الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 19

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 19


[ 1 ]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء التاسع عشر مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍. 1983 م

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم 5. (باب) * (دخوله الشعب وما جرى بعده إلى الهجرة، وعرض نفسه على) * * (القبائل، وبيعة الانصار، وموت أبى طالب وخديجة رضى الله عنهما) * 1 - عم، ص: اجتمعت قريش في دار الندوة وكتبوا صحيفة بينهم أن لا يؤاكلوا بني هاشم ولا يكلموهم، ولا يبايعوهم، ولا يزوجوهم، ولا يتزوجوا إليهم، ولا يحضروا معهم حتى يدفعوا إليهم محمدا فيقتلونه، وإنهم يد واحدة على محمد يقتلونه غيلة أو صراحا، فلما بلغ ذلك أبا طالب جمع بني هاشم ودخلوا الشعب وكانوا أربعين رجلا، فحلف لهم أبو طالب بالكعبة والحرم والركن والمقام إن شاكت محمدا شوكة لاثبن (1) عليكم يا بني هاشم، وحصن الشعب، وكان يحرسه بالليل والنهار، فإذا جاء الليل يقوم بالسيف عليه، ورسول الله صلى الله عليه وآله مضطجع، ثم يقيمه ويضجعه في موضع آخر فلا يزال الليل كله هكذا، ويوكل ولده وولد أخيه به يحرسونه بالنهار فأصابهم الجهد، وكان من دخل مكة من العرب لا يجسر أن يبيع من بني هاشم شيئا ومن باع منهم شيئا انتهبوا ماله، وكان أبو جهل والعاص بن وائل السهمي و النضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط يخرجون إلى الطرقات التي، تدخل مكة، فمن رأوه معه ميرة (2) نهوه أن يبيع من بني هاشم شيئا، ويحذرون إن باع شيئا منهم أن ينهبوا ماله، وكانت خديجة رضي الله عنها لها مال كثير فأنفقته على


(1) لعل الاصح، لاتين عليكم. يقال: أتى عليه الدهر أي أهلكه. (2) الميرة: الطعام.

[ 2 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب، ولم يدخل في حلف الصحيفة مطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد المطلب بن عبد مناف، وقال: هذا ظلم، وختموا الصحيفة بأربعين خاتما ختمها كل رجل من رؤساء قريش بخاتمه، وعلقوها في الكعبة، وتابعهم على ذلك أبو لهب، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج في كل موسم فيدور على قبائل العرب، فيقول لهم: تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربكم، وثوابكم الجنة على الله، و أبو لهب في أثره فيقول: لا تقبلوا منه، فإنه ابن أخي وهو - كذاب ساحر، فلم يزل هذا حالهم، (1) وبقوا في الشعب أربع سنين، لا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، ولا يشترون ولا يبايعون (2) إلا في الموسم، وكان يقوم بمكة موسمان في كل سنة. موسم العمرة في رجب، وموسم الحج في ذي الحجة، فكان إذا اجتمعت المواسم تخرج بنو هاشم من الشعب فيشترون ويبيعون، ثم لا يجسر أحد منهم أن يخرج إلى الموسم الثاني، وأصابهم الجهد وجاعوا، وبعثت قريش إلى أبي طالب: ادفع إلينا محمدا حتى نقتله، ونملكك علينا، فقال أبو طالب رضي الله عنه قصيدته اللامية يقول فيها: ولما رأيت القوم لا ود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعني بقول الا باطل وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يطوف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمد (3) * ولما نطاعن دونه ونقاتل (4) ونسلمه حتى نصرع دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل


(1) في نسخة: هذا حاله. (2) في نسخة: ولا يبيعون. (3) في النهاية: في قصيدة أبى طالب يعاتب قريشا في أمر النبي صلى الله عليه وآله: كذبتم وبيت الله يبزى محمد * ولما نطاعن دونه ونناضل يبزى: يقهر ويغلب، أراد لا يبزى، فحذف " لا " من جواب القسم وهى مرادة، أي لا يقهر ولم نقاتل عنه وندافع. (4) في نسخة: ونناضل.

[ 3 ]

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل وجدت بنفسي دونه وحميته * ودارأت (1) عنه بالذرى والكواهل (2) فلا زال في الدنيا جمالا لاهلها * وشيئا لمن عادى وزين المحافل حليما رشيدا حازما غير طائش * يوالي إله الحق ليس بما حل (3) فأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل فلما سمعوا هذه القصيدة آيسوا منه، وكان أبو العاص بن الربيع - وهو ختن رسول الله - يأتي بالعير بالليل عليها البر والتمر إلى باب الشعب، ثم يصيح بها فتدخل الشعب فيأكله بنو هاشم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لقد صاهرنا أبو العاص فأحمدنا صهره، لقد كان يعمد إلى العير ونحن في الحصار فيرسلها في الشعب ليلا " ولما أتى على رسول الله في الشعب أربع سنين بعث الله على صحيفتهم القاطعة دابة الارض فلحست جميع ما فيها من قطيعة وظلم، (4) وتركت " باسمك اللهم (5) " ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك، فأخبر رسول الله أبا طالب، فقام أبو طالب ولبس ثيابه ثم مشى حتى دخل المسجد على قريش وهم مجتمعون فيه، فلما أبصروه قالوا: قد ضجر أبو طالب، وجاء الآن ليسلم ابن أخيه، فدنا منهم وسلم عليهم فقاموا إليه وعظموه وقالوا: قد علمنا يا أبا طالب أنك أردت مواصلتنا، والرجوع إلى جماعتنا، وأن تسلم ابن أخيك إلينا، قال: والله ما جئت لهذا، ولكن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن الله تعالى أخبره أنه بعث على صحيفتكم القاطعة دابة الارض فلحست


(1) أي دافعت عنه. (2) في نسخة: والكواكل. أقول: الذرى: أعلى الشئ، أراد به الرؤوس، والكواهل جمع الكاهل: أعلى الظهر مما يلى العنق. والكلاكل جمع الكلكل: الصدر أو ما بين الترقوتين. (3) في النهاية: وما حل مصدق أي خصم يجادل، وقيل: ساع، من قولهم: محل بفلان: إذا سعى به إلى السلطان: (4) في المصدر: من قطيعة رحم وظلم وجور، وتركت اسم الله. (5) في نسخة: باسم إله.

[ 4 ]

جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور، وترك اسم الله، فابعثوا إلى صحيفتكم فإن كان حقا فأتقوا الله وارجعوا عما أنتم عليه من الظلم والجور وقطيعة الرحم وإن كان باطلا دفعته إليكم، فإن شئتم قتلتموه، وإن شئتم استحييتموه، فبعثوا إلى الصحيفة وأنزلوها من الكعبة وعليها أربعون خاتما، فلما أتوا بها نظر كل رجل منهم إلى خاتمه ثم فكوها فإذا ليس فيها حرف واحد إلا " باسمك اللهم " فقال لهم أبو طالب: يا قوم اتقوا الله، وكفوا عما أنتم عليه، فتفرق القوم ولم يتكلم أحد، ورجع أبو طالب إلى الشعب. (1) 2 - عم: وقال في ذلك قصيدته البائية التي أولها: ألا من لهم آخر الليل منصب * وشعب العصا من قومك المتشعب (2) وفيها: وقد كان في أمر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب القوم يعجب محا الله منها كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من ناطق الحق معرب وأصبح ما قالوا من الامر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا * على سخط من قومنا غير معتب ولا تحسبونا مسلمين محمدا * لذي عزة منا (3) ولا متعزب ستمنعه منا يد هاشمية * مركبها في الناس خير مركب (4) 3 - ص: وقال عند ذلك نفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء بني هاشم منهم مطعم بن عدي بن عامر بن لوي - وكان شيخا كبيرا كثير المال له أولاد - وأبو البختري بن هشام، وزهير بن امية المخزومي في رجال من أشرافهم نحن برآء مما في هذه الصحيفة، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، وخرج النبي


(1) اعلام الورى: 32 - 34، قصص الانبياء: مخطوط. (2) في المصدر: وشعب القضا من قومك المتشعب. (3) في المصدر: لذى عزة فينا. (4) اعلام الورى: 13.

[ 5 ]

صلى الله عليه وآله ورهطه من الشعب وخالطوا الناس، ومات أبو طالب بعد ذلك بشهرين، وماتت خديجة رضي الله عنها بعد ذلك، وورد على رسول الله صلى الله عليه وآله أمران عظيمان، وجزع جزعا شديدا، ودخل على أبي طالب وهو يجود بنفسه وقال: يا عم ربيت صغيرا، ونصرت كبيرا، وكفلت يتيما، فجزاك الله عني خير الجزاء أعطني كلمة أشفع لك بها عند ربي. (1) قال ابن عباس: فلما ثقل أبو طالب رئي يحرك شفتيه، فأصغى إليه العباس (2) يسمع قوله، فرفع العباس [ عنه ] رأسه وقال: يا رسول الله والله قد قال الكلمة التي سألته إياها. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله عارض جنازة أبي طالب فقال: وصلت رحما، (3) وجزيت خيرا يا عم. (4) 4 - عم: وذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن خديجة بنت خويلد وأبا طالب رضي الله عنهما ماتا في عام واحد، وتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وآله المصائب بهلاك خديجة و أبي طالب، وكانت خديجة وزيرة صدق على الاسلام، وكان يسكن إليها. وذكر أبو عبد الله بن منده في كتاب المعرفة أن وفاة خديجة كانت بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام، وزعم الواقدي أنهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وفي هذه السنة توفيت خديجة وأبو طالب وبينهما خمس وثلاثون ليلة. (5) 5 - عم: في كتاب دلائل النبوة عن الزهري قال: كان رسول الله يعرض نفسه


(1) لعله صلى الله عليه وآله قال ذلك، لان أبا طالب رضى الله عنه كان يتقى من قومه ويكتم إسلامه فأراد أن يعلم قومه ذلك، هذا بعد فرض صحة الرواية ووقوع ذلك، وإلا فالرواية كما ترى مرسلة. (2) فيه تأمل فان العباس كان حينذاك في حزب المشركين ولم يكن أسلم، وبقى كذلك إلى أن أسلم في غزوة بدر الكبرى. (3) في النسخة: وصلتك رحم. (4) قصص الانبياء: مخطوط. (5) اعلام الورى: 35.

[ 6 ]

على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: لا أكره أحدا منكم على شئ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذاك، ومن كره لم اكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل حتى ابلغ رسالات ربي، وحتى يقضي الله عزوجل لي ولمن صحبني بما شاء الله، فلم يقبله أحد منهم، ولم يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه ؟ فلما توفي أبو طالب اشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وآله أشد ما كان، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه فوجد ثلاثة نفر منهم هم ساداة ثقيف يومئذ وهم إخوة: عبد ياليل بن عمرو، وحبيب ابن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه قومه، فقال أحدهم: أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط، وقال الآخر: أعجز على الله أن يرسل غيرك ؟ وقال الآخر: والله لا اكلمك بعد مجلسك هذا أبدا، والله لئن كنت رسول الله لانت أعظم شرفا من أن أكلمك، ولئن كنت تكذب على الله لانت شر من أن أكلمك، وتهزؤوا به، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به، فقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله بين صفيهم كان لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، وقد كانوا أعدوها حتى أدموا رجليه، فخلص منهم ورجلاه تسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم واستظل في ظل حبلة، (1) وهو مكروب موجع، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله، ولما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس وهو نصراني من أهل نينوى معه عنب، فلما جاءه عداس قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: من أي أرض أنت ؟ قال: أنا من أهل نينوى، فقال صلى الله عليه وآله: من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متى ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله - وكان لا يحقر أحدا أن يبلغه رسالة ربه -: أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى، فلما أخبره بما أوحى الله إليه


(1) حبله: شجر العنب أو قضبانه. وفى المصدر، في ظل شجرة منهم.

[ 7 ]

من شأن يونس بن متى خر عداس ساجدا لله وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء، فلما بصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهكا سكتا، فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمد، وقبلت قدميه ولم نرك فعلته بأحد منا ؟ قال: هذا رجل صالح أخبرني بشئ عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى، فضحكا وقالا: لا يفتننك عن نصرانيتك فإنه رجل خداع، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مكة. قال علي بن إبراهيم بن هاشم: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من الطائف و أشرف على مكة وهو معتمر كره أن يدخل مكة وليس له فيها مجير، فنظر إلى رجل من قريش قد كان أسلم سرا فقال له: ائت الاخنس بن شريق فقل له: إن محمدا يسألك أن تجيره حتى يطوف ويسعى فإنه معتمر، فأتاه وأدى إليه ما قال رسول الله، فقال الاخنس: إني لست من قريش، وإنما أنا حليف فيهم، والحليف لا يجير على الصميم، وأخاف أن يخفروا جواري فيكون ذلك مسبة (1)، فرجع إلى رسول الله فأخبره، وكان رسول الله في شعب حراء مختفيا مع زيد، فقال له: ائت سهيل ابن عمرو فاسأله أن يجيرني حتى أطوف بالبيت وأسعى، فأتاه وأدى إليه قوله، فقال له: لا أفعل، فقال له رسول الله: اذهب إلى مطعم بن عدي فاسأله أن يجيرني حتى أطوف وأسعى، فجاء إليه وأخبره، فقال: أين محمد ؟ فكره أن يخبره بموضعه، فقال: هو قريب، فقال: ائته فقل له: إني قد أجرتك، فتعال وطف واسع ما شئت، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وقال مطعم لولده وأختانه (2)، وأخيه طعيمة بن عدي: خذوا سلاحكم فإني قد أجرت محمدا، وكونوا حول الكعبة حتى يطوف ويسعى، وكانوا عشرة فأخذوا السلاح وأقبل رسول الله حتى دخل المسجد، ورآه أبو جهل فقال: يا معشر قريش هذا محمد وحده، وقد مات ناصره، فشأنكم به، فقال له: طعيمة بن عدي:


(1) يقال: هو من صميم القوم أي من أصلهم وخالصهم. وخفر فلانا وأخفره: نقض عهده وغدر به. والمسبة: السب. (2) أختان جمع الختن: زوج الابنة. كل من كان من قبل المرأة مثل الاب والاخ.

[ 8 ]

يا عم لا تتكلم فإن أبا وهب قد أجار محمدا، فوقف أبو جهل على مطعم بن عدي فقال: أبا وهب أمجير أم صابئ (1) ؟ قال: بل مجير، قال: إذا لا نخفر جوارك، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من طوافه وسعيه جاء إلى مطعم فقال: أبا وهب ! قد أجرت وأحسنت، فرد علي جواري، قال: وما عليك أن تقيم في جواري ؟ قال: أكره أن اقيم في جوار مشرك أكثر من يوم، قال مطعم: يا معشر قريش إن محمدا قد خرج من جواري. قال علي بن إبراهيم: قدم أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم العرب وهما من الخزرج، وكان بين الاوس والخزرج حرب قد بقوا فيها دهرا طويلا وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان آخر حرب بينهم يوم بعاث، وكانت للاوس على الخزرج، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الاوس، وكان أسعد بن زرارة صديقا لعتبة بن ربيعة فنزل عليه فقال له: إنه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناك نطلب الحلف عليهم، فقال له عتبة: بعدت دارنا من داركم، ولنا شغل لا نتفرغ لشئ، قال: وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم ؟ قال له عتبة: خرج فينا رجل يدعي أنه رسول الله، سفه أحلامنا وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا، فقال له أسعد: من هو منكم ؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب من أوسطنا شرفا، وأعظمنا بيتا، وكان أسعد وذكوان و جميع الاوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم: النضير وقريظة وقينقاع أن هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة لنقتلنكم به يا معشر العرب فلما سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود، قال: فأين هو ؟ قال: جالس في الحجر، وإنهم لا يخرجون من شعبهم إلا في الموسم، فلا تسمع منه ولا تكلمه فإنه ساحر يسحرك بكلامه، وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر لابد لي أن أطوف بالبيت ؟ قال: ضع في اذنيك القطن، فدخل أسعد المسجد وقد حشا أذنيه بالقطن، فطاف بالبيت ورسول الله


(1) صبأ فلان، إذا خرج من دين إلى دين آخر.

[ 9 ]

جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم (1)، فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل مني (2) ؟ أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا أتعرفه حتى أرجع إلى قومي فاخبرهم، ثم أخذ القطن من اذنيه ورمى به، و قال لرسول الله: أنعم صباحا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه وقال: قد أبدلنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة: السلام عليكم، فقال له أسعد: إن عهدك بهذا لقريب، إلى ما تدعو يا محمد ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول - الله، وأدعوكم إلى " أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (2) ". فلما سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلا الله. وأنك رسول الله، يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين إخوتنا من الاوس حبال مقطوعة، فإن وصلها الله بك، ولا أجد أعز منك، ومعي رجل من قومي فإن دخل في هذا الامر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك، والله يا رسول الله لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، ويبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن يكون دارنا دار هجرتك عندنا (4)، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك، والله ما جئت إلا لنطلب الحلف على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل مما أتيت له ثم أقبل ذكوان فقال له أسعد: هذا رسول الله الذي كانت اليهود يبشرنا به، وتخبرنا


(1) في نسخة: وعنده قوم من بنى هاشم. (2) في نسخة: ما أحد أجهل منى. (3) الانعام: 151 و 152. (4) في المصدر، عندنا مقامك.

[ 10 ]

بصفته، فهلم فأسلم، فأسلم ذكوان، ثم قالا: يا رسول الله ابعث معنا رجلا يعلمنا القرآن، ويدعو الناس إلى أمرك، فقال رسول الله لمصعب بن عمير، وكان فتى حدثا مترفا بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهم ولم يخرج من مكة، فلما أسلم جفاه أبواه، وكان مع رسول الله في الشعب حتى تغير وأصابه الجهد، وأمره رسول - الله بالخروج مع أسعد، وقد كان تعلم من القرآن كثيرا، فخرجا إلى المدينة و معهما مصعب بن عمير فقدموا على قومهم وأخبروهم بأمر رسول الله وخبره، فأجاب من كل بطن الرجل والرجلان، وكان مصعب نازلا على أسعد بن زرارة، وكان يخرج في كل يوم فيطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الاسلام فيجيبه الاحداث (1)، وكان عبد الله بن ابي شريفا في الخزرج، وقد كان الاوس والخزرج اجتمعت على أن يملكوه عليهم لشرفه وسخائه، وقد كانوا اتخذوا له إكليلا (2) احتاجوا في تمامة إلى واسطة كانوا يطلبونها، وذلك أنه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بعاث، ولم يعن على الاوس، وقال: هذا ظلم منكم للاوس، ولا اعين على الظلم، فرضيت به الاوس والخزرج، فلما قدم أسعد كره عبد الله ما جاء به أسعد و ذكوان وفتر أمره، فقال أسعد لمصعب: إن خالي سعد بن معاذ من رؤساء الاوس وهو رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف، فإن دخل في هذا الامر تم لنا أمرنا فهلم نأتي محلتهم، فجاء مصعب مع أسعد إلى محلة سعد بن معاذ فقعد على بئر من آبارهم، واجتمع إليه قوم من أحداثهم، وهو يقرأ عليهم القرآن، فبلغ ذلك سعد ابن معاذ، فقال لاسيد بن حضير وكان من أشرافهم: بلغني آن أبا أمامة أسعد بن زرارة قد جاء إلى محلتنا مع هذا القرشي يفسد شباننا، فائته وانهه عن ذلك فجاء أسيد (3) بن حضير فنظر إليه أسعد فقال لمصعب: إن هذا رجل شريف فإن دخل في هذا الامر رجوت أن يتم أمرنا، فاصدق الله فيه، فلما قرب أسيد منهم قال:


(1) جمع الحدث: الشاب. (2) الاكليل: التاج. (3) اسيد كزبير، ويقال لابيه: حضير الكتائب

[ 11 ]

يا أبا أمامة يقول لك خالك: لا تأتنا في نادينا (1)، ولا تفسد شباننا، واحذر الاوس على نفسك، فقال مصعب: أو تجلس فنعرض عليك أمرا، فان أحببته دخلت فيه، وإن كرهته نحينا عنك ما تكره، فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن فقال: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الامر ؟ قال: نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين، ونشهد الشهادتين، ونصلي ركعتين، فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر، ثم خرج وعصر ثوبه ثم قال: اعرض علي، فعرض عليه شهادة " أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " فقالها ثم صلى ركعتين، ثم قال لاسعد: يا أبا أمامة أنا أبعث إليك الآن خالك، و أحتال عليه في أن يجيئك (2)، فرجع أسيد إلى سعد بن معاذ فلما نظر إليه سعد قال: اقسم أن أسيدا قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب من عندنا، وآتاهم سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب " حم * تنزيل من الرحمن الرحيم (3) " فلما سمعها قال مصعب: والله لقد رأينا الاسلام في وجهه قبل أن يتكلم، فبعث إلى منزله وأتى بثوبين طاهرين، واغتسل وشهد الشهادتين، وصلى ركعتين، ثم قام وأخذ بيد مصعب و حوله إليه، وقال: أظهر أمرك، ولا تهابن أحدا، ثم جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح: يا بني عمرو بن عوف لا يبقين رجل ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبي إلا أن خرج، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب، فلما اجتمعوا قال: كيف حالي عندكم ؟ قالوا: أنت سيدنا، والمطاع فينا، ولا نرد لك أمرا، فمرنا بما شئت، فقال: كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم علي حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فالحمد لله الذي أكرمنا بذلك، وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به، فما بقي دار من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلا وفيها مسلم أو مسلمة، وحول مصعب بن عمير إليه، وقال له: أظهر أمرك، وادع الناس علانية، وشاع الاسلام بالمدينة، وكثر، ودخل فيه من البطنين جميعا أشرافهم، و


(1) النادى: مجلس القوم ومجتمعهم. (2) في المصدر: وأحتال عليه في أن يجيبك. (3) فصلت: 1 و 2.

[ 12 ]

ذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن الاوس والخزرج قد دخلوا في الاسلام، وكتب إليه مصعب بذلك، وكان كل من دخل في الاسلام من قريش ضربه قومه وعذبوه، فكأن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرهم أن يخرجوا إلى المدينة فكانوا يتسللون رجلا فرجلا (1) فيصيرون إلى المدينة، فينزلهم الاوس والخزرج عليهم ويواسونهم. قال: فلما قدمت الاوس والخزرج مكة جاءهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهم: تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربكم، وثوابكم على الله الجنة، قالوا: نعم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما شئت، فقال: موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق، فلما حجوا رجعوا إلى منى وكان فيهم ممن قد أسلم بشر كثير، وكان أكثرهم مشركين على دينهم، وعبد الله بن أبي فيهم، فقال لهم رسول الله في اليوم الثاني من أيام التشريق: فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة، ولا تنبهوا نائما وليتسلل واحد فواحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله نازلا في دار عبد المطلب وحمزة وعلي والعباس معه، فجاءه سبعون رجلا من الاوس والخزرج فدخلوا الدار فلما اجتمعوا قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: تمنعون لي جانبي حتى أتلوا عليكم كتاب ربي، وثوابكم على الله الجنة ؟ فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حزام (2): نعم يا رسول الله، فاشترط لنفسك ولربك. ففال رسول الله: تمنعونني مما تمنعون أنفسكم وتمنعون أهلي مما تمنعون أهليكم وأولادكم ؟ قالوا: فما لنا على ذلك ؟ قال: الجنة، تملكون بها العرب في الدنيا، وتدين لكم العجم، و تكونون ملوكا، فقالوا: قد رضينا، فقام العباس بن نضلة وكان من الاوس فقال: يا معشر الاوس والخزرج تعلمون على ما تقدمون عليه ؟ إنما تقدمون على حرب الاحمر والابيض، وعلى حرب ملوك الدنيا فإن علمتم أنه إذا أصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه وتركتموه فلا تغروه: فإن رسول الله وإن كان قومه


(1) في المصدر: رجل فرجل. (2) الصحيح حرام، وهو عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر الانصاري.

[ 13 ]

خالفوه فهو في عز ومنعة. فقال له عبد الله بن حزام وأسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التيهان: مالك وللكلام ؟ يا رسول الله ! بل دمنا بدمك، وأنفسنا بنفسك فاشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكفلون عليكم بذلك، كما أخذ موسى عليه السلام من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا، فقالوا: اختر من شئت، فأشار جبرئيل إليهم، فقال: هذا نقيب، وهذا نقيب، وهذا نقيب حتى اختار تسعة من الخزرج، وهم أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن حزام (1) أبو جابر بن عبد الله، ورافع بن مالك، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وعبادة بن الصامت، وثلاثة من الاوس وهم أبو الهيثم بن التيهان، وكان رجلا من اليمن، حليفا في بني عمرو بن عوف، وأسيد ابن حضير، وسعد بن خيثمه، فلما اجتمعوا وبايعوا رسول الله صاح بهم إبليس: يا معشر قريش والعرب هذا محمد والصباة (2) من الاوس والخزرج على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم فأسمع أهل منى فهاجت قريش وأقبلوا بالسلاح وسمع رسول الله النداء فقال للانصار: تفرقوا، فقالوا: يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم أؤمر بذلك ولم يأذن الله لي في محاربتهم، فقالوا: يا رسول الله فتخرج معنا، قال: أنتظر أمر الله، فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح، وخرج حمزة ومعه السيف فوقف على العقبة هو وعلي بن أبي طالب، فلما نظروا إلى حمزة قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم عليه ؟ قال: ما اجتمعنا، وما ههنا أحد، والله لا يجوز أحد هذه العقبة إلا ضربته بسيفي، فرجعوا وغدوا إلى عبد الله بن أبي وقالوا له: قد بلغنا أن قومك بايعوا محمدا على حربنا، فحلف لهم عبد الله أنهم


(1) تقدم أن الصحيح: حرام. (2) قال الجزرى في النهاية: كانت العرب تسمى النبي صلى الله عليه وآله الصابى لانه خرج من دين قريش إلى دين الاسلام، ويسمون من يدخل في الاسلام مصبوا، لانهم كانوا لا يهمزون. فأبدلوا من الهمزة واوا، ويسمون المسلمين الصباة بغير همز كانه جمع الصابى غير مهموز، كقاض وقضاة، وغاز وغزاة.

[ 14 ]

لم يفعلوا ولا علم له بذلك، وإنهم لم يطلعوه على أمرهم فصدقوه، وتفرقت الانصار ورجع رسول الله إلى مكة (1). بيان: الحبلة بالضم: الكرم، أو أصل من أصوله، ويحرك، والسبة بالضم العار، والمسبة: الذي يسب الناس، وقال الفيروز آبادي: بعاث بالعين وبالغين كغراب ويثلث: موضع بقرب المدينة، ويومه معروف، قوله: إن عهدك بهذا لقريب، لعل المعنى أنك قريب العهد بالتحية التي حييتك بها، فإنها كانت عادة قومك، أو بهذه التحية، أي ابتداءها، (2) فاصدق الله فيه، أي ابذل جهدك في هدايته لتكون صادقا عند الله فيما تدعي من نصرة دينه، وانسل وتسلل: خرج في استخفاء، وقال الجزري: في الحديث جاءت هوازن على بكرة أبيها، هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وأنهم جاؤوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت في هذا الموضع. 6 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن إبراهيم بن محمد الاشعري، عن عبيدة بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما توفي أبو طالب رضي الله عنه نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد اخرج من مكة، فليس لك بها ناصر، وثارت قريش بالنبي صلى الله عليه وآله، فخرج هاربا حتى جاء إلى جبل بمكة يقال له الحجون فصار إليه (3). 7 - قب: توفي أبو طالب بعد نبوته بتسع سنين وثمانية أشهر، وذلك بعد خروجه من الشعب بشهرين، وزعم الواقدي أنهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وفي هذه السنة توفي أبو طالب، وتوفيت خديجة بعده بستة أشهر وله ست وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرون يوما، ويقال: وهو


(1) اعلام الورى: 35 - 40. (2) لعله اعتذار من تحيته بتحية الجاهلية، وتركه تحية الاسلام. (3) اصول الكافي: 449.

[ 15 ]

ابن سبع وأربعين سنة وستة أشهر وأياما. أبو عبد الله بن منده (1) في كتاب المعرفة: إن وفاة خديجة بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. المعرفة (2): عن النسوي توفيت خديجة بمكة قبل الهجرة من قبل أن تفرض الصلاة على الموتى، وسمي ذلك العام عام الحزن، ولبث صلى الله عليه وآله بعدهما (3) بمكة ثلاثة أشهر، فأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فخرج جماعة من أصحابه بأهاليهم، وذلك بعد خمس من نبوته، وكان حصار الشعب وكتابة الصحيفة أربع وسنين، و قيل: ثلاث سنين، وقيل: سنتين، فلما توفي أبو طالب خرج إلى الطائف وأقام فيه شهرا، وكان معه زيد بن الحارث (4)، ثم انصرف إلى مكة، ومكث فيها سنة و ستة أشهر (5) في جوار مطعم بن عدي، وكان يدعو القبائل في المواسم، فكانت بيعة العقبة الاولى بمنى، فبايعه خمسة نفر من الخزرج، وواحد من الاوس في خفية من قومهم، وهم جابر بن عبد الله، وفطنة (6) بن عامر بن حزام، وعوف بن الحارث وحارثة بن ثعلبة، ومرثد بن الاسد، وأبو أمامة ثعلبة بن عمرو، ويقال: هو أسعد بن زرارة، فلما انصرفوا إلى المدينة وذكروا القصة وقرؤوا القرآن صدقوه، وفي السنة القابلة وهي العقبة الثانية أنفذوا معهم ستة اخرى (7) بالسلام والبيعة، وهم أبو الهيثم بن التيهان، وعبادة بن الصامت، وذكوان بن عبد الله ونافع بن مالك بن العجلان، وعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة حليف له، ويقال: مسعود بن الحارث، وعويم بن ساعدة حليف لهم، ثم أنفذ النبي صلى الله عليه وآله


(1) أي قال أبو عبد الله. (2) أي في كتاب المعرفة (3) أي بعد وفاة أبى طالب وخديجة، وفى المصدر: بعدها أي بعد ذلك العام (4) في نسخة: زيد بن حارثة. (5) تقدم في الخبر السابق ما ينافى ذلك فتأمل. (6) في المنتقى: قطبة بن عامر، ويأتي بعد ذلك وهو الصحيح. (7) في المصدر: آخرين

[ 16 ]

معهم ابن عمه مصعب بن هاشم (1)، فنزل دار أسعد بن زرارة فاجتمعوا عليه وأسلم أكثرهم إلا دار امية بن زيد وحطمة ووائل وواقف، فإنهم أسلموا بعد بدر وأحد والخندق، وفي السنة القابلة كانت بيعة الحرس كانوا من الاوس والخزرج سبعين رجلا وامرأتين، واختار صلى الله عليه وآله منهم اثني عشر نقيبا ليكونوا كفلاء قومه، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الاوس، فمن الخزرج أسعد وجابر والبراء بن معرور وعبد الله بن حزام وسعد بن عبادة والمنذر بن قمر وعبد الله بن رواحة و سعد بن الربيع، ومن القوافل عبادة بن الصامت، ومن الاوس أبو الهيثم وأسيد ابن حضير، وسعيد بن خيثمه (2). 8 - يج: من معجزاته صلى الله عليه وآله أن قريشا كلهم اجتمعوا وأخرجوا بني هاشم إلى شعب أبي طالب، ومكثوا فيه ثلاث سنين إلا شهرا، ثم أنفق أبو طالب وخديجة جميع مالهما، ولا يقدرون على الطعام إلا من موسم إلى موسم، فلقوا من الجوع و العرى ما الله أعلم به وإن الله قد بعث على صحيفتهم الارضة فأكلت كل ما فيها إلا اسم الله، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله لابي طالب، فما راع قريشا إلا وبني هاشم عنق (3) واحد قد خرجوا من الشعب، فقالوا: الجوع أخرجهم، فجاؤوا حتى أتو الحجر وجلسوا فيه، وكان لا يقعد فيه صبيان قريش (4)، فقالوا: يا أبا طالب قد آن لك أن تصالح قومك، قال: قد جئتكم مخبرا (5) ابعثوا إلى صحيفتكم لعله أن يكون بيننا وبينكم صلح فيها، فبعثوا إليها وهي عند ام أبي جهل، و كانت قبل في الكعبة، فخافوا عليها السراق فوضعت بين أيديهم وخواتيمهم عليها، فقال أبو طالب: هل تنكرون منها شيئا ؟ قالوا: لا، قال: إن ابن أخي حدثني


(1) تقدم في الخبر السابق انه مصعب بن عمير، وسيأتي أيضا، وهو الصحيح، والمصدر خال عن قوله: ابن عمه. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 150 و 151. (3) العنق: الجماعة. (4) في نسخة: لا يقعد فيه الا فتيان قريش. (5) في نسخة: جئتكم بخير.

[ 17 ]

ولم يكذبني قط أن الله قد بعث على هذه الصحيفة الارضة فأكلت كل قطيعة وإثم، و تركت كل اسم هو لله فإن كان صادقا أقلعتم عن ظلمنا، وإن يكن كاذبا ندفعه إليكم فقتلتموه، فصاح الناس ": أنصفتنا يا أبا طالب، ففتحت ثم اخرجت فإذا هي مشربة كما قال صلى الله عليه وآله فكبر المسلمون وامتقعت (1) وجوه المشركين، فقال أبو طالب: أتبين لكم أينا أولى بالسحر والكهانة ؟ فأسلم يومئذ عالم من الناس، ثم رجع أبو طالب إلى شعبه، ثم عيرهم هشام بن عمرو العامري بما صنعوا ببني هاشم (2). 9 - قب: روى الزهري في قوله تعالى: " ولقد مكناهم " الآيات (3) قال: لما توفي أبو طالب لم يجد النبي صلى الله عليه وآله ناصرا، ونثروا على رأسه التراب، قال: ما نال مني قريش شيئا حتى مات أبو طالب، وكان يستتر من الرمي بالحجر الذي عند باب البيت من يسار من يدخل، وهو ذراع وشبر في ذراع إذا جاءه من دار أبي لهب ودار عدي بن حمران وقالوا: لو كان محمد نبيا لشغلته النبوة عن النساء ولامكنه جميع الآيات، ولامكنه منع الموت عن أقاربه، ولما مات أبو طالب وخديجة فنزل: " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك (4) " الآية. الزهري في قوله تعالى: " فإن تولوا فقل حسبي الله (5) " الآية. لما توفي أبو طالب واشتد عليه البلاء عمد إلى ثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه سادتها، فلم يقبلوه وتبعه سفهاؤهم بالاحجار، ودموا رجليه، فخلص منهم واستظل في ظل حبلة منه (6) وقال: اللهم إني أشكو إليك من ضعف قوتي، وقلة حيلتي وناصري وهواني على الناس يا أرحم الراحمين. ثم ذكر حديث عداس كما مر في رواية الطبرسي.


(1) وامتقع مجهولا: تغير لونه من حزن أو فزع أو ريبة. (2) لم نجده في الخرائج المطبوع، وأسلفنا قبلا أن نسخة خرائج المصنف كانت مختلفة مع المطبوع. (3) الاحقاف: 26 و 27. (4) الرعد: 38. (5) التوبة: 129. (6) أي من بستان كما تقدم.

[ 18 ]

ابن مسعود: لما دخل النبي صلى الله عليه وآله الطائف رأى عتبة وشيبة جالسين على سرير فقالا: هو يقوم قبلنا، فلما قرب النبي منهما خر السرير ووقعا على الارض فقالا: عجز سحرك عن أهل مكة فأتيت الطائف. (1) 10 - شى: عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اكتتم رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة سنين ليس يظهر وعلي معه وخديجة، ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر، فظهر رسول الله صلى الله عليه وآله فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب، فإذا أتاهم قالوا: كذاب امض عنا. (2) 11 - اقول: قال الكازروني في المنتقى وغيره: في سنة ثمان من نبوته صلى الله عليه وآله تعاهد قريش وتقاسمت على معاداة رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك أنه لما أسلم حمزة وحمى النجاشي من عنده من المسلمين، وحامى رسول الله صلى الله عليه وآله عمه أبو طالب وقامت بنو هاشم وبنو عبد المطلب دونه وأبوا أن يسلموه فشا الاسلام في القبائل، واجتهد المشركون في إخفاء ذلك النور، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، فعرفت قريش أنه لا سبيل إلى محمد صلى الله عليه وآله اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، فكتبوا صحيفة في ذلك وكتب فيها جماعة (3) وعلقوها بالكعبة، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة فيهم، وزلزلوا زلزالا شديدا، وأبدت قريش لبني عبد المطلب الجفاء وثار بينهم شر وقالوا: لا صلح بيننا وبينكم، ولا رحم إلا على قتل هذا الصابئ، فعمد أبو طالب فأدخل الشعب ابن أخيه وبني أبيه ومن اتبعهم، فدخلوا شعب أبي طالب وآذوا النبي والمؤمنين أذيا شديدا، وضربوهم في كل طريق، وحصروهم في شعبهم وقطعوا عنهم المارة من الاسواق، (4) ونادى مناد الوليد بن المغيرة في قريش: أيما رجل


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 61 و 62. (2) تفسير العياشي: ج 2: 253. (3) في المصدر: جماعة من قريش. (4) زاد في المصدر: فلم يدعوا أحدا من الناس يدخل عليهم طعاما ولا شيئا مما يرفق به، وكانوا يخرجون من الشعب إلى الموسم، فكانت قريش تباكرهم إلى الاسواق فيشترونها و يغلونها عليهم.

[ 19 ]

منهم وجدتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه، فبقوا على ذلك ثلاث سنين حتى بلغ القوم الجهد الشديد حتى سمعوا أصوات صبيانهم يتضاغون - أي يصيحون من الجوع من وراء الشعب - وكان المشركون يكرهون ما فيه بنو هاشم من البلاء حتى كره عامة قريش ما أصاب بني هاشم، وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم القاطعة الظالمة حتى أراد رجال أن يبرؤوا منها، وكان أبو طالب يخاف أن يغتالوا رسول الله صلى الله عليه وآله ليلا أو سرا وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا أخذ مضجعه أو رقد جعله أبو طالب بينه وبين بنيه خشية أن يقتلوه، ويصبح قريش وقد سمعوا أصوات صبيان بني هاشم من الليل يتضاغون من الجوع، فيجلسون عند الكعبة فيسأل بعضهم بعضا فيقول الرجل لاصحابه: كيف بات أهلك البارحة ؟ فيقولون: بخير، فيقول: لكن إخوانكم هؤلاء الذين في الشعب باتت صبيانهم يتضاغون من الجوع، فمنهم من يعجبه ما يلقى محمد ورهطه، ومنهم من يكره ذلك، فأتى (1) من قريش على ذلك من أمرهم في بني هاشم سنتين أو ثلاثا حتى جهد القوم جهدا شديدا لا يصل إليهم شئ إلا سرا ومستخفى به ممن أراد صلتهم من قريش، حتى روي أن حكيم بن حزام خرج يوما ومعه إنسان يحمل طعاما إلى عمته خديجة بنت خويلد وهي تحت رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب، إذ لقيه أبو جهل فقال: تذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟ والله لا تبرح أنت ولا طعامك حتى أفضحك عند قريش، فقال له أبوالبختري بن هشام بن الحارث: تمنعه أن يرسل إلى عمته بطعام كان لها عنده ؟ فأبى أبو جهل أن يدعه، فقام إليه أبوالبختري بساق بعير فشجه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله وأصحابه فيشمتوا بهم، وحتى روي أن هشام بن عمرو بن ربيعة أدخل على بني هاشم في ليلة ثلاثة أحمال طعام، فعلمت بذلك قريش فمشوا إليه فكلموه في ذلك، فقال: إني غير عائد لشئ يخالفكم، ثم عاد الثانية فأدخل حملا أو حملين ليلا، وصادفته قريش وهموا به، فقال أبو سفيان: دعوه رجل وصل رحمه


(1) في المصدر: فأقامت قريش.

[ 20 ]

أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أجمل بنا، ووفق الله هشاما للاسلام يوم الفتح. (1) قال: وفي سنة عشر من نبوته صلى الله عليه وآله توفي أبو طالب، قال ابن عباس: عارض رسول الله صلى الله عليه وآله جنازة أبي طالب، فقال: وصلتك رحم، وجزاك الله خيرا يا عم. وفي هذه السنة توفيت خديجة بعد أبي طالب بأيام، ولما مرضت مرضها الذي توفيت فيه دخل عليها رسول الله فقال لها: بالكره مني ما أرى منك يا خديجة، وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا، أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون، قالت: وقد فعل الله ذلك يا رسول الله ؟ قال: نعم، قالت: بالرفاء والبنين، وتوفيت خديجة وهي بنت خمس


(1) ذكر في المصدر: هنا قصة الصحيفة مفصلا، ولعل نسخة المصنف كانت ناقصة، نذكرها مزيدا للفائدة، قال: ثم ان الله عزوجل برحمته أرسل على صحيفة قريش التى كتبوها - وفيها تظاهرهم على بنى هاشم - الارضة، فلم تدع فيها اسما هو لله عزوجل الا اكلته، وبقى فيها الظلم والقطيعة والبهتان، فأخبر الله عزوجل بذلك رسوله محمدا صلى الله عليه وآله فأخبر أبا طالب، فقال أبو طالب: يا ابن أخى من حدثك هذا وليس يدخل إلينا أحد، ولا تخرج أنت إلى أحد ؟ ولست في نفسي من أهل الكذب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أخبرني ربى هذا، فقال له عمه: إن ربك لحق، وأنا أشهد انك صادق، فجمع أبو طالب أهله ولم يخبرهم بما أخبره به رسول الله صلى الله عليه وآله كراهية أن يفشوا ذلك الخبر، فيبلغ المشركين فيحتالوا للصحيفة البحث والمكر، فانطلق أبو طالب برهطه حتى دخلوا المسجد والمشركون من قريش في ظل الكعبة، فلما ابصروا تباشروا به وظنوا أن الحصر والبلاء حملهم على أن يدفعوا إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فيقتلوه، فلما انتهى إليهم أبو طالب ورهطه رحبوا بهم وقالوا: قد آن لك أن تطيب نفسك عن قتل رجل في قتله صلاحكم وجماعتكم وفى حياته فرقتكم وفسادكم، فقال أبو طالب: قد جئتكم في امر لعله يكون فيه صلاح و جماعة، فاقبلوا ذلك منا، هلموا صحيفتكم التى فيها تظاهركم علينا، فجاؤا بها ولا يشكون الا انهم سيدفعون رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم إذا نشروها، فلما جاؤا بصحيفتهم قال أبو طالب: صحيفتكم بينى وبينكم، فان ابن أخى قد اخبرني ولم يكذبنى ان الله عزوجل قد بعث على صحيفتكم الارضة، فلم تدع لله فيها اسما الا أكلته، وبقى فيها الظلم والقطيعة والبهتان، فان كان كاذبا فلكم على ان ادفعه إليكم تقتلونه، وإن كان صادقا فهل ذلك - - >

[ 21 ]

وستين، ودفنت بالحجون، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله قبرها ولم يكن يومئذ سنة الجنازة والصلاة عليها، وروي عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير قال: لما توفي أبو طالب وخديجة وكان بينهما شهر وخمسة أيام اجتمعت على رسول الله صلى الله عليه وآله مصيبتان فلزم بيته، وأقل الخروج، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع، فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمد امض لما أردت، وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا فاصنعه، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت، وسب ابن غيطلة النبي صلى الله عليه وآله فأقبل عليه أبو لهب فنال منه، فولى يصيح: يا معشر قريش: صبأ أبو عتبة، فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب فقال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكني أمنع ابن أخي أن يصام (1) حتى يمضي لما يريد، قالوا: أحسنت وأجملت ووصلت الرحم، فمكث * (هامش) < - - ناهيكم عن تظاهركم علينا، فأخذ عليهم المواثيق واخذوا عليه، فلما نشروها فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانوا هم بالغدر أولى منهم، واستبشر أبو طالب وأصحابه، وقالوا: أينا أولى بالقطيعة والبهتان ؟ فقال المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف، وهشام ابن عمرو أخو عامر بن لوى بن حارثة، نحن براء من هذه الصحيفة القاطعة العادية الظالمة، ولن نمالى أحدا في فساد أنفسنا، وتتابع على ذلك ناس من اشراف قريش فخرج قوم من شعبهم وقد أصابهم الجهد الشديد، فقال أبو طالب في ذلك أشعارا منها: وقد جربوا فيما مضى غب أمرهم * وما عالم امرا كمن لا يجرب وقد كان في أمر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب القوم يعجب محا الله منهم كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من باطل الحق مغرب فاصبح ما قالوا من الامر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب فامسى ابن عبد الله فينا مصدقا * على سخط من قومنا غير معتب فلا تحسبونا مسلمين محمدا * لدى عزمة منا ولا متعزب ستمنعه منا يد هاشمية * مركبها في الناس خير مركب وكان الذى كتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن هاشم فشلت يده فيما يزعمون، وفى رواية ان الله تعالى اطلع نبيه صلى الله عليه وآله على أمر صحيفتهم، وأن الارضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم، وبقى ما كان من ذكر الله عزوجل في موضعي القصة. انتهى. أقول: الرواية الثانيه أصح لما تقدم في الاخبار وفى شعر أبى طالب. (1) أي يظلم ويقهر.

[ 22 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك أياما يذهب ويأتي لا يتعرض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب إذا جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل إلى أبي لهب فاحتالا حتى صرفاه عن نصرته صلى الله عليه وآله. (1) وفي هذه السنة خرج إلى الطائف وإلى ثقيف، عن محمد بن جبير قال: لما توفي أبو طالب تناولت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة وذلك في ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة، فأقام بها عشرة أيام، وقيل: شهرا، فآذوه ورموه بالحجارة، فانصرف إلى مكة، فلما نزل نخلة صرف الله إليه النفر من الجن، وروي أنه لما انصرف من الطائف عمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وقال: " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني، (2) أو إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لكن لك العتبى (3) حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ".


(1) هكذا في النسخ، والموجود في المصدر يغايره وهو هكذا، إذ جاء عقبة ابن أبى معيط وأبو جهل إلى ابى لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك اين مدخل أبيك ؟ فقال له أبو لهب: يا محمد اين مدخل عبد المطلب ؟ قال: مع قومه، فخرج أبو لهب إليهم فقال: قد سألته فقال: مع قومه، فقالا: يزعم انه في النار. فقال: يا محمد أيدخل عبد المطلب النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم، ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار، فقال أبو لهب والله ما برحت لك عدوا أبدا وانت تزعم أن عبد المطلب في النار، فاشتد عليه وسائر قريش انتهى. أقول لعل المصنف اختصره لغرابته وانه خلاف المذهب، وقصة أبى لهب من أولها إلى آخرها الرواية منفردة بها، ولم نظفر باولها في رواية اخرى. وآخرها ينافى مذهب الامامية في ايمان آباء النبي صلى الله عليه وآله والامر فيها هين لانها مروية من طرق العامة، لا يعتمد عليها. (2) تجهمه: استقبله بوجه عبوس كريه. (3) العتبى: الرضى.

[ 23 ]

قال: ولما دخل مكة كان يقف بالموسم على القبائل فيقول: يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وكان خلفه أبو لهب فيقول: لا تطيعوه، وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله كندة في منازلهم فدعاهم إلى الله عزوجل فأبوا، وأتى كلبا في منازلهم فلم يقبلوا منه، وأتى بني حنيفة في منازلهم فردوا عليه أقبح رد. وفي هذه السنة تزوج رسول الله بعائشة وسوده، وكانت عائشة بنت ست سنين حينئذ، وروي لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تتزوج ؟ قال: من ؟ قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا قال: فمن البكر ؟ قالت: بنت أبي بكر، قال: ومن الثيب ؟ قالت: سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول، قال: فاذهبي فاذكريهما علي، فذهبت إلى أبويهما وخطبتهما فقبلا وتزوجهما. وفي سنة إحدى عشرة من نبوته كان بدء إسلام الانصار، وذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في الموسم يعرض نفسه على القبائل فبينا هو على العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج، فقال: من أنتم: فقالوا: من الخزرج، قال: أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عزوجل، وعرض عليهم الاسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان اولئك يسمعون من اليهود أنه قد أظل زمان نبي يبعث، فلما كلمهم قال بعضهم لبعض: والله إنه للنبي الذي يعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه، وانصرفوا راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا، وكانوا ستة أنفس: أسعد بن زرارة، وعون بن الحارث وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن عجلان، و قطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، فلما قدموا المدينة على قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم دينهم فلم يبق دار من دور الانصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي سنة اثنتي عشرة من نبوته كان المعراج، وفي هذه السنة كانت بيعة العقبة الاولى، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج عامئذ إلى الموسم، وقد قدم من الانصار

[ 24 ]

اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الاولى فبايعهم رسول الله صلى الله عليه وآله. قال عبادة ابن الصامت: بايعنا رسول الله ليلة العقبة الاولى، ونحن اثنا عشر رجلا أنا أحدهم فلما انصرفوا بعث معهم مصعب بن عمير إلى المدينة يفقه أهلها ويقرئهم القرآن. وفي سنة ثلاث عشرة كانت بيعة العقبة الثانية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج إلى الموسم فلقيه جماعة من الانصار، فواعدوه العقبة من أوسط أيام التشريق، قال كعب بن مالك: اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعهم امرأتان من نسائهم: نسيبة بنت كعب أم عمار، وأسماء بنت عمرو بن عدي وهي أم منيع فبايعنا وجعل علينا اثنا عشر نقيبا منا: تسعة من الخزرج، وثلاثة من الاوس، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بالخروج إلى المدينة، فخرجوا أرسالا، وأقام هو بمكة ينتظر أن يؤذن له. (1) بيان: الارسال بالفتح جمع الرسل بالتحريك وهو القطيع من كل شئ، أي زمرا زمرا، ويحتمل الارسال بالكسر وهو الرفق والتوءدة. 12 - يه: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على خديجة وهي لما بها، فقال لها: بالرغم منا ما نرى بك يا خديجة، فإذا قدمت على ضرائرك فأقرئيهن السلام فقالت: من هن يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وآله: مريم بنت عمران، وكلثم اخت موسى، وآسية امرأة فرعون، قالت: بالرفاء يا رسول الله. بيان: قوله: هي لما بها، اللام ظرفية، أو بمعنى إلى، والمعنى أنها كانت في الاحتضار، قوله صلى الله عليه وآله: بالرغم منا ما نرى بك، قوله: " ما نرى " مبتدأ، وبالرغم خبر، أي ما نرى بك متلبس بالرغم والكراهة منا، والرفاء بالكسر: الاتفاق والالتيام والبركة والنماء. 13 - مصبا: في السادس والعشرين من شهر رجب كانت وفاة أبي طالب رحمة الله


(1) المنتقى في مولود المصطفى: 65 - 77، الباب الخامس فيما كان سنة ثمان من نبوته صلى الله عليه وآله إلى الباب التاسع فيما كان سنة ثلاث عشر من نبوته. واختصر المصنف القضايا المنقولة فيه، ونقل بعضها معنى.

[ 25 ]

عليه على قول ابن عياش. (1) 14 - ص: إن أبا طالب رضي الله عنه توفي في آخر السنة العاشرة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم توفيت خديجة رضي الله عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام، فسمى رسول الله ذلك العام عام الحزن، فقال: ما زالت قريش قاعدة عني حتى مات أبو طالب. (2) 15 - قب: كان النبي صلى الله عليه وآله يعرض نفسه على قبائل العرب في الموسم، فلقي رهطا من الخزرج فقال: ألا تجلسون أحدثكم ؟ قالوا: بلى، فجلسوا إليه فدعاهم إلى الله، وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون ؟ والله إنه النبي الذي كان يوعدكم به اليهود، فلا يسبقنكم إليه أحد، فأجابوه، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم، وعسى أن يجمع الله بينهم بك، فستقدم (3) عليهم وتدعوهم إلى أمرك، وكانوا ستة نفر، قال: فلما قدموا المدينة فأخبروا قومهم بالخبر فما دار حول إلا وفيها حديث رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الانصار اثنا عشر رجلا، فلقوا النبي صلى الله عليه وآله فبايعوه على بيعة النساء (4) ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، إلى آخرها، ثم انصرفوا، وبعث معهم مصعب بن عمير يصلي بهم، وكان بينهم بالمدينة يسمى المقرئ فلم يبق دار في المدينة إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا دار امية وحطيمة ووائل وهم من الاوس، ثم عاد مصعب إلى مكة، وخرج من خرج من الانصار إلى الموسم مع حجاج قومهم، فاجتمعوا في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلا، وامرأتان في أيام التشريق بالليل، فقال صلى الله عليه وآله: ابايعكم على الاسلام، فقال له بعضهم:


(1) المصباح: 566. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) في المصدر: فتقدم. (4) المراد ببيعة النساء ما ورد في سورة الممتحنة من قوله تعالى: " يا ايها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن " إلى آخر الآية: 12.

[ 26 ]

نريد أن تعرفنا يا رسول الله ما لله علينا، وما لك علينا، وما لنا على الله، فقال: أما ما لله عليكم فأن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأما ما لي عليكم فتنصرونني مثل نسائكم وأبنائكم، وأن تصبروا على عض السيف وإن يقتل خياركم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك ما لنا على الله ؟ قال: أما في الدنيا فالظهور على من عاداكم، وفي الآخرة رضوانه والجنة، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق لنمنعك (1) بما نمنع به ازرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب، و أهل الحلفة، ورثناها كبارا عن كبار، فقال أبو الهيثم: إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا إن قطعناها أو قطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، احارب من حاربتم واسالم من سالمتم، ثم قال: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا، فاختاروا، ثم قال: ابايعكم كبيعة عيسى بن مريم للحواريين كفلاء على قومهم بما فيهم، وعلى أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فبايعوه على ذلك، فصرخ الشيطان في العقبة: يا أهل الجباجب هل لكم في محمد والصباة معه ؟ قد اجتمعوا على حربكم، ثم نفر الناس من منى، وفشا الخبر فخرجوا في الطلب فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه وربطوه بنسع (2) رحله، وأدخلوه مكة يضربونه، فبلغ خبره إلى جبير بن مطعم والحارث ابن حرب بن امية فأتياه وخلصاه، وكان النبي صلى الله عليه وآله لم يؤمر إلا بالدعاء والصبر على الاذى، والصفح عن الجاهل، فطالت قريش على المسلمين، فلما كثر عتوهم امر بالهجرة، فقال صلى الله عليه وآله: إن الله قد جعل لكم دارا وإخوانا تأمنون بها فخرجوا أرسالا حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله إلا علي وأبو بكر، فحذرت قريش خروجه، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة وهي دار قصي بن


(1) في نسخة: لنمنعنك. (2) النسع: سير أو حبل عريض طويل تشد به الرحال.

[ 27 ]

كلاب يتشاورون في أمره (1) وساق الحديث إلى آخر ما سيأتي في الباب الآتي برواية الشيخ عن ابن أبي هالة. بيان: يسمي المقرئ لانه كان يقرئهم القرآن. وقال الجزري: في حديث بيعة العقبة: لنمنعك مما نمنع منه ازرنا، أي نساءنا، وأهلنا، كني عنهن بالازر وقيل: أراد أنفسنا، وقد يكنى عن النفس بالازر، وقال في قوله: والهدم الهدم: يروى بسكون الدال وفتحها، فالهدم بالتحريك، القبر، يعني أني اقبر حيث تقبرون، وقيل: هو المنزل، أي منزلكم منزلي، وفي الحديث الآخر: المحيى محياكم، والممات مماتكم، أي لا افارقكم، والهدم بالسكون والفتح أيضا هو إهدار دم القتيل، يقال: دماؤهم بينهم هدم، أي مهدرة، والمعنى إن طلب دمكم فقد طلب دمي، وإن أهدر دمكم فقد اهدر دمي لاستحكام الالفة بيننا، وهو قول معروف للعرب يقولون: دمي دمك وهدمي هدمك، وذلك عند المعاهدة والنصرة، وقال: في حديث بيعة الانصار: نادى الشيطان، يا أصحاب الجباجب، هي، جمع جبجب بالضم، وهو المستوي من الارض ليس بحزن، وهي ههنا أسماء منازل سميت به، قيل: لان كروش الاضاحي تلقى فيها أيام الحج، والجبجبة الكرش، يجعل فيها اللحم يتزود في الاسفار.


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 156 - 158.

[ 28 ]

6. (باب) * (الهجرة ومباديها، ومبيت على عليه السلام على فراش النبي) * * (صلى الله عليه وآله، وما جرى بعد ذلك إلى دخول المدينة) * الايات: النساء " 4 ": إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فاولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا * ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما. 97 - 100. الانفال " 8 ": وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين 30. وقال تعالى: وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون 34. وقال تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا اولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير * والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير * والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله و الذين آووا ونصروا اولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم * والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم واولوا الارحام بعضهم أولى

[ 29 ]

ببعض في كتاب الله إن الله بكل شئ عليم 72 - 75. التوبة " 9 ": إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم 39. النحل " 16 ": والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون 41 و 42. وقال تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم - إلى قوله تعالى: - ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم 106 - 110. الحج " 32 ": والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين * ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم 58 و 59. العنبكوت " 29 ": يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون - إلى قوله تعالى: - وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم 56 - 60. محمد " 47 ": وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم 13. المزمل " 73 " واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا 10. تفسير: قوله تعالى " إن الذين توفاهم الملائكة " قال الطبرسي رحمه الله: قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أن المشركين يوم بدر لم يخلفوا إذ خرجوا أحدا إلا صبيا أو شيخا كبيرا أو مريضا، فخرج معهم ناس ممن تكلم بالاسلام، فلما التقى المشركون و

[ 30 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله نظر الذين كانوا قد تكلموا بالاسلام إلى قلة المسلمين فارتابوا فاصيبوا فيمن اصيب من المشركين، فنزلت فيهم الآية، وهو المروي عن ابن عباس والسدي وقتادة، وقيل: إنهم قيس بن الفاكهة بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الاسود وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن المنبه بن الحجاج، وعلي بن امية ابن خلف، عن عكرمة، ورواه أبو الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام، قال ابن عباس: كنت أنا من المستضعفين، وكنت غلاما صغيرا، وذكر عنه أيضا أنه قال: كان أبي من المستضعفين من الرجال، وكانت امي من المستضعفات من النساء، وكنت أنا من المستضعفين من الولدان. " توفاهم الملائكة " أي تقبض أرواحهم " فيم كنتم " أي في أي شئ كنتم من دينكم على وجه التقرير أو التوبيخ " مستضعفين في الارض " أي يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا يمنعوننا من الايمان " قالوا " أي الملائكة " فتهاجروا فيها " أي فتخرجوا من أرضكم، وتفارقوا من يمنعكم من الايمان " إلا المستضعفين " أي الذين استضعفهم المشركون (1) ويعجزون عن الهجرة لاعسارهم وقلة حيلتهم " ولا يهتدون سبيلا " في الخلاص من مكة " مراغما كثيرا وسعة " أي متحولا من الارض وسعة في الرزق، وقيل: مزحزحا عما يكره وسعة من الضلالة إلى الهدى، وقيل: مهاجرا فسيحا ومتسعا مما كان فيه من الضيق " ومن يخرج من بيته " قيل: لما نزلت آيات الهجرة سمعها رجل من المسلمين وهو جندع، أو جندب بن ضمرة، وكان بمكة فقال: والله ما أنا ممن استثنى الله، إني لاجد قوة، وإني لعالم بالطريق، وكان مريضا شديد المرض، فقال لبنيه: والله لا أبيت بمكة حتى أخرج منها، فإني أخاف أن أموت فيها، فخرجوا يحملونه على سرير حتى إذا بلغ التنعيم مات، فنزلت الآية، عن أبي حمزة الثمالي وعن قتادة وعن سعيد بن جبير، وقال عكرمة: وخرج جماعة من مكة مهاجرين فلحقهم المشركون وفتنوهم عن دينهم فافتتنوا، فأنزل الله فيهم: " ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله " فكتب بها المسلمون إليهم، ثم نزلت فيهم:


(1) في المصدر: " من الرجال والنساء والولدان " وهم الذين يعجزون.

[ 31 ]

" ثم ان ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم " مهاجرا من أرض الشرك فارا بدينه إلى الله ورسوله " ثم يدركه الموت " قبل بلوغه دار الهجرة " فقد وقع أجره على الله " أي ثواب عمله وجزاء هجرته على الله، وروى الحسن، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الارض استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وآلهما. (1) وقال رحمه الله في قوله تعالى: " وإذ يمكر بك " قال المفسرون: إنها نزلت في قصة دار الندوة، وذلك أن نفر من قريش اجتمعوا فيها وهي دار قصي بن كلاب وتآمروا في أمر النبي صلى الله عليه وآله، فقال عروة بن هشام: نتربص به ريب المنون، وقال أبوالبختري: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه، وقال أبو جهل: ما هذا برأي، ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد، فنرضى حينئذ بنو هاشم بالدية، فصوب إبليس هذا الرأي وكان قد جاءهم في صورة شيخ كبير من أهل نجد، وخطأ الاولين فاتفقوا على هذا الرأي وأعدوا الرجال والسلاح، وجاء جبرئيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج إلى الغار وأمر عليا عليه السلام فبات على فراشه، فلما أصبحوا وفتشوا عن الفراش وجدوا عليا وقد رد الله مكرهم، فقالوا: أين محمد ; قال: لا أدري، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الجبل ومروا بالغار رأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو كان ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثة أيام ثم قدم المدينة " الذين كفروا " وهم مشركو العرب، ومنهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والنضر بن حارث، وأبو جهل بن هشام، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الاسود، وحكيم بن حزام، وامية بن خلف وغيرهم " ليثبتوك " أي ليقيدوك فيثبتوك في الوثاق أو في الحبس ويسجنوك في بيت، وقيل: ليثخنوك بالجراحة والضرب عن أبان بن


(1) مجمع البيان 3: 98 - 100.

[ 32 ]

تغلب وغيره " أو يخرجوك " أي من مكة إلى طرف من أطراف الارض، وقيل: أو يخرجوك على بعير ويطردونه حتى يذهب في وجهه (1). قال: ولما هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وأخرجوه من مكة أنزل الله سبحانه: " وما لهم ألا يعذبهم الله " الآية، فعذبهم الله بالسيف يوم بدر " وما كانوا أولياءه " أي ما كان المشركون أولياء المسجد الحرام وإن سعوا في عمارته، وما أولياء المسجد الحرام إلا المتقون عن الحسن، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل ما كانوا أولياء الله إن أولياء الله إلا المتقون (2). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجروا " قيل: نزلت في الميراث، وكانوا يتوارثون بالهجرة، وجعل الله الميراث للمهاجرين والانصار دون ذوي الارحام، وكان الذي آمن ولم يهاجر لم يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر وكانوا يعملون بذلك حتى نزل: " واولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " فنسخت هذا، وصار الميراث لذوي الارحام المؤمنين (3)، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والسدي " والذين آووا " أي النبي صلى الله عليه وآله والمهاجرين بالمدينة وهم الانصار " اولئك بعضهم أولياء بعض " في النصرة أو التوارث، وقيل: في نفوذ أمان بعضهم على بعض (4)، وعن أبي جعفر عليه السلام أنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى " وإن استنصروكم في الدين " أي إن طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا منكم النصرة لهم على الكفار وإعانتهم في الدين " فعليكم النصر (5) " ة والمعونة لهم في


(1) مجمع البيان 4: 537. (2) مجمع البيان 4: 539 و 540. (3) زاد في المصدر: ولا يتوارث أهل الملتين. (4) زاد في المصدر: فان واحدا من المسلمين لو أمن إنسانا نفذ أمانه على سائر المسلمين " والذين آمنوا ولم يهاجروا " إلى المدينة " ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " أي ما لكم من ميراثهم من شئ حتى يهاجروا، فحينئذ يحصل بينكم التوارث، فان الميراث كان منقطعا في ذلك الوقت بين المهاجرين وغير المهاجرين، وروى عن أبي جعفر عليه السلام اه‍. (5) في المصدر: فعليكم النصر، والمعونة، وليس عليكم نصرتهم في غير الدين.

[ 33 ]

الدين " إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " أي إلا أن يطلبوا منكم النصرة على قوم من المشركين بينكم وبينهم أمان وعهد يجب الوفاء به فلا تنصروهم عليهم لما فيه من نقض العهد " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " أي أنصار بعض أو أولى ببعض في الميراث " إلا تفعلوه " أي ما امرتم به في الآية الاولى والثانية " تكن فتنة في الارض وفساد كبير " على المؤمنين الذين لم يهاجروا، والفتنة: المحنة بالميل إلى الضلال، والفساد الكبير: ضعف الايمان (1). وقال في قوله تعالى: " إلا تنصروه فقد نصره الله ": أي إن لم تنصروا النبي صلى الله عليه وآله على قتال العدو فقد فعل الله به النصر " إذ أخرجه الذين كفروا " من مكة فخرج يريد المدينة " ثاني اثنين إذ هما في الغار " يعني أنه كان هو وأبو بكر في الغار ليس معهما ثالث (2)، وأراد به هنا غار ثور، وهو جبل بمكة " إذ يقول لصاحبه " أي إذ يقول الرسول صلى الله عليه وآله لابي بكر: " لا تحزن " أي لا تخف " إن الله معنا " يريد أنه مطلع علينا، عالم بحالنا، فهو يحفظنا وينصرنا، قال الزهري: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وأبو بكر الغار أرسل الله زوجا من الحمام حتى باضا في أسفل الثقب (3)، والعنكبوت حتى نسج بيتا، فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام وبيت العنكبوت قال: لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسخ (4) بيت العنكبوت فانصرف، وقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم أعم أبصارهم " فعميت أبصارهم عن دخوله، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار. وقال أبو بكر: لو نظروا (5) إلى أقدامهم لرأونا، ونزل رجل من قريش فبال على باب الغار، فقال أبو بكر: قد أبصرونا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم


(1) مجمع البيان 4: 561 و 562. (2) زاد في المصدر: أي وهو احد اثنين، ومعناه فقد نصره الله منفردا من كل شئ إلا من ابى بكر. (3) في نسخة: في اسفل النقب. (4) في نسخة: وتفتح بيت العنكبوت. (5) في نسخة، لو نزلوا.

[ 34 ]

" فأنزل الله سكينته عليه " يعني على محمد صلى الله عليه وآله، أي ألقى في قلبه ما سكن به " وأيده بجنود لم تروها " أي بملائكة يضربون وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه، وقيل: قواه بالملائكة (1) يدعون الله تعالى له، وقيل: أعانه بالملائكة يوم بدر، وقال بعضهم: يجوز أن يكون الهاء في " عليه " راجعة إلى أبي بكر، وهذا بعيد، لان الضمائر قبل هذا وبعده تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله بلا خلاف (2)، فكيف يتخللها ضمير عائد إلى غيره هذا وقد قال سبحانه في هذه السورة " ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين (3) " وقال في سورة الفتح كذلك (4)، فتخصيص النبي في هذه الآية بالسكينة يدل على عدم إيمان من معه (5) " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى " المراد بكلمتهم وعيدهم النبي صلى الله عليه وآله وتخويفهم له، أو كلمة الشرك، وكلمة الله وعده بالنصر، أو كلمة التوحيد (6). وقال في قوله تعالى: " والذين هاجروا في الله ": نزلت في المعذبين بمكة مثل صهيب وبلال وعمار وخباب (7) وغيرهم، مكنهم الله في المدينة، وذكر أن


(1) في المصدر: بملائكة. (2) في المصدر: وذلك في قوله: " إلا تنصروه فقد نصره الله " وفى قوله: " إذ اخرجه " وقوله: " لصاحبه " وقوله فيما بعده: " وأيده ". (3) الاية: 28. (4) في المصدر: وقال في سورة الفتح: " فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين " أقول: هذا هو الصحيح راجع سورة الفتح 48 و 26. (5) لم نجد قوله: " فتخصيص النبي صلى الله عليه وآله " إلى هما في المصدر، بل الموجود مكانه هكذا: وقد ذكرت الشيعة في تخصيص النبي صلى الله عليه وآله في هذه الاية بالسكينة كلا ما رأينا الاضراب عن ذكره أحرى لئلا ينسبنا ناسب إلى شئ انتهى. (6) مجمع البيان 5، 31 و 32. (7) خباب بتشديد الباء الاول كشداد هو خباب بن الارت التميمي أبو عبد الله من السابقين إلى الاسلام، وكان يعذب في الله، شهد بدرا ثم نزل الكوفة ومات بها سنة 37 " وقيل: 39 " وترحم عليه أمير المؤمنين عليه السلام وقال: رحم الله خبابا، أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلى في جسمه احوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.

[ 35 ]

صهيبا قال لاهل مكة: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرركم، فخذوا مالي ودعوني، فأعطاهم ماله، وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له أبو بكر: ربح البيع يا صهيب (1) " لنبوئنهم في الدنيا حسنة " أي بلدة حسنة وهي المدينة، أو حالة حسنة وهي النصر على الاعداء (2). وقال في قوله تعالى: " إلا من اكره ": نزل في جماعة اكرهوا، وهم عمار وياسر أبوه وامه سمية، وصهيب وبلال وخباب عذبوا، وقتل أبو عمار وأمه فأعطاهم عمار بلسانه مما أرادوا منه، ثم اخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال قوم: كفر عمار، فقال صلى الله عليه وآله: كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه، وجاء عمار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي فقال صلى الله عليه وآله: ما وراك، قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح عينيه ويقول: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت، فنزلت الآية، عن ابن عباس وقتادة، وقيل: نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا وخرجوا يريدون المدينة فأدركهم قريش وفتنوهم فتكلموا بكلمة الكفر كارهين عن مجاهد وقيل: إن ياسر وسمية أبوا (3) عمار أول شهيدين في الاسلام، وقوله: " من كفر بالله * ومن شرح بالكفر صدرا " هو عبد الله بن سعيد (4) بن أبي سرح من بني عامر بن لوي، وأما قوله: " ثم إن ربك للذين هاجروا " الآية، قيل: إنها نزلت في عباس (5) بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة، وأبي جندل بن سهيل بن عمرو


(1) في سيرة ابن هشام 2: 89: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ربح صهيب، ربح صهيب. (2) مجمع البيان 6: 361. (3) في المصدر: أبوى عمار. (4) في المصدر: عبد الله بن سعد. (5) في المصدر: عياش، وهو الصحيح، والرجل هو عياش بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى، واسم ابيه عمرو ويلقب ذا الرمحين، أسلم قديما وهاجر الهجرتين. استشهد باليمامة وقيل: باليرموك، وقيل: مات سنة 15.

[ 36 ]

والوليد بن المغيرة، وغيرهم من أهل مكة، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ثم إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا فنزلت الآية فيهم " وقلبه مطمئن " أي ساكن " بالايمان " ثابت عليه، فلا حرج عليه في ذلك " ولكن من شرح بالكفر صدرا " أي من اتسع قلبه للكفر وطابت نفسه به " من بعد ما فتنوا " أي عذبوا في الله و ارتدوا على الكفر فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم " ثم جاهدوا " مع النبي صلى الله عليه وآله " وصبروا " على الدين والجهاد " إن ربك من بعدها " أي من بعد تلك الفتنة أو الفعلة التي فعلوها من التفوه بكلمة الكفر (1). وقال في قوله تعالى: " يا عبادي الذين آمنوا ": قيل: إنها نزلت في المستضعفين من المؤمنين بمكة، أمروا بالهجرة عنها، ونزل قوله: " وكأين من دابة " في جماعة كانوا بمكة يؤذيهم المشركون، فأمروا بالهجرة إلى المدينة، فقالوا: كيف نخرج إليها وليس لنا بها دار ولا عقار ؟ من يطعمنا ومن يسقينا ؟ " إن أرضي واسعة " فاهربوا من أرض يمنعكم أهلها من الايمان والاخلاص في عبادتي. وقال أبو عبد الله عليه السلام: معناه إذا عصي الله في أرض أنت فيها فاخرج منها إلى غيرها " وكأين من دابة " أي وكم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا، وقيل: معناه لا يطيق حمل رزقها لضعفها، وتأكل بأفواهها (2). وفي قوله تعالى: " من قريتك ": يعني مكة " التي أخرجتك " أي أخرجك أهلها، والمعنى كم من رجال هم أشد من أهل مكة " أهلكناهم فلا ناصر لهم " يدفع عنهم إهلاكنا إياهم، فما الذي يؤمن هؤلاء أن أفعل بهم مثل ذلك (3). قوله تعالى: واهجرهم هجرا جميلا " ذهب المفسرون إلى أن المراد مجانبتهم ومداراتهم وعدم مكافاتهم، ولا يبعد أن يكون المراد الهجرة من مكة إلى المدينة.


(1) مجمع البيان 6: 387 و 388. (2) مجمع البيان 8: 290 و 291. (3) مجمع البيان 9: 100.

[ 37 ]

1 - فس: " وما كانوا ألياءه " يعني قريشا ما كانوا أولياء مكة " إن أولياؤه إلا المتقون " أنت وأصحابك يا محمد، فعذبهم الله بالسيف يوم بدر فقتلوا (1). 2 - فس: " إن الذين آمنوا وهاجروا " إلى قوله: " أولياء بعض " فإن الحكم كان في أول النبوة أن المواريث كانت على الاخوة لا على الولادة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة آخى بين المهاجرين والمهاجرين، وبين الانصار والانصار وآخى بين المهاجرين والانصار، فكان إذا مات الرجل (2) يرثه أخوه في الدين ويأخذ المال، وكان ما ترك له دون ورثته، فلما كان بعد بدر أنزل الله: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا (3) " فنسخت آية الاخوة " بعضهم أولى ببعض ". قوله: " والذين آمنوا ولم يهاجروا " الآية فإنها نزلت في الاعراب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله صالحهم على أن يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا إلى المدينة، وعلى أنه إن أرادهم رسول الله صلى الله عليه وآله غزا بهم ولم يكن لهم في الغنيمة شئ، وأوجبوا على النبي صلى الله عليه وآله أنه إن أرادهم الاعراب من غيرهم أو دهاهم دهم من عدوهم أن ينصرهم إلا على قوم بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وآله عهد و ميثاق إلى مدة " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " يعني يوالي بعضهم بعضا، ثم قال: " إلا تفعلوه " يعني إن لم تفعلوه، فوضع حرف مكان حرف " تكن فتنة " أي كفر في الارض " وفساد كبير " ثم قال: " والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فاولئك منكم واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " قال: نسخت قوله: " والذين عاهدت (4) أيمانكم فآتوهم نصيبهم (5).


(1) تفسير القمى: ص 253 و 254. (2) في المصدر: فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة آخى بين المهاجرين وبين الانصار، فكان إذا مات الرجل إه‍. (3) الاحزاب: 6. (4) هكذا في النسخ، وفى المصدر: " والذين عقدت " وهو الصحيح راجع سورة النساء: 33. (5) تفسير القمى: ص 256 و 257.

[ 38 ]

3 - فس: " والذين هاجروا في الله " أي هاجروا وتركوا الكفار في الله " لنبوئنهم " أي لنثبتنهم. (1) 4 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة " يقول: لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك، فإن خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم فإن أرضي واسعة (2). 5 - فس: " وكأين من قرية " الآية قال: إن الذين أهلكناهم من الامم السالفة كانوا أشد قوة من قريتك، يعني أهل مكة الذين أخرجوك منها، فلم يكن لهم ناصر (3). 6 - أقول: قال في المنتقى كانت الهجرة سنة أربع عشرة من المبعث، وهي سنة أربع وثلاثين من ملك كسرى پرويز، سنة تسع لهرقل (4)، وأول هذه السنة المحرم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله مقيما بمكة لم يخرج منها، وقد كان جماعة خرجوا في ذي الحجة، وقال محمد بن كعب القرظي: (5) اجتمع قريش على بابه وقالوا: إن محمدا يزعم أنكم إن بايعتموه كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم بعد موتكم فجعل لكم جنان كجنان الارض وإن لم تفعلوا كان لكم من الذبح ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون بها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ حفنة (6) من تراب ثم قال: نعم أنا أقول ذلك، فنثر التراب على رؤوسهم وهو يقرأ " يس " (7) إلى قوله:


(1) تفسير القمى: 360. (2) تفسير القمى: 497. (3) تفسير القمى: 626. (4) هرقل بكسر الها وفتح الراء وسكون القاف أو كزبرج: ملك الروم، اول من ضرب الدنانير، واول من أحدث البيعة. (5) بضم القاف وفتح الراء منسوب إلى قريظة، والرجل هو محمد بن كعب بن سليم بن أسد أبو حمزة القرظى المدنى، كان من فضلاء المدينة، نزل الكوفة مدة، ولد سنة اربعين وتوفى بالمدينة سنة 120 وقيل: قبل ذلك، يروى عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما. (6) الحفنة: ملء الكفين. (7) السورة: 36.

[ 39 ]

" وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (1) " فلم يبق منهم رجل وضع على رأسه التراب إلا قتل يوم بدر، ثم انصرف إلى حيث أراد فأتاهم آت لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ههنا ؟ قالوا: محمدا، قال: قد والله خرج محمد عليكم ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه التراب وانطلق لحاجته فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه التراب، ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متشحا (2) ببرد رسول الله صلى الله عليه وآله، فيقولون: إن هذا لمحمد نائم عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي من الفراش فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا به. وروى الواقدي عن أشياخه أن الذين كانوا ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الليلة من المشركين أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر ابن الحارث، وامية بن خلف، وابن الغيطلة، وزمعة بن الاسود، وطعمة بن عدي وأبو لهب، وأبي بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، فلما أصبحوا قام علي عليه السلام من الفراش فسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لا علم لي به. وروي أنهم ضربوا عليا وحبسوه ساعة ثم تركوه. وأورد الغزالي في كتاب إحياء العلوم أن ليلة بات علي بن أبي طالب عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله أوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل أني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بحياته ؟ فاختار كل منهما الحياة وأحباها، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب عليه السلام، آخيت بينه وبين محمد، فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الارض فاحفظاه من عدوه، فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل عليه السلام ينادي: بخ بخ، من مثلك يابن أبي طالب ؟ يباهي الله بك الملائكة، فأنزل الله عزوجل: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله


(1) الاية: 9. (2) توشح بثوبه: لبسه أو أدخله تحت ابطه فالقاه على منكبه.

[ 40 ]

والله رؤوف بالعباد (1) ". أقول: وساق حديث الغار إلى أن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله حين أتى الغار دعا بشجرة فأتته فأمرها أن تكون على باب الغار، وبعث الله حمامتين فكانتا على فم الغار، و نسج العنكبوت على فم الغار، ثم أقبل فتيان قريش، وكان أبو جهل قد أمر مناديا ينادي بأعلى مكة وأسفلها: من جاء بمحمد أو دل عليه فله مائة بعير، أو جاء بابن أبي قحافة أو دل عليه فله مائة بعير، فلما رأوا الحمامتين ونسج العنكبوت على فم الغار انصرفوا فدعا النبي صلى الله عليه وآله للحمام، وفرض جزاءهن، وانحدرن في الحرم، ونهى عن قتل العنكبوت، وقال: هي جند من جنود الله. وروي عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يتطير، وكان يتفأل، وكانت قريش جعلت مائة من الابل فيمن يأخذ نبي الله صلى الله عليه وآله فيرده عليهم حين توجه إلى المدينة، فركب بريدة (2) في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فتلقى نبي الله صلى الله عليه وآله، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله: من أنت ؟ قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر برد أمرنا وصلح، ثم قال: وممن أنت ؟ قال: من أسلم قال صلى الله عليه وآله: سلمنا، قال: ممن ؟ قال: من بني سهم، قال: خرج سهمك، فقال بريدة للنبي صلى الله عليه وآله: من أنت ؟ فقال: أنا محمد بن عبد الله رسول الله، فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا فلما أصبح قال بريدة للنبي صلى الله عليه وآله: لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء، فحل عمامته ثم شدها في رمح، ثم مشى بين يديه فقال: يا نبي الله تنزل علي ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله: إن ناقتي هذه مأمورة، قال بريدة: الحمد لله أسلمت بنو سهم طائعين غير مكرهين (3).


(1) البقرة: 207. (2) من المدينة متوجها إلى مكة. والرجل هو بريدة بن الحصيب أبو سهل الاسلمي. (3) المنتقى في مولد المصطفى: الفصل الثاني في خروجه صلى الله عليه وآله وخروج ابى بكر إلى الغار.

[ 41 ]

بيان: قال في الفائق: برد أمرنا، أي سهل، من العيش البارد، وهو الناعم السهل، وقيل: ثبت، من برد لي عليه حق، خرج سهمك: أي ظفرت، وأصله أن يجيلوا السهام على شئ، فمن خرج سهمه حازه. ثم قال في المنتقى: وروي بالاسناد المتصل عن خرام (1) بن هشام بن جيش (2) عن أبيه، عن جده صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله أن النبي صلى الله عليه وآله لما خرج مهاجرا من مكة خرج هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الاريقط فمروا على خيمة ام معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرا ولحما يشترون، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، فإذا القوم مرملون مسنتون، فقالت: والله لو كان عندنا شئ ما أعوزناكم القرى، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا ام معبد ؟ فقالت شاة خلفها الجهد من الغنم، قال: هل بها من لبن ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين أن أحلبها ؟ قالت: نعم بأبي أنت وامي إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح بيده ضرعها، وسمى الله عزوجل ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب رسول الله صلى الله عليه وآله آخرهم ثم أراضوا ثم حلب ثانيا بعد بدء (3) حتى امتلا الاناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها، وارتحلوا فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزالا، مخاخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: من أين لك هذا اللبن يا ام معبد، و الشاة عازب (4) حيال ولا حلوبة بالبيت ؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا ام معبد، قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة


(1) في المصدر: حزام بالحاء المهملة والزاى المعجمة ولعله الصواب. (2) في نسخة: حبش، وفى اخرى: حبيش ولعله الصحيح. (3) في نسخة: بعد بداء. (4) أي بعيد من المرعى.

[ 42 ]

أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، وفي رواية: نحلة، ولم يزريه (1) صقلة وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره غطفة، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، و في لحيته كثافة (2) أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما به وعلاه البهاء أكمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأعلاه من قريب، حلو المنطق فصل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة (3) لا يأس من طول ولا تقتحمه العين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال نصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند (4). قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذكروا لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه ولافعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، فأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت، ولا يدرون من صاحبه أبياتا منها (5): فيا لقصي ما زوى الله عنكم * به من فعال لا يجازى وسودد


(1) في المصدر: ولم يؤذ به صقله وقال: الصقل: منقطع الاضلاع. (2) قال الجزري في النهاية، في صفته كث اللحية، الكثاثة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة انتهى أقول: الكثافة، الغلظ والخشونة والكثرة، ومن المحتمل أن يكون الكثافة مصحفا من الكثاثة (3) في النهاية: في صفته صلى الله عليه وآله: أطول من المربوع، هو بين الطويل والقصير يقال: رجل ربعة ومربوع. (4) في نسخة: ولا معتد به. (5) قوله: " ابياتا منها " المصدر خال عنه، ولعله من المصنف، أي ثم ذكر ابياتا منها وذكر في المصدر في صدر الابيات بيتين لم يذكرهما المصنف وهما: جزى الله رب العالمين خير جزائه * رفيقين قالا خيمتي ام معبد هما نزلاها بالهدى فاهتدت به * فقد فاز من أمسى رفيق محمد وفى سيرة ابن هشام 2: 100: رفيقين حلا خيمتي ام معبد. وفيه: هما نزلا بالبر ثم تروحا * فافلح من أمسى رفيق محمد وفى تاريخ الطبري 2: 105: هما نزلاها بالهدى واغتدوا به.

[ 43 ]

ليهن بني كعب مقام فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا اختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت * عليه صريحا ضرة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب * يرددها في مصدر ثم مورد (1) فأصبح القوم قد فقدوا نبيهم وأخذوا على خيمتي ام معبد، فلما سمع بذلك حسان بن ثابت نشب (2) يجاوب الهاتف: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * وقدس من يسري إليهم ويقتدي (3) ترحل عن قوم فزالت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم * وأرشدهم من يتبع الحق يرشد (4) نبي يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد (5) ليهن بني كعب مقام فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد (6)


(1) في المصدر في آخر الابيات بيت هو: ليهن ابا بكر سعادة جده * بصحبته من يسعد الله يسعد. (2) في المصدر: شبب. (3) في المصدر: ويفتدى. وفى المناقب: ويغتدى. راجع ج 18 ص 93. (4) زاد في المصدر هنا بيتان هما: وهل يستوى ضلال قوم تسفهوا * عمايتهم هادى به كل مهتد وقد نزلت منه على أهل يثرب * ركاب هدى حلت عليهم بأسعد (5) في المصدر هنا ايضا بيتان هما: وان قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر صحابة جده * بصحبته من يسعد الله يسعد أقول: في المناقب: فتصديقها في ضحوة العيد أو غد. راجع ج 18 ص 93. (6) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الثالث فيما جرى له وطريقه إلى المدينة وقصة ام معبد. أقول: ذكر الطبري في تاريخه 2: 105 باسناده إلى عبد الحميد بن أبى عبس بن محمد بن أبى عبس بن جبير، عن أبيه قال: سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبى قبيس: فان يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف. فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان ؟ سعد بكر، سعد تميم، سعد هذيم ؟ فلما كان في - - >

[ 44 ]

بيان: قوله: برزة، أي كبيرة السن تبرز للناس، ولا تستر منهم، وفي النهاية يقال: امرأة برزة: إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشواب، ومع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس وتحدثهم، من البروز وهو الظهور والخروج، جلدة أي عاقلة والاحتباء نوع للجلوس معروف، والمرملون: الذين فنيت أزوادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل، كما قيل للفقير: الترب، والمسنتون: الذين لم يصب أرضهم مطر فلم تنبت شيئا، والتاء التي في آخره بدل من حروف العلة الملقاة وصارت كالاصلية فيه، وكسر الخيمة بكسر الكاف وفتحها: الشقة السفلى من الخباء ترفع وقتا وترخى وقتا، وقيل: هي في مقدم الخيمة، وقيل: في مؤخرها، وقيل: لكل بيت كسران عن يمين وشمال، خلفها الجهد بالفتح، أي المشقة والهزال، والتفاج المبالغة في التفريج ما بين الرجلين، درت: أرسلت اللبن، واجترت من الجرة (1) وهي ما يخرجها البهيمة من كرشها يمضغها، وإنما يفعل ذلك الممتلئ علفا، فصارت هذه الشاة كذلك مع ما بها من قلة الاعتلاف، يربض أي يروي الرهط حتى يربضوا أي يقعوا على الارض للنوم والاستراحة، يحكي سعة الاناء وعظمه، والثج: السيلان، أي لبنا سائلا كثيرا، والبهاء: وبيض رغوة اللبن، ثم أراضوا - وفي بعض الروايات حتى أراضوا - أي شربوا عللا بعد نهل حتى رووا، من أراض الوادي: إذا استنقع فيه الماء، وقيل: أراضوا، أي ناموا على الارض، وهو البساط، وقيل: حتى صبوا اللبن على الارض، قوله: ثم بايعها، أي أعطاها ثمن اللبن، أو اشترى منها شيئا آخر، ويحتمل البيعة أيضا، عازب، أي بعيدة المرعى، لا تأوي إلى المنزل


(1) الليلة الثالثة سمعوه يقول: أيا سعد سعد الاوس كن انت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعى الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف فان ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف فلما اصبحوا قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة. (1) بالفتح والكسر.

[ 45 ]

في الليل، غادره أي تركه، يتساوكن هزالا، أي يتمايلن من الضعف، وفي بعض رواياتهم تساوك هزالا، وفي بعضها: ما تساوك، يقال: تساوكت الابل: إذا اضطربت أعناقها من الهزال، ويقال: أيضا: جاءت الابل ما تساوك هزالا، أي ما تحرك رؤوسها والمخاخ جمع مخ مثل كم وكمام، وإنما لم يقل قليلة لانه أراد أن مخاخهن شئ قليل [ قال عبيدالله بن حر الجعفي: إلى الله نشكو ما نرى من جيادنا * تساوك هزلى مخهن قليل. وقلة المخ ورقته تدل على الهزال (1) ] حيال، أي لم تحمل، والوضاءة: الحسن، أبلج الوجه: مشرقه وليس المراد بلج الحاجب وهو نقارة بين الحاجبين لانها وصفه بالاقرن ] (2) نحلة، من رواه بالنون والحاء قال: من نحل جسمه نحولا، ومن رواه بالثاء والجيم قال: هو من قولهم: رجل أثجل، أي عظيم البطن، ولم يزريه صقلة أي لم يصر سببا لحقارته ونحوله، وقيل: أرادت أنه لم يكن منتفخ الخاصرة جدا ولا ناحالا جدا، ويروى بالسين بالابدال من الصاد. ويروى بالصاد والعين، وهي صغر الرأس، والوسامة والقسامة: الحسن، والغطف بالغين المعجمة: طول الاشفار وانعطافها وروي بالعين وهو التثني. وقيل، أي طول كأنه طال وانعطف، وفي رواية وطف وهو الطول أيضا، صهل أي حدة وصلابة، من صهيل الخيل، وفي رواية صحل بالحاء وهو كالبحة في الصوت، والسطع: طول العنق، وسما به أي علا به وارتفع أي بكلامه على من حوله، وقيل: علا برأسه أو بيده. فصل أي بين ظاهر، يفصل بين الحق والباطل، والنزر: القليل، والهذر من الكلام: ما لا فائدة فيه، قوله: لا يأس أي لا يؤيس من طوله، لانه كان إلى الطول أقرب منه إلى القصر، وروي لا يأس قيل: معناه لا ميؤوس من أجل طوله، فاعل بمعنى مفعول، أي لا ييأس مباريه من مطاولته، وروي لا باين من طول، أي لا يجاوز الناس طولا، لا تقتحمه أي لا تحقره، أنضر الثلاثة من النضرة وهي الحسن والنعمة، محفود، أي مخدوم، محشود أي تجتمع الناس حواليه، ولا مفند أي لا ينسب إلى الجهل، وروي ولا معتد، أي


(1 و 2) الزيادة من النسخة المخطوطة.

[ 46 ]

ظالم، واللام في قوله يالقصي للتعجب، نحو يا للماء، قوله: ما زوى الله عنكم، أي ما قبضه منكم، ومنعه عنكم، قوله: ليهن أصلها الهناء، وطرح الهمزة منه تخفيف وتمهيد لوزن الشعر، والصريح: اللبن الخالص الذي لم يمزج، والضرة: الضرع وقيل لحمه ؟ والمزبد: الذي علاه الزبد، وهو معنى قوله: حتى علاه البهاء، وهو صفة الصريح، وإعرابه بخلاف إعرابه، وقيل: إنه جر على الجوار، قوله: فغادرها رهنا، أي ترك الشاة لتكون معجزة له عند من أراد حلبها، وتصديقا لحكاية ام معبد عنه، والمرصد موضع الرصد، وهم القوم الذى يرصدون الطرق، قوله نشب بالنون، أي أخذ في الشعر وعلق فيه، ويروى شبب أي ابتدأ في جوابه من تشبيب الكتب، وهو الابتداء بها والاخذ فيها، وليس من تشبيب النساء في الشعر. 7 - ل: قال أمير المؤمنين عليه السلام في جواب اليهودي الذي سأل عما فيه من علامات الاوصياء فقال فيما قال: وأما الثانية يا أخا اليهود فإن قريشا لم تزل تخيل الآراء، وتعمل الحيل في قتل النبي صلى الله عليه وآله حتى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار: دار الندوة، وإبليس الملعون حاضر في صورة أعور ثقيف، فلم تزل تضرب أمرها ظهرا لبطن حتى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كل فخذ من قريش رجل، ثم يأخذ كل رجل منهم سيفه، ثم يأتي النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم على فراشه فيضربونه جميعا بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلمها فيمضي دمه هدرا، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنباه بذلك، وأخبره باللية التي يجتمعون فيها، والساعة التي يأتون فراشه فيها، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار، فأخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بالخبر، وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا لنفسي بأن اقتل دونه، فمضى صلى الله عليه وآله لوجهه، واضطجعت في مضجعه، وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي صلى الله عليه وآله، فلما استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس، ثم أقبل على أصحابه

[ 47 ]

فقال: أليس كذلك ؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين (1). 8 - عم، ص، فس: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " فإنها نزلت بمكة قبل الهجرة، وكان سبب نزولها أنه لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله الدعوة بمكة قدمت عليه الاوس والخزرج، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: تمنعوني وتكونون لي جارا حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة ؟ فقالوا: نعم، خذ لربك ولنفسك ما شئت، فقال لهم: موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق، فحجوا ورجعوا إلى منى، وكان فيهم ممن قد حج بشر كثير، فلما كان اليوم الثاني من أيام التشريق قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان الليل فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة، ولا تنبهوا نائما، ولينسل (2) واحد فواحد، فجاء سبعون رجلا من الاوس والخزرج، فدخلوا الدار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: تمنعوني وتجيروني حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة ؟ فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حزام (3): نعم يا رسول الله، اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أما ما أشترط لربي فأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون أنفسكم وتمنعون أهلي مما تمنعون أهاليكم وأولادكم، فقالوا: فما لنا على ذلك ؟ فقال: الجنة في الآخرة وتملكون العرب وتدين لكم العجم في الدنيا وتكونون ملوكا في الجنة (4) فقالوا قد رضينا، فقال: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون شهداء عليكم بذلك كما أخذ موسى عليه السلام من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا، فأشار إليهم جبرئيل فقال: هذا نقيب، وهذا نقيب، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الاوس، فمن الخزرج أسعد ابن زرارة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن حزام (5) أبو جابر بن عبد الله، ورافع بن


(1) الخصال 2: 14 و 15. (2) انسل: انطلق في استخفاء. (3 و 5) الصحيح: حرام. (4) قوله: " تكونون ملوكا في الجنة " تفسير القمى خال عنه.

[ 48 ]

مالك، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمر (1)، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وعبادة بن الصامت، ومن الاوس أبو الهيثم بن التيهان، وهو من اليمن، واسيد بن حضير (2) وسعد بن خيثمة (3)، فلما اجتمعوا وبايعوا لرسول الله صاح إبليس يا معشر قريش والعرب هذا محمد والصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم، فأسمع أهل منى وهاجت قريش، فأقبلوا بالسلاح، وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله النداء فقال للانصار: تفرقوا، فقالوا: يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم اؤمر بذلك. ولم يأذن الله لي في محاربتهم، قالوا: فتخرج معنا ؟ قال: أنتظر أمر الله، فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح وخرج حمزة وأمير المؤمنين عليهما السلام ومعهما السيف فوقفا على العقبة، فلما نظرت قريش إليهما قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم له ؟ فقال حمزة: ما اجتمعنا وما ههنا أحد، والله لا يجوز هذه العقبة أحد إلا ضربته بسيفي (4) فرجعوا إلى مكة وقالوا: لا نأمن أن يفسد أمرنا ويدخل واحد من مشايخ قريش في دين محمد، فاجتمعوا في دار الندوة وكان لا يدخل دار الندوة إلا من أتى عليه أربعون سنة فدخلوا أربعين رجلا من مشايخ قريش، وجاء إبليس في صورة شيخ كبير فقال له البواب: من أنت ؟ قال: أنا شيخ من أهل نجد لا يعدمكم (5) مني رأي صائب، إني حيث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل فجئت لاشير عليكم، فقال: ادخل، فدخل إبليس فلما أخذوا مجلسهم قال أبو جهل: يا معشر قريش إنه لم يكن أحد من العرب أعز منا، نحن أهل الله تفد إلينا العرب في السنة


(1) هكذا في النسخ، والصحيح المنذر بن عمرو. (2) في نسخة: اسيد بن حصين، وفى اخرى: أسد بن حضير وكلاهما مصحفان، واسيد بضم الهمزة، وحضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة، والرجل هو اسيد بن حضير بن سماك ابن عتيك الانصاري الاشهلى أبو يحيى صحابي، مات سنة 20 - أو 21. (3) في بعض المصادر خثيمة بتقديم الثاء وهو مصحف، والصحيح خيثمة بتقديم الياء على الثاء. (4) في نسخة: الا رويت سيفى هذا من دمه. (5) في نسخة: لا يعدوكم.

[ 49 ]

مرتين ويكرموننا، ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع، فلم نزل كذلك حتى نشأ فينا محمد بن عبد الله، فكنا نسميه الامين لصلاحه وسكونه وصدق لهجته حتى إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه ادعى أنه رسول الله، وأن أخبار السماء تأتيه، فسفه أحلامنا وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا، وزعم أنه من مات من أسلافنا ففي النار، فلم يرد علينا شئ أعظم من هذا، وقد رأيت فيه رأيا، قالوا: وما رأيت ؟ قال رأيت أن ندس إليه رجلا منا ليقتله، فإن طلبت بنو هاشم بدمه (1) أعطيناهم عشر ديات، فقال الخبيث: هذا رأي خبيث، قالوا: وكيف ذاك ؟ قال: لان قاتل محمد مقتول لا محالة. فمن هذا الذي يبذل نفسه للقتل منكم، فإنه إذا قتل محمد تعصب (2) بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة، وإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمد على وجه الارض، فيقع بينكم الحروب في حرمكم وتتفانوا، فقال آخر منهم: فعندي رأي آخر، قال: وما هو ؟ قال: نلقيه في بيت ونلقي إليه (3) قوته حتى يأتيه ريب المنون (4)، فيموت كما مات زهير والنابغة وامرؤ القيس، فقال إبليس،: هذا أخبث من الآخر، قال (5): وكيف ذاك ؟ قال: لان بني هاشم لا ترضى بذلك، فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم، واجتمعوا عليكم فأخرجوه، قال آخر منهم: لا ولكنا نخرجه من بلادنا، ونتفرغ نحن لعبادة آلهتنا، فقال إبليس: هذا أخبث من الرأيين المتقدمين، قالوا: وكيف ؟ قال: لانكم تعمدون إلى أصبح الناس وجها، وأنطلق الناس لسانا، وأفصحهم لهجة، فتحملوه إلى بوادي العرب فيخدعهم ويسحرهم بلسانه، فلا يفجأكم إلا وقد ملاها عليكم خيلا ورجلا فبقوا حائرين، ثم قالوا لابليس: فما الرأي فيه يا شيخ ؟ قال: ما فيه إلا رأي واحد،


(1) في تفسير القمى: فان طلبت بنو هاشم بديته. وفى اعلام الورى: فان طلبت بنو هاشم دمه. (2) في نسخة: تعصب. وفى التفسير: تغضب. (3) في نسخة: تلقى إليه. وفى اخرى: تلقى عليه. وفى التفسير: نثبته في بيت ويلقى عليه قوته. (4) في نسخة: حتى يأتي عليه ريب المنون. (5) في نسخة: قالوا.

[ 50 ]

قالوا: وما هي (1) ؟ قال: يجتمع من كل بطن من بطون قريش وقبائل العرب ما أمكن ويكون معهم من بني هاشم رجل، فيأخذون سكينة أو حديدة أو سيفا فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة حتى يتفرق دمه في قريش كلها، فلا يستطيع بنو - هاشم أن يطلبوا بدمه، وقد شاركوه فيه فان سألوكم أن تعطوهم الدية فأعطوهم ثلاث ديات، فقالوا: نعم وعشر ديات، ثم قال (2): الرأي رأي الشيخ النجدي، فاجتمعوا فيه ودخل معهم في ذلك أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وآله، ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره أن قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك وأنزل الله عليه في ذلك: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلا فيقتلوه وخرجوا (3) إلى المسجد يصفرون ويصفقون ويطوفون بالبيت، فأنزل الله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " (4) فالمكاء: التصفير، والتصدية: صفق اليدين وهذه الآية معطوفة على قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا " وقد كتبت بعد آيات كثيرة، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله جاءت قريش ليدخلوا عليه، فقال أبو لهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه بالليل، فإن في الدار صبيانا ونساء، ولا نأمن أن تقع يد خاطئة، فنحرسه الليلة، فإذا أصبحنا دخلنا عليه، فناموا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمر رسول - الله صلى الله عليه وآله أن يفرش له، ففرش له، فقال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: افدني بنفسك، قال: نعم يا رسول الله، قال: نم على فراشي، والتحف ببردتي، فنام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله والتحف ببردته وجاء جبرئيل فأخذ بيد رسول الله فأخرجه على قريش وهم نيام وهو يقرأ عليهم: (5) " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم


(1) في التفسير: وما هو ؟ (2) في التفسير: ثم قالوا. وفى اعلام الورى: وقالوا باجمعهم. (3) قوله: وخرجوا إلى قوله: فلما أمسى مختص بتفسير القمى، واعلام الورى خال عنه، وأما كتاب قصص الانبياء فليست عندنا نسخته حتى نعلم ما فيه. (4) الانفال: 35. (5) يس: 9. (*)

[ 51 ]

فهم لا يبصرون " وقال جبرئيل: خذ على طريق ثور، وهو جبل على طريق منى، له سنام (1) كسنام الثور، فدخل الغار (2)، وكان من أمره ما كان، فلما أصبحت قريش وثبوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش، فوثب علي عليه السلام في وجوههم، فقال: ما شأنكم ؟ قالوا له: أين محمد ؟ قال: أجعلتموني عليه رقيبا ؟ ألستم قلتم: نخرجه من بلادنا ؟ فقد خرج عنكم، فأقبلوا على أبي لهب يضربونه، ويقولون: أنت تخدعنا منذ الليلة (3)، فتفرقوا في الجبال، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز يقفو الآثار، فقالوا: يا أبا كرز اليوم اليوم، فوقف بهم على باب حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: هذه قدم محمد، والله لانها لاخت القدم التي في المقام، وكان أبو بكر استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فرده معه، فقال أبو كرز: وهذه قدم أبي قحافة أو ابنه، ثم قال: وههنا غير (4) ابن أبي قحافة، فما زال بهم حتى أوقفهم على باب الغار، ثم قال: ما جازوا (5) هذا المكان، إما إن يكونوا صعدوا إلى السماء، أو دخلوا (6) تحت الارض، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، وجاء فارس من الملائكة حتى وقف على باب الغار، ثم قال: ما في الغار أحد، فتفرقوا في الشعاب، وصرفهم الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أذن لنبيه في الهجرة (7). بيان: قال الجزري: فيه جاءت هوازن على بكرة أبيها، هذه كلمة مثل للعرب


(1) السنام: حدبة في ظهر البعير والثور. (2) في إعلام الورى: فمر رسول الله صلى الله عليه وآله وتلقاه أبو بكر في الطريق فأخذ بيده ومر به، فلما انتهى إلى ثور دخل الغار. (3) في اعلام الورى: فأقبلوا إليه يضربونه فمنعهم أبو لهب، وقالوا: أنت كنت تخدعنا منذ الليلة. أقول: أي قالوا لعلى عليه السلام، لانه بنومه على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله خدعهم فكانوا يظنون أنه النبي صلى الله عليه وآله. (4) في نسخة: عبر. (5) في نسخة: ما جاوزوا. (6) في نسخة: صعدا ودخلا بالتثنية، فعليها، فالصحيح: ما جازا. أيضا. (7) تفسير القمى: 249 - 253 والالفاط منه، اعلام الورى: 39 و 40 ط 1 و 69 - 73 ط 2، والفاظه يخالف المنقول، قصص الانبياء: مخطوط.

[ 52 ]

يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وأنهم جاؤوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت في هذا الموضع، و قال الجوهري: الندوة والنادي: مجلس القوم ومتحدثهم (1)، ومنه سميت دار الندوة بمكة التي بناها قصي، لانهم كانوا يندون فيها، أي يجتمعون فيها للمشاورة انتهى والدس: الاخفاء. والدسيس: من تدسه ليأتيك بالاخبار. قوله: وههنا غير ابن أبي قحافة، لعله استفهام إنكاري، أي ليس ههنا أحد يشبه قدمه هذا القدم إلا ابن أبي قحافة، وفي بعض النسخ عبر بالعين المهملة والباء الموحدة كما في (عم) وهو أصوب أي أشار إلى موضع عبوره أو مبدأ لحوقه، وعلى الاول يحتمل أن لا يكون استفهاما إنكاريا، بل يكون إشارة إلى موضع قدم شخص آخر (2) تبعهما إلى الغار ثم رجع كما سيأتي. 9 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام أن قريشا اجتمعت فخرج من كل بطن اناس، ثم انطلقوا إلى دار الندوة ليشاوروا فيما يصنعون برسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا هم بشيخ قائم على الباب، وإذا ذهبوا إليه ليدخلوا قال: أدخلوني معكم، قالوا: ومن أنت يا شيخ قال: أنا شيخ من مضر، ولي رأي أشير به عليكم، فدخلوا وجلسوا وتشاوروا وهو جالس، وأجمعوا أمرهم على أن يخرجوه، فقال: ليس هذا لكم برأي: إن أخرجتموه أجلب (3) عليكم الناس فقاتلوكم، قالوا: صدقت ما هذا برأي، ثم تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن يوثقوه (4)، قال: هذا ليس بالرأي إن فعلتم هذا ومحمد رجل حلو اللسان أفسد عليكم أبناء كم وخدمكم، وما ينفعكم أحدكم إذا فارقه (5) أخوه وابنه أو امرأته، ثم تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن


(1) متحدث القوم: الموضع الذى يتحدثون فيه. (2) وهو هند بن أبى هالة، أو عبد الله بن اريقط الليثى على اختلاف يأتي في الاخبار، و اختار المقريزى الثاني في امتاع الاسماع: 39. (3) أجلب: أجمع. (4) أي يشدوه بالوثاق. والوثاق: ما يشد به من قيد وحبل ونحوهما. (5) أي فارق أحدكم اخوه وابنه أو امرأته، أي لا ينفع أحدكم أن تصلب في دينه ولم يقبل قول محمد وهو يفسد على عشيرته دينهم فيفارقونه وفى نسخة: وما ينفع احدكم، وهو الموجود في البرهان أيضا.

[ 53 ]

يقتلوه، يخرجون من كل بطن منهم بشاهر (1) فيضربونه بأسيافهم جميعا عند الكتفين (2)، ثم قرأ الآية: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك " إلى آخر الآية (3). 10 - فس: أبي، عن بعض رجاله، رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار قال لابي بكر: كأني أنظر إلى سفينة جعفر في أصحابه (4) يعوم في البحر. وأنظر إلى الانصار محتبين في أفنيتهم، فقال أبو بكر: وتراهم (5) يا رسول الله ؟ قال: نعم، قال: فأرنيهم، فمسح على عينيه فرآهم، فقال في نفسه: الآن صدقت أنك ساحر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت الصديق. (6) 11 - ما: جماعة (7)، عن أبي المفضل، عن أحمد بن سفيان بن العباس، (8) عن أحمد بن عبيد بن ناصح، عن محمد بن عمر بن واقد الاسلمي، (9) عن إبراهيم بن


(1) هكذا في النسخ، وفى تفسير البرهان: ويخرجوا من كل بطن منهم بشاب فيضربونه بأسيافهم فأنزل الله اه‍. (2) في نسخة: عند الكعبين. (3) تفسير العياشي: ج، 2: 54، ورواه البحراني في تفسير البرهان، 2: 78. (4) في نسخة: وأصحابه تعوم، وفى المصدر: في أصحابه يقوم. ولعله مصحف وتعوم أي تسبح، قال الجزرى في النهاية، في الحديث: " علموا صبيانكم العوم " العوم: السباحة، يقال عام يعوم عوما. (5) في نسخة: أتراهم ؟. (6) تفسير القمى: 265 و 266. (7) في المصدر: اخبرنا جماعة منهم الحسين بن عبد الله (وهو مصحف عبيد الله أي الغضائري) وأحمد بن عبدون وابو طالب بن عرفة وأبو الحسن الصفار (الصقال خ) وأبو علي الحسن بن اسماعيل بن اشناس قالوا: حدثنا أبو المفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني. (8) وصفه في المصدر بالنحوي. (9) في نسخة أحمد وهو وهم، وفى المصدر: محمد بن عمر بن واقد الاسلمي قاضى الشرقية وهو الصحيح وهو الواقدي المشهور، راجع التقريب: 463 وغيره.

[ 54 ]

إسماعيل (1)، عن داود بن حصين، عن أبي غطفان (2)، عن ابن عباس قال: اجتمع المشركون في دار الندوة ليشتاوروا في أمر رسول الله، وأتى جبرئيل رسول الله فأخبره الخبر، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله المبيت أمر عليا عليه السلام أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات علي عليه السلام، وتغشى ببرد أخضر حضرمي كان لرسول الله صلى الله عليه وآله ينام فيه، وجعل السيف إلى جنبه، فلما اجتمع اولئك النفر من قريش يطيفون (3) ويرصدونه يريدون قتله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وهم جلوس على الباب خمسة وعشرون رجلا، (4) فأخذ حفنة من البطحاء ثم جعل يذرها (5) على رؤوسهم وهو يقرأ " يس والقرآن الحكيم (6) " حتى بلغ " فأغشيناهم فهم لا يبصرون (7) " فقال لهم قائل: ما تنتظرون ؟ قالوا: محمدا، قال: خبتم وخزيتم (8) قد والله مر بكم، فما منكم رجل إلا وقد جعل على رأسه ترابا، قالوا: والله ما أبصرناه قال: فأنزل الله عزوجل: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (9) ". 12 - ما، جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن صفوان، عن محفوظ بن بحر، عن الهيثم بن جميل، عن قيس بن الربيع، عن حكيم بن جبير، عن علي بن الحسين عليهما السلام في قول الله عزوجل: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء


(1) في المصدر: إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة يعنى الاسلمي. أقول: الرجل مذكور في التراجم راجع التقريب: 19. (2) بفتحات هو ابن طريق أو ابن مالك المرى المدنى، قيل: اسمه سعد. (3) هكذا في النسخ، وفى المصدر يطوفون. (4) في المصدر: عددهم خمسة وعشرون رجلا (5) أي نثرها. (6) السورة: 36. (7) الاية: 9. (8) في المصدر: خبتم وخسرتم. (9) مجالس ابن الشيخ: 284 و 285. وفيه والله لقد مر بكم.

[ 55 ]

مرضات الله (1) " قال: نزلت في علي عليه السلام حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) 13 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن العباس النحوي، عن الخليل ابن أسد (3)، عن سعيد بن أوس قال: كان أبو عمرو بن العلاء إذا قرأ " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " قال: كرم الله عليا عليه السلام فيه نزلت هذه الآية. (4) 14 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن محمد بن سليمان (5)، عن محمد ابن الصباح، عن محمد بن كثير، عن عوف الاعرابي من أهل البصرة، عن الحسن ابن أبي الحسن، عن أنس بن مالك قال: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الغار ومعه أبو بكر أمر النبي صلى الله عليه وآله عليا أن ينام على فراشه ويتغشى ببردته، (6) فبات علي عليه السلام موطنا نفسه على القتل، وجاءت رجال قريش من بطونها يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أرادوا أن يضعوا عليه أسيافهم لا يشكون أنه محمد فقالوا: أيقظوه ليجد ألم القتل، ويرى السيوف تأخذه، فلما أيقظوه فرأوه عليا تركوه، وتفرقوا في طلب رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنزل الله عزوجل " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد (7) ". 15 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن الحسين بن حفص، عن محمد


(1) البقرة: 207. (2) مجالس ابن الشيخ: 285. (3) في المصدر: الجليل بن اسود النوشجانى قال: حدثنا أبو زيد سعيد بن اوس يعنى الانصاري النحوي. (4) مجالس ابن الشيخ: 285. (5) وصفه في المصدر بالباغندى ووصف محمد بن الصباح بالجرجانى ومحمد بن كثير بالمدائني أقول: عوف الاعرابي هو عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى أبو سهل البصري المعروف بالاعرابي، واسم ابى جميلة بندويه، ويقال: هو اسم امه، واسم أبيه رزينه، وثقه العامة في كتب تراجمهم، مات في 146 - أو - 147. راجع تهذيب التهذيب 8: 166، والتقريب: 403 وخلاصة التهذيب: 253. (6) في المصدر، يتوشح ببردته. (7) مجالس ابن الشيخ: 285.

[ 56 ]

ابن عبيد (1)، عن أبي يحيى التيمي (2)، عن عبد الله بن جندب، عن أبي ثابت، عن أبيه، عن مجاهد قال: فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار فقال عبد الله بن شداد بن الهاد (3): وأين أنت من علي بن أبي طالب حيث نام في مكانه و هو يرى أنه يقتل ؟ فسكتت ولم تحر جوابا (4). أقول: سيأتي في باب أحوال إبليس، عن جابر الانصاري، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: تمثل إبليس لعنه الله في أربع صور - إلى أن قال: - تصور يوم اجتماع قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد، فأشار عليهم في النبي صلى الله عليه وآله بما أشار، فأنزل الله تعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا " الآية. 16 - ما: أبو عمرو، (5) عن ابن عقدة، عن الحسين بن عبد الرحمن الازدي عن أبيه، عن عبد النور بن عبد الله بن المغيرة القرشي، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ابن عباس قال: بات علي عليه السلام ليلة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المشركين على فراشه ليعمي على قريش، وفيه نزلت هذه: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله (6) ". 17 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبيد الله بن الحسين، عن إبراهيم العلوي. عن محمد بن علي بن حمزة العلوي، عن أبيه، عن الحسين بن زيد، عن


(1) في المصدر: محمد بن عبد المحاربي وفيه وهم والصحيح عبيد، وهو محمد بن عبيد بن محمد بن واقد المحاربي، أبو جعفر، وأبو يعلى النحاس الكوفى. (2) في المصدر: التميمي. (3) هو عبد الله بن شداد بن الهاد الليثى أبو الوليد المدنى، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وآله، كان من كبار التابعين الثقات، وكان معدودا في الفقهاء قال الواقدي: قتل يوم دجيل سنة 81 وقال الثوري: فقد في الجماجم (سنة 83). ترجمه العامة والخاصة في تراجمهم. (4) مجالس ابن الشيخ: 285. (5) هكذا في النسخ، وفى المصدر: أبو عمر وهو عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مهدى، على ما في حديث قبله. (6) مجالس ابن الشيخ: ص 158.

[ 57 ]

عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن جعدة بن هبيرة، عن امه (1) ام هانئ بنت أبي طالب عليه السلام قالت: لما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بالهجرة وأنام عليا عليه السلام على فراشه (2) وسجاه ببرد حضرمي ثم خرج فإذا وجوه قريش على بابه، فأخذ حفنة من تراب فذرها على رؤوسهم فلم يشعر به أحد منهم ودخل على بيتي، فلما أصبح أقبل علي وقال: ابشري يا ام هانئ فهذا جبرئيل يخبرني أن الله عزوجل قد أنجى عليا عليه السلام من عدوه، قالت: وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله مع جناح الصبح إلى غار ثور، فكان فيه ثلاثا حتى سكن عنه الطلب، ثم أرسل إلى علي عليه السلام وأمره بأمره وأداء الامانة. (3) بيان: لعل المراد بجناح الصبح أوله، شبه أول امتداد ظهوره بالجناح المبسوط وفي القاموس جنوح الليل: إقباله، والجناح: اليد، والعضد، والجانب، ونفس الشئ، ومن الدر: نظم يعرض، أو كل ما جعلته في نظام، والكنف، والناحية والطائفة من الشئ انتهى. وربما يناسب بعض تلك المعاني مع تكلف. 18 - ما: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة قال: حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي سنة خمسين ومائتين، قال: حدثني الحسن بن حمزة أبو محمد النوفلي قال: حدثني أبي، وخالي يعقوب بن الفضل بن (4) عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب، عن يزيد بن سعيد الهاشمي، (5) قال: حدثنيه أبو عبيدة (6) بن محمد بن عمار بن ياسر رضي الله عنه بين القبر والروضة، عن أبيه، و


(1) في المصدر: عن أبيه، عن ام هانئ. ولعل فيه تصحيفا وما في الصلب اصح. (2) في المصدر: في فراشه. ووشحه ببرد له حضرمى. (3) مجالس ابن الشيخ: 285 و 286 (4) في المصدر: يعقوب بن الفضل، عن عبد الرحمن إه‍. (5) في المصدر: زبير بن سعيد الهاشمي، ولعله زبير بن سعيد بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو القاسم نزيل المدائن. (6) عرف بكنيته فقط فلم يذكر اسمه في التراجم، قال ابن حجر في التقريب بعد موانه بذلك: أخوسلة، وقيل: هو هو.

[ 58 ]

عبيد الله بن أبي رافع جميعا، عن عمار بن ياسر رضي الله عنه وأبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله، قال أبو عبيدة: وحدثنيه سنان بن أبي سنان الدئلي، وكان ممن ولد على عهد النبي صلى الله عليه وآله، فأخبرني سنان بن أبي سنان أن هند بن أبي هند بن أبي هالة الاسيدي، حدثه عن أبيه هند بن أبي هالة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وامه خديجة رضي الله عنه زوج النبي واخته لامه فاطمة صلوات الله عليها، قال أبو عبيدة: وكان هؤلاء الثلاثة هند بن أبي هالة، وأبو رافع، وعمار بن ياسر جميعا يحدثون عن هجرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه آله بالمدينة ومبيته قبل ذلك على فراشه قال: وصدر هذا الحديث عن هند بن أبي هالة، واقتصاصه عن الثلاثة: هند، وعمار وأبي رافع، وقد دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: كان الله عزوجل مما يمنع نبيه صلى الله عليه وآله بعمه أبي طالب عليه السلام فما يخلص إليه امرؤ بسوء من قومه مدة حياته (1) فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله بغيتها، وأصابته بعظيم من الاذى حتى تركته لقى، فقال صلى الله عليه وآله: لاسرع ما وجدنا فقدك يا عم، وصلتك رحم، و جزيت خيرا يا عم، ثم ماتت خديجة بعد أبي طالب بشهر، واجتمع بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله حزنان حتى عرف ذلك فيه، قال هند: ثم انطلق ذوو الطول والشرف من قريش إلى دار الندوة ليرتأوا (2) ويأتمروا في رسول الله صلى الله عليه وآله، وأسروا ذلك بينهم، فقال بعضهم: نبني له علما، ونترك فرجا. نستودعه فيه فلا يخلص من الصباة (3) فيه إليه أحد، ولا نزال في رفق من العيش حتى يتضيفه ريب المنون (4)، وصاحب


(1) في المصدر: فما كان يخلص إليه من قومه أمر يسوؤه مدة حياته (2) ارتأى الامر: نظر فيه. تدبره. وفى المصدر: ثم انطلق ذوو الطول والشرف من قريش إلى دار الندوة ليأتمروا في رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) فلان صبأ: إذا خرج من دين إلى دين غيره، من قولهم: صبأ ناب البعير: إذا طلع، وصبأت النجوم: إذا خرجت من مطالعها، وكانت العرب تسمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصابئ لانه خرج من دين قريش إلى دين الاسلام، ويسمون من يدخل الاسلام مصبوا، لانهم كانوا لا يهمزون فابدلوا الهمزة واوا، ويسمون المسلمين الصباة بغير همزة، كأنه جمع الصابى غير مهموز كقاضي وقضاة وغاز وغزاة. قاله الجزرى في النهاية. (4) في المصدر: حتى يذوق طعم المنون.

[ 59 ]

هذه المشورة العاص بن وائل وامية وابي ابنا خلف، فقال قائل: كلا ما هذا لكم برأي، ولئن صنعتم ذلك ليتنمرن له الحدب الحميم، (1) والمولى الحليف، ثم ليأتين المواسم والاشهر الحرم بالامن، فلينتز عن من انشوطتكم، (2) قولوا قولكم. فقال عتبة وشيبة وشركهما أبو سفيان، قالوا: فإنا نرى (3) أن نرحل بعيرا صعبا ونوثق محمدا عليه كتافا، ثم نقطع البعير بأطراف الرماح (4)، فيوشك أن يقطعه بين الدكادك إربا إربا، فقال صاحب رأيهم: إنكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئا، أرأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الافاريق فأخذ بقلوبهم بسحره و بيانه وطلاقة لسانه فصبأ القوم إليه، واستجابت القبائل له قبيلة فقبيلة فليسيرن (5) حينئذ إليكم بالكتائب والمقانب، فلتهلكن كما هلكت أياد ومن كان قبلكم. قولوا قولكم، فقال له أبو جهل: لكن أرى (6) لكم أن تعمدوا إلى قبائلكم العشرة فتنتدبوا من كل قبيلة منها رجلا نجدا، ثم تسلحوه حساما عضبا، وتمهد الفتية (7) حتى إذا غسق الليل وغور بيتوا (8) بابن ابي كبشة بياتا فيذهب دمه في قبائل قريش جميعا، فلا يستطيع بنو هاشم وبنو المطلب مناهضة قبائل قريش في صاحبهم، فيرضون حينئذ بالعقل منهم، فقال صاحب رأيهم: أصبت يابا الحكم، ثم أقبل عليهم فقال: هذا الرأي، فلا تعدلن به رأيا، وأوكئوا في ذلك أفواهكم حتى


(1) في المصدر: لتسمعن هذا الحديث الحميم والمولى الحليف. (2) في المصدر: فلينتزعن من انشوطتكم إلى خلاصه (3) في المصدر: قال عتبة وشركه أبو سفيان: فانا نرى. (4) في المصدر: ثم نقصع البعير باطراف الرماح. (5) في المصدر: فيسيرون. (6) في المصدر: لكنى أرى. (7) في نسخة: وتمهل الفتية. (8) أي، هجموا عليه ليلا. وفى المصدر: أتوا ابن أبى كبشة فقتلوه من يد رجل يضربه فيذهب دمه.

[ 60 ]

يستتب أمركم، فخرج القوم عزين، وسبقهم بالوحي بما كان من كيدهم جبرئيل عليه السلام فتلا هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " فلما أخبره جبرئيل بأمر الله في ذلك ووحيه وما عزم له من الهجرة دعا رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب لوقته، فقال له: يا علي إن الروح هبط علي بهذه الآية آنفا، يخبرني أن قريشا اجتمعت على المكر بي وقتلي، وإنه أوحى إلي عن ربي (1) عزوجل أن أهجر دار قومي، وأن أنطلق (2) إلى غار ثور تحت ليلتي وأنه آمرني أن آمرك بالمبيت على ضجاعي - أو قال: مضجعي - لتخفي بمبيتك عليه أثرى، (3) فما أنت قائل وصانع ؟ فقال علي عليه السلام: أو تسلمن بمبيتي هناك يا نبي الله ؟ قال: نعم، فتبسم علي عليه السلام ضاحكا، وأهوى إلى الارض ساجدا، شكرا لما أنبأه به رسول الله صلى الله عليه وآله من سلامته، فكان علي عليه السلام أول من سجد لله شكرا، و أول من وضع وجهه على الارض بعد سجدته من هذه الامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رفع رأسه قال له: امض لما امرت، (4) فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي، و مرني بما شئت أكن فيه كمسرتك (5) واقع منه بحيث مرادك، وإن توفيقي إلا بالله، وقال: وأن القي عليك شبه مني، أو قال: شبهي، قال: إن يمنعني نعم، قال: فارقد على فراشي، واشتمل ببردي الحضرمي، ثم إني اخبرك يا علي أن الله تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينه، فأشد الناس بلاء الانبياء (6) ثم الامثل فالامثل، (7) وقد امتحنك يا بن ام (8) وامتحنني فيك بمثل ما امتحن


(1) في المصدر: وأنه أوحى إلى ربى. (2) في نسخة: وأنا أنطلق. (3) في المصدر: لتخفى بمبيتك عليهم أمرى (أثرى خ). (4) في المصدر: امض فيما امرت. (5) في المصدر: اكن فيه لمشيتك واقع منه. وفيه: وما توفيقي. (6) في المصدر: الانبياء ثم الاوصياء، ثم الامثل فالامثل. (7) أي الاشرف فالاشرف، والاعلى فالاعلى في الرتبة والمنزلة. (8) في المصدر: يا بن عم.

[ 61 ]

به خليله إبراهيم عليه السلام والذبيح إسماعيل عليه السلام، فصبرا صبرا، فإن رحمة الله قريب من المحسنين، ثم ضمه النبي صلى الله عليه وآله إلى صدره وبكى إليه وجدا به، وبكى علي عليه السلام جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وآله، واستتبع رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر بن أبي قحافة وهند بن أبي هالة، فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار، ولبث رسول الله صلى الله عليه وآله بمكانه مع علي عليه السلام يوصيه ويأمره في ذلك بالصبر حتى صلى العشائين، ثم خرج صلى الله عليه وآله في فحمة العشاء، (1) والرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الاعين، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (2) " وكان بيده قبضة من تراب فرمى بها في رؤوسهم (3)، فما شعر القوم به حتى تجاوزهم، و مضى حتى أتى إلى هند وأبي بكر، فنهضا معه (4) حتى وصلوا إلى الغار، ثم رجع هند إلى مكة بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وأبو بكر إلى الغار (5)، فلما خلق الليل وانقطع الاثر أقبل القوم على علي عليه السلام قذفا بالحجارة والحلم (6)، فلا يشكون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذا برق الفجر، وأشفقوا أن يفضحهم الصبح هجموا على علي عليه السلام، وكانت دور مكة يومئذ سوائب لا أبواب لها فلما بصر بهم علي عليه السلام قد انتضوا السيوف وأقبلوا عليه بها يقدمهم خالد بن الوليد بن المغيرة وثب به علي عليه السلام فختله وهمز يده، فجعل خالد يقمص قماص


(1) في المصدر: في فحمة العشاء الاخرة. وفى النهاية فحمة العشاء: هي اقباله واول سواده يقال للظلمة التى بين صلاتي العشاء: الفحمة. (2) يس: 9. (3) في المصدر: واخذ بيده قبضة من تراب فرمى بها على رؤوسهم. (4) في المصدر: فأنهضهما فنهضا معه. (5) في المصدر: الغار. من دون حرف الجر. (6) في المصدر: فلما غلق الليل أبوابه، وأسدل استاره، وانقطع الاثر أقبل القوم على على عليه السلام يقذفونه بالحجارة، فلا يشكون.

[ 62 ]

البكر، وإذا له رغاء فابذعر الصبح (1) وهم في عرج الدار من خلفه، وشد عليهم علي عليه السلام بسيفه، يعني سيف خالد، فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى ظاهر الدار وتبصروه، فإذا علي عليه السلام، قالوا: وإنك لعلي ؟ قال: أنا علي، قالوا: فإنا لم نردك، فما فعل صاحبك ؟ قال: لا علم لي به، وقد كان علم - يعني عليا - أن الله تعالى قد أنجى نبيه صلى الله عليه وآله بما كان أخبره من مضيه إلى الغار واختبائه فيه، فأذكت قريش عليه العيون، وركبت في طلبه الصعب والذلول، وأمهل علي عليه السلام حتى إذا اعتم من الليلة القابلة انطلق هو وهند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين، فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب، فقال: إني لا آخذهما ولا أحدهما إلا بالثمن، قال: فهي لك بذلك، فأمر صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام فأقبضه الثمن، ثم وصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته، وكانت قريش تدعوا محمدا صلى الله عليه وآله في الجاهلية الامين، وكانت تستودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها، وكذلك من يقدم مكة من العرب في الموسم، وجاءته النبوة والرسالة والامر كذلك، فأمر عليا عليه السلام أن يقيم صارخا يهتف بالابطح غدوة وعشيا: من كان (3) له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت فلنؤد إليه أمانته، قال: فقال صلى الله عليه وآله: إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه حتى تقدم علي، فأد أمانتي على أعين الناس ظاهرا، ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي ومستخلف ربي عليكما ومستحفظه فيكما، فأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم من أزمع للهجرة معه من بني هاشم. قال أبو عبيدة: فقلت لعبيد الله يعني ابن أبي رافع: أو كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجد ما ينفقه هكذا ؟ فقال: إني سألت أبي عما سألتني، وكان يحدث لي هذا الحديث (4)


(1) في المصدر: فجعل خالد يقمص قماص البكر، ويرغو رغاء الجمل، ويذعر ويصيح. (2) في المصدر: فإذا هو على عليه السلام. (3) في المصدر: ألا من كان. (4) في نسخة: يحدث في هذا الحديث، وفى المصدر: يحدث بهذا الحديث.

[ 63 ]

فقال: وأين يذهب بك عن مال خديجة عليها السلام ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما نفعني مال قط ما نفعني (1) مال خديجة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يفك في مالها الغارم والعاني، ويحمل الكل، ويعطي في النائبة، ويرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة، و يحمل من أراد منهم الهجرة، وكانت قريش إذا رحلت غيرها في الرحلتين يعني رحلة الشتاء والصيف كانت طائفة من العير لخديجة عليها السلام وكانت أكثر قريش مالا، وكان صلى الله عليه وآله ينفق منه ما شاء في حياتها، ثم ورثها هو وولدها، (2) قال: و قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام وهو يوصيه: فإذا أبرمت ما أمرتك (3) من أمر فكن على اهبة (4) الهجرة إلى الله ورسوله، وسر إلي لقدوم كتابي عليك ولا تلبث، (5) و انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله لوجه يؤم المدينة، وكان مقامه في الغار ثلاثا، ومبيت علي عليه السلام على الفراش أول ليلة. قال عبيد الله بن أبي رافع: وقد قال علي بن أبي طالب عليه السلام يذكر (6) مبيته على الفراش ومقام رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار: وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر محمد لما خاف أن يمكروا به * فوقاه ربي ذو الجلال من المكر وبت أراعيهم متى ينشرونني * وقد وطنت نفسي على القتل والاسر (7) وبات رسول الله صلى الله في الغار آمنا * هناك وفي حفظ الاله وفي ستر


(1) في المصدر: مثل ما نفعني. وفيه: يفك من مالها. (2) في المصدر: هو وولدها بعد مماتها. (3) في المصدر: وإذا قضيت ما أمرتك. (4) الاهبة، العدة يقال: أخذ للسفر اهبته. (5) في المصدر: وانتظر قدوم كتابي إليك ولا تلبث بعده. (6) في المصدر: وقد قال على بن أبي طالب عليه السلام شعرا يذكر فيه مبيته على الفراش. (7) وفى بعض الروايات مكان البيت الثاني والثالث هكذا: رسول إله خاف أن يمكروا به * فنجاه ذو الطول الاله من المكر وبت اراعيهم وما يثبتونني * فقد وطنت نفسي على القتل والاسر منه قدس سره

[ 64 ]

أقام ثلاثا ثم زمت قلائص * قلائص يفرين الحصى أينما تفري ولما ورد رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة نزل في بني عمرو بن عوف بقباء، فأراده (1) أبو بكر على دخوله المدينة وألاصه (2) في ذلك، فقال: فما (3) أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمي وأخي وابنتي، (4) عليا وفاطمة عليهما السلام. قالا: قال أبو اليقظان: فحدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن معه بقباء عما أرادت قريش من المكربه، ومبيت على عليه السلام على فراشه، قال: أوحى الله عزوجل إلى جبرئيل وميكائيل عليهما السلام: أني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه، فأيكما يؤثر أخاه ؟ وكلاهما كره (5) الموت، فأوحى الله إليهما: عبداي ألا كنتما مثل وليي علي آخيت بينه وبين محمد نبيي، فآثره بالحياة على نفسه ؟ ثم ظل - أو قال: رقد - على فراشه يقيه (6) بمهجته، اهبطا إلى الارض جميعا فاحفظاه من عدوه، فهبط جبرئيل فجلس عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجعل جبرئيل يقول: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب ؟ والله عزوجل يباهي بك الملائكة، قال: فأنزل الله عزوجل في علي عليه السلام وما كان من مبيته على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد ". قال أبو عبيدة: قال أبي وابن أبي رافع: ثم كتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي ابن أبي طالب عليه السلام كتابا يأمره فيه بالمسير إليه، وقلة التلوم، وكان الرسول إليه أبا واقد الليثي (7)، فلما أتاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله تهيأ للخروج والهجرة،


(1) في نسخة: أداره أبو بكر على دخول المدينة. أقول: لعله الصحيح، والمعنى: حاول إلزامه دخول المدينة. (2) من ألاص يليص. (3) في المصدر: ما أنا. (4) في المصدر: حتى يقدم ابن عمى وابنتي. (5) في المصدر: وكلاهما كرها الموت. (6) في المصدر: يفديه بمهجته. (7) قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: اسمه عوف بن الحارث. مات سنة 68 وهو ابن خمس وثمانين راجع التقريب: 617.

[ 65 ]

فآذن من كان معه من ضعفاء المؤمنين فأمرهم أن يستللوا ويتخففوا (1) - إذا ملا الليل بطن كل واد - إلى ذي طوى (2)، وخرج علي عليه السلام بفاطمة عليها السلام بنت رسول - الله صلى الله عليه وآله وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وقد قيل: هي ضباعة، وتبعهم أيمن بن ام أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبوه واقد رسول رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل يسوق بالرواحل فأعنف بهم، فقال علي عليه السلام ارفق بالنسوة أبا واقد ! إنهن من الضعائف، قال: إني أخاف أن يدركنا الطالب - أو قال: الطلب - فقال علي عليه السلام: أربع عليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي: يا علي إنهم لن يصلوا من الآن إليك بأمر تكرهه، ثم جعل يعني عليا عليه السلام يسوق بهن سوقا رفيقا وهو يرتجز ويقول: ليس إلا الله فارفع ظنكا * يكفيك رب الناس ما أهمكا وسار فلما شارف ضجنان أدركه الطلب سبع فوارس من قريش مستلئمين (3) وثامنهم مولى الحارث بن امية يدعى جناحا، فأقبل علي عليه السلام على أيمن وأبي واقد وقد تراءى القوم فقال لهما: أنيخا الابل واعقلا ها، وتقدم حتى أنزل النسوة، ودنا القوم فاستقبلهم علي عليه السلام منتضيا سيفه، فأقبلوا عليه فقالوا: ظننت أنك يا غدار ناج بالنسوة، ارجع لا أبا لك، قال: فإن لم أفعل ؟ قالوا: لترجعن راغما، أو لنرجعن بأكبرك سعرا (4)، وأهون بك من هالك، ودنا الفوارس من النسوة والمطايا ليثوروها فحال علي عليه السلام بينهم وبينها، فأهوى له جناح بسيفه، فراغ علي عليه السلام عن ضربته، وتختله علي عليه السلام فضربه على عاتقه، فأسرع السيف مضيا فيه حتى مس كاثبة فرسه، فكان علي عليه السلام يشد على قدمه شد الفرس، أو الفارس على فرسه، فشد عليهم بسيفه وهو يقول (5):


(1) في المصدر: ويتحفظوا. (2) ذو طوى مثلثة الطاء وينون: موضع قرب مكة. (3) في المصدر: متلثمين. (4) في نسخة وفى المصدر: باكثرك شعرا. (5) في المصدر: حتى وصل إلى كاثبة فرسه، فكان عليه السلام يشد على قدميه شد الفرس أو الفارس على فرسه فغار على أصحابه فشد عليهم بسيفه شد ضيغم وهو يرتجز ويقول.

[ 66 ]

خلوا سبيل الجاهد المجاهد * آليت (1) لا أعبد غير الواحد فتصدع القوم عنه، فقالوا له: اغن (2) عنا نفسك يا ابن أبي طالب، قال: فإني منطلق إلى ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله بيثرب، فمن سره أن افري (3) لحمه واهريق دمه فليتبعني، أو فليدن مني، ثم أقبل على صاحبيه: أيمن وأبي واقد فقال لهما: أطلقا مطاياكما، ثم سار ظاهرا قاهرا حتى نزل ضجنان (4)، فتلوم (5) بها قدر يومه وليلته، ولحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين، وفيهم ام أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فصلى ليلته تلك هو والفواطم: امه فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، وفاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وفاطمة بنت الزبير، يصلون لله ليلتهم و يذكرونه قياما (6) وقعودا وعلى جنوبهم، فلن يزالوا كذلك حتى طلع الفجر، فصلى علي عليه السلام بهم صلاة الفجر، ثم سار لوجهه، فجعل وهم يصنعون ذلك منزلا بعد منزل يعبدون الله عزوجل ويرغبون إليه كذلك حتى قدم المدينة (7)، وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم: " الذين يذكرون الله قياما وقعودا و على جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا " إلى قوله: " فاستجاب لهم ربهم أني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى (8) " الذكر: علي عليه السلام، والانثى فاطمة (9)، عليها السلام، " بعضكم من بعض " يقول: علي


(1) أي حلفت. (2) في نسخة من المصدر: احبس نفسك. (3) افرى الشئ قطعه وشقه. (4) ضجنان كسكران: جبل قرب مكة. وجبل آخر بالبادية. (5) في المصدر: فلبث. (6) في المصدر: طورا يصلون، وطورا يذكرون الله قياما إه‍. وقد سقط تفسير الفواطم عن المصدر. (7) في المصدر: ثم سار لوجهه يجوب منزلا بعد منزل لا يفتر عن ذكر الله، والفواطم كذلك وغيرهم ممن صحبه حتى قدموا المدينة. (8) آل عمران: 191 - 195. (9) في نسخة كررت فاطمة ثلاثا. وفى المصدر: الذكر على، والانثى الفواطم المتقدم ذكرهن وهن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله. وفاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت الزبير.

[ 67 ]

من فاطمة أو قال: الفواطم، وهن من علي (1) " فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب " وتلا صلى الله عليه وآله: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد (2) " قال: و قال له: يا علي أنت أول هذه الامة إيمانا بالله ورسوله، وأولهم هجرة إلى الله ورسوله، وآخرهم عهدا برسوله، لا يحبك والذي نفسي بيده إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان، ولا يبغضك إلا منافق أو كافر (3). بيان: اللقى: الملقى على الارض وقيل: أصل اللقى أنهم كانوا إذا طافوا خلعوا ثيابهم وقالوا: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها فيلقونها عنهم، ويسمون ذلك الثوب لقى فإذا قضوا نسكهم لم يأخذوها وتركوها بحالها ملقاة، والرفق بالتحريك: الكدورة، ويقال: تضيفته أي نزلت به: وتنمر: تمدد في الصوت عند الوعيد، وتشبه بالنمر وله تنكر وتغير، وأوعده، وحدب بالكسر: تعطف، والانشوطة كأنبوبة: عقدة يسهل انحلالها كعقد التكة، وكتف فلانا: شد يديه إلى خلفه بالكتاف، وهو حبل يشد به، والدكادك جمع الدكداك وهو أرض فيها غلظ، ومن الرمل: ما تكبس أو ما التبد منه بالارض، والارب بالكسر: العضو، والافاريق جمع أفراق وهو جمع فرق، وهو جمع فرقة، والطلاوة مثلثة: الحسن والبهجة، والقبول. والمقانب جمع المقنب بالكسر، وهو جماعة الخيل والفرسان، والنجد بالفتح وككتف: الشجاع الماضي فيما يعجز عنه غيره، والعضب: القطع، والتغوير و التغور: الدخول في الشئ، وناهضة: قاومه، وتناهضوا في الحرب: ينهض كل إلى صاحبه، والعقل: الدية، ويقال: أوكى على سقائه: إذا شده بالوكاء، وهو ما يشد به رأس القربة، واستتب الامر: تهيأ واستقام، والعزة الفرقة من الناس: والجمع عزون ومنه قوله تعالى: " عن اليمين وعن الشمال


(1) المصدر خال عن قوله: أو قال: الفواطم وهن من على. (2) أشرنا قبلا، إلى موضع الاية. (3) أمالى ابن الشيخ: 295 - 301.

[ 68 ]

عزين (1) " وسويداء القلب: حبته، والجشع أشد الحرص، والرصد بالتحريك القوم يرصدون ويرقبون. قوله: فلما خلق الليل، أي مضى كثير منه، كما أن الثوب يخلق بمضي الزمان عليه، قوله: والحلم، قال الفيروز آبادي: الحلمة: شجرة السعدان، و نبات آخر، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة، قال: هو مربض الضبية أو كناسها قوله سوائب، تسييب الدواب: إرسالها تذهب وتجئ كيف شاءت، استعير هنا لعدم المنع من الدار، وكونها بلا باب، ونضا السيف وانتضاه: سله من غمده، قوله: ختله بالتاء، أي خدعه، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة، أي حبسه ومنعه، والهمز: الغمز، والضغط، والنخس، والدفع، والضرب، والعض، والكسر. والقمص: الضرب بالرجل، والبكر بالضم والفتح: ولد الناقة، أو الفتى منها، ويقال: رغا البعير يرغو رغاء: إذا ضج، وابذعر (2): تفرق، قوله: في عرج الدار، أي منعطفها أو مصعدها وسلمها، وأجفل القوم: هربوا مسرعين، ويقال: أذكيت عليه العيون: إذا أرسلت عليه الطلائع، قوله: اعتم، أي دخل في العتمة، وأزمع على الامر: ثبت عليه عزمه، والعاني: الاسير، والكل: العيال والثقل والنائبة: المصيبة، والنازلة، وما يقع على القوم من الديات وغيرها، والقلائص جمع القلوص، وهي الناقة الشابة، وفرى الارض: سارها وقطعها، وفي الديوان المنسوب إليه صلوات الله عليه بيت آخر: أردت به نصر الاله تبتلا * وأضمرته حتى أوسد في قبري (3) وقال الجوهري: يقال: ألاصه على كذا، أي أداره على الشئ الذي يرومه منه انتهى. أقول: إنما قال لعلي عليه السلام ابن امي (4) لان فاطمة رضي الله عنها كانت


(1) المعارج: 38. (2) قد عرفت قبلا أن الموجود في المصدر: يذعر ويصيح، وهو الصحيح. (3) الديوان: 60. (4) قد عرفت قبلا أن الموجود في المصدر: يا بن عمى.

[ 69 ]

مربية له صلى الله عليه وآله، وكان يلقبها بالام، ولذا قال صلى الله عليه وآله حين قال له أمير المؤمنين عليه السلام ماتت امي: بل والله امي. والتلوم: الانتظار والتمكث، قوله: أن يتسللوا، أي يذهبوا خفية، و يتخففوا، أي لا يحملوا معهم شيئا يثقل عليهم، وربع كمنع: وقف وتحبس، ومنه قولهم: أربع عليك، أو على نفسك، أو على ظلعك، قوله عليه السلام: ليس إلا الله أقول في الديوان. لا شئ إلا الله فارفع همكا (1). واستلام الرجل أي لبس اللامة وهي الدرع، والروغ: الحيد والميل، قوله: وتختله، لعل المراد هنا أنه أخذ السيف من يده، والكاثبة من الفرس: مقدم المسنج حيث تقع عليه يد الفارس. 19 - ص: أقام صلى الله عليه وآله بعد البعثة بمكة ثلاثة عشر سنة، ثم هاجر منها إلى المدينة بعد أن استتر في الغار ثلاثة أيام ودخل المدينة يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الاول، وبقي بها عشر سنين (2). 20 - عم، ص: بقي رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار ثلاثة أيام، ثم أذن الله تعالى له في الهجرة، وقال: اخرج عن مكة يا محمد فليس لك بها ناصر بعد أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله (3) وأفبل راع لبعض قريش يقال له: ابن اريقط، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: يا ابن اريقط أئتمنك على دمي عليه السلام فقال: إذا والله احرسك وأحفظك، ولا أدل عليك، فأين تريد يا محمد ؟ قال: يثرب، قال: لاسلكن بك مسلكا لا يهتدي فيها أحد (4)، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ائت عليا وبشره بأن الله قد أذن لي في الهجرة فهيئ لي زادا وراحلة، وقال له أبو بكر: ائت


(1) الديوان: 88. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) في اعلام الورى، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الغار. (4) في اعلام الورى، لا يهتدى إليه احد.

[ 70 ]

أسماء ابنتي وقل لها: تهيئي لي زادا وراحلتين، وأعلم عامر بن فهيرة أمرنا - و كان من موالي أبي بكر، وكان قد أسلم - وقل له ائتنا بالزاد والراحلتين، فجاء ابن اريقط إلى علي عليه السلام فأخبره بذلك، فبعث علي بن أبي طالب عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بزاد وراحلة، وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الغار، وأخذ به ابن اريقط على طريق نخلة بين الجبال، فلم يرجعوا إلى الطريق إلا بقديد فنزلوا على ام معبد هناك وقد مر حديث شاة ام معبد والمعجزة التي ظهرت فيها في أبواب المعجزات، وكذا حديث سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي، ورسوخ قوائم فرسه في الارض وغيرهما من المعجزات فرجع عنه سراقة فلما كان من الغد وافته قريش فقالوا: يا سراقة هل لك علم بمحمد ؟ فقال: بلغني أنه خرج عنكم وقد نفضت (1) هذه الناحية لكم، ولم أر أحدا ولا أثرا فارجعوا فقد كفيتكم ما ههنا، وقد كانت الانصار بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم، وكانوا يتوقعون قدومه إلى أن وافى مسجد قبا، ونزل، فخرج الرجال والنساء يستبشرون بقدومه (2) إلى آخر ما سيأتي في الباب الآتي. 21 - ير: عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد، عن عمرو بن سعيد الثقفي، عن يحيى بن الحسين بن الفرات، عن يحيى بن المساور، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما صعد رسول الله صلى الله عليه وآله الغار طلبه علي بن أبي طالب عليه السلام وخشي أن يغتاله المشركون، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله على حراء، وعلي عليه السلام على ثبير، فبصر به النبي صلى الله عليه وآله فقال: مالك يا علي ؟ قال: بأبي أنت وامي خشيت أن يغتالك المشركون فطلبتك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ناولني يدك يا علي فزحف الجبل حتى خطا برجله إلى الجبل الآخر، ثم رجع الجبل إلى قراره (3)


(1) نفض المكان، نظر جميع ما فيه حتى يتعرفه ونفض الطريق تتبعها. (2) اعلام الورى: 41 و 42، قصص الانبياء، مخطوط. (3) بصائر الدرجات: 120.

[ 71 ]

ختص: إبراهيم بن محمد مثله (1). بيان: زحف إليه كمنع: مشى قدما، وفي بعض النسخ بالراء المهملة و الجيم (2) أي تحرك. 22 - ير: ابن عيسى وابن أبي الخطاب معا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار ومعه أبو الفضيل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لانظر الآن إلى جعفر وأصحابه الساعة، تعوم بهم سفينتهم في البحر، إني لانظر إلى رهط من الانصار في مجالسهم محتبين بأفنيتهم، فقال له أبو الفصيل: أتراهم يا رسول الله الساعة ؟ قال: نعم، قال: فأرنيهم، قال: فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله على عينيه، ثم قال: انظر، فنظر فرآهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أرأيتهم ؟ قال: نعم، وأسر في نفسه أنه ساحر (3). بيان: أبو الفصيل: أبو بكر، وكان يكنى به في زمانه أيضا لان الفصيل ولد الناقة، والبكر: الفتى من الابل، والعوم: السباحة، وسير السفينة. 23 - ير: موسى بن عمر، عن عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك سمى رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر الصديق ؟ قال: نعم، قال: فكيف ؟ قال: حين كان معه في الغار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لارى سفينة جعفر بن أبي طالب تضطرب في البحر ضالة، قال: يا رسول الله وإنك لتراها ؟ قال: نعم، قال: فتقدر أن ترينيها ؟ قال: ادن مني، قال: فدنا منه، فمسح على عينيه، ثم قال: انظر، فنظر أبو بكر فرأى السفينة وهي تضطرب في البحر ثم نظر إلى قصور أهل المدينة، فقال في نفسه: الآن صدقت أنك ساحر، فقال رسول الله: الصديق أنت (4).


(1) الاختصاص: 324. (2) هو الموجود في الاختصاص. (3 و 4) بصائر الدرجات: 125.

[ 72 ]

24 - يج: من معجزاته صلى الله عليه وآله ما هو مشهور، وهو أنه في توجهه إلى المدينة أوى إلى غار بقرب مكة يعتوره النزال، ويأوي إليه الرعاء (1) قلما يخلو من جماعة نازلين يستريحون به، فأقام صلى الله عليه وآله به ثلاثا لا يطوره بشر، وخرج القوم في أثره، فصدهم عنه بأن بعث عنكبوتا فنسجت عليه فآيسهم من الطلب فيه، و انصرفوا وهو نصب أعينهم. بيان: قال الجزري: في حديث علي عليه السلام: والله لا أطور به ما سمر سمير، أي لا اقر به أبدا. 25 - يج: روي أن نفرا من قريش اجتمعوا وفيهم عتبة وشيبة وأبو جهل وامية بن أبي خلف، فقال أبو جهل: زعم محمد أنكم إن اتبعتموني (2) كنتم ملوكا فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقام على رؤوسهم وقد ضرب الله على أبصارهم فقبض قبضة من تراب فذرها على رؤوسهم، وقرأ: يس حتى بلغ العشر منها، ثم قال: إن أبا جهل هذا يزعم أني أقول: إن خالفتموني فإن لي فيكم ريحا (3)، و صدق، وأنا أقول ذلك، ثم انصرف فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ولم يشعروا به ولا كانوا رأوه. 26 - يج: من معجزاته صلى الله عليه وآله أنه لما كانت الليلة التي خرج فيها رسول - الله صلى الله عليه آله إلى الغار كانت قريش اختارت من كل بطن منهم رجلا ليقتلوا محمدا، فاختارت خمسة عشر رجلا من خمسة عشر بطنا، كان فيهم أبو لهب من بطن بني هاشم ليتفرق دمه في بطون قريش فلا يمكن بني هاشم أن يأخذوا بطنا واحدا،


(1) يعتوره أي ينزله كثيرا، وأوى البيت وإلى البيت: نزل فيه والرعاء: جمع الراعى أي رعاة الماشية. (2) في نسخة: ان اتبعتموه. والمعنى واحد. (3) في نسخة: ربحا. ولعله مصحف. ولعل المراد الريح التى استأصلتهم في غزوة بدر أو التى كانت بغزوة الاحزاب وفى سيرة ابن هاشم: 2: 95 فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها وفسر في هامش نسخة أمين الضرب الريح بالغلبة. والقوة. والرحمة والنصرة. والدولة. والشئ الطيب والرائحة. عن القاموس ولعل الاصح ما في السيرة.

[ 73 ]

فيرضون عند ذلك بالدية فيعطون عشر ديات، فقال النبي صلى الله عليه وآله لاصحابه: لا يخرج الليلة أحد من داره (1)، فلما نام الرسول قصدوا جميعا إلى باب عبد المطلب، فقال لهم أبو لهب: يا قوم إن في هذه الدار نساء بني هاشم وبناتهم، ولانأ من أن تقع يد خاطئة إذا وقعت الصيحة عليهن فيبقى ذلك علينا مسبة وعارا إلى آخر الدهر في العرب، ولكن اقعدوا بنا جميعا على الباب نحرس محمدا في مرقده (2)، فإذا طلع الفجر تواثبنا إلى الدار فضربناه ضربة رجل واحد وخرجنا، فإلى أن تجتمع الناس (3)، وقد أضاء الصبح فيزول عنا العار عند ذلك فقعدوا بالباب يحرسونه، قال علي عليه السلام: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن قريشا دبرت كيت وكيت (4) في قتلي، فنم على فراشي حتى أخرج أنا من مكة، فقد أمرني الله بذلك، فقلت له: السمع والطاعة، فنمت على فراشه، وفتح رسول الله صلى الله عليه وآله الباب وخرج عليهم وهم جميعا جلوس ينتظرون الفجر، وهو يقول: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (5) " ومضى وهم لا يرونه، فرأى أبا بكر قد خرج في الليل يتجسس من خبره، وقد كان وقف على تدبير قريش من جهتهم فأخرجه معه إلى الغار، فلما طلع الفجر تواثبوا إلى الداروهم يظنون أني محمد صلى الله عليه وآله، فوثبت في وجوههم وصحت بهم، فقالوا: علي ؟ قلت: نعم، قالوا: وأين محمد ؟ قلت: خرج من بلدكم، قالوا: إلى أين خرج: قلت: الله أعلم، فتركوني وخرجوا، فاستقبلهم أبو كرز الخزاعي وكان عالما بقصص الآثار، فقالوا: يا أبا كرز اليوم نحب أن تساعدنا في قصص أثر محمد، فقد خرج


(1) فيه إيعاز إلى أن ابا بكر خرج من داره بعد ما نهاء صلى الله عليه وآله عن ذلك. (2) المرقد: المضجع. (3) في نسخة: فلما اجتمع الناس. (4) كيت وكيت بفتح التاء وقد يكسر: يكنى بهما عن الحديث والخبر وتستعملان بلا واو أيضا ولا تستعملان إلا مكررتين. (5) يس: 9.

[ 74 ]

عن البلد، فوقف على باب الدار فنظر إلى أثر رجل محمد صلى الله عليه وآله، فقال: هذه أثر قدم محمد، وهي والله اخت القدم التي في المقام، ومضى به على أثره حتى إذا صار إلى الموضع الذي لقيه فيه أبو بكر، قال: هنا قد صار مع محمد آخر، وهذه قدمه، إما أن تكون قدم أبي فحافة أو قدم ابنه، فمضى على ذلك إلى باب الغار، فانقطع عنه الاثر، وقد بعث الله قبجة (1) فباضت على باب الغار، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، فقال: ما جاز محمد هذا الموضع، ولا من معه، إما أن يكونا صعدا إلى السماء أو نزلا في الارض، فإن باب هذا الغار كما ترون عليه نسج العنكبوت، والقبجة حاضنة على بيضها بباب الغار (2)، فلم يدخلوا الغار، وتفرقوا في الجبل يطلبونه. ومنها: أن أبا بكر اضطرب في الغار اضطرابا شديدا خوفا من قريش فأراد الخروج إليهم، فقعد واحد من قريش مستقبل الغار يبول، فقال أبو بكر: هذا قد رآنا، قال: كلا لو رآنا ما استقبلنا بعورته، وقال له النبي صلى الله عليه وآله: " لا تخف إن الله معنا " لن يصلوا إلينا فلم يسكن اضطرابه، فلما رأى صلى الله عليه وآله ذلك منه رفس (3) ظهر الغار فانفتح منه باب إلى بحر وسفينة، فقال له: اسكن الآن، فإنهم إن دخلوا من باب الغار خرجنا من هذا الباب وركبنا السفينة، فسكن عند ذلك، فلم يزالوا إلى أن يمسوا في الطلب فيئسوا وانصرفوا، ووافى ابن الاريقط بأغنام يرعاها إلى باب الغار وقت الليل يريد مكة بالغنم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: أفيك مساعدة لنا ؟ قال: إي والله، فوالله ما جعل الله هذه القبجة على باب الغار حاضنة لبيضها، ولا نسج العنبكوت عليه إلا وأنت صادق، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، (4) فقال: الحمد لله على هدايتك، فصر الآن إلى علي فعرفه موضعنا، ومر بالغنم إلى أهلها إذ نام


(1) القبج: طائر يشبه الحجل، وقيل: هو معرب كبك. (2) في نسخة: على باب الغار. (3) رفسه: ضربه. رفس اللحم ونحوه: دقه. (4) في نسخة: وأنك رسول الله.

[ 75 ]

الناس، ومر إلى عبد أبي بكر، فصار ابن الاريقط إلى مكة وفعل ما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله، فأتى علي عليه السلام وعبد أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أعدلنا يا أبا الحسن زادا وراحلة، وابعثها إلينا، وأصلح ما نحتاج إليه، واحمل والدتك (1) وفاطمة وألحقنا بهما إلى يثرب، وقال أبو بكر لعبده مثله، ففعلا ذلك، فأردف رسول الله صلى الله عليه وآله ابن الاريقط، وأبو بكر عبده. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما خرج وهولاء أصبحوا من تلك الليلة التي خرجوا فيها على حي سراقة بن جعشم، فلما نظر سراقة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أتخذ يدا عند قريش، وركب فرسه وقصدا محمدا صلى الله عليه وآله قال: قد لحق بنا هذا الشيطان، فقال: إن الله سيكفينا أمره، فلما قرب قال صلى الله عليه وآله: " اللهم خذه " فارتطم فرسه في الارض فصاح: يا محمد خلص فرسي، لا سعيت لك في مكروه. أبدا، وعلم أن ذلك بدعاء محمد صلى الله عليه وآله، فقال: " اللهم إن كان صادقا فخلصه " فوثب الفرس فقال: يا أبا القاسم ستمر برعائي وعبيدي فخذ سوطي، فكل من تمر به فخذ ما شئت فقد حكمتك في مالي، فقال: لا حاجة لي في مالك، قال: فسلني حاجة، قال: ردعنا من يطلبنا من قريش، فانصرف سراقة فاستقبله جماعة من قريش في الطلب فقال لهم: انصرفوا عن هذا الطريق، فلم يمر فيه أحد، وأنا أكفيكم هذا الطريق، فعليكم بطريق اليمن والطائف. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله سار حتى نزل بخيمة ام معبد فطلبوا عندها قرى (2) فقالت: ما يحضرني شئ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شاة في ناحية الخيمة قد تخلفت من الغنم لضرها، فقال: أتأذين (3) في حلبها ؟ قالت: نعم ولا خير فيها، فمسح يده على ظهرها فصارت من أسمن ما يكون من الغنم، ثم مسح يده على ظهرها فأرخت ضرعا عجيبا، ودرت لبنا كثيرا، فقال: يا ام معبد هاتي العس (4)، فشربوا


(1) في نسخة: واصلح ما تحتاج إليه لحمل والدتك. (2) القرى: ما يقدم للضيف. (3) في نسخة: أتأذنينى. (4) العس بالضم: القدح، أو الاناء الكبير.

[ 76 ]

جميعا حتى رووا، فلما رأت ام معبد ذلك قالت: يا حسن الوجه إن لي ولدا له سبع سنين وهو كقطعة لحم لا يتكلم ولا يقوم فأتته به، فأخذ تمرة وقد بقيت في الوعاء ومضغها وجعلها في فيه فنهض في الحال ومشى وتكلم، وجعل نواها في الارض فصارت في الحال نخلة وقد تهدل الرطب منها، وكان كذلك صيفا وشتاء، وأشار من الجوانب فصار ما حولها مراعي، ورحل رسول الله صلى الله عليه وآله. ولما توفي عليه السلام لم ترطب تلك النخلة. وكانت خضراء، فلما قتل علي عليه السلام لم تخضر بعد وكانت باقية، فلما قتل الحسين عليه السلام سال منها الدم فيبست، فلما انصرف أبو معبد ورأى ذلك فسأل عن سببه قالت: مربي رجل من قريش من حاله وقصته كذا وكذا، قال: يا ام معبد إن هذا الرجل هو صاحب أهل المدينة الذي هم ينتظرونه، ووالله ما أشك الآن أنه صادق في قوله: إني رسول الله، فليس هذا إلا من فعل الله، ثم قصد إلى رسول الله صلى اله عليه وآله فآمن هو وأهله. 27 - يج: روي أن ابن الكوا قال لعلي عليه السلام: أين كنت حيث ذكر الله أبا بكر فقال: " ثاني اثنين إذ هما في الغار (1) " ؟ فقال عليه السلام: ويلك يا ابن الكوا كنت على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طرح علي ريطته، فأقبل قريش مع كل رجل منهم هراوة فيها شوكها، (2) فلم يبصروا رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبلوا علي يضربوني حتى ينفط جسدي، وأوثقوني بالحديد، وجعلوني في بيت، واستوثقوا الباب بقفل وجاؤوا بعجوز تحرس الباب، فسمعت صوتا يقول: يا علي، فسكن الوجه فلن أجده وسمعت صوتا آخر يقول: يا علي، فإذا الحديد الذي علي قد تقطع، ثم سمعت صوتا: يا علي فإذا الباب فتح وخرجت والعجوز لا تعقل. (3) بيان: الريطة: الملاة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، والنفطة:


(1) التوبة: 40. (2) الهراوة العصا الضخمة كهراوة الفأس والمعمول. والشوك: السلاح. (3) لم نجد الحديث ولا ما تقدم قبله في الخرائج المطبوع، وقد أشرنا كرارا أن نسخة المؤلف قدس الله سره كانت تزيد على المطبوع، وكان المطبوع مختصرا منها.

[ 77 ]

الجدري، والبثرة، وقد نفطت كفه كفرحت قرحت عملا أو مجلت (1)، وأنفطها العمل. 28 - قب: علي بن إبراهيم بن هاشم: ما زال أبو كرز الخزاعي يقفو أثر النبي صلى الله عليه وآله فوقف على باب الحجر، يعني الغار، فقال: هذه قدم محمد، والله اخت القدم التي في المقام، وقال: هذه قدم أبي قحافة أو ابنه، وقال: ما جازوا هذا المكان إما أن يكونوا صعدوا في السماء، أو دخلوا في الارض، وجاء فارس من الملائكة في صورة الانس فوقف على باب الغار وهو يقول لهم: اطلبوه في هذه الشعاب، فليس ههنا، وتبعه القوم فعمى الله أثره وهو نصب أعينهم، وصدهم عنه وهم دهاة العرب وكان الغار ضيق الرأس، فلما وصل إليه النبي صلى الله عليه آله اتسع بابه، فدخل بالناقة فعاد الباب وضاق كما كان في الاول. الواقدي: لما خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى الغار فبلغ الجبل وجده مصمتا (2) فانفرج حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وآله الغار. زيد بن أرقم وأنس والمغيرة: أمر الله شجرة صغيرة فنبتت في وجه الغار، وأمر العنبكوت فنسجت في وجهه، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار. وروي أنه أنبت الله تعالى على باب الغار ثمامة وهي شجرة صغيرة. الزهري: ولما قربوا من الغار بقدر أربعين ذراعا تعجل بعضهم لينظر من فيه، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: ما لك لا تنظر في الغار ؟ فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أن ليس فيه أحد، وسمع النبي صلى الله عليه وآله ما قال فدعا لهن، (3) وفرض جزاءهن، فانحدرن في الحرم.


(1) مجلت يده ; ظهر فيها المجل. والمجل أن يكون بين الجلد واللحم ماء من كثرة العمل. يقال للمجل بالفارسية: آبله أو تأول. (2) المصمت وزان اسم المفعول: الذى لا جوف له. باب مصمت: مغلق مبهم اغلاقه. حائط مصمت: لا فرجة فيه. (3) أي للحمامات. والجمع باعتبار جماعة الحمامة وجنسها.

[ 78 ]

ورأى أبو بكر واحدا يبول قبلهم، فقال: قد أبصرونا، فقال النبي صلى الله عليه وآله لو أبصرونا لما استقبلونا بعوراتهم. (1) 29 - شى: عن سعيد بن المسيب، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كانت خديجة ماتت قبل الهجرة بسنة، ومات أبو طالب بعد موت خديجة بسنة فلما فقدهما رسول الله صلى الله عليه وآله شنأ (2) المقام بمكة، ودخله حزن شديد، وأشفق على نفسه من كفار قريش، فشكا إلى جبرئيل ذلك، فأوحى الله إليه: يا محمد اخرج من القرية الظالم أهلها، وهاجر إلى المدينة، فليس لك اليوم بمكة ناصر، وانصب للمشركين حربا، فعند ذلك توجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة. (3) 30 - شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أما قوله: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد (3) " فإنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام حين بذل نفسه لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ليلة اضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله لما طلبته كفار قريش. (5) 31 - شى: عن ابن عباس قال: فدى علي عليه السلام بنفسه، لبس ثوب النبي صلى الله عليه وآله ثم نام مكانه، فكان المشركون يرمون رسول الله، قال: فجاء أبو بكر وعلي عليه السلام نائم، وأبو بكر يحسب أنه نبي الله، فقال: أين نبي الله ؟ فقال علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدرك، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، وجعل عليه السلام يرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتضور قد لف رأسه، فقالا: إنك كنت (6)، لو كان صاحبك لا يتضور قد استنكرنا


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 111. (2) أي كره وأبغض المقام بها. (3) تفسير العياشي ج 1: 257. (4) البقرة: 206. (5) تفسير العياشي ج 1: 101. (6) هذا يوافق ما يأتي عن الطبري وابن حنبل، وأما سائر الروايات ففيها انه لقيه رسول الله صلى الله عليه وآله في الطريق، ولعل التوفيق بينهما ان النبي صلى الله عليه - - >

[ 79 ]

ذلك منك. (1) بيان: قال الجزري: فيه أنه دخل على امرأة وهي تتضور من شدة الحمى أي تتلوى وتصيح وتتقلب ظهرا لبطن، وقيل: تتضور: تظهر الضور بمعنى الضر يقال: ضاره يضوره ويضيره. 32 - قب: تاريخ الطبرسي: إن أمير المؤمنين عليه السلام نزل بقباء على ام كلثوم (2) بنت هدم وقت الهجرة ليلتين أو ثلاثا، فرآها تخرج كل ليلة نصف الليل


وآله وسلم بعد ما لم يطلع احدا على خروجه مخافه أن يعلم المشركون ذلك بل نهى اصحابه عن الخروج في تلك الليلة خرج بنفسه، ثم اتى أبو بكر إلى دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليتعرف ما هو فيه، فاعلمه على عليه السلام انه قد خرج وحيدا، فتعجل أبو بكر حتى لحق به في الطريق. (1) أي قالوا ذلك بعد ما عرفوه انه على. وفى نسخة: قد استكثرنا منك. وروى الحديث الخوارزمي في مناقبه: 75 باسناده عن الشيخ الزاهد ابى الحسن على بن احمد العاصمى الخوارزمي قال: أخبرني شيخ القضاة اسماعيل بن احمد الواعظ، أخبرني والدى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى، أخبرني أبو عبد الله الحافظ، أخبرني احمد بن جعفر القطيعى، حدثنى عبد الله بن احمد بن حنبل، أخبرني أبى، حدثنى يحيى بن معاذ، حدثنى أبو عوانة، حدثنا أبو ثلج، حدثنى عمر بن ميمون، عن ابن عباس. وفيه: وهو يتضور قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه، فقالوا: انك لئيم، وقد كان صاحبك لا يتضور ونحن نرميه و انت تتضور، وقد استنكرنا ذلك. أقول: أبو عبد الله الحافظ هو محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري روى الحديث في المستدرك 3: 132 واسناد الخوارزمي فيه أوهام لعلها من النساخ والصحيح كما في المستدرك يحيى بن حماد " وهو ابن أبى زياد الشيباني ختن أبى عوانة " حدثنا أبو عوانة، حدثنا ابوبلج " بفتح الباء وسكون اللام هو الفزارى الواسطي، ويقال: الكوفى الكبير، واسمه يحيى بن سليم بن بلج، ويقال: ابن ابى سليم، ويقال: يحيى بن الاسود " حدثنا عمرو بن ميمون. " هو عمرو بن ميمون الاودى أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى مخضرم مشهور ثقة عابد نزل الكوفة مات سنة 74 - أو - بعدها " وفى المستدرك: انك للئيم. والحديث في تفسير العياش: ج 1: 101. واخرجه البحراني ايضا في البرهان: 1: 207. وكذا الحديث الذى قبله. (2) وفيه وهم، وقد دخل حديث في حديث آخر، والصحيح: نزل على كلثوم بن هدم كما - - >

[ 80 ]

إلى طارق وتأخذ منه شيئا، فسألها عن ذلك فقالت: هذا سهل بن حنيف قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها، و قال: احتطبي بهذا، فكان أمير المؤمنين عليه السلام يحترمه بعد ذلك. 33 - شى: عن عبد الله بن محمد الحجال قال: كنت عند أبي الحسن الثاني عليه السلام ومعي الحسن بن الجهم، فقال له الحسن: إنهم يحتجون علينا بقول الله تبارك و تعالى: " ثاني اثنين إذ هما في الغار " قال: وما لهم في ذلك ؟ فوالله لقد قال الله: فأنزل الله سكينته على رسوله، وما ذكره فيها بخير، قال: قلت له أنا: جعلت فداك وهكذا تقرؤنها ؟ قال: هكذا قرأتها. قال زرارة: قال أبو جعفر عليه السلام: " فأنزل الله سكينته على رسوله " ألا ترى أن السكينة إنما نزلت على رسوله " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى " فقال: هو الكلام الذي يتكلم به عتيق. رواه الحلبي عنه. (1) 24 - م: إن الله تعالى أوحى إلى النبي يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام، (2) ويقول لك: إن أبا جهل والملا من قريش قد دبروا يريدون قتلك، وآمرك أن تبيت (3) عليا في موضعك، وقال لك: إن منزلته منزلة إسماعيل الذبيح من إبراهيم الخليل، يجعل نفسه لنفسك فداء، وروحه لروحك وقاء، وأمرك


في سيرة ابن هشام والطبري وامتاع الاسماع وغيرها والرجل أبو قيس كلثوم بن هدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، هذا على قول من يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله نزل على كلثوم، وما على ما قيل: من انه نزل على سعد بن خيثمة، فيلزم أن يكون نزول على عليه السلام ايضا عليه، لان المعروف والمشهور بين أصحاب التواريخ انه نزل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وقيل: ان عليا نزل على امرأة مسلمة لا زوج لها. وفى ذلك الحديث أن سهل بن حنيف يأتيها فيعطيها شيئا إه‍ والحديث لم نظفر به في المناقب، وقد ذكر في حديث آخر انه نزل على كلثوم بن هدم. (1) تفسير العياشي ج 2: 88. (2) في نسخة: يقرئك السلام. (3) في نسخة من المصدر: ان تثبت.

[ 81 ]

أن تستصحب أبا بكر، فإنه إن آنسك وساعدك ووازرك وثبت على ما يعاهدك و يعاقدك كان في الجنة من رفقائك، وفي غرفاتها من خلصائك، (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: أرضيت إن اطلب (2) فلا اوجد وتوجد، فلعله أن يبادر إليك الجهال فيقتلوك ؟ قال: بلى يا رسول الله رضيت أن يكون روحي لروحك وقاء، ونفسي لنفسك فداء، بل رضيت أن يكون روحي ونفسي فداء لاخ لك أو قريب أو لبعض الحيوانات تمتهنها (3)، وهل احب الحياة إلا لخدمتك. والتصرف بين أمرك ونهيك، ولمحبة أوليائك، ونصرة أصفيائك، ومجاهدة أعدائك ؟ لولا ذلك لما أحببت أن أعيش في هذه الدنيا ساعة واحدة، فأقبل رسول الله صلى لله عليه وآله على علي عليه السلام فقال له: يا أبا حسن قد قرأ علي كلامك هذا الموكلون باللوح المحفوظ وقرؤوا علي ما أعد الله لك من ثوابه في دار القرار ما لم يسمع بمثله السامعون، ولا رأى مثله الراؤون، ولا خطر مثله ببال المتفكرين، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي بكر: أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما اطلب، وتعرف بأنك أنت الذي تحملني على ما أدعيه فتحمل عني أنواع العذاب ؟ قال أبو بكر: يا رسول الله أما أنا لو عشت عمر الدنيا اعذب في جميعها أشد عذاب لا ينزل علي موت مريح ولا منهج متيح (4) وكان ذلك في محبتك لكان ذلك أحب إلي من أن أتنعم فيها وأنا مالك لجميع ممالك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلا فداؤك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا جرم إن اطلع الله على قلبك ووجد ما فيه موافقا لما جرى على لسانك جعلك مني بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد، ومنزلة الروح من البدن، كعلي الذي هو مني كذلك، وعلي فوق ذلك لزيادة فضائله وشرف خصاله، يا أبا بكر إن من عاهد (5) ثم لم ينكث ولم يغير ولم يبدل ولم يحسد من قد أبانه الله (6)


(1) الحديث متفرد بهذا التفصيل فتأمل. (2) في نسخة: إذ اطلب. (3) امتهن الشئ: احتقره وابتذله. (4) في المصدر وفى نسخة: ولا فرج متبح، وفى نسخة اخرى: ولا فرج منج. (5) في نسخة: من عامل الله. وفى المصدر: من عاهد الله ثم لم ينكثه. (6) في نسخة من المصدر: من قد أثابه الله. (*)

[ 82 ]

بالتفضيل فهو معنا في الرفيق الاعلى، وإذا أنت مضيت على طريقة يحبها منك ربك ولم تتبعها بما يسخط (1) ووافيته بها إذا بعثك بين يديه كنت لولاية الله مستحقا ولمرافقتنا في تلك الجنان مستوجبا، انظر أبا بكر، فنظر في آفاق السماء فرأى أملاكا من نار على أفراس من نار، بأيديهم رماح من نار، وكل ينادي: يا محمد مرنا بأمرك في مخالفيك نطحطحهم، ثم قال: تسمع على الارض، فتسمع (2) فإذا هي تنادي: يا محمد مرني بأمرك في أعدائك أمتثل أمرك، ثم قال: تسمع على الجبال فسمعها تنادي: يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نهلكهم، ثم قال: تسمع على البحار فاحضرت البحار بحضرته وصاحت أمواجها: يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نمتثله ثم سمع السماء والارض والجبال والبحار كل يقول: يا محمد ما أمرك ربك بدخول الغار لعجزك عن الكفار. ولكن امتحانا وابتلاء ليخلص (3) الخبيث من الطيب من عباده وإمائه بأناتك (4) وصبرك وحلمك عنهم، يا محمد من وفى بعهدك فهو من رفقائك في الجنان، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وهو من قرناء إبليس اللعين في طبقات النيران. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام يا علي أنت مني بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد، والروح من البدن، حببت إلي كالماء البارد إلي ذي الغلة الصادي ثم قال له: يابا حسن تغش ببردتي، فإذا أتاك الكافرون يخاطبونك فإن الله يقرن بك توفيقه وبه تجيبهم، فلما جاء أبو جهل والقوم شاهرون سيوفهم قال لهم أبو جهل: لا تقعوا به وهو نائم لا يشعر، ولكن ارموه بالاحجار ليتنبه بها ثم اقتلوه، فرموه بأحجار ثقال صائبة، فكشف عن رأسه، وقال: ماذا شأنكم، فعرفوه فإذا هو علي عليه السلام فقال أبو جهل: أما ترون محمدا كيف أبات هذا ونجا بنفسه لتشتغلوا به


(1) في المصدر: ولا تتبعها بما يسخطه. (2) تسمع الرجل وإليه: أصغى إليه. (3) في المصدر: ليتخلص. (4) الاناة: الوقار والحلم: الانتظار والتمهل.

[ 83 ]

وينجو محمد، لا تشتغلوا بعلي المخدوع لينجو بهلاكه محمد، وإلا فما منعه أن يبيت في موضعه إن كان ربه يمنع عنه كما يزعم ؟ فقال علي عليه السلام: ألي تقول (1) هذا يا با جهل ؟ بل الله قد أعطاني من العقل ما لو قسم على جميع حمقاء الدنيا ومجانينها لصاروا به عقلاء ومن القوة ما لو قسم على جميع ضعفاء الدنيا لصاروا به أقوياء، ومن الشجاعة ما لو قسم على جميع جبناء الدنيا لصاروا به شجعانا، ومن الحلم ما لو قسم على جميع سفهاء الدنيا لصاروا به حلماء، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني أن لا احدث حدثا حتى ألقاه لكان لي ولكم شأن، ولاقتلنكم قتلا، ويلك يا أبا جهل إن محمدا قد استأذنه في طريقه السماء والارض والجبال والبحار في إهلاككم فأبى إلا أن يرفق بكم، ويداريكم، ليؤمن من في علم الله أنه ليؤمن منكم، ويخرج مؤمنون من أصلاب وأرحام كافرين وكافرات، أحب الله أن لا يقطعهم عن كرامته باصطلامهم، (2) ولولا ذلك لاهلككم ربكم، إن الله هو الغني وأنتم الفقراء لا يدعوكم إلى طاعته وأنتم مضطرون، بل مكنكم بما كلفكم وقطع معاذيركم فغضب أبوالبختري بن هشام أخو أبي جهل (3) فقصده بسيفه، فرأى الجبال قد أقبلت لتقع عليه، والارض قد انشقت لتخسف به، وأمواج البحار نحوه مقبلة لتغرقه في البحر، ورأى السماء انحطت لتقع عليه، فسقط سيفه وخر مغشيا عليه واحتمل ويقول أبو جهل: دير به (4) لصفراء هاجت به، يريد أن يلبس على من معه أمره، فلما التقى رسول الله صلى الله عليه وآله مع علي عليه السلام قال: يا علي إن الله رفع صوتك في مخاطبتك


(1) هكذا في النسخ، وفى المصدر: أنى تقول يا أبا جهل. (2) في المصدر: أحب الله أن لا يقتطعهم عن كرامته باصطلامكم. أقول: الاصطلام: الاستئصال. (3) خلا المصدر المطبوع والمخطوط الذى عندي عن قوله: " أخو أبى جهل " وهو الصحيح لان أبا البخترى وأبا جهل ليسا بأخوين، فان أبا البخترى هو العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى. على قول ابن إسحاق وابن الكلبى، والعاص بن هاشم على قول ابن هشام ومصعب الزبيري، وأبو جهل هو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي. (4) في المصدر: دثر به.

[ 84 ]

أبا جهل إلى العلو، وبلغه إلى الجنان، فقال من فيها من الخزان والحور الحسان: من هذا المتعصب لمحمد إذ قد كذبوه وهجروه ؟ وقيل لهم: هذا النائب عنه، و البائت على فراشه يجعل نفسه لنفسه وقاء، وروح لروحه فداء، فقال الخزان والحور الحسان: يا ربنا فاجعلنا خزانه، وقالت الحور الحسان: فاجعلناه نساءه فقال الله تعالى: فأنتم له ولمن اختاره، وهو من أوليائه (1) ومحبيه يقسمكم عليهم بأمر الله على من هو أعلم به من الصلاح، أرضيتم ؟ قالوا: بلى ربنا وسيدنا. (2) بيان: متيح بضم الميم: أي مهيئ للنجاة، وفي النسخ المصححة: منج، و هو أظهر معنى، وطحطحت الشئ: كسرته وفرقته، والغلة بالضم: حرارة العطش والصدى العطش. 35 - عم: قال ابن عباس: لما انطلق النبي صلى الله عليه وآله إلى الغار أنا عليا في مكانه وألبسه برده، فجاءت قريش تريد أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعلوا يرمون عليا عليه السلام وهم يرون أنه النبي صلى الله عليه وآله، فجعل يتضور، فلما نظروا إذا هو علي عليه السلام. وروى علي بن هاشم، (3) عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع قال: كان علي عليه السلام يجهز النبي صلى الله عليه وآله حين كان في الغار يأتيه بالطعام والشراب، واستأجر له ثلاث رواحل للنبي صلى الله عليه وآله ولابي بكر، ولدليهم رقيد، (4) وخلفه النبي صلى الله عليه وآله ليخرج (5) إليه أهله، فأخرجهم، وأمره أن يؤدي


(1) في المصدر: انتم له ولمن يختاره من اوليائه. (2) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 189 - 191. (3) في نسخة: على بن إبراهيم بن هاشم: أقول: الاول مختصر. (4) هكذا في نسخة امين الضرب، وفى النسخة المخطوطة: وقيد: وفى المصدر: وقيل: وخلفه إه‍. ولعله الصحيح لانا لم نظفر على من كان اسمه رقيدا أو وقيدا. (5) في نسخة: يتخرج إليه.

[ 85 ]

عنه أماناته ووصاياه وما كان بمؤتمن عليه من مال، فأدى علي عليه السلام أماناته (1) كلها. وقال له النبي صلى الله عليه وآله: إن قريش لن يفتقدوني ما رأوك، فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله، فكانت قريش يرى (2) رجلا على فراش النبي صلى الله عليه وآله، فيقولون هو محمد، فحبسهم الله عن طلبه، وخرج علي عليه السلام إلى المدينة ماشيا على رجليه فتورمت قدماه، فلما قدما المدينة رآه النبي صلى الله عليه وآله، فاعتنقه وبكى رحمة (3) مما رأى بقدميه من الورم وإنما يقطران دما، فدعا له بالعافية، ومسح رجليه فلم يشكهما بعد ذلك. (4) 36 - فض، يل: لما آخى سبحانه وتعالى بين الملائكة آخى بين جبرئيل وميكائيل فقال سبحانه وتعالى: إني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحد كما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر أخاه بالحياة على نفسه فاختار كلاهما الحياة فقال الله عزوجل: أفلا تكونا مثل علي بن أبي طالب آخيت (5) بينه وبين حبيبي محمد فآثره بالحياة على نفسه في هذه الليلة، وقد بات على فراشه يفديه بنفسه: اهبطا فاحفظاه من عدوه، فهبطا إلى الارض فجلس جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وهما يقولان: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، من مثلك وقد باهى الله بك ملائكة


(1) قال ابن شهر آشوب في المناقب 1: 334، واستخلفه الرسول صلى الله عليه وآله لرد الودائع، لانه كان امينا، فلما أداها قام على الكعبة فنادى بصوت رفيع: يا ايها الناس هل من صاحب امانة ؟ هل من صاحب وصية ؟ هل من عدة له قبل رسول الله ؟ فلما لم يأت احد لحق بالنبي صلى الله عليه وآله. وقال في ص 396: وقد ولاء في رد الودائع، لما هاجر إلى المدينة استخلف عليا عليه السلام في اهله وماله، وامره ان يؤدى عنه كل دين وكل وديعة وأوصى إليه بقضاء ديونه. (2) في المصدر: ترى. (3) في المصدر: ورآه النبي صلى الله عليه وآله فاعتنقه وبكى رحمة له. (4) اعلام الورى: 113 ط 1 و 191 و 192 ط 2 وفيها: فلم يشتكهما بعد ذلك. (5) في المصدر: حيث آخيت:

[ 86 ]

السماوات وفاخر بك ؟. (1) 37 - كنز: روى أحمد بن حنبل، عن عمير بن ميمون (2) قال: قوله عزوجل " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء (3) " وذلك حين نام علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ألبسه ثوبه، وجعله مكانه، وكان المشركون يتوهمون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى الثعلبي في تفسيره قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وآله الهجرة خلف عليا عليه السلام لقضاء ديونه، ورد الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار (4)، وقال له يا علي: اتشح ببردي الحضرمي: ثم نم على فراشي فإنه لا يخلص (5) إليك منهم مكروه إن شاء الله، ففعل ما أمره، فأوحى عزوجل إلى جبرئيل وميكائيل: أني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كل منهما الحياة، فأوحى الله عزوجل إليها: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب ؟ آخيت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الارض


(1) الروضة: ص 119، الفضائل: 124 و 125. أقول: روى ذلك الحديث جماعة من مشايخ العامة والخاصة منهم - على ما ذكره ابن شهر اشوب - الثعلبي في تفسيره، وابن عقب في ملحتمه، وأبو السعادات في فضائل العشرة. والغزالي في الاحياء وفى كيمياء السعادة برواياتهم عن أبى اليقطان، ومن الخاصة: ابن بابويه وابن شاذان والكليني والطوسي وابن عقدة والبرقي وابن فياض، والعبد لي والصفواني والثقفي بأسانيدهم عن ابن عباس وأبى رافع وهند ابن أبى هالة. ويأتى ان شاء الله في فضائل على عليه السلام الايعاز إلى غيرهم. (2) هكذا في النسخ، وفى المصدر: عمر بن ميمون، وفى كليهما تصحيف، والصحيح عمرو بن ميمون. راجع ما قدمنا ذيل الحديث: 29. (3) في المصدر: ذلك على بن أبى طالب عليه السلام، شرى نفسه، وذلك حين نام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله. (4) في المصدر: وأمره ليلة خروجه إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه. وقال له. (5) في المصدر: لا يلحق.

[ 87 ]

فاحفظاه من عدوه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل يقول: بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب، يباهي الله بك ملائكته فأنزل الله عز وجل على رسوله الله صلى الله عليه وآله وهو متوجه إلى المدينة في شان علي بن أبي طالب عليه السلام: " ومن الناس من يشري نفسه " الآية. وروى أخطب خوارزم حديثا يرفعه بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نزل علي جبرئيل صبيحة يوم الغار، فقلت: حبيبي جبرئيل ! أراك فرحا، فقال: يا محمد وكيف لا أكون كذلك وقد قرت عيني بما أكرم الله به أخاك ووصيك وإمام امتك علي بن أبي طالب عليه السلام، فقلت: بماذا أكرمه الله ؟ قال: باهى بعبادته البارحة ملائكته، وقال: ملائكتي ! انظروا إلى حجتي في أرضي بعد نبيي وقد بذل نفسه، وعفر حده في التراب تواضعا لعظمتي، أشهدكم أنه إمام خلقي ومولى بريتي (1). 38 - مصبا: في أول ليلة من شهر ربيع الاول هاجر النبي صلى اله عليه وآله من مكة إلى المدينة سنة ثلاث عشرة من مبعثه، وفيها كان مبيت أمير المؤمنين عليه السلام على فراشه، وكانت ليلة الخميس، وفي ليلة الرابع منه كان خروجه من الغار متوجها إلى المدينة. 39 - فر: الحسين بن الحكم، عن يحيى بن عبد الحميد، عن أبي عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس رضي الله عنه قال في علي بن أبي طالب صلى الله عليه وآله (2) لما انطلق النبي صلى الله عليه وآله إلى الغار فأنامه النبي صلى الله عليه وآله في مكانه وألبسه برده، فجاء (3) قريش يريدون أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وآله فجعلوا يرمون عليا عليه السلام وهم يرون أنه النبي صلى الله عليه وآله وقد ألبسه النبي صلى الله عليه وآله برده، فجعل يتضور، فنظروا فإذا هو علي عليه السلام فقالوا: إنك لنائم ؟ ! لو كان صاحبك ما


(1) كنز جامع الفوائد: 40. (2) خلا المصدر عن قوله: في على بن أبى طالب. (3) في المصدر: فجاءت قريش.

[ 88 ]

تضور لقد استنكرنا ذلك منك (1). 40 - كا: حميد بن زياد، عن محمد بن أيوب، عن علي بن أسباط، عن الحكم بن مسكين، عن يوسف بن صهيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل يقول لابي بكر في الغار: اسكن فإن الله معنا، وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن، فلما رأى رسول الله صلى اله عليه وآله حاله قال له: تريد أن اريك أصحابي من الانصار في مجالسهم يتحدثون، واريك جعفرا وأصحابه في البحر يغوصون (2) ؟ قال: نعم، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله بيده على وجهه، فنظر إلى الانصار يتحدثون ونظر إلى جعفر رضي الله عنه وأصحابه في البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة، أنه ساحر (3) 41 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج من الغار متوجها إلى المدينة وقد كانت قريش جعلت لمن أخذه مائة من الابل، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن يطلب فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم اكفني شر سراقة بما شئت " فساخت قوائم فرسه فثنى رجله ثم اشتد، فقال: يا محمد إني علمت أن الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قبلك، فادع الله أن يطلق لي فرسي، فلعمري إن لم يصبكم خير مني (4) لم يصبكم مني شر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله فأطلق الله عزوجل فرسه، فعاد في طلب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى فعل ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يدعو رسول الله فيأخذ (5) الارض قوائم فرسه، فلما اطلقه في الثالثة قال: يا محمد هذه إبلي بين يديك فيها غلامي، وإن احتجت (6) إلى ظهر أو لبن فحذ منه، و


(1) تفسير فرات: 9 و 10 راجع ما قدمنا ذيل الحديث: 29. (2) تقدم في أخبار، يعومون بالعين المهملة، أي يسجون. (3) روضة الكافي: 262. (4) في نسخة: ان لم يصبكم منى خير. (5) في المصدر: فتأخذ الارض. (6) في المصدر: فان احتجت. قوله: إلى ظهر أي مركوب.

[ 89 ]

هذا سهم من كنانتي علامة، وأنا أرجع فأرد عنك الطلب، فقال: لا حاجة لي فيما عندك. (1) 42 - نهج: من كلام له عليه السلام اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله ثم لحاقه به: فجعلت أتبع مأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله فأطأ ذكره حتى انتهيت إلى العرج. في كلام طويل فقوله عليه السلام: فأطأ ذكره، من الكلام الذي رمي إلى غايتي الايجاز والفصاحة، وأراد أنني كنت اعطي خبره صلى الله عليه وآله من بدء خروجي إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع، فكنى ذلك بهذه الكناية العجيبة. (2) 43 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم (3) " وذلك أن الرجل كان إذا أراد الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تعلق به ابنه وامرأته، فقالوا: ننشدك الله أن تذهب عنا وتدعنا فنضيع بعدك، فمنهم من يطيع أهله فيقيم، فحذرهم الله أبناءهم ونساءهم ونهاهم عن طاعتهم ومنهم من يمضي ويذرهم ويقول: أما والله لئن لم تهاجروا معي ثم جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لا أنفعكم بشئ أبدا، فلما جمع الله بينه وبينهم أمره الله أن يبوء بحسن وبصلة (4) فقال: " وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فان الله غفور رحيم. (5) 44 - ن: الحسين بن أحمد البيهقي، عن محمد بن يحيى الصولي، عن أحمد بن محمد بن إسحاق الطالقاني، عن أبيه قال: حلف رجل بخراسان بالطلاق أن معاوية


(1) روضة الكافي 263 وفيه: لا حاجة لنا. (2) نهج البلاغة: القسم الاول: 492 فيه وكنى عن ذلك. (3) التغابن: 14. (4) في نسخة: أمره الله أن يتقى ويحسن. وفى المصدر: أمره أن يتوق بحسن وصلة قوله: يبوء أي يرجع. (5) تفسير القمى: 683.

[ 90 ]

ليس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أيام كان الرضا عليه السلام بها، فأفتى الفقهاء بطلاقها فسئل الرضا عليه السلام فأفتى أنها لا تطلق، فكتب الفقهاء رقعة فأنفذوها إليه وقالوا له: من أين قلت يا بن رسول الله أنها لم تطلق ؟ فوقع عليه السلام في رقعتهم (1): قلت: هذا من روايتكم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لمسلمة الفتح وقد كثروا عليه: " أنتم خير، وأصحابي خير، ولا هجرة بعد الفتح (2) " فأبطل الهجرة ولم يجعل هؤلاء أصحابا له، فرجعوا إلى قوله. (3) 45 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالوا: سألناهما عن قوله: " والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا (4) " قالا: بأن أهل مكة لا يرثون أهل المدينة. (5) 46 - كا: علي بن إبراهيم، عن هارون، عن ابن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عمار بن ياسر أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان فأنزل الله عز وجل فيه: " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان (6) " فقال له النبي صلى الله عليه وآله عندها:


(1) وقع العهد أو الفرمان: رسم عليه طغراء السلطان. وقع الكتاب أو الصك: وضع اسمه في ذيله قوله: فوقع في رقعتهم أي كتب هذا الجواب في ذيل رقعتهم ووضع اسمه ذيله. (2) رواه الطيالسي في مسنده: 293 باسناده عن شعبة، عن عمرو بن مرة سمع ابا البخترى يحدث عن أبى سعيد قال: لما نزلت هذه الاية: " إذا جاء نصر الله والفتح " قرأها رسول الله صلى الله عليه وآله حتى ختمها، ثم قال: أنا واصحابي خير، والناس خير، لا هجرة بعد الفتح. قال أبو سعيد: حدثت بهذا الحديث مروان بن الحكم وكان اميرا على المدينة: فقال: كذبت وعنده زيد بن ثابت ورافع بن خديج وهما معه على السرير، فقال أبو سعيد، اما أن هذين لو شاءا لحدثاك، ولكن هذا يخشى أن تنزعه من عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، يعنى زيد بن ثابت، قال: فرفع عليه الدرة، قال: فلما رأيا ذلك قال: صدق. (3) عيون أخبار الرضا: 240. فيه: قال: فرجعوا إلى قوله. (4) الانفال: 72. (5) تفسير العياشي ج 2: 70، وأخرجه البحراني أيضا في تفسير البرهان 2: 98. (6) النحل: 106.

[ 91 ]

يا عمار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا. (1) 47 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن محمد بن مروان قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما منع ميثم (2) رحمه الله من التقية ؟ فوالله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه: " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان (3) " 48 - أقول: في تفسير النعماني بسنده المذكور في كتاب القرآن عن الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة آخى بين أصحابه من المهاجرين والانصار جعل المواريث على الاخوة في الدين لا في ميراث الارحام، وذلك قوله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله اولئك بعضهم أولياء بعض (4) " إلى قوله سبحانه: " والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " فأخرج الاقارب من الميراث، وأثبته لاهل الهجرة وأهل الدين خاصة، ثم عطف بالقول فقال تعالى: " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير (5) " فكان من مات من المسلمين يصير ميراثه وتركته لاخيه في الدين دون القرابة والرحم الوشيجة (6) فلما قوي الاسلام أنزل الله: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزاواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن


(1) اصول الكافي 2: 219، وللحديث صدر تركه المصنف. (2) هو ميثم التمار رضى الله عنه من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، له ترجمة اضافية في كتب التراجم. (3) اصول الكافي 2: 220. (4) في الاية سقط ولعله من النساخ: والصحيح هكذا: " وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا اولئك بعضهم اولياء بعض والذين أمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " فعليه فقوله: " إلى قوله سبحانه " زائد ولعله كان قبل قوله: " اولئك " فوهم النساخ فأثبتوه هنا. (5) الانفال: 72 و 73. (6) الرحم الوشيجة: أي الرح المتصلة المشتبكة.

[ 92 ]

تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (1) " فهذا معنى نسخ آية الميراث. (2) 49 - ل: عن عامر بن واثلة في خبر الشورى قال أمير المؤمنين عليه السلام: نشدتكم بالله هل فيكم أحد وقى (3) رسول الله صلى الله عليه وآله حيث جاء المشركون يريدون قتله ؟ فاضطجعت في مضجعه وذهب رسول الله صلى الله عليه وآله نحو الغار وهم يرون أني أنا هو، فقالوا أين ابن عمك ؟ فقلت: لا أدري، فضربوني حتى كادوا يقتلونني. قالوا: اللهم لا. (4) 50 - ج: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى: نشدتكم بالله هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول الله الطعام وهو في الغار ويخبره الاخبار (5) غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد اضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله حين أراد أن يسير إلى المدينة ووقاء بنفسه من المشركين حين أرادوا قتله غيري ؟ قالوا: لا. (6) 51 - قل: ذكر ما فتحه الله علينا من أسرار هذه المهاجرة وما فيها من العجائب الباهرة: منها: تعريف الله جل جلاله لعباده لو أراد قهر أعداء رسوله محمد صلوات الله عليه ما كان يحتاج إلى مهاجرة ليلا على تلك المأثرة (7)، وكان قادرا أن ينصره و


(1) الاحزاب: 6. (2) المحكم والمتشابه: 11 و 12. (3) في نسخة: ولى. (4) الخصال 2: 123 و 124. (5) في نسخة: ويخبره بالاخبار. (6) الاحتجاج: 74 و 75. (7) في المصدر: ما كان يحتاج إلى مهاجرته ليلا على تلك المساترة. أقول: قال في القاموس المأثرة والمأثرة: المكرمة المتوارثة. والحال غير المرضية. ولعل الصحيح ما في المصدر وهو المساترة دون المأثرة.

[ 93 ]

هو بمكة من غير مخاطرة، بآيات وعنايات باهرة، كما أنه كان قادرا أن ينصر عيسى ابن مريم عليه السلام على اليهود بالآيات والعساكر والجنود، فلم تقتض الحكمة الالهية إلا رفعه إلى السماوات العلية، ولم يكن له مصلحة في مقامه في الدنيا بالكلية فليكن العبد راضيا بما يراه (1) مولاه له من التدبير في القليل والكثير، ولا يكن الله جل جلاله دون وكيل الانسان في أموره الذي يرضى بتدبيره، ولا دون جاريته أو زوجته في داره التي يثق إليها في تدبير اموره. ومنها: التنبيه على أن الذي صحبه إلى الغار ما تضمنه (2) وصف صحبته في الاخبار ما كان يصلح في تلك الحادثات إلا للهرب، ولا في أوقات الذل والخوف من الاخطار إلا للتي يصلح لها مثل النساء الضعيفات والغلمان الذين يصيحون في الطرقات عند الهرب من المخافات وما كان يصلح للمقام بعده ليدفع عنه خطر الاعداء، ولا أن يكون معه بسلاح ولا قوة لمنع شئ من البلاء ومنها: أن الطبري في تاريخه وأحمد بن حنبل رويا في كتابيهما أن هذا الرجل المشار إليه ما كان عارفا بتوجه النبي صلى الله عليه وآله وأنه جاء إلى مولانا علي عليه السلام فسأله عنه فأخبره أنه توجه، فتبعه بعد توجهه حتى ظفر به، وتأذى رسول الله صلى الله عليه وآله بالخوف منه لما تبعه، وعثر بحجر فلق قدمه، فقال الطبري في تاريخه (3) ما هذا لفظه: فخرج أبو بكر مسرعا ولحق نبي الله صلى الله عليه وآله في الطريق، فسمع جرس (4) أبي بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين، فأسرع رسول الله صلى الله عليه وآله يمشي فقطع (5) قبال نعله ففلق إبهامه حجر وكثر دمها فأسرع المشي، فخاف أبو بكر أن يشق على


(1) في نسخة: بما يريد. (2) في هامش المصدر استظهر أن الصحيح: تصمن. (3) تاريخ الطبري 2: 100. (4) في نسخة: جرى أبى بكر. ولعله انسب. (5) في التاريخ: فانقطع قبال نعله. وفيه: وأسرع السعي. أقول: قبال النعل: زمامها

[ 94 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله (1) حين أتاه، فانطلقا ورجل رسول الله صلى الله عليه وآله تسيل (2) دما حتى انتهى إلى الغار مع الصبع، فدخلاه، وأصبح الذين كانوا يرصدون رسول الله صلى الله عليه وآله فدخلوا الدار، وقام علي عليه السلام على فراشه (3)، فلما دنوا منه عرفوه فقالوا له: أين صاحبك ؟ قال: لا أدري، أو رقيبا كنت عليه ؟ أمرتموه بالخروج فخرج فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة، ثم تركوه ونجا (4) رسول الله صلى الله عليه وآله. أقول: وما كان حيث لقيه يتهيأ أن يتركه النبي صلى الله عليه وآله يبعد منه خوفا أن يلزمه أهل مكة فيخبرهم عنه وهو رجل جبان، فيؤخذ النبي صلى الله عليه وآله ويذهب الاسلام بكماله، لان أبا بكر أراد الهرب من مكة ومفارقة النبي صلى الله عليه وآله قبل هجرته على ما ذكره الطبري في حديث الهجرة، فقال ما هذا لفظه: وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله في الهجرة، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تعجل. (5) أقول: فإذا كان قد أراد المفارقة قبل طلب الكفار له فكيف يؤمن منه الهرب بعد الطلب ؟ وكان أخذه معه حيث أدركه من الضرورات التي اقتضاها الاستظهار في حفظ النبي صلوات الله وسلامه عليه من كشف حاله لو تركه يرجع عنه في تلك الساعة، وقد جرت العادة أن الهرب مقام تخويف يرغب في الموافقة عليه قلب الجبان الضعيف، ولا روي فيما علمت أن أبا بكر كان معه سلاح يدفع به عدوا عن النبي صلى الله عليه وآله ولا حمل معه شيئا يحتاج إليه، وما أدري كيف اعتقد المخالفون


(1) زاد في التاريخ: فرفع صوته وتكلم فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام حتى أتاه. (2) في التاريخ: تستن دما أقول: أي تنصب. وفى المصدر: تثر، لعله من ثر السحابة أو العين: غزر ماؤها. وفى نسخة منه: تشر وهو مصحف. (3) في نسخة: وقام على عليه السلام على فراشه. وفى نسخة من المصدر وفى التاريخ: وقام على عليه السلام عن فراشه. (4) في التاريخ: ونجى الله رسوله من مكرهم وأنزل عليه في ذلك: " وإذ يمكر بك الذين كفروا " الاية انتهى ما في التاريخ. (5) راجع تاريخ الطبري 2: 97، ففيه زيادة، يظهر من ابن طاوس ان نسخته كانت خالية عنها.

[ 95 ]

أن لهذا الرجل فضيلة في الموافقة في الهرب وقد استأذنه مرارا أن يهرب، ويترك النبي صلى الله عليه وآله في يد الاعداء الذين يتهددونه بالعطب ؟ إن اعتقاد فضيلة لابي بكر في هذا الذل من أعجب العجب. ومنها: التكدير (1) على النبي صلى الله عليه وآله بجزع صاحبه في الغار، وقد كان يكفي النبي صلى الله عليه وآله تعلق خاطره المقدس بالسلامة من الكفار، فزاده جزع صاحبه شغلا في خاطره، ولو لم يصحبه لاستراح من كدر جزعه، واشتغال سرائره. ومنها: أنه لو كان حزنه شفقة على النبي صلى الله عليه وآله أو على ذهاب الاسلام ما كان قد نهى عنه، وفيه كشف أن حزنه كان مخالفا لما يراد منه. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله ما بقي يأمن إن لم يكن اوحي إليه أنه لا خوف عليه أن يبلغ صاحبه من الجزع الذي ظهر عليه إلى أن يخرج من الغار ويخبر به الطالبين له من الاشرار، فصار معه كالمشغول بحفظ نفسه من ذل صاحبه وضعفه، زيادة على ما كان مشغولا بحفظ نفسه. ومن أسرار هذه المهاجرة أن مولانا عليا عليه السلام بات على فراش المخاطرة وجاد بمهجته لمالك الدنيا والآخرة ولرسوله صلى الله عليه وآله فاتح أبواب النعم الباطنة و الظاهرة، ولولا ذلك المبيت واعتقاد الاعداء أن النائم على الفراش هو سيد الانبياء صلى الله عليه وآله لما كانوا صبروا عن طلبه إلى النهار حتى وصل إلى الغار، فكانت سلامة صاحب الرسالة من قبل أهل الضلالة صادرة عن تدبير الله جل جلاله بمبيت مولانا علي عليه السلام في مكانه، وآية باهرة لمولانا علي عليه السلام شاهدة بتعظيم شأنه، و أنزل الله جل جلاله في مقدس قرآنه: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد (2) " فأخبر أن لمولانا علي عليه السلام كانت بيعا لنفسه الشريفة، (3) وطلبا لرضاء الله جل جلاله دون كل مراد، وقد ذكرنا في الطرائف من روى هذا الحديث من المخالف، ومباهات الله جل جلاله تلك الليلة بجبرئيل وميكائيل في بيع


(1) في نسخة من المصدر: منها التكسر. (2) تقدم الايعاز إلى موضع الاية. (3) في المصدر: فأخبر أن سريرة مولانا على عليه السلام كانت بيعا لنفسه الشريفة.

[ 96 ]

مولانا علي عليه السلام بمهجته، وأنه سمح (1) بما لم يمسح به خواص ملائكته. ومنها: أن الله جل جلاله زاد مولانا عليا عليه السلام من القوة الالهية والقدرة الربانية إلى أنه ما قنع له أن يفدي النبي صلى الله عليه وآله بنفسه الشريفة، حتى أمره أن يكون مقيما بعده في مكة مهاجرا للاعداء قد هربه منهم وستره بالمبيت على الفراش، وغطاه عنهم، وهذا ما لا يحتمله قوة البشر إلا بآيات باهرة من واهب النفع ودافع الضرر. ومنها: أن الله جل جلاله لم يقنع لمولانا علي عليه السلام بهذه الغاية الجليلة حتى زاده من المناقب الجميلة، وجعله أهلا أن يقيم ثلاثة أيام بمكة لحفظ عيال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن يسير بهم ظاهرا على رغم الاعداء وهو وحيد من رجاله (2)، ومن يساعده على ما بلغ من المخاطرة إليه. ومنها: أن هذا الاستسلام من مولانا علي عليه السلام للقتل وفديه النبي صلى الله عليه وآله أظهر مقاما وأعظم تماما (3) من استسلام جده الذبيح إسماعيل لابراهيم الخليل عليه وعليهما السلام، لان ذلك استسلام لوالد شفيق يجوز معه أن يرحمه الله جل جلاله ويقيله من ذبح ولده كما جرى الحال عليه من التوفيق، ومولانا علي عليه السلام استسلم للاعداء الذين لا يرحمون ولا يرجون لمسامحة في البلاء.


(1) أي جاد. (2) قال ابن شهر آشوب في المناقب 1: 335: محمد الواقدي وأبو الفرج النجدي و أبو الحسن البكري وإسحاق الطبراني، إن عليا لما عزم على الهجرة قال له العباس: إن محمدا ما خرج الا خفيا وقد طلبته قريش أشد طلب، وأنت تخرج جهارا في اناث وهوادج ومال ورجال ونساء، وتقطع بهم السباسب والشعاب من بين قبائل قريش ؟ ما أرى لك أن تمضى الا في خفارة خزاعة، فقال على عليه السلام: ان المنية شربة مورودة * لا تنز عن وشد للترحيل ان ابن آمنة النبي محمدا * رجل صدوق قال عن جبريل أرخ الزمام ولا تخف عن عائق * فالله يرديهم عن التنكيل إنى بربي واثق وبأحمد * وسبيله متلاحق بسبيلى (3) في نسخة: وأعظم شأنا.

[ 97 ]

ومنها: أن إسماعيل كان يجوز أن الله جل جلاله يكرم إياه (1) بأنه لا يجد للذبح ألما، فإن الله تعالى قادر أن يجعله سهلا رحمة لابيه وتكرما (2)، ومولانا علي عليه السلام استسلم للذين طبعهم القتل في الحال على الاستقصاء وترك الابقاء و التعذيب إذا ظفروا بما قدروا من الابتلاء. ومنها: أن ذبح إسماعيل بيد أبيه الخليل عليهما السلام ما كان فيه شماتة ومغالبة ومقاهرة من أهل العداوات، وإنما هو شئ من الطاعات المقتضية للسعادات و العنايات، ومولانا علي عليه السلام كان قد خاطر بنفسه لشماتة الاعداء والفتك به بأبلغ غايات الاشتقاء (3) والاعتداء والتمثيل بمهجته الشريفة (4) والتعذيب له بكل إرادة من الكفار سخيفة. ومنها: أن العادة قاضية وحاكمة أن زعيم العسكر إذا اختفى واندفع عن مقام الاخطار وانكسر علم القوة والاقتدار فانه لا يكلف رعية المعلقون عليه (5) أن يقفوا موقفا قد فارقه زعيمهم، وكان معذورا في ترك الصبر عليه، ومولانا علي عليه السلام كلف الصبر والثبات على مقامات قد اختفى فيها زعيمه الذي يعول عليه وانكسر علم القوة الذي تنظر عيون الجيش إليه، فوقف مولانا علي عليه السلام وزعيمه غير حاضر فهو موقف قاهر، فهذا فضل من الله جل جلاله لمولانا علي عليه السلام باهر بمعجزات تخرق عقول ذوي الالباب، ويكشف لك أنه القائم مقامه في الاسباب. ومنها: أن فدية مولانا علي عليه السلام لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله كانت من أسباب التمكين من مهاجرته ومن كل ما جرى من السعادات والعنايات بنوبته، فيكون مولانا علي عليه السلام قد صار من أسباب التمكين من كل ما جرت حال الرسالة عليه


(1) في نسخة: يكرم أباه. (2) في نسخة: وتكريما. (3) في نسخة من الكتاب ومصدره: الاشياء. (4) فتك به: انتهز منه فرصة فقتله أو جرحه مجاهرة. والتمثيل: العقوبة والتنكيل. و المهجة: الدم: أو دم القلب: الروح. (5) في المصدر: المتعلقون عليه.

[ 98 ]

ومشاركا في (1) كل خير فعله النبي صلوات الله عليه، وبلغ حاله إليه، وقد اقتصرت في ذكر أسرار المهاجرة الشريفة النبوية على هذه المقامات الدينية، ولو أردت بالله جل جلاله أوردت مجلدا منفردا في هذه الحال، ولكن هذا كاف شاف للمنصفين وأهل الاقبال (2). 52 - الفائق للزمخشري: خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة وأبو بكر و مولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما (3) الليثي عبد الله بن اريقط، فمروا على خيمتي ام معبد، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء العقبة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحما وتمرا يشترونه منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مشتين - وروي مسنتين - فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا ام معبد ؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن، قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين أن أحلبها ؟ قالت: بأبي أنت وامي إن رأيت بها حلبا فاحلبها. وروي أنه نزل هو وأبو بكر بام معبد وذفان مخرجه إلى المدينة، فأرسلت إليهم شاة فرأى فيها بصرة من لبن، فنظر إلى ضرعها فقال: إن بهذه لبنا، ولكن ابغيني شاة ليس فيها لبن، فبعثت إليه بعناق (4) جذعة فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا لها في شاتها (5) فتفاجت عليه ودرت واجترت (6).


(1) في المصدر: ومشاركا له. (2) الاقبال: 592 - 596. (3) في نسخة: ودليلهم. (4) في هامش نسخة امين الضرب: العناق: الانثى من ولد المعز، وفى حديث الاضحية عندي عناق جذعة. أي الانثى من اولاد المعز ما لم يتم له سنة، والجذع بفتحتين من ولد الشاة ما دخل في السنة الثانية على ما ذكره الفيروز آبادى وغيره، وعن المغرب: الجذع من المعز لسنة، ومن الضأن لثمانية أشهر، وعن حياة الحيوان: الجذع من الضأن، ما له سنة تامة وفيه أقوال أخر نادرة. (5) في المصدر: ودعا لها في شأنها. (6) في نسخة: فاجترت.

[ 99 ]

وروي أنه قال لابن ام معبد: يا غلام هات قروا، فأتاه به فضرب ظهر الشاة فاجترت ودرت، ودعا بإناء يربض الرهط، فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء وروي الثمال. ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم ثم أراضوا عللا بعد نهل، ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء حتى ملا الاناء، ثم غادره عندها ثم بايعها ثم ارتحلوا عنها، فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا (1) تشاركن هزلا (2). وروي تساوك وروي تساوق (3). مخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: من أين لك هذا يا ام معبد والشاء عازب حيال (4) ولا حلوب في البيت ؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا ام معبد، قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صقلة. وروي صعلة، وروي لم يعبه نحلة ولم تزر به صقلة، وسيما قسيما، في عينيه دعج وفي أشفاره عطف، أو قال: غطف، وروي وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب (5)، حلو المنطق،


(1) في نسخة: عجازا. وفى اخرى: عجاجا. ولعل الصحيح ما في المتن، قال الجزرى في النهاية: في حديث ام معبد، تسوق أعنزا عجافا، جمع عجفاء وهى المهزولة من الغنم وغيرها. (2) في المصدر: هزالا. (3) في المصدر: ما تساوق. (4) في النهاية: في حديث ام معبد: والشاء عازب حيال، أي بعيدة المرعى لا تأوى إلى المنزل في الليل، والحيال جمع الحائل، وهى التى لم تحمل. (5) في المصدر: اجل الناس وأبهاهم من بعيد وأحسنهم وأجملهم من قريب.

[ 100 ]

فصل لا نزر ولا هذر، كأنما منطقة خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا يأس (1) من طولا، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، و أحسنهم قدرا، له رفقاء يحفونه، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا معتد. قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة لقد هممت أن أصحبه، ولافعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، ولقد أصبح (2) صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه: جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين قالا خيمتي ام معبد هما نزلاها بالهدى واهتدت بهم * فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيالقصي ما زوى الله عنكم * به من فعال لا يجازى (3) وسودد ليهنئ بني كعب مقام فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا اختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت * له بصريح ضرة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها بحالب * يرددها في مصدر ثم مورد (4) ثم قال الزمخشري: البرزة: العفيفة الرزينة التي يتحدث إليها الرجال فتبرز لهم وهي كهلة قد خلا بها سن فخرجت عن حد المحجوبات، وقد برزت برازة، المرمل: الذي نفد زاده، وفرقت حاله وسخفت، من الرمل، وهو نسج سخيف، ومنه الارملة لرقة حالها بعد قيمها، المشتى: الداخل في الشتاء، والمسنت: الداخل في السنة وهي القحط، وتاؤه بدل من ياء (5)، الكسر بالكسر


(1) في نسخة من الكتاب ومصدره: لا يائس من طول. (2) في المصدر: فأصبح. (3) في المصدر: لا تجارى. (4) ذكرنا في صدر الباب الاشعار والخلاف فيها. راجعه. (5) في المصدر: وتاؤه بدل من هاء، لان أصل اسنت اسنهت.

[ 101 ]

والفتح: جانب البيت. وذفان مخرجه، أي حدثان خروجه، وهو من توذف: إذا مر مرا سريعا البصرة: أثر من اللبن يبصر في الضرع. التفاج: تفاعل من الفجج وهو أشد من الفحج، ومنه قوس فجاء (1). وعن ابنة الخس في وصف ناقة: ضبعة عينها هاج * وصلاها راج (2) * و تمشي وتفاج. القرو: إناء صغير يردد في الحوائج، من قروت الارض: إذا جلت فيها و ترددت، الارباض: الارواء إلى أن يثقل الشارب فيربض. انتصاب ثجا بفعل مضمر، أي يثج ثجا، أو يحلب، لان فيه معنى ثج، ويحتمل أن يكون بمعنى قولك: ثاجا نصبا على الحال، المراد بالبهاء وبيض الرغوة، والثمال جمع ثمالة، وهي الرغوة، أراضوا من أراض الحوض: إذا استنقع فيه الماء، أي نقعوا بالري مرة بعد اخرى. تشاركن هزلا، أي عمهن الهزال، فكأنهن قد اشتركن فيه والتساوك: التمايل من الضعف. تساوق الغنم: تتابعها في المسير كأن بعضها يسوق بعضا، والمعنى أنها لضعفها وفرط هزالها تتخاذل ويتخلف بعضها عن بعض، والحلوب: التي تحلب، وهذا مما يستغر به أهل اللغة زاعمين أنه فعول بمعنى مفعولة نظرا إلى الظاهر، والحقيقة أنه بمعنى فاعله، والاصل فيه أن الفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه والمطرق إلى إحداثه ومنه قوله: إذا رد عافي (3) القدر من يستعيرها، وقولهم: هزم الامير العدو، و


(1) قوس فجاء: إذا بان وترها عن كبدها. (2) في القاموس: الخس. بالضم: ابن حابس، رجل من أياد، وهو أبو هند بنت الخس. وفى الصحاح: هججت عينه: غارت، وعين هاجة: غائرة. وفى القاموس: الصلا: وسط الظهر منا ومن كل ذى اربع. وما انحدر من الوركين. أو الفرجة بين الخاصرة والذنب. أو ما عن يمين الذنب وشماله. وارجت الفرس: أقربت وارتج صلاها. (3) العافى: ما يرد في القدر من مرقته إذا استعيرت. والشعر لكميت، تمامه: فلا تسأليني وأسالى ما خليقتى * إذا رد عافى القدر من يستعيرها.

[ 102 ]

بنى المدينة، ثم قيل على هذا النهج: ناقة حلوب، لانها تحمل على احتلابها بكونها ذات حلب، فكأنها تحلب نفسها لحملها على الحلب، ومن ذلك: الماء الشروب، والطريق الركوب وأشباههما. بلج الوجه: بياضه وإشراقه، ومنه، الحق أبلج. الثجلة والثجل: عظم البطن، والصقلة والصقل: طول الصقل وهو الخصر، وقيل: ضمره وقلة لحمه، وقد صقل، وهو من باب قولهم (1): صقلت الناقة: إذا أضمرتها بالسير، والمعنى أنه لم يكن بمنتفخ الخصر، ولا ضامره جدا. والنحل: النحول، والصعلة: صغر الرأس، يقال: صعل (2) وأصعل، و امرأة صعلاء. القسام: الجمال، ورجل مقسم الوجه، وكأن المعنى أخذ كل موضع منه من الجمال قسما فهو جميل كله ليس فيه شئ يستقبح. العطف: طول الاشفار وانعطافها، أي تثنيها (3) والغطف: انعطافها، وانعطف وانغطف وانغضف أخوات والوطف: الطول، الصحل: صوت فيه بحة لا تبلغ أن تكون جشة (4) وهو يستحسن، لخلوه عن الحدة الموذية للصماخ، السطع: طول العنق ورجل أسطع وامرأة سطعاء، وهو من سطوع النار، سما قيل: ارتقع وعلا على جلسائه، وقيل: علا برأسه أو بيده، ويجوز أن يكون الفعل للبهاء أي سماه البهاء وعلاه على سبيل التأكيد للمبالغة في وصفه بالبهاء والرونق إذا أخذ في الكلام، لانه كان صلى الله عليه وآله أفصح العرب، فصل مصدر موضوع موضع اسم الفاعل، أي منطقه وسط بين النزر والهذر فاصل بينهما، قالوا: رجل ربعة فأنثوا، والموصوف مذكر على تأويل نفس ربعة، ومثله غلام يفعة، لا يأس من طول يروي أنه كان فريق الربعة (5)، فالمعنى أنه لم يكن في حد الربعة غير متجاوز له، فجعل ذلك القدر


(1) في المصدر: وهو من قولهم (2) في المصدر: يقال: رجل صعل. (3) في المصدر: العطف: طول الاشفار وتثنيها. (4) الجشة بالفتح والضم: الصوت الخشن. (5) في المصدر: فويق الربعة، وهو الصحيح.

[ 103 ]

من تجاوز حد الربعة عدم يأس من بعض الطول، وفي تنكير الطول دليل على معنى البعضية، وروي ربعة لا يائس من طول. يقال في المنظر المستقبح: اقتحمته العين، أي ازدرته كأنها وقعت من قبحه في قحمة وهي الشدة. محفود: مخدوم، وأصل الحفد: مداركة الخطو، محشود: مجتمع عليه، يعني أن أصحابه يزفون في خدمته ويجتمعون عليه. خيمتي نصب على الظرف أجرى المحدود مجرى المبهم كبيت الكتاب كما عسل الطريق الثعلب. اللام في لقصي للتعجب، كالتي في قولهم: يا للدواهي ويا للماء، والمعنى تعالوا يا قصي ليتعجب (1) منكم فيما أغفلتموه من حظكم، وأضعتموه من عزكم بعصيانكم رسول الله، وإلجائكم إياه إلى الخروج من بين أظهركم. وقوله: ما زوى الله عنكم تعجب أيضا معناه أي شئ زوى الله عنكم ؟ الضرة أصل الضرع الذي لا يخلو من اللبن، وقيل: هي الضرع كله ما خلا (2) الاطباء (3).


(1) في المصدر: لنعجب منكم. (2) الاطباء جمع الطبى وهى حلمة الضرع من ذوات خف وظلف وحافر والسباع. (3) الفائق: 43 - 45.

[ 104 ]

7. (باب) * (نزوله صلى الله عليه وآله المدينة، وبناؤه المسجد والبيوت) * * (وجمل أحواله إلى شروعه في الجهاد) * 1 - عم: روي عن ابن شهاب الزهري قال: كان بين ليلة العقبة وبين مهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة أشهر، كانت بيعة الانصار رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة العقبة في ذي الحجة، وقدوم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة في شهر ربيع الاول لاثنتي عشرة ليلة خلت خلت منه يوم الاثنين، وكانت الانصار خرجوا يتوكفون أخباره (1)، فلما آيسوا رجعوا إلى منازلهم، فلما رجعوا أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما وافى ذا الحليفة سأل عن طريق بني عمرو بن عوف فدلوه فرفعه الآل، فنظر رجل من اليهود وهو على اطم إلى ركبان ثلاثة يمرون على طريق بني عمرو بن عوف، فصاح: يا معشر المسلمة (2) هذا صاحبكم قد وافى، فوقعت الصيحة بالمدينة، فخرج الرجال والنساء والصبيان مستبشرين لقدومه يتعادون (3) فوافى رسول الله صلى الله عليه وآله و قصد مسجد قباء ونزل، واجتمع إليه بنو عمرو بن عوف وسروا به واستبشروا واجتمعوا حوله، ونزل على كلثوم بن الهدم شيخ من بني عمر، صالح مكفوف البصر، واجتمعت إليه بطون الاوس، وكانت بين الاوس والخزرج عداوة فلم يجسروا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان بينهم من الحروب، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله يتصفح الوجوه فلا يرى أحدا من الخزرج، وقد كان قدم على بني عمرو بن عوف قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله ناس من المهاجرين فنزلوا فيهم. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة جاء النساء والصبيان فقلن:


(1) أي ينتظرون حضوره، ويستخبرون وروده. (2) في نسخة: يا معشر المسلمين. وفيه: فرفعت الصيحة. (3) تعادى القوم: تسابقوا في العدو والركض.

[ 105 ]

طلع البدر علينا من ثنيات (1) الوداع * وجب الشكر علينا ما دعا لله داع وكان سلمان الفارسي عبدا لبعض اليهود وقد كان خرج من بلاده من فارس يطلب الدين الحنيف الذي كان أهل الكتب يخبرونه به، فوقع إلى راهب من رهبان النصارى بالشأم، فسأله عن ذلك وصحبه، فقال: اطلبه بمكة فثم مخرجه واطلبه بيثرب فثم مهاجره، فقصد يثرب فأخذه بعض الاعراب فسبوه، واشتراه رجل من اليهود، فكان يعمل في نخله، (2) وكان في ذلك اليوم على النخلة يصرمها (3) فدخل على صاحبه رجل من اليهود فقال: يا با فلان أشعرت أن هؤلاء المسلمة قد قدم عليهم نبيهم ؟ فقال سلمان: جعلت فداك ما الذي تقول ؟ فقال له صاحبه: مالك وللسؤال عن هذا ؟ اقبل على عملك، قال: فنزل وأخذ طبقا فصير عليه من ذلك الرطب وحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذا ؟ قال: هذه صدقة تمورنا، بلغنا أنكم قوم غرباء قدمتم هذه البلاد فأحببت أن تأكلوا من صدقاتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: سموا وكلوا، فقال سلمان في نفسه وعقد بأصبعه: هذه واحدة يقولها بالفارسية، ثم أتاه بطبق آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذا ؟ فقال له سلمان: رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أهديتها إليك، فقال صلى الله عليه وآله: سموا و كلوا، وأكل عليه السلام، فعقد سلمان بيده اثنتين، وقال: هذه آيتان، (4) يقولها بالفارسية


(1) قال ياقوت في معجم البلدان 2: 85: الثنية في الاصلا: كل عقبة في الجبل مسلوكه وثنية الوداع بفتح الواو: وهو اسم من التوديع عند الرحيل، وهى ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة، واختلف في تسميتها بذلك، فقيل: لانها موضع وداع المسافرين من المدينة إلى مكة، وقيل: لان النبي صلى الله عليه وآله ودع بها بعض من خلفه بالمدينة في آخر خرجاته، وقيل: في بعض سراياه المبعوثة عنه، وقيل: الوداع: اسم واد بالمدينة، والصحيح انه اسم قديم جاهلي سمى لتوديع المسافرين انتهى. أقول: ويؤيد الاخير البيت، ويظهر منه انها كانت معروفة عندهم بذلك. (2) في المصدر: فكان يعمل في نخلة. (3) صرم النخل والشجر: جزه. (4) في المصدر: هذه اثنان.

[ 106 ]

ثم دار خلفه فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله عن كتفه الازار، فنظر سلمان إلى خاتم النبوة و الشامة (1) فأقبل يقبلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: من أنت ؟ قال: أنا رجل من أهل فارس قد خرجت من بلادي منذ كذا وكذا، وحدثه بحديثه. وله حديث فيه طول (2). فأسلم وبشره رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: أبشر واصبر فإن الله سيجعل لك فرجا من هذا اليهودي. فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله فارقه أبو بكر، ودخل المدينة، ونزل على بعض الانصار، وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله بقباء نازلا على كلثوم بن الهدم (3). فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله المغرب والعشاء الآخرة جاءه أسعد بن زرارة مقنعا فسلم على رسول الله وفرح بقدومه ثم قال: يا رسول الله ما ظننت أن أسمع بك في مكان فأقعد عنك، إلا أن بيننا وبين إخواننا من الاوس ما تعلم، فكرهت أن آتيهم، فلما أن كان هذا الوقت لم أحتمل أن أقعد عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للاوس: من يجيره منكم ؟ فقالوا: يارسول الله جوارنا في جوارك فأجره، قال: لا بل يجيره بعضكم فقال عويم بن ساعدة وسعد بن خيثمة: نحن نجيره يا رسول الله، فأجاروه، وكان يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيتحدث عنده ويصلي خلفه، فبقي رسول الله خمسة عشر يوما فجاءه أبو بكر فقال: يا رسول الله تدخل المدينة فإن القوم متشوقون إلى نزولك عليهم، فقال صلى الله عليه وآله: لا أريم من هذا المكان حتى يوافي أخي علي عليه السلام، وكان رسول الله قد بعث إليه أن احمل العيال وأقدم، فقال أبو بكر: ما أحسب عليا يوافي قال: بلى ما أسرعه إن شاء الله، فبقي خمسة عشر يوما فوافى علي عليه السلام بعياله (4).


(1) الشامة: الخال. وهو بثرة سوداء في البدن. (2) يأتي انشاء الله في موضعه. (3) في المصدر: نازلا على بيت كلثوم. (4) في امتاع الاسماع: 48، وقدم على رضى الله عنه من مكة للنصف من ربيع الاول ورسول الله صلى الله عليه وآله بقباء لم يرم بعد، وقدم معه صهيب، وذلك بعد ما ادى على عن رسول الله - - >

[ 107 ]

فلما وافى كان سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة يكسران أصنام الخزرج وكان كل رجل شريف في بيته صنم يمسحه ويطيبه، ولكل بطن من الاوس والخزرج صنم في بيت لجماعة يكرمونه ويجعلون عليه منديلا، ويذبحون له، فلما قدم (1) الاثنا عشر من الانصار أخرجوها من بيوتهم وبيوت من أطاعهم، فلما قدم السبعون كثر الاسلام وفشا، وجعلوا يكسرون الاصنام. قال: وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله بعد قدوم علي عليه السلام يوما أو يومين ثم ركب راحلة فاجتمعت إليه بنو عمرو بن عوف (2) فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا فإنا أهل الجد والجلد والحلقة (3) والمنعة، فقال صلى الله عليه وآله: خلوا عنها فانها مأمورة، وبلغ الاوس والخزرج خروج رسول الله صلى الله عليه وآله فلبسوا السلاح وأقبلوا يعدون حول ناقته


صلى الله عليه وآله الودائع التى كانت عنده، وبعد ما كان يسير الليل ويكمن النهار حتى تقطرت قدماه، فاعتنقه النبي صلى الله عليه وآله وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وتفل في يديه و امرهما على قدميه فلم يشتكهما بعد ذلك حتى قتل رضى الله عنه، ونزل على كلثوم بن الهدم و قيل: على امرأة، والراجح انه نزل مع النبي صلى الله عليه وآله انتهى. أقول: لعل الصحيح أن عليا عليه السلام قدم للنصف من الربيع على ما في كلام المقريزى، ويؤيده ما في سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري من ان عليا عليه السلام اقام بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى الودائع ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وآله فنزل معه على كلثوم بن هدم ويؤيده أيضا ما ذكره ابن هشام والطبري أن النبي صلى الله عليه وآله أقام في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده مع انهما صرحا بأن عليا عليه السلام شاركه في بناء المسجد وكان يرتجز ويقول: لا يستوى من يعمر المساجدا * يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا وسيأتى في الاخبار التصريح به أيضا. (1) إى إلى مكة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله. (2) قال اليعقوبي فنزل على كلثوم بن الهدم فلم يلبث الا أياما حتى مات كلثوم، وانتقل فنزل على سعد بن خيثمة في بنى عمرو بن عوف فمكث أياما، ثم كان سفهاء بنى عمرو ومنافقوهم يرجمونه في الليل، فلما رأى ذلك قال: ما هذا الجوار ؟ فارتحل عنهم. (3) في نسخة: الحلفة بالفاء.

[ 108 ]

لا يمر بحي من أحياء الانصار إلا وثبوا في وجهه، وأخذوا بزمام ناقته، وتطلبوا إليه أن ينزل عليهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، حتى مر ببني سالم، وكان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله من قباء يوم الجمعة فوافى بني سالم عند زوال الشمس فتعرضت له بنو سالم فقالوا: يا رسول الله هلم إلى الجد والجلد والحلقة (1) والمنعة فبركت ناقته عند مسجدهم وقد كانوا بنوا مسجدا قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله، فنزل في مسجدهم وصلى بهم الظهر (2) وخطبهم، وكان أول مسجد خطب فيه بالجمعة، وصلى إلى بيت المقدس، وكان الذين صلوا معه في ذلك الوقت مائة رجل، ثم ركب رسول الله صلى اله عليه وآله ناقته وأرخى زمامها فانتهى إلى عبد الله بن ابي فوقف عليه، وهو يقدر أنه يعرض عليه النزول عنده، فقال له عبد الله بن أبي بعد أن ثارت الغيرة و أخذ كمه ووضعه على أنفه: يا هذا اذهب إلى الذين غروك وخدعوك وأتوا بك فانزل عليهم، ولا تغشنا في ديارنا، فسلط الله على دور بني الحبلى الذر فخرب دورهم فصاروا نزالا على غيرهم، وكان جد عبد الله بن ابي يقال له: ابن الحبلى فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله لا يعرض في قلبك من قول هذا شئ، فإنا كنا اجتمعنا على أن نملكه علينا، وهو يرى الآن أنك قد سلبته أمرا قد كان أشرف عليه، فانزل علي يا رسول الله فانه ليس في الخزرج ولا في الاوس أكثر فم بئر مني ونحن أهل الجلد والعز، فلا تجزنا يا رسول الله، فأرخى زمام ناقته ومرت تخب به حتى انتهت إلى باب المسجد الذي هو اليوم، ولم يكن مسجدا، إنما كان مربدا ليتيمين من الخزرج يقال لهما: سهل وسهيل، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فبركت الناقة على باب أبي أيوب خالد بن زيد (3)، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله.


(1) في نسخة: الحلفة بالفاء. (2) في الامتاع وسيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وغيرها انه صلى بهم الجمعة ويأتى ذلك أيضا في الاخبار، ولعل الطبرسي أضا أراد ذلك خصوصا مع قوله بعد ذلك: وكان أول مسجد خطب فيه بالجمعة. (3) في المصدر: خالد بن يزيد: وهو مصحف: والصحيح: خالد بن زيد كما في المتن.

[ 109 ]

فلما نزل اجتمع عليه الناس وسألوه أن ينزل عليهم، فوثبت ام أبي أيوب إلى الرحل فحلته فأدخلته منزلها، فلما أكثروا عليه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أين الرحل، فقالوا: ام أبي أيوب قد أدخلته بيتها، فقال صلى الله عليه وآله: المرء مع رحله، و أخذ أسعد بن زرارة بزمام الناقة فحولها إلى منزله. وكان أبو أيوب له منزل أسفل وفوق المنزل غرفة، فكره أن يعلو رسول الله فقال: يا رسول الله بأبي أنت وامي العلو احب إليك أم السفل ؟ فإني أكره أن أعلو فوقك، فقال صلى الله عليه وآله: السفل أرفق بنا لمن يأتينا، قال أبو أيوب: فكنا في العلو أنا وامي، فكنت إذا استقيت الدلو أخاف أن يقع منه قطرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وكنت أصعد وامي إلى العلو خفيا من حيث لا يعلم ولا يحس بنا ولا نتكلم إلا خفيا، وكان إذا نام صلى الله عليه وآله لا نتحرك، وربما طبخنا في غرفتنا فنجيف (1) الباب على غرفتنا مخافة أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وآله دخان، ولقد سقطت جرة لنا واهريق الماء فقام ام أبي أيوب إلى قطيفة لم يكن لنا والله غيرها فألقتها على ذلك الماء تستنشف به مخافة أن يسيل على رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك شئ، وكان يحضر رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمون من الاوس والخزرج والمهاجرين، وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يبعث إليه في كل يوم غداء وعشاء في قصعة ثريد عليها عراق، فكان يأكل معه من جاء حتى يشبعون، ثم ترد القصعة كما هي، وكان سعد بن عبادة يبعث إليه في كل ليلة عشاء ويتعشى معه من حضره، وترد القصعة كما هي، وكانوا يتناوبون في بعثه الغداء والعشاء إليه: أسعد بن زرارة، وسعد بن خيثمة، والمنذر بن عمرو، وسعد بن الربيع واسيد بن حضير، قال: فطبخ له اسيد يوما قدرا فلم يجد من يحملها فحملها بنفسه وكان رجلا شريفا من النقباء، فوافاه رسول الله صلى الله عليه وآله وقد رجع من الصلاة، فقال: حملتها بنفسك ؟ قال: نعم يا رسول الله لم أجد أحدا يحملها، فقال: بارك الله عليكم من أهل بيت. وفي كتاب دلائل النبوة عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله المدينة فلما


(1) أجاف الباب: رده.

[ 110 ]

دخلها جاءت الانصار برجالها ونسائها، فقالوا: إلينا يا رسول اله، فقال: دعوا الناقة فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب، فخرجت جوار من بني النجار يضر بن بالدفوف وهن يقلن: نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أتحبونني ؟ فقالوا: بلى (1) والله يا رسول الله، قال: أنا والله احبكم ثلاث مرات. قال علي بن إبراهيم بن هاشم (2): وجاءته اليهود قريظة والنضير وقينقاع فقالوا: يا محمد إلى ما تدعو ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأني الذي تجدونني مكتوبا في التوراة، والذي أخبركم به علماؤكم أن مخرجي بمكة، و مهاجري في هذه الحرة، (3)، وأخبركم عالم (4) منكم جاءكم من الشام فقال: " تركت الخمر والخمير، وجئت إلى البؤس (5) والتمور، لنبي يبعث في هذه الحرة مخرجه بمكة، ومهاجره ههنا (6)، وهو آخر الانبياء وأفضلهم، يركب الحمار ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسرة، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، و يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى، وهو الضحوك القتال، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر، فقالوا له: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك، ولا نعين عليك أحدا، ولا نتعرض لاحد من أصحابك ولا تتعرض لنا ولا لاحد من أصحابنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك


(1) في المصدر: فقالوا إى (2) رواه الصدوق في اكمال الدين: 114 و 115. باسناده عن على بن إبراهيم. وأخرجه المصنف في باب البشائر. (3) في المصدر: ومهاجرى بهذه الحرة. (4) تقدم في باب البشائر بمولده ان اسمه ابن حواش الحبر راجع ج 15: 206. (5) البؤس: الشدة والفقر. (6) في اكمال الدين: لنبى يبعث، هذا أوان خروجه، يكون مخرجه بمكة وهذه دار هجرته.

[ 111 ]

فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك، وكتب بينهم كتابا ألا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع (1) في السر والعلانية لا بليل ولا بنهار، الله بذلك عليهم شهيد، (2) فإن فعلوا فرسول الله في حل من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم، وكتب لكل قبيلة منهم كتابا على حدة، وكان الذي تولى أمر بني النضير حي (3) ابن أخطب، فلما رجع إلى منزله قال له إخوته: جدي (4) بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب: ما عندك ؟ قال: هو الذي نجده في التوراة، والذي بشرنا به علماؤنا، ولا أزال له عدوا، لان النبوة خرجت من ولد إسحاق وصارت في ولد إسماعيل، ولا نكون تبعا لولد إسماعيل أبدا. وكان الذي ولى امر قريظة كعب بن أسد، والذي ولى أمر بني قينقاع مخيريق وكان أكثرهم مالا وحدائق، فقال لقومه: تعلمون (5) أنه النبي المبعوث ؟ فهلموا نؤمن به ونكون قد أدركنا الكتابين، فلم يجبه قينقاع إلى ذلك. قال وكان رسول اله صلى الله عليه وآله يصلي في المربد بأصحابه. فقال لاسعد بن زرارة: اشتر هذا المربد من أصحابه، فساوم اليتيمين عليه فقالا: هو لرسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا إلا بثمن، فاشتراه بعشرة دنانير، و كان فيه ماء مستنقع، فأمر به رسول الله فسيل (6)، وأمر باللبن فضرب، فبناه رسول الله صلى الله عليه وآله فحفره في الارض، ثم أمر بالحجارة فنقلت من الحرة، (7) فكان


(1) الكراع يطلق على الخيل والبغال والحمير. (2) في نسخة: الله بذلك عليم شهيد. (3) هكذا في النسخ، والصحيح: حيى كسمى. (4) جدى بالضم كسمى. (5) في المصدر: ان كنتم تعلمون. (6) استنقع الماء في الغدير أي اجتمع وثبت، وسال الماء سيلا وسيلانا، جرى، مجهوله سيل. (7) الحرة بالفتح: الارض ذات حجارة نخرة سود كأنها احرقت بالنار.

[ 112 ]

المسلمون ينقلونها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله يحمل حجرا على بطنه، فاستقبله اسيد بن حضير فقال: يا رسول الله أعطني أحمله عنك، قال: لا اذهب فاحمل غيره، فنقلوا الحجارة ورفعوها من الحفرة حتى بلغ وجه الارض، ثم بناه أولا بالسعيدة: لبنة لبنه، ثم بناه بالسميط وهو لبنة ونصف، ثم بناه بالانثى والذكر: لبنتين مخالفتين، ورفع حائطه قامة، وكان مؤخره (1) مائة ذراع، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا يا رسول الله لو أظللت عليه ظلا، فرفع صلى الله عليه وآله أساطينه في مقدم المسجد إلى ما يلي الصحن بالخشب. ثم ظلله وألقى عليه سعف النخل فعاشوا فيه، فقالوا: يا رسول الله لو سقفت سقفا، قال: لا عريش كعريش موسى الامر أعجل من ذلك، وابنتي رسول الله صلى الله عليه وآله منازله ومنازل أصحابه حول المسجد، وخط لاصحابه خططا، فبنوا فيه منازلهم، وكل شرع (2) منه بابا إلى المسجد وخط لحمزة وشرع بابه إلى المسجد، وخط لعلي بن أبي طالب عليه السلام مثل ما خط لهم، وكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد، فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تأمر كل من كان له باب إلى المسجد أن يسده، ولا يكون لاحد باب إلى المسجد إلا لك ولعلي عليه السلام، ويحل لعلي فيه ما يحل لك، فغضب أصحابه وغضب حمزة وقال: أنا عمه يأمر بسد بابي، ويترك باب ابن أخي وهو أصغر مني، فجاءه فقال: يا عم لا تغضبن من سد بابك وترك باب علي فوالله ما أنا أمرت بذلك (3) ولكن الله أمر بسد أبوابكم وترك باب علي، فقال: يا رسول الله رضيت وسلمت لله ولرسوله. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله حيث بني منازله كانت فاطمة عليها السلام عنده، فخطبها أبو بكر فقال رسول الله: أنتظر أمر الله، ثم خطبها عمر فقال: مثل ذلك، فقيل


(1) في نسخة: وكان مؤخره في مائة ذراع. وفى المصدر: وكان مؤخر [ ذراع ] في مائة ذراع. (2) شرع الباب إلى الطريق أي أنفذه إليه. (3) في المصدر: ما أمرت أنا بذلك.

[ 113 ]

لعلي عليه السلام: لم لا تخطب فاطمة ؟ فقال: والله ما عندي شئ، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يسألك شيئا، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاستحيى أن يسأله، فرجع ثم جاءه في اليوم الثاني فاستحيى فرجع، ثم جاءه في اليوم الثالث فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي ألك حاجة ؟ قال: بلى يا رسول الله، فقال: لعلك جئت خاطبا ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال له رسول الله: هل عندك شئ يا علي ؟ قال: ما عندي يا رسول الله شئ إلا درعي، فزوجه رسول الله على اثنتي عشرة أوقية و نش (1) ودفع إليه درعه فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: هيئ منزلا حتى تحول فاطمة إليه، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله ما ههنا منزل إلا منزل حارثة بن النعمان وكان لفاطمة عليها السلام يوم بنى بها أمير المؤمنين عليه السلام تسع سنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والله لقد استحيينا من حارثة بن النعمان قد أخذنا عامة منازله، فبلغ ذلك حارثة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أنا ومالي لله ولرسوله، والله ما شئ أحب إلي مما تأخذه والذي تأخذه أحب إلي مما تتركه، فجزاه رسول الله صلى الله عليه وآله خيرا، فحولت فاطمة إلى علي عليه السلام في منزل حارثة، وكان فراشهما إهاب (2) كبش جعلا صوفه تحت جنوبهما. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي إلى بيت المقدس مدة مقامه بمكة، وفي هجرته حتى أتى له سبعة أشر، (3) فلما أتى له سبعة أشهر عيرته اليهود وقالوا له: أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا، ونحن أقدم منك في الصلاة، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) النش بالفتح: النصف. (2) الاهاب: الجلد. أو ما لم يدبغ منه. (3) اختلف في تاريخ تحويل القبلة إلى الكعبة، روى على بن إبراهيم، سبعة أشهر بعد مهاجرة النبي صلى الله عليه وآله، وقال ابن اسحاق: صرف في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة، وهو المروى عن ابن عباس، واختاره اليعقوبي في تاريخه، ثم قال: وقيل: بسنة ونصف. وروى عن انس بن مالك تسعة أشهر أو عشرة اشهر، وعن معاذ بن جبل ثلاثة عشر شهرا. راجع مجمع البيان 1: 223 وسيرة ابن هشام 2: 176 وتاريخ اليعقوبي 2: 31

[ 114 ]

من ذلك، وأحب أن يحول الله قبلته إلى الكعبة، فخرج في جوف الليل ونظر إلى آفاق السماء ينتظر أمر الله، وخرج في ذلك اليوم إلى مسجد بني سالم الذي جمع فيه أول جمعة كانت بالمدينة، وصلى بهم الظهر هناك بركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة، ونزل عليه: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها (1) " الآيات. ثم نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله آية القتال وأذن له في محاربة قريش وهي قوله: " اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله (2) ". توضيح (3): التوكف: التوقع والانتظار، وقال الجوهري: الآل: الذي تراه في أول النهار وآخره كأنه يرفع الشخوص وليس هو السراب انتهى. وفي بعض رواياتهم " رأى رجلا مبيضا يزول به السراب " قال في النهاية: أي يرفعه ويظهره، يقال: زال به السراب: إذا ظهر شخصه فيه خيالا. وقال: الاطم مثل الاجم يخفف ويثقل، والجمع آطام، وهي حصون لاهل المدينة. وقال: تشوفت إلى الشئ أي تطلعت يقال: النساء يتشوفن إلى السطوح أي ينظرن ويتطاولن. قوله: لا أريم أي لا أبرح ولا أزول، قوله: والحلقة في بعض النسخ بالحاء المهملة والقاف، وهي بالفتح وسكون اللام: السلاح، وفي بعضها بالفاء وهي بالكسر المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد. قوله: أكثر فم بئر، لعله جعل كثرة الناس في فم البئر، أو كثرة البئر كناية عن كثرة الاتباع والاضياف. والخبب: ضرب من العدو. وقال الجزري: فيه أن مسجده كان مربدا ليتيمين، المربد: الموضع الذي يحبس فيه الابل والغنم، وبه سمي مربد المدينة والبصرة، بكسر الميم وفتح


(1) البقرة: 144. (2) اعلام الورى: 42 - 47 ط 1 و 74 - 82 ط 2: والايتان في سورة الحج: 39 و 40. (3) في نسخة: ايضاح.

[ 115 ]

الباء من ربد بالمكان: إذا أقام فيه، وربده: إذا حسبه، والمربد أيضا: الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف. 2 - كا: في الروضة: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي ابن الحسين عليهما السلام ابن كم كان علي بن أبي طالب عليه السلام يوم أسلم فقال: أو كان كافرا قط ؟ إنما كان لعلي عليه السلام حيث بعث الله عزوجل رسوله صلى الله عليه وآله عشر سنين، ولم يكن يومئذ كافرا، ولقد آمن بالله تبارك وتعالى وبرسوله عليه السلام وسبق الناس كلهم إلى الايمان بالله وبرسوله وإلى الصلاة بثلاث سنين، وكانت أول صلاة صلاها مع رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر ركعتين، وكذلك فرضها الله تبارك وتعالى على من أسلم بمكة ركعتن ركعتين، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصليها بمكة ركعتين ويصليها علي عليه السلام معه بمكة ركعتين مدة عشر سنين حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وخلف عليا عليه السلام في امور لم يكن يقوم بها أحد غيره، وكان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة في أول يوم من ربيع الاول وذلك يوم الخميس من سنة ثلاث عشرة من المبعث، وقدم المدينة لاثني عشر ليلة خلت من شهر ربيع الاول مع زوال الشمس، فنزل بقباء فصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، ثم لم يزل مقيما ينتظر عليا عليه السلام يصلي الخمس صلوات ركعتين ركعتين، وكان نازلا على عمرو بن عوف، فأقام عندهم بضعة عشر يوما يقولون له: أتقيم عندنا فنتخذ لك مسجدا (1) ؟ فيقول: لا، إني أنتظر علي بن أبي طالب وقد أمرته أن يحلقني ولست مستوطنا منزلا حتى يقدم علي، وما أسرعه إن شاء الله، فقدم علي عليه السلام والنبي صلى الله عليه وآله في بيت عمرو بن عوف فنزل معه، ثم إن رسول - الله صلى الله عليه وآله لما قدم علي (2) تحول من قبا إلى بني سالم بن عوف وعلي عليه السلام معه يوم الجمعة مع طلوع الشمس، فخط لهم مسجدا، ونصب قبلته وصلى بهم فيه الجمعة ركعتين، وخطب خطبتين، ثم راح من يومه إلى المدينة على ناقته التي كان قدم


(1) في المصدر: فنتخذ لك منزلا ومسجدا ؟. (2) في المصدر: لما قدم عليه على عليه السلام.

[ 116 ]

عليها وعلي عليه السلام معه لا يفارقه يمشي بمشيه، وليس يمر رسول الله صلى الله عليه وآله ببطن من بطون الانصار إلا قاموا إليه يسألونه أن ينزل عليهم، فيقول لهم: خلوا سبيل الناقة فإنها مأمورة فانطلقت به ورسول الله صلى الله عليه وآله واضع لها زمامها حتى انتهت إلى الموضع الذي ترى - وأشار بيده إلى باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله الذي يصلي عنده بالجنائز - فوقفت عنده وبركت ووضعت جرانها على الارض، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وأقبل أبو أيوب مبادرا حتى احتمل رحله، فأدخله منزله، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام معه حتى بنى له مسجده، وبنيت له مساكنه ومنزل علي عليه السلام فتحولا إلى منازلهما. فقال سعيد بن المسيب لعلي بن الحسين عليهما السلام: جعلت فداك كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وآله حين أقبل إلى المدينة فأين فارقه ؟ فقال: إن أبا بكر لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قباء فنزل بهم ينتظر قدوم علي عليه السلام، فقال له أبو بكر: انهض بنا إلى المدينة فإن القوم قد فرحوا بقدومك، وهم يستريثون إقبالك إليهم فانطلق بنا ولا تقم هيهنا تنتظر عليا، فما أظنه يقدم إليك إلى شهر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله كلا ما أسرعه. ولست أريم حتى يقدم ابن عمي وأخي في الله عزوجل، وأحب أهل بيتي إلي، فقد وقاني بنفسه من المشركين قال: فغضب عند ذلك أبو بكر و أشمأز وداخله من ذلك حسد لعلي عليه السلام وكان ذلك أول عداوة بدت منه لرسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام، وأول خلاف على رسول الله صلى الله عليه وآله، فانطلق حتى دخل المدينة، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله بقباء حتى ينتظر عليا. قال: فقلت لعلي بن الحسين عليهما السلام: فمتى زوج رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام من علي عليه السلام ؟ فقال: بالمدينة بهد الهجرة (1) بسنة، وكان لها يومئذ تسع سنين.


(1) الظاهر مما تقدم من الطبرسي في الرواية السابقة أن تزويجها كان بعد الهجرة بقليل، وهو يوافق ما في تاريخ اليعقوبي من وقوع التزويج بعد شهرين، ولكن المقريزى صرح بأنه وقعت في صفر. ويأتى ان شاء الله الكلام حول ذلك في محله.

[ 117 ]

قال علي بن الحسين عليهما السلام: ولم يولد لرسول الله صلى الله عليه وآله من خديجة عليها السلام على فطرة الاسلام إلا فاطمة عليه السلام، وقد كانت خديجة ماتت قبل الهجرة بسنة، ومات أبو طالب رضي الله عنه بعد موت خديجة رضي الله عنها بسنة (1)، فلما فقدهما رسول - الله صلى الله عليه وآله سئم المقام بمكة ودخله حزن شديد، وأشفق على نفسه من كفار قريش فشكى إلى جبرئيل عليه السلام ذلك فأوحى الله عزوجل إليه: اخرج من القرية الظالم أهلها وهاجر إلى المدينة فليس لك اليوم بمكة ناصر، وانصب للمشركين حربا فعند ذلك توجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة. فقلت: فمتى فرضت الصلاة على المسلمين على ما هم عليه اليوم ؟ فقال: بالمدينة حين ظهرت الدعوة، وقوي الاسلام، وكتب الله عزوجل على المسلمين الجهاد زاد رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة سبع ركعات: في الظهر ركعتين، وفي العصر ركعتين، و في المغرب ركعة، وفي العشاء الآخرة ركعتين، وأقر الفجر على ما فرضت لتعجيل نزول ملائكة النهار من السماء، ولتعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء، وكان ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الفجر، فلذلك قال الله عزوجل: " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (2) " يشهده المسلمون وتشهده ملائكة النهار وملائكة الليل (3). بيان: البضع: ما بين الثلاث إلى العشرة، وجران البعير بالكسر: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره. قوله: وهم يستريثون: أي يستبطؤن. قوله: على فطرة الاسلام: أي بعد بعثته صلى الله عليه وآله. قوله عليه السلام: لتعجيل نزول ملائكة الليل. أقول: تعليل قصر الصلاة بتعجيل عروج ملائكة الليل ظاهر، وأما تعليله بتعجيل ملائكة النهار فيمكن أن يوجه بوجوه:


(1) تقدم سابقا الخلاف في المدة التى كانت فيما بين فوتهما راجعه. (2) الاسراء: 78. (3) الروضة: 338 - 341.

[ 118 ]

الاول: أن يقال: إن صلاة الفجر إذا كانت قصيرة يعجلون في النزول ليدركوه، بخلاف ما إذا كانت طويلة لامكان تأخيرهم النزول إلى الثالثة أو الرابعة وفيه أن هذا إنما يستقيم إذا لم يكن شهودهم من أول الصلاة لازما وهو خلاف ظاهر الخبر. الثاني: أن يقال: لعل الحكمة اقتضت عدم اجتماع ملائكة الليل والنهار كثيرا في الارض، فيكون تعجيل عروج ملائكة الليل أمرا مطلوبا في نفسه و معللا أيضا بتعجيل نزول ملائكة النهار. الثالث: أن يكون شهود ملائكة النهار لصلاة الفجر في الهواء، ويكون المراد بنزولهم نزولهم إلى الارض، فلا ينزلون إلا مع عروج ملائكة الليل. الرابع: ما قيل: إن معناه أنه لما كانت ملائكة النهار تنزل بالتعجيل لاجل فعل ما هي مأمورة به في الارض من كتابة الاعمال وغيرها. فكان مما يتعلق بها أول النهار ناسب ذلك تخفيف الصلاة ليشتغلوا بما امروا به، كما أن ملائكة الليل تتعجل العروج، إما لمثل ما ذكر من كونها تتعلق بها امور بحيث تكون من أول الليل كعبادة ونحوها، بل لو لم يكن إلا أمرها بالعروج إذا انقضت مدة عملها لكفى، فتعجيل النزول للفرض المذكور علة للتخفيف، كما أن تعجيل العروج علة مع تحصيلهم جميعا الصلاة معه، ولا يضر كون التعجيل في الاول علة العلة. ثم اعلم أنه ورد في الفقيه والعلل هكذا: " وأقر الفجر على ما فرضت بمكة لتعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء، ولتعجيل نزول ملائكة النهار إلى الارض فكانت ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون (1) ". فعلى هذا يزيد احتمال خامس وهو أن يكون قصر الصلاة معللا بتعجيل العروج فقط، وأما تعجيل النزول فيكون علة لما بعده، أعني شهود ملائكة الليل والنهار جميعا.


(1) الفقيه: 121، علل الشرائع 14.

[ 119 ]

3 - كا: علي بن محمد ومحمد بن الحسين، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته عليه السلام يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بنى مسجده بالسميط ثم إن المسلمين كثروا فقالوا يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه وبناه بالسعيدة، ثم إن المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه وبنى جداره بالانثى والذكر ثم اشتد عليهم الحر فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فظلل، فقال: نعم فأمر به فاقيمت فيه سواري من جذوع النخل، ثم طرحت عليه العوارض والخصف والاذخر (1)، فعاشوا فيه حتى أصابتهم الامطار، (2) فجعل المسجد يكف عليهم (3) فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: لا، عريش كعريش موسى عليه السلام، فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان جداره قبل أن يظلل قامة، فكان إذا كان الفئ ذراعا وهو قدر مربض عنز صلى الظهر، فإذا كان (4) ضعف ذلك صلى العصر. وقال عليه السلام: السميط: لبنة لبنة، والسعيدة: لبنة ونصف، والذكر والانثى: لبنتان مخالفتان (5). 4 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن الحسن بن علي، (6) عن عبيس بن


(1) السوارى جمع السارية الاسطوانة. والعوارض: خشب سقف البيت المعرضة. والخصف جمع الخصفة: الجلة التى يكنز فيه التمر. أي المنسوج من الخوص. والاذخر: الحشيش الاخضر. (2) في المصدر: حتى اصابهم المطر. (3) وكف البيت: قطر سقفه. (4) في المصدر: وإذا كان. (5) فروع الكافي 1: 81. (6) في نسخة محمد بن الحسين بن على.

[ 120 ]

هشام، عن عبد الصمد بن بشير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وآله المدينة خط دورها برجله، ثم قال: اللهم من باع رباعه فلا تبارك له. (1) بيان: خط دورها بالفتح، أي حولها، أو بالضم جمع الدار، فالمراد بها الدور التي بناها له ولاهل بيته وأصحابه صلى الله عليه وآله، والرباع بالكسر جمع الربع بالفتح وهي الدار. 5 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام إنا نأتي المساجد التي حول المدينة فبأيها أبدا ؟ فقال: ابدأ بقباء فصل فيه وأكثر، فإنه أول مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه العرصة، ثم ائت مشربة ام إبراهيم (2) فصل فيها، وهي مسكن رسول الله صلى اله عليه وآله ومصلاه، ثم تأتي مسجد الفضيح (3) فتصلي فيه فقد صلى فيه نبيك صلى الله عليه وآله. 6 - كا: علي، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن حماد عن الحلبي، عن


(1) فروع الكافي 1: 353 (2) قال الطريحي في مجمع البحرين: المشربة بفتح الميم، وفتح الراء وضمها: الغرفة ومنه مشربة ام إبراهيم، وإنما سميت بذلك لان إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وآله ولدته امه فيها، وتعلقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشبة تلك المشربة وقد ذرعت من القبلة إلى الشمال أحد عشر ذرعا. (3) هكذا في النسخ، والصحيح كما في المصدر: الفضيخ بالخاء المعجمة، وهو مسجد من مساجد المدينة، روى الكليني باسناده عن عمار بن موسى أن فيه ردت الشمس لامير المؤمنين على عليه السلام، وروى باسناده عن ليث المرادى أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن مسجد الفضيخ لم سمى مسجدا الفضيخ فقال: لنخل يسمى الفضيخ، فلذلك سمى مسجد الفضيخ راجع فروع الكافي 1: 319. (4) فروع الكافي 1: 318.

[ 121 ]

أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المسجد الذي اسس على التقوى، فقال مسجد قباء (1). 7 - قب: سلمان قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة تعلق الناس بزمام الناقة فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا قوم دعوا الناقة فهي مأمورة، فعلى باب من بركت فأنا عنده فأطلقوا زمامها وهي تهف في السير حتى دخلت المدينة فبركت على باب أبي أيوب الانصاري، ولم يكن في المدينة أفقر منه، فانقطعت قلوب الناس حسرة على مفارقة النبي صلى الله عليه وآله، فنادى أبو أيوب: يا أماه افتحي الباب، فقد قدم سيد البشر، وأكرم ربيعة ومضر، محمد المصطفى، والرسول المجتبى، فخرجت وفتحت الباب وكانت عمياء فقالت: واحسرتاه ليت كانت لي عين أبصر بها وجه سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان أول معجزة النبي صلى الله عليه وآله في المدينة أنه وضع كفه على وجه أم أبي أيوب فانفتحت عيناها. (1) بيان: الهفيف: سرعة السير، 8 - قب: هاجر النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وأمر أصحابه بالهجرة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وكانت هجرته يوم الاثنين، وصار ثلاثة أيام في الغار، (3) وروي ستة أيام، ودخل المدينة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الاول، وقيل: الحادي عشر وهي السنة الاولى من الهجرة، فرد التاريخ إلى المحرم، (4) وكان نزل بقباء في دار كلثوم بن الهدم، ثم بدار خيثمة (5) الاوسي ثلاثة أيام، ويقال: اثنا عشر


(1) فروع الكافي 1: 81. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 115 و 116. (3) زاد في المصدر: ليخيب من قصد إليه. (4) روى الطبري في تاريخه 2: 110 باسناده عن ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وقدمها في شهر ربيع الاول امر بالتاريخ، ثم قال: فذكر انهم كانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت السنة. وقد قيل: ان اول من امر بالتاريخ عمر بن الخطاب. (5) هكذا في النسخ وفى المناقب: وفيه سقط، والصحيح: سعد بن خيثمة. راجع كتب السير، والتواريخ.

[ 122 ]

يوما إلى بلوغ علي عليه السلام وأهل البيت، وكان أهل المدينة يستقبلون كل يوم إلى قباء وينصرفون، فأسس بقباء مسجدهم، وخرج يوم الجمعة ونزل المدينة وصلى في المسجد الذي ببطن الوادي (1). قال النسوي في تاريخه: أول صلاة صلاها في المدينة صلاة العصر، ثم نزل على أبي أيوب. فلما أتى لهجرته شهر وأيام تمت صلاة المقيم، وبعد ثمانية أشهر آخى بين المؤمنين، وفيها شرع الاذان (2). 9 - قب: روي أنه كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يستقبلونه وينصرفون عند الظهيرة فدخلوا يوما فقدم النبي صلى الله عليه وآله فأول من رآه رجل من اليهود، فلما رآه صرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء، فنزل النبي صلى الله عليه وآله على كلثوم بن هدم وكان يخرج فيجلس للناس في ب يت سعد بن خيثمة، وكان قيام علي عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله ثلاث ليال، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وآله، فنزل معه على كلثوم، وكان أبو بكر في بيت حبيب بن إساف (3) فأقام النبي صلى الله عليه وآله بقباء يوم الاثنين والثلثاء و الاربعاء والخميس، وأسس مسجده وصلى يوم الجمعة في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانوقا، (4) فكانت أول صلاة صلاها بالمدينة، ثم أتاه غسان (5) بن


(1) هو مسجد بنى سالم كما تقدم. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 151 و 152 (3) هكذا في النسخ وفى المناقب، وهو مصحف، والصحيح خبيب وهو خبيب بن إساف [ ويقال: يساف ] ابن عنبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج [ بن الاوس ] الانصاري راجع امتاع الاسماع: 48 وتاريخ الطبري 2: 106، وسيرة ابن هشام 2: 110، أقول: وقيل: نزل على خارجة بن زيد بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الاغر راجع المصادر المذكورة قبل ذلك. (4) في نسخة: رانوفا: وفي سيرة ابن هشام: رانوناء. وذكره ياقوب أيضا كذلك في معجم البلدان 3: 19. قال ابن اسحاق في السيرة: " لما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة أقام بقباء [ إلى أن قال: ] فأدركت رسول الله صلى الله عليه وآله الجمعة في بنى سالم بن عوف وصلاها في المسجد الذى في بطن الوادي وادى رانوناء " وهذا لم اجده في غير كتاب ابن اسحاق الذى لخصه ابن هشام، وكل يقول: صلى بهم في بطن الوادي في بنى سالم، ورانوناء بوزن عاشوراء وخابوراء. (5) هكذا في نسخ الكتاب ومصدره، وهو مصحف، والصحيح عتبان بن مالك كما في سيرة - - >

[ 123 ]

مالك وعباس بن عبادة من بني سالم فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، فقال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، يعني ناقته، ثم تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة فقال كذلك، (1) ثم اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج (2) فانطلقت حتى إذا وازت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بنى النجار، (3) فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وآله لم ينزل وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وآله واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفت (4) إلى خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت، ثم تجلجت ورزمت (5) ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتمل أبو أيوب


< - - ابن هشام، والرجل هو عتبان بن مالك بن عمرو العجلاني الانصاري السالمى، صحابي مشهور، مذكور في التراجم. وعتبان بالكسر ثم السكون. (1) في المصدر زيادة هي: ثم اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمر وفى رجال من بنى ساعدة. أقول: هي موجودة ايضا في سيرة ابن هشام. (2) في السيرة هنا زيادة أسقطها ابن شهر آشوب وهى: فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى عدى بن النجار - وهم اخواله دنيا: ام عبد المطلب سلمى بنت عمر واحدى نسائهم - اعترضها سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة في رجال من بنى عدى بن النجار، فقالوا يا رسول الله هلم إلى اخوالك إلى العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فانها مأمورة، فخلوا سبيلها فانطلقت إه‍. (3) زاد في السيرة: ثم من بنى مالك بن النجار، وهما في حجر معاذ بن عفراء: سهل و سهيل ابني عمرو. (4) في السيرة: ثم التفتت. (5) تجلجلت: تضعضعت وفى السيرة: تحلحت أي تحركت. وفى النهاية: ثم تحلحت و أرزمت ووضعت جرانها، تلحلحت أي أقامت ولزمت مكانها ولم تبرح وهو ضد تحلحل. أقول: قوله: رزمت، يقال: رزمت الناقة رزوما: إذا اقامت من الكلال والاعياء، وفى النهاية: ناقة رازم: هي التى لا تتحرك من الهزال، وأما معنى الكلمة على ما رواها ابن الاثير وهى أرزمت، فهو فسرها بقوله: أي صوتت، والارزام: الصوت لا يفتح به الفم ويمكن أن تكون " رزمت " من باب التفعيل من رزم القول: ضربوا بانفسهم الارض لا يبرحون.

[ 124 ]

رحله فوضعه في بيته، ونزل النبي صلى الله عليه وآله في بيت أبي أيوب، وسأل عن المربد فأخبره أنه لسهل وسهيل يتيمين لمعاذ بن عفراء، فأرضاهما معاذ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله ببناء المسجد، وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه، فعمل فيه المهاجرون والانصار، وأخذ المسلمون يرتجزون وهم يعملون، فقال بعضهم: لئن قعدنا والنبي يعمل * فذاك منا العمل المضلل والنبي صلى الله عليه وآله يقول: " لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم الانصار والمهاجرة. (1) وعلي بن أبي طالب عليه السلام يقول: لا يستوي من يعمل المساجدا * يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا. (2)


(1) زاد في السيرة هنا: فدخل عمار بن ياسر وقد اثقلوه باللبن، فقال: يا رسول الله قتلوني يحملون على ما لا يحملون قالت ام سلمة زوج النبي فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ينفض وفرته بيده وكان رجلا جعدا وهو يقول: " ويح ابن سمية " ليسوا بالذين يقتلونك، انما تقتلك الفئة الباغية " وارتجز على بن أبى طالب عليه السلام يومئذ إه‍. (2) في السيرة: قال ابن هشام: سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز، فقالوا: ان على بن أبى طالب ارتجز به فلا يدرى أهو قائله أم غيره. قال ابن اسحاق: فأخذ عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها. قال ابن هشام: فلما أكثر ظن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انه انما يعرض به فيما حدثنا زياد بن عبد الله البكائى، عن ابن اسحاق، وقد سمى ابن اسحاق الرجل [ أقول الرجل هو عثمان بن عفان كما في هامش السيرة وغيره ] قال ابن اسحاق فقال: قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية، والله انى لارانى سأعرض هذه العصا لانفك، قال: وفى يده عصا، قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، ان عمارا جلدة ما بين عينى وانفى، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه ". قال ابن اسحاق: فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبى أيوب حتى بنى له مسجده ومساكنة. ثم انتقل. إه‍.

[ 125 ]

ثم انتقل من بيت أبي أيوب إلى مساكنه التي بنيت له، وقيل: كان مدة مقامه بالمدينة إلى أن بنى المسجد وبيوته من شهر ربيع الاول إلى صفر من السنة القابلة (1). بيان: قال الجزري: في حديث سلمان ابني قيلة، يريد الاوس والخزرج قبيلتي الانصار، وقيلة اسم أم لهم قديمة، وهي قيلة بنت كاهل انتهى. قوله: هذا جدكم، أي صاحب جدكم وسلطانكم، ويحتمل أن يريد هذا سعدكم ودولتكم. أقول: قال الطبرسي رحمه الله في تفسير آية الجمعة: (2) قال ابن سيرين: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة، وقيل: قبل أن تنزل الجمعة قالت الانصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى يوم أيضا مثل ذلك، فلنجعل يوما نجتمع فيه فنذكر الله عزوجل ونشكره، أو كما قالوا فقالوا: (3) يوم السبت لليهود، ويوم الاحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم أسعد بن زرارة شاة، فتغدوا وتعشوا من شاة واحدة وذلك لقلتهم، فأنزل الله تعالى في ذلك: " إذا نودي للصلاة " الآية، فهذه أول جمعة جمعت في الاسلام، فأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه فقيل: إنه قدم رسول الله صلى الله عليه وآله مهاجرا حتى نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول حين الضحى، فأقام بقباء يوم الاثنين والثلثاء والاربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بنى سالم بن عوف في بطن وادلهم قد اتخذوا


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 160 و 161. والحديث موجود في سيرة ابن هشام 1: 112 - 115، إلى قوله: وقيل. (2) الجمعة: 9. (3) المصدر خال عن قوله: فقالوا.

[ 126 ]

اليوم في ذلك الموضع مسجدا، وكانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وآله في الاسلام، فخطب في هذه الجمعة، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل. فقال صلى الله عليه وآله: الحمد لله الذي (1) أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، واومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة (2) من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوا من الساعة، وقرب من الاجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما (3) فقد غوى وفرط و ضل ضلالا بعيدا، أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم، أن يحضه (4) على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه (5) وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا (6) في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينها (7) وبينه أمدا


(1) المصدر خال عن كلمة " الذى " والخطبة مذكورة في تاريخ الطبري 2: 115، وهو أيضا خال عنها. (2) الفترة ما بين الرسولين: الزمان الذى انقطعت فيه الرسالة، كفترة ما بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله. (3) في نسخة: ومن يعص الله ورسوله. والمتن موافق للمصدر وتاريخ الطبري. (4) أي يحثه على أمر الاخرة، ويحمله على ما يؤديه إلى الفوز فيها والنجاة عن شدائدها. (5) في تاريخ الطبري هنا زيادة هي: ولا افضل من ذلك نصيحة ولا افضل من ذلك ذكرا. (6) الذكر بالكسر: الصيت. الثناء الشرف. والذكر بالضم: التذكر. (7) في المصدر وفى تاريخ الطبري: بينه وبينه.

[ 127 ]

بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد، والذي صدق قوله ونجز (1) وعده لا خلف لذلك فإنه يقول: " ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (2) " فاتقوا الله في عاجل أمره (3) وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه (4)، وإن تقوى الله تبيض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، و عادوا أعداءه، وجاهدوا في الله (5) حق جهاده، وهو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ولا جول (6) ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، (7) واعملوا لما بعد الموت فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما يبنه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، و يملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (8) ". فلهذا صارت الخطبة شرطا في انعقاد الجمعة (9) انتهى.


(1) نجز ونجز الحاجة: قضاها. نجز بالوعد: عجله. وفى تاريخ الطبري: انجز. (2) ق: 29. (3) في المصدر وفى تاريخ الطبري: أمركم. (4) في تاريخ الطبري: تقوى في المواضع. وكذا الافعال الاتية بعد كلها بالتذكير. (5) في المصدر: في سبيل الله. (6) خلا التارخ عن قوله: ولا حول. (7) في نسخة بعد ذلك: واعلموا انه خير من الدنيا وما فيها. (8) في المصدر. الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ومثله تاريخ الطبري الا انه خلا عن كلمة: العلى. (9) مجمع البيان 10: 286 و 287. أقول: ذكر ابن هشام والمقريزي أول خطبته صلى الله عليه وسلم في السيرة وامتاع الاسماع والمذكور فيهما يخالف ذلك، وهى هكذا قالا: وكانت أول - - >

[ 128 ]

وقال في المنتقى في حوادث السنة الاولى من الهجرة: إنه صلى الله عليه وآله لبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم دخل المدينة، ثم ذكر كيفية دخوله المدينة، وصلاة الجمعة والخطبة نحو ما تقدم، (1) ثم قال: وإنه لما بنى رسول الله صلى الله عليه وآله مسجده طفق ينقل معهم اللبن ويقول وهو ينقل اللبن: هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر


< - - خطبة خطبها [ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني عن أبى سلمه بن عبد الرحمن: نعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يقل - السيرة ] أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس فقدموا لانفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه - وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه - ألم يأتك رسولي فبلغك ؟ وآتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك ؟ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا. ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق [ بشقة - الامتاع ] من تمرة فليفعل، ومن لم يجده [ يجد - الامتاع ] فبكلمة طيبة، فان بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة شعف. والسلام عليكم [ وعلى رسول الله ] ورحمة الله و بركاته. في الامتاع: والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته. قال ابن هشام: قال ابن اسحاق: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة اخرى فقال: ان الحمد لله، أحمده واستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ان أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وادخله في الاسلام بعد الكفر واختاره على ما سواء من أحاديث الناس، انه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، احبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فانه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفى، قد سماه الله خيرته من الاعمال، ومصطفاه من العباد والصالح من الحديث ومن كل ما اوتى الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بافواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، ان الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم. (1) في نسخة، نحوا مما تقدم.

[ 129 ]

ويقول: " اللهم إن الاجر أجر الآخرة، فارحم الانصار والمهاجرة ". قوله: هذا الحمال، أي هذا الحمل والمحمول من اللبن أبر عند الله وأطهر أي أبقى ذخرا وأدوم منفعة، لا حمال خيبر من التمر والزيب والطعام المحمول منها الذي يغتبطه حاملوه، والذي كنا من قبل نحمله ونعطيه، والحمال والحمل واحد، وروي بالجيم وله وجه، والاول أظهر. وفي هذه السنة تكلم الذئب خارج المدينة ينذر برسول الله صلى الله عليه وآله كما روي عن أبي هريرة قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، فصعد الذئب على تل فأقعى واستثفر، (1) وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله انتزعته مني، فقال الرجل: بالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلم، قال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن عندكم، و كان الرجل يهوديا فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره خبره، وصدقه النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال صلى الله عليه وآله: إنها أمارة من أمارات الساعة، أو شك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه بما أحدث أهله بعده (2). وفي هذه السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة زيد بن حارثة وأبا رافع فحملاهن من مكة إلى المدينة، ولما رجع عبد الله بن اريقط إلى مكة أخبر عبد الله بن أبي بكر بمكان أبيه، فخرج عبد الله بعيال أبيه إليه، و صحبهم طلحة بن عبيدالله ومعهم أم رومان أم عائشة وعبد الرحمن حتى قدموا المدينة. وفي هذه السنة بنى رسول الله صلى الله عليه وآله بعائشة في شوال بعد الهجرة بسبعة أشهر وقيل: في السنة الثانية، والاول أصح، وكان تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين. وفي هذه السنه زيد في صلاة الحضر، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين غير


(1) أي جعل ذنبه بين فخذيه. (2) في المصدر: حتى تحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده.

[ 130 ]

المغرب، وذلك بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر. وفى هذه السنة آخى بين المهاجرين والانصار، وذلك أنه لما قدم المدينة آخى بين المهاجرين والانصار على الحق والمواساة يتوارثون بعد الممات دون ذوي الارحام، وكانوا تسعين رجلا: خمسة وأربعين رجلا من المهاجرين وخمسة وأربعين رجلا من من الانصار، وقيل: كانوا خمسين ومائة من الانصار، وخمسين ومائه من المهاجرين (1)، وكان ذلك قبل بدر، فلما كانت وقعة بدر أنزل الله تعالى: " و اولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله (2) " نسخت هذه الآية ما كان قبلها ورجع كل إنسان إلى نسبه، وورثه ذو رحمه. وفي هذه السنة صام عاشورا، وأمر بصيامه. وفى هذه السنة أسلم عبد الله بن سلام، قال: أنس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة أخبر عبد الله بن سلام بقدومه فأتاه فقال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، فإن أخبرتني بها آمنت بك، قال: وما هن ؟ قال: سأله (3) عن الشبه، و عن أول شئ يأكله أهل الجنة، وعن أول شئ يحشر الناس.


(1) قال المقريزى بعد القول الاول: ويقال: خمسين من هؤلاء، وخمسين من هؤلاء، ويقال انه لم يبق من المهاجرين احد الا آخى بينه وبين انصاري، وقال ابن الجوزى، وقد أحصيت جملة من آخى النبي صلى الله عليه وآله بينهم فكانوا مائة وستين وثمانين رجلا، كانت المؤاخاة بعد مقدمه بخمسة أشهر وقيل: بثمانية أشهر، ثم نسخ التوراث بالمؤاخاة بعد بدر. انتهى كلام المقريزى. أقول: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين أصحابه مرتين: احدهما في مكة آخى بين جماعة منهم قبل الهجرة، والثانية في المدينة آخى بين المهاجرين والانصار ولم يمت أحد منهم حتى نزلت سورة الانفال فصارت المواريث للرحمن، فقد ذكر أسماء بعضهم، والايعاز إليها لا يخلو عن فائدة. أما في المؤخاة الاولى فآخى صلى الله عليه وآله بين نفسه وعلى بن أبى طالب عليه السلام، و - - > (2) الانفال: 75. والاحزاب: 6. (3) في نسخة سائلك.

[ 131 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخبرني بهن جبرئيل آنفا، قال: ذاك عدو اليهود، قال: أما الشبه فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة ذهب بالشبه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل ذهبت بالشبه، وأما أول شئ يأكله أهل الجنة فزائد كبد (1) الحوت، وأما أول شئ يحشر الناس فنار تجئ من قبل المشرق فتحشرهم إلى المغرب، فأمسك، وقال: أشهد أنك رسول الله، وقال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت (2)، وإنهم إن سمعوا بإسلامي بهتوني فاخبأني عندك، وابعث إليهم فسلهم عني، فخباه رسول الله صلى الله عليه وآله وبعث إليهم فجاؤوا، فقال: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم ؟ قالوا: هو خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وعالمنا وابن عالمنا، قال: أرأيتم إن أسلم أتسلمون، فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فقال: يا عبد الله بن سلام اخرج إليهم، فلما خرج إليهم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا، فقال ابن سلام: قد أخبرتك يا رسول الله إن اليهود قوم بهت. وفيها أسلم سلمان رضي الله عنه، على ما سيأتي شرحه (3). وفيها شرع الاذان.


(1) تقدمت مسائل عبد الله بن سلام برواية علل الشرائع في كتاب الاحتجاجات 9: 304 قال المصنف هناك: زيادة الكبد: هي القطعة المنفردة المتعلقة بالكبد، وهى أهناها، و أطيبها. ذكره الكرماني في شرح البخاري. (2) بهت جمع بهوت: من يفترى على غيره الكذب. (3) قوله: " على ما سيأتي شرحه " من كلام المصنف. < - - آخى بين حمزة بن عبد المطلب رحمه الله وبين زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أبى بكر وعمر، وبين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير بن العوام و عبد الله بن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث بن المطلب وبلال مولى أبى بكر، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبى وقاص، وبين أبى عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبى حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيدالله، ذكر ذلك أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي في كتاب المحبر: 70 و 71 وأما المؤاخاة الثانية فقد ذكر ابن هشام في السيرة 2: 123 - 126 وابن حبيب في - >

[ 132 ]

ومما كان في هذه السنة ما روي أنه كان امرأة من بنى النجار يقال لها: فاطمة بنت النعمان لها تابع من الجن، وكان يأتيها، فأتاها حين هاجر النبي صلى الله عليه وآله فأنقض (1) على الحائط، فقالت: مالك لم تأت كما كنت تأتي ؟ قال: قد جاء النبي الذي يحرم الزنا والحرام. وفيها مات البراء بن معرور، وكان أول من تكلم ليلة العقبة حين لقي رسول الله صلى الله عليه وآله السبعون من الانصار فبايعوه، وهو أحد النقباء توفي قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة بشهر، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله انطلق بأصحابه فصلى على قبره، وقال: " اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وقد فعلت " وهو أول من مات من النقباء. وفيها مات أسعد بن زرارة أحد النقباء مات قبل أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من بناء مسجده، ودفن بالبقيع، والانصار يقولون: هو أول من دفن فيها، و المهاجرون يقولون: عثمان بن مظعون، ولما مات أسعد بن زرارة جاءت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: قد مات نقيبنا فنقب علينا (2)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا نقيبكم. وفيها مات كلثوم بن الهدم وكان شريفا كبير السن قبل قدومه (3)، فلما هاجر نزل عليه، ونزل عليه جماعة منهم أبو عبيد والمقداد وخباب في آخرين،


(1) أي فصوت. (2) أي اجعل نقيبا علينا، والنقيب: شاهد القوم وضمينهم وعريفهم وسيدهم. (3) هكذا في النسخ وفيه سقط: وفي المصدر: اسلم قبل قدومه. < - - المحبر 71: جماعة فنذكر اولا من ذكر الاول ثم نضيف إليه من أضاف الثاني، قال ابن هشام: قال ابن اسحاق: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين اصحابه من المهاجرين والانصار، فقال فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: تأخوا في الله أخوين أخوين ثم أخذ بيد على بن أبى طالب فقال: هذا أخى، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله سيد المرسلين، وامام المتقين، ورسول رب العالمين الذى ليس له خطير ولا نظير من العباد وعلى بن أبى طالب رضى الله عنه أخوين. " أقول: هذا هو المشهور بين الخاصة والعامة الا ان ابن حبيب خالف المشهور واتى بقول - - >

[ 133 ]

وتوفي بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير. وفيها مات من المشركين العاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة بمكة، وروي عن الشعبي قال: لما حضر الوليد بن المغيرة جزع فقال له أبو جهل: يا عم ما يجزعك ؟ قال: والله ما بي جزع من الموت، ولكني أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة بمكة، فقال أبو سفيان: لا تخف أنا ضامن أن لا يظهر (1). 8. (باب) نوادر الغزوات وجوامعها وما جرى بعد الهجرة إلى غزوة بدر الكبرى، وفيه غزوة العشيرة وبدر الاولى والنخلة الايات: البقرة، 2: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون * يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله و كفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا. الآية 216 و 217.


(1) المنتقى في مولود المصطفى صلى الله عليه وآله: الفصل الخامس في ذكر تلقى اهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وآله. < - - شاذ وهو انه صلى الله عليه وآله آخى بين على بن أبى طالب عليه السلام وبين سهل بن حنيف " وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثه أخوين، وآخى بين جعفر بن أبى طالب وهو بالحبشة ومعاذ بن جبل، وبين أبى بكر وخارجة بن زيد بن أبى زهير، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخى بنى سالم بن عوف بن عمرو بن عوف ابن الخزرج " قال ابن حبيب: بينه وبين عويم بن ساعدة، ويقال: بينه وبين معاذ بن عفراء، ويقال بينه وبين عتبان " وبين أبى عبيدة بن عبد الله بن الجراح وسعد بن معاذ بن النعمان " في المحبر: بينه وبين محمد بن مسلمة " وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وبين الزبير بن العوام - - >

[ 134 ]

النساء، 4: يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا و إن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما * فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة و من يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما * وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا * الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا 71 - 76. وقال تعالى: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا * ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله، فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا * إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليكم سبيلا * ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم و يلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم


< - - وسلمة بن سلامة بن وقش، ويقال: بل الزبير وعبد الله بن مسعود ": في المحبر: بينه وبين كعب بن مالك " وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر " زاد في المحبر: ويقال: أبو [ أبى ] عبادة سعد بن عثمان الزرقى " وطلحة بن عبيدالله وكعب بن مالك [ في المحبر: وأبى ابن مالك ] وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبى بن كعب [ في المحبر: ورافع بن مالك ] وبين مصعب بن عمير بن هاشم وأبى ايوب خالد بن زيد، وبين أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعباد بن بشر بن وقش، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، ويقال: ثابت بن قيس - - >

[ 135 ]

جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا 88 - 91. وقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله بما تعملون خبيرا 94. وقال سبحانه: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا * فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا * ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان اله عليما حكيما 102 - 104. المائدة: " 5 " يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا


< - - ابن الشماس، وبين أبى ذر والمنذر بن عمر والمعنق، وبين حاطب بن أبى بلتعة وعويم بن ساعدة وبين سلمان الفارسى وأبى الدرداء عويمر بن ثعلبة [ في المحبر: ورخيلة بن يخلد ] وبين بلال وأبى رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي. وزاد ابن حبيب في المحبر: وبين زيد بن حارثة واسيد بن الخضير، وبين أبى مرثد الغنوى و عبادة بن الصامت، وبين مرثد بن أبى مرثد وأوس بن الصامت، وبين عبيدة بن الحارث بن المطلب الشهيد ببدر وعمير بن الحمام السلمى وبين الطفيل بن الحارث بن المطلب والمنذر بن محمد بن عقبة بن احيحة بن الجلاح، وبين الحصين بن الحارث بن المطلب ورافع بن عنجدة، وبين شجاع بن وهب وأوس بن خولى، وبين عبد الله بن جحش الاسدي وعاصم بن ثابت أبى الاقلح، وبين محرز ابن نضلة وعمارة بن حزم وبين سالم مولى أبى حذيفة ومعاذ بن ماعص، وبين عتبة بن غزوان وأبى دجانة سماك بن خرشة، وبين سعد مولى عتبة وتميم موى خراش بن الصمة، وبين طليب - - - >

[ 136 ]

حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب 2. وقال تعالى: ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى 8. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون 11. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين 51 - 53. الانفال: " 8 " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير 39.


ابن عمير بن وهب والمنذر بن عمرو، وبين سعد بن أبى وقاص وسعد بن معاذ، وبين عبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل، وبين عمير بن عبد عمرو بن نضلة ذى الشمالين وبين يزيد بن الحارث الذى يقال له: ابن فسحم، وبين خباب بن الارت وجبار بن صخر، وبين المقداد ابن عمرو وجبر بن عتيك، وبين عمير بن أبى وقاص وعمرو بن معاذ أخى سعد بن معاذ، و بين مسعود بن ربيع القارى وبين عبيد بن التيهان، وبين عامر بن فهيرة والحارث بن اوس بن معاذ، وبين صهيب بن سنان والحارث بن الصمه، وبين أبى سلمة بن عبد الاسد وسعد بن خيثمة، وبين شماس بن عثمان بن الشريد وحنظلة بن أبى عامر وبين الارقم بن أبى الارقم - - >

[ 137 ]

وقال تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزون * وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون * وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم * وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم * يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين * يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون * الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين 59 - 66. التوبة: " 9 " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان ومن يتولهم منكم فاولئك هم الظالمون * قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين * لقد نصركم الله في مواطن كثيرة 23 - 25.


< - - وأبى طلحة زيد بن سهل، وبين معتب بن حمراء الخزاعى وثعلبة بن حاطب، وبين زيد بن الخطاب ومعن بن عدى، وبين واقد بن عبد الله التميمي أو حصن حليف بنى عدى وبشر بن البراء بن معرور، وبين عامر بن ربيعة العنزي ويزيد بن المنذر بن السرح وبين عاقل بن أبى البكير ومبشر بن عبد المنذر: ويقال: بل مجذر بن زياد، وبين عامر بن أبى البكير وثابت بن قيس بن شماس، وبين خالد بن أبى البكير وزيد بن الدثنة، وبين أياس بن أبى البكير والحارث بن خزمة، وبين عثمان بن مظعون وأبى الهيثم بن التيهان، وبين عبد الله بن مظعون وسهل بن عبيد بن المعلى. وبين السائب بن عثمان وحارثة بن سراقة، وبين معمر بن الحارث ومعاذ بن عفراء. وبين خنيس بن حذافة وأبى عبس بن جبر، وبين عبد الله بن مخرمة - >

[ 138 ]

وقال تعالى: وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة 36. وقال سبحانه: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير 73. وقال تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون * يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين 122 - 123. الحج " 22 ": إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور * أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز 38 - 40. محمد " 47 ": ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم * فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم 20 - 22.


< - ابن عبد العزى بن أبى قيس وفروة بن عمرو، وبين أبى سبرة بن أبى رهم وسلمة بن سلامة بن وقش، وبين وهب بن سرح وسويد بن عمرو، وبين صفوان بن بيضاء ورافع بن المعلى. فكانت المؤاخاة قبل بدر ولم يكن بعد بدر مؤاخاة انتهى ما في المحبر. أقول: غير خفى على المنصف الخبير ان اتخاذ النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام في كلتى الدفعتين أخا من بين كبار الصحابة من المهاجرين والانصار خصوصا مع وجود حمزة عمه وجعفر وغيرهما ما كان الا لمزية جلية وفضيلة ظاهرة كانت في على عليه السلام، ولم تكن في أحد من الخلفاء الثلاثة ولا في اكبر منهم من الصاحبة فتأمل وانتظر مزيد بيان و احتجاج فيما يأتي في باب فضائله عليه السلام.

[ 139 ]

إلى قوله تعالى: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم 35. الفتح " 48 ": هو الذين أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والارض وكان الله عليما حكيما * ليدخل المؤمين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم و كان ذلك عند الله فوزا عظيما * ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا * ولله جنود السماوات والارض وكان الله عزيزا حكيما 4 - 7 إلى قوله تعالى: قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما 16. إلى قوله سبحانه: فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما * وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما * و اخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا * ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا * سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا 18 - 23. الحجرات " 49 ": إنما المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون 15. الحديد " 57 ": لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل اولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير 10. الحشر: " 59 " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شئ قدير * ما أفاء الله

[ 140 ]

على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين و ابن السبيل كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب * للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله اولئك هم الصادقون 6 - 8. الصف: " 61 " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم * وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين * يا أيها الذين أمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين 10 - 14. التحريم " 66 ": يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم و مأواهم جهنم وبئس المصير 9. تفسير: " يسألونك " قال الطبرسي رحمه الله: قال المفسرون: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سرية من المسلمين فأمر عليهم عبد الله بن جحش الاسدي وهو ابن عم (1) النبي صلى الله عليه وآله، وذلك قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش في آخر يوم جمادى الآخرة (2) وكانوا يرون أنه من جمادى و


(1) في المصدر: ابن عمة النبي صلى الله عليه وآله وهو الصحيح لان ام عبد الله هي أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وآله، وعبد الله هو عبد الله بن جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة أبو محمد الاسدي مذكور في التراجم. (2) في المصدر: في يوم آخر من جمادى الاخرة.

[ 141 ]

هو رجب، فاختصم المسلمون فقال قائل منهم: هذه غرة (1) من عدو وغنم رزقتموه فلا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا ؟ فقال قائل منهم: لا نعلم هذا اليوم إلا من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه (2)، فغلب على الامر الذين يريدون عرض الحياة الدنيا، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه و غنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش، وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المشركين والمسلمين، وذلك أول في أصابه المسلمون، فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل الله هذه الآية، فالسائلون أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام، وقيل: السائلون أهل الاسلام سألوا ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه " عن الشهر الحرام قتال فيه " بدل اشتمال عن الشهر " قل قتال فيه " أي في الشهر الحرام " كبير " أي ذنب عظيم، ثم استأنف وقال: " وصد عن سبيل الله وكفر به " أي والصد عن سبيل الله والكفر به (3) " والمسجد الحرام " أي والصد عن المسجد الحرام، أو يسألونك (4) عن القتال في الشهر الحرام، وعند المسجد الحرام، وقيل: معناه والكفر بالمسجد الحرام " وإخراج أهله " يعني أهل المسجد وهم المسلمون " منه " أي من المسجد " أكبر " أي أعظم وزرا " عند الله " يعني إخراجهم المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة، والظاهر يدل على أن القتال في الشهر الحرام كان محرما وقيل: إن النبي عقل ابن الحضرمي (5) " والفتنة أكبر من القتل " أي الفتنة في الدين وهو الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام يعني قتل ابن الحضرمي " ولا يزالون يقاتلونكم " يعني أهل مكة " حتى يردوكم عن دينكم "


(1) في نسخة: هذه عزة. (2) أي أشرفتم عليه. (3) في المصدر: والكفر بالله. (4) أي على القول الثاني. (5) أي أعطى ديته.

[ 142 ]

أي يصدوكم عن دين الاسلام (1) ويلجئوكم إلى الارتداد " إن استطاعوا " أي إن قدروا على ذلك (2). قوله تعالى: " خذوا حذركم " قال البيضاوي: أي تيقظوا واستعدوا للاعداء، والحذر والحذر كالاثر والاثر، وقيل: ما يحذر به كالحزم، والسلاح " فانفروا " فاخرجوا إلى الجهاد " ثبات " جماعات متفرقين، جمع ثبة " أو انفروا جميعا مجتمعين كركبة واحده " وإن منكم لمن ليبطئن " الخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمنين منهم والمنافقين، والمبطئون منافقوهم، تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد، أو يبطئوا غيرهم كما أبطأ ابن أبي (3) ناسا يوم أحد " فإن أصابتكم مصيبة " كقتل وهزيمة " قال " أي المبطئ: " قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا " حاضرا (4) فيصيبني ما أصابهم " ولئن أصابكم فضل من الله " كفتح وغنيمة " ليقولن " أكده تنبيها على فرط تحسرهم " كأن لم يكن بينكم وبينه مودة " اعتراض بين الفعل ومفعوله وهو " يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما " للتنبيه على ضعف عقيدتهم، وإن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه، (5) أو حال عن الضمير في " ليقولن " أو داخل في المقول، أي يقول المبطئ لمن يثبطه من المنافقين وضعفة المسلمين تطرية وحسدا، كأن لم يكن بينكم وبين محمد مودة حيث لم يستعن بكم فتفوزوا بما فاز يا ليتني كنت معهم، وقيل: إنه متصل بالجملة الاولى وهو ضعيف (6)


(1) في المصدر: أي يصرفوكم عن دين الاسلام. (2) مجمع البيان 2: 312 و 313. (3) في المصدر: أو ثبطوا غيرهم كما ثبط ابن ابى، وهو الموجود ايضا في نسخة. (4) في المصدر: حاضرا في تلك الغزاة. (5) زاد في المصدر: وانما يريد أن يكون معكم لمجرد المال. (6) وقال الطبرسي: اعتراض يتصل بما تقدمه، قال: وتقديره: قال: قد أنعم الله على إذ لم اكن معهم شهيدا، كان لم تكن بينكم وبينه مودة، أي لا يعاضدكم على قتال عدوكم، ولا يرعى الذمام الذين بينكم عن ابى على الفارسى، وقيل: انه اعتراض بين القول والتمنى، وتقديره ليقولن: يا ليتنى كنت معهم فأفوز من الغنيمة فوزا عظيما، كانه ليس بينكم وبينه مودة، أي - - >

[ 143 ]

والمنادى في " ياليتني " محذوف، أي يا قوم، وقيل: يا أطلق للتنبيه على الاتساع " فأفوز " نصب على جواب التمني " الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة " أي الذين يبيعونها بها، والمعنى إن بطئ هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة أو الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطؤن، والمعنى حثهم على ترك ما حكى عنهم " والمستضعفين " عطف على " الله " أي وفي سبيل المستضعفين وهو تخليصهم من الاسر وصونهم عن العدو، أو على " السبيل " بحذف المضاف، أي وفي خلاص المستضعفين. ويجوز نصبه على الاختصاص، فإن سبيل الله تعالى يعم أبواب الخير، وتخليص ضعفة المسلمين من أيدي الكفار أعظمها وأخصها " من الرجال والنساء والولدان " بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين بقوا بمكة لصد المشركين أو ضعفهم عن الهجرة مستذلين ممتحنين، وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذا هم الصبيان، وقيل: المراد به العبيد والاماء وهو جمع وليد. (1) وقال الطبرسي رحمه الله: قيل: يريد بذلك قوما من المسلمين بقوا بمكة ولم يستطيعوا الهجرة، منهم سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة وأبو جندل بن سهيل، وجماعة كانوا يدعون الله أن يخلصهم من أيدي المشركين ويخرجهم من مكة وهم " الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها " أي يقولون في دعائهم: ربنا سهل لنا الخروج من هذه القرية يعني مكة التي ظلم


(1) يتمنى الحضور لا لنصرتكم وانما يتمنى النفع لنفسه، وقيل: ان الكلام في موضعه من غير تقديم وتأخير، ومعناه: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن هذا المبطئ قول من لا تكون بينه وبين المسلمين مودة، أي كانه لم يعاقدكم على الايمان، ولم يظهر لكم مودة على حال يا ليتنى كنت معهم، أي يتمنى الغنيمة دون شهود الحرب، وليس هذا من قول المخلصين، فقد عدوا التخلف في احدى الحالتين نقمة من الله، تمنوا الخروج معهم في احدى الحالتين لاجل الغنيمة، وليس ذلك من أمارة المودة إه‍. (1) انوار التنزيل 1: 286 - 288.

[ 144 ]

أهلها بافتتان المؤمنين عن دينهم ومنعهم عن الهجرة " واجعل لنا " بألطافك وتأييدك " من لدنك وليا " يلي أمرنا بالكفاية حتى ينقذنا من أيدي الظلمة " واجعل لنا من لدنك نصيرا " ينصرنا على من ظلمنا، فاستجاب سبحانه دعاءهم، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة جعل الله سبحانه نبيه لهم وليا، فاستعمل على مكة عتاب بن أسيد فجعله لهم نصيرا، وكان ينصف الضعيف من الشديد فأغاثهم الله تعالى، وكانوا (1) أعز بها من الظلمة قبل ذلك " فقاتلوا أولياء الشيطان " يعني جميع الكفار. (2) وقال في قوله تعالى: فما لكم في المنافقين ": اختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة من مكة فأظهروا للمسلمين الاسلام، ثم رجعوا إلى مكة لانهم استوخموا المدينة (3) فأظهروا الشرك، ثم سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة، فأراد المسلمون أن يغزوهم، فاختلفوا فقال بعضهم: لا نفعل فانهم مؤمنون، وقال الآخرون: إنهم مشركون، فأنزل الله فيهم الآية عن مجاهد والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل: نزلت في الذين تخلفوا عن أحد وقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم " الآية فاختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم فقال فريق منهم: نقتلهم، وقال آخرون: لا نقتلهم، فنزلت الآية عن زيد بن ثابت. " والله أركسهم " أي ردهم إلى حكم الكفار بما أظهروا من الكفر، وقيل: أهلكهم بكفرهم، وقيل: خذلهم فأقاموا على كفرهم " أتريدون أن تهدوا " أي تحكموا بهداية " من أضل الله " أي من حكم الله بضلاله أو خذله ولم يوفقه " ومن يضلل الله " أي نسبه إلى الضلالة " فلن تجد له سبيلا " أي لن ينفعه أن يحكم غيره بهدايته " ودوا " أي تمنى هؤلاء المنافقين الذين اختلفتم في أمرهم " لو تكفرون " أنتم بالله ورسوله " كما كفروا فتكونون سواء " في الكفر " فلا تتخذوا منهم أولياء " أي فلا تستنصروهم ولا تستنصحوهم ولا تستعينوا بهم في الامور " حتى يهاجروا "


(1) في المصدر: فكانوا. (2) مجمع البيان 3: 76. (3) أي وجدوها وخيمة. والوخيم من البلد: غير موافق للسكن.

[ 145 ]

أي يخرجوا من دار الشرك ويفارقوا أهلها " في سبيل الله " أي في ابتغاء دينه " فإن تولوا " عن الهجرة " فخذوهم " أيها المؤمنون " واقتلوهم حيث وجدتموهم " من أرض الله من الحل والحرم " ولا تتخذوا منهم وليا " أي خليلا " ولا نصيرا " ينصركم على أعدائكم " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق " أي إلا من وصل من هؤلاء إلى قوم بينكم وبينهم موادعة وعهد فدخلوا فيهم بالحلف والجوار، فحكمهم حكم اولئك في حقن دمائهم، واختلف في هؤلاء، فالمروي عن أبي جعفر عليه السلام: أنه قال المراد بقوله: " قوم بينكم وبينهم ميثاق " هو هلال بن عويم السلمي، (1) واثق عن قومه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال في موادعته: علي أن لا تحيف يا محمد من أتانا، ولا نحيف من أتاك، (2) فنهى الله سبحانه أن يعرض (3) لاحد عهد إليهم، وبه قال السدي وابن زيد، وقيل: هم بنو مدلج (4)، وكان سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله بعد احد، فقال: أنشدك الله والنعمة، وأخذ منه ميثاقا أن لا يغزو قومه، فإن أسلم قريش أسلموا، لانهم كانوا في عقد قريش، فحكم الله فيهم ما حكم في قريش، ففيهم نزل هذا، ذكره عمر بن شيبة، ثم استثنى لهم حالة اخرى فقال: " أو جاؤكم حصرت صدورهم " أي ضاقت قلوبهم من " أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم " فلا عليكم ولا عليهم وإنما عنى به أشجع (5) فإنهم قدموا المدينة في


(1) في المصدر: هو هلال بن عويمر السلمى. (2) حاف عليه: جار عليه وظلمه. تحيف الشئ: تنقصه. وفى نسخة: على أن لا تخيف يا محمد من أتانا، ولا نخيف من أتاك. (3) في المصدر: أن يتعرض. (4) بنو مدلج بضم الميم وسكون الدال وكسر اللام: ينتسب إلى مدلج بن مرة بن عبد مناة ابن كنانة، وهم بطن كبير من كنانة. ومنهم كان علم القيافة. (5) أشج: حى من غلفان من العدنانية، غلب عليهم اسم ابيهم. فقيل لهم: أشجع، وهم ينو أشجع بن ريث بن غلفان، وفى العبر: وكانوا هم عرب المدينة النبوية، وكان سيدهم معقل بن سنان الصحابي. راجع نهاية الارب: 42.

[ 146 ]

سبعمائة يقودهم مسعود بن دخيلة فأخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله أحمال التمر ضيافة، و قال: نعم الشئ الهدية أمام الحاجة، وقال لهم: ما جاء بكم ؟ قالوا: لقرب دارنا منك، وكرهنا حربك وحرب قومنا - يعنون بني ضمرة (1) الذين بينهم وبينهم عهد - لقلتنا فيهم فجئنا لنوادعك، فقبل النبي صلى الله عليه وآله ذلك منهم ووادعهم، فرجعوا إلى بلادهم، فذكره علي بن إبراهيم في تفسيره، فأمر الله سبحانه المسلمين أن لا يتعرضوا لهؤلاء " ولو شاء الله لسلطهم عليكم " بتقوية قلوبهم فيجترؤن على قتالكم " فلقاتلوكم " أي لو فعل ذلك لقاتلوكم " فإن اعتزلوكم " يعني هؤلاء الذين امر بالكف عن قتالهم بدخولهم في عهدكم أو بمصيرهم إليكم (2) حصرت صدورهم أن يقاتلوكم. " فلم يقاتلو كم وألقوا إليكم السلم " يعني صالحوكم واستسلموا لكم " فما جعل الله لكم عليهم سبيلا " يعني إذا سالموكم فلا سبيل لكم إلى نفوسهم و أموالهم. قال الحسن وعكرمة: نسخت هذه الآية والتي بعدها والآيتان في سورة الممتحنة (3): " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين " إلى قوله: " الظالمون (4) " الآيات الاربع بقوله: " فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " الآية. " ستجدون آخرين " اختلف فيمن عني بهذه الآية، فقيل: نزلت في ناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وآله فيسلمون رئاء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الاوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا قومهم ويأمنوا نبي الله صلى الله عليه وآله فأبى الله ذلك عليهم، عن ابن


(1) بنو ضمرة بفتح فسكون: بطن من كنانة من العدنانية، وهم بنو ضمرة بن بكر بن عبد مناة ابن كنانة. (2) في المصدر: أو بمصيركم إليهم. (3) السورة: 60. (4) الايتان: 8 و 9.

[ 147 ]

عباس ومجاهد، وقيل: نزلت في نعيم بن مسعود الاشجعي كان ينقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وآله وبين المشركين عن السدي، وقيل: نزلت في أسد وغطفان (1) عن مقاتل، وقيل: نزلت في عيينة بن حصن الفزاري، وذلك أنهم أجدبت بلادهم فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ووادعه على أن يقيم ببطن نخل ولا يتعرض له، وكان منافقا ملعونا، وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الاحمق المطاع في قومه، وهو المروي عن الصادق عليه السلام (2). " يريدون أن يأمنوكم " فيظهرون الاسلام " ويأمنوا قومهم " فيظهرون لهم الموافقة لهم في دينهم " كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها " المراد بالفتنة هنا الشرك والاركاس: الرد، أي كلما دعوا إلى الكفر أجابوا ورجعوا إليه " فإن لم يعتزلو كم " أيها المؤمنون، أي فإن لم يعتزل قتالكم هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم " ويلقوا إليكم السلم " أي لم يستسلموا لكم ولم يصالحوكم ولم " يكفوا أيديهم " عن قتالكم " فخذوهم " أي فأسروهم " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " أي وجدتموهم " سلطانا مبينا " أي حجة ظاهرة، وقيل عذرا بينا في القتال. (3) وفي قوله تعالى: " إذا ضربتم في سبيل الله " قيل: نزلت في اسامة بن زيد و أصحابه بعثهم النبي صلى الله عليه وآله سرية (4) فلقوا رجلا قد انحاز بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم: السلام عليكم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فبدر إليه اسامة فقتله، واستاقوا غنمه عن السدي، وروي عن ابن عباس وقتادة أنه لما نزلت الآية حلف اسامة أن لا يقتل رجلا قال: لا إله إلا الله، وبهذا اعتذر إلى علي عليه السلام


(1) أسد وغطفان بطنان من العدنانية. (2) في المصدر: عن الصادقين عليهما السلام. (3) مجمع البيان 3: 86 - 89. (4) في المصدر: في سرية. في النهاية: السرية: طائفة من الجيش يبلغ أقصاها اربعمائة تبعث إلى العدو.

[ 148 ]

لما تخلف عنه، وإن كان عذره غير مقبول لوجوب طاعة الامام، (1) وقيل: نزلت في محلم بن خثامة (2) الليثي، وكان بعثه النبي صلى الله عليه وآله في سرية (3) فلقيه عامر بن الاضبط الاشجعي، فحياه بتحية الاسلام، وكان بينهما أخية (4) فرماه بسهم فقتله، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله جلس بين يديه وسأله أن يستغفر له، فقال صلى الله عليه وآله لا غفر الله لك، فانصرف باكيا، فما مضت عليه سبعة أيام حتى هلك ودفن فلفظته الارض، فقال صلى الله عليه وآله لما أخبر به: إن الارض يقبل من هو شر من محلم صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظم من حرمتكم، ثم طرحوه بين صدفي (5) الجبل وألقوا عليه الحجارة، ونزلت (6) الآية، عن الواقدي ومحمد بن إسحاق رواية عن ابن عمر وابن مسعود، (7) وقيل: كان صاحب السرية المقداد، عن ابن جبير، وقيل: أبو الدرداء عن ابن زيد " إذا ضربتم في سبيل الله " أي سرتم وسافرتم للغزو والجهاد " فتبينوا " أي ميزوا بين الكافر والمؤمن - وبالثاء والتاء - توقفوا وتأنوا حتى تعلموا من يستحق القتل " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم " أي حياكم بتحية أهل الاسلام أو من


(1) في المصدر: وان كان عذره غير مقبول لانه قد دل الدليل على وجوب طاعة الامام في محاربة من حاربه من البغاة، لا سيما وقد سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: حربك يا على حربى، وسلمك سلمى. (2) هكذا في النسختين المطبوعتين، وفي المخطوطة: محكم بن خثامة، وكلاهما مصحفان، والصحيح كما في المصدر: محلم بن جثامة باللام والثاء المشددتين، راجع سيرة ابن هشام 4: 302. ايضا. (3) في السيرة: بعثه إلى إضم. (4) الاخية والاخية: الحرمة والذمة وفى المصدر: إحنة. أي حقد. (5) الصدف: منقطع الجبل أو ناحيته. (6) في المصدر: فنزلت الاية. (7) زاد في المصدر: وأبى حدرد أقول: الصحيح: وابن ابى حدرد، وهو عبد الله بن ابى حدرد. راجع السيرة.

[ 149 ]

استسلم لكم (1) فلم يقاتلكم مظهرا أنه من أهل ملتكم " لست مؤمنا " أي ليس لايمانك حقيقة، وإنما أسلمت خوفا من القتل أو لست بآمن " تبتغون " أي تطلبون " عرض الحياة الدنيا " يعني الغنيمة والمال " فعند الله مغانم كثيرة " أي في مقدوره تعالى فواضل ونعم ورزق إن أطعتموه فيما أمركم به، وقيل: معناه ثواب كثير. لمن ترك قتل المؤمن. " كذلك كنتم من قبل " اختلف في معناه، فقيل: كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفيا في قومه بدينه خوفا على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم، وقيل: كما كان هذا المقتول كافرا فهداه الله، كذلك كنتم كفارا فهداكم الله (2). وقال البيضاوي: أي أول ما دخلتم في الاسلام تفوهتم بكلمتي الشهادة، فحصنتم (3) بها دماءكم وأموالكم من غير أن يعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم " فمن الله عليكم " بالاشتهار بالايمان والاستقامة في الدين " فتبينوا " وافعلوا بالداخلين في الاسلام كما فعل الله بكم (4). أقول: سيأتي تفسير آية الصلاة في غزوة ذات الرقاع. قوله: تعالى: " شعائر الله " قيل: مناسك الحج، وقيل: دين الله، وقيل: فرائضه " ولا الشهر الحرام " بالقتال فيه أو بالنسئ " ولا الهدي " ما اهدي إلى الكعبة " ولا القلائد " أي ذوات القلائد من الهدي، وعطفها على الهدي للاختصاص فإنه أشرف الهدي، أو القلائد أنفسها، والنهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرض للهدي " والقلائد " جمع قلادة وهو ما قلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر (5) وغيرهما ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له " ولا آمين البيت الحرام "


(1) في المصدر: أو من استسلم إليكم. (2) مجمع البيان 3، 95. (3) في المصدر: فحصنت. 4) أنوار التنزيل 1: 296. (5) لحاء الشجر: قشره.

[ 150 ]

بالقتال قاصدين لزيارته " يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " أي أن يثيبهم ويرضى عنهم " ولا يجرمنكم " أي ولا يحملنكم. أو لا يكسبنكم " شنئان قوم " أي شدة بغضهم وعداوتهم " أن صدوكم عن المسجد الحرام " لان صدوكم عام الحديبية " أن تعتدوا " بالانتقام، وهو ثاني مفعولي يجرمنكم " وتعاونوا على البر والتقوى " على العفو والاغضاء ومتابعة الامر مجانبة الهوى " ولا تعاونوا على الاثم و العدوان " للتشفي والانتقام. وقال الطبرسي رحمه الله: قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: نزلت هذه الآية في رجل من بني ربيعة يقال له: الحطم، وقال السدي: أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وحده، وخلف خيله خارج المدينة، فقال: إلى ما تدعو ؟ وقد كان النبي صلى الله عليه وآله قال لاصحابه: يدخل عليكم اليوم رجل من بني ربيعة يتكلم بلسان شيطان، فلما أجابه النبي صلى الله عليه وآله قال: أنظرني لعلي اسلم ولي من اشاوره فخرج من عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر " فمر بسرح من سروح المدينة فساقه انطلق به وهو يرتجز ويقول: تدلفها الليل بسواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم * باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم * خدلج الساقين ممسوح القدم ثم أقبل من عام قابل حاجا قد قلد هديا، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبعث إليه فنزلت هذه الآية: " ولا آمين البيت الحرام " وهو قول عكرمة وابن جريح وقال ابن زيد: نزلت يوم الفتح في ناس يؤمون البيت من المشركين، يهلون بعمرة، فقال المسلمون: يا رسول الله إن هؤلاء مشركون مثل هؤلاء دعنا نغير (1) عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2).


(1) اغار عليهم: هجم وأوقع بهم. (2) مجمع البيان 3 - 153 و 154.

[ 151 ]

بيان: يقال: دلفت الكتيبة في الحرب: تقدمت، يقال: دلفناهم، قوله: بسواق أي بحاد يحدوا بالابل يسوقهن بحدائه، والحطم بضم الحاء وفتح الطاء من صيغ المبالغة من الحطم بمعنى الكسر، والوضم (1): الخشبة، والبادية التي يوضع عليها اللحم، وقال الجوهري: الزلم بالتحريك: القدح، قال الشاعر: بات يقاسيها غلام كالزم * ليس براعي إبل ولا غنم قوله: خدلج الساقين بتشديد اللام: أي عظيمهما. قوله تعالى: " إذ هم قوم " قد مر سبب نزولها في باب معجزاته صلى الله عليه وآله في كفاية شر الاعداء. قوله: " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " قال الطبرسي رحمه الله: اختلف في سبب نزوله، وإن كان حكمه عاما لجميع المؤمنين، فقال عطية بن سعد العوفي والزهري: لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لاوليائهم من اليهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر فقال مالك بن ضيف: أعزكم (2) أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال ؟ أما لو أردنا أن نستجمع عليكم (3) لم يكن لكم يدان بقتالنا (4)، فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول الله صلى الله عليه وأله فقال: يا رسول - الله إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم، قوية أنفسهم، شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم، ولا مولى (5) إلا الله ورسوله، فقال عبد الله بن ابى لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لاني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الجناب (6) ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة ابن


(1) الوضم: خشبة الجزار التى يقطع عليها اللحم. (2) في المصدر: أغركم. (3) في المصدر: اما لو امرتنا العزيمة أن نستجمع عليكم. (4) في نسخة: لم يكن لكم يد أن يغتالنا. (5) في المصدر: ولا مولى لى. (6) في المصدر: يا ابا الحباب.

[ 152 ]

الصامت فهو لك دونه، فقال: إذا أقبل، فأنزل الله الآية، وقال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس، فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أمانا، وقال آخر: أنا ألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام وآخذ منه أمانا، فنزلت الآية، وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين قال لبني قريظة إذا رضوا بحكم سعد إنه الذبح، والمعنى لا تعتمدوا على الانتصار منهم بهم " بعضهم أولياء بعض " في العون والنصرة " ومن يتولهم منكم " أي استنصر بهم " فإنه منهم " أي هو كافر مثلهم " في قلوبهم مرض " أي شك ونفاق، يعني ابن أبي " يسارعون فيهم " أي في موالاة اليهود، وقيل: موالاة اليهود ونصارى نجران، لانهم كانوا يميرونهم (1) " دائرة " أي دوله تدور لاعداء المسلمين على المسلمين، فنحتاج إلى نصرتهم، وقيل: معناه نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه، يعنون الجدب فلا يميروننا " فعسى الله أن يأتي بالفتح " يعني فتح مكة، وقيل: يفتح بلاد المشركين " أو أمر من عنده " فيه إعزاز المسلمين وظهور الاسلام، وقيل: إظهار نفاق المنافقين مع الامر بقتالهم، أو موت هذا المنافق، أو القتل والسبي لبني قريضة والاجلاء لبني النضير " فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم " من نفاقهم وولايتهم اليهود ودس الاخبار إليهم " نادمين * ويقول الذين آمنوا " أي صدقوا الله ورسوله ظاهرا وباطنا تعجبا من نفاق المنافقين: " أهؤلاء الذين أقسموا بالله " حلفوا به " جهد أيمانهم " بأغلظ الايمان وأوكدها " إنهم لمعكم " أي إنهم مؤمنون ومعكم في معاونتكم (2) " حتى لا تكون فتنة " أي شرك (3). وقال رحمه الله في قوله: " ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا ": أي لا تحسبن يا محمد أعداءك الكافرين قد سبقوا أمر الله وأعجزوه، وأنهم قد فاتوك، فإن الله سبحانه يظفرك بهم كما وعدك " إنهم لا يعجزون " أي لا يعجزون الله ولا يفوتونه حتى لا


(1) أي يأتونهم بالطعام والمؤنة. (2) مجمع البيان 3: 206. (3) مجمع البيان: 4: 542.

[ 153 ]

يثقفنهم (1) يوم القيامة أو لا يعجزونك " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " هذا أمر منه سبحانه بأن يعدوا السلاح قبل لقاء العدو، روي أن القوة الرمي (2)، وقيل: إنها اتفاق الكلمة والثقة بالله تعالى والرغبة في ثوابه، وقيل: الحصون " ومن رباط الخيل " أي ربطها واقتنائها للغزو " ترهبون به " أي تخيفون بما تعدونه لهم " عدو الله وعدوكم " يعني مشركي مكة وكفار العرب " وآخرين من دونهم " أي وترهبون كفارا آخرين دون هؤلاء، واختلفوا في الآخرين فقيل: إنهم بنو قريظة وقيل: هم أهل فارس، وقيل: هم المنافقون لا يعلم المسلمون، أنهم أعداؤهم وهم أعداؤهم " لا تعلمونهم " أي لا تعرفونهم لانهم يصلون ويصومون، ويقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويختلطون بالمؤمنين " الله يعلمهم " أي يعرفهم لانه المطلع على الاسرار، وقيل: هم الجن " وما تنفقوا من شئ في سبيل الله " أي في الجهاد، وفي طاعة الله " يوف إليكم " أي يوفر عليكم ثوابه في الآخرة " وأنتم لا تظلمون " أي لا تنقصون شيئا منه " وإن جنحوا للسلم " أي مالوا إلى الصلح وترك الحرب " فاجنح لها " أي مل إليها، " وتوكل على الله " أي فوض أمرك إلى الله " إنه هو السميع العليم " لا تخفى عليه خافية، وقيل: إنها منسوخة بقوله: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " وقيل: إنها ليست بمنسوخة لانها في الموادعة لاهل الكتاب والاخرى لعباد الاوثان " وإن يريدوا " أي الذين يطلبون منك الصلح " أن يخدعوك " بأن تكفوا عن القتال حتى يقووا فيبدأوكم بالقتال من غير استعداد منكم " فإن حسبك الله " أي فإن الذي يتولى كفايتك الله " هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " أي قواك بالنصر من عنده وبالمؤمنين الذين ينصرونك " وألف بين قلوبهم " وأراد بالمؤمنين الانصار، وهم الاوس والخزرج عن أبي جعفر عليه السلام والسدي وأكثر المفسرين وأراد بتأليف القلوب ما كان بين الاوس والخزرج من المعاداة والقتال، فإنه لم يكن


(1) في المصدر: حتى لا يبعثهم الله أقول: لعل لفظة " لا " زائدة. (2) بل القوة ما يتقوى به على قتال الكفار من كل سلاح، وذلك يختلف بحسب الازمنة والامكنة.

[ 154 ]

حيان من العرب بينهما من العداوة مثل ما كان بين هذين الحيين فألف الله قلوبهم حتى صاروا متوادين متحابين ببركة نبينا صلى الله عليه وآله وقيل: أراد كل متحابين في الله " لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم " أي لم يمكنك جمع قلوبهم على الالفة " ولكن الله ألف بينهم " بأن لطف لهم بحسن تدبيره وبالاسلام الذي هداهم إليه " إنه عزيز حيكم " لا يمتنع عليه شئ يريد فعله، ولا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة قال الزجاج: وهذا من الآيات العظام، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله بعث إلى قوم أنفتهم شديدة، بحيث لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلة، فألف الايمان بين قلوبهم حتى قاتل الرجل أباه وأخاه وابنه، فأعلم الله سبحانه أن هذا ما تولاه منهم إلا هو " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " أي كافيك الله ويكفيك متبعوك من المؤمنين، وقال الحسن معناه الله حسبك وحسب من اتبعك، أي يكفيك و يكفيهم قال الكلبي نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال " أي رغبهم فيه " إن يكن منكم عشرون صابرون " على القتال " يغلبوا مائتين " من العدو " وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا " اللفظ خبر والمراد به الامر " بأنهم قوم لا يفقهون " أي ذلك النصر من الله تعالى لكم على الكفار والخذلان للكفار بأنكم تفقهون أمر الله، وتصدقونه فيما وعدكم من الثواب فيدعو كم ذلك إلى الصبر على القتال والجد فيه والكفار لا يفقهون أمر الله ولا يصدقونه، ولما علم الله تعالى أن ذلك يشق عليهم تغيرت المصلحة في ذلك فقال: " الآن خفف الله عنكم " الحكم في الجهاد " وعلم أن فيكم ضعفا " أراد به ضعف البصيرة والعزيمة، ولم يرد ضعف البدن " فإن يكن منكم مائة صابرة " على القتال " يغلبوا مائتين " من العدو " وإن يكن منكم ألف صابرة " يغلبوا ألفين باذن الله " أي بعلم الله أو بأمره " والله مع الصابرين " أي معونة الله معهم (1).


(1) مجمع البيان 4: 555 - 557.

[ 155 ]

وقال رحمه الله في قوله تعالى: " لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء " هذا في أمر الدين، فأما في أمر الدنيا فلا بأس بمجالستهم ومعاشرتهم لقوله سبحانه: " و صاحبهما في الدنيا معروفا (1) " وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حيث كتب إلى قريش يخبرهم بخبر النبي صلى الله عليه وآله لما أراد فتح مكة، وقال ابن عباس: لما أمر الله سبحانه المومنين بالهجرة وأرادوا الهجرة فمنهم من تعلقت به زوجته، ومنهم من تعلق به أبواه وأولاده، فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركون الهجرة لاجلهم، فبين سبحانه أن أمر الدين مقدم على النسب وإذا وجب قطع قرابة الابوين فالاجنبي أولى " إن استحبوا الكفر على الايمان " أي اختاروه عليه " ومن يتولهم منكم " فترك طاعة الله لاجلهم وأطلعهم على أسرار المسلمين " فاولئك هم الظالمون " لنفوسهم والباخسون حقها من الثواب " قل " يا محمد لهؤلاء المتخلفين عن الهجرة: " إن كان آباؤكم " إلى قوله: " وعشيرتكم " أي أقاربكم " وأموال اقترفتموها " أي اكتسبتموها " وتجارة تخشون كسادها " أي أن تكسد إذا شغلتم بطاعة الله والجهاد " ومساكن ترضونها " أي يعجبكم المقام فيها " أحب إليكم " أي آثر في نفوسكم " من الله ورسوله " أي من طاعتهما " وجهاد في سبيله فتربصوا " أي انتظروا " حتى يأتي الله بأمره " أي بحكمه فيكم. وقيل: بعقوبتكم إما عاجلا أو آجلا " في مواطن كثيرة " ورد عن الصادقين عليهم السلام أنهم قالوا: إنها كانت ثمانين موطنا (2). " وقاتلوا المشركين كافة " أي قاتلوهم جميعا مؤتلفين غير مختلفين، بأن يكون حالا عن المسلمين، ويجوز أن يكون حالا عن المشركين (3). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " جاهد الكفار " بالسيف والقتال " والمنافقين " باللسان والوعظ والتخويف، أو باقامة الحدود، وروي في قراءة أهل البيت عليهم السلام


(1) لقمان: 15. (2) معجمع البيان 5: 16 و 17. (3) مجمع البيان 5: 28.

[ 156 ]

" جاهد الكفار بالمنافقين " قالوا: لان النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يقاتل المنافقين، و إنما كان يتألفهم، ولان المنافقين لا يظهرون الكفر، وعلم الله تعالى بكفرهم لا يبيح قتلهم إذا كانوا يظهرون الايمان " واغلظ عليهم " وأسمعهم الكلام الغليظ الشديد. (1) وفي قوله تعالى: " وما كان المؤمنون " قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج غازيا لم يتخلف عنه إلا المنافقون والمعذرون، فلما أنزل الله عيوب المنافقين وبين نفاقهم في غزاة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزاة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وآله ولا سرية أبدا، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالسرايا إلى الغزو نفر المسلمون جميعا و تركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وحده فنزلت الآية عن ابن عباس في رواية الكلبي، وقيل إنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفا وخصبا، ودعوا من وجدوا من الناس على الهدى (2)، فقال الناس: ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجا، وأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله، فأنزل الله هذه الآية عن مجاهد " لينفروا كافة " هذا نفي معناه النهي، أي ليس للمؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد بأجمعهم، و يتركوا النبي صلى الله عليه وآله فريدا، وقيل: معناه ليس عليهم أن ينفروا كلهم من بلادهم إلى النبي صلى الله عليه وآله ليتعلموا الدين ويضيعوا من وراءهم ويخلوا دياهم " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين " فيه وجوه: أحدها فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة ويبقى مع النبي صلى الله عليه وآله جماعة ليتفقهوا في الدين، يعني الفرقة القاعدين يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والاحكام، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم القرآن وتعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا إليهم: إن الله قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنا، وقد تعلمناه فيتعلمه السرايا، (3) فذلك قوله:


(1) مجمع البيان 5: 50. (2) في المصدر: إلى الهدى. (3) في المصدر: فتتعلمه السرايا

[ 157 ]

" ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم " أي وليعلموهم القرآن ويخوفوهم به إذا رجعوا إليهم " لعلهم يحذرون " فلا يعملون بخلافه، وقال الباقر عليه السلام: كان هذا حين كثر الناس فأمرهم الله أن تنفر منهم طائفة، وتقيم طائفة للتفقه، وأن يكون الغزو نوبا. وثانيها: أن التفقه والانذار يرجعان إلى الفرقة النافرة، وحثها الله على التفقه لترجع إلى المتخلفة فتحذرها، معنى " ليتفقهوا في الدين ": ليتبصروا و يتيقنوا بما يريهم الله عز وجل من الظهور على المشركين ونصرة الدين " ولينذروا قومهم " من الكفار " إذا رجعوا إليهم " من الجهاد فيخبرونهم بنصر الله النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين " لعلهم يحذرون " أن يقاتلوا النبي صلى الله عليه وآله فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار. وثالثها: أن التفقه راجع إلى النافرة، والتقدير ما كان لجميع المؤمنين أن ينفروا إلى النبي صلى الله عليه وآله ويخلوا ديارهم، ولكن لينفر إليه من كل ناحية طائفة ليسمع كلامه، ويتعلم الدين منه، ثم ترجع إلى قومها فيبين لهم ذلك وينذرهم (1) عن الجبائي، قال: والمراد بالنفر هنا الخروج لطلب العلم " الذين يلونكم " أي من قرب منكم " من الكفار " الاقرب منهم فالاقرب في النسب والدار. قال الحسن: كان هذا قبل الامر بقتال المشركين كافة، وقال غيره: هذا الحكم قائم الآن، لانه لا ينبغي لاهل بلد أن يخرجوا إلى قتال الابعد، ويدعوا الاقرب والادنى، لان ذلك يؤدي إلى الضرر، وربما يمنعهم ذلك عن المضي في وجهتهم إلا أن تكون بينهم وين الاقرب موادعة فلا بأس حينئذ بمجاوزة الاقرب إلى الابعد " وليجدوا فيكم غلظة " أي شجاعة أو شدة أو صبرا على الجهاد. (2) قوله تعالى: " إن الله يدافع عن الذين آمنوا " قال البيضاوي: أي غائلة


(1) في المصدر: لتسمع كلامه وتتعلم الدين منه، ثم ترجع إلى قومها فتبين لهم ذلك وتنذرهم (2) مجمع البيان 5: 83 و 84.

[ 158 ]

المشركين " إن الله لا يحب كل خوان " في أمانة الله " كفور (1) " كمن يتقرب إلى الاصنام بذبيحته فلا يرضى فعلهم ولا ينصرهم " أذن " رخص " للذين يقاتلون " المشركين، والمأذون فيه محذوف (2) لدلالته عليه، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء أي للذين يقاتلونهم المشركون (3) " بأنهم ظلموا " بسبب أنهم ظلموا وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، كان المشركون يؤذونهم وكانوا يأتونه من بين مضروب ومشجوج (4) يتظلمون إليه، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال، حتى هاجر فأنزلت، وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية " وإن الله على نصرهم لقدير " وعد لهم بالنصر كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم " الذين أخرجوا من ديارهم " يعني مكة " بغير حق " بغير موجب استحقوا به " إلا أن يقولوا ربنا الله " على طريقة قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب وقيل: منقطع. " ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض " بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين " لهدمت " لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل " صوامع " صوامع الرهبانية " وبيع " وبيع النصارى " وصلوات " وكنائس اليهود، وسميت بها لانها يصلى فيها، وقيل: أصله (5) صلوتا بالعبرانية فعربت " ومساجد " ومساجد المسلمين


(1) في المصدر: " كفور " لنعمته كمن يتقرب. وفيه: فلا يرتضى. (2) في المصدر: والمأذون فيه وهو القتال محذوف. (3) في المصدر: للذين يقاتلهم المشركون. (4) المشجوج: المكسور. (5) وفى المصدر: وقيل: أصلها صلوات بالعبرانية فعربت. أقول: الظاهران صلوات تصحيف من الناسخ، ولعل الصحيح ما في المتن، وقال الطبرسي في مجمع البيان: الصلوات كنائس اليهود يسمونها صلوة فعربت. أقول: الظاهر أنها مأخودة من الصلاة، وهى العبادة المخصوصة، وهى كما قيل: كلمة مأخوذة من ارومة سريانية، وهى في السريانية بمعنى أمال و - - >

[ 159 ]

" يذكر فيها اسم الله كثيرا " صفة للاربع أو المساجد خصت بها تفضيلا " ولينصرن الله من ينصره " أي ينصر دينه (1)، وقد أنجز الله وعده بأن سلط المهاجرين والانصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم، وأورثهم أرضهم وديارهم " إن الله لقوي " على نصرهم " عزيز " لا يمانعه شئ (2). وقال في قوله تعالى: " لولا أنزلت سورة " أي هلا نزلت سورة في أمر الجهاد ؟ " فإذا أنزلت سورة محكمة " مبينة لا تشابه فيها " وذكر فيها القتال " أي الامر به " رأيت الذين في قلوبهم مرض " ضعف في الدين، وقيل: نفاق " ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت " جبنا ومخافة " فأولى لهم " فويل لهم أفعل من الولي وهو القرب أو فعلى من آل، ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، أو يؤول إليه أمرهم " طاعة و قول معروف " استيناف، أي أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لهم، أو حكاية قولهم لقراءة أبي: " يقولون طاعة " ؟ " فإذا عزم الامر " أي جد وهو لاصحاب الامر وإسناده إليه مجاز " فلو صدقوا الله " أي فيما زعموا من الحرص على الجهاد أو الايمان " لكان " الصدق " خيرا لهم * فهل عسيتم " فهل يتوقع منكم " إن توليتم " أمور الناس وتأمرتم عليهم، أو أعرضتم وتوليتم عن الاسلام " أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم " تناجزا على الولاية (3) وتجاذبا لها " فلا تهنوا " فلا تضعفوا " وتدعوا إلى السلم " ولا


< - - حتى وتضرع وصلى العبادة المعروفة، وكذلك في الاكدية " البابلية الاشورية " بمعنى صلى ودعا وتضرع، وأخذها العبريون عن السريا نيين فزادوا عليها ألف الاطلاق أي (صلوتا) فعليه فاطلق على المحل اسم عبادة تقع فيه. (1) في المصدر: من ينصر دينه. (2) انوار التنزيل 2: 104 و 105. (3) في نسخة: وتشاجرا على الولاية. وفى المصدر: وتفاخرا على الولاية. ولعله مصحف والصحيح ما في الصلب. والتناجز: التبارز والتقاتل. أقول: فتأمل في الاية وامعن النظر فيها، أليست فيها إشارة إلى ما وقع بعد النبي الاقدس صلى الله عليه وآله من التناجز في أمر الخلافة والقتال عليها ووقوع الفساد وقطع الارحام وابتزاز الامارة عن أهلها ؟

[ 160 ]

تدعوا إلى الصلح تذللا، ويجوز نصبه بإضمار أن " وأنتم الاعلون " الاغلبون " والله معكم " ناصركم " ولن يتركم أعمالكم " ولن يضيع أعمالكم، من وترت الرجل: إذا قتلت متعلقا له من قريب أو حميم، فأفردته عنه من الوتر، شبه به تعطيل ثواب العمل وإفراده منه (1). وفي قوله تعالى: " هو الذي أنزل السكينة " الثبات والطمأنينة " في قلوب المؤمنين " حتى يثبتوا حيث تقلق النفوس وتدحض الاقدام " ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " يقينا مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها، أو أنزل فيها السكون إلى ما جاء به الرسول ليزدادوا إيمانا بالشرائع مع إيمانهم بالله وباليوم الآخر " ولله جنود السماوات والارض " يدبر أمرها فيسلط بعضها على بعض تارة، ويوقع فيما بينهم السلم اخرى كما تقتضيه حكمته " الظانين بالله ظن السوء " الامر السوء وهو أن لا ينصر رسوله والمؤمنين " عليهم دائرة السوء " دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين لا يتخطاهم. (2) وقال الطبرسي: " ولله جنود السماوات والارض " يعني الملائكة والجن و الانس والشياطين، والمعنى لو شاء لاعانكم بهم. وفيه بيان أنه لو شاء لاهلك المشركين، لكنه عالم بهم وبما يخرج من أصلابهم، فأمهلهم لعلمه وحكمته، ولم يأمر بالقتال عن عجز واحتياج، لكن ليعرض المجاهدين لجزيل الثواب " قل للمخلفين " الذين تخلفوا عنك في الخروج إلى الحديبية " من الاعراب ستدعون " فيما بعد " إلى قوم أولي بأس شديد " وهم هوازن وحنين، وقيل: هوازن وثقيف، و قيل: بنو حنيفة مع مسيلمة، وقيل: أهل فارس، وقيل الروم، وقيل: هم أهل صفين أصحاب معاوية " تقاتلونهم أو يسلمون " معناه إن أحد الامرين لابد أن يقع لا محالة، و تقديره أو هم يسلمون، أي يقرون بالاسلام ويقبلونه، وقيل: ينقادون لكم " فإن


(1) انوار التنزيل 2: 437 - 440. (2) أنوار التنزيل 2: 441 و 442.

[ 161 ]

تطيعوا " أي في قتالهم " كما توليتم من قبل " أي عن الخروج إلى الحديبية " و أثابهم فتحا قريبا " يعني فتح خيبر، وقيل: فتح مكة " ومغانم كثيرة يأخذونها " يعني غنائم خيبر، وقيل: غنائم هوازن " وعدكم الله مغانم كثيرة " مع النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده إلى يوم القيامة " فعجل لكم هذه " يعني غنيمة خيبر " وكف أيدي الناس عنكم " وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من أسد وغطفان أن يغيروا على أموال المسلمين وعيالهم بالمدينة، فكف الله أيديهم عنهم بالقاء الرعب في قلوبهم، وقيل: إن مالك بن عوف وعيينة بن حصين مع بني أسد وغطفان جاؤا لنصرة اليهود من خيبر فقذف الله الرعب في قلوبهم وانصرفوا " ولتكون " الغنيمة التي عجلها لهم " آية للمؤمنين " على صدقك حيث وعدتهم أن يصيبوها، فوقع المخبر على وفق الخبر " ويهديكم صراطا مستقيما " أي ويزيدكم هدى بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وآله وما جاء به مما ترون من عدة الله في القرآن بالفتح و الغنيمة " واخرى لم تقدروا عليها " أي وعدكم الله مغانم اخرى لم تقدروا عليها بعد أو قرية اخرى وهي مكة، وقيل: ما هي ما فتح الله على المسلمين بعد ذلك إلى اليوم، وقيل: إن المراد بها فارس والروم " قد أحاط الله بها " أي قدرة أو علما " ولو قاتلكم الذين كفروا " من قريش يوم الحديبية " لولوا الادبار " منهزمين وقيل: الذين كفروا من أسد وغطفان اللذين أرادوا نهب ذراري المسلمين " سنة الله " أي هذه سنتي في أهل طاعتي وأهل معصيتي، أنصر أوليائي وأخذل أعدائي. (1) " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل " لان القتال قبل الفتح كان أشد، والحاجة إلى النفقة وإلى الجهاد كان أكثر وأمس (2). وفي قوله تعالى: " وما أفاء الله على رسوله " قال ابن عباس: نزل قوله: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " في أموال كفار أهل القرى وهم قريظة وبنو النضير وهما بالمدينة، وفدك وهي من المدينة على ثلاثة أميال، وخيبر، وقرى عرينة


(1) مجمع البيان 9: 111 و 115 و 116 و 123 و 124. (2) مجمع البيان 9: 232.

[ 162 ]

وينبع، جعلها الله لرسوله صلى الله عليه وآله يحكم فيها ما أراد، وأخبر أنها كلها له، فقال أناس: فهلا قسمها فنزلت الآية، وقيل: إن الآية الاولى بيان أموال بني النضير خاصة لقوله: " وما أفاء الله على رسوله منهم " والآية الثانية بيان الاموال التي أصيبت بغير قتال، وقيل: إنهما واحد، والآية الثانية بيان قسم المال الذي ذكره الله في الآية الاولى، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بني النضير: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولا يقسم لكم شئ من الغنيمة، فقال لهم الانصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها، فنزلت " و يؤثرون على أنفسهم " الآية " منهم " أي من اليهود الذين أجلاهم " فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب " من الوجيف: سرعة السير، أي لم تسيروا إليها على خيل ولا إبل، والركاب: الابل التي تحمل القوم " ولكن الله يسلط رسله على من يشاء " أي يمكنهم من عدوهم من غير قتال بأن يقذف الرعب في قلوبهم، جعل الله أموال بني النضير لرسوله صلى الله عليه وآله خاصة، يفعل بها ما يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين، ولم يعط الانصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف والحارث بن صمة " من أهل القرى " أي من أموال كفار أهل القرى " فلله " يأمر فيه بما أحب " وللرسول " بتمليك الله إياه " ولذي القربى " يعني أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقرابته وهم بنو هاشم " واليتامى والمساكين وابن السبيل " منهم " كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم " الدولة: الشئ الذي يتداوله القوم بينهم، أي لئلا يكون الفئ متداولا بين الرؤساء منكم، يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية " وما آتاكم الرسول فخذوه " أي ما أعطاكم من الفئ فارضوا به، وما أمركم به فافعلوه، قال الزجاج: ثم بين سبحانه من المساكين الذين لهم الحق ؟ فقال: " للفقراء المهاجرين " ثم ثنى سبحانه بوصف الانصار ومدحهم حتى طابت أنفسهم عن الفئ فقال: " والذين تبوؤا الدار والايمان " الآية. (1)


(1) مجمع البيان 9: 260 - 262.

[ 163 ]

" واخرى تحبونها " أي وتجارة اخرى، أو خصلة اخرى تحبونها عاجلا مع ثواب الآجل " نصر من الله " أي على قريش " وفتح قريب " أي فتح مكة، و قيل: فتح فارس والروم وسائر فتوح الاسلام على العموم. (1) وقال في قوله تعالى: " جاهد الكفار والمنافقين " روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قرأ " جاهد الكفار بالمنافقين " وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقاتل منافقا قط إنما كان يتألفهم. (2) 1 - كا: علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: شعارنا يا محمد يا محمد، (3) وشعارنا يوم بدر يا نصر الله اقترب اقترب وشعار المسلمين يوم أحد يا نصر الله اقترب، ويوم بني النضير يا روح القدس أرح، و يوم بني قينقاع يا ربنا لا يغلبنك، ويوم الطائف يا رضوان، وشعار يوم حنين يا بني عبد الله يا بني عبد الله، ويوم الاحزاب حم لا ينصرون ويوم بني قريظة يا سلام أسلمهم، ويوم المريسيع وهو يوم بنى المصطلق ألا إلى الله الامر، ويوم الحديبية ألا لعنة الله على الظالمين، ويوم خيبر يوم القموص يا علي ائتهم من عل، ويوم الفتح نحن عباد الله حقا حقا، ويوم تبوك يا أحد يا صمد، ويوم بني الملوح أمت أمت، ويوم صفين (4) يا نصرالله، وشعار الحسين عليه السلام يا محمد، وشعارنا يا محمد. (5) بيان: الشعار ككتاب: العلامة في الحرب، وقال الجزري: في حديث الجهاد " إذا ثبتم (6) فقولوا: " حم لا ينصرون " قيل: معناه اللهم لا ينصرون، ويريد به الخبر لا الدعاء لانه لو كان دعاء لقال: " لا ينصروا " مجزوما، فكأنه قال: والله


(1) مجمع البيان 9: 282. (2) مجمع البيان 10: 319. (3) في النسخة المخطوطة لفظة يا محمد غير متكررة. (4) سيأتي شرح تلك الايام فيما بعد. (5) فروع الكافي 1: 340. (6) في المصدر: إذا بليتم.

[ 164 ]

لا ينصرون، وقيل: إن السور التي أولها حم سور لها شأن، فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله، وقوله: لا ينصرون كلام مستأنف كأنه حين قال: قولوا: حم، قيل: ما ذا يكون إذا قلناها ؟ فقال: لا ينصرون، وقال: وفيه كان شعارنا يا منصور أمت، وهو أمر بالموت، والمراد به التفأل بالنصر بعد الامر بالاماتة مع حصول الغرض للشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لاجل ظلمة الليل انتهى. وقال الجوهري: يقال: أتيته من عل الدار بكسر اللام، أي من عال وأتيته من عل بضم اللام. أقول: وفي بعض روايات العامة: أمت أمت بدون يا منصور، فقالوا: المخاطب هو الله تعالى، والظاهر أن المخاطب كل واحد من المقاتلين لا سيما في هذه الرواية. 2 - كا: علي، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قدم اناس من مزينة على النبي صلى الله عليه فقال: ما شعاركم ؟ قالوا حرام، قال: بل شعاركم حلال (1). 3 - وروي أيضا أن شعار المسلمين يوم بدر يا منصور أمت، وشعار يوم أحد للمهاجرين يا بني عبد الله، يا بني عبد الرحمن، (2) وللاوس يا بني عبد الله (3). 4 - نوادر الراوندي بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام مثل الخبرين: وفي آخر الاخيرة يا بني عبيد الله. (4)


(1) فروع الكافي 1: 340. (2) في النوادر: وللخزرج يا بنى عبد الرحمن. وفى الامتاع للمقريزى: وجعل صلى الله عليه وسلم شعار المهاجرين يا بنى عبد الرحمن، وشعار الخزرج يا بنى عبد الله، وشعار الاوس يا بنى عبيد الله، ويقال: كان شعار رسول الله صلى الله عليه وسلم يا منصور أمت. وفى السيرة لابن هشام 2: 275 وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر أحد أحد. (3) فروع الكافي 1: 340. (4) نوادر الراوندي: 33.

[ 165 ]

5 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لسرية بعثها: ليكن شعاركم حم لا ينصرون، فإنه اسم من أسماء الله تعالى عظيم. (1) 6 - وبهذا الاسناد عن علي عليه السلام قال: كان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يوم مسيلمة يا أصحاب البقرة، وكان شعار المسلمين مع خالد بن الوليد أمت أمت. (2) (7) مع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في رجل نذر أن يتصدق بمال كثير، فقال: الكثير ثمانون فما زاد، لقول الله تبارك وتعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " وكانت ثمانين موطنا. (3) 8 - فس: محمد بن عمر قال: كان المتوكل قد اعتل علة شديدة، فنذر إن عافاه الله أن يتصدق بدنانير كثيرة، أو قال: دراهم كثيرة، فعوفي، فجعمع العلماء فسألهم عن ذلك فاختلفوا عليه، قال أحدهم: عشرة آلاف، وقال بعضهم: مائة ألف، فلما اختلفوا قال له عبادة: ابعث إلى ابن عمك علي بن محمد بن علي الرضا عليه السلام فاسأله فبعث إليه فسأله فقال: الكثير ثمانون، فقال له: رد إليه الرسول فقل: من أين قلت ذلك ؟ قال: من قول الله تبارك وتعالى لرسوله (4): " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة (5) " وكانت المواطن ثمانين موطنا. (6) كا: علي بن إبراهيم، عن بعض أصحابه مثله. (7)


(1 و 2) نوادر الراوندي: 33. (3) معاني الاخبار: 218. (3) المصدر خال من كلمة " لرسوله ". (5) التوبة: 25. (6) تفسير القمى: 260 و 261. (7) فروع الكافي 2: 375.

[ 166 ]

9 - ما: ابن مخلد، عن محمد بن عبد الواحد النحوي، (1) عن حنبل بن إسحاق عن عمرو بن عون، عن عبد الله بن حكيم، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حبة العرني، عن حقيبة (2) أن رسول الله صلى الله عليه وآله كتب إليه كتابا فرقع به دلوه فقالت له ابنته: عمدت إلى كتاب سيد العرب فرقعت به دلوك ؟ ليصيبنك بلاء، قال: فأغارت عليه خيل النبي صلى الله عليه وآله فهرب، وأخذ كل قليل وكثير هو له، ثم جاء بعد (2) مسلما فقال له النبي صلى الله عليه وآله: انظر ما وجدت من متاعك قبل قسمة السهام فخذه. (4) أقول: سيأتي ذكر بعض غزواته صلى الله عليه وآله النادرة في باب أحوال أصحابه صلى الله عليه وآله. 10 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشا إلى خثعم، فلما، غشيهم استعصموا بالسجود، فقتل بعضهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: أعطوا الورثة نصف العقل (5) بصلاتهم، وقال النبي صلى الله عليه وآله: ألا إني برئ من كل مسلم نزل مع مشرك في دار الحرب (6). بيان: قال في النهاية: إنما أمر بالنصف لانهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، (7) فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره فتسقط حصة


(1) هكذا في النسخ وفى المصدر: ابن مخلد قال: اخبرنا أبو عمرو. وأبو عمرو اسمه عثمان بن أحمد بن عبد الله بن يزيد الدقاق المعروف بابن السماك، ذكره الشيخ بنفسه في عدة احاديث قبل ذلك [ راجع ص 246 ] واما محمد بن عبد الله فكنية أبو عمرو على ما في الامالى ص 244 راجعه. (2) في المصدر: جفينة، وهو الصحيح على ما في اسد الغابة. (3) في المصدر: ثم جاء بعده مسلما. (4) أمالى ابن الشيخ: 247. (5) العقل: الدية. (6) فروع الكافي 1: 339. (7) أي بينهم وفى وسطهم.

[ 167 ]

جنايته من الدية. 11 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام مثله. (1) 12 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقتلوا في الحرب إلا من جرت عليه المواسي. (2) 13 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أمير القوم أقطفهم دابة. (3) 14 - وبهذا الاسناد قال: قال علي عليه السلام: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى اليمن قال: يا علي لا تقاتل أحدا حتى تدعوه إلى الاسلام، وأيم الله لئن يهد الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس ولك ولاؤه. (4) بيان: من جرت عليه المواسي، أي من نبتت عاننه، لان المواسي إنما تجري على من أنبت، أراد من بلغ الحلم من الكفار، ذكره الجزري، وقال: القطاف تقارب الخطو في سرعة، ومنه الحديث: أقطف القوم دابة أميرهم، أي إنهم يسيرون بسير دابته فيتبعونه كما يتبع الامير. 15 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: قرأت في كتاب لعلي عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله كتب كتابا بين المهاجرين والانصار ومن لحق بهم من أهل يثرب: إن كل غازية غزت بما (5) يعقب بعضها بعضا بالمعروف والقسط بين المسلمين فإنه لا يجار حرمة (6) إلا بإذن أهلها، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا إثم، وحرمة


(1 و 2 و 3) نوادر الراوندي: 23. (4) نوادر الراوندي: 20. (5) في سيرة ابن هشام: غزت معنا. (6) في نسخة من المصدر: فانه لا يجوز حرب. وفى السيرة: وانه لا تجار حرمة.

[ 168 ]

الجار على الجار كحرمة أمه وأبيه، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على عدل سواء. (1) بيان: أقول: في روايات العامة هكذا: " كل غازية غزت يعقب بعضها بعضا " قال الجزري: الغازية تأنيث الغازي وهي هنا صفة جماعة غازية والمراد بقوله يعقب بعضها بعضا أن يكون الغزو بينهم نوبا، فإذا خرجت طائفة ثم عادت لم تكلف أن تعود ثانية حتى تعقبها اخرى غيرها انتهى، وعلى رواية الكليني لعل قوله: " بما " زيد من


(1) فروع الكافي 1: 336. وفيه: وسواء، وفى السيرة: الا على سواء وعدل بينهم أقول: هذه جمل من كتابه صلى الله عليه وآله انتخبها منه، والكتاب طويل ذكره ابن هشام في سيرته: 119 - 123، وحيث انه يشتمل على فوائد جمة نذكره تتميما للفائدة، وهو هكذا: قال ابن اسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والانصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم واموالهم واشترط عليهم وشرط لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين و المسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، انهم امة واحدة من دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحرث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الاوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وان المؤمنين لا يتركون مفرحا [ المفرح، المثقل من الدين الكثير والعيال ] بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وان المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى - - >

[ 169 ]

النساخ، (1) وفي التهذيب: (2) " غزت معنا " فقوله: يعقب خبر، وعلى ما في نسخ الكافي لعل قوله: بالمعروف بدل أو بيان لقوله: بما يعقب، وقوله: فإنه لا يجار خبر، أي كل طائفة غازية بما يلزم أن يعقب ويتبع بعضها فيه، وهو المعروف والقسط بين المسلمين، فإنه لا يجار، أي فليعلم هذا الحكم، وفي بعض النسخ لا يجوز حرب، والاول هو الموافق لنسخ التهذيب، أي لا ينبغي أن يجار حرمة كافر إلا بإذن أهل غازية، أي سائر الجيش، وإن الجار كالنفس، أي من أمنته ينبغي محافظته ورعايته كما تحفظ نفسك، غير مضار إما حال عن المجير على صيغة الفاعل، أي يجب أن يكون المجير غير مضار ولا آثم في حق المجار، أو من المجار فيحتمل بناء المفعول أيضا، بل الاول يحتمل ذلك، قوله صلى الله عليه وآله: لا يسالم مؤمن دون مؤمن، أي لا يصالح واحد دون أصحابه، وإنما يقع الصلح بينهم وبين عدوهم باجتماع ملائهم على ذلك. أقول: قال الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان: قال المفسرون: جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه ست وعشرون غزاة، فأول غزاة غزاها الابواء، ثم غزاة بواط، ثم غزاة العشيرة، ثم غزاة البدر الاولى، ثم بدر الكبرى، ثم غزاة بني سليم ثم غزاة السويق، ثم غزاة ذي أمر، ثم غزاة أحد، ثم غزاة نجران، ثم غزاة الاسد ثم


(1) أو مصحف " عنا " كما في التهذيب والسيرة. (2) التهذيب 2: 47. < وسيعة ظلم أو اثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وان ايديهم عليه جميعا ولو كان ولد احدهم ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافرا على مؤمن، وان ذمة الله واحدة يجير عليهم ادناهم، وان المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس، وأنه من تبعنا من يهود فان له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وان سلم المؤمنين واحدة: لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله الا على سواء وعدل بينهم، وان كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا. وان المؤمنين يبئ بعضهم على بعض بما نال ومادهم في سبيل الله، وان المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وانه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه - - >

[ 170 ]

غزاة بني النضير، ثم غزاة ذات الرقاع، ثم غزاة بدر الاخيرة، ثم غزاة دومة الجندل ثم غزاة الخندق، ثم غزاة بني قريظة، ثم غزاة بني لحيان، ثم غزاة بنى قرد، ثم غزاة بني المصطلق، ثم غزاة الحديبية، ثم غزاة خيبر، ثم غزاة الفتح: فتح مكة ثم غزاة حنين، ثم غزاة الطائف، ثم غزاة تبوك. قاتل صلى الله عليه وآله منها في تسع غزوات: غزاة بدر الكبرى، وهو الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة واحد وهو في شوال سنة ثلاث والخندق وبنى قريظة في شوال سنة أربع، وبني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس، وخيبر سنة ست، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين والطائف في شوال سنة ثمان، فأول غزاة غزاها بنفسه وقاتل فيها بدر، وآخرها تبوك، وأما عدد سراياه فست وثلاثون سرية على ما عد في مواضعه (1). 16 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أغار المشركون على سرح المدينة فنادى فيها مناد: يا سوء صاحباه،


(1) مجمع البيان 2: 499 و 500. < - على مؤمن، وانه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به الا ان يرضى ولى المقتول، وان المؤمنين عليه كافة. ولا يحل لهم الاقيام عليه، وانه لا يحل لمؤمن اقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الاخر ان ينصر محدثا ولا يؤويه، وانه من نصره أو آواه فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل وانكم مهما اختلفتم فيه من شئ فان مرده إلى الله عزوجل والى محمد صلى الله عليه وسلم، وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وان يهود بنى عوف امة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وانفسهم، الا من ظلم واثم فانه لا يوتغ الا نفسه واهل بيته، وان ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف، وان ليهود بنى الحرث مثل ما ليهود بنى عوف، وان ليهود بنى ساعدة مثل ما ليهود بنى عوف، وان ليهود بنى جشم مثل ما ليهود بنى عوف، وان ليهود بنى الاوس مثل ما ليهود بنى عوف، وان ليهود بنى ثعلبة مثل ما ليهود بنى عوف، الا من ظلم واثم فانه لا يوتغ الا نفسه واهل بيته، وان جفنة بطن من ثعلبة كانفسهم، وان لبنى الشطيبة مثل ما - - >

[ 171 ]

فسمعها رسول الله صلى الله عليه وآله في الجبل (1)، فركب فرسه في طلب العدو وكان أول أصحابه لحقه أبو قتادة على فرس له، وكان تحت رسول الله سرج دفتاه ليف ليس فيه اشر ولا بطر فطلب العدو فلم يلقوا أحدا، وتتابعت الخيل، فقال أبو قتادة: يا رسول الله إن العدو قد انصرف، فإن رأيت أن نستبق، فقال نعم، فساتبقوا فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله سابقا عليهم، ثم أقبل عليهم فقال: أنا ابن العواتك من قريش، إنه لهو الجواد البحر، يعني فرسه (2). بيان: السرح: المال الماشية، والدف بالفتح: الجنب من كل شئ، أو صفحته كالدفة، وقال الجزري: فيه أنه صلى الله عليه وآله قال: أنا ابن العواتك من سليم، العواتك جمع عاتكة وأصل عاتكة المتضمخة بالطيب، والعواتك ثلاث نسوة كن من أمهات النبي صلى الله عليه وآله، إحداهن عاتكة بنت هلال بن فالج بن ذكوان، وهي أم عبد مناف بن قصي، والثانية عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج، وهي ام هاشم بن عبد مناف، والثالثة عاتكة بنت الاوقص بن مرة بن هلال، وهي ام وهب أبي آمنة


(1) في نسخة: في الجيل وفى المصدر: في الخيل. (2) فروع الكافي 1: 341. < - ليهود بنى عوف، وان البر دون الاثم، وان موالى ثعلبة كانفسهم، وان بطانة يهود كانفسهم وانه لا يخرج منهم احد الا باذن محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لا ينحجز على ثار جرح وانه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته الا من ظلم، وان الله على ابر هذا، وان على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وان بينهم النصر على من حارب اهل هذه الصحيفة، وان بينهم النصح والنصيحة والمر دون الاثم، وانه لم ياثم امرؤ بحليفة، وان النصر للمظلوم، وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وان يثرب حرام جوفها لاهل هذه الصحيفة وان الجار كالنفس غير مضار ولا اثم، وانه لا تجار حرمة إلا باذن اهلها، وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فان مرده إلى الله عزوجل، والى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وان الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وانه لا تجار قريش ولا من نصرها، وان بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه [ ويلبسونه ] فانهم يصالحونه ويلبسونهم وانهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فانه لهم على المؤمنين - >

[ 172 ]

أم النبي صلى الله عليه وآله، فالاولى من العواتك عمة الثانية، والثانية عمة الثالثة، وبنو سليم تفخر بهذه الولادة، وقال الجوهري: قال النبي صلى الله عليه وآله يوم حنين: أنا ابن العواتك من سليم، يعني جداته، وهن تسع عواتك ثلاث منهن من بني سليم، وقال: ويسمى الفرس الواسع الجري بحرا. 17 - كا: علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن أبان، عن الفضل أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم " قال: نزلت في بني مدلج، لانهم جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا إنا حصرت صدورنا أن نشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله، فلسنا معك ولا مع قومنا عليك قال: قلت: كيف صنع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: وادعهم إلى أن يفرغ من العرب ثم يدعوهم فإن أجابوا وإلا قاتلهم (1). 18 - قب: لما كان بعد سبعة أشهر من الهجرة نزل جبرئيل بقوله: " أذن للذين يقاتلون " الآية وقلد في عنقه سيفا - وفي رواية: لم يكن له غمد - فقال له: حارب بهذا قومك حتى يقولوا: لا إله إلا الله. أهل السير: (2) إن جميع ما غزى النبي صلى الله عليه وآله بنفسه ست وعشرون غزوة


(1) روضة الكافي: 327. (2) قد اشرنا كرارا معمول لفعل محذوف أي قال أو روى. < - الا من حارب في الدين. على كل اناس حصتهم من جانبهم الذى قبلهم، وان يهود الاوس مواليهم وانفسهم على مثل ما لاهل هذه الصحيفة مع البر الحسن [ المحسن ] من أهل هذه الصحيفة، وان البر دون الاثم، لا يكسب كاسب الا على نفسه، وان الله على اصدق ما في هذه الصحيفة وابره، وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وانه من خرج آمن. ومن قعد آمن بالمدينة، الا من ظلم وأثم، وان الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 173 ]

على هذا النسق: الابواء، بواط (1) العشيرة، بدر الاولى (2) بدر الكبرى، السويق (3) ذي أمر، (4) أحد، نجران بنو سليم، الاسد، بنو النضير، ذات الرقاع، بدر الآخرة دومة الجندل. الخندق، بنو قريظة، بنو لحيان، بنو قرد، بنو المصطلق، الحديبية خيبر، الفتح، حنين، الطائف، تبوك، ويلحق بها بنو قينقاع، قاتل في تسع وهي بدر الكبرى، وأحد، والخندق، وبني قريظة، وبنى المصطلق، وبني لحيان، و خيبر، والفتح، وحنين، والطائف.


(1) لم يذكر الابواء في المصدر، ولعله سقط عن المطبوع، وغزوة الابواء اول غزوة وقعت في الاسلام، ويقال لها غزوة ودان أيضا، قال المقريزى في امتاع الاسماع: 53: غزا رسول الله ودان وهو جبل بين مكة والمدينة، وبينه وبين الابواء ستة أميال فخرج في صفر على رأس أحد عشر شهرا يعترض عيرا لقريش واستخلف على المدينة سعد بن عبادة رضى الله عنه فبلغ الابواء فلم يلق كيدا، فوادع بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة مع سيدهم مخشى بن عمرو على ان لا يكثروا عليه ولا يعينوا عليه احدا، وكتب بينه وبينهم كتابا ورجع، فكانت غيبته خمس عشر ليلة، ويقال لهذه أيضا: غزاة الابواء، وهى اول غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الغزاة ابيض يحمله حمزة رضى الله عنه انتهى. أقول: وذكر ابن هشام في السيرة 2: 224 انه صلى الله عليه وآله أقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الاول، وسيأتى مثل ذلك عن الطبرسي قريبا. (2) ذكرها المقريزى في الامتاع: 54 بعد غزوة بواط ويقال لها: غزوة سفوان أيضا، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في ربيع الاول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره في طلب كرز بن جابر الفهدى وقد أغار على سرح المدينة، حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية بدر ولم يدركه وهى بدر الاولى، وكان يحمل اللواء على عليه السلام. واما ابن هشام ذكرها بعد غزوة العشيرة وقال: لم يقم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة الا ليالى قلائل لا تبلغ العشر حتى اغار كرز بن جابر على سرح المدينة فخرج صلى الله عليه وآله في طلبه. (3) قال ابن هشام: سميت غزوة السويق فيما حدثني أبو عبيدة ان اكثر ما طرح القوم من ازوادهم السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير فسميت غزوة السويق أقول: ذكر ابن هشام بعد غزوة بدر الكبرى غزوة بني سليم وبعدها غزوة السويق، والمقريزي ذكر بعد بدر الكبرى غزوة بنى قينقاع ثم غزوة السويق. (4) قال ياقوت في معجم البلدان 1: 252: أمر بلفظ الفعل من أمر يأمر: موضع غزاة - >

[ 174 ]

وأما سراياه فست وثلاثون: أولها سرية حمزة، لقي أبا جهل بسيف البحر في ثلاثين من المهاجرين، وفي ذي القعدة بعث سعد بن أبي وقاص في طلب عير (1) ثم عبيدة بن الحارث بعد سبعة أشهر في ستين من المهاجرين نحو الجحفة إلى أبي سفيان فتراموا بالاحياء. (2) ابن إسحاق: وغزى في ربيع الآخر إلى قريش وبني ضمرة وكرز بن جابر الفهري حتى بلغ بواط. السنة الثانية في صفر غزا ودان حتى بلغ الابواء، وفي ربيع الآخر غزوة العشيرة من بطن ينبع ووادع فيها بني مدلج وضمرة، وأغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فاستخلف على المدينة زيد بن حارثة وخرج حتى بلغ وادي سفوان (3) بدر الاولى وحامل لوائه علي، ثم بعث في آخر رجب عبد الله بن جحش في أصحابه ليرصد قريشا فقتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الجموح الحضرمي


رسول الله صلى الله عليه وآله، قال الواقدي: هو من ناحية النخيل وهو بنجد من ديار غطفان، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج في ربيع الاول في سنة ثلاث للهجرة لجمع بلغه انه اجتمع من محارب وغيرهم، فهرب القوم منهم إلى رؤوس الجبال، وزعيمها دعثور بن الحارث المحاربي انتهى. وفى الامتاع 110 كانت غزوة ذى أمر بنجد، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الاول على رأس خمسة وعشرين شهرا في قول الواقدي، وذكر ابن اسحاق انها كانت في المحرم سنة ثلاث، ومعه اربعمائة و خمسون، فيهم عدة افراس، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، وذلك انه بلغه أن جمعا من بنى ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وبنى محارب بن خصفة ابن قيس بذى امر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من اطرافه صلى الله عليه وسلم، جمعهم دعثور ابن الحارث من بنى محارب اه‍. وستأتى قصتها قريبا، ثم ذكر المقريزى وابن هشام بعد ذلك غزوة بنى سليم، وذكر بعد غزوة بنى سليم غزوة احد في كلام المقريزى، وغزوة بنى قينقاع ثم احد في كلام ابن هشام. وفى غيرها من الغزوات أيضا خلاف ستأتي الاشارة إليه في موضعها. (1) في نسخة: في طلب عبد. (2) الاحياء: ماء من بطن رابغ. ذكره المقريزى غير معرف. (3) سفوان بالفتحات.

[ 175 ]

وهرب الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الدار وأخوه (1) واستأمن الباقون، و استاقوا العير إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: والله ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، و ذلك تحت النخلة فسمي غزوة النخلة، فنزل: " يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه " الآية، فأخذ العير وفدى الاسيرين ثم غزى بدر الكبرى. (2) 19 - أقول: في تفسير النعماني بسنده المذكور في كتاب القرآن عن الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في ذكر الناسخ والمنسوخ: ومنه أن الله تبارك وتعالى لما بعث محمدا صلى الله عليه وآله أمره في بدء أمره أن يدعو بالدعوة فقط، وأنزل عليه: " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا * ولا تطع الكافرين و المنافقين ودع أداهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " فبعثه الله بالدعوة فقط، و أمره أن لا يؤذيهم، فلما أرادوه بما هموا به من تبييت (3) أمره الله تعالى بالهجرة وفرض عليه القتال فقال سبحانه: " اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير " فلما أمر الناس بالحرب جزعوا وخافوا فأنزل الله تعالى: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب " إلى قوله سبحانه: " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " فنسخت آية القتال آية الكف، فلما كان يوم بدر وعرف الله تعالى حرج المسلمين أنزل على نبيه: " فإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " فلما قوي الاسلام وكثر المسلمون أنزل الله تعالى: " ولا تهنوا وتدعو إلى السلم وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " فنسخت


(1) في الامتاع وسيرة ابن هشام: عثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومى ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومى. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 161 و 162. (3) في المصدر: بما هموا به من بيته.

[ 176 ]

هذه الآية الآية التي أذن لهم فيها أن يجنحوا، ثم أنزل الله سبحانه في آخر السورة " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم " إلى آخر الآية، ومن ذلك أن الله تعالى فرض القتال على الامة فجعل على الرجل الواحد أن يقاتل عشرة من المشركين فقال: " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين " إلى آخر الآية، ثم نسخها سبحانه فقال: " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين إلى آخر الآية فنسخ بهذه الآية ما قبلها، فصار من فر من المؤمنين في الحرب إن كانت عدة المشركين أكثر من رجلين لرجل لم يكن فارا من الزحف، وإن كانت العدة رجلين لرجل كان فارا من الزحف وساق الحديث إلى قوله عليه السلام: ونسخ قوله سبحانه: " وقولوا للناس حسنا " يعني اليهود حين هادنهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رجع من غزاة تبوك أنزل الله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " إلى قوله تعالى: " وهم صاغرون " فنسخت هذه الآية تلك الهدنة. (1) 20 - كا: علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أن ثمامة بن اثال (2) أسرته خيل النبي صلى الله عليه وآله وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " اللهم أمكني من ثمامة " فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إني مخيرك واحدة من ثلاث: أقتبلك، قال: إذا تقتل عظيما، أو أفاديك، قال: إذا تجدني غاليا، أو أمن عليك، قال: إذا تجدني شاكرا، قال: فإني قد مننت عليك، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وقد والله علمت أنك رسول الله حيث رأيتك، وما كنت لاشهد بها وأنا في الوثاق. (3)


(1) المحكم والمتشابه: 9 و 11 و 15، وتقدم ذكر مواضع الايات في صدر الباب. (2) هو ثمامة بن اثال بن النعمان بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل ابن حنيفه، سيد أهل اليمامة، خرج معتمرا فظفر به خيل لرسول الله صلى الله عليه وآله بنجد فجاؤا به. توجد ترجمته في كتب التراجم. (3) روضة الكافي: 299 و 300 وفيه: وانك محمد رسول الله.

[ 177 ]

21 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: أظنه عن أبي حمزة الثمالي، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه، ثم يقول: " سيروا بسم الله وبالله، وفي سبيل الله، و على ملة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا صبيا ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرا إلا أن تضطروا إليها، وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله، فان تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله عليه. (1) بيان: الغلول: الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، والغل بالكسر: الغش والحقد، ويقال: مثل: بالقتيل: إذا جدع أنفه وأذنه ومذاكيره أو شيئا من أطرافه، وأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة. إلا أن تضطروا وإليها، يمكن أن يكون استثناء من الجميع، أو من الاخير فقط بإرجاع الضمير إلى الشجرة والنظر هنا كناية عن الامان، وستأتي الاحكام مفصلة في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى. 22 - كا: العدة، عن أحمد، عن الوشاء، عن محمد بن حمران وجميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا بعث سريه دعا بأميرها فأجلسه إلى جنبه وأجلس أصحابه بين يديه، ثم قال: " سيروا بسم الله " وذكر مثل الحديث الاول، ثم قال: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله إلا أنه قال: وأيما رجل من المسلمين نظر إلى رجل من المشركين في أقصى العسكر فأدناه فهو جار. (2) 23 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يلقى السم في


(1) فروع الكافي 1: 334. (2) فروع الكافي 1: 335.

[ 178 ]

بلاد المشركين. (1) 24 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عباد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما بيت (2) رسول الله صلى الله عليه وآله عدوا قط. (3) 25 - كا: علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مدينة من مدائن أهل الحرب هل يجوز أن يرسل عليهم الماء، أو تحرق بالنار، أو ترمى بالمناجيق (4) حتى يقتلوا وفيهم النساء والصبيان والشيخ الكبير والاسارى من المسلمين والتجار ؟ فقال: يفعل ذلك بهم ولا يمسك عنهم لهؤلاء، ولا دية عليهم للمسلمين ولا كفارة، وسألته عن النساء كيف سقطت الجزية عنهن ورفعت عنهن ؟ فقال: لان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن قتال النساء والولدان في دار الحرب إلا أن يقاتلوا، فإن قاتلت أيضا فأمسك عنها ما أمكنك ولم تخف (5) حالا. (6) 26 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا بعث بسرية دعا لها. (7)


(1) فروع الكافي 1: 334. (2) أي لم يهجمه ليلا. (3) فروع الكافي 1: 334 و 335. (4) هكذا في النسخ وفى المصدر: بالمجانيق. (5) في نسخة من الكتاب ومصدره: ولم تخف خللا. (6) الفروع: 1: 335 وفى الحديث ذيل: فلما نهى عن قتلهن في دار الحرب كان في دار الاسلام اولى، ولو امتنعت ان تؤدى الجزية لم يمكن قتلها، فلما لم يمكن قتلها رفعت الجزية عنها، ولو امتنع الرجال ان يؤدوا الجزية كانوا ناقضين للعهد وحلت دماؤهم وقتلهم لان قتل الرجال مباح في دار الشرك، وكذا المقعد من أهل الذمة والاعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في ارض الحرب فمن اجل ذلك رفعت عنهم الجزية. (7) الفروع 1: 335.

[ 179 ]

27 - كا: علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا بعث أميرا له على سرية أمره بتقوى الله عزوجل في خاصة نفسه، ثم في أصحابه عامة، ثم يقول: اغزوا بسم الله، وفي سبيل الله تعالى، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، ولا متبتلا في شاهق، ولا تحرقوا النخل، ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعا، لانكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه، ولا تعقروا من البهائم مما يؤكل لحمه إلا ما لابد لكم من أكله، وإذا لقيتم عدوا للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث، فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، وادعوهم إلى الاسلام، فإن دخلوا فيه فاقبلوه منهم وكفوا عنهم، وادعوهم إلى الهجرة بعد الاسلام فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، وإن أبوا أن يهاجروا واختاروا ديارهم وأبوا أن يدخلوا في دار الهجرة كانوا يمنزلة أعراب المؤمنين يجري عليهم ما يجري على أعراب المؤمنين، ولا يجري لهم في الفئ ولا في القسمة شئ (1) إلا أن يهاجروا في سبيل الله، فإن أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أعطوا الجزية فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن الله عزو جل عليهم وجاهدهم في الله حق جهاده، وإذا حاصرت أهل الحصن فأرادوك على أن ينزلوا على حكم الله عزوجل فلا تنزل بهم، ولكن أنزلهم على حكمكم، ثم اقض فيهم بعد ما شئتم، فإنكم إن تركتموهم على حكم الله لم تدروا تصيبوا حكم الله فيهم أم لا، وإذا حاصرت (2) أهل حصن فإن آذنوك على أن تنزلهم على ذمة الله وذمة رسول الله فلا تنزلهم، ولكن أنزلهم على ذممكم وذمم آبائكم وإخوانكم فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم وإخوانكم كان أيسر عليكم يوم القيامة من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسول الله. (3)


(1) في نسخة: ولا في الغنيمة شئ. (2) في المصدر: وإذا حاصرتم (3) فروع الكافي 1: 335.

[ 180 ]

بيان: الوليد الصبي والعبد، والتبتل: الانقطاع عن الدنيا إلى الله، والشاهق الجبل المرتفع، والعقر: ضرب قوائم الدابة بالسيف وهي قائمة، ويستعمل في القتل والاهلاك مطلقا. قوله صلى الله عليه وآله: إلى إعطاء الجزية، أي إن كانوا أهل الكتاب. (1) 28 - كا: علي، عن أبيه، وعلي بن محمد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري قال: أخبرني النضر بن إسماعيل البجلي، (2) عن أبي حمزة الثمالي عن شهر بن حوشب (3) قال: قال لي الحجاج (4) وسألني عن خروج النبي صلى الله عليه وآله إلى مشاهده، فقلت: شهد رسول الله صلى الله عليه وآله بدرا في ثلاثمائة وثلاثة عشر، وشهدا حدا في ستمائة، وشهد الخندق في تسعمائة، فقال: عمن ؟ قلت: عن جعفر بن محمد عليهما السلام فقال: ضل والله من سلك غير سبيله. (5) 29 - كا: العدة، عن ابن عيسى، عن ابن أشيم، عن صفوان والبزنطي قالا قال: (6) ما أخذ بالسيف فذلك إلى الامام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول الله


(1) أو من كان بمنزلتهم كالمجوس. (2) في المصدر وفى جامع الروات في ترجمة الثمالي: البلخي، والظاهر أنه وهم والصحيح البجلى، ترجمه ابن حجر في تقريب التهذيب: 522 وفى تهذيب التهذيب 10: 434 قال: النضر بن اسماعيل بن حازم البجلى ابو المغيرة الكوفى القاص، وقال: مات في سنة 182. (3) لعله شهر بن حوشب الاشعري الشامي مولى اسماء بنت يزيد بن السكن المتوفى سنة 112: وروايته عن الامام الصادق عليه السلام في حياة الحجاج غير مستبعد، لانه عليه السلام كان عند وفاة الحجاج ابن 12 سنة فتأمل. (4) لعله حجاج بن يوسف الثقفى الامير الظالم المبير المتوفى سنة 95. (5) فروع الكافي 1: 340. (6) للحديث صدر تركه المصنف هنا، وهو: قالا: ذكرنا له الكوفه وما وضع عليها من الخراج وما سار فيها أهل بيته، فقال: من أسلم طوعا تركت ارضه في يده واخذ منه العشر مما سقت السماء والانهار، ونصف العشر مما كان بالرشا فيما عمروه منها، وما لم يعمروه منها اخذه الامام فقبله ممن يعمره، وكان للمسلمين وعلى المتقبلين في حصصهم العشر ونصف العشر، وليس في أقل من خمسة اوساق شئ من الزكاة، وما اخذ اه‍. ولعل الضمير في قوله: له، يرجع إلى الامام أبى الحسن الرضا عليه السلام وابن اشيم هو على بن أحمد بن أشيم.

[ 181 ]

صلى الله عليه وآله بخيبر، قبل سوادها وبياضها، يعني أرضها ونخلها، والناس يقولون: لا يصلح قبالة الارض والنخل، وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر، وعلى المتقبلين سوى قبالة الارض العشر ونصف العشر في حصصهم، وقال: إن أهل الطائف أسلموا و جعلوا عليهم العشر ونصف العشر، وإن مكة دخلها رسول الله صلى الله عليه وآله عنوة، (1) فكانوا أسراء في يده فأعتقهم، وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. (2) 30 - كا: علي، عن أبيه والقاساني، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة فلا تغمد حتى تضع الحرب أوزارها - وساق الحديث إلى أن قال: - فسيف على مشركي العرب، قال الله عزوجل: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا " يعني آمنوا " وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين (3) " فهؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام: وأموالهم وذراريهم سبي على ما سن رسول الله صلى الله عليه وآله، فإنه سبى وعفا وقبل الفداء، والسيف الثاني على أهل الذمة قال الله تعالى: " وقولوا للناس حسنا (4) " نزلت هذه الآية في أهل الذمة ثم نسخها قوله عزوجل: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون (5) " فمن كان منهم في دار الاسلام فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل، وما لهم فئ، و


(1) في نسخة: وان مكة فتحت عنوة. (2) فروع الكافي 1: 144. (3) هكذا الكتاب ومصدره، والاية هكذا: " فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم " راجع التوبة: 5، وأما قوله: " فإن تابوا وأقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فاخوانكم في الدين " هو الاية 11، والظاهر ان الوهم من الروات. (4) البقرة: 83. (5) التوبة: 30.

[ 182 ]

ذراريهم سبي، وإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم، وحرمت أموالهم وحلت لنا مناكحهم، (1) ومن كان منهم في دار الحرب حل لنا سبيهم وأموالهم، و لم تحل لنا مناكحتهم، ولم يقبل منهم إلا الدخول في دار الاسلام أو الجزية أو القتل، والسيف الثالث: سيف على مشركي العجم - يعني الترك والديلم والخزر (2) قال الله تعالى: " فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أو زارها (3) " فأما قوله: " فإما منا بعد " يعني بعد السبي منهم " وإما فداء (4) " يعني المفاداة بينهم وبين أهل الاسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام، ولا يحل لنا مناكحتهم ما داموا في دار الحرب. (5) والخبر طويل أخذنا منه موضع الحاجة. 31 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله بعث بسرية فلما رجعوا قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الاصغر وبقي الجهاد الاكبر، قيل: يا رسول الله وما الجهاد الاكبر ؟ قال: جهاد النفس. (6) 32 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام مثله. (7)


(1) في جواز نكاح أهل الذمة خلاف بين أصحابنا وأكثرهم على المنع في الدائم والجوار في الانقطاع. (2) في نسخة: الخوز. (3) زاد في النسختين المطبوعتين هنا: فاما قوله: " فاما منا بعد واما فداء حتى تضع الحرب اوزارها " فاما قوله اه‍. والنسخة المخطوطة والمصدر خاليان عنه، وهو زيادة كما ترى. (4) والاية في سورة محمد: 4 وصدرها: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب. (5) فروع الكافي 1: 329. (6) فروع الكافي 1: 330. (7) نوادر الراوندي: 21.

[ 183 ]

33 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور. (1) 34 - وبهذا الاسناد قال: قال علي عليه السلام: اعتم أبو دجانة الانصاري (2) وأرخى عذبة العمامة من خلفه بين كتفيه، ثم جعل يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن هذه لمشية يبغضها الله تعالى إلا عند القتال. (3) بيان: عذبة كل شئ: طرفه، والاعتذاب أن يسبل للعمامة عذبتين من خلفها. 35 - كا: علي، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزلت هذه الآية: " اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا (4) " في المهاجرين الذين أخرجهم أهل مكة من ديارهم و أموالهم، أحل لهم جهادهم بظلهم إياهم، واذن لهم في القتال الخبر. (5) 36 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن عبد الكريم بن عتبه الهاشمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما صالح الاعراب على أن يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا على إن دهمه من عدوه دهم أن يستنفرهم فيقاتل بهم، وليس لهم في الغنيمة نصيب. (6)


(1) نوادر الرواندى: 9. (2) قال المقريزى في الامتاع: 86: وقال صلى الله عليه وآله: " ان الملائكة قد سومت فسوموا " فاعلموا بالصوف في مغافرهم وقلانسهم، وكان اربعة يعلمون في الزحوف، فكان حمزة معلما بريشة نعامة، وعلى معلما بصوفة بيضاء، والزبير معلما بعصابة صفراء، وابو دجانة معلما بعصابة حمراء. (3) نوادر الراوندي: 20. (4) الحج: 39. (5) فروع الكافي 1: 331. والحديث طويل راجعه. (6) فروع الكافي 1: 333 و 334 والحديث طويل راجعه.

[ 184 ]

بيان: في القاموس: الدهماء: العدد الكثير، ودهمك كسمع ومنع: غشيك وأي الدهم هو، أي أي الخلق هو ؟. 37 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين جميعا، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أحدهما عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج بالنساء في الحرب حتى يداوين الجرحى، ولم يقسم لهن من الفي، ولكنه نفلهن. (1) 38 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أجرى الخيل التي أضمرت من الحصباء (2) إلى مسجد بني زريق، وسبقها من ثلاث نخلات، فأعطى السابق عذقا، وأعطى المصلي عذقا وأعطى الثالث عذقا. (3) 39 - وبهذا الاسناد عن محمد بن يحيى، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عن أبيه، عن علي بن الحسين عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أجرى الخيل وجعل سبقها (4) أواقي من فضة. (5) بيان: تضمير الفرس وإضماره: أن تعلفه حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت من الحصباء، الظاهر أنه تصحيف الحفيا بالفاء، قال في النهاية: في حديث السباق ذكر الحفيا بالمد والقصر: موضع بالمدينة على أميال، وبعضهم يقدم الياء على الفاء انتهى. (6)


(1) فروع الكافي 1: 340. (2) في المصدر: الحصى. والظاهر ان كلاهما مصحفان. (3) فروع الكافي 1: 341. (4) السبق: ما يتراهن عليه المتسابقون. (5) فروع الكافي 1: 341. (6) وقال ياقوت في معجم البلدان 2: 276: حفياء بالفح ثم السكون، وياء والف ممدود موضع قرب المدينة، اجرى منه رسول الله صلى الله عليه وآله الخيل في السباق، قال الحازمى: - >

[ 185 ]

وبنو زريق: خلق من الانصار. من ثلاث نخلات، لعل كلمة " من " بمعنى " على " كما في قوله: " ونصرناه من القوم " (1) أو للسبية، والمصلي: الذي يلي السابق، والعذق بالفتح: النخلة بحملها. 40 - كا: محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن الحسن بن ظريف، (2) عن عبداله بن المغيرة رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قول الله عزوجل: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل (3) " قال: الرمي. (4) 41 - نوادر الراوندي بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وآله غزاة فعطش الناس عطشا شديدا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هل من ينبعث (5) بالماء ؟ فضرب الناس يمينا وشمالا، فجاء رجل على فرس أشقر بين يديه قربة من ماء، فقال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم وبارك في الاشقر. (6)


< - - ورواه غيره بالفتح والقصر، وقال البخاري: قال سفيان: بين الحفيا إلى الثنيه خمسة أميال أو ستة، وقال ابن عقبة: ستة أو سبعة، وقد ضبطه بعضهم بالضم والقصر وهو خطأ، كذا قال عياض وقال في 332: حيفاء كأنه تأنيث، وهو موضع بالمدينة. منه اجرى النبي صلى الله عليه وآله الخيل في المسابقة. (1) الانبياء: 77، تمام الاية: " ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم اجمعين ". (2) في المصدر: طريف مهملة، ولعله تصحيف من الطابع، والرجل هو الحسن بن ظريف ابن ناصح الكوفى أبو محمد، ثقة صاحب نوادر. (3) الانفال: 60، وذكرنا أن تفسير القوة بالرمي من ذكر المصاديق (4) فروع الكافي 1: 341. (5) في المصدر وفى كتاب الجعفريات هل من مغيث بالماء. (6) نوادر الراوندي: 34. وفيه: اللهم بارك في الاشقر، ثم جاء رجل آخر على فرس بين يديه قربة من ماء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم بارك في الاشقر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: شقرها خيارها، وكميتها صلابها، ودهمها ملوكها، فلعن الله من جزى عرافها واذنابها مذابها !. انتهى والظاهر أن (جزى) مصحف (جز) والحديث يوجد، كتاب الجعفريات: 86، واحاديث نوادر الراوندي معظمها مستخرجة من الجعفريات.

[ 186 ]

42 - وبهذا الاسناد قال: كان رجل من نجران مع رسول الله صلى الله عليه وآله في غزاة ومعه فرس، (1) وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يستأنس إلى صهيله، فقده، فبعث إليه، فقال: ما فعل فرسك ؟ فقال: اشتد علي شبعه (2) فخصيته، فقال النبي صلى الله عليه وآله: مثلت به (3) الخيل معقود في نواصيها الخير إلى أن يقوم القيامة (4) الخبر. (5) 43 - عم: قال أهل السير والمفسرون: إن جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه ست وعشرون غزوة، وإن جميع سراياه التي بعثها ولم يخرج معها ست وثلاثون سرية، وقاتل صلى الله عليه وآله من غزواته في تسع غزوات وهي بدر واحد والخندق وبنو قريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف، فأول سرية بعثها أنه بعث حمزة بن عبد المطلب (6) في ثلاثين راكبا، فساروا حتى بلغوا سيف البحر من أرض جهينة (7) فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثين ومائة راكب من المشركين (8) فحجز بينهم مجدي (9) ابن عمرو الجهني، فرجع الفريقان، ولم يكن بينهما قتال.


(1) في الجعفريات، 87: ان رجلا من خرش كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ومع الخرشى فرس. (2) هكذا في النسخ، وفي المصدر: شغبه، والشغب: تحريك الشر، ولعله كناية عن شدة الشهوة، وفى الجعفريات: شغنه وهو مصحف، والظاهر ان الكل مصحف والصحيح (شبقه). (3) في المصدر: مثلت به مثلت به. وفى الجعفريات: مه مه مثلت به. (4) في المصدر والجعفريات: إلى يوم القيامة. (5) نوادر الراوندي: 34، الجعفريات: 86 و 87. (6) في الامتاع: وكان ذلك على رأس سبعة أشهر من مقدمه المدينة. وفى سيرة ابن هشام ان راية عبيدة بن الحارث كان اول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وآله في الاسلام ثم قال: بعض الناس يقول: كانت راية حمزة اول راية عقد رسول الله صلى الله عليه وآله لاحد من المسلمين و ذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا، فشبه ذلك على الناس. (7) في سيرة ابن هشام والامتاع: إلى سيف البحر من ناحية العيص، والعيص: من ناحية ذى المروة على ساحل البحر بطريق قريش التى كانوا يأخذون منها إلى الشام. قاله ياقوت. (8) في السيرة والامتاع: في ثلاثمائة راكب من أهل مكة. (9) في نسخة: عدى بن عمرو. وهو مصحف راجع السيرة 2: 230 والامتاع: 51.

[ 187 ]

ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وآله أول غزوة غزاها في صفر على رأس اثني عشر شهرا (1) من مقدمه المدينة حتى بلغ الابواء يريد قريشا وبني ضمرة، ثم رجع ولم يلق كيدا، فأقام بالمدينة بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الاول. وبعث في مقامه ذلك عبيدة بن الحارث في ستين راكبا من المهاجرين ليس فيهم أحد من الانصار، وكان أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وآله، فالتقى هو والمشركون على ماء يقال له: أحيا، (2) وكانت بينهم الرماية، وعلى المشركين أبو سفيان بن حرب. (3) ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر ربيع الآخر (4) يريد قريشا حتى بلغ (5) بواط ولم يلق كيدا. (6) ثم غزا غزوة العشيرة (7) يريد قريشا حتى نزل العشيرة من بطن ينبع وأقام بها بقية جمادى الاولى وليالي من جمادى الآخرة ووادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، (8) فروي عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين


(1) اشرنا قبل ذلك إلى خلاف في ذلك وفى غيره. (2) في الامتاع: أحياء [ بالمد ] من بطن رابغ، وفى السيرة: حتى بلغ ماء بالحجاز باسفل ثنية المرة (3) قال في الامتاع: وأبو سفيان في مائتين. (4) في سيرة ابن هشام والامتاع: في ربيع الاول، وزاد في الاخير: على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره. (5) بواط بضم الباء وفتح الواو مخففة، وعن بعض انه بالفتح وقد يضم، وفى الامتاع والسيرة انه من ناحية رضوى، وعن الزرقاني انه جبل من جبال جهينة بقرب ينبع على أربعة برد من المدينة، وعن السهيلي ان بواط جبلان فرعان لاصل واحد، أحدهما جلسى، والاخر غورى، و رضوى بفتح فسكون: جبل بالمدينة على أربعة برد من المدينة. (6) في سيرة ابن هشام: فلبث بها بقية شهر ربيع الاخر وبعض جمادى الاولى. (7) بالتصغير. (8) لعل المراد جماعة من بنى ضمرة التى كانوا حلفاء لبنى مدلج ولم تكن وادعوه في غزوة الابواء.

[ 188 ]

في غزوة العشيرة، فقال لي علي: هل لك يا أباليقظان في هذا النفر من بني مدلج يعملون في عين لهم (1) ننظر كيف يعملون: فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة، ثم غشينا النوم، فعمدنا إلى صور (2) من النخل في دقعاء من الارض فنمنا فيه، فوالله ما هبنا (3) إلا رسول الله بقدمه فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا أبا تراب، لما عليه من التراب، (4)، فقال: ألا أخبركم بأشقى الناس ؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: أحمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على رأسه - حتى يبل منها هذه - و وضع يده على لحيته. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من العشيرة إلى المدينة، فلم يقم بها عشر ليال حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلبه حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية بدر، وهي غزوة بدر الاولى، وحامل لوائه علي بن أبي طالب عليه السلام، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وفاته كرز فلم يدركه فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله فأقام جمادى ورجب وشعبان، وكان بعث (5) بين ذلك سعد ابن أبي وقاص في ثمانية رهط فرجع ولم يلق كيدا ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن جحش (6) إلى نخلة، وقال: كن بها حتى


(1) ذكر الحديث مسندا ابن هشام في السيرة، وفيه اختلافات لفظية مع ما ذكره المصنف، وزاد فيه: وفى نخل. (2) الصور: النخل الصغار. (3) في المصدر: ما اهبنا وهو الصحيح، أي ما ايقظنا. (4) في السيرة: مالك يا أبا تراب، لما يرى عليه من التراب، ثم قال: الا احدثكما بأشقى الناس رجلين ؟ وفيه: احيمر. (5) ذكره ابن هشام بعد العشيرة. وذكر عن بعض لغة كان بعد بعث حمزة وذكر انه خرج حتى بلغ الخرار من ارض الحجاز، وفى الامتاع: الخرار من الجحفة قريبا من خم. (6) في السيرة، في رجب مقفله من بدر الاولى، وفى الامتاع: في رجب على رأس سبعة عشر شهرا. أي من مهاجره. وفى الاول: وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الانصار احد.

[ 189 ]

تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتابا وقال: اخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر فيه (1) وامض لما أمرتك، فلما سار يومين وفتح الكتاب فإذا فيه " أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش بما يصل إليك منهم (2) " فقال لاصحابه حين قرأ الكتاب: سمعا وطاعة، من كان له رغبة في الشهادة فلينطلق معي، فمضى معه القوم حتى إذا نزلوا نخلة مر بهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان وعثمان و المغيرة (3) ابنا عبد الله معهم تجارة قدموا بها من الطائف أدم وزبيب، فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله، (4) وكان قد حلق رأسه، فقالوا: عمار (5) ليس عليكم منهم بأس، وائتمر أصحاب رسول الله وهي آخر يوم من رجب فقالوا: لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلن هذه الليلة مكة، فليمنعن منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأمن (6) عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وهرب المغيرة بن عبد الله (7) فأعجزهم واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) في المصدر: وانظر ما فيه. (2) ذكر ابن هشام في السيرة والكتاب هكذا: " إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من اخبارهم " وذكره المقريزى في الامتاع هكذا: " سر حتى تأتى بطن نخلة على اسم الله وبركاته، ولا تكرهن احدا من أصحابك على المسير معك، وامض لامرى فيمن تبعك حتى تأتى بطن نخلة على اسم الله وبركاته، فترصد بها عير قريش ". أقول: بطن نخلة هو بستان ابن عامر الذى بقرب مكة. (3) في السيرة والامتاع: عثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة المخزوميان. (4) في السيرة والامتاع: فأشرف لهم عكاشة بن محصن. (5) أي قوم عمار أي معتمرون يريدون زيارة البيت الحرام. (6) لعل الصحيح: واستأسروا. وفى السيرة: واستأسر. وفى الامتاع: فأسروا. (7) الصحيح: نوفل بن عبد الله بن المغيرة. كما قدمناه.

[ 190 ]

فقال لهم: والله ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، وأوقف الاسيرين والعير، ولم يأخذ منها شيئا، وسقط في أيدي القو وظنوا أنهم قد هلكوا، وقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام، فأنزل الله سبحانه " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه (1) " الآية، فلما نزل ذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله العير (2) وفداء الاسيرين، و قال المسلمون: نطمع لنا أن يكون غزاة، فأنزل الله فيهم: " إن الذين آمنوا و الذين هاجروا " إلى قوله: " اولئك يرجون رحمة الله (3) " الآية، وكانت هذه قبل بدر بشهرين (4). بيان: السيف بالكسر: ساحل البحر، والابواء بفتح الهمزة وسكون الباء والمد: جبل بين مكة والمدينة، وعنده بلد ينسب إليه، وقال الفيروز آبادي: بواط كغراب: جبال جهينة على أبراد من المدينة، منه غزوة بواط، اعترض فيها صلى الله عليه وآله لعير قريش، وقال: ذو العشيرة: (5) موضع بناحية ينبع غزوتها مشهورة، والصور بالفتح: الجماعة من النخل ولا واحد له من لفظه، والدقعاء: التراب، والارض لا نبات بها. ويقال: هب من نومه يهب أي استيقظ، وأهببته أنا، ويقال سقط في يديه على بناء المجهول أي ندم، نطمع لنا أن يكون غزاة قالوا ذلك على سبيل اليأس (6)، أي لا نطمع ثواب الغزوة فيما فعلنا بل نرضى أن لا يكون


(1) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (2) في المصدر: المال. (3) البقرة: 218. (4) اعلام الورى: 47 و 48 ط 1 و 83 و 84 ط 2. (5) ذكر قبلا انه بالتصغير. (6) أو على سبيل الرجاء، قال ابن هشام: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه - حين نزل القرآن - طمعوا في الاجر، فقالوا يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عزوجل فيهم الاية، فوضعهم الله عزوجل من ذلك على اعظم الرجاء انتهى قال ابن هشام: قال ابن اسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش ان الله عزوجل قسم الفئ حين احله فجعل اربعة اخماسه لمن افاءه، وخمسه إلى الله ورسوله فوقع على ما كان - - >

[ 191 ]

لنا وزر، فرجاهم سبحانه رحمته بقوله: " اولئك يرجون رحمة الله " كما قال البيضاوي نزلت أيضا في السرية لما ظن بهم أنهم إن سلموا من الاثم فليس لهم أجر. 44 - نهج: في حديثه: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه. قال السيد رضي الله عنه: ومعنى ذلك أنه كان إذا عظم الخوف من العدو و اشتد عضاض الحرب فزع المسلمون إلى قتال رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه، فينزل الله تعالى النصر عليهم به، ويأمنون ما كانوا يخافونه بمكانه وقوله عليه السلام: إذا احمر البأس، كناية عن اشتداد الامر، وقد قيل في ذلك أقوال: أحسنها أنه شبه حمى الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها، ومما يقوي ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وقد رأى مجتلد الناس (1) يوم حنين وهي حرب هوازن " الآن حمي الوطيس " والوطيس: مستوقد النار، فشبه ما استحر من جلاد القوم باحتدام (2) النار وشدة التهابها. (3) 45 - فس: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله " فإنه كان سبب نزولها أنه لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة بعث السرايا إلى الطرقات التي تدخل مكة تتعرض لعير قريش، حتى بعث عبد الله بن جحش في نفر من أصحابه إلى نخلة وهي بستان بني عامر ليأخذوا عير قريش أقبلت من الطائف عليها الزبيب والادم والطعام فوافوها، وقد نزلت العير وفيهم عمرو بن الحضرمي (4)، وكان


< - عبد الله بن جحش صنع في تلك العير [ كان قسمه قبل ذلك كذلك ] وقال ابن هشام: هي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي اول من قتله المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان اول من أسر المسلمون. (1) أي تضاربهم. (2) الاحتدام: شدة اتقاد النار. (3) نهج البلاغة ج 2: 26. (4) في المصدر: عمرو بن عبد الله الحضرمي.

[ 192 ]

حليفا لعتبة بن ربيعة، فلما نظر ابن الحضرمي إلى عبد الله بن جحش وأصحابه فزعوا وتهيؤوا للحرب، وقالوا: هؤلاء أصحاب محمد، فأمر عبد الله بن جحش أصحابه أن ينزلوا ويحلقوا رؤوسهم، فنزلوا وحلقوا رؤوسهم، فقال ابن الحضرمي: هؤلاء قوم عمار ليس علينا منهم بأس، فاطمأنوا، ووضعوا السلاح، فحمل عليهم عبد الله ابن جحش فقتل ابن الحضرمي وأفلت أصحابه، وأخذوا العير بما فيها وساقوها إلى المدينة، وكان ذلك في أول يوم (1) من رجب من الاشهر الحرم، فعزلوا العير وما كان عليها، فلم ينالوا منها شيئا، فكتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنك استحللت الشهر الحرام، وسفكت فيها الدم، وأخذت المال، وكثر القول في هذا (2)، وجاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله أيحل القتل في الشهر الحرام ؟ فأنزل الله " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله، وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله و الفتنة أكبر من القتل " قال: القتال في الشهر الحرام عظيم، ولكن الذي فعلت بك قريش يا محمد من الصد عن المسجد الحرام والكفر بالله وإخراجك منه هو أكبر عند الله " والفتنة " يعني الكفر بالله " أكبر من القتل " ثم أنزل عليه: " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (3) ". أقول: قال في المنتقى في حوادث السنة الثانية من الهجرة: في هذه السنة تزوج علي بن أبي طالب عليه السلام فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله في صفر لليال (4) بقين منه وبنى بها في ذي الحجة، وقد روي أنه تزوجها في رجب بعد مقدم رسول الله


(1) وهم من القمى أو من الروات أو من النساخ، والصحيح: في آخر يوم من رجب. (2) في المصدر: وأكثروا القول في هذه. (3) تفسير القمى: 61 و 62. والاية في البقرة: 184. (4) قال المقريزى أيضا في الامتاع: 54 انه تزوج في صفر على رأس أحد عشر شهرا من مهاجره صلى الله عليه وآله. وسيأتى الكلام في ذلك في محله.

[ 193 ]

صلى الله عليه وآله المدينة بخمسة أشهر، وبنا بها مرجعه من بدر، والاول أصح، و روي عن بعض أهل التاريخ أن تزويجها كان في شهر ربيع الاول من سنة اثنتين من الهجرة، وبنى بها فيها، وولدت الحسن عليه السلام في هذه السنة، وقيل: بل ولد الحسن عليه السلام منتصف شهر رمضان من سنة ثلاث، والحسين عليه السلام في سنة أربع، وقيل: كان بين ولادة الحسن عليه السلام والعلوق بالحسين عليه السلام خمسون ليلة، وولد الحسين عليه السلام لليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة. وفي هذه السنة كانت سرية عبد الله بن جحش (1)، وفي هذه السنة حولت القبلة إلى الكعبة، كان النبي صلى الله عليه وآله يصلي بمكة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، فلما عرج به إلى السماء أمر بالصلوات الخمس فصارت الركعتان في غير المغرب للمسافر وللمقيم أربع ركعات (2)، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة أمر أن يصلي نحو بيت المقدس لئلا يكذبه اليهود، لان نعته صلى الله عليه وآله في التوراة أنه صاحب قبلتين، وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى النبي صلى الله عليه وآله، فأمره الله تعالى أن يصلي إلى الكعبة، قال محمد بن حبيب الهاشمي: حولت في الظهر يوم الثلثاء للنصف من شعبان زار رسول الله صلى الله عليه وآله أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فتغدى هو وأصحابه وجاءت الظهر فصلى بأصحابه في مسجد القبلتين ركعتين من الظهر إلى الشام، ثم امر أن يستقبل الكعبة وهو راكع في الركعة الثانية، فاستدار إلى الكعبة فدارت الصوف خلفه، ثم أتم الصلاة فسمي مسجد القبلتين. وقال الواقدي: كان هذا يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا، وعن البراء على رأس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وعن السدي على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجره صلى الله عليه وآله (3).


(1) في المصدر: وذلك كان في رجب على رأس سبعة عشر من الهجرة. بعثه في اثنى عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان بعيرا إلى بطن نخلة إه‍. (2) في نسخة: وللمقيم أربع ركعات في الثلاث. (3) كان الاولى ان يذكر تحول القبلة في الباب الاتى.

[ 194 ]

وفى هذه السنة كان بناء مسجد قباء، روي عن أبي سعيد الخدري قال: لما صرفت القبلة إلى الكعبة أتى رسول الله صلى الله عليه وآله مسجد قباء فقدم جدار المسجد إلى موضعه اليوم وأسسه بيده، ونقل رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه الحجارة لبنائه، و كان يأتيه كل سبت ماشيا، وقال أبو أيوب الانصاري: هو المسجد الذي أسس على التقوى. وفي هذه السنة نزلت فريضة رمضان في شعبان هذه السنة، وأمر بزكاة الفطر على ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: نزل فرض شهر رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجر رسول - الله صلى الله عليه وآله، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله، في هذه السنة بزكاة الفطر قبل أن يفرض الزكاة في الاموال. وفي هذه السنة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوم العيد فصلى بالناس صلاة العيد، وحملت بين يديه العنزة إلى المصلى، فصلى إليها. وفي هذه السنة كانت غزوة بدر (1).


(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني فيما كان في سنة اثنتين من الهجرة. وما ذكره المصنف مختار منه.

[ 195 ]

9. (باب) * (تحول القبلة) * الآيات: البقرة " 2 ": سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم * وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقيبة و إن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم * قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين اوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون 142 - 144. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " سيقول السفهاء من الناس " أي سوف يقول الجهال وهم الكفار الذين هم بعض الناس " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " أي أي شئ حولهم وصرفهم - يعني المسلمين - عن بيت المقدس الذي كانوا يتوجهون إليه في صلاتهم ؟ واختلف في الذين قالوا ذلك فقال ابن عباس وغيره: هم اليهود وقال الحسن: هم مشركو العرب، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما تحول إلى الكعبة من بيت المقدس قالوا: يا محمد رغبت عن قبلة آبائك، ثم رجعت إليها فلترجعن إلى دينهم، وقال السدي: هم المنافقون، قالوا ذلك استهزاء بالاسلام، واختلف في سبب مقالتهم ذلك فقيل: إنهم قالوا ذلك على وجه الانكار للنسخ، عن ابن عباس، وقيل: إنهم قالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها ؟ ارجع إلى قبلتنا نتبعك ونؤمن بك، أرادوا بذلك فتنته عن ابن عباس أيضا، وقيل: إنما

[ 196 ]

قال ذلك مشركو العرب ليوهموا أن الحق ما هم عليه (1) " قل لله المشرق والمغرب " يتصرف فيها على ما تقتضيه حكمته عن ابن عباس (2) كانت الصلاة إلى بيت المقدس بعد مقدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة سبعة عشر شهرا، وعن البراء بن عازب قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو شبعة عشر شهرا، ثم صرفنا نحو الكعبة، أورده مسلم في الصحيح (3)، وعن أنس إنما كان ذلك تسعة أشهر أو عشرة أشهر، وعن معاذ ثلاثة عشر شهرا، ورواه علي بن إبراهيم (4) بإسناده عن الصادق عليه السلام قال: تحولت القبلة إل الكعبة بعد ما صلى النبي صلى الله عليه وآله ثلاث عشر سنة (5) إلى بيت المقدس، وبعد مهاجره إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس سبعة أشهر، قال: ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة، وذلك أن اليهود كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون: أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك غما شديدا، وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء ينتظر من الله في ذلك أمرا، فلما أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلى من الظهر ركعتين، فنزل عليه جبرئيل فأخذ بعضديه وحوله إلى الكعبة وأنزل عليه: " قد نرى تقلب وجهك في السماء " الآية، فكان صلى (6) ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة فقالت اليهود والسفهاء: " ما ولاهم عن قبلتهم التي


(1) في المصدر: وأما الوجه في الصرف عن القبلة الاولى ففيه قولان: أحدهما انه لما علم الله تعالى ذلك من تغير المصلحة، والاخر انه لما بينه سبحانه بقوله: " لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " لانهم كانوا بمكة امروا ان يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا من المشركين الذين كانوا يتوجهون إلى الكعبة، فلما انتقل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة كانت اليهود يتوجهون إلى بيت المقدس فامروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا من اولئك. (2) في المصدر: وعن ابن عباس. (3) راجع صحيح مسلم 2: 66. (4) في المصدر: وروى على بن ابراهيم. (5) في المصدر: ثلاث عشر سنة. وفيه، وبعد مهاجرته. (6) في المصدر: وكان صلى.

[ 197 ]

كانوا عليها " ؟ قال الزجاج: إنما أمر بالصلاة إلى بيت المقدس لان مكة وبيت الله الحرام كانت العرب آلفة بحجها (1)، فأحب الله (2) أن يمتحن القوم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه (3) " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " قيل: معنى " كنت عليها " صرت عليها وأنت عليها يعني الكعبة، وقيل وهو الاصح: يعني بيت المقدس، أي ما صرفناك عن القبلة التي كنت عليها، أو ما جعلنا القبلة التي كنت عليها فصر فناك عنها " إلا لنعلم " أي ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين أو ليحصل المعلوم موجودا، أو لنعاملكم معاملة المختبر، أو لا علم مع غيري " من يتبع الرسول " أي يؤمن به ويتبعه في أقواله وأفعاله " ممن ينقلب على عقيبه " أي الذين ارتدوا لما حولت القبلة، أو المراد كل مقيم على كفره " وإن كانت " أي القبلة أو التحويلة ومفارقة القبلة الاولى، وقيل: أي الصلاة " لكبيرة " أي لثقيلة، يعني التحويلة إلى بيت المقدس، لان العرب لم تكن قبلة أحب إليهم من الكعبة، أو إلى الكعبة. " وما كان الله ليضيع إيمانكم " قيل: فيه أقوال: أحدها: أنه لما حولت القبلة قال ناس: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الاولى ؟ فنزلت، وقيل: إنهم قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك ؟ وكان قد مات أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وكانا من النقباء، فقال: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي صلاتكم إلى بيت المقدس ويمكن حمل الايمان على أصله (4). وثانيها: أنه لما ذكر ما عليهم من المشقة في التحويلة أتبعه بذكر ما لهم عنده بذلك من المثوبة، وأنه لا يضيع ما عملوه من الكلفة.


(1) في المصدر: لان مكة بيت الله الحرام كانت العرب آلفة لحجها. (2) في نسخة: فأوجب الله. (3) مجمع البيان 1: 222 و 223. (4) في المصدر: على اصله في التصديق أي لا يضيع تصديقكم بأمر تلك القبلة.

[ 198 ]

وثالثها: أنه لما ذكر إنعامه عليهم بالتولية إلى الكعبة ذكر السبب الذي استحقوا به ذلك الانعام وهو إيمانهم بما حملوه أولا فقال: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " الذي استحققتم به تبليغ محبتكم في التوجه إلى الكعبة (1). " قد نرى تقلب وجهك " قال المفسرون: كانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لجبرئيل: وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقال له جبرئيل: إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فادع ربك وسله، ثم ارتفع جبرئيل وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبرئيل بالذي سأل ربه، فأنزل الله هذه الآية، أي قد نرى تقلب وجهك يا محمد في السماء لانتظار الوحي في أمر القبلة، وفي سببه وجهان (2): أحدهما أنه كان وعد بتحويل القبلة عن بيت المقدس، فكان يفعل ذلك انتظارا وتوقعا للموعود، والثاني أنه كان يكره قبلة بيت المقدس، ويهوى قبلة الكعبة، وكان لا يسأل الله ذلك، لانه لا يجوز للانبياء أن يسألوا الله شيئا من غير أن يؤذن لهم فيه، لانه يجوز أن لا تكون فيه مصلحة، فلا يجابون إلى ذلك، فيكون ذلك فتنة لقومهم، واختلف في سبب إرادته صلى الله عليه وآله تحويل القبلة إلى الكعبة فقيل: لان الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم وقبلة آبائه، وقيل: لان اليهود قالوا: تخالفنا يا محمد في ديننا وتتبع قبلتنا (3)، وقيل: إن اليهود قالوا ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم، وقيل: كانت العرب يحبون الكعبة ويعظمونها غاية التعظيم، فكان في التوجه إليها استمالة لقلوبهم ليكونوا أحرص على الصلاة إليها، وكان صلى الله عليه وآله حريصا على استدعائهم إلى الدين " فلنولينك قبلة ترضاها " أي تحبها محبة الطباع، لا أنه كان يسخط القبلة الاولى " وإن الذين اوتوا الكتاب " أي علماء اليهود و النصارى " ليعلمون أنه الحق من ربهم " أي تحويل القبلة حق مأمور به، وإنما


(1) مجمع البيان 1: 255. (2) في المصدر: وقيل: في سبب تقليب النبي صلى الله عليه وآله وجهه في السماء قولان. (3) في المصدر: لان اليهود قالوا: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا.

[ 199 ]

علموا ذلك لانه كان في بشارة الانبياء لهم أنه يكون نبي من صفاته كذا وكذا وكان في صفاته أن يصلي إلى القبلتين (1)، وروي أنهم قالوا عند التحويل: ما أمرت بهذا يا محمد، وإنما هو شئ تبتدعه من تلقاء نفسك مرة إلى هنا (2)، ومرة إلى هنا، فأنزل الله هذه الآية، وبين أنهم يعلمون خلاف ما يقولون " وما الله بغافل عما يعملون " أي ليس الله بغافل عما يعمل هؤلاء من كتمان صفة محمد صلى الله عليه وآله والمعاندة (3) انتهى (4). أقول: سيأتي مزيد توضيح وتفسير للآيات في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى. 1 - شى: عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما صرف الله نبيه إلى الكعبة عن بيت المقدس قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وآله: أرأيت صلاتنا التي كنا نصلي إلى بيت المقدس ما حالنا فيها وحال من مضى من أمواتنا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله " وما كان الله ليضيع إيمانكم " فسمى الصلاة إيمانا الخبر (5). 2 - يب: الطاطري، عن محمد بن أبي حمزة، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: متى صرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الكعبة ؟ فقال: بعد رجوعه من بدر (6). 3 - يب: الطاطرى، عن محمد بن أبي حمزة، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قوله تعالى: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقيبه " أمره به ؟ قال: نعم إن


(1) في نسخة: انه يصلى إلى القبلتين. (2) في نسخة: مرة إلى هذا. (3) في نسخة: والمعاندة له. (4) مجمع البيان 1: 227، أقول: ما ذكره المصنف مختصر مما في المصدر ومختار منه (5) تفسير العياشي ج 1: 63. (6) التهذيب 1: 145.

[ 200 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقلب وجهه في السماء، فعلم الله عزوجل ما في نفسه، فقال: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها " (1). بيان: قوله: أمره (2)، لعل غرض السائل أن القبلة الاولى أيضا كانت مأمورا بها ؟ قال: نعم (3)، وشرع في بيان أمر آخر. 4 - يب: الطاطري، عن وهيب، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام في قوله تعالى: " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " فقلت له: الله أمره أن يصلي إلى بيت المقدس ؟ قال: نعم، ألا ترى أن الله يقول: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم " قال: إن بني عبد الاشهل أتوهم وهم في الصلاة قد صلوا (4) ركعتين إلى بيت المقدس، فقيل لهم: إن نبيكم قد صرف إلى الكعبة فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، وجعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة، فصلوا صلاة واحدة إلى قبلتين، فلذلك سمي مسجدهم مسجد القبلتين (5). 5 - كا: علي عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد. عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي إلى بيت المقدس ؟ قال: نعم، فقلت: فكان يجعل الكعبة خلف ظهره ؟ فقال: أما إذا كان بمكة فلا، وأما إذا هاجر إلى المدينة فنعم حتى حول إلى الكعبة (6).


(1) التهذيب 1: 145 و 146. (2) الظاهر ان الحديث متحد مع يأتي، واحدهما نقل بالمعنى فوقع اختلاف في اللفظ و اضطراب في المعنى. (3) في نسخة: فأنعم عليه السلام. أقول أي قال: نعم. (4) في المصدر: وقد صلوا. (5) التهذيب 1: 146. (6) فروع الكافي 1: 79.

[ 201 ]

6 - يه صلى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى البيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة بمكة، وتسعة عشر شهرا بالمدينة، ثم عيرته اليهود فقالوا له إنك تابع لقبلتنا، فاغتم لذلك غما شديدا، فلما كان في بعض الليل (1) خرج صلى الله عليه وآله يقلب وجهه في آفاق السماء، فلما أصبح صلى الغداة، فلما صلى من الظهر ركعتين جاءه جبريل فقال له: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها " الآية. ثم أخذ بيد النبي صلى الله عليه وآله فحول وجهه إلى الكعبة، وحول من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء، والنساء مقام الرجال، فكان أول صلاته إلى بيت المقدس، وآخرها إلى الكعبة فبلغ الخبر مسجدا بالمدينة وقد صلى أهله من العصر ركعتين، فحولوا نحو الكعبة، فكان أول صلاتهم إلى بيت المقدس، وآخرها إلى الكعبة فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين (2)، فقال المسلمون: صلاتنا إلى بيت المقدس تضيع يا رسول الله ؟ فأنزل الله عزوجل: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " يعني صلاتكم إلى بيت المقدس. وقد أخرجت الخبر في ذلك على وجهه في كتاب النبوة (3). أقول: سيأتي في تفسير النعماني بإسناده إلى الصادق عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما بعث كانت الصلاة إلى قبلة بيت المقدس سنة بني إسرائيل وقد أخبرنا الله في كتابه بما قصه في ذكر موسى عليه السلام أن يجعل بيته قبلة، وهو قوله: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة (4) " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في أول مبعثه يصلي إلى بيت المقدس جميع أيام مقامه (5) بمكة، وبعد هجرته إلى المدينة بأشهر، فعيرته اليهود وقالوا: إنك تابع لقبلتنا، فأحزن رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك منهم، فأنزل الله تعالى


(1) في نسخة من المصدر: في نصف الليل. (2) في نسخة من المصدر: ذو القبلتين. (3) من لا يحضره الفقيه 1: 88. (4) يونس: 87. (5) في المصدر: جميع ايام بقائه بمكة.

[ 202 ]

عليه وهو يقلب وجهه في السماء وينتظر الامر " قد نرى تقلب وجهك " إلى قوله: " لئلا يكون للناس عليكم حجة " يعني اليهود في هذا الموضع، ثم أخبرنا الله عزوجل ما العلة (1) التي من أجلها لم يحول قبلته من أول مبعثه، فقال تبارك وتعالى: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم " فسمى سبحانه الصلاة ههنا إيمانا (2). 10 (باب) * (غزوة بدر الكبرى) * الآيات: آل عمران " 3 ": قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله واخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لاولى الابصار 12 - 13. وقال سبحانه: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين (3). النساء " 4 ": ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد


(1) في المصدر: بالعلة. (2) المحكم والمتشابه: 12 و 13. أقول قد أشرنا إلى مواضع الايات في صدر الباب وقد تقدم عن المنتقى في الباب السابق ما يناسب الباب. (3) من هنا وقعت المقابلة على نسخة المصنف وهى النسخة الاصلية.

[ 203 ]

خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا * أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا. 77 - 78. الانفال " 8 ": ويسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول. إلى قوله سبحانه: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم و يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون * إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين * وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم * إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام * إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق فاضربوا منهم كل بنان * ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب * ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار * يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير * فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم و ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم * ذلك وأن الله موهن كيد الكافرين * إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن

[ 204 ]

الله مع المؤمنين. 1 - 19. وقال سبحانه: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون 26. إلى قوله تعالى: ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون * قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الاولين 38. وقال سبحانه: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير * إذا أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا * ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم * إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أريكم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور * وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الامور * يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وأطيعو الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين * ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط * وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب * إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم * ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد 41 - 51. وقال سبحانه: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون

[ 205 ]

عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم * يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم * وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم 67 - 71. الحج " 22 ": هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار 19. تفسير: قوله تعالى: " قل للذين كفروا " قال الطبرسي رحمه الله: روى محمد بن إسحاق ابن يسار عن رجاله قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله قريشا ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل الذي نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، وقد عرفتم أني نبي مرسل، و تجدون ذلك في كتابكم، فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا (1) لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لو قابلناك لعرفت أنا نحن الناس، فأنزل الله هذه الآية، وروي أيضا عن عكرمة وابن جبير عن ابن عباس، ورواه أصحابنا أيضا، وقيل: نزلت في مشركي مكة " ستغلبون " يوم بدر عن مقاتل، وقيل: نزلت في اليهود لما قتل الكفار ببدر وهزموا قالت اليهود: إنه النبي الامي الذي بشرنا به موسى صلى الله عليه وآله ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وإنه لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة اخرى، فلما كان يوم أحد ونكب (2) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله شكوا وقالوا: لا والله ما هو هذا (3)، فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلى مدة (4)، فنقضوا ذلك العهد


(1) الاغمار جمع الغمر بالتثليث: الجاهل ومن لم يجرب الامور. (2) أي اصابوا النكبة. والنكبة: المصيبة. (3) في المصدر: ما هو به. (4) في المصدر: عهد إلى مدة لم تنقض

[ 206 ]

قبل أجله، وانطلق كعب بن الاشرف (1) إلى مكة في ستين راكبا فوافقهم، و أجمعوا أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وآله لتكونن كلمتنا واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (2). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " قد كان لكم آية ": نزلت الآية في قصة بدر وكانت المسلمون ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الانصار، وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وآله والمهاجرين علي بن أبي طالب عليه السلام، و صاحب راية الانصار سعد بن عبادة، (3) وكانت الابل في جيش رسول الله صلى الله عليه وآله سبعين بعيرا، والخيل فرسين: فرس للمقداد بن الاسود، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، و كان معهم من السلاح ستة أدرع، وثمانية سيوف، وجميع من استشهد يومئذ أربعة عشر: ستة من المهاجرين، وثمانية من الانصار، واختلف في عدة المشركين فروي عن علي عليه السلام وابن مسعود أنهم كانوا ألفا، وعن قتادة وعروة بن الزبير والربيع كانوا بين تسعمائة إلى ألف، وكان خيلهم مائة فرس، ورئيسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان سبب ذلك عير أبي سفيان، والخطاب في الآية لليهود الذين نقضوا العهد، أو للناس جميعا ممن حضر الوقعة، وقيل: للمشركين واليهود " آية " أي حجة وعلامة ومعجزة دالة على صدق محمد صلى الله عليه وآله " في فئتين التقتا " أي فرقتين اجتمعتا ببدر من المسلمين والكافرين " فئة تقاتل في سبيل الله " أي في دينه وطاعته وهم الرسول وأصحابه " واخرى " أي وفرقة اخرى " كافرة " وهم مشركوا أهل مكة " يرونهم مثليهم رأي العين " أي في ظاهر العين، اختلف في معناه، فقيل: معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد


(1) هو من اليهود الذين يحقدون على النبي صلى الله عليه وآله، كان من طيئ ثم احد بنى نبهان وامه من بنى النضير. (2) مجمع البيان 2: 413. (3) وقال في ص 498 وقيل: سعد بن معاذ.

[ 207 ]

أنفسهم قللهم الله في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين رجلا تقوية لقلوبهم وذلك أن المسلمين قد قيل لهم " فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين " فأراهم الله عددهم حسب ما حد لهم من العدد الذي يلزمهم أن يقدموا عليهم ولا يحجموا عنهم وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير عن ابن مسعود و جماعة من العلماء، وقيل: الرؤية للمشركين، يعني يرى المشركون المسلمين ضعفي ما هم عليه، فإن الله تعالى قبل القتال قلل المسلمين في آعينهم ليجترؤوا عليهم و لا يتفرقوا (1)، فلما أخذوا في القتال كثرهم في أعينهم ليجبنوا، وقلل المشركين في أعين المسلمين ليجترؤوا عليهم، وتصديق ذلك قوله تعالى: " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم " الآية، وذلك أحسن أسباب النصر للمؤمنين، والخذلان للكفارين، وهذا قول السدي، وهذا القول إنما يتأتى على قراءة من قرأ بالياء، فأما قول من قرأ بالتاء فلا يحتمله إلا القول الاول على أن يكون الخطاب لليهود الذين لم يحضروا وهم المعنيون بقوله: " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون " وهم يهود بني قينقاع، فكأنه قال: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المسلمين، مع أن الله أظفرهم عليهم فلا تغتروا بكثرتكم، واختار البلخي هذا الوجه، ويكون الخطاب (2) للمسلمين الذين حضروا الوقعة، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين، قال الفراء: يحتمل قوله: " يرونهم مثليهم " يعني ثلاثة أمثالهم (3)، والمعنى ترونهم مثليهم مضافا إليهم، فذلك ثلاثة أمثالهم، قال: والمعجز فيه إنما كان من جهة غلبة القليل الكثير. (4)


(1) في المصدر: ولا ينصرفوا. (2) في المصدر: أو يكون الخطاب. (3) في المصدر: لانك إذا قلت: عندي الف وأحتاج إلى مثلها فأنت تحتاج إلى الفين، لانك تريد أحتاج إلى مثلها مضافا إليها لا بمعنى بدلا منها، فكانك قلت: أحتاج إلى مثليها، وإذا قلت: أحتاج إلى مثليها فانت تحتاج إلى ثلاثة آلاف، فكذلك في الاية المعنى يرونهم إه‍. أقول: ذلك قول بعيد لا يساعده الظاهر. (4) زاد في المصدر هنا: وانكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام، وما جاء في آية الانفال من تقليل الاعداد.

[ 208 ]

فإن قيل: كيف يصح تقليل الاعداد مع حصول الرؤية وارتفاع الموانع ؟ وهل هذا إلا قول من يجوز أن يكون عنده أجسام لا يدركها، أو يدرك بعضها دون بعض ؟ قلنا: يحتمل التقليل (1) في أعين المؤمنين بأن يظنوهم قليلي العدد، لا أنهم أدركوا بعضهم دون بعض، لان العلم بما يدركه الانسان جملة غير العلم بما يدركه مفصلا، ولانا قد ندرك جمعا عظيما بأسرهم، ونشك في أعدادهم حتى يقع الخلاف في حرز عددهم. (2) وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ولقد نصركم الله ببدر " أي بتقوية قلوبكم، وبما أمدكم به من الملائكة، وبإلقاء الرعب في قلوب أعدائكم " وأنتم أذلة " أي ضعفاء عن المقاومة قليلو العدد والعدة، ويروى عن بعض الصادقين عليهم السلام أنه قرأو أنتم ضعفاء وقال: لا يجوز وصفهم بأنهم أذلة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله " بثلاثة آلاف من الملائكة " هو إخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لقومه ألن يكفيكم يوم بدر أن جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مددا لكم، وقال ابن عباس وغيره: إن الامداد بالملائكة كان يوم بدر، وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر وكانوا في غيره من الايام عدة ومددا، وقال الحسن: كان جميعهم خمسة آلاف، فمعناه يمددكم ربكم بتمام خمسة آلاف، وقال غيره: كانوا ثمانية آلاف، فمعناه بخمسة آلاف آخر، وقيل: إن الوعد بالامداد بالملائكة كان يوم احد، وعدهم الله المدد إن صبروا " منزلين " أنزلهم الله من السماء إلى الارض لنصرتكم. (3) أقول: سيأتي تتمة تلك الآيات في غزوة احد. وفي قوله: " مسومين (4) " قال عروة: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق عليهم عمائم صفر، وقال علي عليه السلام وابن عباس: كانت عليهم عمائم بيض أرسلوا


(1) في المصدر: يحتمل أن يكون التقليل. (2) مجمع البيان 2: 415 و 416. (3) مجمع البيان 2: 498 و 499، والمصنف اختار منه. (4) لم يذكر هذه الآية في الايات وهى: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " قال الطبرسي: " ويأتوكم " يعنى - >

[ 209 ]

أذنابها بين أكتافهم، وقيل: مسومين، أي مرسلين. (1) وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين قيل لهم " قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الاسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي، (2) وسعد بن أبي وقاص، وكانوا يلقون من المشركين أذى شديدا وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، فيشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء فإنهم قد آذونا، فلما امروا بالقتال وبالمسير إلى بدر شق على بعضهم فنزلت الآية. " كفوا أيديكم " أي أمسكوا عن قتال الكفار فإني لم أؤمر بقتالهم " فلما كتب عليهم القتال " وهم بالمدينة " إذا فريق منهم " أي جماعة منهم " يخشون الناس كخشية الله " أي يخافون القتل من الناس كما يخافون الموت من الله (3) وقيل: يخافون عقوبة الناس بالقتل كما يخافون عقوبة الله " أو أشد خشية " قيل: " أو " هنا بمعنى الواو، وقيل: لابهام الامر على المخاطب " وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال " قال الحسن: لم يقولوا ذلك كراهة (4) لامر الله تعالى، ولكن


< - المشركين ان رجعوا إليكم " من فورهم هذا " أي من وجههم هذا، عن ابن عباس والحسن وقتادة والربيع والسدى، وعلى هذا فانما هو من فور الابتدار لهم وهو ابتداؤه، وقيل: معناه من غضبهم هذا، عن مجاهد وأبى صالح والضحاك، وكانوا قد غضبوا يوم احد ليوم بدر مما لقوا، فهو من فور الغضب وهو غليانه اه‍. يأتي تمامه في غزوة احد. وقال في (مسومين): بالكسر أي معلمين أعلموا انفسهم، و (مسومين) بالفتح سومهم الله أي علمهم، قال ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم: كانوا اعلموا بالصوف في نواحى الخيل واذنابها. (1) مجمع البيان 2: 499 فيه: قال السدى: معنى (مسومين) مرسلين من الناقة المرسلة أي المرسلة في المرعى. (2) الزهري بضم فسكون نسبة إلى زهرة بن كلاب ببن مرة بن كعب بن لؤى. والكندي بكسر فسكون: نسبة إلى كندة وهى قبيله كبيرة من اليمن. والجمحى بضم ففتح: نسبه إلى بنى جمح وهم بطن من قريش، وهو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى. (3) زاد هنا في المصدر: وقيل: يخافون الناس أن يقتلوهم كما يخافون الله أن يتوفاهم. (4) في المصدر: كراهية.

[ 210 ]

لدخول الخوف عليهم بذلك على ما يكون من طبع البشر، ويحتمل أن يكون قالوا (1) ذلك استفهاما لا إنكارا، وقيل: إنما قالوا ذلك لانهم ركنوا إلى الدنيا، وآثروا نعيمها " لولا أخرتنا " أي هلا أخرتنا " إلى أجل قريب " وهو إلى أن نموت بآجالنا، والفتيل: ما تفتله بيدك من الوسخ ثم تلقيه عن ابن عباس، وقيل: ما في شق النواة، لانه كالخيط المفتول، والبروج: القصور، وقيل: بروج السماء وقيل: البيوت التي فوق الحصون، وقيل: الحصون والقلاع، والمشيدة: المجصصة أو المزينة، وقيل: المطولة في ارتفاع " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله " قيل: القائلون هم اليهود قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل، فالمراد بالحسنة الخصب والمطر، وبالسيئة الجدب والقحط، و قيل: هم المنافقون عبد الله بن ابي وأصحابه الذين تخلفوا عن القتال يوم احد قالوا (2) للذين قتلوا في الجهاد: " لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا " فالمعنى إن يصبهم ظفر وغنيمة قالوا هذه من عند الله، وإن يصبهم مكروه وهزيمة قالوا: هذه من عندك، وبسوء تدبيرك، وقيل: هو عام في اليهود والمنافقين، وقيل: هو حكاية عمن سبق ذكرهم قبل الآية، وهم الذين يقولون: " ربنا لم كتبت علينا القتال (3) ". قوله تعالى: " يسألونك عن الانفال " قال الطبرسي رحمه الله اختلف المفسرون في الانفال ههنا فقيل: هي الغنائم التي غنمها النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر عن ابن عباس وصحت الرواية عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: إن الانفال كل ما اخذ من دار الحرب بغير قتال، وكل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال، وميراث من لا وارث له، وقطائع الملوك إذا كانت في أيديهم من غير غصب، والآجام وبطون الاودية، والارضون الموات وغير ذلك مما هو مذكور في مواضعه، وقالا: هي لله


(1) في المصدر: أن يكونوا قالوا. (2) في المصدر: وقالوا. (3) مجمع البيان 3: 77 و 78. والمنقول في الكتاب مختصر ومختار من المصدر.

[ 211 ]

وللرسول وبعده لمن قام مقامه يصرفه حيث يشاء من مصالح نفسه ليس لاحد فيه شئ وقالا: إن غنائم بدر كانت للنبي صلى الله عليه وآله خاصة فسألوه أن يعطيهم وقد صح أن قراءة أهل البيت " يسألونك الانفال " فقال سبحانه: " قل الانفال لله والرسول " وكذلك ابن مسعود وغيره إنما قرؤوا كذلك على هذا التأويل، فعلى هذا فقد اختلفوا في كيفية سؤالهم النبي صلى الله عليه وآله، فقال هؤلاء: إن أصحابه سألوه أن يقسم غنيمة بدر بينهم، فأعلمه الله (1) سبحانه أن ذلك لله ولرسوله دونهم، وليس لهم في ذلك شئ، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس وغيره، (2) وقالوا: إن " عن " صلة، ومعناه يسألونك الانفال أن تعطيهم، ويؤيد هذا القول قوله: " فاتقوا الله " إلى آخر الآية، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: هي منسوخة بآيه الغنيمة، وقيل: ليست بمنسوخة وهو الصحيح (3) وقال آخرون: إنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن حكم الانفال وعلمها أنها لمن هي (4) وقال آخرون: إنهم سألوه عن الغنائم وقسمتها، وأنها حلال أم حرام كما كانت حراما على من قبلهم، فبين لهم أنها حلال، واختلفوا أيضا في سبب سؤالهم فقال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم بدر: من جاء بكذا فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا، فتسارع الشبان وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما انقضى الحرب طلب الشبان ما كان قد نفلهم النبي صلى الله عليه وآله به، فقال الشيوخ: كنا ردأ لكم (5)، ولو وقعت عليكم الهزيمة لرجعتم إلينا، وجرى بين أبي اليسر بن عمرو الانصاري أخي بني سلمة وبين سعد بن معاذ كلام، فنزع الله تعالى الغنائم منهم، وجعلها لرسوله يفعل بها ما


(1) في المصدر: فأعلمهم الله. (2) وهم ابن جريح والضحاك وعكرمة والحسن واختاره الطبري. راجع المصدر. (3) علله في المصدر بقوله: لان النسخ يحتاج إلى دليل ولا تنافى بين هذه الاية وآية الخمس. (4) في المصدر: عن حكم الانفال وعملها فقالوا: لمن الانفال، وتقديره " يسألونك عن الانفال لمن هي " ولهذا جاء الجواب بقوله: " قل الانفال لله والرسول " انتهى أقول: لعل عملها مصحف علمها. (5) الردأ: الناصر والعون.

[ 212 ]

يشاء، فقسمها بينهم بالسوية، وقال عبادة بن الصامت: اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقسمه بيننا على السواء وكان ذلك في تقوى الله وطاعته وصلاح ذات البين، وقال سعد بن أبي وقاص: قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت سعيد بن العاص بن امية وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فجئت به إلى النبي صلى الله عليه وآله واستوهبته منه، فقال: ليس هذا لي ولا لك اذهب فاطرحه في القبض (1)، فطرحت ورجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي (2)، وقلت: عسى أن يعطي هذا لمن لم يبل ببلائي، فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني الرسول وقد أنزل الله تعالى: " يسألونك " الآية، فخفت أن يكون قد نزل في شئ. فلما انتهيت إلى رسول الله قال: يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب وخذه فهو لك، وقال علي بن طلحة عن ابن عباس كانت الغنائم لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة ليس لاحد فيها شئ، وما أصاب سرايا المسلمين من شئ أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول، (3) فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعطيهم منها، فنزلت الآية، وقال ابن جريح: اختلف من شهد بدرا من المهاجرين والانصار في الغنيمة وكانوا ثلاثا فنزلت الآية، وملكها الله رسوله يقسمها كما أراه الله، وقال مجاهد: هي الخمس، وذلك أن المهاجرين قالوا: لم يرفع منا هذا الخمس ؟ لم يخرج منا ؟ (4) فقال الله: " قل الانفال لله والرسول " يقسمانها كما شاءا و (5) ينفلان منها ما شاءا، ويرضخان منها ما شاءا " فاتقو الله " باتباع ما يأمركم


(1) قال المصنف في هامش الكتاب: القبض بالتحريك: بمعنى المقبوض وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم ذكره الجزرى. (2) السلب بفتح السين واللام هو فعل بمعنى مفعول أي مسلوب، وهو ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه مما يكون عليه ومعه من ثياب وسلاح ودابة وغيرها. (3) الغلول: الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة. (4) في المصدر: ولم يخرج منا. (5) في المصدر: أو، وكذا فيما بعده.

[ 213 ]

الله ورسوله به واحذروا مخالفة أمرهما " وأصلحوا ذات بينكم " أي ما بينكم من الخصومة والمنازعة " وأطيعوا الله ورسوله " أي اقبلوا ما امرتم به في الغنائم وغيرها " إن كنتم مؤمنين " مصدقين للرسول فيما يأتكيم به، وفي تفسير الكلبي: إن الخمس لم يكن مشروعا يومئذ، وإنما شرع يوم احد، وفيه: إنه لما نزلت هذه الآية عرف المسلمون أنه لا حق لهم في الغنيمة، وأنها لرسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله سمعا وطاعة فاصنع ما شئت، فنزل قوله: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " أي ما غنمتم بعد بدر، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قسم غنائم بدر على سواء ولم يخمس (1). " كما أخرجك ربك من بيتك " الكاف في قوله: " كما اخرجك " يتعلق بما دل عليه قوله: " قل الانفال لله والرسول " لان هذا في معنى (2) نزعها من أيديهم بالحق، كما أخرجك ربك بالحق (3)، فالمعنى قل الانفال لله ينزعها عنكم مع كراهتكم ومشقة ذلك عليكم، لانه أصلح لكم، كما أخرجك ربك من بيتك مع كراهة فريق من المؤمنين ذلك، لان الخروج كان أصلح لكم من كونكم في بيتكم، والمراد بالبيت هنا المدينة، يعني خروج النبي صلى الله عليه وآله منها إلى بدر، وقيل: يتعلق بيجادلونك أي يجادلونك في الحق كارهين له كما جادلوك حين أخرجك ربك كارهين للخروج كراهية طباع، فقال بعضهم: كيف نخرج ونحن قليل والعدو كثير ؟ وقال بعضهم: كيف نخرج على عمياء لا ندري إلى العير نخرج أم إلى القتال ؟ فشبه جدالهم بخروجهم لان القوم جادلوه بعد خروجهم كما جادلوه عند الخروج، فقالوا: هلا أخبرتنا بالقتال فكنا نستعد لذلك، فهذا هو جدالهم، وقيل: يعمل فيه معنى الحق بتقدير، هذا الذكر الحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق


(1) مجمع البيان 4: 517 و 518، فيه: على بواء أي على سواء ولم يخمس. وما ذكره المصنف مختار ومختصر من المصدر. (2) في المصدر: لان في هذا معنى. (3) في المصدر: كما اخرجك من بيتك بالحق.

[ 214 ]

فمعناه أن هذا خير لكم كما أن إخراجك من بيتك على كراهية جماعة منكم خير لكم، وقريب منه ما جاء في حديث أبي حمزة الثمالي: فالله ناصرك كما أخرجك من بيتك وقوله: " بالحق " أي بالوحي، وذلك أن جبرئيل أتاه وأمره بالخروج، وقيل: معناه أخرجك ومعك الحق، وقيل: أخرجك بالحق الذى وجب عليك وهو الجهاد " وإن فريفا من المؤمنين " أي طائفة منهم " لكارهون " لذلك للمشقة التي لحقهم " يجادلونك في الحق بعد ما تبين " معناه يجادلونك فيما دعوتهم إليه بعد ما عرفوا صحته وصدقات بالمعجزات، ومجادلتهم: قولهم هلا أخبرتنا بذلك، وهم يعلمون أنك لا تأمرهم عن الله إلا بما هو حق وصواب، وكانوا يجادلون فيه لشدته عليهم، يطلبون بذلك رخصة لهم في التخلف عنه، أو في تأخير الخروج إلى وقت آخر، وقيل: معناه يجادلونك في القتال يوم بدر بعد ما تبين صوابه " كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " أي كان هؤلاء الذين يجادلونك في لقاء العدو لشدة القتال عليهم حيث لكم يكونوا مستعدين له، ولكراهتهم له من حيث الطبع كانوا بمنزلة من يساق إلى الموت وهم يرونه عيانا وينظرون إلى أسبابه (1) " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " يعني واذكروا واشكروا الله إذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم: إما العير، وإما النفير " وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم " أي تودون أن لكم العير وصاحبها أبو سفيان، لئلا تلحقكم مشقة دون النفير وهو الجيش من قريش، قال الحسن: كان المسلمون يريدون العير، ورسول الله صلى الله عليه وآله يريد ذات الشوكة، كنى بالشوكة عن الحرب لما في الحرب من الشدة، وقيل: الشوكة: السلاح " ويريد الله أن يحق الحق بكلماته " معناه والله أعلم بالمصالح منكم، فأراد أن يظهر الحق بلطفه، ويعز الاسلام ويظفركم على وجوه القريش (2)، ويهلكهم على أيديكم بكلماته السابقة وعداته في قوله تعالى: " ولقد


(1) في المصدر: وهم ينظرون إليه وإلى اسبابه. (2) هكذا في النسخ وفى نسخة المصنف أيضا. وهو من سهو القلم والصحيح كما في المصدر: قريش بلا حرف تعريف.

[ 215 ]

سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون " (1) وقوله: " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (2) " وقيل: " بلكماته " أي بأمره لكم بالقتال " ويقطع دابر الكافرين " أي يستأصلهم فلا يبقي منهم أحدا يعني كفار العرب " ليحق الحق " أي ليظهر الاسلام " ويبطل الباطل " أي الكفر بإهلاك أهله " ولو كره المجرمون " أي الكافرون، وذكر البلخي عن الحسن أن قوله: " وإذ يعدكم الله " نزلت قبل قوله: " كما أخرجك ربك " وهي في القراءة بعدها. القصة قال أصحاب السير وذكر أبو حمزة وعلي بن إبراهيم في تفسيرهما دخل حديث بعضهم في بعض: أقبل أبو سفيان بعير قريش من الشام وفيها أموالهم وهي اللطيمة (3) فيها أربعون راكبا من قريش، فندب النبي صلى الله عليه وآله أصحابه للخروج إليها ليأخذوها وقال: لعل الله أن ينفلكموها (4)، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم ولم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله يلقى كيدا ولا حربا، فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان والركب لا يرونها إلا غنيمة لهم، فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وآله استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم ويخبرهم


(1) الصافات: 171 - 173. (2) التوبة: 33 والصف: 9. (3) في النهاية: قال أبو جهل: يا قوم اللطيمة اللطيمة أي ادركوها. واللطيمة: الجمال التى تحمل العطر والبز غير الميرة. قال المقريزى في الامتاع: 66: كانت العير ألف بعير فيها أموال عظام، ولم يبق بمكة قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعدا الا بعث به في العير، فيقال: إن فيها لخمسين ألف دينار، ويقال: اقل. (4) في نسخة المصنف: أن ينفلكموهما. وهو وهم من سهو القلم.

[ 216 ]

أن محمدا قد تعرض لعيرهم في أصحابه (1) فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، وكانت عاتكة بنت عبد المطلب رأت (2) فيما يرى النائم قبل مقدم ضمضم بن عمرو بثلاث ليال أن رجلا أقبل على بعير له ينادي يا آل غالب اغدوا إلى مصارعكم، ثم وافى بجمله على أبي قبيس فأخذ حجرا فدهدهه (3) من الجبل فما ترك دارا من دور قريش إلا أصابته منه فلذة (3)، فانتبهت فزعة من ذلك فأخبرت العباس بذلك، فأخبر العباس عتبة ابن ربيعة، فقال عتبة: هذه مصيبة تحدث في قريش، وفشت الرؤيا فيهم، وبلغ ذلك أبا جهل، فقال: هذه نبيه ثانية في بني عبد المطلب، واللات والعزى لننظرن ثلاثة أيام، فإن كان ما رأت حقا وإلا لنكتبن كتابا بيننا أنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا ولا نساء من بني هاشم، فلما كان اليوم الثالث أتاهم ضمضم يناديهم بأعلى الصوت يا آل غالب يا آل غالب اللطيمة اللطيمة، العير العير، أدركوا وما أراكم تدركون، إن محمدا والصباة (5) من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون


(1) في الامتاع: استأجروه بعشرين مثقالا، وأمره أبو سفيان صخر بى حرب بن امية ان يخبر قريشا ان محمد اقد عرض لعيرهم، وأمره ان يجدع بعيره إذا دخل مكة، ويحول رحله، ويشق قميصه من قبله ودبره، ويصيح الغوث الغوث انتهى أقول: كان من عادة العرب ان يعملوا ذلك حين يريدون ان ينذروا قومهم بالشر المستأصل. (2) في سيرة ابن هشام 2: 245 قالت: رأيت راكبا اقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ بأعلى صوته: الا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة: ثم صرخ بمثلها: الا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها. ثم أخذ صخرة فأرسلها، فاقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار الا دخلتها منها فلقة انتهى. وذكر المقريزى في امتاع الاسماع رؤيا لضمضم ابن عمرو. قال رأى ضمضم بن عمرو ان وادى مكة يسيل دما من اسفله وأعلاه. (3) دهدهه: دحرجه فتدحرج. (4) الفلذة: القطعة. (5) قال الجزرى في النهاية: صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين غيره، وكانت العرب تسمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصابئ، لانه خرج من دين قريش إلى دين الاسلام، ويسمون من يدخل في الاسلام مصبوا، لانهم لا يهمزون فابدلوا من الهمزة واوا، ويسمون المسلمين الصباة بغير همز، كانه جمع الصابى غير مهموز كقاض وقضاة، وغاز وغزاة.

[ 217 ]

لعيركم، فتهيأوا للخروج، وما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرج مالا لتجهيز الجيش، وقالوا: من لم يخرج نهدم داره، وخرج معهم العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب، وأخرجوا معهم القيان (1) يضربون الدفوف وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا، فلما كان بقرب بدر أخذ عينا للقوم فأخبره بهم. وفي حديث أبي حمزة الثمالي بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عينا له على العير اسمه عدي فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره أين فارق العير نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بنفير المشركين من مكة، فاستشار أصحابه في طلب العير وحرب النفير، فقام أبو بكر فقال يا رسول الله: إنها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت، ولا ذلت منذ عزت، ولم نخرج على اهبة الحرب. (2) وفي حديث أبي حمزة: قال أبو بكر: أنا عالم بهذا الطريق، فارق عدي العير بكذا وكذا، وساروا وسرنا فنحن والقوم على بدر يوم كذا وكذا كأنا فرسا رهان فقال صلى الله عليه وآله: اجلس فجلس، ثم قام عمر بن الخطاب فقال مثل ذلك، فقال: اجلس فجلس، (3) ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها، وقد آمنا بك وصدقنا، وشهدنا أن ماجئت به حق، والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس (4) لخضناه معك، والله لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: " اذهب


(1) جمع القينة: المغنية أو أعم. (2) الاهبة بالضم: العدة، يقال أخذ للسفر اهبته. وفى المصدر: لم تخرج على هيئة الحرب (3) حرف كلام أبى بكر وعمر في السيرة والامتاع، فابن هشام اختصره وقال: فتكلما وأحسنا، ولم يذكر ما قالاه والمقريزي ذكره بنحو يوافق كلام المقداد، ولكن الصحيح ما ذكره الطبرسي، ويدل عليه ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع لهما، بل دعا للمقداد بخير. راجع الامتاع: 74 والسيرة 2: 253. (4) الجمر: النار المتقدة: الغضا: شجر من الاثل خشبه من اصلب الخشب وجه، يبقى زمنا طويلا لا ينطفئ. والهراس: شجر كبير الشوك.

[ 218 ]

أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون (1) " ولكنا نقول: امض لامر ربك فإنا معك مقاتلون، فجزاه رسول الله صلى الله صلى عليه وآله خيرا على قوله ذلك، ثم قال: أشيروا علي أيها الناس، وإنما يريد الانصار، لان أكثر الناس منهم، ولانهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: إنا براء من ذمتك حتتى تصل إلى دارنا، ثم أنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع آباءنا ونساءنا، (2) فكان صلى الله عليه وآله يتخوف أن لا يكون الانصار ترى عليها نصرته إلا على من دهمه بالمدينة من عدو، وأن ليس عليهم أن ينصروه بخارج المدينة فقام سعد بن معاذ فقال: بأبي أنت وامي يارسول الله كأنك أردتنا ؟ فقال: نعم فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله، إنا قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منها ما شئت، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك، ولعل الله أن يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: سيروا على بركة الله، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، ولن يخلف الله وعده، والله لكأني أنظر إلى مصرع أبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وفلان و فلان، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرحيل، وخرج إلى بدر وهو بئر. وفي حديث أبي حمزة: وبدر رجل من جهينة والماء ماؤه وإنما سمي الماء باسمه (3). وأقبلت قريش وبعثوا عبيدها ليستقوا من الماء فأخذهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله (4). وقالوا لهم: من أنتم ؟ قالوا نحن عبيد قريش، (5) قالوا فأين العير ؟ قالوا: لا علم


(1) المائدة: 27. (2) في المصدر: ابناءنا ونساءنا. (3) لعله إلى هنا مختص بحديث الثمالى وبعده مشترك. (4) في السيرة هم على بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص في نفر اخرى. (5) ذكر في السيرة اثنين منهم وهما: اسلم غلام بنى الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بنى العاص بن سعيد، وزاد في الامتاع: أبا رافع غلام امية بن خلف.

[ 219 ]

لنا بالعير، فأقبلوا يضربونهم وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي فانفتل من صلاته، وقال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبو كم تركتموهم، فأتوه بهم فقال لهم: من أنتم ؟ قالوا: يا محمد نحن عبيد قريش، قال: كم القوم ؟ قالوا: لا علم لنا بعددكم قال: كم ينحرون كل يوم من جزور ؟ قالوا: تسعة إلى عشرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: القوم تسعمائة إلى ألف رجل (1)، فأمر صلى الله عيه وآله بهم فحبسوا، و بلغ ذلك قريشا ففزعوا وندموا على مسيرهم، ولقي عتبة بن ربيعة أبا البختري بن هشام فقال: أما ترى هذا البغي والله ما أبصر موضع قدمي خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغيا وعدوانا، والله ما أفلح قوم بغوا قط ولوددت ما في العير (2) من أموال بني عبد مناف ذهبت ولم نسر هذا المسير، فقال له أبوالبختري: إنك سيد من سادات قريش، فسر في الناس وتحمل العير التي أصابها محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه بنخلة ودم ابن الحضرمي فإنه حليفك، فقال له: علي ذلك وما على أحد من خلاف إلا ابن الحنظلة، يعني أبا جهل، فصر إليه وأعلمه أني حملت العير ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعلي عقله (3)، قال: فقصدت خباه وأبلغته ذلك، فقال: إن عتبة يتعصب لمحمد، فإنه من بني عبد مناف وابنه معه ويريد أن يخذل بين الناس لا واللات والعزى حتى نقحم عليهم يثرب، أو نأخذهم اسارى فندخلهم مكة، و تتسامع العرب بذلك، وكان أبو حذيفة بن عتبة مع رسول الله صلى الله عليه وآله. وكان أبو سفيان (4)


(1) وذكر في السيرة أنه سألهما عن مكان القوم فقالا: هم والله من وراء هذا الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى، وسأل عن اشرافهم فقالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، أبو البخترى بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، و طعيمة بن عدى بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الاسود، وأبو جهل بن هشام. وامية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبدود فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الناس فقال: هذه مكة قد القت إليكم افلاذ كبدها. (2) في المصدر: لوددت ان ما في العير. (3) العقل: الدية. (4) في سيرة ابن هشام، وأقبل أبو سفيان بن حرب حتى تقدم العير حذرا، حتى ورد - >

[ 220 ]

لما جاز بالعير بعث إلى قريش: قد نجى الله عيركم فارجعوا ودعوا محمدا والعرب، و ادفعوا بالراح (1) ما اندفع، وإن لم ترجعوا فردوا القيان، فلحقهم الرسول في


< - - الماء فقال المجدي بن عمرو [ وكان على الماء ]، هل احسست احدا ؟ فقال: ما رأيت احدا انكره الا انى رأيت راكبين قد اناخا إلى هذ التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا [ كانا هما بسبس بن عمرو وعدى بن أبى الزغباء نزلا بدرا فاستقيا منها ] فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من ابعار بعيرهما ففته فإذا فيه النوى، فقال: والله هذه علائف يثرب، فرجع إلى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتى أسرع، و اقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن [ عبد ] المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: انى رأيت فيما يرى النائم. وأنى لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل قد اقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة. وأبو الحكم بن هشام وامية بن خلف، وفلان وفلان - فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من اشراف قريش - ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر، فما بقى خباء من اخبية العسكر الا اصابه نضخ من دمه، قال: فبلغت أبا جهل فقال: وهذا أيضا نبى اخر من بنى عبد المطلب، سيعلم غدا من المقتول ان نحن التقينا. قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد احرز عيره أرسل إلى قريش: انكم خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاه لله فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام، والله لا نرجع حتى نرد بدرا (وكان بدر موسما من مواسم العرب تجتمع لهم به سوق كل عام) فنقم عليه ثلاثا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا ابدا بعدها فامضوا. وقال الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى - وكان حليفا لبنى زهرة وهم بالجحفة - يا بنى زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وانما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بى جبنها وارجعوا، فانه لا حاجة لكم بان تخرجوا في غير ضيعة، لا ما يقول هذا، يعني أبا جهل، فرجعوا، فلم يشهدها زهرى واحد، اطاعوه وكان فيهم مطاعا. ولم يكن بقى من قريش بطن الا وقد نفر منهم ناس الا بنى عدى بن كعب لم يخرج منهم رجل واحد فرجعت بنو زهرة مع الاخنس بن شريق فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين احد، و مضى القوم. انتهى اقول: وذكر رجوع طالب بن أبى طالب وسيأتى ذكره. (1) قال المصنف في الهامش: الراح جمع الراحة، ولعل المعنى أنكم ان امكنكم دفعه بالاسهل فلا تتعرضوا للاشق، والراح أيضا الخمر والارتياح، ولعل الاول أنسب.

[ 221 ]

الجحفة فأراد عتبة أن يرجع فأبى أبو جهل وبنو مخزوم وردوا القيان من الجحفة قال: وفزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه آله لما بلغهم كثرة قريش واستغاثوا وتضرعوا فأنزل الله سبحانه: " إذ تستغيثون ربكم ". قال ابن عباس: لما كان يوم بدر واصطف القوم للقتال قال أبو جهل: اللهم أولانا بالنصر فانصره، (1) واستغاث المسلمون، فنزلت الملائكة ونزل قوله: " إذ تستغيثون ربكم " إلى آخره، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله لما نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين استقبل القبلة وقال: " اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض " فما زال يهتف ربه مادا يديه حتى سقط رداؤه من منكبه، فأنزل الله تعالى " إذ تستغيثون ربكم " الآية، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ولما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وجنه الليل ألقى الله عليه أصحابه النعاس، وكانوا قد نزلوا في موضع كثير الرمل لا تثبت فيه قدم، فأنزل الله عليهم المطر رذاذا حتى لبد الارض (2) وثبتت أقدامهم، وكان المطر على قريش مثل العزالي، (3) وألقى الله في قلوبهم الرعب كما قال: " سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب " الآية. قوله: " إذ تستغيثون ربكم " أي تستجيرون بربكم يوم بدر من أعدائكم و


(1) في الامتاع: واستفتح أبو جهل يومئذ فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعلم فأحنه الغداة فأنزل الله: " ان تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وان تعودوا تعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وان الله مع المؤمنين " وقال يومئذ. ما تنقم الحرب العوان منى * بازل عامين حديث سنى لمثل هذا ولدتني امى. (2) الرذاذ: المطر الضعيف لبد المطر الارض: رشها. ولبد الشئ: لصق بعضه ببعض حتى صار كاللبد. (3) العزالى والعزالى جمع العزلاء، مصب الماء من القربة ونحوها. وانزلت السماء عزاليها اشارة إلى شدة وقع المطر.

[ 222 ]

تسألونه النصر عليهم لقلتكم وكثرتهم، فلم يكن لكم مفزع إلا التضرع إليه، و الدعاء له في كشف الضر عنكم " فاستجاب لكم أني ممد كم " أي مرسل إليكم مددا لكم " بألف من الملائكة مردفين " أي متعبين ألفا آخر من الملائكة، لان مع كل واحد منهم ردف له (1)، وقيل: معناه مترادفين متتابعين، وكانوا ألفا بعضهم في أثر بعض، وقيل: بألف من الملائكة جاؤوا على آثار المسلمين (2) " وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم " أي ما جعل الامداد بالملائكة إلا بشرى لكم بالنصر، و لتسكن (3) به قلوبكم، وتزول الوسوسة عنها، وإلا فملك واحد كاف للتدمير عليهم كما فعل جبرئيل بقوم لوط فأهلكهم بريشة واحدة، واختلف في أن الملائكة هل قاتلت يوم بدر أم لا ؟ فقيل: ما قاتلت ولكن شجعت وكثرت سواد المسلمين و بشرت بالنصر، وقيل: إنها قاتلت، قال مجاهد: إنما أمدهم بألف مقاتل من الملائكة، فأما ما قاله في آل عمران بثلاثة آلاف وبخمسة آلاف فإنه للبشارة، و روي عن ابن مسعود أنه سأله أبو جهل من أين كان يأتينا الضرب، ولا نرى الشخص قال: من قبل الملائكة، فقال: هم غلبونا لا أنتم، وعن ابن عباس أن الملائكة فاتلت يوم بدر وقتلت " وما النصر إلا من عند الله " لا بالملائكة ولا بكثرة العدد " إن الله عزيز " لا يمنع عن مراده " حكيم " في أفعاله " إذ يغشيكم النعاس " هو أول النوم قبل أن يثقل " أمنة " أي أمانا " منه " أي من العدو، وقيل: من الله فإن الانسان لا يأخذه النوم في حال الخوف، فآمنهم الله تعالى بزوال الرعب عن قلوبهم، وأيضا فإنه قواهم بالاستراحة على القتال من الغد (4) " وينزل عليكم من السماء ماء " أي مطرا " ليطهركم به " وذلك لان المسلمين قد سبقهم الكفار إلى الماء، فنزاوا على كثيب رمل، وأصبحوا محدثين مجنبين، وأصابهم الظمأ ووسوس


(1) هكذا في الكتاب، والصحيح كما في المصدر: ردفا (2) في المصدر: على اثر المسلمين. (3) في نسخة: لتطمئن به. (4) في المصدر: من العدو.

[ 223 ]

إليهم الشيطان. وقال: إن عدوكم قد سبقكم إلى الماء وأنتم تصلون مع الجنابة والحدث ؟ وتسوخ أقدامكم في الرمل، فمطرهم الله حتى اغتسلوا به من الجنابة و تطهروا به من الحدث، وتلبدت به أرضهم، وأوحلت أرض عدوهم " ويذهب عنكم رجز الشيطان " أي وسوسته بما مضى ذكره، أو بالجنابة التي أصابتكم بالاحتلام " وليربط على قلوبكم " أي وليشد على قلوبكم أي يشجعها " ويثبت به الاقدام " بتلبيد الارض، وقيل: بالبصر وقوة القلب " إذ يوحي ربك إلى الملائكة " يعني الملائكة الذين أمد بهم المسلمين " أني معكم " بالمعونة والنصرة " فثبتوا الذين آمنوا " أي بشروهم بالنصر، وكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم، وقيل: معناه قاتلوا معهم المشركين أو ثبتوهم بأشياء تلقونها في قلوبهم يقوون بها " سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب " أي الخوف من أوليائي " فاضربوا فوق الاعناق " يعني الرؤوس لانها فوق الاعناق، قال عطا: يريد كل هامة وجمجمة، وجائز أن يكون هذا أمرا للمؤمنين، وأن يكون أمرا للملائكة وهو الظاهر، قال ابن الانباري: إن الملائكة حين امرت بالقتال لم تعلم أين تقصد بالضرب من الناس، فعلمهم الله تعالى " واضربوا منهم كل بنان " يعني الاطراف من اليدين والرجلين، وقيل: يعني أطراف الاصابع، اكتفى به عن جملة اليد والرجل " ذلك " العذاب والامر بضرب العناق والاطراف وتمكين المسلمين منهم " بأنهم شاقوا الله ورسوله " أي بسبب أنهم خالفوا الله ورسوله وحاربوهما " ومن يشاقق الله و رسوله فإن الله شديد العقاب " في الدنيا بالاهلاك، وفي الآخرة بالتخليد في النار " ذلكم " أي هذا الذي أعددت لكم من الاسر والقتل في الدنيا " فذوقوه " عاجلا " وإن للكافرين " آجلا " عذاب النار ". تمام القصة: ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر عبأ أصحابه فكان في عسكره فرسان: فرس للزبير بن العوام، (1) وفرس للمقداد بن الاسود، وكان في عسكره


(1) ويقال لمرثد بن أبى مرثد الغنوى، ويقال لفرس المقداد: سبحه، ولفرس مرثد: السيل، ولفرس الزبير، اليعسوب، وعلى أي لا خلاف في أنه كان في عسكره فرسان، ولا خلاف في ان احدهما للمقداد، واما الثاني فمردد بين مرثد والزبير.

[ 224 ]

سبعون جملا كانوا يتعاقبون عليها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يتعاقبون على جمل لمرثد بن أبي مرثد، وكان في عسكر قريش أربعمائة فرس، وقيل: مائتا فرس، فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قال أبو جهل: ما هم إلا اكلة رأس، لو بعثنا إليهم عبيدنا لاخذوهم أخذا باليد، وقال عتبة بن ربيعة: أترى لهم كمينا أو مددا ؟ فبعثوا عمر بن وهب الجمحي وكان فارسا شجاعا فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم رجع فقال: ما لهم كمين ولا مدد، ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع أما ترونهم خرسا لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الافاعي، ما لهم ملجأ إلا سيوفهم و ما أراهم يولون حتى يقتلوا، ولا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم، فارتاؤا رأيكم، فقال له أبو جهل: كذبت وجبنت، فأنزل الله سبحانه " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " يا معاشر قريش إني أكره أن أبدأكم فخلوني والعرب وارجعوا " فقال عتبة: ما رد هذا قوم قط فأفلحوا، ثم ركب جملا له أحمر فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يجول بين العسكرين وينهى عن القتال، فقال صلى الله عليه وآله إن يك عند أحد خير فعند صاحب الجمل الاحمر، وإن يطيعوه يرشدوا، وخطب عتبة فقال في خطبته: يا معاشر قريش أطيعوني اليوم، واعصوني الدهر، إن محمدا له إل (1) وذمة، وهو ابن عمكم فخلوه والعرب فإن يك صادقا فأنتم أعلى عينا به، وإن يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره، فغاظ أبا جهل قوله وقال له: جبنت وانتفخ سحرك، فقال: يا مصفرا إسته (2) مثلي يجبن ؟ ستعلم قريش أينا ألام و أجبن، وأينا المفسد لقومه، ولبس درعه وتقدم هو وأخوه شيبة وابنه الوليد، و


(1) الال: العهد. القرابة. (2) في النهاية: في حديث بدر قال عتبة لابي جهل: يا مصفر استه، رماه بالابنة وأنه كان يزعفر استه، وقيل: هي كلمة تقال للمتنعم المترف الذى لم تحنكه التجارب والشدائد، و قيل: أراد يا مضرط نفسه من الصفير، وهو الصوت بالفم والشفتين، كانه قال: يا ضراط، نسبه إلى الجبن والخور انتهى وزاد ابن الجوزى: وقيل: كان به برص فكان يردعه بالزعفران.

[ 225 ]

قال: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، فبزر إليه ثلاثة نفر من الانصار (1) و انتسبوا لهم فقالوا: ارجعوا إنما نريد الاكفاء من قريش، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان له يومئذ سبعون سنة فقال: قم يا عبيدة ونظر إلى حمزة فقال: قم يا عم، ثم نظر إلى علي فقال: قم يا علي وكان أصغر القوم فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها، تريد أن تطفئ نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ثم قال: يا عبيدة عليك بعتبة بن ربيعة، وقال لحمزة: عليك بشيبة، وقال لعلي عليه السلام: عليك بالوليد، فمروا حتى انتهوا إلى القوم فقالوا: أكفاء كرام، فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه فأطنها (2) فسقطا جميعا، وحمل شيبة على حمزة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما، وحمل أمير المؤمنين عليه السلام على الوليد فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه، قال علي عليه السلام: لقد أخذ الوليد يمينه بشماله (3) فضرب بها هامتي فظننت أن السماء وقعت على الارض، ثم اعتنق حمزة وشيبة فقال المسلمون: يا علي أما ترى الكلب نهز عمك (4) ؟ فحمل عليه علي عليه السلام فقال: يا عم طأطئ رأسك، وكان حمزة أطول من شيبة، فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه علي فطرح نصفه، ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه. وفي رواية اخرى أنه برز حمزة لعتبة، وبرز عبيدة لشيبة، وبرز علي للوليد فقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة، وقتل علي الوليد، وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلي، وحمل عبيدة حمزة وعلي حتى أتيا به رسول الله صلى الله عليه وآله فاستعبر (5)، فقال: يا رسول الله ألست شهيدا ؟ قال: بلى أنت أول شهيد من أهل


(1) في السيرة: وهم عوف ومعوذا بنا الحارث، ورجل اخر يقال: هو عبد الله بن رواحة. (2) أي قطعها. (3) في المصدر: بيساره. (4) نهزه: دفعه وضربه. وفى المصدر: اما ترى أن الكلب قد نهز عمك. (5) أي جرت دمعه.

[ 226 ]

بيتي، (1) وقال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا ولا تبطروا كما بطرا بنا ربيعة، عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزرا، وعليكم بقريش فخذوهم أخذا حتى ندخلهم مكة فنعرفهم ضلالتهم التي هم عليها، وجاء إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال لهم: أنا جار لكم، ادفعوا إلي رايتكم، فدفعوا إليهم رأية الميسرة وكانت الراية مع بني عبد الدار، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لاصحابه: " غضوا أبصاركم، وعضوا على النواجد " ورفع يده فقال: " يا رب إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " ثم أصابه الغشي فسري عنه وهو يسلت العرق عن وجهه (2) فقال: هذا جبرئيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين. وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لقد رأينا (3) يوم بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه من جسده قبل أن يصل إليه السيف. قال ابن عباس: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة (4)، فبينا نحن هناك إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعنا قائلا يقول: أقدم حيزوم (5) وقال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت. وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم بدر: هذا جبرئيل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب، أورده البخاري في الصحيح (6).


(1) قال المقريزى ومات رضى الله عنه عند رجوعه صلى الله عليه وآله إلى المدينة بالصفراء. (2) سرى عنه: زال عنه ما كان يجده من الهم. ويسلت العرق عن وجهه أي يمسحه ويلقيه. (3) في نسخة المصنف: لقد رأيتنا. وفى الصمدر: لقد رأينا يوم بدر أن احدنا. (4) الدبرة: الهزيمة. (5) قيل: الحيزوم: اسم فرس جبرئيل. (6) صحيح البخاري 5: 103.

[ 227 ]

قال عكرمة: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الاسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمت أم الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا، فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا، قال: وكنت: رجلا ضعيفا، وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله، إني لجالس فيها أنحت القدح وعندي ام الفضل جالسة، و قد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب (1) الحجرة، وكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد قدم، فقال أبو لهب: هلم إلي يا بن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا بن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال: لا شئ والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا و يأسرونا كيف شاؤا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض ما تليق (2) شيئا ولا يقوم لها شئ، قال أبو رافع: فرفعت طرف الحجرة بيدي ثم قلت: تلك الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة فثاورته فاحتملني وضرب (3) بي الارض، ثم برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا، فقامت ام الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته ضربة فلقت رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه إن غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا،


(1) الطنب: حبل طويل يشد به سرادق البيت. (2) قال المصنف في هامش الكتاب: قال الفيروز آبادى: لاق به: لاذ به، ولا يليق بك، لا يعلق، وما يليق درهما من جوده ما يمسكه. (3) في المصدر: فضرب. (*)

[ 228 ]

فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة (1) فقتله، ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثة ما يدفنانه حتى أنتن في بيته، وكانت قريش تتقي العدسة كما يتقي الناس الطاعون، حتى قال لهما رجل من قريش: ألا تستحيان أن أبا كما قد أنتن في بيته لا تغيبانه ؟ فقالا: إنا نخشى هذه القرحة، قال: فانطلقا فأنا معكما فما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه، ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار و قذفوا عليه الحجارة حتى واروه. وروى مقسم (2)، عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا، وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي اليسر: كيف أسرت العباس يا أبا اليسر ؟ فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، فقال: لقد أعانك عليه ملك كريم. " يا أيها الذين آمنوا " قيل: خطاب لاهل بدر، وقيل: عام " إذا لقيتم الذين كفروا زحفا " أي متدانين لقتالكم " فلا تولوهم الادبار " أي فلا تنهزموا " ومن يولهم يومئذ دبره " أي من يجعل ظهره إليهم يوم القتال ووجهه إلى جهة الانهزام " إلا متحرفا لقتال " أي إلا تاركا موقفا إلى موقف آخر أصلح للقتال من الاول " أو متحيزا إلى فئة " أي منحازا منضما إلى جماعة من المسلمين يريدون العود إلى القتال ليستعين بهم " فقد باء بغضب من الله " أي احتمل غضب الله واستحقه، وقيل: رجع (3) به، ثم نفى سبحانه أن يكون المسلمون قتلوا المشركين يوم بدر فقال: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " وإنما نفى الفعل عمن هو فعله على الحقيقة


(1) العدسة: بثرة تشبه العدسة تخرج في موضع من الجسد من جنس الطاعون تقتل صاحبها غالبا. (2) مقسم بكسر اوله، ابن بجرة بالضم فسكون ويقال: نجدة بفتح النون، أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس للزومه له، مات سنة 101. (3) في المصدر، وقيل: رجع بغضب من الله.

[ 229 ]

ونسبه إلى نفسه وليس بفعل له، من حيث كانت أفعاله تعالى كالسبب لهذا الفعل، والمؤدي إليه من إقداره إياهم، ومعونته لهم، وتشجيع قلوبهم، وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم حتى قتلوا " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " ذكر جماعة من المفسرين كابن عباس وغيره أن جبرئيل قال للنبي صلى الله عليه وآله يوم بدر: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لما التقى الجمعان لعلي عليه السلام: أعطني قبضة من حصباء الوادي (1)، فناوله كفا من حصا عليه تراب فرمى به في وجوه القوم و قال: " شاهت الوجوة " فلم يبق مشرك إلا دخل في عينه وفمه ومنخريه منها شئ، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت تلك الرمية سبب هزيمة القوم، و قال قتادة وأنس: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال: " شاهت الوجوه " فانهزموا، فعلى هذا إنما أضاف الرمي إلى نفسه لانه لا يقدر أحد غيره على مثله فإنه من عجائب المعجزات " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " أي ولينعم به عليهم نعمة حسنة، والضمير (2) راجع إلى النصر، أو إليه تعالى " إن الله سميع " لدعائكم " عليم " بأفعالكم وضمائركم " ذلكم " موضعه رفع، والتقدير الامر ذلكم الانعام، أو ذلكم الذي ذكرت " وأن الله موهن كيد الكافرين " بإلقاء الرعب في قلوبهم وتفريق كلمتهم " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " فيل: إنه خطاب للمشركين فإن أبا جهل قال يوم بدر حين التقى الفئتان: اللهم أقطعنا للرحم (3)، وآتانا بما لا نعرف، فانصرنا عليه. وفي حديث أبي حمزة قال أبو جهل: اللهم ربنا ديننا القديم، ودين محمد الحديث، فأي الدينين كان أحب إليك وأرضى عندك فانصر أهله اليوم. فالمعنى إن تستنصروا لاحدى الفئتين فقد جاءكم النصر، أي نصر محمد وأصحابه،


(1) في المصدر: من حصا الوادي. (2) في المصدر: والضمير في " منه ". (3) في نسخة: اللهم ان محمدا اقطعنا للرحم. والمصدر موافق للمتن.

[ 230 ]

وقيل: إنه خطاب للمؤمنين، أي إن تستنصروا على أعداءكم فقد جاءكم النصر بالنبي صلى الله عليه وآله " وإن تنتهوا " عن الكفر (1) وقتال الرسول صلى الله عليه وآله " فهو خير لكم و إن تعودوا نعد " أي وإن تعودوا أيها المشركون إلى قتال المسلمين نعد بأن ننصرهم عليكم " ولن تغني عنكم فئتكم شيئا " أي ولن تدفع عنكم جماعتكم شيئا " وإن كثرت " الفئة " وإن الله مع المؤمنين " بالنصر والحفظ (2)، " إن الذين كفروا " قيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الاحابيش (3) يقاتل بهم النبي صلى الله عليه وآله سوى من استحاشهم (4) من العرب، وقيل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا: أبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ونبيه و منبه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيم بن حزام، وأبي بن خلف (5)، وزمعة بن الاسود، والحارث بن عامر بن نوفل، و


(1) في المصدر: أي من الكفر. (2) مجمع البيان 4: 520 - 531. (3) الاحابيش جمع الاحبوش والاحبوشة الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة. (4) أي سوى من جمعهم. وفى نسخة: استحاثهم، وفى المصدر: سوى من استجاشهم من العرب، وفيهم يقول كعب بن مالك: فجئنا إلى موج من البحر وسطهم * احابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف، ونحن بقية * ثلاث مئين ان كثرنا فأربع (5) هكذا في الكتاب ومصدره، وفى الامتاع: امية بن خلف وهو الصحيح، قال المقريزى: وخرجت قريش بالقيان والدفاف يغنين في كل منهل، وينحرون الجزر، وهم تسعمائة و خمسون مقاتلا، وكان المطعمون: أبو جهل نحر عشرا، وامية بن خلف نحر تسعا، وسهيل ابن عمرو بن عبد شمس اخو بنى عامر بن لؤى نحر عشرا، وشيبة بن ربيعة نحر عشرا، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج نحرا عشرا، والعباس بن عبد المطلب نحر عشرا، وأبو البختري العاص ابن هشام بن الحارث بن أسد نحر عشرا، وذكر موسى بن عقبة أن اول من نحر لقريش أبو جهل بن هشام بمر الظهران عشر جزائر، ثم نحر لهم صفوان بن امية بعسفان تسع جزائر ثم نحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشر جزائر، ومضوا من قديد إلى مناة من البحر فظلوا فيها و اقاموا يوما فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسع جزائر، ثم اصبحوا بالجحفة فنحر لهم عتبة بن ربيعة - >

[ 231 ]

العباس بن عبد المطلب كلهم من قريش، وكان كل يوم يطعم واحد منهم عشر جزر (1)، وكانت النوبة يوم الهزيمة للعباس، وقيل: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم (2) إلى مكة مشى صفوان بن امية، وعكرمة بن أبي جهل في رجال من قريش أصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم (3) وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثارا بمن أصيب منا، ففعلوا فأنزل الله فيهم هذه الآية " ينفقون أموالهم " في قتال الرسول والمؤمنين " ليصدوا عن سبيل الله " أي ليمنعوا بذلك الناس عن دين الله الذي أتى به محمد صلى الله عليه وآله " فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة " من حيث إنهم لا ينتفعون بذلك الانفاق لا في الدنيا ولا في الآخرة بل يكون وبالا عليهم " ثم يغلبون " في الحرب وفيه من الاعجاز ما لا يخفى " والذين كفروا إلى جهنم يحشرون " أي بعد تحسرهم في الدنيا ووقوع الظفر بهم " ليميز الله الخبيث من الطيب " أي نفقة الكافرين من نفقة المؤمنين " ويجعل الخبيث بعضه على بعض " أي نفقة المشركين بعضها على بعض


عشر جزائر، ثم اصبحوا بالابواء فنحر لهم قيس بن قيس تسع جزائر، ثم نحر عباس بن عبد المطلب عشر جزائر، ثم نحر لهم الحارث بن عامر بن نوفل تسعا، ثم نحر لهم أبوالبخترى على ماء بدر عشر جزائر ونحر مقيس السهمى على ماء بدر تسعا ثم شغلتهم الحرب فاكلوا من أزوادهم انتهى وذكرهم ابن حبيب في المحبر: 162 مثل ما ذكر المقريزى اولا الا انه زاد عتبة، وقال: ونحر عشرا، ثم قال: فذكر محمد بن عمر المزني: ان قريشا كفأت قدور العباس ولم تطعمها لعلمها بميله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى. (1) في نسخة المصنف عشر جزورا. (2) قال المصنف في الهامش: الفل: القوم المنهزمون من الفل بالكسر وهو مصدر سمى به، ويقع على الواحد والاثنين والجمع، ذكره الجزرى. (3) وتره: أصابه بظلم أو مكروه. افزعه.

[ 232 ]

" فيركمه " أي فيجمعه " جميعا " في الآخرة " فيجعله في جهنم " فيعاقبهم بها (1)، و قيل: معناه ليميز الكافر من المؤمن في الدنيا بالغلبة والنصر والاسماء الحسنة و الاحكام المخصوصة، وفي الآخرة بالثواب والجنة، وقيل: بأن يجعل الكافر في جهنم، والمؤمن في الجنة، فيجعل الكافرين في جهنم بعضهم على بعض (2) يضيقها عليهم " اولئك هم الخاسرون " لانهم قد اشتروا بالانفاق في المعصية عذاب الله. قوله تعالى: " فقد مضت سنة الاولين " أي سنة الله في آبائكم، وعادته في نصر المؤمنين، وكبت أعداء الدين (3). قوله تعالى: " وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " أي فأيقنوا أن الله ناصركم إذ كنتم قد شاهدتم من نصره ما قد شاهدتم، أو المعنى ويجوز أن يكون " آمنتم بالله (4) " معناه اعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول يأمران فيه بما يريدان، إن كنتم آمنتم بالله فاقبلوا ما امرتم به من الغنيمة واعملوا به " وما أنزلنا على عبدنا " أي وآمنتم بما أنزلنا على محمد من القرآن، وقيل: من النصر، وقيل: من الملائكة أي علمتم أن ظفركم على عدوكم كان بنا " يوم الفرقان " يعني يوم بدر، لان الله تعالى فرق فيه بين المسلمين والمشركين بإعزاز هؤلاء و قمع اولئك " يوم التقى الجمعان " جمع المسلمين وهم ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا، وجمع الكافرين وهم بين تسعمائة إلى ألف من صناديد قريش ورؤسائهم فهزموهم وقتلوا منهم زيادة على السبعين، وأسروا منهم مثل ذلك، وكان يوم بدر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان (5) من سنة اثنتين من الهجرة على رأس


(1) في المصدر: فيعاقبهم به. (2) في المصدر: ويجعل الخبيث بعضه على بعض في جهنم. (3) مجمع البيان 4: 541 و 542. (4) هكذا في النسختين المطبوعتين، وفى نسخة المصنف: أو المعنى اعلموا انما غنمتم. وفى المصدر: ويجوز أن يكون " ان كنتم آمنتم بالله " معناه اعلموا. (5) ذكره ابن هشام في السيرة وقال: قال ابن إسحاق: كما حدثنى أبو جعفر محمد بن على بن الحسين انتهى أقول: اراد الامام الباقر عليه السلام. وارخ ابن هشام يوم خروجه صلى الله عليه وآله من المدينة: يوم الاثنين لثمان خلون من شهر رمضان. (7)

[ 233 ]

ثمانية عشر شهرا وقيل: كان التاسع عشر من شهر رمضان، وقد روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام. " إذ أنتم بالعدوة الدنيا " العدوة: شفير الوادي، وللوادي عدوتان وهما جانباه والدنيا تأنيث الادنى، قال ابن عباس: يريد: والله قدير على نصركم وأنتم أقلة أذلة إذ أنتم نزول بشفير الوادي الاقرب إلى المدينة " وهم " يعني المشركين أصحاب النفير " بالعدوة القصوى " أي نزول بالشفير الاقصى من المدينة " والركب " يعني أبا سفيان وأصحابه وهم العير " أسفل منكم " أي في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، قال الكلبي: كانوا على شط البحر بثلاثة أميال، فذكر الله سبحانه مقاربة الفئتين من غير ميعاد، وما كان المسلمون فيه من قلة الماء والرمل الذي تسوخ فيه الارجل مع قلة العدة والعدد، وما كان المشركون فيه من كثرة العدة والعدد و نزولهم على الماء والعير أسفل منهم وفيها أموالهم، ثم مع هذا كله نصر المسلمين عليهم ليعلم أن النصر من عنده تعالى " ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد " معناه لو تواعدتم أيها المسلمون الاجتماع في الموضع الذي اجتمعتم فيه ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم لتأخرتم فنقضتم المعياد، أو لاخلفتم بما يعرض من العوائق والقواطع، فذكر الميعاد لتأكيد أمره في الانفاق، ولولا لطف الله مع ذلك لوقع الاختلاف " ولكن " قدر الله التقاءكم وجمع بينكم وبينهم على غير ميعاد " ليقضي الله أمرا كان مفعولا " أي كائنا لا محالة، وهو إعزاز الدين وأهله، وإذلال الشرك و أهله " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة " أي فعل ذلك ليموت من مات منهم بعد قيام الحجة عليه بما رأى من المعجزات الباهرة للنبي صلى الله عليه وآله في حروبه وغيرها، ويعيش من عاش منهم بعد قيام الحجة، وقيل: إن البينة هي ما وعد الله من النصر للمؤمنين على الكافرين، صار ذلك حجة على الناس في صدق النبي صلى الله عليه وآله فيما أتاهم به من عند الله تعالى وقيل: معناه ليهلك من ضل بعد قيام الحجة عليه فيكون حياة الكافر وبقاؤه هلاكا له، ويحيى من اهتدى بعد قيام

[ 234 ]

الحجة عليه ويكون بقاء من بقي على الايمان حياة له، وقوله: " عن بينة " أي بعد بيان " وإن الله لسميع " لاقوالهم " عليم " بما في ضمائرهم " إذ يريكهم الله " العامل في إذ ما تقدم وتقديره آتاكم النصر إذ كنتم بشفير الوادي إذ يريكهم الله، وقيل: العامل فيه محذوف، أي اذكر يا محمد إذ يريك الله يا محمد هؤلاء المشركين الذين قاتلوكم يوم بدر " في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر " معناه يريكهم الله في نومك قليلا لتخبر المؤمنين بذلك فيجترؤوا على قتالهم، وهو قول أكثر المفسرين، وهذا جائز لان الرؤيا في النوم هو تصور يتوهم معه الرؤية في اليقظة ولا يكون إدراكا ولا علما، بل كثير مما يراه الانسان في نومه يكون تعبيره بالعكس مما رآه، كما يكون تعبير البكاء ضحكا، قال الرماني: ويجوز أن يريد الله (1) الشئ في المنام على خلاف ما هو به، لان الرؤيا في المنام تخيل للمعنى من غير قطع وإن جامعه قطع مع الانسان على المعنى، وإنما ذلك على مثل ما يخيل السراب ماء من غير قطع على أنه ماء، ولا يجوز أن يلهمه اعتقادا للشئ على خلاف ما هو به، لان ذلك يكون جهلا لا يجوز أن يفعله الله سبحانه، والرؤيا على أربعة أقسام: رؤيا من الله تعالى ولها تأويل، ورؤيا من وساوس الشيطان، ورؤيا من غلبة الاخلاط، ورؤيا من الافكار، وكله أضغاث أحلام إلا الرؤيا التي من قبل الله التي هي إلهام في المنام، ورؤيا النبي صلى الله عليه وآله هذه كانت بشارة له وللمؤمنين بالغلبة، وقال الحسن: معنى قوله: " في منامك " في موضع نومك، أي في عينك التي تنام بها، وليس من الرؤيا في النوم، وهو قول البلخي وهذا بعيد " ولو أراكهم كثيرا " على ما كانوا عليه لجبنتم عن قتالهم وضعفتم، ولتنازعتم في أمر القتال " ولكن الله سلم " أي المؤمنين عن الفشل والتنازع " إنه عليم بذات الصدور " أي بما في قلوبهم (2) " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا " أضاف الرؤية في النوم إلى النبي صلى الله عليه وآله لان رؤيا الانبياء لا يكون إلا حقا، وأضاف رؤية العين إلى المسلمين، قلل الله المشركين


(1) في المصدر: ويجوز أن يرى الله. (2) في المصدر: أي بما في قلوبكم، يعلم انكم لو علمتم كثرة عدوكم لرغبتم عن القتال.

[ 235 ]

في أعين المؤمنين ليشتد بذلك طمعهم فيهم وجرأتهم عليه، وقلل المؤمنين في أعين المشركين لئلا يتأهبوا لقتالهم، ولا يكترثوا بهم (1) فيظفر بهم المؤمنون، وذلك قوله: " ويقللكم في أعينهم " وقد وردت الرواية عن ابن مسعود أنه قال: قلت لرجل بجنبي: تراهم سبعين رجلا ؟ فقال: هم قريب من مائة، وقد روي أن أبا جهل كان يقول: خذوهم بالايدي أخذا، ولا تقاتلوهم، ومتى قيل: كيف قللهم الله في أعينهم مع رؤيتهم لهم، فالقول أنه يجوز أن يكون ذلك لبعض الاسباب المانعة من الرؤية إما بغبار أو ما شاكله فيتخيلونهم بأعينهم قليلا من غير رؤية عن الصحة لجميعهم، وذلك بلطف من ألطافه تعالى (2) " إذا لقيتم فئة " أي جماعة كافرة " فاثبتوا " لقتالهم " و اذكروا الله كثيرا " مستعينين به على قتالهم (3) " ولا تنازعوا " في لقاء العدو " فتفشلوا " أي فتجبنوا عن عدوكم " وتذهب ريحكم " أي صولتكم وقوتكم أو نصرتكم أو دولنكم وقيل: إن المعنى ريح النصر التي يبعثها الله مع من ينصره على من يخذله، ومنه قوله صلى الله عليه وآله: " نصرت بالصبا واهلكت عاد بالدبور ". " واصبروا " على قتال الاعداء " إن الله مع الصابرين " بالنصر والمعونة " ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا " أي بطرين، يعني قريشا خرجوا من مكة ليحموا عيرهم فخرجوا معهم بالقيان والمعازف يشربون الخمور، وتعزف عليهم القيان " ورئاء الناس " قيل: إنهم كانوا يدينون بعبادة الاصنام، فلما أظهروا التقرب بذلك إلى الناس كانوا مرائين، وقيل: إنهم وردوا بدرا ليروا الناس أنهم لا يبالون بالمسلمين وفي قلوبهم من الرعب ما فيه، فسمى الله سبحانه ذلك رئاه " ويصدون عن سبيل الله " أي ويمنعون غيرهم عن دين الله " والله بما يعملون محيط " أي عالم بأعمالهم.


(1) اكثرت له: بالى به، يقال: هو لا يكترث لهذا الامر أي لا يعبأ به ولا يباليه. (2) في المصدر: وذلك لطف من الطاف الله تعالى. (3) زاد في المصدر: ومتوقعين النصر من قبله عليهم، وقيل: معناه واذكروا ما وعدكم الله تعالى من النصر على الاعداء في الدنيا والثواب في الاخرة ليدعوكم ذلك إلى الثبات في القتال.

[ 236 ]

قال ابن عباس: لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره أرسل إلى قريش أن ارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام - فنقيم بها ثلاثا، وننحر الجزر، ونطعم الطعام ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فوافوها فسقوا كؤوس المنايا، وناحت عليهم النوائح " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم " أي حسنها في نفوسهم، وذلك أن إبليس حسن لقريش مسيرهم إلى بدر لقتال النبي صلى الله عليه وآله، وقال: " لا غالب لكم اليوم من الناس " أي لا يغلبكم أحد من الناس لكثرة عددكم وقوتكم، " وإني " مع ذلك " جار لكم " أي ناصر لكم، و دافع عنكم السوء، وقيل: معناه وإني عاقد لكم عقد الامان من عدوكم " فلما تراءت الفئتان " أي التقت الفرقتان " نكص على عقبيه " أي رجع القهقرى منهزما وراءه " وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون " أي رجعت عما كنت ضمنت لكم من الامان والسلامة، لاني أرى من الملائكة الذين جاؤوا لنصر المسلمين ما لا ترون، و كان إبليس يعرف الملائكة وهم كانوا لا يعرفونه " إني أخاف الله " أي أخاف عذاب الله على أيدي من أراهم " والله شديد العقاب " لا يطاق عقابه، وقيل: معناه إني أخاف أن يكون قد حل الوقت الذي انظرت إليه، فان الملائكة لا ينزلون إلا لقيام الساعة أو للعقاب، وقال قتادة: كذب عدو الله ما به من مخافة، ولكنه علم أنه لا قوة له ولا منعة، وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه حتى إذا التقى الحق والباطق أسلمهم، وتبرأ منهم، وعلى هذا فيكون قوله: " أرى ما لا ترون " معناه أعلم ما لا تعلمون، وأخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك، واختلف في ظهور الشيطان يوم بدر كيف كان ؟ فقيل: إن قريشا لما أجمعت للمسير ذكرت الذي (1) بينها وبين بني بكر بن عبد مناة (2) بن كنانة من الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم، (3) فجاء إبليس


(1) في نسخة: ذكرت التى. (2) في المصدر: عبد مناف. والظاهر انه مصحف ولعله من النساخ، ذكر ابن هشام في السيرة الحرب بين كنانة وقريش وتحاجزهم عند وقعة بدر، وفيه مثل ما في الكتاب: عند مناة. راجع السيرة 2: 248. (3) أي يصرفهم عن ذلك وفى نسخة يثبطهم. ويقال ثبطه عن الامر أي اثقله واقعده وشغله عنه.

[ 237 ]

في جند من الشيطان فتبدى (1) لهم في سورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ثم المدلجي، وكان من أشراف كنانة فقال لهم: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم " أي مجير لكم من كنانة، فلما رأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء و علم أنه لا طاقة له بهم نكص على عقبيه عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنهم لما التقوا كان إبليس في صف المشركين آخذا بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه فقال له الحارث: يا سراق (2) أين ؟ أتخذلنا على هذه الحالة ؟ فقال له: إني أرى ما لا ترون فقال: والله ما ترى إلا جعاسيس (3) يثرب فدفع في صدر الحارث وانطلق وانهزم الناس، فلما قدموا مكة فقالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، قالوا: إنك أتيتنا يوم كذا، فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان، روي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقيل: إن إبليس لا يجوز أن يقدر على خلع صورته ولبس صورة سراقة، ولكن الله جعل إبليس في صورة سراقة علما للنبي صلى الله عليه وآله، وإنما فعل ذلك لانه علم أنه لو لم يدع المشركين إنسان إلى قتال المسلمين فإنهم لا يخرجون من ديارهم حتى يقاتلوهم (4) المسلمون. لخوفهم من بني كنانة، فصوره بصورة سراقة حتى تم المراد في إعزاز الدين، عن الجبائي وجماعة، وقيل: إن إبليس لم يتصور في صورة إنسان، وإنما قال ذلك لهم على وجه الوسوسة عن الحسن، والاول هو المشهور في التفاسير. ورأيت في كلام الشيخ المفيد رضي الله عنه أنه يجوز أن يقدر الله تعالى الجن ومن جرى مجراهم على أن يتجمعوا ويعتمدوا ببعض جواهرهم على بعض حتى


(1) تبدى: ظهر. (2) في المصدر: يا سراقة. (3) في المصدر: ما نرى الا جعاسيس يثرب. وفى النهاية: الجعاسيس: اللئام في الخلق والخلق، والواحد جعسوس بالضم ومنه الحديث: أتخوفنا بجعاسيس يثرب. (4) في المصدر: حتى يقاتلهم المسلون.

[ 238 ]

يتمكن الناس من رؤيتهم ويتشبهوا بغيرهم من أنواع الحيوان، لان أجسامهم من الرقة على ما يمكن ذلك فيها، وقد وجدنا الانسان يجمع الهواء ويفرقه ويغير صور الاجسام الرخوة ضوربا من التغيير وأعيانها لم تزد ولم تنقص، وقد استفاض الخبر بأن إبليس تراءى لاهل دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد، وحضر يوم بدر في سورة سراقة، وإن جبرئيل عليه السلام ظهر لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في صورة دحيه الكلبي، قال: وغير محال أيضا أن يغير الله صورهم ويكشفها في بعض الاحوال فيراهم الناس لضرب من الامتحان. " إذ يقول المنافقون " هذا يتعلق بما قبله، معناه وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم إذ يقول المنافقون وهم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الايمان " والذين في قلوبهم مرض " وهم الشاكون في الاسلام مع إظهارهم كلمة الايمان، وقيل: إنهم فئة (1) من قريش أسلموا بمكة، واحتبسهم آباؤهم، فخرجوا مع قريش يوم بدر وهم قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن امية بن خلف، والعاص بن المنبه (2) ابن الحجاج، والحارث بن زمعة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، لما رأوا قلة المسلمين قالوا: " غر هؤلاء دينهم " أي غر المسلمين دينهم حتى خرجوا مع قلتهم لاجل دينهم إلى قتال المشركين مع كثرتهم، ولم يحسنوا النظر لانفسهم حتى اغتروا بقول رسولهم، فبين الله تعالى أنهم هم المغرورون بقوله: " ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم " أي ومن يسلم لامر الله ويثق به ويرض بفعله وإن قل عددهم فإن الله تعالى ينصرهم على أعدائهم، وهو عزيز لا يغلب، فكذلك لا يغلب من يتوكل عليه، وهو حكيم يضع الامور مواضعها على ما تقتضيه الحكمة " ولو ترى " يا محمد " إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة " أي يقبضون أرواحهم عند الموت " يضربون وجوههم وأدبارهم " يريد إستاههم، وقيل: وجوههم ما أقبل منهم وأدبارهم ما أدبر منهم، والمراد يضربون أجسادهم من قدامهم ومن خلفهم، والمراد


(1) في المصدر: انهم فتية. (2) في المصدر: " منبه " بلا حرف تعريف.

[ 239 ]

بهم قتلى بدر، عن ابن عباس وابن جبير وأكثر المفسرين، وقيل: معناه سيضربهم الملائكة عند الموت، وروى الحسن أن رجلا قال: يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك، فقال صلى الله عليه وآله: ذلك ضرب الملائكة، وروى مجاهد أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله: إني حملت على رجل من المشركين فذهبت لاضربه فندر (1) رأسه، فقال: سبقك إليه الملائكة " وذوقوا عذاب الحريق " أي وتقول الملائكة للكفار استخفافا بهم: ذوقوا عذاب الحريق بعد هذا في الآخرة، وقيل: إنه كان مع الملائكة يوم بدر مقامع من جديد، كلما ضربوا المشركين بها الثهب النار في جراحاتهم، فذلك قوله: " وذوقوا عذاب الحريق ". " ذلك " أي ذلك العذاب (2) " بما قدمت أيدكيم " أي بما قدمتم وفعلتم " وأن الله ليس بظلام للبيعد " لا يظلم عباده في عقوبتهم من حيث إنه إنما عاقبهم بجناياتهم على قدر استحقاقهم (3). " ما كان لنبي، أي ليس له ولا في عهد الله إليه " أن يكون له أسرى " من المشركين ليفديهم أو يمن عليهم " حتى يثخن في الارض " أي حتى يبالغ في قتل المشركين وقهرهم ليرتدع بهم من وراءهم، وقال أبو مسلم: الاثخان: الغلبة على البلدان والتذليل لاهلها، يعني حتى يتمكن في الارض " تريدون عرض الدنيا " هذا خطاب لمن دون النبي صلى الله عليه وآله من المؤمنين الذين رغبوا في أخذ الفداء من الاسرى ورغبوا في الحرب للغنيمة، قال الحسن وابن عباس: يريد يوم بدر، يقول: أخذتم الفداء من الاسرى في أول وقعة كانت لكم من قبل أن تثخنوا في الارض، وعرض الدنيا: مال الدنيا، لانه بعرض الزوال (4) " والله يريد الآخرة " أي يريد لكم ثواب الآخرة


(1) أي سقط رأسه. (2) في المصدر: أي ذلك العقاب لكم. (3) مجمع البيان 4: 544 - 551. (4) في المصدر بمعرض الزوال.

[ 240 ]

" لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم " قيل في معناه أقوال: أحدها لولا ما مضى من حكم الله أن لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون وأنه لم يبين لكم أن لا تأخذوا الفداء لعذبكم بأخذ الفداء، عن ابن جريح، وثانيها: لولا أن الله حكم لكم بإباحة الغنائم والفداء في ام الكتاب وهو اللوح المحفوظ لمسكم فيما استحللتم قبل الاباحة عذاب عظيم، فإن الغنائم لم تحل لاحد قبلكم عن ابن عباس. وثالثها: لولا كتاب من الله سبق وهو القرآن فآمنتم به واستوجبتم بالايمان به الغفران لمسكم العذاب. ورابعها: أن الكتاب الذي سبق قوله: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ". " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " هذا إباحة منه سبحانه للمؤمنين أن يأكلوا مما غنموا من أموال المشركين. القصة: كان القتلى من المشركين يوم بدر سبعين، قتل منهم علي بن أبي طالب سبعة وعشرين، وكان الاسرى أيضا سبعين، ولم يؤسر أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فجمعوا الاسارى وقرنوهم في الحبال وساقوهم على أقدامهم، وقتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله تسعة رجال، منهم: سعد بن خيثمة، وكان من النقباء من الاوس وعن محمد بن إسحاق: قال: استشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا: أربعة من قريش، وسبعة من الانصار، وقيل: ثمانية، وقتل من المشركين بضعة وأربعون رجلا، وعن ابن عباس قال: لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر والناس محبوسون بالوثاق بات ساهرا أول الليل، فقال له أصحابه: مالك لا تنام ؟ فقال صلى الله عليه وآله: سمعت أنين عمي العباس في وثاقه، فأطلقوه فسكت فنام رسول الله صلى الله عليه وآله، وروى عبيدة السلماني عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لاصحابه يوم بدر في الاسارى: إن شئتم قتلتموهم، و إن شئتم فاديتموهم، واستشهد منكم بعدتهم، وكانت الاسارى سبعين، فقالوا: بل نأخذ الفداء فنستمتع به، ونتقوى به على عدونا، يستشهد منا بعدتهم، قال

[ 241 ]

عبيدة: طلبوا الخيرتين كلتيهما، فقتل منهم يوم احد سبعون. وفي كتاب علي بن إبراهيم: لما قتل رسول الله صلى الله عليه وآله النضر بن الحارث و عقبة بن أبي معيط خافت الانصار أن يقتل الاسارى، قالوا: يا رسول الله قتلنا سبعين وهم قومك وأسرتك، أتجذ أصلهم (1)، فخذ يا رسول الله صلى الله عليه وآله منهم الفداء، وقد كانوا أخذوا ما وجدوه من الغنائم في عسكر قريش، فلما طلبوا إليه وسألوه نزلت: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى " الآيات، فأطلق لهم ذلك، وكان أكثر الفداء أربعة ألاف درهم، وأقلة ألف درهم، فبعثت قريش بالفداء أولا فأولا وبعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله من فدى (2) زوجها أبي العاص بن الربيع، و بعثت قلائد لها كانت خديجة جهزتها بها، وكان أبو العاص ابن أخت خديجة، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله تلك القلائد قال: رحم الله خديجة، هذه قلائد هي جهزتها بها فأطلقه رسول الله صلى الله عليه وآله بشرط أن يبعث إليه زينب ولا يمنعها من اللحوق به فعاهده على ذلك ووفى له، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كره أخذ الفداء حتى رأى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه، فقال: يا رسول الله هذا أول حرب لقينا فيه المشركين والاثخان في القتل أحب إلينا من استبقاء الرجال، وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، فقدمهم واضرب أعناقهم، ومكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان أضرب عنقه، فإن هولاء أئمة الكفر وقال أبو بكر: أهلك وقومك استأن بهم (3) واستبقهم وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: كان الفداء يوم بدر كل رجل من المشركين بأربعين أو قية، والاوقية أربعون مثقالا إلا العباس فإن فداءه كان مائة أوقية، وكان أخذ منه حين أسر عشرون اوقية ذهبا، فقال النبي: ذلك غنيمة، ففاد نفسك وابني اخيك نوفلا وعقيلا، فقال: ليس معي شئ فقال: أين الذهب الذي


(1) جذ: قطع: كسر. (2) في المصدر: فبعث زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فداء زوجها. (3) استأنى في الامر وبه تنظر وترفق.

[ 242 ]

سلمته إلى أم الفضل، وقلت: إن حدث بي حدث فهو لك وللفضل وعبد الله وقثم ؟ فقال: من أخبرك بهذا ؟ قال: الله تعالى، فقال: أشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد إلا الله تعالى. ثم خاطب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله فقال: " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم " إنما ذكر الايدي لان من كان في وثاقهم فهو بمنزلة من يكون في أيديهم لاستيلائهم عليه " من الاسرى " يعني اسراء بدر الذين أخذ منهم الفداء " إن يعلم الله في قلوبكم خيرا " أي إسلاما وإخلاصا أو رغبة في الايمان وصحة نية " يؤتكم " أي يعطكم " خيرا مما أخذ منكم " من الفداء إما في الدنيا والآخرة، وإما في الآخرة، روي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: نزلت هذه الآية في وفي أصحابي، كان معي عشرون أوقية ذهبا، فأخذت مني فأعطاني الله مكانها عشرين عبدا كل منهم يضرب بمال كثير، وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي، قال قتادة: ذكر لنا أن البني صلى الله عليه وآله لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا وقد توضأ لصلاة الظهر، فما صلى يومئذ حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه و يحثي (1) فأخذ، وكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا (2) وأرجو المغفرة " وإن يريدوا " أي الذين أطلقتهم من الاسارى " خيانتك " بأن يعودوا حربا لك (3) أو ينصروا عدوا عليك " فقد خانوا الله من قبل " بأن خرجوا إلى بدر وقاتلوا مع المشركين وقيل: بأن أشركوا بالله وأضافوا إليه ما لا يليق به " فأمكن منهم " أي فأمكنك منهم يوم بدر بأن غلبوا واسروا، وسيمكنك منهم ثانيا إن خانوك " والله عليم " بما في نفوسكم " حكيم " فيما يفعله (4).


(1) في نسخة: ويجبى. (2) في المصدر: اخذ منى. (3) في المصدر: بان يعدوا حربا لك. (4) مجمع البيان 4: 558 - 560.

[ 243 ]

1 - فس: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة " قال أبو عبد الله عليه السلام: ما كانوا أذلة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما نزل: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء (1). 2 - فس: قوله: " إحدى الطائفتين " قال: العير أو قريش (2). قوله: " ذات الشوكة " قال: ذات الشوكة: الحرب، قال: تودون العير لا الحرب " ويريد الله أن يحق الحق بكلماته " قال: الكلمات الائمة، قوله: " شاقوا الله ورسوله " أي عادوا الله ورسوله. قوله: " زحفا " أي يدنو بعضكم من بعض " إلا متحرفا لقتال " يعني يرجع (3) " أو متحيزا إلى فئة " يعني يرجع إلى صاحبه وهو الرسول والامام " فقد كفر وباء بغضب من الله " ثم قال: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " أي أنزل الملائكة حتى قتلوهم، ثم قال: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " يعني الحصا الذي حمله رسول الله صلى الله عليه وآله ورمى به في وجوه قريش وقال: " شاهت الوجوه " ثم قال: " ذلك وأن الله موهن كيد الكافرين " أي مضعف كيدهم وحيلتهم ومكرهم (4) قوله: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم " الآية قال: نزلت في قريش لما وافاهم ضمضم وأخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب العير فأخرجوا أموالهم وحملوا وأنفقوا وخرجوا إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله ببدر فقتلوا وصاروا إلى النار، وكان ما أنفقوا حسرة عليهم، قوله: " إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى " يعني قريشا حين نزلوا (5) بالعدوة اليمانية ورسول الله صلى الله عليه وآله حيث نزل بالعدوة الشامية " والركب أسفل منكم " وهي العير التي أفلتت، ثم قال: " ولو تواعدتم " للحرب لما وفيتم " ولكن " الله جمعكم من غير


(1) تفسير القمى: 111. (2) تفسير القمى: 236. (3) في المصدر: يعنى راجع. (4) تفسير القمى: 248. (5) في نسخة: حيث نزلوا.

[ 244 ]

ميعاد كان بينكم " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة " قال: يعلم من بقي أن الله ينصره، قوله " إذ يريكهم الله في منامك قليلا " فالمخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله، والمعنى لاصحابه، أراهم الله قريشا في منامهم أنهم قليل، و ولو أراهم كثيرا لفزعوا (1). 3 - فس: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " وكان سبب ذلك أن عير القريش خرجت إلى الشام فيها خزائنهم، فأمر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه بالخروج ليأخذوها، فأخبرهم أن الله تعالى قد وعده إحدى الطائفتين: إما العير أو قريش (2) إن أظفر بهم (3)، فخرج في ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا، فلما قارب بدرا كان أبو سفيان في العير، فلما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد خرج يتعرض العير خاف خوفا شديدا، ومضى إلى الشام، فلما وافى النقرة (4) اكترى ضمضم بن عمرو الخزاعي بعشرة دنانير، وأعطاه قلوصا، وقال له: امض إلى قريش وأخبرهم أن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم فأدركوا العير، وأوصاه أن يخرم ناقته، ويقطع أذنها حتى يسيل الدم، ويشق ثوبه من قبل ودبر، فإذا دخل مكة ولى وجهه إلى ذنب البعير وصاح بأعلى صوته وقال: يا آل غالب يا آل غالب، اللطيمة اللطيمة، العير العير، أدركوا أدركوا وما أراكم تدركون، فإن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم،


(1) تفسير القمى: 254 و 255 فيه: ولو أراكهم كثيرا لفزعوا. (2) في المصدر: واما قريش. (3) في نسخة: ان ظفر بهم. (4) النقرة: كل ارض متصوبة في هبط. وفى نسخة: النفرة، وهى القوم الذين ينفرون معك أو يتنافرون في القتال، أو هم الجماعة يتقدمون في الامر، ونفرة الرجل: اسرته ومن يتعصبون له. وفى المصدر: البهرة، وبهرة الوادي: وسطه، والبهرة أيضا: موضع بنواحي المدينة، واقصى ماء يلى قرقرى باليمامة.

[ 245 ]

فخرج ضمضم يبادر إلى مكة، ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم في منامها بثلاثة أيام كأن راكبا قد دخل مكة ينادي: يا آل غدر يا آل غدر (1)، اغدوا إلى مصارعكم صبح ثالثة، ثم وافى بجمله على أبي قبيس فأخذ حجرا فدهده من الجبل (2) فما ترك دارا من دور قريش إلا أصابه منه فلذة، وكان وادي مكة قد سال من أسفله دما، فانتبهت ذعرة فأخبرت العباس بذلك، فأخبر العباس عتبة بن ربيعة، فقال: عتبة: هذه مصيبة تحدث في قريش، وفشت (3) الرؤيا في قريش وبلغ (4) ذلك أبا جهل فقال: ما رأت عاتكة هذه الرؤيا، وهذه نبية ثانية في بني عبد المطلب واللات والعزى لننتظرن ثلاثة أيام، فان كان ما رأت حقا فهو كما رأت، وإن كان غير ذلك لنكتبن بيننا كتابا أنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا ولا نساء من بني هاشم، فلما مضى يوم قال أبو جهل: هذا يوم قد مضى، فلما كان اليوم الثاني قال أبو جهل: هذا يومان قد مضيا، فلما كان اليوم الثالث وافى ضمضم (5) ينادي في الوادي: يا آل غالب، يا آل غالب، اللطيمة اللطيمة، العير العير، أدركوا وما أراكم تدركون، فإن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم التي فيها خزائنكم، فتصايح الناس بمكة، وتهيأوا للخروج، وقام سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية، وأبو البختري بن هشام، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، ونوفل بن خويلد فقال: يا معشر قريش والله ما أصابكم مصيبة أعظم من هذه أن يطمع محمد والصباة من أهل يثرب أن يتعرضوا لعيركم التي فيها خزائنكم، فوالله ما قرشي ولا قرشية إلا و لها في هذا العير نش (6) فصاعدا، وإنه لمن الذل (7) والصغار أن يطمع محمد في أموالكم


(1) يا آل عدى يا آل فهر خ ل. وفى المصدر: يا آل غدر يا آل فهر. (2) في المصدر: فدهدهه من الجبل. (3) في المصدر: فبثت الرؤيا. (4) فبلغ خ ل. (5) أتى ضمضم خ ل. (6) نشرة خ ل. شئ خ. (7) في المصدر: ان هو الا الذل.

[ 246 ]

ويفرق بينكم وبين متجركم، فاخرجوا، وأخرج صفوان بن أمية خمسمائة دينار (1) وجهز بها، وأخرج سهيل بن عمرو، وما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرجوا مالا وحملوا وقووا، (2) وخرجوا على الصعب والذلول لا يملكون أنفسهم كما قال الله تبارك وتعالى: " خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس " وخرج معهم العباس ابن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب، وأخرجوا معهم القيان (3) يشربون الخمور (4) ويضربون بالدفوف، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فلما كان بقرب بدر على ليلة منها بعث بسيس بن أبي الزغبا وعدي ابن عمرو (5) يتجسسان خبر العير، فأتيا ماء بدر وأناخا راحلتيهما واستعذبا من الماء وسمعا جاريتين قد تشبثت إحداهما بالاخرى يطالبها (6) بدرهم كان لها عليها فقالت: عير قريش نزلت أمس في موضع كذا وكذا، وهي تنزل غدا ههنا، وأنا أعمل لهم وأقضيك، فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (7) فأخبراه بما سمعا، فأقبل أبو سفيان بالعير فلما شارف بدرا تقدم العير وأقبل وحده حتى انتهى إلى ماء بدر، وكان بها رجل من جهينة يقال له: كسب (8) الجهني، فقال له: يا كسب هل لك علم بمحمد وأصحابه، قال: لا، قال: واللات والعزى لئن كتمتنا أمر محمد لا تزال قريش لك


(1) خمسة مائة دينار خ ل. (2) في المصدر: وحملوا وقودا. (3) في المصدر: القينات. (4) الخمر خ ل. (5) بشير بن أبى الزغبا ومجدى بن عمرو خ ل. وفى المصدر: بشير بن أبى الدعناء ومجدى ابن عمر، وفى الامتاع: وقدم صلى الله عليه وسلم عدى بن ابى الزغباء سنان بن سبيع بن ثعلبة ابن ربيعة الجهنى، وبسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن عمرو بن سعد بن ذبيان الذبيانى. (6) وتطالبها خ ل. (7) إلى أصحاب رسول الله خ ل. أقول: وفى المصدر: فرجعا أصحاب رسول الله إليه فأخبراه. (8) ذكرنا قبل ذلك ورود أبى سفيان بدرا وانه سأل مجدي بن عمرو عن ذلك.

[ 247 ]

معادية آخر الدهر، فإنه ليس أحد من قريش إلا وله شئ في هذا العير (1) فلا تكتمني، فقال: والله ما لي علم بمحمد، وما بال محمد وأصحابه بالتجار (2) إلا أني رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا فاستعذبا من الماء وأناخا راحلتيهما (3) ورجعا، فلا أدري من هما، فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ إبلهما ففت أبعار الابل بيده فوجد فيها النوى، فقال: هذه علائف يثرب، هؤلاء والله عيون محمد، فرجع مسرعا وأمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر وتركوا الطريق ومروا مسرعين، ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره أن العير قد أفلتت، وأن قريشا قد أقبلت لمنع عيرها وأمره بالقتال، ووعده النصر، وكان نازلا بالصفراء (4) فأحب أن يبلوا الانصار لانهم إنما وعدوه أن ينصروه وكان في الدار (5)، فأخبرهم أن العير قد جازت، وأن قريشا قد أقبلت لتمنع عيرها، وأن الله قد أمرني بمحاربتهم، فجزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك، وخافوا خوفا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أشيروا علي فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت ولا ذلت منذ عزت ولم نخرج (6) على هيئة الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اجلس فجلس، فقال: أشيروا علي فقام عمر فقال مثل مقالة أبي بكر، فقال: اجلس، ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها، وقد آمنا بك وصدقناك، و شهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس لخضنا معك، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: " اذهب أنت و


(1) الا وله في هذا العير نشرة فصاعدا خ ل أقول: في المصدر: ليس أحد من قريش الا وله في هذا العير نش فصاعدا. (2) مالى علم بمحمد وآله بالتخبار خ ل. (3) واناخا راحلتيهما في هذا المكان خ ل. (4) ماء الصفراء خ ل. أقول: الصحيح: الصفراء، وهى قرية بين جبلين يقال لاحدهما مسلح. وللاخر: مخرئ. راجع سيرة ابن هشام 2: 253. (5) في المصدر ان ينصروه في الدار. (6) في نسخة وفى المصدر: ولم يخرج.

[ 248 ]

ربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون (1) " ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فجزاه النبي خيرا ثم جلس، ثم قال: أشيروا علي فقام سعد بن معاذ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله كأنك أردتنا ؟ قال: نعم، قال: فلعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره ؟ قال: نعم، قال: بأبي أنت و أمي يا رسول الله إنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منه (2) ما شئت، والذي أخذت منه أحب إلي من الذي تركت، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضنا (3) معك، فجزاه خيرا، ثم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله ما خضت هذا الطريق قط ومالي به علم، وقد خلفنا بالمدينة قوما ليس نحن بأشد جهازا لك منهم، ولو علموا أنه الحرب لما تخلفوا، ولكن نعد لك الرواحل، ونلقى عدونا فإنا صبر عند اللقاء، أنجاد في الحرب، وإنا لنرجو أن يقر الله عينك بنا، فإن يك ما تحب فهو ذاك، وإن يك غير ذلك قعدت على رواحلك (5) فلحقت بقومنا فقال رسول الله أو يحدث الله غير ذلك، كأني بمصرع فلان ههنا، وبمصرع فلان ههنا، وبمصرع أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومنبه ونبيه ابني الحجاج فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ولن يخلف الله الميعاد، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآية: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " إلى قوله: " ولو كره المجرمون " فأمر رسول الله بالرحيل حتى نزل عشاء على ماء بدر، و هي العدوة الشامية، وأقبلت قريش فنزلت (6) بالعدوة اليمانية، وبعثت عبيدها


(1) المائدة: 24. (2) في المصدر: ولكنا نقول: امش لامر ربك فانا معك مقاتلون. (3) واترك منها خ ل. (4) لخضناه خ ل. (5) راحلتك خ ل. (6) ونزلت خ ل.

[ 249 ]

تستعذب من الماء فأخذوهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وحبسوهم، فقالوا لهم: من أنتم قالوا: نحن عبيد قريش، قالوا: فأين العير ؟ قالوا: لا علم لنا بالعير، فأقبلوا يضربونهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي فانفتل من صلاته، فقال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم، علي بهم، فأتوا بهم، فقال لهم: من أنتم ؟ قالوا: يا محمد نحن عبيد قريش، قال: كم القوم ؟ قالوا: لا علم لنا بعددهم، قال: كم ينحرون في كل يوم جزورا ؟ قالوا: تسعة إلى عشرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: تسعمائة إلى ألف، قال: فمن فيهم من بني هاشم ؟ قال: العباس بن عبد المطلب، و نوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بهم فحبسوا، (1) و بلغ قريشا ذلك (2) فخافوا خوفا شديدا، ولقي عتبة بن ربيعة أبا البختري بن هشام فقال له: أما ترى هذا البغي ؟ والله ما أبصر موضع قدمي، خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغيا وعدوانا، والله ما أفلح قوم قط بغوا، ولوددت أن ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهب كله، ولم نسر هذا المسير، فقال له أبوالبختري: إنك سيد من سادات قريش فتحمل العير التي أصابها محمد وأصحابه بنخلة (3) ودم ابن الحضرمي فإنه حليفك، فقال عتبة: انت علي بذلك، وما على أحد منا (4) خلاف إلا ابن الحنظلية يعني أبا جهل، فصر (5) إليه وأعلمه أني قد تحملت العير التي قد أصابها محمد دم ابن الحضرمي، فقال أبوالبختري: فقصدت خباه وإذا هو قد أخرج درعا له، فقلت له: إن أبا الوليد بعثني إليك برسالة، فغضب ثم قال: أما وجد عتبة رسولا غيرك ؟ فقلت: أما والله لو غيره أرسلني ما جئت، ولكن أبا الوليد سيد العشيرة، فغضب غضبة اخرى، فقال: تقول سيد العشيرة ؟ فقلت: أنا أقوله


(1) فحبسوهم خ ل. (2) في المصدر: فبلغ قريش ذلك. (3) فتحمل العير التى قد أصابها محمد وأصحابه بنخلة خ ل. أقول: وفى المصدر: وتحمل العير التى أصابها محمد وأصحابه بنخيلة. (4) من ذلك خ ل. (5) في المصدر: فسر إليه.

[ 250 ]

وقريش كلها تقوله، إنه قد تحمل العير (1) ودم ابن الحضرمي، فقال: إن عتبة أطول الناس لسانا، وأبلغه في الكلام، (2) ويتعصب لمحمد فإنه من بني عبد مناف وابنه معه، ويريد أن يخدر الناس (3)، لا واللات والعزى حتى نقحم عليهم بيثرب ونأخذهم أسارى، فندخلهم مكة، وتتسامع العرب بذلك، ولا يكون بيننا وبين متجرنا أحد نكرهه، وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كثرة قريش ففزعوا فزعا شديدا وشكوا وبكوا واستغاثوا، فأنزل الله على رسوله " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين * وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم " فلما أمسى (4) رسول الله صلى الله عليه وآله و جنه الليل ألقى الله على أصحابه النعاس حتى ناموا، وأنزل الله تبارك وتعالى عليهم الماء (5) وكان نزول رسول الله صلى الله عليه وآله في موضع لا يثبت فيه القدم، فأنزل الله عليهم السماء (6) ولبد الارض حتى ثبتت (7) أقدامهم، وهو قول الله تبارك وتعالى: " إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان " وذلك أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله احتلم " وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام " وكان المطر على قريش مثل العزالي، وعلى (8) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله رذاذا بقدر ما لبد (9) الارض، وخافت قريش خوفا شديدا، فأقبلوا


(1) وما اصاب محمد بنخلة خ ل - أقول: المصدر خال عن ذلك. (2) في المصدر: وابلغهم في الكلام. (3) يخذل خ ل يحذر خ. أقول: وفى المصدر: ان يحذر بين الناس. (4) ولما أمسى خ ل. (5) السماء خ ل. (6) الماء خ ل. (7) يثبت خ ل. (8) وكان على خ ل. (9) يلبد خ ل.

[ 251 ]

يتحارسون يخافون البيات، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود فقال: ادخلا في القوم وائتونا بأخبارهم، فكانا يجولان بعسكرهم لا يرون إلا خائفا ذعرا، إذا صهل الفرس وثبت على جحفلته، (1) فسمعوا منبه بن الحجاج يقول: لا يترك (2) الجوع لنا مبيتا * لا بد أن نموت أو نميتا قال: قد والله كانوا شباعى، ولكنهم من الخوف قالوا: هذا، وألقى الله في قلوبهم الرعب كما قال الله تبارك وتعالى: " سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب " فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله عبأ أصحابه، وكان في عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله فرسين: (3) فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد، وكانت في عسكره سبعون جملا يتعاقبون عليها، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ومرثد بن أبي مرثد الغنوي على جمل يتعاقبون عليه، والجمل لمرثد، وكان في عسكر قريش أربعمائة فرس فعبأ رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بين يديه وقال: (4) غضوا أبصاركم ولا تبدؤهم بالقتال ولا يتكلمن أحد، فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله عليه السلام قال أبو جهل: ما هم إلا اكلة رأس، لو بعثنا إليهم عبيدنا لاخذوهم أخذا باليد، فقال عتبة بن ربيعة: أترى لهم كمينا ومددا ؟ فبعثوا عمرو بن (5) وهب الجمحي وكان فارسا شجاعا فجال بفرسه حتى طاف بعسكر (6) رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم صعد في الوادي و صوب، ثم رجع إلى قريش فقال: ما لهم كمين ولا مدد، ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع، أما ترونهم خرس لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الافاعي، ما لهم


(1) في المصدر: إذا سمعوا صهيل الفرس وثبوا على جحفلته. (2) لم يترك خ ل. (3) في المصدر المطبوع: فرسان. (4) فقال خ ل. (5) عمر بن وهب خ ل. (6) على عسكر خ ل.

[ 252 ]

ملجأ إلا سيوفهم، وما أراهم يولون حتى يقتلوا، ولا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم (1) فارتأوا رأيكم، فقال أبو جهل: كذبت وجبنت وانتفخ سحرك حين نظرت إلى سيوف أهل يثرب، وفزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله حين نظروا إلى كثرة قريش وقوتهم فأنزل الله تعالى على رسوله: " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " وقد علم الله أنهم لا يجنحون ولا يجيبون إلى السلم، وإنما أراد بذلك لتطيب قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قريش فقال: يا معشر (2) قريش ما أحد من العرب أبغض إلي من أن أبدأ بكم فخلوني والعرب، فإن أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا، وإن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري فارجعوا، فقال عتبة: والله ما أفلح قوم قط ردوا هذا، ثم ركب جملا له أحمر فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله يجول في العسكر وينهى عن القتال، فقال: إن يكن عند أحد خير فعند صاحب الجمل الاحمر إن يطيعوه يرشدوا، فأقبل عتبة يقول: يا معشر قريش اجتمعوا واسمعوا ثم خطبهم فقال: يمن مع رحب، فرحب مع يمن (3)، يا معشر قريش أطيعوني اليوم، واعصوني الدهر، وارجعوا إلى مكة واشربوا الخمور، وعانقوا الحور، فإن محمدا له إل وذمة وهو ابن عمكم فارجعوا ولا تردوا رأيي (4)، وإنما تطالبون محمدا بالعير التي أخذها محمد بنخلة ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعلي عقله، فلما سمع أبو جهل ذلك غاظه وقال: إن عتبة أطول الناس لسانا، وأبلغهم في الكلام، ولئن رجعت قريش بقوله ليكونن سيد قريش آخر الدهر، ثم قال: يا عتبة نظرت إلى سيوف بني عبد المطلب وجبنت وانتفخ سحرك، وتأمر الناس بالرجوع، وكان على فرس فأخذ بشعره، فقال الناس: يقتله، فعرقب فرسه، فقال: أمثلي يجبن ؟ وستعلم قريش اليوم أينا الالئم والاجبن، وأينا المفسد لقومه، لا يمشي


(1) بقدرهم خ ل. (2) يا معاشر خ ل. (3) ورحب مع يمن. (4) آرائى خ ل.

[ 253 ]

إلا أنا وأنت إلى الموت عيانا، ثم قال: هذا جناي وخياره فيه * وكل جان يده إلى فيه ثم أخذ بشعره يجره فاجتمع إليه الناس فقالوا: يا أبا الوليد الله الله لا تفت (1) في أعضاد الناس، تنهى عن شئ تكون أوله، فخلصوا أبا جهل من يده، فنظر عتبة إلى أخيه شيبة ونظر إلى ابنه الوليد فقال: قم يا بني، فقام ثم لبس درعه وطلبوا له بيضة تسع رأسه فلم يجدوها لعظم هامته (2)، فاعتجر (3) بعمامتين، ثم أخذ سيفه وتقدم هو وأخوه وابنه، ونادى: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، فبرز إليه ثلاثة نفر من الانصار: عود، ومعود، (4) وعوف بني عفراء، فقال عتبة: من أنتم ؟ انتسبوا لنعرفكم (5)، فقالو: نحن بنو عفراء أنصار الله وأنصار رسوله، فقالوا: ارجعوا فإنا لسنا إياكم نريد، إنما نريد الاكفاء من قريش، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن ارجعوا، فرجعوا، وكره أن يكون أول الكرة بالانصار فرجعوا ووقفوا مواقفهم، ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان له سبعون سنة فقال له: قم يا عبيدة، فقام بين يديه بالسيف، ثم نظر إلى حمزة ابن عبد المطلب فقال له: قم يا عم، ثم نظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: قم يا علي، وكان أصغرهم (6) سنا، فقاموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله بسيوفهم، فقال (7):


(1) تفت في أعضاء الناس خ ل. (2) الهامة رأس كل شئ. (3) فاعتم خ ل. (4) عوز ومعوز خ ل. أقول: في نسخة من المصدر: عود ومعود، وفى المطبوع: عوذ ومعوذ وذكرنا سابقا عن السيرة انهم، عوف ومعوذ وعبد الله بن رواحة، وفى الامتاع: معاذ ومعوذ و عوف، ويقال: ثالثهم عبد الله بن رواحة. (5) نعرفكم خ ل. (6) وكان اصغر القوم خ ل. (7) في نسخة: واذهبوا فاطلبوا. وفى المصدر المطبوع والمخطوط: وكان اصغرهم فاطلبوا بحقكم.

[ 254 ]

فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم، فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها، تريد أن تطفئ نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبيدة عليك بعتبة، وقال لحمزة: عليك بشيبة، وقال لعلي: عليك بالوليد بن عتبة، فمروا حتى انتهوا إلى القوم، فقال عتبة: من أنتم ؟ انتسبوا نعرفكم، فقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فقال كفو كريم، فمن هذان ؟ فقال: حمزة ابن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال: كفوان كريمان، لعن الله من أوقفنا وإياكم بهذا الموقف، فقال شيبة لحمزة: من أنت ؟ فقال: أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، فقال له شيبة: لقد لقيت أسد الحلفاء (1) فانظر كيف تكون صولتك يا أسد الله، فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلق هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه فقطعا وسقطا جميعا، وحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما، وكل واحد منهما يتقي بدرقته، وحمل أمير المؤمنين عليه السلام على الوليد بن عتبة فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه، فقال علي: فأخذ يمينه المقطوعة بيساره فضرب بها هامتي فظننت أن السماء وقعت على الارض، ثم اعتنق حمزة وشيبة، فقال المسلمون: يا علي أما ترى الكلب قد نهز (2) عمك، فحمل عليه علي، ثم قال: يا عم طأطئ رأسك، وكان حمزة أطول من شيبة، فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه أمير المؤمنين على رأسه فطير (3) نصفه، ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه، وحمل عبيدة بين (4) حمزة وعلي حتى أتيا به (5) رسول الله فنظر إله رسول الله صلى الله عليه وآله واستعبر فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ألست شهيدا، فقال: بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي، فقال: أما لو كان عمك حيا لعلم أني أولى بما قال منه، قال: وأي أعمامي تعني ؟ فقال: أبو طالب حيث يقول:


(1) اسد الاحلاف خ ل. (2) انهر خ ل بهر خ ل أقول: في المصدر المطبوع: بهر، وفى المخطوط: أبهر. (3) في المصدر المطبوع: فطن نصفه. (4) المصدر المطبوع خال عن لفظة بين. (5) حتى أتوا خ ل.

[ 255 ]

كذبتم وبيت الله يبزى (1) محمد * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال (2) رسول الله صلى الله عليه وآله: أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله وابنه الآخر في جهاد الله بأرض الحبشة، فقال: يا رسول الله أسخطت علي في هذه الحالة ؟ فقال: ما سخطت عليك، ولكن ذكرت عمي فانقبضت لذلك، وقال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا ولا تبطروا كما عجل وبطرا بنا ربيعة، عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزرا، وعليكم بقريش فخذوهم أخذا حتى ندخلهم مكة، فنعرفهم ضلالتهم التي كانوا عليها، وكان فتية من قريش أسلموا بمكة فاحتبسهم آباؤهم فخرجوا مع قريش إلى بدر، وهم على الشك والارتياب والنفاق، منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكهة، والحارث بن ربيعة،، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص ابن المنبه، فلما نظروا إلى قلة أصحاب رسول الله (3) صلى الله عليه وآله قالوا: مساكين هؤلاء غرهم دينهم فيقتلون الساعة، فأنزل الله تعالى على رسوله: " إذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم " وجاء إبليس عليه اللعنة إلى قريش في صورة سراقة بن مالك فقال لهم: أنا جاركم ادفعوا إلي رايتكم، فدفعوها إليه وجاء بشياطينه يهول بهم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ويخيل إليهم ويفزعهم، وأقبلت قريش يقدمها إبليس معه الراية فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: غضوا أبصاركم، وعضوا على النواجد (4) ولا تسلوا


(1) في نسخة: نخلى، وفى المصدر المطبوع: نبرى (نخلى خ ل) وفى المخطوط يبرى وجميعها مصحف نبزى أي نغلب عليه ونسلبه وهو الموجود في سيرة ابن هشام، ذكره ابن هشام في السيرة 1: 290 وذكره ايضا في ص 394 الا انه بدل المصرع الثاني بقوله: ولما تروا يوما لدى الشعب قائما وهو من قصيدة اخرى. قوله: ونناضل أي نرامى بالسهام. والحلائل: الزوجات. (2) فقال له خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر المخطوط. (3) أصحاب محمد خ ل. (4) هكذا في الكتاب. وفيه وهم، والصحيح: النواجذ بالذال كما يأتي.

[ 256 ]

سيفا حتى آذن لكم، ثم رفع يده إلى السماء فقال: " يا رب إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، (1) وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد " ثم أصابه الغشي فسري عنه وهو يسلت العرق عن وجهه ويقول: هذا جبرئيل، قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين، قال: فنظرنا فإذا بسحابة سوداء فيها برق لائح قد وقعت على عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله، و قال يقول: أقدم حيزوم، أقدم حيزوم، وسمعنا قعقعة السلاح من الجو (2)، و نظر إبليس إلى جبرئيل عليه السلام فتراجع، ورمى (3) باللواء فأخذ نبيه (4) بن الحجاج بمجامع ثوبه، ثم قال: ويلك يا سراقة تفت في أعضاد الناس، فركله إبليس ركلة (5) في صدره وقال: " إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله " وهو قول الله: " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب " ثم قال عزوجل: " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق " وحمل جبرئيل على إبليس فطلبه حتى غاص في البحر، وقال: رب أنجز لي ما وعدتني من البقاء إلى يوم الدين وروي في خبر أن إبليس التفت إلى جبرئيل وهو في الهزيمة فقال: يا هذا أبدا لكم فيما أعطيتمونا ؟ فقيل لابي عبد الله عليه السلام: أترى كان يخاف أن يقتله، فقال: لا، ولكنه كان يصربه ضربة يشينه منها إلى يوم القيامة وأنزل الله على رسوله " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان " قال: أطراف الاصابع، فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفئ نور الله، ويأبى الله


(1) لم تعبد خ ل. (2) في الجو خ ل. (3) فرمى خ ل. (4) منبه بن الحجاج خ ل أقول: هو الموجود في المصدر. (5) فوكزه ابليس وكزة خ ل.

[ 257 ]

إلا أن يتم نوره، وخرج أبو جهل من بين الصفين فقال: اللهم أقطعنا الرحم (1)، وآتانا بما لا نعرفه فأحنه الغداة (2)، فأنزل الله على رسوله: " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين " ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كفا من حصى فرمى به في وجوه قريش وقال: " شاهت الوجوه " فبعث الله رياحا تضرب وجوه (3) قريش فكانت الهزيمة، فقال (4) رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم لا يفلتن (5) فرعون هذه الامة أبو جهل بن هشام " فقتل منهم سبعون، وأسر منهم سبعون، والتقى عمرو بن الجموع (6) مع أبي جهل فضرب عمرو أبا جهل على فخذه، وضرب أبو جهل عمروا على يده فأبانها من العضد فعلقت بجلده (7)، فاتكا عمرو على يده برجله ثم رمى في السماء فانقطعت الجلدة (8) ورمى بيده، وقال عبد الله بن مسعود: انتهيت إلى أبي جهل وهو يتشحط في دمه فقلت: الحمد لله الذي أخزاك، فرفع رأسه فقال: إنما أخزى الله عبد ابن أم عبد، (9) لمن الدين ويلك ؟ (10) قلت: لله ولرسوله وإني قاتلك، ووضعت رجلي على عنقه (11)، فقال: لقد ارتقيت مرتقا صعبا


(1) في المصدر المطبوع: اللهم ان محمدا أقطعنا الرحم. (2) في المصدر: أجنه الغداة. (3) في وجوه قريش خ ل أقول وهو الموجود في المصدر. (4) ثم قال خ ل. (5) لا يفلتنك خ ل. أقول: وفى المصدر: لا يغلبك. (6) في المصدر: عمرو بن الجموح، وفى سيرة ابن هشام: معاذ بن عمرو بن الجموح اخو بنى سلمة، وفيه: ان عكرمة ضرب على عاتق معاذ فطرح يده فتعلقت بجلدة من جنبه، ونحوه أيضا في الامتاع. (7) فتعلقت بالجلد. (8) حتى انقطعت الجلدة خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. (9) عبد ام عبد خ ل. (10) في سيرة ابن هشام: أخبرني لمن الدائرة اليوم. (11) على عاتقه خ ل.

[ 258 ]

يا رويعي الغنم، أما إنه ليس شئ أشد من قتلك إياي في هذا اليوم، ألا تولى قتلي رجل من المطلبين، (1) أو رجل من الاحلاف، فاقتلعت (2) بيضة كانت على رأسه فقتلته وأخذت رأسه، وجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله البشرى هذا رأس أبي جهل بن هشام، فسجد لله شكرا، وأسر أبو بشر (3) الانصاري العباس ابن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب، وجاء بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له: أعانك عليهما أحد ؟ قال: نعم رجل عليه ثياب بيض (4)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذاك من الملائكة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس: افد نفسك وابن أخيك، فقال يا رسول الله قد كنت أسلمت، ولكن القوم استكرهوني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله أعلم بإسلامك، إن يكن ما تذكر حقا فإن الله يجزيك عليه، فأما ظاهر أمرك فقد كنت علينا، ثم قال: يا عباس إنكم خاصمتم الله فخصمكم، ثم قال: افد نفسك وابن أخيك، وقد كان العباس أخذ معه أربعين أوقية من ذهب، فغنمها رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قال رسول الله للعباس: افد نفسك، قال: يا رسول الله احسبها من فدائي، فقال رسول الله: لا، ذاك شئ أعطانا الله منك، فافد نفسك وابن أخيك فقال العباس: فليس لي مال غير الذي ذهب مني، (5) قال: بلى المال الذي خلفته عند أم الفضل بمكة، فقلت لها: إن يحدث (6) علي حدث فاقسموه بينكم، فقال له (7): أتتركني وأنا أسأل الناس بكفي ؟ فأنزل الله على رسوله في ذلك: " يا أيها النبي قل لمن في أيدكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما


(1) من المطيبين خ ل. (2) فانقلعت خ ل. (3) في المصدر: أبو اليسر. (4) ثياب بياض خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. (5) ذهب منى إليك خ ل. (6) وقلت لها: ان حدث خ ل. (7) فقال العباس له خ ل.

[ 259 ]

اخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم " قال: " وإن يريدوا خيانتك - في علي (1) - فقد خانوا الله من قبل - فيك (2) - فأمكن منهم والله عليم حكيم " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعقيل: قد قتل الله يابا يزيد أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة ومنبه ونبيه ابنا الحجاج ونوفل بن خويلد، وأسر سهيل بن عمرو والنضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط وفلان وفلان، فقال عقيل: إذا لم تنازعوا (3) في تهامة، فإن كنت قد أثخنت القوم وإلا فاركب أكتافهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله، وكان القتلى ببدر سبعين، والاسارى سبعين، قتل منهم أمير المؤمنين سبعة وعشرين، ولم يؤسر أحدا، فجمعوا الاسارى وقرنوهم في الحبال وساقوهم على أقدامهم، وجمعوا الغنائم، وقتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله تسعة رجال فهم (4) سعد بن خيثمة، وكان من النقباء فرحل رسول الله صلى الله عليه وآله (5) ونزل الاثيل (6) عند غروب الشمس وهو من بدر على ستة أميال، فنظر رسول الله إلى عقبة بن أبي معيط وإلى نضر بن الحارث بن كلدة وهما في قران احد، فقال النضر لعقبة: يا عقبة أنا وأنت مقتولان، قال عقبة: من بين قريش ؟ قال: نعم، لان محمدا نظر (7) إلينا نظرة رأيت فيها القتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي علي بالنضر وعقبة، و


(1) لعله من النساخ، أو تفسير من المصنف. (2) لفظة " فيك " غير موجودة في ا مصحف والمصدر. (3) في المصدر: إذا لا تنازعوا. (4) منهم خ ل. (5) فرحل رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر خ ل. أقول: وهو موجود في نسخة مخطوطة من المصدر. (6) قال ياقوب في معجم البلدان 1: 94: الاثيل تصغير الاثل: موضع قرب المدينة، وهناك عين ماء لال جعفر بن أبى طالب، بين بدر ووادى الصفراء، ويقال له: ذو اثيل: وحكى عن ابن السكيت انه بتشديد الياء. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتل عنده النضر بن الحارث بن كلدة عند منصرفه من بدر. (7) في المصدر: قد نظر الينا.

[ 260 ]

كان النضر رجلا جميلا عليه شعر، فجاء علي عليه السلام فأخذ بشعره (1) فجره إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال النضر: يا محمد أسألك بالرحم (2) بيني وبينك إلا أجريتني (3) كرجل من قريش، إن قتلتهم قتلتني، وإن فاديتهم فاديتني، وإن أطلقتهم أطلقتني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا رحم بيني وبينك، قطع الله الرحم بالاسلام، قدمه يا علي فاضرب عنقه، (4) فقال عقبة: يا محمد ألم تقل: لا تصبر قريش - أي لا يقتلون صبرا - قال: وأنت من قريش ؟ إنما أنت علج من أهل صفورية، لانت في الميلاد أكبر من أبيك الذي تدعى له (5) ليس منها، قدمه يا علي فاضرب عنقه، فقدمه (6) وضرب عنقه، فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وآله النضر وعقبة خافت الانصار أن يقتل الاسارى كلهم فقاموا إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله قد قتلنا سبعين، وأسرنا سبعين وهم قومك واساراك، (7) هبهم لنا يا رسول الله، وخذ منهم الفداء وأطلقهم، فأنزل الله عليهم: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " قلال: فأطلق لهم أن يأخذوا الفداء ويطلقوهم وشرط أنه يقتل منهم في عام قابل بعدد من يأخذوا منهم الفداء، فرضوا منه بذلك فلما كان يوم أحد قتل من أصحاب رسول الله عزوجل صلى الله عليه وآله سبعون (8) رجلا، فقال


(1) فأخذه بشعره خ ل. أقول: وهو الموجود في نسخة مخطوطة من المصدر. (2) في المصدر: أسألك بالرحم الذى بينى وبينك. (3) الا ما اجريتني خ ل. أقول: مثله موجود في نسخة مخطوطة من المصدر عندي. (4) زاد في المصدر المطبوع: فقدمه وضرب عنقه. (5) في المصدر المطبوع: تدعى إليه وفيه تدعى بالياء والتاء كلتيهما، وفى المصدر المخطوط كذلك الا أن فيه " له ". (6) فقدمه على خ ل. أقول: هذا يوافق ما في النسخة المخطوطة الموجودة عندنا. (7) وأسرتك خ ل. أقول: في نسختنا المخطوطة من المصدر: واسراؤك. (8) سبعين خ ل. أقول: هو موجود في نسختنا المخطوطة من المصدر، والمتن اصوب.

[ 261 ]

من بقي من أصحابه: يا رسول الله ما هذا الذي أصابنا وقد كنت تعدنا بالنصر ؟ فأنزل الله عزوجل فيهم: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " ببدر، قتلتم سبعين، و أسرتم سبعين " قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم (1) " بما اشترطتم. (2) بيان: القلوص من الناقة هي الشابة، والصباة جمع الصابى، وأصله مهموز، و هو من خرج من دين إلى غيره، وكان الكفار يسمون النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه الصباة وقال الجزري: في حديث بدر: قال أبو جهل: اللطيمة اللطيمة، أي أدركوها، وهي منصوبة، واللطيمة: الجمال التي تحمل العطر والبز غير الميرة، قوله: يا آل غالب لعلهم قالوا ذلك تفألا، أو لانهم من ولد لوي بن غالب، وقال في النهاية: قال عروة للمغيرة: يا غدر، غدر معدول عن غادر للمبالغة يقال للذكر: غدر، وللانثى غدار، كقطام، وهما مختصان بالنداء في الغالب، ومنه حديث عاتكة: يا لغدر يا لفجر انتهى. وفي بعض النسخ مكان يا آل غدر مكررا: يا آل عدي يا آل فهر، وهو أظهر والفلذة بالكسر: القطعة، قوله: نش فصاعدا، النش: عشرون درهما نصف اوقية وفي بعض النسخ " نشر " بالراء المهملة، وهو الرائحة الطيبة، ولعله هنا كناية عن قليل من الطيب. وقال الجوهري: استعذب القوم ماءهم: إذا استقوه عذبا، ويستعذب لفلان من بئر كذا، أي يستقى له، وقال: فت الشئ: كسره. والخيلاء بضم الخاء أو كسرها وفتح الياء: الكبر، والغضاة: شجرة معروفة نارها تبقى كثيرا، والجمع الغضا، والهراس كسحاب: شجر شائك ثمره كالنبق، و قال الجزري: رجل نجد ونجد أي شديد البأس، ومنه حديث علي: " أما بنو هاشم فأمجاد أنجاد " أي أشداء شجعان، قوله: أنت علي بذلك أي شاهد علي، أو ضامن علي بذلك، قوله: أن نخدر بين الناس أي نجلس في الخدور مع النساء، وفي بعض النسخ، أن يحذر الناس، و


(1) آل عمران: 165 (2) تفسير القمى: 236 - 248.

[ 262 ]

في بعضها أن يخذل، أي يحمل الناس على الخذلان وترك الحرب وهو أصوب، و العزالى جمع الغزلاء وهو فم المزادة الاسفل، شبه أتساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة، والرذاذ: المطر الضعيف، والجحفلة بمنزلة الشفة للخيل و البغال والحمير، والاكلة: المرة من الاكل، وبالضم: اللقمة والطعمة، والناقع: القاتل، والبالغ، ونقع الموت: كثر، والسحر بالفتح والضم والتحريك: الرية قال الجزري: انتفخ سحرك أي ريتك، يقال ذلك للجبان. قوله صلى الله عليه وآله: ما أحد من العرب، أي ليس الابتداء بقتال أحد من العرب أبغض إلي من الابتداء بقتالكم، وقال الجزري في حديث النجاشي: وكانوا بهم أعلى عينا، أي أبصر بهم وأعلم بحالهم، وقال: يقال لصعاليك العرب ولصوصها: ذوبان لانهم كالذئاب والذوبان جمع ذئب، والاصل فيه الهمز، لكنه خفف فانقلبت واوا. قوله: يمن مع رحب، أي ما أعظكم واوصيكم به مشتمل على الميمنة والسعة ثم السعة والميمنة، والال بالكسر: العهد، والحلف، والجار، والقرابة، وقال الجزري: في حديث علي عليه السلام: هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه هذا مثل أول من قاله عمرو ابن اخت جذيمة الابرش كان يجني الكمأة (1) مع أصحاب له فكانوا إذا وجدوا خيار الكمأة أكلوها، وإذا وجدها عمرو جعلها في كمه حتى يأتي بها خاله، وقال: هذه الكلمة فصارت مثلا. قوله: الله الله بكسرهما بحذف حرف القسم، أو بنصبهما بتقدير اذكر أو نحوه، يقال: فت عضدي وهد ركني، وفت في ساعده، أي أضعفه، والاعتجار لف العمامة دون التلحي، وقال الجزري: الاحلاف: ست قبائل: عبد الدر،


(1) جنى: تناول الثمر من أصله. الكمأه: نبات يقال له: شحم الارض، ونبات الرعد، يوجد في الربيع تحت الارض، وهو أصل مستدير كالقلقاس لا ساق له ولا عرق، يمبل إلى الغبرة ويقال له بالتركية: قارچ، وبالفارسية: سمالو، وسمادوع، وبالشيرازية: هكلوا، وباليونانية اوزونا.

[ 263 ]

وجمح، ومخزوم، وعدي، وكعب، وسهم، (1) سموا بذلك لانهم لما رأت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والرفادة (2) واللواء والسقاية وأبت عبد الدار عقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملوة طيبا فوضعتها لا حلافهم، وهم: أسد، وزهرة وتيم (3)، في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤهم حلفا آخر مؤكدا فسموا الاحلاف لذلك انتهى. (4) وانثلم السيف وتثلم: انكسر حرفه والدرقة محركة: الترس من جلد بلا خشب


(1) جمح بضم الجيم وفتح الميم، بنو جمح: بطن من قريش وهو جمح بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وعبد الدار: بطن من قصى بن كلاب من العدنانية ومخزوم: بطن من لوى بن غالب بن قريش. وعدى: بطن من لؤى بن غالب وهو عدى بن كعب بن لؤى، وبنو سهم بطن من هصص وهم بنو عمرو بن هصص بن كعب بن لؤى. ولم يذكر ابن هشام والبغدادي كعب، بل قالا: عدى بن كعب. فعندهما الاحلاف خمس. (2) حجابة الكعبة هي سدانتها وتولى حفظها، وكان في ايدى الحجبة مفتاحها، والرفادة هو شئ كانت قريش تترافد به في الجاهلية، أي تتعاون فيخرج كل انسان بقدر طاقته فيجمعون مالا عظيما فيشترون به الطعام والزبيب للنبيذ ويطعمون الناس ويسقونهم ايام موسم الحج حتى ينقضى. (3) بنو اسد بن عبد العزى بن قصى. وبنو زهرة: بطن من بنى مرة بن كلاب من قريش من العدنانية، وهم بنو زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب. وبنو تيم بطن من قريش من بنى مرة بن كعب، وهم بنو تيم بن مرة بن كعب، وزاد ابن هشام في السيرة 1: 143 والبغدادي في المحبر: 166، بنى الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة فيمن حلف مع بنى عبد مناف، ويقال لهؤلاء: المطيبون، ولا حلاف عبد الدار الاحلاف، قال البغدادي: وانما سموا مطيبين و احلافاء لان بنى قصى لما تناسلوا أرادوا اخذ ما في ايدى بنى عبد الدار وكان قصى قد جعل لعبد الدار الحجابة والندوة والسقاية والرفادة واللواء، فابى بنو عبد الداران يتجافوا عن هذه الاشياء لهم فتحازبت قريش فأخرجت عاتكة بنت عبد المطلب مر كنا فيه طيب فغمست القبائل التى في حزب بنى عبد مناف ايديها في الطيب واحتلفوا فسموا المطيبين، ونحر الاخرون جزورا وغمسوا ايديهم في دمه، ولعق رجل من بنى عدى من ذلك الدم لعقة، فلعقوا واحتلفوا فسموا الاحلاف. (4) قال ابن هشام في السيرة: وخرجت عامر بن لؤى ومحارب بن فهر فلم يكونوا مع واحد من الفريقين.

[ 264 ]

ولا عقب قوله: قد نهز في بعض النسخ بالنون والزاء المعجمة، يقال: نهزه، أي ضربه ودفعه، والنهزة: الفرصة، وانتهزتها: اغتنمتها، وفي بعضها انهر بالراء المهلمة إما من الهرير وهو نباح الكلب، أو من قولهم: أنهرت الدم أي أرسلته، وأنهرت الطعنة: وسعتها، وفي بعضها: بهر بالباء الموحدة والراء المهملة من قوله: بهره، أي غلبه، قوله: فاجزروهم، أي فاقتلوهم، كما يجزر الجزار الابل. وقال الجزري: النواجد (1) من الاسنان: التي تبدوا عند الضحك، والاظهر الاشهر أنها أقصى الاسنان، وعض على ناجده (2): صبر وتصلب في الامور. ويقال: انسرى الهم عني وسري أي انكشف، وسلت الدم أي أماطه، وقال الفيروز آبادي: الحيزوم: فرس جبرئيل. أقول: لعل القائل جبرئيل عليه السلام يخاطب فرسه ويحثه، قال في النهاية: في حديث بدر: أقدم حيزوم، هو أمر بالاقدام وهو التقدم في الحرب، والاقدام: الشجاعة، وقد تكسر همزة اقدم ويكون أمرا بالتقديم لا غير، والصحيح الفتح من أقدم، وحيزوم جاء في التفسير أنه اسم فرس جبرئيل، أراد أقدم يا حيزوم، فحذف حرف النداء، والياء فيه زائدة انتهى. والركل: الضرب برجل واحدة، وفي بعض النسخ: فوكزه ابليس وكزة، يقال: وكزه أي ضربه ودفعه، أو ضربه بجميع يده على ذقنه، قوله: فأحنه أي فأهلكه في غداة هذا اليوم، قال الجوهري: الحين بالفتح: الهلاك يقال: حان الرجل، أي هلك، وأحانه الله. قوله: وإلا فاركب أكتافهم، كناية عن تعاقبهم واتباع مدبرهم، يقال: قرنتهما قرنا: إذا جمعتهما في حبل واحد، وذلك الحبل يسمى القران بالكسر، و يقال: قتل فلان صبرا: إذا حبس على القتل حتى يقتل، والعلج: الرجل من


(1 و 2) هكذا في نسخة المصنف وسائر النسخ، وفى النهاية: النواجذ. وعض على ناجذه كلاهما بالذال المعجمة وهما الصحيحان، والنواجد بالدال المهملة بمعنى آخر.

[ 265 ]

كفار العجم، قوله: أكبر من أبيك، أي لست أنت ابن من تدعي أنه أبوك، لانك أكبر سنا من الرجل الذي ليس من أهل صفورية وتدعي أبوته لك، فالضمير في قوله " منها " راجع إلى الصفورية. 4 - ب: محمد بن عيسى، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: قال أبي: كان النبي صلى الله عليه وآله أخذ من العباس يوم بدر دنانير كانت معه، فقال: يا رسول الله ما عندي غيرها ؟ فقال: فأين الذي استخبيته عند ام الفضل ؟ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك (1) رسول الله، ما كان معها أحد حين استخبيتها. (2) 5 - ب: بالاسناد المذكور عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: أتي (3) النبي صلى الله عليه وآله بمال دراهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله للعباس: يا عباس أبسط رداك وخذ من هذا المال طرفا، فبسط رداءه فأخذ منه طائفة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عباس هذا من الذي قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها النبي قل لمن في أيدكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (4) ". 6 - م، ج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري قال: أرسل أبو جهل بعد الهجرة رسالة إلى النبي صلى الله عليه وآله وهي أن قال: يا محمد إن الخيوط (5) التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة، ورمت بك إلى يثرب، وإنها لا تزال بك حتى تنفرك (6) و تحثك على ما يفسدك ويتلفك (7) إلى أن تفسدها على أهلها، وتصليهم حر نار (8)


(1) وأشهد أنك خ ل. (2) قرب الاسناد: ص 11. (3) في المصدر: اوتى. (4) قرب الاسناد: 12. والاية تقدمت في صدر الباب. (5) صدر الحديث غير مذكور في التفسير، بل فيه: ومحمد هو الذى لما جاءه رسول أبى جهل يتهدده ويقول: يا محمد ان الخيوط اه‍. (6) نفره: جعله ينفر. حثه على كذا: حضه ونشطه على فعله. (7) في التفسير المطبوع: يبلغك. ولعله مصحف. (8) في التفسير المطبوع: وتصليهم حزنا، وفى نسختي المخطوطة: وتصليهم حرنا. و لعلهما مصحفان.

[ 266 ]

تعديك طورك (1)، وما أرى ذلك إلا وسيئول إلى أن تثور عليك قريش ثورة رجل واحد لقصد آثارك، ودفع ضررك وبلائك، فتلقاهم بسفهائك المغترين بك، و يساعدك على ذلك من هو كافر بك مبغض لك، فيجئه إلى مساعدتك ومظافرتك (2) خوفه لان يهلك بهلاكك ويعطب عياله بعطبك، ويفتقر هو ومن يليه بفقرك و بفقر شيعتك (3)، إذ يعتقدون (4)، أن أعداءك إذا قهروك ودخلوا ديارهم عنوة (5) لم يفرقوا بين من والاك وعاداك، واصطلموهم (6) باصطلامهم لك، وأتوا على عيالاتهم وأموالهم بالسبي والنهب كما يأتون على أموالك وعيالك، وقد أعذر من أنذر، وبالغ من أوضح (7). فأديت هذه الرسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (8) وهو بظاهر المدينة بحضرة كافة أصحابه، وعامة الكفار (9) من يهود بني إسرائيل، وهكذا أمر الرسول ليجبن المؤمنين ويغري (10) بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول: قد أطريت مقالتك، واستكملت رسالتك ؟ قال: بلى، قال: فاسمع الجواب، إن أبا جهل بالمكاره والعطب يتهددني، ورب العالمين بالنصر والظفر يعدني، وخبر الله أصدق، والقبول (11) من الله أحق، لن يضر محمدا من


(1) الطور: الحد. القدر. (2) مظاهر تك خ ل. (3) في التفسير المطبوع ونسخة اخرى: متبعيك. (4) أو يعتقدون خ ل. (5) عنوة: أي قهرا وقسرا. (6) أي استأصلوهم. (7) أوضع خ ل. (8) في التفسير: إلى محمد وفى الاحتجاج إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وآله (9) في التفسير المطبوع: وعامة الكفار به. (10) في التفسير: ويغروا. (11) والقول خ ل.

[ 267 ]

خذله أو يغضب عليه (1) بعد أن ينصره الله ويتفضل بجوده وكرمه عليه، قل له: يا أبا جهل إنك راسلتني بما ألقاه في خلدك الشيطان، وأنا أجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن إن الحرب بيننا وبينك كائنة إلى تسعة وعشرين (2)، وإن الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، وستلقى أنت وعتبة وشيبة والوليد وفلان وفلان - وذكر عددا من قريش - في قليب بدر مقتلين أقتل منكم سبعين، وآسر منكم سبعين، أحملهم على الفداء الثقيل، ثم نادى جماعة (3) من بحضرته من المؤمنين واليهود و سائر الاخلاط (4): ألا تحبون أن أراكم مصرع كل واحد من هؤلاء ؟ قالوا: بلى، قال (5): هلموا إلى بدر فإن هناك الملتقى والمحشر، وهناك البلاء الاكبر لاضع قدمي على مواضع مصارعهم، ثم ستجدونها لا تزيد ولا تنقص ولا تتغير ولا تتقدم ولا تتأخر لحظة ولا قليلا ولا كثيرا، فلم يخف ذلك على أحد منهم ولم يجبه إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وحده، وقال: نعم بسم الله، فقال الباقون: نحن نحتاج إلى مركوب وآلات ونفقات ولا يمكننا الخروج إلى هناك وهو مسيرة أيام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسائر اليهود: فأنتم ماذا تقولون ؟ قالوا: نحن نريد أن نستقر في بيوتنا ولا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في ادعائه محيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا نصب عليكم بالمصير إلى هناك، اخطوا خطوة واحدة، فإن الله يطوي الارض لكم ويوصلكم في الخطوة الثانية إلى هناك، قال المؤمنون: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله فنتشرف (6) بهذه الآية، وقال الكافرون والمنافقون: سوف نمتحن هذا الكذاب


(1) في نسختي المخطوطة من التفسير: أو تعصب عليه. (2) في الاحتجاج والتفسير: إلى تسعة وعشرين يوما. (3) جميع خ ل. (4) وقال لهم خ. أقول: المصدر خال عنه. (5) المصدر خال عن قوله: قالوا: بلى، قال. (6) فلنتشرف خ ل، أقول: هو موجود أيضا في المصدر.

[ 268 ]

ليقطع (1) عذر محمد، ويصير دعواه حجة واضحة عليه، وفاضحة له في كذبه، قال: فخطا القوم خطوة ثم الثانية فإذا هم عند بئر بدر فعجبوا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اجعلوا البئر العلامة، واذرعوا من عندها كذا ذراعا، فذرعوا فلما انتهوا إلى آخرها قال: هذا مصرع أبي جهل، يجرحه (2) فلان الانصاري، ويجهز عليه (3) عبد الله بن مسعود أضعف أصحابي، ثم قال: اذرعوا من البئر من جانب آخر ثم جانب آخر ثم جانب آخر (4) كذا وكذا ذراعا وذراعا، وذكر أعداد الاذرع مختلفة، فلما انتهى كل عدد إلى آخره قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا مصرع عتبة، وذلك مصرع الوليد، وهذا مصرع شيبة، وسيقتل فلان وفلان إلى أن سمى تمام سبعين منهم بأسمائهم، وسيؤسر فلان وفلان إلى أن ذكر سبعين منهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وصفاتهم، ونسب المنسوبين إلى الآباء منهم، ونسب الموالي منهم إلى مواليهم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أوقفتم على ما أخبرتكم به ؟ قالوا: بلى، قال: إن ذلك لحق كائن بعد ثمانية وعشرين يوما من اليوم في اليوم التاسع والعشرين وعدا من الله مفعولا وقضاء حتما لازما (5). بيان: الخلد: بالتحريك: الروع والقلب. 7 - فس: " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة (6) " نزلت في حرب بدر، وكان سبب نزولها أنه كان في الغنيمة التي أصابوها يوم بدر قطيفة حمراء ففقدت، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: ما لنا لا نرى القطيفة ؟


(1) لينقطع خ ل أقول: يوجد هذا في الاحتجاج وفى نسختي المخطوطة من التفسير. (2) يقتله خ ل أقول: يوجد ذلك في الاحتجاج، واما التفسير فهو مثل ما في المتن. (3) ويجهز عليه خ ويجز عنقه خ ل. (4) هكذا في نسخة المصنف، وفى الاحتجاج: ثم من جانب آخر ثم من جانب آخر، وأما التفسير فذكر " ثم من جانب آخر " مرة واحدة. (5) الاحتجاج للطبرسي: 20 و 21، التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 118 و 119. (6) آل عمران: 161.

[ 269 ]

ما أظن إلا رسول الله صلى الله عليه وآله (1) أخذها، فأنزل الله في ذلك " وما كان لنبي أن يغل " إلى قوله: " وهم لا يظلمون " فجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال إن فلانا قد غل قطيفة فاحتفرها هنالك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بحفر ذلك الموضع فاخرج القطيفة (2). 8 - فس: أبي، عن فضالة بن أيوب، عن أبان بن عثمان، عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الانفال، فقال: هي القرى التي قد خربت و انجلى أهلها فهي لله وللرسول، وما كان للملوك فهو للامام، وما كان من أرض الجزية لم يوجف (3) عليها بخيل ولا ركاب، وكل أرض لارب لها، والمعادن منها، ومن مات وليس له مولى فما له من الانفال، وقال: نزلت يوم بدر، لما انهزم الناس كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله على ثلاث فرق: فصنف كانوا عند خيمة النبي صلى الله عليه وآله (4)، وصنف أغاروا على النهب، وفرقة طلبت العدو وأسروا وغنموا، فلما جمعوا الغنائم والاسارى تكلمت الانصار في الاسارى، فأنزل الله تبارك وتعالى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض (5) " فلما أباح الله لهم الاسارى والغنائم تكلم سعد بن معاذ وكان ممن أقام عند خيمة النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما منعنا أن نطلب العدو زهادة في الجهاد، ولا جبنا عن العدو، ولكنا خفنا أن نعري (6) موضعك فتميل عليك خيل المشركين، وقد أقام عند الخيمة وجوه المهاجرين والانصار، ولم يشك (7) أحد منهم فيما حسبته، (8)، والناس كثيرون (9) يا رسول الله


(1) في المصدر: الا ان رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) تفسير القمى: 115. (3) الايجاف: سرعة السير. (4) رسول الله صلى الله عليه وآله خ ل. (5) اشرنا إلى موضع الايه في صدر الباب. (6) أي نهمله ونخليه. وفى المصدر: نعدي. (7) لم يشد خ ل. (8) المصدر خال عن قوله: فيما حسبته. (9) في المصدر المطبوع: والناس كثير. وفى نسختي المخطوطة: والناس كثيرة.

[ 270 ]

والغنائم قليلة، ومتى نعطي هؤلاء لم يبق لاصحابك شئ (1)، وخاف أن يقسم رسول الله الغنائم وأسلاب القتلى بين من قاتل ولا يعطي من تخلف على (2) خيمة رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا، فاختلفوا فيما بينهم حتى سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: لمن هذه الغنائم ؟ فأنزل الله: " يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول " فرجع الناس وليس لهم في الغنيمة شئ، ثم أنزل الله عبد ذلك " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (3) " وقسمه (4) رسول الله صلى الله عليه وآله بينهم، فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله أتعطي فارس القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: ثكلتك أمك و هل تنصرون إلا بضعفائكم ؟ قال: فلم يخمس رسول الله صلى الله عليه وآله ببدر، وقسمه بين أصحابه، ثم استقبل يأخذ اخمس بعد بدر ونزل قوله: " يسألونك عن الانفال " بعد انقضاء حرب بدر (5). 9 - ما: المفيد، عن أبي عبد الله بن أبي رافع، عن جعفر بن محمد بن جعفر الحسيني، عن عيسى بن مهران، عن يحيى بن الحسن بن فرات، عن ثعلبة بن زيد الانصاري قال: سمعت جابر بن عبد الله بن الانصاري رحمه الله يقول: تمثل إبليس لعنه الله في أربع صور: تمثل يوم بدر في صورة سراقة بن جعشم المدلجي، فقال لقريش: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم " الخبر (6).


(1) لم تبق لاصحابك شيئا ح ل. (2) عنده خ ل. أقول: في المصدر المطبوع: ولا يعطى من تخلف عليه عند خيمة رسول - الله صلى الله عليه وآله ومثله في نسختي المخطوطة الا أنه لم يذكر فيها " عليه ". (3) اشرنا إلى موضع الاية وإلى التى قبلها في صدر الباب. (4) فقسم خ ل أقول: في المصدر: فقسمه. (5) تفسير القمي: 235 و 236. (6) امالي ابن الشيخ: 111 ذيله: وتصور يوم العقبة في صورة منبه بن الحجاج فنادى ان محمدا والصباة معه عن العقبة فادركوهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للانصار: - >

[ 271 ]

10 - ما: أبو عمرو، عن أحمد، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن (1)، عن أبيه، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لما كان يوم بدر واسرت الاسرى قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ترون في هؤلاء القوم ؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله هم الذين كذبوك وأخرجوك فاقتلهم، ثم قال أبو بكر: يا رسول الله هم قومك وعشيرتك ولعل الله يستنقذهم بك من النار، ثم قال عبد الله بن رواحة: أنت بواد كثير الحطب، فاجمع حطبا فالهب فيه نارا و ألقهم فيه، فقال العباس بن عبد المطلب: قطعك رحمك، قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله قام فدخل وأكثر الناس في قول أبي بكر وعمر فقال بعضهم: القول ما قال أبو بكر وقال بعضهم: القول ما قال عمر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما اختلافكم يا أيها الناس في قول هذين الرجلين ؟ إنما مثلهما مثل إخوة لهما ممن كان قبلهما: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، قال نوح: " رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا (2) " وقال إبراهيم: " من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (3) " وقال موسى: " ربنا اطمس


لا تخافوا فان صوته لن يعدوه، وتصور يوم اجتماع قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد، واشار عليهم في النبي صلى الله عليه وآله بما أشار، فأنزل الله تعالى: " واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " وتصور يوم قبض النبي صلى الله عليه وآله في صورة المغيرة بن شعبة فقال: أيها الناس لا تجعلوها كسروانية ولا قيصرانية، وسعوها فتسع فلا تردوها في بنى هاشم فتنظر بها الحبالى. (1) هكذا في نسخة المصنف، وفى المصدر: أبو عمر، وهو عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مهدى، حدث الشيخ الطوسى في سنة 410 في منزله ببغداد في درب الزعفراني رحبة ابن مهدى، وأحمد هو أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن عقدة الحافظ المشهور، وأحمد بن يحيى يلقب بالصوفى، وعبد الرحمن هو ابن شريك بن عبد الله النخعي راجع الامالى: 161 و 166. (2) نوح: 26. (3) إبراهيم: 36. وفيها: فمن.

[ 272 ]

على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم (1) " وقال عيسى: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (2) " ثم قال: يا أيها الناس إن بكم عيلة، فلا ينقلبن (2) منكم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق، فقلت: يا رسول الله إلا سهل بن بيضاء (4) وقد كنت سمعته يذكر الاسلام بمكة، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يحر (5)، قال: فلقد جعلت أنظر إلى السماء متى تقع علي الحجارة ؟ فإني قدمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: ثم إن النبي صلى الله عليه وآله قال: إلا سهل بن بيضاء قال: ففرحت فرحا ما فرحت مثله قط، قال الاعمش: فكان فداؤهم ستين اوقية (6). بيان: أثر الوضع في أكثر أجزاء الخبر ظاهر، لا سيما في قوله: مثل إخوة لهما (7)، كما سنوضحه في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى (8). 11 - ما: محمد بن علي بن حشيش (9)، عن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الوهاب (10)


(1) يونس: 88. (2) المائدة: 118. (3) في المصدر: فلا ينفلتن. (4) هو سهل بن وهب بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة ابن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشى، واسم امه بيضاء. (5) أي فلم يرد جوابا. (6) أمالى الشيخ: 168. (7) وفى ذكره الايات، حيث إنهم عليهم السلام لم يختلفوا في موضوع واحد، بل كل قال في موضوع ما يراه المقتضى له. (8) والخبر من مرويات العامة ومجعولاتهم وفى رواته من لا يعتمد على روايته عندهم أيضا. راجع كتب تراجمهم. (9) قد تكرر اسمه في الامالى ففى اول حديث رواه الشيخ عنه: محمد بن على بن خشيش ابن نصر بن جعفر بن إبراهم التميمي. وذكر في عدة من الاحاديث خنيس بالخاء ثم النون فالياء، ولم نعرف ضبطه صحيحا. (10) في المصدر: الاسفراينى.

[ 273 ]

عن محمد بن علي بن الحسين، عن علي بن عبيد الله (1)، عن محمد بن إسحاق الضبي عن نصر بن حماد، عن شعبة، عن السدي، عن مقسم، عن ابن عباس: قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على قتلى بدر فقال: جزاكم الله من عصابة شرا، لقد كذبتموني صادقا، وخونتم أمينا (2)، ثم التفت إلى أبي جهل بن هشام فقال: إن هذا أعتى على الله من فرعون، إن فرعون لما أيقن بالهلاك وحد الله، وإن هذا لما أيقن بالهلاك دعا باللات والعزى (4). 12 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن علي بن محمد بن علي بن الحسين عن جعفر بن محمد بن علي الحسيني، عن جعفر بن محمد بن عيسى (4)، عن عبيد الله بن علي، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم بدر: لا تأسروا (5) أحدا من بني عبد المطلب فإنما أخرجوا كرها (6). 13 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن عبد الملك الطحان، عن هارون ابن عيسى، عن عبد الله بن إبراهيم، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله سافر إلى بدر في شهر رمضان (7) وافتتح مكة في شهر رمضان (8). 14 - يج: روي أنه لما قدم العباس المدينة سهر النبي صلى الله عليه وآله تلك الليلة، فقيل


(1) في المصدر: على بن عبد الله. (2) في الامتاع: جزاكم الله عنى من عصابة شرا، فقد خونتمونى امينا، وكذبتموني صادقا. (3) أمالى ابن الشيخ: 195. (4) الموجود في الصمدر: ابن عقدة، عن على بن محمد بن على الحسينى عن جعفر بن محمد بن سيسى. (5) هكذا في الكتاب ومصدره، واستظهر المصنف في هامش النسخة. أنه مصحف لا تقتلوا (6) أمالى ابن الشيخ: 218. (7) في سيرة ابن هشام: وخرج صلى الله عليه وآله في ليال مضت من شهر رمضان و قال، وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان، قال ابن اسحاق، كما حدثنى أبو جعفر محمد بن على بن الحسين عليه السلام. (8) أمالى ابن الشيخ: 218.

[ 274 ]

له في ذلك، قال: سمعت حس (1) العباس في وثاقه، فأطلق، فقال يا عباس (2) افد نفسك وابني أخيك عقيلا ونوفل بن الحارث فإنك ذو مال، فقال: إني كنت مسلما، ولكن قومي استكرهوا علي، فقال صلى الله عليه وآله: الله أعلم بشأنك، أما ظاهر أمرك كنت علينا، فقال: يا رسول الله قد اخذ مني عشرون اوقية من ذهب (3) فاحسبها لي من فدائي، قال: لا، ذلك شئ أعطانا الله منك، قال: فإنه (4) ليس لي مال، قال: فأين المال الذي دفعت بمكة إلى ام الفضل حين خرجت فقلت: إن أصابني في سفري هذا شئ فللفضل كذا، ولقثم كذا، ولعبد الله كذا ولعبيد الله كذا ؟ قال: فوالذي بعثك بالحق نبيا ما علم بذلك أحد غيري وغيرها، فأنا أعلم أنك رسول الله صلى الله عليه وآله (5). 15 - شا: وأما الجهاد الذي ثبتت به قواعد الاسلام، واستقرت بثبوتها (6) شرائع الملة والاحكام فقد تخصص منه أمير المؤمنين عليه السلام بما اشتهر ذكره في الانام، واستفاض الخبر به بين الخاص والعام ولم يختلف (7) فيه العلماء، ولا تنازع في صحته الفهماء (8) ولا شك فيه إلا غفل لم يتأمل الاخبار، ولا دفعه أحد ممن نظر في الآثار إلا معاند بهات لا يستحي (9) من العار، فمن ذلك ما كان منه صلى الله عليه وآله في غزاة بدر المذكورة في القرآن، وهي أول حرب كان به الامتحان، وملات رهبتها (10)


(1) في المطبوع: حنين. (2) في المصدر: فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا عباس. (3) في المصدر: من الذهب. (4) في المصدر: إنه. (5) الخرائج: 184. (6) في المصدر: بثبوته. (7) ولم تختلف خ. (8) الفقهاء خ ل. (9) لا يستحيى خ ل. (10) في المصدر: وملات رهبته.

[ 275 ]

صدور المعدودين من المسلمين في الشجعان، وراموا التأخر عنها لخوفهم منها و كراهتهم (1) لها، على ما جاء به محكم الذكر في التبيان، حيث يقول جل اسمه فيما قص من نبائهم (2) على الشرح له والبيان: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " في الآي المتصلة بذلك إلى قوله تعالى: " ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراو رئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (3) " إلى آخر السورة، فإن الخبر عن أحوالهم فيها يتلو بعضه (4) بعضا وإن اختلفت ألفاظه اتفقت معانيه، وكان من جملة خبر هذه الغزاة أن المشركين حضروا بدرا مصرين على القتال، مستظهرين فيه بكثرة الاموال والعدد والعدة والرجال، والمسلمون إذ ذاك نفر قليل عددهم هناك، وحضرته طوائف منهم بغير اختيار، وشهدته على الكراهة منها (5) والاضطرار، فتحدثهم قريش بالبراز ودعتهم إلى المصافة والنزال، واقترحت في اللقاء منهم الاكفاء، وتطاولت الانصار لمبارزتهم، فمنعهم النبي صلى الله عليه وآله من ذلك، فقال (6) لهم: إن القوم دعوا الاكفاء منهم، ثم أمر عليا أمير المؤمنين عليه السلام بالبروز إليهم، ودعا حمزة بن عبد المطلب و عبيدة بن الحارث رضوان الله عليهما أن يبرزا معه، فلما اصطفوا لهم لم يثبتهم القوم (7) لانهم كانوا قد تغفروا، فسألوهم من أنتم ؟ فانتسبوا لهم، فقالوا: أكفاء كرام، ونشبت (8) الحرب بينهم، وبارز الوليد أمير المؤمنين عليه السلام فلم يلبثه حتى قتله،


(1) تخوفهم منا وكراهيتهم لها خ ل. (2) من نياتهم خ ل. أقول: في المصدر: فيما قص به من نبائهم. (3) أشرنا إلى موضع الايات في صدر الباب. (4) بعضها خ ل. (5) على الكره منها له خ ل. (6) وقال خ ل. (7) أي لم يعرفهم، يقال: اثبت الامر أي عرفه حق المعرفة. (8) نشبت الحرب بينهم أي ثارت واشتبكت.

[ 276 ]

وبارز عتبة حمزة رضي الله عنه فقتله حمزة، وبارز شيبة عبيدة رضي الله عنه فاختلفت بينهما ضربتان، قطعت إحداهما فخذ عبيدة، فاستنقذه أمير المؤمنين عليه السلام بضربة بدر (1) بها شيبة فقتله، وشركه في ذلك حمزة رضي الله عنه، فكان قتل هؤلاء الثلاثة أول وهن لحق المشركين، وذل دخل عليهم، ورهبة اعتراهم (2) بها الرعب من المسلمين، وظهر بذلك أمارات نصر المسلمين (3)، ثم بارز أمير المؤمنين عليه السلام العاص ابن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه من سواه، فلم يلبثه أن قتله (4)، وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله (5)، وبرز إليه بعده طعيمة بن (6) عدي فقتله، وقتل بعده نوفل بن خويلد (7) وكان من شياطين قريش، ولم يزل يقتل واحدا منهم بعد واحد حتى أتى على شطر المقتولين منهم وكانوا سبعين رجلا (8)، تولى كافة من حضر بدرا من المسلمين مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسومين قتل الشطر منهم، و تولى أمير المومنين عليه السلام قتل الشطر الآخر وحده بمعونة الله له وتأييده وتوفيقه و نصره، وكان الفتح له بذلك وعلى يديه (9)، وختم الامر بمناولة النبي صلى الله عليه وآله كفا من الحصى فرمى بها (10) في وجوههم وقال لهم: شاهت الوجوه " فلم يبق أحد منهم


(1) بدر: سبق. (2) أي اصابهم. (3) المؤمنين خ ل. (4) ذكره ابن هشام ايضا في السيرة. (5) في السيرة قتله زيد ابن حارثة، ويقال: اشترك فيه حمزة وعلى وزيد رضى الله عنهم فيما قال ابن هشام. (6) هو طعيمة بن عدى بن نوفل بن عبد مناف. (7) هو نوفل بن خويلد بن أسد، وهو ابن العدوية عدى خزاعة، وكان من شياطين قريش. قاله ابن هشام. (8) قتيلا خ ل. (9) في المصدر: وكان الفتح له بذلك على يديه. (10) فرمى به خ ل.

[ 277 ]

إلا ولى الدبر بذلك منهزما، وكفى الله المؤمنين القتال بأمير المؤمنين عليه السلام (1) في نصرة الدين من خاصة آل الرسول عليه وآله السلام، ومن أيدهم به من الملائكة الكرام، كما قال الله تعالى: " وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " (2). 16 - شا: قد أثبتت رواة العامة (3) والخاصة معا أسماء الذين تولى أمير المؤمنين عليه السلام قتلهم ببدر من المشركين على اتفاق فيما نقلوه من ذلك، واصطلاح فكان ممن سموه الوليد بن عتبة كما قدمناه، وكان شجاعا جريا وقاحا فتاكا (4) تهابه الرجال، والعاص بن سعيد وكان هولا عظيما تهابه الابطال، وهو الذي حاد عنه (5) عمر بن الخطاب، وقصته فيما ذكرناه مشهورة نحن نبينها فيما نورده بعد إن شاء الله تعالى، وطعيمة بن عدي بن نوفل، وكان من رؤوس أهل الضلال، ونوفل ابن خويلد وكان من أشد المشركين عداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت قريش تقدمه وتعظمه وتطيعه وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بمكة وأوثقهما بحبل وعذبهما يوما إلى الليل حتى سئل في أمرهما، ولما عرف رسول الله عليه السلام حضوره بدرا سأل الله أن يكفيه أمره، فقال: " اللهم اكفني نوفل بن خويلد " فقتله أمير المؤمنين عليه السلام، وزمعة بن الاسود (6)، والحارث بن زمعة، والنضر بن الحارث ابن عبد الدار (7)، وعمير بن عثمان بن كعب بن تيم (8) عم طلحة بن عبيد الله، و


(1) وشركائه خ. (2) الارشاد: 34 - 36. (3) منهم ابن اسحاق وابن هشام في السيرة. راجع سيرة ابن هشام 2: 355 - 363. (4) فاتكا خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (5) حاد عنه أي مال. (6) زاد في المصدر هنا: عقيل بن الاسود، وذكره ابن هشام أيضا في السيرة الا انه قال: قتله حمزة وعلى اشتركا فيه. والزمعة وعقيل هما ابنا الاسود بن المطلب بن أسد، من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى. (7) هو النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار، من بنى عبد الدار بن قصى، قتله صبرا عند رسول الله صلى الله عليه وآله بالصفراء، وقال ابن هشام، بالاثيل، ويقال: النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار. قاله ابن هشام. (8) في السيرة: ومن بنى تيم بن مرة، عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم.

[ 278 ]

عثمان ومالك ابنا عبيد الله أخوا طلحة بن عبيد الله، ومسعود أمية بن المغيرة (1) وقيس بن (2) الفاكه بن المغيرة، وحذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة، وأبو قيس ابن الوليد بن المغيرة، وحنظلة بن أبي سفيان، وعمرو بن مخزوم، وأبو منذر بن أبي رفاعة، ومنبه بن الحجاج السهمي، والعاص بن منبه، وعلقمة بن كلدة، وأبو العاص بن قيس بن عدي (3)، ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، ولوذان بن ربيعة، وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة (4)، ومسعود بن أمية بن المغيرة وحاجب بن السائب بن عويمر (5)، وأوس بن المغيرة (6) بن لوذان، وزيد بن مليص، وعاصم بن أبي عوف، وسعيد بن وهب حليف بني عامر (7)، ومعاوية بن عامر بن عبد القيس (8)، وعبد الله بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد، والسائب بن مالك، وأبو الحكم ابن الاخنس، وهشام بن أبي أمية بن المغيرة (9)، فذلك خمسة (10) وثلاثون


(1) في المصدر وسيرة ابن هشام: مسعود بن أبى امية. (2) في السيرة: أبو قيس. (3) في السيرة: ابن سعيد بن سهيم. (4) في السيرة: عبد الله بن المنذر بن أبى رفاعة بن عائذ. (5) في السيرة: عويمر بن عمرو بن عابد بن [ عبد بن ] عمران بن مخزوم، ويقال، حاجز بن السائب. عده من بنى مخزوم. (6) في السيرة: أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح، عده من بنى جمح. (7) في السيرة: معبد بن وهب حليف بنى عامر، من بنى كلب بن عوف بن كعب بن عامر ابن ليث. (8) في المصدر: معاوية بن عبد القيس، وفى السيرة: ومن بنى عامر بن لؤى: معاوية بن عامر حليف لهم من عبد القيس قتله على بن أبى طالب. (9) في السيرة: هشام بن أبى حذيفة بن المغيرة قتله صهيب بن سنان. أقول: لعله رجل آخر. ولم يذكر ابن هشام بعض من ذكره المفيد، وزاد على من ذكر: عقبة بن أبى عمرو بن امية بن عبد شمس، وعامر بن عبد الله حليف بنى عبد شمس من بنى انمار بن بغيض وحرملة ابن عمرو حليف بنى مخزوم على قول، وقال في عتبة: اشترك في قتله عبيدة بن الحارث و حمزة وعلى. (10) في المصدر: ستة. وهو مصحف.

[ 279 ]

رجلا سوى من اختلف فيه أو شرك أمير المؤمنين عليه السلام فيه غيره، وهم أكثر من شطر المقتولين ببدر على ما قدمناه (1). 17 - شا: روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارث بن مضرب (2) قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: لقد حضرنا بدرا وما فينا فارس غير المقداد بن الاسود، ولقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا من نام غير رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه كان منتصبا في أصل شجرة يصلي فيها، ويدعو حتى الصباح (3). 18 - شا: علي بن هاشم، عن محمد بن عبد الله (4) بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لما أصبح الناس يوم بدر اصطفت قريش أمامها عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وابنه الوليد، فنادى عتبة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، فبدر إليهم ثلاثة من شبان الانصار، فقال لهم عتبة: من أنتم ؟ فانتسبوا له، فقال لهم: لا حاجة بنا إلى مبارزتكم، إنما طلبنا بني عمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للانصار: ارجعوا إلى مواقفكم، ثم قال: قم يا علي، قم يا حمزة، قم يا عبيدة، قاتلوا على حقكم الذي بعث الله به نبيكم، إذ جاؤوا بباطلهم ليطفؤوا نور الله، فقاموا فصافوا القوم (5) وكان عليهم البيض ولم يعرفوا (6)، فقال لهم عتبة: تكلموا، فإن كنتم أكفانا قاتلناكم، فقال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، فقال عتبة: كفو كريم، وقال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا علي بن أبي طالب، وقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب


(1) ارشاد المفيد: 36 و 37. (2) هكذا في الكتاب ومصدره.، والموجود في التقريب: 91: حارثة بن مضرب بتشديد الراء المكسورة. (3) ارشاد المفيد: 37. (4) محمد بن عبيد الله خ ل أقول: يوجد ذلك ايضا في المصدر وهو الصحيح، وعبد الله مصحف. (5) فصفوا للقوم خ ل. أقول: في المصدر: فصافوا للقوم. (6) فلم يعرفوا خ ل.

[ 280 ]

فقال عتبة لابنه الوليد: قم يا وليد، فبرز إليه أمير المؤمنين وكانا إذ ذاك أصغر الجماعة سنا، فاختلفا ضربتين أخطأت ضربة الوليد أمير المؤمنين عليه السلام، واتقى بيده اليسرى ضربة أمير المؤمنين عليه السلام فأبانها، فروي أنه كان يذكر بدرا وقتله الوليد فقال في حديثه: " كأني أنظر إلى وميض خاتمه في شماله، ثم ضربته ضربة اخرى فصرعته، وسلبته فرأيت به ردعا من خلوق فعلمت أنه قريب عهد بعرس ". ثم بارز عتبة حمزة رضي الله عنه فقتله حمزة، ومشى عبيدة - وكان أسن القوم - إلى شيبة، فاختلفا ضربتين فأصاب ذباب (1) سيف شيبة عضلة ساق عبيدة فقطعها، واستنقذه أمير المؤمنين عليه السلام وحمزة منه، وقتلا شيبة، وحمل عبيدة من مكانه فمات بالصفراء، وفي قتل عتبة وشيبة والوليد تقول هند بنت عتبة: أيا عين جودي بدمع سرب (2) * على خير خندف لم ينقلب تداعى له رهطه غدوة * بنو هاشم وبنو المطلب يذيقونه حد أسيافهم * يعرونه (3) بعد ما قد شجب وروى الحسن بن حميد قال: حدثنا أبو غسان قال: حدثنا أبو إسمعيل عمير بن بكار، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لقد تعجبت يوم بدر من جرأة القوم، وقد قتلت الوليد بن عتبة، وقتل حمزة عتبة، و شركته في قتل شيبة إذ أقبل إلي حنظلة بن أبي سفيان، فلما دنا مني ضربته ضربة بالسيف فسالت عيناه ولزم الارض قتيلا. وروى أبو بكر الهذلي، عن الزهري، عن صالح بن كيسان قال: مر عثمان ابن عفان بسعيد بن العاص فقال: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نتحدث (4) عنده فانطلقا، قال: فأما عثمان فصار إلى مجلسه الذي يشتهيه (5) و


(1) ذباب السيف: طرفه الذى يضرب به. (2) في سيرة ابن هشام: أعيني جودا بدمع سرب. (3) يجرونه خ ل. أقول: في السيرة: يعلونه بعد ما قد عطب. وفيه ابيات اخرى. (4) فنحدث خ ل. (5) يستحقه خ ل.

[ 281 ]

أما أنا فملت إلى ناحية (1) القوم، فنظر إلي عمر وقال: ما لي أراك كأن في نفسك علي شيئا ؟ أتظن أني قتلت أباك ؟ والله لوددت أني كنت قاتله، ولو قتلته لم أعتذر من قتل كافر، ولكني مررت به في يوم بدر فرأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقرنه، وإذ اشدقاه قدأ زبدا كالوزغ، فلما رأيت ذلك هبته ورغت عنه، فقال: إلى أين يابن الخطاب، وصمد (2) له علي فتناوله، فو الله ما رمت مكاني حتى قتله، قال: وكان علي عليه السلام حاضرا في المجلس، فقال: " اللهم غفرا، ذهب الشرك بما فيه، ومحا الاسلام ما تقدم، فما لك تهيج الناس علي ؟ " فكف عمر فقال سعيد: أما إنه ما كان يسرني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمه علي بن أبي طالب وأنشأ القوم في حديث آخر. وروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان (3)، عن عروة بن الزبير أن عليا عليه السلام أقبل يوم بدر نحو طعيمة بن عدي بن نوفل فشجره بالرمح، وقال له: والله لا تخاصمنا في الله بعد اليوم أبدا. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: لما عرف رسول الله صلى الله عليه وآله حضور نوفل بن خويلد بدرا قال: " اللهم اكفني نوفلا " فلما انكشفت قريش رآه علي بن أبي طالب عليه السلام وقد تحير لا يدري ما يصنع، فصمد له، ثم ضربه بالسيف فنشب في حجفته، وانتزعه (4) منها ثم ضرب به ساقه، وكانت درعه مشمرة فقطعها ثم أحجز عليه فقتله، فلما عاد إلى النبي صلى الله عليه وآله سمعه يقول: من له علم بنوفل ؟ فقال: أنا قتلته يا رسول الله، فكبر النبي صلى الله عليه وآله وقال: الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه (5).


(1) في ناحية خ ل. (2) صمد فلانا وله وإليه: قصده. (3) ذوبان خ ل. أقول: الصحيح رومان، والرجل هو يزيد بن رومان المدنى مولى آل الزبير المتوفى سنة 130. ذكره ابن حجر في تقريب التهذيب: 558. (4) فانتزعه خ ل. (5) ارشاد المفيد: 37 - 39.

[ 282 ]

بيان: الوميض: اللمعان، والردع: الزعفران، أو لطخ منه، وأثر الطيب في الجسد، والسرب: السائل. قولها: قد شجب. في بعض النسخ بالجيم المكسورة، أي هلك، وفي بعضها بالحاء أي تغير، وراغ إلى كذا: مال إليه سرا، وحاد، قوله: ما رمت بكسر الراء، أي ما زلت عن مكاني، والغفر، الستر، وشجره بالرمح: طعنه، والحجفة: الترس. 19 - قب، شا: وفيما صنعه أمير المؤمنين عليه السلام ببدر قال أسيد بن أبي أياس يحرض مشركي قريش عليه: في كل مجمع غاية أخزاكم * جذع أبر على المذاكي القرح لله دركم ألما تنكروا (1) * (2) قد ينكر الحر الكريم ويستحي هذا ابن فاطمة الذي أفناكم * ذبحا وقتلة (3) قعصة لم يذبح أعطوه خرجا واتقوا تضريبه (4) * فعل الذليل وبيعة لم تربح أين الكهول وأين كل دعامة * في المعضلات وأين زين الابطح أفناهم قعصا وضربا يفتري (5) * بالسيف يعمل حده لم يصفح أفناهم ضربا بكل مهند * صلت وحد غراره لم يصفح (6) بيان: الغاية: الراية، والجذع: بالتحريك: الاسد، والشاب: الحدث، أبر أي أصدق أو أوفى، ويقال: أبر على القوم، أي غلبهم، والمذاكي: الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان وقرح الحافر قروحا: إذا انتهت أسنانه فإنما تنهي في خمس سنين، لانه في السنة الاولى حولي، ثم جذع، ثم ثني ثم رباع، ثم قارح، والجمع قرح، ويقال: ضربه فأقعصه، أي قتله مكانه، و


(1) تنصفوا خ ل. (2) قد ينصف خ ل. (3) قتلا خ ل. (4) بضريبة خ ل. (5) يعترى خ ل. أقول: يوجد ذلك في المصدر. (6) مناقب آل أبى طالب 2: 313، ارشاد المفيد: 39.

[ 283 ]

القعص: الموت الوحي (1)، والافتراء كأنه مبالغة في الفري وهو الشق والقطع، وقال الجوهري: قال أبو عبيدة: يقال: ضربه بصفح السيف، والعامة تقول: بصفح السيف مفتوحة، أي بعرضه وصفحته إذا ضربته بالسيف مصحفا أي بعرضه. 20 - قب: ابن عباس في قوله: " كما أخرجك ربك " إن الصحابة فزعوا لما فات عير أبي سفيان وأدركهم القتال، فباتوا ليلتهم فحلموا ولم يكن لهم ماء، فوقعت الوسوسة في نفوسهم لذلك، فأنزل الله المطر، قوله: " إذ يغشيكم النعاس " فرأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه قلة قريش، قوله: " إذ يريكم الله في منامك قليلا " فلما التقى الجمعان استحقر كل جيش صاحبه، قوله: " إذا التقيتم " وكانت المسلمون يخافون فنزل: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة " وقوله: " فلا تولوهم الادبار " فزعم أبو جهل أنهم جزر سيوفهم، وكان النبي صلى الله عليه وآله يحزن وعلي عليه السلام يقول: لا يخلف الله الميعاد، فنزل: " يمددكم ربكم " وقوله: " إذ يوحي ربك " فساعدهم إبليس على صورة سراقة، فلما أدرك جبرئيل وميكائيل وإسرافيل مع الملائكة نكص إبليس على عقبيه وقال: إني برئ منكم فكانت الملائكة يضربون فوق الاعناق وفوق البنان بعمدهم، ورمى النبي صلى الله عليه وآله بقبضة من الحصى في وجوههم و قال: " شاهت الوجوه " فأصاب عين كل واحد منهم فانهزموا فنزل: " لقد صدق الله وعده إذ تحسونهم " ووجد ابن مسعود أبا جهل مصروعا من ضربة معاذ بن عمرو بن عفراء (2) فكان يجز رأسه، وهو يقول: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبا (3). 21 - شى: عن أبي بصير قال: قرأت عند أبي عبد الله عليه السلام " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة " فقال: مه ليس هكذا أنزلها الله، إنما نزلت وأنتم قليل (4).


(1) الوحى: السريع. (2) في السيرة والامتاع: ضربه معاذ بن عمرو بن الجموع ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، ثم ضربه معوذ [ ومعاذ وعوف ابنا عفراء. في الامتاع ] فترك وبه رمق. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 122 و 123 ]. (4) تفسير العياشي 1: 196، والاية أشرنا إلى موضعها في صدر الباب.

[ 284 ]

22 - شى: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله أبي (1) عن هذه الآية " لقد نصركم الله ببدر وأنم أذلة " قال: ليس هكذا أنزل الله، ما أدل الله رسوله قط، إنما انزلت وأنتم قليل. عيسى، عن صفوان، عن ابن سنان مثله (2). 23 - شى: عن ربعي، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قرأ " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء " وما كانوا أذلة ورسول الله فيهم عليه وعلى آله السلام (3). 24 - شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر (4). 25 - شى: عن إسماعيل بن همام، عن أبي الحسن عليه السلام في قول الله: " مسومين " قال: العمائم قال: اعتم رسول الله فسوم لها من بين يديه ومن خلفه (5). 26 - شى: عن ضريس بن عبد الملك، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الملائكة الذين نصروا محمدا صلى الله عليه وآله يوم بدر في الارض ما صعدوا بعد ولا يصعدون حتى ينصروا صاحب هذا الامر (6)، وهم خمسة آلاف (7).


(1) لعله مصحف " سئل " أو أن فاعل قال عبد الله بن سنان. (2) تفسير العياش 1: 196. (3) تفسير العياشي 1: 196. أقول: مضمون هذه الروايات يخالف ما عليه اصحابنا المحققون من ان ما بين الدفتين هو ما نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهى اخبار آحاد لا يوجب علما ولا عملا، ولا تعارض المعلوم القطعي. (4) تفسير العياشي 1: 196. (5) تفسير العياشي 1: 196 وفيه: قال: العمائم اعتم رسول الله صلى الله عليه وآله فسد لها. أقول: سيأتي مثله عن الكافي. (6) أي المهدى الذى بشر بخروجه النبي المعظم صلى الله عليه وآله في روايات متواترة من الخاصة والعامة، وهو الامام محمد بن الحسن العسكري المهدى المنتظر الامام الثاني عشر عليه السلام. (7) تفسير العياشي 1: 197.

[ 285 ]

27 - قب: روي عن عامر بن سعد أنه لما جاء أبو اليسر الانصاري بالعباس فقال: والله ما أسرني إلا ابن أخي علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال النبي صلى الله عليه وآله: صدق عمي، ذلك ملك كريم، فقال: قد عرفته بجلحته (1) وحسن وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وآله إن الملائكة الذين أيدني الله بهم على صورة علي بن أبي طالب عليه السلام ليكون ذلك أهيب في صدور الاعداء، وقال أبو اليسر الانصاري: رأيت العباس آنفا وعقيلا معهما رجل على فرس أبلق عليه ثياب (2)، يقود العباس وعقيلا فدفعهما إلى علي وقال: يا علي هذان عمك وأخوك فدونكهما (3) فأنت أولى بهما، فحكى ذلك لرسول الله فقال: ذلك جبرئيل عليه السلام دفعهما إليك. الفصول والعيون والمحاسن: عن المفيد قال الصادق عليه السلام في حديث بدر: لقد كان يسأل الجريح من المشركين فيقال: من جرحك ؟ فيقول: علي بن أبي - طالب فإذا قالها مات. فضائل الصحابة: عن أحمد، وخصائص العلوية، عن النطنزي قال الحارث: لما كانت ليلة بدر قال النبي صلى الله عليه وآله من يستسقي لنا من الماء ؟ فأحجم الناس، فقام علي فاحتضن (4) قربة ثم أتى بئرا بعيدة القعر مظلمة فانحدر فيها، فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام تأهبوا لنصرة محمد صلى الله عليه وآله وحربه (5)، فهبطوا من السماء لهم لغط (6) يذعر من يسمعه، فلما حاذوا البئر فسلموا (7) عليه من عند آخرهم إكراما وتبجيلا.


(1) الجلحة: موضع انحسار الشعر عن جانبى الرأس والرجل أجلح. (2) في المصدر: عليه ثياب بيض. (3) دونك " اسم فعل بمعنى خذ، أي خذهما. (4) أي جعلها في حضنه، والحضن: ما دون الابط إلى الكشح، أو الصدر والعضدان وما بينهما. (5) في المصدر: وحزبه. (6) اللغط: الصوت والجلبة. أو اصوات مبهمة لا تفهم. (7) في المصدر: سلموا عليه.

[ 286 ]

محمد بن ثابت بإسناده عن ابن مسعود، والفلكي المفسر باسناده عن محمد بن الحنفية قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا في غزوة بدر أن يأتيه بالماء حين سكت أصحابه عن إيراده، فلما أتى القليب وملا القربة (1) فأخرجها جاءت ريح فأهرقته (2) ثم عاد إلى القليب وملا القربة فجاءت ريح فأهرقته، وهكذا في الثالثة، فلما كانت الرابعة ملاها فأتى (3) به النبي صلى الله عليه وآله وأخبره بخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما الريح الاولى فجبرئيل في ألف من الملائكة سلموا عليك، والريح الثانية ميكائيل في ألف من الملائكة سلموا عليك، والريح الثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة سلموا عليك. وفي رواية وما أتوك إلا ليحفظوك. وقد رواه عبد الرحمن بن صالح بإسناده عن الليث وكان يقول: كان لعلي عليه السلام في ليلة واحدة ثلاثة آلاف منقبة وثلاثة مناقب. ثم يروي هذا الخبر (4). 28 - شى: أبو علي المحمودي، عن أبيه رفعه في قول الله: " يضربون وجوههم وأدبارهم (5) " قال: إنما أراد: وأستاههم (6)، إن الله كريم يكني (7). 29 - شى: عن علي بن أسباط سمع أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: قال أبو عبد الله عليه السلام: أتي النبي صلى الله عليه وآله بمال فقال للعباس: ابسط رداك فخذ من هذا المال طرفا، قال: فبسط رداءه فأخذ طرفا من ذلك المال، قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله هذا ممن قال (8) الله " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى (9) إن يعلم الله في


(1) في المصدر: فملا القربة الماء. (2) في نسخة المصنف: فهراقته. ولعله مصحف فاهرقته. (3) في المصدر فأتى بها. (4) مناقب آل أبى طالب 2: 79 و 80. (5) الاية أشرنا إلى موضعها في صدر الباب. (6) جمع الاست: العجز. (7) تفسير العياشي 2: 65 وفيه: يكن. (8) هذا مما قال خ ل أقول: يوجد ذلك في المصدر. (9) في نسخة المصنف والمصدر: من الاسارى. ولعله وهم من نساخ التفسير. (*)

[ 287 ]

قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم (1) ". 30 - شى: عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " و إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم " فقال: الشوكة التي فيها القتال (2). 31 - شى: عن محمد بن يوسف قال: أخبرني أبي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت: " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم " قال: إلهام (3). 32 - شى: عن رجل. عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " ويذهب عنكم رجز الشيطان " قال: لا يدخلنا (4) ما يدخل الناس من الشك (5). بيان: لعله عليه السلام قال هذا في تفسير قوله تعالى: " يريد الله ليذهب عنكم الرجس (6) " فذكره الراوي ههنا، أو المراد أن الرجز الذي حصل لهم هو الشك ونحن مبرؤون من ذلك. 33 - شى: عن محمد بن كليب الاسدي، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " قال: علي ناول رسول الله صلى الله عليه وآله القبضة التي رمى بها. وفي خبر آخر عنه: إن عليا ناوله قبضة من تراب فرمى بها (7). 34 - شى: عن عمرو بن أبي المقدام، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: ناول


(1) تفسير العياشي 2: 69، والاية أشرنا إلى موضعها في صدر الباب. (2) تفسير العياشي 2: 49، والاية قد أشرنا إلى موضعها في صدر الباب. (3) تفسير العياشي 2: 50، والاية قد أشرنا إلى موضعها في صدر الباب. (4) لعل المعنى ان الخطاب في الاية غير شامل للنبى صلى الله عليه وآله ولعلى عليه السلام، بل هو إلى سائر المسلمين، لان الشك من رجز الشيطان، وهو لا يدخلنا. (5) تفسير العياشي 2: 50، والاية أشرنا إلى موضعها في صدر الباب. (6) الاحزاب: 33. (7) تفسير العياشي 2: 52.

[ 288 ]

رسول الله صلى الله عيه وآله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قبضة من تراب التي رمى بها في وجوه المشركين، فقال الله: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى (1) ". 35 - قب: في الصحيحين (2) أنه نزل قوله تعالى: " هذان خصمان اختصموا " في ستة نفر من المؤمنين والكفار تبارزوا يوم بدر، وهم حمزة وعبيدة وعلي والوليد وعتبة وشيبة. وقال البخاري: وكان أبو ذر يقسم بالله أنها نزلت فيهم. وبه قال عطا وابن خيثم (3) وقيس بن عباد وسفيان الثوري والاعمش وسعيد


(1) تفسير العياشي 2: 52 والاية قد أشرنا إلى موضعها في صدر الباب. (2) لفظ الحديث في صحيح البخاري 5: 95 هكذا: حدثنى محمد بن عبد الله الرقاشى حدثنا معتمر قال: سمعت أبى يقول: حدثنا أبو مجزل، عن قيس بن عباد، عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: " انا اول من يجثو بين يدى الرحمن للخصومة يوم القيامة " وقال قيس ابن عباد: وفيهم انزلت: " هذان خصمان اختصموا في ربهم " قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعلى وعبيدة [ أو أبو عبيدة بن الحارث ] وشيبة بن ربيعة وعتبة والوليد بن عتبة. حدثنا قبيصة حدثنا سفيان، عن أبى هاشم، عن أبى مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبى ذر رضى الله عنه قال: نزلت: " هذان خصمان اختصموا في ربهم " في ستة من قريش: على وحمزة وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. حدثنا يحيى بن جعفر اخبرنا وكيع، عن سفيان، عن أبى هاشم عن أبى مجلز، عن قيس بن عباد سمعت أبا ذر رضى الله عنه يقسم لنزلت هؤلاء الايات في هؤلاء الرهط الستة يوم بدر نحوه. حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا أبو هاشم، عن أبى مجلز عن قيس قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما ان هذه الاية: " هذان خصمان اختصموا في ربهم " نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلى وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة واما صحيح مسلم فالفاظه هكذا: حدثنا عمرو بن زرارة حدثنا هشيم اه‍ فذكر مثل حديث البخاري ثم قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا وكيع (ح) وحدثني محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن جميعا عن سفيان عن أبى هاشم، عن أبى مجلز: عن قيس بن عباد قال سمعت أبا ذر يقسم لنزلت هذان خصمان. بمثل حديث هشيم. راجع صحيح مسلم 8: 245 و 246. (3) هكذا في نسخة المصنف، وفيه وهم، والصحيح خثيم بتقديم الثاء مصغرا، والرجل هو عبد الله بن عثمان بن خثيم القارئ المكى أبو عثمان المتوفى سنة 132.

[ 289 ]

ابن جبير وابن عباس، ثم قال ابن عباس: " والذين كفروا " يعني عتبة وشيبة والوليد " قطعت لهم ثياب من نار " (1) الآيات، وانزل في أمير المؤمنين وحمزة و عبيدة: " إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات " إلى قوله: " صراط الحميد (2) ". أسباب النزول: روى قيس بن سعد بن عبادة، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزينا يوم بدر إلى قوله: " عذاب الحريق " (3) وروى جماعة عن ابن عباس نزل قوله: " أم حسب الذين اجترحوا السيئات (4) " يوم بدر في هؤلاء الستة. شعبة وقتادة وعطا وابن عباس في قوله تعالى: " وإنه هو أضحك وأبكى " (5) أضحك أمير المؤمنين عليه السلام وحمزة وعبيدة يوم بدر المسلمين وأبكى كفار مكة حتى قتلوا ودخلوا النار. الباقر عليه السلام في قوله: " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات (6) " نزلت في حمزة وعلي وعبيدة. تفسير: أبي يوسف النسوي وقبيصة بن عقبة عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات " الآية نزلت في علي وحمزة وعبيدة " كالمفسدين في الارض (7) " عتبة وشيبة والوليد. الكلبي: نزلت في بدر " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (8) "


(1) الحج: 19. (2) الحج: 23 و 24. (3) الحج: 19 - 22. (4) الجاثية: 21. (5) النجم: 43. (6) لبقرة: 25. (7) ص: 28. (8) الانفال: 64.

[ 290 ]

أورده النطنزي في الخصائص عن الحداد، عن أبي نعيم. والصادق والباقر عليهما السلام نزلت في علي عليه السلام: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ". المؤرخ وصاحب الاغاني ومحمد بن إسحاق: كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر علي بن أبي طالب عليه السلام، ولما التقى الجمعان تقدم عتبة وشيبة والوليد و قالوا: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، فتطاولت الانصار لمبارزتهم، فدفعهم النبي صلى الله عليه وآله، وأمر عليا وحمزة وعبيدة بالمبارزة، فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه فأطنها فسقطا جميعا، وحمل شيبة على حمزة فتضاربا بالسيف حتى انثلما، وحمل علي على الوليد فضربه على حبل عاتقه خرج (1) السيف من إبطه. وفي إبانة الفلكي: إن الوليد كان إذا رفع ذراعه ستر وجهه من عظمها و غلظها. ثم اعتنق حمزة وشيبة فقال المسلمون: يا علي أما ترى هذا الكلب يهر عمك فحمل علي عليه، ثم قال: يا عم طأطئ رأسك، وكان حمزة أطول من شيبة، فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه علي فطرح نصفه، ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه وكان حسان قال (2) في قتل عمرو بن عبدود: ولقد رأيت غداة بدر عصبة * ضربوك ضربا غير ضرب المحضر (3)


(1) في المصدر: وخرج. (2) في المصدر: يقول. (3) في المصدر: المحصر بالصاد، وفى سيرة ابن هشام 3: 305: الحسر بضم الحاء المهملة وتشديد السين مفتوحة، جمع حاسر وهو الذى لا درع له، وفى هامشه: وتروى بالخاء المعجمة والسين المهملة وهو جمع خاسروهو اسم فاعل من الخسران وهو الهلاك. وتروى بالخاء المعجمة والشين المعجمة أيضا وهم الضعفاء من الناس. انتهى. وقال المصنف في هامش الكتاب: المحضر على بناء المفعول أي من احضر للقتل، أو بالصاد المهملة أي الممنوع من القتال، فعلى الوجهين فيه لوم بانه لم يكن عاجزا عن الدفع.

[ 291 ]

أصبحت لا تدعى ليوم كريهة * يا عمرو أو لجسيم أمر منكر فأجابه بعض بني عامر: كذبتم وبيت الله لم تقتلوننا * ولكن بسيف الهاشميين فافخروا بسيف بن عبد الله أحمد في الوغا (1) * بكف علي نلتم ذاك فاقصروا ولم تقتلوا عمرو بن ود ولا ابنه * ولكنه الكفو الهزبر الغضنفر علي الذي في الفخر طال ثناؤه * فلا تكثروا الدعوى عليه فتفجروا ببدر خرجتم للبراز فردكم * شيوخ قريش جهرة وتأخروا (2) فلما أتاهم حمزة وعبيدة * وجاء علي بالمهند يخطر فقالوا: نعم أكفاء صدق فأقبلوا * إليهم سراعا إذ بغوا وتجبروا فجال علي جولة هاشمية * فدمرهم لما عتوا وتكبروا وفي مجمع البيان أنه قتل سبعة وعشرين مبارزا، وفي الارشاد قتل خمسة و ثلاثين وقال زيد بن وهب: قال أمير المؤمنين عليه السلام: - وذكر حديث بدر - وقتلنا من المشركين سبعين، وأسرنا سبعين. محمد بن إسحاق: أكثر قتلى المشركين يوم بدر كان لعلي. الزمخشري في الفائق: قال سعد بن أبي وقاص: رأيت عليا يحمحم فرسه وهم يقول: بازل عامين حديث سني * سنحنح الليل كأني جني لمثل هذا ولدتني امي المرزباني: في كتاب أشعار الملوك والخلفاء إن عليا أشجع العرب حمل يوم بدر، وزعزع الكتيبة، وهو يقول: لن يأكلوا التمر بظهر مكة * من بعدها حتى تكون الركة


(1) في المصدر: الوغى وهو الصحيح. والوغى: الحرب، (2) فتأخروا خ ل.

[ 292 ]

عبد الله بن رواحة: ليهن عليا (1) يوم بدر حضوره * ومشهده بالخير ضربا مرعبلا وكائن له من مشهد غير خامل * يظل له رأس الكمي مجدلا وغادر كبش القوم في القاع ثاويا * تخال عليه الزعفران المعللا صريعا ينوء (2) القشعمان برأسه * وتدنو إليه الضبع طولا لتأكلا وقالت هند في عتبة وشيبة: أيا عين جودي بدمع سرب (3) * على خير خندف لم ينقلب تداعى له رهطه غدوة * بنو هاشم وبنو المطلب يذيقونه حد أسيافهم * يعرونه (4) بعدما قد شحب (5) ووجدت في كتاب المقنع قول هند: أبي وعمي وشقيق بكري * أخي الذي كان كضوء البدر بهم كسرت يا علي ظهري (6). بيان: قال الجزري في حديث علي عليه السلام: بازل عامين حديث سني. البازل من الابل الذي تم له ثماني سنين ودخل في التاسعة، وحينئذ يطلع نابه وتكمل قوته، ثم يقال له بعد ذلك: بازل عام، وبازل عامين، يقول: أنا مستجمع الشباب، مستكمل القوة. ورجل سنحنح: لا ينام الليل، ويقال: رعبل اللحم، اي قطعه، والكمي


(1) في المصدر: ليهن على. (2) ناء ينوء: نهض بجهد ومشقة. ناء به: نهض به مثقلا. (3) في سيرة ابن هشام: أعيني جودا بدمع سرب. (4) في السيرة: يعلونه بعد ما قد عطب. وللقصيدة ابيات اخرى ذكره ابن هشام. (5) شحب لونه: تغير من جوع أو مرض أو نحوهما. وفى المصدر ونسخة امين الضرب. شجب، وهو بمعنى هلك. وهو الاصوب. (6) مناقب آل أبى طالب 2: 311 - 313.

[ 293 ]

كغني: الشجاع، والمجدل: الصريع، وغادر كبش القوم، أي ترك شجاعهم و رئيسهم. ثاويا أي مقيما، المعللا، أي طلي به مرة بعد اخرى، يقال، عله ضربا، أي تابع عليه الضرب: والعليلة: المرأة المطيبة طيبا بعد طيب، والقشعمان: العظيم الذكر من النسور. 36 - عم: إن النبي صلى الله عليه وآله بعث عليا ليلة بدر أن يأتيه بالماء حين فال لاصحابه: من يلتمس لنا الماء ؟ فسكتوا عنه، فقال علي: أنا يارسول الله، فأخذ القربة وأتى القليب فملاها، فلما أخرجها جاءت ريح فهراقته (1)، ثم عاد إلى القليب فملاها فجاءت ريع فهراقته، فلما كانت الرابعة ملاها فأتى بها النبي صلى الله عليه وآله وأخبره بخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما الريح الاولى فجبرئيل في ألف من الملائكة سلموا عليك والريح الثانية ميكائيل في ألف من الملائكة سلموا عليك، والريح الثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة سلموا عليك. رواه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن جده أبي رافع (2). 37 - كشف: قال الواقدي في كتاب المغازي: جميع من يحصى قتله من المشركين ببدر تسعة أربعون رجلا، منهم من قتله علي وشرك في قتله اثنان وعشرون رجلا شرك في أربعة، وقتل بانفراده ثمانية عشر، وقيل: إنه قتل بانفراده تسعة بغير خلاف، وهم الوليد بن عتبة بن ربيعة خال معاوية، قتله مبارزة، والعاص بن سعيد بن العاص بن امية، وعامر بن عبد الله، ونوفل بن خويلد بن أسد، وكان من شياطين قريش، ومسعود بن أبي امية بن المغيرة، وقيس بن الفاكه، وعبد الله ابن المنذر بن أبي رفاعة، والعاص بن منبه بن الحجاج، وحاجب بن السائب، وأما الذين شاركه في قتلهم غيره فهم: حنظلة بن أبى سفيان أخو معاوية وعبيدة بن الحارث وزمعة وعقيل ابنا الاسود بن عبد المطلب وأما الذين ختلف الناقلون في أنه عليه السلام قتلهم أو غيره فهم طعيمة بن عدي، وعمير بن عثمان بن


(1) في المصدر: فأهرقته. وكذا فيما بعد. (2) إعلام الورى 113 و 114. ط 1 و 192 ط 2 وفيهما: محمد بن عبد الله.

[ 294 ]

عمرو، وحرملة بن عمرو، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن قيس، وأوس الجمحي، وعقبة بن أبي معيط صبرا، ومعاوية بن عامر (1)، فهذه عدة من قيل: إنه عليه السلام قتلهم في هذه الرواية غير النضر بن الحارث فإنه قتله صبرا بعد القفول (2) من بدر، هذا من طرق الجمهور (3). 38 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن ذريح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما خرجت قريش إلى بدر وأخرجوا بني عبد المطلب معهم خرج طالب بن أبي طالب فنزل رجازهم وهم يرتجزون، ونزل طالب بن أبي طالب يرتجز، ويقول: يا رب إما تعززن (4) بطالب * في مقنب من هذه المقانب في مقنب المغالب المحارب * بجعله المسلوب غير السالب وجعله المغلوب غير الغالب فقالت قريش: إن هذا ليغلبنا فردوه، وفي رواية اخرى عن أبي عبد الله عليه السلام إنه كان أسلم (5). بيان: المقنب بالكسر: جماعة الخيل والفرسان (6)، ورأيت في بعض كتب السير هكذا: يا رب إما خرجوا (7) بطالب * في مقنب من هذه المقانب فاجعلهم المغلوب غير الغالب * وارددهم المسلوب غير السالب وقال ابن الاثير في الكامل (8) في ذكر قصة بدر: وكان بين طالب بن أبي طالب


(1) ذكرنا قبل ذلك اسماءهم وما قيل فيها من اختلاف. (2) القفول: الرجوع من السفر. (3) كشف الغمة: 53. (4) في المصدر والنسخة المطبوعة بالحروف والكامل وتاريخ الطبري: يغزون. (5) روضة الكافي: 375. (6) وقيل: ما بين الثلاثين إلى الاربعين. وقيل أو دون المائة أو زهاء ثلاثمائة. (7) في مرآت العقول: اخرجوا. (8) الكامل لابن الاثير 2: 85، وذكره الطبري أيضا في التاريخ 2: 143 و 144.

[ 295 ]

وهو في القوم وبين بعض قريش محاورة، فقالوا: والله لقد عرفنا أن هواكم مع محمد (1) فرجع طالب فيمن رجع إلى مكة، وقيل: إنه اخرج كرها (2)، فلم يوجد في الاسرى ولا في القتلى ولا فيمن رجع إلى مكة، وهو الذي يقول: يا رب إما يغزون طالب * في مقنب من هذه المقانب فليكن المسلوب غير السالب * وليكن المغلوب غير الغالب انتهى. فظهر مما نقلنا من الكتابين أنه لم يكن راضيا بتلك المقاتلة، وكان يريد ظفر النبي صلى الله عليه وآله، إما لانه كان قد أسلم كما يدل عليه ما رواه الكليني مرسلا أو لمحبة القرابة، فالذي يخطر بالبال في توجيه ما في الخبر أن يكون قوله: " بجعله " بدل اشتمال لقوله: " بطالب " أي إما تجعل الرسول غالبا بمغلوبية طالب حالكونه في مقانب عسكر مخالفيه الذين يطلبون الغلبة عليه، بأن تجعل طالبا مسلوب الثياب والسلاح غير سالب لاحد من عسكر النبي صلى الله عليه وآله وبجعله مغلوبا منهم غير غالب عليهم، ويحتمل أن يكون المراد إما تقوين قريشا بطالب حالكونه في طائفة من تلك الطوائف تكون غالبة، وتكون غلبة الطالب بأن يجعل المسلوب بحيث لا يرجع ويصير سالبا، وكذلك المغلوب، ولا يخفى بعده، ويؤيد الاول أيضا أن في نسخة قديمة من الكافي عندنا هكذا: يا رب إما يغزون بطالب * في مقنب من هذه المقانب في مقنب المغالب المحارب * فاجعله المسلوب غير السالب واجعله المغلوب غير غالب وعلى الوجهين " أما " بالتخفيف، وتعز زن بالتشديد على بناء التفعيل، و


(1) في تاريخ الطبري: والله لقد عرفنا يا بنى هاشم ان خرجتم معنا ان هواكم مع محمد. (2) في الكامل: انما كان خرج كرها. وفى تاريخ الطبري: قال أبو جعفر: وأما ابن الكلبى فانه قال فيما حدثت عنه: شخص طالب بن أبى طالب إلى بدر مع المشركين اخرج كرها اه‍. وفيه: وكان شاعرا وهو الذى يقول اه‍.

[ 296 ]

يمكن أن يقرأ إما بالكسر مشددا للترديد ويكون مقابله مقدرا، أي وإما تردنه وتعز زن بكسر الزاء المخففة مؤكدا بالخفيفة، والياء في قوله: بطالب للتعدية (1) فيكون قوله: " بجعله " متعلقا بتعز زن، وأما قولهم: " ليغلبنا " فعلى الاول والثالث المعنى إنه يريد غلبة الخصوم علينا، أو يسير تخاذله سببا لغلبتهم علينا، وعلى الثاني المعنى أنه يفخر علينا ويظن أنما نغلب عليهم بإعانته وقوته. 39 - فر: عبد السلام بن ملك وسعيد بن الحسن بن ملك معنعنا عن السدي قال: " هذان خصمان اختصموا في ربهم (2) " الآيتين نزلت في علي وحمزة وعبيدة ابن الحارث، وفي عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وشيبة بن ربيعة، بارزهم يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هؤلاء الثلاثة يوم القيامة (3) كواسطة القلادة في المؤمنين، وهؤلاء (4) الثلاثة كواسطة القلادة في الكفار (5). 40 - فر: عبيدة بن عبد الواحد معنعنا عن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية في الذين يبارزون يوم بدر، قال: لما كان يوم بدر برز عتبة (6) وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة فقال عتبة: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا، فقام فتية من


(1) في نسخة المصنف: للتورية. ولعله من سهو القلم. (2) تقدم الايعاز إلى موضع الاية في صدر الباب. (3) خلا المصدر عن قوله: يوم القيامة. (4) في المصدر: وهذه الثلاثة. (5) تفسير فرات: 98. وروى فيه أيضا باسناده. عن أحمد بن الحسن بن اسماعيل بن صبيح معنعنا عن قيس بن عبادة قال نزلت هذه الاية في الذين تبارزوا يوم بدر: [ هذان خصمان اختصموا في ربهم ] وهم على بن أبى طالب عليه السلام وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة انتهى، أقول: عبادة مصحف عباد، ولعله من النساخ والرجل قيس بن عباد الضبعى أبو عبد الله البصري، مخضرم، مات بعد الثمانين. والحديث قد تقدم عن الصحيحين. (6) في المصدر: نزلت هذه الاية في الذين تبارزوا يوم بدر برز عتبة اه‍.

[ 297 ]

الانصار (1)، فلما رآهم رسول الله قال: اجلسوا قد أحسنتم، فلما رأى حمزة أن رسول الله صلى الله عليه وآله يريده قام حمزة، ثم قام علي، ثم قام عبيدة عليهم البيض، قال لهم عتبة: تكلموا يا أهل البيض نعرفكم، فقال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب، وقال علي: أنا علي بن أبي طالب، وقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فقالوا: أكفاء كرام، فبتارز حمزة عتبة فقتله حمزة، وتبارز علي الوليد فقتله علي، وتبارز عبيدة شيبة فامتعص كل واحد منهما، فمال عليه علي فأجاز عليه، واحتمل عبيدة أصحابه، وكانوا هؤلاء من المسلمين كواسطة القلادة من القلادة، وكانوا هؤلاء من المشركين كواسطة القلادة من القلادة، فنزلت هذه الآية: " هذان خصمان اختصموا في ربهم " حتى بلغ " فذوقوا عذاب الحريق " (2) فهذا في هؤلاء المشركين، ونزلت " إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات " حتى بلغ " إلى صراط الحميد (3) " فهذا في هؤلاء المسلمين (4). 41 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي همام، عن أبي الحسن عليه السلام قال (5) في قول الله عزوجل: " مسومين " قال: العمائم اعتم رسول - الله صلى الله عليه وآله فسدلها من بين يديه ومن خلفه، واعتم جبرئيل عليه السلام فسد لها من بين يديه ومن خلفه (6). 42 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة،


(1) في المصدر: فقام فئة من الانصار. (2) هكذا في نسخة المصنف، ولعله من سهو القلم. والصحيح كما في المصدر والمصحف الشريف: وذوقوا. راجع سورة الحج: 19 - 22. (3) الحج: 24. (4) تفسير فرات: 100. (5) خلا المصدر عن كلمة: [ قال ]. (6) فروع الكافي 3: 208.

[ 298 ]

عن أبي جعفر عليه السلام (1) قال: كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر (2). 43 - فر: فرات بن إبراهيم الكوفي معنعنا عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار (3) " قال: نزلت الآية في ثلاثة من المسلمين فهم المتقون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وفي ثلاثة من المشركين هم (4) المفسدون في الارض، فأما الثلاثة من المسلمين فعلي بن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة، وأما الثلاثة من المشركين فعتبة بن ربيعة، وشيبة، والوليد بن عتبة، وهم الذين يبارزون (5) يوم بدر، فقتل علي الوليد، وقتل حمزة عتبة بن ربيعة، وقتل عبيدة شيبة (6). 44 - كا: حميد بن زياد، عن عبيد الله بن أحمد الدهقان، عن علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن زياد بن عيسى بياع السابري، عن أبان بن عثمان قال: حدثني فضيل البراجمي (7) قال: كنت بمكة وخالد بن عبد الله القسري (8) أمير وكان في المسجد عند زمزم، فقال: ادعوا لي قتادة، قال: فجاء شيخ أحمر الرأس واللحية، فدنوت (9) لاسمع، فقال خالد: يا قتادة أخبرني بأكرم وقعة كانت في العرب، وأعز وقعة كانت في العرب، وأذل وقعة كانت في العرب، قال: أصلح الله


(1) في المصدر: عن جابر، عن أبى جعفر عليه السلام. (2) فروع الكافي 2: 208. (3) ص: 28. (4) في المصدر: فهم المفسدون. (5) في المصدر: تبارزوا. (6) تفسير فرات: 131. (7) في المصدر: البرجمى. والبرجمى نسبة إلى البراجم وهى قبيلة من تميم. (8) بفتح القاف وسكون السين نسبة إلى قسر بن عبقر بن انمار بن أراش بن عمرو بن الغوث، بطن من بجيلة، والرجل هو خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسرى امير الحجاز ثم العراق، قتل سنة 126. (9) فدنوت منه خ ل.

[ 299 ]

الامير اخبرك بأكرم وقعة كانت في العرب وأعز وقعة كانت في العرب وأذل وقعة كانت في العرب، واحدة، قال خالد: ويحك واحدة، قال نعم أصلح الله الامير، قال: أخبرني قال: بدر، قال: وكيف ذا ؟ قال: إن بدرا أكرم وقعة كانت في العرب بها أكرم الله عزوجل الاسلام وأهله وهي أعز وقعة كانت في العرب بها أعز الله الاسلام وأهله، وهي أذل وقعة كانت في العرب، فلما قتلت قريش يومئذ ذلت العرب، فقال له خالد: كذبت لعمر الله، إن كان في العرب يومئذ من هو أعز منهم، ويلك يا قتادة أخبرني ببعض أشعارهم، قال: خرج أبو جهل يومئذ وقد أعلم (1) ليرى مكانه، وعليه عمامة حمراء وبيده ترس مذهب، وهو يقول: ما تنقم الحرب الشموس مني * بازل عامين حديث السن لمثل هذا ولدتني امي (2). فقال كذب عدو الله إن كان ابن أخي لافرس منه، يعني خالد بن الوليد، و كانت امه قشيرية (3)، ويلك يا قتادة من الذي يقول: أو في بميعادي وأحمي عن حسب. فقال: أصلح الله الامير ليس هذا يومئذ، هذا يوم احد، خرج طلحة بن أبي طلحة وهو ينادي: من يبارز ؟ فلم يخرج إليه أحد، فقال: إنكم تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار، ونحن نجهزكم بأسيافنا إلى الجنة، فليبرزن إلي رجل يجهزني بسيفه إلى النار، واجهزه بسيفي إلى الجنة. فخرج إليه علي ابن أبي طالب وهو يقول:


(1) اعلم: أي وضع لنفسه علامة يعرف بها. (2) قال المصنف في مرآت العقول: وقد روى هذا عن أمير المؤمنين عليه السلام ايضا هكذا: قد عرف الحرب العوان أنى * بازل عامين حديث السن سنحنح الليل كأنى جنى * استقبل الحرب بكل فن معى سلاحي ومعى مجنسى * وصارم يذهب كل ضغن أمض به كل عدو عنى * لمثل هذا ولدتني امى (3) قسرية خ ل. أقول: وهو الصحيح وان كان في المصدر ايضا خلافه

[ 300 ]

أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب * وهاشم المطعم في العام السغب أو في بميعادي وأحمي عن حسب فقال خالد لعنه الله: كذب لعمر الله (1) والله أبو تراب ما كان كذلك، فقال الشيخ: أيها الامير ائذن لي في الانصراف، قال: فقام الشيخ: يفرج الناس بيده وخرج وهو يقول: زنديق ورب الكعبة زنديق ورب الكعبة (2). ايضاح: قتادة (3) من أكابر محدثي العامة من تابعي البصرة، قوله: إن كان في العرب، كلمة إن مخففة، أو هي بالفتح، أي لان كان، ولعله لعنه الله حملته الحمية والكفر على أن يتعصب للمشركين بأنهم لم يذلوا بقتل هؤلاء بل كان فيهم أعز منهم، أو لابي سفيان وسائر بني امية وخالد بن الوليد، فإنهم كانوا يومئذ بين المشركين، ويحتمل على بعد أن يكون مراده أن غلبة رسول الله صلى الله عليه وآله وهو سيد العرب كان يكفي لعزهم، قوله: وقد أعلم. أي جعل لنفسه أو لفرسه علامة يعرف بها، قال الفيروز آبادي: أعلم الفرس: علق عليه صوفا ملونا في الحرب، ونفسه: وسمها بسيماء الحرب كعلمها، وقال الجوهري: أعلم الفارس جعل لنفسه علامة الشجعان فهو معلم، قوله: ما تنقم، يقال: نقمت على الرجل، أي عتبت عليه، ونقمت الامر بالفتح والكسر: كرهته، وشمس الفرس شموسا و شماسا: منع ظهره، فهو شموس، ورجل شموس: صعب الخلق، والظاهر أن كلمة ما للاستفهام، ويحتمل النفي، والمال واحد، أي لا يقدر الحرب الذي لا يقدر عليه بسهولة ولا يطيع المرء فيما يريد منه أن يعيبني، أي يظهر عيبي (4)، والبازل و


(1) في الصمدر: لعمري (2) روضة الكافي 110 - 113. (3) هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل السدوسى البصري التابعي، عن اعيان علماء أهل السنة، يروى عن انس وابن المسيب والحسن البصري وغيرهم ويروى عنه الاعمش وحميد الطويل وشعبة والاوزاعي، ووصفوه بالجلالة والحفظ والفضل ورموه بالتدليس: توفى سنة 117 عن 56 سنة وقيل: سنة 118. (4) في مرآت العقول: ولا تطيع المرء فيما يريد منها أن تنتقم منى أو تعيبني أو تظهر عيبي.

[ 301 ]

الحديث كأنهما حالان عن الضمير المجرور في قوله: مني أو مرفوعان بالخبرية لمحذوف، قوله: وكانت امه قشيرية، أي لذلك قال: ابن أخي، لان خالدا كانت امه من قبيلته، والاصوب قسرية كما في بعض النسخ لان خالدا مشهور بالقسري كما مر في صدر الحديث أيضا، والتجهيز: إعداد ما يحتاج إليه المسافر أو العروس أو الميت، ويحتمل أن يكون من أجهز على الجريح، أي أثبت قتله وأسرعه وتمم عليه، قوله عليه السلام: أنا ابن ذي الحوضين، يعني اللتين صنعهما عبد المطلب عند زمزم لسقاية الحاج، قوله عليه السلام: في العام السغب، بكسر الغين، أي عام المجاعة والقحط يقال: سغب كفرح ونصر: جاع، فهو سغب بالكسر، قوله عليه السلام: أو في بميعادي، أي مع الرسول صلى الله عليه وآله في نصره، قوله: وأحمي عن حسب، أي أرفع العار عن أحسابي وأحساب آبائي، ويحتمل أن يقرأ بكسر السين أي عن ذي حسب وهو الرسول صلى الله عليه وآله لكنه بعيد. 45 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول في هذه الآية: " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخد منكم ويغفر لكم (1) " قال: نزلت في العباس وعقيل ونوفل، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بني هاشم وأبوا لبختري، فاسروا فأرسل عليا عليه السلام فقال: انظر من ههنا من بني هاشم، قال فمر علي عليه السلام على عقيل بن أبي طالب كرم الله وجهه فحاد عنه (2) فقال له عقيل: يا ابن ام علي أما والله لقد رأيت مكاني، قال: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: هذا أبو الفضل في يد فلان، وهذا عقيل في يد فلان، وهذا نوفل بن الحارث في يد فلان، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى إلى عقيل فقال له: يا أبا يزيد قتل أبو جهل، فقال: إذا لا تنازعون (3) في تهامة فقال: (4) إن كنتم أثخنتم القوم و


(1) أشرنا إلى موضع الاية في صدر الباب. (2) في تفسير العياشي: فجاز عنه. (3) لا تنازعوني خ ل. (4) قال المصنف في مرآت العقول: فقال أي عقيل، قوله: اكتافهم أي اتبعوهم وشدوا - >

[ 302 ]

إلا فاركبوا أكتافهم، قال فجئ بالعباس فقيل له: افد نفسك وافد ابن أخيك (1) فقال: يا محمد تتركني أسأل قريشا في كفي ؟ فقال: أعط ما خلقت (2) عند ام الفضل وقلت لها: إن أصابني في وجهي هذا شئ فأنفقيه على ولدك ونفسك، فقال له: يابن أخي من أخبرك بهذا ؟ فقال: أتاني به جبرئيل من عند الله عز ذكره، فقال ومحلوفه ما علم بهذا أحد إلا أنا وهي، أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فرجع الاسرى كلهم مشركين إلا العباس وعقيل ونوفل كرم الله وجوههم، وفيهم نزلت هذه الآية: " قل لمن في أيديكم من الاسرى (3) إن يعلم الله في قلوبكم خيرا إلى آخر الآية (4). شى: عن معاوية بن عمار مثله (5). بيان: قوله صلى الله عليه وآله وأبو البختري ؟ هو العاص بن هشام بن الحارث بن أسد، ولم يقبل أمان النبي صلى الله عليه وآله ذلك اليوم وقتل. فالضمير في قوله عليه السلام: فاسروا، راجع إلى بني هاشم، وأبو البختري لم يكن من بني هاشم، لكن النبي صلى الله عليه وآله قد كان نهى عن قتله أيضا. قال ابن أبي الحديد: قال الواقدي: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن قتل أبي البختري، وكان قد لبس السلاح بمكة يوما قبل الهجرة في بعض ما كان ينال النبي صلى الله عليه وآله من الاذى، وقال: لا يعرض اليوم أحد لمحمد بأذى إلا وضعت فيه السلاح


< - - خلفهم وان اثخنتموهم فخلوهم، وقيل القائل النبي صلى الله عليه وآله، وركوب الاكتاف كناية عن شد وثاقهم، أي ان ضعفوا بالجراحات فلا يقدرون على الهرب فخلوهم والا فشدوهم لئلا يهربوا وتكونوا راكبين على اكتافهم أي مسلطين عليهم. انتهى. أقول: وفيما تقدم عن تفسر القمى في اول الباب هكذا: فقال عقيل: إذا لم تنازعوا في تهامة، فان كنت قد اثخنت القوم والا فاركب اكتافهم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله. (1) ابني اخيك خ ل أقول: هو الموجود في تفسير العياشي ونسخة من الروضة (2) في الروضة وتفسير العياشي: مما خلفت. (3) في نسخة المصنف وتفسير العياشي: من الاسارى. (4) روضة الكافي: 202 ط 2. (5) تفسير العياشي 2: 68 و 69.

[ 303 ]

فشكر ذلك له النبي صلى الله عليه وآله، وقال أبو داود المازني: فلحقته يوم بدر، فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن قتلك إن أعطيت (1) بيدك، قال: وما تريد إلي إن كان قد نهى عن قتلي، فقد كنت أبليته ذلك، فأما أن اعطى بيدي فو اللات والعزى لقد علمت نسوة بمكة أني لا اعطى بيدي، وقد عرفت أنك لا تدعني فافعل الذي تريد، فرماه أبو داود بسهم، وقال: اللهم سهمك وأبو البختري عبدك فضعه في مقتله وأبو البختري دارع ففتق السهم الدرع فقتله. قال الواقدي: ويقال: إن المجذر بن زياد قتل أبا البختري وهو لا يعرفه، وقال المجذر في ذلك: شعرا (2) عرف منه أنه قاتله. وفي رواية محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى يوم بدر عن قتل أبي البختري واسمه الوليد بن هشام لانه كان أكف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة، كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شئ يكرهه، وكان فيمن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، فلقيه المجذر بن زياد البلوي حليف الانصار فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهانا عن قتلك، ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة يقال له: جنادة بن مليحة، فقال أبوالبختري وزميلي قال المجذر: والله ما نحن بتاركي زميلك، ما نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله إلا عنك وحدك، قال: إذا والله لاموتن أنا وهو جميعا، لا تتحدث عني نساء أهل مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة، فنازله المجذر، وارتجز أبوالبختري فقال: لن يسلم ابن حرة زميله * حتى يموت أو يرى سبيله ثم اقتتلا فقتله المجذر، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره وقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت أن يستأسر فأتيك به فأبى إلا القتال فقاتلته فقتلته، ثم


(1) أعطى بيده: انقاد. (2) والشعر في سيرة ابن هشام 2: 270 و 271.

[ 304 ]

قال: قال محمد بن إسحاق وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى في أول الوقعة أن يقتل أحد من بني هاشم. وروى بإسناده عن ابن عباس أنه قال قال النبي صلى الله عليه وآله لاصحابه: إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد اخرجوا كرها لا حاجة لنا بقتلهم، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري فلا يقتله، ومن لقي العباس عم رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يقتله فإنه إنما اخرج مستكرها (1). قوله صلى الله عليه وآله: ابن أخيك يعني عقيلا، وفي بعض النسخ: ابني أخيك أي ابني اخويك: نوفلا وعقيلا، كما روى ابن أبي الحديد، عن محمد بن إسحاق قال: لما قدم بالاساري إلى المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: افد نفسك يا عباس وابني أخويك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عقبة بن عمرو، فإنك ذو مال إلى قوله: ثم فدى نفسه وابني أخويه (2). قوله عليه السلام: " ومحلوفه " الظاهر أنه كان حلف باللات والعزى فكره عليه السلام التكلم به فعبر هكذا، وفي الكشاف (3) أنه حلف بالله، فيحتمل أن يكون بكراهة أصل الحلف. 46 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان إبليس يوم بدر يقلل المؤمنين في أعين الكفار ويكثر الكفار في أعين الناس (4)، فشد عليه جبرئيل عليه السلام بالسيف فهرب منه و


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد: 3: 335 ط مصر. (2) شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد: 3: 345 ط مصر. (3) تفسير الكشاف 2: 186 فيه: فقال العباس: وما يدريك ؟ قال: أخبرني به ربى، قال العباس: فانا أشهد انك صادق، وان لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه احد الا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابا في امرك، فاما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب اه‍. (4) في المصدر: ويكثر الكفار في أعين المسلمين.

[ 305 ]

هو يقول: يا جبرئيل إني مؤجل (1)، حتى وقع في البحر، قال زرارة: فقلت لابي جعفر عليه السلام: لاي شئ كان يخاف وهو مؤجل ؟ قال: يقطع بعض أطرافه (2). 47 - ك: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن ابن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم عليه السلام على ظهر النجف ركب (3) فرسا أدهم أبلق ما بين عينيه شمراخ (4)، ثم ينتفض به فرسه، فلا يبقى أهل بلدة إلا وهم يظنون أنه معهم في بلادهم، فإذا نشر رأية رسول الله صلى الله عليه وآله انحط عليه (5) ثلاثة عشر ألف ملك وثلاثة عشر ملكا كلهم ينظرون القائم عليه السلام، وهم الذين كانوا مع نوح عليه السلام في السفينة، والذين كانوا مع إبراهيم عليه السلام حيث القي في النار، وكانوا مع عيسى عليه السلام حين رفع، وأربعة آلاف مسومين ومردفين، وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكا ملائكة يوم بدر، وأربعة آلاف ملك الذين هبطوا يريدون القتال مع الحسين عليه السلام فلم يؤذن لهم (6). أقول: سيأتي مثله بأسانيد جمة في كتاب الغيبة. 48 - ب: ابن طريف (7)، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام عن ابن عباس قال: انتدب رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة البدر (8) إلى الماء فانتدب علي عليه السلام فخرج، وكانت ليلة باردة ذات ريح وظلمة، فخرج بقربته، فلما كان إلى القليب


(1) في المصدر: انى مؤجل، انى مؤجل. (2) الروضة: 277. (3) في المصدر: كانى انظر إلى القائم عليه السلام على ظهر النجف فإذا استوى على ظهر النجف ركب فرسا. (4) الشمراخ: غرة الفرس إذا دقت وسالت. (5) في المصدر: انحط إليه. (6) اكمال الدين: 377 و 378. وللحديث ذيل يأتي في كتاب الغيبة. (7) هكذا في نسخة المصنف وغيرها وهو مصحف ظريف بالظاء المعجمة. (8) هكذا في نسخة المصنف وغيرها وهو مصحف والصحيح: بدر كما في المصدر أيضا و فيه: استندب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس ليلة بدر.

[ 306 ]

لم يجد دلوا، فنزل في الجب تلك الساعة فملا قربته: ثم أقبل فاستقبلته ريح شديدة فجلس حتى مضت، ثم قام، ثم مرت به اخرى فجلس حتى مضت، ثم قام، ثم مرت به اخرى فجلس حتى مضت، فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وآله: ما حبسك يا أبا الحسن ؟ قال: لقيت ريحا، ثم ريحا ثم ريحا، شديدة، فأصابتني قشعريرة، فقال: أتدري ما كان ذاك (1) يا علي ؟ فقال: لا، فقال: ذاك (2) جبرئيل في ألف من الملائكة وقد سلم عليك وسلموا، ثم مر ميكائيل في ألف من الملائكة فسلم عليك وسلموا، ثم مر إسرافيل وألف (3) من الملائكة فسلم عليك وسلموا (4). 49 - شى: عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن علي بن الحسين عليهما السلام مثله بأدنى تغيير (5)، وزاد في آخره: وهم مدد لنا، وهم الذين رآهم إبليس


(1 و 2) في المصدر: ذلك. (3) في المصدر: في الف. (4) قرب الاسناد: 53. أقول: وفى ذلك يقول السيد الحميري اسماعيل بن محمد في قصيدة: اقسم بالله وآلائه * والمرء عما قال مسؤول إن على بن أبى طالب * على التقى والبر مجبول وإنه كان الامام الذى * له على الامة تفضيل إلى أن قال: ذاك الذى سلم في ليلة * عليه ميكال وجبريل ميكال في ألف وجبريل في * ألف ويتلوهم سرافيل ليلة بدر مددا انزلوا * كأنهم طير أبابيل فسلموا لما أتوا حذوه * وذاك إعظام وتبجيل (5) الفاظ الخبر فيه: هكذا: قال: لما عطش القوم يوم بدر انطلق على بالقربة يستقى وهو على القليب إذ جاءت ريح شديدة، ثم مضت فلبث ما بدا له، ثم جاءت ريح اخرى ثم مضت ثم جاءته اخرى كاد أن تشغله وهو على القليب ثم جلس حتى مضى، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اما الريح الاولى [ فيها ] جبرئيل مع الف من الملائكة، والثانية فيها ميكائيل مع الف من الملائكة والثالثة فيها إسرافيل مع الف من الملائكة، وقد سلموا عليك وهم مدد لنا اه‍.

[ 307 ]

فنكص على عقبيه يمشي القهقرى حين يقول (1): " إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب " (2). 50 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت " الآية، إن المؤمنين لما أخبرهم الله عزوجل بمنازل شهدائهم يوم بدر من الجنة (3) رغبوا في ذلك، وقالوا: اللهم أرنا قتالا نستشهد فيه، فأراهم الله إياه يوم أحد، فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم (4). 51 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام في بيان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مكة وإحرامه ومنع قريش المسلمين وإرادته صلى الله عليه وآله الصلح، وعدم رضا الامة به، وإرائتهم الحرب وهزيمتهم من قريش - وساق الحديث إلى أن قال: - فرجع (6)، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله مستحيين، وأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: ألستم أصحابي يوم بدر إذ أنزل الله فيكم: " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملئكة مردفين " ؟ ألستم أصحابي يوم احد " إذ تصعدون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم في اخراكم " ؟ ألستم أصحابي يوم كذا ويوم كذا (7) ؟


(1) في المصدر: حتى يقول. (2) تفسير العياشي 2: 65. وأشرنا إلى موضع الاية في صدر الباب. (3) في المصدر: لما أخبرهم الله عزوجل بالذى فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم من الجنة. (4) تفسير القمى: 108. (5) في المصدر المطبوع وفى نسختي المخطوطة: ابن يسار، وفى اخرى ابن سيار، والظاهر انهما مصحفان والصحيح ما في المتن، وابن يسار وهو محمد بن الفضيل وان امكن روايته عن الصادق عليه السلام الا ان المتعارف في الاخبار التعبير باسمه، ولم نظفر بمورد عبر عنه بابن يسار. (6) في المصدر: وتراجع. (7) في المصدر: ألستم أصحابي يوم كذا ؟ ألستم أصحابي يوم كذا ؟

[ 308 ]

فاعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وندموا على ما كان منهم الخبر (1). 52 - فس: قوله تعالى: " وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله " (2) قال: نزلت في الاوس والخزرج، روي عن الامام أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: وإن يريدوا أن يخدعوك " الآية، قال: هم الذين استشارهم الرسول في أمر قريش ببدر، فقال رجل منهم: يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها، وإنها ما آمنت قط الحديث، فقال تعالى: " فإن حسبك الله " إلى قوله تعالى: " فإنه عزيز حكيم " قال: هم الانصار، وكان ألف بين قلوبهم ونصرتهم نبيه، وهو قوله تعالى، " لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم " فالذين ألف الله بين قلوبهم الانصار خاصة (3). 53 - ل: القطان، عن عبد الرحمن بن محمد الحسيني (4)، عن محمد بن علي الخراساني عن سهل بن صالح العباسي، عن أبيه، وإبراهيم بن عبد الرحمن، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهما السلام، عن الحسين بن علي عليهما السلام وساق الحديث في الخمسة المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله (5) - ثم قال الصدوق: ويقال في خبر آخر في الاسود


(1) تفسير القمى 631 و 633. (2) الموجود في المصدر المطبوع ونسختين مخطوطتين عندي منه هكذا: قوله تعالى: " وان يريدوا أن يخدعوك فان حسبك الله هو الذى ايدك بنصره وبالمؤمنين والف بين قلوبهم لو انفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم " قال: نزلت في الاوس والخزرج وفى رواية أبى الجارود عن أبى جعفر عليه السلام قال: ان هؤلاء قوم كانوا معه من قريش، فقال الله تعالى: " فان حسبك الله هو الذى ايدك بنصره وبالمؤمنين والف بين قلوبهم لو انفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم إنه عزيز حكيم " فهم الانصار، وكان بين الاوس والخزرج حرب شديد وعداوة في الجاهلية، فالف الله بين قلوبهم ونصر بهم نبيه، فالذين الف بين قلوبهم الانصار خاصة انتهى. أقول: الظاهر أن نسخة المصنف كانت تامة ونسختنا وقع فيها سقط. (3) تفسير القمى: 255 و 256. (4) في المصدر: الحسنى. وذكره المصنف ايضا كذلك فيما تقدم في باب المعجزات. (5) تقدم الحديث بتمامه في باب معجزاته في كفاية شر الاعداء راجع ج 18: 55.

[ 309 ]

ابن عبد يغوث: قول آخر، يقال: إن النبي صلى الله عليه وآله كان قد دعا عليه أن يعمي الله بصره، وأن يثكله ولده، فلما كان في ذلك اليوم جاء حتى صار إلى كدا (1) فأتاه جبرئيل بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمي وبقي حتى أثكله الله عزوجل ولده يوم بدر ثم مات (3). 54 - فس: " ومن عاقب بمثل ما عوقب به " قال: فهو رسول الله صلى الله عليه وآله، لما أخرجته قريش من مكة وهرب منهم إلى الغار طلبوه ليقتلوه فعاقبهم الله تعالى يوم بدر، فقتل عتبة وشيبة والوليد وأبو جهل وحنظلة بن أبي سفيان وغيرهم، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله طلب بدمائهم (2). 55 - فس: " أم يقولون نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر (4) " قال: فقالت: قريش: قد اجتمعنا لننتصر ونقتلك يا محمد، فأنزل الله: " أم يقولون " يا محمد " نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر " يعني يوم بدر حين هزموا واسروا وقتلوا (5). 56 - فس: " سأل سائل بعذاب واقع " (6) قال: وفي حديث آخر: لما


(1) كدى بالضم والقصر: الثنية السفلى مما يلى باب العمرة، وكداء بالفتح والمد: الثنية العلياء بمكة مما يلى المقابر وهو المعلى. (2) الخصال 1: 134. (3) تفسير القمى: 442 فيه طلب بدمائهم فقتل الحسين عليه السلام وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بغيا وعدوانا وهو قول يزيد لعنه الله حين تمثل بهذا الشعر: ليت اشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل لاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا: يا يزيد لا تشل ثم ذكر اشعارا اخرى يأتي في موضعه: ثم قال: فقال الله تبارك وتعالى: " ومن عاقب " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله " بمثل ما عوقب به " يعنى الحسين عليه السلام ارادوا ان يقتلوه " ثم بغى عليه لينصرنه الله " بالقائم عليه السلام من ولده. أقول: والاية في الحج: 60. (4) القمر: 44 و 45. (5) تفسير القمى: 657. (6) المعارج: 1.

[ 310 ]

اصطفت الخيلان يوم بدر رفع أبو جهل يديه (1) فقال: اللهم أقطعنا للرحم، و آتانا بما لا نعرف فأحنه العذاب (2)، فأنزل الله تبارك وتعالى: " سأل سائل بعذاب واقع (3) ". 57 - فس في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: فأما من اوتي كتابه بيمينه (4)، فهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن هلال المخزومي و هو من بني مخزوم " وأما من اوتي كتابه وراء ظهره (5) " فهو أخوه الاسود بن عبد الاسد بن هلال المخزومي، قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر (6). 58 - يد: بإسناده عن وهب القرشي (7) عن الصادق عن آبائه، عن أمير - المؤمنين عليهم السلام قال: رأيت الخضر عليه السلام في المنام قبل بدر بليلة فقلت له: علمني شيئا انصر به على الاعداء، فقال: قل: " يا هو يا من لا هو إلا هو " فلما أصبحت قصصتها على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: يا علي علمت الاسم الاعظم، وكان (8) على لساني يوم بدر (9) أقول: سيأتي تمامه بإسناده في كتاب الدعاء وغيره. 59 - تفسير النعماني: عن الصادق، عن أمير المؤمنين عليهما السلام قال: لما كان يوم بدر وعرف الله حرج المسلمين أنزل على نبيه: " فإن (10) جنحوا للسلم فاجنح


(1) يده خ ل. (2) في المصدر المطبوع: فأجأه العذاب. (3) تفسير القمى: 695. (4) الانشقاق: 7. (5) الانشقاق: 10. (6) تفسير القمى: 718. (7) الموجود في المصدر: حدثنى أبى، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليه السلام نعم روى الحديث الذى باسناده عن وهب راجعه. (8) في المصدر: فكان. (9) التوحيد: 74 و 75. (10) هكذا في نسخة المصنف، والصحيح: " وإن " راجع سورة الانفال: 61 والمصدر.

[ 311 ]

لها وتوكل على الله " فلما قوي الاسلام وكثر المسلمون أنزل الله تعالى: " ولا تهنوا (1) وتدعوا إلى السلم وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " فنسخت هذه الآية التي أذن لهم فيها أن يجنحوا - وساق الحديث إلى أن قال: - أما الجدال ومعانيه في كتاب الله (2) " وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (3) " ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بدر كان خروجه في طلب العدو، وقال لاصحابه: إن الله عز وجل قد وعدني أن أظفر بالعير، أو بقريش، فخرجوا معه على هذا، فلما أفلتت العير وأمره الله بقتال قريش أخبر أصحابه فقال: إن قريشا قد أقبلت، وقد وعدني الله سبحانه إحدى الطائفتين أنها لكم، وأمرني بقتال قريش، قال: فجزعوا من ذلك وقالوا: يا رسول الله فإنا لم نخرج (4) على أهبة الحرب، قال: وأكثر قوم منهم الكلام والجدال، فأنزل الله تعالى: " وإذ يعدكم الله (5) " الآية، وساقه إلى أن قال: رجل من الانصار (6) يقال له: رفاعة بن زيد بن عامر، وكان عم قتادة بن النعمان الانصاري وكان قتادة ممن شهد بدرا (7). أقول: سيأتي في غزوة أحد بعض أخبار الباب. 60 - ختص: ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن


(1) الصحيح: " فلا تهنوا " راجع سورة محمد: 35. ولعل التصحيف من ناسخ التفسير. (2) زاد في المصدر: فقوله تعالى. (3) الانفال: 5 و 6. (4) في المصدر: انا لم نخرج. (5) تقدم ذكر موضع الاية في صدر الباب. (6) قد اسقط المصنف قطعة طويلة من الحديث لا تتعلق بالباب، وذكره هذه الجملة للايعاز إلى أن الرجل كان ممن شهد بدرا. (7) المحكم والمتشابه: 10 و 11 و 81 و 82 و 92.

[ 312 ]

إسماعيل العلوي (1) عن محمد بن الزبرقان الدامغاني، عن أبي الحسن موسى عليه السلام (2) قال: إن العباس كان في عدد الاسارى عند النبي صلى الله عليه وآله، وجحد أن يكون له الفداء فأنزل الله تبارك وتعالى على النبي صلى الله عليه وآله يخبره بدفين له من ذهب، فبعث عليا عليه السلام فأخرجه من عند ام الفضل (3)، وأخبر العباس بما أخبره جبرئيل عن الله تبارك و تعالى فأذن لعلي وأعطاه علامة الذي دفن فيه فقال العباس عند ذلك: يا ابن أخي ما فاتني منك أكثر، وأشهد أنك رسول رب العالمين، فلما أحضر علي الذهب قال العباس: أفقرتني يابن أخي فأنزل الله تبارك وتعالى " إن (4) يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم " (5). 61 - أقول: روى السيد في كتاب سعد السعود من تفسير محمد بن العباس بن


(1) في المصدر: محمد بن احمد بن محمد بن اسماعيل العلوى، ولعله مصحف. (2) الحديث طويل فيما جرى بين الامام موسى الكاظم عليه السلام وهارون الرشيد وفيه مسائل سألها عنه عليه السلام من جملتها التى ذكره المصنف وصدر هذه المسألة هكذا: قال [ هارون ]، أخبرني عن قولكم: ليس للعم مع ولد الصلب ميراث، فقلت: أسألك يا أمير المؤمنين بحق الله وبحق رسوله صلى الله عليه وآله أن تعفيني من تأويل هذه الاية وكشفها، وهى عند العلماء مستورة. فقال: إنك قد ضمنت لى أن تجيب فيما أسألك ولست اعفيك. فقلت فجدد لى الامان، فقال: قد امنتك. فقلت: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يورث من قدر على الهجرة فلم يهاجر، وان عمى العباس قدر على الهجرة فلم يهاجر، وانما كان في عدد الاسارى اه‍. (3) لم نجد هذه الجملة في غير هذا الحديث ولعله منفرد به. (4) أشرنا إلى موضع الاية في صدر الباب. (5) الاختصاص: 56 و 57 ذيله: وقوله: " والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " ثم قال: " وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر " فرأيته قد اغتم اه‍.

[ 313 ]

علي بن مروان (1) قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن سلام (2)، عن حجاج بن المنهال عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي محلث، عن قيس بن عباد (3)، عن علي بن أبي طالب أنه قال: سمعته يقول: " أنا أول من يجثوا للخصومة بين يدي الرحمن قال قيس: وفيهم نزلت هذه الآية: " هذان خصمان اختصموا في ربهم (4) " قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة، وشيبة وعتبة والوليد. حدثنا الحسن بن عامر قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان الاحمر، عن أبي بصير عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج عتبة وشيبة والوليد للبراز، وخرج عبيد الله (5) بن رواحة من ناحية اخرى، قال: فكره رسول الله صلى الله عليه وآله أن تكون الحرب أول ما لقي بالانصار (6). فبدأ بأهل بيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: مروهم أن يرجعوا إلى مصافهم


(1) هو محمد بن العباس بن على بن مروان بن الماهيا، أبو عبد الله البزاز المعروف بابن الحجام، قال النجاشي بعد ترجمته بما ذكرنا: ثقة ثقة من أصحابنا عين سديد كثير الحديث، له كتاب المقنع في الفقه، كتاب الدواجن، كتاب ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهم السلام وقال جماعة من اصحابنا، إنه كتاب لم يصنف في معناه مثله، وقيل: إنه الف ورقه انتهى. أقول: وكتابه هذا قد ظفر به ابن طاووس فروى بعض أحاديثه في بعض كتبه، منها ذلك الحديث، ثم ظفر به شرف الدين الشولستانى قدس سره فاخرج منه روايات في كتابه تأويل الايات وملخصه كنز الفوائد، ونسخة مخطوطة من الكنز موجودة عندي والحديث يوجد في ص 170 منه سورة الحج. (2) في المصدر وفى كنز الفوائد: مسلم. (3) هكذا في نسخة المصنف: وفى سعد السعود: حدثنا أبو مجاهد عن قيس بن عبادة: وكلاهما مصحفان والصحيح أبو مجلز عن قيس بن عباد. واوردنا الحديث مسندا من صحيح البخاري قبل ذلك. (4) أشرنا إلى موضع الاية في صدر الباب. (5) هكذا في نسخة المصنف والمصدر، وفى نسخة امين الضرب اثبت عبد الله أيضا بدلا وهو الصحيح، والرجل عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي الانصاري الشاعر استشهد بموته سنة 8. راجع التقريب: 265. (6) في المصدر: اول ما لقى الانصار.

[ 314 ]

إنما يريد القوم بني عمهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وحمزة وعبيدة بن الحارث ابن عبد المطلب، فبرزوا بين يديه بالسلاح، فقال: اجعلاه بينكما، وخاف عليه الحداثة، فقال: اذهبوا فقاتلوا عن حقكم وبالدين الذي بعث به نبيكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفؤوا نور الله بأفواههم، اذهبوا في حفظ الله [ أو في عون الله ] فخرجوا يمشون حتى إذا كانوا قريبا حيث يسمعون الصوت. فصاح بهم عتبة: انتسبوا نعرفكم، فإن تكونوا أكفاء نقاتلكم، وفيهم نزلت هذه الآية: " هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ". فقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان قريب السن من أبي طالب وهو يومئذ أكبر المسلمين (1) فقال هو: كفو كريم، ثم قال لحمزة: من أنت ؟ قال: أنا حمزة بن عبد المطلب، أنا أسد الله وأسد رسوله، أنا صاحب الحلفاء، فقال له عتبة: سترى صولتك اليوم يا أسد الله وأسد رسوله، قد لقيت أسد المطيبين، فقال لعلي: من أنت، فقال: أنا عبد الله وأخو رسوله، أنا علي بن أبي طالب، فقال: يا وليد دونك الغلام، فأقبل الوليد يشتد إلى علي قد تنور وتخلق (2) عليه خاتم من ذهب بيده السيف - قال علي: قد ظل (3) علي في طول نحو من ذراع، فختلته حتى ضربت يده التي فيها السيف، فبدرت يده وبدر السيف (4) حتى نظرت إلى بصيص الذهب في البطحاء، وصاح صيحة أسمع أهل العسكرين - فذهب مولى نحو أبيه و شد عليه علي عليه السلام فضرب فخذه فسقط، وقام علي عليه السلام وقال: أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب * وهاشم المطعم في العام السغب اوفي بميثاقي وأحمي عن حسب ثم ضربه فقطع فخذه، قال ففي ذلك تقول هند بنت عتبه:


(1) زاد في المصدر هنا: أنا الاسد في الجلسة. (2) في المصدر: قد تحلق. (3) قد طال خ ل. (4) في المصدر: فندر يده وندر السيف.

[ 315 ]

أبي وعمى وشقيق بكري (1) * أخي الذي كانوا كضوء (2) البدر بهم كسرت يا علي ظهري. ثم تقدم شيبة بن ربيعة وعبيدة بن الحارث فالتقيا فضربه شيبة فرمى رجله، وضربه عبيدة فأسرع السيف فيه فأقطعه فسقطا جميعا، وتقدم حمزة وعتبة فتكادما الموت طويلا، وعلي قائم على الوليد، والناس ينظرون، فصاح رجل من الانصار يا علي ما ترى الكلب قد بهر عمك ؟ فلما أن سمعها أقبل يشتد نحو عتبة فحانت من عتبة التفاته إلى علي فرآه وقد أقبل نحوه يشتد، فاغتنم عتبة حداثة سن علي فأقبل نحوه، فلحقه حمزة قبل أن يصل إلى علي فضربه في حبل العاتق، فضربه علي فأجهز عليه، قال: وأبو حذيفة (3) بن عتبة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله ينظر إليهم فاربد وجهه (4)، وتغير لونه، وهو يتنفس، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول: صبرا يا باحذيفة حتى قتلوا، ثم أقبلا إلى عبيدة حتى احتملاه فسال المخ على أقدامهما، ثم اشتدوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (5)، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا رسول الله ألست شهيدا ؟ قال: بلى، قال: لو كان أبو طالب حيا لعلم أني أولى بهذا البيت منه حيث يقول: ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبناءنا والحلائل (6) بيان: البصيص: البريق، وقال الفيروز آبادي: كدمه: عضه بأدنى فمه، أو أثر فيه بحديدة، والدابة تكادم الحشيش: إذا لم تستمكن منه. 62 - عم: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر كفا من تراب فرماه إليهم وقال: " شاهت


(1) في المصدر: وشقيقي بكر. (2) في المصدر: كصنو البدر. (3) في المصدر: فكان أبو حذيفة. (4) اربد وجهه: تغير. وفى المصدر: قد اربد وجهه. (5) في المصدر: ثم استدنوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. (6) سعد السعود: 102 - 104.

[ 316 ]

الوجوه " فلم يبق منهم أحد إلا اشتغل بفرك (1) عينيه، وقتل علي عليه السلام فيها الوليد ابن عتبة وكان شجاعا فاتكا، والعاص بن سعيد، وطعيمة بن عدي، ونوفل بن خويلد، وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بحبل وعذبهما يوما إلى الليل وهو عم الزبير. وروى جابر، عن الباقر (2)، عن أمير المؤمنين عليهما السلام قال: لقد تعجبت يوم بدر من جرأة القوم وقد قتلت الوليد بن عتبة إذ أقبل إلي حنظلة بن أبي سفيان، فلما دنا مني ضربته بالسيف فسالت عيناه ولزم الارض قتيلا. وقتل زمعة بن الاسود، والحارث بن زمعة، وعمير بن عثمان عم طلحة، و عثمان ومالكا أخوي طلحة في جماعة، وهم ستة وثلاثون رجلا، واستشهد من المسلمين يوم بدر أربعة عشر رجلا، منهم: عبيدة بن الحارث، وذو الشمالين (3) عمرو بن نضلة ومهجع مولى عمر، وعمير بن أبي وقاص، وصفوان بن أبي البيضاء، هؤلاء من المهاجرين، والباقون من الانصار (4). 63 - ل: عن عامر بن واثلة في خبر الشورى قال أمير المؤمنين عليه السلام: نشدتكم بالله هل فيكم أحد بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله ليجئ بالماء كما بعثني، فذهبت حتى حملت القربة على ظهري، ومشيت بها فاستقبلتني ريح فردتني حتى أجلستني، ثم قمت فاستقبلتني ريح فردتني حتى أجلستني ثم قمت فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: ما حبسك، فقصصت عليه القصة، فقال: " قد جاءني جبرئيل فأخبرني: أما الريح الاولى فجبرئيل كان في ألف من الملائكة يسلمون عليك، وأما الثانية فميكائيل في ألف من الملائكة يسلمون عليك " غيري ؟ قالوا: اللهم لا. الخبر (5).


(1) فركه: دلكه وحكه. (2) خلا المصدر عن قوله: عن الباقر عليه السلام. (3) سيأتي الكلام فيه وفى غيره في حديث الواقدي. (4) اعلام الورى: 50 و 59 ط 1 و 81 ط 2. (5) الخصال 2: 121. والخبر مسند طويل ذكره المصنف مرسلا ولم يذكر تمامه لعدم الحاجة إليه، ويأتي باقيه في محله. والمشهور زيادة الريح الثالثة وهو اسرافيل مع الف من الملائكة. كما تقدم قبل ذلك. ويأتى أيضا بعد ذلك وفى أبواب فضائله عليه السلام.

[ 317 ]

64 - ج: عن أبي جعفر عليه السلام في خبر الشورى قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: نشدتكم بالله هل فيكم أحد ناول رسول الله صلى الله عليه وآله قبضة من تراب فرمى به (1) في وجوه الكفار فانهزموا غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نودي باسمه (2) يوم بدر: " لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي " غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد سلم عليه جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في ثلاثة آلاف من الملائكة يوم بدر غيري ؟ قالوا: لا (3). بيان: المشهور في الاخبار أن النداء بلا سيف إنما كان يوم احد، ولعله من تصحيف الرواة، مع أنه يحتمل أن يكون النداء به في اليومين معا. 65 - كنز الكراجكي: عن الحسين بن محمد بن علي الصيرفي، عن محمد بن عمر الجعابي، عن محمد بن سليمان بن محبوب، عن أحمد بن عيسى الحربي، عن إسماعيل ابن يحيى، عن ابن جريح (4)، عن عطا، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله ليلة بدر قائما يصلي ويبكي ويستعبر (5) ويخشع ويخضع كاستطعام المسكين، و يقول: " اللهم أنجز لي ما وعدتني " ويخر ساجدا ويخشع في سجوده ويكثر التضرع، فأوحى الله إليه: قد أنجزنا وعدك، وأيدناك بابن عمك علي، ومصارعهم على يديه، وكفيناك المستهزئين به، فعلينا فتوكل، وعليه فاعتمد، فأنا خير من


(1) في المصدر: قبضة من التراب فرمى بها. (2) في المصدر: نودى باسمه من السماء. (3) الاحتجاج: 73. (4) هكذا في النسخ وفى المصدر وفيه وهم، والصحيح جريج بالجيم في آخره أيضا، والرجل هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الاموى مولاهم أبو الوليد وأبو خالد المكى الفقيه " احد أعلام أهل السنة، يروى عن ابن أبى مليكة وعكرمة مرسلا وعن طاوس مسألة، ومجاهد ونافع وغيرهم، قال ابن المدينى: لم يكن في الارض احد اعلم بعطاء عن ابن جريج ويروى عنه يحيى بن سعيد والاوزاعي والسفيانان وخلق، قال أبو نعيم مات سنة 150. يوجد ترجمته في تراجم القوم. راجع خلاصة تهذيب الكمال: 207 وتقريب التهذيب: 333 و 621. (5) استعبر: جرت عبرته أي دمعته.

[ 318 ]

توكلت (1) عليه، وهو أفضل من اعتمد عليه (2). 67 - كا: محمد بن يحيى، والحسين بن محمد جميعا، عن جعفر بن محمد، عن عبادة (3) بن يعقوب، عن أحمد بن إسماعيل، عن عمر بن كيسان (4)، عن أبي عبد الله الجعفي قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال (5): فإنما مثلنا ومثلكم مثل نبي كان في بني إسرائيل فأوحى الله عزوجل إليه أن: ادع قومك للقتال فإني سأنصرك. فجمعهم من رؤوس الجبال ومن غير ذلك، ثم توجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى انهزموا، ثم أوحى الله تبارك، وتعالى إليه أن: ادع قومك إلى القتال، فإني سأنصرك، فجمعهم ثم توجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى انهزموا. ثم أوحى الله إليه أن: ادع قومك إلى القتال فإني سأنصرك، فدعاهم فقالوا: وعدتنا النصر فما نصرنا، فأوحى الله عزوجل إليه: إما أن يختاروا القتال أو النار، فقال: يا رب القتال أحب (6) من النار، فدعاهم فأجابه منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدة أهل بدر، فتوجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى فتح الله عزوجل لهم (7). 68 - شى: عن محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول


(1) توكل خ ل. (2) كنز الكراجكى: 136. (3) هكذا في نسخة المصنف وغيرها والصحيح كما في المصدر: عباد بن يعقوب. و هو أبو سعيد الرواجنى المشهور بين العامة والخاصة. (4) في المصدر: عمرو بن كيسان. (5) خلا المصدر عن لفظة: " قال " وفيه صدر اسقطه المصنف وهو: كم الرباط عندكم ؟ قلت أربعون، قال: لكن رباطنا رباط الدهر: ومن ارتبط فينا دابة كان له وزنها ووزن وزنها ما كانت عنده، ومن ارتبط فينا سلاحا كان له وزنه ما كان عنده، لا تجزعوا من مرة ولا مرتين ولا من ثلاث ولا من أربع، فانما مثلنا اه‍. (6) في المصدر: احب إلى. (7) روضة الكافي: 381 و 382.

[ 319 ]

الله: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " قال: كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة وأربعين رجلا، وأسروا سبعين، فلما كان يوم احد اصيب من المسلمين سبعون رجلا، قال: فاغتموا بذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " (1). 69 - شى: عن زرارة، عن أحدهما (2) عليهما السلام قال: قلت: الزبير شهد بدرا قال: نعم، ولكنه فر يوم الجمل، فإن كان قاتل المؤمنين (3) فقد هلك بقتاله إياهم، وإن كان قاتل كفارا فقد باء بغضب من الله حين ولاهم دبره (4). 70 - شى: عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في قوله: " خير الماكرين (5) " قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد كان لقي من قومه بلاء شديدا حتى أتوه ذات يوم وهو ساجد حتى طرحوا عليه رحم شاة، فأتته ابنته وهو ساجد لم يرفع رأسه فرفعته عنه ومسحته، ثم أراه الله بعد ذلك الذي يحب، إنه كان ببدر وليس معه غير فارس واحد، ثم كان معه يوم الفتح اثنا عشر ألفا حتى جعل أبو سفيان والمشركون يستغيثون (6). 71 - شى: عن محمد بن يحيى، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " والركب أسفل منكم " قال: أبو سفيان وأصحابه (7). 72 - ك: الطالقاني، عن ابن عقدة، عن علي بن فضال، عن أبيه، عن


(1) تفسير العياشي 1: 205 والاية في سورة آل عمران: 165. (2) المراد الامام الباقر والصادق عليهما السلام كلما ذكر في اسناد. (3) أي في يوم الجمل. (4) تفسير العياشي 2: 51 والاية في الانفال: 16. (5) الانفال: 30. (6) تفسير العياشي 2: 54 ذيله: ثم لقى أمير المؤمنين عليه السلام من الشدة والبلاء و التظاهر عليه ولم يكن معه احد من قومه بمنزلته، اما حمزة فقتل يوم احد، واما جعفر فقتل يوم موتة. (7) تفسير العياشي 2: 65، والاية في الانفال: 42.

[ 320 ]

محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: السنة فينا في الصلاة على الميت خمس تكبيرات، وقد كان رسول الله يكبر على أهل بدر سبعا وتسعا (1). 73 - ص: بالاسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب. عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (2). وقد مضى تمامه في أبواب أحوال آدم عليه السلام. 74 - ك: بإسناده عن المفضل قال: قال الصادق عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر وهم أصحاب الالوية. الخبر (3). وسيأتي أخبار كثيرة في بيان هذا العدد في كتاب الغيبة وباب الرجعة. 75 - نى: أحمد بن هوذة، عن النهاوندي، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله ابن سنان، عن أبي جعفر عليه السلام (4) أنه قال: أبى الله إلا أن يخلف وقت الموقتين، وهي راية رسول الله صلى الله عليه وآله، نزل جبرئيل يوم بدر سرية (5) ثم قال: يا با محمد ما هي والله قطن ولا كتان ولا خز (6) ولا حرير، قلت: من أي شئ ؟ قال: من ورق الجنة، نشرها رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ثم لفها ودفعها إلى علي عليه السلام، ففتح الله عليه،


(1) اكمال الدين: 123 و 124. (2) قصص الانبياء: مخطوط، وليست نسخته عندي، وتقدم الحديث بتمامه في باب احوال آدم عليه السلام راجع 11: 267. (3) اكمال الدين: 378. والحديث مسند راجعه. (4) في المصدر: حدثنا أبو سليمان احمد بن هوذة قال: حدثنا ابراهيم بن اسحاق النهاوندي بنهاوند سنة ثلاث وستين ومائتين، قال: حدثنا عبد الله بن حماد الانصاري في شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائتين قال: حدثنا عبد الله بن سنان، عن أبى عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام. (5) في المصدر: سير به. ولعله مصحف. (6) في المصدر: ولا قز. (*)

[ 321 ]

ثم لفها (1)، وهي عندنا هناك لا ينشرها أحد حتى يقوم القائم، فإذا قام نشرها فلم يبق في المشرق والمغرب أحد إلا آلفها، ويسير الرعب قدامها شهرا، وعن يمينها شهرا وعن يسارها شهرا. الخبر (2). 76 - أقول: روي في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام. ألم تر أن الله أبلى رسوله * بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل بما أنزل الكفار دار مذلة * ولاقوا هوانا من أسار ومن قتل فأمسى رسول الله صلى الله عليه وآله قد عز نصره * وكان أمين الله ارسل بالعدل فجاء بفرقان من الله منزل * مبينة آياته لذوي العقل فآمن أقوام كرام وأيقنوا * وأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم * فزادهم (3) الرحمن خبلا على خبل وأمكن منهم يوم بدر رسوله * وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل بأيديهم بيض خفاف قواطع * وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل فكم تركوا من ناشئ ذي حمية * صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل وتبكي عيون النائحات عليهم * تجود بارسال (4) الرشاش وبالوبل نوائح تبكى عتبة الغي وابنه * وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل وذا الذحل تنعى وابن جذعان فيهم * مسلبة حرى مبينة الثكل


(1) في المصدر: ودفعها إلى على عليه السلام فلم تزل عند على عليه السلام حتى كان يوم البصرة فنشرها أمير المؤمنين عليه السلام ففتح الله عليه ثم لفها انتهى أقول: وباقى الحديث في المصدر بذلك الاسناد، ثم رواه في ص 166 باسناد آخر عن أبى بصير، وفيه: ويسير الرعب قدامها شهرا وورائها شهرا وعن يمينها اه‍. (2) غيبة النعماني: 156 و 166 راجعه. (3) في نسخة المصنف: فزادها. (4) باشبال خ ل.

[ 322 ]

ثوى (1) منهم في بئر بدر عصابة * ذوو (2) نجدات في الحزون وفي السهل دعى الغي منهم من دعا فأجابه * وللغي أسباب مقطعة الوصل فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل * عن البغي والعدوان في أشغل الشغل (3) بيان: الابلاء: الانعام. والزيغ: الميل عن استقامة، والخبل: الفساد في العقل، ومحادثة السيف: جلاؤه، والناشئ: الحدث السن، والذحل: الحقد و العداوة. 77 - وفي الديوان أيضا: قال علي عليه السلام مخاطبا للوليد: تبا وتعسا لك يابن عتبة * أسقيك من كأس المنايا شربة ولا أبالي بعد ذلك غبه (4). بيان: تبا وتعسا، أي ألزمك الله خسرانا وهلاكا، وضمير " غبه " راجع إلى السقي. وغب الشئ: عاقبته. 78 - ومنه في تلك الغزاة: والخيل جالت يومها غضابها * بمربط سربالها ترابها وسط منايا بينها أحقابها * اليوم عني ينجلي جلبابها (5) بيان: الضمائر راجعة إلى الحرب، والمربط بالكسر: الرسن، والحقب بالتحريك: حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير. 79 - ومنه فيها: قد عرف الحرب العوان عني * بازل عامين حديث سني سنحنح الليل كأني جني * أستقبل الحرب بكل فن


(1) ثوى المكان وفيه وبه: أقام، ثوى الرجل: مات ويمكن ان يكون ثوى بصيغة المجهول أي دفن. (2) في نسخة المصنف: ذوى. (2) ديوان أمير المؤمنين عليه السلام: 107. (4) ديوان أمير المؤمنين عليه السلام: 22 فيه: بعد ذاك. (5) ديوان أمير المؤمنين عليه السلام: 22 و 23.

[ 323 ]

معي سلاحي ومعي مجني * وصارم يذهب كل ضغن أقصى به كل عدو عني * لمثل هذا ولدتني أمي (1) بيان: العوان من الحرب: التي قوتل فيها مرة، وجعل " أمي " قافية لقرب مخرج الميم من النون، وهذا مجوز عند العرب. 80 - قب: ثم غزا صلى الله عليه وآله بدر الكبرى وهو يوم الفرقان قوله تعالى: " كما أخرجك ربك (2) " السورة، وقوله: " قد كان لكم آية " وبدر ما بين مكة و المدينة. وقال الشعبي والثمالي: بئر منسوبة إلى بدر الغفاري، وقال الواقدي هو اسم الموضع، خرج صلى الله عليه وآله (3) سابع شهر رمضان، ويقال: ثالثه في ثلاثمائة و سبعة عشر رجلا في عدة أصحاب طالوت، منهم ثمانون راكبا أو سبعون، ويقال: سبعة وسبعين رجلا من المهاجرين، ومائتي وثلاثين رجلا من الانصار، وكان المقداد فارسا فقط، يعتقب النفر على البعير الواحد، وكان بين النبي صلى الله عليه وآله وبين أبي مرثد (4) بعير، ويقال: فرس وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف قاصدا إلى أبي سفيان وعتبة بن أبي ربيعة في أربعين من قريش أو سبعين، فاخبر (5) بالنبي صلى الله عليه وآله فأخذوا على الساحل واستصرخوا إلى أهل مكة على لسان ضمضم (6) الغفاري، قال ابن قتيبة: خرجوا تسعمائة وخمسين، ويقال: ألف ومائتان و خمسون، ويقال: ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس (7) يقودونها، والقيان يضربن بالدفوف ويتغنين بهجاء المسلمين، ولم يكن من قريش بطن إلا خرج منهم ناس إلا


(1) ديوان أمير المؤمنين عليه السلام: 140 و 141. (2) أشرت في صدر الباب إلى موضعها وموضع ما يأتي بعدها. (3) في المصدر: وذلك ان النبي صلى الله عليه وآله خرج. (4) في المصدر: أبى مرثد الغنوى. (5) في المصدر: فاخبروا. (6) في المصدر: ضمضم بن عمرو الغفاري. (7) في المصدر: مائتا فارس.

[ 324 ]

من بني زهرة وبني عدي بن كعب، واخرج فيهم طالب كرها فلم يوجد في القتلى والاسرى. الكلبي وأبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام: كان إبليس في صف المشركين آخذا بيد الحارث بن هشام فنكص على عقيبة، فقال له الحارث: يا سراق إلى أين ؟ أتخذلنا على هذه الحالة ؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، فقال: والله ما ترى إلا جعاسيس يثرب فدفع في صدر الحارث وانطلق وانهزم الناس، وقال النبي صلى الله عليه وآله في العريش (1): " اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعد اليوم " فنزل: " إذ تستغيثون ربكم (2) " فخرج يقول: " سيهزم الجمع ويولون الدبر (3) " الآية، فأيده الله (4) بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وكثرهم في أعين المشركين في أعينهم. وقال علي عليه السلام وابن عباس في قوله: " مسومين (5) " كان عليهم عمائم بيض أرسلوها بين أكتافهم، وقال عروة: كانوا على خيل بلق عليهم عمائم صفر. الحسن وقتادة: كانوا أعلموا بالصوف في نواصي الخيل وأذنابها.


(1) العريش: كل ما يستظل به. أقول: وقد بنى له صلى الله عليه وآله عريش قبل الحرب قال ابن هشام في السيرة: قال ابن اسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى بكر انه حدث ان سعد بن معاذ رضى الله عنه قال: يا نبى الله الا نبنى لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك. ثم نلقى عدونا. فان اعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما احببنا، وان كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بما وراءنا من قومنا. فقد تخلف عنك اقوام يا نبى الله ما نحن باشد حبا لك منهم، ولو ظنوا انك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحوك ويجاهدون معك، فاثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله خيرا ودعا له بخير، ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وآله عريش فكان فيه. (2) أشرنا إلى موضع الاية في صدر الباب. (3) القمر: 45. (4) في المصدر: أمده الله. (5) اشرنا إلى موضع الايات في صدر الباب.

[ 325 ]

ابن عباس: وسمع غفاري في سحابة حمحمة الخيل وقائل يقول: أقدم حيزوم. البخاري: قال النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر: هذا جبرئيل أخذ برأس فرسه عليه أدات الحرب. الثعلبي وسماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " وما رميت إذ رميت (1) " إن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: ناولني كفا من حصباء فناوله فرمى به في وجوه القوم، فما بقي أحد إلا امتلات عينه من الحصباء. وفي رواية غيره: وأفواههم ومناخرهم. قال أنس: رمى بثلاث حصيات في الميمنة والميسرة والقلب. قال ابن عباس: " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا (2) " يعني وهزم الكفار ليغنم النبي والوصي عليهما السلام، وكان الاسرى سبعين، ويقال: أربع وأربعون، ولم يؤسر أحد من المسلمين، والشهداء كانوا أربعة عشر، واخذ الفداء من كل مشرك أربعين أوقية، ومن العباس مائة، وقالوا: كان أكثر من أربعة آلاف درهم، فنزل عتابا في الفداء والاسرى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى (3) " وقد كان كتب في اللوح المحفوظ " لو لا كتاب من الله سبق (4) " وكان القتال بالسابع عشر من شهر رمضان، وكان لواؤه مع مصعب بن عمير، ورايته مع علي عليه السلام، ويقال رايته مع علي عليه السلام، وراية الانصار مع سعد بن عبادة (5). بيان: الجعاسيس: اللئام في الخلق والخلق الواحد جعسوس بالضم. 81 - ل: بالاسناد (6) عن أمير المؤمنين عليه السلام في خبر اليهودي الذي سأله عليه السلام


(1 - 4) أشرنا إلى موضع الايات في صدر الباب. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 162 - 164. أقول: قال ابن حجر في التقريب في ترجمة سعد بن عبادة: وقع في صحيح مسلم انه شهد بدرا. والمعروف عند أهل المغازى انه تهيا للخروج فنهس فاقام. (6) الحديث مسند في المصدر ولم يذكر المصنف اسناده اختصارا راجعه.

[ 326 ]

عما امتحنه الله به في حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعد وفاته، قال: وأما الثالثة يا أخا اليهود فإن ابني ربيعة وابن عتبة كانوا فرسان قريش، دعوا إلى البراز يوم بدر، فلم يبرز لهم خلق من قريش، فأنهضني رسول الله مع صاحبي رضي الله عنهما وقد فعل وأنا أحدث أصحابي سنا، وأقلهم للحرب تجربة، فقتل الله عزوجل بيدي وليدا وشيبة سوى من قتلت من جحاجحة قريش في ذلك اليوم وسوى من أسرت، وكان مني أكثر مما كان من أصحابي، واستشهد ابن عمي في ذلك اليوم رحمة الله عليه، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك ؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين (1). بيان: الجحاجحة، جمع الجحجاح وهو السيد الكريم. 82 - وقال الكازروني في المنتقى: قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة قال: جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن امية بعد مصاب أهل بدر وهو في الحجر، وكان عمير شيطانا من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه بمكة وكان ابنه وهيب بن عمير في اسارى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله ليس في العيش خير بعدهم، فقال له عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علة ابني أسير في أيديهم، فقال صفوان: فعلي دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي، اواسيهم اسوتهم ما بقوا، قال عمير: فاكتم علي شأني وشأنك، قال: أفعل، ثم إن عميرا أمر بسيفه فشحذ له (2) وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فلما دخل على النبي صلى الله عليه وآله فقال: أنعموا صباحا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك يا عمير ؟ قال: جئت لهذا الاسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك: قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا ؟ قال: اصدقني بالذي جئت له، قال: ما جئت إلا لذلك، فقال النبي


(1) الخصال 2: 15. والحديث طويل. (2) أي أحده.

[ 327 ]

صلى الله عليه وآله: بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعلي عيالي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بيني وبينك، فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا نكذبك، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا و صفوان، فوالله إني لاعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للاسلام، و ساقني هذا المساق، ثم تشهد شهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، وأطلقوا له أسيره، ففعلوا، ثم قال: يا رسول الله إني كنت جاهدا في إطفاء نور الله شديد الاذى لمن كان على دين الله، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الاسلام، لعل الله أن يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم، فأذن له، فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدا، ولا ينفعه بنفع أبدا، فلما قدم مكة أقام بها يدعو إلى الاسلام ويؤدى من خالفه، فأسلم على يديه ناس كثيرة. وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع أقوى منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل ؟ فقلت: نعم، وما حاجتك إليه يابن أخي ؟ قال: بلغني أنه سب رسول الله صلى الله عليه وآله، والذي نفسي بيده لو رأيته لم يفارق سوادي سواده حتى يموت الاعجل منا، قال: فغمزني الآخر فقال لي: مثلها، فتعجبت لذلك، فلم أنشب (1) أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت لهما: الا تريان ؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فاستقبلهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبراه، فقال: أيكما قتله ؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته،


(1) أي لم ألبث.

[ 328 ]

قال: هل مسحتما سيفكما (1) ؟ قالا: لا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله في السيفين فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو، وهما معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء. وفي رواية أن معاذ بن عفراء ضرب أبا جهل هو وأخوه عوف بن الحارث حتى أثبتاه، فعطف عليهما فقتلهما، ثم وقع صريعا فدفف (2) عليه ابن مسعود (3). 83 - أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة قال الواقدي: بلغ رسول الله أن عير قريش فصلت من مكة تريد الشام، وقد جمعت قريش فيها أموالها، فندب لها أصحابه، وخرج يعترضها على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره فخرج في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين، ولم يلق العير وفاتته ذاهبة إلى الشام، وهذه غزاة ذي العشيرة رجع منها إلى المدينة ولم يلق حربا، فلما تحين انصراف العير من الشام قافلة ندب أصحابه لها وبعث طلحة بن عبيدالله وسعيد بن زيد قبل خروجه من المدينة بعشر ليال يتجسسان خبر العير، وندب رسول الله المسلمين و قال: هذه عير قريش فيها أموالهم، لعل الله أن يغنمكموها، فأسرع من أسرع حتى أن كان الرجل ليساهم أباه في الخروج، فكان ممن ساهم أباه سعد بن خيثمة، فخرج سهم سعد فقتل ببدر، وأبطأ عن النبي صلى الله عليه وآله كثير من أصحابه، وكرهوا خروجه، وكان في ذلك كلام كثير واختلاف، وتخلف بعضهم من أهل النيات والبصائر لم يظنوا أنه يكون قتال إنما هو الخروج للغنيمة، ولو ظنوا أنه يكون قتال لما تخلفوا، منهم أسيد بن حضير، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى إلى المكان المعروف بالبقع (4) وهي بيوت السقيا، وهي متصلة ببيوت المدينة، فضرب عسكره هناك وعرض


(1) في المصدر: سيفيكما. (2) دفف عليه أي اجهز عليه وأتم قتله. (3) المنتقى في مولود المصطفى: 113 و 114، الباب الثاني فيما كان في سنة اثنين من الهجرة. (4) البقع بضم الباء وسكون القاف قال ياقوت في معجم البلدان 1: 472: البقع: اسم بئر بالمدينة، وقال الواقدي: البقع من السقيا التى بنقب بنى دينار.

[ 329 ]

المقاتلة، دعا يومئذ لاهل المدينة فقال: " اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك دعاك لاهل مكة، وإني محمد عبدك ونبيك أدعوك لاهل المدينة أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم، اللهم حبب إلينا المدينة، واجعل ما بها من الوباء بخم اللهم إني حرمت ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم خليلك مكة " فراح صلى الله عليه وآله من السقيا لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، وخرج المسلمون معه، فكانت الابل سبعين بعيرا، وكانوا يتعاقبون الابل الاثنين والثلاثة والاربعة، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ومرثد بن أبي مرثد - ويقال: زيد بن حارثة مكان مرثد - يتعاقبون بعيرا. قال الواقدي: فروى معاذ بن رفاعة، عن أبيه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله إلى بدر وكان كل ثلاثة يتعاقبون بعيرا فكنت أنا وأخي خلاد بن أبي رافع (1) على بكر لنا، ومعنا يزيد بن عامر (2)، فكنا نتعاقب، فسرنا حتى إذا كنا بالروحاء برك علينا بكرنا وأعيا، فقال أخي: اللهم إن لك علي نذرا لئن رددتنا إلى المدينة لانحرنه، فمر بنا النبي صلى الله عليه وآله ونحن على تلك الحال، فقلنا: يا رسول الله برك علينا بكرنا، فدعا بماء فتمضمض وتوضا في إناء ثم قال: افتحا فاه فصبه في فيه، ثم على رأسه، ثم على عنقه، ثم على حاركه (3)، ثم على سنامه، ثم على عجزه، ثم على ذنبه، ثم قال: اركبا، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلحقناه أسفل من المنصرف، وإن بكرنا لينفر بنا حتى إذا كنا بالمصلى راجعين من بدر برك علينا، فنحره أخي فقسم لحمه وتصدق به.


(1) هكذا في نسخة المصنف، وفيه وهم، والصحيح ما في المصدر: خالد بن رافع. نص على انه رافع ابن حجر في التقريب 495 في أخيه حيث قال: معاذ بن رفاعة بن رافع الانصاري الزرقى المدنى. راجع ايضا اسد الغابة 2: 72 ففيه خالد بن رافع. (2) عبيدة خ ل. أقول: في المصدر ايضا عبيدة بن يزيد بن عامر، ولم نجد له في كتب التراجم ذكرا، ولعل الصحيح ما في المتن، فيكون هو يزيد بن عامر بن حديدة بن غنم بن كعب بن سلمة الانصاري الخزرجي السلمى، ترجمه ابن الاثير في اسد الغابة 5: 116 وقال: شهد العقبة وبدرا واحدا. (3) الحارك: اعلى الكاهل.

[ 330 ]

قال الواقدي: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين فصل من بيوت السقيا " اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك " فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهرا، للرجل البعير والبعيران و اكتسى من كان عاريا، وأصابوا طعاما من أزوادهم، وأصابوا فداء الاسرى فأغني به كل عائل. قال: وكان معهم فرسان: فرس لمرثد، وفرس للمقداد بن عمرو حليف بني زهرة، ويقال: فرس للزبير. قال الواقدي: ولحقت قريش بالشام في عيرها، وكانت العير ألف بعير، و كان فيها أموال عظام، ولم يبق بمكة قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في العير، فلما اخبر أبو سفيان أن النبي صلى الله عليه وآله يريد أن يتعرض للعير بعث ضمضم ابن عمرو إلى مكة - ثم ذكر رؤيا عاتكة - ثم قال: قال الواقدي: وكان عمرو ابن العاص يحدث بعد ذلك فيقول: لقد رأيت كل هذا، ولقد رأيت في دارنا فلقة من الصخرة التي انفلقت من أبي قبيس ولقد كان ذلك عبرة. قال الواقدي: ولما تهيؤا للخروج (1) وأخرج عتبة وشيبة دروعا لهما فنظر إليهما مولاهما عداس وهما يصلحان دروعهما وآلة حربهما فقال: ما تريدان ؟ فقالا: ألم تر إلى الرجل الذي أرسلناك إليه بالعنب في كرمنا بالطائف (2) ؟ قال نعم، قالا: نخرج فتقاتله فبكى وقال: لا تخرجا فوالله إنه لنبي، فأبيا فخرجا وخرج معهما فقتل ببدر معهما. قال واستقسمت قريش بالازلام (3) عند هبل للخروج، فاستقسم أمية بن


(1) خلا المصدر عن قوله: ولما تهيأوا للخروج. (2) تقدمت قصته قبلا في ذكر خروجه إلى الطائف وما لقى هناك. (3) قال الجزرى في النهاية 3: 285: الاستقسام: طلب القسم الذي قسم له وقدر مما لم يقسم ولم يقدر، وهو استفعال منه، وكانوا إذا أراد أحدهم سفرا أو تزويجا أو نحو ذلك من المهام ضرب بالازلام وهى القداح. وكان على بعضها مكتوب: امرني ربى، وعلى الاخر نهانى ربى وعلى الاخر غفل، فان خرج أمرنى مضى لشأنه، وان خرج نهانى أمسك، وان خرج الغفل عاد آجالها وضرب بها اخرى إلى ان يخرج الامر أو النهى انتهى والغفل: ما لا علامة فيه.

[ 331 ]

خلف وعتبة وشيبة بالآمر والناهي فخرج القدح الناهي، فأجمعوا المقام حتى أزعجهم أبو جهل، فقال: ما استقسمت ولا نتخلف عن عيرنا (1). وروي عن حكيم بن حزام قال: ما توجهت وجها قط كان أكره إلي من مسيري إلى بدر، ولا بان لي في وجه قط ما بان لي قبل أن أخرج، قال: قدم ضمضم فصاح بالنفير فاستقسمت بالازلام، كل ذلك يخرج الذي أكره، ثم خرجت على ذلك حتى نزلنا مر الظهران فنحر ابن الحنظلية جزورا منها بها حياة فما بقي خبأ من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها، فكان هذا بينا، ثم هممت بالرجوع، ثم أذكر ابن الحنظلية وشومه فيردني حتى مضيت لوجهي، ولقد رأيت حين بلغنا الثنية البيضاء إذا عداس جالس عليها والناس يمرون إذ مر علينا ابنا ربيعة فوثب عليهما وأخذ بأرجلهما في غرزهما وهو يقول: بأبي أنتما وأمي إنه لرسول الله، وما تساقان إلا إلى مصارعكما، وإن عينيه لتسيلان دمعا على خديه، فأردت أن أرجع أيضا، ثم مضيت فمر به العاص بن منبه بن الحجاج فوقف عليه حين ولى عتبة وشيبة فقال: ما يبكيك ؟ قال: يبكيني سيداي وسيدا أهل الوادي، يخرجان إلى مصارعهما، ويقاتلان رسول الله، فقال العاص: وإن محمدا لرسول الله صلى الله عليه وآله فانتفض عداس انتفاضة واقشعر جلده ثم بكى وقال: إي والله إنه رسول الله إلى الناس كافة، قال: فأسلم العاص بن منبه ومضى وهو على الشك حتى قتل مع المشركين على شك وارتياب، ويقال: رجع عداس ولم يشهد بدرا، ويقال: شهد بدرا وقتل. قال الواقدي: والقول الاول أثبت عندنا. قال: فلما أجمعوا على المسير ذكروا الذي بينهم وبين بني بكر من العداوة وخافوهم على من يخلفونه، فتصور لهم إبليس في صورة سراقة فقال: يا معشر قريش قد عرفتم شرفي ومكاني في قومي، أنا لكم جار أن يأتيكم كنانة بشئ تكرهونه، فخرجوا سراعا بالقيان والدفوف يتغنين في كل منهل، وينحرون الجزر، وخرجوا


(1) شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد: 3: 323.

[ 332 ]

بتسعمائة وخمسين مقاتلا، وقادوا مائة فرس بطرا ورئاء الناس. وكانت الابل سبعمائة بعير، وكان أهل الخيل كلهم دارعا وكانوا مائة، وكان في الرجالة دروع سوى ذلك فلما انتهوا إلى الجحفة رأى جهيم بن الصلت بين النوم واليقظة: رجل أقبل على فرس معه بعير له حتى وقف عليه، فقال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وزمعة بن الاسود وأمية بن خلف وأبو البختري وأبو الحكم ونوفل بن خويلد في رجال سماهم من أشراف قريش، واسر سهيل بن عمرو، وفر الحارث بن هشام عن أخيه قال: وكأن قائلا يقول: والله إني لاظنهم الذين يخرجون إلى مصارعهم، قال: ثم أراه ضرب في لبة بعيره فأرسله في العسكر، فقال أبو جهل: وهذا نبي آخر من بني عبد مناف، ستعلم غدا من المقتول، نحن أو محمد وأصحابه. قال: فلما أفلت أبو سفيان بالعير أرسل يأمرهم بالرجوع فأبوا، وردوا القيان وأما رسول الله عليه السلام فكان صبيحة أربع عشرة من شهر رمضان بعرق الظبية فجاء أعرابي قد أقبل من تهامة، فقال له أصحاب النبي صلى الله عليه وآله: هل لك علم بأبي سفيان قال: ما لي بأبي سفيان علم، قالوا: تعال فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: أوفيكم رسول الله ؟ قالوا نعم قال: فأيكم رسول الله ؟ قالوا: هذا، فقال: أنت رسول الله ; قال: نعم قال: فما في بطن ناقتي هذه إن كنت صادقا ؟ فقال سلمة بن سلامة بن وقش (1): نكحتها فهي حبلى منك، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله مقالته وأعرض عنه. قال الواقدي: وسار رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أتى الروحاء ليلة الاربعاء للنصف من شهر رمضان فقال لاصحابه: هذا أفضل أو دية العرب، وصلى، فلما رفع رأسه من الركعة الاخيرة من وتره لعن الكفرة ودعا عليهم فقال: " اللهم لا تفلتن أبا جهل بن هشام فرعون هذه الامة، اللهم لا تفلتن زمعة بن الاسود، اللهم اسخن عين أبي زمعة اللهم أعم بصر أبي زمعة (2)، اللهم لا تفلتن سهيل بن عمر " ثم دعا


(1) في سيرة ابن هشام: قال له سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وأقبل على فانا أخبرك عن ذلك، نزوت عليها ففى بطنها منك سخلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " مه افحشت على الرجل " ثم اعرض عن سلمة. (2) في الامتاع: اللهم واسخن عين ابى زمعة بزمعة.

[ 333 ]

لقوم من قريش فقال: " اللهم أنج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة (1) و المستضعفين من المؤمنين " قال: ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وادي بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان، فبعث عليا عليه السلام والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو يتجسسون على الماء، فوجدوا روايا قريش فيها سقاؤهم فأسروهم وأفلت بعضهم واتي (2) بهم النبي صلى الله عليه وآله وهو قائم يصلي، فسألهم المسلمون فقالوا: نحن سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء فضربوهم، فلما أن لقوهم بالضرب (3) قالوا: نحن لابي سفيان ونحن في العير، وهذا العير بهذا الفوز (4)، فكانوا إذا قالوا ذلك يمسكون عن ضربهم، فسلم رسول الله صلى الله عليه وآله من صلاته، ثم قال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم، فلما أصبحوا عدل رسول الله صلى الله عليه وآله الصفوف وخطب المسلمين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه، فإن الله عظيم شأنه يأمر بالحق، ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهله على منازلهم عنده، به يذكرون، وبه يتفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه، وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم وينجي به من الغم، تدركون (5) به النجاة في الآخرة، فيكم نبي الله يحذر كم ويأمر كم، فاستحيوا اليوم أن يطلع الله على شئ من أمركم يمقتكم عليه، فإنه (6) تعالى يقول: " لمقت الله أكبر من مقتكم


(1) ابى دبيلة خ ل. أقول: وهو موجود ايضا في المصدر وهو مصحف، والصحيح ما في المتن، ويوجد مثله في الامتاع وقال ابن حجر في التقريب: 406: عياش بن أبى ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى، واسم ابيه عمرو، ويلقب ذا الرمحين، اسلم قديما. وهاجر هجرتين، وكان احد من يدعو له النبي صلى الله عليه وآله من المستضعفين. واستشهد باليمامة وقيل: باليرموك، وقيل: مات سنة خمس عشرة. (2) في غير نسخة المصنف: اتوا بهم (3) في المصدر: فلما أذلقوهم بالضرب. أقول: أي بالغوا في ضربهم. (4) في المصدر: بهذا القوز. أقول: القوز: المستدير من الرمل والكثيب المشرف. (5) ذكر المقريزى الخطبة في الامتاع: 81 وفيه: وتدركون النجاة في الاخرة. (6) في الامتاع: فان الله يقول.

[ 334 ]

أنفسكم (1) " انظروا إلى الذي (2) أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته، وما أعزكم (3) به بعد الذلة، فاستمسكوا به له يرض (4) ربكم عنكم، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمرا تستوجبوا به الذي وعدكم من رحمته (5) ومغفرته، فإن وعده حق، وقوله صدق، وعقابه شديد، وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم، إليه ألجأنا ظهورنا، وبه اعتصمنا وعليه توكلنا، وإليه المصير، ويغفر (6) الله لي و للمسلمين ". قال الواقدي: ولما رأى رسول الله قريشا تصوب من الوادي (7) قال: " اللهم إنك أنزلت علي الكتاب، وأمرتني بالقتال، ووعدتني إحدى الطائفتين، وإنك (8) لا تخلف الميعاد، اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك (9) وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني اللهم أحنهم الغداة (10). أقول: ثم ذكر مبارزة عتبة وشيبة والوليد. ثم قال: قال الواقدي: ثم قال عتبة لابنه: قم يا وليد فقام الوليد، وقام إليه علي عليه السلام وكانا أصغر النفر، فاختلفنا ضربتين فقتله علي عليه السلام، ثم قام عتبة وقام إليه حمزة فاختلفا ضربتين فقتله حمزة رضي الله عنه، ثم قام شيبة وقام إليه عبيدة وهو يومئذ أسن أصحاب رسول الله فضرب شيبة رجل عبيدة بذباب السيف فأصاب عضلة ساقه


(1) المؤمن: 11. (2) في الذى خ ل. وفى الامتاع: انظروا الذى. (3) في الامتاع: وأعزكم به بعد الذلة (4) في الامتاع: يرضى به ربكم عنكم. (5) في الامتاع: تستوجبوا الذى وعدكم به من رحمته. (6) خلا الامتاع من العاطف. (7) زاد في الامتاع: وكان اول من طلع زمعة بن الاسود على فرس يتبعه ابنه، فاستجال بفرسه يريد ان يتبوأ للقوم منزلا، قال صلى الله عليه وآله اه‍. (8) في الامتاع: وأنت. (9) في المصدر: تخاذل. ولعله تصحيف من النساخ. (10) شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد 3: 318 - 331.

[ 335 ]

فقطعها، وكر حمزة وعلي عليهما السلام على شيبة فقتلاه، ونزلت فيهم هذه الآية: " هذان خصمان اختصموا في ربهم " (1). وروى محمد بن إسحاق أن عتبة بارز عبيدة، وشيبة حمزة، فقتل حمزة شيبة لم يمهله أن قتله، ولم يمهل علي عليه السلام الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي على عتبة: بأسيافهما حتى دففا عليه، واحتملا صاحبهما إلى الصف. قال ابن أبي الحديد: هذه الرواية توافق ما يذكره أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه إذ يقول لمعاوية: " وعندي السيف الذي أعضضت به أخاك وخالك وجدك يوم بدر " ويقول في موضع آخر: " قد عرفت مواضع (2) نصالها في أخيك وخالك وجدك وما هي من الظالمين ببعيد ". واختار البلاذري رواية الواقدي وقال: هذا هو المناسب لاحوالهم من طريق السن لان شيبة أسن الثلاثة فجعل بازاء عبيدة وهو أسن الثلاثة. قال الواقدي: روى عروة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله جعل شعار المهاجرين يوم بدر: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الاوس: يا بني عبيد الله، قال: وروى زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام أن شعار رسول الله صلى الله عليه وآله كان يوم بدر: يا منصور أمت. قال الواقدي: ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن قتل أبي البختري، وقد مر ذكره وعن قتل الحارث بن عامر بن نوفل وكان كارها للخروج إلى بدر، فلقيه خبيب بن يساف فقتله ولا يعرفه، وعن قتل زمعة بن الاسود فقتله ثابت بن الجذع ولا يعرفه قال الواقدي: وكان عقبة بن أبي معيط قال شعرا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة فبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك فقال: " اللهم أكبه لمنخره واصرعه " فجمح (3) به فرسه


(1) اشرنا إلى موضع الاية في صدر الباب. (2) في المصدر: مواقع. (3) جمع الفرس: تغلب على راكبه وذهب به لا ينثنى.

[ 336 ]

يوم بدر فأخذه عبد الله بن سلمة أسيرا، فأمر النبي صلى الله عليه وآله عاصم بن الافلح (1) فضرب عنقه صبرا، قال: وكان عبد الرحمن بن عوف يحدث ويقول: إني لاجمع أدراعا يوم بدر بعد أن ولى الناس فإذا أمية بن خلف وكان لي صديقا في الجاهلية ومعه ابنه علي فناداني مرتين فأجبته، فقال: نحن خير لك من أدراعك هذه، فقلت: امضيا، فجعلت أسوقهما أمامي، وقد رأى أمية أنه قد أمن بعض الامن إذ بصر به بلال فنادى: يا معشر الانصار أمية بن خلف رأس الكفر، لا نجوت إن نجوت، قال: لانه كان يعذبة بمكة، فأقبلت الانصار كأنهم عوذ حنت إلى أولادها حتى طرحوا أمية على ظهره فحميته فلم ينفع، فأقبل إليه خبيب بن يساف فضربه حتى قتله، وقد كان امية ضرب خبيبا حتى قطع يده من المنكب، فأعادها النبي صلى الله عليه وآله فالتحمت واستوت، وأقبل علي بن أمية فعرض (2) له الخباب بن المنذر فقطع رجله فصاح صيحة ما سمع مثلها قط، ولقيه عمار فضربه ضربة فقتله، وروي في قتل امية وجوه اخر، قال: وكان الزبير بن عوام يقول: لقيت يومئذ عبيدة بن سعيد ابن العاص على فرس عليه لامة كاملة لا يرى منه إلا عيناه، فطعنت في عينه فوقع فوطئت برجلي على خده حتى أخرجت العنزة مع حدقته، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله تلك العنزة فكانت تحمل بين يديه، قال: وأقبل عاصم بن أبي عوف السهمي - لما جال الناس واختلطوا - كأنه ذئب وهو يقول: يا معشر قريش عليكم بالقاطع مفرق الجماعة، الآني بما لا يعرف: محمد، لا نجوت إن نجا، فاعترضه أبو دجانة (3) فقتله، فأقبل معبد بن وهب فضرب أبا دجانة ضربة برك منها أبو دجانة، ثم انتهض وأقبل


(1) في المصدر عاصم بن أبى الافلح. وفى الامتاع والسيرة: عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح. بالقاف، ومثله في اسد الغابة، وفيه: اسم ابى الاقلح: بن عصمة: وقال ابن هشام في السيرة: ويقال: قتله على بن أبى طالب رضى الله عنه فيما ذكر لى ابن شهاب الزهري و غيره من أهل العلم. (2) في المصدر: فتعرض. (3) ابو دجانة بضم الدال وفتح الجيم المخففة، اسمه سماك بن خرشة، وكان مشهورا بكنيته، وكان من الشجعان المشهورين بالشجاعة.

[ 337 ]

على معبد فضربه ضربات لم يصنع سيفه شيئا حتى وقع معبد لحفرة (1) أمامه لا يراها، ونزل عليه أبو دجانة فذبحه وأخذ سلبه. قال الواقدي: ولما رأت بنو مخزوم مقتل من قتل قالوا: أبو الحكم لا يخلص (2) إليه، فاجتمعوا وأحدقوا به، وأجمعوا أن يلبسوا لامة أبي جهل رجلا منهم، فألبسوها عبد الله بن المنذر، فصمد له علي عليه السلام فقتله ومضى عنه وهو يقول: أنا ابن عبد المطلب. ثم ألبسوها أبا قيس بن الفاكه فصمد له حمزة وهو يراه أبا جهل فضربه فقتله وهو يقول: خذها وأنا ابن عبد المطلب، ثم ألبسوها حرملة بن عمرو فصمد له علي عليه السلام فقتله، ثم أرادوا أن يلبسوها خالد بن الاعلم، فأبى، قال معاذ بن عمرو ابن الجموح: فنظرت يومئذ إلى أبي جهل في مثل الحرجة (3) وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فعرفت أنه هو، فقلت: والله لاموتن دونه اليوم، أو لاخلصن إليه، فصمدت له حتى إذا أمكنتني منه غرة حملت عليه فضربته ضربة طرحت رجله من الساق فشبهتها النواة تنزو من تحت المراضح (4)، فأقبل ابنه عكرمة علي فضربني على عاتقي، فطرح يدي من العاتق إلا أنه بقيت جلدة فذهبت أسحب يدي بتلك الجلدة خلفي، فلما آذتني وضعت عليها رجلي ثم تمطيت عليها فقطعتها، ثم لاقيت عكرمة وهو يلوذ كل ملاذ فلو كانت يدي معي لرجوت يومئذ أن اصيبه، ومات معاذ في زمن عثمان، فروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله نفل معاذ بن عمر وسيف أبي جهل، وأنه عند آل معاذ اليوم وبه فل، وقيل: قتل أبا جهل ابنا الحارث، قال: وفرح رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل أبي جهل وقال: " اللهم إنك قد أنجزت ما وعدتني فتمم علي نعمتك ".


(1) في المصدر: بحفرة. (2) أي لا يصل إليه العدو. (3) الحرجة: الشجر الملتف. شجره بين الاشجار لا يوصل إليها. (4) في المصدر: المراضخ. وفى سيرة ابن هشام: فوالله ما شبهتها حين طاحت الا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها انتهى والمرضخة: الحجر الذى يكسر به النوى هي والمرضحة بالحاء المهملة معناهما واحد.

[ 338 ]

قال الواقدي: وحدثني معمر، عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر: " اللهم اكفني نوفل بن العدوية " وهو نوفل بن خويلد من بني أسد، وأقبل نوفل يومئذ يصيح وهو مرعوب قد رأى قتل أصحابه، وكان في أول ما التقى (1) هم والمسلمون يصيح بصوت له زجل (2) رافعا عقيرته (3): يا معشر قريش إن هذا اليوم العلا والرفعة، فلما رأى قريشا قد انكشفت جعل يصيح بالانصار: ما حاجتكم إلى دمائنا ؟ أما ترون من تقتلون ؟ أما لكم في اللبن من حاجة ؟ فأسره جبار بن صخر فهو يسوقه أمامه، فجعل نوفل يقول لجبار ورأى عليا عليه السلام مقبلا نحوه: يا أخا الانصار من هذا ؟ واللات والعزى إني لارى رجلا إنه ليريدني، قال جبار: هذا علي بن أبي طالب، قال نوفل: تالله ما رأيت كاليوم رجلا أسرع في قومه، فصمد له علي عليه السلام فضربه، فنشب سيفه (4) في جحفته ساعة، ثم نزعه فضرب به ساقيه و درعه مشمرة فقطعهما ثم أجهز عليه فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من له علم بنوفل ابن خويلد ؟ قال علي عليه السلام: أنا قتلته، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: " الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه ". قال الواقدي: وأقبل العاص بن سعيد بن العاص يبحث للقتال فالتقى هو و علي فقتله علي عليه السلام. قال الواقدي: وكان علي عليه السلام يحدث فيقول: إني يومئذ بعد ما متع النهار ونحن والمشركون قد اختلطت صفوفنا وصفوفهم، خرجت في أثر رجل منهم، فإذا رجل من المشركين على كثيب رمل وسعد بن خيثمة وهما يقتتلان حتى قتل المشرك سعدا، والمشرك مقنع في الحديد وكان فارسا فاقتحم عن فرسه فعرفني وهو معلم، فناداني: هلم يابن أبي طالب إلى البراز، فعطفت عليه فانحط إلي مقبلا، وكنت


(1) في المصدر: ما التقوا. (2) زجل: رفع صوته وأجلب، يقال: سحاب ذو زجل: ذو رعد. (3) رفع عقيرته أي صوته. والعقيرة: صوت المغنى والباكى والقارئ. (4) في المصدر: سيف على.

[ 339 ]

رجلا قصيرا، فانحططت راجعا لكي ينزل إلي ينزل إلي، كرهت أن يعلوني (1)، فقال: يا ابن أبي طالب فررت ؟ فقلت: قريب مفر ابن الشتراء فلما استقرت قدماي وثبت أقبل فلما دنا مني ضربني فاتقيت بالدرقة، فوقع سيفه فلحج (2) فضربته على عاتقه وهي دارع (3) فارتعش ولقد قط (4) سيفي درعه فظننت أن سيفي سيقتله، فإذا بريق سيف من ورائي فطأطأت رأسي ووقع (5) السيف فأطن قحف رأسه بالبيضة وهو يقول: خذها وأنا ابن عبد المطلب، فالتفت فإذا هو حمزة عمي، والمقتول طعيمة بن عدي. قال: في رواية محمد بن إسحاق: إن طعيمة قتله علي بن أبي طالب عليه السلام، وقيل: قتله حمزة. وروى محمد بن إسحاق قال: وخرج النبي صلى الله عليه وآله من العريش إلى الناس فينظر القتال فحرض المسلمين وقال: " كل امرئ بما أصاب " وقال: " والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم (6) في حملة فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة " فقال عمر بن حمام الجويني (7) وفي يديه تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ؟ ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل. قال محمد بن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة أن عوف بن الحارث و هو ابن عفراء قال لرسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده ؟ قال: " غمسه يده في العدو حاسرا " فنزع عوف درعا كانت عليه وقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.


(1) في المصدر: كرهت ان يعلو بى. (2) لحج السيف: نشب في الغمد أو الدرقة فلا يخرج. (3) في المصدر وهو دارع. (4) أي قطع. (5) ويقع خ ل. (6) رجل خ ل. (7) في المصدر: عمر بن حمام اخو أبى سلمة.

[ 340 ]

قال الواقدي وابن إسحاق: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كفا من البطحاء فرماهم بها، وقال: " شاهت الوجوه، اللهم ارعب قلوبهم، وزلزل أقدامهم " فانهزم المشركون لا يلوون على شئ والمسلمون يتبعونهم يقتلون ويأسرون. قال الواقدي: وحدثني عمر بن عثمان، عن عكاشة بن محصن قال: انقطع سيفي يوم بدر فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله عودا هو سيف أبيض طويل فقاتلت به حتى هزم الله المشركين. ولم يزل ذلك السيف عند عكاشة حتى هلك. قال: وقد روى رجال من بني عبد الاشهل عدة قالوا: انكسر سيف سلمة بن أسهل (1) بن جريش يوم بدر فبقي أعزل (2) لا سلاح معه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب (3)، فقال: اضرب به، فإذا سيف جيد: فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد (4). قال الواقدي: وأصاب حارثة بن سراقة وهو يكرع في الحوض سهم من المشركين فوقع في نحره فمات، فلقد شرب القوم آخر النهار من دمه، وبلغ امه واخته وهما بالمدينة مقتله، فقالت أمه: والله لا أبكي عليه حتى يقدم رسول الله صلى الله عليه وآله، فأسأله فإن كان في الجنة لم أبك عليه، وإن كان في النار بكيته


(1) في المصدر: سلمة بن اشهل بن جريش. وفى اسد الغابة. سلمة بن أسلم بن حريش ابن عدى بن مخدعة بن حارث بن الحارث بن الخزرج الانصاري الاوسي يكنى ابا سعد. كان حليفا لبنى عبد الاشهل. (2) الاعزل: من لا سلاح معه. (3) ابن طاب: نوع من انواع تمر المدينة منسوب إلى ابن طاب رجل من أهلها، يقال: عذق ابن طاب، ورطب ابن طاب، وتمر ابن طاب. (4) في المصدر: أبى عبيدة، وهو مصحف، والرجل هو أبو عبيد بن مسعود الثقفى والد المختار بن أبى عبيد، ويوم الجسر هو يوم قس الناطف ويقال له أيضا: يوم المروحة، وفى ذلك اليوم وقعة بين المسلمين والفرس قرب الحيرة، وذلك في سنة 13 للهجرة في خلافة عمر بن الخطاب، وقتل يومئذ أبى عبيد. وقس الناطف: موضع قريب من الكوفة على شاطئ الفرات الشرقي، والمروحة: موضع بشاطئ الفرات الغربي.

[ 341 ]

لعمرو الله (1) فأعولته، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر جاءت أمه إليه فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله قد عرفت موضع حارثة من قلبي (2) فأردت أن أبكي عليه، ثم قلت: لا أفعل حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله عنه، فإن كان في الجنة لم أبكه، وإن كان في النار بكيته فأعولته، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " هبلت، أجنة واحدة ؟ إنها جنان كثيرة، والذي نفسي بيده إنه لفي الفردوس الاعلى " قالت: لا أبكي عليه أبدا، قال: و دعا رسول الله صلى الله عليه وآله حينئذ بماء في إناء فغمس يده فيه ومضمض فاه، ثم ناول ام حارثة بن سراقة فشربت ثم ناولت ابنتها فشربت، ثم أمرهما فنضحتا في جيوبهما، ثم رجعتا من عند النبي صلى الله عليه وآله وما بالمدينة امرأتان أقر عينا منهما ولا أسر. قال الواقدي: فلما رجعت قريش إلى مكة قام فيهم أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر قريش لا تبكوا على قتلاكم، ولا تنح عليهم نائحة، ولا يندبهم شاعر وأظهروا الجلد والعزاء فإنكم إذا نحتم عليهم نائحة وبكيتموهم بالشعر أذهب ذلك غيظكم فأكلكم عن عداوة محمد وأصحابه، مع أن محمدا وأصحابه إن بلغهم ذلك شمتوا بكم فتكون أعظم المصيبتين، ولعلكم تدركون ثاركم، فالدهن والنساء علي حرام حتى أغزو محمدا، فمكث (3) قريش شهرا لا يبكيهم شاعر، ولا تنوح عليهم نائحة، ومشت نساء من قريش إلى هند بنت عتبة فقلن: ألا تبكين على أبيك وأخيك وعمك وأهل بيتك ؟ فقالت: حلاقي (4) أنا أبكيهم فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بنا ونساء بني الخزرج، لا والله حتى أثار محمدا وأصحابه، والدهن علي حرام ان دخل رأسي حتى نغزو محمدا، والله لو أعلم أن الحزن يذهب من قلبي لبكيت، ولكن لا يذهبه إلا أن أرى ثاري بعيني من قتلة الاحبة، فمكثت على حالها لا تقرب الدهن ولا قربت فراش


(1) في المصدر: لعمر الله. وهو الصحيح. (2) في المصدر: في قلبى. (3) في المصدر: فمكثت قريش. (4) حلافي خ ل أقول: في المصدر: حلافى أن ابكيهم.

[ 342 ]

أبي سفيان من يوم حلفت حتى كانت وقعة احد. وروى الواقدي بإسناده عن ابن عباس قال: لما تواقف الناس أغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله ساعة ثم كشف عنه فبشر المؤمنين بجبرئيل في جند من الملائكة في ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر في ميسرة الناس، وإسرافيل في جند آخر خلف الناس، وكان إبليس قد تصور للمشركين في صورة سراقة بن جعشم، يذمر المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لكم من الناس، فلما أبصر عدو الله الملائكة نكص على عقبيه وقال: إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يرى أنه سراقة لما سمع من كلامه، فضرب صدر الحارث فسقط الحارث وانطلق إبليس لا يرى حتى وقع في البحر، ورفع يديه قائلا: يا رب موعدك الذي وعدتني وأقبل أبو جهل على أصحابه يحضهم على القتال، وقال: لا يغرنكم خذلان سراقة إياكم، فإنما كان على ميعاد من محمد وأصحابه، سيعلم إذا رجعنا إلى قديد (1) ما نصنع بقومه، ولا يحولنكم مقتل عتبة وشيبة والوليد فإنهم عجلوا وبطروا حين قاتلوا، وأيم الله لا نرجع اليوم حتى نقرن محمدا وأصحابه في الحبال، فلا ألفين أحدا منكم قتل أحدا منهم، ولكن خذوهم أخذا نعرفهم بالذي صنعوا لمفارقتهم دينكم و رغبتهم عما كان يعبد آباؤهم. قال الواقدي: وحدثني عتبة بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه قال: إن كنا لنسمع لابليس يومئذ خوارا ودعاء بالثبور (2) والتصور في صورة سراقة بن جعشم حتى هرب فاقتحم البحر، ورفع يديه مادا لهما يقول: يا رب ما وعدتني، ولقد كانت قريش بعد ذلك تعير سراقة بما صنع يومئذ، فيقول: والله ما صنعت شيئا، فروي عن عمارة الليثي قال: حدثني شيخ صياد من الحي كان يومئذ على ساحل البحر قال: سمعت صياحا: يا ويلاه يا ويلاه، قد ملا الوادي يا حرباه يا حرباه، فنظرت فإذا سراقة بن جعشم فدنوت منه فقلت: مالك فداك أبي وأمي ؟


(1) قديد مصغرا: موضع بين مكة والمدينة. (2) في المصددر: بالثبور والويل، وتصور.

[ 343 ]

فلم يرجع إلي شيئا، ثم أراه اقتحم البحر ورفع يديه مادا يقول: يا رب ما وعدتني فقلت في نفسي: جن وبيت الله سراقة، وذلك حين زاغت الشمس، وذاك عند انهزامهم يوم بدر. قال الواقدي: قالوا: كان سيماء الملائكة عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضرا وصفرا وحمرا من نور: والصوف في نواصي خيلهم. وعن محمود بن لبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر: إن الملائكة قد سومت فسوموا، فأعلم المسلمون بالصوف في مغافرهم وقلانسهم. قال الواقدي: فروي عن سهيل بن عمرو قال: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض معلمين، يقتلون ويأسرون. وحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه، عن جده عبيد (1)، عن أبي رهم الغفاري، عن ابن عم له قال: بينا أنا وابن عم لي على ماء بدر، فلما رأينا قلة من مع محمد وكثرة قريش قلنا: إذا التفت الفئتان عمدنا إلى عسكر محمد وأصحابه فانتهبناه فانطلقنا نحو المجنبة اليسرى من أصحاب محمد، ونحن نقول: هؤلاء ربع قريش، فبينا نحن نمشي في الميسره إذ جاءت سحابة فغشيتنا فرفعنا أبصارنا لها (2)، و سمعنا أصوات الرجال والسلاح، وسمعنا قائلا يقول لفرسه: أقدم حيزوم، وسمعناهم يقولون: رويدا تتام أخراكم، فنزلوا على ميمنة رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم جاءت اخرى مثل تلك فكانت مع النبي صلى الله عليه وآله فنظرنا إلى أصحاب محمد وإذا هم على الضعف من قريش، فمات ابن عمي، وأما أنا فتماسكت وأخبرت النبي صلى الله عليه وآله بذلك وأسلمت. وعن حمزة بن صهيب، عن أبيه قال: ما أدري كم يد مقطوعة وضربة جائفة لم يدم كلمها يوم بدر قد رأيتها، قال: وروى أبو بردة قال: جئت يوم بدر بثلاثة أرؤس فوضعتها بين يدي رسول الله، فقلت يا رسول الله أما اثنان فقتلتهما، وأما الثالث


(1) في المصدر: عبيدة بن أبى عبيدة. (2) في الامتاع: فرفعنا ابصارنا إليها، فسمعنا.

[ 344 ]

فإني رأيت رجلا طويلا أبيض ضربه فتدهدا (1) أمامه، فأخذت رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذاك فلان من الملائكة. قال الواقدي: وكان ابن عباس يقول: لم يقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وقال: كان الملك يتصور في صورة من يعرفه المسلمون من الناس ليثبتهم، فيقول: إني قد دنوت من المشركين فسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا لهم وليسوا بشئ فاحملوا عليهم، وذلك قول الله تعالى: " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا (2) " الآية. وروى أن السائب بن أبي جيش (3) الاسدي كان يحدث فيقول: والله ما أسرني يوم بدر أحد من الناس، ولما انهزمت قريش انهزمت معها فأدركني رجل أبيض طويل على فرس أبلق بين السماء والارض، فأوثقني رباطا، وجاء عبد الرحمن ابن عوف فوجدني مربوطا، وكان عبد الرحمن ينادي في العسكر: من أسر هذا ؟ فليس أحد يزعم أنه أسرني حتى انتهى بي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يابن أبي جيش (4) من أسرك ؟ قلت: لا أعرفه، وكرهت أن أخبره بالذي رأيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أسره ملك من الملائكة كريم، اذهب يا بن عوف بأسيرك، فذهب بي عبد الرحمن. وعن حكيم بن حزام قال: التقينا فاقتتلنا فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الارض مثل وقع الحصاة في الطست، وقبض النبي صلى الله عليه وآله القبضة فرمى بها فانهزمنا. وقال نوفل بن معاوية: انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع كوقع الحصا في الطساس بين أيدينا ومن خلفنا، فكان ذلك أشد الرعب علينا. وروى الواقدي عن سعيد بن المسيب قال: أمن رسول الله صلى الله عليه وآله من الاسرى


(1) هكذا في النسخ، وهو مصحف فتدهدى، أو فتدهده كما في المصدر. (2) أشرنا إلى موضع الاية في صدر الباب. (3 و 4) الصيحح كما في المصدر: السائب بن أبى حبيش، وهو ابن المطلب بن أسد، من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى ذكره ابن هشام في سيرته.

[ 345 ]

يوم بدر أبا غرة (1) عمرو بن عبد الله الجمحي وكان شاعرا، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: إن لي خمس بنات ليس لهن شئ فتصدق بي عليهن يا محمد، ففعل رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك، وقال أبو غرة (2): أعطيت موثقا أن لا أقاتلك ولا أكثر عليك أبدا، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وآله (3) فلما خرجت قريش إلى أحد جاء صفوان بن أمية فقال: اخرج معنا، قال: إني قد أعطيت محمدا موثقا أن لا أقاتله ولا أكثر عليه أبدا، وقد من علي ولم يمن على غيري حتى [ أ ] قتله أو أخذ منه الفداء، فضمن له صفوان أن يجعل بناته مع بناته إن قتل وإن عاش أعطاه مالا كثيرا لا يأكله عياله، فخرج أبو غرة (4) يدعو العرب ويحشرها، ثم خرج مع قريش يوم أحد فاسر (5) ولم يؤسر غيره من قريش، فقال: يا محمد إنما خرجت كرها، ولي بنات فامنن علي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أين ما أعطيتني من العهد والميثاق ؟ لا والله لا تمسح عارضيك (6)


(1 و 2 و 4) في سيرة ابن هشام أبا عزة بالعين المهملة والزاى المعجمة، وقال: هو عمرو بن عبد الله بن عثمان بن اهيب بن حذافة بن جمح. (3) في سيرة ابن هشام: فقال أبو عزة في ذلك يمدح رسول الله صلى الله عليه وآله ويذكر فضله في قومه: من مبلغ عنى الرسول محمدا * بأنك حق والمليك حميد وانت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى * عليك من الله العظيم شهيد وانت امرؤ بوئت فينا مباءة * لها درجات سهلة وصعود فانك من حاربته لمحارب * شقى ومن سالمته لسعيد ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله * تأوب مابى حسرة وقعود (5) قال ابن هشام: وأسر بعد رجوعه صلى الله عليه وآله من حمراء الاسد، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج ثانى يوم أحد من المدينة في طلب العدو، فاقام بحمراء الاسد [ وهى من المدينة على ثمانية اميال ] الاثنين والثلاثاء والاربعاء ثم رجع إلى المدينة. وسيأتى شرح ذلك بعد غزوة احد. (6) في المصدر: عارضتك. وفى سيرة ابن هشام 3: 56 لا تمسح عارضيك بمكة [ بعدها و ] تقول: خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت " فضرب عنقه.

[ 346 ]

بمكة تقول: سخرت بمحمد مرتين، فقتله، فقال صلى الله عليه وآله يومئذ: " إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ". قال الواقدي: وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر بالقليب أن تعور، ثم أمر بالقتلى فطرحوا فيها كلهم إلا أمية بن خلف، فإنه كان مسمنا انتفخ من يومه، فلما أرادوا أن يلقوه تزايل لحمه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: اتركوه، فأقروه وألقوا عليه من التراب والحجارة ما غيبة، ثم وقف على أهل القليب فناداهم رجلا رجلا: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا، بئس القوم كنتم لنبيكم (1)، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، و قاتلتموني ونصرني الناس " فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أتنادي قوما قد ماتوا ؟ فقال: لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق. وفي رواية اخرى: فقال صلى الله عليه وآله: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني. قال الواقدي: وكان انهزام قريش حين زالت الشمس، فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله ببدر، وأمر عبد الله بن كعب بقبض الغنائم وحملها، وأمر نفرا من أصحابه أن يعينوه فصلى العصر ببدر، ثم راح فمر بالاثيل (2) قبل غروب الشمس فنزل به وبات (3) وبأصحابه جراح، وليست بالكثيرة، وأمر ذكوان بن عبد قيس أن يحرس المسلمين حتى كان آخر الليل فارتحل. وروي أنه صلى الله عليه وآله صلى العصر بالاثيل، فلما صلى ركعة تبسم، فلما سلم سئل عن تبسمه، فقال: مر بي ميكائيل وعلى جناحه النقع فتبسم إلي، وقال:


(1) في السيرة: بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم. (2) الاثيل تصغير الاثل: موضع قرب المدينة بين بدر ووادى الصفراء قاله ياقوت في معجم البلدان 1: 94 وقال: وقتل عنده النضر بن الحارث بن كلدة عند منصرفه من بدر انتهى وقال ابن هشام: قتله بالصفراء قتله على بن أبى طالب عليه السلام. (3) في المصدر: وبات به.

[ 347 ]

إني كنت في طلب القوم، وأتاني جبرئيل على فرس انثى معقود الناصية قد عصم ثنيته (1) الغبار، فقال: يا محمد إن ربي بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، فهل رضيت ؟ فقلت: نعم. قال الواقدي، وأقبل رسول الله بالاسرى حتى إذا كان بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت بن أبي الافلح (2)، أن يضرب عنق عقبة بن أبي معيط، وكان أسره عبد الله بن سلمة، فجعل عقبة يقول: يا ويلي علام أقتل ؟ يا معشر قريش من بين من ههنا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لعداوتك لله ولرسوله، فقال: يا محمد منك أفضل (3)، فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتهم قتلتني، وإن مننت عليهم مننت علي، وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم، يا محمد من للصبية ؟ فقال: النار، قدمه يا عاصم فاضرب عنقه، فقدمه عاصم فضرب عنقه (4)، فقال النبي صلى الله عليه وآله: بئس الرجل كنت والله ما علمت كافرا بالله وبرسوله وبكتابه مؤذيا لنبيه فأحمد الله الذي قتلك وأقر عيني منك. وقال الواقدي: وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله من الاثيل زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة يبشر ان الناس بالمدينة، فقدم رسول الله صلى الله عليه وآله بالاسرى وعليهم شقران (5)


(1) ثنيتيه خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) ذكرنا سابقا أن الصحيح: الاقلح بالقاف. (3) في المصدر: منك فضل ؟ (4) قال ابن هشام بعدما ذكر عاصم اولا: ويقال: قتله على بن أبى طالب رضى الله عنه فيما ذكر لى ابن شهاب الزهري وغيره من أهل العلم. وقال: قال ابن إسحاق: ولقى رسول - الله صلى الله عليه وآله بذلك الموضع أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضى بحميت [ أي بزق ] مملوء حيسا، وكان قد تخلف عن بدر، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو كان حجام رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنما أبو هند امرؤ من الانصار فأنكحوه وانكحوا إليه " ففعلوا. قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قدم المدينة قبل الاسارى بيوم. (5) شقران بضم فسكون مولى رسول الله صلى الله عليه آله قيل: اسمه صالح.

[ 348 ]

وهم تسعة وأربعون رجلا الذين احصوا، وهم سبعون في الاصل مجمع عليه لا شك فيه إلا أنه لم يحص سائرهم ولقي الناس رسول الله صلى الله عليه وآله بالروحاء يهنؤنه بفتح الله عليه. وقال محمد بن إسحاق: كان أبو العاص بن الربيع ختن رسول الله صلى الله عليه وآله زوج ابنته زينت، وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وكانت خديجة خالته، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله أن يزوجه زينب وكان صلى الله عليه وآله لا يخالف خديجة، و ذلك قبل أن ينزل عليه الوحي، فزوجه إياها، فكان أبو العاص من خديجة بمنزلة ولدها، فلما أكرم الله رسوله بنبوته آمنت به خديجة وبناته كلهن وصدقنه و شهدن أن ما جاء به حق ودن بدينه، وثبت أبو العاص على شركه، وكان رسول صلى الله عليه وآله قد زوج عتبة بن أبي لهب إحدى ابنتيه رقية أو أم كلثوم، وذلك قبل أن ينزل عليه، فلما أنزل عليه الوحي وبارى (1) قومه بأمر الله باعدوه، فقال بعضهم لبعض: إنكم قد فرغتم محمدا من همه، أخذتم عنه بناته وأخرجتموهن من عياله فردوا عليه بناته فأشغلوه بهن، فمشوا إلى أبي العاص فقالوا: فارق صاحبتك بنت محمد صلى الله عليه وآله ونحن ننكحك أي امرأة شئت من قريش، فقال: لاها الله إذن لا افارق صاحبتي، وما احب أن لي بها امرأة من قريش، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ذكره يثني عليه خيرا في صهره، ثم مشوا إلى الفاسق عتبة بن أبي لهب فقالوا له: طلق بنت محمد ونحن ننكحك أي امرأة شئت من قريش، فقال: إن أنتم زوجتموني ابنة أبان ابن سعيد بن العاص، أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها، فزوجوه ابنة سعيد بن العاص ففارقها، ولم يكن دخل بها، فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له، ثم خلف عليها عثمان بن عفان بعده، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله مغلوبا على أمره بمكة لا يحل ولا يحرم، وكان الاسلام فرق بين زينب وأبي العاص إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان لا يقدر وهو بمكة أن يفرق بينهما، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه حتى


(1) بادى خ ل. أقول: في المصدر: ونادى.

[ 349 ]

هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وبقيت زينب بمكة مع أبي العاص، فلما سارت قريش إلى بدر سار أبو العاص معهم فاصيب في الاسرى يوم بدر، فاتي به النبي صلى الله عليه وآله فكان عنده مع الاسارى، فلما بعث أهل مكة في فداء اساراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بعلها بمال، وكان فيما بعثت به قلادة كانت خديجة أمها أدخلتها بها على أبي العاص ليلة زفافها عليه، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله رق لها شديدة، وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها ما بعثت به من الفداء فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله نفديك بأنفسنا وأموالنا، فردوا عليها ما بعثت به، وأطلقوا لها أبا - العاص بغير فداء. قال ابن أبي الحديد: قرأت على النقيب (1) أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصري العلوي هذا الخبر، فقال: أترى أبا بكر وعمر لم يشهدا هذا المشهد ؟ أما كان يقتضي التكرم (2) والاحسان أن يطيب قلب فاطمة عليها السلام ويستوهب لها من المسلمين ؟ أتقصر منزلتها عند رسول الله صلى الله عليه عليه وآله من منزلة زينب أختها وهي سيدة نساء العالمين ؟ هذا إذا لم يثبت لها حق لا بالنحلة ولا بالارث، فقلت له: فدك بموجب الخبر الذي رواه أبو بكر قد صار حقا من حقوق المسلمين، فلم يجز له أن يأخذه منهم، فقال: وفداء أبي العاص قد صار حقا من حقوق المسلمين، وقد أخذه رسول الله صلى الله عليه وآله منهم، فقلت: رسول الله صلى الله عليه وآله صاحب الشريعة والحكم حكمه، وليس أبو بكر كذلك، فقال: ما قلت: هلا أخذه أبو بكر من المسلمين قهرا فدفعه إلى فاطمة عليها السلام، وإنما قلت: هلا استنزل المسلمين عنه واستوهب (3) منهم لها كما


(1) هو شرف الدين أبو جعفر يحيى بن أبى طالب محمد بن محمد بن أبى زيد الحسنى النقيب، قد بالغ في الثناء عليه ابن أبى الحديد في شرحه على نهج البلاغة ووصفه بالوثاقة والامانة والبعد عن الهوى والتعصب، والانصاف في الجدال، مع غزارة العلم وسعة الفهم وكمال في العقل (2) في المصدر، التكريم. (3) في المصدر: واستوهبه.

[ 350 ]

استوهب رسول الله صلى الله عليه وآله فداء أبي العاص ؟ أتراه لو قال: هذه بنت نبيكم صلى الله عليه وآله قد حضرت لطلب هذه النخلات أفتطيبون عنها نفسا ؟ كانوا منعوها ذلك ؟ فقلت له: قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد: نحو ذلك، قال: إنهما لم يأتيا بحسن في شرع التكرم، وإن كان ما أتياه حسنا في الدين. قال محمد بن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لما أطلق سبيل أبي العاص أخذ عليه فيما نرى أو شرط عليه في إطلاقه أو أن أبا العاص وعد رسول الله صلى الله عليه وآله ابتداء بأن يحمل زينب إليه إلى المدينة، أو لم يظهر ذلك من أبي العاص ولا من رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أنه لما خلى سبيله وخرج إلى مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وآله بعد زيد بن حارثة ورجلا من الانصار وقال لهما: كونا بمكان كذا (1) حتى تمر بكما زينب فتصحبانها حتى تأتياني بها، فخرجا نحو مكة وذلك بعد بدر بشهر، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فأخذت تتجهز. قال محمد بن إسحاق: فحدثت عن زينب أنها قالت: بينا أنا أتجهز للحوق بأبي إذ لقيتني هند بنت عتبة فقالت: ألم تبلغني (2) يا بنت محمد أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟ فقلت: ما أردت ذلك، فقالت: أي بنت عم لا تفعلي إن كانت لك حاجة في متاع أو فيما يرفق (3) بك في سفرك أو مال تبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك، فلا تضطني مني، فإنه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال، قالت: وأيم الله إني لاظنها حينئذ صادقة، ما أظنها قالت حينئذ إلا لتفعل، ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك، قالت: وتجهزت حتى فرغت من جهازي، فحملني أخو بعلي وهو كنانة بن الربيع. قال محمد بن إسحاق: قدم لها كنانة بن الربيع بعيرا فركبته، وأخذ قوسه و كنانته، وخرج بها نهارا يقود بعيرها وهي في هودج لها، وتحدث بذلك الرجال من


(1) في السيرة: كونا ببطن يأجج. (2) في المصدر: الم يبلغني. (3) في السيرة: ان كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق. (*)

[ 351 ]

قريش والنساء وتلاومت في ذلك، وأشفقت (1) أن تخرج ابنة محمد من بينهم على تلك الحال، فخرجوا في طلبها سراعا حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الاسود بن المطلب بن أسد، ونافع بن عبد القيس الفهري، فروعها هبار بالرمح وهي في الهودج، وكانت حاملا، فلما رجعت طرحت ذا بطنها (2)، و كانت من خوفها رأت دما وهي في الهودج، فلذلك أباح رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة دم هبار بن الاسود. قال ابن أبي الحديد: وهذا الخبر أيضا قرأته على النقيب أبي جعفر فقال: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله أباح دم هبار لانه روع زينب فألقت ذا بطنها، وظاهر الحال أنه لو كان (3) لاباح دم من روع فاطمة عليها السلام حتى ألقت ذا بطنها، فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم: إن فاطمة روعت فألقت المحسن (4) ؟ فقال: لا تروه عني، ولا تروعني بطلانه، فإني متوقف في هذا الموضع لتعارض الاخبار عندي فيه (5). أقول: ظاهر أن النقيب رحمه الله عمل التقية في إظهار الشك في ذلك من ابن أبي الحديد أو من غيره (6)، وإلا فالامر أوضح من ذلك كما سيأتي في كتاب الفتن. ثم قال: قال الواقدي: فبرك حموها كنانة بن الربيع ونثل (7) كنانته بين يديه


(1) استظهر المصنف في الهامش أنه مصحف أنفت. (2) في المصدر: ما في بطنها. (3) في المصدر: لو كان حيا. (4) العجب من جماعة من اعاظم العامة حيث ذكروا لعلى عليه السلام ابنا اسمه محسن، ولم يتعرضوا لحاله، ولم يذكروا فيه شيئا. وسنذكرهم ان شاء الله في محله. (5) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 3: 334 - 352. (6) حيث أنه كان يومئذ في عاصمة بغداد، وهى ملء من المتعصبين من أهل السنة وفى مقدمهم الخليفة ورجال الدولة، فلو كان يفشى ذلك الحديث منه لما كان يسلم من الاذى، وربما وقعت الفتنة بين الشيعة وأهل السنة لذلك. (7) في السيرة وتاريخ الطبري والكلامل: فنثر. أقول: أي رمى نبلها متفرقة بين يديه.

[ 352 ]

ثم أخذ منها سهما فوضعه في كبد قوسه، وقال: أحلف بالله لا يدنو اليوم منها رجل إلا وضعت فيه سهما، فتكركر الناس عنه، قال: وجاء أبو سفيان بن حرب في جلة قريش فقالوا: أيها الرجل اكفف عنا نبلك حتى نكلمك، فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه، فقال: إنك لم تحسن ولم تصب، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية جهارا، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد أبيها فيظن الناس إذا أنت خرجت بابنته جهارا أن ذلك عن ذل أصابنا، وإن ذلك منا وهن وضعف، لعمري ما لنا في حبسها عن أبيها من حاجة، وما فيها من ثار (1)، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الاصوات وتحدث الناس بردها سلها سلا خفيا (2) فألحقها بأبيها، فردها كنانة إلى مكة فأقامت بها ليالي حتى إذا هدأ الصوت عنها حملها بعيرها (3)، وخرج بها ليلا حتى سلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله صلى الله عليه وآله. قال البلاذري: روي أن هبار بن الاسود كان ممن عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله حين حملت من مكة إلى المدينة، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأمر سراياه إن ظفروا به أن يحرقوه بالنار، ثم قال: " لا يعذب بالنار إلا رب النار " وأمرهم إن ظفروا به أن يقطعوا يديه ورجليه ويقتلوه (4)، فلم يظفروا به حتى إذا كان يوم الفتح هرب هبار، ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة ويقال: أتاه بالجعرانة حين فرغ من أمر حنين، فمثل بين يديه وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله صلى الله عليه وآله فقبل إسلامه. قال محمد بن إسحاق فأقام أبو العاص بمكة على شركه، وأقامت زينب عند


(1) في السيرة وتاريخ الطبري: وما لنا في ذلك من ثؤرة. (2) في السيرة وتاريخ الطبري: فسلها سرا. (3) في المصدر: حملها على بعيرها. (4) روى نحوه ابن هشام في السيرة 2: 302 وفيه: ان ظفرتم بهبار بن الاسود أو الرجل الاخر الذى سبق معه إلى زينب فحرقوهما بالنار اه‍ قال ابن هشام: وقد سمى ابن إسحاق الرجل في حديثه وقال: هو نافع بن عبد قيس. راجعه.

[ 353 ]

أبيها صلى الله عليه وآله بالمدينة قد فرق بينهما الاسلام حتى إذا كان الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بمال له وأموال لقريش أبضعوا بها معه (1)، وكان رجلا مأمونا، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله فأصابوا ما معه، وأعجزهم هو هاربا، فخرجت السرية بما أصابت من ماله حتى قدمت به على رسول الله صلى الله عليه وآله، وخرج أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب منزلها فاستجار بها فأجارته، وإنما جاء في طلب ماله الذي أصابته تلك السرية، فلما كبر رسول الله صلى الله عليه وآله في صلاة الصبح وكبر الناس معه (2) صرخت زينب من صفة النساء: أيها الناس إني قد آجرت أبا العاص بن الربيع، فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس الصبح، فلما سلم من الصلاة أقبل عليهم فقال: " أيها الناس هل سمعتم ما سمعت " ؟ قالوا: نعم، قال: " أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشئ مما كان حتى سمعتم (3) إنه يجير على الناس (4) أدناهم " ثم انصرف فدخل على ابنته زينب فقال: " أي بنية أكرمي مثواه، وأحسني قراه، ولا يصلن (5) إليك فإنك لا تحلين له، ثم بعث إلى تلك السرية الذين كانوا أصابوا ماله، فقال لهم: " إن هذا الرجل منا بحيث (6) علمتم وقط أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له، فإنا نحب ذلك وإن أبيتم فهو فئ الله الذي أفاءه عليكم، وأنتم (7) أحق به " فقالوا: يا رسول الله بل


(1) أي جعلوها بضاعة له. (2) في السيرة: فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الصبح - كما حدثني يزيد ابن رومان - فكبر وكبر الناس اه‍ ومثله في الطبري. (3) في السيرة: " ما علمت بشئ من ذلك حتى سمعت ما سمعتم " ومثله في الطبري الا أن فيه: ما علمت بشئ كان. (4) في السيرة وتاريخ الطبري والكامل: على المسلمين. (5) في السيرة والكامل: ولا يخلصن إليك. وفى تاريخ الطبري: ولا يخلص إليك. (6) في السيرة وتاريخ الطبري: حيث قد علمتم. (7) في السيرة وتاريخ الطبري: فانتم.

[ 354 ]

نرده عليه، فردوا عليه ماله ومتاعه، حتى أن الرجل كان يأتي بالحبل، ويأتي الآخر بالشنة، ويأتي الآخر بالاداوة، والآخر بالشظاظ (1) حتى ردوا ماله و متاعه بأسره من عند آخره، ولم يفقد منه شيئا، ثم احتمل إلى مكة، فلما قدمها أدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان بضع معه بشئ حتى إذا فرغ من ذلك قال لهم: يا معشر قريش هل بقي لاحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، لقد وجدناك وفيا كريما، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله ما منعني من الاسلام عنده إلا تخوفا أن تظنوا أني أردت أن آكل أموالكم وأذهب بها، فإذا سلمها الله لكم وأداها إليكم فإني أشهدكم أني قد أسلمت واتبعت دين محمد، ثم خرج سريعا حتى قدم على رسول الله المدينة. قال محمد بن إسحاق فحدثني داود بن الحصين (2)، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله رد زينب بعد ست سنين على أبي العاص بالنكاح الاول لم يحدث شيئا (3). قال الواقدي: حدثني إسحاق بن يحيى قال سألت نافع بن جبير كيف كان الفداء ؟ قال: أرفعهم أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف، إلى ألفين، إلى ألف إلى (4) قوم


(1) الشنة: السقاء البالى والاداوة: المطهرة التى يتوضأ بها، والشظاظ: خشبة عقفاء تدخل في عروتي الجوالق. (2) في نسخة المصنف: الحسين بالسين، وهو سهو قلمه الشريف. والحديث مروى عنه في السيرة 2: 304 وتاريخ الطبري 2. 167، وهو مترجم في التقريب: 147 بقوله: داود ابن الحصين الاموى مولاهم أبو سليمان المدنى ثقة الا في عكرمة، ورمى براى الخوارج، من السادسة مات سنة 135. (3) زاد ابن الاثير في الكامل 2. 95، وقيل: بنكاح جديد. (4) في المصدر: الا قوما لا مال لهم.

[ 355 ]

لا مال لهم (1) من عليهم رسول الله (2) صلى الله عليه وآله. وأما أسماء أسارى بدر ومن أسرهم فقال الواقدي: أسر من بني هاشم العباس ابن عبد المطلب، أسره أبو اليسر كعب بن عمرو، وعقيل بن أبي طالب، أسره عبيد بن (3) أوس الظفري، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أسره جبار بن صخر، واسر حليف لبني هاشم من بني فهر اسمه عتبة، فهؤلاء أربعة. ومن بني المطلب بن عبد مناف السائب بن عبيد، وعبيد بن عمرو بن علقمة (4). أسرهما سلمة بن أسلم، وكانا لا مال لهما، ففك رسول الله صلى الله عليه وآله، عنهما لغير فدية ومن بني عبد شمس: عقبة بن أبي معيط المقتول صبرا على يد عاصم بن ثابت بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله. أسره عبد الله بن سلمة (5) العجلاني، والحارث بن وحرة (6)


(1) قال المقريزى في الامتاع: 101 وكان في الاسرى من يكتب، ولم يكن في الانصار من يحسن الكتابة، وكان منهم من لا مال له، فيقبل منه أن يعلم عشرة من الغلمان الكتابة ويخلى سبيله، فيومئذ تعلم زيد بن ثابت الكتابة في جماعة من غلمان الانصار خرج الامام أحمد من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: كان ناس من الاسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول - الله صلى الله عليه وآله فداءهم ان يعلموا أولاد الانصار الكتابة، قال: فجاء غلام يبكى إلى أبيه، فقال: ما شأنك ! قال ضربني معلمي، قال: الخبيث يطلب بذحل بدر، والله لا تأتيه ابدا، وقال عامر الشعبى: كان فداء الاسرى من اهل بدر اربعين اوقية. اربعين اوقية، فمن لم يكن عنده علم عشرة من المسلمين، فكان زيد بن ثابت ممن علم. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 3: 352 - 354. (3) في المصدر: عبيدة بن أوس، وهو مصحف، نسبه ابن الاثير في اسد الغابة 3: 346 فقال: عبيد بن اوس بن مالك بن سواد بن كعب الانصاري الظفرى وهو أبو النعمان يقال له: مقرن لانه قرن اربعة اسرى يوم بدر، وهو الذى اسر عقيل بن أبى طالب، ويقال: انه اسر العباس ونوفلا وعقيلا. (4) في سيرة ابن هشام: نعمان بن عمرو بن علقمة بن المطلب. وذكره ابن الاثير أيضا في اسد الغابة في ترجمة سلمة بن الاسلم راجع اسد الغابة 2: 332 وزاد ابن هشام في بنى المطلب: عقيل بن عمرو حليف لهم، واخوه تميم بن عمرو وابنه. (5) في المصدر: عبد الله بن أبى سلمة، وفيه وهم. راجع اسد الغابة 3: 177. (6) في سيرة ابن هشام: الحارث بن أبى وجزة بن أبى عمرو بن امية بن عبد شمس. و يقال: ابن ابى وحرة.

[ 356 ]

ابن أبي عمرو بن امية، أسره سعد بن أبي وقاص فقدم في فدائه الوليد بن عقبة فافتداه بأربعه آلاف وعمرو بن أبي سفيان أسره علي بن أبي طالب عليه السلام وصار بالقرعة في سهم رسول الله صلى الله عليه وآله فأطلقه بغير فدية أطلقه بسعد بن النعمان من بني معاوية (1)، خرج معتمرا فحبس بمكة فلم يطلقه المشركون حتى أطلق رسول الله صلى الله عليه وآله عمرو بن أبي سفيان وأبو العاص بن الربيع أسره خراش بن الصمة فقدم في فدائه عمرو بن الربيع أخوه وحليف لهم يقال له: أبو ريشة، افتداه عمرو بن الربيع أيضا، وعمرو بن الازرق، افتكه عمرو بن الربيع أيضا، وكان قد صار في سهم تميم مولى خراش بن الصمة، و عقبة بن الحارث (2) الحضرمي، أسره عمارة بن حزم، فصار في القرعة لابي بن كعب، افتداه عمرو بن أبي سفيان، وأبو العاص بن نوفل، أسره عمار بن ياسر، قدم في فدائه ابن عمه فهؤلاء ثمانيه (3). ومن بني نوفل بن عبد مناف: عدي بن الخيار أسره خراش بن الصمة، وعثمان ابن عبد شمس حليفهم أسره حارثة بن النعمان، وأبو ثور، أسره أبو مرثد الغنوي، فهؤلاء ثلاثة (4) افتداهم جبير بن مطعم. ومن بني عبد الدار: أبو عزيز بن عمير أسره أبو اليسر، ثم صار بالقرعة لمحرز ابن نضلة (5) قال الواقدي: أبو عزيز هذا هو أخو مصعب بن عمير لابيه وامه، وقال مصعب لمحرز بن نضلة: اشدد يديك به، فإن له اما بمكة كثيرة المال، فقال له أبو عزيز: هذه وصايتك بي يا أخي ؟ قال مصعب: إنه أخي دونك، فبعثت فيه امه أربعة آلاف


(1) ذكره ابن هشام في السيرة 2: 294 وقال: سعد بن النعمان بن اكال اخو بنى عمرو ابن عوف ثم احد بنى معاوية. (2) في السيرة: عقبة بن عبد الحارث بن الحضرمي. (3) وزاد ابن هشام: خالد بن اسيد بن أبى العيص، وأبا العريض يسار مولى العاص بن امية. (4) راد ابن هشام: نبهان مولى لهم. (5) في المصدر: لمحرز بن أبى نضلة، وفيه وهم، ولعله مصحف محرز بن نضلة أبى نضلة. لان محرز كانت كنيته أبا نضلة. راجع اسد الغابة 4: 307.

[ 357 ]

والاسود بن عامر، أسره حمزة رضي الله عنه، فهذان اثنان. قدم في فدائهما طلحة بن أبي طلحة. ومن بني أسد بن عبد العزى: السائب بن أبي جيش (1)، أسره عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن الحويرث (2)، أسره حاطب بن أبي بلتعة، وسالم بن شماخ، أسره سعد بن أبي وقاص، فهؤلاء ثلاثة (3) قدم في فدائهم عثمان بن أبي حبيش (4) بأربعة آلاف لكل رجل منهم. ومن بني تميم (5) بن مرة: مالك بن عبد الله بن عثمان، أسره قطبة بن عامر فمات في المدينة أسيرا. ومن بني مخزوم: خالد بن هشام، أسره سواد بن عزية، وأمية بن أبي حذيفة أسره بلال، وعثمان بن عبد الله وكان أفلت يوم نخلة أسره واقد بن عبد الله يوم بدر فقدم في فداء هؤلاء الثلاثة عبد الله بن أبي ربيعة، افتدى كل واحد منهم بأربعة آلاف والوليد بن الوليد بن المغيرة أسره عبد الله بن جحش، فقدم في فدائه أخواه: خالد وهشام فتمتنع عبد الله حتى افتكاه بأربعة آلاف، فلما افتدياه خرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فأفلت فأتى النبي صلى الله عليه وآله فأسلم، فقيل: ألا أسلمت قبل أن تفتدي ؟ قال: كرهت أن أسلم حتى أكون أسوة بقومي، ويقال: أسره سليط بن قيس، وقيس ابن السائب، أسره عبدة بن الحسحاس (6)، فحبسه عنده حينا حتى فداه أخوه فروة بأربعة آلاف.


(1) جيش خ ل. أقول: الصحيح ما في المتن: ذكرناه سابقا. (2) في سيرة ابن هشام: الحويرث بن عباد بن عثمان بن اسد قال ابن هشام: هو الحارث ابن عائذ بن عثمان بن أسد. (3) زاد ابن هشام منهم: عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث. (4) جيش خ ل. أقول: قدمنا أنه مصحف. (5) تيم خ ل. أقول: الموجود في المصدر: تميم. ولم يذكر ابن هشام من بنى تميم احدا بل ذكر من بنى تيم رجلين: احدهما مسافع بن عياض بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد ابن تيم، وثانيهما: جابر بن الزبير حليف لهم. (6) ويقال أيضا: الخشخاش. وفى اسمه اختلاف راجع اسد الغابة 3: 337.

[ 358 ]

ومن بني أبي رفاعة: صيفي بن أبي رفاعة، وكان لا مال له، أسره رجل من المسلمين فمكث عنده ثم أرسله، وأبو المنذر بن أبي رفاعة افتدى بألفين، وعبد الله ابن السائب (1) افتدى بألف درهم، أسره سعد بن أبي وقاص والمطلب بن حنطب، أسره أبو أيوب الانصاري ولم يكن له مال فأرسله بعد حين، وخالد بن الاعلم حليف لبنى مخزوم. وقال محمد بن إسحاق: وروي أنه كان أول المنهزمين من أسره الخباب بن المنذر (2)، وقدم في فدائه عكرمة بن أبي جهل، فهؤلاء عشرة (3). ومن بني جمح: عبد الله بن أبي بن خلف، أسره فروة بن عمرو، قدم في فدائه أبوه فتمتنع به فروة حينا، وأبو غرة (4) عمرو بن عبد الله، أطلقه النبي صلى الله عليه وآله بغير فدية، ووهب بن عمير، أسره رفاعة بن رافع، وقدم أبوه عمير في فدائه فأسلم فأرسل النبي صلى الله عليه وآله له ابنه بغير فداء، وربيعة بن دراج، وكان لا مال له فاخذ منه (5) بشئ يسير، وارسل. والفاكه مولى أمية بن خلف أسره سعد بن أبي وقاص، فهؤلاء خمسة (69، ومن بني سهم بن عمرو أبو وداعة بن صبيرة (7) فداه ابنه المطلب بأربعة آلاف، وفروة بن حنيس (8) أسره ثابت بن أقزم (9)، وفداه عمرو بن قيس بأربعة


(1) في السيرة: عبد الله بن أبى السائب. (2) الظاهر أن لفظة (من) زيادة، وكذا حرف التعريف في الخباب، ويقال لخباب: حباب أيضا. راجع أسد الغابة 2: 101. (3) لان بنى رفاعة أيضا من بنى مخزوم، وهو رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (4) في السيرة: أبو عزة. (5) فاخدمه خ ل. (6) وزاد ابن هشام في السيرة منهم ستة اخرى: عمرو بن أبى بن خلف، وابا رهم بن عبد الله حليف لهم، وقال: وحليف لهم ذهب عنى اسمه: وموليين لامية بن خلف، أحدهما، نسطاس، وأبا رافع غلام امية بن خلف. (7) في السيرة: أبو وداعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، كان اول اسير افتدى به من اسرى بدر. (8) في المصدر: خنيس وفى السيرة: فروة بن قيس بن عدى بن حذافة بن سعيد بن سهم. (9) في اسد الغابة: اقرم بالراء المهلمة.

[ 359 ]

آلاف، وحنظلة بن قبيصة، أسره عثمان بن مظعون، والحجاج بن الحارث، أسره عبد الرحمن بن عوف فأفلت، فأخذه أبو داود المازني، فهؤلاء أربعة (1). ومن بني مالك (2): سهيل بن عمرو، أسره مالك بن الدخشم، وفداه مكرز ابن حفص بأربعة آلاف، وعبد (3) بن زمعة أسره عمير (4) بن عوف، وعبد العزى بن مشنوء (5) سماه رسول الله صلى الله عليه وآله بعد إسلامه عبد الرحمن، أسره النعمان بن مالك فهؤلاء ثلاثة (6). ومن بني فهر: الطفيل بن أبي قبيع (7)، فهؤلاء ستة وأربعون أسيرا (8). وفي كتاب الواقدي: أنه كان الاسارى الذين احصوا وعرفوا تسعة وأربعين وروى الواقدي عن سعيد بن المسيب قال: كانت الاسارى سبعين، وإن القتلى كانوا زيادة على سبعين إلا أن المعروفين من الاسرى هم الذين ذكرناهم، والباقون لم يذكر المؤرخون أسماءهم (9). قال ابن أبي الحديد: القول فيمن استشهد من المسلمين ببدر: قال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر قال: سألت الزهري كم استشهد من المسلمين ببدر ؟ قال:


(1) زاد ابن هشام منهم: اسلم مولى نبيه بن الحجاج. (2) في السيرة: من بنى عامر بن لؤى وهو الصحيح، لان سهيل من بنى عامر، وهو سهيل ابن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر. (3) في المصدر المطبوع: عبد الله. وهو وهم. (4) عمر خ ل. أقول: لعل كلاهما مصحفان عن عمرو. (5) في السيرة: عبد الرحمن بن منشوء ابن وقدان بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر. وقال المحشى في هامش السيرة: في اكثر اصول الكتاب: عبد الرحمن بن مشنوء. (6) زاد في السيرة منهم: حبيب بن جابر، والسائب بن مالك. (7) في نسخة أمين الضرب: قنبع خ ل. وفى السيرة: قنيع. (8) وزاد ابن هشام منهم عتبة بن عمرو بن جحدم، وشافع وشفيع حليفان لهم من اليمن (9) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 3: 354 - 356.

[ 360 ]

أربعة عشر، ستة من المهاجرين، وثمانية من الانصار. قال: فمن بني المطلب بن عبد مناف: عبيدة بن الحارث، قتله شيبة، وفي رواية الواقدي: قتله عتبة، فدفنه النبي صلى الله عليه وآله بالصفراء. ومن بني زهرة: عمير بن أبي وقاص، قتله عمرو بن عبد (1) فارس الاحزاب وعمير بن عبد ود (2) ذو الشمالين حليف لبني زهرة قتله أبو أسامة الجشمي (3). ومن بني عدي: عاقل بن أبي البكير (4) حليف لهم من بني سعد قتله مالك بن زهير، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، قتله عامر بن الحضرمي، ويقال: إن مهجعا أول من قتل من المهاجرين. ومن بني الحارث بن فهر: صفوان بن بيضاء، قتله طعيمة بن عدي (5). ومن الانصار ثم من بني عمرو بن عوف: مبشر بن عبد المنذر، قتله أبو ثور وسعد بن خيثمة قتله عمرو بن عبد ود، ويقال: طعيمة بن عدي. ومن بني عدي بن النجار (6) حارثة بن سراقة، رماه جنان (7) بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فقتله. ومن بني مالك (8) بن النجار: عوف (9) ومعوذ ابنا عفراء قتلهما أبو جهل.


(1) في المصدر: عبد ود. وهو الصحيح. (2) في السيرة: ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة. وفى اسد الغابة برواية أبى عمرو: عمير بن عبد عمرو بن نضلة. راجع. (3) في اسد الغابة: قتله اسامة الجشمى. (4) في السيرة واسد الغابة: عاقل ابن البكير. وفى الثاني: كان اسمه عافل بالفاء فلما اسلم سماه رسول الله صلى الله عاقلا بالقاف. (5) زاد في المصدر هنا: وهؤلاء الستة من المهاجرين. (6) في السيرة: ومن بنى النجار. (7) في اسد الغابة والامتاع: حبان العرقة. (8) في السيرة: ومن بنى غنم بن مالك بن النجار. (9) عوذ خ ل. أقول: الموجود في السيرة: (عوف) مثل المتن.

[ 361 ]

ومن بني سلمة: عمير بن الحمام بن الجموح، قتله خالد بن الاعلم، ويقال: إنه أول قتيل قتل من الانصار، وقد روي أن أول قتيل منهم حارثة بن سراقة. ومن بني زريق (1): رافع بن المعلى، قتله عكرمة بن أبي جهل. ومن بني الحارث بن الخزرج: يزيد بن الحارث، قتله نوفل بن معاوية. فهؤلاء الثمانية من الانصار. وروي عن ابن عباس أن آنسة مولى النبي صلى الله عليه وآله قتل ببدر، وروي أن معاذ بن ماعص (2) جرح ببدر فمات من جراحته بالمدينة، وإن عبيد بن السكن جرح فاشتكى جرحه فمات منه (3). القول فيمن قتل من المشركين وأسماء قاتليهم. قال الواقدي: فمن بني عبد شمس: حنظلة بن أبي سفيان، قتله علي عليه السلام والحارث بن الحضرمي، قتله عمار بن ياسر، وعامر بن الحضرمي، قتله عاصم بن ثابت (4)، وعمير بن أبي عمير وابنه موليان لهم، قتل سالم مولى حذيفة (5) الاب، ولم يذكر من قتل الابن، وعبيدة بن سعيد بن العاص، قتله الزبير بن العوام والعاص ابن سعيد بن العاص، قتله علي عليه السلام، وعقبة بن أبي معيط، قتله عاصم بن ثابت (6)


(1) في السيرة: " ومن بنى حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم: رافع بن المعلى " وذكر ابن الاثير في اسد الغابة مثل ذلك، ثم قال: وقال ابن شهاب في تسمية من شهد بدرا: " استشهد بها من الانصار من الاوس من بنى زريق: رافع بن المعلى " ثم قال: وأما قول ابن شهاب فيه نظر، فان بنى زريق من الخزرج وليسوا من الاوس باتفاق منهم، ثم نقل عن أبى موسى أنه قال فيه: قيل: زرقي، وقيل: من بنى عبد بن حارثة، فمن يراه يظنه اختلافا، وليس كذلك فان زريقا هو ابن عبد حارثة، وانما لو قالوا: من بنى حبيب ابن عبد حارثة لكان احسن. (2) في اسد الغابة: معاذ بن ماعض، وقيل: ناعض، وقيل: معاض بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق الانصاري. (3) شرح نهج البلاغه 3: 356 و 357 (4) في السيرة: قتل عامرا عمار بن ياسر، وقتل الحارث، النعمان بن عصر حليف الاوس. (5) في المصدر والسيرة: مولى أبى حذيفة. وفى المصدر: ابنه. مكان الابن. (6) في السيرة: ويقال: قتله على بن أبى طالب عليه السلام.

[ 362 ]

صبرا بالسيف بأمر النبي صلى الله عليه وآله. وروى البلاذري أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلبه بعد قتله، فكان أول مصلوب في الاسلام. وعتبة بن ربيعة، قتلة حمزة (1) رضي الله عنه، وشيبة قتله (2) عبيدة بن الحارث وحمزة وعلي الثلاثة اشتركوا في قتله، والوليد بن عتبة قتله علي عليه السلام وعامر بن عبد الله حليف لهم، قتله علي عليه السلام، وقيل: قتله سعد بن معاذ، فهؤلاء اثنا عشر (3). ومن بني نوفل بن عبد مناف الحارث بن نوفل (4) قتله خبيب بن يساف (5) وطعيمة بن عدي يكنى أبا الريان، قتله حمزة في رواية الواقدي، وقتله علي عليه السلام في رواية محمد بن إسحاق وروى البلاذري أنه اسر فقتله النبي صلى الله عليه وآله صبرا على يد حمزة، فهؤلاء اثنان. ومن بني أسد: زمعة بن الاسود، قتله أبو دجانة، وقيل، قتله ثابت بن الجذع (6)، والحارث بن زمعة، قتله علي عليه السلام وعقيل بن الاسود، قتله علي و حمزة عليهما السلام، وقال الواقدي: حدثني أبو معشر قال: قتله علي عليه السلام وحده. وأبو البختري العاص بن هشام، قتله المجذر بن زياد، وقيل: أبو داود المازني، وقيل: أبو اليسر، ونوفل بن خويلد، قتله علي عليه السلام فهؤلاء خمسة (7). ومن بني عبد الدار: النضر بن الحارث، قتله علي عليه السلام صبرا بالسيف بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وزيد بن مليص مولى عمر بن هاشم (8) من بني عبد الدار قتله علي


(1) في السيرة: قتله عبيدة بن الحارث، قال ابن هشام: اشترك فيه هو وحمزة وعلى. (2) في السيرة: قتله حمزة بن عبد المطلب. (3) استدرك ابن هشام على ابن اسحاق فذكر من بنى عبد شمس: وهب بن الحارث من بنى انمار بن بغيض حليف لهم، وعامر بن زيد حليف لهم من اليمن. (4) في السيرة: الحارث بن عامر بن نوفل. (5) في اسد الغابة: خبيب بن إساف، وقيل: يساف. (6) في السيرة: ويقال: اشترك فيه حمزة وعلى بن أبى طالب وثابت. (7) زاد ابن هشام في السيرة منهم: عتبة بن زيد حليف لهم من اليمن وعمير مولى لهم. (8) في السيرة: مولى عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

[ 363 ]

عليه السلام، وقيل: بلال، فهؤلاء اثنان (1). ومن بني تيم بن مرة عمير بن عثمان، قتله علي عليه السلام وعثمان بن مالك، قتله صهيب فهؤلاء اثنان (2)، ولم يذكر البلاذري عثمان. ومن بني مخزوم ثم من بني المغيرة أبو جهل عمرو بن هشام، ضربه، معاذ بن عمرو ومعوذ وعوف ابنا عفراء، ودفف (3) عليه عبد الله بن مسعود، والعاص بن هاشم خال عمر بن الخطاب قتله عمر، ويزيد بن تميم حليف لهم (4) قتله عمار بن ياسر وقيل: قتله علي عليه السلام. ومن بني الوليد (5) بن المغيرة أبو قيس بن الوليد أخو خالد، قتله علي عليه السلام (6). ومن بني الفاكه بن المغيرة: أبو قيس بن الفاكه، قتله حمزة (7) وقيل: الخباب ابن المنذر (8). ومن بني امية بن المغيرة: مسعود ابن أبي امية قتله علي عليه السلام. ومن بني عائذ بن عبد الله، ثم من بني رفاعة: امية بن عائذ قتله سعد بن الربيع، وأبو المنذر بن أبي رفاعة (9) قتله معن بن عدي، وعبد الله بن أبي رفاعة (10)، قتله


(1) زاد ابن هشام منهم في السيرة: نبيه بن زيد بن مليص، وعبيد بن سليط حليف لهم من قيس. (2) وزاد ابن هشام: مالك بن عبيد الله بن عثمان وهو اخو طلحة بن عبيد الله، أسر فمات في الاسارى فعد في القتلى، ويقال: عمرو بن عبد الله بن جدعان. (3) في المصدر والسيرة: ذفف عليه بالذال المعجمة، وهو و " دفف " بمعنى واحد أي أسرع قتله. (4) في السيرة: ويزيد بن عبد الله، حليف لهم من بنى تميم. (5) هؤلاء ومن بعدهم أيضا معدودون من بنى مخزوم. (6) وفى قول ذكره ابن هشام: حمزة رضى الله عنه. (7) في السيرة: قتله على بن أبى طالب عليه السلام، ويقال: قتله عمار بن ياسر. (8) تقدم ان الصحيح: خباب بن المنذر، ويقال أيضا: حباب. (9) في السيرة: والمنذر بن أبى رفاعة. (10) في السيرة وعبد الله بن المنذر بن أبى رفاعة.

[ 364 ]

علي عليه السلام، وزهير بن أبي رفاعة، قتله أبو أسيد الساعدي، والسائب بن أبي رفاعة قتله عبد الرحمن بن عوف. ومن بني أبي السائب المخزومي: سائب (1) بن أبي السائب قتله الزبير، و الاسود بن عبد الاسد، قتله حمزة، وحليف لهم من طيئ وهو عمرو بن شيبان (2) قتله يزيد بن رقيش (3)، وحليف آخر وهو جبار بن سفيان (4) قتله أبي بردة ابن نيار. ومن بني عمران بن مخزوم: حاجز بن (5) السائب قتله علي عليه السلام، وروى البلاذري أن حاجزا هذا وأخاه عويمرا قتلهما علي، وعويمر بن عمرو قتله النعمان ابن أبي مالك (6) فهؤلاء تسعة عشر (7). ومن بني جمح بن عمرو: امية بن خلف، قتله خبيب بن يساف (8) وبلال شركا فيه، وقيل: بل قتله رفاعة بن رافع (9) وعلى بن أمية، قتله عمار بن ياسر وأوس بن المغيرة، (10)، قتله علي عليه السلام وعثمان بن مظعون شركا فيه، فهؤلاء ثلاثة (11).


(1) في المصدر والسيرة: السائب. (2) شيئان خ ل. وفى السيرة: سفيان. (3) قيس خ ل. أقول: وهو الموجود في المصدر أيضا، لكن السيرة يوافق المتن. (4) في السيرة: جابر بن سفيان. (5) في السيرة: حاجب، ويقال عائذ (بن عبد) بن عمران بن مخزوم، ويقال: حاجز ابن السائب. (6) في السيرة: وعويمر بن السائب بن عويمر، قتله النعمان بن مالك القوقلى. (7) وزاد ابن هشام في السيرة منهم: أبو مسافع الاشعري حليف لهم، قتله ابو دجانة الساعدي وحرملة بن عمرو حليف ليهم، قتله خارجة بن زيد بن أبى زهير، ويقال: بل على ابن أبى طالب عليه السلام، ورفاعة بن أبى رفاعة بن عائذ قتله سعد بن الربيع، وحذيفة بن ابى حذيفة بن المغيرة، قتله سعد بن ابى وقاص، وهشام بن أبى حذيفة بن المغيرة، قتله صهيب بن سنان وعائذ بن السائب بن عويمر: اسر ثم افتدى فمات في الطريق من جراحة جرحه اياها حمزة بن عبد المطلب، وعمير حليف لهم من طئ وخيار حليف لهم من القارة. (8) تقدم أنه اساف. وقيل: يساف. (9) في المصدر: أبو رفاعة. ولعله مصحف. (10) المعبر خ ل. أقول: في السيرة: اوس بن معير بن لؤذان بن سعد بن جمح. (11) زاد ابن هشام في السيرة: سبرة بن مالك حليف لهم.

[ 365 ]

ومن بني سهم: منبه بن الحجاج، قتله أبو اليسر، وقيل: علي وقيل: أبو أسيد ونبيه بن الحجاج قتله علي عليه السلام (1) والعاص بن منبه بن الحجاج قتله علي عليه السلام، وأبو العاص بن قيس قتله أبو دجانة، قال الواقدي: وحدثني أبو معشر عن أصحابه قالوا: قتله علي عليه السلام (2)، وعاصم بن أبي عوف، قتله أبو دجانة (3)، فهؤلاء خمسة (4). ومن بني عامر ثم من بني مالك: معاوية بن عبد قيس حليف لهم، قتله عكاشة بن محصن (5)، وسعيد بن وهب حليف لهم من كلب، قتله أبو دجانة، فهولاء اثنان. فجميع من قتل ببدر في رواية الواقدي من المشركين في الحرب وصبرا اثنان وخمسون. قتل علي عليه السلام منهم مع الذين شرك في قتلهم أربعة وعشرين رجلا (6)، وقد كثرت الرواية أن المقتولين ببدر كانوا سبعين، ولكن الذين عرفوا وحفظت أسماؤهم من ذكرناه، وفي رواية الشيعة أن زمعة بن الاسود قتله علي عليه السلام، (7) والاشهر في الرواية أنه قتل الحارث بن زمعة، وأن زمعة قتله أبو دجانة (8) انتهى ما أردنا إيراده من كلام ابن أبي الحديد. بيان: العوذ جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت، وبعد ما تضع أياما حتى يقوى ولدها، والحرجة بالتحريك: مجتمع شجر ملتف. والمرضاح: الحجر الذي يرضح به النوى، أي يدق، ويقال: رفع فلان عقيرته، أي صوته. أما لكم في اللبن من حاجة أي تأسرون فتأخذون فداءهم إبلا لها لبن، ذكره الجزري. ومتع النهار: ارتفع. وفي النهاية: في حديث بدر فقلت: قريب مفر ابن الشتراء


(1) في السيرة: قتله حمزة بن عبد المطلب وسعد بن أبى وقاص اشتركا فيه. (2) ذكره ابن هشام أيضا، وزاد: ويقال: النعمان بن مالك القوقلى. (3) قال بان هشام: قتله أبو اليسر أخو بني سلمة. (4) وزاد ابن هشام عليهم: الحارث بن منبه بن الحجاج، قتله صهيب، وعامر بن أبى عوف اخو عاصم، قتله عبد الله بن سلمة العجلاني، ويقال: ابو دجانة. (5) في السيرة: معاوية بن عامر حليف لهم من عبد القيس، قتله على بن أبى طالب، و يقال: قتله عكاشة. (6) راجع من ذكرناه أيضا في التعاليق السابقة: يزيد على هؤلاء. (7) قد عرفت فيما سبق ان القول في ذلك ليس منحصرا بالشيعة، بل قاله غيرهم أيضا. (8) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 3: 357 - 358.

[ 366 ]

هو رجل كان يقطع الطريق يأتي الرفقة فيدنو منهم حتى إذا هموا به نأى قليلا ثم عاودهم حتى يصيب منهم غرة، المعنى أن مفرهم قريب، وسيعود، فصار مثلا وقال: فلحج، أي نشب فيه، وقال: فأطن، أي جعله يطن من صوت القطع، وأصله من الطنين وهو صوت الشئ الصلب، وقال: قحف الرأس هو الذي فوق الدماغ انتهى. وضحك الرب تعالى: كناية عن غاية رضاه، وغمس اليد في العدو: كناية عن دخوله بينهم وجهده في مقاتلتهم، وحسرت كمى عن ذراعي: كشفت. والحاسر: الذي لا مغفر عليه ولا درع، والاعزل: الذي لا سلاح معه، وابن طاب: نوع من أنواع تمر المدينة منسوب إلى ابن طاب رجل من أهلها، يقال: عذق ابن طاب، و رطب ابن طاب، وتمر ابن طاب ذكره الجزري. وقال: في حديث أم حارثة: ويحك أو هبلت، هو بفتح الهاء وكسر الباء، وقد استعاره هنا لفقد الميز والعقل مما أصابها من الثكل بولدها كأنه قال: أفقدت عقلك بفقد ابنك حتى جعلت الجنان جنة واحدة انتهى. فأكلكم لعله من الكلال بمعنى الاعياء، فقالت: حلاقي بالقاف، أي يا منيتي اقبلي فهذه أو انك، قال في القاموس: وكقطام وسحاب: المنية انتهى. وفى بعض النسخ بالفاء، أي تمنعني محالفتي قريشا أن لا أبكيهم ; وذمرته كنصرته: حثثته، والتذامر: التحاض على القتال. وفى النهاية مجنبة الجيش هي التي تكون في الميمنة والميسرة، وهما مجنبتان والنون مكسورة، وقيل: هي الكتيبة التي تأخذ إحدى ناحيتي الطريق والاول أصح. قال: فتتأمت إليه قريش، أي جاءته متوافرة متتابعة، وفي القاموس: تتاموا: جاؤوا كلهم، وقالوا: دهده الحجر فتدهده: دحرجه فتدحرج، كتدهد افتدهدى انتهى. حتى أقتله أي عرضه للقتل، نحو أبعت الثوب، وتقول: عورت الركية: إذا طممتها وسددت أعينها التي ينبع منها الماء، والنقع: الغبار. وفي النهاية: فيه إن جبرئيل جاء يوم بدر وقد عصم ثنيته الغبار، أي لزق به والميم بدل من الباء، وقال في الباء في حديث بدر لما فزع منها أتاه جبرئيل وقد عصب رأسه الغبار، أي ركبه وعلق به، من عصب الريق فاه أي لصق به، ويروى

[ 367 ]

عصم بالميم، وقال: عرق الظبية بض الظاء، موضع على ثلاثة أميال من الروحاء به مسجد للنبي صلى الله عليه وآله انتهى. وبارى قومه، أي عارضهم، وفي بعض النسخ بالدال، أي جاهرهم بالعداوة وقال الجوهري: ها للتنبيه قد يقسم بها يقال: لا ها الله ما فعلت، أي لا والله، ابدلت الهاء من الواو، وإن شئت حذفت الالف التي بعد الهاء، وإن شئت أثبت. وفي النهاية: لا تضطني عني، أي لا تبخلي بانبساطك إلي وهو افتعال من الضنى: المرض، والطاء بدل من التاء انتهى. وأقول: كذا ذكره في ضنا (1) من المعتل، وما ذكره من المعنى يدل على أنه من الضن من باب المضاعف من الضنة وهو البخل وهو أظهر، فيكون بتشديد النون. عصب رأسه الغبار، أي ركبه وعلق به، من عصب الريق فاه أي لصق به، ويروى

[ 367 ]

عصم بالميم، وقال: عرق الظبية بض الظاء، موضع على ثلاثة أميال من الروحاء به مسجد للنبي صلى الله عليه وآله انتهى. وبارى قومه، أي عارضهم، وفي بعض النسخ بالدال، أي جاهرهم بالعداوة وقال الجوهري: ها للتنبيه قد يقسم بها يقال: لا ها الله ما فعلت، أي لا والله، ابدلت الهاء من الواو، وإن شئت حذفت الالف التي بعد الهاء، وإن شئت أثبت. وفي النهاية: لا تضطني عني، أي لا تبخلي بانبساطك إلي وهو افتعال من الضنى: المرض، والطاء بدل من التاء انتهى. وأقول: كذا ذكره في ضنا (1) من المعتل، وما ذكره من المعنى يدل على أنه من الضن من باب المضاعف من الضنة وهو البخل وهو أظهر، فيكون بتشديد النون. وفي القاموس: نثل الكنانة: استخرج نبلها ونثرها، فتكركر الناس عنه: أي: اندفعوا ورجعوا، يقال: كركرته عني، أي دفعته ورددته. * * بسمه تعالى وله الحمد إلى هنا انتهى الجزء التاسع عشر من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة النفيسة حسب تجزئتنا وهو الجزء الخامس من المجلد السادس في تاريخ نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله حسب تجزئة المصنف أعلى الله مقامه. ولقد بذلنا الجهد عند طبعها في التصحيح فخرج بعون الله ومشيئته نقيا من الاغلاط إلا نزرا زيهدا زاغ عنه البصر وحسر عنه النظر والله الموفق والمعين. محمد الباقر البهبودى من لجنة التحقيق والتصحيح لدار الكتب الاسلامية


(1) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح: ضنى. لانه من باب علم. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية