الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 20

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 20


[ 1 ]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء العشرون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كيلو باترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنز ل 8307 11 - 830717 برقيا: التراث - تلكس 44632 / LE تراث

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم 11. (باب) * (ذكر جمل غزواته وأحواله صلى الله عليه وآله بعد غزوة) * * (بدر الكبرى إلى غزوة احد) * الآيات: الحشر " 59 ": كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم 15. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: أي مثلهم في اغترارهم بعددهم وقوتهم، و بقول المنافقين " كمثل الذين من قبلهم " يعني المشركين الذين قتلوا ببدر، وذلك قبل غزاة بني النضير بستة أشهر عن الزهري وغيره، وقيل: إن الذين من قبلهم قريبا هم بنو قينقاع عن ابن عباس، وذلك أنهم نقضوا العهد مرجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخرجوا، وقال عبد الله بن أبى: لا تخرجوا فإني آتي النبي صلى الله عليه وآله فأكلمه فيكم، أو أدخل معكم الحصن، فكان هؤلاء أيضا في إرسال عبد الله بن أبي إليهم ثم تركه نصرتهم كأولئك (1) " ذاقوا وبال أمرهم " أي عقوبة كفرهم " ولهم عذاب أليم " في الآخرة (2).


(1) في المصدر: ثم ترك نصرتهم كاولئك. (2) مجمع البيان 9: 264.

[ 2 ]

1 - قب، عم: لما رجع (1) رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة من بدر لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه، يريد بني سليم، حتى بلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا (2)، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وفادى في إقامته جل أسارى بدر من قريش. ثم كانت غزوة السويق (3)، وذلك أن أبا سفيان نذر أن لا يمس رأسه من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وآله فخرج في مائة (4) راكب من قريش ليبر يمينه حتى إذا كان على بريد من المدينة أتى بني النضير ليلا، فضرب على حي بن أخطب بابه فأبى أن يفتح له، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بني النضير، فاستأذن عليه فأذن له وساره (5)، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، وبعث رجالا من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية يقال لها: العريض فوجدوا رجلا من الانصار (6) وحليفا له فقتلوهما، ثم انصرفوا، ونذر (7) بهم الناس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ورجع وقد فاته أبو سفيان، ورأوا زادا من أزواد القوم قد طرحوها يتخففون منها للنجاء (8).


(1) الفاظ الحديث لاعلام الورى، واما المناقب ففيه اختلافات يطول ذكرها فنقتصر بذكر ما يهم. (2) يقال له غزوة بنى سليم. (3) في المناقب: وفي ذى الحجة غزا غزوة السويق وهو بدر الصغرى: ماء لكنانة، و كان موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية ايام وقيل: غزوة السويق، لان أبا سفيان كان نذر. (4) في السيرة والامتاع: في مائتي راكب. وزاد في الثاني: وقيل: في اربعين راكبا. (5) ساره: أي كلمه بسر. وفي السيرة: فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس. (6) في الامتاع: وهذا الانصاري هو معبد بن عمرو وفيه: ان القاتل أبو سفيان نفسه، وفيه: وحرق بيتين بالعريض وحرق حرثا لهم. (7) أي علموا واستعدوا لهم. (8) في المصدر: للنجاة. وفي السيرة: للنجاء.

[ 3 ]

(وكان فيها السويق فسميت غزوة السويق، ووافقوا السوق وكانت لهم تجارات (1)) فقال المسلمون حين رجع رسول الله صلى الله عليه وآله بهم: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أنطمع بأن تكون (2) لنا غزوة ؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم. ثم كانت غزوة ذي أمر بعد مقامه بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم مرجعه من غزوة السويق (3)، وذلك لما بلغه أن جمعا من غطفان قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة، عليهم رجل يقال له: دعثور بن الحارث بن محارب، فخرج في أربعمائة رجل وخمسين رجلا ومعهم أفراس وهرب منه الاعراب فوق ذرى الجبال، ونزل صلى الله وعليه وآله ذا أمر وعسكر به، وأصابهم مطر كثير، فذهب رسول الله صلى الله عليه وآله لحاجة فأصابه ذلك المطر فبل ثوبه، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وادي أمر بينه وبين أصحابه، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها، و الاعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت الاعراب لدعثور و كان سيدهم وأشجعهم: قد أمكنك محمد وقد انفرد من بين أصحابه حيث إن غوث بأصحابه لم يغث حتى تقتله فاختار سيفا من سيوفهم صارما ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه واله بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم ؟ قال: الله، ودفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول - الله صلى الله عليه وآله وقام على رأسه فقال: من يمنعك مني ؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا


(1) لم نجد في المصدر ما وضعناه بين الهلالين بل هو موجود في المناقب، والظاهر ان المصنف أدخل حديث المناقب في حديث اعلام الورى، والموجود في المناقب: فخشى أبو سفيان منه فالقى ما معه من الزاد والسويق، فسميت اه‍. (2) في المصدر: أن تكون. وفي السيرة: أتطمع لنا أن تكون غزوة ؟. (3) في المناقب: سنة ثلاث في صفر غزوة غطفان. وقال ابن هشام في السيرة: فلما رجع صلى الله عليه وآله من غزوة السويق اقام بالمدينة بقية ذى الحجة أو قريبا منها، ثم غزا نجدا يريد غطفان وهى غزوه ذى أمر: وأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ورجع إلى المدينة. وذكر المقريزى في الامتاع: 110 انه خرج في يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الاول على رأس خمسة وعشرين شهرا في قول الواقدي انتهى. أقول: ذو امر: من ناحية الخيل بنجد من ديار غطفان.

[ 4 ]

إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا، فأعطاه رسول الله صلى الله وعليه وآله سيفه، ثم أدبر، ثم أقبل بوجهه، ثم قال: والله لانت خير مني، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا أحق بذلك (1)، فأتى قومه، فقيل له: أينما كنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك ؟ قال: قد كان والله ذلك، ولكني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليه، وجعل يدعو قومه إلى الاسلام ونزلت هذه الآية: " يا أيها الذين (2) آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم " الآية (3). ثم كانت غزوة (4) القردة (5): ماء من مياه نجد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله زيد بن حارثة بعد رجوعه من بدر إلى المدينة بستة أشهر (6) فأصابوا عير القريش على القردة فيها أبو سفيان ومعه فضة كثيرة، وذلك لان قريشا (7) قد خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر، فسلكوا طريق العراق، واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له: فرات بن حيان يدلهم على الطريق، فأصاب زيد بن حارثة تلك العير وأعجزته الرجال هربا. وفي رواية الواقدي: أن ذلك العير مع صفوان بن أمية (8)، وأنهم قدموا


(1) منك خ ل. (2) المائدة: 11. (3) في الامتاع: وعاد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فكانت غيبته احد عشرة ليلة. (4) أراد سرية زيد بن حارثة. والمتداول في السير التعبير بالغزوة في حروب حضرها النبي صلى الله عليه وآله بنفسه، وبالسرية فيما كان لم يحضر. (5) والقردة: من ارض نجد بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق. (6) في الامتاع: سار [ أي زيد ] لهلال جمادى الاخرة على رأس سبعة وعشرين شهرا. (7) في المصدر: وذلك ان قريشا. (8) اختار الاول ابن إسحاق على ما في سيرة ابن هشام 2: 429، واختار الثاني المقريزى في الامتاع: 112 وقال في شرح ذلك: نكب صفوان بن امية عن الطريق، وسلك على جهة العراق

[ 5 ]

بالعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأسروا رجلا أو رجلين، وكان فرات بن حيان أسيرا فأسلم فترك من القتل. ثم كانت غزوة بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوال (1) على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وذلك أن رسول الله جمعهم وإياه سوق بني قينقاع، فقال لليهود: احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من قوارع الله فأسلموا فانكم قد عرفتم نعتي وصفتي في كتابكم، فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قومك فأصبت منهم، فإنا والله لو حاربناك لعلمت أنا خلافهم، فكادت تقع بينهم المناجزة (2)، ونزلت فيهم " قد كان لكم آية في فئتين التقتا " إلى قوله: " أولي الابصار (3) ". وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله حاصرهم ستة أيام (4) حتى نزلوا على حكمه،


يريد الشام بتجارة فيها أموال لقريش، خوفا من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعترضها، فقدم نعيم بن مسعود الاشجعى على كنانة بن أبى الحقيق في بنى النضير فشرب معه، ومعهم سليط ابن النعمان يشرب، ولم تكن الخمر حرمت، فذكر نعيم خروج صفوان في عيره وما معهم من الاموال، فخرج سليط من ساعته واخبر النبي صلى الله وعليه وآله، فارسل زيد بن الحارثة في مائة راكب فأصابوا العير وافلت اعيان القوم فقدموا بالعير فخمسها رسول الله صلى الله عليه وآله فبلغ الخمس عشرين الف درهم، وقسم ما بقى على أهل السرية. (1) زاد في الامتاع: وقيل في صفر سنة ثلاث، وجعلها محمد بن اسحاق بعد غزوة قرارة الكدر انتهى. أقول: ظاهر ابن هشام في السيرة انها بعد غزوه فرع من بحران. (2) في المصدرين: المشاجرة. وذكره ابن هشام والمقريزي في السيرة والامتاع باختلاف في الفاظه، وزادا: [ واللفظ من الثاني ] فبيناهم على ما هم عليه من اظهار العداوة ونبذ العهد جاءت امرأة رجل من الانصار إلى سوق بنى قينقاع فجلست عند صائغ في حلى لها [ في السيرة: فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت: فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ] فجاء أحد بنى قينقاع فحل درعها من وارئها بشوكة ولا تشعر، فلما قامت بدت عورتها فضحكوا بها فأتبعه رجل من المسلمين فقتله [ في السيرة فقتل الصائغ وكان يهوديا ] فاجتمع عليه بنو قينقاع وقتلوه ونبذوا العهد إلى النبي صلى الله عليه وآله وحاربوا وتحصنوا في حصنهم، فأنزل الله تعالى " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ان الله لا يحب الخائنين ". (3) آل عمران: 13 والصحيح: لاولى الابصار. (4) في الامتاع: فحاصرهم خمس عشرة ليلة.

[ 6 ]

فقام عبد الله بن أبي فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله موالي وحلفائي وقد منعوني من الاسود والاحمر ثلاثمائة دارع. وأربعمائة حاسر (1)، تحصدهم في غداة واحدة ؟ اني والله لا آمن وأخشى الدوائر، وكانوا حلفاء الخزرج دون الاوس، فلم يزل يطلب فيهم حتى وهبهم له، فلما رأوا ما نزل بهم من الذل خرجوا من المدينة و نزلوا أذرعات (2)، ونزلت في عبد الله بن أبي وناس من بني الخزرج: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " إلى قوله (3): " في أنفسهم نادمين (4). 2 - فس: " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (5) " فإنها نزلت بعد بدر، لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر أتى بني قينقاع وهم بناديهم (6). وكان بها سوق يسمى سوق النبط، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " يا معشر اليهود قد علمتم ما نزل بقريش وهم أكثر عددا وسلاحا وكراعا منكم، فادخلوا في الاسلام " فقالوا: يا محمد إنك تحسب حربنا مثل حرب قومك ؟ والله لو قد لقيتنا للقيت رجالا، فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آية في فئتين التقتا " يعني فئة المسلمين، وفئة الكفار، إنها عبرة لكم وإنه تهديد لليهود " فئة تقاتل في سبيل الله


(1) الحاسر: الذى لا درع له. (2) في الامتاع: وأمرهم صلى الله عليه وآله أن يجلوا من المدينة، فاجلاهم محمد بن مسلمة الانصاري، وقيل: عبادة بن الصامت، وقبض اموالهم، واخذ رسول الله صلى الله عليه وآله من سلاحهم ثلاث قسى، وهى الكتوم والروحاء والبيضاء، واخذ درعين: الصغدية وفضة، وثلاثة اسياف، وثلاثة ارماح، ووجدوا في منازلهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة، وخمس ما اصاب منهم وقسم ما بقى على اصحابه، فلحقوا باذرعات بنسائهم وذراريهم، فلم يلبثوا الا قليلا حتى هلكوا. (3) المائدة: 51 و 52. (4) اعلام الورى: 50 - 52 ط 1: و 87 - 90 ط 2 مناقب آل أبى طالب 1: 164 و 165. (5) آل عمران: 12. (6) النادى: مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه.

[ 7 ]

وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين " أي كانوا مثلي المسلمين " والله يؤيد بنصره من يشاء " يعني رسول الله يوم بدر " (1) إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار (2) ". 3 - أقول: قال في المنتقى في وقائع السنة الثانية من الهجرة: وفي هذه السنة كانت سرية عمير بن عدي بن خرشة إلى عصماء بنت مروان اليهودي لخمس ليال مضين من شهر رمضان (3)، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة، وكانت عصماء تعيب المسلمين وتؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله، وتقول الشعر، فجاء عمير حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها أيتام، منهم من ترضعه في صدرها، فنحى الصبي عنها ووضع سيفه في صدرها حتى أنفذه من ظهرها، وصلى الصبح (4) مع النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أقتلت ابنة مروان ؟ قال: نعم، قال: " لا ينتطح فيها عنزان " وكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي هذه السنة كانت غزوة بني قينقاع. أقول: وساق القصة نحو ما مر إلا أنه قال: حاصرهم خمس عشرة ليلة، قال: ثم أمر بإجلائهم وغنم رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون ما كان لهم من مال، وكان أول خمس خمس في الاسلام بعد بدر (5). 4 - وقال ابن الاثير: وكان الذي تولى إخراجهم عبادة بن الصامت، ثم ساروا إلى أذرعات من أرض الشام، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى هلكوا، وكان قد استخلف على المدينة أبا لبابة. وكان لواء رسول الله مع حمزة (6)، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) آل عمران: 12 و 13. (2) تفسير القمى: 88. (3) في الامتاع: لخمس بقين من رمضان. (4) في الامتاع: واتى فصلى الصبح. (5) المنتقى في مولود المصطفى: 116، الباب الثاني فيما كان في سنة اثنين من الهجرة. (6) زاد هنا في المصدر: وقسم الغنيمة بين أصحابه وخمسها، وكان اول خمس اخذه رسول الله صلى الله عليه وآله في قول.

[ 8 ]

وحضر الاضحى فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المصلى فصلى بالمسلمين وهي أول صلاة عيد صلاها، وضحى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله بشاتين، وقيل: بشاة، وكان أول أضحى رآه المسلمون وضحى معه ذووا اليسار (1)، وكانت الغزوة في شوال بعد بدر وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث جعلها بعد غزوة الكدر. قال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة اثنتين،، وقال الواقدي: كانت في محرم سنة ثلاث، وكان قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله اجتماع بني سليم في ماء لهم (2) يقال له: الكدر بضم الكاف وسكون الدال المهملة، فسار رسول الله إلى الكدر فلم يلق كيدا وكان لواؤه مع علي عليه السلام، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وعاد ومعه النعم والرعاء، وكان قدومه في قول لعشر ليال مضين من شوال، وبعد قدومه أرسل غالب ابن عبد الله الليثي في سرية إلى بني سليم وغطفان فقتلوا فيهم وغنموا النعم، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر، وعادوا منتصف شوال، ثم كان غزوة السويق، وفي ذي الحجة من السنة الثانية مات عثمان بن مظعون فدفن بالبقيع، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله على رأس قبره حجرا علامة لقبره (3).


(1) ذكر ذلك المقريزى بعد غزوة السويق. (2) في المصدر: على ماء لهم. (3) الكامل 2: 97 و 98 زاد فيه: وقيل. ان الحسن بن على عليه السلام ولد فيها، و قيل: ان على بن أبى طالب عليه السلام بنى بفاطمة على رأس اثنين وعشرين شهرا، فإذا كان هذا صحيحا فالاول باطل. وفي هذه السنة كتب المعاقلة وقربه بسيفه انتهى، وفي الامتاع: كتب صلى الله عليه وآله وسلم في هذه السنة المعاقل والديات وكانت معلقة بسيفه انتهى. أقول: الظاهر ان كتابه هذا غير ما كتب بين المهاجرين والانصار لموادعة اليهود الذى ذكرناه سابقا، حيث انه وقع في العام الاول، ولم نظفر إلى الان في كتب العامة بما ورد في ذلك الكتاب بتفصيله غير مسائل قليلة، والكتاب كان بعده صلى الله عليه وآله عند على عليه السلام وورثه ذريته المعصومون بعده، وهو الموجود حتى اليوم في ايدى شيعتهم، واختصوا بروايته دون غيرهم وهو من منن الله تعالى عليهم، والكتاب مشهور بكتاب الديات (وديات ناصح بن ظريف) وقد أشرنا إليه بتفصيل في مقدمتنا على كتاب وسائل الشيعة راجعه.

[ 9 ]

5 - وقال في المنتقى: في السنة الثانية مات أمية بن الصلت، وكان قد قرأ الكتب المتقدمة، ورغب عن عبادة الاوثان، وأخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي صلى الله عليه وآله، فلما بلغه خروج رسول الله كفر به حسدا ولما أنشد لرسول الله صلى الله عليه وآله شعره قال: آمن لسانه، وكفر قلبه (1). وذكر غزوة السويق في حوادث السنة الثالثة، وذكر أن غيبته صلى الله عليه وآله فيها كانت خمسة أيام. 6 - وقال في الكامل: في المحرم سنة ثلاث سمع رسول الله صلى الله عليه وآله أن جمعا من بني سعد بن تغلبة (2) وبني محارب بن حفصة (3) تجمعوا ليصيبوا (4) فسار إليهم في أربعمائة وخمسين رجلا، فلما صار بذي القصة - بفتح القاف والصاد المهملة - لقي رجلا من تغلبة (5) فدعاه إلى الاسلام فأسلم، وأخبره أن المشركين أتاهم خبره فهربوا إلى رؤوس الجبال، فعاد ولم يلق كيدا وكان مقامه اثنتي عشرة ليلة. وفي تلك السنة في جمادى الاولى غزا بني سليم بنجران (6)، وسبب هذه الغزوة أن جمعا من بني سليم تجمعوا بنجران (7) من ناحية الفرع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فسار إليهم في ثلاثمائة، فلما صار إلى نجران (8) وجدهم قد تفرقوا


(1) مما فات ذكره سابقا بعد غزوة بدر موت أبى لهب، وكان تخلف عن بدر وبعثه مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة، فلما جاء الخبر عن مصاب اهل بدر من قريش كبته الله وأخزاه و ما عاش الا ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته. (2) في المصدر والامتاع ونهاية الارب: بنى ثعلبة بن سعد بن ذبيان. (3) في المصدر: بنى محارب بن حفص، وفي الامتاع: بنى محارب بن خصفة بن قيس بالخاء المعجمة والصاد المهملة. وهو الصحيح راجع معجم قبائل العرب: 1042 واللباب 2: 103. (4) في المصدر: ليصيبوا من المسلمين. وفي الامتاع: بذى أمر قد تجمعوا يريدون ان يصيبوا من أطرافه صلى الله عليه وآله جمعهم دعثور بن الحارث من بنى محارب. (5) في المصدر: من ثعلبة. وفي الامتاع: اصاب رجلا منهم بذى القصة يقال له: جبار من بنى ثعلبة فاسلم اه‍ ثم ذكر نحو ما تقدم في غزوة ذى أمر. (6 - 8) هكذا في الكتاب، وفي المصدر وسيرة ابن هشام: ببحران بالباء والحاء المهملة، وهو اما بفتح الباء أو بضمها على اختلاف، قال ياقوت: موضع بين الفرع والمدينة. (*)

[ 10 ]

فانصرف ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشر ليال، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم (1). 7 - وقال ابن الاثير والكازروني دخل حديث بعضهم في بعض: وفي هذه السنة قتل كعب بن الاشرف من طئ (2)، وكانت أمه من بني النضير، وكان قد كبر عليه قتل من قتل ببدر من قريش فسار إلى مكة، وحرض على رسول الله صلى الله عليه وآله، و بكى على قتلى بدر، وكان يشبب (3) بنساء المسلمين حتى أذاهم، فلما عاد إلى المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لي بابن الاشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله، فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول أتحب أن أقتله ؟ قال: نعم، قال: فائذن لي أن أقول: شيئا، قال: قل. فاجتمع محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة وقيس (4) وهو أبو نائلة، والحارث بن أوس (5)، وكان أخا كعب من الرضاعة، وأبو عبس ابن جبير (6) ثم قدموا إلى ابن الاشرف، فجاء محمد بن مسلمة فتحدث معه ثم قال يا ابن الاشرف (7) إني قد جئتك لحاجة فاكتمها علي، قال: افعل، قال: كان قدوم هذا الرجل بلاء عادتنا العرب، وانقطع عنا السبيل حتى ضاع عنا العيال وجهدت الانفس (8)، فقال كعب: قد كنت أخبرتك بهذا، قال أبو نائلة:


(1) الكامل 2: 99. (2) في الكامل: وهو احد بنى نبهان من طيئ. (3) أي تغزل فيهن وذكرهن في شعره. (4) هكذا في الكتاب ونسخة المصنف، والصحيح كما في الكامل والامتاع والسيرة: سلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة. (5) زاد في الكامل: ابن معاذ. (6) هكذا في الكتاب، وفي الكامل والامتاع والسيرة جبر، وزادوا في نسبه: احد بنى حارثة. وزادوا معهم رجلا آخر وهو عباد بن بشر بن وقش بن رغبة بن زعورا بن عبد الاشهل. (7) في الكامل: ثم قدموا إلى ابن الاشرف أبا نائلة فتحدث معه، ثم قال: يا ابن الاشرف اه‍. ونحوه الامتاع والسيرة. (8) في الكامل: " كان قدوم هذا الرجل شوما على العرب، قطع عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت البهائم " وفي السيرة: " كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا به العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل، حتى ضاع العيال وجهدت الانفس " ومثله في الامتاع الا ان فيه حاربتنا العرب.

[ 11 ]

واريد أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك، أتحسن في ذلك ؟ فقال: نعم، ارهنوني نساءكم قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ؟ قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم ؟ فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللامة، يعني السلاح، وأراد بذلك أن لا ينكر السلاح إذا أتوه به، فواعده أن يأتيه، فأتى أصحابه وأخبرهم، فأخذوا السلاح و ساروا إليه، وتبعهم (1) النبي صلى الله عليه وآله إلى بقيع الغرقد، ودعا لهم، فلما انتهوا إلى الحصن هتف به أبو نائلة، وكان كعب قريب عهد بعرس فوثب فقالت له امرأته أين تخرج هذه الساعة ؟ أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل لاجاب، فنزل إليهم وتحدث معهم ساعة وساروا معه إلى شعب العجوز، ثم إن أبا نائلة قال: ما رأيت كاليوم ريحا أطيب، أتأذن لي أن أشم رأسك، قال: فشمه حتى فعل ذلك مرارا فلما استمكن منه أخذ برأسه، وقال: اضربوا عدو الله فاختلف عليه أسيافهم فلم يغن شيئا، قال محمد بن مسلمة: قد كنت مشغولا فأخذته، وقد صاح (2) عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، فتحاملت عليه وقتلته، وقد أصاب (3) الحارث بن أوس بعض أسيافنا، فاحتملناه وجئنا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبرناه بقتل عدو الله، فتفل على جرح صاحبنا وعدنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت اليهود، فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي


(1) في الكامل: وشيعهم. (2) في الكامل: فاختلفت عليه اسيافهم فلم تغن شيئا، قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا في سيفى فاخذته وقد صاح. (3) في الكامل: قال: فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله وقد اصيب.

[ 12 ]

وهو من تجار اليهود فقتله (1)، فقال له أخوه خويصة وهو مشرك: يا عدو الله قتلته ؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله (2)، فقال محيصة: لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لقتلتك، قال: فوالله أن كان لاول إسلام خويصة، ثم أسلم عبس بن جبير (3)، وكان قتل كعب لاربع عشرة ليلة مضت من ربيع الاول. وفي هذا الشهر تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله و بنى بها في جمادى الآخرة (4). 8 - وقال الكازروني: وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله حفصة بنت عمر في شعبان. وكانت قبله تحت خنيس بن حذاقة السهمي في الجاهلية فتوفي عنها، و فيها تزوج صلى الله عليه وآله زينب بنت خزيمة، وكانت تسمى في الجاهلية أم المساكين، و كانت عند الطفيل بن الحارث بن المطلب فطلقها فتزوجها أخوه عبيدة فقتل عنها يوم بدر شهيدا، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر رمضان من هذه السنة، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت، وفي هذه السنة ولد الحسن بن علي عليهما السلام في النصف من شهر رمضان (5). 9 - قال ابن الاثير: وفيها كانت غزوة القردة (6)، وفيها في جمادى الآخرة قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي، وكان يظاهر كعب بن الاشرف على رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قتل ابن الاشرف فكان قتله من الاوس قالت الخزرج: والله


(1) زاد في الكامل: وكان يبايعهم. (2) زاد في الكامل: وضربه. (3) في الكامل: عبس بن جبر. (4) الكامل 2: 99 و 100. المنتقى في مولود المصطفى: 116، الباب الثالث فيما كان سنة ثلاث. (5) المنتقى في مولود المصطفى: 117، الباب الثالث فيما كان سنة ثلاث. (6) في الكامل: الفردة بالفاء ثم قال: الفردة: ماء بنجد: وقد اختلف العلماء في ضبطه فقيل: فردة بالفاء المفتوحة والراء الساكنة وبه مات زيد الخيل، وضبطه ابن الفرات في غير موضع: قردة بالقاف، وقال ابن اسحاق: وسير زيد بن حارثة إلى الفردة: ماء من مياه نجد، ضبطه ابن الفرات ايضا بفتح الفاء والراء، فان كانا مكانين والا فقد ضبط ابن الفرات احدهما خطأ.

[ 13 ]

لا يذهبون بها علينا (1) عند رسول الله، فتذاكر الخزرج من يعادي رسول الله صلى الله عليه وآله كابن الاشرف، فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله في قتله فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان و عبد الله بن أنيس وأبو قتادة وخزاعي بن الاسود حليف لهم، وأمر عليهم عبد الله بن عتيك فخرجوا حتى قدموا خيبر، فأتوا دار أبي رافع ليلا فلم يدعوا بابا في الدار إلا أغلقوه على أهله وكان في علية (2) فاستأذنوا عليه فخرجت امرأته فقالت: من أنتم ؟ قالوا: من العرب نلتمس الميرة، قال: (3) ذاك صاحبكم، فادخلوا عليه، فلما دخلوا أغلقوا باب العلية وبدروه على فراشه، فصاحت المرأة، فجعل الرجل منهم يريد قتلها فيذكر نهي النبي صلى الله عليه وآله إياهم عن قتل النساء والصبيان، فيكف عنها فضربوه بأسيافهم، وتحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه، ثم خرجوا من عنده، وكان عبد الله بن عتيك سيئ البصر فوقع من الدرجة فوثبت رجله وثبا شديدا (4)، واحتملوه ورجعوا (5)، وطلبتهم اليهود في كل وجه فلم يروهم فرجعوا إلى صاحبهم، فقال المسلمون: كيف نعلم أن عدو الله قد مات فعاد بعضهم ودخل في الناس فرآه والناس حوله وهو يقول: قد عرفت صوت ابن عتيك، ثم صاحت امرأته وقالت: مات والله، قال: فما سمعت كلمة ألذ إلى نفسي منها، ثم عاد إلى أصحابه وأخبرهم الخبر، وسمع صوت الناعي يقول: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، وساروا حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وآله واختلفوا في قتله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هاتوا أسيافكم، فجاؤا بها فنظر فيها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى (6) أثر الطعام (7).


(1) قال المصنف في هامش الكتاب: لا يذهبون بها أي بهذه الفضيلة مفتخرين علينا. (2) العلية: بيت منفصل عن الارض ببيت كالغرفة. (3) هكذا في الكتاب، والصحيح كما في المصدر: قالت. (4) في المصدر: فوثئت رجله وثأ شديدا. أقول: أي اصابها وهن ووصم لا يبلغ ان يكون كسرا. (5) في المصدر: وخفوا. (6) في الكامل: ارى فيه اثر الطعام. (7) الكامل 2: 101.

[ 14 ]

11 - * (باب) * * (غزوة احد وغزوة حمراء الاسد) * الآيات آل عمران " 3 ": وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم * إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون * ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين * ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون 121 - 128. وقال تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين * ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين * ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون * وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين * وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين 139 - 146.

[ 15 ]

إلى قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين * سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين * ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في اخريكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ قل إن الامر كله لله يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور * إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم * يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون * فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين * إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون * وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون 149 - 161.

[ 16 ]

إلى قوله تعالى: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شئ قدير * وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون * الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين * ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين * ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب 165 - 176. النساء 4: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا 88. وقال تعالى: ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما 104. الانفال 8: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون 36. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وإذ غدوت من أهلك "، أي اذكر يا محمد إذ خرجت من المدينة غدوة " تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال " أي تهيئ بحار الانوار - 1 -

[ 17 ]

للمؤمنين مواطن القتال، أو تجلسهم وتقعدهم في مواضع القتال ليقفوا فيها ولا يفارقوها، واختلف في أي يوم كان ذلك فقيل: يوم أحد عن ابن عباس، وأكثر المفسرين (1) وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل: كان يوم الاحزاب عن مقاتل وقيل: يوم بدر عن الحسن " والله سميع " لما يقوله النبي صلى الله عليه وآله " عليم " بما يضمرونه " إذ همت " أي عزمت " طائفتان منكم " أي من المسلمين " أن تفشلا " أي تجبنا وهما بنو سلمة وبنو حارثة حيان من الانصار، عن ابن عباس وأكثر المفسرين (2) وعن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقال الجبائي: نزلت في طائفة من المهاجرين وطايفة من الانصار، وكان سبب همهم بالفشل أن عبد الله بن أبي سلول دعاهما إلى الرجوع إلى المدينة عن لقاء المشركين يوم أحد فهما به ولم يفعلاه " والله وليهما " أي ناصرهما، ويروى (3) عن جابر بن عبد الله أنه قال: فينا نزلت وما احب أنها لم تكن لقوله: " والله وليهما ". وقال بعض المحققين: هذا هم خطرة لا هم عزيمة، لان الله سبحانه مدحهما وأخبر أنه وليهما، ولو كان هم عزيمة لكان ذمهم أولى (4). أقول: ثم روى الطبرسي قصة غزوة أحد عن أبي عبد الله عليه السلام مثل ما سيأتي في رواية علي بن إبراهيم، ثم قال: وروى أبو إسحاق (5) والسدي والواقدي و ابن جريح (6) وغيرهم قالوا كان المشركون نزلوا بأحد يوم الاربعاء في شوال سنة


(1) هذا تلخيص من المصنف، والا في المصدر: عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدى وابن اسحاق. (2) هذا ايضا تلخيص من المصنف رحمه الله، ففى المصدر: عن ابن عباس وجابر بن عبد الله والحسن وقتادة ومجاهد والربيع. (3) في المصدر: وروى. (4) ولو كان هم عزيمة وقصد لكان ذمهم اولى من مدحهم. (5) هكذا في نسخة المصنف وفيه وهم، والصحيح كما في المصدر: ابن اسحاق، وهو محمد ابن اسحاق صاحب المغازى المعروف. (6) في المصدر: وابن جرير. ولعله الصحيح. والا فالصحيح: ابن جريج بالجيم.

[ 18 ]

ثلاث من الهجرة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم يوم الجمعة، وكان القتال يوم السبت للنصف من الشهر، وكسرت رباعيته صلى الله عليه وآله وشج وجهه (1)، ثم رجع المهاجرون والانصار بعد الهزيمة، وقد قتل من المسلمين سبعون، وشد رسول الله بمن معه حتى كشفهم، وكان الكفار مثلوا بجماعة، وكان حمزة أعظم مثلة، وضربت يد طلحة فشلت (2). وقال في قوله: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة آلاف من الملائكة " هو إخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لقومه: ألن يكفيكم يوم بدر أن جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مددا لكم، وقيل: إن الوعد بالامداد بالملائكة كان يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا " منزلين " أي من السماء " بلى " تصديق للوعد، أي يفعل كما وعدكم ويزيدكم " إن تصبروا " أي على الجهاد وعلى ما أمركم الله " وتتقوا " معاصي الله ومخالفة رسوله " ويأتوكم من فورهم هذا " أي رجع المشركون إليكم من جهتهم (3) هذا، وقيل: من غضبهم هذا، وكانوا قد غضبوا يوم احد ليوم بدر مما لقوا فهو من فور الغضب أي غليانه " يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة " أي يعطكم مددا لكم ونصرة، وإنما قال ذلك لان الكفار في غزاة أحد ندموا بعد انصرافهم لم لم يعبروا على المدينة (4)، وهموا بالرجوع فأوحى الله إلى نبيه أن يأمر أصحابه بالتهيؤ للرجوع إليهم، وقال لهم: " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " ثم قال: إن صبرتم على الجهاد وراجعتم الكفار أمدكم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فأخذوا في الجهاد وخرجوا يتبعون الكفار على ما بهم من الجراح، واخبر المشركون من رسول الله صلى الله عليه وآله أنه يتبعكم (5) فخاف المشركون


(1) في المصدر: وشج في وجهه. (2) مجمع البيان 2: 495 و 497. (3) في المصدر: من وجههم هذا. (4) في المصدر: لم لم يغيروا على المدينة. (5) في المصدر: فأخبر من مر برسول الله صلى الله عليه وآله انه خرج يتبعكم.

[ 19 ]

إن رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين، وأن يكون قد التأم إليهم من كان تأخر عنهم، وانضم إليهم غيرهم، فدسوا نعيم بن مسعود الاشجعي حتى يصدهم بتعظيم أمر قريش، وأسرعوا في الذهاب إلى مكة، وكفى الله المسلمين أمرهم، ولذلك قال قوم من المفسرين: إن جميعهم ثمانية آلاف، وقال الحسن: إن جميعهم خمسة آلاف منهم ثلاثة آلاف المنزلين، على أن الظاهر يقتضي أن الامداد بثلاثة آلاف كان يوم بدر (1)، ثم استأنف حكم يوم أحد فقال: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا " أي إن رجعوا إليكم بعد انصرافكم " أمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " وهذا قول البلخي، رواه عن عكرمة (2)، قال: لم يمدوا يوم احد ولا بملك واحد، وعلى هذا فلا تنافي بين الآيتين " مسومين " أي معلمين، أو مرسلين " وما جعله الله إلا بشرى لكم " أي ما جعل الله الامداد والوعد به إلا بشارة لكم " ولتطمئن قلوبكم به " فلا تخافوا كثرة عدد العدو " وما النصر إلا من عند الله " معناه إن الحاجة إلى الله سبحانه لازمة في المعونة وإن أمدكم بالملائكة فلا استغناء لكم عن معونته طرفة عين (3). وقال البيضاوي: وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد، وإنما أمدهم ووعد لهم (4) بشارة لهم وربطا على قلوبهم من حيث أن نظر العامة إلى الاسباب أكثر وأحث على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم (5). " ليقطع طرفا من الذين كفروا ". قال الطبرسي: اختلف في وجه اتصاله بما قبله، فقيل: يتصل بقوله: " وما


(1) زاد في المصدر: لان قوله: " إذ تقول للمؤمنين " الاية، يتعلق بقوله: " ولقد نصركم الله ببدر " الاية. (2) في المصدر: رواه عن عمرو بن دينار عن عكرمة. (3) مجمع البيان 2: 499. (4) في المصدر: ووعد لهم به. (5) انوار التنزيل 1: 231 فيه: وحث على ان لا يبالوا.

[ 20 ]

النصر إلا من عند الله " أي أعطاكم الله هذا النصر ليقطع طائفة من الذين كفروا بالقتل والاسر، وقيل: هو متصل بقوله: " ولقد نصركم الله ببدر " وقيل: معناه ذلك التدبير " ليقطع طرفا " أي قطعة منهم. والمعنى ليهلك طائفة منهم، وقيل: ليهدم ركنا من أركان الشرك بالاسر والقتل، فأما اليوم الذي وقع فيه ذلك فيوم بدر (1) وقيل: هو يوم احد، قتل فيه ثمانية عشر رجلا " أو يكبتهم " أي يخزيهم بالخيبة مما أملوا من الظفر بكم، وقيل: يردهم عنكم منهزمين، وقيل: يصرعهم على وجوههم، وقيل: يظفركم عليهم، وقيل: يلعنهم، وقيل: يهلكهم " فينقلبوا خائبين " لم ينالوا مما أملوا شيئا " ليس لك من الامر شئ " قيل: هو متصل بقوله: " وما النصر إلا من عند الله " أي ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شئ، وقيل: إنه اعتراض بين الكلامين، وقوله: " أو يتوب عليهم " متصل بقوله: " ليقطع طرفا " فالتقدير ليقطع طرفا منهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم قد استحقوا العقاب، وليس لك من هذه الاربعة شئ، وذلك إلى الله تعالى. واختلف في سبب نزوله، فروي عن أنس بن مالك وابن عباس والحسن و قتادة والربيع أنه لما كان من المشركين يوم احد من كسر رباعية الرسول صلى الله عليه وآله وشجه حتى جرت الدماء على وجهه، فقال: " كيف تفلح قوم نالوا هذا من نبيهم " وهو مع ذلك حريص على دعائهم إلى ربهم ؟ فأعلمه الله سبحانه أنه ليس إليه فلاحهم، وأنه ليس إليه إلا أن يبلغ الرسالة، ويجاهد حتى يظهر الدين، وإنما ذلك إلى الله، وكان الذي كسر رباعيته وشجه في وجهه عتبة بن أبي وقاص، فدعا عليه بأن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا، فمات كافرا قبل حول الحول (2) وأدمى وجهه رجل من هذيل يقال له: عبد الله بن قميئة، فدعا عليه فكان حتفه أن سلط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله، وروي أنه صلى الله عليه وآله كان يمسح الدم عن وجهه و


(1) فيه اختصار، وهو في المصدر هكذا: واما اليوم الذى قطع الله فيه الطرف من الذين كفروا فيوم بدر قتل فيه صناديدهم ورؤساءهم وقادتهم إلى الكفر. (2) في المصدر: قبل أن يحول الحول.

[ 21 ]

يقول: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " فعلى هذا يمكن أن يكون صلى الله عليه وآله على وجل من عنادهم وإصرارهم على الكفر، فأخبر سبحانه أنه ليس إليه إلا ما أمر به من تبليغ الرسالة ودعائهم إلى الهدى، وذلك مثل قوله تعالى: " فلعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين (1) " وقيل: إنه صلى الله عليه وآله استأذن ربه تعالى في يوم احد في الدعاء عليهم فنزلت الآية، فلم يدع عليهم بعذاب الاستيصال، وإنما لم يؤذن له فيه لما كان المعلوم من توبة بعضهم، وقيل: أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم احد فنهاه الله عن ذلك وتاب عليهم أي (2) ليس لك أن تلعنهم وتدعو عليهم، وقيل: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله (3) ما فعل بأصحابه وبعمه حمزة من المثلة من جدع الانوف والآذان وقطع المذاكير قال (4): " لئن أدالنا الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلهم أحد من العرب بأحد قط " فنزلت الآية، وقيل: نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلا من قراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأميرهم المنذر بن عمرو، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من احد ليعلموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل، وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك وجدا شديدا وقنت عليهم شهرا فنزلت، والاصح أنها نزلت في احد، وإنما قال: " ليس لك من الامر شئ " مع أن له صلى الله عليه وآله أن يدعوهم إلى الله ويؤدي إليهم ما أمره بتبليغه، لان معناه ليس لك شئ من أمر عقابهم أو استيصالهم أو الدعاء عليهم أو لعنهم حتى يقع (5) إنابتهم " أو يتوب عليهم " أي يلطف لهم بما يقع معه توبتهم، أو يقبل توبتهم إذا تابوا


(1) هكذا في النسخ، والصحيح (لعلك) راجع سورة الشعراء: 2. (2) زاد في المصدر: ونزلت الاية: " ليس لك من الامر شئ " أي. (3) زاد في المصدر: والمؤمنون. (4) في المصدر: قالوا. (5) في المصدر: حتى تقع.

[ 22 ]

" أو يعذبهم " إن لم يتوبوا " فإنهم ظالمون " أي يستحقون العذاب بظلمهم (1). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ولا تهنوا " قيل: نزلت الآية تسلية للمسلمين لما نالهم يوم احد من القتل والجراح عن الزهري وقتادة وابن نجيح (2)، وقيل: لما انهزم المسلمون في الشعب وأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلوا عليهم الجبل فقال النبي صلى الله عليه وآله: " لا يعلن علينا (3)، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم لا يعبدك بهذه البلدة إلا هؤلاء النفر " فأنزل الله الآية، وثاب نفر رماة وصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، وعلا المسلمون الجبل فذلك قوله: " وأنتم الاعلون " عن ابن عباس، وقيل: نزلت الآية بعد يوم احد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بطلب القوم، وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم، وقال صلى الله عليه وآله: " لا يخرج إلا من شهد معنا بالامس " فاشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى هذه الآية عن الكلبي، ودليله قوله تعالى: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم " الآية. " ولا تهنوا " أي لا تضعفوا عن قتال عدوكم " ولا تحزنوا " بما يصيبكم في أموالكم وأبدانكم، وقيل: لا تضعفوا بما نالكم من الجراح ولا تحزنوا على ما نالكم من المصائب بقتل الاخوان، أو لا تهنوا لما نالكم من الهزيمة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة " وأنتم الاعلون " أي الظافرون المنصورون (4)، أو الاعلون في المكان " إن كنتم مؤمنين " معناه إن من كان مؤمنا يجب أن لا يهن ولا يحزن لثقته بالله، أو إن كنتم مصدقين بوعدي لكم بالنصرة والظفر على عدوكم " إن يمسسكم قرح " أي جراح فقد أصاب القوم جراح مثله عن ابن عباس: وقيل: إن يصبكم ألم و جراحة يوم احد فقد أصاب القوم ذلك يوم بدر.


(1) مجمع البيان 2: 500 و 501. (2) هكذا في نسخة المصنف، وفيه وهم، والصحيح كما في المصدر: ابن ابى نجيح، وهو عبد الله بن ابى نجيح يسار المكى أبو يسار الثقفى مولاهم. المتوفى سنة 131 (أو) بعدها (3) في المصدر: اللهم لا يعلن علينا. (4) زاد في المصدر: الغالبون عليهم في العاقبة.

[ 23 ]

وقال أنس بن مالك: اتي رسول الله صلى الله عليه وآله بعلي عليه السلام يومئذ وعليه (1) نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن. وعن ابن عباس قال: لما كان يوم احد صعد أبو سفيان الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا " فمكث أبو سفيان ساعة، وقال: يوما بيوم إن (2) الايام دول، وإن الحرب سجال (3)، فقال صلى الله عليه وآله: أجيبوه، فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال: لنا عزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وآله: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله أعلى وأجل. " وتلك الايام نداولها بين الناس " أي نصرفها مرة لفرقة، ومرة عليها، و إنما يصرف الله سبحانه الايام بين المسلمين والكفار بتخفيف المحنة على المسلمين أحيانا، وتشديدها عليهم أحيانا، لا بنصرة الكفار عليهم، لان النصرة تدل على المحبة، والله لا يحب الكافرين، وإنما جعل الله الدنيا منقلبة (4) لكيلا يطمئن المسلم إليها، ولتقل رغبته فيها (5)، إذ تفنى لذاتها. ويظعن مقيمها، ويسعى للآخرة التي تدوم نعيمها، وإنما جعل الدولة مرة للمؤمنين ومرة عليهم ليدخل الناس في الايمان على الوجه الذي يجب الدخول فيه لذلك (6)، وهو قيام الحجة، فإنه


(1) في المصدر: وفيه. (2) في المصدر: وإن. (3) الحرب سجال أي تارة لهم وتارة عليهم. (4) في المصدر: متقلبة. (5) زاد في المصدر: أو حرصه عليها. (6) في المصدر: كذلك.

[ 24 ]

لو كانت الدولة دائما للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الايمان على سبيل اليمن و الفأل، على أن كل موضع حضره النبي صلى الله عليه وآله لم يخل من ظفر، إما في ابتداء الامر، وإما في انتهائه، وإنما لم يستمر ذلك لما بيناه. " وليعلم الله الذين آمنوا " تقديره: وتلك الايام نداولها لوجوه من المصالح وليعلم الذين آمنوا متميزين بالايمان عن غيرهم، وعلى هذا يكون (1) " يعلم " بمعنى يعرف، لانه ليس المعنى أنه يعرف الذوات، بل المعنى أنه يعلم تميزها بالايمان، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم، أي يعاملهم معاملة من يعرفهم بهذه الحال، وقيل: معناه وليعلم أولياء الله الذين آمنوا، وإنما أضاف إلى نفسه تفخيما " ويتخذ منكم شهداء " أي ليكرم منكم (2) بالشهادة من قتل يوم احد، أو يتخذ منكم شهداء على الناس بما يكون منهم من العصيان لما لكم في ذلك من جلالة القدر " وليمحص الله الذين آمنوا " أي وليبتلي الله الذين آمنوا، أو لينجبهم من الذنوب بالابتلاء " ويمحق الكافرين " أي ينقصهم أو يهلكهم. " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة " المراد به الانكار، أي أظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " أي ولما يجاهد المجاهدون منكم فيعلم الله جهادهم، ويصبر الصابرون فيعلم صبرهم على القتال " ولقد كنتم تمنون الموت " وذلك أن قوما ممن فاتهم شهود بدر كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر قبل احد، فلما رأوه يوم احد أعرض كثير منهم عنه فانهزموا فعاتبهم الله على ذلك " من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه " الضميران راجعان إلى الموت والمراد أسبابه كالحرب، وقيل: راجعان إلى الجهاد " وأنتم تنظرون " تأكيد للرؤية أو النظر بمعنى التفكر، وقيل: معناه وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وآله، وفيه حذف، أي فلم انهزمتم " وما محمد إلا رسول " قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية أنه


(1) في المصدر لا يكون وهو الصحيح. (2) خلى المصدر عن لفظة (منكم).

[ 25 ]

لما ارجف بأن النبي صلى الله عليه وآله قتل يوم احد واشيع ذلك قال الناس: لو كان نبيا لما قتل، وقال آخرون: نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به، وارتد بعضهم، و انهزم بعضهم، وكان سبب انهزامهم وتضعضعهم إخلال الرماة لمكانهم من الشعب، و كان رسول الله صلى الله عليه وآله نهاهم عن الاخلال به، وأمر عبد الله بن جبير وهو أخو خوات ابن جبير على الرماة وهم خمسون رجلا، وقال: لا تبرحوا مكانكم فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم بمكانكم، وجاءت قريش على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ومعهم النساء يضربن بالدفوف، وينشدون الاشعار فقالت هند: نحن بنات طارق * نمشي على النمارق إن تقبلوا نعانق * أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وكان أبو عامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالاحابيش وعبيد أهل مكة فقاتلهم قتالا شديدا. وحميت الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من يأخذ بهذا السيف (1) بحقه ويضرب به العبيد (2) حتى ينحني " ؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الانصاري، فلما أخذ السيف اعتم بعمامة حمراء وجعل يفتخر (3) ويقول: أنا الذي عاهدني خليلي (4) * أن لا اقيم الدهر في الكبول (5) أضرب بسيف الله والرسول فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنها لمشية يبغضها الله تعالى (6) إلا في هذا الموضع "


(1) في المصدر: هذا السيف. (2) في نسخة من المصدر: العدو. (3) يتبختر خ ل وفي المصدر: وجعل يفتخر تبخترا. (4) زاد في الطبعة الحروفية مصرعا خال عنه نسخة المصنف والمصدر وهو: " ونحن بالصفح لدى النخيل " والمصرع موجود في سيرة ابن هشام. (5) الكيول خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. (6) زاد في المصدر: ورسوله.

[ 26 ]

ثم حمل النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه على المشركين فهزموهم، وقتل علي بن أبي طالب عليه السلام أصحاب اللواء، وأنزل الله نصرته على المسلمين. قال الزبير: فرأيت هندا و صواحبها هاربات مصعدات في الجبال نادية خدامهن، ما دون أخذهن شئ، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب واختلفوا، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله (1) صلى الله عليه وآله، و قال بعضهم: ما بقى من الامر شئ، ثم انطلقوا عامتهم وألحقوا (2) بالعسكر، فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من خلفهم فهزموهم و قتلوهم، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وآله بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله، وتفرق عنه أصحابه، وأقبل يريد قتله، فذب مصعب بن عمير وهو صاحب رآية رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ويوم احد وكان اسم رايته العقاب عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قتل مصعب بن عمير قتله ابن قميئة فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: إني قتلت محمدا، وصاح صائح (3)، ألا أن محمدا قد قتل، ويقال: إن الصائح (4) كان إبليس لعنه الله، فانكفأ الناس (5) وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو الناس ويقول: " إلي عباد الله إلي عباد الله " فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية (6) قوسه، و اصيبت يد طلحة بن عبيدالله فيبست، واصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وآله مكانها فعادت كأحسن ما كانت، فلما


(1) في المصدر: لا تتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: ثم انطلق عامتهم والحقوا بالعسكر. (3) صارخ خ ل. (4) الصارخ خ ل. (5) انكفأ الناس أي تبددوا ورجعوا انهزموا. (6) سية القوس: ما عطف من طرفيها.

[ 27 ]

انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله أدركه ابي خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا ؟ فقال: دعوه حتى إذا دنا منه، وكان ابي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول: عندي رمكة اعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى " فلما كان يوم احد ودنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وآله الحربة من الحرث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه، فخدش خدشة فتدهدأ (1) عن فرسه، وهو يخور خوار الثور وهو يقول: قتلني محمد، فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس، فقال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقلتهم (2) أليس قال لي: أقتلك ؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يوما حتى مات، قال: وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم، وقال اناس من أهل النفاق فالحقوا بدينكم الاول وقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقوله هؤلاء، يعني المنافقين (3)، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المنافقين، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وآله كعب بن مالك قال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معاشر المسلمين هذا رسول الله (4)، فأشار إلي: أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي صلى الله عليه وآله على الفرار فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر أنك قتلت (5) فرعبت


(1) في المصدر: فتدهده وهو الصحيح. (2) قلت: هلك وفي المصدر يقتلهم. (3) في المصدر: يعنى المسلمين. (4) في المصدر يا معشر المسلمين ابشروا فهذا رسول الله. (5) في المصدر: بانك قتلت.

[ 28 ]

قلوبنا فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى هذه الاية: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " يعني أنه بشر اختاره الله لرسالته، وقد مضت (1) قبله رسل بعثوا فأدوا الرساله ومضوا وماتوا، وقتل بعضهم، وإنه يموت كما ماتت الرسل، فليس الموت بمستحيل عليه ولا القتل، وقيل: أراد أن أصحاب الانبياء لم يرتدوا عند موتهم أو قتلهم فاقتدوا بهم " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فسمي الارتداد انقلابا على العقب وهو الرجوع القهقرى " ومن ينقلب على عقبيه " أي من يرتدد عن دينه " فلن يضر الله شيئا " بل مضرته عائدة عليه " وسيجزي الله الشاكرين " أي المطيعين (2). قوله تعالى: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " قال البيضاوي: أي بمشية الله أو بإذنه لملك الموت (3)، والمعنى أن لكل نفس أجلا مسمى في علمه تعالى وقضائه لا يستأخرون ساعة (4) ولا يستقدمون بالاحجام عن القتال والاقدام عليه " كتابا " مصدر مؤكد، أي كتب الموت كتابا " مؤجلا " صفة له، أي موقتا لا يتقدم ولا يتأخر " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها " تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم احد " ومن يرد ثواب الاخرة نؤته منها " أي من ثوابها " وسنجزي الشاكرين " الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شئ من الجهاد " وكأين " أصله " أي " دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى " كم " والنون تنوين اثبت في الخط على غير قياس " من نبي " بيان له " قتل (5) معه ربيون كثير " ربانيون علماء أتقياء أو عابدون لربهم وقيل: جماعات، والربي منسوب إلى الربة، وهي الجماعة للمبالغة " فما


(1) في المصدر: اختاره الله لرسالته إلى خلقه، قد مضت. (2) مجمع البيان 2: 498 - 514. (3) في المصدر: أو باذنه لملك الموت في قبض روحه. (4) في المصدر: لا يستأخرون عنه ساعة. (5) هكذا في النسخ والصحيح: (قاتل) كما في المصحف والمصدر.

[ 29 ]

وهنوا لما أصابهم في سبيل الله " فما فتروا ولم ينكسر جدهم (1) لما أصابهم من قتل النبي أو بعضهم " وما ضعفوا " عن العدو أو في الدين " وما استكانوا " وما خضعوا للعدو " والله يحب الصابرين " فينصرهم ويعظم أمرهم (2). قوله تعالى: " إن تطيعوا الذين كفروا " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: نزلت في المنافقين إذ قالوا للمؤمنين يوم احد عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وارجعوا إلى دينهم عن علي عليه السلام، وقيل: هم اليهود والنصارى، والمعنى إن إصغيتم إلى قول اليهود والمنافقين أن محمدا صلى الله عليه وآله قتل فارجعوا إلى عشائركم " يردوكم على أعقابكم " أي يرجعوكم كفارا كما كنتم " فتنقلبوا " أي ترجعوا " خاسرين " لانفسكم " بل الله مولاكم " أي هو أولى بأن تطيعوه، وهو أولى بنصرتكم " وهو خير الناصرين " أي ان اعتد بنصر غيره فهو خير ناصر " سنلقي في قلوب الذين كفروا " قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم احد متوجهين إلى مكة قالوا: بئسما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به، فنزلت الاية " الرعب " أي الخوف " بما أشركوا بالله " أي بشركهم به " ما لم ينزل به سلطانا " أي برهانا وحجة " ومأواهم " أي مستقرهم " النار " يعذبون بها " وبئس مثوى الظالمين " أي النار، وروي أن الكفار دخلوا مكة كالمنهزمين مخافة أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وآله الكرة عليهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله " نصرت بالرعب مسيرة شهر " " ولقد صدقكم الله وعده " أي وفى لكم بما وعدكم من النصر على عدوكم في قوله: " بلى إن تصبروا وتتقوا " الاية، وذكر ابن عباس وغيره أن الوعد كان يوم احد لان المسلمين كانوا يقتلون المشركين حتى أخل الرماة لمكانهم الذي أمرهم الرسول بالقيام عنده، فأتاهم خالد بن الوليد من ورائهم، وقتل عبد الله بن جبير


(1) في المصدر: ولم ينكسر حدتهم. (2) انوار التنزيل 1: 235 و 236، فيه يعظم قدرهم.

[ 30 ]

ومن معه، وتراجع المشركون، وقتل من المسلمين سبعون رجلا، ونادى مناد قتل محمد، ثم من الله على المسلمين فرجعوا، وفي ذلك نزلت الاية، فالوعد قول النبي صلى الله عليه وآله للرماة: " لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم في مكانكم ". " إذ تحسونهم " أي تقتلونهم " بإذنه " أي بعلمه أو بلطفه " حتى إذا فشلتم " أي جبنتم عن عدوكم " وتنازعتم في الامر " أي اختلفتم " وعصيتم " امر نبيكم في حفظ المكان " من بعدما اريكم ما تحبون " من النصرة على الكفار وهزيمتهم والغنيمة، وأكثر المفسرين على أن المراد بالجميع يوم احد، وقال الجبائي: إذ تحسونهم يوم بدر حتى إذا فشلتم يوم احد والاول أولى، وجواب " إذا " محذوف، وتقديره حتى إذا فعلتم ذلك ابتلاكم وامتحنكم ورفع النصرة عنكم " منكم من يريد الدنيا " يعني الغنيمة، وهم الذين أخلوا المكان الذي رتبهم النبي صلى الله عليه وآله فيه " ومنكم من يريد الآخرة " أراد عبد الله بن جبير، ومن ثبت مكانه " ثم صرفكم عنهم " فيه وجوه: أحدها أنهم كانوا فريقين منهم من عصى بانصرافه، ومنهم من لم يعص، لانهم قلوا بعد انهزام تلك الفرقة فانهزموا (1) بإذن الله لئلا يقتلوا، لان الله أوجب ثبات المائة للمائتين، فإذا نقصوا لا يجب عليهم ذلك، فجاز أن يذكر الله الفريقين بأنه صرفهم " وعفى عنهم " يعني صرف بعضهم، وعفى عن بعض عن الجبائي. وثانيها " أن معناه رفع النصر عنكم ووكلكم إلى أنفسكم بخلافكم للنبي عليه السلام فانهزمتم عن جعفر بن حرب (2). وثالثها: أن معناه لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم " ليبتليكم " بالمظاهرة في الانعام عليكم والتخفيف عنكم عن البلخي " ليبتليكم " أي يعاملكم معاملة المختبر " ولقد عفا عنكم " أي صفح عنكم بعد أن خالفتم أمر الرسول، وقيل: عفا عنكم تتبعهم بعد أن أمركم بالتتبع لهم عن البلخي، قال لما بلغوا حمراء الاسد عفا عنهم


(1) في المصدر: فانصرفوا باذن الله. (2) لم يذكر الوجه الثاني في المصدر، ولعله سقط عن المطبوع.

[ 31 ]

من ذلك " والله ذو فضل على المؤمنين " أي ذو نعمة ومن عليهم بنعم الدنيا والدين، وروى الواقدي، (1) عن سهل بن سعد الساعدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وكانت فاطمة بنته عليها السلام تغسل عنه الدم وعلي بن ابي طالب عليه السلام يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة عليها السلام. أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى إذا صار رمادا ألزمته الجرح فاستمسك الدم. " إذ تصعدون " قال البيضاوي: متعلق بصرفكم، أو ليبتليكم، أو بمقدر كاذكر، والاصعاد: الذهاب والابعاد في الارض " ولا تلوون على أحد " لا يقف أحد لاحد ولا ينتظره " والرسول يدعوكم " كان يقول: " إلي عباد الله، إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة ". " في اخراكم " في ساقتكم وجماعتكم الآخرين " فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم " عطف على صرفكم، والمعنى فجازاكم الله على فشلكم وعصيانكم غما متصلا بغم من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والارجاف بقتل الرسول الله صلى الله عليه وآله، أو فجازاكم غما بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وآله بعصيانكم له لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على نفع فائت، ولا ضر لاحق، وقيل: لا مزيدة، والمعنى لتأسفوا على ما فاتكم من الظفر و الغنيمة، وعلى ما أصابكم من الجرح والهزيمة عقوبة لكم، وقيل: الضمير في " فأثابكم " للرسول صلى الله عليه وآله، أي واساكم في الاغتمام فاغتم بما نزل عليكم كما اغتممتم بما نزل عليه ولم يثربكم (2) على عصيانكم تسلية لكم " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم " من النصر " ولا " على " ما أصابكم " من الهزيمة " والله خبير بما تعملون " عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا " أنزل الله عليكم الامن حتى أخذكم النعاس، وعن أبي طلحة: غشينا النعاس في المصاف حتى كان


في المصدر: روى الواحدى. (2) ثربه وثربه وثرب عليه وأثربه: لامه.

[ 32 ]

السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، والامنة: الامن، نصب على المفعول، و " نعاسا " بدل منها، أو هو المفعول و " أمنة " حال منه متقدمة أو مفعول له، أو حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن " يغشى طائفة منكم " أي النعاس (1). قال الطبرسي رحمه الله: وكان السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع إلى القتال، فقعد المسلمون تحت الحجف (2) متهيئين للحرب، فأنزل الله الامنة على المؤمنين فناموا دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم، أو يغيروا على المدينة لسوء الظن فطير عنهم النوم (3). وقال البيضاوي: و " طائفة " هم المنافقون " قد أهمتهم أنفسهم " أوقعتهم أنفسهم في الهموم أو ما يهمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها " يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية " صفة أخرى لطائفة، أو حال أو استيناف على وجه البيان لما قبله، و " غير الحق " نصب على المصدر، أي يظنون بالله غير ظن الحق الذي يحق أن يظن به، و " ظن الجاهلية " بدله، وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها " يقولون " أي لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو بدل يظنون: " هل لنا من الامر من شئ " هل لنا مما أمر الله ووعد من النصر والظفر نصيب قط، وقيل: اخبر ابن أبي بقتل بني الخزرج فقال ذلك، والمعنى أنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من الامر شئ، أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الامر شئ " قل إن الامر كله لله " أي الغلبة الحقيقية لله ولاوليائه، فإن حزب الله هم الغالبون، أو القضاء له (4) يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو اعتراض " يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك " حال من ضمير " يقولون " أي يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر


(1) انوار التتزيل 1: 237 و 238. (2) الحجف: الترس من جلد بلا خشب. (3) مجمع البيان 2: 522. (4) في المصدر: إذا لقضاء له.

[ 33 ]

مبطنين الانكار والتكذيب " يقولون " في أنفسهم أو إذا خلا بعضهم إلى بعض، وهو بدل من " يخفون " أو استيناف على وجه البيان له " لو كان لنا من الامر شئ " كما وعد محمد صلى الله عليه وآله، وزعم (1) أن الامر كله لله ولاوليائه، أو لو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح كما كان رأي ابن أبي وغيره " ما قتلنا هيهنا " ما غلبنا، ولما قتل من قتل منا في هذه المعركة " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " أي لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتب في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم، ولم تنفع الاقامة (2) بالمدينة، ولم ينج منه أحد " وليبتلي الله ما في صدوركم " ليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الاخلاص والنفاق، وهو علة فعل محذوف أي وفعل ذلك ليبتلي، أو عطف على محذوف، أي لبرز لنفاذ القضاء، أو لمصالح جمة ولابتلاء، (3) أو على قوله: " لكيلا تحزنوا ". " وليمحص ما في قلوبكم " وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس " والله عليم بذات الصدور بخفياتها قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء، وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين، (4) وإظهار حال المنافقين " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " يعني إن الذين انهزموا يوم احد إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان طلب منهم الزلل فأطاعوه واقترفوا ذنوبا (5) بترك المركز والحرص على الغنيمة أو الحياة فمنعوا التأييد وقوة القلب لمخالفة النبي صلى الله عليه وآله، وقيل: استزلال الشيطان توليهم، وذلك بسبب ذنوب تقدمت لهم، فإن المعاصي يجر بعضها بعضا كالطاعة، وقيل: استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم وكرهوا (6) القتل قبل إخلاص التوبة والخروج


(1) في المصدر: أو زعم. (2) في المصدر: ولم ينفعهم الاقامة. (3) في المصدر: أو للابتلاء. (4) في المصدر: لتمييز المؤمنين. (5) في المصدر: واقترفوا ذنوبا لمخالفة النبي صلى الله عليه وآله بترك المركز. (6) في المصدر: فكرهوا.

[ 34 ]

من المظلمة " ولقد عفا الله عنهم " لتوبتهم واعتذارهم " إن الله غفور " للذنوب " حليم " لا يعاجل بعقوبة المذنب كي يتوب " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا " يعني المنافقين " وقالوا لاخوانهم " لاجلهم وفيهم، ومعنى اخوتهم اتفاقهم في النسب أو في المذهب " إذا ضربوا في الارض " إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها " أو كانوا غزى " جمع غاز " لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا " مفعول قالوا " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم " متعلق بقالوا على أن اللام لام العاقبة، أو بلا تكونوا أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول والاعتقاد ليجعله حسرة في قلوبهم خاصة فذلك إشارة إلى ما دل عليه قولهم من الاعتقاد، وقيل: إلى ما دل عليه النهي، أي لا تكونوا مثلهم، ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، فإن مخالفتهم و مضادتهم مما يغمهم " والله يحيي ويميت " رد لقولهم، أي هو المؤثر في الحياة و الممات، لا الاقامة والسفر، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد " والله بما تعملون بصير " تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم " أي في سبيله " لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون " جواب القسم وهو ساد مسد الجزاء، والمعنى أن السفر والغزو ليس مما يجلب الموت وتقدم الاجل وإن وقع ذلك في سبيل الله فما ينالون (1) من المغفرة والرحمة بالموت خير مما يجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم يموتوا (2) " ولئن متم أو قتلتم " على أي وجه اتفق هلاككم " لالى الله تحشرون " لالى معبودكم الذي توجهتم إليه، وبذلتم مهجتكم لوجهه، لا إلى غيره لا محالة تحشرون فيوفي اجوركم ويعظم ثوابكم " فبما رحمة من الله لنت لهم " ما مزيدة للتأكيد، والدليل على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله وهو ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق بهم حين اغتم لهم بعد أن خالفوه " ولو كنت فظا " سيئ الخلق جافيا " غليظ القلب " قاسية " لا نفضوا من حولك " لتفرقوا عنك ولم يسكنوا إليك " فاعف عنهم " فيما يختص بك " واستغفر لهم "


(1) في المصدر: فما تنالون. (2) في المصدر: مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا.

[ 35 ]

فيما لله " وشاورهم في الامر " أي في أمر الحرب، إذ الكلام فيه أو فيما يصح أن يشاور فيه استظهارا برأيهم، وتطييبا لنفوسهم وتمهيدا سنة المشاورة (1) للامة " فإذا عزمت " فإذا وطنت نفسك على شئ بعد الشورى (2). وقال الطبرسي رحمه الله: ورووا عن جعفر بن محمد عليهما السلام وعن جابر بن يزيد " فإذا عزمت " بالضم، فعلى هذا يكون معناه فإذا عزمت لك ووفقتك وأرشدتك " فتوكل على الله " (3). قال البيضاوي: في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك، فإنه لا يعلمه سواه (4) " إن الله يحب المتوكلين " فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح " إن ينصركم الله " كما نصركم يوم بدر " فلا غالب لكم " فلا يغلبكم أحد (5) " وإن يخذلكم " كما خذلكم يوم احد " فمن ذا الذي ينصركم من بعده " من بعد خذلانه، أو من بعد الله " و على الله فليتوكل المؤمنون " فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه و آمنوا به (6). " وما كان لنبي أن يغل " قال الطبرسي: روي عن ابن عباس وابن جبير أنها نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم، فقال بعضهم: لعل النبي صلى الله عليه وآله أخذها. وفي رواية الضحاك قال: إن رجلا غل بمخيط، أي بابرة من غنائم هوازن يوم حنين فنزلت الاية. وعن مقاتل: أنها نزلت في غنائم احد حين تركت الرماة المركز طلبا للغنيمة


(1) في المصدر: لسنة المشاورة للامة. (2) انوار التنزيل 1: 239 و 240. (3) مجمع البيان 2: 527. (4) زاد في المصدر: وقرئ " فإذا عزمت " على التكلم، أي فإذا عزمت لك على شئ وعينته لك فتوكل على ولا تشاور فيه احدا. (5) في المصدر: فلا احد يغلبكم. (6) انوار التنزيل 1: 241. (*)

[ 36 ]

وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: من أخذ شيئا فهو له ولا يقسم كما لم يقسم يوم بدر، ووقعوا في الغنائم، فقال (1) صلى الله عليه وآله: " أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم " فأنزل الله الآية، وقيل: إنه قسم الغنيمة ولم يقسم للطلائع، فلما قدمت الطلائع قالوا: أقسم الفئ ولم يقسم لنا ؟ فعرفعه الله الحكم فيه، ونزلت الآية، وقيل: نزلت في أداء الوحي كان صلى الله عليه وآله (2) يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك عنهم فنزلت (3). وقال البيضاوي: أي وما صح لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة تنافي الخيانة " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة " يأت بالذي غله يحمله على عنقه كما جاء في الحديث، أو بما احتمل من وباله وإثمه " ثم توفى كل نفس ما كسبت " يعطي (4) جزاء ما كسبت وافيا " وهم لا يظلمون " فلا ينقص ثواب مطيعهم، ولا يزاد في عقاب عاصيهم (5). " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " قال الطبرسي: أي حين أصابكم القتل والجرح وذلك ما أصاب المسلمين يوم احد، فإنه قتل منهم سبعون رجلا و كانوا أصابوا من المشركين يوم بدر مثليها، فإنهم كانوا قتلوا من المشركين سبعين رجلا، وأسروا سبعين، وقيل: قتلتم منهم ببدر سبعين، وباحد سبعين، وهذا ضعيف فإنه لا خلاف بينهم أنه قتل منهم باحد نفر يسير " قلتم أنى هذا " أي من أي وجه أصابنا هذا ونحن مسلمون، وفينا رسول الله صلى الله عليه وآله وينزل عليه الوحي، وهم مشركون ؟ وقيل: إنهم إنما استنكروا ذلك لانه وعدهم بالنصر من الله إن أطاعوه " قل هو من


(1) في المصدر: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: كان النبي صلى الله عليه وآله. (3) مجمع البيان 2: 529. (4) في المصدر: تعطى. (5) انوار التنزيل 1: 241.

[ 37 ]

عند أنفسكم " أي ما صابكم من الهزيمة والقتل من عند أنفسكم بخلافكم أمر ربكم وترككم طاعة الرسول صلى الله عليه وآله، وفيه أقوال: أحدها: أن ذلك مخالفتهم الرسول صلى الله عليه وآله في الخروج من المدينة للقتال يوم احد، وكان النبي صلى الله عليه وآله دعاهم أن يتحصنوا بها ويدعو المشركين إلى أن يقصدوهم فيها، فقالوا: كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية ونحن الآن في الاسلام، وأنت يا رسول الله بيننا أحق بالامتناع وأعز. وثانيها: أن ذلك باختيارهم الفداء من الاسرى يوم بدر، وكان الحكم فيهم القتل، وشرط عليهم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم، قالوا: رضينا، فإنا نأخذ الفداء فننتفع به، وإذا قتل منا فيما بعد كنا شهداء، عن علي عليه السلام و عبيدة السلماني، وهو المروي عن الباقر عليه السلام. وثالثها: أن ذلك بخلاف الرماة يوم احد لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله به من ملازمة مراكزهم. " إن الله على كل شئ قدير " أي فهو قادر على نصركم فيما بعد، وإن لم ينصركم في الحال لمخالفتكم " وما أصابكم " أيها المؤمنون " يوم التقى الجمعان " جمع المسلمين وجمع المشركين يوم احد بقتل من قتل منكم (1) " فبإذن الله " أي بعلم الله، وقيل: بتخلية الله بينكم وبينهم التي تقوم مقام الاطلاق في الفعل برفع الموانع والتمكين من الفعل الذي يصح معه التكليف، وقيل: بعقوبة الله لتركهم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله " وليعلم المؤمنون * وليعلم الذين نافقوا " أي وليميز المؤمنين من المنافقين " وقيل لهم " أي للمنافقين " تعالوا قاتلوا في سبيل الله " قالوا: أن عبد الله بن ابي والمنافقين معه من أصحابه انخذلوا يوم احد بنحو (2) من ثلاثمائة رجل، وقالوا: علام نقتل أنفسنا ؟ وقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام (3) الانصاري: تعالوا قاتلوا قي سبيل الله واتقوا الله ولا تخذلوا نبيكم " أو ادفعوا " عن حريمكم


(1) في المصدر: يعنى يوم احد من النكبة بقتل من قتل منكم. (2) في المصدر: انخزلوا يوم احد نحوا. (3) في نسخة: حزام وهو وهم، والصواب ما اخترناه في المتن، والرجل هو والد جابر.

[ 38 ]

وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله، وقيل: معناه، أقيموا معنا، وكثروا سوادنا " قالوا " أي المنافقون (1). " لو نعلم قتالا لاتبعناكم " قال البيضاوي: أي لو نعلم مما يصلح أن يسمى (2) قتالا لاتبعناكم فيه، لكن ما أنتم عليه ليس بقتال، بل إلقاء بالانفس إلى التهلكة أو لو نحسن قتالا لاتبعناكم، وإنما قالوا ذلك دغلا واستهزاء " هم للكفر يؤمئذ أقرب منهم للايمان " لانخزالهم (3) وكلامهم هذا، فإنهما أول أمارة ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم، وقيل: هم لاهل الكفر أقرب نصرة منهم لاهل الايمان " يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم " يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالايمان " والله أعلم بما يكتمون " من النقاق وبما يخلو به بعضهم إلى بعض " الذين قالوا لاخوانهم " أي لاجلهم، يريد من قتل يوم احد من أقاربهم أو من جنسهم " وقعدوا " مقدرا بقد (4)، أي قالوا قاعدين عن القتال " لو أطاعونا " في القعود " ما قتلوا " كما لم نقتل " قل فادرؤا " الآية أي إن كنتم صادقين أنكم تقدرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعلوا عن أنفسكم الموت وأسبابه فإنه أحرى بكم، والمعنى أن العقود غير مغن (5) فإن أسباب الموت كثيرة، وكما أن القتال يكون سببا للهلاك والقعود (6) سببا للنجاة قد يكون الامر بالعكس (7). " ولا تحسبن الذين قتلوا " قال الطبرسي: قيل: نزلت في شهداء بدر، و قيل: في شهداء احد وكانوا سبعين، أربعة من المهاجرين: حمزة، ومصعب بن عمير


(1) مجمع البيان 2: 533. (2) في المصدر: لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا. (3) انخزل: انفرد. أي لاعتزالهم. (4) في المصدر: حال مقدرة بقد. (5) في المصدر: غير مغن عن الموت. (6) في المصدر: والقعود يكون سببا. (7) انوار التنزيل 1: 243.

[ 39 ]

وعثمان بن شماس، وعبد الله بن جحش، وسائرهم من الانصار، وقال الباقر عليه السلام وكثير من المفسرين: إنها تتناول قتلى بدر واحد معا، وقيل: نزلت في شهداء بئر معونة " الذين استجابوا لله والرسول " قال رحمه الله: لما انصرف أبو سفيان و أصحابه من غزاة احد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم عن المسلمين وتلاوموا، قالوا (1): لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم (2)، قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا (3) فاستأصلوهم، فبلغ ذلك الخبر رسول الله صلى الله عليه وآله فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، وقال: " ألا عصابة تشدد (4) لامر الله تطلب عدوها فإنها انكاء للعدو وأبعد للسمع " فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من القرح والجرح الذي أصابهم يوم احد، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا (5) بالامس، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ليرهب العدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم فينصرفوا فخرج في سبعين رجلا حتى بلغ حمراء الاسد وهو من المدينة على ثمانية أميال. وروى محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن خارجة، (6) عن زيد بن ثابت، عن أبي السائب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من بني عبد الاشهل كان شهد احدا، قال: شهدت احدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله بالخروج في طلب العدو قلنا: لا تفوتنا (7) غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) في المصدر: فقالوا. (2) ارتدفتم خ ل. (3) في المصدر: فارجعوا. (4) في المصدر: تسدد. (5) يومنا احد خ ل. (6) في المصدر وسيرة ابن هشام 2: 52: خارجة بن زيد بن ثابت. أقول. هذا هو الصحيح، وعبد الله هذا هو عبد الله بن خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت الانصاري وقد ينسب إلى جده. (7) في السيرة: أتفوتنا.

[ 40 ]

والله مالنا دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله و كنت أيسر جرحا من أخي، فكنت إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة حتى بلغنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حمراء الاسد. (1) فمر برسول الله عليه وآله معبد الخزاعي بحمراء الاسد وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عينة (2) رسول الله صلى الله عليه وآله بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا، ومعبد يؤمئذ مشرك، فقال: والله يا محمد لقد عز علينا مصابك في قومك وأصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك (3) فيهم، ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وأجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالوا: قد أصبنا جل (4) أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، (5) فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد ؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا وقد اجتمع عليه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ضيعتهم (6) وفيهم من الحنق (7) عليكم ما لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول ؟ فقال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم قال: فوالله إني لانهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت أبياتا فيه من شعر، قال: وما قلت ؟ قال قلت: كادت تهد من الاصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الابابيل


(1) في المصدر: حتى انتهينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حمراء الاسد. (2) في نسخة وفي السيرة: عيبة. وهو الموجود في المصدر. (3) عفاك منهم خ ل. أقول: في السيرة: عافاك فيهم. (4) في المصدر والسيرة: حد أصحابه. أقول: الحد من الانسان: بأسه وما يعتريه من الغضب. (5) زاد في السيرة. لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. (6) في المصدر: على صنيعهم وفي السيره. على ما ضيعوا. (7) الحنق: شدة الغيظ.

[ 41 ]

تردي (1) باسد كرام لا تنابلة * عند اللقآء ولا خرق معاذيل (2) فظلت عدوا أظن الارض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول وقلت: وي (3) لابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لاهل السير (4) ضاحية * لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش (5) تنابلة * وليس يوصف ما أثبت بالقيل قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون ؟ قالوا: نريد المدينة نريد الميرة، فقال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة ارسلكم بها إليه، وأحمل لكم أبلكم هذه زبيبا بعكاظ (6) غدا إذا وافيتمونا ؟ قالوا: نعم، قال: إذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا الكرة إليه وإلى أصحابه (7) لنستأصل بقيتهم، وانصرف أبو سفيان، ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وآله وهو بحمراء الاسد فأخبروه بقول أبي سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله بعد الثالثة إلى المدينة وقد ظفر في وجهه


(1) أي تسرع. (2) في السيرة: ولا ميل معازيل. والميل جمع أميل. وهو الذى لا رمح له، وقيل: هو الذى لا ترس له. وقيل: هو الذى لا يثبت على السرج ومعازيل بالزاى في المصدر والسيرة وهم الذين لا سلاح معهم. (3) في المصدر والسيرة: فقلت: ويل. (4) السيل خ ل أقول: في المصدر: السبل. وفي السيرة. البسل. والبسل: الحرام. أراد أهل مكة. والاربة: العقل. (5) لا وحش خ. أقول: في السيرة: لا وحش قنابلة. وقنابلة جمع قنبلة وهى القطعة من الخيل. (6) عكاظ: سوق من اسواق العرب، كانت العرب تجتمع فيها في الاشهر الحرم وتقوم اسواقهم بها، ويتناشدون الاشعار ويتحاجون، ومن له اسير سعى في فدائه، ومن له حكومة ارتفع إلى الذى يقوم بأمر الحكومة، ثم يقفون بعرفة ويقضون مناسك الحج ويرجعون إلى أوطانهم. (7) في المصدر: الكرة عليه وعلى اصحابه. وفى السيرة: السير إليه وإلى اصحابه.

[ 42 ]

ذلك بمعاوية بن المغيرة بن العاص، (1) وأبي غرة الجمحي، (2) هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد وعكرمة: نرلت هذه الآيات في غزاة بدر الصغرى، و ذلك أن أبا سفيان قال يوم احد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعدنا بيننا وبينك موسم بدر الصغرى، لقابل إن شئت، (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذلك بيننا وبينك، فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من مر الظهران (4)، ثم ألقى الله عليه الرعب فبدا له في الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الاشجعي، وقد قدم معتمرا، فقال له أبو سفيان: إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى. وإن هذه عام جدب فلا يصلح لنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة، فألحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الابل أضعها على يدي سهيل بن عمرو، فأتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم إلا شريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد، فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الخروج، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لاخرجن ولو وحدي فأما الجبان فإنه رجع، وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى وهو ماء لبني كنانة، وكان (5) موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام، فأقام ببدر ينتظر أبا سفيان،


(1) في السيرة: معاوية بن المغيرة بن ابى العاص بن امية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك بن مروان أبو امه عائشة بنت معاوية. (2) في المصدر: ابى قرة. وكلاهما مصحفان، والصحيح: ابى عزة وقد اشرنا إليه سابقا. وهو الذى اسره رسول الله صلى الله عليه وآله ببدر ثم من عليه فاطلقه. (3) في المصدر: موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى القابل ان شئت. (4) ذكر ابن هشام بدر الصغرى في السيرة 2: 221 وفيه: وبعض الناس يقول: قد بلغ عسفان. (5) في المصدر: وكانت.

[ 43 ]

وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة فسماهم أهل مكة جيش السويق، وقالوا: إنما خرجتم تشربون السويق، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه أحد من المشركين ببدر، ووافقوا السوق، وكانت لهم تجارات فباعوها، وأصابوا الدرهم (1) درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. وقد روى ذلك أبو الجارود عن الباقر عليه السلام المعنى (2). " الذين استجابوا لله والرسول " أي أطاعوا الله في أوامره وأطاعوا رسوله " من بعد ما أصابهم القرح " أي نالهم الجراح يوم احد " للذين أحسنوا منهم " بطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وإجابته إلى الغزو " واتقوا " معاصي الله " لهم أجر عظيم " أي ثواب جزيل " الذين قال لهم الناس " في المعني بالناس الاول ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الركب الذين دسهم أبو سفيان إلى المسلمين ليجبنوهم عند منصرفهم من احد، لما أرادوا الرجوع إليهم، عن ابن عباس وابن إسحاق، وقد مضت قصتهم. والثاني: أنه نعيم بن مسعود الاشجعي، وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. والثالث: أنهم المنافقون عن السدي. " إن الناس قد جمعوا لكم " المعني به أبو سفيان وأصحابه عند أكثر المفسرين أي جمعوا جموعا كثيرة لكم، وقيل: جمعوا الآلات والرحال، وإنما عبر بلفظ الواحد عن الجمع في قوله: " قال لهم الناس " لامرين: أحدهما أنه قد جاء هم من جهة الناس، فاقيم كلامه مقام كلامهم، وسمي باسمهم. والآخر أنه لتفخيم الشأن " فاخشوهم " أي فخافوهم، ثم بين سبحانه أن ذلك القول زادهم إيمانا وثباتا على دينهم، وإقامة على نصر نبيهم، بأن قال:


(1) في المصدر: للدرهم. (2) المصدر خال عن كلمة (المعنى) ولعل المراد انه روى معنى ذلك. وليس هذا الفاظ روايته.

[ 44 ]

" فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله " أي كافينا الله (1) وولينا وحفيظنا والمتولي لامرنا " ونعم الوكيل " أي نعم الكافي والمعتمد والملجأ الذي يوكل إليه الامور " فانقلبوا " أي فرجع النبي صلى الله عليه وآله ومن معه من أصحابه " بنعمة من الله وفضل " أي بعافية من السوء وتجارة رابحة " لم يمسسهم سوء " أي قتل، عن السدي ومجاهد، وقيل: النعمة ههنا: الثبوت على الايمان في طاعة الله، والفضل: الربح في التجارة، عن الزجاج، وقيل: أقل ما يفعله الله تعالى بالخلق فهو نعمة، وما زاد على ذلك فهو الموصوف بأنه فضل، والفرق بين النعمة والمنفعة أن النعمة لا تكون نعمة إلا إذا كانت حسنة، والمنفعة قد تكون حسنة، وقد تكون قبيحة، وهذا لان النعمة تستحق بها الشكر، ولا يستحق الشكر بالقبيح " واتبعوا رضوان الله " بالخروج إلى لقاء العدو " والله ذو فضل عظيم " على المؤمنين (2). قوله تعالى: " فما لكم في المنافقين فئتين " أقول: قد مر تفسيره في باب جوامع الغزوات. قوله: " ولا تهنوا " أي لا تضعفوا، قال الطبرسي: قيل نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان يوم احد، وقيل: نزلت يوم احد في الذهاب خلف أبي سفيان وعسكره إلى حمرآه الاسد. قال ابن عباس وعكرمة: لما أصاب المسلمون ما أصابهم يوم احد وصعد النبي صلى الله عليه وآله الجبل جاء أبو سفيان فقال: يا محمد لنا يوم، ولكم يوم، فقال صلى الله عليه وآله: أجيبوه، فقال المسلمون: لا سوآء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وآله قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان:


(1) في المصدر: أي الله كافينا. (2) مجمع البيان 2: 535 و 539 - 541.

[ 45 ]

اعل هبل. فقال النبي صلى الله عليه وآله قولوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، ونام المسلمون وبهم الكلوم، وفيهم نزلت " إن يمسسكم قرح " الآية، وفيهم نزلت " إن تكونوا تألمون " الآية، لان الله تعالى أمرهم على ما بهم من الجراح أن يتبعوهم، وأراد بذلك إرهاب المشركين، فخرجوا إلى حمراء الاسد وبلغ المشركين ذلك فأسرعوا حتى دخلوا مكة. " في ابتغآء القوم " أي في طلب المشركين " إن تكونوا تألمون " مما ينالكم من الجراح منهم " فإنهم " يعني المشركين " يألمون " أيضاء مما ينالهم منكم من الجراح والاذى " كما تألمون " من جراحهم وأذاهم " وترجون من الله " الظفر عاجلا و الثواب آجلا على ما ينالكم منهم " ما لا يرجون " على ما ينالهم منكم (1). قوله تعالى: " إن الذين كفروا ينفقون " قد مر تفسيره في باب قصة بدر. توضيح: قميئة كسفينة مهموز، اعل هبل، أي صر عاليا بغلبة عابديك على منكريك، والطارق: النجم، أي آباؤنا في الشرف والعلو كالنجم والنمارق جمع النمرقة بضم النون والرآء وكسرها، وهي الوسادة، والوامق: المحب، أي نفارقكم فراق المعادي لا فراق المحب، والمراد المفارقة والمعانقة بعد الحرب، إذا (2) كان الخطاب لاصحابه، وإن كان للمسلمين فالمراد المعانقة عند الحرب. و الاحابيش هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا، والتحبش: التجمع، وقيل: حالفوا قريشا تحت جبل يسمى حبشيا فسمي بذلك، والكبول القصير، وفي بعض النسخ: الدهر في الكيول باليآء المثناة التحتانية، وهو كعيوق:


مجمع البيان 2: 104 و 105. (2) الظاهر أن (إذا) مصحف (إن).

[ 46 ]

آخر الصفوف، وهو أصوب، أي أن لا اقيم في جميع دهري وعمري في آخر الصفوف، بل أتقدمها. والكواعب جمع الكاعب وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهود، أردفتم، أي لم تأسروهن فتجعلوهن خلفكم على الابل لتذهبوا بهن، والشريد: الطريد المتفرق المنهزم، ويقال: نكيت في العدو: إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، وقد يهمز، وأبعد للسمع، أي يذهب الخبر به إلى البلاد البعيدة فيصير سببا لرعبهم، فكنت إذا غلب، أي غلبه الوجع حملته، عقبة أي نوبة، عينة رسول الله صلى الله عليه وآله، أي جاسوسه، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة، وفي القاموس: العيبة من الرجل: موضع سره، وهو أظهر. صفقتهم، أي بيعتهم معه، أعفاك فيهم، أي لم يأمرك بقتالهم، يتحرقون عليكم، أي يلتهبون غيظا، أو يحكون أسنانهم عليكم غضبا، تهد راحلتي، أي تقع وتخر، من هد الحائط: إذا وقع. والجرد بالضم جمع الجريدة، وهي من الخيل جماعة جردت من سائرها لوجه، أو هو جمع الاجرد، يقال: فرس أجرد: إذا رقت شعرته وقصرت، وهو مدح. والابابيل: الجماعات الكثيرة، ويقال: جاءت إبلك أبابيل، أي فرقا. تردي أي الجرد، يقال: ردى الفرس يردي: إذا رجم الارض بحوافره رجما بين العدو والمشي الشديد، بأسد أي مع أسد. والتنابلة جمع تنبل كدرهم، أو تنبال بالكسر، وهما القصير، ولعله استعير للجبان أو الكسلان كما هو المعروف في لغة العجم. والخرق بالضم: جمع الاخرق، وهو من لا يحسن العمل، والمعاذيل جمع المعذال، وقيل: المعذول وهو الملوم. وعدوا مصدر لفعل محذوف، أي اعدوا عدوا حال كوني أظن الارض مائلة. لما سموا، أي علوا برئيس وهو الرسول. والغطمطة: اضطراب موج البحر، وغليان الصدور، والتغطمط: صوت معه بحح. والبطحاء: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. والجيل بالكسر: الصنف من الناس، وفي بعض النسخ بالخاء ويقال: فعله ضاحية، أي علانية، والاربة بالكسر: الحيلة. والمعقول: العقل، يقال: عقل يعقل عقلا ومعقولا، والوخش بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة: الردي

[ 47 ]

من كل شئ، ورزال الناس وسقاطهم، للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة، أي ليسوا بمستوحشين، والاول أظهر والقيل بالكسر: القول. 1 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين ابن عثمان، عن ابن مسكان، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على حمزة وكفنه لانه كان جرد (1). 2 - يه: استشهد حنظلة بن أبي عامر الراهب بأحد فلم يأمر النبي صلى الله عليه وآله بغسله، وقال: رأيت الملائكة بين السماء والارض تغسل حنظلة بماء المزن (2) في صحاف من فضة، فكان يسمى غسيل الملائكة (3). 3 - فس: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (4) " فإنه حدثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سبب نزول هذه الآية أن قريشا خرجت من مكة تريد حرب رسول الله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يبتغي موضعا للقتال. قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا (5) " نزلت في عبد الله بن ابي وقوم من أصحابه اتبعوا رأيه في ترك الخروج والقعود (6) عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: وكان سبب غزوة أحد أن قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والاسر، لانه قتل منهم سبعون، واسر منهم سبعون، فلما رجعوا إلى مكة قال أبو سفيان: يا معشر قريش لا تدعوا نسائكم يبكين على قتلاكم (7)، فإن


(1) فروع الكافي 1: 58. (2) المزن: السحاب أو ذو الماء منه. (3) من لا يحضره الفقيه: 49. وفيه: وكان. (4 و 5) تقدم الايعاز إلى موضع الايتين في صدر الباب. (6) في المصدر: اتبعوا رأيه في القعود وترك الخروج. (7) قتلاهم خ ل.

[ 48 ]

البكاء والدمعة إذا خرجت أذهبت (1) الحزن والحرقة والعداوة لمحمد، ويشمت بنا محمد وأصحابه، فلما غزوا رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد أذنوا لنسائهم بعد ذلك في البكاء والنوح، فلما أرادوا أن يغزوا رسول الله إلى احد ساروا في حلفائهم من كنانة وغيرها فجمعوا الجموع والسلاح، وخرجوا من مكة في ثلاثه آلاف فارس، وألفي راجل، وأخرجوا معهم النساء يذكرنهم ويحثثنهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله (2)، وأخرج أبو سفيان هند بنت عتبة، وخرجت معهم عمرة بنت علقمة الحارثية (3)، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك جمع أصحابه وأخبره أن قريشا قد تجمعت تريد المدينة، وحث أصحابه على الجهاد والخروج، فقال عبد الله بن ابي وقوم: يا رسول الله لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة و العبد والامة على أفواه السكك وعلى السطوح، فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا و نحن في حصوننا ودورنا، وما خرجنا إلى أعدائنا قط إلا كان الظفر لهم علينا، فقام سعد بن معاذ وغيره من الاوس فقالوا: يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب ونحن مشركون نعبد الاصنام، فكيف يطمعون فينا وأنت فينا، لا حتى نخرج إليهم (4) فنقاتلهم، فمن قتل منا كان شهيدا، ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله، فقبل رسول الله قوله، وخرج مع نفر من أصحابه يبتغون موضعا للقتال (5) كما قال الله: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين " إلى قوله: " إذ همت طائفتان


(1) ذهب خ ل. (2) وكان معهم مائتا فرس قد جنبوها. وسبعمائة دارع، وثلاثه آلاف بعير. (3) وأخرج عكرمة بن أبى جهل ام حكيم بنت الحارث بن هشام، والحارث بن هشام فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وصفوان بن امية برزة بنت مسعود بن عمرو الثقفية، ويقال: رقية، وعمرو بن العاص ريطة بنت منبه بن الحجاج، وطلحة بن أبى طلحة سلافة بنت سعد بن شهيد الانصارية وخرجت ايضا خناس بنت مالك بن المضرب، قاله ابن هشام في السيرة. وقال المقريزى في الامتاع: خرجوا مح خمس عشرة امرائة. (4) في المصدر: وأنت فينا، حتى لا نخرج إليهم. (5) يبغون موضع القتال خ ل. (*)

[ 49 ]

منكم أن تفشلا (1) " يعني عبد الله بن ابي وأصحابه (2)، فضرب رسول الله عسكره مما يلي طريق العراق (3)، وقعد عنه عبد الله بن ابي وقومه (4) وجماعة من الخزرج اتبعوا رأيه، ووافت قريش إلى احد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله عد أصحابه وكانوا سبعمائة رجل، فوضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب، وأشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعبدالله بن جبير وأصحابه: " إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلوانا المدينة فلا تبرحوا وألزموا مراكزكم " ووضع أبو سفيان عليه اللعنة خالد بن الوليد عليه اللعنة في مأتي فارس كمينا، فقال له (5): إذا رأيتمونا قد اختلطنا بهم فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا من وراءهم، فلما أقبلت الخيل و اصطفوا وعبأ رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه دفع الراية إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فحملت (6) الانصار كلهم على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة، ووقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في سوادهم، وانحط خالد بن الوليد في مأتي فارس، فلقي عبد الله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام، فرجع (7)، ونظر أصحاب عبد الله بن جبير إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ينتهبون (8) سواد القوم، قالوا لعبدالله بن جبير: ما يقيمنا ههنا وقد غنموا أصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة ؟ فقال لهم عبد الله: اتقوا الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد تقدم إلينا أن لا نبرح، فلم يقبلوا منه، وأقبل ينسل رجل فرجل حتى أخلوا (9) مراكزهم


(1) ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (2) وقومه خ ل. (3) لان الطريق كان اسهل خ. (4) خلى المصدر عن كلمة: (وقومه). (5) فقال لهم خ ل. (6) فحمل خ ل. (7) في المصدر: فرجعوا. (8) ينهبون خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. (9) في المصدر: حتى خلوا مراكزهم.

[ 50 ]

وبقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلا، وقد كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدري من بني عبدالدار، فبرز ونادى: يا محمد تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار ونجهزكم بأسيافنا إلى الجنة، فمن شآء أن يلحق بجنته فليبرز إلي، فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول: يا طلح إن كنتم كما تقول * لكم خيول ولنا نصول (1) فاثبت لننظر أينا المقتول * وأينا أولى بما تقول فقد أتاك الاسد الصؤل بصارم ليس به (2) فلول * ينصره القاهر (3) والرسول فقال طلحة: من أنت يا غلام ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، قال: قد علمت يا قضم (4)، أنه لا يجسر علي أحد غيرك، فشد عليه طلحة فضربه فاتقاه أمير المؤمنين عليه السلام بالحجفة، ثم ضربه (5) أمير المؤمنين على فخذيه فقطعهما جميعا فسقط على ظهره، وسقطت الراية (6)، فذهب علي عليه السلام ليجهز عليه فحلفه بالرحم


(1) لنا نصول ولكم خيول خ ل. (2) في المصدر: ليس له فلول. (3) الناصر خ ل. (4) في المصدر المطبوع: يا قضيم. وفي نسختي المخطوطة من المصدر: يا قصم بالمهملة وفي السيرة: يا ابا القصم، وفي هامشه: وقع في بعض النسخ " القصيم " مصغرا، وفي بعض آخر: " القصم " مكبرا كصرد، والذى في شرح أبى ذر: والقصم بالقاف: الكسر الذى يبان به بعض الشئ من بعضه والفصم بالفاء: الكسر الذى يبان به بعض الشئ من بعض، قلت: و الذى في النسخة ابى ذر هو الصواب، وهو الموافق لما حكاه الزرقاني في شرح المواهب عن ابن اسحاق (ج 2 ص 35). أقول: سيذكر المصنف عن الجزرى انه القضم. (5) ضرب خ ل. (6) في الامتاع: وفي ذلك يقول الحجاج بن علاط السلمى: لله أي مذبذب عن حرمة * اعني ابن فاطمة المعم المخولا جادت يداك لهم بعاجل طعنة * فتركت طلحة للجبين مجدلا وشددت شدة باسل فكشفتهم * بالجر إذ يهوون أخول أخولا وعللت سيفك بالدماء ولم تكن * لترده حران حتى ينهلا

[ 51 ]

فانصرف عنه، فقال المسلمون: ألا أجهزت عليه ؟ قال: قد ضربته ضربة لا يعيش منها أبدا، ثم أخذ الراية أبو سعيد (1) بن أبي طلحة، فقتله على عليه السلام، وسقطت رايته إلى الارض فأخذها عثمان بن أبي طلحة فقتله علي وسقطت الراية إلى الارض فأخذها مسافع (2) بن أبي طلحة، فقتله علي عليه السلام، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها الحارث بن أبي طلحة فقتله علي عليه السلام، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها عزيز بن (3) عثمان، فقتله علي عليه السلام، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها عبد الله بن جميلة (4) بن زهير، فقتله علي عليه السلام وسقطت الراية إلى الارض، فقتل أمير المؤمنين التاسع (5) من بني عبدالدار وهو أرطاة بن شرحبيل مبارزة، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها مولاهم صواب فضربه أمير المؤمنين عليه السلام على يمينه فقطعها، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها بشماله، فضربه أمير المؤمنين عليه السلام على شماله فقطعها، فسقطت الراية إلى الارض، فاحتضنها بيديه المقطوعتين، ثم قال: يا بني عبدالدار هل أعذرت فيما بيني وبينكم ؟ فضربه أمير المؤمنين عليه السلام على رأسه فقتله (6)، وسقطت الراية إلى الارض، فأخذتها عمرة بنت علقمة الحارثية فنصبتها، وانحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير وقد فر أصحابه وبقي في نفر قليل فقتلوهم على باب العشب، واستقفوا (7) المسلمين فوضعوا فيهم السيف، ونظرت (8) قريش


(1) هكذا في الكتاب ومصدره، وفي سيرة ابن هشام والامتاع: أبو سعد بن أبى طلحة. (2) وأخذها مساقح خ ل مساقع أقول: الصحيح مسافع كما في المصدر والسيرة. (3) في المصدر المطبوع: أبو عزيز بن عثمان. ولم نجد أحدهما في السير، نعم المذكور في السيرة والامتاع: أبو يزيد بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار. (4) في المصدر المطبوع: عبد الله بن أبى جميلة وفي السيرة عبد الله بن حميد بن زهير ابن الحارث بن أسد. (5) لم يذكر المصنف الثامن، على انك عرفت أن عبد الله بن حميد أيضا لم يكن من بنى عبدالدار، بل كان من بنى اسد. وستأتى أسماء من قتله عليه السلام من أصحاب اللواء في كلام الامام صادق عليه السلام وغيره. راجعه. (6) قد اختلفوا أهل السير في قاتله وفي قاتل بعض من تقدم. وسيأتى الايعاز إلى ذلك في كلام المصنف. (7) واستعقبوا خ ل. (8) وبصرت خ ل.

[ 52 ]

في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها وأقبل خالد بن الوليد يقتلهم (1)، و انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله هزيمة قبيحة، وأقبلوا يصعدون في الجبال وفي كل وجه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه فقال (2): " إلي إني (3) أنا رسول الله، إلى أين تفرون، عن الله وعن رسوله ؟ ". وحدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن معنى قول طلحة بن أبي طلحة لما بارزه علي عليه السلام: يا قضم (4)، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان بمكة لم يجسر عليه أحد لموضع أبي طالب، واغروا به الصبيان، و كانوا إذا خرج رسول الله يرمونه بالحجارة والتراب، وشكى ذلك إلى علي عليه السلام فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرجت فأخرجني معك فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه أمير المؤمنين عليه السلام فتعرض الصبيان لرسول الله صلى الله عليه وآله كعادتهم، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام، وكان يقضمهم (5) في وجوههم وآنافهم وآذانهم، فكان الصبيان يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون: قضمنا علي، قضمنا علي (6)، فسمى لذلك القضم (7). وروي عن أبي واثلة (8) شقيق بن سلمة قال: كنت اماشي عمر بن الخطاب إذ سمعت منه همهمة، فقلت له: مه يا عمر، فقال: ويحك أما ترى الهزبر القثم ابن القثم والضارب (9) بالبهم، الشديد على من طغا وبغا (10) بالسيفين والراية، فالتفت فإذا


(1) في المصدر: وأقبل خالد بن الوليد من وراء المسلمين يقتلهم. (2) وقال خ ل. (3) إلى إلى خ ل. أقول: في نسختي المخطوطة من المصدر: إلى إلى انى انا. (4) في المصدر المطبوع: يا قضيم. وفي المخطوط: يا قصم بالمهملة. (5) في المصدر المخطوط: يقصمهم. (6) " " ": قصمنا على قصمنا على. (7) في المصدر المطبوع: القضيم وفى المخطوط: القصم. (8) هكذا في الكتاب ومصدره، وفيه وهم، والصحيح: ابى وائل. راجع التقريب واسد الغابة وغيرهما. (9) والمضارب خ ل أقول: هو الموجود في نسختي المخطوطة من المصدر. (10) هكذا في نسخة المصنف. وفيه تصحيف، والصحيح اما طغى وبغى كما في المصدر، أو طغا وبغى. والاول يأتي من اليائى والواوي كليهما.

[ 53 ]

هو علي بن أبي طالب فقلت له يا عمر هو علي بن أبي طالب، فقال: ادن مني احدثك عن شجاعته وبطالته (1)، بايعنا النبي صلى الله عليه وآله يوم احد على أن لا نفر، ومن فر منا فهو ضال، ومن قتل منا فهو شهيد، والنبي صلى الله عليه وآله زعيمه، إذ حمل علينا مائة صنديد تحت كل صنديد مائة رجل أو يزيدون، فأزعجونا عن طاحونتنا (2)، فرأيت عليا كالليث يتقي الذر (3) إذ قد حمل كفا (4) من حصى فرمى به في وجوهنا، ثم قال: " شاهت الوجوه، وقطت وبطت ولطت، إلى أين تفرون ؟ إلى النار ؟ " فلم نرجع، ثم كر علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت فقال: بايعتم ثم نكثتم، فوالله لانتم أولى بالقتل ممن أقتل، فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان يتوقدان نارا، أو كالقدحين المملوين دما، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا فبادرت أنا إليه من بين أصحابي فقلت: يا أبالحسن الله الله، فإن العرب تفر وتكر، وإن الكرة تنفي الفرة، فكأنه استجيى، فولى بوجهه (5) عني، فما زلت أسكن روعة فؤادي، فوالله ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة، ولم يبق مع رسول الله إلا أبو دجانة سماك بن خرشة وأمير المؤمنين عليه السلام، وكلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه واله استقبلهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيدفعهم عن رسول الله، ويقتلهم حتى انقطع سيفه، وبقيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله نسيبة بنت كعب المازنية وكانت تخرج مع رسول الله عليه السلام في غزواته تداوي الجرحى، وكان ابنها معها، فأراد أن ينهزم ويتراجع فحملت عليه فقالت: يا بني إلى أين تفر ؟ عن الله وعن رسوله ؟ فردته فحمل عليه رجل فقتله، فأخذت سيف ابنها، فحملت على الرجل فضربته (6) على فخذه فقتلته، فقال


(1) من شجاعته وبطلته خ ل. (2) في المصدر: طاحوننا. ولعله مصحف طحوننا. (3) الدرق خ ل. (4) في المصدر المطبوع: وإذا قد حمل كفا. (5) وجهه خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع. (6) وضربت خ ل.

[ 54 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله: " بارك الله عليك يانسيبة ". وكانت تقي رسول الله صلى الله عليه وآله بصدرها وثدييها (1) حتى أصابتها جراحات كثيرة، وحمل ابن قميئة (2) على رسول الله عليه وآله فقال: أروني محمدا، لا نجوت إن نجا، فضربه على حبل عاتقه ونادى: قتلت محمدا واللات والعزى، ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رجل من المهاجرين قد ألقى ترسه خلف ظهره وهو في الهزيمة، فناداه: " يا صاحب الترس ألق ترسك ومر (3) إلى النار " فرمى بترسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا نسيبة خذي الترس، فأخذت الترس، وكانت تقاتل المشركين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان وفلان وفلان ". فلما انقطع سيف أمير المؤمنين عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن الرجل يقاتل بالسلاح، وقد انقطع سيفي، فدفع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه ذا الفقار، فقال: قاتل بهذا، ولم يكن يحمل على رسول الله صلى الله عليه وآله أحد إلا استقبله (4) أمير المؤمنين عليه السلام، فإذا رأوه رجعوا، فانحاز رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ناحية احد، فوقف، وكان القتال من وجه واحد، وقد انهزم أصحابه، فلم يزل أمير المؤمنين عليه السلام يقاتلهم حتى أصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحة فتحاموه (5)، وسمعوا مناديا (6) من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. فنزل جبرئيل على رسول الله (7) صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد هذه والله المواساة،


(1) في المصدر المطبوع بيديها وصدرها وثدييها. وفي المخطوط: بصدرها ويديها. (ثدييها خ ل). (2) قمية خ ل أقول: الصواب ما اخترنا في المتن. (3) وسر خ ل. (4) ويستقبله خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر المخطوط، وحذف العاطف في المطبوع. (5) في المصدر المطبوع: فتخامره. وفي المخطوط: فتحاموه. فتهابوه خ ل. (6) دويا خ ل. أقول. هو الموجود في المصدر المطبوع والمخطوط. (7) إلى رسول الله صلى الله عليه واله خ ل.

[ 55 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاني منه وهو مني، فقال جبرئيل: وأنا منكما. وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر فكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلا ومكحلة، وقالت: إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا. وكان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم، فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد، وكانت هند بنت عتبة عليها اللعنة قد أعطت وحشيا عهدا: لئن قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لاعطيتك لاعطينك (1) رضاك، وكان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا، فقال وحشي: أما محمد فلا أقدر عليه، وأما علي فرأيته رجلا حذرا كثير الالتفات فلم أطمع فيه، فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا، فمر بي فوطئ على جرف (2) نهر فسقط فأخذت حربتي فهززتها ورميته فوقعت في خاصرته وخرجت من مثانته (3) فسقط، فأتيته فشققت بطنه فأخذت كبده وجئت بها إلى هند فقلت لها: هذه كبد حمزة، فأخذتها في فمها (4) فلاكتها فجعلها الله في فيها مثل الداغصة (5) فلفظتها ورمت (6) بها فبعث الله ملكا فحمله ورده إلى موضعه. فقال أبو عبد الله عليه السلام: أبى الله أن يدخل شيئا من بدن حمزة النار. فجاءت إليه هند فقطعت مذاكيره (7)، وقطعت اذنيه، وجعلتهما خرصين،


(1) لاعطينك رضاك خ ل. أقول: في المصدر المطبوع: " لاعطيتك " وفي المخطوط: " لاعطينك رضاك، ولاعطينك " ولعل التكرار مع حذف المتعلق بعد ذكره اولا عاما لافادة امر خاص كان الوحشى له صبا. (2) في المصدر: على حرف. (3) من ثنيته خ ل. في المصدر المطبوع: فخرج من مثانته مغمسة بالدم. أقول: في السيرة: من ثنيته. وفى الامتاع: من مثانته. (4) في فيها خ ل: (5) في المصدر المطبوع: مثل الفضة. وفي المخطوط: مثل العضة. الداغصة خ ل. (6) فرمت خ ل. (7) مذاكير جمع الذكر على غير قياس.

[ 56 ]

وشدتهما في عنقها، وقطعت يديه ورجليه، وتراجع الناس، فصارت قريش على الجبل فقال أبو سفيان وهو على الجبل: اعل هبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين: قل له: الله أعلى وأجل. فقال: يا علي إنه قد أنعم علينا. فقال علي: بل الله أنعم علينا. ثم قال: يا علي أسألك باللات والعزى هل قتل محمد ؟ فقال له: لعنك الله ولعن اللات والعزى معك، والله ما قتل وهو يسمع كلامك، قال: أنت أصدق، لعن الله ابن قميئة، زعم أنه قتل محمدا. وكان عمرو بن قيس (1) قد تأخر إسلامه، فلما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله في الحرب أخذ سيفه وترسه وأقبل كالليث العادي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم خالط القوم فاستشهد، فمر به رجل من الانصار فرآه صريعا بين القتلى، فقال: يا عمرو وأنت على دينك الاول ؟ قال: لا والله، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم مات، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله إن عمرو بن ثابت (2) قد أسلم وقتل فهو شهيد ؟ قال: إي والله شهيد، ما رجل لم يصل لله ركعة دخل (3) الجنة غيره.


(1) قيس خ ل ثابت خ ل أقول: في المصدر: عمرو بن قيس ولعل الصحيح: عمرو بن ثابت، قال ابن الاثير في اسد الغابة: عمرو بن ثابت بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الاشهل الانصاري الاوسي الاشهلى، وهو اخو سلمة بن ثابت، وابن عم عباد بن بشر، استشهد يوم احد وهو الذى قيل انه دخل الجنة ولم يصل صلاة اه‍. ثم ذكر نحو ما في المتن. (2) في المصدر: عمرو بن قيس. وقد عرفت صوابه في تعليقنا السابق. (3) " ": ودخل.

[ 57 ]

وكان حنظلة بن أبي عامر (1) رجل من الخزرج تزوج في تلك الليلة التي كانت صبيحتها حرب احد ببنت (2) عبد الله بن ابي بن سلول، ودخل بها في تلك الليلة، وأستاذن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقيم عندها، فأنزل الله: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم (3) " فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذه الآية في سورة النور، وأخبار احد في سورة آل عمران، فهذا الدليل على أن التأليف على خلاف ما أنزل الله. فدخل حنظلة بأهله ووقع عليها (4)، فأصبح وخرج وهو جنب، فحضر القتال، فبعثت امرأته إلى أربعة نفر من الانصار لما أراد حنظلة أن يخرج من عندها وأشهدت عليه أنه قد واقعها، فقيل لها: لم فعلت ذلك ؟ قالت: رأيت في هذه الليلة في نومي كأن السماء قد انفرجت فوقع فيها حنظلة، ثم انضمت، فعلمت أنها الشهادة، فكرهت أن لا أشهد عليه فحملت منه فلما حضر (5) القتال نظر إلى أبي سفيان على فرس يجول بين العسكر (6) فحمل عليه فضرب (7) عرقوب فرسه فاكتسعت الفرس، وسقط أبو سفيان إلى الارض وصاح يا معشر قريش أنا أبو سفيان وهذا (8)


(1) وكان ابوه أبا عامر عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان قد خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وآله معه خمسون غلاما من الاوس وخرج مع الكفار إلى احد، وكان ابو عامر يسمى في الجاهلية الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله الفاسق، وهو الذى بنى له مسجد الضرار. (2) بابنة خ ل. (3) النور: 62. (4) في المصدر: وواقع عليها. (5) " ": فلما حضر الحنظلة القتال. (6) بين العسكرين خ ل. (7) وضرب خ ل. أقول: في المصدر: فضرب على عرقوب فرسه. (8) وهو حنظلة خ ل.

[ 58 ]

حنظلة يريد قتلي، وعدا أبو سفيان ومر حنظلة في طلبه، فعرض له رجل من المشركين فطعنه فمشى إلى المشرك في طعنه (1) فضربه فقتله، وسقط حنظلة إلى الارض بين حمزة وعمرو بن الجموح وعبد الله بن حزام وجماعة من الانصار فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " رأيت الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والارض بماء المزن في صحائف (2) من ذهب " فكان يسمى غسيل الملائكة. وروي أن مغيرة بن العاص كان رجلا أعسر فحمل (3) في طريقه إلى احد ثلاثة أحجار، فقال: بهذه أقتل محمدا، فلما حضر القتال نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وبيده السيف فرماه (4) بحجر فأصاب به (5) رسول الله صلى الله عليه وآله فسقط السيف من يده، فقال قتلته واللات والعزى، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كذب لعنه الله، فرماه بحجر آخر، فأصاب جبهته، فقال رسول الله: " اللهم حيره " فلما انكشف الناس تحير فلحقه عمار بن ياسر فقتله، وسلط الله على ابن قميئة الشجر، فكان يمر بالشجر فيقع في وسطها فتأخذ من لحمه، فلم يزل كذلك حتى صار مثل الصر ومات لعنه الله. ورجع المنهزمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فأنزل الله على رسوله: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم (6) " يعني ولما ير، لانه عز وجل قد علم قبل ذلك من يجاهد ومن لا يجاهد، فأقام العلم مقام الرؤية، لانه يعاقبهم (7) بفعلهم لا بعلمه.


(1) طعنته خ ل. (2) في صحاف خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر المخطوط. (3) حمل خ ل. (4) فرمى خ ل. (5) فاصاب يد رسول الله صلى الله عليه وآله خ ل. (6) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (7) يعاقب الناس خ ل.

[ 59 ]

قوله تعالى. " ولقد كنتم تمنون الموت (1) الآية [ وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه) (2) خ ] فإن المؤمنين لما أخبرهم الله بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم من الجنة رغبوا في ذلك، فقالوا: اللهم أرنا قتالا نستشهد فيه، فأراهم الله أياه يوم احد، فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم، فذلك قوله: " ولقد كنتم تمنون " الآية. وأما قوله: " وما محمد إلا رسول " (3) الآية فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج يوم احد وعهد العاهد به على تلك الحال، فجعل الرجل يقول لمن لقيه (4): إن رسول - الله صلى الله عليه وآله قد قتل، النجاء، فلما رجعوا إلى المدينة أنزل الله: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " إلى قوله: " انقلبتم على أعقابكم " يقول إلى الكفر. قوله: " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير " يقول كأين من نبي قبل محمد قتل معه ربيون كثير، والربيون: الجموع الكثيرة، والربة الواحدة: عشرة آلاف " فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله " من قتل نبيهم " وما ضعفوا " إلى قوله: " وإسرافنا في أمرنا " (5) يعنون خطاياهم. قال علي بن أبراهيم في قوله: " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا " يعني عبد الله بن ابي، حيث خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثم رجع يجبن أصحابه " سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب " يعني قريشا " بما أشركوا بالله (6) ". قوله: " ولقد صدقكم الله وعده " يعني ان ينصركم عليهم " إذ تحسونهم بإذنه " إذ (7) تقتلونهم بإذن الله " من بعد ما أراكم ما تحبون " (8) أي ما كانوا أحبوا


(1) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (2) موجود أيضا في المصدر المطبوع والمخطوط. (3) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (4) لمن لقى خ ل. (5 و 6) تقدم ذكر موضع الايات في صدر الباب، (7) أي خ ل. (8) في المصدر بعد قوله. (باذن الله): [ قوله تعالى. في المخطوط ] حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون.

[ 60 ]

وسألوا من الشهادة " منكم من يريد الدنيا " يعني أصحاب عبد الله بن جبير الذين تركوا مراكزهم ومروا للغنيمة (1) " ومنكم من يريد الآخرة " يعني عبد الله بن جبير وأصحابه الذين بقوا (2) حتى قتلوا " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم " أي يختبركم ثم (3) ذكر المنهزمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " إذ تصعدون ولا تلوون " إلى قوله: " والله خبير بما تعملون ". وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " فأثابكم غما بغم " فأما الغم الاول فالهزيمة والقتل، والغم الآخر فإشراف خالد بن الوليد عليهم. يقول: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم " من الغنيمة " ولا ما أصابكم " يعني قتل إخوانهم " والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم من بعد الغم " قال: يعني الهزيمة، وتراجع أصحاب رسول الله المجروحون وغيرهم فأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأحب الله أن يعرف رسوله صلى الله عليه وآله من الصادق منهم ومن الكاذب، فأنزل الله عليهم النعاس في تلك الحالة حتى كانوا (4) يسقطون إلى الارض، وكان المنافقون الذين يكذبون لا يستقرون قد طارت عقولهم وهم يتكلمون بكلام لا يفهم عنهم، فأنزل الله عليه: " يغشى طائفة منكم " يعني المؤمنين " وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ " قال الله لمحمد: " قل إن الامر كلة لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا " يقولون: لو كنا في بيوتنا ما أصابنا القتل، قال الله: " لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم و ليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (5) " فأخبر الله رسوله ما في قلوب القوم


(1) في المصدر المطبوع: وفروا للغنيمة. (2) بقوا معه خ ل. أقول: في المصدر المخطوط: الذين بقوا لم يبرحوا حتى استشهدوا معه حتى قتلوا. (3) زاد في المصدر: " ولقد عفى عنكم والله ذو فضل على المؤمنين " ثم ذكر اه‍. (4) حتى كادوا خ ل. (5) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب.

[ 61 ]

ومن كان منهم مؤمنا، ومن كان منهم منافقا كاذبا بالنعاس، فأنزل الله عليه: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " (1) يعني المنافق الكاذب من المؤمن الصادق بالنعاس الذي ميز بينهم. قوله: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان " أي خدعهم حتى طلبوا الغنيمة " ببعض ما كسبوا " قال: بذنوبهم " ولقد عفا الله عنهم " ثم قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا " يعني عبد الله بن ابي و أصحابه الذين قعدوا عن الحرب " وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض " إلى قوله: " بصير " ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله: " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " أي انهزموا (2) ولم يقيموا معك، ثم قال تأديبا لرسوله: " فاعف عنهم واستغفر لهم " إلى قوله: " وعلى الله فليتوكل المؤمنون ". وفى رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " وما كان لنبي أن يغل " فصدق الله، لم يكن الله ليجعل نبيا غالا " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة " من غل (3) شيئا رآه يوم القيمة في النار، ثم يكلف أن يدخل إليه فيخرجه من النار " ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (4). قوله: " لقد من الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولا من أنفسهم (5) " فهذه الآية لآل محمد عليهم السلام. قوله: " هو من عند أنفسكم " يقول: بمعصيتكم (6) أصابكم ما أصابكم.


(1) آل عمران: 179. (2) أي هربوا خ ل. (3) في المصدر: ومن غل. (4) تقدم ذكر موضع الايات في صدر الباب (5) آل عمران: 164. (6) لمعصيتكم خ ل.

[ 62 ]

قوله: " وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله " فهم ثلاثمائة منافق رجعوا مع عبد الله بن ابي بن سلول فقال لهم جابر بن عبد الله: انشدكم الله في نبيكم ودينكم ودياركم، فقالوا: والله لا يكون القتال اليوم، ولو نعلم أنه يكون قتالا لاتبعناكم يقول الله: " هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان (1) " الآية. فلما سكن القتال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من له علم بسعد بن الربيع ؟ فقال رجل: أنا أطلبه، فأشار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى موضع فقال: اطلبه (2) هناك فإني قد رأيته في ذلك الموضع قد شرعت حوله اثنا عشر رمحا، قال فأتيت ذلك الموضع فإذا هو صريع بين القتلى، فقلت: يا سعد فلم يجبني، ثم قلت يا سعد فلم يجبني فقلت: يا سعد إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد سأل عنك، فرفع رأسه فانتعش كما ينتعش الفرخ، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لحي ؟ قلت: إي والله إنه لحي، وقد أخبرني أنه رأى حولك اثنى عشر رمحا فقال: الحمد لله، صدق رسول الله صلى الله عليه وآله، قد طعنت اثنى عشر (3) طعنة كلها قد جافتني (4)، أبلغ قومي الانصار السلام وقل لهم: والله ما لكم عند الله عذر إن تشوك رسول الله صلى الله عليه وآله شوكة وفيكم عين تطرف، ثم تنفس فخرج منه مثل دم الجزور، وقد كان احتقن في جوفه، وقضى نحبه رحمه الله. ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبرته فقال: " رحم الله سعدا نصرنا حيا و أوصى بنا ميتا ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من له علم بعمي حمزة ؟ فقال له الحارث بن الصمة أنا أعرف موضعه، فجاء حتى وقف على حمزة فكره أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام: يا علي اطلب عمك، فجاء علي عليه السلام فوقف على حمزة فكره أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) تقدم ذكر الايات في صدر الباب. (2) اطلب خ ل. (3) في نسخة المصنف. اثنا عشر. (4) أجافتني خ ل.

[ 63 ]

حتى وقف عليه، فلما رأى ما فعل به بكى، ثم قال: والله ما وقفت موقفا قط أغيظ علي من هذا المكان، لئن أمكنني الله من قريش لامثلن بسبعين رجلا منهم، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر (1) " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل أصبر، فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة بردة كانت عليه، فكانت إذا مدها على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدها على رجليه بدا رأسه، فمدها على رأسه وألقى على رجليه الحشيش، وقال: " لولا أني أحذر (2) نساء بني عبد المطلب لتركته للعقبان (3) والسباع حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع والطير ". وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالقتلى فجمعوا فصلى عليهم، ودفنهم في مضاجعهم، و كبر على حمزة سبعين تكبيرة. قال: وصاح إبليس بالمدينة: قتل محمد، فلم يبق أحد من نساء المهاجرين و الانصار إلا وخرج (4)، وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله تعدو على قدميها حتى وافت رسول الله صلى الله عليه وآله، وقعدت بين يديه، وكان (5) إذا بكى رسول الله صلى الله عليه وآله بكت، وإذا انتحب انتحبت. ونادى أبو سفيان: موعدنا وموعدكم في عام قابل، فنقتتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام: قل: نعم، وارتحل رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل المدينة و


(1) النحل: 126 و 127. (2) أن احزن خ ل. (3) للعاقبة خ ل، أقول: في المصدر المطبوع: للعافية. وفي المخطوط: لولا انى احذر نساء (بفناء خ ل) بنى عبد المطلب لتركته للاعافية (للعافية خ ل) والسباع أقول: وفى الامتاع " لولا ان يحزن نساءنا ذلك لتركناه للعافية حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع وحواصل الطير " والعافية وواحدها عاف: كل ما جاء يطلب الفضل والرزق من الناس والدواب والطير و السباع، ويريد هنا السباع والطير: اكالة اللحم والجيف. (4) خرجت خ ل. أقول: في المصدر: الا خرج. (5) فكان خ ل.

[ 64 ]

استقبلته النساء يولولن (1) ويبكين، فاستقبلته زينب بنت جحش فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: احتسبي، فقالت: من يا رسول الله ؟ قال: أخاك، قالت " إنا لله وإنا إليه راجعون " هنيئا له الشهادة، ثم قال لها: احتسبي، قالت (2): من يا رسول الله ؟ قال: حمزة بن عبد المطلب، قالت: " إنا لله وإنا إليه راجعون " هنيئا له الشهادة، ثم قال لها: احتسبي، قالت (3): من يا رسول الله ؟ قال: زوجك مصعب بن عمير، قالت: واحزناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن للزوج عند المرأة لحدا مالا حد مثله، فقيل لها: لم قلت ذلك في زوجك ؟ قالت: ذكرت يتم ولده. قال: وتؤامرت قريش على أن يرجعوا ويغيروا على المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اي رجل (4) يأتينا بخبر القوم ؟ فلم يجبه أحد، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا آتيكم (5) بخبرهم، قال: اذهب فإن كانوا ركبوا الخيل وجنبوا الابل فهم (6) يريدون المدينة، والله لئن أرادوا المدينة لانازلن الله فيهم، وإن كانوا ركبوا الابل وجنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة، فمضى أمير المؤمنين عليه السلام على ما به من الالم والجراحات، حتى كان قريبا من القوم فرآهم قد ركبوا والابل وجنبوا الخيل، فرجع أمير المؤمنين عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أرادوا مكة. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المديتة نزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم ولا يخرج معك إلا من به جراحة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديا ينادي: يا معشر المهاجرين والانصار من كانت به جراحة فليخرج، و من لم يكن به جراحة فليقم، فأقبلوا يضمدون (7) جراحاتهم ويداوونها، وأنزل


(1) ولولت المرأة: دعت بالويل. اعولت. (2 و 3) فقالت خ ل. (4) من رجل خ ل. (5) آتيك خ ل. (6) فانهم خ ل. (7) في المصدر: يصمدون. أقول: لعله من صمد الرجل رأسه: لف عليه صمادا. أي يلقون على جراحاتهم خرقة.بحار الانوار - 4 -

[ 65 ]

الله على نبيه: " ولا تهنوا في ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون (1) " الآية، فهذه الآية في سورة النساء، ويجب (2) أن تكون في هذه السورة. قال الله عزوجل: " إن يمسسكم قرح (3) " الآية، فخرجوا على ما بهم من الالم والجراح، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله حمراء الاسد وقريش قد نزلت الروحآء قال عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد: نرجع فنغير على المدينة، فقد قتلنا سراتهم وكبشهم يعنون (4) حمزة، فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر، فقال: تركت محمدا وأصحابه بحمراء الاسد يطلبونكم أحد الطلب (5)، فقال أبو سفيان: هذا النكد والبغي قد ظفرنا بالقوم وبغينا (6)، والله ما أفلح قوم قط بغوا، فوافاهم نعيم بن مسعود الاشجعي فقال أبو سفيان: أين تريد ؟ قال: المدينة لامتار لاهلي طعاما، قال: هل لك أن تمر بحمراء الاسد وتلقى أصحاب محمد وتعلمهم أن حلفاءنا وموالينا قد وافونا من الاحابيش حتى يرجعوا عنا، ولك عندي عشرة قلائص أملاها تمرا وزبينا ؟ قال: نعم، فوافى من غد ذلك اليوم حمراء الاسد، فقال لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: أين تريدون ؟ قالوا: قريشا، قال: ارجعوا فإن قريشا قد اجتمعت إليهم حلفاؤهم ومن كان تخلف عنهم وما أظن إلا وأوائل خيلهم يطلعون (7) عليكم الساعة، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، ما نبالي (8)، ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ارجع يا محمد، فإن الله قد أرعب قريشا ومروا لا يلوون على شئ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى


(1) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (2) وجب خ ل. (3) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (4) يعنى خ ل. (5) اجد الطلب خ ل. اقول يوجد ذلك في المصدر المخطوط. وفى المطبوع، جد الطلب. (6) بقينا خ ل. (7) واوائل القوم قد طلعوا خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع. (8) ما نبالي ان يطلعوا علينا خ ل.

[ 66 ]

المدينة وأنزل الله: " الذين استجابوا لله وللرسول (1) " إلى قوله: " الذين قال لهم الناس " يعني نعيم بن مسعود، فهذا لفظه عام، ومعناه خاص " إن الناس قد جمعوا لكم " الآية. فلما دخلوا المدينة قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذا الذي أصابنا وقد كنت تعدنا النصر ؟ فأنزل الله تعالى: " أو لما أصابتكم مصيبة (2) " الآية، وذلك أن يوم بدر قتل من قريش سبعون، واسر منهم سبعون وكان الحكم في الاسارى القتل، فقامت الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله هبهم لنا ولا تقتلهم حتى نفاديهم، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: إن الله قد أباح لهم الفداء أن يأخذوا من هؤلاء ويطلقوهم على أن يستشهد منهم في عام قابل بقدر ما يأخذون (3) منه الفداء، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الشرط، فقالوا: قد رضينا به نأخذ العام الفداء من هؤلاء ونتقوى به، ويقتل منا في عام قابل بعدد من نأخذ منهم الفداء، وندخل الجنة، فأخذوا منهم الفداء وأطلقوهم، فلما كان في هذا اليوم وهو يوم احد قتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله سبعون، فقالوا: يا رسول الله ما هذا الذي أصابنا وقد كنت تعدنا النصر (4) ؟ فأنزل الله: " أو لما أصابتكم " إلى قوله: " هو من عند انفسكم " بما اشترطتم يوم بدر (5). بيان: الشعب بالكسر: الطريق في الجبل. والكمين كأمير: القوم يكمنون في الحرب، والسواد: المال الكثير، وانسل وتسلل: انطلق في استخفاء، قوله: تجهزونا إما من تجهيز المسافر بمعنى تهيئة أسبابه، أو من قولهم: أجهز على الجريح: إذا أثبت قتله وأسرعه وتمم عليه. قوله: ولنا نصول، أي سهام وسيوف، والصؤل


(1) هكذا في نسخة المصنف وغيرها، والصحيح كما في المصحف والمصدر " الرسول " وقد تقدم الاية في صدر الباب. (2) تقدم ذكر موضع الايات في صدر الباب. (3) من يأخذون خ ل. (4) في المصدر: تعدنا بالنصر. (5) تفسير القمى: 100 - 115. والايات تقدم ذكر موضعها في صدر الباب.

[ 67 ]

فعول من قولهم: صال على قرنه: إذا سطا واستطال، والصارم: السيف القاطع. وفلول السيف: الكسور التي في حده. والناصر هو الله تعالى. وقال الجزري: القضم: الاكل بأطراف الاسنان، ومنه حديث علي عليه السلام " كانت قريش إذا رأته قالت: احذروا الحطم احذروا القضم " أي الذي يقضم الناس فيهلكهم انتهى. قوله: فقتل أمير المؤمنين عليه السلام التاسع، لعل الثامن ترك ذكره من النساخ أو الرواة، والهمهمة: الكلام الخفي، وتردد الزئير في الصدر من الهم، ونحو أصوات البقر والفيلة وشبهها، وكل صوت معه بحح - والهزبر: الاسد، والقثم كزفر: الكثير العطآء، والجموع للخير، والبهم بضم البآء وفتح الهاء جمع البهمة بالضم، وهي الحيلة الشديدة، والشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى، والصخرة، والجيش، والانسب هنا الاول والآخر. والبطالة بالفتح: الشجاعة، والزعيم: الكفيل. والصنديد بالكسر: السيد الشجاع. والطاحونة استعيرت هنا لمجتمع القوم ومستقرهم، وفي القاموس الطحون كصبور: الكتيبة العظيمة، والحرب وشاهت الوجوه أي قبحت، والقط: القطع، والبط: الشق، واللط: المنع، و الستر، وإلصاق شئ كالطين ونحوه، والصفيحة: السيف العريض، والسليط: الزيت أو دهن السمسم. ويقال: أتى عليه الدهر، أي أهلكه، ومازن أبو قبيلة من تميم، والمراد بفلان وفلان وفلان أبو بكر وعمر وعثمان. ويقال: انحاز عنه: عدل، وانحاز القوم: تركوا مراكزهم. وتحاماه الناس: توقوه واجتنبوه، والهد: الهدم الشديد، والكسر. والجرف بالضم وبضمتين: ما تجرفته السيول، وأكلته من الارض. والهز: التحريك. واللوك: مضغ الشئ الصلب وإدارته في الفم. والداغصة: العظم المدور المتحرك في وسط الركبة. والخرص بالضم و يكسر: حلقة الذهب والفضة، أو حلقة القرط، أو حلقة الصغيرة من الحلي. وقال في النهاية: في حديث احد قال أبو سفيان لما انهزم المسلمون وظهروا عليهم: اعل هبل، فقال عمر: الله أعلى وأجل، فقال لعمر: أنعمت فعال عنها،

[ 68 ]

كان الرجل من قريش إذا أراد ابتداء أمر عمد إلى سهمين، فكتب على أحدهما: نعم، وعلى الآخر: لا، ثم يتقدم إلى الصنم فيجيل سهامه فإن خرج سهم " نعم " أقدم و إن خرج سهم " لا " امتنع، وكان أبو سفيان لما أراد الخروج إلى احد استفتى هبل فخرج له سهم الانعام، فذلك قوله: أنعمت فعال عنها، أي تجاف عنها ولا تذكرها بسوء، يعني آلهتهم (1). والعرقوب (2) من الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. واكتسع الفحل: خطر فضرب فخذيه بذنبه، والكلب بذنبه: استثفر وكذا الخيل بأذنابها. والمزن بالضم: السحاب البيض، أو ماء السماء كما سيأتي. والصحاف جمع الصحفة وهي القصعة، والاعسر هو الذي يعمل بيده اليسرى، يقال: ليس شئ أشد رميا من الاعسر. والصر بالكسر: طائر أصفر كالعصفور، ويقال: عهده وعهد به: إذا لقيه. وقال في النهاية: في قولهم: النجاء النجاء أي انجوا بأنفسكم، وهو مصدر منصوب بفعل مضمر أي انجوا النجاء، والنجاء: السرعة. وقال الفيروز آبادي: الربة بالكسر ويضم عشرة آلاف. قوله: قد أجافتني أي دخلت جوفي، ويقال: شاكتني الشوكة، أي أصابتني. وقال الجزري: من مات له ولد فاحتسبه، اي احتسب الاجر بصبره على مصيبته. انتهى. ويقال: جنبه أي قاده إلى جنبه فهو جنيب ومجنوب. وقال الجزري: في الحديث: نازلت ربي في كذا، أي راجعته وسألته مرة بعد مرة، وهو مفاعلة من النزول عن الامر، أو من النزال في الحرب، وهو تقابل القرنين انتهى. والسراة بفتح السين وقد يضم: الاشراف، والاحابيش: الجماعة من الناس


(1) أو هبل بالخصوص. (2) العرقوب: عصب غليظ فوق العقب.

[ 69 ]

ليسوا من قبيلة واحدة. والقلائص جمع القلوص، وهي الشابة من الابل. وقال الجزري: فيه فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، أي لا يلتفت ولا يعطف عليه، وألوى برأسه ولواه: إذا أماله من جانب إلى جانب. 4 - ل: بإسناده عن عامر بن واثلة في خبر الشورى قال أمير المؤمنين عليه السلام: نشدتكم بالله هل فيكم من قال له جيرئيل: يا محمد ترى هذه المواساة من علي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل: " وأنا منكما " غيري ؟ قالوا: اللهم لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قتل من بني عبدالدار تسعة مبارزة (1) كلهم يأخذ اللواء ثم جاء صواب الحبشي مولاهم وهو يقول: والله لا أقتل بسادتي إلا محمدا، قد أزبد شدقاه واحمرت عيناه، فاتقيتموه وحدتم عنه، وخرجت إليه، فلما أقبل كانه قبة مبنية، فاختلفت أنا وهو ضربتين فقطعته بنصفين، وبقيت رجلاه وعجزه وفخذاه قائمة على الارض، تنظر إليه المسلمون ويضحكون منه (2) ؟ قالوا: اللهم لا (3). 5 - ج: عن ابي جعفر عليه السلام في خبر الشورى قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: نشدتكم بالله هل فيكم أحد وقفت الملائكة معه يوم احد حين ذهب الناس غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد سقى رسول الله صلى الله عليه وآله من المهراس غيري ؟ قالوا: لا (4). بيان: قال في النهاية: في الحديث " إنه عطش يوم احد فجاءه علي بماء من المهراس فعافه، وغسل به الدم عن وجهه " المهراس: صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء وقد يعمل منه حياض للماء، وقيل: المهراس في هذا الحديث اسم ماء باحد. 6 - ل: فيما عد أمير المؤمنين عليه السلام على رأس اليهود من محنه عليه السلام في حياة


(1) في المصدر: مبارزة غيرى. (2) " ": يضحكون منه. (غيرى خ ل). (3) الخصال 2: 121 و 124. (4) الاحتجاج: 73 و 74.

[ 70 ]

النبي صلى الله عليه وآله وبعد فوته: أما الرابعة يا أخا اليهود فإن أهل مكة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم قد استحاشوا من يليهم من قبائل العرب وقريش طالبين بثار مشركي قريش في يوم بدر، فهبط جيرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنبأه بذلك، فذهب النبي صلى الله عليه وآله وعسكر بأصحابه في سد احد وأقبل المشركون إلينا فحملوا علينا حملة رجل واحد، واستشهد من المسلمين من استشهد، وكان ممن بقي ما كان من الهزيمة، وبقيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومضى المهاجرون والانصار إلى منازلهم من المدينة كل يقول: قتل النبي صلى الله عليه وآله وقتل أصحابه، ثم ضرب الله عزوجل وجوه المشركين، وقد جرحت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله نيفا وسبعين جرحة، منها هذه وهذه، ثم ألقى رداءه وأمر يده على جراحاته، وكان مني في ذلك (1) ما على الله عزوجل ثوابه إن شاء الله الخبر (2). بيان: قال الجزري: في الحديث جاءت هوازن على بكرة أبيها، هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وأنهم جاؤا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة حقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء فاستعيرت في هذا الموضع انتهى. والحوش: الجمع. 7 - ع: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن البزنطي وابن أبي عمير معا، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما كان يوم احد انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لم يبق معه إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو دجانة سماك بن خرشة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا بادجانة (3) أما ترى قومك ؟ قال: بلى، قال: الحق بقومك قال: ما على هذا بايعت الله ورسوله، قال: أنت في حل، قال: والله لا تتحدث قريش بأني خذلتك وفررت حتى أذوق ما تذوق، فجزاه النبي صلى الله عليه وآله خيرا، وكان علي عليه السلام كلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه وآله استقبلهم وردهم حتى أكثر فيهم القتل


(1) في ذلك اليوم خ ل. (2) الخصال 2: 15. (3) يا ابا دجانة خ ل. (*)

[ 71 ]

والجراحات حتى انكسر سيفه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن الرجل يقاتل بسلاحه وقد انكسر سيفي، فأعطاه عليه السلام سيفه ذا الفقار، فما زال يدفع به عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى اثر وانكر (1)، فنزل عليه جبرئيل وقال: يا محمد إن هذه لهي المواساة من علي عليه السلام لك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما، وسمعوا دويا من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. قال الصدوق رحمه الله: قول جبرئيل: وأنا منكما تمنى منه لان يكون منهما، فلو كان أفضل منه لم يقل ذلك، ولم يتمن أن ينحط عن درجته إلى أن يكون ممن دونه، وإنما قال: وأنا منكما ليصير ممن هو أفضل منه، فيزداد محلا إلى محله وفضلا إلى فضله (2). بيان: قوله: حتى اثر على بناء المجهول، أي أثر فيه الجراحة، وانكر أيضا على بناء المجهول، أي صار بحيث لم يكن يعرفه من يراه من قولهم: أنكره: إذا لم يعرفه. 8 - ما: المفيد، عن محمد بن المظفر البزاز، عن أحمد بن عبيد العطاردي، عن أبي بشر بن بكير، عن زياد بن المنذر، عن أبي عبد الله مولى بني هاشم، عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم احد شج النبي صلى الله عليه وآله في وجهه، وكسرت رباعيته فقام صلى الله عليه وآله رافعا يديه يقول: إن الله اشتد غضبه على اليهود أن قالوا: العزير (3) ابن الله، واشتد غضبه على النصارى أن قالوا: المسيح ابن الله، وإن الله اشتد غضبه على من أراق دمي، وآذاني في عترتي (4). 9 - ما: المفيد، عن علي بن مالك النحوي، عن أحمد بن عبد الجبار، عن


(1) في المصدر: وانكسر. (2) علل الشرائع: 14. (3) في المصدر: عزير بلا حرف تعريف. (4) امالي ابن الشيخ: 88.

[ 72 ]

بشر بن بكر، عن محمد بن إسحاق عن مشيخته قال: لما رجع علي بن أبي طالب عليه السلام من احد ناول فاطمة سيفه وقال: أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بلئيم لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد * ومرضاة رب بالعباد رحيم قال: وسمع يوم احد وقد هاجت ريح عاصف كلام هاتف يهتف وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي (1) فإذا ندبتم هالكا فابكوا الوفي أخا الوفي (2) بيان: الرعديد بالكسر: الجبان، والمراد بالوفي حمزة وهو أخو الوفي أبي طالب عليهما السلام. 10 - أقول: روي في الديوان المنسوب إليه عليه السلام بعد البيتين: اريد ثواب الله لا شئ غيره * ورضوانه في جنة ونعيم كنت امرأ أسمو إذ الحرب شمرت (3) * وقامت على ساق بغير مليم أممت ابن عبدالدار حتى ضربته * بذي رونق يفري العظام صميم فغادرته بالقاع فارفض جمعه * عباديد من ذي قانط وكليم وسيفي بكفي كالشهاب أهزه * أجز به من عاتق وصميم فما زلت حتى فض ربي جموعهم * وأشفيت منهم صدر كل حليم (4). 11 - وقال شارح الديوان: لما أنشد علي عليه السلام هذه الابيات قال النبي صلى الله عليه وآله: خذيه يا فاطمة فقد أدى بعلك ما عليه، وقد قتل الله صناديد قريش بيديه. قال: وروى زيد بن وهب، عن ابن مسعود قال: انهزم الناس يوم احد إلا علي وحده، فقلت: إن ثبوت علي في ذلك المقام لعجب، قال: إن تعجبت منه


(1) قال ابن هشام في السيرة 3: 52: وحدثني بعض أهل العلم ان ابن أبى نجيح قال: نادى مناد يوم احد: لا سيف الا ذو الفقار، ولا فتى إلا على. (2) امالي ابن الشيخ: 88 و 89. (3) يسمو خ ل. (4) ديوان على عليه السلام: 125.

[ 73 ]

فقد تعجبت الملائكة، أما علمت أن جبرئيل قال في ذلك اليوم وهو يعرج إلى السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. وعن عكرمة، عن علي عليه السلام قال قال لي النبي صلى الله عليه وآله يوم احد: أما تسمع مديحك في السماء ؟ إن ملكا اسمه رضوان ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. قال: ويقال: إن النبي صلى الله عليه وآله نودي في هذا اليوم: ناد عليا مظهر العجائب * تجده عونا لك في النوائب كل غم وهم سينجلي * بولايتك يا علي يا علي يا علي (1) وقال بعضهم: الهم عبارة عن الفكر في مكروه يخاف الانسان حدوثه، ويرجو فواته، فيكون مركبا من الخوف والرجاء، والغم لا فكر فيه، لانه إنما يكون فيما مضى انتهى كلام الشارح. قوله: يسمو، أي يعلو، وشمر في الامر: خف على ساق، أي على شدة. بغير مليم أي بغير فعل يوجب الملامة. أممت أي قصدت. ورونق السيف: ماؤه و حسنه، والفري: القطع، وصمم السيف: إذا مضى في العظم وقطعه. فغادرته، أي تركته، والافضاض: التفرق، والعباديد: الفرق من الناس الذاهبون في كل وجه. من ذي قانط، أي جمع فيهم قانطون، وكليم أي جريح، والصميم: العظم الذي به قوام العضو. 12 - مع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة قال: ذهبت أنا وبكير مع رجل من ولد علي عليه السلام إلى المشاهد حتى انتهينا إلى احد فأرانا قبور الشهداء، ثم دخل بنا الشعب فمضينا معه ساعة حتى مضينا إلى مسجد هناك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى فيه فصلينا فيه، ثم أرانا


(1) الجملة الاخيرة فيها غرابة ولا تلائم سابقها، والظاهر أنها من زيادة بعض الجهلة، أو الصوفية المضلة الذين يزعمون أن هذه الجملات تكون دعاء فيذكرونها وردا وذكرا، غفلة عن معناها، بل بعضهم يرون للمداومة على ذكرها فضيلة ليست للصلاة، حفظنا الله عن البدع واتباع الاهواء.

[ 74 ]

مكانا في رأس جبل فقال: إن النبي صلى الله عليه وآله صعد إليه فكان يكون فيه ماء المطر، قال زرارة: فوقع في نفسي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يصعد إلى ماثم (1)، فقلت: أما أنا فإني لا أجئ معكم، أنا نائم هيهنا حتى تجيؤا، فذهب هو وبكير، ثم انصرفوا وجاؤا إلي، فانصرفنا جميعا حتى إذا كان الغد أتينا أبا جعفر عليه السلام، فقال لنا: أين كنتم أمس فإني لم أركم، فأخبرناه ووصفنا له المسجد والموضع الذي زعم أن النبي صلى الله عليه وآله صعد إليه فغسل وجهه فيه، فقال أبو جعفر عليه السلام: ما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك المكان قط، فقلت له: يروى (2) لنا أنه كسرت رباعيته فقال: لا، قبضه الله سليما، ولكنه شج في وجهه فبعث عليا فأتاه بماء في حجفة، فعافه (3) رسول الله صلى الله عليه وآله أن يشرب منه وغسل وجهه (4). 13 - مع: الطالقاني رضي الله عنه بالري في رجب سنة تسع وأربعين وثلاثماثة قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الانباري، عن محمد بن يونس، عن عبد الرحمن بن عبد الله (5)، عن إسماعيل بن قيس، عن مخذمة بن بكير (6) عن أبي حازم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لما كان يوم احد بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب سعد بن الربيع، وقال لي: إذا رأيته فاقرأه مني السلام، وقل له: كيف تجدك ؟ قال: فجعلت أطلبه بين القتلى حتى وجدته بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقرأ عليك السلام ويقول لك: كيف تجدك ؟ فقال سلم على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقل لقومي الانصار: لا عذر لكم عند الله


(1) إلى ماء خ ل. (2) في المصدر: فقلنا: وروى. (3) أي كرهه. (4) معاني الاخبار: 115. (5) في المصدر: عبد الرحمن بن عبد الله أبو صالح الطويل التمار البصري جليس سليمان ابن حرب. (6) هكذا في نسخة المصنف: وفى المصدر: مخزمة. ولعل كلاهما مصحفان، والصحيح: مخرمة، وهو مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الاشج أبو المسور المدنى راجع التقريب: 485 وتهذيب التهذيب 10: 70.

[ 75 ]

إن وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وفيكم شفر يطرف (1)، وفاضت نفسه. قال الصدوق رحمه الله: سمعت أبا العباس يقول: قال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري: قوله: " فيكم شفر يطرف " الشفر واحد أشفار العين، وهي حروف الاجفان التي تلتقي عند التغميض، والاجفان أغطية العينين من فوق ومن تحت، والهدب: الشعر النابت في الاشفار، وشفر العين مضموم الشين، ويقال: ما في الدار شفر بفتح الشين، يراد به أحد، قال الشاعر: فوالله ما تنفك منا عداوة * ولا منهم ما دام من نسلنا شفر وقوله: فاضت نفسه، معناه مات، قال أبو العباس: قال أبو بكر الانباري حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن نصر (2) بن علي، عن الاصمعي، عن أبي عمرو بن العلا قال: يقال: فاظ الرجل: إذا مات، ولا يقال: فاظت نفسه، ولا فاضت نفسه وحدثنا أبو العباس، عن ابن الانباري، عن عبد الله بن خلف قال: حدثنا صالح بن محمد بن دراج قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: يقال: فاظ الميت، ولا يقال: فاظت نفسه. ولا فاضت نفسه. حدثنا أبو العباس قال: حدثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى، عن سلمة بن عاصم، عن الفراء قال: أهل الحجاز وطي يقولون: فاضت نفس الرجل، وعكل وقيس وتميم يقولون: فاضت نفسه بالضاد، وأنشد: يريد رجال ينادونها * وأنفسهم دونها فائضة وحدثنا أبو العباس، عن أبي بكر بن الانباري، عن أبيه، عن أبي الحسن الطوسي، عن أبي عبيد، عن الكسائي قال: يقال: فاضت نفسه، وفاظ الميت، وأفاظ الله نفسه (3).


(1) في سيرة ابن هشام: لا عذر لكم عند الله ان خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وآله ومنكم عين تطرف (2) نضرخ. وفي المصدر المطبوع حديثا: نصر بن على. (3) في المصدر: وفاض الميت نفسه، وافاض الله نفسه.

[ 76 ]

وبالاسناد عن أبي الحسن الطوسي ومحمد بن الحكم، عن الحسن اللحياني (1)، قال: يقال: فاظ الميت بالظاء، وفاض الميت بالضاد. وحدثنا أبو العباس، عن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن محمد القمي، عن يعقوب بن السكيت قال: يقال: فاظ الميت يفوظ، وفاظ يفيظ. وحدثنا أبو العباس، عن أبي بكر، عن أبيه، عن محمد بن الجهم، عن الفراء قال: يقال: فاظ الميت نفسه بالظاء، ونصب النفس. وحدثنا أبو العباس قال: أنشدنا أبو بكر، قال: أنشدني أبي قال: أنشدنا أبو عكرمة الضبي: وفاظ ابن حصن غائيا (2) في بيوتنا * يمارس قدا في ذراعيه مصحبا (3) بيان: قال الجوهري: غني بالمكان، أي أقام، وغني أي عاش، وقال: القد: الشق طولا: والقد أيضا: جلد السخلة الماعزة، وبالكسر، سيرتقد من جلد غير مدبوغ وقال المصحب من الزق: ما الشعر عليه، وقد أصحبته: إذا تركت صوفه أو شعره عليه ولم تعطنه. 14 - فس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما مر بعمرو بن العاص والوليد بن عقبة بن أبي معيط وهما في حائط يشربان ويغنيان بهذا البيت في حمزة بن عبد المطلب حين قتل: كم من حواري تلوح عظامه * وراء الحرب عند ان يجر (4) فيقبرا فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم العنهما واركسهما في الفتنة ركسا، ودعهما إلى النار دعا (5).


(1) في الاسناد اختصار، وفي المصدر: عن ابى الحسن الطوسى، عن ابى عبيد، عن الكسائي، وابو جعفر محمد بن الحكم عن الحسن اللحيانى. (2) غانيا. (عانيا) خ ل. (3) معاني الاخبار: 102. (4) يحبر خ ل. (5) تفسير القمى: 449.

[ 77 ]

بيان: الحواري: الناصر، والركس، رد الشئ مقلوبا، والدع: الدفع. 15 - يج: روي أن ابي بن خلف قال للنبي صلى الله عليه وآله بمكة: إني أعلف العوراء (1) يعني فرسا له، أقتلك عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لكن، أنا إن شاء الله، فلقي يوم احد، فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وآله الحربة من الحارث بن الصمة فمشى إليه فطعن وانصرف، فرجع إلى قريش وهو يقول: قتلني محمد، قالوا: وما بك بأس، قال: إنه قال لي بمكة: إني أقتلك، لو بصق علي لقتلني، فمات بشرف (2). 16 - يج: من معجزاته صلى الله عليه وآله أنه لما كانت وقعة بدر قتل المسلمون من قريش سبعين رجلا، وأسروا منهم سبعين، فحكم رسول الله بقتل الاسارى وحرق الغنائم فقال جماعة من المهاجرين: إن الاسارى هم قومك وقد قتلنا منهم سبعين فأطلق لنا أن نأخذ الفداء من الاسارى والغنائم فنقوى (3) بها على جهادنا، فأوحى الله إليه: إن لم تقتلوا يقتل منكم في العام المقبل في مثل هذا اليوم عدد الاسارى، فأنزل الله: " ما كان لنبي أن يكون أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا (4) " فلما كان في العام المقبل وقتل من المسلمين سبعون بعدد (5) الاسارى قالوا: يا رسول الله قد وعدتنا النصر فما هذا الذي وقع بنا ؟ ونسوا الشرط ببدر فأنزل الله: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " يعني ما كانوا أصابوا من قريش ببدر وقبلوا الفداء من الاسرى " قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم " يعني بالشرط الذي شرطوه على انفسهم ان يقتل منهم بعدد الاسارى إذا هو أطلق لهم الفداء منهم والغنائم، فكان الحال في ذلك على حكم الشرط، ولما انكشفت الحرب يوم احد سار (7) أولياء


(1) في نسخة المصنف: عوذاء، وفي امين الضرب: عوزاء: (2) لم نجد الحديث في الخرائج المطبوع. (3) فنتقوى. (4) الانفال: 67. (5) عدد خ ل. (6) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (7) ساروا خ ل.

[ 78 ]

المقتولين ليحملوا قتلاهم إلى المدينة فشدوهم على الجمال، وكانوا إذا توجهوا بهم نحو المدينة بركت الجمال، وإذا توجهوا بهم نحو المعركة أسرعت، فشكوا الحال إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألم تسمعوا قول الله: " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم (1) " فدفن كل رجلين في قبر إلا حمزة فإنه دفن وحده، وكان أصاب عليا عليه السلام في حرب احد أربعون جراحة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الماء على فمه فرشه على الجراحات، فكأنها لم تكن من وقتها، وكان أصاب عين قتادة (2) سهم من المشركين فسالت الحدقة، فأمسكها النبي صلى الله عليه وآله بيده فعادت كأحسن ما كانت. ومنها: أن عليا عليه السلام قال: انقطع سيفي يوم احد فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: إن المرأ يقاتل بسيفه، وقد انقطع سيفي، فنظر إلى جريدة نخل عتيقة يابسة مطروحة فأخذها بيده، ثم هزها فصارت سيفه ذا الفقار فناولنيه، فما ضربت به أحدا إلا وقده بنصفين. ومنها: أن جابرا قال: كان النبي صلى الله عليه وآله بمكة ورجل من قريش يربي (3) مهرا، كان إذا لقى محمدا والمهر معه يقول: يا محمد على هذا المهر أقتلك، قال النبي صلى الله عليه وآله: أقتلك عليه، قال: بل أقتلك. فوافى احدا فأخذ النبي صلى الله عليه وآله حربة رجل وخلع سنانه ورمى به فضربها على عنقه، فقال: النار النار، وسقط ميتا. ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله انتهى إلى رجل قد فوق سهما ليرمي بعض المشركين فوضع صلى الله عليه وآله يده فوق السهم وقال: ارمه (4)، فرمى ذلك المشرك به فهرب المشرك


(1) آل عمران: 154. (2) عم قتادة خ ل. أقول: الصواب ما في المتن وهو قتادة بن النعمان. (3) كان يربى خ ل. أقول: المهر: ولد الفرس. والرجل هو ابى بن خلف. وقد تقدم خبره. (4) ارم خ ل.

[ 79 ]

من السهم، وجعل يروغ من السهم يمنة ويسرة، والسهم يتبعه حيثما راغ حتى سقط السهم في رأسه، فسقط المشرك ميتا. فأنزل الله " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " (1). وكان أبو غرة (2) الشاعر حضر مع قريش يوم بدر [ و ] يحرض قريشا بشعره على القتال، فاسر في السبعين الذين اسروا، فلما وقع الفداء على القوم قال أبو غرة (3): يا أبا القاسم تعلم أني رجل فقير فامنن على بناتي، فقال: اطلقك (4) بغير فداء ألا تكثر علينا بعدها، قال: لا والله، فعاهده على أن لا يعود، فلما كان حرب احد دعته قريش إلى الخروج معها ليحرض الناس بشعره على القتال، فقال إني عاهدت محمدا أن لا اكثر عليه بعد ما من علي، قالوا: ليس هذا من ذلك، إن محمدا لا يسلم منا في هذه الدفعة، فغلبوه على رأيه (5)، فلم يؤسر يوم احد من قريش غيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألم تعاهدني ؟ قال: إنهم (6) غلبوني على رأيي فامنن على بناتي، قال: " لا، تمشي بمكة وتحرك كتفيك وتقول: سخرت من محمد مرتين " [ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ]: " المؤمن لا يلسع من جحر مرتين " يا علي اضرب عنقه (7). بيان: راغ: مال وحاد. 17 - شا: ثم تلت بدرا غزاة احد، وكانت رأية رسول الله صلى الله عليه وآله بيد أمير المؤمنين


(1) الانفال: 17. (2 و 3) هكذا في النسخ، والصحيح: أبو عزة. وقد تقدم. (4) ان اطلقك خ ل. (5) فخرج يسير في تهامة ويدعو بنى كنانة ويقول: إيها بنى عبد مناة الرزام * انتم حماة وأبوكم حام لا تعدوني نصركم بعد العام لا تسلموني لا يحل اسلام قاله ابن هشام في السيرة. (6) انما غلبوني خ ل. (7) لم نجد الحديث في الخرائج، وقد ذكرنا سابقا أن الخرائج المطبوع كأنه مختصر من الخرائج.

[ 80 ]

عليه السلام فيها كما كانت بيده يوم بدر، فصار اللواء إليه يؤمئذ دون صاحب الرأية واللواء جميعا، وكان الفتح له في هذه الغزاة كما كان له ببدر سواء، واختص بحسن البلاء فيها والصبر وثبوت القدم عندما زلت من غيره الاقدام، وكان له العناء برسول الله صلى الله عليه وآله (1) ما لم يكن لسواه من أهل الاسلام، وقتل الله بسيفه رؤوس أهل الشرك و الضلال وفرج الله به الكرب عن نبيه صلى الله عليه وآله، وخطب بفضله في ذلك المقام جبرئيل عليه السلام في ملائكة الارض والسماء، وأبان نبي الهدي صلى الله عليه وآله من اختصاصه به ما كان مستورا عن عامة الناس. فمن ذلك ما رواه يحيى بن عمارة قال: حدثني الحسن بن موسى بن رياح مولى الانصار قال: حدثني أبوالبختري القرشي قال: كانت رأية قريش ولواؤها جميعا بيد قصي بن كلاب، ثم لم تزل الراية في يد ولد عبد المطلب يحملها منهم من حضر الحرب حتى بعث الله رسوله، فصارت راية قريش وغيرها إلى النبي صلى الله عليه وآله فأقرها في بني هاشم فأعطاها (2) رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام في غزاة ودان (3)، وهي أول غزاة حمل (4) فيها راية في الاسلام مع النبي صلى الله عليه وآله، ثم لم تزل معه في المشاهد ببدر وهي البطشة الكبرى، وفي يوم احد، وكان اللواء يومئذ في بني عبدالدار فأعطاها (5) رسول الله صلى الله عليه وآله مصعب بن عمير، فاستشهد، ووقع اللواء من يده فتشوقته القبائل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله فدفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فجمع له يومئذ الراية واللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم.


(1) الفناء عن رسول الله صلى الله عليه وآله خ ل. أقول: هذا هو الصواب. وفى المصدر: وكان له من العناء. (2) وأعطاها خ ل. (3) ودان بالفتح وتشديد الدال: قرية جامعة بين مكة والمدينة من نواحى الفرع: بينها وبين هرشى ستة اميال: وبينها وبين الابواء نحو من ثمانية اميال قريبة من الجحفة. (4) وهى اول غزوة حملت خ ل. (5) فأعطاه خ ل.

[ 81 ]

وروى المفضل بن عبد الله عن سماك، عن عكرمة، عن عبد الله بن العباس أنه قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أربع ما هن لاحد: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو صاحب لوائه في كل زحف، وهو الذي ثبت معه يوم المهراس (1) - يعني يوم احد - وفر الناس، وهو الذي أدخله قبره. وروى زيد بن وهب الجهني، عن أحمد بن عمار، عن الحماني (2)، عن شريك عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب قال: وجدنا من عبد الله بن مسعود يوما طيب نفس فقلنا له: لو حدثتنا عن يوم احد وكيف كان، فقال: أجل، ثم ساق الحديث حتى انتهى إلى ذكر الحرب، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اخرجوا إليهم على اسم الله، فخرجنا فصففنا لهم صفا طويلا، وأقام على الشعب خمسين رجلا من الانصار وأمر عليهم رجلا منهم، وقال: لا تبرحوا من مكانكم هذا، ولو قتلنا (3) عن آخرنا فإنما نؤتى من موضعكم (4)، قال: فأقام أبو سفيان صخر بن حرب بإزائهم خالد ابن الوليد، وكانت الالوية من قريش في بني عبدالدار (5) وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة، وكان يدعى كبش الكتيبة، قال: ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب، وجاء حتى وقف تحت لواء الانصار، قال: فجاء أبو سفيان إلى أصحاب اللواء فقال: يا أصحاب الالوية إنكم قد تعلمون أنما يؤتى القوم من قبل ألويتهم، وإنما اوتيتم (6) يوم بدر من قبل ألويتكم، فإن كنتم


(1) المهراس تقدم معناه. (2) في نسخة: الجمانى، وفي المصدر: الحمامى. والصحيح ما في المتن، والحمانى بكسر الحاء وتشديد الميم يطلق على رجال منهم يحيى بن عبد الحميد بن عبد الله بن ميمون بن عبد الرحمن الحافظ أبو زكريا الكوفى المتوفى 228، وهو المراد هنا بقرينة روايته عن شريك. راجع تهذيب التهذيب 11: 243. (3) ولو أن قتلنا خ ل. (4) في المصدر: من موضعكم هذا. (5) وكانت الوية قريش مع بنى عبد الدار خ ل. (6) اتيتم خ ل.

[ 82 ]

ترون أنكم قد ضعفتم عنها فادفعوها إلينا نكفكموها، قال: فغضب طلحة بن أبي طلحة وقال: ألنا تقول هذا ؟ والله لاوردنكم بها اليوم حياض الموت، قال: وكان (1) طلحة يسمى كبش الكتيبة، قال فتقدم وتقدم علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال علي: من أنت ؟ قال: أنا طلحة بن أبي طلحة كبش الكتيبة (2) فمن أنت ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ثم تقاربا فاختلفت بينهما ضربتان فضربه علي بن أبي طالب عليه السلام ضربة على مقدم رأسه فبدرت عينه (3)، وصاح صيحة لم يسمع مثلها قط وسقط اللواء من يده، فأخذه أخ له يقال له: مصعب، فرماه عاصم بن ثابت بسهم فقتله، ثم أخذ اللواء أخ له يقال له: عثمان، فرماه عاصم ايضا بسهم فقتله، فأخذه عبد لهم يقال له: صواب وكان من أشد الناس، فضرب (4) علي عليه السلام على يده فقطعها فأخذ اللواء بيده اليسرى، فضرب علي على يده اليسرى فقطعها، فأخذ اللواء على صدره وجمع يديه وهما مقطوعتان عليه فضربه علي عليه السلام على ام رأسه فسقط صريعا فانهزم (5) القوم وأكب المسلمون على الغنائم، فلما رأى أصحاب الشعب الناس يغنمون قالوا: يذهب هؤلاء بالغنائم ونبقي نحن ؟ فقالوا لعبدالله بن عمر (6) بن حزم الذي كان رئيسا عليهم: نريد أن نغنم كما يغنم (7) الناس، فقال: إن رسول - الله صلى الله عليه وآله أمرني أن لا أبرح من موضعي (8) هذا، فقالوا له: إنه أمرك بهذا وهو لا يدري أن الامر يبلغ إلى ما ترى (9)، ومالوا إلى الغنائم وتركوه، ولم يبرح هو


(1) فكان خ ل. (2) أنا كبش الكتيبة قال خ ل. (3) فبدرت عيناه خ ل. (4) فضربه على بن أبى طالب خ ل. (5) وانهزم خ ل. (6) في غير نسخة المصنف وفي المصدر واسد الغابة: لعبدالله بن عمرو بن حزم. (7) في نسخة المصنف: كما غنم الناس. (8) مكاني خ ل. (9) حيث نرى. وفي المصدر: ما نرى.

[ 83 ]

من موضعه، فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله، ثم جاء من (1) ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله يريده، فنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله في خف من أصحابه فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون فشأنكم به، فحملوا عليه حملة رجل واحد ضربا بالسيوف، وطعنا بالرماح ورميا بالنبل، ورضخا بالحجارة، وجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقاتلون عنه حتى قتل منهم سبعون رجلا وثبت أمير المؤمنين عليه السلام و أبو دجانة وسهل بن حنيف للقوم يدفعون عن النبي صلى الله عليه وآله فكثر (2) عليهم المشركون، ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه ونظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقد كان اغمي عليه مما ناله، فقال: يا علي ما فعل الناس ؟ فقال نقضوا العهد، وولوا الدبر، فقال له: فاكفني هؤلاء الذين قد قصدوا قصدي، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام فكشفهم (3) ثم عاد إليه وقد حملوا عليه من ناحية اخرى فكر عليهم فكشفهم، وأبو دجانة وسهل ابن حنيف قائمان على رأسه بيد كل واحد منهما سيف ليذب عنه، وثاب (4) إليه من أصحاب المنهزمين أربعة عشر رجلا: منهم طلحة بن عبيدالله، وعاصم بن ثابت وصعد الباقون الجبل، وصاح صائح بالمدينة: قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فانخلعت لذلك القلوب، وتحير المنهزمون، فأخذوا يمينا وشمالا، وكانت هند بنت عتبة جعلت لوحشي جعلا على أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله، أو أمير المؤمنين عليه السلام، أو حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، فقال لها: أما محمد فلا حيلة لي فيه، لان أصحابه يطيفون به، وأما علي فإنه إذا قاتل كان أحذر من الذئب، وأما حمزة فإنى أطمع فيه، لانه إذا غضب لم يبصر بين يديه، وكان حمزة يومئذ قد أعلم بريشة نعامة في صدره، فكمن له وحشي في أصل شجرة، فرآه حمزة فبدر بالسيف إليه فضربه ضربة أخطأت رأسه، قال وحشي: وهززت (5) حربتي حتى إذا تمكنت منه رميته فأصبته


(1) وجاء خ ل. (2) وكثر خ ل. (3) فكشفهم عنه خ ل. (4) ثاب يثوب ثوبا وثؤوبا: رجع بعد ذهابه. وثاب الناس: إجتمعوا. (5) فهززت خ ل.

[ 84 ]

في اربيته فأنفذته وتركته حتى إذا برد صرت إليه، فأخذت حربتي وشغل عني و عنه المسلمون بهزيمتهم، وجاءت هند فأمرت بشق بطن حمزة وقطع كبده والتمثيل به، فجدعوا أنفه واذنيه، ومثلوا به، ورسول الله صلى الله عليه وآله مشغول عنه لا يعلم بما انتهى (1) إليه الامر. قال الراوي للحديث وهو زيد بن وهب: قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لم يبق معه (2) إلا علي بن أبي طالب وأبو دجانة وسهل بن حنيف، فقال انهزم الناس إلا علي بن أبي طالب وحده، وثاب إلى رسول - الله صلى الله عليه وآله نفر وكان أولهم عاصم بن ثابت، وأبا دجانة (3) وسهل بن حنيف، ولحقهم طلحة بن عبيدالله، فقلت له: وأين (4) كان أبو بكر وعمر ؟ قال: كانا ممن تنحى (5) قلت: وأين كان عثمان ؟ جاء بعد ثالثه (6) من الوقعة فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد ذهبت فيها عريضة ؟ قال: فقلت له: وأين (7) كنت أنت ؟ قال: كنت ممن تنحى (8)، قلت له: فمن حدثك بهذا ؟ قال عاصم وسهل بن حنيف، قال: قلت له: إن ثبوت علي عليه السلام في ذلك المقام لعجب، فقال: إن تعجبت من ذلك فقد تعجبت منه الملائكة، أما علمت أن جبرئيل عليه السلام قال في ذلك اليوم وهو يعرج إلى السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.


(1) ما انتهى خ ل. (2) عنده خ ل. (3) وأبو دجانة خ ل. (4) فاين خ ل. وفى المصدر: قال قلت: وأين. (5) فيمن تنحى خ ل. (6) ثلاثة خ ل. (7) فاين خ ل وفى المصدر: قال: قلت: وأين. (8) فيمن تنحى خ ل.

[ 85 ]

قلت له (1): فمن أين علم ذلك من جبرئيل ؟ فقال: سمع الناس صائحا يصيح في السماء بذلك، فسألوا النبي صلى الله عليه وآله عنه فقال: ذلك (2) جبرئيل. وفي حديث عمران بن حصين قال: لما تفرق الناس عن رسول الله صلى اله عليه وآله في يوم احد جاء علي عليه السلام متقلدا سيفه (3) حتى قام بين يديه، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه، فقال له: ما بالك لم تفر مع الناس ؟ فقال: يا رسول الله أأرجع كافرا بعد إسلامي، فأشار له إلى قوم (4) انحدروا من الجبل، فحمل عليهم فهزمهم، ثم أشار إلى قوم آخر فحمل عليهم فهزمهم، ثم أشار إلى قوم آخر فحمل عليهم فهزمهم، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: يا رسول الله لقد عجبت الملائكة وعجبنا معها من حسن مواساة علي لك بنفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما يمنعه من هذا وهو مني وأنا منه ؟ فقال جبرئيل عليه السلام (5): وأنا منكما. وروى الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس أن طلحة بن أبي طلحة خرج يومئذ فوقف بين الصفين فنادى: يا أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم (6) بسيوفنا إلى الجنة فأيكم يبرز إلي ؟ فبرز أمير المؤمنين عليه السلام إليه، فقال: والله لا افارقك هذا اليوم حتى اعجلك بسيفي إلى النار، فاختلفا ضربتين فضربه علي بن أبي طالب عليه السلام (7) على رجليه فقطعهما، فسقط (8) فانكشف عنه، فقال له: انشدك الله يابن عم و الرحم، فانصرف عنه إلى موقفه، فقال له المسلمون: ألا أجهزت عليه ؟ فقال:


(1) فقلنا له خ ل. (2) فقال: ذاك خ ل. (3) بسيفه خ ل. (4) في قوم خ ل. (5) يا رسول الله خ ل. (6) ونعجلكم خ ل. (7) أمير المؤمنين عليه السلام خ ل. (8) وسقط خ ل.

[ 86 ]

ناشدني الله والرحم، والله (1) لا عاش بعدها أبدا، فمات طلحة في مكانه، وبشر النبي صلى الله عليه وآله بذلك فسر به، وقال: هذا كبش الكتيبة. وقد روى محمد بن مروان، عن عمارة، عن عكرمة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: لما انهزم الناس يوم احد عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحقني من الجزع عليه ما لم يلحقني قط ولم أملك نفسي، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره فقلت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله ليفر، وما رأيته في القتلى، وأظنه رفع من بيننا إلى السماء، فكسرت جفن سيفي، وقلت في نفسي: لاقاتلن به عنه حتى اقتل، وحملت على القوم فأفرجوا عني وإذا (2) أنا برسول الله صلى الله عليه وآله قد وقع على الارض مغشيا عليه فقمت على رأسه، فنظر إلي فقال (3): ما صنع الناس يا علي ؟ فقلت: كفروا يا رسول الله، وولوا الدبر من العدو وأسلموك، فنظر النبي صلى الله عليه وآله إلى كتيبة قد أقبلت إليه (4) فقال لي: رد عني يا علي هذه الكتيبة فحملت عليها أضربها بسيفي يمينا وشمالا حتى ولوا الادبار، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما تسمع يا علي مديحك (5) في السماء، إن ملكا يقال له: رضوان ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. فبكيت سرورا وحمدت الله سبحانه وتعالى على نعمته. وقد روى الحسن بن عرفة، عن عمارة بن محمد، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام عن آبائه عليهما السلام قال: نادى ملك من السماء يوم احد: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. وروى مثل ذلك إبراهيم بن محمد بن ميمون، عن عمرو بن ثابت، عن محمد بن عبيدالله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: ما زلنا نسمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون: نادى في يوم احد مناد من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي.


(1) ووالله خ ل. (2) فإذا خ ل. (3) وقال خ ل. (4) عليه خ ل. (5) مدحتك خ ل.

[ 87 ]

وروى سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: لو رأيت مقام علي يوم أحد لوجدته قائما على ميمنة رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه بالسيف، وقد ولى غيره الادبار. وروى الحسن بن محبوب قال: حدثنا جميل بن صالح، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه (1) عليهما السلام قال: كان أصحاب اللواء يوم احد تسعة قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام عن آخرهم، وانهزم القوم، وطارت مخزوم فضحها علي عليه السلام يومئذ. قال: وبارز علي عليه السلام الحكم (2) بن الاخنس فضربه فقطع رجله من نصف الفخذ فهلك منها، ولما جال المسلمون تلك الجولة أقبل امية (3) بن أبي حذيفة ابن المغيرة وهو دارع وهو يقول: يوم بيوم بدر، فعرض له رجل من المسلمين فقتله امية، وصمد له علي بن أبي طالب عليه السلام فضربه بالسيف على هامته فنشب في بيضة مغفره، فضربه أمية بسيفه فاتقاها أمير المؤمنين عليه السلام بدرقته فنشب فيها، ونزع أمير المؤمنين عليه السلام (4) سيفه من مغفره، وخلص امية سيفه من درقته أيضا، ثم تناوشا فقال علي عليه السلام: فنظرت إلى فتق تحت إبطه فضربته بالسيف فيه فقتلته، و انصرفت عنه. ولما انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله في يوم احد وثبت أمير المؤمنين عليه السلام قال له النبي صلى الله عليه وآله ما لك لا تذهب مع القوم ؟ قال (5) أمير المؤمنين عليه السلام: أذهب وأدعك يا رسول الله ؟ والله لا برحت حتى اقتل، أو ينجز الله لك ما وعدك من النصرة، فقال


(1) عن آبائه عليهم السلام خ ل. (2) في سيرة ابن هشام: أبو الحكم بن الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى حليف لهم وسيأتى عن المصنف بعد ذلك ايضا. (3) في السيرة: أبو أمية. (4) على عليه السلام خ ل. (5) فقال خ ل.

[ 88 ]

له النبي صلى الله عليه وآله: أبشر يا علي فإن الله منجز وعده، ولن ينالوا منا (1) مثلها أبداء، ثم نظر إلى كتيبة قد أقبلت إليه فقال له: احمل (2) على هذه يا علي، فحمل أمير المؤمنين عليه السلام عليها فقتل منها هشام بن امية (3) المخزومي، وانهزم القوم، ثم أقبلت كتيبة اخرى فقال له النبي صلى الله عليه وآله: احمل على هذه، فحمل عليها فقتل منها عمرو بن عبد الله الجمحي (4)، وانهزمت ايضا، ثم أقبلت كتيبة اخرى فقال له النبي صلى الله عليه وآله: احمل على هذه، فحمل عليها فقتل منها بشر بن مالك العامري، و انهزمت الكتيبة ولم يعد (5) بعدها أحد منهم، وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه واله، وانصرف المشركون إلى مكة، وانصرف المسلمون مع النبي صلى الله عليه واله إلى المدينة، فاستقبلته فاطمة عليها السلام ومعها إناء فيه ماء فغسل به وجهه، ولحقه أمير المؤمنين عليه السلام وقد خضب الدم يده إلى كتفه، ومعه ذو الفقار فناوله فاطمة عليها السلام وقال لها: خذي هذا السيف فقد صدقني اليوم، وأنشا يقول: أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بمليم لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد * وطاعة رب بالعباد عليم أميطي دماء القوم عنه فإنه * سقى آل عبدالدار كأس حميم وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: خذيه يا فاطمة فقد أدي بعلك ما عليه، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش. وقد ذكر أهل السير قتلى احد من المشركين، وكان (6) جمهورهم قتلى


(1) ولن ينالوا لنا خ ل. (2) لو حملت خ ل. (3) في السيرة: هشام بن ابى امية بن المغيرة. (4) عد ابن هشام من قتلى المشركين من بنى جمح بن عمرو: عمرو بن عبد الله بن عمير ابن وهب بن حذافة بن جمح: وقال: هو أبو عزة قتله رسول الله صلى الله عليه وآله صبرا. أقول: وتقدم قصة قتل ابى عزة، فعليه ففى ذلك وهم، أو يحمل على تعدد عمرو بن عبد الله. (5) فلم يعد خ ل. (6) فكان خ ل.

[ 89 ]

أمير المؤمنين عليه السلام، فروى عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق قال: كان صاحب لواء قريش يوم احد طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبدالدار، قتله علي بن أبي طالب عليه السلام، وقتل ابنه أبا سعد ابن طلحة (1)، وقتل أخاه كلدة (2) بن أبي طلحة، وقتل عبد الله بن حميد بن زهرة (3) بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وقتل أبا الحكم بن الاخنس بن شريق الثقفي، وقتل الوليد بن أبي حذيفة بن المغيرة (4)، وقتل أخاه أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة وقتل أرطاة بن شرحبيل، وقتل هشام بن (5) امية، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي (6) و (7) بشر بن مالك، وقتل صوابا مولى بني عبد الدار. وكان الفتح له، ورجوع الناس من هزيمتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله بمقامه يذب عنه دونهم، وتوجه العتاب من الله تعالى إلى كافتهم لهزيمتهم يومئذ سواه ومن ثبت معه من رجال الانصار وكانوا ثمانية نفر (8)، وقيل: أربعة، أو خمسة، وفي قتله عليه السلام من قتل يوم احد وعنائه في الحرب وحسن بلائه يقول الحجاج بن علاط السلمي: لله أي مذبب عن حزبه (9) * اعني ابن فاطمة المعم المخولا


(1) في الامتاع: اخوه أبو سعد بن أبى طلحة. وسماه ايضا مثل ذلك ابن هشام في السيرة. (2) خالد خ ل. أقول لم نجده في السير، لعله مصحف كلاب بن طلحة، أو جلاس بن طلحة ولكن المذكور في السير انهما قتلهما غيره. (3) في السيرة: زهير. (4) " ": الوليد بن العاص بن هشام بن المغيرة. (5) " ": هشام بن ابى امية بن المغيرة. (6) تقدم الكلام فيه: وفى نسخة المصنف ههنا: عمرو بن عبيدالله. والظاهر انه مصحف. (7) وقتل خ ل. (8) في المصدر: ثلاث نفر. (9) عن حريمه خ ل. أقول: في السيرة 3: 125 والامتاع: 125: عن حرمة.

[ 90 ]

جادت يداك له (1) بعاجل طعنة * تركت (2) طليحة للجبين مجدلا وشددت شدة باسل فكشفتهم * بالسفح (3) إذ يهوون اسفل أسفلا (4) وعللت سيفك بالدماء ولم يكن (5) * لترده حران حتى ينهلا (6) بيان: الخف بالكسر: الجماعة القليلة. والاربية بالضم والتشديد: أصل الفخذ. وقال الجوهري: المعم المخول: الكثير الاعمام والاخوال الكريمهم، وقد يكسران. وقال: طعنه فجدله، أي رماه بالارض، وقال: البسالة: الشجاعة. أسفل أسفلا، أي كشفتهم عند هويهم من الجبل إلى أسفل الوادي، والتكرير للمبالغة، وفي بعض النسخ أخول أخولا. قال الجوهري: يقال: تطاير الشرر أخول أخول، أي متفرقا، وهو الشرر الذي يتطاير من الحديد الحار إذا ضرب. والعلل: الشرب الثاني من الابل، يقال: عله يعله ويعله إذا سقاه السقية الثانية، وعل بنفسه يتعدي ولا يتعدي والنهل: الشرب الاول، وقد نهل كعلم والحران: العطشان، فالمعنى حتى. ينهل فقط من دون علل، أو المراد بالنهل هنا الارتواء، والناهل: الريان، فالتقابل بحسب اللفظ فقط، وعلى التقديرين هو من أحسن الكلام وألطف الاستعارات. 18 - شى: الحسين بن المنذر قال: سألت أبا عبد الله عن قوله: " أفان مات


(1) في الامتاع: لهم وفى السيرة، سبقت يداك له بعاجل طعنة. (2) " ": فتركت طلحة. (3) بالسيف خ ل أقول: في السيرة والامتاع: بالجر إذ يهوون أخول أخولا. أقول: الجر: اصل الجبل. يهوون أي يسقطون. (4) أخول أخولا خ ل. (5) في المصدر والامتاع: ولم تكن. ولم يذكر هذا البيت ابن هشام. (6) ارشاد المفيد: 39 - 47

[ 91 ]

أو قتل انقلبتم على أعقابكم (1) " القتل أم الموت ؟ قال: يعني أصحابه الذين فعلوا ما فعلوا (2). 19 - شى: منصور بن الوليد الصيقل انه سمع أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام قرأ: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير " قال: ألوف وألوف، ثم قال: إي والله يقتلون (3). بيان: قال الطبرسي رحمه الله: قرأ أهل البصرة وابن كثير ونافع (قتل) بضم القاف بغير ألف، وهي قراءة ابن عباس، والباقون " قاتل " بألف، وهي قراءة ابن مسعود (4). 20 - شى: الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر يوم احد ان رسول الله صلى الله عليه وآله كسرت رباعيته، إن الناس ولوا مصعدين في الوادي، والرسول يدعوهم في اخراهم فأثابهم غما بغم، ثم انزل عليهم النعاس، فقلت النعاس ما هو ؟ قال: الهم، فلما استيقظوا قالوا كفرنا، وجاء أبو سفيان فعلا فوق الجبل بإلهه هبل، قفال: اعل هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ. الله أعلى وأجل. فكسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وآله واشتكت لثته، وقال: ننشدك يا رب ما وعدتني، فإنك إن شئت لم تعبد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أين كنت ؟ فقال: يا رسول الله لزقت الارض، فقال: ذاك الظن بك. فقال: يا علي ايتني بماء أغسل عني فأتاه في صحفة (5) فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله قد عافه، وقال: ائتني في يدك، فأتاه بماء


(1) ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (2) تفسير العياشي 1: 200. (3) " " 1: 201. (4) مجمع البيان 2: 516. (5) استظهر المصنف انه مصحف: في حجفة.

[ 92 ]

في كفه، فغسل رسول الله صلى الله عليه وآله عن لحيته صلى الله عليه وآله (1). بيان: النعاس ما هو ؟، أي ما سببه ؟ قالوا: كفرنا، أي بما تكلموا في نعاسهم من كلمة الكفر، أو بتقصيرهم في إعانة الرسول صلى الله عليه وآله، لزقت الارض أي لم أفر ولم أتحرك عن مكاني. 21 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام في قوله: " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " فهو عقبة بن عثمان وعثمان بن سعد (2). 22 - شى: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله يوم احد نادى رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله قد وعدني أن يظهرني على الدين كله، فقال له بعض المنافقين وسماهما: فقد هزمنا ويسخر بنا (3). 23 - شى: عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " قال: هم أصحاب العقبة (4). بيان: لعل المراد بأصحاب العقبة أصحاب الشعب الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بحفظه، أو الانصار الذين بايعوا في العقبة، أو المعنى إن الذين فروا يوم الاحد (5) وقفوا على العقبة لينفروا نافة الرسول صلى الله عليه وآله، والاول أنسب. 24 - شى: عن محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " قال: كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة وأربعين رجلا: قتلوا سبعين رجلا، وأسروا سبعين، فلما كان يوم احد اصيب من المسلمين سبعون رجلا، قال: فاغتموا بذلك فأنزل الله تبارك وتعالى: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها (6) ". 25 - شى: عن سالم بن أبي مريم قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إن


(1) تفسير العياشي 1: 201. (2 - 4) تفسير العياشي 1: 201. والاية ذكرنا موضعها في صدر الباب. (5) هكذا في النسخ، والصحيح: يوم احد. (6) تفسير العياشي 1: 205. ذكرنا موضع الاية في صدر الباب.

[ 93 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام في عشرة " استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح " إلى (1) " أجر عظيم " إنما نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام (2). 26 - قب: ابن فياض في شرح الاخبار: روى محمد بن الجنيد بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: أصابت عليا عليه السلام يوم أحد ست عشرة ضربة (3)، وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه، كل ضربة (4) يسقط إلى الارض، فإذا سقط رفعه جبرئيل عليه السلام. خصائص العلوية: قيس بن سعد، عن أبيه قال علي عليه السلام: أصابني يوم احد ست عشرة ضربة سقطت إلى الارض في أربع منهن، فأتاني رجل حسن الوجه، حسن اللمة، طيب الريح، فأخذ بضبعي (5)، فأقامني، ثم قال: أقبل عليهم، فإنك في طاعة الله وطاعة رسول الله وهما عنك راضيان، قال علي عليه السلام: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: يا علي أقر الله عينك ذاك جبرئيل عليه السلام (6). بيان: اللمة بالكسر: الشعر يجاوز شحمة الاذن. 27 - شى: عن الحسين بن حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما صنع بحمزة بن عبد المطلب قال: " اللهم لك الحمد و إليك المشتكى وأنت المستعان على ما أرى " ثم قال: " لئن ظفرت لامثلن و لامثلن " قال: فأنزل الله " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أصبر أصبر (7). 28 - عم: ثم كانت غزوة احد على راس سنة من بدر، ورئيس المشركين


(1) أي إلى قوله. (2) تفسير العياشي 1: 206، ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (3) في المصدر: اصاب عليا عليه السلام يوم احد ستة عشر ضربة. (4) " ": في كل ضربة. (5) الضبع: العضد. (6) مناقب آل أبى طالب 2: 78 و 79. (7) تفسير العياشي 2: 274، والاية في سورة النحل: 125.

[ 94 ]

يؤمئذ أبو سفيان بن حرب، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يؤمئذ سبعمائة، والمشركون ألفين، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن استشار أصحابه وكان رأيه صلى الله عليه وآله أن يقاتل الرجال على أفواه السكك، ويرمي الضعفاء من فوق البيوت فأبوا إلا الخروج إليهم، فلما صار على الطريق قالوا: نرجع، فقال: ما كان لنبي إذا قصد قوما أن يرجع عنهم، وكانوا ألف رجل، فلما كانوا في بعض الطريق انخزل عنهم عبد الله بن ابي بثلث الناس، وقال (1): والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا والقوم قومه ؟ وهمت بنو حارثه وبنو سلمة بالرجوع، ثم عصمهم الله عزوجل، وهو قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا (2) " الآية. وأصبح رسول الله صلى الله عليه وآله متهيأ للقتال وجعل على راية المهاجرين عليا عليه السلام، وعلى راية الانصار سعد بن عبادة، وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله في راية الانصار، ثم مر صلى الله عليه وآله على الرماة وكانوا خمسين رجلا وعليهم عبد الله بن جبير فوعظهم وذكرهم، وقال: " اتقوا الله واصبروا، وإن رأيتمونا يخطفنا الطير (3) فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم " وأقامهم عند رأس الشعب، وكانت الهزيمة على المشركين، و حسهم المسلمون بالسيوف حسا، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة ظهر أصحابكم (4) فما تنتظرون ؟ فقال عبد الله: أنسيتم قول رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ أما أنا فلا أبرح موقفي الذي عهد إلي فيه رسول الله ما عهد، فتركوا أمره وعصوه بعدما رأوا ما يحبون، وأقبلوا على الغنائم، فخرج كمين المشركين عليهم خالد بن الوليد فانتهى إلى عبد الله بن جبير فقتله، ثم أتى الناس من أدبارهم، ووضع في المسلمين السلاح فانهزموا، وصاح إبليس لعنه الله: وقتل محمد ورسول الله يدعوهم في اخراهم: " أيها الناس إني رسول الله (5) إن الله قد وعدني النصر فإلى أين الفرار " ؟ فيسمعون الصوت


(1) في المصدر: وقالوا. (2) ذكرنا في صدر الباب موضع الاية. (3) في المصدر: يخطفنا المشركون. (4) قال المصنف في الهامش: ظهر اصحابكم أي غلبوا عليها. (5) في المصدر: انا رسول الله.

[ 95 ]

ولا يلوون على شئ وذهبت صيحة إبليس حتى دخلت بيوت المدينة، فصاحت فاطمة عليها السلام ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلا وضعت يدها على رأسها، وخرجت فاطمة عليها السلام تصرخ. قال الصادق عليه السلام: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه واله فغضب غضبا شديدا، و كان إذا غضب انحدر من وجهه وجبهته مثل اللؤلؤ من العرق، فنظر فإذا علي عليه السلام إلى جنبه، فقال: مالك لم تلحق ببني أبيك ؟ فقال علي عليه السلام يا رسول الله أكفر بعد إيمان (1) ؟ إن لي بك اسوة، فقال: أما لافاكفني هؤلاء، فحمل علي عليه السلام فضرب أول من لقى منهم، فقال جبرئيل عليه السلام: إن هذه لهي المواساة يا محمد، قال: " إنه مني وأنا منه " قال جبرئيل: وأنا منكما. وثاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من أصحابه، واصيب من المسلمين سبعون رجلا منهم أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن جحش، و مصعب بن عمير، وشماس بن عثمان بن الشريد، والباقون من الانصار. قال: وأقبل يومئذ ابي بن خلف وهو على فرس له وهو يقول: هذا ابن أبي كبشة، بوء بذنبك، لا نجوت إن نجوت، ورسول الله صلى الله عليه وآله بين الحارث بن الصمة وسهل بن حنيف يعتمد عليهما، فحمل عليه فوقاه مصعب بن عمير بنفسه فطعن مصعبا فقتله، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عنزة كانت في يد سهل بن حنيف ثم طعن ابيا في جربان الدرع فاعتنق فرسه فانتهى إلى عسكره، وهو يخور خوار الثور، فقال أبو سفيان: ويلك ما أجزعك ؟ إنما هو خدش ليس بشئ، فقال: ويلك يابن حرب أتدري من طعنني ؟ إنما طعنني محمد وهو قال لى بمكة: إني سأقتلك، فعلمت أنه قاتلي، والله لو أن مابي كان بجميع أهل الحجاز لقضت عليهم، فلم يزل يخور الملعون حتى صار إلى النار. وفي كتاب أبان بن عثمان: إنه لما انتهت فاطمة عليها السلام وصفية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ونظرتا إليه قال لعلي عليه السلام: أما عمتي فاحبسها عني، وأما فاطمة


(1) في المصدر: بعد الاسلام.

[ 96 ]

فدعها، فلما دنت فاطمة عليها السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله ورأته قد شج في وجهه وادمي فوه إدماء صاحت وجعلت تمسح الدم، وتقول: اشتد غصب الله على من أدمى وجه رسول الله، وكان يتناول في يده (1) رسول الله صلى الله عليه وآله ما يسيل من الدم فيرميه (2) في الهواء فلا يتراجع منه شئ. قال الصادق عليه السلام: والله لو سقط (3) منه شئ على الارض لنزل العذاب. قال أبان بن عثمان: حدثني بذلك عنه الصباح بن سيابة، قال: قلت: كسرت رباعيته كما يقوله هؤلاء ؟ قال: لا والله ما قبضه الله إلا سليما، ولكنه شج في وجهه، قلت: فالغار في احد الذي يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله صار إليه، قال: والله ما برح مكانه، وقيل له: ألا تدعو عليهم ؟ قال: " اللهم اهد قومي (4) ". ورمى رسول الله صلى الله عليه وآله ابن قميئة بقذافة فأصاب كفه حتى ندر السيف من يده، وقال خذها مني وأنا ابن قميئة (5)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أذلك الله و أقمأك (6) " وضربه عتبة بن أبي وقاص بالسيف حتى أدمى فاه، ورماه عبد الله بن شهاب بقلاعة فأصاب مرفقه، وليس أحد من هؤلاء مات ميتة سوية، فأما ابن قميئة فأتاه تيس وهو نائم بنجد فوضع قرنه في مراقه ثم دعسه فجعل ينادي: واذلاه حتى أخرج قرنيه من ترقوته. وكان وحشي يقول: قال لي جبير بن مطعم: وكنت عبدا له إن عليا قتل عمي يوم بدر، يعني طعيمة، فإن قتلت محمد فأنت حر، وإن قتلت عم محمد فأنت حر وان قتلت ابن عم محمد فأنت حر، فخرجت بحربة لي مع قريش إلى احد اريد العتق


(1) خلى المصدر عن قوله في يده. (2) في المصدر ويرمى به. (3) " ": لو نزل. (4) زاد في المصدر: فانهم لا يعلمون. (5) في نسخة المصنف: ابن قمية. وهو المصحف وكذا فيما يأتي. (6) أقمأه أي أذله.بحار الانوار - 6 -

[ 97 ]

لا اريد غيره، ولا أطمع في محمد، وقلت لعلي اصيب من علي أو حمزة غرة فأزرقه، وكنت لا أخطئ في رمي الحراب تعلمته من الحبشة في أرضها، وكان حمزة يحمل حملاته، ثم يرجع إلى موقفه. قال أبو عبد الله عليه السلام وزرقه وحشي فوق الثدي فسقط، وشدوا عليه فقتلوه، فأخذ وحشي الكبد فشد بها إلى هند بنت عتبة فأخذتها فطرحتها في فيها، فصارت مثل الداغصة فلفظتها. وقال: وكان الحليس بن علقمة (1) نظر إلى أبي سفيان وهو على فرس وبيده رمح يجأبه في شدق حمزة فقال: يا معشر بني كنانة انظروا إلى من يزعم أنه سيد قريش ما يصنع بابن عمه الذي قد صار لحما ؟ وأبو سفيان يقول: ذق عقق، فقال أبو سفيان: صدقت إنما كانت مني زلة اكتمها علي. قال: وقام أبو سفيان فنادى بعض المسلمين: أحي ابن أبي كبشة ؟ فأما ابن أبي طالب عليه السلام فقد رأيناه مكانه، فقال علي: إي والذي بعثه بالحق إنه ليسمع كلامك، قال: إنه قد كانت في قتلاكم مثله، والله ما أمرت ولا نهيت، إن ميعادنا بيننا وبينكم موسم بدر في قابل هذا الشهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قل: نعم، فقال: نعم، فقال أبو سفيان لعلي: إن ابن قميئة أخبرني أنه قتل محمدا وأنت أصدق عندي منه وأبر، ثم ولى إلى أصحابه وقال: اتخذوا الليل جملا وانصرفوا. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا فقال: اتبعهم فانظر أين يريدون فإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الابل فإنهم يريدون المدينة، وإن كانوا ركبوا الابل و ساقوا الخيل فهم متوجهون إلى مكة. وقيل: إنه بعث لذلك سعد بن أبي وقاص. فرجع فقال: رأيت خيلهم تضرب بأذنابها مجنوبة مدبرة، ورأيت القوم قد تجملوا سائرين، فطابت أنفس المسلمين بذهاب العدو فانتشروا يتتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به إلا حنظلة بن أبي عامر كان أبوه مع المشركين فترك له، ووجدوا حمزة قد شق بطنه، وجدع أنفه، وقطعت اذناه، واخذ كبده


(1) في السيرة: الحليس بن زبان اخو بنى الحارث بن عبد مناة. وهو يومئذ سيد الاحابيش.

[ 98 ]

فلما انتهى إليه رسول الله صلى الله عليه وآله خنقته العبرة وقال: لامثلن بسبعين من قريش فأنزل الله سبحانه: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم (1) به " الآية، فقال: بل أصبر. وقال: من ذلك الرجل الذي تغسله الملائكة في سفح الجبل ؟ فسألوا امرأته فقالت: إنه خرج وهو جنب، وهو حنظلة بن أبي عامر الغسيل. قال أبان: وحدثني أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله رجل من أصحابه يقال له: قزمان بحسن معونته لاخوانه وذكوه، فقال صلى الله عليه وآله إنه من أهل النار، فاتي رسول الله صلى الله عليه وآله وقيل: إن قزمان استشهد، فقال: يفعل الله ما يشاء (2)، ثم أتي فقيل: إنه قتل نفسه، فقال: أشهد أني رسول الله، قال: وكان قزمان قاتل قتالا شديدا، وقتل من المشركين ستة أو سبعة، فأثبتته الجراح، فاحتمل إلى دور بني ظفر، فقال له المسلمون: أبشر يا قزمان فقد ابليت اليوم، فقال. بم تبشرون ؟ فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتدت عليه الجراحة جاء إلى كنانته فأخذ منها مشقصا (3) فقتل به نفسه. قال: وكانت امرأة من بني النجار قتل أبوها وزوجها وأخوها مع رسول الله صلى الله عليه وآله فدنت من رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون قيام على رأسه، فقال (4) لرجل: أحي رسول الله ؟ قال: نعم، قالت: أستطيع أن أنظر إليه ؟ قال: نعم، فأوسعوا لها فدنت منه وقالت: كل مصيبة جلل بعدك، ثم انصرفت. قال: وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة حين دفن القتلى فمر بدور بني الاشهل وبني ظفر، فسمع بكاء النوائح على قتلاهن، فترقرقت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له اليوم، فلما سمعها سعد بن معاذ


(1) النحل: 125. (2) ثم اتى فقيل: يا رسول الله ان قزمان استشهد، فقال: يفعل الله ما يشاء. (3) المشقص: نصل عريض أو سهم فيه نصل عريض. (4) هكذا في النسخ، والصحيح كما في المصدر: قالت.

[ 99 ]

واسيد بن حضير قالا (1) لا تبكين امرأة حميمها حتى تأتي فاطمة عليها السلام فتسعدها، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله الواعية على حمزة وهو عند فاطمة عليها السلام على باب المسجد قال: ارجعن رحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن. ثم كانت غزوة حمراء الاسد، قال أبان بن عثمان: لما كان من الغد من يوم احد نادى رسول الله صلى الله عليه وآله في المسلمين فأجابوه فخرجوا على علتهم وعلى ما أصابهم من القرح، وقدم عليا بين يديه براية المهاجرين حتى انتهى إلى حمراء الاسد، ثم رجع إلى المدينة فهم الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، و خرج أبو سفيان حتى انتهى إلى الروحاء فأقام بها وهو يهم بالرجعة على رسول الله صلى الله عليه وآله، ويقول: قد قتلنا صناديد القوم، فلو رجعنا استأصلناهم، فلقي معبدا الخزاعي فقال: ما وراءك يا معبد ؟ قال: قد والله تركت محمدا وأصحابه وهم يحرقون عليكم (2)، وهذا علي بن أبي طالب قد أقبل على مقدمته في الناس، وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه، وقد دعاني ذلك إلى أن قلت: شعرا، قال أبو سفيان: وماذا قلت ؟ قال: قلت: كانت تهد من الاصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الابابيل تردي باسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا خرق معاذيل الابيات. فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ثم مر به ركب من عبد القيس يريدون الميرة من المدينة فقال لهم: أبلغوا محمدا أني قد أردت الرجعة إلى أصحابه لاستأصلهم، و اوقر لكم ركابكم زبيبا إذا وافيتم عكاظ، فأبلغوا ذلك إليه، وهو بحمراء الاسد، فقال صلى الله عليه وآله والمسلمون معه: حسبنا الله ونعم الوكيل. ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة يوم الجعمة.


(1) في المصدر ونسخة المصنف: قالوا. (2) في سيرة ابن هشام: قال: محمد قد خرج في اصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا. وقد تقدم الحديث برواية ابن اسحاق والابيات بتمامها.

[ 100 ]

قال: ولما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله حمراء الاسد وثبت فاسقة من بني حطمة (1) يقال لها: العصماء ام المنذر بن منذر تمشي في مجالس الاوس والخزرج وتقول شعرا تحرض على النبي صلى الله عليه وآله، وليس في بني حطمة (2) يومئذ مسلم إلا واحد يقال له: عمير بن عدي، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله غدا عليها عمير فقتلها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إني قتلت ام المنذر لما قالته من هجر، فضرب رسول الله على كتفه وقال: هذا رجل نصر الله ورسوله بالغيب، أما إنه لا ينتطح فيها عنزان. قال عمير بن عدي: فأصبحت فمررت ببنيها وهم يدفنونها فلم يعرض لي أحد منهم، ولم يكلمني (3). بيان: بؤ بذنبك، أي اعترف أو ارجع به. جربان القميص بالضم والتشديد: لبته (4)، معرب كريبان، ويقال: ضربه فقضى عليه، أي قتله، والتأنيث بتأويل الضربة أو الجراحة. وندر الشئ كنصر: سقط، والقذافة بالفتح والتشديد: الذي يرمى به الشئ فيبعد. وأقمأه بالهمز: صغره وأذله. والقلاعة بالضم: الحجر أو المدر يقتلع من الارض فيرمى به. والمراق بتشديد القاف: ما دق من اسفل البطن ولان، والدعس: الطعن. والمزراق: رمح قصير، وزرقه به: رماه به. قوله: يجأبه، هو من قولهم: وجأه بالسكين كوضعه أي ضربه. وقال الجزري: فيه أن أبا سفيان مر بحمزة قتيلا فقال له: ذق عقق، أراد ذق القتل يا عاق قومه كما قتلت يوم بدر من قومك، يعني كفار قريش. و عقق منقول من عاق للمبالغة كغدر من غادر. وفسق من فاسق، وقال: يقال للرجل إذا سرى ليلته جمعاء أو أحياها بصلاة أو غيرها من العبادات: اتخذ الليل جملا، كأنه ركبه ولم ينم فيه. قوله: قد تجملوا أي ركبوا الجمل. والابلاء: الانعام والاحسان. والجلل


(1 و 2) في المصدر: بنى خطمة. (3) إعلام الورى: 52 - 55 ط 1 و 90 - 96. (4) أي طوقه.

[ 101 ]

بالتحريك: الامر العظيم، والهين، وهو من الاضداد، والمراد هنا الثاني، أي كل مصيبة سهلة هينة بعد سلامتك وبقائك. قوله صلى الله عليه وآله: لا ينتطح فيها عنزان، أي يذهب هدرا لا ينازع في دمها رجلان ضعيفان ايضا، لان النطاح من شأن التيوس والكباش. 29 - كشف: قال الواقدي في المغازي: إنه لما فر الناس يوم احد ما زال النبي صلى الله عليه وآله شبرا واحدا، يرمي مرة عن قوسه، ومرة بالحجارة، وصبر (1) معه أربعة عشر رجلا: سبعة من المهاجرين، وسبعة من الانصار، أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيدالله، و أبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام، ومن الانصار الحباب بن المنذر وأبو دجانه، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، واسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، ويقال: ثبت سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة فجعلوهما مكان اسيد بن حضير، وسعد بن معاذ (2)، وبايعه يومئذ ثمانية على الموت: ثلاثه من المهاجرين، وخمسة من الانصار: علي عليه السلام والزبير وطلحة وأبو دجانة والحارث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، فلم يقتل منهم أحد. واصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، قال: فجئت


(1) تقدم آنفا انه لم يثبت مع النبي صلى الله عليه وآله احد الا على بن ابى طالب عليه السلام، ثم رجع بعد ذلك عدة من اصحابه وسياتى ايضا الكلام في ذلك. (2) لم يرق المقريزى أن لا يكون بين هؤلاء الرجال عمر، فأضافه إليهم وعدهم خمسة عشر. وكأنه والواقدى نسيا أن يعده وابا بكر فيمن بايعه صلى الله عليه وآله وسلم على الموت. ولكن ظهور الحال يشهد بأن العصبية العمياء لم تدعهما حتى نحتا فضيلة الثبات لهما ولغيرهما في قبال على عليه السلام حتى لم يكن على عليه السلام منفرد بتلك الفضيلة، ولكن التاريخ و السير يشهدان بخلاف ذلك، حيث لم يثبتا لهما اقل شئ يدل على ذلك، فهل سمعت أو رأيت في كتاب أن أصابهما خدش أو جراحة أو اصاب أحد منهما طعن أو ضرب أو جراحة في تلك الوقعة ؟.

[ 102 ]

إلى النبي صلى الله عليه وآله وقلت: يا رسول الله إن تحتي امرأة شابة جميلة احبها وتحبني، فأنا أخشى أن تقذر (1) مكان عيني، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله فردها فأبصرت وعادت كما كانت لم تؤلمه ساعة من ليل أو نهار، فكان يقول بعد أن أسن: هي أقوى عيني، وكانت أحسنهما. وباشر النبي صلى الله عليه وآله القتال بنفسه، ورمى حتى فنيت نبله، وأصاب شفتيه و رباعيته عتبة بن أبي وقاص، ووقع صلى الله عليه وآله في حفرة، وضربه ابن قميئة فلم يصنع سيفه شيئا إلا وهن الضربة بثقل السيف وانتهض وطلحة تحمله (2) من ورائه، و علي عليه السلام أخذ بيديه حتى استوى قائما. وعن أبي بشير الحارثي (3): حضرت يوم احد وأنا غلام فرأيت ابن قميئة علا رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف فوقع على ركبتيه في حفرة أمامه حتى نوارى، فجعلت أصيح وأنا غلام حتى رأيت الناس ثابوا إليه. ويقال: الذي شجه في جبهته ابن شهاب، والذي أشظى رباعيته وأدمى شفته عتبة بن أبي وقاص، والذي دمى وجتيه حتى غاب الحلق (4) في وجنته ابن قميئة، وسال الدم من جبهته حتى أخضل لحيته، وكان سالم مولي أبي حذيقة يغسل الدم عن وجهه وهو يقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله: " ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم (5) " الآية. وذكر أحمد بن حنبل في مسنده، عن أبي حازم، عن سهل بأي شئ دووي جرح رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: كان علي عليه السلام يجئ بالماء في ترسه، وفاطمة عليها السلام


(1) أي تكرهني. (2) في المصدر: يحمله. (3) " ": أبو بشير (سعيد خ ل) المازنى. (4) أي حلق المغفر. كما في الامتاع. (5) آل عمران: 128.

[ 103 ]

تغسل الدم عن وجهه، وأخذ حصيرا فأحرق وحشي به جرحه (1). وقال علي عليه السلام: ولقد رأيتني وانفردت يومئذ منهم فرقه خشناء فيها عكرمة بن أبي جهل فدخلت وسطهم بالسيف فضربت به واشتملوا علي حتى أفضيت إلى آخرهم، ثم كررت فيهم الثانية حتى رجعت من حيث جئت، ولكن الاجل استأخر ويقضي الله أمرا كان مفعولا (2)، قال: وكان عثمان من الذين تولى يوم التقى الجمعان. وقال ابن أبي نجيح (3): نادى في ذلك اليوم مناد: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي (4). بيان: قال في النهاية: التشظي: التشعب والتشقق، ومنه الحديث فانشظت رباعية رسول الله صلى الله عليه وآله، أي انكسرت. 30 - فر: أبو القاسم بن حماد معنعنا، عن حذيفة اليماني (5) رضي الله عنه


(1) زاد في المصدر: ورأى صلى الله عليه وآله وسلم سيف على مختضبا فقال: ان كنت أحسنت القتال فقد احسن عاصم بن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف، وسيف ابى دجانة غير مذموم، وذكره المقريزى ايضا في الامتاع، وذكر الجملة السابقة هكذا: فلما رأت فاطمة الدم لا يرقأ وهى تغسله وعلى يصب الماء عليها بالمجن اخذت قطعة حصير فاحرقته حتى صار رمادا ثم الصقته بالجرح فاستمسك الدم، ويقال: داوته بصوفة محترقة، وكان صلى الله عليه وآله بعد يداوى الجرح في وجهه بعظم بال حتى يذهب اثره، ومكث يجد وهن ضربة ابن قميئة على عاتقه شهرا أو اكثر من شهر. (2) زاد في المصدر: وخرج عبد الرحمن بن ابى بكر على فرس فقال: من يبارز ؟ انا عبد الرحمن بن عتيق، فنهض أبو بكر وشهر سيفه وقال: يا رسول الله ابارزه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: شم سيفك وارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك، وذكره ايضا المقريزى في الامتاع، قوله: شم سيفك أي اغمده وفى قوله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك خصوصا (متعنا بنفسك) اشارة لطيفة لا تحفى مغزاها. (3) هو عبد الله بن يسار المكى أبو يسار الثقفى. (4) كشف الغمة: 54. (5) هكذا في النسخ، والصحيح: حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حسيل مصغرا ويقال: حسل بكسر الحاء وسكون السين.

[ 104 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بالجهاد يوم احد، فخرج الناس سراعا يتمنون لقاء عدوهم وبغوا في منطقهم، وقالوا: والله لئن لقينا عدونا (1) لا نولي حتى يقتل عن آخرنا رجل أو يفتح الله لنا، قال: فلما أتوا إلى (2) القوم ابتلاهم الله بالذي كان منهم ومن بغيهم فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو دجانة سماك بن خرشة الانصاري، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما قد نزل بالناس من الهزيمة والبلاء رفع البيضة عن رأسه وجعل ينادي: " أيها الناس أنا لم أمت ولم اقتل " وجعل الناس يركب بعضهم بعضا لا يلوون على رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يلتفتون (3) إليه، فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا المدينة، فلم يكتفوا بالهزيمة حتى قال أفضلهم رجلا في أنفسهم: قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما آيس الرسول من القوم رجع إلى موضعه الذي كان فيه فلم ير إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وأبا دجانة الانصاري رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا دجانة ذهب الناس فالحق بقومك، فقال أبو دجانة: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما على هذا بايعناك و بايعنا الله، ولا على هذا خرجنا، يقول الله تعالى: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم " (4) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا دجانة أنت في حل من بيعتك فارجع، فقال أبو دجانة: يا رسول الله لا تحدث نساء الانصار في الخدور أني أسلمتك ورغبت بنفسي عن نفسك، يا رسول الله لا خير في العيش بعدك، قال: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله كلامه ورغبته في الجهاد انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صخرة فاستتر بها ليتقي بها من السهام سهام المشركين، فلم يلبث أبو دجانة إلا يسيرا حتى اثخن (5) جراحة فتحامل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) في المصدر: لئن لقينا العدو. (2) " ": فلما أتوا القوم. (3) ولا يلتفتون خ ل. (4) الفتح: 10. (5) اثخنته الجراحة: اوهنته واضعفته (فاثخن).

[ 105 ]

فجلس إلى جنبه وهو مثخن لا حراك به. قال: وعلي عليه السلام لا يبارز فارسا ولا راجلا إلا قتله الله على يديه حتى انقطع سيفه فلما انقطع سيفه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله انقطع سيفي ولا سيف لي، فخلع رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه ذا الفقار فقلد عليا عليه السلام ومشى إلى جمع المشركين، فكان لا يبرز له أحد (1) إلا قتله، فلم يزل على ذلك حتى وهنت ذراعه (2) فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فيه، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء، وقال: " اللهم إن محمدا عبدك و رسولك، جعلت لكل نبي وزيرا من أهله لتشد به عضده وتشركه في أمره، وجعلت لي وزيرا من أهلي، على بن أبي طالب أخي، فنعم الاخ ونعم الوزير، اللهم وعدتني أن تمدني بأربعة آلاف من الملائكة مردفين، اللهم وعدك وعدك، إنك لا تخلف الميعاد، وعدتني أن تظهر دينك على الدين كله ولو كره المشركون ". قال: فبينما رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو ربه ويتضرع إليه إذ سمع دويا من السماء فرفع رأسه فإذا جبرئيل عليه السلام على كرسي من ذهب، ومعه أربعة آلاف من الملائكة مردفين، وهو يقول: لا فتى ألا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار (3). فهبط جبرئيل عليه السلام على الصخرة وحفت الملائكة برسول الله صلى الله عليه وآله فسلموا عليه، فقال جبرئيل صلى الله عليه وآله: يا رسول الله بالذي (4) أكرمك بالهدى لقد عجبت الملائكة المقربون لمواساة هذا الرجل لك بنفسه، فقال: يا جبرئيل وما يمنعه يواسيني بنفسه وهو مني وأنا منه ؟ فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما، حتى قالها ثلاثا، ثم حمل علي بن أبي طالب عليه السلام وحمل جبرئيل والملائكة ثم إن الله تعالى هزم جمع المشركين وتشتت (5) أمرهم فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي


(1) في المصدر: لا يبرز إليه احد. (2) " ": حتى وهت ذراعه ففرق. (3) هكذا في النسخ، والرواية منفردة بذلك الترتيب، والموجود في غيره من الروايات. لا سيف الا ذو الفقار، ولا فتى الا على. (4) في المصدر: والذى. (5) شتت خ ل.

[ 106 ]

طالب عليه السلام بين يديه، ومعه اللواء قد خضبه بالدم، وأبو دجانة رضي الله عنه خلفه فلما أشرف على المدينة فإذا نساء الانصار يبكين رسول الله صلى الله عليه وآله (1)، فلما نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله استقبله أهل المدينة بأجمعهم، ومال رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المسجد، ونظر إلى الناس (2) فتضرعوا إلى الله وإلى رسوله. وأقروا بالذنب وطلبوا التوبة، فأنزل الله فيهم قرآنا يعيبهم بالبغي الذي كان منهم وذلك قوله تعالى: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون " يقول: قد عاينتم الموت والعدو، فلم نقضتم العهد وجرعتم من الموت وقد عاهدتم الله أن لا تنهزموا حتى قال بعضكم: قتل محمد، فأنزل الله تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " إلى قوله: " وسيجزي الله الشاكرين (3) يعني عليا وأبا دجانة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أيها الناس إنكم رغبتم بأنفسكم عني ووازرني علي وواساني فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني وفارقني في الدنيا والآخرة ". قال: فقال حذيفة: ليس ينبغي لاحد يعقل أن يشك فمن (4) لم يشرك بالله إنه أفضل ممن أشرك به، ومن لم ينهزم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل ممن انهزم، وإن السابق إلى الايمان بالله ورسوله أفضل، وهو علي بن أبي طالب (5). فر: الحسين بن سعيد معنعنا عن حذيفة مثله (6). 31 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن سنان، عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن حمزة بثيابه (7) ولم يغسله ولكنه صلى عليه (8).


(1) في المصدر: يبكين على رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: فنظر إليه الناس. (3) آل عمران: 143. (4) في المصدر: فيمن. (5 و 6) تفسير فرات: 24 - 26. (7) في المصدر: في ثيابه. (8) فروع الكافي 1: 58.

[ 107 ]

32 - يب: المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن علي، عن أبيه، عن حماد عن حريز، عن إسماعيل بن جابر وزرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دفن رسول الله صلى الله عليه وآله عمه حمزة في ثيابه بدمائه التي اصيب فيها، وزاده النبي صلى الله عليه وآله بردا فقصر عن رجليه فدعا له بأذخر. فطرحه عليه، وصلى عليه سبعين صلاة، وكبر عليه سبعين تكبيرة (1). 33 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان بن عثمان، عن نعمان الرازي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: انهزم الناس يوم احد عن رسول الله صلى الله عليه وآله فغضب غصبا شديدا، قال: وكان إذا غضب انحدر عن جبينيه مثل اللؤلؤ من العرق، قال: فنظر فإذا علي عليه السلام إلى جنبه، فقال له: الحق ببني أبيك مع من انهزم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله لي بك اسوة، قال (2): فاكفني هؤلاء، فحمل فضرب أول من لقي منهم، فقال جبرئيل عليه السلام: إن هذه لهي المواساة يا محمد، فقال: إنه مني وأنا منه. فقال (3) جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما يا محمد [ ف‍ ] قال أبو عبد الله عليه السلام: فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جبرئيل عليه السلام على كرسي من ذهب بين السماء والارض وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي (4). 34 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحسين ابن أبي العلاء الخفاف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما انهزم الناس يوم احد عن النبي صلى الله عليه وآله انصرف إليهم بوجهه وهو يقول: أنا محمد، أنا رسول الله لم اقتل ولم أمت، فالتفت إليه فلان وفلان فقالا: الآن يسخر بنا أيضا وقد هزمنا، وبقي معه علي عليه السلام وسماك بن خرشة أبو دجانة رحمه الله، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا بادجانة (5) انصرف


(1) التهذيب 1: 95. (2) فقال خ ل. (3) قال خ ل. (4) روضة الكافي: 110. (5) يا ابا دجانة خ ل.

[ 108 ]

وأنت في حل من بيعتك فأما علي فهو أنا، وأنا هو، فتحول وجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وبكى، وقال: لا والله، ورفع رأسه إلى السماء وقال: لا والله لا جعلت نفسي في حل من بيعتي، إني بايعتك، فإلى من أنصرف يا رسول الله ؟ إلى زوجة تموت، أو ولد يموت، أو دار تخرب، ومال يفنى، وأجل قد اقترب ؟ فرق له النبي صلى الله عليه وآله فلم يزل يقاتل حتى أثخنته الجراحة وهو في وجه، وعلي في وجه فلما اسقط احتمله علي عليه السلام فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وآله فوضعه عنده، فقال: يا رسول الله أوفيت ببيعتى ؟ قال: نعم، وقال له النبي صلى الله عليه وآله: خيرا، وكان الناس يحملون على النبي صلى الله عليه وآله الميمنة فيكشفهم علي عليه السلام، فإذا كشفهم أقبلت الميسرة إلى النبي صلى الله عليه وآله فلم يزل كذلك حتى تقطع سيفه بثلاث قطع، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فطرحه بين يديه وقال: هذا سيفي قد تقطع، فيومئذ أعطاه النبي صلى الله عليه وآله ذا الفقار، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله اختلاج ساقيه من كثرة القتال رفع رأسه إلى السماء وهو يبكي وقال: " يا رب وعدتني أن تظهر دينك وإن شئت لم يعيك " فأقبل علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أسمع دويا شديدا، وأسمع أقدم حيزوم، وما أهم أضرب أحدا إلا سقط ميتا قبل أن أضربه، فقال: هذا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل والملائكة (1)، ثم جاء جبرئيل فوقف إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن هذه هي المواساة، فقال: إن عليا مني وأنا منه فقال جبرئيل عليه السلام وأنا منكما، ثم انهزم الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا علي امض بسيفك حتى تعارضهم، فإن رأيتهم قد ركبوا القلاص وجنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة، وإن رأيتهم قد ركبوا الخيل وهم يجنبون القلاص فإنهم يريدون المدينة، فأتاهم علي عليه السلام فكانوا على القلاص، فقال أبو سفيان لعلي عليه السلام: يا علي ما تريد هو ذا نحن ذاهبون إلى مكة، فانصرف إلى صاحبك، فأتبعهم جبرئيل عليه السلام، فكلما سمعوا


(1) في المصدر: في الملائكة.

[ 109 ]

وقع حوافر (1) فرسه جدوا في السير، وكان يتلوهم، فإذا ارتحلوا قال (2) هو ذا عسكر محمد قد أقبل، فدخل أبو سفيان مكة فأخبرهم الخبر، وجاء الرعاة والحطابون فدخلوا مكة فقالوا: رأينا عسكر محمد، كلما رحل أبو سفيان نزلوا يقدمهم فارس على أشقر يطلب آثارهم، فأقبل أهل مكة على أبي سفيان يوبخونه. ورحل النبي صلى الله عليه وآله والراية مع علي عليه السلام وهو بين يديه، فلما أن أشرف بالراية من العقبة ورآه الناس نادى علي عليه السلام: أيها الناس هذا محمد لم يمت ولم يقتل، فقال صاحب الكلام الذي قال: الآن يسخر بنا وقد هزمنا: هذا علي والراية بيده، حتى هجم عليهم النبي صلى الله عليه وآله ونساء الانصار في أفنيتهم على أبواب دورهم، وخرج الرجال إليه يلوذون به ويثوبون (3) إليه، والنساء نساء الانصار قد خدشن الوجوه، ونشرن الشعور، وجرزن النواصي، وخرقن الجيوب، وحزمن (4) البطون على النبي صلى الله عليه وآله، فلما رأينه قال لهن خيرا، وأمرهن أن يتسترن (5) ويدخلن منازلهن، وقال: إن الله عزوجل وعدني أن يظهر دينه على الاديان كلها، وأنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا " الآية (6). بيان: قوله: فلان وفلان، أي أبو بكر وعمر، قوله: أثخنته الجراحة، أي أوهنته وأثرت فيه. قوله: فلما اسقط، هذا لا يدل على أنه قتل في تلك الوقعة، فلا ينافي ما هو المشهور بين أرباب السير والاخبار أنه بقي بعد النبي صلى الله عليه وآله، فقيل: إنه قتل


(1) في المصدر: حافر فرسه. (2) " ": قالوا. (3) يتوبون خ ل. (4) حرصن. حرضن خ ل. وفى المصدر: حرمن. (5) يستترن خ ل. وهو الموجود في المصدر. (6) الروضة: 318 و 322، وذكرنا موضع الاية في صدر الباب.

[ 110 ]

باليمامة، وقيل: شهد مع أمير المؤمنين عليه السلام بعض غزواته كما ذكر في الاستيعاب والاول أشهر. قوله عليه السلام: لم يعيك، أي لا يشكل عليك ولا تعجز عنه. وقال الجزري: في حديث بدر أقدم حيزوم، جاء في التفسير أنه اسم فرس جبرئيل، أراد أقدم يا حيزوم، فحذف حرف النداء. قوله: فإذا ارتحلوا قال، القائل إما جبرئيل أو أبو سفيان. قوله: فقالوا: رأينا، إنما قالوا ذلك لما رأوا من عسكر الملائكة المتمثلين بصور المسلمين، وكان تعيير أهل مكة لابي سفيان لهربهم عن ذلك العسكر. قوله: هذا علي، لعل مراده تصديق كلامه الاول، أي أتي علي ولم يأت النبي صلى الله عليه وآله، فلو كان حيا لاتى. قوله عليه السلام: ويثوبون بالثاء المثلثة، أي يرجعون وفي بعض النسخ بالمثناة أي يتوبون ويعتذرون من الهزيمة. قوله: وحزمن البطون، في أكثر النسخ بالحاء المهملة والزاء المعجمة، أي كن شددن بطونهن لئلا تبدو عوراتهن لشق الجيوب، من قولهم: حزمت الشئ أي شددته، وفي بعضها حرصن بالحاء والصاد المهملتين، إي شققن وخرقن، وفي بعضها بالحاء المهملة والضاد المعجمة على بناء التفعيل يقال: أحرضه المرض: إذا فسد بدنه، وأشفى على الهلاك. 35 - تفسير النعماني: بالاسناد المذكور في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله سبحانه: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (1) " نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الاشجعي وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله رجع (2) من غزاة احد وقد قتل عمه حمزة وقتل من المسلمين من قتل، وجرح من جرح وانهزم من انهزم، ولم ينله القتل والجرح، أوحى الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن اخرج في وقتك هذا لطلب قريش، ولا تخرج معك من أصحابك


(1) ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (2) في المصدر: لما رجع.

[ 111 ]

إلا من كانت به جراحة، فأعلمهم بذلك، فخرجوا معه على ما كان بهم من الجراح حتى نزلوا منزلا يقال له: حمراء الاسد، وكانت قريش قد جدت السير فرقا، فلما بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلبهم خافوا فاستقبلهم رجل من أشجع يقال له: نعيم بن مسعود يريد المدينة، فقال له: أبو سفيان صخر بن حرب: يا نعيم هل لك أن أضمن لك عشر قلائص وتجعل (1) طريقك على حمراء الاسد فتخبر محمدا أنه قد جاء مدد كثير من حلفائنا من العرب: كنانة وعشيرتهم والاحابيش، وتهول عليهم ما استطعت، فلعلهم يرجعون عنا ؟ فأجابه إلى ذلك، وقصد حمراء الاسد فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، وقال: إن قريشا يصبحون (2) بجمعهم الذي لا قوام لكم به فاقبلوا نصيحتي وارجعوا، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله " حسبنا الله ونعم الوكيل، اعلم أنا لا نبالي بهم، فأنزل الله سبحانه على رسوله " الذين استجابوا لله والرسول " إلى قوله: " ونعم الوكيل " وإنما كان القائل نعيم بن مسعود فسماه الله باسم جميع الناس (3). 36 - ع: أبي، عن سعد، عن معاوية بن حكيم، عن البزنطي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان مما من الله عزوجل على رسوله صلى الله عليه وآله أنه كان يقرأ ولا يكتب، فلما توجه أبو سفيان إلى احد كتب العباس إلى النبي صلى الله عليه وآله، فجاءه الكتاب وهو في بعض حيطان المدينة فقرأه ولم يخبر أصحابه، وأمرهم أن يدخلوا المدينة. فلما دخلوا المدينة أخبرهم (4). 37 - ب: السندي بن محمد، عن وهب بن وهب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الفتح بقتل فرتنا (5) وأم سارة، قال:


(1) في المصدر: على أن تجعل. (2) " ": يصبحونكم. (3) المحكم والمتشابه،: 30 - 32، ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (4) علل الشرائع: 53 (5) قرسا خ ل أقول: ذكر في المصدر مثل ما اخترناه في المتن: وجعل بدل الاول: قرس ايضا، وذكر المقريزى في الامتاع: 378 النساء اللاتى اهدر رسول الله صلى الله عليه وآله دمهن وعد منهن: سارة مولاة عمرو بن هشام، وقينتين لابن خطل: فرتنا وقريبة، وقال: و يقال: فرتنا وأرنبة.

[ 112 ]

وكانتا قينتين تزنيان وتغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وآله، وتحضضان يوم احد على رسول الله صلى الله عليه وآله (1). 38 - مع: ابن إدريس، عن ابن أبي الخطاب وغيره ذكرهم جميعا، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن مناديا نادى في السماء يوم احد: " لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي " فعلي أخي، وأنا أخوه (2). 39 - ن: هاني بن محمد بن محمود، عن أبيه بإسناده رفعه إلى موسى بن جعفر عليه السلام وساق حديثه مع الرشيد (إلى أن قال:) إن العلماء قد اجتمعوا على أن جبرئيل قال يوم احد: يا محمد إن هذه لهي المواساة من علي، قال: لانه مني وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما يا رسول الله، ثم قال: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، فكان كما مدح الله عزوجل به خليله عليه السلام، إذ يقول: " فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " الخبر (3). 40 - كا: علي، عن أبيه، وعلي بن محمد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن النضر بن إسماعيل البلخي، عن أبي حمزة الثمالي، عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجاج: وسألني عن خروج النبي صلى الله عليه وآله إلى مشاهده فقلت: شهد رسول الله صلى الله عليه وآله بدرا في ثلاثمائة وثلاثه عشر، وشهد احدا في ستمائة، وشهد الخندق في تسعمائة، فقال: عمن ؟ قلت: عن جعفر بن محمد عليهما السلام، فقال: ضل والله من سلك غير سبيله (4). 41 - ل، ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن يوم الاربعاء، والتطير منه، فقال عليه السلام: آخر أربعاء في الشهر " إلى أن قال: " ويوم الاربعاء شج النبي (5)


(1) قرب الاسناد: 61، وسياتى تمام الحديث في باب فتح مكة. (2) معاني الاخبار: 40. (3) عيون اخبار الرضا: 47 و 49. والاية في سورة الانبياء: 60. (4) فروع الكافي 1: 340. (5) في علل الشرائع: شج وجه النبي صلى الله عليه وآله.بحار الانوار - 7 -

[ 113 ]

صلى الله عليه وآله وكسرت رباعيته (1). 42 - ص: بالاسناد إلى الصدوق عن الحسن بن حمزة العلوي، عن محمد بن داود عن عبد الله بن أحمد الكوفي، عن أبي سعيد سهل بن صالح العباسي، عن إبراهيم بن عبد الاعلى، عن موسى بن جعفر عليهما السلام، عن آبائه صلوات الله عليهم - وساق الحديث عن علي عليه السلام في أجوبته عن مقالة اليهودي إلى أن قال: - إن أبا قتادة (2) بن ربعي الانصاري شهد وقعة احد فأصابته طعنة في عينه فبدرت حدقته فأخذها بيده، ثم أتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله من يده، ثم وضعها مكانها، فلم تك تعرف إلا بفضل حسنها على العين الاخرى، ولقد بادر عبد الله بن عتيك فابين يده فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليلا ومعه اليد المقطوعة فمسح عليها فاستوت يده (3). 43 - فر: جعفر بن أحمد بن يوسف رفعه إلى ابن عباس (4) في قوله: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم " قال: فلم يبق معه من الناس يوم احد غير علي بن أبي طالب عليه السلام ورجل من الانصار، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي قد صنع الناس ما ترى، فقال: لا والله يا رسول الله لا أسأل عنك الخبر من وراء، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أما لا فاحمل على هذه الكتيبة، فحمل عليها ففضها، فقال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله إن هذه لهي المواساة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إني منه وهو مني. فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما (5). 44 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: " وآخرون


(1) الخصال 2: 28، علل الشرائع: 199، عيون اخبار الرضا: 137. والحديث طويل (2) هكذا في النسخ والصحيح: قتادة. (3) قصص الانبياء: مخطوط. (4) في المصدر: حدثنى جعفر بن محمد بن يوسف معنعنا عن الحسن قال: سمعت عبد الله بن عباس رضى الله عنه يقول حين انجفل عنه يوم احد في قوله. (5) تفسير فرات: 22: وللحديث ذيل تركه المصنف لعدم تعلقه بالباب.

[ 114 ]

مرجون لامر الله " (1) قال: قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة ومثل (2) جعفر وأشباههما من المؤمنين، ثم إنهم دخلوا في الاسلام، فوحدوا الله وتركوا الشرك، ولم يعرفوا (3) الايمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النار، فهم على تلك الحال إما أن يعذبهم، وإما يتوب عليهم (4). كا: العدة عن سهل، عن علي بن حسان، عن موسى بن بكر، عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام مثله (5). 45 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم بن أحمد، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: بينا حمزة بن عبد المطلب وأصحاب له على شراب لهم يقال له: السكركة (6) قال: فتذاكروا السديف (7) قال: فقال لهم حمزة: كيف لنا به ؟ قال: فقالوا له: هذه ناقة ابن أخيك علي، فخرج إليها فنحرها، ثم أخذ من كبدها وسنامها فأدخله عليهم، قال: وأقبل علي عليه السلام فأبصر ناقته فدخله من ذلك، فقالوا له: عمك حمزة صنع هذا، قال: فذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله فشكا ذلك إليه، قال: فأقبل معه رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل لحمزة: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله قد أقبل الباب، قال: فخرج وهو مغضب، قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الغضب في وجهه انصرف (8)، قال: فأنزل الله


(1) التوبة: 106. (2) في المصدر: وجعفر. وفى الاسناد الاتى: قال أبو جعفر عليه السلام: المرجون قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفر واشباههما من المؤمنين. (3) في الطريق الاتى: ولم يكونوا يؤمنون فيكونوا من المؤمنين، ولم يؤمنوا فتجب لهم الجنة، ولم يكفروا فتجب لهم النار: فهم على تلك الحال مرجون لامر الله. (4 و 5) اصول الكافي 2: 407 (6) الشكركة خ ل. (7) في التفسير: الشريف، لعله من الشارف أو مصحف الشرف. أي الابل المسن. (8) زاد في التفسير: قال: فقال له حمزة: لو اراد ابن ابى طالب أن يقودك بزمام (ما) فمل فدخل حمزة منزله وانصرف النبي صلى الله عليه وآله، قال: وكان قبل أحد.

[ 115 ]

عزوجل تحريم الخمر، قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بآنيتهم فكفئت، ونودي (1) في الناس بالخروج إلى احد، فخرج رسول الله (2) صلى الله عليه وآله وخرج حمزة فوقف ناحية من النبي صلى الله عليه وآله، قال: فلما تصافوا حمل حمزة في الناس حتى غاب فيهم ثم رجع إلى موقفه، فقال له الناس: الله الله يا عم رسول الله أن تذهب وفي نفس رسول الله عليك شئ، قال: ثم حمل الثانية حتى غيب في الناس، ثم رجع إلى موقفه فقالوا (3): الله الله يا عم رسول الله أن تذهب وفي نفس رسول الله عليك شئ، قال: فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رآه مقبلا نحوه أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وعانقة، وقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ما بين عينيه، ثم حمل على الناس فاستشهد حمزة، فكفنه رسول الله صلى الله عليه وآله في نمرة، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: نحو من ستر بابي هذا، فكان إذا غطى به (4) وجهه انكشفت رجلاه، وإذا غطى رجليه انكشفت وجهه، قال: فغطى به (5) وجهه وجعل على رجليه أذخرا قال: وانهزم الناس وبقي علي عليه السلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما صنعت يا علي ؟ فقال: يا رسول الله لزمت الارض، فقال صلى الله عليه وآله: ذلك الظن بك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انشدك يا رب (6) ما وعدتني فإنك إن شئت لم تعبد (7). شى: عن هشام مثله (8). بيان: قال الجزري، السكركة بضم السين والكاف وسكون الراء: نوع من الخمور يتخذ من الذرة، قال الجوهري: هي خمر الحبش، وهي لفظة حبشية


(1) في التفسير: فاكفيت، قال: فنودى. (2) زاد في التفسير: وخرج الناس. (3) في المصدرين: فقالوا له. (4 و 5) في المصدرين: بها. (6) يا الله خ ل. (7) المجالس والاخبار: 57 و 58. (8) تفسير العياشي 1: 339 و 340.

[ 116 ]

وقد عربت فقيل: السقرقع، وقال الهروي: وفي حديث الهروي: وخمرة الشكركة (1) انتهى. والسديف كأمير: شحم السنام، قاله الفيروز آبادي. وقال: النمرة كفرحة: الحبرة وشملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف تلبسها الاعراب. قوله صلى الله عليه وآله: فإنك إن شئت لم تعبد، لعل المعنى إن شئت مغلوبيتنا واستيصالنا لم يعبدك أحد بعد ذلك، أو المعنى إن شئت أن لا تعبد فالامر إليك. أقول: في هذا الخبر ما ينافي الاخبار المتواترة الدالة على رفعة شأن حمزة عليه السلام وسمو مكانه ظاهرا، وإن أمكن توجيهه والله يعلم. 46 - كا: علي، عن أبيه، عن هارون، عن ابن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أبا دجانة الانصاري اعتم يوم احد بعمامة، وأرخى عذبة العمامة بين كتفيه حتى جعل يتبختر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن هذه لمشية يبغضها الله عزوجل إلا عند القتال في سبيل الله (2). بيان: العذب بالتحريك: طرف كل شئ. 47 - قب: وفي شوال غزوة احد، وهو يوم المهراس، قال ابن عباس و مجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن إسحاق: نزل فيه قوله: " وإذ غدوت من أهلك " وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. زيد بن وهب: " إن الذين تولوا منكم " فقالوا: لم انهزمنا وقد وعدنا بالنصر ؟ فنزل: " ولقد صدقكم الله وعده ". ابن مسعود والصادق عليه السلام: لما قصد أبو سفيان في ثلاثة آلاف من قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله ويقال: في ألفين، منهم مائتا فارس، والباقون ركب، ولهم سبعمائة درع، وهند ترتجز:


(1) هكذا في نسخة المصنف، وفى وغيرها بالمهملة، وفى المصدر: وقال الهروي: و في حديث الاشعري: وخمر الحبش السكركة راجع النهاية 2: 185. (2) فروع الكافي 1: 329.

[ 117 ]

نحن بنات طارق * نمشي على النمارق والمسك في المفارق * والدر في المخانق وكان استأجر أبو سفيان يوم احد ألفين من الاحابيش يقاتل بهم النبي صلى الله عليه وآله. قوله: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله " فخرج النبي صلى الله عليه وآله مع أصحابه وكانوا ألف رجل (1)، ويقال: سبعمائة، فانعزل عنهم ابن ابي بثلث الناس، فهمت بنو حارثه وبنو سلمة بالرجوع وهو قوله: " إذ همت طائفتان منكم ". قال الجبائي: هما به ولم يفعلاه، وساق الخبر " إلى أن قال: " وأقبل خالد من الشعب بخيل المشركين وجاء من ظهر النبي صلى الله عليه وآله وقال: دونكم هذا الطليق الذي تطلبونه فشأنكم به، فحملوا عليه حملة رجل واحد حتى قتل منهم خلق، و انهزم الباقون في الشعب، وأقبل خالد بخيله (2) كما قال تعالى: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد " ورسول الله يدعوهم في اخريهم: " يا أيها الناس إني رسول الله، إن الله قد وعدني النصر فأين الفرار ؟ " وكان النبي صلى الله عليه وآله يرمي ويقول: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " فرماه ابن قميئة بقذافة فأصاب كفه، وعبد الله بن شهاب بقلاعة فأصاب مرفقه، وضربه عتبة بن أبي وقاص أخو سعد على وجهه فشج رأسه، فنزل من فرسه ونهبه ابن قميئة وقد ضرب به على جنبه، وصاح إبليس من جبل احد: ألا إن محمدا قد قتل، فصاحت فاطمة عليها السلام ووضعت يدها على رأسها وخرجت تصرخ وساير هاشمية وقرشية (3).


(1) في المصدر بعد ذكر الاية: فرأى النبي صلى الله عليه وآله ان يقاتل الرجال على افواه السكك، والضعفاء عن فوق البيوت، فابوا الا الخروج، فلما صار على الطريق قالوا: نرجع، فقال: ما كان لنبى إذا قصد قوما ان يرجع عنهم، وكانوا الف رجل، (2) في المصدر: بخيل المشركين. (3) " ": وكل هاشمية وقريشة. القصة.

[ 118 ]

فلما حمله علي عليه السلام إلى احد نادى العباس (1) وهو جهوري الصوت فقال: يا أصحاب سورة البقرة أين تفرون ؟ إلى النار تهربون ؟ وأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام: الحمد لله ربي الخالق الصمد * فليس يشركه في حكمه أحد هو الذي عرف الكفار منزلهم * والمؤمنون سيجزيهم بما وعدوا وينصر الله من والاه إن له * نصرا ويمثل بالكفار إذ عندوا قومي وقوا الرسول (2) واحتسبوا * شم العرانين منهم حمزة الاسد وأنشأ عليه السلام: رأيت المشركين بغوا علينا * ولجوا في الغواية والضلال وقالوا: نحن أكثر إذ نفرنا * غداة الروع بالاسل الطوال فإن يبغوا ويفتخروا علينا * بحمزة وهو في الغرف العوالي فقد أودى بعتبة يوم بدر * وقد أبلى وجاهد غير آل وقد غادرت كبشهم جهارا * بحمد الله طلحة في المجال فخر لوجهه (3) ورفعت عنه * رقيق الحد حودث بالصقال (4) بيان: ذكر عباس هنا لعله سهو. وأقول: روي في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام. أتاني أن هندا حل صخر * دعت دركا وبشرت الهنودا


(1) في المصدر: وكان جهورى الصوت. أقول: ذكر العباس لعله وهم من الراوى أو ابن شهر آشوب، لان العباس لم يكن حاضرا في احد، ولعله اشتباه بابى طلحة زيد بن سهل الانصاري، قال المقريزى في الامتاع: وكان أبو طلحة راميا وكان صيتا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: صوت ابى طلحة في الجيش خير من اربعين رجلا انتهى. والصيت: جهير الصوت. (2) في المصدر: لرسول الله. (3) في الديوان: فتل بوجهه فرفعت عنه. (4) مناقب ال ابى طالب 1: 165 - 167.

[ 119 ]

فإن تفخر بحمزة حين ولى * مع الشهداء محتسبا شهيدا فإنا قد قتلنا يوم بدر * أبا جهل وعتبة والوليدا وقتلنا سراة الناس طرا * وغنمنا الولائد والعبيدا وشيبة قد قتلنا يوم ذاكم * على أثوابه علقا حسيدا فبوأ من جهنم شر دار * عليها لم يجد عنها محيدا وما سيان من هو في جحيم * يكون شرابه فيها صديدا ومن هو في الجنان يدر فيها * عليه الرزق مغتبطا (1) حميدا (2) وفيه أيضا بعد قتل طلحة: أصول بالله العزيز الامجد * وفالق الاصباح رب المسجد أنا علي وابن عم المهتدي (3) وفيه أيضا: الله حي قديم قادر صمد * وليس يشركه في ملكه أحد هو الذي عرف الكفار منزلهم * والمؤمنون سيجزيهم كما وعدوا (4) فإن يكن دولة كانت لنا (5) عظة * فهل عسى أن يرى في غيها رشد وينصر الله من والاه إن له * نصرا ويمثل بالكفار إذ عندوا فإن نطقتم بفخر لا أبا لكم * فيمن تضمن من إخواننا اللحد فإن طلحة غادرناه منجدلا * وللصفائح نار بيننا تقد والمرأ عثمان أردته أسنتنا * فجيب زوجته إذ خبرت قدد في تسعة إذ تولوا بين أظهرهم * لم ينكلوا من حياض الموت إذ وردوا (6)


(1) مغبطا خ ل. (2 و 3) الديوان: 44. (4) بما وعدوا خ ل. (5) له خ ل. (6) في المصدر: لم تنكلوا. (*)

[ 120 ]

كانوا الذوائب من فهر وأكرمها * شم الانوف وحيث الفرع والعدد (1) وأحمد الخير قد أردى على عجل * تحت العجاج ابيا وهو مجتهد وظلت الطير والضبعان تركبه * فحامل قطعة منهم ومقتعد ومن قتلتم على ما كان من عجب * منا فقد صادفوا خيرا وقد سعدوا لهم جنان من الفردوس طيبة * لا يعتريهم بها حر ولا صرد صلى الاله عليهم كلما ذكروا * فرب مشهد صدق قبله شهدوا قوم وفوا لرسول الله واحتسبوا * شم العرانين منهم حمزة الاسد ومصعب ظل ليثا دونه حردا (2) * حتى تزمل منه ثعلب جسد ليسوا كقتلى من الكفار أدخلهم * نار الجحيم على أبوابها الرصد (3) وفيه أيضا: رأيت المشركين بغوا علينا - إلى قوله: وقد اودى وجاهد غير ال وقد فللت خيلهم ببدر * وأتبعت الهزيمة بالرجال إلى قوله بالصقال. كأن الملح خالطه إذا ما * تلظى كالعتيقة في الظلال (4)


(1) في المصدر: شم العرانين حيث الفرع والعدد. (2) فان يكن دولة، أي للكفار غلبة علينا. في غيها، الضمير للفرقة الكفرة أو للدولة بتأويل صاحب الدولة، والمثل والتمثيل: التعذيب والتنكيل. غادرناه أي تركناه. منجدلا أي مطروحا. قد تولوا، أي عن الدنيا وماتوا. وابى هو ابن خلف وضمير هو راجع إليه، أي كان ساعيا في اهلاكه. على ما كان من عجب، أي كان قتلكم اياهم بعد غلبتنا عليكم من الغرائب. مصعب هو ابن عمير. والحرد: الغضبان. مند قدس سره. (3) الديوان: 44 و 45. (4) ": 108.

[ 121 ]

49 - وفي شرح الديوان: إن عثمان بن أبي طلحة ارتجز يوم احد فقال: أنا ابن عبد الدار ذي الفضول * وإنك عندي يا علي مقبول (1) أو هارب خوف الردى مفلول فأجابه عليه السلام بما في الديوان: هذا مقامي معرض مبذول * من يلق سيفي فله العويل ولا أخاف (2) الصول بل أصول * إني عن الاعداء لا أزول يوما لدى الهيجاء ولا أحول * والقرن عندي في الوغاء مقتول أو هالك بالسيف أو مغلول (3) وقال عليه السلام: في جواب رجز عمر بن أخنس بن شريق: اخسأ عليك اللعن من جاهد * يا بن لعين لاح بالارذل اليوم أعلوك بذي رونق * كالبرق في المخلولق المسبل يفري شؤون الرأس لا ينثني (4) * بعد فراش الحاجب الاجزل أرجو بذلك الفوز في جنة * عالية في أكرم المدخل (5) وفيه أيضا مخاطبا لاسامة بن زيد (6) في تلك الغزوة: لست أرى ما بيننا حاكما * إلا الذي بالكف تبار وصارما أبيض مثل المها * يبرق في الراحة ضرار معي حسام قاطع باتر * تسطع من تضرابه النار


(1) في الديوان: مقتول أقول: لعل الصحيح: (إنك) بلا عاطف. (2) في المصدر: فلا اهاب. (3) الديوان: 108 وفيه: أو مفلول. (4) في المصدر: لا ينتهى. (5) الديوان: 109. (6) هكذا في الكتاب ومصدره، ولم نعرفة من هو، ولعله مصحف أبو أسامة، وهو معاوية بن زهير الجشمى حليف بنى مخزوم.

[ 122 ]

إنا اناس ديننا صادق * إنا على الحرب لصبار (1) وفيه أيضا مخوفا له: سوف يرى الجمع ضراب الفاتك الحلابس (2) * وطعنة قد شدها لكبوة الفوارس اليوم أضرم نارها بجذوة لقابس * حتى ترى فرسانها تخر للمعاطس (3) بيان: دعت دركا، أي لنفسها درك الجحيم أو الناس إليها، والدرك أيضا: اللحاق. والتبعة. وبشرت قوما كالهنود في الكفر، أو قومها المنسوبين إليها والتقتيل إكثار القتل. والسراة: الاشراف، قوله غنمنا بالتشديد، أي جعلناهم غنائم. على أثوابه، كأن تقديره تركنا على أثوابه. علقا بالتحريك، أي دما غليظا أو جامدا والجسيد من قولهم: جسد به الدم: إذا لصق به. قوله: تقد، أي تلتهب. قوله: قدد، أي قطع، والقد: قطع الشئ طولا. قوله: كانوا الذوائب أي الرؤساء والاشراف وفهر بالكسر: أبو قبيلة من قريش. والشم بالضم جمع الاشم. والشمم: ارتفاع قصبة الانف، واستواء أعلاها، وإشراف الارنبة قليلا، وهو كناية عن الرفعة و العلو وشرف الانفس، يقال: شمخ بأنفه: إذا تكبر والفرع: الولد. والعجاج الغبار. قوله: فحامل قطعة، أي بعضها تحمل منه قطعة، وبعضها تركبه وتأكل منه والصرد: البرد. العرانين: الانوف. ورمله بالدم: لطخه، وفي بعض النسخ بالزاي من تزمل، أي تلفف به. والثعلب: طرف الرمح الداخل في السنان. قوله: غير آل: أي غير مقصر. والاسل: الرماح. وفللت الجيش هزمته والتشديد للمبالغة والتكثير. قوله: حودث أي جلي. وعقيقة البرق: ما انعق منه أي تضرب في السحاب. ويقال: عرضت الشئ فأعرض، أي أظهرته فظهر وخسأ بعد ورونق السيف: ماؤه وحسنه. والمخلولق: البالي الدارس، والاسبال: الارسال


(1) الديوان: 60، (2) الخنابس خ ل. (3) الديوان: 70.

[ 123 ]

والفري القطع والشؤن: ملتقى عظام الرأس. وفراش الرأس: عظام رقاق تلي القحف والجزل: القطع. وبتار بتقديم الموحدة على المثناة أي قطاع، وفي بعض النسخ بالعكس من التبار وهو الهلاك. والمها: البلور. والباتر: السيف القاطع. و التضراب مبالغة في الضرب. والفاتك: الجري. والحلابس بالضم: الشجاع. وفي بعض النسخ الخنابس وهو الكريه المنظر. ويقال: الاسد خنابس. وكبا لوجهه كبوا سقط وضمير " نارها " للحرب والجذوة مثلثة: الجمرة. وقبست منه نارا: طلبته. و المعطس كالمجلس: الانف. 50 - أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: لما رجع من حضر بدرا من المشركين إلى مكة وجدوا العير التي قدم بها أبو سفيان موقوفة في دار الندوة، فاتفقوا على أن يحتبسوها أو أرباحها ليجهزوا بها جيشا إلى محمد صلى الله عليه وآله فبعثوا إلى العرب واستنصروهم فخرجوا وهم ثلاثة آلاف بمن ضوى إليهم بعدة و سلاح كثير، وقادوا مأتي فرس، وكان فيهم سبعمائة دارع، وثلاثة آلاف بعير فلما أجمعوا المسير (1) كتب العباس بن عبد المطلب كتابا وختمه، واستأجر رجلا من بني غفار وشرط عليه أن يسير ثلاثا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره أن قريشا قد أجمعت إليك (2)، فما كنت صانعا إذ أحلوا بك فاصنعه. فلما شاع الخبر في الناس ظهر النبي صلى الله عليه وآله المنبر (3) فحمد الله وأثني عليه ثم قال: " أيها الناس إني رأيت في منامي كأني في درع حصينة، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انقصم (4) من عند ظبته (5)، ورأيت بقرا تذبح، ورأيت كأني مردف كبشا ".


(1) في المصدر: فلما اجمعوا على المسير. (2) " ": قد اجتمعت للمسير اليك. (3) في الامتاع: فلما اصبح يوم الجمعة واجتمع الناس خطب على المنبر. (4) انقصم: انكسر. (5) ظبة السيف: حده.

[ 124 ]

قال الناس: يا رسول الله فما أولتها ؟ قال أما الدرع الحصينة فالمدينة فامكثوا فيها، وأما انقصام سيفي من عند ظبته فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح فقتلي. في أصحابي. وأما إني مردف كبشا فكبش الكتيبة نقتله إنشاء الله. وروي عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله قال: أما انقصام سيفي فقتلة رجل من أهل بيتي. وروي أنه قال: " ورأيت في سيفي فلا فكرهته " هو الذي أصاب وجهه. قال الواقدي: فقال عليه السلام: أشيروا علي، ورأى صلى الله عليه وآله أن لا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فقام عبد الله بن ابي فقال: يا رسول الله كنا نقاتل في الجاهلية في هذه المدينة، ونجعل النساء والذراري في هذه الصياصي، ونجعل معهم الحجارة يا رسول الله، إن مدينتنا عذراء ما فضت (1) علينا قط، وما خرجنا إلى عدو منها قط إلا أصاب منا، وما دخل علينا قط إلا أصبناهم، فكان رأي رسول الله صلى الله عليه وآله مع رأيه، وكان ذلك رأي الاكابر من المهاجرين والانصار، فقام فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا، وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله الخروج إلى عدوهم، ورغبوا في الشهادة، وقال رجال من أهل التيه (2) وأهل السن منهم حمزة وسعد بن عبادة والنعمان بن مالك في غيرهم (3) من الاوس والخزرج: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا (4)، فقال: حمزة و الذي أنزل عليه الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى اجالدهم بسيفي خارجا من


(1) العذراء: البكر الدرة لم تثقب. فض ختم الكتاب: كسره وفتحه. فض اللؤلؤة: ثقبها. (2) في المصدر. من أهل النبه. (3) في المصدر: وغيرهم. (4) زاد في الامتاع: وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعوا الله به، فساقه الينا في ساحتنا، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما يرى من الحاحهم كاره، وقد لبسوا السلاح، وقال حمزة.

[ 125 ]

المدينة وكان يقال: كان حمزة يوم الجمعة صائما، ويوم السبت صائما، فلاقاهم وهو صائم. وقام خيثمة أبو سعد بن خيثمة فقال: يا رسول الله إن قريشا مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب في بواديها ثم جاؤنا وقد قادوا الخيل حتى نزلوا بساحتنا فيحضروننا (1) في بيوتنا وصياصينا، ثم يرجعون وافرين، لم يكلموا فيجرؤهم ذلك علينا حتى يشنوا الغارات علينا، ويضع الارصاد والعيون علينا، و عسى الله أن يظفرنا بهم، فتلك عادة الله عندنا، أو يكون الاخرى (2) فهي الشهادة، لقد أخطأتني وقعة بدر، وقد كنت عليها حريصا، لقد بلغ من حرصي أن ساهمت ابني في الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد رأيت ابني البارحة في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها، وهو يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة فقد وجدت ما وعدني ربي حقا وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنة وقد كبرت سني ورق عظمي وأحببت لقاء ربي، فادع الله أن يرزقني الشهادة، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فقتل باحد شهيدا فقال كل منهم: مثل ذلك فقال: إني أخاف عليكم الهزيمة فلما أبوا إلا الخروج صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الجمعة بالناس، ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، ثم صلى العصر، ولبس السلاح وخرج، وكان مقدم قريش يوم الخميس لخمس خلون من شوال، وكانت الوقعة يوم السبت لسبع خلون من شوال، وباتت وجوه الاوس والخزرج ليلة الجمعة عليهم السلاح في المسجد بباب النبي صلى الله عليه وآله خوفا من تبييت المشركين، وحرست المدينة تلك الليلة حتى أصبحوا. قال: فلما سوى رسول الله صلى الله عليه وآله الصفوف باحد قام فخطب الناس فقال:


(1) في المصدر: فيحصروننا. (2) " ": أو تكون الاخرى.

[ 126 ]

" أيها الناس أوصيكم بما أوصاني به الله في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنكم اليوم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه، ثم وطن نفسه على الصبر واليقين والجد والنشاط، فإن جهاد العدو شديد كريه، قليل من يصبر عليه إلا من عزم له على رشده (1) إن الله مع من أطاعه، وإن الشيطان مع من عصاه فاستفتحوا (2) أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به، فإني حريص (3) على رشدكم، إن الاختلاف والتنازع والتثبط (4) من أمر العجز والضعف. وهو مما لا يحبه الله ولا يعطى عليه النصر والظفر. أيها الناس إنه قد قذف في قلبي أن من كان على حرام فرغب عنه ابتغاء ما عند الله غفر له ذنبه (5)، ومن صلى علي صلى الله عليه وملائكته عشرا، ومن أحسن من مسلم أو كافر وقع أجره على الله في عاجل دنياه، وفي (6) آجل آخرته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة (7) يوم الجمعة إلا صبيا أو امرأة أو مريضا أو عبدا مملوكا، ومن استغنى عنها استغنى الله عنه والله غني حميد، ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه، وإنه قد نفث (8) الروح الامين في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شئ وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله ربكم، وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه على أن تطلبوه بمعصية


(1) في الامتاع: الا من عزم الله له رشده، فان الله. (2) " ": فافتتحوا. (3) في نسخة المصنف: (حريث) ولعله مصحف. (4) التثبط: التريث والتعوق. وفى المصدر: التثبيط. (5) في الامتاع: ايها الناس حدد في صدري ان من كان على حرام فرق الله بينه وبينه ورغب له عنه غفر الله له ذنبه. (6) في المصدر: أو في آجل آخرته: وفى الامتاع: أو آجل اخرته. (7) بالجمعة خ ل. (8) أي ألقى في قلبى أو ألهمته. (*)

[ 127 ]

ربكم، فإنه لن يقدر (1) على ما عنده إلا بطاعته، قد بين لكم الحلال والحرام غير أن بينهما شبها من الامر لم يعلمها كثير من الناس إلا من عصم، فمن تركها حفظ عرضه ودينه. ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه وما (2) من ملك إلا وله حمى، ألا وأن حمى الله محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى عليه (3) سائر جسده، والسلام عليكم (4) ". قال الواقدي: وبرز طلحة بن أبي طلحة فصاح من يبارز ؟ فقال علي عليه السلام: هل لك في مبارزتي ؟ قال: نعم، فبرز (5) بين الصفين ورسول الله جالس تحت الراية عليه درعان ومغفر وبيضة، فالتقيا، فبدره علي عليه السلام بضربة على رأسه فمضى السيف حتى فلق هامته إلى أن انتهى إلى لحيته فوقع، وانصرف علي عليه السلام فقيل له: هلا دففت (5) عليه ؟ قال: إنه لما صرع استقبلتني عورته (6)، فعطفتني عليه الرحم، وقد علمت أن الله سيقتله، هو كبش الكتيبة، فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وكبر تكبيرا عاليا وكبر المسلون. وساق القصة إلى أن قال: ثم حمل اللواء أرطاة بن عبد شرحبيل فقتله علي عليه السلام، ثم حمله صواب غلام بني عبدالدار فقيل: قتله علي عليه السلام، وقيل: سعد بن أبي وقاص، وقيل: قزمان. قال الواقدي: وقالوا: ما ظفر الله نبيه في موطن قط ما ظفره وأصحابه يوم احد حتى عصوا الرسول وتنازعوا في الامر، لقد قتل أصحاب اللواء وانكشف


(1) لا يقدر خ ل. (2) وليس خ ل وهو الموجود في الامتاع. (3) في المصدر والامتاع: تداعى إليه. (4) الامتاع: 221 و 122، شرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد 3: 358 - 365. (5) في المصدر: فبرزا. (6) " ": ذفف. أقول: دفف الجريح وذفف: اجهز عليه واتم قتله. (7) " ": استقبلتني بعورته. وفيه: فعطفني.

[ 128 ]

المشركون، ونساؤهم يدعون بالويل بعد ضرب الدفوف، فلما ترك أصحاب عبد الله ابن جبير مراكزهم ونظر خالد بن الوليد إلى خلا الجبل وقلة أهله فكر بالخيل وتبعه عكرمة بالخيل، وانطلقا إلى موضع الرماة فحملوا عليهم فراماهم القوم حتى اصيبوا، ورامي (1) عبد الله بن جبير حتى فنيت نبله، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر ثم كسر جفن سيفه فقاتل حتى قتل. فروى رافع بن خديج قال: لما قتل خالد الرماة أقبل بالخيل وعكرمة يتلوه فخالطنا وقد انتقضت صفوفنا، ونادى إبليس وتصور في صورة جعال بن سراقة: إن محمدا قد قتل، ثلاث صرخات، فابتلى يومئذ جعال ببلية عظيمة حين تصور إبليس في صورته، وإن جعالا ليقاتل مع المسلمين أشد القتال، وإنه إلى جنب أبي بردة وخوات بن جبير، قال رافع: فوالله ما رأينا دولة كانت أسرع من دولة المشركين علينا وأقبل المسلمون على جعال يريدون قتله فشهد له خوات وأبو بردة أنه كان إلى جنبهما حين صاح الصائح وأن الصائح غيره، قال رافع: اتينا من قبل أنفسنا ومعصية نبينا، واختلط المسلمون وصاروا يقتلون ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون (2) بما يصنعون من الدهش والعجل (3). وروى أبو عمر ومحمد بن عبد الواحد اللغوي ورواه ايضا محمد بن حبيب في أماليه أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما فر معظم أصحابه عنه يوم احد كثرت عليه كتائب المشركين وقصدته كتيبة من بني كنانة ثم من بني عبد مناف (4) بن كنانة فيها بنو سفيان بن عويف، وهم خالد بن ثعلب (5) وأبو الشعثاء بن سفيان، وأبو الحمراء بن سفيان وغراب بن سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي اكفني هذه الكتيبة، فحمل عليها


(1) في المصدر: ورمى. (2) " ": وما يشعرون. (3) شرح نهج البلاغة 366 - 368. (4) في المصدر: من بنى عبد مناة بن كنانة، وهو الصحيح راجع نهاية الارب: 317. (5) " ": خالد بن سفيان.بحار الانوار - 8 -

[ 129 ]

وإنها لتقارب خمسين فارسا، وهو عليه السلام راجل، فما زال يضربها بالسيف حتى تتفرق عنه، ثم تجتمع عليه هكذا مرارا حتى قتل بني سفيان بن عويف الاربعة وتمام العشرة منها ممن لا يعرف أسماؤهم، فقال جبرئيل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله (1): إن هذه للمواساة (2)، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما يمنعه وهو مني وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما، قال: وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا يرى شخص الصارخ به، ينادي مرارا: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. فسئل رسول الله عنه فقال: هذا جبرئيل. قلت: وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدثين وهو من الاخبار المشهورة و وقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن إسحاق، وسألت شيخي عبد الوهاب بن سكينة عن هذا الخبر، فقال: خبر صحيح، فقلت له: فما بال الصحاح لم تشتمل عليه ؟ قال: وكل (3) ما كان صحيحا تشتمل عليه كتب الصحاح ؟ كم قد أهمل (4) جامعوا الصحاح من الاخبار الصحيحة (5). قال الواقدي: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ، من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقال عمر: أنا، فأعرض عنه، فقام الزبير فأعرض عنه، ثم عرضه الثالثة، فقال أبو دجانة: أنا يا رسول الله آخذه بحقه فدفعه إليه، فما رؤي أحد قاتل أفضل من قتاله وكان حين أعطاه مشى بين الصفين واختال في مشيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن هذه لمشية يبغضها الله تعالى إلا في مثل هذا الموطن ".


(1) يا محمد خ ل. (2) في المصدر: المواساة. (3) " ": أو كل ما. (4) ولذا ترى أن البخاري أو مسلم لم يذكرا ما في صحيح الاخر، واستدرك عليهما أيضا الحاكم اخبارا كثيرة صحيحة على شرطهما في مستدركه. (5) شرح نهج البلاغة 3: 371 و 372.

[ 130 ]

قال وكان مخيريق اليهودي من أحبار اليهود فقال يوم السبت ورسول الله صلى الله عليه وآله باحد: يا معشر اليهود والله إنكم لتعلمون أن محمدا نبي، وأن نصره عليكم حق فقالوا: ويحك اليوم يوم السبت، فقال: لا سبت، ثم أخذ سلاحه وحضر مع النبي صلى الله عليه وآله فاصيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " مخيريق خير يهود ". قال: وكان قال حين خرج إلى احد: إن اصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله فهي عامة صدقات النبي صلى الله عليه وآله قال: وكان عمرو بن الجموح رجلا أعرج فلما كان يوم احد وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبي صلى الله عليه وآله المشاهد أمثال الاسد أراد قومه أن يحبسوه وقالوا: أنت رجل أعرج ولا حرج عليك وقد ذهب بنوك مع النبي صلى الله عليه وآله، قال: بخ يذهبون إلى الجنة وأجلس أنا عندكم ؟ فقالت هند بنت عمرو بن حرام امرأته: كأني أنظر إليه موليا قد أخذ درقته وهو يقول: اللهم لا تردني إلى أهلي، فخرج ولحقه بعض قومه يكلمونه في القعود فأبى وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن قومي يريدون أن يحبسوني هذا الوجه (1)، والخروج معك، والله إني لارجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له: أما أنت فقد عذرك (2) الله ولا جهاد عليك، فأبى، فقال النبي صلى الله عليه وآله لقومه وبنيه: " لا عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله يرزقه الشهادة " فخلوا عنه، فقتل يومئذ شهيدا، قال: فحملته هند بعد شهادته وابنها خلاد وأخاها عبد الله على بعير، فلما بلغت منقطع الحرة برك البعير، فكان كلما توجهه إلى المدينة برك، وإذا وجهته إلى احد أسرع، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته بذلك، فقال صلى الله عليه وآله: إن الجمل لمأمور، هل قال عمرو شيئا ؟ قالت: نعم، إنه لما توجه إلى احد استقبل القبلة ثم قال: اللهم لا تردني إلى أهلي وارزقني الشهادة، فقال صلى الله عليه وآله: " فلذلك الجمل لا يمضي إن منكم يا معشر الانصار من لو أقسم على الله لابره، منهم عمرو بن الجموح، يا


(1) في المصدر: عن هذا الوجه. (2) عذره على أو فيما صنع: رفع عنه اللوم والذنب، أو قبل معذرته.

[ 131 ]

هذه (1) ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة فينظرون (2) أين يدفن " ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وآله في قبرهم. ثم قال: يا هند قد ترافقوا في الجنة جميعا بعلك وابنك وأخوك، فقالت هند: يا رسول الله فادع لي عسى أن يجعلني معهم. قال: وكان جابر يقول: لما استشهد أبي جعلت عمتي تبكي، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " ما يبكيها ؟ ما زالت الملائكة تظل عليه بأجنحتها حتى دفن ". وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيت في النوم قبل يوم احد بأيام مبشر بن عبد المنذر أحد الشهداء ببدر يقول لي: أنت قادم علينا في أيام، فقلت: فأين أنت ؟ قال: في الجنة نسرح منها حيث نشاء، فقلت له: ألم تقتل يوم بدر ؟ قال: بلى، ثم احييت، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله قال: هذه الشهادة يا باجابر. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد: " ادفنوا عبد الله بن عمرو، وعمرو بن الجموح في قبر واحد " ويقال: إنهما وجدا وقد مثل بهما كل مثلة قطعت إرابهما عضوا عضوا، فلا يعرف أبدانهما، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " ادفنوهما في قبر واحد " و يقال: إنما دفنهما في قبر واحد لما كان بينهما من الصفا، فقال: " ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد " فدخل السيل عليهما وكان قبرهما مما يلي السيل (4) فحفر عنهما وعليهما نمرتان، وعبد الله، قد أصابه جرح في وجهه فيده على وجهه فاميطت (5) يده عن جرحه فثعب (6) الدم فردت إلى مكانها فسكن الدم. قال الواقدي: وكان جابر يقول: رأيته (7) في حفرته كأنه نائم ما تغير


(1) في المصدر: يا هند. (2) " ": ينظرون. (3) الارب: العضو. (4) في المصدر: مما يلى الجبل. (5) أي ابتعدت عنه. (6) في المصدر: ثغب. أي سال. (7) " ": رأيت أبى. أقول: هو عبد الله.

[ 132 ]

من حاله قليل ولا كثير، فقيل: أفرأيت أكفانه ؟ قال: إنما كفن في نمرة خمر بها وجهه وعلى رجليه الحرمل (1)، فوجدنا النمرة كما هي، والحرمل على رجليه كهيئته، وبين ذلك وبين دفنه ست وأربعون سنة، فشاورهم (2) جابر في أن يطيبه بمسك فأبى ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: لا تحدثوا فيهم (3) شيئا. قال: ويقال: إن معاوية لما أراد أن يجري العين التي أحدثها بالمدينة وهي كظامة نادى مناديه بالمدينة: من كان له قتيل باحد فليشهد، فخرج الناس إلى قتلاهم فوجدوهم رطابا يتثنون فأصابت المسحاة رجل رجل منهم فثعبت (4) دما، فقال أبو سعيد الخدري: لا ينكر بعد هذا منكر أبدا. قال: ووجد عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر، وخارجة بن زيد وسعد بن الربيع في قبر، فأما قبر عبد الله وعمرو فحول، وذلك أن القناة كانت تمر على قبرهما، وأما قبر خارجة وسعد فترك لان مكانه كان معتزلا، ولقد كانوا يحفرون التراب، فكلما حفروا قترة (5) من تراب فاح عليهم المسك. قال الواقدي: وكانت نسيبة بنت كعب قد شهدت احدا وابناها عمارة بن غزية وعبد الله بن زيد، وزوجها غزية، وخرجت ومعها شن لها في أول النهار تريد تسقي الجرحى، فقاتلت يومئذ وأبلت بلاء حسنا، فجرحت اثنى عشر جرحا بين طعنة برمح أو ضربة بسيف، فكانت ام سعد تحدث فتقول: دخلت عليها فقلت لها: يا خالة حدثيني خبرك، فقالت: خرجت أول النهار إلى احد وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في الصحابة والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجعلت اباشر القتال


(1) الحرمل، نبات البادية له حب اسود كالسمسم، ويقال بالفارسية: سپند. (2) في نسخة المصنف: فشاور. (3) هكذا في الكتاب ومصدره. (4) في المصدر: فثغبت. (5) القترة: الغبرة. وفى المصدر: القبرة.

[ 133 ]

وأذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف، وأرمي بالقوس حتى خلصت إلي الجراح فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت: يا ام عمارة من أصابك بهذا ؟ قالت: أقبل ابن قميئة وقد ولى الناس عن رسول الله يصيح دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا، فاعترض له مصعب بن عمير وناس معه فكنت فيهم فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذاك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان، فقلت لها: يدك ما أصابها ؟ قال: اصيبت يوم اليمامة، لما جعلت الاعراب تهزم بالناس نادت الانصار: اخلصونا، فاخلصت الانصار، فكنت معهم حتى انتهينا إلى حديقة الموت فاقتتلنا عليها ساعة حتى قتل أبو دجانة على باب الحديقة ودخلتها، وأنا اريد عدو الله مسيلمة فتعرض لي رجل فضرب يدي فقطعها، فوالله ما كانت لي ناهية، ولا عرجت عليها حتى وقفت على الخبيث مقتولا، وابني عبد الله بن زيد يمسح سيفه بثيابه، فقلت: أقتلته ؟ قال: نعم، فسجدت شكرا لله عزوجل وانصرفت. قال: وكان ضمرة بن سعيد يحدث عن آبائه، عن جدته وكانت قد شهدت احدا تسقي الماء قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يومئذ: " لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان " وكان يراها يومئذ تقاتل أشد القتال حتى جرحت ثلاثة عشر جرحا. قال ابن أبي الحديد: قلت: ليت الراوي لم يكن هذه الكناية وكان يذكر من هما بأسمائهما حتى لا يترامى الظنون إلى امور مشتبهة ومن أمانة الحديث (1) أن يذكر الحديث على وجهه ولا يكتم منه شيئا، فما باله كتم اسم هذين الرجلين (2) ؟ ! أقول: إن الراوي لعله كان معذورا في التكنية باسم الرجلين تقية، وكيف كان يمكنه التصريح باسم صنمي قريش وشيخي المخالفين الذين كانوا يقدمونهما على أمير المؤمنين عليه السلام ؟ مع أن كنايته أبلغ من الصريح، إذ ظاهر أن الناس كانوا


(1) في المصدر: وكان يذكرهما باسمهما حتى لا تترامى الظنون إلى امور مشتبهة، ومن امانة المحدث اه‍. (2) شرح نهج البلاغه 3: 374 - 377. (*)

[ 134 ]

لا يبالون بذكر أحد من الصحابة بما كان واقعا إلا بذكرهما وذكر ثالثهما، وأما سائر بني امية وأجداد سائر خلفاء الجور فلم يكونوا حاضرين في هذا المشهد في عسكر المسلمين حتى يكنى بذكرهم تقية من أولادهم وأتباعهم، وقد تقدم في رواية علي بن إبراهيم ذكر الثالث أيضا معهما، وذكره كان أولى، لان فراره كان اعرض وسيأتي القول في ذلك. رجعنا إلى كلام ابن أبي الحديد: قال: روى الواقدي بإسناده عن عبد الله بن زيد قال: شهدت احدا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فلما تفرق الناس عنه دنوت منه وامي تذب عنه، فقال: ابن ام عمارة ؟ قلت: نعم، قال: ارم، فرميت بين يديه رجلا من المشركين بحجر وهو على فرس فاصيب عين الفرس فاضطرب الفرس حتى وقع هو وصاحبه، وجعلت أعلوه بالحجارة حتى نضدت عليه منها وقرا (1)، والنبي صلى الله عليه وآله ينظر إلي ويتبسم، فنظر إلى جرح بامي على عاتقها، فقال: " امك امك اعصب جرحها، بارك الله عليكم من أهل بيت، لمقام امك، خير من مقام فلان وفلان، ومقام ربيبك - يعني زوج امه - خير من مقام فلان وفلان، ومقامك خير من مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل البيت " فقالت امي: ادع الله لنا يا رسول الله أن نرافقك في الجنة، فقال: " اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة " قالت: فما ابالي ما أصابني من الدنيا، قال الواقدي: وأقبل وهب بن قابوس المزني ومعه ابن اخيه الحارث بن عقبة بغنم لهما من جبل جهينة (2) فوجدا المدينة خلوا، فسألا أين الناس ؟ قالوا: باحد، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يقاتل المشركين من قريش. فقالا: لا نبتغي أثرا بعد عين، فخرجا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وآله باحد فوجدا القوم يقتتلون، والدولة لرسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه. فأغارا مع المسلمين في النهب، وجاءت الخيل من ورائهم خالد وعكرمة فاختلط الناس، فقاتلا أشد


(1) نضد متاعه: جعل بضعه فوق بعض. والوقر: الحمل الثقيل. أي رميته بالحجر حتى اجتمعت عليه احجار كثيرة ثقلت عليه. (2) في المصدر: من جبل مزينة.

[ 135 ]

القتال فانفرقت فرقة من المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لهذه الفرقة ؟ فقال وهب: أنا، فقام فرماهم بالنبل حتى انصرفوا، ثم رجع فانفرقت فرقة اخرى، فقال صلى الله عليه وآله: من لهذه الكتيبة ؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله، فقام فذبها بالسيف حتى ولت، ثم رجع فطلعت كتيبة اخرى، فقال صلى الله عليه وآله: من يقوم لهؤلاء ؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله، فقال: قم وأبشر بالجنة، فقام مسرورا يقول: والله لا اقيل ولا استقيل، فجعل يدخل فيهم ويضرب بالسيف ورسول الله صلى الله عليه وآله ينظر إليه والمسلمون حتى خرج من أقصى الكتيبة، ورسول الله يقول: " اللهم ارحمه " ثم يرجع فيهم، فما زال كذلك وهم محدقون به حتى اشتملت عليه أسيافهم ورماحهم فقتلوه، فوجد به يومئذ عشرون طعنة بالرماح كلها قد دخلت إلى مقتل (1)، ومثل به أقبح المثل يومئذ، ثم قام ابن أخيه فقاتل كنحو قتاله حتى قتل. وقال سعد بن أبي وقاص: أشهد لرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله واقفا على المزني وهو مقتول وهو يقول: " رضى الله عنك فاني عنك راض " ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله قام على قدميه وقد ناله من ألم الجراح ما ناله على قبره (2) حتى وضع في لحده و عليه بردة لها أعلام حمر، فمد رسول الله صلى الله عليه وآله البردة على رأسه فخمره وأدرجه فيها طولا، فبلغت نصف ساقيه، فأمرنا فجمعنا الحرمل فجعلناه على رجليه وهو في لحده، ثم انصرف. قال الواقدي: وأقبل ضرار بن الخطاب فضرب عمر بن الخطاب لما جال المسلمون تلك الجولة بالقناة، وقال: يا ابن الخطاب إنها نعمة مشكورة ما كنت لاقتلك. قال: وقال علي عليه السلام: لما كان يوم احد وجال الناس تلك الجولة أقبل امية بن أبي حذيفة بن المغيرة وهو دارع مقنع في الحديد ما يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: يوم بيوم بدر، فعرض له رجل من المسلمين فقتله امية، فصمدت له


(1) في المصدر: قد خلصت إلى مقتل. (2) " ": وقد ناله من الم الجراح ما ناله، وانى لاعلم ان القيام يشق عليه على قبره.

[ 136 ]

فضربته بالسيف على هامته وعليه بيضة وتحت البيضة مغفر فنبا سيفي (1)، وكنت رجلا قصيرا، فضربني بسيفه فاتقيت بالدرقة، فلحج (2) سيفه فضربته وكان درعه مشمرة (3) فقطعت رجليه فوقع، وجعل يعالج سيفه حتى خلصه من الدرقة، و جعل يناوشني وهو بارك حتى نظرت إلى فتق إبطه (4) فضربته فمات. قال الواقدي: بينا عمر بن الخطاب يومئذ في رهط من المسلمين قعودا (5) إذ مر بهم أنس بن النضر فقال: ما يقعدكم ؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم قال (6) فجالد بسيفه حتى قتل، وقالوا: إن مالك بن الدخشم مر على خارجة بن زيد وهو قاعد وفي حشوته (7) ثلاثة عشر جرحا كلها قد خلصت إلى مقتل، فقال مالك: أعلمت أن محمدا قد قتل ؟ قال خارجة: فإن كان محمد قتل، فإن الله حي لا يقتل ولا يموت، و إن محمدا قد بلغ فاذهب أنت فقاتل عن دينك، قال: ومر مالك بن الدخشم أيضا على سعد بن الربيع وبه اثنا عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل، فقال: أما علمت أن محمدا قد قتل ؟ فقال سعد: أشهد أن محمدا قد بلغ رسالة ربه، فقاتل أنت عن دينك، فإن الله حي لا يموت (8).


(1) أي كل وارتد. (2) لحج السيف: نشب في الغمد فلا يخرج. (3) أي مرفوعة عن ساقيه. (4) في المصدر: إلى فتق تحت ابطه. (5) أي في خارج المعركة، وذلك كان حين هزموا وفروا من العدو، والا فلا يكون معنى للقعود في معركة القتال قبال العدو. (6) أي انس بن النضر. (7) في القاموس: الحشى: ما دون الحجاب مما في البطن من كبد وطحال وكرش وما تبعه، وما بين ضلع الخلف التى في آخر الجنب، أو ظاهر البطن والحضن. والخضن بالكسر ما دون الابط إلى الكشح. (8) شرح نهج البلاغه 3: 378 - 381.

[ 137 ]

قال ابن أبي الحديد: قد روى كثير من المحدثين أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام حين سقط ثم اقيم: " اكفني هؤلاء " لجماعة قصدت نحوه، فحمل عليهم فهزمهم، وقتل منهم عبد الله بن حميد، ثم حملت عليهم (1) طائفة اخرى فقال له: اكفني هؤلاء، فحمل عليهم فانهزموا من بين يديه وقتل منهم امية بن حذيفة المخزومي (2). وقال: جميع من قتل يوم احد من المشركين ثمانية وعشرون، قتل علي عليه السلام منهم ما اتفق عليه وما اختلف فيه اثنى عشر، وهو إلى جملة القتلى كعدة من قتل ببدر إلى جملة القتلى يومئذ وهو قريب من النصف (3). ثم قال: القول فيمن ثبت من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد، قال الواقدي: حدثني موسى بن يعقوب، عن عمته، عن امها، عن المقداد قال: لما تصاف القوم للقتال يوم احد جلس رسول الله صلى الله عليه وآله تحت راية مصعب بن عمير، فلما قتل أصحاب اللواء هزم المشركون الهزيمة الاولى، وأغار المسلمون على معسكرهم ينهبونه، ثم كر المشركون على المسلمين. فأتوهم عن خلفهم، فتفرق الناس، ونادى رسول الله صلى الله عليه وآله في أصحاب الالوية فقتل مصعب حامل لوائه، وأخذ راية الخزرج سعد بن عبادة، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله تحتها وأصحابه محدقون به، ودفع لواء المهاجرين إلى أبي الردم أحد بني عبدالدار آخر نهار ذلك اليوم، ونظرت إلى لواء الاوس مع اسيد بن حضير فناوشوا المشركين ساعة واقتتلوا على اختلاط من الصفوف، ونادى المشركين بشعارهم: يا للعزى يا لهبل، فأوجعوا (4) والله فينا قتلا ذريعا (5)، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وآله ما نالوا، لا والذي بعثه بالحق ما زال


(1) في المصدر: ثم حملت عليه. (2) شرح نهج البلاغة 3: 384 فيه: امية بن ابى حذيفة بن المغيرة المخزومى. وفى سيرة ابن هشام 3: 82 أبو أمية بن ابى حذيفة بن المغيرة. (3) شرح نهج البلاغة 3: 401. (4) فارجعوا خ ل. (5) قتل ذريع أي فظيع.

[ 138 ]

شبرا واحدا، إنه لفي وجه العدو تثوب إليه طائفة من أصحابه مرة، وتتفرق عنه مرة فربما رأيته قائما يرمي حتى تحاجزوا (1)، وكانت العصابة التي ثبتت مع رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة عشر رجلا: سبعة من المهاجرين، وسبعة من الانصار، فأما المهاجرون فعلي عليه السلام وأبو بكر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص و طلحة بن عبيدالله وأبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام، وأما الانصار فالحباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ واسيد بن حضير. قال الواقدي: وقد روي أن سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة ثبتا يومئذ ولم يفرا، ومن روى ذلك جعلهما مكان سعد بن معاذ واسيد بن حضير. قال الواقدي: وبايعه يومئذ على الموت ثمانية: ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير، وخمسة من الانصار: أبو دجانة والحارث بن الصمة والحباب بن المنذر وعاصم بن ثابت وسهل بن حنيف، ولم يقتل منهم ذلك اليوم أحد، وأما باقي المسلمين ففروا ورسول الله صلى الله عليه وآله يدعوهم في اخراهم حتى انتهى من انتهى (2) منهم إلى قريب من المهراس. قال الواقدي: وحدثني عتبة بن جبيرة، عن يعقوب بن عمر بن قتادة (3) قال: ثبت يومئذ بين يديه ثلاثون رجلا كلهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودع. قلت: قد اختلف في عمر بن الخطاب هل ثبت يومئذ أم لا، مع اتفاق الرواة كافة على أن عثمان لم يثبت، فالواقدي ذكر أنه لم يثبت، وأما محمد بن إسحاق والبلاذري فجعلاه مع من ثبت ولم يفر، واتفقوا كلهم على أن ضرار بن الخطاب الفهري قرع رأسه بالرمح وقال: إنها نعمة مشكورة يا ابن الخطاب، إني آليت


(1) تثوب: أي ترجع وتجتمع. تحاجز. أي تمانع وتدافع. (2) المصدر خال عن قوله: من انتهى. (3) في المصدر: يعقوب بن عمير بن قتادة.

[ 139 ]

أن لا أقتل من قريش. روى ذلك محمد بن إسحاق وغيره ولم يختلفوا في ذلك، وإنما اختلفوا هل قرعه بالرمح وهو فار هارب أم مقدم ثابت (1)، ولم تختلف (2) الرواة من أهل الحديث أن أبا بكر لم يفر يومئذ وأنه ثبت فيمن ثبت، وإن لم يكن نقل عنه قتل أو قتال (3)، والثبوت جهاد، وفيه وحده كفاية، وأما رواية الشيعة (4) فإنهم يروون أنه لم يثبت إلا علي وطلحة والزبير وأبو دجانة وسهل بن حنيف وعاصم بن ثابت، وفيهم من يروي أنه ثبت معه أربعة عشر رجلا من المهاجرين والانصار (5)، ولا يعدون أبا بكر وعمر بينهم (6)، وروى كثير من أصحاب الحديث أن عثمان جاء بعد ثالثة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فسأله إلى أين انتهيت ؟ فقال: إلى الاعوص، فقال: لقد ذهبت (7) فيها عريضة (8).


(1) في المصدر زيادة لم يذكرها المصنف اختصارا، وهى هذه: والذين رووا انه قرعه بالرمح وهو هارب لم يقل احد منهم: انه هرب حين هرب عثمان ولا إلى الجهة التى فر إليها عثمان، وانما هرب معتصما بالجبل، وهذا ليس بعيب ولا ذنب، لان المسلمين الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله اعتصموا بالجبل كلهم واصعدوا فيه، ولكن يبقى الفرق بين من اصعد الجبل في آخر الامر ومن اصعد فيه والحرب لم تضع اوزارها، فان كان عمر اصعد فيه آخر الامر فكل المسلمين هكذا صنعوا حتى رسول الله صلى الله عليه وآله، وان كان ذلك و الحرب قائمة بعد فقد فر انتهى أقول: كان ابن ابى الحديد اراد ان يخفى الامر تحت ستار الترديد وتشقيق الكلام، مع أن الذين رووا انه فر لم يرد الا انه فر عن معركة القتال والحرب قائمة لم تضع اوزارها، و رسول الله صلى الله عليه وآله قائم في ميدان الحرب تحمل عليه الكتائب من كل جانب، ولم يكن احد يدفع عنه ويذب العدو عن حضرته غير على عليه السلام وابى دجانة ونفر آخر على قول. (2) في المصدر: قال الرواة من اهل الحديث. (3) هذا بعيد جدا كما يشير إليه شيخنا المؤلف قدس الله سره قريبا. (4) هكذا في الكتاب، والصحيح ما في المصدر: اما رواة الشيعة. (5) ويوجد في بعض الاحاديث كما تقدم انه لم يثبت الا على عليه السلام. (6) في المصدر: منهم. (7) في النهاية: في حديث احد: لقد ذهبتم عريضة أي واسعة. (8) شرح نهج البلاغة 3: 388 و 389.

[ 140 ]

قال ابن أبي الحديد: وحضرت عند محمد بن معد العلوي على رأي الامامية (1) وقارئ يقرأ عنده مغازي الواقدي، فقرأ: حدثنا الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن خالد بن رياح، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن محمد بن مسلمة قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم أحد وقد انكشف الناس إلى الجبل وهو يدعوهم وهم لا يلوون عليه سمعته يقول: إلي يا فلان، إلي يا فلان، أنا رسول الله صلى الله عليه وآله، فما عرج عليه واحد منهما ومضيا، فأشار ابن معد إلي: إي اسمع، فقلت: وما في هذا ؟ قال: هذه كناية عنهما، فقلت: ويجوز أن لا يكون عنهما، لعله عن غيرهما، قال: ليس في الصحابة من يحتشم من ذكره بالفرار (2) وما شابهه من العيب فيضطر القائل إلى الكناية إلا هما، قلت له: هذا ممنوع (3)، فقال: دعنا من جدلك ومنعك، ثم حلف أنه ما عنى الواقدي غيرهما، وأنه لو كان غيرهما لذكرهما صريحا. قال الواقدي: وكان ممن ولى عمر وعثمان والحارث بن حاطب وثعلبة بن حاطب وسواد بن غزية وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان وخارجة بن عامر (4) وأوس بن قبطي في نفر من بني حارثة (5). واحتج أيضا من قال: بفرار عمر بما رواه الواقدي في قصة حديبية قال: قال عمر يومئذ: يا رسول الله ألم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام، و


(1) في المصدر: حضرت عند محمد بن معد العلوى الموسوي الفقيه على رأى الشيعة الامامية رحمه الله في داره بدرب الدواب ببغداد في سنة ثمان وستمائة. (2) في المصدر: من يحتشم ويستحيى من ذكره بالفرار. (3) " ": هذا وهم. (4) " ": خارجة بن عمر وفى اسد الغابة: خارجة بن عمرو الانصاري وزاد في المصدر: بلغ ملل، أقول: ملل، منزل على طريق المدينة إلى مكة على ثمانية وعشرين ميلا من المدينة. (5) زاد في المصدر بلغوا الشقرة ولقيتهم ام ايمن تحثى في وجوههم التراب وتقول لبعضهم: هاك المغزل فاغزل به وهلم.

[ 141 ]

تأخذ مفتاح الكعبة، وتعرف (1) مع المعرفين: وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقلت لكم في سفركم هذا ؟ قال عمر: لا، قال: أما إنكم ستدخلونه، وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسي ورؤسكم ببطن مكة واعرف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر وقال: " أنسيتم يوم احد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في اخراكم ؟ أنسيتم يوم الاحزاب إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر ؟ أنسيتم يوم كذا ؟ " و جعل يذكرهم امورا، أنسيتم يوم كذا ؟ فقال المسلمون: صدق الله ورسوله أنت يا رسول الله أعلم بالله منا، فلما دخل عام القضية وحلق رأسه قال: " هذا الذي كنت وعدتكم به " فلما كان يوم الفتح وأخذ مفتاح الكعبة قال: " ادعوا لي عمر بن الخطاب " فجاء فقال: " هذا الذي كنت قلت لكم ". قالوا: فلو لم يكن فر يوم احد لما قال له: " أنسيتم يوم احد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ". هذا آخر ما أردنا نقله من كلام ابن أبي الحديد (2). أقول: والعجب منه أنه ادعى هنا اتفاق الرواة على أنه ثبت أبو بكر ولم يفر، مع أنه قال عند ذكر أجوبة شيخه أبي جعفر الاسكافي عما ذكره الجاحظ في فضل إسلام أبي بكر على إسلام علي عليه السلام حيث قال الجاحظ: وقد ثبت أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وآله يوم احد كما ثبت علي فلا فخر لاحدهما على صاحبه في ذلك اليوم قال شيخنا أبو جعفر: أما ثباته يوم احد فأكثر المؤرخين وأرباب السيرة ينكرونه وجمهورهم يروي أنه لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله إلا علي عليه السلام وطلحة والزبير وأبو دجانة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ولهم خامس وهو عبد الله بن مسعود، و منهم من أثبت سادسا وهو المقداد بن عمرو، وروى يحيى بن سلمة بن كهيل قال: قلت لابي: كم ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد ؟ كل منهم يدعيه ؟ فقال: اثنان


(1) عرف الحجاج: وقفوا بعرفات. (2) شرح نهج البلاغة 3: 390.

[ 142 ]

قلت: من هما ؟ قال: علي وأبو دجانة انتهى (1). فقد ظهر أن ثبات أبي بكر أيضا ليس مما أجمعت عليه رواتهم، واتفقت رواياتهم مع اتفاق روايات الشيعة على عدمه، وهي محفوفة بالقرائن الظاهرة، إذ من المعلوم أن مع ثباته لابد أن ينقل منه إما ضرب أو طعن، والعجب منه أنه حيث لم يكن من الطاعنين كيف لم يصر من المطعونين ؟ ولما لم يكن من الجارحين لم لم يكن من المجروحين ؟ وإن لم يتحرك لقتال مع كونه بمرءى من المشركين ومسمع لم لم يذكر في المقتولين ؟ إلا أن يقال: إن المشركين كانوا يرونه منهم باطنا، فلذا لم يتعرضوا له، كما لم يقتل ضرار عمر، ولعمري يمكن أن يقال: لو كان حضر ميت تلك الوقعة لكان يذكر منه بعض ما ينسب إلى الاحياء ولا يدعي مثل ذلك إلا من ليس له حظ من العقل والحياء. ولنوضح بعض ما ربما اشتبه فيما نقلنا عنه: ضوى إليهم كرمى: انضم. ما فضت أي كسرت، والتيه بالكسر: الكبر. والصياصي: الحصون. لم يكلموا على بناء المفعول، أي لم يجرحوا. والرصد بالتحريك: الذين يرقبون العدو و الجمع إرصاد. وفي النهاية: فيه كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى كأنه بعضا دعا بعضا، ومنه قولهم: تداعت الحيطان، أي تساقطت، أو كادت، ومنه تداعت إليكم الامم، أي اجتمعوا ودعا بعضكم بعضا انتهى. وثعب الماء والدم كمنع: فجره فانثعب، ذكره الفيروز آبادي، وقال: القتره بالفتح: الغبرة، والقتر بالضم. الناحية، والجانب، والقتر: القدر، ويحرك وقال: الريح: الغلبة والقوة والنصرة انتهى. انحزت، إي عدلت عما كنت فيه متوجها إليه، والاعوص: موضع قرب المدينة.


(1) شرح نهج البلاغة 3: 281. راجعه ففيه بعد ذلك ما يناسب الباب من اجوبة ابى جعفر الاسكافي.

[ 143 ]

ثم قال ابن أبي الحديد: في ذكر أسماء من قتل من المسلمين باحد: قال الواقدي: ذكر سعيد بن المسيب وأبو سعيد الخدري أنه قتل من الانصار خاصة أحد وسبعون (1)، وبمثله قال مجاهد، قال: فأربعة من قريش، وهم حمزة قتله وحشي، وعبد الله بن جحش، قتله الاخنس (2) بن شريق وشماس بن عثمان، قتله ابي بن خلف، ومصعب بن عمير، قتله ابن قميئة، قال: وقد زاد قوم خامسا وهو سعد مولى حاطب من بني أسد، وقال قوم أيضا: إن أبا سلمة بن عبد الاسد المخزومي جرح يوم احد ومات من تلك الجراحة بعد أيام. قال الواقدي: وقال قوم: قتل ابنا الهيت من بني سعد وهما عبد الله وعبد الرحمن، ورجلان من مزينة، وهما وهب بن قابوس وابن أخيه الحارث بن عتبة بن قابوس، فيكون جميع من قتل من المسلمين ذلك اليوم أحدا و ثمانين رجلا. انتهى (3). أقول: الاصوب ما مر في الاخبار المعتبرة من أن المقتولين من المسلمين باحد سبعون. ويحتمل أن يكون السبعون من المهاجرين و الانصار، والباقون ممن لحقهم من خارج المدينة كما عرفت. 51 - أقول: وروى الكازروني في المنتقى عن ربيعة بن الحارث (4) قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله مصعب بن عمير اللواء يوم احد، فقتل مصعب، فأخذه ملك في صورة


(1) ذكر ابن اسحاق ان جميع من استشهد من المسلمين من المهاجرين والانصار خمسة و ستون رجلا، وأضاف عليهم ابن هشام اربعة يوجد اسماؤهم جميعا في سيرة ابن هشام 3: 75 - 80. وذكر ان جميع من قتل من المشركين اثنان وعشرون رجلا. ذكرهم باسمائهم راجع ص 81 - 83. (2) في المصدر: أبو الحكم بن الاخنس. (3) شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد 3: 399 و 400، واختصر المؤلف ما تقدم من كلام ابن ابى الحديد وأسقط مالا يناسب الباب بطوله. (4) في المصدر: روى عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب

[ 144 ]

مصعب فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في آخر النهار: تقدم يا مصعب، فالتفت إليه الملك وقال: لست بمصعب، فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ملك ايد به (1). 52 - وقال ابن الاثير في كامل التواريخ: كان الذي قتل أصحاب اللواء علي عليه السلام قاله إبو رافع. قال: فلما قتلهم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من المشركين فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل ففرقهم، وقتل منهم، ثم أبصر جماعة اخرى فقال له: فاحمل عليهم، فحمل وفرقهم وقتل منهم، فقال جبرئيل: يا رسول الله هذه المواساة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتا: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي (2). قال: وقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله باحد قتالا شديدا، وفرمى بالنبل حتى فنى نبله، وانكسرت سية قوسه، وانقطع وتره، ولما جرح رسول الله جعل علي عليه السلام ينقل له الماء في درقته من المهراس (3)، ويغسله فلم ينقطع الدم، فأتت فاطمة عليها السلام وجعلت تعانقه وتبكي، وأحرقت حصيرا وجعلت على الجرح من رماده فانقطع الدم، وقال: وانتهت الهزيمة بجماعة فيهم عثمان بن عفان وغيره إلى الاعوص فأقاموا به ثلاثة، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وآله فقال لهم حين رآهم: لقد ذهبتم فيها عريضة (4). وقال في ذكر غزوة حمراء الاسد: وظفر في طريقه بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص وبأبي غرة (5) الجمحي، وكان أبو غرة (6) اسر يوم بدر فأطلقه النبي صلى الله عليه وآله، لانه شكى إليه فقرا وكثرة العيال، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عليه العهود أن لا يقاتله ولا يعين على قتاله، فخرج معهم يوم احد، وحرض على المسلمين، فلما اتي به رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا محمد امنن علي، قال: " المؤمن لا يلدغ من


(1) المنتقى في مولود المصطفى: 119. الباب الثالث فيما كان سنة ثلاث من الهجرة. (2) الكامل 2: 107. (3) المهراس هنا: ماء بجنب احد دفن بجنبه حمزة رضى الله عنه. (4) الكامل 2: 109 و 110. (5 و 6) في المصدر: أبو عزة. وهو الصحيح كما قدمناه.بحار الانوار - 9 -

[ 145 ]

جحر مرتين " وأمر به فقتله، وأما معاوية وهو الذي جدع أنف حمزة ومثل به، مع من مثل به وكان قد أخطأ الطريق، فلما أصبح أتى دار عثمان بن عفان، فلما رآه قال له عثمان أهلكتني وأهلكت نفسك، فقال: أنت أقربهم مني رحما وقد جئتك لتجيرني، فأدخله عثمان داره وصيره في ناحية منها ثم خرج إلى النبي صلى الله عليه وآله ليأخذ له منه أمانا فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن معاوية في المدينة وقد أصبح بها فاطلبوه، فقال بعضهم: ما كان ليعدو منزل عثمان فاطلبوه، فدخلوا منزل عثمان فأشارت ام كلثوم إلى الموضع الذي صيره فيه، فاستخرجوا من تحت حمارة لهم، فانطلقوا به إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال عثمان حين رآه: والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لاطلب له الامان فهبه لي، فوهبه له، وأجله ثلاثة أيام، و أقسم لئن وجد بعدها يمشي في أرض المدينة وما حولها ليقتلنه فخرج عثمان فجهزه واشترى له بعيرا ثم قال له: ارتحل، وسار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حمراء الاسد، وأقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار النبي صلى الله عليه وآله ويأتي بها قريشا، فلما كان في اليوم الرابع قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن معاوية أصبح قريبا لم يبعد فاطلبوه، فأصابوه وقد أخطأ الطريق فأدركوه، وكان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة وعمار بن ياسر، فوجداه بالحماء فضربه زيد بالسيف، فقال عمار: إن لي فيه حقا، فرماه بسهم فقتلاه، ثم انصرفا إلى المدينة بخبره. وروى هذا الخبر ابن أبي الحديد أيضا، وأكثر اللفظ له، ثم قال: ويقال: إنه ادرك على ثمانية أميال من المدينة، فلم يزل زيد وعمار يرميانه بالنبل حتى مات وهذا كان جد عبد الملك بن مروان لامه انتهى (1). أقول: هذه القصة كانت سبب قتل عثمان ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، كما سيأتي شرحه إن شاء الله في مثالبه، وباب أحوال أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وغيرهما.


(1) الكامل: 2: 114 و 115، شرح ابن ابى الحديد 3: 398 وفيه: قال البلاذرى: ويقال: ان عليا عليه السلام هو الذى قتل معاوية بن المغيرة.

[ 146 ]

وقال ابن الاثير: وفيها يعني السنة الثالثة من الهجرة قيل: ولد الحسن بن علي عليهما السلام في النصف من شهر رمضان، وفيها علقت فاطمة بالحسين عليه السلام، وكان بين ولادتها وحملها خمسون يوما (1). 53 - وفي الديوان المنسوب إلى علي عليه السلام: إن الحارث بن صمة بعثه النبي صلى الله عليه وآله في احد لحاجة فأبطأ فأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام: لا هم إن الحارث بن صمة * كان وفيا وبنا ذا ذمة أقبل في مهامه مهمة * في ليلة ليلاء مدلهمة (2) بين رماح وسيوف جمة * يبغي رسول الله فيها ثمة لابد من بلية ملمة (3)


(1) الكامل 2: 115. (2) ذكر ابن هشام في السيرة 3: 154 الابيات غير المصرع الاخير وفيه: " كليلة ظلماء مدلهمة " وفيه: " بين سيوف ورماح جمة " قوله. مهامه جمع مهمه وهو الفقر. والمدلهمة: الشديدة السواد. (3) الديوان 125.

[ 147 ]

13 - * (باب) * * (غزوة الرجيع وغزوة معونة) * الآيات آل عمران " 3 ": ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا الآية 169. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله قيل: نزلت في شهداء بئر معونة، وكان سبب ذلك على ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار بإسناده عن أنس وغيره قال: قدم أبو براء عامر ابن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة وكان سيد بني عامر بن صعصعة على رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة. وأهدى له هدية، فأبى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقبلها، وقال: " يا أبا براء لا أقبل هدية مشرك فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك " وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد، وقال يا محمد: إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل، فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إني أخشي عليهم أهل نجد " فقال أبو براء: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين (1) رجلا من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء ابن الصلت السلمي ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من احد، فساروا حتى نزلوا بئر معونة (2)، فلما نزلوا قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله أهل هذا الماء ؟ فقال حرام بن ملحان: أنا، فخرج بكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاهم لم ينظر عامر في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال


(1) في سيرة ابن هشام: في اربعين رجلا. (2) في السيرة: وهى أرض بنى عامر وحرة بنى سليم، كلا البلدين منها قريب، وهى إلى حرة بنى سليم اقرب.

[ 148 ]

حرام: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله إليكم، وأني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر (1) البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصية ورعلا وذكوان (2)، فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق، وكان في سرح القوم عمرو بن امية الضمري (3) و رجل من الانصار أحد بني عمرو بن عوف (4)، فلم ينبئهما (5) بمصاب أصحابهما إلا الطير، تحوم حول العسكر، فقالوا: والله إن لهذا الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا إليه فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الانصاري لعمرو بن امية: ماذا ترى ؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وآله فنخبره الخبر، فقال الانصاري: لكني ما كنت لارغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن امية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أبيه (6) فقدم عمرو بن امية على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:


(1) الكسر: الجانب من البيت. الشقة السفلى من الخباء أو ما تكسر وتثنى على الارض منها. الناحية. (2) في اعلام الورى: وهم الذين قنت عليهم النبي صلى الله عليه وآله ولعنهم. (3) الضميرى خ ل. والمذكور في المتن والسيرة واعلام الورى مثل المتن. (4) في نسخة المصنف: حريث وهو وهم. والصحيح: عوف كما في المصدر والسيرة. وفي الاخير: هو المنذر بن محمد بن عقبة بن احيحة بن الجلاح. (5) فلم ينبههما خ ل. (6) في السيرة والامتاع. على امه.

[ 149 ]

" هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا " فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله بسببه (1)، فقال حسان بن ثابت يحرض أبا براء على عامر بن الطفيل: بني ام البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد ؟ تهكم عامر بأبي براء * ليخفره وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي * فما أحدثت في الحدثان بعدي أبوك أبو الحروب أبو براء * وخالك ماجد حكم بن سعد وقال كعب بن مالك: لقد طارت شعاعا كل وجه * خفارة ما أجار أبو براء بني ام البنين أما سمعتم * دعاء المستغيث مع النساء وتنويه الصريخ بلى ولكن * عرفتم أنه صدق اللقاء فلما بلغ ربيعة بن أبي براء قول حسان وقول كعب حمل على عامر بن الطفيل فطعنه فخر عن فرسه، فقال: هذا عمل أبي براء إن مت فدمي لعمي فلا يبتعن سواي وإن أعش فسأرى فيه الرأي (2)، قال: فأنزل الله في شهداء بئر معونة قرانا: " بلغوا عنا قومنا بأنا لقينا (3) ربنا فرضي عنا ورضينا عنه " ثم نسخت ورفعت بعد ما قرأناها وأنزل الله " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله " الآية. بيان: ولم يبعد، أي ينكر كثيرا، وفي القاموس: بئر معونة بضم العين: قرب المدينة، وقال: الكسر ويكسر: جانب البيت، وقال: خفره وبه خفرا و خفورا: نقض عهده وغدره كأخفره، وعصية كسمية: بطن من بني سليم، يقال: ارتث فلان على بناء المجهول، أي حمل من المعركة جريحا وبه رمق، قوله في سرح القوم أي عند دوابهم حيث ذهبت للرعي. والتحريض: الحث. وراعه أفزعه. و


(1) في السيرة: وما اصاب اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لسببه وجواره. (2) في المصدر واعلام الورى: فيه رأيى. وفى السيرة: فسأرى رأيى فيما اتى إلى. (3) " ": بلغوا قومنا عنا بانا قد لقينا. وفى المناقب والامتاع: انا قد لقينا.

[ 150 ]

الذؤابة من كل شئ: أعلاه. والتهكم: الاستهزاء، وما خطأ كعمد، أي لم يفعل ذلك خطأ ليعفي عنه بل فعله عمدا. وفي القاموس، المسعاة: المكرمة، والمعلاة في أنواع المجد. فما أحدثت استفهام على التعجب، ويحتمل النفي. وفي القاموس. ذهبوا شعاعا: متفرقين، وطار فؤاده شعاعا: تفرقت همومه، وقال: الخفارة بالضم: الذمة، وقال: نوهه وبه: دعاه، وقال: الصريخ: المغيث والمستغيث. وقال: الصدق: الصلب المستوي من الرماح والرجال، والكامل من كل شئ، وهي صدقة، وقوم صدقون، ونساء صدقات، ورجل صدق للقاء و النظر انتهى. وضمير " إنه " لعامر. أقول: ورى مثل هذه القصة في إعلام الورى (1) وابن شهر آشوب في المناقب (2) وفي الاول فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله المنذر بن عمرو في بضعة وعشرين رجلا، وقيل: في أربعين رجلا، وقيل: في سبعين رجلا من خيار المسلمين. وفيه: فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل به الموت، فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن طفيل وهو في نادي قومه، فأخطأ مقاتله فأصاب فخذه، فقال عامر: هذا عمل عمي أبي براء إن مت فدمي لعمي لا تطلبوه به. 1 - قب، عم: كانت بعد غزوة حمراء الاسد غزوة الرجيع، بعث رسول الله صلى الله عليه وآله مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن الافلج وخبيب بن عدي وزيد بن دثنة وعبد الله بن طارق، وأمير القوم مرثد، لما قدم عليه رهط من عضل والديش، وقالوا: ابعث معنا نفرا من قومك يعلموننا القرآن و يفقهوننا في الدين فخرجوا مع القوم إلى بطن الرجيع وهو ماء لهذيل فقتلهم حي


(1) اعلام الورى: 96 و 97 ط 2. (2) مناقب ال ابى طالب 1: 168 و 169.

[ 151 ]

من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، واصيبوا جميعا. وذكر ابن إسحاق (1) أن هذيلا حين قتلت عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وقد كانت نذرت حين اصيب ابناها باحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه (2) الخمر، فمنعتم الدبر، فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى نمسي فتذهب عنه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به، وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منه في حياته (3). بيان: الدبر بالفتح: جماعة النحل. 2 - أقول: قال الكازروني: روى ابن إسحاق عن أشياخه أن قوما من المشركين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا ويقرؤننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام، فبعث معهم عشرة، منهم عاصم ابن ثابت، ومرثد بن أبي مرثد وعبد الله بن طارق وخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وخالد بن أبي البكير (4) ومعقب بن عبيد، وأمر عليهم مرثدا، وقيل: عاصما، فخرجوا حتى إذا كانوا بالرجيع وهو ماء لهذيل غدروا بالقوم واستصرخوا عليهم هذيلا فخرج بنو لحيان فلم يرع القوم إلا رجال بأيديهم السيوف فأخذ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله سيوفهم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم، إنما نريد أن نصيب بكم من أهل مكة، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتلكم، فأما عاصم ومرثد وخالد و معقب فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا، فقاتلوهم حتى قتلوا، وأما زيد وخبيب وابن طارق فاستأسروا وأما عاصم بن ثابت فإنه نثر كنانته وفيها سبعة أسهم فقتل بكل


(1) في اعلام الورى: وذكر ابان. (2) القحف: العظم الذى فوق الدماغ. (3) مناقب آل ابى طالب 1: 168، اعلام الورى: 96 ط 2، واللفظ للاعلام. (4) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح كما تقدم خالد بن البكير، ذكره ايضا الجزرى في اسد الغابة.

[ 152 ]

سهم رجلا من عظماء المشركين ثم قال: " اللهم إني حميت دينك صدر النهار فارحم لحمي آخر النهار " ثم أحاط به المشركون فقتلوه وأرادوا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكانت نذرت أن تشرب في قحفه الخمر لانه قتل ابنيها يوم احد فحمته الدبر: فقالوا: امهلوه حتى يمسي فتذهب عنه، فبعث الله الوادي فاحتمله، فسمي حمى الدبر، وخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده منهم وأخذ سيفه، واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبر بمر الظهران، وقدموا بخبيب وزيد مكة فابتاع حجير بن أبي أهاب خبيبا لابن اخته عقبة بن الحارث ليقتله بأبيه، وابتاع صفوان بن امية زيدا ليقتله بأبيه فحبسوهما حتى خرجت الاشهر الحرم، ثم أخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما، و قال قائل لزيد عند قتله: أتحب أنك الآن في أهلك وأن محمدا مكانك ؟ فقال: والله ما احب أن محمدا يشاك بشوكة وإني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: والله ما رأيت من قوم قط أشد حبا لصاحبهم من أصحاب محمد. وبإسناده عن أبي هريره قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا إليهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجاؤا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا، فقال عاصم: أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما، فنزل منهم ثلاثة على العهد منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا والله أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء اسوة، يريد القتلى، فجروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، بعد وقعة بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات (1) الحارث موسى


(1) ذكر اسمها في الامتاع قال: ماوية مولاة بنى عبد مناف.

[ 153 ]

يستحد بها فأعارته، فدرج بنى (1) لها وهي غافلة حتى أتاه فوجدته جالسا على فخذه والموسى بيده، قال: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله ما كنت لافعل ذلك، إن الغدر ليس من شأننا، قالت: والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبا، فلما أخرجوه من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: دعوني اصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين فقال: " والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق (2) منهم أحدا " وقال: فلست ابالي حين اقتل مسلما * على أي جنب (3) كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع (4) فصلبوه حيا فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي أحد حوالي يبلغ سلامي رسولك فأبلغه سلامي (5) ثم قام إليه أبو عقبة بن الحارث (6) فقتله، فكان خبيب هو


(1) في الامتاع: وطلب حديدة فاتته بموسى مع ابنه ابى حسين مولى بنى الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصى، فقال له ممازحا: وابيك انك لجرئ، اما خشيت امك غدري حين بعثت معك بحديدة وانتم تريدون قتلى ؟ فقالت ماوية: يا خبيب انما امنتك بامان الله، فقال: ما كنت لاقتله. (2) في الامتاع: ولا تغادر. (3) شيئ خ ل. (4) في المناقب: ممزق. (5) في الامتاع: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو جالس مع اصحابه وقد أخذته غمية: وعليه السلام ورحمة الله، ثم قال: هذا جبرئيل يقرئني من خبيب السلام. (6) في المصدر: أبو سروعة عقبة بن الحارث. وفى الامتاع: ثم احضروا ابناء من قتل ببدر وهم اربعون غلاما فاعطوا كل غلام رمحا فطنوه برماحهم فاضطرب على الخشبة وانفلت فصار وجهه إلى الكعبة فقال: الحمد لله، فطعنه أبو سروعة واسمه عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصى، حتى اخرجها من ظهره فمكث ساعة يوحد ويشهد ان محمد رسول الله ثم مات رضى الله عنه.

[ 154 ]

سن الصلاة لكل مسلم قتل (1) صبرا. قال معاوية بن أبي سفيان: ولقد رأيت أبا سفيان يلقيني إلى الارض فرقا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع زلت عنه الدعوة، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله هذا الخبر قال لاصحابه: أيكم يختزل خبيبا عن خشبته ؟ فقال الزبير أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الاسود فخرجا يمشيان بالليل ويكمنان بالنهار حتى أتيا التنعيم ليلا، وإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نيام نشاوى (2)، فأنزلاه، فإذا هو رطب يتثنى لم ينتن منه شئ بعد أربعين يوما، ويده على جراحته وهي تبض دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فحمله الزبير على فرسه وساروا فانتبه الكفار قد فقدوا خبينا فأخبروا قريشا فركب منهم سبعون، فلما لحقوهم قذف الزبير خبيبا فابتعلته الارض فسمي بليع الارض، فقال الزبير: ما جرأكم علينا يا معشر قريش ؟ ثم رفع العمامة عن رأسه، فقال: أنا الزبير بن عوام (3)، وامي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد بن الاسود أسدان رابضان يدفعان عن أشبالهما، فإن شئتم ناضلتكم، وإن شئتم نازلتكم، وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة وقدما على رسول الله صلى الله عليه وآله (4). بيان: مرثد كمسكن، وخبيب كزبير، والدثنة ككلمة، والموسى بضم الميم وفتح السين: ما يحلق به، والاستحداد: الاحتلاق بالحديد، والشلو بالكسر: العضو، والجسد من كل شئ، والتمزيع: التفريق، وتمزعوه بينهم: اقتسموه.


(1) في الامتاع: وكان اول من سن الركعتين عند القتل. (2) جمع النشوان: السكران. (3) في المصدر: العوام. (4) المنتقى في مولود المصطفى: 123 و 124. الباب الرابع فيما كان سنة اربع من الهجرة. أقول: وفى الامتاع: وحبس زيد بن الدثنة عند نسطاس مولى صفوان بن امية، وتولى قتله نسطاس.

[ 155 ]

والمزعة بالضم والكسر: القطعة من اللحم، أو الشقة منه، وبض الماء يبض بضا سال قليلا قليلا. 3 - وقال ابن الاثير في الكامل: لما قتل عاصم وأصحابه بعث رسول الله عمرو ابن امية الضمري إلى مكة مع رجل من الانصار وأمرهما بقتل أبي سفيان، قال عمرو: فخرجت إنا وصاحبي ومعي بعير لي وبرجل صاحبي علة، فكنت أحمله على بعيري حتى إذا جئنا ببطن احج (1) فعقلنا بعيرنا في العشب، وقلت لصاحبي: انطلق بنا إلى أبي سفيان لنقتله، فإن خشيت شيئا فالحق بالبعير فاركبه والحق برسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره الخبر، وخل عني، فدخلنا مكة ومعي خنجر إن عانقني إنسان ضربته (2) به، فقال صاحبي: هل لك أن تبدأ فتطوف وتصلي ركعتين (3) ؟ فقلت: إن أهل مكة يجلسون بأفنيتهم، وأنا أعرف بها فلم يزل حتى أتينا البيت فطفنا (4) ثم خرجنا فمررنا بمجلس لهم فعرفني بعضهم فصرخ بأعلى صوته: هذا عمرو بن امية، فثار أهل مكة إلينا، وقالوا: ما جاء إلا لشر وكان فاتكا متشيطنا في الجاهلية فقلت لصاحبي: النجاء هذا الذي كنت أحذر ؟ أما أبو سفيان فليس إليه سبيل فانج بنفسك فعدنا حتى صعدنا الجبل فدخلنا في غار، فبينا نحن فيه ليلتنا (5) ننتظر أن يسكن الطلب، قال: فوالله إني لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك التيمي بفرس له (6) فقام على باب الغار فخرجت إليه فضربته بالخنجر فصاح صيحة أسمع أهل مكة، فأقبلوا إليه، ورجعت إلى مكاني فوجدوه وبه رمق، فقالوا: من ضربك ؟ فقال: عمرو بن


(1) في المصدر: يأجج. وهو على ما قيل مكان على ثمانية اميال من مكة وقيل: موضع صلب فيه خبيب بن عدى (2) في المصدر: ومعى خنجر قد اعددته ان عاقني انسان ضربته به. (3) " ": هل لك ان نبدأ فنطوف ونصلي ركعتين. (4) زاد في المصدر: وصلينا. (5) في المصدر: فخرجنا نشتد حتى صعدنا الجبل فدخلنا غارا فبتنا فيه ليلتنا. (6) " ": يختل بفرس له.

[ 156 ]

امية ثم مات ولم يقدر أن يخبرهم بمكاني، وشغلهم قتل صاحبهم عن طلبي، فاحتملوه ومكثنا في الغار يومين حتى سكن (1) الطلب، ثم خرجا إلى التنعيم، فإذا خشبة خبيب وحوله حرس فصعدت خشبته فاحتملته على ظهري، فما مشيت إلا نحوا من أربعين خطوة حتى بدروا بي، فطرحته فاشتدوا في أثري فأعيوا ورجعوا، وانطلق صاحبي فركب البعير، وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره، وأما خبيب فلم ير بعد ذلك، فكان الارض ابتلعته، قال: وسرت حتى دخلت غار الضجنان (2) ومعي قوسي و أسهمي فبينا أنا فيه إذ دخل من بني أعور طويل (3) يسوق غنما له فقال: من الرجل ؟ فقلت من بني الدئل، فاضطجع معي ورفع عقيرته (4) يتغني ويقول: ولست بمسلم ما دمت حيا * ولست أدين دين المسلمينا ثم نام فقتلته، ثم سرت فإذا رجلان بعثهما قريش يتجسسان أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فرميت أحدهما بسهم فقتلته واستأسرت الآخر، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبرته الخبر فضحك ودعا لي بخير (5).


(1) في المصدر: حتى سكن عنا الطلب. (2) " ": بضجنان. (3) " ": إذ دخل على رجل من بنى الدئل اعور طويل. (4) العقيرة: صوت المغنى والباكى. (5) الكامل 2: 116 و 117 وفيه: فضحك حتى بدت نواجده ودعا لى بخير وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله زينب بنت خزيمة ام المساكين من بنى هلال في شهر رمضان، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها، وولى المشركون الحج في هذه السنة.

[ 157 ]

14 - * (باب) * * (غزوة بنى النضير) * الآيات: الحشر " 59 ": هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين فاعتبروا يا اولي الابصار * ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار * ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب * ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على اصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين " 2 ". إلى قوله تعالى: ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد أنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار ثم لا ينصرون * لانتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون * لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون * كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم * كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين 11 - 17. تفسير قال الطبرسي رحمه الله: " هو الذي أخرج " قيل: نزلت السورة في إجلاء بني النضير من اليهود، فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام

[ 158 ]

عن مجاهد وقتادة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، فقبل ذلك منهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله بدرا وظهر على المشركين قالوا: والله إنه للنبي (1) الذي وجدنا نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما غزا صلى الله عليه وآله غزاة احد وهزم المسلمون ارتابوا ونقضوا العهد، فركب كعب ابن الاشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا وحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد صلى الله عليه وآله، ثم دخل أبو سفيان في أربعين، وكعب في أربعين من اليهود المسجد، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الاستار والكعبة، ثم رجع كعب بن الاشراف وأصحابه إلى المدينة ونزل جبرئيل وأخبر النبي صلى الله عليه وآله بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، وأمره بقتل كعب بن الاشراف، فقتله محمد بن مسلمة الانصاري وكان أخاه من الرضاعة. قال محمد بن إسحاق خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن امية الضمري وكان بين بني النضير وبين عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله يستعينهم في الدية، قالوا نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض فقال (2) إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حالته هذه ورسول الله صلى الله عليه وآله إلى جانب جدار من بيوتهم قاعد فقالوا: من رجل يعلو على هذا البيت ويلقي عليه صخرة ؟ ورسول الله صلى الله عليه وآله في نفر من أصحابه، فأتاه الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وقال لاصحابه: لا تبرحوا، فخرج راجعا إلى المدينة، ولما استبطاؤا النبي صلى الله عليه وآله قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال: رأيته داخلا المدينة، فأقبل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما أرادت اليهود من الغدر، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله محمد بن مسلمة بقتل كعب بن الاشراف، فخرج ومعه سلكان بن سلامة وثلاثة من بني الحارث، و خرج النبي صلى الله عليه وآله على أثرهم (3) وجلس في موضع ينتظر رجوعهم، فذهب محمد بن


(1) النبي خ ل. (2) فقالوا خ ل. (3) في اثرهم خ ل.

[ 159 ]

مسلمة مع القوم إلى قرب قصره، وأجلس قومه عند جدار، وناداه: يا كعب، فانتبه وقال: من أنت ؟ قال: أنا محمد بن مسلمة أخوك، جئتك أستقرض منك دراهم فإن محمدا يسألنا الصدقة وليس معنا الدراهم، فقال كعب: لا أقرضك إلا بالرهن، قال: معي رهن انزل فخذه، وكانت له امرأة بنى بها تلك الليلة عروسا، فقالت: لا أدعك تنزل لاني أرى حمرة الدم في ذلك الصوت، فلم يلتفت إليها، وخرج فعانقه محمد بن مسلمة وهما يتحادثان حتى تباعدا من القصر إلى الصحراء، ثم أخذ رأسه ودعا بقومه وصاح كعب، فسمعت امرأته فصاحت وسمع بنو النضير صوتها فخرجوا نحوه فوجدوه قتيلا ورجع القوم سالمين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلما أسفر الصبح أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بقتل كعب ففرحوا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بحربهم والسير إليهم، فسار بالناس حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصن، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقطع النخل والتحريق فيها، فنادوه، يا محمد قد كنت تنهى عن الفحشاء، فما بالك تقطع النخل و تحرقها ؟ فأنزل الله سبحانه: " ما قطعتم من لينة أو تركتموها " الآية، وهي البؤيرة في قول حسان: وهان على سراة بني لؤي * حريق بالبؤيرة مستطير والبؤيرة تصغير بؤرة وهي إرة النار أي حفرتها. وقال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وآله حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم و أوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات بالشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء، فخرجوا إلى أذرعات وأريحا (1) إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق، وآل حي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة، وكان ابن عباس يسمي هذه السورة سورة بني النضير.


(1) أذرعات بالفتح ثم السكون، وكسر الراء بلد في اطراف الشام يجاور ارض البلقاء وعمان. واريحا بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة مقصورا: لغة عبرانية وهى مدينة الجبارين في الغور من ارض الاردن بالشام، سميت باريحا بن مالك بن ارفخشد بن سام بن نوح عليه السلام.

[ 160 ]

وعن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث (1) ليال. وعن محمد بن إسحاق كان إجلاء بني النضير مرجع النبي صلى الله عليه وآله من احد، و كان فتح قريظة مرجعه من الاحزاب وبينهما سنتان، وكان الزهري يذهب إلى أن إجلاء بني النضير كان قبل احد على رأس ستة أشهر من وقعة بدر. " الذين كفروا من أهل الكتاب " يعني يهود بني النضير من ديارهم بأن سلط الله المؤمنين عليهم، وأمر نبيه صلى الله عليه وآله بإخراجهم من منازلهم وحصونهم وأوطانهم " لاول الحشر " اختلف في معناه فقيل: كان جلاؤهم ذلك أول حشر اليهود إلى الشام، ثم يحشر الناس يوم القيامة إلى أرض الشام أيضا، وذلك الحشر الثاني عن ابن عباس والزهري والجبائي، قال ابن عباس: قال لهم النبي صلى الله عليه وآله: اخرجوا، قالوا: إلى أين ؟ قال: إلى أرض المحشر، وقيل: معناه لاول الجلاء لانهم كانوا أول من اجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم اجلي إخوانهم من اليهود لئلا يجتمع في بلاد العرب دينان، وقيل: إنما قال لاول الحشر لان الله فتح على نبيه صلى الله عليه وآله في أول ما قاتلهم " ما ظننتم أن يخرجوا " أي لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم لشدتهم وشوكتهم. " وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله " أي وظن بنو النضير أن حصونهم لوثاقتها تمنعهم من سلطان الله وإنزال العذاب بهم على يد رسول الله صلى الله عليه وآله حيث حصنوها وهيؤا آلات الحرب فيها " فأتاهم الله " أي أتاهم أمر الله وعذابه " من حيث لم يحتسبوا " أي لم يتوهموا أنه يأتيهم لما قدروا في أنفسهم من المنعة " وقذف في قلوبهم الرعب " بقتل سيدهم كعب بن الاشرف " يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين " أي يهدمون بيوتهم بأيديهم من داخل ليهربوا لانهم خربوا ما استحسنوا منها حتى لا يكون للمسلمين، ويخربها المؤمنون من خارج ليصلوا إليهم، وقيل:


(1) بثلاث خ ل.

[ 161 ]

إن معنى تخريبها بأيدي المؤمنين أنهم عرضوها لذلك، وقيل: إنهم كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم بنقض الموادعة وبأيدي المؤمنين بالمقاتلة. " فاعتبروا يا اولي الابصار " فيما نزل بهم والمراد (1) استدلوا بذلك على صدق الرسول إذ كان وعدهم ذلك (2) " ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء " أي حكم عليهم أنهم يجلون عن ديارهم وينقلون عن أوطانهم " لعذبهم في الدنيا " بعذاب الاستيصال، أو بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة " ولهم في الاخرة " مع الجلاء " عذاب النار " لان أحدا منهم لم يؤمن " ذلك " الذي فعلنا بهم " بأنهم شاقوا الله " أي خالفوا الله " ورسوله ومن يشاق الله " أي يخالفه " فإن الله شديد العقاب " يعاقبهم على مشاقتهم أشد العقاب " ما قطعتم من لينة " أي نخلة كريمة، وقيل: كل نخلة سوى العجوة " أو تركتموها قائمة على اصولها " فلم تقطعوها ولم تقلعوها " فبإذن الله " أي بأمره كل ذلك سائغ لكم " وليخزي الفاسقين " من اليهود و يهينهم به (3). " ألم تر إلى الذين نافقوا " فأبطنوا الكفر وأظهروا الايمان " يقولون لاخوانهم " في الكفر يعني يهود بني النضير: " لئن اخرجتم " من دياركم وبلادكم " لنخرجن معكم " مساعدين لكم " ولا نطيع فيكم " أي في قتالكم ومخاصمتكم " أحدا أبدا " يعنون محمدا وأصحابه " وإن قوتلتم لننصرنكم " ولندفعن عنكم " والله يشهد إنهم لكاذبون " فيما يقولونه من الخروج معهم والدفاع عنهم.


(1) فيه اختصار، والموجود في المصدر: فاتعظوا يا اولى العقول والبصائر وتدبروا و انظروا فيما نزل بهم، ومعنى الاعتبار النظر في الامور ليعرف بها شيئ آخر من جنسها، والمراد اه‍. (2) فيه ايضا اختصار: وفى المصدر: إذ كان وعد المؤمنين ان الله سبحانه سيورثهم ديارهم واموالهم بغير قتال، فجاء المخبر على ما اخبر، فكان اية دالة على نبوته اه‍ ثم استدل على ان الاية لا تدل على صحة القياس. راجعه. (3) مجمع البيان 9: 257 - 259.

[ 162 ]

قوله: " ليولن الادبار " أي ينهزمون أو يسلمونهم " ثم لا ينصرون " أي لو كان لهم هذه القوة وفعلوا لم ينتفع اولئك بنصرتهم نزلت الآية قبل إخراج بني النضير، وأخرجوا بعد ذلك وقوتلوا فلم يخرج معهم منافق ولم ينصروهم كما أخبر الله تعالى بذلك، وقيل: أراد بقوله لاخوانهم بني النضير وبني قريظة. فأخرج بنو النضير ولم يخرجوا معهم، وقوتل بنو قريظة فلم ينصروهم " لانتم أشد رهبة " أي خوفا " في صدورهم " أي في قلوب هؤلاء المنافقين " من الله " المعنى أن خوفهم منكم أشد من خوفهم من الله " ذلك بأنهم قوم لا يفقهون " الحق ولا يعلمون عظمة الله وشدة عقابه لا يقاتلونكم جميعا " معاشر المؤمنين " إلا في قرى محصنة " أي ممتنعة حصينة، أي لا يبرزون لحربكم وإنما يقاتلونكم متحصنين بالقرى " أو من وراء جدر " أي يرمونكم من وراء الجدران بالنبل والحجر " بأسهم بينهم شديد " أي عداوة بعضهم لبعض شديدة، أي ليسوا بمتفقي القلوب، أو قوتهم فيما بينهم شديدة، فإذا لاقوكم جبنوا وفزعوا (1) منكم بما قذف الله في قلوبهم من الرعب " تحسبهم جميعا " أي مجتمعين في الظاهر " وقلوبهم شتى " أي مختلفة متفرقة خذلهم الله باختلاف كلمتهم، وقيل: إنه عنى بذلك قلوب المنافقين وأهل الكتاب " ذلك بأنهم قوم لا يعقلون " ما فيه الرشد مما فيه الغي (2) " كمثل الذين من قبلهم قريبا " أي مثلهم في اغترارهم بعددهم وقوتهم كمثل الذين من قبلهم يعني المشركين الذين قتلوا ببدر وذلك قبل غزاة بني النضير بستة أشهر عن الزهري وغيره، وقيل: يعني بني قينقاع عن ابن عباس، وذلك أنهم نقضوا العهد مرجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخرجوا، فقال عبد الله بن ابي: لا تخرجوا فإني آتي النبي صلى الله عليه وآله فاكلمه فيكم، أو أدخل معكم الحصن، فكان هؤلاء أيضا في إرسال عبد الله بن ابي إليهم


(1) تفرقوا خ ل أقول: في المصدر: وتفرغوا. (2) في المصدر زيادة لم يذكره المصنف اختصارا وهى: وانما كان قلوب من يعمل بخلاف العقل شتى لاختلاف دواعيهم واهوائهم، وداعي الحق واحد، وهو العقل الذى يدعو إلى طاعة الله والاحسان في الفعل.

[ 163 ]

ثم تركه (1) نصرتهم كاولئك " ذاقوا وبال أمرهم " أي عقوبة كفرهم " ولهم عذاب أليم " في الآخرة " كمثل الشيطان " أي مثل المنافقين في غرورهم بني النضير (2) و خذلانهم إياهم كمثل الشيطان " إذ قال للانسان اكفر " وهو عابد (3) بني إسرائيل " فلما كفر قال إني بري منك " فكذلك بنو النضير اغتروا بالمنافقين، ثم تبرؤا منهم عند الشدة وأسلموهم، وقيل: كمثل الشيطان يوم بدر إذ دعا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رأى الملائكة رجع القهقرى، وقال " اني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما " أي الداعي والمدعو (4). بيان: وهي البؤيرة، أي قصة التحريق هي المشار إليها في هذا البيت، قال الجوهري: البؤرة: الحفرة بأرت أبئر بأرا: حفرت بؤرة يطبخ فيها وهي الارة، وقال: الارة: موضع النار، وأصله أرى والهاء عوض من الياء والسراة بالفتح جمع سري وهي الشريف وأذرعات بكسر الراء: موضع بالشام. 1 - عم: ثم كانت غزوة بني النضير، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله مشى إلى كعب بن الاشراف يستقرضه، فقال: مرحبا بك يا أبا القاسم وأهلا، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه فقام كأنه يصنع لهم طعاما، وحدث نفسه أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخبره بما هم به القوم من الغدر، فقام صلى الله عليه وآله كأنه يقضي حاجة، وعرف أنهم لا يقتلون أصحابه وهو حي، فأخذ صلى الله عليه وآله الطريق نحو المدينة، فاستقبله بعض أصحاب كعب الذين كان أرسل إليهم يستعين بهم على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبر كعبا بذلك، فسار المسلمون راجعين، فقال عبد الله بن صوريا و كان أعلم اليهود: إن ربه (5) اطلعه على ما أردتموه من الغدر، ولا يأتيكم والله


(1) في المصدر: ثم ترك. (2) " ": لبنى النضير. (3) أي برصيصا. ذكر قصته مفصلا في المصدر تركه المصنف اختصارا راجعه. (4) مجمع البيان 9: 263 - 265. (5) في المصدر: والله ان ربه.

[ 164 ]

أول ما يأتيكم (1) إلا رسول محمد يأمركم عنه بالجلاء فأطيعوني في خصلتين لا خير في الثالثة: أن تسلموا فتأمنوا على دياركم وأموالكم، وإلا فإنه يأتيكم من يقول لكم: اخرجوا من دياركم، فقالوا: هذه أحب إلينا، قال: أما إن الاولى خير لكم منها، ولولا أني أفضحكم لاسلمت، ثم بعث محمد بن مسلمة إليهم يأمرهم بالرحيل والجلاء عن ديارهم وأموالهم، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال (2). 2 - أقول: قال الكازروني وغيره في شرح تلك القصة: كانت غزوة بني النضير في ربيع الاول (3) وكانت منازلهم بناحية الفرع وما والاها بقرية يقال لها: زهرة، وإنهم لما نقضوا العهد، وعاقدوا المشركين على حرب النبي صلى الله عليه وآله خرج صلى الله عليه وآله يوم السبت وصلى في مسجد قبا ومعه نفر من أصحابه (4)، ثم أتي بني النضير فكلمهم أن يعينوه في دية رجلين كان قد آمنهما فقتلهما عمرو بن امية وهو لا يعلم، فقالوا: نفعل هموا بالغدر به: فقال عمرو بن الحجاش (5): أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة، فقال سلام بن مشكم: لا تفعلوا فوالله ليخبرن بما هممتم (6)، فجاء جبرئيل فأخبره صلى الله عليه وآله، فخرج راجعا إلى المدينة، ثم دعا عليا وقال: لا تبرح من مكانك، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عني فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ذلك، ثم لحقوا به، فبعث النبي صلى الله عليه وآله محمد بن مسلمة إليهم وأمرهم بالجلاء


(1) في المصدر: والله ما يأتيكم. (2) اعلام الورى: 56 ط 1 و 97 ط 2. (3) في الامتاع: في ربيع الاول على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجر النبي صلى الله عليه وآله، ويقال: كانت في جمادى الاولى سنة اربع، وروى عقيل بن خالد وغيره عن ابن شهاب قال: كانت غزوة بنى النضير بعد بدر بستة اشهر. (4) في الامتاع: دون العشرة. (5) " ": عمرو بن جحاش. (6) في المصدر: بما هممتم به.

[ 165 ]

وقال: لا تساكنوني (1) وقد هممتم بما هممتم به، وقد أجلتكم عشرا، فأرسل (2) إليهم ابن ابي: لا تخرجوا، فان معي ألفين من قوم وغيرهم يدخلون حصونكم فيموتون من آخرهم ويمدكم قريظة وحلفاؤهم من غطفان، فطمع حيي (3) فيما قال ابن ابي، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله فصلى العصر بفناء (4) بني النضير. وعلي عليه السلام يحمل رأيته، واستخلف على المدينة ابن ام مكتوم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة، فاعتزلتهم قريظة، وخفرهم ابن ابي (5)، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وقطع نخلهم، وكانت النخلة من نخيلهم ثمن وصيف، وأحب إليهم من وصيف، وقيل قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، وقيل: كان جميع ما قطعوا وأحرقوا ست نخلات، فقالوا: نحن نخرج من بلادك فأجلاهم عن المدينة، وولى إخراجهم محمد بن مسلمة، وحملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ستمائة


(1) في المصدر: ففعل ذلك على حتى تناثلوا إليه ثم تبعوه ولحقوا به، فقالوا: قمت ولم نشعر، فقال: همت اليهود بالغدر فاخبرني الله بذلك، فقمت، وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله ان اخرجوا من بلدتي ولا تساكنونى. (2) في المصدر زيادة هي: فمن رئى بعد ذلك ضرب عنقه، فمكثوا اياما يتجهزون وتكاروا من اناس ابلا، فأرسل اه‍. (3) أي حيى بن اخطب وفى الامتاع: ثم بعث حيى بن اخطب مع اخيه جدى بن اخطب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم انا لا نخرج فليصنع ما بدالك، فلما بلغ جدى رسالة اخيه حيى كبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكبر من معه وقال: (حاربت اليهود) ونادى مناديه بالمسير إلى بني النضير. (4) في المصدر والامتاع: بفضاء. (5) " ": وخفرهم ابن ابى وحلفاؤهم من غطفان. وفى الامتاع: ولم يأتهم ابن ابى واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم بسلاح ولا رجال، وجعلوا يومون يومهم بالنبل والحجارة حتى امسوا، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله العشاء وقد تتام اصحابه رجع إلى بيته في عشرة من اصحابه وعليه الدرع والمغفر وهو على فرس، واستعمل عليا رضى الله عنه على العسكر، وبات المسلمون محاصريهم يكبرون حتى اصبحوا، واذن بلال رضى الله عنه بالمدينة: فغدا رسول الله صلى الله عليه وآله في اصحابه الذين كانوا معه فصلى بالناس في فضاء بنى خطمة، واستعمل على المدينة ابن ام مكتوم.

[ 166 ]

بعير، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: " اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الابل إلا الحلقة " وهي السلاح، فقبض رسول الله صلى الله عليه وآله الاموال والحلقة، فوجد من الحلقة خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا (1)، وكانت غنايم بني النضير صفيا لرسول الله صلى الله عليه وآله خالصة لم يخمسها ولم يسهم منها لاحد، وقد أعطى ناسا منها، وروي أنه حاصرهم إحدى وعشرين ليلة (2)، 3 - فس: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولن تؤمن قلوبهم " فإنه كان سبب نزولها أنه كان بالمدينة بطنان من اليهود من بني هارون وهم النضير وقريظة، وكانت قريظة سبعمائة، و النضير ألفا، وكانت النضير أكثر مالا وأحسن حالا من قريظة، وكانوا حلفاء لعبد الله بن ابي، فكان إذا وقع بين قريظة والنضير قتيل وكان القتيل من بني النضير قالوا لبني قريظة: لا نرضى أن يكون قتيل منا بقتيل منكم، فجرى بينهم في ذلك مخاطبات كثيرة حتى كادوا أن يقتتلوا (3) حتى رضيت قريظة، وكتبوا بينهم كتابا على أنه أي رجل من اليهود من النضير قتل رجلا من بني قريظة أن يجنيه (4) و


(1) في الامتاع: وقال عمر: الا تخمس ما أصبت ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لا اجعل شيئا جعله الله لى دون المؤمنين بقوله: " ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله و للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم " كهيئة ما وقع فيه السهمان للمسلمين، وكانت بنو النضير من صفا يا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم جعلها حبسا لنوائبه، وكان ينفق على اهلها منها، كانت خالصة له، فاعطى من اعطى منها، وحبس ما حبس، وكان يزرع تحت النخل، وكان يدخل منها قوت اهله سنة من الشعير والتمر لازواجه وبنى (عبد) المطلب، وما فضل جعله في الكراع والسلاح واستعمل على اموال بنى النضير ابا رافع مولاه، وكانت صدقاته منها ومن اموال مخيريق. (2) المنتقى في مولود المصطفى: 125. الباب الرابع فيما كان سنة أربع من الهجرة. (3) ان يقتلوا خ ل. (4) يحنيه خ ل.

[ 167 ]

يحمم (1) والتجنية (2) أن يقعد على جمل ويولى وجهه إلى ذنب الجمل، ويلطخ وجهه بالحمأة (3) ويدفع نصف الدية، وأيما رجل من بني قريظة قتل رجلا من النضير أن يدفع إليه الدية كاملة ويقتل به فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ودخل الاوس والخزرج في الاسلام ضعف أمر اليهود فقتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير فبعثوا إليهم بنو النضير ابعثوا إلينا بدية المقتول وبالقاتل حتى نقتله، فقالت قريظة، ليس هذا حكم التوراة وإنما هو شئ غلبتمونا عليه، فإما الدية، و إما القتل، وإلا فهذا محمد بيننا وبينكم، فهلموا نتحاكم إليه، فمشت بنو النضير إلى عبد الله بن ابي وقالوا سل محمدا أن لا ينقض شرطنا في هذا الحكم الذي بيننا وبين قريظة في القتل، فقال عبد الله بن ابي: ابعثوا (4) رجلا يسمع كلامي وكلامه، فإن حكم لكم بما تريدون وإلا فلا ترضوا به، فبعثوا معه رجلا فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن هؤلاء القوم قريظة والنضير قد كتبوا بينهم كتابا وعهدا وثيقا تراضوا به، والآن في قدومك يريدون نقضه وقد رضوا بحكمك فيهم فلا تنقض عليهم كتابهم وشرطهم، فإن بني النضير لهم القوة والسلاح والكراع، ونحن نخاف الدوائر (5) فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك ولم يجبه بشئ فنزل عليه جبرئيل بهذه الآيات: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا " يعني اليهود " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه " يعني عبد الله بن ابي وبني النضير


(1) في المصدر: ويحم. في نسختي المخطوطة: " ويجم " يقال: جاء في جمة أي في جماعة يسألون الدية. (2) والتحنية خ ل. (3) الحماة: الطين الاسود المنتن. واستظهر المصنف في الهامش انه مصحف: بالحممة. (4) ابعثوا معى خ ل. (5) في المصدر المطبوع: الغوائل. وفى نسختي المخطوطة: الدوائل. (الدوائر خ ل). أقول: كلها بمعنى الشر والفساد. والاصوب ما في المتن.

[ 168 ]

" يقولون إن اوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه، فاحذروا " يعني عبد الله بن ابي حيث قال لبني النضير: إن لم يحكم لكم بما تريدونه فلا تقبلوا " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم * سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (1) " إلى قوله: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون (2) " قوله: " نخشى أن تصيبنا دائرة (3) " هو قول عبد الله بن ابي لرسول الله صلى الله عليه وآله: لا تنقض حكم بني النضير فإنا نخاف الدوائر (4). بيان: أن يجنيه بالجيم والنون كذا في أكثر النسخ وكأنه من الجناية، أي يظهر عليه أثر الجناية. في بعضها بالحاء المهملة، والظاهر أن يحممه من التحميم بدون ويحمم كما سيأتي. وقال في النهاية: فيه مر يهودي محمم مجلود، أي مسود الوجه الحممة: الفحمة، وجمعها حمم انتهى. وكذا الظاهر بالحممة، وفي أكثر النسخ بالحمأة وهي الطين الاسود المنتن. 4 - فس: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا (5) " قال: سبب ذلك أنه كان بالمدينة ثلاثة أبطن من اليهود: بني النضير (6) وقريظة، وقينقاع وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله عهد ومدة


(1) المائدة: 41 و 42. (2) المائدة: 44. (3) المائدة: 52. (4) تفسير القمى: 156 و 158. (5) الحشر: 2. (6) بنو النضير خ ل.

[ 169 ]

فنقضوا عهدهم، وكان سبب ذلك في بني النضير في نقض عهدهم أنه أتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله يستسلفهم دية رجلين قتلهما رجل من أصحابه غيلة، يعني يستقرض، وكان قصد كعب ابن الاشرف، فلما دخل على كعب قال: مرحبا يا أبا القاسم وأهلا، وقام كأنه يصنع له الطعام، وحدث نفسه أن يقتل (1) رسول الله صلى الله عليه وآله ويتبع (2) أصحابه، فنزل جبرئيل فأخبره بذلك، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وقال لمحمد بن مسلمة الانصاري: اذهب إلى بني النضير فأخبرهم أن الله عزوجل قد أخبرني بما هممتم به من الغدر، فإما أن تخرجوا من بلدنا، وإما أن تأذنوا بحرب (3)، فقالوا: نخرج من بلادك (4) فبعث إليهم عبد الله بن ابي ألا تخرجوا وتقيموا (5) وتنابذوا محمدا (6) الحرب، فإني أنصركم أنا وقومي وحلفائي، فإن خرجتم خرجت معكم، وإن قاتلتم قاتلت معكم، فأقاموا وأصلحوا حصونهم وتهيأوا للقتال، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنا لا نخرج فاصنع ما أنت صانع، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وكبر وكبر أصحابه، وقال لامير المؤمنين عليه السلام: تقدم إلى بني النضير، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام الراية وتقدم وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأحاط بحصنهم، وغدر بهم عبد الله بن ابي وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ظفر بمقدم بيوتهم حصنوا ما يليهم وخربوا ما يليه، وكان الرجل منهم ممن كان له بيت حسن خربه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بقطع نخلهم فجزعوا من ذلك، وقالوا: يا محمد إن الله يأمرك بالفساد ؟ إن كان لك هذا فخذه، و إن كان لنا فلا تقطعه، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا محمد نخرج من بلادك فأعطنا (7).


(1) أنه يقتل خ ل. (2) أي يلحقهم به. (3) للحرب خ ل. (4) من بلادكم خ ل. (5) الا يخرجوا ويقيموا خ ل. (6) رسول الله خ ل. (7) وأعطنا خ ل.

[ 170 ]

ما لنا، فقال: لا ولكن تخرجون ولكم ما حملت الابل، فلم يقبلوا ذلك فبقوا أياما ثم قالوا: نخرج ولنا ما حملت الابل، فقال: لا، ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئا، فمن وجدنا معه شيئا من ذلك قتلناه، فخرجوا على ذلك، ووقع قوم منهم إلى فدك ووادي القرى، وخرج قوم منهم إلى الشام، فأنزل الله فيهم: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " إلى قوله: " فإن الله شديد العقاب (1) " وأنزل عليه فيما عابوه من قطع النخل: " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين " إلى قوله: " ربنا إنك رؤف رحيم (2) " وأنزل عليه في عبد الله بن ابي وأصحابه: " ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون " إلى قوله: " ثم لا ينصرون (3) " ثم قال: " كمثل الذين من قبلهم " يعني بني قينقاع " قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم " ثم ضرب في عبد الله بن ابي وبني النضير مثلا فقال: " كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين " قوله (4): " فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (5) " فيه (6) زيادة أحرف لم يكن (7) في رواية علي بن إبراهيم حدثنا به أحمد بن محمد بن ثابت (8)، عن أحمد بن ميثم، عن الحسن بن علي بن أبي


(1) الحشر: 2 - 4. (2) الحشرة: 5 - 10. (3) الحشر: 11 و 12. (4) المصدر خلى عن كلمة (قوله). (5) الحشر: 15 - 17. (6) أي في الحديث المتقدم، ولعل القائل بذلك هو راوي الكتاب، فيستفاد من ذلك ان في التفسير زيادة من غير على بن ابراهيم. (7) في المصدر: لم تكن. (8) في المصدر: محمد بن احمد بن ثابت.

[ 171 ]

حمزة، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير في غزوة بني نضير وزاد فيه: فقال رسول الله للانصار: إن شئتم دفعت إليكم (1) المهاجرين وقسمتها فيهم، وإن شئتم قسمتها بينكم وبينهم وتركتهم معكم، قالوا: قد شئنا أن تقسمها فيهم، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين ودفعهم عن الانصار ولم يعطه من الانصار إلا رجلين وهما سهل ابن حنيف وأبو دجانة فإنهما ذكرا حاجة (2). بيان: ظاهر الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله لما جعل المهاجرين مع الانصار وضمنهم نفقاتهم خير الانصار في هذا الوقت بين أن يقسم غنائم بني النضير بين الجمع ويكون المهاجرون مع الانصار كما كانوا، وبين أن يخص بها المهاجرين ولا يكونوا بعد ذلك مع الانصار فاختاروا الاخير (3). 5 - وروى الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان عن ابن عباس قال: قال رسول -


(1) استظهر المصنف في الهامش ان الصحيح: (دفعت عنكم) وفى المصدر: دفعت اليكم في المهاجرين منها. (2) تفسير القمى: 671 - 673. (3) قال المقريزى في الامتاع: 182: فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنى النضير بعث ثابت بن قيس بن شماس فدعا الانصار كلها الاوس والخزرج، فحمد الله واثنى عليه وذكر الانصار وما صنعوا بالمهاجرين، وانزالهم اياهم في منازلهم واثرتهم على انفسهم، ثم قال: ان احببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما افاء على من بنى النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم واموالكم وان احببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول الله بل تقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا، ونادت الانصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار " وقسم ما أفاء الله عليه على المهاجرين دون الانصار الا رجلين كانا محتاجين: سهل بن حنيف الانصاري: وأبو دجانة سماك بن خرشة الانصاري، واعطى سعد بن معاذ سيف ابن ابى الحقيق وكان سيفا له ذكر: ووسع صلى الله عليه وآله في الناس في اموال بنى النضير: وانزل الله تعالى في بنى النضير، سورة الحشر، وفى جمادى الاولى مات عبد الله بن عثمان من رقية، وفى شوال من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بام سلمة رضى الله عنها انتهى. أقول: وقال ابن هشام في السيرة بعدما ذكر ان تلك الغزوة كانت في ربيع الاول، فحاصرهم فيها ست ليال: ونزل تحريم الخمر.

[ 172 ]

الله صلى الله عليه وآله يوم بني النضير للانصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دياركم وأموالكم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شئ من الغنيمة فقال الانصار: بل نقسم لهم من أموالنا (1) ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها، فنزل " ويؤثرون على أنفسهم (2) الآية. 6 - قب، شا: ولما توجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بني النضير عمد (3) على حصارهم فضرب قبة (4) في أقصى بني حطمة من البطحاء. فلما أقبل (5) الليل رماه رجل من بني نضير بسهم فأصاب القبة (6) فأمر النبي صلى الله عليه وآله أن تحول قبته (7) إلى السفح وأحاط بها المهاجرون والانصار، فلما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين عليه السلام، فقال الناس: يا رسول الله لا نرى (8) عليا، فقال عليه وآله السلام: أراه في بعض ما يصلح شأنكم، فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبي صلى الله عليه وآله، وكان يقال له: عزورا (9)، فطرحه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: كيف صنعت ؟ فقال: إني رأيت هذا الخبيث جريا شجاعا فكمنت له وقلت: ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الليل (10) يطلب منا غرة، فأقبل مصلتا بسيفه في تسعة نفر من اليهود، فشددت عليه وقتلته فأفلت أصحابه ولم يبرحوا قريبا فابعث معي نفرا فإني أرجو أن أظفر بهم


(1) في المصدر: من اموالنا وديارنا. (2) مجمع البيان 9: 260. والاية في سورة الحشر: 9. وذكر الطبرسي ايضا عن ابى هريرة ان الاية نزلت في على عليه السلام وفاطمة عليها السلام في ضيافة كانت لهما. راجعه. (3) يحمل خ ل. (4) في المصدرين: قبته. (5) فلما جن خ ل. أقول يوجد ذلك في الارشاد. (6) قبته خ ل. (7) فحولت قبته خ ل أقول: في الارشاد: ان يحول قبته إلى السفح واحاط اه‍. وفى المناقب: فلما اقبل الليل اصاب القبة سهم فحولت القبة إلى السفح وحوتها الصحابة. (8) ما نرى خ ل. (9) في المصدر: غرورا. وفى الامتاع: عزوك. (10) الظلام خ ل.

[ 173 ]

فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله معه عشرة فيهم أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف فأدركوهم قبل أن يلجوا (1) الحصن، فقتلوهم وجاؤا برؤوسهم إلى النبي صلى الله عليه وآله، فأمر أن تطرح في بعض آبار بني حطمة (2)، وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير. وفي تلك الليلة قتل كعب بن الاشراف، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله أموال بني النضير، وكانت أول صافية قسمها رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين الاولين، وأمر عليا عليه السلام فحاز ما لرسول الله صلى الله عليه وآله منها فجعله صدقة، وكان في يده مدة (3) حياته ثم في يد أمير المؤمنين عليه السلام بعده، وهو في ولد فاطمة عليها السلام حتى اليوم، وفيما كان من أمر أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الغزاة وقتله اليهودي ومجيئه إلى النبي صلى الله عليه وآله برؤس التسعة (4) النفر يقول حسان بن ثابت: لله أي كريهة أبليتها * ببني قريظة (5) والنفوس تطلع أردى رئيسهم وآب بتسعة * طورا يشلهم وطورا يدفع (6) بيان: قوله: طورا أي تارة، وقال الجوهري: مر فلان يشلهم بالسيف يكسؤهم (7) ويطردهم (8).


(1) أن يدركوا خ ل. (2) ذكر نحو ذلك المقريزى في الامتاع: 180. (3) أيام خ ل. (4) في المصدر: النفر التسعة. (5) واستظهر المصنف في الهامش ان الصحيح: ببنى نضير. (6) مناقب آل ابى طالب 1: 169 و 170. الارشاد: 47 و 48. وألفاظ الحديث من الثاني. (7) أي يضربهم. (8) استدراك: قال ابن هشام في السيرة 3: 194 لم يسلم من بنى النضير الا رجلان: يامين بن عمير بن كعب بن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على اموالهما فاحرزاها. قال ابن اسحاق: وقد حدثنى بعض آل يامين ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ليامين: " الم تر

[ 174 ]

15 - * (باب) * * (غزوة ذات الرقاع وغزوة عسفان) * الآيات: النساء " 4 ": وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة - إلى قوله -: كتابا موقوتا. 102 و 103. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله بعد تفسير الآيات في صلاة الخوف: وفي الآية


ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني " ؟ فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على ان يقتل له عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون. وقال في ص 200: قال ابن اسحاق: وقال على بن ابى طالب رضوان الله عليه يذكر جلاء بنى النضير وقتل كعب بن الاشراف. عرفت ومن يعتدل: يعرف * وأيقنت حقا ولم أصدف عن الكلم المحكم اللاء من * لدى الله ذى الرأفة الارأف رسائل تدرس في المؤمنين * بهن اصطفى احمد المصطفى فاصبح احمد فينا عزيزا * عزيز المقامة والموقف فيا ايها الموعدوه سفاها * ولم يأت جورا ولم يعنف ألستم تخافون ادنى العذاب * وما آمن الله كالاخوف وإن تصرعوا تحت أسيافه * كمصرع كعب أبى الاشراف غداة رأى الله طغيانه * واعرض كالجمل الاجنف فأنزل جبريل في قتله * بوحى إلى عبده ملطف فدس الرسول رسولا له * بأبيض ذى هبة مرهف فباتت عيون له معولات * متى ينع كعب لها تذرف وقلن لاحمد: ذرنا قليلا * فانا من النوح لم نشتف فخلاهم ثم قال: اظعنوا * دحورا على رغم الانف وأجلى النضير إلى غربة * وكانوا بدار ذوى زخرف إلى أذرعات ردا في وهم * على كل ذى دبر أعجف أنتهى كلام ابن هشام: وذكر الابيات في ديوان على عليه السلام: 84. وفيه عن الكلم الصدق يأتي بها * من الله ذى الرافة الارأف وفيه ايضا: تحت اسيافنا. وفيه ايضا: بأرهف ذى ظبة مرهف. وفيه فقالوا لاحمد. وفيه: على رغمة الانف.

[ 175 ]

دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وصحة نبوته، وذلك أنها نزلت والنبي صلى الله عليه وآله بعسفان والمشركون بضجنان فتوافقوا فصلى النبي صلى الله عليه وآله بأصحابه صلاة الظهر بتمام الركوع والسجود، فهم المشركون أن يغيروا عليهم فقال بعضهم: إن لهم صلاة أخرى أحب إليهم من هذه، يعنون صلاة العصر، فأنزل الله عليه هذه الآية فصلى بهم العصر صلاة الخوف، وكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد، وذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره أن النبي صلى الله عليه وآله غزا محاربا وبني أنمار (1)، فهزمهم الله وأحرزوا الذراري والاموال، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون ولا يرون من العدو أحدا، فوضعوا أسلحتهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض حاجته (2) وقد وضع سلاحه فجعل بينه وبين أصحابه الوادي، فأتى قبل أن يفرغ من حاجته السيل في الوادي (3) والسماء ترش: فحال الوادي بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أصحابه، و جلس في ظل سمرة (4)، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فقال له أصحابه: يا غورث هذا محمد قد أنقطع من أصحابه، فقال: قتلني الله إن لم أقتله، وانحدر من الجبل ومعه السيف ولم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وآله إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده، وقال: يا محمد من يعصمك مني الآن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله، فانكب عدو الله لوجهه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ سيفه، وقال: يا غورث من يمنعك مني الآن ؟ قال: لا أحد، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني عبد الله ورسوله ؟ قال: لا، ولكني أعهد أن لا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه، فقال له غورث: والله لانت خير مني، قال صلى الله عليه وآله: إني أحق بذلك، وخرج غورث إلى أصحابه، فقالوا: يا غورث لقد رأيناك قائما على رأسه


(1) في المصدر: لبنى انمار (2) في المصدر: ليقضى حاجته. (3) في المصدر: فجعل بينه وبين اصحابه الوادي إلى ان يفرغ من حاجته، وقد درا الوادي. (4) في المصدر: وجلس في ظل شجرة.

[ 176 ]

بالسيف فما منعك منه ؟ قال: الله، أهويت له بالسيف لاضربه فما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي وخر سيفي وسبقني إليه محمد فأخذه. ولم يلبث الوادي أن سكن، فقطع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم " ان كان بكم أذى من مطر " الآية (1). بيان: في القاموس: الزلخ: المزلة تزل منها الاقدام لندوته أو ملاسته، وزلخه بالرمح: زجه، وزلخه تزليخا: ملسه. 1 - عم: ثم كانت بعد غزوة بني النضير غزوة بنى لحيان (2)، وهي الغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف بعسفان حين أتاه الخبر من السماء بما هم به المشركون: وقيل: إن هذه الغزوة كانت بعد غزوة بني قريظة. ثم كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بني النضير بشهرين. قال البخاري: إنها (3) كانت بعد خيبر لقى بها جمعا من غطفان ولم يكن بينهما حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس (4)، وقيل: إنما سميت ذات الرقاع لانه جبل فيه بقع حمرة وسواد وبياض فسمي ذات الرقاع، وقيل: إنما سميت بذلك لان أقدامهم نقبت فيها فكانوا


(1) مجمع البيان 3: 103. (2) قد اختلف اهل السير في وقت غزوة بنى لحيان، فقال ابن هشام في السيرة: كانت في السنة الخامسة في جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من فتح بنى قريظة، وقال المقريزى في الامتاع: كانت لهلال ربيع الاول سنة ست، وذكر ما تقدم عن ابن هشام وقال: صححه جماعة. وقال: وصحح ابن حزم انها في الخامسة، وقال بعض من ارخ: انها كانت اكثر من مرة، فواحدة كانت قبل الخندق، واخرى بعدها. (3) أي غزوة ذات الرقاع راجع البخاري 5: 144. (4) وقيل: سميت بذلك لانهم رقعوا راياتهم، وقيل: لانه كانت هناك شجرة يقال لها: ذات الرقاع. وقيل: لان هذه الشجرة كانت العرب تعبدها، وكل من كان له حاجة منهم يربط فيها خرقة وقيل: لوقوع صلاة الخوف فيها فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها. (*) بحار الانوار - 11 -

[ 177 ]

يلفون على أرجلهم الخرق (1). 2 - أقول: قال ابن الاثير في الكامل: أقام رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة بعد بني النضير شهري ربيع، ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلب من غطفان، وهي غزوة ذات الرقاع، فلقى المشركين ولم يكن قتال، وخاف الناس بعضهم بعضا، فنزلت صلاة الخوف، وأصاب المسلمون امرأة منهم، وكان زوجها غائبا، فلما أتي أهله أخبر الخبر، فحلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وآله فنزل رسول الله فقال: من يحرسنا الليلة ؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الانصار (2)، فأقاما بفم شعب نزله النبي صلى الله عليه وآله، فاضطجع المهاجري وحرس الانصاري أول الليل وقام يصلي، وجاء زوج المرأة فرأى شخصه (3) فرماه بسهم فوضعه فيه، فانتزعه وثبت قائما يصلي، ثم رماه بسهم آخر فأصابه، فنزعه وثبت يصلي، ثم رماه الثالث (4) فوضعه فيه فانتزعه، ثم ركع وسجد ثم أيقظ صاحبه وأعلمه فوثب، فلما رأهما الرجل عرف أنهما علما به، فلما رأى المهاجري ما بالانصاري قال: سبحان الله ألا أيقظتني أول ما رماك ؟ قال: كنت في سورة أقرؤها (5)، فلم أحب أن أقطعها، فلما تتابع علي الرمي وركعت أعلمتك، و أيم الله لولا خوفي أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها، وقيل: إن هذه الغزوة كانت في المحرم سنة خمس (6). 3 - قب: غزوة بني لحيان في جمادي الاولى، وكان بينهما الرمي بالحجارة،


(1) اعلام الورى: 56 و 57 ط 1، و 98 ط 2. (2) قال المقريزى في الامتاع انهما عمار بن ياسر وعباد بن بشير الانصاري. ويقال: بل هو عمارة بن حزم وأثبتهما عباد بن بشير. (3) زاد في المصدر: فعرف انه ربيئة القوم. أقول: الربيئة. الطليعة. (4) في المصدر: بالثالث. (5) في الامتاع: وهى سورة الكهف. (6) الكامل 2: 119 و 120. فيه اختصار.

[ 178 ]

وصلى فيها صلاة الخوف بعسفان، ويقال: في ذات الرقاع مع غطفان. وكان ذلك بعد النضير بشهرين، وقال البخاري: بعد خيبر ولم يكن حرب (1). 4 - أقول: قال الكازروني في حوادث السنة الخامسة: وفيها كانت غزاة ذات الرقاع، وكان سببها أن قادما قدم المدينة بجلب (2) له، فأخبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أن أنمارا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم (3) في أربعمائة، وقيل: في سبعمائة (4)، فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع وهي جبل فلم يجد إلا نسوة فأخذهن وفيهن جارية وضيئة، وهربت الاعراب إلى رؤس الجبال، وخاف المسلمون أن يغيروا عليهم، فصلى بهم النبي صلى الله عليه وآله صلاة الخوف، وكان أول ما صلاها، وانصرف راجعا إلى المدينة فابتاع من جابر بن عبد الله جملا بأوقية وشرط له ظهره إلى المدينة وسأله عن دين أبيه فأخبره، فقال: إذا قربت المدينة وأردت أن تجد (5) نخلك فآذني، واستغفر رسول الله صلى الله عليه وآله (6) في تلك الليلة خمسا وعشرين مرة. وفي الترمذي: سبعين مرة. وفي مسلم (7) من حديث أبي نضرة عن جابر قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أتبيعينه بكذا وكذا والله يغفر لك " فما زال يزيدني: والله يغفر لك، قال أبو نضرة: وكانت كلمة تقولها المسلمون: افعل كذا والله يغفر لك، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة (8).


(1) مناقب آل ابى طالب 1: 170. (2) الجلب: ما تجلبه الانسان من بلد إلى بلد من خيل وابل وغنم ومتاع وسبى ليباع. (3) في الامتاع: على رأس سبعة وعشرين شهرا. (4) زاد في الامتاع: وقيل: في ثمانمائة. (5) جد الشئ: قطعه. (6) في المصدر: لجابر. (7) في المصدر: وروى مسلم. (8) المنتقى في مولود المصطفى: 128: الباب الخامس فيما كان سنة خمس.

[ 179 ]

5 - وقال ابن الاثير: في جميدي الاولى من السنة السادسة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة، وأسرع السير حتى نزل على منازل بني لحيان (1) بين أثح (2) وعسفان، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤس الجبال، فلما أخطأه ما أراد منهم خرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان تخويفا لاهل مكة، وأرسل فارسين من الصحابة حتى بلغا كراع الغميم ثم عاد (3). 6 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد (4)، عن محمد بن أيوب، وعلي، عن أبيه جميعا عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركون والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل، فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمدا، فجاء وشد على رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف. ثم قال: من ينجيك مني يا محمد ؟ فقال: ربي وربك، فنسفه جبرئيل عليه السلام عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول الله فأخذ (5) السيف وجلس على صدره، وقال: من ينجيك مني يا غورث ؟ فقال: جودك وكرمك يا محمد، فتركه، وقام (6) وهو يقول: والله لانت خير مني و أكرم (7). عم: مرسلا مثله (8). بيان: النسف: القلع (9).


(1) في المصدر: واغد السير حتى نزل غران منازل بنى لحيان. (2) في المصدر أمج: بفتح الهمزة والميم واخره جيم. (3) الكامل 1: 128. (4) أي الحسن بن محمد بن سماعة. (5) في المصدر: وأخذ السيف. (6) في المصدر: فقام. (7) روضة الكافي: 127. (8) اعلام الورى: 57 ط 1 و 99 ط 2 فيه اختلافات لفظية منها: فرآه رجل من المشركين يقال له غورث. (9) استدراك: 1 - ذكر ابن هشام في السيرة 217 3 تفصيل حديث جابر لا يخلو ذكره عن

[ 180 ]

- 16 - * (باب) * * (غزوة بدر الصغرى وسائر ما جرى في تلك السنة إلى غزوة الخندق) * الآيات: النساء " 4 ": فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله اشد بأسا وأشد تنكيلا 84. وقال تعالى: ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما 104.


فائدة قال: حدثنى وهب بن كيسان: عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لى ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وآله قال: جعلت الرفاق تمضى وجعلت اتخلف حتى ادركني رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: " مالك يا جابر " قال: قلت: يا رسول الله أبطأ بى هذا، قال: " انخه ". قال: فأنخته واناخ رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: " اعطني هذه العصا من يدك أو اقطع لى عصا من شجرة " قال: ففعلت: قال: فاخذها رسول الله صلى الله عليه وآله فنخسه بها نخسات، ثم قال: " اركب " فركبت، فخرج والذى بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة قال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لى: " أتبيعني جملك هذا يا جابر " قال: قلت: يا رسول الله: بل أهبه لك، قال: " لا ولكن بعنيه " قال: قلت: فسمنيه يا رسول الله، قال: " قد اخذته بدرهم " قال: قلت: لا اذن تغبننى يا رسول الله، قال: " فبدرهمين " قال: قلت: لا، قال: فلم يزل يرفع لى رسول الله في ثمنه حتى بلغ الاوقية، قال: فقلت: افقد رضيت يا رسول الله ؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال: " قد اخذته " قال: ثم قال: " يا جابر هل تزوجت بعد " ؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: " أثيبا أم بكرا " ؟ قال: قلت بل ثيبا، قال: " أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك " ؟ قلت: يا رسول الله ان ابى اصيب يوم احد وترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤسهن وتقوم عليهن، قال: " أصبت ان شاء الله اما انا لو قد جئنا صرارا امرنا بجزور فنحزت واقمنا عليها يومنا ذاك وسمعت بنا فنفضت نمارقها ": قال: قلت: والله يا رسول الله ما لنا من نمارق، قال: " انها ستكون

[ 181 ]

تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " فقاتل في سبيل الله ": قال الكلبي: إن أبا سفيان لما رجع إلى مكة يوم أحد وأعد رسول الله صلى الله عليه وآله موسم بدر الصغرى وهي سوق يقوم في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد (1) قال للناس: اخرجوا إلى الميعاد فتثاقلوا وكرهوا ذلك كراهة شديدة أو بعضهم، فأنزل الله عزوجل


فإذا انت قدمت فاعمل عملا كيسا " قال: فلما جئنا صرارا امر رسول الله صلى الله عليه وآله بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما امسى رسول الله صلى الله عليه وآله دخل ودخلنا قال: فحدثت المرأة الحديث وما قال لى رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: فدونك، سمع وطاعة، قال: فلما اصبحت اخذت برأس الجمل فاقبلت به حتى أنخته على باب (مسجد) رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: ثم جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فرأى الجمل فقال: " ما هذا " ؟ قالوا يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: " فاين جابر " ؟ قال: فدعيت له قال: فقال: " يا بن اخى خذ برأس جملك فهو لك " ودعا بلالا فقال له: اذهب بجابر فاعطه اوقية: قال: فذهبت معه فاعطاني اوقية وزادني شيئا يسيرا، فوالله ما زال ينمى عندي ويرى مكانه من بيتنا حتى اصيب امس فيما اصيب لنا، يعنى يوم الحرة انتهى. أقول: صرار: موضع على ثلاثة اميال من المدينة على طريق العراق وقيل غير ذلك. 2 - وذكر المقريزى في الامتاع في سياق ما وقع في تلك الغزوة: وجاء رجل بفرخ طائر فأقبل ابواه أو احدهما حتى طرح نفسه في يدى الذى اخذ فرضه، فعجب الناس من ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أتعجبون من هذا الطائر ؟ اخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة بفرخه، والله لربكم ارحم بكم من هذا الطائر بفرخه ". 3 - ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله رجلا وعليه ثوب منخرق، فقال: اما له غير هذا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ان له ثوبين جديدين في العيبة، فقال له: " خذ ثوبيك " فأخذ ثوبيه فلبسهما ثم أدبر، فقال صلى الله عليه وآله: " أليس هذا احسن ؟ ماله ضرب الله عنقه " ؟ فسمع ذلك الرجل، فقال: في سبيل الله يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله: " في سبيل " فضربت عنقه بعد ذلك في سبيل الله. 4 - وجاءه علبة بن زيد الحارثى بثلاث بيضات وجدها في مفحص نعام، فأمر جابر بن عبد الله بعملها، فوثب فعملها واتى بها في قصعة، فأكل صلى الله عليه وآله وأصحابه منه بغير خبز والبيض في القصعة كما هو وقد أكل منه عامتهم. 5 - قال البلاذرى: وفي سنة اربع من الهجرة حرمت الخمر. (1) في المصدر: فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله الميعاد.

[ 182 ]

هذه الآية، فحرض النبي صلى الله عليه وآله المؤمنين فتثاقلوا عنه ولم يخرجوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في سبعين (1) راكبا حتى أتى موسم بدر فكفاهم الله بأس العدو، ولم يوافهم أبو سفيان ولم يكن قتال يومئذ وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله بمن معه سالمين، " لا تكلف إلا نفسك " أي إلا فعل نفسك " وحرض المؤمنين " على القتال أي و حثهم عليه " عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا " أي يمنع شدة الكفار، و عسى من الله موجب (2) " والله أشد بأسا " أي أشد نكاية في الاعداء " وأشد تنكيلا " أي عقوبة، وقيل: التنكيل: الشهرة بالامور الفاضحة (3). وفي قوله تعالى: " ولا تهنوا " قيل: نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان يوم أحد (4). 1 - عم: ثم كانت بعد غزوة ذات الرقاع غزوة بدر الاخيرة في شعبان، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بدر لميعاد أبي سفيان، فأقام عليها ثمان ليال، وخرج أبو سفيان في أهل تهامة، فلما نزل الظهران بدا له في الرجوع، ووافق رسول الله صلى الله عليه وآله و أصحابه السوق فاشتروا وباعوا وأصابوا بها ربحا حسنا (5). 2 - أقول: قال في المنتقى في سياق حوادث السنة الرابعة: وفيها ولد الحسين عليه السلام لثلاث ليال خلون من شعبان، وفيها كانت غزوة بدر الصغرى لهلال ذي القعدة، وذلك أن أبا سفيان لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى: الموعد بيننا وبينكم بدر الصغرى رأس الحول نلتقي بها ونقتتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قولوا: نعم إن شاء الله، فافترق الناس على ذلك، وتهيأت قريش للخروج، فلما دنا الموعد كره


(1) في الامتاع: في ألف وخمسمائة فيهم عشرة افراس. (2) في المصدر: واجب. (3) مجمع البيان 3: 83. (4) " " 3: 104. زاد فيه: وقيل: نزلت يوم احد في الذهاب خلف أبى سفيان وعسكره إلى حمراء الاسد عن عكرمة. (5) اعلام الورى: 57 ط 1 و 99 ط 2.

[ 183 ]

أبو سفيان الخروج، وقدم نعيم بن مسعود الاشجعي مكة، فقال له أبو سفيان: إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي ببدر، وقد جاء ذلك الوقت، وهذا عام جدب، وإنما يصلحنا عام خصب، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج، فيجترئ علينا، فنجعل لك فريضة (1) يضمنها لك سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينة وتعوقهم عن الخروج، فقدم المدينة وأخبرهم بجمع أبي سفيان وما معه من العدة والسلاح فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لاخرجن وإن لم يخرج معي أحد، و استخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وحمل لواءه علي عليه السلام وسار معه ألف و خمسمائة، والخيل عشرة أفراس، وخرجوا ببضائع لهم وتجارات، وكانت بدر الصغرى مجتمعا تجتمع فيه العرب وسوقا يقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلوا منه، ثم تتفرق الناس إلى بلادهم، فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، وقامت السوق صبيحة الهلال، فأقاموا بها ثمانية أيام وباعوا تجارتهم فربحوا للدرهم درهما و انصرفوا، وقد سمع الناس بمسيرهم، وخرج أبو سفيان من مكة في قريش وهم ألفان، ومعه خمسون فرسا حتى انتهوا إلى مر الظهران، ثم قال: ارجعوا فإنه لا يصلحنا إلا عام خصب يرعى فيه الشجر، ويشرب فيه اللبن، وهذا عام جذب، فسمى أهل مكة ذلك الجيش جيش السويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق، فقال صفوان بن أمية لابي سفيان: قد نهيتك أن تعد القوم قد اجترؤا علينا ورأونا قد أخلفناهم، ثم أخذوا في الكيد والتهيؤ لغزوة الخندق، وفيها رجم رسول الله صلى الله عليه وآله اليهودي واليهودية في ذي القعدة، ونزل قوله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " وفيها حرمت الخمر، وجملة القول في تحريم الخمر أن الله تعالى أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة: " ومن ثمرات النخيل و الاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا (2) " فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ، ثم نزلت في مسألة عمر ومعاذ بن جبل: " يسألونك عن الخمر و


(1) في المصدر والامتاع: عشرين فريضة. (2) النحل: 67.

[ 184 ]

الميسر (1) " الآية، فتركها قوم لقوله: " إثم كبير " وشربها قوم لقوله: " و منافع للناس " إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا، فحضرت صلاة المغرب فقدموا بعضهم ليصلي بهم، فقرأ: قل يا أيها الكافرون (2): " أعبد ما تعبدون " هكذا إلى آخر السورة بحذف (لا) فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى (3) " الآية، فحرم السكر في أوقات الصلوات، فلما نزلت في هذه الآية تركها قوم، وقالوا: لا خير في شئ يحول بيننا وبين الصلاة، وتركها قوم في أوقات الصلاة، وشربوها في غير حين الصلاة حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر، ويشرب بعد الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر، ودعا عتبان بن مالك رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى سكروا منها، ثم إنهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الاشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الانصار وفخر لقومه، فأخذ رجل من الانصار لحي (4) البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة (5)، فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشكا إليه الانصاري فقال عمر: اللهم بين لنا رأيك في الخمر بيانا شافيا، فأنزل الله تعالى " إنما الخمر والميسر (6) " الآية، وفيها سرق ابن ابيرق (7). أقول: سيأتي شرح القصة في باب أحوال أصحابه صلى الله عليه وآله.


(1) البقرة: 219، (2) السورة: 109. (3) النساء: 43. (4) اللحى: عظم الحنك الذى عليه الاسنان. (5) أي شجة بان فيها العظم. (6) المائدة: 90. (7) هو طعمة بن ابيرق بن عمرو بن حارثه بن ظفر بن الخزرج بن عمرو.

[ 185 ]

ثم قال وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله أم سلمة في شوالها، واسمها هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن محزوم، وكانت قبله صلى الله عليه وآله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الاسد، فولدت له سلمة وعمر وزينب، ثم توفي، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وآله. روى أن أبا سلمة جاء إلى أم سلمة فقال: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله (1) حديثا أحب إلي من كذا وكذا، سمعته يقول: " لا يصاب أحد بمصيبة فيسترجع عند ذلك ويقول: اللهم عندك أحتسب مصيبتي هذه، اللهم اخلفني فيها خيرا منها إلا أعطاه الله عزوجل " قالت أم سلمة: فلما أصبت بأبي سلمة قلت: " اللهم عندك أحتسب مصيبتي " ولم تطب نفسي أن أقول: " اللهم اخلفني فيها خيرا منها ثم قلت: من خير من أبي سلمة ؟ أليس أليس ؟ ثم قلت: ذلك، فلما انقضت عدتها أرسل إليها أبو بكر يخطبها فأبت، ثم أرسل إليها عمر يخطبها فأبت، ثم أرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: مرحبا برسول الله صلى الله عليه وآله، وقال الهيثم بن عدي: أول من هلك من أزواج النبي صلى الله عليه وآله زينب (2) هلكت في خلافة عمر، وآخر من هلك منهن أم سلمة، هلكت زمن يزيد بن معاوية سنة ثنتين وستين. وفيها توفت زينب بنت خزيمة أم المؤمنين، وتوفي عبد الله بن عثمان من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ولد في الاسلام فاكتنى به عثمان، فبلغ ست سنين فنقره ديك في عينه فمرض، فمات في جمادي الاولى، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيها توفي أبو سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن هلال، وفيها توفت فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف أم علي عليه السلام، وكانت صالحة (3)، وكان رسول الله صلى الله يزورها، ويقيل في بيتها، ولما توفيت نزع رسول الله صلى الله عليه وآله قميصه فألبسها إياه (4). * (هامش) (1) في المصدر: من رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) " ": زينب بنت جحش. (3) " ": أسلمت وكانت صالحة. (4) المنتقى في مولود المصطفى: 126 - 128: الباب الرابع فيما كان في سنة اربع من

[ 186 ]

- 17 - * (باب) * * (غزوة الاحزاب وبنى قريظة) * الآيات: البقرة " 2 ": أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصرالله قريب 214. آل عمران " 3 ": قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير * تولج الليل


الهجرة وذكر في حوادث تلك السنة ان رسول الله صلى الله عليه وآله امر زيد بن ثابت ان يتعلم كتاب اليهود وقال انى لا امنهم ان يبدلوا كتابي، فتعلمه في خمس عشر ليلة. وذكر المقريزى في الامتاع: 185 في سياق غزوة بدر: وقام مجدي بن عمرو من بنى ضمرة (ويقال مخشى بن عمرو) والناس مجتمعون في سوقهم، والمسلمون اكثر ذلك الموسم، فقال: يا محمد لقد اخبرنا انه لم يبق منكم احد، فما اعلمكم الا اهل الموسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما اخرجنا الا موعد ابى سفيان وقتال عدونا، وان شئت مع ذلك نبذنا اليك وإلى قومك العهد، ثم جالدناكم قبل ان نبرح منزلنا هذا " فقال الضمرى: بل نكف ايدينا عنكم ونتمسك بحلفك. أقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وادعه على بنى ضمرة في غزوة ودان ثم قال: وانطلق معبد بن ابى معبد الخزاعى سريعا بعد انقضاء الموسم إلى مكة، واخبر بكثرة المسلمين وانهم اهل ذلك الموسم وانهم الفان، واخبرهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله للضمرى، فاخذوا في الكيد والنفقة لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله واستجلبوا من حولهم من العرب، وجمعوا الاموال، وضربوا البعث على أهل مكة فلم يترك أحد منهم إلا أن يأتي بمال، ولم يقبل من أحد اقل من اوقية لغزو الخندق. وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة فكانت غيبته عنها ست عشرة ليلة. ثم ذكر سرية عبد الله ابن عتيك إلى أبى رافع سلام بن أبى الحقيق.

[ 187 ]

في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب 27. الانفال " 8 ": الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون * فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون * وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين 56 - 58. الاحزاب " 33 ": يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعلمون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاعت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة و ما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا * قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا * قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا * قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم الينا ولا يأتون البأس الا قليلا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون اليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا * يحسبون الاحزاب لم يذهبوا وإن يأت الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا * لقد كان لكم في رسول الله أسوة حستة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا * ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى

[ 188 ]

نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما * ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا * وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قدير 9 - 27. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " أم حسبتم ": قيل: نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة وحوصر المسلمون في المدينة، فدعاهم الله إلى الصبر ووعدهم بالنصر، وقيل: نزلت في حرب أحد، لما قال عبد الله بن ابي لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى متى تقتلون أنفسكم ؟ لو كان محمد صلى الله عليه وآله نبيا لما سلط الله عليه الاسر والقتل، وقيل: نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة إذ تركوا ديارهم وأموالهم ومستهم الضراء " ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم " أي ولما تمتحنوا وتبتلوا بمثل ما امتحنوا به فتصبروا كما صبروا " مستهم البأساء والضراء " البأساء: نقيض النعماء، والضراء: نقيض السراء (1) " وزلزلوا " أي حركوا بأنواع البلايا (2) " حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله " قيل: استعجال للموعود، وإنما قاله الرسول استبطاء للنصر على جهة التمني وقيل: إن معناه الدعاء لله بالنصر: ألا إن نصر الله قريب " قيل: إن هذا من كلامهم فإنهم قالوا عند الاياس: متى نصر الله، ثم تفكروا فعلموا أن الله منجز وعده فقالوا ذلك، وقيل: إن الاول كلام المؤمنين، والثاني كلام الرسول (3). وقال في قوله تعالى: " قل اللهم مالك الملك ": قيل: لما فتح رسول الله


(1) زاد في المصدر: وقيل: البأساء: القتل والضراء: الفقر، وقيل: هو ما يتعلق بمضار الدين من حرب وخروج من الاهل واخراج. (2) زاد في المصدر: وقيل معناه هنا ازعجوا بالمخافة من العدو وذلك لفرط الحيرة. (3) مجمع البيان 2: 309.

[ 189 ]

صلى الله عليه وآله مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود: هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم ؟ ألم تكفه المدينة ومكة حتى طمع في الروم و فارس ؟ فنزلت هذه الآية عن ابن عباس وأنس، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله خط الخندق عام الاحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، فاحتج المهاجرون و الانصار في سلمان وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الانصار سلمان منا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " سلمان منا أهل البيت " قال عمر وبن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الانصار في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي باب (1) أخرج الله من باطن (2) الخندق صخرة مروة (3) كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره، فإنا لا نحب أن نتجاوز خطه، قال: فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحيك (4) فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك فانا لا نحب أن نتجاوز خطك قال: فهبط رسول الله صلى الله عليه وآله مع سلمان الخندق، والتسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله المعول من يد سلمان فضربها به ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابيتها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وآله ثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابيتها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح وكبر المسلون،


(1) في المصدر: ذى ناب. (2) " ": من بطن الخندق. (3) المروة: حجارة صلبة تعرف بالصوان. (4) قال المصنف في الهامش: قال الجوهرى: حاك فيه السيف وأحاك بمعنى يقال: ضربه فما أحاك فيه السيف: إذا لم يعمل

[ 190 ]

ثم ضرب بها رسول الله صلى الله عليه وآله ثالثة فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابيتها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح وكبر المسلمون، وأخذ بيد سلمان ورقى، فقال سلمان: بأيي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت منك شيئا ما رأيته منك قط، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى القوم وقال: رأيتم ما يقول سلمان ؟ فقالوا: نعم، قال: " ضربت ضربتي الاولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر (1): من أرض الروم، فكأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي ما رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا " فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون ؟ يمنيكم ويعدكم الباطل ويعلمكم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق (2) ولا تستطيعون أن تبرزوا فنزل القرآن: " إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ". وأنزل الله تعالى في هذه القصة " قل اللهم مالك الملك " الآية رواه الثعلبي بإسناده عن عمرو بن عوف. قوله: " مالك الملك " أي مالك كل ملك وملك، وقيل: مالك العباد وما ملكوا، وقيل: مالك أمر الدنيا والآخرة، وقيل: مالك النبوة " تؤتي الملك " أي تؤتي الملك وأسباب الدنيا محمدا وأصحابه وأمته " وتنزعه " من صناديد قريش ومن الروم وفارس، فلا تقوم الساعة حتى يفتحها أهل الاسلام، وقيل: تؤتي النبوة و الامامة من تشاء من عبادك، وتوليه التصرف في خلقك وبلادك، وتنزع الملك على


(1) الحمير خ ل. وفى المصدر: حمر. (2) أي الخوف.

[ 191 ]

هذا الوجه من الجبارين " وتعز من تشاء " بالايمان والطاعة " وتذل من تشاء " بالكفر والمعاصي، وقيل: تعز المؤمن بتعظيمه والثناء عليه، وتذل الكافر بالجزية والسبي، وقيل: تعز محمدا وأصحابه، وتذل أبا جهل وأضرابه من المقتولين يوم بدر في القليب، وقيل: تعز من تشاء من أوليائك بأنواع العزة في الدنيا والدين، و تذل من تشاء من أعدائك في الدنيا والآخرة، لانه سبحانه لا يذل أولياءه وإن أفقرهم وابتلاهم، فإن ذلك ليس على سبيل الاذلال، بل ليكرمهم بذلك في الآخرة " بيدك الخير " أي الخير كله في الدنيا والآخرة (1). وقال في قوله تعالى: " الذين عاهدت منهم " أي من جملتهم، أو عاهدتهم، قال مجاهد: أراد به يهود بني قريظة، فأنهم كانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وآله على أن لا يضروا به ولا يمالوا عليه عدوا، ثم مالوا (2) عليه الاحزاب يوم الخندق وأعانوهم عليه بالسلاح، وعاهدوا مرة بعد أخرى فنقضوا، فانتقم الله منهم " ثم ينقضون عهدهم في كل مرة " أي كلما عاهدتهم نقضوا العهد ولم يفوا به " وهم لا يتقون " نقض العهد أو عذاب الله " فإما تثقفنهم " أي تصادفنهم في الحرب، أي ظفرت بهم " فشرد بهم من خلفهم " أي فنكل بهم تنكيلا يشرد بهم من بعدهم ويمنعهم من نقض العهد، والتشريد: التفريق " لعلهم يذكرون " أي لكي يتذكروا وينزجروا " وإما تخافن من قوم خيانة " أي إن خفت يا محمد من قوم بينك وبينهم عهد خيانة " فأنبذ إليهم على سواء " أي فألق ما بينك وبينهم من العهد، وأعلمهم بأنك نقضت ما شرطت لهم لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء، وقيل: معنى " على سواء " على عدل، قال الواقدي: هذه الآية نزلت في بني قينقاع، وبهذه الآية سار النبي صلى الله عليه وآله إليهم (3). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إذ جاءتكم جنود " وهم الذين تحزبوا على


(1) مجمع البيان 2: 427 - 428. (2) في المصدر: ولا يمالئوا عليه عدوا ثم مالئوا. (3) مجمع البيان 4: 552 و 553،

[ 192 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله أيام الخندق " فأرسلنا عليهم ريحا " وهي الصبا، أرسلت عليهم حتى اكفأت قدورهم فنزعت فساطيطهم " وجنودا لم تروها " الملائكة وقيل: إن الملائكة لم يقاتلوا يومئذ، ولكن كانوا يشجعون المؤمنين، ويجبنون الكافرين " وكان الله بما تعملون بصيرا ". " إذ جاؤكم " أي اذكروا حين جاءكم جنود المشركين " من فوقكم " أي من فوق الوادي قبل المشرق قريظة والنضير وغطفان " ومن أسفل منكم " أي من المغرب من ناحية مكة أبو سفيان في قريش ومن تبعه " وإذ زاغت الابصار " أي مالت عن كل شئ فلم تنظر إلا عدوها مقبلا من كل جانب، أو عدلت الابصار عن مقرها من الدهش والحيرة كما يكون الجبان فلا يعلم ما يبصر " وبلغت القلوب الحناجر " الحنجرة: جوف الحلقوم، أي شخصت القلوب من مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت، عن قتادة، وقال أبو سعيد الخدري: قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شئ نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر ؟ فقال: قولوا: " اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا " قال: فقلناها فضرب وجوه أعداء الله بالريح، فهزموا، قال الفراء: المعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن ينتفخ سحره، والسحر الرية، فإذا انتفخت الرية رفعت القلوب إلى الحنجرة " وتظنون بالله الظنونا " أي اختلفت الظنون فظن بعضهم النصر، و بعضهم ايس وقنط (1)، وقيل: ظن المنافقون أنه يستأصل محمد صلى الله عليه وآله، وظن المؤمنون أنه ينصر، وقيل: ظن بعضهم أن الكفار تغلبهم، وظن بعضهم أنهم يستولون على المدينة وظن بعضهم أن الجاهلية تعود كما كانت، وظن بعضهم أن ما وعد الله ورسوله من نصرة الدين وأهله غرور، فأقسام الظنون كثيرة خصوصا ظن الجبناء (2). " هنالك ابتلي المؤمنون " أي اختبروا وامتحنوا " وزلزلوا زلزالا شديدا "


(1) في المصدر: فظن بعضكم بالله النصر، وبعضكم ايس وقنط. (2) مجمع البيان 8: 339 و 340.بحار الانوار - 12 -

[ 193 ]

أي حركوا بالخوف تحريكا شديدا " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض " أي شك: " ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " قال ابن عباس: إن المنافقين قالوا: يعدنا محمد أن يفتح مدائن كسرى وقيصر ونحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء، هذا والله الغرور " وإذ قالت طائفة منهم " يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل: هم بنو سالم من المنافقين، وقيل: القائل أوس بن قبطي ومن وافقه على رأيه " يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا " أي لا إقامة لكم ههنا، أو لا مكان لكم تقومون فيه للقتال إذا فتح الميم، فارجعوا إلى منازلكم بالمدينة، وأرادوا الهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله " ويستأذن فريق منهم النبي " في الرجوع إلى المدينة وهم بنو حارثة وبنو سلمة " يقولون إن بيوتنا عورة " ليست بحريزة، مكشوفة ليست بحصينة، أو خالية من الرجال نخشى عليها السراق، وقيل: قالوا: بيوتنا مما يلى العدو لا نأمن على أهلينا " وما هي بعورة " بل هي رفيعة السمك حصينة عن الصادق عليه السلام: " إن يريدون " أي ما يريدون " إلا فرارا " وهربا من القتال ونصرة المؤمنين " ولو دخلت " البيوت أو المدينة " عليهم " أي لو دخل هؤلاء الذين يريدون القتال وهم الاحزاب على الذين يقولون: إن بيوتنا عورة وهم المنافقون " من أقطارها " من نواحي المدينة أو البيوت " ثم سئلوا الفتنة لاتوها " أي ثم دعوا هؤلاء إلى الشرك لاشركوا " وما تلبثوا بها إلا يسيرا " أي وما احتبسوا عن الاجابة إلى الكفر إلا قليلا، أو لما أقاموا بعد إعطائهم الكفر إلا قليلا حتى يعاجلهم الله بالعذاب " ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل " أي من قبل الخندق " لا يولون الادبار " أي بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وحلفوا له أنهم ينصرونه ويدفعون عنه كما يدفعون عن نفوسهم ولا يرجعون عن مقاتلة العدو ولا ينهزمون، قال مقاتل: يريد ليلة العقبة " وكان عهد الله مسئولا " يسئلون عنه في الآخرة " قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل " إن كان حضر آجالكم (1) فإنه لابد من واحد منهما، وإن هربتم فالهرب لا يزيد في آجالكم " وإذا لا تمتعون إلا قليلا " أي وإن لم يحضر آجالكم (2) وسلمتم من الموت أو


(1) في المصدر: حضرت اجالكم. (2) في المصدر: وان لم تحضر آجالكم.

[ 194 ]

القتل في هذه الوقعة (1) لم تمتعوا في الدنيا إلا أياما قلائل " قل من ذا الذي يعصمكم من الله " أي يدفع عنكم قضاء الله " إن أراد بكم سوءا " أي عذابا وعقوبة " أو أراد بكم رحمة " أي نصرا وعزا، فإن أحدا لا يقدر على ذلك " ولا يجدون لهم من دون الله وليا " يلي أمورهم " ولا نصيرا " ينصرهم ويدفع عنهم " قد يعلم الله المعوقين منكم " وهم الذين يعوقون غيرهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله ويثبطونهم ويشغلونهم لينصرفوا عنه، وذلك بأنهم قالوا لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم (2) أبو سفيان وهؤلاء الاحزاب " والقائلين لاخوانهم " يعني اليهود، قالوا لاخوانهم المنافقين: " هلم إلينا " أي تعالوا، وأقبلوا إلينا ودعوا محمدا وقيل: القائلون هم المنافقون، قالوا لاخوانهم من ضعفة المسلمين: لا تحاربوا و خلوا محمدا فإنا نخاف عليكم الهلاك " ولا يأتون البأس " أي ولا يحضرون القتال في سبيل الله " إلا قليلا " يخرجون رياء وسمعة قدر ما يوهمون أنهم معكم، وقيل لا يحضرون القتال إلا كارهين يكون (3) قلوبهم مع المشركين " أشحة عليكم " أي يأتون البأس بخلا بالقتال معكم وقيل بخلا بالنفقة في سبيل الله والنصرة " كالذي يغشى عليه من الموت " وهو الذي قرب من حال الموت، وغشيته أسبابه فيذهل و يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف، فكذلك هؤلاء تشخص أبصارهم وتحار أعينهم من شدة خوفهم " فإذا ذهب الخوف " وجاء الامن والغنيمة " سلقوكم بألسنة حداد " أي آذوكم بالكلام، وخاصموكم سليطة ذربة، وقيل: معناه بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون: أعطونا فلستم بأحق بها منا عن قتادة، قال: فأما عند البأس فأجبن قوم واخذله للحق (4) وأما عند الغنيمة فأشح قوم، وهو قوله: " أشحه على الخير " أي بخلا بالغنيمة يشاحون


(1) الواقعة خ ل. (2) قال الفيروز آبادي: لهمه كسمعه لهما ويحرك وتلهمه والتهمه: ابتلعه بمرة منه قدس سره. (3) في المصدر: تكون. (4) في المصدر: واخذ لهم للحق.

[ 195 ]

المؤمنين عند القسمة، وقيل: بخلا بأن يتكلموا بكلام فيه خير " أولئك لم يؤمنوا " وإلا لما فعلوا ذلك " فأحبط الله أعمالهم " لانها لم تقع على الوجوه التى يستحق عليها الثواب " وكان ذلك " أي الاحباط أو نفاقهم " على الله يسيرا " أي هينا " يحسبون الاحزاب لم يذهبوا " أي يظنون أن الجماعات من قريش وغطفان و أسد واليهود الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينصرفوا وقد انصرفوا. وإنما ظنوا ذلك لجبنهم وفرط حبهم قهر المسلمين " وإن يأت الاحزاب " أي وإن يرجع الاحزاب إليهم ثانية للقتال " يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسألون عن أنبائكم " أي يود هؤلاء المنافقون أن يكونوا في البادية مع الاعراب يسألون الناس عن أخباركم ولا يكونوا معكم حذرا من القتل وتربصا للدوائر " ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا " أي ولو كانوا معكم لم يقاتلوا إلا يسيرا ليوهموا أنهم في جملتكم " لقد كان لكم " معاشر المكلفين " في رسول الله أسوة حسنة " أي قدوة صالحة، أي كان لكم برسول الله اقتداء لو اقتديتم به في نصرته، والصبر معه في مواطن القتال " لمن كان يرجو الله " بدل من قوله: " لكم " يعني أن الاسوة برسول الله إنما يكون لمن يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم " واليوم الاخر وذكر الله كثيرا " أي ذكرا كثيرا " ولما رأى المؤمنون الاحزاب " مع كثرتهم " قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله و صدق الله ورسوله " قيل: إن النبي صلى الله عليه وآله كان أخبرهم أنه يتظاهر عليهم الاحزاب ووعدهم الظفر بهم، فلما رأوهم تبين لهم مصداق قوله، وكان ذلك معجزا له، و قيل: إن الله وعدهم في سورة البقرة بقوله: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا " إلى قوله: " إن نصر الله قريب " (1) ما سيكون من الشدة التي تلحقهم من عدوهم، فلما رأوا الاحزاب يوم الخندق قالوا هذه المقالة علما منهم أنه لا يصيبهم إلا ما أصاب الانبياء والمؤمنين قبلهم " وما زادهم مشاهدة عدوهم إلا إيمانا " أي تصديقا بالله ورسوله " وتسليما " لامره " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " أي بايعوا أن لا يفروا فصدقوا في لقائهم العدو " فمنهم من قضى


(1) البقرة: 214.

[ 196 ]

نحبه " أي مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما تمنى، فذلك قضاء النحب، وقيل: قضى نحبه معناه فرغ من عمله ورجع إلى ربه يعني من استشهد يوم احد " ومنهم من ينتظر " وعد الله من نصرة، أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه " وما بدلوا تبديلا " أي ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون " ليجزي الله الصادقين بصدقهم " في عهودهم " ويعذب المناففين " بنقض العهد " إن شاء أو يتوب عليهم " إن تابوا " ورد الله الذين كفروا " يعني الاحزاب أبا سفيان وجنوده وغطفان ومن معهم من قبائل العرب " بغيظهم " أي بغمهم الذي جاؤا به وحنقهم لم يشفوا بنيل ما أرادوا " لم ينالوا خيرا " أملوه. وأرادوه من الظفر بالنبي والمؤمنين وإنما سماه خيرا لان ذلك كان خيرا عندهم وقيل: أراد بالخير المال " وكفى الله المؤمنين القتال " أي مباشرة القتال بما أنزل على المشركين من الريح الشديدة الباردة التي أزعجتهم عن أماكنهم، وبما أرسل من الملائكة وبما قذف في قلوبهم من الرعب، وقيل: بعلي بن أبي طالب عليه السلام وقتله عمرو بن عبد ود، وكان ذلك سبب هزيمة القوم، عن عبد الله بن مسعود وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. " وكان الله قويا " أي قادرا على ما يشاء " عزيزا " لا يمتنع عليه شئ من الاشياء (1). ثم ذكر سبحانه ما فعل باليهود من بني قريظة فقال: " وأنزل الذين ظاهروهم " أي عاونوا المشركين من الاحزاب ونقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا ينصروا عليه عدوا " من أهل الكتاب " يعني من اليهود، واتفق المفسرون على أنهم بنو قريظة إلا الحسن، فأنه قال: هم بنو النضير، والاول أصح (2) " من صياصيهم " أي من حصونهم " وقذف في قلوبهم الرعب " أي الخوف من النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه " فريقا تقتلون " يعني الرجال " وتأسرون فريقا " يعني الذراري والنساء " وأورثكم " أي أعطاكم " أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها " أي وأورثكم أرضا لم


(1) مجمع البيان 8: 347 - 350. (2) في المصدر: لان بنى النضير لم يكن لهم في قتال اهل الاحزاب شيئ وكانوا قد انجلوا قبل ذلك.

[ 197 ]

تطئوها بأقدامكم بعد وسيفتحها الله عليكم وهي خيبر (1) وقيل: هي الروم وفارس وقيل: هي كل أرض يفتح (2) إلى يوم القيامة، وقيل: هي ما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب (3). أقول: قال الطبرسي رحمه الله في سياق غزوة الخندق: ذكر محمد بن كعب القرظي وغيره من أصحاب السير قالوا: كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب في جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وآله خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالوا: إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم، فقال لهم قريش: يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الاول فديننا خير أم دين محمد ؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه فأنتم أولى بالحق منهم، فهم الذين أنزل الله فيهم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاعوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " إلى قوله: " وكفى بجنهم سعيرا " فسر قريشا ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم إليه، فأجمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج اولئك النفر من اليهود حتى جاؤا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه صلى الله عليه واله، وإن قريشا قد بايعوهم على ذلك فأجابوهم، فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين في فزارة والحارث بن عوف في بني مرة، ومسعر بن جبلة الاشجعي فيمن تابعه من أشجع، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل طليحة فيمن اتبعه من بني أسد وهما حليفان أسد وغطفان، وكتب قريش إلى رجال من بني سليم فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن اتبعه من بني سليم مددا لقريش، فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ضرب الخندق على المدينة، وكان الذي أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، وكان


(1) زاد في المصدر: وقيل: هي مكة. (2) في المصدر: تفتح. (3) مجمع البيان 8: 351.

[ 198 ]

أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يومئذ حر، قال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون حتى أحكموه. فمما ظهر من دلائل النبوة في حفر الخندق ما رواه أبو عبد الله (1) الحافظ بإسناده عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال: حدثني أبي، عن أبيه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق عام الاحزاب أربعين ذراعا بين عشرة، فاختلف المهاجرون والانصار في سلمان، وكان رجلا قويا، فقالت الانصار: سلمان منا، وقالت المهاجرون، سلمان منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " سلمان منا أهل البيت ". أقول: وساق الحديث في كسر الصخرة وظهور البرق ما مر برواية الثعلبي. ثم قال: ومما ظهر أيضا من آيات النبوة ما رواه أبو عبد الله الحافظ بالاسناد عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال: حدثني أيمن المخزومي قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدية (2) وهي الجبل، فقلنا: يا رسول الله إن كدية (3) عرضت فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: رشوا عليها ماء ثم قام فأتاها وبطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل (4) فقلت له: أئذن لي يا رسول الله إلى المنزل، ففعل فقلت للمرأة: هل عندك من شئ ؟ فقال: عندي صاع من شعير وعناق، فطحنت الشعير وعجنته وذبحت (5) العناق وسلختها وخليت بين المرأة وبين ذلك ثم أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجلست عنده ساعة، ثم قلت: ائذن لي يا


(1) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم المتوفى سنة 405، رواه في المستدرك 3: 598. راجعه. (2 و 3) كذانة خ ل كداية خ ل. أقول: الكدية: الارض الصلبة الغليظة. الصفاة العظيمة الشديدة. (4) مهيلا خ ل. (5) فذبحت خ ل.

[ 199 ]

رسول الله ففعل، فأتيت المرأة فإذا العجين واللحم قد أمكنا، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: إن عندنا طعيما لنا فقم يا رسول الله أنت ورجلان من أصحابك فقال: وكم هو ؟ قلت: صاع من شعير وعناق، فقال للمسلمين جميعا: قوموا إلى جابر، فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، فقلت: جاء بالخلق على صاع شعير وعناق، فدخلت على المرأة وقلت: قد افتضحت، جاءك رسول الله صلى الله عليه وآله بالخلق (1)، فقالت: هل كان سألك كم طعامك ؟ قلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم قد أخبرناه ما عندنا، فكشفت عني غما شديدا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: خذي ودعيني من اللحم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يثرد ويفرق اللحم، ثم يحم هذا، ويحم هذا (2) فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملا ما كانا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كلي واهدي، فلم نزل نأكل ونهدي قومنا أجمع. أورده البخاري في الصحيح (3). وعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ينقل معنا التراب يوم الاحزاب وقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول: لا هم (4) لولا أنت لما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا إن الاولى (5) قد بغوا علينا * إذا (6) أرادوا فتنه أبينا


(1) زاد في المصدر: اجمعين. (2) في صحيح البخاري: ويخمر البرمة والتنور إذا اخذ منه. (3) صحيح البخاري 5: 139 وفيه اختلافات لفظية واختصار راجعه. (4) اللهم خ ل. أقول في المصدر: لاهم لولا انت ما اهتدينا. وفى رواية في صحيح البخاري: اللهم لولا انت ما اهتدينا. وفى اخرى: والله لولا الله ما اهدينا. (5) ان الاولاء خ ل. (6) في البخاري في رواية: وإن ارادوا فتنة ابينا.

[ 200 ]

يرفع بها صوته، رواه البخاري أيضا في الصحيح عن أبي الوليد (1)، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء. قالوا: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بين الجرف والغابة (2) في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب احد وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع (3) في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الاطام، وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة. وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وآله على قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب صوت ابن اخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه يا كعب افتح لي فقال: ويحك يا حيي إنك رجل مشؤم إني قد عاهدت محمدا ولست بناقض ما بينه وبيني، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، وقال: ويحك


(1) الموجود في صحيح البخاري: حدثنا مسلم بن ابراهيم، حدثنا شعبة. راجع الصحيح 5: 139 و 140. وزاد في آخره: ورفع بها صوته: أبينا أبينا. وفيه باسناده عن انس قال جعل المهاجرون والانصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدا * على الاسلام ما بقينا ابدا قال: يقول النبي صلى الله عليه وآله وهو يجيبهم: " اللهم لا خير الا خير الاخرة فبارك في الانصار والمهاجرة " وذكر في حديث آخر المصرع الاخير هكذا: على الجهاد ما بقينا ابدا. (2) الجرف: ما تجرفته السيول فاكلته من الارض، ويقال لمواضع منها: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام، قال كعب بن الاشرف اليهودي: ولنا بئر رواء جمة * من يردها باناء يغترف كل حاجاتي بها قضيتها * غير حاجاتي على بطن الجرف والغابة: الوطأة من الارض التى دونها شرفة وهو الوهدة. وهو موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه اموال لاهل المدينة، (3) السلع: جبل بالمدينة.

[ 201 ]

افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: إن أغلقت دوني إلا على جشيشة (1) تكره أن نأكل منها معك، فأحفظ الرجل ففتح له فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على سادتها وقادتها، وبغطفان على سادتها وقادتها، قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه، فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر بجهام قد اهراق ماؤه برعد وببرق (2) وليس فيه شئ، فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء، فلم يزل حيي بكعب يفتل منه في الذروة والغارب (3) حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعث سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبد الاشهل وهو يومئذ سيد الاوس، وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير، فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقا فالحنوا لنا لحنا نعرفه، ولا تفتوا أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم عنهم، قالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد، فشاتمهم سعد بن عبادة (4)، وشامتوه، فقال سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا وبينهم أعظم من المشاتمة. ثم أقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله و قالوا: عضل والقارة، لغدر (5) عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله خبيب بن عدي وأصحابه أصحاب الرجيع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين ".


(1) الخشيشة خ ل. أقول: في سيرة ابن هشام: الجشيشة بالجيم. (2) في المصدر: بجهام قد هراق ماؤه يرعد ويبرق. أقول: هو الموجود ايضا في السيرة. (3) مثل يضرب للرجل لا يزال يخدغ صاحبه حتى يظفر به. (4) ذكر ابن هشام في السيرة الشاتم سعد بن معاذ. (5) في السيرة: أي كغدر عضل والقارة باصحاب الرجيع خبيب واصحابه.

[ 202 ]

وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، وظهر النفاق (1) من بعض المنافقين، فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبل ألا أن فوارس من قريش منهم: عمرو بن عبد ود (2) أخو بني عامر ابن لؤي، وعكرمه بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب (3) وهبيرة بن أبي وهب و نوفل بن عبد الله قد تلبسوا للقتال، وخرجوا على خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيأوا للحرب يا بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم اقبلوا تعنق (4) بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق، فقالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ منهم الثغرة (5) التي منها اقتحموا، وأقبلت الفرسان نحوهم و كان عمرو بن عبد ود فارس قريش، وكان قد قاتل يوم بدر حتى ارتث (6) وأثبته الجراح فلم يشهد أحدا، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده، وكان يعد بألف فارس وكان يسمى فارس يليل، لانه أقبل في ركب من قريش حتى إذا هو بيليل (7) وهو واد قريب من بدر عرضت لهم بنو بكر في عدد، فقال لاصحابه: امضوا، فمضوا فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليه، فعرف بذلك، وكان اسم


(1) في السيرة: ونجم النفاق من بعض المنافقين. (2) في السيرة: عمرو بن عبد ود بن ابى قيس اخو بنى عامر بن لؤى. (3) في السيرة: ضرار بن الخطاب الشاعر ابن مرداس اخو بنى محارب بن فهر. (4) أي تسرع. (5) في المصدر والسيرة: حتى اخذ عليهم الثغرة. أقول: الثغرة بالضم: الثلمة التى كانت في الخندق. (6) ارتث: حمل من المعركة. (7) في المصدر: حتى إذا كانوا بيليل.

[ 203 ]

الموضع الذي حفر فيه الخندق المداد، وكان أول من طفره عمرو وأصحابه، فقيل في ذلك: عمرو بن عبد، كان أول فارس * جزع المداد وكان فارس يليل وذكر ابن إسحاق أن عمرو بن عبد ود كان ينادي: من يبارز ؟ فقام علي عليه السلام وهو مقنع في الحديد، فقال: أنا له يا نبي الله، فقال: إنه عمرو، اجلس، ونادى عمرو: ألا رجل ويؤنبهم ويسبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها، فقام علي عليه السلام فقال: أنا له يا رسول الله، ثم نادى الثالثة فقال: ولقد بححت من النداء * بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع * موقف البطل المناجز إن السماحة والشجا * عة في الفتى خير الغرائز قفام علي عليه السلام فقال: يا رسول الله أنا فقال: إنه عمرو، فقال: وإن كان عمروا، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله فأذن له. وفيما رواه لنا السيد أبو محمد الحسيني القائني عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بالاسناد عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن حذيفه قال: فألبسه رسول الله صلى الله عليه وآله درعه ذات الفضول، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وعممه عمامة (1) السحاب على رأسه تسعة أكوار (2)، ثم قال له: تقدم، فقال لما ولى: " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه ". قال ابن إسحاق: فمشى إليه وهو يقول: لا تعجلن فقد أتا * ك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة * والصدق (2) منجي كل فائز


(1) عمامته خ ل. (2) الكور بالفتح: الدور من العمامة. (3) منجا خ ل أقول: في مستدرك الحاكم. ذو نبهة وبصيرة * والصدق منجا كل فائز.

[ 204 ]

إني لارجو أن أقيم (1) * عليك نائحة الجنائز من ضربة (2) نجلاء يبقى * ذكرها عند (3) الهزاهز قال له عمرو: من أنت ؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف ؟ فقال: أنا علي بن أبيطالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقال: غيرك (4) يا بن أخي من أعمامك من هو أسن منك، فإنى أكره أن أهريق دمك، فقال (5): لكني والله ما أكره أن أهريق دمك، فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا فاستقبله علي بدرقته فضربه عمر وفي الدرقة فقدها (6) وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل العاتق فسقط. وفي رواية حذيفة: وتسيف على رجليه بالسيف من أسفل فوقع على قفاه. وثارث بينهما عجاجة، فسمع علي يكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قتله و الذي نفسي بيده، فكان أول من ابتدر العجاج عمر بن الخطاب، فإذا علي عليه السلام يمسح سيفه بدرع عمرو، فكر عمر بن الخطاب وقال: يا رسول الله قتله، فجز علي رأسه وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله ووجهه يتهلل، فقال (7) عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خيرا منها (8) ؟ فقال: ضربته فاتقاني (9) بسوأته فاستحييت من ابن عمي أن أستلبه (10).


(1) ان تقوم خ ل. (2) من طعنة خ ل. (3) بعد خ ل. (4) في المستدرك: عندك. (5) في المصدر والمستدرك: فقال على عليه السلام. (6) الدرقة: الترس من الحديد. قد الشيئ: قطعه. شقة. (7) فقال له خ ل. (8) منه خ ل. (9) فالتقاني خ ل. (10) زاد الحاكم في المستدرك: وخرجت خيله منهزمة حتى اقحمت من الخندق.

[ 205 ]

قال حذيفة: فقال النبي صلى الله عليه وآله: أبشر يا علي فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم (1)، وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهن بقتل عمرو، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو. وعن الحاكم أبي القاسم أيضا بالاسناد عن سفيان الثوري، عن زبيد الشامي (2)، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: كان يقرأ " وكفى الله المؤمنين القتال بعلي " وخرج أصحابه منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق، وتبادر المسلمون فوجدوا نوفل بن عبد العزى جوف الخندق، فجعلوا يرمونه بالحجارة فقال لهم: قتلة أجمل من هذه، ينزل بعضكم أقاتله، فقتله الزبير بن العوام. وذكر ابن إسحاق إن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هو لكم لا نأكل ثمن الموتى. وذكر علي عليه السلام أبياتا منها: نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب


(1) وروى الحاكم في المستدرك 3: 32 باسناده عن لؤلؤ بن عبد الله المقتدرى عن ابى الطيب احمد بن ابراهيم بن عبد الوهاب المصرى، عن احمد بن عيسى الخشاب، عن عمرو بن ابى سلمة، عن سفيان الثوري، عن بهز بن حكيم، عن ابيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لمبارزة على بن ابى طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق افضل من اعمال امتى إلى يوم القيامة. (2) الثاني خ ل. أقول: في المصدر: الثابى بالباء، وكلها مصحفة، والصحيح اليامى قال ابن حجر في التقريب: 162: زبيد - مصغرا - ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامى بالتحتانية أبو عبد الرحمن الكوفى ثقة ثبت عابد من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين أو بعدها. أقول: أي بعد المائة. وقال السيوطي في اللباب 3: 304: اليامى بفتح الياء وبعد الالف ميم، هذه النسبة إلى يام بن اصبى بن رافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان، بطن من همدان: ينسب إليه كثير، منهم أبو عبد الرحمن زبيد بن الحارث بن عبد الكريم اليامى الكوفى. رواه عنه الثوري.

[ 206 ]

فضربته وتركته (1) متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي (2) وعففت (3) عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي (4) وروى عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري قال: إن علينا عليه السلام لما قتل عمرو بن عبد ود حمل رأسه فألقاه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأس علي عليه السلام. وروي عن أبي بكر بن عياش أنه قال: ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أعز منها. - يعني ضربة عمرو بن عبد ود - وضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أشام منها - يعني ضربة ابن ملجم عليه لعائن الله. قال ابن إسحاق: ورمى حيان بن قيس بن العرقة (5) سعد بن معاذ بسهم


(1) في السيرة ومستدرك الحاكم: فصدرت حين تركته متجدلا. (2) متجدلا أي لاصقا واقعا على الجدالة أي الارض والجذع: جذع النخلة. والدكادك جمع دكداك: الرمل اللين والروابى جمع الرابية: ما ارتفع وعلا وأشرف من الارض. (3) وغفلت خ ل. (4) المقطر اسم مفعول من قولهم: قطرت الفارس: إذا القيته على أحد قطريه أي جنبيه. بزنى أي سلبني وغلبني عليها، أي قتلته ولم افكر في سلبه، ولو كان هو الذى قتلني لا خذ اثوابي وزاد ابن هشام في السيرة: لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب وزاد الحاكم في المستدرك في اول الابيات، أعلى يقتحم الفوارس هكذا * عنى وعنهم اخروا اصحابي اليوم يمنعنى الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بنابى الا ابن عبد حين شد إليه * وحلفت فاستمعوا من الكتاب انى لا صدق من يهلل بالتقى * رجلان يضربان كل ضراب وذكر البيت الاول في المتن في آخر الابيات هكذا: عبد الحجارة من سفاهة عقله * وعبدت رب محمد بصواب وسيأتى قريبا ما يتعلق بالابيات. (5) العرفة خ ل أقول: في السيرة والامتاع: حبان - بالباء - بن قيس بن العرقة - بالقاف - احد بنى عامر بن لؤى.

[ 207 ]

وقال: خذها وأنا ابن العرقة (1)، فقطع أكحله، فقال سعد: عرق (2) الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. قال: وجاء نعيم بن مسعود الاشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت ولم يعلم بي أحد من قومي، فمرني بأمرك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإنما الحرب خدعة " فانطلق نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة فقال لهم: إني لكم صديق، والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة إن البلد بلدكم وبه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وانما قريش وغطفان بلادهم غيرها، وإنما جاؤا حتى نزلوا معكم، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن رأوا غير ذلك رجعوا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل، ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم تستوثقون به أن لا يبرحوا حتى يناجزوا محمدا، فقالوا له: قد أشرت برأي، ثم ذهب فأتى أبا سفيان وأشراف قريش، فقال: يا معشر قريش إنكم قد عرفتم ودي إياكم و فراقي محمدا ودينه، وإني قد جئتكم بنصيحة فاكتموا علي، فقالوا: نفعل ما أنت عندنا بمتهم، فقال: تعلمون أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، فبعثوا إليه أنه لا يرضيك عنا إلا أن نأخذ من القوم رهنا من أشرافهم وندفعهم إليك فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك عليهم حتى نخرجهم من بلادك فقال: بلى، فإن بعثوا إليكم يسألونكم نفرا من رجالكم فلا تعطوهم رجلا واحدا، واحذروا، ثم جاء غطفان فقال: يا معشر غطفان إنى رجل منكم، ثم


(1) العرفة خ ل. تقدم ان الصحيح: العرقة. (2) عرف خ ل. أقول: في الامتاع والسيرة: عرق الله. لكن في الامتاع: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: عرق الله وجهه في النار.

[ 208 ]

قال لهم ما قال لقريش، فلما أصبح أبو سفيان وذلك يوم السبت في شوال سنة خمس من الهجرة، بعث إليهم أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش إن أبا سفيان يقول لكم: يا معشر اليهود إن الكراع والخف قد هلكتا، وإنا لسنا بدار مقام فاخرجوا إلى محمد حتى نناجزه (1) فبعثوا إليه إن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، ولسنا مع ذلك بالذي (2) نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم نستوثق بهم لا تذهبوا وتدعونا حتى نناجز محمدا، فقال أبو سفيان: قد حذرنا والله هذا نعيم فبعث إليهم أبو سفيان إنا لا نعطيكم رجلا واحدا، فإن شئتم أن تخرجوا وتقاتلوا، وإن شئتم فاقعدوا، فقالت اليهود: هذا والله الذي قال لنا نعيم، فبعثوا إليهم أنا والله لا نقاتل حتى تعطونا رهنا و (3) خذل الله بينهم وبعث (4) سبحانه عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد حتى انصرفوا راجعين. قال محمد بن كعب: قال حذيفة اليماني (5): والله لقد رأينا يوم الخندق وبنا من الجهد والجوع والخوف ما لا يعلمه إلا الله، وقام رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى (6) ما شاء الله من الليل، ثم قال ": ألا رجل يأتينا بخبر القوم يجعله الله رفيقي في الجنة " ؟ قال حذيفة: فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الخوف والجهد والجوع، فلما لم يقم أحد دعاني فلم أجد بدا من إجابته، قلت: لبيك، قال: " اذهب فجئني بخبر القوم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع " قال: وأتيت القوم فإذا ريح الله وجنوده يفعل بهم ما يفعل ما يستمسك لهم بناء ولا يثبت لهم نار، ولا يطمئن لهم قدر، فإني لكذلك إذ خرج أبو سفيان من رحله، ثم قال: يا معشر (7) قريش لينظر أحدكم


(1) حتى تناجزوه خ ل. (2) في المصدر: بالذين. (3) وقيل: خذل الله خ ل. (4) وبعث الله خ ل. (5) في المصدر والسيرة: حذيفة بن اليمان وهو الصحيح كما قدمناه. (6) يصلى خ ل. (7) يا معاشر خ ل.بحار الانوار - 13 -

[ 209 ]

من جليسه، قال حذيفة: فبدأت بالذي عن يميني فقلت: من أنت ؟ قال: أنا فلان، قال: ثم (1) عاد أبو سفيان براحلته فقال: يا معشر (2) قريش والله ما أنتم بدار مقام، هلك الخف والحافر، وأخلفتنا بنو قريظة، وهذه الريح لا يستمسك لنا معها شئ. ثم عجل فركب راحلته، وإنها لمعقولة ما حل عقالها إلا بعد ما ركبها، قال: قلت في نفسي: لو رميت عدو الله فقتلته كنت قد صنعت شيئا فوترت قوسي، ثم وضعت السهم في كبد القوس وأنا اريد أن أرميه فأقتله فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تحدثن شيئا حتى ترجع " قال: فحططت (3) القوس ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي، فلما سمع حسي فرج بين رجليه فدخلت تحته و أرسل علي طائفة من مرطه (4)، فركع وسجد، ثم قال: ما الخبر ؟ فأخبرته. وروى الحافظ بالاسناد عن عبد الله ابن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله على الاحزاب فقال: " اللهم أنت منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الاحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم ". وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: لا إله إلا الله وحده (5)، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب (6) الاحزاب وحده، فلا شئ بعده. وعن سلمان بن صرد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله حين اجلي عنه الاحزاب: " الآن نغزوهم ولا يغزونا " (7) فكان كما قال صلى الله عليه وآله فلم يغزهم قريش بعد ذلك وكان هو يغزوهم حتى فتح الله عليهم مكة (8).


(1) فدعا خ ل. (2) يا معاشر خ ل. (3) فحفظت خ ل. (4) المرط: الكساء. (5) في المصدر: وحده وحده. وفى صحيح البخاري مثل المتن. (6) وهزم خ ل. (7) روى البخاري الاحاديث الثلاثة في صحيحه 5: 141 و 142. (8) مجمع البيان 8: 340 - 345.

[ 210 ]

ثم قال في غزوة بني قريظة: روى الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: لما انصرف النبي صلى الله عليه وآله مع المسلمين عن الخندق و وضع عنه اللامة واغتسل واستحم تبدى (1) له جبرئيل فقال: عذيرك من محارب (2)، ألا أراك قد وضعت عنك اللامة، وما ضعناها بعد، فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله فزعا، فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر حتى يأتوا قريظة. فلبس الناس السلاح فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس واختصم الناس، فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي قريظة، وإنما نحن في عزمة رسول الله صلى الله عليه وآله فليس علينا إثم، وصلى طائفة من الناس احتسابا، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلوها حين جاؤا من بني قريظة احتسابا فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وآله واحدا من الفريقين. وذكر عروة أنه بعث على بن أبي طالب عليه السلام على المفدم، ودفع إليه اللواء، وأمره أن ينطلق حتى يقف بهم على حصن بني قريظة، ففعل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله على آثارهم فمر على مجلس من أنصار في بني غنم ينتظرون رسول - الله صلى الله عليه وآله، فزعموا أنه قال: مر بكم الفارس آنفا ؟ فقالوا: مر بنا دحيه الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس ذلك بدحية، ولكنه جبرئيل عليه السلام أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، ويقذف في قلوبهم الرعب، قالوا: وسار علي عليه السلام حتى إذا دنا من الحصن سمع منهم مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وآله، فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وآله بالطريق: فقال: يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الاخابث، قال: أظنك سمعت لي منهم أذى، فقال: نعم يا رسول الله، فقال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وآله من حصنهم قال: " يا إخوة القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته " ؟ فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله خمسا وعشرين ليلة حتى


(1) أي ظهر. (2) أي من يعذرك منه أي يلومه ولا يلومك.

[ 211 ]

أجهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت قريش وغطفان، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله غير منصرف عنهم حتى يناجز (1)، قال كعب بن أسد: يا معشر اليهود قد نزل بكم من الامر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخيروا (2) أيها شئتم، قالوا: ما هن ؟ قال: نبايع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، و أنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم، فقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم علي هذا فهلموا فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك لم نترك وراءنا نسلا يهمنا (3)، و إن نظهر لنجدن النساء والابناء، فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين ؟ فلا خير في العيش بعدهم، قال: فإذا أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها (4)، فانزلوا فلعلنا نصيب منهم غرة، فقالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيها ما أحدث من كان قبلنا فأصابهم ما قد علمت من المسخ، فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما. قال الزهري: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين سألوه أن يحكم فيهم رجلا: اختاروا من شئتم من أصحابي، فاختاروا سعد بن معاذ، فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بسلاحهم: فجعل في قبة (5) وامر بهم فكتفوا وأوثقوا وجعلوا في دار أسامة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى سعد


(1) في المصدر: حتى يناجزهم. (2) فخذوا خ ل فخبروا خ ل أقول: في المصدر: فخذوا. (3) في المصدر: فان نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا يهمنا. أقول: ذكره كذلك ابن هشام في السيرة الا أنه قال: نخشى عليه. مكان يهمنا. (4) في السيرة: قد امنونا فيها. (5) في المصدر: في قبته.

[ 212 ]

ابن معاذ فجئ به، فحكم فيهم بأن يقتل مقاتليهم، ويسبي ذراريهم ونسائهم ويغنم أموالهم، وإن عقارهم للمهاجرين دون الانصار، وقال للانصار: إنكم ذووا عقار وليس للمهاجرين عقار، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله عزوجل. وفي بعض الروايات: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. وأرقعة جمع رقيع: اسم سماء الدنيا. فقتل رسول الله صلى الله عليه وآله مقاتليهم، وكانوا فيما زعموا ستمائة مقاتل، وقيل: قتل منهم أربعة مائة وخمسين رجلا، وسبى سبعمائة وخمسين. وروي أنهم قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إرسالا يا كعب ما ترى يصنع بنا ؟ فقال كعب: أفي كل موطن تقولون (1) ألا ترون أن الداعي لا ينزع، ومن يذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل. وأتي بحيي بن أخطب عدو الله عليه حلة فاختية (2) قد سفقها عليه (3) من كل ناحية كموضع الانملة لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما بصر برسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أما والله ما لمت نفسي على عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم قال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب الله وقدره [ و ] ملحمة كتبت على بني إسرائيل (4)، ثم جلس فضرب عنقه، ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وآله نساءهم وأبناهم على المسلمين، وبعث سبايا منهم إلى نجد مع سعد بن زيد الانصاري فابتاع بهم خيلا وسلاحا. قال: فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، فرجعه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد.


(1) في السيرة: افي كل موطن لا تعقلون ؟ (2) في السيرة: فقاحية. بضم الفاء وتشديد القاف، أي تضرب إلى الحمرة، نسبة إلى الفقاح، وهو الزهر إذا انشقت اكمته وتفتقت براعيمه. (3) في المصدر والسيرة: قد شقها عليه. (4) في السيرة: كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بنى اسرائيل.

[ 213 ]

وروي عن جابر قال: جاء جبرئيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات فتحت له أبواب السماء وتحرك (1) له العرش ؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا سعد بن معاذ قد قبض (2). بيان: الكدية بالضم: قطعة غليظة صلبة لا تعمل فيها الفأس (3). ذكره الجزري، وفي بعض النسخ كذانة بفتح الكاف والذال المعجمة والنون، قال الجزري: الكذان: حجارة رخوة إلى البياض، وقال: في حديث المغيرة فإذا أنا معصوب الصدر كان من عادتهم إذا جاع أحدهم أن يشد جوفه بعصابة، وربما جعل تحته حجرا، وقال: فعادت كثيبا أهيل أي رملا سائلا. وفي القاموس: ثرد الخبز: فته، وقال: حم له ذلك: قدر، وحم حمه: قصد قصده، وارتحال البعير: عجله، والله له كذا: قضاه له، كأحمه، واحتم: دنا وحضر، والامر فلانا: أهمه كحمه. وفي المصباح: حم الشئ كضرب. قرب ودنا، وأحمه غيره انتهى. وأقول: الاظهر عندي أنه كان يخمر في الموضعين فصحف، أي كان يستر القدر والتنور بثوب لئلا يطلع الناس على ما فيهما، وكيف يبارك الله عليهما، و كان هذا دأبه صلى الله عليه وآله في سائر ما ظهرت فيه هذه المعجزة، ويؤيده أن في روايات العامة (4) فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة (5) والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه. والآطام جمع اطم بالضم: وهو البناء المرتفع الاعلى. جشيشه في أكثر النسخ


(1) واهتز خ ل. (2) مجمع البيان 8: 351 و 352. (3) الفاس: الذى يشق به الحطب وغيره. (4) ذكرناه في ذيل الخبر. (5) البرمة: القدر من الحجارة.

[ 214 ]

بالجيم المفتوحة والشين المكسورة، وهي أن تطحن الحنطة طحنا جليلا ثم تجعل في القدور، ويلقى عليها لحم أو تمر وتطبخ ذكره الجزري. وفي بعضها بالخاء المعجمة وهو كزبير: الغزال الصغير وأحفظه: حمله على الحفيظة وهي الحمية والغضب. وطمى الماء: ارتفع. والجهام بالفتح: السحاب لا ماء فيه. قوله: يفتل منه، قال الجزري (1) جعل فتل وبرذروه البعير وغاربه مثلا لازالته عن رأيه، كما يفعل بالجمل النفور إذا اريد تأنيسه وإزالة نفاره، والغارب: مقدم السنام، والذروة: أعلاه. وفي القاموس: لحن له: قال قولا يفهمه عنه، ويخفى على غيره. وقال: الفت الدق والكسر بالاصابع، وفت في ساعدة: أضعفه. وقال: الرجيع: ماء لهذيل على سبعة أميال من الهدة (2) وبه غدر بمرثد بن أبي مرثد وسريته لما بعثها صلى الله عليه وآله مع رهط عضل والقارة فغدروا بهم انتهى. ويليل بفتح اليائين وسكون اللام: وادي بينبع. والطفرة: الوثبة في ارتفاع. وفي القاموس: جزع الارض والوادي كمنع: قطعه، وقال: مراق البطن مارق منه ولان. وفي النهاية: فيه: الحرب خدعة، يروى بفتح الخاء وضمها وسكون الدال وبضمها مع فتح الدال، فالاول معناه أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع، أي أن المقاتل إذ خدع مرة واحدة لم يكن لها إقالة، وهو أفصح الروايات وأصحها، ومعنى الثاني هو الاسم من الخداع، ومعنى الثالث أن الحرب تخدع


(1) في النهاية 2: 47: وحديث زبير: سأل عائشة الخروج إلى البصرة فابت عليه، فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى اجابته. جعل فتل وبراه. (2) الهدة: عين بين طائف ومكة.

[ 215 ]

الرجال وتمنيهم ولا تفى لهم، كما يقال: فلان رجل لعبة وضحكة، للذي يكثر اللعب والضحك انتهى. والكراع كغراب: اسم لجمع الخيل. 1 - كنز - الكراجكي: عن أسد بن إبراهيم السلمي، عن عمر بن علي العتكي عن محمد بن صفوة، عن الحسن بن علي العلوي، عن أحمد بن العلا، عن صباح بن يحيى، عن خالد بن يزيد، عن أبي جعفر الباقر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الاحزاب: اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة ابن عبد المطلب يوم احد، وهذا أخي علي بن أبي طالب، رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (1). 2 - أقول: وروى الكراجكي رحمه الله قصة قتل عمرو نحوا مما مر، و ذكر أنه قال النبي صلى الله عليه وآله ثلاث مرات: " أيكم يبرز إلى عمرو وأضمن له على الله الجنة " ؟ وفي كل مرة كان يقوم علي عليه السلام، والقوم ناكسوا رؤسهم، فاستدناه وعممه بيده، فلما برز قال صلى الله عليه وآله: " برز الايمان كله إلى الشرك كله " وكان عمرو يقول: ولقد بححت من النداء * بجمعهم (2) هل من مبارز (3) إلى قوله: إن الشجاعة في الفتى والجود * من كرم الغرائز إلى قوله: فما كان أسرع أن صرعه (4) أمير المؤمنين عليه السلام وجلس على صدره، فلما هم أن يذبحه وهو يكبر الله ويمجده قال له عمرو: يا علي قد جلست


(1) كنز الفوائد: 136 و 137. (2) في المصدر: بجمعكم وهو الصحيح كما تقدم. (3) في المصدر: ووقفت إذ جبن الشجاع (المشجع خ ل) * موقف الخصم المناجز انى كذلك لم أزل * متسرعا نحو الهزاهز (4) في المصدر: ثم جادله فما كان باسرع من ان صرعه.

[ 216 ]

مني مجلسا عظيما، فإذا قتلتني فلا تسلبني حلتي، فقال عليه السلام: هي أهون علي من ذلك، وذبحه وأتى برأسه وهو يخطر (1) في مشيته، فقال عمر: الا ترى يا رسول الله إلى علي كيف يمشي (2) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنها لمشية لا يمقتها الله في هذا المقام " فتلقاه ومسح الغبار عن عينيه، وقال: " لو وزن اليوم عملك بعمل جميع أمة محمد لرجح عملك على عملهم، وذاك أنه لم يبق بيت من المشركين إلا وقد دخله ذل بقتل عمرو، ولم يبق بيت من المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو (3) " ولما قتل علي عليه السلام عمروا سمع مناديا ينادي ولا يرى شخصه: قتل علي عمروا * قصم علي ظهرا أبرم علي أمرا ووقعت الجفلة (4) بالمشركين فانهزموا أجمعين، وتفرقت الاحزاب خائفين مرعوبين (5). 3 - فس: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم " الآية. فإنها نزلت في قصة الاحزاب من قريش، والعرب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: وذلك أن قريشا قد تجمعت في سنة خمس من الهجرة، و


(1) في المصدر: وهو يتبختر. (2) ": كيف يتبختر (يتيه خ ل) في مشيته ؟ (3) زاد في المصدر هنا، فأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام: نصر (عبد خ ل) الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب وضربته وتركته متجدلا * كالنسر فوق دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أننى * كنت المقطر بزنى اثوابي. لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب (4) الجفلة: الهرب والهزيمة. (5) كنز الفوائد: 137 و 138.

[ 217 ]

ساروا في العرب وجلبوا واستنفروهم (1) لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله فوافوا في عشرة آلاف ومعهم كنانة وسليم وفزارة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله حين أجلا بني النضير وهم بطن من اليهود من المدينة، وكان رئيسهم حيي بن أخطب، وهم يهود من بني هارون عليه السلام، فلما أجلاهم من المدينة صاروا إلى خيبر وخرج حيي بن أخطب (2) إلى قريش بمكة (3) وقال لهم: إن محمدا قد وتركم ووترنا وأجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا، وأجلا بني عمنا بني قينقاع، فسيروا في الارض، وأجمعوا حلفاءكم وغيرهم حتى نسير إليهم فإنه قد بقي من قومي بيثرب سبعمائة مقاتل وهم بنو قريظة، وبينهم وبين محمد عهد وميثاق، وأنا أحملهم على نقض العهد بينهم وبين محمد، ويكونون معنا عليهم فتأتونه أنتم من فوق، وهم من أسفل، وكان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين، وهو الموضع الذي يسمى ببئر بني المطلب، فلم يزل يسير معهم حيي بن أخطب في قبائل العرب حتى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش وكنانة والاقرع بن حابس في قومه وعباس بن مرداس في بني سليم (4)، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله،


(1) واستنفزوهم خ ل. (2) وهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) ذكر في السيرة وغيره انه خرج مع سلام بن ابى الحقيق النضرى وكنانة بن ابى الحقيق وهوذة بن قيس الوائلي وابى عمار الوائلي في نفر من بنى النضير ونفر من بنى وائل. (4) في الامتاع: في الامتاع. وخرجت يهود إلى غطفان، وجعلت لهم ثمر خيبر سنة ان هم نصروهم، وتجهزت قريش: واتت يهود بنى سليم فوعدوهم السير معهم، ولم يكن احد اسرع إلى ذلك من عيينة بن حصن الفزارى، وخرجت قريش ومن تبعها من احابيشها في أربعة الاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، حمله عثمان بن طلحة بن ابي طلحة: وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وكان معهم الف بعير وخمسمائة بعير، ولاقتهم سليم بمر الظهران في سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس ابو الاعور السلمى الذى كان مع معاوية بن ابى سفيان بصفين، وكان أبو سفيان بن حرب قائد قريش، وخرجت بنو أسد وقائدها طليحة بن خويلد الاسدي، وخرجت بنو فزارة في الف يقودهم عيينة بن حصن، وخرجت أشجع في أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة: وخرجت بنو مرة في أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف بن ابى حارثة، وقيل: لم يحضر بنو مرة، وكانوا جميعا عشرة آلاف، [ واقبلت

[ 218 ]

واستشار أصحابه وكانوا سبعمائة رجل (1) فقال سلمان: يا رسول الله إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة، قال: فما نصنع ؟ قال: نحفر خندقا يكون بيننا (2) و بينهم حجابا، فيمكنك منعهم (3) في المطاولة، ولا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه، فإنا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم (4) من عدونا نحفر الخنادق فيكون الحرب من مواضع معروفة، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أشار بصواب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بمسحه (5) من ناحية احد إلى راتج، وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوم (6) من المهاجرين والانصار يحفرونه فأمر فحملت المساحي والمعاول، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، وأمير المؤمنين عليه السلام ينقل التراب من الحفرة، حتى عرق رسول الله صلى الله عليه وآله وعي (7) وقال: " لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم اغفر للانصار والمهاجرين " فلما نظر الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يحفر اجتهدوا في الحفر ونقلوا التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر. وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد الفتح، فبينا المهاجرون


قريش في احابيشها ومن تبعها من بنى كنانة ] حتى نزلت وادى العقيق، ونزلت غطفان بجانب احد ومعها ثلاثمائة فرس، فسرحت قريش ركابها في عضاه وادى العقيق، ولم تجد لخيلها هناك شيئا الا ما حملت من علفها، وهو الذرة، وسرحت غطفان ابلها إلى الغابة في اثلها وطرفائها وكان الناس قد حصدو ازرعهم قبل ذلك بشهر، وادخلوا حصادهم واتبانهم، وكادت خيل غطفان وابلها تهلك من الهزال، وكانت المدينة إذ ذاك جديبة. (1) في الامتاع: وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، وزعم بن اسحاق انه انما كان في سبعمائة، وهذا غلط، وقال ابن حزم: وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يعنى في الخندق في ثلاثة الاف، وقد قيل: في تسعمائة فقط، وهو الصحيح الذى لا شك فيه، والاول وهم. (2) بينك خ ل. (3) في المصدر: معهم. (4) دهماء خ ل (5) بحفرة خ ل. (6) قوما خ ل. (7) عيى خ ل. (*)

[ 219 ]

والانصار يحفرون إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه، فبعثوا جابر بن عبد الله الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يعلمه ذلك، قال جابر: فجئت إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وآله مستلقى على قفاه، ورداؤه تحت رأسه، وقد شد على بطنه حجرا، فقلت: يا رسول الله إنه قد عرض لنا جبل لا تعمل (1) المعاول فيه، فقام مسرعا حتى جاؤه، ثم دعا بماء في إناء وغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه، ثم شرب و مج ذلك الماء في فيه ثم صبه على ذلك الحجر، ثم أخذ معولا فضرب ضربة، فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور الشام، ثم ضرب اخرى فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور المدائن، ثم ضرب اخرى قبرقت برقة (2) فنظرنا فيها إلى قصور اليمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إنه سيفتح الله عليكم هذه المواطن التي برقت فيها البرق (3)، ثم انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل. فقال جابر: فعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله مقوى أي جائع لما رأيت على بطنه الحجر، فقلت: يا رسول الله هل لك في الغداء (4) ؟ قال: ما عندك يا جابر ؟ فقلت: عناق وصاع من شعير، فقال: تقدم وأصلح ما عندك، قال جابر: فجئت إلى أهلي فأمرتها فطحنت الشعير وذبحت العنز وسلختها، وأمرتها أن تخبز وتطبخ وتشوي فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت بأبي وامي أنت يا رسول الله قد فرغنا فاحضر مع من أحببت، فقام (5) صلى الله عليه وآله إلى شفير الخندق ثم قال: يا معشر (6) المهاجرين والانصار اجيبوا جابرا، وكان في الخندق سبعمائة رجل، فخرجوا كلهم ثم لم يمر بأحد من المهاجرين والانصار إلا قال: اجيبوا جابرا،


(1) لم تعمل خ ل. (2) برقة اخرى. (3) في المصدر: البرقة. (4) من الغداء. (5) رسول الله خ ل. (6) يا معاشر خ ل.

[ 220 ]

قال جابر: فتقدمت وقلت لاهلي: قد والله أتاك (1) رسول الله صلى الله عليه وآله بما لا قبل لك به، فقالت: أعلمته أنت ما عندنا (2) ؟ قال: نعم. قالت: هو أعلم بما أتى، قال جابر: فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فنظر في القدر ثم قال: اغرفي وأبقي، ثم نظر في التنور، ثم قال: أخرجي وأبقي، ثم دعا بصحفة فثرد فيها وغرف، فقال: يا جابر ادخل علي عشرة، فأدخلت عشرة، فأكلوا حتى نهلوا، وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذارع، فأتيته بالذراع فأكلوه، ثم قال: أدخل علي عشرة فدخلوا فأكلوا حتى نهلوا (3) وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذراع فأتيته فأكلوا وخرجوا، ثم قال: أدخل علي عشرة، فأدخلتهم فأكلوا حتى نهلوا وما يرى (4) في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذراع فأتيته بالذراع، فقلت: يا رسول الله كم للشاة من ذراع (5) ؟ قال: ذراعان، فقلت: والذى بعثك بالحق نبيا لقد أتيتك بثلاثة، فقال: أما لو سكت يا جابر لاكلوا (6) كلهم من الذراع، قال جابر: فأقبلت ادخل (7) عشرة عشرة، فيأكلون حتى أكلوا كلهم: وبقي والله لنا من ذلك الطعام ما عشنا به أياما. قال: وحفر رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق وجعل له ثمانية أبواب، وجعل على كل باب رجلا من المهاجرين ورجلا من الانصار مع جماعة يحفظونه، وقدمت قريش وكنانة وسليم وهلال فنزلوا الزغابة، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من حفر


(1) محمد خ ل. (2) بما عندنا خ ل. (3) فادخلتهم حتى أكلوا ونهلوا خ ل. (4) ولم ير خ ل. (5) من الذراع خ ل. (6) لاكل الناس خ ل. (7) في المصدر: ادخلت.

[ 221 ]

الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، وأقبلت قريش ومعهم حيي بن أخطب، فلما نزلوا العقيق جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في جوف الليل وكانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فدق باب الحصن، فسمع كعب بن أسيد (1) قرع الباب، فقال لاهله: هذا أخوك قد شأم قومه، وجاء الآن يشأ منا ويهلكنا ويأمرنا بنقض العهد بيننا وبين محمد (2) وقد وفى لنا محمد (3) وأحسن جوارنا، فنزل إليه من غرفته فقال له: من أنت ؟ قال: حيي بن أخطب قد جئتك بعز الدهر، فقال كعب: بل جئتني بذل الدهر، فقال: يا كعب هذه قريش قي قادتها وسادتها قد نزلت بالعقيق مع حلفائهم من كنانة (4)، وهذه فزارة مع قادتها وسادتها قد نزلت الزغابة، وهذه سليم وغيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان، ولا يفلت (5) محمد وأصحابه من هذا الجمع أبدا، فافتح الباب وانقض العهد بينك وبين محمد، فقال كعب: لست بفاتح لك الباب، ارجع من حيث جئت، فقال حيي: ما يمنعك من فتح الباب إلا جشيشتك (6) التي في التنور تخاف أن اشركك (7) فيها، فافتح فإنك آمن من ذلك، فقال له كعب: لعنك الله لقد دخلت على من باب دقيق، ثم قال: افتحوا له الباب ففتحوا (8) له، فقال: ويلك يا كعب انقض العهد بينك و بين محمد، ولا ترد رأيي فإن محمدا لا يفلت من هذا الجمع أبدا، فإن فاتك هذا الوقت لا تدرك (9) مثله أبدا، قال: واجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود مثل * (هامش) (1) في المصدر والسيرة والامتاع: كعب بن أسد. (2 و 3) رسول الله خ ل. (4) في المصدر: وكنانة. (5) أي لا يخلص. (6) خشيشتك خ ل. (7) اشاركك خ ل. (8) ففتح خ ل. أقول: في المصدر: ففتحوا له الباب. (9) لم تدرك خ ل.

[ 222 ]

غزال بن شمول (1)، وياسر بن قيس (2)، ورفاعة بن زيد (3) والزبير بن باطا (4)، فقال لهم كعب: ما ترون ؟ قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا وصاحب عهدنا وعقدنا، فإن نقضت نقضنا معك، وإن أقمت أقمنا معك، وإن خرجت خرجنا معك، قال الزبير بن باطا (5)، وكان شيخا كبيرا مجربا قد ذهب بصره: قد قرأت التوراة التي أنزلها الله في سفرنا بأنه " يبعث نبيا (6) في آخر الزمان يكون مخرجه بمكة، ومهاجره (7) في هذه البحيرة، يركب الحمار العري، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسيرات (8) والتميرات، وهو الضحوك القتال، في عينيه الحمرة (9)، وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر " فإن كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء وجمعهم، ولو ناوى (10) على هذه الجبال الرواسي لغلبها، فقال حيي: ليس هذا ذاك. ذلك النبي من بني إسرائيل، وهذا من العرب من ولد إسماعيل، ولا يكونوا بني إسرائيل (11) أتباعا لولد إسماعيل أبدا، لان الله قد فضلهم على الناس جميعا، وجعل منهم (12) النبوة والملك، وقد عهد إلينا موسى أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، * (هامش) (1) في السيرة والامتاع: عزال بن سموال. (2) وبناشر بن قيس خ ل. أقول: في الامتاع: نباش بن قيس. (3) في الامتاع: وعقبة بن زيد. (4 و 5) الزهير بن ناطا خ ل. أقول: ذكره الامتاع مثل المتن. (6) نبى خ ل. (7) إلى المدينة خ ل. أقول: في المصدر: ومهاجرته في هذه البحيرة. (8) بالكسر خ ل. (9) حمرة خ ل. (10) ولو ناوته هذه خ ل. (11) ولا يكونون بنو اسرائيل خ ل. أقول: لعل الصحيح: (ولا يكون بنو اسرائيل) فوقع الوهم من النساخ. (12) في المصدر: وجعل فيهم.

[ 223 ]

وليس مع محمد آية، وإنما جمعهم جمعا وسحرهم ويريد أن يغلبهم بذلك فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتى أجابوه، فقال لهم: أخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد فأخرجوه، فأخذه حيي بن أخطب ومزقه، وقال: قد وقع الامر فتجهزوا و تهيأوا للقتال، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فغمه غما شديدا، وفزع أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسعد بن معاذ واسيد بن حصين (1) وكانا من الاوس، وكانت بنو قريظة حلفاء الاوس: ائتيا بني قريظة فانظروا ما صنعوا، فإن كانوا نقضوا العهد فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إلي وقولا: عضل والقارة، فجاء سعد بن معاذ واسيد بن حصين (2) إلى باب الحصن فأشرف عليهما كعب من الحصن فشتم سعدا وشتم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له سعد: إنما أنت ثلعب في حجر، لتولين قريش وليحاصرنك رسول الله صلى الله عليه وآله: ولينزلنك (3) على الصغر والقمأ (4)، وليضربن عنقك، ثم رجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالا له: عضل والقارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لعنا، نحن أمرناهم بذلك " وذلك أنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله عيون لقريش يتجسسون خبره، وكانت عضل والقارة قبيلتان من العرب دخلا في الاسلام ثم غدرا، وكان إذا غدر أحد ضرب بهما المثل، فيقال: عضل والقارة. ورجع حيي بن أخطب إلى أبي سفيان وقريش فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله، ففرحت قريش بذلك، فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الاشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، فقال: يا رسول الله قد آمنت بالله وصدقتك وكتمت إيماني عن الكفرة، فإن أمرتني أن آتيك بنفسي وأنصرك بنفسي فعلت، وإن أمرت أن اخذل بين


(1 و 2) حضير خ ل. أقول: في المصدر: (حصين) والظاهر انه مصحف، وقد صرح المقريزى في الامتاع بانه اسيد بن حضير، على أنه لم نعرف في الصحابة من يكون اسمه اسيد بن حصين. وذكر ابن هشام مكان اسيد بن حضير سعد بن عبادة. (3) ثم لينزلنك خ ل. (4) القما: الذل.

[ 224 ]

اليهود وبين قريش فعلت حتى لا يخرجوا من حصنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: خذل (1) بين اليهود وبين قريش، فأنه أوقع عندي، قال: فتأذن لي أن أقول فيك: ما اريد ؟ قال: قل ما بدالك، فجاء إلى أبي سفيان فقال له: تعرف مودتي لكم ونصحي ومحبتي ان ينصركم الله على عدوكم، وقد بلغني أن محمدا قد وافق اليهود أن يدخلوا بين عسكركم ويميلوا عليكم، ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يرد عليهم جناحهم الذي قطعه بني النضير وقينقاع، فلا أرى أن تدعوهم يدخلوا عسكركم (2) حتى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا بهم إلى مكة، فتأمنوا مكرهم و غدرهم، فقال له أبو سفيان: وفقك الله وأحسن جزاءك، مثلك أهدى (3) النصائح، ولم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم ولا أحد من اليهود، ثم جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة فقال له: يا كعب تعلم مودتي لكم، وقد بلغني أن أبا سفيان قال: نخرج هؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمد، فإن ظفروا كان الذكر لنا (4)، وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب، فلا أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمد وبينكم، لانه إن ولت قريش ولم يظفروا بمحمد غزاكم محمد فيقتلكم (5)، فقالوا: أحسنت وأبلغت في النصيحة، لا نخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا. وأقبلت قريش فلما نظروا إلى الخندق قالوا: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك، فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسي الذي معه (6)، فوافى عمرو بن


(1) في المصدر: اخذل. (2) في عسكركم خ ل. (3) من أهدى خ ل. (4) لنادونهم خ ل. (5) فقتلكم خ ل. (6) في الامتاع: وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدوا أبو سفيان بن حرب في اصحابه يوما، وخالد بن الوليد يوما، ويغدو عمرو بن العاص يوما، وهبيرة بن ابى وهب يوما، و

[ 225 ]

عبد ود وهبيرة بن وهب (1) وضرار بن الخطاب إلى الخندق، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد صف أصحابه بين يديه، فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصاروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كلهم خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، وقدموا رسول الله صلى الله عليه وآله بين أيديهم، وقال رجل من المهاجرين وهو فلان لرجل بجنبه من أخوانه: أما ترى هذا الشيطان عمرو ؟ ألا والله (2) ما يفلت من يديه أحد، فهلموا ندفع إليه محمدا ليقتله، ونلحق نحن بقومنا، فأنزل الله على نبيه في ذلك الوقت: " قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا " إلى قوله: " أشحة على الخير اولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (3) " وركز عمرو بن عبد ود رمحه في الارض وأقبل يجول جولة ويرتجز ويقول: ولقد بححت من النداء * بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن الشجاع * مواقف القرن المناجز إني كذلك لم أزل * متسرعا نحو الهزاهز إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز


عكرمة بن ابى جهل يوما، وضرار بن الخطاب الفهرى يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم ويتفرقون مرة ويجتمعون مرة اخرى. ويناوشون المسلمين، ويقدمون رماتهم فيرمون، وإذا أبو سفيان في خيل يطيفون بمضيق من الخندق فرماهم المسلمون حتى رجعوا وكان عباد بن بشر الزم الناس لقبة رسول الله صلى الله عليه وآله يحرسها، وكان اسيد بن حضير يحرس في جماعة، فإذا عمرو ابن العاص في نحو المائة يريدون العبور من الخندق، فرماهم حتى ولوا، وكان المسلمون ينتاوبون الحراسة وكانوا في قر شديد وجوع، وكان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد كثيرا ما يطلبان غرة ومضيقا من الخندق يقتحمانه، فكانت للمسلمين معهما وقائع في تلك الليالى. (1) في الامتاع: وهبيرة بن أبى وهب. وزاد: وعكرمة بن أبى جهل ونوفل بن عبد الله المخزومى. (2) في المصدر: لا والله. (3) ذكرنا موضع الايات في صدر الباب.

[ 226 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لهذا الكلب ؟ فلم يجبه أحد، فوثب (1) إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أنا له يا رسول الله، فقال: يا علي هذا عمرو بن عبدود فارس يليل، قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ادن مني، فدنا منه فعممه بيده، ودفع إليه سيفه ذا الفقار، وقال له: " اذهب وقاتل بهذا (2)، اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته " فمر أمير المؤمنين عليه السلام يهرول في مشيته وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة * والصدق منجى كل فائز إني لارجو وأن أقيم * عليك نائحة الجنايز من ضربة نجلاء يبقى * صوتها (3) بعد الهزاهز (4) فقال له عمرو: من أنت ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله و ختنه، فقال: والله إن أباك كان لي صديقا ونديما (5)، وإني أكره أن أقتلك، ما أمن ابن عمك حين بعثك إلي أن أختطفك برمحي هذا، فاتركك شائلا بين السماء والارض لا حي ولا ميت ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قد علم ابن عمي أنك إن قتلتني دخلت الجنة وأنت في النار، وإن قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة، فقال عمرو: كلتاهما لك يا علي تلك إذا قسمة ضيزى (6)، فقال علي: دع هذا


(1) فقام خ ل. (2) وقال خ ل. (3) ذكرها خ ل صيتها خ ل. (4) تقدمت الاشعار قبلا وأشرنا ما يتعلق بها. (5) قال البغدادي في المحبر: 174: وكان أبو طالب بن عبد المطلب نديما لمسافر بن أبى عمرو بن امية فمات مسافر، فنادم أبو طالب بعده عمرو بن عبدود بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، وقتل على بن أبى طالب رضى الله عنه عمرا يوم الخندق وهو يؤمئذ ابن مائة و اربعين سنة. (6) أي ناقصة جائرة.

[ 227 ]

يا عمرو، إني سمعت منك وأنت متعلق بأستار الكعبة تقول: لا يعرض علي أحد في الحرب ثلاث خصال: إلا أجبته إلى واحدة منها، وأنا اعرض عليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة، قال: هات يا علي، قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قال: نح عني هذا، قال: فالثانية (1)، أن ترجع وترد هذا الجيش عن رسول الله، فإن يك صادقا فأنتم أعلى به عينا، وإن يك كاذبا كفتكم ذؤبان (2) العرب أمره، فقال: إذا تتحدث (3) نساء قريش بذلك وينشد (4) الشعراء في أشعارها أني جبنت ورجعت على عقبي من الحرب، وخذلت قوما رأسوني عليهم، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: فالثالثة أن تنزل إلي فإنك راكب وأنا راجل حتى انابذك، فوثب عن فرسه وعرقبه (5)، وقال: هذه خصلة ما ظننت أن أحدا من العرب يسومني عليها، ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين عليه السلام بالسيف على رأسه، فاتقاه أمير المؤمنين عليه السلام بالدرقة فقطها، وثبت السيف على رأسه، فقال له علي: يا عمرو أما كفاك أني بارزتك وأنت فارس العرب حتى استعنت علي بظهير ؟ فالتفت عمرو إلى خلفه فضربه أمير المؤمنين عليه السلام مسرعا على ساقيه فأطنهما (6) جميعا، وارتفعت بينهما عجاجة، فقال المنافقون: قتل علي بن أبي طالب، ثم انكشفت العجاجة و نظروا فإذا أمير المؤمنين عليه السلام على صدره قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه، ثم أخذ


(1) فقال خ ل. (2) ذؤبان العرب: صعاليكهم ولصوصهم. (3) لا تتحدث خ ل. (4) ولا ينشد خ ل. (5) عرقبه: قطع عرقوبه. والعرقوب: عصب غليظ فوق العقب. أقول: في السيرة قال على: انك قد كنت عاهدت الله الا يدعوك رجل من قريش إلى احد خلتين الا اخذتها منه، قال له: أجل، قال له على: فانى ادعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الاسلام، قال: لا حاجة لى بذلك، قال فانى أدعوك إلى النزال، فقال له: لم يا ابن اخى ؟ فوالله لا احب ان أقتلك، قال له على: ولكني والله احب ان اقتلك: فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه. (6) فقطعها خ ل.

[ 228 ]

رأسه وأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، وسيفه يقطر منه الدم، وهو يقول والرأس بيده: أنا علي بن عبد المطلب (1) * الموت خير للفتى من الهرب فقال رسول الله: يا علي ما كرته ؟ قال: نعم يا رسول الله الحرب خديعة، و بعث رسول الله صلى الله عليه وآله الزبير إلى هبيرة فضربه على رأسه ضربة فلق هامته، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب فلما برز إليه ضرار انتزع له عمر سهما فقال ضرار: ويلك يا بن صهاك ارمي (2) في مبارزة، والله لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلا قتلته، فانهزم عنه (3) عمر، ومر نحوه ضرار و ضرب بالقناة على رأسه، ثم قال: احفظها يا عمر، فإني آليت أن لا أقتل قرشيا ما قدرت عليه، فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولى وولاه. فبقى رسول الله يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوما (4)، فقال أبو سفيان لحيي بن أخطب: ويلك يا يهودي أين قومك ؟ فصار حيي بن أخطب إليهم فقال: ويلكم اخرجوا فقد (5) نابذتم محمدا الحرب، فلا أنتم مع محمد ولا أنتم مع قريش، فقال كعب: لسنا خارجين حتى يعطينا قريش عشرة من أشرافهم رهنا يكونون في حصننا، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يرد علينا محمد عهدنا وعقدنا، فإنا لا نأمن أن تمر (6) قريش ونبقى نحن في عقر دارنا، ويغزونا محمد فيقتل رجالنا ويسبي نساؤنا وذرارينا، وإن لم نخرج لعله يرد علينا عهدنا، فقال له حيي بن أخطب: تطمع في غير مطمع، فقد نابذت محمدا الحرب، فلا أنتم مع محمد، ولا أنتم مع قريش، فقال


(1) في المصدر: انا على وابن عبد المطلب، (2) اترمينى. (3) عند ذلك خ. (4) وقيل: كان مدة حصار الخندق عشرين يوما، وقيل: قريبا من الشهر. (5) في المصدر المطبوع: فقد نابذكم محمد الحرب. (6) لا نأمن من أن تمر خ ل. أقول في المصدر المطبوع: تفر مكان تمر.

[ 229 ]

كعب: هذا من شؤمك، إنما أنت طائر تطير مع قريش غدا وتتركنا في عقر دارنا ويغزونا محمد، فقال له: لك (1) الله علي وعهد موسى إنه إن لم تظفر قريش بمحمد أني أرجع معك إلى حصنك يصيبني ما يصيبك، فقال كعب: هو الذي قد قلته لك إن أعطتنا قريش رهنا يكونون عندنا، وإلا لم نخرج، فرجع حيي بن أخطب إلى قريش فأخبرهم، فلما قال يسألون الرهن، فقال أبو سفيان: هذا والله أول الغدر، قد صدق نعيم بن مسعود، لا حاجة لنا في إخوان القردة (2) والخنازير، فلما طال على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الامر واشتد عليهم الحصار وكانوا في وقت برد شديد، وأصابتهم مجاعة، وخافوا من اليهود خوفا شديدا، وتكلم المنافقون بما حكى الله عنهم، ولم يبق أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا نافق إلا القليل، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أخبر أصحابه أن العرب تتحزب علي، ويجيؤنا من فوق، تغدر اليهود ونخافهم من أسفل، وإنه يصيبهم جهد شديد، ولكن تكون العاقبة لي عليهم، فلما جاءت قريش وغدرت اليهود قال المنافقون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، وكان قوم (3) لهم دور في أطراف المدينة (4) فقالوا: يا رسول الله تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا، فإنها في أطراف المدينة وهي عورة، ونخاف اليهود أن يغيروا


(1) لك عهد الله خ ل. (2) القرود خ ل. (3) منهم خ ل. (4) في الامتاع: وبعثت بنو حارثة بأوس بن قيظى بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثه الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون: ان بيوتنا عورة: وليس دار من دور الانصار مثل دارنا، ليس بيننا وبين غطفان احد يردهم عنا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا، فأذن لهم صلى الله عليه وآله، فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم انا والله ما أصابنا واياهم شدة قط الا صنعوا هكذا، فردهم. وقال الكلبى: وابو مليل بن الازعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة شهد بدرا، وهو الذى قال: (بيوتنا عورة) يوم الخندق. وقال ابن عبد البر: أبو مليل سليك بن الاعز.

[ 230 ]

عليها، وقال قوم: هلموا فنهرب ونصير في البادية ونستجير بالاعراب، فإن الذى كان يعدنا محمد كان باطلا كله، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل، وكان أمير المؤمنين عليه السلام على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحد من قريش نابذهم، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يجوز الخندق ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم، فلا يزال الليل كله قائم وحده يصلي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه، ومسجد أمير المؤمنين عليه السلام هناك معروف يأتيه من يعرفه فيصلي فيه، وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشاب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله من أصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح وهو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم، فدعا الله وناجاه فيما وعده وقال (1): " يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين (2)، ويا كاشف الكرب العظيم، أنت مولاي ووليي وولي آبائي الاولين، اكشف عنا غمنا وهمنا وكربنا، واكشف عنا كرب (3) هؤلاء القوم بقوتك وحولك وقدرتك " فنزل (4) جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله قد سمع مقالتك، وأجاب دعوتك، وأمر الدبور (5) مع الملائكة أن تهزم قريشا و الاحزاب، وبعث الله على قريش الدبور فانهزموا، وقلعت أخبيتهم، ونزل جبرئيل فأخبره بذلك، فنادى رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفة بن اليمان وكان قريبا منه فلم يجبه، ثم ناداه ثانيا فلم يجبه، ثم ناداه ثالثا (6) فقال: لبيك يا رسول الله، فقال: أدعوك فلا تجيبني ؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي من الخوف والبرد والجوع، فقال:


(1) وكان مما دعاه أن قال. (2) يا مجيب دعوة المضطرين خ ل. (3) شر خ ل. أقول: في نسختي المخطوطة من المصدر: واكشف عنا كرب شر هؤلاء القوم. (4) في المصدر: فنزل عليه جبرئيل. (5) وهى الريح خ ل. أقول: في المصدر المطبوع، وهو الريح. (6) الثالثة خ ل.

[ 231 ]

ادخل في القوم وأتني بأخبارهم، ولا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي، فإن الله قد أخبرني أنه قد أرسل الرياح على قريش وهزمهم، قال حذيفة: فمضيت وأنا أنتقض من البرد، فوالله ما كان إلا بقدر ما جزت الخندق حتى كني في حمام، فقصدت خباء عظيما فإذا نار تخبو وتوقد، وإذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلا خصيتيه على النار، وهو ينتفض (1) من شدة البرد، ويقول: يا معشر قريش إن كنا نقاتل أهل السماء بزعم محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء، وإن كنا نقاتل أهل الارض فنقدر عليهم، ثم قال: لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين فيما بيننا، قال حذيفة: فبادرت أنا فقلت للذي عن يميني من أنت ؟ قال: أنا عمرو بن العاص، ثم قلت للذي عن يسارى: من أنت ؟ قال: أنا معاوية، وإنما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد من أنت، ثم ركب أبو سفيان راحلته وهي معقولة، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تحدث حدثا حتى ترجع إلي لقدرت أن أقتله، ثم قال أبو سفيان لخالد بن الوليد: يا با سليمان لا بد من أن اقيم أنا وأنت على ضعفاء الناس، ثم قال: ارتحلوا إنا مرتحلون، ففروا منهزمين (2)، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله قال لاصحابه: لا تبرحوا، فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله في نفر يسير، وكان ابن عرقة الكناني رمى سعد بن معاذ رحمه الله بسهم في الخندق فقطع أكحله، فنزفه الدم، فقبض سعد على أكحله بيده ثم قال: " اللهم إن كنت أبقيت من حرب (3) قريش شيئا فأبقني (4) لها فلا أحد أحب إلي محاربتهم من قوم


(1) أي يتحرك. (2) وفى الامتاع: واقام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد في مأتى فارس جريدة، ثم ذهب حذيفة إلى غطفان فوجدهم قد ارتحلوا، فاخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فلما كان السحر لحق عمرو وخالد بقريش، ولحقت كل قبيلة بمحلتها، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وآله بعد رحيل الاحزاب فاذن للمسلمين في الانصراف فلحقوا بمنازلهم. (3) من حزب قريش خ ل. (4) فابقى خ ل. (*)

[ 232 ]

حاربوا (1) الله ورسوله، وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين قريش فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة " فأمسك الدم وتورمت يده فضرب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد خيمة وكان يتعاهده بنفسه، فأنزل الله: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا " إلى قوله (2): " إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم " بني قريظة حين غدروا وخافوهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله " وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر " إلى قوله: " إن يريدون إلا فرارا " وهم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله تأذن لنا نرجع إلى منازلنا فإنها في أطراف المدينة، ونخاف اليهود عليها، فأنزل الله فيهم: " إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا " إلى قوله: " وكان ذلك على الله يسيرا " ونزلت هذه الآية في الثاني لما قال لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمدا إلى قريش ونلحق نحن بقومنا " يحسبون الاحزاب لم يذهبوا " إلى قوله: " وذكر الله كثيرا " ثم وصف الله المؤمنين المصدقين بما أخبرهم رسول الله ما يصيبهم في الخندق من الجهد فقال: " ولما رأى المؤمنون الاحزاب " إلى قوله: " وما زادهم إلا إيمانا " يعني ذلك البلاء والجهد والخوف إلا إيمانا " وتسليما ". وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " ألا يفروا أبدا " فمنهم من قضى نحبه " أي أجله، وهو حمزة وجعفر بن أبي طالب " ومنهم من ينتظر " أجله (3) يعني عليا عليه السلام، يقول الله: " وما بدلوا تبديلا * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء " الآية.


(1) في المصدر المطبوع: حادوا الله. (2) هكذا في النسخة ومصدره: والظاهر أن قوله: (إلى قوله) زيادة من نساخ التفسير ولا يحتاج إلى ذلك، لان الايتين مترادفان، ليست بينهما آية. راجع الاحزاب: 9 و 10. (3) في المصدر: أي اجله.

[ 233 ]

وقال علي بن إبراهيم في قوله " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ": بعلي بن أبي طالب عليه السلام " وكان الله قويا عزيزا ". ونزل في بني قريظة " وأنزل (1) الذين ظاهروهم من أهل الكتاب " إلى قوله: " وكان الله على كل شئ قديرا ". فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة واللواء معقود أراد أن يغتسل من الغبار، فناداه جبرائيل: عذيرك من محارب، والله ما وضعت الملائكة لامتها، كيف (2) تضع لامتك ؟ إن الله يأمرك أن لا تصلي العصر إلا ببني قريظة، فإني متقدمك ومزلزل بهم حصنهم، إنا كنا في آثار القوم نزجرهم زجرا حتى بلغوا حمراء الاسد، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فاستقبله حارثة بن نعمان فقال له: ما الخبر يا حارثة (3) ؟ فقال: بأبي وامي (4) يا رسول الله هذا دحية الكلبي ينادي في الناس: ألا لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة، فقال: ذاك جبرئيل، ادعوا عليا، فجاء علي عليه السلام فقال له: " ناد في الناس أن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة (5) " فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فنادى فيهم فخرج الناس فبادروا إلى بني قريظة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله و علي عليه السلام بين يديه مع الراية العظمى (6) وكان حيي بن أخطب لما انهزمت قريش جاء فدخل حصن بني قريظة فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فأحاط بحصنهم، فأشرف عليهم كعب بن اسيد (7) من الحصن يشتمهم ويشتم رسول الله صلى الله عليه وآله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) وأنزل الله خ. أقول: الزيادة في هذه النسخة من التفسير. (2) في المصدر: فكيف. (3) ما يخبرنا حارثة خ ل. أقول: الموجود في المصدر المطبوع ونسخة مخطوطة من نسختي مثل ما في المتن، وفي نسختي اخرى مثل ذلك. (4) في المصدر: بأبى أنت وامى. (5) في سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري: فامر رسول الله صلى الله عليه وآله مؤذنا فاذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر الا ببنى قريظة. وذكر في الامتاع ان المؤذن كان بلال. (6) اتفق اصحاب السير كلهم ان الراية كانت مع على عليه السلام. (7) في المصدر المطبوع: أسد. وهو الصحيح.

[ 234 ]

على حمار، فاستقبله أمير المؤمنين عليه السلام فقال: بأبي وامي (1) يا رسول الله لا تدنو من الحصن (2)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي لعلهم شتموني (3) إنهم لو رأوني (4) لاذلهم الله، ثم دنا رسول الله صلى الله عليه وآله من حصنهم فقال: " يا أخوة القردة والخنازير وعبدة الطاغوت أتشتموني إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم " فأشرف عليهم كعب ابن اسيد (5) من الحصن فقال: والله يا أبا القاسم ما كنت جهولا، فاستحيا رسول الله صلى الله عليه وآله حتى سقط الرداء من ظهره حياء مما قاله، وكان حول الحصن نخل كثير، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله بيده فتباعد عنه وتفرق في المفازة، وأنزل رسول الله صلى الله عليه وآله العسكر حول حصنهم فحصارهم (6) ثلاثة أيام فلم يطلع أحد منهم رأسه، فلما كان بعد ثلاثة أيام نزل إليه غزال بن شمول (7) فقال: يا محمد (8). تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النضير: احقن دماءنا، ونخلي لك البلاد وما فيها ولا نكتمك شيئا ؟ فقال: لا، أو تنزلون على حكمي، فرجع بقوا أياما فبكى النساء والصبيان إليهم، وجزعوا جزعا شديدا، فلما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله: فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرجال فكتفوا وكانوا سبعمائة، وأمر بالنساء فعزلوا (9) وقامت الاوس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله حلفاؤنا وموالينا


(1) في المصدر: بابى أنت وامى. (2) في السيرة وتاريخ الطبري: لا عليك ان لا تدنو من هؤلاء الاخابث. قال: لم ؟ اظنك سمعت منهم لى اذى ؟ قال: نعم يا رسول الله: قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. (3) يشتموني خ ل. (4) رادوني. آذونى خ ل. (5) في المصدر: أسد وهو الصحيح كما قدمنا. (6) فحاصروهم خ ل. (7) في الامتاع: فنزل نباش بن قيس. أقول: ولعل غزال بن شمون مصحف عزال بن سموأل يوجد اسمه في الاسارى. (8) يا رسول الله خ ل. (9) فعزلن خ ل.

[ 235 ]

من دون الناس، نصرونا على الخزرج في المواطن كلها، وقد وهبت لعبدالله بن ابي سبعمائة دراع، وثلاثمائة حاسر في صبيحة واحدة، وليس نحن بأقل من عبد الله بن ابي فلما أكثروا على رسول الله صلى الله عليه وآله قال لهم: أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم ؟ فقالوا: بلى، فمن هو ؟ قال: سعد بن معاذ، قالوا: قد رضينا بحكمه، فأتوا به في محفة (1) واجتمعت الاوس حوله يقولون له: يا باعمرو (2) اتق الله وأحسن في حلفائك ومواليك، فقد نصرونا ببغاث (3) والحدائق والمواطن كلها، فلما أكثروا عليه قال: قد آن (4) لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فقالت (5) الاوس: واقوماه ذهب والله بنو قريظة (6) وبكى (7) النساء والصبيان إلى سعد، فلما سكتوا (8) قال لهم سعد: يا معشر اليهود أرضيتم بحكمي فيكم ؟ قالوا: بلى قد رضينا بحكمك والله قد رجونا نصفك ومعروفك وحسن نظرك، فأعاد (9) عليهم القول، فقالوا: بلى يا باعمرو (10)، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إجلالا له فقال: ما ترى بأبي أنت


(1) المحفة: سرير يحمل عليه المريض أو المسافر. وفى السيرة: فحملوه على حمار قد وطؤا له بوسادة من ادم. (2) يا أبا عمرو خ ل. (3) هكذا في نسخة المصنف وسائر النسخ، وفى المصدر: " ببغات " وكلاهما مصحفان، والصحيح: " ببعاث " ذكره القلقشندى في نهاية الارب، وقال: كان بين الاوس والخزرج، وله ذكر في صحيح البخاري. وقال الجزرى في النهاية في " بعث ": يوم بعاث بضم الباء يوم مشهور كان فيه حرب بين الاوس والخزرج، وبعاث: اسم حصن للاوس، وبعضم يقوله بالغين المعجمة وهو تصحيف. (4) لقد آن خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر المطبوع. (5) فقال خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر المخطوط. (6) آخر الدهر خ ل. (7) وبكت خ ل. (8) فلما سكنوا خ ل. (9) فعاد خ ل أقول: هو الموجود في المصدر. (10) يا أبا عمرو خ ل.

[ 236 ]

وامي (1) ؟ فقال: احكم فيهم يا سعد، فقد رضيت بحكمك فيهم، فقال: قد حكمت يا رسول الله أن تقتل رجالهم، وتسبي نساءهم وذراريهم، وتقسم غنائمهم وأموالهم بين المهاجرين والانصار، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: حكمت (2) بحكم الله من فوق سبعة أرقعة (3)، ثم انفجر جرح سعد بن معاذ فما زال ينزفه الدم حتى مضى (4) رحمه الله وساقوا الاسارى إلى المدينة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله باخدود، فحفرت بالبقيع، فلما أمسى أمر بإخراج رجل رجل وكان يضرب عنقه، فقال حيي بن أخطب لكعب بن اسيد (5): ما ترى يصنع (6) بهم ؟ فقال له: ما يسوءك، أما ترى الداعي لا يقلع، والذي يذهب لا يرجع ؟ فعليكم بالصبر والثبات على دينكم، فأخرج كعب بن اسيد (7) مجموعة يديه إلى عنقه وكان جميلا وسيما، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله قال (8) له: يا كعب أما نفعك وصية ابن الحواس (9) الحبر الذكي (10)


(1) يا رسول الله خ ل. اقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع. (2) قد حكمت خ ل. أقول: يوجد ذلك في نسختي المخطوطتين. (3) في المصدر: سبع ارقعة. وزاد ابن هشام في السيرة فقال: حدثنى بعض من اثق به من أهل العلم أن على بن أبى طالب صاح وهم محاصرو بنى قريظة: يا كتيبة الايمان، وتقدم هو و الزبير بن العوام وقال: والله لاذوقن ما ذاق حمزة أو لافتحن حصنهم، فقالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ. (4) قضى خ ل. أقول: يوجد ذلك في نسخة مخطوطة من المصدر عندي، وفى المطبوع: حتى قضى نحبه. (5) في المصدر: اسد وهو الصحيح. (6) ما يصنع محمد خ ل. أقول: في نسختي المخطوطة: ما ترى، يصنع بهم ؟ وفى السيرة: ما تراه يصنع بنا ؟ قال: أفى كل موطن لا تعقلون ؟ الا ترون الداعي لا ينزع وانه من ذهب به منكم لا يرجع ؟ (7) في المصدر: أسد. وهو الصحيح. (8) فقال خ ل. (9) هكذا في النسخة وفي المصدر المطبوع، وفى المخطوط: ابن الحواث: وتقدم في باب البشائر بمولده: " 15: 206 " عن اكمال الدين: " ابن حواش " ويأتى بعد ذلك أيضا (10) الزكي خ ل.

[ 237 ]

الذي قدم عليكم من الشام ؟ فقال: " تركت الخمر والحمير (1)، وجئت إلى البؤس والتمور (2) لنبي يبعث، مخرجه بمكة (3) ومهاجره في هذه البحيرة، يجتزئ بالكسر (4) والتميرات، ويركب الحمار العري، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى (5)، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر " فقال: قد كان ذلك يا محمد، ولولا أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لآمنت بك وصدقتك، ولكني على دين اليهود عليه أحيا وعليه أموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قدموه واضربوا (6) عنقه فضربت، ثم قدم حيي بن أخطب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا فاسق كيف رأيت الله صنع بك ؟ فقال: والله يا محمد ما ألوم نفسي في عداوتك، ولقد قلقلت كل مقلقل، وجهدت كل الجهد، ولكن من يخذل الله يخذل (7) ثم قال حين قدم للقتل (8). لعمري ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل فقدم وضرب عنقه، فقتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله في البردين: بالغداة والعشي في


(1) الخمير خ ل. أقول: تقدم كذلك قبلا. وفى المصدر المطبوع الخنزير. (2) والثبور خ ل. وفى الاكمال: والتمور، لنبى يبعث، هذا أوان خروجه، يكون مخرجه بمكة، وهذه دار هجرته، وهو الضحوك القتال، يجتزئ بالكسرة والتميرات، ويركب الحمار العارى. (3) مكة خ ل. (4) بالكسيرات خ ل. (5) من لاقى منكم خ ل. (6) فاضربوا خ ل. (7) في الامتاع: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الم يمكن الله منك يا عدو الله ؟ " فقال: بلى والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولقد التمست العز في مظانه، وأبى الله الا ان يمكنك منى ولقد قلقلت كل مقلقل، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: ايها الناس لا بأس بامر الله، قدر وكتاب، ملحمة كتبت على بنى اسرائيل. (8) في السيرة وتاريخ الطبري: فقال جبل بن جوال الثعلبي: لعمرك اه‍، وفيهما بيت آخر: لجاهد حتى ابلغ النفس عذرها * وقلقل يبغى العز كل مقلقل

[ 238 ]

ثلاثة أيام، وكان يقول: " اسقوهم العذب، وأطعموهم الطيب، وأحسنوا إسارهم " (1) حتى قتلهم كلهم، وأنزل الله على رسوله فيهم: " وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم " أي من حصونهم " وقذف في قلوبهم الرعب " إلى قوله: " و كان الله على كل شئ قديرا (2). بيان: الموتور: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتره يتره وترا وترة. قوله صلى الله عليه وآله: " لا عيش " أقول: في بعض روايات المخالفين: اللهم إن العيش عيش الآخرة * فاغفر للانصار والمهاجرة (3) وفى بعضها: كانت الانصار: تقول: نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا فأجابهم النبي صلى الله عليه وآله: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة * فأكرم الانصار والمهاجرة (4) وفى بعضها: اللهم لا خير إلا خير الآخرة * فبارك في الانصار والمهاجرة ويقال: مج الشراب من فيه: إذا رمى به، ولعل المراد هنا المضمضة، و يقال: هال عليه التراب فانهال، أي صبه فانصب. وأقوى الرجل: أي فني زاده، ومنه قوله تعالى: " ومتاعا للمقوين " (5) وقوي كرضي: جاع شديدا. والعناق كسحاب


(1) في الامتاع: قال: احسنوا إسارهم وقيلوهم واسقوهم: لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح. (2) تفسير القمى: 516 - 529. (3) رواه البخاري في صحيحه 5: 137 عن انس وقال: فقالوا مجيبين له: نحن الذين اه‍. ورواه مسلم في صحيحه 5: 178. وفيهما روايات اخر بالفاظ تختلف. (4) رواه البخاري في صحيحه 5: 138 وفيه: على الاسلام ما بقينا ابدا. وفيه: اللهم انه لا خير اه‍. (5) الواقعة: 37.

[ 239 ]

الانثى من أولاد المعز. ويقال: مالي به قبل بكسر القاف وفتح الباء، أي طاقة. و النهل محركة: أول الشرب، ومن الطعام: ما اكل، والناهل: الريان، والمراد هنا الشبع. والزغابة بالضم: موضع بقرب المدينة، ويقال: شأمهم وعليهم كمنع، أي صار شوما عليهم (1). وقال الجزري البحيرة، مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، وهي تصغير البحرة، وقد جاء في رواية مكبرا، والعرب تسمى المدن والقرى البحار انتهى. والمناواة بالهمز: المعاداة، وقد يترك الهمز. والقمأ: الذل والصغار. قوله صلى الله عليه وآله: لعنا على بناء المجهول، أي لعن العضل والقارة، والمراد كل من غدر ثم قال صلى الله عليه وآله على سبيل التورية: " نحن أمرناهم بذلك " أي نحن أمرنا بني قريظة أن يظهروا الغدر للمصلحة، وهم موافقون لنا في الباطن، وإنما قال ذلك لئلا يكون هناك عين من عيون قريش فيعلموا بالغدر فيصير سببا لجرأتهم، ويقال: خذل عنه أصحابه تخذيلا، أي حملهم على خذلانه. قوله: وقال رجل من المهاجرين أي عمر، والرجل الذي بجنبه عبد الرحمن ابن عوف كما سيأتي آنفا، ويقال: بححت بالكسر: إذا أخذته بحة وخشونة وغلظ في صوته، والمناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة، والهزاهز: تحريك البلايا و والحروب بين الناس. والغريزة الطبيعة. وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: يا عمرو ويحك قد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز إلى قوله: ولقد دعوت إلى البراز فتى يجيب إلى المبارز يعليك أبيض صارما كالملح حتفا للمناجز (2).


(1) زاد في غير نسخة المصنف: والخشيش كزبير: الغزال الصغير. والظاهر إنه زيادة لانه تقدم تفسير الكلمة قبل ذلك. (2) الديوان: 67.

[ 240 ]

ويقال: طعنة نجلاء أي واسعة، قوله شائلا أي مرتفعا قوله: كلتاهما لك، قاله لعنه الله على سبيل الاستهزاء، قوله: قسمة ضيزى، أي جائرة. قوله: أعلى به عينا، أي أبصر به وأعلم بحاله. وذؤبان العرب: لصوصها، وقد يترك الهمز، ويقال سام فلانا الامر: كلفه إياه، أو أولاه أياه كسومه، وأكثر ما يستعمل في العذاب والشر وسوم فلانا: خلاه، وسومه لما يريده في ماله: حكمه. وقال الجوهري: الطنين: صوت الذباب. وضربه فأطن ساقه، أي قطعه، يراد بذلك صوت القطع. والعجاج كسحاب: الغبار. قوله: انتزع له، أي السهم. والمنابذة: المكاشفة والمقاتلة. والغلوة بالفتح مقدار رمية. والنشاب بالضم والتشديد: السهام، الواحد نشابة. والاكحل: عرق في اليد أو هو عرق الحياة. ونزفه الدم، أي سال كثيرا حتى أضعفه. وقال الجزري: يقال: عذيرك من فلان بالنصب، أي هات من يعذرك فيه، فعيل بمعنى فاعل انتهى. واللامة: الدرع. وكتف فلانا كضرب شد يديه إلى خلف بالكتاف وهو حبل يشد به. والحاسر: الذي لا مغفر عليه ولا درع. وقال الجزري في قوله: سبعة أرقعة (1): يعني سبع سماوات، وكل سماء يقال لها: رقيع، والجمع أرقعة، وقيل: الرقيع: اسم سماء الدنيا فاعطي كل سماء اسمها انتهى. والاخدود: الحفرة المستطيلة. قوله: " ما يسوءك " أي لا تحزن من ذلك، أو ما استفهامية، أي أي شئ يعتريك من السوء فصرت بحيث لا تعقل مثل هذا الامر الواضح أو موصولة (2)، أي الذي يسوءك وهو القتل. قوله: لا يقلع، أي لا يكف عن دعوتهم وإذهابهم، يذهب بواحد بعد واحد


(1) في النهاية: من فوق سبع ارقعة. (2) وهو الاظهر.بحار الانوار - 15 -

[ 241 ]

والوسيم: الحسن الوجه. ويقال: قلقله فتقلقل: إذا حركه فتحرك. والابردان والبردان: الغداة والعشي. 4 - ل، لى: محمد بن أحمد المعاذي ومحمد بن إبراهيم بن أحمد الليثي (1) عن محمد ابن عبد الله بن الفرج الشروطي، عن محمد بن يزيد بن المهلب، عن أبي أسامة، عن عوف، عن ميمون، عن البراء بن عازب قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بحفر الخندق عرضت له صخرة عظيمة شديدة في عرض الخندق لا تأخذ منها المعاول، فجاء رسول - الله صلى الله عليه وآله فلما رآها وضع ثوبه وأخذ المعول وقال: " بسم الله " وضرب ضربة فكسر (2) ثلثها وقال: " الله أكبر اعطيت مفاتيح الشام، والله إني لابصر قصورها الحمراء الساعة " ثم ضرب الثانية فقال: " بسم الله " ففلق ثلثا آخر فقال: " الله أكبر اعطيت مفاتيح فارس والله إني لابصر قصر المدائن الابيض " ثم ضرب الثالثة ففلق بقية الحجر وقال: " الله أكبر اعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لابصر أبواب الصنعاء مكاني هذا (3) ". 5 - فس: أبي رفعه قال: قال الصادق عليه السلام: كان النكاح والاكل محرمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم، يعني كل من صلى العشاء ونام ولم يفطر ثم انتبه حرم (4) عليه الافطار، وكان النكاح حراما بالليل (5) والنهار في شهر رمضان. وكان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقال له: خوات بن جبير أخو عبد الله بن جبير الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وكله بفم الشعب في يوم احد في خمسين من الرماة، ففارقه أصحابه، وبقي في اثني عشر رجلا فقتل على باب العشب، وكان أخوه هذا خوات


(1) رواه الصدوق بالاسناد الاول في الامالى، وبالاسناد الثاني في الخصال. (2) فكثر خ ل. (3) الخصال: ج 1 ص 77 و 78: الامالى: ص 188 و 189. (4) حرم الله خ ل. (5) في الليل خ ل.

[ 242 ]

ابن جبير شيخا ضعيفا (1) وكان صائما، فأبطأت (2) عليه أهله بالطعام، فنام قبل أن يفطر، فلما انتبه قال لاهله: قد حرم (3) علي الاكل في هذه الليلة، فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه، فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله فرق له، وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فأنزل الله: " احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختاتون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط والاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل " فأحل الله تبارك وتعالى النكاح بالليل في شهر رمضان، والاكل بعد النوم إلى طلوع الفجر لقوله: " حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر " قال: هو بياض النهار من سواد الليل (4). 6 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " يقول أهلكت مالا لبدا " قال: هو عمرو بن عبد ود حين عرض عليه علي بن أبي طالب عليه السلام الاسلام يوم الخندق وقال: فأين ما أنفقت فيكم مالا لبدا ؟ وكان أنفق مالا في الصد عن (5) سبيل الله فقتله علي عليه السلام (6). بيان: مالا لبدا، أي كثيرا، من تلبد الشئ: إذ اجتمع.


(1) كبيرا خ ل. (2) في نسختي المخطوطة من المصدر: " شيخا كبيرا ضعيفا، وكان صائما مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الخندق، فجاء إلى أهله حين امسى، فقال: عندكم طعام ؟ فقالوا: لا تنم حتى نصنع لك طعاما، فأبطأت " وذكر ذلك في المصدر المطبوع عن نسخة، الا انه قال: شيخا ضعيفا. (3) حرم الله خ ل. (4) تفسير القمى: 56 - 57 والاية في سورة البقرة: 187. (5) في هامش نسخة المصنف بعد قوله: " في الصد عن " هكذا: ثم عرض عليه السلام فصد عن، خ ل. (6) تفسير القمى: 725 والاية في سورة البلد: 6.

[ 243 ]

7 - فس: " يمنون عليك أن أسلموا " نزلت في عثكن (1) يوم الخندق، وذلك أنه مر بعمار بن ياسر وهو يحفر الخندق وقد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع عثكن كمه على أنفه ومر، فقال عمار: لا يستوي من يبتني (2) المساجدا * يظل (3) فيها راكعا وساجدا كمن يمر بالغبار حائدا * يعرض عنه جاحدا معاندا فالتفت إليه عثكن فقال: يا بن السوداء إياي تعني ؟ ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: لم ندخل معك (4) لتسب أعراضنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قد أقلتك إسلامك فاذهب، فأنزل الله عزوجل: " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين " أي ليس هم صادقين (5) " إن الله يعلم غيب السموات والارض والله بصير بما تعملون " (6). بيان: قوله: في عثكن المراد به عثمان كما هو المصرح في بعض النسخ و سائر الاخبار. أقول: نسب في الديوان الابيات إلى أمير المؤمنين عليه السلام هكذا: لا يستوي من يعمر المساجدا * ومن يبيت راكعا وساجدا يدأب فيها قائما وقاعدا * ومن يكر هكذا معاندا ومن يرى عن الغبار حائدا 8 - ل: في خبر اليهودي الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن خصال الاوصياء فقال عليه السلام فيما قال: وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن قريشا والعرب تجمعت و


(1) عثمان خ ل. في المواضع. أقول: ذكر ذلك ايضا في هامش نسختي من المصدر. (2) من يعمر خ ل. أقول هو الموجود في المصدر المخطوط. (3) يصلى خ ل. (4) معك في الاسلام خ ل. (5) في المصدر المطبوع: أي لستم صادقين. (6) تفسير القمى: 642 والايتان في سورة الحجرات: 17 و 18.

[ 244 ]

عقدت بينها عقدا وميثاقا لا ترجع من وجهها حتى تقتل رسول الله صلى الله عليه وآله، وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب، ثم أقبلت بحدها وحديدها (1) حتى أناخت علينا بالمدينة واثقة بأنفسها فيما توجهت له، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنبأه بذلك، فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والانصار، فقدمت قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في أنفسها القوة وفينا الضعف، ترعد وتبرق، ورسول الله صلى الله عليه وآله يدعوها إلى الله عزوجل، ويناشدها بالقرابة والرحم، فتأبى ولا يزيدها ذلك إلا عتوا، وفارسها وفارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود يهدر كالبعير المغتلم يدعو إلى البراز ويرتجز، ويخطر برمحة مرة، وبسيفه مرة (2)، لا يقدم عليه مقدم ولا يطمع فيه طامع، لا حمية (3) تهيجه، ولا بصيرة تشجعه، فانهضني إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، وعممني بيده، وأعطاني سيفه هذا - وضرب بيده إلى ذي الفقار - فخرجت إليه ونساء أهل المدينة بواكي إشفاقا علي من ابن عبد ود، فقتله الله عزوجل بيدي والعرب لا تعد لها فارسا غيره، وضربني هذه الضربة وأوما بيده إلى هامته، فهزم الله قريشا والعرب بذلك، وبما كان مني فيهم من النكاية، ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك ؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين (4). بيان: رعد وبرق، وأرعد وأبرق: إذا توعد وتهدد ذكره الجزري. وهدر البعير يهدر هدرا وهديرا: صوت في غير شقشقة. واغتلام البعير. هيجانه من شهوة الضراب: ويقال: نكيت في العدو أنكى نكاية: إذا أكثرت فيهم الجراح و القتل. 9 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيي، عن عبد الرحمن (5)، عن


(1) أي بعدتها وسلاحها. (2) أي يهزهما معجبا بنفسه. (3) ولا حمية خ ل. (4) الخصال 2: 15 و 16. (5) أبو عمرو هو عبد الواحد بن محمد عبد الله بن محمد بن مهدى. واحمد بن يحيي هو احمد بن يحيي الصوفى، وعبد الرحمن هو ابن شريك بن عبد الله النخعي،

[ 245 ]

أبيه، عن محمد بن إسحاق (1)، عن يحيي بن عباد، عن أبي الزبير، عن أبيه، عن صفية بنت عبد المطلب أنها قالت: كنا مع حسان بن ثابت في حصن فارع والنبي صلى الله عليه وآله بالخنذق، فإذا يهودي يطوف بالحصن فخفنا أن يدل على عورتنا (2)، فقلت لحسان: لو نزلت إلى هذا اليهودي فإنى أخاف أن يدل على عورتنا، قال: يا بنت عبد - المطلب لقد علمت ما أنا بصاحب هذا، قالت فتحزمت (3) ثم نزلت وأخذت عمودا وقتلته (4) به، ثم قلت لحسان: اخرج فاسلبه، قال: لا حاجة لي في سلبه (5). بيان: في القاموس: فارع: حصن بالمدينة. 10 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله في حفر الخندق إذ جاءته فاطمة ومعها كسيرة (6) من خبز فدفعتها إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما هذه الكسيرة ؟ قالت: قرصا (7) خبزته للحسن والحسين جئتك منه بهذه الكسيرة (8)، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث (9).


(1) هو محمد بن اسحاق بن يسار المدنى صاحب السيرة، روى عنه ابن هشام ذلك الحديث مفصلا في سيرته، وفيه: يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن ابيه عباد قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت. (2) العورة: الخلل في ثغر البلاد وغيره يخاف منه. كل مكمن للستر. (3) أي شددت وسطى بالحزام. أي بحبل أو شبهه وفى السيرة احتجزت أي شددت وسطى، وتروى هذه الكلمة: " اعتجرت " ومعناه شددت معجرى. (4) في المصدر: فقتلته به. (5) امالي ابن الشيخ: 164. (6) كسرة خ ل. أقول: يوجد ذلك في العيون. والكسرة بالكسر: القطعه من الشيئ المكسور. (7) قرص خ ل. (8) في العيون: بهذه الكسرة. (9) عيون اخبار الرضا: 205 و 206.

[ 246 ]

صح: عنه عليه السلام مثله (1). 11 - ب: أبوالبختري، عن جعفر، عن أبيه، عن على عليهم السلام إنه قال: الحرب خدعة إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديثا فوالله لئن أخر من السماء أو يخطفني الطير أحب إلي من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، وإذا حدثتكم عني فإنما الحرب خدعة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله بلغه أن بني قريظة بعثوا إلى أبي سفيان انكم إذا التقيتم أنتم ومحمد (2) أمددناكم وأعناكم، فقام النبي صلى الله عليه وآله فخطبنا فقال: إن بني قريظة بعثوا إلينا انا إذا التقينا نحن وأبو سفيان أمددونا وأعانونا، فبلغ ذلك أبا سفيان فقال: غدرت يهود، فارتحل عنهم (3). 12 - ب: أبوالبختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام يوم بني قريظة بالراية، وكانت سوداء تدعى العقاب، وكان لواؤه أبيض (4). بيان: الراية: العلم الكبير، واللواء: أصغر منها، قال في المصباح: لواء الجيش: علمه، وهو دون الراية. 13 - ب: عنه، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنه قال: عرضهم رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ يعني بني قريظة على العانات، فمن وحده أنبت قتله، ومن لم يجده أنبت ألحقه بالذراري (5). 14 - ما: ابن مخلد، عن جعفر بن محمد بن نصير (6) عن الحسين بن كميت عن المعلى بن مهدي، عن أبي شهاب، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن عمر (7)


(1) صحيفة الرضا: 15 وفيه منذ ثلاثة ايام. (2) ومحمدا خ أقول: هو الموجود في المصدر. (3) قرب الاسناد: 62 و 63. (4) قرب الاسناد: 62. (5) قرب الاسناد: 63. (6) في المصدر: جعفر بن محمد بن نصير بن قاسم المعروف بالخلدى. (7) في المصدر ومستدرك الحاكم: عبد الملك بن عمير وهو الصحيح، وهو عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمى راجع تهذيب التهذيب 6: 411.

[ 247 ]

عن عطية رجل من بني قريظة قال: عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وآله فمن كانت له عانة قتله، ومن لم تكن له عانة تركه، فلم تكن لي عانة فتركني (1). 15 - ك: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير والبزنطي معا، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله بكعب بن أسد ليضرب عنقه فاخرج (2) وذلك في غزوة بني قريظة نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له: يا كعب اما نفعك وصية ابن حواش الحبر المقبل من الشام (3) فقال: " تركت الخمر والحمير، وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث، هذا أوان خروجة، يكون مخرجه بمكة، وهذه دار هجرته، وهو الضحوك القتال، يجتزئ بالكسرة والتميرات، ويركب الحمار العاري، في عينيه حمرة، و بين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي بمن لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر " قال كعب: قد كان ذلك يا محمد، ولولا أن اليهود تعيرني أني جبنت (4) عند القتل لآمنت بك وصدقتك، ولكني على دين اليهودية عليه أحيا وعليه أموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قدموه فاضربوا عنقه، فقدم وضربت عنقه (5). 16 - يج: روي أن عام الخندق أصاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله مجاعة لما حاصرهم المشركون، فدعا بكف من تمر، وأمر بثوب فبسط، وألقى ذلك التمر عليه، و أمر مناديا ينادي في الناس: هلموا إلى الغداء، فاجتمع أهل المدينة فأكلوا و صدروا والتمر تبض من أطراف الثوب.


(1) امالي ابن الشيخ: 249، ورواه الحاكم في المستدرك 3: 35 بطريق آخر عن عبد الملك بن عمير، وفيه: فمن كان منا محتلما أو نبتت عانته قتل، فنظروا إلى فلم تكن نبتت عانتي فتركت. (2) في المصدر: واخرج. (3) في المصدر: الحبر الدى اقبل من الشام. (4) في المصدر: خشيت. (5) كمال الدين: 114 و 115، واورده ايضا في باب البشائر بمولده راجع 15: 206

[ 248 ]

بيان: بض الماء: سال قليلا قليلا. 17 - يج: روي أن الحصار لما اشتد على المسلمين في حرب الخندق، ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله منهم الضجر لما كان فيه من الضر (1) صعد على مسجد الفتح فصلى ركعتين ثم قال: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد (2) بعدها في الارض " فبعث الله ريحا قلعت خيم المشركين، وبددت رواحلهم، وأجهدتهم بالبرد، وسفت الرمال والتراب عليهم، وجاءته الملائكة فقالت يا رسول الله إن الله قد أمرنا بالطاعة لك، فمرنا بما شئت، قال (3): زعزعي المشركين وارعبيهم، وكونوا من ورائهم (4) ففعلت بهم ذلك، وأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود " يعني أحزاب المشركين " فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم " أي أحزاب العرب " ومن أسفل منكم " (5) يعني بني قريظة حين نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وصاروا مع الاحزاب على المسلمين ثم رجع من مسجد الفتح إلى معسكره فصاح بحذيفة بن اليمان وكان قد ناداه (6) ثلاثا فقال في الثالثة: لبيك يا رسول الله، قال: تسمع صوتي ولا تجيبني ؟ فقال: منعني شدة البرد، فقال: " اعبر الخندق فاعرف خبر قريش والاحزاب وارجع، ولا تحدث حدثا حتى ترجع إلي " قال: فقمت وأنا أنتفض من البرد، فعبرت الخندق وكأني في الحمام فصرت إلى معسكرهم فلم أجد هناك إلا خيمة أبي سفيان وعنده جماعة من وجوه قريش، وبين أيديهم نار تشتعل مرة وتخبو أخرى، فانسللت فجلست (7) بينهم فقال أبو سفيان: إن كنا نقاتل أهل الارض فنحن بالقدرة عليه، وإن كنا


(1) الضر بالضم والفتح: الشدة والضيق وسوء الحال. (2) لما تعبد خ ل. (3) قال: قلت خ ل. (4) في ورائهم خ ل. (5) الاحزاب: 9 و 10. (6) وكان قريبا ثلاثا خ ل. (7) وجلست خ وحللت خ ل.

[ 249 ]

نقاتل أهل السماء كما يقول محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء، انظروا بينكم لا يكون لمحمد عين بيننا، فليسأل بعضكم بعضا، قال حذيفة: فبادرت إلى الذي عن يميني فقلت: من أنت ؟ قال: خالد بن الوليد، وقلت للذي عن يساري: من أنت ؟ قال: فلان، فلم يسألني أحد منهم، ثم قال أبو سفيان لخالد: إما أن تتقدم أنت فتجمع (1) الناس ليلحق بعضهم بعضا فأكون على الساقة، وإما أن أتقدم أنا وتكون على الساقة قال: بل أتقدم أنا وتتأخر أنت، فقاموا جميعا فتقدموا وتأخر أبو سفيان، فخرج من الخيمة واختفيت في ظلها، فركب راحلته وهي معقولة من الدهش الذي كان به، فنزل يحل العقال فأمكنني قتله، فلما هممت بذلك تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي " فكففت ورجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طلع الفجر، فحمد الله، ثم صلى بالناس الفجر، ونادى مناديه: " لا يبرحن أحد مكانه إلى أن تطلع الشمس " فما أصبح إلا وقد تفرق عنه الجماعة إلا نفرا يسيرا فلما طلعت الشمس انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله ومن كان معه، فلما دخل منزله أمر فنودي: ألا لا يصلي أحد إلا في بني قريظة، فسار المسلمون إليهم، فوجدوا النخل محدقا بقصرهم، ولم يكن للمسلمين معسكر ينزلون فيه، ووافى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " ما لكم لا تنزلون ؟ " فقالوا: ما لنا مكان، فنزل من اشتباك النخل فدخل في طريق بين النخل فأشار بيده يمنة، فانضم النخل بعضه إلى بعض، وأشار بيده يسرة فانضم النخل كذلك واتسع لهم الموضع فنزلوا. 18 - يج: روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما قتل علي عليه السلام عمرو بن عبد ود أعطى سيفه الحسن عليه السلام وقال: قل لامك: تغسل هذا الصيقل، فرده وعلي عليه السلام عند النبي صلى الله عليه وآله وفي وسطه نقطة لم تنق، قال: أليس قد غسلته الزهراء ؟ قال: نعم قال: فما هذه النقطة ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي سل ذا الفقار يخبرك، فهزه وقال: أليس قد غسلتك الطاهرة من دم الرجس النجس ؟ فأنطق الله السيف فقال: بلى،


(1) إلى. خ ل.

[ 250 ]

ولكنك ما قتلت بي أبغض إلى الملائكة من عمرو بن عبد ود، فأمرني ربي فشربت هذه النقطة من دمه، وهو حظي منه، فلا تنتضيني يوما إلا ورأته الملائكة وصلت عليك (1). بيان: نضى السيف وانتضاه: سله. 19 - شا: كانت غزاة الاحزاب بعد بني النضير، وذلك أن جماعة من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضيري وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع وهوذة بن قيس الوالبي وأبو عمارة (2) الوالبي في نفر من بني والبة خرجوا حتى قدموا مكة فصاروا إلى أبي سفيان صخر بن حرب لعلمهم بعداوته لرسول الله صلى الله عليه وآله وتسرعه إلى قتاله، فذكروا له ما نالهم منه، وسألوه المعونة لهم على قتاله، فقال لهم أبو سفيان: أنا لكم حيث تحبون، فاخرجوا إلى قريش فادعوهم إلى حربه واضمنوا النصرة لهم والثبوت معهم حتى تستأصلوه، فطافوا على وجوه قريش ودعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وآله وقالوا لهم: أيدينا مع أيديكم، ونحن معكم حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود أنتم أهل الكتاب الاول، والعلم السابق، وقد عرفتم الدين الذي جاء به محمد، وما نحن عليه من الدين، فديننا خيرمن دينه، أم هو أولى بالحق منا ؟ فقالوا لهم: بل دينكم خير من دينه (3)، فنشطت قريش لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وآله، وجاءهم أبو سفيان فقال لهم: قد مكنكم الله من عدوكم وهذه اليهود: تقاتله معكم ولن تنفك (4) عنكم حتى يؤتى على جميعها أو نستأصله (5)


(1) لم نجد الاحاديث الثلاثه في الخرائج المطبوع وذكرنا قبلا ان المطبوع مختصر، و كانت نسخة المصنف تامة تزيد على المطبوع. (2) في سيرة ابن هشام: وأبو عمار الوائلي في نفر من بنى النضير ونفر من بنى وائل. (3) زاد في السيرة: وانتم اولى بالحق منه، فهم الذين انزل الله فيهم: " الم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب " فذكر الايات إلى قوله: " وكفى بجهنم سعيرا: " (4) ولن تنفتل خ ل. (5) على جميعهم أو تستأصله خ ل.

[ 251 ]

ومن اتبعه، فقويت عزائمهم إذ ذاك في حرب النبي صلى الله عليه وآله (1)، ثم خرج اليهود حتى جاؤا غطفان وقيس غيلان (2) فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وضمنوا لهم النصرة والمعونة وأخبروهم باتباع قريش لهم على ذلك، فاجتمعوا (3) معهم، و خرجت قريش وقائدها إذ ذاك أبو سفيان صخر بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف في بني مرة، ووبرة بن طريف في قومه من أشجع (4)، واجتمعت قريش معهم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله اجتماع الاحزاب (5) عليه وقوة عزيمتهم في حربه استشار أصحابه فأجمع (6) رأيهم على المقام بالمدينة وحرب القوم إن جاؤا إليهم على أنقابها (7)، فاشار (8) سلمان الفارسي رحمه الله على رسول الله صلى الله عليه وآله بالخندق، فأمر بحفره، وعمل فيه بنفسه، وعمل فيه المسلمون، وأقبلت الاحزاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (9)، فهال المسلمين أمرهم و ارتاعوا من كثرتهم وجمعهم، فنزلوا ناحية من الخندق وأقاموا بمكانهم بضعا وعشرين


(1) رسول الله خ ل. (2) في المصدر: عيلان بالعين المهملة. وفى السيرة: " غطفان من قيس عيلان " ولعله الصحيح لان غطفان: بطن من قيس عيلان (3) واجتمعوا خ ل. (4) في السيرة: ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف [ وساق نسبه إلى غطفان ] فيمن تابعه من قومه من اشجع. (5) في المصدر: باجتماع الاحزاب. (6) فاجتمع خ ل. (7) الانقاب جمع النقب: الثقب. الطريق في الجبل. (8) واشار خ ل. (9) إلى النبي خ ل. أقول: وفى السيرة: اقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال من دومة بين الجرف وزغابة عشرة الاف من آحابيشهم ومن تبعهم من بنى كنانة واهل تهامة، واقبلت غطفان ومن تبعهم من اهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب احد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم قال ابن هشام: واستعمل على مدينة ابن ام مكتوم. قال ابن اسحاق: وامر بالذرارى والنساء فجعلوا في الاطام.

[ 252 ]

ليلة لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ضعف قلوب أكثر المسلمين (1) من حصارهم لهم ووهنهم في حربهم بعث إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف وهما قائدا غطفان يدعوهما إلى صلحه والكف عنه، والرجوع بقومهما عن حربه على أن يعطيهما ثلث ثمار المدينة، واستشار سعد بن عبادة (2) فيما بعث به إلى عيينة والحارث، فقال (3): يا رسول الله إن كان هذا الامر لابد لنا من العمل به لان الله أمرك فيه بما صنعت والوحي جاءك به فافعل ما بدالك، وإن كنت تختار (4) أن تصنعه لنا كان لنا فيه رأي، فقال صلى الله عليه وآله: " لم يأتني وحي به، ولكني رأيت (5) العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وجاؤكم (6) من كل جانب، فأردت إن اكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما " فقال سعد بن معاذ: قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الاوثان، لا نعرف الله ولا نعبده، ونحن لا نطعمهم من ثمرنا إلا قرى أو بيعا، والآن حين (7) أكرمنا الله بالاسلام وهدانا به (8) وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ؟ ما بنا (9) إلى هذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الآن قد عرفت ما عندكم، فكونوا على ما أنتم عليه، فإن الله تعالى لم يخذل نبيه ولن يسلمه حتى ينجز له وما وعده. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله في المسلمين (10) يدعوهم إلى جهاد العدو ويشجعهم و


(1) المؤمنين خ ل. (2) وسعد بن معاذ خ ل. أقول. في المصدر والسيرة: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة. (3) فقالا خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر والسيرة (4) تحب خ ل (5) في السيرة: قال: بل شئ اصنعه لكم، والله ما اصنع ذلك الا لانني رأيت (6) في المصدر: وكالبوكم. (7) في السيرة: وهم لا يطمعون ان يأكلوا منها تمرة الا قرى أو بيعا، افحين. (8) وهدانا له خ ل. (9) ما لنا خ ل. (10) في الناس خ ل.

[ 253 ]

يعدهم النصر من الله، فانتدبت فوارس من قريش للبراز، منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس بن عامر بن لؤي بن غالب، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب، ومرداس الفهري (1)، فلبسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيؤا يا بني كنانة للحرب ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما تأملوه قالوا: والله إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا من الخندق فيه ضيق فضربوا خيلهم فاقتحمته، وجاءت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج أمير المؤمنين علي عليه السلام (2) في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها فتقدم عمرو بن عبد ود الجماعة الذين خرجوا معه، وقد أعلم ليرى مكانه، فلما رأى المسلمين وقف هو والخيل التي معه، وقال: هل من مبارز (3) ؟ فبرز له (4) أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له عمرو: ارجع يا ابن الاخ فما احب أن أقتلك، فقال له أمير - المؤمنين عليه السلام: قد كنت يا عمرو عاهدت الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خصلتين إلا اخترتها منه، قال (5) أجل. فما ذاك ؟ قال: إني أدعوك إلى الله ورسوله والاسلام، قال: لا حاجة لي إلى ذلك (6)، قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال: ارجع فقد كان بيني وبين أبيك خلة وما احب أن أقتلك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لكنني والله احب أن أقتلك ما دمت آبيا للحق، فحمى (7) عمرو عند ذلك (8)


(1) في السيرة: وضرار بن الخطاب [ الشاعر ] بن مرداس اخو بنى محارب بن فهر. (2) ابن ابى طالب خ. (3) في السيرة: الثغرة التى اقحموا منها خيلهم، واقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى اثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم احد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال: من يبارز ؟ (4) فبرز إليه خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. (5) فقال خ ل. (6) في ذلك خ ل. (7) حمى: غضب واشتد غضبه. (8) من ذلك خ ل. (*)

[ 254 ]

وقال: أتقتلني ؟ ونزل عن فرسه فعقره وضرب وجهه حتى نفر، وأقبل على علي عليه السلام (1) مصلتا بسيفه (2) وبدره بالسيف، فنشب سيفه في ترس علي عليه السلام فضربه (3) أمير المؤمنين ضربة فقتله، فلما رأى عكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب وضرار بن الخطاب عمروا صريعا ولوا بخيلهم منهزمين حتى اقتحموا الخندق لا يلون إلى شئ وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام إلى مقامه الاول وقد كادت نفوس القوم الذين خرجوا معه إلى الخندق تطير جزعا، وهو يقول: نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد (4) بصواب فضربته وتركته متجدلا (5) * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب وقد روى محمد بن عمر الواقدي قال: حدثني عبد الله بن جعفر، عن أبي عون عن الزهري قال: جاء عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل و هبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله بن المغيرة وضرار بن الخطاب في يوم الاحزاب إلى الخندق، فجعلوا يطوفون به يطلبون مضيقا منه فيعبرون حتى انتهوا إلى مكان اكرهوا خيولهم فيه فعبرت وجعلوا يجيلون خيلهم (6) فيما بين الخندق وسلع، والمسلمون وقوف لا يقدم منهم أحد عليهم، وجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ويعرض للمسلمين (7) ويقول:


(1) إلى على عليه السلام خ ل. (2) في المصدر: مصلتا سيفه. (3) وضربه خ ل. (4) دين محمد خ ل. (5) في السيرة: " فصدرت حين تركته متجدلا " وستأتى الاشعار عن الديوان باختلاف وتغيير. (6) يجولون بخيلهم خ ل. (7) يحرض المسلمين خ ل. أقول: في المصدر: ويعرض بالمسلمين.

[ 255 ]

ولقد بححت من النداء * بجمعهم هل من مبارز وفي كل ذلك يقوم علي بن أبي طالب عليه السلام (1) ليبارزه فيأمره رسول الله صلى الله عليه وآله بالجلوس انتظارا منه ليتحرك غيره، والمسلمون كأن على رؤوسهم الطير لمكان عمرو بن عبد ود والخوف منه وممن معه ووراؤه (2) فلما طال ندآء عمرو بالبراز وتتابع قيام أمير المؤمنين عليه السلام قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ادن مني يا علي، فدنا منه فنزع عمامته من رأسه وعممه بها وأعطاه سيفه، وقال له: " امض لشأنك " ثم قال: " اللهم أعنه " فسعى نحو عمرو ومعه جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله لينظر ما يكون منه ومن عمرو، فلما انتهى أمير المؤمنين عليه السلام إليه قال له: يا عمرو إنك كنت في الجاهلية تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث واللات والعزى إلا قبلتها أو واحدة منها، قال: أجل، قال: فإني أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن تسلم لرب العالمين، قال: يا ابن أخ (3) أخر هذه عني، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أما إنها خير لك لو أخذتها، ثم قال: فههنا اخرى، قال: وما هي ؟ قال: ترجع من حيث جئت، قال: لا تحدث نساء قريش بهذا أبدا، قال: فههنا اخرى، قال: وما هي ؟ قال: تنزل فتقاتلني، فضحك عمرو و قال: إن هذه الخصلة ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومني عليها، إني لاكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك لي نديما. قال علي عليه السلام: لكني أحب أن أقتلك فانزل إن شئت، فأسف عمرو ونزل وضرب وجه فرسه حتى رجع، فقال جابر رحمه الله: فثارت بينهما قترة، فما رأيتهما، فسمعت (4) التكبير تحتها، فعلمت أن عليا قد قتله، فانكشف أصحابه حتى طفرت خيولهم الخندق، وتبادروا (5)


(1) من بينهم خ ل. (2) في المصدر " ومن ورائه " اقول: لعله مصحف: ومن وراؤه. (3) في المصدر: يا ابن الاخ. (4) وسمعت خ ل. (5) وتبادر المسلمون خ ل. أقول. في المصدر: وتبادر اصحاب النبي صلى الله عليه وآله.

[ 256 ]

أصحاب النبي صلى الله عليه وآله حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم، فوجدوا نوفل بن عبد الله في جوف الخندق لم ينهض به فرسه، فجعلوا يرمونه بالحجارة، فقال لهم: قتلة أجمل من هذه ينزل إلي بعضكم اقاتله، فنزل إليه أمير المؤمنين عليه السلام فضربه حتى قتله، ولحق هبيرة فأعجزه وضرب (1) قربوس سرجه وسقطت درع كانت عليه (2)، وفر عكرمة، وهرب ضرار بن الخطاب، فقال جابر: فما شبهت قتل علي عمروا إلا بما قص الله من قصة داود وجالوت حيث يقول جل شأنه: " فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت " (3). وقد روى قيس بن الربيع قال: حدثنا أبو هارون العبدي، عن ربيعة السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت له: يا أبا عبد الله إنا لنتحدث عن علي ومناقبه فيقول لنا أهل البصرة: إنكم تفرطون في علي، فهل أنت محدثي بحديث فيه ؟ فقال حذيفة: يا ربيعة وما تسألني عن علي ؟ فوالذي نفسي بيده ولو وضع جميع أعمال أصحاب محمد في كفة الميزان منذ بعث الله محمدا إلى يوم القيمة (4) ووضع عمل علي عليه السلام في الكفة الاخرى لرجح عمل علي عليه السلام على جميع أعمالهم، فقال ربيعة: هذا الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل، فقال حذيفة: يا لكع وكيف لا يحمل ؟


(1) فضرب خ ل. (2) كانت له خ ل. (3) البقرة: 251. وروى الحاكم في المستدرك 3: 34 نحو قول جابر باسناده عن يحيى بن آدم: وروى مبارزة على عليه السلام وقتله عمروا مستقصاه باسناده عن ابى العباس محمد بن يعقوب، عن احمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن اسحاق. (4) إلى يوم الناس هذا خ ل أقول: وهو الموجود في المصدر، قال الحاكم في المستدرك 3: 32 حدثنا لؤلؤ بن عبد الله المقتدرى في قصر الخليفة ببغداد، حدثنا أبو الطيب احمد بن ابراهيم بن عبد الوهاب المصرى بدمشق، حدثنا احمد بن عيسى الخشاب بتنيس حدثنا عمرو بن ابى سلمة حدثنا سفيان الثوري، عن بهز بن حكيم، عن ابيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لمبارزة على بن ابى طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق افضل من اعمال امتى إلى يوم القيامة " وقد روى اعلام اهل السنة هذا الحديث في كتبهم، راجع مناقب الخوارزمي وينابيع المودة.بحار الانوار - 16 -

[ 257 ]

وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد صلى الله عليه وآله يوم عمرو بن عبد ود، وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا عليا عليه السلام فإنه برز إليه وقتله الله على يده (1) ؟ والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل (2) أصحاب محمد صلى الله عليه وآله إلى يوم القيامة. وقد روى (3) هشام بن محمد، عن معروف بن خربوذ قال: قال علي بن أبيطالب في يوم الخندق: أعلي تقتحم الفوارس هكذا * عني وعنها خبروا (4) أصحابي اليوم يمنعني (5) الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بنابي (6) أرديت عمروا إذ طغى بمهند * صافي الحديد مجرب قضاب (7) فصددت (8) حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي (9) وروى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: لما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام عمروا أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله ووجهه يتهلل: فقال له عمر بن الخطاب: هلا سلبت يا علي درعه ؟ فإنه ليس (10) في العرب درع مثلها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:


(1) على يديه خ ل. (2) من اعمال خ ل. (3) رواه الحاكم في المستدرك باسناد ذكرناه آنفا. (4) اخبروا خ ل. أقول: في المستدرك: " عنى وعنهم اخروا اصحابي " ومثله في الديوان كما ياتي. (5) في المصدر: تمنعني. (6) هكذا في النسخ وفي المصدر، والصحيح: بناب. (7) زاد في المستدرك ههنا بيتين نحو ما يأتي عن الديوان. (8) في المستدرك: فصدرت. (9) زاد في المستدرك في الاخر بيتا مثل ما يأتي بعد عن الديوان. (10) تكون للعرب خ ل.

[ 258 ]

إني استحييت (1) أن أكشف سوأة ابن عمي (2). وروى عمر بن (3) الازهر عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أن عليا عليه السلام لما قتل عمرو بن عبد ود اجتز رأسه وحمله فألقاه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأس علي عليه السلام. وروى علي بن الحكيم الاودي قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: لقد ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام (4) أعز منها، يعني ضربة عمرو بن عبد ود، و لقد ضرب عليه السلام ضربة ما ضرب (5) في الاسلام أشأم منها، يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله. وفي الاحزاب أنزل الله تعالى: " إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم و إذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ". إلى قوله: " وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ". فتوجه العتب إليهم والتوبيخ والتقريع (6) ولم ينج من ذلك أحد بالاتفاق إلا أمير المؤمنين عليه السلام، إذ كان الفتح له وعلى يديه، وكان قتله عمروا ونوفل بن عبد الله سبب هزيمة المشركين، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله بعد قتله هؤلاء النفر: الآن نغزوهم ولا يغزونا، وقد روى يوسف بن كليب، عن سفيان بن زيد، عن قرة و


(1) استحيت خ ل. (2) رواه الحاكم في المستدرك باسناد ذكرته قبلا عن يونس بن بكير عن ابن اسحاق وفيه: هلا اسلبته درعه فليس للعرب درعا خيرا منها ؟ فقال: ضربته فاتقاني بسوءته واستحييت ابن عمى ان استلبه. (3) عمر بن ابى الازهر خ ل. أقول: في المصدر: عمر بن ابى الازهرى ولعلهما مصحفان عن عمرو بن الازهر. وهو العتكى قاضى جرجان. فتأمل. (4) ضربة خ ل. (5) ولقد ضرب على عليه السلام ضربة ما كان خ ل. (6) والتقريع والعتاب خ ل أقول: في المصدر: " والخطاب " ولعله مصحف.

[ 259 ]

غيره عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ " وكفى الله المؤمنين القتال بعلي وكان الله قويا عزيزا " (1). وفي قتل عمرو بن عبد ود يقول حسان بن ثابت: أمسى الفتى عمرو بن عبد يبتغي * بجنوب (2) يثرب غارة لم تنظر (3) ولقد (4) وجدت سيوفنا مشهورة * ولقد وجدت جيادنا لم تقصر ولقد رأيت غداة بدر عصبة * ضربوك ضربا غير ضرب المحسر (5) أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة * يا عمرو أو لجسيم أمر منكر ويقال: إنه لما بلغ شعر حسان بن ثابت بني عامر اجابه فتى منهم فقال يرد عليه في افتخاره بالانصار (6): كذبتم وبيت الله لا تقتلوننا (7) * ولكن بسيف الهاشميين فافخروا بسيف ابن عبد الله أحمد في الوغا * بكف علي نلتم ذاك فاقصروا ولم تقتلوا (8) عمرو بن عبد ببأسكم * ولكنه الكفو الهزبر الغضنفر علي الذي في الفخر طال بناؤه (9) * ولا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا ببدر خرجتم للبراز فردكم * شيوخ قريش جهرة وتأخروا فلما أتاهم حمزة وعبيدة * وجاء علي بالمهند يخطر


(1) روى ذلك الشيخ سليمان الحنفي البلخي في كتاب ينابيع المودة، وذكر بعض من رواه في كتبه من أعلام أهل السنة. ويأتى التفصيل في كتاب فضائله عليه السلام. (2) بجيوب خ ل. أقول: المذكور في السيرة مثل ما في المتن. (3) لم ينظر خ ل. أقول: في السيرة: " ثأره لم ينظر ". (4) في السيرة: فلقد. (5) المخسر خ ل. أقول: في المصدر والسيرة: الحسر. (6) للانصار خ ل. (7) لم تقتلوننا خ ل. (8) فلم تقتلوا خ ل. (9) ثناؤه خ ل.

[ 260 ]

فقالوا: نعم أكفاء صدق فأقبلوا * إليهم سراعا إذ بغوا وتجبروا فجال علي جولة هاشمية * فدمرهم لما عتوا وتكبروا فليس لكم فخر علينا بغيرنا * وليس لكم فخر يعد ويذكر وقد روى أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا سليمان بن أيوب، عن أبي الحسن المدائني قال: لما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام عمرو بن عبد ود نعي إلى اخته فقالت: من ذا الذي اجترأ عليه ؟ فقالوا: ابن أبي طالب عليه السلام، فقالت: لم يعد موته (1) على يد كفو كريم، لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قتل الابطال، وبارز الاقران، وكانت منيته (2) على يد كفو كريم من قومه، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر. ثم أنشأت تقول: لو كان قاتل عمرو غير قاتله * لكنت أبكي عليه آخر الابد لكن قاتل عمرو (3) لا يعاب به * من كان يدعى قديما بيضة البلد (4) وقالت أيضا في قتل أخيها وذكر علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: اسدان في ضيق المكر (5) تصاولا * وكلاهما كفو كريم باسل


(1) يومه خ ل. أقول: في المصدر: لم يعد موته الا على يد كفو كريم. (2) ميتته خ ل. (3) قاتله من لا يعاب خ ل. (4) روى الحاكم في المستدرك 3: 33: عن أبى بكر بن أبى دارم الحافظ، عن منذر بن محمد اللخمى، عن أبيه، عن يحيى بن محمد بن عباد بن هاني، عن محمد بن اسحاق بن يسار قال: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما قتل على بن أبى طالب رضى الله عنه عمرو بن عبد ود أنشأت اخته عمرة بنت عبد ود ترثيه، فقالت: لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته ما أقام الروح في جسدي لكن قاتله من لا يعاب به * وكان يدعى قديما بيضة البلد وقال ابن شهر آشوب في المناقب: وروى عن اختيه كبشة وعمرة وعن ابنته ام كلثوم، اسدان اه‍. وفيه: وسط المذاد. (5) المكر: موضع الكر في القتال.

[ 261 ]

فتخالسا مهج النفوس كلاهما * وسط المدار مخائل ومقاتل وكلاهما حضر القراع حفيظة * لم يثنه (1) عن ذاك شغل شاغل فاذهب علي فما ظفرت بمثله * قول سديد ليس فيه تحامل (2) والثأر (3) عندي يا علي فليتني * أدركته والعقل مني كامل ذلت قريش بعد مقتل (4) فارس * فالذل مهلكها وخزي شامل ثم قالت: والله لا تأرت قريش بأخي ما حنت النيب. ولما انهزم الاحزاب وولوا عن المسلمين الدبر عمل رسول الله على قصد بني قريظة، وأنفذ أمير المؤمنين (5) عليه السلام إليهم في ثلاثين من الخزرج، وقال له: انظر بني قريظة هل نزلوا حصونهم، فلما شارف سورهم سمع منهم الهجر، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال: دعهم فإن الله سيمكن منهم، إن الذي أمكنك من عمرو بن عبد ود لا يخذلك، فقف حتى يجتمع الناس إليك، وأبشر بنصر من عند الله، فإن الله تعالى قد نصرني بالرعب من بين يدي مسيرة شهر، قال علي عليه السلام فاجتمع الناس إلي وسرت حتى دنوت من سورهم فأشرفوا علي، فلما رأوني (6) صاح صائح منهم: قد جاءكم قاتل عمرو، وقال آخر (7): قد أقبل إليكم قاتل عمرو، وجعل بعضهم يصيح ببعض ويقولون ذلك، وألقى الله في قلوبهم الرعب، وسمعت راجزا يرتجز: قتل علي عمروا * صاد علي صقرا


(1) القراع: الضراب والقتال. والحفيظة، والحمية. لم يثنه أي لم يصرفه (2) تجاهل خ ل. (3) الثأر: طلب دم المقتول من القاتل وطلب المكافاة. (4) بعد مصرع خ ل. (5) عليا خ. (6) فحين رأوني خ ل. (7) آخرون خ ل.

[ 262 ]

قصم علي ظهرا * أبرم علي أمرا هتك علي سترا فقلت: الحمد لله الذي أظهر الاسلام وقمع الشرك، وكان النبي صلى الله عليه وآله قال لي حين توجهت إلى بني قريظة: " سر على بركة الله تعالى، فإن الله قد وعدكم أرضهم وديارهم " فسرت متيقنا لنصر الله (1) عزوجل حتى ركزت الراية في أصل الحصن، فاستقبلوني (2) في صياصيهم يسبون رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما سمعت سبهم له كرهت أن يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فعملت على الرجوع إليه، فإذا به صلى الله عليه وآله قد طلع وسمع سبهم له، فناداهم: " يا أخوة القردة والخنازير، إنا إذا حللنا (3) بساحة قوم فسآء صباح المنذرين " فقالوا له: يا أبا القاسم ما كنت جهولا ولا سبابا فاستحيى رسول الله صلى الله عليه وآله ورجع القهقرى قليلا ثم أمر فضربت (4) خيمته بإزاء حصونهم، فاقام (5) النبي صلى الله عليه وآله حاصرا (6) لبني قريظة خمسا وعشرين ليلة حتى سألوه النزول على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم سعد بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء وقسمة الاموال، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " يا سعد لقد حكمت فيهم بحكم الله (7) من فوق سبعة أرقعة " وأمر النبي صلى الله عليه وآله بانزال الرجال منهم وكانوا تسعمائة (8) رجل فجئ بهم إلى المدينة، وقسم الاموال، واسترق الذراري والنسوان، ولما جئ بالاسارى إلى المدينة حبسوا في دار من دور بني النجار (9)، وخرج رسول -


(1) بنصر الله خ ل. (2) واستقبلونى خ ل. (3) نزلنا خ ل. (4) فضرب خ ل. (5) واقام خ ل. (6) محاصرا خ ل. (7) تعالى خ. (8) في السيرة: وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة. (9) في السيرة عن ابن اسحاق انهم حبسوا في دار بنت الحارث امرأة من بنى النجار.

[ 263 ]

الله صلى الله عليه وآله إلى موضع السوق اليوم فخندق فيه خنادق (1)، وحضر أمير المؤمنين عليه السلام ومعه المسلمون وأمر بهم أن يخرجوا، وتقدم إلى أمير المؤمنين عليه السلام أن يضرب أعناقهم في الخندق، فاخرجوا إرسالا، وفيهم حيي بن أخطب وكعب بن أسد، وهما إذ ذاك رئيسا القوم، فقالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: يا كعب ما تراه يصنع بنا ؟ فقال: في كل موطن لا تعقلون ؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، ومن ذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل، وجئ بحيي بن أخطب مجموعة يداه إلى عنقه، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أما والله ما لمت نفسي على عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنه لابد من أمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثم اقيم بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول: قتلة شريفة بيد شريف: فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن خيار الناس يقتلون شرارهم، وشرارهم (2) يقتلون خيارهم، فالويل لمن قتله الاخيار الاشراف، والسعادة لمن قتله الارذال الكفار، فقال: صدقت لا تسلبني حلتي، فقال: هي أهون علي من ذاك، فقال: سترتني سترك الله، ومد عنقه فضربها علي عليه السلام ولم يسلبه من بينهم، ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام لمن جاء به: ما كان يقول حيي وهو يقاد إلى الموت ؟ قال (3) كان يقول (4): لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل فجاهد حتى بلغ النفس جهدها * وحاول يبقى العز كل مقلقل (5) فقال أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام:


(1) الخندق هنا بمعنى الحفيرة وهو معرب كنده، ويقال له بالفارسية: كودال. (2) شرار الناس خ ل. (3) قال خ ل. (4) قدمنا ان ابن هشام قال: الشعر لغيره وهو جبل بن جوال الثعلبي. (5) في السيرة: لجاهد حتى ابلغ النفس عذرها * وقلقل يبغى العز كل مقلقل أقول: قلقل: تحرك وفي المصدر: كل مغلغل بالغين المعجمة.

[ 264 ]

لقد كان ذا جد وجد (1) بكفره * فقيد إلينا في المجامع (2) يعتل (3) فقلدته بالسيف ضربة محفظ (4) * فصار إلى قعر (5) الجحيم يكبل (6) فذاك مآب الكافرين ومن يطع * لامر إله الخلق في الخلد ينزل (7) واصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله من نسائهم بنت عمرة خناقة (8) وقتل من نسائهم امرأة واحدة كانت أرسلت عليه حجرا، وقد جاء (9) باليهود يناظرهم قبل مباينتهم له فسلمه الله تعالى من ذلك الحجر (10)، وكان الظفر ببني قريظة وفتح الله على النبي صلى الله عليه وآله بأمير المؤمنين عليه السلام، وما كان من قتله من قتل منهم، وما ألقاه الله عزوجل في قلوبهم من الرعب فيه (11) وماثلث هذه الفضيلة ما تقدمها من فضائله، وشابهت هذه المنقبة ما سلف ذكره من مناقبه عليه السلام (12). بيان: قوله: إلا قرى، أي ضيافة. قوله: تعنق بهم من باب الافعال أي تسرع، والعنق بالتحريك: ضرب من سير الدابة. وسلع: جبيل بالمدينة. قوله عليه السلام: نصر الحجارة، أقول في الديوان المنسوب إليه صلى الله عليه وآله زيادة وتغيير: أعلي تقتحم الفوارس هكذا * عني وعنهم أخروا أصحابي


(1) وحد خ ل. أقول: في الديوان: وجد لكفره (2) في المحافل خ ل. (3) أي يجذب. (4) أي مغضب. (5) على قعر خ ل. (6) أي يقيد ويحبس. (7) في الديوان: فذاك مآب الكافرين ومن يكن * مطيعا لامر الله في الخلد ينزل. (8) في السيرة: قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن جنافة احدى نساء بنى عمرو بن قريظة. أقول سيأتي أيضا عن الكازرونى انها ريحانة. (9) وقد جاء النبي صلى الله عليه وآله خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (10) في السيرة: وهى التى طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته. (11) منه خ ل. (12) ارشاد المفيد: 48 - 57.

[ 265 ]

اليوم تمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الهام ليس بنابي (1) آلى ابن عبد حين شد إلية * وحلفت فاستمعوا من الكذاب أن لا يصد (2) ولا يهلل فالتقى * رجلان يضطربان كل ضراب فصددت حين رأيته منقطرا * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي عبد الحجارة من سفاهة (3) رأيه * وعبدت رب محمد بصواب عرف ابن عبد حين أبصر صارما * يهتز أن الامر غير لعاب أرديت عمروا إذ طغى بمهند * صافي الحديد مهذب قضاب لا تحسبوا الرحمن خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب (4) قوله عليه السلام: أخروا أصحابي، أي أخروا أنفسكم يا أصحابي، ويحتمل أن يكون أصحابي مفعولا، والحفيظة: الغضب والحمية. وصمم السيف: أي مضى في العظم وقطعه، ويقال نبا السيف: إذا لم يعمل في الضريبة. قوله: آلى، أي حلف. والالية بكسر اللام وتشديد الياء: اليمين. وشد عليه أي حمل عليه. قوله: أن لا يصد، أي لا يعرض عن الحرب ولا يرجع. ولا يهلل، أي لا يسلم. والاضطراب: التضارب. وقطره تقطيرا، أي ألقاه على أحد جنبيه فتفطر. والدكادك جمع الدكداك، وهو ما التبد من الرمل بالارض ولم يرتفع. والرابية: ما ارتفع من الارض. ويقال: طعنه فجدله، أي رماه بالارض فانجدل، أي سقط. وبزه ثوبه، أي سلبه (5). والصارم: السيف القاطع. والاهتزاز: التحرك. قوله: غير لعاب، أي ملاعبة. والمهند: السيف المطبوع من حديد الهند. والقضب: القطع. قوله:


(1) هكذا في النسخ، وفى المصدر (بناب) وهو الصحيح، (2) قوله: " أن لا يصد " مفعول لقوله: آلى. (3) في مستدرك الحاكم 3: 33: عبد الحجارة من سفاهة عقله. (4) الديوان: 23. (5) والمعنى انى قتلته ولم أفكر في سلبه، ولو كان هو القاتل لاخذ اثوابي.

[ 266 ]

كأن على رؤوسهم الطير، أي لا يتحركون للخوف، فإن الطير إنما يجلس على شئ ساكن، أو لان من كان على رأسه طير يريد أن يصيده لا يتحرك. وأسف عليه كعلم: غضب. والقترة بالتحريك: الغبار. وأحجم عن الامر: كف وتأخر. و خطر الرجل بسيفه: رفعه مرة ووضعه اخرى. قولها: لم يعد موته، أي لم يتجاوز موته عن أن كان على يد كفو كريم. وقولها: لا رقأت دمعتي، دعاء على نفسها على وجه الحلف، أي لا سكنت دمعتي أبدا إن صببتها عليه بعد سماع هذا الخبر. وبيضة البلد: واحده الذي يجتمع إليه ويقبل قوله. والتصاول: التواثب. والباسل: الشجاع قولها: وسط المدار، أي عليهما يدور أمر الحرب، أو كل أمر. والمخاتلة: المخادعة. وقال الجوهري: الناب: المسنة من النوق، والجمع النيب. وفي المثل: لا أفعل ذلك ما حنت النيب (1). وقال: عتلت الرجل أعتله وأعتله: إذا جذبته جذبا عنيفا. 20 - فر: جعفر بن أحمد معنعنا عن محمد بن كعب (2) قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من الاحزاب قال له جبرئيل: عفى الله عنك وضعت السلاح ؟ ما زلت بمن معي من الملائكة نسوق المشركين حتى نزلنا بهم حمراء الاسد. اخرج وقد امرت بقتالهم. وإني غاد بمن معي، فنزلزل بهم حصونهم حتى تلحقونا، فأعطى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الراية، وخرج في أثر (3) جبرئيل عليه السلام، وتخلف النبي صلى الله عليه وآله، ثم لحقهم، فجعل كلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله بأحد فقال: مر بكم الفارس ؟ فقالوا: مر بنا دحية بن خليفة، وكان جبرئيل يشبه به، قال: فخرج يومئذ على فرس وكف (4) بقطيفة ارجوان أحمر، (5) فلما نزلت بهم جنود الله نادى مناديهم:


(1) أي أبدا. (2) في المصدر المطبوع. محمد بن كعب الفرطى. أقول: هو مصحف القرظى. والرجل محمد بن كعب بن سليم بن أسد أبو حمزة القرظى المدنى. ولد في سنة 40 ومات سنة 120، أو قبل ذلك. (3) خرج في أثره وإثره إلى بعده. (4) وكف الحمار: وضع عليه الوكاف، والوكاف: كساء يلقى على ظهر الدابة. وفى المصدر: مكفر بقطيفة، أقول: أي مستور بذلك. (5) الارجوان: شجر له ورد صبغ احمر. ثياب حمر.

[ 267 ]

يا أبا لبابة بن عبد المنذر (1) مالك ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: هذا يدعون فأتهم وقل: معروفا، فلما اطلع عليهم انتحبوا في وجهه يبكون، وقالوا: يا أبا لبابة لا طاقة لنا اليوم بقتال من وراءك (2). 21 - كا: محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان وأحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام في قول الله عزوجل: " احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " (3) الآية، فقال: نزلت في خوات بن جبير الانصاري، وكان مع النبي صلى الله عليه وآله في الخندق وهو صائم، فأمسى وهو على تلك الحال. وكانوا قبل أن تنزل هذه الآية إذا نام أحدهم حرم عليه الطعام والشراب، فجاء خوات إلى أهله حين أمسى فقال: هل عندكم طعام ؟ فقالوا: لا تنم (4) حتى نصلح لك طعاما، فاتكأ فنام، فقالوا له: قد فعلت، قال: نعم، فبات على تلك الحال فأصبح، ثم غدا إلى الخندق فجعل يغشى عليه فمر به رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رأى الذي به أخبره كيف كان أمره، فأنزل الله عزوجل فيه الآية: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر " (5). 22 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تأتي مسجد الاحزاب فتصلي فيه وتدعو الله فيه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا فيه يوم الاحزاب، وقال: " يا صريخ المكروبين ويا مجيب (6) المضطرين، ويا مغيث المهمومين، اكشف همي وكربي (7) فقد ترى


(1) نادى ابا لبالة، لانهم كانوا حلفاءه. وسياتى ذكر ما رأى أبو لبابة لهم وقصته. (2) تفسير فرات: 60. (3) البقرة: 187. (4) في المصدر: لا (لا خ) تنم. (5) فروع الكافي 1: 190. (6) يا مجيب دعوة المضطرين خ ل. (7) في المصدر: وكربي وغمى.

[ 268 ]

حالي وحال أصحابي " (1). 23 - كا: علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن هشام بن سالم، عن أبان بن عثمان عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله على التل الذي عليه مسجد الفتح في غزوة الاحزاب في ليلة ظلماء قرة، فقال: " من يذهب فيأتينا بخبرهم وله الجنة " ؟ فلم يقم أحد ثم أعادها فلم يقم أحد، فقال أبو عبد الله عليه السلام بيده: وما أراد القوم ؟ أرادوا أفضل من الجنة ؟ ثم قال: " من هذا ؟ " فقال: حذيفة، فقال: " أما تسمع كلامي منذ الليلة ولا تكلم ؟ اقترب (2) " فقام حذيفة وهو يقول: القر والضر جعلني الله فداك منعني أن اجيبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " انطلق حتى تسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم " فلما ذهب قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى ترده " وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا حذيفة لا تحدث شيئا حتى تأتيني " فأخذ سيفه وقوسه وحجفته (3)، قال حذيفة: فخرجت وما لي (4) من ضر ولا قر، فمررت على باب الخندق وقد اعتراه المؤمنون والكفار، فلما توجه حذيفة قام رسول الله صلى الله عليه وآله ونادى: " يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همي وغمي وكربي فقد ترى حالى وحال أصحابي " فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله عز ذكره قد سمع مقالتك ودعاءك وقد أجابك وكفاك هول عدوك، فجثا (5) رسول الله صلى الله عليه وآله على ركبتيه وبسط يديه وأرسل عينيه، ثم قال: " شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد بعث الله عزوجل عليهم ريحا من سماء الدنيا فيها حصى، وريحا من السماء الرابعة فيها جندل، قال حذيفة: فخرجت فإذا أنا بنيران القوم وأقبل جند الله الاول


(1) فروع الكافي 1: 318 (2) أقبرت خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. (3) الحجفة بتقديم المهملة والتحريك: الترس من جلد بلا خشب. (4) في المصدر: وما بى من ضر ولا قر. (5) جثا: جلس على ركبتيه، أو قام على اطراف اصابعه.

[ 269 ]

ريح فيها حصى فما تركت لهم نارا إلا أذرتها، ولا خباء إلا طرحته، ولا رمحا إلا ألقته حتى جعلوا يتترسون من الحصى، فجعلنا نسمع وقع الحصى في الاترسة، فجلس حذيفة بين رجلين من المشركين فقام إبليس في صورة رجل مطاع (1) في المشركين فقال: أيها الناس إنكم قد نزلتم بساحة هذا الساحر الكذاب، ألا وإنه لن يفوتكم من أمره شئ فإنه ليس سنة مقام، قد هلك الخف والحافر، فارجعوا فلينظر (2) كل رجل منكم من جليسه، قال حذيفة: فنظرت عن يميني فضربت بيدي فقلت: من أنت ؟ فقال معاوية، فقلت للذي عن يساري: من أنت ؟ فقال: سهيل بن عمرو، قال حذيفة: وأقبل جند الله الاعظم، فقام أبو سفيان إلى راحلته، ثم صاح في قريش: النجاء النجاء، وقال طلحة الازدي: لقد رادكم (3) محمد بشر، ثم قام إلى راحلته وصاح في بني أشجع: النجاء النجاء، وفعل عيينة بن حصن مثلها، ثم فعل الحارث بن عوف المزني مثلها، ثم فعل الاقرع بن حابس مثلها، وذهب الاحزاب، و رجع حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره الخبر، وقال أبو عبد الله عليه السلام: إنه كان ليشبه (4) بيوم القيامة (5).


(1) هو أبو سفيان كما تقدم. (2) في المصدر: ولينظر. (3) " ": لقد زادكم. (4) شبيها خ ل. (5) روضة الكافي: 277 - 279. فيه يوم القيامة أقول: تقدم في حديث ان حذيفة قال: فقلت للذى عن يميني: من انت ؟ قال: انا عمرو بن العاص، ثم قلت للذى عن يسارى: من أنت ؟ قال: أنا معاوية، قوله طلحة الازدي لعل الصحيح على ما في الامتاع: طليحة الاسدي وهو طليحة بن خويلد قائد بنى أسد، وأما قائد بنى أشجع فهو مسعر بن رخيلة، والحارث بن عوف المزني في السيرة والامتاع: " المرى " وهو قائد بنى مرة: والتصحيف من الروات. استدراك وكانت مدة حصار الخندق خمسة عشر يوما، وقيل: عشرين يوما، وقيل: قريبا من شهر. وكتب أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله كتابا فيه: " باسمك اللهم، فانى احلف باللات والعزى لقد سرت اليك في جمعنا وانا نريد ألا نعود

[ 270 ]

بيان: القر بالضم: البرد. والضر بالضم: سوء الحال. والجندل: الحجارة، وهي أكبر من الحصى قوله: النجآء، قال الجزري: هو مصدر منصوب بفعل مضمر، أي انجو النجاء، وتكراره للتأكيد، والنجآء: السرعة، ونجا من الارض: خلص، وأنجاه غيره. والرود: الطلب. 24 - كا: العدة، عن سهل، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما حفر رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق مروا بكدية فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله المعول من يد أمير المؤمنين عليه السلام أو من يد سلمان رضي الله عنه فضرب بها ضربة فتفرق بثلاث فرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد فتح علي في ضربتي هذه


ابدا حتى نستأصلكم، فرأيت قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق فليت شعرى من علمك هذا ؟ فان نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم احد " وبعث به مع ابى اسامة الجشمى فقرأه أبى ابن كعب على رسول الله صلى الله عليه وآله في قبته، وكتب إليه: " من محمد رسول الله إلى أبى سفيان بن حرب، اما بعد فقديما غرك بالله بالغرور، اما ما ذكرت انك سرت الينا في جمعكم و انك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا فذلك امر يحول الله بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزى، واما قولك: من علمك الذى صنعنا من الخندق ؟ فان الله الهمنى ذلك لما اراد من غيظك وغيظ اصحابك، وليأتين عليك يوم تدافعني بالراح، وليأتين عليك يوم اكسر فيه اللات والعزى واساف ونائلة وهبل حتى اذكرك ذلك ". ويقال: كان في كتاب أبى سفيان: " ولقد علمت انى لقيت اصحابك ناجيا وانا في عير لقريش فما خص اصحابك منا شعرة، ورضوا منا بمدافعتنا بالراح، ثم اقبلت في عير قريش حتى لقيت قومي - فلم تلقنا - فاوقعت بقومي ولم اشهدها من وقعة، ثم غزوتك في عقر داركم فقتلت وحرقت [ يعنى غزوة السويق ] ثم غزوتك في جمعنا يوم احد، فكانت وقعتنا فيكم مثل وقعتكم بنا ببدر ثم سرنا اليكم في جمعنا ومن تألب إلينا يوم الخندق، فلزمتم الصياصى وخندقتم الخنادق " قاله المقريزى في الامتاع: 240. وقتل يومئذ من المسلمين ستة نفر، ثلاثة من بنى عبد الاشهل: سعد بن معاذ، وأنس بن أوس ابن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل، ورجلان من بنى جشم بن الخزرج ثم من بنى سلمة، هما الطفيل بن نعمان، وثعلبة بن غنمة، ورجل من بنى النجار ثم من بنى دينار هو كعب بن زيد اصابه سهم غرب فقتله. سهم غرب باضافة وغير اضافة: هو الذى لا يعرف من اين جاء ولا من رمى به. وقتل من المشركين ثلاثة، منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبدالدار، من بنى عبد

[ 271 ]

كنوز كسرى وقيصر، فقال أحدهما لصاحبه: يعدنا كنوز كسرى وقيصر وما يقدر أحدنا يخرج يتخلي. بيان: الكدية بالضم: الارض الصلبة، والضمير في أحدهما راجع إلى أبي بكر وعمر. أقول: قد مضى كثير من أخبار تلك الواقعة في أبواب المعجزات. وذكر الطبرسي في إعلام الورى وابن شهر آشوب في المناقب نحوا مما مر، وقالا: كان غزوة الخندق في شوال سنة خمس (1).


الدار، اصابه سهم فمات منه بمكة. ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، من بنى مخزوم بن يقظة، كان اقتحم الخندق فتورط فيه فقتل، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبيعهم جسده، فقال صلى الله عليه وآله: " لا حاجة لنا في جسده ولا بثمنه ". وعمرو بن عبد ود من بنى عامر بن لؤى، ثم من بنى مالك بن حسل، قتله على بن أبي طالب عليه السلام، وقال ابن هشام: حدثنى الثقة انه حدث، عن ابن شهاب الزهري انه قال: قتل على بن أبى طالب يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسل بن عمرو. ولم تغز كفار قريش المسلمين بعد الخندق. وذكر المقريزى في الامتاع: 235 من دلائل النبوة ومعجزات النبي صلى الله عليه وآله في هذه الغزوة أن المسلمين قد اصابهم مجاعة شديدة، وكان أهلوهم يبعثون إليهم بما قدروا عليه، فارسلت عمرة ابنة رواحة ابنتها بجفنة تمر عجوة في ثوبها إلى زوجها بشير بن سعد بن ثعلبة الانصاري، والى اخيها عبد الله بن رواحة، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا في اصحابه، فقال: تعالى يا بنية، ما هذا معك ؟ فأخبرته، فاخذه في كفيه ونثره على ثوب بسط له، وقال لجعال بن سراقة: اصرخ يا أهل الخندق ان هلم إلى الغداء، فاجتمعوا عليه يأكلون منه حتى صدر اهل الخندق وانه ليفيض من اطراف الثوب. وارسلت ام معتب الاشهلية بقعبة فيها حيس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في قبته مع ام سلمة، فاكلت حاجتها ثم خرج بالقعبة فنادى مناديه: هلم إلى عشائه، فأكل أهل الخندق حتى نهلوا وهى كما هي. (1) لم نظفر بالتاريخ في المناقب، واما اعلام الورى ففيه: كانت غزوة الخندق وهى الاحزاب في شوال من سنة اربع من الهجرة. راجع اعلام الورى: ص 57 (ط 1) و 99 (ط 2). ومناقب آل أبى طالب 1: 170: و 171، وذكر فيه بعد ما رأى عمرو الخندق، فقال: يا لك من مكيدة ما انكرك * لا بد للملهوب من ان يعبرك

[ 272 ]

25 - وقال ابن شهر آشوب: كان المشركين ثمانية عشر ألف رجل. والمسلمون ثلاثة آلاف، وكان المشركون على الخمر والغناء والمدد والشوكة، والمسلمون كأن على رؤوسهم الطير لمكان عمرو، والنبي صلى الله عليه وآله جاث على ركبتيه، باسط يديه، باك عينيه ينادي بأشجى صوت: " يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي وكربي فقد ترى حالي " ودعا عليهم فقال: " اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، أهزم الاحزاب " وكانت غزوة بني قريظة في ذي القعدة (1). 26 - وقال الطبرسي. لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة الاحزاب ودخل المدينة ضربت له ابنته فاطمة غسولا فهي تغسل رأسه إذ أتاه جبرئيل على بغلة معتجرا بعمامة بيضاء، عليه قطيفة من إستبرق، معلق عليها الدر والياقوت، عليه الغبار، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح الغبار عن وجهه، فقال له جبرئيل: " رحمك ربك، وضعت السلاح ولم يضعه أهل السماء ؟ ما زلت أتبعم حتى بلغت الروحآء " ثم قال جبرئيل عليه السلام: " انهض إلى إخوانهم من أهل الكتاب فوالله لادقنهم دق البيضة على الصخرة " فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا فقال: " قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة " وقال: " عزمت عليكم أن لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة " فأقبل علي عليه السلام ومعه المهاجرون وبنو عبد الاشهل وبنو النجار كلها لم يتخلف عنه منهم أحد، وجعل النبي صلى الله عليه وآله يسرب (2) إليه الرجال، فما صلى بعضهم العصر إلا بعد العشاء، فأشرفوا عليه وسبوه، وقالوا: " فعل الله بك وبابن عمك " وهو واقف لا يجيبهم، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون حوله تلقاه أمير المؤمنين عليه السلام وقال: لا تأتهم يا رسول الله صلى الله عليه وآله جعلني الله فداك فإن الله سيجزيهم (3)، فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 170 و 171. (2) أي يرسل إليه طائفة طائفة. (3) سيخزيهم خ ل.بحار الانوار - 17 -

[ 273 ]

أنهم قد شتموه فقال: " أما أنهم لو رأوني ما قالوا شيئا مما سمعت " وأقبل ثم قال: " يا إخوة القردة إنا إذا نزلنا بساحة قوم فسآء صباح المنذرين، يا عباد الطواغيت، اخسأوا أخسأكم الله " فصاحوا يمينا وشمالا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشا، فما بدالك ؟ قال الصادق عليه السلام: فسقطت العنزة من يده، وسقط رداؤه من خلفه، ورجع يمشي إلى ورائه حياء مما قال لهم (1). 27 - أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: فأما الجراحة التي جرحها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد (2) فإنها أجل من أن يقال: جليلة، وأعظم من أن يقال: عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل، وقد سأله سائل: أيما أعظم منزلة عند الله ؟ علي أم أبو بكر فقال: يا ابن أخي والله لمبازرة علي عمروا يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والانصار وطاعاتهم كلها، فضلا عن أبي بكر وحده، وقد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا بل ما هو أبلغ منه، ثم ذكر خبر حذيفة كما مر في رواية المفيد رحمه الله، وذكر أكثر الروايات التي رواها المفيد في هذا الباب، وقال: وجاء في الحديث المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذلك اليوم حين برز إليه: " برز الايمان كله إلى الشرك كله " وفي الحديث المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال عند قتل عمرو: " ذهب ريحهم ولا يغزوننا بعد اليوم ونحن نغزوهم إنشاء الله " (3). ثم ساق القصة إلى أن قال: فقال عمرو: من أنت ؟ وكان شيخا كبيرا قد جاوز


(1) اعلام الورى: 59 (ط 1) و 102 (ط 2). (2) يقال لعمرو بن عبد ود ايضا عمرو بن عبد. (3) ذكر البخاري ذلك ايضا في صحيحه 5: 141، ولكن ما راقه أن يذكر الموطن الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك، فقال في رواية: " قال النبي صلى الله عليه وآله يوم الاحزاب: " نغزوهم ولا يغزوننا " وفى اخرى: يقول حين اجلى الاحزاب عنه: الان نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم.

[ 274 ]

الثمانين، وكان نديم أبي طالب في الجاهلية، فانتسب علي عليه السلام له، وقال: أنا ابن أبي طالب، فقال: أجل لقد كان أبوك نديما لي وصديقا، فارجع فإنى لا أحب أن أقتلك. وكان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع: والله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه، بل خوفا منه، فقد عرف قتلاه ببدر واحد، وعلم أنه إن ناهضه قتله، فاستحيى أن يظهر الفشل فأظهر الابقاء وإنه لكاذب فيها. ثم ساق القصة إلى أن قال: لما قتل عمرو فر أصحابه ليعبروا الخندق فطفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبد الله، فإنه قصر فرسه فوقع في الخندق، فنزل إليه علي عليه السلام فقتله، وناوش عمر بن خطاب ضرار بن عمرو فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه، وقال: إنها لنعمة مشكورة فاحفظها يا ابن الخطاب إني كنت آليت أن لا يمكنني يداي من قتل قرشي فأقتله، وانصرف ضرار راجعا إلى أصحابه، وقد كان جرى له معه مثل هذه في يوم احد، ذكرهما الواقدي في كتاب المغازي (1). 28 - أقول: وقال الكازروني: إن بني قريظة لما حوصروا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن ابعث إلينا أبا لبابة عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الاوس، نستشيره في امورنا، فأرسله صلى الله عليه وآله إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش (2) إليه الصبيان


(1) لم نظفر بتمام الحديث في المصدر، ونسختي ناقصة، ولكن وجدنا قطعات ذلك في مواضع منه، راجع ج 3: 270 و 278 - 281، ومع ذلك يحتاج إلى مراجعة ثانوية، وفى ص 278: قال حذيفة بن اليمان: " لو قسمت فضيلة على عليه السلام بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين باجمعهم لو سعتهم " وقال ابن عباس في قوله: " وكفى الله المؤمنين القتال " قال: بعلى بن أبى طالب وفيه: " قال صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام: برز الايمان كله إلى الشرك كله " وروى ذلك أيضا في 270 وذكر انه كان بعد خروجه إلى عمرو. (2) جهش الرجل بالبكاء: إذا تهيأ له بدا فيه. وفى المصدر، بهش. وهو بمعناه والمذكور في سيرة ابن هشام ايضا: جهش.

[ 275 ]

والنساء يبكون في وجهه، فرق لهم، فقالوا: يا بالبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح، قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وآله حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، قال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعاهد الله لا يطأ بني قريظة أبدا، ولا يراني (1) الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا، (2) فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله خبره وأبطأ عليه (3) قال: " أما إنه لو جاءني لا ستغفرت له، فأما إذا فعل (4) ما فعل ما أنا بالذي اطلقه عن مكانه حتى يتوب الله عليه " ثم إن الله أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وآله (5) وهو في بيت ام سلمة، قالت ام سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يضحك، فقلت: مم تضحك يا رسول الله ؟ أضحك الله سنك، قال: تيب على أبي لبابة، فقلت: ألا ابشره بذلك يا رسول الله ؟ قال: بلى إن شئت، قال: فقامت على باب حجرتها و ذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت: يا بالبابة أبشر فقد تاب الله عليك، قال: فثار الناس عليه ليطلقوه، قال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وآله خارجا إلى الصبح أطلقه (6).


(1) في السيرة: واعاهد الله ان لا أطأ بنى قريظة ابدا، ولا ارى خ ل. (2) زاد ابن هشام في السيرة من غير طريق ابن اسحاق: فأنزل الله تعالى في ابى لبابة فيما قال سفيان بن عيينة، عن اسماعيل بن ابى خالد عن عبد الله بن ابى قتاده: " يا ايها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم وانتم تعلمون ". (3) في السيرة: وكان قد استبطأه. (4) في السيرة: فاما إذ قد فعل ما فعل. (5) زاد في السيرة: من السحر. (6) زاد في السيرة من غير طريق ابن اسحاق: اقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال تأتيه امراته في كل وقت صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، فيما حدثنى بعض اهل العلم، والاية التى نزلت في توبته: قول الله عزوجل: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم ان الله غفور رحيم ". وفي الامتاع: 245: فكان كذلك (أي مرتبطا) خمس عشرة ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد استعمله على القتال فاستعمل بدله اسيد بن حضير.

[ 276 ]

قال: ثم إن ثعلبة بن سعية واسيد بن سعية (1) واسيد بن عبيد (2)، وهم نفر من بني هذيل (3) ليسوا من بني قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك، هم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله. وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وآله و عليها محمد بن مسلمة الانصاري تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا ؟ قال: عمرو بن سعدى، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: لا أغدر بمحمد أبدا، فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني عثراث الكرام، (4)، ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلا يدرى أين ذهب من أرض الله (5)، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله شأنه فقال: " ذاك رجل قد نجاه الله بوفائه " وبعض الناس يزعم أنه كان قد أوثق برمته (6) فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا (7) فأصبحت رمته ملقاة لا يدرى أين ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله تلك المقالة. وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أن الزبير بن باطا كان قد مر على ثابت


(1) في اسد الغابة: يقال فيه: أسد، ويقال: أسيد بفتح الهمزة وكسر السين وهو الصحيح وعن ابن اسحاق انه بضم الهمزة. (2) في السيرة واسد الغابة أسد بن عبيد. (3) في السيرة واسد الغابة من بنى هدل ولم يذكرهم القلقشندى في نهاية الارب ولا صاحب قبائل العرب، نعم ذكره ابن الاثير في اللباب 3، 285 فقال: الهدلى بفتح الهاء و سكون الدال وفي اخره لاه نسبة إلى الهدل وهم اخوة قريظة ودعوتهم في بنى قريظة، منهم على ابن اسد بن عبيد بن شعبة الهدلى وذكرهم صاحب القاموس فقال: وبنو هدل من يهود الشام سكنوا المدينة. (4) في السيرة: لا تحرمنى [ اقالة ] عثرات الكرام. (5) " ": ثم ذهب فلم يدر اين توجه من الارض إلى يومه هذا. (6) في المصدر والسيرة: برمة أقول: الرمة: الحبل البالى. (7) " " ": حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله.

[ 277 ]

بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بغاث (1)، فأخذه فجز ناصيته ثم خلى سبيله، فجاء يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال: يا با عبد الرحمن هل تعرفني ؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك ؟ قال: إني اريد أن أجزيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يجزي بجزاء (2) الكريم، قال: ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله قد كان للزبير عندي يد وله علي منة، وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هو لك، فأتاه فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد وهب لي دمك (3) فقال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة ؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أهله وولده، قال: هم لك، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني امرأتك وولدك (4)، قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك ! فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ماله يا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: هو لك، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أعطاني مالك فهو لك وفاء، فقال: أي ثابت ما فعل الذي كان وجهه مرآة (5) حسنة تترا أي فيه عذارى الحي: كعب بن أسد ؟ قال: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي: حيي بن أخطب ؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحسامنا (6) إذا كررنا: غزال بن شمول ؟ قال: قتل، (7) قال: فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت إلا ما ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر حتى ألقى الاحبة (8) فقدمه ثابت فضرب عنقه.


(1) في المصدر والسيرة: يوم بعاث بالعين المهملة وهو الصحيح. (2) المصدر والسيرة خاليان عن كلمة " بجزاء ". (3) زاد في السيرة: فهو لك. (4) زاد في السيرة: فهم لك. (5) في السيرة: مرآة صينية. (6) في المصدر: وحامينا إذا كررنا عزال بن شمول. وفي السيرة: وحاميتنا إذا فررنا عزال بن سموأل. (7) زاد في السيرة: قال: فما فعل المجلسان ؟ يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريطة، قال: ذهبوا قتلوا. (8) في السيرة: فما انا بصابر لله فتلة دلو ناضح حتى ألقى الاحبة. قال ابن هشام: قبلة دلو ناضح.

[ 278 ]

ثم قسم النبي صلى الله عليه وآله أموال بني قريظة ونساءهم (1) على المسلمين، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سعد بن زيد الانصاري بسبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خناقة (2) إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وآله حتى توفي عنها، وهي في ملكه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحرص (3) عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها، وقد كانت حين سباها كرهت الاسلام (4) وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وآله، ووجد في نفسه بذلك (5) من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: " إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة " فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة، فبشر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله (6). أقول: سيأتي بعض أخبار غزوة الخندق في باب أحوال أولاد النبي صلى الله عليه وآله. 29 - وفي الديوان في وصف الظفر في الخندق:


(1) زاد في المصدر والسيرة: [ وابناءهم. في السيرة. ] على المسلمين. واعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال، واخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة اسهم: للفرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل - من ليس له فرس - سهم، وكانت الخيل يوم بنى قريظة ستة وثلاثين فرسا، وكان اول فئ وقع فيه السهمان وزاد بعد ذلك في السيرة: واخرج منها الخمس، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه وآله فيها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازى. أقول: في تاريخ اليعقوبي: وكانت الخيل ثمانية وثلاثين فرسا. (2) في السيرة. جنافة. (3) في السيرة: عرض عليها. (4) في السيرة: قد تعصت بالاسلام. (5) " ": لذلك. (6) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الخامس فيما كان سنة خمس من الهجرة. سيرة ابن هشام 3: 255 - 265. فيه: " فسره ذلك من امرها " مكان: فبشر.

[ 279 ]

وكانوا على الاسلام إلبا ثلاثه * فقد خر من تلك الثلاثة واحد وفر أبو عمرو هبيرة لم يعد * ولكن أخو الحرب المجرب عائد نهتهم سيوف الهند أن يقفوا لنا (1) * غداة التقينا والرماح مصائد (2) بيان: الضمير في " كانوا " (3) راجع إلى بني قريظة وغطفان وقريش. وألبت الجيش: جمعته، وهم ألب بالفتح والكسر: إذا كانوا مجتمعين، والذي خر: قريش، إذ قتل منهم ابن عبد ود، ونوفل بن عبد الله. وغداة مضاف إلى الجملة. ومنه في مثله قاله يوم الخندق رواه محمد بن إسحاق: الحمد لله الجميل المفضل * المسبغ المولي العطاء المجزل شكرا على تمكينه لرسوله * بالنصر منه على الغواة الجهل كم نعمة لا أستطيع بلوغها * جهدا ولو أعلمت طاقة مقول لله أصبح فضله متظاهرا * منه علي سألت أم لم أسال قد عاين الاحزاب من تأييده * جند النبي وذي البيان المرسل ما فيه موعظة لكل مفكر * إن كان ذا عقل وإن لم يعقل (4). بيان: المقول بالكسر: اللسان. و " اللام " في لله للقسم، و " الجند " مفعول التأييد، و " ما فيه " مفعول " عاين ". ومنه مخاطبا لعمرو بن عبد ود: يا عمرو قد لا قيت فارس بهمة * عند اللقاء معاود الاقدام من آل هاشم من سناء باهر * ومهذبين متوجين كرام يدعو إلى دين الاله ونصره * وإلى الهدى وشرائع الاسلام


(1) في المصدر: ان ثقفوا لنا. (2) الديوان: 46. (3) ويحتمل ان يرجع إلى عمرو بن عبد ود وعكرمة بن ابى جهل وهبيرة بن ابى وهب، فعليه يكون المراد من الذى خر عمرو بن عبد ود. (4) الديوان: 109 و 110. (*)

[ 280 ]

بمهند عضب (1) رقيق حده * ذي رونق يقري الفقار حسام ومحمد فينا كأن جبينه * شمس تجلت من خلال (2) غمام والله ناصر دينه ونبيه * ومعين كل موحد مقدام شهدت قريش والقبائل كلها * أن ليس فيها من يقوم مقامي (3) بيان: قال الجوهري: البهمة بالضم: الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه، ويقال أيضا للجيش: بهمة، ومنه قولهم: فلان فارس بهمة، وليث غابة. ومعاود الاقدام: أي معاود فيه، ويقال: الشجاع معاود.


(1) العضب: السيف القاطع. الحد من السيف: مقطعه. الرونق: الطلاوة. الحسن. الاشراق. يفرى أي يشق. (2) في خلال خ ل. (3) الديوان: 126 و 127. أقول: قد ذكر ابن هشام في السيرة 3: 275 - 313 ما قيل من الشعر في امر الخندق وبنى قريظة. وذكر ابن هشام في السيرة بعد ذلك غزوة بنى لحيان وقال: وخرج في جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من فتح بنى قريظة إلى بنى لحيان ثم ذكر غزوة بنى قرد ثم بنى المصطلق وذكر المقريزى بعد غزوة بنى قريظة سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد الهذلى، ثم غزوة القرطاء، ثم بنى لحيان، ثم غزوة ذى قرد ويقال لها: غزوة الغابة ايضا. ولم يذكر غزوة بنى المصطلق نعم ذكر اليعقوبي. وذكر المسعودي في مروج الذهب غير ذلك راجعه.

[ 281 ]

- 18 - * (باب) * * (غزوة بنى المصطلق في المريسيع (1) وسائر الغزوات) * * (والحوادث إلى غزوة الحديبية) * الآيات سورة المنافقين (2) إلى آخرها. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وإذا قيل لهم " نزلت الآيات في عبد الله بن ابي المنافق وأصحابه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله بلغه أن بني المصطلق يجمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي صلى الله عليه وآله فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله خرج إليهم (3) حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل منهم من قتل، ونفل رسول الله صلى الله عليه وآله أبناءهم ونساءهم وأموالهم (4) فبينا الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جهجاه بن سعيد، (5) يقود له فرسه، فازدحم جهجاه وسنان الجهني من بني عوف


(1) بضم الميم وفتح الراء وسكون الياء وكسر السين. (2) السورة: 63. (3) قال ابن هشام في شعبان سنة ست واستعمل على المدينة ابا ذر الغفاري ويقال: نميلة بن عبد الله الليثى. (4) زاد ابن هشام في السيرة: فافاءهم عليه، وقد اصيب رجل من المسلمين من بنى كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر يقال له: هشام بن صبابة، اصابه رجل من الانصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى انه من العدو فقتله خطأ. (5) هكذا في المصدر وتاريخ الطبري واسد الغابة، وفى السيرة: جهجاه بن مسعود، وذكر ابن الاثير في اسد الغابة عن قول: جهجاه بن قيس.

[ 282 ]

ابن الخزرج على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الانصار، وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين، فأعان الغفاري رجل من المهاجرين يقال له: جعال وكان فقيرا، فقال عبد الله بن ابي لجعال: وإنك لهناك ؟ (1) فقال: وما يمنعني أن أفعل ذلك ؟ واشتد لسان جعال على عبد الله، فقال عبد الله: والذي يحلف به لاذرنك (2) ويهمك (3) غير هذا، وغضب ابن ابي وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم حديث السن، فقال ابن ابي: قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله (4) ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، يعني بالاعز نفسه، وبالاذل رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولاوشكوا أن يتحولوا من بلادكم ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم، فقال زيد بن أرقم: أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عز من الرحمن ومودة من المسلمين، والله لا احبك بعد كلامك هذا، فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب، فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرحيل، وأرسل إلى عبد الله فأتاه فقال: ما هذا الذي بلغني عنك ؟ فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك قط، وإن زيدا


(1) في المصدر: انك لهتاك. (2) هكذا في نسخة المصنف، وفى المصدر: لازرنك ولعله من (زر) أي لاطردنك. (3) وسهمك خ ل. (4) في السيرة: والله ما اعدنا وجلابيب قريش الا كما قال الاول: سمن كلبك يأكلك. أقول: جلابيب قريش: لقب كان المشركون يلقبون به اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اهل مكة. وقوله: (سمن كلبك) مثل من امثال العرب وفي ضده تقول العرب: جوع كلبك يتبعك.

[ 283 ]

لكاذب (1)، وقال من حضر من الانصار: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الانصار، عسى أن يكون هذا الغلام وهم في حديثه، فعذره صلى الله عليه وآله وفشت الملامة من الانصار لزيد، ولما استقل رسول الله فسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة، ثم قال: يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: " أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الاعز منها الاذل " فقال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاء الله بك (2) وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، وإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا وبلغ عبد الله بن عبد الله بن ابي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت لابد فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن ابي (3) أن يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال صلى الله عليه وآله: بل ترفق به وتحسن صحبته ما بقي معنا (4). قالوا: وسار رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن


(1) في السيرة: فاخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " فكيف يا عمر إذا تحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه، لا، ولكن اذن بالرحيل " وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يرتحل فيها، فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أبى بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حين بلغه ان زيد بن ارقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله ما قلت ما قال ثم ذكر نحو ما في الكتاب. (2) في السيرة: لقد جاءنا الله بك. (3) إلى قاتل ابى خ ل. (4) في السيرة: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا.

[ 284 ]

وجدوا مس الارض وقعوا نياما، وإنما فعل ذلك ليشتغل الناس عن الحديث الذي خرج من ابن ابي، ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع يقال له: بقعاء فهاجت ريح شديدة آذتهم وتخوفوها، وضلت ناقة رسول الله وذلك ليلا، فقال صلى الله عليه وآله: " مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة " قيل: من هو ؟ قال: رفاعة، فقال رجل من المنافقين: كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته ؟ ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي ؟ فأتاه جبرئيل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة، وأخبر رسول الله بذلك أصحابه، وقال: " ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه، ولكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي هي في الشعب " فإذا هي كما قال فجاؤا بها وآمن ذلك المنافق، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت (1) أحد بني قينقاع وكان من عظماء اليهود قد مات ذلك (2) اليوم. قال زيد بن أرقم: فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة جلست في البيت لما بي من الهم والحياء، فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله باذن زيد فرفعه عن الرحل ثم قال: " يا غلام صدق فوك ووعت اذناك، ووعى قلبك (3)، وقد أنزل الله فيما قلت قرآنا ". وكان عبد الله بن ابي بقرب المدينة فلما أرأد أن يدخلها جاء ابنه عبد الله بن عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، فقال: مالك ويلك ؟ قال والله (4) لا تدخلها إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولتعلمن اليوم من الاعز ومن الاذل، فشكا عبد الله ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأرسل إليه أن خل عنه يدخل، فقال: أما إذا جاء أمر رسول الله فنعم، فدخل فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات، فلما نزلت هذه الآيات وبان كذب عبد الله قيل له: إنه نزل فيك آي شداد فاذهب إلى


(1) في السيرة: رفاعة بن زيد بن التابوت. (2) في ذلك خ ل. (3) في السيرة: قال. هذا الذى اوفى لله باذنه. (4) فقال: لا والله خ ل.

[ 285 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن اؤمن فقد آمنت، وأمرتموني أن اعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزل: " وإذا قيل لهم تعالوا " أي هلموا " يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم " أي أكثروا تحريكها استهزاء، وقيل: أمالوها إعراضا عن الحق " ورأيتهم يصدون " عن سبيل الحق " وهم مستكبرون " مظهرون (1) أنه لا حاجة لهم إلى استغفاره، " سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم " أي يتساوي الاستغفار لهم وعدمه " لن يغفر الله لهم " لانهم يبطنون الكفر " إن الله لا يهدي القوم الفاسقين " أي لا يهدي القوم الخارجين عن الدين والايمان إلى طريق الجنة، قال الحسن: أخبره سبحانه أنهم يموتون على الكفر فلم يستغفر لهم " هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله " من المؤمنين المحتاجين " حتى ينفضوا " أي يتفرقوا عنه " ولله خزائن السماوات والارض " وما بينهما من الارزاق والاموال والاعلاق، فلو شاء لاغناهم، ولكنه تعالى يفعل ما هو الاصلح لهم ويمتحنهم بالفقر ويتعبدهم بالصبر ليصبروا فيوجروا وينالوا الثواب وكريم المآب " ولكن المنافقين لا يفقهون " ذلك لجهلهم بوجوه الحكمة " يقولون لئن رجعنا إلى المدينة " من غزوه بني المصطلق " ليخرجن الاعز " يعنون نفوسهم " منها الاذل " يعنون رسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين " ولله العزة ولرسوله " بإعلاء الله كلمته، وإظهار دينه على الاديان " وللمؤمنين " بنصرته إياهم في الدنيا، وإدخالهم الجنة في العقبي " ولكن المنافقين لا يعلمون " فيظنون أن العزة لهم (2). 1 - فس: " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " قال: نزلت في غزوة (3) المريسيع وهي غزوة (4) بني المصطلق في سنة خمس من الهجرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله خرج إليها


(1) في المصدر: أي متكبرون مظهرون. (2) مجمع البيان 10: 292 - 295. (3) في المصدر: في غزاة المريسيع. (4) في المصدر: وهى غزاة بنى المصطلق.

[ 286 ]

فلما رجع منها نزل على بئر وكان الماء قليلا فيها، وكان أنس بن سيار (1): حليف الانصار، وكان جهجاه بن سعيد الغفاري أجيرا لعمر بن الخطاب فاجتمعوا على البئر، فتعلق دلو سيار (2) بدلو جهجاه، فقال سيار: دلوي، وقال جهجاه: دلوي، فضرب جهجاه يده على وجه سيار (3)، فسال منه الدم، فنادى سيار (4) بالخزرج، ونادى جهجاه بالقريش، وأخذ الناس السلاح. وكاد أن تقع الفتنة، فسمع عبد الله ابن ابي النداء فقال: ما هذا ؟ فاخبروه الخبر (5)، فغضب غضبا شديدا، ثم قال: قد كنت كارها لهذا المسير إني لاذل العرب، ما ظننت أني (6) أبقى إلى أن أسمع مثل هذا فلا يكون (7) عندي تغيير، ثم أقبل على أصحابه فقال: هذا عملكم، أنزلتموهم منازلكم، وواسيتموهم بأموالكم، ووقيتموهم بأنفسكم، وأبرزتم نحوركم للقتل فارمل نساءكم وايتم صبيانكم، ولو أخرجتموهم لكانوا عيالا على غيركم (8)، ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، وكان في القوم زيد بن أرقم وكان غلاما قد راهق، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في ظل شجرة في وقت الهاجرة (9) وعنده قوم بن أصحابه من المهاجرين والانصار، فجاء زيد فأخبره بما قال عبد الله بن ابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لعلك وهمت يا غلام " ؟ قال: لا والله ما وهمت، فقال: " فلعلك غضبت عليه " ؟ قال: لا والله ما غضبت عليه، قال: " فلعله سفه عليك " قال (10): لا والله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) هكذا في الكتاب ومصدره، ولم نجد له ذكرا في الصحابة، والموجود في تاريخ الطبري ومجمع البيان كما تقدم: سنان الجهنى. وفي السيرة واسد الغابة: سنان بن وبر الجهنى. (2 - 4) هكذا في النسخ، والصحيح كما في المصدر: ابن سيار. (5) بالخبر خ ل. (6) أن ابقى خ ل. (7) فلا يكن خ ل. (8) لغيركم خ ل. (9) الهاجرة مؤنث الهاجر: نصف النهار في القيظ، أو من عند زوال الشمس إلى العصر، لان الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم هاجروا. (10) فقال خ ل.

[ 287 ]

لشقران مولاه: " احدج " فحدج راحلته وركب، وتسامع الناس بذلك، فقالوا: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله ليرحل في مثل هذا الوقت، فرحل الناس ولحقه سعد بن عبادة فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال: " وعليكم السلام " فقال: ما كنت لترحل في مثل هذا الوقت، فقال: " أوما سمعت قولا قال صاحبكم " ؟ قال: وأي صاحب لنا غيرك يا رسول الله ؟ قال: " عبد الله بن ابي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل " فقال يا رسول الله فأنت وأصحابك الاعز، و هو وأصحابه الاذل فسار رسول الله يومه كله لا يكلمه أحد فأقبلت الخزرج على عبد الله بن ابي يعذلونه، فحلف عبد الله أنه لم يقل شيئا من ذلك، فقالوا: فقم بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى تعتذر إليه، فلوى عنقه فلما جن الليل سار رسول الله صلى الله عليه وآله ليله كله والنهار (1)، فلم ينزلوا إلا للصلاة، فلما كان من الغد نزل رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل أصحابه وقد أمهدهم الارض من السهر الذي أصابهم، فجاء عبد الله بن ابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فحلف له (2) أنه لم يقل ذلك، وأنه ليشهد أن لا إله إلا الله، وإنك لرسول الله، وأن زيدا قد كذب علي، فقبل رسول الله منه، وأقبلت الخزرج على زيد بن أرقم يشتمونه ويقولون له كذبت على عبد الله سيدنا، فلما رحل رسول الله صلى الله عليه وآله كان زيد معه يقول: اللهم إنك لتعلم أني لم أكذب على عبد الله بن ابي فما سار إلا قليلا حتى أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان يأخذه من البرحاء عند نزول الوحي عليه: فثقل حتى كادت ناقته تبرك من ثقل الوحي، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يسلت (3) العرق عن جبهته (4)، ثم أخذ بأذن زيد فرفعه من الرحل ثم قال: " يا غلام صدق قولك، ووعى قلبك، وأنزل الله فيما قلت قرآنا " فلما نزل جمع أصحابه وقرأ عليهم سورة المنافقين:


(1) ونهاره خ ل. (2) فحلف له عبد الله خ ل. (3) يسكب خ ل أقول: يوجد هذا في المصدر. (4) عن وجهه خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع.

[ 288 ]

" بسم الله الرحمن الرحيم * إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون " إلى قوله: " ولكن المنافقين لا يعلمون ". ففضح الله عبد الله بن ابي. حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت قال: حدثنا أحمد بن ميثم، عن الحسن بن علي ابن أبي حمزة، عن أبان بن عثمان قال: سار رسول الله صلى الله عليه وآله يوما وليلة ومن الغد حتى ارتفع الضحى فنزل، ونزل الناس، فرموا بأنفسهم نياما، وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكف الناس عن الكلام، وإن ولد عبد الله (1) بن ابي أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن كنت عزمت على قتله فمرني أن أكون أنا الذي أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الاوس والخزرج أني أبرهم ولدا بوالد، فإني أخاف (2) أن تأمر غيري فيقتله فلا تطيب نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله (3)، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل نحن لك صاحبه (4) مادام معنا. وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " كأنهم خشب مسندة " يقول: " لا يسمعون ولا يعقلون. قوله: " يحسبون كل صيحة عليهم " يعني كل صوت " هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون " فلما نعتهم الله لرسوله وعرفه مشى إليهم عشائرهم (5) فقالوا لهم: قد افتضحتم، ويلكم فأتوا نبي الله يستغفر لكم فلووا رؤسهم، وزهدوا في الاستغفار


(1) عبيدالله (عبد الله خ ل) بن عبد الله خ ل. أقول: في المصدر: وان ولد عبد الله مثل المتن. والصحيح من اسمه عبد الله، كان يسمى حباب، فسماه النبي صلى الله عليه وآله عبد الله يوم موت ابيه. (2) فاخاف خ ل. (3) في المصدر المطبوع: إلى قاتل ابى. (4) بل تحسن صحابته خ ل. أقول: هو الموجود في نسختي المخطوطة من المصدر. (5) في المصدر: وعرفه مساءتهم إليهم والى عشائرهم. (*)

[ 289 ]

يقول الله (1): " وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم " (2). بيان: قال الفيروز آبادي: المريسيع مصغر مرسوع: بئر أو ماء لخزاعة على يوم من الفرع، وإليه تضاف غزوة بني المصطلق. وقال الجزري: الحدج: شد الاحمال وتوثيقها، وشد الحداجة وهي القتب بأداته. والعذل: الملامة كالتعذيل. قوله وقد أمهدهم الارض، أي صارت لهم مهادا، فلما وقعوا عليها ناموا. وبرحاء الحمى وغيرها: شدة الاذى: وسري عنه الهم على بناء المجهول مشددا وانسرى: انكشف، ويقال: سلت الدم، أماطه (3). 2 - شا: ثم كان من بلائه صلى الله عليه وآله ببني المصطلق ما اشتهر عند العلماء، وكان الفتح له في هذه الغزاة بعد أن اصيب يومئذ ناس من بني عبد المطلب، فقتل أمير - المؤمنين عليه السلام رجلين من القوم، وهما مالك وابنه، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وآله منهم سبيا كثيرا وقسمه (4) في المسلمين، وكان ممن اصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث أبي ضرار، وكان شعار المسلمين يوم بني المصطلق: " يا منصور أمت " وكان الذي سبا جويرية أمير المؤمنين عليه السلام، فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله فاصطفاها النبي (5) صلى الله عليه وآله فجاء أبوها إلى النبي صلى الله عليه وآله بعد إسلام بقية القوم فقال: يا رسول الله إن ابنتي لا تسبا، لانها امرأة كريمة، فقال له: اذهب فخيرها، قال: أحسنت (6)


(1) فقال الله خ ل. (2) تفسير القمى: 680 - 682. أقول: في تفسير فرات: 185 حدثنا أبو القاسم العلوى معنعنا عن زيد بن ارقم قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر قال: فسمعت عبد الله ابن ابى بن السلول يقول: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، قال: فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله واخبرته فانزل الله سورة المنافقين إلى آخرها وانزل عذرى وتصديقي. (3) وسلت الخضاب: مسحه والقاه. (4) فقسمه خ ل. (5) المصدر خلى عن قوله: فاصطفاها النبي صلى الله عليه وآله. (6) قد احسنت خ ل.

[ 290 ]

وأجملت، وجاء إليها أبوها فقال لها: يا بنية لا تفضحي قومك، فقالت (1): قد اخترت الله ورسوله، فقال لها أبوها: فعل الله بك وفعل، فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وآله وجعلها في جملة (2) أزواجه (3). 3 - عم: كانت بعد غزوة بني قريظة غزوة بني المصطلق من خزاعة، ورأسهم الحارث بن أبي ضرار، وقد تهيأ للمسير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهي غزوة المريسيع وهو ماء، وقعت في شعبان سنة خمس، وقيل: في شعبان سنة ست والله أعلم، قالت جويرية بنت الحارث زوجة الرسول: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن على المريسيع، فاسمع أبي وهو يقول: أتانا مالا قبل لنا به، قالت وكنت أرى من الناس والخيل والسلاح مالا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله ورجعنا جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعرفت أنه رعب من الله عزوجل يلقيه في قلوب المشركين، قالت: ورأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه واله بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن اخبر بها أحدا من الناس فلما سبينا رجوت الرؤيا فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وآله وتزوجني، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه أن يحملوا عليهم حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم واسر سائرهم، وكان شعار المسلمين يومئذ: " يا منصور أمت (4) " وسبى رسول الله صلى الله عليه وآله الرجال والنساء والذراري والنعم والشاء، فلما بلغ الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج جويرية بنت الحارث قالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله، فأرسلوا (5) ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فما علم (6) امرأة أعظم بركة على قومها منها.


(1) فقالت له خ ل. (2) من جملة خ ل. (3) ارشاد المفيد: 95 و 60. (4) في السيرة: يا منصور أمت امت. (5) في المصدر: فارسلوا أي المسلمين. (6) فما أعلم خ ل.

[ 291 ]

وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن ابي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، وانزلت الآيات. وفيها كانت قصة إفك عائشة. وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله في سنة ست في شهر ربيع الاول عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمرة (1)، وبكر القوم فهربوا وأصاب مائتي بعير لهم فساقها إلى المدينة. وفيها بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى القصة (2) في أربعين رجلا فأغار عليهم و أعجزهم هربا في الجبال، وأصابوا رجلا واحدا، فأسلم (3).


(1) وهو ماء لبنى اسد على ليلتين من فيد. ذكر المقريزى تلك السرية في الامتاع: 264. (2) في الامتاع: " إلى ذى القصة: موضع بينه وبين المدينة اربعة وعشرون ميلا " و ذكر ايضا سرية محمد بن مسلمة إلى ذى القصة قبل ذلك، فقال: " يريد بنى ثعلبة وبنى عوال من ثلعبة " وهم مائة رجل، في ربيع الاول، فساروا في عشرة حتى وردوا ليلا وناموا، فأحاط بهم المائة رجل من بنى ثعلبة ففزغوا وراموهم ساعة بالنبل، ثم حملت الاعراب بالرماح عليهم فقتلوهم، وسقط محمد بن مسلمة جريحا فحمل بعد ذلك إلى المدينة " وذكر سرية ابى عبيدة في شهر ربيع الاخر سنة ست، وقال: خرج في ليلة السبت ومعه اربعون رجلا، فغاب ليلتين: و كانت بلاد بنى ثعلبة وانمار قد اجدبت، فتتبع بنو محارب وثعلبة وانمار سحابة وقعت بالمراض إلى تغلمين [ والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة ] واجمعوا ان يغيروا على سرح المدينة ببطن هيفا: [ موضع على سبعة اميال من المدينة ] فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله ابا عبيدة رضى الله عنه بمن معه، بعدما صلوا صلاة المغرب، فمشوا ليلهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح فأغاروا على القوم فاعجزهم هربا، واخذوا رجلا، واستاقوا نعما، ووجدوا رثة من متاع وعادوا، فخمس رسول الله صلى الله عليه وآله الغنيمة، وقسم باقيها، واسلم الرجل وترك لحاله " أقول: وذكر اليعقوبي تلك السرية نحو ما تقدم في تاريخه 2: 57. (3) ذكرها اليعقوبي في تاريخه 2: 55 قال: " ووجه زيد بن حارثة على سرية إلى الجحوم أو الجموم، فأصاب امرأة من مزينة يقال لها: حليمة، فدلتهم على محلة من محال بنى سليم فأصابوا في تلك المحلة نعما واسارى، وكان في اولئك الاسارى زوج حليمة، فلما قفل بها وهب رسول الله صلى الله عليه وآله للمزينية زوجها ونفسها " أقول: ذكر الجموم في معجم البلدان 2: 163 بالفتح وقال: قيل: ارض لبنى سليم وبها كانت احدى غزوات النبي صلى الله عليه وآله ارسل إليها زيد بن حارثة غازيا.

[ 292 ]

وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سليم فأصابوا نعما وشاء وأسرى. وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص (1) في جمادي الاولى. وفيها سرية زيد بن حارثة إلى الطرف (2) إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فهربوا وأصاب منهم عشرين بعيرا.


(1) قال ياقوت في معجم البلدان 4: 173: " العيص بالكسر ثم السكون: موضع في بلاد بنى سليم به ماء يقال له: ذنبان العيص " وقال المقريزى في الامتاع: 265: العيص على اربع ليال من المدينة، خرج زيد ومعه سبعون ومائة راكب ليأخذوا عيرا لقريش قد اخذت طريق العراق، ودليلها فرات بن حيان العجلى فظفر بها زيدا، وأسر ابا العاص بن ربيع والمغيرة ابن معاوية بن ابى العاص ووجد فضة كثيرة لصفوان بن امية وقدم المدينة، فاجازت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله زوجها ابا العاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (المؤمنون يد على بن سواهم، يجير عليهم ادناهم، وقد اجرنا من اجارت) ورد عليه كل ما اخذ له من المال اه‍. ثم ذكر رجوعه إلى مكة واسلامه بعد ذلك نحو ما تقدم في غزوة بدر الكبرى، ويأتى بعد ذلك: ثم قال: وافلت المغيرة بن معاوية إلى مكة، فاخذه خوات بن جبير اسيرا وكان في سبعة نفر مع سعد بن ابى وقاص - فدخلوا به المدينة بعد العصر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعائشة: " احتفظي عليك بهذا الاسير " وخرج فلهت عائشة مع امراة بالحديث فخرج وما شعرت به، فدخل النبي صلى الله عليه وآله فلم يره وسألها فقالت: غفلت عنه وكان ههنا آنفا فقال: " قطع الله يدك " وخرج فصاح بالناس فخرجوا في طلبه حتى اخذوه وأتوا به اه‍ ثم ذكر دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله لعائشة في عدم قطع يدها. (2) قال المقريزي: الطرف: ماء على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، بناحية نخل من طريق العراق، وذكر انها كانت في جمادى الاخرة. وذكر ايضا في جمادى الاخرة سريته إلى حشمى وراء وادى القرى، وقال: " سببها ان دحية الكلبى اقبل من عند قيصر ملك الروم بجائزة و كسوة، فلقيه بحشمى الهنيد بن عارض وابنه عارض في جمع من جذام فأخذوا ما معه، ودخل المدينة بسمل ثوب [ ويقال: بل نفر إليه النعمان بن ابى جعال في نفر من بنى الضبيب فخلص له متاعه بعد حرب ] فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله زيدا على خمسمائة رجل ومعه دحية، فكان يسير ليلا ويكمن نهارا حتى هجم مع الصبح على الهنيد وابنه فقتلهما، واستاق الف بعير وخمسة آلاف شاة ومائة ما بين امرأة وصبى: فادركه بنو الضبيب وقد كانوا اسلموا وقرأوا من

[ 293 ]

وفيها كانت غزوة (1) علي بن أبي طالب عليه السلام إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فدك، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر. وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان (2)، وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن أطاعوا فتزوج ابنة ملكهم " فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن


القرآن، وحدثوه ان يرد عليهم ما اخذ، ثم قدم زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه على رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة، فذكر له ما صنع زيد بن حارثة، ورضوا باخذ ما اصاب لهم من الاهل والمال، واغضوا عمن قتل، فبعث معهم على بن ابى طالب رضى الله عنه ومعه سيفه امارة ليرد عليهم زيد ما اخذلهم، فرد جميع ذلك بعد ما فرقه فيمن معه، وقد وطئوا النساء " وذكر اليعقوبي تلك السرية في تاريخه 2: 55. (1) في الامتاع: 268: ثم كانت سرية على بن ابى طالب رضى الله عنه إلى بنى سعد بن بكر [ في الهامش: في الاصل بنى عبد الله سعد بن بكر، والذى اثبتناه هو نص ابن سعد: ج 2 ص 65 ] وكانوا بفدك في شعبان منها، ومعه مائة رجل، وقد أجمعوا [ يعنى بنى سعد بن بكر ] على ان يمدوا يهود خيبر، فسار ليلا وكمن نهارا حتى إذا انتهى إلى ماء بين خيبر و فدك يقال له: الهمج، وجد عينا لبنى سعد قد بعثوه إلى خيبر لتجعل لهم يهود من ثمرها كما جعلوا لغيرهم حتى يقدموا عليهم، فدلهم على القوم بعد ما امنوه، فسار على حتى اغار على نعيمهم وضمها، وفرت رعاتها، فانذرت القوم وقد كانوا تجمعوا مائتي رجل، وعليهم وبر بن عليم فتفرقوا، وانتهى على بمن معه فلم ير منهم احدا، وساق النعم وهى خمسمائة بعير والفا شاة، فعزل الخمس وصفى رسول الله صلى الله عليه وآله لقوحا تدعى الحفدة [ الحفذة. في ابن سعد ] ثم قسم الباقي وقدم المدينة. (2) في الامتاع: إلى كلب بدومة الجندل في شعبان منها، ليدعو كلبا إلى الاسلام، ومعه سبعمائة رجل، فاقعده بين يديه، ونقض عمامته بيده الكريمة، ثم عممه بعمامة سوداء، وأرخى بين كتفيه منها، ثم قال: " هكذا فاعتم يابن عوف " ثم قال صلى الله عليه وآله: " اغد باسم الله وفى سبيل الله فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدا " ثم بسط يده فقال: " يا ايها الناس اتقوا خمسا قبل أن تحل بكم: ما نقص مكيال قوم الا اخذهم الله بالسنين، ونقص من الثمرات لعلهم يرجعون، وما نكث قوم عهدهم الا سلط الله عليهم عدوهم، وما منع قوم

[ 294 ]

تماضر بنت الاصبغ، وكان أبوها رأسهم وملكهم. وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وآله في قول الواقدي إلى العرينين الذين قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وآله، واستاقوا الابل عشرين فارسا، فاتي بهم فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم (1) وتركوا بالحرة حتى ماتوا. وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا عليهم فقال: " اللهم اعم عليهم الطريق " قال: فعمي عليهم الطريق. وفيها اخذت أموال أبي العاص بن الربيع، وقد خرج تاجرا إلى الشام، و معه بضايع قريش (2)، فلقيته سرية لرسول الله واستاقوا عيره وأفلت، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله فقسمه بينهم، وأتى أبو العاص فاستجار بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسألها أن تطلب من رسول الله صلى الله عليه وآله رد ماله عليه، وما كان معه من أموال الناس، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله السرية وقال: " إن هذا الرجل منا بحيث قد علمتم، فإن رأيتم تردوا عليه فافعلوا " فردوا عليه ما أصابوا، ثم خرج وقد مكة ورد على الناس بضايعهم، ثم قال: أما والله ما منعني أن اسلم قبل أن أقدم عليكم إلا توقيا


الزكاة الا امسك الله عنهم قطر السماء ولولا البهائم لم يسقوا، وما ظهرت الفاحشة في قوم الا سلط الله عليهم الطاعون وما حكم قوم بغير أي القران الا البسهم شيعا واذاق بعضهم بأس " فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل، ودعا اهلها ثلاثة ايام إلى الاسلام وهم يأبون الا محاربته، ثم اسلم الاصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن حصن ابن ضمضم الكلبى وكان نصرانيا وهو رأس القوم فكتب عبد الرحمن بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مع رافع بن مكيث، وانه اراد ان يتزوج فيهم، فكتب إليه: " ان تزوج تماضر ابنة الاصبغ " فتزوجها، فهى اول كلبية تزوجها قرشي فولدت له ابا سلمة. (1) في النهاية ؟ " في حديث العرنيين فقطع ايديهم وارجل وسمل أعينهم " أي فقأها بحديدة محماة أو غيرها، وانما فعلوا بهم ذلك لانهم فعلوا بالرعاة مثله، وقتلوهم، فجازاهم على صنيعهم بمثله. أقول: هذه سرية كرز بن جابر. راجع. (2) في المصدر: ومعه بضايع لقريش.

[ 295 ]

أن تظنوا أني أسلمت لاذهب بأموالكم، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله (4). 4 - أقول: قال الكازروني في حوادث السنة الخامسة: في هذه السنة كانت غزاة المريسيع: وذلك أن بني المصطلق كانوا ينزلون على بئر يقال لها: المريسيع، وكان سيدهم الحارث بن أبي ضرار، فسار في قومه ومن قدر عليه، فدعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله فأجابوه، وتهيأوا للمسير معه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فأرسل بريدة بن الحصيب ليعلم علم ذلك، فأتاهم ولقى الحارث بن أبي ضرار وكلمه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فندب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس إليهم فأسرعوا الخروج، ومعهم ثلاثون فرسا، وخرج معهم جماعة من المنافقين، واستخلف رسول الله صلى الله عليه وآله على المدينة زيد بن حارثة، وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، وبلغ الحارث ابن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه قتل عينه الذي كان يأتيه بخبر رسول الله صلى الله عليه واله، فسئ بذلك وخاف وتفرق من معه من العرب، وانتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المريسيع وضرب عليه قبته ومعه عائشة وام سلمة فتهيأوا للقتال وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فقتل عشرة من العدو، واسر الباقون، وسبي رسول الله صلى الله عليه وآله الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء وكانت الابل ألفي بعير، والشاء خمسة آلاف والسبي مائتي أهل بيت، سوى رجل واحد، ولما رجع


(4) اعلام الورى: 59 و 60 (ط 1) و 103 - 105 (ط 2) أقول: ذكر المقريزى في الامتاع: 269 واليعقوبي في تاريخه 2: 55 سرية زيد بن حارثة إلى ام قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر الفزارية بناحية وادى القرى، قال المقريزى: كانت في رمضان سنة ست. وفصلها. راجعهما. وذكرا سرية عبد الله بن رواحة إلى اسير بن زارم [ أو اليسير بن رزام. رازم كما في اليعقوبي والسيرة ] بخيبر وكان من يهود وذلك في شوال. وذكر المقريزى سرية كرز بن جابر الفهرى في شوال ايضا، وذكر سراياه صلى الله عليه وآله ابن هشام في السيرة 4: 281. واليعقوبي في تاريخه 2: 52 - 60.

[ 296 ]

المسلمون بالسبي قدم أهاليهم فافتدوهم، وخلصت جويرة (1) بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس وابن عم له فكاتباها، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله في كتابتها فأدى عنها وتزوجها وسماها برة، وقيل: إنه جعل صداقها عتق أربعين من قومها وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا نضلة الطائي بشيرا إلى المدينة بفتح المريسيع. وروي عن عائشة أنها قالت: أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله نساء بني المصطلق، فأخرج الخمس منه، ثم قسمه بين الناس، فأعطى الفارس سهمين، فوقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس، وكانت تحت ابن عم لها يقال له: صفوان بن مالك فقتل عنها، وكاتبها ثابت بن قيس على تسع اواق، وكانت امرأة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينا النبي صلى الله عليه وآله عندي إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صلى الله عليه وآله، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من الامر ما قد علمت، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، وكاتبني على تسع اواق، فأعني في فكاكي، فقال: " أو خير من ذلك " (2) ؟ فقالت: وما هو ؟ فقال: " اؤدي عنك (3) كتابتك وأتزوجك " فقالت: نعم يا رسول الله، فقال: " قد فعلت " وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله يسترقون ؟ فأعتقوا ما كان في أيديهم من نساء بني المصطلق، فبلغ عتقهم مائة أهل بيت بتزويجه إياها، ولا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها (4).


(1) هكذا في النسخ، وفى المصدر: جويرية وهو الصحيح (2) في السيرة: فهل لك في خير من ذلك ؟ (3) " ": اقضي عنك. (4) " ": قال ابن هشام: " ويقال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة بنى المصطلق ومعه جويرة بنت الحارث وكان بذات الجيش، دفع جويرية إلى رجل من الانصار وديعة، وامره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة، فاقبل ابوها الحارث بن ابى ضرار بفداء ابنته، فلما كان بعقيق نظر إلى الابل التى جاء بها للفداء

[ 297 ]

وفي هذه الغزاة نزلت آية التيمم. وفيها كان حديث الافك. وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله زينب بنت جحش بن رباب، وامها اميمة بنت عبد المطلب، وكانت ممن هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وآله فخطبها رسول الله صلى الله عليه وآله لزيد، فقالت: لا أرضاه لنفسي، قال: فإني قد رضيته لك، فتزوجها زيد بن حارثة، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله لهلال ذي القعدة سنة خمس (1) من الهجرة، وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة.


فرغب في بعيرين منها، فغيبها في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله و قال: يا محمد اصبتم ابنتى وهذا فداؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله، " فاين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا ؟ " فقال الحارث: اشهد ان لا إله الا الله، وانك محمد رسول الله، فوالله ما اطلع على ذلك الا الله، فاسلم الحارث واسلم معه ابنان له وناس من قومه، وارسل إلى البعيرين فجاء بهما فدفع الابل إلى النبي صلى الله عليه وآله ودفعت إليه ابنته جويرية فاسلمت وحسن اسلامها، فخطبها النبي صلى الله عليه وآله إلى ابيها، فزوجه اياها واصدقها اربعمائة درهم ". أقول: قال محشى الكتاب: سقطت هذه القطعة كلها من اكثر اصول الكتاب. قال ابن اسحاق: وحدثني يزيد بن رومان ان رسول الله صلى الله عليه وآله بعث إليهم بعد اسلامهم الوليد بن عقبة بن ابى معيط، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبره ان القوم قد هموا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فاكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى هم رسول الله صلى الله عليه وآله بان يغزوهم، فبينا هم على ذلك قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته الينا فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدى إليه ما قبلنا من الصدقة فانشمر راجعا، فبلغنا انه زعم لرسول الله صلى الله عليه وآله انا خرجنا إليه لنقتله، ووالله ما جئنا لذلك، فانزل الله تعالى فيه وفيهم: " يا ايها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " إلى قوله: (الراشدون). أقول: ذكر نحوه الطبرسي في مجمع البيان 9، 132، واليعقوبي في تاريخه 2: 40: وروى فرات في تفسيره انه نزل في بنى وليعة. (1) ذكر ابن الاثير في اسد الغابة في زمان تزويجه ثلاثة أقوال: احدها في سنة ثلاث ذكره عن ابى عبيدة، والثانية سنة خمس، والثالثة بعد ام سلمة، ذكره عن ابن اسحاق.

[ 298 ]

أقول: ستأتي قصتها في أبواب أحوال أزواجه صلى الله عليه وآله. ثم قال: وفي هذه السنة في ذي الحجة ركب رسول الله صلى الله عليه وآله فرسا إلى الغابة فسقط عنه، فجحش فخذه الايمن، فأقام في البيت خمسا يصلي قاعدا. وفي هذه السنة نزلت فريضة الحج وأخره رسول الله صلى الله عليه وآله من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة، ولم يحج، وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر على الحاج سنة تسع، وحج رسول الله سنة عشر (1). وقال عند ذكر حوادث السنة السادسة: فيها زار رسول الله صلى الله عليه وآله امه (2) مرجعه من غزاة بني لحيان، وكانوا بناحية عسفان، وكانت في ربيع الاول سنة ست، فسمعت بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال، فلم يقدورا على أحد منهم، فجاز على قبر امه. وفيها كانوا غزاة رسول الله صلى الله عليه وآله الغابة وهي على بريد من المدينة بطريق الشام في ربيع الاول، روي عن سلمة بن الاكوع قال: خرجت قبل أن يؤذن بالاولى، وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وآله ترعى بذي قرد، قال: فلقيني غلام لعبد - الرحمن بن عوف فقال: اخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: من أخذها ؟ قال: غطفان، قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم، وقد أخذوا يستقون من الماء فجعلت أرميهم بنبل وكنت راميا، وأقول: أنا ابن (3) الاكوع * واليوم يوم الرضع وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة قال: وجاء النبي صلى الله عليه وآله والناس، فقلت: يا رسول الله قد حميت الماء (4) وهم عطاش فابعث إليهم


(1) المنتقى في مولد المصطفى: الباب الخامس فيما كان سنة خمس من الهجرة. (2) في المصدر: قبر أمه. (3) في الامتاع: خذها وانا ابن الاكوع وذكر ما وقع في تلك الغزوة مفصلا راجعه. (4) في المصدر: قد حميت القوم الماء.

[ 299 ]

الساعة، فقال: " يابن الاكوع إذا ملكت فأسجح " قال: ثم رجعنا ويردفني رسول الله صلى الله عليه وآله على ناقته حتى دخلنا المدينة (1). وفي هذه السنة صلى رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الاستسقاء بالاسناد عن الزهري، عن أنس قال: قحل الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله قحط المطر، ويبس الشجر وهلكت المواشي، وأسنت الناس، فاستسق لنا ربك عزوجل، فقال: " أذا كان يوم كذا وكذا فاخرجوا، وأخرجوا معكم بصدقات " قال: فلما كان ذلك اليوم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله والناس معه يمشي ويمشون عليهم السكينة والوقار، حتى أتوا المصلى، فتقدم النبي صلى الله عليه وآله فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة وكان صلى الله عليه وآله يقرأ في العيدين والاستسقاء في الاولى بفاتحة الكتاب والاعلى، وفي الثانية بفاتحة الكتاب والغاشية، فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه، وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب، ثم جثا على ركبتيه ورفع يديه وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي، ثم قال " اللهم اسقنا وأغثنا، غيثا مغيثا (2) وحيا ربيعا وجدا طبقا غدقا مغدقا عاما هنيئا مريئا مريعا (3) وابلا شاملا (4) مسبلا مجلجلا (5) دائما دررا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث غيثا اللهم تحيي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد، اللهم أنزل في أرضنا (6) زينتها وأنزل عليها سكنها، اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا تحيي به بلدة ميتا، و أسقه مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا " قال: فما برحنا حتى أقبل قزع من السحاب فالتأم بعضه إلى بعض، ثم مطرت عليهم سبعة أيام ولياليهن لا تقلع عن المدينة، فأتاه


(1) ذكرت تلك الغزوة بطولها في سيرة ابن هشام 3: 322، ومنعتنا عجلة الطابع وزيادة التعاليق عن تفصيلها. (2) في هامش نسخة المصنف: " اللهم اسقنا غيثا مغيثا " الفائق. (3) " " " ": " مريعا مربعا مرتعا " الفائق. (4) " " " ": " سائلا ". الفائق. (5) في المصدر والنسخ غير نسخة المصنف: مجللا، ويأتى في البيان ايضا ذلك. (6) في هامش نسخة المصنف: " اللهم انزل علينا بارضنا ". الفائق.

[ 300 ]

المسلمون فقالوا: يا رسول الله قد غرقت الارض، وتهدمت البيوت، وانقطعت السبل فادع الله تعالى أن يصرفها عنها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على المنبر حتى بدت نواجده تعجبا لسرعة ملالة ابن آدم، ثم رفع يديه ثم قال: " حوالينا ولا علينا، اللهم على رؤوس الظراب ومنابت الشجر وبطون الاودية، وظهور الآكام " فتصدعت عن المدينة حتى كانت في مثل الترس عليها كالفسطاط تمطر مراعيها ولا تمطر فيها قطرة. وفي بعض الروايات: إنه لما صارت المدينة كالفسطاط ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بدت نواجده، ثم قال: " لله أبي طالب. لو كان حيا قرت عيناه، من الذي ينشدنا قوله ؟ " فقام علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا رسول الله كأنك أردت: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة (1) وفواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمد * ولما نقاتل دونه ونناضل (2) ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أجل " فقام رجل من كنانة فقال: لك الحمد والشكر ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة * إليه وأشخص منه البصر فلم يك إلا كالقا (3) الردا * وأسرع حتى رأينا المطر دفاق العزايل جم البعاق * أغاث به الله عليا مضر و كان كما قاله عمه * أبو طالب أبيض ذو غرر


(1) ذكر ابن هشام تلك القصيدة بطولها في السيرة: 1: 286 - 298 وفيه: في رحمة وفواضل. (2) في السيرة: كذبتم وبيت الله نبزى محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل. أقول: أي نغلب عليه ونسلبه. ونناضل أي نرامى بالسهام. (3) قصر لاجل الشعر.

[ 301 ]

به الله يسقى صوب الغمام * وهذا العيان لذاك الخبر فمن يشكر الله يلقى المزيد * ومن يكفر الله يلقى الغير فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أن يك شاعر أحسن فقد أحسنت (1). بيان الجحش: سحج الجلد أي تقشره. قوله يوم الرضع، بضم الراء و تشديد الضاد جمع راضع، وهو اللئيم، أي خذ الرمية، واليوم يوم هلاك اللئام. قوله: فأسجح، أي فسهل وأحسن العفو. قوله: قحل الناس، قال الجزري: أي يبسوا من شدة القحط، وقد قحل يقحل قحلا: إذا التزق جلده بعظمه من الهزال. وأسنت الناس، أي دخلوا في السنة وهي القحط. والحيا مقصورا: المطر، وقيل: الخصب وما يحيى به الناس. والجدا بالقصر أيضا: المطر العام. والطبق: الذي يطبق الارض، أي يعم وجهها. والغدق: الكبير القطر. قوله صلى الله عليه وآله: مريعا، أي عاما يغني عن الارتياد والنجعة، فالناس يربعون حيث شاؤا، أي يقيمون ولا يحتاجون إلى الانتقال في طلب الكلاء، أو من أربع الغيث: إذا أنبت الربيع، ويروى " مرتعا " بالتاء المثناة من فوق، من رتعت الابل إذا رعت، وأرتعها الله، أي أنبت لها ما ترتع فيه، والوابل: المطر شديد الكبير القطر. والمسبل من السبل وهو المطر أيضا. والمجلل (2): الذي يستر الارض بمائه أو بالنبات الذي ينبت بمائه كأنه يكسوها ذلك. قوله صلى الله عليه وآله: دائما، وفي بعض النسخ " ديما " وهي جمع ديمة، وهي مطر يدوم في سكون. والدرر جمع الدرة. ودرة السحاب: صبه. والرائث: البطئ. قوله: بلاغا، أي ما يكفي أهل حضرنا وبدونا. وزينة الارض: حياتها بنباتها. والسكن: القوت الذي يسكن به في الدار، كالنزل، وهو الطعام الذي ينزل عليه ويكتفى به.


(1) المنتقى في مولد المصطفى: الباب السادس فيما كان سنة ست من الهجرة. (2) تقدم في متن الخبر: (مجلجلا) ولعله مصحف. والمجلجل: السحاب الراعد المنطبق بالمطر.

[ 302 ]

قوله: حوالينا، في موضع نصب، أي أمطر حوالينا، ولا تمطر علينا، والظراب جمع ظرب ككتف، وهي الجبال الصغار. والقزع بالتحريك، قطع من السحاب رقيقة، الواحدة قزعة وهو ما يفرق بين جمعه وواحده بالتاء كما يقال: سحاب و سحابة. وقوله: عليها أي على المدينة، وكلمة " في " كأنها زائدة، أي حتى كانت المدينة أو السماء مثل الترس وسط السحاب، والسحاب عليها كالفسطاط، وهي الخيمة. والثمال بالكسر: الملجأ والغياث، أو المطعم في الشدة. عصمة للارامل أي يمنعهن من الضياع والحاجة. ويبزى، أي يقهر ويغلب. قوله: ممن شكر، أي الذي يحمد الله، إنما يشكره بما أولاه من نعمه، أو الحمد بتوفيق الله الذي شكر من عباده العمل اليسير في جنب النعمة الكثيرة. قوله: إليه، أي إلى إنزال الغيث، قوله: كإلقا الرداء، هذا من الممدود الذي قصر لاجل الشعر كما يمد المقصور للشعر. والدفاق: المطر الواسع الكثير المندفق والعزايل مقلوب من العزالي جمع العزلاء، وهي فم المزادة، شبه ما يمطر من السحاب بما يتدفق من فم المزادة. والبعاق بالضم: السحاب الذي يتبعق بالماء، أي يتصبب وقيل: البعاق: المطر العظيم، والجم الكثير. قوله: به الله يسقي، فيه انكسار اللفظ والوزن، ويرويه بعضهم: به الله أنزل. والصوب: نزول المطر. والغير: التغير ومن يكفر الله في نعمه تغير حاله. قال: وفي هذه السنة كانت سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، وقيل: سلام بن أبي الحقيق، باسنادي في سماع البخاري إليه بإسناده عن البراء قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي رافع اليهودي جماعة من الانصار، و أمر عليهم عبد الله، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال عبد الله لاصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضى حاجته، وقد دخل الناس فهتف به البواب

[ 303 ]

يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني اريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الاغاليق على ود (1) قال: فقمت على الاقاليد (2) فأخذتها ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علالي (3)، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلق (4) علي من داخل فقلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلى حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت، قلت: أبا رافع (5) ! قال: من هذا ؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئا، وصاح فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا بارافع ؟ فقال: لامك الويل إن معي رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظبة (6) السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الابواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الارض، فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامتي، ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته، فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله فحدثته، فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها


(1) في البخاري: على وتد (ودخ). (2) في المصدر والبخاري: فقمت إلى الاقاليد. (3) في البخاري: (على علالى له). (4) في المصدر وصحيح البخاري: اغلقت. (5) في البخاري: يا ابا رافع. (6) ظبة السيف: حده. وفي المصدر: ضيب السيف. هو مصحف، والصحيح اما ظبة كما في الصلب، أو ضبيب، بالضاد المعجمة، أو صبيب بالصاد المهملة. كما في هامش البخاري. وهما بمعنى طرف السيف وحده.

[ 304 ]

وكأنما (1) لم أشتكها قط (2). السرح (3): الابل والمواشي تسرح للرعي بالغداة، والاغاليق: المفاتيح والاقاليد جمع إقليد وهو المفتاح في لغة اليمن، والود بفتح الواو: الوتد، وهي لغة تميم. والعلالي جمع علية وهي الغزفة. قوله: نذروا، بكسر الذال. أي علموا. وفي هذه السنة كان قصة العرنيين (4) في شوالها. قالوا: قدم نفر من عرنية ثمانية على رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلموا واجتووا (5) المدينة، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى لقاحه، وقال: " لو خرجتم إلى ذود لنا فشربتم من ألبانها " فقتلوا الراعي وقطعوا يده ورجله، وغرسوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله الخبر فبعث في أثرهم عشرين فارسا، واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري فأدركهم فأحاطوا بهم (6) وأسروهم وربطوهم حتى قدموا بهم المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بالغابة فخرجوا بهم نحوه فأمرهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم (7)، وصلبوا هناك، وكانت اللقاح خمس عشرة لقحة فردوها إلا واحدة نحروها (8).


(1) في المصدر وفى هامش البخاري: (فكانما) وفى صلب البخاري: فكأنها. (2) المنتقى في مولد المصطفى: الباب السادس فيما كان في سنة ست من الهجرة. ورواه البخاري في صحيحه 5: 117 و 118. (3) في النسختين المطبوعتين من المصدر ذكر هنا (بيان) ونسخة المصنف خالية عنه، ولا يحتاج إليه، لان التفاسير من صاحب المنتقى لا من المصنف. (4) هكذا في نسخة المصنف، وفيها بعد ذلك: (عرنية) وفى المصدر: (العرينيين) وبعده: (عرنية) والصحيح فيهما: عرينة بتقديم الياء على النون. في السيرة: قدم نفر من قيس كبة من بجيلة، فاستوبؤا وطحلوا. (5) في المصدر: (واستوبؤا) وفى هامشه: (واستوخموها كما في رواية اخرى). اقول: استوبؤا المدينة أي وجدوها وبئة. واستوخموها أي استثقلوها ولم يوافق هواؤها ابدانهم. (6) في المصدر: فأدركوهم. (7) تقدم تفسيرها. (8) المنتقى في مولود المصطفى: الباب السادس فيما كان سنة ست من الهجرة.بحار الانوار - 19 -

[ 305 ]

5 - أقول: وقال ابن الاثير في الكامل في حوادث السنة السادسة: كانت غزوة بني لحيان في جمادي الاولى منها، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة، وأغذ السير (1) حتى نزل على عرار (2) منازل بني لحيان فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فلما أخطأه ما أراد منهم خرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان تخويفا لاهل مكة، وأرسل فارسين من الصحابة (3) حتى بلغا كراع الغميم ثم عادوا (4). ثم ذكر بعد ذلك غزوة ذي قرد كما ذكرناها سابقا، وقال: والرواية الصحيحة عن سلمة أنها كانت بعد مقدمه المدينة منصرفا من الحديبية. 6 - فس: " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء " إلى قوله: " ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا " فإنها نزلت في أشجع وبني ضمرة، وكان خبره (5) أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بدر (6) لموعد مر قريبا من بلادهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله صادر (7) بني ضمرة ووادعهم (8) قبل ذلك، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله هذه بنو ضمرة قريبا منا ونخاف أن يخالفونا إلى المدينة، أو يعينوا علينا قريشا، فلو بدأنا بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " كلا إنهم أبر العرب بالوالدين


(1) أي اسرع. (2) في المصدر والسيرة: حتى نزل على غران منازل بنى لحيان، وهى بين أحج وعسفان. وغران بضم الغين المعجمة وفتح الراء. (3) في المصدر والسيرة: من اصحابه. (4) في المصدر: ثم عاد قافلا. وفى السيرة: ثم كرا، وراح رسول الله صلى الله عليه وآله قافلا. راجع الكامل 2: 128، سيرة ابن هشام 3: 321. (5) من خبرهم خ ل. في المصدر: وكان خبرهم. (6) إلى غزاة بدر خ ل. (7) هادن خ ل. (8) وواعدهم خ ل.

[ 306 ]

وأوصلهم للرحم، وأوفاهم بالعهد " وكان أشجع بلادهم قريبا من بلاد بني ضمرة، وهم بطن من كنانة، وكانت أشجع بينهم وبين بني ضمرة حلف بالمراعاة (1) والامان، فأجدبت بلاد أشجع، وأخصبت بلاد بني ضمرة، فصارت أشجع إلى بلاد بني ضمرة، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله مسيرهم إلى بني ضمرة تهيأ للمسير (2) إلى أشجع فيغزوهم (3) للموادعة (4) التي كانت بينه وبين بني ضمرة، فأنزل الله: " ودوا لو تكفرون كما كفروا " الآية، ثم استثنى بأشجع فقال: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم و بينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم " إلى قوله: " فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ". وكانت أشجع محالها البيضاء والحل (5) والمستباح، وقد كانوا قربوا من رسول الله صلى الله عليه وآله، فهابوا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبعث إليهم من يغزوهم، و كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد خافهم أن يصيبوا من أطرافه (6) شيئا، فهم بالمسير إليهم، فبينا هو على ذلك إذ جاءت أشجع ورئيسها مسعود بن رجيلة (7) وهم سبعمائة، فنزلوا (8) شعب سلع، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله اسيد بن حصين (9) فقال له: " اذهب في نفر من أصحابك حتى تنظر ما أقدم أشجع " فخرج اسيد ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فوقف عليهم فقال: ما أقدمكم ؟ فقام إليه مسعود بن رجيلة (10) وهو رئيس أشجع فسلم على اسيد وعلى أصحابه، وقالوا:


(1) في المراعاة خ ل. (2) للمصير خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر المطبوع. (3) ليغزوهم خ ل. (4) للمواعدة خ ل. (5) في المصدر المطبوع ونسخة مخطوطة: والجبل. (6) في المصدر المطبوع: من افراطه. (7 و 10) ذكرنا سابقا انه مسعود بن رخيلة، بالخاء، وعن ابن اسحاق انه مسعر بن رخيلة. (8) ونزلوا خ ل. (9) خضير خ ل. أقول: لعله الصحيح، إذ لم نجد اسيد بن حصين في الصحابة.

[ 307 ]

جئنا لنوادع (1) محمدا، فرجع اسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " خاف القوم أن أغزوهم فأرادوا الصلح بيني وبينهم " ثم بعث إليهم بعشرة أحمال تمر (2) فقدمها أمامه، ثم قال: نعم الشئ الهدية أمام الحاجة، ثم أتاهم فقال: يا معشر أشجع ما أقدمكم ؟ قالوا: قربت دارنا منك، وليس في قومنا أقل عددا منا، فضقنا بحربك لقرب دارنا منك وضقنا لحرب قومنا (3) لقلتنا فيهم، فجئنا لنوادعك، فقبل النبي صلى الله عليه وآله ذلك منهم ووادعهم فأقاموا يومهم ثم رجعوا إلى بلادهم، وفيهم نزلت هذه الآية: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق " الآية (4). 7 - قب: ثم بعد غزاة بني قريظة (5) بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن عتيك إلى خيبر فقتل أبا رافع بن أبي الحقيق. بنو المصطلق من خزاعة وهو المريسيع، غزاهم علي عليه السلام في شعبان، و رأسهم الحارث بن أبي ضرار، واصيب يومئذ ناس من بني عبد المطلب، فقتل علي عليه السلام مالكا وابنه، فأصاب النبي صلى الله عليه وآله سبيا كثيرا، وكان سبى علي عليه السلام جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فاصطفاها النبي صلى الله عليه وآله، فجاء أبوها إلى النبي صلى الله عليه وآله بفداء ابنته، فسأله النبي صلى الله عليه وآله عن جملين خباهما في شعب كذا، فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله (6)، والله ما عرفهما أحد سواي، ثم قال: يا رسول الله إن ابنتي لا تسبى، إنها امرأة كريمة، قال: " فاذهب فخيرها " قال: قد أحسنت وأجملت، وجاء إليها أبوها فقال لها: يا بنية لا تفضحي قومك، فقالت:


(1) في المصدر المطبوع: لنواعد. (2) " ": بعشرة أجمال تمر. (3) " ": المطبوع: " لقرب دارنا، وضقنا بحرب قومنا " وفى نسختي المخطوطة: وليس في قومنا اقل عددا منا قمينا لحربك، لقرب دارنا، وضقنا لحرب قومك. (4) تفسير القمى: 133 - 135 والاية في سورة النساء: 89 و 90. (5) في المصدر: " ثم بعث " فقوله: (بعد غزاة بنى قريظة) من المصنف أورده تبينا. (6) في المصدر: وانك لرسول الله.

[ 308 ]

قد اخترت الله ورسوله، فدعا عليها أبوها، فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وآله وجعلها في جملة أزواجه. وفي هذه الغزاة نزلت " إن الذين جاؤا بالافك (1) ". وفيها: قال عبد الله بن ابي: " لئن رجعنا إلى المدينة (2) ". 8 - قب: سنة ست في شهر ربيع الاول بعث عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمرة فهربوا وأصاب مائتي بعير. وفيها بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى القصة في أربعين رجلا فأغار عليهم. وفيها سرية زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سليم فأصابوا، ووصلوا إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فهربوا، وأصاب منهم عشرين بعيرا. وغزوة زيد إلى العيص في جمادي الاولى. وغزوة بني قرد، وذلك أن اناسا من الاعراب قدموا وساقوا الابل، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقدم أبا قتادة الانصاري مع جماعة فاسترد منهم (3). وبعث محمد بن مسلمة إلى قوم من هوازن فكمن القوم لهم وأفلت محمد وقتل أصحابه. ذات السلاسل (4) وهو حصن، وذلك أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إن لي نصيحة، قال: " وما نصحيتك " ؟ قال: اجتمع بنو سليم بوادي الرمل عند الحرة على أن يبيتوك بها القصة. وفيها غزوة علي بن أبي طالب عليه السلام إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فدك، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر.


(1) يأتي بيانه في الباب الاتى. (2) مناقب آل ابى طالب 1: 173. أقول: تقدم تفصيل ما اجمل. (3) في المصدر: فاستردوها منهم. (4) سيأتي ما وقع في تلك الغزوة مفصلا في بابه.

[ 309 ]

وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان. وسرية العرنيين (1) الذين قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وآله واستاقوا الابل، وكانوا عشرين فارسا. وفيها اخذت أموال أبي العاص بن الربيع. وفيها غزوة الغابة (2). - 19 - * (باب) * * (آخر في قصة الافك) * الآيات: النور: " 24 ": إن الذين جاؤا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم * لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين * لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم * إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ان نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم * يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم * إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم * يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن


(1) هكذا في الكتاب ومصدره، وتقدم أن الصحيح، العرينين بتقديم الياء على النون. (2) مناقب آل ابى طالب 1: 173 و 174، وقد تقدم تفصيل ما اجمل.

[ 310 ]

الله يزكي من يشاء والله سميع عليم * ولا يأتل اولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم * إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون * يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين * الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات اولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم. 11 - 26 تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " إن الذين جاؤا بالافك " روى الزهري، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وغيرهما عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، وذلك بعد ما انزل الحجاب، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله حتى فرغ من غزوه وقفل. وروي أنها كانت غزوة بني المصطلق من خزاعة. قالت: ودنونا من المدينة فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا بعقد (1) من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فحملوا هودجي على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافا [ و ] لم يهبلهن (2) اللحم وإنما يأكلن العلفة من الطعام، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي وجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فدنوت من منزلي (3) الذي كنت فيه، وظننت


(1) فإذا عقد خ ل. أقول: هذا يوافق المصدر. (2) لم يقشمن خ لم يغشهن خ ل أقول: في المصدر: لم يهبلهن اللحم (لم يغشهن اللحم خ ل). (3) في المصدر: فسموت من منزلي.

[ 311 ]

أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة إذ غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي قد عرس (1) من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما كلمني بكلمة حتى أناخ راحلته فركبتها، فانطلق يقود الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في حر الظهيرة، فهلك من هلك في، وكان الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمتها شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الافك ولا أشعر بشئ من ذلك وهو يربيني (2) في وجعي غير أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وآله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل ويسلم و يقول: " كيف تيكم ؟ " فذلك يحزنني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد مانقهت، وخرجت معي ام مسطح قبل المصانع (3) وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن يتخذ الكنف، وأمرنا أمر العرب الاول في التنزه، وكنا نتأذي بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وام مسطح وأمها بنت صخر بن عام (4) خالة أبي، فعثرت ام مسطح في مرطها، فقالت: تعس (5) مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا قد شهد بدرا ؟ قالت: أي هنتاه ألم تسمعي ما قال ؟ قلت: وماذا ؟ قال: فأخبرتني بقول أهل الافك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى منزلي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال " كيف تيكم ؟ " قلت (6) تأذن لي أن آتي أبوي ؟ قالت: وأنا اريد أتيقن الخبر من قبله، فأذن لي رسول الله، فجئت أبوي وقلت لامي: يا امه ماذا يتحدث الناس ؟ فقالت: أي بنية هوني عليك،


(1) عرس القوم: نزلوا من السفر للاستراحة ثم يرتحلون. (2) يريبنى خ ل. أقول: في المصدر: يرثينى. (3) المناصع خ ل. (4) في المصدر: صخر بن عامر. وفى السيرة صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم. (5) المرط بالكسر، اكسية من صوف أو خز يؤتزر بها. والتعس: الهلاك. (6) قلت له خ ل.

[ 312 ]

فوالله لعل (1) ما كانت امرأة قط وصبية (2) عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أو قد تحدث الناس (3) بهذا ؟ قالت: نعم فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي (4) دمع، ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله اسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب عليه السلام حين استلبث (5) الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما اسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وآله بالذي علم من براءة أهله بالذي يعلم في نفسه من الود (6)، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير (7)، وإن تسأل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بريرة فقال: " يا بريرة هل رأيت شيئا يريبك من عائشة ؟ " قالت بريرة: والذي بعثك بالحق ان رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها (8)، قالت: وأنا والله أن يرى رسول الله صلى الله عليه وآله رؤيا يبرئني الله بها، فأنزل الله على نبيه وأخذه ما كان يأخذه من برحاء الوحي حتى أنه لينحدر عنه مثل الجمان من العرق وهو في اليوم الشاتي من القول الذي انزل عليه، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أبشري يا عائشة، أما والله فقد برأك الله، فقالت امي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله وهو الذي برأني، فأنزل الله تعالى: " إن الذين جاؤا بالافك " (9).


(1) في المصدر: لقلما. (2) في المصدر: وضيئة. (3) في المصدر: أو قد يحدث الناس بهذا ؟ (4) أي لا يجف ولا ينقطع. (5) أي تأخر. (6) في المصدر: وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود. (7) في المصدر وفى غير نسخة المصنف من النسخ: كثيرة. (8) فتأتى الداجن فتأكله خ. (9) مجمع البيان 7: 130.

[ 313 ]

بيان: الجزع بالفتح: الحزر اليماني. وظفار: بلد بالمين. وقال الجزري: في حديث الافك: والنساء يومئذ لم يهبلوه اللحم (1)، أي لم يكثر عليهن، يقال: هبله اللحم: إذا كثر عليه وركب بعضه بعضا. والعلقة بالضم: البلغة من الطعام. وقال: موغرين في نحر الظهيرة، أي في وقت الهاجرة وقت توسط الشمس السماء يقال: وغرت الهاجرة وغرا، وأوغر الرجل: دخل في ذلك الوقت. وقال: نحر الظهيرة، هو حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع كأنها وصلت إلى النحر وهو أعلى الصدر. وقال الجوهرى: (تا) اسم يشار به إلى المؤنث مثل ذا للمذكر، فإن خاطبت جئت بالكاف فقلت: تيك وتلك وتاك. وقال الجزري: في حديث الافك: وكان متبرز النساء بالمدينة قبل أن تبنى الكنف في الدور المناصع، هي المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة، واحدها منصع لانه يبرز إليها ويظهر، قال الازهري: أراها مواضع مخصوصة خارج المدينة. وقال تنزه تنزها: بعد. وقال: ياهنتاه أي يا هذه، وتفتح النون وتسكن وتضم الهاء الاخيرة وتسكن. وقال: الداجن هو الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، وقد يقع على غير الشاة من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها. وفي حديث الافك: يدخل الداجن فيأكل عجينها. والغمص: العيب. والطعن على الناس. والجمان كغراب: اللؤلؤ أو هنوات أشكال اللؤلؤ من فضة. وقال البيضاوي في قوله تعالى: (بالافك) أي بأبلغ ما يكون من الكذب " عصبة منكم " جماعة منكم، وهي من العشرة إلى الاربعين، يريد عبد الله بن ابي وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم وهي خبر " إن " وقوله: " لا تحسبوه شرا لكم " مستأنف، والخطاب للرسول صلى الله عليه وآله وأبي


(1) في النهاية: " لم يهبلهن " وفى النسختين المطبوعتين من المصدر: لم يهبلن.

[ 314 ]

بكر وعائشة وصفوان، والهاء للافك " بل هو خير لكم " لاكتسابكم به الثواب " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم " لكل جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه مختصا به " والذي تولى كبره " معظمه " منهم " من الخائضين وهو ابن ابي، فإنه بدأ به وأذاعه عداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله، أو هو وحسان ومسطح فإنهما شايعاه في التصريح به، و " الذي " بمعنى الذين " له عذاب عظيم " في الآخرة أو في الدنيا بأن جلدوا. وصار ابن ابي مطرودا مشهورا بالنفاق، وحسان أعمى أشل اليدين، ومسطح مكفوف البصر " لولا " هلا " إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا " بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات " وقالوا هذا إفك مبين " كما يقول المستيقن المطلع على الحال " لولا جاؤا " إلى قوله: " الكاذبون " من جملة المقول تقريرا لكونه كذبا، فإن ما لا حجة عليه فكذب عند الله، أي في حكمه، ولذلك رتب عليه الحد " ولولا فضل الله عليكم " في الدنيا بأنواع النعمة التي من جملتها الامهال للتوبة " ورحمته في الآخرة " بالعفو والمغفرة المقدران لكم " لمسكم " عاجلا " فيما أفضتم " خضتم " فيه عذاب عظيم " يستحقر دونه اللوم والجلد. " إذ " ظرف لمسكم أو أفضتم " تلقونه بألسنتكم " يأخذ (1) بعضكم من بعض بالسؤال عنه " وتقولون بأفواهكم " بلا مساعدة من القلوب " ما ليس لكم به علم " لانه ليس تعبيرا عن علم به في قلوبكم " وتحسبونه هينا " سهلا لا تبعة له " وهو عند الله عظيم " في الوزر " ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا " ما ينبغي وما يصح لنا " أن نتكلم بهذا " إشارة إلى القول المخصوص أو إلى نوعه " سبحانك هذا بهتان عظيم " تعجب من ذلك (2)، وأصله أن يذكر عند كل متعجب تنزيها لله تعالى من أن يصعب عليه مثله، ثم كثر فاستعمل لكل متعجب، أو تنزيه لله من أو يكون حرم نبيه فاجرة، فإن فجورها تنفير عنه بخلاف كفرها " يعظكم الله أن تعودوا لمثله " كراهة أن تعودوا، أو في أن تعودوا " أبدا " ما دمتم أحياء مكلفين " إن كنتم مؤمنين "


(1) في المصدر: والمعنى يأخذه بعضكم. (2) في المصدر: تعجب ممن يقول ذلك.

[ 315 ]

فإن الايمان يمنع منه " ويبين الله لكم الآيات " الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتعظوا وتتأدبوا " والله عليم " بالاحوال كلها " حكيم " في تدابيره " إن الذين يحبون " يريدون " أن تشيع " أن تنتشر " الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة " الحد والسعير (1) إلى غير ذلك " والله يعلم " ما في الضمائر " وأنتم لا تعلمون " فعاقبوا في الدنيا على ما دل عليه الظاهر، والله سبحانه يعاقب على ما في القلوب من حب الاشاعة " ولولا فضل الله عليكم ورحمته " تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة ولذا عطف (2) " و إن الله رؤف رحيم " على حصول فضله ورحمته عليهم، وحذف الجواب وهو مستغنى عنه لذكره مرة " يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان " بإشاعة الفاحشة " ومن يتبع " إلى قوله: " بالفحشاء والمنكر " الفحشاء: ما افرط قبحه [ قبيحه ] والمنكر ما أنكره الشرع " ولولا فضل الله عليكم ورحمته " بتوفيق التوبة الماحية للذنوب و شرع الحدود المكفرة لها " ما زكى " ما طهر من دنسها " منكم من أحد أبدا " آخر الدهر " ولكن الله يزكي من يشاء " بحمله على التوبة وقبولها " والله سميع " لمقالهم " عليم " بنياتهم. " ولا يأتل " ولا يحلف أو ولا يقصر، روي أنه نزل في أبي بكر وقد حلف أن لا ينفق على مسطح بعد، وكان ابن خالته، وكان من فقراء المهاجرين " اولو الفضل منكم والسعة " في المال " أن يؤتوا " على أن لا يؤتوا، أو في أن يؤتوا " اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله " صفات لموصوف واحد أي ناسا جامعين لها لان الكلام فيمن كان كذلك، أو لموصوفات اقيمت مقامها، فيكون أبلغ في تعليل المقصود " وليعفوا " ما فرط منهم " وليصفحوا " بالاغماض عنهم " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم " والله غفور رحيم " مع كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه " إن الذين يرمون


(1) في المصدر: بالحد والسعير. (2) ولذا عطف قوله: وان الله.

[ 316 ]

المحصنات " العفائف " الغافلات " مما قذفن به " المؤمنات " بالله ورسوله استباحة لعرضهن وطعنا في الرسول كابن ابي " لعنوا في الدنيا والآخرة " لما طعنوا (1) فيهن " ولهم عذاب عظيم " لعظم ذنوبهم. قوله " دينهم الحق " أي جزاؤهم المستحق، قوله: " الخبيثات للخبيثين " أي الخبيثات يتزوجن الخبائث وبالعكس، وكذا أهل الطيب فيكون كالدليل على قوله " اولئك " أي أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله أو الرسول أو عائشة وصفوان " مبرؤن مما يقولون " إذ لو صدق لم تكن زوجته ولم تقرر عليه " لهم مغفرة ورزق كريم " يعني الجنة (2). 1 - فس: قوله: " إن الذين جاؤا بالافك " إن العامة روت أنها نزلت في عائشة وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية، وما رمتها به عائشة (3). أقول: سيأتي ذكر القصة في باب أحوال إبراهيم ومارية. 2 - وفي تفسير النعماني عن أمير المؤمنين عليه السلام ومنه الحديث في أمر عائشة وما رماها به عبد الله بن أبي سلول (4) وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، فأنزل الله تعالى " إن الذين جاؤا بالافك " الآية فكلما كان من هذا وشبهه في كتاب الله فهو مما تأويله قبل تنزيله (5).


(1) كما طعنوا خ ل. (2) انوار التنزيل 2: 133 - 137. (3) تفسير القمى: 453. (4) الصحيح عبد الله بن ابى بن سلول. (5) المحكم والمتشابه: 96.

[ 317 ]

- 20 - * (باب) * * (غزوة الحديبية وبيعة الرضوان وعمرة القضاء وسائر الوقايع) * الآيات: البقرة " 2 ": ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه و سعى في خرابها اولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين 114. وقال سبحانه: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين * فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين * الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين. إلى قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله فإن احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محلة 190 - 196. المائدة " 5 " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم 94. الانفال " 8 ": وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعملون 34. الحج " 22 ": إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم 25.

[ 318 ]

الفتح " 48 ": إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما * سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا * بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا * ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا * ولله ملك السماوات والارض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما * سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا * قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم اولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما * ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما * لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما * وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما. إلى قوله تعالى: ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا * سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا * وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا * هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل

[ 319 ]

الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما * إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شئ عليما * لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا 10 - 27. الممتحنة " 60 ": يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن اجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم * وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون 10 و 11. تفسير: قال الطبرسي رضي الله عنه في قوله تعالى: " ومن أظلم ممن منع مساجد الله ": اختلفوا في المعني بهذه الآية، فقال ابن عباس ومجاهد أنهم الروم غزوا بيت المقدس وسعوا في خرابه حتى كان أيام عمر فأظهر الله المسلمين عليهم، وصاروا لا يدخلونها إلا خائفين. وقال الحسن وقتادة: هو بخت نصر خرب بيت المقدس وأعانه عليه النصارى وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنهم قريش حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله دخول مكة و المسجد الحرام، وبه قال البلخي والرماني والجبائي (1). وقال في قوله تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله ": عن ابن عباس نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج هو وأصحابه في العام الذي


(1) مجمع البيان 1: 189.

[ 320 ]

أرادوا فيه العمرة وكانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام فنحروا الهدي بالحديبية، ثم صالحهم المشركون على أن يرجع في عامه (1) ويعود العام القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فيرجع إلى المدينة من فوره، فلما كان العام المقبل تجهز النبي صلى الله عليه وآله و أصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن البيت الحرام ويقاتلوهم، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الآية، وعن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذه اولى آية (2) نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقاتل من قاتله و يكف عمن كف عنه حتى نزلت: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " فنسخت هذه الآية " ولا تعتدوا " أي لا تجاوزوا (3) من قتال من هو أهل القتال إلى قتال من لم تؤمروا بقتاله، وقيل: معناه لا تعتدوا بقتال من لم يبدأكم بقتال " إن الله لا يحب المعتدين " واختلف في الآية فقال بعضهم: منسوخة كما ذكرنا، وروي عن ابن عباس ومجاهد أنها غير منسوخة بل هي خاصة في النساء والذراري، وقيل: امر بقتال أهل مكة، وروي عن أئمتنا عليهم السلام أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: " كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة " (4) وكذلك قوله: " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " ناسخ لقوله: " ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم " (5). " واقتلوهم " أي الكفار " حيث ثقفتموهم " أي وجدتموهم " وأخرجوهم من حيث أخرجوكم " يعني أخرجوهم من مكة كما أخرجوكم منها " والفتنة أشد من القتل " أي شركهم بالله وبرسوله أعظم من القتل في الشهر الحرام، وذلك أن رجلا (6)


(1) في المصدر: من عامه. (2) في المصدر: هذه أول آية. (3) في المصدر: أي ولا تجاوزوا. (4) النساء: 77. (5) الاحزاب: 48. (6) تقدم شرح ذلك في باب نوادر الغزوات.

[ 321 ]

من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعابوا المؤمنين بذلك، فبين الله سبحانه أن الفتنة في الدين وهو الشرك أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام وإن كان غير جائز " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه " نهي عن ابتدائهم بقتال أو قتل في الحرم حتى يبتدئ المشركون بذلك " فإن قاتلوكم " أي بدأوكم بذلك " فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين " أن يقتلوا حيث ما وجدوا " فإن انتهوا " أي امتنعوا من كفرهم بالتوبة " فإن الله غفور " لهم " رحيم " بهم " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " أي شرك عن ابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (1) " ويكون الدين لله " أي وحتى تكون الطاعة لله و الانقياد لامره، أو حتى يكون الاسلام لله " فإن انتهوا " عن الكفر " فلا عدوان إلا على الظالمين " أي فلا عقوبة عليهم، وإنما العقوبة بالقتل على الكافرين المقيمين على الكفر فسمى القتل عدوانا من حيث كان عقوبة على العدوان وهو الظلم " الشهر الحرام بالشهر الحرام " المراد به ههنا ذو القعدة وهو شهر الصد عام الحديبية، و الاشهر الحرم أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، كانوا يحرمون فيها القتال، وأنما قيل: ذو القعدة لقعودهم فيه عن القتال، وقيل في تقديره: وجهان: أحدهما: قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام (2) فحذف المضاف (3) وقيل: إنه الشهر الحرام على جهة العوض لما فات في السنة الاولى، ومعناه الشهر الحرام ذو القعدة الذي دخلتم فيه مكة واعتمرتم وقضيتم منها وطركم في سنة سبع بالشهر الحرام ذي القعدة الذي صددتم فيه عن البيت ومنعتم من مرادكم سنة ست (4) " والحرمات قصاص " فيه قولان: أحدهما: أن الحرمات قصاص بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام، قال مجاهد: لان قريشا فخرت بردها رسول الله عام الحديبية


(1) في المصدر: عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وهو المروى عن الصادق عليه السلام. (2) في المصدر: قتال الشهر الحرام أي في الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام. (3) زاد في المصدر وفى الطبعتين من المصدر: واقام المضاف إليه مقامه. (4) في المصدر: في سنة ست.

[ 322 ]

محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام فأدخله الله تعالى مكة في العام المقبل في ذي القعدة وقضى عمرته، وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام، والثاني أن الحرمات قصاص بالقتل (1) في الشهر الحرام أي لا يجوز للمسلمين إلا قصاصا، قال الحسن: إن مشركي العرب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله:: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام ؟ قال: نعم، وإنما أراد المشركون أن يغيروه (2) في الشهر الحرام فيقاتلوه، فأنزل الله سبحانه هذا أي إن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم، وإنما جمع الحرمات لانه أراد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الاحرام، وقيل: أراد كل حرمة تستحل فلا تجوز إلا على وجه المجازاة (3) " فمن اعتدى عليكم " أي ظلمكم " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " أي فجازوه باعتدائه و قابلوه بمثله " واتقوا الله " فيما أمركم به ونهاكم عنه " واعلموا أن الله مع المتقين " بالنصرة لهم " وأتموا الحج والعمرة لله " أي أتموهما بمناسكهما وحدودهما، واقصدوا بهما التقرب إلى الله (4) " فإن احصرتم " أي إن منعكم خوف أو عدو أو مرض فامتنعتم لذلك، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام " فما استيسر من الهدي " أي فعليكم ما سهل من الهدي، أو فاهدوا ما تيسر من الهدي إذا أردتم الاحلال " ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي، محله " أي لا تتحللوا من إحرامكم حتى يبلغ الهدي محله، وينحر أو يذبح، واختلف في محل الهدي فقيل: إنه الحرم، وقيل: إنه الموضع الذي يصد فيه، لان النبي صلى الله صلى الله عليه وآله نحر هديه بالحديبية وأمر أصحابه ففعلوا ذلك، وليست الحديبية من الحرم، وأما على مذهبنا فالاول حكم المحصر بالمرض، والثاني حكم المحصور بالعدو،


(1) في المصدر: بالقتال. (2) ان يغروه خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. (3) في المصدر: وقيل: لان كل حرمة تستحل فلا يجوز الا على وجه المجازاة. (4) في المصدر: أي اتموهما بمناسكهما وحدودهما وتأدية كل ما فيهما، عن ابن عباس ومجاهد وقيل: معناه اقيموها إلى آخر ما فيهما وهو المروى عن أمير المؤمنين وعلى بن الحسين عليهما السلام وعن سعيد بن جبير ومسروق والسدى وقوله: " لله " أي اقصدوا بهما التقرب إلى الله اه‍.

[ 323 ]

وإن كان الاحرام بالحج فمحله منى يوم النحر، وإن كان الاحرام بالعمرة فمحلة مكة (1). قوله تعالى: " ليبلونكم الله بشئ من الصيد " قال البيضاوي: نزلت عام الحديبية ابتلاهم الله بالصيد، وكانت الوحوش تغشاهم في رحابهم (2) بحيث يتمكنون من صيدها آخذا بأيديهم، وطعنا برماحهم وهم محرمون، والتقليل والتحقير في " بشئ " للتنبيه على أنه ليس من العظائم التي تدحض الاقدام كالابتلاء ببذل الانفس والاموال، فمن لم يثبت عنده كيف يثبت عند ما هو أشد منه " ليعلم الله من يخافه بالغيب " ليتميز الخائف من عفا به وهو غائب منتظر لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه وقلة إيمانه، فذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره، أو تعلق العلم " فمن اعتدى بعد ذلك " بعد ذلك الابتلاء بالصيد (3). قوله تعالى " وما لهم أن لا يعذبهم الله " قال البيضاوي: أي وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى ذلك ؟ (4) وكيف لا يعذبون " وهم يصدون عن المسجد الحرام " و حالهم ذلك، ومن صدهم عنه الجآء الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنين إلى الهجرة، وإحصارهم عام الحديبية " وما كانوا أولياءه " مستحقين ولاية أمره مع شركهم، وهو رد لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء " إن أولياؤه إلا المتقون " من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره، وقيل: الضميران لله " ولكن أكثرهم لا يعلمون " أن لا ولاية لهم عليه (5). " إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله " لا يريد به حالا ولا استقبالا، وإنما يريد استمرار الصد منهم، ولذلك حسن عطفه على الماضي، والمسجد الحرام


(1) مجمع البيان 2: 284 - 288 و 290. وفيه اختصار راجع المصدر. (2) الرحاب جمع الرحبة، وفى المصدر: في رحالهم. (3) انوار التنزيل 1: 357 و 358. (4) في المصدر: متى زال ذلك ؟ (5) انوار التنزيل 1: 474.

[ 324 ]

عطف على اسم الله " الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد " أي المقيم والطارئ " ومن يرد فيه " مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول " بإلحاد " عدول عن القصد " بظلم " بغير حق، وهما حالان مترادفان، أو الثاني بدل من الاول بإعادة الجار أو صلة له، أي ملحدا بسبب الظلم كالاشراك واقتراف الآثام " نذقه من عذاب اليم " جواب لمن (1). وقال الطبرسي رحمه الله: قيل: إن الآية نزلت في الذين صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله عام الحديبية (2). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إن الذين يبايعونك ": المراد بالبيعة هنا بيعة الحديبية، وهي بيعة الرضوان بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله على الموت " إنما يبايعون الله " يعني أن المبايعة معك تكون مبايعة مع الله، لان طاعتك طاعة الله، وإنما سميت بيعة لانها عقدت على بيع أنفسهم بالجنة للزومهم في الحرب النصرة " يد الله فوق أيديهم " أي عقد الله في هذه البيعة فوق عقدهم، لانهم بايعوا الله ببيعة نبيه فكأنهم بايعوه من غير واسطة، وقيل: معناه قوة الله في نصرة نبيه فوق نصرتهم أياه، أي ثق بنصرة الله لك لا بنصرتهم وإن بايعوك، وقيل: نعمة الله عليهم بنبيه فوق أيديهم بالطاعة والمبايعة، وقيل: يد الله بالثواب وما وعدهم على بيعتهم من الجزاء فوق أيديهم بالصدق والوفاء " فمن نكث " أي نقض ما عقد من البيعة " فإنما ينكث على نفسه " أي يرجع ضرر ذلك النقض عليه، وليس له الجنة ولا كرامة " ومن أوفي " أي ثبت على الوفاء " بما عاهد عليه الله " من البيعة " فسيؤتيه أجرا عظيما " أي ثوابا جزيلا " سيقول لك المخلفون من الاعراب " أي الذين تخلفوا عن صحبتك في وجهتك وعمرتك، وذلك أنه صلى الله عليه وآله لما أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا وكان في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة استنفر من حول المدينة من الاعراب إلى الخروج معه، وهم غفار وأسلم ومزينة وجهينة و


(1) انوار التنزيل 2: 100. (2) مجمع البيان 7: 80 فيه: صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن مكة عام الحديبية.

[ 325 ]

أشجع والدئل، حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو بصد، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الاعراب فقالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاؤه وقتلوا أصحابه فتخلفوا عنه واعتلوا بالشغل، فقال سبحانه: إنهم يقولون لك إذا انصرفت إليهم فعاتبتهم على التخلف عنك: " شغلتنا أموالنا وأهلونا " عن الخروج معك " فاستغفر لنا " في قعودنا عنك فكذبهم الله تعالى فقال: " يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم " أي لا يبالون استغفر لهم النبي أم لا " قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا " أي غنيمة (1)، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صلى الله عليه وآله يدفع عنهم الضر، أو يعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم سبحانه أنه إن أراد بهم شيئا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه عنهم " بل كان الله بما تعملون خيبرا " أي عالما بما كنتم تعملون في تخلفكم " بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا " أي ظننتم أنهم لا يرجعون إلى من خلفوا بالمدينة من الاهل والاولاد، لان العدو يستأصلهم ويصطلمهم " وزين ذلك في قلوبكم " أي زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم " و ظننتم ظن السوء " في هلاك النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين، وكل هذا من الغيب الذي لا يطلع عليه أحد إلا الله، فصار معجزا لنبينا صلى الله عليه وآله " وكنتم قوما بورا " أي هلكى لا تصلحون لخير، وقيل: قوما فاسدين. " سيقول المخلفون " يعني هؤلاء " إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها " يعني غنائم خيبر " ذرونا نتبعكم " أي اتركونا نجئ معكم، وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية بالصلح وعدهم الله سبحانه فتح خيبر وخص بغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون: " ذرونا نتبعكم " فقال سبحانه: " يريدون أن يبدلوا كلام الله " أي مواعيد الله لاهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة، أرادوا تغيير ذلك بأن يشاركوهم فيها، وقيل: يريد أمر الله لنبيه أن لا يسير معه منهم أحد " قل


(1) فيه اختصار، والموجود في المصدر: أي فمن يمنعكم من عذاب الله ان اراد بكم سوءا أو نفعا، أي غنيمة، عن ابن عباس.

[ 326 ]

لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل " أي قال الله بالحديبية قبل خيبر وقبل مرجعنا إليكم: إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية لا يشركهم فيها غيرهم " فسيقولون بل تحسدوننا " أن نشارككم في الغنيمة " بل كانوا لا يفقهون " الحق " إلا قليلا " أي إلا فقها قليلا أو شيئا قليلا (1). قوله تعالى: " إلى قوم اولي بأس شديد " قد مر تفسيره في باب نوادر الغزوات. " ليس على الاعمى حرج " أي ضيق في ترك الحضور (2) مع المؤمنين في الجهاد قال مقاتل: عذر الله أهل الزمانة والآفات الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية. قوله تعالى: " إذ يبايعونك تحت الشجرة " يعني بيعة الحديبية تحت الشجرة المعروفة، وهي شجرة السمرة، وتسمى بيعة الرضوان لهذه الآية، ورضى الله سبحانه عنهم هو إرادته تعظيمهم وإثابتهم " فعلم ما في قلوبهم " من صدق النية في القتال والكراهة له لانه بايعهم على القتال. وقيل: ما في قلوبهم من الصبر واليقين والوفاء " فأنزل السكينة عليهم " وهي اللطف المقوي لقلوبهم والطمأنينة " وأثابهم فتحا قربيا " يعني فتح خيبر، وقيل: فتح مكة " ومغانم كثيرة يأخذونها " يعني غنائم خيبر، فإنها كانت مشهورة بكثرة المال والعقار، وقيل: يعني غنائم هوازن بعد فتح مكة (3). أقول: قد مضى تفسير بقية الآيات في باب نوادر الغزوات. قوله تعالى: " وهو الذي كف أيديهم عنكم " أي بالرعب، قيل: سبب نزوله أن المشركين بعثوا أربعين رجلا عام الحديبية ليصيبوا من المسلمين، فاتي بهم إلى النبي صلى الله عليه وآله اسارى فخلى سبيلهم عن ابن عباس، وقيل: إنهم كانوا ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم،


(1) مجمع البيان 9: 114 و 115. (2) في المصدر: في ترك الخروج مع المؤمنين. (3) مجمع البيان 9: 116.

[ 327 ]

فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأعتقهم، عن أنس وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا في ظل شجرة وبين يديه علي عليه السلام يكتب كتاب الصلح فخرج ثلاثون شابا عليهم السلاح، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وآله فأخذ الله تعالى بأبصارهم فقمنا فأخذناهم فخلى صلى الله عليه وآله سبيلهم، فنزلت هذه الآية عن عبد الله بن المغفل " وأيديكم عنهم " بالنهي " من بعد أن أظفركم عليهم " ذكر الله تعالى منته على المؤمنين بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتتلا، وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح " وصدوكم عن المسجد الحرام " أن تطوفوا وتحلوا من عمرتكم، يعني قريشا " والهدي معكوفا أن يبلغ محله " أي و صدوا الهدي وهي البدن التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وآله معه، وكانت سبعين بدنة حتى بلغ ذا الحليفة، فقلد البدن التي ساقها وأشعرها وأحرم بالعمرة حتى نزل بالحديبية ومنعه المشركون، وكان الصلح، فلما تم الصلح نحروا البدن، وذلك قوله: " معكوفا " أي محبوسا من " أن يبلغ محله " (1) أي منحره يعني مكة " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات " يعني المستضعفين الذين كانوا بمكة بين الكفار من أهل الايمان " لم تعلموهم " بأعيانهم لاختلاطهم بغيرهم " أن تطؤهم " بالقتل وتوقعوا بهم " فتصيبكم منهم معرة " أي إثم وجناية، أو عيب يعيبكم المشركون بأنهم قتلوا أهل دينهم، وقيل: هي غرم الدية والكفارة في قتل الخطاء عن ابن عباس، وذلك أنهم لو كبسوا (2) مكة وفيها قوم مؤمنون لم يتميزوا من الكفار ولم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة، وتلحقهم السيئة بقتل من على دينهم، فهذه المعرة التي صان الله المؤمنين عنها، وجواب " لولا " محذوف وتقديره: لولا المؤمنون الذين لم تعلموهم لوطأتم رقاب المشركين بنصرنا إياكم، وقوله: " بغير علم " موضعه التقديم، لان التقدير لولا أن تطؤهم بغير علم وقوله: " ليدخل الله في رحمته من يشاء " اللام متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام، تقديره فحال بينكم وبينهم ليدخل الله في رحمته من يشاء، يعني من أسلم من الكفار بعد الصلح، وقيل: ليدخل الله في رحمته اولئك


(1) في المصدر: فذلك قوله " معكوفا " أي محبوسا عن " ان يبلغ محله ". (2) الغرم: ما يلزم اداؤه من المال. كبسوا مكة أي هجموا عليها بغتة.

[ 328 ]

بسلامتهم من القتل، ويدخل هؤلاء في رحمته بسلامتهم من الطعن والعيب " لو تزيلوا " أي لو تميز المؤمنون من الكافرين " لعذبنا الذين كفروا منهم " أي من أهل مكة " عذابا أليما " بالسيف والقتل بأيديكم، ولكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار " إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية " إذ يتعلق بقوله: " لعذبنا " أي لعذبنا الذين كفروا وآذنا لك في قتالهم حين جعلوا قلوبهم الانفة التي تحمى الانسان، أي حميت قلوبهم بالغضب، ثم فسر تلك الحمية فقال: " حمية الجاهلية " أي عادة آبائهم في الجاهلية أن لا يذعنوا لاحد ولا ينقادوا له، وذلك أن كفار مكة قالوا: قد قتل محمد وأصحابه اباءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا، فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم، وقيل: هي انفتهم من الاقرار لمحمد صلى الله عليه وآله بالرسالة، والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم، حيث أراد أن يكتب كتاب العهد بينهم عن الزهري " فأنزل الله سكينته " إلى قوله: " كلمة التقوى " وهي قول: لا إله إلا الله " وكانوا أحق بها وأهلها " قيل: إن فيه تقديما وتأخيرا، والتقدير كانوا أهلها وأحق بها، أي كان المؤمنون أهل تلك الكلمة وأحق بها من المشركين، وقيل: كانوا أحق بنزول السكينة عليهم وأهلا لها، وقيل: كانوا أحق بمكة أن يدخلوها وأهلها " وكان الله بكل شئ عليما " لما ذم الكفار بالحمية، ومدح المؤمنين بلزوم الكلمة والسكينة بين علمه ببواطن سرائرهم وما ينطوي عليه عقد ضمائرهم " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " قالوا: إن الله تعالى أرى نبيه في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أن المسلمين دخلوا المسجد الحرام، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم دخلو مكة عامهم ذلك، فلما انصرفوا ولم يدخلوا مكة قال المنافقون: ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل الله هذه الآية، وأخبر أنه أرى رسوله الصدق في منامه لا الباطل، وإنهم يدخلونه، وأقسم على ذلك فقال: " لتدخلن المسجد الحرام " يعني العام المقبل " إن شاء الله " قال أبو العباس: (1) استثنى الله فيما يعلم


(1) في المصدر: قال أبو العباس ثعلب.

[ 329 ]

ليستشنى الناس فيما لا يعلمون، وقيل: إن الاستثناء من الدخول، وكان بين نزول الآية و الدخول سنة. وقد مات منهم ناس في السنة، فيكون تقديره ليدخلن كلكم إن شاء الله، إذ علم أن منهم من يموت قبل السنة أو يمرض فلا يدخلها فأدخل الاستثناء لئلا يقع في الخبر خلف، وقيل: إن الاستثناء داخل على الخوف والامن، فأما الدخول فلا شك فيه، وتقديره لتدخلن (1) آمنين من العدو إن شاء الله، وقيل: إن " إن " هيهنا بمعنى " إذ " أي إذ شاء الله حين أرى رسوله، ذلك عن أبي عبيدة " محلقين رؤسكم ومقصرين " أي محرمين يحلق بعضكم رأسه، ويقصر بعض، وهو أن يأخذ بعض الشعر " لا تخافون " مشركا " فعلم " من الصلاح في صلح الحديبية " ما لم تعلموا " وقيل: علم في تأخير دخول المسجد الحرام من الخير والصلاح ما لم تعلموا أنتم (2)، وهو خروج المؤمنين من بينهم، وغير ذلك " فجعل من دون ذلك " أي قبل الدخول " فتحا قريبا " يعني فتح خيبر، أو صلح الحديبية (3). ثم قال رحمه الله: قصة فتح الحديبية: قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية وقفت ناقته وزجرها فلم تنزجز، وبركت الناقة، فقال أصحابه: خلات الناقة، (4) فقال صلى الله عليه وآله: " ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابس الفيل " ودعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة ليأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته وينحر هديه، فقال: يا رسول الله ما لي بها حميم، وإني أخاف قريشا لشدة (5) عداوتي أياها، ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني: عثمان بن عفان، فقال: صدقت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عثمان فأرسله إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت، معظما لحرمته، (6) فاحتبسته


(1) في المصدر: لتدخلن المسجد الحرام آمنين. (2) في المصدر: ما لم تعلموه انتم. (3) مجمع البيان 9: 126. (4) أي بركت ولم تبرح من مكانها. (5) شدة خ ل. (6) في سيرة ابن هشام 3: 363: فخرج عثمان إلى مكة فلقيه ابان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل ان يدخلها فحمله بين يديه ثم اجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله اه‍.

[ 330 ]

قريش عندها. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال صلى الله عليه وآله: " لا نبرح حتى نناجز القوم " فدعا الناس إلى البيعة، فقام (1) رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الشجرة فاستند إليها وبايع الناس (2) على أن يقاتلوا المشركين ولا يفروا، قال عبد الله بن مغفل: كنت قائما على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك اليوم وبيدي غصن من السمرة أذب عنه وهو يبايع الناس، فلم يبايعهم على الموت، وإنما بايعهم على أن لا يفروا. وروى الزهري وعروة بن الزبير والمسور بن مخرمة قالوا: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وآله الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذا كان بغدير الاشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الاحابيش وجمعوا لك جموعا وهم قاتلوك أو مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال صلى الله عليه وآله: " روحوا " فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وآله: " إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل القريش (3) طليعة فخذوا ذات اليمين " وسار صلى الله عليه وآله حتى إذا كان بالثنية بركت راحلته، فقال صلى الله عليه وآله: " ما خلات القصوى (4) ولكن حبسها حابس الفيل " ثم قال: " والله لا يسألوني (5) خطة يعظمون فيها حرمات الله


(1) فمال خ ل. (2) وبايعه الناس خ ل. (3) في خيل قريش خ ل. (4) في المصدر: القصواء بالمد، وفى النهاية: والقصواء: الناقة التى قطع طرف اذنها، و لم تكن ناقة النبي صلى الله عليه وآله قصواء وانما كان هذا لقبالها، وقيل: كانت مقطوعة الاذن. (5) لا يسألوننى خ ل. أقول: في السيرة: " ما خلات وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوننى فيها صلة الرحم الا اعطيتهم اياها ".

[ 331 ]

إلا أعطيتهم إياها " ثم زجرها فوثبت به قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا، فشكوا إليه العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه في الماء فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا (1) عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل تهامة، فقال: أني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس و (2) إن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لاقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله تعالى أمره " فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وإنه يقول كذا وكذا، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: إنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، فقالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وآله وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح (3) اصله قبلك، وإن تكن الاخرى فوالله إني لارى وجوها وأرى أوباشا (4) من الناس خلقا (5) إن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات (6) أنحن نفر عنه وندعه ؟ فقال: من ذا، قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك


(1) وكان خ ل. (2) فان اظهر عليهم فان خ ل. (3) اجتاج اهله خ ل. (4) اشابا. اشتاتا: أوباشا خ ل. أقول: في المصدر: اشابا. وفى السيرة أوشاب الناس. أقول: أي اخلاطهم. (5) خليقا خ ل. (6) ببظر اللات خ ل.

[ 332 ]

بها لاجبتك، قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وآله، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وآله ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وآله ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن لا ترجع إليك، فقال: من هذا ؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، قال: (1) أي غدر أو لست أسعى في غدرتك (2) ؟ قال: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ اموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " أما الاسلام فقد قبلنا، وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه ". ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وآله (3) إذا أمرهم رسول الله صلى الله عليه واله ابتدروا أمره، وإذا توضأ ثاروا (4) يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا اخفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، قال: فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ان رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقال: (5) ائته، فلما أشرف عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها " فبعثت له، واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال (6): سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فقام رجل


(1) فقال خ ل. (2) في السيرة: أي غدر، وهل غسلت سوأتك الا بالامس. اراد عروة بقوله هذا ان المغيرة قبل اسلامه قتل ثلاثه عشرة رجلا من بنى مالك من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف: بنو مالك رهط المقتولين والاحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية واصلح ذلك الامر. (3) في المصدر: اصحاب النبي صلى الله عليه وآله. (4) صاروا خ ل. (5) في المصدر: فقالوا. (6) قال لاصحابه خ ل.

[ 333 ]

منهم يقال له: مكرز بن حفص فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وآله: " هذا مكرز وهو رجل فاجر " فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وآله فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو فقال صلى الله عليه وآله: قد سهل الله عليكم أمركم، فقال: اكتب بيننا وبينك كتابا، (1) فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اكتب باسمك اللهم، هذا ما قاضى (2) عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله " فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " إني لرسول الله وإن كذبتموني " ثم قال لعلي عليه السلام: " امح رسول الله " فقال: يا رسول الله إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله فمحاه، ثم قال: " اكتب هذا ما قاضى عليه (3) محمد بن عبد الله


(1) في السيرة: فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح، فلما التأم الامر ولم يبق الا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر أليس برسول الله ؟ قال: بلى قال أو لسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى، قال أو ليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فانى اشهد انه رسول الله، قال عمر: وانا اشهد انه رسول الله، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله ألست برسول الله ؟ قال: بلى، قال: اولسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ قال: " أنا عبد الله ورسوله لن اخالف امره ولن يضيعني " قال: فكان عمر يقول: ما زلت اتصدق و اصوم واصلي واعتق من الذى صنعت يومئذ مخافة كلامي الذى تكلمت به حين رجوت أن يكون خيرا. انتهى: أقول: ليتنى كنت اعرف ما بال عمر يشك فورا حين يرى ما يخالف رأيه منه صلى الله عليه وآله ؟ ولم كان يتشجع حينما كان يرى ان الصلح القى جرانه ؟ ولم لم يقل: " فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ " حين ما كان يفر من المشركين في غزوة أحد وغيرها ورسول الله صلى الله عليه وآله أحاطه المشركون من كل جانب ؟ ! (2) قضى خ ل. (3) في السيرة: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله.

[ 334 ]

سهيل بن عمرو واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن، الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وعلى أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجا أو معتمرا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو الشام فهو آمن على دمه وماله، فإن بيننا عيبة مكفوفة، (1) وإنه لا إسلال ولا إغلال، وإنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ". فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " على أن يخلوا (2) بيننا وبين البيت فنطوف " فقال سهيل: والله ما تتحدث العرب انا اخذنا ضفطه، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، ومن جاءنا ممن معك لم نرده عليك، فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فلو علم الله الاسلام من قلبه جعل له مخرجا " فقال سهيل: وعلى أنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا ولا تدخلها بالسلاح إلا السيوف في القراب وسلاح الراكب، وعلى أن هذا الهدي حيث ما حبسناه محله لا تقدمه علينا، فقال صلى الله عليه وآله: " نحن نسوق وأنتم تردون ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما اقاضيك عليه أن ترده، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " إنا لم (3) نرض بالكتاب بعد " قال: والله إذا لا اصالحك على


(1) في المصدر: عيبة مكفولة. ولعله مصحف. (2) في المصدر. على ان تخلوا. (3) لم نقض خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر.

[ 335 ]

شئ أبدا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " فأجره (1) لي " قال: ما أنا بمجيره لك، قال: " بلى فافعل " قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بلى قد أجرناه، قال أبو جندل بن سهيل: معاشر المسلمين ارد إلى المشركين وقد جئت مسلما ؟ ألا ترون ما قد لقيت ؟ (2) وكان قد عذب عذابا شديدا، فقال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت: ألست نبي الله ؟ قال: " بلى " قلت: ألسنا على الحق و عدونا على الباطل ؟ قال: " بلى " قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال: " إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري " قلت: أو لست تحدثنا أنا سنأتي البيت و نطوف حقا ؟ قال: " بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه (3) العام ؟ " قلت: لا، قال: " فإنك تأتيه وتطوف به " فنحر رسول الله صلى الله عليه وآله بدنه ودعا بحالقه فحلق شعره ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات " الآية. قال محمد بن إسحاق بن بشار: (4) وحدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا الصلح كان على بن أبي طالب عليه السلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو " فجعل علي عليه السلام يتلكأ ويأبي أن يكتب إلا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد " (5) فكتب ما قالوا، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا:


(1) ذكره بعد ذلك في التوضيح بالزاء. (2) في السيرة: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا ابا جندل اصبر واحتسب فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، انا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا واعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وانا لا نغدر بهم. (3) أن تأتيه خ ل اقول: يوجد ذلك المصدر. (4) يسار خ ل. أقول: هذا هو الصحيح وفى المصدر ايضا كذلك. (5) ايعاز إلى ما ياتي في قصة الحكمين. واضطهده: قهره وجار عليه.

[ 336 ]

العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون (1) من تمر لهم، فقال أبو بصير لاحد الرجلين: أني لارى سيفك هذا جيدا، (2) فاستله (3) وقال: أجل إنه لجيد وجربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه به حتى برد، وفر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين رآه: " لقد رأى هذا ذعرا " فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، قال: فجاء أبو بصير فقال: يا نبي (4) الله قد أوفى الله ذمتك ورددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " ويل امه مسعر حرب لو كان أحد " (5) فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا الحق بأبي بصير حتى اجتمعت (6) عليه عصابة، قال: فوالله لا يسمعون بعير لقريش قد خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل صلى الله عليه وآله إليهم فأتوه (7). ثم قال رحمه الله في ذكر عمرة القضاء: وكذلك جرى الامر في عمرة القضاء في في السنة التالية للحديبية وهي سنة سبع من الهجرة في ذي القعدة، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام، فخرج النبي صلى الله عليه وآله ودخل مكة مع أصحابه معتمرين، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام، ثم رجعوا إلى المدينة. وعن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى


(1) فنزلا يأكلان خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (2) سيفا جيدا خ ل: أقول: في المصدر: انى لارى سيفك هذا جيدا جدا. (3) فاستله الاخر خ ل. (4) يا رسول خ ل. (5) في السيرة: " ويل امه محش حرب لو كان معه رجال " محش حرب أي انه يوقد الحرب ويهيجها ويشعل نارها، تقول: حش فلان النار يحشها: إذا اوقدها وجمع لها الحطب. (6) حتى اجتمع خ ل. (6) حتى اجتمع خ ل. (7) مجمع البيان 9: 116 - 119.بحار الانوار

[ 337 ]

ميمونة بنت الحارث العامرية فخطبها صلى الله عليه وآله فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت تحته اختها ام الفضل بنت الحارث، فزوجها العباس من رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أصحابه فقال: " اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف " ليرى المشركون جلدهم وقوتهم، فاستكف أهل مكة الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله متوشحا بالسيف يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله * اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله * ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله * يا رب إني مؤمن بقيله إني رأيت الحق في قبوله ويشير بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنزل الله في تلك العمرة: " الشهر الحرام بالشهر الحرام " وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله اعتمر في الشهر الحرام الذي صد فيه (1). وقال في قوله تعالى: " إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ": قال ابن عباس: صالح رسول الله صلى الله عليه وآله بالحديبية مشركي مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده عليهم ومن أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فهو لهم ولم يردوه عليه، وكتبوا بذلك كتابا وختموا عليه، فجاءت سبيعة بنت الحارث الاسلمية مسلمة بعد الفراغ من الكتاب والنبي صلى الله عليه وآله بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم - وقال مقاتل: هو صيفي بن الراهب - في طلبها، وكان كافرا، فقال: يا محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد فنزلت الآية: " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات " من دار الكفر إلى دار الاسلام " فامتحنوهن " قال ابن عباس: امتحانهن، إن يستحلفن ما خرجن


(1) مجمع البيان 9: 127.

[ 338 ]

من بغض زوج (1) ولا رغبة عن أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا خرجت (2) إلا حبا لله ولرسوله، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وآله ما خرجت بغضا لزوجها، ولا عشقا لرجل منا، وما خرجت إلا رغبة في الاسلام، فحلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها عليه، فتزوجها عمر بن الخطاب، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يرد من جاءه من الرجال، ويحبس من جاءه من النساء إذا امتحن ويعطي أزواجهن مهورهن، قال الزهري ولما نزلت هذه الآية وفيها قوله: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا له بمكة مشركتين: قريبة بنت امية بن المغيرة (3)، فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة، والاخرى ام كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية (4) ام عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن حذافر بن (5) غانم رجل من قومه وهما على شركهما، وكانت عند طلحة بن عبيدالله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق بينهما الاسلام حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر، وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة عند قومها كافرة، ثم تزوجها في الاسلام بعد طلحة خالد بن سعيد ابن العاص بن امية، وكانت ممن فر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من نساء الكفار، فحبسها وزوجها خالدا، واميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة (6) ففرت منه وهو يومئذ كافر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله سهل بن حنيف فولدت عبد الله ابن سهل


(1) الزوج خ ل. (2) وما خرجت خ ل: أقول: في المصدر: وما خرجن. (3) في المصدر، قرنية بنت ابى امية بن المغيرة. وفى المحبر: قريبة وهى فاطمة بنت ابى امية بن المغيرة بن شداد الفهرى. (4) في المحبر: ام كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب الخزاعى: ويأتى مثله بعد ذلك. (5) حذافة خ ل. أقول: في المصدر ايضا حذافة، ولكن استظهر المصنف ان الصحيح حذيفة فتأمل. (6) في اسد الغابة: كانت قبل سهل تحت حسان بن الدحداحة راجعه ففيه اشكال في ذلك.

[ 339 ]

قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله امرأة أبي العاص بن الربيع فأسلمت ولحقت بالنبي صلى الله عليه وآله في المدينة، وأقام أبو العاص مشركا بمكة ثم أتى المدينة فأمنته زينب، ثم أسلم فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وآله. وقال الجبائي: لم يدخل في شرط صلح الحديبية إلا رد الرجال دون النساء ولم يجر للنساء ذكر، وإن ام كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمة مهاجرة من مكة فجاء أخواها إلى المدينة فسألا رسول الله صلى الله عليه وآله ردها عليهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن الشرط بيننا في الرجال لا في النساء " فلم يردها عليهما. قال الجبائي وإنما لم يجر هذا الشرط في النساء لان المرأة إذا أسلمت لم تحل لزوجها الكافر فكيف ترد عليه وقد وقعت الفرقة بينهما ؟ " فامتحنوهن " بالايمان " أي استوصفوهن الايمان وسماهن مؤمنات قبل أن يؤمن، لانهن اعتقدن الايمان " الله أعلم بإيمانهن " أي كنتم تعلمون بالامتحان ظاهر إيمانهن، والله يعلم حقيقة إيمانهن في الباطن، ثم اختلفوا في الامتحان على وجوه: أحدها إن الامتحان أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله عن ابن عباس. وثانيها ما روي عن ابن عباس أيضا في رواية اخرى أن امتحانهن أن يحلفن ما خرجن إلا للدين والرغبة في الاسلام، ولحب الله ورسوله، ولم يخرجن لبغض زوج ولا لالتماس دنيا وروي ذلك عن قتادة. وثالثها أن امتحانهن بما في الآية التي بعد وهو " أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين " الآية عن عائشة، ثم قال سبحانه: " فإن علمتموهن مؤمنات " يعني في الظاهر " فلا ترجعوهن إلى الكفار " أي لا تردوهن إليهم " لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن " وهذا يدل على وقوع الفرقة بينهما لخروجها مسلمة وإن لم يطلق المشرك. " وآتوهم ما أنفقوا " أي وآتوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، قال الزهري: لولا الهدنة لم يرد إلى المشركين الصداق كما كان يفعل قبل " ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن

[ 340 ]

أجورهن " أي ولا جناح عليكم معاشر المسلمين أن تنكحوا المهاجرات إذا أعطيتموهن مهورهن التي يستحل بها فروجهن، لانهم بالاسلام قد بن (1) من أزواجهن " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " أي لا تتمسكوا (2) بنكاح الكافرات، وأصل العصمة المنع، وسمي النكاح عصمة لان المنكوحة تكون في حبالة الزوج وعصمته " واسألوا ما أنفقتم " أي إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ولم يدفعوها إليكم، كما يسألونكم مهور نسائهم إذا هاجرن إليكم، وهو قوله: " وليسألوا ما أنفقوا ذلكم " يعني ما ذكر الله في هذه الآية " حكم الله يحكم بينكم والله عليم " بجميع الاشياء " حكيم " فيما يفعل ويأمر به، قال الحسن: كان في صدر الاسلام تكون المسلمة تحت الكافر، والكافرة تحت المسلم فنسخته هذه الآية، قال الزهري: ولما نزلت هذه الآية آمن المؤمنون بحكم الله وأدوا ما امروا به من نفقات (3) المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمرهم به من أداء نفقات المسلمين، فنزل " وإن فاتكم شئ من أزواجكم " أي أحد من أزواجكم " إلى الكفار " فلحقن بهم مرتدات " فعاقبتم " معناه فغزوتم وأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة وظفرتم وكانت العاقبة لكم، وقيل: معناه فخلفتم من بعدهم وصار الامر إليكم، وقيل: إن عقب وعاقب بمثل صغر وصاغر بمعنى، وقيل: عاقبتم بمصير أزواج الكفار إليكم إما من جهة سبي أو مجيئهن مؤمنات " فآتوا الذين ذهبت أزواجهم " أي نساؤهم من المؤمنين " مثل ما أنفقوا " من المهور عليهن من رأس الغنيمة، وكذلك من ذهبت زوجته إلى من بينكم وبينه عهد فنكث في إعطاء المهر فالذي ذهب زوجته (4) يعطى المهر من الغنيمة، ولا ينقص شئ من حقه بل يعطى كملا عن ابن عباس والجبائي، وقيل: معناه إن فاتكم أحد من


(1) أي انقطعن عن ازواجهن. (2) في المصدر: لا تمسكوا. (3) من اداء نفقات خ ل. (4) في المصدر: ذهبت زوجته.

[ 341 ]

أزواجكم إلى الكفار الذين بينكم وبينهم عهد فغنمتم فأعطوا زوجها صداقها الذي كان ساق إليها من الغنيمة، ثم نسخ هذا الحكم في براءة فنبذ إلى كل ذي عهد عهده عن قتادة، وقال علي بن عيسى: معناه فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من المهور كما عليهم أن يردوا عليكم مثل ما أنفقتم لمن ذهب من أزواجكم. " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " أي اجتنبوا معاصي الله الذي أنتم تصدقون به، ولا تجاوزوا أمره (1). وقال الزهري: فكان جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعات عن الاسلام ست نسوة (2): ام الحكم بنت أبي سفيان، كانت تحت عياض ابن شداد الفهري، وفاطمة (3) بنت أبي امية بن المغيرة، اخت ام سلمة، كانت تحت عمر بن الخطاب، فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت، ويروع (4) بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة (5) بنت عبد العزى بن فضلة (6)، وزوجها عمرو ابن عبد ود، وهند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وكلثوم (7) بنت جرول كانت تحت عمر، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وآله مهور نسائهم من الغنيمة انتهى (8). ولنوضح: بعض ما ربما يشتبه على بعض من اللغات: قال الجزري: الحديبية قرية قريبة من مكة، سميت ببئر هناك، وهي مخففة، وكثير من المحدثين يشددونها.


(1) اوامره خ ل. (2) ذكرهن البغدادي في كتاب المحبر: 432. (3) في المحبر: قريبة وهى فاطمة. (4) بزوع خ ل. أقول: في المصدر والمحبر: بروع. (5) في المحبر: هند ويقال: عمرة بنت عبد العزى بن نضلة، زوجها عمرو بن عبد عمرو ذى الشمالين من خزاعة. (6) نضلة خ ل. (7) في المحبر وفيما تقدم: وام كلثوم. (8) مجمع البيان 9: 273 - 275.

[ 342 ]

وقال الجوهري: خلات الناقة، أي حرنت وبركت من غير علة. وقال الجزري: الخطة بالضم: الحال، والامر، والخطب: وقال: الثمد بالتحريك: الماء القليل، وقال: يتبرضه الناس تبرضا، أي يأخذونه قليلا قليلا، والبرض: الشئ القليل. وقال: يجيش، أي يفور ماؤه ويرتفع. قوله: عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وآله، قال في جامع الاصول: يقال عيبة نصح فلان: إذا كان موضع سره وثقته في ذلك. قوله: معهم العوذ المطافيل، قال الجزري: يريد النساء والصبيان، والعوذ في الاصل جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت، وبعدما تضع أياما حتى يقوى ولدها. والمطافيل: الابل مع أولادها، والمطفل: الناقة القريب العهد بالنتاج معها طفلها، يقال: أطفلت، فهي مطفل ومطفلة، والجمع مطافل ومطافيل، بالاشباع، يريد أنهم جاؤا بأجمعهم كبارهم وصغارهم. قوله: قد نهكتهم الحرب، أي أضرت بهم وأثرت فيهم. قوله: ماددتهم، أي جعلت بيني وبينهم أمدا طويلا اصالحهم فيه، وهو فاعل من المد قوله: فقد جموا، أي استراحوا، والجمام: الراحة بعد التعب، أو كثروا من الجم الغفير. قوله صلى الله عليه وآله: حتى تنفرد سالفتي، السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، كنى بانفرادها عن الموت، لانها لا تنفرد عما يليها إلا بالموت، وقيل: أراد حتى يفرق بين رأسي وجسدي، ذكره الجزري، وقيل: السالفة: حبل العنق. وهو العرق الذي بينه وبين الكتف. قوله: أوباشا، أي أخلاطا وسفلة، وفي بعض النسخ: أشوابا بمعناه، وفي بعضها: اشابا، وفي بعضها أو شابا، والمعنى واحد. قوله: امصص ببظر اللات، قال الجزري: البظر بفتح الباء: الهنة التي تقطعها الخافضة من فرج المرأة عند الختان، ومنه الحديث يا ابن المقطعة البظور، ودعاه بذلك لان امة كانت تختن النساء، والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم، وإن لم تكن ام من يقال له خاتنة انتهى.

[ 343 ]

وقيل: البظر: هنة بين ناحيتي الفرج، وهي ما تبقيه الخافضة عند القطع، واللات المراد بها الصنم. وقال الفيروز آبادي: هو يمصه ويبظره، أي قال له: امصص بظر فلانة. وقال الجزري: فيه قال عروة بن مسعود للمغيرة: يا غدر، وهل غسلت غدرتك (1) إلا بالامس ؟ غدر معدول عن غادر للمبالغة، يقال للذكر: غدر، وللانثى عدار كقطام، وهما مختصان بالنداء في الغالب انتهى. وفي جامع الاصول: ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وآله بعينه. قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وآله نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره إلى آخر القصة. قوله: هذا ما قضى، وفي بعض النسخ: قاضى، قال الجزري: في صلح الحديبية: " هذا ما قاضى عليه محمد، هو فاعل من القضاء: الفصل، والحكم، لانه كان بينه وبين أهل مكة. قوله: عيبة مكفوفة قال الجزري: أي بينهم صدر نقي من الغل والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح، والمكفوفة: المشرجة المشدودة، وقيل: أراد أن بينهم موادعة ومكافة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم إلى بعض، وقال في مكفوفة: أي مشرجة على ما فيها مقفلة، ضربها مثلا للصدور، وإنها نقية من الغل والغش فيما اتفقوا عليه من الصلح والهدنة، وقيل: معناه أن يكون الشر بينهم مكفوفا، كما تكف العيبة على ما فيها من المتاع، يريد أن الدخول التي كانت بينهم اصطلحوا على أن لا ينشروها، فكأنهم قد جعلوها في وعاء وأشرجوا عليه. وقال: الاسلال: السرقة الخفية، يقال: سل البعير أو غيره في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الابل، وهي السلة، وأسل أي صار ذا سلة، ويقال: الاسلال: الغارة الظاهرة، والاغلال: الخيانة أو السرقة الخفية، يقال: غل يغل، فأما أغل وأسل فمعناه صار ذا غلول وذا سلة، ويكون أيضا أن يعين غيره عليهما،


(1) عذرتك خ ل. أقول: في المصدر: غدرتك.

[ 344 ]

وقيل: الاغلال: لبس الدروع، والاسلال: سل السيوف. قوله: ضغطة، قال الجزري: أي قهرا، يقال: أخذت فلانا ضغطة بالضم إذا ضيقت عليه لتكرهه على الشئ. قوله صلى الله عليه وآله: نحن نسوق، الظاهر أنه على الاستفهام الانكاري. قوله: يرسف، بضم السين وكسرها الرسف: مشي المقيد إذا جاء يتحامل برجله مع القيد. قوله: أجزه (1) لي في جامع الاصول بالزاء المعجمة من الاجازة، أي اجعله جائزا غير ممنوع، أو أطلقه، أو بالراء المهملة من الاجارة بمعنى الحماية والحفظ والامان، وكأن سهيلا لم يجز أمان مكرز، أو كان أراد مكرز إجارته من التعذيب، وفي بعض رواياتهم بعد ذلك: ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش. وقال الجزري: الدنية: الخصلة المذمومة، والاصل فيه الهمز وقد يخفف وقال: تلكأت، أي توقفت وتباطأت. وقال: سعرت النار والحرب: أوقدتهما، وسعرتهما بالتشديد للمبالغة، والمسعر والمسعار: ما تحرك به النار من آلة الحديد، يصفه بالمبالغة في الحرب. والنجدة. أقول: روى في جامع الاصول عند سياق قصة الحديبية عن علي عليه السلام قال: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين، منهم سهيل بن عمرو واناس من رؤساء المشركين فقالوا: يا رسول الله قد خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس بهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارا من أمولنا وضياعنا فارددهم إلينا فإن لم يكن فقه في الدين سنفقههم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا معشر قريش لتنتهين (2) أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلوبهم (3) على الايمان ؟ " قال أبو بكر وعمر: من هو يا رسول الله ؟ قال: " هو خاصف النعل " (4) وكان


(1) تقدم في متن الحديث بالراء المهملة. (2) لتنتهن خ ل. (3) لعل الصحيح: قلبه. (4) في النهاية: وهو قاعد يخصف نعله، أي كان يخرزها من الخصف الضم والجمع، ومنه الحديث في ذكر على عليه السلام خاصف النعل.

[ 345 ]

قد أعطى عليا نعله يخصفها، ثم التفت إلينا علي عليه السلام فقال: قال رسول الله: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". قوله: فاستكف أهل مكة، يقال: استكفوا حوله، أي أحاطوا به ينظرون إليه. أقول: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " قيل: المراد بالفتح هنا صلح الحديبية، وكان فتحا بغير قتال، وقال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم فتمكن الاسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الاسلام (1). وقال الشعبي بويع بالحديبية بيعة الرضوان، واطعم نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بظهور أهل الكتاب وهم الروم على المجوس إذ كان فيه مصداق قوله تعالى: " إنهم سيغلبون " (2) وبلغ الهدي محله والحديبية: بئر. وروي أنه نفد ماؤها فظهر فيها من أعلام النبوة ما اشتهرت به الروايات، قال البرآء بن عازب: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي صلى الله عليه وآله أربع عشر مائة، والحديبية: بئر، فنزحناها فما ترك منها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها وتركها، ثم إنها أصدرتنا نحن وركابنا. وفي حديث سلمة بن الاكوع إما دعا أو بصق (3) فيها فجاشت فسقينا واستقينا (4). وعن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة


(1) المسلمين خ ل. (2) أي مصداق قوله تعالى: " وهم من بعد غلبهم سيغلبون " راجع سورة الروم: 3. (3) وإما بزق خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) في المصدر: واسقينا.

[ 346 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج لزيارة البيت لا يريد حربا - فذكر الحديث إلى أن قال - قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " انزلوا " فقالوا: يا رسول الله ما بالوادي ماء، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من كنانته سهما فأعطاه رجلا من أصحابه فقال له: " انزل في بعض هذه القلب فاغرزه في جوفه " ففعل فجاش بالماء الرواء حتى ضرب الناس بعطن. وعن عروة وذكر خروج رسول الله صلى الله عليه وآله قال: وخرجت قريش من مكة فسبقوه إلى بلد حينئذ وإلى الماء فنزلوا عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قد سبق نزل على الحديبية وذلك في حر شديد، وليس فيها إلا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ والقوم كثير فنزل فيها رجال يميحونها (1)، ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله بدلو من ماء فتوضأ من الدلو ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانه وألقاه في البئر، ودعا الله تعالى ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفيرها (2). وروى سالم بن أبي الجعد قال: قلت لجابر: كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال: كنا ألفا وخمسمائة، وذكر عطشا أصابهم قال: فاتي رسول الله صلى الله عليه وآله بماء في تور (3) فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون، قال: فشربنا و وسعنا (4) وكفانا، قال: قلت: كم كنتم ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا ألفا وخمسمائة (5). 1 - كا: علي، عن أبيه، عن حماد وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم


(1) ماح يميح: اغترف الماء: بكفه وفي المصدر: يمتحونها. أقول: متح الماء: نزعه الدلو وبها: استخرجها. (2) على شفتها خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) التور: اناء صغير. (4) سقينا خ ل. أقول: في المصدر: وسعنا. بلا عاطف. (5) مجمع البيان 9: 109 و 110.

[ 347 ]

ورماحكم " قال حشرت لرسول الله صلى الله عليه وآله في عمرة الحديبية الوحوش حتى نالتها أيديهم ورماحهم (1). شي: عن معاوية مثله وفي آخره: ليبلوهم الله به (2). 2 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " قال: حشر عليهم الصيد في كل مكان حتى دنا منهم ليبلوهم الله به (3). شي: عن الحلبي مثله (4). 3 - شى: عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " ليبونكم الله بشئ من الصيد " قال: ابتلاهم الله بالوحش فركبتهم من كل مكان (5). 4 - فس: " إنا فتحنا لك فتحا " قال: فإنه حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان (6) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان سبب نزول هذه السورة وهذا الفتح العظيم أن الله عزوجل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله (7) في النوم أن يدخل المسجد، الحرام ويطوف ويحلق مع المحلقين، فأخبر أصحابه وأمرهم بالخروج، فخرجوا، فلما نزل ذا الحليفة أحرموا (8) بالعمرة وساقوا البدن، وساق رسول الله صلى الله عليه وآله ستة


(1) فروغ الكافي 1: 274. (2) تفسير العياشي 1: 343 فيه: قال: حشر لرسول الله صلى الله عليه وآله الوحوش حتى نالتها ايديهم ورماحهم في عمرة الحديبية ليبلوهم الله به. (3) فروع الكافي 1: 274. (4) تفسير العياشي 1: 343 فيه وفي رواية الحلبي: عنه عليه السلام (أي عن ابى عبد الله عليه السلام) حشر عليهم الصيد من كل مكان حتى دنا منهم فنالته ايديهم ورماحهم ليبلونهم الله به. (5) تفسير العياشي 1: 342. (6) في المصدر المطبوع ونسخة مخطوطة: " عن ابن يسار " وفى نسخة مخطوطة اخرى منه، عن ابن سيار. (7) رسوله خ ل. (8) أمران احرموا خ ل.

[ 348 ]

وستين بدنة وأشعرها عند إحرامه، وأحرموا من ذي الحليفة ملبين (1) بالعمرة، وقد ساق من ساق منهم الهدي معرات (2) مجللات، فلما بلغ قريش ذلك بعثوا خالد ابن الوليد في مائتي فارس كمينا ليستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فكان (3) يعارضه على الجبال، فلما كان في بعض الطريق حضرت صلاة الظهر فأذن بلال وصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس، فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عليهم في الصلاة لاصبناهم، فإنهم لا يقطعون صلاتهم، ولكن يجيئ (5) لهم الآن صلاة اخرى أحب إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم، فنزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله بصلاة الخوف في قوله: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة " (6) الآية. فلما كان في اليوم الثاني نزل رسول الله صلى الله عليه وآله الحديبية وهي على طرف الحرم (7)، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يستنفر الاعراب في طريقه معه، فلم يتبعه منهم أحد، ويقولون: أيطمع محمد (8) وأصحابه أن يدخلوا الحرم وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم، إنه لا يرجع محمد (9) وأصحابه إلى المدينة أبدا فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله الحديبية خرجت قريش يحلفون باللات والعزى لا يدعون محمدا (10) يدخل مكة وفيهم عين تطرف، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله أني لم آت لحرب وإنما (11)


(1) يلبون خ ل. (2) في المصدر المطبوع ونسخة مخطوطة: معارات. (3) وكان خ ل. (4) فاصبناهم خ ل. (5) في المصدر: ولكن تجيئ. (6) النساء: 102. (7) في المصدر: وهم على طرف الحرم. (8) رسول الله خ ل. (9) رسول الله خ ل. (10) رسول الله خ ل. (11) ولكن جئت خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[ 349 ]

جئت لاقضي نسكي، وأنحر بدني، واخلي بينكم وبين لحماتها (1): فبعثوا عروة ابن مسعود الثقفي وكان عاقلا لبيبا وهو الذي أنزل الله فيه: " وقالوا لولا انزل (2) هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " فلما أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عظم ذلك (3) وقال: يا محمد تركت قومك وقد ضربوا الابنية، وأخرجوا العوذ المطافيل يحلفون باللات والعزى لا يدعوك تدخل حرمهم (4) وفيهم عين تطرف، أفتريد أن تبير (5) أهلك وقومك يا محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما جئت لحرب وإنما جئت لاقضي نسكي (6) فأنحر بدني واخلي بينكم (7) وبين لحماتها، فقال عروة: بالله ما رأيت كاليوم أحدا صد عما صددت (8)، فرجع إلى قريش وأخبرهم، فقالت قريش: والله لئن دخل محمد مكة وتسامعت به العرب لنذلن ولتجترئن علينا العرب، فبعثوا حفص بن الاحنف وسهيل بن عمرو، فلما نظر إليهما رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " ويح قريش قد نهكتهم الحرب، ألا خلوا بيني وبين العرب ؟ فإن أك صادقا فإنما أجر الملك (9) إليهم مع النبوة، وإن أك كاذبا كفتهم (10) ذؤبان العرب، لا يسأل اليوم امرأ من قريش خطة ليس لله فيها سخط إلا أجبتهم إليه " قال: فوافوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا محمد إلى أن ننظر إلى ماذا يصير أمرك وامر العرب على أن ترجع من عامك


(1) لحومها خ ل. أقول: يوجد ذلك في نسخة مخطوطة عندي. (2) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح: " لولا نزل " راجع سورة الزخرف: 31. (3) المصدر المطبوع ونسخة من المخطوط خاليان عن قوله: " عظم ذلك و " نعم يوجد في نسخة. (4) تدخل مكة فان مكة حرمهم خ ل. أقول: يوجد في المصدر ذلك. (5) ان تبيد خ ل. أقول: يوجد في المصدر ذلك. (6) لاقضى مناسكي وانحر خ ل. أقول: يوجد في المصدر ذلك. (7) بينهم خ ل. (8) في المصدر المطبوع ونسخة مخطوطة منه وما طبع من الكتاب: " كما صددت ". (9) آخذ الملك لهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع ونسخة مخطوطة من المصدر وفي اخرى: فانما آخر الملك إليهم. (10) فكفتهم خ.

[ 350 ]

هذا (1)، فإن العرب قد تسامعت بمسيرك فإن دخلت بلادنا وحرمنا استذلتنا العرب واجترأت علينا ونخلي لك البيت في (2) القابل في هذا الشهر ثلاثة أيام حتى تقضي نسكك وتنصرف عنا، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك، وقالوا له: وترد (3) إلينا كل من جاءك من رجالنا، ونرد إليك كل من جاءنا من رجالك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من جاءكم من رجالنا فلا حاجة لنا فيه، ولكن على أن المسلمين بمكة لا يؤذون في إظهارهم الاسلام ولا يكرهون ولا ينكر عليهم شئ يفعلونه من شرائع الاسلام " فقبلوا ذلك، فلما أجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الصلح أنكر عليه عامة أصحابه وأشد ما كان إنكارا عمر، فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ فقال: " نعم " قال: فنعطي الدنية في ديننا (4) ؟ فقال: إن الله قد وعدني ولن يخلفني قال: لو أن (5) معي أربعين رجلا لخالفته، ورجع سهيل بن عمرو و حفص بن الاحنف إلى قريش فأخبراهم بالصلح، فقال عمر: يا رسول الله ألم تقل لنا أن ندخل المسجد الحرام (6) ونحلق مع المحلقين ؟ فقال: " أمن عامنا هذا وعدتك ؟


(1) في المصدر المطبوع: " فقالوا يا محمد: الا ترجع عنا عامك هذا إلى ان ننظر إلى ماذا يصير امرك وامر العرب " وفي المخطوط: فقالوا: يا محمد الا ذللتنا ؟ كفيكم لما تهادنا (تهادننا ظ) الى ان ننظر في امرك، إلى ماذا يصير امرك وامر العرب، على ان ترجع من عامك هذا. فان العرب اه‍. (2) بالعام القابل خ ل. أقول: في المصدر المطبوع ونسخة مخطوطة: في العام القابل. (3) خلى المصدر عن حرف العاطف. (4) في المصدر المطبوع: " فنعطي الذلة في ديننا " وفى المخطوط " فتعطى المدينة في ديننا " وفى هامشه تفسير هو: " أي تقول في المدينة: نحرم للمناسك ينصرنا الله على قريش واليوم تصالح معهم ؟ " أقول: الظاهر ان ما في الصلب هو الصحيح، وفى الباقي تصحيف، وقد قدمنا كلام ابن هشام وفيه: فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟. (5) فقال: ولو ان خ ل. أقول: في المصدر: فقال: لو ان. (6) في نسخة مخطوطة من المصدر: فقال عمر: يا رسول الله ألم تقل لنا انكم لتهجموا المسجد الحرام.

[ 351 ]

قلت (1) لك: إن الله عزوجل قد وعدني (2) أن أفتح مكة وأطوف وأسعى وأحلق مع المحلقين " فلما أكثروا عليه قال لهم إن لم تقبلوا (3) الصلح فحاربوهم، فمروا نحو قريش وهم مستعدون للحرب وحملوا عليهم، فانهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، هزيمة قبيحة ومروا برسول الله صلى الله عليه وآله فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: " يا علي خذ السيف واستقبل قريشا فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام سيفه وحمل على قريش، فلما نظروا إلى أمير المؤمنين عليه السلام تراجعوا، وقالوا: (4) يا علي بدأ لمحمد فيما أعطانا ؟ قال: لا، فرجع (5) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله مستحيين وأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله " ألستم أصحابي يوم بدر إذ أنزل الله فيكم: " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب، لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " (6) ألستم أصحابي يوم أحد " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في اخراكم (7) " ؟ ألستم أصحابي يوم كذا ؟ ألستم أصحابي يوم كذا (8) ؟ " فاعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وندموا على ما كان منهم، وقالوا (9): الله أعلم ورسوله، فاصنع ما بدالك. ورجع حفص بن الاحنف وسهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالا: يا محمد قد أجابت قريش إلى ما اشترطت من إظهار الاسلام وأن لا يكره أحد على دينه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بالمكتب ودعا أمير المؤمنين عليه السلام فقال (10) له: اكتب، فكتب


(1) وقلت خ ل أقول في نسخة مخطوطة من المصدر: أو قلت. (2) خلى المصدر من لفطة: " قد ". (3) فان لم تقبلوا خ ل. أقول. يوجد ذلك في المصدر. (4) ثم قالوا خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) في المصدر المطبوع: " فتراجع " وفي المخطوط: وتراجع. (6) الانفال: 9. (7) آل عمران: 153. (8) ذكر نحوه المقريزى في الامتاع: 295 واضاف: أنسيتم يوم الاحزاب: " إذ جاؤكم من فوقكم " الاية. (9) في المصدر: فقالوا. (10) وقال خ ل.

[ 352 ]

أمير المؤمنين عليه السلام " بسم الله الرحمن الرحيم " قال (1) سهيل بن عمرو: لا نعرف الرحمن اكتب كما كان (2) يكتب آباؤك " باسمك اللهم " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اكتب باسمك اللهم فإنه اسم من أسماء الله " ثم كتب: " هذا ما تقاضى (3) عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله والملا من قريش " فقال سهيل بن عمرو: ولو علمنا أنك رسول الله صلى الله عليه وآله ما حاربناك، اكتب هذا ما تقاضى (4) عليه محمد بن عبد الله، أتأنف من نسبك يا محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أنا رسول الله وإن لم تقروا " ثم قال: امح يا علي واكتب محمد بن عبد الله، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أمحو اسمك من النبوة أبدا، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وآله بيده ثم كتب: هذا ما تقاضى (5) عليه محمد بن عبد الله والملا من قريش وسهيل بن عمرو، اصطلحوا على وضع الحرب بينهم عشر سنين، على أن يكف بعضنا عن بعض، وعلى أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا وبينهم عيبة مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه (6) من أحب أن يدخل في عقد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمدا (7) بغير إذن وليه يرده (8) إليه، وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه إليه (9)، وأن يكون الاسلام ظاهرا بمكة لا يكره أحد على دينه ولا يؤذى ولا يعير، وأن محمدا يرجع عنهم عامه هذا وأصحابه ثم يدخل علينا في العام القابل مكة، فيقيم فيها ثلاثة أيام، ولا يدخل علينا (10) بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب، وكتب


(1) في المصدر: فقال. (2) ما كان خ ل. (3 و 4) ما قاضى خ ل. أقول: في نسخة مخطوطة من المصدر: هذا ما تقاضيا. (5) ما اصطلح خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع، وفى النسخة المخطوطة: هذا ما تقاضيا. (6) وان خ ل. (7) في المصدر: وانه من اتى من قريش إلى اصحاب محمد. (8) رده إليه خ ل. (9) لم نرده إليه خ ل. (10) عليها خ ل. أقول: يوجد ذلك في احدى نسختي من المصدر المخطوط، وفى اخرى: ولا يدخل فيها.

[ 353 ]

علي بن أبي طالب وشهد على الكتاب المهاجرون والانصار (1) " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا علي إنك أبيت أن تمحو اسمي من النبوة، فوالذي (2) بعثني بالحق نبيا لتجيبن أبناءهم إلى مثلها وأنت مضيض مضطهد " فلما كان يوم صفين ورضوا بالحكمين كتب: " هذا ما اصطلح عليه امير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان " فقال عمرو بن العاص: لو علمنا أنك أمير المؤمنين ما حاربناك، ولكن اكتب هذا ما اصطلح عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان فقال أمير المؤمنين عليه السلام: " صدق الله وصدق رسوله صلى الله عليه وآله، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك " ثم كتب الكتاب. قال: فلما كتبوا الكتاب قامت خزاعة فقالت: نحن في عهد محمد وعقده، وقامت بنو بكر فقالت: نحن في عهد قريش وعقدها، وكتبوا نسختين: نسخة عند رسول الله صلى الله عليه وآله، ونسخة عند سهيل بن عمرو، ورجع سهيل بن عمرو وحفص بن الاحنف إلى قريش فأخبراهم (3)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لاصحابه: " انحروا بدنكم واحلقوا رؤسكم " فامتنعوا وقالوا: كيف ننحر ونحلق ولم نطف بالبيت ولم نسع بين الصفا والمروة ؟ فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك، وشكى ذلك إلى ام سلمة فقالت: يا رسول الله انحر أنت واحلق، فنحر رسول الله صلى الله عليه وآله وحلق، فنحر القوم على خبث (4) يقين وشك وارتياب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله تعظيما للبدن: " رحم الله المحلقين " وقال قوم لم يسوقوا البدن: يا رسول الله والمقصرين ؟ لان من لم يسق هديا لم يجب عليه الحلق، فقال رسول الله ثانيا: رحم الله المحلقين الذين


(1) قد ذكر عهده ذلك كثير من المؤرخين والمحدثين واصحاب السير في كتبهم، وفيها اختلافات لفظية لا يتيسر لنا الايعاز إليها مع تعجيل الطابع والمتصدين لاخراج الكتاب. (2) والذى خ ل. (3) فاخبروهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في نسختي المخطوطتين من المصدر، ولفظ الجمع يرجع اليهما ومن كان معهما من قريش. (4) في المصدر المطبوع ونسخة مخطوطة منه والنسختين المطبوعتين من الكتاب: " على حيث " وفى نسختي الاخرى المخطوطة: (على حين) واستظهر في هامشه انه مصحف: (على غير).

[ 354 ]

لم يسوقوا الهدي فقالوا (1): يا رسول الله والمقصرين، فقال: " رحم الله المقصرين ". ثم رحل رسول الله صلى الله عليه وآله نحو المدينة فرجع إلى التنعيم ونزل تحت الشجرة، فجاء أصحابه الذين أنكروا عليه الصلح واعتذروا وأظهروا الندامة على ما كان منهم و سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يستغفر لهم، فنزل آية الرضوان. وقال علي بن إبراهيم في قوله: " هو الذي أنزل السكينة " الآية (2) فهم الذين لم يخالفوا رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ينكروا عليه الصلح، ثم قال: " ليدخل المؤمنين و المؤمنات " إلى قوله: " الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء (3) " هم الذين أنكروا الصلح واتهموا رسول الله صلى الله عليه وآله (4). ونزلت في بيعة الرضوان: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " اشترط عليهم أن لا ينكروا بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يفعله، ولا يخالفوه في شئ يأمرهم به، فقال الله عزوجل بعد نزول آية الرضوان: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " وإنما رضي عنهم بهذا الشرط أن يفوا بعد ذلك بعهد الله وميثاقه، ولا ينقضوا عهده وعقده، فبهذا العقد رضي عنهم (5)، فقد قدموا (6) في التأليف آية الشرط على بيعة الرضوان، وإنما نزلت أولا بيعة الرضوان، ثم آية الشرط عليهم فيها.


(1) قالوا خ ل. (2) ذكر الاية في المصدر. إلى قولى: والارض. (3) ذكرها في المصدر بتمامها. (4) في المصدر هنا زيادة لعل نسخة المصنف كانت خالية عنه، أو لم يذكرها اختصارا وهى: " وغضب الله عليهم ولعنهم واعد لهم جهنم وساءت مصيرا * ولله جنود السماوات والارض وكان الله عزيزا حكيما * انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا " ثم عطف بالمخاطبة على اصحابه فقال: " لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه " ثم عطف على نفسه عزوجل فقال: " وتسبحوه بكرة و أصيلا " معطوف على قوله: لتؤمنوا بالله ورسوله ". (5) في نسخة مخطوطة من المصدر: رضى الله عنهم. (6) في المصدر: فقدموا في التأليف.

[ 355 ]

ثم ذكر الاعراب الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " سيقول لك المخلفون " إلى قوله: " وكنتم قوما بورا " (1) أي قوم سوء، وهم الذين استنفرهم في الحديبية، ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة من الحديبية غزا خيبرا فاستأذنه المخلفون (2) أن يخرجوا معه، فقال الله عزوجل: " سيقول لك المخلفون " (3) ثم قال: " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه " يعني فتح خيبر (4)، ثم قال: " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم " أي من بعد أن أممتم من المدينة إلى الحرم وطلبوا منكم الصلح بعد أن كانوا يغزونكم بالمدينة صاروا يطلبون الصلح بعد إذ كنتم أنتم تطلبون الصلح منهم، ثم أخبر (5) بعلة الصلح وما أجاز الله (6) لنبيه صلى الله عليه وآله فقال: " هم الذين كفروا وصدوكم " إلى قوله (7): " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات " يعني بمكة " لم تعلموهم أن تطؤهم " فأخبر الله أن علة الصلح (8) إنما كان للمؤمنين والمؤمنات الذين كانوا بمكة، ولو لم يكن صلح وكانت الحرب لقتلوا، فلما كان الصلح أمنوا وأظهروا الاسلام، ويقال: إن ذلك الصلح كان أعظم فتحا على المسلمين من غلبهم، ثم قال:


(1) ذكر القمي الاية في التفسير بتمامها. واختصرها المصنف. (2) في المصدر: غزا خيبر فاستأذنوه المخلفون. (3) في المصدر: سيقول لك المخلفون إذ انطلقم [ وذكر الاية بتمامها إلى قوله: ] إلا قليلا " ثم قال: " قل للمخلفين من الاعراب [ ثم ذكر الاية بتمامها إلى قوله: ] عذابا أليما " ثم رخص عزوجل في الجهاد فقال: " ليس على الاعمى حرج [ ثم ذكر الاية بتمامها إلى قوله: ] عذابا أليما " ثم قال: " وعدكم الله " اه‍. (4) زاد في المصدر بعد ذلك: " ولتكون اية للمؤمنين " ثم قال، " واخرى لم تقدروا عليها قد احاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا " ثم قال اه‍. (5) ثم أخبر الله عزوجل خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (6) في نسخة مخطوطة من المصدر: وما اجازه الله نبيه. (7) جملة " إلى قوله " من كلام المصنف، والاية مذكورة في المصدر بتمامها. (8) زاد في المصدر: " فتصيبكم منهم معرة بغير علم " فاخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله ان علة الصلح.

[ 356 ]

" لو تزيلوا " (1) يعني هؤلاء الذين كانوا بمكة من المؤمنين والمؤمنات، يعني لو زالوا عنهم وخرجوا من بينهم (2)، ثم قال: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية " يعني قريشا وسهيل بن عمرو حين قالوا (3): لا نعرف الرحمن الرحيم. وقولهم (4): ولو علمنا أنك رسول الله ما حاربناك، فاكتب: محمد بن عبد الله (5)، ونزل في تطهير (6) الرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وآله: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " إلى قوله (7): " فتحا قريبا " يعني فتح خيبر، لان رسول الله صلى الله عليه وآله لما رجع من الحديبية غزا خيبرا (8). بيان: قوله: معرات، أي كانت بعضها عرات، وبعضها مجللات، والمكتب (9) على بناء الافعال: الذي يعلم الكتابة، وقراب السيف بالكسر: جفنته، وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده وحمالته. ومضه الشئ: مضا ومضيضا: بلغ من قلبه الحزن به. ومضض كفرح: ألم. واضطهده: قهره. 5 - يج: روي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: لما كان يوم القضية (10) حين رد المشركون النبي صلى الله عليه وآله ومن معه و


(1) في المصدر: " لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما " ولم يذكر في المطبوع و نسخة من المخطوط كلمة: " يعنى ". (2) زاد في المصدر: لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا اليما. ثم ذكر رواية في علة ترك على عليه السلام محاربة القوم. راجعه. (3) في المصدر. حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله. (4) خلى المصدر عن العاطف. (5) زاد في المصدر آية: " فأنزل الله سكينته " إلى قوله: " عليما ". (6) تظهير خ ل. أقول: يوجد ذلك في نسخة مخطوطة من المصدر، ولعله مصحف، أو بمعنى جعلها وراء ظهره، أي اخرها إلى بعد ذلك. (7) كلمة (إلى قوله) من المصنف، والاية مذكورة في المصدر بتمامها. (8) تفسير القمى: 631 - 638 فيه: غزى خيبر. (9) أو من التفعيل: معلم الكتابة. وفسره في هامش نسختي المخطوطة من المصدر بالدواة والقلم. ولعله اخذها من مفعل اسم الالة. (10) أي قضية الصلح. وفى المصدر: القبيصة. الحديبية خ ل. والظاهر ان القبيصة مصحف القضية.

[ 357 ]

دافعوه عن المسجد أن يدخلوه هادنهم رسول الله صلى الله عليه وآله فكتبوا بينهم كتابا، قال علي عليه السلام: فكنت أنا الذي كتب، فكتبت: " باسمك اللهم هذا كتاب بين محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وبين قريش " فقال سهيل بن عمرو: لو أقررنا أنك رسول الله لم ينازعك أحد، فقلت: بل هو رسول الله وإنك راغم (1)، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: " اكتب له ما أراد ستعطى يا علي بعدي مثلها " قال: فلما كتبت الصلح بيني وبين أهل الشام كتبت: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب بين علي أمير المؤمنين وبين معاوية بن أبي سفيان " فقال معاوية وعمرو بن العاص: لو علمنا أنك امير المؤمنين لم ننازعك، فقال: (2) اكتبوا ما رأيتم، فعلمت أن قول رسول الله حق (3) قد جاء (4). 6 - يج: روي أنه لما صده المشركون بالحديبية شكا إليه الناس قلة الماء فدعا بدلو من ماء البئر فتوضأ منه، ثم تمضمض ومج في الدلو، وأخرج من كنانته سهما ثم أمر بأن يصب في البئر تلك الدلو، وأن يغرز ذلك السهم في أسفل البئر، فعملوا ففارت البئر بالماء إلى شفيرها، واغترف الناس، فعند ذلك قال أوس بن خولي لعبدالله بن أبي سلول: (5) أبعد هذا شئ ؟ أما آن لك أن تبصر ؟. 7 - يج: روي أنه لما أصاب الناس بالحديبة جوع شديد وقلت أزوادهم لانهم أقاموا بها بضعة عشر يوما، فشكوا إليه ذلك، فأمر بالنطع أن يبسط، وأمرهم أن يأتو ببقية أزوادهم فيطرحوا، فأتوا بدقيق (6) قليل وتميرات، فقام ودعا بالبركة فيها، وأمرهم بأن يأتوا بأوعيتهم فملاؤها حتى لم يجدوا لها محلا (7).


(1) في المصدر: وأنفك راغم. (2) في المصدر: فقلت. (3) حقا خ ل. أقول: في المصدر: ان قول النبي صلى الله عليه وآله قد جاء. (4) الخرائج: 185. (5) الصحيح: عبد الله بن ابى بن سلول. (6) بكف من دقيق خ ل. (7) محملا خ ل.

[ 358 ]

8 - يج: من معجزاته صلى الله عليه وآله أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله للعمرة سنة الحديبية منعت قريش من دخوله مكة، وتحالفوا أنه لا يدخلها ومنهم عين تطرف، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه واله: " ما جئت محاربا لكم إنما جئت معتمرا " قالوا: لا ندعك تدخل مكة على هذه الحال فتستذلنا العرب وتعيرنا، ولكن اجعل بيننا وبينك هدنة لا تكون لغيرنا، فاتفقوا عليه وقد نفد ماء المسلمين وكظهم وبهائمهم العطش، فجئ بركوة فيها قليل من الماء فأدخل يده فيها ففاضت الركوة، ونودي في العسكر: من أراد الماء فليأته، فسقوا واستقوا (1) وملاؤا القرب (2). بيان: يقال: كظني هذا الامر، أي جهدني من الكرب. 9 - شا: ثم تلا بني المصطلق الحديبية، وكان اللواء يومئذ إلى أمير المؤمنين عليه السلام كما كان إليه في المشاهد قبلها، وكان من بلائه في ذلك اليوم عند صف القوم في الحرب والقتال ما ظهر خبره واستفاض ذكره. وذلك بعد البيعة التي أخذها النبي صلى الله عليه وآله على أصحابه والعهود عليهم في الصبر، وكان أمير المؤمنين عليه السلام المبايع للنساء عن النبي صلى الله عليه وآله فكانت (3) بيعته لهن يومئذ أن طرح ثوبا بينهن وبينه، ثم مسحه بيده فكانت مبايعتهن للنبي صلى الله عليه وآله بمسح الثوب، ورسول الله صلى الله عليه وآله يمسح ثوب علي عليه السلام مما يليه، ولما رأى سهيل بن عمرو توجه الامر عليهم ضرع إلى النبي صلى الله عليه وآله في الصلح (4) ونزل عليه الوحي بالاجابة إلى ذلك، وأن يجعل أمير المؤمنين عليه السلام كاتبه يومئذ، والمتولي لعقد الصلح بخطه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " اكتب يا علي بسم الله الرحمن الرحيم " فقال سهيل بن عمرو هذا كتاب (5) بيننا وبينك يا محمد فافتتحه بما نعرفه،


(1) واسقوا خ ل. (2) لم نجده ولا الذى قبله في الخرائج المطبوع. قد اشرنا مرارا إلى ان نسخة المصنف كانت تامة وذكر صاحب الذريعة انه توجد نسخة تخالف المطبوع. (3) وكانت خ ل. (4) بالصلح خ ل. (5) هذا لكتاب خ ل.

[ 359 ]

واكتب باسمك اللهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام: " امح ما كتبت واكتب باسمك اللهم " فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لولا طاعتك يا رسول الله ما محوت بسم الله الرحمن الرحيم، ثم محاها وكتب باسمك اللهم، فقال (1) النبي صلى الله عليه وآله: " اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو " فقال سهيل: لو أجبتك في الكتاب الذي بيننا إلى هذا لاقررت لك بالنبوة، فسوآء شهدت (2) على نفسي بالرضاء بذلك أو أطلقته من لساني، امح هذا الاسم، واكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إنه والله لرسول الله (3) على رغم أنفك، فقال سهيل: اكتب اسمه يمضي الشرط، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك يا سهيل كف عن عنادك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " امحها يا علي ": فقال يا رسول الله إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة، قال له: " فضع يدي عليها " (4) فمحاها رسول الله صلى الله عليه وآله بيده، وقال لامير المؤمنين عليه السلام: " ستدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض " ثم تمم أمير المؤمنين عليه السلام الكتاب، ولما تم الصلح نحر رسول الله صلى الله عليه وآله هديه في مكانه، فكان نظام تدبير هذه الغزاة معلقا (5) بأمير المؤمنين، وكان ما جرى فيها من البيعة وصف الناس للحرب ثم الهدنة والكتاب كله لامير المؤمنين عليه السلام، وكان فيما (6) هيأه الله له من ذلك حقن الدماء وصلاح أمر الاسلام، وقد روى الناس له في هذه الغزاة بعد الذي ذكرناه فضيلتين اختص بهما، وانضافتا إلى فضائله العظام ومناقبه الجسام: فروى إبراهيم بن عمر عن رجاله، عن قائد مولى عبد الله بن سالم قال: لما


(1) فقال له خ ل. (2) في المصدر: أشهدت. (3) في المصدر: انه والله لرسول الله حقا. (4) في المصدر: فضع يدى عليها ففعل فمحاها. (5) متعلقا خ ل. (6) وكان خ ل.

[ 360 ]

خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة الحديبية (1) نزل الجحفة فلم يجد فيها (2) ماء، فبعث سعد بن مالك بالروايا حتى إذا كان غير بعيد رجع سعد بالرويا، وقال: يا رسول الله ما أستطيع أن أمضي، لقد وقفت قدماي رعبا من القوم، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: اجلس ثم بعث رجلا آخر فخرج بالروايا حتى إذا كان بالمكان الذي انتهى إليه الاول رجع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " لم رجعت ؟ " فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا ما استطعت أن أمضي رعبا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام فأرسله بالروايا وخرج السقاة وهم لا يشكون في رجوعه لما رأوا من جزع (3) من تقدمه، فخرج علي عليه السلام بالروايا حتى ورد الحرار واستسقى (4) ثم أقبل بها إلى النبي صلى الله عليه وآله ولها زجل (5)، فلما دخل كبر النبي صلى الله عليه وآله ودعا له بخير. وفي هذه الغزاة أقبل سهيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: يا محمد أن أرقاءنا لحقوا بك فارددهم علينا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى تبين الغضب في وجهه، ثم قال: " لتنتهن يا معاشر (6) قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا (7) امتحن الله قلبه بالايمان، يضرب رقابكم على الدين " فقال بعض من حضر: يا رسول الله أبو بكر ذلك الرجل ؟ قال. لا، قال: فعمر ؟ قال: " لا، ولكنه خاصف النعل في الحجرة " فتبادر الناس إلى الحجرة ينظرون من الرجل، فإذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وقد روى هذا الحديث جماعة (8) عن أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا فيه: إن عليا


(1) في المصدر: في عمرة الحديبية. (2) في المصدر: فلم يجد بها ماءا. (3) من رجوع خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (4) فاستقى خ ل. (5) زجل يزجل زجلا كعلم: طرب وتغنى. رفع صوته وأزجل. والزجلة: صوت الناس وضجيجهم. (6) يا معشر خ ل. (7) أو ليبعثن الله رجلا عليهم خ ل. (8) راجع ابواب فضائله عليه السلام.

[ 361 ]

قص هذه القصة ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " من كذب علي متعمدا قليتبوء مقعده من النار ". وكان الذي أصلحه أمير المؤمنين عليه السلام من نعل النبي صلى الله عليه وآله شسعها، فإنه كان انقطع فخصف موضعه وأصلحه (1). 10 - عم: في سنة خمس كانت غزوة الحديبية في ذي القعدة، وخرج في ناس كثير من أصحابه يريد العمرة، وساق معه سبعين بدنة، وبلغ ذلك المشركين من قريش فبعثوا خيلا ليصدوه عن المسجد الحرام، وكان صلى الله عليه وآله يرى أنهم لا يقاتلونهم (2) لانه خرج في الشهر الحرام، وكان من أمر سهيل بن عمرو، وأبي جندل ابنه وما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله ما شك به من زعم أنه ما شك إلا يومئذ في الدين (3)، وأتى بديل ابن ورقاء إلى قريش فقال لهم: يا معشر قريش خفضوا عليكم وإنه لم يأت يريد قتالكم، وإنما يريد زيارة هذا البيت، فقالوا: والله لا نسمع منك، ولا تحدث العرب أنه دخلها عنوة، ولا نقبل منه إلا أن يرجع عنا، ثم بعثوا إليه بكرز بن حفص (4) وخالد بن الوليد وصدوا الهدي، وبعث صلى الله عليه وآله عثمان بن عفان إلى أهل مكة يستأذنهم في أن يدخل (5) مكة معتمرا فأبوا أن يتركوه، واحتبس عثمان فظن رسول الله صلى الله عليه وآله أنهم قتلوه، فقال لاصحابه: " أتبايعوني على الموت ؟ " فبايعوه تحت الشجرة على أن لا يفروا عنه أبدا، ثم إنهم بعثوا سهيل بن عمرو فقال: يا أبا القاسم إن مكة حرمنا وعزنا، وقد تسامعت العرب بك أنك قد غزوتنا، ومتى ما تدخل علينا مكة عنوة تطمع فينا فنتخطف، وإنا نذكرك الرحم، فإن مكة بيضتك التي تفلقت عن رأسك (6) قال: " فما تريد ؟ " قال: اريد أن أكتب بيني وبينك هدنة على أن اخليها


(1) ارشاد المفيد: 60 - 62 فيه: فانه كان قد انقطع فخصف موضعه وأصلحه. ثم ذكر رواية اخرى في ذلك راجعه. (2) لا يقاتلونه خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) تقدم تفصيله ويأتى. (4) في المصدر: بكر، والظاهر انه وما في الصلب مصحفان عن مكرز كما تقدم. (5) في المصدر: يستأذنهم ان يدخل. (6) في المصدر: تفلقت من رأسك.

[ 362 ]

لك في قابل فتدخلها، ولا تدخلها بخوف ولا فزع ولا سلاح إلا سلاح الراكب: السيف في القراب والقوس، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ أديما أحمر فوضعه على فخذه، ثم كتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: هذا كتاب بيننا وبينك يا محمد فافتتحه بما نعرفه، اكتب باسمك اللهم، فقال: " اكتب باسمك اللهم وامح ما كتبت " فقال: لولا طاعتك يا رسول الله لما محوت، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو " فقال سهيل: لو أجبتك في الكتاب إلى هذا لاقررت لك بالنبوة، فامح هذا الاسم، واكتب محمد بن عبد الله، فقال له علي عليه السلام: إنه والله لرسول الله على رغم أنفك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " امحها يا علي " فقال له: يا رسول الله " إن يدي لا تنطلق لمحو اسمك من النبوة، قال: فضع يدي عليها، فمحاها رسول الله صلى الله عليه وآله بيده، وقال لعلي عليه السلام: " ستدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض ". ثم كتب: " باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ومن معه من المسلمين سهيل بن عمرو ومن معه من أهل مكة على أن الحرب مكفوفة، فلا إغلال ولا إسلال ولا قتال، وعلى أن لا يستكره أحد على دينه، وعلى أن يعبد الله بمكة علانية، وعلى أن محمدا ينحر الهدي مكانه، وعلى أن يخليها (1) له في قابل ثلاثة أيام فيدخلها بسلاح الراكب، ويخرج (2) قريش كلها من مكة إلا رجل واحد من قريش يخلفونه مع محمد وأصحابه، ومن لحق محمدا وأصحابه من قريش فإن محمدا يرده إليهم، ومن رجع من أصحاب محمد إلى قريش بمكة فإن قريشا لا ترده إلى محمد - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا سمع كلامي ثم جاءكم فلا حاجة لي فيه " - وأن قريشا لا يعين (3) على محمد وأصحابه أحدا بنفس ولا سلاح إلى آخره. فجاء أبو جندل إلى النبي صلى الله عليه وآله حتى جلس إلى جنبه، فقال أبوه سهيل: رده


(1) نخليها خ ل. (2) في المصدر: وتخرج. (3) في المصدر: لا تعين.

[ 363 ]

علي، فقال المسلمون: لا نرده، فقام صلى الله عليه وآله وأخذ بيده فقال: " اللهم إن كنت تعلم أن أبا جندل لصادق فاجعل له فرجا ومخرجا " ثم أقبل على الناس وقال: " إنه ليس عليه بأس إنما يرجع إلى أبيه وامه، وإني اريد أن اتم لقريش شرطها " ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وأنزل الله في الطريق سورة الفتح: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ". قال الصادق عليه السلام: فما انقضت تلك المدة حتى كاد إلاسلام يستولي على أهل مكة، ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة انفلت أبو بصير بن اسيد بن حارثة الثقفي من المشركين، وبعث الاخنس بن شريق في أثره رجلين فقتل أحدهما، و أتى رسول الله صلى الله عليه وآله مسلما مهاجرا، فقال: " مسعر (1) حرب لو كان معه واحد " ثم قال: " شأنك بسلب (2) صاحبك واذهب حيث شئت " فخرج أبو بصير ومعه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين حتى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر، وانفلت أبو جندل بن عمرو في سبعين راكبا (3) أسلموا فلحق بأبي بصير، واجتمع إليهم ناس من غفار وأسلم وجهينة حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل ومن معهم فيقدموا عليه، وقالوا: من خرج منا إليك فامسكه غير حرج أنت فيه، فعلم الذين كانوا أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وآله أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القصة أن طاعة (4) رسول الله صلى الله عليه وآله خير لهم فيما أحبوا وفيما


(1) أسعر النار: أشعلها، أي مشعل نار الحرب وموقدها. وفى السيرة والامتاع: " ويل امه محش حرب لو كان معه رجال " أقول: محش حرب أي موقدها ومهيجها. (2) السلب: ما يسلب من القتيل. أقول قدم أبو بصير سلبه ليخمسه رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يقبله وقال: انى إذا خمسته رأوا انى لم اوف لهم بالذى عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك. (3) في المصدر: في سبعين رجلا راكبا. (4) في المصدر: ان اطاعة.

[ 364 ]

كرهوا، وكان أبو بصير وأبو جندل وأصحابهما هم الذين مر بهم أبو العاص بن الربيع من الشام في نفر من قريش فأسروهم فأخذوا ما معهم (1) ولم يقتلوا منهم أحدا لصهر أبي العاص رسول الله صلى الله عليه وآله، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته، وكان أذن لها حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبو العاص هو ابن اخت خديجة بنت خويلد (2). بيان: قال في النهاية: في حديث الافك: ورسول الله يخفضهم، أي يسكنهم ويهون عليهم الامر، من الخفض: الدعة والسكون، ومنه حديث أبي بكر قال لعائشة في شأن الافك: خفضي عليك، أي هوني الامر عليك ولا تحزني له. وقال: عنوة، أي قهرا وغلبة. وقال: الخطف: استلاب الشئ وأخذه بسرعة. 11 - عم: ربعي بن خراش، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: أقبل سهيل بن عمرو ورجلان أو ثلاثة معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديبية فقالوا له: إنه يأتيك قوم من سفلتنا وعبداننا فارددهم علينا، فغضب حتى احمار وجهه. وكان إذا غضب صلى الله عليه وآله يحمار وجهه، ثم قال: " لتنتهن يا معشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا امتحن الله قلبه للايمان يضرب رقابكم وأنتم مجفلون عن الدين ؟ (3) " فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا " ولكنه ذلكم خاصف النعل في الحجرة " وأنا أخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: أما إنه قد قال صلى الله عليه وآله (4): من كذب علي متعمدا فيلتبوأ مقعده من النار (5). بيان: في القاموس: العبد: الانسان حرا كان أو رقيقا. والمملوك، والجمع عبدون وعبيد وأعبد وعباد وعبدان وعبدان عبدان بكسرتين مشددة الدال. وقال:


(1) في المصدر واخذوا اموالهم. (2) اعلام الورى باعلام الهدى: 60 - 62 ط 1 و 105 - 107 ط 2. (3) في المصدر: فيضرب رقابكم وانتم خارجون عن الدين. (4) في المصدر: ثم قام وقال صلى الله عليه وآله. أقول: فيه سقط وتصحيف. (5) إعلام الورى بأعلام الهدى: 113 ط 1 و 191 ط 2.

[ 365 ]

جفل الظليم جفولا: أسرع وذهب في الارض كأجفل. 12 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن معاوية بن حكيم، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن علي الصيرفي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله في عمرة القضاء شرط عليهم أن يرفعوا الاصنام من الصفا والمروة، فتشاغل رجل حتى ترك السعي حتى انقضت الايام واعيدت الاصنام، فجاؤا إليه فقالوا: يا رسول الله إن فلانا لم يسع بين الصفا والمروة وقد اعيدت الاصنام، فأنزل الله عزوجل: " فلا جناح عليه أن يطوف بهما (1) " أي وعليهما الاصنام (2). 13 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير وغيره، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وآله في غزوة (3) الحديبية خرج في ذي القعدة، فلما انتهى إلى المكان الذى أحرم فيه أحرموا، ولبسوا السلاح، فلما بلغه أن المشركين قد أرسلوا إليه خالد بن الوليد ليرده قال: ابغوني (4) رجلا يأخذني على غير هذا الطريق، فأتى برجل من مزينة أو جهينة فسأله فلم يوافقه، قال: " ابغوني (5) رجلا غيره " فاتي برجل آخر إما من مزينة وإما من جهينة، قال فذكر له فأخذه معه حتى انتهى إلى العقبة، فقال: " من يصعدها حط الله عنه كما حط الله عن بني إسرائيل فقال لهم: " ادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم ؟ " قال: فابتدرها خيل الانصار: الاوس والخزرج، قال: وكانوا ألفا وثمانمائة، قال: فلما هبطوا إلى الحديبية إذا امرأة، معها ابنها على القليب فسعى ابنها هاربا، فلما أثبتت أنه رسول الله صرخت به: هؤلاء الصائبون، ليس عليك منهم بأس، فأتاها


(1) صدر الحديث: بعض اصحابنا قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن السعي بين الصفا و المروة فريضة أم سنة ؟ فقال: فريضة، قلت، أو ليس قال الله عزوجل: " فلا جناح عليه أن يطوف بهما " قال: كان ذلك في عمرة القضاء، ان رسول الله صلى الله عليه وآله. اه. (2) فروع الكافي 1: 285. (3) في وقعة خ ل. (4 و 5) ابغوا لى خ ل.

[ 366 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله فأمرها فاستقت دلوا من ماء، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله فشرب وغسل وجهه فأخذت فضلته فأعادته في البئر فلم تبرح حتى الساعة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فأرسل إليه المشركون أبان بن سعيد (1) في الخيل، فكان بإزائه، ثم أرسلوا الجيش (2) فرأى البدن وهي تأكل بعضها أوبار بعض، فرجع ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال لابي سفيان: يا باسفيان أما والله ما على هذا حالفناكم، على أن تردوا الهدي عن محله، فقال: اسكت فإنما أنت أعرابي، فقال: أما والله لتخلين عن محمد وما أراد أو لانفردن في الاحابيش (3)، فقال: اسكت حتى نأخذ من محمد ولثا. فأرسلوا إليه عروة بن مسعود، وقد كان جاء إلى قريش في القوم الذين أصابهم المغيرة بن شعبة، كان خرج معهم من الطائف وكانوا تجارا فقتلهم، وجاء بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقبلها، وقال: " هذا غدر ولا حاجة لنا فيه " فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله هذا عروة بن مسعود قد أتاكم وهو يعظم البدن، قال: " فأقيموها " فأقاموها، فقال: يا محمد مجئ من جئت ؟ قال: " جئت أطوف بالبيت، وأسعى بين الصفا والمروة، وأنحر هذه الابل، واخلي عنكم وعن لحمانها " قال: لا واللات والعزى فما رأيت مثلك رد عما جئت له، إن قومك يذكرونك الله والرحم أن تدخل عليهم بلادهم بغير إذنهم، وأن تقطع أرحامهم، وأن تجرئ عليهم عدوهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما أنا بفاعل حتى أدخلها " قال: وكان عروة بن مسعود حين كلم رسول الله صلى الله عليه وآله تناول لحيته، والمغيرة قائم على رأسه، فضرب بيده، فقال: من هذا يا محمد ؟ فقال: " هذا ابن أخيك المغيرة " فقال: يا غدر والله ما جئت إلا في غسل سلحتك (4)، قال: فرجع إليهم، فقال لابي سفيان وأصحابه: لا والله ما رأيت مثل محمد رد عما جاء له.


(1) ذكر اصحاب السير مكانه: " بديل بن ورقاء " ولعله ارسل مرة اخرى. (2) هكذا في نسخة المصنف وغيرها، وفيه وهم والصحيح كما في المصدر وكتب السيرة: الحليس. وهو الحليس بن علقمة الحارثى، أو ابن زبان، سيد الاحابيش. (3) في سيرة ابن هشام: اولا نفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد. (4) في السيرة: أي غدر ! وهل غسلت سوأتك إلا بالامس ؟

[ 367 ]

فأرسلوا إليه سهيل بن عمر وحويطب بن عبد العزى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاثيرت في وجوههم البدن، فقالا: مجئ من جئت ؟ قال: " جئت لاطوف بالبيت، وأسعى بين الصفا والمروة، وأنحر البدن، واخلي بينكم وبين لحمانها " فقالا: إن قومك يناشدونك الله والرحم أن تدخل عليهم بلادهم بغير إذنهم، وتقطع أرحامهم، وتجرئ عليهم عدوهم، قال: فأبى عليهما رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن يدخلها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أراد أن يبعث عمر (1) فقال: يا رسول الله إن عشيرتي قليل وإني فيهم على ما تعلم، ولكني أدلك على عثمان بن عفان، فأرسل إليه رسول الله فقال: " انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشرهم بما وعدني ربي من فتح مكة " (2) فلما انطلق عثمان لقى أبان بن سعيد فتأخر عن السرج (3)، فحمل (4) عثمان بين يديه ودخل عثمان فأعلمهم، وكانت المناوشة، فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله صلى الله عليه وآله وجلس عثمان في عسكر المشركين، وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين وضرب بإحدى يديه على الاخرى لعثمان، وقال المسلمون: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما كان ليفعل " فلما جاء عثمان قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " أطفت بالبيت ؟ " فقال: ما كنت لاطوف بالبيت ورسول الله صلى الله عليه وآله لم يطف به، ثم ذكر القضية (5) وما كان فيها.


(1) ذكر ذلك ايضا أصحاب السير في كتبهم. فتراه في حاله هذا لا يجرء على أن يأتي قريش، ويبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وآله ويقول صريحا كما في سيرة ابن هشام: " إنى أخاف قريشا على نفسي " ولكن حين يرى انه التأم أمر الصلح يثب ويرفع عقيرته ويقول للنبى الاعظم صلى الله عليه وآله: ألست برسول الله ؟ ألسنا بالمسلمين ؟ أو ليسوا بالمشركين ؟ فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ ! هذا دأب الخليفة الثاني، يجبن في مواطن تحتاج إلى التجرؤ والشجاعة، ويتشجع في موطن تصلح فيه المداراة والاناة. (2) في السيرة: بعثه إلى ابى سفيان اشراف قريش يخبرهم انه لم يأت لحرب، وانه انما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما له. (3) في المصدر: عن السرح. اقول أي عن الماشية. (4) وحمل خ ل. (5) القصة خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر.

[ 368 ]

فقال لعلي عليه السلام: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ". فقال سهيل: ما أدري ما الرحمن الرحيم ؟ إلا أني أظن هذا الذي باليمامة ولكن اكتب كما يكتب: (1) باسمك اللهم. قال: " واكتب هذا ما قاضى رسول الله صلى الله عليه وآله سهيل بن عمرو ". فقال سهيل: فعلى ما نقاتلك يا محمد ؟ فقال: " أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ". فقال الناس: أنت رسول الله، قال: اكتب، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال الناس: أنت رسول الله، وكان في القضية: " إن كان (2) منا اتى إليكم رددتموه إلينا ورسول الله صلى الله عليه وآله غير مستكره عن دينه، ومن جاء إلينا منكم لم نرده إليكم " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا حاجة لنا فيهم " وعلى أن يعبد الله (3) فيكم علانية غير سر، وإن كانوا ليتهادون السيور (4) في المدينة إلى مكة، وما كانت قضية أعظم بركة منها، لقد كاد أن يستولي على أهل مكة الاسلام. فضرب (5) سهيل بن عمرو على أبي جندل ابنه فقال: أول ما قاضينا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " وهل قاضيت على شئ ؟ " فقال: يا محمد ما كنت بغدار، قال: فذهب بأبي جندل فقال: يا رسول الله تدفعني إليه ؟ قال: " ولم أشترط لك " قال: وقال: اللهم اجعل لابي جندل مخرجا (6). بيان: قال الجزري: يقال ابغني كذا بهمزة الوصل، أي اطلب لي، وأبغني بهمزة القطع، أي أعني على الطلب. قوله: أو من جهينة، الترديد من الراوي في الموضعين. ويقال: أثبته، أي عرفه حق المعرفة، ويقال: صبأ فلان: إذا خرج من


(1) في المصدر كما نكتب. (2) إن من كان خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) نعبد الله خ ل. (4) الستور خ ل. (5) فيه وفي مواضع من الحديث اختصار اما من الراوى، أو من الامام، تقدم تفصيله فيما قبل. (6) روضة الكافي. 322 - 327.

[ 369 ]

دين إلى غيره. (1) قوله عليه السلام: فلم تبرح، أي لم يزل الماء من تلك البئر، قوله عليه السلام: فكان بإزائه، أي أتى حتى قام بحذاء النبي صلى الله عليه وآله، أو المراد أنه كان قائد عسكر المشركين، كما أنه صلى الله عليه وآله كان قائد عسكر المسلمين. قوله: وهي تأكل، كناية عن كثرتها وازدحامها واجتماعها. قوله: حالفناكم، لانهم كان وقع بينهم الحلف على معاداة النبي صلى الله عليه وآله، أو على تعاونهم مطلقا. قوله: أو لانفردن في الاحابيش، أي أعتزل معهم عنكم وأمنعهم عن معاونتكم. قال الجزري: في حديث الحديبية: إن قريشا جمعوا لك الاحابيش، هي أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا، والتحبش: التجمع. وقيل: حالفوا قريشا تحت جبل يسمى حبشيا فسموا بذلك. وقال الفيروز آبادي: حبشي بالضم: جبل بأسفل مكة، ومنه أحابيش قريش لانهم تحالفوا بالله إنهم ليد على غيرهم ما سجى ليل، ووضح نهار، وما رسى حبشي انتهى. والولث. العهد بين القوم يقع من غير قصد، أو يكون غير مؤكد. قوله: وقد كان جاء، كانت هذه القصة على ما ذكره الواقدي أنه ذهب المغيرة مع ثلاثة عشر رجلا من بني مالك إلى مقوقس سلطان الاسكندرية، وفضل مقوقس بني مالك على المغيرة في العطاء، فلما رجعوا وكانوا في الطريق شرب بنو مالك ذات ليلة خمرا وسكروا فقتلهم المغيرة حسدا، وأخذ أموالهم، وأتى النبي صلى الله عليه وآله وأسلم فقبل صلى الله عليه وآله إسلامه، ولم يقبل من ماله شيئا، ولم يأخذ منه الخمس لغدره، فلما بلغ ذلك أبا سفيان أخبر عروة بذلك، فأتى عروة رئيس بني مالك وهو مسعود بن عمرة فكلمه في أن يرضى بالدية، فلم يرض بنو مالك بذلك، وطلبوا القصاص من عشائر المغيرة، واشتعلت بينهم نائرة الحرب فأطفأها عروة بلطائف حيله، وضمن دية


(1) وكانت العرب تسمى النبي صلى الله عليه وآله الصابئ لانه خرج من دين قريش إلى دين الاسلام، ويسمون المسلمين الصباة.

[ 370 ]

الجماعة من ماله. فضمير الفاعل في قوله: " جاء " راجع إلى عروة. وقوله في القوم أي لان يتكلم ويشفع في الامر المقتولين، والضمير في (خرج) راجع إلى المغيرة. قوله: فأرسلوا، أي قريش عروة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لذلك، فقالوا أي الصحابة، أو ضمير أرسلوا أيضا راجع إلى الصحابة، أي الذين كانوا بإزاء، العدو. قوله: ما رأيت مثلك، هذا تعجب منه، أي كيف يكون مثلك في الشرافة وعظم الشان مر دودا عن مثل هذا المقصد الذى لا ينبغي أن يرد عنه أحد ؟ !. قوله: إلا في غسل سلحتك، قال في المغرب: السلح التغوط: أقول: الظاهر أن " جئت " بصيغة المتكلم أي جئت الآن أو قبل ذلك عند إطفاء نائرة الفتنة لاصلاح قبائح أعمالك، ويمكن أن يقرأ بصيغة الخطاب، أي لم يكن مجيئك إلى النبي صلى الله عليه وآله للاسلام، بل للهرب مما صنعت من الخيانة، وأتيت من الجناية (1). قوله: وكانت المناوشة، المناوشة: المناولة في القتال، أي كان المشركون في تهيئة القتال. قوله: وضرب بإحدى يديه، لعله صلى الله عليه وآله إنما فعل ذلك لتتأكد عليه الحجة والعهد والميثاق، فيستوجب بنكثه أشد العذاب كما قال تعالى فيه وفي أخويه وأضرابهم: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه " (2). قوله: " ثم ذكر، لعله كلام الراوي، أي ثم ذكر الصادق القضية وكتابة الكتاب وما جرى فيها، وترك الراوي ذكرها اختصارا، ويحتمل أن يكون كلامه، أي ثم ذكر عثمان ما جرى بينه وبين قريش من حبسه ومنعه عن الرجوع، أو من طلبهم الصلح، أو إصرارهم في عدم دخوله صلى الله عليه وآله في تلك السنة. قوله: هذا الذي باليمامة، إنهم كانوا يقولون لمسيلمة: رحمن اليمامة. قوله صلى الله عليه وآله: وإن كانوا ليتهادون الستور، في بعض النسخ بالتاء المثناة الفوقانية وفي بعضها بالمثناة التحتانية، فعلى الاول هو جمع الستر المعلق على الابواب وغيرها، وعلى الثاني إما المراد السير المعروف المتخذ من الجلود، أو نوع من الثياب، قال


(1) ولعل ذلك اظهر. (2) الفتح: 10.

[ 371 ]

الفيروز آبادي: السير بالفتح: الذي يقد من الجلود والجمع سيور. وقال الجوهري: السير من الثياب الذي فيه خطوط كالسيور، وعلى التقادير هذا كلام الصادق عليه السلام لبيان ثمرة تلك المصالحة وكثرة فوائدها بأنها صارت موجبة لامن المسلمين بحيث كانوا يبعثون الهدايا من المدينة إلى مكة من غير منع ورعب، ورغب أهل مكة في الاسلام وأسلم جم غفير منهم من غير حرب. قوله صلى الله عليه وآله: وهل قاضيت على شئ. أي لم يتم الصلح ولم يكتب الكتاب بعد، فليس هذا داخلا فيما نقاضي عليه - " قوله صلى الله عليه وآله ولم أشترط لك " أي ليس هذا شرطا يخصك، بل هذا ما قاضينا عليه لمصلحة عامة المسلمين، ولابد من ذلك، أو لم تكن داخلا فيه لمجيئك قبل تمام الكتاب، لكن هؤلاء يجبروننا عليه، أو ما كنت اشترطت لك عليهم أن تكون مستثنى من ذلك، ولا يمكننا الغدر معهم، ولعله أظهر، ويحتمل على بعد أن يكون استفهاما إنكاريا، أي ألم أشترط لك وأعدك بالنجاة منهم قريبا. أقول: إنما أوردت آيات عمرة القضاء وأخبارها في هذا الباب لاشتراك بعض الآيات والاخبار وشدة الارتباط بينهما، وسيأتي لها ذكر في موضعه إن شاء الله تعالى (1). 14 - وروى في جامع الاصول من صحاحهم عن البراء بن عازب قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يدخل، يعني من العام المقبل، يقيم فيها ثلاثة، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله " قالوا: ما نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، ولكن أنت محمد بن عبد الله، فقال: " أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله " ثم قال لعلي بن أبي طالب: " امح رسول الله " فقال: لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس يحسن يكتب،


(1) وقد فصل المقريزى في الامتاع قضية الحديبية، وفيه فوائد جمة، لا يمكننا الايعاز إليها لعجلة الطابع، راجعه. وفيه: شدة نكير عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وآله كرارا وقضية شكه وخشيته من ان يفتضح عند الناس بنزول آية في حقه.

[ 372 ]

فكتب: (1) " هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه (2) وأن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها " فلما دخلها ومضى الاجل أتوا عليا (3) فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الاجل، فخرج النبي صلى الله عليه وآله فتبعته (4) ابنة حمزة تنادى: يا عم، يا عم فتناولها علي وقال لفاطمة: دونك بنت عمك، فحملتها فاختصم فيها (5) علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها.


(1) هذا يخالف ما تقدم من الروايات وأقوال اهل السير من ان الكاتب كان على بن ابى طالب عليه السلام، والصحيح: فاخذ رسول الله صلى الله عليه وآله فمحاه فكتب أي على ابى طالب. (2) هذا الحديث منفرد بذلك الشرط وما بعده، ولم نعرف في غيره. (3) قال ابن اسحاق: فاقام رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة ثلاثا فاتاه حويطب بن عبد العزى بن ابى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل في نفر من قريش في اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته باخراج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة، فقالوا له: انه قد انقضى اجلك فاخرج عنا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " وما عليكم لو تركتمونى فاعرست بين اظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه " قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا. راجع سيرة ابن هشام 3: 426، و سنشير إلى تزويجه صلى الله عليه وآله ميمونة. (4) في الامتاع: وكلم على بن ابى طالب رسول الله صلى الله عليه وآله في عمارة بنت حمزة وكانت مع امها سلمى بنت عميس بمكة، فقال: علام نترك بنت عمنا يتيمة بين ظهرانى المشركين ؟ فخرج بها حتى إذا دنوا من المدينة، اراد زيد بن حارثة - وكان وصى حمزة واخاه اخوة المهاجرين - أن يأخذها من على، وقال: أنا احق بها، ابنة اخى، فقال جعفر بن ابى طالب: الخالة والدة، وانا احق بها لمكان خالتها عندي، اسماء بنت عميس، فقال على رضوان الله عليهم: الا أراكم في ابنة عمى، وانا أخرجتها من بين اظهر المشركين، وليس لكم إليها نسب دوني، وانا احق بها منكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أحكم بينكم، اما انت يا زيد فمولى الله ورسوله، واما انت يا على فاخى وصاحبى، واما انت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي: وانت يا جعفر اولى بها، تحتك خالتها، ولا تنكح المرأة على خالتها ولا عمتها " فقضى بها لجعفر، فقام جعفر فحجل حول النبي صلى الله عليه وآله فقال: " ما هذا يا جعفر ؟ " قال: يا رسول الله كان النجاشي إذا ارضى احد اقام فحجل حوله، فقال على رضى الله عنه: تزوجها يارسول الله قال: " هي ابنة اخى من الرضاعة ". (5) في كفالتها وتربيتها.

[ 373 ]

قال الحميدي: أنا أحق (1) بها وهي بنت عمي وقال جعفر: بنت عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها النبي صلى الله عليه وآله لخالتها، وقال: " الخالة بمنزلة الام " وقال لعلي: " أنت مني وأنا منك " وقال لجعفر: " أشبهت خلفي وخلقي " وقال لزيد: " أنت أخونا ومولانا " (2). 15 - أقول: ذكر ابن الاثير في الكامل في حوادث السنة السادسة: فيها نزلت سورة الفتح، وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله نسوة مؤمنات فيهن ام كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط، فجاء أخواها عمارة والوليد يطلبانها، فأنزل الله: " فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار " (3) فلم يرسل امرأة مؤمنة إلى مكة، وأنزل الله: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " (4) فطلق عمر بن الخطاب امراتين له. وفيها كانت سرية عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمر فنذر القوم (5) بهم فهربوا فسعت الطلائع فوجدوا مائتي بعير فأخذوها إلى المدينة، وكانت في ربيع الآخر. وفيها كانت سرية محمد بن مسلمة أرسله رسول الله صلى الله عليه وآله في عشرة فوارس في ربيع الاول إلى بني ثعلبة بن سعد، فكمن القوم له حتى نام هو وأصحابه فظهروا عليهم فقتل أصحابه ونجا هو وحده جريحا.


(1) أي قال على عليه السلام. (2) لم يكن عندي جامع الاصول حتى نرجع إليه. أقول: وكانت من حوادث تلك السنة تزويجه صلى الله عليه وآله ميمونة، بنت الحارث زوجها صلى الله عليه وآله حين الاحرام، أو بعده على قولين، وكان الذى زوجه اياها العباس بن عبد المطلب، وكانت جعلت امرها إلى اختها ام الفضل، وكانت ام الفضل تحت العباس، فجعلت ام الفضل امرها إلى العباس، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة، واصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وآله اربعمائة درهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله (حين ابى المشركون ان يقيم ويعرس) وخلف ابا رافع مولاه على ميمونة حتى اتاه بها بسرف، فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وآله هنالك. قاله ابن هشام في السيرة 3: 426. (3 و 4) الممتحنة: 10. (5) نذر كعلم لفظا ومعنى. منه قدس سره. (*)

[ 374 ]

وفيها كانت سرية أبي عبيدة بن الجراح إلي ذي القصة في ربيع الاخر في أربعين رجلا، فهرب أهله منهم وأصابوا نعما ورجلا فأسلم، فتركه رسول الله صلى الله عليه وآله. وفيها كانت سرية زيد بن حارثة بالجموم فأصاب امرأة من مزينة اسمها حليمة فدلتهم على محلة من محال بني سليم، فأصابوا نعما وشاء وأسرى فيهم زوجها، فأطلقها رسول الله صلى الله عليه وآله وزوجها معها. وفيها سرية زيد أيضا إلى العيص في جمادي الاولى. وفيها اخذت الاموال التي كانت مع أبي العاص ابن الربيع، واستجار بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فأجارته كما تقدم. وفيها سرية زيد أيضا إلى الطرف في جمادى الآخرة في بني تغلبة (1) في خمسة عشر رجلا فهربوا منه، وأصاب من تميم (2) عشرين بعيرا. وفيها سرية زيد بن حارثة إلى خمس (3) في جمادى الآخرة، وسببها أن رفاعة بن زيد الجدلي (4) ثم الضبي قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله في هدنة الحديبية، وأهدى لرسول الله صلى الله عليه وآله غلاما وأسلم فحسن إسلامه، فحسن إسلامه، وكتب له رسول الله صلى الله عليه وآله كتابا إلى قومه يدعوهم إلى الاسلام فأسلموا: ثم ساروا إلى الحرة، (5) ثم إن دحية بن خليفة أقبل من الشام من عند قيصر (6) حتى إذا كان بأرض حذام أغار إليه الهنيد و ابنه العوص الصليعيان (7) وهو بطن من حذام، فأخذا كل شئ معه، فبلغ ذلك


(1) في المصدر: بنى ثعلبة وهو الصحيح. (2) هكذا في النسخ والصحيح كما في المصدر: فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا. (3) هكذا في النسخ، والصحيح: حسمى بالكسر ثم السكون، وهى ارض ببادية الشام بينها وبين وادى القرى ليلتان، واهل تبوك يرون جبل حسمى في غربيهم وفى شرقيهم شرورى، و بين وادى القرى والمدينة ست ليال قاله ياقوت في معجم البلدان. (4) في المصدر: الجذامي. (5) في المصدر: إلى حرة الرجلاء. (6) زاد في المصدر: وقد اجازه بمال وكساه. (7) في المصدر: الهنيد بن عوض وابنه عوض بن الهنيد الضليعيان. وفى سيرة ابن هشام 4: 285: الهنيد بن عوص وابنه عوص بن الهنيد الضلعيان وفي الامتاع واليعقوبي: الهنيد بن عارض وابنه عارض ابن الهنيد.

[ 375 ]

نفرا من بني الضب: (1) قوم رفاعة ممن كان أسلم، فنفروا إلى الهنيد وابنه فلقوهم، فاقتتلوا فظفر بنو الضب (2) واستنقذوا كل شئ كان أخذ من دحية، وردوه عليه، فخرج دحية حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وآله وطلب منه دم الهنيد وابنه العوص، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم (3) زيد بن حارثة في جيش فأغاروا (4) وجمعوا ما وجدوا من مال، وقتلوا الهنيد وابنه، فلما سمع ذلك بنو الضب (5) رهط رفاعة سار بعضهم إلى زيد بن حارثة، فقالوا: إنا قوم مسلمون فقال زيد نادوا (6) في الجيش ان الله حرم علينا ما أخذ من طريق القوم الذين جاؤا منها (7) وأراد أن يسلم إليهم سباياهم، فأخبره بعض أصحابه عنهم بما أوجب أن يحتاط، فتوقف في تسليم السبايا، وقال: هم في حكم الله تعالى، ونهى الجيش أن يهبطوا واديهم، وعاد اولئك الركب إلى رفاعة بن زيد لم يشعر (8) بشئ من أمرهم، فقال له بعضهم: إنك لجالس تحلب المعزى ونساء حذام (9) اسارى، فسار رفاعة والقوم معه إلى المدينة، وعرض كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله عليه فقال: كيف أصنع بالقتيل ؟ فقالوا: لنا من كان حيا، ومن قتل فهو تحت أقدامنا (10) فأجابهم إلى ذلك، وأرسل معهم علي بن أبي طالب إلى زيد بن حارثة فرد على القوم مالهم حتى كانوا ينتزعون لبد المرأة من تحت الرجل (11).


(1 و 2) في المصدر والسيرة والامتاع: بنى الضبيب. (3) في المصدر: فخرج دحية حتى قدم على النبي صلى الله عليه وآله فاخبره خبره فارسل رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم. (4) في المصدر: فاغاروا بالفضافض. (5) تقدم ان الصحيح: بنو الضبيب. (6) في المصدر: فقال زيد: فاقرؤا ام الكتاب فقرأها حسان بن ملة فقال زيد: نادوا. (7) في السيرة: ان الله قد حرم علينا ثغرة القوم التى جاؤا منها الا من ختر. (8) في المصدر: وعاد اولئك الركب الجذاميون إلى رفاعة بن زيد وهو بكراع ربة. (9) في المصدر: ونساء جذام اسارى قد غرهن كتابك الذى جئت به. فسار. (10) زاد في المصدر: يعنون تركوا الطلب به. (11) الكامل 2: 141 و 142 وفى آخره: وأطلق الاسارى. أقول: ذكر ابن هشام تلك السرية مفصلا في السيرة 3: 285 - 290. والمقريزي في الامتاع: 266 و 267. راجعهما ففيهما مزيد فائدة.

[ 376 ]

وفيها سرية زيد أيضا إلى وادي القرى في رجب (1). وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان، فأسلموا فتزوج عبد الرحمن تمامة بنت الاصبع (2) رئيسهم وهي ام أبي سلمة. وفيها سرية علي بن أبي طالب عليه السلام إلى فدك في شعبان في مائة رجل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله بلغه أن حيا من بني سعد قد تجمعوا له يريدون أن يمدوا أهل خيبر، فسار إليهم علي عليه السلام فأصاب عينا لهم فأخبره أنهم ساروا إلى أهل خيبر يعرضون عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر (3). 16 - أقول: ذكر في روضة الاحباب أنه عليه السلام سار بالليل وكمن بالنهار حتى أتى الهمج فأصاب عينا لهم، فذهب بعسكر المسلمين إليهم، فأغاروا عليهم (4) فانهزم بنو سعد، وغنم المسلمون منهم مائة بعير وألفي شاة، فاصطفى علي عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله عدة من الابل، وقسم سائر المال على أهل السرية ورجع. قال: وفيها أجدب الناس جدبا شديدا، فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس في شهر رمضان (5). وفيها سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى، وذلك أن زيدا كان يذهب إلى الشام في تجارة، ومعه بضائع من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، فلما قربوا من وادي القرى


(1) نص ابن هشام والمقريزي بما وقع في تلك السرية تفصيلا في السيرة 3: 290 والامتاع: 269: راجعهما. (2) في المصدر والامتاع: تماضر بنت الاصبغ: أقول: أي الاصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم الكلبى، وكان نصرانيا. (3) الكامل 2: 140 - 142. (4) في الامتاع: فسار على حتى اغار على نعمهم وضمها، وفرت رعاتها فأنذرت القوم، وقد كانوا تجمعوا مائتي رجل وعليهم وبر بن عليم، فتفرقوا، وانتهى على بمن معه فلم ير منهم احدا، وساق النعم وهى خمسمائة بعير، والفا شاة، فعزل الخمس، وصفى رسول الله صلى الله عليه وآله لقوحا تدعى الحفدة، ثم قسم ما بقى، وقدم المدينة. (5) ذكره ايضا ابن الاثير في الكامل.

[ 377 ]

أغار عليهم قوم من فزارة، فقتلوا المسلمين، وهرب زيد إلى المدينة، وفي رواية: ارتث (1) زيد من بين القتلى، فنذر أن لا يمس طيبا ولا ماء من جنابة حتى يغزو فزارة فبعثه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بنى فزارة فلقيهم بوادي القرى فأصاب منهم وقتل وأسر ام فروة وهي فاطمة بنت ربيعة فقتلها (2). - 21 - * (باب) * مراسلاته صلى الله عليه وآله إلى ملوك العجم والروم وغيرهم، وما جرى بينه وبينهم، وبعض ما جرى إلى غزوة خيبر 1 - يج: روي أن كسرى كتب إلى فيروز الديلمي (3) وهو من بقية أصحاب سيف بن ذي يزن: أن احمل إلي هذا العبد الذي يبدأ باسمه قبل اسمي، فاجترأ علي ودعاني إلى غير ديني، فأتاه فيروز وقال له: إن ربي أمرني أن آتيه بك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن ربي خبرني أن ربك قتل البارحة " فجاء الخبر أن ابنه شيرويه وثب عليه فقتله في تلك الليلة. فأسلم فيروز ومن معه، فلما خرج الكذاب العبسي أنفذه رسول الله صلى الله عليه وآله ليقتله فتسلق سطحا فلوى عنقه فقتله (4). بيان: فتسلق أي صعد.


(1) ارتث بالبناء للمجهول: رفع من بين القتلى وبه رمق. (2) روضة الاحباب: مخطوط، وليست نسخته عندي وهو موجود في المكتبة الرضوية، وفى مكتبة مدرسة البروجردي في النجف وغيرهما. وذكر تلك السرية ابن الاثير في الكامل وابن هشام في السيرة والمقريزي في الامتاع. راجعها. (3) هكذا في المصدر: وفى غير واحد من السير والتواريخ انه كتب إلى باذان وان باذان بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيروز أو غيره. (4) الخرائج والجرائح: 184. وفيه: فتسلقا سطحا.

[ 378 ]

2 - يج: روي أن هرقل بعث رجلا من غسان وأمره أن يأتيه بخبر محمد، وقال له: احفظ لي من أمره ثلاثا: انظر على أي شئ تجده جالسا، ومن على يمينه، وإن استطعت أن تنظر إلى خاتم النبوة فافعل، فخرج الغساني حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله فوجده جالسا على الارض، ووجد علي بن أبي طالب عليه السلام عن يمينه، وجعل رجليه في ماء يفور، فقال: من هذا على يمينه ؟ قيل: ابن عمه، فكتب ذلك ونسي الغساني الثالثة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: تعال فانظر إلى ما أمرك به صاحبك، فنظر إلى خاتم النبوة، فانصرف الرجل (1) إلى هرقل، قال: (2) ما صنعت ؟ قال: وجدته جالسا على الارض، والماء يفور تحت قدميه، ووجدت عليا ابن عمه عن يمينه، وأنسيت ما قلت لي في الخاتم، فدعاني فقال: " هلم إلى ما أمرك به صاحبك " فنظرت إلى خاتم النبوة، فقال هرقل: هذا الذي بشر به عيسى بن مريم، إنه يركب البعير فاتبعوه وصدقوه، ثم قال للرسول: اخرج إلى أخي فأعرض عليه فإنه شريكي في الملك، فقلت له فما طاب نفسه عن ذهاب ملكه. بيان: قوله: فقلت له، لعله من كلام الراوي، قال للامام (3) عليه السلام: إنما قال هرقل: شريكي، لانه لم يطب نفسه أن يذهب ملكه، ويحتمل أن يكون في الاصل فقال، أي النبي صلى الله عليه وآله، والاظهر أن المراد أن هرقل قال لرسوله: اخرج إلى أخي فأعرض عليه الاسلام، فإن أسلم أسلمت، وكان أخوه شريكه في السلطنة وقوله: فقلت، كلام الرسول على الالتفات، وضمير (له) للاخ وكذا ضمير (نفسه). 3 - يج: روي أن دحية الكلبي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله بكتاب إلى قيصر فأرسل إلى الاسقف فأخبره بمحمد وكتابه، فقال: هذا النبي الذي كنا ننتظره


(1) الرسول خ ل. (2) ثم قال خ ل. (3) لم يظهر ان الحديث مروى عن الامام، ولعل المروى عنه غير الائمة المعصومين عليهم السلام.

[ 379 ]

بشرنا به عيسى بن مريم، وقال الاسقف: أما أنا فمصدقه ومتبعه، فقال قيصر: أما أنا إن فعلت ذلك ذهب ملكي، ثم قال قيصر: التمسوا لي من قومه ههنا أحدا أسأله عنه، وكان أبو سفيان وجماعة من قريش دخلوا الشام تجارا فأحضرهم، وقال: ليدن مني أقربكم نسبا به، فأتاه أبو سفيان فقال: أنا سائل عن هذا الرجل الذي يقول: إنه نبي، ثم قال لاصحابه: إن كذب فكذبوه، قال أبو سفيان: لولا حيائي (1) أن يأثر أصحابي عني الكذب لاخبرته بخلاف ما هو عليه، فقال: كيف نسبه فيكم ؟ قلت: ذو نسب، قال: هل قال: هذا القول منكم (2) أحد ؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل ؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم ؟ قلت ضعفاؤهم، قال: فهل يزيدون أو ينقصون ؟ قلت يزيدون، قال: يرتد أحد منهم سخطا لدينه، قلت: لا، قال: فهل يغدر ؟ قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه ؟ قلت: نعم، قال: فكيف حربكم وحربه ؟ قلت: ذو سجال: مرة له، ومرة عليه قال: هذا (3) آية النبوة، قال: فما يأمركم ؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصوم والعفاف والصدق وأداء الامانة والوفاء بالعهد، قال: هذه صفة نبي وقد كنت أعلم أنه يخرج ولم أظن أنه منكم، فإنه يوشك أن يملك ما تحت قدمي هاتين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقياه، (4) ولو كنت عنده لغسلت قدميه (5)، وإن النصارى اجتمعوا على الاسقف ليقتلوه، فقال: اذهب إلى صاحبك فاقرأ عليه السلام (6) و أخبره أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن النصارى أنكروا ذلك


(1) لولا الحياء خ ل. (2) فيكم خ ل. (3) هذه خ ل. (4) لقاءه خ ل. (5) لقبلت قدميه خ ل. (6) سلامى خ ل.

[ 380 ]

علي، ثم خرج إليهم فقتلوه (1). بيان: قال الجوهري تقول: أثرت الحديث آثره: إذا ذكرته عن غيرك، وقال الجزري: السجل: الدلو الملأى ماء، ويجمع على سجال، ومنه حديث أبي سفيان وهرقل: والحرب بيننا سجال، أي مرة لنا، ومرة علينا، وأصله أن المستقين بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل. وقال: تجشمت الامر تكلفته. 4 - يج: روي أنه لما بعث محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة بعث كسرى رسولا إلى باذان عامله في أرض المغرب: بلغني أنه خرج رجل قبلك يزعم أنه نبي فلتقل له: فليكفف عن ذلك، أو لابعثن إليه من يقتله ويقتل قومه، فبعث باذان إلى النبي صلى الله عليه وآله بذلك فقال: " لو كان شئ قلته من قبلي لكففت عنه، ولكن الله بعثني " وترك رسل باذان وهم خمسة عشر نفرا لا يكلمهم خمسة عشر يوما ثم دعاهم، فقال: اذهبوا إلى صاحبكم فقولوا له: إن ربي قتل ربه الليلة، إن ربي قتل كسرى الليلة، ولا كسرى بعد اليوم، وقتل قيصر ولا قيصر بعد اليوم، فكتبوا قوله فإذا هما قد ماتا في الوقت الذي حدثه (2) محمد صلى الله عليه وآله. 5 - يج: روي عن جرير بن عبد الله البجلي قال: بعثني النبي صلى الله عليه وآله بكتابه إلى ذي الكلاع وقومه فدخلت عليه فعظم كتابه، وتجهز وخرج في جيش عظيم، وخرجت معه نسير إذ رفع لنا دير راهب، فقال: اريد هذا الراهب، فلما دخلنا عليه سأله أين تريد ؟ قال: هذا النبي الذي خرج في قريش وهذا رسوله، قال الراهب: لقد مات هذا الرسول، فقلت: من أين علمت بوفاته ؟ قال: إنكم قبل أن تصلوا إلي كنت أنظر في كتاب دانيال، مررت بصفة محمد ونعته وأيامه وأجله فوجدت أنه توفي (3) في هذه الساعة، فقال ذو الكلاع: أنا أنصرف، قال جرير: فرجعت فإذا رسول


(1) لم نجد الحديث ولا ما قبله في الخرائج المطبوع، وذكرنا سابقا ان الخرائج المطبوع مختصر من الاصل. (2) قاله خ ل. (3) في هذه الساعة يتوفى خ ل.

[ 381 ]

الله صلى الله عليه وآله توفي (1) ذلك اليوم (2). 6 - قب: الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: بعث الله إلى كسرى ملكا وقت الحاجرة وقال: يا كسرى تسلم أو اكسر هذه العصا، فقال: بهل بهل، فانصرف عنه فدعا حراسه وقال: من أدخل هذا الرجل علي ؟ فقالوا: ما رأيناه، ثم أتاه في العام المقبل ووقته فكان كما كان أولا، ثم أتاه في العام الثالث فقال: تسلم أو اكسر هذه العصا، فقال: بهل بهل، فكسر العصا، ثم خرج فلم يلبث أن وثب عليه ابنه فقتله (3). 7 - قب: ابن مهدي المامطيري (4) في مجالسه: إن النبي كتب إلى كسرى " من محمد رسول الله إلى كسرى بن هرمزد، أما بعد فأسلم تسلم، وإلا فأذن بحرب من الله ورسوله، والسلام على من اتبع الهدى (5). فلما وصل إليه الكتاب مزقه واستخف به، وقال: من هذا الذي يدعوني إلى دينه، ويبدأ باسمه قبل اسمي. وبعث إليه بتراب فقال صلى الله عليه وآله: " مزق الله ملكه كما مزق كتابي، أما إنه (6) ستمزقون ملكه، وبعث إلي بتراب أما إنكم ستملكون أرضه " فكان كما قال.


(1) في ذلك اليوم خ ل. (2) لم نجده في الخرائج المطبوع. (3) مناقب آل ابى طالب 1: 25. (4) المامطيرى: منسوب إلى مامطير وهى بليدة بناحية آمل طبرستان. (5) قد اختلف المؤرخون واصحاب السيرة في الفاظ كتابه صلى الله عليه وآله والذى عليه الاكثر هو ذلك - واللفظ من تاريخ اليعقوبي: - " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فان ابيت فان عليك آثام المجوس " وفى الكامل مثله الا ان بعد قوله: ورسوله: " وانى ادعوك بدعاء الله، وانى رسول الله إلى الناس كافة لانذر " وفيه " فان توليت فان اثم المجوس عليك ". (6) اما انكم خ ل.

[ 382 ]

الماوردي في أعلام النبوة: إن كسرى كتب في الوقت إلى عامله باليمن باذان ويكني أبا مهران: أن احمل إلي هذا الذي يذكر أنه نبي، وبدأ باسمه قبل اسمي ودعاني إلى غير ديني، فبعث إليه فيروز الديلمي في جماعة مع كتاب يذكر فيه ما كتب به كسرى، فأتاه فيروز بمن معه، فقال له: إن كسرى أمرني أحملك إليه (1)، فاستنظره ليلة، فلما كان من الغد حضر فيروز مستحثا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " أخبرني ربي أنه قتل ربك البارحة، سلط الله عليه ابنه شيرويه على سبع ساعات من الليل، فامسك حتى يأتيك الخبر " فراع ذلك فيروز وهاله وعاد إلى باذان فأخبره فقال له باذان: كيف وجدت نفسك حين دخلت عليه ؟ فقال: والله ما هبت أحدا كهيبة هذا الرجل، فوصل الخبر بقتله في تلك الليلة من تلك الساعة، فأسلما جميعا، وظهر العبسي (2) وما افتراه من الكذب فأرسل عليه السلام إلى فيروز: " اقتله قتله الله " فقتله (3). 8 - أقول: قال الكاذروني في المنتقى في حوادث السنة السادسة: فيها اتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الخاتم، وذلك أنه قيل: إن الملوك لا يقرؤن كتابا إلا مختوما. وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وآله ستة نفر فخرجوا مصطحبين في ذي الحجة: حاطب من أبي بلتعة إلى المقوقس، (4) ودحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، (5) وعبد الله بن حذافة إلى كسرى، (6) وعمرو بن امية الضميري (7) إلى النجاشي، وشجاع


(1) في المصدر: امرني ان احملك إليه. (2) هكذا في النسخ، والصواب كما في المصدر: (العنسى) وهو الاسود العنسى، واسمه عيهلة بن كعب بن عوف، وكان يلقب ذا الخمار، ادعى النبوة باليمن، ذكر اخباره ابن الاثير في الكامل 2: 227. (3) مناقب آل ابى طالب 1: 70 و 71. (4) هو ملك الاسكندرية. (5) ملك الروم. (6) ملك فارس. (7) في المصدر. " الضمرى " وهو الصواب، وكان النجاشي ملك الحبشة.

[ 383 ]

بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني (1)، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن على النخعي (2)، أما المقوقس فإنه لما وصل إليه حاطب أكرمه وأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله (3)، وكتب في جوابه: قد علمت أن نبيا قد بقي، وقد أكرمت رسولك (4)، وأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أربع جوار منهن مارية ام إبراهيم، و اختها سيرين، وحمارا يقال له: عفير، وقيل: يعفور، وبغلة يقال لها: الدلدل، ولم يسلم، فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله هديته، وقال: " ضن الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه، واصطفى مارية لنفسه، وأما سيرين فوهبها لحسان بن وهب، وأما الحمار


(1) ملك تخوم الشام وفى تاريخ الطبري: المنذر بن الحارث بن ابى شمر الغسائى صاحب دمشق. (2) هكذا في النسخ، والصواب كما في المصدر: (الحنفي) وفى الامتاع والسيرة: بعثه إلى ثمال بن اثال وهوذة بن على الحنفيين ملكى اليمامة انتهى وقال اليعقوبي وابن هشام والمقريزي: ووجه العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وقال اليعقوبي وابن هشام: و وجه مهاجر بن ابى امية المخزومى إلى الحارث بن عبد كلال الحميرى ملك اليمن، وعمرو بن العاص السهمى إلى جيفر وعياذ ابني الجلندى الازديين ملكى عمان، وزاد الاول فقال: ووجه جرير بن عبد الله البجلى إلى ذى الكلاع الحميرى، وعمار بن ياسر إلى الايهم بن النعمان الغساني (أقول: في السيرة: جبلة بن الايهم الغساني) وخالد بن الوليد إلى (بنى ظ) الديان وبنى قنان، وقال: و كتب إليهم جميعا بمثل ما كتب به إلى كسرى وقيصر، وسليم بن عمرو الانصاري إلى حضرموت انتهى. أقول: لعل المراد ان ما كتب إليهم كان مضمونه مثل ذلك، والا فما نقل عن كتابه صلى الله عليه وآله إليهم يخالف لفظا ومعنا، ولم يثبت أنه صلى الله عليه وآله كتب إليهم جميعا في تلك السنة، بل كتب إلى بعضهم في غيرها. راجع مظان ذلك. (3) وكتابه صلى الله عليه وآله على ما ذكره الحلبي في سيرته هكذا: " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، اما بعد فانى ادعوك بدعاية الاسلام أسلم تسلم، واسلم يؤتك الله اجرك مرتين، فان توليت فانما عليك اثم القبط، و يا اهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ان لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله، فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون ". (4) كتابه إليه صلى الله عليه وآله على لفظ الحلبي هكذا، بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، اما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعوا إليه، وقد علمت ان نبيا قد بقى، وقد كنت اظن انه يخرج بالشام، وقد اكرمت رسولك، وبعثت اليك بجاريتين، لهما فكان في القبط عظيم، وبثياب، واهديت اليك بغلة لتركبها. و السلام عليك. (*)

[ 384 ]

فنفق (1) منصرفه من حجة الوداع، وأما البغلة فبقيت إلى زمان معاوية. وأما قيصر وهو هرقل ملك الروم فإنه أصبح يوما مهموما، فقالت له بطارقته (2) في ذلك، فقال: أجل اريت في هذه الليلة أن ملك الختان صار ظاهرا، قالوا: ما نعلم امة تختتن إلا يهود، وهم في سلطانك: وسألوه أن يقتلهم جميعا فيستريح، فبينا هم في ذلك من رأيهم إذ أتاهم (3) رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده فقال: أيها الملك إن هذا من العرب، يحدث عن أمر حدث ببلاده عجب، فقال هرقل لترجمانه: سله ما هذا الحدث الذي كان ببلاده، فسأله فقال: خرج من بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، فاتبعه ناس، وخالفه الآخرون، وكانت بينهم ملاحم فتركتهم على ذلك، قال: جردوه، فجردوه فإذا هو مختون، فقال هرقل: هذا والله الذي رأيت، أعطوه ثوبه انطلق (4) ثم دعا صاحب شرطته فقال: قلب لي الشام ظهرا وبطنا حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل يعني النبي صلى الله عليه وآله، قال أبو سفيان وكنت قد خرجت في تجارة في زمن الهدنة فهجم علينا صاحب شرطته، فقال: أنتم من قوم هذا الرجل ؟ فقلنا: نعم فدعانا. وبإسنادي في سماع البخاري إليه بإسناده عن عبد الله بن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوهم بإيليا (5) فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا ترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا، فقال: ادنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوه (6) عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل


(1) أي هلك. (2) بطارقة جمع البطريق: القائد من قواد الروم. (3) في المصدر: إذ أتاه. (4) لينطلق خ ل. (5) ايليا بالمد والتخفيف وقد تشدد الياء الثانية: اسم مدينة بيت المقدس، (6) في المصدر: فاجعلوهم.

[ 385 ]

لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم ؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط ؟ قلت: لا، قال: فهل كان في آبائه من ملك ؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت: لا، قال فهل يغدر ؟ قلت: لا، ونحن في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه ؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه، قال: فماذا يأمركم ؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة، فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم: هذا القول ؟ فذكرت أنه لا، (1) فقلت: لو قال أحد هذا القول قبله لقلت رجل يأتيني بقول قيل قبله، (2) وسألتك هل كان من آبائه من ملك ؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فذكرت أن لا، فقد علمت إنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون ؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الايمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطة


(1) في المصدر: ان لا. (2) في المصدر: (لقلت رجل يأتسى يقول قيل قبله) أقول: لعل الصحيح: (بقول قيل قبله) أي يقتدى بقول قيل قبله.

[ 386 ]

لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا، وكذلك الايمان حين يخالط بشاشة القلوب، وسألتك هل يغدر ؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم ؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الاوثان، ويأمركم بالصلاة والصدقة والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاه، ولو كنت عنده لغسلت قدمه، ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى (1) فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله عبده ورسوله إلى هرقل عظيم الروم وسلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الاسلام أسلم تسلم، أسلم (2) يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسين (3)، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ". قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الاصوات فاخرجنا، فقلت لاصحابي حين اخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الاصفر، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله على الاسلام (4).


(1) بصرى بالضم والقصر: موضع بالشام من اعمال دمشق، وهى قصبة كورة حران. (2) خلى المصدر عن كلمة (اسلم) الثانية. (3) في الطبعة الحروفية: الاريسيين، ويأتى ذلك ايضا في بيان المصنف (4) قال اليعقوبي في تاريخه 2: 62: فكتب هرقل: " إلى احمد رسول الله الذى بشر به عيسى من قيصر ملك الروم، انه جاءني كتابك مع رسولك، وانى اشهد انك رسول الله، نجدك عندنا في الانجيل بشرنا بك عيسى بن مريم، وانى دعوت الروم إلى ان يؤمنوا بك فابوا ولو أطاعوني لكان خيرا لهم، ولوددت انى عندك فاخدمك واغسل قدميك " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يبقى ملكهم ما بقى كتابي عندهم.

[ 387 ]

هرقل عظيم الروم (1)، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه توفي النبي صلى الله عليه وآله. ماد فيها، أي ضرب لهم مدة في الهدنة إلى انقضاء المدة، وإيليا: بيت المقدس ومعناه بيت الله، وحكي فيه القصر، وبلغة ثالثة: " إلياء " بحذف الياء الاولى، و سكون اللام والمد والترجمان بفتح التاء وضم الجيم، وروى بضمهما، وهو المفسر لغة بلغة. قوله: أن يأثروا علي أي عني والسخطة: الكراهية للشئ وعدم الرضاء به. قوله: سجال أي مرة على هؤلاء، ومرة على هؤلاء من مساجلة المستقين على البئر بالدلاء. وبشاشة القلوب: انسها ولطفها. قوله: لتجشمت، أي تكلفت ما فيه من مشقة وبصرى: مدينة فيصارية من الشام. والدعاية: الدعوة، وهي من دعوت، كالشكاية من شكيت. قوله: يؤتك الله أجرك مرتين: مرة لاتباع عيسى أو غيرة، ومرة لاتباعه صلى الله عليه وآله. قوله: إثم الاريسيين (2) هكذا أورده جل الرواة وروي " اليريسين " و روي " الاريسين " قيل: هم الاكارون، وقيل: الخدم والاعوان، معناه ان عليك إثم رعاياك ممن صددته عن الاسلام فاتبعوك على كفرك، أي إن عليك مثل إثمهم (3)


(1) من هنا إلى قوله: اما كسرى. من بيان المصنف. (2) تقدم في متن الحديث: " اليريسين " وهو الموجود في المصدر ايضا. (3) قال الجزرى في النهاية 1: 31: في كتاب النبي صلى الله عليه وآله إلى هرقل: " فان ابيت فعليك اثم الاريسيين " قد اختلف في هذه اللفظة صيغة ومعنى، فروى الاريسين بوزن الكريمين، وروى الاريسين بوزن الشريبين، وروى الاريسيين بوزن العظيميين، وروى بابدال الهمزة ياء مفتوحة في البخاري، واما معناها فقال ابو عبيدة: هم الخدم والخول، يعنى لصده اياهم عن الدين كما قال: " ربنا اطعنا سادتنا " أي عليك مثل اثمهم، وقال ابن الاعرابي: أرس يأرس أرسا فهو أريس، وارس يؤرس تأريسا فهو اريس، وجمعها أريسون واريسون وارارسة وهم الاكارون، وانما قال ذلك لان الاكارين كان عندهم من الفرس، وهم عبدة النار، فجعل عليه اثمهم، وقال ابو عبيد في كتاب الاموال: اصحاب الحديث: الاريسيين منسوبا مجموعا، والصحيح الاريسين بغير نسب، ورده الطحاوي عليه، وقال بعضهم، ان في رهط هرقل فرقة تعرف بالاروسية

[ 388 ]

قوله: أمر أمر ابن أبي كبشة، أي عظم، وأبو كبشة اسم الحارث بن عبدالعزي رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الاصنام وعبد الشعرى، وقد مر ذكره في آباء النبي صلى الله عليه وآله، وقيل: هو زوج حليمة مرضعة النبي صلى الله عليه وآله، وبنو الاصفر: الروم وجدهم الاصفر بن روم بن إسحاق، وقيل: بل لان جيشا من الحبش غلب عليهم في الزمان الاول فوطئ نساؤهم فولدوا أولادا أصفر نسبوا إليهم (1). * (هامش) فجاء على النسب إليهم، وقيل: انهم اتباع عبد الله بن أريس: رجل كان في الزمن الاول، قتلوا نبيا بعثه الله إليهم، وقيل: الاريسون: الملوك، واحدهم اريس، وقيل: هم العشارون. و منه حديث معاوية: بلغه ان صاحب الروم يريد قصد بلاد الشام ايام صفين فكتب إليه: بالله لئن تممت على ما بلغني لاصالحن صاحبي ولاكونن مقدمته اليك، ولاجعلن القسطنطينية البخراء حممة سوداء، ولانزعنك من الملك نزع الاصطفلينة، ولاردنك اريسا من الارارسة ترى الدوابل. انتهى. أقول: هذا جامع ما رأيت في تفسير هذه اللفظة، ويؤيد قول ابن الاعرابي انها بمعنى الاكارون ان الطبري وابن الاثير نصافى التاريخ وفى الكامل على ان كتابه صلى الله عليه وآله كان هكذا " وان توليت فان اثم الاكارين عليك " وايضا يوجد في كتاب اخر له صلى الله عليه وآله كتبه إليه من تبوك: " والا فلا تحل بين الفلاحين وبين الاسلام ان يدخلوا فيه أو يعطوا الجزيه " وأما ما في كلام البعض " من ان في رهط عرقل فرقة تعرف بالاروسية " ففيه تصحيف، والصحيح الاريوسية، وهم تبعة آريوس [ ] Arius أكبر تلاميذ ماربطرس بطريرك الاسكندرية، ولد سنة 280 وتوفى سنة 336 م، كان من خريجى المدرسة اللاهوتية واسع الاطلاع في العلوم الدينية، ملما بفلسفة أفلاطون وارسطو، خالف استاذه في امور كثيرة منها ان اقنوم الابن غير مساو لاقنوم الاب في ازليته، وكان الله موجودا قبل خلق الابن والروح القدس، ثم تعلقت ارادته بايجادهما فاوجدهما من العدم، فولد الابن من مريم البتول، وكان من معتقداته حشر الابدان، والحياة ابد الابدين، وشاع مذهبه زمنا حتى كان هو المذهب السائد في قصر كونستانس ملك الرومان، فحرمه المجمع النيقاوى وحكم بنفى اريوس. راجع الملل والنحل للشهرستاني وتعليقه، و دائرة المعارف الوجدى والتنبيه والاشراف للمسعودي وتاريخ ابن خلدون وقال المسعودي في مروج الذهب: " ذهب قوم إلى ان اليونانيين ينتمون إلى اوراس (آراش خ) بن ياوان (ناوان) ابن يافث بن نوح " فيحتمل بعيدا أن " الاريسين " كانت مصحفة عن الاوراسين. (1) قال الجزرى: لان اباهم الاول كان اصفر اللون وهو روم بن عيصو بن اسحاق بن ابراهيم.

[ 389 ]

وأما كسرى فلما بلغه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله قرأه فمزقه، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يمزقوا كل ممزق. وروي عن محمد بن إسحاق قال: قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن حذافة بن قيس إلى كسرى بن هرمز ملك فارس، وكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بداعية الله عزوجل، فإني أنا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الناس كافة، لانذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس (1) عليك ". فلما قرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله شققه (2) وقال: يكتب إلي بهذا الكتاب وهو عبدي ؟ فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " مزق الله ملكه " حين بلغه أنه شقق كتابه، ثم كتب كسرى إلى باذان وهو على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز من عندك رجلين جلدين فليأتياني به. وفي رواية كتب إلى باذان أن بلغني أن في أرضك رجلا يتنبأ فاربطه وابعث


(1) قد اخرجنا قبل ذلك لفظ كتابه صلى الله عليه وآله عن تاريخ اليعقوبي وغيره. (2) يظهر من تاريخ اليعقوبي انه لم يشقق كتابه، بل كتب إليه صلى الله عليه وآله كتابا جعله بين سرقتي حرير وجعل فيهما مسكا، فلما دفعه الرسول إلى النبي صلى الله عليه وآله فتحه فأخذ قبضة من المسك فشمه وناوله اصحابه، وقال: " لا حاجة لنا في هذا الحرير ليس من لباسنا " وقال: " لتدخلن في امرى أو لاتينك بنفسى ومن معى، وامر الله اسرع من ذلك، فاما كتابك فانا اعلم به منك، فيه كذا وكذا " ولم يفتحه، ولم يقرأه ورجع الرسول إلى كسرى فاخبره. ولم نظفر بذلك في غيره من التواريخ، نعم يوجد في مسند احمد باسناده عن على بن ابى طالب عليه السلام انه قال: " اهدى كسرى لرسول الله صلى الله عليه وآله فقبل منه، واهدى قيصر لرسول الله صلى الله عليه وآله فقبل منه، واهدت الملوك فقبل منهم " راجع الحديث: 747 و 1234 من مسند أحمد. (*)

[ 390 ]

به إلي، فبعث باذان قهرمانه وهو بانوبه (1) وكان كاتبا حاسبا، وبعث معه برجل من الفرس يقال له: خرخسك (2)، فكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبانوبه (3): ويلك انظر ما الرجل وكلمه وأتني بخبره، فخرجا حتى قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وآله وكلمه بانوبه (4)، وقال: إن شاهنشاه (5) ملك الملوك كسرى كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتبت فيك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك ويكف عنك به، وإن أبيت فهو من قد علمت، فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك، وكانا قد دخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، وقال: " ويلكما من أمر كما بهذا ؟ " قالا: أمرنا بهذا ربنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي " ثم قال لهما: " ارجعا حتى تأتياني غدا " وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله الخبر من السماء أن الله عزوجل قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا وكذا لكذا وكذا من الليل، فلما أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله قال لهما: إن ربي قد قتل ربكما ليلة كذا وكذا من شهر كذا وكذا بعد ما مضى من الليل كذا وكذا (6)، سلط عليه شيرويه فقتله فقالا: هل تدرى ما تقول ؟ ! إنا قد نقمنا منك ما هو أيسر من هذا، فنكتب بها عنك ونخبر الملك، قال: " نعم أخبراه ذلك عني وقولاله: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف الحافر،


(1 و 3 و 4) هكذا في الكتاب ومصدره، وفى تاريخ الطبري والكامل والاصابة وغيرها: " بايويه ". (2) هكذا في الكتاب (في الموضعين)، وفى المصدر وتاريخ الطبري والكافي: " خرخسرة " وفى الاصابة: " حرخرة ". (5) أي ملك الملوك. (6) في المصدر: في شهر كذا وكذا، في ليلة كذا وكذا، لكذا وكذا من الليل.

[ 391 ]

وقولا له: إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك (1) ". ثم أعطى خرخسك منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك، فخرجا من عنده حتى قدما على باذان وأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لارى الرجل نبيا كما يقول، ولننظر (2) ما قد قال، فلئن كان ما قد قال حقا، ما فيه كلام أنه نبي مرسل، وإن لم يكن فسترى (3) فيه رأينا، فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه: أما بعد فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبا لفارس، لما كان استحل من قتل أشرافهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وأنظر الرجل الذي كان كسرى كتب إليه فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه. فلما انتهى كتاب شيرويه باذان (4) قال: إن هذا الرجل لرسول فأسلم و أسلمت الابناء من فارس من كان منهم باليمن. وأما النجاشي فإن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عمرو بن أمية إليه في شأن جعفر ابن أبي طالب وأصحابه، وكتب (5):


(1) في المصدر وتاريخ الطبري: على قومك من الابناء. (2) " " " ": ولننظرن. (3) " " " ": فسنرى. (4) " " " ": إلى باذان. (5) ذكر الطبري كتابه صلى الله عليه وآله في تاريخه 2: 294، واللفظ هكذا: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة، سلم أنت، فانى احمد اليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته القاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه، ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وانى ادعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وان تتبعني وتؤمن بالذى جاءني، فانى رسول الله، وقد بعثت اليك ابن عمى جعفر أو نفرا معه من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر فانى ادعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت،

[ 392 ]

" بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، إني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المهيمن (1)، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة، فحملت بعيسي، وأني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، فإن تبعتني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، والسلام على من اتبع الهدى ". فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: " بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي، سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، الذي لا إله الا هو، الذي هداني إلى الاسلام، أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والارض أن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثفروقا، إنه كما قلت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقدم ابن عمك وأصحابك (2)، وأشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي (3) الله فإن شئت أن آتيتك فعلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله، فإني أشهد أن ما تقول حق والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ". قال ابن إسحاق: فذكر لي إنه بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة حتى إذا توسطوا البحر غرقت بهم السفينة فهلكوا


فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى " ثم قال: " فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الاصحم بن ابجر " ثم ذكر مثل ما في الصلب الا ان فيه: " من الله الذى " وفيه: " وقد قرينا ابن عمك واصحابه، فأشهد انك رسول الله صادقا مصدقا " وفيه: " وقد بعثت اليك بابنى ارها بن الاصحم بن أبجر، فانى لا املك الا نفسي، وان شئت " وفى آخره: " والسلام عليك يا رسول الله ". أقول: في القاموس والامتاع واسد الغابة ان اسم النجاشي الاصحمة بالتاء قوله: (سلم انت) لعله مصحف سلام عليك. (1) في المصدر: المؤمن المهيمن. (2) " ": واصحابه. (3) واستظهر المصنف في الهامش انه مصحف بابنى. وقد عرفت أن ذلك هو الصواب.

[ 393 ]

قال الواقدي عن أشياخه: كتب رسول الله إلى النجاشي كتابين يدعوه في أحدهما إلى الاسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله فوضعه على عينه، ونزل من سريره، ثم جلس على الارض تواضعا، ثم أسلم وشهد شهادته الحق، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لآتينه (1)، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بإجابته وتصديقه وإسلامه على يد جعفر بن أبي طالب. وفي الكتاب الآخر يأمره أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش الاسدي، فتنصر هناك، ومات وأمره في الكتاب أن يبعث إليه بمن قبله من أصحابه. ففعل ذلك، وهذه الاخبار دالة على أن النجاشي هو الذي كانت الهجرة إلى أرضه وروي أنه غير ذلك. وأما الحارث بن أبي الشمر (2) الغساني، فقال شجاع بن وهب: انتهيت بكتاب رسول الله وهو بغوطة دمشق وهو مشغول بتهية الانزال والالطاف لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيليا، فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه وكان روميا يسألني عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فكنت أحدثه عن صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وما يدعو إليه فيرق حتى يغلبه البكاء، ويقول: إني قرأت الانجيل وأجد صفة هذا النبي بعينه، وأنا أؤمن به وأصدقه، وأخاف من الحارث أن يقتلني، و كان يكرمني ويحسن ضيافتي، فخرج الحارث يوما فجلس ووضع التاج على رأسه وأذن لي عليه فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله (3) فقرأه ثم رمى به وقال: من


(1) استظهر المصنف في الهامش انه مصحف (لاتيته) أقول: وكذلك في المصدر. (2) في المصدر وغيره: (شمر) بلا حرف تعريف وفى تاريخ الطبري: المنذر بن الحارث بن ابى شمر الغساني صاحب دمشق. (3) وكان كتابه صلى الله عليه وآله على ما نص الطبري هكذا: " سلام على من اتبع الهدى وآمن به، انى ادعوك إلى ان تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك " ومثله في السيرة الحلبية، الا انه زاد في اوله: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن ابى شمر " وفيه: " وآمن به وصدق ".

[ 394 ]

ينتزع مني ملكي ؟ أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته، علي بالناس، فلم يزل يعرض حتى قام وأمر بالخيول تنعل (1)، ثم قال: اخبر صاحبك بما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عظم عليه، فكتب إليه قيصر: أن لا تسر إليه واله عنه ووافني بإيليا، فلما جاءه جواب كتابه دعاني فقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك ؟ فقلت: غدا، فأمر لي بمائة مثقال ذهب ووصلني حاجبه بنفقة وكسوة، فقال (2): اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وآله مني السلام فقدمت على النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: " باد ملكه " ومات الحارث بن أبي الشمر (3) عام الفتح. وأما هوذة بن علي فإنه كان من الملوك العقلاء إلا أن التوفيق عزيز. قال الواقدي عن أشياخه: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي يدعوه إلى الاسلام، وكتب معه كتابا فقدم عليه فأنزله و حياه وقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله (4) وكتب إليه: " وأجمله (5)، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الامر (6) أتبعك ". وأجاز سليط بن عمرو بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره عنه بما قال فقرأ كتابه وقال: " لو سألني سبابة من


(1) تنعل الدابة: البسها النعل. (2) أي حاجبه، وكان اسمه مرى. (3) تقدم انه (شمر) بلا حرف تعريف. (4) وكان الكتاب على ما في نهاية الارب للقلقشندى: 225: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى هوذة بن على، سلام على من اتبع الهدى، واعلم ان دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، واجعل لك ما تحت يديك. (5) هكذا في الكتاب، والصحيح كما في المصدر: ما أحسن ما تدعو إليه واجمله. (6) اراد ولاية الامر بعده، قال ابن اثير في الكامل: واما هوذة بن على فكان ملك اليمامة، فلما اتاه سليط بن عمرو يدعوه إلى الاسلام وكان نصرانيا ارسل إلى النبي صلى الله عليه وآله وفدا فيهم مجاعة بن مرارة والرجال بن عنفوة يقول له: ان جعل الامر له من بعده اسلم وسار إليه ونصره، والا قصد حربه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا ولا كرامة اللهم اكفنيه " فمات بعد قليل.

[ 395 ]

الارض ما فعلت، باد وباد ما في يده (1) " فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من الفتح جاءه جبرئيل فأخبره أنه قد مات. بيان: قال الجزري: البش: فرح الصديق بالصديق، واللطف في المسألة، والاقبال عليه، ومنه حديث قيصر: " وكذلك الايمان إذا خالط بشاشة القلوب " بشاشة اللقاء: الفرح بالمرئي والانبساط إليه والانس به. وقال: في كتابه إلى هرقل " أدعوك بدعاية الاسلام " أي بدعوته، وهي كلمة الشهادة يدعى إليها أهل الملل الكافرة، وفي رواية " بداعية الاسلام "، وهي مصدر بمعنى الدعوة كالعافية والعاقبة. وقال: أمر، أي كثر وارتفع شأنه، وقال: كان المشركون ينسبون النبي صلى الله عليه وآله إلى أبي كبشة، وهو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الاوثان وعبد الشعرى العبور، فلما خالفهم النبي صلى الله عليه وآله في عبادة الاوثان شبهوه به، وقيل: إنه كان جد النبي صلى الله عليه وآله من قبل أمه، فأرادوا أنه نزع في الشبه إليه. وقال: في كتاب النبي صلى الله عليه وآله إلى هرقل: " فإن أبيت فعليك إثم الاريسين " قد اختلف في هذه اللفظة صفة (2) ومعنى، فروى الاريسين بوزن الكريمين وروي الاريسيين بوزن الشريبيين (3)، فقال أبو عبيد: هم الخدم والخول، يعني بصدهم إياهم عن الدين، كما قال: " ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا " (4) أي عليك مثل إثمهم، وقال ابن الاعرابي: أرس يأرس أرسا، فهو أريس، وأرس يؤرس تأريسا فهو أريس، وجمعها أريسون وإريسون وآرارسة هم الاكارون، وإنما قال ذلك لان الاكارين كانوا عندهم من الفرس، وهم عبدة النار فجعل عليه إثمهم، وقال أبو عبيدة: أصحاب الحديث يقولون: الاريسيين منسوبا مجموعا، والصحيح الاريسين،


(1) في المصدر: ما في يديه. (2) هكذا في نسخة المصنف: والصحيح كما في غيرها وفى النهاية: صيغة ومعنى. (3) في المصدر: الاريسين بوزن الشريبين. (4) الاحزاب: 67.

[ 396 ]

يعني بغير نسب، ورده الطحاوي عليه، وقال بعضهم: إن في رهط هرقل فرقة تعرف بألاروسية، فجاء على النسب إليهم، وقيل: إنهم أتباع عبد الله بن أريس: رجل كان في الزمن الاول قتلوا نبيا بعث الله إليهم، وقيل: الاريسون: الملوك واحدهم أريس، وقيل: هم العشارون انتهى (1). قوله: ثفروقا، أي شيئا، قال الفيروز آبادي: الثفروق بالضم: قمع التمرة، أو ما يلتزق به قمعها، وماله ثفروق، أي شئ. أقول: ثم قال الكازروني: وفي هذه السنة جاءت خولة بنت ثعلبة، وكان زوجها أوس بن الصامت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه ظاهر منها. أقول: سيأتي شرح القصة في باب ما جرى بينه صلى الله عليه وآله وبين أصحابه. ثم قال: وفيها ماتت أم رومان أم عائشة، وفيها أسلم أبو هريرة (2). 9 - وقال ابن الاثير: وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن شادي (3) أخي عبد القيس، وقيل: إن إرسالة كان سنة ثمان، فلما أتاه العلآه (4) يدعوه


(1) اوردنا قبلا كلام النهاية وما يناسب تلك اللفظة. (2) المنتقى في مولد المصطفى: الباب السادس فيما كان سنة ست من الهجرة. (3) هكذا في النسخ، وفى المصدر: ساوى. وهو الصحيح. (4) نقل عن كتاب اعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين شمس الدين بن طولون الدمشقي كتابه صلى الله عليه وآله إلى المنذر، وهو هكذا: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك، فانى احمد اليك الله الذى لا اله الا هو، واشهد ان لا اله الا هو، اما بعد فانى ادعوك إلى الاسلام فاسلم تسلم، وأسلم يجعل لك الله ما تحت يديك، واعلم ان دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر. محمد رسول الله وقال الحلبي في سيرته: فلما وصل الكتاب إلى المنذر فقرأه قال العلاء بن الحضرمي رسول رسول الله صلى الله عليه وآله: يا منذر انك عظيم العقل في الدنيا فلا تقصرن عن الاخرة، ان هذه المجوسية شر دين ينكح فيها ما يستحيى من نكاحه، ويأكلون ما يتكره من اكله، وتعبدون في الدنيا نارا تأكلكم يوم القيامة، ولست بعديم العقل ولا رأى، فانظر هل ينبغى لمن لا يكذب في الدنيا أن لا نصدقه، و لمن لا يخون ان لا نأتمنه، ولمن لا يخلف ان لا نثق به، فان كان هذا هكذا فهذا هو النبي الامي الذى والله لا يستطيع ذو عقل ان يقول: ليت ما امر به نهى عنه، أو ما نهى عنه امر به، فقال المنذر: قد نظرت في هذا الذى في يدى فوجدته للدنيا دون الاخرة، ونظرت في دينكم فرأيته

[ 397 ]

ومن معه بالبحرين إلى الاسلام أو الجزية، وكانت ولاية البحرين للفرس، فأسلم المنذر، وأسلم جمع من العرب (1)، فأما أهل البلاد من اليهود والنصارى والمجوس فإنهم صالحوا العلاء والمنذر على الجزية (2) ولم يكن بالبحرين قتال، إنما بعضهم أسلم، وبعضهم صالح (3). 10 - نقل من خط الشهيد رحمه الله قيل: كتب النجاشي رحمه الله كتابا إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: " اكتب جوابا وأوجز " فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم " أما بعد فكأنك من الرقة علينا منا وكأنا من الثقة بك منك، لانا لا نرجو شيئا منك إلا نلناه، ولا نخاف منك أمرا إلا أمناه وبالله التوفيق " فقال النبي صلى الله عليه وآله: الحمد لله الذي جعل من أهلي مثلك، وشد أزري بك (4).


(1) للاخرة والدنيا، فما يمنعنى من قبول دين فيه امنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت امس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده، وان من اعظام من جاء به ان يعظم رسوله، فأسلم وكتب إلى النبي صلى الله عليه وآله: " اما بعد يا رسول الله فانى قرأت كتابك على اهل البحرين فمنهم من احب الاسلام واعجبه، ودخل فيه ومنهم من كرهه فلم يدخل فيه، وبارضى يهود و مجوس، فاحدث إلى امرك في ذلك انتهى. أقول: في كتابه صلى الله عليه وآله ذلك ما يخالف سائر كتبه، لانه صلى الله عليه وآله ما كان يسلم سلام الاسلام غير المسلمين، كما ان كتاب المنذر لا يبعد ان لا يكون جوابا لهذا الكتاب، ولعل كان بينهما مكاتبات وكان كتابه صلى الله عليه وآله ذلك بعد ما استشعر منه الاسلام، وجواب المنذر ذلك كان بعد ما أسلم، وورده كتاب منه صلى الله عليه وآله في عرض الاسلام على رعيته، فكتب بذلك في الجواب. (1) في المصدر: وأسلم جميع العرب بالبحرين. (2) زاد في المصدر: من كل حالم دينار. (3) الكامل 2: 143 و 146. (4) وله صلى الله عليه وآله كتب كثيرة كنت نود أن أذكر جملة منها ههنا ولكن عجلة الطابع والقائمين بطبع الكتاب عاقتني عن ذلك.

[ 398 ]

* (مراجع التصحيح والتخريج) * بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين. اما بعد فقد وفقنا الله تعالى وله الشكر والمنة لتصحيح الكتاب وتنميقه و تحقيق نصوصه وأسانيده ومراجعة مصادره ومآخذه مزدانا بتعاليق مختصرة لا غنى عنها وكان مرجعنا في المقابلة والتصحيح مضافا إلى أصول الكتاب والنسخة المطبوعة المشهورة بطبعة أمين الضرب والطبعة الحروفية، عدة نسخ مخطوطة جيدة في غاية الدقة والاتقان: منها النسخة الثمينة الاصيلة التي هي بخط المؤلف رضوان الله عليه تفضل بها العالم العامل حجة الاسلام الحاج السيد مهدي الصدر العاملي الاصبهاني صاحب الوعظ وإمام الجماعة في عاصمة طهران وهي مما ورثه من أبيه الفقيد السعيد الخطيب المشهور الحاج السيد صدر الدين العاملي رحمة الله عليه. ومنها نسخة مخطوطة بخط نعمة الله بن محمد مهدي الاصطهباناتي استكتبها عام 1278 ه‍ وقد رمزنا إليها ب‍ (الف). ومنها نسخة مخطوطة أخرى مصححة بتصحيح محمد محسن بن أبي تراب مؤرخة بعام 1226 وقد رمزنا إليها ب‍ (ب). تفضل بهما الفاضل البارع الاستاذ المعظم السيد جلال الدين الارموي الشهير بالمحدث ويأتي مزيد توضيح بالنسبة إلى هاتين النسختين في الجزء الثاني والعشرين الذي يتم به تاريخ نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله إن شاء الله تعالى. وكان مرجعنا في تخريج أحاديثه وتعاليقه كتبا أوعزنا إليها في المجلدات السابقة. قم المشرفة - عبد الرحيم الربانى الشيرازي.

[ 399 ]

صورة فتوغرافية من نسخة (الف) وهي الصحيفة التي يختتم بها هذا الجزء ويبتدء بها الجزء 21 لخزانة كتب الاستاذ السيد جلال الارموي الشهير بالمحدث

[ 400 ]

صورة فتوغرافية من نسخة المؤلف قدس سره وهي الصحيفة التي يبتدء بها هذا الجزء

[ 401 ]

* (بسمه تعالى وله الحمد) * إلى هنا انتهى الجزء المتمم للعشرين من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة النفيسة وهو الجزء السادس من المجلد السادس في تاريخ نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله حسب تجزئة المصنف أعلى الله مقامه. وقد قابلناه وصححناه عند طبعها طبقا للنسخة التي صححها الشهير بالمحدث ويأتي مزيد توضيح بالنسبة إلى هاتين النسختين في الجزء الثاني والعشرين الذي يتم به تاريخ نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله إن شاء الله تعالى. وكان مرجعنا في تخريج أحاديثه وتعاليقه كتبا أوعزنا إليها في المجلدات السابقة. قم المشرفة - عبد الرحيم الربانى الشيرازي.

[ 399 ]

صورة فتوغرافية من نسخة (الف) وهي الصحيفة التي يختتم بها هذا الجزء ويبتدء بها الجزء 21 لخزانة كتب الاستاذ السيد جلال الارموي الشهير بالمحدث

[ 400 ]

صورة فتوغرافية من نسخة المؤلف قدس سره وهي الصحيفة التي يبتدء بها هذا الجزء

[ 401 ]

* (بسمه تعالى وله الحمد) * إلى هنا انتهى الجزء المتمم للعشرين من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة النفيسة وهو الجزء السادس من المجلد السادس في تاريخ نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله حسب تجزئة المصنف أعلى الله مقامه. وقد قابلناه وصححناه عند طبعها طبقا للنسخة التي صححها الفاضل المكرم الشيخ عبد الرحيم الرباني المحترم بما فيها من التعليق والتنميق والله ولي التوفيق. محمد الباقر البهبودي من لجنة التحقيق والتصحيح لدار الكتب الاسلامية

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية