلاثمائة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح في طلب عير قريش، فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا وأكلنا الخبط، ثم إن البحر ألقى إلينا دابة يقال لها: العنبر فأكلنا منها نصف شهر حتى صلحت أجسامنا، وأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعها فنصبها، ونظر إلى أطول بعير في الجيش، وأطول رجل فحمله عليه فجاز تحته، . وقد كان رجل نحر ثلاث جزائر ثم ثلاث جزائر ثم نهاه عنه أبو عبيدة. وكانوا يرونه قيس بن سعد (3). أقول: وروى في جامع الاصول بأسانيد عن اسامة بن زيد قال: بعثنا


(1) في المصدر: أنت اشبهت. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 3: 42 - 47. (3) المنتقى في مولد المصطفى: الباب الثامن فيما كان سنة ثمان من الهجرة.

[65]

رسول الله صلى الله عليه واله إلى الحرقات، فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الانصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الانصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه واله فقال: " يا اسامة أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله " ؟ قلت، إنما كان متعوذا، فقال: " أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ " فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم وفي رواية اخرى قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه واله في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه واله فقال: " أقال: لا إله إلا الله، وقتلته ؟ " قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح ؟ قال: " أفلا شققت قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟ " فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ (1). أقول: أورد تلك القصة بعد غزوة مؤتة. بيان: في النهاية: الضارع: النحيف الضاوي الجسم، يقال ضرع يضرع فهو. ضارع وضرع بالتحريك، وقال: منأت الاديم: إذا ألقيته في الدباغ، ويقال له ما دام في الدباغ: منيئة، ومنه حديث أسماء بنت عميس وهي تمعس منيئة لها، وفي القاموس: صد عنه صدودا: أعرض، وقال: الخبط محركة: ورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن بدقيق أو غيره ويوخف بالماء فيوجره الابل، وكل ورق مخبوط والجزائر جمع الجزور وهو البعير.


(1) جامع الاصول: ليست نسخته موجودة عندي.

[66]

25 (باب) * (غزوة ذات السلاسل) * الآيات: والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا * فوسطن به جمعا. (1) تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: قيل: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سرية إلى حي من كنانة، فاستعمل عليهم المنذر بن عمرو الانصاري أحد النقباء فتأخر رجوعهم فقال المنافقون: قتلوا جميعا، فأخبر الله تعالى عنها بقوله: " والعاديات ضبحا " عن مقاتل، وقيل: نزلت السورة لما بعث النبي صلى الله عليه وآله عليا إلى ذات السلاسل، فأوقع بهم، وذلك بعد أن بعث إليهم مرارا غيره من الصحابة فرجع كل منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل، قال: وسميت هذه الغزوة ذات السلاسل لانه أسر منهم وقتل وسبى وشد اساراهم في الحبال مكتفين كأنهم في السلاسل، ولما نزلت السورة خرج رسول الله صلى الله عليه واله إلى الناس فصلى بهم الغداة، وقرأ فيها: " والعاديات " فلما فرغ من صلاته قال أصحابه: هذه السورة لم نعرفها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم إن عليا قد ظفر بأعداء الله، وبشرني بذلك جبرئيل عليه السلام في هذه الليلة، فقدم علي عليه السلام بعد أيام بالاسارى والغنائم " والعاديات ضبحا " قيل: هي الخيل في الغزو تعدو في سبيل الله عن ابن عباس، وأكثر المفسرين قالوا: أقسم بالخيل العادية لغزو الكفار، وهي تضبح ضبحا وضبحها: صوت أجوافها إذا عدت ليس بصهيل ولا حمحمة، ولكنه صوت نفس، وقيل: هي الابل حين ذهبت إلى غزوة بدر تمد أعناقها في السير فهي تضبح أي تضبع، (2) وهي أن يمد ضبعه في السير حتى لا يجد مزيدا، روي ذلك عن علي عليه السلام وابن مسعود (3) وروي


(1) العاديات: 1 - 5. (2) في المصدر: فهى تضبع أي تضبح. (3) زاد في المصدر: والسدى.

[67]

أيضا أنها إبل الحاج تعدو من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى " فالموريات قدحا " هي الخيل توري النار بخوافرها إذا سارت في الحجارة والارض المخصبة و قال مقاتل: يقدحن بحوافرهن النار في الحجارة قال ابن عباس: يريد ضرب الخيل بحوافرها الجبل فأورت منه النار مثل الزناد إذا قدح، وقال مجاهد: يريد مكر الرجال في الحروب، تقول العرب إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: أما والله لاورين لك بزند وار ولاقدحن لك، وقيل: هي ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما يتكلم (1) به " فالمغيرات صبحا " يريد الخيل تغير بفرسانها على العدو وقت الصبح، وإنما ذكر الصبح (2) لانهم كانوا يسيرون إلى العدو ليلا فيأتونهم صبحا، وقيل: يريد الابل ترفع ركبانها (3) يوم النحر من جمع إلى منى، والسنة أن لا ترفع (4) بركبانها حتى تصبح، والاغارة: سرعة السير " فأثرن به نقعا " يقال: ثار الغبار أو الدخان وأثرته أي هيجته، والهاء في " به " عائد إلى معلوم يعني بالمكان أو بالوادي " فوسطن به جمعا " أي صرن بعدوهن، أو بذلك المكان وسط جمع العدو، وقيل: يريد جمع منى (5). 1 - نوادر الراوندي باسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث مع علي عليه السلام ثلاثين فرسا في غزوة ذات السلاسل، وقال: أتلو عليك آية في نفقة الخيل " والذين (6) ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا و علانية هي النفقة على الخيل سرا وعلانية (7)، 2 - فس: " والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا " حدثنا جعفر بن أحمد، عن عبيد بن موسى، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " والعاديات ضبحا " قال: هذه السورة


(1) في المصدر: ما تتكلم به (2) في المصدر: وانما ذكر وقت الصبح. (3) في المصدر: ان ترفع بركبانها. (4) في المصدر: ان لا ترتفع. (5) مجمع البيان 10: 528 و 529. (6) هكذا في الكتاب والصحيح: (الذين) بلا عاطف. راجع سورة البقرة: 274. (7) نوادر الراوندي: 33 و 34.

[68]

نزلت في أهل وادي يابس (1) قال: قلت: (2): وما كان حالهم وقصتهم ؟ قال: إن أهل وادي يابس (3) اجتمعوا اثنى عشر ألف فارس وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا (4) أن لا يتخلف رجل عن رجل، ولا يخذل أحد أحدا، ولا يفر رجل عن صاحبه حتى يموتوا كلهم على خلق واحد (5) ويقتلوا محمدا صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام (6) فنزل جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله (7) فأخبره بقصتهم وما تعاقدوا عليه وتوافقوا (8) وأمره أن يبعث أبا بكر إليهم في أربعة آلاف فارس من المهاجرين والانصار، فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " يا معشر المهاجرين و الانصار إن جبرئيل أخبرني أن أهل وادي اليابس اثنى عشر ألفا (9) قد استعدوا وتعاهدوا وتعاقدوا أن لا يغدر رجل بصاحبه (10) ولا يفر عنه ولا يخذله حتى يقتلوني وأخي (11) علي بن أبي طالب، وأمرني أن اسير إليهم أبا بكر في أربعة آلاف فارس فخذوا (12) في أمركم واستعدوا لعدوكم، وانهضوا إليهم على اسم الله وبركته يوم الاثنين إن شاء الله، فأخذ المسلمون عدتهم (13) وتهيأوا وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر بأمره، وكان فيما أمره به أن إذا رآهم (14) أن يعرض عليهم الاسلام


(1 و 3) اليابس خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) في تفسير فرات: قيل: يابن رسول الله وما كان حالهم وقصتهم ؟. (4) وتوافقوا على خ ل. أقول: يوجد ذلك في تفسير القمى. وفى تفسير فرات: تعاهدوا وتعاقدوا على ان لا يتخلف. (5) على حلف واحدان يقتلوا خ ل أقول: يوجد ذلك في تفسير القمى الا ان فيه: ويقتلوا. (6) رسول الله وعليا خ ل. (7) رسول الله صلى الله عليه وآله خ ل. (8) وتواثقوا خ ل أقول: يوجد ذلك في تفسير فرات. (9) ألف فارس خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدرين. (10) على ان لا يغدر رجل منهم بصاحبه خ ل أقول يوجد ذلك في تفسير القمى. (11) في تفسير فرات: أو يقتلون اخى على بن ابى طالب. (12) فجددوا خ ل. (13) في عدتهم خ ل أقول: يوجد ذلك في تفسير القمى. (14) في تفسير القمى: انه إذا رآهم.

[69]

فإن تابعوا (1) وإلا واقعهم (2) فقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم واستباح أموالهم و خرب ضياعهم وديارهم فمضى أبو بكر ومن معه من المهاجرين والانصار في أحسن عدة وأحسن هيئة، يسير بهم سيرا رفيقا حتى انتهوا إلى أهل وادي اليابس، فلما بلغ القوم نزول القوم عليهم ونزل أبو بكر وأصحابه قريبا منهم خرج إليهم من أهل وادي اليابس مائتا رجل مدججين بالسلاح (3) فلما صادفوهم قالوا لهم: من أنتم ؟ ومن أين أقبلتم ؟ وأين تريدون ؟ ليخرج إلينا صاحبكم حتى نكلمه، فخرج إليهم أبو بكر في نفر من أصحابه المسلمين، فقال لهم: أنا أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، قالوا: ما أقدمك علينا ؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أعرض عليكم الاسلام، وان تدخلوا (4) فيما دخل فيه المسلمون ولكم مالهم وعليكم ما عليهم وإلا فالحرب بيننا وبينكم، قالوا له: أما واللات والعزى لولا رحم (5) ماسة وقرابة قريبة لقتلناك وجميع أصحابك (6) قتلة تكون حديثا لمن يكون بعد كم، فارجع أنت ومن معك وارتجوا (7) العافية، فإنا إنما نريد (8) صاحبكم بعينه وأخاه علي بن أبي طالب، فقال أبو بكر لاصحابه: يا قوم القوم أكثر منكم أضعافا وأعد منكم (9) وقد نأت داركم عن إخوانكم من المسلمين، فارجعوا نعلم رسول الله صلى الله عليه وآله بحال القوم، فقالوا له جميعا: خالفت يا أبا بكر رسول الله وما أمرك به فاتق الله و


(1) فان بايعوا خ ل. أقول: في تفسير القمى: فان بايعوك والا واقفهم فاقتل مقاتليهم واسب ذراريهم واستبح اموالهم وخرب ضياعهم وديارهم. وفى تفسير فرات: فان تابعوه والا واقعهم فقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم واستباح اموالهم واخرب ديارهم. (2) واقفهم فيقتل مقاتليهم ويسبي ذراريهم ويستبيح اموالهم ويخرب خ ل. (3) في المصدرين: مدججين في السلاح. (4) في تفسير القمى: وان تدخلون. وفى تفسير فرات: ان تدخلوا. (5) في تفسير فرات: لولا رحم بيننا وبينك وقرابة قريبة لقتلناك وجميع اصحابك حتى يكون حديثا لمن يأتي بعدكم: ارجع انت واصحابك ومن معك، وارغبوا في العافية فانا نريد صاحبكم بعينه واخاه على بن ابى طالب. (6) من معك خ ل. أقول يوجد ذلك في تفسير القمى. (7) واربحوا خ ل. أقول يوجد ذلك في تفسير القمى. (8) فانما انا نريد خ ل. (9) في تفسير فرات: اكثر منا اضعافا وأعد منكم عدة.

[70]

واقع القوم، ولا تخالف قول رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إني أعلم مالا تعلمون الشاهد (1) يرى ما لا يرى الغائب، فانصرف وانصرف الناس أجمعون، فاخبر النبي صلى الله عليه وآله بمقالة القوم له وما رد عليهم أبو بكر (2) فقال: صلى الله عليه وآله: يا با بكر خالفت أمري (3) ولم تفعل ما أمرتك به، وكنت لي والله عاصيا فيما أمرتك، فقام النبي صلى الله عليه وآله وصعد المنبر (4) فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (5) " يا معشر المسلمين إني أمرت أبا بكر أن يسير إلى أهل وادي اليابس، وأن يعرض عليهم الاسلام، ويدعوهم إلى الله فإن أجابوا (6) وإلا واقعهم، فإنه (7) سار إليهم وخرج منهم إليه مائتا رجل فإذا سمع (8) كلامهم وما استقبلوه به انتفخ صدره (9) ودخله الرعب منهم، وترك قولي ولم يطع أمري، وإن جبرئيل عليه السلام أمرني عن الله أن ابعث إليهم عمر مكانه في أصحابه في أربعة آلاف فارس، فسر يا عمر على اسم الله ولا تعمل كما (10) عمل أبو بكر أخوك، فإنه قد عصى الله وعصاني " وأمره بما أمر به أبا بكر، فخرج عمر والمهاجرون (11) والانصار الذين كانوا مع أبي بكر يقتصد بهم في سيرهم (12) حتى شارف القوم، وكان قريبا منهم حيث يراهم ويرونه، وخرج (13) إليهم مائتا رجل فقالوا له ولاصحابه مثل مقالتهم لابي بكر، فانصرف وانصرف الناس معه، وكاد


(1) في المصدرين: والشاهد. (2) في تفسير فرات: فاخبر جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا ابا بكر خالفت ولم تفعل ما امرتك وكنت لى عاصيا فيما امرتك، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله. (3) قولى خ ل. (4) حتى صعد خ ل. أقول يوجد ذلك في تفسير القمى. (5) في تفسير القمى: فقال. (6) فان اجابوه خ ل أقول يوجد ذلك في تفسير القمى، وفى تفسير فرات: ويدعوهم إلى الله والى. (7) وانه خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدرين. (8) فلما سمع خ ل أقول يوجد ذلك في المصدرين. (9) في تفسير فرات: انتفخ سحره: أقول: السحر: الرئة، أي جبن وان الخوف ملا جوفه فانتفخ سحره. (10) في تفسير فرات: ما عمل. (11) في تفسير فرات: بالمهاجرين. (12) في مسيرهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في تفسير القمى، وفى تفسير فرات: في مسيره. (13) في تفسير فرات: حتى خرج.

[71]

أن يطير قلبه مما رأى من عدة القوم وجمعهم، ورجع يهرب منهم. فنزل جيرئيل عليه السلام فأخبر محمدا (1) بما صنع عمر، وأنه انصرف وانصرف المسلمون معه، فصعد النبي صلى الله عليه وآله المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأخبرهم بما صنع عمر، وما كان منه، و أنه قد انصرف وانصرف المسلمون معه (2) مخالفا لامري، عاصيا لقولي، فقدم عليه فأخبره بمقاله (3) ما أخبره به صاحبه، فقال له: " يا عمر عصيت الله في عرشه، و عصيتني وخالفت قولي، وعملت برأيك، لاقبح (4) الله رأيك، وإن جبرئيل عليه السلام قد أمرني أن أبعث علي بن أبي طالب في هؤلاء المسلمين، فأخبرني (5) أن الله يفتح عليه وعلى أصحابه " فدعا عليا وأوصاه بما أوصى به أبا بكر وعمر وأصحابه الاربعة آلاف، وأخبره أن الله سيفتح عليه وعلى أصحابه، فخرج علي ومعه المهاجرون والانصار، فسار بهم سيرا غير سير أبى بكر وعمر، وذلك أنه أعنف بهم في السير حتى خافوا أن ينقطعوا (6) من التعب، وتحفى دوابهم، فقال لهم: لا تخافوا فإن رسول الله صلى الله إليه وآله قد أمرني بأمر (7) وأخبرني أن الله سيفتح علي و عليكم، فأبشروا فإنكم على خير وإلى خير، فطابت (8) نفوسهم وقلوبهم، و ساروا على ذلك السير التعب (9) حتى إذا كانوا قريبا منهم حيث يرونه ويراهم، أمر أصحابه أن ينزلوا، وسمع أهل وادى اليابس بمقدم علي بن أبيطالب وأصحابه


(1) رسول الله صلى الله عليه وآله خ ل. أقول: يوجد ذلك في تفسير فرات. (2) في المصدرين: وانه قد انصرف بالمسلمين معه. (3) بمقالته خ ل. مثل خ ل. اقول: في تفسير القمى: فاخبره بمثل ما اخبره به صاحبه. (4) في تفسير القمى: (ألا قبح الله رأيك) وفى تفسير فرات: وخالفت امرى وتجليت برأيك، الا قبح الله رايك. (5) واخبرني خ ل. أقول: يوجد ذلك في تفسير القمى. (6) في تفسير فرات: ان يتقطعوا. (7) بأمره خ ل. أقول في تفسير فرات: امرني بأمر وانا منتهى إلى امره واخبرني. (8) في تفسير فرات: ابشروا فانكم عادون إلى خير، فطابت انفسم وسكنت قلوبم، فسار. (9) في تفسير القمى: (والتعب) وفى تفسير فرات: فسار كل ذلك في السير والتعب الشديد حتى باتوا قريبا منهم حيث يراهم ويرونه، وامر.

[72]

فخرجوا (1) إليه منهم مائتا رجل شاكين بالسلاح (2) فلما رآهم علي عليه السلام خرج إليهم في نفر من أصحابه، فقالوا لهم: (3) من أنتم ؟ ومن أين أنتم ؟ ومن أين أقبلتم ؟ (4) وأين تريدون ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وأخوه ورسوله إليكم، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله (5) ولكم (6) ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم (7) من خير وشر، فقالوا له: إياك أردنا، و أنت طلبتنا، قد سمعنا مقالتك، فاستعد (8) للحرب العوان، واعلم أنا (9) قاتليك وقاتلي (10) أصحابك، والموعود فيما بيننا وبينك غدا ضحوة، وقد أعذرنا فيما بيننا وبينك، فقال لهم علي عليه السلام: ويلكم تهددوني بكثرتكم وجمعكم، فأنا (11) أستعين بالله وملائكته والمسلمين عليكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فانصرفوا إلى مراكزهم (12) وانصرف علي عليه السلام إلى مركزه (13) فلما جنه الليل أمر أصحابه أن يحسنوا إلى دوابهم، ويقضموا ويسرجوا (14) فلما انشق عمود الصبح صلى بالناس بغلس، ثم غار عليهم بأصحابه، فلم يعلموا حتى وطئتهم الخيل فما أدرك آخر أصحابه حتى قتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم، واستباح أموالهم، و خرب (15) ديارهم، وأقبل بالاسارى (16) والاموال معه ونزل (17) جبرئيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بما فتح الله على علي عليه السلام (18) وجماعة المسلمين، فصعد المنبر فحمد الله


(1) فخرج إليهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في تفسير القمى، وفى تفسير فرات: فخرج منهم إليه. (2) في المصدرين: شاكين في السلاح. (3) له خ ل. (4) خلى تفسير القمى من قوله: (ومن اين انتم) ؟ وفى تفسير فرات: ومن اين انتم اقبلتم. (5) ورسول الله خ ل. (6) ولكم ان آمنتم خ ل. (7) ما على المسلمين خ ل. (8) فخذ حذرك واستعد خ ل. (9) في تفسير القمى: اننا. (10) وقاتلوا خ ل. (11) في تفسير فرات: وانا. (12) في تفسير القمى: إلى مراكزكم. (13) في تفسير فرات: إلى مركزه والى اصحابه. (14) في تفسير القمى: (ويقضموا ويحسوا ويسرجوا) وفى تفسير فرات: أمر على أصحابه أن يحسوا دوابهم ويقضمونها ويحبسونها ويسرجونها فلما أسفر عمود الصبح صلى بالناس بغلس فمر عليهم بأصحابه فلم يعلموا حتى توطأهم الخيل. (15) أخرب خ ل. أقول: يوجد ذلك في تفسير فرات. (16) بالاسير خ ل (17) فنزل خ ل. (18) في تفسير فرات: على يدى امير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام.

[73]

وأثنى عليه وأخبر الناس بما فتح الله على المسلمين، وأعلمهم أنه لم يصب منهم إلا رجلان، ونزل فخرج (1) يستقبل عليا في جميع أهل المدينة من المسلمين حتى لقيه على أميال (2) من المدينة، فلما رآه علي مقبلا نزل عن دابته، ونزل النبي صلى الله عليه وآله حتى التزمه، وقبل ما بين عينيه، فنزل جماعة المسلمين إلى علي عليه السلام حيث (3) نزل رسول الله وأقبل بالغنيمة والاسارى وما رزقهم الله من أهل وادي الياس. ثم قال جعفر بن محمد عليهما السلام: ما غنم المسلمون مثلها قط إلا أن تكون خيبرا (4) فإنها مثل خيبر، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك اليوم (5): " والعاديات ضبحا " يعني بالعاديات الخيل تعدو بالرجال، والضبح ضبحها في أعنتها ولجمها " فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا " فقد أخبرك أنها غارت عليهم صبحا، قلت قوله: " فأثرن به نقعا " قال: يعني الخيل (6) يأثرن بالوادي نقعا " فوسطن به جمعا " قلت: قوله: " إن الانسان لربه لكنود " قال: لكفور " وإنه على ذلك لشهيد " قال: يعنيهما (7) جميعا قد شهدا جميعا وادي اليابس، وكانا لحب الحياة حريصين، قلت: قوله (8): " أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير " قال: نزلت الآيتان فيهما خاصة كانا يضمران ضمير السوء ويعملان به فأخبر الله خبرهما وفعالهما، فهذه قصة أهل وادي اليابس وتفسير العاديات (9).


(1) في تفسير فرات: لم يصب منهم الا رجلا، فخرج النبي صلى الله عليه وآله يستقبل عليا وجميع. (2) على ثلاثة أميال خ ل. أقول يوجد ذلك في تفسير فرات. (3) حيث نزل عن دابته وخ ل. اقول: في تفسير القمى: " فجاء جماعة المسلمين إلى على حيث نزل رسول الله صلى الله عليه وآله واقبل " وفى تفسير فرات: ونزل جماعة المسلمين إلى على حيث نزل النبي صلى الله عليه وآله واقبل. (4) من خيبر خ ل. اقول في تفسير القمى: (الا ان يكون من خيبر) وفى تفسير فرات: إلى ان يكون خيبر. (5) هذه السورة خ. (6) في تفسير فرات: " فاثرن به نقعا، بالخيل اثرن " وفى تفسير القمى: قال: الخيل يأثرن. (7) بعثهما خ ل. (8) في تفسير فرات: قد شهدا جمع الوادي اليابس وتمنيا الحياة (انه لحب الخير لشديد) يعنى امير المؤمنين عليه السلام. اقول ضمير التثنية يرجع إلى ابى بكر وعمر. (9) إلى هنا انتهى الخبر في تفسير فرات.

[74]

ثم قال علي بن إبراهيم في قوله: " والعاديات ضبحا " أي عدوا عليهم في الضبح، ضباح الكلاب: صوتها " فالموريات قدحا " كانت بلادهم فيها حجارة فإذا وطئها سنابك الخيل كان (1) ينقدح منها النار " فالمغيرات صبحا " أي صبحهم بالغارة " فأثرن به نقعا " قال: ثارت الغبرة من ركض الخيل " فوسطن به جمعا " قال: توسط المشركين بجمعهم " إن الانسان لربه لكنود " أي كفور، وهم الذين أمروا وأشاروا (2) على أمير المؤمنين عليه السلام أن يدع الطريق مما حسدوه (3) وكان علي عليه السلام أخذ (4) بهم على غير الطريق الذي أخذ فيه أبو بكر وعمر، فعلموا (5) أنه يظفر بالقوم، فقال عمرو بن العاص لابي بكر: إن عليا غلام حدث لا علم له بالطريق، و هذا طريق مسبع لا نأمن فيه من السباع فمشوا (6) إليه فقالوا: يا أبا الحسن هذا الطريق الذي أخذت فيه طريق مسبع، فلو رجعت إلى الطريق، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: الزموا رحالكم، وكفوا عما لا يعنيكم، واسمعوا وأطيعوا فإني أعلم بما أصنع فسكتوا (7) " وإنه على ذلك لشهيد " أي على العداوة " وإنه لحب الخير لشديد " يعني حب الحياة حيث خافوا السباع على أنفسهم فقال الله: " أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور " أي يجمع ويظهر " إن ربهم بهم يومئذ لخبير " (8). فر: عبد الله بن بحر بن طيفور بإسناده عن جعفر بن محمد عليهما السلام مثله (9) إلى قوله: ثم قال علي بن ابراهيم. بيان: رجل مدجج ومدجج أي شاك في السلاح، وحفي من كثرة المشي


(1) في المصدر: كاد. (2) وهما اللذين امرا واشارا خ ل. اقول يوجد ذلك في المصدر. (3) هما حسدا خ ل. (4) في المصدر: قد اخذ. (5) فعلما خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (6) فمشيا إليه وقالا له خ ل. (7) فقال لهما امير المؤمنين عليه السلام: الزما رحالكما وكفا عما لا يعنيكما واسمعا واطيعا فانى اعلم بما اصنع فسكتا خ ل. أقول يوجد ذلك في المصدر. (8) تفسير القمى: 733 - 737. (9) تفسير فرات: 226 - 229.

[75]

أي رقت قدمه أو حافره. والعوان من الحروب: التي قوتل فيها مرة، كأنهم جعلوا الاولى بكرا. وأقضم القوم: امتاروا شيئا في القحط، وفي بعض لغة الفرس: القضم: خوردن اسب جورا (1) قوله عليه السلام: يعنيهما، أي مصداق الانسان في هذه الآية أبو بكر وعمر. قال البيضاوي: " لكنود ": لكفور، من كند النعمة كنودا، أو لعاص بلغة كندة، أو لبخيل بلغة بني مالك وهو جواب القسم. " وإنه على ذلك " وإن الانسان على كنوده " لشهيد " يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، أو أن الله على كنوده لشهيد فيكون وعيدا " وإنه لحب الخير " المال " لشديد " لبخيل، أو لقوي مبالغ فيه قوله: " بعثر " أي بعث " وحصل ": جمع محصلا في الصحف أو ميز. 3 - ما: قال شيخ الطائفة قرئ (2) على أبي القاسم بن شبل وأنا أسمع: حدثنا ظفر بن حمدون بن أحمد، عن إبراهيم بن إسحاق الاحمري، عن محمد بن ثابت وأبي المغرا العجلي قالا: حدثنا الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: " والعاديات ضبحا " قال: وجه رسول الله صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب في سرية فرجع منهزما يجبن أصحابه، ويجبنونه (3) أصحابه، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: أنت صاحب القوم، فتهيأ أنت ومن تريد من فرسان المهاجرين والانصار، وسر الليل (4) ولا يفارقك العين، قال: فانتهى علي إلى ما


(1) أي اكل الفرس الشعير. (2) هكذا في الكتاب ومصدره المطبوع اما في نسختي المصححة على نسخة للمولى خليل القزويني قدس سره: قرء على أبو القاسم على بن شبل بن أسد الوكيل وانا اسمع في منزله ببغداد في ربض بباب المحول في سنة عشر واربعمائة، قال، حدثنا ظفر بن حمدون بن احمد بن شداد البادراى أبو منصور ببادرايا في شهر ربيع الاخر من سنة سبع واربعين وثلاثمائة قال حدثنا ابراهيم بن اسحاق النهاوندي عن ابراهيم الاحمري اه‍ أقول: الظاهر ان الاحمري متجد مع النهاوندي فالصحيح زيادة (عن ابراهيم). (3) في نسختي من المصدر: ويجبنه اصحابه. (4) في المصدر بعد قوله: (والانصار) فوجهه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اكمن النهار وسر الليل.

[76]

أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله فسار إليهم، فلما كان عند وجه الصبح أغار عليهم، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله " والعاديات ضبحا " إلى آخرها (1). بيان: لا يفارقك العين، أي ليكن معك جواسيس ينظرون لئلا يكمن لك العدو، أو كناية عن ترك النوم، أو عن ترك الحذر، والنظر إلى مظان الريبة أو المعنى لا يفارقك عسكرك وكن معهم، قال الجوهري: جاء فلان في عين، أي في جماعة. 4 - يج: روي أن النبي صلى الله عليه وآله لما بعث سرية ذات السلاسل وعقد الراية وسار بها أبو بكر حتى إذا صار بها بقرب المشركين اتصل خبرهم فتحرزوا ولم يصل المسلمون إليهم، فأخذ الراية عمر وخرج مع السرية فاتصل بهم خبرهم (2) فتحرزوا ولم يصل المسلمون إليهم، فأخذ (3) الراية عمرو بن العاص فخرج في السرية فانهزموا، فأخذ الراية لعلي وضم إليه أبا بكر وعمر وعمرو بن العاص و من كان معه (4) في تلك السرية، وكان المشركون قد أقاموا رقباء على جبالهم ينظرون إلى كل عسكر يخرج إليهم من المدينة على الجادة فيأخذون حذرهم و استعدادهم، فلما خرج علي عليه السلام ترك الجادة وأخذ بالسرية في الاودية بين الجبال فلما رأى عمرو بن العاص وقد فعل علي ذلك علم أنه سيظفر بهم، فحسده فقال لابي - بكر وعمر ووجوه السرية: إن عليا رجل غر (5) لا خبرة له بهذه المسالك، و نحن أعرف بها منه، وهذا الطريق الذي توجه فيه كثير السباع، وسيلقى الناس من معرتها أشد ما يحاذرونه من العدو، فسألوه أن يرجع عنه إلى الجادة، فعرفوا أمير المؤمنين عليه السلام ذلك، قال: من كان طائعا لله ولرسوله منكم فليتبعني، ومن أراد الخلاف على الله ورسوله فلينصرف عني، فسكتوا وساروا معه فكان يسير بهم


(1) امالي ابن الشيخ: 259 و 260. اقول: ظاهر النسخة التى صححت المصدر عليه ان الكتاب للشيخ نفسه، وتعبيري بامالى ابن الشيخ هنا أو في غير ذلك الموضع للوفاق للمشهور. (2) في المصدر: فاتصل بهم الخبر. (3) في المصدر: فعاد فاخذ. (4) في المصدر: ومن كان في تلك السرية. (5) أي شاب لاخبرة له بالحرب أو بغيره.

[77]

بين الجبال في الليل (1) ويكمن في الاودية بالنهار، وصارت السباع التي فيها كالسنانير إلى أن كبس (2) المشركين وهم غارون آمنون وقت الصبح، فظفر بالرجال والذراري والاموال، فحاز ذلك كله، وشد الرجال في الحبال كالسلاسل، فلذلك سميت غراة ذات السلاسل، فلما كانت الصبيحة التي أغار فيها أمير المؤمنين عليه السلام على العدو - ومن المدينة إلى هناك خمس مراحل - خرج النبي صلى الله عليه وآله فصلى (3) بالناس الفجر، وقرأ: " والعاديات " في الركعة الاولى، وقال: " هذه سورة أنزلها الله علي في هذا الوقت يخبرني فيها بإغارة علي على العدو، وجعل حسده لعلي حسدا له (4) فقال: " إن الانسان لربه لكنود " والكنود: الحسود، وهو عمرو بن العاص ههنا، إذا هو كان يحب الخير وهو الحياة حين (5) أظهر الخوف من السباع ثم هدده الله (6). 5 - شا: ثم كان (7) غزاة السلسلة وذلك أن أعرابيا جاء عند النبي (8) فجثا بين يديه وقال له: جئتك لانصح لك، قال: وما نصيحتك ؟ قال: قوم من العرب قد اجتمعوا بوادي الرمل وعملوا على أن يبيتوك بالمدينة، ووصفهم له، فأمر النبي صلى الله عليه واله أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون وصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: " أيها الناس إن هذا عدو الله وعدوكم قد عمل على أن يبيتكم فمن له (9) " فقام جماعة من أهل الصفة فقالوا: نحن نخرج إليهم (10) فول علينا من شئت، فأقرع بينهم فخرجت القرعة علي ثمانين رجلا منهم ومن غيرهم، فاستدعى أبا بكر فقال له: خذ اللواء وامض إلى بني سليم، فإنهم قريب من الحرة، فمضى


(1) باليل خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) في المصدر وسار إلى ان كبس. (3) وصلى خ ل: (4) في المصدر: فجعل الله حسد عمرو بن العاص لعلى عليه السلام حسد الله. (5) حتى أظهر خ ل. (6) الخرائج والجرائح: 188. (7) ثم كانت خ ل. أقول يوجد ذلك في المصدر. (8) إلى النبي صلى الله عليه وآله خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (9) فمن لهم خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (10) في المصدر: نحن نخرج إليهم يا رسول الله.

[78]

ومعه القوم حتى قارب أرضهم، وكانت كثيرة الحجارة والشجر وهم ببطن الوادي والمنحدر إليه صعب، فلما صار أبو بكر إلى الوادي وأراد الانحدار خرجوا إليه فهزموه وقتلوا من المسلمين جمعا كثيرا، فانهزم أبو بكر من القوم، فلما ورد (1) على النبي صلى الله عليه وآله عقد لعمر بن الخطاب وبعثه إليهم فكمنوا له تحت الحجارة و الشجر، فلما ذهب ليهبط خرجوا إليه فهزموه، فساء رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك، فقال له عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول الله إليهم، فإن الحرب خدعة، فلعلي (2) أخدعهم فأنفذه مع جماعة ووصاه فلما صار إلى الوادي خرجوا إليه فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة ومكث رسول الله صلى الله عليه وآله أياما يدعو عليهم، ثم دعا أمير المؤمنين عليه السلام (3) فعقد له، ثم قال: " أرسلته كرارا غير فرار " ثم رفع يديه إلى السماء وقال: " الهم إن كنت تعلم أني رسولك فاحفظني فيه، وافعل به وافعل " فدعا له ما شاء الله، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله لتشييعه وبلغ معه إلى مسجد الاحزاب، وعلي على فرس أشقر مهلوب، عليه بردان يمانيان وفي يده قناة خطية، فشيعه رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا له، وأنفذ معه فيمن أنفذ أبا بكر وعمر وعمرو بن العاص، فسار بهم عليه السلام نحو العراق متنكبا للطريق حتى ظنوا أنه يريد بهم غير ذلك الوجه، ثم انحدر (4) بهم على محجة غامضة، فسار بهم حتى استقبل الوادي من فمه، وكان يسير الليل، ويكمن النهار فلما قرب من الوادي أمر أصحابه أن يعكموا الخيل، ووقفهم مكانا، وقال: لا تبرحوا، وانتبذ (5) أمامهم فأقام ناحية منهم، فلما رأى عمرو بن العاص ما صنع لم يشك أن الفتح يكون له فقال لابي بكر: أنا أعلم بهذه البلاد من علي، وفيها ما هو أشد علينا من بني سليم، وهي الضباع والذئاب، فإن خرجت علينا خفت أن تقطعنا فكلمه يخل عنا نعلو الوادي، قال: فانطلق أبو بكر فكلمه (6) فأطال فلم يجبه أمير المؤمنين عليه السلام


(1) في المصدر: فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وآله عقده. (2) ولعلى خ ل. (3) على بن ابى طالب خ ل. (4) ثم اخذ لهم خ ل. أقول: في المصدر: ثم اخذ بهم. (5) وابتدر خ ل. (6) وكلمه خ ل.

[79]

حرفا واحدا، فرجع إليهم فقال: لا والله ما أجابني حرفا واحدا، فقال عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب: أنت أقوى عليه، فانطلق عمر فخاطبه فصنع به مثل ما. صنع بأبي بكر، فرجع إليهم فأخبرهم أنه لم يجبه، فقال عمرو بن العاص: إنه لا ينبغي لنا أن نضيع أنفسنا، انطلقوا بنا نعلوا الوادي، فقال له المسلمون، والله (1) ما نفعل، أمرنا رسول الله أن نسمع لعلي ونطيع، فنترك أمره ونطيع لك ونسمع ؟ فلم يزالوا كذلك حتى أحس أمير المومنين عليه السلام بالفجر، فكبس القوم وهم غارون (2) فأمكنه الله تعالى منهم، فنزلت على النبي صلى الله عليه وآله " والعاديات ضبحا " إلى آخرها، فبشر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه بالفتح، وأمرهم أن يستقبلوا أمير المؤمنين عليه السلام، فاستقبلوه والنبي صلى الله عليه وآله يقدمهم، فقاموا له صفين، فلما بصر بالنبي صلى الله عليه وآله ترجل عن فرسه (3) فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " اركب فإن الله ورسوله عنك راضيان " فبكى أمير المؤمنين عليه السلام فرحا، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " يا علي لولا أنني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملا من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك ". وكان الفتح في هذه الغزاة لامير المؤمنين عليه السلام خاصة بعد أن كان لغيره فيها من الافساد (4) ما كان، واختص عليه السلام من مديح النبي صلى الله عليه وآله فيها بفضائل لم يحصل منها شئ لغيره، وبان له من المنقبة فيها ما لم يشركه فيه (5) سواه (6). بيان: المهلبة: ما غلظ من شعر الذنب، وهلبت الفرس: نتفت هلبه فهو مهلوب، ذكره الجوهري، وقال: الخط: موضع باليمامة، تنسب إليه الرماح الخطية، لانها تحمل من بلاد الهند فتقوم به، ويقال: عكمت المتاع، أي شددته والمراد هنا شد أفواه الدواب لترك صهيلها. قوله: فكبس القوم، أي هجم عليهم.


(1) لا والله خ ل. (2) أي غافلون، (3) في المصدر: ترجل له من فرسه (4) في المصدر: بعد ان كان من غيره فيها من الفساد ما كان. (5) من سواه خ ل (6) ارشاد المفيد: 84 - 86.

[80]

6 - أقول: ذكر المفيد - رحمه الله - هذه الغزوة على هذا الوجه بعد غزوة تبوك وذكرها على وجه آخر على ما في بعض النسخ القديمة بعد غزوة بني قريظة وقبل غزوة بني المصطلق: قال: وقد كان من أمير المؤمنين عليه السلام في غزوة وادي الرمل - ويقال: إنها كانت تسمى بغزوة السلسلة (1) - ما حفظه العلماء، ودونه الفقهاء، ونقله أصحاب الآثار، ورواه نقلة الاخبار مما ينضاف إلى مناقبه عليه السلام في الغزوات، ويماثل فضائله في الجهاد، وما توحد به في معناه من كافة العباد، وذلك أن أصحاب السير ذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله كان ذات يوم جالسا إذا جاء أعرابي فجثا بين يديه، ثم قال: إني جئت (2) لانصحك، قال: " وما نصيحتك ؟ " قال: قوم من العرب قد عملوا على أن يبيتوك بالمدينة، ووصفهم له قال فأمر أمير المؤمنين عليه السلام أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس إن هذا عدو الله وعدوكم قد أقبل عليكم (3) يزعم أنه يبيتكم بالمدينة، فمن للوادي ؟ " فقام رجل من المهاجرين فقال: أنا له يا رسول الله، فناوله اللواء وضم إليه سبعمائة رجل، وقال له: " امض على اسم الله " فمضى فوافى القوم ضحوة فقالوا له: من الرجل ؟ قالوا: (4) رسول لرسول الله صلى الله عليه وآله، إما أن تقولوا: لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وإن محمدا عبده ورسوله، أو لاضربنكم بالسيف، قالوا له: ارجع إلى صاحبك فإنا في جمع لا تقوم له، فرجع الرجل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " من للوادي ؟ " فقام رجل من المهاجرين فقال: أنا له يا رسول الله، قال: فدفع إليه الراية ومضى، ثم عاد بمثل (5) ما عاد به صاحبه الاول، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أين علي بن أبي طالب ؟ " فقام أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أنا ذا يا رسول الله، قال (6):


(1) ذات السلسلة خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) جئتك خ ل. (3) في المصدر: قد اقبل اليكم. (4) قال: أنا خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) في المصدر: لمثل. (6) فقال خ ل.

[81]

" امض إلى الوادي " قال: نعم، وكانت له عصابة لا يتعصب بها حتى يبعثه النبي صلى الله عليه وآله في وجه شديد، فمضى إلى منزل فاطمة عليها السلام فالتمس العصابة منها، فقالت: أين تريد ؟ وأين (1) بعثك أبي ؟ قال: إلى وادي الرمل، فبكت إشفاقا عليه، فدخل النبي صلى الله عليه وآله وهي على تلك الحال فقال لها: " مالك تبكين ؟ أتخافين أن يقتل بعلك ؟ كلا انشاء الله " فقال له علي عليه السلام: لا تنفس علي بالجنة يا رسول الله، ثم خرج ومعه لواء النبي صلى الله عليه وآله فمضى حتى وافى القوم بسحر، فأقام حتى أصبح، ثم صلى بأصحابه الغداة، وصفهم صفوفا، واتكأ على سيفه مقبلا على العدو، فقال لهم: يا هؤلاء أنا رسول رسول الله إليكم، أن تقولوا: لا إله إلا الله، وإن محمدا (2) عبده ورسوله، وإلا أضربنكم بالسيف، قالوا: (3) ارجع كما رجع صاحباك قال: أنا أرجع ؟ (4) لا والله حتى تسلموا، أو أضربكم بسيفي هذا، أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، فاضطرب القوم لما عرفوه، ثم اجترؤا على مواقعته فواقعهم عليه السلام فقتل منهم ستة أو سبعة، وانهزم المشركون، وظفر المسلمون، و حازوا الغنائم، وتوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله. فروي عن ام سلمة رضي الله عنها قالت: كان نبي الله صلى الله عليه وآله قائلا في بيتي إذا انتبه فزعا من منامه، فقلت له: الله جارك، قال: " صدقت الله جاري، لكن هذا جبرئيل عليه السلام يخبرني أن عليا عليه السلام قادم " ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليا عليه السلام، فقام المسلمون له صفين مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما بصر بالنبي صلى الله عليه وآله ترجل عن فرسه، وأهوى إلى قدميه يقبلهما، فقال له صلى الله عليه وآله: " اركب فإن الله تعالى ورسوله عنك راضيان " فبكى أمير المومنين عليه السلام فرحا، وانصرف إلى منزله وتسلم (5) المسلمون الغنائم. فقال النبي صلى الله عليه واله لبعض من كان معه في الجيش: " كيف رأيتم أميركم ؟ " قالوا: لم ننكر منه شيئا إلا أنه لم يؤم بنا في صلاة إلا قرأ


(1) واين خ ل. (2) محمد رسول الله خ ل. (3) في المصدر: قالوا له. (4) انا لا ارجع. (5) وقسم خ ل.

[82]

فيها (1) بقل هو الله، فقال النبي صلى الله عليه واله أسأله (2) عن ذلك، فلما جاءه قال له: " لم لم تقرأ بهم في فرائضك إلا بسورة الاخلاص ؟ " فقال: يا رسول الله أحببتها، قال له النبي صلى الله عليه واله: " فإن الله قد أحبك كما أحببتها " ثم قال له: " يا علي لولا أني (3) أشفق أن تقول فيك طوائف ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملأ منهم إلا أخذوا التراب من تحت قدميك ". وقد ذكر كثير من أصحاب السير أن في هذه الغزاة نزل على النبي صلى الله عليه واله: " والعاديات ضبحا " إلى آخرها، فتضمنت ذكر الحال فيما فعله أمير المؤمنين عليه السلام فيها (4). أقول: ذكر في إعلام الورى تلك القصة على هذا الوجه مع اختصار (5). 7 - فر: فرات بن إبراهيم معنعنا عن ابن عباس قال: دعا النبي صلى الله عليه واله أبا بكر إلى غزوة ذات السلاسل فأعطاه الراية فردها، ثم دعا عمر فأعطاه الراية فردها، ثم دعا خالد بن الوليد فأعطاه الراية فرجع، فدعا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فأمكنه من الراية فسيرهم معه وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوه، قال: فانطلق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالعسكر وهم معه حتى انتهى إلى القوم، فلم يكن بينه وبينهم إلا جبل قال: فأمرهم أن ينزلوا في أسفل الجبل، فقام لهم: اركبوا دوابكم، فقال خالد بن الوليد: يا ابا بكر وأنت يا عمر ما ترون إلى هذا الغلام أين أنزلنا في واد كثير الحيات، كثير الهام، كثير السباع، نحن منه على إحدى ثلاث خصال: إما سبع يأكلنا ويأكل دوابنا، وإما حيات تعقرنا وتعقر دوابنا، وإما يعلم بنا عدونا فيقتلنا، قوموا بنا إليه قال: فجاؤا إلى علي عليه السلام وقالوا: (6) يا علي أنزلتنا في واد كثير السباع، كثير الهام


(1) الا قرأ بنا فيها خ ل. (2) في المصدر: سأسأله. (3) لولا اننى خ ل، أقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) الارشاد: 57 - 59. (5) اعلام الورى: 116 و 117. (6) في المصدر: فقالوا.

[83]

كثير الحيات، نحن منه على إحدى ثلاث خصال: إما سبع يأكلنا ويأكل دوابنا، أو حيات تعقرنا وتعقر دوابنا، أو يعلم بنا عدونا فيبيتنا فيقتلنا، قال: فقال لهم علي عليه السلام: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه واله أن تسمعوا لي وتطيعوا ؟ (1) قالوا: بلى، قال: فانزلوا، فرجعوا، قال: فأبوا أن ينقادوا، واستفزهم خالد ثانية، فقالوا له ذلك الكلام (2) فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه واله أن تسمعوا لي وتطيعوا ؟ (3) قالوا: بلى، قال: فانزلوا بارك الله فيكم، ليس عليكم بأس، قال: فنزلوا وهم مرعوبون، قال: وما زال علي ليلته قائما يصلي حتى إذا كان في السحر قال لهم: اركبوا بارك الله فيكم، قال: فركبوا وطلع الجبل حتى إذا انحدر على القوم فأشرف عليهم، قال لهم: انزعوا عكمة دوابكم، قال: فشمت الخيل ريح الاناث فصهلت، فسمع القوم صهيل خيلهم (4) فولوا هاربين قال: فقتل مقاتليهم، وسبا ذراريهم، قال: فهبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا محمد " والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا * فوسطن به جمعا " قال: فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " يخالط (5) القوم ورب الكعبة " قال: وجاءت البشارة (6). 8 - فر: الحسين بن سعيد وجعفر بن محمد الفزاري معنعنا عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وغيره أن النبي صلى الله عليه واله قد أقرع بين أهل الصفة، فبعث منهم ثمانين رجلا، ومن غيرهم إلى بني سليم، وولى عليهم وانهزموا مرة بعد مرة، فلبث بذلك أياما يدعو عليهم، قال: ثم دعا بلالا فقال له: " ايتني ببردي النجراني، و


(1) في المصدر: وتطيعوني. (2) في المصدر: فرجعوا فابت تحملهم الارض فاستفز خالد بن الوليد قال: قوموا بنا إليه قال: فجاوءا إليه فردوا عليه ذلك الكلام، فقال: اليس قد امركم رسول الله صلى الله عليه وآله ان تسمعوا لى وتطيعوني ؟ قالوا: بلى، قال: فرجعوا قال: فابوا ان ينقادوا واستفزهم خالد بن الوليد ثالثة، فقالوا مثل ذلك الكلام. (3) في المصدر: وتطيعوا امرى. (4) في المصدر: خيولهم. (5) في المصدر: " تخالط " وفيه: وجاءه. (6) تفسير فرات: 221.

[84]

قناتي الخطية " فأتاه بهما فدعا عليا " وبعثه في جيش إليهم، وقال: " لقد وجهته كرارا غير فرار " قال: فسرح (1) عليا قال: وخرج معه النبي صلى الله عليه وآله يشيعه فكأني انظر إليهم (2) عند مسجد الاحزاب، وعلي على فرس أشقر وهو يوصيه ثم ودعه النبي صلى الله عليه وآله وانصرف، قال: وسار علي فيمن معه متوجها نحو العراق وظنوا أنه يريد بهم غير ذلك الوجه حتى أتى فم الوادي، ثم جعل يسير الليل ويكمن النهار، فلما دنا من القوم أمر أصحابه فعكموا الخيل (3) وأوقفهم، وقال: لا تبرحوا، وانتبذ أمامهم (4) فرام بعض أصحابه الخلاف وأبى بعض حتى إذا طلع الفجر أغار عليهم علي، فمنحه الله أكتافهم وأظهره عليهم، فأنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله الآية: (5) " والعاديات ضبحا " فخرج النبي صلى الله عليه وآله لصلاة الفجر وهو يقول: صبح والله جمع القوم، ثم صلى بالمسلمين فقرأ " والعاديات ضبحا " قال: فقتل منهم مائة وعشرين (6) رجلا، وكان رئيس القوم الحارث بن بشر، و سبا منهم مائة وعشرين ناهدا (7). بيان: الناهد: الجارية أول ما يرتفع ثديها. 9 - فر: علي بن محمد بن عمر الزهري (8) معنعنا عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: بينما أجمع ما كنا حول النبي صلى الله عليه واله ما خلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (9) عليه السلام إذا (10) أقبل أعرابي بدوي فتخطى (11) صفوف المهاجرين و


(1) أي أرسله. أقول: وفى المصدر: وسار على وخرج معه. (2) في المصدر: انظر إليه. (3) في المصدر: فعلوا الجبل. (4) في المصدر: لا تبرحوا إذا نبذ بامامهم. (5) خلى المصدر عن لفظة: " الاية ". (6) في المصدر: وعشرون. (7) تفسير فرات: 221 و 222. (8) في المصدر: على بن محمد بن على بن عمر الزهري. (9) في المصدر: بينما نحن اجمع كنا حول النبي صلى الله عليه وآله ما خلا امير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام فانه كان في منبر في الحار إذا قبل. أقول: كذا في المصدر. (10) إذا اقبل خ ل. (11) في المصدر: يتخطى.

[85]

الانصار حتى جثا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله فداك أبي وامي يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: عليك السلام من أنت يا أعرابي ؟ قال: رجل من بني لجيم يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه واله: " ما وراك بما جاء لجيم ؟ (1) " قال: يا رسول الله خلفت خثعم (2) و قد تهيأوا وعبأوا كتائبهم، وخلفت الرايات تخفق فوق رؤسهم، يقدمهم الحارث ابن مكيدة الخثعمي في خمسمائة من رجال خثعم، يتألون باللات والعزى أن لا يرجعوا حتى يردوا المدينة فيقتلوك (3) ومن معك يا رسول الله، قال: فدمعت عينا النبي صلى الله عليه واله حتى أبكى جميع أصحابه، ثم قال: " يا معشر الناس سمعتم مقالة الاعرابي ؟ " قالوا: كل قد سمعنا يا رسول الله، قال: " فمن منكم يخرج إلى هؤلاء القوم قبل أن يطؤنا في ديارنا وحريمنا، لعل الله يفتح على يديه، وأضمن له على الله الجنة ؟ قال: فوالله ما قال أحد: أنا يا رسول الله، قال: فقام النبي صلى الله عليه واله على قدميه وهو يقول: " معاشر أصحابي هل سمعتم مقالة الاعرابي ؟ " قالوا: كل قد سمعنا يا رسول الله، قال: " فمن منكم يخرج إليهم قبل أن يطؤنا (4) في ديارنا وحريمنا، لعل الله أن يفتح على يديه، وأضمن له على الله اثنى عشر قصرا في الجنة " قال: فوالله ما قال أحد: أنا يا رسول، قال: فبينما النبي صلى الله عليه واله واقف إذ أقبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما نظر إلى النبي صلى الله عليه وآله واقفا ودموعه (5) تنحدر كأنها جمان انقطع سلكه على خديه لم يتمالك أن رمى بنفسه عن بعيره إلى الارض ثم أقبل يسعى نحو النبي صلى الله عليه واله يمسح بردائه الدموع عن وجه رسول الله صلى الله عليه واله و هو يقول: ما الذي أبكاك ؟ لا أبكى الله، عينيك يا حبيب الله، هل نزل في أمتك شئ من السماء ؟ قال: " يا علي ما نزل فيهم إلا خير، ولكن هذا الاعرابي حدثني عن رجال خثعم بأنهم قد عبأوا كتائبهم، وخفقت الرايات فوق رؤسهم، يكذبون


(1) في المصدر: ما وراك يا اخا لجيم ؟ (2) في المصدر: خلفت خثعما. (3) في المصدر: فيقتلونك. (4) ان يطؤاخ ل. (5) فيه غرابة، لم نرفى غزواته صلى الله عليه وآله انه خاف أو بكى من عدد.

[86]

قولي، ويزعمون أنهم لا يعرفون ربي، يقدمهم الحارث بن مكيدة الخثعمي في خمسمائة من رجال خثعم، يتألون باللات والعزى لا يرجعون حتى يردوا المدينة فيقتلوني ومن معي وإني قلت لاصحابي: من منكم يخرج إلى هؤلاء القوم من قبل أن يطؤنا في ديارنا وحريمنا، لعل الله أن يفتح على يديه، وأضمن له على الله اثنى عشر قصرا في الجنة " فقال أمير المؤمنين علي بن أيي طالب عليه السلام: فداك أبي وأمي يا رسول الله صف لي هذه القصور، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " يا علي بناء هذه القصور لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ملاطها المسك الاذفر والعنبر، حصباؤها (1) الدر والياقوت، ترابها الزعفران، كثبها (2) الكافور، في صحن كل قصر من هذه القصور أربعة أنهار: نهر من عسل، ونهر من خمر، ونهر من لبن، ونهر من ماء محفوف بالاشجار والمرجان، على حافتي كل نهر من هذه الانهار خيمة (3) من درة بيضاء لا قطع فيها ولا فصل، قال لها: كوني، فكانت، يرى باطنها من ظاهرها، و ظاهرها من باطنها، في كل خيمة سرير مفصص (4) بالياقوت الاحمر، قوائمها من الزبرجد الاخضر، على كل سرير حوراء من الحور العين، على كل حوراء سبعون حلة خضراء، وسبعون حلة صفراء ويرى مخ ساقها خلف عظمها (5) وجلدها وحليها وحللها كما ترى الخمرة الصافية في الزجاجة البيضاء، مكللة بالجواهر لكل حوراء سبعون ذؤابة، كل ذؤابة بيد وصيف (6) وبيد كل وصيف مجمر يبخر تلك الذؤابة (7) يفوح من ذلك المجمر بخار لا يفوح بنار، ولكن بقدرة الجبار " قال: فقال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: فداك أمي وأبي (8) يا رسول الله أنا لهم، فقال النبي صلى الله عليه واله: " يا علي هذا لك وأنت له أنجد إلى القوم " فجهزه رسول الله صلى الله عليه واله في


(1) في المصدر: حصاؤها. (2) في المصدر: كثيبها. (3) في المصدر: وخلق فيها خيمة. (4) مفضض خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) في المصدر: خلف عظامها. (6) الذؤابة: الناصية. وهى شعر في مقدم الرأس. والوصيف: الغلام دون المراهق. (7) في المصدر: تبخر تلك الذؤابة. (8) في المصدر وفي غير نسخة المصنف، فداك ابى وامى.

[87]

خمسين ومائة رجل (1) من الانصار والمهاجرين، فقام ابن عباس رضي الله عنه و قال: فداك أبي وامي يا رسول الله تجهز ابن عمي في خمسين ومائة رجل من العرب إلى خمسمائة رجل (2) وفيهم الحارث بن مكيدة يعد بخسمائة فارس، فقال النبي صلى الله عليه واله: " امط عني يا ابن عباس، فو الذي بعثني بالحق لو كانوا على عدد الثرى وعلي وحده لاعطى الله عليهم النصر (3) حتى يأتينا بسبيهم أجمعين " فجهزه النبي صلى الله عليه واله وهو يقول: " اذهب يا حبيبي حفظ الله من تحتك ومن فوقك وعن يمينك وعن شمالك، الله خليفتي عليك " فسار علي عليه السلام بمن معه حتى نزلوا بواد خلف المدينة بثلاثة أميال يقال له: وادي ذي خشب، قال: فوردوا (4) الوادي ليلا فضلوا الطريق، قال: فرفع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام رأسه إلى السماء وهو يقول: يا هادي كل ضال، ويا مفرج كل مغموم، لا تقو علينا ظالما، ولا تظفر بنا عدونا واعهدنا (5) إلى سبيل الرشاد، قال: فإذا الخيل يقدح بحوافرها من الحجارة النار حتى عرفوا الطريق فسلكوه، فأنزل الله على نبيه محمد: " والعاديات ضبحا " يعنى الخيل " فالموريات قدحا " قال: قدحت الخيل بحوافرها من الحجارة النار " فالمغيرات صبحا " قال: صبحهم علي مع طلوع الفجر، وكان لا يسبقه (6) أحد إلى الاذان، فلما سمع المشركون الاذان قال بعضهم لبعض: ينبغي أن يكون راعي في رؤوس هذه الجبال يذكر الله، فلما أن قال: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه واله قال بعضهم لبعض: ينبغى أن يكون الراعي من أصحاب الساحر الكذاب، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لا يقاتل حتى تطلع الشمس، وتنزل ملائكة النهار، قال: فلما أن دخل النهار التفت أمير الؤمنين عليه السلام إلى صاحب راية النبي صلى الله عليه وآله فقال له: ارفعها، فلما أن رفعها ورآها المشركون عرفوها، وقال


(1) في المصدر: في خمس مائة رجل. (2) في المصدر: في خمس مائة رجل إلى خمس مائة من العرب. (3) في المصدر: لا عطى الله عليا عليهم النصر. (4) في المصدر: فورد. (5) عدوا خ ل. (6) لم يسبقه خ ل.

[88]

بعضهم لبعض: هذا عدوكم الذي جئتم تطلبونه، هذا محمد وأصحابه، قال: فخرج غلام من المشركين من أشدهم بأسا وأكفرهم كفرا (1) فنادى أصحاب النبي: يا أصحاب الساحر الكذاب، أيكم محمد ؟ فليبرز إلي فخرج إليه أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام وهو يقول: ثكلتك أمك أنت الساحر الكذاب، محمد جاء بالحق من عند الحق، قال له: من أنت ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، أخو رسول الله، و ابن عمه، وزوج ابنته، قال: لك هذه المنزلة من محمد ؟ قال له علي: نعم، قال: فأنت ومحمد شرع واحد، ما كنت أبالي لقيتك أو لقيت محمدا ثم شد على علي و هو يقول: لا قيت يا علي ضيغما * قرم كريم في الوغا (2) ليث شديد من رجال خثعما (3) * ينصر دينا معلما ومحكما فأجابه علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول: لاقيت قرنا حدثا وضيغما (4). * ليثا شديدا في الوغا غشمشما أنا علي سأبير (5) خثعما * بكل خطي يري النقع دما وكل صارم يثبت الضرب فينعما (6) ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه، فاختلف بينهما ضربتان، فضربه علي عليه السلام ضربة فقتله، وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى أمير المؤمنين عليه السلام: هل من مبارز ؟ فبرز أخ للمقتول، وحمل كل واحد منهما على صاحبه، فضربه أمير المؤمنين عليه السلام ضربة فقتله وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي عليه السلام: هل من مبارز ؟ فبرز له الحارث بن مكيدة وكان صاحب الجمع، وهو يعد بخمسمائة فارس، وهو


(1) في المصدر واكثرهم كفرا. (2) في المصدر: لاقيت ليثا يا على ضيغما * ليثا كريما في الوغا معلما (3) في المصدر: ليثا شديدا. (4) في المصدر: لاقيت قرما هاشميا ضيغما. (5) في المصدر: سأبيد. (6) فيغنما خ ل. أقول: في المصدر: وكل صارم ضروب قمما.

[89]

الذي أنزل الله فيه: " إن الانسان لربه لكنود " قال: كفور " وإنه على ذلك لشهيد " قال: شهيد عليه بالكفر " وإنه لحب الخير لشديد " قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: يعني باتباعه محمدا. فلما برز (1) الحارث حمل كل واحد منهما على صاحبه فضربه علي ضربة فقتله، وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي عليه السلام: هل من مبارز ؟ فبرز إليه ابن عمه يقال له: عمرو بن الفتاك (2) وهو يقول: أنا عمرو وأبي الفتاك (3) * وبيدي نصل سيف هتاك أقطع به الرؤس لمن أرى كذاك فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول: هاكها مترعة دهاقا * كأس دهاق مزجت زعاقا ابى أمرؤ إذا ما لاقا * اقد الهام وأجد ساقا (4) ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فضربه علي عليه السلام ضربة فقتله، وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي عليه السلام: هل من مبارز ؟ فلم يبرز إليه أحد، فشد أمير المؤمنين عليه السلام عليهم حتى توسط جمعهم، فذلك قول الله: " فوسطن به جمعا "


(1) في المصدر: قال: فبرز الحارث وهو يحرص على الله وعلى ورسوله ويقول: ان لنصر اللات عندي حقا * بكل صارم يريكم صعقا وكل خطى يزيل الحلقا فاجابه عليه السلام: أذ ودكم بالله عن محمد * بكل سيف قاطع مهند أرجو بذاك فوز قدحي في غد. ثم حمل. (2) في المصدر: عمرو بن ابى الفتاك. (3) في المصدر: إنى عمرو أبى الفتاك * وفي يدى مخذم بتاك أطلب حقى إن آتى العراك أقول: المخذم: السيف القاطع. والبتاك: مبالغة الباتك: القاطع. السيف. (4) في المصدر: دونكها مترعة دهاقا * كاسا سلافا مزجت زعاقا انى أنا المرء الذى إن لاقى * يقد هاما ويجذ ساقا أقول: ذكر في الديوان: 87 البيت الاول وفيه كذلك: خطاب لموسى بن حازم العكى: دونكها مترعة دهاقا * كاساز عافا مزجت زعاقا

[90]

فقتل علي عليه السلام مقاتليهم، وسبا ذراريهم، وأخذ أموالهم، وأقبل بسبيهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه واله فخرج وجميع أصحابه حتى استقبل علي عليه السلام (1) على ثلاثة أميال من المدينة، وأقبل النبي صلى الله عليه واله يمسح الغبار عن وجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بردائه، ويقبل بين عينيه ويبكي، وهو يقول: " الحمد الله يا علي الذي شد بك أزري، وقوي بك ظهري، يا علي إنني سألت الله فيك كما سأل أخي موسى بن عمران صلوات الله وسلامه عليه أن يشرك هارون في أمره، وقد سألت ربي أن يشد بك أزري " ثم التفت إلى أصحابه وهو يقول: " معاشر أصحابي لا تلوموني في حب (2) علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنما حبي عليا من امر الله، و الله أمرني أن أحب عليا وادنيه، يا علي من أحبك فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أحب الله أحبه الله وحقيق (3) على الله أن يسكن محبيه الجنة، يا علي من أبغضك فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله، ومن أبغض الله أبغضه ولعنه، وحقيق (4) على الله أن يقفه يوم القيامة موقف البغضاء ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا (5). بيان: خفقت الراية تخفق بالضم والكسر: اضطربت، وآلى وتألى أي حلف والجمان بالضم جمع الجمانة، وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة. والملاط بالكسر الطين الذي يجعل بين سافتي البنا. وقال الفيروز آبادي: أنجد عرق، وأعان، و ارتفع، والدعوة: أجابها والنجدة: القتال، والشجاعة، والشدة، والضيغم: الاسد. والقرم بالفتح: الفحل، والسيد. والغشمشم: من يركب رأسه فلا يثنيه عن مراده شئ. أقول: إنما أوردت تلك الغزوة في هذا الموضع تبعا للمؤرخين، وقد مر أن المفيد رحمه الله ذكرها في موضعين غير هذا، والله أعلم.


(1) في المصدر: حتى استقبل عليا عليه السلام. (2) في المصدر: في حبى. (3 و 4) في المصدر: وكان حقيقا. (5) تفسير فرات: 222 - 226 وفيه: ولا يقبل عنه صرف ولا عدل ولاجارة.

[91]

26 * (باب) * * (فتح مكة) * الايات: الاسرى " 17 ": وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا * وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا 80 و 81. القصص: " 28 " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد 85. التنزيل " 32 ": ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين * قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون * فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتطرون 28 - 30. الفتح: " 48 " إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا * هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والارض وكان الله عليما حكيما 1 - 4. الممتحنة: " 60 " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل * إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون * لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعلمون بصير * قد كانت لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم: إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لابيه لاستغفرون لك وما أملك لك من الله من شئ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير * ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر

[92]

لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم * لقد كان لكم فيهم اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد * عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم * لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلو كم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبر وهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فاولئك هم الظالمون 1 - 9. إلى قوله تعالى: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم 12. النصر: " 110 " إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى، " رب أدخلني مدخل صدق " قيل: معناه أدخلني المدينة، وأخرجني منها إلى مكة للفتح، عن ابن عباس وغيره (1) قال: وروي عن ابن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه واله مكة وحول البيت ثلاثمائة و ستون صنما، فجعل يطعنها، ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " أورده البخاري في الصحيح، وقال الكلبي: فجعل ينكب (2) لوجهه إذا قال ذلك، وأهل مكة يقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد (3). قوله تعالى: " لرادك إلى معاد " روي عن ابن عباس وغيره أنه وعد بفتح مكة وعوده صلى الله عليه واله إليها. قوله تعالى: " قل يوم الفتح " قال البيضاوي: هو يوم القيامة فإنه يوم نصر المسلمين على الكفرة، والفصل بينهم، وقيل: يوم بدر، أو يوم فتح مكة، و المراد بالذين كفروا المقتولون منهم فيه، فإنه لا ينفعهم إيمانهم حال القتل، ولا


(1) ذكر الطبرسي معان اخرى تركها المنصف اختصارا. (2) في المصدر: فجعل الصنم: ينكب. (3) مجمع البيان 6: 435.

[93]

يمهلون وانطباقه جوابا عن سئوالهم من حيث المعنى باعتبار ما عرف من غرضهم (1)، فإنهم لما أرادوا به الاستعجال تكذيبا واستهزاء اجيبوا بما يمنع الاستعجال " فأعرض عنهم " ولا تبال بتكذيبهم، وقيل: هو منسوخ بآية السيف " والنتظر " النصرة عليهم " إنهم منتظرون " الغلبة عليك (2). قوله تعالى: " إنا فتحنا " قال الطبرسي رضي الله عنه: أي قضينا عليك قضاء ظاهرا، أو يسرنا لك يسرا بينا، أو أعلمناك علما ظاهرا، فيما أنزلنا عليك من القرآن، وأخبرناك به من الدين، أو أرشدناك إلى الاسلام، وفتحنا لك أمر الدين ثم اختلف في هذا الفتح على وجوه: أحدها أن المراد به فتح مكة، وعده الله ذلك عام الحديبية عند انصرافه منها (3)، وتقديره قضينا لك بالنصر على أهلها، وعن جابر قال: ما كنا نعلم فتح مكة إلا يوم الحديبية. وثانيها: أنه صلح الحديبية، وثالثها: أنه خيبر، ورابعها: أن الفتح الظفر على الاعداء كلهم بالحجج والمعجزات الظاهرة. وإعلاء كلمة الاسلام (4). وقال في قوله تعالى: " لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء " نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام أتت رسول الله صلى الله عليه واله من مكة إلى المدينة بعد بدر بسنتين، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: أمسلمة جئت ؟ قالت: لا، قال: أمهاجرة جئت ؟ قالت: لا قال: فما جاء بك ؟ قالت: كنتم الاصل والعشيرة والموالي، وقد ذهبت موالي، واحتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني وتسكوني وتحملوني، قال: فأين أنت من شبان (5) مكة ؟ وكانت مغنية نائحة، قالت: ما طلب مني بعد وقعة بدر، فحث رسول الله صلى الله عليه واله عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة، وكان رسول الله صلى الله عليه واله يتجهز (6) لفتح مكة


(1) في المصدر: من اغراضهم. (2) انوار التنزيل 2: 263. (3) في المصدر: وعدها الله ذلك عام الحديبية عند انكفائه منها. (4) مجمع البيان 9: 109 و 110. واختصره المصنف. راجع. (5) من شباب خ ل. (6) بتهجر خ ل.

[94]

فأتاه حاطب بن أبي بلتعة، فكتب معها كتابا إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير عن ابن عباس، وعشرة دراهم عن مقاتل، وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة، وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، إن رسول الله يريدكم، فخذوا حذركم. فخرجت سارة ونزل جبرئيل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه واله بما فعل فبعث (1) رسول الله صلى الله عليه واله عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد بن الاسود وأبا مرثد وكانوا كلهم فرسانا، وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها، فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه واله، فقالوا لها: أين الكتاب ؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب، فنحوها وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع فقال علي عليه السلام والله ما كذبنا ولا كذبنا، وسل سفيه وقال (2) أخرجي الكتاب وإلا والله لاضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها قد خبأتها (3) في شعرها، فرجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه واله، فأرسل إلى حاطب فأتاه، فقال له: هل تعرف الكتاب ؟ قال: نعم، قال: فما حملك على ما صنعت، فقال: يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت (4) ولاغششتك منذ صحبتك (5) ولا أجبتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت عزيزا (6) فيهم، أي غريبا، وكان أهلي بين ظهرانيهم (7) فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد عملت أن الله ينزل بهم بأسه، وإن كتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه رسول الله صلى الله عليه واله وعذره، فقام عمر بن الخطاب وقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله: " وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل


(1) فأرسل خ ل (2) في المصدر: وقال لها. (3) في المصدر: قد اخباتها. (4) في المصدر: مذ اسلمت خ ل. (5) في المصدر: منذ نصحتك. (6) الصحيح كما في المصدر: (عريرا) بالرائين. (7) أي في وسطهم وفي معظمهم.

[95]

بدر فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". وروى البخاري ومسلم في صحيحهما عن عبد الله (1) بن أبي رافع قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه واله أنا والمقداد والزبير وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها (2) كتاب وذكر نحوه (3). " تلقون إليهم بالمودة " قال البيضاوي: أي تفضون إليهم المودة بالمكاتبة، و الباء مزيدة، أو أخبار رسول الله صلى الله عليه واله بسبب المودة " وقد كفروا بما جاءكم من الحق " حال من فاعل أحد الفعلين (4) " يخرجون الرسول وإياكم " أي من مكة وهو حال من كفروا، أو استيناف لبيانه " أن تؤمنوا بالله ربكم " لان تؤمنوا به " إن كنتم خرجتم " عن أوطانكم " جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي " علة للخروج وعمده للتعليق (5) وجواب الشرط محذوف دل عليه لا تتخذوا " تسرون إليهم بالمودة " بدل من تلقون، أو استيناف، معناه أي طائل لكم في إسرار المودة أو الاخبار بسبب المودة " وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم " أي منكم، وقيل: أعلم مضارع، والباء مزيدة، وما موصولة أو مصدرية " ومن يفعله منكم " أي يفعل الاتخاذ " فقد ضل سواء السبيل " أخطأه " إن يثفقوكم " يظفروا بكم (6) " يكونوا لكم أعداء " لا ينفعكم (7) إلقاء المودة إليهم " ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء " بما يسوءكم كالقتل والشتم " وودا لو تكفرون " وتمنوا ارتدادكم، و مجيئه وحده بلفظ الماضي للاشعار بأنهم ودوا ذلك قبل كل شئ، وإن ودادتهم حاصلة وإن يثفقوكم " لن تنفعكم أرحامكم " قراباتكم " ولا أولادكم " الذين توالون المشركين لاجلهم " يوم القيامة يفصل بينكم " يفرق بينكم بما عراكم من الهول فيفر بعضكم من بعض " والله بما تعملون بصير " فيجازيكم عليه " قد كانت لكم اسوة حسنة " قدوة اسم لما يؤتسى به " في إبراهيم والذين معه " صفة ثانية


(1) عبيدالله خ ل. (2) ومعها خ ل. (3) مجمع البيان 9: 269 و 270 (4) أي تتخذوا، أو تلقون. منه رحمه الله. (5) في المصدر: وعمدة للتعليق. (6) في المصدر: ان يظهروا بكم. (7) في المصدر: ولا ينفعكم.

[96]

أو خبر كان، و " لكم " لغو، أو حال من المستكن في حسنة، أو صلة لها، لا لاسوة لانها وصفت " إذا قالوا لقومهم " ظرف لخبر كان " إنا برآء منكم " جمع برئ كظريف وظرفاء " ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم " أي بدينكم أو بمعبودكم أو بكم وبه، فلا نعتد بشأنكم وآلهتكم " وبدا بيننا " إلى قوله: " وحده " فتنقلب العداوة والبغضاء الفة ومحبة " إلا قول إبراهيم لابيه لاستغفرن لك " استثناء من قوله: " اسوة حسنة ". " ربنا عليك توكلنا " متصل بما قبل الاستثناء، أو أمر من الله للمؤمنين بأن يقولوه (1) " فتنة للذين كفروا " بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نتحمله " لقد كان لكم " تكرير لمزيد الحث على التأسي بابراهيم، ولذلك صدر بالقسم، وأبدل قوله " لمن كان يرجو الله " من " لكم " فإنه يدل على أنه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسي بهم، وأن تركه مؤذن بسوء العقيدة، ولذلك عقبه بقوله: " ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد " فإنه جدير بأن يوعد به الكفرة (2). قوله تعالى: " وبين الذين عاديتهم منهم " قال الطبرسي: أي من كفار مكة " مودة " بالاسلام، قال مقاتل: لما أمر الله سبحانه المؤمنين بعداوة الكفار عادوا أقرباءهم فنزلت والمعنى أن موالاة الكفار لا تنفع، والله سبحانه قادر على أن يوفقهم للايمان، ويحصل المودة بينكم وبينهم، وقد فعل ذلك حين أسلموا عام الفتح (3) " والله قدير " على نقل القلوب من العداوة إلى المودة " والله غفور " لذنوب عباده " رحيم " بهم إذا تابوا وأسلموا " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم " أي ليس ينهاكم عن مخالطة أهل العهد الذين عاهدوكم على ترك القتال وبرهم ومعاملتهم بالعدل، وهو قوله: " أن تبروهم وتقسطوا إليهم " أي وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد، وقيل: إن المسلمين استأمروا النبي صلى الله عليه واله في أن يبروا أقرباء هم


(1) زاد في المصدر: تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار " ربنا لا تجعلنا ". (2) انوار التنزيل 2: 514 و 515. واختصره المصنف (3) في المصدر: وتحصيل المودة بينكم وبينهم فكونوا على رجاء وطمع من الله ان يفعل ذلك وقد فعل ذلك حين اسملوا عام الفتح فحصلت المودة بينهم وبين المسلمين.

[97]

من المشركين، وذلك قبل أن يؤمروا بقتال جميع المشركين، فنزلت هذه الآية و هي منسوخة بقوله: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " عن ابن عباس وغيره وقيل: إنه عنى بالذين لم يقاتلوكم من آمن من أهل مكة ولم يهاجر (1) " إن الله يحب المقسطين " أي العادلين، وقيل: الذين يجعلون لقراباتهم قسطا مما في بيوتهم من المطعومات " إنما ينها كم الله عن الذين قاتلو كم في الدين " من أهل مكة وغير هم " وأخرجوكم من دياركم " أي منازلكم وأملاككم " وظاهروا على إخراجكم " أي العوام والاتباع الذين عاونوا رؤساء هم على الباطل " أن تولوهم " أي ينهاكم عن أن تولوهم وتوادوهم وتحبوهم، والمعنى أن مكاتبتكم (2) بإظهار سر المؤمنين موالاة لهم (3). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ": ثم ذكر سبحانه بيعة النساء وكان ذلك يوم فتح مكة لما فرغ النبي صلى الله عليه واله من بيعة الرجال، وهو على الصفا جاءته النساء يبايعنه فنزلت الآية في مبايعتهن أن يأخذ عليهن هذه الشروط، وهي على (4) " أن لا يشركن بالله شيئا " من الاصنام والاوثان " ولا يسرقن " لا من أزواجهن ولا من غير هم " ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن " لا بالوأد ولا بالاسقاط " ولا يأتين ببهتان يفترينه " أي بكذب يكذنبه في مولود يوجد " بين أيديهن وأرجلهن " أي لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم عن ابن عباس، وقال الفراء: كانت المرأة تلتقط (5) المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا وضعته الام سقط بين يديها ورجليها، وليس المعنى نهيهن من أن يأنين بولد من الزنا فينسبنه إلى الازواج، لان الشرط بنهي الزنا قد تقدم، وقيل: البهتان الذي نهين عنه قذف المحصنات، والكذب على الناس، وإضافة الاولاد ألى الازواج على البطلان في


(1) ولم يهاجروا خ ل. (2) مكاتبتهم خ ل. (3) مجمع البيان 9: 272. (4) المصدر خال عن الجار. (5) تلقط خ ل.

[98]

الحاضر والمستقبل من الزمان " لا يعصينك في معروف " وهو جميع ما يأمرهن به، لانه صلى الله عليه واله لا يأمر إلا بالمعروف، وقيل: عنى بالمعروف النهي عن النوح وتمزيق الثياب وجز الشعر، وشق الجيب، وخمش الوجه، والدعاء بالويل " فبايعهن " على ذلك " واستغفر لهن الله " من ذنوبهن " إن الله غفور " أي صفوح عنهن " رحيم " منعم عليهن، وروي أن النبي صلى الله عليه واله بايعهن وكان على الصفا، وكان عمر أسفل منه، وهند بنت عتبة متنقبة متنكرة مع النساء خوفا أن يعرفها رسول الله صلى الله عليه واله فقال: " أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا " فقالت هند: إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال، وذلك أنه بايع الرجال يومئذ على الاسلام والجهاد فقط، فقال النبي صلى الله عليه واله: " ولا تسرقن " فقالت هند: إن أبا سفيان رجل ممسك، وإني أصبت من ماله هنات، فلا أدري أيحل لي أم لا، فقال أبو سفيان: ما أصبت من شئ (1) فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه واله وعرفها، فقال لها: " وإنك لهند بنت عتبة ؟ " قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فقال ولا تزنين، فقالت هندأ وتزني الحرة، فتبسم عمر بن الخطاب لما جرى بينه وبينها في الجاهلية، فقال صلى الله عليه واله: ولا تقتلن أولادكن، فقالت هند: ربيناهم صعاراو قتلتموهم كبارا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتله علي بن أبي طالب عليه السلام يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى، وتبسم النبي صلى الله عليه واله، ولما قال: ولا تأتين ببهتان، قالت هند: والله إن البهتان قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الاخلاق، ولما قال: " ولا يعصينك في معروف " قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شئ. وروى الزهري عن عرفه (2) عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه واله يبايع النساء بالكلام بهذه الآية " أن لا يشركن بالله شيئا " وما مست يد رسول الله صلى الله عليه واله يدا مرأة قط إلا امرأة يملكها، رواه البخاري في الصحيح.


(1) من مالى خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) عن عروة خ ل. أقول، يوجد ذلك في المصدر.

[99]

وروى أنه صلى الله عليه واله كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه، ثم غمس أيديهن فيه وقيل، إنه كان يبايعهن من وراء الثوب عن الشعبي، والوجه في بيعة النساء مع أنهن لسن من أهل النصرة بالمحاربة هو أخذ العهد عليهن بما يصلح من شأنهن في الدين والانفس (1) والازواج، وكان ذلك في صدر الاسلام، ولئلا ينفتق بهن فتق لما ضيع من الاحكام (2) فبايعهن النبي صلى الله عليه واله حسما (3) لذلك (4). وقال رضي الله عنه في قوله سبحانه: " إذا جاء نصر الله " على من عاداك وهم قريش " والفتح " يعني فتح مكة، وهذه بشارة من الله سبحانه لنبيه بالفتح والنصر قبل وقوع الامر " ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا " أي جماعة بعد جماعة وزمرة بعد زمرة. والمراد بالدين الاسلام، والتزام أحكامه، واعتقاد صحته، و توطين النفس على العمل به، قال الحسن: لما فتح رسول الله صلى الله عليه واله مكة قالت العرب أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به يد (5) فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا، أي جماعات كثيرة بعد أن كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا، واثنين واثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الاسلام، وقيل: في دين الله، أي في طاعة الله وطاعتك " فسبح بحمد ربك واستغفره " هذا أمر من الله سبحانه بأن ينزهه عما لا يليق به من صفات النقص، وأن يستغفره، ووجه وجوب ذلك بالنصر والفتح أن النعمة تقتضي القيام بحقها، وهو شكر المنعم وتعظيمه، والايتمار بأوامره والانتهاء عن معاصيه (6)، فكأنه قال: قد حدث أمر يقتضي الشكر والاستغفار وإن لم يكن ثم ذنب، فإن الاستغفار قد يكون عند ذكر المعصية بما ينا في الاصرار وقد يكون على وجه التسبيح والانقطاع إلى الله سبحانه " إنه كان توابا " يقبل توبة من بقي كما يقبل توبة من مضى، قال مقاتل: لما نزلت هذه السورة قرأها على أصحابه


(1) للانفس خ ل. (2) في المصدر: لما وضع الاحكام. (3) أي حسما للفتق. وحسم الشئ: قطعه مستأصلا اياه فانقطع. (4) مجمع البيان 9: 275 و 276. (5) يدان خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر وزاد فيه: أي طاقة. (6) عند معاصيه خ ل

[100]

ففرحوا واستبشروا، وسمعها العباس فبكى، فقال صلى الله عليه واله: " ما يبكيك يا عم " فقال: أظن أنه قد نعيت إليك نفسك يا رسول الله، فقال: " إنه لكما تقول " فعاش بعدها سنتين ما رؤي فيهما ضاحكا مستبشرا، قال: وهذه السورة تسمى سورة التوديع، وقال ابن عباس: لما نزلت " إذا جاء نصر الله " قال صلى الله عليه واله: نعيت إلي نفسي بأنها مقبوضة في هذه السنة، واختلف في أنهم من أي وجه علموا ذلك وليس في ظاهره نعي فقيل: لان التقدير فسبح بحمد ربك فإنك حينئذ لا حق بالله وذائق الموت كما ذاق من قبلك من الرسل، وعند الكمال يرقب الزوال، كما قيل: إذا تم أمردنا (1) نقصه * توقع زوالا إذا قيل: تم وقيل: لانه سبحانه أمره بتجديد التوحيد، واستدراك الفائت بالاستغفار وذلك مما يلزم عند الانتقال من هذه الدار إلى دار الابرار، وعن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت السورة كان النبي صلى الله عليه واله يقول كثيرا، " سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم ". وعن ام سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه واله بآخره لا يقوم ولا يقعد ولا يجئ ولا يذهب إلا قال: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فسألناه عن ذلك فقال: إني أمرت بها، ثم قرأ: " إذا جاء نصرالله والفتح ". وفي رواية عائشة أنه كان يقول، " سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ". ثم قال رحمه الله: لما صالح رسول الله صلى الله عليه واله قريشا عام الحديبية كان في أشراطهم أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه واله دخل فيه، فدخلت خزاعة في عهد (2) رسول الله صلى الله عليه واله، ودخلت بنو بكر في عهد (3) قريش، وكان بين القبيلتين شر قديم، ثم وقعت فيما بعد بين بني بكر وخزاعة مقاتلة، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا، وكان ممن أعان


(1) في المصدر: بدا نقصه. (2 و 3) عقد خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[101]

بني بكر على خزاعة بنفسه عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، فركب عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه واله المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة فوقف عليه وهو في المسجد بين ظهراني القوم فقال: لا هم إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الا تلدا إن قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا وقتلونا وركعا وسجدا فقال رسول الله صلى الله عليه واله: حسبك يا عمرو، ثم قام فدخل دار ميمونة وقال: اسكبي لي ماء فجعل يغتسل وهو يقول: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب، وهم رهط عمرو بن سالم، ثم خرج بديل بن الورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه واله فأخبروه بما اصيب منهم، ومظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان صلى الله عليه واله قال للناس: " كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد ويزيد في المدة، وسيلقى بديل بن ورقاء " فلقوا أبا سفيان بعسفان وقد بعثة قريش إلى النبي صلى الله عليه واله ليشدد العقد، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل ؟ قال: سرت في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي قال: ما أتيت محمدا ؟ قال: لا، فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء من المدينة لقد علف بها النوى، فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ (1) من بعرها ففت فرأى فيه (2) النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا محمد احقن دم قومك، وأجربين قريش وزدنا في المدة، فقال: " أغدرتم يا أبا سفيان ؟ " قال: لا، قال: " فنحن على ما كنا عليه " فخرج فلفي أبا بكر فقال: يا أبا بكر أجر بين قريش، قال: ويحك وأحد يجير على رسول الله صلى اللع عليه واله ؟ ثم لقي عمر بن الخطاب فقال له مثل ذلك، ثم خرج فدخل على أم حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته، فقال: يا بنية أرغبة (3) بهذا الفراش عني ؟ فقالت: نعم هذا فراش رسول الله صلى الله عليه واله، ما


(1) وأخذ خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) فيها خ ل. (3) رغبت خ ل.

[102]

كنت لتجلس عليه وأنت رجس مشرك، ثم خرج فدخل على فاطمة فقال: يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش، وتزيدين في المدة، فتكونين أكرم سيدة في الناس فقالت: جواري جوار رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: أتأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس ؟ قالت: والله ما بلغ ابناي أن يجيرا بين الناس، وما يجير على رسول الله صلى الله عليه واله أحد (1) فقال: يا أبا الحسن إني أرى الامور قد اشتدت علي فانصحني، فقال: أنت شيخ قريش، فقم على باب المسجد وأجربين قريش، ثم الحق بأرضك، قال: وترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ قال: لا والله ما أظن ذلك، ولكن لا أجدلك غير ذلك، فقال أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس إني قد أجرت بين قريش، ثم ركب بعيره فانطلق، فلما أن قدم على قريش قالوا: ما وراك ؟ فأخبرهم بالقصة، فقالوا: والله إن زاد ابن أبي طالب على أن لعب (2) بك فما يغني عنا ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك، قال: فأمر رسول الله بالجهاز لحرب مكة، وأمر الناس بالتهيؤ وقال: " اللهم خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها " وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش فأتى رسول الله صلى الله عليه واله الخبر من السماء، فبعث عليا عليه السلام والزبير حتى أخذا كتابه من المرأة، وقد مضت هذه القصة في سورة الممتحنة. ثم استخلف رسول الله صلى الله عليه واله أبادهم (3) الغفاري، وخرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان في عشرة آلاف من المسلمين، ونحو من أربع مائة فارس، ولم يتخلف من المهاجرين والانصار عنه أحد، وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن امية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه واله بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فلم يأذن لهما، فكلمته ام سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمنك وصهرك، قال: لا حاجة لي فيهما، أما ابن عمي فهو (4) الذي هتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، قال فلما خرج (5) الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان


(1) واحد خ ل. (2) اراد ابن ابى طالب ان يلعب خ. (3) في المصدر: ابارهم. (4) فهتك خ ل. (5) اخرج خ ل.

[103]

بني له فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الارض حتى نموت عطشا وجوعا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه واله رق لهما فأذن لهما، فدخلا عليه فأسلما، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه واله مرالظهران وقد غمت (1) الاخبار عن قريش فلا يأتيهم عن رسول الله صلى الله عليه واله خبر خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم ابن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الاخبار، وقد قال العباس للبيد (2) يا سوء صباح (3) قريش، والله لئن بغتها رسول الله صلى الله عليه واله في بلادها فدخل مكة عنوة إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، فخرج العباس على بغلة رسول الله صلى الله عليه واله وقال: اخرج إلى الاراك، لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه واله فيأتونه ويستأمنونه (4) قال العباس: فوالله إنى لاطوف في الاراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء وسمعت أبا سفيان يقول: والله ما رأيت كاليوم قط نيرانا، فقال بديل: هذه نيران خزاعة، فقال أبو سفيان. خزاعة ألام من ذلك، قال: فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة يعني أبا سفيان، فقال: أبو الفضل ؟ فقلت: نعم، قال: لبيك فداك أبي وأمي ما وراك ؟ فقلت: هذا رسول الله صلى الله عليه واله وراك، قد جاء بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين، قال: فما تأمرني ؟ قلت: تركب عجز هذه البغلة فأستأ من لك رسول الله صلى الله عليه واله، فوالله لئن ظفر بك ليضر بن عنقك، فردفني فخرجت أركض به بغلة رسول الله، فكلما مردت بنار من نيران المسلمين قالوا: هذا عم رسول الله صلى الله عليه واله على بغلة رسول الله صلى الله عليه واله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال يعني عمر: يا أبا سفيان الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد، ثم اشتد نحو رسول الله صلى الله عليه واله وركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة، وسبقت عمر بما يسبق به الدابة البطيئة الرجل البطئ، فدخل عمر فقال: يا رسول الله صلى الله عليه واله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، قدعني أضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله


(1) وقد عميت خ ل. أقول غم عليه الامر: خفى. (2) ليلتئذ خ ل. أقول يوجد ذلك في المصدر. (3) ليلة سوء يا سوء صباح خ ل. (4) في المصدر: فيستأ منونه.

[104]

إني قد أجرته، ثم جلست (1) إلى رسول الله وأخذت برأسه، وقلت: والله لا يناجيه اليوم أحد دوني، فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر، فو الله ما تصنع هذا بالرجل (2) إلا إنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من عدي بن كعب ما قلت هذا، قال: مهلا يا عباس، فوالله لاسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال صلى الله عليه واله: " اذهب فقد آمناه حتى تغدو به علي بالغداة ". قال: فلما أصبح غدوت به على رسول الله صلى الله عليه واله فلما رآه قال: " ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ " فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأكرمك وأرحمك وأحلمك ؟ والله لقد ظننت أن لو كان معه إله لاغنى يوم بدر ويوم أحد فقال: " ويحك يا با سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ " فقال: بأبي أنت وامي أما هذه فإن في النفس منها شيئا، قال العباس: فقلت له: ويحك (3) اشهد بشهادة الحق قبل أن يضرب عنقك، فتشهد، فقال صلى الله عليه واله للعباس: " انصرف يا عباس فاحبسه عند مضيق الوادي حتى تمر عليه جنود الله " قال: فحبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي، ومر عليه القبائل قبيلة قبيلة وهو يقول: من هؤلاء ؟ ومن هؤلاء ؟ وأقول: أسلم وجهينة وفلان حتى مر رسول الله صلى الله عليه واله في الكتيبة الخضراء من المهاجرين والانصار في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق، فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل ؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه واله في المهاجرين والانصار: فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فقلت: ويحك إنها النبوة، فقال: نعم إذا، وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء رسول الله صلى الله عليه واله فأسلما وبايعاه فلما بايعاه بعثهما رسول الله صلى الله عليه واله بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الاسلام، و قال: " من دخل دار أبي سفيان وهو (4) بأعلى مكة فهو آمن، ومن دخل دار حكيم وهو (9) بأسفل مكة فهو آمن، ومن أغلق بابه وكف يده فهو آمن.


(1) في المصدر: ثم انى جلست. (2) ما يصنع هذا الرجل خ. (3) ويلك خ ل. (4 و 5) وهى خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[105]

ولما خرج أبو سفيان وحكيم من عند رسول الله صلى الله عليه واله عامدين إلى مكة بعث في أثر هما الزبير بن العوام: وأمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجون، وقال: لا تبرح حتى آتيك، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه واله مكة وضرب (1) خيمته هناك، و بعث سعد بن عبادة في كتيبة الانصار في مقدمته، وبعث خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سليم، وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأن يغرز رايته دون البيوت، وأمر هم رسول الله صلى الله عليه واله جميعا أن يكفوا أيديهم، ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم وأمرهم بقتل أربعة نفر: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والحويرث بن نفيل، و ابن خطل (2) ومقيس (3) بن صبابة، وأمرهم بقتل قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه واله، وقال " اقتلوهم وإن وجد تموهم وإن وجد تموهم متعلقين بأستار الكعبة " فقتل علي عليه السلام الحويرث بن نفيل وإحدى القينتين، وأفلتت الاخرى، وقتل مقيس بن صبابة في السوق وأدرك ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار ابن ياسر فسبق سعيد عمارا فقتله، قال: وسعى أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه واله وأخذ غرزه فقبله وقال (4) بأبي أنت وامي، أما تسمع ما يقول سعد ؟ إنه يقول: اليوم يوم الملحمة * اليوم تسبى الحرمة فقال صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام: أدركه فخذ الراية منه، وكن أنت الذي يدخل بها، وأدخلها إدخالا رفيقا، فأخذها علي عليه السلام وأدخلها كما أمر، ولما دخل رسول الله صلى الله عليه واله مكة دخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه واله ووقف قائما على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده (5) أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده (6)، ألا إن كل مال ومأثرة (7)


(1) وضربت خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) اسمه عبد الله منه قدس سره. (3) هكذا في الكتاب ومصدره والصحيح مقيسن. (4) ثم قال خ ل. أقول يوجد ذلك في المصدر. (5) في المصدر: وحده وحده. (6) لا قبله ولا بعده خ. (7) في المصدر: أو مأثرة.

[106]

ودم يدعى تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة، وسقايه الحاج، فإنهما مردودتان إلى أهليهما. ألا إن مكة محرمة بتحريم الله لم تحل لاحد كان قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار وهي محرمة إلى أن تقوم الساعة، لا يختلى خلاها، ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد " ثم قال: " ألا لبئس جيران النبي كنتم، لقد كذبتم وطردتم وأخرجتم وآذيتم، ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلوني (1)، اذهبوا (2) فأنتم الطلقاء (3) فيخرج القوم فكأنما (4) انشروا من القبور، ودخلوا في الاسلام، وقد كان الله سبحانه أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا له فيئا، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء وجاء ابن الزبعرى إلى رسول الله صلى الله عليه واله وأسلم، وقال: يا رسول المليك (5) إن لساني * راتق ما فتقت (6) إذا أنا بور إذا باري الشيطان في سنن الغي * ومن مال ميله مبثور (7) آمن اللحم والعظام لربي * ثم نفسي (8) الشهيد أنت النذير (9) وعن ابن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه واله يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: " جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد، جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ". وعن ابن عباس: قال لما قدم النبي صلى الله عليه واله مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فاخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الازلام فقال صلى الله عليه واله: " قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط " انتهى


(1) في المصدر: تقاتلونني، فاذهبوا. (2) فاذهبوا خ ل. (3) ذكر الخطبة أهل السير في كتبهم ففيها زيادة ونقيصة ومن أراد فليرجع إلى مطانها كسيرة ابن هشام 4: 31 و 32. (4) وكأنما خ ل. (5) الاله خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر، والموجود في السيرة مثل المتن. (6) أي مصلح ما كنت افسدته. (7) ابارى أي اعارض واجادل. ومبثور: هالك. (8) في السيرة: ثم قلبى. (9) مجمع البيان 10: 554 - 557.

[107]

كلام الطبرسي رحمة الله. وقال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: لما حبس العباس أبا سفيان عند الجبل مرت به القبائل على راياتها، فكان أول من مر به خالد بن الوليد في بني سليم، وهم ألف، لهم لواء ان يحمل أحدهما العباس بن مرداس، و آخر (1) حفاف بن ندية، وراية يحملها المقداد، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل من هؤلاء ؟ قال: بنو سليم، وعليهم خالد بن الوليد، قال: الغلام ؟ قال: نعم، فلما حاذى خالد العباس وأبا سفيان كبر ثلاثا وكبروا (2) ثم مضوا ومر على إثره الزبير بين العوام في خمسمائة منهم جماعة من المهاجرين وقوم من أفناء العرب (3) ومعه راية سوداء، فلما حادا هما كبر ثلاثا وكبر أصحابه، فقال: من هذا ؟ قال هذا الزبير، قال ابن اختك ؟ قال: نعم، ثم مرت بنو غفار في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبو ذر (4) فلما حاذوهما كبروا ثلاثا، قال: يا أبا الفضل من هؤلاء ؟ قال: بنو غفار، قال: مالي ولبني غفار، ثم مرت أسلم في أربعمائة يحمل لوائها بريدة بن الحصيب، و لواء آخر مع ناجية بن الاعجم، فلما حاذوه كبروا ثلاثا، فسأل عنهم فقال: هؤلاء أسلم، فقال: مالي ولاسلم، ما كان بيننا وبينهم ترة قط، ثم مرت بنو كعب بن عمرو بن خزاعة في خمسمائة يحمل رايتهم بشر بن سفيان (5)، فقال: من هؤلاء ؟ قال: كعب بن عمرو قال: نعم هؤلاء حلفاء محمد، فلما حاذوه كبروا ثلاثا، ثم مرت مزينة في ألف فيها ثلاثة ألوية (6) مع النعمان بن مقرن، وبلال بن الحارث، و عبد الله بن عمرو، فلما حاذوهما كبروا، قال: من هؤلاء ؟ قال: مزينة، قال: مالي ولمزينة: قد جاءت (7) تقعقع من شواهقها، ثم مرت جهينة في ثمانمائة فيها


(1) في المصدر: والاخر خفاف بن ندب أقول في الامتاع: خفاف بن ندبة. (2) في المصدر: وكبروا معه. (3) يقال: هو من أفناء الناس أي لا يعلم ممن هو والمعنى أي لا يعلم من أي قبيلة هم. (4) في المصدر والامتاع: ويقال: ايماء بن رحضة. (5) في الامتاع: يحمل لواء هم بسر بن سفيان (6) زاد في الامتاع: ومائة فرس. (7) في المصدر والامتاع: جاءتني. والقعقمة: صوت السلاح ونحوه. والشواهق: الجبال الغالية وكانت منازل مزينة في جبال طيئ والعيص

[108]

أربعة ألوية، مع معبد بن خالد، وسويد بن صخر ورافع بن مكتب (1)، و عبد الله بن بدر، فلما حاذوه كبروا ثلاثا، فسأل عنهم فقيل: جهينة، ثم مرت بنو كنانة بنو ليث وضمرة وسعد وبكر (2) في مائتين، يحمل لواءهم أبو واقد الليثي، فلما حاذوه (3) كبروا ثلاثا، فقال: من هؤلاء ؟ قال: بنو بكر، قال: نعم هم أهل سوء (4)، هؤلاء الذين غزانا محمد لاجلهم، أما والله ما شوورت فيهم ولا علمته ولقد كنت له كارها حيث بلغني، ولكنه أمرحتم (5)، قال العباس: لقد خارالله لك في غزو محمد إياكم، دخلتم (6) في الاسلام كافة (7)، ثم مرت أشجع وهم ثلاثمائة، يحمل لواءهم معقل بن سنان، ولواء آخر مع نعيم بن مسعود فكبروا، قال: من هؤلاء ؟ قال: أشجع، فقال: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد، قال العباس: نعم ولكن الله أدخل الاسلام قلوبهم، وذلك من فضل الله فسكت، فقال، أما مر محمد بعد ؟ قال: لا، ولو رأيت الكتيبة التي هو فيها لرأيت الحديد والخيل والرجال، وما ليس لاحد به طاقة، فلما طلعت كتيبة رسول الله صلى الله عليه واله الخضراء طلع سواد شديد وغبرة من سنابك الخيل، وجعل الناس يمرون، كل ذلك يقول: أما مر محمد ؟ فيقول: العباس: لا، حتى مر رسول الله صلى الله عليه واله يسير على ناقته القصواء بين ابي بكر واسيد بن حضير وهو يحدثهما، فقال له العباس: هذا رسول الله صلى الله عليه واله في كتيبته الخضراء فانظر، قال: وكان في تلك الكتيبة وجوه المهاجرين والانصار، وفيها الالوية والرايات، وكلهم منغمسون في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق وكان في الكتيبة


(1) في المصدر والامتاع: رافع بن مكيث. (2) في المصدر: وبنو ليث وضمرة وسعد بن ابى بكر، وفي الامتاع: كنانة بنو ليث وضمرة، و سعد بن بكر. ولعله الصحيح. (3) فلما حاذوهما. وهو الصحيح. (4) في المصدر والامتاع: اهل شؤم. (5) في المصدر والامتاع، " امرحم " أقول: حم الامر قضى وأنفذ. (6) في المصدر والامتاع: ودختلم. (7) زاد في الامتاع، ومرت بنو ليث وهم مائتان وخمسون يحمل لواءهم العصب بن جثامة فلما حاذوهما كبروا ثلاثا، فقال أبو سفيان: من هؤلاء قال: بنو ليث.

[109]

ألفا درع (1)، وراية رسول الله صلى الله عليه واله مع سعد بن عبادة وهو أمام الكتيبة، فلما حاذاهما سعد نادى: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة (2)، اليوم أذل الله قريشا، فلما حاذاهما رسول الله صلى الله عليه واله ناداه أبو سفيان: يا رسول الله أمرت بقتل قومك ؟ إن سعدا قال كذا وإني أنشد الله في قومك، فأنت أبر الناس، وأرحم الناس، وأوصل الناس، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله إنا لا نأمن سعدا أن يكون منه في قريش صولة، فوقف النبي صلى الله عليه واله وناداه: " يا أبا سفيان بل اليوم يوم الرحمة اليوم أعز الله قريشا " وأرسل إلى سعد فعزله عن اللواء (3). بيان: الرفد بالكسر: العطاء والارفاد: الاعانة. والحلف بالكسر: العهد بين القوم والحليف، والاتلد: الاقدم، وفي بعض الكتب بعد قوله: ميثاقك المؤكدا: وزعموا أن لست تدعوا أحدا * فانصر هداك الله نصرا أيدا وادع عباد الله يأنوا مددا * فيهم رسول الله قد تجردا أبيض كالبدر ينمي أبدا * إن سيم خسفا وجهه تربدا قوله: أيدا: أي قويا، ينمي: يرتفع ويزداد، وسامه خسفا: أورد عليه ذلا. تربد: تغير، وفي القاموس: نيق العقاب بالكسر: موضع بين الحرمين. وفي النهاية: في حديث الفتح قال للعباس، احبس أبا سفيان عند حطم الجبل، هكذا جاءت في كتاب أبي موسى، وقال حطم الجبل: الموضع الذي حطم منه، أي ثلم فبقي منقطعا، قال: ويحتمل أن يريد عند مضيق الجبل حيث يزحم بعضهم بعضا،


(1) في الامتاع: الف دارع أقول: اختصر المنصف ههنا جملة. (2) في المصدر: تسبى الحرمة. (3) شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد 4، 208 و 209: وفيه بعد ذلك: واختلف فيمن دفع إليه اللواء، فقيل: دفعه إلى على بن ابى طالب عليه السلام فذهب به حتى دخل مكة فغرزها عند الركن، وهو قول ضرار بن الخطاب الفهرى: وقيل دفعه إلى قيس بن سعد بن عبادة وذكر نحوه المقريزى في الامتاع الا انه اضاف الاحتمالين ثالثا وهو الدفع إلى الزبير بن العوام أقول: و ذكرا بعد ذلك بقية خبر الفتح مفصلا.

[110]

ورواه أبو نصر الحميدي في كتابه بالخاء المعجمة، وفسرها في غريبه فقال: الخطم والخطمة: رعن الجبل وهو الانف النادر منه، والذي جاء في كتاب البخاري، وهو الذي أخرج الحديث فيما قرأناه ورأيناه من نسخ كتابه: عند حطم الخيل، هكذا مضبوطا، فإن صحت الرواية به، ولم يكن تحريفا من الكتبة فيكون معناه والله أعلم: إنه يحبسه في الموضع المتضايق الذي يتحطم فيه الخيل، أي يدوس بعضها بعضا، ويزحم بعضها بعضا فيراها جميعها، وتكثر في عينه بمرورها في ذلك الموضع الضيق، وكذلك أراد بحبسه عند خطم الجبل على ما شرحه الحميدي، فإن الانف النادر من الجبل يضيق الموضع الذي يخرج فيه. وقال: مر رسول الله صلى الله عليه واله في كتيبته الخضراء، كتيبة خضراء: إذا غلب عليها لبس الحديد، شبه سواده بالخضرة، والعرب تطلق الخضرة على السواد، وقال: مآثر العرب: مكارمها ومفاخرها التي تؤثر عنها، أي تروى وتذكر. تحت قدمي هاتين، أراد خفاءها وإعدامها وإذلال أمر الجاهلية ونقض سنتها، وقال: الخلا مقصورا: النبات الرقيق ما دام رطبا، واختلاؤه: قطعه انتهى. والبور بالضم: الهالك، يستوي فيه الواحد والكثير والمذكر والمؤنث. والمباراة: المجاراة والمسابقة، والثبور: الهلاك، والويل والاهلاك. 1 - أقول: روى السيد في سعد السعود من تفسير الكلبي أن رسول الله صلى الله عليه واله لما فتح مكة وجد في الحجر أصناما مصفوفة حوله ثلاثمائة وستين صنما، صنم كل قوم بحيالهم، ومعه مخصرة بيده فجعل يأتي الصنم فيطعن في عينه (1) أو في بطنه ثم يقول: " جاء الحق " يقول: ظهر الاسلام " وزهق الباطل " يقول: وهلك الشرك وأهله، والشيطان وأهله " إن الباطل كان زهوقا " يقول: هالكا، فجعل الصنم ينكب لوجهه إذا قال رسول الله صلى الله عليه واله ذلك، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون فيما بينهم: ما رأينا رجلا أسحر من محمد (2).


(1) في المصدر: في عينيه. (2) سعد السعود: 220. (*)

[111]

2 - كتاب صفات الشيعة للصدوق رحمه الله عن الحميري (1) عن ابن محبوب عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما فتح رسول الله صلى الله عليه واله مكة قام على الصفا فقال: " يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، إني رسول الله إليكم وإني شفيق عليكم، لا تقولوا: (2) إن محمدا منا، فو الله ما أوليائي منكم ولا من غيركم إلا المتقون، فلا أعرفكم (3) تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم، ويأتي الناس يحملون الآخرة، ألا وإني قد أعذرت فيما بيني وبينكم وفيما بين الله عزوجل وبينكم، وإن لي عملي ولكم عملكم (4) ". 3 - د: في يوم العشرين من رمضان سنة ثمان من الهجرة كان فتح مكة (5). 4 - ب: أبو البختري، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه واله البيت يوم الفتح فرأى فيه صورتين، فدعا بثوب فبله في ماء ثم محاهما، قال: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه واله بقتل عبد الله بن أبي سرح وإن وجد في جوف البيت، وبقتل عبد الله بن خطل، وقتل مقيس بن صبابة (6) وبقتل قرسا (7) وام سارة (8) قال: وكانتا قينتين تزنيان (9) وتغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه واله، وتحضضان يوم أحد على رسول الله صلى الله عليه واله (10).


(1) هكذا في النسخ وفيه وهم لان الصدوق لا يروى عن الحميرى بلا واسطة والصحيح: محمد بن موسى المتوكل، عن الحميرى. (2) في المصدر: الا تقولون. (3) في المصدر: الا فلا اعرفكم. (4) صفات الشيعة: 4 وهو مخطوط. (5) العدد: مخطوط لم نظفر بنسخته. (6) الصبابة خ ل. (7) فرتنا خ ل أقول يوجد ذلك في المصدر وفى الامتاع وفى نسخة من المصدر: قرس وفى السيرة: فرتنى. (8) في الامتاع: قريبة ويقال: أرنبة، ولم يسمها ابن هشام في السيرة: بل قال: فرتنى و صاحبتها. وعد امرأة فيمن أمر صلى الله عليه وآله بقتلهم وقال: سارة مولاة لبنى عبد المطلب وكانت ممن يؤذيه بمكة، ثم قال واما سارة فاستؤمن بها فامنها، ثم بقيت حتى اوطأها رجل من الناس فرسا في زمن عمر بن الخطاب بالابطح فقتلها. (9) تزينان خ ل وفى المصدر: ترينان. تزينان خ ل. (10) قرب الاسناد: 61.

[112]

5 - فس: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، ولفظ الآية عام، ومعناه خاص وكان سبب ذلك أن حاطب بن أبي بلتعة كان قد أسلم وهاجر إلى المدينة، وكان عياله بمكة، وكانت قريش يخاف (1) أن يغزوهم رسول الله صلى الله عليه واله، فصاروا إلى عيال حاطب وسألوهم أن يكتبوا إلى حاطب يسألوه عن خبر محمد صلى الله عليه واله هل (2) يريد أن يغزو مكة، فكتبوا إلى حاطب يسألونه عن ذلك، فكتب إليهم حاطب أن رسول الله صلى الله عليه واله يريد ذلك، ودفع الكتاب إلى امرأة تسمى صفية (3) فوضعته في قرونها (4) ومرت فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه واله فأخبره بذلك فبعث رسول الله صلى الله عليه واله أمير المؤمنين عليه السلام والزبير بن العوام في طلبها فلحقاها (5) فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أين الكتاب ؟ فقالت: ما معي شئ ففتشاها (6) فلم يجدا (7) معها شيئا، فقال: الزبير: ما نرى معها شيئا ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما كذبنا رسول الله صلى الله عليه واله، ولا كذب رسول الله صلى الله عليه واله على جبرئيل عليه السلام، ولا كذب جبرئيل على الله جل ثناؤه والله لتظهرن الكتاب أو لاوردن (8) رأسك إلى رسول الله صلى الله عليه واله، فقالت: تنحيا حتى اخرجه، فأخرجت الكتاب من قرونها (9) فأخذه أمير المؤمنين عليه السلام وجاء به إلى رسول الله، فقال رسول الله: يا حاطب ما هذا ؟ فقال حاطب: والله يا رسول الله ما نافقت ولا غيرت ولا بدلت، وإني أشهد أن لا إلله إله الله، وأنك رسول الله حقا، ولكن أهلي وعيالي كتبوا إلي بحسن صنيع قريش إليهم، فأحببت أن اجازي قريشا بحسن معاشرتهم، فأنزل الله جل ثناؤه على رسول الله صلى الله عليه واله (10) " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " إلى قوله: " لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير " (11).


(1) في المصدر: تخاف. (2) وهل يريد خ ل (3) تقدم في صدر الباب ان اسمها سارة مولاة ابى عمرو بن صيفي بن هشام راجع. (4) قرنيها خ ل. (5) فلحقوها خ ل. (6) ففتشوها خ ل. (7) فلم يجدوا خ ل. (8) لاردن خ ل (9) من قرنيها خ ل. (10) على رسوله خ ل. (11) تفسير القمى: 674 و 675.

[113]

أقول: قد أوردنا نحوه بأسانيد في كتاب أحوال أمير المؤمنين عليه السلام في باب تنمره في ذات الله. روى في كشف الغمة عن الواحدي أنه ذكر في أسباب نزول القرآن نحوا من ذلك (1). وروى في الخرائج نحوه بأدنى تغيير، فتركناها حذرا من زيادة التكرار. 6 - فس: " يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك " إلى قوله تعالى: " إن الله غفور رحيم " فإنها نزلت في يوم (2) فتح مكة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله قعد في المسجد يبايع الرجال إلى صلاة الظهر والعصر، ثم قعد لبيعة النساء وأخذ قدحا من ماء فأدخل يده فيه، ثم قال للنساء: " من أراد أن تبايع فلتدخل يدها في القدح (3) فإني لا اصافح النساء " ثم قرأ عليهن ما أنزل الله من شروط البيعة عليهن، فقال: " على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن " فقامت ام حكيم بنت الحارث بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله ما هذا المعروف الذي أمرنا الله أن لا نعصيك (4) فيه ؟ فقال: ألا تخمشن (5) وجها، ولا تلطمن (6) خدا، ولا تنتفن (7) شعرا، ولا تمزقن (8) جيبا، ولا تسودن (9) ثوبا، و لا تدعون (10) بالويل والثبور، ولا تقمن (11) عند قبر "، فبايعهن صلى الله عليه واله على (12) هذه الشروط (13).


(1) كشف الغمة: 62. وفية اختلاف مع المنقول. (2) في يوم خ خ. (3) في المصدر: من اراد ان يبايع فليدخل يده في القدح. (4) في المصدر: ان لا نعصينك فيه. (5) يخمشن. (6) يلطمن خ ل. (7) ينتفن خ ل. (8) يمزقن خ ل. (9) يسودن خ ل. (10) يدعون خ ل. (11) يقمن خ ل. (12) بهذه خ ل. (13) تفسير القمى: 676 و 677.

[114]

7 - فس: " وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا " فإنها نزلت يوم فتح مكة، لما أراد رسول الله صلى الله عليه واله دخولها أنزل الله: " وقل " يا محمد: " رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا " أي معينا (1) " وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " (2) فارتجت مكة من قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (3) 8 - فس: " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " فإنها نزلت في عبد الله بن أبي امية أخ (4) ام سلمة رحمة الله عليها، وذلك أنه قال هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله بمكة قبل الهجرة فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى فتح مكة استقبل (5) عبد الله بن أبي امية فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يرد عليه السلام فأعرض (6) عنه ولم يجبه بشئ، وكانت اخته ام سلمة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فدخل إليها فقال: يا اختي إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قبل إسلام الناس كلهم ورد إسلامي، فليس يقبلني كما قبل غيري، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على ام سلمة (7) قالت: بأبي أنت وامي يا رسول الله ! سعد بك جميع الناس إلا أخي من بين قريش والعرب رددت إسلامه وقبلت إسلام الناس كلهم (8) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا ام سلمة إن أخاك كذبني تكذيبا لم يكذبني أحد من الناس، هو الذي قال لي: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " إلى قوله: " كتابا نقرؤه " قالت ام سلمة: بأبي أنت وامي يا رسول الله ألم تقل: إن الاسلام يجب ما كان قبله ؟ قال: نعم،


(1) مبينا خ ل. * (2) قال خ. (3) تفسير القمى: 387. (4) اخى ام سلمة خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) في المصدر: استقبله. * (6) واعرض عنه خ ل. (7) إلى ام سلمة خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر (8) الا اخى خ ل.

[115]

فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله إسلامه (1) بيان: قال الجزري: فيه: الاسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب. 9 - ما: أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر، عن إسماعيل بن علي الدعبلي، عن أبي علي بن علي، عن أبيه علي بن رزين، عن أبيه رزين بن عثمان، عن أبيه عثمان ابن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن بديل بن ورقاء قال: سمعت أبي بديل بن ورقاء الخزاعي يقول: لما كان يوم الفتح وقفني العباس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا رسول الله هذا يوم قد شرفت فيه قوما "، فما بال خالك بديل بن ورقاء وهو قعيد حيه ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله، " احسر عن حاجبيك يا بديل " فحسرت عنهما، وحدرت لثامي، فرأى سوادا " بعارضي، فقال: كم سنوك يا بديل ؟ فقلت: سبع وتسعون يا رسول الله، فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وقال: " زادك الله جمالا وسوادا، وأمتعك وولدك، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله قد نيف على الستين و قد أسرع الشيب فيه، اركب جملك هذا الاورق وناد في الناس: " إنها أيام أكل و شرب " وكنت جهيرا قرأيتني بين خيامهم وأنا أقول: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لكم: إنها أيام أكل وشرب، وهي لغة خزاعة، يعني الاجتماع، ومن ههنا قرأ أبو عمرو: " فشاربون شرب الهيم (2) " بيان: وهو قعيد حيه، أي قاعد في قبيلته يجالسهم ولا ينهض لامر، قال الجوهري: القعيد: المقاعد، والجراد الذي لم يستو جناحه بعد، وقال: قال الاصمعي: الاورق من الابل: الذي في لونه بياض إلى سواد قوله: يعني الاجتماع لم أعرف لهذا الكلام معنى، ولعله سقط قوله: " وبعال " كما في سائر الروايات، والاجتماع تفسير له، لكن قوله: ومن ههنا قرأ، يدل


(1) تفسير القمى: 388 ولايات في الاسرا: 90 - 93. (2) امالي ابن الشيخ: 239 والاية في الواقعة: 55.

[116]

على أنه تفسير للشرب، ولم أر الشرب بهذا المعنى (1) وأما القراءة فلم أعثر إلا على قراءة " شرب " بالضم مصدرا، وبالفتح جمع شارب، ثم المشهور أن هذا النداء كان في حجة الوداع لا عام الفتح، قال الجزري: في حديث التشريق: إنها أيام أكل وشرب وبعال. البعال: النكاح وملاعبة الرجل أهله، والمباعلة: المباشرة. 10 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن عبد الملك الطحان، عن هارون ابن عيسى، عن عبد الله بن إبراهيم، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله سافر إلى بدر في شهر رمضان، وافتتح مكة في شهر رمضان (2). 11 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن الحسن بن القاسم عن ثبير (3) ابن إبراهيم، عن سليمان بن بلال، عن الرضا (4) عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة والاصنام حول الكعبة، وكانت ثلاثمائة وستين صنما، فجعل يطعنها بمخصرة في يده ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد " فجعلت تكب (5) لوجهها (6) 12 - قب: تفسير الثعلبي والقشيري والواحدي والقزويني ومعاني الزجاج ومسند الموصلي وأسباب نزول القرآن عن الواحدي أنه لما دخل النبي صلى الله عليه وآله مكة يوم الفتح غلق عثمان ابن أبي طلحة (7) العبدي باب البيت وصعد السطح فطلب النبي صلى اله عليه وآله المفتاح منه، فقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فصعد علي ابن أبي طالب عليه السلام السطح، ولوى يده، وأخذ المفتاح منه، وفتح الباب، فدخل النبي صلى الله عليه وآله البيت فصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح


(1) لعل الاجتماع معنى كنائى لقوله: اكل وشرب، يعنى أنها ايام الاجتماع ويكون معنى الاية: فيجتمعون اجتماع الابل العطاش التى يصيبها الهيام ولكنه بعيد جدا. (2) امالي ابن الشيخ: 218. (3) معين خ ل. (4) في المصدر: على بن موسى، عن ابيه، عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن آبائه عليهم السلام. (5) تنكب لوجوهها خ ل. (6) امالي ابن الشيخ 214 وفيه: تكبب لوجوهها (7) في المصدر: عثمان بن طلحة

[117]

فنزل: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها " فأمر النبي صلى الله عليه وآله أن يرد المفتاح إلى عثمان، ويعتذر إليه، فقال له عثمان: يا علي أكرهت وأديت (1) ثم جئت برفق، قال لقد أنزل الله عزوجل في شأنك وقرأ عليه الآية، فأسلم عثمان فأقره النبي صلى الله عليه وآله في يده (2) 13 - ل: أبي، عن سعد، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة لم يسب لاهلها ذرية، وقال، من أغلق بابه وألقى سلاحه أو دخل دار أبي سفيان فهو آمن الخبر (3) 14 - ف: عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: كانت مبايعة رسول الله صلى الله عليه وآله النساء أن يغمس يده في إناء فيه ماء ثم يخرجها، فتغمس النساء أيديهن في ذلك الاناء بالاقرار والايمان بالله، والتصديق برسوله عليه ما أخذ عليهن (4) 15 - شا، يج: روي عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام أنه كان في المسجد ثلاثمائة وستون صنما "، وقال: بعضها (5) فيما يزعمون مشدود ببعضها بالرصاص فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كفا من حصى فرماها (6) في عام الفتح، ثم قال: (7) " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " فما بقي فيها (8) صنم إلا خر لوجهه فأمر بها فاخرجت من المسجد فطرحت (9) فكسرت (10)


(1) في المصدر واذيت. (2) مناقب آل ابى طالب 1: 404 و 405: أقول: روى ابن شهر آشوب فيه روايات تناسب هذه الغزوة تركها المصنف اختصارا، منها روايات صعود على عليه السلام على منكب رسول الله صلى الله عليه وآله لالقاء الاصنام راجع ج 1: 398 - 405 وص 177 - 180 (3) الخصال 1: 133 والحديث طويل راجعه (4) تحف العقول: 457. ط 2. (5) ان بعضها خ ل. (6) فرمى بها خ ل. (7) في الارشاد: فقال لامير المؤمنين عليه السلام: اعطني يا على كفا من الحصى، فقبض له امير - المؤمنين عليه السلام كفا فناوله فرماها وهو يقول. (8) منها خ ل. (9) وطرحت خ ل. (10) ارشاد المفيد 63: ولم نجد الحديث في الخرائج المطبوغ، وذكرنا سابقا أن المطبوع مختصر من الاصل ولفظ الحديث من الخرائج.

[118]

16 - يج: فلما دخل وقت صلاة الظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بلالا فصعد على الكعبة فقال عكرمة: أكره أن أسمع صوت أبي رباح ينهق على الكعبة، وحمد خالد ابن أسيد أن أبا عتاب توفي ولم ير ذلك، وقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو نطقت لظننت أن هذه الجدر ستخبر به محمدا، فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وآله فاتي بهم فقال عتاب: نستغفر الله ونتوب إليه، قد والله يا رسول الله قلنا، فأسلم وحسن إسلامه فولاه رسول الله صلى الله عليه وآله مكة 17 - يج: روي أن النبي صلى الله عليه وآله خرج قاصدا مكة في عشرة آلاف (1) من المسلمين، فلم يشعر أهل مكة حتى نزل تحت العقبة، وكان أبو سفيان وعكرمة ابن أبي جهل خرجا إلى العقبة يتجسسان خبرا "، ونظرا إلى النيران فاستعظما، فلما يعلما لمن النيران، وكان العباس قد خرج من مكة مستقبلا إلى المدينة، فرده رسول الله صلى الله عليه وآله معه، والصحيح أنه منذ يوم بدر كان بالمدينة، لما نزل تحت العقبة ركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وصار إلى العقبة طمعا أن يجد من أهل مكة من ينذرهم، إذ سمع كلام أبي سفيان يقول لعكرمة: ما هذه النيران ؟ فقال العباس: يا أبا سفيان نعم هذا رسول الله، قال أبو سفيان: ما ترى أن أصنع ؟ قال: تركب خلفي فأصيربك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فآخذ لك الامان، قال: وتراه يؤمنني قال: نعم فإنه إذا سألته شيئا لم يردني، فركب أبو سفيان خلفه، فانصرف (2) عكرمة إلى مكة، فصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: فقال العباس: هذا أبو سفيان صار معي إليك فتؤمنه بسببي، فقال صلى الله عليه وآله: أسلم تسلم يا أبا سفيان، فقال: يا أبا القاسم ما أكرمك وأحلمك ؟ قال: أسلم تسلم، قال: ما أكرمك وأحلمك ؟ قال: أسلم تسلم، فوكزه العباس وقال: ويلك إن قالها الرابعة ولم تسلم قتلك، فقال صلى الله عليه وآله: خذه يا عم إلى خيمتك، وكانت قريبة، فلما جلس في الخيمة ندم على مجيئه مع العباس، و قال في نفسه: من فعل بنفسه مثل ما فعلت أنا ؟ جئت فأعطيت بيدي ولو كنت انصرفت


(1) في عشرة آلاف فارس خ ل. أقول: في المناقب: خرج في نحو عشرة آلاف رجل، و اربعمائه فارس. * (2) وانصرف خ ل

[119]

إلى مكة فجمعت الاحابيش وغيرهم فلعلي كنت أهزمه، فناداه رسول الله صلى الله عليه وآله من خيمته فقال: " إذا كان الله يخزيك " فجاءه العباس فقال يريد أبو سفيان أن يجيئك يا رسول الله، قال: هانه، فلما دخل قال: ألم يأن أن تسلم ؟ فقال له العباس، قل وإلا فيقتلك، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فضحك صلى الله عليه وآله فقال رده إلى عندك، فقال العباس: إن أبا سفيان " يحب الشرف فشرفه، فقال: من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن فلما صلى بالناس الغداة فقال للعباس: " خذه إلى رأس العقبة فأقعده هناك ليراه الناس (1) جنود الله ويراها " فقال أبو سفيان: ما أعظم ملك ابن أخيك ؟ قال العباس: يا أبا سفيان هي نبوة، قال: نعم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تقدم إلى مكة فأعلمهم بالامان، فلما دخلها قالت هند: اقتلوا هذا الشيخ الضال، فدخل النبي صلى الله عليه وآله مكة، وكان وقت الظهر، فأمر بلالا فصعد على ظهر الكعبة فأذن، فما بقي صنم بمكة إلا سقط على وجهه، فلما سمع وجوه قريش الاذان قال بعضهم في نفسه: الدخول في بطن الارض خير (2) من سماع هذا، وقال آخر: الحمد لله (3) الذي لم يعش والدي إلى هذا اليوم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " يا فلان قد قلت في نفسك كذا ويا فلان قلت في نفسك كذا " فقال أبو سفيان: أنت تعلم أني لم أقل شيئا، قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون (4) 18 - شا: من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله لما أراد فتح مكة سأل الله جل اسمه أن يعمي أخباره على قريش ليدخلها بغتة، وكان صلى الله عليه وآله قد بنى الامر في مسيره إليها على الاستسرار بذلك، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بعزيمة رسول الله صلى الله عليه وآله على فتحها، وأعطى الكتاب امرأة سوداء كانت وردت المدينة تستميح (5) الناس وتستبرهم، وجعل لها جعلا أن توصله إلى قوم سماهم لها


(1) لترى جنود خ. (2) اهون خ ل. (3) حين خ. (4) لم نجد الخبر ولا ما قبله في الخرائج المطبوع (5) تستميح بها خ. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[120]

من أهل مكة، وأمرها أن تأخذ على غير الطريق، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فاستدعى أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: " إن بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخبرنا، وقد كنت سألت الله أن يعمي أخبارنا عليهم والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك والحقها، وانتزع الكتاب منها وخلها، وصربه إلي " ثم استدعي الزبير بن العوام وقال له: " امض مع علي بن أبي طالب في هذا الوجه " فمضيا وأخذا على غير الطريق فأدركا المرأة، فسبق إليها الزبير فسألها عن الكتاب الذي معها فأنكرت (1)، وحلفت أنه لا شئ معها وبكت، فقال الزبير: ما أرى يا أبا الحسن معها كتابا فارجع بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله نخبره (2) ببرائة ساحتها، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن معها كتابا ويأمرني بأخذه منها، وتقول أنت: إنه لا كتاب معها ؟ ثم اخترط السيف وتقدم إليها فقال: أما والله لئن لم تخرجي الكتاب لاكشفنك ثم لاضربن عنقك، فقالت: (3) إذا كان لابد من ذلك فأعرض يا ابن أبي طالب بوجهك عني، فأعرض بوجهه عنها فكشفت قناعها وأخرجت الكتاب من عقيصتها (4) فأخذه أمير المؤمنين وصار به إلى النبي صلى الله عليه وآله فأمر أن ينادي: الصلاة جامعة، فنودي في الناس فاجتمعوا إلى المسجد حتى امتلا بهم، ثم صعد النبي صلى الله عليه وآله إلى (5) المنبر، وأخذ الكتاب بيده وقال: " أيها الناس إني كنت سألت الله عزوجل أن يخفي أخبارنا (6) عن قريش، وإن رجلا منكم كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخبرنا، فليقم صاحب الكتاب وإلا فضحه الوحي " فلم يقم أحد، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وآله مقالته ثانية وقال: " ليقم صاحب الكتاب وإلا فضحه الوحي " فقال حاطب بن أبي بلتعة وهو يرعد كالسعفة في


(1) فانكرته خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر (2) في المصدر لتخبره (3) فقالت له خ. أقول: يوجد ذلك في المصدر (4) العقيصة: ضفيرة الشعر. ضفر الشعر: نسج بعضه على بعض عريضا (5) المصدر خال عن الجار. (6) آثارنا خ ل.

[121]

يوم الريح العاصف، فقال: أنا يا رسول الله صاحب الكتاب، وما أحدثت نفاقا بعد إسلامي، ولا شكا بعد يقيني، فقال له النبي صلى الله عليه واله: " فما الذي حملك على أن كتبت هذا الكتاب ؟ " قال يا رسول الله إن لي أهلا بمكة، وليس لي بها عشيرة، فأشفقت أن تكون دائرة لهم علينا فيكون كتابي هذا كفا " لهم عن أهلي، ويدالي عندهم، و لم أفعل ذلك للشك (1) في الدين، فقام عمر بن الخطاب وقال: يا رسول الله مرني بقتله فإنه (2) منافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " إنه من أهل بدر ولعل الله تعالى اطلع عليهم فغفر لهم، أخرجوه من المسجد " قال: فجعل الناس يدفعون في ظهره حتى أخرجوه، وهو يلتفت إلى النبي صلى الله عليه وآله ليرق عليه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله برده، وقال له: " قد عفوت عنك وعن جرمك فاستغفر ربك ولا تعد بمثل ما جنيت (3) " 19 - شى: عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان الفتح في سنة ثمان، وبراءة في سنة تسع، وحجة الوداع في سنة عشر (4) 20 - م: قوله عزوجل: " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها اولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين * لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم " (5) قال الامام: قال الحسن (6) بن علي عليهما السلام لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بمكة وأظهر بها دعوته، ونشر بها كلمته، وعاب أعيانهم (7) في عبادتهم الاصنام، وأخذوه وأساؤا معاشرته، وسعوا في خراب المساجد المبنية كانت للقوم (8) من خيار أصحاب محمد وشيعة علي بن أبي طالب عليه السلام، كان بفناء


(1) لشك منى خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر (2) قد نافق خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر (3) ارشاد المفيد: 25 و 26 * (4) تفسير العياشي ج 2: 73 (5) البقرة: 114 و 115. (6) الحسين خ ل. أقول: في المصدر: على بن الحسين عليه السلام (7) اديانهم خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (8) في المصدر: المبنية التى كانت لقوم من خيار اصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشيعته وشيعة على. (*)

[122]

الكعبة مساجد يحيون فيها ما أماته المبطلون، فسعى هؤلاء المشركون في خرابها، و أذى (1) محمد وأصحابه (2) وألجاؤه إلى الخروج من مكة نحو المدينة التفت خلفه إليها وقال: " الله يعلم إنني (3) احبك، ولولا أن أهلك أخرجوني عنك لما آثرت عليك بلدا "، ولا ابتغيت عليك بدلا (4)، وإني لمغتم على مفارقنك " فأوحى الله إليه: يا محمد العلي الاعلى يقرأ (5) عليك السلام، ويقول: سنردك إلى هذا البلد ظافرا غانما سالما " قادرا قاهرا، وذلك قوله تعالى: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " يعني إلى مكة غانما " ظافرا ". فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه فاتصل بأهل مكة فسخروا منه، فقال الله تعالى لرسوله: سوف يظفرك الله بمكة (6)، ويجري عليهم حكمي، وسوف أمنع عن دخولها المشركين حتى لا يدخلها أحد منهم إلا خائفا، أو دخلها مستخفيا " من أنه إن عثر عليه قتل، فلما حتم قضاء الله بفتح مكة و واستوسقت له أمر عليهم عتاب بن أسيد، فلما اتصل بهم خبره قالوا: إن محمدا " لا يزال يستخف بناحتى ولى علينا غلاما حدث السن ابن ثمانية عشر سنة، ونحن مشايخ ذوي الاسنان (7) وجيران حرم الله الامن (8)، وخير بقعة على وجه الارض وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله لعتاب بن أسيد عهدا على مكة (9) وكتب في أوله: من محمد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جيران بيت الله الحرام، وسكان حرم الله، أما بعد فمن كان منكم بالله مؤمنا، وبمحمد رسوله في أقواله مصدقا " وفي أفعاله مصوبا، ولعلي أخي محمد رسوله ونبيه وصفيه ووصيه وخير خلق الله (10) بعده مواليا فهو منا و


(1) في المصدر: وايذاء محمد. (2) وساير اصحابه خ ل. (3) في المصدر: انى. (4) في المصدر: ولا ابتغيت بك بدلا (5) يقرؤك خ ل. (6) في المصدر: سوف يظهرك الله بمكة (7) هكذا في المصدر والكتاب، واستظهر المصنف في الهامش انه مصحف " ذوو الاسنان " (8) خدام بيت الله الحرام، وجيران حرمه الامن خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. و فيه: وخير بقعة له على وجه الارض (9) على أهل مكة خ ل. اقول: في المصدر: إلى مكة (10) في المصدر: ولعلى اخى محمد وصفيه وخير الخلق بعده.

[123]

إلينا ومن كان لذلك أو لشئ منه مخالفا فسحقا وبعدا لاصحاب السعير، لا يقبل الله شيئا من أعماله، وإن عظم وكبر (1) يصليه نار جهنم خالدا " (2) مخلدا " أبدا "، وقد قلد محمد رسول الله عتاب بن أسيد أحكامكم ومصالحكم، وقد فوض إليه تنبيه غافلكم، وتعليم جاهلكم، وتقويم أود (3) مضطربكم، وتأديب من زال عن أدب الله منكم لما علم من فضله عليكم من موالاة (4) محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن رجحانه في التعصب لعلي ولي الله، فهو لنا خادم، وفي الله أخ، ولاوليائنا موال، ولاعدائنا معاد، وهو لكم سماء ظليلة، وأرض زكية، وشمس مضيئة، (5) قد فضله الله على كافتكم بفضل موالاته ومحبته لمحمد وعلي والطيبين من آلهما، وحكمه (6) عليكم يعمل بما يريد الله فلن يخليه من توفيقه. كما أكمل من موالاة محمد وعلي عليه السلام شرفه وحظه لايؤامر رسول الله ولا يطالعه (7)، بل هو السديد الامين، فليطمع المطيع منكم بحسن معاملته شريف الجزاء، وعظيم الحباء وليتوقى المخالف له شديد العذاب (8)، وغضب الملك العزيز الغلاب (9)، ولا يحتج محتج منكم في (10) مخالفته بصغر سنه، فليس الاكبر هو الافضل، بل الافضل هو الاكبر، وهو الاكبر في موالاتنا وموالاة أوليائنا، ومعاداة أعدائنا، فلذلك جعلناه الامير عليكم، والرئيس عليكم، فمن أطاعه فمرحبا به ومن خالفه فلا يبعد الله غيره ". قال: فلما وصل إليهم عتاب وقرأ عهده ووقف فيهم موقفا ظاهرا نادى في جماعتهم حتى حضروه، وقال لهم: معاشر أهل مكة إن رسول الله صلى الله عليه وآله رماني بكم


(1) في المصدر: وكثر، (2) خالدا فيها خ ل. (3) الاود: الاعوجاج. (4) في موالاة (5) زاد في المصدر: وقمر صفى. " منير خ ل " وفى نسختي المخطوط: وقمر مضيئ (6) وحكمته خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر (7) ولا يكاتبه خ ل. (8) في المصدر: فليعمل المطيع منكم وليف بحسن معاملته ليس بشريف الجزاء وعظيم الحباء وليوفر المخالف له بشديد العقاب. (9) الغلاب: الكثير الغلبة. (10) إلى مخالفته خ ل.

[124]

شهابا محرقا لمنافقكم (1)، ورحمة وبركة على مؤمنكم (2)، وإني أعلم الناس بكم وبمنافقكم (3)، وسوف آمركم بالصلاة فيقام (4) بها، ثم أتخلف (5) اراعي الناس، فمن وجدته قد لزم الجماعة التزمت له حق المؤمن على المؤمن، ومن وجدته قد بعد عنها فتشته (6)، فإن وجدت له عذرا عذرته (7)، وإن لم أجد له عذرا ضربت عنقه حكما (8) من الله مقضيا " على كافتكم لاطهر حرم الله من المنافقين، أما بعد فإن الصدق أمانة، والفجور خيانة، ولن تشيع الفاحشة في قوم إلا ضربهم الله بالذل، قويكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه وضعيفكم عندي (9) قوي حتى آخذ الحق له، اتقو الله وشرفوا بطاعة الله أنفسكم، ولا تذلوها بمخالفة ربكم. ففعل والله كما قال، وعدل وأنصف وأنفذ الاحكام، مهتديا بهدى الله، غير محتاج إلى مؤامرة ولا مراجعة (10) 21 - شى: عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (11) " قال: لما كان يوم الفتح أخرج رسول الله صلى الله عليه وآله أصناما من المسجد، وكان منها صنم على المروة، وطلبت إليه قريش أن يتركه وكان استحيا فهم بتركه، ثم أمر بكسره فنزلت هذه الآية (12) 22 - عم: كانت غزوة الفتح في شهر رمضان من سنة ثمان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما صالح قريشا عام الحديبية دخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وآله وعهده، و دخلت كنانة في حلف قريش، فلما مضت سنتان من القضية قعد رجل من كنانة


(1) في المصدر: لمنافقيكم. (2) في المصدر: على مؤمنيكم. (3) في المصدر: وبمنافقيكم. (4) فيقام لها خ ل (5) اختلف خ ل. (6) في المصدر المطبوع: وقد قعد عنها فتشته. وفى المخطوط: قد قعد عنها كبسته (فتشته خ ل). (7) في المصدر وان وجدت له عذرا اعذرته (8) حتما خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (9) معى خ ل. (10) تفسير المنسوب إلى العسكري عليه السلام: 230 و 231 (11) الاسراء: 74. (12) تفسير العياشي: ج 2: 306.

[125]

يروي هجاء رسول الله، فقال له رجل من خزاعة: لا تذكر هذا (1)، قال: وما أنت و ذاك ؟ فقال: لئن أعدت لاكسرن فاك، فأعادها فرفع الخزاعي يده فضرب بها فاه فاستنصر الكناني قومه، والخزاعي قومه وكانت كنانة أكثر فضربوهم حتى أدخلوهم الحرم، وقتلوا منهم، وأعانهم قريش بالكراع والسلاح، فركب عمرو بن سالم إلى رسول الله فخبره الخبر وقال: أبيات شعر منها: لاهم إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الا تلدا إن قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " حسبك يا عمرو " ثم قام فدخل دار ميمونة وقال: اسكبوا لي ماء، فجعل يغتسل ويقول: " لانصرت إن لم أنصر بني كعب " ثم أجمع رسول الله صلى الله عليه وآله على المسير إلى مكة وقال: اللهم خذ العيون عن قريش حتى نأتيها في بلادها، فكتب حاطب بن أبي بلتعة مع سارة مولاة أبي لهب إلى قريش: إن رسول الله خارج إليكم يوم كذا وكذا، فخرجت وتركت الطريق، ثم أخذت ذات اليسار في الحرة، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخبره، فدعا عليا عليه السلام والزبير فقال لهما أدركاها، وخذا منها الكتاب، فخرج علي والزبير لا يلقيان أحدا حتى وردا ذالحليفة وكان النبي صلى الله عليه وآله وضع حرسا على المدينة، وكان على الحرس حارثة بن النعمان فأتيا الحرس فسألاهم، فقالوا: ما مر بنا أحد، ثم استقبلا حطابا فسألاه فقال: رأيت امرأة سوداء انحدرت من الحرة، فأدركاها فأخذ علي منها الكتاب، وردها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فدعا حاطبا فقال له: انظر ما صنعت، قال: أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما شككت، ولكني رجل ليس لي بمكة عشيرة (2) ولي بها أهل فأردت أن أتخذ عندهم يدا ليحفظوني فيهم، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فوالله لقد نافق، فقال صلى الله عليه وآله: " إنه من أهل بدر ولعل الله اطلع عليهم


(1) لا تذكره هذا خ ل. (2) في المصدر: ولكني رجل لى بمكة عشيرة.

[126]

فغفر لهم، أخرجوه من المسجد " فجعل الناس يدفعون في ظهره وهو يلتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليرق عليه، فأمر صلى الله عليه وآله برده، وقال: " قد عفوت عن جرمك فاستغفر ربك ولاتعدل لمثل ما جنيت " فأنزل الله سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء " إلى صدر السورة. قال أبان: وحدثني عيسى بن عبد الله القمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما انتهى الخبر إلى أبي سفيان وهو بالشام بما صنعت قريش بخزاعة أقبل (1) حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا محمد احقن دم قومك، وأجر بين قريش (2)، و زدنا في المدة، قال: " أغدرتم يا باسفيان ؟ " قال: لا، قال: " فنحن على ما كنا عليه " فخرج فلقي أبا بكر فقال: يا أبا بكر أجر بين قريش، قال: ويحك ! وأحد يجير على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ثم لقي عمر فقال له: مثل ذلك ثم خرج فدخل على ام حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته، فقال: يا بنية أرغبة بهذا الفراش عني ؟ قالت: نعم، هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ما كنت لتجلس عليه وأنت رجس مشرك، ثم خرج فدخل على فاطمة عليها السلام فقال: يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش، وتزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس، قالت: جواري في جوار رسول الله، قال: فتأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس ؟ قالت: والله ما يدري ابناي ما يجيران من قريش، فخرج فلقي عليا عليه السلام فقال: أنت أمس القوم بي رحما، وقد اعتسرت علي الامور فاجعل لي منها وجها، قال: أنت شيخ قريش تقوم على باب المسجد فتجير بين قريش، ثم تقعد على راحلتك وتلحق بقومك (3) قال: وهل ترى ذلك نافعي ؟ لا أدرى، فقال يا أيها الناس إني قد أجرت بين قريش (4) ثم ركب بعيره وانطلق، فقدم على قريش فقالوا ما وراك ؟ قال: جئت


(1) رواه ابن شهر آشوب في المناقب 1: 177 عن ابان وفيه: اختلافات منها ههنا ففيه: لما انتهى الخبر إلى ابى سفيان وهو بالشام مشاجرة كنانة وخزاعة اقبل. (2) في المناقب: احقن دماء قومك واحرس قريشا. (3) في المناقب: فقم فاستجر بين الناس ثم الحق باهلك. (4) في المناقب: ايها الناس انى استجرت بكم.

[127]

محمدا فكلمته فوالله مارد علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد عنده خيرا، ثم جئت إلى ابن الخطاب فكان كذلك، ثم دخلت على فاطمة فلم تجبني، ثم لقيت عليا فأمرني أن اجير بين الناس ففعلت، قالوا: هل أجاز ذلك محمد ؟ قال: لا، قالوا: ويحك لعب بك الرجل، أو أنت تجير بين قريش ؟. قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه واله يوم الجمعة حين صلى العصر لليلتين مضتا من شهر رمضان، فاستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، ودعا رئيس كل قوم فأمره أن يأتي قومه فيستنفرهم. قال الباقر عليه السلام: خرج رسول الله صلى الله عليه واله في غزوة الفتح فصام وصام الناس حتى نزل كراع الغميم فأمر بالافطار فأفطر وأفطر الناس وصام قوم فسموا العصاة لانهم صاموا، ثم سار عليه السلام، حتى نزل مر الظهران ومعه نحو من عشرة آلاف رجل، ونحو من أربعمائة فارس، وقد عميت الاخبار عن قريش، فخرج في تلك الليلة أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء هل يسمعون خبرا، وقد كان العباس بن عبد المطلب خرج يتلقى رسول الله صلى الله عليه واله ومعه أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي امية، وقد تلقاه بثنية العقاب. ورسول الله صلى الله عليه واله في قبته وعلى حرسه يومئذ زياد بن أسيد، فاستقبلهم زياد فقال: أما أنت يا أبا الفضل فامض إلى القبة، وأما أنتما فارجعا فمضى العباس حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه واله فسلم عليه، وقال: بأبي أنت وامي هذا ابن عمك قد جاء تائبا، وابن عمتك، قال: (لا حاجة لي فيهما، إن ابن عمي انتهك عرضي، وأما ابن عمتي، فهو الذي يقول بمكة: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا، فلما خرج العباس كلمته ام سلمة وقالت: بأبي أنت وامي، ابن عمك قد جاء تائبا لا يكون أشقى الناس بك، وأخي ابن عمتك وصهرك فلا يكونن شقيا بك، ونادى أبو سفيان بن الحارث النبي صلى الله عليه واله: كن (1) لنا كما


(1) في المصدر: وقال: يا رسول الله كن لنا.

[128]

قال العبد الصالح لا تثريب عليكم " فدعاه وقبل منه، ودعا عبد الله بن أبي امية فقبل منه. وقال العباس: هو والله هلاك قريش إلى آخر الدهر إن دخلها رسول الله صلى الله عليه واله عنوة، قال: فركبت بغلة رسول الله صلى الله عليه واله البيضاء وخرجت أطلب الحطابة، أو صاحب لبن لعلي آمره أن يأتي قريشا فيركبون إلى رسول الله صلى الله عليه واله يستأمنون إليه إذ لقيت أبا سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام، وأبو سفيان يقول لبديل: ما هذه النيران ؟ قال: هذه خزاعة قال: خزاعة أقل وأقل من أن تكون هذه نيرانهم، ولكن لعل هذه تميم أو ربيعة، قال العباس: فعرفت صوت أبي سفيان، فقلت: أبا حنظلة ! قال: لبيك فمن أنت ؟ قلت: أنا العباس، قال: فما هذه النيران فداك أبي وامي ؟ قلت: هذا رسول الله في عشرة آلاف من المسلمين، قال: فما الحيلة ؟ قال: تركب في عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول الله صلى الله عليه واله، قال: فأردفته خلفي، ثم جئت به، فكلما انتهيت إلى نار قاموا إلي فإذا رأوني قالوا: هذا عم رسول الله صلى الله عليه واله خلوا سبيله، حتى انتهيت إلى باب عمر، فعرف أبا سفيان فقال: عدو الله، الحمد الله الذي أمكن منك، فركضت البغلة حتى اجتمعنا على باب القبة، ودخل على رسول الله صلى الله عليه واله فقال: هذا أبو سفيان قد أمكنك الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، قال العباس: فجلست عند رأس رسول الله صلى الله عليه واله، فقلت: بأبي أنت وامي أبو سفيان وقد أجرته، قال: أدخله، فدخل فقام (1) بين يديه فقال: " ويحك (2) يابا سفيان أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ؟ " قال: بأبي أنت وامي ما أكرمك وأوصلك وأحلمك ؟ أما الله لو كان معه إله لاغنى يوم بدر ويوم احد، وأما أنك رسول الله فوالله إن في نفسي منها لشيئا، قال العباس: يضرب والله عنقك الساعة (3) أو تشهد أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، قال:


(1) أي قام أبو سفيان بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) المصدر: خلى عن لفظة " ويحك ". (3) في المصدر: في هذه الساعة.

[129]

فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله (1) تلجلج بها فوه (2) فقال أبو سفيان للعباس: فما نصنع باللات والعزى ؟ فقال له عمر: اسلح (3) عليهما، قال أبو سفيان: اف لك، ما أفحشك ؟ ما يدخلك يا عمر في كلامي وكلام ابن عمي ؟ فقال له رسول الله: عند من تكون الليلة ؟ قال: عند أبي الفضل، قال: " فاذهب به يا أبا الفضل فأبته عندك الليلة، واغد به علي " فلما أصبح سمع بلالا يؤذن، قال: ما هذا المنادي يا أبا الفضل ؟ قال: هذا مؤذن رسول الله قم فتوض (4) وصل، قال: كيف أتوضأ ؟ فعلمه، قال: ونظر أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه واله وهو يتوضأ وأيدي المسلمين تحت شعره فليس قطرة يصيب (5) رجلا منهم إلا مسح بها وجهه، فقال: بالله إن رأيت كاليوم قط كسرى ولا قيصر، فلما صلى غدابه إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله إني احب أن تأذن لي إلى قومك فانذرهم وأدعوهم إلى الله ورسوله فأذن له، فقال للعباس: كيف أقول لهم ؟ بين لي من ذلك أمرا يطمئنون إليه، فقال صلى الله عليه واله: " تقول لهم: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وشهد أن محمدا رسول الله، وكف يده فهو آمن، ومن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن " فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو خصصته بمعروف، فقال صلى الله عليه واله: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " قال أبو سفيان: داري ؟ قال: دارك، ثم قال: " ومن أغلق بابه فهو آمن ". ولما مضى أبو سفيان قال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل من شأنه الغدر، وقد رأى من المسلمين تفرقا، قال: فأدركه واحبسه في مضايق الوادي حتى يمر به جنود الله، قال: فلحقه العباس، فقال: أبا حنظلة ! قال: أغدرا يا بني هاشم ؟ قال: ستعلم أن الغدر ليس من شأننا، ولكن أصبح حتى تنظر إلى جنود


(1) في المصدر: وانك لرسول الله. (2) في المناقب: فتلجلج لسانه وعلى يقصده بسيفه: والنبى صلى الله عليه وآله محدق بعلى فقال العباس يضرب والله عنقك الساعة أو تشهد الشهادتين فأسلم اضطرارا. (3) سلح: تغوط. وهو خاص بالطير والبهائم، و استعماله للانسان من باب التساهل على التشبيه. (4) فتوضأ خ ل. (5) في المصدر: تصيب.

[130]

الله، قال العباس: فمر خالد بن الوليد فقال أبو سفيان: هذا رسول الله ؟ قال: لا ولكن هذا خالد بن الوليد في المقدمة، ثم مر الزبير في جهينة وأشجع فقال أبو سفيان: يا عباس هذا محمد ؟ قال: لا هذا الزبير، فجعلت الجنود تمر به حتى مر رسول الله صلى الله عليه واله في الانصار، ثم انتهى إليه سعد بن عبادة بيده راية رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يابا حنظلة. اليوم يوم الملحمة * اليوم تسبى الحرمة يا معشر الاوس والخزرج ثاركم يوم الجبل، فلما سمعها من سعد خلى العباس وسعى إلى رسول الله صلى الله عليه واله وزاحم (1) حتى مر تحت الرماح فأخذ غرزه فقبلها ثم قال: بأبي أنت وامي أما تسمع ما يقول سعد ؟ وذكر ذلك القول، فقال صلى الله عليه واله: " ليس مما قال سعد شئ ". ثم قال لعلي عليه السلام: " أدرك سعدا فخذ الراية منه، وأدخلها إدخالا رفيقا " فأخذها علي وأدخلها كما أمر (2). قال: وأسلم يومئذ حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء وجبير بن مطعم، وأقبل أبو سفيان يركض حتى دخل مكة وقد سطح الغبار من فوق الجبال، وقريش لا تعلم، وأقبل أبو سفيان من أسفل الوادي يركض فاستقبله قريش وقالوا: ما وراك ؟ وما هذا الغبار ؟ قال: محمد في خلق، ثم صاح: يا آل غالب البيوت البيوت، من دخل داري فهو آمن، فعرفت هند فأخذت تطردهم ثم قالت: اقتلوا الشيخ الخبيث، لعنه الله من وافد قوم (3) وطليعة قوم، قال: ويلك إني رأيت ذات القرون، ورأيت فارس أبناء الكرام، ورأيت ملوك كندة وفتيان حمير يسلمن (4) آخر النهار، ويلك


(1) وزاحم الناس. أقول: في المناقب: فاتى العباس إلى النبي صلى الله عليه وآله واخبره بمقالة سعد. (2) في المناقب: فقال سعد: لولاك لما اخذت منى. (3) في المناقب: قبح من وافد قوم. (4) في المناقب: يسلمون آخر النهار. وفيه: وذهبت البلية.

[131]

اسكتي، فقد والله جاء الحق ودنت البلية. قال: وكان قد عهد رسول الله صلى الله عليه واله إلى المسلمين أن لا يقتلوا بمكة إلا من قاتلهم سوى نفر كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه واله، منهم مقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن خطل وقينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه واله وقال: " اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة " فادرك ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارا فقتله، وقتل مقيس بن صبابة في السوق، وقتل علي عليه السلام إحدى القينتين، وأفلتت الاخرى، وقتل عليه السلام أيضا الحويرث بن نفيل بن كعب (1) وبلغه أن ام هانئ (2) بنت أبي طالب قد آوت ناسا من بني مخزوم، منهم الحارث بن هشام وقيس بن السائب (3) فقصد نحو دارها مقنعا بالحديد فنادى: أخرجوا من آويتم، فجعلوا يذرقون كما يذرق الحبارى خوفا منه، فخرجت إليه ام هانئ وهي لا تعرفه، فقالت: يا عبد الله أنا ام هانئ بنت عم رسول الله، واخت علي بن أبي طالب، انصرف عن داري فقال علي: أخرجوهم، فقالت: والله لاشكونك إلى رسول الله، فنزع المغفر عن رأسه فعرفته، فجاءت تشتد حتى التزمته، فقالت: فديتك حلفت لاشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه واله، فقال لها: فاذهبي فبري قسمك، فإنه بأعلى الوادي، قالت ام هانئ: فجئت إلى النبي صلى الله عليه واله وهو في قبة يغتسل، وفاطمة عليها السلام يستره، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه واله كلامي قال: " مرحبا بك يا ام هانئ " قلت: بأبي و امي ما لقيت من علي اليوم ؟ فقال صلى الله عليه واله: " قد أجرت من أجرت " فقالت فاطمة: إنما جئت يا ام هانئ تشكين عليا (4) في أنه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله ؟


(1) في السيرة: الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصى. (2) ام هانئ بالهمزة لا بالياء، قال الفيروز آبادى في باب المهموز: هانئ: الخادم، وام هانئ بنت ابى طالب. (3) في الامتاع: حموان لها: عبد الله بن ابى ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم المخزومى، والحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. (4) في المصدر: تشكين من على.

[132]

فقلت: احتمليني فديتك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " قد شكر الله تعالى سعيه، وأجرت من أجارت ام هانئ لمكانها من علي بن أبي طالب ". قال أبان: وحدثني بشير النبال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما كان فتح مكة قال رسول الله صلى الله عليه واله: " عند من المفتاح ؟ " قالوا: عند ام شيبة. فدعا شيبة فقال: " اذهب إلى امك فقل لها: ترسل بالمفتاح " فقالت: قل له: قتلت مقاتلنا وتريد أن تأخذ منا مكرمتنا ؟ فقال: لترسلن به أو لاقتلنك، فوضعته في يد الغلام، فأخذه ودعا عمر فقال له: " هذا تأويل رؤياي من قبل ". ثم قام صلى الله عليه واله ففتحه وستره، فمن يومئذ يستر، ثم دعا الغلام فبسط رداءه فجعل فيه المفتاح، وقال: رده إلى امك، قال: ودخل صناديد قريش الكعبة و هم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه واله البيت وأخذ بعضادتي (1) الباب ثم قال: " لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وغلب الاحزاب وحده " ثم قال: " ما تظنون ؟ وما أنتم قائلون ؟ " فقال سهيل بن عمرو: نقول خيرا و نظن خيرا، أخ كريم وابن عم، قال: " فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، ألا إن كل دم ومال و مأثرة كان في الجاهلية فإنه موضوع تحت قدمي إلا سدانة (2) الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إن مكة محرمة بتحريم الله لم تحل لاحد كان قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار فهي محرمة إلى أن تقوم الساعة، لا يختلى خلاها، ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد " ثم قال: " ألا لبئس جيران النبي كنتم، لقد كذبتم وطردتم، وأخرجتم وفللتم، ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلوني، فاذهبوا فأنتم الطلقاء " فخرج القوم كأنما انشروا من القبور، ودخلوا في الاسلام. قال: ودخل رسول الله صلى الله عليه واله مكة بغير إحرام، وعليهم السلاح. ودخل


(1) عضادتا الباب: خشبتاه من جانبيه. (2) سدانة الكعبة: خدمتها وحجابتها.

[133]

البيت لم يدخله في حج ولا عمرة، ودخل وقت الظهر (1) فأمر بلالا فصعد على الكعبة وأذن، فقال عكرمة: والله إن كنت لاكره أن أسمع صوت ابن رياح ينهق على الكعبة، وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبا عتاب من هذا اليوم أن يرى ابن رياح قائما على الكعبة، قال سهيل: هي كعبة الله وهو يرى ولو شاء لغير قال: وكان أقصدهم (2) وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا، والله لو نطقت لظننت أن هذه الجدر تخبر به محمدا، وبعث صلى الله عليه واله إليهم فأخبرهم بما قالوا، فقال عتاب: قد والله قلنا يا رسول الله ذلك فنستغفر الله ونتوب إليه فأسلم وحسن إسلامه وولاه رسول الله صلى الله عليه واله مكة، قال: وكان فتح مكة لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر دخلوا في أسفل مكة وأخطاؤا الطريق فقتلوا (3). أقول: ذكر المفيد رحمه الله في الارشاد أكثر تلك (4) القصص بأدنى تغيير (5) تركناها حذرا من التكرار. بيان: إلى صدر السورة، أي إلى آخر الآيات من أول السورة. والصدر أيضا: الطائفة من الشئ، ولكن أصبح، أي اصبر حتى يتنور الصبح، والاصباح: الدخول في الصباح، ويطلق على الاسفار، قال الراغب: الصباح: أول النهار، و هو وقت ما احمر الافق بحاجب الشمس. قوله: ثاركم يوم الجبل، أي اطلبوا دماءكم التي اريقت يوم أحد، والغرز بالفتح: ركاب من جلد. والذرق بالذال و الزاي بمعنى. والحبارى معروف بالحمق والجبن، وفي المصباح: احتملت ما كان منه، بمعنى العفو والاغضاء، والفل: الكسر والضرب: وفل الجيش: هزمه فقال عتاب، أي معتذرا عن أخيه، ويحتمل أن يكون هو أيضا قال شيئا.


(1) في المصدر: ودخل وقت العصر. (2) زاد في المناقب: وقال الحارث بن هشام: اما وجد محمد غير هذا الغراب الاسود مؤذنا ؟. (3) اعلام الورى: 65 - 69. (4) وقد ذكرنا ان ابن شهر آشوب ذكرها في المناقب: 177 - 180. (5) ارشاد المفيد: 60 - 64.

[134]

23 - كا: علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه واله مكة بايع الرجال، ثم جاءه النساء يبايعنه فأنزل الله عزوجل: " يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن و أرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم " فقالت هند: أما الوالد فقد ربينا صغارا وقتلتهم (1) كبارا، وقالت ام حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت عند عكرمة بن أبي جهل: يا رسول الله ما ذلك المعروف الذي أمرنا الله أن لا نعصيك فيه ؟ فقال: " لا تلطمن خدا، ولا تخمشن وجها، ولا تنتفن شعرا، ولا تشققن جيبا، ولا تسودن ثوبا، ولا تدعين بويل " فبايعهن رسول الله صلى الله عليه واله على هذا، فقالت: يا رسول الله كيف نبايعك ؟ قال: " إنني لا اصافح النساء " فدعا بقدح من ماء فأدخل يده ثم أخرجها فقال: ادخلن أيديكن في هذا الماء فهي البيعة (2). كا: علي، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (3). 24 - كا: أبو علي الاشعري، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أتدري كيف بايع رسول الله صلى الله عليه واله النساء ؟ قلت: الله أعلم وابن رسوله أعلم، قال: جمعهن حوله ثم دعا بتور برام فصب فيه نضوحا ثم غمس يده فيه ثم قال: اسمعن يا هؤلاء ابايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ولا تعصين بعولتكن في معروف. أقررتن ؟ " قلن: نعم، فأخرج يده من التور ثم قال لهن: " اغمسن أيديكن " ففعلن، فكانت يد رسول الله صلى الله عليه واله الطاهرة أطيب من أن يمس بها كف انثى ليست له بمحرم (4). بيان: التور: إناء من صفر أو حجارة كالاجانة ذكره الجرزي. وقال:


(1) قتلناهم خ ل. (2 - 4) فروع الكافي 2: 66. (*)

[135]

البرمة: القدر مطلقا، وجمعها برام، وهي في الاصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. وقال: النضوح بالفتح: ضرب من الطيب. 25 - كا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن عن معاوية بن وهب قال: لما كان يوم فتح مكة ضربت على رسول الله صلى الله عليه واله خيمة سوداء من شعر بالابطح، ثم أفاض عليه الماء من جفنة يرى فيها أثر العجين، ثم تحرى القبلة ضحى، فركع ثماني ركعات لم يركعها رسول الله صلى الله عليه واله قبل ذلك ولا بعد (1). 26 - كا: علي، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه واله مكة يوم افتتحها فتح باب الكعبة فأمر بصور في الكعبة فطمست، ثم أخذ بعضادتي الباب فقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، ما ذا تقولون ؟ وما ذا تظنون ؟ " قالوا: نظن خيرا، ونقول خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، قال: " فإني أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والارض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد " فقال العباس: يا رسول الله إلا الاذخر فإنه للقبر والبيوت: فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إلا الاذخر (2). بيان: الطموس: الدروس والانمحاء. وعضادتا الباب: هما خشبتاه من جانبيه. والتثريب: التعيير. والعضد: القطع. والخلا مقصورا: النبات الرقيق مادام رطبا. وأختلاؤه: قطعه. وإنشاد الضالة: تعريفها. 27 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله يوم فتح مكة: إن


(1) فروع الكافي 1: 125 و 126. (2) فروع الكافي 1: 227 و 228.

[136]

الله حرم مكة يوم خلق السماوات والارض، وهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لا تحل (1) لاحد قبلي، ولا تحل لاحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار (2). 28 - كا: علي، عن أبيه والقاساني جميعا، عن الاصفهاني، عن المنقري عن فضيل بن عياض، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله يوم فتح مكة لم يسب لهم ذرية، وقال: من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن (3). 29 - يب: الطاطري، عن محمد بن أبي حمزة، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: لا تصل المكتوبة في جوف الكعبة، فإن رسول الله صلى الله عليه واله لم يدخلها في حج ولا عمرة، ولكن دخلها في فتح مكة فصلى فيها ركعتين بين العمودين ومعه اسامة (4). 30 - فر: أبو القاسم العلوي معنعنا عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " قال: قدمت سارة مولاة بني هاشم إلى المدينة فأتت رسول الله صلى الله عليه واله ومن معه من بني عبد المطلب، فقالت: إني مولاتكم وقد أصابني جهد، وأتيتكم (5) أتعرض لمعروفكم، فكسيت وحملت وجهزت، وعمدت حاطب بن أبي بلتعة أخا بني أسد بن عبد العزى فكتب معها كتابا لاهل مكة (6) بأن رسول الله صلى الله عليه واله قد أمر الناس أن يجهزوا، وعرف حاطب أن رسول الله صلى الله عليه واله يريد أهل مكة، فكتب إليهم يحذرهم، وجعل لسارة جعلا على أن تكتم عليه وتبلغ رسالته ففعلت، فنزل جبرئيل عليه السلام على نبي الله صلى الله عليه واله فأخبره، فبعث رسول الله صلى الله عليه واله رجلين من أصحابه


(1) في المصدر: لم تحل لاحد قبلى. (2) فروع الكافي 1: 228. (3) فروع الكافي 1: 329 والحديث طويل راجعه. فان المذكور منقول معنى. (4) تهذيب الاحكام 1: 245. (5) في المصدر: وقد اتيتكم. (6) في المصدر: وعدها حاطب بن ابى بلتعة أخو بنى اسد بن عبد العزى فكتب معها كتابا إلى اهل مكة.

[137]

في أثرها: أمير المومنين علي بن أبي طالب عليه السلام وزبير بن (1) العوام، وأخبرهما خبر الصحيفة، فقال: " إن أعطتكم (2) الصحيفة فخلوا سبيلها وإلا فاضربوا عنقها " فلحقا سارة فقالا: أين الصحيفة التي كتبت معك يا عدوة الله ؟ فحلفت بالله ما معي (3) كتاب ففتشاها فلم يجدا معها شيئا، فهما بتركها، ثم قال أحدهما: والله ما كذبنا ولا كذبنا فسل سيفه فقال: أحلف بالله لا أغمده حتى تخرجين الكتاب أو يقع في رأسك، فزعموا أنه علي بن أبي طالب، قالت: فلله عليكما الميثاق، إن اعطكما الكتاب لا تقتلاني ولا تصلباني ولا ترداني إلى المدينة ؟ قالا: نعم، فأخرجته من شعرها فخليا سبيلها، ثم رجعا إلى النبي صلى الله عليه واله فأعطياه الصحيفة فإذا فيها: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة إن محمدا قد نفر، فإني لا أدري إياكم أراد أو غيركم، فعليكم بالحذر. فأرسل رسول الله صلى الله عليه واله إليه فأتاه فقال تعرف هذا الكتاب يا حاطب ؟ قال: نعم، قال: فما حملك عليه، فقال: أما والذي أنزل عليك الكتاب ما كفرت منذ آمنت، ولا أجبتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من أصحابك إلا ولهم (4) بمكة عشيرة غيري، فأحببت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله منزل بهم بأسه ونقمته، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه رسول الله صلى الله عليه واله وعذره، فأنزل الله: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة (5) ". 31 - كا: علي، عن أبيه، عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: صعد رسول الله صلى الله عليه واله المنبر يوم فتح مكة فقال: أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إنكم من آدم، وآدم من طين، ألا إن خير عباد الله عبد اتقاه إن العربية ليسب بأب والد، ولكنها لسان ناطق، فمن قصر به عمله لم يبلغ حسبه، ألا إن كل دم كان في الجاهلية أو إحنة - والاحنة: الشحناء - فهي تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة (6).


(1) في المصدر: والزبير بن العوام. (2) في المصدر: ان أعطتكما الصحيفة. (3) في المصدر: ما معها. (4) وله خ ل. (5) تفسير فرات: 183 و 184. (6) روضة الكافي: 246.

[138]

32 - ين: ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما كان يوم فتح مكة قام رسول الله صلى الله عليه واله في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب، إن الله تبارك وتعالى قد أذهب عنكم بالاسلام نخوة الجاهلية، والتفاخر بآبائها وعشائرها، أيها الناس إنكم من آدم وآدم من طين، ألا وإن خيركم عند الله وأكرمكم عليه اليوم أتقاكم، وأطوعكم له، ألا وإن العربية ليست بأب والد، ولكنها لسان ناطق، فمن طعن بينكم و علم أنه يبلغه رضوان الله حسبه، ألا وإن كل دم أو مظلمة أو إحنة كانت في الجاهلية فهي مطل (1) تحت قدمي إلى يوم القيامة (2). 33 - كا: محمد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن علي بن الحكم، عن الحكم بن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكة، عن الصادق عليه السلام قال: خطب رسول الله في مسجد الخيف (3): نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم يبلغه، يا أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، و النصيحة لائمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم المؤمنون إخوة تتكافئ، دماؤهم وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم (4).


(1) مظل خ ل. أقول: طل الدم، هدر اولم يثأر له فهو طليل ومطلول ومطل. (2) كتاب المؤمن: مخطوط. (3) خطبه صلى الله عليه وآله في حجة الوداع، فكان الانسب ايرادها هنا لك، وللحديث صدر وذيل ترك المصنف ذكره فراجع. (4) اصول الكافي 1: 403 و 404 قوله: نضر الله أي نعمه، ويروى بالتخفيف والتشديد من النضارة وهى في الاصل حسن الوجه، واراد حسن خلقه وقدره. لا يغل من الاغلال: الخيانة في كل شئ، ويروى يغل بفتح الياء من الغل وهو الحقد والشحناء أي لا يدخله حقد يزيله عن الحق، و روى يغل بالتخفيف من الوغول: الدخول في الشر، والمعنى ان هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر: وعليهن في موضع الحال تقديره لا يغل كائنا عليهن قلب مؤمن. قوله: والنصيحة لائمة المسلمين، النصيحة كلمة يعبر بها عن ارادة الخير للمنصوح له، واصل النصح الخلوص: ونصيحة الائمة أن يطيعهم في الحق ولا يخالف

[139]

34 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان، عن الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام: إن عليا عليه السلام سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه واله في أهل الشرك ؟ قال: فغضب ثم جلس، ثم قال: سارو الله فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه واله يوم الفتح، إن عليا عليه السلام كتب إلى مالك وهو على مقدمته يوم البصرة بأن لا يطعن في غير مقبل، ولا يقتل مدبرا، ولا يجهز على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن (8). 27 * (باب) * * (ذكر الحوادث بعد الفتح إلى غزوة حنين) * 1 - شا: ثم اتصل بفتح مكة إنفاذ رسول الله صلى الله عليه واله خالد بن الوليد إلى بني جذيمة (2) بن عامر وكانوا بالغميصاء يدعوهم إلى الله عز وجل، وإنما أنفذه إليهم للترة التي كانت بينه وبينهم، وذلك أنهم كانوا أصابوا في الجاهلية نسوة من بني المغيرة وقتلوا الفاكه بن المغيرة عم خالد بن الوليد، وقتلوا عوفا أبا عبد الرحمن بن عوف وأنفذه رسول الله صلى الله عليه واله لذلك، وأنفذ معه عبد الرحمن بن عوف للترة أيضا التي كانت بينه وبينهم، ولولا ذلك لما رأى رسول الله صلى الله عليه واله خالدا أهلا للامارة على المسلمين فكان من أمره ما كان، وخالف فيه عهد الله وعهد رسوله وعمل فيه على سنة الجاهلية (3) فبرئ رسول الله صلى الله عليه واله من صنعه (4) وتلافي فارطه بأمير المؤمنين عليه السلام (5). بيان: في القاموس الغميصاء: موضع أوقع فيه خالد بن الوليد ببني جذيمة.


اوامرهم ويخلص لهم الضمائر والاعمال محيطة من ورائهم أي تحدق بهم من جميع جوانبهم. يسعى بذمتهم أي إذا اعطى احد الجيش العدو امانا جاز ذلك على جميع المسلمين وليس لهم ان يخفروه ولا ان ينقضوا عليه عهده وان كان ادنى المسلمين. (1) الفروع: ج 1 ص 336. (2) خزيمة خ ل: اقول: الصحيح ما في المتن. (3) واطرح حكم الاسلام وراء ظهره خ. (4) صنيعه خ ل. (5) ارشاد المفيد 70 و 71.

[140]

2 - عم: بعد فتح مكة بعث رسول الله صلى الله عليه واله السرايا فيما حول مكة يدعون إلى الله عز وجل ولم يأمرهم بقتال، فبعث غالب بن عبد الله إلى بني مدلج فقالوا: لسنا عليك ولسنا معك، فقال الناس: اغزهم يا رسول الله، فقال: إن لهم سيدا أديبا أريبا ورب غاز من بني مدلج شهيد في سبيل الله، وبعث عمرو بن امية الضمري إلى بني الديل فدعاهم إلى الله ورسوله فأبوا أشد الاباء، فقال الناس: اغزهم يا رسول الله فقال: أنا كم الآن سيدهم قد أسلم فيقول لهم: أسلموا، فيقولون: نعم، وبعث عبد الله بن سهيل بن عمرو إلى بني محارب بن فهر فأسلموا، وجاء معه نفر منهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله، وبعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن عامر، وقد كانوا أصابوا في الجاهلية من بني المغيرة نسوة، وقتلوا عم خالد فاستقبلوه وعليهم السلاح، و قالوا: يا خالد إنا لم نأخذ السلاح على الله وعلى رسوله، ونحن مسلمون فانظر فإن كان بعثك رسول الله صلى الله عليه واله ساعيا فهذه إبلنا وغنمنا فاغد عليها، فقال: ضعوا السلاح قالوا: إنا نخاف منك أن تأخذنا بإحنة الجاهلية، وقد أماتها الله ورسوله، فانصرف عنهم بمن معه فنزلوا قريبا، ثم شن عليهم الخيل فقتل وأسر منهم رجلا، ثم قال: ليقتل كل رجل منكم أسيره فقتلوا الاسرى وجاء رسولهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله فأخبره بما فعل خالد بهم، فرفع عليه السلام يده إلى السماء وقال: " اللهم إني أبرء إليك مما فعل خالد " وبكى ثم دعى عليا عليه السلام فقال: اخرج إليهم وانظر في أمرهم، وأعطاه سفطا من ذهب ففعل ما أمره وأرضاهم (1). 3 - أقول: قال ابن الاثير في الكامل: وفي هذه السنة يعني سنة ثمان بعد الفتح كانت غزاة خالد بن الوليد بني جذيمة، وكان رسول الله صلى الله عليه واله قد بعث السرايا بعد الفتح فيما حول مكة يدعون الناس إلى الله، ولم يأمرهم بقتال وكان ممن بعث خالد بن الوليد بعثه داعيا ولم يبعثه مقاتلا، فنزل على الغميصاء: ماء من مياه بني جذيمة بن عامر، وكانت جذيمة أصابت في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن، و الفاكه بن المغيرة عم خالد، وأخذوا ما معهما (2)، فلما نزل خالد ذلك الماء أخذ


(1) اعلام الورى: 69 - 70. (2) في المصدر: كانا اقبلا تاجرين من اليمن فأخذت ما معهما وقتلهما

[141]

بنو جذيمة السلاح، فقال خالد: اخلعوا السلاح (1) فإن الناس قد أسلموا، فوضعوا فأمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه واله رفع يديه ثم قال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " ثم أرسل عليا عليه السلام ومعه مال، وأمره أن ينظر في أمرهم فودى لهم النساء والاموال حتى أنه ليدي ميلغة (2) الكلب، ففضل معه من المال فضلة فقال لهم علي عليه السلام: هل بقي لكم مال أو دم لم يؤد ؟ قالوا: لا، قال: إني اعطيكم هذه البقية احتياطا لرسول الله صلى الله عليه واله، ففعل ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه واله فأخبره فقال: أصبت وأحسنت (3). 4 - ل: بإسناده عن عامر بن واثلة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى: نشدتكم بالله هل علمتم أن رسول الله عليه السلام بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة (4) ففعل ما فعل، فصعد رسول الله صلى الله عليه واله المنبر فقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " ثلاث مرات، ثم قال: " اذهب يا علي " فذهبت فوديتهم، ثم ناشدتهم بالله هل بقي شئ ؟ فقالوا: إذا نشدتنا بالله فميلغة كلابنا، وعقال بعيرنا فأعطيتهم لهما، وبقي معي ذهب كثير فأعطيتهم إياه وقلت: وهذا لذمة رسول الله صلى الله عليه واله ولما تعلمون ولما لا تعلمون، ولروعات النساء والصبيان، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه واله فأخبرته فقال: " والله لا يسرني (5) يا علي أن لي بما صنعت حمر النعم " قالوا: اللهم نعم (6).


(1) في المصدر: ضعوا السلاح. (2) الميلغ والميلغة: الاناء يلغ فيه الكلب أو يسقى فيه. (3) الكامل 2: 173 وفيه: وكان بين عبد الرحمن بن عوف وخالد كلام في ذلك، فقال له: عملت بأمر الجاهلية في الاسلام، فقال خالد: إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن: كذبت قد قتلت انا قاتل ابى، ولكنك انما ثأرت بعمك الفاكه، حتى كان بينهما شر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: مهلا يا خالد دع عنك اصحابي، فوالله لو كان لك احد ذهبا ثم انفقته في سبيل الله ما ادركت غدوة احدهم ولا روحته. (4) كذا في الكتاب ومصدره والصحيح كما استظهره المصنف في الهامش وتقدم: جذيمة. (5) في المصدر: ما يسرنى. (6) الخصال 2: 125.

[142]

5 - ل، لى: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن فضالة، عن أبان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: بعث رسول الله صلى الله عليه واله خالد بن الوليد إلى حي يقال لهم: بنو المصطلق من بني جذيمة، وكان بينهم وبينه وبين بني مخزوم إحنة في الجاهلية (فلما ورد عليهم) كانوا قد أطاعوا رسول الله صلى الله عليه واله وأخذوا منه كتابا، فلما ورد عليهم خالد أمر مناديا فنادى بالصلاة فصلى وصلوا، فلما كان صلاة الفجر أمر مناديه فنادى فصلى وصلوا، ثم أمر الخيل فشنوا فيهم الغارة فقتل وأصاب، فطلبوا كتابهم فوجدوه فأتوا به النبي صلى الله عليه واله و حدثوه بما صنع خالد بن الوليد، فاستقبل صلى الله عليه واله القبلة ثم قال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " قال: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه واله تبرو متاع فقال لعلي عليه السلام: " يا علي ائت بني جذيمة من بني المصطلق فأرضهم مما صنع خالد " ثم رفع عليه السلام قدميه فقال: " يا علي اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك " فأتاهم علي عليه السلام فلما انتهى إليهم حكم فيهم بحكم الله، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه واله قال: " يا علي أخبرني بما صنعت " فقال: يا رسول الله عمدت فأعطيت لكل دم دية ولكل جنين غرة، ولكل مال مالا، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لميلغة كلابهم وحبلة رعاتهم، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لروعة نسائهم وفزع صبيانهم، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لما يعلمون ولما لا يعلمون، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه واله: يا علي أعطيتهم ليرضوا عني، رضي الله عنك، يا علي إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (1). بيان: قال الجزري: في حديث علي عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه واله بعثه ليدي قوما قتلهم خالد بن الوليد فأعطاهم ميلغة الكلب، هي الاناء الذي يلغ فيه الكلب يعني أعطاهم قيمة كل ما ذهب لهم حتى قيمة الميلغة انتهى. والحبلة: هنا الرسن أو بالتحريك، أي الجنين الساقط من دوابهم ومواشيهم، والاول أظهر.


(1) امالي الصدوق: 104 و 105.

[143]

6 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن القاسم بن زكريا (1) عن محمد بن تسنيم الحضرمي، عن عمرو بن معمر، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام عن أبيه جعفر، عن أبيه محمد بن علي عليهم السلام عن جابر بن عبد الله قال: بعث النبي صلى الله عليه واله خالد بن الوليد على صدقات بني المصطلق حي من خزاعة، وكان بينه وبينهم في الجاهلية ذحل فأوقع بهم خالد فقتل منهم، واستاق أموالهم، فبلغ النبي صلى الله عليه واله ما فعل فقال: " اللهم أبرأ إليك (2) مما صنع خالد " وبعث إليهم علي بن أبي طالب عليه السلام بمال وأمره أن يؤدي إليهم ديات رجالهم (3) وما ذهب لهم من أموالهم، وبقيت معه من المال زعبة، فقال لهم: هل تفقدون شيئا من متاعكم (4) ؟ فقالوا: ما نفقد شيئا إلا ميلغة كلابنا، فدفع إليهم ما بقي من المال، فقال: هذا لميلغة كلابكم وما انسيتم من متاعكم، وأقبل إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: ما صنعت ؟ فأخبره بخبره حتى أتى على حديثه، فقال النبي صلى الله عليه واله: أرضيتني رضي الله عنك يا علي أنت هادي امتي، ألا إن السعيد كل السعيد من أحبك وأخذ بطريقتك، ألا إن الشقي كل الشقي من خالفك ورغب عن طريقك إلى يوم القيامة (5). بيان: الذحل: العداوة، وطلب المكافاة بالجناية، والزعبة بفتح الزاي المعجمة وضمها: القطعة من المال. 7 - أقول: قال الكازروني: كان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان، فأقام بها خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين، ثم خرج إلى حنين، وقال في حوادث السنة الثامنة: وفي هذه السنة أسلم عكرمة بن أبي جهل، روي عن عبد الله ابن الزبير قال: لما كان يوم فتح مكة هرب عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن، و خاف أن يقتله رسول الله صلى الله عليه واله، وكانت امرأته ام حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة


(1) في المصدر: محمد بن القاسم بن زكريا المحاربي. (2) في المصدر: اللهم انى ابرأ إليك. (3) في المصدر: وامره ان يؤدى إليهم ديات من قتل من رجالهم، وانطلق على فأدى إليهم ديات رجالهم. (4) في المصدر: من اموالكم وامتعتكم. (5) مجالس ابن الشيخ: 317 و 318.

[144]

لها عقل، وكانت قد اتبعت رسول الله صلى الله عليه واله فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقالت: إن ابن عمي عكرمة قد هرب منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله فآمنه، قال: " قد آمنته بأمان الله، فمن لقيه فلا يتعرض له " فخرجت في طلبه فأدركته في ساحل من سواحل تهامة وقد ركب البحر، فجعلت تلوح إليه وتقول: يا ابن عم جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك وقد استأمنت لك فآمنك، فقال: أنت فعلت ذلك ؟ قلت: (1) نعم أنا كلمته فآمنك، فرجع معها فلما دنا من مكة قال رسول الله صلى الله عليه واله لاصحابه: " يأتيكم عكرمة مهاجرا (2) فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ " قال: فقدم عكرمة فانتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه واله وزوجته معه متنقبة قالت: فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه واله فدخلت فأخبرت رسول الله بقدوم عكرمة فاستبشر، وقال: أدخليه، فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك آمنتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " صدقت (3) فأنت آمن " قال عكرمة: فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أنك عبده ورسوله، وقلت: أنت أبر الناس وأوفى الناس، أقول ذلك وإني لمطأطئ الرأس استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو مركب أوضعت فيه اريد به إظهار الشرك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها، أو منطق تكلم به، أو مركب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك " فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه واله مرني بخير ما تعلم فأعمله (4)، قال: " قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وجاهد في سبيل الله " ثم قال عكرمة: أما والله (5) لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالا كنت اقاتل في صد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قتل في خلافة أبي بكر.


(1) قالت خ ل. (2) في المصدر: مؤمنا مهاجرا. (3) زاد في المصدر: واصدق الناس. (4) في المصدر. فأعلمه. (5) في المصدر: اما والله يا رسول الله.

[145]

وعن أبي مليكة قال: لما كان يوم الفتح ركب عكرمة البحر هاربا فخب (1) بهم البحر، فجعل من في السفينة يدعون الله عز وجل ويوحدونه، فقال: ما هذا ؟ قالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله عز وجل، قال: فهذا إله محمد الذي يدعونا إليه، فارجعوا بنا فرجع فأسلم. وكانت امرأته أسلمت قبله، فكانا على نكاحهما. وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه واله خالد بن الوليد إلى العزى لخمس بقين من رمضان ليهدمها فخرج حتى انتهى إليها في ثلاثين فهدمها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه واله فأخبره فقال: هل رأيت شيئا ؟ قال: لا، قال: فإنك لم تهدمها (2) فرجع متغيظا فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها فضربها خالد فقطعها (3) باثنين، ورجع، فأخبر النبي صلى الله عليه واله فقال: " تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا " وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة وكانت أعظم أصنامهم، وسدنتها بنو شيبان، وقد اختلف في العزى فقيل: إنها شجرة كانت لغطفان يعبدونها، وقيل: إنها صنم. وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه واله عمر وبن العاص إلى سواع وهو صنم هذيل ليهدمه، قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد ؟ قلت: أمرني رسول الله صلى الله عليه واله أن أهدمه، قال: لا تقدر. قلت: لم ؟ قال: تمنع، قلت: ويحك هل يسمع أو يبصر ؟ فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته، فقلت للسادن: كيف رأيت (4) ؟ قال: أسلمت لله. وفيها بعث سعد بن زيد إلى مناة بالمشلل ليهدمها، وكانت للاوس والخزرج وسنان (5) فخرج في عشرين وذلك حين فتح مكة فقال السادن: ما تريد ؟ قال:


(1) أي هاج واضطرب. (2) في المصدر: فارجع إليها فاهدمها فرجع. (3) في المصدر: فجزلها. (4) في المصدر: كيف رأيته ؟ (5) في المصدر: وغسان.

[146]

هدمها قال أنت وذاك، فأقبل يمشي إليها وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فضربها سعد فقتلها وهدموا الصنم (1). 28 * (باب) * * (غزوة حنين والطائف وأوطاس وسائر الحوادث) * إلى غزوة تبوك الآيات: التوبة " 9 ": لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين * ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم 25 - 27. وقال تعالى: ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن اعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون " 58 ". تفسير: قوله: " في مواطن كثيرة " قال الطبرسي رحمه الله: ورد عن الصادقين عليهم السلام أنهم قالوا: إنها كانت المواطن ثمانين " ويوم حنين " أي في يوم حنين " إذ


(1) المنتقى في مولد المصطفى: الباب الثامن فيما كان سنة ثمان من الجهرة. أقول: ذكر الكلبى في كتاب الاصنام: 14 و 15: ومناة الثالثة الاخرى كانت لهذيل وخزاعة، وكانت قريش وجميع العرب تعظمه فلم يزل على ذلك حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة سنة ثمان من الهجرة وهو عام فتح الله عليه، فلما سار من المدينة اربع ليال أو خمس ليال بعث عليا إليها فهدمها واخذ ما كان لها، فاقبل به إلى النبي صلى الله عليه وآله فكان فيما اخذ سيفان كان الحارث بن ابى شمر الغساني ملك غسان اهداهما لها، احدهما يسمى مخذما، والاخر رسوبا فوهبهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلى عليه السلام، ويقال، ان عليا وجد هذين السيفين في الفلس، وهو صنم طيئ حيث بعثه النبي صلى الله عليه وآله فهدمه.

[147]

أعجبتكم كثرتكم " أي سرتكم وصرتم معجبين بكثرتكم، وكان سبب انهزام المسلمين يوم حنين أن بعضهم قال حين رأى كثرة المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة فانهزموا بعد ساعة، وكانوا اثني عشر ألفا، وقيل: عشرة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف والاول أصح " فلم تغن عنكم شيئا " أي فلم تدفع عنكم كثرتكم سوءا " وضاقت عليكم الارض بما رحبت " أي برحبها (1) والباء بمعنى " مع " والمعنى لم تجدوا من الارض موضعا للفرار إليه " ثم وليتم مدبرين " أي وليتم عن عدوكم منهزمين " ثم أنزل الله سكينته " أي رحمته التي تسكن إليها النفس ويزول معها الخوف " على رسوله وعلى المؤمنين " حين رجعوا إليهم وقاتلوهم، وقيل: على المؤمنين الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه واله: علي والعباس في نفر من بني هاشم عن الضحاك، وروى الحسن بن علي بن فضال، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال: السكينة ريح من الجنة تخرج طيبة لها صورة كصورة وجه الانسان، فتكون مع الانبياء أورده العياشي مسندا. " وأنزل جنودا لم تروها " أراد به جنودا من الملائكة، وقيل: إن الملائكة نزلوا يوم حنين لتقوية قلوب المؤمنين وتشجيعهم ولم يباشروا القتال يومئذ، ولم يقاتلوا إلا يوم بدر خاصة " وعذب الذين كفروا " بالقتل والاسر وسلب الاموال والاولاد " وذلك جزاء الكافرين " أي ذلك العذاب جزاؤهم على كفرهم " ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء " أي يقبل توبة من تاب عن الشرك ورجع إلى طاعة الله والاسلام، وندم على ما فعل من القبيح، أو توبة من انهزم من بعد هزيمته (2). وفي قوله تعالى: " ومنهم من يلمزك " قال: نزلت في قسمة غنائم حنين (3) وذكر رواية أبي سعيد الخدري كما سيأتي بروايته في إعلام الورى، وسيأتي تفسير الآية في باب جمل ما جرى بينه وبين أصحابه صلى الله عليه واله. 1 - فس: " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت


(1) في المصدر: برحبتها. (2) مجمع البيان 5: 17 و 18. (3) مجمع البيان 5: 40.

[148]

عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين " فإنه كان سبب غزات (1) حنين أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه واله إلى فتح مكة أظهر أنه يريد هوازن، وبلغ الخبر الهوازن (2) فتهيؤا وجمعوا الجموع والسلاح واجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النضري (3) فرأ سوه عليهم، وخرجوا وساقوا معهم أموالهم ونساءهم و ذراريهم، ومروا حتى نزلوا بأوطاس، وكان دريد بن الصمة الجشمي في القوم، و كان رئيس جشم، وكان شيخا كبيرا قد ذهب بصره (4) فلمس الارض بيده فقال: في أي واد أنتم ؟ قالوا: بوادي أوطاس، قال: نعم مجال خيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالي أسمع رغاء البعير، ونهيق الحمار، وخوار البقر، وثغاء الشاة وبكاء الصبي ؟ فقالوا (5): إن مالك بن عوف ساق مع الناس أموالهم ونساءهم و ذراريهم ليقاتل كل امرئ عن نفسه وماله وأهله، فقال دريد: راعي ضأن ورب الكعبة، ماله وللحرب ؟ ثم قال: ادعوا لي مالكا، فلما جاء (6) قال له: يا مالك ما فعلت ؟ قال: سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم ليجعل كل رجل أهله وماله وراء ظهره فيكون أشد لحربه، فقال: يا مالك إنك أصبحت رئيس (7) قوم وإنك تقاتل رجلا كريما، وهذا اليوم لما بعده (8) ولم تصنع في تقدمة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ويحك وهل يلوي المنهزم على شئ ؟ اردد بيضة هوازن إلى عليا بلادهم وممتنع محالهم، والق الرجال على متون الخيل، فإنه لا ينفعك إلا رجل بسيفه وفرسه، فإن كان (9) لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك لا تكون قد فضحت في أهلك وعيالك، فقال له مالك: إنك قد كبرت وكبر


(1) غزوة خ ل. (2) هكذا في نسخة المصنف معرفا باللام، والصحيح بلا حرف تعريف. (3) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح: النصرى بالصاد المهملة، نسبة إلى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. (4) قد ذهب بصره من الكبر خ. (5) فقالوا له خ ل. (6) فلما جاءه خ ل. (7) رئيس قومك خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (8) في المصدر: وهذا يوم له ما بعده. (9) فان كانت خ ل. (*)

[149]

علمك (1) فلم يقبل من دريد، فقال دريد: ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا: لم يحضر منهم أحد، قال: غاب الجد والحزم، لو كان يوم علاء وسعادة ما كانت تغيب كعب ولا كلاب، فمن حضرها من هوازن ؟ قال: (2) عمرو بن عامر وعوف ابن عامر، قال: ذينك الجذعان (3) لا ينفعان ولا يضران، ثم تنفس دريد وقال: حرب عوان. ليتني (4) فيها جذع * أخب فيها وأضع أقود واطفاء (5) الزمع * كأنها شاة صدع وبلغ رسول الله صلى الله عليه واله اجتماع هوازن بأوطاس فجمع القبائل ورغبهم في الجهاد، ووعدهم النصر، وأن الله قد وعده أن يغنمه أموالهم ونساءهم وذراريهم فرغب الناس وخرجوا على راياتهم، وعقد اللواء الاكبر، ودفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وكل من دخل مكة براية أمره أن يحملها، وخرج في اثني عشر ألف رجل، عشرة آلاف ممن كانوا معه. وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: وكان معه من بني سليم ألف رجل رئيسهم عباس بن مرداس السلمي، ومن مزينة ألف رجل، قال: فمضوا حتى كان من القوم على مسيرة بعض ليلة، قال: وقال مالك بن عوف لقومه: ليصير كل رجل منكم أهله وماله خلف ظهره واكسروا جفون سيوفكم، واكمنوا (6) في شعاب هذا الوادي وفي الشجر، فإذا كان في غبش الصبح (7) فاحملوا حملة رجل واحد، وهدوا القوم، فإن محمدا لم يلق أحدا يحسن الحرب، قال: فلما صلى


(1) في المصدر: وذهب علمك وعقلك. (2) قالوا خ ل. (3) في المصدر: ذانك الجذعان. أقول: الجذعان. يريد انهما ضعيفان بمنزلة الجذع في ضعفه. (4) في المصدر: يا ليتنى. (5) واطفى خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر، وفى السيرة: اقود وطفاء الزمع. والوطفاء: الطويلة الشعر. والزمع: الشعر الذى فوق مربط قيد الدابة: يريد فرسا هذه صفتها. (6) وامكثوا خ. (7) غلس الفجر خ ل أقول: الغلس والغبش: الظلمة. وفى المصدر: غلس الفجر.

[150]

رسول الله صلى الله عليه واله الغداة انحدر في وادي حنين وهو واد له انحدار بعيد، وكانت بنو سليم على مقدمته فخرج عليهم (1) كتائب هوازن من كل ناحية، فانهزمت بنو سليم، وانهزم من وراءهم، ولم يبق أحد إلا انهزم، وبقي أمير المؤمنين عليه السلام يقاتلهم في نفر قليل (2) ومر المنهزمون برسول الله صلى الله عليه واله لا يلوون على شئ، وكان العباس آخذا بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه واله عن يمينه، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب عن يساره، فأقبل رسول الله صلى الله عليه واله ينادي: " يا معشر الانصار أين ؟ إلي (3)، أنا رسول الله " فلم يلو أحد عليه، وكانت نسيبة بنت كعب المازنية تحثو في وجوه المنهزمين التراب، وتقول، أين (4) تفرون ؟ عن الله وعن رسوله ؟ ومر بها عمر فقالت له: ويلك ما هذا الذي صنعت ؟ فقال لها: هذا أمر الله، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه واله الهزيمة ركض نحو علي بغلته فرآه (5) قد شهر سيفه فقال: (6) يا عباس اصعد هذا الظرب، وناد: يا أصحاب البقرة (7) ويا أصحاب الشجرة، إلى أين تفرون ؟ هذا رسول الله، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه واله يده فقال: " اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان " فنزل (8) جبرئيل فقال: يا رسول الله دعوت بما دعا به موسى حيث فلق له البحر، ونجاه من فرعون، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله لابي سفيان بن الحارث: ناولني كفا من حصى، فناوله فرماه في وجوه المشركين ثم قال: " شاهت الوجوه " ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد


(1) فخرجت خ ل. أقول: في المصدر: فخرجت عليها. (2) قال اليعقوبي: وانهزم المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بقى عشرة من بنى هاشم: وقيل: تسعة، وهم على بن ابى طالب والعباس بن عبد المطلب وابو سفيان بن الحارث ونوفل بن الحارث وربيعة بن الحارث وعتبة ومعتب ابنا ابى لهب والفضل بن العباس وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وقيل، ايمن بن ام ايمن أقول: ذكره المفيد ايضا على ما يأتي قريبا. (3) في المصدر: إلى اين ؟ ألا أنا. (4) إلى اين خ. (5) المصدر خال عن قوله: فرآه. (6) يحوم على بغلته وقال خ ل. (7) سورة البقرة خ ل. (8) فنزل عليه خ.

[151]

وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد " فلما سمعت الانصار نداء العباس عطفوا وكسروا جفون سيوفهم وهم يقولون: لبيك، ومروا برسول الله صلى الله عليه واله واستحيوا أن يرجعوا إليه ولحقوا بالراية، فقال رسول الله، للعباس: من هؤلاء يا أبا الفضل ؟ فقال: يا رسول الله هؤلاء الانصار، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " الآن حمي الوطيس (1) " ونزل النصر من السماء، وانهزمت هوازن، وكانوا يسمعون قعقعة السلاح في الجو و انهزموا (2) في كل وجه وغنم الله (3) رسوله أموالهم ونساءهم وذراريهم، وهو قول الله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين (4) ". وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا " وهو القتل " وذلك جزاء الكافرين (5) " قال: وقال رجل من بني نضر بن معاوية يقال له شجرة بن ربيعة، للمؤمنين وهو أسير في أيديهم: أين الخيل البلق، والرجال عليهم الثياب البيض ؟ فإنما كان قتلنا بأيديهم، وما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة (6) قالوا: تلك الملائكة (7). بيان: أوطاس: موضع على ثلاث مراحل من مكة. والحزن: ما غلظ من الارض. والضرس بالكسر: الاكمة الخشنة. والدهس بالفتح: المكان السهل اللين. والرغاء بالضم: صوت البعير. والثغاء بالفتح: صوت الشاة والمعز وما شاكلهما. وبيضة القوم: مجتمعهم وموضع سلطانهم. ويقال: لا يلوي أحد على أحد، أي لا يلتفت ولا يعطف عليه. وقوله: وكبر علمك أي ضعف علمك وأصابه ضعف الكبر، وفي بعض النسخ: وساخ علمك، أي غار، وفي مجمع البيان: و ذهب علمك (8) وقال الجزري: فيه: ليتني فيها جذعا، أي ليتني كنت شابا عند


(1) الوطيس: التنور، واراد ههنا الحرب. أي اشتدت الحرب. (2) وتفرقوا خ. (3) واغنم الله خ. (4 و 5) تقدم ذكر محلهما في اول الباب. (6) الشامة: الخال. اراد بذلك قلتهم وكثرة الملائكة. (7) تفسير القمى: ص 261 - 263. (8) وفى سيرة ابن هشام: كبر عقلك.

[152]

ظهور النبوة حتى ابالغ في نصرتها (1). وقال الجوهري: الخبب: ضرب من العده، تقول: خب الفرس يخب خبا وخبيبا: إذا راوح بين يديه ورجليه، و أخبه صاحبه، وقال: وضع البعير وغيره: أسرع في سيره، وقال دريد: يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع وقال الفيروز آبادي: الزمع محركة: شبه الرعدة تأخذ الانسان، والدهش والخوف، وقال: الصدع محركة من الاوعال والظباء والحمر والابل: المتى الشاب القوي، وتسكن الدال. والغبش محركة: بقية الليل، أو ظلمة آخره. والكتائب جمع كتيبة وهي الجيش. والظرب ككتف: الجبل المنبسط أو الصغير. 2 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن الحسن بن موسى بن خلف، عن جعفر بن محمد بن فضل، عن عبد الله (2) بن موسى العبسي، عن طلحة بن خير (3) المكي، عن المطلب بن عبد الله، عن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: لما افتتح النبي صلى الله عليه واله مكة انصرف إلى الطائف، يعني إلى حنين فحاصرهم ثم إلى عشرة أو سبع عشرة، فلم يفتحها، ثم أوغل روحة أو غدوة (4) ثم نزل ثم هجر، فقال: " أيها الناس إني لكم فرط، وإن موعدكم الحوض، واوصيكم بعترتي خيرا " ثم قال: " والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لابعثن إليكم رجلا مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتليكم وليسبين ذراريكم " فرأى اناس أنه يعني أبا بكر أو عمر، فأخذ بيد علي عليه السلام فقال: هو هذا، قال المطلب بن عبد الله: فقلت لمصعب بن عبد الرحمن: فما حمل أباك على ما صنع ؟ قال: أنا والله أعجب من ذلك (5). وأخبرنا جماعة عن أبي المفضل، عن محمد بن إسحاق بن فروخ، عن محمد بن


(1) هذا معنى كلام ورقة بن نوفل الاسدي. (2) في نسختي: عبيدالله. (3) في نسختي من المصدر: جبر. (4) في المصدر: فحاصرهم ثمانى عشر أو تسع (سبع خ) عشر فلم يفتحها. وفى نسختي: فحاصرهم ثم اتى غرة فلم اوغل غدوة أو روحة. (5) امالي ابن الشيخ: 321.

[153]

عثمان بن كرامة في مسند عبيدالله بن موسى قال: وحدثني محمد بن أحمد بن عبد الله ابن صفوة الضرير، وكتبه من أصل كتابه عن يوسف بن سعيد بن مسلم المصيصي عن عبيدالله بن موسى، عن علي بن خير (1) عن المطلب بن عبد الله، عن مصعب، عن أبيه وذكر نحوه (2). 3 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن إبراهيم بن حفص العسكري، عن عبيد ابن الهيثم عن عباد بن صهيب الكلبي عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: لما أوقع - وربما قال: فزع - رسول الله صلى الله عليه واله من هوازن سار حتى نزل الطائف فحصر أهل وج (3) أياما فسأله القوم أن يبرح (4) عنهم ليقدم عليه وفدهم فيشترط له ويشترطون لانفسهم، فسار صلى الله عليه واله حتى نزل مكة فقدم عليه: نفر منهم بإسلام قومهم، ولم يبخع القوم له بالصلاة ولا الزكاة، فقال صلى الله عليه واله: " إنه لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، أما والذي نفسي بيده ليقيمن الصلاة و ليؤتن الزكاة أو لابعثن إليهم رجلا هو مني كنفسي فليضرب (5) أعناق مقاتليهم وليسبين ذراريهم، هو هذا " وأخذ بيد علي عليه السلام فأشالها (6) فلما صار القوم إلى قومهم بالطائف أخبروهم بما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه واله فأقروا له بالصلاة، وأقروا له بما شرط عليهم، فقال صلى الله عليه واله: " ما استعصى علي أهل مملكة ولا امة إلا رميتهم بسهم الله عزوجل " قالوا: يا رسول الله وما سهم الله ؟ قال: علي بن أبي طالب ما بعثته في سرية إلا رأيت جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وملكا أمامه وسحابة تظله حتى يعطي الله عزوجل حبيبي النصر والظفر (7). بيان: قال الجوهري: بخع بالحق بخوعا: أقر به وخضع له.


(1) في نسختي: على بن جبر. (2) امالي ابن الشيخ: 321. (3) وج: موضع بناحية الطائف، أو اسم جامع حصونها، أو اسم واحد منها. (4) في المصدر: ان ينزاح وفى نسخة: ان ينتزح والمعنى فسأله أن يبعد. (5) فليضربن: خ. (6) أي رفعها وحملها. (7) امالي ابن الشيخ: ص 321 و 322.

[154]

4 - يج: روي أن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قال: ما كان أحد أبغض إلي من محمد، وكيف لا يكون وقد قتل منا ثمانية، كل منهم يحمل اللواء، فلما فتح مكة آيست مما كنت أتمناه من قتله، وقلت في نفسي: قد دخلت العرب في دينه، فمتى أدرك ثأري منه ؟ فلما اجتمعت هوازن بحنين قصدتهم لآخذ (1) منه غرة فأقتله ودبرت في نفسي كيف أصنع، فلما انهزم الناس وبقي محمد وحده، و النفر الذين معه جئت من ورائه ورفعت السيف حتى إذا كدت أحطه غشي فؤادي فلم أطق ذلك، فعلمت أنه ممنوع. وروي أنه قال: رفع إلي شواظ من نار حتى كاد أن يمحيني (2) ثم التفت إلي محمد فقال لي: ادن يا شيبة فقاتل، ووضع يده في صدري، فصار أحب الناس إلي، وتقدمت (3) وقاتلت بين يديه، فلو عرض لي أبي لقتلته في نصرة رسول الله فلما انقضى القتال دخلنا على رسول الله صلى الله عليه واله فقال لي: " الذي أراد الله بك خير مما أردته لنفسك " وحدثني بجميع ما رويته (4) في نفسي، فقلت: ما اطلع على هذا إلا الله وأسلمت (5). بيان: قوله: أن يمحيني، أي يبطلني ويذهب بأثري، يقال: محاه يمحوه محوا، ويمحيه محيا ويمحاه وفي بعض النسخ: يحمسني بالحاء المهملة أي يقليني و يحرقني، وهو أظهر، وفي بعضها يمحشني كما سيأتي. 5 - يج: روي أنه لما حاصر النبي صلى الله عليه واله أهل الطائف قال (6) عتبة بن الحصين: ائذن لي حتى آتي حصن الطائف فاكلمهم، فأذن رسول الله صلى الله عليه واله فجاءهم فقال: أدنو منكم وأنا آمن ؟ قالوا: نعم، وعرفه أبو محجن فقال: ادن (7) فدخل


(1) لاجد خ ل. (2) يحمسنى خ ل. أقول: في المصدر: يمحقنى وفى الامتاع: يمحشنى. (3) وتقدمت إلى محمد. خ ل. (4) زورته خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) الخرائج والجرائح: ص 185 و 186. (6) عيينة بن الحصن خ ل. أقول: هو عيينة بن حصن بن حذيفة الفزارى أبو مالك، كان من المؤلفة قلوبهم ومن الاعراب الجفاة. (7) ادنه خ ل.

[155]

عليهم، فقال: فداكم أبي وامي لقد سرني ما رأيت منكم، وما في العرب أحد غيركم، والله ما في محمد مثلكم، ولقد قل المقام وطعامكم كثير، وماؤكم وافر لا تخافون قطعه، فلما خرج قال ثقيف لابي محجن: فإنا قد كرهنا دخوله، و خشينا أن يخبر محمدا بخلل إن رآه فينا أو في حصننا، فقال أبو محجن: أنا كنت أعرف به، ليس أحد منا أشد على محمد منه وإن كان معه، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه واله قال: قلت لهم: ادخلوا في الاسلام، فوالله لا يبرح محمد من عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لانفسكم أمانا فخذلتهم ما استطعت، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: لقد كذبت، لقد قلت لهم: كذا وكذا، وعاتبه جماعة من الصحابة، وقال: أستغفر الله وأتوب إليه ولا أعود أبدا. بيان: عقر الدار بالضم: وسطها وأصلها قد يفتح. 6 - شا: ثم كانت غزاة (1) حنين حين استظهر رسول الله فيها بكثرة الجمع فخرج صلى الله عليه واله متوجها إلى القوم في عشرة آلاف من المسلمين، فظن أكثرهم أنهم لم يغلبوا (2) لما شاهدوه من جمعهم وكثرة عدتهم (3) وسلاحهم، وأعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال: لن نغلب اليوم من قلة، وكان الامر في ذلك بخلاف ما ظنوا (4) وعانهم أبو بكر بعجبه بهم، فلما التقوا مع المشركين لم يلبثوا حتى انهزموا بأجمعهم، ولم يبق منهم مع النبي صلى الله عليه واله إلا عشرة أنفس: (5) تسعة من بني هاشم خاصة، وعاشرهم أيمن بن ام أيمن، فقتل أيمن رحمة الله عليه، وثبتت التسعة (6) الهاشميون حتى ثاب إلى رسول الله صلى الله عليه واله من كان انهزم، فرجعوا أولا فأولا حتى تلاحقوا، وكانت لهم الكرة على المشركين، وفي ذلك أنزل الله تعالى وفي إعجاب أبي بكر بالكثرة: " ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا " وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على


(1) غزوة خ ل. (2) لن يغلبوا خ ل. (3) عددهم خ ل. (4) ما ظنوه خ ل. (5) نفر خ ل. (6) النفر خ ل.

[156]

رسوله وعلى المؤمنين (1) " يعني أمير المؤمنين عليا عليه السلام ومن ثبت معه من بني هاشم، وهم يومئذ ثمانية، أمير المؤمنين عليه السلام تاسعهم: العباس (2) بن عبد المطلب عن يمين رسول الله صلى الله عليه واله، والفضل بن العباس عن يساره، وأبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند نفر بغلته (3) وأمير المؤمنين عليه السلام بين يديه يضرب بالسيف، و نوفل بن الحارث وربيعة بن الحارث وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وعتبة و معتب ابنا أبي لهب حوله، وقد ولت الكافة مدبرين سوى من ذكرناه، وفي ذلك يقول مالك بن عبادة الغافقي: لم يواس النبي غير بني هاشم * عند السيوف يوم حنين هرب الناس غير تسعة رهط * فهم يهتفون بالناس أين (4) ثم قاموا مع النبي على الموت * فآتوا زينا لنا غير شين وسوى أيمن الامين من القوم * شهيدا فاعتاض قرة عين وقال العباس بن عبد المطلب في هذا المقام: نصرنا رسول الله في الحرب تسعة * وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا وقولي إذا ما الفضل شد بسيفه * على القوم اخرى يا بني ليرجعوا وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه * لما ناله في الله لم يتوجع (5) يعني به أيمن بن ام أيمن رحمه الله، ولما رأى رسول الله صلى الله عليه واله هزيمة القوم عنه قال للعباس وكان رجلا جهوريا صيتا: ناد بالقوم، وذكرهم العهد، فنادى العباس بأعلى صوته: يا أهل بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، إلى أين تفرون ؟ اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول اله صلى الله عليه واله، والقوم على وجوههم قد ولوا مدبرين، وكانت ليلة ظلماء، ورسول الله صلى الله عليه واله في الوادي، والمشركون قد خرجوا عليه من شعاب الوادي، وجنباته ومضايقه مصلتين سيوفهم (6) وعمدهم وقسيهم


(1) اشرنا إلى موضع الاية في صدر الباب. (2) في المصدر: والعباس. (3) في المصدر: عند ثفر بغلته. (4) أين أين خ ل. (5) لا يتوجع خ ل. (6) بسيوفهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[157]

قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه واله إلى الناس ببعض وجهه في الظلماء فأضاء كأنه القمر ليلة البدر (1) ثم نادى المسلمين: " أين ما عاهدتم الله عليه ؟ " فأسمع أولهم وآخرهم فلم يسمعها رجل إلا رمى بنفسه إلى الارض فانحدروا (2) إلى حيث كانوا من الوادي حتى لحقوا بالعدو فقاتلوه. قال: (3) وأقبل رجل من هوازن (4) على جمل (5) أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام القوم، إذا أدرك ظفرا من المسلمين أكب عليهم، وإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه (6) من المشركين فاتبعوه وهو يرتجز ويقول: أنا أبو جرول لا براح * حتى نبيح القوم (7) أو نباح فصمد له أمير المؤمنين عليه السلام فضرب عجز بعيره فصرعه ثم ضربه فقطره ثم قال: قد علم القوم لدى الصباح * إني في الهيجاء (8) ذو نصاح فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول لعنه الله، ثم التأم الناس (9) وصفوا للعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " اللهم إنك أذقت أول قريش نكالا، فأذق آخرها نوالا " وتجالد المسلمون والمشركون، فلما رآهم النبي صلى الله عليه واله قام في ركابي سرجه حتى أشرف على جماعتهم، ثم قال: الآن حمي الوطيس. أنا النبي لاكذب * أنا ابن عبد المطلب فما كان بأسرع من أن ولى القوم أدبارهم (10) وجئ بالاسرى (11) إلى رسول الله صلى الله عليه واله مكتفين (12) ولما قتل أمير المؤمنين عليه السلام أبا جرول وخذل القوم بقتله (13)


(1) في ليلة البدر خ ل (2) وانحدروا خ ل. (3) في المصدر: قالوا. (4) من بنى هوازن خ ل. (5) في المصدر: على جمل له. (6) لمن رآه خ ل. (7) اليوم خ ل. (8) لدى الهيجاء خ ل. (9) المسلمون خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (10) على ادبارهم خ ل. (11) بالاسارى خ ل. (12) مكتوفين خ ل. (13) لقتله خ ل.

[158]

وضع القوم (1) سيوفهم فيهم، وأمير المؤمنين عليه السلام يقدمهم حتى قتل بنفسه أربعين رجلا من القوم، ثم كانت الهزيمة والاسر حينئذ، وكان أبو سفيان صخر بن حرب ابن امية في هذه الغزاة فانهزم في جملة من انهزم من المسلمين. وروي (2) عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: لقيت أبي منهزما مع بني امية من أهل مكة، فصحت به يا ابن حرب والله ما صبرت (3) من ابن عمك، ولا قاتلت عن دينك، ولا كففت هؤلاء الاعراب عن حريمك، فقال: من أنت ؟ قلت: معاوية، قال: ابن هند ؟ قلت: نعم، قال: بأبي وامي ثم وقف، واجتمع (4) معه الناس من أهل مكة وانضمت إليهم، ثم حملنا على القوم فضعضعناهم وما زال المسلمون يقتلون المشركين ويأسرون منهم حتى ارتفع النهار، فأمر رسول الله صلى الله عليه واله بالكف (5) ونادى أن لا يقتل أسير من القوم، وكانت هذيل بعث رسولا (6) يقال له: ابن الاكوع (7) أيام الفتح عينا على النبي صلى الله عليه واله حتى علم علمه فجاء إلى هذيل بخبره، واسر يوم حنين فمر به عمر بن الخطاب، فلما رآه أقبل على رجل من الانصار وقال: هذا عدو الله الذي كان علينا عينا، هاهو أسير، فاقتله فضرب الانصاري عنقه، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه واله فكره ذلك، وقال: " ألم آمركم أن لا تقتلوا أسيرا ؟ " وقتل بعده جميل بن معمر بن زهير وهو أسير، فبعث رسول الله صلى الله عليه واله إلى الانصار وهو مغضب فقال: " ما حملكم على قتله وقد جاءكم الرسول أن لا تقتلوا أسيرا ؟ " فقالوا: إنما قتلناه بقول عمر، فأعرض رسول الله صلى الله عليه واله حتى كلمه عمير بن وهب في الصفح عن ذلك، وقسم رسول الله صلى الله عليه واله غنائم حنين في قريش خاصة، وأجزل القسم (8) للمؤلفة قلوبهم كأبي سفيان صخر بن حرب، وعكرمة


(1) المسلمون خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) فروى خ ل. (3) ضربت خ ل. (4) فاجتمع خ ل. (5) ونادى بالكف خ ل. (6) بعثت رجلا خ ل. أقول: في المصدر: بعثت رسولا. (7) الانوع خ ل. وفى المصدر: الاكوع وفى نسخة منه: الانزع. (8) القسمة خ ل.

[159]

ابن أبي جهل، وصفوان بن امية، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وزهير ابن أبي امية، وعبد الله بن أبي امية، ومعاوية بن أبي سفيان، وهشام بن المغيرة والاقرع بن حابس، وعيينة بن حصن في أمثالهم، وقيل: إنه جعل للانصار شيئا يسيرا، وأعطى الجمهور لمن سميناه، فغضب قوم من الانصار لذلك، وبلغ رسول الله صلى الله عليه واله عنهم مقال أسخطه، فنادى فيهم فاجتمعوا وقال (1) لهم: اجلسوا ولا يقعد معكم أحد من غيركم، فلما قعدوا جاء النبي صلى الله عليه واله يتبعه أمير المؤمنين صلوات الله عليهما حتى جلس (2) وسطهم وقال لهم: إني سائلكم عن أمر فأجيبوني عنه فقالوا: قل: يا رسول الله، قال: " ألستم كنتم ضالين فهداكم الله بي ؟ " فقالوا: بلى (3) فلله المنة ولرسوله، قال: " ألم تكونوا على شفا حفرة من النار فأنقذكم الله بي ؟ " قالوا: بلى فلله المنة ولرسوله، قال: " ألم تكونوا قليلا فكثركم الله بي ؟ " قالوا: بلى فلله المنة ولرسوله، قال: " ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم بي ؟ " قالوا: بلى فلله المنة ولرسوله، ثم سكت النبي صلى الله عليه واله هنيئة (4) ثم قال: " ألا تجيبوني بما عندكم ؟ " قالوا: بم نجيبك فداؤك آباؤنا وامهاتنا قد أجبناك بأن لك الفضل والمن والطول علينا، قال: " أما لو شئتم لقلتم: وأنت قد كنت جئتنا طريدا فآويناك، وجئتنا خائفا فآمناك، وجئتنا مكذبا فصدقناك " فارتفعت (5) أصواتهم بالبكاء، وقام شيوخهم وساداتهم إليه فقبلوا (6) يديه ورجليه ثم قالوا: رضينا بالله وعنه، وبرسوله وعنه، وهذه أموالنا بين يديك، فإن شئت فاقسمها على قومك، وإنما قال من قال منا على غير وغر (7) صدر وغل في قلب ولكنهم ظنوا سخطا عليهم وتقصيرا (8) لهم، وقد استغفروا الله من ذنوبهم فاستغفر لهم يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه واله: " اللهم اغفر للانصار ولابناء الانصار، و


(1) فقال خ ل. (2) جلسا في وسطهم خ ل. (3) والله خ. (4) رسول الله هنيهة خ ل. (5) قال: فارتفعت خ ل. (6) وقبلوا خ ل. (7) الوغر: الحقد والضغن والعداوة. (8) بهم خ ل.

[160]

لابناء أبناء الانصار، يا معشر الانصار أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم وترجعون (1) أنتم وفي سهمكم رسول الله ؟ " قالوا: بلى رضينا، قال النبي صلى الله عليه واله حنيئذ: " الانصار كرشي وعيبتي، لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار، اللهم اغفر للانصار " وقد كان رسول الله صلى الله عليه واله أعطى العباس بن مرداس أربعا (2) من الابل فسخطها وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد * بين عيينة والاقرع فما كان حصن ولا حابس * يفوقان شيخي في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لم يرفع (3) فبلغ النبي صلى الله عليه واله قوله فاستحضره وقال له: أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الاقرع وعيينة ؟ فقال له أبو بكر: بأبي أنت وامي لست بشاعر، فقال: وكيف ؟ قال: قال: بين عيينة والاقرع، فقال رسول الله صلى الله عليه واله لامير المؤمنين عليه السلام: قم يا علي واقطع لسانه، قال: فقال العباس بن مرداس: والله (4) لهذه الكلمة كانت أشد علي من يوم خثعم حين أتونا في ديارنا، فأخذ بيدي علي بن أبي طالب عليه السلام فانطلق بي ولو أدري (5) أن أحدا يخلصني منه لدعوته، فقلت: يا علي إنك لقاطع لساني ؟ قال: إني لممض فيك ما امرت، قال: ثم مضى بي فقلت: يا علي إنك لقاطع لساني ؟ قال إني لممض فيك ما امرت قال: فما زال بي حتي أدخلني الحظاير فقال لي اعقل (6) ما بين أربع إلى مائة، قال: فقلت: بأبي أنت وامي ما أكرمكم وأحلمكم وأعلمكم ؟ قال: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله أعطاك أربعا وجعلك مع المهاجرين، فإن شئت فخذها، وإن شئت فخذ المائة و


(1) ورجعتم خ ل. اقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) اربعة خ ل. (3) لا يرفع خ ل. أقول: يوجد ذلك في سيرة ابن هشام. (4) في المصدر: فوالله. (5) ارى خ ل. (6) اعتد خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[161]

كن مع أهل (1) المائة، قال: قلت: أشر علي، قال: فإني آمرك أن تأخذ ما أعطاك رسول الله صلى الله عليه واله وترضى، قلت: فإني أفعل، ولما قسم رسول الله صلى الله عليه واله غنائم حنين أقبل رجل طويل (2) آدم أحنى بين عينيه أثر السجود، فسلم ولم يخص النبي صلى الله عليه واله، ثم قال: قد رأينك وما صنعت في هذه الغنائم، قال: (3) وكيف رأيت ؟ قال: لم أرك عدلت، فغضب رسول الله صلى الله عليه واله وقال: ويلك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟ فقال المسلمون: ألا نقتله ؟ قال: (4) " دعوه فإنه سيكون له أتباع يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلهم الله على يد أحب الخلق إليه من بعدي " فقتله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فيمن قتل يوم النهروان من الخوارج (5). بيان: عانه يعينه عينا: أصابه بالعين. وأقشع الريح السحاب: كشفته فأقشع وانقشع. وقولي مبتداء واخرى خبره، أي أحمل حملة اخرى، والجملة حالية، أو التقدير كأن قولي، والحمام ككتاب: الموت أو قدره، وفي النهاية: جهوري أي شديد عال، والواو زائدة. قوله: " يا أصحاب سورة البقرة " كأنه وبخهم بذلك لقوله تعالى فيها: " فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم (6) " أو لاختتامها بقوله: " فانصرنا على القوم الكافرين (7) " أو لاشتمالها على آيات الجهاد كقوله تعالى: " واقتلوهم حيث ثقفتموهم (8) " وقوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة (9) " كما ورد في أخبار العامة هذا مقام الذي انزل عليه سورة البقرة وقالوا: حضها (10) لان معظم أحكام المناسك فيها سيما ما يتعلق بوقت الرمي انتهى أو لان أكثر آيات النفاق وذم المنافقين فيها، أو لانها أول سورة ذكر فيها قصة مخالفة بني إسرائيل موسى بعبادة العجل، وترك دخول باب حطة، والجهاد مع


(1) من أهل خ ل. (2) طوال خ ل. (3 و 4) فقال خ ل. (5) الارشاد: ص 71 - 76. (6) البقرة: 246. (7) البقرة: 286. (8 و 9) البقرة: 191 و 193. (10) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصحيح: خصها.

[162]

العمالقة، أو أراد جماعة حفظوا سورة البقرة تعريضا بأنه لا يناسب حالهم تلك فعلهم ذلك، هذه الوجوه خطر بالبال في ذلك، وفي أكثر روايات المخالفين " يا أصحاب السمرة " فقط، وهي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان ويقال: طعنه فقطره تقطيرا، أي ألقاه على أحد قطريه، وهما جانباه، فتقطر، أي سقط. وقال الجزري: في حديث حنين الآن حمي الوطيس، الوطيس: التنور، و هو كناية عن شدة الامر واضطرام الحرب، ويقال: إن هذه الكلمة أول من قالها النبي صلى الله عليه واله لما اشتد البأس يومئذ، ولم تسمع قبله، وهي من أحسن الاستعارات وقال في موضع آخر: الوطيس شبه التنور، وقيل: هو الضراب في الحرب، و قيل: هو الوطئ الذي يطس الناس، أي يدقهم، وقال الاصمعي: هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد أن يطأها، عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق. وقال: فيه الانصار كرشي وعيبتي، أراد أنهم بطانته وموضع سره و أمانته، والذين يعتمد عليهم في اموره، واستعار الكرش والعيبة لذلك لان المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته، وقيل: أراد بالكرش الجماعة أي جماعتي وصحابتي، يقال: عليه كرش من الناس، أي جماعة. وقال الفيروز آبادي: الكرش بالكسر وككتف لكل مجتر بمنزلة المعدة للانسان. قوله صلى الله عليه واله: بين الاقرع وعيينة، لعله صلى الله عليه واله إنما تعمد ذلك لئلا يجري على لسانه الشعر فلم يفهم أبو بكر، والآدم من الناس: الاسمر. أقول: زاد الطبرسي رحمه الله بعد قوله صلى الله عليه واله: لسلكت شعب الانصار: ولولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار، وساق القصة نحوه في التفسير (1). 7 - شا: لما فض الله تعالى جمع المشركين بحنين تفرقوا فرقتين، فأخذت الاعراب ومن تبعهم إلى أوطاس، وأخذت ثقيف ومن تبعها إلى الطائف، فبعث


(1) مجمع البيان 5: 18 - 20.

[163]

النبي صلى الله عليه واله أبا عامر الاشعري إلى أوطاس في جماعة، منهم أبو موسى الاشعري وبعث أبا سفيان صخرا (1) إلى الطائف، فأما أبو عامر فإنه تقدم بالراية وقاتل حتى قتل دونها، فقال المسلمون لابي موسى: أنت ابن عم الامير وقد قتل، فخذ الراية حتى نقاتل دونها، فأخذها أبو موسى فقاتل المسلمون (2) حتى فتح الله عليهم وأما أبو سفيان فإنه لقيته ثقيف فضربوه على وجهه فانهزم ورجع إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: بعثتني مع قوم لا يرفع بهم الدلاء من هذيل والاعراب، فما أغنوا عني شيئا، فسكت النبي صلى الله عليه واله عنه، ثم سار بنفسه إلى الطائف فحاصرهم أياما، وأنفذ أمير المؤمنين عليه السلام في خيل، وأمره أن يطأ ما وجده (3) ويكسر كل صنم وجده فخرج حتى لقيته خيل خثعم في جمع كثير فبرز لهم رجل من القوم يقال له: شهاب في غبش الصبح (4) فقال: هل من مبارز ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: من له ؟ فلم يقم إليه أحد، فقام إليه أمير المؤمنين عليه السلام فوثب أبو العاص بن الربيع زوج بنت النبي (5) صلى الله عليه واله فقال: تكفاه أيها الامير، فقال: لا، ولكن إن قتلت فأنت على الناس، فبرز إليه أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وهو يقول: إن على كل رئيس حقا * أن يروي الصعدة أو يدقا (6) ثم ضربه وقتله (7) ومضى في تلك الخيل حتى كسر الاصنام، وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه واله وهو محاصر أهل الطائف (8) فلما رآه النبي صلى الله عليه واله كبر للفتح، و أخذ بيده فخلا به وناجاه طويلا، فروى عبد الرحمن بن سيابة والاجلح جميعا عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه واله لما خلى بعلي


(1) صخر بن حرب، خ. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) هو والمسلمون خ. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) في المصدر: أن يطأ ما وجد. (4) من الصبح خ. أقول: الغبش بقية الليل أو ظلمة آخرة. (5) رسول الله خ ل. (6) في المصدر: أو تدقا. (7) في المصدر: فقتله. (8) فإذا به محاصر لاهل الطائف خ ل.

[164]

عليه السلام يوم الطائف أتاه عمر بن الخطاب فقال: أتناجيه دوننا ؟ وتخلو به دوننا ؟ فقال: يا عمر ما أنا انتجيته، بل الله انتجاه، قال: فأعرض عمر وهو يقول: هذا كما قلت لنا قبل (1) الحديبية لتدخلن المسجد الحرام إنشاء الله آمنين فلم ندخله. وصددنا عنه، فناداه النبي صلى الله عليه واله: لم أقل لكم: إنكم تدخلونه في ذلك العام، ثم خرج من حصن الطائف نافع بن غيلان بن معتب في خيل من ثقيف، فلقيه أمير المؤمنين عليه السلام ببطن وج فقتله، وانهزم المشركون ولحق القوم الرعب، فنزل منهم جماعة إلى النبي صلى الله عليه واله فأسلموا، وكان حصار النبي صلى الله عليه واله للطائف بضعة (2) عشر يوما (3) توضيح: قال الجزري: في حديث الاحنف: إن على كل رئيس حقا * أن يخضب الصعدة أو تندقا الصعدة: القناة التي تنبت مستقيمة. ووج بالتشديد: اسم بلد بالطائف. 8 - شى: عن سماعة، عن أبي عبد الله أو أبي الحسن عليهما السلام قال: ذكر أحدهما أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه واله يوم غنيمة حنين وكان يعطي المؤلفة قلوبهم يعطي الرجل منهم مائة راحلة ونحو ذلك، وقسم رسول الله صلى الله عليه واله حيث امر، فأتاه ذلك الرجل قد أزاغ الله قلبه وران عليه، فقال له: ما عدلت حين قسمت، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: ويلك ما تقول ؟ ألا ترى قسمت الشاة حتى لم يبق معي شاة ؟ أولم اقسم البقر حتى لم يبق معي بقرة واحدة ؟ أو لم اقسم الابل حتى لم يبق معي بعير واحد ؟ فقال بعض أصحابه له: اتركنا يا رسول الله حتى نضرب عنق هذا الخبيث، فقال: لا هذا يخرج في قوم يقرؤن القرآن لا يجوز تراقيهم، بلى قاتلهم غيري (4). 9 - عم: كان سبب غزوة حنين أن هوازن جمعت له جمعا كثيرا فذكر لرسول الله صلى الله عليه واله أن صفوان بن امية عنده مائة درع، فسأله ذلك، فقال: أغصبا يا محمد ؟


(1) يوم خ ل. (2) تسعة خ ل. (3) ارشاد المفيد: 77 و 78. (4) تفسير العياشي 2: 92 و 93 فيه: بلى قاتلهم الله.

[165]

قال: لا، ولكن عارية مضمونة (1) قال: لا بأس بهذا، فأعطاه، فخرج رسول الله صلى الله عليه واله في ألفين من مكة وعشرة آلاف كانوا معه، فقال أحد أصحابه: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه واله، فأنزل الله سبحانه: " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم " الآية. وأقبل مالك بن عوف النصري فيمن معه من قبائل قيس وثقيف، فبعث رسول الله عبد الله بن أبي حدرد عينا فسمع ابن عوف يقول: يا معشر هوازن إنكم أحد العرب وأعده، وإن هذا الرجل (2) لم يلق قوما يصدقونه القتال، فإذا لقيتموه فاكسروا جفون سيوفكم، واحملوا عليه حملة رجل واحد، فأتى ابن أبي حدرد رسول الله صلى الله عليه واله فأخبره، فقال (3) عمر: ألا تسمع (4) يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد ؟ فقال: " قد كنت ضالا فهداك الله يا عمر، وابن أبي حدرد صادق ". قال الصادق عليه السلام: وكان مع هوازن دريد بن صحه (5) خرجوا به شيخا كبيرا يتيمنون برأيه فلما نزلوا بأوطاس قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ؟ قالوا ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم، قال: فأين مالك ؟ فدعي مالك له فأتاه فقال: يا مالك أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الايام، مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير وثغاء الشاء (6) ؟ قال: أردت أن أجعل خلف


(1) في سيرة ابن هشام: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك. (2) في المصدر: وان هذا رجل. (3) في السيرة: فقال عمر: كذب ابن أبى حدرد، فقال أبى حدرد: ان كذبتني فربما كذبت بالحق يا عمر، فقد كذبت من هو خير منى فقال عمر: يا رسول الله ألا تسمع ما يقول ابن ابى حدرد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اه‍. أقول: قوله كذبت من هو خير منى أي رسول الله صلى الله عليه وآله: وهو تكذيبه في عام الحديبية وفيما تقدم في الخبر المتقدم. (4) في المصدر: لا تسمع. (5) صمة خ ل. أقول: في المصدر: الصمة وهو الصحيح، والرجل هو دريد بن الصمة بن الحارث بن بكر بن علقمة الجشمى. وكان ابن ستين ومائة على ما قيل. (6) في السيرة والامتاع: ويعار الشاء. والثغاء واليعار بمعنى واحد وهو صوت الشاء.

[166]

كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، قال: ويحك لم تصنع شيئا، قدمت بيضة هوازن في نحور الخيل، وهل يرد وجه المنهزم شئ، إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، قال: إنك قد كبرت و كبر عقلك، فقال دريد: إن كنت قد كبرت فتورث غدا قومك ذلا بتقصير رأيك وعقلك، هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه، ثم قال: حرب عوان. يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع (1) قال جابر: فسرنا حتى إذا استقبلنا وادي حنين، كان القوم قد كمنوا في شعاب الوادي ومضايقه، فما راعنا إلا كتائب الرجل بأيديها السيوف والعمد والقنى فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وأخذ رسول الله صلى الله عليه واله ذات اليمين، وأحدق ببغلته تسعة من بني عبد المطلب، وأقبل مالك ابن عوف يقول: أروني محمدا، فأروه فحمل على رسول الله صلى الله عليه واله، وكان رجلا أهوج فلقيه رجل من المسلمين فالتقيا فقتله مالك، وقيل: إنه أيمن بن ام أيمن، ثم أقدم فرسه فأبى أن يقدم نحو رسول الله صلى الله عليه واله، وصاح كلدة بن الحنبل (2) وهو أخو صفوان بن امية لامه وصفوان يومئذ مشرك: ألا بطل السحر اليوم، فقال صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لان يربني (3) رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. قال محمد بن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبدالدار: اليوم أدرك ثأري - وكان أبوه قتل يوم احد - اليوم أقتل محمدا، قال: فأدرت برسول الله لاقتله، فأقبل شئ حتى تغشى فؤادي، فلم اطق ذلك فعرفت أنه ممنوع. وروى عكرمة عن شيبة قال: لما رأيت رسول الله صلى الله عليه واله يوم حنين قد عري ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: أدرك ثأري اليوم من محمد فذهبت لاجيئه عن يمينه فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائما عليه درع بيضاء


(1) تقدمت قصته مفصلا. (2) ويقال: جبلة بن الحنبل أيضا. (3) أي يكون لى ربا وملكا.

[167]

كأنها فضة يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله، ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع لي شواظ من نار بيني و بينه كأنه برق، فخفت أن يمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى والتفت رسول (1) الله صلى الله عليه واله وقال: " يا شيب يا شيب ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان " قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، وقال: يا شيب قاتل الكفار. وعن موسى بن عقبة قال: قام رسول الله صلى الله عليه واله في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه إلى الله يدعو ويقول: " اللهم إني انشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا " ونادى أصحابه وذمرهم: " يا أصحاب البيعة يوم الحديبية الله الله الكرة على نبيكم " وقيل: إنه قال: " يا أنصار الله وأنصار رسوله (2) يا بني الخزرج " وأمر العباس بن عبد المطلب فنادى في القوم بذلك (3) فأقبل إليه أصحابه سراعا يبتدرون. وروي أنه صلى الله عليه واله قال: " الآن حمي الوطيس، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " قال سلمة بن الاكوع: ونزل رسول الله صلى الله عليه واله عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب، ثم استقبل به وجوههم وقال: " شاهت الوجوه " فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملا عينه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، وأتبعهم (4) المسلمون فقتلوهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاءهم وأموالهم، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف في ناس من أشراف قومه (5) وأسلم عند ذلك كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله وإعزاز دينه.


(1) في المصدر: والتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: قال: يا أنصار رسول الله. (3) خلى المصدر عن كلمة: بذلك. (4) في المصدر: فأتبعهم. (5) في المصدر: من اشراف قومهم.

[168]

قال أبان: وحدثني محمد بن الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سبى رسول الله صلى الله عليه واله يوم حنين أربعة آلاف رأس، واثنى عشر ألف ناقة، سوى مالا يعلم من الغنائم، وخلف رسول الله صلى الله عليه واله الانفال والاموال والسبايا بالجعرانة، وافترق المشركون فرقتين: فأخذت الاعراب ومن تبعهم أوطاس، وأخذت ثقيف ومن تبعهم الطائف، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا عامر الاشعري إلى أوطاس فقاتل حتى قتل، فأخذ (1) الراية أبو موسى الاشعري وهو ابن عمه فقاتل بها حتى فتح عليه. ثم كانت غزوة الطائف، سار رسول الله صلى الله عليه واله إلى الطائف في شوال سنة ثمان فحاصرهم بضعة عشر يوما، وخرج نافع بن غيلان بن معتب في خيل من ثقيف فلقيه علي عليه السلام في خيله فالتقوا ببطن وج فقتله علي عليه السلام، وانهزم المشركون ونزل من حصن الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه واله جماعة من أرقائهم منهم أبو بكرة، و كان عبدا للحارث بن كلدة، والمنبعث وكان اسمه المضطجع، فسماه رسول الله صلى الله عليه واله المنبعث، ووردان وكان عبدا لعبد الله بن ربيعة (2) فأسلموا، فلما قدم وفد الطائف على رسول الله فأسلموا قالوا: (3) يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك، فقال: لا، اولئك عتقاء الله. وذكر الواقدي عن شيوخه قال: شاور رسول الله صلى الله عليه واله أصحابه في حصن الطائف، فقال له سلمان الفارسي: يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم فأمر رسول الله صلى الله عليه واله فعمل منجنيق، ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد بن زمعة ودبابتين (4)


(1) في المصدر: ثم أخذ. (2) ومنهم يحنس النبال، وابراهيم بن جابر، ويسار، ونافع، وابو السائب، ومرزوق دفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ويحمله، وامرهم ان يقرؤوهم القرآن ويعلموهم السنن. (3) قال خ ل. (4) الدبابة: آلة تتخذ من جلود وخشب يدخل فيها الرجال ويقربونها من الحصن المحاصر لينقبوه وتقيهم ما يرمون به من فوقهم.

[169]

ويقال: خالد بن سعيد، فأرسل عليهم ثقيف سكك (1) الحديد محماة بالنار، فأحرقت الدبابة، فأمر رسول الله بقطع أعنابهم وتحريقها، فنادى سفيان بن عبد الله الثقفي: لم تقطع أموالنا ؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله والرحم، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: فإني أدعها لله والرحم، فتركها. وأنفذ رسول الله صلى الله عليه واله عليا في خيل عند محاصرته أهل الطائف، وأمر (2) أن يكسر كل صنم وجده، فخرج فلقيته (3) جمع كثير من خثعم فبرز له رجل من القوم وقال: هل من مبارز ؟ فلم يقم أحد (4) فقام إليه علي عليه السلام فوثب أبو العاص ابن الربيع زوج بنت النبي صلى الله عليه واله فقال: تكفاه أيها الامير فقال: لا، ولكن إن قتلت فأنت على الناس، فبرز إليه علي عليه السلام وهو يقول: إن على كل رئيس حقا * أن تروي الصعدة أوتندقا ثم ضربه فقتله ومضى حتى كسر الاصنام، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه واله وهو بعد محاصر لاهل الطائف ينتظره، فلما رآه كبر وأخذ بيده وخلابه. فروى جابر بن عبد الله قال: لما خلا رسول الله صلى الله عليه واله بعلي بن أبي طالب عليه السلام يوم الطائف أتاه عمر بن الخطاب فقال: أتناجيه دوننا ؟ وتخلو به دوننا ؟ فقال: يا عمر ما أنا انتجيته، بل الله انتجاه، قال: فأعرض وهو يقول: هذا كما قلت لنا يوم الحديبية: " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين " فلم ندخله، و صددنا عنه، فناداه صلى الله عليه واله: " لم أفل لكم إنكم تدخلونه ذلك العام ". قال: فلما قدم علي فكأنما كان رسول الله صلى الله عليه واله على وجل فارتحل، فنادى سعيد بن عبيد: ألا إن الحي مقيم، فقال: لا أقمت ولاظعنت، فسقط فانكسر فخذه وعن محمد بن إسحاق: قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه واله أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرف عنهم ولم يؤذن فيهم فجاءه وفده في شهر رمضان فأسلموا. ثم رجع رسول الله إلى الجعرانة بمن معه من الناس وقسم بها ما أصاب من


(1) السكك: الالة التى تحرث بها الارض. (2) في المصدر: وأمره. (3) في المصدر: فلقيه (4) في المصدر: فلم يقم إليه احد.

[170]

الغنائم (1) يوم حنين في المؤلفة قلوبهم من قريش ومن سائر العرب، ولم يكن في الانصار منها شئ قليل ولا كثير، قيل: إنه جعل للانصار شيئا يسيرا، وأعطى الجمهور للمتألفين (2) قال محمد بن إسحاق: وأعطى (3) أبا سفيان بن حرب مائة بعير ومعاوية ابنه مائة بعير، وحكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزى (4) مائة بعير وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة (5) مائة بعير، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بني وهدة مائة بعير (6) وأعطى الحارث بن هشام من بني مخزوم مائة، و جبير بن مطعم من بني نوفل بن عبد مناف مائة، ومالك بن عوف النصري (7) مائة فهؤلاء أصحاب المائة، وقيل: إنه أعطى علقمة بن علاثة مائة، والاقرع بن حابس مائة، وعيينة بن حصن مائة، وأعطى العباس بن مرداس (8) أربعا فتسخطها، أنشأ يقول: أتجعل نهبي (9) ونهب العبيد بين عيينة والاقرع


(1) قال المقريزى في الامتاع: وكان السبى ستة آلاف، والابل اربعة وعشرين الف بعير، فيها اثنى عشر الف ناقة، والغنم أربعين الفا وقيل: أكثر، وأربعة آلاف اوقية فضة وقسم ما زاد عن المؤلفة قلوبهم في الناس وكانت سهمانهم لكل رجل أربع من الابل وأربعون شاة، وإن كان فارسا اخذ ثنتى عشرة من الابل، أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له. (2) في المصدر: للمنافقين. (3) في المصدر: فأعطى. (4) في المصدر: عبد العزى بن القصى. (5) في المصدر والامتاع: النضير. وفى السيرة: الحارث بن الجارث بن كلدة. ونقل أيضا انه نصير، ثم قال: ويجوز أن يكون اسمه الحارث أيضا. (6) خلى المصدر عن قوله: واعطى العلاء. إلى هنا. وفى السيرة والامتاع: العلاء بن جارية الثقفى. (7) النضرى خ ل. أقول: الصحيح: النصرى بالصاد كما في المصدر والسيرة والامتاع. وهو من بنى نصر. (8) ذكر ابن هشام والمقريزي عدة اخرى من المؤلفة قلوبهم اعطاهم صلى الله عليه وآله مائة أو اقل. راجع السيرة 4: 140 و 142 و 143. والامتاع: 423 و 424 و 425. (9) في السيرة: فاصبح نهبى.

[171]

فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في مجمع (1) وما كنت امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع وقد كنت في الحرب ذا تدرأ * فلم اعط شيئا ولم امنع فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الاقرع وعيينة ؟ فقال أبو بكر: بأ بي أنت وامي لست بشاعر، قال: كيف ؟ قال: فأنشده أبو بكر (2)، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يا علي قم إليه فاقطع لسانه، قال عباس: فوالله لهذه الكلمة كانت أشد علي من يوم خثعم، فأخذ علي بيدي فانطلق بي، وقلت: يا علي إنك لقاطع لساني ؟ قال: إني ممض فيك ما امرت، حتى أدخلني الحظائر، فقال: اعقل ما بين أربعة إلى مائة، قال: قلت: بأبي أنتم وامي ما أكرمكم وأحلمكم وأجملكم وأعلمكم ؟ فقال لي: إن رسول الله صلى الله عليه واله أعطاك أربعا، وجعلك مع المهاجرين فإن شئت فخذها، وإن شئت فخذ المائة وكن مع أهل المائة، فقال: فقلت لعلي عليه السلام: أشر أنت علي، قال: فإني آمرك أن تأخذ ما أعطاك وترضى، قال: فإني أفعل. قال: وغضب قوم من الانصار لذلك وظهر منهم كلام (3) قبيح حتى قال قائلهم: لقي الرجل أهله وبني عمه، ونحن أصحاب كل كريهة. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما دخل على الانصار من ذلك، أمرهم أن يقعدوا ولا يقعد معهم غيرهم، ثم أتاهم شبه المغضب يتبعه علي عليهما السلام حتى جلس وسطهم، فقال: " ألم آتكم وأنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم الله منها بي ؟ "


(1) في السيرة: يفوقان شيخي في المجمع ويروى شيخي أيضا بتشديد الياء على انه مثنى شيخ، أراد بهما اباه وجده. وفى المصدر: في المجمع. (2) لم يفهم أبو بكر أنه صلى الله عليه وآله أراد أن لا يجرى على لسانه شعر، فاعترض عليه بذلك. (3) وانشد حسان بن ثابت قصيدة يعاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، راجع السيرة 4: 145.

[172]

قالوا: بلى، ولله ولرسوله المن والطول والفضل علينا، قال: " ألم آتكم و أنتم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي ؟ " قالوا: أجل، ثم قال: " ألم آتكم وأنتم قليل فكثركم الله بي ؟ " وقال ما شاء الله أن يقول، ثم سكت، ثم قال: " ألا تجيبوني ؟ " قالوا: بم نجيبك يا رسول الله فداك أبونا وامنا ؟ لك المن والفضل والطول، قال: " بل لو شئتم قلتم: جئتنا طريدا مكذبا فآويناك وصدقناك، وجئتنا خائفا فآمناك " فارتفعت أصواتهم (1) وقام إليه شيوخهم، فقبلوا يديه ورجليه وركبتيه، ثم قالوا: رضينا عن الله وعن رسوله، وهذه أموالنا أيضا بين يديك فاقسمها بين قومك إن شئت فقال: " يا معشر الانصار أوجدتم في أنفسكم إذا قسمت مالا أتألف به قوما، ووكلتم إلى إيمانكم ؟ أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم، ورجعتم أنتم ورسول الله في سهمكم ؟ " ثم قال صلى الله عليه واله: " الانصار كرشي وعيبتي، لو سلك الناس واديا وسلك الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار، اللهم اغفر للانصار، ولابناء الانصار، ولابناء أبناء الانصار ". قال: وقد كان فيما سبي اخته بنت حليمة، فلما قامت على رأسه قالت: يا محمد اختك سبي بنت حليمة، قال: فنزع رسول الله صلى الله عليه واله برده فبسطه لها فأجلسها عليه، ثم أكب عليها (2) يسائلها، وهي التي كانت تحضنه إذا كانت (3) امها ترضعه. وأدرك وفد هوازن رسول الله صلى الله عليه واله بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله لنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إنا لو ملحنا الحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم ولى منا مثل الذي وليت لعاد علينا بفضله وعطفه وأنت خير المكفولين، وإنما في الحظائر (4) خالاتك وبنات خالاتك، وحواضنك وبنات حواضنك اللاتي أرضعنك، ولسنا نسألك مالا إنما نسألكهن، وقد كان


(1) في المصدر: فارتفعت إليه أصواتهم. (2) أي أقبل عليها ولزمها. (3) في المصدر: إذ كانت. (4) الحظائر جمع حظيرة، وأصلها ما يصنع للابل والغنم ليكفها ويمنعها الانفلات.

[173]

رسول الله قسم منهن ما شاء الله، فلما كلمته اخته قال: أما نصيبي ونصيب بني عبد المطلب فهو لك، وأما ما كان للمسلمين فاستشفعي بي عليهم، فلما صلوا الظهر قامت فتكلمت وتكلموا فوهب لها الناس أجمعون (1) إلا الاقرع بن حابس وعيينة ابن حصن، فإنهما أبيا أن يهبا، وقالوا: يا رسول الله إن هؤلاء قوم قد أصابوا من نسائنا، فنحن نصيب من نسائهم مثل ما أصابوا، فأقرع رسول الله صلى الله عليه واله بينهم ثم قال: " اللهم توه سهميهما " فأصاب أحدهما خادما لبني عقيل، وأصاب الآخر خادما لبني نمير، فلما رأيا ذلك وهباما منعا قال: ولولا أن النساء وقعن في القسمة لوهبهن لها كما وهب ما لم يقع في القسمة، ولكنهن وقعن في أنصباء (2) الناس فلم يأخذ منهم إلا بطيبة النفس. وروي أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: " من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرايض من أول فيئ يصيبه " فردوا إلى الناس نساءهم وابناءهم. قال: وكلمته اخته في مالك بن عوف فقال: إن جاءني فهو آمن، فأتاه فرد عليه ماله، وأعطاه مائة من الابل. وروى الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن عند رسول الله وهو يقسم إذا أتاه ذو الخويصرة (3) رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " ويلك من يعدل إن أنا لم أعدل ؟ وقد خبت أو خسرت إن أنا لم أعدل " فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه (4) يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر في قذذه فلا


(1) في المصدر: أجمعهم. (2) جمع النصيب. (3) اسمه حرقوص. (4) في الامتاع، فان له اصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم.

[174]

يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة، تدردر، يخرجون على خير فرقة من الناس ". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه واله، وأشهد أن علي ابن أبي طالب عليه السلام قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فاتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله الذي نعت، رواه البخاري في الصحيح (1). قالوا: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه واله وانبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا، حتى ألجؤه إلى شجرة فانتزع عنه رداؤه، فقال: " أيها الناس ردوا علي ردائي، فو الذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجرتها نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا " ثم قام إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين أصبعيه فقال: " يا أيها الناس والله مالي من فيئكم هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدو الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة " فجاءه رجل من الانصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذا لاخيط بها برذعة بعير لي، فقام رسول الله صلى الله عليه واله: " أما حقي منها فلك " فقال الرجل: أما إذا بلغ الامر هذا فلا حاجة لي بها، ورمى بها من يده. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه واله من الجعرانة (2) في ذي القعدة إلى مكة فقضى بها عمرته، ثم صدر (3) إلى المدينة، وخليفته على أهل مكة معاذ بن جبل، وقال محمد ابن إسحاق: استخلف عتاب بن أسيد، وخلف معه معاذا يفقه الناس في الدين و يعلمهم، وحج بالناس في تلك السنة وهي سنة ثمان عتاب بن أسيد، وأقام صلى الله عليه واله بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب (4).


(1) راجع صحيح البخاري 9: 21 و 22 وفيه: (عبد الله بن ذى الخويصرة التميمي) وفيه (آيتهم رجل احدى يديه أو قال: ثدييه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة) وفيه اختلافات اخر لفظية. (2) ليلة الاربعاء لثتنى عشرة بقيت من ذى القعدة. (3) في المصدر: ثم صار. (4) اعلام الورى بأعلام الهدى: 70 - 75 (ط 1) و 119 - 128 ط 2.

[175]

بيان: قال الجوهري: يقال: صدقوهم القتال، ويقال للرجل الشجاع و الفرس الجواد: إنه لذو مصدق بالفتح، أي صادق الحملة، وصادق الجري، كأنه ذو صدق فيما يعدك من ذلك. وفي القاموس: أبو حدرد الاسلمي صحابي، ولم يجئ فعلع بتكرير العين غيره. والحدرد: القيصر، كذا في التسهيل. قوله صلى الله عليه واله: " قد كنت ضالا " لعله كان يكذبه لكونه جديد الاسلام. فقال صلى الله عليه واله: أنت أيضا كنت كذلك. والنهيق بالفتخ والنهاق بالضم: صوت الحمار. لم أشهده ولم أغب عنه، أي أنا حاضر بنفسي لكن لما لم يمكنني القتال فيه ولا تعملون برأيي فكأني غائب، أو أني وإن لم أر مثل هذا القوم لكن أعلم عاقبة الامر فيه. والعوان من الحرب التي قوتل فيها مرة وكأنه ليس من المصرع. وفي الدر النظيم: أخب فيها تارة ثم أقع. وفي النهاية: فلم يرعني إلا رجل أخذ بمنكبي، أي لم أشعر، وإن لم يكن من لفظه، كأنه فاجأه بغتة من غير موعد ولا معرفة فراعه ذلك وأفزعه. وقال الجوهري: رجل أهوج أي طويل وبه تسرع وحمق، وقال: ربيت القوم: سستهم، أي كنت فوقهم، ومنه قول صفوان: لان يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. قوله: فأدرت أي رأيي، أو نظري، أو هو بمعنى درت. قد عري أي بقي بلا أعوان. إلا أن أسوره، هكذا فيما عندنا من النسخ بالسين يقال: سار الرجل إليه سورا، أي وثب، وسرت الحائط أي تسلقته، ولعل الاصواب أنه بالصاد، من صار الشئ أي قطعه وفصله، والشواظ بالضم والكسر: لهب لادخان فيه أو دخان النار وحرها ذكره الفيروز آبادي، وقال: الماحش: المحرق كالممحش، وامتحش: احترق. وقال: الذمر: الملامة. وقال الجوهري: الذمر: الشجاع، وذمرته أذمره ذمرا: حثثته، وفلان حامي الذمار، أي إذا ذمر وغضب حمي.

[176]

الله، أي اذكركم الله في الكرة والرجعة إليه، أو أسألكم الكرة. وقال الفيروز آبادي: الدبابة مشددة: آلة تتخذ للحروب فتدفع في أصل الحصن فينقبون وهم في جوفها. قوله: على وجل، كناية عن سرعة ارتحاله صلى الله عليه واله بعد مجيئه. ألا إن الحي مقيم، أي من كان حيا ينبغي أن لا يزول حتى يفتح أو المراد بالحي القبيلة، إظهارا لعدم براحه. وقوله صلى الله عليه واله: لا أقمت ولا ظعنت. دعاء عليه بعدم قدرته على الاقامة كما بريد ولا الظعن بنفسه فصار كذلك. وقال الجوهري: الملح: الرضاع. والملح بالفتح مصدر قولك: ملحنا لفلان ملحا: أرضعناه. قوله صلى الله عليه واله: توه سهميهما، أي أهلك وضيع، من التوى وهو الهلاك، والهاء للسكت أو من التوه وهو الهلاك والذهاب. وقال الجزري: في حديث الخوارج يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، أي يجوزونه ويخرقونه ويبعدونه كما يمرق السهم الشئ المرمي به، و يخرج منه، وقال: الرصاف، هو عقب يلوى على مدخل النصل فيه، وقال: في حديث الخوارج فينظر في نضيه، النضي: نصل السهم وقيل: هو السهم قبل أن ينحت إذا كان قدحا وهو أولى لانه جاء في الحديث ذكر النصل بعد النضي وهو من السهم ما بين الريش والنصل. والقذذ: ريش السهم، واحدتها قذة انتهى. أقول: شبه صلى الله عليه واله خروجهم من الدين وعدم انتفاعهم بشئ منه بسهم رمي به حيوان فخرج منه بحيث لم يبق في شئ من أجزاء السهم أثر من أجزاء الحيوان. وقال الجزري: تدردر، أي ترجرج، تجئ وتذهب، والاصل تتدردر، فحذف إحدى التائين تخفيفا. وقال الجزري: الجعرانة موضع قريب من مكة، وهو في الحل وميقات الاحرام، وهي بتسكين العين والتخفيف، وقد تكسر وتشدد الراء. 10 - كا: حميد بن زياد، عن عبيدالله بن أحمد الدهقان، عن علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن زياد بياع السابري، عن أبان (1) عن عجلان بن صالح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قتل علي بن أبي طالب بيده يوم حنين أربعين (2).


(1) خلى المصدر عن قوله: عن أبان. (2) روضة الكافي: 376 ط 2.

[177]

11 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " المؤلفة (1) قلوبهم " قال: هم قوم وحدوا الله عزوجل، وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واله، وهم في ذلك شكاك في بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه واله، فأمر الله عزوجل نبيه صلى الله عليه واله أن يتألفهم بالمال والعطاء لكي يحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه، وأقروا به، وإن رسول الله صلى الله عليه واله يوم حنين تألف رؤساء (رؤس) العرب (2) ومن قريش وسائر مضر، منهم أبو سفيان بن حرب وعيينة بن حصين (3) الفزاري وأشباهم من الناس، فغضبت الانصار، واجتمعت (4) إلى سعد بن عبادة فانطلق بهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله بالجعرانة، فقال: يا رسول الله أتأذن لي في الكلام ؟ فقال: نعم، فقال: إن كان هذا الامر من هذه الاموال التي قسمت بين قومك شيئا أنزل الله (5) رضينا، وإن كان غير ذلك لم نرض، قال زرارة: وسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يا معشر الانصار أكلكم على قول سيدكم ؟ (6) فقالوا: سيدنا الله ورسوله، ثم قالوا في الثالثة: (7) نحن على مثل قوله ورأيه، قال زرارة: فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فحط الله نورهم، وفرض الله للمؤلفة قلوبهم سهما في القرآن (8).


(1) في المصدر و: تفسير العياشي: والمؤلفة قلوبهم. والاية في سورة البراءة 61. (2) من رؤس العرب خ ل في المصدر: رأسا من رؤساء العرب وفى تفسير العياشي: رؤسهم من رؤس العرب من قريش. (3) حصن خ ل. أقول: هذا هو الصحيح على ما تقدم وعلى ما في السيرة وغيره. (4) في تفسير العياشي: فاجمعوا. (5) في المصدر: انزله الله، وفى تفسير العياشي: امرك الله به. (6) في المصدر: (سيدكم سعد) وفى العياشي على مثل قول سعد (سيدكم خ). (7) في تفسير العياشي: (قالوا: الله سيدنا ورسوله، فاعادها عليه ثلاث مرات كل ذلك يقولون: الله سيدنا ورسوله، ثم قالوا بعد الثالثة) أقول: لعل الصحيح: فاعادها عليهم. (8) اصول الكافي 2: 411.

[178]

12 - شى: عن زرارة مثله، ثم قال: قال زرارة: (1) قال أبو جعفر عليه السلام: فلما كان في قابل جاؤا بضعف الذي أخذوا، وأسلم ناس كثير، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه واله خطيبا فقال: هذا خير أم الذي قلتم ؟ قد جاؤا من الابل بكذا وكذا ضعف ما أعطيتهم، وقد أسلم لله عالم وناس كثير، والذي نفس محمد بيده لوددت أن عندي ما اعطي كل إنسان ديته على أن يسلم لله رب العالمين. ثم روى العياشي بسند آخر عن زرارة عنه عليه السلام مثله (2). 13 - ثم قال: قال الحسن بن موسى: ومن غير هذا الوجه رفعه قال: قال رجل منهم حين قسم النبي صلى الله عليه واله غنائم حنين: ما هذه القسمة (3) ؟ ما يريد الله بها فقال له بعضهم: يا عدو الله تقول هذا لرسول الله صلى الله عليه واله ؟ ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه واله فأخبره بمقالته. فقال صلى الله عليه واله: " قد اوذي أخي موسى بأكثر من هذا فصبر " قال: وكان يعطي لكل رجل من المؤلفة قلوبهم مائة راحلة (4). 14 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن أحمد بن عبيدالله بن عمار الثقفي (5) عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي سنة خمس وأربعين ومائتين، عن أبيه، عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبيه، عن المغيرة بن الحارث بن نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب، عن أبيه، عن جده نوفل أنه كان يحدث عن يوم حنين قال: فر الناس جميعا وأعروا رسول الله صلى الله عليه واله فلم يبق معه إلا سبعة نفر من بني عبد المطلب: العباس، وابنه الفضل، وعلي، وأخوه عقيل، وأبو سفيان، وربيعة، ونوفل بنو الحارث بن عبد المطلب، ورسول الله صلى الله عليه واله مصلت سيفه في المجتلد، وهو على


(1) في المصدر: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن ابى جعفر وابى عبد الله عليهما السلام (والمؤلفة قلوبهم) قال: قوم تألفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وقسم فيهم الشئ، قال زرارة قال أبو جعفر عليه السلام: فلما كان في قابل جاؤا بضعف الذى اخذوا. (2) في المصدر: نحوه. (3) في المصدر: ان هذه القسمة. (4) تفسير العياشي 2: 91 و 92. (5) في المصدر: احمد بن عبيدالله بن محمد بن عمار الثقفى.

[179]

بغلته الدلدل، وهو يقول: أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب قال الحارث بن نوفل: فحدثني الفضل بن العباس قال: التفت العباس يومئذ وقد أقشع (1) الناس عن بكرة أبيهم، فلم ير عليا فيمن ثبت، فقال: شوهة بوهة (2) أفي مثل هذه الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول الله صلى الله عليه واله وهو صاحب ما هو صاحبه ؟ يعني المواطن المشهورة له، فقلت: نقص قولك لابن أخيك يا أبه، قال: ما ذاك يا فضل ؟ قلت: أما تراه في الرعيل الاول ؟ أما تراه في الرهج ؟ قال: أشعره لي يا بني، قلت: ذو كذا (3) ذو البردة، قال: فما تلك البرقة ؟ قلت: سيفه يزيل به بين الاقران، فقال: بر بن بر فداه عم وخال، قال: فضرب علي يومئذ أربعين مبارزا كلهم يقده حتى أنفه، وذكره، قال: وكانت ضرباته مبتكرة (4). بيان: قال الفيروز آبادي: أعروا صاحبهم: تركوه، وقال: قشع القوم كمنع: فرقهم، فأقشعوا وهو نادر، قوله: عن بكرة أبيهم، أي عن آخرهم و قدمر، وقال الفيروز آبادي: شاه وجهه شوها وشوهة: قبح، وقال: البوهة بالضم: الصقر سقط ريشه، والرجل الطائش. والاحمق. والبوه بالفتح: اللعن. والرعيل: جماعة الخيل. والرهج ويحرك: الغبار، وزيله: فرقه. وقال في النهاية: في الحديث كانت ضربات علي مبتكرات لا عوانا، أي أن ضربته كانت بكرا يقتل بواحدة منها لا يحتاج أن يعيد الضربة ثانيا، يقال: ضربة بكر: إذا كانت قاطعة لا تثنى. 15 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن معاذ بن سعيد الحضرمي عن محمد بن زكريا بن سارية المكي القرشي، عن أبيه، عن كثير بن طارق، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وقد


(1) في نسختي المصححة: وقد انقشع. (2) شوهه بوهه خ ل. (3) في المصدر: ذو كذا ذو كذا ذو البردة. (4) المجالس والاخبار: 17.

[180]

قدم عليه وفد أهل الطائف: " يا أهل الطائف والله لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لابعثن عليكم (1) رجلا كنفسي، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يقصعكم بالسيف " فتطاول لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فأخذ بيد علي فأشالها (2) ثم قال: " هو هذا " فقال أبو بكر وعمر: ما رأينا كاليوم في الفضل قط (3). بيان: القصع: شدة المضغ. وقصع الغلام كمنع: ضرب ببسط كفه على رأسه (4). 16 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما مر بالنبي صلى الله عليه واله يوم كان أشد عليه من يوم حنين، وذلك أن العرب تباغت عليه (5). 17 - ل: بالاسناد عن عامر بن واثلة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله: " لينتهين بنو وليعة أو لابعثن إليهم رجلا كنفسي، طاعته كطاعتي، ومعصيته كمعصيتي، يغشاهم بالسيف " غيري ؟ قالوا: اللهم لا (6). 18 - ج: عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام إن أمير المؤمنين عليه السلام قال يوم الشورى: نشدتكم بالله هل فيكم أحدنا جاه رسول الله صلى الله عليه واله يوم الطائف فقال أبو بكر وعمر: ناجيت (7) عليا دوننا، فقال لهما النبي صلى الله عليه واله " ما أنا ناجيته بل الله أمرني بذلك " غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله " لابعثن إليكم رجلا امتحن الله قلبه للايمان (8) " ؟ قالوا: لا (9).


(1) في المصدر: أو لابعثن اليكم. (2) أشال الشيئ: رفعه وحمله. (3) المجالس والاخبار: ص 19. (4) ويقال ايضا: قصع القملة بظفره: أي قتلها، وقصعت الرحى الحب: فصخته وطحنته وقصع الرجل صغره وحقره. (5) علل الشرائع: ص 158 وفيه: خيبر مكان جنين. ولعله وهم من الطابع. (6) الخصال 2: 121. (7) في المصدر: يا رسول الله ناجيت. (8) في المصدر: للايمان غيرى. (9) الاحتجاج: 74 و 75.

[181]

19 - أقول: قال الطبرسي - رحمه الله - في مجمع البيان: ذكر أهل التفسير وأصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه واله لما افتتح مكة خرج منها متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في آخر شهر رمضان، أو في شوال سنة ثمان من الهجرة، و ذكر القصة نحوا مما مر إلى أن ذكر هزيمة المسلمين ونداء العباس، ثم قال: فلما سمع المسلمون صوت العباس تراجعوا وقالوا: لبيك لبيك، وتبادر الانصار خاصة، ونزل النصر من عند الله، وانهزمت هوازن هزيمة قبيحة، فمروا في كل وجه، ولم يزل المسلمون في آثارهم، ومر مالك بن عوف فدخل حصن الطائف، و قتل منهم زهاء مائة رجل، وأغنم الله المسلمين أموالهم ونساءهم، وأمر رسول الله صلى الله عليه واله بالذراري والاموال أن تحدر إلى الجعرانة، وولى على الغنائم بديل بن ورقاء الخزاعي، ومضى عليه السلام في أثر القوم فوافى الطائف في طلب مالك بن عوف وحاصر أهل الطائف بقية الشهر، فلما دخل ذوالقعدة انصرف إلى (1) الجعرانة و قسم بها غنائم حنين، وأوطاس. قال سعيد بن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه واله لم يقفوا لنا حلب شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله صلى الله عليه واله فتلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا، فكانوا إياها، يعني الملائكة. قال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان قال: استدبرت رسول الله صلى الله عليه واله يوم حنين وأنا اريد أن أقتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة، وكانا قد قتلا يوم احد، فأطلع الله رسوله على ما في نفسي فالتفت إلي وضرب في صدري، وقال: " اعيذك بالله يا شيبة " فأرعدت فرائصي، فنظرت إليه وهو أحب إلي من سمعي و بصري، فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأن الله أطلعك على ما في نفسي.


(1) واتى خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[182]

وقسم رسول الله صلى الله عليه واله الغنائم بالجعرانة وكان معه من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الابل والشاء ما لا يدرى عدته. قال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه واله أمر مناديا فنادى يوم أوطاس: ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا الحيالى (1) حتى يستبرأن بحيضة (2). ثم أقبلت وفود هوازن وقدمت على رسول الله صلى الله عليه واله بالجعرانة مسلمين، وقام خطيبهم فقال: يا رسول الله: إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين، ثم أنشد أبياتا (3)، فقال صلى الله عليه واله: أي (4) الامرين أحب إليكم: السبي أم الاموال ؟ قالوا: يا رسول الله خيرتنا بين الحسب وبين الاموال، والحسب أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير فقال رسول الله: أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف اكلم لكم المسلمين، واشفع لكم فكلموهم وأظهروا إسلامكم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه واله الهاجرة قاموا فتكلموا فقال النبي صلى الله عليه واله: قد رددت الذي لبني هاشم والذى بيدي عليهم، فمن أحب منكم أن يعطي غير مكره فليفعل، ومن كره أن يعطي فليأخذ الفداء وعلي فداؤهم فأعطى الناس ما كان بأيديهم إلا قليلا من الناس سألوا الفداء (5).


(1) في المصدر: ولا غير الحبالى. (2) في الامتاع: واصاب المسلمون سبايا فكانوا يكرهون ان يقعوا عليهن ولهن ازواج، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك فانزل الله: والمحصنات من النساء الا ما ملكت ايمانكم كتاب الله عليكم واحل لكم ما وراء ذلكم ان تبتغوا باموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ان الله كان عليما حكيما " وقال صلى الله عليه وآله يومئذ: " لا توطأ حامل من السبى حتى تضع حملها، ولا غير ذات حمل حتى تحيض " وسألوه يومئذ عن العزل فقال: ليس من كل الماء يكون الولد، وإذا اراد الله ان يخلف شيئا لم يمنعه شئ. (3) ستمر بك فيما يأتي. (4) واى خ ل. (5) مجمع البيان 5: 18 - 20.

[183]

بيان: قال الجوهري: قولهم: هم زهاء مائة: قدر مائة. 20 - قب: عن الصادق عليه السلام سبا رسول الله صلى الله عليه واله يوم حنين أربعة آلاف رأس واثنى عشر ألف ناقة، سوى ما لا يعلم من الغنائم. وقال الزهري: ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن البهائم ما لا يحصى ولا يدرى (1). 21 - أقول: قال الكازروني في المنتقى بعد تلك الغزوات: وفي تلك السنة يعني الثامنة تزوج رسول الله مليكة الكندية، وكان قتل أباها يوم الفتح، فقالت لها بعض أزواج النبي صلى الله عليه واله: ألا تستحين ؟ تزوجين (2) رجلا قتل أباك ؟ فاستعاذت منها ففارقها. وفيها ولد إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه واله من مارية في ذي الحجة، وكانت قابلتها مولاة (3) رسول الله صلى الله عليه واله فخرجت إلى زوجها أبي رافع، فأخبرته بأنها قد ولدت غلاما، فجاء أبو رافع إلى رسول الله صلى الله عليه واله فبشره بأنها قد ولدت غلاما، فوهب له عبدا وسماه إبراهيم، وعق عنه يوم سابعه، وحلق رأسه، فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمره بشعره فدفنت في الارض، وتنافست فيه نساء الانصار أيهن ترضعه، فدفعه رسول الله صلى الله عليه واله إلى ام بردة بنت المنذر بن زيد، وزوجها البراء بن أوس، وكان صلى الله عليه واله يأتي ام بردة فيقيل عندها، ويؤتى بإبراهيم، وغارت نساء رسول الله صلى الله عليه واله واشتد عليهن حين رزق منها الولد، وروي عن أنس قال: لما ولدت إبراهيم جاء جبرئيل إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم وروي عنه أيضا قال: رسول الله صلى الله عليه واله: ولد الليلة لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، قال: ثم دفعه إلى ام سيف امرأة قين بالمدينة، يقال له: أبو يوسف (4). وفيها ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه واله، وكانت أكبر بناته، وأول من تزوجت


(1) مناقب آل ابى طالب 1: 181. (2) في المصدر: الا تستحيين تتزوجن رجلا. (3) في المصدر: سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله. (4) في المصدر: أبو سيف.

[184]

منهن، تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع قبل النبوة، فولد له عليا وأمامة أما علي فمات في ولاية عمر، وأما أمامة فماتت سنة خمسين (1). 22 - وقال ابن الاثير في الكامل: وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه واله عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو (2) ابني الجلندي، فأخذ الصدقة من أغنامهم وردها على فقرائهم. وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه واله كعب بن عمير إلى ذات أطلاع من الشام فاصيب هو وأصحابه. وفيها بعث أيضا عيينة بن حصن الفزاري إلى بني العنبر من تميم فأغار عليهم وسبا منهم نساء (3). 23 - وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجبعي رحمه الله نقلا من خط الشيخ الشهيد قدس الله روحه من طرق العامة مرفوعا إلى أبي عمرو زياد بن طارق، عن أبي جرول (4) زهير الجشمي قال: لما أسرنا رسول الله صلى الله عليه واله يوم هوازن وذهب يفرق السبي والنساء أتيته فأنشدته: امنن علينا رسول الله ! في كرم * فإنك المرء نرجوه وننتظر (5) امنن على بيضة قد عاقها قدر * مشتت شملها في دهرها غير (6) أبقت لنا الدهر هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركهم نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما حين تختبر (7) امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذفوك يملؤه من مخضها الدرر


(1) المنتقى في مولد المصطفى: الباب الثامن فيما كان سنة ثمان من الهجرة. (2) هكذا في الكتاب وفى الامتاع، واما في المصدر: وعياذ. (3) الكامل 2: 185. (4) الصحيح أبو صرد. وهو زهير بن صرد الجشمى السعدى. راجع سيرة ابن هشام 4: 134 والامتاع: 427 والكامل 2: 182. (5) في الكامل والامتاع: وندخر. (6) في الكامل: امنن على نسوة قد عاقها قدر * ممزق شملها في دهرها غير. (7) في هامش الكامل: حين يختبر.

[185]

إذ أنت (1) طفل صغير كنت ترضعها * وإذ يريبك (2) ما تأتي وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته * واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت (3) * وعندها بعد هذا اليوم مدخر فألبس العفو من قد كنت ترضعه * من امهاتك إن العفو منتشر (4) يا خير من مرحت كمت الجياد به * عند الهياج إذا ما استوقد الشرر إنا نؤمل عفوا منك تلبسه * هذي البرية إذ تعفو وتنتصر فاعف (5) عفى الله عما أنت راهبه * يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر (6) قال: فلما سمع هذا الشعر قال صلى الله عليه واله: " ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لهم " وقال قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الانصار: ما كان لنا فهو لله و لرسوله، قال ابن عساكر، هذا غريب تفرد به زياد بن طارق عن زهير، وهو معدود في السباعيات. 29 - * (باب) * * (غزوة تبوك وقصة العقبة) * الآيات: التوبة (9) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " 29 ".


(1) في الامتاع: اللات إذ كنت طفلا، وفى الكامل: إذ كنت طفلا صغيرا. (2) في هامش الكامل والامتاع: واذ يزينك. (3) في الامتاع: " انا لنشكر آلاء وان قدمت " وفى هامش الكامل: انا لنشكر آلاء وان كفرت. وفيهما. وعندنا. (4) في الامتاع: مشتهر. (5) في هامش الكامل: فاغفر. وفى الامتاع: عما انت واهبه. (6) وفى الابيات تقديم وتأخير في الامتاع والكامل.

[186]

وقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير * إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا. إلى قوله تعالى: انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون * عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين * لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين * إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون * ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين * لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين * لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون * ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين * إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون * قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون * قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون * قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين * وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون * فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون * ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم

[187]

منكم ولكنهم قوم يفرقون * لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون " 37 - 57 ". إلى قوله سبحانه: ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " 61 ". إلى قوله: يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين " 63 ". إلى قوله: يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66). إلى قوله: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فان يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الارض من ولي ولا نصير " 74 ". وقال تعالى: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون * فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسون * فان رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين * ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون * ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون * وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين * رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون * لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم

[188]

وأنفسهم واولئك لهم الخيرات واولئك هم المفلحون * أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم * وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم * ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم * ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون * إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون * يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون * سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (81 - 96). إلى قوله سبحانه: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم " 102 ". إلى قوله تعالى: وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم " 106 ". إلى قوله سبحانه: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد تزيغ (1) قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم " 118 ".


(1) هكذا في نسخة المصنف، وهو من سهو قلمه الشريف، أو من كاتب المصحف الذى كان بيده، والصحيح: " من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ".

[189]

إلى قوله: ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطأ يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح أن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزي الله أحسن ما كانوا يعملون " 121. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ": قيل: نزلت هذه الآية حين امر رسول الله صلى الله عليه واله بحرب الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك عن مجاهد، وقيل: هي على العموم. " ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله " أي موسى وعيسى من كتمان بعث محمد (1) صلى الله عليه واله، أو ما حرمه محمد صلى الله عليه واله " ولا يدينون دين الحق " أي دين الله، أو لا يعترفون بالاسلام الذي هو الدين الحق " من الذين اوتوا الكتاب " وصف الذين ذكرهم بأنهم من أهل الكتاب (2) " حتى يعطوا الجزية عن يد " أي نقدا من يده إلى يد من يدفعه إليه من غير نائب أو عن قدرة لكم عليهم وقهر لهم، أو يد لكم عليهم ونعمة تسدونها إليهم بقبول الجزية منهم " وهم صاغرون " أي ذليلون مقهورون (3). وقال في قوله تعالى: " انفروا في سبيل الله " أي اخرجوا إلى مجاهدة المشركين قال المفسرون: لما رجع رسول الله صلى الله عليه واله من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، و ذلك في زمان إدراك الثمرات (4) فأحبوا المقام في المسكن والمال، وشق عليهم الخروج إلى القتال، وكان صلى الله عليه واله قل ما خرج في غزوة إلا كنى عنها وورى بغيرها إلا غزوة تبوك لبعد شقتها، وكثرة العدو ليتأهب الناس فأخبرهم بالذي يريد


(1) في المصدر: من كتمان نعت محمد صلى الله عليه وآله. (2) زاد في المصدر: وهم اليهود والنصارى، وقال اصحابنا: ان المجوس حكمهم حكم اليهود والنصارى. (3) مجمع البيان 5: 21 و 22 وزاد فيه بعد ذلك: يجرون إلى الموضع الذى يقبض منهم بالعنف حتى يؤدوها، وقيل: هو ان يعطوا الجزية قائمين والاخذ جالس عن عكرمة. (4) في المصدر: ادراك الثمار.

[190]

فلما علم الله سبحانه تثاقل الناس أنزل الآية وعاتبهم على التثاقل. " أرضيتم " استفهام إنكار، أي آثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة في الآخرة الباقية " فما متاع " أي فما فوائد الدنيا ومقاصدها في فوائد الآخرة ومقاصدها " إلا قليل " لانقطاع هذه ودوام تلك " يعذبكم " أي في الآخرة أو في الدنيا " ويستبدل " بكم " قوما غيركم " لا يتخلفون عن الجهاد، قيل: هم أبناء فارس، وقيل: أهل اليمن، و قيل: هم الذين أسلموا بعد نزول هذه الآية " ولا تضروه " أي ولا تضروا الله بهذا القعود شيئا لانه غني، أو لا تضروا الرسول، لان الله عاصمه وناصره بالملائكة أو بقوم آخرين (1) " انفروا " أي اخرجوا إلى الغزو " خفافا وثقالا " أي شبانا و شيوخا، وقيل: نشاطا وغير نشاط، أو مشاغيل وغير مشاغيل، أو أغنياء وفقراء وقيل: أراد بالخفاف أهل العسرة من المال وقلة العيال، وبالثقال أهل الميسرة في المال وكثرة العيال وقيل: ركبانا ومشاة، وقيل: ذاضيعة وغير ذي ضيعة (2) وقيل: عزابا ومتأهلين، والوجه أن يحمل على الجميع " وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله " وهذا يدل على أن الجهاد بالنفس والمال واجب على من استطاع بهما، ومن لم يستطع على الوجهين فعليه أن يجاهد بما استطاع " ذلكم خير لكم " من التثاقل " إن كنتم تعلمون " أن الله صادق في وعده ووعيده، قال السدي: لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله: " ليس على الضعفاء " الآية. " لو كان عرضا قريبا " أي لو كان ما دعوتهم إليه غنيمة حاضرة " وسفرا قاصدا " أي قريبا هينا، وقيل: أي ذا قصد، وقيل: سهلا متوسطا غير شاق " لاتبعوك " طمعا في المال " ولكن بعدت عليهم الشقة " أي المسافة، يعني غزوة تبوك، امروا فيها بالخروج إلى الشام " وسيحلفون بالله " فيه دلالة على صحة نبوته صلى الله عليه واله، إذ


(1) في المصدر: لان الله عصمه من جميع الناس، وينصره بالملائكة، أو بقوم آخرين من المؤمنين. (2) في المصدر: ذا صنعة وغير ذى صنعة.

[191]

أخبر بحلفهم قبل وقوعه " يهلكون أنفسهم " بما أسروه من الشرك (1) وقيل: باليمين الكاذبة، والعذر الباطل " والله يعلم إنهم لكاذبون " في هذا الاعتذار والحلف " عفا الله عنك لم أذنت لهم " في التخلف عنك " حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " أي حتى تعرف من له العذر منهم في التخلف، ومن لا عذر له، فيكون إذنك لمن أذنت له على علم، قال ابن عباس وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله لم يكن يعرف المنافقين يومئذ، وقيل: إنه إنما خيرهم بين الظعن والاقامة متوعدا لهم ولم يأذن لهم، فاغتنم القوم ذلك، وفي هذا إخبار من الله سبحانه أنه كان الاولى أن يلزمهم الخروج معه حتى إذا لم يخرجوا ظهر نفاقهم، لانه متى أذن لهم ثم تأخروا لم يعلم أن للنفاق (2) كان تأخرهم أم لغيره. وكان الذين استأذنوه منافقين، ومنهم الجد بن قيس ومعتب بن قشير، وهما من الانصار (3). أقول: قد مر الكلام في هذه الآية في باب عصمته صلى الله عليه واله. وقال في قوله تعالى: " لا يستأذنك " أي في القعود، وقيل: في الخروج لانه مستغن عنه بدعائك، بل يتأهب له " أن يجاهدوا " أي في أن يجاهدوا " وارتابت قلوبهم " أي اضطربت وشكت " فهم في ريبهم يترددون " أي في شكهم يذهبون و يرجعون ويتحيرون، وأراد به المنافقين، أي يتوقعون الاذن لشكهم في دين الله وفيما وعد المجاهدون، ولو كانوا مخلصين لوثقوا بالنصر وبثواب الله فبادروا إلى الجهاد ولم يستأذنوك فيه " ولو أرادوا الخروج " في الجهاد كالمؤمنين " لاعدوا له عدة " أي اهبة الحرب (4) من الكراع والسلاح " ولكن كره الله انبعاثهم " أي خروجهم إلى الغزو لعلمه إنهم لو خرجوا لكانوا يمشون بالنميمة بين المسلمين، وكانوا عيونا للمشركين. وكان الضرر في خروجهم أكثر من الفائدة " فثبطهم " عن


(1) في المصدر: بما آثروه من الشرك. (2) في المصدر. أ لنفاق كان. (3) مجمع البيان 5: 30 - 34. (4) اهبة الحرب: عدته و لوازمه والكراع: الدواب، كالفرس والخيل والبغال والحمير.

[192]

الخروج الذي عزموا عليه، لا عن الخروج الذي أمرهم به، لان الاول كفر، و الثاني طاعة " وقيل اقعدوا مع القاعدين " أي مع النساء والصبيان والقائلون أصحابهم الذين نهوهم عن الخروج مع النبي صلى الله عليه واله للجهاد أو النبي صلى الله عليه واله على وجه التهديد والوعيد، لا على وجه الاذن، ويجوز أن يكون على وجه الاذن لهم في العقود الذي عاتبه الله عليه، إذ كان الاولى أن لا يأذن لهم ليظهر للناس نفاقهم، ثم بين سبحانه وجه الحكمة في كراهية انبعاثهم وتثبيطهم عن الخروج فقال: " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا " أي شرا وفسادا، وقيل: غدرا ومكرا، و قيل: عجزا وجبنا، أي أنهم كانوا يجبنونكم عن لقاء العدو بتهويل الامر عليكم " ولاوضعوا خلالكم " أي لاسرعوا في الدخول بينكم بالتضريب والافساد والنميمة يريد ولسعوا فيما بينكم بالتفريق بين المسلمين، وقيل: أي لاوضعوا إبلهم خلالكم يتخلل الراكب الرجلين حتى يدخل بينهما فيقول ما لا ينبغي " يبغونكم الفتنة " بعدو الابل وسطكم، ومعنى يبغونكم يبغون لكم أو فيكم، أي يطلبون لكم المحنة باختلاف الكلمة والفرقة، وقيل أي يبغونكم أن تكونوا مشركين، والفتنة: الشرك، وقيل: أي يخوفونكم بالعدو، ويخبرونكم أنكم منهزمون (1) وأن عدوكم سيظهر عليكم " وفيكم سماعون لهم " أي وفيكم عيون للمنافقين ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، وقيل: معناه وفيكم قابلون منهم عند سماع قولهم، يريد ضعفة المسلمين " والله عليم بالظالمين " أي بهؤلاء المنافقين الذين ظلموا أنفسهم، لما أضمروا عليه من الفساد، منهم عبد الله بن ابي، وجد بن قيس، وأوس بن قبطي (2) ثم أقسم الله سبحانه فقال: " لقد ابتغوا الفتنة من قبل " الفتنة اسم يقع على كل سوء و شر، والمعنى لقد طلب هؤلاء المنافقون اختلاف كلمتكم، وتشتيت أهوائكم، و افتراق آرائكم من قبل غزوة تبوك، أي في يوم احد حين انصرف عبد الله بن ابي بأصحابه، وخذل النبي صلى الله عليه واله فصرف الله سبحانه عن المسلمين فتنتهم، وقيل: أراد


(1) مهزومون خ ل. (2) هكذا في الكتاب ومصدره، وفى السيرة: اوس بن قيظى.

[193]

بالفتنة صرف الناس عن الايمان، وإلقاء الشبهة إلى ضعفاء المسلمين، وقيل: أراد بالفتنة الفتك بالنبي صلى الله عليه واله في غزوة تبوك ليلة العقبة، وكانوا اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا على الثنية ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه واله عن ابن جبير وابن جريح (1) " وقلبوا لك الامور " أي احتالوا في توهين أمرك، وإيقاع الاختلاف بين المؤمنين وفي قتلك بكل ما أمكنهم فيه فلم يقدروا عليه، وقيل: إنهم كانوا يريدون في كيده وجها من التدبير فإذا لم يتم ذلك فيه تركوه وطلبوا المكيدة في غيره، فهذا تقليب الامور " حتى جاء الحق " أي النصر والظفر " وظهر أمر الله " أي دينه، و هو الاسلام وظفر المسلمين " وهم كارهون " أي في حال كراهتهم لذلك " ومنهم من يقول ائذن لي " قيل إن رسول الله صلى الله عليه واله لما استنفر الناس إلى تبوك قال: انفروا لعلكم تغنمون بنات الاصفر، فقام جد بن قيس أخو بني سلمة من بني الخزرج فقال: يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني ببنات الاصفر فإني أخاف أن أفتن (2) بهن، فقال: قد أذنت لك فنزلت، عن ابن عباس ومجاهد، فلما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه واله لبني سلمة: من سيدكم ؟ قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان، فقال صلى الله عليه واله: وأي داء أدوى من البخل ؟ ! بل سيدكم الفتى الابيض الجعد: بشر بن براء بن معرور (3) " ولا تفتني " أي ببنات الاصفر، قال الفراء: سميت الروم أصفر لان حبشيا غلب على ناحية الروم، فكان له بنات قد أخذن من بياض الروم وسواد الحبشية، فكن صفرا لعسا (4) وقيل: معناه لا تؤثمني بمخالفة أمرك في الخروج


(1) في المصدر: وابن جريج وهو الصحيح، والرجل هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الاموى المكى. (2) في المصدر: افتتن. (3) في المصدر: بشر بن البراء بن المعرور. (4) اللعس: سواد مستحسن. وقال الجزرى: هو ادنى سواد وشربة من الحمرة. واللعس جمع اللعساء. وقال: بنات الاصفر يعنى الروم لان اباهم الاول كان اصفر اللون وهو رؤم بن عيصو بن اسحاق بن ابراهيم.

[194]

وذلك غير متيسر لي (1) " ألا في الفتنة سقطوا " أي في العصيان والكفر وقعوا بمخالفتهم أمرك (2) وقيل: معناه لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر. ألا قد سقطوا في حر أعظم من ذلك وهو حر جهنم " وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " أي ستحيط بهم فلا مخلص لهم منها " إن تصبك حسنة " أي نعمة من الله وفتح وغنيمة " تسؤهم " يحزن المنافقون بها " وإن تصبك مصيبة " أي شدة ونكبة " يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل " أي أخذنا حذرنا واحترزنا بالقعود من قبل هذه المصيبة " و يتولوا وهم فرحون " بما أصاب المؤمنين " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " أي كل ما يصيبنا من خير أو شر فهو مما كتبه الله لنا في اللوح المحفوظ من أمرنا، وليس على ما تظنون من إهمالنا، وقيل: لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتبه الله لنا في القرآن من النصر الذي وعدنا، وإنا نظفر بالاعداء فتكون النصرة حسنى لنا، أو نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا أيضا فقد كتب الله لنا ما يصيبنا وعملنا (3) ما لنا فيه الحظ " هو مولانا " أي مالكنا ونحن عبيده، أو ولينا وناصرنا " وعلى الله فليتوكل المؤمنون " أمر من الله تعالى بالتوكل " قل هل تربصون بنا " أي هل تنتظرون لنا " إلا إحدى الحسنيين " أي إحدى الخصلتين الحميدتين: إما الغلبة والغنيمة في العاجل، وإما الشهادة والثواب الدائم في الآجل " ونحن نتربص بكم " أي نتوقع لكم " أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا " أي يوقع الله بكم عذابا من عنده يهلككم به، أو بأن ينصرنا عليكم فيقتلكم بأيدينا " فتربصوا " أمر للتهديد " إنا معكم متربصون " أي منتظرون إما الشهادة والجنة، وإما الغنيمة والاجر لنا، وإما البقاء في الذل والخزي وإما الموت والقتل (4) مع المصير إلى النار لكم. " قل أنفقوا طوعا أو كرها " أي طائعين أو مكرهين " لن يتقبل منكم إنكم


(1) في المصدر: لا تؤثمنى أي لا توقعني في الاثم بالعصيان لمخالفته امرك بالخروج إلى الجهاد وذلك غير متيسر لى. (2) في المصدر: بمخالفتهم امرك في الخروج والجهاد. (3) في المصدر: وعلمنا (4) في المصدر أو القتل (*).

[195]

كنتم قوما فاسقين " أي إنما لم يتقبل منكم لانكم كنتم متمردين عن طاعة الله " وما منعهم " أي ما يمنع هؤلاء المنافقين أن يثابوا على نفقاتهم إلا كفرهم بالله و برسوله، وذلك مما يحبط الاعمال " ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى " أي متثاقلين " ولا ينفقون إلا وهم كارهون " لذلك لانهم إنما يصلون وينفقون للرياء والتستر بالاسلام، لا لابتغاء مرضاة الله " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " الخطاب للنبي صلى الله عليه واله والمراد جميع المؤمنين، وقيل: لا تعجبك أيها السامع، أي لا تأخذ (1) بقلبك ما تراه من كثرة أموال هؤلاء المنافقين وأولادهم (2) ولا تنظر إليهم بعين الاعجاب " إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا " فيه وجوه: أحدها أن فيه تقديما وتاخيرا، أي لا نسرك أموالهم (3) وأولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، عن ابن عباس وقتادة. وثانيها: إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا بالتشديد عليهم في التكليف وأمرهم بالانفاق في الزكاة والغزو فيؤدونها على كره منهم، ومشقة، إذ لا يرجون به ثوابا في الآخرة فيكون ذلك عذابا لهم. وثالثها: أن معناه إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا، أي بسبي الاولاد وغنيمة الاموال عند تمكن المؤمنين من أخذها وغنمها فيتحسرون عليها، ويكون ذلك جزاء على كفرهم. ورابعها: أن المراد: يعذبهم بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والحزن عليها وكل هذا عذاب، وكذلك خروجهم عنها بالموت، لانهم يفارقونها ولا يدرون إلى ما ذا يصيرون. وخامسها: إنما يريد الله ليعذبهم بحفظها والمصائب فيها مع حرمان المنفعة بها (4) واللام في قوله: " ليعذبهم " يحتمل أن تكون لام العاقبة (5) والتقدير إنما


(1) في المصدر: أي لا يأخذ. (2) في المصدر: وكثرة اولادهم. (3) في المصدر: أي لا يسرك أموالهم. (4) راجع المصدر ففيه تقديم وتأخير. (5) في المصدر: واللام في قوله: " ليعذبهم " يحتمل ان يكون بمعنى أن، ويحتمل ان يكون لام العاقبة.

[196]

يريد الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم " وتزهق أنفسهم " أي تهلك " وهم كافرون " في موضع الحال " ويحلفون بالله إنهم لمنكم " أي يقسم هؤلاء المنافقون إنهم من جملتكم أي مؤمنون أمثالكم " وما هم منكم " أي ليسوا مؤمنين بالله " ولكنهم قوم يفرقون " أي يخافون القتل والاسر إن لم يظهروا الايمان " لو يجدون ملجأ " أي حرزا أو حصنا " أو مغارات " أي غيرانا في الجبال أو سراديب " أو مدخلا " أي موصع دخول يأوون إليه، وقيل: نفقا كنفق اليربوع، وقيل: أسرابا في الارض عن ابن عباس وأبي جعفر عليه السلام، وقيل: وجها يدخلونه على خلاف رسول الله صلى الله عليه واله " لولوا إليه " أي لعدلوا إليه، وقيل: لاعرضوا عنكم إليه " وهم يجمحون " أي يسرعون في الذهاب إليه (1) " ومنهم الذين " قيل: إنها نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلفهم ويعتلون ويحلفون فنزلت (2). أقول: سيأتي تفسير الآيات في باب جمل ما جرى بينه وبين أصحابه صلى الله عليه واله. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " يحذر المنافقون " قيل: نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه واله عند رجوعه من تبوك، فأخبر جبرئيل عليه السلام رسول الله بذلك، وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم، و عمار كان يقود دابة رسول الله صلى الله عليه واله وحذيفة يسوقها، فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحاهم، فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم فقال: لم أعرف منهم أحدا، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إنه فلان وفلان حتى عدهم كلهم، فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم ؟ فقال: أكره أن تقول العرب: لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم عن ابن كيسان، وروي عن أبي جعفر عليه السلام مثله إلا أنه قال: ائتمروا بينهم ليقتلوه، وقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: إنما كنا نخوض ونلعب، وإن لم يفطن نقتله، وقيل: إن جماعة من المنافقين قالوا في غزوة تبوك:


(1) مجمع البيان 5: 34 - 40. (2) مجمع البيان 5: 44.

[197]

ظن (1) هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه واله على ذلك فقال: " احبسوا علي الركب " فدعاهم فقال لهم: قلتم كذا وكذا، فقالوا، يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، وحلفوا على ذلك فنزلت الآية " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " عن الحسن وقتادة، و قيل: كان ذلك عند منصرفه من تبوك إلى المدينة، فكان بين يديه أربعة نفر أو ثلاثة نفر يستهزؤن ويضحكون، واحدهم يضحك ولا يتكلم، فنزل جبرئيل وأخبر رسول الله صلى الله عليه واله بذلك، فدعا عمار بن ياسر وقال: إن هؤلاء يستهزؤن بي وبالقرآن أخبرني جبرئيل بذلك، ولئن سألتهم ليقولن: كنا نتحدث بحديث الركب. فاتبعهم عمار وقال لهم: لم تضحكون ؟ (2) قالوا: نتحدث بحديث الركب، فقال عمار: صدق الله وصدق رسوله، احترقتم، أحرقكم الله، فأقبلوا إلى النبي صلى الله عليه واله يعتذرون، فأنزل الله الآيات، عن الكلبي وعلي بن إبراهيم وأبي حمزة، وقيل: إن رجلا قال في غزوة تبوك: ما رأيت أكذب لسانا ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء يعني رسول الله وأصحابه، فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، و أراد أن يخبر رسول الله صلى الله عليه واله بذلك فجاءه وقد سبقه الوحي، فجاء الرجل معتذرا وقال: إنما كنا نخوض ونلعب، ففيه نزلت الآية، عن ابن عمر وزيد بن أسلم و محمد بن كعب، وقيل: إن رجلا من المنافقين قال: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا، أو ما يدريه ما أمر الغيث (3) فنزلت الآية، عن مجاهد، وقيل: نزلت في عبد الله بن ابي ورهطه عن الضحاك " أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم " فيه قولان: أحدهما: أنه إخبار بأنهم يخافون أن يفشوا (4) سرائرهم، وقيل: إن ذلك الحذر أظهروه على وجه الاستهزاء.


(1) يظن خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) في المصدر: مم تضحكون. (3) من الغيب خ ل. أقول: في المصدر: وما يدريه ما الغيب. (4) هكذا في الكتاب ومصدره، والانسب: " ان يفشو " بصيغة المفرد.

[198]

والثاني: أن لفظه الخبر ومعناه الامر، " قل استهزؤا " أمر على الوعيد " إن الله مخرج ما تحذرون " أي مبين لنبيه صلى الله عليه واله باطن حالكم ونفاقكم " و لئن سألتهم " عن طعنهم في الدين واستهزائهم بالنبي صلى الله عليه واله و بالمسلمين " ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " اللام للتأكيد والقسم، أي لقالوا كنا نخوض خوض الركب في الطريق لا على طريق الجد " قل أبالله وآياته " أي حججه وبيناته وكتابه ورسوله " كنتم تستهزؤن " ثم أمر الله نبيه أن يقول لهم: " لا تعتذروا " بالمعاذير الكاذبة " قد كفرتهم بعد إيمانكم " أي بعد إظهاركم الايمان " إن نعف عن طائفة منكم " إذا تابوا " نعذب طائفة " لم يتوبوا " بأنهم كانوا مجرمين " أي كافرين مصرين على النفاق (1). قوله تعالى: " يحلفون بالله ما قالوا " أقول: قد مر في باب إعجاز القرآن أنها نزلت في غزوة تبوك وقصصها، قال: يعني أنهم حلفوا كاذبين: ما قالوا ما حكي عنهم، ثم حقق عليهم وأقسم بأنهم قالوا ذلك " وكفروا بعد إسلامهم " يعني ظهر كفرهم بعد أن كانا باطنا. " وهموا بما لم ينالوا " فيه أقوال. أحدها أنهم هموا بقتل النبي صلى الله عليه واله ليلة العقبة والتنفير بناقته. وثانيها: أنهم هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه واله من المدينة فلم يبلغوا ذلك. وثالثها: أنهم هموا بالفساد والتضريب بين أصحابه. ونقم منه شيئا، أي أنكر وعاب. " فرح المخلفون " أي المنافقون الذين خلفهم النبي صلى الله عليه واله ولم يخرجهم معه إلى تبوك لما استأذنوه في التأخر " بمقعدهم " أي بقعودهم عن الجهاد " خلاف رسول الله " أي بعده، وقيل: بمخالفتهم له (2) " وقالوا " أي للمسلمين، أو بعضهم لبعض: " لا تنفروا " أي لا تخرجوا إلى الغزو " في الحر قل نار جهنم " التي وجبت لهم بالتخلف عن أمر الله " أشد حرا " من هذا الحر " لو كانوا يفقهون " أوامر الله ووعده ووعيده " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا " هذا تهديد لهم في


(1) مجمع البيان 5: 46 و 47. (2) في المصدر: لمخالفتهم النبي صلى الله عليه وآله.

[199]

صورة الامر أي فليضحك هؤلاء المنافقون في الدنيا قليلا، لان ذلك يفنى، وإن دام إلى الموت، ولان الضحك في الدنيا قليل لكثرة أحزانها وهمومها، و ليبكوا كثيرا في الآخرة لان ذلك يوم مقداره خمسون ألف سنة " فإن رجعك الله " أي ردك الله عن غزوتك هذه وسفرك هذا " إلى طائفة منهم " أي من المنافقين الذين تخلفوا عنك وعن الخروج معك " فاستأذنوك للخروج " معك إلى غزوة اخرى " فقل " لهم " لن تخرجوا معي أبدا " إلى غزوة " ولن تقاتلوا معي عدوا " ثم بين تعالى سبب ذلك فقال: " إنكم رضيتم بالقعود أول مرة " أي عن غزوة تبوك " فاقعدوا مع الخالفين " في كل غزوة. واختلف في المراد بالخالفين فقيل: معناه مع النساء والصبيان، وقيل: مع الرجال الذين تخلفوا من غير عذر، وقيل: مع المخالفين، قال الفرآء: يقال: فلان عبد خالف، وصاحب خالف: إذا كان مخالفا، وقيل: مع الخساس والادنياء، يقال: فلان خالفة أهله: إذا كان أدونهم، وقيل: مع أهل الفساد، من قولهم: خلف الرجل على أهله خلوفا: فسد (1) وقيل: مع المرضى والزمنى وكل من تأخر لنقص " ولا تصل علي أحد منهم " أي من المنافقين " مات أبدا " أي بعد موته " ولا تقم على قبره " للدعاء فإنه صلى الله عليه واله كان إذا صلى على ميت يقف على قبره ساعة ويدعو له، فما صلى بعد ذلك على منافق حتى قبض. وروي أنه صلى الله عليه واله صلى على عبد الله بن ابي وألبسه قميصه قبل أن ينهى عن الصلاة على المنافقين وقيل أراد صلى الله عليه واله أن يصلي عليه فأخذ جبرئيل بثوبه وتلا عليه " لا تصل (2) على أحد منهم مات أبدا " وروي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه واله: لم وجهت بقميصك إليه يكفن فيه وهو كافر ؟ ! فقال: " إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئا وإني اؤمل من الله أن يدخل بهذا السبب في الاسلام خلق كثير " فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاع (3) بثوب رسول الله صلى الله عليه واله، ذكره الزجاج


(1) زاد في المصدر: ونبيذ خالف أي فاسد، وخلف فم الصائم: إذا تغيرت ريحه. (2) في المصدر: ولا تصل. (3) الاستشفاء خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[200]

وقال الاكثر في الرواية أنه لم يصل عليه " ولا تعجبك " إنما كرر للتذكير في موطنين مع بعد أحدهما من الآخر، ويجوز أن تكون الآيتان في فريقين من المنافقين " استأذنك " أي في العقود " اولوا الطول " أي اولوا المال والقدرة " منهم " أي من المنافقين " مع القاعدين " أي المتخلفين عن الجهاد من النساء والصبيان " مع الخوالف " أي النساء والصبيان والمرضى والمقعدين " وجاء المعذرون من الاعراب " أي المقصرون الذين يعتذرون وليس لهم عذر، وقيل: هم المعتذرون الذين لهم عذر وهم نفر من بني غفار عن ابن عباس " ليؤذن لهم " في التخلف " وقعد الذين كذبوا الله ورسوله " أي وقعدت طائفة من المنافقين من غير اعتذار " ليس على الضعفاء " قيل: نزلت في عبد الله بن زائدة وهو ابن ام مكتوم، وكان ضرير البصر، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا نبي الله إنى شيخ ضرير (1) ضعيف الحال، نحيف الجسم وليس لي قائد، فهل لي رخصة في التخلف عن الجهاد ؟ فسكت النبي صلى الله عليه واله فأنزل الله الآية، وقيل: نزلت في عائذ بن عمرو وأصحابه، والضعفاء هم الذين قوتهم ناقصة بالزمانة والعجز عن ابن عباس: وقيل هم الذين لا يقدرون على الخروج " ولا على المرضى " وهم أصحاب العلل المانعة من الخروج " ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون " أي من ليست معه نفقة الخروج وآلة السفر " حرج " أي ضيق وجناح في التخلف و ترك الخروج " إذا نصحو الله ورسوله " بأن يخلصوا العمل من الغش " ما على المحسنين من سبيل " أي ليس على من يفعل (2) الحسن الجميل في التخلف عن الجهاد أو مطلقا طريق للتقريع في الدنيا والعذاب في الآخرة " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم " أي يسألونك مركبا يركبونه فيخرجون معك " قلت لا أجد ما أحملكم عليه " أي مركبا، ولا ما اسوي به أمركم " حزنا أن لا يجدوا " أي لحزنهم على أن لا يجدوا " يعتذرون إليكم " من تأخرهم عنكم بالاباطيل والكذب " إذا رجعتم إليهم " من غزوة تبوك " لن نؤمن لكم " أي لا نصدقكم على ما تقولون " قد نبأنا الله من أخباركم " ما علمنا به كذبكم، وقيل: أراد به قوله: " لو خرجوا فيكم ما زادوكم


(1) ضرير البصر خ ل. (2) في المصدر: ليس على من فعل.

[201]

إلا خبالا " الآية " وسيرى الله عملكم ورسوله " أي سيعلم الله فيما بعد ورسوله عملكم هل تتوبون من نفاقكم أم تتمون (1) عليه، وقيل: سيعلم الله أعمالكم وعزائمكم في المستقبل، ويظهر ذلك لرسوله، فيعلمه الرسول بإعلامه إياه " ثم تردون " بعد الموت " إلى عالم الغيب والشهادة " أي الذي يعلم ما غاب وما حضر ولا يخفى عليه السر والعلانية " فينبئكم بما كنتم تعملون " أي فيخبركم بأعمالكم كلها: حسنها و قبيحها فيجازيكم عليها أجمع " سيحلفون بالله لكم " أي سيقسم هؤلاء المنافقون المتخلفون فيما يعتذرون به إليكم " إذا انقلبتم إليهم " أنهم إنما تخلفوا بعذر (2) " لتعرضوا عنهم " أي لتصفحوا عن جرمهم ولا توبخوهم " فأعرضوا عنهم " إعراض رد وإنكار وتكذيب " إنهم رجس " أي نجس ومعناه أنهم كالشئ المنتن الذي يجب الاجتناب عنه (3). " وآخرون اعترفوا بذنوبهم " قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الانصار: أبو لبابة بن عبد المنذر، وثعلبة بن وديعة، وأوس بن حذام، تخلفوا عن رسول الله عند مخرجه إلى تبوك، فلما بلغهم ما أنزل فيمن تخلف عن نبيه صلى الله عليه واله أيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فلم يزالوا كذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه واله، فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا لا يحلون أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه واله محلهم (4) فقال رسول الله صلى الله عليه واله: وأنا اقسم لا أكون أول من حلهم إلا أن اؤمر فيهم بأمر، فلما نزل " عسى الله أن يتوب عليهم عمد (5) رسول الله صلى الله عليه واله إليهم فحلهم فانطلقوا فجاؤا بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فخذها وتصدق بها عنا فقال صلى الله عليه واله: ما أمرت فيها بأمر، فنزل " خذ من أموالهم صدقة " الآيات، وقيل: إنهم كانوا عشرة رهط، منهم أبو لبابة، عن ابن عباس (6)


(1) تقيمون خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) في المصدر: انما تخلفوا لعذر. (3) مجمع البيان 5: 51 - 61. (4) في المصدر: حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وآله يحلهم. (5) عهد خ ل. (6) في المصدر: عن على بن ابى طلحة عن ابن عباس.

[202]

وقيل: كانوا ثمانية منهم أبو لبابة، وهلال، وكردم، وأبو قيس عن ابن جبير و زيد بن أسلم، وقيل: كانوا سبعة، وقيل: خمسة، وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنها نزلت في أبي لبابة، ولم يذكر معه غيره، وسبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حين قال: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح (1)، وبه قال مجاهد، وقيل: نزلت فيه خاصة حين تأخر عن النبي صلى الله عليه واله في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية على ما تقدم ذكره، عن الزهري قال: ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله، قال: " يجزيك يا أبا لبابة الثلث " وفي جميع الاقوال أخذ رسول الله صلى الله عليه واله ثلث أموالهم وترك الثلثين لان الله تعالى قال: " خذ من أموالهم " ولم يقل: خذ أموالهم " وآخرون مرجون لامر الله " أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله فيهم، قال مجاهد وقتادة: نزلت الآية في هلال بن امية الواقفي، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، و هم من الاوس والخزرج، وكان كعب رجل صدق غير مطعون عليه، وإنما تخلف توانيا عن الاستعداد حتى فاته المسير، وانصرف رسول الله صلى الله عليه واله فقال: والله مالي من عذر، ولم يعتذر إليه بالكذب، فقال صلى الله عليه واله: " صدقت قم حتى يقضي الله فيك أمره " وجاء الآخران فقالا مثل ذلك، وصدقا، فنهى رسول الله صلى الله عليه واله عن مكالمتهم وأمر نساءهم باعتزالهم " حتى ضاقت عليهم الارض بما رحبت " فأقاموا على ذلك خمسين ليلة، وبنى كعب خيمة على سلع يكون فيها وحده، وقال في ذلك: أبعد دور بني القين الكرام وما * شادوا (2) علي بنيت البيت من سعف ثم نزلت التوبة عليهم بعد الخمسين في الليل وهي قوله " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " الآية، فأصبح المسلمون يبتدرونهم ويبشرونهم، قال كعب: فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه واله في المسجد وكان صلى الله عليه واله إذا سر يستبشر كأن وجهه فلقة قمر، فقال لي ووجهه يبرق من السرور: " أبشر بخير يوم طلع عليك شرفه (3) مذ ولدتك امك "


(1) تقدمت قصته قبل ذلك. (2) شاروا خ ل. (3) منذ خل. أقول: في المصدر: طلع عليك شرفه منذ ولدتك امك.

[203]

قال كعب: فقلت له: أمن عند الله أم من عندك يا رسول الله ؟ فقال: من عند الله، و تصدق كعب بثلث ماله شكرا لله على توبته (1). " لقد تاب الله " نزلت في غزاة تبوك وما لحق المسلمين فيها من العسرة حتى هم قوم بالرجوع، ثم تداركهم لطف الله سبحانه، قال الحسن: كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم يركب الرجل ساعة ثم ينزل (2) فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم الشعير المسوس، والتمر المدود، والاهالة السنخة (3) وكان النفر منهم يخرجون ما معهم من التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمر فلاكها حتى يجد طعمها، ثم يعطيها صاحبه فيمصها، ثم يشرب عليها جرعة من ماء، كذلك حتى يأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلا النواة. قالوا: وكان أبو خيثمة عبد الله بن خيثمة تخلف إلى أن مضى من مسير (4) رسول الله صلى الله عليه واله عشرة أيام، ثم دخل يوما على امرأتين له في يوم حار في عريشين لهما قد رشتاهما (5) وبردتا الماء وهيأتا له الطعام، فقام على العريشين وقال: سبحان الله ! رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الضح والريح والحر والقر (6) يحمل سلاحه على عاتقه، وأبو خيثمة في ظلال باردة، وطعام مهيأ، وامرأتين حسناوين، ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا اكلم (7) واحدة منكما كلمة، ولا أدخل عريشا حتى ألحق بالنبي صلى الله عليه واله، فأناخ ناضحه واشتد (8) عليه وتزود وارتحل وامرأتاه تكلمانه ولا يكلمهما، ثم سار حتى إذا دنا من تبوك


(1) مجمع البيان 5: 67 و 69. (2) فينزل خ ل. (3) ساس وسوس الطعام: وقع فيه السوس فهو المسوس والمسوس وداد الطعام ودود: وقع فيه الدود فهو المدود والمدود. وفى النهاية: وفيه انه كان يدعى إلى خبز الشعير والاهالة السنخة. كل شئ من الادهان مما يؤتدم به: اهالة. وقيل: هو ما اذيب من الالية والشحم و قيل: الدسم الحامد. والسنخة: المتغيرة الريح. (4) من مسيرة خ ل. (5) في المصدر: قد رتبتاهما. (6) الضح: الشمس وضوؤها. والقر: البرد. وفى المصدر: في الفتح على الريح. (7) ما اكلم خ ل. (8) وشد خ ل. أقول: الناضح: البعير يستقى عليه.

[204]

قال الناس: هذا راكب على الطريق، فقال النبي صلى الله عليه واله: " كن أبا خيثمة أولى لك (1) " فلما دنا قال الناس: هذا أبو خيثمة يا رسول الله صلى الله عليه واله، فأناخ راحلته و سلم على رسول الله صلى الله عليه واله فقال: " أولى لك " فحدثه الحديث فقال له خيرا ودعا له وهو الذي زاع قلبه للمقام ثم ثبته الله " على النبي والمهاجرين والانصار " إنما ذكر اسم النبي صلي الله عليه واله مفتاحا للكلام، وتحسينا له، ولانه سبب توبتهم، و إلا فلم يكن منه ما يوجب التوبة، وقد روي عن الرضا عليه السلام أنه قرأ " لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والانصار الذين اتبعوه - في الخروج معه إلى تبوك - في ساعة العسرة (2) " وهي صعوبة الامر، قال جابر: يعني عسرة الزاد وعسرة الظهر، وعسرة الماء، والمراد وقت العسرة، لان الساعة تقع على كل زمان " من بعد ما كاد تزيغ (3) قلوب فريق منهم " عن الجهاد فهموا بالانصراف فعصمهم (4) الله " ثم تاب عليهم " بعد ذلك الزيغ " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " أي عن قبول التوبة بعد قبول توبة من قبل توبتهم (5) من المنافقين كما قال: وآخرون مرجون لامر الله " أو خلفوا عن غزاة تبوك لما تخلفوا، وأما قراءة أهل البيت عليهم السلام " خالفوا " فإنهم قالوا: لو كانوا خلفوا لما توجه عليهم العتب، ولكنهم خالفوا وهذه الآية نزلت في شأن كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن امية، و ذلك أنهم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه واله، ولم يخرجوا معه لا عن نفاق، ولكن عن توان، ثم ندموا، فلما قدم النبي صلى الله عليه واله المدينة جاؤا إليه واعتذروا فلم يكلمهم


(1) اولى لك: كلمة تهدد ووعيد، والمعنى قد قاربك الشر فاحذر. وقيل: معناه الويل لك. (2) الظاهر انه تفسير للاية ولم يرد عليه السلام انه الاية بالفاظها. (3) هكذا في نسخة المصنف - رحمه الله - وفيه وهم، والصحيح كما في المصدر والمصحف الشريف: " يزيغ ". (4) في المصدر: فهموا بالانصراف من غزاتهم من غير امر فعصمهم الله تعالى من ذلك حتى مضوا مع النبي صلى الله عليه وآله. (5) في المصدر: ممن قبل توبتهم.

[205]

النبي صلى الله عليه واله، وتقدم إلى المسلمين بأن لا يكلمهم أحد منهم، فهجرهم الناس حتى الصبيان، وجاءت نسأوهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقلن: يا رسول الله نعتزلهم ؟ فقال: لا و لكن لا يقربوكن. فضاقت عليهم المدينة، فخرجوا إلى رؤوس الجبال، وكان أهاليهم يجيؤن لهم بالطعام ولا يكلمونهم، فقال بعضهم لبعض: قد هجرنا الناس، ولا يكلمنا أحد (1) فهلا نتهاجر نحن أيضا ؟ فتفرقوا ولم يجتمع منهم اثنان، وبقوا على ذلك خمسين يوما يتضرعون إلى الله ويتوبون إليه، فقبل الله توبتهم، وأنزل فيهم هذه الآية " حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت " أي برحبها وهذه صفة من بلغ غاية الندم حتى كأنه لا يجد لنفسه مذهبا، لانه كان نزلت توبة الناس ولم تنزل توبتهم لتشديد المحنة عليهم واستصلاحهم واستصلاح غيرهم لئلا يعودوا إلى مثله " وضاقت عليهم أنفسهم " عبارة عن المبالغة في الغم حتى كأنهم لم يجدوا لانفسهم موضعا يخفونها فيه. وقيل: معنى ضيق أنفسهم صدورهم بالهم الذي حصل لهم فيها " وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه " أي أيقنوا وعملوا أن لا معتصم من الله إلا به " ثم تاب عليهم ليتوبوا " أي سهل الله عليهم التوبة حتى تابوا وقيل: ليعودوا إلى حالتهم الاولى قبل المعصية، وقيل: أنزل توبة الثلاثة ليتوب المؤمنون من ذنوبهم " ما كان لاهل المدينة " ظاهره خبر ومعناه نهي، أي ما كان يجوز " ومن حولهم من الاعراب " قيل إنهم مزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم " أن يتخلفوا عن رسول الله " أي في غزوة تبوك " ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " أي يطلبوا نفع نفوسهم بتوقيتها دون نفسه وقيل: ولا يرضوا لانفسهم بالحفظ (2) والدعة، ورسول الله في الحر والمشقة، يقال: رغبت بنفسي عن هذا الامر، أي ترفعت عنه، بل عليهم أن يجعلوا أنفسهم وقاية للنبي صلى الله عليه واله " ذلك " أي ذلك النهي والزجر عن التخلف " بأنهم لا يصيبهم ظمأ " أي عطش " ولا نصب ". ولا تعب في أبدانهم " ولا مخمصة " وهي شدة الجوع " في سبيل الله " أي في طاعته " ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار " أي لا يضعون أقدامهم موضعا يغيظ


(1) احد منهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) بالخفض خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[206]

الكفار وطؤهم إياه أي دار الحرب " ولا ينالون من عدو نيلا " أي ولا يصيبون من المشركين أمرا من قتل أو جراحة أو مال أمر يغمهم ويغيظهم " إلا كتب لهم به عمل صالح " وطاعة رفيعة " إن الله لا يضيع أجر المحسنين " أي الذين يفعلون الافعال الحسنة " ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة " في الجهاد ولا في غيره من سبل الخير والمعروف " ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم " ثواب ذلك " ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون " أي يكتب طاعاتهم ليجزيهم عليها بقدر استحقاقهم، ويزيدهم من فضله حتى يصير الثواب أكثر وأحسن من عملهم، وقيل: إن الاحسن من صفة فعلهم، لان الاعمال على وجوه: واجب، ومندوب، ومباح. وإنما يجازى على الواجب والمندوب دون المباح، فيقع الجزاء على أحسن الاعمال (1). بيان: قال في القاموس: اللعس بالتحريك: سواد مستحسن في الشفة، لعس كفرح، والنعت ألعس ولعساء من لعس. والسرب: الحفير تحت الارض. والقين الحداد، وبنو القين حي من أسد. وشاد الحائط يشيده: طلاه بالشيد، وهو ماطلي به حائط من جص ونحوه. وقوله: " على " متعلق بقوله: بنيت، أو حال عن الدور وفي بعض النسخ: شاروا بالراء، من قولهم: شرت الدابة شورا: عرضتها على البيع فالظرف متعلق بقوله: شاروا، والشورة والشارة: الحسن، والهيئة، واللباس، و الزينة، والشوار: متاع البيت. والدال أنسب. وفي النهاية: كل شئ من الادهان مما يؤتدم به إهالة، وقيل: هو ما اذيب من الالية والشحم، وقيل: الدسم الجامد. والنسخة المتغيرة الريح. وقال: في حديث أبي خيثمة: يكون رسول الله في الضح والريح، وأنا في الظل، أي يكون بارزا لحر الشمس وهبوب الرياح، والضح: ضوء الشمس إذا استمكن من الارض هكذا هو أصل الحديث ومعناه. وذكره الهروي فقال: أراد كثرة الخيل والجيش يقال: جاء فلان بالضح والريح، أي بما طلعت عليه الشمس، وهبت عليه الريح يغنون المال الكثير والاول أشبه بهذا الحديث.


(1) مجمع البيان 5: 79 - 82.

[207]

وقال في قوله: كن أبا خيثمة: أي صر، يقال للرجل يرى من بعد: كن فلانا أي أنت فلان، أو هو فلان، وقال: أولى لك، أي قرب منك ما نكره، وهي كلمة تلهف يقولها الرجل إذا أفلت من عظيمة، وقيل: هي كلمة تهدد ووعيد، قال الاصمعي: معناه قاربه ما يهلكه. 1 - شا: ثم كانت غزاة تبوك، فأوحى الله عز اسمه إلى نبيه صلى الله عليه واله: أن يسير إليها بنفسه، ويستفر الناس للخروج معه، وأعلمه أنه لا يحتاج فيها إلى حرب، ولا يمني (1) بقتال عدو، وأن الامور تنقاد له بغير سيف، وتعيده بامتحان أصحابه بالخروج معه، واختبارهم ليتميزوا بذلك، وتظهر به سرائرهم، فاستنفرهم النبي صلى الله عليه واله إلى بلاد الروم، وقد أينعت ثمارهم واشتد القيظ عليهم، فأبطأ أكثرهم عن طاعته، رغبة في العاجل، وحرصا على المعيشة وإصلاحها، وخوفا من شدة القيظ و بعد المسافة (2)، ولقاء العدو، ثم نهض بعضهم على استثقال للنهوض، وتخلف آخرون ولما أراد النبي (3) صلى الله عليه واله الخروج استخلف أمير المؤمنين في أهله وولده وأزواجه ومهاجره، وقال (4): يا علي إن المدينة لا تصلح إلا بي أوبك (5)، ودلك أنه صلى الله عليه واله علم خبث (6) نيات الاعراب، وكثير من أهل مكة ومن حولها ممن غزاهم وسفك دماءهم فأشفق (7) أن يطلبوا المدينة عند نأيه عنها (8) وحصوله ببلاد الروم أو نحوها فمتى لم يكن فيها من يقوم مقامه لم يؤمن من معرتهم (9) وإيقاع الفساد في دار هجرته والتخطي إلى ما يشين أهله ومخلفيه، وعلم صلى الله عليه واله أنه لا يقوم مقامه في إرهاب العدو وحراسة دار الهجرة وحياطة من فيها إلا أمير المؤمنين عليه السلام، فاستخلفه استخلافا ظاهرا، و


(1) على بناء المفعول أي لا يبتلى. منه قدس سره. (2) بعد الشقة خ ل. (3) رسول الله خ ل. (4) وقال له خ ل. (5) وذلك شأن كل دولة ومملكة، لا يصلح الا بسلطانها أو خليفته. (6) علم من خبث خ ل. (7) واشفق خ ل. (8) أي بعده عنها ه (9) المعرة: المساءة والاذى.

[208]

نص عليه بالامامة من بعده نصا جليا، وذلك فيما تظاهرت به الرواية (1) أن أهل النفاق لما علموا باستخلاف رسول الله صلى الله عليه واله عليا على المدينة حسدوه لذلك، وعظم عليهم مقامه فيها بعد خروجه، وعلموا أنها تتحرس به (2) ولا يكون فيها للعدو مطمع، فساءهم ذلك، وكانوا يؤثرون خروجه معه لما يرجونه من وقوع الفساد و الاختلاط عند نأي رسول الله (3) صلى الله عليه واله عن المدينة، وخلوها من مرهوب مخوف يحرسها وغبطوه عليه السلام على الرفاهية والدعة بمقامه في أهله، وتكلف من خرج منهم المشاق بالسفر والخطر، فأرجفوا (4) به عليه السلام وقالوا: لم يستخلفه رسول الله صلى الله عليه واله إكراما له، وإجلالا ومودة. وإنما خلفه استثقالا له، فبهتوا بهذا الارجاف كبهت قريش للنبي صلى الله عليه واله بالجنة تارة، وبالشعر اخرى، وبالسحر مرة، و بالكهانة اخرى، وهم يعلمون ضد ذلك ونقيضه، كما علم المنافقون ضد ما أرجفوا به على أمير المؤمنين عليه السلام وخلافه، وأن النبي صلى الله عليه واله كان أخص الناس بأمير المؤمنين عليه السلام، وكان هو أحب الناس إليه وأسعدهم عنده، وأفضلهم لديه (5) فلما بلغ امير المؤمنين عليه السلام إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم وإظهار فضيحتهم، فلحق بالنبي صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله إن المنافقين يزعمون أنك خلفتني (6) استثقالا ومقتا فقال له النبي صلى الله عليه واله: " ارجع يا أخي إلى مكانك، فإن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، فأنت خليفتي في أهل بيتي (7) ودار هجرتي وقومي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي ؟ " فتضمن هذا القول من رسول الله صلى الله عليه واله نصه عليه بالامامة، وإبانته من الكافة بالخلافة، ودل به على فضل لم يشركه فيه أحد سواه، وأوجب له به جميع منازل هارون من موسى إلا ما خصه العرف من


(1) تظاهرت به الرواة خ ل (2) تتحرس به وتتحصن خ ل. (3) النبي خ ل. (4) ارجف: خاض في الاخبار السيئة قصدان يهيج الناس. (5) في المصدر: واسعدهم عنده، واحظاهم عنده، وافضلهم لديه. (6) انما خلفتني خ ل. (7) في اهلي خ ل.

[209]

الاخوة (1) واستثناه هو من النبوة، ألا ترى أنه صلى الله عليه واله جعل له كافة منازل هارون من موسى إلا المستثنى منها لفظا وعقلا، وقد علم (2) من تأمل معاني القرآن و تصفح الروايات والاخبار أن هارون كان أخا موسى عليه السلام لابيه وامه، وشريكه في أمره، ووزيره على نبوته، وتبليغه رسالات ربه، وأن الله سبحانه شد به أزره وأنه كان خليفته على قومه، وكان له من الامامة عليهم وفرض الطاعة كإمامته وفرض طاعته، وأنه كان أحب قومه إليه، وأفضلهم لديه، قال الله عزوجل حاكيا عن موسى عليه السلام: (3) " رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري (4) " الآية، فأجاب الله تعالى مسألته، وأعطاه امنيته (5) حيث يقول: (6) " قد اوتيت سؤلك يا موسى (7) " وقال تعالى حاكيا عن موسى: " وقال موسى لاخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (8) " فلما جعل رسول الله صلى الله عليه واله عليا عليه السلام منه بمنزلة هارون من موسى أوجب له بذلك جميع ما عددناه إلا ما خصه العرف من الاخوة (9) واستثناه من النبوة لفظا، وهذه فضيلة لم يشرك فيها أحد من المخلوقين (10) أمير المؤمنين، ولا ساواه في معناها ولا قاربه فيها على حال، ولو علم الله عزوجل أن لنبيه صلى الله عليه واله في هذه الغزاة حاجة إلى الحرب والانصار لما أذن له في تخليف أمير المؤمنين عليه السلام عنه


(1) واما الاخوة فقد جعل - صلى الله عليه وآله - له مرتين، ونص عليه كرارا، فهو أخوه شرعا وان لم يكن ابا واما. (2) في المصدر: وقد علم كل من تأمل. (3) قال خ ل. (4) طه: 25 - 42. (5) وأعطاه سؤله في ذلك وامنيته خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (6) قال خ ل. (7) طه: 36. (8) الاعراف: 142. (9) وهى ايضا حاصلة له شرعا كما ذكرنا قبيل ذلك. (10) في المصدر: من الخلق.

[210]

حسب ما قدمناه، بل علم أن المصلحة في استخلافه، وأن إقامته في دار هجرته مقامه أفضل الاعمال، فدبر الخلق والدين بما قضاه في ذلك وأمضاه، على ما بيناه وشرحناه (1). أقول: سيأتي تمام القول في هذا الخبر، وكونه نصا على إمامته عليه السلام في أبواب النصوص عليه صلوات الله عليه. 2 - فس: " انفروا خفافا وثقالا " قال: شبابا وشيوخا، يعني إلى غزوة تبوك، وفي رواية أبي الجارود في قوله: " لو كان عرضا قريبا " يقول: غنيمة قريبة " لاتبعوك " قوله: " ولكن بعدت عليهم الشقة " يعني إلى تبوك، وذلك أن رسول الله لم يسافر سفرا أبعد منه، ولا أشد منه، وكان سبب ذلك أن الصيافة (2) كانوا يقدمون المدينة من الشام معهم الدرنوك والطعام وهم الانباط (3) فأشاعوا بالمدينة أن الروم قد أجتمعوا يريدون غزو رسول الله صلى الله عليه واله في عسكر عظيم، وأن هرقل قد سار في جنوده (4) وجلب معهم غسان وجذام وفهرا وعاملة، وقد قدم عساكره البلقاء، ونزل هو حمص، فأمر رسول الله أصحابه التهيؤ إلى تبوك وهي من بلاد البلقاء وبعث إلى القبائل حوله وإلى مكة وإلى من أسلم من خزاعة ومزينة و جهينة، فحثهم على الجهاد، وأمر رسول الله صلى الله عليه واله بعسكره فضرب في ثنية الوداع (5) وأمر أهل الجدة أن يعينوا من لا قوة به، ومن كان عنده شئ أخرجوا (6) وحملوا وقووا وحثوا على ذلك، وخطب رسول الله صلى الله عليه واله فقال بعد أن حمد الله وأثنى (7)


(1) ارشاد المفيد: 79 - 81. (2) الصافة خ ل. أقول: الصيافة: الذين يمترون في الصيف. (3) الدرنوك: نوع من البسط له خمل وفى المصدر: الدرموك أي الطنفسة وفى الامتاع: الدرمك أي الدقيق الحوارى والانباط جمع النبط: قوم من العجم كانوا ينزلون بين العراقين. (4) قد سار في جمعه وجنوده خ ل. (5) وامر رسول الله بعسكره ان يبرزوا إلى ثنية الوداع خ ل. (6) اخرجه خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (7) بعد حمد الله والثناء عليه خ ل.

[211]

عليه: " أيها الناس إن أصدق الحديث كتاب الله وأولى القول (1) كلمة التقوى (2) وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنة سنن محمد (3) وأشرف الحديث ذكر الله، و أحسن القصص هذا القرآن، وخير الامور عزائمها (4) وشر الامور محدثاتها، و أحسن الهدى هدى الانبياء، وأشرف القتل قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الاعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذب (5) وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما القي في القلب اليقين، والارتياب من الكفر، والتباعد من عمل الجاهلية (6) و الغلول من جمر جهنم (7) والسكر جمر النار (8) والشعر من إبليس، والخمر جماع الاثم (9) والنساء حبائل إبليس (10) والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم (11) والسعيد من وعظ بغيره، والشقي


(1) وأولو القربى خ. (2) في الامتاع: واوثق العرى كلمة التقوى. (3) وخير السنة سنة محمد خ ل. أقول: في المصدر: (وخير السنن سنة محمد) وفى الامتاع: وخير السنن سنن محمد. (4) أوسطها خ ل. اقول: في الامتاع: وخير الامور عواقبها. (5) في الامتاع: اللسان الكذوب. (6) في المصدر والامتاع ومن لا يحضره الفقيه: والنياحة من عمل الجاهلية. (7) من قيح جهنم خ ل. (8) في الامتاع: (والشكر كن من النار) ولعله مصحف: والموجود في كتاب من لا يحضره الفقيه ايضا مثل الصلب. أقول هو تصحيف السكركة وهو الغبيراء شراب تعمله الحبشة (البهبودى). (9) في الفقيه: الخمر جماع الاثام. (10) في الامتاع: (حبالة) وفى الفقيه: حبالة الشيطان. ابليس خ ل (11) زاد في الفقيه: ظلما.

[212]

من شقي في بطن امه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والامر إلى آخره، وملاك العمل خواتيمه، وأربى الربا الكذب (1)، وكل ما هو آت قريب وشنآن (2) المؤمن فسق وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن توكل على الله كفاه، ومن صبر ظفر، ومن يعف يعف الله عنه (3) ومن كظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية (4) يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصم (5) يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه اللهم اغفر لي ولامتي، اللهم اغفر لي ولامتي، أستغفر الله لي ولكم (6) ". قال: فرغب الناس في الجهاد لما سمعوا هذا من رسول الله صلى الله عليه واله، وقدمت القبائل من العرب ممن استنفرهم، وقعد عنه قوم من المنافقين وغيرهم، ولقي رسول الله الجد بن قيس فقال له: يا باوهب ألا تنفر معنا في هذه القرى (7) لعلك أن تحتفد بنات (8) الاصفر ؟ فقال: يا رسول الله، والله إن قومي ليعلمون أنه ليس فيهم أحد أشد عجبا بالنساء مني، وأخاف إن خرجت معك أن لا أصبر إذا رأيت


(1) في الامتاع: وشر الرؤيا رؤيا الكذب. (2) سباب خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر والامتاع والفقيه، الا انه قال: (سباب المؤمن فسوق) وسباب ككتاب: الشتم وشنآن: البغض والعداوة. (3) في المصدر المطبوع: (ومن يعف عن الناس) ولم يذكر في الامتاع من قوله: " ومن توكل " إلى قوله: " ظفر " وزاد (ومن يتأل على الله يكذبه) أقول: تألى يتألى: حكم عليه وحلف. (4) في الامتاع ونسخة من الفقيه: (ومن يكظم الغيظ) والرزية: المصيبة العظيمة. (5) في الامتاع: ومن يتتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر. (6) ذكره المقريزى في الامتاع: ص 460، وذكر قطعة منه شيخنا الصدوق قدس سره في الفقيه 2: 342. (7) الغزاة خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع وفى المخطوط: هذه الغزوة (8) تستحفد من خ ل وفى الامتاع: (تحتقب) أقول: احتقبه على ناقته أي اركبه وراءه وبنات الاصفرهم بنات الروم.

[213]

بنات الاصفر، فلا تفتني، وائذن لي أن اقيم، وقال لجماعة من قومه: لا تخرجوا في الحر، فقال ابنه: ترد على رسول الله صلى الله عليه واله، وتقول له ما تقول، ثم تقول لقومك: لا تنفروا في الحر ؟ والله لينزلن الله في هذا قرآنا يقرأه الناس إلى يوم القيامة، فأنزل الله على رسوله في ذلك: " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ". ثم قال الجد بن قيس: أيطمع محمد أن حرب الروم مثل حرب غيرهم ؟ لا يرجع من هؤلاء أحد أبدا. وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة " أما الحسنة فالغنيمة والعافية، وأما المصيبة فالبلاء و الشدة. " يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون " إلى قوله: " و على الله فليتوكل المؤمنون " وقوله: " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين " يقول: الغنيمة والجنة، إلى قوله: " إنا معكم متربصون " ونزل (1) أيضا في الجد بن قيس في رواية علي بن إبراهيم (2) لما قال لقومه: لا تخرجوا في الحر: " فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله " إلى قوله: " وماتوا وهم فاسقون (3) " ففضح الله الجد بن قيس وأصحابه، فلما اجتمع لرسول الله صلى الله عليه واله الخيول رحل (4) من ثنية الوداع، وخلف أمير المؤمنين عليه السلام على المدينة، فأرجف المنافقون بعلي عليه السلام فقالوا: ما خلفه إلا تشؤما به، فبلغ ذلك عليا عليه السلام فأخذ سيفه وسلاحه و لحق برسول الله صلى الله عليه واله بالجرف، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: يا علي ألم أخلفك على المدينة ؟ قال: نعم، ولكن المنافقون زعموا أنك خلفتني تشؤما بي، فقال: " كذب المنافقون يا علي، أما ترضى، أن تكون أخى وأنا أخوك بمنزلة هارون من موسى (5)


(1) في المصدر: ونزلت. (2) قال خ ل. (3) ذكرنا موضع الايات في اول الباب. (4) ارتحل خ ل (5) في المصدر المطبوع: وانت منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبى بعدى وان كان بعدى بنى لقلت: انت وانت، وانت خليفتي.

[214]

إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت خليفتي في امتي، وأنت وزيري وأخي في الدنيا و الآخرة " فرجع علي عليه السلام إلى المدينة. وجاء البكاؤن إلى رسول الله وهم سبعة من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير فقد شهد بدرا لا اختلاف فيه، ومن بني واقف هرمي بن (1) عمير، ومن بني حارثة علية بن زيد (2) وهو الذي تصدق بعرضه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله أمر بصدقة فجعل الناس يأتون بها، فجاء علية فقال: يا رسول الله والله ما عندي ما أنصدق به وقد جعلت عرضي حلا، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: قد قبل الله صدقتك، ومن بني مازن بن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني سلمة (3) عمر بن غنمة ومن بني زريق سلمة بن صخر، ومن بني الغر ناصر (4) بن سارية السلمي، هؤلاء جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه واله يبكون، فقالوا: يا رسول الله ليس بنا قوة أن نخرج معك، فأنزل الله فيهم: " ليس على الضعفاء ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحو الله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم " إلى قوله: " ألا يجدوا ما ينفقون " قال: وإنما سألوا هؤلاء البكاؤن نعلا يلبسونها، ثم قال: " إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف " والمستأذنون ثمانون رجلا من قبائل شتى، والخوالف النساء. وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " عفى الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " يقول: تعرف أهل العذر والذين جلسوا بغير عذر. قوله: " لا يستأذنك الذين يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين " إلى قوله: " لو خرجوا فيكم


(1) مدمى (عادى خ) بن عمير خ ل. والمصدر يوافق ما في الصلب، وفى الامتاع: هرمى بن عمرو المزني. وفى السيرة: هرمى بن عبد الله اخو بنى واقف. (2) في السيرة والامتاع: علبة بن زيد الحارثى. (3) ومن بنى مسلمة عمرو بن غنمة خ ل. أقول: في الامتاع: ثعلبة بن غنمة السلمى. (4) ناضر خ ل. أقول: في السيرة والامتاع: العرباض بن سارية السلمى.

[215]

ما زادوكم إلا خبالا " أي وبالا " ولاوضعوا خلالكم " أي يهربوا عنكم، وتخلف عن رسول الله قوم أهل نيات وبصائر لم يكن يلحقهم شك ولا ارتياب، ولكنهم قالوا: نلحق برسول الله، منهم أبو خيثمة، وكان له زوجتان وعريشتان (1) فكانتا (2) زوجتاه قد رشتا عريشتيه (3) وبردتا له الماء وهيأتا له طعاما فأشرف على عريشتيه (4) فلما نظر إليهما قال: لا والله ما هذا بإنصاف، رسول الله صلى الله عليه واله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قد خرج في الضح (5) والريح، وقد حمل السلاح يجاهد في سبيل الله، وأبو خيثمة قوي قاعد في عريشته (6) وامرأتين حسناوين، لا والله ما هذا بإنصاف، ثم أخذ ناقته فشد عليها رحله فلحق (7) برسول الله صلى الله عليه واله فنظر الناس إلى راكب على الطريق فأخبروا رسول الله بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: كن أبا خيثمة، أقبل (8) فأخبر النبي صلى الله عليه واله بما كان (9) فجزاه خيرا ودعا له. وكان أبو ذر رحمه الله تخلف عن رسول الله صلى الله عليه واله ثلاثة أيام، وذلك أن جمله كان أعجف (10) فلحق بعد ثلاثة أيام (11) ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره، فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل، فقال رسول الله: كن أبا ذر، فقالوا: هو أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أدركوه بالماء فإنه عطشان، فأدركوه بالماء ووافى أبو ذر رسول الله صلى الله عليه واله ومعه إداوة فيها ماء فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يا باذر معك ماء وعطشت ؟ فقال: نعم يا رسول الله بأبي أنت


(1) وعريشان خ ل. أقول: العريش: البيت الذى يستظل به. شبه الخيمة. (2) في المصدر المطبوع: فكانت. (3 و 4) عريشيه خ ل. (5) الضح بالكسر: الشمس. ضوءها. (6) في عريشه مع امرأتين. أقول: في المصدر: حسناوتين. (7) ولحق خ ل. (8) فاقبل واخبر. (9) بما كان منه خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (10) عجف: ضعف وذهب سمنه فهو اعجف. (11) ثلاثة ايام به خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع.

[216]

وامي انتهيت إلى صخرة عليها (1) ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد، فقلت: لا أشربه حتى يشربه حبيبي رسول الله صلى الله عليه واله، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يا باذر (2) رحمك الله تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، وتدخل الجنة وحدك، يسعد بك قوم من أهل العراق، يتولون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك (3). بيان: أقول: سيأتي تمام الكلام في أحوال أبي ذر رضي الله عنه، وقال الجوهري: عاملت الرجل مصايفة، أي أيام الصيف، وصائفة القوم: ميرتهم في الصيف، والصائفة: غزوة الروم، لانهم يغزون صيفا لمكان البرد والثلج. وقال: الدرنوك: ضرب من البسط ذو خمل، وتشبه به فروة البعير وقال: النبط والنبيط: قوم ينزلون البطائح بين العراقين، والجمع أنباط. وتبوك: أرض بين الشام و المدينة. وبلقاء: بلد بالشام. قوله صلى الله عليه واله: واولوا القربى، لعل هذه الفقرة زيدت هنا من النساخ، و على تقديرها فيه تقدير مضاف، أي قول اولي القربي أو مودتهم. وقال في النهاية: فيه خير الامور عوازمها، أي فرائضها التي عزم الله تعالى عليك بفعلها، والمعنى ذوات عزمها التي فيها عزم، وقيل: هي ما وكدت رأيك و عزمك عليه، ووفيت بعهدا لله فيه. والعزم: الجد والصبر. وقال: فيه إياكم ومحدثات الامور، جمع محدثة بالفتح، وهي ما لم يكن معروفا في كتاب ولا سنة ولا إجماع. وقال: اليد العليا: المعطية، وقيل: المتعففة، والسفلى: السائلة و قيل: المانعة. وقال الفيروز آبادي: النزر: القليل، والالحاح في السؤال، والاحتثات والاستعجال، وما جئت إلا نزرا، أي بطيئا، وفلان لا يعطي حتى ينزر، أي حتى يلح عليه ويهان. وقال في النهاية: في الحديث: ومن الناس من لا يذكر الله إلا


(1) وعليها خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المخطوط، وفى المطبوع: فيها. (2) يا ابا ذر خ ل. (3) تفسير القمى: 266 - 270 سورة البراءة.

[217]

مهاجرا، يريد هجران القلب، وترك الاخلاص في الذكر، فكأن قلبه مهاجر للسانه، غير مواصل له، ومنه الحديث: ولا يسمعون القرآن إلا هجرا، يريد الترك والاعراض عنه. قوله صلى الله عليه واله: والتباعد، أي من الحق أو المؤمنين. والجمرة: النار المتقدة والجمع جمر، والسكر محركة: الخمر، وكل ما يسكر. وفي النهاية: الخمر جماع الاثم، أي مجمعه ومظنته قوله صلى الله عليه واله: والامر إلى آخره، أي الامر إنما ينفع إذا انتهى إلى آخره، أو الامر ينسب في الخير والشر، والسعادة والشقاوة إلى آخره. وعلى التقديرين الفقرة الثانية كالتفسير لها. وفي النهاية: الملاك بالكسر والفتح: قوام الشئ ونظامه وما يعتمد عليه. قوله صلى الله عليه واله: أربى الربا الكذب، الربا: الزيادة والنمو، أي لا يزيد ولا ينمو عقاب معصية كما ينمو عقاب الكذب، أو المراد أن عقابه أكثر من الربا فالمناسبة من جهة أن الربا زيادة في المال بغير حق، والكذب زيادة في القول بغير حق. وفي روايات العامة: شر الروايا روايا الكذب (1). قوله: وأكل لحمه أي بالغيبة. قوله صلى الله عليه واله: ومن يتبع السمعة، أي يعمل العمل ليسمعه الناس، أو يذكر عمله للناس ويحب ذلك، يسمع الله به على بناء التفعيل، أي يشهره الله تعالى بمساوي عمله، وسوء سريرته. قوله: تحتفد، أي تجعلهن حفدة لك، أي أعوانا وخدما، وفي بعض النسخ: تستحفد، ولعله أصوب. وقال في القاموس: بنو الاصفر: ملوك الروم، أولاد الاصفر بن روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، أو لان جنسا من الجيش غلب عليهم فوطئ نساءهم فولد لهم أولاد صفر. وقال الجوهري الضح: الشمس.


(1) قال الجزرى في النهاية: في حديث عبد الله: شر الروايا روايا الكذب، هي جمع روية وهى ما يروى الانسان في نفسه من القول والفكر، أي يزور ويفكر، واصلها الهمز، يقال: روأت في الامر، وقيل: هي جمع راوية: للرجل الكثير الرواية، والهاء للمبالغة، وقيل: جمع رواية أي الذين يروون الكذب أي تكثر رواياتهم فيه.

[218]

أقول: قال الطبرسي رحمه الله: البكاؤن كانوا سبعة نفر، منهم عبد الرحمن ابن كعب، وعلية بن زيد (1) وعمرو بن غنيمة (2) وهؤلاء من بني النجار، و سالم بن عمير، وهرم (3) بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو، من بني عمرو بن عوف، و عبد الله بن معقل (4) من بني مزينة، جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقالوا: يا رسول الله احملنا فإنه ليس لنا ما نخرج عليه، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، عن أبي حمزة الثمالي، وقيل: نزلت في سبعة نفر من قبائل شتى أتوا النبي صلى الله عليه واله فقالوا: احملنا على الخفاف والبغال (5) وقيل: كانوا جماعة من مزينة، وقيل: كانوا سبعة من فقراء الانصار، فلما بكوا حمل عثمان منهم رجلين، والعباس بن عبد المطلب رجلين، وياسر (6) بن كعب النضيري ثلاثة، عن الواقدي، قال: وكان الناس بتبوك مع رسول الله صلى الله عليه واله ثلاثين ألفا، منهم عشرة آلاف فارس (7). 3 - فس: كان مع رسول الله صلى الله عليه واله بتبوك رجل يقال له: المضرب من كثرة ضرباته التي أصابته ببدر واحد، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: عدلي أهل العسكر فعددهم (8) فقال: هم خمسة وعشرون ألف رجل سوى العبيد والتباع، فقال: عد المؤمنين، فعددهم (9) فقال: هم خمسة وعشرون رجلا، وقد كان تخلف عن رسول الله صلى الله عليه واله قوم من المنافقين، وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق


(1) في المصدر: عتبة بن زيد، وذكرنا قبلا ان في السيرة والامتاع: علبة بن زيد. (2) في المصدر: عمرو بن غنمة. وذكرنا قبلا ان في الامتاع: ثعلبة بن غنمة. (3) تقدم الخلاف في ذلك، وان الموجود في السيرة والامتاع: هرمى. (4) في السيرة والامتاع: عبد الله بن المغفل المزني. (5) زاد في المصدر: عن محمد بن كعب وابن اسحاق. (6) في المصدر: يامين بن كعب وفى الامتاع: يامين بن عمير بن كعب. وفى السيرة: ابن يامين بن عمير بن كعب النضرى وفى السيرة والامتاع انه حمل رجلين وهما عبد الرحمن ابن كعب وعبد الله بن مغفل على ما في السيرة (7) مجمع البيان 5: 60. (8 و 9) في المصدر: فعدهم.

[219]

منهم كعب بن مالك الشاعر، ومرارة بن الربيع، وهلال بن امية الرافقي (1) فلما تاب الله عليهم قال كعب: ما كنت قط أقوى مني في ذلك الوقت الذي خرج (2) رسول الله صلى الله عليه واله إلى تبوك، وما اجتمعت لي راحلتان قط إلا في ذلك اليوم، فكنت أقول: أخرج غدا، أخرج بعد غد، فاني مقوي (3) وتوانيت وبقيت بعد خروج النبي صلى الله عليه واله أياما أدخل السوق ولا أقضي (4) حاجة، فلقيت هلال بن امية ومرارة ابن الربيع وقد كانا تخلفا أيضا (5) فتوافقنا أن نبكر إلى السوق، فلم تقض لنا حاجة (6) فما زلنا نقول: نخرج غدا وبعد غد حتى بلغنا إقبال رسول الله صلى الله عليه واله فندمنا، فلما وافى رسول الله صلى الله عليه واله استقبلناه نهنيه بالسلامة فسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام، وأعرض عنا، وسلمنا على إخواننا فلم يردوا علينا السلام، فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا، وكنا نحضر المسجد فلا يسلم علينا أحد، ولا يكلمنا فجئن نساؤنا إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا، أفنعتزلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تعتزلنهم، ولكن لا يقربونكن، فلما رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حل بهم قال: ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلمنا رسول الله صلى الله عليه واله ولا إخواننا ولا أهلونا ؟ (7) فهلموا نخرج إلى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب الله علينا أو نموت، فخرجوا إلى ذناب (8) جبل بالمدينة، فكانوا يصومون، وكان أهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية، ثم يولون عنهم فلا يكلمونهم (9) فبقوا على هذا (10) أياما كثيرة يبكون الليل (11) والنهار، ويدعون الله أن يغفر لهم، فلما


(1) الواقفى خ ل. أقول: في المصدر المطبوع: المرافقى، وفى الامتاع: الواقفى. (2) خرج به خ ل. (3) المقوى: القوى. (4) فلا اقضي خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) في المصدر: وقد كانا قلقا ايضا. (6) في المصدر: فلم نقض حاجة. (7) ولا يكلمنا المسلمون ولا اهلونا خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المخطوط عندنا. (8) ذباب جبل خ ل. (9) ولا يكلمونهم خ ل. (10) في المصدر: على هذه الحالة. (11) يبكون بالليل خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[220]

طال عليهم الامر (1) قال لهم كعب: يا قوم قد سخط الله علينا، ورسوله قد سخط علينا، وإخواننا سخطوا (2) علينا، وأهلونا سخطوا (3) علينا، فلا يكلمنا أحد فلم لا يسخط بعضنا على بعض ؟ فتفرقوا في الليل (4) وحلفوا أن لا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب الله عليه، فبقوا على هذه ثلاثه أيام، كل واحد منهم في ناحية من الجبل، لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلمه، فلما كان في الليلة الثالثة ورسول الله صلى الله عليه واله في بيت ام سلمة نزلت توبتهم على رسول الله. قوله: " لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين (5) والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة " قال الصادق عليه السلام: هكذا نزلت وهو أبو ذر، وأبو خيثمة، وعمرو ابن (6) وهب الذين تخلفوا، ثم لحقوا برسول الله صلى الله عليه واله، ثم قال في هؤلاء الثلاثة: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " فقال العالم: إنما نزل: " وعلى الثلاثة الذين خالفوا (7) " ولو خلفوا لم يكن عليهم عتب (8) " حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت " حيث لم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه واله ولا إخوانهم ولا أهلوهم، فضاقت المدينة عليهم حتى خرجوا منها " وضاقت عليهم أنفسهم " حيث حلفوا أن لا يكلم بعضهم بعضا فتفرقوا، وتاب الله عليهم لما عرف من صدق نياتهم (9). 4 - فس: قوله في المنافقين: " قل لهم يا محمد: " أنفقوا طوعا أو كرها "


(1) الامد خ ل. (2 و 3) قد سخطوا خ ل. (4) في الجبل خ ل. (5) الموجود في المصدر المطبوع والمخطوط عندي: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين " وهو الصحيح الموافق للمصحف الشريف، واما نسخة المصنف فلعلها كانت مصحفة، أو كانت تلك قراءة عن الصادق عليه السلام، وروى الطبرسي في مجمع البيان تلك القراءة عن الرضا عليه السلام. (6) عمير بن وهب خ ل. أقول: في المصدر: عميرة بن وهب. (7) نسب الطبرسي في مجمع البيان تلك القراءة إلى على بن الحسين زين العابدين ومحمد ابن على الباقر وجعفر بن محمد الصادق عليهم السلام وابى عبد الرحمن السلمى. (8) عيب خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر: (9) تفسير القمى: 271 - 273.

[221]

إلى قوله: " وهم كافرون (1) " وكانوا يحلفون لرسول الله صلى الله عليه واله أنهم مؤمنون فأنزل الله: " ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون * لو يجدون ملجأ أو مغارات " يعني غارات في الجبال " أو مدخلا " قال: موضعا يلتجئون إليه " لولوا إليه وهم يجمحون (2) " أي يعرضون عنكم. قوله: " يحلفون بالله لكم ليرضوكم " فإنها نزلت في المنافقين الذين كانوا يحلفون للمؤمنين أنهم منهم لكي يرضى عنهم المؤمنون، فقال الله: " والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (3) " وقوله: " يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون (4) " قال: كان قوم من المنافقين لما خرج رسول الله صلى الله عليه واله إلى تبوك كانوا يتحدثون فيما بينهم، و يقولون: أيرى محمد أن حرب الروم مثل حرب غيرهم ؟ لا يرجع منهم أحد أبدا فقال بعضهم: ما أخلقه (5) أن يخبر الله محمدا بما كنا فيه وبما في قلوبنا، وينزل عليه بهذا قرآنا يقرأه (6) الناس ؟ وقالوا هذا على حد الاستهزاء، فقال رسول الله صلى الله عليه واله لعمار بن ياسر: الحق القوم فإنهم قد احترقوا، فلحقهم عمار فقال: ما قلتم ؟ قالوا: ما قلنا شيئا، إنما كنا نقول شيئا على حد اللعب والمزاح، فأنزل الله: " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ". وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم " قال: هؤلاء قوم كانوا مؤمنين صادقين ارتابوا وشكوا ونافقوا بعد إيمانهم، وكانوا أربعة نفر. وقوله: " إن نعف عن طائفة منكم " كان أحد الاربعة


(1) سورة التوبة. 53 - 55. (2) التوبة: 56 و 57. (3 و 4) التوبة: 62 و 64 - 66. (5) في المصدر: ما اخلفه. (6) فيقرأه.

[222]

مختبر بن الحمير (1) فاعترف وتاب، وقال: يا رسول الله أهلكني اسمي، فسماه رسول الله عبد الله بن عبد الرحمن، فقال: يا رب اجعلني شهيدا حيث لا يعلم أحد أين أنا، فقتل يوم اليمامة، ولم يعلم أحد أين قتل، فهو الذي عفى الله عنه. قال: ولما قدم النبي صلى الله عليه واله من تبوك كان أصحابه المؤمنون يتعرضون للمنافقين ويؤذونهم، فكانوا يحلفون لهم أنهم على الحق وليسوا بمنافقين، لكي يعرضوا عنهم ويرضوا عنهم (2) فأنزل الله سبحانه: " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم (3) " الآية قوله: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ " أي عطش " ولا نصب " أي عناء " ولا مخمصة في سبيل الله " أي جوع " ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار " يعني يدخلون بلاد الكفار " ولا ينالون من عدو نيلا (4) " يعني قتلا وأسرا (5). أقول: سيأتي أن رسول الله صلى الله عليه واله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن: أحدها يوم حملوا على رسول الله صلى الله عليه واله في العقبة، وهم اثنا عشر رجلا من بني امية، و خسمة من سائر الناس، فلعن رسول الله صلى الله عليه واله من على العقبة غير النبي صلى الله عليه واله و ناقته وسائقه وقائده. 5 - ل: العجلي، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول عن أبيه، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن أبيه، عن زياد بن المنذر (6) قال: حدثني جماعة من المشيخة عن حذيفة بن اليمان أنه قال: الذين نفروا برسول الله


(1) الجمر خ ل. أقول: في المصدر المطبوع: مخشى بن الحمير وفى الامتاع واسد الغابة: مخشى بن حمير، وفى السيرة: مخشن بن حمير. (2) في المصدر: ويرضوا عليهم. (3 و 4) التوبة: 95 و 120. (5) تفسير القمى: 273 و 275 و 276 و 278 و 282. (6) روى الصدوق قدس سره هذا الحديث من طريق زياد بن المنذر الزيدى الذى إليه تنسب الفرقة الجارودية، ولم يذكره من طرق الشيعة الامامية، واصحابنا الامامية لا يعتمدون على رواياته، بل ورد روايات من ائمتنا عليهم السلام في ذمه، واما العامة فذكره البخاري في رجاله 2: 340 وقال: سمع عطية وعن ابى جعفر، روى عنه مروان بن معاوية وعلى بن هاشم يتكلمون فيه.

[223]

ناقته في منصرفه من تبوك أربعة عشر: أبو الشرور، وأبو الدواهي، وأبو المعازف وأبوه، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وأبو الاعور، والمغيرة، و سالم مولى أبي حذيفة، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الاشعري وعبد الرحمن بن عوف، وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم: " وهموا بما لم ينالوا " (1). بيان: أبو الشرور وأبو الدواهي وأبو المعازف أبو بكر وعمر وعثمان، فيكون المراد بالاب الوالد المجازي، أو لانه كان ولد زنا، أو المراد بأبي المعازف معاوية وأبوه أبو سفيان، ولعله أظهر، ويؤيده الخبر السابق. 6 - م ج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام قال: لقد رامت الفجرة الكفرة (2) ليلة العقبة قتل رسول الله صلى الله عليه واله على العقبة، ورام من بقي من مردة المنافقين بالمدينة قتل علي بن أبي طالب عليه السلام، فما قدروا على مغالبة ربهم، حملهم على ذلك حسدهم لرسول الله صلى الله عليه واله في علي عليه السلام لما فخم من أمره، وعظم من شأنه من ذلك أنه لما خرج من المدينة وقد كان خلفه عليها وقال له: إن جبرئيل أتاني وقال لي: يا محمد إن العلي الاعلى يقرئك السلام (3) ويقول لك يا محمد: إما أنت تخرج (4) ويقيم علي، أو تقيم أنت ويخرج علي، لابد من ذلك، فإن عليا قد ندبته (5) لاحدى اثنتين، لا يعلم أحد كنه جلال من أطاعني فيهما، و عظيم (6) ثوابه غيري، فلما خلفه أكثر المنافقون الاقوال فيه، قالوا: (7) مله و سئمه، وكره صحبته، فتبعه علي عليه السلام حتى لحقه، وقد وجد بما قالوا فيه (8)


(1) الخصال 2: 91. (2) خلى الاحتجاج عن لفظه الكفرة (3) يقرأ عليك خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) اما ان تخرج انت. (5) ندب فلانا للامر أو إلى الامر: دعاه ورشحه للقيام به وحثه عليه. (6) وعظم خ ل. (7) فقالوا خ ل. أقول: في الاحتجاج: اكثر المنافقون الطعن فيه فقالوا. (8) مما قالوا فيه، خ ل أقول: يوجد ذلك في التفسير، وفى الاحتجاح: وقد وجد غما شديدا عما قالوا فيه

[224]

فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " ما أشخصك عن مركزك ؟ " قال: بلغني عن الناس كذا و كذا، فقال له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي ؟ " فانصرف علي إلى موضعه، فدبروا عليه أن يقتلوه، وتقدموا في أن يحفروا له في طريقه حفيرة طويلة بقدر (1) خمسين ذراعا، ثم غطوها بحصر دقاق (2) ونثروا فوقها يسيرا من التراب، بقدر ما غطوا وجوه الحصر (3) وكان ذلك على طريق علي الذي لابد له من سلوكه، ليقع هو دابته في الحفيرة التى قد عمقوها، وكان ما حوالي المحفور أرضا (4) ذات حجارة (5)، دبروا على أنه إذا وقع مع دابته في ذلك المكان كبسوه بالاحجار (6) حتى يقتلوه، فلما بلغ علي عليه السلام قرب المكان لوى فرسه عنقه، وأطاله الله فبلغت جحفلته اذنه (7) وقال: يا أمير المؤمنين قد حفر ههنا (8) ودبر عليك الحتف، وأنت أعلم لا تمر فيه، فقال له علي عليه السلام: جزاك الله من ناصح خيرا، كما تدبر تدبيري (9) فإن الله عز و جل لا يخليك من صنعه الجميل، وسار حتى شارف المكان فتوقف (10) الفرس خوفا


(1) قدر خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) بخص رقاق. أقول: يوجد ذلك في المصدر، وفى نسخة من التفسير: " بحصر رقاق " والخص بالضم: البيت من قصب أو شجر، ولعل المراد هنا نفس القصب، أو هو مصحف الخس بالسين. (3) وجوه الخص خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاحتجاج وفى نسخة من التفسير. (4) أرض خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاحتجاج، وفى التفسير: من حوالى المحفور أرض. (5) احجار خ ل. أقول: يوجد ذلك في نسخة من التفسير، وفى المصدر بعد ذلك: ودبروا. (6) بالحجارة خ ل. أقول: كبس البئر: طمها بالتراب. أي ملاها. (7) اذنيه خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاحتجاج، وفى التفسير: على اذنيه. والجحفل لذى الحافر كالشفة للانسان. (8) في الاحتجاج، " قد حفر لك ههنا " والحتف. الموت. (9) في التفسير. كما نذرتني. تدبر بتدبيري خ ل. (10) في المصدر: فوقف الفرس.

[225]

من المرور على المكان، فقال علي عليه السلام: سر بإذن الله سالما سويا، عجيبا شأنك بديعا أمرك، فتبادرت الدابة، فإذا ربك (1) عز وجل قدمتن (2) الارض وصلبها ولام حفرها، وجعلها كسائر الارض، فلما جاوزها علي عليه السلام لوى الفرس عنقه ووضع جحفلته على اذنه ثم قال: (3) ما أكرمك على رب العالمين، أجازك (4) على هذا المكان الخاوي، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: جازاك الله بهذه السلامة عن تلك النصيحة التي نصحتني (5) ثم قلب وجه الدابة إلى ما يلي كفلها، والقوم معه بعضهم كان أمامه، وبعضهم خلفه، وقال: اكشفوا عن هذا المكان فكشفوا عنه فإذا هو خاو، ولا يسير عليه أحد إلا وقع في الحفرة (6) فأظهر القوم الفزع والتعجب مما رأوا (7) فقال علي عليه السلام للقوم: أتدرون من عمل هذا ؟ قالوا: لا ندري، قال علي عليه السلام: لكن فرسي هذا يدري، يا أيها الفرس كيف هذا ؟ ومن دبر هذا ؟ فقال الفرس: يا أمير المؤمنين إذا كان الله عز وجل يبرم ما يروم جهال الخلق نقضه، أو كان ينقض ما يروم جهال الخلق إبرامه فالله هو الغالب والخلق هم المغلوبون فعل هذا يا أمير المؤمنين فلان وفلان (8) وفلان إلى أن ذكر العشرة بمواطاة عن أربعة وعشرين (9) هم مع رسول الله صلى الله عليه واله في طريقه، ثم دبروا هم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه واله على العقبة، والله عز وجل من وراء حياطة رسول الله صلى الله عليه واله، وولي الله لا يغلبه الكافرون، فأشار بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام عليه بأن يكاتب رسول


(1) الرب خ ل. أقول: في الاحتجاج: فان الله عزوجل. (2) متن الشئ: صيره متينا. صلبه أقول: في الاحتجاج: وصلبها كان لم تكن محفورة وجعلها. (3) وقال خ ل. (4) جوزك خ ل. أقول: يوجد ذلك في التفسير. (5) في الاحتجاج: عن نصيحتك التى نصحتني بها. (6) في الحفيرة خ ل. أقول: يوجد ذلك في التفسير. (7) في الاحتجاج: مما رأوا منه. (8) ذكره في الاحتجاج مرتين. (9) في المصدر: من اربعة وعشرين.

[226]

الله صلى الله عليه واله في ذلك (1) ويبعث رسولا مسرعا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن رسول الله إلى محمد (2) أسرع، وكتابه إليه أسبق، فلا يهمنكم (3) فلما قرب رسول الله صلى الله عليه واله من العقبة التي بازائها فضائح المنافقين والكافرين نزل دون العقبة، ثم جمعهم فقال لهم: هذا جبرئيل الروح الامين يخبرني أن عليا دبر عليه كذا وكذا، فدفع الله عزوجل عنه من ألطافه (4) وعجائب معجزاته بكذا وكذا، إنه صلب الارض تحت حافر دابته وأرجل أصحابه، ثم انقلب على ذلك الموضع علي عليه السلام وكشف عنه فرئيت الحفيرة، ثم إن الله عز وجل لائمها كما كانت لكرامته عليه، وإنه قيل له: كاتب بهذا وأرسل إلى رسول الله (5) صلى الله عليه واله فقال: رسول الله إلى رسول الله أسرع، وكتابه إليه أسبق، ولم يخبرهم رسول الله صلى الله عليه واله بما قال علي عليه السلام على باب المدينة: إن مع رسول الله (6) صلى الله عليه واله منافقين سيكيدونه، ويدفع الله تعالى عنه فلما سمع الاربعة والعشرون أصحاب العقبة ما قاله صلى الله عليه واله في أمر علي عليه السلام قال بعضهم لبعض: ما أمهر محمدا بالمخرقة، إن فيجا (7) مسرعا أتاه، أو طيرا من المدينة من بعض أهله وقع عليه ؟ أن عليا قتل بحيلة كذا (8) فهو الذي واطانا عليه أصحابنا فهو الآن لما بلغه كتم الخبر، وقلبه إلى ضده، يريد أن يسكن من معه، لئلا يمدوا أيديهم عليه، وهيهات والله ما لبث عليا بالمدينة إلا حينه (9) ولا أخرج محمدا إلى هاهنا إلا حينه (10) وقد هلك علي عليه السلام وهو ههنا هالك لا محالة، ولكن تعالوا حتى نذهب إليه ونظهر له السرور بأمر علي ليكون أسكن لقبه إلينا، إلى


(1) بذلك خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر (2) رسوله خ ل أقول: في الاحتجاج: " إلى محمد " وفى التفسير، إلى محمد رسول الله. (3) في التفسير، " فلا يهمنكم هذا " وفى الاحتجاج، فلا يهمنكم هذا. (4) بألطافه خ ل. (5) راسل رسول الله خ. (6) ان الذين مع رسول الله خ. (7) وإن فيجا خ أقول: الفيج: رسول السلطان الذى يسعى على رجليه. (8) كذا وكذا وهو خ أقول: يوجد ذلك في الاحتجاج، وكذا في التفسير الا ان فيه: وهى. (9 و 10) حتفه خ ل. أقول يوجد ذلك في الاحتجاج.

[227]

أن نمضي فيه تدبيرنا، فحضروه وهنؤه على سلامة علي من الورطة التي رامها أعداؤه ثم قالوا له أخبرنا عن علي أهو أفضل أم ملائكة الله المقربون ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: وهل شرفت الملائكة إلا بحبها لمحمد وعلي، وقبولها لولايتهما ؟ إنه لا أحد من محبي علي عليه السلام نظف (1) قلبه من قذر (2) الغش والدغل والغل ونجاسة (3) الذنوب إلا كان أطهر وأفضل من الملائكة، وهل أمر الله الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا قد وضعوه في نفوسهم ؟ إنه لا يصير في الدنيا خلق بعدهم إذا رفعوهم (4) عنها إلا وهم يعنون أنفسهم أفضل منهم (5) في الدين فضلا، وأعلم بالله وبدينه علما، فأراد الله أن يعرفهم أنهم قد أخطؤوا في ظنونهم واعتقاداتهم فخلق آدم وعلمه الاسماء كلها، ثم عرضها عليهم فعجزوا عن معرفتها، فأمر آدم أن ينبئهم بها، وعرفهم فضله في العلم عليهم، ثم أخرج من صلب آدم ذرية (6) منهم الانبياء والرسل، والخيار من عباد الله، أفضلهم محمد، ثم آل محمد صلى الله عليه واله، ومن الخيار الفاضلين منهم أصحاب محمد ؟ وخيار أمة محمد، وعرف الملائكة بذلك أنهم أفضل من الملائكة إذا احتملوا ما حملوه من الاثقال وقاسوا ما هم فيه بعرض (7) من أعوان الشياطين ومجاهدة النفوس، واحتمال أذى ثقل العيال والاجتهاد في طلب الحلال، ومعاناة مخاطرة الخوف من الاعداء من لصوص مخوفين، ومن سلاطين جورة قاهرين، و صعوبة في المسالك (8) في المضائق والمخاوف، والاجزاع والجبال والتلال (9)


(1) قد نظف خ ل. أقول، في التفسير: وقد تنظف. (2) أقذار خ ل. (3) ونجاسات خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر (4) رفعوا خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) أفضل منه خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (6) في المصدر: ذريته. (7) في التفسير، (وقاسوا ما هم فيه مما يعرض من اغواء الشياطين) وفى الاحتجاج. وقاسوا ما هم فيه بعرض يعرض من اعوان الشياطين. (8) في التفسير: وصعوبة المسالك. (9) في التفسير: (الاجواع والاجزاع) وفى الاحتجاج: (والاجراع) وفيه: والتلاع.

[228]

لتحصيل أقوات الانفس والعيال من الطيب الحلال، عرفهم الله عز وجل أن خيار المؤمنين سيحتملون هذه البلايا، ويتخلصون منها، ويحاربون الشياطين و يهزمونهم، ويجاهدون أنفسهم بدفعها عن شهواتها، ويغلبونها مع ما ركب فيهم من شهوة (1) الفحولة وحب اللباس والطعام والعز والرياسة والفخر والخيلاء ومقاساة العناء (2) والبلاء من إبليس لعنه الله وعفاريته، وخواطرهم وإغوائهم و استهوائهم، ودفع ما يكابدونه (3) من ألم الصبر على سماع الطعن (4) من أعداء الله وسماع الملاهي والشتم لاولياء الله، ومع ما يقاسونه في أسفارهم لطلب أقواتهم والهرب من أعداء دينهم، والطلب لما يأملون معاملته من مخالفيهم في دينهم، قال الله عزوجل: يا ملائكتي وأنتم من جميع ذلك بمعزل، لا شهوات الفحولة تزعجكم ولا شهوة الطعام تحفزكم (5) ولا خوف من أعداء دينكم (6) ودنياكم ينخب في قلوبكم، ولا لابليس في ملكوت سماواتي وأرضي شغل (7) على إغواء ملائكتي الذين قد عصمتهم منهم، يا ملائكتي فمن أطاعني منهم وسلم دينه من هذه الآفات والنكبات فقد احتمل في جنب محبتي ما لم تحتملوا، واكتسب من القربات إلي ما لم تكتسبوا فلما عرف الله ملائكته فضل خيار أمة محمد صلى الله عليه واله وشيعة علي و خلفائه (8) عليهم السلام واحتمالهم في جنب محبة ربهم ما لا تحتمله (9) الملائكة أبان بني آدم الخيار المتقين بالفضل عليهم، ثم قال: فلذلك فاسجدوا لآدم لما كان مشتملا على أنوار هذه الخلائق الافضلين، ولم يكن سجودهم لآدم، إنما كان آدم قبلة لهم


(1) في الاحتجاج: من شهوات الفحولة. (2) الضناء خ ل. أقول: في التفسير: ومقاساة الضناء والعناء من ابليس. (3) كابد الامر: قاساه وتحمل المشاق في فعله. (4) في الاحتجاج. على سماعهم الطعن. (5) حفزه: دفعه من خلفه. (6) ولا خوف من اعداء الله على دينكم خ ل. أقول: في التفسير: ولا الخوف. (7) في نسخة من التفسير: سبيل في اغواء ملائكتي. (8) في التفسير: وخلفائه عليهم. (9) ما لم تحتمله. (*)

[229]

يسجدون نحوه لله عز وجل، وكان بذلك معظما له مبجلا، ولا ينبغي لاحد أن يسجد لاحد من دون الله يخضع له خضوعه لله، ويعظم به (1) السجود كتعظيمه لله ولو أمرت أحدا أن يسجد هكذا لغير الله لامرت ضعفاء شيعتنا وسائر المكلفين أن يسجدوا لمن توسط في علوم علي وصي رسول الله صلى الله عليه واله، ومحض وداد خير خلق الله علي بعد محمد رسول الله صلى الله عليه واله، واحتمل المكاره والبلايا في التصريح بإظهار حقوق الله ولم ينكر علي حقا أرقبه عليه قد كان جهله أو أغفله (2). ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: عصى الله إبليس فهلك لما كانت معصيته بالكبر على آدم، وعصى الله آدم بأكل الشجرة فسلم ولم يهلك لما لم يقارن بمعصيته التكبر على محمد وآله الطيبين، وذلك أن الله تعالى قال له: يا آدم عصاني فيك إبليس، وتكبر عليك فهلك، ولو تواضع لك بأمري وعظم عز جلالي لافلح كل الفلاح كما أفلحت وأنت عصيتني بأكل الشجرة وبالتواضع لمحمد وآل محمد تفلح كل الفلاح، و تزول عنك وصمة (3) الزلة فادعني بمحمد وآله الطيبين عليهما السلام لذلك، فدعا بهم فأفلح كل الفلاح لما تمسك بعروتنا أهل البيت، ثم إن رسول الله صلى الله عليه واله أمر بالرحيل في أول نصف الليل الاخير، وأمر مناديه فنادى: ألا لا يسبقن رسول الله صلى الله عليه واله أحد إلى العقبة ولا يطأها حتى يجاوزها رسول الله صلى الله عليه واله، ثم أمر حذيفة أن يقعد في أصل العقبة فينظر من يمر به (4)، ويخبر رسول الله صلى الله عليه واله، وكان رسول الله صلى الله عليه واله أمر أن يتشبه (5) بحجر فقال حذيفة: يا رسول الله صلى الله عليه واله إني أتبين الشر في وجوه رؤساء عسكرك، وإني أخاف إن قعدت في أصل الجبل وجاء منهم من أخاف أن يتقدمك إلى هناك للتدبير عليك يحس بي فيكشف عني فيعرفني وموضعي


(1) ويعظم له خ ل أقول: في الاحتجاج: ويعظم السجود له. (2) في المصدر: أو غفله. (3) وصمة الذلة خ ل: أقول: يوجد ذلك في التفسير. والوصمة: العيب والعار الفترة في الجسد. (4) في الاحتجاج: من يمر بها. (5) أن يتشبث خ ل. أقول: يوجد ذلك في التفسير، وفى نسخة منه: أن يتستر.

[230]

من نصيحتك فيتهمني ويخافني فيقتلني، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إنك إذا بلغت أصل (1) العقبة فاقصد أكبر صخرة هناك إلى جانب أصل العقبة وقل لها: إن رسول الله صلى الله واله يأمرك أن تنفرجي لي حتى جوفك ثم، يأمرك أن ينثقب فيك ثقبة (2) أبصر منها المارين، ويدخل علي منها الروح لئلا أكون من الهالكين، فإنها تصير إلى ما تقول لها بإذن الله رب العالمين، فأدى حذيفة الرسالة، ودخل جوف الصخرة، وجاء الاربعة والعشرون على جمالهم وبين أيديهم رجالتهم (3)، يقول بعضهم لبعض: من رأيتموه ههنا كائنا من كان فاقتلوه لئلا يخبروا محمدا أنهم قد رأونا هنا فينكص محمد، ولا يصعد هذه العقبة إلا نهارا فيبطل تدبيرنا عليه، فسمعها حذيفة واستقصوا فلم يجدوا أحدا، وكان الله قد ستر حذيفة بالحجر عنهم فتفرقوا فبعضهم صعد على الجبل وعدل عن الطريق المسلوك، وبعضهم وقف على سفح (4) الجبل عن يمين وشمال، وهم يقولون: ألا ترون (5) حين محمد كيف أغراه، بأن يمنع الناس من صعود العقبة (6) حتى يقطها هو لنخلو به ههنا فيمضي (7) فيه تدبيرنا وأصحابه عنه بمعزل، وكل ذلك يوصله الله من قريب أو بعيد إلى اذن حذيفة ويعيه حذيفة فلما تمكن القوم على الجبل حيث أرادوا كلمت الصخرة حذيفة وقالت: انطلق الآن إلى رسول الله فأخبره بما رأيت وما سمعت، قال حذيفة: كيف أخرج عنك وإن رآني القوم قتلوني مخافة على أنفسهم من نميمتي عليهم ؟ قالت الصخرة: إن الذي مكنك في جوفي (8)، وأوصل إليك الروح من الثقبة التي أحدثها في هو الذي


(1) من اصل خ ل: أقول: يوجد ذلك في الاحتجاج. (2) أن ينتقب فيك نقبة خ ل. أقول: في المصدر: أن تثقب فيك ثقبة. (3) في التفسير: رجالهم رحالهم خ ل. (4) سفح الجبل. أصله وأسفله. عرضه ومضطجعه الذى يسفح أي ينصب فيه الماء. (5) الان ترون خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاحتجاج (6) في الاحتجاج. عن صعود العقبة. (7) في الاحتجاج. لنمضي. وفى نسخة من التفسير: لتمضى. (8) من جوفى خ ل: أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[231]

يوصلك إلى نبي الله وينقذك من أعداء الله، فنهض حذيفة ليخرج وانفرجت الصخرة (1) فخوله الله طائرا فطار في الهواء محلقا حتى انقض بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله، ثم اعيد إلى صورته (2)، فأخبر رسول الله صلى الله عليه واله بما رأى وسمع، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أو عرفتهم بوجوههم ؟ قال: يا رسول الله كانوا متلثمين، وكنت أعرف أكثرهم بجمالهم فلما فتشوا الموضع (3) فلم يجدوا أحدا أحدروا (4) اللثام فرأيت وجوههم فعرفتهم (5) بأعيانهم وأسمائهم فلان وفلان حتى عد أربعة وعشرين، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يا حذيفة إذا كان الله يثبت محمدا لم يقدر هؤلاء ولا الخلق أجمعون أن يزيلوه، إن الله تعالى بالغ في محمد أمره ولو كره الكافرون، ثم قال: يا حذيفة فانهض بنا أنت وسلمان وعمار، وتوكلوا على الله، فإذا جزنا الثنية الصعبة فائذنوا للناس أن يتبعونا، فصعد رسول الله صلى الله عليه واله وهو على ناقته وحذيفة وسلمان أحدهما آخذ بخطام ناقته يقودها، و الآخر خلفها يسوقها، وعمار إلى جانبها، والقوم على جمالهم ورجالتهم منبثون حوالي الثنية على تلك العقبات، وقد جعل الذين فوق الطريق حجارة في دباب فدحرجوها من فوق لينفروا الناقة برسول الله صلى الله عليه واله لتقع (6) في المهوى الذي يهول الناظر النظر إليه من بعده، فلما قربت الدباب من ناقة رسول الله صلى الله عليه واله أذن الله تعالى لها فارتفعت ارتفاعا عظيما فجاوزت ناقة رسول الله صلى الله عليه واله ثم سقطت في جانب المهوى، ولم يبق منها شئ إلا صار كذلك، وناقة رسول الله صلى الله عليه واله كأنها لا تحس بشئ من تلك القعقعات التى كانت للدباب، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله لعمار: اصعد الجبل فاضرب بعصاك هذه وجوه رواحلهم فارم بها، ففعل ذلك عمار فنفرت بهم (7) وسقط بعضهم فانكسر عضده


(1) في الاحتجاج: فانفرجت الصخرة بقدرة الله تعالى عزوجل. (2) في المصدر: ثم اعيد على صورته. (3) في الاحتجاج. المواضع. (4) أحدر الثوب: كفه وفتل اطراف هدبه، وفى التفسير: أخذوا. (5) وعرفتهم خ ل: أقوى: يوجد ذلك في المصدر. (6) وتقع به خ ل. أقول: يوجد ذلك في التفسير. وفى الاحتجاج: ويقع به. والمهوى الجو. ما بين الجبلين ونحو ذلك، (7) في الاحتجاج، فنفرت بهم رواحلهم.

[232]

ومنهم من انكسرت رجله، ومنهم جنبه، واشتدت لذلك أوجاعهم، فلما جبرت واندملت بقيت عليهم آثار الكسر إلى أن ماتوا، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه واله في حذيفة وأمير المؤمنين عليه السلام إنهما أعلم الناس بالمنافقين، لقعوده في أصل الجبل (1) ومشاهدته من مر سابقا لرسول الله صلى الله عليه واله، وكفى الله رسوله أمر من قصد له، وعاد رسول الله صلى الله عليه واله إلى المدينة (2)، فكسى الله الذل والعار من كان قعد عنه، وألبس الخزي من كان دبر (3) على علي عليه السلام ما دفع الله عنه (4). بيان: كبست البئر: طممتها. والجحفلة للحافر كالشفقة للانسان والمخرقة: الكذب. والحين بالفتح: الهلاك. وحفزه: دفعه من خلفه. والنخب: النزع، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة وهو السير السريع. 7 - يج: روي أن الناس في غزاة تبوك لما ساروا يومهم نالهم عطش كادت تنقطع أعناق الرجال والخيل والركاب عطشا، فدعا بركوة فصب فيها ماء قليلا من أدوات كانت معه، ووضع أصابعه عليها، فنبع الماء من تحت أصابعه فاستقوا وارتووا والعسكر ثلاثون ألف رجل سوى الخيل والابل. 8 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن، عن أبيه عن الاعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال قال: رسول الله صلى الله عليه واله لعلي بن أبي طالب عليه السلام في غزوة تبوك: اخلفني في أهلي، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله إني أكره أن تقول العرب: خذل ابن عمه وتخلف عنه، فقال: أما نرضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ قال: بلى، قال: فاخلفني (5). 9 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن علي بن محمد بن علي، عن جعفر


(1) في اصل العقبة خ ل. (2) في الاحتجاج: إلى المدينة سالما. (3) في الاحتجاج: من كان دبر عليه وعلى على. (4) احتجاج الطبرسي: 3 - 33، التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 152 - 156 وفيه: بما دفع الله عنه. (5) امالي ابن الشيخ: 164.

[233]

بن محمد بن عيسى، عن عبد الله (1) بن علي، عن علي بن موسى، عن أبيه، عن جده عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: خلف رسول الله صلى الله عليه واله عليا في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلفني بعدك ؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (2). 10 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن النضر، عن موسى بن بكر قال: قال بعض أصحابنا لابي عبد الله عليه السلام علم رسول الله صلى الله عليه واله أسماء المنافقين ؟ فقال: لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه واله لما كان في غزوة تبوك كان يسير على ناقته والناس أمامه، فلما انتهى إلى العقبة وقد جلس عليها أربعة عشر رجلا، ستة من قريش، وثمانية من أفناء الناس - أو على عكس هذا - (3) فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: إن فلانا وفلانا وفلانا فقد قعدوا (4) لك على العقبة لينفروا ناقتك، فناداهم رسول الله صلى الله عليه واله: يا فلان ويا فلان ويا فلان أنتم القعود لتنفروا ناقتي ؟ وكان حذيفة خلفه فلحق (5) بهم فقال: يا حذيفة سمعت ؟ قال: نعم قال: اكتم (6). 11 - يج: روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما زال القرآن ينزل بكلام المنافقين حتى تركوا الكلام، واقتصروا بالحواجب يغمزون، فقال بعضهم: تأمنون (7) أن تسموا (8) في القرآن فتفتضحوا أنتم وعقبكم هذه عقبة بين أيدينا لو رمينا (9) به منها ينقطع (10)، فقعدوا على العقبة ويقال لها: عقبة ذي فتق (11) وقال حذيفة كان رسول الله، إذا أراد النوم على ناقته اقتصدت في السير، فقال حذيفة قلت ليلة


(1) في نسخة من الامالى: عبيدالله. (2) امالي ابن الشيخ: 218. (3) الشك من الراوى. (4) قد قعدوا خ ل. (5) فلحق به خ ل. (6) قصص الانبياء مخطوط. (7) لا تأمنوا خ ل. (8) تسمعوا خ ل. (9) رميناه خ ل. (10) لتقطع خ ل. (11) فيق خ ل.

[234]

من الليالي: لا والله لا افارق رسول الله صلى الله عليه واله قال: فجعلت أحبس ناقتي عليه، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه واله فقال: هذا فلان وفلان وفلان حتى عدهم قد قعدوا ينفرون بك، فقال رسول الله: يا فلان يا فلان يا فلان يا أعداء الله حتى سماهم بأسمائهم كلهم، ثم نظر فإذا حذيفة، فقال: عرفتهم ؟ قلت: نعم برواحلهم وهم متلثمون، فقال: لا تخبر بهم أحدا فقلت: يا رسول الله أفلا تقتلهم ؟ قال: إني أكره أن يقول الناس: قاتل بهم حتى ظفر فقتلهم (1)، فكانوا من قريش. 12 - يج: روي أنه صلى الله عليه واله لما توجه إلى تبوك ضلت ناقته القصوى وعنده عمارة بن حزم قال كالمستهزئ: يخبرنا محمد بخبر السماء ولا يدري أين ناقته، فقال عليه السلام: إني لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد أخبرني الآن أنها بشعب كذا وكذا، و زمامها ملتف بشجرة، فكان كما قال (2). 13 - يج: من معجزاته أنه لما غزا بتبوك كان معه من المسلمين خمسة و عشرون ألفا سوى خدمهم، فمر صلى الله عليه واله في مسيره بجبل يرشح الماء من أعلاه إلى أسفله من غير سيلان، فقالوا: ما أعجب رشح هذا الجبل ؟ فقال: إنه يبكي، قالوا: والجبل يبكي ؟ قال أتحبون أن تعلموا ذلك ؟ قالوا: نعم، قال: أيها الجبل مم بكاؤك ؟ فأجابه الجبل وقد سمعه الجماعة بلسان (3) فصيح: يا رسول الله صلى الله عليه واله مر بي عيسى بن مريم وهو يتلو: " نار وقودها الناس والحجارة " فأنا أبكي منذ ذلك اليوم خوفا من أن أكون من تلك الحجارة، فقال (4): اسكن مكانك (5) فلست منها إنما تلك الحجارة الكبريت، فجف ذلك الرشح من الجبل في الوقت حتى لم ير شئ من ذلك الرشح، ومن تلك الرطوبة التي كانت (6).


(1) إذا ظفر قتلهم خ ل. (2) لم نجد هذا وما تقدم من الخرائج في النسخة المطبوعة، وقد ذكرت سابقا ان الخرائج المطبوع كالملخص من النسخة التى كانت عند المصنف. (3) بكلام خ ل. (4) قد سقط من الخرائج المطبوع قوله: " فأنا " إلى ههنا. (5) اسكن من بكائك خ ل. (6) الخرائج: 189.

[235]

14 - يج: روي أنه صار بتبوك فاختلف (1) الرسل بين رسول الله صلى الله عليه واله وملك الروم فطالت في ذلك الايام حتى نفد الزاد فشكوا إليه نفاده، فقال: من كان معه شئ من الدقيق أو التمر، أو السويق (2) فليأتني، فجاء أحد بدقيق (3)، والآخر بكف تمر، والآخر بكف سويق، فبسط رداءه وجعل ذلك عليه ووضع يده على كل واحد (4) منها، ثم قال: نادوا في الناس: من أراد الزاد فليأت، فأقبل الناس يأخذون الدقيق والتمر والسويق حتى ملاؤا جميع ما كان معهم من الاوعية، وذلك الدقيق والتمر والسويق على حاله ما نقص من واحد منها شئ ولا زاد عما (5) كان ثم سار إلى المدينة فنزل يوما على واد كان يعرف فيه الماء فيما تقدم فوجدوه يابسا لا ماء فيه، فقالوا: ليس في الوادي ماء يا رسول الله صلى الله عليه واله، فأخذ (6) سهما من كنانته فقال لرجل: خذه فانصبه في أعلى الوادي (7) فنصب فتفجرت من حول السهم اثنتا عشرة عينا تجري في الوادي من أعلاه إلى أسفله وارتووا (8) وملاؤا القرب (9). 15 - شى: عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " قال: هم أصحاب العقبة (10). 16 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في قول الله: " لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك " الآية، إنهم يستطيعون وقد كان في علم الله أنه لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لفعلوا (11). بيان: كأن المعنى أن الغرض بيان أنهم كانوا مستطيعين للفعل ولم يفعلوا إذ كان في علم الله أنه لو كان موافقا لاغراضهم لفعلوا. 17 - شى: عن المغيرة قال: سمعته يقول في قول الله: " ولو أرادوا الخروج


(1) واختلف خ ل. (2) من دقيق أو تمر أو سويق خ ل. (3) بكف دفيق خ ل. (4) واحدة خ ل. (5) على ما كان خ ل. (6) في المصدر: فأخرج. (7) ماء خ. (8) ورووا خ ل. أقول: في المصدر: فرووا. (9) الخرائج: 189. (10) تفسير العياشي 1: 201. (11) تفسير العياشي 2: 89.

[236]

لاعدوا له عدة " قال: يعني بالعدة النية يقول: لو كان لهم نية لخرجوا (1). بيان: لا يبعد أن يكون النية تصحيف التهيئة. 18 - شى: عن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر عليه السلام نزلت هذه الآية: " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " إلى قوله: " نعذب طائفة " قال قلت لابي جعفر عليه السلام تفسير هذه الآية ؟ قال: تفسيرها والله ما نزلت آية قط إلا ولها تفسير، ثم قال: نعم نزلت في عدد بني امية والعشرة (2) معهم، إنهم اجتمعوا اثنا عشر فكمنوا لرسول الله صلى الله عليه واله في العقبة، وائتمروا بينهم ليقتلوه، فقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: إنما كنا نخوض ونلعب، وإن لم يفطن لنقتلنه، فأنزل الله هذه الآية: " ولئن سئلتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " فقال الله لنبيه صلى الله عليه واله " قل أبالله وآياته ورسوله " يعني محمدا صلى الله عليه واله " كنتم تستهزؤن * لا نعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم " يعني عليا، إن يعف عنهما في أن يلعنهما على المنابر ويلعن غيرهما فذلك قوله تعالى إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة (3) بيان: لعل المعنى أن العفو والعذاب اللذين نسبهما إلى نفسه إنما هو عفو علي عليه السلام وانتقامه إذ كانا بأمره تعالى وقد عفا أمير المؤمنين عن اثنين منهم يعني أبا بكر وعمر فلم يجاهر بلعنهما والبراءة منهما، وجاهر بسب العشرة الباقية وحاربهوم تبرأ منهم. 19 - شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: " رضوا بأن يكونوا مع الخوالف " قال مع النساء. (4) 20 - شى: عن عبيدالله الحلبي قال: سألته عن قوله: " رضوا بأن يكونوا مع الخوالف " فقال: النساء. إنهم قالوا: إن بيوتنا عورة وكانت بيوتهم في أطراف


(1) تفسير العياشي 2: 89. (2) استظهر المصنف في الهامش انه مصحف: " نزلت في التيمى والعدوى والعشرة معهما " أقول: يوجد ما استظهره في المصدر ايضا. (3) تفسير العياشي 2: 95. (4) تفسير العياشي 2: 103.

[237]

البيوت حيث يتقرر (1) الناس فأكذبهم الله قال: " وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا " وهي رفيعة السمك حصينة. بيان: لعلهم في تلك الغزوة أيضا قالوا: إن بيوتنا عورة، وإن لم يذكر الله تعالى فيها، مع أنه عليه السلام إنما فسر الآيتين ولا يلزم أن تكونا في غزوة واحدة ويحتمل أن يكون الاختصار المخل من الراوي. 21 - شى: عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " وعلى الثلثة الذين خلفوا " قال كعب، ومرارة بن الربيع (2)، وهلال بن امية (3). 22 - شى: عن فيض بن المختار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كيف تقرأ هذه الآية في التوبة: " وعلى الثلثة الذين خلفوا " قال: قلت: خلفوا، قال: لو خلفوا لكانوا في حال طاعة. وزاد الحسين بن المختار عنه: لو كانوا خلفوا ما كان عليهم من سبيل، ولكنهم خالفوا: عثمان وصاحباه، أما والله ما سمعوا صوت حافر ولا قعقعة سلاح إلا قالوا: اتينا، فسلط الله عليهم الخوف حتى أصبحوا. قال صفوان: قال أبو عبد الله عليه السلام: قال: كان أبو لبابة أحدهم، يعنى في " و على الثلثة الذين خلفوا (4) ". 23 - شى: عن سلام، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ثم تاب عليهم ليتوبوا " قال: أقالهم، فوالله ما تابوا (5). بيان: على هذا يكون المراد بقوله تعالى: " تاب عليهم " دعاهم إلى التوبة. 24 - م: قال علي بن الحسين عليهما السلام: لقد كان من المنافقين والضعفاء من


(1) ينفر خ ل. أقول: في المصدر: حيث يتفرد (يتفذر خ ل). (2) طرار بن ربيعة خ ل أقول: الموجود في المصدر وسيرة ابن هشام: مرارة بن الربيع كما في الصلب. (3) تفسير العياشي 2: 115. (4 و 5) تفسير العياشي 2: 115 و 116.

[238]

أشباه المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه واله أيضا قصد (1) إلى تخريب المساجد بالمدينة، و إلى تخريب مساجد الدنيا كلها بما هموا به من قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالمدينة، ومن قتل رسول الله صلى الله عليه واله في طريقهم إلى العقبة، ولقد زاد الله في ذلك السير إلى تبوك في بصائر المستبصرين وفي قطع معاذير متمرديهم زيادات تليق بجلال الله وطوله (2) على عباده، منها لما كانوا (3) مع رسول الله صلى الله عليه واله في مسيره (4) إلى تبوك قالوا: لن نصبر على طعام واحد، كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام، وكانت آية رسول الله صلى الله عليه واله الظاهرة لهم في ذلك أعظم من الآية الظاهرة لقوم موسى، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله لما امر بالمسير إلى تبوك امر بأن يخلف عليا بالمدينة، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله ما كنت أحب أن أتخلف عنك في شئ من امورك، وأن أغيب عن مشاهدتك، والنظر إلى هديك وسمتك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (5) وإن لك في مقامك من الاجر مثل الذي يكون لك لو خرجت مع رسول الله صلى الله عليه واله، ولك مثل اجور كل من خرج مع رسول الله صلى الله عليه واله موفيا (6) طائعا، وإن لك على الله يا علي لمحبتك (7) أن تشاهد من محمد سمته في سائر أحواله إن الله يأمر جبرئيل في جميع مسيرنا هذا أن يرفع الارض التي نسير عليها، والارض التي تكون أنت عليها، ويقوي بصرك حتى تشاهد محمدا وأصحابه، في سائر أحوالك وأحواله، فلا يفوتك الانس من رؤيته ورؤية أصحابه، ويغنيك ذلك عن المكاتبة والمراسلة، فقام إليه رجل من مجلس زين العابدين عليه السلام لما ذكر هذا وقال: (8) يابن رسول الله كيف يكون هذا لعلي ؟ إنما يكون هذا للانبياء دون غيرهم (9)


(1) قصدوا خ ل. (2) الطول: الفضل. العطاء. (3) في المصدر: من ذلك انهم. (4) في مصيره خ ل. (5) في التفسير بعد قوله: " بعدى "، تقيمها يا على فان، وفى الاحتجاج: تقيم يا على، أقول: والضمير يرجع إلى المدينة. (6) موقنا: خ ل. (7) وان لك على يا على ان أسال الله لمحبتك خ ل. أقول: يوجد ذلك في التفسير. (8) فقال له خ ل (9) لا لغيرهم خ ل. أقول: يوجد في التفسير والاحتجاج.

[239]

فقال زين العابدين عليه السلام: هذا هو معجزة لمحمد رسول الله صلى الله عليه واله لا لغيره، لان الله لما رفعه بدعاء محمد زاد في نوره (1) وضيائه (2) بدعاء محمد حتى شاهد ما شاهد، و أدرك ما أدرك، ثم قال الباقر عليه السلام: يا عباد الله ما أكثر ظلم كثير من (3) هذه الامة لعلي ابن أبي طالب عليه السلام وأقل إنصافهم له ؟ يمنعون هذا (4) ما يعطونه سائر الصحابة وعلي عليه السلام أفضلهم، فكيف يمنع (5) منزلة يعطونها غيره ؟ قيل: وكيف ذلك يا ابن رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قال: إنكم (6) تتولون محبي أبي بكر بن أبي قحافة، و تتبرؤن من أعدائه كائنا ما كان، وتتولون (7) محبي عمر بن الخطاب، وتتبرؤن من أعدائه كائنا من كان، وتتولون محبي عثمان بن عفان، وتتبرؤن من أعدائه كائنا من كان، حتى إذا صار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا: نتولى محبيه، و لن نتبرأ (8) من أعدائه، بل نحبهم، وكيف يجوز (9) هذا لهم ورسول الله يقول: (10) " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله " ؟ فترونهم (11) لا يعادون من عاداه، ولا يخذلون من خذله، ليس هذا بإنصاف، ثم اخرى إنهم إذا ذكر لهم ما اختص الله به عليا عليه السلام بدعاء رسول الله صلى الله عليه واله و كرامته (12) على ربه عزوجل جحدوه، وهم يقبلون ما يذكر لهم في غيره من الصحابة، فما الذي منع عليا عليه السلام ما جعلوه لاصحاب (13) رسول الله صلى الله عليه واله ؟ هذا


(1) في الاحتجاج: في نور بصره. (2) ايضا خ ل. أقول: المصدر خال عن كليهما. (3) التفسير خال عن كلمة: كثير من. (4) يمنعون عليا خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر ايضا. (5) يمنعون خ ل. اقول: يوجد: ذلك ايضا في المصدر. (6) لانكم خ ل. أقول: في التفسير: " لانهم " والافعال التى بعده كلها بلفظة الغائب. (7) في المصدر: وكذلك يتولون. (8) في المصدر: ولا نتبرأ. (9) في الاحتجاج. فكيف يجوز. (10) في المصدر: يقول في على. (11) في التفسير: (افترونهم. افتراهم خ ل) وفى الاحتجاج: أفترونه لا يعادى من عاداه ولا يخذل من خذله. (12) وكراماته خ ل. (13) لسائر اصحاب خ ل. أقول: في المصدر: ما جعله لسائر اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.

[240]

عمر بن الخطاب إذا قيل لهم: إنه كان على المنبر بالمدينة يخطب إذ نادى في خلال خطبته: يا سارية الجبل، وعجبت الصحابة (1) وقالوا: ما هذا الكلام الذي في هذه الخطبة ؟ فلما قضى الخطبة والصلاة قالوا: ما قولك في خطبتك: يا سارية الجبل ؟ فقال: اعلموا أنني كنت أخطب (2) رميت (3) ببصري نحو الناحية التي خرج فيها إخوانكم إلى غزو الكافرين بنهاوند، وعليهم سعد بن أبي وقاص، ففتح الله لي الاستار والحجب، وقوى بصري حتى رأيتهم وقد اصطفوا بين يدي جبل هناك، وقد جاء بعض الكفار ليدور خلف سارية فيهجموا عليه وعلى سائر من (4) معه من المسلمين فيحيطوا بهم فيقتلونهم (5) فقلت: يا سارية الجبل، ليتنحى عنهم (6) فيمنعهم ذلك من أن يحيطوا بهم (7) ثم يقاتلوا، ومنح الله (8) إخوانكم المؤمنين أكتاف الكافرين (9) وفتح الله عليهم بلادهم، فاحفظوا هذا الوقت فسيرد عليكم الخبر، بذلك، وكان بين المدينة ونهاوند مسيرة أكثر من خمسين يوما. قال الباقر عليه السلام: فإذا كان مثل هذا لعمر فكيف لا يكون مثل هذا الآخر لعلي بن أبي طالب (10) عليه السلام ؟ ولكنهم قوم لا ينصفون، بل يكابرون. ثم عاد الباقر عليه السلام إلى حديثه عن علي بن الحسين عليه السلام قال: وكان (11) تعالى يرفع البقاع التي كان عليها محمد صلى الله عليه واله ويسير فيها، لعلي بن أبي طالب عليه السلام حتى يشاهدهم على أحوالهم، قال علي عليه السلام: وإن رسول الله كان كلما أراد غزوة


(1) اصحابه خ ل. (2) اعلموا انى وانا اخطب رميت خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر الا ان في الاحتجاج: إذ رميت. (3) إذ رميت خ ل. (4) خلف سعد وسائر من معه خ ل. (5) فيقتلوهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (6) لتلتجئ إليهم خ ل. أقول: في المصدر: لتلتجئ إليه. (7) في المصدر: ان يحيطوا به. (8) في التفسير: وفتح الله. (9) في المصدر: اكناف الكافرين. (10) لاخى محمد على بن ابى طالب عليه السلام خ ل. أقول: المصدر خال عن لفظة الاخر. (11) فكان الله خ ل.، أقول: يوجد ذلك في التفسير. (*)

[241]

ورى بغيرها إلا غزاة تبوك، فإنه عرفهم أنه يريدها (1) وأمرهم أن يتزودوا لها فتزودوا لها دقيقا كثيرا يختبزونه في طريقهم، ولحما مالحا وعسلا وتمرا، و كان زادهم كثيرا، لان رسول الله كان حثهم على التزود لبعد الشقة، وصعوبة المفاوز، وقلة ما بها من الخيرات، فساروا أياما، وعتق طعامهم، وضاقت من بقاياه صدورهم، فأحبوا طعاما طريا، فقال قوم منهم: يا رسول الله قد بشمنا (2) هذا الذي معنا من الطعام فقد عتق، وصار يابسا (3) وكاد يريح ولا صبر لنا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ما معكم ؟ قالوا: خبز ولحم قديد مالح (4) وعسل وتمر فقال رسول الله صلى الله عليه واله: فأنتم الآن كقوم موسى لما قالوا: (5) لن نصبر على طعام واحد، فما (6) الذي تريدون ؟ قالوا: نريد لحما طريا قديدا ولحما مشويا من لحم الطيور (7) ومن الحلواء المعمول، قال رسول الله صلى الله عليه واله: ولكنكم تخالفون في هذه الواحدة بني إسرائيل، لانهم أرادوا البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأنتم تستبدلون الذي هو أفضل بالذي هو دونه، وسوف أسأله (8) لكم ربي، قالوا: يا رسول الله فإن فينا من يطلب مثل ما طلبوا من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، فقال (9) رسول الله صلى الله عليه واله: سوف يعطيكم الله ذلك بدعاء رسول الله صلى الله عليه واله (10) يا عباد الله إن قوم عيسى لما سألوا عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء قال الله: " إنى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني اعذبه عذابا لا اعذبه أحدا من العالمين (11) " فأنزلها عليهم، فمن


(1) في التفسير: بأنه يريدها. (2) بشم من الطعام: اتخم: ومن الشئ: سئم. وفى المصدر. قد سئمنا. (3) غابا خ ل. (4) في المصدر: ومالح. (5) في المصدر: لما قالوا له (6) فماذا خ ل. (7) في المصدر: من لحوم الطير. (8) أسأل خ ل. (9) قال خ ل. (10) فآمنوا به وصدقوه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله خ ل. أقول: يوجد ذلك في التفسير الا ان فيه: ثم قال لهم. (11) المائدة: 115.

[242]

كفر بعد منهم مسخه الله إما خنزيرا، وإما قردا (1) وإما دبا، وإما هرا (2) و إما على صورة بعض الطيور والدواب التي في البر والبحر حتى مسخوا على أربعمائة نوع من المسخ، وإن محمدا رسول الله صلى الله عليه واله لا يستنزل لكم ما سألتموه من السماء حتى يخل بكافركم (3) ما حل بكفار قوم عيسى عليه السلام، وإن محمدا أرأف بكم من أن يعرضكم لذلك، ثم نظر رسول الله صلى الله عليه واله إلى طائر في الهواء فقال لبعض أصحابه: قل لهذا الطائر: إن رسول الله يأمرك أن تقع على الارض، فقالها (4) فوقع، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: يا أيها الطائر إن الله يأمرك (5) أن تكبر، فازداد عظما (6) حتى صار كالتل العظيم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله لاصحابه: أحيطوا به فأحاطوا به وكان عظم ذلك (7) الطير أن أصحاب رسول الله وهم فوق عشرة آلاف اصطفوا حوله، فاستدار صفهم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: يا أيها الطائر إن الله يأمرك أن تفارقك (8) أجنحتك وزغبك وريشك، ففارقه ذلك أجمع، وبقي الطائر لحما على عظم (9) وجلده فوقه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الله يأمرك أن تفارق (10) عظام بدنك ورجليك ومنقارك، ففارقه ذلك أجمع، وصار حول الطائر (11) والقوم حول ذلك أجمع، ثم قال: رسول الله صلى الله عليه واله: إن الله تعالى يأمر هذه العظام أن تعود قثا، فعادت كما قال، ثم قال: إن الله يأمر هذه الاجنحة والزغب والريش أن يعود (12) بقلا وبصلا وفوما وأنواع البقول، فعادت كما قال، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله:


(1) قردة خ ل. أقول: يوجد ذلك في التفسير. (2) في التفسير: واما هرة. (3) فيحل بكفاركم خ ل (4) فقاله خ ل. أقول: يوجد ذلك في التفسير (5) امرك خ ل. (6) في المصدر: ان تكبر وتزداد عظما فكبر وازداد عظما. (7) الطائر خ ل. أقول: في التفسير: فكان عظم ذلك الطائر حتى ان اصحاب. (8) ان تفارق خ ل. (9) في التفسير: على عظمه. (10) ان يفارقك ايها الطائر خ ل (11) في التفسير: حول الطير. (12) في التفسير: ان تعود.

[243]

يا عباد الله ضعوا الآن أيديكم عليها، فمزقوا منها بأيديكم، وقطعوا منها بسكاكينكم فكلوه (1) ففعلوا، فقال بعض المنافقين وهو يأكل: إن محمدا يزعم أن في الجنة طيورا يأكل منه الجناني من جانب له قديدا، ومن جانب مشويا (2) فهلا أرانا نظير ذلك في الدنيا ! فأوصل الله تعالى علم ذلك إلى قلب محمد صلى الله عليه واله، فقال: عباد الله ليأخذ كل واحد منكم لقمته (3) وليقل: بسم الله الرحمن الرحيم، و صلى الله على محمد وآله الطيبين، وليضع لقمته في فيه فإنه يجد طعم ما شاء قديدا وإن شاء مشويا، وإن شاء مرقا طبيخا، وإن شاء سائر ما شاء من ألوان الطبيخ أو ما شاء من ألوان الحلواء، ففعلوا (4) فوجدوا الامر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله حتى شبعوا، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله شبعنا ونحتاج إلى ماء نشربه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أولا تريدون اللبن ؟ أولا تريدون سائر الاشربة ؟ قالوا: بلى يا رسول الله فينا من يريد ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ليأخذ كل واحد منكم لقمة منها فيضع (5) في فيه وليقل: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين، فإنه يستحيل في فيه ما يريد، إن أراد لبنا (6) وإن أراد شرابا آخر من الاشربة، ففعلوا فوجدوا (7) الامر على ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى يأمرك أيها الطائر أن تعود كما كنت، ويأمر هذه الاجنحة والمناقير والريش والزغب التي قد استحالت إلى البقل والقثاء (8) والبصل و الفوم أن تعود جناحا وريشا وعظما كما كانت على قدر قلتها (9) فانقلبت وعادت أجنحة وريشا وزغبا وعظما (10) ثم تركبت على قدر الطائر كما كانت، ثم قال


(1) وكلوه خ ل (2) في التفسير: ومن جانب له مشويا. (3) لقمة خ ل. (4) ففعلوا ذلك خ ل أقول: يوجد ذلك في التفسير. (5) فيضعها خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (6) ان اراد ماء أو شرابا خ ل أقول: في المصدر: إن اراد ماء أو لبنا أو شرابا من الاشربة. (7) ووجدوا خ ل. (8) والعدس خ. (9) قلبتها خ ل. أقول: في التفسير: قالبها. (10) عظاما خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[244]

رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الطائر إن الله يأمر الروح التي كانت فيك فخرجت أن تعود إليك، فعادت روحه في جسده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الطائر إن الله يأمرك أن تقوم وتطير كما كنت تطير، فقام وطار في الهواء وهم ينظرون إليه، ثم نظروا إلى ما بين أيديهم فإذا لم يبق هناك من ذلك البقل والقثاء (1) والبصل والفوم شئ (2). ج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام قال يوما في مجلسه: إن رسول الله صلى الله عليه واله لما امر بالمسير إلى تبوك امر بأن يخلف عليا عليه السلام بالمدينة. أقول: وساق الحديث مثل ما مر إلى قوله: ولكنهم قوم لا ينصفون، بل يكابرون (3). 25 - عم: تهيأ رسول الله صلى الله عليه وآله في رجب (4) لغزو الروم، وكتب إلى قبائل العرب ممن قد دخل في الاسلام، وبعث إليهم الرسل يرغبهم في الجهاد والغزو وكتب إلى تميم وغطفان وطيئ، وبعث إلى عتاب بن أسيد عامله على مكة (5) يستنفرهم لغزو الروم، فلما تهبأ للخروج قام خطيبا فحمد الله تعالى وأثنى عليه ورغب في المواساة وتقوية الضعيف والانفاق، فكان أول من أنفق فيها عثمان بن عفان، جاء بأواقي من فضة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله فجهز ناسا من أهل الضعف، وهو الذي يقال: إنه جهز جيش العسرة، وقدم العباس على رسول الله صلى الله عليه وآله فأنفق نفقة حسنة وجهز، وسارع فيها الانصار، وأنفق عبد الرحمن والزبير وطلحة وأنفق ناس من المنافقين رياء وسمعة فنزل القرآن بذلك، وضرب رسول -


(1) والعدس خ. (2) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 232 - 235. (3) الاحتجاج: 179 و 180. فكلما ذكرت ذيل الحديث شيئا من المصدر فاردت منه و من التفسير. (4) في سنة تسع (5) في المصدر: إلى مكة.

[245]

الله صلى الله عليه وآله عسكره فوق ثنية الوداع بمن تبعه من المهاجرين، وقبائل العرب، وبني كانة، وأهل نهامة ومزينة وجهينة وطيئ وتميم، واستعمل على المدينة عليا ؟ وقال " إنه لابد للمدينة مني أو منك " واستعمل الزبير على راية المهاجرين، وطلحة بن عبيدالله على الميمنة، وعبد الرحمن بن عوف على الميسرة، وسار رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نزل الجرف، فرجع عبد الله بن ابي بغير إذن، فقال (1) عليه السلام: " حسبي الله، هو الذي ايدني بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم (2) " الآية، فلما انتهى إلى الجرف لحقه علي عليه السلام وأخذ بغرز (3) رحله، وقال: يا رسول الله زعمت قريش أنك إنما خلفتني استثقالا لي (4)، فقال عليه السلام: " طال ما أذت الامم أنبياءها أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ " فقال: قد رضيت، قد رضيت ثم رجع إلى المدينة، وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله تبوك في شعبان يوم الثلثاء وأقام بقية شعبان وأياما من شهر رمضان، وأتاه وهو بتبوك نحبة بن روبة (5) صاحب أيلة (6) فأعطاه الجزية، وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله له كتابا (7)، والكتاب عندهم، وكتب أيضا


(1) في المصدر: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله (2) اقتبسه صلى الله عليه وآله من قوله تعالى: " حسبك الله هو الذى ايدك بنصره و بالمؤمنين * والف بين قلوبهم " راجع سورة الانفال: 62 و 63. (3) الغرز: الركاب من الجلد. (4) في المصدر: استثقالا منى. (5) هكذا في نسخة المصنف، وفى اعلام الورى الطبعة الاولى: نجية بن روبة وفى الطبعة الثانية: (يحنة بن رؤبة) وهو الصحيح، وهو بضم الياء وفتح الحاء والنون المشددة. (6) قال ياقوت: أيلة بالفتخ: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلى الشام وقيل: هي اخر الحجاز واول الشام. وقال أبو عبيدة: أيلة مدينة بين الفسطاط ومكة على شاطئ بحر القلزم تعد في بلاد الشام. وقدم يوحنة بن رؤبة على النبي صلى الله عليه وآله من ايلة وهو في تبوك فصالحه على الجزية وقرر على كل حالم بارضه في السنة دينارا فبلغ ذلك ثلاثمائة دينار واشترط عليهم قرى من مربهم من المسلمين اه‍. أقول: يوحنة مصحف يحنه على ما قدمناه (7) نص عليه ابن هشام في السيرة والمقريزي في الامتاع والفاظه كذلك: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا امنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة واهل ايلة سفنهم وسيارتهم

[246]

لاهل حرباء (1) وأذرح كتابا (2)، وبعث رسول الله صلى الله عليه واله وهو بتبوك أبا عبيدة بن الجراح إلى جمع من جذام مع زنباع بن روح الجذامي، فأصاب منهم طرفا، وأصاب منهم سبايا، وبعث سعد بن عبادة إلى ناس من بني سليم وجموع من بلي، فلما قارب القوم هربوا، وبعث خالدا إلى الاكيدر صاحب دومة الجندل، وقال له: لعل الله يكفيكه بصيد البقر فتأخذه، فبينا خالد وأصحابه في ليلة إضحيان إذ أقبلت البقر (3) تنتطح، فجعلت تنتطح باب حصن أكيدر، وهو مع امرأتين له يشرب الخمر، فقام فركب هو وحسان أخوه وناس من أهله فطلبوها، وقد كمن له خالد وأصحابه فتلقاه اكيدر وهو يتصيد البقر فأخذوه وقتلوا حسانا أخاه وعليه قباء مخوص بالذهب، وأفلت أصحابه فدخلوا الحصن (4) وأغلقوا الباب دونهم، فأقبل خالد باكيدر وسار معه أصحابه فسألهم أن يفتحوا له فأبوا (5)، فقال: أرسلني فإني أفتح الباب، فأخذ عليه موثقا، وأرسله، فدخل وفتح الباب حتى دخل خالد و أصحابه، وأعطاه ثمان مائة رأس وألفي بعير، وأربع مائة درع، وأربع مائة رمح


في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة النبي ومن كان معهم من اهل الشام واهل اليمن واهل البحر، فمن احدث حدثا فانه لا يحول ماله دون نفسه، وانه طيب لمن اخذه من الناس، وانه لا يحل ان يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر. (1) جربى خ ل. أقول: الصحيح: جرباء بالمد. (2) ذكر الكتاب المقريزى في الامتاع: 468 وهو (هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لاهل جرباء، انهم آمنون بأمان الله وامان محمد، وان عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة والله كفيل عليهم) ونسخة كتاب اذرح بعد البسملة: (من محمد النبي رسول الله لاهل اذرح انهم آمنون بامان الله وامان محمد، وان عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والاحسان للمسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين من المخافة والتغرير إذا خشوا على المسلمين وهم آمنون حتى يحدث إليهم محمد قبل خروجه). وكتب لاهل مقنا: انهم آمنون بامان الله وامان محمد: وان عليهم ربع غزولهم وربع ثمارهم. (3) في المصدر: إذ اقبلت البقرة تنتطح باب حصن اكيدر. (4) في المصدر: وقد دخلوا الحصن. (5) في المصدر: وسار معه إلى اصحابه فسألهم ان يفتحوا له الباب فابوا.

[247]

وخمسمائة سيف، فقبل ذلك منه وأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فحقن دمه وصالحه على الجزية. وفي كتاب دلائل النبوة للشيخ أبي بكر أحمد البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وذكر الاسناد مرفوعا إلى أبي الاسود عن عروة قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله قافلا من تبوك إلى المدينة حتى إذا كان ببعض الطريق مكر به ناس من أصحابه، فتأمروا (1) أن يطرحوه من عقبة في الطريق أرادوا أن يسلكوها معه، فاخبر رسول الله صلى الله عليه وآله خبرهم، فقال: من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله العقبة، وأخذ الناس بطن الوادي إلا النفر الذين أرادوا المكر، به استعدوا وتلثموا وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه مشيا، وأمر عمارا أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة بسوقها، فبيناهم يسيرون إذ سمعوا وكزة (2) القوم من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وأمر حذيفة أن يراهم، (3)، فرجع ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم وضربها ضربا (4) بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أدركه قال: اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش أنت يا عمار فأسرعوا فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا حذيفة هل عرفت من هؤلاء الرهط أو الركب أحدا ؟ فقال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان، وكان ظلمة الليل غشيتهم وهم متلثمون، فقال صلى الله عليه وآله: هل علمتم ما شأن الركب وما أرادوا ؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمت بي العقبة طرحوني منها، قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاؤك الناس فتضرب أعناقهم ؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولون: إن محمدا قد وضع يده في أصحابه، فسماهم لهما ثم قال: اكتماهم.


(1) أي تشاوروا. (2) ركزة خ ل. (3) في المصدر: أن يردهم. (4) في المصدر: وضربهم ضربا.

[248]

وفي كتاب أبان بن عثمان: قال الاعمش: وكانوا اثني عشر: سبعة من قريش قال: وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة، وكان إذا قدم من سفر استقبل بالحسن والحسين عليهما السلام فأخذهما إليه وحف المسلمون به حتى يدخل على فاطمة عليها السلام ويقعدون بالباب وإذا خرج مشوا معه، وإذا دخل منزله تفرقوا عنه. وعن أبي حميد الساعدي: قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة، قال: هذه طابة، وهذا احد، جبل يحبنا ونحبه. وعن أنس بن مالك: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما دنا من المدينة قال: إن بالمدينة لاقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال: نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر، وكان تبوك آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله. ومات عبد الله بن ابي بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة تبوك (1). بيان: في النهاية: جربى (2) وأذرح: هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، وكتب لهما النبي صلى الله عليه وآله أمانا انتهى. وزنباع كقنطار. والطرف جمع الطرفة نفائس الاموال وغرائبها. وليلة إضحيانة بالكسر: مضيئة لا غيم فيها. وقال الجزري: فيه عليه ديباج مخوص بالذهب، أي منسوج به، كخوص النخل وهو ورقه. والوكز: العدو. وفي بعض النسخ: بالراء المهملة بمعناه. وفي بعضها بالراء أولا ثم الزاي، وهو بالكسر: الصوت الخفي والحس. ولعله أنسب. وفي النهاية: غشوه، أي ازدحموا عليه وكثروا. والمحجن كمنبر: العصا المعوجة. وطيبة وطابة: من أسماء المدينة. وفي النهاية: في حديث جبل أحد هو جبل يحبنا ونحبه، هذا محمول على المجاز، أراد أنه جبل يحبنا أهله، ونحب أهله، وهم الانصار، ويجوز أن يكون من باب المجاز الصريح، أي إننا نحب الجبل بعينه لانه في أرض من نحب. انتهى. وقال الطيبي: والاولى أنه على ظاهره


(1) إعلام الورى بأعلام الهدى: 75 و 76 ط 1 و 129 - 131 ط 2. (2) فيه جرباء بالمد.

[249]

ولا ينكر حب الجمادات للانبياء والاولياء كما حنت الاسطوانة على مفارقته وكان يسلم الحجر عليه. وقيل: أراد به أرض المدينة، وخص الجبل لانه أول ما يبدو منها، ولعله حبب إليه بدعائه: اللهم حبب إلينا المدينة. انتهى وأقول: سيأتي تحقيق منا في ذلك في المجلد السابع إنشاء الله. 26 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن يزيد، عن عبد الحميد، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما نفروا برسول الله صلى الله عليه وآله ناقته، قالت له الناقة: والله لا أزلت خفا عن خف ولو قطعت إربا إربا (1). 27 - أقول: قال في المنتقى: كان النبي صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك قد ظهر منه معجزات شتى، فمنها أنه لما وصل إلى وادي القرى وقد أمسى بالحجر قال: إنها ستهب الليلة ريح شديدة، فلا يقومن منكم أحد إلا مع صاحبه، ومن كان له بعير فليوثقه بعقاله، فهاجت ريح شديدة أفزعت الناس، فلم يقم أحد إلا مع صاحبه إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته، وآخر لطلب (2) بعير له فأما الخارج لحاجته فقد خنق في مذهبه، وأما الذي خرج في طلب البعير فاحتملته الريح فطرحته في جبلي (3) طيئ، ثم دعا صلى الله عليه وآله للذي اصيب في مذهبه فعاد إليه وأما الذي وقع بجبلي طيئ فإن طيئا أهدته للنبي صلى الله عليه وآله حين قدم المدينة. ومنها أنه لما ارتحل عن الحجر أصبح ولا ماء معه ولا مع أصحابه، ونزلوا على غير ماء، فشكوا إليه العطش، فاستقبل القبلة ودعا ولم تكن في السماء سحابة فما زال يدعو حتى اجتمعت السحائب (4) من كل ناحية، فما برح من مقامه حتى سحت بالرواء (5) فانكشفت السحابة من ساعتها فسقي الناس وارتووا (6) و


(1) روضة الكافي: 165. والارب: العضو. (2) في المصدر: في طلب. (3) في المصدر: (جبل) وكذا فيما يأتي. ولكن في نسخة المصنف وفى الامتاع: جبلى. (4) في المصدر: السحابة. (5) في المصدر: حتى سحت السماء بالرواء (6) في المصدر: وارتووا من آخرهم.

[250]

ملاؤا الاسقية، قال بعض الصحابة: (1) قلت لرجل من المنافقين: ويلك أبعد هذا شئ ؟ فقال: سحابة مارة ثم ارتحل النبي صلى الله عليه وآله متوجها إلى تبوك فأصبح في منزل فضلت ناقة النبي صلى الله عليه وآله، فقال منافق: (2) يزعم محمدا أنه بني ويخبركم بخبر السماء، ولا يدري أين ناقته، فخرج صلى الله عليه وآله فقال: يزعم منافق أن محمدا صلى الله عليه وآله يقول: إنه نبي ويخبركم بخبر السماء ولا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، ولقد أعلمني الآن ودلني عليها، وإنها في الوادي في شعب كذا، و أشار إلى الشعب حبستها شجرة بزمامها، فذهبوا وجاؤا بها. ومنها أنه صلى الله عليه وآله قال: إنكم ستأتون غدا إنشاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها إلا حين يضحي النهار (3) فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي، قال معاذ: فجئناها وقد سبق إليها رجلان (4) والعين مثل الشراك يبض (5) بشئ يسير من الماء، فسألهما هل مسستما من مائها شيئا ؟ فقالا: نعم، فقال لهما ما شاء أن يقول ثم أمر فغرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع شئ، ثم غسل النبي صلى الله عليه وآله فيه وجهه ويديه ثم أعاده فيها، فجاءت العين بماء كثير، فاستقى الناس وكفاهم. ومنها: أن ذا البجادين (6) لما أسلم ولبث زمانا وتعلم القرآن خرج معه صلى الله عليه وآله إلى تبوك، فلما حصل بتبوك قال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ادع الله لي بالشهادة فقال: ائتني بلحاء سمرة، فأتاه به فربطه رسول الله صلى الله عليه وآله على عضده، وقال: " اللهم حرم دمه على الكفار " فقال: يا رسول الله ما هذا أردت، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنك إذا خرجت غازيا في سبيل الله فأخذتك الحمى وقتلتك فأنت شهيد، فلما أقاموا بتبوك أياما أخذته الحمى فتوفي. ومنها: أنه صلى الله عليه واله في تبوك دعا مرارا كثيرة بالطعام، فجاءه بلال ببقية من


(1) في الامتاع: هو عبد الله بن ابى حدرد قاله لاوس بن قيظى، ويقال: لزيد بن اللصيت القينقاعى. (2) هو زيد بن اللصيت على ما في الامتاع (3) في المصدر والامتاع: حتى يضحى النهار. (4) في الامتاع: رجلان من المنافقين. (5) في الامتاع: تبض. (6) هو عبد الله بن عبدنهم المزني.

[251]

الطعام قليلة، وكانت عنده جماعة كثيرة فمس بيده الطعام وكان تمرا وغيره فأكلوا منه جميعا حتى شبعوا، وبقي من الطعام أكثر مما كان أولا، وقد ظهر على يده من المعجزات في هذه السفرة أكثر من ذلك، لكنا ذكرنا منها لمعا، ولما نزل النبي صلى الله عليه وآله تبوك أقام بها شهرين، وكان ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله من بعث (1) هرقل أصحابه ودنوه إلى أدنى الشام وعزمه على قتال النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين باطلا وبعث هرقل رجلا من غسان إلى النبي صلى الله عليه واله ينظر إلى صفته وعلاماته وإلى حمرة في عينيه، وإلى خاتم النبوة (2) وسأل فإذا هو لا يقبل الصدقة، فوعى أشياء من صفات النبي صلى الله عليه واله ثم انصرف إلى هرقل فذكرها له، فدعا هرقل قومه إلى التصديق به فأبوا عليه حتى خافهم علي ملكه، وأسلم هو سرا منهم، وامتنع من قتال النبي صلى الله عليه واله، فلم يؤذن النبي صلى الله عليه واله لقتاله فرجع، قالوا: وهاجت ريح شديدة بتبوك فقال رسول الله صلى الله عليه واله: هذا لموت منافق عظيم النفاق، فقدموا المدينة فوجدوا منافقا قد مات ذلك اليوم (3). ثم ذكر قصة العقبة وقصة اكيدر. توضيح: الحجر بالكسر: ديار ثمود. خنق، أي خنقته الجن في خلائه حتى غشي عليه أو مات، وعلى التقديرين أفاق أو حيي بدعائه صلى الله عليه واله. حتى سحت بتشديد الحاء أي صبت. والسح: الصب أو السيلان من فوق. والرواء بالفتح و المد: الماء الكثير. وقيل: العذب الذي للواردين فيه ري. ويقال: بض الماء: إذا قطر وسال. 28 - من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: ألا باعد الله أهل النفاق * وأهل الاراجيف والباطل يقولون لي: قد قلاك الرسول (4) * فخلاك في الخالف الخاذل وما ذاك إلا لان النبي * جفاك وما كان بالفاعل فسرت وسيفي على عاتقي * إلى الراحم الحاكم الفاضل (5)


(1) في المصدر: من تعبية. (2) في المصدر: وإلى خاتم النبوة بين كتفيه. (3) المنتقى في مولد المصطفى: الباب التاسع فيما كان في سنة تسع من الهجرة. (4) أي ابغضك. (5) الفاصل خ.

[252]

فلما رآني هفا قلبه * وقال مقال الاخ السائل أمم ابن عمي ؟ فأنبأته * بإرجاف ذي الحسد الداغل فقال: أخي أنت من دونهم * كهارون موسى ولم يأتل (1) بيان: الخالف: المتأخر لنقصان أو قصور وقال الاصمعي: إذا تخلف الظبي عن القطيع قيل: خذل. وهفا الطائر، أي خفق وطار، ويقال: ائتلى في الامر: إذا قصر. 30 * (باب) * * (قصة أبى عامر الراهب، ومسجد الضرار، وفيه) * ما يتعلق بغزوة تبوك الآيات: التوبة: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون * لا تقم فيه أبدا لمسجد اسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين * أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين * لا يزال بنيانهم الذي بنو اريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله حكيم عليم 107 - 110. تفسير: قال الطبرسي قدس الله روحه في قوله تعالى: " والذين اتخذوا مسجدا " قال المفسرون: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم ابن عوف فقالوا: (2) نبني مسجدا نصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد صلى الله عليه واله، وكانوا


(1) الديوان: 110. (2) وقالوا: خ ل.

[253]

اثني عشر رجلا، وقيل: خمسة عشر رجلا، منهم ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، ونبتل بن الحارث، فبنوا مسجدا إلى جنب قباء، فلما فرغوا منه أتوا رسول الله صلى الله عليه واله وهو يتهجز (1) إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه واله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فقال صلى الله عليه واله: إني على جناح السفر (2) ولو قدمنا أتيناكم (3) إنشاء الله فصلينا لكم (4) فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه واله من تبوك نزلت عليه الآية (5) في شأن المسجد " ضرارا " أي مضارة بأهل مسجد قباء (6) أو مسجد الرسول صلى الله عليه واله ليقل الجمع فيه " وكفرا " أي ولاقامة الكفر فيه، أو كان اتخاذهم ذلك كفرا أو ليكفروا فيه بالطعن على رسول الله صلى الله عليه واله والاسلام " و تفريقا بين المؤمنين أي لاختلاف الكلمة، وإبطال الالفة، وتفريق الناس عن رسول الله صلى الله عليه واله " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " وهو أبو عامر لراهب وكان من قصته أنه كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فلما قدم النبي صلى الله عليه واله المدينة حزب عليه الاحزاب، ثم هرب بعد فتخ مكة إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام، وخرج إلى الروم وتنصر، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي قتل مع النبي صلى الله عليه واله يوم احد، وكان جنبا فغسلته الملائكة، وسمى رسول الله أبا عامر الفاسق، وكان قد أرسل إلى المنافقين أن استعدوا وابنوا مسجدا فإني أذهب إلى قيصر، وآتي من عنده بجنود، واخرج محمدا من المدينة، فكان هؤلاء المنافقون يتوقعون أن يجيئهم أبو عامر، فمات قبل أن يبلغ ملك الروم " و ليحلفن إن أردنا إلا الحسنى " أي يحلفون كاذبين ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا


(1) متجهز خ ل. (2) السفر خ ل. (3) لاتيناكم. خ ل. (4) في المصدر: فصلينا لكم فيه. (5) الايات خ ل. (6) قبا اصله اسم بئر هناك عرفت القرية بهاء وهى مساكن بنى عمرو بن عوف من الانصار وفى مده وقصره اختلاف وفى نسخة المصنف بالقصر، وفى المصدر بالمد.

[254]

الفعلة الحسنى من التوسعة على أهل الضعف والعلة من المسلمين، فأطلع الله نبيه على خبث سريرتهم فقال: " والله يشهد إنهم لكاذبون " فوجه رسول الله صلى الله عليه واله عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الدخشم، وكان مالك من بني عمرو بن عوف فقال: لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه وروي أنه بعث عمار بن ياسر ووحشيا فحرقاه، وأمر بأن يتخذ كناسة تلقى فيه الجيف، ثم نهى الله نبيه أن يقوم في هذا المسجد فقال: " لا تقم فيه أبدا " أي لا تصل. ثم أقسم فقال: " لمسجد " أي والله لمسجد " اسس على التقوى " أي بني أصله على تقوى الله وطاعته " من أول يوم " أي منذ أول يوم وضع أساسه " أحق أن تقوم فيه " أي أولى بأن تصلي فيه، واختلف في هذا المسجد فقيل: هو مسجد قباء وقيل: مسجد رسول الله صلى الله عليه واله، وقيل: كل مسجد بني للاسلام واريد به وجه الله تعالى " فيه " أي في هذا المسجد " رجال يحبون أن يتطهروا " أي يصلوا لله متطهرين بأبلغ الطهارة، وقيل: يحبون أن يتطهروا من الذنوب، وقيل: يحبون أن يتطهروا بالماء عن الغائط والبول، وهو المروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام وروي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال لاهل قباء: ماذا تفعلون في طهركم فإن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء ؟ قالوا: نغسل أثر الغائط، فقال: أنزل الله فيكم " والله يحب المطهرين " أي المتطهرين " أفمن أسس بنيانه " إلى قوله: " شفا جرف هار " الشفا: حرف الشئ وشفيره، وجرف الوادي: جانبه الذي ينحفر بالماء أصله، وهار الجرف يهور هورا فهو هائر، وتهور وانهار، وهار أصله هائر، وهو من المقلوب، كما يقال: شاكي السلاح، أي شائك، وتهور البناء: تساقط، فالله تعالى شبه بنيانهم على نار جهنم بالبناء على جانب نهر هذه صفته " فانهار به في نار جهنم " أي يوقعه ذلك البناء في نار جهنم، وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان " لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم " أي شكا في قلوبهم فيما كان من إظهار إسلامهم وثباتا على

[255]

النقاق، وقيل: حزازة في قلوبهم، وقيل: حسرة يترددون فيها (1) " إلا أن تقطع قلوبهم " أي إلا أن يموتوا، وقيل: إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم " والله عليم " بنيتهم في بناء المسجد " حكيم " في أمره بنقضه (2). 1 - فس: قوله: " الذين (3) اتخذوا مسجد ضرارا وكفرا " فإنه كان سبب نزولها أنه جاء قوم من المنافقين إلى رسول الله صلى الله عليه واله، فقالوا: يا رسول الله ! أتأذن لنا فنبني مسجدا في بني سالم للعليل والليلة المطيرة والشيخ الفاني ؟ فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه واله وهو على الخروج إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله لو أتيتنا فصليت فيه، قال: أنا على جناح الطير (4) فإذا وافيت إنشاء الله أتيته فصليت فيه فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه واله من تبوك نزلت عليه هذه الآية في شأن المسجد وأبي عامر الراهب، وقد كانوا حلفوا لرسول الله صلى الله عليه واله أنهم يبنون ذلك للصلاح والحسنى فأنزل الله على رسوله " والذين اتخذوا مسجدا " إلى قوله تعالى: " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " يعني أبا عامر الراهب، كان يأتيهم فيذكر رسول الله وأصحابه، قوله: " لمسجد اسس على التقوى " يعني مسجد قباء قوله: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا " قال: كانوا يتطهرون بالماء، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: مسجد الضرار، الذي اسس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، قوله: " إلا أن تقطع قلوبهم " " إلا " في موضع " حتى (5) " فبعث رسول الله صلى الله عليه و اله مالك بن دخشم الخزاعي وعامر بن عدي أخا بني عمرو بن عوف على أن يهدموه و يحرقوه، فجاء مالك فقال لعامر: انتظرني حتى اخرج نارا من منزلي، فدخل وجاء بنار وأشعل (6) في سعف النخل ثم أشعله في المسجد فتفرقوا


(1) في المصدر: حسرة في قلوبهم يترددون فيها. (2) مجمع البيان 5: 72 - 74 (3) في المصدر: والذين. (4) هكذا في النسخ، ولعله مصحف: انى على جناح السفر. (5) زاد في المصدر: يعنى حتى ينقطع قلوبهم والله عليم حكيم. (6) في المصدر: واشتعل.

[256]

وقعد زيد بن حارثة حتى احترقت البنية ثم أمر بهدم حائطه (1). 2 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل ابن شاذان، عن صفوان بن يحيى، وابن أبي عمير جميعا، عن معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تدع إتيان المشاهد كلها مسجد قباء فإنه المسجد الذي اسس على التقوى من أول يوم (2). 3 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ابدأ بقبا فصل فيه وأكثر فإنه أول مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه العرصة (3). 4 - شى: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المسجد الذي اسس على التقوى من أول يوم، فقال: مسجد قبا (4). 5 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله: " لمسجد اسس على التقوى من أول يوم " قال: مسجد قباء، و أما قوله: " أحق أن تقوم فيه " يعني من مسجد النفاق، وكان على طريقه إذا أتى مسجد قباء فكان ينضح (5) بالماء والسدر، ويرفع ثيابه عن ساقيه، ويمشي على حجر في ناحية الطريق، ويسرع المشي، ويكره أن يصيب ثيابه منه شئ فسألته هل كان النبي صلى الله عليه واله يصلي في مسجد قبل ؟ قال: نعم، كان منزله على سعد بن خيثمة الانصاري (6). 6 - شى: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا " قال: الذين يحبون أن يتطهروا نظف الوضوء وهو الاستنجاء بالماء، وقال: نزلت هذه الآية في أهل قبا.


(1) تفسير القمى: 280 و 281 (2 و 3) فروع الكافي 1: 318. (4) تفسير العياشي 1: 111. (5) في المصدر: فقام فينضح. (6) تفسير العياشي 1: 111 و 112 ذيله: فسألته هل كان لمسجد رسول الله صلى الله عليه و آله سقف ؟ فقال: لا، وقد كان بعض اصحابه قال: الا تسفف مسجدنا يا رسول الله ؟ قال: عريش كعريش موسى.

[257]

وفي رواية ابن سنان عنه عليه السلام قال: قلت: ما ذلك الطهر ؟ قال: نظف الوضوء إذا خرج أحدهم من الغائط، فمدحهم الله بتطهرهم (1). بيان: نظف الوضوء كأن المراد بالوضوء الاستنجاء، أي النظافة الحاصلة بالاستنجاء، أو المراد بالنظف المبالغة في إزالة الغائط من قولهم: استنظف الشئ: إذا أخذه كله، ويحتمل الوضوء المصطلح، أي التنظف قبل الوضوء ولاجله. 7 - م: لما مات سعد بن معاذ بعد أن شفى من بني قريظة بأن قتلوا أجمعين قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يرحمك الله يا سعد، فلقد كنت شجا في حلوق الكافرين، لو. بقيت لكففت العجل الذي يراد نصبه في بيضه الاسلام كعجل قوم موسى، قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أو عجل يراد أن يتخذ في مدينتك هذه ؟ قال: بلى، والله يراد ولو كان لهم سعد حياما (2) استمر تدبيرهم، ويستمرون ببعض تدبيرهم، ثم الله يبطله، قالوا: أتخبرنا (3) كيف يكون ذلك ؟ قال: دعوا ذلك لما يريد الله أن يدبره. قال موسى بن جعفر عليه السلام: ولقد اتخذ المنافقون من امة محمد صلى الله عليه وآله بعد موت سعد بن معاذ وبعد انطلاق محمد صلى الله عليه وآله إلى تبوك أبا عامر الراهب أميرا ورئيسا، وبايعوا له وتواطئوا على إنهاب المدينة وسبي ذراري رسول الله صلى الله عليه وآله وسائر أهله وصحابته ودبروا التبييت على محمد ليقتلوه في طريقه إلى تبوك، فأحسن الله الدفاع عن محمد صلى الله عليه وآله وفضح المنافقين وأخزاهم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " لتسلكن سبل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه " قالوا: يا ابن رسول الله من كان هذا العجل وما ذا كان هذا التدبير ؟ فقال عليه السلام: اعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتيه الاخبار عن صاحب دومة الجندل وكان ملك تلك النواحي له مملكة (4) عظيمة مما يلي الشام، وكان يهدد رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) تفسير العياشي 1: 112. (2) لما خ ل. أقول: في المصدر: ولو كان سعد فيهم حيا لما استمر. (3) فخبرنا خ ل. أقول: في المصدر: اخبرنا. (4) ومملكته خ ل. أقول: في المصدر: كانت تلك النواحى مملكة عظيمة مما يلى الشام.

[258]

بأنه يقصده، ويقتل أصحابه ويبيد خضراءهم، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله خائفين وجلين من قبله، حتى كانوا يتناوبون على رسول الله صلى الله عليه واله كل يوم عشرون منهم وكلما صاح صائح ظنوا أنه قد طلع أوائل رجاله وأصحابه. وأكثر المنافقون الاراجيف والاكاذيب، وجعلوا يتخللون أصحاب محمد صلى الله عليه واله، ويقولون: إن اكيدر قد أعد (1) من الرجال كذا، ومن الكراع كذا، ومن المال كذا، وقد نادى فيما يليه من ولايته ألا قد أبحتكم النهب والغارة في المدينة، ثم يوسوسون إلى ضعفاء المسلمين يقولون لهم فأين يقع (2) أصحاب محمد من أصحاب اكيدر ؟ يوشك أن يقصد المدينة فيقتل رجالها ويسبي ذراريها (3) ونساءها، حتى آذى ذلك قلوب المؤمنين، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله ماهم عليه من الخدع (4) ثم إن المنافقين اتفقوا وبايعوا أبا عامر الراهب الذي سماه رسول الله صلى الله عليه واله الفاسق، وجعلوه أميرا عليهم وبخعوا (5) له بالطاعة، فقال لهم: الرأي أن أغيب عن المدينة، لئلا أتهم بتدبيركم (6) وكاتبوا اكيدر في دومة الجندل ليقصد المدينة ليكونوا هم عليه، وهو يقصدهم فيصطلموه، فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه واله وعرفه ما اجتمعوا عليه (7) من أمرهم، وأمره بالمسير إلى تبوك. وكان رسول الله صلى الله عليه واله إذا أراد (8) غزوا ورى بغيره إلا غزاة تبوك، فإنه أظهر ما كان يريده، و أمرهم أن يتزودوا لها، وهي الغزاة التي افتضح فيه المنافقون، وذمهم الله تعالى في تثبيطهم عنها، وأظهر رسول الله صلى الله عليه واله ما أوحى إليه أن سيظفره (9) بأكيدر حتى يأخذه ويصالحه على ألف أوقية من ذهب في صفر، وألف أوقية من ذهب في رجب، ومائتي حلة في صفر، ومائتي حلة في رجب، وينصرف سالما إلى ثمانين يوما، فقال لهم


(1) في المصدر: قد اعدلكم. (2) واين يقع خ ل (3) ويسير في ذراريها خ ل. (4) من الجذع خ ل. (5) أي أقروا واذعنوا له بذلك. (6) إلى ان يتم تدبيركم خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (7) في المصدر: ما اجمعوا عليه. (8) في المصدر: كلما اراد. (9) في المصدر: ان الله سيظهره.

[259]

رسول الله صلى الله عليه وآله: إن موسى وعد (1) قومه أربعين ليلة، وإني (2) أعدكم ثمانين ليلة ثم أرجع سالما غانما ظافرا بلا حرب يكون ولا أحد يستأسر (3) من المؤمنين، فقال المنافقون: لا والله، ولكنها آخر كسراته التي لا ينجبر بعدها، إن أصحابه ليموت بعضهم في هذا الحر، ورياح البوادي، ومياه المواضع المؤذية الفاسدة، ومن سلم من ذلك فبين أسير في يد اكيدر، وقتيل وجريح، واستأذنه المنافقون بعلل ذكروها بعضهم يعتل بالحر، وبعضهم بمرض يجده (4)، وبعضهم بمرض عياله، وكان يأذن لهم، فلما صح (5) عزم رسول الله صلى الله عليه واله على الرحلة إلى تبوك عمد هؤلاء المنافقون فبنوا مسجدا خارج المدينة وهو مسجد الضرار، يريدون الاجتماع فيه ويوهمون (6) أنه للصلاة، وإنما كان ليجتمعوا فيه لعلة الصلاة فيتم لهم به ما يريدون (7)، ثم جاء جماعة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله وقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا قاصية عن مسجدك وإنا نكره الصلاة في غير جماعة، ويصعب علينا الحضور، وقد بنينا مسجدا فإن رأيت أن تقصده وتصلي فيه لتيمن ونتبرك بالصلاة في موضع مصلاك، فلم يعرفهم رسول الله صلى الله عليه واله ما عرفه الله من أمرهم و نفاقهم، وقال: ائتوني بحماري، فاتي باليعفور فركبه يريد نحو مسجدهم، فكلما (8) بعثه هو وأصحابه لم ينبعث ولم يمش، فإذا صرف (9) رأسه إلى غيره، سار أحسن سير وأطيبه، قالوا: لعل هذا الحمار قد رأى في هذا (10) الطريق شيئا كرهه، فلذلك لا ينبعث نحوه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ايتوني


(1) واعد خ ل. (2) وانا خ ل. (3) بشاك خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر، ولعل المعنى ولا احد يصيبه الشوك من المؤمنين وفى نسخة مخطوطه: ولا يشتاك: ولعله مصحف ولا يشتكى. (4) بجسده خ ل. أقول: في المصدر: بمرض جسده. (5) في المصدر: فلما اصبح صح. (6) يزعمون خ ل (7) في المصدر: يتم تدبيرهم ويقع هناك ما يسهل به لهم ما يريدون. (8) وكلما خ ل. (9) وإذا انصرف خ ل. أقول: في المصدر: (ولما صرف رأسه عنه إلى غيره سار احسن سيرا واطيبه) وفى نسخة مخطوطة: احسن سيره واطيبه. (10) من هذا خ ل. أقول: في نسخة مخطوطة: قد رأى من الطريق.

[260]

بفرس (1) فركبه، فكلما (2) بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث، وكلما حركوه (3) نحوه لم يتحرك حتى إذا ولوا رأسه إلى غيره سار أحسن سير، فقالوا: لعل هذا الفرس قد كره شيئا في هذا الطريق، فقال: تعالوا نمش (4) إليه فلما تعاطى هو و أصحابه (5) المشي نحو المسجد جفوا (6) في مواضعهم ولم يقدروا على الحركة، و إذا هموا بغيره من المواضع خفت حركاتهم، وحنت (7) أبدانهم، ونشطت قلوبهم فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إن هذا أمر قد كرهه الله، فليس يريده الآن وأنا على جناح سفر فأمهلوا حتى أرجع إنشاء الله تعالى ثم أنظر في هذا نظرا يرضاه الله تعالى، وجد في العزم على الخروج إلى تبوك، وعزم المنافقون على اصطلام مخلفيهم إذا خرجوا فأوحى الله تعالى إليه: يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: (إما أن تخرج أنت ويقيم علي وإما أن يخرج علي وتقيم أنت) فقال رسول الله صلى الله عليه واله ذاك لعلي فقال علي: السمع والطاعة لامر الله وأمر رسوله، وإن كنت احب أن لا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه واله في حال من الاحوال، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي فقال: رضيت يا رسول الله فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: يا أبا الحسن ! إن لك أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة، وإن الله قد جعلك امة وحدك، كما جعل إبراهيم امة، تمنع جماعة المنافقين والكفار هيبتك عن الحركة على المسلمين، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه واله وشيعه علي عليه السلام خاض المنافقون وقالوا: إنما خلفه محمد بالمدينة لبغضه له، وملاله (8) منه، وما أراد بذلك إلا أن يبيته (9) المنافقون فيقتلوه ويحاربوه فيهلكوه فاتصل (10)


(1) بالفرس خ ل. أقول: في المصدر: ايتونى بفرس فاتى فركبه (2) وكلما خ ل.: أقول: في المصدر: ولما بعثه. (3) في نسخة مخطوطة من المصدر: وكلما حركه. (4) نمشي خ ل. (5) ومن معه خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (6) جثوا خ ل. أقول: في المصدر المطبوع: بقوا: وفى المخطوط: جفوا. (7) خفت. خبت خ ل. (8) وملالته خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المخطوط، وفى المطبوع: ولملالته منه. (9) في المصدر المطبوع: الا ان يثبه. ان يلقيه خ ل. (10) واتصل خ ل.

[261]

ذلك برسول الله صلى الله عليه واله، فقال علي عليه السلام: تسمع ما يقولون يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أما يكفيك أنك جلدة ما بين عيني ونور بصري، وكالروح في بدني. ثم سار رسول الله صلى الله عليه واله بأصحابه وأقام علي عليه السلام بالمدينة (1)، وكان كلما دبر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين فزعوا من علي عليه السلام، وخافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم عن ذلك، وجعلوا يقولون فيما بينهم: هي كرة محمد التي لا يؤب منها فلما صار بين رسول الله صلى الله عليه واله وبين اكيدر مرحلة قال: تلك العشية يا زبير بن العوام يا سماك بن خرشة (2) امضيا في عشرين من المسلمين إلى باب قصر اكيدر فخذاه وائتياني به، قال الزبير: وكيف يا رسول الله صلى الله عليه واله نأتيك به ومعه من الجيش الذي قد علمت (3) ومعه في قصره سوى حشمه ألف ما دون (4) عبد وأمة وخادم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه واله: تحتالان عليه وتأخذانه، قال (5): يا رسول الله وكيف وهذه ليلة (6) قمراء، وطريقنا أرض ملساء، ونحن في الصحراء لا نخفى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أتحبان أن يستركما الله عن عيونهم، ولا يعجل لكما ظلا إذا سرتما، ويجعل لكما نورا كنور القمر لا لا تتبينان منه (7) ؟ قالا: بلى، قال: عليكما بالصلاة على محمد وآله الطيبين معتقدين أن أفضل آله علي بن أبي طالب، وتعتقد يا زبير أنت خاصة أن لا يكون علي عليه السلام في قوم إلا كان هو أحق بالولاية عليهم، ليس لاحد أن يتقدمه، فإذا أنتما فعلتما ذلك وبلغتما الظل الذي بين يدي قصره من حائط قصره فإن الله سيبعث الغزلان والاوعال إلى بابه، فتحك (8) قرونها به فيقول: من لمحمد (9) في مثل هذا ؟


(1) في المصدر المطبوع: واقام عليا بالمدينة. (2) خرشنة خ ل أقول: في المصدر المطبوع: (الحارث) وفى المخطوط: حرشة والصحيح: (خرشة) كما في المتن. (3) ومعه الجيش الذى علمت خ ل. (4) في المصدر المطبوع: وما دون. (5) في المصدر المطبوع: قالا. (6) في المصدر المطبوع: (كيف وهذه يأخذه ليلة قمراء) وفى المخطوط: وكيف نأخذه وهذه ليلة قمراء. (7) فيه خ ل. أقول: في المصدر المطبوع: عنه. (8) في المصدر: فتحتك خ ل. (9) من محمد خ ل أقول: في المصدر المطبوع: (من دس عليه محمد في مثل هذا) وفى المخطوط: من محمد مثل هذا.

[262]

فيركب فرسه لينزل فيصطاد فيقول (1) له امرأته: إياك والخروج فإن محمدا قد أناخ بفنائك، ولست آمن أن يحتال عليك ودس من يغزونك (2). فيقول لها: إليك عني فلو كان أحد يفصل (3) عنه في هذه الليلة لتلقاه في هذا القمر عيون أصحابنا في الطريق (4) وهذه الدنيا بيضاء لا أحد فيها، فلو كان في ظل قصرنا هذا إنسي لنفرت منه الوحش (5)، فينزل ليصطاد الغزلان والاوعال فتهرب من بين يديه ويتبعها فتحيطان به (6) وتأخذانه (7) وكان كما قال رسول الله صلى الله عليه واله فأخذوه، فقال: لي إليكم حاجة، قالوا: ما هي فإنا نقضيها إلا أن تسألنا أن نخليك، قال: تنزعون عني ثوبي هذا وسيفي ومنطقتي وتحملونها إليه وتحملوني (8) في قميصي لئلا يراني في هذا الزي، بل يراني في زي تواضع فلعله أن يرحمني، ففعلوا ذلك، فجعل المسلمون والاعراب يلبسون ذلك الثوب (9) ويقولون: هذا من حلل الجنة، وهذا من حلي الجنة يا رسول الله ؟ قال: لا ولكنه ثوب اكيدر وسيفه ومنطقته، ولمنديل ابن عمتي الزبير وسماك في الجنة أفضل من هذا إن استقاما على ما أمضيا من عهدي إلى أن يلقياني (10) عند حوضي في المحشر، قالوا: وذلك أفضل من هذا ؟ قال: بل خيط من منديل بأيديهما في الجنة أفضل من ملء الارض إلى السماء مثل هذا الذهب فلما اتي به رسول الله صلى الله عليه واله قال: يا محمد أقلني وخلني على أن أدفع عنك من ورائي من أعدائك، فقال له رسول الله: فان (11) لم تف به ؟ قال: يا محمد إن لم أف لك فإن


(1) في المصدر: فتقول. (2) ولست تأمن أن يكون قد احتال ودس عليك من يقع بك خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) انفصل خ ل (4) لتبيناه في هذا القمر وعرف اصحابنا في الطريق خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المخطوط. (5) في المصدر: الوحوش. (6) واصحابكما خ ل (7) في المصدر والمطبوع: فتتبعانه وتحيطان به واصحابكما فتأخذانه. (8) إليه خ ل. أقول: في المصدر: وتحملونني إليه. (9) في القمر خ ل. أقول: في المصدر: وهو وفى القمر فيقولون. (10) على ما امضينا من (على) عهد إلى ان يلتقيا خ ل. (11) وان خ ل. أقول: في المصدر: فان لم تف بذلك وفيه ايضا: إن لم أف لك بذلك.

[263]

كنت رسول الله فسيظفرك بي من منع ظلال أصحابك أن يقع على الارض حتى أخذوني، ومن ساق الغزلان إلى بابي حتى استخرجتني من قصري وأوقعتني في أيدي أصحابك، وإن كنت غير نبي فإن دولتك التي أوقعتني في يدك بهذه الخصلة العجيبة والسبب اللطيف ستوقعني في يدك بمثلها، قال: فصالحه رسول الله صلى الله عليه واله على ألف أوقية من ذهب في رجب ومأتي حلة، وألف أوقية في صفر ومائتي حلة وعلى أنهم يضيفون من مر بهم من العساكر (1) ثلاثة أيام، ويزودونهم إلى المرحلة التي تليها (2)، على أنهم إن نقضوا شيئا من ذلك فقد برئت منهم ذمة الله وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه واله ثم كر رسول الله راجعا إلى المدينة إلى إبطال كيد المنافقين في نصب ذلك العجل الذي هو أبو عامر الذي سماه النبي صلى الله عليه واله الفاسق، وعاد رسول الله صلى الله عليه واله غانما ظافرا (3) وأبطل الله كيد المنافقين وأمر رسول الله صلى الله عليه واله بإحراق مسجد الضرار وأنزل الله عزوجل: " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا " الآيات. وقال موسى بن جعفر عليهما السلام: فهذا العجل في حياة رسول الله صلى الله عليه واله دمر الله عليه وأصابه بقولنج وفالج وجذام ولقوة (4) وبقي أربعين صباحا في أشد عذاب صار إلى عذاب الله (5). بيان: قال الجوهري: قولهم: أباد الله خضراءهم أي سوادهم ومعظمهم، قوله: وحنت أبدانهم لعله من الحنين بمعنى الشوق، وفي بعض النسخ خبت بالخاء المعجمة والباء الموحدة، ولعله من الخبب وهو ضرب من العدو، والاوعال جمع الوعل بالفتح وككتف وهو تيس الجبل.


(1) في المصدر: من مر بهم من المسلمين. (2) في المصدر المطبوع تليهم. (3) في المصدر: ثم كر رسول الله صلى الله عليه وآله راجعا، وقال موسى بن جعفر عليه السلام: فهذا العجل في زمان النبي هو أبو عامر الراهب الذى سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الفاسق: وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله غانما ظافرا. (4) في المصدر المطبوع: واصابه بقولنج وبرص وجذام وفالج ولقوة. (5) التفسير المنسوب إلى الامام الحسن العسكري عليه السلام: 196 - 199.

[264]

31 * (باب) * * (نزول سورة براءة وبعث النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بها) * * (ليقرأها على الناس في الموسم بمكة) * الآيات، التوبة (9): براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين * وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين و رسوله فان تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم * إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين * فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكوة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم * وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون * كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين * كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم و أكثرهم فاسقون * اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة واولئك هم المعتدون * فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون * وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون * ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين * قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم

[265]

ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم 1 - 15. وقال تعالى: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم 28. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " براءة " أي هذه براءة " من الله ورسوله " أي انقطاع العصمة، ورفع الامان، وخروج عن العهود " إلى الذين عاهدتم من المشركين " الخطاب للنبي صلى الله عليه واله وللمسلمين، والمعنى تبرؤا ممن كان بينكم و بينهم عهد من المشركين، فإن الله ورسوله بريئان منهم، وإذا قيل: كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وآله العهد فالقول فيه أنه يجوز أن ينقض ذلك على أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون العهد مشروطا بأن يبقى إلى أن يرفعه الله بوحي، وإما أن يكون قد ظهر من المشركين خيانة ونقض فأمر الله سبحانه بأن ينبذ إليهم عهدهم، وإما أن يكون مؤجلا إلى مدة فتنقضي المدة وينتقض العهد وقد وردت الرواية بأن النبي صلى الله عليه واله شرط عليهم ما ذكرناه، وروي أيضا أن المشركين كانوا قد نقضوا العهد أو هموا بذلك، فأمر الله سبحانه أن ينقض عهودهم، ثم خاطب الله سبحانه المشركين فقال: " فسيحوا في الارض " أي سيروا في الارض على وجه المهل وتصرفوا في جوائجكم آمنين من السيف " أربعة أشهر " فإذا انقضت هذه المدة ولم تسلموا انقطعت العصمة عن دمائكم وأموالكم " واعلموا أنكم غير معجزي الله " أي غير فائتين عن الله، كما يفوت ما يعجز عنه، لانكم حيث كنتم في سلطان الله وملكه " وأن الله مخزي الكافرين " أي مذلهم ومهينهم، واختلف في هذه الاشهر الاربعة فقيل: كان ابتداؤها يوم النحر إلى العاشر من شهر ربيع الآخر، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، وقيل: إنما ابتداء الاشهر الاربعة من أول الشوال (1)، إلى آخر المحرم، وقيل: كان ابتداء الاشهر الاربعة يوم


(1) في المصدر: من اول شوال.

[266]

النحر لعشر من ذي القعدة إلى عشر من شهر ربيع الاول لان الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة، وفيها حجة الوداع، وكان سبب ذلك النسيئ، واعلم أنه أجمع المفسرون ونقلة الاخبار أنه لما نزلت براءة دفعها رسول الله صلى الله عليه واله إلى أبي بكر، ثم أخذها منه ودفعها إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، واختلفوا في تفضيل ذلك فقيل: إنه بعثه وأمره أن يقرأ عشر آيات من أول هذه السورة، وأن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده، ثم بعث عليا عليه السلام خلفه ليأخذها ويقرأها على الناس (1)، فخرج على ناقة رسول الله صلى الله عليه واله العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فأخذها منه، وقيل: إن أبا بكر رجع فقال: هل نزل في شئ ؟ فقال صلى الله عليه واله لا إلا خيرا، ولكن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني، وقيل: إنه قرأ علي عليه السلام براءة على الناس، وكان أبو بكر أميرا على الموسم، وقيل: إنه أخذها من أبي بكر قبل الخروج ودفعها إلى علي وقال: لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني، وروى أصحابنا أن النبي صلى الله عليه واله ولاه أيضا الموسم، وأنه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أبو بكر، وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن سماك بن حرب، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه واله بعث براءة مع أبي بكر إلى أهل مكة، فلما بلغ ذا الحليفة بعث إليه فرده، وقال لا يذهب بها إلا رجل من أهل بيتي، فبعث عليا. وروى الشعبي عن محرز، عن أبيه أبي هريرة قال: كنت انادي مع علي حين أذن المشركين وكان إذا صحل (2) صوته فيما ينادي دعوت مكانه، قال: فقلت: يا أبه أي شئ كنتم


(1) علله المقريزى في الامتاع بان العرب كان إذا تخالف سيدهم أو رئيسهم لم ينقض ذلك الا الذى يحالف أو اقرب الناس قرابة منه، وكان على رضى الله عنه هو الذى عاهد المشركين فلذلك بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله ببراءة: انتهى. أقول: ليس يخفى ان العهود ونقضها تكون من شئون الخلافة والدولة، فلا يعاهد عهدا ولا ينقضه الا السلطان أو خليفته ومن ينوب عنه. (2) في القاموس: صحل صوته كفرح فهو أصحل وصحل: بح أو احتد في بحح، أو الصحل محركة: خشونة في الصوت: وانشقاق في الصوت من غير أن يستقيم. والبحة: الخشونة و الغلظة في الصوت. منه ره. أقول: الموجود في القاموس: خشونة في الصدر.

[267]

تقولون ؟ قال: كنا نقول: لا يحج بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفن (1) بالبيت عريان، ولا يدخل البيت إلا مؤمن، ومن كان بينه وبين رسول الله مدة فإن أجله إلى أربعة أشهر، فإذا انقضت أربعة أشهر (2) فإن الله برئ من المشركين ورسوله وروى عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب علي عليه السلام الناس واخترط سيفه فقال: " لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن البيت مشرك ومن كانت له مدة فهو إلى مدته، ومن لم تكن له مدة فمدته أربعة أشهر " وكان خطب يوم النحر، وكانت عشرون من ذي الحجة ومحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر من شهر ربيع الآخر. وقال يوم النحر: يوم الحج الاكبر. وذكر أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن زيد بن بقيع (3) قال: سألنا عليا بأي شئ بعثت في ذي الحجة ؟ قال: بعثت بأربعة: لا تدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر. وروي أنه عليه السلام قام عند جمرة العقبة وقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم بأن لا يدخل البيت كافر، ولا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه واله فله عهده إلى أربعة أشهر، ومن لا عهد له فله مدة بقية الاشهر الحرم، وقرأ عليهم سورة براءة. وقيل: قرأ عليهم ثلاث عشرة آية من أول براءة، وروي أنه عليه السلام لما نادى فيهم: إن الله برئ من كل مشرك (4) قال المشركون: نحن نتبرأ من عهدك


(1) ولا يطوف خ ل. (2) في المصدر: فإذا انقضت الاربعة الاشهر. (3) هكذا في الكتاب، وفى المصدر: نفيع. ولعلهما مصحفان عن يثيع، وهو كزبير بالعين المهملة، وقيل بالمعجمة ايضا ". (4) في المصدر: لما نادى فيهم " ان الله برئ من المشركين " أي من كل مشرك.

[268]

وعهد ابن عمك، ثم لما كانت السنة المقبلة وهي سنة عشر حج النبي صلى الله عليه واله حجة الوداع وقفل (1) إلى المدينة، ومكث بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وليالي من ربيع الاول حتى لحق بالله عز وجل. " وأذان من الله ورسوله إلى الناس " أي وإعلام، وفيه معنى الامر، أي آذنوا الناس، يعني أهل العهد. وقيل: أراد بالناس المؤمن والمشرك، لان الكل داخلون في هذا الاعلام " يوم الحج الاكبر " فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه يوم عرفة، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال عطا: الحج الاكبر الذي فيه الوقوف والحج الاصغر الذي ليس فيه وقوف وهو العمرة وثانيها: أنه يوم النحر عن علي عليه السلام وابن عباس، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال الحسن: وسمي الحج الاكبر لانه حج فيه المسلمون والمشركون ولم يحج بعدها مشرك. وثالثها: أنه جميع أيام الحج، كما يقال: يوم الجمل ويوم صفين، يراد به الحين والزمان. " أن الله برئ من المشركين " أي من عهدهم " ورسوله " معناه ورسوله أيضا برئ منهم، وقيل: إن البراءة الاولى لنقض العهد والثانية لقطع الموالاة والاحسان فليس بتكرار " فإن تبتم " عن الشرك " فهو خير لكم " لانكم تنجون به من خزي الدنيا وعذاب الآخرة " وإن توليتم " عن الايمان " فاعلموا أنكم غير معجزي الله " عن تعذيبكم في الدنيا " وبشر الذين كفروا بعذاب أليم " في الآخرة " إلا الذين عاهدتم من المشركين " قال الفراء: استثنى الله تعالى من براءته وبراءة رسوله من المشركين قوما من بني كنانة وبني ضمرة، كان قد بقي من أجلهم تسعة أشهر، أمر بإتمامها لهم لانهم لم يظاهروا على المؤمنين، ولم ينقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال ابن عباس: عنى به كل من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله عهد قبل براءة، وينبغي أن يكون أراد بذلك من كان بينه وبينه عهد وهدنة، ولم يتعرض له بعداوة، ولا ظاهر عليه عدوا لان النبي صلى الله عليه وآله صالح أهل هجر وأهل البحرين وأيلة ودومة الجندل وله عهود بالصلح و


(1) قفل: رجع.

[269]

الجزية، ولم ينبذ إليهم بنقض عهد، ولا حاربهم بعد وكانوا أهل ذمة إلى أن مضى لسبيله صلى الله عليه وآله، ووفى لهم بذلك من بعده " ثم لم ينقصوكم شيئا " من شروط العهد وقيل: لم يضروكم شيئا " ولم يظاهروا " أي لم يعاونوا " عليكم أحدا " من أعدائكم " فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم " أي إلى انقضاء مدة المعاهدة " إن الله يحب المتقين " لنقض العهود " فإذا انسلخ الاشهر الحرم " وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وقيل: الاشهر الاربعة التي جعل الله للمشركين أن يسيحوا في الارض على ما مر " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " هذا ناسخ لكل آية وردت في الصلح والاعراض عنهم " وخذوهم واحصروهم " أي احبسوهم واسترقوهم أو فادوهم بمال، وقيل: وامنعوهم دخول مكة والتصرف في بلاد الاسلام " واقعدوا لهم كل مرصد " أي بكل طريق وبكل مكان تظنون أنهم يمرون فيه " فإن تابوا " من الشرك " وأقاموا الصلاة وآتوا الزكوة " أي قبلوا الاتيان بهما " فخلوا سبيلهم " إلى بلاد الاسلام، أو إلى البيت " وإن أحد من المشركين استجارك " أي طلب منك الامان من القتل ليسمع دعوتك واحتجاجك عليه بالقرآن " فأجره حتى يسمع كلام الله " وإنما خص كلام الله لان معظم الادلة فيه " ثم أبلغه مأمنه " معناه فإن دخل في الاسلام نال خير الدارين، وإن لم يدخل في الاسلام فلا تقتله فتكون قد غدرت به، ولكن أوصله إلى ديار قومه التي يأمن فيها على نفسه وماله " ذلك بأنهم قوم لا يعلمون " أي ذلك الامان لهم بأنهم قوم لا يعلمون الايمان والدلائل فآمنهم حتى يسمعوا ويتدبروا " كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله " أي عهد صحيح مع إضمارهم الغدر والنكث على التعجب أو على الجحد، وقيل: كيف يأمر الله ورسوله بالكف عن دماء المشركين، ثم استثنى سبحانه فقال: " إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام " فإن لهم عهدا عند الله، لانهم لم يضمروا الغدر بك والخيانة لك، واختلف في هؤلاء من هم ؟ فقيل: هم قريش عن ابن عباس، وقيل: هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه واله يوم الحديبية فلم يستقيموا ونقضوا العهد بأن أعانوا بني بكر على خزاعة، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وآله

[270]

بعد الفتح أربعة أشهر يختارون أمرهم، إما أن يسلموا، وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاؤا، فأسلموا قبل الاربعة أشهر، (1) وقيل: هم من قبائل بكر بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الدئل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين قريش، فلم يكن نقضها إلا قريش و بنو الدئل من بكر، فامر بإتمام العهد لمن لم يكن له نقض إلى مدته، وهذا أقرب إلى الصواب " فما استقاموا لكم " على العهد " فاستقيموا لهم " كذلك " إن الله يحب المتقين " للنكث والغدر " كيف وإن يظهروا عليكم " أي كيف يكون لهم عهد، أو كيف لا تقتلونهم وهم بحال إن يظفروا بكم " لا يرقبوا " أي لا يحفظوا ولا يراعوا فيكم " إلا ولا ذمة " أي قرابة ولا عهدا، والال: القرابة، أو الحلف وقيل الال، اسم الله " يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم " أي يتكلمون بكلام الموالين لكم لترضوا عنهم وتأبى قلوبهم إلا العداوة والغدر " وأكثرهم فاسقون " أي متمردون في الشرك، وقيل: أراد كلهم، وقيل المعنى أكثرهم خارجون عن طريق الوفاء بالعهد وأراد بذلك رؤساءهم " اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله " أي أعرضوا عن دين الله وصدو الناس عنه بشئ يسير نالوه من الدنيا، ورد في قوم من العرب جمعهم أبو سفيان على طعامه ليستميلهم إلى عداوة النبي صلى الله عليه وآله، وقيل: ورد في اليهود الذين كانوا يأخذون الرشاء من العوام على الحكم بالباطل " إنهم ساء ما كانوا يعملون " أي بئس العمل عملهم " لا يرقبون " إلى قوله: " هم المعتدون " أي المجاوزون الحد في الكفر والطغيان، وكرر للتأكيد، أو الاولى في طائفة، والثانية في اخرى " فإن تابوا " إلى قوله: " فإخوانكم في الدين " أي فعاملوهم معاملة إخوانكم من المؤمنين " ونفصل الآيات " أي نبينها " لقوم يعلمون " ذلك ويبينونه (2) " فإن (3) نكثوا " أي نقضوا " أيمانهم " أي عهودهم وما حلفوا عليه " من بعد


(1) في المصدر: قبل الاربعة الاشهر. (2) في المصدر: بتبينونه. (3) الصحيح كما في المصدر: وان نكثوا.

[271]

عهدهم " أي من بعد أن عقدوه " وطعنوا في دينكم " أي عابوه وقدحوا فيه " فقاتلوا أئمة الكفر " أي رؤساء الكفر والضلالة، وخصهم لانهم يضلون أتباعهم، قال الحسن، أراد به جماعة الكفار، وكل كافر إمام لنفسه في الكفر ولغيره في الدعاء إليه، وقال ابن عباس وقتادة: أراد به رؤساء قريش مثل الحارث بن هشام، وأبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد وكان حذيفة يقول: لم يأت أهل هذه الآية بعد، وقال مجاهد: هم أهل فارس والروم، وقرأ علي عليه السلام هذه الآية يوم البصرة ثم قال: أما والله لقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا علي لتقاتلن الفئة الناكثة، والفئة الباغية، والفئة المارقة " إنهم لا ايمان لهم " قرأ ابن عامر " لا إيمان لهم " بكسر الهمزة، ورواه ابن عقدة بإسناده عن عزيز بن الوضاح الجعفي (1)، عن جعفر بن محمد عليهما السلام والباقون بفتحها، فمن قرأ بالفتح فمعناه أنهم لا يحفظون العهد واليمين، ومن قرأ بالكسر فمعناه لا تؤمنوهم بعد نكثهم العهد، أو إنهم إذا آمنوا إنسانا لا يفون به أو إنهم كفروا فلا إيمان لهم " لعلهم ينتهون " أي قاتلوهم لينتهوا عن الكفر " ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول " الالف للاستفهام، والمراد به التحضيض والايجاب، ومعناه هلا تقاتلونهم وقد نقضوا عهودهم التى عقدوها واختلف فيهم فقيل: هم اليهود الذين نقضوا العهد، وخرجوا مع الاحزاب، و هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وآله من المدينة، كما أخرجه المشركون من مكة وقيل: هم مشركو قريش وأهل مكة. " وهم بدؤكم أول مرة " بنقض العهد، أو بالقتال يوم بدر، أو بقتال حلفاء النبي صلى الله عليه وآله من خزاعة " أتخشونهم " أن ينالكم من قتالهم مكروه " فالله أحق أن تخشوه " أي تخافوا عقابه في ترك أمره بقتالهم " إن كنتم مؤمنين " بعقابه وثوابه " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم " قتلا وأسرا ويخزهم " أي ويذلهم " ويشف صدور قوم مؤمنين " يعني بني خزاعة الذين بيت عليهم (2) بنو بكر و " يذهب غيظ قلوبهم " لكثرة ما نالهم من الاذى من جهتهم


(1) في المصدر: عريف بن الوضاح الجعفي. (2) أي هجموا عليهم ليلا.

[272]

" ويتوب الله على من يشاء " أي ويقبل توبة من تاب (1) " فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " أي فامنعوهم عن المسجد الحرام وقيل: المراد منعهم من دخول الحرم فإن الحرم كله مسجد وقبلة، والعام الذي أشار إليه سنة تسع الذي نادى فيه علي عليه السلام بالبراءة وقال: لا يحجن بعد العام (2) مشرك " وإن خفتم عيلة " أي فقرا وحاجة، وكانوا خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين عن دخول الحرم " فسوف يغنيكم الله من فضله إنشاء " من جهة اخرى بأن يرغب الناس من أهل الآفاق في حمل الميرة إليكم قال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعا وحرش (3) من اليمن، و حملوا الطعام إلى مكة على ظهور الابل والدواب، وكفاهم الله سبحانه ما كانوا يتخوفون، وقيل: يغنيكم بالجزية المأخوذة من أهل الكتاب، وقيل: بالمطر و النبات، وقيل: بإباحة الغنائم (4). 1 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن يوم الحج الاكبر، فقال: هو يوم النحر، والحج الاصغر العمرة (5). 2 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار. عن صفوان، عن ذريح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحج الاكبر يوم النحر (6). 3 - كا: علي، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني جميعا عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود، عن فضيل بن عياض قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحج الاكبر فإن ابن عباس كان يقول: يوم عرفة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الحج الاكبر يوم النحر، ويحتج بقوله تعالى: " فسيحوا في الارض أربعة أشهر " وهو (7) عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر من ربيع الآخر، ولو كان الحج الاكبر يوم عرفة لكان أربعة أشهر ويوما (8)


(1) مجمع البيان 5: 2 - 12. (2) في المصدر: بعد هذا العام. (3) الصحيح كما في المصدر: جرش بالجيم المضمومة ثم الفتح. (4) مجمع البيان 5: 20 و 21. (5 و 6) فروع الكافي 1: 246. (7) في المصدر: وهى. (8) فروع الكافي 1: 246.

[273]

بيان: قوله عليه السلام: الحج الاكبر، أي يوم الحج الاكبر، يوم النحر، و مبنى الاحتجاج على ما كان مسلما عندهم من أن أشهر السياحة تنتهي في العاشر من ربيع الآخر. 4 - شى: عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان الفتح في سنة ثمان، وبراءة في سنة تسع، وحجة الوداع في سنة عشر (1). 5 - شى: عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم ليقرأها على الناس، فنزل جبرئيل فقال: لا يبلغ عنك إلا علي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا فأمره أن يركب ناقته العضباء، وأمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة ويقرأه على الناس بمكة، فقال أبو بكر: أسخطة ؟ فقال: لا إلا أنه أنزل عليه أنه لا يبلغ إلا رجل منك، فلما قدم علي عليه السلام مكة وكان يوم النحر بعد الظهر وهو يوم الحج الاكبر قام ثم قال: إني رسول رسول الله إليكم فقرأ عليهم: " براة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض أربعة أشهر " عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر من شهر ربيع (2) الآخر، وقال: لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة ولا مشرك، ألا (3) ومن كان له عهد عند رسول الله فمدته إلى هذه الاربعة الاشهر. وفي خبر محمد بن مسلم فقال: يا علي هل نزل في شئ منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قال: لا، ولكن أبى الله أن يبلغ عن محمد إلا رجل منه، فوافى الموسم فبلغ عن الله وعن رسوله بعرفة والمزدلفة ويوم النحر عند الجمار وفي أيام التشريق كلها ينادي: " براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في الارض أربعة أشهر " ولا يطوفن بالبيت عريان (4).


(1) تفسير العياشي 2: 72. (2) في المصدر: وعشرا من شهر ربيع الاخر. (3) في المصدر: إلا من كان. (4) تفسير العياشي 2، 73 و 74.

[274]

6 - شي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله: " فسيحوا في الارض أربعة أشهر " قال: عشرين من ذي الحجة و المحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر من شهر ربيع الآخر (1). 7 - شى: عن حكيم بن جبير عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: والله إن لعلي لاسما في القرآن ما يعرفه الناس، قال: قلت: وأي شئ هو جعلت فداك ؟ فقال لي: " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر " قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين وكان علي عليه السلام هو والله المؤذن، فأذن بأذان الله ورسوله يوم الحج الاكبر في المواقف كلها، فكان ما نادى به: ألا لا يطوف بعد هذا العام عريان، ولا يقرب المسجد الحرام بعد هذا العام مشرك (2). 8 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " قال: هي يوم النحر إلى عشر مضين من شهر ربيع الآخر (3). 9 - عم: نزلت سورة " براءة من الله ورسوله " في سنة تسع فدفعها إلى أبي بكر فسار بها فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: إنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو علي، فبعث عليا عليه السلام على ناقته العضباء فلحقه، فأخذ منه الكتاب، فقال له أبو بكر: أنزل في شئ ؟ قال: لا، ولكن لا يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا هو أو أنا، فسار بها علي عليه السلام حتى أذن بمكة يوم النحر وأيام التشريق، وكان في عهده أن ينبذ إلى المشركين عهدهم، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل المسجد مشرك، ومن كان له عهد فإلى مدته، ومن لم يكن له عهد فله أربعة أشهر (4)، فإن أخذناه بعد أربعة أشهر قتلناه، وذلك قوله تعالى " فإذا انسلخ الاشهر الحرم " إلى قوله:


(1) تفسير العياشي 2، 75. (2) تفسير العياشي 2، 76 (3) تفسير العياشي 2، 77 أقول: في التفسير روايات اخرى تناسب الباب ولم يذكرها المصنف ولم نعرف وجه تركها ولعله كانت نسخته ناقصة راجعه. (4) في المصدر: فالى اربعة أشهر.

[275]

" كل مرصد " قال: ولما دخل مكة اخترط سيفه وقال: والله لا يطوف بالبيت عريان إلا ضربته بالسيف، حتى ألبسهم الثياب فطافوا وعليهم الثياب (1). 10 - شا: من فضائله عليه السلام ما جاء في قصة براءة، وقد دفعها النبي صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر لينبذ بها عهد المشركين، فلما سار غير بعيد نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول لك: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فاستدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام وقال له: اركب ناقتي العضباء، وألحق أبا بكر، فخذ براءة من يده، وامض بها إلى مكة وانبذ (2) بها عهد المشركين إليهم، وخير أبا بكر بين أن يسير مع ركابك، أو يرجع إلي، فركب أمير المؤمنين عليه السلام ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله العضباء، وسار حتى لحق بأبي بكر (3) فلما رآه فزع من لحوقه به واستقبله وقال: فيم جئت با أبا الحسن ؟ أسائر أنت معي أم لغير دلك ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني أن ألحقك فأقبض منك الآيات من براءة أنبذبها (4) عهد المشركن إليهم وأمرني أن اخيرك بين أن تسير معي (5) أو ترجع إليه فقال: بل أرجع إليه وعاد إلى النبي صلى الله عليه وآله، فلما دخل عليه قال: يا رسول الله إنك أهلتني لامر طالت الاعناق إلي (6) فيه، فلما توجهت له رددتني عنه، مالي أنزل في قرآن ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لا ولكن الامين جبرئيل (7) عليه السلام هبط إلي عن الله عز وجل بأنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، وعلي مني، ولا يؤدي عني إلا علي، في حديث مشهور، وكان (8) نبذ العهد مختصا بمن عقده أو بمن يقوم مقامه في فرض الطاعة، وجلالة القدر، وعلو الرتبة، وشرف المقام، ومن لا يرتاب بفعاله، ولا يعترض عليه في مقاله، ومن هو كنفس العاقد، وأمره أمره، فإذا حكم بحكم مضى واستقر، وأمن الاعتراض


(1) اعلام الورى: 76 ط 1 و 132 ط 2. (2) فانبذ بها خ ل. (3) ابا بكر خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) وانبذ بها خ ل. (5) مع ركابي خ ل. (6) إليه خ ل. (7) ولكن هبط إلى جبرئيل بانه خ ل (8) فكان خ ل. (*)

[276]

فيه، وكان بنبذ العهد قوة الاسلام، وكمال الدين، وصلاح أمر المسلمين، وتمام فتح مكة واتساق أحوال الصلاح وأحب (1) الله أن يجعل ذلك في (2) يد من ينوه باسمه، ويعلي ذكره، وينبه على فضله، ويدل على علو قدره، ويبينه به عمن سواه، وكان ذلك أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يكن لاحد من القوم فضل يقارب الفضل الذي وصفناه، ولا يشركه (3) فيه أحد منهم على ما بيناه (4). أقول: سيأتي أكثر الاخبار المتعلقة بتلك القصة وبسط القول في الاستدلال بها على إمامته وفضله في أبواب الآيات النازلة في شأنه في باب مفرد، فمن أراد الاطلاع عليها فليرجع إليه. 11 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن شمون، عن الاصم، عن مسمع، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه واله ببراءة مع علي عليه السلام بعث معه اناسا وقال رسول الله صلى الله عليه واله: من استأسر من غير جراحة مثقلة فليس منا (5). 32 - * (باب) * * " المباهلة وما ظهر فيها من الدلائل والمعجزات " * الآيات: آل عمران " 3 ": إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين * فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين 59 - 61.


(1) فاحب الله خ ل. أقول: في المصدر: وصلاح امر المسلمين وفتح مكة، واتساق امر الصلاح فاحب الله. (2) على يد خ ل. أقول: نوه بفلان: رفع ذكره ونوه باسمه: دعاه ايضا. (3) ولا يشرك خ ل. (4) ارشاد المفيد: 33 و 34 (5) فروغ الكافي 1: 336.

[277]

تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في نزول الآيات: قيل: نزلت في وفد نجران السيد والعاقب ومن معهما، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: هل رأيت ولدا من غير ذكر ؟ فنزلت " إن مثل عيسى " الآيات، فقرأها عليهم، عن ابن عباس وقتادة والحسن فلما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المباهلة استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك فلما رجعوا إلى رحالهم قال لهم الاسقف: انظروا محمدا في غد فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنه على غير شئ، فلما كان من الغد جاء النبي صلى الله عليه وآله آخذا بيد علي بن أبي طالب عليه السلام، والحسن والحسين عليهما السلام بين يديه يمشيان وفاطمة عليها السلام تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم اسقفهم فلما رأى النبي قد أقبل بمن معه سأل عنهم فقيل له: هذا ابن عمه وزوج ابتنه وأحب الخلق إليه وهذان ابنا بنته من علي، وهذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس عليه وأقربهم إليه (1)، وتقدم رسول الله فجثا على ركبتيه، فقال أبو حارثة الاسقف: جثا والله كما جثا الانبياء للمباهلة، فرجع (2) ولم يقدم على المباهلة فقال له السيد: ادن يا حارثة للمباهلة، قال: لا إني لارى رجلا جريئا على المباهلة، وأنا أخاف أن يكون صادقا، ولئن كان صادقا لم يحل علينا الحول والله وفي الدنيا نصراني يطعم الماء فقال الاسقف: يا أبا القاسم، إنا لا نباهلك، ولكن نصالحك، فصالحنا على ما ننهض به، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه واله على ألفي حلة من حلل الاواقي قيمة كل حلة أربعون درهما، فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك، وعلى عارية ثلاثين درعا وثلاثين رمحا، وثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد، ورسول الله صلى الله عليه وآله ضامن حتى يؤديها، وكتب لهم بذلك كتابا، وروي أن الاسقف قال لهم: إني لارى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لازاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الارض نصراني إلى يوم القيامة، وقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم. نارا، ولما حال الحول على


(1) في المصدر: واقربهم إلى قلبه. (2) في المصدر: فكع. أقول: ضعف وجبن.

[278]

النصارى حتى هلكوا كلهم (1)، قالوا: فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد و العاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وأهدى العاقب له حلة وعصا وقدحا ونعلين وأسلما. فرد الله سبحانه على النصارى قولهم في المسيح: إنه ابن الله فقال: " إن مثل عيسى عند الله " أي في خلق الله إياه من غير أب " كمثل آدم " في خلق الله إياه من غير أب ولا ام، فليس هو بأبدع ولا أعجب من ذلك، فكيف أنكروا ذا، وأقروا بذلك ؟ " خلقه من تراب " أي خلق عيسى من الريح ولم يخلق قبله أحدا من الريح، كما خلق آدم من التراب ولم يخلق أحدا قبله من التراب " ثم قال له " أي لآدم كما قيل لعيسى (2): " كن فيكون " أي فكان في الحال كما أراد " الحق " أي هذا هو الحق " من ربك " أضافه إلى نفسه تأكيدا وتعليلا " فلا تكن " أيها السامع " من الممترين " الشاكين " فمن حاجك " أي جادلك وخاصمك " فيه " أي في عيسى " من بعد ما جاءك من العلم " أي من البرهان الواضح على أنه عبدي ورسولي وقيل: معناه فمن حاجك في الحق " فقل " يا محمد لهؤلاء النصارى: " تعالوا " أي هلموا إلى حجة اخرى فاصلة بين الصادق والكاذب " ندع أبناءنا وأبناءكم " أجمع المفسرون على أن المراد " بأبنائنا " الحسن والحسين عليهما السلام، قال أبو بكر الرازي هذا يدل على أن الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه واله، وأن ولد الابنة ابن على الحقيقة، وقال ابن أبي علان وهو أحد أئمة المعتزلة: هذا يدل على أنهما عليهما السلام كانا مكلفين في تلك الحال، لان المباهلة لا يجوز إلا مع البالغين، وقال (3) إن صغر السن ونقصانها عن حد بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل، وإنما جعل بلوغ الحلم حد التعلق الاحكام الشرعية، وكان سنهما عليهما السلام في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل، على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للائمة


(1) في المصدر: حتى يهلكوا كلهم (2) في المصدر: وقيل: لعيسى. (3) في المصدر: وقال اصحابنا.

[279]

ويخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله واختصاصهم به. ومما يؤيده من الاخبار قول النبي صلى الله عليه واله: ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا. " ونساءنا " اتفقوا على أن المراد به فاطمة عليها السلام، لانه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء، وهذا يدل على تفضيل الزهراء عليها السلام على جميع النساء، ويعضده ما جاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه والله قال: فاطمة بضعة مني يريبني مارابها، وقال: إن الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها. وقد صح عن حذيفة أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه واله يقول: أتاني ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ونساء امتي وعن الشعبي عن مسروق، عن عائشة قالت: أسر النبي صلى الله عليه واله إلى فاطمة شيئا فضحكت، فسألتها قالت (1): قال لي: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الامة أو نساء المؤمنين (2)، فضحكت لذلك. " ونساءكم " أي من شئتم من نسائكم " وأنفسنا " يعني عليا عليه السلام خاصة، ولا يجوز أن يكون المعني به النبي صلى الله عليه واله لانه هو الداعي، ولا يجوز أن يدعو الانسان نفسه، وإنما يصح أن يدعو غيره وإذا كان قوله: " وأنفسنا " لابد أن يكون إشارة إلى غير الرسول وجب أن يكون إشارة إلى علي عليه السلام، لانه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين وزوجته وولديه عليهم السلام في المباهلة، وهذا يدل على غاية الفضل وعلو الدرجة، والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد، إذ جعله الله سبحانه نفس الرسول، وهذا ما لا يدانيه فيه أحد ولا يقاربه، ومما يعضده في الروايات ما صح عن النبي صلى الله عليه واله أنه سئل عن بعض أصحابه، فقال له قائل: فعلي ؟ فقال: إنما سألتني عن الناس، ولم تسألني عن نفسي. وقوله صلى الله عليه واله لبريدة (3): لا تبغض عليا فإنه مني وأنا منه، وإن الناس


(1) في المصدر: فقالت. (2) في المصدر: ونساء المؤمنين. (3) في المصدر: لبريدة الاسلمي يا بريدة.

[280]

خلقوا من شجر شتى وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة. وقوله صلى الله عليه وآله باحد وقد ظهر من نكايته (1) في المشركين ووقايته إياه بنفسه حتى قال جبرئيل: يا محمد إن هذا لهي المواساة، فقال: يا جبرئيل إنه لمني وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما " وأنفسكم " يعني من شئتم من رجالكم " ثم نبتهل " أي نتضرع في الدعاء عن ابن عباس، وقيل: نلتعن، فنقول: لعن الله الكاذب " فنجعل لعنة الله على الكاذبين " منا، وفي هذه الآية دلالة على أنهم علموا أن الحق مع النبي صلى الله عليه وآله لانهم امتنعوا من المباهلة، وأقروا بالذل والخزي، وانقادوا لقبول الجزية، فلولم يعلموا ذلك لباهلوه، وكان يظهر ما زعموا من بطلان قوله في الحال، ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وآله متيقنا بنزول العقوبة بعدوه دونه لو باهلوه لما أدخل أولاده و خواص أهله في ذلك مع شدة إشفاقه عليهم. انتهى كلامه رفع الله مقامه (2). ولنذكر هنا بعض ما ذكره المخالفون في تفسير تلك الآية ليكون أجلى للعمى وأبعد عن الارتياب، قال الزمخشري في الكشاف: " فمن حاجك " من النصارى " فيه " في عيسى " من بعد ما جاءك من العلم " أي من البينات الموحبة للعلم " تعالوا " هلموا، والمراد المجئ بالراي والعزم، كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة " ندع أبناءنا وأبناءكم " أي يدع كل مني ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة " ثم نبتهل " ثم نتباهل بأن نقول: بهلة الله على الكاذب منا ومنكم والبهلة بالفتح والضم: اللعنة، وبهله الله: لعنه وأبعده من رحمته، من قولك: أبهله: إذا أهمله، وناقة باهل: لاصرار عليها (3)، وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. وروي أنه لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى وننظر، فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى ؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر


(1) في المصدر: قد ظهرت نكايته في المشركين. (2) مجمع البيان 2: 451 - 453. (3) الصرار: ما يشد ضرع الناقة لئلا يرضعها ولدها.

[281]

النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاء كم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم، ولا ثبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فان أبيتم إلا إلف دينكم، والاقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد غدا محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال اسقف نجران: يا معشر النصارى: إني لارى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لازاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبق (1) على وجه الارض نصراني إلى يوم القيامة فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك، ونثبت على ديننا، فقال: " فإن أبيتم (2) المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم " فأبوا قال: " فإني اناجزكم " فقالوا: مالنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفى حلة: ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعا عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، وقال: " والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا " وعن عايشة (3) أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج وعليه مرط مرحل (4) من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي ثم قال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ". فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، و


(1) في المصدر: ولا يبقى. (2) في المصدر: فإذا ابيتم. (3) اخرجه مسلم في صحيحه 7: 130 باسناده عن ابى بكر بن ابى شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير عن محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة. (4) في المصدر: مرجل بالجيم، وفى صحيح مسلم والنهاية: مرحل بالحاء، وفى الثاني: المرحل: الذى قد نقش فيه تصاوير الرحال.

[282]

ذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الابناء والنساء ؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته، وأفلاذ كبده، وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستيصال إن تمت المباهلة، وخص الابناء والنساء لانهم أعز الاهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق، وقدمهم في الذكر على الانفس لينبه على لطف مكانهم، وقرب منزلتهم وليؤذن بأنهم مقدمون على الانفس، مفدون بها، وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام، وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله، لانه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك انتهى (1). وروى إمامهم الرازي في تفسيره الروايتين في المباهلة والكساء مثل ما رواه الزمخشري إلى قوله " ويطهركم تطهيرا " ثم قال: واعلم أن هذه الرواية كأنها متفق (2) على صحتها بين أهل التفسير والحديث ثم قال: هذه الآية دلت على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال كان في الري رجل يقال له: محمود بن الحسن الخصيمي (3)، وكان متكلم الاثنى عشرية، وكان يزعم أن عليا عليه السلام أفضل من جميع الانبياء سوى محمد صلى الله عليه وآله، قال: والذي يدل عليه قوله تعالى: " وأنفسنا وأنفسكم " وليس المراد بقوله: " وأنفسنا " نفس محمد صلى الله عليه وآله لان الانسان لا يدعو نفسه، بل المراد به غيره، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب عليه السلام فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد، ولا يمكن أن يكون المراد أن هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك


(1) الكشاف 1: 282 و 283. (2) في المصدر: كالمتفق على صحتها (3) الصحيح كما في المصدر: الحمصى والرجل هو الامام سديد الدين محمود بن على بن الحسن الحمصى الرازي ترجمه منتجب الدين في فهرسته وبالغ في الثناء عليه.

[283]

يقتضي الاستواء في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة، وفي حق الفضل، لقيام الدلائل على أن محمدا صلى الله عليه وآله كان نبيا، وما كان علي كذلك ولانعقاد الاجماع على أن محمدا صلى الله عليه واله كان أفضل من علي فيبقى فيما سواه معمولا به، ثم الاجماع دل على أن محمدا صلى الله عليه وآله كان أفضل من سائر الانبياء (1)، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية، ثم قال، وتأكد الاستدلال بهذه الآية بالحديث المقبول عند الموافق والمخالف وهو قوله: عليه السلام: " من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحا في طاعته وإبراهيم في خلته، وموسى في قربته، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام " فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم، وذلك يدل على أن عليا أفضل من جميع الانبياء سوى محمد صلى الله عليه وآله، وأما سائر الشيعة فقد كانوا قديما وحديثا يستدلون بهذه الآية على أن عليا عليه السلام أفضل من سائر الصحابة، و ذلك لان الآية لما دلت على أن نفس علي مثل نفس محمد صلى الله عليه وآله إلا فيما خصه الدليل وكان نفس محمد صلى الله عليه وآله أفضل من الصحابة فوجب أن يكون نفس علي أفضل من سائر صحابته. والجواب كما أنه انعقد الاجماع بين المسلمين على أن محمدا صلى الله عليه وآله أفضل من علي عليه السلام فكذلك انعقد الاجماع بينهم قبل ظهور هذا الانسان (2) على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن عليا ما كان نبيا، فلزم القطع بأن ظاهر الآية مخصوص (3) في حق محمد صلى الله عليه وآله، فكذلك مخصوص في حق سائر الانبياء عليهم السلام انتهى (4).


(1) زاد في المصدر: فيلزم ان يكون على افضل من سائر الانبياء. (2) ما كان القول بافضليته عليه السلام مختصا بالحمصي ولا بعصره، بل كانت الشيعة منذ صدر. الاسلام يرى ذلك، وفى مقدمهم نفس على عليه السلام حيث كان يوعز إلى ذلك في بعض كلامه. وسبقهم جميعا في ذلك نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتقدم الذى نص الرازي نفسه على انه مقبول عند الموافق والمخالف، وفى غيره، فكان المصدر الوحيد الذى يرجع إليه قول الشيعة من عصرهم القادم قول نبيهم الذى لم يكن ينطق عن الهوى. (3) في المصدر: كما انه مخصوص. (4) مفاتيح الغيب 2: 471 و 472.

[284]

أقول: انعقاد الاجماع على كون النبي أفضل ممن ليس بنبي مطلقا ممنوع، كيف وأكثر علماء الامامية بل كلهم قائلون بأن أئمتنا عليهم السلام أفضل من سائر الانبياء سوى نبينا صلى الله عليه واله، ولو سلم فلا نسلم حجية مثل هذا الاجماع الذي لم يتحقق دخول المعصوم فيه كيف وأخبار أئمتنا عليهم السلام مستفيضة (1) بخلافه، ولنعم ما فعل حيث أعرض عن الجواب في حق الصحابة إذ لم يجد عنه محيصا. ثم قال: هذه الآية دلت على صحة نبوة النبي صلى الله عليه واله من وجهين: أحدهما أنه صلى الله عليه واله خوفهم بنزول العذاب، ولو لم يكن واثقا بذلك لكان ذلك منه سعيا في إظهار كذب نفسه، لان بتقدير أن رغبوا في مباهلته ثم لا ينزل العذاب فحينئذ كان يظهر كذبه، فلما أصر (2) على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقا بنزول العذاب عليهم. والثاني: أن القوم لما تركوا مباهلته فلولا أنهم عرفوا من التوراة والانجيل ما يدل على نبوته لما أحجموا عن مباهلته. فإن قيل: لعلهم كانوا شاكين فتركوا مباهلته خوفا من أن يكون صادقا فينزل بهم ما ذكر من العذاب، قلنا: هذا مدفوع من وجهين، الاول: أن القوم كانوا يبذلون النفوس والاموال في المنازعة مع رسول الله صلى الله عليه واله، فلو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك. الثاني: فقد نقل عن تلك النصارى أنهم قالوا: والله هو النبي المبشر به في التوراة والانجيل، وإنه (3) لو باهلتموه لحصل الاستيصال، وكان ذلك تصريحا منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لاجل علمهم بأنه نبي مرسل من عند الله تعالى انتهى كلامه (4).


(1) بل يوجد في اخبارهم ايضا احاديث كثيرة في ذلك. (2) في المصدر: كان يظهر كذبه فيما اخبر، ومعلوم ان محمدا صلى الله عليه وآله كان من اعقل الناس فلا يليق به ان يعمل عملا يفضى إلى ظهور كذبه، فلما اصر. (3) في المصدر: وانكم. (4) مفاتيح الغيب 2: 473.

[285]

وأما النيشابوري فقد ذكر في تفسيره الروايتين مثل ما مر، ثم قال بعد قوله: " ويطهر كم تطهيرا " وهذه الرواية كالمتفق على صحتها، ثم ساق الكلام نحوا مما ساقه الرازي في الاستدلال والجواب، ثم قال: وأما فضل أصحاب الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك، ولهذا ضمهم إلى نفسه، بل قدمهم في الذكر، وفيها أيضا دلالة على صحة نبوته صلى الله عليه واله، فانه لو لم يكن واثقا بصدقه لم يتجرأ على تعريض أعزته وخويصته وأفلاذ كبده في معرض الابتهال ومظنة الاستيصال. وقال البيضاوي: بعد تفسير الآية وإيراد خبر المباهلة: وهو دليل على نبوته وفضل من أتى بهم من أهل بيته (1). أقول: سيأتي تمام القول في الاستدلال بالآية والاخبار على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وسائر الاخبار المروية في هذا الباب في أبواب الآيات النازلة في شأنه عليه السلام. وقال السيوطي في الدر المنثور: أخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة ابن عبد يشوع عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه واله كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان: " بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد رسول الله إلى اسقف نجران وأهل نجران، إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم و إسحاق ويعقوب، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقذ آذنتكم بحرب والسلام ". فلما قرأ الاسقف الكتاب قطع به وذعر ذعرا شديدا، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شر حبيل بن وداعة، فدفع إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه واله فقرأه فقال له الاسقف: ما رأيك ؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا الرجل، ليس لي في النبوة رأي، لو كان أمر من امور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك، فبعث الاسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران، فكلهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن


(1) انوار التنزيل 1: 211.

[286]

يبعثوا شرحبيل و عبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه واله فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله فساء لهم وساءلوه، فلم يزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى بن مريم: فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ما عندي فيه شئ يومي هذا فأقيموا حتى اخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغد، فأنزل الله هذه الآية: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم " إلى قوله: " فنجعل لعنة الله على الكاذبين (1) " فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه واله الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميلة (2) له، وفاطمة تمشي عند ظهره، وخلفها علي، للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: إني أرى امرأ مقبلا إن كان الرجل نبيا مرسلا فلعناه لا يبقى على وجه الارض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقالا له: ما رأيك ؟ فقال: رأيي أن احكمه، فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا، فقالا له: أنت وذاك، فتلقى شرحبيل رسول الله فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك، قال: وما هو ! قال: حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا جايز، فرجع رسول الله صلى الله عليه واله ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية (3). وقال السيد ابن طاووس رحمة الله في كتاب إقبال الاعمال: روينا بالاسانيد الصحيحة والروايات الصريحة إلى أبي المفضل محمد بن عبد المطلب الشيباني رحمه الله من كتاب المباهلة، ومن أصل كتاب الحسن بن إسماعيل بن اشناس من كتاب عمل ذي الحجة فيما رويناه بالطرق الواضحة عن ذوي الهمم الصالحة لا حاجة إلى ذكر أسمائهم لان المقصود ذكر كلامهم، قالوا: لما فتح النبي صلى الله عليه واله مكة وانقادت له العرب، وأرسل رسله ودعاته إلى الامم وكاتب الملكين: كسرى وقيصر يدعوهما إلى الاسلام، وإلا أقرا بالجزية والصغار، وإلا أذنا بالحرب العوان (4) أكبر شأنه نصارى نجران وخلطاؤهم من بني عبد المدان، وجميع بني الحارث بن كعب ومن


(1) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (2) الخميلة: القطيفة. (3) الدر المنثور: ج 2 ص 38. (4) الحرب العوان: اشد الحروب.

[287]

ضوى إليهم ونزل بهم من دهماء الناس على اختلافهم هناك في دين النصرانية من الا روسية (1) والسالوسية (2) وأصحاب دين الملك (3) والمارونية والعباد والنسطورية وأملات (4) قلوبهم على تفاوت منازلهم رهبة منه ورعبا، فإنهم كذلك (5) من شأنهم إذ وردت عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه واله بكتابه، وهم عتبة بن غزوان، وعبد الله بن (6) امية، والهدير بن عبد الله أخوتيم بن مرة، وصهيب بن سنان أخو النمر بن قاسط يدعوهم إلى الاسلام، فإن أجابوا فإخوان، وإن أبوا واستكبروا فإلى حظة المخزية إلى أداء الجزية عن يد، فإن رغبوا عما دعاهم إليه من أحد (7) المنزلين وعندوا فقد آذنهم على سواء، وكان في كتابه صلى الله عليه واله: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (8) قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه واله لا يقاتل قوما حتى يدعوهم، فازداد القوم لورود رسل نبي الله صلى الله عليه واله وكتابه نفورا وامتزاجا (9)، ففزعوا لذلك إلى بيعتهم (10) العظمى، وأمروا ففرش أرضها، وألبس جدرها بالحرير والديباج، ورفعو الصليب الاعظم (11). وكان من ذهب مرصع أنفذه إليهم قيصر الاكبر، وحضر ذلك بنو الحارث (12) بن كعب وكانوا ليوث. الحرب، و فرسان الناس، قد عرفت العرب ذلك لهم في قديم أيامهم في الجاهلية (13)، فاجتمع


(1) ذكرنا الصحيح من ضبط ذلك في باب كتبه صلى الله عليه واله وسلم راجع ج 20. 387 (2) في المصدر: (النالوسية) ولعلهما مصحفان عن السباليوسية نسبة إلى سابليوس من قساوسة مصرفي القرن الثالث، أو عن النوء توسية نسبة إلى نوء توس: قسيس في القرن الثالث (3) هم الملكانية، اصحاب ملك الروم، أو الملكائية: اصحاب ملكا الذى ظهر بالروم و استولى عليها. (4) ملات خ. (5) وانهم لذلك خ. (6) عبد الله بن ابى امية خ. (7) من احدى المنزلتين خ. (8) آل عمران: 64 (9) في نسخة من المصدر: واقتراحا. (10) البيعة: المعبد للنصارى واليهود (11) في نسخة من المصدر: العظيم. (12) وحفر ذلك بنى الحارث خ ل. (13) في نسخة من المصدر: وفى الجاهلية.

[288]

القوم جميعا للمشورة والنظر في امورهم، وأسرعت إليهم القبائل من مذحج وعك وحمير وأنمار ومن دنا منهم نسبا ودارا من قبائل سبأ، وكلهم قد روم أنفه أنفة وغضبا لقومهم، ونكص من تكلم منهم بالاسلام ارتدادا، فخاضوا (1) وأفاضوا في ذكر المسير بنفسهم وجمعهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله والنزول به بيثرب لمناجزته، فلما رأى أبو حارثة (2) حصين بن علقمة أسقفهم الاول وصاحب مدارسهم وعلامهم، وكان رجلا من بني بكر بن وائل، ما أزمع القوم عليه من إطلاق الحرب دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه وقد بلغ يومئذ عشرين ومائة سنة، ثم قام فيهم خطيبا معتمدا على عصا، و كانت فيه بقية وله رأي وروية، وكان موحدا يؤمن بالمسيح وبالنبي عليهما السلام، ويكنم ذلك (3) من كفرة قومه وأصحابه، فقال: مهلا بني عبد المدان، مهلا استديموا العافية والسعادة، فإنهما مطويان في الهوادة، دبوا إلى (4) قوم في هذا الامر دبيب الذر، وإياكم والسورة العجلى فإن البديهة بها لا تنجب، إنكم والله على فعل ما لم تفعلوا أقدر منكم على رد ما فعلتم، ألا إن النجاة مقرونة بالاناة، الارب إحجام أفضل من إقدام، وكأين من قول أبلغ من صول، ثم أمسك فأقبل عليه كرز بن سبرة (5) الحارثي، وكان يومئذ زعيم بني الحارث بن كعب، وفي بيت شرفهم والمعصب (6) فيهم وأمير حروبهم، فقال: لقد انتفخ سحرك، واستطير قلبك أبا حارثة فظلت كالمسبوع اليراعة المهلوع (7) تضرب لنا الامثال، وتخوفنا النزال، لقد علمت وحق المنان بفضيلة الحفاظ بالنوء بالعبء وهو عظيم، ونلقح (8) الحرب وهي عقيم نثقف أود الملك الجبار، ولنحن أركان الرايس (9) وذي المنار اللذين شددنا ملكهما (10)


(1) في نسخة من المصدر فحاضروا. (2) في المصدر: أبو حامد حارثة خ ل (3) في نسخة من المصدر: ويكتم ايمانه. (4) أي قوم خ ل (5) في المصدر: مسيره. سبرة خ ل. (6) المتعصب خ ل. (7) الهلوع خ ل. (8) وتلقيح خ ل. أقول: في المصدر: وتلقح الحرب. (9) في المصدر: ولنحن اركان الرائش. (10) وامرنا فلكهما خ أقول: في المصدر: (شددنا ملكهما وامرنا مليكهما " واجزنا فلكهما خ ل ") قال امصنف في الهامش في قوله: (وامرنا فلكهما خ): كناية عن تكثير اسباب دولتها، في القاموس: امر الامر كفرح: اشتد. والرجل. كثرت ماشيته، وآمره الله وأمره: - لغية - كثر نسله وماشيته.

[289]

فأي أيامنا (1) تنكر، أم لايها ويك تلمز (2) ؟ فما أتى على آخر كلامه حتى انتظم نصل نبلة كانت في يده بكفه غيظا وغضبا وهو لا يشعر، فلما أمسك كرز بن سبرة أقبل عليه العاقب واسمه عبد المسيح بن شرجيل (3) وهو يومئذ عميد القوم و أمير رأيهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون جميعا إلا عن قوله، فقال له: أفلح وجهك، و أنس ربعك وعز جارك، وامتنع ذمارك، ذكرت وحق مغبرة (4) الجباه حسبا صميما وعيصا (5) كريما وعزا قديما، ولكن أبا سبرة ! لكل مقام مقال، ولكل عصر رجال والمرء بيومه أشبه منه بأمسه، وهي الايام تهلك جيلا، وتديل قبيلا (6)، والعافية أفضل جلباب، وللآفات أسباب، فمن أوكد أسبابها التعرض لابوابها. ثم صمت العاقب مطرقا فأقبل عليه السيد واسمه أهتم بن النعمان وهو يومئذ اسقف نجران وكان نظير العاقب في علو المنزلة، وهو رجل من عاملة وعدادة في لخم، فقال له: سعد جدك وسما جدك أبا وائلة (7) ! إن لكل لا معة ضياء، وعلى كل صواب نورا، ولكن لا يدركه وحق واهب العقل إلا من كان بصيرا، إنك أفضيت و هذان فيما تصرف بكما (8) الكلمة إلى سبيلي حزن وسهل، ولكل على تفاوتكم حظ من الرأي الربيق (9)، والامر الوثيق إذا اصيب به مواضعه، ثم إن أخا قريش قد نجدكم (10) لخطب عظيم، وأمر جسيم، فما عندكم فيه قولوا. وأنجزوا، أبخوع وإقرار، أم نزوع ؟ قال عتبة والهدير والنفر من أهل نجران: فعاد كرز بن سبرة لكلامه وكان كميا أبيا، فقال: أنحن نفارق دينا رسخت عليه عروقنا، و مضى عليه آباؤنا، وعرف ملوك الناس، ثم العرب ذلك (11)، أنتهالك إلى ذلك، أم نقر بالجزية، وهي الخزية حقا ؟ لا والله حتى نجرد البواتر من أغمادها، و


(1) ينكر خ ل. (2) نلمز خ ل. (3) شرحبيل خ ل. (4) مغير الحياة خ ل. (5) عصبا خ ل. (6) أي تنزع الدولة من قبيلة وتحولها إلى اخرى. (7) ابا واثلة خ ل. (8) في نسخة من المصدر: بكم. (9) الرتيق خ (10) استنجدكم خ. (11) في المصدر: ثم العرب ذلك منا.

[290]

تذهل الحلائل عن أولادها، أو نشرق نحن ومحمد (1) بدمائنا، ثم يديل الله عز وجل بنصره من يشاء، قال له السيد: اربع على نفسك وعلينا أبا سبرة !، فإن سل السيف يسل السيوف. وإن محمدا قد بخعت له العرب وأعطته طاعتها، وملك رجالها وأعنتها، وجرت أحكامه في أهل الوبر منهم والمدر، ورمقه الملكان العظيمان كسرى وقيصر، فلا أراكم والروح لو نهد لكم إلا وقد تصدع عنكم من حف معكم من هذه القبايل، فصرتم جفاء كأمس الذاهب، أو كلحم على وضم، وكان فيهم رجل يقال له: جهير بن سراقة البارقي من زنادقة نصارى العرب، وكان له منزلة من ملوك النصرانية، وكان مثواه بنجران، فقال له أبا سعاد (2): قل في أمرنا وانجدنا (3) برأيك، فهذا مجلس له ما بعده، فقال: فإني أرى لكم أن تقاربوا محمدا وتطيعوه في بعض ملتمسه عندكم، ولينطلق وفودكم إلى ملوك أهل ملتكم، إلى الملك الاكبر بالروم قيصر، وإلى ملوك هذه الجلدة السوداء الخمسة، يعنى ملوك السودان: ملك النوبة، وملك الحبشه، وملك علوه (4) وملك الرعاوة (5)، وملك الراحات (6) ومريس والقبط، وكل هؤلاء كانوا نصارى، قال: وكذلك من ضوى إلى الشام وحل بها من ملوك غسان ولخم وجذام وقضاعة وغيرهم من ذوي يمنكم، فهم لكم عشيرة وموالي وأعوان، وفي الدين إخوان، يعني أنهم نصارى، وكذلك نصارى الحيرة من العباد وغيرهم فقد صبت (7) إلى دينهم قبائل تغلب بنت (8) وائل وغيرهم من ربيعة بن نزار، لتسر وفودكم، ثم لتخرق إليهم البلاد أغذاذا فيستصرخونهم لدينكم، فستنجدكم الروم وتسير إليكم الاساودة مسير أصحاب الفيل، وتقبل


(1) نحو محمد خ ل. (2) في المصدر ابا سعد اسعاد خ ل (3) أنجده: أعانه (4) في نسخة من المصدر: علية. (5) في المصدر: وملك الرعا (الزعانة خ ل) أقول: لعل الصحيح: زغاوة، قال ياقوت: زغاوة: مملكة عظيمة من ممالك السودان في حد المشرق، وقيل فيه غير ذلك. (6) في المصدر: وملك الواحات (الراحة خ ل) اقول: قال ياقوت: الواحات: ثلاث كور في غربي مصر. (7) أي مالت. (8) ابنة خ ل.

[291]

إليكم نصارى العرب من ربيعة اليمن، فإذا وصلت الامداد واردة سرتم أنتم في قبائلكم وساير من ظافركم (1) وبذل نصره وموازرته لكم حتى تضاهؤن من أنجدكم وأصرخكم من الاجناس والقبائل الواردة عليكم فأموا محمدا حتى تنيخوا (2) به جميعا فسيعتق (3) إليكم وافدا لكم من صبا إليه مغلوبا مقهورا، و ينعق (4) به من كان منهم في مدرته مكثورا، فيوشك أن تصطلموا حوزته، وتطفؤا جمرته، ويكون لكم بذلك الوجه والمكان في الناس، فلا تتمالك العرب حينئذ حتى تتهافت دخولا في دينكم، ثم لتعظمن بيعتكم هذه، ولتشرفن حتى تصير كالكعبة المحجوجة بتهامة، هذا الرأي فانتهزوه، فلا (5) رأي لكم بعده، فأعجب القوم كلام جهير بن سراقة ووقع منهم كل موقع، فكاد أن يتفرقوا على العمل به وكان فيهم رجل من ربيعة بن نزار من بني قيس بن ثعلبة، يدعى حارثة بن اثال (6) على دين المسيح عليه السلام، فقام حارثة على قدميه وأقبل على جهير وقال متمثلا: متى ماتقد بالباطل الحق يأبه (7) * وإن قدت بالحق الرواسي تنقد إذا ما أتيت الامر من غير بابه * ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدي ثم استقبل (8) السيد والعاقب والقسيسين والرهبان وكافة نصارى نجران بوجهه لم يخلط معهم غيرهم فقال: سمعا سمعا يا أبناء الحكمة، وبقايا حملة الحجة، إن السعيد والله من نفعته الموعطة، ولم يعش عن التذكرة، ألا وإني انذركم واذكركم قول مسيح الله عز وجل، ثم شرح وصيته ونصه على وصيه شمعون بن يوحنا وما يحدث على امته من الافتراق، ثم ذكر عيسى عليه السلام وقال: إن الله جل جلاله أوحى إليه فحد يا ابن أمتي كتابي بقوة ثم فسره لاهل سوريا بلسانهم، وأخبرهم أني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم البديع الدائم الذي لا أحول


(1) من ظاهركم خ ل. (2) في المصدر: حتى تنجوا به جميعا. (3) فسيعنق خ ل. (4) في المصدر: وينعتق (ينعق خ ل) به (5) فليس خ ل. (6) في المصدر: اثاك (اثال خ). (7) في المصدر: بابه. (8) أي حارثة.

[292]

ولا أزول، إني بعثت رسلي ونزلت (1) كتبي رحمة ونورا وعصمة لخلقي، ثم إني باعث بذلك نجيب رسالتي أحمد صفوتي وخيرتي من بريتي البار قليطا عبدي ارسله في خلو (2) من الزمان أبتعثه (3) بمولده فاران من مقام إبراهيم (4) عليه السلام أنزل عليه توراة (5) حديثة، أفتح بها أعينا عمياء، وآذانا صماء، وقلوبا (6) غلفا، طوبى لمن شهد أيامه، وسمع كلامه فآمن به، واتبع النور الذي جاء به فإذا ذكرت يا عيسى ذلك النبي فصل عليه فإني وملائكتي نصلي عليه، قالوا: فما أتى حارثة بن اثال (7) على قوله هذا حتى أظلم بالسيد والعاقب مكانهما، و كرها ما قام به في الناس معربا ومخبرا عن المسيح عليه السلام بما أخبر وقدم (8) من ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله لانهما كانا قد أصابا بموضعهما من دينهما شرفا بنجران، ووجها عند ملوك النصرانية جميعا، وكذلك عند سوقتهم وعربهم في البلاد فأشفقا أن يكون ذلك سببا لانصراف قومهما عن طاعتهما لدينهما، وفسخا لمنزلتهما في الناس. فأقبل العاقب على حارثة فقال: أمسك عليك يا حار، فإن راد هذا الكلام عليك أكثر من قابله، ورب قول يكون بلية على قائله وللقلوب نفرات عند الاصداع بمضنون الحكمة فاتق نفورها، فلكل نبأ أهل، ولكل خطب محل، وإنما الدرك ما أخذلك بمواضي (9) النجاة، وألبسك جنة السلامة، فلا تعدلن بهما حظا، فإني لم آلك لا أبالك نصحا (10)، ثم أرم يعني أمسك. فأوجب السيد أن يشرك العاقب في كلامه فأقبل على حارثة فقال: إني لم أزل أتعرف لك فضلا " تميل إليه (11)


(1) في المصدر: وانزلت كتبي. (2) في خلق خ ل. (3) في المصدر: انبعثه (ابتعثه خ ل) ابعثه ظ. (4) في المصدر: مقام ابيه ابراهيم. (5) نوراء خ ل. (6) قلب اغلف أي لا يعى ولا يفهم. (7) في المصدر: اثاك. " اثال خ ل " وكذا في جميع المواضع. (8) في المصدر: وأقدم. (9) بنواصي خ ل. (10) أي لم اقصر في نصحك. (11) في المصدر: تميل اليك. " إليه خ ل ".

[293]

الالباب، فإياك أن تقتعد مطية اللجاج، وأن توجف (1) إلى آل السراب، فمن عذر بذلك فلست فيه أيها المرء بمعذور، وقد أغفلك أبو واثلة وهو ولي أمرنا و سيد حضرنا (2) عتابا فأوله أعتابا، ثم تعلم أن ناجم قريش يعني رسول الله صلى الله عليه واله يكون رزه (3) قليلا ثم ينقطع، ويكون بعد ذلك قرن (4) يبعث في آخره النبي المبعوث بالحكمة والبيان والسيف والسلطان، يملك ملكا مؤجلا، تطبق فيه امته المشارق والمغارب، ومن ذريته الامير الظاهر يظهر على جميع الملكات والاديان ويبلغ ملكه ما طلع عليه الليل والنهار، وذلك يا حار أمل من ورائه أمد، ومن (5) دونه أجل فتمسك من دينك بما تعلم، وتمنع لله أبوك من انس متصرم بالزمان أو لعارض من الحدثان فإنما نحن ليومنا ولغد أهله. فأجابه حارثة بن اثال فقال إيه (6) عليك أبا قرة ! فإنه لا حظ في يومه لمن لا درك له في غده، واتق الله تجد الله جل وتعالى بحيث لا مفزع إلا إليه، وعرضت مشيدا بذكر أبي واثلة فهو العزيز المطاع، الرحب الباع، وإليكما معا ملقى الرجال، فلو اضربت التذكرة عن أحد لتبريز فضل لكنتماه، لكنها أبكار الكلم تهدى لاربابها، ونصيحة كنتما أحق من أصفى (7) بها إنكما مليكا ثمرات قلوبنا ووليا طاعتنا في ديننا، فالكيس الكيس يا أيها المعظمان عليكما به أرمقا ما بدهكما نواحيه (8) واهجرا سنة التسويف فيما أنتما بعرضه، آثرا الله فيما آتاكما يؤثركما (9) بالمزيد من فضله، ولا نخلدا فيما أظلكما إلى الونية، فإنه من أطال عنان الامن أهلكته العزة (10) ومن اقتعد مطية الحذر كان بسبيل أمن من المتالف


(1) في المصدر: وان ترجف " توجف خ ل " إلى السراب " الال خ ل ". (2) لعل " حضرنا " اسم اضيف إلى ضمير المتكلم ومعناه هو سيد حضارتنا وملكنا، والظاهر من المصنف انه جملة فعلية. (3) رزؤه خ ل. (4) في المصدر: ويخلوان بعد ذلك قرن. (5) أو من دونه خ ل. (6) إيها خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (7) احد من اصفى. (8) بواجبه خ ل. (9) في المصدر: فيما يؤثر كما بالمزيد. (10) الغرة خ ل. أقول: في المصدر: عنان الامر اهلكته الغرة.

[294]

ومن استنصح عقله كانت العبرة له لا به، ومن نصح لله عز وجل آنسه الله جل و تعالى بعز الحياة وسعادة المنقلب. ثم أقبل على العاقب معاتبا فقال: وزعمت أبا واثلة أن راد ما قلت أكثر من قابله، وأنت لعمرو الله حري أن لا يؤثر هذا عنك. فقد علمت وعلمنا امة الانجيل معا بسيرة (1) ما قام به المسيح عليه السلام في حواريه (2)، ومن آمن له من قومه وهذه منك فهة لا يرحضها إلا التوبة والاقرار بما سبق به الانكار، فلما أتى على هذا الكلام صرف إلى السيد وجهه فقال: لا سيف إلا ذو نبوة، ولا عليم إلا ذو هفوة فمن نزع عن وهله (3) وأقلع فهو السعيد الرشيد، وإنما الآفة في الاصرار وعرضت (4) بذكر نبيين يخلقان، زعمت بعد ابن البتول، فأين يذهب بك عما خلد (5) في الصحف من ذكرى ذلك ؟ ألم تعلم ما انتبأ (6) به المسيح عليه السلام في بني إسرائيل وقوله لهم: كيف بكم إذا ذهب بي إلى أبي وأبيكم وخلف بعد أعصار تخلو من بعدي وبعدكم صادق وكاذب، قالوا: ومن همايا مسيح الله ؟ قال: نبي من ذرية إسماعيل عليهما السلام صادق، ومتنبئ من بني إسرائيل كاذب، فالصادق منبعث منهما برحمة وملحمة يكون له الملك والسلطان ما دامت الدنيا، وأما الكاذب فله نبز (7) يذكر به المسيح الدجال يملك فواقا، ثم يقتله الله بيدي إذا رجع بي. قال حارثة: واحذركم يا قوم أن يكون من قبلكم من اليهود اسوة لكم إنهم انذروا بمسيحين: مسيح رحمة وهدى، ومسيح ضلالة، وجعل لهم على كل واحد منهما آية وأمارة، فجحدوا مسيح الهدى وكذبوا به، وآمنوا بمسيح الضلالة الدجال وأقبلوا على انتظاره، وأضربوا في الفتنة وركبوا نتجها (8) ومن


(1) بصدق خ ل " بسيرورة خ ل " السيرورة: الذهاب منه قدس سره. (2) في حواريته كذا. (3) وهلة خ ل: أقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) واعرضت خ ل. (5) عما خلا خ ل. (6) ما أنبأ خ ل (7) في المصدر: " نبذ " والنبذ: الشئ القليل اليسير. (8) في المصدر: نضحها. " نتجها خ ل ".

[295]

قبل ما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وقتلوا أنبياءه والقوامين بالقسط من عباده فحجب (1) الله عز وجل عنهم البصيرة بعد التبصرة بما كسبت أيديهم ونزع ملكتهم (2) منهم ببغيهم وألزمهم الذلة والصغار، وجعل منقلبهم إلى النار. قال العاقب: فما أشعرك يا حار أن يكون هذا النبي المذكور في الكتب هو قاطن يثرب ؟ ولعله ابن عمك صاحب اليمامة، فإنه يذكر من النبوة ما يذكر منها أخو قريش، وكلاهما من ذرية إسماعيل، ولجميعهما أتباع وأصحاب يشهدون بنبوته ويقرون له برسالته فهل تجد بينهما في ذلك من فاصلة (3) فتذكرها ؟. قال حارثة: أجل والله، أجدها والله أكبر وأبعد مما بين السحاب والتراب وهي الاسباب التي بها وبمثلها تثبت حجة الله في قلوب المعتبرين من عباده لرسله وأنبيائه، وأما صاحب اليمامة فليكفك (4) فيه ما أخبركم به سفهاؤكم (5) وعيركم والمنتجعة منكم أرضه ومن قدم من أهل اليمامة عليكم، ألم تخبركم (6) جميعا عن رواد مسيلمة وسماعيه ومن أوفده (7) صاحبهم إلى أحمد بيثرب فعادوا إليه جميعا بما تعرفوا (8) هناك في بني قيلة (9) وتبينوا به. قالوا: قدم علينا أحمد يثرب و بئارنا ثماد، ومياهنا ملحة، وكنا من قبله لا نستطيب ولا نستعذب، فبصق في بعضها ومج في بعض فعادت عذابا محلولية، وجاش منهما ما كان ماؤها ثمادا، فحار بحرا قالوا: وتفل محمد في عيون رجال ذوي رمد، وعلى كلوم رجال ذوي جراح فبرئت لوقته عيونهم فما اشتكوها، واندملت جراحهم فما ألموها في كثير مما أدوا ونبؤا عن محمد صلى الله عليه واله من دلالة وآية، وأرادوا صاحبهم مسيلمة على بعض ذلك فأنعم لهم كارها، وأقبل بهم إلى بعض بئارهم فمج فيها وكانت الركي معذوذبة (10) فحارت


(1) في المصدر: فخفف " فحجب خ ل ". (2) ملكهم خ ل. (3) من فاضلة خ ل. (4) في المصدر: فيكفيك. " فليكفك خ ل ". (5) هكذا في الكتاب ومصدره، واستظهر في الهامش انه مصحف " سفراؤكم ". (6) في المصدر: الم يخبركم، (7) وفدة خ ل. (8) بما يعرفوا خ ل. (9) قيلة: ام الطائفتين: الاوس والخزرج. (10) في المصدر: معذوبة. " معذوذبة خ ل ".

[296]

ملحا لا يستطاع. وبصق في بئر كان ماؤها وشلا فعادت (1) فلم تبض (2) بقطرة من ماء، وتفل في عين رجل كان بها رمد فعميت، وعلى جراح - أو قالوا: جراح آخر - فاكتسى جلده برصا، فقالوا لمسيلمة فيما أبصروا في ذلك منه واستبرؤه (3) فقال: ويحكم بئس الامة أنتم لنبيكم، والعشيرة لابن عمكم، إنكم تحيفتموني (4) يا هؤلاء من قبل أن يوحى إلي في شئ مما سألتم، والآن فقد أذن لي في أجسادكم وأشعاركم دون بئاركم ومياهكم، هذا لمن كان منكم بي مؤمنا، وأما من كان مرتابا فانه لا يزيده تفلتي (5) عليه إلا بلاء، فمن شاء الآن منكم فليأت لاتفل في عينه وعلى جلده، قالوا: ما فينا وأبيك أحد يشاء ذلك، إنا نخاف أن يشمت بك أهل يثرب وأضربوا (6) عنه حمية لنسبه فيهم وتذمما لمكانه منهم. فضحك السيد والعاقب حتى فحصا الارض بأرجلهما، وقالا: ما النور و الظلام والحق والباطل بأشد تباينا (7) وتفاوتا مما بين هذين الرجلين صدقا وكذبا. قالوا: وكان العاقب أحب مع ما تبين من ذلك أن يشيد ما فرط من تفريظه مسيلمة ويؤثل منزلته ليجعله لرسول الله صلى الله عليه واله كفؤا (8)، استظهارا بذلك في بقاء عزه وما طار له من السمو في أهل ملته، فقال: ولئن فجر أخو بني حنيفة في زعمه أن الله عز وجل أرسله وقال من ذلك ما ليس له بحق فلقد بر في أن نقل قومه من عبادة الاوثان إلى الايمان بالرحمن. قال حارثة: أنشدك بالله الذي دحاها، وأشرق باسمه قمراها، هل تجد فيما أنزل الله عز وجل في الكتب السالفة يقول الله عز وجل، " أنا الله لا إله إلا أنا ديان


(1) استظهر المنصف في الهامش ان الصحيح: فغارت. (2) ولم تبض خ ل. (3) استظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: استزاده. (4) كلفتموني خ ل. أقول: في المصدر: ان كنتم تحيفونى. " تحيفتمونى خ ل ". " انكم تختصموني خ ل ". (5) نفثى خ ل. (6) أي اعرضوا عنه ولم يتعرضوه بسوء حمية لنسبه فيهم. (7) في المصدر: بيانا. (8) كفاء خ ل.

[297]

يوم الدين، أنزلت كتبي، وأرسلت رسلي لاستنقذ بهم عبادي من حبائل الشيطان وجعلتهم في بريتي وأرضي كالنجوم الدراري في سمائي يهدون بوحيي وأمري، من أطاعهم أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، وإني لعنت وملائكني في سمائي وأرضي واللاعنون من خلقي من جحد ربوبيتي، أو عدل بي شيئا من بريتي، أو كذب بأحد من أنبيائي ورسلي، أو قال: اوحي إلى ولم اوح إليه (1) شيئا، أو غمص سلطاني أو تقمصه متبرئا، أو أكمه (2) عبادي وأضلهم عني، ألا وإنما يعبدني من عرف ما اريد من عبادتي (3) وطاعتي من خلقي، فمن لم يقصد إلي من السبيل (4) التي نهجتها برسلي لم يزدد في عبادته مني إلا بعدا. قال العاقب: رويدك فأشهد لقد نبأت حقا. قال حارثة: فما دون الحق من مقنع، ولا بعده (5) لامرئ مفزع، ولذلك قلت الذي قلت. فاعترضه السيد وكان ذا محال وجدال شديد فقال: ما أحرى (6) وما أرى أخا قريش مرسلا إلا إلى قومه بني إسماعيل دينه " كذا " وهو مع ذلك يزعم أن الله عز وجل أرسله إلى الناس جميعا. قال حارثة: أفتعلم أنت يا باقرة أن محمدا مرسل من ربه إلى قومه خاصة ؟ قال: أجل، قال أتشهد له بذلك ؟ قال: ويحك وهل يستطاع دفع الشواهد ؟ نعم أشهد غير مرتاب بذلك، وبذلك شهدت له الصحف الدارسة، والانباء الخالية، فأطرق حارثة ضاحكا ينكت الارض بسبابته. قال السيد: ما يضحكك يا ابن اثال (7) ؟ قال: عجبت فضحكت، قال:


(1) في المصدر: ولم يوح إليه. (2) كمه خ ل. (3) في عبادي خ ل. أقول: في المصدر: في (من خ) عبادتي. (4) في المصدر: من السبيل (السبل خ ل). (5) في المصدر: وما بعده. (6) ما اجرى خ ل. اقول: في المصدر: (ما احرى) كما في المتن. (7) في المصدر: يا ابن اثاك (اثال خ ل) كما تقدم ايضا.

[298]

أو عجب ما تسمع ؟ قال: نعم العجب أجمع، أليس بالاله بعجيب من رجل اوتي أثرة من علم وحكمة يزعم أن الله عز وجل اصطفى لنبوته، واختص برسالته، وأيد بروحه وحكمته رجلا خراصا يكذب عليه ويقول: اوحي إلي ولم يوح إليه فيخلط كالكاهن كذبا بصدق، وباطلا بحق ؟ فارتدع السيد وعلم أنه قد وهل (1) فأمسك محجوجا. قالوا: وكان حارثة بنجران جنيبا يعني غريبا، فأقبل العاقب عليه وقد قطعه ما فرط إلى السيد من قوله، فقال له: عليك أخا بني قيس بن ثعلبة، واحبس عليك ذلق لسانك، وما لم نزل تستحم (2) لنا من مثابة سفهك، فرب كلمة يرفع صاحبها بها رأسا (3) قد ألقته في قعر مظلمة، ورب كلمة لامت ورأبت قلوبا نغلة، فدع عنك ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك ما يتان (4) اعتذاره، ثم اعلم أن لكل شئ صورة، وصورة الانسان العقل، وصورة العقل الادب، والادب أدبان طباعي ومرتاضي، فأفضلهما أدب الله جل جلاله، ومن أدب الله سبحانه وحكمته أن يرى لسلطانه حق ليس لشئ من خلقه، لانه الحبل بين الله وبين عباده، و السلطان اثنان، سلطان ملكة (5) وقهر، وسلطان حكمة وشرع، فأعلاهما فوقا سلطان الحكمة، وقد ترى يا هذا أن الله عز وجل قد صنع لنا حتى جعلنا حكاما وقواما على ملوك ملتنا ومن بعدهم من حشوتهم وأطرافهم، فاعرف لذي الحق حقه أيها المرء وخلاك ذم، ثم قال: وذكرت أخا قريش وما جاء به من الآيات والنذر فأطلت وأعرضت ولقد بررت (6) فنحن بمحمد عالمون، وبه جدا موقنون شهدت لقد انتظمت له الآيات والبينات سالفها وآنفها، إلا آية هي أشفاها (7) و


(1) وهل: غلط. (2) استجم خ ل. أقول: نقلها في هامش المصدر عن نسختين: وزاد وجها ثالثا وهو (استخم) بالخاء وقال: هو في نسخة ايضا " ولعله من خم الناقة: حلبها. (3) في المصدر: فرب كلمة ترفع صاحبها رأسا. (4) ما يبين خ ل. (5) في المصدر: سلطان مملكة وقهر. (6) في المصدر: ولقد برزت. (7) الا انه بقى أشفاها خ ل. أقول: في المصدر: الا اية هي اسعاها " أثناها خ ل ":

[299]

أشرفها، وإنما مثلها فيما جاء به كمثل الرأس للمسجد، فما حال جسد لا رأس له ؟ فأمهل رويدا نتجسس الاخبار ونعتبر الآثار ونستشف ما ألفينا مما افضي إلينا فإن آنسنا الآية الجامعة الخانمة لديه فنحن إليه أسرع، وله أطوع، وإلا فاعلم ما تذكر به النبوة والسفارة عن الرب الذي لا تفاوت في أمره ولا تغاير في حكمه. قال له حارثة: قد ناديت فأسمعت، وقرعت فصدعت، وسمعت وأطعت فما هذه الآية التي أوحش بعد الآنسة (1) فقدها، وأعقب الشك بعد البينة عدمها ؟. قال له العاقب: قد أثلجك (2) أبو قرة بها، فذهبت عنها في غير مذهب وحاورتنا فأطلت في غير ما طائل حوارنا (3). قال حارثة، وأنى ذلك فجلها الآن لي فداك أبي وامي. قال العاقب: أفلح من سلم للحق، وصدع به، ولم يرغب عنه، وقد أحاط به علما، فقد علمنا وعلمت من أنباء الكتب المستودعة علم القرون وما كان وما يكون فإنها استهلت (4) بلسان كل امة منهم معربة مبشرة ومنذرة بأحمد النبي العاقب الذي تطبق امته المشارق والمغارب، يملك وشيعته من بعده ملكا مؤجلا، يستأثر مقتبلهم (5) ملكا على الاحم منهم بذلك النبي تباعة وبيتا ويوسع من بعدهم امتهم عدوانا وهضما، فيملكون بذلك سبتا طويلا حتى لا يبقى بجزيرة العرب بيت إلا و هو راغب إليهم أو راهب لهم، ثم يدال بعد لاي (6) منهم ويشعث سلطانهم حدا حدا (7)، وبيتا فبيتا حتى تجئ أمثال النغف من الاقوام فيهم، ثم يملك أمرهم


(1) الانسية خ ل. (2) نبهك خ ل. (3) الحوار والمحاورة: المجاوبة. (4) استهل الصبى: رفع صوته بالبكاء: وكذا كل متكلم رفع صوته: أي فانها بينت ورفع ذكر ها بلسان كل امة. (5) اقتبل الكلام: ارتجله. الامر: استأنفه ولعل المعنى يستبد بالملك الذي يستأنف الملك منهم وهو اشارة إلى معاوية ومن بعده من بني امية، ويقال ايضا اقتبل الرجل أي صار عاقلا وكيسا بعد ان كان احمق ويأتى احتمال آخر من المنصف في تفسير الفاظ الحديث. (6) اللاى: الشدة والمحنة. (7) جدا جدا.

[300]

عليهم عبداؤهم (1) وقنهم (2) يملكون جيلا فجيلا يسيرون في الناس بالقعسرية (3) حيطا خيطا (4)، ويكون سلطانهم سلطانا عضوضا ضروسا، فتنتقص الارض حينئذ من أطرافها، ويشتد البلاء وتشتمل (5) الآفات حتى يكون الموت أعز من الحياة الحمر (6)، أو أحب حينئذ إلى أحدهم من الحياة إلى المعافاة السليم، وما ذلك إلا لما يدهون (7) به من الضر والضراء والفتنة العشواء، وقوام الدين يومئذ و زعماؤه يومئذ اناس ليسوا من أهله، فيمج الدين بهم (8)، وتعفو آياته، ويدبر توليا وامحاقا، فلا يبقي منه إلا اسمه حتى ينعاه ناعيه، والمؤمن يومئذ غريب، و الديانون قليل ماهم، حتى يستأيس الناس من روح الله وفرجه إلا أقلهم، وتظن أقوام أن لن ينصر الله رسله ويحق وعده، فإذا بهم الشصائب والنقم، واخذ من جميعهم بالكظم، تلافى الله دينه، وراش عباده (9) من بعد ما قنطوا برجل من ذرية نبيهم أحمد ونجله، يأتي الله عز وجل به من حيث لا يشعرون، تصلي عليه السماوات وسكانها، وتفرج به الارض وما عليها، من سوام وطاير وأنام وتخرج له امكم يعني الارض بركتها وزينتها، وتلقي إليه كنوزها وأفلاذ كبدها حتى تعود كهيئتها على عهد آدم وترفع عنهم المسكنة والعاهات في عهده، والنقمات التي كانت تضرب بها الامم من قبل، وتلقي في البلاد، الامنة، وتنزع حمة كل ذات حمة، ومخلب كل ذي مخلب، وناب كل ذي ناب، حتى أن الجويرية اللكاع لتلعب بالافعوان فلا يضرها شيئا، وحتى يكون الاسد في الباقر كأنه راعيها، والذئب في البهم كأنه ربها، ويظهر الله عبده على الدين كله فيملك مقاليد الاقاليم إلى بيضاء الصين، حتى لا يكون على عهده، في الارض أجمعها إلا دين الله الحق الذي ارتضاه لعباده، و بعث به آدم بديع فطرته، وأحمد خاتم رسالته (10)، ومن بينهما من أنبيائه ورسله.


(1) عبدانهم خ ل. (2) فيئهم خ ل. (3) بالقهرية خ ل. (4) خبطا خبطا خ ل. (5) وتشمل خ ل. (6) الحمرى خ ل. أقول: في المصدر: الحمراء. (7) في المصدر: لما يدهنون به. (8) أي يقذف الدين ويستكره بسببهم. (9) راشه: اعانه واغناه. (10) خاتم رسالاته خ ل.

[301]

فلما أتى العاقب على اقتصاصه (1) هذا أقبل عليه حارثة مجيبا فقال: أشهد: بالله البديع يا أيها النبيه الخطير، والعليم الاثير، لقد ابتسم الحق بقيلك، و أشرق الجناب (2) بعدل منطقك، وتنزلت كتب الله التي جعلها نورا في بلاده، و شاهدة على عباده بما اقتصصت (3) من مسطورها حقا، فلم يخالف طرس منها طرسا ولا رسم من آياتها رسما، فما بعد هذا ؟ قال: العاقب: فإنك زعمته (4) أخا قريش، فكنت بما تأثر من هذا حق غالط، قال: وبم، ألم تعترف له بنبوته ورسالته الشواهد قال العاقب: بلى لعمرو الله، ولكنهما نبيان رسولان، يعتقبان بين مسيح الله عز وجل وبين الساعة، اشتق اسم أحدهما من صاحبه محمد وأحمد بشر بأولهما موسى عليه السلام وبثانيهما عيسى عليه السلام، فأخو قريش هذا مرسل إلى قومه ويقفوه من بعده ذو الملك الشديد، والاكل الطويل، يبعثه الله عز وجل خاتما للدين، وحجة على الخلائق أجمعين، ثم يأتي من بعده فترة تتزايل فيها القواعد من مراسيها، فيعيدها الله (5) عز وجل (6) على الدين كله، فيملك هو والملوك الصالحون من عقبه جميع ما طلع عليه الليل والنهار، من أرض وجبل وبر وبحر، يرثون أرض الله عز وجل ملكا كما ورثها وملكها (7) الابوان: آدم ونوح عليهما السلام، يلقون (8) وهم الملوك الاكابر في مثل هيئة المساكين بذاذة واستكانة، فأولئك الاكرمون الاماثل، لا يصلح عباد الله وبلاده إلا بهم، عليهم ينزل عيسى بن البشر (9) عليه السلام على آخرهم بعد مكث طويل وملك شديد، لا خير في العيش بعدهم، لا خير في العيش بعدهم، وتردفهم رجراحة (10) طغام


(1) في النسخة القديمة: " افتصاصه " بالفاء وفى القاموس: افتصه: فصله وما استفص منه شيئا: ما استخرج، وتفصصوا عنه: تنادوا. وكان القاف اقل تكلفا منه عفى عنه. (2) في المصدر: واشرق الجنان. (3) افتصصت خ ل. أقول: في المصدر: بما اقتصصت من سطورها حقا. (4) زعمت (كذا) أقول: في المصدر: زعمت اخا قريش. (5) فيعيده الله خ ل. (6) ويظهره خ. (7) أو ملكها خ ل. (8) يلفون خ ل. (9) البكر خ ل. (10) رجرجة خ ل. أقول: في نسخة من المصدر: واخراجه.

[302]

في مثل أحلام العصافير، عليهم تقوم الساعة، وإنما تقوم على شرار الناس وأخابثهم، فذلك الوعد الذي صلى به الله عز وجل على أحمد، كما صلى به على خليله إبراهيم في كثير مما لاحمد صلى الله عليه من البراهين والتأييد الذي خبرت به كتب الله الاولى. قال حارثة: فمن الاثر المستقر عندك أبا واثلة في هذين الاسمين أنهما لشخصين، لنبيين مرسلين في عصرين مختلفين ؟ قال العاقب: أجل، قال: فهل يتخالجك في ذلك ريب، أو يعرض لك فيه ظن ؟ قال العاقب: كلا والمعبود، إن هذا لاجلي من بوح (1)، وأشار له إلى جرم الشمس المستدير، فأكب حارثة مطرقا و جعل ينكت في الارض عجبا، ثم قال: إنما الآفة أيها الزعيم المطاع أن يكون المال عند من يخزنه لا من ينفقه، والسلاح عند من يتزين به لا من يقاتل به، والرأي عند من يملكه (2) لا من ينصره. قال العاقب: لقد أسمعت يا حويرث فأقذعت، وطفقت فأقدمت فمه، قال: اقسم بالذي قامت السماوات والارض بإذنه، وغلب (3) الجبابرة بأمره إنهما اسمان مشتقان لنفس واحدة، ولنبي واحد، ورسول واحد، أنذر (4) به موسى بن عمران وبشر به عيسى بن مريم، ومن قبلهما أشار به في صحف إبراهيم عليه السلام. فتضاحك السيد يري قومه ومن حضرهم أن ضحكه هزؤ من حارثة وتعجبا (5) وانتشط العاقب ذلك (6) فأقبل على حارثة مؤنبا فقال: لا يغررك باطل أبي قرة فإنه وإن ضحك لك فإنما يضحك منك، قال حارثة: لئن فعلها لانها لاحدى الدهارس أو سوءة (7) أفلم تتعرفا، راجع الله بكما من موروث الحكمة، لا ينبغي


(1) يوح خ ل. برج خ ل. (2) يهلكه خ ل. (3) في المصدر: قامت به السماوات والارضون باذنه، وغلبت. (4) واحد لنبى وواحد رسول وواحد انذر خ ل. (5) وتعجب خ ل. (6) بذلك خ ل: أقول: في المصدر: من ذلك. (7) يوءة خ ل: أقول يوجد ذلك في المصدر. (*)

[303]

للحكيم أن يكون عباسا في غير أرب (1)، ولا ضحاكا من غير عجب، أولم يبلغكما عن سيدكما المسيح قال: فضحك العالم في غير حينه غفلة من قلبه، أو سكرة ألهته عما في غده، قال السيد: يا حارثه إنه لا يعيش والله أحد بعقله حتى يعيش بظنه، وإذا أنا لم أعلم إلا ما رويت فلا علمت، أولم يبلغك أنت عن سيدنا المسيح علينا سلامه أن لله عبادا ضحكوا جهرا من سعة رحمة ربهم، وبكوا سرا من خيفة ربهم ؟ قال: إذا كان هذا فنعم، قال فما هنا فلتكن (2) مراجم ظنونك بعباد ربك، و عد بنا إلى ما نحن بسبيله، فقد طال التنازع والخصام بيننا يا حارثة، قالوا: وكان مجلسا ثالثا في يوم ثالث من اجتماعهم للنظر في أمرهم. فقال السيد: يا حارثة ألم ينبئك أبو واثلة بأفصح لفظ اخترق (3) اذنا وعاد لك (4) بمثله مخبرا فألفاك مع عزما تك (5) بموارده حجرا، وها أنا ذا اؤكد عليك التذكرة بذلك من معدن ثالث فانشدك الله وما أنزل إلى كلمة، من كلماته، هل تجد في الزاجرة المنقولة من لسان أهل سوريا (6) إلى لسان العرب يعنى صحيفة شمعون بن حمون (7) الصفا التي توارثها عنه أهل نجران، قال السيد: ألم يقل بعد نبذ طويل من كلام: فإذا طبقت وقطعت الارحام وعفت (8) الاعلام بعث الله (9) عبده الفارقليطا (10) بالرحمة والمعدلة، قالوا: وما الفارقليطا (11) يا مسيح الله ؟ قال: أحمد النبي الخاتم الوارث، ذلك الذى يصلى عليه حيا ويصلى عليه بعد ما يقبضه إليه بابنه الطاهر الخابر (12)، ينشره الله في آخر الزمان، بعد ما انفصمت (13) عرى الدين، وخبت مصابيح الناموس، وأفلت نجومه، فلا يلبث ذلك العبد الصالح إلا


(1) العباس: كثير العبوس الارب: الحاجة. الغاية. (2) فههنا فلتكن خ ل. " فكف " خ ل. (3) في المصدر: احرق احترق خ ل. (4) وكفى لك خ لو أقول: في المصدر: ودعا ذلك. (5) عرفانك خ ل. (6) سورية خ ل (7) حيون خ ل. (8) وعلقت. " عفت خ ل ". (9) عز وجل خ. (10 و 11) البارقليطا خ ل. (12) الخاير خ ل. (13) في المصدر: انقضت. " انقضمت خ ل " انغمصت خ ل

[304]

امما حتى يعود الدين به كما بدأ ويقر الله عز وجل سلطانه في عبده، ثم في الصالحين من عقبه، وينشر منه حتى يبلغ ملكه منقطع التراب، قال حارثة: قد أشدتما (1) بهذه الماثرة لاحمد صلى الله عليه واله وكررتما بها القول، وهي حق لا وحشة مع الحق، ولا انس في غيره فمه ؟ قال السيد: فإن من الحق أن لا حظ في هذه الاكرومة لابتر، قال حارثة: إنه لكذلك، وليس بمحمد صلى الله عليه واله (2) ؟ قال السيد إنك ما عملت (3) إلا لدا، ألم يخبرنا سفرنا وأصحابنا فيما تجسسنا من خبره أن ولديه الذكرين القرشية والقبطية بادا يعني هلكا، وغودر محمد كفرن الاعضب مؤف على ضريحة فلو كان بقية لكان لك بذلك مقالا إذا وليت (4) أبناؤه الذي تذكر (5) قال حارثة: العبر لعمرو الله كثيرة والاعتبار بها قليل، والدليل مؤف (6) على سنن السبيل إن لم يعش (7) عنه ناظر، وكما أن الابصار الرمدة لا تستطيع النظر في قرص الشمس لسقمها فكذلك البصائر القصيرة لا تتعلق بنور الحكمة لعجزها، ألا ومن كان كذلك فلستماه - وأشار إلى السيد والعاقب - إنكما ويمين الله لمحجوجان بما آتاكما الله عز وجل من ميراث الحكمة، واستودعكما من بقايا الحجة، ثم بما أوجب لكما من الشرف والمنزلة في الناس، فقد جعل الله عز وجل من آتاه (8) سلطانا ملوكا للناس وأربابا، وجعلكما حكما (9) وقواما على ملوك (10) ملتنا، وذادة لهم يفزعون إليكما في دينهم، ولا تفزعان إليهم، وتأمرانهم فيأتمرون (11) لكما، وحق لكل ملك أو موطئ الاكناف (12) أن يتواضع لله عز وجل إذا رفعه


(1) اشاد بذكره: رفعه بالثناء: أقول: في المصدر: " كلها قد انشدتما حق ولا وحشة مع (من خ) الحق " ولعله مصحف كل ما قد انشدتما. (2) في المصدر: اليس بمحمد ؟ (3) علمت لالد خ ل. (4) إذ أولت خ ل. أقول: في المصدر: إذا اولت. (5) في المصدر: يذكر. " نذكر خ ل ". (6) موفر. (7) عشى: ساء بصره بالليل والنهار، أو أبصر بالنهار ولم يبصر بالليل. (8) في المصدر: من اتاه " اناته ظ ". (9) حكاما خ ل. (10) على الملوك خ ل. (11) فيأمرون خ ل. (12) في المصدر: وموطئ الاكتاف " الاكناف خ ل ".

[305]

وأن ينصح لله عز وجل في عباده، ولا يدهن في أمره، وذكرتما محمدا بما حكمت له به الشهادات الصادقة، وبينته فيه الاسفار المستحفظة، ورأيتماه مع ذلك مرسلا إلى قومه لا إلى الناس جميعا، وأن ليس بالخاتم الحاشر، ولا الوارث العاقب، لانكما زعمتماه أبتر، أليس كذلك، قالا: نعم، قال: أرأيتكما لو كان له بقية وعقب هل كنتما ممتريين (1) لما تجدان وبما تكذبان (2) من الوراثة والظهور على النواميس أنه النبي الخاتم والمرسل إلى كافة البشر قالا: لا، قال: أفليس هذا القيل لهذه الحال مع طول اللوائم والخصائم عندكما مستقر ؟ (3) قالا: أجل، قال: الله أكبر، قالا: كبرت كبيرا، فما دعاك إلى ذلك ؟ قال حارثة: الحق أبلج، والباطل لجلج، ولنقل ماء البحر ولشق الصخر أهون من إماتة ما أحياه الله عز وجل، وإحياء (4) ما أماته الآن فاعلما أن محمدا غير أبتر (5)، وأنه الخاتم الوارث، والعاقب الحاشر حقا، فلا نبي بعده، وعلى امته تقوم الساعة، ويرث الله الارض ومن عليها، وإن من ذريته الامير الصالح الذي بينتما ونبأتما أنه يملك مشارق الارض ومغاربها، ويظهره عز وجل بالخفية (6) الابراهيمية على النواميس كلها، قالا: أولى: لك يا حارثة لقد أغفلناك (7) وتأبى إلا مراوغة كالثعالبة (8) فما تسأم المنازعة، ولا تمل من المراجعة، ولقد زعمت مع ذلك عظيما فما برهانك به ؟ قال: أما وجدكما لانبئكما (9) ببرهان يجير من الشبهة، ويشفي به جوى الصدور، ثم أقبل على أبي حارثة حصين بن علقمة شيخهم واسقفهم الاول فقال: إن رأيت أيها الاب الاثير أن تؤنس قلوبنا وتثلج صدورنا بإحضار الجامعة والزاجرة: قالوا:


(1) في المصدر: تمتريان. " ممتريان خ ل. " (2) وما تذكران ظ ل. (3) في المصدر: مستقرا. (4) أو احياء خ ل (5) غير ما ابتر خ ل. (6) بالحنفية خ ل. أقول: في المصدر: بالحنفية " بالخيفية خ ل ". (7) اعضلناك خ ل. أعقلناك خ ل. أقول: في المصدر " اغفلناك " أي وجدناك غافلا. أو تركناك غير فهم لما قلنا، من قولهم: اغفل الكتاب: تركه مبهما غير معجم. (8) كالثعالة خ ل. (9) لانبئتكما خ ل.

[306]

وكان هذا المجلس الرابع من اليوم الرابع، وذلك لما حلقت الشمس وركدت وفي زمن قيظ شديد، فأقبلا على حارثة فقالا: أرج هذا إلى غد، فقد بلغت القلوب منا الصدور، فتفرقوا على إحضار الزاجرة والجامعة من غد للنظر فيهما والعمل بما يتراآن (1) منهما، فلما كان من الغد صار أهل نجران إلى بيعتهم لاعتبار ما أجمع صاحباهم مع حارثة على اقتباسه وتبينه (2) من الجامعة، ولما رأى السيد والعاقب اجتماع الناس لذلك قطع بهما لعلمهما بصواب قول حارثة واعترضاه ليصدانه عن تصفح الصحف على أعين الناس، وكانا من شياطين الانس، فقال السيد: إنك قد أكثرت وأمللت فض (3) الحديث لنا مع فضه (4) ودعنا من تبيانه، فقال حارثة: وهل هذا إلا منك وصاحبك، فمن الآن فقولا ما شئتما، فقال العاقب: ما من مقال إلا ما قلنا (5) وسنعود فنخبر بعد ذلك لك تخبيرا، غير كانمين لله عز وجل من حجة، ولا جاحدين له آية، ولا مفترين مع ذلك على الله عزوجل لعبد إنه مرسل منه وليس برسوله، فنحن نعترف يا هذا بمحمد صلى الله عليه واله أنه رسول من الله عزوجل إلى قومه من بني إسماعيل عليه السلام في غير (6) أن يجب له بذلك على غيرهم من عرب الناس ولا أعاجمهم تباعة ولا طاعة بخروج له عن ملة، ولا دخول معه في ملة، إلا الاقرار له بالنبوة والرسالة إلى أعيان قومه ودينه. قال حارثة: وبم شهدتما له بالنبوة والامر ؟ قالا: حيث جاءتنا فيه البينة من تباشير الاناجيل والكتب الخالية، فقال: منذ وجب هذا لمحمد صلى الله عليه واله عليكما في طويل الكلام وقصيره وبدئه وعوده فمن أين زعتما أنه ليس بالوارث الحاشر ولا المرسل إلى كافة البشر ؟ قالا: لقد علمت وعلمنا فما نمتري بأن حجة الله


(1) يثيران خ ل. في القاموس: ثور القران، بحث عن علمه، منه قدس سره. (2) تبيينه خ ل. أقول: في المصدر: تبينه " تتبعه خ ل ". (3) قص خ ل " قض خ ل ". (4) قصه خ ل. أقول: في المصدر: قض الحديث لنا مع قضه، ودعنا من (مع خ ل) تبيانه. (5) في المصدر: الا قلنا وسنعود فنخبر بعض ذلك لك تخبيرا " تخبرا خ ل ". (6) من غير خ ل. أقول: في المصدر: في غيران نجب.

[307]

عز وجل لن ينتهي (1) أمرها، وإنها كلمة الله جارية في الاعقاب ما اعتقب الليل والنهار وما بقي من الناس شخصان، وقد ظننا من قبل أن محمدا صلى الله عليه واله ربها، و أنه القائد بزمامها، فلما أعقمه الله عز وجل بمهلك الذكورة من ولده علمنا أنه ليس به، لان محمدا أبتر، وحجة الله عز وجل الباقية ونبيه الخاتم بشهادة كتب الله عز وجل المنزلة ليس بأبتر، فإذا هو نبي يأتي (2) ويخلد بعد محمد صلى الله عليه واله اشتق اسمه من اسم محمد، وهو أحمد الذي نبأ المسيح عليه السلام باسمه وبنبوته ورسالاته الخاتمة، وبملكة (3) ابنه القاهرة الجامعة للناس جميعا على ناموس الله عز وجل الاعظم ليس بظهرة دينه (4) ولكنه من ذريته وعقبه، يملك قرى الارض وما بينهما (5) من لوب وسهل وصخر وبحر ملكا مورثا موطأ، وهذا نبأ أحاطت سفرة الاناجيل به علما، وقد أوسعناك بهذا القيل سمعا، وعدنا لك به آنفة بعد سالفة فما إربك إلى تكراره ؟ قال حارثة: قد أعلم أنا (6) وإياكما في رجع من القول منذ ثلاث وما ذاك إلا ليذكر ناس، ويرجع فارط، ويطمئن (7) لنا الكلم، وذكرتما نبيين يبعثان يعتقبان بين مسيح الله عز وجل والساعة، قلتما وكلاهما من بني إسماعيل أولهما محمد بيثرب، وثانيهما أحمد العاقب، وأما محمد صلى الله عليه واله أخو قريش هذا القاطن بيثرب فإنا به حق مؤمن، أجل وهو والمعبود أحمد الذي نبأت به كتب الله عز وجل، ودلت عليه آياته، وهو حجة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه واله الخاتم الوارث حقا، ولا نبوة ولا رسول لله عز وجل ولا حجة بين ابن البتول والساعة غيره بلى ومن كان منه من ابنته البهلولة (8) الصديقة فأنتما ببلاغ الله إليكما (9) من


(1) في المصدر: لم ينته امرها. (2) ثان خ ل. (3) في المصدر: ويملك ابنه القاهر " القاهرة " (4) في المصدر: " ليس بمظهرة دينه " ولعل الصحيح ما في المتن والظهرة بكسر الظاء فسكون: العون. (5) بينها خ ل. (6) انى خ ل. (7) وتطمئن خ ل. في المصدر: وتظهر لنا الكلم. " ويطمئن لنا الكلام خ ل ". (8) البتولة خ ل. (9) في المصدر: لكنكما. (*)

[308]

نبوة محمد صلى الله عليه واله في أمر مستقر، ولولا انقطاع نسله لما ارتبتما فيما زعمتما به أنه السابق العاقب، قالا: أجل إن ذلك لمن أكبر أماراته عندنا، قال: فأنتما والله فيما تزعمان من نبي ثان من بعده في أمر ملتبس، والجامعة في ذلك يحكم (1) بيننا فتنادى الناس من كل ناحية وقالوا: الجامعة يا باحارثة الجامعة، وذلك لما مسهم في طول تحاور الثلاثة من السأمة والملل، وظن القوم مع ذلك أن الفلج (2) لصاحبهما (3) بما كانا يدعيان في تلك المجالس من ذلك، فأقبل (4) أبو حارثه إلى علج واقف منه أمما فقال: امض يا غلام فأت بها، فجاء بالجامعة يحملها على رأسه و هو لا يكاد يتماسك بها لثقلها. قال: فحدثني رجل صدق من النجرانية ممن كان يلزم السيد والعاقب و يخف لهما في بعض امورهما، ويطلع على كثير من شأنهما، قال: لما حضرت الجامعة بلغ ذلك من السيد والعاقب كل مبلغ، لعلمهما بما يهجمان عليه في تصفحها من دلائل رسول الله صلى الله عليه واله وصفته، وذكر أهل بيته وأزواجه وذريته، و ما يحدث في امته وأصحابه من بوائق الامور من بعده إلى فناء الدنيا وانقطاعها فأقبل أحدهما على صاحبه فقال: هذا يوم ما بورك لنا في طلوع شمسه، لقد شهدته أجسامنا، وغابت عنه آراؤنا بحضور طغامنا (5) وسفلتنا، ولقل ما شهد سفهاء قوم مجمعة (6) إلا كانت لهم الغلبة، قال الآخر: فهم شر غالب لمن غلب، إن أحدهم ليفتق بأدنى كلمة، ويفسد في بعض ساعته (7) مالا يستطيع الآسي الحليم له رتقا ولا الخولي النفيس إصلاحا له في حول مجرم ذلك، لان السفيه هادم، والحليم بان، وشتان بين البناء والهدم، قال: فانتهز حارثة الفرصة فأرسل في خفية (8) و


(1) تحكم خ. (2) في نسخة من المصدر: الفلح. (3) لصاحبيهما خ ل. (4) فانفتل خ. في القاموس: انفتل وجهه عنهم: صرفه. منه قدس سره. (5) في المصدر: طغاتنا. (6) مجمعهم خ ل. (7) في المصدر: في بعض ساعة. (8) في خيفة خ ل.

[309]

سر إلى النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فاستحضرهم استظهارا بمشهدهم فحضروا فلم يستطمع الرجلان فض ذلك المجلس ولا إرجاءه، وذلك لما تبينا من تطلع عامتهما من نصارى نجران إلى معرفة ما تضمنت الجامعة من صفة رسول الله صلى الله عليه واله وانبعاثهم (1) له مع حضور رسل رسول الله لذلك، وتأليب حارثة عليهما فيه، وصغو أبي حارثة شيخهم إليه، قال: قال لي ذلك الرجل النجراني: فكان الرأي عندهما أن ينقاد المايد همهما (2) من هذا الخطب، ولا يظهران شماسا منه (3) ولا نفورا حذار (4) أن يطرقا الظنة فيه إليهما، وأن يكونا أيضا أول معتبر للجامعة، و مستحث لها لئلا يفتات في شئ من ذلك المقام والمنزلة عليهما، ثم يستبينان الصواب في الحال ويستنجدانه ليأخذان بموجبه، فتقدما لما تقدم في أنفسهما من ذلك إلى الجامعة وهي بين يدي أبي حارثة، وحاذاهما حارثة بن اثال (5) و تطاولت إليهما فيه الاعناق، وحفت رسل رسول الله صلى الله عليه واله بهم، فأمر أبو حارثة بالجامعة ففتح طرفها (6) واستخرج منها صحيفة آدم الكبرى المستودعة علم ملكوت الله عزوجل جلاله، وما ذرأ وما برأ في أرضه وسمائه، وما وصلهما جل جلاله به من ذكر عالميه، وهي الصحيفة التي ورثها شيث من أبيه آدم عليه السلام عما دعا من الذكر المحفوظ، فقرا (7) القوم السيد والعاقب وحارثة في الصحيفة تطلبا لما تنازعوا فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه واله وصفته، ومن حضرهم يومئذ من الناس إليهم


(1) وابتغائهم خ ل أقول: في المصدر: وانبعاث له. (2) لما بدهههما خ ل. أقول: دهم الامر: غشيه. وبده الرجل: بغته. فاجأه. (3) في المصدر: شماسا منهم " منه خ ل ". (4) حذارا أن خ ل. (5) في المصدر: اثاك (اثال خل). (6) في المصدر: طرفها (طرقها خ ل). (7) قال الجوهرى: قروت البلاد قروا، وأقريتها واستقريتها: إذا تتبعتها تخرج من أرض إلى أرض، قال الاصمعي يقال: الناس قوارى الله في الارض أي شهداء الله، اخذ من أنهم يقرون الناس، أي يتبعونهم فينظرون إلى أعمالهم انتهى. وأقول: حمله على هذا المعنى احسن من حمله على القراءة المهموزة منه عفى عنه.

[310]

مضجون (1) مرتقبون لما يستدرك من ذكرى ذلك، فألفوا في المسباح (2) الثاني من فواصلها (3) بسم الله الرحمن الرحيم: " أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم، معقب الدهور، وفاصل الامور، سبقت (4) بمشيتي الاسباب، وذللت بقدرتي الصعاب فأنا العزيز الحكيم، الرحمن الرحيم، أرحم وأترحم، (5) سبقت رحمتي غضبي، و عفوي عقوبتي، خلقت عبادي لعبادتي، وألزمتهم حجتي، ألا إني باعث فيهم رسلي، ومنزل عليهم كتبي، أبرم (6) ذلك من لدن أول مذكور من بشر إلى أحمد نبيي وخاتم رسلي، ذاك الذي أجعل عليه صلواتي (7) وأسلك في قلبه بركاتي، و به اكمل أنبيائي ونذري، قال آدم عليه السلام: إلهي من هؤلاء الرسل ؟ ومن أحمد هذا الذي رفعت وشرفت ؟ قال: كل من ذريتك، وأحمد عاقبهم ووارثهم (8) قال: رب بما أنت باعثهم ومرسلهم ؟ قال: بتوحيدي، ثم اقفي ذلك بثلاثماثة (9) و ثلاثين شريعة أنظمها واكملها لاحمد جميعا، فأذنت (10) لمن جاءني بشريعة منها مع الايمان بي وبرسلي أن ادخله الجنة ". ثم ذكر ما جملته، أن الله تعالى عرض على آدم عليه السلام معرفة الانبياء عليهم السلام وذريتهم ونظر (11) إليهم آدم عليه السلام ثم قال ما هذا لفظه: " ثم نظر آدم عليه السلام إلى نور قد لمع فسد الجو المنخرق، فأخذ بالمطالع من المشارق ثم سرى كذلك حتى طبق المغارب، ثم سما حتى بلغ ملكوت السماء، فنظر فإذا هو نور محمد رسول الله صلى الله عليه واله وإذا الاكناف به قد تضوعت طيبا، وإذا أنوار أربعة قد اكتنفته عن يمينه


(1) مصغون خ ل وفى النسخة القديمة: مصبحون، ومضجون اصوب. منه قدس سره أقول: في المصدر: يصيحون. " مصيحون خ ل ". (2) استظهر في هامش المصدر: ان الصحيح: المصباح. (3) من فواضلها خ. (4) سببت خ ل. (5) في المصدر: ارحم ترحم. (6) أبرم: احكم. (7) ورحمتي خ. (8) خلى المصدر عن كلمة " ووارثهم ". (9) شريعة خ ل. (10) اذن له في الشئ: اباحه له. اجازه. وفى المصدر: اذنت " اذن خ ل ". (11) ونظرهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[311]

وشماله ومن خلفه وأمامه، أشبه شئ به أرجا ونورا، ويتلوها أنوار من بعدها تستمد منها، وإذا هي شبيهة بها في ضيائها وعظمها ونشرها، ثم دنت منها فتكللت عليها وحفت بها، ونظر فإذا أنوار من بعد ذلك في مثل عدد الكواكب ودون منازل الاوائل جدا جدا، وبعض هذه أضوأ من بعض، وهم في ذلك متفاوتون (1) جدا، ثم طلع عليه سواد كالليل وكالسيل ينسلون من كل وجهة وأوب، فأقبلوا كذلك حتى ملؤا القاع (2) والاكم، فإذا هم أقبح شئ صورا وهيئة، وأنتنه ريحا فبهر آدم صلى الله عليه ما رأى من ذلك، وقال: يا عالم الغيوب وغافر الذنوب (3) ويا ذا القدرة القاهرة (4) والمشية الغالبة، من هذا الخلق السعيد الذي كرمت ورفعت على العالمين ؟ ومن هذه الانوار المكتنفة له ؟ فأوحى الله عز وجل إليه: يا آدم هذا وهؤلاء وسيلتك ووسيلة من أسعدت من خلقي، هؤلاء السابقون المقربون والشافعون المشفعون، وهذا أحمد سيدهم وسيد بريتي، اخترته بعلمي، و اشتققت (5) اسمه من اسمي، فأنا المحمود وهو محمد (6) وهذا صنوه ووصيه آزرته (7) به، وجعلت بركاني وتطهيري في عقبه، وهذه سيدة إمائي والبقية في علمي من أحمد نبيي، وهذان السبطان والخلفان لهم، وهذه الاعيان الضارع (8) نورها أنوارهم بقية منهم، ألا إن كلا اصطفيت وطهرت، وعلى كل باركت وترحمت فكلا بعلمي جعلت قدوة عبادي، ونور بلادي، ونظر فإذا شبح (9) في آخرهم يزهر في ذلك الصفيح كما يزهر كوكب الصبح لاهل الدنيا، فقال الله تبارك وتعالى: وبعبدي هذا السعيد أفك عن عبادي الاغلال، وأضع عنهم الآصار، وأملا أرضي


(1) وهى في ذلك متفاوتة خ ل. أقول: في المصدر: وهى في ذلك متفاوتون. (2) البقاع خ ل. (3) ويا غافر الذنوب خ ل. (4) في المصدر: الباهرة " القاهرة خ ل ". (5) في المصدر: اشققت. " اشتققت خ ل ". (6) وهذا احمد خ. (7) آزره: عاونه وأزره وازره: قواه. (8) الصادع خ ل. (9) إلى شبح خ ل أقول: في المصدر: فإذا شيخ.

[312]

به حنانا ورأفة وعدلا، كما ملئت من قبله قسوة وقشعرية (1) وجورا، قال آدم: رب إن الكريم (2) من كرمت، وإن الشريف (3) من شرفت، وحق يا إلهى لمن رفعت وأعليت أن يكون كذلك، فياذا النعم التي لا تنقطع، والاحسان الذي لا يجازى (4) ولا ينفد، بم بلغ عبادك هؤلاء العالون (5) هذه المنزلة من شرف عطائك وعظيم فضلك وحبائك ؟ كذلك (6) من كرمت من عبادك المرسلين ؟ قال الله تبارك وتعالى: إني أنا الله لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم، العزيز الحكيم، عالم الغيوب ومضمرات القلوب، أعلم ما لم يكن مما يكون كيف يكون، وما لا يكون كيف لو كان يكون، وإني اطلعت يا عبدي في علمي على قلوب عبادي فلم أر فيهم أطوع لي ولا أنصح لخلقي من أنبيائي ورسلي، فجعلت لذلك فيهم روحي و كلمتي، وألزمتهم عبء حجتي (7) واصطفيتهم على البرايا برسالتي (8) ووحبي، ثم ألقيت بمكاناتهم (9) تلك في منازلهم حوامهم (10) وأوصياءهم من بعد فألحقتهم بأنبيائي ورسلي، وجعلتهم من بعدهم ودايع حجتي (11) والاساة (12) في بريتي، لاجبر بهم كسر عبادي، واقيم بهم أودهم، ذلك أني بهم وبقلوبهم لطيف خبير، ثم اطلعت في قلوب (13) المصطفين من رسلي فلم أجد فيهم أطوع لي ولا أنصح لخلقي من محمد خيرتي وخالصتي، فاخترته على علم (14) ورفعت ذكره إلى ذكري، ثم وجدت (15)


(1) شقوة خ ل " قعسرية خ ل ". (2) ان الكريم كل الكريم خ. (3) وان الشريف حق الشريف خ. (4) لا يجارى خ. (5) العالمون خ. (6) في المصدر: وكذلك. (7) في نسخه من المصدر: " اعباء حجتى " أقول: العبء: الثقل والحمل. جمعه أعباء. (8) برسالاتى خ ل. (9) ثم ابقيت مكاناتهم خ ل. (10) قلوب حوامهم خ ل. أقول: حوامهم: أي اقرباءهم. (11) في المصدر: " حوامهم واوصياءهم من بعدهم ودائع حجتى " وهو يخلو عما بقى. (12) والسادة خ ل. والاساة جمع الاسوة بمعنى القدوة منه قدس سره. (13) في المصدر: على قلوب. (14) على علمي خ ل. (15) ثم وجدت كذلك.

[313]

قلوب حامته اللاتي من بعده على صبغة (1) قلبه فألحقتهم (2) به، وجعلتهم ورثة كتابي ووحيي، وأوكار (3) حكمتي ونوري، وآليت بي أن لا أعذب بناري من لقيني معتصما بتوحيدي، وحبل مودتهم أبدا ". ثم أمرهم أبو حارثة أن يصيروا إلى صحيفة شيث الكبرى التي انتهى ميراثها إلى إدريس النبي صلى الله عليه قال: وكان كتابتها (4) بالقلم السرياني القديم، وهو الذي كتب به من بعد نوح عليه السلام من ملوك الهياطلة وهم النماردة قال: فاقتص (5) القوم الصحيفة وأفضوا منها إلى هذا الرسم، قالوا: (6) اجتمع إلى إدريس عليه السلام قومه وصحابته وهو (7) يومئذ في بيت عبادته من أرض كوفان فخبرهم فيما اقتص (8) عليهم، قال: " إن بنى أبيكم آدم عليه السلام لصلبه (9) وبني بنيه وذريته (10) اختصموا فيما بينهم وقالوا: أي الخلق عندكم أكرم على الله عز وجل، وأرفع لديه مكانة، وأقرب منه منزلة ؟ فقال بعضهم: أبوكم آدم عليه السلام خلقه الله عز وجل بيده وأسجد له ملائكته، وجعله الخليفة في أرضه، وسخر له جميع خلقه، وقال آخرون: بل الملائكة الذين لم يعصوا الله عزوجل (وقال بعضهم: لابل حملة العرش الثمانية العظماء من الملائكة المقربين) (11) وقال بعضهم: لابل رؤساء الملائكة الثلاثة (12) جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام، وقال بعضهم: لابل أمين الله جبرئيل عليه السلام فانطلقوا إلى آدم صلى الله عليه فذكروا الذي (13) قالوا واختلفوا فيه فقال: يا بني أنا (14) اخبركم بأكرم الخلائق جميعا على الله عز وجل، إنه والله لما (15) أن نفخ في


(1) على صفة خ ل. (2) وألحقتهم خ ل. (3) واركان خ ل. (4) كتابها خ ل. (5) فافتض خ ل. (6) في المصدر: قال. (7) وهم خ ل. (8) بما اقتص خ ل. (9) في المصدر: الصلبية. (10) وذريتهم خ ل. (11) ما بين المعقفتين ليس في المصدر. (12) المقربين خ ل. (13) فذكروا له الذى. (14) انى خ ل. (15) ما عدا خ ل.

[314]

الروح حتى استويت جالسا فبرق لي (1) العرش العظيم، فنظرت فيه فإذا فيه: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، " فلان أمين (2) الله " فلان أمين الله، فلان خيرة الله عز وجل) فذكر عدة أسماء (3) مقرونة بمحمد صلى الله عليه وعليهم، قال آدم عليه السلام: ثم لم أر في السماء موضع أديم - أو قال: صفيح - منها إلا وفيه مكتوب: " لا إله إلا الله " وما من موضع فيه مكتوب: " لا إله إلا الله " إلا وفيه مكتوب خلقا لاخطا: " محمد رسول الله " وما من موضع فيه مكتوب: " محمد رسول الله " إلا وفيه مكتوب: " فلان (4) خيرة الله، فلان (5) صفوة الله، فلان (6) أمين الله عز وجل " فذكر عدة أسماء ينتظم (7) الحساب المعدود (8) قال آدم عليه السلام: فمحمد صلى الله عليه واله يا بني ومن خط من تلك الاسماء معه أكرم الخلائق على الله عز وجل جميعا ". ثم ذكر أن أبا حارثة سأل السيد والعاقب أن يقفا على صلوات إبراهيم عليه السلام الذي جاء بها الاملاك من عند الله عز وجل فقنعوا بما وقفوا عليه في الجامعة قال أبو حارثة: لابل شارفوها بأجمعها واسبروها فإنه أصرم للغدور (9)، وأرفع لحكة (10) الصدور. وأجدر أن لا ترتابوا في الامر من بعد، فلم يجدا من المصير إلى قوله من بد، فعمد القوم إلى تابوت إبراهيم عليه السلام قال: (11) وكان الله عز وجل بفضله على من يشاء من خلقه قد اصطفى إبراهيم عليه السلام بخلته، وشرفه بصلواته وبركاته، وجعله قبلة وإماما لمن يأتي من بعده، وجعل النبوة والامامة و الكتاب في ذريته، يتلقاها آخر عن أول، وورثه تابوت آدم عليه السلام المتضمن للحكمة والعلم، الذي فضله الله عز وجل به على الملائكة طرا، فنظر إبراهيم


(1) إلى خ ل (2) صفوة ظ. (3) اسماء الائمة. خ ل. (4) على خ ل. (5) الحسن خ ل. (6) الحسين خ ل. (7) في المصدر: تنتظم. (8) فذكر الائمة من اهل بيته عليهم السلام واحدا بعد واحد إلى القائم بامر الله، قال خ ل. (9) الغدور: كثير الغدر. أقول: الكلمة في نسخة المصنف تشبه " العذور ". (10) الحسكة خ ل. (11) في المصدر: قال: وفيه ظ.

[315]

عليه السلام في ذلك التابوت فأبصر فيه بيوتا بعدد ذوي العزم من الانبياء المرسلين وأوصيائهم من بعدهم، ونظر فإذا بيت محمد صلى الله عليه واله وسلم آخر الانبياء عن يمينه علي بن أبي طالب عليه السلام آخذ بحجزته، فإذا شكل عظيم يتلالؤ نورا، فيه هذا صنوه ووصيه المؤيد بالنصر، فقال إبراهيم عليه السلام إلهي وسيدي من هذا الخلق الشريف ؟ فأوحى الله عز وجل هذا عبدي وصفوتي الفاتح الخاتم، وهذا وصيه الوارث، قال: رب ! ما الفاتح الخاتم ؟ قال: هذا محمد خيرتي، وبكر فطرتي، وحجتي الكبرى في بريتي، نبأنه واجتبيته إذ آدم (1) بين الطين والجسد، ثم إني باعثه عند انقطاع الزمان لتكملة ديني، وخاتم (2) به رسالاتي ونذري، وهذا علي أخوه وصديقه الاكبر، آخيت بينهما واخترتهما وصليت وباركت عليهما، وطهرتهما، وأخلصتهما والابرار منهما وذريتهما قبل أن أخلق سمائي وأرضي وما فيهما وبينهما من خلقي، ذلك (3) لعلمي بهم وبقلوبهم إني بعبادي عليم خبير، قال: ونظر إبراهيم عليه السلام فإذا اثنا عشر عظيما تكاد تلالا أشكالهم بحسنها (4) نورا، فسأل ربه جل وتعالى فقال: رب نبئني بأسماء هذه الصور المقرونة بصورتي محمد ووصيه، وذلك لما رأى من رفيع درجاتهم والتحاقهم بشكلي محمد ووصيه عليهما السلام، فأوحى الله عز وجل إليه: هذه أمتي، والبقية من نبيي فاطمة الصديقة الزاهرة (5) وجعلتها مع خليلها عصبة (6) لذرية نبيي هؤلاء وهذان الحسنان وهذا فلان وهذا فلان، وهذا (7) كلمتي التي أنشربه رحمتي في بلادي، وبه أنتاش (8) ديني وعبادي، ذلك بعد أياس منهم وقنوط منهم من غياثي، فإذا ذكرت محمدا نبيي بصلواتك فصل عليهم معه يا إبراهيم، قال: فعندها صلى


(1) فيه: إذا آدم خ ل (2) وأختم خ ل. أقول: في المصدر: وخاتم به رسالتي " رسالاتي خ ل ". (3) وذلك خ ل. (4) في المصدر: لحسنها. (5) في المصدر: الزهراء. (6) غصنته خ ل. (7) اشار إلى صورة القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف. (8) وبه اريش خ ل.

[316]

عليهم إبراهيم عليه السلام فقال: رب صلى على محمد وآل محمد، كما اجتبيتهم وأخلصتهم إخلاصا، فأوحى عز وجل ليهنئك (1) كرامتي وفضلي عليك، فإني صائر بسلالة محمد ومن اصطفيت معه منهم إلى قناة صلبك، ومخرجهم منك، ثم من بكرك إسماعيل عليه السلام، فأبشر يا ابراهيم فإني واصل صلواتك بصلواتهم، ومتبع ذلك بركاتي وترحمي عليك وعليهم، وجاعل حناني (2) وحجتي إلى الامد المعدود واليوم الموعود الذي أرث فيه سمائي وأرضي، وأبعث له خلقي بفصل قضائي (3) و إفاضة رحمتي وعدلي. قال: فلما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله ما أفضى إليه القوم من تلاوة ما تضمنت الجامعة والصحف الدارسة من نعت رسول الله صلى الله عليه واله وصفة أهل بيته المذكورين معه بماهم به منه وبما شاهدوا من مكانتهم عنده ازداد القوم بذلك يقينا وإيمانا، و استطيروا له فرحا. قال: ثم صار القوم إلى ما نزل على موسى عليه السلام فألفوا في السفر الثاني من التوراة: إني باعث في الاميين من ولد إسماعيل رسولا أنزل عليه كتابي وأبعثه بالشريعة القيمة إلى جميع خلقي، أوتيه حكمتي، وأؤيده بملائكتي (4) وجنودي تكون ذريته من ابنة له مباركة باركتها، ثم من شبلين لها كإسماعيل وإسحاق أصلين لشعبين عظيمين (5) اكثرهم جدا جدا، يكون منهم اثنا عشر قيما، أكمل بمحمد صلى الله عليه واله وبما أرسله به من بلاغ وحكمة ديني وأختم به أنبيائي ورسلي، فعلى محمد وأمته تقوم الساعة. فقال حارثة: الآن اسفر الصبح لذي عينين، ووضح الحق لمن رضي به دينا فهل في أنفسكما من مرض تستشفيان به ؟ فلم يرجعا إليه قولا.


(1) في المصدر: لتهنئك. (2) في المصدر: حسناتي. (3) في المصدر: لفصل قضائي. (4) في المصدر: اوتيته حكمتي وأيدته بملائكتي. (5) في المصدر: لشعبتين عظيمتين.

[317]

فقال أبو حارثة: اعتبروا الامارة الخاتمة من قول سيدكم المسيح عليه السلام، فصار القوم (1) إلى الكتب والاناجيل التي جاء بها عيسى صلى الله عليه فألفوا في المفتاح الرابع من الوحي إلى المسيح عليه السلام: يا عيسى يا بن الطاهر البتول (2) اسمع قولي، وجد في أمري، إني خلقتك من غير فحل، وجعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، و علي فتوكل، وخذ الكتاب بقوة ثم فسره لاهل سوريا، وأخبرهم أني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم، الذي لا أحول ولا أزول، فآمنوا بي وبرسولي النبي الامي الذي يكون في آخر الزمان نبي الرحمة، والملحمة الاول والآخر، قال (3): أول النبين خلقا، وأخرهم مبعثا، ذلك العاقب الحاشر، فبشر به بني إسرائيل قال عيسى عليه السلام: يا مالك الدهور، وعلام الغيوب، من هذا العبد الصالح الذي قد أحبه قلبي ولم تره عيني ؟ قال: ذاك خالصتي ورسولي المجاهد بيده في سبيلي يوافق (4) قوله فعله، وسريرته علانيته، أنزل عليه توراة (5) حديثة أفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فيها ينابيع العلم، وفهم الحكمة وربيع القلوب وطوباه وطوبى أمته، قال: رب ما اسمه وعلامته ؟ وما أكل أمته ؟ - يقول: ملك أمته (6) - وهل له من بقية ؟ يعني ذرية، قال: سأنبئك بما سألت، اسمه أحمد منتخب (7) من ذرية إبراهيم، ومصطفى من سلالة إسماعيل، ذو الوجه الاقمر، و الجبين الازهر، راكب الجمل، تنام عيناه ولا ينام قلبه يبعثه الله في أمة أمية ما بقي الليل والنهار، مولده في بلد أبيه إسماعيل يعني مكة، كثير الازواج، قليل الاولاد نسله من مباركة صديقة يكون له منها ابنة لها فرخان سيدان يستشهدان، أجعل نسل أحمد منهما، فطوباهما ولمن أحبهما وشهد أيامهما فنصر هما، قال عيسى عليه السلام: إلهي وما طوبى ؟ قال: شجرة في الجنة ساقها وأغصانها من ذهب، ورقها حلل، وحملها


(1) في المصدر: فصار إلى الكتب. (2) في المصدر: يا بن الطاهرة البتول. (3) فانه اول خ ل. (4) في المصدر: يوافق " الموافق خ ل ". (5) نوراء خ ل. (6) أي يريد بأكل امته ملك امته. (7) منتجب خ ل.

[318]

كثدي الابكار، أحلى من العسل، وألين من الزبد، وماؤها من تسنيم، لو أن غرابا طار وهو فرخ لادركه الهرم من قبل أن يقطها، وليس منزل من منازل أهل الجنة إلا وظلاله فنن من تلك الشجرة. قال: فلما أتى القوم على دراسة ما أوحى الله عز وجل إلى المسيح عليه السلام من نعت محمد رسول الله صلى الله عليه واله وصفته وملك امته وذكر ذريته وأهل بيته أمسك الرجلان مخصومين، وانقطع التحاور بينهم في ذلك، قال: فلما فلج (1) حارثة على السيد والعاقب بالجامعة وما تبينوه (2) في الصحف القديمة ولم يتم لهما ما قدروا (3) من تحريفها، ولم يمكنهما أن يلبسا على الناس في تأويلهما (4) أمسكا عن المنازعة من هذا الوجه، وعلما أنهما قد أخطئا سيبل الصواب بذلك (5) فصارا إلى بيتعهم آسفين لينظرا ويرتئيا (6) وفزع إليهما نصارى نجران فسألوهما عن رأيهما وما يعملان في دينهما، فقالا ما معناه: تمسكوا بدينكم حتى يكشف (7) دين محمد، و سنسير إلى بني قريش إلى يثرب، وننظر ما جاء به وإلى ما يدعو إليه. قال فلما تجهز السيد والعاقب للمسير إلى رسول الله صلى الله عليه واله بالمدينة انتدب معهما أربعة عشر راكبا من نصارى نجران هم من أكابرهم فضلا وعلما في أنفسهم وسبعون رجلا من أشراف بني الحارث بن كعب وسادتهم، قال: وكان قيس بن الحصين ذو الغصة (8) ويزيد بن عبد المدان ببلاد حضر موت فقدما نجران على تفيئة (9) مسير قومهم فشخصا معهم، فاعترز القوم في ظهور (10) مطاياهم، وجنبوا (11) خيلهم، وأقبلوا لوجوههم حتى وردوا المدينة.


(1) أي غلب عليهما. (2) في المصدر: بينوه. " تبينوه خ ل ". (3) ما قدرا خ ل. (4) في المصدر: في التأويل " تأويلهما خ ل ". (5) في المصدر: سبيل الصواب، فصارا. (6) يرتبا خ ل. كذا. (7) حتى نكشف خ. (8) القضية خ ل. أقول: في المصدر: ذو العصة " الفضة خ ل " والكل مصحفة، و الصحيح: ذو الغصة كما في المتن. (9) تعبئة خ ل. أقول: في المصدر: لقيته. (10) اكوار خ ل. الاكوار جمع الكور بالضم وهو الرحل منه رحمه الله أقول: في المصدر: في اطوار. " ظهور خ ل ". (11) جنبه: ابعده ونحاه. جنب الخيل: قاده إلى جنبه.

[319]

قال: ولما استراث رسول الله صلى الله عليه واله خبر أصحابه أنفذ إليهم خالد بن الوليد في خيل سرحها معه لمشارفة أمرهم فألفوهم وهم عامدون إلى رسول الله صلى الله عليه واله. قال: ولما دنوا من المدينة أحب السيد والعاقب أن يباهيا المسلمين وأهل المدينة بأصحابهما، وبمن حف (1) من بني الحارث معهما، فاعترضاهم فقالا: لو كففتم صدور ركابكم ومسستم الارض فألقيتم عنكم تفثكم وثياب سفركم وشننتم عليكم من باقي مياهكم كان ذلك أمثل، فانحدر القوم عن الركاب فأماطوا من شعثهم وألقوا عنهم ثياب بذلتهم، ولبسوا ثياب صونهم من الاتحميات (2) والحرير والحبر، وذروا المسك في لممهم ومفارقهم، ثم ركبوا الخيل واعترضوا بالرماح على مناسج خيلهم، وأقبلوا يسيرون رزدقا واحدا، وكانوا من أجمل العرب صورا، وأنمهم أجساما وخلقا، فلما تشوفهم الناس أقبلوا نحوهم فقالوا: ما رأينا وفدا أجمل من هؤلاء، فأقبل القوم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه واله في مسجده، وحانت صلاتهم فقاموا يصلون إلى المشرق، فأراد الناس أن ينهوهم عن ذلك فكفهم رسول الله صلى الله عليه واله، ثم أمهلهم وأمهلوه ثلاثا فلم يدعهم ولم يسألوه لينظروا إلى هديه ويعتبروا ما يشاهدون منه مما يجدون (3) من صفته، فلما كان بعد ثالثه (4) دعاهم صلى الله عليه واله إلى الاسلام، فقالوا: يا أبا القاسم ما أخبرتنا كتب الله عزوجل بشئ من صفة النبي المبعوث من بعد الروح عيسى عليه السلام إلا وقد تعرفناه فيك إلا خلة هي أعظم الخلال آية ومنزلة، وأجلاها أمارة ودلالة، قال: وما هي ؟ قالوا: إنا نجد في الانجيل من صفة النبي الغابر من بعد المسيح أنه يصدق به ويؤمن به، وأنت تسبه وتكذب به، وتزعم أنه عبد، قال: فلم تكن خصومتهم ولا منازعتهم للنبي صلى الله عليه واله إلا في عيسى عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه واله: لابل اصدقه واصدق به وأؤمن به، وأشهد أنه


(1) خف خ. (2) يقال: اتحم أي تلون بالتحمه، وهى شدة السواد أو الشقرة. والا تحم: الادهم و لعل كان لون ثيابهم كذلك. وفى المصدر: الانجميات. (3) بما يجدون خ ل. (4) في المصدر: ثلاثة " ثالثة خ ل ".

[320]

النبي المرسل من ربه عزوجل، وأقول: إنه عبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، قالوا: وهل تستطيع العبيد أن تفعل (1) ما كان يفعل ؟ وهل جاءت الانبياء بما جاء به من القدرة القاهرة ؟ ألم يكن يحيي الموتى، ويبرئ الاكمه والابرص، وينبئهم بما يكنون في صدورهم، وما يدخرون في بيوتهم ؟ فهل يستطيع هذا إلا الله عز وجل، أو ابن الله ؟ وقالوا في الغلو فيه وأكثروا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فقال صلى الله عليه واله: قد كان عيسى أخي كما قلتم يحيي الموتى، ويبرئ الاكمه والابرص، ويخبر قومه بما في نفوسهم وبما يدخرون في بيوتهم، وكل ذلك بإذن الله عز وجل، وهو لله عز وجل عبد، وذلك عليه غير عار، وهو منه غير مستنكف، فقد كان لحما ودما وشعرا وعظما وعصبا وأمشاجا يأكل الطعام ويظمأ وينصب والله (2) بأربه، وربه الاحد الحق الذي ليس كمثله شئ، وليس له ند، قالوا: فأرنا مثله (3) جاء من غير فحل ولا أب، قال: هذا آدم عليه السلام أعجب منه خلقا "، جاء من غير أب ولا ام، وليس شئ من الخلق بأهون على الله عز وجل في قدرته من شئ ولا أصعب، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن، فيكون، وتلا عليهم: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (4) " قالا: فما نزداد منك في أمر صاحبنا إلا تباينا، وهذا الامر الذي لا نقره لك، فهلم فلنلاعنك أينا أولى بالحق فنجعل لعنة الله على الكاذبين فإنها مثلة وآية معجلة، فأنزل الله عز وجل آية المباهلة على رسول الله صلى الله عليه واله: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناؤكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (5) " فتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه واله ما نزل عليه في ذلك من القرآن فقال: إن الله قد أمرني أن أصير


(1) في المصدر: هل يستطيع العبد ان يفعل. (2) في المصدر: وينصب بادبه " بأربه خ ل ". (3) في المصدر: من جاء. (4) آل عمران: 59. (5) آل عمران 61. (*)

[321]

إلى ملتمسكم، وأمرني بمباهلتكم إن أقمتم وأصررتم على قولكم، قالا: وذلك آية ما بيننا وبينك، إذا كان غدا باهلناك، ثم قاما وأصحابهما من النصارى معهما فلما أبعدا وقد كانوا نزلوا (1) بالحرة أقبل بعضهم على بعض فقالوا: قد جاءكم هذا بالفصل من أمره وأمركم، فانظروا أولا بمن يباهلكم، أبكافة أتباعه أم بأهل الكتابة (2) من أصحابه، أو بذوي التخشع والتمسكن (3) والصفوة دينا وهم القليل منهم عددا، فإن جاءكم بالكثرة وذوي الشدة منهم فإنما جاءكم مباهيا كما يصنع الملوك، فالفلج إذا لكم دونه، وإن أتاكم بنفر قليل ذوي تخشع فهؤلاء سجية (4) الانبياء وصفوتهم وموضع بهلتهم فإياكم والاقدام إذا على مباهلتهم، فهذه لكم أمارة، وانظروا حينئذ ما تصنعون بينكم وبينه (5)، فقد أعذر من أنذر، فأمر صلى الله عليه واله بشجرتين فقصدتا وكسح ما بينهما، وأمهل حتى إذا كان من الغد أمر بكساء أسود رقيق فنشر على الشجرتين، فلما أبصر السيد والعاقب ذلك خرجا بولديهما صبغة المحسن وعبد المنعم وسارة ومريم، وخرج معهما نصارى نجران، وركب فرسان بني الحارث بن كعب في أحسن هيئة، وأقبل الناس من أهل المدينة من المهاجرين والانصار وغيرهم من الناس في قبائلهم وشعارهم من راياتهم وألويتهم وأحسن شارتهم (6) وهيئتهم لينظروا ما يكون من الامر، ولبث رسول الله صلى الله عليه واله في حجرته حتى متع النهار، ثم خرج آخذا بيد علي، والحسن والحسين أمامه وفاطمة عليهم السلام من خلفهم، فأقبل بهم حتى أتى الشجرتين فوقف بينهما (7) من تحت الكساء على مثل الهيئة التي خرج بها من حجرته، فأرسل إليهما يدعوهما إلى ما دعواه إليه من المباهلة، فأقبلا إليه فقالا: بمن تباهلنا يا أبا القاسم ؟ قال: بخير أهل الارض وأكرمهم على الله عز وجل، بهؤلاء، وأشار لهما إلى علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، قالا: فما نراك جئت لمباهلتنا بالكبر ولا من


(1) انزلوا خ ل. (2) المكانة خ ل. (3) التمكن خ ل. (4) شجنة خ ل. " وشجة خ ل ". (5) في المصدر: ما بينكم وبينه. (6) في المصدر: شارتهم. " شأنهم خ ل ". (7) في المصدر: من بينهما.

[322]

الكثر ولا أهل الشارة ممن نرى ممن آمن بك واتبعك، وما نرى هيهنا معك إلا هذا الشاب والمرأة والصبيين، أفبهؤلاء تباهلنا ؟ قال: نعم أولم اخبركم بذلك آنفا ؟ نعم، بهؤلاء امرت والذي بعثني بالحق أن اباهلكم، فاصفارت حينئذ ألوانهما وكرا (1) وعادا إلى أصحابهما وموقفهما، فلما رأى أصحابهما ما بهما وما دخلهما قالوا: ما خطبكما ؟ فتماسكا وقالا: ما كان ثم (2) من خطب فنخبركم، و أقبل عليهم شاب كان من خيارهم قد اوتي فيهم علما، فقال: ويحكم لا تفعلوا اذكروا ما عثرتم عليه في الجامعة من صفته (3)، فوالله إنكم لتعلمون حق العلم إنه لصادق (4)، وإنما عهدكم بإخوانكم حديث، قد مسخوا قردة وخنازير فعلموا أنه قد نصح لهم فأمسكوا، قال: وكان للمنذر بن علقمة (5) أخي اسقفهم أبي حارثة حظ من العلم فيهم يعرفونه له، وكان نازحا عن نجران في وقت تنازعهم فقدم وقد اجتمع القوم على الرحلة إلى رسول الله صلى الله عليه واله فشخص معهم، فلما رأى المنذر انتشار أمر القوم يومئذ وترددهم في رأيهم أخذ بيد السيد والعاقب وأقبل على أصحابه فقال: اخلوني وهذين، فاعتزل بهما ثم أقبل عليهما فقال: إن الرائد لا يكذب أهله، وأنا لكما حق نصيح، وعليكما جد شفيق (6)، فإن نظرتما لانفسكما نجيتما (7)، وإن تركتما ذلك هلكتما وأهلكتما، قالا: أنت الناصح جيبا المأمون عيبا فهات، قال: أتعلمان أنه ما باهل قوم نبيا قط إلا كان مهلكهم كلمح البصر ؟ وقد علمتما وكل ذي أرب من ورثة الكتب معكما أن محمدا أبا القاسم هذا هو الرسول الذي بشرت به الانبياء عليهم السلام، وأفصحت بنعته وأهل بيته الامناه (8)


(1) في المصدر: وحوكرا " موكرا خ ل " كسرا خ ل. (2) ثمة خ ل: أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) في المصدر: من صفاته " صفته خ ل ". (4) الصادق خ ل. (5) يأتي في الحديث الثاني ان اسمه كرز أو بشر بن علقمة. (6) في المصدر: وانا لكما جد شفيق. (7) نجوتما خ ل. (8) في المصدر: وافصحت ببيعتهم واهل بيتهم الامناء.

[323]

واخرى أنذركما بها فلا تعشوا عنها، قالا: وما هي يا أبا المثنى ؟ قال: انظرا إلى النجم قد استطلع (1) على الارض. وإلى خشوع الشجر، وتساقط الطير بإزائكما لوجوهها (2)، قد نشرت على الارض أجنحتها، وقاءت (3) ما في حواصلها، وما عليها لله عز وجل من تبعة، ليس ذلك إلا لما قد أظل من العذاب، وانظرا إلى اقشعرار الجبال (4)، وإلى الدخان المنتشر (5)، وقزع السحاب، هذا ونحن في حمارة القيظ، وإبان الهجير، وانظرا إلى محمد صلى الله عليه واله رافعا يده والاربعة من أهله معه إنما ينتظر ما تجيبان (6) به، ثم اعلموا أنه إن نطق فوه بكلمة من بهلة لم نتدارك هلاكا، ولم نرجع إلى أهل ولا مال، فنظرا فأبصرا أمرا عظيما فأيقنا أنه الحق من الله عز وجل فزلزلت أقدامهما، وكادت أن تطيش عقولهما، واستشعرا أن العذاب واقع بهما، فلما أبصر المنذر بن علقمة ما قد لقيا من الخيفة والرهبة قال لهما: إنكما إن أسلمت ماله سلمتما في عاجلة وآجلة (7)، وإن آثرتما دينكما وغضارة أيكتكما وشححتما بمنزلتكما (8) من الشرف في قومكما فلست أحجر عليكما الضن (9) بما نلتما من ذلك، ولكنكما بدهتما محمدا صلى الله عليه واله يتطلب (10) المباهلة له وجعلتماها حجازا وآية بينكما وبينه، وشخصتما من نجران وذلك من بالكما (11) فأسرع محمد صلى الله عليه اله إلى ما بغيتما منه، والانبياء إذا أظهرت (12) بأمر لم ترجع إلا بقضائه وفعله، فإذ نكلتما عن ذلك وأذهلتكما مخافة ما تريان فالحظ في النكول


(1) في المصدر: قد استطلع إلى الارض. (2) في المصدر: بارائكما. " بازائكهما خ ل " لوجوههما. (3) وفات خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) الجناب خ ل. (5) المنتثر خ ل. (6) تجيئان خ ل. (7) في المصدر: في عاجله وآجله. (8) في المصدر، بمنزلتكما. " إلى منزلتكما خ ل ". (9) في المصدر: الضنين. (10) في المصدر: بتطالب " بتطلب خ ل. ". (11) من تأليكهما خ ل. أقول: في المصدر: من تألكما. (12) إذا ظهرت خ ل.

[324]

لكما، فالوحي يا إخوتي الوحى صالحا محمدا صلى الله عليه واله وارضياه، ولا ترجئا ذلك فإنكما وأنا معكما بمنزلة قوم يونس، لما غشيهم العذاب، قالا: فكن (1) يا أبا المثنى أنت الذي تلقى محمدا صلى الله عليه واله بكفالة ما يبتغيه لدينا، والتمس لنا إليه ابن عمه هذا ليكون هو الذي يبرم الامر بيننا وبينه فإنه ذو الوجه والزعيم عنده، ولا تبطئن لنطمأن بما ترجع إلينا به، وانطلق المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله الذي ابتعثك، وأنك وعيسى عبدان لله عز وجل مرسلان، فأسلم وبلغه ما جاء له، فأرسل رسول الله صلى الله عليه واله عليا لمصالحة القوم فقال علي عليه السلام: بأبي أنت على ما اصالحهم ؟ فقال له: رأيك يا أبا الحسن فيما تبرم معهم رأيي، فصار إليهم فصالحاه على ألف حلة، وألف دينار، خرجا في كل عام يؤديان شطر ذلك في المحرم، وشطرا في رجب، فصار علي عليه السلام بهما إلى رسول الله صلى الله عليه واله ذليلين صاغرين، وأخبره بما صالحهما عليه، وأقرا له بالخرج والصغار فقال لهما رسول الله صلى الله عليه واله قد قبلت ذلك منكم، أما إنكم لو باهلتموني بمن تحت الكساء لاضرم الله عليكم الوادي نارا تأجج، ثم لساقها الله عز وجل (2) في أسرع من طرف العين إلى من ورائكم فحرقهم تأججا، فلما رجع النبي صلى الله عليه واله بأهل بيته وصار إلى مسجده هبط عليه جبرئيل فقال: يا محمد إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك: إن عبدي موسى عليه السلام باهل عدوه قارون بأخيه هارون وبنيه، فخسفت بقارون وأهله وماله، وبمن آزره من قومه، وبعزتي اقسم وبجلالي يا أحمد لو باهلت بك وبمن تحت الكساء من أهلك أهل الارض والخلائق جميعا لتقطعت السماء كسفا، والجبال زبرا، ولساخت الارض فلم تستقر أبدا إلا أن أشاء ذلك فسجد النبي صلى الله عليه واله ووضع على الارض وجهه، ثم رفع يديه حتى تبين للناس عفرة إبطيه، فقال: شكرا للمنعم، شكرا للمنعم، قالها ثلاثا، فسئل نبي الله صلى الله عليه واله


(1) فكن انت خ ل. (2) من ورائكم خ ل. أقول: في المصدر: ثم لساقها الله عز وجل إلى من ورائكم في اسرع من طرف العين فحرقهم تأججا.

[325]

عن سجدته وعما رأى من تباشير السرور في وجهه، فقال: شكر الله (1) عز وجل لما أبلاني من الكرامة في أهل بيتي، ثم حدثهم بما جاء به جبرئيل عليه السلام (2). بيان: وإلا أذنا كعلما بمعناه، قال تعالى: " فأذنوا بحرب من الله ورسوله (3) " ويقال: ضويت إليه أضوى ضويا: إذا آويت إليه، وانضممت، ذكره الجوهري وقال: دهماء الناس: جماعتهم. وقال: الخطة: بالضم: الامر والقصة. وقال: حفزه يحفزه: دفعه من خلفه، وبالرمح طعنه، وعن الامر: أعجله وأزعجه. وقال: يقال: أزمعت على أمر: إذا ثبت عليه عزمه. وكانت فيه بقية، أي من القوة أو شفقة وإبقاء على قومه، في القاموس: أبقيت ما بيننا: لم ابالغ في إفساده، و الاسم: البقية. " وأولوا بقية ينهون (4) " أي إبقاء، أو فهم. والهوادة: الصلح. قوله: دبوا إلى قوم، لعله بتشديد الباء ورفع " قوم " من قبيل أكلوني البراغيث أو بالتخفيف وجر " قوم " أي دب قوم إلى قوم في هذا الامر كدبيب النمل من غير روية وتأمل، وفي بعض النسخ القديمة " أي قوم " حرف نداء " فدبوا " أمر، والمراد به التأني والتثبت وترك الاستعجال وهو أظهر. والسورة: الشدة. والحدة والسطوة. والاعتداء. قوله: فإن البديهة بها، أي المفاجات بالسورة من غير تأمل لا ينجب ولا يحسن. والاناة: كقناة: الترفق والحلم. والاحجام: الكف. والصول: الاستطالة والحملة. والمعصب كمحدث: السيد المطاع، لانه يعصب بالتاج، أو تعصب به امور الناس، أي تردد إليه. والسحر بالفتح والضم و التحريك: الرية، ويقال للجبان: اتنفخ سحره. وفي القاموس، استطار الفجر: انتشر، والحائط: انصدع واستطير طير وفلان: ذعر. والمسبوع: الذي افترسه السبع أو افترس ولده واليراعة: الاحمق، والجبان، والنعامة. والهلع: أفحش الجزع. قوله بالنوء بالعبء أي حمل الاثقال العظيمة، يقال: ناء بالحمل: إذا نهض


(1) لربى خ ل. (2) الاقبال: 496 - 513. (3) البقرة: 279. (4) هود: 116.

[326]

به مثقلا، والعبء بالكسر: الحمل. قوله: وتلقيح الحرب، أي جعل الحرب ذات حمل أي فايدة، وهو عقيم أي معطلة غير قائمة وغير مفيدة، وفي بعض النسخ " نلقح " بصيغة المتكلم. وتثقيف الرماح: تسويتها. والاود بالتحريك: الاعوجاج. وقوله: ويك بمعنى ويلك. واللمز: العيب. والربع بالفتح: الدار، والمحلة والمنزل. والذمار بالكسر: ما يلزمك حفظه وحمايته. وفي القاموس: العيص بالكسر: الشجر الكثير الملتف، والاصل، وما اجتمع وتدانى من العضاة وفي بعض النسخ " عصبا " وهو بالتحريك: خيار القوم. قوله: المرء بيومه: أي ينبغي للانسان أن ينظر إلى أحوال زمانه فيعمل ما يناسبه، ولا يقيس على الازمنة السالفة. والجيل بالكسر: الصنف من الناس. والجلباب: الملحفة. قوله: من الرأي الربيق، أي الرأي الذي عزم عليه كأنه مشدود في ربقة أو يلزم العمل به كأنه يجعل عنق الانسان في ربقة، وهى العروة التي يشد بها البهيمة يقال: ربقه يربقه بالضم والكسر: إذا جعل رأسه في الربقة، والربيقة كسفينة: البهيمة المربوقة، وفي بعض النسخ القديمة بالتاء من الرتق: ضد الفتق، وهو أصوب. وقال الفيروز آبادي: النجد: الغلبة، وأنجد: ارتفع، والدعوة: أجابها والنجدة: القتال، والشجاعة، والشدة، والهول، ونجد الامر: وضح واستبان والتنجيد العدو والتزيين، واستنجد: استعان وقوي بعد ضعف، وفي بعض النسخ بالذال المعجمة يقال: نجذه، أي ألح عليه. ونجز كفرح ونصر: انقضى وفني والوعد: حضر، والكلام: انقطع، وأنجز حاجته: قضاها، والوعد: وفى به وبخع بالحق بخوعا: أقربه وخضع له. ونزع عن الامر: انتهى عنه. والكمي: الشجاع. قوله: أنتهالك، أي نسرع إلى هذا الدين فندخل فيه من غير روية، من قولهم: تهالك الفراش: إذا تساقط. والبواتر: السيوف القاطعة. قوله: أو نشرق، على المجرد، أي نظهر، أو على التفعيل من قولهم: شرق:

[327]

إذا أخذ في ناحية المشرق، ولعله تصحيف. وقولهم: اربع على نفسك، بفتح الباء، أي ارفق بنفسك وكف، ورمقته أرمقه: نظرت إليه. قوله: والروح: اقسم بروح القدس. ونهد إلى العدو كمنع أي نهض. والجفاء بالضم: ما قذفه السيل. والوضم (1) بالتحريك: كل شئ يجعل عليه اللحم من خشب أو بارية يوقى به من الارض. والخرق: قطع المفاوز والاغذاذ: الاسراع في السير. وأعنق: أسرع في السير، وفي نسخة قديمة بالتاء المثناة الفوقانية، من عتق الفرس كضرب، أي سبق فنجا. ونعق الراعي بغنمه ينعق بالكسر، أي صاح بها وزجرها. والمدرة: البلدة. والمكثور: المغلوب بالكثرة والحوزة: الناحية. وانتهزه: اغتنمه. وقال الجوهري: عشوت إلى النار أعشو إليها عشوا: إذا استدللت عليها ببصر ضعيف، وإذا صدرت عنه إلى غيره قلت: عشوت عنه، ومنه قوله تعالى: " ومن يعش عن ذكر الرحمن (2) " والخلق بالتحريك: البالي، وهنا كناية عن فساد الزمان وامتداد الفترة، وفي القديمة " في خلو " بالواو المشددة، أي عند خلو الزمان من الحجج وآثار الهداية. وفاران: اسم جبل بمكة كما مر. والسوقة: خلاف الملك. والصدع: الشق: وصدع بالامر: تكلم به جهارا. والدرك بالتحريك: اللحاق والوصول إلى الشئ. وأرم القوم، أي سكتوا. والقعدة بالضم من الابل: الذي يركبه الراعي في كل وجه، واقتعده: اتخذه قعدة. والآل: الذي تراه أول النهار وآخره كأنه يرفع الشخوص وليس بالسراب. وأغفلت الشئ: إذا تركته على ذكر منك، وأغفله، أي غفل عنه. عتابا تميز عن نسبة أغفل أو حضر والحاصل حضرنا وعاتبنا. فأو له إعتابا، أي أعطه ما يصير سببا لرضاه، يقال: أعتبه أي أعطاه العتبى وهو الرضا. ونجم الشئ: ظهر وطلع.


(1) الوضم ايضا: خشبة الجزاز التى يقطع عليها اللحم، يقال: تركهم لحما على وضم أي اوقع بهم فذلهم واوجعهم. (2) الزخرف: 36.

[328]

قوله: يكون رزه قليلا، في بعض النسخ بتقديم المهملة وهو بالكسر: الصوت وفي بعضها بتأخيرها وهو بالفتح: العض، وفي النسخة القديمة بتقديم المهملة وضمها مهموزا بمعنى المصيبة وهو أصوب. وإيه بكسر الهمزة والهاء منونا وغير منون: استزاده في الكلام، فإذا أسكته وكففته قلت: إيها عنا، وإذا أردت التبعيد قلت: أيها بفتح الهمزة بمعنى هيهات ذكره الجوهري. وقال: برز الرجل: فاق على أصحابه، والحاصل أنه لو كان تفوق رجل فضله مانعا من التذكير لكنتما مصداق لكن ليس كذلك. قوله: أصغى بها أي إليها، وفي القديمة بالفاء من قولهم: أصفى فلانا بكذا، أي آثره. ويقال: رمقه أي لحظه لحظا خفيفا. وبدهه أمر: فجأه. والنواحي: الجوانب، وفي بعض النسخ بواجبه، أي بما يجب ويلزم من الرمق. سنة التسويف أي الغفلة الداعية إلى تأخير النظر، أو هو بالضم والتشديد، أي طريقته. وأخلدت إلى فلان أي ركنت إليه. ويقال: ونيت في الامرونية، أي ضعفت. قوله: أن لا يؤثر، أي يروى ويذكر عنك. والفهة بالفتح وتشديد الهاء: السقطة والجهلة. والرحض بالحاء المهملة والضاد المعجمة: غسل الثوب والجسد. ويقال: نبا السيف: إذا لم يعمل في الضريبة. والهفوة: الزلة ويقال: وهل كفرح: ضعف وفزع، وعنه غلط فيه ونسيه، وتوهله: عرضه لان يغلط. وخلد خلودا. دام، وبالمكان أقام. والملحمة القتال. والنبز بالفتح مصدر نبزه ينبره، أي لقبه، وبالتحريك: القلب. والفواق بالضم والفتح: ما بين الحلبتين من الوقت، وهو كناية عن قلة زمان ملكه. قوله: وأضربوا في الفتنة لعله من قولهم: أضرب الرجل الفحل النافة فضربها وفيه استعارة بليغة. وقطن بالمكان: أقام به. والنجعة: طلب الكلاء في موضعه تقول: منه انتجعت، وانتجعت فلانا: إذا أتيته تطلب معروفه. والرواد جمع الرائد، وهو الذي يبعث لاستعلام الامر، وفي الاصل هو الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلاء ومساقط الغيث ومنه قولهم: الرائد لا يكذب أهله. ووفد فلان على

[329]

الامير: ورد رسولا، وأوفدته: أرسلته، والمراد بصاحبهم مسيلمة. وبنو قيلة: الانصار. والثمد بالفتح والتحريك وككتاب: الماء القليل الذي لا مادة له. وماء ملح بالكسر، أي ليس بعذب. واستعذب القوم ماءهم: إذا استقوه عذبا. ومج الماء من فيه رمى به. واحلولى، أي صار حلوا. وجاش الوادي، كثر ماؤه وزخر وامتد. وحار أي رجع، وتحير الماء: اجتمع ودار. والجراح جمع الجراحة بكسرهما. والكلم الجراحة وقال الجوهري: الالم: الوجع وقد ألم يألم ألما، وقولهم: ألمت بطنك كقولهم: رشدت أمرك، أي ألم بطنك وأنعم له أي قال له: نعم. والركي جمع الركية وهي البئر. والوشل بالتحريك: والماء القليل. وبض الماء يبض بالكسر أي سال قليلا قليلا. وتحيفته تنقصته، من حيفه، أي من نواحيه. قوله: وأبيك، الواو للقسم. والتذمم: الاستنكاف. و فرط إليه مني قول: أي سبق. والتقريظ: المدح بباطل أو حق. والتأثيل: التأصيل. قوله: دحاها أي الارض. والقمران: الشمس والقمر. والكوكب الدري: الثاقب المضئ. وقال الفيروز آبادي: غمصه كضرب وسمع وفرح: احتقره كاغتمصه، وعابه وتهاون بحقه، والنعمة لم يشكرها. والتقمص: لبس القميص، أي ادعى سلطان الله وخلافته. متبرأ من صاحبه أو من شرائطه، أو بغير همز من قولهم: تبريت له، أي تعرضت لمعروفه، والاظهر أنه كان " مبتزا " بالزاء، أي غاصبا من قولهم: ابتز الشئ أي سلبه. والكمه: العمى. قوله: رويدك أي أمهل. و المقنع بالفتح: ما يقنع به. والمحال ككتاب: الكيد والمكر، والقدرة، والجدال والمعاداة. قوله: الدارسة، أي القديمة، من درست الآثار، عفت، ودرس الثوب خلق. والخالية: الماضية. والنكت: أن تضرب في الارض بقضيب فيؤثر فيها. قوله: أثره من علم بالتحريك أي بقية، والخراص، الكذاب. والمحجوج، المغلوب بالحجة. ويقال: جنب، أي نزل غريبا. قوله: ما لم تزل تستخم، في بعض النسخ بالخاء المعجمة من قولهم: خم

[330]

البئر والبيت، أي كنسها، والناقة: حلبها، وفي بعضها بالمهملة يقال: استحم أي اغتسل أو عرق، وحم حمه: قصده، والتنور: سجره، والماء: سخنه، وفي بعضها بالجيم ولعله من قولهم: استجم الفرس: إذا استراح، وقال الجوهري: يقال: إني لاستجم قلبي بشئ من اللهو لاقوى به على الحق، أي لم تزل تستريح وتتقوى لنا في بيتك وتهيئ لنا الحشو من الكلام لتجادنا به. والمثابة: المرجع والمنزل، وموضع حبالة الصائد. ويقال: لامت بين القوم، أي أصلحت وجمعت. ورأبت الاناء: شعبته وأصلحته، ومنه قولهم: اللهم ارأب بينهم، أي أصلح. نغل قلبه علي، أي ضغن، ويقال: نغلت نياتهم، أي فسدت. ما يتسان بتشديد النون من السنن وهو الطريقة، أي لم يتطرق ويقال: من حشوة بني فلان بالكسر، أي من رذالهم. والاطراف جمع طرف بالكسر وهو الكريم الطرفين. وخلاك ذم أي أعذرت وسقط عنك الذم. ويقال: استشفه، أي نظر ما وراءه. وقد أثلجك. كذا في النسخ القديمة، من قولهم: ثلجت نفسي، اي اطمأنت، والاثلاج: الافلاج والمجاوبة: المحاورة وتجلية الشئ: كشفه وإيضاحه. قوله: يستأثر مقتبلهم الاستيثار، الاستبداد، واقتبل أمره: استأنفه، واقتبل الخطبة: ارتجلها، أو المراد بالمقتبل من يقبل الدين بكراهة اضطرارا. والاحم الاقرب. وتباعة وبيتا تميزان، أي على من كان أقرب منهم من جهة المتابعة والبيت، أي النسب، وهذا إشارة إلى غصب الخلافة، أي يستبد بأمر الخلافة من لم يسبق له نص ولا فضيلة على من هو أقرب من ذلك النبي نسبا وفضلا من كل أحد. والسبت: الدهر والنغف بالتحريك: الدود الذي يكون في انوف الابل والغنم وفي حديث يأجوج ومأجوج: " فيرسل عليهم النغف " والعبداء بالقصر والمد جمع العبد، كالعبدان والعبدان بالضم والكسر. والقن بالكسر: عبد ملك هو وأبواه، للواحد والجمع. والقعسرة: الصلابة والشدة. قوله: خيطا بالياء المثناة وهو السلك والجماعة من النعام والجراد، أو بالموحدة من قولهم: خبط خبط عشواء، ويقال: أتوا خبطة، أي جماعة جماعة.

[331]

وقال الجزري، فيه ثم يكون ملك عضوض، أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم: كأنهم يعضون فيه عضا. وقال الفيروز آبادي: الضرس كالضرب: العض الشديد بالاضراس، واشتداد الزمان. وقال: الجمر من حر الغيظ: أشده، ومن الرجل: شره. وقوله: إلى المعافا كأنه بدل من قوله: إلى أحدهم. قوله: لما يدهون، على بناء المجهول أي يصابون بالدواهي والامور العظيمة. والعشواء: الناقة التي لا تبصر أمامها، فهي تخبط بيديها كل شئ، وركب فلان العشواء: إذا خبط أمره على غير بصيرة. والشصائب: الشدائد. ويقال: أخذت بكظمه، بالتحريك، أي بمخرج نفسه ورشت فلانا: أصلحت حاله. وقال الجزري: في أشراط الساعة وتقئ الارض أفلاذ كبدها، أي تخرج كنوزها المدفون فيها، وهو استعارة، والافلاذ جمع فلذ والفلذ جمع فلذة. وهي القطعة المقطوعة طولا. والحمة بضم الحاء وتخفيف الميم وقد يشدد السم. ورجل لكع، أي لئيم ويقال: هو ذليل النفس، وامرأة لكاع مثال قطام. والافعوان بضم الهمزة والعين: ذكر الافاعي. والباقر: جماعة البقر مع رعاتها. والبهم بالفتح جمع بهمة وهي أولاد الضأن، وبالضم جمع البهيمة. والبيضاء: كورة بالمغرب. ويقال: فلان أثيري، أي من خلصائي. والجناب: الفناء، والرحل، والناحية. والطرس بالكسر: الصحيفة. قوله: فمما بعد هذا ؟ أي فمن أي شئ ولاي سبب تتأمل في الايمان بعد هذا البيان ؟. والبذاذة: هيئة أهل الفقر. والامثل: الافضل. والرجرجة: الاضطراب والجماعة الكثيرة في الحرب، ومن لا عقل له. والطغام كسحاب رذال الناس. وبوح بالباء الموحدة المضمومة، ويوح بالياء المثناة التحتانية المضمومة كلاهما اسم للشمس والزعيم: سيد القوم ورئيسهم والمتكلم عنهم. وقذعه كمنعه وأقذعه: رماه

[332]

بالفحش وسوء القول. وطفق في الفعل: شرع، وطفق الموضع: لزمه والدهارس جمع الدهرس كجعفر وهو الداهية والخفة والنشاط. قوله: حتى يعيش بظنه لعل المعنى أن الذين يعيشون بعقولهم ويستبدون بها يتبعون الظنون الفاسدة، أو المعنى أن العاقل لا يكون عاقلا إلا أن يجد أشياء بظنه وفهمه ولا يتوقف فهمه على الرواية والاثر ولعله كان في الموضعين " يغتر " من الاغترار. قوله: إلا ما رويت لعله على الخطاب، أي إن كنت لا أعلم إلا روايتك التي رويت فلست من أهل العلم. قوله: إذا كان هذا فنعم، أي إذا كانت تلك الرواية مروية فضحكك حسن، أو إذا كان ضحكك على هذا الوجه فله وجه. قوله: فما هنا، أي فما قلت في هذا المقام من الظنون التي رجمت بها عباد ربك، وفي بعض النسخ: " فكف مراجم " وهو أظهر، فقوله: فما هنا، أي أي شئ كان هيهنا غير هذا الوجه على الوجه الثاني، وعلى الوجه الاول لما كان كلامه مشعرا بعدم صحة الخبر قال: فما هنا، أي انتسب إلى الكذب، وفي النسخة القديمة: " فههنا فلتكن " وكأنه أصوب. والفصم: الكسر. وخبت النار: سكنت وطفئت. وأفل كضرب ونصر وعلم: غاب. والامم بالتحريك: القرب، واليسير، والبين من الامر. ولده: خصمه، والالد: الخصم الذي لا يزيغ إلى الحق، ولددت لدا: صرت ألد. والمغادرة: الترك. والاعضب: المكسور القرن. والاعضب من الرجال: من لا ناصر له. قوله: موف على ضريحه، أي مشرف على الموت، من أوفى على الشئ أشرف عليه، فلا يترقب له بعد ذلك ولد. وذدت الابل: سقتها وطردتها، ورجل ذائد وذواد: أي حامي الحقيقة دفاع. قوله: أو موطأ الاكناف الاكناف: الجوانب، وهو إما كناية عن حسن الخلق من قولهم: فراش وطيئ، أي لا يؤذي جنب النائم، أو عن الكرم والعز وكثرة ورود الاضياف وغيرهم عليهم (1).


(1) أو كناية عن السلطة والاستيلاء، أي حق لكل من تسلط على ارض أو شخص ان يتواضع لله عز وجل.

[333]

وقال الجوهري: البلوج: الاشراف، وبلج الحق: إذا اتضح، يقال: الحق أبلج، والباطل لجلج. وقال: التلجلج، التردد في الكلام، والباطل لجلج، أي يردد من غير أن ينفذ. وقولهم: أولى لك، تهدد ووعيد. قوله: أغفلناك، أي تركناك، وفي بعض النسخ: " أعقلناك " من أعقله، أي وجده عاقلا وفي بعضها: " أعضلناك " يقال: أعضلني فلان، أي أعياني أمره، وعضلت عليه تعضيلا: إذا ضيقت عليه في أمره. وراغ الرجل والثعلب: مال وحاد عن الشئ والمراوغة: المصارعة. والجوى: داء الجوف إذا تطاول. ويقال: ثلجت نفسي كنصرت: اطمأنت. وتحليق الشمس: ارتفاعها. ويقال: أرجأت الامر وأرجيته أي أخرته. وقطع بفلان: إذا عجز عن سفره من نفقة ذهبت، أو قامت عليه راحلته أو أتاه أمر لا يقدر أن يتحرك. قوله: فض الحديث بالفاء والضاد المعجمة والفض: الكسر، أو بالقاف والصاد المهملة من قص الجناح. أو القطع، أو من القصة أو بالقاف والضاد المعجمة من قض اللؤلؤة: ثقبها، والشئ: دقه، والوتد: قطعه وجاؤا قضهم وقضيضهم أي جميعهم. قوله: فنخبر بالخاء المعجمة، بمعنى الاخبار، أو الاختبار، أو بالمهملة من تحبير الكلام: تحسينه والتباشير: البشرى، وتباشير الصبح: أوائله. قوله: ليس بظهرة دينه، أي ليس هذا الرجل من أعوان دينه وامته، بل من ذريته. واللوب بالضم جمع اللوبة واللابة وهي الحرة. قوله: موطأ أي متهيأ له. والارب بالكسر: الحاجة. والفارط: المقصر والمضيع. قوله: البهلولة، البهلول بالضم: السيد الجامع لكل خير، وفي بعض النسخ " البتولة " وهو أظهر. والآسي كالقاضي: الطبيب. والخائل: الحافظ للشئ، يقال: هو خولي مال، أي حسن القيام به. وفي القاموس: حول مجرم كمعظم: تام. والتأليب: التحريص. والصغو بالفتح والكسر: الميل، وتقول: أصغيت إلى فلان: إذا ملت بسمعك نحوه. وشمس الفرس شموسا وشماسا: منع ظهره.

[334]

قوله: لئلا يفتات، في القاموس: لا يفتات عليه: لا يعمل دون أمره. واستنجدني فأنجدته، أي استعان بي فأعنته. وقال أبو عبيد: أضج القوم إضجاجا: إذا جلبوا وصاحوا، فإذا جزعوا من شئ وغلبوا قيل: ضجوا. واستدرك الشئ بالشئ: حاول إدراكه به. وضاع المسك وتضوع، أي تحرك فانتشرت رائحته. وأرج الطيب يأرج أرجا بالتحريك: فاح وتضوع. والتكلل: الاحاطة. ونسل كنصر وضرب: أسرع. والاوب: الناحية. والقاع المستوى من الارض. والاكم بالتحريك: التلال. وبهره: غلبه. وناف الشئ أي طال وارتفع، وأناف على الشئ، أي أشرف. والصفيح: السماء ووجه كل شئ عريض. والاصر: الذنب والثقل. وقال الفيروز آبادي: اقشعر جلده: أخذته قشعريرة، أي رعدة، والسنة أمحلت، وكعلابط: الخشن المس. وقال: الهياطلة: جنس من الترك والهند كانت لهم شوكة. وشارفه وعليه: اطلع من فوقه. والسبر: امتحان غور الشئ. والصرم: القطع. قوله لحكة الصدور، أي لخلجان الشبه فيها، وفي بعض النسخ " لحسكة الصدور " وهي نبات تعلق ثمرته بالصوف، والحقد والعداوة. قوله: طرا بالضم أي جميعا. والعصبة: قوم الرجل الذين يتعصبون له. بماهم به منه: أي الذين ذكروا بنعت هم متلبسون به من قرابة الرسول ونسبه. وقناة الظهر: التي تنتظم الفقار. والبكر بالكسر: أول كل شئ. وأول ولد الابوين. والانتياش: التناول والاخراج. والفنن: الغصن. والاسف: أشد الحزن، وقد أسف على ما فاته: تلهف، وأسف عليه: غضب. وارتأى: افتعال من الرأي. وندبه الامر، فانتدب له أي دعاه فأجابه. وتفيئة الشئ: حينه وإبانه. ويقال: غرز رجله في الغرز وهو ركاب من جلد - وضعها فيه، كاغترز، واغترز السير: دنا. وراث علي خبرك: أبطأ والاستراثة: الاستبطاء. والتفث: الشعث والكثافات. وشن الماء: صبه وفرقه.

[335]

وأماط: أبعد. والبذلة بالكسر: مالا يصان من الثياب. والاتحمية: نوع من البرد. وذر الملح والطيب: نثره وفرقه، واللمم كعنب جمع اللمة بالكسر، وهي الشعر يجاوز شحمة الاذن. ومنسج الفرس: أسفل من حاركه (1). والرزدق: الصف من الناس. وتشوقت إلى الشئ أي تطلعت. والغابر: الماضي والباقي. وكننت الشئ: سترته، وأكننته في نفسي: أسررته: والامشاج: الاخلاط. قوله: وينصب والله باربه، أي يتعب بسبب حاجته، ويمكن أن يكون كناية عن الذهاب إلى الخلاء. فهؤلاء سجية الانبياء أي المباهلة بهم طريقتهم، والاظهر " شجنة " بالشين المعجمة والنون كما في بعض النسخ، قال في النهاية: الرحم شجنة من الرحمن أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق شبهه بذلك مجازا واتساعا، وأصل الشجنة بالكسر والضم: شعبة من غصن من غصون الشجرة انتهى. وسيأتي وشيج، وله أيضا وجه، وفي نسخة قديمة " وشجة ". والشارة: اللباس والهيئة. ومتع النهار كمنع: ارتفع. والنازح: البعيد ورجل ناصح الجيب، أي أمين، والقزع بالتحريك: قطع من السحاب رقيقة. وحمارة القيظ بفتح الحاء وتشديد الراء. شدته. والهجير والهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر. وإبان الشئ بالكسر والتشديد: وقته. والغضارة: طيب العيش. وفي القاموس: الايك: الشجر الكثير، والواحدة أيكة. والشح: البخل مع حرص، تقول شححت بالكسر والفتح. وحجر عليه: منعه. والضن بالكسر: البخل. وبدهه بأمر: استقبله به، وبادهه: فاجأه. من بالكما، في القاموس: البال: الحال، والخاطر، والقلب، وفي بعض النسخ من تأليكما، والتألي: التقصير، والحلف، وفي الحديث: من يتألى على الله بكذبه، أي من حكم عليه وحلف. والوحى: السرعة، يقال: الوحى الوحى


(1) الحارك: اعلى الكاهل.

[336]

البدار البدار. والكسف بكسر الكاف وفتح السين: القطع، وكذا الزبر بضم الزاء وفتح الباء. وساخت قوائمه في الارض: دخلت وغابت. والعفرة بالضم: البياض ليس بالشديد. 2 - عم: قدم على رسول الله صلى الله عليه واله وفد نجران فيهم بضعة عشر رجلا من أشرافهم، وثلاثة نفر يتولون امورهم: العاقب وهو أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، واسمه عبدالمسيح، والسيد وهو ثمالهم وصاحب رحلهم، واسمه الايهم، وأبو حارثة بن علقمة الاسقف، وهو حبرهم و إمامهم وصاحب مدارسهم، وله فيهم شرف ومنزلة، وكانت ملوك الروم قد بنوا له الكنايس، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم من علمه واجتهاده في دينهم، فلما وجهوا إلى رسول الله جلس أبو حارثة على بغله وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز أو بشر بن علقمة (1) يسايره، إذا عثرت بغلة أبي حارثة، فقال كرز: تعس الابعد يعني رسول الله صلى الله عليه اله، وقال له أبو حارثة: بل أنت تعست، قال: له ولم يا أخ ؟ فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر (2) فقال كرز: فما يمنعك أن تتبعه ؟ فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى، فأضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم، ثم مر يضرب راحلته ويقول: إليك تغدو (3) قلقا وضينها * معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها. فلما قدم على النبي صلى الله عليه واله أسلم، قال: فقدموا على رسول الله وقت العصر وفي لباسهم الديباج وثياب الحيرة (4) على هيئة لم يقدم بها أحد من العرب، فقال أبو بكر: بأبي أنت وامي يا رسول الله، لو لبست حلتك التي أهداها لك قيصر


(1) تقدم في الحديث الاول ان اسمه المنذر بن علقمة. (2) في المصدر: كنا ننتظره. (3) في المصدر في طبعه الاول: تعدو. (4) الحبرة خ ظ. أقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع ثانيا.

[337]

فرأوك فيها، قال: ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه واله فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام ولم يكلمهم فانطلقوا يبتغون (1) عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف وكانا معرفة لهم، فوجدوهما في مجلس من المهاجرين فقالوا: إن نبيكم كتب إلينا بكتاب (2) فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلمنا (3) عليه فلم يرد سلامنا ولم يكلمنا، فما الرأي ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ قال: أري أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم (4) ثم يعودون إليه، ففعلوا ذلك فسلموا فرد سلامهم (5) ثم قال: والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الاولى وإن إبليس لمعهم، ثم ساءلوه ودارسوه يومهم، وقال الاسقف: ما تقول في السيد المسيح يا محمد ؟ قال: هو عبد الله ورسوله، قال: بل هو كذا وكذا، فقال عليه السلام: بل هو كذا وكذا فترادا، فنزل على رسول الله من صدر سورة آل عمران نحو من سبعين آية يتبع بعضها بعضا وفيما أنزل الله: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " إلى قوله: " على الكاذبين (6) " فقالوا للنبي صلى الله عليه واله: نباهلك غدا: وقال أبو حارثة لاصحابه: انظروا فإن كان محمد غدا بولده (7) وأهل بيته فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه وأتباعه فباهلوه.


(1) في المصدر: يتتبعون. (2) نص على كتابه - صلى الله عليه وآله - إليهم جماعة منهم ابن كثير في البداية و النهاية 5: 53 واليعقوبي في تاريخ 2: 65، والفاظه على نقل الاول: " باسم إله إبراهيم واسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى اسقف نجران، اسلم انتم فانى احمد اليكم اله إبراهيم واسحاق ويعقوب، اما بعد فانى ادعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، وان ابيتم فالجزية، فان ابيتم آذنتكم بحرب والسلام " و على نقل الثاني: " بسم الله من محمد رسول الله إلى اسقفة نجران بسم الله فانى احمد اليكم اله ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب، اما بعد ذلكم " ثم ذكر مثله الا انه قال: " فان ابيتم " ثم قال: وان ابيتم. (3) في المصدر: وسلمنا. (4) وكانت خواتيمهم من ذهب. (5) في المصدر: فرد عليهم سلامهم. (6) آل عمران: 59 - 61. (7) في المصدر: فان كان محمد غدا يباهلكم بولده.

[338]

قال أبان: حدثني الحسين بن دينار، عن الحسن البصري قال: غدا رسول الله آخذا بيد الحسن والحسين تتبعه فاطمة، وبين يديه علي، وغدا العاقب والسيد بابنين على أحدهما درتان كأنهما بيضتا حمام، فحفوا بأبي حارثة، فقال أبو حارثة: من هؤلاء معه ؟ قالوا: هذا ابن عمه زوج ابنته، وهذان ابنا ابنته، وهذه بنته أعز الناس عليه وأقربهم إلى قلبه، وتقدم رسول الله صلى الله عليه واله فجثا على ركبتيه، فقال أبو حارثة: جثا والله كما جثا الانبياء للمباهلة فكع ولم يقدم على المباهلة، فقال له السيد: ادن يابا حارثة للمباهلة، فقال: لا، إني لارى رجلا جريئا على المباهلة وأنا أخاف أن يكون صادقا فلا يحول والله علينا الحول وفي الدنيا نصراني يطعم الماء، قال: وكان نزل العذاب من السماء لو باهلوه، فقالوا: يا أبا القاسم إنا لا نباهلك ولكن نصالحك. فصالحهم رسول الله على ألفي حلة من حلل الاواقي قيمة كل حلة أربعون درهما جيادا، وكتب لهم بذلك كتابا (1)، وقال لابي حارثة الاسقف: لكأنني بك قد ذهبت إلى رحلك وأنت وسنان (2) فجعلت مقدمه مؤخره فلما رجع قام يرحل راحلته فجعل رحله مقلوبا فقال: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه واله (3).


(1) نص الكتاب على ما في تاريخ اليعقوبي 2: 67: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من النبي محمد رسول الله لنجران وحاشيتها إذ كان له عليهم حكمه في كل بيضاء وصفراء وثمرة ورقيق كان افضل ذلك كله لهم غير الفى حلة من حلل الاواقى قيمة كل حلة اربعون درهما فما زاد أو نقص فعلى هذا الحساب، الف في صفر والف في رجب، وعليهم ثلاثون دينارا مثواة رسلي فما فوق، وعليهم في كل حرب كانت باليمن دروع عارية مضمونة لهم بذلك جوار الله وذمة محمد، فمن اكل الربا منهم بعد عامهم هذا فذمتي منه بريئة - فقال العاقب: يا رسول الله انا نخاف ان تأخذنا بجناية غيرنا. فكتب: ولا يؤخذ بجناية غيره - شهد على ذلك عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، وكتب على بن ابى طالب " واوعز المقريزى في الامتاع: 502 إلى ذلك الكتاب فقال وصالحوا على الفى حلة ثمن حلة اربعون درهما، وعلى ان يضيفوا رسل رسول الله صلى الله عليه وآله وجعل لهم ذمة الله وعهده على الايفتنوا عن دينهم ولا يعشروا ولا يحشروا ولا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به. (2) أي في حال أخذ النوم والنعاس. (3) اعلام الورى: 78 و 79 (ط 1) و 135 - 137 ط 2.

[339]

بيان: يقال: فلان ثمال قومه بالكسر، أي غياث لهم يقوم بأمرهم. التعس: الهلاك، والعثار، والسقوط، والشر، والبعد، والانحطاط، والفعل كمنع و سمع، فإذا خاطبت قلت تعست، كمنع، وإذا حكيت قلت: تعس كسمع. و الابعد: الخائن والمتباعد عن الخير. وقال الجزري: في حديث علي عليه السلام: " إنك لقلق الوضين " القلق: الانزعاج. والوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرحل على البعير، كالحزام للسرج، أراد أنه سريع الحركة يصفه بالخفة وقلة الثبات كالحزام إذا كان رخوا، ومنه حديث ابن عمر: إليك تعدو قلقا وضينها * مخالفا دين النصارى دينها أراد أنها هزلت ودقت للسير عليها، وقال: يقال: كع الرجل عن الامر: إذا جبن عنه وأحجم. 3 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن محمد بن أحمد بن الحسين (1) عن أبيه عن هاشم بن المنذر، عن الحارث بن الحصين، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد عن علي عليه السلام قال: خرج رسول الله صلى الله عليه واله حين خرج لمباهلة النصارى بي وبفاطمة والحسن والحسين، رضوان الله عليهم (2). 4 - ما: أبو عمرو وابن الصلت معا، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى (3) عن يعقوب بن يوسف الضبي، عن محمد بن إسحاق بن عمار، عن هلال بن أيوب عن عبد الكريم، عن أبي امية، عن مجاهد قال: قلت لابن عباس: من الذين أراد رسول الله صلى الله عليه واله أن يباهل بهم ؟ قال: علي وفاطمة والحسن والحسين والانفس النبي صلى الله عليه واله وعلي عليه السلام (4). 5 - ما: محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، عن أحمد بن محمد الصائغ، عن محمد بن


(1) في المصدر: " محمد بن احمد بن الحسن " ويظهر من ص 158 انه القطوانى. (2) امالي الطوسى: 162 و 163. (3) الاسناد في المصدر يخلو عن ابن الصلت وعن احمد بن يحيى. (4) امالي الطوسى: 170.

[340]

إسحاق السراج، عن قتيبة بن سعيد، عن حاتم، عن بكير بن يسار، عن عامر بن سعد عن أبيه قال (1): لما نزلت هذه الآية: " ندع أبناءنا وأبناءكم " دعى رسول الله صلى الله عليه واله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم السلام وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي الخبر. (2) أقول: قد مر فيما احتج به الرضا عليه السلام في مجلس المأمون في فضل العترة الاحتجاج بالمباهلة. 6 - فس: أبي، عن النضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام أن نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله وكان سيدهم الاهتم (3) والعاقب والسيد، وحضرت صلواتهم فأقبلوا يضربون بالناقوس وصلوا، فقال أصحاب رسول الله: يا رسول الله هذا في مسجدك ؟ فقال: دعوهم، فلما فرغوا دنوا من رسول الله فقالوا: إلى ما تدعو (4) ؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله صلى الله عليه واله، وأن عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث قالوا: فمن أبوه ؟ فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: قل لهم: ما يقولون (5) في آدم ؟ أكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب ويحدث وينكح ؟ فسألهم النبي صلى الله عليه واله فقالوا: نعم، فقال: فمن أبوه ؟ فبقوا (6) ساكتين، فأنزل الله: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم " الآية إلى قوله: " فنجعل لعنة الله على الكاذبين (7) " فقال رسول الله صلى الله عليه واله: فباهلوني، إن كنت صادقا انزلت اللعنة عليكم، وإن كنت كاذبا انزلت علي (8) فقالوا: أنصفت، فتواعدوا


(1) في المصدر: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلى عليه السلام: ثلاث تكون لى واحدة منهن احب إلى من حمر النعم. ثم ذكر حديث المنزلة وحديث الراية. على ما يأتي في كتاب فضائله. (2) امالي الطوسى: 193 وفيه: هؤلاء اهلي. (3) في الاصابة في ترجمة السيد وفى اعلام الورى كما تقدم ان اسمه الايهم وزان جعفر. (4) في المصدر: إلى ما تدعونا ؟ (5) في المصدر: ما تقولون. (6) فبهتوا خ ل. أقول: في المصدر: فبهتوا فانزل الله. (7) آل عمران: 59 - 61. (8) في المصدر: فان كنت صادقا نزلت اللعنة عليكم وان كنت كاذبا نزلت على.

[341]

للمباهلة (1) فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم: السيد والعاقب والاهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه، فإنه ليس بنبي وإن باهلنا بأهل بيته خاصة فلا نباهله فإنه لا يقدم على أهل بيته إلا وهو صادق، فلما أصبحوا جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه واله ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال النصارى: من هؤلاء ؟ فقيل لهم: هذا ابن عمه ووصيه وختنه (2) علي بن أبي طالب، وهذه ابنته (3) فاطمة وهذان ابناه الحسن والحسين، ففرقوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه واله: نعطيك الرضا فاعفنا عن المباهلة، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه واله على الجرية وانصرفوا (4). 7 - يج: روي أنه لما قدم وفد نجران دعا النبي صلى الله عليه واله العاقب والطيب (5) رئيسيهم إلى الاسلام، فقالا: أسلمنا قبلك، فقال: كذبتما يمنعكما من ذلك حب الصليب وشرب الخمر، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يغادياه، فغدا رسول الله صلى الله عليه واله ولقد أخذ بيد علي والحسن والحسين وفاطمة، فقالا: أتى بخواصه واثقا بديانتهم فأبوا الملاعنة، فقال صلى الله عليه واله: لو فعلا لامطر الوادي عليهم (6) نارا 8 - شى: عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن فضائله، فذكر بعضها (7) ثم قالوا له: زدنا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله أتاه حبران من أحبار النصارى من أهل نجران فتكلما في أمر عيسى، فأنزل الله هذه الآية: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم (8) " إلى آخر الآية، فدخل رسول الله صلى الله عليه واله فأخذ بيد علي والحسن والحسين وفاطمة ثم خرج ورفع كفه إلى السماء وفرج بين أصابعه ودعاهم إلى المباهلة.


(1) المباهلة خ ل: (2) وحبيبه خ ل. (3) في المصدر: " بنته " وفيه: " فعرفوا " وفيه: من المباهلة. (4) تفسير القمى: 94. (5) لعله مصحف السيد. (6) عليهما خ ل. أقول: لم نجد الحديث في الخرائج. (7) أي ذكر أبو عبد الله عليه السلام بعضها. (8) آل عمران: 59.

[342]

قال: وقال أبو جعفر عليه السلام: وكذلك المباهلة يشبك يده في يده يرفعهما إلى السماء. فلما رآه الحبران قال أحدهما لصاحبه: والله لئن كان نبيا لنهلكن وإن كان غير نبي كفانا قومه، فكفا وانصرفا (1). 9 - شى: عن محمد بن سعيد الاردني (2) عن موسى بن محمد بن الرضا، عن أخيه أبي الحسن عليهم السلام أنه قال في هذه الآية: " قل (3) تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (4) " ولو قال: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم لم يكونوا يجيبون للمباهلة، وقد علم أن نبيه مؤد عنه رسالاته وما هو من الكاذبين (5). 10 - شى: عن المنذر قال: حدثنا علي عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية: " تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم " الآية. قال: أخذ بيد علي وفاطمة وابنيهما (6) عليهم السلام فقال رجل من اليهود: (7) لا تفعلوا فتصيبكم عنت، فلم يدعوه (8). 11 - شى: عن عامر بن سعد قال: قال معاوية لابي: ما يمنعك أن تسب أبا تراب ؟ قال: لثلاث رويتهن (9) عن النبي صلى الله عليه واله: لما نزلت آية المباهلة: " تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم " الآية أخذ رسول الله بيد علي وفاطمة والحسن و الحسين عليهم السلام قال: هؤلاء أهلي (10). 12 - قب: تفسير ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير والكلبي والحسن وأبي صالح والقزويني والمغربي والوالبي، وفي صحيح مسلم، وشرف الخركوشي


(1) تفسير العياشي 1: 175 و 176. (2) في نسخة من المصدر: الازدي. (3) الصحيح: فقل. (4) آل عمران: 61. (5) تفسير العياشي 1: 176. أقول: راجع البحار: ج 10 ص 388 تجد الحديث مشروحا (6) وابنيها خ ل. (7) في نسخة من المصدر، من النصارى. (8) فلم يلاعنوه خ ل. أقول: في المصدر: " فلم يراعوه " راجع التفسير: ج 1 ص 177. (9) رأيتهن خ ل. أقول: وباقيها حديث المنزلة والراية وسياتى قريبا. (10) تفسير العياشي: 1: 177.

[343]

واعتقاد الاشهني في قوله تعالى: " ونساءنا ونساءكم " كانت فاطمة عليها السلام فقط، و هو المروي عن الصادق وسائر أهل البيت عليهم السلام (1). 13 - قب: حديث المباهلة رواه الترمذي في جامعه وقال: هذا حديث حسن صحيح، وذكر مسلم أن معاوية أمر سعد بن أبي وقاص أن يسب أبا تراب فذكر قول النبي صلى الله عليه واله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، الخبر، و قوله: لاعطين الراية غدا رجلا، الخبر، وقوله تعالى: ندع أبناءنا وأبناءكم القصة. وقد رواه أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: لعلي ثلاث فلان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم ثم روى الخبر بعينه. وفي اخرى لمسلم: قال سعد بن أبي وقاص: لما نزلت قوله تعالى: " قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم " دعا رسول الله صلى الله عليه واله عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام وقال: اللهم هؤلاء أهلي. أبو نعيم الاصفهاني فيما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال الشعبي: قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله وعلي وأبناءنا الحسن والحسين ونساءنا فاطمة. وروى الواحدي في أسباب نزول القرآن بإسناده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وروى ابن البيع في معرفة علوم الحديث عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس، وروى مسلم في الصحيح، والترمذي في الجامع، وأحمد بن حنبل في المسند وفي الفضائل أيضا، وابن بطة في الابانة، وابن ماجة القزويني في السنن والاشنهي في اعتقاد أهل السنة، والخركوشي في شرف النبي، وقد رواه محمد بن إسحاق وقتيبة بن سعيد والحسن البصري ومحمود الزمخشري وابن جرير الطبري والقاضي أبو يوسف والقاضي المعتمد أبو العباس، وروي عن ابن عباس وسعيد


(1) مناقب ال ابى طالب 3: 102.

[344]

ابن جبير ومجاهد وقتادة والحسن وأبي صالح والشعبي والكلبي ومحمد بن جعفر ابن زبير، وأسند أبو الفرج الاصفهاني في الاغاني عن شهر بن حوشب وعن عمر بن علي وعن الكلبي وعن أبي صالح وابن عباس وعن الشعبي وعن الثمالي وعن شريك وعن جابر وعن أبي رافع وعن الصادق وعن الباقر وعن أمير المؤمنين عليهم السلام، وقد اجتمعت الامامية والزيدية مع اختلاف رواياتهم على ذلك، ومجمع الحديث من الطرق جميعا أن وفد نجران كانوا أربعين رجلا، و فيهم السيد والعاقب وقيس والحارث وعبد المسيح بن يونان اسقف نجران فقال الاسقف: يا أبا القاسم موسى من أبوه ؟ قال: عمران، قال: فيوسف من أبوه ؟ قال: يعقوب، قال: فأنت من أبوك ؟ قال: أبي عبد الله بن عبد المطلب، قال: فعيسى من أبوه ؟ فأعرض النبي صلى الله عليه وآله عنهم، فنزل: " إن مثل عيسى عند الله " الآية، فتلاها رسول الله فغشي عليه، فلما أفاق قال: أتزعم أن الله أوحى إليك أن عيسى خلق من تراب ؟ ما نجد هذا فيما اوحي إليك، ولا نجده فيما اوحي إلينا، ولا يجده هؤلاء اليهود فيما اوحي إليهم، فنزل: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم " الآية، قالوا: أنصفتنا يا أبا القاسم فمتى نباهلك ؟ فقال: بالغداة إنشاء الله، وانصرف النصارى فقال السيد لابي الحارث: ما تصنعون بمباهلته ؟ إن كان (1) كاذبا ما نصنع بمباهلته شيئا، وإن كان صادقا لنهلكن، فقال الاسقف: إن غدا فجاء بولده وأهل بيته فاحذروا مباهلته، و إن غدا بأصحابه فليس بشئ، فغدا رسول الله صلى الله عليه واله محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وفي رواية: آخذا بيد علي، والحسن و الحسين بين يديه، وفاطمة تتبعه، ثم جثابر كبتيه، وجعل عليا عليه السلام أمامه بين يديه، وفاطمة بين كتفيه، والحسن عن يمينه، والحسين عن يساره، وهو يقول لهم: إذا دعوت فأمنوا، فقال الاسقف: جثا والله محمد كما يجثو الانبياء للمباهلة، و


(1) في المصدر: فقال السيد للحارث ما تصنعون بمباهلته ؟ قال: ان كان.

[345]

خافوا، فقالوا: يا أبا القاسم أقلنا أقال الله عثرتك، فقال: نعم قد أقلتكم، فصالحوه على ألفي حلة وثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين جملا، ولم يلبث السيد و العاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه واله وأسلما، وأهدى العاقب له حلة و عصا وقدحا ونعلين. وروي أنه قال النبي صلى الله عليه واله: والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران، ولو لا عنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضرم عليهم الوادي نارا، و لاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا. وفي رواية: لو باهلتموني بمن تحت الكساء لاضرم الله عليكم نارا تتأجج ثم ساقها إلى من وراءكم في أسرع من طرفة العين، فأحرقتهم تأججا. وفي رواية: لو لاعنوني لفلعت دار كل نصراني في الدنيا. وفي رواية: أما والذي نفسي بيده لو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم منهم بشر، وكانت المباهلة يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة، وروي يوم الخامس والعشرين (1) والاول أظهر (2). 14 - ضه: قال ابن عباس في قوله تعالى: " قل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم " قال: وفد وفد نجران على نبي الله وفيهم السيد والعاقب وأبو الحارث وهو عبد المسيح بن يومان (3) اسقف نجران سادة أهل نجران فقالوا: لم تذكر صاحبنا ؟ قال: ومن صاحبكم ؟ قالوا: عيسى بن مريم. تزعم أنه عبد الله، قال: أجل هو عبد الله، قالوا: فأرنا فيمن خلق الله عبدا مثله فأعرض النبي صلى الله عليه وآله عنهم فنزل جبرئيل عليه السلام بقوله تعالى: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " إلى قوله: " فنجعل لعنة الله على الكاذبين "


(1) من سنة العشر. (2) مناقب آل ابى طالب 3: 142 - 144. والايات تقدمت الاشارة إلى موضعها في صدر الباب وغيره. (3) في المصدر: نونان.

[346]

فقال لهم: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، قالوا: نعم نلاعنك، فخرج رسول الله صلى الله عليه واله فأخذ بيد علي ومعه فاطمة والحسن والحسين، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: هؤلاء أبناؤنا ونساؤنا وأنفسنا فهموا أن يلاعنوه، ثم إن السيد قال لابي الحارث والعاقب: ما تصنعون بملاعنة هذا ؟ ان كان (1) كاذبا ما نصنع بملاعنته شيئا، وإن كان صادقا لنهلكن، فصالحوه على الجزية، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أما والذى نفسي بيده لو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم بشر، قال الصادق عليه السلام: إن الاسقف قال لهم: إن غدا فجاء بولده وأهل بيته فاحذروا مباهلته، وإن غدا (2) بأصحابه فليس بشئ، فغدا رسول الله صلى الله عليه واله آخذا بيد علي والحسن والحسين بين يديه وفاطمة تتبعه، وتقدم رسول الله صلى الله عليه واله فجثا لركبتيه، فقال الاسقف: جثا والله محمد كما يجثو الانبياء للمباهلة وكاع عن التقدم، وقال رسول الله صلى الله عليه واله: لو لاعنوني يعني النصارى لقطعت دابر كل نصراني في الدنيا (3). 15 - فر: الحسين بن سعيد معنعنا عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: " أبناءنا وأبناءكم " الحسن والحسين " وأنفسنا وأنفسكم " رسول الله صلى الله عليه واله وعلي بن أبي طالب عليه السلام " ونساءنا ونساءكم " فاطمة الزهراء عليها السلام (4). 16 - فر: جعفر بن محمد بن سعيد الاحمسي معنعنا عن أبي رافع قال: قال: مر صهيب مع أهل نجران (5)، فذكر لرسول الله صلى الله عليه واله ما خاصموه به من أمر عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وأنهم دعوه ولد الله، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه واله فخاصمهم وخاصموه فقال: " تعالوا (6) ندع أبناءنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم " إلى آخر الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه واله عليا فأخذ بيده فتوكأ عليه ومعه ابناه الحسن والحسين عليهما السلام وفاطمة عليها السلام خلفهم فلما رأى النصارى (7)


(1) في المصدر: لانه ان كان. (2) في المصدر: وان جاء باصحابه. (3) روضة الواعظين: 141. (4) تفسير فرات: 14. (5) في المصدر: قال: قد مر صهيب باهل نجران. (6) في المصدر: فقال: قل تعالوا. (7) في المصدر: فلما رأى النصارى ذلك.

[347]

أشار عليهم رجل منهم فقال: ما أرى لكم تلاعنوه (1)، فإن كان نبيا هلكتم، ولكن صالحوه، قال فصالحوه، قال رسول الله صلى الله عليه واله: لو لاعنوني ما وجد لهم أهل ولا ولد ولا مال (2). 17 - فر: الحسين بن سعيد وأحمد بن الحسن معنعنا عن الشعبي قال: جاء العاقب والسيد النجرانيان إلى رسول الله صلى الله عليه واله فدعاهم (3) إلى الاسلام، فقالا: إننا مسلمان، فقال: إنه يمنعكما من الاسلام ثلاث: أكل الخنزير (4)، وتعليق الصليب، وقولكم في عيسى بن مريم، فقالا: ومن أين عيسى (5) ؟ فسكت فنزل القرآن: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " إلى آخر القصة (6) فنبتهل " فنجعل لعنة الله على الكاذبين " فقالا: فنباهلك، فتواعدوا لغد، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فوالله لئن كان نبيا كان لا ترجع إلى أهلك ولك (7) على وجه الارض أهل ولا مال، فلما أصبح النبي صلى الله عليه واله أخذ بيد علي والحسن والحسين وقدمهم وجعل فاطمة وراءهم، ثم قال لهما: تعاليا فهذا أبناؤنا: الحسن والحسين، وهذا نساؤنا فاطمة وأنفسنا: علي فقالا: لا نلاعنك (8). 17 - فر: أحمد بن جعفر معنعنا عن علي عليه السلام قال: لما قدم وفد نجران على النبي صلى الله عليه واله قدم فيهم ثلاثة من النصارى من كبارهم: العاقب ومحسن (9) والاسقف فجاؤا إلى اليهود وهم في بيت المدارس فصاحوا بهم يا إخوة القردة والخنازير، هذا الرجل بين ظهرانيكم قد غلبكم انزلوا إلينا، فنزل إليهم منصور اليهودي وكعب بن الاشرف اليهودي (10)، فقالوا لهم: احضروا غدا نمتحنه، قال: وكان النبي صلى الله عليه واله إذا صلى الصبح قال: ههنا من الممتحنة أحد ؟ فان وجد أحدا أجابه وإن لم يجد


(1) في المصدر: ان تلاعنوه. (2) تفسير فرات: 15. (3) في المصدر: فدعاهما. (4) في المصدر اكل لحم الخنزير. (5) في المصدر: ومن أبو عيسى. (6) في المصدر: إلى آخر الايات. (7) في المصدر: ولا لك. (8) تفسير فرات: 16 وفيه: وهذا انفسنا. (9) في المصدر: وقيس. (10) ذلك يخالف ما روى ان كعب بن الاشرف قتل في السنة الثالثة، أو بعده بقليل.

[348]

أحدا قرأ على أصحابه ما نزل عليه في تلك الليلة فلما صلى الصبح جلسوا بين يديه فقال له الاسقف: يا أبا القاسم فذاك موسى من أبوه ؟ قال: عمران، قال: فيوسف من أبوه ؟ قال: يعقوب، قال: فأنت فداك أبي وامى من أبوك ؟ قال: عبد الله بن عبد المطلب قال: فعيسى من أبوه ؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه واله، وكان رسول الله صلى الله عليه واله وما احتاج إلى (1) شئ من المنطق فينقض عليه جبرئيل عليه السلام من السماء السابعة فيصل له منطقه في أسرع من طرفة العين، فذاك قول الله تعالى: " وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (2) " قال: فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: هو روح الله وكلمته، فقال له الاسقف: يكون روح بلا جسد ؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه واله، قال: فأوحي إليه: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " قال فنزا الاسقف نزوة إعظاما لعيسى أن يقال له، من تراب. ثم قال: ما نجد هذا يا محمد في التوراة ولا في الانجيل ولا في الزبور، ولا تجد هذا عندك (3)، قال: فأوحى الله إليه: " قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم " فقالوا: أنصفتنا يا أبا القاسم، فمتى موعدك ؟ قال: بالغداة إنشاء الله، قال: فانصرف وهم يقولون: لا إله إلا الله ما نبالي أيهما أهلك الله: النصرانية والحنيفية (4) إذا هلكوا غدا ؟ قال علي بن أبي طالب عليه السلام: فلما صلى النبي صلى الله عليه واله الصبح أخذ بيدي فجعلني بين يديه، وأخذ فاطمة عليها السلام فجعلها خلف ظهره، وأخذ الحسن و الحسين عن يمينه وعن شماله (5)، ثم برك لهم باركا، فلما رأوه قد فعل ذلك ندموا وتؤامروا فيما بينهم وقالوا: والله إنه لنبي، ولئن باهلنا ليستجيبن (6) الله له علينا فيهلكنا ولا ينجينا شئ منه إلا أن نستقيله، قال: فأقبلوا حتى جلسوا (7) بين


(1) في المصدر: ربما احتاج شيئا. (2) القمر: 5. (3) في المصدر: ولا تجد هذا الا عندك. (4) في المصدر: أو الحنفية. (5) في المصدر: فجعلهما عن يمينه وعن يساره. (6) في المصدر: ليستجيب الله. (7) في المصدر: قال: فاقبلوا يسترون في خشب كان في المسجد حتى جلسوا. (*)

[349]

يديه، ثم قالوا: يا أبا القاسم أقلنا، قال: نعم قد أقلتكم، أما والذي بعثني بالحق لو باهلتكم ما ترك الله على ظهر الارض نصرانية إلا أهلكه (1). 18 - فر: أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن صبيح معنعنا عن شهر بن حوشب قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه واله عبد المسيح بن أبقى ومعه العاقب وقيس أخوه، ومعه حارث (2) بن عبد المسيح، وهو غلام، ومعه أربعون حبرا، فقال: يا محمد كيف تقول في المسيح ؟ فوالله إنا لننكر (3) ما تقول، قال: فأوحى الله تعالى إليه " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " فقال إجلالا له (4) مما يقول: بل هو الله، فأنزل الله: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع " إلى آخر الآية، فلما سمع ذكر الابناء غضب غضبا شديدا و دعا الحسن والحسين وعليا وفاطمة عليهم السلام فأقام الحسن عن يمينه، والحسين عن يساره، وعلي إلى صدره، وفاطمة إلى ورائه فقال: هؤلاء أبناؤنا ونساؤنا وأنفسنا فائتيا لهم بأكفاء، قال: فوثب العاقب فقال: اذكرك الله أن تلا عن هذا الرجل، فو الله إن كان كاذبا مالك في ملاعنته خير، وإن كان (5) صادقا لا يحول الحول ومنكم نافخ ضرمة، قال: فصالحوه كل الصلح (6). بيان: قال الجزري في حديث علي: ود معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة، أي أحد، لان النار ينفخها الصغير والكبير والذكر والانثى. 19 - فر: أحمد بن يحيى معنعنا عن الشعبي قال: لما نزلت الآية (7): " قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم " أخذ رسول الله صلى الله عليه واله بيد الحسن والحسين (8) وتبعتهم فاطمة، قال: فقال: هذه أبناؤنا


(1) تفسير فرات: 16 و 17. (2) في المصدر: الحارث. (3) في المصدر: لنتنكر. (4) في المصدر: قال نخر نخرة وقال: اجلالا له. (5) في المصدر: ان لا تلا عن هذا الرجل فوالله لان كان كاذبا فما لك في ملاعنته خير، و لان كان. (6) تفسير فرات: 17 زاد في آخره: ورجعوا عنه. (7) خلى المصدر عن " الاية ". (8) في المصدر: اخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتكأ على على والحسن والحسين.

[350]

وهذه نساؤنا وهذه أنفسنا (1) عليهم السلام فقال رجل لشريك (2): يا أبا عبد الله " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى (3) " إلى آخر الآية، قال: يلعنهم كل شئ حتى الخنافس في جحرها، ثم غضب شريك واستشاط فقال: يا معافا، فقال له رجل يقال له: ابن المقعد: يا أبا عبد الله إنه لم يعنك، فقال: أنت له أنفع، إنما أرادني تركت ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام (4). 20 - أقول: قال السيد بن طاوس رحمه الله في كتاب سعد السعود: رأيت في كتاب تفسير ما نزل من القرآن في النبي صلى الله عليه واله وأهل بيته تأليف محمد بن العباس بن مروان أنه روى خبر المباهلة من أحد وخمسين طريقا عمن سماه من الصحابة وغيرهم، رواه عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وعن جرير بن عبد الله السجستاني وعن أبي قيس المدني، وعن أبي أويس (5) المدني، وعن الحسن بن مولانا علي عليهما السلام، وعن عثمان بن عفان، وعن سعد بن أبي وقاص، وعن بكر بن سمال. وعن طلحة بن عبد الله، وعن الزبير بن العوام، وعن عبد الرحمن بن عوف، وعن عبد الله بن العباس، وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه واله، وعن جابر بن عبد الله وعن البراء بن عازب، وعن أنس بن مالك، وعن المنكدر بن عبد الله، عن أبيه وعن علي بن الحسين عليهما السلام، وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهما السلام وعن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام وعن الحسن البصري، وعن قتادة، وعن علباء بن أحمر، وعن عامر بن شراحيل الشعبي، وعن يحيى بن يعمر، وعن مجاهد، وعن شهر بن حوشب، ونحن نذكر حديثا واحدا فإنه أجمع وهو من أول الوجهة الاولة من القائمة السادسة من الجزء الثاني بلفظه (6): المنكدر بن عبد الله، عن أبيه، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن سعيد البزاز قال: حدثنا محمد بن الفيض


(1) في المصدر: هؤلاء ابناؤنا وهذه نساؤنا وهذا انفسنا. (2) فيه وهم، اما اسقط شريك عن الاسناد، واما اسقط هو وحديثه عن البين. (3) البقرة: 159. (4) تفسير فرات: 27. (5) في المصدر: عن ابى ادريس المدنى. (6) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح بلفظة المنكدر.

[351]

بن فياض أبو الحسن بدمشق، قال: حدثني عبد الرزاق بن همام الصنعاني، قال حدثنا عمر بن راشد، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، عن أبيه (1) قال لما قدم السيد والعاقب اسقفا نجران في سبعين راكبا وفدا (2) على النبي صلى الله عليه واله كنت معهم وكرز (3) يسير - وكرز صاحب نفقاتهم - فعثرت بغلته فقال: تعس من نأتيه (4)، يريد بذلك النبي صلى الله عليه واله فقال له صاحبه وهو العاقب: بل تعست وانتكست، فقال: ولم ذاك ؟ فقال: لانك أتعست النبي الامي أحمد، قال: وما علمك بذلك ؟ قال: أما تقرأ المصباح (5) الرابع من الوحي إلى المسيح: أن قل لبني إسرائيل ما أجهلكم تتطيبون بالطيب لتطيبوا به في الدنيا عند أهلها (6) وأهلكم وأجوافكم عندي جيف (7) الميتة، يا بني إسرائيل آمنوا برسولي النبي الامي الذي يكون في آخر الزمان صاحب الوجه الاقمر، والجمل الاحمر المشرب بالنور، ذي الجناب (8) الحسن، والثياب الخشن، سيد الماضين عندي، وأكرم الباقين علي، المستن بسنتي والصابر في ذات نفسي (9)، والمجاهد بيده المشركين من أجلي، فبشر به بني إسرائيل، ومر بني إسرائيل أن يعزروه وينصروه، قال عيسى: قدوس، من هذا العبد الصالح الذي قد أحبه قلبي ولم تره عيني ؟ قال: هو منك وأنت منه، وهو صهرك على امك، قليل الاولاد، كثير الازواج، يسكن مكة من موضع أساس


(1) في المصدر: عن ابيه عن جده. (2) في الاختصاص: وافدا. (3) في الاختصاص: فبينا كرز يسير. (4) في الاختصاص: إذ عثرت بغلته فقال: تعس من نأتية الابعد. (5) المفتاح خ ل. أقول: يوجد ذلك في نسخة من الاختصاص. (6) وعند اهلها خ ل. (7) كجيفة الميتة خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاختصاص. وفى المصدر: جيف كجيفة الميتة (8) الثبات خ ل. " النيات خ ل " اقول: في المصدر: الثبات. (9) جنبى خ ل. أقول: في المصدر: " والصابر في ذات نفسي دار جنتي " وفى الاختصاص والصائر دارجتى.

[352]

وطئ (1) إبراهيم عليه السلام نسله من مباركة وهي ضرة أمك في الجنة، له شأن من الشأن، تنام عيناه ولا ينام قلبه، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة (2)، له حوض من شفير زمزم إلى معرب (3) الشمس حيث يعرف، فيه شرابان (4) من الرحيق والتسنيم، فيه أكاويب عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لا يظمأ بعده أبدا وذلك بتفضيلي إياه على سائر المرسلين، يوافق قوله فعله وسريرته علانيته، فطوباه وطوبى (5) امته، الذين على ملته يحيون، وعلى سنته يموتون، ومع أهل بيته يميلون آمنين مؤمنين مطمئنين مباركين، يكون (6) في زمن قحط وجدب فيدعوني فيرخي السماء عزاليها (7) حتى يرى أثر بركاتها في أكنافها، وابارك فيما يصنع يده فيه، قال: إلهي سمه، قال: نعم هو أحمد، وهو محمد رسولي إلى الخلق كافة أقربهم مني منزلة، وأخصهم مني شفاعة (8)، لا يأمر إلا بما احب، ولا ينهى إلا عما أكره. قال له صاحبه: فأني (9) تقدم بنا على من هذه صفته قال: نشهد أقواله (10) وننظر آياته (11)، فإن يكن هو هو ساعدناه بالمسالمة ونكفه بأموالنا عن أهل ديننا من حيث لا يشعر بنا، وإن يكن كذابا (12) كفيناه بكذبه على الله، قال


(1) وطن خ ل. (2) في المصدر والاختصاص: ولا يقمل الصدقة. (3) إلى مغيب الشمس حيث يغرب خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاختصاص وفى المصدر: حيث يغرف. وذكر في هامش نسخة المصنف ايضا: يؤب خ ل. (4) ميزابان خ ل. (5) فطوبى له وطوبى لامته خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاختصاص. (6) يظهر خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر والاختصاص. (7) عزالى جمع العزلاء: مصب الماء من القربة ونحوها. (8) واحضرهم عندي شفاعة خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاختصاص. (9) فأين خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر - فاين تعمد بنا خ. (10) نشهد احواله خ ل أقول: يوجد ذلك في الاختصاص. (11) أيامه خ ل. (12) كاذبا خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاختصاص.

[353]

له صاحبه: ولم إذا رأيت العلامة (1) لا تتبعه ؟ قال: أما رأيت ما فعل بنا هؤلاء القوم ؟ كرمونا ومولونا ونصبوا لنا كنايسنا (2)، وأعلوا فيها ذكرنا، فكيف تطيب النفس بدين (3) يستوي فيه الشريف والوضيع ؟ فلما قدموا المدينة قال من يراهم (4) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله: ما رأينا وفدا من وفود العرب كانوا أجمل من هؤلاء، لهم شعور (5) وعليهم ثياب الحبر، وكان رسول الله صلى الله عليه واله متناء عن المسجد فحضرت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله تلقاء المشرق، فهم رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله بمنعهم (6)، فأقبل رسول الله صلى الله عليه واله فقال: دعوهم، فلما قضوا صلاتهم جلسوا إليه وناظروه فقالوا: يا أبا القاسم حاجنا في عيسى، فقال: عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فقال أحدهم بل هو ولده وثاني اثنين، وقال آخر بل ثالث ثلاثة: أب، وابن، وروح قدس، وقد سمعنا (7) في قرآن نزل عليك يقول: فعلنا، وجعلنا، وخلقنا، ولو كان واحدا لقال: خلقت وجعلت، وفعلت، فتغشى النبي صلى الله عليه واله الوحي ونزل على صدره سورة آل عمران (8) إلى قوله رأس الستين منها: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " الآية (9)، فقص عليهم رسول الله صلى الله عليه واله القصة وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: قد والله أتاكم بالفصل من خبر صاحبكم. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه واله: إن الله قد أمرني بمباهلتكم، إذا كان غدا باهلناك، فقال القوم بعضهم لبعض: حتى ننظر بمن يباهلنا غدا ؟ بكثرة أتباعه


(1) الحق خ ل. (2) الكنائس خ ل أقول: يوجد ذلك في الاختصاص. (3) تطيب النفس بالدخول في دين خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاختصاص. (4) في الاختصاص: من رآهم (5) شعوب خ ل. (6) في المصدر: يمنعهم. (7) في المصدر: والاختصاص: وقد سمعناه. (8) في المصدر والاختصاص: ونزل عليه صدر سورة آل عمران. (9) قوله: الاية زائد خلى عنه المصدر.

[354]

من أوباش الناس، أم بأهله (1) من أهل الصفوة والطهارة ؟ فإنهم وشيج الانبياء وموضع بهلهم (2) فلما كان من غد، غدا رسول الله صلى الله عليه واله بيمينه علي، وبيساره الحسن والحسين، ومن ورائهم فاطمة عليهم السلام عليهم الحلل (3) النجرانية، وعلى كتف رسول الله صلى الله عليه واله كساء قطواني (4) رقيق خشن ليس بكثيف ولا لين، فأمر بشجرتين فكسح ما بينهما ونشر الكساء عليهما وأدخلهم تحت الكساء وأدخل منكبه الايسر معهم تحت الكساء معتمدا على قوسه النبع، ورفع يده اليمنى إلى السماء للمباهلة وأشرف (5) الناس ينظرون، واصفر لون السيد والعاقب وزلزلا (6) حتى كاد أن يطيش عقولهما فقال أحدهما لصاحبه: أنباهله ؟ قال: أو ما علمت أنه ما باهل قوم قط نبيا فنشأ صغيرهم وبقي كبيرهم، ولكن أره أنك غير مكترث، وأعطه من المال والسلاح ما أراد، فإن الرجل محارب، وقل له، أبهؤلاء تباهلنا لئلا يرى أنه قد تقدمت معرفتنا بفضله وفضل أهل بيته، فلما رفع النبي صلى الله عليه واله يده إلى السماء للمباهلة قال أحدهما لصاحبه: أي رهبانية (7) ؟ دارك الرجل، فإنه إن فاه (8) ببهلة لم نرجع إلى أهل ولا مال، فقالا: يا أبا القاسم أبهؤلاء تباهلنا ؟ قال: نعم، هؤلاء أوجه من على وجه الارض بعدي إلى الله وجهة، وأقربهم إليه وسيلة، قال: فبصبصا يعني ارتعدا وكرا، وقالا له: يا أبا القاسم نعطيك ألف سيف، وألف درع، وألف حجفة (9) وألف دينار كل عام، على أن الدرع والسيف والحجف عندك إعارة حتى نأتي من وراءنا من قومنا فنعلمهم بالذي رأينا وشاهدنا، فيكون الامر على


(1) بالقلة خ ل. (2) في الاختصاص: وموضع نهلهم. (3) النمار خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاختصاص. (4) قرطق خ ل. قرطف خ ل. (5) واشرأب خ ل. أقول: يوجد ذلك في الاختصاص. (6) في الاختصاص: وكرا (7) استظهر المصنف في الهامش ان الصحيح: وارهباناه (8) في المصدر: ان فتح فاه ببهلة. (9) الحجفة بتقديم المهملة: الترس من جلد بلا خشب.

[355]

ملاء منهم فإما الاسلام وإما الجزية وإما المقاطعة في كل عام فقال النبي صلى الله عليه واله: قد قبلت منكما، أما والذي بعثني بالكرامة لو باهلتموني بمن تحت الكساء لاضرم الله عليكم الوادي نارا تأجج ثم ساقها (1) إلى من وراءكم في أسرع من طرف العين فحرقتهم (2) تأججا فهبط عليه جبرئيل الروح الامين فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: وعزتي وجلالي (3) لو باهلت بمن تحت الكساء أهل السماء وأهل الارض لتساقطت عليهم السماء كسفا متهافتة: ولتقطعت (4) الارضون زبرا سايحة (5) فلم يستقر عليها (6) بعد ذلك، فرفع النبي صلى الله عليه واله يديه حتى رئي بياض إبطيه ثم قال: على من ظلمكم حقكم وبخسني الاجر الذي افترضه الله عليهم فيكم بهلة الله تتابع إلى يوم القيامة (7). ختص: أبو بكر محمد بن إبراهيم العلاف الهمداني، عن عبد الله بن محمد بن جعفر ابن موسى بن شاذان البزاز، عن الحسين بن محمد بن سعيد البزاز وجعفر الدقاق عن محمد بن الفيض بن فياض الدمشقي، عن إبراهيم بن عبد الله ابن أخي عبد الرزاق عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني. عن معمر بن راشد، عن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جده مثله (8). بيان: قال في النهاية: الوشيج: هو ما التف من الشجر، والوشيجة: عرق الشجرة وليف يفتل ثم يشد به ما يحمل، والوشيج جمع وشيجة، وشجت العروق والاغصان: اشتبكت. وفي القاموس: الوشيج: اشتباك القرابة، والواشجة: الرحم المشتبكة، وقال:


(1) في الاختصاص: " حتى يساقها " وفى المصدر: ثم يساقها. (2) في المصدر: " فيحرقهم " وفى الاختصاص: فاحرقتهم تأججا (3) زاد في الاختصاص. وارتفاع مكاني. (4) ولقطعت خ ل. (5) في المصدر: سابحة. (6) في الاختصاص: فلم تستقر عليها. (7) سعد السعود: 91: 94 (8) الاختصاص: 112 - 116. فيه: افترضه الله فيكم عليهم.

[356]

النمرة كفرحة: الحبرة وشملة فيها خطوط بيض وسود، وقال: قطوان محركة: موضع بالكوفة منه الاكسية. وفي بعض النسخ: قرطق بالقافين، وفي بعضها: قرطف بالفاء أخيرا في القاموس: القرطق كجندب: لبس معروف معرب كرته، وقال: القرطف كجعفر: القطيفة. وقال: النبع: شجر القسي والسهام. وقال: البصيص: الرعدة، و بصبص الكلب: حرك ذنبه. 33 - * (باب) * * (غزوة عمرو بن معدى كرب) * 1 - شا: لما عاد رسول الله صلى الله عليه واله من تبوك إلى المدينة قدم إليه عمرو بن معدي كرب فقال له النبي صلى الله عليه واله: أسلم يا عمرو يؤمنك الله من الفزع الاكبر، قال: يا محمد وما الفزع الاكبر ؟ فإني لا أفزع فقال يا عمرو: إنه ليس كما تظن وتحسب إن الناس يصاح بهم صيحة واحدة فلا يبقى ميت إلا نشر، ولا حي إلا مات، إلا ما شاء الله، ثم يصاح بهم صيحة اخرى فينشر من مات ويصفون جميعا، وتنشق السماء وتهد الارض، وتخر الجبال هدا، وترمي النار بمثل الجبال شررا، فلا يبقي ذو روح إلا انخلع قلبه (1) وذكر ذنبه، وشغل بنفسه إلا من (2) شاء الله، فأين أنت يا عمرو من هذا ؟ قال: ألا إني أسمع أمرا عظيما فآمن بالله ورسوله (3) و آمن معه (4) من قومه ناس، ورجعوا إلى قومهم، ثم إن عمرو بن معدي كرب نظر إلى أبي بن عثعث الخثعمي فأخذ برقبته ثم جاء به إلى النبي صلى الله عليه واله (5) فقال:


(1) أي انتزع وزال عن مكانه. (2) ما شاء الله خ ل. (3) وبرسوله خ ل. (4) من معه خ ل. (5) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله خ ل.

[357]

أعدني (1) على هذا الفاجر الذي قتل والدي، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أهدر (2) الاسلام ما كان في الجاهلية، فانصرف عمرو مرتدا فأغار على قوم من بني الحارث ابن كعب، ومضى إلى قومه، فاستدعى رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام وأمره على المهاجرين، وأنفذه إلى بني زبيد، وأرسل خالد بن الوليد في الاعراب وأمره أن يعمد لجعفي (3) فإذا التقيا فأمير الناس أمير المؤمنين عليه السلام، فسار أمير المؤمنين عليه السلام واستعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن العاص، واستعمل خالد على مقدمته أبا موسى الاشعري، فأما جعفي فإنها لما سمعت بالجيش افترقت فرقتين: فذهبت فرقة إلى اليمن، وانضمت الفرقة الاخرى إلى بني زبيد. فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فكتب إلى خالد بن الوليد: أن قف حيث إدركك رسولي، فلم يقف، فكتب إلى خالد بن سعيد بن العاص تعرض له حتى تحبسه، فاعترض له خالد حتى حبسه، وأدركه أمير المؤمنين عليه السلام فعنفه على خلافه، ثم سار حتى لقي بني زبيد بواد يقال له: كثير (4) فلما رآه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت يا با ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الاتاوه قال: (5) سيعلم إن لقيني، قال: وخرج عمرو فقال: من يبارز ؟ فنهض إليه أمير المؤمنين عليه السلام وقام (6) إليه خالد بن سعيد وقال له: دعني يا أبا الحسن بأبي أنت وامي ابارزه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن كنت ترى أن لي عليك طاعة فقف مكانك (7) فوقف، ثم برز إليه أمير المؤمنين عليه السلام فصاح به صيحة فانهزم عمرو و قتل أخاه (8) وابن أخيه وأخذت امرأته ركانة بنت سلامة، وسبى منهم نسوان، و انصرف أمير المؤمنين عليه السلام وخلف على بني زبيد خالد بن سعيد ليقبض صدقاتهم، و يؤمن من عاد إليه من هرابهم مسلما، فرجع عمرو بن معدي كرب، واستأذن على


(1) اعدى فلانا على فلان: نصره واعانه وقواه. (2) أبطله واباحه. (3) جعفى بن سعد العشيره: بطن من سعد العشيرة من مذحج من القحطانية (4) كثر خ ل. أقول: في المصدر: كسر. وفى القاموس: كسر بالكسر: قرى كثيرة باليمن. (5) فقال خ ل. (6) فقام خ ل. (7) في مكانك خ ل. (8) اخوه خ ل.

[358]

خالد بن سعيد فأذن له فعاد إلى الاسلام، فكلمه (1) في امرأته وولده فوهبهم له، وقد كان عمرو لما وقف بباب خالد بن سعيد وجد جزورا قد نحرت فجمع قوائمها ثم ضربها بسيفه فقطعها جميعا، وكان يسمى سيفه الصمصامة، فلما وهب خالد بن سعيد لعمرو امرأته وولده وهب له عمرو الصمصامة، وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد اصطفى من السبي جارية، فبعث خالد بن الوليد بريدة الاسلمي إلى النبي صلى الله عليه واله وقال له: تقدم الجيش إليه فأعلمه بما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه، وقع فيه. فسار بريدة حتى انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه واله فلقيه عمر بن الخطاب فسأله عن حال غزوتهم وعن الذي أقدمه، فأخبره أنه إنما جاء ليقع في علي عليه السلام وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه، فقال له عمر: امض لما جئت له فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي عليه السلام، فدخل بريدة على النبي صلى الله عليه واله ومعه كتاب من خالد بما أرسل به بريدة، فجعل يقرأه ووجه رسول الله صلى الله عليه واله يتغير فقال بريدة: يا رسول الله إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهبت فيئهم، فقال (2) النبي صلى الله عليه واله: ويحك يا بريدة أحدثت نفاقا ؟ إن علي بن أبي طالب عليه السلام يحل له له من الفئ ما يحل لي، إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك وخير من أخلف بعدي لكافة امتي، يا بريدة احذر أن تبغض عليا " فيبغضك الله، قال بريدة: فتمنيت أن الارض انشقت لي فسخت فيها وقلت: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسول الله (3) يا رسول الله، استغفر لي فلن أبغضن (4) عليا أبدا "، ولا أقول فيه إلا خيرا، فاستغفر له النبي صلى الله عليه واله (5). عم: مثله مع اختصار (6). بيان: الاتاوة بالفتح: الخراج. 2 - في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام وشرحه أن عمرو بن معدي


(1) وكلمه خ ل. (2) في المصدر: فقال له. (3) وسخطك خ ل. (4) فلن ابغض خ ل. (5) الارشاد: 81 - 83. (6) اعلام الورى: 87 (ط 1) و 134. ط 1.

[359]

كرب خاطب عليا: الآن حين تقلصت منك الكلى * إذ حر نارك في الوقيعة يسطع والخيل لاحقة الاياطل شزب * قب البطون ثنيها والاقرع يحملن فرسانا " كراما " في الوغا * لا ينكلون إذا الرجال تكعكع إني امرؤ أحمي حماي بعزة * وإذا تكون شديدة لا أجزع وأنا المظفر في المواطن كلها * وأنا شهاب في الحوادث يلمع من يلقني يلقى المنية والردى * وحياض موت ليس عنه مذيع (1) فاحذر مصاولتي وجانب موقفي * إني لدى الهيجا أضر وأنفع (2) فأجابه عليه السلام: يا عمرو قد حمي الوطيس وأضرمت * نار عليك وهاج أمر مفظع وتساقت الابطال كأس منية * فيها ذراريح وسم منقع فإليك عني لا ينالك مخلبي * فتكون كالامس الذي لا يرجع إني امرؤ أحمي حماي بعزة * والله يخفض من يشاء ويرفع إني إلى قصد الهدى وسبيله * وإلى شرايع دينه أتسرع ورضيت بالقرآن وحيا " منزلا " * وبربنا ربا يضر وينفع فينا رسول الله أيد بالهدى * فلواؤه حتى القيامة يلمع (3) توضيح: تقلص: انضم وانزوى. والوقيعة: القتال. ولحق لحوقا ضمر والايطل: الخاصرة. والشزب: الضوامر والاقب: الضامر البطن. والثني: ما دخل في الثالثة في غير الابل، وفيها في السادسة. والاقرع: التام والتكعكع: الجبن والاحتباس. وأذاع الناس ما في الحوض: شربوه. والوطيس: التنور. و التساقي: أن يسقى كل منهما صاحبه. والذراح والذروح بالضم: دويبة حمراء منقوطة بسواد تطير، وهي من السموم، والجمع ذراريح.


(1) في المصدر: ليس عنه مدفع. (2) في المصدر: أضر وأدفع. (3) الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: 79 و 80.

[360]

34 (باب) * (بعث أمير المؤمنين عليه السلام إلى اليمن) * 1 - عم: بعث رسول الله صلى الله عليه واله عليا عليه السلام إلى اليمن ليدعوهم إلى الاسلام وقيل: ليخمس ركازهم، ويعلمهم الاحكام، ويبين لهم الحلال والحرام، و إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم، وروى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده رفعه إلى عمرو بن شاس الاسلمي قال: كنت مع علي بن أبي طالب عليه السلام في جملة (1) فجفاني علي عليه السلام بعض الجفاء فوجدت عليه في نفسي، فلما قدمت المدينة اشتكيته عند من لقيته، فأقبلت يوما ورسول الله صلى الله عليه واله جالس في المسجد فنظر إلي حتى جلست إليه، فقال: يا عمرو بن شاس لقد آذيتني، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أعوذ بالله والاسلام أن اوذي رسول الله، فقال: (من آذى عليا فقد آذاني) وقد كان بعث قبله رسول الله صلى الله عليه واله خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام فلم يجيبوه، قال البراء: فكنت مع علي عليه السلام فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلي بنا علي عليه السلام ثم صفنا صفا واحدا "، ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه واله فأسلمت همدان كلها، فكتب علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه واله فلما قرأ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال عليه السلام (السلام على همدان السلام على همدان (2)) أخرجه البخاري في الصحيح. وروى الاعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي عليه السلام قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه واله إلى اليمن، قلت: يا رسول الله تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء ؟ قال: فضرب بيده في صدري وقال: (اللهم اهد قلبه، وثبت


(1) في خيله خ ل. (2) في المصدر: على همدان السلام.

[361]

لسانه) فو الذي نفسي بيده ما شككت في قضاء بين اثنين (1). 2 - كا: العدة، عن سهل وأحمد بن محمد جميعا "، عن بكر بن صالح، عن سليمان الجعفري، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سمعته يقول: أهدى أمير المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه واله أربعة أفراس من اليمن، فقال: سمها لي، فقال: هي ألوان مختلفة، فقال: ففيها وضح ؟ قال: نعم فيها أشقر به وضح، قال: فأمسكه علي، قال: وفيها كميتان أوضحان، فقال: أعطهما ابنيك: قال: والرابع أدهم بهيم، قال: بعه واستخلف به نفقة لعيالك، إنما يمن الخيل في ذوات الاوضاح (2). 3 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: بعثني رسول الله صلى الله عليه واله إلى اليمن وقال لي: يا علي لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه، وأيم الله لان يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي (3). بيان: قوله صلى الله عليه واله: ولك ولاؤه، أي لك ميراثه إن لم يكن له وارث وعليك خطاؤه. 4 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن عبد الرزاق بن سليمان، عن الفضل ابن الفضل الاشعري (4) عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله بعث عليا عليه السلام إلى اليمن فقال له وهو يوصيه، يا علي اوصيك بالدعاء فإن معه الاجابة وبالشكر فإن معه المزيد وإياك عن أن تخفر عهدا " وتعين عليه، وأنهاك عن المكر فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وأنهاك عن البغي فإنه من بغي عليه لينصرنه الله (5).


(1) إعلام الورى باعلام الهدى: 79 و 80 (ط 1) و 137 ط 2. (2) فروع الكافي 2: 228 و 229. (3) فروع الكافي: 335. (4) في المصدر: قال ابى المفضل، حدثنا عبد الرزاق بن سليمان بن غالب الازدي بارتاح قال: حدثنى الفضل بن المفضل بن قيس بن رمانة الاشعري سنة أربع وخمسين ومائتين وفيها مات قال: حدثنى. (5) المجالس والاخبار: 28. قوله: (اياك ان تخفر اه‍) في المصدر الذى صححته على نسخة الملا خليل القزويني مكرر. خفر فلانا: نقض عهده. غدر به.

[362]

5 - ص: الصدوق، عن ابن موسى، عن الاسدي، عن النخعي، عن إبراهيم بن الحكم، عن عمرو بن جبير، عن أبيه، عن الباقر عليه السلام قال: بعث النبي صلى الله عليه واله عليا إلى اليمن فانفلت فرس لرجل من أهل اليمن فنفح رجلا (1) فقتله فأخذه أولياؤه ورفعوا إلى علي عليه السلام، فأقام صاحب الفرس البينة أن الفرس انفلت من داره فنفح الرجل برجله، فأبطل علي عليه السلام دم الرجل، فجاء أولياء المقتول من اليمن إلى النبي صلى الله عليه واله يشكون عليا فيما حكم عليهم، فقالوا: إن عليا ظلمنا وأبطل دم صاحبنا، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إن عليا ليس بظلام، ولم يخلق علي للظلم، وإن الولاية من بعدي لعلي، والحكم حكمه، والقول قوله، لا يرد حكمه وقوله وولايته إلا كافر، ولا يرضى بحكمه وولايته إلا مؤمن، فلما سمع الناس قول رسول الله صلى الله عليه واله قالوا: يا رسول الله رضينا بقول علي وحكمه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: هو توبتكم مما قلتم (2). 6 - ير: أحمد بن موسى، عن أحمد بن محمد معروف بغزال، عن محمد بن عمر الجرجاني يرفعه إلى عبد الرحمن بن أحمد السلماني، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه واله فوجهني إلى اليمن لا صلح بينهم، فقلت له: يا رسول الله إنهم قوم كثير وأنا شاب حدث، فقال لي: يا علي إذا صرت بأعلى عقبة فيق (3) فناد بأعلى صوتك: يا شجر يا مدر يا ثرى محمد رسول الله صلى الله عليه واله يقرئكم السلام، قال: فذهبت فلما صرت بأعلى عقبة فيق (4) أشرفت على اليمن فإذا هم بأسرهم مقبلون نحوي، مشرعون أسنتهم، متنكبون قسيهم، شاهرون سلاحهم، فناديت بأعلى صوتي: يا شجر يا مدر يا ثرى محمد صلى الله عليه واله يقرئكم السلام قال: فلم يبق شجرة ولا مدرة ولا ثرى إلا ارتجت بصوت واحد: وعلى محمد رسول الله وعليك السلام، فاضطربت قوائم القوم، وارتعدت ركبهم، ووقع السلاح من أيديهم وأقبلوا مسرعين، فأصلحت بينهم وانصرفت (5).


(1) نفحت الدابة الرجل ضربته بحد حافرها. (2) قصص الانبياء: مخطوط. وليست عندي نسخته. (3 و 4) افيق خ ل. (5) بصائر الدرجات، 145 و 146.

[363]

بيان: قال الفيروز آبادي: أفيق كأمير: قرية بين حوران والغور، ومنه عقبة أفيق، ولا تقل: فيق. وأشرعت الرمح قبله: سددت. وتنكب القوس: ألقاها على منكبه. أقول: سيأتي بأسانيد في أبواب معجزات أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - شا: من فضائل أمير المؤمنين ما أجمع عليه أهل السيرة أن النبي صلى الله عليه واله بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام، وأنفذ معه جماعة من المسلمين فيهم البراء بن عازب رحمه الله، وأقام خالد على القوم ستة أشهر يدعوهم فلم يجبه أحد منهم، فساء ذلك رسول الله صلى الله عليه واله، فدعا أمير المؤمنين عليه السلام وأمره أن يقفل خالدا ومن معه، وقال له: إن أراد أحد ممن مع خالد أن يعقب معك فاتركه، قال البراء: فكنت ممن (1) عقب معه، فلما انتهينا إلى أوائل أهل اليمن وبلغ القوم الخبر فجمعوا (2) له فصلى بنا علي بن أبي طالب عليه السلام الفجر ثم تقدم بين أيدينا فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قرأ على القوم كتاب رسول الله صلى الله عليه واله، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وكتب بذلك أمير المؤمنين عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه واله فلما قرأ كتابه استبشر وابتهج وخر ساجدا شكرا لله تعالى، ثم رفع رأسه و جلس (3) وقال: السلام على همدان (4) ثم تتابع بعد إسلام همدان أهل اليمن على الاسلام (5). د: عن البراء بن عازب مثله (6). بيان: القفول: الرجوع، وأقفله: رده وأرجعه. أقول: وذكر ابن الاثير في الكامل هذه القصة في وقايع السنة العاشرة نحوا مما ذكره المفيد رحمه الله.


(1) فيمن عقب خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) تجمعوا خ ل. أقول: في المصدر فتجمعوا. (3) فجلس خ ل. (4) السلام على همدان خ، أقول: لم يكرر ذلك في المصدر. (5) إلى الاسلام خ ل. الارشاد: ص 31. (6) العدد: مخطوط. لم نجد نسخته إلى الان.

[364]

35 (باب) * (قدوم الوفود على رسول الله صلى الله عليه وآله) * * (وساير ما جرى إلى حجة الوداع) * 1 - عم: قال بعد ذكر نزول براءة: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه واله عروة بن مسعود الثقفي مسلما، واستأذن رسول الله صلى الله عليه واله في الرجوع إلى قومه، فقال: إني أخاف أن يقتلوك، فقال: إن وجدوني نائما ما أيقظوني، فأذن له رسول الله صلى الله عليه واله فرجع إلى الطائف ودعاهم إلى الاسلام ونصح لهم فعصوه، وأسمعوه الاذى حتى إذا طلع الفجر قام في غرفة من داره فأذن وتشهد، فرماه رجل بسهم فقتله، وأقبل بعد قتله من وفد ثقيف بضعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف فأسلموا، فأكرمهم رسول الله صلى الله عليه واله وحباهم وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص بن بشر (1) وقد كان تعلم سورا " من القرآن، وقد ورد في الخبر عنه أنه قال: قلت يا رسول الله: إن الشيطان قد حال بين صلاتي وقراءتي قال: ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا خشيت فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا، قال: ففعلت فأذهب الله عني، رواه مسلم في الصحيح. فلما أسلمت ثقيف ضربت إلى رسول الله صلى الله عليه واله وفود العرب فدخلوا في دين الله أفواجا، كما قال الله سبحانه (2) فقدم عليه صلى الله عليه واله عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم، منهم الاقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وقيس ابن عاصم، وعيينة بن حصن الفزاري، وعمرو بن الاهتم، وكان الاقرع وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه واله فتح مكة وحنينا والطائف، فلما قدم وفد تميم دخلا معهم فأجارهم رسول الله وأحسن جوارهم، وممن قدم عليه وفد بني عامر فيهم عامر


(1) في المصدر: (بشير) وهو وهم (2) في صورة النصر.

[365]

ابن الطفيل، وأربد بن قيس أخو لبيد بن ربيعة لامه، وكان عامر قد قال لاربد: إني شاعل عنك وجهه، فإذا فعلته فأعله بالسيف، فلما قدموا عليه قال عامر: يا محمد خالني (1) فقال: لا حتى تؤمن بالله وحده، قالها مرتين، فلما أبى عليه رسول الله قال: والله لاملانها عليك خيلا حمرا ورجلا، فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه واله: " اللهم اكفني عامر بن الطفيل " فلما خرجوا قال عامر لاربد: أين ما كنت أمرتك به ؟ قال: والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل أفأضربك بالسيف ؟ وبعث الله على عامر بن الطفيل في طريقه ذلك الطاعون في عنقه فقتله في بيت امرأة من سلول، وخرج أصحابه حين واروه إلى بلادهم، وأرسل الله على أربد وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. وفي كتاب أبان بن عثمان: أنهما قدما على رسول الله صلى الله عليه واله بعد غزوة بني النضير، قال: وجعل يقول عامر عند موته: أغدة (2) كغدة البكر، وموت في بيت سلولية، قال: وكان رسول الله عليه السلام قال في عامر وأربد: اللهم أبدلني بهما فارسي العرب، فقدم عليه زيد بن مهلهل الطائي، وهو زيد الخيل، وعمرو بن معدي كرب. وممن قدم على رسول الله وفد طيئ فيهم زيد الخيل، وعدي بن حاتم، فعرض عليه الاسلام فأسلموا وحسن إسلامهم، وسماه رسول الله صلى الله عليه واله زيد الخير، و قطع له أرضين معه (3) وكتب له كتابا، فلما خرج زيد من عند رسول الله صلى الله عليه واله راجعا إلى قومه قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن ينج زيد من حمى المدينة أو من ام ملدم.


(1) يروى ذلك بكسر اللام مخففة: وبتشديدها مكسورة، فالاول معناه تفرد لى خاليا حتى احدثك: والثانى معناه اتخذني خليلا وصديقا. (2) الغدة: داء يصيب البعير في حلقه فيموت منه. والبكر: الفتى من الابل وسلول: قوم يصفهم العرب باللوم والدناءة يتأسف من انه يموت بذلك المرض، وفى بيت طائفة كذلك حالهم. (3) في المصدر: (وقطع له ارضين وكتب له) وفى الطبعة الثانية: وقطع له فيدا وارضين معه وكتب له.

[366]

فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء يقال له: قردة (1) أصابته الحمى فمات بها، و عمدت امرأته إلى ما كان معه من الكتب فأحرقتها. وذكر محمد بن إسحاق أن عدي بن حاتم فر، وإن خيل رسول الله صلى الله عليه واله قد أخذوا اخته فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه واله، وأنه من عليها وكساها وأعطاها نفقة، فخرجت مع ركب حتى قدمت الشام، وأشارت على أخيها بالقدوم، فقدم وأسلم وأكرمه رسول الله وأجلسه على وسادة رمى بها إليه بيده (2). بيان: في النهاية في حديث الصلاة: ذلك شيطان يقال له خنزب، قال أبو عمرو هو لقب له، والخنزب: قطعة لحم منتنة، ويروى بالكسر والضم قوله: خالني أمر، من المحالة وهي المحبة الخالصة، وام ملدم كنية الحمى، ولعل الترديد (3) من الراوي أو المراد نوع منها. 2 - أقول: قال في المنتقى في سياق حوادث السنة التاسعة: وفيها قدم على رسول الله صلى الله عليه واله كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك ورسولهم إليه بإسلامهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن كلال (4) وغيرهما. وفيها: رجم رسول الله صلى الله عليه واله الغامدية، عن بشير بن المهاجر (5) عن أبيه قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه واله فجاءته امرأة من غامد، فقالت: يا نبي الله إني قد زينت، واريد (6) أن تطهرني، فقال لها النبي صلى الله عليه واله: ارجعي، فلما كان من الغدأتته أيضا فاعترفت عنده بالزنا، فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت واريد (7)


(1) في المصدر المطبوع جديدا وسيرة ابن هشام، فردة بالفاء. (2) اعلام الورى: 77 و 78 (ط 1) و 133 و 134 ط 2 وفى سيرة ابن هشام: وجلس رسول الله صلى الله عليه وآله بالارض، فقال عدى: قلت في نفسي: والله ما هذا بامر ملك. (3) يدل على ذلك قول ابن اسحاق بعد ما نقل قوله صلى الله عليه وآله. " ان ينج زيد من حمى المدينة فانه " قال: قد سماها رسول الله صلى الله عليه وآله باسم غير الحمى وغير ام ملدم فلم يثبته. (4) الصحيح: (ونعيم بن عبد كلال) كما في المصدر وغيره، واجمل المصنف كلام الكازرونى ولم يذكر البقية، وهم: النعمان قيل ذى رعين وهمدان ومعافر. (5) عبد الله بن بريدة عن أبيه. (6 و 7) في المصدر: وأنا اريد.

[367]

أن تطهرني، فقال لها: فارجعي، فلما أن كان من الغد أتته (1) فاعترفت عنده بالزنا، فقالت: يا نبي الله طهرني فلعلك تردني كما رددت ما عز بن مالك، فوالله إني لحبلى، فقال لها النبي صلى الله عليه واله: ارجعي حتى تلدين، فلما ولدت جاءت بالصبي تحمله قالت: يا نبي الله هذا قد ولدت. قال: فاذهبي فارضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته جاءت بالصبي في يده كسرة خبز قالت: يا نبي الله هذا فطمته فأمر النبي صلى الله عليه واله بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين، وأمر بها فحفر لها حفرة فجعلت فيها إلى صدرها ثم أمر الناس أن يرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجنة خالد فسبها فسمع النبي صلى الله عليه واله سبه إياها، فقال: مهلا يا خالد لا تسبها، فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، فأمر بها فصلى عليها فدفنت. وفيها لاعن رسول الله صلى الله عليه واله بين عويمر بن الحارث العجلاني وبين امرأته بعد العصر في مسجده صلى الله عليه واله وكان قد قذفها بشريك بن سحماء على ما روي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت: " والذين يرمون المحصنات (2) " الآية، قرأها النبي صلى الله عليه واله يوم الجمعة على المنبر، فقام عاصم بن عدي الانصاري وقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منامع امرأنه رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسماه المسلمون فاسقا، لا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومر ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له: عويمر، وله امرأة يقال لها: خولة بنت قيس بن محصن، فأتى عويمر عاصما وقال: قد رأيت شريك ابن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله صلى الله عليه واله في الجمعة الاخرى فقال: يا رسول الله صلى الله عليه واله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي، وكان عويمر وخولة والشريك كلهم بنو عم لعاصم، فدعا رسول الله صلى الله عليه واله بهم جميعا وقال لعويمر: اتق الله في زوجتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله اقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها


(1) في المصدر: اتته أيضا. (2) النور: 4.

[368]

وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإنها حبلى من غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه واله للمرأة: اتقي الله ولا تخبريني إلا بما صنعت، فقالت: يا رسول الله إن عو يمرا رجل غيور وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال فقال رسول الله صلى الله عليه واله لشريك: ما تقول ؟ فقال ما تقوله المرأة، فأنزل الله عز و جل: " والذين يرمون أزواجهم (1) " الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه واله حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلى العصر، ثم قال لعويمر: قم فقام فقال: اشهد أن خولة زانية وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية: اشهد بالله أني رأيت شريكا على بطنها و إني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: اشهد أنها حبلى من غيري، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة: اشهد بالله أني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة لعنة الله على عويمر - يعني نفسه - إن كان من الكاذبين فيما قال، ثم أمره بالعقود، وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: اشهد بالله ما أنا بزانية، وإن عويمرا لمن الكاذبين، ثم قالت في الثانية: اشهد بالله أنه ما رأى شريكا على بطني، وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الثالثة: اشهد بالله أنه ما رآني قط على فاحشة وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الرابعة: اشهد بالله أني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الخامسة: أن غضب الله على خولة - يعني نفسها - إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله صلى الله عليه واله بينهما، وقال: " لولا هذه الايمان لكان في أمرها رأي " وقال: تحينوا بها الولادة فإن جاءت بأصهب اثيبج (2) يضرب إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت بأورق جعدا جماليا خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت (3). قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق بشريك. وفي هذه السنة: توفي النجاشي واسمه اصحمة، وهو الذي هاجر إليه المسلمون وأسلم، وتوفي في رجب هذا السنة فنعاه رسول الله صلى الله عليه واله إلى المسلمين وخرج إلى المصلى وصف أصحابه خلفه وصلى عليه (4).


(1) النور: 6. (2) في المصدر: الاثبج. (3) في المصدر: رميت به. (4) في المصدر: وكبر عليه أربعا.

[369]

وروي عن عائشة قالت: لما مات النجاشي كنا نتحدث (1) أنه لا يزال يرى على قبره نور. وفيها ماتت ام كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه واله كانت تزوجها عتبة بن أبي لهب قبل النبوة، فلما نزلت: " تبت يدا أبي لهب (2) " قال له أبوه: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته، ففارقها ولم يكن دخل بها، فلم تزل بمكة مع رسول الله صلى الله عليه واله ثم هاجرت، فلما توفيت رقية خلف عليها عثمان في ربيع الاول سنة ثلاث من الهجرة، وادخلت عليه في جمادى الآخرة فماتت عنده في شعبان من هذه السنة فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب وام عطية، ونزل في حفرتها أبو طلحة. وفيها مات عبد الله بن عبدبهم (3) بن عفيف ذو البجادين. وفيها مات عبد الله بن سلول المنافق (4). ثم ذكر في وقايع السنة العاشرة: فيها بعث خالد بن الوليد إلى بني الحارث ابن كعب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله بعث في ربيعها الآخر (5) من سنة عشر خالدا إلى بني الحارث بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الاسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجالوا فاقبل منهم وأقم فيهم وعلمهم كتاب الله وسنة نبيه ومعالم الاسلام وإن لم يفعلوا فقاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل ناحية يدعون (6) الناس إلى الاسلام، ويقولون: يا أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعاهم إليه فأقام خالد فيهم يعلمهم الاسلام، وكتاب الله


(1) في المصدر: نحدث (2) سورة المسد (3) في المصدر: عبدنهم. وهو الصحيح. (4) وهو عبد الله بن ابى ابن سلول وفى المصدر: عبد الله ابن أبى بن الحارث بن عبيد وهو ابن سلول، وسلول امرأة من خزاعة. (5) في المصدر: في ربيع الاخر وجمادى الاولى. (6) في المصدر: في كل وجه ويدعون.

[370]

وسنة نبيه، ثم كتب إلى رسول الله صلى الله عليه واله: بسم الله الرحمن الرحيم: لمحمد رسول الله صلى الله عليه واله من خالد بن الوليد السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك، فانك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب وأمرتني إذا أتيتهم أن لا اقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الاسلام ثلاثة إيام. فإن أسلموا قبلت منهم، وإني قدمت عليهم ودعوتهم إلى الاسلام فأسلموا وأنا مقيم اعلمهم معالم الاسلام. فكتب رسول الله: من محمد رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبرني أن بني الحارث قد أسلموا قبل أن يقاتلوا فبشرهم وأنذرهم وأقبل معهم، وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. فأقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه واله وأقبل معه وفد بني الحارث فيهم قيس بن الحصين فسلموا عليه، وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأن لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه واله: وأنا أشهد أن لا إله إله إلا الله، وأني رسول الله، وأمر عليهم قيسا فلم يمكثوا في قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله صلى الله عليه واله، وبعث إلى بني الحارث بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم الانصاري ليفقههم ويعلمهم السنة والاسلام (1) ويإخذ منهم صدقاتهم. وفيها قدم وفد سلامان في شوالها وهم سبعة نفر رأسهم حبيب السلاماني. وفيها قدم وفد محارب في حجة الوداع وهم عشرة نفر فيهم سواء بن الحارث وابنه خزيمة، ولم يكن أحد أفظ ولا أغلظ على رسول الله صلى الله عليه واله منهم، وكان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول الله صلى الله عليه واله فقال: الحمد لله الذي أبقاني حتى صدقت بك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " إن هذه القلوب بيد الله " ومسح وجه خزيمة فصارت له غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد وانصرفوا.


(1) في المصدر: ومعالم الاسلام. (*)

[371]

وفيها قدم وفد الازد رأسهم صرد بن عبد الله الازدي في بضعة عشر. وفيها قدم وفد غسان وفد عامر كلاهما في شهر رمضان. وفيها قدم وفد زبيد على رسول الله صلى الله عليه واله فيهم عمرو بن معدي كرب فأسلم فلما توفي رسول الله صلى الله عليه واله ارتد عمرو ثم عاد إلى الاسلام. وفيها قدم وفد عبد القيس، والاشعث بن قيس في وفد كنده، ووفد بني حنيفة معهم مسيلمة الكذاب، ثم ارتد بعد أن رجع إلى وطنه. وفيها قدم وفد بجيلة، قدم جرير بن عبد الله البجلي، ومعه من قومه مائة وخمسون رجلا، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك " فطلع جرير على راحلته على راحلته ومعه قومه فأسلموا وبايعوا قال جرير: وبسط رسول الله يده فبايعني، وقال: " على أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتنصح للمسلمين، وتطيع الوالي وإن كان عبدا حبشيا " فقلت: نعم فبايعته، وكان رسول الله صلى الله عليه واله يسأله عما وراءه فقال: يا رسول الله قد أظهر الله الاسلام والاذان وهدمت القبائل أصنامهم (1) التي تعبد، قال: فما فعل ذو الخلصة (2) قال: هو على حاله فبعثه رسول الله صلى الله عليه واله إلى هدم ذي الخلصة، وعقد له لواء فقال: إني لا أثبت على الخيل، فمسح رسول الله صلى الله عليه واله صدره وقال: " اللهم اجعله هاديا مهديا " فخرج في قومه وهم زهاء مائتين، فما أطال الغيبة حتى رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أهدمته ؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق، وأحرقته بالنار، فتركته كما يسوء أهله فبرك رسول الله صلى الله عليه واله على خيل أخمس (3) ورجالها.


(1) في المصدر: أصنامها. (2) قال الكلبى في كتاب الاصنام:: ذو الخلصة كانت مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج، وكانت بتبالة بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة، وكان سدنتها بنو امامة من باهلة بن اعصر، وكانت تعظمها وتهدى لها خثعم وبجيلة وازد السراة ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن. (3) الصحيح: " احمس " وهم بطن من بجيلة.

[372]

وفيها قدم السيد والعاقب من نجران فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه واله كتاب صلح. وفيها قدم وفد عبس ووفد خولان وهم عشرة، وكان رسول الله صلى الله عليه واله إذا قدم الوفد لبس أحسن ثيابه وأمر أصحابه بذلك. وفيها قدم وفد عامر بن صعصعة، وفيهم عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة وكانا قد أقبلا يريدان رسول الله صلى الله عليه واله، فقيل: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " دعه فإن يرد الله به خيرا يهده " فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد مالي إن أسلمت ؟ قال: " لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم " قال: تجعل لي الامر بعدك. قال: " ليس (1) ذلك إلي، إنما ذلك إلى الله يجعله حيث شاء " قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر ؟ قال: لا، قال: فماذا تجعل لي ؟ قال: " أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها " قال: أو ليس ذلك إلي اليوم ؟ كان عامر قد قال لاربد: إذا رأيتني اكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فدار أربد ليضربه فاخترط من سيفه شبرا ثم حبسه الله فيبست يده على سيفه ولم يقدر على سله، فعصم الله نبيه، فرأى أربد وما يصنع بسيفه قال: " اكفنيهما بما شئت " فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة فأحرقته، وولى عامر هاربا وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد ؟ والله لاملانها عليك خيلا جردا وفتيانا مردا، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة " يعني الاوس والخزرج، فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: والله (2) لئن أصحر إلي محمد وصاحبه - يعني ملك الموت - لانفذهما (3) برمحي، فأرسل الله تعالى ملكا فأثراه في التراب (4) وخرجت عليه غدة كغدة البعير عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية. ثم ركب فرسه فمات على ظهر الفرس. فأنزل الله تعالى: " ويرسل الصواعق


(1) في المصدر: قال: لا ليس ذلك. (2) في المصدر: واللات. (3) في المصدر: لانفذتهما برمحى. (4) في المصدر: فلطمه بجناحيه فاثراه في التراب.

[373]

فيصيب بها من يشاء (1) ". وفيها خرج بديل بن أبي مارية (2) مولى العاص بن وائل في تجارة إلى الشام وصحبه نميم الداري وعدي بن بداء وهما على النصرانية، فمرض ابن أبي مارية وقد كتب وصية وجعلها في ماله فقدموا بالمال والوصية ففقدوا جاما أخذه تميم وعدي، وأحلفهما رسول الله صلى الله عليه واله بعد العصر، ثم ظهر عليه، فحلف عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة واستحقا (3). 3 - وقال في الكامل: وفي السنة العاشرة بعث رسول الله صلى الله عليه واله امراءه على الصدقات، فبعث المهاجر بن أبي امية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العبسي (4) وهو بها، وبعث زياد بن أسد الانصاري (5) إلى حضر موت على صدقاتها، وبعث عدي بن حاتم الطائي على صدقة طيئ وأسد، وبعث مالك بن نويرة على صدقات حنظلة، وجعل الزبرقان بدر وقيس بن عاصم على صدقات زيد بن مناة بن (6) تميم وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وبعث علي بن أبي طالب عليه السلام إلى نجران ليجمع صدقاتهم وجزيتهم ففعل وعاد، فلقي رسول الله صلى الله عليه واله (7) في حجة الوداع، واستخلف على الجيش الذين معه رجلا من أصحابه، وسبقهم إلى النبي صلى الله عليه واله فلقيه بمكة، فعمد الرجل إلى الجيش فكساهم كل رجل حلة من البرد الذي مع علي عليه السلام، فلما دنا الجيش خرج علي عليه السلام ليتلقاهم فرأى عليهم الحلل، فنزعها عنهم، فشكاه الجيش إلى رسول الله عليه واله فقام رسول الله صلى الله عليه واله خطيبا


(1) الرعد: 15. (2) راجع تفسير القمى: 176 ففيه تفصيل لذلك مع اختلاف. (3) المنتقى في مولد المصطفى: الباب التاسع والباب العاشر فيما كان في سنة تسع وعشر من الهجرة. (4) في المصدر وسيرة ابن هشام: العنسى. بالنون. وهو الصحيح وهو الاسود العنسى المتنبي. (5) في سيرة ابن هشام: زياد بن لبيد اخا بنى بياضة الانصاري. (6) في المصدر: سعد بن زيد مناة بن تميم. (7) في المصدر: بمكة.

[374]

فقال: أيها الناس لا تشكوا عليا فانه والله لاخشن (1) في ذات الله، أو في سبيل الله (2). بيان: قوله: صاحب مكس، أي عشار. وقال الجزري: في حديث الاذان كانوا يتحينون وقت الصلاة، أي يطلبون حينها، والحين: الوقت. وقال: الاصهب: الذي يعلو لونه صهبة، وهي كالشقرة. وقال: في حديث اللعان إن جاءت به اثيبج، فهو لهلال، تصغير الاثبج وهو ؟ ؟ ؟ الثبج، أي ما بين الكتفين والكاهل ورجل أثبج أيضا: عظيم الجوف. وقال: الاورق: الاسمر. والجعد: شديد الخلق، أو مجتمعة الخلق، أو جعد الشعر ضد السبوطة، وقال: الجمالي بالتشديد: الضخم الاعضاء التام الاوصال، يقال: ناقة جمالية: شبيهة بالجمل عظما وبدانة. وقال: خدلج الساقين: عظيمهما، وقال: البجاد: الكساء، ومنه تسمية رسول الله صلى الله عليه واله عبد الله بن عبد بهم ذا البجادين، لانه حين أراد المصير إلى النبي صلى الله عليه واله قطعت امه بجادا قطعتين فارتدى بإحداهما، وائتزر بالاخرى، وقال: يقال: على وجهه مسحة ملك، ومسحة جمال، أي أثر ظاهر منه، ولا يقال ذلك إلا في المدح وقال: في صفة المهدي قرشي يمان، ليس من ذي ولا ذو، أي ليس فيه نسب أذواء اليمن، وهم ملوك حمير، منهم ذويزن وذورعين، ومنه حديث جرير: يطلع عليكم رجل من ذي يمن، على وجهه مسحة من ذي ملك، كذا أورده عمر الزاهد، وقال: ذي ههنا صلة، أي زائدة. وقال: ذوالخلصة: هو بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم وبجيلة وغيرهم، وقيل: ذوالخلصة: الكعبة اليمانية التي كانت باليمن، فأنفذ إليها رسول الله صلى الله عليه واله جرير بن عبد الله البجلي فخربها، وقيل: ذو الخلصة: اسم الصنم، وفيه نظر لان " ذو " لا يضاف إلا إلى أسماء الاجناس. وفي القاموس: فرس أجرد: قصير الشعر رقيقه، والاجرد: السباق. وفي النهاية اخيشن في ذات الله هو تصغير الاخشن للخشن.


(1) الاخيشن خ ل. (2) الكامل 2: 205 فيه: (فوالله انه لا خشن) وفيه: وفى سبيل الله.

[375]

4 - قب بعث صلى الله عليه واله رسله إلى الآفاق في سنة عشر، وبين فتح مكة ووفاته كانت الوفود، منهم بنو سليم وفيهم العباس بن مرداس، وبنو تيم وفيهم عطارد بن زرارة (1) وبنو عامر وفيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس، وبنو سعد بن بكرو فيهم ضمام بن ثعلبة، وعبد القيس والجارود بن عمرو وبنو حنيفة وفيهم مسيلمة الكذاب، وطيئ وفيهم زيد الخيل وعدي بن حاتم، وزبيد وفيهم عمرو بن معدي كرب، وكندة وفيهم الاشعث بن قيس، ونجران وفيهم السيد والعاقب وأبو الحارث والازد. وبعث حمير إلى رسول الله صلى الله عليه واله بإسلامهم، وبعث فروة الجذامي رسولا باسمه، وبنو الحارث بن كعب وفيهم قيس بن الحصين ويزيد بن عبدالمدان وثقيف وسيدهم عبد نايل، بنو أسد وأسلم. (2). 5 - كنز الكراجكي: روي أن النبي صلى الله عليه واله كان يوما جالسا في نفر من أصحابه وقد صلى الغداة إذ أقبل أعرابي على ناقة له حتى وقف بباب المسجد فأناخها ثم عقلها ودخل المسجد يتخطى الناس والناس يوسعون له، وإذا هو رجل مديد القامة، عظيم الهامة، معتجر بعمامة. فلما مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله أسفر عن لثامه ثم هم أن يتكلم فارتج، ثم هم أن يتكلم فارتج (3) حتى اعترضه ذلك ثلاث مرات، فلما رآه النبي صلى الله عليه واله وقد ركبه الزمع لهى عنه بالحديث ليذهب عنه بعض الذي أصابه، وقد كسا الله نبيه جلالة وهيبة، فلما أنس وفرخ روعه قال له النبي صلى الله عليه واله: قل لله أنت ما أنت قائل، فأنشد أبياتا اعتذارا عما أصابه فاستوى رسول الله صلى الله عليه واله (4) وكان متكئا فقال: أنت أهيب بن سماع، ولم يره قط قبل وقته ذلك (5) فقال: أنا اهيب بن سماع الآبي الدفاع القوي المناع قال: " أنت الذي ذهب جل قومك بالغارات، ولم ينفضوا رؤسهم من الهفوات، إلا منذ أشهر وسنوات " قال: أنا ذاك، قال: " أتذكر الازمة التي أصابت قومك،


(1) في المصدر وسيرة ابن هشام وغيرهما: عطارد بن حاجب بن زرارة. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 151. (3) ذكر الجملة في المصدر ثلاث مرات. (4) في المصدر: فاستوى رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا. (5) في المصدر: قبل وقته ذاك.

[376]

احر نجم لها الذيخ، وأخلف نوء المريخ، وامتنعت (1) السماء، وانقطعت الانواء واحترقت العنمة، وخفت البرمة، حتى أن الضيف لينزل بقومك وما في الغنم عرق ولا غزر، فترصدون الضب المكنون فتقتنصونه ؟ (2) وكأنك قلت في طريقك إلي: لستألني عن حل ذلك وعن حرجه (3) ألا ولا حرج على مضطر، ومن كرم الاخلاق بر الضيف " قال: فقال: لا والله لا أطلب أثرا بعد عين، لكأنك كنت معي في طريقي وشريكي في أمري، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، ثم قال: يا رسول الله زدني شرحا وبيانا أزدد بك إيمانا، فقال له النبي صلى الله عليه واله: أتذكر إذ أتيت صنمك في الظهيرة فعترت له العتيرة، فقال: نعم بأبي أنت وامي يا رسول الله إن الحارث بن أبي ضرار المصطلقي جمع لك جموعا ليدهمك بالمدينة، واستعان بي على حربك وكان لي صنم يقال له: واقب (4) فرقبت خلوته، وقممت ساحته، ثم نفضت التراب عن رأسه، ثم عترت له عتيرة، فإني لاستخبره في أمري، وأستشيره في حربك (5) إذ سمعت له صوتا قف له شعري، واشتد منه ذعري، فوليت عنه و هو يقول: اهيب مالك تجزع * لا تنأ عني وارجع واسمع مقالا ينفع * جاءك ما لا يدفع نبي صدق أروع * فاقصد إليه واسرع تأمن وبال المصرع قال اهيب: فأتيت أهلي ولم أطلع أحدا على أمري، فلما كان من الغد أتيته في الظهيرة فرقبت خلوته، وقممت ساحته، وعترت له عتيرة، ثم جسدته بدمها فبينا أنا كذلك إذ سمعت منه صوتا هائلا فوليت عنه هاربا، وهو يقول كلاما في معنى كلامه الاول، قال: فلما كان من غد ركبت ناقتي، ولبست لامتي، و


(1) في المصدر: وامشعت السماء. (2) في المصدر: فتصيدونه. (3) حرمته خ ل. (4) في المصدر: راقب. (5) سقط عن المصدر قوله: (إذ سمعت) إلى قوله الاتى: إذ سمعت.

[377]

تكبدت الطريق حتى أتيتك، فأنزلي سراجك، وأوضح لي منهاجك، قال: فقال النبي صلى الله عليه واله: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإني محمد عبده ورسوله، فقالها غير مستنكف وأسلم وحسن إسلامه، ووقر حب الاسلام في قلبه، فقال النبي صلى الله عليه واله لامير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: خذ بيده فعلمه القرآن، فأقام عند النبي صلى الله عليه واله فلما حذق شيئا من القرآن قال: يا نبي الله إن الحارث ابن أبي ضرار قد جمع لك جموعا ليدهمك بالمدينة، فلو وجهت معي قوما بسرية تشن عليهم الغارة فوجه النبي صلى الله عليه واله معه أمير المؤمنين وجماعة من المؤمنين (1) فظفروا بهم واستاقوا إبلهم وماشيتهم (2). توضيح: يقال: ارتج على القاري على ما لم يسم فاعله: إذا لم يقدر على القراءة. والزمع بالتحريك: الدهش. وفرخ الروع تفريخا: ذهب كأفرخ. و الازمة: الشدة والضيق. واحرنجم: أراد الامر ثم رجع عنه، والقوم أو الابل: اجتمع بعضها وازدحموا. والذيخ بالكسر: الذئب، والجرئ والفرس الحصان وذكر الضباع الكثير الشعر، والنوء،: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوما، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما، وكانت العرب تضيف الامطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط، كذا ذكر الجوهري. وقال: العنم: شجر لين الاعضاء يشبه بنان الجواري. وقال: البرم: ثمر العضاة الواحدة برمة، وفي بعض النسخ بالزاء يقال: بزم عليه، أي عض بمقدم أسنانه والبزمة في الاكل: هو أن يأكل في اليوم والليل مرة. والعرق: اللبن، ولعل المراد هنا اللبن القليل، وبالغزر الكثير، قال في القاموس: الغزير: الكثير من كل شئ والغزيرة: الكثيرة الدر. واقتنصه: اصطاده. قوله: لا أطلب أثرا بعد عين، الاثر: الخبر، أي لا أنتظر سماع خبر بحقيتك بعدما عاينت من معجزاتك


(1) في المصدر: من المسلمين. (2) كنز الفوائد: 95 و 96، وزاد في المصدر ابياتا لاهيب في اسلامه

[378]

والعتيرة: الذبيحة كانت تذبح للاصنام فيصب دمها على رأسها. وقف شعره: قام فزعا. والاروع من الرجال: الذي يعجبك حسنه - وجسد الدم به كفرح: لصق وثوب مجسد مجسد: مصبوغ بالزعفران. واللامة: الدرع، أو جميع أدوات الحرب. والكبد: الشدة، وقال الجوهري: حذق الصبي القرآن والعمل يحذق حذقا وحذقا: إذا مهر. وحذق بالكسر حذقا لغة فيه. 36 - (باب) * (حجة الوداع وما جرى فيها إلى الرجوع إلى المدينة) * * (وعدد حجه وعمرته صلى الله عليه وآله وسائر الوقائع) * * (إلى وفاته صلى الله عليه وآله) * الآيات: الحج " 22 ": وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير * ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق 27 - 29. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: اختلف في المخاطب به على قولين: أحدهما أنه إبراهيم عليه السلام والثاني أن المخاطب به نبينا صلى الله عليه واله " وأذن " يا محمد في الناس " بالحج " فأذن صلى الله عليه واله في حجة الوداع، أي أعلمهم بوجوب الحج " رجالا " أي مشاة على أرجلهم " وعلى كل ضامر " أي ركبانا، قال ابن عباس: يريد الابل، ولا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد هزل (1) وسيأتي تفسير الآية في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. 1 - كا: العدة: عن أحمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن عمر بن


(1) مجمع البيان 7: 80 و 81.

[379]

أبان الكلبي قال: ذكرت لابي عبد الله عليه السلام المستحاضة فذكر أسماء بنت عميس فقال: إن أسماء ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء، وكان في ولادتها البركة للنساء لمن ولدت منهن أو طمثت، فأمرها رسول الله صلى الله واله فاستثفرت (1) وتنطقت بمنطقة وأحرمت (2). 2 - كا: علي، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام أن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر، فأمرها رسول الله صلى الله عليه واله حين أرادت الاحرام من ذي الحليفة أن تحتشي بالكرسف والخرق، وتهل بالحج، فلما قدموا مكة وقد نسكوا المناسك وقد أتى لها ثمانية عشر يوما فأمرها رسول الله صلى الله عليه واله أن تطوف بالبيت وتصلي، ولم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك (3). 3 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: قطع رسول الله صلى الله عليه واله التلبية حين زاغت الشمس يوم عرفة (4). 4 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل عن الفضل، عن صفوان، عن معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن المشركين كانوا يفيضون من قبل أن تغيب الشمس، فخالفهم رسول الله صلى الله عليه واله فأفاض بعد غروب الشمس، وقال: " أيها الناس إن الحج ليس بوجيف الخيل، ولا إيضاع (5) الابل، ولكن اتقوا الله و سيروا سيرا جميلا، ولا توطؤا ضعيفا، ولا توطؤا مسلما " وكان صلى الله عليه واله يكف ناقته


(1) قال الجزرى: فيه انه امر المستحاضة ان تستثفر، هو ان تشد فرجها بخرقة عريضة بعدان تحتشى قطنا وتوثق طرفيها في شئ تشده على وسطها فتمنع بذلك سيل الدم، وهو مأخوذ من ثفر الدابة يجعل تحت ذنبها. (2) فروع الكافي 1: 287 و 288. (3) فروع الكافي 1: 289. (4) فروع الكافي 1: 292 ذيله: وكان على بن الحسين عليه السلام يقطع التلبية إذا زاغت الشمس يوم عرفة، قال أبو عبد الله عليه السلام: فإذا قطعت التلبية فعليك بالتهليل والتحميد و التمجيد والثناء على الله عز وجل. (5) الوجيف: السير السريع. وأوضع البعير: جعله يسرع في سيره.

[380]

حتى يصيب رأسها مقدم الرحل، ويقول: أيها الناس عليكم بالدعة. والخبر مختصر (1). 5 - كا: العدة، عن سهل، عن البزنطي، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: إن رسول الله لما كان يوم النحر أتاه طوائف من المسلمين فقالوا: يا رسول الله ذبحنا من قبل أن نرمي وحلقنا من قبل أن نذبح، ولم يبق شئ مما ينبغي لهم أن يقدموه إلا أخروه، ولا شئ مما ينبغى لهم أن يؤخروه إلا قدموه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: لا حرج لا حرج (2). 6 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن إسماعيل بن همام قال: قال أبو الحسن عليه السلام: دخل النبي صلى الله عليه واله الكعبة فصلى في زواياها الاربع، صلى في كل زاوية ركعتين (3). 7 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن ابي عمير، عن معاوية بن عمار (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم يدخل الكعبة رسول الله صلى الله عليه واله إلا يوم فتح مكة (5). 8 - ل: الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، عن عبد الله بن محمد بن عبد - الكريم (6)، عن ابن عوف، عن مكي بن إبراهيم، عن موسى بن عبيدة، عن صدقة ابن يسار، عن عبد الله بن عمر قال: نزلت هذه السورة: " إذا جاء نصر الله والفتح (7) " على رسول الله صلى الله عليه واله في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فركب راحلته لعضباء فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس كل دم كان في الجاهلية فهو هدر وأول دم هدر دم الحارث بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في هذيل (8) فقتله


(1) فروع الكافي 1: 294. (2) فروع الكافي 1: 303. (3) فروع الكافي 1: 309. (4) في المصدر: على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير ومحمد بن اسماعيل عن الفضل ابن شاذان عن صفوان وابن أبى عمير عن معاوية بن عمار. (5) فروع الكافي 1: 309. (6) في المصدر: ابن أخى ابى زرعة، عن ابن عون. (7) سورة النصر. (8) في بنى هذيل خ ل.

[381]

بنو الليث - أو قال: كان مسترضعا في بني ليث فقتله هذيل - وكل ربا كان في الجاهلية فموضوع، وأول ربا وضع ربا العباس بن عبد المطلب، أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئة يوم خلق الله السماوات والارضين، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حرم: رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان: وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، فإن النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله، وكانوا (1) يحرمون المحرم عاما، و يستحلون صفر، ويحرمون صفر عاما ويستحلون (2) المحرم، أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلادكم آخر الابد، ورضي منكم بمحقرات (3) الاعمال أيها الناس من كانت عنده وديعة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، أيها الناس إن النساء عندكم عوان لا يملكن لانفسهن ضرا ولا نفعا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فلكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن أن لا يواطؤا (4) فرشكم ولا يعصينكم في معروف، فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ولا تضربوهن، أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله عز وجل فاعتصموا به، يا أيها الناس أي يوم هذا ؟ قالوا: يوم حرام، ثم قال: يا أيها الناس فأي شهر هذا ؟ قالوا: شهر حرام، ثم قال: أيها الناس أي بلد هذا ؟ قالوا: بلد حرام، قال: فان الله عز وجل حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه، ألا فليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبي بعدي، ولا امة بعدكم، ثم رفع يديه حتى أنه ليرى بياض إبطيه، ثم قال:


(1) فكانوا خ ل. (2) لعل هذه الجملة من الراوى. (3) بمحرقات خ ل. (4) استظهر المصنف ان الصحيح: (ان لا بوطئن) وهو كذلك، يوجد ذلك في سيرة ابن هشام.

[382]

اللهم اشهد أني قد بلغت (1). بيان: قال الجزري: فيه إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والارض، يقال: دار يدور، واستدار يستدير، بمعنى إذا طاف حول الشئ، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، ومعنى الحديث أن العرب كانوا يؤخرون المحرم إلى صفر وهو النسئ ليقاتلوا فيه فينتقل المحرم من شهر إلى شهر حتى يجعلوه في جميع شهور السنة، فلما كانت تلك السنة كان قد عاد إلى زمنه المخصوص به قبل النقل ودارت السنة كهيئتها الاولى. وقال: أضاف رجبا إلى مضر لانهم كانوا يعظمونه خلاف غيرهم، فكأنهم اختصوا به. وقوله: بين جمادى و شعبان تأكيد للبيان والايضاح، لانهم كانوا ينسؤنه ويؤخرونه من شهر إلى شهر فيتحول عن موضعه المختص به، فبين لهم أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا ما كانوا يسمونه علي حساب النسئ. وقال: العاني: الاسير، وكل من ذل و استكان وخضع فهو عان، والمرأة عانية، وجمعها عوان، ومنه الحديث، اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، أي اسراء أو كالاسراء. قوله صلى الله عليه واله: بأمانة الله، أي بأن جعلكم أمينا عليهن، وأمركم بحفظهن فهن ودايع الله عندكم. وقال الطيبي في شرح المشكاة: أي بعهده وهو ما عهد إليهم من الرفق و الشفقة، وقال في قوله: بكلمات الله، هو قوله: " فانكحوا ما طاب لكم " وقيل بالايجاب والقبول، وقيل: بكلمة التوحيد إذ لا تحل المسلمة لكافر. أقول: سيأتي معنى آخر في الخبر في كتاب النكاح، وسيأتي تلك الخطبة بأسانيد في باب خطب النبي صلى الله عليه واله وباب المناهي إنشاء الله تعالى. 9 - ما: حمويه بن علي، عن محمد بن محمد بن بكر، عن الفضل بن حباب، عن مكي بن مروك (2) الاهوازي، عن علي بن بحر، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن


(1) الخصال 2: 84 أقول: ذكر الخطبة ابن هشام في السيرة 4: 275 وزاد ونقص راجعه. (2) في نسختي المصححة: مردك.

[383]

محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فلما انتهينا إليه سأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت: أنا محمد بن علي بن الحسين فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الاعلى وزري الاسفل، ثم وضع كفه بين ثديي وقال: مرحبا بك، و أهلا يا ابن أخي، سل ما شئت، فسألته وهو أعمى فجاء وقت الصلاة فقام في نساجة فالتحف بها فلما وضعها (1) على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه واله، فقال بيده فعقد تسعا، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه واله حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه واله ويعمل ما عمله، فخرج وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فذكر الحديث، وقدم علي من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه واله فوجد فاطمة فيمن أحل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر علي ذلك عليها، فقالت: أبي صلى الله عليه واله أمرني بهذا، وكان علي عليه السلام يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه واله محرشا على فاطمة بالذي صنعت (2)، مستفتيا رسول الله صلى الله عليه واله بالذي ذكرت عنه فأنكرت ذلك قال: صدقت، صدقت (3). بيان: قال الجزري: النساجة: ضرب من الملاحف منسوجة كإنها سميت بالمصدر، وقال: المشجب بكسر الميم: عيدان تضم رؤسها وتفرج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب، وقال: في حديث علي عليه السلام في الحج: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه واله محرشا على فاطمة، أراد بالتحريش هيهنا ذكر ما يوجب عتابه لها، وأصله الاغراء والتهييج. 10 - عم شا (4): لما أراد رسول الله صلى الله عليه واله التوجه إلى الحج وأداء فرض الله


(1) كلما وضعها. (2) في المصدر: في الذى صنعت. (3) مجالس ابن الشيخ: 256. (4) هكذا في نسخة المصنف وغيره، ولعل ذكر (عم) مع ما يذكره بعد ذلك لاوجه له، و هو وهم منه.

[384]

تعالى فيه (1) أذن في الناس به، وبلغت دعوته إلى أقاصي بلاد الاسلام (2) فتجهز الناس للخروج معه، وحضر المدينة من ضواحيها ومن حولها ويقرب (3) منها خلق كثير، وتهيئوا (4) للخروج معه، فخرج صلى الله عليه واله بهم لخمس بقين من ذي القعدة، وكاتب أمير المؤمنين عليه السلام بالتوجه إلى الحج من اليمن ولم يذكر له نوع الحج الذي قد عزم عليه وخرج صلى الله عليه واله قارنا للحج بسياق الهدي، وأحرم عليه السلام من ذي الحليفة، وأحرم الناس معه، ولبى من عند الميل الذي بالبيداء فاتصل ما بين الحرمين بالتلبية حتى انتهى إلى كراع الغميم، وكان الناس معه ركبانا ومشاة، فشق على المشاة المسير، وأجهد هم السير والتعب (5) فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه واله واستحملوه، فأعلمهم أنه لا يجد لهم ظهرا، وأمرهم أن يشدوا على أوساطهم، ويخلطوا الرمل بالنسل، ففعلوا ذلك و استراحوا إليه، وخرج أمير المؤمنين عليه السلام بمن معه من العسكر الذي كان صحبه إلى اليمن، ومعه الحلل الذي (6) كان أخذها من أهل نجران، فلما قارب رسول الله صلى الله عليه واله إلى مكة من طريق المدينة قاربها أمير المؤمنين عليه السلام من طريق اليمن، و تقدم الجيش للقاء النبي صلى الله عليه واله، وخلف عليهم رجلا منهم، فأدرك النبي صلى الله عليه واله و قد أشرف على مكة فسلم عليه وخبره بما صنع، وبقبض ما قبض، وأنه سارع للقائه أمام الجيش، فسر رسول الله صلى الله عليه واله لذلك (7) وابتهج بلقائه، وقال له: بم أهللت يا علي ؟ فقال: يا رسول الله إنك لم تكتب لي (8) بإهلالك ولا عرفته (9) فعقدت نيتي بنيتك، فقلت: اللهم إهلالا كإهلال نبيك، وسقت معي من البدن


(1) في المصدر: واداء ما فرض الله عليه فيه (2) بلاد أهل الاسلام خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) وبقرب خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) وأهبوا خ ل أقول: في المصدر: وتأهبوا وتهيؤا. (5) والتعب به خ ل. (6) الحلل التى خ ل. (7) بذلك خ ل. (8) إلى خ ل. (9) ولا عرفتنيه خ ل.

[385]

أربعا وثلاثين بدنة، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: الله أكبر، قد سقت أنا ستا وستين وأنت شريكي في حجي ومناسكي وهديي، فأقم على إحرامك، وعد إلى جيشك فعجل بهم إلي حتى نجتمع بمكة إن شاء الله، فودعه أمير المؤمنين عليه السلام وعاد إلى جيشه فلقيهم عن قرب فوجدهم قد لبسوا الحلل التي كانت معهم، فأنكر ذلك عليهم، وقال للذي كان استخلفه عليهم (1): ويلك ما دعاك إلى أن تعطيهم الحلل من قبل أن ندفعها إلى رسول الله صلى الله عليه واله (2) ولم أكن أذنت لك في ذلك ؟ فقال: سألوني أن يتجملوا بها ويحرموا فيها ثم يردوها علي، فانتزعها أمير المؤمنين عليه السلام من القوم وشدها في الاعدال فاضطغنوا ذلك (3) عليه، فلما دخلوا مكة كثرت شكاياهم (4) من أمير المؤمنين عليه السلام، فأمر رسول الله صلى الله عليه واله مناديا (5) فنادى في الناس: " ارفعوا ألسنتكم عن علي بن أبي طالب فإنه خشن في ذات الله عز وجل، غير مداهن في دينه " فكف القوم عن ذكره وعلموا مكانه من النبي صلى الله عليه واله وسخطه على من رام الغميزة فيه، وأقام أمير المؤمنين عليه السلام على إحرامه تأسيا برسول الله صلى الله عليه واله وكان قد خرج مع النبي صلى الله عليه واله كثير من المسلمين بغير سياق هدى، فأنزل الله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله (6) " وقال رسول الله صلى الله عليه واله: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " وشبك إحدى أصابع يديه على الاخرى (7) ثم قال عليه السلام: " لو استقبلت من أمري ما استدبرته (8) ما سقت الهدي " ثم أمر مناديه أن ينادي (9): " من لم يسق منكم هديا فليحل وليجعلها عمرة، ومن ساق منكم هديا فليقم على إحرامه " فأطاع في ذلك بعض الناس، وخالف بعض، وجرت خطوب بينهم فيه، وقال منهم قائلون: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أشعث أغبر نلبس الثياب


(1) فيهم خ ل. (2) النبي خ ل. (3) لذلك خ ل. (4) شكايتهم خ ل. (5) مناديه خ ل. (6) البقرة: 196. (7) بين اصابع احدى يديه بالاخرى خ ل. (8) ما استدبرت خ ل. (9) فنادى خ ل. (*)

[386]

ونقرب النساء وندهن ؟ وقال بعضهم: أما تستحيون تخرجون (1) رؤسكم تقطر من الغسل ورسول الله صلى الله عليه واله على إحرامه ؟ فأنكر رسول الله صلى الله عليه واله على من خالف في ذلك. وقال: " لولا أني سقت الهدي لاحللت، وجعلتها عمرة، فمن لم يسق هديا فليحل " فرجع قوم وأقام آخرون على الخلاف، وكان فيمن أقام على الخلاف (2) عمر بن الخطاب، فاستدعاه رسول الله صلى الله عليه واله وقال: " مالي أراك يا عمر محرما ؟ أسقت هديا (3) ؟ " قال: لم أسق، قال: " فلم لا تحل وقد أمرت من لم يسق (4) بالاحلال ؟ " فقال: والله يا رسول الله لا أحللت وأنت محرم، فقال له النبي صلى الله عليه واله: " إنك لن تؤمن بها حتى تموت " فلذلك أقام على إنكار متعة الحج حتى رقا المنبر في إمارته فنهى عنها نهيا مجددا وتوعد عليها بالعقاب. ولما قضى رسول الله صلى الله عليه واله نسكه أشرك عليا عليه السلام في هديه، وقفل إلى المدينة وهو معه والمسلمون حتى انتهى إلى الموضع المعروف بغدير خم وليس بموضع إذ ذاك يصلح للمنزل (5) لعدم الماء فيه والمرعى، فنزل عليه السلام في الموضع ونزل المسلمون معه، وكان سبب نزوله في هذا المكان نزول القرآن عليه بنصبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خليفة في الامة من بعده، وقد كان تقدم الوحي إليه في ذلك من غير توقيت له، فأخره لحضور وقت يأمن فيه الاختلاف منهم عليه، وعلم الله عز وجل أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلدانهم (6) وأماكنهم وبواديهم، فأراد الله أن يجمعهم لسماع النص على أمير المؤمنين عليه السلام و تأكيد الحجة عليهم (7) فيه، فأنزل الله تعالى (8): " يا أيها الرسول بلغ ما انزل


(1) ان تخرجوا خ ل. (2) على الخلاف للنبى خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) الهدى خ ل. (4) من لم يسق الهدى خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) للنزول خ ل. (6) بلادهم خ ل. (7) تأكيدا للحجة عليهم. (8) فأنزل الله تعالى عليه خ ل.

[387]

إليك من ربك " يعني في استخلاف علي عليه السلام والنص بالامامة عليه " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس (1) " فأكد الفرض عليه بذلك وخوفه من تأخير الامر فيه، وضمن له العصمة ومنع الناس منه، فنزل رسول الله صلى الله عليه واله المكان الذي ذكرناه، لما وصفناه من الامر له بذلك وشرحناه، ونزل المسلمون حوله، وكان يوما قايظا شديد الحر، فأمر عليه السلام بدوحات (2) فقم ما تحتها وأمر بجمع الرحال في ذلك المكان، ووضع بعضها فوق بعض، ثم أمر مناديه فنادى في الناس: " الصلاة جامعة " فاجتمعوا من رحالهم إليه وإن أكثرهم ليلف رداءه على قدميه من شدة الرمضاء (3) فلما اجتمعوا صعد على تلك الرحال حتى صار في ذروتها، ودعا أمير المؤمنين عليه السلام فرقى معه حتى قام عن يمينه، ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ فأبلغ في الموعظة، ونعى إلى الامة نفسه، وقال: " قد دعيت (4) ويوشك أن اجيب وقدحان مني خفوق من بين أظهركم وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي (5): كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما (6) لن يفترقا حتى يردا على الحوض " ثم نادى بأعلى صوته: " ألست أولى بكم منكم بأنفسكم ؟ (7) " قالوا: اللهم بلى، فقال لهم على النسق من غير فصل وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين (8) عليه السلام فرفعهما حتى بان بياض إبطيهما: (9) " فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله " ثم نزل صلى الله عليه واله وكان وقت الظهيرة فصلى ركعتين ثم زالت الشمس فأذن موذنه لصلاة الظهر (10) فصلى بهم الظهر وجلس عليه السلام في خيمته وأمر عليا عليه السلام أن يجلس في خيمة له بإزائه، ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجا فوجا فيهنؤه


(1) المائدة 67. (2) في المصدر: بدوحات هناك. (3) من شدة الحر خ ل. (4) في المصدر: انى قد دعيت. (5) لم يذكر جملة (من بعدى) في المصدر. (6) وانهما خ ل. (7) من أنفسكم خ ل. (8) على خ ل. (9) وقال: من خ ل. (10) لصلاة الفرض خ ل.

[388]

بالمقام، ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلهم، ثم أمر أزواجه و سائر نساء (1) المؤمنين معه أن يدخلن عليه ويسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن، و كان فيمن (2) أطنب في تهنيته بالمقام عمر بن الخطاب، وأظهر له من المسرة به و قال فيما قال: بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وجاء حسان بن ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله أتأذن (3) لي أن أقول في هذا المقام ما يرضاه الله ؟ فقال له: قل يا حسان على اسم الله، فوقف على نشز من الارض وتطاول المسلمون (4) لسماع كلامه فأنشأ يقول. يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول (5) مناديا وقال: فمن مولاكم ووليكم ؟ * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا إلهك مولانا وأنت ولينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا فقال له: قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أتباع (6) صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: " لا تزال يا حسان مويدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك " وإنما اشترط رسول الله صلى الله عليه واله في الدعاء له، لعلمه عليه السلام بعاقبة أمره في الخلاف، ولو علم سلامته في مستقبل الاحوال لدعا له على الاطلاق، ومثل ذلك ما اشترط الله تعالى في مدح أزواج النبي صلى الله عليه واله ولم يمدحهن بغير اشتراط لعلمه أن منهن من تتغير بعد الحال عن الصلاح الذي تستحق عليه المدح والاكرام فقال: " يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن (7) " ولم يجعلهن في ذلك حسب ما جعل أهل بيت النبي صلى الله عليه واله في محل الاكرام والمدحة، حيث بذلوا قوتهم لليتيم والمسكين (8) والاسير فأنزل الله سبحانه في علي وفاطمة والحسن و


(1) وجميع ازواج خ. (2) ممن أطنب خ ل. (3) ائذن خ ل. (4) الناس خ ل. (5) للرسول خ ل. (6) انصار صدق خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (7) الاحزاب: 32. (8) للمسكين واليتيم.

[389]

الحسين عليهم السلام وقد آثروا على أنفسهم مع الخصاصة التي كانت بهم فقال تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (1) " فقطع لهم بالجزاء، ولم يشترط لهم كما اشترط لغيرهم لعلمه باختلاف الاحوال على ما بيناه (2). بيان: ضاحية كل شئ: ناحيته البارزة. وقال الجزري: رمل يرمل رملا: أسرع في السير وهز منكبه. وقال: النسل والنسلان: الاسراع في المشي. و خفق النجم خفوقا: غاب. والضبع: العضد. والنشز بالفتح: المرتفع من الارض قوله: وأسمع صيغة تعجب، كقوله تعالى: " أسمع بهم وأبصر (3) ". 11 - سر: قال ابن محبوب في كتابه: خرج رسول الله صلى الله عليه واله من المدينة لاربع بقين من ذي القعدة، ودخل لاربع مضين من ذي الحجة، ودخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين، وخرج من (4) أسفلها. 12 - عم: خرج رسول الله صلى الله عليه واله من المدينة متوجها إلى الحج في السنة العاشرة لخمس بقين من ذي القعدة، وأذن في الناس بالحج، فتجهز الناس للخروج معه، وحضر المدينة من ضواحيها ومن جوانبها خلق كثير، فلما انتهى إلى ذي الحليفة ولدت هناك أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأقام تلك الليلة من أجلها وأحرم من ذي الحليفة وأحرم الناس معه، وكان قارنا للحج بسياق الهدي، ساق معه ستا وستين بدنة، وحج علي عليه السلام من اليمن وساق معه أربعا وثلاثين بدنة وقد روي أيضا عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله ساق في حجه مائة بدنة، فنحر نيفا وستين، ثم أعطى عليا فنحر نيفا " وثلاثين.


(1) الانسان 8 - 12. (2) الارشاد: 89 - 93. اعلام الورى: 80. (3) مريم: 38 (4) السرائر: 477.

[390]

أقول: وساق الخبر بتمامه من قصة الجيش والامر بالعدول إلى العمرة وإنكار عمر ذلك، وقصة الغدير مثل ما ساقه المفيد رحمه الله إلى أن قال: ولم يبرح رسول الله صلى الله عليه واله من المكان حتى نزل " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا (1) " فقال: الحمد لله على كمال الدين، وتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي (2). 13 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثم أنزل الله عزوجل عليه: " و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (3) " فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول الله يحج في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والاعراب، واجتمعوا لحج رسول الله صلى الله عليه واله وإنما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون به ويتبعونه (4) أو يصنع شيئا فيصنعونه، فخرج رسول الله صلى الله عليه واله في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة زالت الشمس فاغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلى فيه الظهر، ثم عزم بالحج مفردا (5)، وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الاول فصف له سماطان فلبى بالحج مفردا، وساق الهدي ستا وستين - أو أربعا وستين - حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجة (6)، فطاف بالبيت سبعة أشواط، ثم صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام، ثم عاد إلى الحجر فاستلمه وقد كان استلمه في أول طوافه، ثم قال: إن الصفا والمروة من شعائر الله، فأبدأ (7) بما بدأ الله


(1) المائدة: 3. (2) إعلام الورى: 80 - 82 (ط 1)، 137 - 140 (ط 2) راجعه. (3) الحج: 27. (4) فيتبعونه خ ل. (5) ثم عزم على الحج منفردا. (6) أي في آخر اليوم الرابع من ذى الحجة. (7) فابدؤا خ ل.

[391]

عز وجل به، وإن المسلمين كانوا يظنون أن السعي بين الصفا والمروة شئ صنعه المشركون فأنزل الله عز وجل: " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما (1) " ثم أتى الصفا فصعد عليه واستقبل الركن اليماني فحمد الله وأثنى عليه، ودعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسلا، ثم انحدر إلى المروة فوقف عليهما كما وقف على الصفا، ثم انحدر ودعا إلى الصفا فوقف (2) عليها، ثم انحدر إلى المروة حتى فرغ من سعيه، فلما فرغ من سعيه وهو على المروة أقبل على الناس بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن هذا جبرئيل - وأومأ بيده إلى خلفه - يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم، ولكني سقت الهدي، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله " قال: فقال له رجل (3) من القوم: لنخرجن خجاجا ورؤسنا وشعورنا تقطر ؟ فقال له رسول الله: " أما إنك لن تؤمن (4) بهذا أبدا " فقال له سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول الله علمنا ديننا كأنا (5) خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به ألعامنا هذا أم لما يستقبل ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: " بل هو للابد إلى يوم القيامة " ثم شبك أصابعه وقال: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". قال: وقدم علي عليه السلام من اليمن على رسول الله صلى الله عليه واله وهو بمكة فدخل على فاطمة عليها السلام وهي قد أحلت، فوجد ريحا طيبا ووجد عليها ثيابا مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة ؟ فقالت: أمرنا بهذا رسول الله صلى الله عليه واله، فخرج علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه واله مستفتيا، فقال: يا رسول الله إني رأيت فاطمة قد أحلت وعليها ثياب مصبوغة


(1) البقرة: 158. (2) ووقف خ ل. (3) هو عمر بن الخطاب، على ما ورد في غيره من الروايات، وهو لم يؤمن بذلك حتى مات قال في خطبته: متعتان محللتان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا احرمهما واعاقب عليهما. (4) لم تؤمن خ ل. (5) كاننا خ ل.

[392]

فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " أنا أمرت الناس بذلك فأنت يا علي بما أهللت " ؟ قال: يا رسول الله إهلال (1) كإهلال النبي صلى الله عليه واله فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: " قر على إحرامك مثلي وأنت شريكي في هديي ". قال: ونزل رسول الله صلى الله عليه واله بمكة بالبطحاء هو وأصحابه ولم ينزل الدور، فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويهلوا بالحج، وهو قول الله عز وجل الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه واله " فاتبعوا ملة أبيكم إبراهيم (2) " فخرج النبي صلى الله عليه واله وأصحابه مهلين بالحج حتى أتوا (3) منى فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ثم غدا والناس معه، وكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه واله وقريش ترجوا أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله عز وجل عليه، " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله (4) يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم فلما رأت قريش أن قبة رسول الله صلى الله عليه واله قد مضت كأنه دخل في أنفسهم شئ للذي كانوا يرجون من الافاضة من مكانهم حتى انتهى إلى نمرة وهي بطن عرنة بحيال الاراك، فضربت قبته وضرب الناس أخبيتهم عندها فلما زالت الشمس خرج رسول الله صلى الله عليه واله ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثم صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين ثم مضى إلى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون أخفاف إلى جانبها فنحاها ففعلوا مثل ذلك، فقال: " أيها الناس ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف ولكن هذا كله " وأومأ بيده إلى الموقف، فتفرق الناس وفعل مثل ذلك بالمزدلفة (5)


(1) قلت: اهلالا. (2) فاتبعوه خ ل. أقول: هكذا في الكتاب، وفى المصدر: (فاتبعوا ملة ابيكم إبراهيم) وفيهما وهم ولعله من الراوى أو نساخ المصدر: والصحيح كما في المصحف الشريف: آل عمران 95 " فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ". (3) حتى أتى خ ل. (4) البقرة: 199. (5) في المزدلفة خ ل (*)

[393]

فوقف الناس حتى وقع القرص: قرص الشمس ثم أفاض وأمر الناس بالدعة (1) حتى انتهى إلى المزدلفة وهو المشعر الحرام، فصلى المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثم أقام حتى صلى فيها الفجر، وعجل ضعفاء بني هاشم بليل، و أمرهم أن لا يرموا الجمرة: جمرة العقبة حتى تطلع الشمس، فلما أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى، فرمى جمرة العقبة، وكان الهدي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه واله أربعة وستين - أو ستة وستين - وجاء علي عليه السلام بأربعة وثلاثين - أو ستة و ثلاثين - فنحر رسول الله صلى الله عليه واله ستة وستين ونحر علي عليه السلام أربعة وثلاثين بدنة، و أمر رسول الله صلى الله عليه واله أن يؤخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم ثم تطرح في برمة ثم تطبخ فأكل رسول الله صلى الله عليه واله وعلي وحسيا من مرقها ولم يعطيا لجزارين (2) جلودها ولا جلالها ولا قلائدها، وتصدق به، وحلق وزار البيت ورجع إلى منى و أقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق، ثم رمى الجمار ونفر حتى انتهى إلى الابطح فقالت له عايشة أترجع (3) نساؤك بحجة وعمرة معا، وأرجع بحجة فأقام بالابطح وبعث صلى الله عليه واله معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فأهلت بعمرة ثم جاءت وطافت بالبيت وصلت ركعتين عند مقام إبراهيم، وسعت بين الصفا والمروة ثم أنت النبي صلى الله عليه واله فارتحل من يومه ولم يدخل المسجد الحرام ولم يطف بالبيت ودخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين وخرج من أسفل مكة من ذوي طوى (4). بيان: العوالي: أما كن بأعالي أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية. قوله: منفردا، أي عن العمرة. و سماط القوم بالكسر: صفهم. قوله: أو أربعا، الترديد باعتبار اختلاف الروايات كما أومأ إليه في السند، قوله: " فاتبعوا ملة أبيكم " أقول: ليس في القرآن هكذا


(1) بالدعاء خ ل. أقول: الدعة. السكينة والوقار. (2) في المصدر: الجزارين. (3) في المصدر: فقالت له عايشة: يا رسول الله أترجع. (4) الفروع 1: 233 و 234.

[394]

بل في آل عمران " فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * إن أول بيت وضع للناس " (1) إلى آخر آيات الحج، وفي سورة الحج: " وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم (2) " الآية، فيمكن أن يكون في مصحفهم عليهم السلام الآية الاولى هكذا أو تكون زيادة " أبيكم " من النساخ، أو يكون نقلا بالمعني جمعا بين الآيتين، وفي بعض النسخ " فاتبعوه " فيكون إشارة إلى قوله تعالى: " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه (3) " أو إلى قوله: " وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه (4) " وما بعده إلى آية الحج (5)، أو هو بصيغة الماضي عطفا على " أنزله " من كلامه صلى الله عليه واله. وسلخ الشهر: مضى كانسلخ. قوله صلى الله عليه واله: بالدعة أي بالسكون والتأني وترك الايجاف. والجذوة: مثلثة: القطعة والبرمة بالضم قدر من الحجارة وحسا المرق: شربه شيئا بعد شئ. 14 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان، عن سعيد الاعرج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رسول الله صلى الله عليه واله عجل النساء ليلا من المزدلفة إلى منى، وأمر من كان منهن عليها هدي أن ترمي ولا تبرح حتى تذبح، ومن لم يكن عليها منهن هدي أن تمضي إلى مكة حتى تزور (6). 15 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن سعيد الاعرج عنه عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله أرسل معهن اسامة بن زيد (7). 17 - كا: علي، عن أبيه (8) ومحمد بن إسماعيل عن الفضل، عن ابن عمير وصفوان، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أمر رسول الله صلى الله عليه واله حين


(1) آل عمران: 95. (2) الحج: 78. (3) الانعام: 153. (4) الانعام: 155. (5) لم نعرف مراده من ذلك لان آية الحج مذكورة في سورة آل عمران، وليس في سورة الانعام آية تناسب ذلك. (6) فروع الكافي 1: 295. (7) فروع الكافي 1: 296. (8) في المصدر: على بن ابيه عن ابن ابى عمير.

[395]

نحر أن يؤخذ (1) من كل بدنة جذوة من لحمها ثم تطرح في برمة ثم تطبخ، و أكل رسول الله صلى الله عليه واله وعلي منها وحسيا من مرقها (2). 17 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن إسماعيل بن همام، عن أبي الحسن عليه السلام قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه واله حين غدا من منى في طريق ضب، ورجع ما بين المأزمين، وكان إذا سلك طريقا لم يرجع فيه (3). 18 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله حين حج حجة الاسلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشجرة فصلى بها ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء فأحرم منها، وأهل بالحج، وساق مائة بدنة، و أحرم الناس كلهم بالحج لا ينوون عمرة، ولا يدرون ما المتعة، حتى إذا قدم رسول الله صلى الله عليه واله مكة طاف بالبيت وطاف الناس معه، ثم صلى ركعتين عند المقام واستلم الحجر، ثم قال: " ابدأوا بما بدأ الله عز وجل به " فأتى الصفا فبدأ بها ثم طاف بين الصفا والمروة سبعا، فلما قضى طوافه عند المروة قام خطيبا فأمرهم أن يحلوا و يجعلوها عمرة، وهو شئ أمر الله عز وجل به، فأحل الناس وقال رسول الله صلى الله عليه واله " لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم " ولم يكن يستطيع أن يحل من أجل الهدي الذي كان معه، إن الله عز وجل يقول: " ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى (4) محله " فقال سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول الله علمنا كأنا خلقنا اليوم، أرأيت هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أو لكل عام (5) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: لابل للابد الابد (6)، وإن رجلا (7) قام فقال: يا رسول الله نخرج حجاجا ورؤسنا تقطر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:


(1) في المصدر: أن تؤخذ. (2) فروع الكافي 1: 302 (3) فروع الكافي 1: 234. (4) البقرة: 196. (5) ام لكل عام خ ل. (6) المصدر خال عن كلمة: الابد. (7) هو عمر بن الخطاب على ما في غيره من الروايات.

[396]

إنك لن تؤمن بهذا (1) أبدا. قال: وأقبل علي عليه السلام من اليمن حتى وافى الحج فوجد فاطمة عليها السلام قد أحلت، ووجد ريح الطيب، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه واله مستفتيا فقال رسول الله صلى الله عليه واله يا علي بأي شئ أهللت ؟ فقال: أهللت بما أهل به النبي صلى الله عليه واله فقال: " لا تحل أنت فأشركه في الهدي وجعل له سبعا (2) وثلاثين ونحر رسول الله صلى الله عليه واله ثلاثا (3) وستين ونحرها بيده ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلها في قدر واحدة، ثم أمر به فطبخ فأكل منه وحسا من المرق وقال: قد أكلنا منها الآن جميعا، والمتعة خير من القارن السائق، وخير من الحاج المفرد، قال: وسألته: ليلا أحرم رسول الله صلى الله عليه واله أم نهارا ؟ فقال: نهارا، قلت: أي ساعة (4) ؟ قال صلاة الظهر (5). 19 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ذكر رسول الله صلى الله عليه واله: الحج فكتب إلى من بلغه كتابه ممن دخل في الاسلام: إن رسول الله صلى الله عليه واله يريد الحج يؤذنهم بذلك ليحج من أطاق الحج، فأقبل الناس، فلما نزل الشجرة أمر الناس بنتف الابط، وحلق العانة، والغسل، والتجرد في إزار ورداء، أو إزار وعمامة ويضعها (6) على عاتقه لمن لم يكن له رداء، وذكر أنه حيث لبى قال: " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " وكان رسول الله صلى الله عليه واله يكثر " من ذي المعارج " وكان يلبي كلما لقي راكبا، أو علا أكمة، أو هبط واديا ومن آخر الليل وفي أدبار الصلوات، فلما دخل مكة دخل من أعلاها من العقبة، وخرج حين خرج من ذي طوى، فلما انتهى إلى باب المسجد استقبل الكعبة - وذكر ابن سنان أنه باب بني شيبة - فحمد الله، وأثنى عليه وصلى على أبيه إبراهيم، ثم أتى الحجر فاستلمه فلما


(1) بها خ ل. (2) في المصدر: وجعل له سبعة وثلاثين. (3) في المصدر: ثلاثة. (4) في المصدر: اية ساعة ؟. (5) فروع الكافي 1: 234 (6) خلى المصدر عن العاطف.

[397]

طاف بالبيت صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام ودخل زمزم فشرب منها ثم قال: " اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء وسقم " فجعل يقول ذلك وهو مستقبل الكعبة، ثم قال لاصحابه: ليكن آخر عهدكم بالكعبة استلام الحجر " فاستلمه ثم خرج إلى الصفا، ثم قال: " أبدأ (1) بما بدأ الله به " ثم صعد على الصفا (2) فقام عليه مقدار ما يقرأ الانسان سورة البقرة (3). 20 - كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: نحر رسول الله صلى الله عليه واله بيده ثلاثا (4) وستين ونحر علي عليه السلام ما غبر، قلت: سبعا (5) وثلاثين ؟ قال: نعم (6). بيان: لعل الاختلاف الواقع في عدد هديهما صلوات الله عليهما من الرواة أو ورد بعضها تقية، أو موافقة لروايات العامة إلزاما عليهم، وأما الاختلاف في سياق أمير المؤمنين عليه السلام وعدمه فيحتمل ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بالسياق من مكة إلى المواقف، وبعدمه عدم السياق من اليمن، أو أنه عليه السلام جاء بها معه ولكن لم يشعرها عند الاحرام، لعدم علمه عليه السلام بنوع الحج، فلذا أشركه صلى الله عليه واله في هديه، وكذا الاختلاف في عدد ما ساقه النبي صلى الله عليه واله من المائة وبضع وستين فيمكن أن يكون المراد بالمائة جميع ما ساقه، وبالستين ما ساقه لنفسه، لانه صلى الله عليه واله كان يعلم أن أمير المؤمنين عليه السلام يهل كاهلاله فساق البقية لاجله. 21 - ل: ابن بندار، عن أبي العباس الحمادي، عن أحمد بن محمد الشافعي عن عمه، عن داود بن عبد الرحمن، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه واله اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء من قابل، والثالثة من الجعرانة والرابعة مع حجته (7).


(1) ابدأوا خ ل. (2) إلى الصفا خ ل. (3) فروع الكافي 1: 234 و 235. (4) في المصدر: ثلاثة. (5) في المصدر: سبعة. (6) الفروع 1: 235. (7) الخصال 1: 93.

[398]

22 - ع: السناني والدقاق والمكتب والوراق والقطان جميعا عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي عن سليمان بن مهران قال: قلت لجعفر بن محمد عليه السلام: كم حج رسول الله ؟ صلى الله عليه واله فقال: عشرين حجة مستسرا (1) في كل حجة يمر بالمأزمين فينزل فيبول، فقلت: يا ابن رسول الله ولم كان ينزل هناك فيبول ؟ قال: لانه أول موضع عبد فيه الاصنام، ومنه أخذ الحجر الذي نحت منه هبل الذي رمى به علي عليه السلام من ظهر الكعبة لما علا ظهر رسول الله صلى الله عليه واله، فأمر بدفنه عند باب بني شيبة، فصار الدخول إلى المسجد من باب بني شيبة سنة لاجل ذلك. الخبر (2). بيان: لعل الاستسرار بالحج من قومه - مع أنهم كانوا لا ينكرون الحج - للنسئ، لانهم كانوا يحجون في غير أوانه، أو لمخالفة أفعاله لافعالهم للبدع التي أبدعوها في حجتهم، والاول أظهر. 23 - قب: البخاري حج النبي صلى الله عليه واله قبل النبوة وبعدها لا يعرف عددها ولم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع. وعن جابر الانصاري أنه حج ثلاث حجج: حجتين قبل الهجرة، وحجة الوداع. العلاء بن رزين وعمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حج رسول الله صلى الله عليه واله عشرين حجة. الطبري: عن ابن عباس اعتمر النبي صلى الله عليه واله أربع عمر: الحديبية، والقضاء والجعرانة، والتي مع حجته. معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام اعتمر رسول الله صلى الله عليه واله ثلاث عمر متفرقات ثم ذكر الحديبية والقضاء والجعرانة، وأقام بالمدينة عشر سنين، ثم حج حجة الوداع، ونصب عليا إماما يوم غدير خم (3).


(1) مستترا خ. (2) علل الشرائع: 154. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 152.

[399]

24 - سر: من جامع البزنطي عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام (1) يقولان: حج رسول الله صلى الله عليه واله عشرين حجة مستسرا، منها عشرة حجج - أو قال سبعة (2). الوهم من الراوي - قبل النبوة، وقد كان صلى قبل ذلك وهو ابن أربع سنين، وهو مع أبي طالب في أرض بصرى، وهو موضع كانت قريش تتجر إلى من مكة (3). 25 - كا: العدة عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن غياث بن ابراهيم عن جعفر (4) عليه السلام قال: لم يحج النبي صلى الله عليه واله بعد قدومه المدينة إلا واحدة، وقد حج بمكة مع قومه حجات (5). 26 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن عيسى الفراء عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حج رسول الله صلى الله عليه واله عشر حجات مستسرا، في كلها يمر بالمأزمين فينزل ويبول (6). بيان: الظاهر أنه كان عشرين، فوقع التصحيف من النساخ أو الرواة، كما روى هذا الخبر بعينه ابن فضال عن هذا الراوي بعينه، وفيه عشرين، على أنه يمكن أن يكون العشرون الحج والعمرة معا تغليبا، أو يكون المراد بالعشر ما كان بكلها مستسرا بسبب النسئ، وبالعشرين أعم منها ومما كان ببعض أعمالها مستسرا بسبب البدع. 27 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن يونس بن يعقوب، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حج رسول الله صلى الله عليه واله عشرين حجة (7). 28 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الذي كان على بدن


(1) في المصدر: وأبا عبد الله من بعده. (2) في المصدر: تسعة. (3) سرائر الاحكام: 469. (4) عن أبى جعفر عليه السلام خ. (5 - 7) الفروع 1: 233.

[400]

رسول الله صلى الله عليه واله ناجية بن جندب الخزاعي الاسلمي، والذي حلق رأس النبي صلى الله عليه واله في حجته معمر بن عبد الله بن حرابة (1) بن نصر بن غوث بن عويج بن عدي ابن كعب، قال: ولما كان في حجة رسول الله وهو يحلقه قالت قريش: أي معمر اذن رسول الله صلى الله عليه واله في يدك وفي يدك الموسى، فقال معمر: والله إني لاعده من الله فضلا عظيما علي، قال: وكان معمر هو الذي يرحل لرسول الله صلى الله عليه واله، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يا معمر إن الرحل الليلة لمسترخى، فقال معمر: بأبي أنت و امي لقد شددته كما كنت أشده، ولكن بعض من حسدني مكاني منك يا رسول الله صلى الله عليه واله أراد أن تستبدل بي، فقال رسول الله: ما كنت لافعل (2). بيان: موسى كفعلي: ما يحلق به. ورحل البعير أصغر من القتب، ورحلت البعير أرحله رحلا: شددت على ظهره الرحل. 29 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه واله ثلاث عمر متفرقات: عمرة في ذي القعدة أهل من عسفان وهي عمرة الحديبية، و عمرة أهل من الجحفة وهي عمرة القضاء، وعمرة أهل من الجعرانة بعد ما رجع من الطائف من غزوة جنين (3). بيان: المراد هنا العمر التي لم يكن مع الحج، لكن ظاهر أكثر أخبارنا أنه صلى الله عليه واله لم يعتمر في حجة الوداع، وخبر الاربع عامي، ورووه أيضا عن عائشة ورووا موافقا لهذا الخبر أيضا بأسانيد. 30 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن أبي نجران، عن العلا بن رزين، عن


(1) حرام خ ل أقول: في اسد الغابة: معمر بن عبد الله بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان ابن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب وقال ابن المدينى هو: معمر بن عبد الله بن نافع ابن نضلة. (2 و 3) فروع الكافي 1: 235.

[401]

عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أحج رسول الله صلى الله عليه واله غير حجة الوداع ؟ قال: نعم عشرين حجة (1). 31 - كا: العدة، عن سهل بن زيا، عن ابن فضال، عن عيسى الفراء، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حج رسول الله صلى الله عليه واله عشرين حجة مستسرة، كلها يمر بالمأزمين (2) فينزل فيبول (3). 32 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن جعفر بن سماعة ومحمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم جميعا، عن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه واله عمرة الحديبية، وقضى الحديبية من قابل ومن الجعرانة حين أقبل من الطائف ثلاث عمر، كلهن في ذي القعدة (4). 33 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر أن رسول الله صلى الله عليه واله اعتمر في ذي القعدة ثلاث عمر كل ذلك يوافق عمرته ذا القعدة (5). 34 - يب: أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن أسلم المكي، عن عامر بن واثلة أنه قيل له: كم حج رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قال: عشرا، أما سمعتم بحجة الوداع ؟ فهل يكون وداع إلا وقد حج قبله ؟ (6). 35 - كا: العدة، عن أحمد، عن الحسن بن علي، عن بعض أصحابنا، عن بعضهم عليهم السلام قال: أحرم رسول الله صلى الله عليه واله في ثوبي كرسف (7). 36 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان ثوبا رسول الله صلى الله عليه واله الذي أحرم فيهما يمانيين عبري وأظفار و فيهما كفن (8).


(1) فروع الكافي 1: 235. (2) المأزمان: مضيق بين جمع وعرفة، واخر بين مكة ومنى. (3) فروع الكافي 1: 235. فيه: ويبول. (4 و 5) فروع الكافي 1: 235. (6) تهذيب الاحكام: (7 و 8) فروع الكافي 1: 259.

[402]

37 - كا: علي، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه واله على كعب بن عجرة والقمل تتناثر من رأسه وهو محرم، فقال له: أيؤذيك هوامك ؟ فقال: نعم، فانزلت هذه الآية: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك (1) " فأمره رسول الله صلى الله عليه واله أن يحلق رأسه، وجعل الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدين، والنسك شاة (2). 38 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الكاهلي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: طاف رسول الله صلى الله عليه واله على ناقته العضباء وجعل يستلم الاركان بمحجنه، ويقبل المحجن (3). بيان: المحجن كمنبر: عصا معوجة الرأس. 39 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه واله حين فرغ من طوافه وركعتيه قال: أبدأ بما بدأ الله به من إتيان الصفا، إن الله عزوجل يقول: " إن الصفا والمروة من شعائر الله (4) " وقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان يقف على الصفا بقدر ما يقرأ سورة البقرة مترسلا (5). أقول: سيأتي سائر الاخبار في كتاب الحج، وباب نص الغدير إنشاء الله تعالى. 40 - وروى في المنتقى بإسناده إلى جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، أبي جعفر الباقر صلوات الله عليهما قال: دخلت (6) على جابر بن عبد الله الانصاري فسأل عن


(1) البقرة 196. (2) فروع الكافي 1: 263 و 264. فيه: لكل مسكين مدان. وللحديث ذيل يأتي في كتاب الحج. (3) فروع الكافي 1: 282 و 284. (4) البقرة: 158. (5) فروع الكافي 1: 284. (6) في المصدر: دخلنا.

[403]

القوم حتى انتهى إلي، فقلت: أنا محمد بن علي بن الحسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الاعلى، ثم نزع زري الاسفل، ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بك يا ابن أخي، سل عما شئت، فسألته وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة فقام في النساجة ملتحفا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفها (1) إليه من صغرها، ورداؤه على المشجب (2) فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه واله، فقال بيده فعقد تسعا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه واله حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه واله ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى إذا أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه واله كيف أصنع ؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، فصلى رسول الله صلى الله عليه واله ركعتين في المسجد، ثم ركب القصواء حتى استوت (3) ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، و عن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه واله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن (4) وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شئ عملنا به، فأهل بالتوحيد " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " وأهل الناس بهذا الذي يهلون، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه واله شيئا (5) منه، ولزم رسول الله صلى الله عليه واله تلبيته. قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف المعمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى (6) " فصلى فجعل المقام بينه وبين البيت.


(1) في المصدر: طرفاها. (2) في المصدر: ورداؤه إلى جنبه على المشجب. (3) في المصدر: حتى إذا استوت به ناقته. (4) في المصدر: نزل القرآن. (5) في المصدر: يهلون به. فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم شيئا منه. (6) البقرة: 125.

[404]

فكان أبي يقول - ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه واله: كان يقرأ في الركعتين قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله (1) " أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، و هو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه (2) على المروة قال: " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة " فقام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه واله: ألعامنا هذا أم للابد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه واله أصابعه واحدة في الاخرى وقال: " دخلت العمرة في الحج مرتين لابل لابد أبد " وقدم علي من اليمن ببدن النبي رسول الله صلى الله عليه واله فوجد فاطمة ممن أحل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها فقالت: أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه واله محرشا على فاطمة للذي صنعت ومستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وآله فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: صدقت صدقت، ما ذا قلت حين فرضت الحج ؟ قال: قلت: " اللهم إني اهل بما أهل به رسولك " قال: فإن معي الهدي فلا تحل، قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم (3) علي من اليمن والذي أتى به النبي صلى الله عليه واله مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه واله ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج


(1) البقرة: 158. (2) في المصدر. آخر طواف. (3) في المصدر: قدم به على.

[405]

وركب النبي صلى الله عليه واله فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه واله ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه واله حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت (1) بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع في دمائنا (2) دم ابن ربيعة بن الحارث " كان مسترضعا في بني سعد فقتله هذيل " وربا الجاهلية موضوعة، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله (3) ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون ؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: " اللهم اشهد، اللهم اشهد " ثلاث مرات، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه واله حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس (4) وأردف اسامة خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه واله وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: " أيها الناس السكينة السكينة " كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى أتى المزدلفة (5) فصلى


(1) في المصدر: قد ضربت له بنمرة. (2) في المصدر: من دمائنا. (3) في المصدر: بكلمة الله. (4) في المصدر: حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. (5) في المصدر: ارخى لها قليلا حتى تصعد حتى اتى المزدلفة.

[406]

بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه واله حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن العباس، وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه واله مرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه واله يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله صلى الله عليه واله يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة التي عند الشجرة (1) فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر (2)، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا عن لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه واله فأفاض إلى البيت وصلى (3) بمكة الظهر، فأتى على بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه (4). بيان: قال الكازروني: النساجة: الطيلسان وفي بعض الروايات: الساجة قوله: واستثفري مأخوذ من ثفر الدابة، وهو الذي يشد تحت ذنبها، قوله:


(1) في المصدر: تخرج على الجمرة الكبرى حتى اتى الجمرة التى عند الشجرة. (2) أي ما بقى. (3) في المصدر: فصلى. (4) المنتقى في مولد المصطفى: الباب العاشر فيما كان سنة عشر من الهجرة. ورواه أيضا مسلم في صحيحه 4: 36. قال: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة واسحاق بن إبراهيم جميعا عن حاتم قال أبو بكر: حدثنا حاتم بن اسماعيل المدنى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر ابن عبد الله ثم ذكر تمام الحديث. واخرج النسائي أيضا " قطعات من الحديث باسانيده إلى جعفر ابن محمد عن أبيه عليهما السلام في كتاب الحج من سننه.

[407]

انصبت، أي انحدرت، أي حتى إذا بلغ إلى موضع مستو يستوي قدماه على الارض بعد ما انحدر من العلو إلى الحدور. قوله: دم ابن ربيعة، قيل: هو ابن الحارث ابن عبد المطلب أخو أبي سفيان بن الحارث ابن عم النبي صلى الله عليه واله، كان مسترضعا في بني سعد كما كان رسول الله صلى الله عليه واله مسترضعا فيهم، وهو حارثة بن ربيعة، وقيل: أياس بن ربيعة، وإنما بدأ بإبطال الدم والربا من أهله وقرابته ليعلم أن ليس في الدين محاباة والنكت: الضرب على الوجه بشئ يؤثر فيها، وكأنه يريد به ههنا الاشارة، وقال الجزري: حبل المشاة، أي طريقهم الذي يسلكونه في الرمل وقيل: أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيها بحبل الرمل. قوله: شنق أي جذب زمامها إليه، والمورك: ثوب أو شئ يجعل بين يدي الرحل يوضع عليه الرحل. و الحبل بالحاء المهملة والباء الموحدة: المستطيل من الرمل والضخم منه، والظعن: النساء واحدتها ظعينة. 41 - وقال الكازروني: في حجة الوداع جئ بصبي إلى رسول الله صلى الله عليه واله يوم ولد فقال: من أنا ؟ فقال: رسول الله، فقال: صدقت بارك الله فيك، ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شب، وكان يسمى مبارك اليمامة. ثم قال في حوادث السنة العاشرة: وفيها مات باذان والي اليمن، ففرق رسول الله صلى الله عليه واله عملها بين شهر بن باذان (1) وعامر بن شهر الهمداني وأبي موسى الاشعري وخالد بن سعيد بن العاص ويعلى بن امية وعمرو بن حزم وزياد بن لبيد البياضي على حضر موت، وعكاشة بن ثور على السكاسك والسكون، وبعث معاذ بن جبل لاهل البلدين: اليمن وحضر موت، وقال له: " يا معاذ إنك تقدم على قوم أهل كتاب وإنهم سائلوك عن مفاتيح الجنة، فأخبرهم أن مفاتيح الجنة لا إله إلا الله وإنها تخرق كل شئ حتى تنتهي إلى الله عز وجل لا تحجب دونه، من جاء بها يوم القيامة مخلصا رجحت بكل ذنب " فقلت: (2) أرأيت ما سئلت عنه واختصم


(1) باذام خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر، والمروى باذان وباذام كلاهما. (2) في المصدر: فقال.

[408]

إلي فيه مما ليس في كتاب الله ولم أسمع منك سنة ؟ فقال: " تواضع لله يرفعك الله ولا تقضين إلا بعلم، فان أشكل عليك أمر فسل ولا تستحي، واستشر ثم اجتهد فإن الله عز وجل إن يعلم منك الصدق يوفقك، فإن التبس عليك فقف حتى تثبته أو تكتب إلي فيه، واحذر الهوى فإنه قائد الاشقياء إلى النار، وعليك (1) بالرفق ". أقول: هذا الخبر حجتهم في الاجتهاد، وأنت ترى عدم صراحته فيه، فإنه يحتمل أن يكون المراد السعي في تحصيل مدرك الحكم مع أن الخبر ضعيف تفردوا بروايته. ثم قال: وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه واله جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع ابن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع فأسلم وأسلمت امرأته ضريبة بنت أبرهة بن الصباح، وروى الرياشي عن الاصمعي قال: كاتب رسول الله صلى الله عليه واله ذا الكلاع من ملوك الطائف على يد جرير بن عبد الله يدعوه إلى الاسلام، وكان قد استقل أمره حتى ادعى الربوبية (2) فاطيع، ومات النبي صلى الله عليه واله فوفد على عمر ومعه ثمانية عشر آلاف عبد فأسلم على يده وأعتق من عبيده أربعة آلاف. وفيها أسلم فروة الجذامي، روي عن راشد بن عمرو الجذامي قال: كان فروة بن عمرو الجذامي عاملا للروم فأسلم، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه واله باسلامه وبعث به مع رجل من قومه يقال له: مسعود بن سعد، وبعث له بغلة بيضاء مع فرس وحمار وأثواب وقباء سندس مخوص (3) بالذهب، وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه واله: " من محمد رسول الله صلى الله عليه واله إلى فروة بن عمرو، أما بعد فقد قدم علينا رسولك، وبلغ ما أرسلت به، وخبر عما قبلكم، وأتانا بإسلامك، وأن الله هداك بهداه (4) ".


(1) ولا عليك ز ظ (2) في المصدر: وكان قد استعلى امره حتى إذا ادعى الربوبية. (3) أي منسوج به منه رحمه الله. (4) زادت في بعض المصادر زيادة في ذيله هي: ان اصلحت واطعت الله ورسوله واقمت الصلاة وآتيت الزكاة.

[409]

وأمر بلالا فأعطى رسوله اثنتى عشرة أوقية ونشا (1) وبلغ ملك الروم إسلام فروة فدعاه فقال له: ارجع عن دينك نملكك، قال: لا افارق دين محمد فإنك تعلم أن عيسى قد بشربه، ولكنك تضن بملكك، فحبسه ثم أخرجه فقتله وصلبه. وفيها: توفي إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه واله، ولد في ذي الحجة من سنة ثمان وتوفي في ربيع الاول من هذه السنة، ودفن بالبقيع، وانكسفت الشمس يوم موته فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموها (2) فعليكم بالدعاء حتى تكشف (3). وقال في وقايع السنة الحادية عشر: في هذه السنة قدم على رسول الله صلى الله عليه واله وقد النخع من اليمن للنصف من المحرم، وهم مائتا رجل مقرين بالاسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن، وهم آخر من قدم على رسول الله صلى الله عليه واله من الوفد (4). وفي هذه السنة استغفر رسول الله صلى الله عليه واله لاهل البقيع، روي عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه واله قال: أهبني رسول الله صلى الله عليه واله في المحرم مرجعه من حجه ولم أدر ما مضى من الليل أو ما بقي (5) فقال: انطلق فإني أمرت أن أستعفر لاهل هذا البقيع، فخرجت معه فاستغفر لهم طويلا، ثم قال ليهنكم ما أصبحتم فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الاولى، يابا مويهبة اعطيت خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فخيرت بين ذلك والجنة وبين لقاء ربي والجنة " فقلت: بأبي أنت وامي خذ خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة


(1) النش: النصف من كل شئ (2) في المصدر: رأيتموها. (3) قاله صلى الله عليه وآله عند قول اصحابه: انكسفت الشمس لموت إبراهيم. وذلك دليل على أنه صلى الله عليه وآله كان يتحرى الحقيقة اشد ما يمكن حتى كان لا يسكت عما يقال عنده ولا يقرره إن كان خلاف الحق ولو كان فيه نفعه. (4) في المصدر: من الوفود. (5) في المصدر: مرجعه من حجة الوداع وما ادرى ما مضى من الليل اكثر أو ما بقى.

[410]

فقال: " لا والله يابا مويهبه لقد اخترت (1) لقاء ربي والجنة " واشتكى بعد ذلك بأيام وفي رواية عنه أيضا: فما لبث بعد ذلك الاستغفار إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض. وفي هذه السنة كانت سرية اسامة بن زيد، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم (2) لاربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، فلما كان من الغد دعا اسامة بن زيد فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك، وأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فاغر صباحا على أهل ابني وحرق عليهم، فإن أظفرك الله بهم فاقلل اللبث فيهم، خذ معك الاداء والعيون (3) والطلائع أمامك، فلما كان يوم الاربعاء بدا رسول الله صلى الله عليه واله فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لاسامة لواء بيده ثم قال: " اغز بسم الله في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله " فخرج وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والانصار إلا انتدب في تلك الغزاة فيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة وقتادة بن النعمان، فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاولين ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه واله غضبا شديدا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة، وعليه قطيفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغني عن بعضكم في تأمير اسامة (6) ولئن طعنتم في تأميري اسامة فقد طعنتم في تأميري أباه قبله، و أيم الله إن كان للامارة خليقا، وإن ابنه من بعده لخليق للامارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم " ثم نزل فدخل بيته و ذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الاول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع اسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه واله ويمضون على العسكر (5).


(1) لقد أخذت خ ل. (2) زاد في المصدر: في يوم الاثنين. (3) في المصدر: خذ معك ادلاء وقدم العيون. (4) في المصدر: بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة. (5) في المصدر: إلى العسكر.

[411]

ثم ذكر تخلف القوم على ما سيأتي بيانه. قال: فلما بويع لابي بكر أمر بريدة باللواء إلى اسامة ليمضي لوجهه فمضى بريدة إلى معسكر هم الاول، فلما كان هلال ربيع الآخر سنة إحدى عشرة خرج اسامة فسار إلى أهل ابني عشرين ليلة فشن عليهم الغارة، فقتل من أشرف (1) له، وسبى من قدر عليه، وقتل قاتل أبيه، ورجع إلى المدينة، فخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونهم سرورا لسلامتهم، وفي مدة مرضه صلى الله عليه واله جاء الخبر بظهور مسيلمة والعنسي، وكانا يستغويان أهل بلادهما إلا أنه لم يظهر أمرهما إلا في حال مرض رسول الله صلى الله عليه واله، وكان صلى الله عليه واله قد لحقه مرض بعيد عوده من الحج ثم عوفي، ثم عاد فمرض مرض الموت، قال أبو مويهبة: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من حجه طارت الاخبار بأنه قد اشتكى، فوثب الاسود باليمن ومسيلمة باليمامة فأما الاسود العنسي فاسمه عهيلة (2) بن كعب، وكان كاهنا يشعبذ ويريهم الاعاجيب ويسمي منطقه قلب من يسمعه، وكان أول خروجه بعد حجة رسول الله صلى الله عليه واله فسار إلى صنعاء، فأخذها، فكتب فروة بن مسيك إلى رسول الله عليه وآله بخبره وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وآله على مراد، وخرج معاذ بن جبل هاربا حتى مر بأبي موسى الاشعري وهو بمارت (3) فاقتحما حضر موت، ورجع عمرو بن خالد إلى المدينة، وقتل شهر بن باذام (4) وتزوج امرأته، وكانت ابنة عم فيروز، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى نفر من الابناء رسولا، وكتب إليهم أن يحاولوا الاسود إما غيلة، وإما مصادمة، و أمرهم أن يستنجدوا رجالا سماهم لهم ممن حولهم من حمير وهمدان، وأرسل إلى اولئك النفر أن ينجدوهم، فدخلوا على زوجته فقالوا: هذا قد قتل أباك وزوجك فما عندك ؟ قالت: هو أبغض خلق الله إلي، وهو مجرد، والحرس محيطون بقصره إلا هذه البيت، فانقبوا عليه، فنقبوا، ودخل فيروز الديلمي فخالطه فأخذ برأسه فقتله، فخار خوار ثور فابتدر الحرس الباب فقالوا: ما هذا ؟ فقالت: النبي


(1) اشرق خ ل. (2) في المصدر: عيهلة. (3) في المصدر: وهو بمارب. (4) باذان خ ل.

[412]

يوحى إليه (1) ثم خمد، وقد كان يجئ إليه شيطان فيوسوس له فيغط ويعمل بما قاله، فلما طلع الفجر نادوا بشعارهم الذي بينهم ثم بالاذان وقالوا فيه: أشهد أن محمدا رسول الله، وأن عهيلة (2) كذاب، وشنوها غارة، وتراجع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أعمالهم، وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالخبر فسبق خبر السماء إليه فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله قبل موته بيوم أو بليلة فأخبر الناس بذلك، فقال: قتل الاسود البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: ومن هو ؟ قال: فيروز، فاز فيروز، ووصل الكتاب ورسول الله صلى الله عليه وآله قد مات إلى أبي بكر، وكان من أول خروجه إلى أن قتل نحو أربعة أشهر وفيروز قيل: إنه ابن اخت النجاشي وقيل: هو من أبناء فارس وأما مسيلمة بن حبيب الكذاب فكان يقال له: رحمن اليمامة، لانه كان يقول: الذي يأتيني اسمه رحمن، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله فيمن أسلم، ثم ارتد لما رجع إلى بلده، وكتب إلى رسول الله: " من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإن الارض لنا نصف، ولقريش نصف، ولكن قريش قوم يعتدون (3) " وبعث الكتاب مع رجلين، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله: أتشهدان أني رسول الله ؟ قالا: نعم قال: أتشهدان أن مسيلمة رسول الله، قالا: نعم إنه قد اشرك معك، فقال: لولا أن الرسول لا يقتل لضربت أعناقكما ثم كتب إليه: " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وقد أهلكت أهل حجر أبادك الله ومن صوب معك (4) ". وادعى مسيلمة أنه قد اشترك مع محمد صلى الله عليه وآله في النبوة، فأتته امرأة فقالت: ادع الله لنخلنا ولمائنا فإن محمدا دعا لقومه فجاشت آبارهم، قال: وكيف صنع ؟


(1) في المصدر: فقالت المرأة: النبي يوحى إليه فاليكم. (2) في المصدر، عيهلة. (3) في تاريخ اليعقوبي: انى اشركت معك فلك نصف الارض ولى نصفها ولكن قريش قوم لا يعدلون. (4) في المصدر: ومن صوت معك.

[413]

قالت: دعا بسجل فدعا لهم فيه، ثم تمضمض ومجه فيه فأفرغوه في تلك الآبار ففعل هو كذلك فغارت تلك المياه، وقال رجل: برك على ولدي، فإن محمدا يبرك على أولاد أصحابه، فلم يؤت بصبي مسح رأسه إلا قرع (1) وتوضأ مسيلمة في حائط فصب وضوءه فيه فلم ينبت، ووضع في الآخ عنهم الصلاة، وأحل لهم الخمر و الزنا ونحو ذلك، فاتفقت معه بنو حنيفة إلا القليل، وغلب على حجر اليمامة، و أخرج ثمامة بن اثال، وكتب ثمامة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بخبره، وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وآله على اليمامة، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله أرسل أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة، فلما بلغ اليمامة تقاتلوا، وكان عدد بني حنيفة يومئذ أربعين ألف مقاتل، فقتل من المسلمين ألف ومائتان، ومن المشركين نحو عشرين ألفا، و كانت بنو حنيفة حين رأت خذلانها تقول لمسيلمة: أين ما كنت تعدنا ؟ فيقول: قاتلوا عن أحسابكم، وقتل الله عز وجل مسيلمة، اشترك في قتله وحشي وأبو دجانة فكان وحشي يقول: قتلت خير الناس وشر الناس: حمزة ومسيلمة (2). بيان: في القاموس: السكاسك: حي باليمن، وقال الجوهري: السكون بالفتح: حي من اليمن، وفي النهاية: في حديث اسامة اغر على ابني صباحا، هي بضم الهمزة والقصر: اسم موضع من فلسطين: بين عسقلان والرملة، ويقال لها: يبنى بالياء، والعنس بالعين المهملة والنون: أبو قبيلة من اليمن، وبالباء الموحدة أيضا أبو قبيلة، وكذا في أكثر النسخ، لكن ابن الاثير ضبطه بالنون، وباذام في أكثر النسخ بالميم معرب بادام، وصححه الفيروز آبادي بالنون، وقال: الابناء: قوم من العجم سكنوا اليمن وقال الجوهري: صوبت الفرس: إذا أرسلته في الجري، وصوبه أي قال له: أصبت، واستصوب فعله.


(1) في المصدر: مسح رأسه أو حنكه إلا لثع وقرع. (2) المنتقى في مولد المصطفى: الباب الحادى عشر فيما كان سنة احدى عشرة من الهجرة.

[414]

* (مراجع التصحيح والتخريج) * بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد و آله الطاهرين. اما بعد فقد وفقنا الله تعالى وله الشكر والمنة لتصحيح الكتاب وتنميقه و تحقيق نصوصه وأسانيده ومراجعة مصادره ومآخذه مزدانا بتعاليق مختصرة لاغنى عنها وكان مرجعنا في المقابلة والتصحيح مضافا إلى اصول الكتاب والنسخة المطبوعة المشهورة بطبعة أمين الضرب والطبعة الحروفية، عدة نسخ مخطوطة جيدة في غاية الدقة والاتقان: منها النسخة الثمينة الاصيلة التي هي بخط المؤلف رضوان الله عليه تفضل بها العالم العامل حجة الاسلام الحاج السيد مهدي الصدر العاملي الاصبهاني صاحب الوعظ وإمام الجماعة في عاصمة طهران وهي مما ورثه من أبيه الفقيد السعيد الخطيب المشهور الحاج السيد صدر الدين العاملي رحمة الله عليه. ومنها نسخة مخطوطة بخط نعمة الله بن محمد مهدي الاصطهباناتي استكتبها عام 1278 ه‍ وقد رمزنا إليها ب " الف ". ومنها نسخة مخطوطة اخرى مصححة بتصحيح محمد محسن بن أبي تراب مؤرخة بعام 1226 وقد رمزنا إليها ب‍ " ب ". تفضل بهما الفاضل البارع الاستاذ المعظم السيد جلال الدين الارموي الشهير بالمحدث ويأتي مزيد توضيح بالنسبة إلى هاتين النسختين في الجزء الثاني والعشرين الذي يتم به تاريخ نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله إن شاء الله تعالى. وكان مرجعنا في تخريج أحاديثه وتعاليقه كتبا أو عزنا إليها في المجلدات السابقة. قم المشرقة - عبد الرحيم الربانى الشيرازي.

[415]

(بسمه تعالى وله الحمد) إلى هنا انتهى الجزء الحادي والعشرون من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة النفيسة وهو الجزء السابع من الملجد السادس في تاريخ نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله حسب تجزئة المصنف أعلى الله مقامه. وقد قابلناه وصححناه عند طبعها طبقا للنسخة التي صححها الفاضل المكرم الشيخ عبد الرحيم الرباني المحترم بما فيها من التعليق والتنميق والله ولي التوفيق. محمد الباقر البهبودى من لجنة التحقيق والتصحيح لدار الكتب الاسلامية * (رموز الكتاب) * ب: لقرب الاسناد. - بشا: لبشارة المصطفى. - تم: لفلاح السائل. ثو: لثواب الاعمال. - ج: للاحتجاج. - جا: لمجالس المفيد. جش: لفهرست النجاشي. - جع: لجامع الاخبار. - جم: لجمال الاسبوع. جنة: للجنة. - حة: لفرحة الغرى. - ختص: لكتاب الاختصاص. خص: لمنتخب البصائر. - د: للعدد. - سر: للسرائر. سن: للمحاسن. - شا: للارشاد. - شف: لكشف اليقين. شى: لتفسير العياشي. - ص: لقصص الانبياء. - صا: للاستبصار. صبا: لمصباح الزائر. - صح: لصحيفة الرضا (ع). - ضا: لفقه الرضا (ع). ضوء: لضوء الشهاب. - ضه: لروضة الواعظين. - ط: للصراط المستقيم. طا: لامان الاخطار. - طب: لطب الائمة. - ع: لعلل الشرائع. عا: لدعائم الاسلام. - عد: للعقائد. - عدة: للعدة. شى: لتفسير العياشي. - ص: لقصص الانبياء. - صا: للاستبصار. صبا: لمصباح الزائر. - صح: لصحيفة الرضا (ع). - ضا: لفقه الرضا (ع). ضوء: لضوء الشهاب. - ضه: لروضة الواعظين. - ط: للصراط المستقيم. طا: لامان الاخطار. - طب: لطب الائمة. - ع: لعلل الشرائع. عا: لدعائم الاسلام. - عد: للعقائد. - عدة: للعدة. عم: لاعلام الورى. - عين: للعيون والمحاسن. - غر: للغرر والدرر. غط: لغيبة الشيخ. - غو: لغوالي اللئالى. - ف: لتحف العقول. فتح: لفتح الابواب. - فر: لتفسير فرات بن ابراهيم - فس: لتفسير على بن ابرا هيم فض: لكتاب الروضة. - ق: للكتاب العتيق الغروى - قب: لمناقب ابن شهر آشو ب قبس: لقبس المصباح. - قضا: لقضاء الحقوق. - قل: لاقبال الاعمال. قية: للدروع. - ك: لاكمال الدين. - كا: للكافى. كش: لرجال الكشى. - كشف: لكشف الغمة. - كف: لمصباح الكفعمي. كنز: لكنز جامع الفوائد وتاويل الايات الظاهرة معا. - ل: للخصال. - لد: للبلد الامين. لى: لامالي الصدوق. - م: لتفسير الامام العسكري (ع). - ما: لامالي الطوسى. محص: للتمحيص. - مد: للعمدة. - مص: لمصباح الشريعة. مصبا: للمصباحين. - مع: لمعاني الاخبار. - مكا: لمكارم الاخلاق مل: لكامل الزيارة. - منها: للمنهاج. - مهج: لمهج الدعوات. ن: لعيون اخبار الرضا (ع). - نبه: لتنبيه الخاطر. - نجم: لكتاب النجوم. نص: للكفاية. - نهج: لنهج البلاغة. - نى: لغيبة النعماني. - هد: للهداية. يب: للتهذيب. - يج: للخرائج. - يد: للتوحيد. ير: لبصائر الدرجات. - يف: للطرائف. - يل: للفضائل. ين: لكتابي الحسين بن سعيد أو لكتابه والنوادر. - يه: لمن لا يحضره الفقيه.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية