بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء العشرون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه - 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كيلو باترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنز ل 8307 11 - 830717 برقيا: التراث - تلكس 44632 / LE تراث
[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم 11. (باب) * (ذكر جمل غزواته وأحواله صلى الله عليه وآله بعد غزوة) * * (بدر الكبرى إلى غزوة احد) * الآيات: الحشر " 59 ": كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم
عذاب أليم 15. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: أي مثلهم في اغترارهم بعددهم وقوتهم، و بقول المنافقين " كمثل الذين من قبلهم " يعني المشركين الذين قتلوا ببدر، وذلك قبل غزاة بني النضير بستة أشهر عن الزهري وغيره، وقيل: إن الذين من قبلهم قريبا هم بنو قينقاع عن ابن عباس، وذلك أنهم نقضوا العهد مرجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخرجوا، وقال عبد الله بن أبى: لا تخرجوا فإني آتي النبي صلى الله عليه وآله فأكلمه فيكم، أو أدخل معكم الحصن، فكان هؤلاء أيضا في إرسال عبد الله بن أبي إليهم ثم تركه نصرتهم كأولئك (1) " ذاقوا وبال أمرهم " أي عقوبة كفرهم " ولهم عذاب أليم " في الآخرة (2).
(1) في المصدر: ثم ترك نصرتهم كاولئك. (2) مجمع البيان 9: 264.
[ 2 ]
1 - قب، عم: لما رجع (1) رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة من بدر لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه، يريد بني سليم، حتى بلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا (2)، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وفادى في إقامته جل أسارى بدر من قريش. ثم كانت غزوة السويق (3)، وذلك أن أبا سفيان نذر أن لا يمس رأسه من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وآله فخرج في مائة (4) راكب من قريش ليبر يمينه حتى إذا كان على بريد من المدينة أتى بني النضير ليلا، فضرب على حي بن أخطب بابه فأبى أن يفتح له، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بني النضير، فاستأذن عليه فأذن له وساره (5)، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، وبعث رجالا من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية يقال لها: العريض فوجدوا رجلا من الانصار (6)
وحليفا له فقتلوهما، ثم انصرفوا، ونذر (7) بهم الناس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ورجع وقد فاته أبو سفيان، ورأوا زادا من أزواد القوم قد طرحوها يتخففون منها للنجاء (8).
(1) الفاظ الحديث لاعلام الورى، واما المناقب ففيه اختلافات يطول ذكرها فنقتصر بذكر ما يهم. (2) يقال له غزوة بنى سليم. (3) في المناقب: وفي ذى الحجة غزا غزوة السويق وهو بدر الصغرى: ماء لكنانة، و كان موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية ايام وقيل: غزوة السويق، لان أبا سفيان كان نذر. (4) في السيرة والامتاع: في مائتي راكب. وزاد في الثاني: وقيل: في اربعين راكبا. (5) ساره: أي كلمه بسر. وفي السيرة: فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس. (6) في الامتاع: وهذا الانصاري هو معبد بن عمرو وفيه: ان القاتل أبو سفيان نفسه، وفيه: وحرق بيتين بالعريض وحرق حرثا لهم. (7) أي علموا واستعدوا لهم. (8) في المصدر: للنجاة. وفي السيرة: للنجاء.
[ 3 ]
(وكان فيها السويق فسميت غزوة السويق، ووافقوا السوق وكانت لهم تجارات (1)) فقال المسلمون حين رجع رسول الله صلى الله عليه وآله بهم: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أنطمع بأن تكون (2) لنا غزوة ؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم. ثم كانت غزوة ذي أمر بعد مقامه بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم مرجعه من غزوة السويق (3)، وذلك لما بلغه أن جمعا من غطفان قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة، عليهم رجل يقال له: دعثور بن الحارث بن محارب، فخرج
في أربعمائة رجل وخمسين رجلا ومعهم أفراس وهرب منه الاعراب فوق ذرى الجبال، ونزل صلى الله وعليه وآله ذا أمر وعسكر به، وأصابهم مطر كثير، فذهب رسول الله صلى الله عليه وآله لحاجة فأصابه ذلك المطر فبل ثوبه، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وادي أمر بينه وبين أصحابه، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها، و الاعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت الاعراب لدعثور و كان سيدهم وأشجعهم: قد أمكنك محمد وقد انفرد من بين أصحابه حيث إن غوث بأصحابه لم يغث حتى تقتله فاختار سيفا من سيوفهم صارما ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه واله بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم ؟ قال: الله، ودفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول - الله صلى الله عليه وآله وقام على رأسه فقال: من يمنعك مني ؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا
(1) لم نجد في المصدر ما وضعناه بين الهلالين بل هو موجود في المناقب، والظاهر ان المصنف أدخل حديث المناقب في حديث اعلام الورى، والموجود في المناقب: فخشى أبو سفيان منه فالقى ما معه من الزاد والسويق، فسميت اه. (2) في المصدر: أن تكون. وفي السيرة: أتطمع لنا أن تكون غزوة ؟. (3) في المناقب: سنة ثلاث في صفر غزوة غطفان. وقال ابن هشام في السيرة: فلما رجع صلى الله عليه وآله من غزوة السويق اقام بالمدينة بقية ذى الحجة أو قريبا منها، ثم غزا نجدا يريد غطفان وهى غزوه ذى أمر: وأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ورجع إلى المدينة. وذكر المقريزى في الامتاع: 110 انه خرج في يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الاول على رأس خمسة وعشرين شهرا في قول الواقدي انتهى. أقول: ذو امر: من ناحية الخيل بنجد من ديار غطفان.
[ 4 ]
إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا، فأعطاه رسول الله صلى الله وعليه وآله سيفه، ثم أدبر، ثم أقبل بوجهه، ثم قال: والله لانت خير
مني، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا أحق بذلك (1)، فأتى قومه، فقيل له: أينما كنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك ؟ قال: قد كان والله ذلك، ولكني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليه، وجعل يدعو قومه إلى الاسلام ونزلت هذه الآية: " يا أيها الذين (2) آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم " الآية (3). ثم كانت غزوة (4) القردة (5): ماء من مياه نجد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله زيد بن حارثة بعد رجوعه من بدر إلى المدينة بستة أشهر (6) فأصابوا عير القريش على القردة فيها أبو سفيان ومعه فضة كثيرة، وذلك لان قريشا (7) قد خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر، فسلكوا طريق العراق، واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له: فرات بن حيان يدلهم على الطريق، فأصاب زيد بن حارثة تلك العير وأعجزته الرجال هربا. وفي رواية الواقدي: أن ذلك العير مع صفوان بن أمية (8)، وأنهم قدموا
(1) منك خ ل. (2) المائدة: 11. (3) في الامتاع: وعاد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فكانت غيبته احد عشرة ليلة. (4) أراد سرية زيد بن حارثة. والمتداول في السير التعبير بالغزوة في حروب حضرها النبي صلى الله عليه وآله بنفسه، وبالسرية فيما كان لم يحضر. (5) والقردة: من ارض نجد بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق. (6) في الامتاع: سار [ أي زيد ] لهلال جمادى الاخرة على رأس سبعة وعشرين شهرا. (7) في المصدر: وذلك ان قريشا. (8) اختار الاول ابن إسحاق على ما في سيرة ابن هشام 2: 429، واختار الثاني المقريزى
في الامتاع: 112 وقال في شرح ذلك: نكب صفوان بن امية عن الطريق، وسلك على جهة العراق
[ 5 ]
بالعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأسروا رجلا أو رجلين، وكان فرات بن حيان أسيرا فأسلم فترك من القتل. ثم كانت غزوة بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوال (1) على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وذلك أن رسول الله جمعهم وإياه سوق بني قينقاع، فقال لليهود: احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من قوارع الله فأسلموا فانكم قد عرفتم نعتي وصفتي في كتابكم، فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قومك فأصبت منهم، فإنا والله لو حاربناك لعلمت أنا خلافهم، فكادت تقع بينهم المناجزة (2)، ونزلت فيهم " قد كان لكم آية في فئتين التقتا " إلى قوله: " أولي الابصار (3) ". وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله حاصرهم ستة أيام (4) حتى نزلوا على حكمه،
يريد الشام بتجارة فيها أموال لقريش، خوفا من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعترضها، فقدم نعيم بن مسعود الاشجعى على كنانة بن أبى الحقيق في بنى النضير فشرب معه، ومعهم سليط ابن النعمان يشرب، ولم تكن الخمر حرمت، فذكر نعيم خروج صفوان في عيره وما معهم من الاموال، فخرج سليط من ساعته واخبر النبي صلى الله وعليه وآله، فارسل زيد بن الحارثة في مائة راكب فأصابوا العير وافلت اعيان القوم فقدموا بالعير فخمسها رسول الله صلى الله عليه وآله فبلغ الخمس عشرين الف درهم، وقسم ما بقى على أهل السرية. (1) زاد في الامتاع: وقيل في صفر سنة ثلاث، وجعلها محمد بن اسحاق بعد غزوة قرارة الكدر انتهى. أقول: ظاهر ابن هشام في السيرة انها بعد غزوه فرع من بحران. (2) في المصدرين: المشاجرة. وذكره ابن هشام والمقريزي في السيرة والامتاع باختلاف في الفاظه، وزادا: [ واللفظ من الثاني ] فبيناهم على ما هم عليه من اظهار العداوة ونبذ العهد جاءت امرأة رجل من الانصار إلى سوق بنى قينقاع فجلست عند صائغ في حلى لها [ في السيرة:
فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت: فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ] فجاء أحد بنى قينقاع فحل درعها من وارئها بشوكة ولا تشعر، فلما قامت بدت عورتها فضحكوا بها فأتبعه رجل من المسلمين فقتله [ في السيرة فقتل الصائغ وكان يهوديا ] فاجتمع عليه بنو قينقاع وقتلوه ونبذوا العهد إلى النبي صلى الله عليه وآله وحاربوا وتحصنوا في حصنهم، فأنزل الله تعالى " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ان الله لا يحب الخائنين ". (3) آل عمران: 13 والصحيح: لاولى الابصار. (4) في الامتاع: فحاصرهم خمس عشرة ليلة.
[ 6 ]
فقام عبد الله بن أبي فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله موالي وحلفائي وقد منعوني من الاسود والاحمر ثلاثمائة دارع. وأربعمائة حاسر (1)، تحصدهم في غداة واحدة ؟ اني والله لا آمن وأخشى الدوائر، وكانوا حلفاء الخزرج دون الاوس، فلم يزل يطلب فيهم حتى وهبهم له، فلما رأوا ما نزل بهم من الذل خرجوا من المدينة و نزلوا أذرعات (2)، ونزلت في عبد الله بن أبي وناس من بني الخزرج: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " إلى قوله (3): " في أنفسهم نادمين (4). 2 - فس: " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (5) " فإنها نزلت بعد بدر، لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر أتى بني قينقاع وهم بناديهم (6). وكان بها سوق يسمى سوق النبط، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " يا معشر اليهود قد علمتم ما نزل بقريش وهم أكثر عددا وسلاحا وكراعا منكم، فادخلوا في الاسلام " فقالوا: يا محمد إنك تحسب حربنا مثل حرب قومك ؟ والله لو قد لقيتنا للقيت رجالا، فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آية في فئتين التقتا " يعني فئة المسلمين، وفئة الكفار، إنها عبرة لكم وإنه تهديد لليهود " فئة تقاتل في سبيل الله
(1) الحاسر: الذى لا درع له. (2) في الامتاع: وأمرهم صلى الله عليه وآله أن يجلوا من المدينة، فاجلاهم محمد بن مسلمة الانصاري، وقيل: عبادة بن الصامت، وقبض اموالهم، واخذ رسول الله صلى الله عليه وآله من سلاحهم ثلاث قسى، وهى الكتوم والروحاء والبيضاء، واخذ درعين: الصغدية وفضة، وثلاثة اسياف، وثلاثة ارماح، ووجدوا في منازلهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة، وخمس ما اصاب منهم وقسم ما بقى على اصحابه، فلحقوا باذرعات بنسائهم وذراريهم، فلم يلبثوا الا قليلا حتى هلكوا. (3) المائدة: 51 و 52. (4) اعلام الورى: 50 - 52 ط 1: و 87 - 90 ط 2 مناقب آل أبى طالب 1: 164 و 165. (5) آل عمران: 12. (6) النادى: مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه.
[ 7 ]
وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين " أي كانوا مثلي المسلمين " والله يؤيد بنصره من يشاء " يعني رسول الله يوم بدر " (1) إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار (2) ". 3 - أقول: قال في المنتقى في وقائع السنة الثانية من الهجرة: وفي هذه السنة كانت سرية عمير بن عدي بن خرشة إلى عصماء بنت مروان اليهودي لخمس ليال مضين من شهر رمضان (3)، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة، وكانت عصماء تعيب المسلمين وتؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله، وتقول الشعر، فجاء عمير حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها أيتام، منهم من ترضعه في صدرها، فنحى الصبي عنها ووضع سيفه في صدرها حتى أنفذه من ظهرها، وصلى الصبح (4) مع النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أقتلت ابنة مروان ؟ قال: نعم، قال: " لا ينتطح فيها عنزان " وكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي هذه السنة كانت غزوة بني قينقاع.
أقول: وساق القصة نحو ما مر إلا أنه قال: حاصرهم خمس عشرة ليلة، قال: ثم أمر بإجلائهم وغنم رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون ما كان لهم من مال، وكان أول خمس خمس في الاسلام بعد بدر (5). 4 - وقال ابن الاثير: وكان الذي تولى إخراجهم عبادة بن الصامت، ثم ساروا إلى أذرعات من أرض الشام، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى هلكوا، وكان قد استخلف على المدينة أبا لبابة. وكان لواء رسول الله مع حمزة (6)، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) آل عمران: 12 و 13. (2) تفسير القمى: 88. (3) في الامتاع: لخمس بقين من رمضان. (4) في الامتاع: واتى فصلى الصبح. (5) المنتقى في مولود المصطفى: 116، الباب الثاني فيما كان في سنة اثنين من الهجرة. (6) زاد هنا في المصدر: وقسم الغنيمة بين أصحابه وخمسها، وكان اول خمس اخذه رسول الله صلى الله عليه وآله في قول.
[ 8 ]
وحضر الاضحى فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المصلى فصلى بالمسلمين وهي أول صلاة عيد صلاها، وضحى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله بشاتين، وقيل: بشاة، وكان أول أضحى رآه المسلمون وضحى معه ذووا اليسار (1)، وكانت الغزوة في شوال بعد بدر وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث جعلها بعد غزوة الكدر. قال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة اثنتين،، وقال الواقدي: كانت في محرم سنة ثلاث، وكان قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله اجتماع بني سليم في ماء لهم (2) يقال له: الكدر بضم الكاف وسكون الدال المهملة، فسار رسول الله إلى الكدر فلم يلق كيدا وكان لواؤه مع علي عليه السلام، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وعاد ومعه النعم
والرعاء، وكان قدومه في قول لعشر ليال مضين من شوال، وبعد قدومه أرسل غالب ابن عبد الله الليثي في سرية إلى بني سليم وغطفان فقتلوا فيهم وغنموا النعم، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر، وعادوا منتصف شوال، ثم كان غزوة السويق، وفي ذي الحجة من السنة الثانية مات عثمان بن مظعون فدفن بالبقيع، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله على رأس قبره حجرا علامة لقبره (3).
(1) ذكر ذلك المقريزى بعد غزوة السويق. (2) في المصدر: على ماء لهم. (3) الكامل 2: 97 و 98 زاد فيه: وقيل. ان الحسن بن على عليه السلام ولد فيها، و قيل: ان على بن أبى طالب عليه السلام بنى بفاطمة على رأس اثنين وعشرين شهرا، فإذا كان هذا صحيحا فالاول باطل. وفي هذه السنة كتب المعاقلة وقربه بسيفه انتهى، وفي الامتاع: كتب صلى الله عليه وآله وسلم في هذه السنة المعاقل والديات وكانت معلقة بسيفه انتهى. أقول: الظاهر ان كتابه هذا غير ما كتب بين المهاجرين والانصار لموادعة اليهود الذى ذكرناه سابقا، حيث انه وقع في العام الاول، ولم نظفر إلى الان في كتب العامة بما ورد في ذلك الكتاب بتفصيله غير مسائل قليلة، والكتاب كان بعده صلى الله عليه وآله عند على عليه السلام وورثه ذريته المعصومون بعده، وهو الموجود حتى اليوم في ايدى شيعتهم، واختصوا بروايته دون غيرهم وهو من منن الله تعالى عليهم، والكتاب مشهور بكتاب الديات (وديات ناصح بن ظريف) وقد أشرنا إليه بتفصيل في مقدمتنا على كتاب وسائل الشيعة راجعه.
[ 9 ]
5 - وقال في المنتقى: في السنة الثانية مات أمية بن الصلت، وكان قد قرأ الكتب المتقدمة، ورغب عن عبادة الاوثان، وأخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي صلى الله عليه وآله، فلما بلغه خروج رسول الله كفر به حسدا ولما أنشد لرسول الله صلى الله عليه وآله شعره قال: آمن لسانه، وكفر قلبه (1).
وذكر غزوة السويق في حوادث السنة الثالثة، وذكر أن غيبته صلى الله عليه وآله فيها كانت خمسة أيام. 6 - وقال في الكامل: في المحرم سنة ثلاث سمع رسول الله صلى الله عليه وآله أن جمعا من بني سعد بن تغلبة (2) وبني محارب بن حفصة (3) تجمعوا ليصيبوا (4) فسار إليهم في أربعمائة وخمسين رجلا، فلما صار بذي القصة - بفتح القاف والصاد المهملة - لقي رجلا من تغلبة (5) فدعاه إلى الاسلام فأسلم، وأخبره أن المشركين أتاهم خبره فهربوا إلى رؤوس الجبال، فعاد ولم يلق كيدا وكان مقامه اثنتي عشرة ليلة. وفي تلك السنة في جمادى الاولى غزا بني سليم بنجران (6)، وسبب هذه الغزوة أن جمعا من بني سليم تجمعوا بنجران (7) من ناحية الفرع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فسار إليهم في ثلاثمائة، فلما صار إلى نجران (8) وجدهم قد تفرقوا
(1) مما فات ذكره سابقا بعد غزوة بدر موت أبى لهب، وكان تخلف عن بدر وبعثه مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة، فلما جاء الخبر عن مصاب اهل بدر من قريش كبته الله وأخزاه و ما عاش الا ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته. (2) في المصدر والامتاع ونهاية الارب: بنى ثعلبة بن سعد بن ذبيان. (3) في المصدر: بنى محارب بن حفص، وفي الامتاع: بنى محارب بن خصفة بن قيس بالخاء المعجمة والصاد المهملة. وهو الصحيح راجع معجم قبائل العرب: 1042 واللباب 2: 103. (4) في المصدر: ليصيبوا من المسلمين. وفي الامتاع: بذى أمر قد تجمعوا يريدون ان يصيبوا من أطرافه صلى الله عليه وآله جمعهم دعثور بن الحارث من بنى محارب. (5) في المصدر: من ثعلبة. وفي الامتاع: اصاب رجلا منهم بذى القصة يقال له: جبار من بنى ثعلبة فاسلم اه ثم ذكر نحو ما تقدم في غزوة ذى أمر. (6 - 8) هكذا في الكتاب، وفي المصدر وسيرة ابن هشام: ببحران بالباء والحاء المهملة، وهو اما بفتح الباء أو بضمها على اختلاف، قال ياقوت: موضع بين الفرع والمدينة. (*)
[ 10 ]
فانصرف ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشر ليال، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم (1). 7 - وقال ابن الاثير والكازروني دخل حديث بعضهم في بعض: وفي هذه السنة قتل كعب بن الاشرف من طئ (2)، وكانت أمه من بني النضير، وكان قد كبر عليه قتل من قتل ببدر من قريش فسار إلى مكة، وحرض على رسول الله صلى الله عليه وآله، و بكى على قتلى بدر، وكان يشبب (3) بنساء المسلمين حتى أذاهم، فلما عاد إلى المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لي بابن الاشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله، فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول أتحب أن أقتله ؟ قال: نعم، قال: فائذن لي أن أقول: شيئا، قال: قل. فاجتمع محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة وقيس (4) وهو أبو نائلة، والحارث بن أوس (5)، وكان أخا كعب من الرضاعة، وأبو عبس ابن جبير (6) ثم قدموا إلى ابن الاشرف، فجاء محمد بن مسلمة فتحدث معه ثم قال يا ابن الاشرف (7) إني قد جئتك لحاجة فاكتمها علي، قال: افعل، قال: كان قدوم هذا الرجل بلاء عادتنا العرب، وانقطع عنا السبيل حتى ضاع عنا العيال وجهدت الانفس (8)، فقال كعب: قد كنت أخبرتك بهذا، قال أبو نائلة:
(1) الكامل 2: 99. (2) في الكامل: وهو احد بنى نبهان من طيئ. (3) أي تغزل فيهن وذكرهن في شعره. (4) هكذا في الكتاب ونسخة المصنف، والصحيح كما في الكامل والامتاع والسيرة: سلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة. (5) زاد في الكامل: ابن معاذ. (6) هكذا في الكتاب، وفي الكامل والامتاع والسيرة جبر، وزادوا في نسبه: احد بنى حارثة. وزادوا معهم رجلا آخر وهو عباد بن بشر بن وقش بن رغبة بن زعورا بن عبد الاشهل.
(7) في الكامل: ثم قدموا إلى ابن الاشرف أبا نائلة فتحدث معه، ثم قال: يا ابن الاشرف اه. ونحوه الامتاع والسيرة. (8) في الكامل: " كان قدوم هذا الرجل شوما على العرب، قطع عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت البهائم " وفي السيرة: " كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا به العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل، حتى ضاع العيال وجهدت الانفس " ومثله في الامتاع الا ان فيه حاربتنا العرب.
[ 11 ]
واريد أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك، أتحسن في ذلك ؟ فقال: نعم، ارهنوني نساءكم قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ؟ قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم ؟ فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللامة، يعني السلاح، وأراد بذلك أن لا ينكر السلاح إذا أتوه به، فواعده أن يأتيه، فأتى أصحابه وأخبرهم، فأخذوا السلاح و ساروا إليه، وتبعهم (1) النبي صلى الله عليه وآله إلى بقيع الغرقد، ودعا لهم، فلما انتهوا إلى الحصن هتف به أبو نائلة، وكان كعب قريب عهد بعرس فوثب فقالت له امرأته أين تخرج هذه الساعة ؟ أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل لاجاب، فنزل إليهم وتحدث معهم ساعة وساروا معه إلى شعب العجوز، ثم إن أبا نائلة قال: ما رأيت كاليوم ريحا أطيب، أتأذن لي أن أشم رأسك، قال: فشمه حتى فعل ذلك مرارا فلما استمكن منه أخذ برأسه، وقال: اضربوا عدو الله فاختلف عليه أسيافهم فلم يغن شيئا، قال محمد بن مسلمة: قد كنت مشغولا فأخذته، وقد صاح (2) عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، فتحاملت عليه وقتلته، وقد أصاب (3) الحارث بن أوس بعض أسيافنا، فاحتملناه وجئنا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله،
فأخبرناه بقتل عدو الله، فتفل على جرح صاحبنا وعدنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت اليهود، فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي
(1) في الكامل: وشيعهم. (2) في الكامل: فاختلفت عليه اسيافهم فلم تغن شيئا، قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا في سيفى فاخذته وقد صاح. (3) في الكامل: قال: فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله وقد اصيب.
[ 12 ]
وهو من تجار اليهود فقتله (1)، فقال له أخوه خويصة وهو مشرك: يا عدو الله قتلته ؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله (2)، فقال محيصة: لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لقتلتك، قال: فوالله أن كان لاول إسلام خويصة، ثم أسلم عبس بن جبير (3)، وكان قتل كعب لاربع عشرة ليلة مضت من ربيع الاول. وفي هذا الشهر تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله و بنى بها في جمادى الآخرة (4). 8 - وقال الكازروني: وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله حفصة بنت عمر في شعبان. وكانت قبله تحت خنيس بن حذاقة السهمي في الجاهلية فتوفي عنها، و فيها تزوج صلى الله عليه وآله زينب بنت خزيمة، وكانت تسمى في الجاهلية أم المساكين، و كانت عند الطفيل بن الحارث بن المطلب فطلقها فتزوجها أخوه عبيدة فقتل عنها يوم بدر شهيدا، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر رمضان من هذه السنة، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت، وفي هذه السنة ولد الحسن بن علي عليهما السلام في النصف من شهر رمضان (5).
9 - قال ابن الاثير: وفيها كانت غزوة القردة (6)، وفيها في جمادى الآخرة قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي، وكان يظاهر كعب بن الاشرف على رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قتل ابن الاشرف فكان قتله من الاوس قالت الخزرج: والله
(1) زاد في الكامل: وكان يبايعهم. (2) زاد في الكامل: وضربه. (3) في الكامل: عبس بن جبر. (4) الكامل 2: 99 و 100. المنتقى في مولود المصطفى: 116، الباب الثالث فيما كان سنة ثلاث. (5) المنتقى في مولود المصطفى: 117، الباب الثالث فيما كان سنة ثلاث. (6) في الكامل: الفردة بالفاء ثم قال: الفردة: ماء بنجد: وقد اختلف العلماء في ضبطه فقيل: فردة بالفاء المفتوحة والراء الساكنة وبه مات زيد الخيل، وضبطه ابن الفرات في غير موضع: قردة بالقاف، وقال ابن اسحاق: وسير زيد بن حارثة إلى الفردة: ماء من مياه نجد، ضبطه ابن الفرات ايضا بفتح الفاء والراء، فان كانا مكانين والا فقد ضبط ابن الفرات احدهما خطأ.
[ 13 ]
لا يذهبون بها علينا (1) عند رسول الله، فتذاكر الخزرج من يعادي رسول الله صلى الله عليه وآله كابن الاشرف، فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله في قتله فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان و عبد الله بن أنيس وأبو قتادة وخزاعي بن الاسود حليف لهم، وأمر عليهم عبد الله بن عتيك فخرجوا حتى قدموا خيبر، فأتوا دار أبي رافع ليلا فلم يدعوا بابا في الدار إلا أغلقوه على أهله وكان في علية (2) فاستأذنوا عليه فخرجت امرأته فقالت: من أنتم ؟ قالوا: من العرب نلتمس الميرة، قال: (3) ذاك صاحبكم، فادخلوا عليه،
فلما دخلوا أغلقوا باب العلية وبدروه على فراشه، فصاحت المرأة، فجعل الرجل منهم يريد قتلها فيذكر نهي النبي صلى الله عليه وآله إياهم عن قتل النساء والصبيان، فيكف عنها فضربوه بأسيافهم، وتحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه، ثم خرجوا من عنده، وكان عبد الله بن عتيك سيئ البصر فوقع من الدرجة فوثبت رجله وثبا شديدا (4)، واحتملوه ورجعوا (5)، وطلبتهم اليهود في كل وجه فلم يروهم فرجعوا إلى صاحبهم، فقال المسلمون: كيف نعلم أن عدو الله قد مات فعاد بعضهم ودخل في الناس فرآه والناس حوله وهو يقول: قد عرفت صوت ابن عتيك، ثم صاحت امرأته وقالت: مات والله، قال: فما سمعت كلمة ألذ إلى نفسي منها، ثم عاد إلى أصحابه وأخبرهم الخبر، وسمع صوت الناعي يقول: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، وساروا حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وآله واختلفوا في قتله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هاتوا أسيافكم، فجاؤا بها فنظر فيها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى (6) أثر الطعام (7).
(1) قال المصنف في هامش الكتاب: لا يذهبون بها أي بهذه الفضيلة مفتخرين علينا. (2) العلية: بيت منفصل عن الارض ببيت كالغرفة. (3) هكذا في الكتاب، والصحيح كما في المصدر: قالت. (4) في المصدر: فوثئت رجله وثأ شديدا. أقول: أي اصابها وهن ووصم لا يبلغ ان يكون كسرا. (5) في المصدر: وخفوا. (6) في الكامل: ارى فيه اثر الطعام. (7) الكامل 2: 101.
[ 14 ]
11 - * (باب) * * (غزوة احد وغزوة حمراء الاسد) *
الآيات آل عمران " 3 ": وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم * إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون * ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين * ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون 121 - 128. وقال تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين * ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين * ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون * وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين * وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين 139 - 146.
[ 15 ]
إلى قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا
خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين * سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين * ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في اخريكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ قل إن الامر كله لله يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور * إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم * يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون * فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين * إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون * وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون 149 - 161.
[ 16 ]
إلى قوله تعالى: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شئ قدير * وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون * الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين * ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين * ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب 165 - 176. النساء 4: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا 88. وقال تعالى: ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما 104. الانفال 8: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها
ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون 36. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وإذ غدوت من أهلك "، أي اذكر يا محمد إذ خرجت من المدينة غدوة " تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال " أي تهيئ بحار الانوار - 1 -
[ 17 ]
للمؤمنين مواطن القتال، أو تجلسهم وتقعدهم في مواضع القتال ليقفوا فيها ولا يفارقوها، واختلف في أي يوم كان ذلك فقيل: يوم أحد عن ابن عباس، وأكثر المفسرين (1) وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل: كان يوم الاحزاب عن مقاتل وقيل: يوم بدر عن الحسن " والله سميع " لما يقوله النبي صلى الله عليه وآله " عليم " بما يضمرونه " إذ همت " أي عزمت " طائفتان منكم " أي من المسلمين " أن تفشلا " أي تجبنا وهما بنو سلمة وبنو حارثة حيان من الانصار، عن ابن عباس وأكثر المفسرين (2) وعن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقال الجبائي: نزلت في طائفة من المهاجرين وطايفة من الانصار، وكان سبب همهم بالفشل أن عبد الله بن أبي سلول دعاهما إلى الرجوع إلى المدينة عن لقاء المشركين يوم أحد فهما به ولم يفعلاه " والله وليهما " أي ناصرهما، ويروى (3) عن جابر بن عبد الله أنه قال: فينا نزلت وما احب أنها لم تكن لقوله: " والله وليهما ". وقال بعض المحققين: هذا هم خطرة لا هم عزيمة، لان الله سبحانه مدحهما وأخبر أنه وليهما، ولو كان هم عزيمة لكان ذمهم أولى (4). أقول: ثم روى الطبرسي قصة غزوة أحد عن أبي عبد الله عليه السلام مثل ما سيأتي في رواية علي بن إبراهيم، ثم قال: وروى أبو إسحاق (5) والسدي والواقدي و ابن جريح (6) وغيرهم قالوا كان المشركون نزلوا بأحد يوم الاربعاء في شوال سنة
(1) هذا تلخيص من المصنف، والا في المصدر: عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع
والسدى وابن اسحاق. (2) هذا ايضا تلخيص من المصنف رحمه الله، ففى المصدر: عن ابن عباس وجابر بن عبد الله والحسن وقتادة ومجاهد والربيع. (3) في المصدر: وروى. (4) ولو كان هم عزيمة وقصد لكان ذمهم اولى من مدحهم. (5) هكذا في نسخة المصنف وفيه وهم، والصحيح كما في المصدر: ابن اسحاق، وهو محمد ابن اسحاق صاحب المغازى المعروف. (6) في المصدر: وابن جرير. ولعله الصحيح. والا فالصحيح: ابن جريج بالجيم.
[ 18 ]
ثلاث من الهجرة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم يوم الجمعة، وكان القتال يوم السبت للنصف من الشهر، وكسرت رباعيته صلى الله عليه وآله وشج وجهه (1)، ثم رجع المهاجرون والانصار بعد الهزيمة، وقد قتل من المسلمين سبعون، وشد رسول الله بمن معه حتى كشفهم، وكان الكفار مثلوا بجماعة، وكان حمزة أعظم مثلة، وضربت يد طلحة فشلت (2). وقال في قوله: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة آلاف من الملائكة " هو إخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لقومه: ألن يكفيكم يوم بدر أن جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مددا لكم، وقيل: إن الوعد بالامداد بالملائكة كان يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا " منزلين " أي من السماء " بلى " تصديق للوعد، أي يفعل كما وعدكم ويزيدكم " إن تصبروا " أي على الجهاد وعلى ما أمركم الله " وتتقوا " معاصي الله ومخالفة رسوله " ويأتوكم من فورهم هذا " أي رجع المشركون إليكم من جهتهم (3) هذا، وقيل: من غضبهم هذا، وكانوا قد غضبوا يوم احد ليوم بدر مما لقوا فهو من فور الغضب أي غليانه " يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة " أي
يعطكم مددا لكم ونصرة، وإنما قال ذلك لان الكفار في غزاة أحد ندموا بعد انصرافهم لم لم يعبروا على المدينة (4)، وهموا بالرجوع فأوحى الله إلى نبيه أن يأمر أصحابه بالتهيؤ للرجوع إليهم، وقال لهم: " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " ثم قال: إن صبرتم على الجهاد وراجعتم الكفار أمدكم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فأخذوا في الجهاد وخرجوا يتبعون الكفار على ما بهم من الجراح، واخبر المشركون من رسول الله صلى الله عليه وآله أنه يتبعكم (5) فخاف المشركون
(1) في المصدر: وشج في وجهه. (2) مجمع البيان 2: 495 و 497. (3) في المصدر: من وجههم هذا. (4) في المصدر: لم لم يغيروا على المدينة. (5) في المصدر: فأخبر من مر برسول الله صلى الله عليه وآله انه خرج يتبعكم.
[ 19 ]
إن رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين، وأن يكون قد التأم إليهم من كان تأخر عنهم، وانضم إليهم غيرهم، فدسوا نعيم بن مسعود الاشجعي حتى يصدهم بتعظيم أمر قريش، وأسرعوا في الذهاب إلى مكة، وكفى الله المسلمين أمرهم، ولذلك قال قوم من المفسرين: إن جميعهم ثمانية آلاف، وقال الحسن: إن جميعهم خمسة آلاف منهم ثلاثة آلاف المنزلين، على أن الظاهر يقتضي أن الامداد بثلاثة آلاف كان يوم بدر (1)، ثم استأنف حكم يوم أحد فقال: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا " أي إن رجعوا إليكم بعد انصرافكم " أمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " وهذا قول البلخي، رواه عن عكرمة (2)، قال: لم يمدوا يوم احد ولا بملك واحد، وعلى هذا فلا تنافي بين الآيتين " مسومين " أي معلمين، أو مرسلين " وما جعله الله إلا بشرى لكم " أي ما جعل الله الامداد والوعد به إلا بشارة
لكم " ولتطمئن قلوبكم به " فلا تخافوا كثرة عدد العدو " وما النصر إلا من عند الله " معناه إن الحاجة إلى الله سبحانه لازمة في المعونة وإن أمدكم بالملائكة فلا استغناء لكم عن معونته طرفة عين (3). وقال البيضاوي: وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد، وإنما أمدهم ووعد لهم (4) بشارة لهم وربطا على قلوبهم من حيث أن نظر العامة إلى الاسباب أكثر وأحث على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم (5). " ليقطع طرفا من الذين كفروا ". قال الطبرسي: اختلف في وجه اتصاله بما قبله، فقيل: يتصل بقوله: " وما
(1) زاد في المصدر: لان قوله: " إذ تقول للمؤمنين " الاية، يتعلق بقوله: " ولقد نصركم الله ببدر " الاية. (2) في المصدر: رواه عن عمرو بن دينار عن عكرمة. (3) مجمع البيان 2: 499. (4) في المصدر: ووعد لهم به. (5) انوار التنزيل 1: 231 فيه: وحث على ان لا يبالوا.
[ 20 ]
النصر إلا من عند الله " أي أعطاكم الله هذا النصر ليقطع طائفة من الذين كفروا بالقتل والاسر، وقيل: هو متصل بقوله: " ولقد نصركم الله ببدر " وقيل: معناه ذلك التدبير " ليقطع طرفا " أي قطعة منهم. والمعنى ليهلك طائفة منهم، وقيل: ليهدم ركنا من أركان الشرك بالاسر والقتل، فأما اليوم الذي وقع فيه ذلك فيوم بدر (1) وقيل: هو يوم احد، قتل فيه ثمانية عشر رجلا " أو يكبتهم " أي يخزيهم بالخيبة مما أملوا من الظفر بكم، وقيل: يردهم عنكم منهزمين، وقيل: يصرعهم على وجوههم، وقيل: يظفركم عليهم، وقيل: يلعنهم، وقيل: يهلكهم " فينقلبوا خائبين "
لم ينالوا مما أملوا شيئا " ليس لك من الامر شئ " قيل: هو متصل بقوله: " وما النصر إلا من عند الله " أي ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شئ، وقيل: إنه اعتراض بين الكلامين، وقوله: " أو يتوب عليهم " متصل بقوله: " ليقطع طرفا " فالتقدير ليقطع طرفا منهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم قد استحقوا العقاب، وليس لك من هذه الاربعة شئ، وذلك إلى الله تعالى. واختلف في سبب نزوله، فروي عن أنس بن مالك وابن عباس والحسن و قتادة والربيع أنه لما كان من المشركين يوم احد من كسر رباعية الرسول صلى الله عليه وآله وشجه حتى جرت الدماء على وجهه، فقال: " كيف تفلح قوم نالوا هذا من نبيهم " وهو مع ذلك حريص على دعائهم إلى ربهم ؟ فأعلمه الله سبحانه أنه ليس إليه فلاحهم، وأنه ليس إليه إلا أن يبلغ الرسالة، ويجاهد حتى يظهر الدين، وإنما ذلك إلى الله، وكان الذي كسر رباعيته وشجه في وجهه عتبة بن أبي وقاص، فدعا عليه بأن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا، فمات كافرا قبل حول الحول (2) وأدمى وجهه رجل من هذيل يقال له: عبد الله بن قميئة، فدعا عليه فكان حتفه أن سلط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله، وروي أنه صلى الله عليه وآله كان يمسح الدم عن وجهه و
(1) فيه اختصار، وهو في المصدر هكذا: واما اليوم الذى قطع الله فيه الطرف من الذين كفروا فيوم بدر قتل فيه صناديدهم ورؤساءهم وقادتهم إلى الكفر. (2) في المصدر: قبل أن يحول الحول.
[ 21 ]
يقول: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " فعلى هذا يمكن أن يكون صلى الله عليه وآله على وجل من عنادهم وإصرارهم على الكفر، فأخبر سبحانه أنه ليس إليه إلا ما أمر به من تبليغ الرسالة ودعائهم إلى الهدى، وذلك مثل قوله تعالى: " فلعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين (1) " وقيل: إنه صلى الله عليه وآله استأذن ربه تعالى في يوم احد في الدعاء
عليهم فنزلت الآية، فلم يدع عليهم بعذاب الاستيصال، وإنما لم يؤذن له فيه لما كان المعلوم من توبة بعضهم، وقيل: أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم احد فنهاه الله عن ذلك وتاب عليهم أي (2) ليس لك أن تلعنهم وتدعو عليهم، وقيل: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله (3) ما فعل بأصحابه وبعمه حمزة من المثلة من جدع الانوف والآذان وقطع المذاكير قال (4): " لئن أدالنا الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلهم أحد من العرب بأحد قط " فنزلت الآية، وقيل: نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلا من قراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأميرهم المنذر بن عمرو، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من احد ليعلموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل، وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك وجدا شديدا وقنت عليهم شهرا فنزلت، والاصح أنها نزلت في احد، وإنما قال: " ليس لك من الامر شئ " مع أن له صلى الله عليه وآله أن يدعوهم إلى الله ويؤدي إليهم ما أمره بتبليغه، لان معناه ليس لك شئ من أمر عقابهم أو استيصالهم أو الدعاء عليهم أو لعنهم حتى يقع (5) إنابتهم " أو يتوب عليهم " أي يلطف لهم بما يقع معه توبتهم، أو يقبل توبتهم إذا تابوا
(1) هكذا في النسخ، والصحيح (لعلك) راجع سورة الشعراء: 2. (2) زاد في المصدر: ونزلت الاية: " ليس لك من الامر شئ " أي. (3) زاد في المصدر: والمؤمنون. (4) في المصدر: قالوا. (5) في المصدر: حتى تقع.
[ 22 ]
" أو يعذبهم " إن لم يتوبوا " فإنهم ظالمون " أي يستحقون العذاب بظلمهم (1).
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ولا تهنوا " قيل: نزلت الآية تسلية للمسلمين لما نالهم يوم احد من القتل والجراح عن الزهري وقتادة وابن نجيح (2)، وقيل: لما انهزم المسلمون في الشعب وأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلوا عليهم الجبل فقال النبي صلى الله عليه وآله: " لا يعلن علينا (3)، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم لا يعبدك بهذه البلدة إلا هؤلاء النفر " فأنزل الله الآية، وثاب نفر رماة وصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، وعلا المسلمون الجبل فذلك قوله: " وأنتم الاعلون " عن ابن عباس، وقيل: نزلت الآية بعد يوم احد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بطلب القوم، وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم، وقال صلى الله عليه وآله: " لا يخرج إلا من شهد معنا بالامس " فاشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى هذه الآية عن الكلبي، ودليله قوله تعالى: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم " الآية. " ولا تهنوا " أي لا تضعفوا عن قتال عدوكم " ولا تحزنوا " بما يصيبكم في أموالكم وأبدانكم، وقيل: لا تضعفوا بما نالكم من الجراح ولا تحزنوا على ما نالكم من المصائب بقتل الاخوان، أو لا تهنوا لما نالكم من الهزيمة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة " وأنتم الاعلون " أي الظافرون المنصورون (4)، أو الاعلون في المكان " إن كنتم مؤمنين " معناه إن من كان مؤمنا يجب أن لا يهن ولا يحزن لثقته بالله، أو إن كنتم مصدقين بوعدي لكم بالنصرة والظفر على عدوكم " إن يمسسكم قرح " أي جراح فقد أصاب القوم جراح مثله عن ابن عباس: وقيل: إن يصبكم ألم و جراحة يوم احد فقد أصاب القوم ذلك يوم بدر.
(1) مجمع البيان 2: 500 و 501. (2) هكذا في نسخة المصنف، وفيه وهم، والصحيح كما في المصدر: ابن ابى نجيح، وهو عبد الله بن ابى نجيح يسار المكى أبو يسار الثقفى مولاهم. المتوفى سنة 131 (أو) بعدها (3) في المصدر: اللهم لا يعلن علينا.
(4) زاد في المصدر: الغالبون عليهم في العاقبة.
[ 23 ]
وقال أنس بن مالك: اتي رسول الله صلى الله عليه وآله بعلي عليه السلام يومئذ وعليه (1) نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن. وعن ابن عباس قال: لما كان يوم احد صعد أبو سفيان الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا " فمكث أبو سفيان ساعة، وقال: يوما بيوم إن (2) الايام دول، وإن الحرب سجال (3)، فقال صلى الله عليه وآله: أجيبوه، فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال: لنا عزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وآله: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله أعلى وأجل. " وتلك الايام نداولها بين الناس " أي نصرفها مرة لفرقة، ومرة عليها، و إنما يصرف الله سبحانه الايام بين المسلمين والكفار بتخفيف المحنة على المسلمين أحيانا، وتشديدها عليهم أحيانا، لا بنصرة الكفار عليهم، لان النصرة تدل على المحبة، والله لا يحب الكافرين، وإنما جعل الله الدنيا منقلبة (4) لكيلا يطمئن المسلم إليها، ولتقل رغبته فيها (5)، إذ تفنى لذاتها. ويظعن مقيمها، ويسعى للآخرة التي تدوم نعيمها، وإنما جعل الدولة مرة للمؤمنين ومرة عليهم ليدخل الناس في الايمان على الوجه الذي يجب الدخول فيه لذلك (6)، وهو قيام الحجة، فإنه
(1) في المصدر: وفيه.
(2) في المصدر: وإن. (3) الحرب سجال أي تارة لهم وتارة عليهم. (4) في المصدر: متقلبة. (5) زاد في المصدر: أو حرصه عليها. (6) في المصدر: كذلك.
[ 24 ]
لو كانت الدولة دائما للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الايمان على سبيل اليمن و الفأل، على أن كل موضع حضره النبي صلى الله عليه وآله لم يخل من ظفر، إما في ابتداء الامر، وإما في انتهائه، وإنما لم يستمر ذلك لما بيناه. " وليعلم الله الذين آمنوا " تقديره: وتلك الايام نداولها لوجوه من المصالح وليعلم الذين آمنوا متميزين بالايمان عن غيرهم، وعلى هذا يكون (1) " يعلم " بمعنى يعرف، لانه ليس المعنى أنه يعرف الذوات، بل المعنى أنه يعلم تميزها بالايمان، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم، أي يعاملهم معاملة من يعرفهم بهذه الحال، وقيل: معناه وليعلم أولياء الله الذين آمنوا، وإنما أضاف إلى نفسه تفخيما " ويتخذ منكم شهداء " أي ليكرم منكم (2) بالشهادة من قتل يوم احد، أو يتخذ منكم شهداء على الناس بما يكون منهم من العصيان لما لكم في ذلك من جلالة القدر " وليمحص الله الذين آمنوا " أي وليبتلي الله الذين آمنوا، أو لينجبهم من الذنوب بالابتلاء " ويمحق الكافرين " أي ينقصهم أو يهلكهم. " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة " المراد به الانكار، أي أظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " أي ولما يجاهد المجاهدون منكم فيعلم الله جهادهم، ويصبر الصابرون فيعلم صبرهم على
القتال " ولقد كنتم تمنون الموت " وذلك أن قوما ممن فاتهم شهود بدر كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر قبل احد، فلما رأوه يوم احد أعرض كثير منهم عنه فانهزموا فعاتبهم الله على ذلك " من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه " الضميران راجعان إلى الموت والمراد أسبابه كالحرب، وقيل: راجعان إلى الجهاد " وأنتم تنظرون " تأكيد للرؤية أو النظر بمعنى التفكر، وقيل: معناه وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وآله، وفيه حذف، أي فلم انهزمتم " وما محمد إلا رسول " قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية أنه
(1) في المصدر لا يكون وهو الصحيح. (2) خلى المصدر عن لفظة (منكم).
[ 25 ]
لما ارجف بأن النبي صلى الله عليه وآله قتل يوم احد واشيع ذلك قال الناس: لو كان نبيا لما قتل، وقال آخرون: نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به، وارتد بعضهم، و انهزم بعضهم، وكان سبب انهزامهم وتضعضعهم إخلال الرماة لمكانهم من الشعب، و كان رسول الله صلى الله عليه وآله نهاهم عن الاخلال به، وأمر عبد الله بن جبير وهو أخو خوات ابن جبير على الرماة وهم خمسون رجلا، وقال: لا تبرحوا مكانكم فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم بمكانكم، وجاءت قريش على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ومعهم النساء يضربن بالدفوف، وينشدون الاشعار فقالت هند: نحن بنات طارق * نمشي على النمارق إن تقبلوا نعانق * أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وكان أبو عامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالاحابيش وعبيد أهل مكة فقاتلهم قتالا شديدا. وحميت الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من يأخذ بهذا
السيف (1) بحقه ويضرب به العبيد (2) حتى ينحني " ؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الانصاري، فلما أخذ السيف اعتم بعمامة حمراء وجعل يفتخر (3) ويقول: أنا الذي عاهدني خليلي (4) * أن لا اقيم الدهر في الكبول (5) أضرب بسيف الله والرسول فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنها لمشية يبغضها الله تعالى (6) إلا في هذا الموضع "
(1) في المصدر: هذا السيف. (2) في نسخة من المصدر: العدو. (3) يتبختر خ ل وفي المصدر: وجعل يفتخر تبخترا. (4) زاد في الطبعة الحروفية مصرعا خال عنه نسخة المصنف والمصدر وهو: " ونحن بالصفح لدى النخيل " والمصرع موجود في سيرة ابن هشام. (5) الكيول خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. (6) زاد في المصدر: ورسوله.
[ 26 ]
ثم حمل النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه على المشركين فهزموهم، وقتل علي بن أبي طالب عليه السلام أصحاب اللواء، وأنزل الله نصرته على المسلمين. قال الزبير: فرأيت هندا و صواحبها هاربات مصعدات في الجبال نادية خدامهن، ما دون أخذهن شئ، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب واختلفوا، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله (1) صلى الله عليه وآله، و قال بعضهم: ما بقى من الامر شئ، ثم انطلقوا عامتهم وألحقوا (2) بالعسكر، فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من خلفهم فهزموهم و قتلوهم، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وآله بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله، وتفرق عنه أصحابه، وأقبل يريد قتله، فذب مصعب بن
عمير وهو صاحب رآية رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ويوم احد وكان اسم رايته العقاب عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قتل مصعب بن عمير قتله ابن قميئة فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: إني قتلت محمدا، وصاح صائح (3)، ألا أن محمدا قد قتل، ويقال: إن الصائح (4) كان إبليس لعنه الله، فانكفأ الناس (5) وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو الناس ويقول: " إلي عباد الله إلي عباد الله " فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية (6) قوسه، و اصيبت يد طلحة بن عبيدالله فيبست، واصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وآله مكانها فعادت كأحسن ما كانت، فلما
(1) في المصدر: لا تتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: ثم انطلق عامتهم والحقوا بالعسكر. (3) صارخ خ ل. (4) الصارخ خ ل. (5) انكفأ الناس أي تبددوا ورجعوا انهزموا. (6) سية القوس: ما عطف من طرفيها.
[ 27 ]
انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله أدركه ابي خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا ؟ فقال: دعوه حتى إذا دنا منه، وكان ابي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول: عندي رمكة اعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى " فلما كان يوم احد ودنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وآله الحربة من الحرث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه، فخدش خدشة فتدهدأ (1) عن فرسه، وهو يخور خوار الثور وهو يقول: قتلني محمد، فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس، فقال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقلتهم (2) أليس قال لي: أقتلك ؟ فلو بزق علي بعد
تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يوما حتى مات، قال: وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم، وقال اناس من أهل النفاق فالحقوا بدينكم الاول وقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقوله هؤلاء، يعني المنافقين (3)، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المنافقين، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وآله كعب بن مالك قال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معاشر المسلمين هذا رسول الله (4)، فأشار إلي: أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي صلى الله عليه وآله على الفرار فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر أنك قتلت (5) فرعبت
(1) في المصدر: فتدهده وهو الصحيح. (2) قلت: هلك وفي المصدر يقتلهم. (3) في المصدر: يعنى المسلمين. (4) في المصدر يا معشر المسلمين ابشروا فهذا رسول الله. (5) في المصدر: بانك قتلت.
[ 28 ]
قلوبنا فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى هذه الاية: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " يعني أنه بشر اختاره الله لرسالته، وقد مضت (1) قبله رسل بعثوا فأدوا الرساله ومضوا وماتوا، وقتل بعضهم، وإنه يموت كما ماتت الرسل، فليس الموت بمستحيل عليه ولا القتل، وقيل: أراد أن أصحاب الانبياء لم يرتدوا عند موتهم أو
قتلهم فاقتدوا بهم " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فسمي الارتداد انقلابا على العقب وهو الرجوع القهقرى " ومن ينقلب على عقبيه " أي من يرتدد عن دينه " فلن يضر الله شيئا " بل مضرته عائدة عليه " وسيجزي الله الشاكرين " أي المطيعين (2). قوله تعالى: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " قال البيضاوي: أي بمشية الله أو بإذنه لملك الموت (3)، والمعنى أن لكل نفس أجلا مسمى في علمه تعالى وقضائه لا يستأخرون ساعة (4) ولا يستقدمون بالاحجام عن القتال والاقدام عليه " كتابا " مصدر مؤكد، أي كتب الموت كتابا " مؤجلا " صفة له، أي موقتا لا يتقدم ولا يتأخر " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها " تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم احد " ومن يرد ثواب الاخرة نؤته منها " أي من ثوابها " وسنجزي الشاكرين " الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شئ من الجهاد " وكأين " أصله " أي " دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى " كم " والنون تنوين اثبت في الخط على غير قياس " من نبي " بيان له " قتل (5) معه ربيون كثير " ربانيون علماء أتقياء أو عابدون لربهم وقيل: جماعات، والربي منسوب إلى الربة، وهي الجماعة للمبالغة " فما
(1) في المصدر: اختاره الله لرسالته إلى خلقه، قد مضت. (2) مجمع البيان 2: 498 - 514. (3) في المصدر: أو باذنه لملك الموت في قبض روحه. (4) في المصدر: لا يستأخرون عنه ساعة. (5) هكذا في النسخ والصحيح: (قاتل) كما في المصحف والمصدر.
[ 29 ]
وهنوا لما أصابهم في سبيل الله " فما فتروا ولم ينكسر جدهم (1) لما أصابهم من قتل
النبي أو بعضهم " وما ضعفوا " عن العدو أو في الدين " وما استكانوا " وما خضعوا للعدو " والله يحب الصابرين " فينصرهم ويعظم أمرهم (2). قوله تعالى: " إن تطيعوا الذين كفروا " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: نزلت في المنافقين إذ قالوا للمؤمنين يوم احد عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وارجعوا إلى دينهم عن علي عليه السلام، وقيل: هم اليهود والنصارى، والمعنى إن إصغيتم إلى قول اليهود والمنافقين أن محمدا صلى الله عليه وآله قتل فارجعوا إلى عشائركم " يردوكم على أعقابكم " أي يرجعوكم كفارا كما كنتم " فتنقلبوا " أي ترجعوا " خاسرين " لانفسكم " بل الله مولاكم " أي هو أولى بأن تطيعوه، وهو أولى بنصرتكم " وهو خير الناصرين " أي ان اعتد بنصر غيره فهو خير ناصر " سنلقي في قلوب الذين كفروا " قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم احد متوجهين إلى مكة قالوا: بئسما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به، فنزلت الاية " الرعب " أي الخوف " بما أشركوا بالله " أي بشركهم به " ما لم ينزل به سلطانا " أي برهانا وحجة " ومأواهم " أي مستقرهم " النار " يعذبون بها " وبئس مثوى الظالمين " أي النار، وروي أن الكفار دخلوا مكة كالمنهزمين مخافة أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وآله الكرة عليهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله " نصرت بالرعب مسيرة شهر " " ولقد صدقكم الله وعده " أي وفى لكم بما وعدكم من النصر على عدوكم في قوله: " بلى إن تصبروا وتتقوا " الاية، وذكر ابن عباس وغيره أن الوعد كان يوم احد لان المسلمين كانوا يقتلون المشركين حتى أخل الرماة لمكانهم الذي أمرهم الرسول بالقيام عنده، فأتاهم خالد بن الوليد من ورائهم، وقتل عبد الله بن جبير
(1) في المصدر: ولم ينكسر حدتهم.
(2) انوار التنزيل 1: 235 و 236، فيه يعظم قدرهم.
[ 30 ]
ومن معه، وتراجع المشركون، وقتل من المسلمين سبعون رجلا، ونادى مناد قتل محمد، ثم من الله على المسلمين فرجعوا، وفي ذلك نزلت الاية، فالوعد قول النبي صلى الله عليه وآله للرماة: " لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم في مكانكم ". " إذ تحسونهم " أي تقتلونهم " بإذنه " أي بعلمه أو بلطفه " حتى إذا فشلتم " أي جبنتم عن عدوكم " وتنازعتم في الامر " أي اختلفتم " وعصيتم " امر نبيكم في حفظ المكان " من بعدما اريكم ما تحبون " من النصرة على الكفار وهزيمتهم والغنيمة، وأكثر المفسرين على أن المراد بالجميع يوم احد، وقال الجبائي: إذ تحسونهم يوم بدر حتى إذا فشلتم يوم احد والاول أولى، وجواب " إذا " محذوف، وتقديره حتى إذا فعلتم ذلك ابتلاكم وامتحنكم ورفع النصرة عنكم " منكم من يريد الدنيا " يعني الغنيمة، وهم الذين أخلوا المكان الذي رتبهم النبي صلى الله عليه وآله فيه " ومنكم من يريد الآخرة " أراد عبد الله بن جبير، ومن ثبت مكانه " ثم صرفكم عنهم " فيه وجوه: أحدها أنهم كانوا فريقين منهم من عصى بانصرافه، ومنهم من لم يعص، لانهم قلوا بعد انهزام تلك الفرقة فانهزموا (1) بإذن الله لئلا يقتلوا، لان الله أوجب ثبات المائة للمائتين، فإذا نقصوا لا يجب عليهم ذلك، فجاز أن يذكر الله الفريقين بأنه صرفهم " وعفى عنهم " يعني صرف بعضهم، وعفى عن بعض عن الجبائي. وثانيها " أن معناه رفع النصر عنكم ووكلكم إلى أنفسكم بخلافكم للنبي عليه السلام فانهزمتم عن جعفر بن حرب (2). وثالثها: أن معناه لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم " ليبتليكم " بالمظاهرة في الانعام عليكم والتخفيف عنكم عن البلخي " ليبتليكم " أي يعاملكم معاملة المختبر
" ولقد عفا عنكم " أي صفح عنكم بعد أن خالفتم أمر الرسول، وقيل: عفا عنكم تتبعهم بعد أن أمركم بالتتبع لهم عن البلخي، قال لما بلغوا حمراء الاسد عفا عنهم
(1) في المصدر: فانصرفوا باذن الله. (2) لم يذكر الوجه الثاني في المصدر، ولعله سقط عن المطبوع.
[ 31 ]
من ذلك " والله ذو فضل على المؤمنين " أي ذو نعمة ومن عليهم بنعم الدنيا والدين، وروى الواقدي، (1) عن سهل بن سعد الساعدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وكانت فاطمة بنته عليها السلام تغسل عنه الدم وعلي بن ابي طالب عليه السلام يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة عليها السلام. أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى إذا صار رمادا ألزمته الجرح فاستمسك الدم. " إذ تصعدون " قال البيضاوي: متعلق بصرفكم، أو ليبتليكم، أو بمقدر كاذكر، والاصعاد: الذهاب والابعاد في الارض " ولا تلوون على أحد " لا يقف أحد لاحد ولا ينتظره " والرسول يدعوكم " كان يقول: " إلي عباد الله، إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة ". " في اخراكم " في ساقتكم وجماعتكم الآخرين " فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم " عطف على صرفكم، والمعنى فجازاكم الله على فشلكم وعصيانكم غما متصلا بغم من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والارجاف بقتل الرسول الله صلى الله عليه وآله، أو فجازاكم غما بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وآله بعصيانكم له لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على نفع فائت، ولا ضر لاحق، وقيل: لا مزيدة، والمعنى لتأسفوا على ما فاتكم من الظفر و الغنيمة، وعلى ما أصابكم من الجرح والهزيمة عقوبة لكم، وقيل: الضمير في
" فأثابكم " للرسول صلى الله عليه وآله، أي واساكم في الاغتمام فاغتم بما نزل عليكم كما اغتممتم بما نزل عليه ولم يثربكم (2) على عصيانكم تسلية لكم " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم " من النصر " ولا " على " ما أصابكم " من الهزيمة " والله خبير بما تعملون " عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا " أنزل الله عليكم الامن حتى أخذكم النعاس، وعن أبي طلحة: غشينا النعاس في المصاف حتى كان
في المصدر: روى الواحدى. (2) ثربه وثربه وثرب عليه وأثربه: لامه.
[ 32 ]
السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، والامنة: الامن، نصب على المفعول، و " نعاسا " بدل منها، أو هو المفعول و " أمنة " حال منه متقدمة أو مفعول له، أو حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن " يغشى طائفة منكم " أي النعاس (1). قال الطبرسي رحمه الله: وكان السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع إلى القتال، فقعد المسلمون تحت الحجف (2) متهيئين للحرب، فأنزل الله الامنة على المؤمنين فناموا دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم، أو يغيروا على المدينة لسوء الظن فطير عنهم النوم (3). وقال البيضاوي: و " طائفة " هم المنافقون " قد أهمتهم أنفسهم " أوقعتهم أنفسهم في الهموم أو ما يهمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها " يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية " صفة أخرى لطائفة، أو حال أو استيناف على وجه البيان لما قبله، و " غير الحق " نصب على المصدر، أي يظنون بالله غير ظن الحق الذي يحق أن يظن به، و " ظن الجاهلية " بدله، وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها " يقولون " أي لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو بدل يظنون: " هل لنا من الامر من شئ "
هل لنا مما أمر الله ووعد من النصر والظفر نصيب قط، وقيل: اخبر ابن أبي بقتل بني الخزرج فقال ذلك، والمعنى أنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من الامر شئ، أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الامر شئ " قل إن الامر كله لله " أي الغلبة الحقيقية لله ولاوليائه، فإن حزب الله هم الغالبون، أو القضاء له (4) يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو اعتراض " يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك " حال من ضمير " يقولون " أي يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر
(1) انوار التتزيل 1: 237 و 238. (2) الحجف: الترس من جلد بلا خشب. (3) مجمع البيان 2: 522. (4) في المصدر: إذا لقضاء له.
[ 33 ]
مبطنين الانكار والتكذيب " يقولون " في أنفسهم أو إذا خلا بعضهم إلى بعض، وهو بدل من " يخفون " أو استيناف على وجه البيان له " لو كان لنا من الامر شئ " كما وعد محمد صلى الله عليه وآله، وزعم (1) أن الامر كله لله ولاوليائه، أو لو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح كما كان رأي ابن أبي وغيره " ما قتلنا هيهنا " ما غلبنا، ولما قتل من قتل منا في هذه المعركة " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " أي لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتب في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم، ولم تنفع الاقامة (2) بالمدينة، ولم ينج منه أحد " وليبتلي الله ما في صدوركم " ليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الاخلاص والنفاق، وهو علة فعل محذوف أي وفعل ذلك ليبتلي، أو عطف على محذوف، أي لبرز لنفاذ القضاء، أو لمصالح جمة ولابتلاء، (3) أو على قوله: " لكيلا تحزنوا ". " وليمحص ما في قلوبكم " وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس
" والله عليم بذات الصدور بخفياتها قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء، وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين، (4) وإظهار حال المنافقين " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " يعني إن الذين انهزموا يوم احد إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان طلب منهم الزلل فأطاعوه واقترفوا ذنوبا (5) بترك المركز والحرص على الغنيمة أو الحياة فمنعوا التأييد وقوة القلب لمخالفة النبي صلى الله عليه وآله، وقيل: استزلال الشيطان توليهم، وذلك بسبب ذنوب تقدمت لهم، فإن المعاصي يجر بعضها بعضا كالطاعة، وقيل: استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم وكرهوا (6) القتل قبل إخلاص التوبة والخروج
(1) في المصدر: أو زعم. (2) في المصدر: ولم ينفعهم الاقامة. (3) في المصدر: أو للابتلاء. (4) في المصدر: لتمييز المؤمنين. (5) في المصدر: واقترفوا ذنوبا لمخالفة النبي صلى الله عليه وآله بترك المركز. (6) في المصدر: فكرهوا.
[ 34 ]
من المظلمة " ولقد عفا الله عنهم " لتوبتهم واعتذارهم " إن الله غفور " للذنوب " حليم " لا يعاجل بعقوبة المذنب كي يتوب " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا " يعني المنافقين " وقالوا لاخوانهم " لاجلهم وفيهم، ومعنى اخوتهم اتفاقهم في النسب أو في المذهب " إذا ضربوا في الارض " إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها " أو كانوا غزى " جمع غاز " لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا " مفعول قالوا " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم " متعلق بقالوا على أن اللام لام العاقبة، أو بلا تكونوا أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول والاعتقاد ليجعله حسرة في قلوبهم خاصة
فذلك إشارة إلى ما دل عليه قولهم من الاعتقاد، وقيل: إلى ما دل عليه النهي، أي لا تكونوا مثلهم، ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، فإن مخالفتهم و مضادتهم مما يغمهم " والله يحيي ويميت " رد لقولهم، أي هو المؤثر في الحياة و الممات، لا الاقامة والسفر، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد " والله بما تعملون بصير " تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم " أي في سبيله " لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون " جواب القسم وهو ساد مسد الجزاء، والمعنى أن السفر والغزو ليس مما يجلب الموت وتقدم الاجل وإن وقع ذلك في سبيل الله فما ينالون (1) من المغفرة والرحمة بالموت خير مما يجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم يموتوا (2) " ولئن متم أو قتلتم " على أي وجه اتفق هلاككم " لالى الله تحشرون " لالى معبودكم الذي توجهتم إليه، وبذلتم مهجتكم لوجهه، لا إلى غيره لا محالة تحشرون فيوفي اجوركم ويعظم ثوابكم " فبما رحمة من الله لنت لهم " ما مزيدة للتأكيد، والدليل على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله وهو ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق بهم حين اغتم لهم بعد أن خالفوه " ولو كنت فظا " سيئ الخلق جافيا " غليظ القلب " قاسية " لا نفضوا من حولك " لتفرقوا عنك ولم يسكنوا إليك " فاعف عنهم " فيما يختص بك " واستغفر لهم "
(1) في المصدر: فما تنالون. (2) في المصدر: مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا.
[ 35 ]
فيما لله " وشاورهم في الامر " أي في أمر الحرب، إذ الكلام فيه أو فيما يصح أن يشاور فيه استظهارا برأيهم، وتطييبا لنفوسهم وتمهيدا سنة المشاورة (1) للامة " فإذا عزمت " فإذا وطنت نفسك على شئ بعد الشورى (2). وقال الطبرسي رحمه الله: ورووا عن جعفر بن محمد عليهما السلام وعن جابر بن يزيد
" فإذا عزمت " بالضم، فعلى هذا يكون معناه فإذا عزمت لك ووفقتك وأرشدتك " فتوكل على الله " (3). قال البيضاوي: في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك، فإنه لا يعلمه سواه (4) " إن الله يحب المتوكلين " فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح " إن ينصركم الله " كما نصركم يوم بدر " فلا غالب لكم " فلا يغلبكم أحد (5) " وإن يخذلكم " كما خذلكم يوم احد " فمن ذا الذي ينصركم من بعده " من بعد خذلانه، أو من بعد الله " و على الله فليتوكل المؤمنون " فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه و آمنوا به (6). " وما كان لنبي أن يغل " قال الطبرسي: روي عن ابن عباس وابن جبير أنها نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم، فقال بعضهم: لعل النبي صلى الله عليه وآله أخذها. وفي رواية الضحاك قال: إن رجلا غل بمخيط، أي بابرة من غنائم هوازن يوم حنين فنزلت الاية. وعن مقاتل: أنها نزلت في غنائم احد حين تركت الرماة المركز طلبا للغنيمة
(1) في المصدر: لسنة المشاورة للامة. (2) انوار التنزيل 1: 239 و 240. (3) مجمع البيان 2: 527. (4) زاد في المصدر: وقرئ " فإذا عزمت " على التكلم، أي فإذا عزمت لك على شئ وعينته لك فتوكل على ولا تشاور فيه احدا. (5) في المصدر: فلا احد يغلبكم. (6) انوار التنزيل 1: 241. (*)
[ 36 ]
وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: من أخذ شيئا فهو له ولا يقسم كما لم يقسم يوم بدر، ووقعوا في الغنائم، فقال (1) صلى الله عليه وآله: " أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم " فأنزل الله الآية، وقيل: إنه قسم الغنيمة ولم يقسم للطلائع، فلما قدمت الطلائع قالوا: أقسم الفئ ولم يقسم لنا ؟ فعرفعه الله الحكم فيه، ونزلت الآية، وقيل: نزلت في أداء الوحي كان صلى الله عليه وآله (2) يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك عنهم فنزلت (3). وقال البيضاوي: أي وما صح لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة تنافي الخيانة " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة " يأت بالذي غله يحمله على عنقه كما جاء في الحديث، أو بما احتمل من وباله وإثمه " ثم توفى كل نفس ما كسبت " يعطي (4) جزاء ما كسبت وافيا " وهم لا يظلمون " فلا ينقص ثواب مطيعهم، ولا يزاد في عقاب عاصيهم (5). " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " قال الطبرسي: أي حين أصابكم القتل والجرح وذلك ما أصاب المسلمين يوم احد، فإنه قتل منهم سبعون رجلا و كانوا أصابوا من المشركين يوم بدر مثليها، فإنهم كانوا قتلوا من المشركين سبعين رجلا، وأسروا سبعين، وقيل: قتلتم منهم ببدر سبعين، وباحد سبعين، وهذا ضعيف فإنه لا خلاف بينهم أنه قتل منهم باحد نفر يسير " قلتم أنى هذا " أي من أي وجه أصابنا هذا ونحن مسلمون، وفينا رسول الله صلى الله عليه وآله وينزل عليه الوحي، وهم مشركون ؟ وقيل: إنهم إنما استنكروا ذلك لانه وعدهم بالنصر من الله إن أطاعوه " قل هو من
(1) في المصدر: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: كان النبي صلى الله عليه وآله. (3) مجمع البيان 2: 529.
(4) في المصدر: تعطى. (5) انوار التنزيل 1: 241.
[ 37 ]
عند أنفسكم " أي ما صابكم من الهزيمة والقتل من عند أنفسكم بخلافكم أمر ربكم وترككم طاعة الرسول صلى الله عليه وآله، وفيه أقوال: أحدها: أن ذلك مخالفتهم الرسول صلى الله عليه وآله في الخروج من المدينة للقتال يوم احد، وكان النبي صلى الله عليه وآله دعاهم أن يتحصنوا بها ويدعو المشركين إلى أن يقصدوهم فيها، فقالوا: كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية ونحن الآن في الاسلام، وأنت يا رسول الله بيننا أحق بالامتناع وأعز. وثانيها: أن ذلك باختيارهم الفداء من الاسرى يوم بدر، وكان الحكم فيهم القتل، وشرط عليهم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم، قالوا: رضينا، فإنا نأخذ الفداء فننتفع به، وإذا قتل منا فيما بعد كنا شهداء، عن علي عليه السلام و عبيدة السلماني، وهو المروي عن الباقر عليه السلام. وثالثها: أن ذلك بخلاف الرماة يوم احد لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله به من ملازمة مراكزهم. " إن الله على كل شئ قدير " أي فهو قادر على نصركم فيما بعد، وإن لم ينصركم في الحال لمخالفتكم " وما أصابكم " أيها المؤمنون " يوم التقى الجمعان " جمع المسلمين وجمع المشركين يوم احد بقتل من قتل منكم (1) " فبإذن الله " أي بعلم الله، وقيل: بتخلية الله بينكم وبينهم التي تقوم مقام الاطلاق في الفعل برفع الموانع والتمكين من الفعل الذي يصح معه التكليف، وقيل: بعقوبة الله لتركهم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله " وليعلم المؤمنون * وليعلم الذين نافقوا " أي وليميز المؤمنين من المنافقين " وقيل لهم " أي للمنافقين " تعالوا قاتلوا في سبيل الله " قالوا: أن عبد الله بن ابي والمنافقين معه من أصحابه انخذلوا يوم احد بنحو (2) من ثلاثمائة
رجل، وقالوا: علام نقتل أنفسنا ؟ وقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام (3) الانصاري: تعالوا قاتلوا قي سبيل الله واتقوا الله ولا تخذلوا نبيكم " أو ادفعوا " عن حريمكم
(1) في المصدر: يعنى يوم احد من النكبة بقتل من قتل منكم. (2) في المصدر: انخزلوا يوم احد نحوا. (3) في نسخة: حزام وهو وهم، والصواب ما اخترناه في المتن، والرجل هو والد جابر.
[ 38 ]
وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله، وقيل: معناه، أقيموا معنا، وكثروا سوادنا " قالوا " أي المنافقون (1). " لو نعلم قتالا لاتبعناكم " قال البيضاوي: أي لو نعلم مما يصلح أن يسمى (2) قتالا لاتبعناكم فيه، لكن ما أنتم عليه ليس بقتال، بل إلقاء بالانفس إلى التهلكة أو لو نحسن قتالا لاتبعناكم، وإنما قالوا ذلك دغلا واستهزاء " هم للكفر يؤمئذ أقرب منهم للايمان " لانخزالهم (3) وكلامهم هذا، فإنهما أول أمارة ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم، وقيل: هم لاهل الكفر أقرب نصرة منهم لاهل الايمان " يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم " يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالايمان " والله أعلم بما يكتمون " من النقاق وبما يخلو به بعضهم إلى بعض " الذين قالوا لاخوانهم " أي لاجلهم، يريد من قتل يوم احد من أقاربهم أو من جنسهم " وقعدوا " مقدرا بقد (4)، أي قالوا قاعدين عن القتال " لو أطاعونا " في القعود " ما قتلوا " كما لم نقتل " قل فادرؤا " الآية أي إن كنتم صادقين أنكم تقدرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعلوا عن أنفسكم الموت وأسبابه فإنه أحرى بكم، والمعنى أن العقود غير مغن (5) فإن أسباب الموت كثيرة، وكما أن القتال يكون سببا للهلاك والقعود (6) سببا للنجاة قد يكون الامر بالعكس (7). " ولا تحسبن الذين قتلوا " قال الطبرسي: قيل: نزلت في شهداء بدر، و
قيل: في شهداء احد وكانوا سبعين، أربعة من المهاجرين: حمزة، ومصعب بن عمير
(1) مجمع البيان 2: 533. (2) في المصدر: لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا. (3) انخزل: انفرد. أي لاعتزالهم. (4) في المصدر: حال مقدرة بقد. (5) في المصدر: غير مغن عن الموت. (6) في المصدر: والقعود يكون سببا. (7) انوار التنزيل 1: 243.
[ 39 ]
وعثمان بن شماس، وعبد الله بن جحش، وسائرهم من الانصار، وقال الباقر عليه السلام وكثير من المفسرين: إنها تتناول قتلى بدر واحد معا، وقيل: نزلت في شهداء بئر معونة " الذين استجابوا لله والرسول " قال رحمه الله: لما انصرف أبو سفيان و أصحابه من غزاة احد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم عن المسلمين وتلاوموا، قالوا (1): لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم (2)، قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا (3) فاستأصلوهم، فبلغ ذلك الخبر رسول الله صلى الله عليه وآله فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، وقال: " ألا عصابة تشدد (4) لامر الله تطلب عدوها فإنها انكاء للعدو وأبعد للسمع " فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من القرح والجرح الذي أصابهم يوم احد، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا (5) بالامس، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ليرهب العدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم فينصرفوا فخرج في سبعين رجلا حتى بلغ حمراء الاسد وهو من المدينة على ثمانية أميال.
وروى محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن خارجة، (6) عن زيد بن ثابت، عن أبي السائب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من بني عبد الاشهل كان شهد احدا، قال: شهدت احدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله بالخروج في طلب العدو قلنا: لا تفوتنا (7) غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) في المصدر: فقالوا. (2) ارتدفتم خ ل. (3) في المصدر: فارجعوا. (4) في المصدر: تسدد. (5) يومنا احد خ ل. (6) في المصدر وسيرة ابن هشام 2: 52: خارجة بن زيد بن ثابت. أقول. هذا هو الصحيح، وعبد الله هذا هو عبد الله بن خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت الانصاري وقد ينسب إلى جده. (7) في السيرة: أتفوتنا.
[ 40 ]
والله مالنا دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله و كنت أيسر جرحا من أخي، فكنت إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة حتى بلغنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حمراء الاسد. (1) فمر برسول الله عليه وآله معبد الخزاعي بحمراء الاسد وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عينة (2) رسول الله صلى الله عليه وآله بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا، ومعبد يؤمئذ مشرك، فقال: والله يا محمد لقد عز علينا مصابك في قومك وأصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك (3) فيهم، ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وأجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالوا: قد أصبنا جل (4) أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا
قبل أن نستأصلهم، (5) فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد ؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا وقد اجتمع عليه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ضيعتهم (6) وفيهم من الحنق (7) عليكم ما لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول ؟ فقال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم قال: فوالله إني لانهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت أبياتا فيه من شعر، قال: وما قلت ؟ قال قلت: كادت تهد من الاصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الابابيل
(1) في المصدر: حتى انتهينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حمراء الاسد. (2) في نسخة وفي السيرة: عيبة. وهو الموجود في المصدر. (3) عفاك منهم خ ل. أقول: في السيرة: عافاك فيهم. (4) في المصدر والسيرة: حد أصحابه. أقول: الحد من الانسان: بأسه وما يعتريه من الغضب. (5) زاد في السيرة. لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. (6) في المصدر: على صنيعهم وفي السيره. على ما ضيعوا. (7) الحنق: شدة الغيظ.
[ 41 ]
تردي (1) باسد كرام لا تنابلة * عند اللقآء ولا خرق معاذيل (2) فظلت عدوا أظن الارض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول وقلت: وي (3) لابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لاهل السير (4) ضاحية * لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش (5) تنابلة * وليس يوصف ما أثبت بالقيل
قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون ؟ قالوا: نريد المدينة نريد الميرة، فقال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة ارسلكم بها إليه، وأحمل لكم أبلكم هذه زبيبا بعكاظ (6) غدا إذا وافيتمونا ؟ قالوا: نعم، قال: إذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا الكرة إليه وإلى أصحابه (7) لنستأصل بقيتهم، وانصرف أبو سفيان، ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وآله وهو بحمراء الاسد فأخبروه بقول أبي سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله بعد الثالثة إلى المدينة وقد ظفر في وجهه
(1) أي تسرع. (2) في السيرة: ولا ميل معازيل. والميل جمع أميل. وهو الذى لا رمح له، وقيل: هو الذى لا ترس له. وقيل: هو الذى لا يثبت على السرج ومعازيل بالزاى في المصدر والسيرة وهم الذين لا سلاح معهم. (3) في المصدر والسيرة: فقلت: ويل. (4) السيل خ ل أقول: في المصدر: السبل. وفي السيرة. البسل. والبسل: الحرام. أراد أهل مكة. والاربة: العقل. (5) لا وحش خ. أقول: في السيرة: لا وحش قنابلة. وقنابلة جمع قنبلة وهى القطعة من الخيل. (6) عكاظ: سوق من اسواق العرب، كانت العرب تجتمع فيها في الاشهر الحرم وتقوم اسواقهم بها، ويتناشدون الاشعار ويتحاجون، ومن له اسير سعى في فدائه، ومن له حكومة ارتفع إلى الذى يقوم بأمر الحكومة، ثم يقفون بعرفة ويقضون مناسك الحج ويرجعون إلى أوطانهم. (7) في المصدر: الكرة عليه وعلى اصحابه. وفى السيرة: السير إليه وإلى اصحابه.
[ 42 ]
ذلك بمعاوية بن المغيرة بن العاص، (1) وأبي غرة الجمحي، (2) هذا قول أكثر
المفسرين، وقال مجاهد وعكرمة: نرلت هذه الآيات في غزاة بدر الصغرى، و ذلك أن أبا سفيان قال يوم احد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعدنا بيننا وبينك موسم بدر الصغرى، لقابل إن شئت، (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذلك بيننا وبينك، فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من مر الظهران (4)، ثم ألقى الله عليه الرعب فبدا له في الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الاشجعي، وقد قدم معتمرا، فقال له أبو سفيان: إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى. وإن هذه عام جدب فلا يصلح لنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة، فألحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الابل أضعها على يدي سهيل بن عمرو، فأتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم إلا شريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد، فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الخروج، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لاخرجن ولو وحدي فأما الجبان فإنه رجع، وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى وهو ماء لبني كنانة، وكان (5) موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام، فأقام ببدر ينتظر أبا سفيان،
(1) في السيرة: معاوية بن المغيرة بن ابى العاص بن امية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك بن مروان أبو امه عائشة بنت معاوية. (2) في المصدر: ابى قرة. وكلاهما مصحفان، والصحيح: ابى عزة وقد اشرنا إليه سابقا. وهو الذى اسره رسول الله صلى الله عليه وآله ببدر ثم من عليه فاطلقه. (3) في المصدر: موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى القابل ان شئت.
(4) ذكر ابن هشام بدر الصغرى في السيرة 2: 221 وفيه: وبعض الناس يقول: قد بلغ عسفان. (5) في المصدر: وكانت.
[ 43 ]
وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة فسماهم أهل مكة جيش السويق، وقالوا: إنما خرجتم تشربون السويق، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه أحد من المشركين ببدر، ووافقوا السوق، وكانت لهم تجارات فباعوها، وأصابوا الدرهم (1) درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. وقد روى ذلك أبو الجارود عن الباقر عليه السلام المعنى (2). " الذين استجابوا لله والرسول " أي أطاعوا الله في أوامره وأطاعوا رسوله " من بعد ما أصابهم القرح " أي نالهم الجراح يوم احد " للذين أحسنوا منهم " بطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وإجابته إلى الغزو " واتقوا " معاصي الله " لهم أجر عظيم " أي ثواب جزيل " الذين قال لهم الناس " في المعني بالناس الاول ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الركب الذين دسهم أبو سفيان إلى المسلمين ليجبنوهم عند منصرفهم من احد، لما أرادوا الرجوع إليهم، عن ابن عباس وابن إسحاق، وقد مضت قصتهم. والثاني: أنه نعيم بن مسعود الاشجعي، وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. والثالث: أنهم المنافقون عن السدي. " إن الناس قد جمعوا لكم " المعني به أبو سفيان وأصحابه عند أكثر المفسرين أي جمعوا جموعا كثيرة لكم، وقيل: جمعوا الآلات والرحال، وإنما عبر بلفظ الواحد عن الجمع في قوله: " قال لهم الناس " لامرين: أحدهما أنه قد جاء هم من جهة الناس، فاقيم كلامه مقام كلامهم، وسمي
باسمهم. والآخر أنه لتفخيم الشأن " فاخشوهم " أي فخافوهم، ثم بين سبحانه أن ذلك القول زادهم إيمانا وثباتا على دينهم، وإقامة على نصر نبيهم، بأن قال:
(1) في المصدر: للدرهم. (2) المصدر خال عن كلمة (المعنى) ولعل المراد انه روى معنى ذلك. وليس هذا الفاظ روايته.
[ 44 ]
" فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله " أي كافينا الله (1) وولينا وحفيظنا والمتولي لامرنا " ونعم الوكيل " أي نعم الكافي والمعتمد والملجأ الذي يوكل إليه الامور " فانقلبوا " أي فرجع النبي صلى الله عليه وآله ومن معه من أصحابه " بنعمة من الله وفضل " أي بعافية من السوء وتجارة رابحة " لم يمسسهم سوء " أي قتل، عن السدي ومجاهد، وقيل: النعمة ههنا: الثبوت على الايمان في طاعة الله، والفضل: الربح في التجارة، عن الزجاج، وقيل: أقل ما يفعله الله تعالى بالخلق فهو نعمة، وما زاد على ذلك فهو الموصوف بأنه فضل، والفرق بين النعمة والمنفعة أن النعمة لا تكون نعمة إلا إذا كانت حسنة، والمنفعة قد تكون حسنة، وقد تكون قبيحة، وهذا لان النعمة تستحق بها الشكر، ولا يستحق الشكر بالقبيح " واتبعوا رضوان الله " بالخروج إلى لقاء العدو " والله ذو فضل عظيم " على المؤمنين (2). قوله تعالى: " فما لكم في المنافقين فئتين " أقول: قد مر تفسيره في باب جوامع الغزوات. قوله: " ولا تهنوا " أي لا تضعفوا، قال الطبرسي: قيل نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان يوم احد، وقيل: نزلت يوم احد في الذهاب خلف أبي سفيان وعسكره إلى حمرآه الاسد.
قال ابن عباس وعكرمة: لما أصاب المسلمون ما أصابهم يوم احد وصعد النبي صلى الله عليه وآله الجبل جاء أبو سفيان فقال: يا محمد لنا يوم، ولكم يوم، فقال صلى الله عليه وآله: أجيبوه، فقال المسلمون: لا سوآء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وآله قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان:
(1) في المصدر: أي الله كافينا. (2) مجمع البيان 2: 535 و 539 - 541.
[ 45 ]
اعل هبل. فقال النبي صلى الله عليه وآله قولوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، ونام المسلمون وبهم الكلوم، وفيهم نزلت " إن يمسسكم قرح " الآية، وفيهم نزلت " إن تكونوا تألمون " الآية، لان الله تعالى أمرهم على ما بهم من الجراح أن يتبعوهم، وأراد بذلك إرهاب المشركين، فخرجوا إلى حمراء الاسد وبلغ المشركين ذلك فأسرعوا حتى دخلوا مكة. " في ابتغآء القوم " أي في طلب المشركين " إن تكونوا تألمون " مما ينالكم من الجراح منهم " فإنهم " يعني المشركين " يألمون " أيضاء مما ينالهم منكم من الجراح والاذى " كما تألمون " من جراحهم وأذاهم " وترجون من الله " الظفر عاجلا و
الثواب آجلا على ما ينالكم منهم " ما لا يرجون " على ما ينالهم منكم (1). قوله تعالى: " إن الذين كفروا ينفقون " قد مر تفسيره في باب قصة بدر. توضيح: قميئة كسفينة مهموز، اعل هبل، أي صر عاليا بغلبة عابديك على منكريك، والطارق: النجم، أي آباؤنا في الشرف والعلو كالنجم والنمارق جمع النمرقة بضم النون والرآء وكسرها، وهي الوسادة، والوامق: المحب، أي نفارقكم فراق المعادي لا فراق المحب، والمراد المفارقة والمعانقة بعد الحرب، إذا (2) كان الخطاب لاصحابه، وإن كان للمسلمين فالمراد المعانقة عند الحرب. و الاحابيش هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا، والتحبش: التجمع، وقيل: حالفوا قريشا تحت جبل يسمى حبشيا فسمي بذلك، والكبول القصير، وفي بعض النسخ: الدهر في الكيول باليآء المثناة التحتانية، وهو كعيوق:
مجمع البيان 2: 104 و 105. (2) الظاهر أن (إذا) مصحف (إن).
[ 46 ]
آخر الصفوف، وهو أصوب، أي أن لا اقيم في جميع دهري وعمري في آخر الصفوف، بل أتقدمها. والكواعب جمع الكاعب وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهود، أردفتم، أي لم تأسروهن فتجعلوهن خلفكم على الابل لتذهبوا بهن، والشريد: الطريد المتفرق المنهزم، ويقال: نكيت في العدو: إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، وقد يهمز، وأبعد للسمع، أي يذهب الخبر به إلى البلاد البعيدة فيصير سببا لرعبهم، فكنت إذا غلب، أي غلبه الوجع حملته، عقبة أي نوبة، عينة رسول الله صلى الله عليه وآله، أي جاسوسه، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة، وفي القاموس: العيبة من الرجل: موضع سره، وهو أظهر. صفقتهم، أي بيعتهم معه، أعفاك فيهم، أي لم يأمرك بقتالهم، يتحرقون عليكم، أي يلتهبون غيظا، أو يحكون أسنانهم عليكم غضبا، تهد راحلتي، أي تقع
وتخر، من هد الحائط: إذا وقع. والجرد بالضم جمع الجريدة، وهي من الخيل جماعة جردت من سائرها لوجه، أو هو جمع الاجرد، يقال: فرس أجرد: إذا رقت شعرته وقصرت، وهو مدح. والابابيل: الجماعات الكثيرة، ويقال: جاءت إبلك أبابيل، أي فرقا. تردي أي الجرد، يقال: ردى الفرس يردي: إذا رجم الارض بحوافره رجما بين العدو والمشي الشديد، بأسد أي مع أسد. والتنابلة جمع تنبل كدرهم، أو تنبال بالكسر، وهما القصير، ولعله استعير للجبان أو الكسلان كما هو المعروف في لغة العجم. والخرق بالضم: جمع الاخرق، وهو من لا يحسن العمل، والمعاذيل جمع المعذال، وقيل: المعذول وهو الملوم. وعدوا مصدر لفعل محذوف، أي اعدوا عدوا حال كوني أظن الارض مائلة. لما سموا، أي علوا برئيس وهو الرسول. والغطمطة: اضطراب موج البحر، وغليان الصدور، والتغطمط: صوت معه بحح. والبطحاء: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. والجيل بالكسر: الصنف من الناس، وفي بعض النسخ بالخاء ويقال: فعله ضاحية، أي علانية، والاربة بالكسر: الحيلة. والمعقول: العقل، يقال: عقل يعقل عقلا ومعقولا، والوخش بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة: الردي
[ 47 ]
من كل شئ، ورزال الناس وسقاطهم، للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة، أي ليسوا بمستوحشين، والاول أظهر والقيل بالكسر: القول. 1 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين ابن عثمان، عن ابن مسكان، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على حمزة وكفنه لانه كان جرد (1). 2 - يه: استشهد حنظلة بن أبي عامر الراهب بأحد فلم يأمر النبي صلى الله عليه وآله
بغسله، وقال: رأيت الملائكة بين السماء والارض تغسل حنظلة بماء المزن (2) في صحاف من فضة، فكان يسمى غسيل الملائكة (3). 3 - فس: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (4) " فإنه حدثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سبب نزول هذه الآية أن قريشا خرجت من مكة تريد حرب رسول الله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يبتغي موضعا للقتال. قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا (5) " نزلت في عبد الله بن ابي وقوم من أصحابه اتبعوا رأيه في ترك الخروج والقعود (6) عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: وكان سبب غزوة أحد أن قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والاسر، لانه قتل منهم سبعون، واسر منهم سبعون، فلما رجعوا إلى مكة قال أبو سفيان: يا معشر قريش لا تدعوا نسائكم يبكين على قتلاكم (7)، فإن
(1) فروع الكافي 1: 58. (2) المزن: السحاب أو ذو الماء منه. (3) من لا يحضره الفقيه: 49. وفيه: وكان. (4 و 5) تقدم الايعاز إلى موضع الايتين في صدر الباب. (6) في المصدر: اتبعوا رأيه في القعود وترك الخروج. (7) قتلاهم خ ل.
[ 48 ]
البكاء والدمعة إذا خرجت أذهبت (1) الحزن والحرقة والعداوة لمحمد، ويشمت بنا محمد وأصحابه، فلما غزوا رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد أذنوا لنسائهم بعد ذلك في البكاء والنوح، فلما أرادوا أن يغزوا رسول الله إلى احد ساروا في حلفائهم من كنانة وغيرها فجمعوا الجموع والسلاح، وخرجوا من مكة في ثلاثه آلاف فارس، وألفي
راجل، وأخرجوا معهم النساء يذكرنهم ويحثثنهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله (2)، وأخرج أبو سفيان هند بنت عتبة، وخرجت معهم عمرة بنت علقمة الحارثية (3)، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك جمع أصحابه وأخبره أن قريشا قد تجمعت تريد المدينة، وحث أصحابه على الجهاد والخروج، فقال عبد الله بن ابي وقوم: يا رسول الله لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة و العبد والامة على أفواه السكك وعلى السطوح، فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا و نحن في حصوننا ودورنا، وما خرجنا إلى أعدائنا قط إلا كان الظفر لهم علينا، فقام سعد بن معاذ وغيره من الاوس فقالوا: يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب ونحن مشركون نعبد الاصنام، فكيف يطمعون فينا وأنت فينا، لا حتى نخرج إليهم (4) فنقاتلهم، فمن قتل منا كان شهيدا، ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله، فقبل رسول الله قوله، وخرج مع نفر من أصحابه يبتغون موضعا للقتال (5) كما قال الله: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين " إلى قوله: " إذ همت طائفتان
(1) ذهب خ ل. (2) وكان معهم مائتا فرس قد جنبوها. وسبعمائة دارع، وثلاثه آلاف بعير. (3) وأخرج عكرمة بن أبى جهل ام حكيم بنت الحارث بن هشام، والحارث بن هشام فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وصفوان بن امية برزة بنت مسعود بن عمرو الثقفية، ويقال: رقية، وعمرو بن العاص ريطة بنت منبه بن الحجاج، وطلحة بن أبى طلحة سلافة بنت سعد بن شهيد الانصارية وخرجت ايضا خناس بنت مالك بن المضرب، قاله ابن هشام في السيرة. وقال المقريزى في الامتاع: خرجوا مح خمس عشرة امرائة. (4) في المصدر: وأنت فينا، حتى لا نخرج إليهم. (5) يبغون موضع القتال خ ل. (*)
[ 49 ]
منكم أن تفشلا (1) " يعني عبد الله بن ابي وأصحابه (2)، فضرب رسول الله عسكره مما يلي طريق العراق (3)، وقعد عنه عبد الله بن ابي وقومه (4) وجماعة من الخزرج اتبعوا رأيه، ووافت قريش إلى احد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله عد أصحابه وكانوا سبعمائة رجل، فوضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب، وأشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعبدالله بن جبير وأصحابه: " إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلوانا المدينة فلا تبرحوا وألزموا مراكزكم " ووضع أبو سفيان عليه اللعنة خالد بن الوليد عليه اللعنة في مأتي فارس كمينا، فقال له (5): إذا رأيتمونا قد اختلطنا بهم فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا من وراءهم، فلما أقبلت الخيل و اصطفوا وعبأ رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه دفع الراية إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فحملت (6) الانصار كلهم على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة، ووقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في سوادهم، وانحط خالد بن الوليد في مأتي فارس، فلقي عبد الله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام، فرجع (7)، ونظر أصحاب عبد الله بن جبير إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ينتهبون (8) سواد القوم، قالوا لعبدالله بن جبير: ما يقيمنا ههنا وقد غنموا أصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة ؟ فقال لهم عبد الله: اتقوا الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد تقدم إلينا أن لا نبرح، فلم يقبلوا منه، وأقبل ينسل رجل فرجل حتى أخلوا (9) مراكزهم
(1) ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (2) وقومه خ ل. (3) لان الطريق كان اسهل خ. (4) خلى المصدر عن كلمة: (وقومه). (5) فقال لهم خ ل.
(6) فحمل خ ل. (7) في المصدر: فرجعوا. (8) ينهبون خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. (9) في المصدر: حتى خلوا مراكزهم.
[ 50 ]
وبقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلا، وقد كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدري من بني عبدالدار، فبرز ونادى: يا محمد تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار ونجهزكم بأسيافنا إلى الجنة، فمن شآء أن يلحق بجنته فليبرز إلي، فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول: يا طلح إن كنتم كما تقول * لكم خيول ولنا نصول (1) فاثبت لننظر أينا المقتول * وأينا أولى بما تقول فقد أتاك الاسد الصؤل بصارم ليس به (2) فلول * ينصره القاهر (3) والرسول فقال طلحة: من أنت يا غلام ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، قال: قد علمت يا قضم (4)، أنه لا يجسر علي أحد غيرك، فشد عليه طلحة فضربه فاتقاه أمير المؤمنين عليه السلام بالحجفة، ثم ضربه (5) أمير المؤمنين على فخذيه فقطعهما جميعا فسقط على ظهره، وسقطت الراية (6)، فذهب علي عليه السلام ليجهز عليه فحلفه بالرحم
(1) لنا نصول ولكم خيول خ ل. (2) في المصدر: ليس له فلول. (3) الناصر خ ل. (4) في المصدر المطبوع: يا قضيم. وفي نسختي المخطوطة من المصدر: يا قصم بالمهملة وفي السيرة: يا ابا القصم، وفي هامشه: وقع في بعض النسخ " القصيم " مصغرا، وفي بعض
آخر: " القصم " مكبرا كصرد، والذى في شرح أبى ذر: والقصم بالقاف: الكسر الذى يبان به بعض الشئ من بعضه والفصم بالفاء: الكسر الذى يبان به بعض الشئ من بعض، قلت: و الذى في النسخة ابى ذر هو الصواب، وهو الموافق لما حكاه الزرقاني في شرح المواهب عن ابن اسحاق (ج 2 ص 35). أقول: سيذكر المصنف عن الجزرى انه القضم. (5) ضرب خ ل. (6) في الامتاع: وفي ذلك يقول الحجاج بن علاط السلمى: لله أي مذبذب عن حرمة * اعني ابن فاطمة المعم المخولا جادت يداك لهم بعاجل طعنة * فتركت طلحة للجبين مجدلا وشددت شدة باسل فكشفتهم * بالجر إذ يهوون أخول أخولا وعللت سيفك بالدماء ولم تكن * لترده حران حتى ينهلا
[ 51 ]
فانصرف عنه، فقال المسلمون: ألا أجهزت عليه ؟ قال: قد ضربته ضربة لا يعيش منها أبدا، ثم أخذ الراية أبو سعيد (1) بن أبي طلحة، فقتله على عليه السلام، وسقطت رايته إلى الارض فأخذها عثمان بن أبي طلحة فقتله علي وسقطت الراية إلى الارض فأخذها مسافع (2) بن أبي طلحة، فقتله علي عليه السلام، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها الحارث بن أبي طلحة فقتله علي عليه السلام، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها عزيز بن (3) عثمان، فقتله علي عليه السلام، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها عبد الله بن جميلة (4) بن زهير، فقتله علي عليه السلام وسقطت الراية إلى الارض، فقتل أمير المؤمنين التاسع (5) من بني عبدالدار وهو أرطاة بن شرحبيل مبارزة، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها مولاهم صواب فضربه أمير المؤمنين عليه السلام على يمينه فقطعها، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها بشماله، فضربه أمير المؤمنين عليه السلام على شماله فقطعها، فسقطت الراية إلى الارض، فاحتضنها بيديه المقطوعتين، ثم قال: يا بني
عبدالدار هل أعذرت فيما بيني وبينكم ؟ فضربه أمير المؤمنين عليه السلام على رأسه فقتله (6)، وسقطت الراية إلى الارض، فأخذتها عمرة بنت علقمة الحارثية فنصبتها، وانحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير وقد فر أصحابه وبقي في نفر قليل فقتلوهم على باب العشب، واستقفوا (7) المسلمين فوضعوا فيهم السيف، ونظرت (8) قريش
(1) هكذا في الكتاب ومصدره، وفي سيرة ابن هشام والامتاع: أبو سعد بن أبى طلحة. (2) وأخذها مساقح خ ل مساقع أقول: الصحيح مسافع كما في المصدر والسيرة. (3) في المصدر المطبوع: أبو عزيز بن عثمان. ولم نجد أحدهما في السير، نعم المذكور في السيرة والامتاع: أبو يزيد بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار. (4) في المصدر المطبوع: عبد الله بن أبى جميلة وفي السيرة عبد الله بن حميد بن زهير ابن الحارث بن أسد. (5) لم يذكر المصنف الثامن، على انك عرفت أن عبد الله بن حميد أيضا لم يكن من بنى عبدالدار، بل كان من بنى اسد. وستأتى أسماء من قتله عليه السلام من أصحاب اللواء في كلام الامام صادق عليه السلام وغيره. راجعه. (6) قد اختلفوا أهل السير في قاتله وفي قاتل بعض من تقدم. وسيأتى الايعاز إلى ذلك في كلام المصنف. (7) واستعقبوا خ ل. (8) وبصرت خ ل.
[ 52 ]
في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها وأقبل خالد بن الوليد يقتلهم (1)، و انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله هزيمة قبيحة، وأقبلوا يصعدون في الجبال وفي كل وجه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه فقال (2): " إلي إني (3) أنا رسول الله، إلى أين تفرون، عن الله وعن رسوله ؟ ".
وحدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن معنى قول طلحة بن أبي طلحة لما بارزه علي عليه السلام: يا قضم (4)، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان بمكة لم يجسر عليه أحد لموضع أبي طالب، واغروا به الصبيان، و كانوا إذا خرج رسول الله يرمونه بالحجارة والتراب، وشكى ذلك إلى علي عليه السلام فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرجت فأخرجني معك فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه أمير المؤمنين عليه السلام فتعرض الصبيان لرسول الله صلى الله عليه وآله كعادتهم، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام، وكان يقضمهم (5) في وجوههم وآنافهم وآذانهم، فكان الصبيان يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون: قضمنا علي، قضمنا علي (6)، فسمى لذلك القضم (7). وروي عن أبي واثلة (8) شقيق بن سلمة قال: كنت اماشي عمر بن الخطاب إذ سمعت منه همهمة، فقلت له: مه يا عمر، فقال: ويحك أما ترى الهزبر القثم ابن القثم والضارب (9) بالبهم، الشديد على من طغا وبغا (10) بالسيفين والراية، فالتفت فإذا
(1) في المصدر: وأقبل خالد بن الوليد من وراء المسلمين يقتلهم. (2) وقال خ ل. (3) إلى إلى خ ل. أقول: في نسختي المخطوطة من المصدر: إلى إلى انى انا. (4) في المصدر المطبوع: يا قضيم. وفي المخطوط: يا قصم بالمهملة. (5) في المصدر المخطوط: يقصمهم. (6) " " ": قصمنا على قصمنا على. (7) في المصدر المطبوع: القضيم وفى المخطوط: القصم. (8) هكذا في الكتاب ومصدره، وفيه وهم، والصحيح: ابى وائل. راجع التقريب واسد الغابة وغيرهما. (9) والمضارب خ ل أقول: هو الموجود في نسختي المخطوطة من المصدر. (10) هكذا في نسخة المصنف. وفيه تصحيف، والصحيح اما طغى وبغى كما في المصدر،
أو طغا وبغى. والاول يأتي من اليائى والواوي كليهما.
[ 53 ]
هو علي بن أبي طالب فقلت له يا عمر هو علي بن أبي طالب، فقال: ادن مني احدثك عن شجاعته وبطالته (1)، بايعنا النبي صلى الله عليه وآله يوم احد على أن لا نفر، ومن فر منا فهو ضال، ومن قتل منا فهو شهيد، والنبي صلى الله عليه وآله زعيمه، إذ حمل علينا مائة صنديد تحت كل صنديد مائة رجل أو يزيدون، فأزعجونا عن طاحونتنا (2)، فرأيت عليا كالليث يتقي الذر (3) إذ قد حمل كفا (4) من حصى فرمى به في وجوهنا، ثم قال: " شاهت الوجوه، وقطت وبطت ولطت، إلى أين تفرون ؟ إلى النار ؟ " فلم نرجع، ثم كر علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت فقال: بايعتم ثم نكثتم، فوالله لانتم أولى بالقتل ممن أقتل، فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان يتوقدان نارا، أو كالقدحين المملوين دما، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا فبادرت أنا إليه من بين أصحابي فقلت: يا أبالحسن الله الله، فإن العرب تفر وتكر، وإن الكرة تنفي الفرة، فكأنه استجيى، فولى بوجهه (5) عني، فما زلت أسكن روعة فؤادي، فوالله ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة، ولم يبق مع رسول الله إلا أبو دجانة سماك بن خرشة وأمير المؤمنين عليه السلام، وكلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه واله استقبلهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيدفعهم عن رسول الله، ويقتلهم حتى انقطع سيفه، وبقيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله نسيبة بنت كعب المازنية وكانت تخرج مع رسول الله عليه السلام في غزواته تداوي الجرحى، وكان ابنها معها، فأراد أن ينهزم ويتراجع فحملت عليه فقالت: يا بني إلى أين تفر ؟ عن الله وعن رسوله ؟ فردته فحمل عليه رجل فقتله، فأخذت سيف ابنها، فحملت على الرجل فضربته (6) على فخذه فقتلته، فقال
(1) من شجاعته وبطلته خ ل.
(2) في المصدر: طاحوننا. ولعله مصحف طحوننا. (3) الدرق خ ل. (4) في المصدر المطبوع: وإذا قد حمل كفا. (5) وجهه خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع. (6) وضربت خ ل.
[ 54 ]
رسول الله صلى الله عليه وآله: " بارك الله عليك يانسيبة ". وكانت تقي رسول الله صلى الله عليه وآله بصدرها وثدييها (1) حتى أصابتها جراحات كثيرة، وحمل ابن قميئة (2) على رسول الله عليه وآله فقال: أروني محمدا، لا نجوت إن نجا، فضربه على حبل عاتقه ونادى: قتلت محمدا واللات والعزى، ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رجل من المهاجرين قد ألقى ترسه خلف ظهره وهو في الهزيمة، فناداه: " يا صاحب الترس ألق ترسك ومر (3) إلى النار " فرمى بترسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا نسيبة خذي الترس، فأخذت الترس، وكانت تقاتل المشركين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان وفلان وفلان ". فلما انقطع سيف أمير المؤمنين عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن الرجل يقاتل بالسلاح، وقد انقطع سيفي، فدفع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه ذا الفقار، فقال: قاتل بهذا، ولم يكن يحمل على رسول الله صلى الله عليه وآله أحد إلا استقبله (4) أمير المؤمنين عليه السلام، فإذا رأوه رجعوا، فانحاز رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ناحية احد، فوقف، وكان القتال من وجه واحد، وقد انهزم أصحابه، فلم يزل أمير المؤمنين عليه السلام يقاتلهم حتى أصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحة فتحاموه (5)، وسمعوا مناديا (6) من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.
فنزل جبرئيل على رسول الله (7) صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد هذه والله المواساة،
(1) في المصدر المطبوع بيديها وصدرها وثدييها. وفي المخطوط: بصدرها ويديها. (ثدييها خ ل). (2) قمية خ ل أقول: الصواب ما اخترنا في المتن. (3) وسر خ ل. (4) ويستقبله خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر المخطوط، وحذف العاطف في المطبوع. (5) في المصدر المطبوع: فتخامره. وفي المخطوط: فتحاموه. فتهابوه خ ل. (6) دويا خ ل. أقول. هو الموجود في المصدر المطبوع والمخطوط. (7) إلى رسول الله صلى الله عليه واله خ ل.
[ 55 ]
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاني منه وهو مني، فقال جبرئيل: وأنا منكما. وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر فكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلا ومكحلة، وقالت: إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا. وكان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم، فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد، وكانت هند بنت عتبة عليها اللعنة قد أعطت وحشيا عهدا: لئن قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لاعطيتك لاعطينك (1) رضاك، وكان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا، فقال وحشي: أما محمد فلا أقدر عليه، وأما علي فرأيته رجلا حذرا كثير الالتفات فلم أطمع فيه، فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا، فمر بي فوطئ على جرف (2) نهر فسقط فأخذت حربتي فهززتها ورميته فوقعت في خاصرته وخرجت من مثانته (3) فسقط، فأتيته فشققت بطنه فأخذت كبده وجئت بها إلى هند فقلت لها: هذه كبد حمزة، فأخذتها في فمها (4) فلاكتها فجعلها الله في فيها مثل الداغصة (5) فلفظتها ورمت (6) بها فبعث الله ملكا فحمله ورده إلى موضعه.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: أبى الله أن يدخل شيئا من بدن حمزة النار. فجاءت إليه هند فقطعت مذاكيره (7)، وقطعت اذنيه، وجعلتهما خرصين،
(1) لاعطينك رضاك خ ل. أقول: في المصدر المطبوع: " لاعطيتك " وفي المخطوط: " لاعطينك رضاك، ولاعطينك " ولعل التكرار مع حذف المتعلق بعد ذكره اولا عاما لافادة امر خاص كان الوحشى له صبا. (2) في المصدر: على حرف. (3) من ثنيته خ ل. في المصدر المطبوع: فخرج من مثانته مغمسة بالدم. أقول: في السيرة: من ثنيته. وفى الامتاع: من مثانته. (4) في فيها خ ل: (5) في المصدر المطبوع: مثل الفضة. وفي المخطوط: مثل العضة. الداغصة خ ل. (6) فرمت خ ل. (7) مذاكير جمع الذكر على غير قياس.
[ 56 ]
وشدتهما في عنقها، وقطعت يديه ورجليه، وتراجع الناس، فصارت قريش على الجبل فقال أبو سفيان وهو على الجبل: اعل هبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين: قل له: الله أعلى وأجل. فقال: يا علي إنه قد أنعم علينا. فقال علي: بل الله أنعم علينا. ثم قال: يا علي أسألك باللات والعزى هل قتل محمد ؟ فقال له: لعنك الله ولعن اللات والعزى معك، والله ما قتل وهو يسمع كلامك، قال: أنت أصدق، لعن الله ابن قميئة، زعم أنه قتل محمدا. وكان عمرو بن قيس (1) قد تأخر إسلامه، فلما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله في
الحرب أخذ سيفه وترسه وأقبل كالليث العادي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم خالط القوم فاستشهد، فمر به رجل من الانصار فرآه صريعا بين القتلى، فقال: يا عمرو وأنت على دينك الاول ؟ قال: لا والله، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم مات، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله إن عمرو بن ثابت (2) قد أسلم وقتل فهو شهيد ؟ قال: إي والله شهيد، ما رجل لم يصل لله ركعة دخل (3) الجنة غيره.
(1) قيس خ ل ثابت خ ل أقول: في المصدر: عمرو بن قيس ولعل الصحيح: عمرو بن ثابت، قال ابن الاثير في اسد الغابة: عمرو بن ثابت بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الاشهل الانصاري الاوسي الاشهلى، وهو اخو سلمة بن ثابت، وابن عم عباد بن بشر، استشهد يوم احد وهو الذى قيل انه دخل الجنة ولم يصل صلاة اه. ثم ذكر نحو ما في المتن. (2) في المصدر: عمرو بن قيس. وقد عرفت صوابه في تعليقنا السابق. (3) " ": ودخل.
[ 57 ]
وكان حنظلة بن أبي عامر (1) رجل من الخزرج تزوج في تلك الليلة التي كانت صبيحتها حرب احد ببنت (2) عبد الله بن ابي بن سلول، ودخل بها في تلك الليلة، وأستاذن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقيم عندها، فأنزل الله: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم (3) " فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذه الآية في سورة النور، وأخبار احد في سورة آل عمران، فهذا الدليل على أن التأليف على خلاف ما أنزل الله. فدخل حنظلة بأهله ووقع عليها (4)، فأصبح وخرج وهو جنب، فحضر القتال، فبعثت امرأته إلى أربعة نفر من الانصار لما أراد حنظلة أن يخرج من عندها
وأشهدت عليه أنه قد واقعها، فقيل لها: لم فعلت ذلك ؟ قالت: رأيت في هذه الليلة في نومي كأن السماء قد انفرجت فوقع فيها حنظلة، ثم انضمت، فعلمت أنها الشهادة، فكرهت أن لا أشهد عليه فحملت منه فلما حضر (5) القتال نظر إلى أبي سفيان على فرس يجول بين العسكر (6) فحمل عليه فضرب (7) عرقوب فرسه فاكتسعت الفرس، وسقط أبو سفيان إلى الارض وصاح يا معشر قريش أنا أبو سفيان وهذا (8)
(1) وكان ابوه أبا عامر عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان قد خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وآله معه خمسون غلاما من الاوس وخرج مع الكفار إلى احد، وكان ابو عامر يسمى في الجاهلية الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله الفاسق، وهو الذى بنى له مسجد الضرار. (2) بابنة خ ل. (3) النور: 62. (4) في المصدر: وواقع عليها. (5) " ": فلما حضر الحنظلة القتال. (6) بين العسكرين خ ل. (7) وضرب خ ل. أقول: في المصدر: فضرب على عرقوب فرسه. (8) وهو حنظلة خ ل.
[ 58 ]
حنظلة يريد قتلي، وعدا أبو سفيان ومر حنظلة في طلبه، فعرض له رجل من المشركين فطعنه فمشى إلى المشرك في طعنه (1) فضربه فقتله، وسقط حنظلة إلى الارض بين حمزة وعمرو بن الجموح وعبد الله بن حزام وجماعة من الانصار فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " رأيت الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والارض بماء المزن في صحائف (2) من ذهب " فكان يسمى غسيل الملائكة.
وروي أن مغيرة بن العاص كان رجلا أعسر فحمل (3) في طريقه إلى احد ثلاثة أحجار، فقال: بهذه أقتل محمدا، فلما حضر القتال نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وبيده السيف فرماه (4) بحجر فأصاب به (5) رسول الله صلى الله عليه وآله فسقط السيف من يده، فقال قتلته واللات والعزى، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كذب لعنه الله، فرماه بحجر آخر، فأصاب جبهته، فقال رسول الله: " اللهم حيره " فلما انكشف الناس تحير فلحقه عمار بن ياسر فقتله، وسلط الله على ابن قميئة الشجر، فكان يمر بالشجر فيقع في وسطها فتأخذ من لحمه، فلم يزل كذلك حتى صار مثل الصر ومات لعنه الله. ورجع المنهزمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فأنزل الله على رسوله: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم (6) " يعني ولما ير، لانه عز وجل قد علم قبل ذلك من يجاهد ومن لا يجاهد، فأقام العلم مقام الرؤية، لانه يعاقبهم (7) بفعلهم لا بعلمه.
(1) طعنته خ ل. (2) في صحاف خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر المخطوط. (3) حمل خ ل. (4) فرمى خ ل. (5) فاصاب يد رسول الله صلى الله عليه وآله خ ل. (6) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (7) يعاقب الناس خ ل.
[ 59 ]
قوله تعالى. " ولقد كنتم تمنون الموت (1) الآية [ وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه) (2) خ ]
فإن المؤمنين لما أخبرهم الله بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم من الجنة رغبوا في ذلك، فقالوا: اللهم أرنا قتالا نستشهد فيه، فأراهم الله أياه يوم احد، فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم، فذلك قوله: " ولقد كنتم تمنون " الآية. وأما قوله: " وما محمد إلا رسول " (3) الآية فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج يوم احد وعهد العاهد به على تلك الحال، فجعل الرجل يقول لمن لقيه (4): إن رسول - الله صلى الله عليه وآله قد قتل، النجاء، فلما رجعوا إلى المدينة أنزل الله: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " إلى قوله: " انقلبتم على أعقابكم " يقول إلى الكفر. قوله: " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير " يقول كأين من نبي قبل محمد قتل معه ربيون كثير، والربيون: الجموع الكثيرة، والربة الواحدة: عشرة آلاف " فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله " من قتل نبيهم " وما ضعفوا " إلى قوله: " وإسرافنا في أمرنا " (5) يعنون خطاياهم. قال علي بن أبراهيم في قوله: " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا " يعني عبد الله بن ابي، حيث خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثم رجع يجبن أصحابه " سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب " يعني قريشا " بما أشركوا بالله (6) ". قوله: " ولقد صدقكم الله وعده " يعني ان ينصركم عليهم " إذ تحسونهم بإذنه " إذ (7) تقتلونهم بإذن الله " من بعد ما أراكم ما تحبون " (8) أي ما كانوا أحبوا
(1) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (2) موجود أيضا في المصدر المطبوع والمخطوط. (3) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (4) لمن لقى خ ل. (5 و 6) تقدم ذكر موضع الايات في صدر الباب، (7) أي خ ل.
(8) في المصدر بعد قوله. (باذن الله): [ قوله تعالى. في المخطوط ] حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون.
[ 60 ]
وسألوا من الشهادة " منكم من يريد الدنيا " يعني أصحاب عبد الله بن جبير الذين تركوا مراكزهم ومروا للغنيمة (1) " ومنكم من يريد الآخرة " يعني عبد الله بن جبير وأصحابه الذين بقوا (2) حتى قتلوا " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم " أي يختبركم ثم (3) ذكر المنهزمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " إذ تصعدون ولا تلوون " إلى قوله: " والله خبير بما تعملون ". وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " فأثابكم غما بغم " فأما الغم الاول فالهزيمة والقتل، والغم الآخر فإشراف خالد بن الوليد عليهم. يقول: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم " من الغنيمة " ولا ما أصابكم " يعني قتل إخوانهم " والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم من بعد الغم " قال: يعني الهزيمة، وتراجع أصحاب رسول الله المجروحون وغيرهم فأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأحب الله أن يعرف رسوله صلى الله عليه وآله من الصادق منهم ومن الكاذب، فأنزل الله عليهم النعاس في تلك الحالة حتى كانوا (4) يسقطون إلى الارض، وكان المنافقون الذين يكذبون لا يستقرون قد طارت عقولهم وهم يتكلمون بكلام لا يفهم عنهم، فأنزل الله عليه: " يغشى طائفة منكم " يعني المؤمنين " وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ " قال الله لمحمد: " قل إن الامر كلة لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا " يقولون: لو كنا في بيوتنا ما أصابنا القتل، قال الله: " لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم و ليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (5) " فأخبر الله رسوله ما في قلوب القوم
(1) في المصدر المطبوع: وفروا للغنيمة. (2) بقوا معه خ ل. أقول: في المصدر المخطوط: الذين بقوا لم يبرحوا حتى استشهدوا معه حتى قتلوا. (3) زاد في المصدر: " ولقد عفى عنكم والله ذو فضل على المؤمنين " ثم ذكر اه. (4) حتى كادوا خ ل. (5) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب.
[ 61 ]
ومن كان منهم مؤمنا، ومن كان منهم منافقا كاذبا بالنعاس، فأنزل الله عليه: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " (1) يعني المنافق الكاذب من المؤمن الصادق بالنعاس الذي ميز بينهم. قوله: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان " أي خدعهم حتى طلبوا الغنيمة " ببعض ما كسبوا " قال: بذنوبهم " ولقد عفا الله عنهم " ثم قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا " يعني عبد الله بن ابي و أصحابه الذين قعدوا عن الحرب " وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض " إلى قوله: " بصير " ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله: " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " أي انهزموا (2) ولم يقيموا معك، ثم قال تأديبا لرسوله: " فاعف عنهم واستغفر لهم " إلى قوله: " وعلى الله فليتوكل المؤمنون ". وفى رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " وما كان لنبي أن يغل " فصدق الله، لم يكن الله ليجعل نبيا غالا " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة " من غل (3) شيئا رآه يوم القيمة في النار، ثم يكلف أن يدخل إليه فيخرجه من النار " ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (4). قوله: " لقد من الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولا من أنفسهم (5) " فهذه
الآية لآل محمد عليهم السلام. قوله: " هو من عند أنفسكم " يقول: بمعصيتكم (6) أصابكم ما أصابكم.
(1) آل عمران: 179. (2) أي هربوا خ ل. (3) في المصدر: ومن غل. (4) تقدم ذكر موضع الايات في صدر الباب (5) آل عمران: 164. (6) لمعصيتكم خ ل.
[ 62 ]
قوله: " وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله " فهم ثلاثمائة منافق رجعوا مع عبد الله بن ابي بن سلول فقال لهم جابر بن عبد الله: انشدكم الله في نبيكم ودينكم ودياركم، فقالوا: والله لا يكون القتال اليوم، ولو نعلم أنه يكون قتالا لاتبعناكم يقول الله: " هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان (1) " الآية. فلما سكن القتال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من له علم بسعد بن الربيع ؟ فقال رجل: أنا أطلبه، فأشار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى موضع فقال: اطلبه (2) هناك فإني قد رأيته في ذلك الموضع قد شرعت حوله اثنا عشر رمحا، قال فأتيت ذلك الموضع فإذا هو صريع بين القتلى، فقلت: يا سعد فلم يجبني، ثم قلت يا سعد فلم يجبني فقلت: يا سعد إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد سأل عنك، فرفع رأسه فانتعش كما ينتعش الفرخ، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لحي ؟ قلت: إي والله إنه لحي، وقد أخبرني أنه رأى حولك اثنى عشر رمحا فقال: الحمد لله، صدق رسول الله صلى الله عليه وآله، قد طعنت اثنى عشر (3) طعنة كلها قد جافتني (4)، أبلغ قومي الانصار السلام وقل لهم: والله ما لكم عند الله عذر إن تشوك رسول الله صلى الله عليه وآله شوكة وفيكم عين تطرف، ثم تنفس
فخرج منه مثل دم الجزور، وقد كان احتقن في جوفه، وقضى نحبه رحمه الله. ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبرته فقال: " رحم الله سعدا نصرنا حيا و أوصى بنا ميتا ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من له علم بعمي حمزة ؟ فقال له الحارث بن الصمة أنا أعرف موضعه، فجاء حتى وقف على حمزة فكره أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام: يا علي اطلب عمك، فجاء علي عليه السلام فوقف على حمزة فكره أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) تقدم ذكر الايات في صدر الباب. (2) اطلب خ ل. (3) في نسخة المصنف. اثنا عشر. (4) أجافتني خ ل.
[ 63 ]
حتى وقف عليه، فلما رأى ما فعل به بكى، ثم قال: والله ما وقفت موقفا قط أغيظ علي من هذا المكان، لئن أمكنني الله من قريش لامثلن بسبعين رجلا منهم، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر (1) " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل أصبر، فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة بردة كانت عليه، فكانت إذا مدها على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدها على رجليه بدا رأسه، فمدها على رأسه وألقى على رجليه الحشيش، وقال: " لولا أني أحذر (2) نساء بني عبد المطلب لتركته للعقبان (3) والسباع حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع والطير ". وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالقتلى فجمعوا فصلى عليهم، ودفنهم في مضاجعهم، و
كبر على حمزة سبعين تكبيرة. قال: وصاح إبليس بالمدينة: قتل محمد، فلم يبق أحد من نساء المهاجرين و الانصار إلا وخرج (4)، وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله تعدو على قدميها حتى وافت رسول الله صلى الله عليه وآله، وقعدت بين يديه، وكان (5) إذا بكى رسول الله صلى الله عليه وآله بكت، وإذا انتحب انتحبت. ونادى أبو سفيان: موعدنا وموعدكم في عام قابل، فنقتتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام: قل: نعم، وارتحل رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل المدينة و
(1) النحل: 126 و 127. (2) أن احزن خ ل. (3) للعاقبة خ ل، أقول: في المصدر المطبوع: للعافية. وفي المخطوط: لولا انى احذر نساء (بفناء خ ل) بنى عبد المطلب لتركته للاعافية (للعافية خ ل) والسباع أقول: وفى الامتاع " لولا ان يحزن نساءنا ذلك لتركناه للعافية حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع وحواصل الطير " والعافية وواحدها عاف: كل ما جاء يطلب الفضل والرزق من الناس والدواب والطير و السباع، ويريد هنا السباع والطير: اكالة اللحم والجيف. (4) خرجت خ ل. أقول: في المصدر: الا خرج. (5) فكان خ ل.
[ 64 ]
استقبلته النساء يولولن (1) ويبكين، فاستقبلته زينب بنت جحش فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: احتسبي، فقالت: من يا رسول الله ؟ قال: أخاك، قالت " إنا لله وإنا إليه راجعون " هنيئا له الشهادة، ثم قال لها: احتسبي، قالت (2): من يا رسول الله ؟ قال: حمزة بن عبد المطلب، قالت: " إنا لله وإنا إليه راجعون " هنيئا له الشهادة، ثم قال لها: احتسبي، قالت (3): من يا رسول الله ؟ قال: زوجك مصعب بن عمير،
قالت: واحزناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن للزوج عند المرأة لحدا مالا حد مثله، فقيل لها: لم قلت ذلك في زوجك ؟ قالت: ذكرت يتم ولده. قال: وتؤامرت قريش على أن يرجعوا ويغيروا على المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اي رجل (4) يأتينا بخبر القوم ؟ فلم يجبه أحد، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا آتيكم (5) بخبرهم، قال: اذهب فإن كانوا ركبوا الخيل وجنبوا الابل فهم (6) يريدون المدينة، والله لئن أرادوا المدينة لانازلن الله فيهم، وإن كانوا ركبوا الابل وجنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة، فمضى أمير المؤمنين عليه السلام على ما به من الالم والجراحات، حتى كان قريبا من القوم فرآهم قد ركبوا والابل وجنبوا الخيل، فرجع أمير المؤمنين عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أرادوا مكة. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المديتة نزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم ولا يخرج معك إلا من به جراحة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديا ينادي: يا معشر المهاجرين والانصار من كانت به جراحة فليخرج، و من لم يكن به جراحة فليقم، فأقبلوا يضمدون (7) جراحاتهم ويداوونها، وأنزل
(1) ولولت المرأة: دعت بالويل. اعولت. (2 و 3) فقالت خ ل. (4) من رجل خ ل. (5) آتيك خ ل. (6) فانهم خ ل. (7) في المصدر: يصمدون. أقول: لعله من صمد الرجل رأسه: لف عليه صمادا. أي يلقون على جراحاتهم خرقة.بحار الانوار - 4 -
[ 65 ]
الله على نبيه: " ولا تهنوا في ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون (1) " الآية، فهذه الآية في سورة النساء، ويجب (2) أن تكون في هذه السورة. قال الله عزوجل: " إن يمسسكم قرح (3) " الآية، فخرجوا على ما بهم من الالم والجراح، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله حمراء الاسد وقريش قد نزلت الروحآء قال عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد: نرجع فنغير على المدينة، فقد قتلنا سراتهم وكبشهم يعنون (4) حمزة، فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر، فقال: تركت محمدا وأصحابه بحمراء الاسد يطلبونكم أحد الطلب (5)، فقال أبو سفيان: هذا النكد والبغي قد ظفرنا بالقوم وبغينا (6)، والله ما أفلح قوم قط بغوا، فوافاهم نعيم بن مسعود الاشجعي فقال أبو سفيان: أين تريد ؟ قال: المدينة لامتار لاهلي طعاما، قال: هل لك أن تمر بحمراء الاسد وتلقى أصحاب محمد وتعلمهم أن حلفاءنا وموالينا قد وافونا من الاحابيش حتى يرجعوا عنا، ولك عندي عشرة قلائص أملاها تمرا وزبينا ؟ قال: نعم، فوافى من غد ذلك اليوم حمراء الاسد، فقال لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: أين تريدون ؟ قالوا: قريشا، قال: ارجعوا فإن قريشا قد اجتمعت إليهم حلفاؤهم ومن كان تخلف عنهم وما أظن إلا وأوائل خيلهم يطلعون (7) عليكم الساعة، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، ما نبالي (8)، ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ارجع يا محمد، فإن الله قد أرعب قريشا ومروا لا يلوون على شئ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى
(1) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (2) وجب خ ل. (3) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (4) يعنى خ ل.
(5) اجد الطلب خ ل. اقول يوجد ذلك في المصدر المخطوط. وفى المطبوع، جد الطلب. (6) بقينا خ ل. (7) واوائل القوم قد طلعوا خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع. (8) ما نبالي ان يطلعوا علينا خ ل.
[ 66 ]
المدينة وأنزل الله: " الذين استجابوا لله وللرسول (1) " إلى قوله: " الذين قال لهم الناس " يعني نعيم بن مسعود، فهذا لفظه عام، ومعناه خاص " إن الناس قد جمعوا لكم " الآية. فلما دخلوا المدينة قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذا الذي أصابنا وقد كنت تعدنا النصر ؟ فأنزل الله تعالى: " أو لما أصابتكم مصيبة (2) " الآية، وذلك أن يوم بدر قتل من قريش سبعون، واسر منهم سبعون وكان الحكم في الاسارى القتل، فقامت الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله هبهم لنا ولا تقتلهم حتى نفاديهم، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: إن الله قد أباح لهم الفداء أن يأخذوا من هؤلاء ويطلقوهم على أن يستشهد منهم في عام قابل بقدر ما يأخذون (3) منه الفداء، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الشرط، فقالوا: قد رضينا به نأخذ العام الفداء من هؤلاء ونتقوى به، ويقتل منا في عام قابل بعدد من نأخذ منهم الفداء، وندخل الجنة، فأخذوا منهم الفداء وأطلقوهم، فلما كان في هذا اليوم وهو يوم احد قتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله سبعون، فقالوا: يا رسول الله ما هذا الذي أصابنا وقد كنت تعدنا النصر (4) ؟ فأنزل الله: " أو لما أصابتكم " إلى قوله: " هو من عند انفسكم " بما اشترطتم يوم بدر (5). بيان: الشعب بالكسر: الطريق في الجبل. والكمين كأمير: القوم يكمنون في الحرب، والسواد: المال الكثير، وانسل وتسلل: انطلق في استخفاء، قوله:
تجهزونا إما من تجهيز المسافر بمعنى تهيئة أسبابه، أو من قولهم: أجهز على الجريح: إذا أثبت قتله وأسرعه وتمم عليه. قوله: ولنا نصول، أي سهام وسيوف، والصؤل
(1) هكذا في نسخة المصنف وغيرها، والصحيح كما في المصحف والمصدر " الرسول " وقد تقدم الاية في صدر الباب. (2) تقدم ذكر موضع الايات في صدر الباب. (3) من يأخذون خ ل. (4) في المصدر: تعدنا بالنصر. (5) تفسير القمى: 100 - 115. والايات تقدم ذكر موضعها في صدر الباب.
[ 67 ]
فعول من قولهم: صال على قرنه: إذا سطا واستطال، والصارم: السيف القاطع. وفلول السيف: الكسور التي في حده. والناصر هو الله تعالى. وقال الجزري: القضم: الاكل بأطراف الاسنان، ومنه حديث علي عليه السلام " كانت قريش إذا رأته قالت: احذروا الحطم احذروا القضم " أي الذي يقضم الناس فيهلكهم انتهى. قوله: فقتل أمير المؤمنين عليه السلام التاسع، لعل الثامن ترك ذكره من النساخ أو الرواة، والهمهمة: الكلام الخفي، وتردد الزئير في الصدر من الهم، ونحو أصوات البقر والفيلة وشبهها، وكل صوت معه بحح - والهزبر: الاسد، والقثم كزفر: الكثير العطآء، والجموع للخير، والبهم بضم البآء وفتح الهاء جمع البهمة بالضم، وهي الحيلة الشديدة، والشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى، والصخرة، والجيش، والانسب هنا الاول والآخر. والبطالة بالفتح: الشجاعة، والزعيم: الكفيل. والصنديد بالكسر: السيد الشجاع. والطاحونة استعيرت هنا لمجتمع القوم ومستقرهم، وفي القاموس الطحون كصبور: الكتيبة العظيمة، والحرب
وشاهت الوجوه أي قبحت، والقط: القطع، والبط: الشق، واللط: المنع، و الستر، وإلصاق شئ كالطين ونحوه، والصفيحة: السيف العريض، والسليط: الزيت أو دهن السمسم. ويقال: أتى عليه الدهر، أي أهلكه، ومازن أبو قبيلة من تميم، والمراد بفلان وفلان وفلان أبو بكر وعمر وعثمان. ويقال: انحاز عنه: عدل، وانحاز القوم: تركوا مراكزهم. وتحاماه الناس: توقوه واجتنبوه، والهد: الهدم الشديد، والكسر. والجرف بالضم وبضمتين: ما تجرفته السيول، وأكلته من الارض. والهز: التحريك. واللوك: مضغ الشئ الصلب وإدارته في الفم. والداغصة: العظم المدور المتحرك في وسط الركبة. والخرص بالضم و يكسر: حلقة الذهب والفضة، أو حلقة القرط، أو حلقة الصغيرة من الحلي. وقال في النهاية: في حديث احد قال أبو سفيان لما انهزم المسلمون وظهروا عليهم: اعل هبل، فقال عمر: الله أعلى وأجل، فقال لعمر: أنعمت فعال عنها،
[ 68 ]
كان الرجل من قريش إذا أراد ابتداء أمر عمد إلى سهمين، فكتب على أحدهما: نعم، وعلى الآخر: لا، ثم يتقدم إلى الصنم فيجيل سهامه فإن خرج سهم " نعم " أقدم و إن خرج سهم " لا " امتنع، وكان أبو سفيان لما أراد الخروج إلى احد استفتى هبل فخرج له سهم الانعام، فذلك قوله: أنعمت فعال عنها، أي تجاف عنها ولا تذكرها بسوء، يعني آلهتهم (1). والعرقوب (2) من الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. واكتسع الفحل: خطر فضرب فخذيه بذنبه، والكلب بذنبه: استثفر وكذا الخيل بأذنابها. والمزن بالضم: السحاب البيض، أو ماء السماء كما سيأتي. والصحاف جمع الصحفة وهي القصعة، والاعسر هو الذي يعمل بيده اليسرى، يقال: ليس شئ أشد رميا من الاعسر. والصر بالكسر: طائر أصفر كالعصفور،
ويقال: عهده وعهد به: إذا لقيه. وقال في النهاية: في قولهم: النجاء النجاء أي انجوا بأنفسكم، وهو مصدر منصوب بفعل مضمر أي انجوا النجاء، والنجاء: السرعة. وقال الفيروز آبادي: الربة بالكسر ويضم عشرة آلاف. قوله: قد أجافتني أي دخلت جوفي، ويقال: شاكتني الشوكة، أي أصابتني. وقال الجزري: من مات له ولد فاحتسبه، اي احتسب الاجر بصبره على مصيبته. انتهى. ويقال: جنبه أي قاده إلى جنبه فهو جنيب ومجنوب. وقال الجزري: في الحديث: نازلت ربي في كذا، أي راجعته وسألته مرة بعد مرة، وهو مفاعلة من النزول عن الامر، أو من النزال في الحرب، وهو تقابل القرنين انتهى. والسراة بفتح السين وقد يضم: الاشراف، والاحابيش: الجماعة من الناس
(1) أو هبل بالخصوص. (2) العرقوب: عصب غليظ فوق العقب.
[ 69 ]
ليسوا من قبيلة واحدة. والقلائص جمع القلوص، وهي الشابة من الابل. وقال الجزري: فيه فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، أي لا يلتفت ولا يعطف عليه، وألوى برأسه ولواه: إذا أماله من جانب إلى جانب. 4 - ل: بإسناده عن عامر بن واثلة في خبر الشورى قال أمير المؤمنين عليه السلام: نشدتكم بالله هل فيكم من قال له جيرئيل: يا محمد ترى هذه المواساة من علي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل: " وأنا منكما " غيري ؟ قالوا:
اللهم لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قتل من بني عبدالدار تسعة مبارزة (1) كلهم يأخذ اللواء ثم جاء صواب الحبشي مولاهم وهو يقول: والله لا أقتل بسادتي إلا محمدا، قد أزبد شدقاه واحمرت عيناه، فاتقيتموه وحدتم عنه، وخرجت إليه، فلما أقبل كانه قبة مبنية، فاختلفت أنا وهو ضربتين فقطعته بنصفين، وبقيت رجلاه وعجزه وفخذاه قائمة على الارض، تنظر إليه المسلمون ويضحكون منه (2) ؟ قالوا: اللهم لا (3). 5 - ج: عن ابي جعفر عليه السلام في خبر الشورى قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: نشدتكم بالله هل فيكم أحد وقفت الملائكة معه يوم احد حين ذهب الناس غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد سقى رسول الله صلى الله عليه وآله من المهراس غيري ؟ قالوا: لا (4). بيان: قال في النهاية: في الحديث " إنه عطش يوم احد فجاءه علي بماء من المهراس فعافه، وغسل به الدم عن وجهه " المهراس: صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء وقد يعمل منه حياض للماء، وقيل: المهراس في هذا الحديث اسم ماء باحد. 6 - ل: فيما عد أمير المؤمنين عليه السلام على رأس اليهود من محنه عليه السلام في حياة
(1) في المصدر: مبارزة غيرى. (2) " ": يضحكون منه. (غيرى خ ل). (3) الخصال 2: 121 و 124. (4) الاحتجاج: 73 و 74.
[ 70 ]
النبي صلى الله عليه وآله وبعد فوته: أما الرابعة يا أخا اليهود فإن أهل مكة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم قد استحاشوا من يليهم من قبائل العرب وقريش طالبين بثار مشركي قريش في يوم بدر، فهبط جيرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنبأه بذلك، فذهب النبي
صلى الله عليه وآله وعسكر بأصحابه في سد احد وأقبل المشركون إلينا فحملوا علينا حملة رجل واحد، واستشهد من المسلمين من استشهد، وكان ممن بقي ما كان من الهزيمة، وبقيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومضى المهاجرون والانصار إلى منازلهم من المدينة كل يقول: قتل النبي صلى الله عليه وآله وقتل أصحابه، ثم ضرب الله عزوجل وجوه المشركين، وقد جرحت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله نيفا وسبعين جرحة، منها هذه وهذه، ثم ألقى رداءه وأمر يده على جراحاته، وكان مني في ذلك (1) ما على الله عزوجل ثوابه إن شاء الله الخبر (2). بيان: قال الجزري: في الحديث جاءت هوازن على بكرة أبيها، هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وأنهم جاؤا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة حقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء فاستعيرت في هذا الموضع انتهى. والحوش: الجمع. 7 - ع: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن البزنطي وابن أبي عمير معا، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما كان يوم احد انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لم يبق معه إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو دجانة سماك بن خرشة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا بادجانة (3) أما ترى قومك ؟ قال: بلى، قال: الحق بقومك قال: ما على هذا بايعت الله ورسوله، قال: أنت في حل، قال: والله لا تتحدث قريش بأني خذلتك وفررت حتى أذوق ما تذوق، فجزاه النبي صلى الله عليه وآله خيرا، وكان علي عليه السلام كلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه وآله استقبلهم وردهم حتى أكثر فيهم القتل
(1) في ذلك اليوم خ ل. (2) الخصال 2: 15. (3) يا ابا دجانة خ ل. (*)
[ 71 ]
والجراحات حتى انكسر سيفه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن الرجل يقاتل بسلاحه وقد انكسر سيفي، فأعطاه عليه السلام سيفه ذا الفقار، فما زال يدفع به عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى اثر وانكر (1)، فنزل عليه جبرئيل وقال: يا محمد إن هذه لهي المواساة من علي عليه السلام لك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما، وسمعوا دويا من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. قال الصدوق رحمه الله: قول جبرئيل: وأنا منكما تمنى منه لان يكون منهما، فلو كان أفضل منه لم يقل ذلك، ولم يتمن أن ينحط عن درجته إلى أن يكون ممن دونه، وإنما قال: وأنا منكما ليصير ممن هو أفضل منه، فيزداد محلا إلى محله وفضلا إلى فضله (2). بيان: قوله: حتى اثر على بناء المجهول، أي أثر فيه الجراحة، وانكر أيضا على بناء المجهول، أي صار بحيث لم يكن يعرفه من يراه من قولهم: أنكره: إذا لم يعرفه. 8 - ما: المفيد، عن محمد بن المظفر البزاز، عن أحمد بن عبيد العطاردي، عن أبي بشر بن بكير، عن زياد بن المنذر، عن أبي عبد الله مولى بني هاشم، عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم احد شج النبي صلى الله عليه وآله في وجهه، وكسرت رباعيته فقام صلى الله عليه وآله رافعا يديه يقول: إن الله اشتد غضبه على اليهود أن قالوا: العزير (3) ابن الله، واشتد غضبه على النصارى أن قالوا: المسيح ابن الله، وإن الله اشتد غضبه على من أراق دمي، وآذاني في عترتي (4). 9 - ما: المفيد، عن علي بن مالك النحوي، عن أحمد بن عبد الجبار، عن
(1) في المصدر: وانكسر.
(2) علل الشرائع: 14. (3) في المصدر: عزير بلا حرف تعريف. (4) امالي ابن الشيخ: 88.
[ 72 ]
بشر بن بكر، عن محمد بن إسحاق عن مشيخته قال: لما رجع علي بن أبي طالب عليه السلام من احد ناول فاطمة سيفه وقال: أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بلئيم لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد * ومرضاة رب بالعباد رحيم قال: وسمع يوم احد وقد هاجت ريح عاصف كلام هاتف يهتف وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي (1) فإذا ندبتم هالكا فابكوا الوفي أخا الوفي (2) بيان: الرعديد بالكسر: الجبان، والمراد بالوفي حمزة وهو أخو الوفي أبي طالب عليهما السلام. 10 - أقول: روي في الديوان المنسوب إليه عليه السلام بعد البيتين: اريد ثواب الله لا شئ غيره * ورضوانه في جنة ونعيم كنت امرأ أسمو إذ الحرب شمرت (3) * وقامت على ساق بغير مليم أممت ابن عبدالدار حتى ضربته * بذي رونق يفري العظام صميم فغادرته بالقاع فارفض جمعه * عباديد من ذي قانط وكليم وسيفي بكفي كالشهاب أهزه * أجز به من عاتق وصميم فما زلت حتى فض ربي جموعهم * وأشفيت منهم صدر كل حليم (4). 11 - وقال شارح الديوان: لما أنشد علي عليه السلام هذه الابيات قال النبي صلى الله عليه وآله: خذيه يا فاطمة فقد أدى بعلك ما عليه، وقد قتل الله صناديد قريش بيديه. قال: وروى زيد بن وهب، عن ابن مسعود قال: انهزم الناس يوم احد إلا
علي وحده، فقلت: إن ثبوت علي في ذلك المقام لعجب، قال: إن تعجبت منه
(1) قال ابن هشام في السيرة 3: 52: وحدثني بعض أهل العلم ان ابن أبى نجيح قال: نادى مناد يوم احد: لا سيف الا ذو الفقار، ولا فتى إلا على. (2) امالي ابن الشيخ: 88 و 89. (3) يسمو خ ل. (4) ديوان على عليه السلام: 125.
[ 73 ]
فقد تعجبت الملائكة، أما علمت أن جبرئيل قال في ذلك اليوم وهو يعرج إلى السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. وعن عكرمة، عن علي عليه السلام قال قال لي النبي صلى الله عليه وآله يوم احد: أما تسمع مديحك في السماء ؟ إن ملكا اسمه رضوان ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. قال: ويقال: إن النبي صلى الله عليه وآله نودي في هذا اليوم: ناد عليا مظهر العجائب * تجده عونا لك في النوائب كل غم وهم سينجلي * بولايتك يا علي يا علي يا علي (1) وقال بعضهم: الهم عبارة عن الفكر في مكروه يخاف الانسان حدوثه، ويرجو فواته، فيكون مركبا من الخوف والرجاء، والغم لا فكر فيه، لانه إنما يكون فيما مضى انتهى كلام الشارح. قوله: يسمو، أي يعلو، وشمر في الامر: خف على ساق، أي على شدة. بغير مليم أي بغير فعل يوجب الملامة. أممت أي قصدت. ورونق السيف: ماؤه و حسنه، والفري: القطع، وصمم السيف: إذا مضى في العظم وقطعه. فغادرته، أي تركته، والافضاض: التفرق، والعباديد: الفرق من الناس الذاهبون في كل وجه. من ذي قانط، أي جمع فيهم قانطون، وكليم أي جريح، والصميم: العظم الذي به
قوام العضو. 12 - مع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة قال: ذهبت أنا وبكير مع رجل من ولد علي عليه السلام إلى المشاهد حتى انتهينا إلى احد فأرانا قبور الشهداء، ثم دخل بنا الشعب فمضينا معه ساعة حتى مضينا إلى مسجد هناك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى فيه فصلينا فيه، ثم أرانا
(1) الجملة الاخيرة فيها غرابة ولا تلائم سابقها، والظاهر أنها من زيادة بعض الجهلة، أو الصوفية المضلة الذين يزعمون أن هذه الجملات تكون دعاء فيذكرونها وردا وذكرا، غفلة عن معناها، بل بعضهم يرون للمداومة على ذكرها فضيلة ليست للصلاة، حفظنا الله عن البدع واتباع الاهواء.
[ 74 ]
مكانا في رأس جبل فقال: إن النبي صلى الله عليه وآله صعد إليه فكان يكون فيه ماء المطر، قال زرارة: فوقع في نفسي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يصعد إلى ماثم (1)، فقلت: أما أنا فإني لا أجئ معكم، أنا نائم هيهنا حتى تجيؤا، فذهب هو وبكير، ثم انصرفوا وجاؤا إلي، فانصرفنا جميعا حتى إذا كان الغد أتينا أبا جعفر عليه السلام، فقال لنا: أين كنتم أمس فإني لم أركم، فأخبرناه ووصفنا له المسجد والموضع الذي زعم أن النبي صلى الله عليه وآله صعد إليه فغسل وجهه فيه، فقال أبو جعفر عليه السلام: ما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك المكان قط، فقلت له: يروى (2) لنا أنه كسرت رباعيته فقال: لا، قبضه الله سليما، ولكنه شج في وجهه فبعث عليا فأتاه بماء في حجفة، فعافه (3) رسول الله صلى الله عليه وآله أن يشرب منه وغسل وجهه (4). 13 - مع: الطالقاني رضي الله عنه بالري في رجب سنة تسع وأربعين وثلاثماثة قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الانباري، عن محمد بن يونس، عن عبد الرحمن بن عبد الله (5)، عن إسماعيل بن قيس، عن مخذمة بن بكير (6) عن أبي حازم، عن
خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لما كان يوم احد بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب سعد بن الربيع، وقال لي: إذا رأيته فاقرأه مني السلام، وقل له: كيف تجدك ؟ قال: فجعلت أطلبه بين القتلى حتى وجدته بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقرأ عليك السلام ويقول لك: كيف تجدك ؟ فقال سلم على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقل لقومي الانصار: لا عذر لكم عند الله
(1) إلى ماء خ ل. (2) في المصدر: فقلنا: وروى. (3) أي كرهه. (4) معاني الاخبار: 115. (5) في المصدر: عبد الرحمن بن عبد الله أبو صالح الطويل التمار البصري جليس سليمان ابن حرب. (6) هكذا في نسخة المصنف: وفى المصدر: مخزمة. ولعل كلاهما مصحفان، والصحيح: مخرمة، وهو مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الاشج أبو المسور المدنى راجع التقريب: 485 وتهذيب التهذيب 10: 70.
[ 75 ]
إن وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وفيكم شفر يطرف (1)، وفاضت نفسه. قال الصدوق رحمه الله: سمعت أبا العباس يقول: قال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري: قوله: " فيكم شفر يطرف " الشفر واحد أشفار العين، وهي حروف الاجفان التي تلتقي عند التغميض، والاجفان أغطية العينين من فوق ومن تحت، والهدب: الشعر النابت في الاشفار، وشفر العين مضموم الشين، ويقال: ما في الدار شفر بفتح الشين، يراد به أحد، قال الشاعر: فوالله ما تنفك منا عداوة * ولا منهم ما دام من نسلنا شفر
وقوله: فاضت نفسه، معناه مات، قال أبو العباس: قال أبو بكر الانباري حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن نصر (2) بن علي، عن الاصمعي، عن أبي عمرو بن العلا قال: يقال: فاظ الرجل: إذا مات، ولا يقال: فاظت نفسه، ولا فاضت نفسه وحدثنا أبو العباس، عن ابن الانباري، عن عبد الله بن خلف قال: حدثنا صالح بن محمد بن دراج قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: يقال: فاظ الميت، ولا يقال: فاظت نفسه. ولا فاضت نفسه. حدثنا أبو العباس قال: حدثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى، عن سلمة بن عاصم، عن الفراء قال: أهل الحجاز وطي يقولون: فاضت نفس الرجل، وعكل وقيس وتميم يقولون: فاضت نفسه بالضاد، وأنشد: يريد رجال ينادونها * وأنفسهم دونها فائضة وحدثنا أبو العباس، عن أبي بكر بن الانباري، عن أبيه، عن أبي الحسن الطوسي، عن أبي عبيد، عن الكسائي قال: يقال: فاضت نفسه، وفاظ الميت، وأفاظ الله نفسه (3).
(1) في سيرة ابن هشام: لا عذر لكم عند الله ان خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وآله ومنكم عين تطرف (2) نضرخ. وفي المصدر المطبوع حديثا: نصر بن على. (3) في المصدر: وفاض الميت نفسه، وافاض الله نفسه.
[ 76 ]
وبالاسناد عن أبي الحسن الطوسي ومحمد بن الحكم، عن الحسن اللحياني (1)، قال: يقال: فاظ الميت بالظاء، وفاض الميت بالضاد. وحدثنا أبو العباس، عن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن محمد القمي، عن يعقوب بن السكيت قال: يقال: فاظ الميت يفوظ، وفاظ يفيظ.
وحدثنا أبو العباس، عن أبي بكر، عن أبيه، عن محمد بن الجهم، عن الفراء قال: يقال: فاظ الميت نفسه بالظاء، ونصب النفس. وحدثنا أبو العباس قال: أنشدنا أبو بكر، قال: أنشدني أبي قال: أنشدنا أبو عكرمة الضبي: وفاظ ابن حصن غائيا (2) في بيوتنا * يمارس قدا في ذراعيه مصحبا (3) بيان: قال الجوهري: غني بالمكان، أي أقام، وغني أي عاش، وقال: القد: الشق طولا: والقد أيضا: جلد السخلة الماعزة، وبالكسر، سيرتقد من جلد غير مدبوغ وقال المصحب من الزق: ما الشعر عليه، وقد أصحبته: إذا تركت صوفه أو شعره عليه ولم تعطنه. 14 - فس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما مر بعمرو بن العاص والوليد بن عقبة بن أبي معيط وهما في حائط يشربان ويغنيان بهذا البيت في حمزة بن عبد المطلب حين قتل: كم من حواري تلوح عظامه * وراء الحرب عند ان يجر (4) فيقبرا فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم العنهما واركسهما في الفتنة ركسا، ودعهما إلى النار دعا (5).
(1) في الاسناد اختصار، وفي المصدر: عن ابى الحسن الطوسى، عن ابى عبيد، عن الكسائي، وابو جعفر محمد بن الحكم عن الحسن اللحيانى. (2) غانيا. (عانيا) خ ل. (3) معاني الاخبار: 102. (4) يحبر خ ل. (5) تفسير القمى: 449.
[ 77 ]
بيان: الحواري: الناصر، والركس، رد الشئ مقلوبا، والدع: الدفع. 15 - يج: روي أن ابي بن خلف قال للنبي صلى الله عليه وآله بمكة: إني أعلف العوراء (1) يعني فرسا له، أقتلك عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لكن، أنا إن شاء الله، فلقي يوم احد، فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وآله الحربة من الحارث بن الصمة فمشى إليه فطعن وانصرف، فرجع إلى قريش وهو يقول: قتلني محمد، قالوا: وما بك بأس، قال: إنه قال لي بمكة: إني أقتلك، لو بصق علي لقتلني، فمات بشرف (2). 16 - يج: من معجزاته صلى الله عليه وآله أنه لما كانت وقعة بدر قتل المسلمون من قريش سبعين رجلا، وأسروا منهم سبعين، فحكم رسول الله بقتل الاسارى وحرق الغنائم فقال جماعة من المهاجرين: إن الاسارى هم قومك وقد قتلنا منهم سبعين فأطلق لنا أن نأخذ الفداء من الاسارى والغنائم فنقوى (3) بها على جهادنا، فأوحى الله إليه: إن لم تقتلوا يقتل منكم في العام المقبل في مثل هذا اليوم عدد الاسارى، فأنزل الله: " ما كان لنبي أن يكون أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا (4) " فلما كان في العام المقبل وقتل من المسلمين سبعون بعدد (5) الاسارى قالوا: يا رسول الله قد وعدتنا النصر فما هذا الذي وقع بنا ؟ ونسوا الشرط ببدر فأنزل الله: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " يعني ما كانوا أصابوا من قريش ببدر وقبلوا الفداء من الاسرى " قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم " يعني بالشرط الذي شرطوه على انفسهم ان يقتل منهم بعدد الاسارى إذا هو أطلق لهم الفداء منهم والغنائم، فكان الحال في ذلك على حكم الشرط، ولما انكشفت الحرب يوم احد سار (7) أولياء
(1) في نسخة المصنف: عوذاء، وفي امين الضرب: عوزاء: (2) لم نجد الحديث في الخرائج المطبوع. (3) فنتقوى. (4) الانفال: 67.
(5) عدد خ ل. (6) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (7) ساروا خ ل.
[ 78 ]
المقتولين ليحملوا قتلاهم إلى المدينة فشدوهم على الجمال، وكانوا إذا توجهوا بهم نحو المدينة بركت الجمال، وإذا توجهوا بهم نحو المعركة أسرعت، فشكوا الحال إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألم تسمعوا قول الله: " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم (1) " فدفن كل رجلين في قبر إلا حمزة فإنه دفن وحده، وكان أصاب عليا عليه السلام في حرب احد أربعون جراحة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الماء على فمه فرشه على الجراحات، فكأنها لم تكن من وقتها، وكان أصاب عين قتادة (2) سهم من المشركين فسالت الحدقة، فأمسكها النبي صلى الله عليه وآله بيده فعادت كأحسن ما كانت. ومنها: أن عليا عليه السلام قال: انقطع سيفي يوم احد فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: إن المرأ يقاتل بسيفه، وقد انقطع سيفي، فنظر إلى جريدة نخل عتيقة يابسة مطروحة فأخذها بيده، ثم هزها فصارت سيفه ذا الفقار فناولنيه، فما ضربت به أحدا إلا وقده بنصفين. ومنها: أن جابرا قال: كان النبي صلى الله عليه وآله بمكة ورجل من قريش يربي (3) مهرا، كان إذا لقى محمدا والمهر معه يقول: يا محمد على هذا المهر أقتلك، قال النبي صلى الله عليه وآله: أقتلك عليه، قال: بل أقتلك. فوافى احدا فأخذ النبي صلى الله عليه وآله حربة رجل وخلع سنانه ورمى به فضربها على عنقه، فقال: النار النار، وسقط ميتا. ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله انتهى إلى رجل قد فوق سهما ليرمي بعض المشركين
فوضع صلى الله عليه وآله يده فوق السهم وقال: ارمه (4)، فرمى ذلك المشرك به فهرب المشرك
(1) آل عمران: 154. (2) عم قتادة خ ل. أقول: الصواب ما في المتن وهو قتادة بن النعمان. (3) كان يربى خ ل. أقول: المهر: ولد الفرس. والرجل هو ابى بن خلف. وقد تقدم خبره. (4) ارم خ ل.
[ 79 ]
من السهم، وجعل يروغ من السهم يمنة ويسرة، والسهم يتبعه حيثما راغ حتى سقط السهم في رأسه، فسقط المشرك ميتا. فأنزل الله " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " (1). وكان أبو غرة (2) الشاعر حضر مع قريش يوم بدر [ و ] يحرض قريشا بشعره على القتال، فاسر في السبعين الذين اسروا، فلما وقع الفداء على القوم قال أبو غرة (3): يا أبا القاسم تعلم أني رجل فقير فامنن على بناتي، فقال: اطلقك (4) بغير فداء ألا تكثر علينا بعدها، قال: لا والله، فعاهده على أن لا يعود، فلما كان حرب احد دعته قريش إلى الخروج معها ليحرض الناس بشعره على القتال، فقال إني عاهدت محمدا أن لا اكثر عليه بعد ما من علي، قالوا: ليس هذا من ذلك، إن محمدا لا يسلم منا في هذه الدفعة، فغلبوه على رأيه (5)، فلم يؤسر يوم احد من قريش غيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألم تعاهدني ؟ قال: إنهم (6) غلبوني على رأيي فامنن على بناتي، قال: " لا، تمشي بمكة وتحرك كتفيك وتقول: سخرت من محمد مرتين " [ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ]: " المؤمن لا يلسع من جحر مرتين " يا علي اضرب عنقه (7). بيان: راغ: مال وحاد. 17 - شا: ثم تلت بدرا غزاة احد، وكانت رأية رسول الله صلى الله عليه وآله بيد أمير المؤمنين
(1) الانفال: 17. (2 و 3) هكذا في النسخ، والصحيح: أبو عزة. وقد تقدم. (4) ان اطلقك خ ل. (5) فخرج يسير في تهامة ويدعو بنى كنانة ويقول: إيها بنى عبد مناة الرزام * انتم حماة وأبوكم حام لا تعدوني نصركم بعد العام لا تسلموني لا يحل اسلام قاله ابن هشام في السيرة. (6) انما غلبوني خ ل. (7) لم نجد الحديث في الخرائج، وقد ذكرنا سابقا أن الخرائج المطبوع كأنه مختصر من الخرائج.
[ 80 ]
عليه السلام فيها كما كانت بيده يوم بدر، فصار اللواء إليه يؤمئذ دون صاحب الرأية واللواء جميعا، وكان الفتح له في هذه الغزاة كما كان له ببدر سواء، واختص بحسن البلاء فيها والصبر وثبوت القدم عندما زلت من غيره الاقدام، وكان له العناء برسول الله صلى الله عليه وآله (1) ما لم يكن لسواه من أهل الاسلام، وقتل الله بسيفه رؤوس أهل الشرك و الضلال وفرج الله به الكرب عن نبيه صلى الله عليه وآله، وخطب بفضله في ذلك المقام جبرئيل عليه السلام في ملائكة الارض والسماء، وأبان نبي الهدي صلى الله عليه وآله من اختصاصه به ما كان مستورا عن عامة الناس. فمن ذلك ما رواه يحيى بن عمارة قال: حدثني الحسن بن موسى بن رياح مولى الانصار قال: حدثني أبوالبختري القرشي قال: كانت رأية قريش ولواؤها جميعا بيد قصي بن كلاب، ثم لم تزل الراية في يد ولد عبد المطلب يحملها منهم
من حضر الحرب حتى بعث الله رسوله، فصارت راية قريش وغيرها إلى النبي صلى الله عليه وآله فأقرها في بني هاشم فأعطاها (2) رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام في غزاة ودان (3)، وهي أول غزاة حمل (4) فيها راية في الاسلام مع النبي صلى الله عليه وآله، ثم لم تزل معه في المشاهد ببدر وهي البطشة الكبرى، وفي يوم احد، وكان اللواء يومئذ في بني عبدالدار فأعطاها (5) رسول الله صلى الله عليه وآله مصعب بن عمير، فاستشهد، ووقع اللواء من يده فتشوقته القبائل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله فدفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فجمع له يومئذ الراية واللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم.
(1) الفناء عن رسول الله صلى الله عليه وآله خ ل. أقول: هذا هو الصواب. وفى المصدر: وكان له من العناء. (2) وأعطاها خ ل. (3) ودان بالفتح وتشديد الدال: قرية جامعة بين مكة والمدينة من نواحى الفرع: بينها وبين هرشى ستة اميال: وبينها وبين الابواء نحو من ثمانية اميال قريبة من الجحفة. (4) وهى اول غزوة حملت خ ل. (5) فأعطاه خ ل.
[ 81 ]
وروى المفضل بن عبد الله عن سماك، عن عكرمة، عن عبد الله بن العباس أنه قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أربع ما هن لاحد: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو صاحب لوائه في كل زحف، وهو الذي ثبت معه يوم المهراس (1) - يعني يوم احد - وفر الناس، وهو الذي أدخله قبره. وروى زيد بن وهب الجهني، عن أحمد بن عمار، عن الحماني (2)، عن شريك عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب قال: وجدنا من عبد الله بن مسعود يوما طيب نفس فقلنا له: لو حدثتنا عن يوم احد وكيف كان، فقال: أجل، ثم ساق الحديث
حتى انتهى إلى ذكر الحرب، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اخرجوا إليهم على اسم الله، فخرجنا فصففنا لهم صفا طويلا، وأقام على الشعب خمسين رجلا من الانصار وأمر عليهم رجلا منهم، وقال: لا تبرحوا من مكانكم هذا، ولو قتلنا (3) عن آخرنا فإنما نؤتى من موضعكم (4)، قال: فأقام أبو سفيان صخر بن حرب بإزائهم خالد ابن الوليد، وكانت الالوية من قريش في بني عبدالدار (5) وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة، وكان يدعى كبش الكتيبة، قال: ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب، وجاء حتى وقف تحت لواء الانصار، قال: فجاء أبو سفيان إلى أصحاب اللواء فقال: يا أصحاب الالوية إنكم قد تعلمون أنما يؤتى القوم من قبل ألويتهم، وإنما اوتيتم (6) يوم بدر من قبل ألويتكم، فإن كنتم
(1) المهراس تقدم معناه. (2) في نسخة: الجمانى، وفي المصدر: الحمامى. والصحيح ما في المتن، والحمانى بكسر الحاء وتشديد الميم يطلق على رجال منهم يحيى بن عبد الحميد بن عبد الله بن ميمون بن عبد الرحمن الحافظ أبو زكريا الكوفى المتوفى 228، وهو المراد هنا بقرينة روايته عن شريك. راجع تهذيب التهذيب 11: 243. (3) ولو أن قتلنا خ ل. (4) في المصدر: من موضعكم هذا. (5) وكانت الوية قريش مع بنى عبد الدار خ ل. (6) اتيتم خ ل.
[ 82 ]
ترون أنكم قد ضعفتم عنها فادفعوها إلينا نكفكموها، قال: فغضب طلحة بن أبي طلحة وقال: ألنا تقول هذا ؟ والله لاوردنكم بها اليوم حياض الموت، قال: وكان (1) طلحة يسمى كبش الكتيبة، قال فتقدم وتقدم علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال علي:
من أنت ؟ قال: أنا طلحة بن أبي طلحة كبش الكتيبة (2) فمن أنت ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ثم تقاربا فاختلفت بينهما ضربتان فضربه علي بن أبي طالب عليه السلام ضربة على مقدم رأسه فبدرت عينه (3)، وصاح صيحة لم يسمع مثلها قط وسقط اللواء من يده، فأخذه أخ له يقال له: مصعب، فرماه عاصم بن ثابت بسهم فقتله، ثم أخذ اللواء أخ له يقال له: عثمان، فرماه عاصم ايضا بسهم فقتله، فأخذه عبد لهم يقال له: صواب وكان من أشد الناس، فضرب (4) علي عليه السلام على يده فقطعها فأخذ اللواء بيده اليسرى، فضرب علي على يده اليسرى فقطعها، فأخذ اللواء على صدره وجمع يديه وهما مقطوعتان عليه فضربه علي عليه السلام على ام رأسه فسقط صريعا فانهزم (5) القوم وأكب المسلمون على الغنائم، فلما رأى أصحاب الشعب الناس يغنمون قالوا: يذهب هؤلاء بالغنائم ونبقي نحن ؟ فقالوا لعبدالله بن عمر (6) بن حزم الذي كان رئيسا عليهم: نريد أن نغنم كما يغنم (7) الناس، فقال: إن رسول - الله صلى الله عليه وآله أمرني أن لا أبرح من موضعي (8) هذا، فقالوا له: إنه أمرك بهذا وهو لا يدري أن الامر يبلغ إلى ما ترى (9)، ومالوا إلى الغنائم وتركوه، ولم يبرح هو
(1) فكان خ ل. (2) أنا كبش الكتيبة قال خ ل. (3) فبدرت عيناه خ ل. (4) فضربه على بن أبى طالب خ ل. (5) وانهزم خ ل. (6) في غير نسخة المصنف وفي المصدر واسد الغابة: لعبدالله بن عمرو بن حزم. (7) في نسخة المصنف: كما غنم الناس. (8) مكاني خ ل.
(9) حيث نرى. وفي المصدر: ما نرى.
[ 83 ]
من موضعه، فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله، ثم جاء من (1) ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله يريده، فنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله في خف من أصحابه فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون فشأنكم به، فحملوا عليه حملة رجل واحد ضربا بالسيوف، وطعنا بالرماح ورميا بالنبل، ورضخا بالحجارة، وجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقاتلون عنه حتى قتل منهم سبعون رجلا وثبت أمير المؤمنين عليه السلام و أبو دجانة وسهل بن حنيف للقوم يدفعون عن النبي صلى الله عليه وآله فكثر (2) عليهم المشركون، ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه ونظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقد كان اغمي عليه مما ناله، فقال: يا علي ما فعل الناس ؟ فقال نقضوا العهد، وولوا الدبر، فقال له: فاكفني هؤلاء الذين قد قصدوا قصدي، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام فكشفهم (3) ثم عاد إليه وقد حملوا عليه من ناحية اخرى فكر عليهم فكشفهم، وأبو دجانة وسهل ابن حنيف قائمان على رأسه بيد كل واحد منهما سيف ليذب عنه، وثاب (4) إليه من أصحاب المنهزمين أربعة عشر رجلا: منهم طلحة بن عبيدالله، وعاصم بن ثابت وصعد الباقون الجبل، وصاح صائح بالمدينة: قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فانخلعت لذلك القلوب، وتحير المنهزمون، فأخذوا يمينا وشمالا، وكانت هند بنت عتبة جعلت لوحشي جعلا على أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله، أو أمير المؤمنين عليه السلام، أو حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، فقال لها: أما محمد فلا حيلة لي فيه، لان أصحابه يطيفون به، وأما علي فإنه إذا قاتل كان أحذر من الذئب، وأما حمزة فإنى أطمع فيه، لانه إذا غضب لم يبصر بين يديه، وكان حمزة يومئذ قد أعلم بريشة نعامة في صدره، فكمن له وحشي في أصل شجرة، فرآه حمزة فبدر بالسيف إليه فضربه ضربة أخطأت رأسه، قال وحشي: وهززت (5) حربتي حتى إذا تمكنت منه رميته فأصبته
في اربيته فأنفذته وتركته حتى إذا برد صرت إليه، فأخذت حربتي وشغل عني و عنه المسلمون بهزيمتهم، وجاءت هند فأمرت بشق بطن حمزة وقطع كبده والتمثيل به، فجدعوا أنفه واذنيه، ومثلوا به، ورسول الله صلى الله عليه وآله مشغول عنه لا يعلم بما انتهى (1) إليه الامر. قال الراوي للحديث وهو زيد بن وهب: قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لم يبق معه (2) إلا علي بن أبي طالب وأبو دجانة وسهل بن حنيف، فقال انهزم الناس إلا علي بن أبي طالب وحده، وثاب إلى رسول - الله صلى الله عليه وآله نفر وكان أولهم عاصم بن ثابت، وأبا دجانة (3) وسهل بن حنيف، ولحقهم طلحة بن عبيدالله، فقلت له: وأين (4) كان أبو بكر وعمر ؟ قال: كانا ممن تنحى (5) قلت: وأين كان عثمان ؟ جاء بعد ثالثه (6) من الوقعة فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد ذهبت فيها عريضة ؟ قال: فقلت له: وأين (7) كنت أنت ؟ قال: كنت ممن تنحى (8)، قلت له: فمن حدثك بهذا ؟ قال عاصم وسهل بن حنيف، قال: قلت له: إن ثبوت علي عليه السلام في ذلك المقام لعجب، فقال: إن تعجبت من ذلك فقد تعجبت منه الملائكة، أما علمت أن جبرئيل عليه السلام قال في ذلك اليوم وهو يعرج إلى السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.
(1) ما انتهى خ ل. (2) عنده خ ل. (3) وأبو دجانة خ ل. (4) فاين خ ل. وفى المصدر: قال قلت: وأين. (5) فيمن تنحى خ ل. (6) ثلاثة خ ل. (7) فاين خ ل وفى المصدر: قال: قلت: وأين. (8) فيمن تنحى خ ل.
[ 85 ]
قلت له (1): فمن أين علم ذلك من جبرئيل ؟ فقال: سمع الناس صائحا يصيح في السماء بذلك، فسألوا النبي صلى الله عليه وآله عنه فقال: ذلك (2) جبرئيل. وفي حديث عمران بن حصين قال: لما تفرق الناس عن رسول الله صلى اله عليه وآله في يوم احد جاء علي عليه السلام متقلدا سيفه (3) حتى قام بين يديه، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه، فقال له: ما بالك لم تفر مع الناس ؟ فقال: يا رسول الله أأرجع كافرا بعد إسلامي، فأشار له إلى قوم (4) انحدروا من الجبل، فحمل عليهم فهزمهم، ثم أشار إلى قوم آخر فحمل عليهم فهزمهم، ثم أشار إلى قوم آخر فحمل عليهم فهزمهم، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: يا رسول الله لقد عجبت الملائكة وعجبنا معها من حسن مواساة علي لك بنفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما يمنعه من هذا وهو مني وأنا منه ؟ فقال جبرئيل عليه السلام (5): وأنا منكما. وروى الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس أن طلحة بن أبي طلحة خرج يومئذ فوقف بين الصفين فنادى: يا أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم (6) بسيوفنا إلى الجنة
فأيكم يبرز إلي ؟ فبرز أمير المؤمنين عليه السلام إليه، فقال: والله لا افارقك هذا اليوم حتى اعجلك بسيفي إلى النار، فاختلفا ضربتين فضربه علي بن أبي طالب عليه السلام (7) على رجليه فقطعهما، فسقط (8) فانكشف عنه، فقال له: انشدك الله يابن عم و الرحم، فانصرف عنه إلى موقفه، فقال له المسلمون: ألا أجهزت عليه ؟ فقال:
(1) فقلنا له خ ل. (2) فقال: ذاك خ ل. (3) بسيفه خ ل. (4) في قوم خ ل. (5) يا رسول الله خ ل. (6) ونعجلكم خ ل. (7) أمير المؤمنين عليه السلام خ ل. (8) وسقط خ ل.
[ 86 ]
ناشدني الله والرحم، والله (1) لا عاش بعدها أبدا، فمات طلحة في مكانه، وبشر النبي صلى الله عليه وآله بذلك فسر به، وقال: هذا كبش الكتيبة. وقد روى محمد بن مروان، عن عمارة، عن عكرمة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: لما انهزم الناس يوم احد عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحقني من الجزع عليه ما لم يلحقني قط ولم أملك نفسي، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره فقلت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله ليفر، وما رأيته في القتلى، وأظنه رفع من بيننا إلى السماء، فكسرت جفن سيفي، وقلت في نفسي: لاقاتلن به عنه حتى اقتل، وحملت على القوم فأفرجوا عني وإذا (2) أنا برسول الله صلى الله عليه وآله قد وقع على الارض مغشيا عليه فقمت على رأسه، فنظر إلي فقال (3): ما صنع الناس يا علي ؟ فقلت: كفروا يا
رسول الله، وولوا الدبر من العدو وأسلموك، فنظر النبي صلى الله عليه وآله إلى كتيبة قد أقبلت إليه (4) فقال لي: رد عني يا علي هذه الكتيبة فحملت عليها أضربها بسيفي يمينا وشمالا حتى ولوا الادبار، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما تسمع يا علي مديحك (5) في السماء، إن ملكا يقال له: رضوان ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. فبكيت سرورا وحمدت الله سبحانه وتعالى على نعمته. وقد روى الحسن بن عرفة، عن عمارة بن محمد، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام عن آبائه عليهما السلام قال: نادى ملك من السماء يوم احد: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. وروى مثل ذلك إبراهيم بن محمد بن ميمون، عن عمرو بن ثابت، عن محمد بن عبيدالله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: ما زلنا نسمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون: نادى في يوم احد مناد من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي.
(1) ووالله خ ل. (2) فإذا خ ل. (3) وقال خ ل. (4) عليه خ ل. (5) مدحتك خ ل.
[ 87 ]
وروى سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: لو رأيت مقام علي يوم أحد لوجدته قائما على ميمنة رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه بالسيف، وقد ولى غيره الادبار. وروى الحسن بن محبوب قال: حدثنا جميل بن صالح، عن أبي عبيدة، عن
أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه (1) عليهما السلام قال: كان أصحاب اللواء يوم احد تسعة قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام عن آخرهم، وانهزم القوم، وطارت مخزوم فضحها علي عليه السلام يومئذ. قال: وبارز علي عليه السلام الحكم (2) بن الاخنس فضربه فقطع رجله من نصف الفخذ فهلك منها، ولما جال المسلمون تلك الجولة أقبل امية (3) بن أبي حذيفة ابن المغيرة وهو دارع وهو يقول: يوم بيوم بدر، فعرض له رجل من المسلمين فقتله امية، وصمد له علي بن أبي طالب عليه السلام فضربه بالسيف على هامته فنشب في بيضة مغفره، فضربه أمية بسيفه فاتقاها أمير المؤمنين عليه السلام بدرقته فنشب فيها، ونزع أمير المؤمنين عليه السلام (4) سيفه من مغفره، وخلص امية سيفه من درقته أيضا، ثم تناوشا فقال علي عليه السلام: فنظرت إلى فتق تحت إبطه فضربته بالسيف فيه فقتلته، و انصرفت عنه. ولما انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله في يوم احد وثبت أمير المؤمنين عليه السلام قال له النبي صلى الله عليه وآله ما لك لا تذهب مع القوم ؟ قال (5) أمير المؤمنين عليه السلام: أذهب وأدعك يا رسول الله ؟ والله لا برحت حتى اقتل، أو ينجز الله لك ما وعدك من النصرة، فقال
(1) عن آبائه عليهم السلام خ ل. (2) في سيرة ابن هشام: أبو الحكم بن الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى حليف لهم وسيأتى عن المصنف بعد ذلك ايضا. (3) في السيرة: أبو أمية. (4) على عليه السلام خ ل. (5) فقال خ ل.
[ 88 ]
له النبي صلى الله عليه وآله: أبشر يا علي فإن الله منجز وعده، ولن ينالوا منا (1) مثلها أبداء،
ثم نظر إلى كتيبة قد أقبلت إليه فقال له: احمل (2) على هذه يا علي، فحمل أمير المؤمنين عليه السلام عليها فقتل منها هشام بن امية (3) المخزومي، وانهزم القوم، ثم أقبلت كتيبة اخرى فقال له النبي صلى الله عليه وآله: احمل على هذه، فحمل عليها فقتل منها عمرو بن عبد الله الجمحي (4)، وانهزمت ايضا، ثم أقبلت كتيبة اخرى فقال له النبي صلى الله عليه وآله: احمل على هذه، فحمل عليها فقتل منها بشر بن مالك العامري، و انهزمت الكتيبة ولم يعد (5) بعدها أحد منهم، وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه واله، وانصرف المشركون إلى مكة، وانصرف المسلمون مع النبي صلى الله عليه واله إلى المدينة، فاستقبلته فاطمة عليها السلام ومعها إناء فيه ماء فغسل به وجهه، ولحقه أمير المؤمنين عليه السلام وقد خضب الدم يده إلى كتفه، ومعه ذو الفقار فناوله فاطمة عليها السلام وقال لها: خذي هذا السيف فقد صدقني اليوم، وأنشا يقول: أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بمليم لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد * وطاعة رب بالعباد عليم أميطي دماء القوم عنه فإنه * سقى آل عبدالدار كأس حميم وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: خذيه يا فاطمة فقد أدي بعلك ما عليه، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش. وقد ذكر أهل السير قتلى احد من المشركين، وكان (6) جمهورهم قتلى
(1) ولن ينالوا لنا خ ل. (2) لو حملت خ ل. (3) في السيرة: هشام بن ابى امية بن المغيرة. (4) عد ابن هشام من قتلى المشركين من بنى جمح بن عمرو: عمرو بن عبد الله بن عمير ابن وهب بن حذافة بن جمح: وقال: هو أبو عزة قتله رسول الله صلى الله عليه وآله صبرا. أقول: وتقدم قصة قتل ابى عزة، فعليه ففى ذلك وهم، أو يحمل على تعدد عمرو بن عبد الله.
(5) فلم يعد خ ل. (6) فكان خ ل.
[ 89 ]
أمير المؤمنين عليه السلام، فروى عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق قال: كان صاحب لواء قريش يوم احد طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبدالدار، قتله علي بن أبي طالب عليه السلام، وقتل ابنه أبا سعد ابن طلحة (1)، وقتل أخاه كلدة (2) بن أبي طلحة، وقتل عبد الله بن حميد بن زهرة (3) بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وقتل أبا الحكم بن الاخنس بن شريق الثقفي، وقتل الوليد بن أبي حذيفة بن المغيرة (4)، وقتل أخاه أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة وقتل أرطاة بن شرحبيل، وقتل هشام بن (5) امية، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي (6) و (7) بشر بن مالك، وقتل صوابا مولى بني عبد الدار. وكان الفتح له، ورجوع الناس من هزيمتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله بمقامه يذب عنه دونهم، وتوجه العتاب من الله تعالى إلى كافتهم لهزيمتهم يومئذ سواه ومن ثبت معه من رجال الانصار وكانوا ثمانية نفر (8)، وقيل: أربعة، أو خمسة، وفي قتله عليه السلام من قتل يوم احد وعنائه في الحرب وحسن بلائه يقول الحجاج بن علاط السلمي: لله أي مذبب عن حزبه (9) * اعني ابن فاطمة المعم المخولا
(1) في الامتاع: اخوه أبو سعد بن أبى طلحة. وسماه ايضا مثل ذلك ابن هشام في السيرة. (2) خالد خ ل. أقول لم نجده في السير، لعله مصحف كلاب بن طلحة، أو جلاس بن طلحة ولكن المذكور في السير انهما قتلهما غيره. (3) في السيرة: زهير. (4) " ": الوليد بن العاص بن هشام بن المغيرة.
(5) " ": هشام بن ابى امية بن المغيرة. (6) تقدم الكلام فيه: وفى نسخة المصنف ههنا: عمرو بن عبيدالله. والظاهر انه مصحف. (7) وقتل خ ل. (8) في المصدر: ثلاث نفر. (9) عن حريمه خ ل. أقول: في السيرة 3: 125 والامتاع: 125: عن حرمة.
[ 90 ]
جادت يداك له (1) بعاجل طعنة * تركت (2) طليحة للجبين مجدلا وشددت شدة باسل فكشفتهم * بالسفح (3) إذ يهوون اسفل أسفلا (4) وعللت سيفك بالدماء ولم يكن (5) * لترده حران حتى ينهلا (6) بيان: الخف بالكسر: الجماعة القليلة. والاربية بالضم والتشديد: أصل الفخذ. وقال الجوهري: المعم المخول: الكثير الاعمام والاخوال الكريمهم، وقد يكسران. وقال: طعنه فجدله، أي رماه بالارض، وقال: البسالة: الشجاعة. أسفل أسفلا، أي كشفتهم عند هويهم من الجبل إلى أسفل الوادي، والتكرير للمبالغة، وفي بعض النسخ أخول أخولا. قال الجوهري: يقال: تطاير الشرر أخول أخول، أي متفرقا، وهو الشرر الذي يتطاير من الحديد الحار إذا ضرب. والعلل: الشرب الثاني من الابل، يقال: عله يعله ويعله إذا سقاه السقية الثانية، وعل بنفسه يتعدي ولا يتعدي والنهل: الشرب الاول، وقد نهل كعلم والحران: العطشان، فالمعنى حتى. ينهل فقط من دون علل، أو المراد بالنهل هنا
الارتواء، والناهل: الريان، فالتقابل بحسب اللفظ فقط، وعلى التقديرين هو من أحسن الكلام وألطف الاستعارات. 18 - شى: الحسين بن المنذر قال: سألت أبا عبد الله عن قوله: " أفان مات
(1) في الامتاع: لهم وفى السيرة، سبقت يداك له بعاجل طعنة. (2) " ": فتركت طلحة. (3) بالسيف خ ل أقول: في السيرة والامتاع: بالجر إذ يهوون أخول أخولا. أقول: الجر: اصل الجبل. يهوون أي يسقطون. (4) أخول أخولا خ ل. (5) في المصدر والامتاع: ولم تكن. ولم يذكر هذا البيت ابن هشام. (6) ارشاد المفيد: 39 - 47
[ 91 ]
أو قتل انقلبتم على أعقابكم (1) " القتل أم الموت ؟ قال: يعني أصحابه الذين فعلوا ما فعلوا (2). 19 - شى: منصور بن الوليد الصيقل انه سمع أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام قرأ: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير " قال: ألوف وألوف، ثم قال: إي والله يقتلون (3). بيان: قال الطبرسي رحمه الله: قرأ أهل البصرة وابن كثير ونافع (قتل) بضم القاف بغير ألف، وهي قراءة ابن عباس، والباقون " قاتل " بألف، وهي قراءة ابن مسعود (4). 20 - شى: الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر يوم احد ان رسول الله صلى الله عليه وآله كسرت رباعيته، إن الناس ولوا مصعدين في الوادي، والرسول يدعوهم في اخراهم فأثابهم غما بغم، ثم انزل عليهم النعاس، فقلت النعاس ما هو ؟
قال: الهم، فلما استيقظوا قالوا كفرنا، وجاء أبو سفيان فعلا فوق الجبل بإلهه هبل، قفال: اعل هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ. الله أعلى وأجل. فكسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وآله واشتكت لثته، وقال: ننشدك يا رب ما وعدتني، فإنك إن شئت لم تعبد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أين كنت ؟ فقال: يا رسول الله لزقت الارض، فقال: ذاك الظن بك. فقال: يا علي ايتني بماء أغسل عني فأتاه في صحفة (5) فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله قد عافه، وقال: ائتني في يدك، فأتاه بماء
(1) ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (2) تفسير العياشي 1: 200. (3) " " 1: 201. (4) مجمع البيان 2: 516. (5) استظهر المصنف انه مصحف: في حجفة.
[ 92 ]
في كفه، فغسل رسول الله صلى الله عليه وآله عن لحيته صلى الله عليه وآله (1). بيان: النعاس ما هو ؟، أي ما سببه ؟ قالوا: كفرنا، أي بما تكلموا في نعاسهم من كلمة الكفر، أو بتقصيرهم في إعانة الرسول صلى الله عليه وآله، لزقت الارض أي لم أفر ولم أتحرك عن مكاني. 21 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام في قوله: " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " فهو عقبة بن عثمان وعثمان بن سعد (2). 22 - شى: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله يوم احد نادى رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله قد وعدني أن يظهرني على الدين كله، فقال له بعض المنافقين وسماهما: فقد هزمنا ويسخر بنا (3). 23 - شى: عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " إنما
استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " قال: هم أصحاب العقبة (4). بيان: لعل المراد بأصحاب العقبة أصحاب الشعب الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بحفظه، أو الانصار الذين بايعوا في العقبة، أو المعنى إن الذين فروا يوم الاحد (5) وقفوا على العقبة لينفروا نافة الرسول صلى الله عليه وآله، والاول أنسب. 24 - شى: عن محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " قال: كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة وأربعين رجلا: قتلوا سبعين رجلا، وأسروا سبعين، فلما كان يوم احد اصيب من المسلمين سبعون رجلا، قال: فاغتموا بذلك فأنزل الله تبارك وتعالى: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها (6) ". 25 - شى: عن سالم بن أبي مريم قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إن
(1) تفسير العياشي 1: 201. (2 - 4) تفسير العياشي 1: 201. والاية ذكرنا موضعها في صدر الباب. (5) هكذا في النسخ، والصحيح: يوم احد. (6) تفسير العياشي 1: 205. ذكرنا موضع الاية في صدر الباب.
[ 93 ]
رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام في عشرة " استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح " إلى (1) " أجر عظيم " إنما نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام (2). 26 - قب: ابن فياض في شرح الاخبار: روى محمد بن الجنيد بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: أصابت عليا عليه السلام يوم أحد ست عشرة ضربة (3)، وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه، كل ضربة (4) يسقط إلى الارض، فإذا سقط رفعه جبرئيل عليه السلام. خصائص العلوية: قيس بن سعد، عن أبيه قال علي عليه السلام: أصابني يوم احد ست عشرة ضربة سقطت إلى الارض في أربع منهن، فأتاني رجل حسن
الوجه، حسن اللمة، طيب الريح، فأخذ بضبعي (5)، فأقامني، ثم قال: أقبل عليهم، فإنك في طاعة الله وطاعة رسول الله وهما عنك راضيان، قال علي عليه السلام: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: يا علي أقر الله عينك ذاك جبرئيل عليه السلام (6). بيان: اللمة بالكسر: الشعر يجاوز شحمة الاذن. 27 - شى: عن الحسين بن حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما صنع بحمزة بن عبد المطلب قال: " اللهم لك الحمد و إليك المشتكى وأنت المستعان على ما أرى " ثم قال: " لئن ظفرت لامثلن و لامثلن " قال: فأنزل الله " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أصبر أصبر (7). 28 - عم: ثم كانت غزوة احد على راس سنة من بدر، ورئيس المشركين
(1) أي إلى قوله. (2) تفسير العياشي 1: 206، ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (3) في المصدر: اصاب عليا عليه السلام يوم احد ستة عشر ضربة. (4) " ": في كل ضربة. (5) الضبع: العضد. (6) مناقب آل أبى طالب 2: 78 و 79. (7) تفسير العياشي 2: 274، والاية في سورة النحل: 125.
[ 94 ]
يؤمئذ أبو سفيان بن حرب، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يؤمئذ سبعمائة، والمشركون ألفين، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن استشار أصحابه وكان رأيه صلى الله عليه وآله أن يقاتل الرجال على أفواه السكك، ويرمي الضعفاء من فوق البيوت فأبوا إلا الخروج إليهم، فلما صار على الطريق قالوا: نرجع، فقال: ما كان لنبي إذا قصد قوما أن يرجع عنهم،
وكانوا ألف رجل، فلما كانوا في بعض الطريق انخزل عنهم عبد الله بن ابي بثلث الناس، وقال (1): والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا والقوم قومه ؟ وهمت بنو حارثه وبنو سلمة بالرجوع، ثم عصمهم الله عزوجل، وهو قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا (2) " الآية. وأصبح رسول الله صلى الله عليه وآله متهيأ للقتال وجعل على راية المهاجرين عليا عليه السلام، وعلى راية الانصار سعد بن عبادة، وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله في راية الانصار، ثم مر صلى الله عليه وآله على الرماة وكانوا خمسين رجلا وعليهم عبد الله بن جبير فوعظهم وذكرهم، وقال: " اتقوا الله واصبروا، وإن رأيتمونا يخطفنا الطير (3) فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم " وأقامهم عند رأس الشعب، وكانت الهزيمة على المشركين، و حسهم المسلمون بالسيوف حسا، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة ظهر أصحابكم (4) فما تنتظرون ؟ فقال عبد الله: أنسيتم قول رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ أما أنا فلا أبرح موقفي الذي عهد إلي فيه رسول الله ما عهد، فتركوا أمره وعصوه بعدما رأوا ما يحبون، وأقبلوا على الغنائم، فخرج كمين المشركين عليهم خالد بن الوليد فانتهى إلى عبد الله بن جبير فقتله، ثم أتى الناس من أدبارهم، ووضع في المسلمين السلاح فانهزموا، وصاح إبليس لعنه الله: وقتل محمد ورسول الله يدعوهم في اخراهم: " أيها الناس إني رسول الله (5) إن الله قد وعدني النصر فإلى أين الفرار " ؟ فيسمعون الصوت
(1) في المصدر: وقالوا. (2) ذكرنا في صدر الباب موضع الاية. (3) في المصدر: يخطفنا المشركون. (4) قال المصنف في الهامش: ظهر اصحابكم أي غلبوا عليها. (5) في المصدر: انا رسول الله.
[ 95 ]
ولا يلوون على شئ وذهبت صيحة إبليس حتى دخلت بيوت المدينة، فصاحت فاطمة عليها السلام ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلا وضعت يدها على رأسها، وخرجت فاطمة عليها السلام تصرخ. قال الصادق عليه السلام: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه واله فغضب غضبا شديدا، و كان إذا غضب انحدر من وجهه وجبهته مثل اللؤلؤ من العرق، فنظر فإذا علي عليه السلام إلى جنبه، فقال: مالك لم تلحق ببني أبيك ؟ فقال علي عليه السلام يا رسول الله أكفر بعد إيمان (1) ؟ إن لي بك اسوة، فقال: أما لافاكفني هؤلاء، فحمل علي عليه السلام فضرب أول من لقى منهم، فقال جبرئيل عليه السلام: إن هذه لهي المواساة يا محمد، قال: " إنه مني وأنا منه " قال جبرئيل: وأنا منكما. وثاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من أصحابه، واصيب من المسلمين سبعون رجلا منهم أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن جحش، و مصعب بن عمير، وشماس بن عثمان بن الشريد، والباقون من الانصار. قال: وأقبل يومئذ ابي بن خلف وهو على فرس له وهو يقول: هذا ابن أبي كبشة، بوء بذنبك، لا نجوت إن نجوت، ورسول الله صلى الله عليه وآله بين الحارث بن الصمة وسهل بن حنيف يعتمد عليهما، فحمل عليه فوقاه مصعب بن عمير بنفسه فطعن مصعبا فقتله، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عنزة كانت في يد سهل بن حنيف ثم طعن ابيا في جربان الدرع فاعتنق فرسه فانتهى إلى عسكره، وهو يخور خوار الثور، فقال أبو سفيان: ويلك ما أجزعك ؟ إنما هو خدش ليس بشئ، فقال: ويلك يابن حرب أتدري من طعنني ؟ إنما طعنني محمد وهو قال لى بمكة: إني سأقتلك، فعلمت أنه قاتلي، والله لو أن مابي كان بجميع أهل الحجاز لقضت عليهم، فلم يزل يخور الملعون حتى صار إلى النار. وفي كتاب أبان بن عثمان: إنه لما انتهت فاطمة عليها السلام وصفية إلى رسول
الله صلى الله عليه وآله ونظرتا إليه قال لعلي عليه السلام: أما عمتي فاحبسها عني، وأما فاطمة
(1) في المصدر: بعد الاسلام.
[ 96 ]
فدعها، فلما دنت فاطمة عليها السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله ورأته قد شج في وجهه وادمي فوه إدماء صاحت وجعلت تمسح الدم، وتقول: اشتد غصب الله على من أدمى وجه رسول الله، وكان يتناول في يده (1) رسول الله صلى الله عليه وآله ما يسيل من الدم فيرميه (2) في الهواء فلا يتراجع منه شئ. قال الصادق عليه السلام: والله لو سقط (3) منه شئ على الارض لنزل العذاب. قال أبان بن عثمان: حدثني بذلك عنه الصباح بن سيابة، قال: قلت: كسرت رباعيته كما يقوله هؤلاء ؟ قال: لا والله ما قبضه الله إلا سليما، ولكنه شج في وجهه، قلت: فالغار في احد الذي يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله صار إليه، قال: والله ما برح مكانه، وقيل له: ألا تدعو عليهم ؟ قال: " اللهم اهد قومي (4) ". ورمى رسول الله صلى الله عليه وآله ابن قميئة بقذافة فأصاب كفه حتى ندر السيف من يده، وقال خذها مني وأنا ابن قميئة (5)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أذلك الله و أقمأك (6) " وضربه عتبة بن أبي وقاص بالسيف حتى أدمى فاه، ورماه عبد الله بن شهاب بقلاعة فأصاب مرفقه، وليس أحد من هؤلاء مات ميتة سوية، فأما ابن قميئة فأتاه تيس وهو نائم بنجد فوضع قرنه في مراقه ثم دعسه فجعل ينادي: واذلاه حتى أخرج قرنيه من ترقوته. وكان وحشي يقول: قال لي جبير بن مطعم: وكنت عبدا له إن عليا قتل عمي يوم بدر، يعني طعيمة، فإن قتلت محمد فأنت حر، وإن قتلت عم محمد فأنت حر وان قتلت ابن عم محمد فأنت حر، فخرجت بحربة لي مع قريش إلى احد اريد العتق
(1) خلى المصدر عن قوله في يده.
(2) في المصدر ويرمى به. (3) " ": لو نزل. (4) زاد في المصدر: فانهم لا يعلمون. (5) في نسخة المصنف: ابن قمية. وهو المصحف وكذا فيما يأتي. (6) أقمأه أي أذله.بحار الانوار - 6 -
[ 97 ]
لا اريد غيره، ولا أطمع في محمد، وقلت لعلي اصيب من علي أو حمزة غرة فأزرقه، وكنت لا أخطئ في رمي الحراب تعلمته من الحبشة في أرضها، وكان حمزة يحمل حملاته، ثم يرجع إلى موقفه. قال أبو عبد الله عليه السلام وزرقه وحشي فوق الثدي فسقط، وشدوا عليه فقتلوه، فأخذ وحشي الكبد فشد بها إلى هند بنت عتبة فأخذتها فطرحتها في فيها، فصارت مثل الداغصة فلفظتها. وقال: وكان الحليس بن علقمة (1) نظر إلى أبي سفيان وهو على فرس وبيده رمح يجأبه في شدق حمزة فقال: يا معشر بني كنانة انظروا إلى من يزعم أنه سيد قريش ما يصنع بابن عمه الذي قد صار لحما ؟ وأبو سفيان يقول: ذق عقق، فقال أبو سفيان: صدقت إنما كانت مني زلة اكتمها علي. قال: وقام أبو سفيان فنادى بعض المسلمين: أحي ابن أبي كبشة ؟ فأما ابن أبي طالب عليه السلام فقد رأيناه مكانه، فقال علي: إي والذي بعثه بالحق إنه ليسمع كلامك، قال: إنه قد كانت في قتلاكم مثله، والله ما أمرت ولا نهيت، إن ميعادنا بيننا وبينكم موسم بدر في قابل هذا الشهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قل: نعم، فقال: نعم، فقال أبو سفيان لعلي: إن ابن قميئة أخبرني أنه قتل محمدا وأنت أصدق عندي منه وأبر، ثم ولى إلى أصحابه وقال: اتخذوا الليل جملا وانصرفوا.
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا فقال: اتبعهم فانظر أين يريدون فإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الابل فإنهم يريدون المدينة، وإن كانوا ركبوا الابل و ساقوا الخيل فهم متوجهون إلى مكة. وقيل: إنه بعث لذلك سعد بن أبي وقاص. فرجع فقال: رأيت خيلهم تضرب بأذنابها مجنوبة مدبرة، ورأيت القوم قد تجملوا سائرين، فطابت أنفس المسلمين بذهاب العدو فانتشروا يتتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به إلا حنظلة بن أبي عامر كان أبوه مع المشركين فترك له، ووجدوا حمزة قد شق بطنه، وجدع أنفه، وقطعت اذناه، واخذ كبده
(1) في السيرة: الحليس بن زبان اخو بنى الحارث بن عبد مناة. وهو يومئذ سيد الاحابيش.
[ 98 ]
فلما انتهى إليه رسول الله صلى الله عليه وآله خنقته العبرة وقال: لامثلن بسبعين من قريش فأنزل الله سبحانه: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم (1) به " الآية، فقال: بل أصبر. وقال: من ذلك الرجل الذي تغسله الملائكة في سفح الجبل ؟ فسألوا امرأته فقالت: إنه خرج وهو جنب، وهو حنظلة بن أبي عامر الغسيل. قال أبان: وحدثني أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله رجل من أصحابه يقال له: قزمان بحسن معونته لاخوانه وذكوه، فقال صلى الله عليه وآله إنه من أهل النار، فاتي رسول الله صلى الله عليه وآله وقيل: إن قزمان استشهد، فقال: يفعل الله ما يشاء (2)، ثم أتي فقيل: إنه قتل نفسه، فقال: أشهد أني رسول الله، قال: وكان قزمان قاتل قتالا شديدا، وقتل من المشركين ستة أو سبعة، فأثبتته الجراح، فاحتمل إلى دور بني ظفر، فقال له المسلمون: أبشر يا قزمان فقد ابليت اليوم، فقال. بم تبشرون ؟ فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتدت عليه الجراحة جاء إلى كنانته فأخذ منها مشقصا (3) فقتل به
نفسه. قال: وكانت امرأة من بني النجار قتل أبوها وزوجها وأخوها مع رسول الله صلى الله عليه وآله فدنت من رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون قيام على رأسه، فقال (4) لرجل: أحي رسول الله ؟ قال: نعم، قالت: أستطيع أن أنظر إليه ؟ قال: نعم، فأوسعوا لها فدنت منه وقالت: كل مصيبة جلل بعدك، ثم انصرفت. قال: وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة حين دفن القتلى فمر بدور بني الاشهل وبني ظفر، فسمع بكاء النوائح على قتلاهن، فترقرقت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له اليوم، فلما سمعها سعد بن معاذ
(1) النحل: 125. (2) ثم اتى فقيل: يا رسول الله ان قزمان استشهد، فقال: يفعل الله ما يشاء. (3) المشقص: نصل عريض أو سهم فيه نصل عريض. (4) هكذا في النسخ، والصحيح كما في المصدر: قالت.
[ 99 ]
واسيد بن حضير قالا (1) لا تبكين امرأة حميمها حتى تأتي فاطمة عليها السلام فتسعدها، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله الواعية على حمزة وهو عند فاطمة عليها السلام على باب المسجد قال: ارجعن رحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن. ثم كانت غزوة حمراء الاسد، قال أبان بن عثمان: لما كان من الغد من يوم احد نادى رسول الله صلى الله عليه وآله في المسلمين فأجابوه فخرجوا على علتهم وعلى ما أصابهم من القرح، وقدم عليا بين يديه براية المهاجرين حتى انتهى إلى حمراء الاسد، ثم رجع إلى المدينة فهم الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، و خرج أبو سفيان حتى انتهى إلى الروحاء فأقام بها وهو يهم بالرجعة على رسول الله صلى الله عليه وآله، ويقول: قد قتلنا صناديد القوم، فلو رجعنا استأصلناهم، فلقي معبدا الخزاعي
فقال: ما وراءك يا معبد ؟ قال: قد والله تركت محمدا وأصحابه وهم يحرقون عليكم (2)، وهذا علي بن أبي طالب قد أقبل على مقدمته في الناس، وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه، وقد دعاني ذلك إلى أن قلت: شعرا، قال أبو سفيان: وماذا قلت ؟ قال: قلت: كانت تهد من الاصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الابابيل تردي باسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا خرق معاذيل الابيات. فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ثم مر به ركب من عبد القيس يريدون الميرة من المدينة فقال لهم: أبلغوا محمدا أني قد أردت الرجعة إلى أصحابه لاستأصلهم، و اوقر لكم ركابكم زبيبا إذا وافيتم عكاظ، فأبلغوا ذلك إليه، وهو بحمراء الاسد، فقال صلى الله عليه وآله والمسلمون معه: حسبنا الله ونعم الوكيل. ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة يوم الجعمة.
(1) في المصدر ونسخة المصنف: قالوا. (2) في سيرة ابن هشام: قال: محمد قد خرج في اصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا. وقد تقدم الحديث برواية ابن اسحاق والابيات بتمامها.
[ 100 ]
قال: ولما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله حمراء الاسد وثبت فاسقة من بني حطمة (1) يقال لها: العصماء ام المنذر بن منذر تمشي في مجالس الاوس والخزرج وتقول شعرا تحرض على النبي صلى الله عليه وآله، وليس في بني حطمة (2) يومئذ مسلم إلا واحد يقال له: عمير بن عدي، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله غدا عليها عمير فقتلها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إني قتلت ام المنذر لما قالته من هجر، فضرب رسول الله على كتفه
وقال: هذا رجل نصر الله ورسوله بالغيب، أما إنه لا ينتطح فيها عنزان. قال عمير بن عدي: فأصبحت فمررت ببنيها وهم يدفنونها فلم يعرض لي أحد منهم، ولم يكلمني (3). بيان: بؤ بذنبك، أي اعترف أو ارجع به. جربان القميص بالضم والتشديد: لبته (4)، معرب كريبان، ويقال: ضربه فقضى عليه، أي قتله، والتأنيث بتأويل الضربة أو الجراحة. وندر الشئ كنصر: سقط، والقذافة بالفتح والتشديد: الذي يرمى به الشئ فيبعد. وأقمأه بالهمز: صغره وأذله. والقلاعة بالضم: الحجر أو المدر يقتلع من الارض فيرمى به. والمراق بتشديد القاف: ما دق من اسفل البطن ولان، والدعس: الطعن. والمزراق: رمح قصير، وزرقه به: رماه به. قوله: يجأبه، هو من قولهم: وجأه بالسكين كوضعه أي ضربه. وقال الجزري: فيه أن أبا سفيان مر بحمزة قتيلا فقال له: ذق عقق، أراد ذق القتل يا عاق قومه كما قتلت يوم بدر من قومك، يعني كفار قريش. و عقق منقول من عاق للمبالغة كغدر من غادر. وفسق من فاسق، وقال: يقال للرجل إذا سرى ليلته جمعاء أو أحياها بصلاة أو غيرها من العبادات: اتخذ الليل جملا، كأنه ركبه ولم ينم فيه. قوله: قد تجملوا أي ركبوا الجمل. والابلاء: الانعام والاحسان. والجلل
(1 و 2) في المصدر: بنى خطمة. (3) إعلام الورى: 52 - 55 ط 1 و 90 - 96. (4) أي طوقه.
[ 101 ]
بالتحريك: الامر العظيم، والهين، وهو من الاضداد، والمراد هنا الثاني، أي كل مصيبة سهلة هينة بعد سلامتك وبقائك.
قوله صلى الله عليه وآله: لا ينتطح فيها عنزان، أي يذهب هدرا لا ينازع في دمها رجلان ضعيفان ايضا، لان النطاح من شأن التيوس والكباش. 29 - كشف: قال الواقدي في المغازي: إنه لما فر الناس يوم احد ما زال النبي صلى الله عليه وآله شبرا واحدا، يرمي مرة عن قوسه، ومرة بالحجارة، وصبر (1) معه أربعة عشر رجلا: سبعة من المهاجرين، وسبعة من الانصار، أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيدالله، و أبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام، ومن الانصار الحباب بن المنذر وأبو دجانه، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، واسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، ويقال: ثبت سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة فجعلوهما مكان اسيد بن حضير، وسعد بن معاذ (2)، وبايعه يومئذ ثمانية على الموت: ثلاثه من المهاجرين، وخمسة من الانصار: علي عليه السلام والزبير وطلحة وأبو دجانة والحارث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، فلم يقتل منهم أحد. واصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، قال: فجئت
(1) تقدم آنفا انه لم يثبت مع النبي صلى الله عليه وآله احد الا على بن ابى طالب عليه السلام، ثم رجع بعد ذلك عدة من اصحابه وسياتى ايضا الكلام في ذلك. (2) لم يرق المقريزى أن لا يكون بين هؤلاء الرجال عمر، فأضافه إليهم وعدهم خمسة عشر. وكأنه والواقدى نسيا أن يعده وابا بكر فيمن بايعه صلى الله عليه وآله وسلم على الموت. ولكن ظهور الحال يشهد بأن العصبية العمياء لم تدعهما حتى نحتا فضيلة الثبات لهما ولغيرهما في قبال على عليه السلام حتى لم يكن على عليه السلام منفرد بتلك الفضيلة، ولكن التاريخ و السير يشهدان بخلاف ذلك، حيث لم يثبتا لهما اقل شئ يدل على ذلك، فهل سمعت أو رأيت في كتاب أن أصابهما خدش أو جراحة أو اصاب أحد منهما طعن أو ضرب أو جراحة في تلك
الوقعة ؟.
[ 102 ]
إلى النبي صلى الله عليه وآله وقلت: يا رسول الله إن تحتي امرأة شابة جميلة احبها وتحبني، فأنا أخشى أن تقذر (1) مكان عيني، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله فردها فأبصرت وعادت كما كانت لم تؤلمه ساعة من ليل أو نهار، فكان يقول بعد أن أسن: هي أقوى عيني، وكانت أحسنهما. وباشر النبي صلى الله عليه وآله القتال بنفسه، ورمى حتى فنيت نبله، وأصاب شفتيه و رباعيته عتبة بن أبي وقاص، ووقع صلى الله عليه وآله في حفرة، وضربه ابن قميئة فلم يصنع سيفه شيئا إلا وهن الضربة بثقل السيف وانتهض وطلحة تحمله (2) من ورائه، و علي عليه السلام أخذ بيديه حتى استوى قائما. وعن أبي بشير الحارثي (3): حضرت يوم احد وأنا غلام فرأيت ابن قميئة علا رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف فوقع على ركبتيه في حفرة أمامه حتى نوارى، فجعلت أصيح وأنا غلام حتى رأيت الناس ثابوا إليه. ويقال: الذي شجه في جبهته ابن شهاب، والذي أشظى رباعيته وأدمى شفته عتبة بن أبي وقاص، والذي دمى وجتيه حتى غاب الحلق (4) في وجنته ابن قميئة، وسال الدم من جبهته حتى أخضل لحيته، وكان سالم مولي أبي حذيقة يغسل الدم عن وجهه وهو يقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله: " ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم (5) " الآية. وذكر أحمد بن حنبل في مسنده، عن أبي حازم، عن سهل بأي شئ دووي جرح رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: كان علي عليه السلام يجئ بالماء في ترسه، وفاطمة عليها السلام
(1) أي تكرهني. (2) في المصدر: يحمله.
(3) " ": أبو بشير (سعيد خ ل) المازنى. (4) أي حلق المغفر. كما في الامتاع. (5) آل عمران: 128.
[ 103 ]
تغسل الدم عن وجهه، وأخذ حصيرا فأحرق وحشي به جرحه (1). وقال علي عليه السلام: ولقد رأيتني وانفردت يومئذ منهم فرقه خشناء فيها عكرمة بن أبي جهل فدخلت وسطهم بالسيف فضربت به واشتملوا علي حتى أفضيت إلى آخرهم، ثم كررت فيهم الثانية حتى رجعت من حيث جئت، ولكن الاجل استأخر ويقضي الله أمرا كان مفعولا (2)، قال: وكان عثمان من الذين تولى يوم التقى الجمعان. وقال ابن أبي نجيح (3): نادى في ذلك اليوم مناد: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي (4). بيان: قال في النهاية: التشظي: التشعب والتشقق، ومنه الحديث فانشظت رباعية رسول الله صلى الله عليه وآله، أي انكسرت. 30 - فر: أبو القاسم بن حماد معنعنا، عن حذيفة اليماني (5) رضي الله عنه
(1) زاد في المصدر: ورأى صلى الله عليه وآله وسلم سيف على مختضبا فقال: ان كنت أحسنت القتال فقد احسن عاصم بن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف، وسيف ابى دجانة غير مذموم، وذكره المقريزى ايضا في الامتاع، وذكر الجملة السابقة هكذا: فلما رأت فاطمة الدم لا يرقأ وهى تغسله وعلى يصب الماء عليها بالمجن اخذت قطعة حصير فاحرقته حتى صار رمادا ثم الصقته بالجرح فاستمسك الدم، ويقال: داوته بصوفة محترقة، وكان صلى الله عليه وآله بعد يداوى الجرح في وجهه بعظم بال حتى يذهب اثره، ومكث يجد وهن ضربة ابن قميئة على عاتقه شهرا أو اكثر من شهر.
(2) زاد في المصدر: وخرج عبد الرحمن بن ابى بكر على فرس فقال: من يبارز ؟ انا عبد الرحمن بن عتيق، فنهض أبو بكر وشهر سيفه وقال: يا رسول الله ابارزه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: شم سيفك وارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك، وذكره ايضا المقريزى في الامتاع، قوله: شم سيفك أي اغمده وفى قوله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك خصوصا (متعنا بنفسك) اشارة لطيفة لا تحفى مغزاها. (3) هو عبد الله بن يسار المكى أبو يسار الثقفى. (4) كشف الغمة: 54. (5) هكذا في النسخ، والصحيح: حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حسيل مصغرا ويقال: حسل بكسر الحاء وسكون السين.
[ 104 ]
أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بالجهاد يوم احد، فخرج الناس سراعا يتمنون لقاء عدوهم وبغوا في منطقهم، وقالوا: والله لئن لقينا عدونا (1) لا نولي حتى يقتل عن آخرنا رجل أو يفتح الله لنا، قال: فلما أتوا إلى (2) القوم ابتلاهم الله بالذي كان منهم ومن بغيهم فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو دجانة سماك بن خرشة الانصاري، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما قد نزل بالناس من الهزيمة والبلاء رفع البيضة عن رأسه وجعل ينادي: " أيها الناس أنا لم أمت ولم اقتل " وجعل الناس يركب بعضهم بعضا لا يلوون على رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يلتفتون (3) إليه، فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا المدينة، فلم يكتفوا بالهزيمة حتى قال أفضلهم رجلا في أنفسهم: قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما آيس الرسول من القوم رجع إلى موضعه الذي كان فيه فلم ير إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وأبا دجانة الانصاري رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا دجانة ذهب الناس فالحق بقومك، فقال أبو دجانة: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما على هذا بايعناك و بايعنا الله، ولا على هذا خرجنا، يقول الله تعالى: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون
الله يد الله فوق أيديهم " (4) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا دجانة أنت في حل من بيعتك فارجع، فقال أبو دجانة: يا رسول الله لا تحدث نساء الانصار في الخدور أني أسلمتك ورغبت بنفسي عن نفسك، يا رسول الله لا خير في العيش بعدك، قال: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله كلامه ورغبته في الجهاد انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صخرة فاستتر بها ليتقي بها من السهام سهام المشركين، فلم يلبث أبو دجانة إلا يسيرا حتى اثخن (5) جراحة فتحامل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) في المصدر: لئن لقينا العدو. (2) " ": فلما أتوا القوم. (3) ولا يلتفتون خ ل. (4) الفتح: 10. (5) اثخنته الجراحة: اوهنته واضعفته (فاثخن).
[ 105 ]
فجلس إلى جنبه وهو مثخن لا حراك به. قال: وعلي عليه السلام لا يبارز فارسا ولا راجلا إلا قتله الله على يديه حتى انقطع سيفه فلما انقطع سيفه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله انقطع سيفي ولا سيف لي، فخلع رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه ذا الفقار فقلد عليا عليه السلام ومشى إلى جمع المشركين، فكان لا يبرز له أحد (1) إلا قتله، فلم يزل على ذلك حتى وهنت ذراعه (2) فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فيه، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء، وقال: " اللهم إن محمدا عبدك و رسولك، جعلت لكل نبي وزيرا من أهله لتشد به عضده وتشركه في أمره، وجعلت لي وزيرا من أهلي، على بن أبي طالب أخي، فنعم الاخ ونعم الوزير، اللهم وعدتني أن تمدني بأربعة آلاف من الملائكة مردفين، اللهم وعدك وعدك، إنك لا تخلف الميعاد، وعدتني أن تظهر دينك على الدين كله ولو كره المشركون ".
قال: فبينما رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو ربه ويتضرع إليه إذ سمع دويا من السماء فرفع رأسه فإذا جبرئيل عليه السلام على كرسي من ذهب، ومعه أربعة آلاف من الملائكة مردفين، وهو يقول: لا فتى ألا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار (3). فهبط جبرئيل عليه السلام على الصخرة وحفت الملائكة برسول الله صلى الله عليه وآله فسلموا عليه، فقال جبرئيل صلى الله عليه وآله: يا رسول الله بالذي (4) أكرمك بالهدى لقد عجبت الملائكة المقربون لمواساة هذا الرجل لك بنفسه، فقال: يا جبرئيل وما يمنعه يواسيني بنفسه وهو مني وأنا منه ؟ فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما، حتى قالها ثلاثا، ثم حمل علي بن أبي طالب عليه السلام وحمل جبرئيل والملائكة ثم إن الله تعالى هزم جمع المشركين وتشتت (5) أمرهم فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي
(1) في المصدر: لا يبرز إليه احد. (2) " ": حتى وهت ذراعه ففرق. (3) هكذا في النسخ، والرواية منفردة بذلك الترتيب، والموجود في غيره من الروايات. لا سيف الا ذو الفقار، ولا فتى الا على. (4) في المصدر: والذى. (5) شتت خ ل.
[ 106 ]
طالب عليه السلام بين يديه، ومعه اللواء قد خضبه بالدم، وأبو دجانة رضي الله عنه خلفه فلما أشرف على المدينة فإذا نساء الانصار يبكين رسول الله صلى الله عليه وآله (1)، فلما نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله استقبله أهل المدينة بأجمعهم، ومال رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المسجد، ونظر إلى الناس (2) فتضرعوا إلى الله وإلى رسوله. وأقروا بالذنب وطلبوا التوبة، فأنزل الله فيهم قرآنا يعيبهم بالبغي الذي كان منهم وذلك قوله تعالى: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون " يقول: قد عاينتم
الموت والعدو، فلم نقضتم العهد وجرعتم من الموت وقد عاهدتم الله أن لا تنهزموا حتى قال بعضكم: قتل محمد، فأنزل الله تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " إلى قوله: " وسيجزي الله الشاكرين (3) يعني عليا وأبا دجانة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أيها الناس إنكم رغبتم بأنفسكم عني ووازرني علي وواساني فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني وفارقني في الدنيا والآخرة ". قال: فقال حذيفة: ليس ينبغي لاحد يعقل أن يشك فمن (4) لم يشرك بالله إنه أفضل ممن أشرك به، ومن لم ينهزم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل ممن انهزم، وإن السابق إلى الايمان بالله ورسوله أفضل، وهو علي بن أبي طالب (5). فر: الحسين بن سعيد معنعنا عن حذيفة مثله (6). 31 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن سنان، عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن حمزة بثيابه (7) ولم يغسله ولكنه صلى عليه (8).
(1) في المصدر: يبكين على رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: فنظر إليه الناس. (3) آل عمران: 143. (4) في المصدر: فيمن. (5 و 6) تفسير فرات: 24 - 26. (7) في المصدر: في ثيابه. (8) فروع الكافي 1: 58.
[ 107 ]
32 - يب: المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن علي، عن أبيه، عن حماد
عن حريز، عن إسماعيل بن جابر وزرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دفن رسول الله صلى الله عليه وآله عمه حمزة في ثيابه بدمائه التي اصيب فيها، وزاده النبي صلى الله عليه وآله بردا فقصر عن رجليه فدعا له بأذخر. فطرحه عليه، وصلى عليه سبعين صلاة، وكبر عليه سبعين تكبيرة (1). 33 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان بن عثمان، عن نعمان الرازي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: انهزم الناس يوم احد عن رسول الله صلى الله عليه وآله فغضب غصبا شديدا، قال: وكان إذا غضب انحدر عن جبينيه مثل اللؤلؤ من العرق، قال: فنظر فإذا علي عليه السلام إلى جنبه، فقال له: الحق ببني أبيك مع من انهزم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله لي بك اسوة، قال (2): فاكفني هؤلاء، فحمل فضرب أول من لقي منهم، فقال جبرئيل عليه السلام: إن هذه لهي المواساة يا محمد، فقال: إنه مني وأنا منه. فقال (3) جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما يا محمد [ ف ] قال أبو عبد الله عليه السلام: فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جبرئيل عليه السلام على كرسي من ذهب بين السماء والارض وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي (4). 34 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحسين ابن أبي العلاء الخفاف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما انهزم الناس يوم احد عن النبي صلى الله عليه وآله انصرف إليهم بوجهه وهو يقول: أنا محمد، أنا رسول الله لم اقتل ولم أمت، فالتفت إليه فلان وفلان فقالا: الآن يسخر بنا أيضا وقد هزمنا، وبقي معه علي عليه السلام وسماك بن خرشة أبو دجانة رحمه الله، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا بادجانة (5) انصرف
(1) التهذيب 1: 95. (2) فقال خ ل. (3) قال خ ل.
(4) روضة الكافي: 110. (5) يا ابا دجانة خ ل.
[ 108 ]
وأنت في حل من بيعتك فأما علي فهو أنا، وأنا هو، فتحول وجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وبكى، وقال: لا والله، ورفع رأسه إلى السماء وقال: لا والله لا جعلت نفسي في حل من بيعتي، إني بايعتك، فإلى من أنصرف يا رسول الله ؟ إلى زوجة تموت، أو ولد يموت، أو دار تخرب، ومال يفنى، وأجل قد اقترب ؟ فرق له النبي صلى الله عليه وآله فلم يزل يقاتل حتى أثخنته الجراحة وهو في وجه، وعلي في وجه فلما اسقط احتمله علي عليه السلام فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وآله فوضعه عنده، فقال: يا رسول الله أوفيت ببيعتى ؟ قال: نعم، وقال له النبي صلى الله عليه وآله: خيرا، وكان الناس يحملون على النبي صلى الله عليه وآله الميمنة فيكشفهم علي عليه السلام، فإذا كشفهم أقبلت الميسرة إلى النبي صلى الله عليه وآله فلم يزل كذلك حتى تقطع سيفه بثلاث قطع، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فطرحه بين يديه وقال: هذا سيفي قد تقطع، فيومئذ أعطاه النبي صلى الله عليه وآله ذا الفقار، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله اختلاج ساقيه من كثرة القتال رفع رأسه إلى السماء وهو يبكي وقال: " يا رب وعدتني أن تظهر دينك وإن شئت لم يعيك " فأقبل علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أسمع دويا شديدا، وأسمع أقدم حيزوم، وما أهم أضرب أحدا إلا سقط ميتا قبل أن أضربه، فقال: هذا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل والملائكة (1)، ثم جاء جبرئيل فوقف إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن هذه هي المواساة، فقال: إن عليا مني وأنا منه فقال جبرئيل عليه السلام وأنا منكما، ثم انهزم الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا علي امض بسيفك حتى تعارضهم، فإن رأيتهم قد ركبوا القلاص وجنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة، وإن رأيتهم قد ركبوا الخيل وهم يجنبون القلاص فإنهم يريدون المدينة، فأتاهم علي
عليه السلام فكانوا على القلاص، فقال أبو سفيان لعلي عليه السلام: يا علي ما تريد هو ذا نحن ذاهبون إلى مكة، فانصرف إلى صاحبك، فأتبعهم جبرئيل عليه السلام، فكلما سمعوا
(1) في المصدر: في الملائكة.
[ 109 ]
وقع حوافر (1) فرسه جدوا في السير، وكان يتلوهم، فإذا ارتحلوا قال (2) هو ذا عسكر محمد قد أقبل، فدخل أبو سفيان مكة فأخبرهم الخبر، وجاء الرعاة والحطابون فدخلوا مكة فقالوا: رأينا عسكر محمد، كلما رحل أبو سفيان نزلوا يقدمهم فارس على أشقر يطلب آثارهم، فأقبل أهل مكة على أبي سفيان يوبخونه. ورحل النبي صلى الله عليه وآله والراية مع علي عليه السلام وهو بين يديه، فلما أن أشرف بالراية من العقبة ورآه الناس نادى علي عليه السلام: أيها الناس هذا محمد لم يمت ولم يقتل، فقال صاحب الكلام الذي قال: الآن يسخر بنا وقد هزمنا: هذا علي والراية بيده، حتى هجم عليهم النبي صلى الله عليه وآله ونساء الانصار في أفنيتهم على أبواب دورهم، وخرج الرجال إليه يلوذون به ويثوبون (3) إليه، والنساء نساء الانصار قد خدشن الوجوه، ونشرن الشعور، وجرزن النواصي، وخرقن الجيوب، وحزمن (4) البطون على النبي صلى الله عليه وآله، فلما رأينه قال لهن خيرا، وأمرهن أن يتسترن (5) ويدخلن منازلهن، وقال: إن الله عزوجل وعدني أن يظهر دينه على الاديان كلها، وأنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا " الآية (6). بيان: قوله: فلان وفلان، أي أبو بكر وعمر، قوله: أثخنته الجراحة، أي أوهنته وأثرت فيه. قوله: فلما اسقط، هذا لا يدل على أنه قتل في تلك الوقعة، فلا ينافي ما هو المشهور بين أرباب السير والاخبار أنه بقي بعد النبي صلى الله عليه وآله، فقيل: إنه قتل
(1) في المصدر: حافر فرسه. (2) " ": قالوا. (3) يتوبون خ ل. (4) حرصن. حرضن خ ل. وفى المصدر: حرمن. (5) يستترن خ ل. وهو الموجود في المصدر. (6) الروضة: 318 و 322، وذكرنا موضع الاية في صدر الباب.
[ 110 ]
باليمامة، وقيل: شهد مع أمير المؤمنين عليه السلام بعض غزواته كما ذكر في الاستيعاب والاول أشهر. قوله عليه السلام: لم يعيك، أي لا يشكل عليك ولا تعجز عنه. وقال الجزري: في حديث بدر أقدم حيزوم، جاء في التفسير أنه اسم فرس جبرئيل، أراد أقدم يا حيزوم، فحذف حرف النداء. قوله: فإذا ارتحلوا قال، القائل إما جبرئيل أو أبو سفيان. قوله: فقالوا: رأينا، إنما قالوا ذلك لما رأوا من عسكر الملائكة المتمثلين بصور المسلمين، وكان تعيير أهل مكة لابي سفيان لهربهم عن ذلك العسكر. قوله: هذا علي، لعل مراده تصديق كلامه الاول، أي أتي علي ولم يأت النبي صلى الله عليه وآله، فلو كان حيا لاتى. قوله عليه السلام: ويثوبون بالثاء المثلثة، أي يرجعون وفي بعض النسخ بالمثناة أي يتوبون ويعتذرون من الهزيمة. قوله: وحزمن البطون، في أكثر النسخ بالحاء المهملة والزاء المعجمة، أي كن شددن بطونهن لئلا تبدو عوراتهن لشق الجيوب، من قولهم: حزمت الشئ أي شددته، وفي بعضها حرصن بالحاء والصاد المهملتين، إي شققن وخرقن، وفي بعضها بالحاء المهملة والضاد المعجمة على بناء التفعيل يقال: أحرضه المرض: إذا فسد بدنه، وأشفى على
الهلاك. 35 - تفسير النعماني: بالاسناد المذكور في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله سبحانه: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (1) " نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الاشجعي وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله رجع (2) من غزاة احد وقد قتل عمه حمزة وقتل من المسلمين من قتل، وجرح من جرح وانهزم من انهزم، ولم ينله القتل والجرح، أوحى الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن اخرج في وقتك هذا لطلب قريش، ولا تخرج معك من أصحابك
(1) ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (2) في المصدر: لما رجع.
[ 111 ]
إلا من كانت به جراحة، فأعلمهم بذلك، فخرجوا معه على ما كان بهم من الجراح حتى نزلوا منزلا يقال له: حمراء الاسد، وكانت قريش قد جدت السير فرقا، فلما بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلبهم خافوا فاستقبلهم رجل من أشجع يقال له: نعيم بن مسعود يريد المدينة، فقال له: أبو سفيان صخر بن حرب: يا نعيم هل لك أن أضمن لك عشر قلائص وتجعل (1) طريقك على حمراء الاسد فتخبر محمدا أنه قد جاء مدد كثير من حلفائنا من العرب: كنانة وعشيرتهم والاحابيش، وتهول عليهم ما استطعت، فلعلهم يرجعون عنا ؟ فأجابه إلى ذلك، وقصد حمراء الاسد فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، وقال: إن قريشا يصبحون (2) بجمعهم الذي لا قوام لكم به فاقبلوا نصيحتي وارجعوا، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله " حسبنا الله ونعم الوكيل، اعلم أنا لا نبالي بهم، فأنزل الله سبحانه على رسوله " الذين استجابوا لله والرسول " إلى قوله: " ونعم الوكيل " وإنما كان القائل نعيم بن مسعود فسماه الله باسم جميع الناس (3).
36 - ع: أبي، عن سعد، عن معاوية بن حكيم، عن البزنطي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان مما من الله عزوجل على رسوله صلى الله عليه وآله أنه كان يقرأ ولا يكتب، فلما توجه أبو سفيان إلى احد كتب العباس إلى النبي صلى الله عليه وآله، فجاءه الكتاب وهو في بعض حيطان المدينة فقرأه ولم يخبر أصحابه، وأمرهم أن يدخلوا المدينة. فلما دخلوا المدينة أخبرهم (4). 37 - ب: السندي بن محمد، عن وهب بن وهب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الفتح بقتل فرتنا (5) وأم سارة، قال:
(1) في المصدر: على أن تجعل. (2) " ": يصبحونكم. (3) المحكم والمتشابه،: 30 - 32، ذكرنا موضع الاية في صدر الباب. (4) علل الشرائع: 53 (5) قرسا خ ل أقول: ذكر في المصدر مثل ما اخترناه في المتن: وجعل بدل الاول: قرس ايضا، وذكر المقريزى في الامتاع: 378 النساء اللاتى اهدر رسول الله صلى الله عليه وآله دمهن وعد منهن: سارة مولاة عمرو بن هشام، وقينتين لابن خطل: فرتنا وقريبة، وقال: و يقال: فرتنا وأرنبة.
[ 112 ]
وكانتا قينتين تزنيان وتغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وآله، وتحضضان يوم احد على رسول الله صلى الله عليه وآله (1). 38 - مع: ابن إدريس، عن ابن أبي الخطاب وغيره ذكرهم جميعا، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن مناديا نادى في السماء يوم احد: " لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي " فعلي أخي، وأنا أخوه (2).
39 - ن: هاني بن محمد بن محمود، عن أبيه بإسناده رفعه إلى موسى بن جعفر عليه السلام وساق حديثه مع الرشيد (إلى أن قال:) إن العلماء قد اجتمعوا على أن جبرئيل قال يوم احد: يا محمد إن هذه لهي المواساة من علي، قال: لانه مني وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما يا رسول الله، ثم قال: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، فكان كما مدح الله عزوجل به خليله عليه السلام، إذ يقول: " فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " الخبر (3). 40 - كا: علي، عن أبيه، وعلي بن محمد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن النضر بن إسماعيل البلخي، عن أبي حمزة الثمالي، عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجاج: وسألني عن خروج النبي صلى الله عليه وآله إلى مشاهده فقلت: شهد رسول الله صلى الله عليه وآله بدرا في ثلاثمائة وثلاثه عشر، وشهد احدا في ستمائة، وشهد الخندق في تسعمائة، فقال: عمن ؟ قلت: عن جعفر بن محمد عليهما السلام، فقال: ضل والله من سلك غير سبيله (4). 41 - ل، ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن يوم الاربعاء، والتطير منه، فقال عليه السلام: آخر أربعاء في الشهر " إلى أن قال: " ويوم الاربعاء شج النبي (5)
(1) قرب الاسناد: 61، وسياتى تمام الحديث في باب فتح مكة. (2) معاني الاخبار: 40. (3) عيون اخبار الرضا: 47 و 49. والاية في سورة الانبياء: 60. (4) فروع الكافي 1: 340. (5) في علل الشرائع: شج وجه النبي صلى الله عليه وآله.بحار الانوار - 7 -
[ 113 ]
صلى الله عليه وآله وكسرت رباعيته (1).
42 - ص: بالاسناد إلى الصدوق عن الحسن بن حمزة العلوي، عن محمد بن داود عن عبد الله بن أحمد الكوفي، عن أبي سعيد سهل بن صالح العباسي، عن إبراهيم بن عبد الاعلى، عن موسى بن جعفر عليهما السلام، عن آبائه صلوات الله عليهم - وساق الحديث عن علي عليه السلام في أجوبته عن مقالة اليهودي إلى أن قال: - إن أبا قتادة (2) بن ربعي الانصاري شهد وقعة احد فأصابته طعنة في عينه فبدرت حدقته فأخذها بيده، ثم أتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله من يده، ثم وضعها مكانها، فلم تك تعرف إلا بفضل حسنها على العين الاخرى، ولقد بادر عبد الله بن عتيك فابين يده فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليلا ومعه اليد المقطوعة فمسح عليها فاستوت يده (3). 43 - فر: جعفر بن أحمد بن يوسف رفعه إلى ابن عباس (4) في قوله: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم " قال: فلم يبق معه من الناس يوم احد غير علي بن أبي طالب عليه السلام ورجل من الانصار، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي قد صنع الناس ما ترى، فقال: لا والله يا رسول الله لا أسأل عنك الخبر من وراء، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أما لا فاحمل على هذه الكتيبة، فحمل عليها ففضها، فقال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله إن هذه لهي المواساة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إني منه وهو مني. فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما (5). 44 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: " وآخرون
(1) الخصال 2: 28، علل الشرائع: 199، عيون اخبار الرضا: 137. والحديث طويل (2) هكذا في النسخ والصحيح: قتادة. (3) قصص الانبياء: مخطوط. (4) في المصدر: حدثنى جعفر بن محمد بن يوسف معنعنا عن الحسن قال: سمعت عبد الله
بن عباس رضى الله عنه يقول حين انجفل عنه يوم احد في قوله. (5) تفسير فرات: 22: وللحديث ذيل تركه المصنف لعدم تعلقه بالباب.
[ 114 ]
مرجون لامر الله " (1) قال: قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة ومثل (2) جعفر وأشباههما من المؤمنين، ثم إنهم دخلوا في الاسلام، فوحدوا الله وتركوا الشرك، ولم يعرفوا (3) الايمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النار، فهم على تلك الحال إما أن يعذبهم، وإما يتوب عليهم (4). كا: العدة عن سهل، عن علي بن حسان، عن موسى بن بكر، عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام مثله (5). 45 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم بن أحمد، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: بينا حمزة بن عبد المطلب وأصحاب له على شراب لهم يقال له: السكركة (6) قال: فتذاكروا السديف (7) قال: فقال لهم حمزة: كيف لنا به ؟ قال: فقالوا له: هذه ناقة ابن أخيك علي، فخرج إليها فنحرها، ثم أخذ من كبدها وسنامها فأدخله عليهم، قال: وأقبل علي عليه السلام فأبصر ناقته فدخله من ذلك، فقالوا له: عمك حمزة صنع هذا، قال: فذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله فشكا ذلك إليه، قال: فأقبل معه رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل لحمزة: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله قد أقبل الباب، قال: فخرج وهو مغضب، قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الغضب في وجهه انصرف (8)، قال: فأنزل الله
(1) التوبة: 106. (2) في المصدر: وجعفر. وفى الاسناد الاتى: قال أبو جعفر عليه السلام: المرجون قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفر واشباههما من المؤمنين.
(3) في الطريق الاتى: ولم يكونوا يؤمنون فيكونوا من المؤمنين، ولم يؤمنوا فتجب لهم الجنة، ولم يكفروا فتجب لهم النار: فهم على تلك الحال مرجون لامر الله. (4 و 5) اصول الكافي 2: 407 (6) الشكركة خ ل. (7) في التفسير: الشريف، لعله من الشارف أو مصحف الشرف. أي الابل المسن. (8) زاد في التفسير: قال: فقال له حمزة: لو اراد ابن ابى طالب أن يقودك بزمام (ما) فمل فدخل حمزة منزله وانصرف النبي صلى الله عليه وآله، قال: وكان قبل أحد.
[ 115 ]
عزوجل تحريم الخمر، قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بآنيتهم فكفئت، ونودي (1) في الناس بالخروج إلى احد، فخرج رسول الله (2) صلى الله عليه وآله وخرج حمزة فوقف ناحية من النبي صلى الله عليه وآله، قال: فلما تصافوا حمل حمزة في الناس حتى غاب فيهم ثم رجع إلى موقفه، فقال له الناس: الله الله يا عم رسول الله أن تذهب وفي نفس رسول الله عليك شئ، قال: ثم حمل الثانية حتى غيب في الناس، ثم رجع إلى موقفه فقالوا (3): الله الله يا عم رسول الله أن تذهب وفي نفس رسول الله عليك شئ، قال: فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رآه مقبلا نحوه أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وعانقة، وقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ما بين عينيه، ثم حمل على الناس فاستشهد حمزة، فكفنه رسول الله صلى الله عليه وآله في نمرة، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: نحو من ستر بابي هذا، فكان إذا غطى به (4) وجهه انكشفت رجلاه، وإذا غطى رجليه انكشفت وجهه، قال: فغطى به (5) وجهه وجعل على رجليه أذخرا قال: وانهزم الناس وبقي علي عليه السلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما صنعت يا علي ؟ فقال: يا رسول الله لزمت الارض، فقال صلى الله عليه وآله: ذلك الظن بك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انشدك يا رب (6) ما وعدتني فإنك إن شئت لم تعبد (7).
شى: عن هشام مثله (8). بيان: قال الجزري، السكركة بضم السين والكاف وسكون الراء: نوع من الخمور يتخذ من الذرة، قال الجوهري: هي خمر الحبش، وهي لفظة حبشية
(1) في التفسير: فاكفيت، قال: فنودى. (2) زاد في التفسير: وخرج الناس. (3) في المصدرين: فقالوا له. (4 و 5) في المصدرين: بها. (6) يا الله خ ل. (7) المجالس والاخبار: 57 و 58. (8) تفسير العياشي 1: 339 و 340.
[ 116 ]
وقد عربت فقيل: السقرقع، وقال الهروي: وفي حديث الهروي: وخمرة الشكركة (1) انتهى. والسديف كأمير: شحم السنام، قاله الفيروز آبادي. وقال: النمرة كفرحة: الحبرة وشملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف تلبسها الاعراب. قوله صلى الله عليه وآله: فإنك إن شئت لم تعبد، لعل المعنى إن شئت مغلوبيتنا واستيصالنا لم يعبدك أحد بعد ذلك، أو المعنى إن شئت أن لا تعبد فالامر إليك. أقول: في هذا الخبر ما ينافي الاخبار المتواترة الدالة على رفعة شأن حمزة عليه السلام وسمو مكانه ظاهرا، وإن أمكن توجيهه والله يعلم. 46 - كا: علي، عن أبيه، عن هارون، عن ابن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أبا دجانة الانصاري اعتم يوم احد بعمامة، وأرخى عذبة العمامة بين كتفيه حتى جعل يتبختر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن هذه لمشية يبغضها الله عزوجل
إلا عند القتال في سبيل الله (2). بيان: العذب بالتحريك: طرف كل شئ. 47 - قب: وفي شوال غزوة احد، وهو يوم المهراس، قال ابن عباس و مجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن إسحاق: نزل فيه قوله: " وإذ غدوت من أهلك " وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. زيد بن وهب: " إن الذين تولوا منكم " فقالوا: لم انهزمنا وقد وعدنا بالنصر ؟ فنزل: " ولقد صدقكم الله وعده ". ابن مسعود والصادق عليه السلام: لما قصد أبو سفيان في ثلاثة آلاف من قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله ويقال: في ألفين، منهم مائتا فارس، والباقون ركب، ولهم سبعمائة درع، وهند ترتجز:
(1) هكذا في نسخة المصنف، وفى وغيرها بالمهملة، وفى المصدر: وقال الهروي: و في حديث الاشعري: وخمر الحبش السكركة راجع النهاية 2: 185. (2) فروع الكافي 1: 329.
[ 117 ]
نحن بنات طارق * نمشي على النمارق والمسك في المفارق * والدر في المخانق وكان استأجر أبو سفيان يوم احد ألفين من الاحابيش يقاتل بهم النبي صلى الله عليه وآله. قوله: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله " فخرج النبي صلى الله عليه وآله مع أصحابه وكانوا ألف رجل (1)، ويقال: سبعمائة، فانعزل عنهم ابن ابي بثلث الناس، فهمت بنو حارثه وبنو سلمة بالرجوع وهو قوله: " إذ همت طائفتان منكم ". قال الجبائي: هما به ولم يفعلاه، وساق الخبر " إلى أن قال: " وأقبل خالد من الشعب بخيل المشركين وجاء من ظهر النبي صلى الله عليه وآله وقال: دونكم هذا الطليق
الذي تطلبونه فشأنكم به، فحملوا عليه حملة رجل واحد حتى قتل منهم خلق، و انهزم الباقون في الشعب، وأقبل خالد بخيله (2) كما قال تعالى: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد " ورسول الله يدعوهم في اخريهم: " يا أيها الناس إني رسول الله، إن الله قد وعدني النصر فأين الفرار ؟ " وكان النبي صلى الله عليه وآله يرمي ويقول: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " فرماه ابن قميئة بقذافة فأصاب كفه، وعبد الله بن شهاب بقلاعة فأصاب مرفقه، وضربه عتبة بن أبي وقاص أخو سعد على وجهه فشج رأسه، فنزل من فرسه ونهبه ابن قميئة وقد ضرب به على جنبه، وصاح إبليس من جبل احد: ألا إن محمدا قد قتل، فصاحت فاطمة عليها السلام ووضعت يدها على رأسها وخرجت تصرخ وساير هاشمية وقرشية (3).
(1) في المصدر بعد ذكر الاية: فرأى النبي صلى الله عليه وآله ان يقاتل الرجال على افواه السكك، والضعفاء عن فوق البيوت، فابوا الا الخروج، فلما صار على الطريق قالوا: نرجع، فقال: ما كان لنبى إذا قصد قوما ان يرجع عنهم، وكانوا الف رجل، (2) في المصدر: بخيل المشركين. (3) " ": وكل هاشمية وقريشة. القصة.
[ 118 ]
فلما حمله علي عليه السلام إلى احد نادى العباس (1) وهو جهوري الصوت فقال: يا أصحاب سورة البقرة أين تفرون ؟ إلى النار تهربون ؟ وأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام: الحمد لله ربي الخالق الصمد * فليس يشركه في حكمه أحد هو الذي عرف الكفار منزلهم * والمؤمنون سيجزيهم بما وعدوا وينصر الله من والاه إن له * نصرا ويمثل بالكفار إذ عندوا قومي وقوا الرسول (2) واحتسبوا * شم العرانين منهم حمزة الاسد
وأنشأ عليه السلام: رأيت المشركين بغوا علينا * ولجوا في الغواية والضلال وقالوا: نحن أكثر إذ نفرنا * غداة الروع بالاسل الطوال فإن يبغوا ويفتخروا علينا * بحمزة وهو في الغرف العوالي فقد أودى بعتبة يوم بدر * وقد أبلى وجاهد غير آل وقد غادرت كبشهم جهارا * بحمد الله طلحة في المجال فخر لوجهه (3) ورفعت عنه * رقيق الحد حودث بالصقال (4) بيان: ذكر عباس هنا لعله سهو. وأقول: روي في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام. أتاني أن هندا حل صخر * دعت دركا وبشرت الهنودا
(1) في المصدر: وكان جهورى الصوت. أقول: ذكر العباس لعله وهم من الراوى أو ابن شهر آشوب، لان العباس لم يكن حاضرا في احد، ولعله اشتباه بابى طلحة زيد بن سهل الانصاري، قال المقريزى في الامتاع: وكان أبو طلحة راميا وكان صيتا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: صوت ابى طلحة في الجيش خير من اربعين رجلا انتهى. والصيت: جهير الصوت. (2) في المصدر: لرسول الله. (3) في الديوان: فتل بوجهه فرفعت عنه. (4) مناقب ال ابى طالب 1: 165 - 167.
[ 119 ]
فإن تفخر بحمزة حين ولى * مع الشهداء محتسبا شهيدا فإنا قد قتلنا يوم بدر * أبا جهل وعتبة والوليدا وقتلنا سراة الناس طرا * وغنمنا الولائد والعبيدا
وشيبة قد قتلنا يوم ذاكم * على أثوابه علقا حسيدا فبوأ من جهنم شر دار * عليها لم يجد عنها محيدا وما سيان من هو في جحيم * يكون شرابه فيها صديدا ومن هو في الجنان يدر فيها * عليه الرزق مغتبطا (1) حميدا (2) وفيه أيضا بعد قتل طلحة: أصول بالله العزيز الامجد * وفالق الاصباح رب المسجد أنا علي وابن عم المهتدي (3) وفيه أيضا: الله حي قديم قادر صمد * وليس يشركه في ملكه أحد هو الذي عرف الكفار منزلهم * والمؤمنون سيجزيهم كما وعدوا (4) فإن يكن دولة كانت لنا (5) عظة * فهل عسى أن يرى في غيها رشد وينصر الله من والاه إن له * نصرا ويمثل بالكفار إذ عندوا فإن نطقتم بفخر لا أبا لكم * فيمن تضمن من إخواننا اللحد فإن طلحة غادرناه منجدلا * وللصفائح نار بيننا تقد والمرأ عثمان أردته أسنتنا * فجيب زوجته إذ خبرت قدد في تسعة إذ تولوا بين أظهرهم * لم ينكلوا من حياض الموت إذ وردوا (6)
(1) مغبطا خ ل. (2 و 3) الديوان: 44. (4) بما وعدوا خ ل. (5) له خ ل. (6) في المصدر: لم تنكلوا. (*)
[ 120 ]
كانوا الذوائب من فهر وأكرمها * شم الانوف وحيث الفرع والعدد (1) وأحمد الخير قد أردى على عجل * تحت العجاج ابيا وهو مجتهد وظلت الطير والضبعان تركبه * فحامل قطعة منهم ومقتعد ومن قتلتم على ما كان من عجب * منا فقد صادفوا خيرا وقد سعدوا لهم جنان من الفردوس طيبة * لا يعتريهم بها حر ولا صرد صلى الاله عليهم كلما ذكروا * فرب مشهد صدق قبله شهدوا قوم وفوا لرسول الله واحتسبوا * شم العرانين منهم حمزة الاسد ومصعب ظل ليثا دونه حردا (2) * حتى تزمل منه ثعلب جسد ليسوا كقتلى من الكفار أدخلهم * نار الجحيم على أبوابها الرصد (3) وفيه أيضا: رأيت المشركين بغوا علينا - إلى قوله: وقد اودى وجاهد غير ال وقد فللت خيلهم ببدر * وأتبعت الهزيمة بالرجال إلى قوله بالصقال. كأن الملح خالطه إذا ما * تلظى كالعتيقة في الظلال (4)
(1) في المصدر: شم العرانين حيث الفرع والعدد. (2) فان يكن دولة، أي للكفار غلبة علينا. في غيها، الضمير للفرقة الكفرة أو للدولة بتأويل صاحب الدولة، والمثل والتمثيل: التعذيب والتنكيل. غادرناه أي تركناه. منجدلا أي مطروحا. قد تولوا، أي عن الدنيا وماتوا. وابى هو ابن خلف وضمير هو راجع إليه، أي كان ساعيا في اهلاكه. على ما كان من عجب، أي كان قتلكم اياهم بعد غلبتنا عليكم من الغرائب.
مصعب هو ابن عمير. والحرد: الغضبان. مند قدس سره. (3) الديوان: 44 و 45. (4) ": 108.
[ 121 ]
49 - وفي شرح الديوان: إن عثمان بن أبي طلحة ارتجز يوم احد فقال: أنا ابن عبد الدار ذي الفضول * وإنك عندي يا علي مقبول (1) أو هارب خوف الردى مفلول فأجابه عليه السلام بما في الديوان: هذا مقامي معرض مبذول * من يلق سيفي فله العويل ولا أخاف (2) الصول بل أصول * إني عن الاعداء لا أزول يوما لدى الهيجاء ولا أحول * والقرن عندي في الوغاء مقتول أو هالك بالسيف أو مغلول (3) وقال عليه السلام: في جواب رجز عمر بن أخنس بن شريق: اخسأ عليك اللعن من جاهد * يا بن لعين لاح بالارذل اليوم أعلوك بذي رونق * كالبرق في المخلولق المسبل يفري شؤون الرأس لا ينثني (4) * بعد فراش الحاجب الاجزل أرجو بذلك الفوز في جنة * عالية في أكرم المدخل (5) وفيه أيضا مخاطبا لاسامة بن زيد (6) في تلك الغزوة: لست أرى ما بيننا حاكما * إلا الذي بالكف تبار وصارما أبيض مثل المها * يبرق في الراحة ضرار معي حسام قاطع باتر * تسطع من تضرابه النار
(1) في الديوان: مقتول أقول: لعل الصحيح: (إنك) بلا عاطف.
(2) في المصدر: فلا اهاب. (3) الديوان: 108 وفيه: أو مفلول. (4) في المصدر: لا ينتهى. (5) الديوان: 109. (6) هكذا في الكتاب ومصدره، ولم نعرفة من هو، ولعله مصحف أبو أسامة، وهو معاوية بن زهير الجشمى حليف بنى مخزوم.
[ 122 ]
إنا اناس ديننا صادق * إنا على الحرب لصبار (1) وفيه أيضا مخوفا له: سوف يرى الجمع ضراب الفاتك الحلابس (2) * وطعنة قد شدها لكبوة الفوارس اليوم أضرم نارها بجذوة لقابس * حتى ترى فرسانها تخر للمعاطس (3) بيان: دعت دركا، أي لنفسها درك الجحيم أو الناس إليها، والدرك أيضا: اللحاق. والتبعة. وبشرت قوما كالهنود في الكفر، أو قومها المنسوبين إليها والتقتيل إكثار القتل. والسراة: الاشراف، قوله غنمنا بالتشديد، أي جعلناهم غنائم. على أثوابه، كأن تقديره تركنا على أثوابه. علقا بالتحريك، أي دما غليظا أو جامدا والجسيد من قولهم: جسد به الدم: إذا لصق به. قوله: تقد، أي تلتهب. قوله: قدد، أي قطع، والقد: قطع الشئ طولا. قوله: كانوا الذوائب أي الرؤساء والاشراف وفهر بالكسر: أبو قبيلة من قريش. والشم بالضم جمع الاشم. والشمم: ارتفاع قصبة الانف، واستواء أعلاها، وإشراف الارنبة قليلا، وهو كناية عن الرفعة و العلو وشرف الانفس، يقال: شمخ بأنفه: إذا تكبر والفرع: الولد. والعجاج الغبار.
قوله: فحامل قطعة، أي بعضها تحمل منه قطعة، وبعضها تركبه وتأكل منه والصرد: البرد. العرانين: الانوف. ورمله بالدم: لطخه، وفي بعض النسخ بالزاي من تزمل، أي تلفف به. والثعلب: طرف الرمح الداخل في السنان. قوله: غير آل: أي غير مقصر. والاسل: الرماح. وفللت الجيش هزمته والتشديد للمبالغة والتكثير. قوله: حودث أي جلي. وعقيقة البرق: ما انعق منه أي تضرب في السحاب. ويقال: عرضت الشئ فأعرض، أي أظهرته فظهر وخسأ بعد ورونق السيف: ماؤه وحسنه. والمخلولق: البالي الدارس، والاسبال: الارسال
والفري القطع والشؤن: ملتقى عظام الرأس. وفراش الرأس: عظام رقاق تلي القحف والجزل: القطع. وبتار بتقديم الموحدة على المثناة أي قطاع، وفي بعض النسخ بالعكس من التبار وهو الهلاك. والمها: البلور. والباتر: السيف القاطع. و التضراب مبالغة في الضرب. والفاتك: الجري. والحلابس بالضم: الشجاع. وفي بعض النسخ الخنابس وهو الكريه المنظر. ويقال: الاسد خنابس. وكبا لوجهه كبوا سقط وضمير " نارها " للحرب والجذوة مثلثة: الجمرة. وقبست منه نارا: طلبته. و المعطس كالمجلس: الانف. 50 - أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: لما رجع من حضر بدرا من المشركين إلى مكة وجدوا العير التي قدم بها أبو سفيان موقوفة في دار الندوة، فاتفقوا على أن يحتبسوها أو أرباحها ليجهزوا بها جيشا إلى محمد صلى الله عليه وآله فبعثوا إلى العرب واستنصروهم فخرجوا وهم ثلاثة آلاف بمن ضوى إليهم بعدة و
سلاح كثير، وقادوا مأتي فرس، وكان فيهم سبعمائة دارع، وثلاثة آلاف بعير فلما أجمعوا المسير (1) كتب العباس بن عبد المطلب كتابا وختمه، واستأجر رجلا من بني غفار وشرط عليه أن يسير ثلاثا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره أن قريشا قد أجمعت إليك (2)، فما كنت صانعا إذ أحلوا بك فاصنعه. فلما شاع الخبر في الناس ظهر النبي صلى الله عليه وآله المنبر (3) فحمد الله وأثني عليه ثم قال: " أيها الناس إني رأيت في منامي كأني في درع حصينة، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انقصم (4) من عند ظبته (5)، ورأيت بقرا تذبح، ورأيت كأني مردف كبشا ".
(1) في المصدر: فلما اجمعوا على المسير. (2) " ": قد اجتمعت للمسير اليك. (3) في الامتاع: فلما اصبح يوم الجمعة واجتمع الناس خطب على المنبر. (4) انقصم: انكسر. (5) ظبة السيف: حده.
[ 124 ]
قال الناس: يا رسول الله فما أولتها ؟ قال أما الدرع الحصينة فالمدينة فامكثوا فيها، وأما انقصام سيفي من عند ظبته فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح فقتلي. في أصحابي. وأما إني مردف كبشا فكبش الكتيبة نقتله إنشاء الله. وروي عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله قال: أما انقصام سيفي فقتلة رجل من أهل بيتي. وروي أنه قال: " ورأيت في سيفي فلا فكرهته " هو الذي أصاب وجهه. قال الواقدي: فقال عليه السلام: أشيروا علي، ورأى صلى الله عليه وآله أن لا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فقام عبد الله بن ابي فقال: يا رسول الله كنا نقاتل في الجاهلية في
هذه المدينة، ونجعل النساء والذراري في هذه الصياصي، ونجعل معهم الحجارة يا رسول الله، إن مدينتنا عذراء ما فضت (1) علينا قط، وما خرجنا إلى عدو منها قط إلا أصاب منا، وما دخل علينا قط إلا أصبناهم، فكان رأي رسول الله صلى الله عليه وآله مع رأيه، وكان ذلك رأي الاكابر من المهاجرين والانصار، فقام فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا، وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله الخروج إلى عدوهم، ورغبوا في الشهادة، وقال رجال من أهل التيه (2) وأهل السن منهم حمزة وسعد بن عبادة والنعمان بن مالك في غيرهم (3) من الاوس والخزرج: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا (4)، فقال: حمزة و الذي أنزل عليه الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى اجالدهم بسيفي خارجا من
(1) العذراء: البكر الدرة لم تثقب. فض ختم الكتاب: كسره وفتحه. فض اللؤلؤة: ثقبها. (2) في المصدر. من أهل النبه. (3) في المصدر: وغيرهم. (4) زاد في الامتاع: وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعوا الله به، فساقه الينا في ساحتنا، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما يرى من الحاحهم كاره، وقد لبسوا السلاح، وقال حمزة.
[ 125 ]
المدينة وكان يقال: كان حمزة يوم الجمعة صائما، ويوم السبت صائما، فلاقاهم وهو صائم. وقام خيثمة أبو سعد بن خيثمة فقال: يا رسول الله إن قريشا مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب في بواديها ثم جاؤنا وقد قادوا الخيل حتى نزلوا بساحتنا فيحضروننا (1) في بيوتنا وصياصينا، ثم يرجعون وافرين، لم يكلموا
فيجرؤهم ذلك علينا حتى يشنوا الغارات علينا، ويضع الارصاد والعيون علينا، و عسى الله أن يظفرنا بهم، فتلك عادة الله عندنا، أو يكون الاخرى (2) فهي الشهادة، لقد أخطأتني وقعة بدر، وقد كنت عليها حريصا، لقد بلغ من حرصي أن ساهمت ابني في الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد رأيت ابني البارحة في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها، وهو يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة فقد وجدت ما وعدني ربي حقا وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنة وقد كبرت سني ورق عظمي وأحببت لقاء ربي، فادع الله أن يرزقني الشهادة، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فقتل باحد شهيدا فقال كل منهم: مثل ذلك فقال: إني أخاف عليكم الهزيمة فلما أبوا إلا الخروج صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الجمعة بالناس، ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، ثم صلى العصر، ولبس السلاح وخرج، وكان مقدم قريش يوم الخميس لخمس خلون من شوال، وكانت الوقعة يوم السبت لسبع خلون من شوال، وباتت وجوه الاوس والخزرج ليلة الجمعة عليهم السلاح في المسجد بباب النبي صلى الله عليه وآله خوفا من تبييت المشركين، وحرست المدينة تلك الليلة حتى أصبحوا. قال: فلما سوى رسول الله صلى الله عليه وآله الصفوف باحد قام فخطب الناس فقال:
(1) في المصدر: فيحصروننا. (2) " ": أو تكون الاخرى.
[ 126 ]
" أيها الناس أوصيكم بما أوصاني به الله في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنكم اليوم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه، ثم وطن نفسه على الصبر واليقين والجد والنشاط، فإن جهاد العدو شديد كريه، قليل من يصبر
عليه إلا من عزم له على رشده (1) إن الله مع من أطاعه، وإن الشيطان مع من عصاه فاستفتحوا (2) أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به، فإني حريص (3) على رشدكم، إن الاختلاف والتنازع والتثبط (4) من أمر العجز والضعف. وهو مما لا يحبه الله ولا يعطى عليه النصر والظفر. أيها الناس إنه قد قذف في قلبي أن من كان على حرام فرغب عنه ابتغاء ما عند الله غفر له ذنبه (5)، ومن صلى علي صلى الله عليه وملائكته عشرا، ومن أحسن من مسلم أو كافر وقع أجره على الله في عاجل دنياه، وفي (6) آجل آخرته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة (7) يوم الجمعة إلا صبيا أو امرأة أو مريضا أو عبدا مملوكا، ومن استغنى عنها استغنى الله عنه والله غني حميد، ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه، وإنه قد نفث (8) الروح الامين في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شئ وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله ربكم، وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه على أن تطلبوه بمعصية
(1) في الامتاع: الا من عزم الله له رشده، فان الله. (2) " ": فافتتحوا. (3) في نسخة المصنف: (حريث) ولعله مصحف. (4) التثبط: التريث والتعوق. وفى المصدر: التثبيط. (5) في الامتاع: ايها الناس حدد في صدري ان من كان على حرام فرق الله بينه وبينه ورغب له عنه غفر الله له ذنبه. (6) في المصدر: أو في آجل آخرته: وفى الامتاع: أو آجل اخرته. (7) بالجمعة خ ل. (8) أي ألقى في قلبى أو ألهمته. (*)
[ 127 ]
ربكم، فإنه لن يقدر (1) على ما عنده إلا بطاعته، قد بين لكم الحلال والحرام غير أن بينهما شبها من الامر لم يعلمها كثير من الناس إلا من عصم، فمن تركها حفظ عرضه ودينه. ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه وما (2) من ملك إلا وله حمى، ألا وأن حمى الله محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى عليه (3) سائر جسده، والسلام عليكم (4) ". قال الواقدي: وبرز طلحة بن أبي طلحة فصاح من يبارز ؟ فقال علي عليه السلام: هل لك في مبارزتي ؟ قال: نعم، فبرز (5) بين الصفين ورسول الله جالس تحت الراية عليه درعان ومغفر وبيضة، فالتقيا، فبدره علي عليه السلام بضربة على رأسه فمضى السيف حتى فلق هامته إلى أن انتهى إلى لحيته فوقع، وانصرف علي عليه السلام فقيل له: هلا دففت (5) عليه ؟ قال: إنه لما صرع استقبلتني عورته (6)، فعطفتني عليه الرحم، وقد علمت أن الله سيقتله، هو كبش الكتيبة، فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وكبر تكبيرا عاليا وكبر المسلون. وساق القصة إلى أن قال: ثم حمل اللواء أرطاة بن عبد شرحبيل فقتله علي عليه السلام، ثم حمله صواب غلام بني عبدالدار فقيل: قتله علي عليه السلام، وقيل: سعد بن أبي وقاص، وقيل: قزمان. قال الواقدي: وقالوا: ما ظفر الله نبيه في موطن قط ما ظفره وأصحابه يوم احد حتى عصوا الرسول وتنازعوا في الامر، لقد قتل أصحاب اللواء وانكشف
(1) لا يقدر خ ل. (2) وليس خ ل وهو الموجود في الامتاع. (3) في المصدر والامتاع: تداعى إليه.
(4) الامتاع: 221 و 122، شرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد 3: 358 - 365. (5) في المصدر: فبرزا. (6) " ": ذفف. أقول: دفف الجريح وذفف: اجهز عليه واتم قتله. (7) " ": استقبلتني بعورته. وفيه: فعطفني.
[ 128 ]
المشركون، ونساؤهم يدعون بالويل بعد ضرب الدفوف، فلما ترك أصحاب عبد الله ابن جبير مراكزهم ونظر خالد بن الوليد إلى خلا الجبل وقلة أهله فكر بالخيل وتبعه عكرمة بالخيل، وانطلقا إلى موضع الرماة فحملوا عليهم فراماهم القوم حتى اصيبوا، ورامي (1) عبد الله بن جبير حتى فنيت نبله، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر ثم كسر جفن سيفه فقاتل حتى قتل. فروى رافع بن خديج قال: لما قتل خالد الرماة أقبل بالخيل وعكرمة يتلوه فخالطنا وقد انتقضت صفوفنا، ونادى إبليس وتصور في صورة جعال بن سراقة: إن محمدا قد قتل، ثلاث صرخات، فابتلى يومئذ جعال ببلية عظيمة حين تصور إبليس في صورته، وإن جعالا ليقاتل مع المسلمين أشد القتال، وإنه إلى جنب أبي بردة وخوات بن جبير، قال رافع: فوالله ما رأينا دولة كانت أسرع من دولة المشركين علينا وأقبل المسلمون على جعال يريدون قتله فشهد له خوات وأبو بردة أنه كان إلى جنبهما حين صاح الصائح وأن الصائح غيره، قال رافع: اتينا من قبل أنفسنا ومعصية نبينا، واختلط المسلمون وصاروا يقتلون ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون (2) بما يصنعون من الدهش والعجل (3). وروى أبو عمر ومحمد بن عبد الواحد اللغوي ورواه ايضا محمد بن حبيب في أماليه أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما فر معظم أصحابه عنه يوم احد كثرت عليه كتائب المشركين وقصدته كتيبة من بني كنانة ثم من بني عبد مناف (4) بن كنانة فيها بنو سفيان بن
عويف، وهم خالد بن ثعلب (5) وأبو الشعثاء بن سفيان، وأبو الحمراء بن سفيان وغراب بن سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي اكفني هذه الكتيبة، فحمل عليها
(1) في المصدر: ورمى. (2) " ": وما يشعرون. (3) شرح نهج البلاغة 366 - 368. (4) في المصدر: من بنى عبد مناة بن كنانة، وهو الصحيح راجع نهاية الارب: 317. (5) " ": خالد بن سفيان.بحار الانوار - 8 -
[ 129 ]
وإنها لتقارب خمسين فارسا، وهو عليه السلام راجل، فما زال يضربها بالسيف حتى تتفرق عنه، ثم تجتمع عليه هكذا مرارا حتى قتل بني سفيان بن عويف الاربعة وتمام العشرة منها ممن لا يعرف أسماؤهم، فقال جبرئيل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله (1): إن هذه للمواساة (2)، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما يمنعه وهو مني وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما، قال: وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا يرى شخص الصارخ به، ينادي مرارا: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. فسئل رسول الله عنه فقال: هذا جبرئيل. قلت: وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدثين وهو من الاخبار المشهورة و وقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن إسحاق، وسألت شيخي عبد الوهاب بن سكينة عن هذا الخبر، فقال: خبر صحيح، فقلت له: فما بال الصحاح لم تشتمل عليه ؟ قال: وكل (3) ما كان صحيحا تشتمل عليه كتب الصحاح ؟ كم قد أهمل (4) جامعوا الصحاح من الاخبار الصحيحة (5).
قال الواقدي: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ، من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقال عمر: أنا، فأعرض عنه، فقام الزبير فأعرض عنه، ثم عرضه الثالثة، فقال أبو دجانة: أنا يا رسول الله آخذه بحقه فدفعه إليه، فما رؤي أحد قاتل أفضل من قتاله وكان حين أعطاه مشى بين الصفين واختال في مشيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن هذه لمشية يبغضها الله تعالى إلا في مثل هذا الموطن ".
(1) يا محمد خ ل. (2) في المصدر: المواساة. (3) " ": أو كل ما. (4) ولذا ترى أن البخاري أو مسلم لم يذكرا ما في صحيح الاخر، واستدرك عليهما أيضا الحاكم اخبارا كثيرة صحيحة على شرطهما في مستدركه. (5) شرح نهج البلاغة 3: 371 و 372.
[ 130 ]
قال وكان مخيريق اليهودي من أحبار اليهود فقال يوم السبت ورسول الله صلى الله عليه وآله باحد: يا معشر اليهود والله إنكم لتعلمون أن محمدا نبي، وأن نصره عليكم حق فقالوا: ويحك اليوم يوم السبت، فقال: لا سبت، ثم أخذ سلاحه وحضر مع النبي صلى الله عليه وآله فاصيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " مخيريق خير يهود ". قال: وكان قال حين خرج إلى احد: إن اصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله فهي عامة صدقات النبي صلى الله عليه وآله قال: وكان عمرو بن الجموح رجلا أعرج فلما كان يوم احد وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبي صلى الله عليه وآله المشاهد أمثال الاسد أراد قومه أن يحبسوه وقالوا: أنت رجل أعرج ولا حرج عليك وقد ذهب بنوك مع النبي صلى الله عليه وآله، قال: بخ يذهبون إلى الجنة وأجلس أنا عندكم ؟ فقالت هند بنت عمرو بن حرام امرأته: كأني أنظر إليه موليا قد أخذ درقته وهو يقول: اللهم لا تردني
إلى أهلي، فخرج ولحقه بعض قومه يكلمونه في القعود فأبى وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن قومي يريدون أن يحبسوني هذا الوجه (1)، والخروج معك، والله إني لارجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له: أما أنت فقد عذرك (2) الله ولا جهاد عليك، فأبى، فقال النبي صلى الله عليه وآله لقومه وبنيه: " لا عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله يرزقه الشهادة " فخلوا عنه، فقتل يومئذ شهيدا، قال: فحملته هند بعد شهادته وابنها خلاد وأخاها عبد الله على بعير، فلما بلغت منقطع الحرة برك البعير، فكان كلما توجهه إلى المدينة برك، وإذا وجهته إلى احد أسرع، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته بذلك، فقال صلى الله عليه وآله: إن الجمل لمأمور، هل قال عمرو شيئا ؟ قالت: نعم، إنه لما توجه إلى احد استقبل القبلة ثم قال: اللهم لا تردني إلى أهلي وارزقني الشهادة، فقال صلى الله عليه وآله: " فلذلك الجمل لا يمضي إن منكم يا معشر الانصار من لو أقسم على الله لابره، منهم عمرو بن الجموح، يا
(1) في المصدر: عن هذا الوجه. (2) عذره على أو فيما صنع: رفع عنه اللوم والذنب، أو قبل معذرته.
[ 131 ]
هذه (1) ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة فينظرون (2) أين يدفن " ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وآله في قبرهم. ثم قال: يا هند قد ترافقوا في الجنة جميعا بعلك وابنك وأخوك، فقالت هند: يا رسول الله فادع لي عسى أن يجعلني معهم. قال: وكان جابر يقول: لما استشهد أبي جعلت عمتي تبكي، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " ما يبكيها ؟ ما زالت الملائكة تظل عليه بأجنحتها حتى دفن ". وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيت في النوم قبل يوم احد بأيام مبشر بن عبد المنذر أحد الشهداء ببدر يقول لي: أنت قادم علينا في أيام، فقلت: فأين أنت ؟ قال: في الجنة نسرح منها حيث نشاء، فقلت له: ألم تقتل يوم بدر ؟ قال: بلى،
ثم احييت، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله قال: هذه الشهادة يا باجابر. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد: " ادفنوا عبد الله بن عمرو، وعمرو بن الجموح في قبر واحد " ويقال: إنهما وجدا وقد مثل بهما كل مثلة قطعت إرابهما عضوا عضوا، فلا يعرف أبدانهما، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " ادفنوهما في قبر واحد " و يقال: إنما دفنهما في قبر واحد لما كان بينهما من الصفا، فقال: " ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد " فدخل السيل عليهما وكان قبرهما مما يلي السيل (4) فحفر عنهما وعليهما نمرتان، وعبد الله، قد أصابه جرح في وجهه فيده على وجهه فاميطت (5) يده عن جرحه فثعب (6) الدم فردت إلى مكانها فسكن الدم. قال الواقدي: وكان جابر يقول: رأيته (7) في حفرته كأنه نائم ما تغير
(1) في المصدر: يا هند. (2) " ": ينظرون. (3) الارب: العضو. (4) في المصدر: مما يلى الجبل. (5) أي ابتعدت عنه. (6) في المصدر: ثغب. أي سال. (7) " ": رأيت أبى. أقول: هو عبد الله.
[ 132 ]
من حاله قليل ولا كثير، فقيل: أفرأيت أكفانه ؟ قال: إنما كفن في نمرة خمر بها وجهه وعلى رجليه الحرمل (1)، فوجدنا النمرة كما هي، والحرمل على رجليه كهيئته، وبين ذلك وبين دفنه ست وأربعون سنة، فشاورهم (2) جابر في أن يطيبه بمسك فأبى ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: لا تحدثوا فيهم (3) شيئا. قال: ويقال: إن معاوية لما أراد أن يجري العين التي أحدثها بالمدينة وهي
كظامة نادى مناديه بالمدينة: من كان له قتيل باحد فليشهد، فخرج الناس إلى قتلاهم فوجدوهم رطابا يتثنون فأصابت المسحاة رجل رجل منهم فثعبت (4) دما، فقال أبو سعيد الخدري: لا ينكر بعد هذا منكر أبدا. قال: ووجد عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر، وخارجة بن زيد وسعد بن الربيع في قبر، فأما قبر عبد الله وعمرو فحول، وذلك أن القناة كانت تمر على قبرهما، وأما قبر خارجة وسعد فترك لان مكانه كان معتزلا، ولقد كانوا يحفرون التراب، فكلما حفروا قترة (5) من تراب فاح عليهم المسك. قال الواقدي: وكانت نسيبة بنت كعب قد شهدت احدا وابناها عمارة بن غزية وعبد الله بن زيد، وزوجها غزية، وخرجت ومعها شن لها في أول النهار تريد تسقي الجرحى، فقاتلت يومئذ وأبلت بلاء حسنا، فجرحت اثنى عشر جرحا بين طعنة برمح أو ضربة بسيف، فكانت ام سعد تحدث فتقول: دخلت عليها فقلت لها: يا خالة حدثيني خبرك، فقالت: خرجت أول النهار إلى احد وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في الصحابة والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجعلت اباشر القتال
(1) الحرمل، نبات البادية له حب اسود كالسمسم، ويقال بالفارسية: سپند. (2) في نسخة المصنف: فشاور. (3) هكذا في الكتاب ومصدره. (4) في المصدر: فثغبت. (5) القترة: الغبرة. وفى المصدر: القبرة.
[ 133 ]
وأذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف، وأرمي بالقوس حتى خلصت إلي الجراح فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت: يا ام عمارة من أصابك بهذا ؟ قالت:
أقبل ابن قميئة وقد ولى الناس عن رسول الله يصيح دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا، فاعترض له مصعب بن عمير وناس معه فكنت فيهم فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذاك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان، فقلت لها: يدك ما أصابها ؟ قال: اصيبت يوم اليمامة، لما جعلت الاعراب تهزم بالناس نادت الانصار: اخلصونا، فاخلصت الانصار، فكنت معهم حتى انتهينا إلى حديقة الموت فاقتتلنا عليها ساعة حتى قتل أبو دجانة على باب الحديقة ودخلتها، وأنا اريد عدو الله مسيلمة فتعرض لي رجل فضرب يدي فقطعها، فوالله ما كانت لي ناهية، ولا عرجت عليها حتى وقفت على الخبيث مقتولا، وابني عبد الله بن زيد يمسح سيفه بثيابه، فقلت: أقتلته ؟ قال: نعم، فسجدت شكرا لله عزوجل وانصرفت. قال: وكان ضمرة بن سعيد يحدث عن آبائه، عن جدته وكانت قد شهدت احدا تسقي الماء قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يومئذ: " لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان " وكان يراها يومئذ تقاتل أشد القتال حتى جرحت ثلاثة عشر جرحا. قال ابن أبي الحديد: قلت: ليت الراوي لم يكن هذه الكناية وكان يذكر من هما بأسمائهما حتى لا يترامى الظنون إلى امور مشتبهة ومن أمانة الحديث (1) أن يذكر الحديث على وجهه ولا يكتم منه شيئا، فما باله كتم اسم هذين الرجلين (2) ؟ ! أقول: إن الراوي لعله كان معذورا في التكنية باسم الرجلين تقية، وكيف كان يمكنه التصريح باسم صنمي قريش وشيخي المخالفين الذين كانوا يقدمونهما على أمير المؤمنين عليه السلام ؟ مع أن كنايته أبلغ من الصريح، إذ ظاهر أن الناس كانوا
(1) في المصدر: وكان يذكرهما باسمهما حتى لا تترامى الظنون إلى امور مشتبهة، ومن امانة المحدث اه. (2) شرح نهج البلاغه 3: 374 - 377. (*)
[ 134 ]
لا يبالون بذكر أحد من الصحابة بما كان واقعا إلا بذكرهما وذكر ثالثهما، وأما سائر بني امية وأجداد سائر خلفاء الجور فلم يكونوا حاضرين في هذا المشهد في عسكر المسلمين حتى يكنى بذكرهم تقية من أولادهم وأتباعهم، وقد تقدم في رواية علي بن إبراهيم ذكر الثالث أيضا معهما، وذكره كان أولى، لان فراره كان اعرض وسيأتي القول في ذلك. رجعنا إلى كلام ابن أبي الحديد: قال: روى الواقدي بإسناده عن عبد الله بن زيد قال: شهدت احدا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فلما تفرق الناس عنه دنوت منه وامي تذب عنه، فقال: ابن ام عمارة ؟ قلت: نعم، قال: ارم، فرميت بين يديه رجلا من المشركين بحجر وهو على فرس فاصيب عين الفرس فاضطرب الفرس حتى وقع هو وصاحبه، وجعلت أعلوه بالحجارة حتى نضدت عليه منها وقرا (1)، والنبي صلى الله عليه وآله ينظر إلي ويتبسم، فنظر إلى جرح بامي على عاتقها، فقال: " امك امك اعصب جرحها، بارك الله عليكم من أهل بيت، لمقام امك، خير من مقام فلان وفلان، ومقام ربيبك - يعني زوج امه - خير من مقام فلان وفلان، ومقامك خير من مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل البيت " فقالت امي: ادع الله لنا يا رسول الله أن نرافقك في الجنة، فقال: " اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة " قالت: فما ابالي ما أصابني من الدنيا، قال الواقدي: وأقبل وهب بن قابوس المزني ومعه ابن اخيه الحارث بن عقبة بغنم لهما من جبل جهينة (2) فوجدا المدينة خلوا، فسألا أين الناس ؟ قالوا: باحد، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يقاتل المشركين من قريش. فقالا: لا نبتغي أثرا بعد عين، فخرجا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وآله باحد فوجدا القوم يقتتلون، والدولة لرسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه. فأغارا مع المسلمين في النهب، وجاءت الخيل من ورائهم خالد وعكرمة فاختلط الناس، فقاتلا أشد
(1) نضد متاعه: جعل بضعه فوق بعض. والوقر: الحمل الثقيل. أي رميته بالحجر حتى اجتمعت عليه احجار كثيرة ثقلت عليه. (2) في المصدر: من جبل مزينة.
[ 135 ]
القتال فانفرقت فرقة من المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لهذه الفرقة ؟ فقال وهب: أنا، فقام فرماهم بالنبل حتى انصرفوا، ثم رجع فانفرقت فرقة اخرى، فقال صلى الله عليه وآله: من لهذه الكتيبة ؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله، فقام فذبها بالسيف حتى ولت، ثم رجع فطلعت كتيبة اخرى، فقال صلى الله عليه وآله: من يقوم لهؤلاء ؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله، فقال: قم وأبشر بالجنة، فقام مسرورا يقول: والله لا اقيل ولا استقيل، فجعل يدخل فيهم ويضرب بالسيف ورسول الله صلى الله عليه وآله ينظر إليه والمسلمون حتى خرج من أقصى الكتيبة، ورسول الله يقول: " اللهم ارحمه " ثم يرجع فيهم، فما زال كذلك وهم محدقون به حتى اشتملت عليه أسيافهم ورماحهم فقتلوه، فوجد به يومئذ عشرون طعنة بالرماح كلها قد دخلت إلى مقتل (1)، ومثل به أقبح المثل يومئذ، ثم قام ابن أخيه فقاتل كنحو قتاله حتى قتل. وقال سعد بن أبي وقاص: أشهد لرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله واقفا على المزني وهو مقتول وهو يقول: " رضى الله عنك فاني عنك راض " ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله قام على قدميه وقد ناله من ألم الجراح ما ناله على قبره (2) حتى وضع في لحده و عليه بردة لها أعلام حمر، فمد رسول الله صلى الله عليه وآله البردة على رأسه فخمره وأدرجه فيها طولا، فبلغت نصف ساقيه، فأمرنا فجمعنا الحرمل فجعلناه على رجليه وهو في لحده، ثم انصرف. قال الواقدي: وأقبل ضرار بن الخطاب فضرب عمر بن الخطاب لما جال المسلمون تلك الجولة بالقناة، وقال: يا ابن الخطاب إنها نعمة مشكورة ما كنت
لاقتلك. قال: وقال علي عليه السلام: لما كان يوم احد وجال الناس تلك الجولة أقبل امية بن أبي حذيفة بن المغيرة وهو دارع مقنع في الحديد ما يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: يوم بيوم بدر، فعرض له رجل من المسلمين فقتله امية، فصمدت له
(1) في المصدر: قد خلصت إلى مقتل. (2) " ": وقد ناله من الم الجراح ما ناله، وانى لاعلم ان القيام يشق عليه على قبره.
[ 136 ]
فضربته بالسيف على هامته وعليه بيضة وتحت البيضة مغفر فنبا سيفي (1)، وكنت رجلا قصيرا، فضربني بسيفه فاتقيت بالدرقة، فلحج (2) سيفه فضربته وكان درعه مشمرة (3) فقطعت رجليه فوقع، وجعل يعالج سيفه حتى خلصه من الدرقة، و جعل يناوشني وهو بارك حتى نظرت إلى فتق إبطه (4) فضربته فمات. قال الواقدي: بينا عمر بن الخطاب يومئذ في رهط من المسلمين قعودا (5) إذ مر بهم أنس بن النضر فقال: ما يقعدكم ؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم قال (6) فجالد بسيفه حتى قتل، وقالوا: إن مالك بن الدخشم مر على خارجة بن زيد وهو قاعد وفي حشوته (7) ثلاثة عشر جرحا كلها قد خلصت إلى مقتل، فقال مالك: أعلمت أن محمدا قد قتل ؟ قال خارجة: فإن كان محمد قتل، فإن الله حي لا يقتل ولا يموت، و إن محمدا قد بلغ فاذهب أنت فقاتل عن دينك، قال: ومر مالك بن الدخشم أيضا على سعد بن الربيع وبه اثنا عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل، فقال: أما علمت أن محمدا قد قتل ؟ فقال سعد: أشهد أن محمدا قد بلغ رسالة ربه، فقاتل أنت عن دينك، فإن الله حي لا يموت (8).
(1) أي كل وارتد.
(2) لحج السيف: نشب في الغمد فلا يخرج. (3) أي مرفوعة عن ساقيه. (4) في المصدر: إلى فتق تحت ابطه. (5) أي في خارج المعركة، وذلك كان حين هزموا وفروا من العدو، والا فلا يكون معنى للقعود في معركة القتال قبال العدو. (6) أي انس بن النضر. (7) في القاموس: الحشى: ما دون الحجاب مما في البطن من كبد وطحال وكرش وما تبعه، وما بين ضلع الخلف التى في آخر الجنب، أو ظاهر البطن والحضن. والخضن بالكسر ما دون الابط إلى الكشح. (8) شرح نهج البلاغه 3: 378 - 381.
[ 137 ]
قال ابن أبي الحديد: قد روى كثير من المحدثين أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام حين سقط ثم اقيم: " اكفني هؤلاء " لجماعة قصدت نحوه، فحمل عليهم فهزمهم، وقتل منهم عبد الله بن حميد، ثم حملت عليهم (1) طائفة اخرى فقال له: اكفني هؤلاء، فحمل عليهم فانهزموا من بين يديه وقتل منهم امية بن حذيفة المخزومي (2). وقال: جميع من قتل يوم احد من المشركين ثمانية وعشرون، قتل علي عليه السلام منهم ما اتفق عليه وما اختلف فيه اثنى عشر، وهو إلى جملة القتلى كعدة من قتل ببدر إلى جملة القتلى يومئذ وهو قريب من النصف (3). ثم قال: القول فيمن ثبت من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد، قال الواقدي: حدثني موسى بن يعقوب، عن عمته، عن امها، عن المقداد قال: لما تصاف القوم للقتال يوم احد جلس رسول الله صلى الله عليه وآله تحت راية مصعب بن عمير، فلما
قتل أصحاب اللواء هزم المشركون الهزيمة الاولى، وأغار المسلمون على معسكرهم ينهبونه، ثم كر المشركون على المسلمين. فأتوهم عن خلفهم، فتفرق الناس، ونادى رسول الله صلى الله عليه وآله في أصحاب الالوية فقتل مصعب حامل لوائه، وأخذ راية الخزرج سعد بن عبادة، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله تحتها وأصحابه محدقون به، ودفع لواء المهاجرين إلى أبي الردم أحد بني عبدالدار آخر نهار ذلك اليوم، ونظرت إلى لواء الاوس مع اسيد بن حضير فناوشوا المشركين ساعة واقتتلوا على اختلاط من الصفوف، ونادى المشركين بشعارهم: يا للعزى يا لهبل، فأوجعوا (4) والله فينا قتلا ذريعا (5)، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وآله ما نالوا، لا والذي بعثه بالحق ما زال
(1) في المصدر: ثم حملت عليه. (2) شرح نهج البلاغة 3: 384 فيه: امية بن ابى حذيفة بن المغيرة المخزومى. وفى سيرة ابن هشام 3: 82 أبو أمية بن ابى حذيفة بن المغيرة. (3) شرح نهج البلاغة 3: 401. (4) فارجعوا خ ل. (5) قتل ذريع أي فظيع.
[ 138 ]
شبرا واحدا، إنه لفي وجه العدو تثوب إليه طائفة من أصحابه مرة، وتتفرق عنه مرة فربما رأيته قائما يرمي حتى تحاجزوا (1)، وكانت العصابة التي ثبتت مع رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة عشر رجلا: سبعة من المهاجرين، وسبعة من الانصار، فأما المهاجرون فعلي عليه السلام وأبو بكر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص و طلحة بن عبيدالله وأبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام، وأما الانصار فالحباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ واسيد بن حضير.
قال الواقدي: وقد روي أن سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة ثبتا يومئذ ولم يفرا، ومن روى ذلك جعلهما مكان سعد بن معاذ واسيد بن حضير. قال الواقدي: وبايعه يومئذ على الموت ثمانية: ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير، وخمسة من الانصار: أبو دجانة والحارث بن الصمة والحباب بن المنذر وعاصم بن ثابت وسهل بن حنيف، ولم يقتل منهم ذلك اليوم أحد، وأما باقي المسلمين ففروا ورسول الله صلى الله عليه وآله يدعوهم في اخراهم حتى انتهى من انتهى (2) منهم إلى قريب من المهراس. قال الواقدي: وحدثني عتبة بن جبيرة، عن يعقوب بن عمر بن قتادة (3) قال: ثبت يومئذ بين يديه ثلاثون رجلا كلهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودع. قلت: قد اختلف في عمر بن الخطاب هل ثبت يومئذ أم لا، مع اتفاق الرواة كافة على أن عثمان لم يثبت، فالواقدي ذكر أنه لم يثبت، وأما محمد بن إسحاق والبلاذري فجعلاه مع من ثبت ولم يفر، واتفقوا كلهم على أن ضرار بن الخطاب الفهري قرع رأسه بالرمح وقال: إنها نعمة مشكورة يا ابن الخطاب، إني آليت
(1) تثوب: أي ترجع وتجتمع. تحاجز. أي تمانع وتدافع. (2) المصدر خال عن قوله: من انتهى. (3) في المصدر: يعقوب بن عمير بن قتادة.
[ 139 ]
أن لا أقتل من قريش. روى ذلك محمد بن إسحاق وغيره ولم يختلفوا في ذلك، وإنما اختلفوا هل قرعه بالرمح وهو فار هارب أم مقدم ثابت (1)، ولم تختلف (2) الرواة من أهل الحديث أن أبا بكر لم يفر يومئذ وأنه ثبت فيمن ثبت، وإن لم يكن نقل عنه قتل أو قتال (3)، والثبوت جهاد، وفيه وحده كفاية، وأما رواية
الشيعة (4) فإنهم يروون أنه لم يثبت إلا علي وطلحة والزبير وأبو دجانة وسهل بن حنيف وعاصم بن ثابت، وفيهم من يروي أنه ثبت معه أربعة عشر رجلا من المهاجرين والانصار (5)، ولا يعدون أبا بكر وعمر بينهم (6)، وروى كثير من أصحاب الحديث أن عثمان جاء بعد ثالثة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فسأله إلى أين انتهيت ؟ فقال: إلى الاعوص، فقال: لقد ذهبت (7) فيها عريضة (8).
(1) في المصدر زيادة لم يذكرها المصنف اختصارا، وهى هذه: والذين رووا انه قرعه بالرمح وهو هارب لم يقل احد منهم: انه هرب حين هرب عثمان ولا إلى الجهة التى فر إليها عثمان، وانما هرب معتصما بالجبل، وهذا ليس بعيب ولا ذنب، لان المسلمين الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله اعتصموا بالجبل كلهم واصعدوا فيه، ولكن يبقى الفرق بين من اصعد الجبل في آخر الامر ومن اصعد فيه والحرب لم تضع اوزارها، فان كان عمر اصعد فيه آخر الامر فكل المسلمين هكذا صنعوا حتى رسول الله صلى الله عليه وآله، وان كان ذلك و الحرب قائمة بعد فقد فر انتهى أقول: كان ابن ابى الحديد اراد ان يخفى الامر تحت ستار الترديد وتشقيق الكلام، مع أن الذين رووا انه فر لم يرد الا انه فر عن معركة القتال والحرب قائمة لم تضع اوزارها، و رسول الله صلى الله عليه وآله قائم في ميدان الحرب تحمل عليه الكتائب من كل جانب، ولم يكن احد يدفع عنه ويذب العدو عن حضرته غير على عليه السلام وابى دجانة ونفر آخر على قول. (2) في المصدر: قال الرواة من اهل الحديث. (3) هذا بعيد جدا كما يشير إليه شيخنا المؤلف قدس الله سره قريبا. (4) هكذا في الكتاب، والصحيح ما في المصدر: اما رواة الشيعة. (5) ويوجد في بعض الاحاديث كما تقدم انه لم يثبت الا على عليه السلام. (6) في المصدر: منهم. (7) في النهاية: في حديث احد: لقد ذهبتم عريضة أي واسعة.
(8) شرح نهج البلاغة 3: 388 و 389.
[ 140 ]
قال ابن أبي الحديد: وحضرت عند محمد بن معد العلوي على رأي الامامية (1) وقارئ يقرأ عنده مغازي الواقدي، فقرأ: حدثنا الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن خالد بن رياح، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن محمد بن مسلمة قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم أحد وقد انكشف الناس إلى الجبل وهو يدعوهم وهم لا يلوون عليه سمعته يقول: إلي يا فلان، إلي يا فلان، أنا رسول الله صلى الله عليه وآله، فما عرج عليه واحد منهما ومضيا، فأشار ابن معد إلي: إي اسمع، فقلت: وما في هذا ؟ قال: هذه كناية عنهما، فقلت: ويجوز أن لا يكون عنهما، لعله عن غيرهما، قال: ليس في الصحابة من يحتشم من ذكره بالفرار (2) وما شابهه من العيب فيضطر القائل إلى الكناية إلا هما، قلت له: هذا ممنوع (3)، فقال: دعنا من جدلك ومنعك، ثم حلف أنه ما عنى الواقدي غيرهما، وأنه لو كان غيرهما لذكرهما صريحا. قال الواقدي: وكان ممن ولى عمر وعثمان والحارث بن حاطب وثعلبة بن حاطب وسواد بن غزية وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان وخارجة بن عامر (4) وأوس بن قبطي في نفر من بني حارثة (5). واحتج أيضا من قال: بفرار عمر بما رواه الواقدي في قصة حديبية قال: قال عمر يومئذ: يا رسول الله ألم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام، و
(1) في المصدر: حضرت عند محمد بن معد العلوى الموسوي الفقيه على رأى الشيعة الامامية رحمه الله في داره بدرب الدواب ببغداد في سنة ثمان وستمائة. (2) في المصدر: من يحتشم ويستحيى من ذكره بالفرار. (3) " ": هذا وهم.
(4) " ": خارجة بن عمر وفى اسد الغابة: خارجة بن عمرو الانصاري وزاد في المصدر: بلغ ملل، أقول: ملل، منزل على طريق المدينة إلى مكة على ثمانية وعشرين ميلا من المدينة. (5) زاد في المصدر بلغوا الشقرة ولقيتهم ام ايمن تحثى في وجوههم التراب وتقول لبعضهم: هاك المغزل فاغزل به وهلم.
[ 141 ]
تأخذ مفتاح الكعبة، وتعرف (1) مع المعرفين: وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقلت لكم في سفركم هذا ؟ قال عمر: لا، قال: أما إنكم ستدخلونه، وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسي ورؤسكم ببطن مكة واعرف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر وقال: " أنسيتم يوم احد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في اخراكم ؟ أنسيتم يوم الاحزاب إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر ؟ أنسيتم يوم كذا ؟ " و جعل يذكرهم امورا، أنسيتم يوم كذا ؟ فقال المسلمون: صدق الله ورسوله أنت يا رسول الله أعلم بالله منا، فلما دخل عام القضية وحلق رأسه قال: " هذا الذي كنت وعدتكم به " فلما كان يوم الفتح وأخذ مفتاح الكعبة قال: " ادعوا لي عمر بن الخطاب " فجاء فقال: " هذا الذي كنت قلت لكم ". قالوا: فلو لم يكن فر يوم احد لما قال له: " أنسيتم يوم احد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ". هذا آخر ما أردنا نقله من كلام ابن أبي الحديد (2). أقول: والعجب منه أنه ادعى هنا اتفاق الرواة على أنه ثبت أبو بكر ولم يفر، مع أنه قال عند ذكر أجوبة شيخه أبي جعفر الاسكافي عما ذكره الجاحظ في فضل إسلام أبي بكر على إسلام علي عليه السلام حيث قال الجاحظ: وقد ثبت أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وآله يوم احد كما ثبت علي فلا فخر لاحدهما على صاحبه في ذلك اليوم
قال شيخنا أبو جعفر: أما ثباته يوم احد فأكثر المؤرخين وأرباب السيرة ينكرونه وجمهورهم يروي أنه لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله إلا علي عليه السلام وطلحة والزبير وأبو دجانة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ولهم خامس وهو عبد الله بن مسعود، و منهم من أثبت سادسا وهو المقداد بن عمرو، وروى يحيى بن سلمة بن كهيل قال: قلت لابي: كم ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد ؟ كل منهم يدعيه ؟ فقال: اثنان
(1) عرف الحجاج: وقفوا بعرفات. (2) شرح نهج البلاغة 3: 390.
[ 142 ]
قلت: من هما ؟ قال: علي وأبو دجانة انتهى (1). فقد ظهر أن ثبات أبي بكر أيضا ليس مما أجمعت عليه رواتهم، واتفقت رواياتهم مع اتفاق روايات الشيعة على عدمه، وهي محفوفة بالقرائن الظاهرة، إذ من المعلوم أن مع ثباته لابد أن ينقل منه إما ضرب أو طعن، والعجب منه أنه حيث لم يكن من الطاعنين كيف لم يصر من المطعونين ؟ ولما لم يكن من الجارحين لم لم يكن من المجروحين ؟ وإن لم يتحرك لقتال مع كونه بمرءى من المشركين ومسمع لم لم يذكر في المقتولين ؟ إلا أن يقال: إن المشركين كانوا يرونه منهم باطنا، فلذا لم يتعرضوا له، كما لم يقتل ضرار عمر، ولعمري يمكن أن يقال: لو كان حضر ميت تلك الوقعة لكان يذكر منه بعض ما ينسب إلى الاحياء ولا يدعي مثل ذلك إلا من ليس له حظ من العقل والحياء. ولنوضح بعض ما ربما اشتبه فيما نقلنا عنه: ضوى إليهم كرمى: انضم. ما فضت أي كسرت، والتيه بالكسر: الكبر. والصياصي: الحصون. لم يكلموا على بناء المفعول، أي لم يجرحوا. والرصد بالتحريك: الذين يرقبون العدو و الجمع إرصاد.
وفي النهاية: فيه كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى كأنه بعضا دعا بعضا، ومنه قولهم: تداعت الحيطان، أي تساقطت، أو كادت، ومنه تداعت إليكم الامم، أي اجتمعوا ودعا بعضكم بعضا انتهى. وثعب الماء والدم كمنع: فجره فانثعب، ذكره الفيروز آبادي، وقال: القتره بالفتح: الغبرة، والقتر بالضم. الناحية، والجانب، والقتر: القدر، ويحرك وقال: الريح: الغلبة والقوة والنصرة انتهى. انحزت، إي عدلت عما كنت فيه متوجها إليه، والاعوص: موضع قرب المدينة.
(1) شرح نهج البلاغة 3: 281. راجعه ففيه بعد ذلك ما يناسب الباب من اجوبة ابى جعفر الاسكافي.
[ 143 ]
ثم قال ابن أبي الحديد: في ذكر أسماء من قتل من المسلمين باحد: قال الواقدي: ذكر سعيد بن المسيب وأبو سعيد الخدري أنه قتل من الانصار خاصة أحد وسبعون (1)، وبمثله قال مجاهد، قال: فأربعة من قريش، وهم حمزة قتله وحشي، وعبد الله بن جحش، قتله الاخنس (2) بن شريق وشماس بن عثمان، قتله ابي بن خلف، ومصعب بن عمير، قتله ابن قميئة، قال: وقد زاد قوم خامسا وهو سعد مولى حاطب من بني أسد، وقال قوم أيضا: إن أبا سلمة بن عبد الاسد المخزومي جرح يوم احد ومات من تلك الجراحة بعد أيام. قال الواقدي: وقال قوم: قتل ابنا الهيت من بني سعد وهما عبد الله وعبد الرحمن، ورجلان من مزينة، وهما وهب بن قابوس وابن أخيه الحارث بن عتبة بن قابوس، فيكون جميع من قتل من المسلمين ذلك اليوم أحدا و ثمانين رجلا. انتهى (3).
أقول: الاصوب ما مر في الاخبار المعتبرة من أن المقتولين من المسلمين باحد سبعون. ويحتمل أن يكون السبعون من المهاجرين و الانصار، والباقون ممن لحقهم من خارج المدينة كما عرفت. 51 - أقول: وروى الكازروني في المنتقى عن ربيعة بن الحارث (4) قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله مصعب بن عمير اللواء يوم احد، فقتل مصعب، فأخذه ملك في صورة
(1) ذكر ابن اسحاق ان جميع من استشهد من المسلمين من المهاجرين والانصار خمسة و ستون رجلا، وأضاف عليهم ابن هشام اربعة يوجد اسماؤهم جميعا في سيرة ابن هشام 3: 75 - 80. وذكر ان جميع من قتل من المشركين اثنان وعشرون رجلا. ذكرهم باسمائهم راجع ص 81 - 83. (2) في المصدر: أبو الحكم بن الاخنس. (3) شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد 3: 399 و 400، واختصر المؤلف ما تقدم من كلام ابن ابى الحديد وأسقط مالا يناسب الباب بطوله. (4) في المصدر: روى عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب
[ 144 ]
مصعب فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في آخر النهار: تقدم يا مصعب، فالتفت إليه الملك وقال: لست بمصعب، فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ملك ايد به (1). 52 - وقال ابن الاثير في كامل التواريخ: كان الذي قتل أصحاب اللواء علي عليه السلام قاله إبو رافع. قال: فلما قتلهم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من المشركين فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل ففرقهم، وقتل منهم، ثم أبصر جماعة اخرى فقال له: فاحمل عليهم، فحمل وفرقهم وقتل منهم، فقال جبرئيل: يا رسول الله هذه المواساة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتا: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي (2).
قال: وقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله باحد قتالا شديدا، وفرمى بالنبل حتى فنى نبله، وانكسرت سية قوسه، وانقطع وتره، ولما جرح رسول الله جعل علي عليه السلام ينقل له الماء في درقته من المهراس (3)، ويغسله فلم ينقطع الدم، فأتت فاطمة عليها السلام وجعلت تعانقه وتبكي، وأحرقت حصيرا وجعلت على الجرح من رماده فانقطع الدم، وقال: وانتهت الهزيمة بجماعة فيهم عثمان بن عفان وغيره إلى الاعوص فأقاموا به ثلاثة، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وآله فقال لهم حين رآهم: لقد ذهبتم فيها عريضة (4). وقال في ذكر غزوة حمراء الاسد: وظفر في طريقه بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص وبأبي غرة (5) الجمحي، وكان أبو غرة (6) اسر يوم بدر فأطلقه النبي صلى الله عليه وآله، لانه شكى إليه فقرا وكثرة العيال، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عليه العهود أن لا يقاتله ولا يعين على قتاله، فخرج معهم يوم احد، وحرض على المسلمين، فلما اتي به رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا محمد امنن علي، قال: " المؤمن لا يلدغ من
(1) المنتقى في مولود المصطفى: 119. الباب الثالث فيما كان سنة ثلاث من الهجرة. (2) الكامل 2: 107. (3) المهراس هنا: ماء بجنب احد دفن بجنبه حمزة رضى الله عنه. (4) الكامل 2: 109 و 110. (5 و 6) في المصدر: أبو عزة. وهو الصحيح كما قدمناه.بحار الانوار - 9 -
[ 145 ]
جحر مرتين " وأمر به فقتله، وأما معاوية وهو الذي جدع أنف حمزة ومثل به، مع من مثل به وكان قد أخطأ الطريق، فلما أصبح أتى دار عثمان بن عفان، فلما رآه قال له عثمان أهلكتني وأهلكت نفسك، فقال: أنت أقربهم مني رحما وقد
جئتك لتجيرني، فأدخله عثمان داره وصيره في ناحية منها ثم خرج إلى النبي صلى الله عليه وآله ليأخذ له منه أمانا فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن معاوية في المدينة وقد أصبح بها فاطلبوه، فقال بعضهم: ما كان ليعدو منزل عثمان فاطلبوه، فدخلوا منزل عثمان فأشارت ام كلثوم إلى الموضع الذي صيره فيه، فاستخرجوا من تحت حمارة لهم، فانطلقوا به إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال عثمان حين رآه: والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لاطلب له الامان فهبه لي، فوهبه له، وأجله ثلاثة أيام، و أقسم لئن وجد بعدها يمشي في أرض المدينة وما حولها ليقتلنه فخرج عثمان فجهزه واشترى له بعيرا ثم قال له: ارتحل، وسار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حمراء الاسد، وأقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار النبي صلى الله عليه وآله ويأتي بها قريشا، فلما كان في اليوم الرابع قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن معاوية أصبح قريبا لم يبعد فاطلبوه، فأصابوه وقد أخطأ الطريق فأدركوه، وكان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة وعمار بن ياسر، فوجداه بالحماء فضربه زيد بالسيف، فقال عمار: إن لي فيه حقا، فرماه بسهم فقتلاه، ثم انصرفا إلى المدينة بخبره. وروى هذا الخبر ابن أبي الحديد أيضا، وأكثر اللفظ له، ثم قال: ويقال: إنه ادرك على ثمانية أميال من المدينة، فلم يزل زيد وعمار يرميانه بالنبل حتى مات وهذا كان جد عبد الملك بن مروان لامه انتهى (1). أقول: هذه القصة كانت سبب قتل عثمان ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، كما سيأتي شرحه إن شاء الله في مثالبه، وباب أحوال أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وغيرهما.
(1) الكامل: 2: 114 و 115، شرح ابن ابى الحديد 3: 398 وفيه: قال البلاذرى: ويقال: ان عليا عليه السلام هو الذى قتل معاوية بن المغيرة.
[ 146 ]
وقال ابن الاثير: وفيها يعني السنة الثالثة من الهجرة قيل: ولد الحسن بن
علي عليهما السلام في النصف من شهر رمضان، وفيها علقت فاطمة بالحسين عليه السلام، وكان بين ولادتها وحملها خمسون يوما (1). 53 - وفي الديوان المنسوب إلى علي عليه السلام: إن الحارث بن صمة بعثه النبي صلى الله عليه وآله في احد لحاجة فأبطأ فأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام: لا هم إن الحارث بن صمة * كان وفيا وبنا ذا ذمة أقبل في مهامه مهمة * في ليلة ليلاء مدلهمة (2) بين رماح وسيوف جمة * يبغي رسول الله فيها ثمة لابد من بلية ملمة (3)
(1) الكامل 2: 115. (2) ذكر ابن هشام في السيرة 3: 154 الابيات غير المصرع الاخير وفيه: " كليلة ظلماء مدلهمة " وفيه: " بين سيوف ورماح جمة " قوله. مهامه جمع مهمه وهو الفقر. والمدلهمة: الشديدة السواد. (3) الديوان 125.
[ 147 ]
13 - * (باب) * * (غزوة الرجيع وغزوة معونة) * الآيات آل عمران " 3 ": ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا الآية 169. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله قيل: نزلت في شهداء بئر معونة، وكان سبب ذلك على ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار بإسناده عن أنس وغيره قال: قدم أبو براء عامر ابن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة وكان سيد بني عامر بن صعصعة على رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة. وأهدى له هدية، فأبى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقبلها، وقال: " يا أبا براء لا أقبل هدية مشرك فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك " وقرأ عليه القرآن فلم يسلم
ولم يبعد، وقال يا محمد: إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل، فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إني أخشي عليهم أهل نجد " فقال أبو براء: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين (1) رجلا من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء ابن الصلت السلمي ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من احد، فساروا حتى نزلوا بئر معونة (2)، فلما نزلوا قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله أهل هذا الماء ؟ فقال حرام بن ملحان: أنا، فخرج بكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاهم لم ينظر عامر في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال
(1) في سيرة ابن هشام: في اربعين رجلا. (2) في السيرة: وهى أرض بنى عامر وحرة بنى سليم، كلا البلدين منها قريب، وهى إلى حرة بنى سليم اقرب.
[ 148 ]
حرام: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله إليكم، وأني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر (1) البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصية ورعلا وذكوان (2)، فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى
فعاش حتى قتل يوم الخندق، وكان في سرح القوم عمرو بن امية الضمري (3) و رجل من الانصار أحد بني عمرو بن عوف (4)، فلم ينبئهما (5) بمصاب أصحابهما إلا الطير، تحوم حول العسكر، فقالوا: والله إن لهذا الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا إليه فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الانصاري لعمرو بن امية: ماذا ترى ؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وآله فنخبره الخبر، فقال الانصاري: لكني ما كنت لارغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن امية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أبيه (6) فقدم عمرو بن امية على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
(1) الكسر: الجانب من البيت. الشقة السفلى من الخباء أو ما تكسر وتثنى على الارض منها. الناحية. (2) في اعلام الورى: وهم الذين قنت عليهم النبي صلى الله عليه وآله ولعنهم. (3) الضميرى خ ل. والمذكور في المتن والسيرة واعلام الورى مثل المتن. (4) في نسخة المصنف: حريث وهو وهم. والصحيح: عوف كما في المصدر والسيرة. وفي الاخير: هو المنذر بن محمد بن عقبة بن احيحة بن الجلاح. (5) فلم ينبههما خ ل. (6) في السيرة والامتاع. على امه.
[ 149 ]
" هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا " فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله بسببه (1)، فقال حسان بن ثابت يحرض أبا براء على عامر بن الطفيل:
بني ام البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد ؟ تهكم عامر بأبي براء * ليخفره وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي * فما أحدثت في الحدثان بعدي أبوك أبو الحروب أبو براء * وخالك ماجد حكم بن سعد وقال كعب بن مالك: لقد طارت شعاعا كل وجه * خفارة ما أجار أبو براء بني ام البنين أما سمعتم * دعاء المستغيث مع النساء وتنويه الصريخ بلى ولكن * عرفتم أنه صدق اللقاء فلما بلغ ربيعة بن أبي براء قول حسان وقول كعب حمل على عامر بن الطفيل فطعنه فخر عن فرسه، فقال: هذا عمل أبي براء إن مت فدمي لعمي فلا يبتعن سواي وإن أعش فسأرى فيه الرأي (2)، قال: فأنزل الله في شهداء بئر معونة قرانا: " بلغوا عنا قومنا بأنا لقينا (3) ربنا فرضي عنا ورضينا عنه " ثم نسخت ورفعت بعد ما قرأناها وأنزل الله " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله " الآية. بيان: ولم يبعد، أي ينكر كثيرا، وفي القاموس: بئر معونة بضم العين: قرب المدينة، وقال: الكسر ويكسر: جانب البيت، وقال: خفره وبه خفرا و خفورا: نقض عهده وغدره كأخفره، وعصية كسمية: بطن من بني سليم، يقال: ارتث فلان على بناء المجهول، أي حمل من المعركة جريحا وبه رمق، قوله في سرح القوم أي عند دوابهم حيث ذهبت للرعي. والتحريض: الحث. وراعه أفزعه. و
(1) في السيرة: وما اصاب اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لسببه وجواره. (2) في المصدر واعلام الورى: فيه رأيى. وفى السيرة: فسأرى رأيى فيما اتى إلى. (3) " ": بلغوا قومنا عنا بانا قد لقينا. وفى المناقب والامتاع: انا قد لقينا.
[ 150 ]
الذؤابة من كل شئ: أعلاه. والتهكم: الاستهزاء، وما خطأ كعمد، أي لم يفعل ذلك خطأ ليعفي عنه بل فعله عمدا. وفي القاموس، المسعاة: المكرمة، والمعلاة في أنواع المجد. فما أحدثت استفهام على التعجب، ويحتمل النفي. وفي القاموس. ذهبوا شعاعا: متفرقين، وطار فؤاده شعاعا: تفرقت همومه، وقال: الخفارة بالضم: الذمة، وقال: نوهه وبه: دعاه، وقال: الصريخ: المغيث والمستغيث. وقال: الصدق: الصلب المستوي من الرماح والرجال، والكامل من كل شئ، وهي صدقة، وقوم صدقون، ونساء صدقات، ورجل صدق للقاء و النظر انتهى. وضمير " إنه " لعامر. أقول: ورى مثل هذه القصة في إعلام الورى (1) وابن شهر آشوب في المناقب (2) وفي الاول فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله المنذر بن عمرو في بضعة وعشرين رجلا، وقيل: في أربعين رجلا، وقيل: في سبعين رجلا من خيار المسلمين. وفيه: فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل به الموت، فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن طفيل وهو في نادي قومه، فأخطأ مقاتله فأصاب فخذه، فقال عامر: هذا عمل عمي أبي براء إن مت فدمي لعمي لا تطلبوه به. 1 - قب، عم: كانت بعد غزوة حمراء الاسد غزوة الرجيع، بعث رسول الله صلى الله عليه وآله مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن الافلج وخبيب بن عدي وزيد بن دثنة وعبد الله بن طارق، وأمير القوم مرثد، لما قدم عليه رهط من عضل والديش، وقالوا: ابعث معنا نفرا من قومك يعلموننا القرآن و يفقهوننا في الدين فخرجوا مع القوم إلى بطن الرجيع وهو ماء لهذيل فقتلهم حي
(1) اعلام الورى: 96 و 97 ط 2. (2) مناقب ال ابى طالب 1: 168 و 169.
[ 151 ]
من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، واصيبوا جميعا. وذكر ابن إسحاق (1) أن هذيلا حين قتلت عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وقد كانت نذرت حين اصيب ابناها باحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه (2) الخمر، فمنعتم الدبر، فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى نمسي فتذهب عنه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به، وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منه في حياته (3). بيان: الدبر بالفتح: جماعة النحل. 2 - أقول: قال الكازروني: روى ابن إسحاق عن أشياخه أن قوما من المشركين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا ويقرؤننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام، فبعث معهم عشرة، منهم عاصم ابن ثابت، ومرثد بن أبي مرثد وعبد الله بن طارق وخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وخالد بن أبي البكير (4) ومعقب بن عبيد، وأمر عليهم مرثدا، وقيل: عاصما، فخرجوا حتى إذا كانوا بالرجيع وهو ماء لهذيل غدروا بالقوم واستصرخوا عليهم هذيلا فخرج بنو لحيان فلم يرع القوم إلا رجال بأيديهم السيوف فأخذ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله سيوفهم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم، إنما نريد أن نصيب بكم من أهل مكة، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتلكم، فأما عاصم ومرثد وخالد و معقب فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا، فقاتلوهم حتى قتلوا، وأما زيد وخبيب
وابن طارق فاستأسروا وأما عاصم بن ثابت فإنه نثر كنانته وفيها سبعة أسهم فقتل بكل
(1) في اعلام الورى: وذكر ابان. (2) القحف: العظم الذى فوق الدماغ. (3) مناقب آل ابى طالب 1: 168، اعلام الورى: 96 ط 2، واللفظ للاعلام. (4) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح كما تقدم خالد بن البكير، ذكره ايضا الجزرى في اسد الغابة.
[ 152 ]
سهم رجلا من عظماء المشركين ثم قال: " اللهم إني حميت دينك صدر النهار فارحم لحمي آخر النهار " ثم أحاط به المشركون فقتلوه وأرادوا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكانت نذرت أن تشرب في قحفه الخمر لانه قتل ابنيها يوم احد فحمته الدبر: فقالوا: امهلوه حتى يمسي فتذهب عنه، فبعث الله الوادي فاحتمله، فسمي حمى الدبر، وخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده منهم وأخذ سيفه، واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبر بمر الظهران، وقدموا بخبيب وزيد مكة فابتاع حجير بن أبي أهاب خبيبا لابن اخته عقبة بن الحارث ليقتله بأبيه، وابتاع صفوان بن امية زيدا ليقتله بأبيه فحبسوهما حتى خرجت الاشهر الحرم، ثم أخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما، و قال قائل لزيد عند قتله: أتحب أنك الآن في أهلك وأن محمدا مكانك ؟ فقال: والله ما احب أن محمدا يشاك بشوكة وإني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: والله ما رأيت من قوم قط أشد حبا لصاحبهم من أصحاب محمد. وبإسناده عن أبي هريره قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا إليهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم، فلما
أحس بهم عاصم وأصحابه لجاؤا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا، فقال عاصم: أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما، فنزل منهم ثلاثة على العهد منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا والله أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء اسوة، يريد القتلى، فجروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، بعد وقعة بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات (1) الحارث موسى
(1) ذكر اسمها في الامتاع قال: ماوية مولاة بنى عبد مناف.
[ 153 ]
يستحد بها فأعارته، فدرج بنى (1) لها وهي غافلة حتى أتاه فوجدته جالسا على فخذه والموسى بيده، قال: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله ما كنت لافعل ذلك، إن الغدر ليس من شأننا، قالت: والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبا، فلما أخرجوه من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: دعوني اصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين فقال: " والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق (2) منهم أحدا " وقال: فلست ابالي حين اقتل مسلما * على أي جنب (3) كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع (4) فصلبوه حيا فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي أحد حوالي يبلغ سلامي رسولك فأبلغه سلامي (5) ثم قام إليه أبو عقبة بن الحارث (6) فقتله، فكان خبيب هو
(1) في الامتاع: وطلب حديدة فاتته بموسى مع ابنه ابى حسين مولى بنى الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصى، فقال له ممازحا: وابيك انك لجرئ، اما خشيت امك غدري حين بعثت معك بحديدة وانتم تريدون قتلى ؟ فقالت ماوية: يا خبيب انما امنتك بامان الله، فقال: ما كنت لاقتله. (2) في الامتاع: ولا تغادر. (3) شيئ خ ل. (4) في المناقب: ممزق. (5) في الامتاع: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو جالس مع اصحابه وقد أخذته غمية: وعليه السلام ورحمة الله، ثم قال: هذا جبرئيل يقرئني من خبيب السلام. (6) في المصدر: أبو سروعة عقبة بن الحارث. وفى الامتاع: ثم احضروا ابناء من قتل ببدر وهم اربعون غلاما فاعطوا كل غلام رمحا فطنوه برماحهم فاضطرب على الخشبة وانفلت فصار وجهه إلى الكعبة فقال: الحمد لله، فطعنه أبو سروعة واسمه عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصى، حتى اخرجها من ظهره فمكث ساعة يوحد ويشهد ان محمد رسول الله ثم مات رضى الله عنه.
[ 154 ]
سن الصلاة لكل مسلم قتل (1) صبرا. قال معاوية بن أبي سفيان: ولقد رأيت أبا سفيان يلقيني إلى الارض فرقا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع زلت عنه الدعوة، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله هذا الخبر قال لاصحابه: أيكم يختزل خبيبا عن خشبته ؟ فقال الزبير أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الاسود فخرجا يمشيان بالليل ويكمنان بالنهار حتى أتيا التنعيم ليلا، وإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نيام نشاوى (2)، فأنزلاه، فإذا هو رطب يتثنى لم ينتن منه شئ بعد أربعين يوما، ويده على جراحته وهي تبض دما،
اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فحمله الزبير على فرسه وساروا فانتبه الكفار قد فقدوا خبينا فأخبروا قريشا فركب منهم سبعون، فلما لحقوهم قذف الزبير خبيبا فابتعلته الارض فسمي بليع الارض، فقال الزبير: ما جرأكم علينا يا معشر قريش ؟ ثم رفع العمامة عن رأسه، فقال: أنا الزبير بن عوام (3)، وامي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد بن الاسود أسدان رابضان يدفعان عن أشبالهما، فإن شئتم ناضلتكم، وإن شئتم نازلتكم، وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة وقدما على رسول الله صلى الله عليه وآله (4). بيان: مرثد كمسكن، وخبيب كزبير، والدثنة ككلمة، والموسى بضم الميم وفتح السين: ما يحلق به، والاستحداد: الاحتلاق بالحديد، والشلو بالكسر: العضو، والجسد من كل شئ، والتمزيع: التفريق، وتمزعوه بينهم: اقتسموه.
(1) في الامتاع: وكان اول من سن الركعتين عند القتل. (2) جمع النشوان: السكران. (3) في المصدر: العوام. (4) المنتقى في مولود المصطفى: 123 و 124. الباب الرابع فيما كان سنة اربع من الهجرة. أقول: وفى الامتاع: وحبس زيد بن الدثنة عند نسطاس مولى صفوان بن امية، وتولى قتله نسطاس.
[ 155 ]
والمزعة بالضم والكسر: القطعة من اللحم، أو الشقة منه، وبض الماء يبض بضا سال قليلا قليلا. 3 - وقال ابن الاثير في الكامل: لما قتل عاصم وأصحابه بعث رسول الله عمرو ابن امية الضمري إلى مكة مع رجل من الانصار وأمرهما بقتل أبي سفيان، قال عمرو: فخرجت إنا وصاحبي ومعي بعير لي وبرجل صاحبي علة، فكنت أحمله على
بعيري حتى إذا جئنا ببطن احج (1) فعقلنا بعيرنا في العشب، وقلت لصاحبي: انطلق بنا إلى أبي سفيان لنقتله، فإن خشيت شيئا فالحق بالبعير فاركبه والحق برسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره الخبر، وخل عني، فدخلنا مكة ومعي خنجر إن عانقني إنسان ضربته (2) به، فقال صاحبي: هل لك أن تبدأ فتطوف وتصلي ركعتين (3) ؟ فقلت: إن أهل مكة يجلسون بأفنيتهم، وأنا أعرف بها فلم يزل حتى أتينا البيت فطفنا (4) ثم خرجنا فمررنا بمجلس لهم فعرفني بعضهم فصرخ بأعلى صوته: هذا عمرو بن امية، فثار أهل مكة إلينا، وقالوا: ما جاء إلا لشر وكان فاتكا متشيطنا في الجاهلية فقلت لصاحبي: النجاء هذا الذي كنت أحذر ؟ أما أبو سفيان فليس إليه سبيل فانج بنفسك فعدنا حتى صعدنا الجبل فدخلنا في غار، فبينا نحن فيه ليلتنا (5) ننتظر أن يسكن الطلب، قال: فوالله إني لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك التيمي بفرس له (6) فقام على باب الغار فخرجت إليه فضربته بالخنجر فصاح صيحة أسمع أهل مكة، فأقبلوا إليه، ورجعت إلى مكاني فوجدوه وبه رمق، فقالوا: من ضربك ؟ فقال: عمرو بن
(1) في المصدر: يأجج. وهو على ما قيل مكان على ثمانية اميال من مكة وقيل: موضع صلب فيه خبيب بن عدى (2) في المصدر: ومعى خنجر قد اعددته ان عاقني انسان ضربته به. (3) " ": هل لك ان نبدأ فنطوف ونصلي ركعتين. (4) زاد في المصدر: وصلينا. (5) في المصدر: فخرجنا نشتد حتى صعدنا الجبل فدخلنا غارا فبتنا فيه ليلتنا. (6) " ": يختل بفرس له.
[ 156 ]
امية ثم مات ولم يقدر أن يخبرهم بمكاني، وشغلهم قتل صاحبهم عن طلبي،
فاحتملوه ومكثنا في الغار يومين حتى سكن (1) الطلب، ثم خرجا إلى التنعيم، فإذا خشبة خبيب وحوله حرس فصعدت خشبته فاحتملته على ظهري، فما مشيت إلا نحوا من أربعين خطوة حتى بدروا بي، فطرحته فاشتدوا في أثري فأعيوا ورجعوا، وانطلق صاحبي فركب البعير، وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره، وأما خبيب فلم ير بعد ذلك، فكان الارض ابتلعته، قال: وسرت حتى دخلت غار الضجنان (2) ومعي قوسي و أسهمي فبينا أنا فيه إذ دخل من بني أعور طويل (3) يسوق غنما له فقال: من الرجل ؟ فقلت من بني الدئل، فاضطجع معي ورفع عقيرته (4) يتغني ويقول: ولست بمسلم ما دمت حيا * ولست أدين دين المسلمينا ثم نام فقتلته، ثم سرت فإذا رجلان بعثهما قريش يتجسسان أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فرميت أحدهما بسهم فقتلته واستأسرت الآخر، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبرته الخبر فضحك ودعا لي بخير (5).
(1) في المصدر: حتى سكن عنا الطلب. (2) " ": بضجنان. (3) " ": إذ دخل على رجل من بنى الدئل اعور طويل. (4) العقيرة: صوت المغنى والباكى. (5) الكامل 2: 116 و 117 وفيه: فضحك حتى بدت نواجده ودعا لى بخير وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله زينب بنت خزيمة ام المساكين من بنى هلال في شهر رمضان، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها، وولى المشركون الحج في هذه السنة.
[ 157 ]
14 - * (باب) * * (غزوة بنى النضير) * الآيات: الحشر " 59 ": هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من
ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين فاعتبروا يا اولي الابصار * ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار * ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب * ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على اصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين " 2 ". إلى قوله تعالى: ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد أنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار ثم لا ينصرون * لانتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون * لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون * كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم * كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين 11 - 17. تفسير قال الطبرسي رحمه الله: " هو الذي أخرج " قيل: نزلت السورة في إجلاء بني النضير من اليهود، فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام
[ 158 ]
عن مجاهد وقتادة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، فقبل ذلك منهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله بدرا وظهر على المشركين قالوا: والله إنه للنبي (1) الذي وجدنا نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما غزا صلى الله عليه وآله غزاة احد وهزم المسلمون ارتابوا ونقضوا العهد، فركب كعب
ابن الاشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا وحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد صلى الله عليه وآله، ثم دخل أبو سفيان في أربعين، وكعب في أربعين من اليهود المسجد، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الاستار والكعبة، ثم رجع كعب بن الاشراف وأصحابه إلى المدينة ونزل جبرئيل وأخبر النبي صلى الله عليه وآله بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، وأمره بقتل كعب بن الاشراف، فقتله محمد بن مسلمة الانصاري وكان أخاه من الرضاعة. قال محمد بن إسحاق خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن امية الضمري وكان بين بني النضير وبين عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله يستعينهم في الدية، قالوا نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض فقال (2) إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حالته هذه ورسول الله صلى الله عليه وآله إلى جانب جدار من بيوتهم قاعد فقالوا: من رجل يعلو على هذا البيت ويلقي عليه صخرة ؟ ورسول الله صلى الله عليه وآله في نفر من أصحابه، فأتاه الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وقال لاصحابه: لا تبرحوا، فخرج راجعا إلى المدينة، ولما استبطاؤا النبي صلى الله عليه وآله قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال: رأيته داخلا المدينة، فأقبل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما أرادت اليهود من الغدر، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله محمد بن مسلمة بقتل كعب بن الاشراف، فخرج ومعه سلكان بن سلامة وثلاثة من بني الحارث، و خرج النبي صلى الله عليه وآله على أثرهم (3) وجلس في موضع ينتظر رجوعهم، فذهب محمد بن
(1) النبي خ ل. (2) فقالوا خ ل. (3) في اثرهم خ ل.
[ 159 ]
مسلمة مع القوم إلى قرب قصره، وأجلس قومه عند جدار، وناداه: يا كعب، فانتبه وقال: من أنت ؟ قال: أنا محمد بن مسلمة أخوك، جئتك أستقرض منك دراهم فإن محمدا يسألنا الصدقة وليس معنا الدراهم، فقال كعب: لا أقرضك إلا بالرهن، قال: معي رهن انزل فخذه، وكانت له امرأة بنى بها تلك الليلة عروسا، فقالت: لا أدعك تنزل لاني أرى حمرة الدم في ذلك الصوت، فلم يلتفت إليها، وخرج فعانقه محمد بن مسلمة وهما يتحادثان حتى تباعدا من القصر إلى الصحراء، ثم أخذ رأسه ودعا بقومه وصاح كعب، فسمعت امرأته فصاحت وسمع بنو النضير صوتها فخرجوا نحوه فوجدوه قتيلا ورجع القوم سالمين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلما أسفر الصبح أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بقتل كعب ففرحوا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بحربهم والسير إليهم، فسار بالناس حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصن، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقطع النخل والتحريق فيها، فنادوه، يا محمد قد كنت تنهى عن الفحشاء، فما بالك تقطع النخل و تحرقها ؟ فأنزل الله سبحانه: " ما قطعتم من لينة أو تركتموها " الآية، وهي البؤيرة في قول حسان: وهان على سراة بني لؤي * حريق بالبؤيرة مستطير والبؤيرة تصغير بؤرة وهي إرة النار أي حفرتها. وقال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وآله حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم و أوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات بالشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء، فخرجوا إلى أذرعات وأريحا (1) إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق، وآل حي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة، وكان ابن عباس يسمي هذه السورة سورة بني النضير.
(1) أذرعات بالفتح ثم السكون، وكسر الراء بلد في اطراف الشام يجاور ارض البلقاء
وعمان. واريحا بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة مقصورا: لغة عبرانية وهى مدينة الجبارين في الغور من ارض الاردن بالشام، سميت باريحا بن مالك بن ارفخشد بن سام بن نوح عليه السلام.
[ 160 ]
وعن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث (1) ليال. وعن محمد بن إسحاق كان إجلاء بني النضير مرجع النبي صلى الله عليه وآله من احد، و كان فتح قريظة مرجعه من الاحزاب وبينهما سنتان، وكان الزهري يذهب إلى أن إجلاء بني النضير كان قبل احد على رأس ستة أشهر من وقعة بدر. " الذين كفروا من أهل الكتاب " يعني يهود بني النضير من ديارهم بأن سلط الله المؤمنين عليهم، وأمر نبيه صلى الله عليه وآله بإخراجهم من منازلهم وحصونهم وأوطانهم " لاول الحشر " اختلف في معناه فقيل: كان جلاؤهم ذلك أول حشر اليهود إلى الشام، ثم يحشر الناس يوم القيامة إلى أرض الشام أيضا، وذلك الحشر الثاني عن ابن عباس والزهري والجبائي، قال ابن عباس: قال لهم النبي صلى الله عليه وآله: اخرجوا، قالوا: إلى أين ؟ قال: إلى أرض المحشر، وقيل: معناه لاول الجلاء لانهم كانوا أول من اجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم اجلي إخوانهم من اليهود لئلا يجتمع في بلاد العرب دينان، وقيل: إنما قال لاول الحشر لان الله فتح على نبيه صلى الله عليه وآله في أول ما قاتلهم " ما ظننتم أن يخرجوا " أي لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم لشدتهم وشوكتهم. " وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله " أي وظن بنو النضير أن حصونهم لوثاقتها تمنعهم من سلطان الله وإنزال العذاب بهم على يد رسول الله صلى الله عليه وآله حيث حصنوها وهيؤا آلات الحرب فيها " فأتاهم الله " أي أتاهم أمر الله وعذابه " من حيث لم يحتسبوا " أي لم يتوهموا أنه يأتيهم لما قدروا في أنفسهم من المنعة " وقذف
في قلوبهم الرعب " بقتل سيدهم كعب بن الاشرف " يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين " أي يهدمون بيوتهم بأيديهم من داخل ليهربوا لانهم خربوا ما استحسنوا منها حتى لا يكون للمسلمين، ويخربها المؤمنون من خارج ليصلوا إليهم، وقيل:
(1) بثلاث خ ل.
[ 161 ]
إن معنى تخريبها بأيدي المؤمنين أنهم عرضوها لذلك، وقيل: إنهم كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم بنقض الموادعة وبأيدي المؤمنين بالمقاتلة. " فاعتبروا يا اولي الابصار " فيما نزل بهم والمراد (1) استدلوا بذلك على صدق الرسول إذ كان وعدهم ذلك (2) " ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء " أي حكم عليهم أنهم يجلون عن ديارهم وينقلون عن أوطانهم " لعذبهم في الدنيا " بعذاب الاستيصال، أو بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة " ولهم في الاخرة " مع الجلاء " عذاب النار " لان أحدا منهم لم يؤمن " ذلك " الذي فعلنا بهم " بأنهم شاقوا الله " أي خالفوا الله " ورسوله ومن يشاق الله " أي يخالفه " فإن الله شديد العقاب " يعاقبهم على مشاقتهم أشد العقاب " ما قطعتم من لينة " أي نخلة كريمة، وقيل: كل نخلة سوى العجوة " أو تركتموها قائمة على اصولها " فلم تقطعوها ولم تقلعوها " فبإذن الله " أي بأمره كل ذلك سائغ لكم " وليخزي الفاسقين " من اليهود و يهينهم به (3). " ألم تر إلى الذين نافقوا " فأبطنوا الكفر وأظهروا الايمان " يقولون لاخوانهم " في الكفر يعني يهود بني النضير: " لئن اخرجتم " من دياركم وبلادكم " لنخرجن معكم " مساعدين لكم " ولا نطيع فيكم " أي في قتالكم ومخاصمتكم " أحدا أبدا " يعنون محمدا وأصحابه " وإن قوتلتم لننصرنكم " ولندفعن عنكم " والله يشهد إنهم لكاذبون " فيما يقولونه من الخروج معهم والدفاع عنهم.
(1) فيه اختصار، والموجود في المصدر: فاتعظوا يا اولى العقول والبصائر وتدبروا و انظروا فيما نزل بهم، ومعنى الاعتبار النظر في الامور ليعرف بها شيئ آخر من جنسها، والمراد اه. (2) فيه ايضا اختصار: وفى المصدر: إذ كان وعد المؤمنين ان الله سبحانه سيورثهم ديارهم واموالهم بغير قتال، فجاء المخبر على ما اخبر، فكان اية دالة على نبوته اه ثم استدل على ان الاية لا تدل على صحة القياس. راجعه. (3) مجمع البيان 9: 257 - 259.
[ 162 ]
قوله: " ليولن الادبار " أي ينهزمون أو يسلمونهم " ثم لا ينصرون " أي لو كان لهم هذه القوة وفعلوا لم ينتفع اولئك بنصرتهم نزلت الآية قبل إخراج بني النضير، وأخرجوا بعد ذلك وقوتلوا فلم يخرج معهم منافق ولم ينصروهم كما أخبر الله تعالى بذلك، وقيل: أراد بقوله لاخوانهم بني النضير وبني قريظة. فأخرج بنو النضير ولم يخرجوا معهم، وقوتل بنو قريظة فلم ينصروهم " لانتم أشد رهبة " أي خوفا " في صدورهم " أي في قلوب هؤلاء المنافقين " من الله " المعنى أن خوفهم منكم أشد من خوفهم من الله " ذلك بأنهم قوم لا يفقهون " الحق ولا يعلمون عظمة الله وشدة عقابه لا يقاتلونكم جميعا " معاشر المؤمنين " إلا في قرى محصنة " أي ممتنعة حصينة، أي لا يبرزون لحربكم وإنما يقاتلونكم متحصنين بالقرى " أو من وراء جدر " أي يرمونكم من وراء الجدران بالنبل والحجر " بأسهم بينهم شديد " أي عداوة بعضهم لبعض شديدة، أي ليسوا بمتفقي القلوب، أو قوتهم فيما بينهم شديدة، فإذا لاقوكم جبنوا وفزعوا (1) منكم بما قذف الله في قلوبهم من الرعب " تحسبهم جميعا " أي مجتمعين في الظاهر " وقلوبهم شتى " أي مختلفة متفرقة خذلهم الله باختلاف كلمتهم، وقيل: إنه عنى بذلك قلوب المنافقين وأهل الكتاب " ذلك بأنهم قوم لا يعقلون " ما فيه
الرشد مما فيه الغي (2) " كمثل الذين من قبلهم قريبا " أي مثلهم في اغترارهم بعددهم وقوتهم كمثل الذين من قبلهم يعني المشركين الذين قتلوا ببدر وذلك قبل غزاة بني النضير بستة أشهر عن الزهري وغيره، وقيل: يعني بني قينقاع عن ابن عباس، وذلك أنهم نقضوا العهد مرجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخرجوا، فقال عبد الله بن ابي: لا تخرجوا فإني آتي النبي صلى الله عليه وآله فاكلمه فيكم، أو أدخل معكم الحصن، فكان هؤلاء أيضا في إرسال عبد الله بن ابي إليهم
(1) تفرقوا خ ل أقول: في المصدر: وتفرغوا. (2) في المصدر زيادة لم يذكره المصنف اختصارا وهى: وانما كان قلوب من يعمل بخلاف العقل شتى لاختلاف دواعيهم واهوائهم، وداعي الحق واحد، وهو العقل الذى يدعو إلى طاعة الله والاحسان في الفعل.
[ 163 ]
ثم تركه (1) نصرتهم كاولئك " ذاقوا وبال أمرهم " أي عقوبة كفرهم " ولهم عذاب أليم " في الآخرة " كمثل الشيطان " أي مثل المنافقين في غرورهم بني النضير (2) و خذلانهم إياهم كمثل الشيطان " إذ قال للانسان اكفر " وهو عابد (3) بني إسرائيل " فلما كفر قال إني بري منك " فكذلك بنو النضير اغتروا بالمنافقين، ثم تبرؤا منهم عند الشدة وأسلموهم، وقيل: كمثل الشيطان يوم بدر إذ دعا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رأى الملائكة رجع القهقرى، وقال " اني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما " أي الداعي والمدعو (4). بيان: وهي البؤيرة، أي قصة التحريق هي المشار إليها في هذا البيت، قال الجوهري: البؤرة: الحفرة بأرت أبئر بأرا: حفرت بؤرة يطبخ فيها وهي الارة، وقال: الارة: موضع النار، وأصله أرى والهاء عوض من الياء والسراة بالفتح جمع سري وهي الشريف وأذرعات بكسر الراء: موضع بالشام.
1 - عم: ثم كانت غزوة بني النضير، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله مشى إلى كعب بن الاشراف يستقرضه، فقال: مرحبا بك يا أبا القاسم وأهلا، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه فقام كأنه يصنع لهم طعاما، وحدث نفسه أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخبره بما هم به القوم من الغدر، فقام صلى الله عليه وآله كأنه يقضي حاجة، وعرف أنهم لا يقتلون أصحابه وهو حي، فأخذ صلى الله عليه وآله الطريق نحو المدينة، فاستقبله بعض أصحاب كعب الذين كان أرسل إليهم يستعين بهم على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبر كعبا بذلك، فسار المسلمون راجعين، فقال عبد الله بن صوريا و كان أعلم اليهود: إن ربه (5) اطلعه على ما أردتموه من الغدر، ولا يأتيكم والله
(1) في المصدر: ثم ترك. (2) " ": لبنى النضير. (3) أي برصيصا. ذكر قصته مفصلا في المصدر تركه المصنف اختصارا راجعه. (4) مجمع البيان 9: 263 - 265. (5) في المصدر: والله ان ربه.
[ 164 ]
أول ما يأتيكم (1) إلا رسول محمد يأمركم عنه بالجلاء فأطيعوني في خصلتين لا خير في الثالثة: أن تسلموا فتأمنوا على دياركم وأموالكم، وإلا فإنه يأتيكم من يقول لكم: اخرجوا من دياركم، فقالوا: هذه أحب إلينا، قال: أما إن الاولى خير لكم منها، ولولا أني أفضحكم لاسلمت، ثم بعث محمد بن مسلمة إليهم يأمرهم بالرحيل والجلاء عن ديارهم وأموالهم، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال (2). 2 - أقول: قال الكازروني وغيره في شرح تلك القصة: كانت غزوة بني النضير في ربيع الاول (3) وكانت منازلهم بناحية الفرع وما والاها بقرية يقال لها: زهرة، وإنهم لما نقضوا العهد، وعاقدوا المشركين على حرب النبي صلى الله عليه وآله خرج
صلى الله عليه وآله يوم السبت وصلى في مسجد قبا ومعه نفر من أصحابه (4)، ثم أتي بني النضير فكلمهم أن يعينوه في دية رجلين كان قد آمنهما فقتلهما عمرو بن امية وهو لا يعلم، فقالوا: نفعل هموا بالغدر به: فقال عمرو بن الحجاش (5): أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة، فقال سلام بن مشكم: لا تفعلوا فوالله ليخبرن بما هممتم (6)، فجاء جبرئيل فأخبره صلى الله عليه وآله، فخرج راجعا إلى المدينة، ثم دعا عليا وقال: لا تبرح من مكانك، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عني فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ذلك، ثم لحقوا به، فبعث النبي صلى الله عليه وآله محمد بن مسلمة إليهم وأمرهم بالجلاء
(1) في المصدر: والله ما يأتيكم. (2) اعلام الورى: 56 ط 1 و 97 ط 2. (3) في الامتاع: في ربيع الاول على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجر النبي صلى الله عليه وآله، ويقال: كانت في جمادى الاولى سنة اربع، وروى عقيل بن خالد وغيره عن ابن شهاب قال: كانت غزوة بنى النضير بعد بدر بستة اشهر. (4) في الامتاع: دون العشرة. (5) " ": عمرو بن جحاش. (6) في المصدر: بما هممتم به.
[ 165 ]
وقال: لا تساكنوني (1) وقد هممتم بما هممتم به، وقد أجلتكم عشرا، فأرسل (2) إليهم ابن ابي: لا تخرجوا، فان معي ألفين من قوم وغيرهم يدخلون حصونكم فيموتون من آخرهم ويمدكم قريظة وحلفاؤهم من غطفان، فطمع حيي (3) فيما قال ابن ابي، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله فصلى العصر بفناء (4) بني النضير. وعلي عليه السلام يحمل رأيته، واستخلف على المدينة ابن ام مكتوم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة، فاعتزلتهم قريظة، وخفرهم ابن ابي (5)،
فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وقطع نخلهم، وكانت النخلة من نخيلهم ثمن وصيف، وأحب إليهم من وصيف، وقيل قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، وقيل: كان جميع ما قطعوا وأحرقوا ست نخلات، فقالوا: نحن نخرج من بلادك فأجلاهم عن المدينة، وولى إخراجهم محمد بن مسلمة، وحملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ستمائة
(1) في المصدر: ففعل ذلك على حتى تناثلوا إليه ثم تبعوه ولحقوا به، فقالوا: قمت ولم نشعر، فقال: همت اليهود بالغدر فاخبرني الله بذلك، فقمت، وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله ان اخرجوا من بلدتي ولا تساكنونى. (2) في المصدر زيادة هي: فمن رئى بعد ذلك ضرب عنقه، فمكثوا اياما يتجهزون وتكاروا من اناس ابلا، فأرسل اه. (3) أي حيى بن اخطب وفى الامتاع: ثم بعث حيى بن اخطب مع اخيه جدى بن اخطب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم انا لا نخرج فليصنع ما بدالك، فلما بلغ جدى رسالة اخيه حيى كبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكبر من معه وقال: (حاربت اليهود) ونادى مناديه بالمسير إلى بني النضير. (4) في المصدر والامتاع: بفضاء. (5) " ": وخفرهم ابن ابى وحلفاؤهم من غطفان. وفى الامتاع: ولم يأتهم ابن ابى واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم بسلاح ولا رجال، وجعلوا يومون يومهم بالنبل والحجارة حتى امسوا، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله العشاء وقد تتام اصحابه رجع إلى بيته في عشرة من اصحابه وعليه الدرع والمغفر وهو على فرس، واستعمل عليا رضى الله عنه على العسكر، وبات المسلمون محاصريهم يكبرون حتى اصبحوا، واذن بلال رضى الله عنه بالمدينة: فغدا رسول الله صلى الله عليه وآله في اصحابه الذين كانوا معه فصلى بالناس في فضاء بنى خطمة، واستعمل على المدينة ابن ام مكتوم.
[ 166 ]
بعير، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: " اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الابل إلا الحلقة " وهي السلاح، فقبض رسول الله صلى الله عليه وآله الاموال والحلقة، فوجد من الحلقة خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا (1)، وكانت غنايم بني النضير صفيا لرسول الله صلى الله عليه وآله خالصة لم يخمسها ولم يسهم منها لاحد، وقد أعطى ناسا منها، وروي أنه حاصرهم إحدى وعشرين ليلة (2)، 3 - فس: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولن تؤمن قلوبهم " فإنه كان سبب نزولها أنه كان بالمدينة بطنان من اليهود من بني هارون وهم النضير وقريظة، وكانت قريظة سبعمائة، و النضير ألفا، وكانت النضير أكثر مالا وأحسن حالا من قريظة، وكانوا حلفاء لعبد الله بن ابي، فكان إذا وقع بين قريظة والنضير قتيل وكان القتيل من بني النضير قالوا لبني قريظة: لا نرضى أن يكون قتيل منا بقتيل منكم، فجرى بينهم في ذلك مخاطبات كثيرة حتى كادوا أن يقتتلوا (3) حتى رضيت قريظة، وكتبوا بينهم كتابا على أنه أي رجل من اليهود من النضير قتل رجلا من بني قريظة أن يجنيه (4) و
(1) في الامتاع: وقال عمر: الا تخمس ما أصبت ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لا اجعل شيئا جعله الله لى دون المؤمنين بقوله: " ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله و للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم " كهيئة ما وقع فيه السهمان للمسلمين، وكانت بنو النضير من صفا يا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم جعلها حبسا لنوائبه، وكان ينفق على اهلها منها، كانت خالصة له، فاعطى من اعطى منها، وحبس ما حبس، وكان يزرع تحت النخل، وكان يدخل منها قوت اهله سنة من الشعير والتمر لازواجه وبنى (عبد) المطلب، وما فضل جعله في الكراع والسلاح واستعمل على اموال بنى النضير ابا رافع مولاه، وكانت صدقاته منها ومن اموال مخيريق. (2) المنتقى في مولود المصطفى: 125. الباب الرابع فيما كان سنة أربع من الهجرة.
(3) ان يقتلوا خ ل. (4) يحنيه خ ل.
[ 167 ]
يحمم (1) والتجنية (2) أن يقعد على جمل ويولى وجهه إلى ذنب الجمل، ويلطخ وجهه بالحمأة (3) ويدفع نصف الدية، وأيما رجل من بني قريظة قتل رجلا من النضير أن يدفع إليه الدية كاملة ويقتل به فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ودخل الاوس والخزرج في الاسلام ضعف أمر اليهود فقتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير فبعثوا إليهم بنو النضير ابعثوا إلينا بدية المقتول وبالقاتل حتى نقتله، فقالت قريظة، ليس هذا حكم التوراة وإنما هو شئ غلبتمونا عليه، فإما الدية، و إما القتل، وإلا فهذا محمد بيننا وبينكم، فهلموا نتحاكم إليه، فمشت بنو النضير إلى عبد الله بن ابي وقالوا سل محمدا أن لا ينقض شرطنا في هذا الحكم الذي بيننا وبين قريظة في القتل، فقال عبد الله بن ابي: ابعثوا (4) رجلا يسمع كلامي وكلامه، فإن حكم لكم بما تريدون وإلا فلا ترضوا به، فبعثوا معه رجلا فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن هؤلاء القوم قريظة والنضير قد كتبوا بينهم كتابا وعهدا وثيقا تراضوا به، والآن في قدومك يريدون نقضه وقد رضوا بحكمك فيهم فلا تنقض عليهم كتابهم وشرطهم، فإن بني النضير لهم القوة والسلاح والكراع، ونحن نخاف الدوائر (5) فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك ولم يجبه بشئ فنزل عليه جبرئيل بهذه الآيات: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا " يعني اليهود " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه " يعني عبد الله بن ابي وبني النضير
(1) في المصدر: ويحم. في نسختي المخطوطة: " ويجم " يقال: جاء في جمة أي في جماعة يسألون الدية.
(2) والتحنية خ ل. (3) الحماة: الطين الاسود المنتن. واستظهر المصنف في الهامش انه مصحف: بالحممة. (4) ابعثوا معى خ ل. (5) في المصدر المطبوع: الغوائل. وفى نسختي المخطوطة: الدوائل. (الدوائر خ ل). أقول: كلها بمعنى الشر والفساد. والاصوب ما في المتن.
[ 168 ]
" يقولون إن اوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه، فاحذروا " يعني عبد الله بن ابي حيث قال لبني النضير: إن لم يحكم لكم بما تريدونه فلا تقبلوا " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم * سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (1) " إلى قوله: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون (2) " قوله: " نخشى أن تصيبنا دائرة (3) " هو قول عبد الله بن ابي لرسول الله صلى الله عليه وآله: لا تنقض حكم بني النضير فإنا نخاف الدوائر (4). بيان: أن يجنيه بالجيم والنون كذا في أكثر النسخ وكأنه من الجناية، أي يظهر عليه أثر الجناية. في بعضها بالحاء المهملة، والظاهر أن يحممه من التحميم بدون ويحمم كما سيأتي. وقال في النهاية: فيه مر يهودي محمم مجلود، أي مسود الوجه الحممة: الفحمة، وجمعها حمم انتهى. وكذا الظاهر بالحممة، وفي أكثر النسخ بالحمأة وهي الطين الاسود المنتن. 4 - فس: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول
الحشر ما ظننتم أن يخرجوا (5) " قال: سبب ذلك أنه كان بالمدينة ثلاثة أبطن من اليهود: بني النضير (6) وقريظة، وقينقاع وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله عهد ومدة
(1) المائدة: 41 و 42. (2) المائدة: 44. (3) المائدة: 52. (4) تفسير القمى: 156 و 158. (5) الحشر: 2. (6) بنو النضير خ ل.
[ 169 ]
فنقضوا عهدهم، وكان سبب ذلك في بني النضير في نقض عهدهم أنه أتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله يستسلفهم دية رجلين قتلهما رجل من أصحابه غيلة، يعني يستقرض، وكان قصد كعب ابن الاشرف، فلما دخل على كعب قال: مرحبا يا أبا القاسم وأهلا، وقام كأنه يصنع له الطعام، وحدث نفسه أن يقتل (1) رسول الله صلى الله عليه وآله ويتبع (2) أصحابه، فنزل جبرئيل فأخبره بذلك، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وقال لمحمد بن مسلمة الانصاري: اذهب إلى بني النضير فأخبرهم أن الله عزوجل قد أخبرني بما هممتم به من الغدر، فإما أن تخرجوا من بلدنا، وإما أن تأذنوا بحرب (3)، فقالوا: نخرج من بلادك (4) فبعث إليهم عبد الله بن ابي ألا تخرجوا وتقيموا (5) وتنابذوا محمدا (6) الحرب، فإني أنصركم أنا وقومي وحلفائي، فإن خرجتم خرجت معكم، وإن قاتلتم قاتلت معكم، فأقاموا وأصلحوا حصونهم وتهيأوا للقتال، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنا لا نخرج فاصنع ما أنت صانع، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وكبر وكبر أصحابه، وقال لامير المؤمنين عليه السلام: تقدم إلى بني النضير، فأخذ أمير المؤمنين
عليه السلام الراية وتقدم وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأحاط بحصنهم، وغدر بهم عبد الله بن ابي وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ظفر بمقدم بيوتهم حصنوا ما يليهم وخربوا ما يليه، وكان الرجل منهم ممن كان له بيت حسن خربه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بقطع نخلهم فجزعوا من ذلك، وقالوا: يا محمد إن الله يأمرك بالفساد ؟ إن كان لك هذا فخذه، و إن كان لنا فلا تقطعه، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا محمد نخرج من بلادك فأعطنا (7).
(1) أنه يقتل خ ل. (2) أي يلحقهم به. (3) للحرب خ ل. (4) من بلادكم خ ل. (5) الا يخرجوا ويقيموا خ ل. (6) رسول الله خ ل. (7) وأعطنا خ ل.
[ 170 ]
ما لنا، فقال: لا ولكن تخرجون ولكم ما حملت الابل، فلم يقبلوا ذلك فبقوا أياما ثم قالوا: نخرج ولنا ما حملت الابل، فقال: لا، ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئا، فمن وجدنا معه شيئا من ذلك قتلناه، فخرجوا على ذلك، ووقع قوم منهم إلى فدك ووادي القرى، وخرج قوم منهم إلى الشام، فأنزل الله فيهم: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " إلى قوله: " فإن الله شديد العقاب (1) " وأنزل عليه فيما عابوه من قطع النخل: " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين " إلى قوله: " ربنا إنك رؤف رحيم (2) " وأنزل عليه في عبد الله بن ابي وأصحابه: " ألم تر إلى
الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون " إلى قوله: " ثم لا ينصرون (3) " ثم قال: " كمثل الذين من قبلهم " يعني بني قينقاع " قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم " ثم ضرب في عبد الله بن ابي وبني النضير مثلا فقال: " كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين " قوله (4): " فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (5) " فيه (6) زيادة أحرف لم يكن (7) في رواية علي بن إبراهيم حدثنا به أحمد بن محمد بن ثابت (8)، عن أحمد بن ميثم، عن الحسن بن علي بن أبي
(1) الحشر: 2 - 4. (2) الحشرة: 5 - 10. (3) الحشر: 11 و 12. (4) المصدر خلى عن كلمة (قوله). (5) الحشر: 15 - 17. (6) أي في الحديث المتقدم، ولعل القائل بذلك هو راوي الكتاب، فيستفاد من ذلك ان في التفسير زيادة من غير على بن ابراهيم. (7) في المصدر: لم تكن. (8) في المصدر: محمد بن احمد بن ثابت.
[ 171 ]
حمزة، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير في غزوة بني نضير وزاد فيه: فقال رسول الله للانصار: إن شئتم دفعت إليكم (1) المهاجرين وقسمتها فيهم، وإن شئتم قسمتها بينكم وبينهم وتركتهم معكم، قالوا: قد شئنا أن تقسمها فيهم، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين ودفعهم عن الانصار ولم يعطه من الانصار إلا رجلين وهما سهل
ابن حنيف وأبو دجانة فإنهما ذكرا حاجة (2). بيان: ظاهر الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله لما جعل المهاجرين مع الانصار وضمنهم نفقاتهم خير الانصار في هذا الوقت بين أن يقسم غنائم بني النضير بين الجمع ويكون المهاجرون مع الانصار كما كانوا، وبين أن يخص بها المهاجرين ولا يكونوا بعد ذلك مع الانصار فاختاروا الاخير (3). 5 - وروى الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان عن ابن عباس قال: قال رسول -
(1) استظهر المصنف في الهامش ان الصحيح: (دفعت عنكم) وفى المصدر: دفعت اليكم في المهاجرين منها. (2) تفسير القمى: 671 - 673. (3) قال المقريزى في الامتاع: 182: فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنى النضير بعث ثابت بن قيس بن شماس فدعا الانصار كلها الاوس والخزرج، فحمد الله واثنى عليه وذكر الانصار وما صنعوا بالمهاجرين، وانزالهم اياهم في منازلهم واثرتهم على انفسهم، ثم قال: ان احببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما افاء على من بنى النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم واموالكم وان احببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول الله بل تقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا، ونادت الانصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار " وقسم ما أفاء الله عليه على المهاجرين دون الانصار الا رجلين كانا محتاجين: سهل بن حنيف الانصاري: وأبو دجانة سماك بن خرشة الانصاري، واعطى سعد بن معاذ سيف ابن ابى الحقيق وكان سيفا له ذكر: ووسع صلى الله عليه وآله في الناس في اموال بنى النضير: وانزل الله تعالى في بنى النضير، سورة الحشر، وفى جمادى الاولى مات عبد الله بن عثمان من رقية، وفى شوال من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بام سلمة رضى الله عنها انتهى. أقول: وقال ابن هشام في السيرة بعدما ذكر ان تلك الغزوة كانت في ربيع الاول،
فحاصرهم فيها ست ليال: ونزل تحريم الخمر.
[ 172 ]
الله صلى الله عليه وآله يوم بني النضير للانصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دياركم وأموالكم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شئ من الغنيمة فقال الانصار: بل نقسم لهم من أموالنا (1) ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها، فنزل " ويؤثرون على أنفسهم (2) الآية. 6 - قب، شا: ولما توجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بني النضير عمد (3) على حصارهم فضرب قبة (4) في أقصى بني حطمة من البطحاء. فلما أقبل (5) الليل رماه رجل من بني نضير بسهم فأصاب القبة (6) فأمر النبي صلى الله عليه وآله أن تحول قبته (7) إلى السفح وأحاط بها المهاجرون والانصار، فلما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين عليه السلام، فقال الناس: يا رسول الله لا نرى (8) عليا، فقال عليه وآله السلام: أراه في بعض ما يصلح شأنكم، فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبي صلى الله عليه وآله، وكان يقال له: عزورا (9)، فطرحه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: كيف صنعت ؟ فقال: إني رأيت هذا الخبيث جريا شجاعا فكمنت له وقلت: ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الليل (10) يطلب منا غرة، فأقبل مصلتا بسيفه في تسعة نفر من اليهود، فشددت عليه وقتلته فأفلت أصحابه ولم يبرحوا قريبا فابعث معي نفرا فإني أرجو أن أظفر بهم
(1) في المصدر: من اموالنا وديارنا. (2) مجمع البيان 9: 260. والاية في سورة الحشر: 9. وذكر الطبرسي ايضا عن ابى هريرة ان الاية نزلت في على عليه السلام وفاطمة عليها السلام في ضيافة كانت لهما. راجعه. (3) يحمل خ ل. (4) في المصدرين: قبته. (5) فلما جن خ ل. أقول يوجد ذلك في الارشاد.
(6) قبته خ ل. (7) فحولت قبته خ ل أقول: في الارشاد: ان يحول قبته إلى السفح واحاط اه. وفى المناقب: فلما اقبل الليل اصاب القبة سهم فحولت القبة إلى السفح وحوتها الصحابة. (8) ما نرى خ ل. (9) في المصدر: غرورا. وفى الامتاع: عزوك. (10) الظلام خ ل.
[ 173 ]
فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله معه عشرة فيهم أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف فأدركوهم قبل أن يلجوا (1) الحصن، فقتلوهم وجاؤا برؤوسهم إلى النبي صلى الله عليه وآله، فأمر أن تطرح في بعض آبار بني حطمة (2)، وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير. وفي تلك الليلة قتل كعب بن الاشراف، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله أموال بني النضير، وكانت أول صافية قسمها رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين الاولين، وأمر عليا عليه السلام فحاز ما لرسول الله صلى الله عليه وآله منها فجعله صدقة، وكان في يده مدة (3) حياته ثم في يد أمير المؤمنين عليه السلام بعده، وهو في ولد فاطمة عليها السلام حتى اليوم، وفيما كان من أمر أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الغزاة وقتله اليهودي ومجيئه إلى النبي صلى الله عليه وآله برؤس التسعة (4) النفر يقول حسان بن ثابت: لله أي كريهة أبليتها * ببني قريظة (5) والنفوس تطلع أردى رئيسهم وآب بتسعة * طورا يشلهم وطورا يدفع (6) بيان: قوله: طورا أي تارة، وقال الجوهري: مر فلان يشلهم بالسيف يكسؤهم (7) ويطردهم (8).
(1) أن يدركوا خ ل.
(2) ذكر نحو ذلك المقريزى في الامتاع: 180. (3) أيام خ ل. (4) في المصدر: النفر التسعة. (5) واستظهر المصنف في الهامش ان الصحيح: ببنى نضير. (6) مناقب آل ابى طالب 1: 169 و 170. الارشاد: 47 و 48. وألفاظ الحديث من الثاني. (7) أي يضربهم. (8) استدراك: قال ابن هشام في السيرة 3: 194 لم يسلم من بنى النضير الا رجلان: يامين بن عمير بن كعب بن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على اموالهما فاحرزاها. قال ابن اسحاق: وقد حدثنى بعض آل يامين ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ليامين: " الم تر
[ 174 ]
15 - * (باب) * * (غزوة ذات الرقاع وغزوة عسفان) * الآيات: النساء " 4 ": وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة - إلى قوله -: كتابا موقوتا. 102 و 103. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله بعد تفسير الآيات في صلاة الخوف: وفي الآية
ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني " ؟ فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على ان يقتل له عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون. وقال في ص 200: قال ابن اسحاق: وقال على بن ابى طالب رضوان الله عليه يذكر جلاء بنى النضير وقتل كعب بن الاشراف. عرفت ومن يعتدل: يعرف * وأيقنت حقا ولم أصدف عن الكلم المحكم اللاء من * لدى الله ذى الرأفة الارأف رسائل تدرس في المؤمنين * بهن اصطفى احمد المصطفى فاصبح احمد فينا عزيزا * عزيز المقامة والموقف
فيا ايها الموعدوه سفاها * ولم يأت جورا ولم يعنف ألستم تخافون ادنى العذاب * وما آمن الله كالاخوف وإن تصرعوا تحت أسيافه * كمصرع كعب أبى الاشراف غداة رأى الله طغيانه * واعرض كالجمل الاجنف فأنزل جبريل في قتله * بوحى إلى عبده ملطف فدس الرسول رسولا له * بأبيض ذى هبة مرهف فباتت عيون له معولات * متى ينع كعب لها تذرف وقلن لاحمد: ذرنا قليلا * فانا من النوح لم نشتف فخلاهم ثم قال: اظعنوا * دحورا على رغم الانف وأجلى النضير إلى غربة * وكانوا بدار ذوى زخرف إلى أذرعات ردا في وهم * على كل ذى دبر أعجف أنتهى كلام ابن هشام: وذكر الابيات في ديوان على عليه السلام: 84. وفيه عن الكلم الصدق يأتي بها * من الله ذى الرافة الارأف وفيه ايضا: تحت اسيافنا. وفيه ايضا: بأرهف ذى ظبة مرهف. وفيه فقالوا لاحمد. وفيه: على رغمة الانف.
[ 175 ]
دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وصحة نبوته، وذلك أنها نزلت والنبي صلى الله عليه وآله بعسفان والمشركون بضجنان فتوافقوا فصلى النبي صلى الله عليه وآله بأصحابه صلاة الظهر بتمام الركوع والسجود، فهم المشركون أن يغيروا عليهم فقال بعضهم: إن لهم صلاة أخرى أحب إليهم من هذه، يعنون صلاة العصر، فأنزل الله عليه هذه الآية فصلى بهم العصر صلاة الخوف، وكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد، وذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره أن النبي صلى الله عليه وآله غزا محاربا وبني أنمار (1)، فهزمهم الله وأحرزوا الذراري
والاموال، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون ولا يرون من العدو أحدا، فوضعوا أسلحتهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض حاجته (2) وقد وضع سلاحه فجعل بينه وبين أصحابه الوادي، فأتى قبل أن يفرغ من حاجته السيل في الوادي (3) والسماء ترش: فحال الوادي بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أصحابه، و جلس في ظل سمرة (4)، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فقال له أصحابه: يا غورث هذا محمد قد أنقطع من أصحابه، فقال: قتلني الله إن لم أقتله، وانحدر من الجبل ومعه السيف ولم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وآله إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده، وقال: يا محمد من يعصمك مني الآن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله، فانكب عدو الله لوجهه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ سيفه، وقال: يا غورث من يمنعك مني الآن ؟ قال: لا أحد، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني عبد الله ورسوله ؟ قال: لا، ولكني أعهد أن لا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه، فقال له غورث: والله لانت خير مني، قال صلى الله عليه وآله: إني أحق بذلك، وخرج غورث إلى أصحابه، فقالوا: يا غورث لقد رأيناك قائما على رأسه
(1) في المصدر: لبنى انمار (2) في المصدر: ليقضى حاجته. (3) في المصدر: فجعل بينه وبين اصحابه الوادي إلى ان يفرغ من حاجته، وقد درا الوادي. (4) في المصدر: وجلس في ظل شجرة.
[ 176 ]
بالسيف فما منعك منه ؟ قال: الله، أهويت له بالسيف لاضربه فما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي وخر سيفي وسبقني إليه محمد فأخذه. ولم يلبث الوادي أن سكن، فقطع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم " ان كان
بكم أذى من مطر " الآية (1). بيان: في القاموس: الزلخ: المزلة تزل منها الاقدام لندوته أو ملاسته، وزلخه بالرمح: زجه، وزلخه تزليخا: ملسه. 1 - عم: ثم كانت بعد غزوة بني النضير غزوة بنى لحيان (2)، وهي الغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف بعسفان حين أتاه الخبر من السماء بما هم به المشركون: وقيل: إن هذه الغزوة كانت بعد غزوة بني قريظة. ثم كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بني النضير بشهرين. قال البخاري: إنها (3) كانت بعد خيبر لقى بها جمعا من غطفان ولم يكن بينهما حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس (4)، وقيل: إنما سميت ذات الرقاع لانه جبل فيه بقع حمرة وسواد وبياض فسمي ذات الرقاع، وقيل: إنما سميت بذلك لان أقدامهم نقبت فيها فكانوا
(1) مجمع البيان 3: 103. (2) قد اختلف اهل السير في وقت غزوة بنى لحيان، فقال ابن هشام في السيرة: كانت في السنة الخامسة في جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من فتح بنى قريظة، وقال المقريزى في الامتاع: كانت لهلال ربيع الاول سنة ست، وذكر ما تقدم عن ابن هشام وقال: صححه جماعة. وقال: وصحح ابن حزم انها في الخامسة، وقال بعض من ارخ: انها كانت اكثر من مرة، فواحدة كانت قبل الخندق، واخرى بعدها. (3) أي غزوة ذات الرقاع راجع البخاري 5: 144. (4) وقيل: سميت بذلك لانهم رقعوا راياتهم، وقيل: لانه كانت هناك شجرة يقال لها: ذات الرقاع. وقيل: لان هذه الشجرة كانت العرب تعبدها، وكل من كان له حاجة منهم يربط فيها خرقة وقيل: لوقوع صلاة الخوف فيها فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها. (*)
بحار الانوار - 11 -
[ 177 ]
يلفون على أرجلهم الخرق (1). 2 - أقول: قال ابن الاثير في الكامل: أقام رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة بعد بني النضير شهري ربيع، ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلب من غطفان، وهي غزوة ذات الرقاع، فلقى المشركين ولم يكن قتال، وخاف الناس بعضهم بعضا، فنزلت صلاة الخوف، وأصاب المسلمون امرأة منهم، وكان زوجها غائبا، فلما أتي أهله أخبر الخبر، فحلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وآله فنزل رسول الله فقال: من يحرسنا الليلة ؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الانصار (2)، فأقاما بفم شعب نزله النبي صلى الله عليه وآله، فاضطجع المهاجري وحرس الانصاري أول الليل وقام يصلي، وجاء زوج المرأة فرأى شخصه (3) فرماه بسهم فوضعه فيه، فانتزعه وثبت قائما يصلي، ثم رماه بسهم آخر فأصابه، فنزعه وثبت يصلي، ثم رماه الثالث (4) فوضعه فيه فانتزعه، ثم ركع وسجد ثم أيقظ صاحبه وأعلمه فوثب، فلما رأهما الرجل عرف أنهما علما به، فلما رأى المهاجري ما بالانصاري قال: سبحان الله ألا أيقظتني أول ما رماك ؟ قال: كنت في سورة أقرؤها (5)، فلم أحب أن أقطعها، فلما تتابع علي الرمي وركعت أعلمتك، و أيم الله لولا خوفي أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها، وقيل: إن هذه الغزوة كانت في المحرم سنة خمس (6). 3 - قب: غزوة بني لحيان في جمادي الاولى، وكان بينهما الرمي بالحجارة،
(1) اعلام الورى: 56 و 57 ط 1، و 98 ط 2. (2) قال المقريزى في الامتاع انهما عمار بن ياسر وعباد بن بشير الانصاري. ويقال: بل هو عمارة بن حزم وأثبتهما عباد بن بشير.
(3) زاد في المصدر: فعرف انه ربيئة القوم. أقول: الربيئة. الطليعة. (4) في المصدر: بالثالث. (5) في الامتاع: وهى سورة الكهف. (6) الكامل 2: 119 و 120. فيه اختصار.
[ 178 ]
وصلى فيها صلاة الخوف بعسفان، ويقال: في ذات الرقاع مع غطفان. وكان ذلك بعد النضير بشهرين، وقال البخاري: بعد خيبر ولم يكن حرب (1). 4 - أقول: قال الكازروني في حوادث السنة الخامسة: وفيها كانت غزاة ذات الرقاع، وكان سببها أن قادما قدم المدينة بجلب (2) له، فأخبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أن أنمارا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم (3) في أربعمائة، وقيل: في سبعمائة (4)، فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع وهي جبل فلم يجد إلا نسوة فأخذهن وفيهن جارية وضيئة، وهربت الاعراب إلى رؤس الجبال، وخاف المسلمون أن يغيروا عليهم، فصلى بهم النبي صلى الله عليه وآله صلاة الخوف، وكان أول ما صلاها، وانصرف راجعا إلى المدينة فابتاع من جابر بن عبد الله جملا بأوقية وشرط له ظهره إلى المدينة وسأله عن دين أبيه فأخبره، فقال: إذا قربت المدينة وأردت أن تجد (5) نخلك فآذني، واستغفر رسول الله صلى الله عليه وآله (6) في تلك الليلة خمسا وعشرين مرة. وفي الترمذي: سبعين مرة. وفي مسلم (7) من حديث أبي نضرة عن جابر قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أتبيعينه بكذا وكذا والله يغفر لك " فما زال يزيدني: والله يغفر لك، قال أبو نضرة: وكانت كلمة تقولها المسلمون: افعل كذا والله يغفر لك، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة (8).
(1) مناقب آل ابى طالب 1: 170. (2) الجلب: ما تجلبه الانسان من بلد إلى بلد من خيل وابل وغنم ومتاع وسبى ليباع. (3) في الامتاع: على رأس سبعة وعشرين شهرا. (4) زاد في الامتاع: وقيل: في ثمانمائة. (5) جد الشئ: قطعه. (6) في المصدر: لجابر. (7) في المصدر: وروى مسلم. (8) المنتقى في مولود المصطفى: 128: الباب الخامس فيما كان سنة خمس.
[ 179 ]
5 - وقال ابن الاثير: في جميدي الاولى من السنة السادسة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة، وأسرع السير حتى نزل على منازل بني لحيان (1) بين أثح (2) وعسفان، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤس الجبال، فلما أخطأه ما أراد منهم خرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان تخويفا لاهل مكة، وأرسل فارسين من الصحابة حتى بلغا كراع الغميم ثم عاد (3). 6 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد (4)، عن محمد بن أيوب، وعلي، عن أبيه جميعا عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركون والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل، فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمدا، فجاء وشد على رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف. ثم قال: من ينجيك مني يا محمد ؟ فقال: ربي وربك، فنسفه جبرئيل عليه السلام عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول الله
فأخذ (5) السيف وجلس على صدره، وقال: من ينجيك مني يا غورث ؟ فقال: جودك وكرمك يا محمد، فتركه، وقام (6) وهو يقول: والله لانت خير مني و أكرم (7). عم: مرسلا مثله (8). بيان: النسف: القلع (9).
(1) في المصدر: واغد السير حتى نزل غران منازل بنى لحيان. (2) في المصدر أمج: بفتح الهمزة والميم واخره جيم. (3) الكامل 1: 128. (4) أي الحسن بن محمد بن سماعة. (5) في المصدر: وأخذ السيف. (6) في المصدر: فقام. (7) روضة الكافي: 127. (8) اعلام الورى: 57 ط 1 و 99 ط 2 فيه اختلافات لفظية منها: فرآه رجل من المشركين يقال له غورث. (9) استدراك: 1 - ذكر ابن هشام في السيرة 217 3 تفصيل حديث جابر لا يخلو ذكره عن
[ 180 ]
- 16 - * (باب) * * (غزوة بدر الصغرى وسائر ما جرى في تلك السنة إلى غزوة الخندق) * الآيات: النساء " 4 ": فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله اشد بأسا وأشد تنكيلا 84. وقال تعالى: ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما
تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما 104.
فائدة قال: حدثنى وهب بن كيسان: عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لى ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وآله قال: جعلت الرفاق تمضى وجعلت اتخلف حتى ادركني رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: " مالك يا جابر " قال: قلت: يا رسول الله أبطأ بى هذا، قال: " انخه ". قال: فأنخته واناخ رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: " اعطني هذه العصا من يدك أو اقطع لى عصا من شجرة " قال: ففعلت: قال: فاخذها رسول الله صلى الله عليه وآله فنخسه بها نخسات، ثم قال: " اركب " فركبت، فخرج والذى بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة قال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لى: " أتبيعني جملك هذا يا جابر " قال: قلت: يا رسول الله: بل أهبه لك، قال: " لا ولكن بعنيه " قال: قلت: فسمنيه يا رسول الله، قال: " قد اخذته بدرهم " قال: قلت: لا اذن تغبننى يا رسول الله، قال: " فبدرهمين " قال: قلت: لا، قال: فلم يزل يرفع لى رسول الله في ثمنه حتى بلغ الاوقية، قال: فقلت: افقد رضيت يا رسول الله ؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال: " قد اخذته " قال: ثم قال: " يا جابر هل تزوجت بعد " ؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: " أثيبا أم بكرا " ؟ قال: قلت بل ثيبا، قال: " أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك " ؟ قلت: يا رسول الله ان ابى اصيب يوم احد وترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤسهن وتقوم عليهن، قال: " أصبت ان شاء الله اما انا لو قد جئنا صرارا امرنا بجزور فنحزت واقمنا عليها يومنا ذاك وسمعت بنا فنفضت نمارقها ": قال: قلت: والله يا رسول الله ما لنا من نمارق، قال: " انها ستكون
[ 181 ]
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " فقاتل في سبيل الله ": قال الكلبي: إن أبا سفيان لما رجع إلى مكة يوم أحد وأعد رسول الله صلى الله عليه وآله موسم بدر الصغرى وهي سوق يقوم في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد (1) قال للناس: اخرجوا
إلى الميعاد فتثاقلوا وكرهوا ذلك كراهة شديدة أو بعضهم، فأنزل الله عزوجل
فإذا انت قدمت فاعمل عملا كيسا " قال: فلما جئنا صرارا امر رسول الله صلى الله عليه وآله بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما امسى رسول الله صلى الله عليه وآله دخل ودخلنا قال: فحدثت المرأة الحديث وما قال لى رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: فدونك، سمع وطاعة، قال: فلما اصبحت اخذت برأس الجمل فاقبلت به حتى أنخته على باب (مسجد) رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: ثم جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فرأى الجمل فقال: " ما هذا " ؟ قالوا يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: " فاين جابر " ؟ قال: فدعيت له قال: فقال: " يا بن اخى خذ برأس جملك فهو لك " ودعا بلالا فقال له: اذهب بجابر فاعطه اوقية: قال: فذهبت معه فاعطاني اوقية وزادني شيئا يسيرا، فوالله ما زال ينمى عندي ويرى مكانه من بيتنا حتى اصيب امس فيما اصيب لنا، يعنى يوم الحرة انتهى. أقول: صرار: موضع على ثلاثة اميال من المدينة على طريق العراق وقيل غير ذلك. 2 - وذكر المقريزى في الامتاع في سياق ما وقع في تلك الغزوة: وجاء رجل بفرخ طائر فأقبل ابواه أو احدهما حتى طرح نفسه في يدى الذى اخذ فرضه، فعجب الناس من ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أتعجبون من هذا الطائر ؟ اخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة بفرخه، والله لربكم ارحم بكم من هذا الطائر بفرخه ". 3 - ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله رجلا وعليه ثوب منخرق، فقال: اما له غير هذا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ان له ثوبين جديدين في العيبة، فقال له: " خذ ثوبيك " فأخذ ثوبيه فلبسهما ثم أدبر، فقال صلى الله عليه وآله: " أليس هذا احسن ؟ ماله ضرب الله عنقه " ؟ فسمع ذلك الرجل، فقال: في سبيل الله يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله: " في سبيل " فضربت عنقه بعد ذلك في سبيل الله. 4 - وجاءه علبة بن زيد الحارثى بثلاث بيضات وجدها في مفحص نعام، فأمر جابر بن عبد الله بعملها، فوثب فعملها واتى بها في قصعة، فأكل صلى الله عليه وآله وأصحابه منه بغير خبز والبيض في القصعة كما هو وقد أكل منه عامتهم.
5 - قال البلاذرى: وفي سنة اربع من الهجرة حرمت الخمر. (1) في المصدر: فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله الميعاد.
[ 182 ]
هذه الآية، فحرض النبي صلى الله عليه وآله المؤمنين فتثاقلوا عنه ولم يخرجوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في سبعين (1) راكبا حتى أتى موسم بدر فكفاهم الله بأس العدو، ولم يوافهم أبو سفيان ولم يكن قتال يومئذ وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله بمن معه سالمين، " لا تكلف إلا نفسك " أي إلا فعل نفسك " وحرض المؤمنين " على القتال أي و حثهم عليه " عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا " أي يمنع شدة الكفار، و عسى من الله موجب (2) " والله أشد بأسا " أي أشد نكاية في الاعداء " وأشد تنكيلا " أي عقوبة، وقيل: التنكيل: الشهرة بالامور الفاضحة (3). وفي قوله تعالى: " ولا تهنوا " قيل: نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان يوم أحد (4). 1 - عم: ثم كانت بعد غزوة ذات الرقاع غزوة بدر الاخيرة في شعبان، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بدر لميعاد أبي سفيان، فأقام عليها ثمان ليال، وخرج أبو سفيان في أهل تهامة، فلما نزل الظهران بدا له في الرجوع، ووافق رسول الله صلى الله عليه وآله و أصحابه السوق فاشتروا وباعوا وأصابوا بها ربحا حسنا (5). 2 - أقول: قال في المنتقى في سياق حوادث السنة الرابعة: وفيها ولد الحسين عليه السلام لثلاث ليال خلون من شعبان، وفيها كانت غزوة بدر الصغرى لهلال ذي القعدة، وذلك أن أبا سفيان لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى: الموعد بيننا وبينكم بدر الصغرى رأس الحول نلتقي بها ونقتتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قولوا: نعم إن شاء الله، فافترق الناس على ذلك، وتهيأت قريش للخروج، فلما دنا الموعد كره
(1) في الامتاع: في ألف وخمسمائة فيهم عشرة افراس.
(2) في المصدر: واجب. (3) مجمع البيان 3: 83. (4) " " 3: 104. زاد فيه: وقيل: نزلت يوم احد في الذهاب خلف أبى سفيان وعسكره إلى حمراء الاسد عن عكرمة. (5) اعلام الورى: 57 ط 1 و 99 ط 2.
[ 183 ]
أبو سفيان الخروج، وقدم نعيم بن مسعود الاشجعي مكة، فقال له أبو سفيان: إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي ببدر، وقد جاء ذلك الوقت، وهذا عام جدب، وإنما يصلحنا عام خصب، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج، فيجترئ علينا، فنجعل لك فريضة (1) يضمنها لك سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينة وتعوقهم عن الخروج، فقدم المدينة وأخبرهم بجمع أبي سفيان وما معه من العدة والسلاح فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لاخرجن وإن لم يخرج معي أحد، و استخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وحمل لواءه علي عليه السلام وسار معه ألف و خمسمائة، والخيل عشرة أفراس، وخرجوا ببضائع لهم وتجارات، وكانت بدر الصغرى مجتمعا تجتمع فيه العرب وسوقا يقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلوا منه، ثم تتفرق الناس إلى بلادهم، فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، وقامت السوق صبيحة الهلال، فأقاموا بها ثمانية أيام وباعوا تجارتهم فربحوا للدرهم درهما و انصرفوا، وقد سمع الناس بمسيرهم، وخرج أبو سفيان من مكة في قريش وهم ألفان، ومعه خمسون فرسا حتى انتهوا إلى مر الظهران، ثم قال: ارجعوا فإنه لا يصلحنا إلا عام خصب يرعى فيه الشجر، ويشرب فيه اللبن، وهذا عام جذب، فسمى أهل مكة ذلك الجيش جيش السويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق، فقال صفوان بن أمية لابي سفيان: قد نهيتك أن تعد القوم قد اجترؤا علينا ورأونا
قد أخلفناهم، ثم أخذوا في الكيد والتهيؤ لغزوة الخندق، وفيها رجم رسول الله صلى الله عليه وآله اليهودي واليهودية في ذي القعدة، ونزل قوله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " وفيها حرمت الخمر، وجملة القول في تحريم الخمر أن الله تعالى أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة: " ومن ثمرات النخيل و الاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا (2) " فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ، ثم نزلت في مسألة عمر ومعاذ بن جبل: " يسألونك عن الخمر و
(1) في المصدر والامتاع: عشرين فريضة. (2) النحل: 67.
[ 184 ]
الميسر (1) " الآية، فتركها قوم لقوله: " إثم كبير " وشربها قوم لقوله: " و منافع للناس " إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا، فحضرت صلاة المغرب فقدموا بعضهم ليصلي بهم، فقرأ: قل يا أيها الكافرون (2): " أعبد ما تعبدون " هكذا إلى آخر السورة بحذف (لا) فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى (3) " الآية، فحرم السكر في أوقات الصلوات، فلما نزلت في هذه الآية تركها قوم، وقالوا: لا خير في شئ يحول بيننا وبين الصلاة، وتركها قوم في أوقات الصلاة، وشربوها في غير حين الصلاة حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر، ويشرب بعد الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر، ودعا عتبان بن مالك رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى سكروا منها، ثم إنهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الاشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الانصار وفخر لقومه، فأخذ رجل من الانصار لحي (4) البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة (5)،
فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشكا إليه الانصاري فقال عمر: اللهم بين لنا رأيك في الخمر بيانا شافيا، فأنزل الله تعالى " إنما الخمر والميسر (6) " الآية، وفيها سرق ابن ابيرق (7). أقول: سيأتي شرح القصة في باب أحوال أصحابه صلى الله عليه وآله.
(1) البقرة: 219، (2) السورة: 109. (3) النساء: 43. (4) اللحى: عظم الحنك الذى عليه الاسنان. (5) أي شجة بان فيها العظم. (6) المائدة: 90. (7) هو طعمة بن ابيرق بن عمرو بن حارثه بن ظفر بن الخزرج بن عمرو.
[ 185 ]
ثم قال وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله أم سلمة في شوالها، واسمها هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن محزوم، وكانت قبله صلى الله عليه وآله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الاسد، فولدت له سلمة وعمر وزينب، ثم توفي، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وآله. روى أن أبا سلمة جاء إلى أم سلمة فقال: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله (1) حديثا أحب إلي من كذا وكذا، سمعته يقول: " لا يصاب أحد بمصيبة فيسترجع عند ذلك ويقول: اللهم عندك أحتسب مصيبتي هذه، اللهم اخلفني فيها خيرا منها إلا أعطاه الله عزوجل " قالت أم سلمة: فلما أصبت بأبي سلمة قلت: " اللهم عندك أحتسب مصيبتي " ولم تطب نفسي أن أقول: " اللهم اخلفني فيها خيرا منها ثم قلت: من خير من أبي سلمة ؟ أليس أليس ؟ ثم قلت: ذلك، فلما انقضت عدتها أرسل
إليها أبو بكر يخطبها فأبت، ثم أرسل إليها عمر يخطبها فأبت، ثم أرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: مرحبا برسول الله صلى الله عليه وآله، وقال الهيثم بن عدي: أول من هلك من أزواج النبي صلى الله عليه وآله زينب (2) هلكت في خلافة عمر، وآخر من هلك منهن أم سلمة، هلكت زمن يزيد بن معاوية سنة ثنتين وستين. وفيها توفت زينب بنت خزيمة أم المؤمنين، وتوفي عبد الله بن عثمان من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ولد في الاسلام فاكتنى به عثمان، فبلغ ست سنين فنقره ديك في عينه فمرض، فمات في جمادي الاولى، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيها توفي أبو سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن هلال، وفيها توفت فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف أم علي عليه السلام، وكانت صالحة (3)، وكان رسول الله صلى الله يزورها، ويقيل في بيتها، ولما توفيت نزع رسول الله صلى الله عليه وآله قميصه فألبسها إياه (4). * (هامش) (1) في المصدر: من رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) " ": زينب بنت جحش. (3) " ": أسلمت وكانت صالحة. (4) المنتقى في مولود المصطفى: 126 - 128: الباب الرابع فيما كان في سنة اربع من
[ 186 ]
- 17 - * (باب) * * (غزوة الاحزاب وبنى قريظة) * الآيات: البقرة " 2 ": أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصرالله قريب 214. آل عمران " 3 ": قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن
تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير * تولج الليل
الهجرة وذكر في حوادث تلك السنة ان رسول الله صلى الله عليه وآله امر زيد بن ثابت ان يتعلم كتاب اليهود وقال انى لا امنهم ان يبدلوا كتابي، فتعلمه في خمس عشر ليلة. وذكر المقريزى في الامتاع: 185 في سياق غزوة بدر: وقام مجدي بن عمرو من بنى ضمرة (ويقال مخشى بن عمرو) والناس مجتمعون في سوقهم، والمسلمون اكثر ذلك الموسم، فقال: يا محمد لقد اخبرنا انه لم يبق منكم احد، فما اعلمكم الا اهل الموسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما اخرجنا الا موعد ابى سفيان وقتال عدونا، وان شئت مع ذلك نبذنا اليك وإلى قومك العهد، ثم جالدناكم قبل ان نبرح منزلنا هذا " فقال الضمرى: بل نكف ايدينا عنكم ونتمسك بحلفك. أقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وادعه على بنى ضمرة في غزوة ودان ثم قال: وانطلق معبد بن ابى معبد الخزاعى سريعا بعد انقضاء الموسم إلى مكة، واخبر بكثرة المسلمين وانهم اهل ذلك الموسم وانهم الفان، واخبرهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله للضمرى، فاخذوا في الكيد والنفقة لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله واستجلبوا من حولهم من العرب، وجمعوا الاموال، وضربوا البعث على أهل مكة فلم يترك أحد منهم إلا أن يأتي بمال، ولم يقبل من أحد اقل من اوقية لغزو الخندق. وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة فكانت غيبته عنها ست عشرة ليلة. ثم ذكر سرية عبد الله ابن عتيك إلى أبى رافع سلام بن أبى الحقيق.
[ 187 ]
في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب 27. الانفال " 8 ": الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون * فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون * وإما
تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين 56 - 58. الاحزاب " 33 ": يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعلمون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاعت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة و ما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا * قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا * قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا * قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم الينا ولا يأتون البأس الا قليلا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون اليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا * يحسبون الاحزاب لم يذهبوا وإن يأت الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا * لقد كان لكم في رسول الله أسوة حستة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا * ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى
[ 188 ]
نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب
المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما * ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا * وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قدير 9 - 27. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " أم حسبتم ": قيل: نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة وحوصر المسلمون في المدينة، فدعاهم الله إلى الصبر ووعدهم بالنصر، وقيل: نزلت في حرب أحد، لما قال عبد الله بن ابي لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى متى تقتلون أنفسكم ؟ لو كان محمد صلى الله عليه وآله نبيا لما سلط الله عليه الاسر والقتل، وقيل: نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة إذ تركوا ديارهم وأموالهم ومستهم الضراء " ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم " أي ولما تمتحنوا وتبتلوا بمثل ما امتحنوا به فتصبروا كما صبروا " مستهم البأساء والضراء " البأساء: نقيض النعماء، والضراء: نقيض السراء (1) " وزلزلوا " أي حركوا بأنواع البلايا (2) " حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله " قيل: استعجال للموعود، وإنما قاله الرسول استبطاء للنصر على جهة التمني وقيل: إن معناه الدعاء لله بالنصر: ألا إن نصر الله قريب " قيل: إن هذا من كلامهم فإنهم قالوا عند الاياس: متى نصر الله، ثم تفكروا فعلموا أن الله منجز وعده فقالوا ذلك، وقيل: إن الاول كلام المؤمنين، والثاني كلام الرسول (3). وقال في قوله تعالى: " قل اللهم مالك الملك ": قيل: لما فتح رسول الله
(1) زاد في المصدر: وقيل: البأساء: القتل والضراء: الفقر، وقيل: هو ما يتعلق بمضار الدين من حرب وخروج من الاهل واخراج. (2) زاد في المصدر: وقيل معناه هنا ازعجوا بالمخافة من العدو وذلك لفرط الحيرة.
(3) مجمع البيان 2: 309.
[ 189 ]
صلى الله عليه وآله مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود: هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم ؟ ألم تكفه المدينة ومكة حتى طمع في الروم و فارس ؟ فنزلت هذه الآية عن ابن عباس وأنس، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله خط الخندق عام الاحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، فاحتج المهاجرون و الانصار في سلمان وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الانصار سلمان منا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " سلمان منا أهل البيت " قال عمر وبن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الانصار في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي باب (1) أخرج الله من باطن (2) الخندق صخرة مروة (3) كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره، فإنا لا نحب أن نتجاوز خطه، قال: فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحيك (4) فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك فانا لا نحب أن نتجاوز خطك قال: فهبط رسول الله صلى الله عليه وآله مع سلمان الخندق، والتسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله المعول من يد سلمان فضربها به ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابيتها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وآله ثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابيتها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح وكبر المسلون،
(1) في المصدر: ذى ناب.
(2) " ": من بطن الخندق. (3) المروة: حجارة صلبة تعرف بالصوان. (4) قال المصنف في الهامش: قال الجوهرى: حاك فيه السيف وأحاك بمعنى يقال: ضربه فما أحاك فيه السيف: إذا لم يعمل
[ 190 ]
ثم ضرب بها رسول الله صلى الله عليه وآله ثالثة فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابيتها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح وكبر المسلمون، وأخذ بيد سلمان ورقى، فقال سلمان: بأيي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت منك شيئا ما رأيته منك قط، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى القوم وقال: رأيتم ما يقول سلمان ؟ فقالوا: نعم، قال: " ضربت ضربتي الاولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر (1): من أرض الروم، فكأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي ما رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا " فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون ؟ يمنيكم ويعدكم الباطل ويعلمكم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق (2) ولا تستطيعون أن تبرزوا فنزل القرآن: " إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ". وأنزل الله تعالى في هذه القصة " قل اللهم مالك الملك " الآية رواه الثعلبي
بإسناده عن عمرو بن عوف. قوله: " مالك الملك " أي مالك كل ملك وملك، وقيل: مالك العباد وما ملكوا، وقيل: مالك أمر الدنيا والآخرة، وقيل: مالك النبوة " تؤتي الملك " أي تؤتي الملك وأسباب الدنيا محمدا وأصحابه وأمته " وتنزعه " من صناديد قريش ومن الروم وفارس، فلا تقوم الساعة حتى يفتحها أهل الاسلام، وقيل: تؤتي النبوة و الامامة من تشاء من عبادك، وتوليه التصرف في خلقك وبلادك، وتنزع الملك على
(1) الحمير خ ل. وفى المصدر: حمر. (2) أي الخوف.
[ 191 ]
هذا الوجه من الجبارين " وتعز من تشاء " بالايمان والطاعة " وتذل من تشاء " بالكفر والمعاصي، وقيل: تعز المؤمن بتعظيمه والثناء عليه، وتذل الكافر بالجزية والسبي، وقيل: تعز محمدا وأصحابه، وتذل أبا جهل وأضرابه من المقتولين يوم بدر في القليب، وقيل: تعز من تشاء من أوليائك بأنواع العزة في الدنيا والدين، و تذل من تشاء من أعدائك في الدنيا والآخرة، لانه سبحانه لا يذل أولياءه وإن أفقرهم وابتلاهم، فإن ذلك ليس على سبيل الاذلال، بل ليكرمهم بذلك في الآخرة " بيدك الخير " أي الخير كله في الدنيا والآخرة (1). وقال في قوله تعالى: " الذين عاهدت منهم " أي من جملتهم، أو عاهدتهم، قال مجاهد: أراد به يهود بني قريظة، فأنهم كانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وآله على أن لا يضروا به ولا يمالوا عليه عدوا، ثم مالوا (2) عليه الاحزاب يوم الخندق وأعانوهم عليه بالسلاح، وعاهدوا مرة بعد أخرى فنقضوا، فانتقم الله منهم " ثم ينقضون عهدهم في كل مرة " أي كلما عاهدتهم نقضوا العهد ولم يفوا به " وهم لا يتقون "
نقض العهد أو عذاب الله " فإما تثقفنهم " أي تصادفنهم في الحرب، أي ظفرت بهم " فشرد بهم من خلفهم " أي فنكل بهم تنكيلا يشرد بهم من بعدهم ويمنعهم من نقض العهد، والتشريد: التفريق " لعلهم يذكرون " أي لكي يتذكروا وينزجروا " وإما تخافن من قوم خيانة " أي إن خفت يا محمد من قوم بينك وبينهم عهد خيانة " فأنبذ إليهم على سواء " أي فألق ما بينك وبينهم من العهد، وأعلمهم بأنك نقضت ما شرطت لهم لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء، وقيل: معنى " على سواء " على عدل، قال الواقدي: هذه الآية نزلت في بني قينقاع، وبهذه الآية سار النبي صلى الله عليه وآله إليهم (3). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إذ جاءتكم جنود " وهم الذين تحزبوا على
(1) مجمع البيان 2: 427 - 428. (2) في المصدر: ولا يمالئوا عليه عدوا ثم مالئوا. (3) مجمع البيان 4: 552 و 553،
[ 192 ]
رسول الله صلى الله عليه وآله أيام الخندق " فأرسلنا عليهم ريحا " وهي الصبا، أرسلت عليهم حتى اكفأت قدورهم فنزعت فساطيطهم " وجنودا لم تروها " الملائكة وقيل: إن الملائكة لم يقاتلوا يومئذ، ولكن كانوا يشجعون المؤمنين، ويجبنون الكافرين " وكان الله بما تعملون بصيرا ". " إذ جاؤكم " أي اذكروا حين جاءكم جنود المشركين " من فوقكم " أي من فوق الوادي قبل المشرق قريظة والنضير وغطفان " ومن أسفل منكم " أي من المغرب من ناحية مكة أبو سفيان في قريش ومن تبعه " وإذ زاغت الابصار " أي مالت عن كل شئ فلم تنظر إلا عدوها مقبلا من كل جانب، أو عدلت الابصار عن مقرها من الدهش والحيرة كما يكون الجبان فلا يعلم ما يبصر " وبلغت القلوب
الحناجر " الحنجرة: جوف الحلقوم، أي شخصت القلوب من مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت، عن قتادة، وقال أبو سعيد الخدري: قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شئ نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر ؟ فقال: قولوا: " اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا " قال: فقلناها فضرب وجوه أعداء الله بالريح، فهزموا، قال الفراء: المعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن ينتفخ سحره، والسحر الرية، فإذا انتفخت الرية رفعت القلوب إلى الحنجرة " وتظنون بالله الظنونا " أي اختلفت الظنون فظن بعضهم النصر، و بعضهم ايس وقنط (1)، وقيل: ظن المنافقون أنه يستأصل محمد صلى الله عليه وآله، وظن المؤمنون أنه ينصر، وقيل: ظن بعضهم أن الكفار تغلبهم، وظن بعضهم أنهم يستولون على المدينة وظن بعضهم أن الجاهلية تعود كما كانت، وظن بعضهم أن ما وعد الله ورسوله من نصرة الدين وأهله غرور، فأقسام الظنون كثيرة خصوصا ظن الجبناء (2). " هنالك ابتلي المؤمنون " أي اختبروا وامتحنوا " وزلزلوا زلزالا شديدا "
(1) في المصدر: فظن بعضكم بالله النصر، وبعضكم ايس وقنط. (2) مجمع البيان 8: 339 و 340.بحار الانوار - 12 -
[ 193 ]
أي حركوا بالخوف تحريكا شديدا " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض " أي شك: " ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " قال ابن عباس: إن المنافقين قالوا: يعدنا محمد أن يفتح مدائن كسرى وقيصر ونحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء، هذا والله الغرور " وإذ قالت طائفة منهم " يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل: هم بنو سالم من المنافقين، وقيل: القائل أوس بن قبطي ومن وافقه على رأيه " يا أهل
يثرب لا مقام لكم فارجعوا " أي لا إقامة لكم ههنا، أو لا مكان لكم تقومون فيه للقتال إذا فتح الميم، فارجعوا إلى منازلكم بالمدينة، وأرادوا الهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله " ويستأذن فريق منهم النبي " في الرجوع إلى المدينة وهم بنو حارثة وبنو سلمة " يقولون إن بيوتنا عورة " ليست بحريزة، مكشوفة ليست بحصينة، أو خالية من الرجال نخشى عليها السراق، وقيل: قالوا: بيوتنا مما يلى العدو لا نأمن على أهلينا " وما هي بعورة " بل هي رفيعة السمك حصينة عن الصادق عليه السلام: " إن يريدون " أي ما يريدون " إلا فرارا " وهربا من القتال ونصرة المؤمنين " ولو دخلت " البيوت أو المدينة " عليهم " أي لو دخل هؤلاء الذين يريدون القتال وهم الاحزاب على الذين يقولون: إن بيوتنا عورة وهم المنافقون " من أقطارها " من نواحي المدينة أو البيوت " ثم سئلوا الفتنة لاتوها " أي ثم دعوا هؤلاء إلى الشرك لاشركوا " وما تلبثوا بها إلا يسيرا " أي وما احتبسوا عن الاجابة إلى الكفر إلا قليلا، أو لما أقاموا بعد إعطائهم الكفر إلا قليلا حتى يعاجلهم الله بالعذاب " ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل " أي من قبل الخندق " لا يولون الادبار " أي بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وحلفوا له أنهم ينصرونه ويدفعون عنه كما يدفعون عن نفوسهم ولا يرجعون عن مقاتلة العدو ولا ينهزمون، قال مقاتل: يريد ليلة العقبة " وكان عهد الله مسئولا " يسئلون عنه في الآخرة " قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل " إن كان حضر آجالكم (1) فإنه لابد من واحد منهما، وإن هربتم فالهرب لا يزيد في آجالكم " وإذا لا تمتعون إلا قليلا " أي وإن لم يحضر آجالكم (2) وسلمتم من الموت أو
(1) في المصدر: حضرت اجالكم. (2) في المصدر: وان لم تحضر آجالكم.
[ 194 ]
القتل في هذه الوقعة (1) لم تمتعوا في الدنيا إلا أياما قلائل " قل من ذا الذي
يعصمكم من الله " أي يدفع عنكم قضاء الله " إن أراد بكم سوءا " أي عذابا وعقوبة " أو أراد بكم رحمة " أي نصرا وعزا، فإن أحدا لا يقدر على ذلك " ولا يجدون لهم من دون الله وليا " يلي أمورهم " ولا نصيرا " ينصرهم ويدفع عنهم " قد يعلم الله المعوقين منكم " وهم الذين يعوقون غيرهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله ويثبطونهم ويشغلونهم لينصرفوا عنه، وذلك بأنهم قالوا لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم (2) أبو سفيان وهؤلاء الاحزاب " والقائلين لاخوانهم " يعني اليهود، قالوا لاخوانهم المنافقين: " هلم إلينا " أي تعالوا، وأقبلوا إلينا ودعوا محمدا وقيل: القائلون هم المنافقون، قالوا لاخوانهم من ضعفة المسلمين: لا تحاربوا و خلوا محمدا فإنا نخاف عليكم الهلاك " ولا يأتون البأس " أي ولا يحضرون القتال في سبيل الله " إلا قليلا " يخرجون رياء وسمعة قدر ما يوهمون أنهم معكم، وقيل لا يحضرون القتال إلا كارهين يكون (3) قلوبهم مع المشركين " أشحة عليكم " أي يأتون البأس بخلا بالقتال معكم وقيل بخلا بالنفقة في سبيل الله والنصرة " كالذي يغشى عليه من الموت " وهو الذي قرب من حال الموت، وغشيته أسبابه فيذهل و يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف، فكذلك هؤلاء تشخص أبصارهم وتحار أعينهم من شدة خوفهم " فإذا ذهب الخوف " وجاء الامن والغنيمة " سلقوكم بألسنة حداد " أي آذوكم بالكلام، وخاصموكم سليطة ذربة، وقيل: معناه بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون: أعطونا فلستم بأحق بها منا عن قتادة، قال: فأما عند البأس فأجبن قوم واخذله للحق (4) وأما عند الغنيمة فأشح قوم، وهو قوله: " أشحه على الخير " أي بخلا بالغنيمة يشاحون
(1) الواقعة خ ل. (2) قال الفيروز آبادي: لهمه كسمعه لهما ويحرك وتلهمه والتهمه: ابتلعه بمرة منه قدس سره.
(3) في المصدر: تكون. (4) في المصدر: واخذ لهم للحق.
[ 195 ]
المؤمنين عند القسمة، وقيل: بخلا بأن يتكلموا بكلام فيه خير " أولئك لم يؤمنوا " وإلا لما فعلوا ذلك " فأحبط الله أعمالهم " لانها لم تقع على الوجوه التى يستحق عليها الثواب " وكان ذلك " أي الاحباط أو نفاقهم " على الله يسيرا " أي هينا " يحسبون الاحزاب لم يذهبوا " أي يظنون أن الجماعات من قريش وغطفان و أسد واليهود الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينصرفوا وقد انصرفوا. وإنما ظنوا ذلك لجبنهم وفرط حبهم قهر المسلمين " وإن يأت الاحزاب " أي وإن يرجع الاحزاب إليهم ثانية للقتال " يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسألون عن أنبائكم " أي يود هؤلاء المنافقون أن يكونوا في البادية مع الاعراب يسألون الناس عن أخباركم ولا يكونوا معكم حذرا من القتل وتربصا للدوائر " ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا " أي ولو كانوا معكم لم يقاتلوا إلا يسيرا ليوهموا أنهم في جملتكم " لقد كان لكم " معاشر المكلفين " في رسول الله أسوة حسنة " أي قدوة صالحة، أي كان لكم برسول الله اقتداء لو اقتديتم به في نصرته، والصبر معه في مواطن القتال " لمن كان يرجو الله " بدل من قوله: " لكم " يعني أن الاسوة برسول الله إنما يكون لمن يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم " واليوم الاخر وذكر الله كثيرا " أي ذكرا كثيرا " ولما رأى المؤمنون الاحزاب " مع كثرتهم " قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله و صدق الله ورسوله " قيل: إن النبي صلى الله عليه وآله كان أخبرهم أنه يتظاهر عليهم الاحزاب ووعدهم الظفر بهم، فلما رأوهم تبين لهم مصداق قوله، وكان ذلك معجزا له، و قيل: إن الله وعدهم في سورة البقرة بقوله: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا " إلى قوله: " إن نصر الله قريب " (1) ما سيكون من الشدة التي
تلحقهم من عدوهم، فلما رأوا الاحزاب يوم الخندق قالوا هذه المقالة علما منهم أنه لا يصيبهم إلا ما أصاب الانبياء والمؤمنين قبلهم " وما زادهم مشاهدة عدوهم إلا إيمانا " أي تصديقا بالله ورسوله " وتسليما " لامره " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " أي بايعوا أن لا يفروا فصدقوا في لقائهم العدو " فمنهم من قضى
(1) البقرة: 214.
[ 196 ]
نحبه " أي مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما تمنى، فذلك قضاء النحب، وقيل: قضى نحبه معناه فرغ من عمله ورجع إلى ربه يعني من استشهد يوم احد " ومنهم من ينتظر " وعد الله من نصرة، أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه " وما بدلوا تبديلا " أي ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون " ليجزي الله الصادقين بصدقهم " في عهودهم " ويعذب المناففين " بنقض العهد " إن شاء أو يتوب عليهم " إن تابوا " ورد الله الذين كفروا " يعني الاحزاب أبا سفيان وجنوده وغطفان ومن معهم من قبائل العرب " بغيظهم " أي بغمهم الذي جاؤا به وحنقهم لم يشفوا بنيل ما أرادوا " لم ينالوا خيرا " أملوه. وأرادوه من الظفر بالنبي والمؤمنين وإنما سماه خيرا لان ذلك كان خيرا عندهم وقيل: أراد بالخير المال " وكفى الله المؤمنين القتال " أي مباشرة القتال بما أنزل على المشركين من الريح الشديدة الباردة التي أزعجتهم عن أماكنهم، وبما أرسل من الملائكة وبما قذف في قلوبهم من الرعب، وقيل: بعلي بن أبي طالب عليه السلام وقتله عمرو بن عبد ود، وكان ذلك سبب هزيمة القوم، عن عبد الله بن مسعود وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. " وكان الله قويا " أي قادرا على ما يشاء " عزيزا " لا يمتنع عليه شئ من الاشياء (1). ثم ذكر سبحانه ما فعل باليهود من بني قريظة فقال: " وأنزل الذين ظاهروهم " أي عاونوا المشركين من الاحزاب ونقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا
ينصروا عليه عدوا " من أهل الكتاب " يعني من اليهود، واتفق المفسرون على أنهم بنو قريظة إلا الحسن، فأنه قال: هم بنو النضير، والاول أصح (2) " من صياصيهم " أي من حصونهم " وقذف في قلوبهم الرعب " أي الخوف من النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه " فريقا تقتلون " يعني الرجال " وتأسرون فريقا " يعني الذراري والنساء " وأورثكم " أي أعطاكم " أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها " أي وأورثكم أرضا لم
(1) مجمع البيان 8: 347 - 350. (2) في المصدر: لان بنى النضير لم يكن لهم في قتال اهل الاحزاب شيئ وكانوا قد انجلوا قبل ذلك.
[ 197 ]
تطئوها بأقدامكم بعد وسيفتحها الله عليكم وهي خيبر (1) وقيل: هي الروم وفارس وقيل: هي كل أرض يفتح (2) إلى يوم القيامة، وقيل: هي ما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب (3). أقول: قال الطبرسي رحمه الله في سياق غزوة الخندق: ذكر محمد بن كعب القرظي وغيره من أصحاب السير قالوا: كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب في جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وآله خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالوا: إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم، فقال لهم قريش: يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الاول فديننا خير أم دين محمد ؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه فأنتم أولى بالحق منهم، فهم الذين أنزل الله فيهم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاعوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " إلى قوله: " وكفى بجنهم سعيرا " فسر قريشا ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم إليه، فأجمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج اولئك النفر
من اليهود حتى جاؤا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه صلى الله عليه واله، وإن قريشا قد بايعوهم على ذلك فأجابوهم، فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين في فزارة والحارث بن عوف في بني مرة، ومسعر بن جبلة الاشجعي فيمن تابعه من أشجع، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل طليحة فيمن اتبعه من بني أسد وهما حليفان أسد وغطفان، وكتب قريش إلى رجال من بني سليم فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن اتبعه من بني سليم مددا لقريش، فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ضرب الخندق على المدينة، وكان الذي أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، وكان
(1) زاد في المصدر: وقيل: هي مكة. (2) في المصدر: تفتح. (3) مجمع البيان 8: 351.
[ 198 ]
أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يومئذ حر، قال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون حتى أحكموه. فمما ظهر من دلائل النبوة في حفر الخندق ما رواه أبو عبد الله (1) الحافظ بإسناده عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال: حدثني أبي، عن أبيه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق عام الاحزاب أربعين ذراعا بين عشرة، فاختلف المهاجرون والانصار في سلمان، وكان رجلا قويا، فقالت الانصار: سلمان منا، وقالت المهاجرون، سلمان منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " سلمان منا أهل البيت ". أقول: وساق الحديث في كسر الصخرة وظهور البرق ما مر برواية الثعلبي.
ثم قال: ومما ظهر أيضا من آيات النبوة ما رواه أبو عبد الله الحافظ بالاسناد عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال: حدثني أيمن المخزومي قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدية (2) وهي الجبل، فقلنا: يا رسول الله إن كدية (3) عرضت فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: رشوا عليها ماء ثم قام فأتاها وبطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل (4) فقلت له: أئذن لي يا رسول الله إلى المنزل، ففعل فقلت للمرأة: هل عندك من شئ ؟ فقال: عندي صاع من شعير وعناق، فطحنت الشعير وعجنته وذبحت (5) العناق وسلختها وخليت بين المرأة وبين ذلك ثم أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجلست عنده ساعة، ثم قلت: ائذن لي يا
(1) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم المتوفى سنة 405، رواه في المستدرك 3: 598. راجعه. (2 و 3) كذانة خ ل كداية خ ل. أقول: الكدية: الارض الصلبة الغليظة. الصفاة العظيمة الشديدة. (4) مهيلا خ ل. (5) فذبحت خ ل.
[ 199 ]
رسول الله ففعل، فأتيت المرأة فإذا العجين واللحم قد أمكنا، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: إن عندنا طعيما لنا فقم يا رسول الله أنت ورجلان من أصحابك فقال: وكم هو ؟ قلت: صاع من شعير وعناق، فقال للمسلمين جميعا: قوموا إلى جابر، فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، فقلت: جاء بالخلق على صاع شعير وعناق، فدخلت على المرأة وقلت: قد افتضحت، جاءك رسول الله صلى الله عليه وآله بالخلق (1)، فقالت: هل كان سألك كم طعامك ؟ قلت: نعم، فقالت: الله ورسوله
أعلم قد أخبرناه ما عندنا، فكشفت عني غما شديدا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: خذي ودعيني من اللحم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يثرد ويفرق اللحم، ثم يحم هذا، ويحم هذا (2) فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملا ما كانا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كلي واهدي، فلم نزل نأكل ونهدي قومنا أجمع. أورده البخاري في الصحيح (3). وعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ينقل معنا التراب يوم الاحزاب وقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول: لا هم (4) لولا أنت لما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا إن الاولى (5) قد بغوا علينا * إذا (6) أرادوا فتنه أبينا
(1) زاد في المصدر: اجمعين. (2) في صحيح البخاري: ويخمر البرمة والتنور إذا اخذ منه. (3) صحيح البخاري 5: 139 وفيه اختلافات لفظية واختصار راجعه. (4) اللهم خ ل. أقول في المصدر: لاهم لولا انت ما اهتدينا. وفى رواية في صحيح البخاري: اللهم لولا انت ما اهتدينا. وفى اخرى: والله لولا الله ما اهدينا. (5) ان الاولاء خ ل. (6) في البخاري في رواية: وإن ارادوا فتنة ابينا.
[ 200 ]
يرفع بها صوته، رواه البخاري أيضا في الصحيح عن أبي الوليد (1)، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء. قالوا: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بين
الجرف والغابة (2) في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب احد وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع (3) في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الاطام، وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة. وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وآله على قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب صوت ابن اخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه يا كعب افتح لي فقال: ويحك يا حيي إنك رجل مشؤم إني قد عاهدت محمدا ولست بناقض ما بينه وبيني، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، وقال: ويحك
(1) الموجود في صحيح البخاري: حدثنا مسلم بن ابراهيم، حدثنا شعبة. راجع الصحيح 5: 139 و 140. وزاد في آخره: ورفع بها صوته: أبينا أبينا. وفيه باسناده عن انس قال جعل المهاجرون والانصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدا * على الاسلام ما بقينا ابدا قال: يقول النبي صلى الله عليه وآله وهو يجيبهم: " اللهم لا خير الا خير الاخرة فبارك في الانصار والمهاجرة " وذكر في حديث آخر المصرع الاخير هكذا: على الجهاد ما بقينا ابدا. (2) الجرف: ما تجرفته السيول فاكلته من الارض، ويقال لمواضع منها: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام، قال كعب بن الاشرف اليهودي: ولنا بئر رواء جمة * من يردها باناء يغترف كل حاجاتي بها قضيتها * غير حاجاتي على بطن الجرف والغابة: الوطأة من الارض التى دونها شرفة وهو الوهدة. وهو موضع قرب المدينة من
ناحية الشام فيه اموال لاهل المدينة، (3) السلع: جبل بالمدينة.
[ 201 ]
افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: إن أغلقت دوني إلا على جشيشة (1) تكره أن نأكل منها معك، فأحفظ الرجل ففتح له فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على سادتها وقادتها، وبغطفان على سادتها وقادتها، قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه، فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر بجهام قد اهراق ماؤه برعد وببرق (2) وليس فيه شئ، فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء، فلم يزل حيي بكعب يفتل منه في الذروة والغارب (3) حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعث سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبد الاشهل وهو يومئذ سيد الاوس، وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير، فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقا فالحنوا لنا لحنا نعرفه، ولا تفتوا أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم عنهم، قالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد، فشاتمهم سعد بن عبادة (4)، وشامتوه، فقال سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا وبينهم أعظم من المشاتمة. ثم أقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله و قالوا: عضل والقارة، لغدر (5) عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله خبيب بن عدي وأصحابه أصحاب الرجيع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الله أكبر أبشروا يا
معشر المسلمين ".
(1) الخشيشة خ ل. أقول: في سيرة ابن هشام: الجشيشة بالجيم. (2) في المصدر: بجهام قد هراق ماؤه يرعد ويبرق. أقول: هو الموجود ايضا في السيرة. (3) مثل يضرب للرجل لا يزال يخدغ صاحبه حتى يظفر به. (4) ذكر ابن هشام في السيرة الشاتم سعد بن معاذ. (5) في السيرة: أي كغدر عضل والقارة باصحاب الرجيع خبيب واصحابه.
[ 202 ]
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، وظهر النفاق (1) من بعض المنافقين، فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبل ألا أن فوارس من قريش منهم: عمرو بن عبد ود (2) أخو بني عامر ابن لؤي، وعكرمه بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب (3) وهبيرة بن أبي وهب و نوفل بن عبد الله قد تلبسوا للقتال، وخرجوا على خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيأوا للحرب يا بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم اقبلوا تعنق (4) بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق، فقالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ منهم الثغرة (5) التي منها اقتحموا، وأقبلت الفرسان نحوهم و كان عمرو بن عبد ود فارس قريش، وكان قد قاتل يوم بدر حتى ارتث (6) وأثبته الجراح فلم يشهد أحدا، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده، وكان يعد بألف فارس وكان يسمى فارس يليل، لانه أقبل في ركب من قريش حتى إذا هو بيليل (7) وهو واد قريب من بدر عرضت لهم بنو بكر في عدد، فقال لاصحابه: امضوا، فمضوا
فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليه، فعرف بذلك، وكان اسم
(1) في السيرة: ونجم النفاق من بعض المنافقين. (2) في السيرة: عمرو بن عبد ود بن ابى قيس اخو بنى عامر بن لؤى. (3) في السيرة: ضرار بن الخطاب الشاعر ابن مرداس اخو بنى محارب بن فهر. (4) أي تسرع. (5) في المصدر والسيرة: حتى اخذ عليهم الثغرة. أقول: الثغرة بالضم: الثلمة التى كانت في الخندق. (6) ارتث: حمل من المعركة. (7) في المصدر: حتى إذا كانوا بيليل.
[ 203 ]
الموضع الذي حفر فيه الخندق المداد، وكان أول من طفره عمرو وأصحابه، فقيل في ذلك: عمرو بن عبد، كان أول فارس * جزع المداد وكان فارس يليل وذكر ابن إسحاق أن عمرو بن عبد ود كان ينادي: من يبارز ؟ فقام علي عليه السلام وهو مقنع في الحديد، فقال: أنا له يا نبي الله، فقال: إنه عمرو، اجلس، ونادى عمرو: ألا رجل ويؤنبهم ويسبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها، فقام علي عليه السلام فقال: أنا له يا رسول الله، ثم نادى الثالثة فقال: ولقد بححت من النداء * بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع * موقف البطل المناجز إن السماحة والشجا * عة في الفتى خير الغرائز قفام علي عليه السلام فقال: يا رسول الله أنا فقال: إنه عمرو، فقال: وإن كان
عمروا، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله فأذن له. وفيما رواه لنا السيد أبو محمد الحسيني القائني عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بالاسناد عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن حذيفه قال: فألبسه رسول الله صلى الله عليه وآله درعه ذات الفضول، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وعممه عمامة (1) السحاب على رأسه تسعة أكوار (2)، ثم قال له: تقدم، فقال لما ولى: " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه ". قال ابن إسحاق: فمشى إليه وهو يقول: لا تعجلن فقد أتا * ك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة * والصدق (2) منجي كل فائز
(1) عمامته خ ل. (2) الكور بالفتح: الدور من العمامة. (3) منجا خ ل أقول: في مستدرك الحاكم. ذو نبهة وبصيرة * والصدق منجا كل فائز.
[ 204 ]
إني لارجو أن أقيم (1) * عليك نائحة الجنائز من ضربة (2) نجلاء يبقى * ذكرها عند (3) الهزاهز قال له عمرو: من أنت ؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف ؟ فقال: أنا علي بن أبيطالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقال: غيرك (4) يا بن أخي من أعمامك من هو أسن منك، فإنى أكره أن أهريق دمك، فقال (5): لكني والله ما أكره أن أهريق دمك، فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا فاستقبله علي بدرقته فضربه عمر وفي الدرقة فقدها (6) وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل العاتق فسقط. وفي رواية حذيفة: وتسيف على رجليه بالسيف من أسفل فوقع على قفاه.
وثارث بينهما عجاجة، فسمع علي يكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قتله و الذي نفسي بيده، فكان أول من ابتدر العجاج عمر بن الخطاب، فإذا علي عليه السلام يمسح سيفه بدرع عمرو، فكر عمر بن الخطاب وقال: يا رسول الله قتله، فجز علي رأسه وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله ووجهه يتهلل، فقال (7) عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خيرا منها (8) ؟ فقال: ضربته فاتقاني (9) بسوأته فاستحييت من ابن عمي أن أستلبه (10).
(1) ان تقوم خ ل. (2) من طعنة خ ل. (3) بعد خ ل. (4) في المستدرك: عندك. (5) في المصدر والمستدرك: فقال على عليه السلام. (6) الدرقة: الترس من الحديد. قد الشيئ: قطعه. شقة. (7) فقال له خ ل. (8) منه خ ل. (9) فالتقاني خ ل. (10) زاد الحاكم في المستدرك: وخرجت خيله منهزمة حتى اقحمت من الخندق.
[ 205 ]
قال حذيفة: فقال النبي صلى الله عليه وآله: أبشر يا علي فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم (1)، وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهن بقتل عمرو، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو. وعن الحاكم أبي القاسم أيضا بالاسناد عن سفيان الثوري، عن زبيد الشامي (2)،
عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: كان يقرأ " وكفى الله المؤمنين القتال بعلي " وخرج أصحابه منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق، وتبادر المسلمون فوجدوا نوفل بن عبد العزى جوف الخندق، فجعلوا يرمونه بالحجارة فقال لهم: قتلة أجمل من هذه، ينزل بعضكم أقاتله، فقتله الزبير بن العوام. وذكر ابن إسحاق إن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هو لكم لا نأكل ثمن الموتى. وذكر علي عليه السلام أبياتا منها: نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب
(1) وروى الحاكم في المستدرك 3: 32 باسناده عن لؤلؤ بن عبد الله المقتدرى عن ابى الطيب احمد بن ابراهيم بن عبد الوهاب المصرى، عن احمد بن عيسى الخشاب، عن عمرو بن ابى سلمة، عن سفيان الثوري، عن بهز بن حكيم، عن ابيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لمبارزة على بن ابى طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق افضل من اعمال امتى إلى يوم القيامة. (2) الثاني خ ل. أقول: في المصدر: الثابى بالباء، وكلها مصحفة، والصحيح اليامى قال ابن حجر في التقريب: 162: زبيد - مصغرا - ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامى بالتحتانية أبو عبد الرحمن الكوفى ثقة ثبت عابد من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين أو بعدها. أقول: أي بعد المائة. وقال السيوطي في اللباب 3: 304: اليامى بفتح الياء وبعد الالف ميم، هذه النسبة إلى يام بن اصبى بن رافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان، بطن من همدان: ينسب إليه كثير، منهم أبو عبد الرحمن زبيد بن الحارث بن عبد الكريم اليامى الكوفى. رواه عنه الثوري.
[ 206 ]
فضربته وتركته (1) متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي (2)
وعففت (3) عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي (4) وروى عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري قال: إن علينا عليه السلام لما قتل عمرو بن عبد ود حمل رأسه فألقاه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأس علي عليه السلام. وروي عن أبي بكر بن عياش أنه قال: ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أعز منها. - يعني ضربة عمرو بن عبد ود - وضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أشام منها - يعني ضربة ابن ملجم عليه لعائن الله. قال ابن إسحاق: ورمى حيان بن قيس بن العرقة (5) سعد بن معاذ بسهم
(1) في السيرة ومستدرك الحاكم: فصدرت حين تركته متجدلا. (2) متجدلا أي لاصقا واقعا على الجدالة أي الارض والجذع: جذع النخلة. والدكادك جمع دكداك: الرمل اللين والروابى جمع الرابية: ما ارتفع وعلا وأشرف من الارض. (3) وغفلت خ ل. (4) المقطر اسم مفعول من قولهم: قطرت الفارس: إذا القيته على أحد قطريه أي جنبيه. بزنى أي سلبني وغلبني عليها، أي قتلته ولم افكر في سلبه، ولو كان هو الذى قتلني لا خذ اثوابي وزاد ابن هشام في السيرة: لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب وزاد الحاكم في المستدرك في اول الابيات، أعلى يقتحم الفوارس هكذا * عنى وعنهم اخروا اصحابي اليوم يمنعنى الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بنابى الا ابن عبد حين شد إليه * وحلفت فاستمعوا من الكتاب انى لا صدق من يهلل بالتقى * رجلان يضربان كل ضراب وذكر البيت الاول في المتن في آخر الابيات هكذا:
عبد الحجارة من سفاهة عقله * وعبدت رب محمد بصواب وسيأتى قريبا ما يتعلق بالابيات. (5) العرفة خ ل أقول: في السيرة والامتاع: حبان - بالباء - بن قيس بن العرقة - بالقاف - احد بنى عامر بن لؤى.
[ 207 ]
وقال: خذها وأنا ابن العرقة (1)، فقطع أكحله، فقال سعد: عرق (2) الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. قال: وجاء نعيم بن مسعود الاشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت ولم يعلم بي أحد من قومي، فمرني بأمرك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإنما الحرب خدعة " فانطلق نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة فقال لهم: إني لكم صديق، والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة إن البلد بلدكم وبه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وانما قريش وغطفان بلادهم غيرها، وإنما جاؤا حتى نزلوا معكم، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن رأوا غير ذلك رجعوا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل، ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم تستوثقون به أن لا يبرحوا حتى يناجزوا محمدا، فقالوا له: قد أشرت برأي، ثم ذهب فأتى أبا سفيان وأشراف قريش، فقال: يا معشر قريش إنكم قد عرفتم ودي إياكم و فراقي محمدا ودينه، وإني قد جئتكم بنصيحة فاكتموا علي، فقالوا: نفعل ما أنت عندنا بمتهم، فقال: تعلمون أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، فبعثوا إليه أنه لا يرضيك عنا إلا أن نأخذ من القوم رهنا من أشرافهم
وندفعهم إليك فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك عليهم حتى نخرجهم من بلادك فقال: بلى، فإن بعثوا إليكم يسألونكم نفرا من رجالكم فلا تعطوهم رجلا واحدا، واحذروا، ثم جاء غطفان فقال: يا معشر غطفان إنى رجل منكم، ثم
(1) العرفة خ ل. تقدم ان الصحيح: العرقة. (2) عرف خ ل. أقول: في الامتاع والسيرة: عرق الله. لكن في الامتاع: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: عرق الله وجهه في النار.
[ 208 ]
قال لهم ما قال لقريش، فلما أصبح أبو سفيان وذلك يوم السبت في شوال سنة خمس من الهجرة، بعث إليهم أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش إن أبا سفيان يقول لكم: يا معشر اليهود إن الكراع والخف قد هلكتا، وإنا لسنا بدار مقام فاخرجوا إلى محمد حتى نناجزه (1) فبعثوا إليه إن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، ولسنا مع ذلك بالذي (2) نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم نستوثق بهم لا تذهبوا وتدعونا حتى نناجز محمدا، فقال أبو سفيان: قد حذرنا والله هذا نعيم فبعث إليهم أبو سفيان إنا لا نعطيكم رجلا واحدا، فإن شئتم أن تخرجوا وتقاتلوا، وإن شئتم فاقعدوا، فقالت اليهود: هذا والله الذي قال لنا نعيم، فبعثوا إليهم أنا والله لا نقاتل حتى تعطونا رهنا و (3) خذل الله بينهم وبعث (4) سبحانه عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد حتى انصرفوا راجعين. قال محمد بن كعب: قال حذيفة اليماني (5): والله لقد رأينا يوم الخندق وبنا من الجهد والجوع والخوف ما لا يعلمه إلا الله، وقام رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى (6) ما شاء الله من الليل، ثم قال ": ألا رجل يأتينا بخبر القوم يجعله الله رفيقي في الجنة " ؟ قال حذيفة: فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الخوف والجهد والجوع، فلما لم يقم أحد دعاني فلم أجد بدا من إجابته، قلت: لبيك، قال: " اذهب فجئني بخبر
القوم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع " قال: وأتيت القوم فإذا ريح الله وجنوده يفعل بهم ما يفعل ما يستمسك لهم بناء ولا يثبت لهم نار، ولا يطمئن لهم قدر، فإني لكذلك إذ خرج أبو سفيان من رحله، ثم قال: يا معشر (7) قريش لينظر أحدكم
(1) حتى تناجزوه خ ل. (2) في المصدر: بالذين. (3) وقيل: خذل الله خ ل. (4) وبعث الله خ ل. (5) في المصدر والسيرة: حذيفة بن اليمان وهو الصحيح كما قدمناه. (6) يصلى خ ل. (7) يا معاشر خ ل.بحار الانوار - 13 -
[ 209 ]
من جليسه، قال حذيفة: فبدأت بالذي عن يميني فقلت: من أنت ؟ قال: أنا فلان، قال: ثم (1) عاد أبو سفيان براحلته فقال: يا معشر (2) قريش والله ما أنتم بدار مقام، هلك الخف والحافر، وأخلفتنا بنو قريظة، وهذه الريح لا يستمسك لنا معها شئ. ثم عجل فركب راحلته، وإنها لمعقولة ما حل عقالها إلا بعد ما ركبها، قال: قلت في نفسي: لو رميت عدو الله فقتلته كنت قد صنعت شيئا فوترت قوسي، ثم وضعت السهم في كبد القوس وأنا اريد أن أرميه فأقتله فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تحدثن شيئا حتى ترجع " قال: فحططت (3) القوس ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي، فلما سمع حسي فرج بين رجليه فدخلت تحته و أرسل علي طائفة من مرطه (4)، فركع وسجد، ثم قال: ما الخبر ؟ فأخبرته. وروى الحافظ بالاسناد عن عبد الله ابن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله
على الاحزاب فقال: " اللهم أنت منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الاحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم ". وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: لا إله إلا الله وحده (5)، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب (6) الاحزاب وحده، فلا شئ بعده. وعن سلمان بن صرد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله حين اجلي عنه الاحزاب: " الآن نغزوهم ولا يغزونا " (7) فكان كما قال صلى الله عليه وآله فلم يغزهم قريش بعد ذلك وكان هو يغزوهم حتى فتح الله عليهم مكة (8).
(1) فدعا خ ل. (2) يا معاشر خ ل. (3) فحفظت خ ل. (4) المرط: الكساء. (5) في المصدر: وحده وحده. وفى صحيح البخاري مثل المتن. (6) وهزم خ ل. (7) روى البخاري الاحاديث الثلاثة في صحيحه 5: 141 و 142. (8) مجمع البيان 8: 340 - 345.
[ 210 ]
ثم قال في غزوة بني قريظة: روى الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: لما انصرف النبي صلى الله عليه وآله مع المسلمين عن الخندق و وضع عنه اللامة واغتسل واستحم تبدى (1) له جبرئيل فقال: عذيرك من محارب (2)، ألا أراك قد وضعت عنك اللامة، وما ضعناها بعد، فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله فزعا، فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر حتى يأتوا قريظة. فلبس الناس السلاح فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس واختصم الناس، فقال بعضهم: إن رسول الله
صلى الله عليه وآله عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي قريظة، وإنما نحن في عزمة رسول الله صلى الله عليه وآله فليس علينا إثم، وصلى طائفة من الناس احتسابا، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلوها حين جاؤا من بني قريظة احتسابا فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وآله واحدا من الفريقين. وذكر عروة أنه بعث على بن أبي طالب عليه السلام على المفدم، ودفع إليه اللواء، وأمره أن ينطلق حتى يقف بهم على حصن بني قريظة، ففعل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله على آثارهم فمر على مجلس من أنصار في بني غنم ينتظرون رسول - الله صلى الله عليه وآله، فزعموا أنه قال: مر بكم الفارس آنفا ؟ فقالوا: مر بنا دحيه الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس ذلك بدحية، ولكنه جبرئيل عليه السلام أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، ويقذف في قلوبهم الرعب، قالوا: وسار علي عليه السلام حتى إذا دنا من الحصن سمع منهم مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وآله، فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وآله بالطريق: فقال: يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الاخابث، قال: أظنك سمعت لي منهم أذى، فقال: نعم يا رسول الله، فقال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وآله من حصنهم قال: " يا إخوة القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته " ؟ فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله خمسا وعشرين ليلة حتى
(1) أي ظهر. (2) أي من يعذرك منه أي يلومه ولا يلومك.
[ 211 ]
أجهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت قريش وغطفان، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله غير منصرف عنهم حتى يناجز (1)، قال كعب بن أسد: يا معشر اليهود قد نزل بكم
من الامر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخيروا (2) أيها شئتم، قالوا: ما هن ؟ قال: نبايع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، و أنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم، فقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم علي هذا فهلموا فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك لم نترك وراءنا نسلا يهمنا (3)، و إن نظهر لنجدن النساء والابناء، فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين ؟ فلا خير في العيش بعدهم، قال: فإذا أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها (4)، فانزلوا فلعلنا نصيب منهم غرة، فقالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيها ما أحدث من كان قبلنا فأصابهم ما قد علمت من المسخ، فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما. قال الزهري: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين سألوه أن يحكم فيهم رجلا: اختاروا من شئتم من أصحابي، فاختاروا سعد بن معاذ، فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بسلاحهم: فجعل في قبة (5) وامر بهم فكتفوا وأوثقوا وجعلوا في دار أسامة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى سعد
(1) في المصدر: حتى يناجزهم. (2) فخذوا خ ل فخبروا خ ل أقول: في المصدر: فخذوا. (3) في المصدر: فان نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا يهمنا. أقول: ذكره كذلك ابن هشام في السيرة الا أنه قال: نخشى عليه. مكان يهمنا. (4) في السيرة: قد امنونا فيها. (5) في المصدر: في قبته.
[ 212 ]
ابن معاذ فجئ به، فحكم فيهم بأن يقتل مقاتليهم، ويسبي ذراريهم ونسائهم ويغنم أموالهم، وإن عقارهم للمهاجرين دون الانصار، وقال للانصار: إنكم ذووا عقار وليس للمهاجرين عقار، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله عزوجل. وفي بعض الروايات: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. وأرقعة جمع رقيع: اسم سماء الدنيا. فقتل رسول الله صلى الله عليه وآله مقاتليهم، وكانوا فيما زعموا ستمائة مقاتل، وقيل: قتل منهم أربعة مائة وخمسين رجلا، وسبى سبعمائة وخمسين. وروي أنهم قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إرسالا يا كعب ما ترى يصنع بنا ؟ فقال كعب: أفي كل موطن تقولون (1) ألا ترون أن الداعي لا ينزع، ومن يذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل. وأتي بحيي بن أخطب عدو الله عليه حلة فاختية (2) قد سفقها عليه (3) من كل ناحية كموضع الانملة لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما بصر برسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أما والله ما لمت نفسي على عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم قال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب الله وقدره [ و ] ملحمة كتبت على بني إسرائيل (4)، ثم جلس فضرب عنقه، ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وآله نساءهم وأبناهم على المسلمين، وبعث سبايا منهم إلى نجد مع سعد بن زيد الانصاري فابتاع بهم خيلا وسلاحا. قال: فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، فرجعه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد.
(1) في السيرة: افي كل موطن لا تعقلون ؟ (2) في السيرة: فقاحية. بضم الفاء وتشديد القاف، أي تضرب إلى الحمرة، نسبة إلى
الفقاح، وهو الزهر إذا انشقت اكمته وتفتقت براعيمه. (3) في المصدر والسيرة: قد شقها عليه. (4) في السيرة: كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بنى اسرائيل.
[ 213 ]
وروي عن جابر قال: جاء جبرئيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات فتحت له أبواب السماء وتحرك (1) له العرش ؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا سعد بن معاذ قد قبض (2). بيان: الكدية بالضم: قطعة غليظة صلبة لا تعمل فيها الفأس (3). ذكره الجزري، وفي بعض النسخ كذانة بفتح الكاف والذال المعجمة والنون، قال الجزري: الكذان: حجارة رخوة إلى البياض، وقال: في حديث المغيرة فإذا أنا معصوب الصدر كان من عادتهم إذا جاع أحدهم أن يشد جوفه بعصابة، وربما جعل تحته حجرا، وقال: فعادت كثيبا أهيل أي رملا سائلا. وفي القاموس: ثرد الخبز: فته، وقال: حم له ذلك: قدر، وحم حمه: قصد قصده، وارتحال البعير: عجله، والله له كذا: قضاه له، كأحمه، واحتم: دنا وحضر، والامر فلانا: أهمه كحمه. وفي المصباح: حم الشئ كضرب. قرب ودنا، وأحمه غيره انتهى. وأقول: الاظهر عندي أنه كان يخمر في الموضعين فصحف، أي كان يستر القدر والتنور بثوب لئلا يطلع الناس على ما فيهما، وكيف يبارك الله عليهما، و كان هذا دأبه صلى الله عليه وآله في سائر ما ظهرت فيه هذه المعجزة، ويؤيده أن في روايات العامة (4) فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة (5) والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه. والآطام جمع اطم بالضم: وهو البناء المرتفع الاعلى. جشيشه في أكثر النسخ
(1) واهتز خ ل. (2) مجمع البيان 8: 351 و 352. (3) الفاس: الذى يشق به الحطب وغيره. (4) ذكرناه في ذيل الخبر. (5) البرمة: القدر من الحجارة.
[ 214 ]
بالجيم المفتوحة والشين المكسورة، وهي أن تطحن الحنطة طحنا جليلا ثم تجعل في القدور، ويلقى عليها لحم أو تمر وتطبخ ذكره الجزري. وفي بعضها بالخاء المعجمة وهو كزبير: الغزال الصغير وأحفظه: حمله على الحفيظة وهي الحمية والغضب. وطمى الماء: ارتفع. والجهام بالفتح: السحاب لا ماء فيه. قوله: يفتل منه، قال الجزري (1) جعل فتل وبرذروه البعير وغاربه مثلا لازالته عن رأيه، كما يفعل بالجمل النفور إذا اريد تأنيسه وإزالة نفاره، والغارب: مقدم السنام، والذروة: أعلاه. وفي القاموس: لحن له: قال قولا يفهمه عنه، ويخفى على غيره. وقال: الفت الدق والكسر بالاصابع، وفت في ساعدة: أضعفه. وقال: الرجيع: ماء لهذيل على سبعة أميال من الهدة (2) وبه غدر بمرثد بن أبي مرثد وسريته لما بعثها صلى الله عليه وآله مع رهط عضل والقارة فغدروا بهم انتهى. ويليل بفتح اليائين وسكون اللام: وادي بينبع. والطفرة: الوثبة في ارتفاع. وفي القاموس: جزع الارض والوادي كمنع: قطعه، وقال: مراق البطن مارق منه ولان.
وفي النهاية: فيه: الحرب خدعة، يروى بفتح الخاء وضمها وسكون الدال وبضمها مع فتح الدال، فالاول معناه أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع، أي أن المقاتل إذ خدع مرة واحدة لم يكن لها إقالة، وهو أفصح الروايات وأصحها، ومعنى الثاني هو الاسم من الخداع، ومعنى الثالث أن الحرب تخدع
(1) في النهاية 2: 47: وحديث زبير: سأل عائشة الخروج إلى البصرة فابت عليه، فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى اجابته. جعل فتل وبراه. (2) الهدة: عين بين طائف ومكة.
[ 215 ]
الرجال وتمنيهم ولا تفى لهم، كما يقال: فلان رجل لعبة وضحكة، للذي يكثر اللعب والضحك انتهى. والكراع كغراب: اسم لجمع الخيل. 1 - كنز - الكراجكي: عن أسد بن إبراهيم السلمي، عن عمر بن علي العتكي عن محمد بن صفوة، عن الحسن بن علي العلوي، عن أحمد بن العلا، عن صباح بن يحيى، عن خالد بن يزيد، عن أبي جعفر الباقر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الاحزاب: اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة ابن عبد المطلب يوم احد، وهذا أخي علي بن أبي طالب، رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (1). 2 - أقول: وروى الكراجكي رحمه الله قصة قتل عمرو نحوا مما مر، و ذكر أنه قال النبي صلى الله عليه وآله ثلاث مرات: " أيكم يبرز إلى عمرو وأضمن له على الله الجنة " ؟ وفي كل مرة كان يقوم علي عليه السلام، والقوم ناكسوا رؤسهم، فاستدناه وعممه بيده، فلما برز قال صلى الله عليه وآله: " برز الايمان كله إلى الشرك كله " وكان عمرو يقول:
ولقد بححت من النداء * بجمعهم (2) هل من مبارز (3) إلى قوله: إن الشجاعة في الفتى والجود * من كرم الغرائز إلى قوله: فما كان أسرع أن صرعه (4) أمير المؤمنين عليه السلام وجلس على صدره، فلما هم أن يذبحه وهو يكبر الله ويمجده قال له عمرو: يا علي قد جلست
(1) كنز الفوائد: 136 و 137. (2) في المصدر: بجمعكم وهو الصحيح كما تقدم. (3) في المصدر: ووقفت إذ جبن الشجاع (المشجع خ ل) * موقف الخصم المناجز انى كذلك لم أزل * متسرعا نحو الهزاهز (4) في المصدر: ثم جادله فما كان باسرع من ان صرعه.
[ 216 ]
مني مجلسا عظيما، فإذا قتلتني فلا تسلبني حلتي، فقال عليه السلام: هي أهون علي من ذلك، وذبحه وأتى برأسه وهو يخطر (1) في مشيته، فقال عمر: الا ترى يا رسول الله إلى علي كيف يمشي (2) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنها لمشية لا يمقتها الله في هذا المقام " فتلقاه ومسح الغبار عن عينيه، وقال: " لو وزن اليوم عملك بعمل جميع أمة محمد لرجح عملك على عملهم، وذاك أنه لم يبق بيت من المشركين إلا وقد دخله ذل بقتل عمرو، ولم يبق بيت من المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو (3) " ولما قتل علي عليه السلام عمروا سمع مناديا ينادي ولا يرى شخصه: قتل علي عمروا * قصم علي ظهرا أبرم علي أمرا ووقعت الجفلة (4) بالمشركين فانهزموا أجمعين، وتفرقت الاحزاب خائفين مرعوبين (5). 3 - فس: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا
عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم " الآية. فإنها نزلت في قصة الاحزاب من قريش، والعرب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: وذلك أن قريشا قد تجمعت في سنة خمس من الهجرة، و
(1) في المصدر: وهو يتبختر. (2) ": كيف يتبختر (يتيه خ ل) في مشيته ؟ (3) زاد في المصدر هنا، فأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام: نصر (عبد خ ل) الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب وضربته وتركته متجدلا * كالنسر فوق دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أننى * كنت المقطر بزنى اثوابي. لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب (4) الجفلة: الهرب والهزيمة. (5) كنز الفوائد: 137 و 138.
[ 217 ]
ساروا في العرب وجلبوا واستنفروهم (1) لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله فوافوا في عشرة آلاف ومعهم كنانة وسليم وفزارة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله حين أجلا بني النضير وهم بطن من اليهود من المدينة، وكان رئيسهم حيي بن أخطب، وهم يهود من بني هارون عليه السلام، فلما أجلاهم من المدينة صاروا إلى خيبر وخرج حيي بن أخطب (2) إلى قريش بمكة (3) وقال لهم: إن محمدا قد وتركم ووترنا وأجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا، وأجلا بني عمنا بني قينقاع، فسيروا في الارض، وأجمعوا حلفاءكم وغيرهم حتى نسير إليهم فإنه قد بقي من قومي بيثرب سبعمائة مقاتل وهم بنو قريظة، وبينهم وبين محمد عهد وميثاق، وأنا أحملهم على نقض العهد بينهم وبين محمد، ويكونون معنا عليهم
فتأتونه أنتم من فوق، وهم من أسفل، وكان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين، وهو الموضع الذي يسمى ببئر بني المطلب، فلم يزل يسير معهم حيي بن أخطب في قبائل العرب حتى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش وكنانة والاقرع بن حابس في قومه وعباس بن مرداس في بني سليم (4)، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله،
(1) واستنفزوهم خ ل. (2) وهم خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (3) ذكر في السيرة وغيره انه خرج مع سلام بن ابى الحقيق النضرى وكنانة بن ابى الحقيق وهوذة بن قيس الوائلي وابى عمار الوائلي في نفر من بنى النضير ونفر من بنى وائل. (4) في الامتاع: في الامتاع. وخرجت يهود إلى غطفان، وجعلت لهم ثمر خيبر سنة ان هم نصروهم، وتجهزت قريش: واتت يهود بنى سليم فوعدوهم السير معهم، ولم يكن احد اسرع إلى ذلك من عيينة بن حصن الفزارى، وخرجت قريش ومن تبعها من احابيشها في أربعة الاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، حمله عثمان بن طلحة بن ابي طلحة: وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وكان معهم الف بعير وخمسمائة بعير، ولاقتهم سليم بمر الظهران في سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس ابو الاعور السلمى الذى كان مع معاوية بن ابى سفيان بصفين، وكان أبو سفيان بن حرب قائد قريش، وخرجت بنو أسد وقائدها طليحة بن خويلد الاسدي، وخرجت بنو فزارة في الف يقودهم عيينة بن حصن، وخرجت أشجع في أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة: وخرجت بنو مرة في أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف بن ابى حارثة، وقيل: لم يحضر بنو مرة، وكانوا جميعا عشرة آلاف، [ واقبلت
[ 218 ]
واستشار أصحابه وكانوا سبعمائة رجل (1) فقال سلمان: يا رسول الله إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة، قال: فما نصنع ؟ قال: نحفر خندقا يكون بيننا (2) و بينهم حجابا، فيمكنك منعهم (3) في المطاولة، ولا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه، فإنا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم (4) من عدونا نحفر الخنادق
فيكون الحرب من مواضع معروفة، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أشار بصواب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بمسحه (5) من ناحية احد إلى راتج، وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوم (6) من المهاجرين والانصار يحفرونه فأمر فحملت المساحي والمعاول، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، وأمير المؤمنين عليه السلام ينقل التراب من الحفرة، حتى عرق رسول الله صلى الله عليه وآله وعي (7) وقال: " لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم اغفر للانصار والمهاجرين " فلما نظر الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يحفر اجتهدوا في الحفر ونقلوا التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر. وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد الفتح، فبينا المهاجرون
قريش في احابيشها ومن تبعها من بنى كنانة ] حتى نزلت وادى العقيق، ونزلت غطفان بجانب احد ومعها ثلاثمائة فرس، فسرحت قريش ركابها في عضاه وادى العقيق، ولم تجد لخيلها هناك شيئا الا ما حملت من علفها، وهو الذرة، وسرحت غطفان ابلها إلى الغابة في اثلها وطرفائها وكان الناس قد حصدو ازرعهم قبل ذلك بشهر، وادخلوا حصادهم واتبانهم، وكادت خيل غطفان وابلها تهلك من الهزال، وكانت المدينة إذ ذاك جديبة. (1) في الامتاع: وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، وزعم بن اسحاق انه انما كان في سبعمائة، وهذا غلط، وقال ابن حزم: وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يعنى في الخندق في ثلاثة الاف، وقد قيل: في تسعمائة فقط، وهو الصحيح الذى لا شك فيه، والاول وهم. (2) بينك خ ل. (3) في المصدر: معهم. (4) دهماء خ ل (5) بحفرة خ ل. (6) قوما خ ل. (7) عيى خ ل. (*)
[ 219 ]
والانصار يحفرون إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه، فبعثوا جابر بن عبد الله الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يعلمه ذلك، قال جابر: فجئت إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وآله مستلقى على قفاه، ورداؤه تحت رأسه، وقد شد على بطنه حجرا، فقلت: يا رسول الله إنه قد عرض لنا جبل لا تعمل (1) المعاول فيه، فقام مسرعا حتى جاؤه، ثم دعا بماء في إناء وغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه، ثم شرب و مج ذلك الماء في فيه ثم صبه على ذلك الحجر، ثم أخذ معولا فضرب ضربة، فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور الشام، ثم ضرب اخرى فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور المدائن، ثم ضرب اخرى قبرقت برقة (2) فنظرنا فيها إلى قصور اليمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إنه سيفتح الله عليكم هذه المواطن التي برقت فيها البرق (3)، ثم انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل. فقال جابر: فعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله مقوى أي جائع لما رأيت على بطنه الحجر، فقلت: يا رسول الله هل لك في الغداء (4) ؟ قال: ما عندك يا جابر ؟ فقلت: عناق وصاع من شعير، فقال: تقدم وأصلح ما عندك، قال جابر: فجئت إلى أهلي فأمرتها فطحنت الشعير وذبحت العنز وسلختها، وأمرتها أن تخبز وتطبخ وتشوي فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت بأبي وامي أنت يا رسول الله قد فرغنا فاحضر مع من أحببت، فقام (5) صلى الله عليه وآله إلى شفير الخندق ثم قال: يا معشر (6) المهاجرين والانصار اجيبوا جابرا، وكان في الخندق سبعمائة رجل، فخرجوا كلهم ثم لم يمر بأحد من المهاجرين والانصار إلا قال: اجيبوا جابرا،
(1) لم تعمل خ ل. (2) برقة اخرى. (3) في المصدر: البرقة.
(4) من الغداء. (5) رسول الله خ ل. (6) يا معاشر خ ل.
[ 220 ]
قال جابر: فتقدمت وقلت لاهلي: قد والله أتاك (1) رسول الله صلى الله عليه وآله بما لا قبل لك به، فقالت: أعلمته أنت ما عندنا (2) ؟ قال: نعم. قالت: هو أعلم بما أتى، قال جابر: فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فنظر في القدر ثم قال: اغرفي وأبقي، ثم نظر في التنور، ثم قال: أخرجي وأبقي، ثم دعا بصحفة فثرد فيها وغرف، فقال: يا جابر ادخل علي عشرة، فأدخلت عشرة، فأكلوا حتى نهلوا، وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذارع، فأتيته بالذراع فأكلوه، ثم قال: أدخل علي عشرة فدخلوا فأكلوا حتى نهلوا (3) وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذراع فأتيته فأكلوا وخرجوا، ثم قال: أدخل علي عشرة، فأدخلتهم فأكلوا حتى نهلوا وما يرى (4) في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر علي بالذراع فأتيته بالذراع، فقلت: يا رسول الله كم للشاة من ذراع (5) ؟ قال: ذراعان، فقلت: والذى بعثك بالحق نبيا لقد أتيتك بثلاثة، فقال: أما لو سكت يا جابر لاكلوا (6) كلهم من الذراع، قال جابر: فأقبلت ادخل (7) عشرة عشرة، فيأكلون حتى أكلوا كلهم: وبقي والله لنا من ذلك الطعام ما عشنا به أياما. قال: وحفر رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق وجعل له ثمانية أبواب، وجعل على كل باب رجلا من المهاجرين ورجلا من الانصار مع جماعة يحفظونه، وقدمت قريش وكنانة وسليم وهلال فنزلوا الزغابة، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من حفر
(1) محمد خ ل.
(2) بما عندنا خ ل. (3) فادخلتهم حتى أكلوا ونهلوا خ ل. (4) ولم ير خ ل. (5) من الذراع خ ل. (6) لاكل الناس خ ل. (7) في المصدر: ادخلت.
[ 221 ]
الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، وأقبلت قريش ومعهم حيي بن أخطب، فلما نزلوا العقيق جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في جوف الليل وكانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فدق باب الحصن، فسمع كعب بن أسيد (1) قرع الباب، فقال لاهله: هذا أخوك قد شأم قومه، وجاء الآن يشأ منا ويهلكنا ويأمرنا بنقض العهد بيننا وبين محمد (2) وقد وفى لنا محمد (3) وأحسن جوارنا، فنزل إليه من غرفته فقال له: من أنت ؟ قال: حيي بن أخطب قد جئتك بعز الدهر، فقال كعب: بل جئتني بذل الدهر، فقال: يا كعب هذه قريش قي قادتها وسادتها قد نزلت بالعقيق مع حلفائهم من كنانة (4)، وهذه فزارة مع قادتها وسادتها قد نزلت الزغابة، وهذه سليم وغيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان، ولا يفلت (5) محمد وأصحابه من هذا الجمع أبدا، فافتح الباب وانقض العهد بينك وبين محمد، فقال كعب: لست بفاتح لك الباب، ارجع من حيث جئت، فقال حيي: ما يمنعك من فتح الباب إلا جشيشتك (6) التي في التنور تخاف أن اشركك (7) فيها، فافتح فإنك آمن من ذلك، فقال له كعب: لعنك الله لقد دخلت على من باب دقيق، ثم قال: افتحوا له الباب ففتحوا (8) له، فقال: ويلك يا كعب انقض العهد بينك و بين محمد، ولا ترد رأيي فإن محمدا لا يفلت من هذا الجمع أبدا، فإن فاتك هذا الوقت
لا تدرك (9) مثله أبدا، قال: واجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود مثل * (هامش) (1) في المصدر والسيرة والامتاع: كعب بن أسد. (2 و 3) رسول الله خ ل. (4) في المصدر: وكنانة. (5) أي لا يخلص. (6) خشيشتك خ ل. (7) اشاركك خ ل. (8) ففتح خ ل. أقول: في المصدر: ففتحوا له الباب. (9) لم تدرك خ ل.
[ 222 ]
غزال بن شمول (1)، وياسر بن قيس (2)، ورفاعة بن زيد (3) والزبير بن باطا (4)، فقال لهم كعب: ما ترون ؟ قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا وصاحب عهدنا وعقدنا، فإن نقضت نقضنا معك، وإن أقمت أقمنا معك، وإن خرجت خرجنا معك، قال الزبير بن باطا (5)، وكان شيخا كبيرا مجربا قد ذهب بصره: قد قرأت التوراة التي أنزلها الله في سفرنا بأنه " يبعث نبيا (6) في آخر الزمان يكون مخرجه بمكة، ومهاجره (7) في هذه البحيرة، يركب الحمار العري، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسيرات (8) والتميرات، وهو الضحوك القتال، في عينيه الحمرة (9)، وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر " فإن كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء وجمعهم، ولو ناوى (10) على هذه الجبال الرواسي لغلبها، فقال حيي: ليس هذا ذاك. ذلك النبي من بني إسرائيل، وهذا من العرب من ولد إسماعيل، ولا يكونوا بني إسرائيل (11) أتباعا لولد إسماعيل أبدا، لان الله قد فضلهم على الناس جميعا، وجعل منهم (12) النبوة
والملك، وقد عهد إلينا موسى أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، * (هامش) (1) في السيرة والامتاع: عزال بن سموال. (2) وبناشر بن قيس خ ل. أقول: في الامتاع: نباش بن قيس. (3) في الامتاع: وعقبة بن زيد. (4 و 5) الزهير بن ناطا خ ل. أقول: ذكره الامتاع مثل المتن. (6) نبى خ ل. (7) إلى المدينة خ ل. أقول: في المصدر: ومهاجرته في هذه البحيرة. (8) بالكسر خ ل. (9) حمرة خ ل. (10) ولو ناوته هذه خ ل. (11) ولا يكونون بنو اسرائيل خ ل. أقول: لعل الصحيح: (ولا يكون بنو اسرائيل) فوقع الوهم من النساخ. (12) في المصدر: وجعل فيهم.
[ 223 ]
وليس مع محمد آية، وإنما جمعهم جمعا وسحرهم ويريد أن يغلبهم بذلك فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتى أجابوه، فقال لهم: أخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد فأخرجوه، فأخذه حيي بن أخطب ومزقه، وقال: قد وقع الامر فتجهزوا و تهيأوا للقتال، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فغمه غما شديدا، وفزع أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسعد بن معاذ واسيد بن حصين (1) وكانا من الاوس، وكانت بنو قريظة حلفاء الاوس: ائتيا بني قريظة فانظروا ما صنعوا، فإن كانوا نقضوا العهد فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إلي وقولا: عضل والقارة، فجاء سعد بن معاذ واسيد بن حصين (2) إلى باب الحصن فأشرف عليهما كعب من الحصن فشتم سعدا وشتم
رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له سعد: إنما أنت ثلعب في حجر، لتولين قريش وليحاصرنك رسول الله صلى الله عليه وآله: ولينزلنك (3) على الصغر والقمأ (4)، وليضربن عنقك، ثم رجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالا له: عضل والقارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لعنا، نحن أمرناهم بذلك " وذلك أنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله عيون لقريش يتجسسون خبره، وكانت عضل والقارة قبيلتان من العرب دخلا في الاسلام ثم غدرا، وكان إذا غدر أحد ضرب بهما المثل، فيقال: عضل والقارة. ورجع حيي بن أخطب إلى أبي سفيان وقريش فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله، ففرحت قريش بذلك، فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الاشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، فقال: يا رسول الله قد آمنت بالله وصدقتك وكتمت إيماني عن الكفرة، فإن أمرتني أن آتيك بنفسي وأنصرك بنفسي فعلت، وإن أمرت أن اخذل بين
(1 و 2) حضير خ ل. أقول: في المصدر: (حصين) والظاهر انه مصحف، وقد صرح المقريزى في الامتاع بانه اسيد بن حضير، على أنه لم نعرف في الصحابة من يكون اسمه اسيد بن حصين. وذكر ابن هشام مكان اسيد بن حضير سعد بن عبادة. (3) ثم لينزلنك خ ل. (4) القما: الذل.
[ 224 ]
اليهود وبين قريش فعلت حتى لا يخرجوا من حصنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: خذل (1) بين اليهود وبين قريش، فأنه أوقع عندي، قال: فتأذن لي أن أقول فيك: ما اريد ؟ قال: قل ما بدالك، فجاء إلى أبي سفيان فقال له: تعرف مودتي لكم ونصحي ومحبتي ان ينصركم الله على عدوكم، وقد بلغني أن محمدا قد وافق اليهود أن يدخلوا بين عسكركم ويميلوا عليكم، ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يرد
عليهم جناحهم الذي قطعه بني النضير وقينقاع، فلا أرى أن تدعوهم يدخلوا عسكركم (2) حتى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا بهم إلى مكة، فتأمنوا مكرهم و غدرهم، فقال له أبو سفيان: وفقك الله وأحسن جزاءك، مثلك أهدى (3) النصائح، ولم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم ولا أحد من اليهود، ثم جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة فقال له: يا كعب تعلم مودتي لكم، وقد بلغني أن أبا سفيان قال: نخرج هؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمد، فإن ظفروا كان الذكر لنا (4)، وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب، فلا أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمد وبينكم، لانه إن ولت قريش ولم يظفروا بمحمد غزاكم محمد فيقتلكم (5)، فقالوا: أحسنت وأبلغت في النصيحة، لا نخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا. وأقبلت قريش فلما نظروا إلى الخندق قالوا: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك، فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسي الذي معه (6)، فوافى عمرو بن
(1) في المصدر: اخذل. (2) في عسكركم خ ل. (3) من أهدى خ ل. (4) لنادونهم خ ل. (5) فقتلكم خ ل. (6) في الامتاع: وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدوا أبو سفيان بن حرب في اصحابه يوما، وخالد بن الوليد يوما، ويغدو عمرو بن العاص يوما، وهبيرة بن ابى وهب يوما، و
[ 225 ]
عبد ود وهبيرة بن وهب (1) وضرار بن الخطاب إلى الخندق، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله
قد صف أصحابه بين يديه، فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصاروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كلهم خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، وقدموا رسول الله صلى الله عليه وآله بين أيديهم، وقال رجل من المهاجرين وهو فلان لرجل بجنبه من أخوانه: أما ترى هذا الشيطان عمرو ؟ ألا والله (2) ما يفلت من يديه أحد، فهلموا ندفع إليه محمدا ليقتله، ونلحق نحن بقومنا، فأنزل الله على نبيه في ذلك الوقت: " قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا " إلى قوله: " أشحة على الخير اولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (3) " وركز عمرو بن عبد ود رمحه في الارض وأقبل يجول جولة ويرتجز ويقول: ولقد بححت من النداء * بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن الشجاع * مواقف القرن المناجز إني كذلك لم أزل * متسرعا نحو الهزاهز إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز
عكرمة بن ابى جهل يوما، وضرار بن الخطاب الفهرى يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم ويتفرقون مرة ويجتمعون مرة اخرى. ويناوشون المسلمين، ويقدمون رماتهم فيرمون، وإذا أبو سفيان في خيل يطيفون بمضيق من الخندق فرماهم المسلمون حتى رجعوا وكان عباد بن بشر الزم الناس لقبة رسول الله صلى الله عليه وآله يحرسها، وكان اسيد بن حضير يحرس في جماعة، فإذا عمرو ابن العاص في نحو المائة يريدون العبور من الخندق، فرماهم حتى ولوا، وكان المسلمون ينتاوبون الحراسة وكانوا في قر شديد وجوع، وكان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد كثيرا ما يطلبان غرة ومضيقا من الخندق يقتحمانه، فكانت للمسلمين معهما وقائع في تلك الليالى. (1) في الامتاع: وهبيرة بن أبى وهب. وزاد: وعكرمة بن أبى جهل ونوفل بن عبد الله المخزومى.
(2) في المصدر: لا والله. (3) ذكرنا موضع الايات في صدر الباب.
[ 226 ]
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لهذا الكلب ؟ فلم يجبه أحد، فوثب (1) إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أنا له يا رسول الله، فقال: يا علي هذا عمرو بن عبدود فارس يليل، قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ادن مني، فدنا منه فعممه بيده، ودفع إليه سيفه ذا الفقار، وقال له: " اذهب وقاتل بهذا (2)، اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته " فمر أمير المؤمنين عليه السلام يهرول في مشيته وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة * والصدق منجى كل فائز إني لارجو وأن أقيم * عليك نائحة الجنايز من ضربة نجلاء يبقى * صوتها (3) بعد الهزاهز (4) فقال له عمرو: من أنت ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله و ختنه، فقال: والله إن أباك كان لي صديقا ونديما (5)، وإني أكره أن أقتلك، ما أمن ابن عمك حين بعثك إلي أن أختطفك برمحي هذا، فاتركك شائلا بين السماء والارض لا حي ولا ميت ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قد علم ابن عمي أنك إن قتلتني دخلت الجنة وأنت في النار، وإن قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة، فقال عمرو: كلتاهما لك يا علي تلك إذا قسمة ضيزى (6)، فقال علي: دع هذا
(1) فقام خ ل. (2) وقال خ ل. (3) ذكرها خ ل صيتها خ ل.
(4) تقدمت الاشعار قبلا وأشرنا ما يتعلق بها. (5) قال البغدادي في المحبر: 174: وكان أبو طالب بن عبد المطلب نديما لمسافر بن أبى عمرو بن امية فمات مسافر، فنادم أبو طالب بعده عمرو بن عبدود بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، وقتل على بن أبى طالب رضى الله عنه عمرا يوم الخندق وهو يؤمئذ ابن مائة و اربعين سنة. (6) أي ناقصة جائرة.
[ 227 ]
يا عمرو، إني سمعت منك وأنت متعلق بأستار الكعبة تقول: لا يعرض علي أحد في الحرب ثلاث خصال: إلا أجبته إلى واحدة منها، وأنا اعرض عليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة، قال: هات يا علي، قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قال: نح عني هذا، قال: فالثانية (1)، أن ترجع وترد هذا الجيش عن رسول الله، فإن يك صادقا فأنتم أعلى به عينا، وإن يك كاذبا كفتكم ذؤبان (2) العرب أمره، فقال: إذا تتحدث (3) نساء قريش بذلك وينشد (4) الشعراء في أشعارها أني جبنت ورجعت على عقبي من الحرب، وخذلت قوما رأسوني عليهم، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: فالثالثة أن تنزل إلي فإنك راكب وأنا راجل حتى انابذك، فوثب عن فرسه وعرقبه (5)، وقال: هذه خصلة ما ظننت أن أحدا من العرب يسومني عليها، ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين عليه السلام بالسيف على رأسه، فاتقاه أمير المؤمنين عليه السلام بالدرقة فقطها، وثبت السيف على رأسه، فقال له علي: يا عمرو أما كفاك أني بارزتك وأنت فارس العرب حتى استعنت علي بظهير ؟ فالتفت عمرو إلى خلفه فضربه أمير المؤمنين عليه السلام مسرعا على ساقيه فأطنهما (6) جميعا، وارتفعت بينهما عجاجة، فقال المنافقون: قتل علي بن أبي طالب، ثم انكشفت العجاجة و نظروا فإذا أمير المؤمنين عليه السلام على صدره قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه، ثم أخذ
(1) فقال خ ل. (2) ذؤبان العرب: صعاليكهم ولصوصهم. (3) لا تتحدث خ ل. (4) ولا ينشد خ ل. (5) عرقبه: قطع عرقوبه. والعرقوب: عصب غليظ فوق العقب. أقول: في السيرة قال على: انك قد كنت عاهدت الله الا يدعوك رجل من قريش إلى احد خلتين الا اخذتها منه، قال له: أجل، قال له على: فانى ادعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الاسلام، قال: لا حاجة لى بذلك، قال فانى أدعوك إلى النزال، فقال له: لم يا ابن اخى ؟ فوالله لا احب ان أقتلك، قال له على: ولكني والله احب ان اقتلك: فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه. (6) فقطعها خ ل.
[ 228 ]
رأسه وأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، وسيفه يقطر منه الدم، وهو يقول والرأس بيده: أنا علي بن عبد المطلب (1) * الموت خير للفتى من الهرب فقال رسول الله: يا علي ما كرته ؟ قال: نعم يا رسول الله الحرب خديعة، و بعث رسول الله صلى الله عليه وآله الزبير إلى هبيرة فضربه على رأسه ضربة فلق هامته، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب فلما برز إليه ضرار انتزع له عمر سهما فقال ضرار: ويلك يا بن صهاك ارمي (2) في مبارزة، والله لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلا قتلته، فانهزم عنه (3) عمر، ومر نحوه ضرار و ضرب بالقناة على رأسه، ثم قال: احفظها يا عمر، فإني آليت أن لا أقتل قرشيا ما قدرت عليه، فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولى وولاه. فبقى رسول الله يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوما (4)، فقال أبو سفيان
لحيي بن أخطب: ويلك يا يهودي أين قومك ؟ فصار حيي بن أخطب إليهم فقال: ويلكم اخرجوا فقد (5) نابذتم محمدا الحرب، فلا أنتم مع محمد ولا أنتم مع قريش، فقال كعب: لسنا خارجين حتى يعطينا قريش عشرة من أشرافهم رهنا يكونون في حصننا، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يرد علينا محمد عهدنا وعقدنا، فإنا لا نأمن أن تمر (6) قريش ونبقى نحن في عقر دارنا، ويغزونا محمد فيقتل رجالنا ويسبي نساؤنا وذرارينا، وإن لم نخرج لعله يرد علينا عهدنا، فقال له حيي بن أخطب: تطمع في غير مطمع، فقد نابذت محمدا الحرب، فلا أنتم مع محمد، ولا أنتم مع قريش، فقال
(1) في المصدر: انا على وابن عبد المطلب، (2) اترمينى. (3) عند ذلك خ. (4) وقيل: كان مدة حصار الخندق عشرين يوما، وقيل: قريبا من الشهر. (5) في المصدر المطبوع: فقد نابذكم محمد الحرب. (6) لا نأمن من أن تمر خ ل. أقول في المصدر المطبوع: تفر مكان تمر.
[ 229 ]
كعب: هذا من شؤمك، إنما أنت طائر تطير مع قريش غدا وتتركنا في عقر دارنا ويغزونا محمد، فقال له: لك (1) الله علي وعهد موسى إنه إن لم تظفر قريش بمحمد أني أرجع معك إلى حصنك يصيبني ما يصيبك، فقال كعب: هو الذي قد قلته لك إن أعطتنا قريش رهنا يكونون عندنا، وإلا لم نخرج، فرجع حيي بن أخطب إلى قريش فأخبرهم، فلما قال يسألون الرهن، فقال أبو سفيان: هذا والله أول الغدر، قد صدق نعيم بن مسعود، لا حاجة لنا في إخوان القردة (2) والخنازير، فلما طال على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الامر واشتد عليهم الحصار وكانوا في وقت برد شديد، وأصابتهم مجاعة، وخافوا من اليهود خوفا شديدا، وتكلم المنافقون
بما حكى الله عنهم، ولم يبق أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا نافق إلا القليل، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أخبر أصحابه أن العرب تتحزب علي، ويجيؤنا من فوق، تغدر اليهود ونخافهم من أسفل، وإنه يصيبهم جهد شديد، ولكن تكون العاقبة لي عليهم، فلما جاءت قريش وغدرت اليهود قال المنافقون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، وكان قوم (3) لهم دور في أطراف المدينة (4) فقالوا: يا رسول الله تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا، فإنها في أطراف المدينة وهي عورة، ونخاف اليهود أن يغيروا
(1) لك عهد الله خ ل. (2) القرود خ ل. (3) منهم خ ل. (4) في الامتاع: وبعثت بنو حارثة بأوس بن قيظى بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثه الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون: ان بيوتنا عورة: وليس دار من دور الانصار مثل دارنا، ليس بيننا وبين غطفان احد يردهم عنا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا، فأذن لهم صلى الله عليه وآله، فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم انا والله ما أصابنا واياهم شدة قط الا صنعوا هكذا، فردهم. وقال الكلبى: وابو مليل بن الازعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة شهد بدرا، وهو الذى قال: (بيوتنا عورة) يوم الخندق. وقال ابن عبد البر: أبو مليل سليك بن الاعز.
[ 230 ]
عليها، وقال قوم: هلموا فنهرب ونصير في البادية ونستجير بالاعراب، فإن الذى كان يعدنا محمد كان باطلا كله، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل، وكان أمير المؤمنين عليه السلام على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحد من قريش نابذهم، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يجوز الخندق ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم، فلا يزال الليل كله قائم وحده يصلي، فإذا أصبح رجع
إلى مركزه، ومسجد أمير المؤمنين عليه السلام هناك معروف يأتيه من يعرفه فيصلي فيه، وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشاب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله من أصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح وهو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم، فدعا الله وناجاه فيما وعده وقال (1): " يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين (2)، ويا كاشف الكرب العظيم، أنت مولاي ووليي وولي آبائي الاولين، اكشف عنا غمنا وهمنا وكربنا، واكشف عنا كرب (3) هؤلاء القوم بقوتك وحولك وقدرتك " فنزل (4) جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله قد سمع مقالتك، وأجاب دعوتك، وأمر الدبور (5) مع الملائكة أن تهزم قريشا و الاحزاب، وبعث الله على قريش الدبور فانهزموا، وقلعت أخبيتهم، ونزل جبرئيل فأخبره بذلك، فنادى رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفة بن اليمان وكان قريبا منه فلم يجبه، ثم ناداه ثانيا فلم يجبه، ثم ناداه ثالثا (6) فقال: لبيك يا رسول الله، فقال: أدعوك فلا تجيبني ؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي من الخوف والبرد والجوع، فقال:
(1) وكان مما دعاه أن قال. (2) يا مجيب دعوة المضطرين خ ل. (3) شر خ ل. أقول: في نسختي المخطوطة من المصدر: واكشف عنا كرب شر هؤلاء القوم. (4) في المصدر: فنزل عليه جبرئيل. (5) وهى الريح خ ل. أقول: في المصدر المطبوع، وهو الريح. (6) الثالثة خ ل.
[ 231 ]
ادخل في القوم وأتني بأخبارهم، ولا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي، فإن الله قد أخبرني أنه قد أرسل الرياح على قريش وهزمهم، قال حذيفة: فمضيت وأنا أنتقض
من البرد، فوالله ما كان إلا بقدر ما جزت الخندق حتى كني في حمام، فقصدت خباء عظيما فإذا نار تخبو وتوقد، وإذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلا خصيتيه على النار، وهو ينتفض (1) من شدة البرد، ويقول: يا معشر قريش إن كنا نقاتل أهل السماء بزعم محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء، وإن كنا نقاتل أهل الارض فنقدر عليهم، ثم قال: لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين فيما بيننا، قال حذيفة: فبادرت أنا فقلت للذي عن يميني من أنت ؟ قال: أنا عمرو بن العاص، ثم قلت للذي عن يسارى: من أنت ؟ قال: أنا معاوية، وإنما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد من أنت، ثم ركب أبو سفيان راحلته وهي معقولة، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تحدث حدثا حتى ترجع إلي لقدرت أن أقتله، ثم قال أبو سفيان لخالد بن الوليد: يا با سليمان لا بد من أن اقيم أنا وأنت على ضعفاء الناس، ثم قال: ارتحلوا إنا مرتحلون، ففروا منهزمين (2)، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله قال لاصحابه: لا تبرحوا، فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله في نفر يسير، وكان ابن عرقة الكناني رمى سعد بن معاذ رحمه الله بسهم في الخندق فقطع أكحله، فنزفه الدم، فقبض سعد على أكحله بيده ثم قال: " اللهم إن كنت أبقيت من حرب (3) قريش شيئا فأبقني (4) لها فلا أحد أحب إلي محاربتهم من قوم
(1) أي يتحرك. (2) وفى الامتاع: واقام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد في مأتى فارس جريدة، ثم ذهب حذيفة إلى غطفان فوجدهم قد ارتحلوا، فاخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فلما كان السحر لحق عمرو وخالد بقريش، ولحقت كل قبيلة بمحلتها، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وآله بعد رحيل الاحزاب فاذن للمسلمين في الانصراف فلحقوا بمنازلهم. (3) من حزب قريش خ ل. (4) فابقى خ ل. (*)
[ 232 ]
حاربوا (1) الله ورسوله، وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين قريش فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة " فأمسك الدم وتورمت يده فضرب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد خيمة وكان يتعاهده بنفسه، فأنزل الله: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا " إلى قوله (2): " إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم " بني قريظة حين غدروا وخافوهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله " وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر " إلى قوله: " إن يريدون إلا فرارا " وهم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله تأذن لنا نرجع إلى منازلنا فإنها في أطراف المدينة، ونخاف اليهود عليها، فأنزل الله فيهم: " إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا " إلى قوله: " وكان ذلك على الله يسيرا " ونزلت هذه الآية في الثاني لما قال لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمدا إلى قريش ونلحق نحن بقومنا " يحسبون الاحزاب لم يذهبوا " إلى قوله: " وذكر الله كثيرا " ثم وصف الله المؤمنين المصدقين بما أخبرهم رسول الله ما يصيبهم في الخندق من الجهد فقال: " ولما رأى المؤمنون الاحزاب " إلى قوله: " وما زادهم إلا إيمانا " يعني ذلك البلاء والجهد والخوف إلا إيمانا " وتسليما ". وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " ألا يفروا أبدا " فمنهم من قضى نحبه " أي أجله، وهو حمزة وجعفر بن أبي طالب " ومنهم من ينتظر " أجله (3) يعني عليا عليه السلام، يقول الله: " وما بدلوا تبديلا * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء " الآية.
(1) في المصدر المطبوع: حادوا الله.
(2) هكذا في النسخة ومصدره: والظاهر أن قوله: (إلى قوله) زيادة من نساخ التفسير ولا يحتاج إلى ذلك، لان الايتين مترادفان، ليست بينهما آية. راجع الاحزاب: 9 و 10. (3) في المصدر: أي اجله.
[ 233 ]
وقال علي بن إبراهيم في قوله " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ": بعلي بن أبي طالب عليه السلام " وكان الله قويا عزيزا ". ونزل في بني قريظة " وأنزل (1) الذين ظاهروهم من أهل الكتاب " إلى قوله: " وكان الله على كل شئ قديرا ". فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة واللواء معقود أراد أن يغتسل من الغبار، فناداه جبرائيل: عذيرك من محارب، والله ما وضعت الملائكة لامتها، كيف (2) تضع لامتك ؟ إن الله يأمرك أن لا تصلي العصر إلا ببني قريظة، فإني متقدمك ومزلزل بهم حصنهم، إنا كنا في آثار القوم نزجرهم زجرا حتى بلغوا حمراء الاسد، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فاستقبله حارثة بن نعمان فقال له: ما الخبر يا حارثة (3) ؟ فقال: بأبي وامي (4) يا رسول الله هذا دحية الكلبي ينادي في الناس: ألا لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة، فقال: ذاك جبرئيل، ادعوا عليا، فجاء علي عليه السلام فقال له: " ناد في الناس أن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة (5) " فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فنادى فيهم فخرج الناس فبادروا إلى بني قريظة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله و علي عليه السلام بين يديه مع الراية العظمى (6) وكان حيي بن أخطب لما انهزمت قريش جاء فدخل حصن بني قريظة فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فأحاط بحصنهم، فأشرف عليهم كعب بن اسيد (7) من الحصن يشتمهم ويشتم رسول الله صلى الله عليه وآله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) وأنزل الله خ. أقول: الزيادة في هذه النسخة من التفسير. (2) في المصدر: فكيف.
(3) ما يخبرنا حارثة خ ل. أقول: الموجود في المصدر المطبوع ونسخة مخطوطة من نسختي مثل ما في المتن، وفي نسختي اخرى مثل ذلك. (4) في المصدر: بأبى أنت وامى. (5) في سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري: فامر رسول الله صلى الله عليه وآله مؤذنا فاذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر الا ببنى قريظة. وذكر في الامتاع ان المؤذن كان بلال. (6) اتفق اصحاب السير كلهم ان الراية كانت مع على عليه السلام. (7) في المصدر المطبوع: أسد. وهو الصحيح.
[ 234 ]
على حمار، فاستقبله أمير المؤمنين عليه السلام فقال: بأبي وامي (1) يا رسول الله لا تدنو من الحصن (2)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي لعلهم شتموني (3) إنهم لو رأوني (4) لاذلهم الله، ثم دنا رسول الله صلى الله عليه وآله من حصنهم فقال: " يا أخوة القردة والخنازير وعبدة الطاغوت أتشتموني إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم " فأشرف عليهم كعب ابن اسيد (5) من الحصن فقال: والله يا أبا القاسم ما كنت جهولا، فاستحيا رسول الله صلى الله عليه وآله حتى سقط الرداء من ظهره حياء مما قاله، وكان حول الحصن نخل كثير، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله بيده فتباعد عنه وتفرق في المفازة، وأنزل رسول الله صلى الله عليه وآله العسكر حول حصنهم فحصارهم (6) ثلاثة أيام فلم يطلع أحد منهم رأسه، فلما كان بعد ثلاثة أيام نزل إليه غزال بن شمول (7) فقال: يا محمد (8). تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النضير: احقن دماءنا، ونخلي لك البلاد وما فيها ولا نكتمك شيئا ؟ فقال: لا، أو تنزلون على حكمي، فرجع بقوا أياما فبكى النساء والصبيان إليهم، وجزعوا جزعا شديدا، فلما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله: فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرجال فكتفوا وكانوا سبعمائة، وأمر بالنساء
فعزلوا (9) وقامت الاوس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله حلفاؤنا وموالينا
(1) في المصدر: بابى أنت وامى. (2) في السيرة وتاريخ الطبري: لا عليك ان لا تدنو من هؤلاء الاخابث. قال: لم ؟ اظنك سمعت منهم لى اذى ؟ قال: نعم يا رسول الله: قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. (3) يشتموني خ ل. (4) رادوني. آذونى خ ل. (5) في المصدر: أسد وهو الصحيح كما قدمنا. (6) فحاصروهم خ ل. (7) في الامتاع: فنزل نباش بن قيس. أقول: ولعل غزال بن شمون مصحف عزال بن سموأل يوجد اسمه في الاسارى. (8) يا رسول الله خ ل. (9) فعزلن خ ل.
[ 235 ]
من دون الناس، نصرونا على الخزرج في المواطن كلها، وقد وهبت لعبدالله بن ابي سبعمائة دراع، وثلاثمائة حاسر في صبيحة واحدة، وليس نحن بأقل من عبد الله بن ابي فلما أكثروا على رسول الله صلى الله عليه وآله قال لهم: أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم ؟ فقالوا: بلى، فمن هو ؟ قال: سعد بن معاذ، قالوا: قد رضينا بحكمه، فأتوا به في محفة (1) واجتمعت الاوس حوله يقولون له: يا باعمرو (2) اتق الله وأحسن في حلفائك ومواليك، فقد نصرونا ببغاث (3) والحدائق والمواطن كلها، فلما أكثروا عليه قال: قد آن (4) لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فقالت (5) الاوس: واقوماه ذهب والله بنو قريظة (6) وبكى (7) النساء والصبيان إلى سعد، فلما سكتوا (8) قال لهم سعد: يا معشر اليهود أرضيتم بحكمي فيكم ؟ قالوا: بلى قد رضينا بحكمك
والله قد رجونا نصفك ومعروفك وحسن نظرك، فأعاد (9) عليهم القول، فقالوا: بلى يا باعمرو (10)، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إجلالا له فقال: ما ترى بأبي أنت
(1) المحفة: سرير يحمل عليه المريض أو المسافر. وفى السيرة: فحملوه على حمار قد وطؤا له بوسادة من ادم. (2) يا أبا عمرو خ ل. (3) هكذا في نسخة المصنف وسائر النسخ، وفى المصدر: " ببغات " وكلاهما مصحفان، والصحيح: " ببعاث " ذكره القلقشندى في نهاية الارب، وقال: كان بين الاوس والخزرج، وله ذكر في صحيح البخاري. وقال الجزرى في النهاية في " بعث ": يوم بعاث بضم الباء يوم مشهور كان فيه حرب بين الاوس والخزرج، وبعاث: اسم حصن للاوس، وبعضم يقوله بالغين المعجمة وهو تصحيف. (4) لقد آن خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر المطبوع. (5) فقال خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر المخطوط. (6) آخر الدهر خ ل. (7) وبكت خ ل. (8) فلما سكنوا خ ل. (9) فعاد خ ل أقول: هو الموجود في المصدر. (10) يا أبا عمرو خ ل.
[ 236 ]
وامي (1) ؟ فقال: احكم فيهم يا سعد، فقد رضيت بحكمك فيهم، فقال: قد حكمت يا رسول الله أن تقتل رجالهم، وتسبي نساءهم وذراريهم، وتقسم غنائمهم وأموالهم بين المهاجرين والانصار، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: حكمت (2) بحكم الله من فوق سبعة أرقعة (3)، ثم انفجر جرح سعد بن معاذ فما زال ينزفه الدم حتى مضى (4)
رحمه الله وساقوا الاسارى إلى المدينة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله باخدود، فحفرت بالبقيع، فلما أمسى أمر بإخراج رجل رجل وكان يضرب عنقه، فقال حيي بن أخطب لكعب بن اسيد (5): ما ترى يصنع (6) بهم ؟ فقال له: ما يسوءك، أما ترى الداعي لا يقلع، والذي يذهب لا يرجع ؟ فعليكم بالصبر والثبات على دينكم، فأخرج كعب بن اسيد (7) مجموعة يديه إلى عنقه وكان جميلا وسيما، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله قال (8) له: يا كعب أما نفعك وصية ابن الحواس (9) الحبر الذكي (10)
(1) يا رسول الله خ ل. اقول: يوجد ذلك في المصدر المطبوع. (2) قد حكمت خ ل. أقول: يوجد ذلك في نسختي المخطوطتين. (3) في المصدر: سبع ارقعة. وزاد ابن هشام في السيرة فقال: حدثنى بعض من اثق به من أهل العلم أن على بن أبى طالب صاح وهم محاصرو بنى قريظة: يا كتيبة الايمان، وتقدم هو و الزبير بن العوام وقال: والله لاذوقن ما ذاق حمزة أو لافتحن حصنهم، فقالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ. (4) قضى خ ل. أقول: يوجد ذلك في نسخة مخطوطة من المصدر عندي، وفى المطبوع: حتى قضى نحبه. (5) في المصدر: اسد وهو الصحيح. (6) ما يصنع محمد خ ل. أقول: في نسختي المخطوطة: ما ترى، يصنع بهم ؟ وفى السيرة: ما تراه يصنع بنا ؟ قال: أفى كل موطن لا تعقلون ؟ الا ترون الداعي لا ينزع وانه من ذهب به منكم لا يرجع ؟ (7) في المصدر: أسد. وهو الصحيح. (8) فقال خ ل. (9) هكذا في النسخة وفي المصدر المطبوع، وفى المخطوط: ابن الحواث: وتقدم في باب البشائر بمولده: " 15: 206 " عن اكمال الدين: " ابن حواش " ويأتى بعد ذلك أيضا
(10) الزكي خ ل.
[ 237 ]
الذي قدم عليكم من الشام ؟ فقال: " تركت الخمر والحمير (1)، وجئت إلى البؤس والتمور (2) لنبي يبعث، مخرجه بمكة (3) ومهاجره في هذه البحيرة، يجتزئ بالكسر (4) والتميرات، ويركب الحمار العري، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى (5)، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر " فقال: قد كان ذلك يا محمد، ولولا أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لآمنت بك وصدقتك، ولكني على دين اليهود عليه أحيا وعليه أموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قدموه واضربوا (6) عنقه فضربت، ثم قدم حيي بن أخطب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا فاسق كيف رأيت الله صنع بك ؟ فقال: والله يا محمد ما ألوم نفسي في عداوتك، ولقد قلقلت كل مقلقل، وجهدت كل الجهد، ولكن من يخذل الله يخذل (7) ثم قال حين قدم للقتل (8). لعمري ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل فقدم وضرب عنقه، فقتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله في البردين: بالغداة والعشي في
(1) الخمير خ ل. أقول: تقدم كذلك قبلا. وفى المصدر المطبوع الخنزير. (2) والثبور خ ل. وفى الاكمال: والتمور، لنبى يبعث، هذا أوان خروجه، يكون مخرجه بمكة، وهذه دار هجرته، وهو الضحوك القتال، يجتزئ بالكسرة والتميرات، ويركب الحمار العارى. (3) مكة خ ل. (4) بالكسيرات خ ل. (5) من لاقى منكم خ ل. (6) فاضربوا خ ل.
(7) في الامتاع: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الم يمكن الله منك يا عدو الله ؟ " فقال: بلى والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولقد التمست العز في مظانه، وأبى الله الا ان يمكنك منى ولقد قلقلت كل مقلقل، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: ايها الناس لا بأس بامر الله، قدر وكتاب، ملحمة كتبت على بنى اسرائيل. (8) في السيرة وتاريخ الطبري: فقال جبل بن جوال الثعلبي: لعمرك اه، وفيهما بيت آخر: لجاهد حتى ابلغ النفس عذرها * وقلقل يبغى العز كل مقلقل
[ 238 ]
ثلاثة أيام، وكان يقول: " اسقوهم العذب، وأطعموهم الطيب، وأحسنوا إسارهم " (1) حتى قتلهم كلهم، وأنزل الله على رسوله فيهم: " وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم " أي من حصونهم " وقذف في قلوبهم الرعب " إلى قوله: " و كان الله على كل شئ قديرا (2). بيان: الموتور: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتره يتره وترا وترة. قوله صلى الله عليه وآله: " لا عيش " أقول: في بعض روايات المخالفين: اللهم إن العيش عيش الآخرة * فاغفر للانصار والمهاجرة (3) وفى بعضها: كانت الانصار: تقول: نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا فأجابهم النبي صلى الله عليه وآله: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة * فأكرم الانصار والمهاجرة (4) وفى بعضها: اللهم لا خير إلا خير الآخرة * فبارك في الانصار والمهاجرة ويقال: مج الشراب من فيه: إذا رمى به، ولعل المراد هنا المضمضة، و
يقال: هال عليه التراب فانهال، أي صبه فانصب. وأقوى الرجل: أي فني زاده، ومنه قوله تعالى: " ومتاعا للمقوين " (5) وقوي كرضي: جاع شديدا. والعناق كسحاب
(1) في الامتاع: قال: احسنوا إسارهم وقيلوهم واسقوهم: لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح. (2) تفسير القمى: 516 - 529. (3) رواه البخاري في صحيحه 5: 137 عن انس وقال: فقالوا مجيبين له: نحن الذين اه. ورواه مسلم في صحيحه 5: 178. وفيهما روايات اخر بالفاظ تختلف. (4) رواه البخاري في صحيحه 5: 138 وفيه: على الاسلام ما بقينا ابدا. وفيه: اللهم انه لا خير اه. (5) الواقعة: 37.
[ 239 ]
الانثى من أولاد المعز. ويقال: مالي به قبل بكسر القاف وفتح الباء، أي طاقة. و النهل محركة: أول الشرب، ومن الطعام: ما اكل، والناهل: الريان، والمراد هنا الشبع. والزغابة بالضم: موضع بقرب المدينة، ويقال: شأمهم وعليهم كمنع، أي صار شوما عليهم (1). وقال الجزري البحيرة، مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، وهي تصغير البحرة، وقد جاء في رواية مكبرا، والعرب تسمى المدن والقرى البحار انتهى. والمناواة بالهمز: المعاداة، وقد يترك الهمز. والقمأ: الذل والصغار. قوله صلى الله عليه وآله: لعنا على بناء المجهول، أي لعن العضل والقارة، والمراد كل من غدر ثم قال صلى الله عليه وآله على سبيل التورية: " نحن أمرناهم بذلك " أي نحن أمرنا بني قريظة أن يظهروا الغدر للمصلحة، وهم موافقون لنا في الباطن، وإنما قال ذلك لئلا يكون هناك عين من عيون قريش فيعلموا بالغدر فيصير سببا لجرأتهم، ويقال: خذل عنه أصحابه تخذيلا، أي حملهم على خذلانه.
قوله: وقال رجل من المهاجرين أي عمر، والرجل الذي بجنبه عبد الرحمن ابن عوف كما سيأتي آنفا، ويقال: بححت بالكسر: إذا أخذته بحة وخشونة وغلظ في صوته، والمناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة، والهزاهز: تحريك البلايا و والحروب بين الناس. والغريزة الطبيعة. وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: يا عمرو ويحك قد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز إلى قوله: ولقد دعوت إلى البراز فتى يجيب إلى المبارز يعليك أبيض صارما كالملح حتفا للمناجز (2).
(1) زاد في غير نسخة المصنف: والخشيش كزبير: الغزال الصغير. والظاهر إنه زيادة لانه تقدم تفسير الكلمة قبل ذلك. (2) الديوان: 67.
[ 240 ]
ويقال: طعنة نجلاء أي واسعة، قوله شائلا أي مرتفعا قوله: كلتاهما لك، قاله لعنه الله على سبيل الاستهزاء، قوله: قسمة ضيزى، أي جائرة. قوله: أعلى به عينا، أي أبصر به وأعلم بحاله. وذؤبان العرب: لصوصها، وقد يترك الهمز، ويقال سام فلانا الامر: كلفه إياه، أو أولاه أياه كسومه، وأكثر ما يستعمل في العذاب والشر وسوم فلانا: خلاه، وسومه لما يريده في ماله: حكمه. وقال الجوهري: الطنين: صوت الذباب. وضربه فأطن ساقه، أي قطعه، يراد بذلك صوت القطع. والعجاج كسحاب: الغبار. قوله: انتزع له، أي السهم. والمنابذة: المكاشفة والمقاتلة. والغلوة بالفتح
مقدار رمية. والنشاب بالضم والتشديد: السهام، الواحد نشابة. والاكحل: عرق في اليد أو هو عرق الحياة. ونزفه الدم، أي سال كثيرا حتى أضعفه. وقال الجزري: يقال: عذيرك من فلان بالنصب، أي هات من يعذرك فيه، فعيل بمعنى فاعل انتهى. واللامة: الدرع. وكتف فلانا كضرب شد يديه إلى خلف بالكتاف وهو حبل يشد به. والحاسر: الذي لا مغفر عليه ولا درع. وقال الجزري في قوله: سبعة أرقعة (1): يعني سبع سماوات، وكل سماء يقال لها: رقيع، والجمع أرقعة، وقيل: الرقيع: اسم سماء الدنيا فاعطي كل سماء اسمها انتهى. والاخدود: الحفرة المستطيلة. قوله: " ما يسوءك " أي لا تحزن من ذلك، أو ما استفهامية، أي أي شئ يعتريك من السوء فصرت بحيث لا تعقل مثل هذا الامر الواضح أو موصولة (2)، أي الذي يسوءك وهو القتل. قوله: لا يقلع، أي لا يكف عن دعوتهم وإذهابهم، يذهب بواحد بعد واحد
(1) في النهاية: من فوق سبع ارقعة. (2) وهو الاظهر.بحار الانوار - 15 -
[ 241 ]
والوسيم: الحسن الوجه. ويقال: قلقله فتقلقل: إذا حركه فتحرك. والابردان والبردان: الغداة والعشي. 4 - ل، لى: محمد بن أحمد المعاذي ومحمد بن إبراهيم بن أحمد الليثي (1) عن محمد ابن عبد الله بن الفرج الشروطي، عن محمد بن يزيد بن المهلب، عن أبي أسامة، عن عوف، عن ميمون، عن البراء بن عازب قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بحفر الخندق عرضت له صخرة عظيمة شديدة في عرض الخندق لا تأخذ منها المعاول، فجاء رسول -
الله صلى الله عليه وآله فلما رآها وضع ثوبه وأخذ المعول وقال: " بسم الله " وضرب ضربة فكسر (2) ثلثها وقال: " الله أكبر اعطيت مفاتيح الشام، والله إني لابصر قصورها الحمراء الساعة " ثم ضرب الثانية فقال: " بسم الله " ففلق ثلثا آخر فقال: " الله أكبر اعطيت مفاتيح فارس والله إني لابصر قصر المدائن الابيض " ثم ضرب الثالثة ففلق بقية الحجر وقال: " الله أكبر اعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لابصر أبواب الصنعاء مكاني هذا (3) ". 5 - فس: أبي رفعه قال: قال الصادق عليه السلام: كان النكاح والاكل محرمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم، يعني كل من صلى العشاء ونام ولم يفطر ثم انتبه حرم (4) عليه الافطار، وكان النكاح حراما بالليل (5) والنهار في شهر رمضان. وكان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقال له: خوات بن جبير أخو عبد الله بن جبير الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وكله بفم الشعب في يوم احد في خمسين من الرماة، ففارقه أصحابه، وبقي في اثني عشر رجلا فقتل على باب العشب، وكان أخوه هذا خوات
(1) رواه الصدوق بالاسناد الاول في الامالى، وبالاسناد الثاني في الخصال. (2) فكثر خ ل. (3) الخصال: ج 1 ص 77 و 78: الامالى: ص 188 و 189. (4) حرم الله خ ل. (5) في الليل خ ل.
[ 242 ]
ابن جبير شيخا ضعيفا (1) وكان صائما، فأبطأت (2) عليه أهله بالطعام، فنام قبل أن يفطر، فلما انتبه قال لاهله: قد حرم (3) علي الاكل في هذه الليلة، فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه، فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله فرق له، وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فأنزل الله: " احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى
نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختاتون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط والاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل " فأحل الله تبارك وتعالى النكاح بالليل في شهر رمضان، والاكل بعد النوم إلى طلوع الفجر لقوله: " حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر " قال: هو بياض النهار من سواد الليل (4). 6 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " يقول أهلكت مالا لبدا " قال: هو عمرو بن عبد ود حين عرض عليه علي بن أبي طالب عليه السلام الاسلام يوم الخندق وقال: فأين ما أنفقت فيكم مالا لبدا ؟ وكان أنفق مالا في الصد عن (5) سبيل الله فقتله علي عليه السلام (6). بيان: مالا لبدا، أي كثيرا، من تلبد الشئ: إذ اجتمع.
(1) كبيرا خ ل. (2) في نسختي المخطوطة من المصدر: " شيخا كبيرا ضعيفا، وكان صائما مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الخندق، فجاء إلى أهله حين امسى، فقال: عندكم طعام ؟ فقالوا: لا تنم حتى نصنع لك طعاما، فأبطأت " وذكر ذلك في المصدر المطبوع عن نسخة، الا انه قال: شيخا ضعيفا. (3) حرم الله خ ل. (4) تفسير القمى: 56 - 57 والاية في سورة البقرة: 187. (5) في هامش نسخة المصنف بعد قوله: " في الصد عن " هكذا: ثم عرض عليه السلام فصد عن، خ ل. (6) تفسير القمى: 725 والاية في سورة البلد: 6.
[ 243 ]
7 - فس: " يمنون عليك أن أسلموا " نزلت في عثكن (1) يوم الخندق، وذلك أنه مر بعمار بن ياسر وهو يحفر الخندق وقد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع عثكن كمه على أنفه ومر، فقال عمار: لا يستوي من يبتني (2) المساجدا * يظل (3) فيها راكعا وساجدا كمن يمر بالغبار حائدا * يعرض عنه جاحدا معاندا فالتفت إليه عثكن فقال: يا بن السوداء إياي تعني ؟ ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: لم ندخل معك (4) لتسب أعراضنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قد أقلتك إسلامك فاذهب، فأنزل الله عزوجل: " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين " أي ليس هم صادقين (5) " إن الله يعلم غيب السموات والارض والله بصير بما تعملون " (6). بيان: قوله: في عثكن المراد به عثمان كما هو المصرح في بعض النسخ و سائر الاخبار. أقول: نسب في الديوان الابيات إلى أمير المؤمنين عليه السلام هكذا: لا يستوي من يعمر المساجدا * ومن يبيت راكعا وساجدا يدأب فيها قائما وقاعدا * ومن يكر هكذا معاندا ومن يرى عن الغبار حائدا 8 - ل: في خبر اليهودي الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن خصال الاوصياء فقال عليه السلام فيما قال: وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن قريشا والعرب تجمعت و
(1) عثمان خ ل. في المواضع. أقول: ذكر ذلك ايضا في هامش نسختي من المصدر. (2) من يعمر خ ل. أقول هو الموجود في المصدر المخطوط. (3) يصلى خ ل. (4) معك في الاسلام خ ل.
(5) في المصدر المطبوع: أي لستم صادقين. (6) تفسير القمى: 642 والايتان في سورة الحجرات: 17 و 18.
[ 244 ]
عقدت بينها عقدا وميثاقا لا ترجع من وجهها حتى تقتل رسول الله صلى الله عليه وآله، وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب، ثم أقبلت بحدها وحديدها (1) حتى أناخت علينا بالمدينة واثقة بأنفسها فيما توجهت له، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنبأه بذلك، فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والانصار، فقدمت قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في أنفسها القوة وفينا الضعف، ترعد وتبرق، ورسول الله صلى الله عليه وآله يدعوها إلى الله عزوجل، ويناشدها بالقرابة والرحم، فتأبى ولا يزيدها ذلك إلا عتوا، وفارسها وفارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود يهدر كالبعير المغتلم يدعو إلى البراز ويرتجز، ويخطر برمحة مرة، وبسيفه مرة (2)، لا يقدم عليه مقدم ولا يطمع فيه طامع، لا حمية (3) تهيجه، ولا بصيرة تشجعه، فانهضني إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، وعممني بيده، وأعطاني سيفه هذا - وضرب بيده إلى ذي الفقار - فخرجت إليه ونساء أهل المدينة بواكي إشفاقا علي من ابن عبد ود، فقتله الله عزوجل بيدي والعرب لا تعد لها فارسا غيره، وضربني هذه الضربة وأوما بيده إلى هامته، فهزم الله قريشا والعرب بذلك، وبما كان مني فيهم من النكاية، ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك ؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين (4). بيان: رعد وبرق، وأرعد وأبرق: إذا توعد وتهدد ذكره الجزري. وهدر البعير يهدر هدرا وهديرا: صوت في غير شقشقة. واغتلام البعير. هيجانه من شهوة الضراب: ويقال: نكيت في العدو أنكى نكاية: إذا أكثرت فيهم الجراح و القتل. 9 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيي، عن عبد الرحمن (5)، عن
(1) أي بعدتها وسلاحها. (2) أي يهزهما معجبا بنفسه. (3) ولا حمية خ ل. (4) الخصال 2: 15 و 16. (5) أبو عمرو هو عبد الواحد بن محمد عبد الله بن محمد بن مهدى. واحمد بن يحيي هو احمد بن يحيي الصوفى، وعبد الرحمن هو ابن شريك بن عبد الله النخعي،
[ 245 ]
أبيه، عن محمد بن إسحاق (1)، عن يحيي بن عباد، عن أبي الزبير، عن أبيه، عن صفية بنت عبد المطلب أنها قالت: كنا مع حسان بن ثابت في حصن فارع والنبي صلى الله عليه وآله بالخنذق، فإذا يهودي يطوف بالحصن فخفنا أن يدل على عورتنا (2)، فقلت لحسان: لو نزلت إلى هذا اليهودي فإنى أخاف أن يدل على عورتنا، قال: يا بنت عبد - المطلب لقد علمت ما أنا بصاحب هذا، قالت فتحزمت (3) ثم نزلت وأخذت عمودا وقتلته (4) به، ثم قلت لحسان: اخرج فاسلبه، قال: لا حاجة لي في سلبه (5). بيان: في القاموس: فارع: حصن بالمدينة. 10 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله في حفر الخندق إذ جاءته فاطمة ومعها كسيرة (6) من خبز فدفعتها إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما هذه الكسيرة ؟ قالت: قرصا (7) خبزته للحسن والحسين جئتك منه بهذه الكسيرة (8)، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث (9).
(1) هو محمد بن اسحاق بن يسار المدنى صاحب السيرة، روى عنه ابن هشام ذلك الحديث مفصلا في سيرته، وفيه: يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن ابيه عباد قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت.
(2) العورة: الخلل في ثغر البلاد وغيره يخاف منه. كل مكمن للستر. (3) أي شددت وسطى بالحزام. أي بحبل أو شبهه وفى السيرة احتجزت أي شددت وسطى، وتروى هذه الكلمة: " اعتجرت " ومعناه شددت معجرى. (4) في المصدر: فقتلته به. (5) امالي ابن الشيخ: 164. (6) كسرة خ ل. أقول: يوجد ذلك في العيون. والكسرة بالكسر: القطعه من الشيئ المكسور. (7) قرص خ ل. (8) في العيون: بهذه الكسرة. (9) عيون اخبار الرضا: 205 و 206.
[ 246 ]
صح: عنه عليه السلام مثله (1). 11 - ب: أبوالبختري، عن جعفر، عن أبيه، عن على عليهم السلام إنه قال: الحرب خدعة إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديثا فوالله لئن أخر من السماء أو يخطفني الطير أحب إلي من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، وإذا حدثتكم عني فإنما الحرب خدعة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله بلغه أن بني قريظة بعثوا إلى أبي سفيان انكم إذا التقيتم أنتم ومحمد (2) أمددناكم وأعناكم، فقام النبي صلى الله عليه وآله فخطبنا فقال: إن بني قريظة بعثوا إلينا انا إذا التقينا نحن وأبو سفيان أمددونا وأعانونا، فبلغ ذلك أبا سفيان فقال: غدرت يهود، فارتحل عنهم (3). 12 - ب: أبوالبختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام يوم بني قريظة بالراية، وكانت سوداء تدعى العقاب، وكان لواؤه أبيض (4).
بيان: الراية: العلم الكبير، واللواء: أصغر منها، قال في المصباح: لواء الجيش: علمه، وهو دون الراية. 13 - ب: عنه، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنه قال: عرضهم رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ يعني بني قريظة على العانات، فمن وحده أنبت قتله، ومن لم يجده أنبت ألحقه بالذراري (5). 14 - ما: ابن مخلد، عن جعفر بن محمد بن نصير (6) عن الحسين بن كميت عن المعلى بن مهدي، عن أبي شهاب، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن عمر (7)
(1) صحيفة الرضا: 15 وفيه منذ ثلاثة ايام. (2) ومحمدا خ أقول: هو الموجود في المصدر. (3) قرب الاسناد: 62 و 63. (4) قرب الاسناد: 62. (5) قرب الاسناد: 63. (6) في المصدر: جعفر بن محمد بن نصير بن قاسم المعروف بالخلدى. (7) في المصدر ومستدرك الحاكم: عبد الملك بن عمير وهو الصحيح، وهو عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمى راجع تهذيب التهذيب 6: 411.
[ 247 ]
عن عطية رجل من بني قريظة قال: عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وآله فمن كانت له عانة قتله، ومن لم تكن له عانة تركه، فلم تكن لي عانة فتركني (1). 15 - ك: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير والبزنطي معا، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله بكعب بن أسد ليضرب عنقه فاخرج (2) وذلك في غزوة بني قريظة
نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له: يا كعب اما نفعك وصية ابن حواش الحبر المقبل من الشام (3) فقال: " تركت الخمر والحمير، وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث، هذا أوان خروجة، يكون مخرجه بمكة، وهذه دار هجرته، وهو الضحوك القتال، يجتزئ بالكسرة والتميرات، ويركب الحمار العاري، في عينيه حمرة، و بين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي بمن لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر " قال كعب: قد كان ذلك يا محمد، ولولا أن اليهود تعيرني أني جبنت (4) عند القتل لآمنت بك وصدقتك، ولكني على دين اليهودية عليه أحيا وعليه أموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قدموه فاضربوا عنقه، فقدم وضربت عنقه (5). 16 - يج: روي أن عام الخندق أصاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله مجاعة لما حاصرهم المشركون، فدعا بكف من تمر، وأمر بثوب فبسط، وألقى ذلك التمر عليه، و أمر مناديا ينادي في الناس: هلموا إلى الغداء، فاجتمع أهل المدينة فأكلوا و صدروا والتمر تبض من أطراف الثوب.
(1) امالي ابن الشيخ: 249، ورواه الحاكم في المستدرك 3: 35 بطريق آخر عن عبد الملك بن عمير، وفيه: فمن كان منا محتلما أو نبتت عانته قتل، فنظروا إلى فلم تكن نبتت عانتي فتركت. (2) في المصدر: واخرج. (3) في المصدر: الحبر الدى اقبل من الشام. (4) في المصدر: خشيت. (5) كمال الدين: 114 و 115، واورده ايضا في باب البشائر بمولده راجع 15: 206
[ 248 ]
بيان: بض الماء: سال قليلا قليلا.
17 - يج: روي أن الحصار لما اشتد على المسلمين في حرب الخندق، ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله منهم الضجر لما كان فيه من الضر (1) صعد على مسجد الفتح فصلى ركعتين ثم قال: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد (2) بعدها في الارض " فبعث الله ريحا قلعت خيم المشركين، وبددت رواحلهم، وأجهدتهم بالبرد، وسفت الرمال والتراب عليهم، وجاءته الملائكة فقالت يا رسول الله إن الله قد أمرنا بالطاعة لك، فمرنا بما شئت، قال (3): زعزعي المشركين وارعبيهم، وكونوا من ورائهم (4) ففعلت بهم ذلك، وأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود " يعني أحزاب المشركين " فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم " أي أحزاب العرب " ومن أسفل منكم " (5) يعني بني قريظة حين نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وصاروا مع الاحزاب على المسلمين ثم رجع من مسجد الفتح إلى معسكره فصاح بحذيفة بن اليمان وكان قد ناداه (6) ثلاثا فقال في الثالثة: لبيك يا رسول الله، قال: تسمع صوتي ولا تجيبني ؟ فقال: منعني شدة البرد، فقال: " اعبر الخندق فاعرف خبر قريش والاحزاب وارجع، ولا تحدث حدثا حتى ترجع إلي " قال: فقمت وأنا أنتفض من البرد، فعبرت الخندق وكأني في الحمام فصرت إلى معسكرهم فلم أجد هناك إلا خيمة أبي سفيان وعنده جماعة من وجوه قريش، وبين أيديهم نار تشتعل مرة وتخبو أخرى، فانسللت فجلست (7) بينهم فقال أبو سفيان: إن كنا نقاتل أهل الارض فنحن بالقدرة عليه، وإن كنا
(1) الضر بالضم والفتح: الشدة والضيق وسوء الحال. (2) لما تعبد خ ل. (3) قال: قلت خ ل. (4) في ورائهم خ ل. (5) الاحزاب: 9 و 10.
(6) وكان قريبا ثلاثا خ ل. (7) وجلست خ وحللت خ ل.
[ 249 ]
نقاتل أهل السماء كما يقول محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء، انظروا بينكم لا يكون لمحمد عين بيننا، فليسأل بعضكم بعضا، قال حذيفة: فبادرت إلى الذي عن يميني فقلت: من أنت ؟ قال: خالد بن الوليد، وقلت للذي عن يساري: من أنت ؟ قال: فلان، فلم يسألني أحد منهم، ثم قال أبو سفيان لخالد: إما أن تتقدم أنت فتجمع (1) الناس ليلحق بعضهم بعضا فأكون على الساقة، وإما أن أتقدم أنا وتكون على الساقة قال: بل أتقدم أنا وتتأخر أنت، فقاموا جميعا فتقدموا وتأخر أبو سفيان، فخرج من الخيمة واختفيت في ظلها، فركب راحلته وهي معقولة من الدهش الذي كان به، فنزل يحل العقال فأمكنني قتله، فلما هممت بذلك تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي " فكففت ورجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طلع الفجر، فحمد الله، ثم صلى بالناس الفجر، ونادى مناديه: " لا يبرحن أحد مكانه إلى أن تطلع الشمس " فما أصبح إلا وقد تفرق عنه الجماعة إلا نفرا يسيرا فلما طلعت الشمس انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله ومن كان معه، فلما دخل منزله أمر فنودي: ألا لا يصلي أحد إلا في بني قريظة، فسار المسلمون إليهم، فوجدوا النخل محدقا بقصرهم، ولم يكن للمسلمين معسكر ينزلون فيه، ووافى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " ما لكم لا تنزلون ؟ " فقالوا: ما لنا مكان، فنزل من اشتباك النخل فدخل في طريق بين النخل فأشار بيده يمنة، فانضم النخل بعضه إلى بعض، وأشار بيده يسرة فانضم النخل كذلك واتسع لهم الموضع فنزلوا. 18 - يج: روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما قتل علي عليه السلام عمرو بن عبد ود أعطى سيفه الحسن عليه السلام وقال: قل لامك: تغسل هذا الصيقل، فرده وعلي عليه السلام
عند النبي صلى الله عليه وآله وفي وسطه نقطة لم تنق، قال: أليس قد غسلته الزهراء ؟ قال: نعم قال: فما هذه النقطة ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي سل ذا الفقار يخبرك، فهزه وقال: أليس قد غسلتك الطاهرة من دم الرجس النجس ؟ فأنطق الله السيف فقال: بلى،
(1) إلى. خ ل.
[ 250 ]
ولكنك ما قتلت بي أبغض إلى الملائكة من عمرو بن عبد ود، فأمرني ربي فشربت هذه النقطة من دمه، وهو حظي منه، فلا تنتضيني يوما إلا ورأته الملائكة وصلت عليك (1). بيان: نضى السيف وانتضاه: سله. 19 - شا: كانت غزاة الاحزاب بعد بني النضير، وذلك أن جماعة من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضيري وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع وهوذة بن قيس الوالبي وأبو عمارة (2) الوالبي في نفر من بني والبة خرجوا حتى قدموا مكة فصاروا إلى أبي سفيان صخر بن حرب لعلمهم بعداوته لرسول الله صلى الله عليه وآله وتسرعه إلى قتاله، فذكروا له ما نالهم منه، وسألوه المعونة لهم على قتاله، فقال لهم أبو سفيان: أنا لكم حيث تحبون، فاخرجوا إلى قريش فادعوهم إلى حربه واضمنوا النصرة لهم والثبوت معهم حتى تستأصلوه، فطافوا على وجوه قريش ودعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وآله وقالوا لهم: أيدينا مع أيديكم، ونحن معكم حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود أنتم أهل الكتاب الاول، والعلم السابق، وقد عرفتم الدين الذي جاء به محمد، وما نحن عليه من الدين، فديننا خيرمن دينه، أم هو أولى بالحق منا ؟ فقالوا لهم: بل دينكم خير من دينه (3)، فنشطت قريش لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وآله، وجاءهم أبو سفيان فقال لهم: قد مكنكم الله من عدوكم وهذه اليهود: تقاتله معكم ولن تنفك (4) عنكم حتى يؤتى على جميعها أو نستأصله (5)
(1) لم نجد الاحاديث الثلاثه في الخرائج المطبوع وذكرنا قبلا ان المطبوع مختصر، و كانت نسخة المصنف تامة تزيد على المطبوع. (2) في سيرة ابن هشام: وأبو عمار الوائلي في نفر من بنى النضير ونفر من بنى وائل. (3) زاد في السيرة: وانتم اولى بالحق منه، فهم الذين انزل الله فيهم: " الم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب " فذكر الايات إلى قوله: " وكفى بجهنم سعيرا: " (4) ولن تنفتل خ ل. (5) على جميعهم أو تستأصله خ ل.
[ 251 ]
ومن اتبعه، فقويت عزائمهم إذ ذاك في حرب النبي صلى الله عليه وآله (1)، ثم خرج اليهود حتى جاؤا غطفان وقيس غيلان (2) فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وضمنوا لهم النصرة والمعونة وأخبروهم باتباع قريش لهم على ذلك، فاجتمعوا (3) معهم، و خرجت قريش وقائدها إذ ذاك أبو سفيان صخر بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف في بني مرة، ووبرة بن طريف في قومه من أشجع (4)، واجتمعت قريش معهم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله اجتماع الاحزاب (5) عليه وقوة عزيمتهم في حربه استشار أصحابه فأجمع (6) رأيهم على المقام بالمدينة وحرب القوم إن جاؤا إليهم على أنقابها (7)، فاشار (8) سلمان الفارسي رحمه الله على رسول الله صلى الله عليه وآله بالخندق، فأمر بحفره، وعمل فيه بنفسه، وعمل فيه المسلمون، وأقبلت الاحزاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (9)، فهال المسلمين أمرهم و ارتاعوا من كثرتهم وجمعهم، فنزلوا ناحية من الخندق وأقاموا بمكانهم بضعا وعشرين