الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 17

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 17


[ 1 ]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء السابع عشر دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍. 1983 م

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (باب 13) * (وجوب طاعته وحبه والتفويض إليه صلى الله عليه وآله) * الايات: آل عمران " 3 " قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين 32 وقال تعالى: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون 132 وقال تعالى: ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون 128 النساء " 4 ": ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ولهم (1) عذاب مهين 13 و 14 وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا 59 وقال تعالى: ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا " 69 " المائدة " 5 ": وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين 92.


(1) هكذا في النسخة، والصحيح كما في غيرها وفى المصحف الشريف: له [ * ]

[ 2 ]

الانفال " 8 ": وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين 1 وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون 20. التوبة " 9 ": ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله 71 النور " 24 ": ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فاولئك هم الفائزون 52 إلى قوله تعالى: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإنما عليه (1) ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين 54 إلى قوله تعالى: وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون 56 الاحزاب " 33 ": وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا 36 وقال تعالى: ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما 71 - إلى قوله تعالى (2) -: إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها لا يجدون وليا ولا نصيرا * يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا 64 - 66 الزخرف (3): يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم 33 الفتح " 48 ": ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الانهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما 17. الحجرات " 49 " وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا 14. المجادلة " 58 ": وأطيعوا الله ورسوله 13 - إلى قوله تعالى -: إن الذين يحادون الله ورسوله اولئك في الاذلين * كتب الله لاغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز 21. الحشر " 59 ": ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب 4.


(1) الصحيح: فان تولوا فانما عليه (2) فيه وهم لان الايات الاتية متقدمة ترتيبا على قوله: ومن يطع الله (3) فيه وهم، والصحيح: محمد 47، لان الايات مذكورة في هذه السورة. [ * ]

[ 3 ]

وقال تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب 7. التغابن " 64 ": وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين 12. تفسير: أقول: أوردنا تفسير " ليس لك من الامر شئ " في باب العصمة، وسيأتي أن المراد باولي الامر الائمة المعصومون عليهم السلام " وأحسن تأويلا " أي عاقبة، أو تأويلا من تأويلكم بلا رد " فإنما عليه " أي على النبي صلى الله عليه وآله " ما حمل " من التبليغ " وعليكم ما حملتم " من الامتثال " إذا فضى الله و رسوله أمرا " أي قضى رسول الله، وذكر الله للتعظيم والاشعار بأن قضائه قضاء الله، قيل: نزل في زينب بنت جحش بنت بنت عمته اميمة بنت عبد المطلب، خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله لزيد بن حارثة فأبت هي وأخوها عبد الله، وقيل: في ام كلثوم بنت عقبة، وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله فزوجها من زيد " أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " أي أن يختاروا من أمرهم شيئا، بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله ورسوله " يوم تقلب وجوههم في النار " أي تصرف من جهة إلى اخرى كاللحم يشوى بالنار، أو من حال إلى حال " لا يلتكم من أعمالكم " أي لا ينقصكم من اجورها شيئا، من لات ليتا: إذا نقص والمحادة: المخالفة والمضادة، والمشاقة: الخلاف والعداوة 1 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن علي بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق النحوي (1) قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فسمعته يقول: إن الله عزوجل أدب نبيه على محبته فقال: " وإنك لعلي خلق عظيم " (2) ثم فوض إليه، فقال عزوجل: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (3) "


(1) أبو إسحاق النحوي هو ثعلبة الاتي، والرجل هو ثعلبة بن ميمون الاسدي الكوفي، كان وجها من أصحابنا، قاريا فقيها نحويا لغويا راويا، وكان حسن العمل، كثير العبادة والزهد، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام (2) القلم: 4. (3) الحشر: 7. [ * ]

[ 4 ]

وقال عزوجل: " من يطع الرسول فقد أطاع الله (1) " ثم قال: وإن نبي الله فوض إلى علي عليه السلام: وأتمنه فسلمتم وجحد الناس، فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وتصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله عزوجل، ما جعل الله لاحد خيرا في خلاف أمرنا (2) العدة، عن أحمد، عن ابن أبي نجران، عن عاصم مثله (3). 2 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن ثعلبة، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يقولان: إن الله عزوجل فوض إلى نبيه صلى الله عليه وآله أمر خلقه، لينظر كيف طاعتهم، ثم تلا هذه الآية (4): " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (5) أبو علي الاشعري، عن ابن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ثعلبة مثله (6) ير: ابن عبد الجبار مثله (7) 3 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عزوجل أدب نبيه فأحسن أدبه، فلما أكمل له الادب قال: " وإنك لعلي خلق عظيم (8) " ثم فوض إليه أمر الدين والامة ليسوس (9) عباده، فقال عزوجل: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (10) وإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان مسددا موفقا مؤيدا


(1) النساء: 8. (2 و 3) اصول الكافي 1: 265. (4) الحشر: 7. (5) اصول الكافي 1: 266. (6) اصول الكافي 1: 267. (7) بصائر الدرجات: 111. (8) القلم: 4. (9) أي ليدبرهم ويتولى أمرهم (10) الحشر: 7. [ * ]

[ 5 ]

بروح القدس لا يزل ولا يخطئ في شئ مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله، إن الله عزوجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الركعتين ركعتين، وإلي المغرب ركعة، فصارت عديلة الفريضة، لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله له ذلك كله، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة، ثم سن رسول الله صلى الله عليه وآله النوافل أربعا وثلاثين ركعة مثلي الفريضة، فأجاز الله عزوجل له ذلك، والفريضة والنافلة إحدي وخمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعد بركعة مكان الوتر، وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان، وسن رسول الله صلى الله عليه وآله صوم شعبان وثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة، فأجاز الله عزوجل له ذلك، وحرم الله عزوجل الخمر بعينها، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله المسكر من كل شراب، فأجاز الله له ذلك، وعاف (1) رسول الله صلى الله عليه وآله أشياء و كرهها لم ينه عنها نهي حرام، إنما نهي عنها نهي عافة (2) وكراهة، ثم رخص فيها فصار الاخذ برخصه واجبا على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه، ولم يرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وآله فيما نهاهم عنه نهي حرام، ولا فيما أمر به أمر فرض لازم، فكثير المسكر من الاشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخص فيه لاحد، ولم يرخص رسول الله صلى الله عليه وآله لاحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عزوجل، بل ألزمهم ذلك إلزاما واجبا لم يرخص لاحد في شئ من ذلك إلا للمسافر، وليس لاحد أن يرخص ما لم يرخصه (3) رسول الله صلى الله عليه وآله، فوافق أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الله عزوجل، ونهيه نهي الله عزوجل، ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى (4) 4 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أدب نبيه صلى الله عليه وآله () 5، فلما انتهي به إلى


عاف الشي: كرهه فتركه (2) في المصدر: نهي إعافة (3) في المصدر: أن يرخص شيئا ما لم يرخصه (4) اصول الكافي 266 1 و 267 (5) في البصائر: أدب نبيه صلى الله عليه وآله على أدبه. [ * ]

[ 6 ]

ما أراد قال: (1) " وإنك لعلى خلق عظيم (2) " ففوض إليه دينه فقال: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (3) " وإن الله عزوجل فرض الفرائض (4) ولم يقسم للجد شيئا، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله أطعمه السدس، فأجاز الله جل ذكره له ذلك (5) وذلك قول الله عزوجل: " هذا (6) عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " (7) ير: الحجال، عن اللؤلؤي، عن محمد بن سنان مثله (8) 5 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن حماد، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وآله دية العين، ودية النفس، وحرم النبيذ وكل مسكر، فقال له رجل: وضع رسول الله صلى الله عليه وآله من غير أن يكون جاء فيه شئ ؟ قال: نعم ليعلم من يطيع الرسول ممن يعصيه (9) 6 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين (10) قال: وجدت في نوادر محمد بن سنان، عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى الائمة عليهم السلام، قال عزوجل: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله " وهي جارية في الاوصياء عليهم السلام (11). 7 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن زياد،


(1) في المصدر: قال له. (2) القلم: 4. (3) الحشر: 7. (4) في البصائر: فرض في القرآن (5) زاد في البصائر بعد ذلك: وإن الله حرم الخمر بعينها، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله كل مسكر فأجاز الله له. (6) ص: 39. (7) اصول الكافي 1: 267. (8) بصائر الدرجات: 111. (9) اصول الكافي 1: 267. (10) محمد بن الحسن خ ل، وهو الموجود في المصدر. (11) اصول الكافي 1: 268. [ * ]

[ 7 ]

عن محمد بن الحسن الميثمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الله عزوجل أدب رسوله صلى الله عليه وآله حتى قومه على ما أراد، ثم فوض إليه، فقال عز ذكره: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (1) " فما فوض الله إلى رسوله فقد فوضه إلينا (2) 8 - كا: علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن صندل الخياط، عن زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (3) " قال: أعطى سليمان ملكا عظيما، ثم جرت هذه الآية في رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان له أن يعطي ما شاء من شاء، وأعطاه الله أفضل مما أعطى سليمان لقوله تعالى: " ما أتاكم (4) الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (5) 9 - ن: ماجيلويه، عن علي، عن أبيه، عن ياسر الخادم قال: قلت للرضا عليه السلام: ما تقول في التفويض ؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى فوض إلى نبيه صلى الله عليه وآله أمر دينه، فقال: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " فأما الخلق والرزق فلا، ثم قال عليه السلام: إن الله عزوجل خالق كل شئ، وهو يقول عزوجل: " الذي (6) خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما يشركون " (7) 10 - ير: محمد بن عبد الجبار، عن البرقي، عن فضالة، عن ربعي، عن القاسم بن محمد قال: إن الله أدب نبيه صلى الله عليه وآله فأحسن تأديبه، فقال: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (8) " فلما كان ذلك أنزل الله: " إنك لعلي خلق عظيم (9) " وفوض إليه


(1) الحشر: 7. (2) اصول الكافي 1: 268. (3) ص 39. (4) الحشر: 7. (5) اصول الكافي: 268. (6) في المصدر: كما في المصحف: الله الذى. (7) عيون الاخبار: 326. والاية في سورة الروم: 40. (8) الاعراف: 199. (9) القلم: 4. [ * ]

[ 8 ]

أمر دينه فقال: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (1) " فحرم الله الخمر بعينها، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله كل مسكر فأجاز الله ذلك، وكان يضمن على الله الجنة فيجيز الله ذلك له، وذكر الفرائض فلم يذكر الجد فأطعمه رسول الله صلى الله عليه وآله سهما فأجاز الله ذلك، ولم يفوض إلى أحد من الانبياء غيره (2). 11 - ير: محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله أدب نبيه صلى الله عليه وآله حتى إذا أقامه على ما أراد، قال له: " وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (3) " فلما فعل ذلك له رسول الله صلى الله عليه وآله زكاه الله فقال: " إنك لعلي خلق عظيم (4) " فلما زكاه فوض إليه دينه فقال: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (5) " فحرم الله الخمر، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله كل مسكر، فأجاز الله ذلك كله، وإن الله أنزل الصلاة، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وقت أوقاتها، فأجاز الله له ذلك (6). 12 - ختص، ير: ابن يزيد ومحمد بن عيسى، عن زياد القندي، عن محمد بن عمارة، عن فضيل بن يسار قال: سألته كيف كان يصنع أمير المؤمنين عليه السلام بشارب الخمر ؟ قال: كان يحده، قلت: فإن عاد ؟ قال: كان يحده: قلت: فإن عاد ؟ قال: كان يحده ثلاث مرات، فأن عاد كان يقتله، قلت: كيف كان يصنع بشارب المسكر ؟ قال مثل ذلك، قلت: فمن شرب شربة مسكر كمن شرب شربة خمر ؟ قال: سواء فاستعظمت ذلك، فقال لي: يا فضيل لا تستعظم ذلك، فإن الله إنما بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين والله ادب نبيه فأحسن تأديبه، فلما ائتدب فوض إليه، فحرم الله الخمر، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله كل مسكر، فأجاز الله ذلك له، وحرم الله مكة، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) قد مر ذكر موضعه مرارا. (2) بصائر الدرجات: 111. (3) الاعراف: 199. (4) القلم: 4. (5) تقدم ذكر موضعه قبلا. (6) بصائر الدرجات: 111. [ * ]

[ 9 ]

المدينة، فأجاز الله كله له، وفرض الله الفرائض من الصلب، فأطعم رسول الله صلى الله عليه وآله الجد، فأجاز ذلك كله له، ثم قال له: يا فضيل حرف وما حرف: من يطع الرسول فقد أطاع الله (1). 13 - ير: ابن يزيد، عن زياد القندي، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله مثله (2). 14 - ير: محمد بن الحسن، عن جعفر بن بشير، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أشياء من الصلاة والديات والفرائض، وأشياء من أشباه هذا، فقال: إن الله فوض إليه نبيه صلى الله عليه وآله (3). 15 - ير: أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن حمران عنه عليه السلام مثله (4). 16 - ير: بعض أصحابنا (5)، عن محمد بن الحسن، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن إسماعيل بن عبد العزيز قال: قال لي جعفر بن محمد عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفوض إليه، إن الله تبارك وتعالى فوض إلى سليمان عليه السلام ملكه، فقال: " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (6) وإن الله فوض إلى محمد صلى الله عليه وآله نبيه فقال: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " فقال رجل: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله مفوضا إليه في الزرع والضرع، فلوى جعفر عليه السلام عن عنقه مغضبا، فقال: في كل شئ، والله في كل شئ (7). 17 - ير: محمد بن عيسى، عن النضر، عن عبد الله بن سليمان، أو عمن رواه، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله أدب محمدا صلى الله عليه وآله تأديبا ففوض


(1) الاختصاص: مخطوط. بصائر الدرجات: 112 (2) بصائر الدرجات: 112. (3) بصائر الدرجات: 111. (4) بصائر الدرجات: 111. (5) في المصدر: بعض أصحابه. (6) ص: 39. (7) بصائر الدرجات: 111 و 112. [ * ]

[ 10 ]

إليه الامر، وقال: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (1) " وكان مما أمره الله في كتابه فرائض الصلب وفرض رسول الله صلى الله عليه وآله للجد، فأجاز الله ذلك له، وحرم الله في كتابه الخمر بعينها، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله كل مسكر فأجاز الله ذلك له (2) 18 - ير: عبد الله بن عامر، عن البرقي، عن الحسن بن عثمان، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي قال: قرأت هذه الآية على أبي جعفر عليه السلام: " ليس لك من الامر شئ (3) قول الله لنبيه صلى الله عليه وآله، وأنا اريد أن أسأله عنها، فقال أبو جعفر عليه السلام: بلى، وشئ وشئ مرتين، وكيف لا يكون له من الامر شئ وقد فوض الله إليه دينه فقال: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " فما أحل رسول الله صلى الله عليه وآله فهو حلال، وما حرم فهو حرام (4) 19 - ير: أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن عذافر، عن عبد الله بن سنان، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أدب محمدا صلى الله عليه وآله فلما تأدب فوض إليه، فقال تبارك وتعالى: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (5) " وقال: " من يطع الرسول فقد أطاع الله (6) " فكان فيما فرض في القرآن فرائض الصلب، وفرض رسول الله صلى الله عليه وآله فرائض الجد، فأجاز الله ذلك (7) له في أشياء كثيرة، فما حرم رسول الله صلى الله عليه آله فهو بمنزلة ما حرم الله (8) ير: إبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عذافر، عن رجل من


(1) الحشر: 7. (2) بصائر الدرجات: 112. (3) آل عمران: 128. (4) بصائر الدرجات: 112. (5) الحشر: 5. (6) النساء: 80. (7) في المصدر: فأجاز الله ذلك، وأنزل في القرآن تحريم الخمر بعينها، فحرم رسول الله صلى الله عليه وآله تحريم المسكر فأجاز الله له ذلك في أشياء كثيرة. (8) بصائر الدرجات: 112. [ * ]

[ 11 ]

أخواننا، عن أبي جعفر عليه السلام مثله (1) 20 - ير: أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان عن ابن خنيس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أعطي الله نبيا شيئا إلا وقد أعطاه محمدا صلى الله عليه وآله قال لسليمان بن داود عليه السلام: " فامنن أو أمسك بغير حساب (2) " وقال لمحمد صلى الله عليه وآله: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (3). 21 - ير: ابن هاشم، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام (4) قال: إن الله خلق محمدا طاهرا، ثم أدبه حتى قومه على ما أراد، ثم فوض إليه الامر فقال: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " فحرم الله الخمر بعينها، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله المسكر من كل شراب، وفرض الله فرائض الصلب، وأعطي رسول الله صلى الله عليه وآله الجد، فأجاز الله له ذلك، وأشياء ذكرها من هذا الباب (5) 22 - شي: عن جابر الجعفي قال: قرأت عند أبي جعفر عليه السلام قول الله عزوجل: " ليس لك من الامر شئ (6) " قال: بلى، والله إن له من الامر شيئا وشيئا وشيئا، و ليس حيث ذهبت، ولكني أخبرك أن الله تبارك وتعالى لما أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يظهر، ولاية علي عليه السلام فكر في عداوة قومه له، ومعرفته بهم، وذلك للذي فضله الله به عليهم في جميع خصاله: كان أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وبمن أرسله، وكان أنصر الناس لله ولرسوله، وأقتلهم لعدوهما، وأشدهم بغضا لمن خالفهما، وفضل علمه الذي لم يساوه


(1) بصائر الدرجات: 112. والزيادة التى ذكرنا في الهامش المتقدم موجودة في هذا الطريق أيضا، وفيه إيضا: وأشياء كثيرة وكل ما حرم. (2) ص 39. (3) بصائر الدرجات: 112. والاية قد أشرنا إلى موضعها آنفا. (4) في المصدر: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله: إن الله فوض الامر إلى محمد صلى الله عليه وآله، فقال: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " قال: إن الله اه‍. (5) بصائر الدرجات 112 و 113. (6) آل عمران: 128. [ * ]

[ 12 ]

أحد، ومناقبه التي لا تحصى شرفا، فلما فكر النبي صلى الله عليه وآله في عداوة قومه له في هذه الخصال وحسدهم له عليها ضاق عن ذلك (1)، فأخبر الله أنه ليس له من هذا الامر شئ، إنما الامر فيه إلى الله أن يصير عليا عليه السلام وصيه وولي الامر بعده، فهذا عني الله، وكيف لا يكون له من الامر شئ وقد فوض الله إليه أن جعل ما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، قال: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (2). 23 - شي: عن جابر قال: قلت لابي جعفر عليه السلام قوله لنبيه صلى الله عليه وآله: " ليس لك من الامر شئ (3) " فسره لي، قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: لشئ قاله الله. ولشئ أراده الله، يا جابر إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان حريصا على (4) أن يكون علي عليه السلام من بعده على الناس، و كان عند الله خلاف ما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: قلت: فما معنى ذلك ؟ قال: نعم عنى بذلك قول الله لرسوله: " ليس لك من الامر شئ " يا محمد الامر في علي أو في غيره، ألم أتل عليك يا محمد فيما أنزلت من كتابي إليك " آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (5) " إلى قوله: " فليعلمن " قال: فوض (6) رسول الله الامر إليه (7).


(1) في البرهان: فعاق عن ذلك صدره. أقول: الظاهر أن عاق مصحف ضاق. (2) تفسير العياشي: مخطوط، وقد أخرجه البحراني في تفسير البرهان 1: 314. (3) آل عمران: 128. (4) أي كان النبي صلى الله عليه وآله حريصا على أن تقع خلافته خارجا كما أمره الله تشريعا، وكان عند الله خلاف ذلك بأنه علم أنها ستغصب منه وأن الامة تفتنون بذلك. (5) العنكبوت: 2. (6) فوض على بناء المجهول، ورسول الله مرفوع به، وقوله: الامر إليه بدل اشتمال، فالضمير المجرور راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، ويمكن أن يقرأ على بناء المعلوم بأن يكون الضمير راجعا إلى على عليه السلام والاول أظهر، منه رحمه الله. أقول: ويمكن أن يكون الضمير راجعا إلى الله على الثاني، فيكون المعنى فوض رسول الله الامر إلى الله تعالى، وفى تفسير البرهان الحديث هكذا: قال رسول الله: الامر إليه. (7) تفسير العياشي: مخطوط، وأخرجه البحراني أيضا في تفسير البرهان 1: 314. [ * ]

[ 13 ]

24 - شى: عن الجرمي (1)، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قرأ: ليس لك من الامر شئ أن تتوب عليهم أو تعذبهم (2) فإنهم ظالمون (3). 25 - كشف: من مناقب الخوارزمي، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله لما خلق السماوات والارض دعاهن فأجبنه، فعرض عليهن نبوتي وولاية علي بن أبي طالب عليه السلام فقبلتاهما، ثم خلق الخلق وفوض إلينا أمر الدين، فالسعيد من سعد بنا، والشقي من شقي بنا، نحن المحلون لحلاله، والمحرمون لحرامه (4). أقول: سيأتي سائر أخبار التفويض والكلام عليها في كتاب الامامة إنشاء الله تعالى. 26 - ع: الطالقاني، عن أبي صالح الحذاء (5)، عن محمد بن إدريس الحنظلي، عن محمد بن عبد الله (6)، عن حميد الطويل، عن أنس قال: جاء رجل من أهل البادية - وكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية يسأل النبي صلى الله عليه وآله - فقال يارسول الله: متى قيام الساعة ؟ فحضرت الصلاة، فلما قضى (7) صلاته قال: أين السائل عن الساعة ؟ قال: أنا يارسول الله، قال: فما أعددت لها ؟ قال: والله ما أعددت لها من كثير عمل: صلاة ولا صوم، إلا أني احب الله ورسوله، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: المرء مع من أحب، قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بعد الاسلام بشئ أشد من فرحهم بهذا (8). 27 - ع: بإسناده (9) عن الحكم بن أبي ليلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، ويكون عترتي أحب إليه من عترته، ويكون


(1) لم نظفر في أصحاب الامام الباقر عليه السلام على من يكون لقبه الجرمى والرجل مجهول، ومتن الحديث يخالف ما عليه المسلمون، وهو قراءة شاذة لم تثبت عن الباقر عليه السلام. (2) في البرهان: أن يتوب عليهم أو يعذبهم. (3) تفسير العياشي: مخطوط، وأخرجه البحراني في تفسير البرهان 1: 314. (4) كشف الغمة: 85. (5) في المصدر: حدثنا أبو أحمد القاسم بن بندار المعروف بأبي صالح الحذاء. (6) في المصدر: محمد بن عبد الله بن المثني بن عبد الله بن أنس بن مالك الانصاري. (7) أي أداها. (8) علل الشرائع: 58. (9) الحديث مسند في المصدر، لم يذكر إسناده المصنف اختصارا. [ * ]

[ 14 ]

أهلي أحب إليه من أهله، ويكون ذاتي أحب إليه من ذاته (1). 28 - ع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن عبد العظيم الحسني، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الله بن الفضل، عن شيخ من أهل الكوفة، عن جده من قبل أمه واسمه سليمان بن عبد الله الهاشمي قال: سمعت محمد بن علي عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله للناس وهم مجتمعون عنده: أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني لله عزوجل، وأحبوا قرابتي لي (2) أقول: سيأتي الاخبار الكثيرة في باب ثواب حب آل محمد عليهم السلام 29 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد بن جعفر العلوي، عن موسى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن أبيه عبد الله بن الحسن، عن أبيه وخاله علي ابن الحسين، عن الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب، عن أبيهما علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: جاء رجل من الانصار إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: يارسول ما أستطيع فراقك، وإني لادخل منزلي فأذكرك فأترك ضيعتي، وأقبل حتى أنظر إليك حبا لك، فذكرت إذا كان يوم القيامة وادخلت الجنة، فرفعت في أعلي عليين، فكيف لي بك يا نبي الله ؟ فنزل: " ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا (3) " فدعا النبي صلى الله عليه وآله الرجل فقرأها عليه وبشره بذلك (4). * (الهامش) * (1) علل الشرائع: 58. (2) علل الشرائع: 200. (3) النساء: 69. (4) مجالس الشيخ: 39 و 40. [ * ]

[ 15 ]

(باب 14) * (آداب العشرة معه صلى الله عليه وآله وتفخيمه وتوقيره في حياته) * * (وبعد وفاته صلى الله عليه وآله) * الايات: النور " 24 ": إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك اولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم * لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. 62 و 63. الاحزاب " 33 " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما 53 - إلى قوله تعالى -: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما * إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا 57 - إلى قوله تعالى -: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها 69 الفتح " 48 ": إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا 8 و 9 الحجرات " 49 " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم * يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا

[ 16 ]

له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم 1 - 5. المجادلة " 58 ": ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الارض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عظيم * ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوي ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالاثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير * يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالاثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون * إنما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون * يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشروا فانشروا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير * يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم * ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون 7 - 12 تفسير: قال البيضاوي: " إنما المؤمنون " أي الكاملون في الايمان " الذين آمنوا بالله ورسوله " من صميم قلوبهم " وإذا كانوا معه على أمر جامع " كالجمعة والاعياد والحروب والمشاورة في الامور " لم يذهبوا حتى يستأذنوه " يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله فيأذن لهم، و اعتباره في كمال الايمان، لانه كالمصداق لصحته، والمميز للمخلص فيه والمنافق (1)،


(1) في المصدر: والمميز للمخلص فيه عن المنافق. [ * ]

[ 17 ]

فإن ديدنه التسلل (1) والفرار، ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلسه بغير إذنه، ولذلك أعاده مؤكدا على اسلوب أبلغ فقال: " إن الذين يستأذنونك اولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله " فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة، وإن الذاهب بغير إذن ليس كذلك " فإذا استأذنوك لبعض شأنهم " ما يعرض لهم من المهام، وفيه أيضا مبالغة وتضييق للامر " فأذن لمن شئت منهم " تفويض للامر إلى رأي الرسول صلى الله عليه وآله، واستدل به على أن بعض الاحكام مفوضة إلى رأيه، ومن منع ذلك قيد المشية بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه، وكأن المعنى فأذن لمن علمت أن له عذرا " واستغفر لهم الله " بعد الاذن، فإن الاستيذان ولو لعذر قصور، لانه تقديم لامر الدنيا على أمر الدين " إن الله غفور " لفرطات العباد " رحيم " بالتيسير عليهم " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " لا تقيسوا دعائه إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جواز الاعراض والمساهلة في الاجابة، والرجوع بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة، وقيل: لا تجعلوا انداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضا باسمه، ورفع الصوت (2) والنداء وراء الحجرات، ولكن بلقبه المعظم مثل يا نبي الله ويارسول الله، مع التوقير والتواضع، وخفض الصوت، أولا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض فلا تبالوا بسخطه، فإنه مستجاب (3)، أو لا تجعلوا دعائه لله كدعاء صغيركم كبيركم يجيبه مرة ويرده اخرى، فإن دعاءه موجب (4) " قد يعلم الله الذين يتسللون منكم " يتسللون قليلا قليلا من الجماعة، ونظير تسلل: تدرج (5) " لواذا " ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج، أو يلوذ بمن يؤذن له فينطلق معه، كأنه تابعه، وانتصابه على الحال " فليحذر الذين يخالفون عن أمره " بترك مقتضاه، ويذهبون سمتا على خلاف سمته، و (عن) لتضمنه معنى الاعراض، أو يصدون عن أمره دون المؤمنين من خالفه عن الامر إذا صد عنه دونه، وحذف المفعول لان المقصود بيان المخالف عنه، والضمير لله فإن الامر


(1) التسلل: الخروج خفية واحدا بعد واحد. (2) ورفع الصوت به. (3) في المصدر: فلا تنالوا بسخطه فان دعاءه موجب. (4) فان دعاءه مستجاب. (5) في المصدر: تدرج وتدخل. [ * ]

[ 18 ]

له حقيقة، أو للرسول فإنه المقصود بالذكر " أن تصيبهم فتنة " محنة في الدنيا " أو يصيبهم عذاب أليم " في الآخرة (1) وقال في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " أي إلا وقت أن يؤذن لكم، أو إلا مأذونا لكم " إلى طعام " متعلق بيؤذن، لانه متضمن معنى يدعى، للاشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وإن أذن كما أشعر به قوله: " غير ناظرين إناه " غير منتظرين وقته، أو إدراكه حال (2) من فاعل (لا تدخلوا) أو المجرور في (لكم) وقرء بالجر صفة لطعام " ولكن إذا دعيتم فادخلوا وإذا طعمتم فانتشروا " تفرقوا ولا تمكثوا، والآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله صلى الله عليه وآله فيدخلون ويقعدون منتظرين لادراكه مخصوصة بهم وبأمثالهم، وإلا لما جاز لاحد أن يدخل بيوته بالاذن لغير الطعام، ولا اللبث بعد الطعام لمهم " ولا مستأنسين لحديث " بعضكم (3) بعضا، أو لحديث أهل البيت بالتسمع له " إن ذلكم " اللبث " كان يؤذي النبي " لتضييق المنزل عليه وعلى أهله، واشتغاله في ما لا يعنيه " فيستحيي منكم " من إخراجكم بقوله: " والله لا يستحيي من الحق " يعني إن إخراجكم حق فينبغي أن لا يترك حياء، كما لم يتركه الله ترك الحيي فأمركم بالخروج " وإذا سألتموهن متاعا " شيئا ينتفع به " فاسألوهن " المتاع " من وراء حجاب " ستر " ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن " من الخواطر الشيطانية " وما كان لكم " وما صح لكم أن " تؤذوا رسول الله " أن تفعلوا ما يكرهه " ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " من بعد وفاته أو فراقه " إن ذلكم " يعني إيذاؤه ونكاح نسائه " كان عند الله عظيما " ذنبا عظيما (4) " إن تبدوا شيئا " لنكاحهن على ألسنتكم " أو تخفوه " في صدوركم " فإن الله كان بكل شئ عليما " فيعلم ذلك فيجازيكم به " لا جناح عليهن في آبائهن


(1) أنوار التنزيل 2: 153 و 154. (2) في المصدر: وهو حال. (3) في المصدر: لحديث بعضكم بعضا. (4) في المصدر: بعد قوله عظيما: وفيه تعظيم من الله لرسوله وإيجاب لحرمته حيا وميتا، ولذلك بالغ في الوعيد عليه: فقال " إن تبدوا شيئا " كنكاحهن على السنتكم. [ * ]

[ 19 ]

ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن " استيناف لمن لا يجب الاحتجاب عنهم، روي أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والابناء والاقارب: يارسول الله أو نكلمهن أيضا من وراء حجاب ؟ فنزلت، وإنما لم يذكر العم والخال لانهما بمنزلة الوالدين، ولذلك سمي العم أبا (1)، أو لانه كره ترك الاحتجاب منهما مخافة أن يصفا لابنائهما " ولا نسائهن " ولا نساء المؤمنات (2) " ولا ما ملكت أيمانهن " من العبيد و الاماء، وقيل: من الاماء، خاصة " واتقين الله " فيما امرتن به " إن الله كان على كل شئ شهيدا " لا تخفى عليه خافية (3). " إن الله وملائكته يصلون على النبي " قال الطبرسي رحمه الله: معناه إن الله يصلي على النبي ويثني عليه بالثناء الجميل ويبجله بأعظم التبجيل، وملائكته يصلون عليه و يثنون عليه بأحسن الثناء، ويدعون له بأزكى الدعاء " يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " قال أبو حمزة الثمالي: حدثني السدي وحميد بن سعد الانصاري وبريد ابن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت هذه الآية قلنا: يارسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه، كيف الصلاة عليك (4) ؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، و بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية فقلت: كيف صلاة الله على رسوله، فقال: يا أبا محمد تزكيته له في السماوات العلى فقلت: قد عرفت صلاتنا عليه فكيف التسليم ؟ فقال: هو التسليم له في الامور. فعلى هذا يكون معنى قوله: " وسلموا تسليما " انقادوا لامره، وابذلوا الجهد في


(1) في المصدر: ولذلك سمى العم أبا في قوله تعالى: " وإله آبائك ابراهيم واسماعيل و إسحاق ". (2) في المصدر: يعنى نساء المؤمنات. (3) أنوار التنزيل 2: 278 و 279. (4) في المصدر: فكيف الصلاة عليك. [ * ]

[ 20 ]

طاعته وجميع ما يأمركم به، وقيل: معناه سلموا عليه بالدعاء، أي قولوا: السلام عليك يارسول الله " إن الذين يؤذون الله ورسوله " قيل: هم المنافقون والكافرون، والذين وصفوا الله بما لا يليق به، وكذبوا رسله، وكذبوا عليه (1)، وإن الله عزوجل لا يلحقه أذى، ولكن لما كانت مخالفة الامر فيما بيننا تسمى إيذاء خوطبنا بما نتعارفه (2)، وقيل: معناه يؤذون رسول الله، فقدم ذكر الله على وجه التعظيم إذ جعل أذى له تشريفا له وتكريما، " لعنهم الله في الدنيا والآخرة " أي يبعدهم الله من رحمته، ويحل بهم وبال نقمته بحرمان زيادات الهدى في الدنيا، والخلود في النار في الآخرة " وأعد لهم " في الآخرة " عذابا مهينا " أي مذلا " ولا تكونوا كالذين آذوا موسى " أي لا تؤذوا محمدا كما آذى بنو إسرائيل موسى عليه السلام (3). أقول: قد مضى إيذائهم موسى عليه السلام في كتاب النبوة. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " وتعزروه " أي تنصروه بالسيف واللسان، والهاء تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله " وتوقروه " أي تعظموه وتبجلوه " وتسبحوه بكرة وأصيلا " أي تصلوا لله بالغدوة والعشي (4)، وكثير من القراء اختاروا الوقف على " وتوقروه " لاختلاف الضمير فيه وفيما بعده، وقيل: " وتعزروه " أي وتنصروا الله " وتوقروه " أي وتعظموه وتطيعوه، فتكون الكنايات متفقة (5) وقال رحمه الله في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا " نزلت في وفد تميم وهم عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم، منهم الاقرع بن حابس، والزبرقان ابن بدر، وعمرو بن الاهتم، وقيس بن عاصم في وفد عظيم: فلما دخلوا المسجد نادوا


(1) في المصدر بعد قوله: كذبوا عليه: فعلى هذا يكون معنى يؤذون الله يخالفون أمره و يصفونه بما هو منزه عنه ويشبهونه بغيره، فإن الله عز اسمه لا يلحقه أذى. (2) زاد في المصدر هنا، وقيل يؤذون الله يلحدون في اسمائه وصفاته. (3) مجمع البيان 8: 369 - 372. (4) زاد هنا في المصدر: وقيل معناه وتنزهوه عما لا يليق به. (5) مجمع 9: 112. [ * ]

[ 21 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله من وراء الحجرات أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج إليهم فقالوا: جئناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: أذنت، فقام عطارد بن حاجب وقال: الحمد لله الذي جعلنا ملوكا الذى له الفضل علينا، والذي وهب لنا أموالا عظاما نفعل بها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثر عددا وعدة، فمن مثلنا في الناس ؟ فمن فاخرنا فليعد مثل ما عددنا، ولو شئنا لاكثرنا من الكلام، ولكنا نستحيي من الاكثار. ثم جلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لثابت بن قيس بن شماس: قم فأجبه، فقام فقال: الحمد لله الذي خلق السماوات والارض خلقة، وقضى فيه أمره (1)، ووسع كرسيه علمه، ولم يكن شئ قط إلا من فضله، ثم كان من فضله، أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسبا (2)، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابا وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله على العالمين، ثم دعا الناس إلى الايمان بالله فآمن به المهاجرون من قومه، وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسنهم وجوها، فكان (3) أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه واله (4)، فنحن أنصار رسول الله وردؤه، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن نكث جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا، أقول: هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم. ثم قام الزبرقان بن بدر ينشد وأجابه حسان بن ثابت، فلما فرغ حسان من قوله قال الاقرع: إن هذا الرجل خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، و


(1) في المصدر: قضى فيهن أمره. (2) في المصدر: أكرمهم نسبا، وأصدقهم حديثا، وأفضلهم حسبا. (3) أي فكان ذو رحمه، والمراد به على عليه السلام. (4) في المصدر: حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله نحن، فنحن. أقول فيه اضطراب. [ * ]

[ 22 ]

أصواتهم أعلى من أصواتنا، فلما فرغوا أجازهم (1) رسول الله صلى الله عليه وآله فأحسن جوائزهم و أسلموا عن ابن إسحاق، وقيل: إنهم ناس من بني العنبر كان النبي صلى الله عليه وآله أصاب من ذراريهم، فأقبلوا في فدائهم فقدموا المدينة، ودخلوا المسجد، وعجلوا أن يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله، فجعلوا يقولون: يا محمد اخرج إلينا، عن أبي حمزة الثمالي، عن عكرمة، عن ابن عباس " بين يدي الله ورسوله " بين اليدين عبارة عن الامام، ومعناه لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله، ولا تعجلوا به، وقدم هاهنا بمعنى تقدم وهو لازم، وقيل: معناه لا تمكنوا أحدا يمشي أمام رسول الله صلى الله عليه وآله، بل كونوا تبعا له وأخروا أقوالكم وأفعالكم عن قوله وفعله، وقال الحسن: نزل في قوم ذبحوا الاضحية قبل العيد فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالاعادة، وقال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا قبل كلامه، أي إذا كنتم جالسين في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله فسئل عن مسألة فلا تسبقوه بالجواب حتى يجيب النبي صلى الله عليه وآله أولا، وقيل: معناه لا تسبقوه بقول ولا فعل حتى يأمركم به، والاولى حمل الآية على الجميع " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " لان فيه أحد شيئين: إما نوع استخفاف به فهو الكفر، وإما سوء الادب فهو خلاف التعظيم المأمور به " ولا تجهروا له بالقول " أي غضوا أصواتكم عند مخاطبتكم إياه وفي مجلسه، فإنه ليس مثلكم إذ يجب تعظيمه وتوقيره من كل وجه، وقيل: معناه لا تقولوا له: يا محمد كما يخاطب بعضكم بعضا، بل خاطبوه بالتعظيم والتبجيل، وقولوا: يارسول الله " أن تحبط أعمالكم " أي كراهة أن تحبط، أو لئلا تحبط " وأنتم لا تشعرون " أنكم أحبطتم أعمالكم بجهر صوتكم على صوته، وترك تعظيمه " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله " أي يخفضون أصواتهم في مجلسه إجلالا له، " اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " أي اختبرها فأخلصها للتقوى وقيل: معناه إنه علم خلوص نياتهم، وقيل: معناه عاملهم معاملة المختبر بما تعبدهم به من هذه العبادة فخلصوا على الاختبار كما يخلص جيد الذهب بالنار " لهم مغفرة " من الله لذنوبهم " وأجر عظيم " على طاعاتهم " إن الذين ينادوتك من وراء الحجرات، وهم


(1) أي أعطاهم الجائزة. [ * ]

[ 23 ]

الجفاة من بني تميم لم يعلموا في أي حجرة هو فكانوا يطوفون على الحجرات وينادونه " أكثرهم لا يعقلون " إذ لم يعرفوا مقدار النبي صلى الله عليه وآله ولا ما استحقه من التوقير، فهم بمنزلة البهائم " ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم " من أن ينادوك من وراء الحجرات (1). قوله تعالى: " من نجوى ثلاثة " قال البيضاوي: ما يقع من تناجي ثلاثة، ويجوز أن يقدر مضاف، أو يأول نجوى بمتناجين ويجعل ثلاثة صفة لها " إلا هو رابعهم " إلا أن الله يجعلهم أربعة من حيث أنه يشاركهم في الاطلاع عليها " ولا خمسة " ولا نجوى خمسة " إلا هو سادسهم " وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة فإن الآية نزلت في تناجي المنافقين، أو لان الله وتر يحب الوتر، والثلاثة أول الاوتار، أو لان التشاور لابد له من اثنين يكونان كالمتنازعين، وثالث يتوسط بينهما " ولا أدنى من ذلك " ولا أقل مما ذكر كالواحد والاثنين " ولا أكثر إلا هو معهم " يعلم ما يجري بينهم " أينما كانوا " فإن علمه بالاشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الامكنة " ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة " تفضيحا لهم وتقريرا لما يستحقونه من الجزاء (2). وقال الطبرسي رحمه الله في قوله: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ": نزلت في اليهود و المنافقين، إنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا: ما نراهم إلا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو مصيبة أو هزيمة فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلما طال ذلك شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم، فنزلت الآية " ويتناجون بالاثم والعدوان " في مخالفة الرسول وهو قوله: " ومعصية الرسول " وذلك أنه نهاهم عن النجوى فعصوه (3)، أو يوصي بعضهم بعضا بترك أمر الرسول والمعصية له " وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله " وذلك أن اليهود كانوا يأتون


(1) مجمع البيان 9: 129 - 131. (2) أنوار التنزيل 2: 504. (3) في المصدر هنا زيادة هي: ويجوز أن يكون الاثم والعدوان ذلك السر الذى يجرى بينهم لانه شئ يسوء المسلمين. [ * ]

[ 24 ]

النبي صلى الله عليه وآله فيقولون: السام عليك، والسام: الموت، وهم يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليك، وكان النبي صلى الله عليه وآله يرد على من قال ذلك ويقول: وعليك " ويقولون في أنفسهم " أي يقول بعضهم لبعض " لولا يعذبنا الله بما نقول " أي لو كان هذا نبيا فهلا يعذبنا الله ولا يستجيب له فينا قوله: عليكم (1) " حسبهم " أي كافيهم " جهنم يصلونها " يوم القيامة ويحترقون فيها " فبئس المصير " أي فبئس المرجع والمال جهنم " وتناجوا بالبر والتقوى " أي بأفعال الخير والطاعة واتقاء معاصي (2) الله " إنما النجوى من الشيطان " يعني نجوى المنافقين والكفار " ليحزن الذين آمنوا " بتوهمهم أنها في نكبة أصابتهم " وليس " الشيطان أو التناجي " بضارهم، أي المؤمنين (3) " شيئا إلا باذن الله " أي بعلم الله، و قيل: بأمر الله، لان سببه بأمره وهو الجهاد " إذا قيل لكم تفسحوا " قال قتاده: كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنوا بمجالسهم عند رسول الله، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض، وقال المقاتلان: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الصفة، وفي المكان ضيق، وذلك يوم الجمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكرم أهل بدر من المهاجرين، والانصار، فجاء أناس من أهل بدر وفيهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا في المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وآله، ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينظرون إلى القوم فلم يفسحوا لهم (4)، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وآله فقال لمن حوله من المهاجرين والانصار من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان بقدر النفر الذين كانوا بين يديه من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف الكراهية في وجوههم، وقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أن صاحبكم يعدل بين الناس، فوالله ما عدل على هؤلاء، إن


(1) في المصدر: وعليكم يعني السام وهو الموت، فقال سبحانه. (2) في المصدر: والطاعة والخوف من عذاب الله واتقاء معاصي الله. (3) المنقول هنا من قوله: (ليحزن) إلى هنا يخالف المصدر، نعم يوافق ما في البيضاوي، والظاهر أنه وهم في النسبة. (4) في المصدر: ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم. [ * ]

[ 25 ]

قوما أخذوا مجالسهم، وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مقامهم، فنزلت الآية، والتفسح: التوسع في المجالس، هو مجلس النبي صلى الله عليه وآله، وقيل: مجالس الذكر كلها " فافسحوا يفسح الله لكم " أي فتوسعوا يوسع الله مجالسكم في الجنة " وإذا قيل انشزوا " ارتفعوا وقوموا ووسعوا على إخوانكم " فانشزوا " أي فافعلوا ذلك، وقيل: معناه وإذا قيل لكم: انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير " فانشزوا " ولا تقصروا، وإذا قيل لكم ارتفعوا في المجلس وتوسعوا للداخل فاقعلوا، أو إذا نودي للصلاة فانهضوا، و قيل: وردت في قوم كانوا يطلبون (1) المكث عنده صلى الله عليه وآله فيكون كل واحد منهم يحب أن يكون آخر خارج، فأمرهم الله أن يقوموا إذا قيل لهم: انشزوا " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اتوا العلم درجات " قال ابن عباس: يرفع الله الذين اوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات، وقيل: معناه لكي يرفع الله الذين آمنوا منكم بطاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله درجة، والذين اوتوا العلم بفضل علمهم وسابقتهم درجات في الجنة، و قيل: درجات في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله فأمره الله سبحانه أن يقرب العلماء من نفسه فوق المؤمنين الذين لا يعلمون ليتبين (2) فضل العلماء على غيرهم " إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة " أي إذا ساررتم الرسول فقدموا قبل أن تساروه صدقة، وأراد بذلك تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وأن يكون ذلك سببا لان يتصدقوا فيوجروا، وتخفيفا عنه صلى الله عليه وآله، قال المفسرون: فلما نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا ضن (3) كثير من الناس فكفوا عن المسألة (4) فلم يناجه أحد إلا علي بن أبي طالب عليه السلام، قال مجاهد وما كان إلا ساعة، وقال مقاتل: كان ذلك ليال عشرا (5)، ثم نسخت بما بعدها، وكانت الصدقة مفوضة إليهم غير مقدرة (6)


(1) في المصدر: يطيلون المكث. (2) ليبين خ ل، وهو الموجود في المصدر. (3) ضن بالشئ،: بخل. (4) في المصدر: فكفوا عن المساوة. (5) في المصدر: ليالى عشرا. (6) مجمع البيان 9: 249 - 253. [ * ]

[ 26 ]

وقال البيضاوي: عن علي عليه السلام أن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم " ذلك " أي التصدق " خير لكم و أطهر " أي لانفسكم من الريبة وحب المال، وهو يشعر بالندبية، لكن قوله: " فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم " أي لمن لم يجد حيث رخص لنفي المناجات بلا تصدق أدل على الوجوب " ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات " أخفتم الفقر من تقديم الصدقة ؟ أو أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر ؟ " فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم " بأن رخص لكم أن لا تفعلوه، وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم مما قام مقام توبتهم و (إذ) على بابها، وقيل بمعنى (إذا) أو (إن) (1). 1 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى، " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله " إلى قوله: " حتى يستأذنوه " فإنها نزلت في قوم كانوا إذا جمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله لامر من الامور في بعث يبعثه، أو حرب قد حضرت يتفرقون بغير إذنه، فنهاهم الله عزو جل عن ذلك، وقوله: " فإذا استأذنوك لبعض شأنهم " قال نزلت في حنظلة بن أبي عامر، وذلك أنه تزوج في الليلة التي كان في صبحها (2) حرب احد، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقيم عند أهله، فأنزل الله هذه الآية (3) فأقام عند أهله، ثم أصبح وهو جنب فحضر القتال فاستشهد (4)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن في صحاف فضة بين السماء والارض، فكان يسمي غسيل الملائكة، قوله: " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " قال: لا تدعوا رسول الله كما يدعو بعضكم بعضا، ثم قال: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة " يعني بلية " أو يصيبهم عذاب أليم " قال: القتل، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " لا تجعلوا دعاء


(1) أنوار التنزيل 2: 505 و 506. (2) صبيحتها خ ل، وهو الموجود في المصدر. (3) في المصدر: فأنزل الله هذه الاية: " فأذن لمن شئت منهم " أقول: هو موجود أيضا في غير نسخة المصنف. (4) واستشهد خ ل، وهو الموجود: في المصدر. [ * ]

[ 27 ]

الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " يقول: لا تقولوا: يا محمد، ولا يا أبا القاسم، ولكن قولوا يا نبي الله، ويارسول الله، قال الله: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره " أي يعصون أمره (1). 2 - فس: قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه " فإنه لما تزوج (2) رسول الله صلى الله عليه وآله بزينب بنت جحش وكان يحبها فأولم ودعا أصحابه، وكان أصحابه إذا أكلوا كانوا يحبون أن يتحدثوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يحب أن يخلو مع زينب، فأنزل الله: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " وذلك أنهم كانوا يدخلون بلا إذن، فقال عزو جل: " إلا أن يؤذن لكم " إلى قوله: " من وراء حجاب " قوله: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله " الآية، فإنه كان سبب نزولها أنه لما أنزل الله " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم " وحرم الله نساء النبي على المسلمين غضب طلحة فقال: يحرم محمد علينا نسائه، ويتزوج هو بنسائنا، لئن أمات الله محمدا لنركضن بين خلاخيل نسائه، كما ركض بين خلاخيل نسائنا، فأنزل الله: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " إلى قوله: " كان بكل شئ عليما " ثم رخص لقوم معروفين الدخول عليهن بغير إذن، فقال: " لا جناح عليهن " إلى قوله: " على كل شئ شهيدا " ثم ذكر ما فضل الله نبيه فقال: " إن الله وملائكته يصلون على النبي " إلى قوله: " تسليما " قال عليه السلام: صلوات الله عليه تزكية له وثناء عليه، وصلواة الملائكة مدحهم له، وصلاة الناس دعاؤهم له، والتصديق والاقرار بفضله، وقوله: " وسلموا تسليما " يعني سلموا له بالولاية وبما جاء به، قوله: " إن الذين يؤذون الله ورسوله " قال: نزلت فيمن غصب أمير المؤمنين عليه السلام حقه، وأخذ حق فاطمة عليهما السلام (3) وآذاها وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: من آذاها في حياتي كمن آذاها بعد موتي، ومن آذاها بعد موتي كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله (4)، وهو


(1) تفسير القمي: 462. (2) أن تزوج خ ل وفي المصدر: قال: لما تزوج. (3) أي الاية تشملهما باطلاقها، وأنهما مصداقين لها. (4) قد أخرج البخاري نحوه في صحيحة وسيأتي التنصيص بألفاظة في محله. [ * ]

[ 28 ]

قول الله تعالى: " إن الذين يؤذون الله ورسوله " الآية (1) 3 - فس: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا " الآية، نزلت في وفد تميم (2) كانوا إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقفوا على باب حجرته فنادوا: يا محمد اخرج إلينا، وكانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله تقدموه في المشي، وكانوا إذا كلموه رفعوا أصواتهم فوق صوته ويقولون: يا محمد يا محمد، ما تقول في كذا وكذا ؟ كما يكلمون بعضهم بعضا، فأنزل الله " يا أيها الذين آمنوا " إلى قوله: " إن الذين ينادونك " بنو تميم (3) 4 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله: " ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه " قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يأتونه فيسألونه أن يسأل الله لهم وكانوا يسألون ما لا يحل لهم، فأنزل الله " ويتناجون بالاثم والعدوان ومعصية الرسول " وقولهم له إذا أتوه: أنعم صباحا، وأنعم مساء، وهي تحية أهل الجاهلية، فأنزل الله " وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله " فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: قد أبدلنا الله بخير من ذلك تحية أهل الجنة السلام عليكم. قوله: " فافسحوا يفسح الله لكم " قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل المسجد يقوم له الناس فنهاهم الله أن يقوموا له، فقال: " فافسحوا " أي وسعوا له في المجلس " وإذا قيل انشزوا فانشزوا " يعني إذا قال: قوموا فقوموا. قوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة " قال: إذا سألتم رسول الله صلى الله عليه وآله حاجة فتصدقوا بين يدي حاجتكم ليكون أقضى لحوائجكم، فلم يفعل ذلك أحد إلا أمير المؤمنين عليه السلام، فإنه تصدق بدينار، وناجي رسول الله صلى الله عليه وآله بعشر نجوات (4). 5 - فس: أحمد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير،


(1) تفسير القمي: 532 و 533، وفيه: وهو قول الله تعالى: " والذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات " يعني عليا عليه السلام وفاطمة عليها السلام " بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا " الآية. (2) في المصدر وغير نسخة المصنف: في وفد بني تميم. (3) تفسير القمي: 638 و 639. (4) تفسير القمي: 468 - 470. [ * ]

[ 29 ]

عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله تعالى: " إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة " قال: قدم علي بن أبي طالب عليه السلام بين يدي نجواه صدقة، ثم نسختها قوله (1): " ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات " (2) 6 - فس: عبد الرحمن بن محمد الحسني، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن مروان عن عبيد بن خنيس، عن صباح، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: قال علي عليه السلام: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوي، إنه كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم، فجعلت اقدم بين يدي كل نجوة (3) اناجيها النبي صلى الله عليه وآله درهما، قال: فنسختها (4) " ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات " إلى قوله: " والله خبير بما تعملون " (5) 7 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي بكر الحضرمي، وبكر بن أبي بكر، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: " إنما النجوى من الشيطان " قال: الثاني قوله: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم " قال: فلان وفلان وأبو فلان (6) أمينهم حين اجتمعوا، ودخلوا الكعبة فكتبوا بينهم كتابا إن مات محمد أن لا يرجع الامر فيهم أبدا (7). 8 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلي، عن سليمان بن سماعة، عن عمه عاصم الكوزي، عن أبي عبد الله عليه السلام إن النبي صلى الله عليه وآله قال: من ولد له أربعة أولاد لم يسم أحدهم باسمي فقد جفاني (8)


(1) ثم نسخها بقوله خ ل. وفي المصدر: ثم نسخها قوله. (2) تفسير القمي: 670. (3) نجوى خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) فنسختها قوله خ ل. (5) تفسير القمي: 670. (6) ابن فلان خ ل وهو الموجود في المصدر. (7) تفسير القمي: 669. (8) فروع الكافي 2: 86. [ * ]

[ 30 ]

9 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي هارون مولي آل جعدة قال: كنت جليسا لابي عبد الله عليه السلام بالمدينة ففقدني أياما، ثم إني جئت إليه فقال: فقال لي: لم أرك منذ أيام يابا هارون، فقلت: ولد لي غلام، فقال: بارك الله لك فيه فما سميته ؟ قلت: سميته محمدا، فأقبل بخده نحو الارض وهو يقول: محمد محمد محمد، حتى كاد يلصق خده بالارض، ثم قال: بنفسي وبولدي وبامي (1) وبأبوي وبأهل الارض كلهم جميعا الفداء لرسول الله صلى الله عليه واله، لا تسبه ولا تضربه ولا تسيئ إليه، واعلم أنه ليس في الارض دار فيها اسم محمد إلا وهي تقدس كل يوم (2). 10 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن صفوان قال، كنت عند الرضا عليه السلام فعطس فقلت له: صلى الله عليك ثم عطس، فقلت: صلى الله عليك، ثم عطس، فقلت: صلى الله عليك، وقلت له: جعلت فداك إذا عطس مثلك نقول له كما يقول بعضنا لبعض: يرحمك الله، أو كما نقول، قال: نعم، أليس تقول: صلى الله على محمد وآل محمد ؟ قلت: بلي قال: ارحم محمدا وآل محمد، قال: بلى وقد صلى عليه (3) ورحمه، وإنما صلواتنا عليه رحمة لنا وقربة (4). 11 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن ابن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، وحسين بن أبي العلاء، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله فأكثروا الصلاة عليه، فإنه من صلى على النبي صلى الله عليه وآله صلاة واحدة صلى الله عليه ألف صلاة في ألف صف من الملائكة، ولم يبق شئ مما خلقه الله إلا صلى على العبد لصلاة الله عليه وصلاة ملائكته، فمن لمن يرغب في هذا فهو جاهل مغرور


(1) في المصدر: بأهلي. (2) فروع الكافي 2: 92. (3) في المصدر: وقد صلي الله. أقول: الكلام لا يخلو عن سقط ولعل الصحيح هكذا: قال: أليس تقول: ارحم محمدا وآل محمد ؟ قلت: بلى " قال: وقد صلى الله. (4) اصول الكافي 2: 653 و 654. [ * ]

[ 31 ]

قد برأ الله منه ورسوله وأهل بيته (1) 12 - كا: أبو علي الاشعري، عن الحسن بن علي، عن عبيس بن هشام، عن ثابت، عن أبى بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ذكرت عنده فنسي أن يصلي علي خطا (2) الله به طريق الجنة (3). 13 - كا: محمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل، عن محمد بن سليمان، عن هارون ابن الجهم، عن محمد بن مسلم، عن أبى جعفر عليه السلام في حديث طويل في ذكر وفاة الحسن بن على صلوات الله عليهما قال: فلما أن صلى عليه حمل فادخل المسجد فلما أوقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله بلغ عايشة الخبر، وقيل لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن بن علي عليهما السلام ليدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرجت مبادرة على بغل بسرج، فكانت أول امرأة ركبت في الاسلام سرجا، فوقفت فقالت: نحوا ابنكم عن بيتي، فإنه لا يدفن فيه شئ، ولا يهتك على رسول الله صلى الله عليه وآله حجابه، فقال لها الحسين بن علي عليه السلام: قديما هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأدخلت بيته من لا يحب رسول الله صلى الله عليه وآله قربه. وإن الله سائلك عن ذلك يا عايشة، إن أخي أمرني أن أقربه من أبيه رسول الله صلى الله عليه وآله ليحدث به عهدا، واعلمي أن أخي أعلم الناس بالله ورسوله، وأعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على رسول الله صلى الله عليه وآله ستره، لان الله تبارك وتعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " وقد أدخلت أنت بيت رسول الله صلى الله عليه وآله الرجال بغير إذنه، وقد قال الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " ولعمري لقد ضربت أنت لابيك وفاروقه عند اذن رسول الله صلى الله عليه وآله المعاول، وقال الله عزوجل: " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وآله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوي (4) " ولعمري لقد أدخل أبوك و فاروقه على رسول الله صلى الله عليه وآله بقربهما منه الاذي، وما رعيا من حقه ما أمرهما الله به على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله، إن الله حرم من المؤمنين أمواتا ما حرم منهم أحياء، وتالله يا عايشة


(1) اصول الكافي 2: 492. (2) يدل على التأكيد في الاهتمام بالصلاة عليه والتحفظ عن النسيان عنها. (3) اصول الكافي 2: 495. (4) تقدم ذكر موضع الآية وغيرها في صدر الباب. [ * ]

[ 32 ]

لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عليه السلام عند أبيه صلوات الله عليهما جائزا فيما بيننا وبين الله لعلمت أنه سيدفن وإن رغم معطسك (1). أقول: سيأتي أخبار الصلاة عليه صلى الله عليه وآله في كتاب الدعاء وآداب الزيارة في كتاب المزار، وعدم الاشراف على قبره صلى الله عليه وآله، وسائر الاداب في سائر أبواب الكتاب لا سيما في أحوال زوجاته صلى الله عليه وآله. 14 - وقال القاضي في الشفاء في ذكر عادة الصحابة في توقيره صلى الله عليه وآله قال: روى اسامة ابن شريك أتيت النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير. وقال عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ورأي من تعظيم أصحابه له، وإنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وكادوا يقتلون عليه، ولا يبصق بصاقا ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوهم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، فلما رجع إلى قريش قال: يا معشر قريش إنى أتيت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه. وعن أنس لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن يقع شعره إلا في يد رجل. وفى حديث قيلة: فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا القرفصاء ارعدت من الفرق هيبة له وتعظيما وفي حديث المغيرة: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقرعون بابه بالاظافير. وقال البراء بن عازب: لقد كنت اريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الامر فاؤخره سنين من هيبته، ثم قال: واعلم أن حرمة النبي صلى الله عليه وآله بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره صلى الله عليه وآله، وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه وسيرته ومعاملة آله وعترته وتعظيم أهل بيته وصحابته. وعن ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر المنصور مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال


(1) اصول الكافي 1: 302 و 303. [ * ]

[ 33 ]

له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله عزوجل أدب قوما فقال: " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " الآية، ومدح قوما فقال: " إن الذين يغضون أصواتهم " الآية، وذم قوما فقال: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات (1) " وإن حرمته ميتا كحرمته حيا. وقال مصعب بن عبد الله: قال مالك: ولقد كنت أرى جعفر بن محمد عليه السلام وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وآله اصفر، وما رأيت يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا على طهارة، وقد كنت اختلف (2) إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليا، وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء و العباد الذين يخشون الله عزوجل (3). 15 - ن: بالاسناد إلى دارم (4)، عن الرضا عليه السلام قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه، عن جده عليه السلام، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله في قبة، من ادم وقد رأيت بلالا الحبشي وقد خرج من عنده ومعه فضل وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فابتدره الناس، فمن أصاب منه شيئا تمسح به وجهه، ومن لم يصب منه شيئا أخذ من يدي صاحبه فمسح به وجهه، وكذلك فعل بفضل وضوء أمير المؤمنين عليه السلام (5). 16 - طب: محمد بن الحسين، عن فضالة، عن إسماعيل، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله وجعا قط إلا كان مفزعه إلى الحجامة. وقال أبو ظبية: حجمت رسول الله صلى الله عليه وآله وأعطاني دينارا وشربت دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أشربت (6) ؟ قلت: نعم، قال: وما حملك على ذلك ؟ قلت: أتبرك به قال: أخذت أمانا من الاوجاع والاسقام والفقر والفاقة، والله ما تمسك النار أبدا (7).


(1) تقدم ذكر موضع الآيات في صدر الباب. (2) اختلف إلى المكان: تردد. (3) شرح الشفاء 1: 67 - 72. (4) تقدم إسناد دارم في ج 1: 52 راجعه. (5) عيون أخبار الرضا: 227. (6) في المصدر: أشربته ؟. (7) طب الائمة: 69 و 70. [ * ]

[ 34 ]

(باب 15) * (عصمته وتأويل بعض ما يوهم خلاف ذلك) * الايات: البقرة " 2 " ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير 120. وقال تعالى: ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين 145. وقال تعالى: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين 147. آل عمران " 3 ": الحق من ربك فلا تكن من الممترين 60. وقال تعالى: ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون 128. النساء " 4 ": إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون انفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما 105 - 107. إلى قوله تعالى: ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما 112. الانعام " 6 ": وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الارض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين 35. وقال تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين * وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين 52 و 53.

[ 35 ]

الاعراف " 7 ": وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم 200. الانفال " 8 ": ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم 67 و 68. التوبة " 9 ": عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين 43. يونس " 10 ": فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين * ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين 94 و 95. هود " 11 ": فلاتك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص 109 - إلى قوله -: فاستقم كما امرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير 112. الرعد " 13 ": ولئن اتبعت أهوائهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق 37 الاسرى " 17 ": لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا 22 وقال تعالى: ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا 39. وقال سبحانه: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * وإذا لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا 73 - 75. وقال تعالى: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا * إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا 86 و 87. الحج " 22 ": وما أسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم * ليجعل ما

[ 36 ]

يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالين لفي شقاق بعيد * وليعلم الذين اوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم 52 - 54. الشعراء " 26 ":: فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين 213. القصص " 28 ": وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين * ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ انزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين * ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو 86 - 88. الاحزاب " 33 ": وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه 37. سبأ " 34 ": قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحى إلي ربي إنه سميع قريب 50. الزمر " 39 " ولقد اوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين 65. حمعسق " 42 ": أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك 24. الزخرف " 43 ": واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون 45. وقال تعالى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين 81. الجاثية " 45 ": ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يوقنون (1) * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا 18 و 19. الفتح " 48 ": ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر 2. النجم " 53 ": وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى 2 و 3. التحريم " 66 ": يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم 1.


(1) هكذا في النسخ، والصحيح كما في المصحف الشريف: لا يعلمون. [ * ]

[ 37 ]

عبس " 80 ": عبس وتولى * أن جاءه الاعمى * وما يدريك لعله يزكي * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره 1 - 12 تفسير: قوله: " لئن اتبعت أهواءهم " هذه الشرطية لا تنافي عصمته صلى الله عليه وآله، فإنها تصدق مع استحالة المقدم أيضا، والغرض منه يأسهم عن أن يتبعهم صلى الله عليه وآله في أهوائهم الباطلة، وقطع أطماعهم عن ذلك، والتنبيه على سوء حالهم، وشدة عذابهم، لان النبي مع غاية قربه في جنابه تعالى إذا كان حاله على تقدير هذا الفعل كذلك فكيف يكون حال غيره، كما ورد أنه نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة. قوله تعالى: " فلا تكونن من الممترين " قال البيضاوي: أي الشاكين في أنه هل من ربك، أو في كتمانهم الحق عالمين به، وليس المراد به نهي الرسول صلى الله عليه وآله عن الشك فيه، لانه غير متوقع منه، وليس بقصد واختيار، بل إما تحقيق الامر وأنه لا يشك فيه ناظر، أو أمر الامة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الابلغ (1). وقال في قوله تعالى: " ليس لك من الامر شئ " اعتراض " أو يتوب عليهم أو يعذبهم " عطف على قوله: " أو يكبتهم " والمعني أن الله مالك أمرهم، فإما يهلكهم، أو يكبتكم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا، وليس لك من أمرهم شئ، وإنما أنت عبد مأمور لانذارهم وجهادهم، ويحتمل أن يكون معطوفا على الامر، أو شئ بإضمار (أن) أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شئ، أو ليس لك من أمرهم شئ، أو التوبة عليهم أو تعذيبهم، وأن تكون (أو) بمعني (إلا أن) أي ليس لك من أمرهم شئ إلا أن يتوب عليهم فتسر به، أو يعذبهم فتشتفي منهم، روي أن عتبة ابن أبي وقاص شجه يوم احد وكسر رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم ؟ فنزلت، وقيل: هم أن يدعو عليهم فنهاه الله لعلمه بأن فيهم من يؤمن " فإنهم ظالمون " قد استحقوا التعذيب بظلمهم انتهى (2).


(1) أنوار التنزيل 1: 122 (2) أنوار التنزيل 1: 231. [ * ]

[ 38 ]

أقول: كون الامر في الاهلاك والتعذيب وقبول التوبة إلى الله تعالى لا ينافي عصمته صلى الله عليه وآله بوجه، وأما الخبر ان فغير ثابتين، ومع ثبوتهما أيضا لا ينافي العصمة، لان الدعاء عليهم لم يكن منهيا عنه قبل ذلك، وإنما أمره تعالى بالكف لنوع من المصلحة، وبعد النهي لم يدع عليهم، وقد أثبتنا في باب وجوب طاعته صلى الله عليه وآله الاخبار الواردة في تأويل تلك الآية. قوله تعالى: " بما أراك الله " قال الرازي في تفسيره: أي بما أعلمك الله، وسمي ذلك العلم بالرؤية لان العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور، قال المحققون: هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وآله ما كان يحكم إلا بالوحي والنص، واتفق المفسرون على أن أكثر الآيات في طعمة (1) سرق درعا، فلما طلبت الدرع منه رمى واحدا من اليهود بتلك السرقة، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وطلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود، وأن يلحق هذه الخيانة باليهودي، فهم الرسول صلى الله عليه وآله بذلك فنزلت الآية. " ولا تكن للخائنين خصيما " أي لا تكن لاجل الخائنين مخاصما لمن كان بريئا عن الذنب، يعنى لا تخاصم اليهود لاجل المنافقين، قال الطاعنون في عصمة الانبياء عليهم السلام: دلت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول صلى الله عليه وآله، فإنه لولا أن الرسول صلى الله عليه وآله أراد أن يخاصم لاجل الخائن ويذب عنه لما ورد النهي عنه، والجواب أنه صلى الله عليه وآله كان لم يفعل ذلك وإلا لم يرد النهي عنه (1)، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا من الرسول صلى الله عليه وآله أن يذب عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي فنزلت هذه الآية، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبي صلى الله عليه وآله على أن طعمة كذاب، وأن اليهودي برئ عن ذلك الجرم. فإن قيل: الدليل على أن ذلك الجرم قد وقع من النبي صلى الله عليه وآله قوله بعد هذه الآية


(1) هو طعمة بن أبيرق بن عمرو بن حارثة بن ظفر بن الخزرج بن عمرو الانصاري. (2) الموجود في المصدر: والجواب أن النهى عن الشئ لا يقتضى كون المنهى فاعلا للمنهى عنه. [ * ]

[ 39 ]

" واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما " فلما أمره الله تعالى بالاستغفار دل على سبق الذنب فالجواب من وجوه: الاول لعله مال طبعه إلى نصرة طعمة، بسبب أنه كان ظاهرا من المسلمين، فامر بالاستغفار لهذا القدر، وحسنات الابرار سيئات المقربين. الثاني: إن القوم لما شهدوا على سرقة اليهودي وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرسول صلى الله عليه وآله ما يوجب القدح في شهادتهم هم أن يقضي بالسرقة على اليهودي، ثم لما اطلعه الله على كذب هؤلاء الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع كان خطاء (1)، و استغفاره كان بسبب أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطاء في نفسه، وإن كان معذورا عند الله فيه. الثالث: قوله: " واستغفر الله " يحتمل أن يكون المراد واستغفر الله لاولئك الذين يذبون عن طعمة، ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة (2)، والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقا، والاختيان: الخيانة، وإنما قال: " يختانون أنفسهم، لان من أقدم على المعصية فقد حرم نفسه الثواب، وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه " من كان خوانا أثيما " أي طعمة، حيث خان في الدرع، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة (2). قوله تعالى: " ولولا فضل الله عليك ورحمته " أي لولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوة وبالرحمة وهي العصمة " لهمت طائفة منهم أن يضلوك " أي يلقونك في الحكم الباطل الخطاء " وما يضلون إلا أنفسهم " بسبب تعاونهم على الاثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان " وما يضرونك من شئ " فيه وجهان: أحدهما ما يضرونك من شئ في المستقبل، فوعده تعالى في هذه الآية إدامة العصمة لما يريدون (4) من إيقاعه في الباطل.


(1) في المصدر: لكان خطاءا، فكان استغفاره. (2) في المصدر: بعد ذلك: ثم قال تعالى: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما. (3) مفاتيح الغيب 3: 307 و 308. (4) في المصدر: فوعده الله تعالى في هذه الآية بادامة العصمة له مما يريدون. [ * ]

[ 40 ]

والثاني: المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل لانك بنيت الامر على ظاهر الحال، وأنت ما امرت إلا ببناء الاحكام على الظواهر " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة " فعلى الاول المعنى لما انزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات ؟ وعلى الثاني المعنى أنزل عليك الكتاب والحكمة، وأوجب فيهما بناء أحكام الشرع على الظاهر، فكيف يضرك بناء الامر على الظاهر " وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " فيه وجهان: الاول أن يكون المراد ما يتعلق بالدين، أي أنزل الله عليك الكتاب والحكمة واطلعك على سرائرهما (1)، وأوقفك على حقائقهما، مع أنك ما كنت قبل ذلك عالما بشئ منها، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك ما لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك (2). الثاني أن يكون المراد وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الاولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين، ووجوه كيدهم ما تقدر على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم انتهى ملخص كلامه (3)، وسيأتي شرح تلك القصة في باب ما جرى بينه صلى الله عليه وآله وبين المنافقين وأهل الكتاب. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وإن كان كبر عليك " أي عظم وشق إعراضهم عنك وعن الايمان بما جئت به " فإن استطعت " إلى قوله: " بآية " أي منفذا تنفذ فيه إلى جوف الارض فتطلع لهم آية أو مصعدا تصعد إلى السماء فتنزل منها آية، وجواب الشرط الثاني محذوف، تقديره فافعل، والجملة هو جواب الاول، والمقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وإنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الارض أو من فوق السماء لاتي بها رجاء إيمانهم " ولو شآء الله لجمعهم على الهدى " بأن يأتيهم بآية ملجئة، ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة " فلا تكونن من الجاهلين " بالحرص على ما لا يكون، والجزع في


(1) في المصدر: على أسرارهما وهو الصحيح (2) أزله أي حمله على الزلل. (3) مفاتيح الغيب 3: 310. [ * ]

[ 41 ]

مواطن الصبر، فإن ذلك من دأب الجهلة (1). وقال الرازي: المقصود من أول الآية أن يقطع الرسول صلى الله عليه وآله طمعه عن إيمانهم، وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الايمان، وقوله: " فلا تكونن من الجاهلين " هذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل تلك الحالة، كما أن قوله: " ولا تطع الكافرين والمنافقين " لا يدل على أنه صلى الله عليه وآله أطاعهم قبل (2)، بل المقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيبهم، ولا يجوز أن تحزن (3) من إعراضهم عنك، فإنك إن فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل (4) وقال في قوله تعالى: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " روي عن عبد الله ابن مسعود أنه قال: مر الملا من قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء عن قومك ؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم عن بيتك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فقال صلى الله عليه وآله: ما أنا بطارد المؤمنين، فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: نعم طمعا في إيمانهم، روي أن عمر قال له: لو فعلت ذلك حتى ننظر إلى ما يصيرون (5) ثم ألحوا وقالوا للرسول صلى الله عليه واله: اكتب بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة فنزلت الآية (6)، واعتذر عمر من مقالته، فقال سلمان وخباب: فينا نزلت، فكان رسول الله يقعد معنا وندنو منه حتى يمس ركبنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام، فنزل قوله: " واصبر نفسك " فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من امتي، معكم المحيا ومعكم الممات. ثم قال: احتج الطاعنون في عصمة الانبياء بهذه الآية من وجوه:


(1) أنوار التنزيل 1: 377. (2) في المصدر: وقبل دينهم. (3) في المصدر: أن تجزع. (4) مفاتيح الغيب 4: 53. (5) في المصدر: إلى ماذا يصيرون. (6) في المصدر: فدعا بالصحيفة وبعلى عليه السلام ليكتب فنزلت هذه الاية فرمى الصحيفة [ * ]

[ 42 ]

الاول: إنه صلى الله عليه وآله طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك الطرد، وكان ذلك الطرد ذنبا. والثاني: إنه تعالى قال: " فتطردهم فتكون من الظالمين " وقد ثبت أنه طردهم، فيلزم أن يقال: إنه كان من الظالمين. والثالث: إنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال: " وما أنا بطارد المؤمنين (1) " ثم إنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وآله بمتابعة الانبياء في جميع الاعمال الحسنة، إنه قال: (2) " الئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده (3) " وبهذا الطريق وجب على محمد صلى الله عليه وآله أن لا يطردهم، فلما طردهم كان ذلك ذنبا. الرابع: إنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة الكهف فزاد فيها فقال: " تريد زينة الحياة الدنيا (4) " ثم إنه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية اخرى فقال: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا (5) " فكان ذلك ذنبا. والخامس: نقل أن اولئك الفقراء كلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله بعد هذه الواقعة فكان صلى الله عليه وآله يقول: مرحبا بمن عاتبني ربي فيهم، أو لفظا هذا معناه، وذلك يدل أيضا على الذنب. والجواب عن الاول إنه صلى الله عليه وآله ما طردهم لاجل الاستخفاف بهم، والاستنكاف من فقرهم، وإنما عين (6) لجلوسهم وقتا معينا سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش،


(1) الشعراء: 114. (2) في المصدر: حيث قال. (3) الانعام: 90. (4) الكهف: 28. (5) طه: 132. (6) وقد عرفت قبلا أنه كان باشارة بعض أصحابه كعمر، وكان صلى الله عليه وآله يشاور أصحابه في الامور، وربما كان يعمل على طبق آرائهم تحبيبا لهم ومصلحة لاستجماعهم، ولعله تعالى نهاه عن ذلك إشارة إلى خطاء من كان يحرصه على ذلك. [ * ]

[ 43 ]

وكان غرضه صلى الله عليه وآله منه التلطف وإدخالهم في الاسلام، ولعله صلى الله عليه وآله كان يقول: هؤلاء الفقراء لا يفوتهم بسبب هذه أمرهم في الدنيا وفي الدين، وهؤلاء الكفار فإنهم يفوتهم الدين والاسلام، وكان ترجيح هذا الجانب أولى، فأقصى ما يقال: إن هذا الاجتهاد وقع خطأ إلا أن الخطاء في الاجتهاد مغفور. وأما قوله ثانيا: إن طردهم يوجب كونه صلى الله عليه وآله من الظالمين فجوابه أن الظلم عبارة عن وضع الشئ في غير موضعه، والمعني أن اولئك الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول صلى الله عليه وآله، فإذا طردهم عن ذلك المجلس فكان ذلك ظلما إلا أنه من باب ترك الاولى والافضل، لا من باب ترك الواجبات، وكذا الجواب عن سائر الوجوه، فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك الافضل والاكمل والاولى والاحرى انتهى كلامه (1). وأقول: جملة القول في تلك الآية أنها لا تدل على وقوع الطرد عنه صلى الله عليه وآله، ولعله صلى الله عليه وآله بعد ما ذكروا ذلك انتظر الوحي فنهاه الله تعالى عن ذلك، والاخبار الدالة على ذلك غير ثابتة فلا يحكم بها مع معارضة الادلة العقلية والنقلية الدالة على عصمته صلى الله عليه وآله، وقد تقدم بعضها في باب عصمة الانبياء عليهم السلام، ولو سلم أنه وقع منه ما ذكروه فلعله كان مأذونا في إيقاع كل ما يراه موجبا لهداية الخلق وترغيبهم في الاسلام، ولما أظهروا أنهم يسلمون عند وقوع المناوبة فعله صلى الله عليه وآله رغبة في إسلامهم، ولما علم الله أنهم لا يسلمون بذلك وإنما غرضهم في ذلك الاضرار بالمسلمين نهاه الله تعالى عن ذلك، فصار بعد النهي حراما، وإنما بين تعالى أنه لو ارتكب ذلك بعد النهي يكون من الظالمين لا قبله، وإنما أكد ذلك لقطع إطماع الكفار عن مثل ذلك، ولبيان الاعتناء بشأن فقراء المؤمنين، وأما قول نوح عليه السلام: " ما أنا بطارد المؤمنين " فلعل المراد الطرد بالكلية، أو على غير جهة المصلحة، ومن غير وعد لاسلام الكافرين معلقا عليه، أو يقال: إنه عليه السلام لعله نهاء الله عن ذلك، ولما لم ينه النبي صلى الله عليه وآله بعد كان يجوز له ذلك، وأما قوله تعالى: " فبهداهم اقتده " فليس المراد الاقتداء في جميع الامور لاختلاف الشرائع، بل المراد الاقتداء بهم في الامور التي


(1) مفاتيح الغيب 4: 71 و 72. [ * ]

[ 44 ]

لا تختلف باختلاف الملل والشرائع. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ " أي ينخسنك منه نخس، أي وسوسة تحملك على خلاف ما امرت به كاعثراء غضب وفكر (1). وقال الرازي: احتج الطاعنون في عصمة الانبياء عليهم السلام بهذه الآية وقالوا: لولا أنه يجوز من الرسول الاقدام على المعصية والذنب لم يقل له ذلك. والجواب عنه من وجوه: الاول أن حاصل هذا الكلام أنه تعالى قال: إن حصل في قلبك من الشيطان نزغ، ولم يدل ذلك على الحصول، كما أنه تعالى قال: " لئن أشركت ليحبطن عملك (2) " ولم يدل ذلك على أنه أشرك، وقال " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (3) " ولم يدل ذلك على أنه حصل فيهما آلهة. الثاني: هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس إلى الرسول صلى الله عليه وآله، إلا أن هذا لا يقدح في عصمته صلى الله عليه وآله، إنما القادح في عصمته لو قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسوسته، والآية لا تدل على ذلك، وعن الشعبي قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وآله: " ما من إنسان إلا ومعه شيطان قالوا: وأنت يارسول الله ؟ قال: وأنا، لكنه أسلم بعون الله، ولقد أتاني فأخذت بحلقه، ولولا دعوة سليمان عليه السلام لاصبحن في المسجد طريحا، " وهذا كالدلالة على أن الشيطان يوسوس إلى الرسول صلى الله عليه وآله. الثالث: هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس إليه، وأنه صلى الله عليه وآله يقبل أثر وسوسته، إلا أنا نخص هذه الحالة بترك الافضل والاولى، قال صلى الله عليه وآله: " وإنه ليران (4) على قلبي وإني لاستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة " انتهي (5).


(1) أنوار التنزيل 1: 461. (2) الزمر: 65. (3) الانبياء 22. (4) في المصدر: ليغان. أقول: أي ليغشى. (5) مفاتيح الغيب 4: 496 و 497. [ * ]

[ 45 ]

أقول: على أنه يحتمل أن يكون من قبيل الخطاب العام، أو يكون الخطاب متوجها إليه صلى الله عليه وآله والمراد به امته كما مر مرارا، وسيأتي تأويل قوله تعالى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى " في باب قصة بدر. قوله تعالى: " عفا الله عنك " قال الرازي في تفسيره: احتج بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول صلى الله عليه وآله من وجهين: الاول: أنه تعالى قال: " عفى الله عنك " والعفو يستدعي سابقة الذنب. والثاني: أنه تعالى قال: " لم أذنت لهم " وهذا استفهام بمعنى الانكار، فدل هذا على أن ذلك الاذن كان معصية. والجواب عن الاول لا نسلم أن قوله: " عفا الله عنك " يوجب الذنب " ولم لا يجوز أن يقال: إن ذلك يدل على مبالغة الله تعالى في تعظيمه وتوقيره، كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله لاعرفت حقي، فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا مزيد التبجيل و التعظيم، وقال علي بن الجهم فيما يخاطب به المتوكل وقد أمر بنفيه: عفا الله عنك ألا حرمة * يجوز بفضلك عن ابعدا والجواب عن الثاني: أن نقول: لا يجوز أن يكون المراد بقوله: " لم أذنت لهم (1) " الانكار، لانا نقول: إما أن يكون صدر عن الرسل ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر عنه ذنب، فإن قلنا: إنه ما صدر عنه امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: " لم أذنت لهم " انكارا عليه، وإن قلنا: إنه كان قد صدر عنه ذنب فقوله: " عفا الله عنك لم أذنت لهم " يدل على حصول العفو عنه، وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجه الانكار عليه، فثبت، أن على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله: " لم أذنت لهم " يدل على كون الرسول صلى الله عليه وآله مذنبا، وهذا جواب شاف قاطع، وعند هذا يحمل قوله: لم " أذنت لهم "


(1) معنى الاية: أنك لم أذنت لهم وكان الاولى أن لا تأذن لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين، وليس فيها عتاب عليه، بل فيها إشارة إلى أنك لو لم تكن أذنت لهم لكان يظهر لك المنافقون والكاذبون. [ * ]

[ 46 ]

على ترك الاولى والاكمل، لا سيما وهذه الواقعة كانت من أحسن ما يتعلق بالحروب و مصالح الدنيا انتهى (1). وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب تنزيه الانبياء: أما قوله تعالى " عفا الله عنك " فليس يقتضي وقوع معصية، ولا غفران عقاب، ولا يمتنع أن يكون المقصد (2) به التعظيم والملاطفة في المخاطبة، لان أحدنا قد يقول لغيره إذا خاطبه: أرايت رحمك الله و غفر الله لك، وهو يقصد إلى الاستصفاح له عن عقاب ذنوبه، بل ربما لم يخطر بباله أن له ذنبا، وإنما الغرض الاجمال في المخاطبة، واستعمال ما قد صار في العادة علما على تعظيم المخاطب وتوقيره، وأما قوله تعالى: " لم أذنت لهم " فظاهره الاستفهام، والمراد به التقرير واستخراج ذكر علة إذنه، وليس بواجب حمل ذلك على العتاب، لان أحدنا قد يقول لغيره: لم فعلت كذا وكذا ؟ تارة معاتبا، واخرى مستفهما، وتارة مقررا، فليست هذه اللفظة خاصة للعتاب والانكار، وأكثر ما يقتضيه وغاية ما يمكن أن يدعى فيها أن تكون دالة على أنه صلى الله عليه وآله ترك الاولى والافضل، وقد بينا أن ترك الاولى ليس بذنب، وإن كان الثواب ينقص معه، فإن الانبياء عليهم السلام يجوز أن يتركوا كثيرا من النوافل، وقد يقول أحدنا لغيره إذا ترك الندب: لم تركت الافضل ؟ ولم عدلت عن الاولى ؟ ولا يقتضي ذلك إنكارا ولا قبيحا (3) انتهي كلامه، زيد إكرامه. أقول: يجوز أن يكون إذنه صلى الله عليه وآله لهم حسنا موافقا لامره تعالى، ويكون العتاب متوجها إلى المستأذنين الذين علم الله من قبلهم النفاق، أو إلى جماعة حملوا النبي صلى الله عليه وآله على ذلك كما مر مرارا، ومن هذا القبيل قوله تعالى: " يا عيسى بن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين من دون الله (4) " ولا تنافي بين كون استيذانهم حراما وإذنه صلى الله عليه وآله بحسب ما يظهرونه من الاعذار ظاهرا واجبا أو مباحا، أو تركا للاولى


(1) مفاتيح الغيب 4 -: 651. (2) في المصدر: أن يكون المقصود به. (3) تنزيه الانبياء: 114. (4) المائدة: 116. [ * ]

[ 47 ]

قوله تعالى: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك " قال الرازي في تفسيره: اختلف المفسرون في أن المخاطب بهذا الخطاب من هو، فقيل: هو النبي صلى الله عليه وآله، وقيل: غيره، فأما من قال بالاول فاختلوا فيه على وجوه: الاول: أن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وآله في الظاهر، والمراد غيره كقوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء (1) " وكقوله: " يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين و المنافقين (2) " وكقوله: " لئن أشركت ليحبطن عملك (3) " وكقوله لعيسى عليه السلام " ءأنت قلت للناس (4) " ومن الامثلة المشهورة: إياك أعني واسمعي يا جارة، والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه: الاول: قوله تعالى في آخر السورة: " يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني (5) " فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح. والثاني: أن الرسول لو كان شاكا في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى، و هذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية. والثالث: أن بتقدير أن يكون شاكا في نبوة نفسه فكيف تزول ذلك الشك بإخبار أهل الكتاب عن نبوته ؟ مع أنهم في الاكثر كانوا كفارا، وإن حصل فيهم من كان مؤمنا، إلا أن قوله ليس بحجة، لاسيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة و الانجيل مصحف محرف، فثبت أن الحق هو أن هذا الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسول إلا أن المراد هو الامة، ومثل هذا معتاد فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير وكان تحت رأية ذلك الامير جمع فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه عليهم، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الامير الذي أمره عليهم (6)، ليكون


(1) الطلاق: 1. (2) الاحزاب: 1. (3) الزمر: 65. (4) المائدة: 116. (5) يونس: 104. (6) في المصدر: على ذلك الامير الذي جعله أميرا عليهم. [ * ]

[ 48 ]

ذلك أقوى تأثيرا في قلوبهم الثاني: أنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك، إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا الكلام فإنه يصرح ويقول: يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة، من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة، ونظيره قوله تعالى للملائكة: " أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (1) " وكما قال لعيسى عليه السلام: " ءأنت قلت (2) " والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة من ذلك فكذا هنا، والثالث: هو أن محمدا صلى الله عليه وآله كان من البشر وكان حصول الخواطر المشوشة والافكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها يزول (3) عن خاطره تلك الوسواس، ونظيره قوله تعالى: " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك (4) " وأقول: تمام التقرير في هذا الباب أن قوله: إن كنت (5) في شك فافعل كذا وكذا، قضية شرطية، والقضية الشرطية لا إشعار فيها البتة بأن الشرط وقع، أو لم يقع، ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط، فالفائدة في إنزال هذه الآية تكثير الدلائل وتقويتها بما يزيد في قوة اليقين، وطمأنينة النفس، وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة. الرابع: أن المقصود استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الايمان، وذلك لانهم طالبوه مرة بعد اخرى بما يدل على صحة نبوته، وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، فصار مانعا لهم من قبول الايمان (6)، فقال تعالى: وإن كنت في شك من من نبوتك فتمسك بالدليل الفلاني، يعني إن أولى الناس أن لا يشك في نبوته هو نفسه، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلا على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة


(1) سبأ: 40. (2) المائدة: 116. (3) في المصدر: تزول. (4) هود: 12. (5) في المصدر: فان كنت. (6) في المصدر: وذلك الاستحياء صار مانعا لهم عن قبول الايمان. [ * ]

[ 49 ]

فإنه ليس فيه عيب، ولا يحصل بسببه نقصان، فإذا لم يستقبح ذلك منه في حق نفسه فلان لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات الخامس أن يكون التقدير إنك لست بشاك البتة، ولو كنت شاكا لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك، كقوله تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (1) " و المعنى لو فرض ذلك الممتنع واقعا لزم منه المحال الفلاني، وكذلك ههنا لو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والانجيل لتعرف بهما أن هذا الشك زائل، وهذه الشبهة باطلة. السادس: قال الزجاج: إن الله تعالى خاطب الرسول صلى الله عليه وآله وهو يتناول الخلق كقوله: " إذا طلقتم النساء " قال القاضي: هذا بعيد، لانه متى قيل: الرسول داخل تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال (2). السابع: أن لفظ " إن " للنفي، يعني لا نأمرك بالسؤال لانك شاك، لكن لتزداد يقينا، كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى يقينا، وأما الوجه الثاني وهو أن يقال: هذا الخطاب ليس مع الرسول، وتقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقا ثلاثة: المصدقون به، والمكذبون له، والمتوقفون في أمره (3)، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: فإن كنت أيها الانسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد صلى الله عليه وآله فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحد الله تعالى وهو يريد الجمع،


(1) الانبياء: 22 (2) في المصدر: وهو شامل للخلق وهو كقوله " يا ايها النبي إذا طلقتم النساء " قال: وهذا أحسن الاقاويل، قال القاضى: هذا بعيد، لانه متى كان الرسول داخلا تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال، سواء اريد معه غيره أو لم يرد، وإن جاز أن يراد هو مع غيره فما الذى يمنع أن يراد بانفراده كما يقتضيه الظاهر، ثم قال: ومثل هذا التأويل يدل على قلة التحصيل انتهى أقول: الظاهر من الطبرسي أن الزجاج أراد الوجه الاول راجع مجمع البيان. (3) زاد في المصدر: الشاكون فيه. [ * ]

[ 50 ]

كما في قوله: " يا أيها الانسان ما غرك (1) * ويا أيها الانسان إنك كادح (2) " ولما ذكر لهم (3) ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلتحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون، فقال: " ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (4) " ثم اختلفوا في أن المسئول عنه من هم، فقال المحققون: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام، وعبد الله بن صوريا، وتميم الداري، وكعب الاحبار، لانهم هم الذين يوثق بخبرهم، ومنهم من قال: الكل، سواء كانوا من المسلمين أو الكفار، لانهم إذا بلغوا عدد التواتر ثم قرؤا آية من التوراة أو الانجيل وتلك الآية دالة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وآله فقد حصل الغرض. فإن قيل: إذا كان مذهبكم أن هذه الكتب قد دخلها التحريف والتغيير فكيف يمكن التعويل عليها ؟ قلت: إنما حرفوها بسبب إخفاء الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله، فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته صلى الله عليه وآله كان ذلك من أقوى الدلائل على صحة نبوته، لانها لما بقيت مع توفر دواعيهم على إزالتها دل ذلك على أنها كانت في غاية الظهور، وأما أن المقصود من ذلك السؤال معرفة أي الاشياء ففيه قولان: الاول أنه القرآن، ومعرفة نبوة الرسول صلى الله عليه وآله. والثاني: أنه رجع ذلك إلى قوله تعالى: " فما اختلفوا حتى جاءهم العلم (5) " والاول أولى لانه هو الاهم، والحاجة إلى معرفته أتم. واعلم أنه تعالى لما بين هذا الطريق قال بعده: " لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين " والمعنى ثبت عندك بالآيات والبراهين القاطعة أن ما أتاك هو


(1) الانفطار: 6. (2) الانشقاق: 6. (3) في المصدر: بعد الاية الثانية، وقوله: (فإذا مس الانسان ضر) ولم يرد في جميع هذه الايات إنسانا بعينه، بل المراد هو الجماعة، فكذا، ههنا، ولما ذكر الله تعالى لهم إه‍. (4) يونس: 95. (5) يونس: 93. [ * ]

[ 51 ]

الحق الذي لا مدخل فيه للمرية، فلا تكونن من الممترين " ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله " أي اثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك وانتفاء التكذيب، و بجوز أن يكون ذلك على سبيل التهييج وإظهار التسدد، ولذلك قال صلى الله عليه وآله عند نزوله: لا أشك ولا أسأل أشهد أنه الحق انتهى (1). وذكر الطبرسي رحمه الله أكثر تلك الوجوه، وقال بعد إيراد الوجه الاول من الوجوه الذي ذكره الرازي: وروى عن الحسن وقتادة وسعيد بن جبير أنهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله لم يشك ولم يسأل وهو المروي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام، وقال بعد إيراد الوجوه في سؤال أهل الكتاب: وقال الزهري: إن هذه الآية نزلت في السماء، فان صح ذلك فقد كفى المؤونة (2)، ورواه أصحابنا أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام، وقيل أيضا: إن المراد بالشك الضيق والشدة بما يعاينه من تعنتهم وأذاهم، أي إن ضقت ذرعا بما تلقى من أذى قومك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك كيف صبر الانبياء على أذى قومهم فاصبر كذلك (3). قوله تعالى: " فلا تك في مرية " أي في شك، وقد مر الكلام في أن النهي عن المرية لا يدل على حصولها، مع إمكان الخطاب العام. أو توجه الخطاب واقعا إلى الغير، " مما يعبد هؤلاء " أنه باطل، وأن مصير من يعبدهم إلى النار " ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل " أي من جهة التقليد بلا حجة " وإنا لموفوهم نصيبهم من العذاب غير منقوص " أي على مقدار ما يستحقونه، فآيسهم سبحانه بهذا القول عن العفو والمغفرة " فاستقم " أي على الوعظ والانذار والتمسك بالطاعة، والامر بها والدعاء إليها كما امرت في القرآن وغيره " ومن تاب معك " أي وليستقم من تاب معك من الشرك كما امروا، أو من رجع إلى الله وإلى نبيه، وقيل: استقم أنت على الاداء، وليستقيموا على القبول " ولا تطغوا " أي لا تجاوزوا أمر الله بالزيادة والنقصان فتخرجوا عن حد الاستقامة.


(1) مفاتيح الغيب 5: 26 - 28. (2) لانه صلى الله عليه وآله امر بالسؤال حينئذ عن أرواح الانبياء ومؤمني الامم الماضية (3) مجمع البيان 5: 133. [ * ]

[ 52 ]

قال الطبرسي رحمه الله: قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله آية كانت أشد عليه ولا أشق من هذه الآية، ولذلك قال لاصحابه: - حين قالوا له: أسرع إليك الشيب يارسول الله - شيبتني. هود والواقعة (1). قوله تعالى: " ولئن اتبعت أهوائهم " قد مر الكلام في مثله فلا نعيده، قال الطبرسي رحمه الله: خطاب للنبي صلى الله عليه وآله، والمراد به الامة " من ولي " أي ناصر يعينك عليه، ويمنعك من عذابه " ولا واق " يقيك منه (2) قوله تعالى: " لا تجعل مع الله إلها آخر " قال الرازي: قال المفسرون: هذا في الظاهر خطاب للنبي صلى الله عليه وآله، ولكن المعنى (3) عام لجميع المكلفين، ويحتمل ايضا أن يكون الخطاب للانسان، كأنه قيل: أيها الانسان لا تجعل مع الله إلها آخر، وهذا الاحتمال عندي أولى، لانه تعالى عطف عليه قوله: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " إلى قوله: " إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما " وهذا لا يليق بالنبي صلى الله عليه وآله، لان أبويه ما بلغا الكبر عنده، فعلمنا أن المخاطب بهذا هو نوع الانسان، وأما قوله: " فتقعد " ففيه وجوه: الاول: أن معناه المكث، أي فتمكث في الناس مذموما مخذولا، وهذا معنى شائع لهذا اللفظ في عرف العرب والقرس (4). الثاني: أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادما متفكرا على ما فرط منه. الثالث: أن المتمكن من تحصيل الخيرات يسعى في تحصيلها، والسعي إنما يتأتي بالقيام، وأما العاجز عن تحصيلها فإنه لا يسعى بل يبقى جالسا قاعدا عن الطلب (5)


(1) مجمع البيان 5: 199. (2) مجمع البيان 6: 297. (3) في المصدر: ولكن في المعنى. (4) نقل المصنف معنى قوله، وأما الفاظه فهكذا: وهذه اللفظة مستعملة في لسان العرب و الفرس في هذا المعنى، فإذا سأل الرجل غيره ما يصنع فلان في تلك البلدة ؟ فيقول المجيب: هو قاعد بأسوء حال، معناه المكث سواء كان قائما أو جالسا. (5) هنا اختصار، والموجود في المصدر: فلما كان القيام على الرجل أحد الامور التى بها يتم الفوز بالخيرات، وكان القعود والجلوس علامة على عدم تلك المكنة والقدرة لا جرم جعل القيام كناية عن القدرة على تحصيل الخيرات، والقعود كناية عن العجز والضعف. [ * ]

[ 53 ]

فالقعود كناية عن العجز والضعف، انتهى (1). والكلام في الآية الثانية كالكلام في الاولى. قوله: " مدحورا " أي مطرودا مبعدا عن رحمة الله. قوله تعالى: " وإن كادوا ليفتنونك " قال الطبرسي رحمه الله: في سبب نزوله أقوال: أحدها: أن قريشا قالت للنبي صلى الله عليه وآله: لا ندعك تستلم الحجر حتى تلم بآلهتنا، فحدث نفسه وقال: ما علي في أن ألم بها والله يعلم أني لها لكاره، ويدعونني أستلم الحجر، فنزلت، عن ابن جبير. وثانيها: أنهم قالوا: كف عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا، واطرد هؤلاء العبيد والسقاط الذين رائحتهم رائحة الضأن حتى نجالسك ونسمع منك فطمع في إسلامهم فنزلت. ثالثها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخرج الاصنام من المسجد، فطلبت إليه قريش أن يترك صنما كان على المروة، فهم بتركه ثم أمر بكسره (3) فنزلت ورواه العياشي بإسناده. ورابعها: أنها نزلت في وفد ثقيف قالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال: لا تنحني، يعنون الصلاة (4)، ولا تكسر أصنامنا بأيدينا، وتمتعنا باللات سنة، فقال صلى الله عليه وآله: لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود، فأما كسر أصنامكم بأيديكم فذاك لكم، وأما الطاغية اللات (5) فإني غير ممتعكم بها، وقام رسول الله صلى الله عليه وآله وتوضأ، فقال عمر: ما بالكم آذيتم رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ إنه لا يدع الاصنام في أرض العرب، فما زالوا به حتى أنزل الله هذه الآيات عن ابن عباس. وخامسها: أن وفد ثقيف قالوا: أجلنا سنة حتى نقبض ما يهدى لآلهتنا، فإذا


(1) مفاتيح الغيب 5: 381 و 382. (2) ألم بالقوم وعلى القوم: أتاهم فنزل بهم وزارهم زيارة غير طويلة. (3) في المصدر: ثم أمر بعد بكسره. (4) في المصدر: لا ننحنى بفنون الصلاة. (5) في المصدر: وأما الطاعة للات. [ * ]

[ 54 ]

قبضنا ذلك كسرناها وأسلمنا، فهم بتأجيلهم فنزلت عن الكلبي، فقال: " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك " إن مخففة عن الثقيلة، والمعنى أن المشركين هموا و قاربوا أن يزيلوك ويصرفوك عن حكم القرآن " لتفتري علينا غيره " أي لتخترع علينا غير ما أوحيناه إليك، والمعنى لتحل محل المفتري، لانك تخبر أنك لا تنطق إلا عن وحي، فإذا اتبعت أهوائهم أوهمت أنك تفعله بأمر الله فكنت كالمفتري " وإذا لاتخذوك خليلا " أي لتولوك وأظهروا صداقتك (1) " ولولا أن ثبتناك " أي ثبتنا قلبك على الحق والرشد بالنبوة والعصمة والمعجزات، وقيل: بالالطاف الخفية " لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " أي لقد قاربت أن تسكن إليهم بعض السكون، يقال: كدت أفعل كذا، أي قاربت أن أفعله ولم أفعله، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله قوله: " وضع عن امتي ما حدثت به نفسها ما لم يعمل به أو يتكلم " قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم والله أعلم بنيته، ثم توعده سبحانه على ذلك لو فعله فقال: " إذا لاذقناك ضعف الحيات وضعف الممات " أي لو فعلت ذلك لعذبناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات (2)، لان ذنبك أعظم، وقيل: المراد بالضعف العذاب المضاعف ألمه، قال ابن عباس: رسول الله صلى الله عليه وآله معصوم، ولكن هذا تخفيف لامته لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شئ من أحكام الله وشرائعه " ثم لا تجد لك علينا نصيرا " أي ناصرا ينصرك (3). وقال الرازي: احتج الطاعنون في عصمة الانبياء عليهم السلام بهذه الآية بوجوه:


(1) فيه حذف واختصار والموجود في المصدر هكذا معناه وإنك لو أجبتهم إلى ما طلبوا منك لتولوك وأظهروا خلتك أي صداقتك لموافقتك معهم، وقيل: من الخلة التى، هي الحاجة أي فقيرا محتاجا إليهم، والاول أوجه. (2) في المصدر: أي مثلى ما نعذب به المشرك في الدنيا، ومثلى ما نعذب به المشرك في الاخرة لان ذنبك يكون أعظم. (3) مجمع البيان 6: 431 و 432 أقول: الاية وأمثالها تدل على انه تعالى امتن عليه باعطائه ملكة العصمة وتثبيته بها عن الوقوع في المعاصي: ولولا أن الله عصمه، وتركه على حالة البشرية وطبعها لركن إليهم قليلا، فليس فيها دلالة على صدور ذنب أو مقاربته له. [ * ]

[ 55 ]

الاول: أنها دلت على أنه صلى الله عليه وآله قرب من أن يفتري على الله، والفرية على الله من أعظم الذنوب. الثاني: أنها تدل على أنه لولا أن الله تعالى ثبته وعصمه لقرب أن يركن إلى دينهم. الثالث: أنه لولا سبق جرم وجناية لم يحتج إلى ذكر هذا الوعيد الشديد. والجواب عن الاول: أن (كاد) معناه المقاربة، فكان معنى الآية أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا لا يدل على الوقوع. وعن الثاني أن كلمة (لولا) تفيد انتفاء الشئ، لثبوت غيره، تقول: لولا علي لهلك عمر، ومعناه أن وجود علي عليه السلام منع من حصول الهلاك لعمر، فكذلك ههنا فقوله: " ولولا أن ثبتناك " معناه لولا حصل تثبيت الله لك يا محمد، فكان تثبيت الله مانعا من حصول ذلك الركون. وعن الثالث أن التهديد على المعصية لا يدل على الاقدام عليها، والدليل عليه آيات منها قوله تعالى: " ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين (1) " الآيات، وقوله تعالى: " لئن أشركت (2) " وقوله: " ولا تطع الكافرين (3) " انتهى (4). وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك " يعني القرآن، ومعناه إني أقدر أن آخذ ما أعطيتك كما منعته غيرك، ولكن دبرتك بالرحمة لك فأعطيتك ما تحتاج إليه، ومنعتك ما لا تحتاج إلى النص عليه (5) " ثم لا تجد لك به علينا وكيلا " أي ثم لو فعلنا ذلك لم تجد علينا وكيلا يستوفي ذلك منا (6).


(1) الحاقة: 44. (2) الزمر: 65. (3) الاحزاب: 1. (4) مفاتيح الغيب 5: 420. (5) زاد في المصدر بعد ذلك: وإن توهم قوم أنه مما تحتاج إليه فتدبر أنت بتدبير ربك وارض بما اختاره لك. 6) مجمع البيان 6: 438. [ * ]

[ 56 ]

قوله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك " قال الرازي: ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول لما رأى إعراض قومه عنه شق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد (1) من أندية قريش كثير أهله، وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شئ ينفروا عنه، وتمنى ذلك فأنزل تعالى سورة " النجم (2) إذا هوى " فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بلغ " أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى " ألقى الشيطان على لسانه " تلك الغرانيق (3) العلى * منها الشفاعة ترتجى " فلما سمعت قريش فرحوا، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله في قراءته وقرأ السورة كلها فسجد المسلمون لسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد ابن المغيرة وسعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة (4) من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها، لانهما كانا شيخين كبيرين لم يستطيعا السجود، وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: ماذا صنعت ؟ تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله ؟ وقلت: ما لم أقل


(1) النادى: المجلس. (2) في المصدر: والنجم. (3) في النهاية: الغرانيق ههنا الاصنام، وهى في الاصل: الذكور من طير الماء واحدها غرنوق وغرنيق، سمى به لبياضه، وقيل: هو الكركي، والغرنوق أيضا الشاب الناعم الابيض، وكانوا يزعمون أن الاصنام تقربهم من الله وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التى تعلو في السماء وترتفع انتهى أقول: حديث الغرانيق من الخرافات التى روتها العامة، وهو موضوع مما لا أصل له، والعجب من علماء أهل السنة كيف رووه في كتبهم وفيه إزراء شنيع للرسول المطهر صلى الله عليه وآله وهتك لقداسته وحرمته، فكيف يجوز لمسلم آمن بالله وعرف رسوله وصدقه أن يتفوه بمثل هذا الكلام في حق النبي الذى لا ينطق إلا عن الوحى ولا يفعل إلا ما فيه رضا الرب، فلو كان يثبت ذلك فهل يمكن أن يعتمد على قول من هذا قوله وفعاله، أليس يشك كل من سمع منه حكما من أحكام الدين في أنه هل اوحى إليه بذلك أو ألقى الشيطان في امنيته، نعوذ بالله من الضلال والخذلان واتباع وساوس الشيطان. (4) الحفنة: ملء الكفين. وفى المصدر: أخذا حفنة من التراب من البطحاء. [ * ]

[ 57 ]

لك ؟ فحزن رسول الله صلى الله عليه وآله حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا عظيما حتى نزل قوله: " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " الآية، هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين وأما أهل التحقيق فقد قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا بالقرآن والسنة والمعقول، أما القرآن فوجوه: أحدها: قوله تعالى: " ولو تقول علينا بعض الاقاويل * لاخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين " (1). وثانيها: " قل ما يكون لي أن ابدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي (2) ". وثالثها: قوله: " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى (3) " فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلى لكان قد أظهر (4) كذب الله تعالى في الحال، و ذلك لا يقول به مسلم. ورابعها: قوله تعالى: " وإن كادوا ليفتنونك (5) " وكاد معناه قرب أن يكون الامر كذلك مع أنه لم يحصل. وخامسها: قوله: " ولولا أن ثبتناك (6) " وكلمة لولا تفيد انتفاء الشئ لانتفاء غيره، فدل على أن الركون القليل لم يحصل. وسادسها: قوله: " كذلك لنثبت به فؤادك (7) ". وسابعها: قوله: " سنقرئك فلا تنسى (8) ".


(1) الحاقة: 44 - 46. (2) يونس: 15. (3) النجم: 3 و 4. (4) في المصدر: وغير نسخة المصنف: قد ظهر. (5) الاسراء: 73. (6) الاسراء: 74. (7) الفرقان: 32. (8) الاعلى: 6. [ * ]

[ 58 ]

وأما السنة فهي أنه روي عن محمد بن إسحاق بن (1) خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف فيه كتابا. وقال الامام أبو بكر البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أنه صلى الله عليه وآله قرأ سورة (والنجم) وسجد فيها المسلمون والمشركون والانس والجن وليس فيه حديث الغرانيق (2)، وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من جوز على الرسول صلى الله عليه وآله تعظيم الاوثان فقد كفر، لان من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه صلى الله عليه وآله كان في نفي الاوثان. وثانيها: أنه صلى الله عليه وآله ما كان يمكنه في أول الامر أن يصلي ويقرأ القرآن عند الكعبة آمنا لاذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه، وإنما كان يصلي إذا لم يحضروها ليلا أو في أوقات خلوة، وذلك يبطل قولهم. وثالثها: أن معاداتهم للرسول صلى الله عليه وآله كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القرءة دون أن يقفوا على حقيقة الامر، فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجدا مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم. ورابعها: قوله: " فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته " وذلك أن إحكام (3) الآيات بإزالة تلقية الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تنتفي الشبهة (4) معها، فإذا أراد الله تعالى إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنا فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلا أولى. وخامسها: وهو أقوى الوجوه أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الامان عن شرعه، وجوزنا


(1) استظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: ابن جرير أقول: الموجود في المصدر ما هو في المتن. (2) ولعل البخاري قطع الحديث فأورد موضوع السجدة فقط يؤيد ذلك قوله: والمشركون. (3) في المصدر: وذلك لان إحكام الايات بازالة ما يلقيه الشيطان. (4) في المصدر: تبقى الشبهة. [ * ]

[ 59 ]

في كل واحد من الاحكام والشرائع أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: " بلغ ما انزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس (1) " فإنه لا فرق بين النقصان عن الوحي، وبين الزيادة فيه، فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الاجمال أن هذه القصة موضوعة، أكثر ما في الباب أن جمعا من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية المتواترة، ولنشرع الآن في التفصيل فنقول: التمني جاء في اللغة لامرين: أحدهما: تمني القلب، والثاني: القراءة، قال الله تعالى: " ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني (2) " أي إلا قرءة، لان الامي لا يعلم القرآن من المصحف، وإنما يعلمه قراءة، وقال حسان: تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخرها لاقى الحمام المقادر فأما إذا فسرنا بالقراءة (3) ففيه قولان: الاول: إنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يسهو الرسول فيه ويشتبه على القارئ، دون ما رووه من قوله: تلك الغرانيق العلى. الثاني: المراد فيه وقوع هذه الكلمة في قراءته، ثم اختلف القائلون بهذا على وجوه: الاول: أن النبي صلى الله عليه وآله لم يتكلم بقوله: تلك الغرانيق العلى، ولا الشيطان تكلم به، ولا أحد تكلم به لكنه صلى الله عليه وآله لما قرأ سورة النجم اشتبه الامر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه ما رووه، وذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال، وهو ضعيف لوجوه: أحدها أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما قد جرت العادة بسماعه، فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه. وثانيها: أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض، فإن العادة


(1) المائدة: 67. (2) البقرة: 78. (3) في المصدر: فالحاصل أن الامنية اما القراءة واما الخاطر، أما إذا فسرناها بالقراءة. [ * ]

[ 60 ]

مانعة من اتفاق الجمع العظيم في الساعة الواحدة على حال واحدة (1) في المحسوسات. وثالثها: لو كان كذلك لم يكن مضافا إلى الشيطان. الوجه الثاني: قالوا: إن ذلك الكلام كلام شيطان الجن، وذلك بأن تكلم بكلام من تلقاء نفسه أوقعه في درج تلك التلاوة (2) ليظن أنه من جنس الكلام المسموع من الرسول، قالوا: والذي يؤكده أنه لا خلاف أن الجن (3) والشياطين متكلمون، فلا يمتنع أن يأتي الشيطان بصوت مثل صوت الرسول صلى الله عليه وآله فيتكلم بهذه الكلمات في أثناء كلام الرسول صلى الله عليه وآله، وعند سكوته، فإذا سمع الحاضرون ظنوا أنه كلام الرسول (4) ثم لا يكون هذا قادحا في النبوة لما لم يكن فعلا له، وهذا أيضا ضعيف، فإنك إذا جوزت أن يتكلم الشيطان في أثناء كلام الرسول صلى الله عليه وآله بما يشتبه على السامعين كونه كلاما للرسول بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول، فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع (5). فإن قيل: هذا الاحتمال قائم في الكل، ولكنه لو وقع لوجب في حكمة الله أن يشرح الحال فيه، كما في هذه الواقعة، إزالة للتلبيس. قلنا: لا يجب على الله إزالة الاحتمالات كما في المتشابهات، وإذا لم يجب على الله ذلك يمكن الاحتمال في الكل. الوجه الثالث: أن يقال: المتكلم بذلك بعض شياطين الانس وهم الكفرة، فإنه صلى الله عليه وآله لما انتهي في قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها فقال بعض من حضر: تلك الغرانيق العلى، فاشتبه الامر على القوم لكثرة لغط (6) القوم، وكثرة صياحهم وطلبهم تغليطه، وإخفاء قراءته، ولعل


(1) في المصدر: على خيال واحد فاسد في المحسوسات. (2) في المصدر: أوقعه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته. (3) في المصدر: لا خلاف في أن الجن. (4) في المصدر: فإذا سمع الحاضرون تلك الكلمة بصوت مثل صوت الرسول صلى الله عليه وآله وما رأوا شخصا آخر ظن الحاضرون أنه كلام الرسول. (5) مضافا إلى أنه يجب على النبي صلى الله عليه وآله بعد ذلك ازالة الشبهة وبيان الحق. (6) اللغط: الصوت والجلبة، أو أصوات مبهمة لا تفهم [ * ]

[ 61 ]

ذلك في صلاته، لانهم كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلغون فيها، وقيل: إنه صلى الله عليه وآله كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام في تلك الوقفات، فتوهم القوم أنه من قراءة الرسول صلى الله عليه وآله، ثم أضاف الله ذلك إلى الشيطان لانه بوسوسته يحصل أولا، أو لانه سبحانه جعل ذلك المتكلم نفسه شيطانا، وهذا أيضا ضعيف لوجهين (1): أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وآله إزالة الشبهة وتصريح الحق، وتبكيت ذلك القائل، وإظهار أن هذه الكلمة منه صدرت، ولو فعل ذلك (2) كان ذلك أولى بالنقل فإن قيل: إنما لم يفعل الرسول صلى الله عليه وآله ذلك لانه كان قد أدى السورة بكمالها إلى الامة دون هذه الزيادة، فلم يكن ذلك مؤديا إلى التلبيس كما لم يؤد سهوه في الصلاة بعد أن وصفها إلى اللبس قلنا: إن القرآن لم يكن مستقرا على حالة واحدة في زمن حياته، لانه كان تأتيه الآيات فيلحقها بالسور، فلم يكن تأدية تلك السورة بدون هذه الزيادة سببا لزوال اللبس، وأيضا فلو كان كذلك لما استحق العقاب (3) من الله على ما رواه القوم. الوجه الرابع: وهو أن المتكلم بهذا هو الرسول صلى الله عليه وآله، ثم إن هذا يحتمل ثلاثة أوجه: فإنه إما أن يكون قال هذه الكلمة سهوا، أو قسرا، أو اختيارا، أما الاول فكما يروى عن قتادة ومقاتل أنه صلى الله عليه وآله كان يصلي عند المقام (4)، فسها وجرى على لسانه هاتان الكلمتان (5)، فلما فرغ من السورة سجد وسجد كل من في المسجد، وفرح المشركون مما سمعوا، فأتاه جبرئيل عليه السلام فاستقرأه، فلما انتهى إلى الغرانيق قال:


(1) مضافا إلى ما مر من الاشكال. مع أن ذلك نوع تسلط من الشيطان عليه صلى الله عليه وآله ويأتى انه لا سلطان له عليه. (2) في المصدر: وثانيهما: لو فعل ذلك لكان. (3) استظهر المصنف في الهامش أن الصواب (العتاب) أقول: " هو كذلك، والمصدر أيضا يؤيده (4) في المصدر فنعس وجرى على لسانه. (5) حديث سهوه صلى الله عليه وآله في الصلاة مما أطبقت الشيعة على خلافه. [ * ]

[ 62 ]

لم آتك بهذا، فحزن رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن نزلت هذه الآية، وهذا أيضا ضعيف من وجوه: أحدها: أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع، وحينئذ تزول الثقة عن الشرع. وثانيها: أن الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الالفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها ومعناها، فإنا نعلم بالضرورة أن واحدا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها. وثالثها: هب أنه تكلم بذلك سهوا، فكيف لم ينتبه (2) لذلك حين قرأها على جبرئيل عليه السلام وذلك ظاهر. وأما الوجه الثاني فهو أنه صلى الله عليه وآله تكلم قسرا بذلك فهو الذي قال قوم: إن الشيطان أجبر النبي صلى الله عليه وآله على التكلم به، وهذا أيضا فاسد لوجوه: أحدها: أن الشيطان لو قدر على ذلك في حق النبي صلى الله عليه وآله لكان اقتداره علينا أكثر، فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين، ولجاز في أكثر ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشيطان. وثانيها: أن الشيطان لو قدر على هذا الاجبار لارتفع الامان عن الوحي، لقيام هذا الاحتمال. وثالثها: أنه باطل بدلالة قوله تعالى حاكيا عن الشيطان: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم (3) " وقال تعالى: " إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه (4) " وقال: " إلا عبادك منهم المخلصين (5) " ولاشك أنه صلى الله عليه وآله كان سيد المخلصين. وأما الوجه الثالث وهو أنه صلى الله عليه وآله تكلم بذلك اختيارا وههنا وجهان:


(1) هكذا في نسخة المصنف، والصواب كما في غيرها وفى المصدر: لم يتنبه. (3) ابراهيم: 22. (4) النحل 99 و 100. (5) الحجر: 40. [ * ]

[ 63 ]

أحدهما: أن نقول: إن هذه الكلمة باطلة. والثاني: أن نقول: إنها ليست كلمة باطلة، أما على الوجه الاول فذكروا فيه طريقين: الاول قال ابن عباس في رواية عطاء: إن شيطانا يقال له: الابيض أتاه على صورة جبرئيل عليه السلام، وألقى عليه هذه الكلمة فقرأها، فسمع المشركون ذلك و أعجبهم، فجاءه جبرئيل عليه السلام واستعرضه، فقرأ السورة فلما بلغ إلى تلك الكلمة قال جبرئيل عليه السلام: أنا ما جئتك بهذه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه أتاني آت على صورتك فألقاه (1) على لساني. الطريق الثاني: قال بعض الجهال إنه صلى الله عليه وآله لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه، ثم رجع عنها، وهذان القولان لا يرغب فيهما مسلم البتة، لان الاول يقتضي أنه صلى الله عليه وآله ما كان يميز بين الملك المعصوم، والشيطان الخبيث. والثاني: يقتضي أنه كان خائنا في الوحي، وكل واحد منهما خروج عن الدين. وأما الوجه الثاني: وهو أن هذه الكلمة ليست باطلة، فههنا أيضا طرق: الاول: أن يقال: الغرانيق هم الملائكة وقد كان ذلك قرآنا منزلا في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته. الثاني: أن يقال: إن المراد منه الاستفهام على سبيل الانكار، فكأنه قال: أشفاعتهن ترتجى ؟ الثالث: أنه تعالى ذكر الاثبات وأراد النفي كقوله تعالى: " يبين الله لكم أن تضلوا (2) " أي لا تضلوا، كما يذكر النفي ويريد به الاثبات كقوله تعالى: " قل تعالوا أتل ما حرم عليكم ربكم أن لا تشركوا به (3) " والمعنى أن تشركوا، وهذان الوجهان الاخيران يعترض عليهما بأنه لو جاز ذلك بناء على هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر في جملة القرآن، أو في الصلاة بناء على التأويل، ولكن الاصل في الدين أن


(1) في المصدر: فألقاها. (2) النساء: 176. (3) الانعام: 151، والصحيح كما في المصحف الشريف والمصدر: حرم ربكم عليكم. [ * ]

[ 64 ]

لا نجوز عليهم شيئا من ذلك (1)، لان الله تعالى قد نصبهم حجة، واصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن في ذلك أو ينفر، ومثل ذلك في النفر أعظم من الامور التي جنبه الله تعالى (2) كنحو الكتابة والفظاظة وقول الشعر، فهذه الوجوه المذكورة في قوله: تلك الغرانيق العلى، وقد ظهر على القطع كذبها، فهذا كله إذا فسرنا التمني بالتلاوة، أما إذا فسرناها بالخاطر وتمني القلب فالمعنى أن النبي صلى الله عليه وآله متى تمنى بعض ما يتمناه من الامور وسوس الشيطان إليه بالباطل، ويدعوه إلى ما لا ينبغي، ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته، ثم اختلفوا في كيفية تلك الوسوسة على وجوه: أحدها: أنه ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم (3)، قالوا: إنه صلى الله عليه وآله كان يحب أن يتألفهم، وكان يتردد (4) ذلك في نفسه، فعند ما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه، وهذا أيضا خروج عن الدين وبيانه ما تقدم. وثانيها: ما قال مجاهد من أنه صلى الله عليه وآله كان يتمنى إنزال الوحي عليه على سرعة دون تأخير فنسخ الله ذلك بأن عرفه أن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل وغيرها. وثالثها: يحتمل أنه صلى الله عليه وآله عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله إذا كان محتملا (5) فيلقي الشيطان في جملته ما لم يرده، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالابطال ويحكم ما أراده بأدلته وآياته. ورابعها: معنى الآية إذا تمنى أراد فعلا تقربا إلى الله (6) ألقى الشيطان في ذكره (7)


(1) في المصدر: أن لا يجوز عليهم شئ من ذلك. (2) في المصدر: حثه الله تعالى على تركها. (3) في المصدر: من ذكر آلهتهم بالثناء. (4) في المصدر: كان يردد ذلك. (5) في المصدر: إذا كان مجملا. (6) في المصدر: مقربا إلى الله. (7) فكرته خ ل وفى المصدر: فكره. [ * ]

[ 65 ]

ما يخالفه، فيرجع إلى الله في ذلك، وهو كقوله " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (1) " وكقوله تعالى: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله (2) " ومن الناس من قال: لا يجوز حمل الامنية على تمني القلب، لانه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول الله صلى الله عليه وآله فتنة للكفار، وذلك يبطله قوله: " ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ". والجواب: لا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به، فحصل به السهو في الافعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار انتهى كلامه (3). وقال السيد المرتضى قدس الله الله روحه في التنزيه بعد نقل بعض الروايات السابقة: قلنا: أما الآية فلا دلالة في ظاهرها على هذه الخرافة التي قصوا بها (4)، وليس يقتضي الظاهر إلا أحد أمرين: إما أن يريد بالتمني التلاوة كما قال حسان (5)، أو تمني القلب، فإن أراد التلاوة كان المراد أن من ارسل قبلك من الرسل كان إذا تلاما يؤديه إلى قومه حرفوا عليه وزادوا فيما يقوله ونقصوا، كما فعلت اليهود في الكذب على نبيهم عليه السلام، فأضاف ذلك إلى الشيطان، لانه يقع بوسوسته وغروره، ثم بين أن الله تعالى يزيل ذلك ويدحضه (6) بظهور حججه وينسخه، ويحسم (7) مادة الشبهة به، وإنما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج التسلية له صلى الله عليه وآله، لما كذب المشركون عليه، وأضافوا إلى تلاوته من مدح آلهتهم ما لم يكن فيها، وإن كان المراد تمني القلب فالوجه في الآية أن الشيطان - متى تمنى بقلبه (8) بعض ما يتمناه من الامور - يوسوس إليه بالباطل، ويحدثه


(1) الاعراف: 201. (2) الاعراف: 200. (3) مفاتيح الغيب 6: 165 - 168. أقول: أكثر ما ذكره من الوجوه مأخوذ من السيد المرتضى قدس سره مع تفصيل راجع تنزيه الانبياء، وما أخرجه المصنف بعد ذلك. (4) في المصدر: قصوها. (5) في المصدر: كما قال حسان بن ثابت: تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخرها لاقى الحمام المقادر (6) دحض الحجة: أبطلها. (7) حسمه: قطعه مستأصلا اياه فانقطع. (8) في المصدر: متى تمنى النبي بقلبه [ * ]

[ 66 ]

بالمعاصي، ويغريه (1) بها ويدعوه إليها، وإن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان وعصيانه، وترك استماع غروره، فأما الاحاديث المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمنت ما قد نزهت العقول الرسل عليهم السلام عنه، هذا لو لم تكن في أنفسها مطعونة مضعفة (2) عند أصحاب الحديث بما يستغنى عن ذكره، وكيف يجيز ذلك على النبي صلى الله عليه وآله من يسمع الله يقول: " كذلك لنثبت به فؤادك (3)، يعني القرآن، وقوله تعالى: " ولو تقول علينا (4) " الآيات، وقوله تعالى: " سنقرئك فلا تنسى (5) " على أن من يجيز السهو على الانبياء عليهم السلام يجب أن لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية المنكرة، لما فيه (6) من غاية التنفير عن النبي صلى الله عليه وآله، لان الله تعالى قد جنب نبيه صلى الله عليه وآله من الامور الخارجة عن باب المعاصي، كالغلظة والفظاظة وقول الشعر وغير ذلك مما هو دون مدح الاصنام المعبودة دون الله تعالى، على أنه صلى الله عليه وآله لا يخلو - وحوشي مما قرف به (7) - من أن يكون تعمد ما حكوه وفعله قاصدا، أو فعله ساهيا، ولا حاجة بنا إلى إبطال القصد في هذا الباب والعمد لظهوره، وإن كان فعله ساهيا فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الالفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها، ثم بمعنى ما تقدمها من الكلام، لانا نعلم ضرورة أن شاعرا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها، وفي معنى البيت الذي تقدمه، وعلى الوجه الذي يقتضيه فائدته، وهو مع ذلك يظن أنه من القصيده التي ينشدها، وهذا ظاهر في بطلان هذه الدعوى على النبي صلى الله عليه وآله (8) على أن بعض أهل العلم قد قال: يمكن أن يكون وجه التباس الامر أن رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) أي يحضه بها. (2) في المصدر: ضعيفة. (3) الفرقان: 32. (4) الحاقة: 44. (5) الاعلى: 6. (6) في المصدر: لما فيها. (7) أي اتهم به بالبناء للمفول. وفى المصدر: قذف به. (8) في المصدر: هنا زيادة هي: على أن الموحى إليه من الله النازل بالوحى وتلاوة القرآن جبرئيل عليه السلام، وكيف يجوز السهو عليه ؟ [ * ]

[ 67 ]

لما تلا هذه السورة في ناد غاص بأهله (1) وكان أكثر الحاضرين من قريش المشركين، فانتهى إلى قوله تعالى: " أفرأيتم اللات والعزى " وعلم من قرب من مكانه من قريش أنه سيورد بعدها ما يقدح فيهن قال كالمعارض (2) له والراد عليه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى: فظن كثير من حضر (3) أن ذلك من قوله صلى الله عليه وآله، واشتبه عليه (4) الامر، لانهم كانوا يلفظون (5) عند قراءته صلى الله عليه وآله ويكثر كلامهم وضجاجهم طلبا لتغليطه وإخفاء قراءته، ويمكن أن يكون هذا أيضا في الصلاة لانهم كانوا يقربون منه في حال صلاته عند الكعبة، ويسمعون قراءته ويلغون فيها، وقيل ايضا: إنه صلى الله عليه وآله كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات، وأتي بكلام على سبيل الحجاج لهم، فلما تلا: " أفرأيتم اللات والعزى * ومنات الثالثة الاخرى " قال صلى الله عليه وآله: تلك الغرانيق العلى ومنها الشفاعة ترتجى ؟ على سبيل الانكار عليهم، وأن الامر بخلاف ما ظنوه من ذلك وليس يمتنع أن يكون هذا في الصلاة، لان الكلام في الصلاة حينئذ كان مباحا، وإنما نسخ من بعد، وقيل: إن المراد بالغرانيق الملائكة وقد جاء مثل هذا في بعض الحديث فتوهم المشركون أنه يريد آلهتهم، وقيل: إن ذلك كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة، تلاه الرسول صلى الله عليه وآله، فلما ظن المشركون، أن المراد به آلهتهم نسخت تلاوته، وكل هذا يطابق ما ذكرناه من تأويل قوله تعالى: " إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته " لان بغرور الشيطان ووسوسته اضيف إلى تلاوته صلى الله عليه وآله ما لم يرده بها، وكل هذا واضح بحمد الله (6) انتهى. وقال القاضي عياض في الشفاء بعد توهين الحديث والقدح في سنده بوجوه شتى:


(1) غص المكان بهم: امتلا وضاق عليهم. (2) في المصدر: وعلم من قرب مكانه منه من قريش أنه سيورد بعدها ما يسوؤهم به فيهن، قال كالمعارض. (3) في المصدر: كثير ممن حضر. (4) في المصدر: واشتبه عليهم. (5) يلغطون خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) تنزيه الانبياء: 107 - 109. [ * ]

[ 68 ]

وقد قررنا بالبرهان والاجماع عصمته صلى الله عليه وآله من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا، أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان، أو أن يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه، ثم قال: ووجه ثان وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا، وذلك أن الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتيام متناقض الاقسام (1)، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي صلى الله عليه وآله ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد قريش من المشركين (2) ممن يخفى عليه ذلك، و هذا لا يخفى (3) على أدنى متأمل، فكيف بمن رجح حلمه (4)، واتسع في باب البيان و معرفة فصيح الكلام علمه. ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب و الجهلة من المسلمين نفورهم لاول وهلة وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وآله لاقل فتنة، و ارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الاسلام لادنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الاصل، ولو كان ذلك لوجدت قريش (5) على المسلمين الصولة، ولاقامت بها اليهود عليهم الحجة كما فعلوه مكابرة في قضية الاسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة، وكذلك ما روي في قصة القضية ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب (6) للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، فما روي عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها شبهة (7) فدل على بطلها واجتثاث أصلها ثم ذكر أكثر الوجوه التي ذكرها السيد والرازي (8).


(1) في المصدر: ان هذا الكلام لو كان صحيحا لكان بعيد الالتيام، لكونه متناقض الاقسام. (2) في المصدر: وصناديد المشركين. (3) في المصدر: وهذا مما لا يخفى. (4) في المصدر: فكيف ممن رجح حلمه. في المصدر: لوجدت قريش بها. (6) شغب القوم وبهم وعليهم: هيج الشر عليهم. (7) في المصدر: ولاعن مسلم ببنت شفة أقول: بنت شفة: الكلمة. (8) شرح الشفاء 2: 229 - 231. [ * ]

[ 69 ]

وقال الطبرسي رحمه الله بعد نقل ملخص كلام السيد: وقال البلخي: ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله سمع هاتين الكلمتين من قومه وحفظهما، فلما قرأها ألقاهما الشيطان في ذكره، فكاد أن يجريها على لسانه فعصمه الله ونبهه، ونسخ وسواس الشيطان وأحكم آياته بأن قرأها النبي صلى الله عليه وآله محكمة سليمة مما أراد الشيطان، والغرانيق جمع غرنوق وهو الحسن الجميل، يقال: شاب غرنوق وغرانق: إذا كان ممتليا ريانا " ثم يحكم آياته " أي يبقي آياته ودلائله وأوامره محكمة لا سهو فيها ولا غلط " ليجعل ما يلقي الشيطان " إلى قوله: " والقاسية قلوبهم " أي ليجعل ذلك تشديدا في التعبد، وامتحانا على الذين في قلوبهم شك، وعلى الذين قست قلوبهم من الكفار، فيلزمهم الدلالة على الفرق بين ما يحكمه الله وبين ما يلقيه الشيطان " لفي شقاق بعيد " أي في معاداة ومخالفة بعيدة عن الحق " وليعلم الذين اوتوا العلم " بالله وتوحيده وحكمته " أنه الحق من ربك " أي أن القرآن حق لا يجوز عليه التغيير والتبديل " فيؤمنوا به " أي فيثبتوا على إيمانهم، وقيل: يزدادوا إيمانا (1) " فتخبت له قلوبهم " أي تخشع وتتواضع لقوة إيمانهم (2). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " فلا تدع مع الله ": المراد به سائر المكلفين، وإنما أفرده بالخطاب ليعلم أن العظيم الشأن إذا اوعد فمن دونه كيف حاله، وإذا حذر هو فغيره أولى بالتحذير (3). قوله تعالى: " وما كنت ترجو " قال الرازي: في كلمة " إلا " وجهان: أحدهما أنها للاستثناء، ثم قال صاحب الكشاف: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما القي إليك الكتاب إلا رحمة من ربك، ويمكن أيضا إجراؤه على ظاهره، أي وما كنت ترجو إلا أن يرحمك الله رحمة فينعم عليك بذلك، أي وما كنت ترجو إلا على هذا الوجه. والثاني: أن " إلا " بمعنى (لكن) أي ولكن رحمة من ربك القي إليك، ثم إنه كلفه بامور: أحدها: أن لا يكون مظاهرا للكفار (4).


(1) في المصدر: ايمانا إلى ايمانهم. (2) مجمع البيان 7: 91 و 92. (3) مجمع البيان 7: 209. (4) في قوله: ولا تكونن ظهيرا للكافرين. [ * ]

[ 70 ]

وثانيها: " (1) ولا يصدنك عن آيات الله " قال الضحاك: وذلك حين دعوه إلى دين آبائه ليزوجوه ويقاسموه شطرا من مالهم، أي لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدك عن اتباع آيات الله. وثالثها: قوله: " وادع إلى ربك " أي إلى دين ربك، وأراد التشديد في الدعاء للكفار والمشركين، (2) فلذلك قال: " ولا تكونن من المشركين " لان من رضي بطريقتهم أو مال إليهم كان منهم. ورابعها: قوله: " ولا تدع مع الله إلها آخر " وهذا وإن كان واجبا على الكل إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصا لاجل التعظيم فإن قيل: الرسول كان معلوما منه أن لا يفعل شيئا من ذلك البتة، فما الفائدة في هذا النهي ؟ قلت: لعل الخطاب معه، ولكن المراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلا في امورك، فإنه من وكل بغير الله (3) فكأنه لم يكمل طريقه في التوحيد انتهى (4). وقال البيضاوي: هذا وما قبله للتهييج وقطعه أطماع المشركين عن مساعدته لهم (5). أقول: سيأتي تأويل قوله تعالى: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " في باب تزويج زينب إن شاء الله. وقال الطبرسي رحمه الله: " قل إن ضللت " عن الحق كما تدعون " فإنما أضل على نفسي " أي فإنما يرجع وبال ضلالي علي، لاني مأخوذ به دون غيري " وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي " أي فبفضل ربي حيث أوحى إلي، فله المنة بذلك علي دون خلقه " إنه سميع " لاقوالنا " قريب " منا، فلا يخفى عليه المحق والمبطل (6)


(1) في المصدر: وثانيها أن قال: ولا يصدنك. (2) في المصدر: وأراد التشدد في دعاء الكفار والمشركين. (3) في المصدر: من وثق بغير الله. (4) مفاتيح الغيب 6: 426. (5) أنوار التنزيل 2: 226 (6) مجمع البيان 8: 397.

[ 71 ]

قوله تعالى: " لئن أشركت " قال السيد رضي الله عنه: قد قيل (1) في هذه الآية: إن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به امته، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على إياك (2) أعني واسمعي يا جارة. وجواب آخر: أن هذا خبر يتضمن الوعيد، وليس يمتنع أن يتوعد الله على العموم، وعلى سبيل الخصوص من يعلم أنه لا يقع منه ما تناوله الوعيد، لكنه لابد أن يكون مقدورا له وجائزا بمعنى الصحة لا بمعنى الشك ولهذا يجعل جميع وعيد القرآن عاما لمن يقع منه ما تناوله الوعيد ولمن علم الله تعالى أنه لا يقع منه، وليس قوله تعالى: " لئن أشركت ليحبطن عملك " على سبيل التقدير والشرط بأكثر من قوله تعالى " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (3) " لان استحالة وجود ثان معه إذا لم يمنع من تقدير ذلك وبيان حكمه فأولى أن يسوغ تقدير وقوع الشرك الذي هو مقدور ممكن، وبيان حكمه. والشيعة لها في هذه الآية جواب تتفرد به، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله لما نص على أمير المؤمنين عليه السلام بالامامة في ابتداء الامر (4) جاءه قوم من قريش فقالوا له: يارسول الله إن الناس قريبوا عهد بالاسلام، ولا يرضون أن تكون النبوة فيك والخلافة في ابن عمك (5)، فلو عدلت بها إلى غيره لكان أولى، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه، لكن الله تعالى أمرني به وفرضه علي، فقالوا له: فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف على ربك تعالى فأشرك معه في الخلافة رجلا من قريش تسكن الناس إليه ليتم لك أمرك، ولا يخالف الناس عليك، فنزلت الاية، والمعنى فيها لئن أشركت في الخلافة مع أمير المؤمنين عليه السلام غيره ليحبطن عملك، وعلى هذا التأويل السؤال قائم، لانه إذا كان


(1) في المصدر: قد قلنا. (2) في المصدر: باءياك. (3) الانبياء: 22. (4) لعله حين نزل " وأنذر عشيرتك الاقربين " فأنذرهم في دار أبى طالب رضى الله عنه ونص على خلافة علي عليه السلام حينئذ. (5) ولذلك غصبوا خلافته بعده، بمزعمة أن النبوة والخلافة لا يجتمعان في بيت واحد. [ * ]

[ 72 ]

قد علم الله تعالى أنه صلى الله عليه وآله لا يفعل ذلك، ولا يخالف أمره لعصمته فما الوجه في الوعيد (1) فلابد من الرجوع إلى ما ذكرنا (2). وقال البيضاوي: " أم يقولون " بل أيقولون " افترى على الله كذبا " افترى محمد بدعوى النبوة والقرآن (3) " فإن يشأ الله يختم على قلبك " استبعاد للافتراء عن مثله بالاشعار على أنه إنما يجتزئ عليه من كان مختوما على قلبه، جاهلا بربه، فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا، فكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترئ بالافتراء عليه وقيل: يختم على قلبك: يمسك القرآن والوحى عنه، فكيف تقدر على أن تفتري، أو يربط عليه بالصبر فلا يشق عليك أذاهم (4) قوله تعالى: " واسأل من أرسلنا " قال الرازي والطبرسي: أي امم من أرسلنا، والمراد مؤمنوا أهل الكتاب، فإنهم سيخبرونك أنه لم يرد في دين أحد من الانبياء عبادة الاصنام، وإذا كان هذا متفقا عليه بين كل الانبياء والرسل وجب أن لا يجعلوه سبب بغض محمد صلى الله عليه وآله، والخطاب وإن توجه إلى النبي صلى الله عليه وآله فالمراد به الامة (5). والقول الثاني: قال عطاء عن ابن عباس لما اسري بالنبي صلى الله عليه وآله إلى المسجد الاقصى بعث الله تعالى له آدم عليه السلام وجميع المرسلين من ولده عليهم السلام فأذن جبرئيل، ثم أقام، و قال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من الصلاة قال له جبرئيل عليه السلام: سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية، فقال صلى الله عليه وآله: لا أسأل لاني لست شاكا فيه. والقول الثالث: أن ذكر السؤال في موضع لا يمكن السؤال فيه يكون المراد منه


(1) الوجه فيه قطع اطماع المخالفين عن العدول عن وصايته أو اشراك غيره معه فيها. فبين أن العدول عن ذلك مساوق لابطال ما تحمل في مدة رسالته من النصب والعناء وإحباط أجره وثوابه، نظير قوله تعالى: " فان لم تفعل فما بلغت رسالته " في غدير خم، فكما أنه لا يرضى إبطال ما عمله في مدة نبوته فكذلك لا يرضى بذلك. (2) تنزيه الانبياء: 119 و 120. (3) بل بدعوى أن أجر الرسالة هو المودة في القربى، على ما هو المستفاد مما قبله من الايات، (4) أنوار التنزيل 2: 398. (5) فهذا اول الاقوال. [ * ]

[ 73 ]

النظر والاستدلال، كقول من قال: سل الارض من شق أنهارك: وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإنها إن لم تجبك جهارا أجابتك اعتبارا، وههنا سؤال النبي صلى الله عليه وآله عن الانبياء الذين كانوا قبله ممتنع، وكان المراد منه انظر في هذه المسألة بعقلك وتدبر فيه بنفسك، والله أعلم (1). قوله تعالى: " فأنا أول العابدين " قال الطبرسي رحمه الله: فيه أقوال: أحدها: إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول من عبد الله وحده وأنكر قولكم. وثانيها: أن (إن) بمعنى (ما) والمعنى ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لله المقرين بذلك. وثالثها: أن معناه لو كان له ولد لكنت أنا أول الآنفين من عبادته، لان من يكون له ولد لا يكون إلا جسما محدثا، ومن كان كذلك لا يستحق العبادة من قولهم: عبدت من الامر، أي أنفت منه. ورابعها: أنه يقول: كما أني لست أول من عبد الله فكذلك ليس لله ولد. وخامسها: أن معناه لو كان له ولد لكنت أول من يعبده بأن له ولدا، ولكن لا ولد له، فهذا تحقيق لنفي الولد وتبعيد له، لانه تعليق محال بمحال (2). وقال البيضاوي: " على شريعة " على طريقة " من الامر " أمر الدين " فاتبعها " فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج " ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " آراء الجهال التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش، قالوا: ارجع إلى دين آبائك " إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا " مما أراد بك (3). قوله: " ليغفر لك الله " قال السيد المرتضى رضي الله عنه في التنزيه: أما من نفى عنه صلى الله عليه وآله صغائر الذنوب مضافا إلى كبائرها، فله عن هذه الآية أجوبة: منها: أنه أراد تعالى


(1) مجمع البيان 9: 49 و 50، مفاتيح الغيب 27: 216 وفيه: وتدبر فيها بعقلك. (2) مجمع البيان 9: 57 و 58. (3) أنوار التنزيل 2: 423. [ * ]

[ 74 ]

بإضافة الذنب إليه، ذنب أبيه آدم عليه السلام، وحسنت هذه الاضافة للاتصال والقربى، وغفره (1) له من حيث أقسم على الله تعالى به فأبر قسمه، فهذا الذنب المتقدم، والذنب المتأخر هو ذنب شيعته وشيعة أخيه عليه السلام. وهذا الجواب يعترضه أن صاحبه نفى عن نبي ذنبا و أضافه إلى آخر، والسؤال عنه فيمن أضافه إليه كالسؤال فيمن نفاه عنه، ويمكن إذا أردنا نصرة هذا الجواب أن نجعل الذنوب كلها لامته صلى الله عليه وآله، ويكون ذكر التقدم والتأخر إنما أراد به ما تقدم زمانه وما تأخر، كما يقول القائل مؤكدا: قد غفرت لك ما قدمت وما أخرت، وصفحت عن السالف والآنف من ذنوبك، ولاضافة امته إليه (2) وجه في الاستعمال معروف، لان القائل قد يقول لمن حضره من بني تميم أو غيرهم من القبائل: انتم فعلتم كذا وكذا ؟ وقتلتم فلانا ؟ وإن كان الحاضرون ما شهدوا ذلك ولا فعلوه، وحسنت الاضافة للاتصال والنسب (3)، ولا سبب أوكد مما بين الرسول عليه السلام وامته، وقد يجوز توسعا وتجوزا أن يضاف ذنوبهم إليه. ومنها: أنه سمى تركه الندب ذنبا، وحسن ذلك أنه صلى الله عليه وآله (4) ممن لا يخالف الاوامر إلا هذا الضرب من الخلاف، ولعظم منزلته وقدره جاز أن يسمى الذنب منه ما إذا وقع من غيره لم يسم ذنبا (5). ومنها: أن القول خرج مخرج التعظيم وحسن الخطاب كما قلناه في قوله تعالى " عفا الله عنك " وليس هذا بشئ، لان العادة جرت فيما يخرج هذا المخرج من الالفاظ أن يجري مجرى الدعاء، مثل قولهم: غفر الله لك، ويغفر الله لك، وما أشبه ذلك، ولفظ الآية بخلاف هذا، لان المغفرة جرت فيها مجرى الجزاء، والغرض في الفتح (6) وقد كنا


(1) في المصدر: وعفوه له (2) في المصدر: ولاضافة ذنب امته إليه. (3) في المصدر: والتسبب. (4) في المصدر:: لانه. (5) ثم ضعف ذلك بقوله: وهذا الوجه بضعفه على بعد هذه التسمية أنه لا يكون معنى لقوله: اننى أغفر ذنبك، ولا وجه لمعنى الغفران يليق بالعدول عن الندب. (6) في المصدر: والعوض في الفتح. [ * ]

[ 75 ]

ذكرنا في هذه الآية وجها اخترناه وهو أشبه بالظاهر مما تقدم، وهو أن يكون المراد بقوله: " ما تقدم من ذنبك " الذنوب إليك، لان الذنب مصدر، والمصدر يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول معا، ألا ترى أنهم يقولون: أعجبني ضرب زيد عمرو، إذا أضافوه إلى المفعول، ومعنى المغفرة على هذا التأويل هي الازالة والفسخ والنسخ لاحكام أعدائه من المشركين عليه، وذنوبهم إليه في منعهم إياه عن مكة، وصدهم له عن المسجد الحرام وهذا التأويل يطابق ظاهر الكلام حتى تكون المغفرة غرضا في الفتح ووجها له، وإلا فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغر لك الله " معنى معقول، لان المغفرة للذنوب لا تعلق لها بالفتح، وليست غرضا فيه، فأما قوله: " ما تقدم من ذنبك وما تأخر " فلا يمتنع أن يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك وبقومك وما تأخر، وليس لاحد أن يقول: إن سورة الفتح نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله بين مكة و المدينة وقد انصرف من الحديبية، وقال قوم من المفسرين: إن الفتح أراد به فتح خيبر، لانه كان تاليا لتلك الحال، وقال آخرون: بل أراد به، أنا قضينا لك في الحديبية قضاء حسنا، فكيف تقولون ما لم يقله أحد من أن المراد بالآية فتح مكة، والسورة (1) قبل ذلك بمدة طويلة، وذلك أن السورة وإن كانت نزلت في الوقت الذي ذكر، وهو قبل فتح مكة فغير ممتنع أن يريد بقوله تعالى: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " فتح مكة، ويكون على طريق البشارة له والحكم له بأنه سيدخل مكة، وينصره الله على أهلها، ولهذا نظائر في القرآن ومما يقوي أن الفتح في السورة أراد به فتح مكة قوله تعالى: " لتدخلن المسجد الحرام إنشاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (2) " والفتح القريب ههنا هو فتح خيبر، فأما حمل الفتح على القضاء الذي قضاه في الحديبية فهو خلاف الظاهر ومقتضى الآية، لان الفتح بالاطلاق الظاهر منه: الظفر والنصر، ويشهد له قوله تعالى: " وينصرك الله نصرا عزيزا (3) "


(1) في المصدر: والسورة نزلت قبل ذلك. (2) الفتح: 27. (3) الفتح: 3. [ * ]

[ 76 ]

فإن قيل: ليس يعرف إضافة المصدر إلى المفعول إلا إذا كان المصدر متعديا بنفسه مثل قولهم: أعجبني ضرب زيد عمرو، وإضافة مصدر غير متعد إلى مفعوله غير معروفة. قلنا: هذا تحكم في اللسان وعلى أهله، لانهم في كتب العربية كلها أطلقوا أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول معا، ولم يستثنوا متعديا من غيره، ولو كان بينهما فرق لبينوه وفصلوه، كما فعلوا ذلك في غيره وليس قلة الاستعمال معتبرة في هذا الباب، لان الكلام إذا كان له أصل في العربية استعمل عليه وإن كان قليل الاستعمال، وبعد فإن ذنبهم ههنا إليه إنما هو ضدهم له عن المسجد الحرام ومنعهم إياه عن دخوله، فمعنى الذنب متعد، و إن كان معنى المصدر متعديا جاز أن يجري مجرى ما يتعدى بلفظه، فإن من عادتهم أن يحملوا الكلام تارة على معناه، واخرى على لفظه انتهى (1). وقال الطبرسي رحمه الله: لاصحابنا فيه وجهان: أحدهما: أن المراد ليغفر لك الله ما تقدم من ذنب امتك وما تأخر بشفاعتك، ويؤيده ما رواه المفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام قال: سأله رجل عن هذه الآية، فقال: والله ما كان له ذنب، ولكن الله ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة علي عليه السلام ما تقدم من ذنبهم وما تأخر. وروى عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: قول الله عزوجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قال: ما كان له ذنب، ولا هم بذنب، ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له (2). ثم ذكر سائر الوجوه التى ذكرها السيد رحمه الله، وسيأتي تأويلها في الاخبار، وتأويل آية التحريم في باب أحوال أزواج النبي صلى الله عليه وآله. قوله تعالى: " عبس وتولى " قال الطبرسي رحمه الله: قيل نزلت الآيات في عبد الله ابن ام مكتوم، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وابيا وامية ابني خلف يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، فقال: يارسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، فجعل يناديه ويكرر النداء ولا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله لقطعه


(1) تنزيه الانبياء: 117 و 118. (2) مجمع البيان 9: 110. [ * ]

[ 77 ]

كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما أتباعه العميان والعبيد، فأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلمهم فنزلت الآيت، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " ويقول: " هل لك من حاجة " واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين، ثم قال بعد نقل ما سيأتي من كلام السيد رحمه الله وقيل: إن ما فعله الاعمى كان نوعا من سوء الادب، فحسن تأديبه بالاعراض عنه إلا أنه كان يجوز أن يتوهم أنه إنما أعرض عنه لفقرة، وأقبل عليهم لرياستهم تعظيما لهم، فعاتبه الله سبحانه على ذلك، وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا رأى عبد الله بن ام مكتوم قال: مرحبا مرحبا، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبدا، وكان يصنع فيه من اللطف حتى كان يكف عن النبي صلى الله عليه وآله مما يفعل به. " عبس " أي بسر وقبض وجهه " وتولى " أي أعرض بوجهه " أن جاءه الاعمى " أي لان جاءه " وما يدريك لعله " أي لعل هذا الاعمى " يزكى " يتطهر بالعمل الصالح و ما يتعلمه منك " أو يذكر " أي يتذكر فيتعظ بما تعلمه من مواعظ القرآن " فتنفعه الذكرى " في دينه، قالوا: وفي هذا لطف عظيم لنبيه صلى الله عليه وآله، إذ لم يخاطبه في باب العبوس فلم يقل: عبست، فلما جاوز العبوس عاد إلى الخطاب " أما من استغنى " أي من كان عظيما في قومه واستغنى بالمال " فأنت له تصدى " أي تتعرض له وتقبل عليه بوجهك " وما عليك ألا يزكى " أي أي شئ يلزمك إن لم يسلم ؟ فإنه ليس عليك إلا البلاغ " وأما من جاءك يسعى " أي يعمل في الخير، يعني ابن ام مكتوم " وهو يخشى " الله عزوجل " فأنت عنه تلهى " أي تتغافل وتشتغل عنه بغيره " كلا " أي لا تعد لذلك وانزجر عنه " إنها تذكرة " أي أن آيات القرآن تذكير وموعظة للخلق " فمن شاء ذكره " أي ذكر التنزيل أو القرآن أو الوعظ انتهى (1). وقال السيد رضي الله عنه في التنزيه: أما ظاهر الآية فغير دال على توجهها إلى النبي صلى الله عليه وآله، ولا فيها ما يدل على أنها خطاب له، بل هي خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه، وفيها ما يدل عند التأمل على أن المعني بها غير النبي صلى الله عليه وآله، لانه وصفه بالعبوس،


(1) مجمع البيان 10: 438. [ * ]

[ 78 ]

وليس هذا من صفات النبي صلى الله عليه وآله في قرآن ولا خبر مع الاعداء المباينين (1)، فضلا عن المؤمنين المسترشدين، ثم وصفه بأنه يتصدى للاغنياء، ويتلهى عن الفقراء، وهذا مما لا يصف به نبينا صلى الله عليه وآله من يعرفه، فليس هذا مشبها لاخلاقه الواسعة وتحننه إلى قومه، وتعطفه، وكيف يقول له صلى الله عليه وآله: " وما عليك ألا يزكى " وهو صلى الله عليه وآله مبعوث للدعاء والتنبيه ؟ وكيف لا يكون ذلك عليه وكان هذا القول إغراء بترك الحرص على إيمان قومه ؟ وقد قيل: إن هذه السورة نزلت في رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان منه هذا الفعل المنعوت فيها، ونحن وإن شككنا في عين من نزلت فيه فلا ينبغي أن نشك في أنها لم يعن بها النبي صلى الله عليه وآله، وأي تنفير أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين، و التلهي عنهم، والاقبال على الاغنياء الكافرين (2) ؟ وقد نزه الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله عما دون هذا في التنفير بكثير انتهى (3). أقول: بعد تسليم نزولها فيه صلى الله عليه وآله كان العتاب على ترك الاولى، أو المقصود منه إيذاء الكفار وقطع أطماعهم عن موافقة النبي صلى الله عليه وآله لهم، وذمهم على تحقير المؤمنين كما مر مرارا. 1 - فس: قوله: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق (4) " الآية فإنه كان سبب نزولها أن قوما من الانصار من بني ابيرق (5) اخوة ثلاثة كانوا منافقين: بشير، ومبشر، وبشر، فنقبوا على عم قتادة بن النعمان وكان قتادة بدريا، وأخرجوا طعاما كان أعده لعياله، وسيفا ودرعا، فشكا قتادة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يارسول الله صلى الله عليه وآله إن قوما انقبوا (6) على عمي وأخذوا طعاما كان أعده لعياله، ودرعا وسيفا وهم أهل بيت سوء، وكان معهم في الرأي رجل مؤمن يقال له: لبيد بن سهل، فقال بنوا بيرق لقتادة: هذا عمل لبيد بن سهل، فبلغ ذلك


(1) في المصدر: المنابذين. (2) زاد في المصدر: والتصدي لهم. (3) تنزيه الانبياء: 118 و 119. (4) النساء: 105. (5) بنو ابيرق: بطن من الانصار، من الازد، من القحطانية. (6) هكذا في نسخة المصنف، وفى غيرها وفى المصدر: نقبوا وهو الصحيح. [ * ]

[ 79 ]

لبيدا فأخذ سيفه وخرج عليهم فقال: يا بني ابيرق اترمونني بالسرق (1) وأنتم أولى به مني ؟ وأنتم المنافقون تهجون رسول الله صلى الله عليه وآله وتنسبونه إلى قريش، لتبينن ذلك أو لاملان سيفي منكم، فداروه فقالوا له (2): ارجع رحمك الله (3) فإنك برئ من ذلك، فمشى بنو ابيرق إلى رجل من رهطهم يقال له: اسيد بن عروة، وكان منطيقا (4) بليغا، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يارسول الله إن قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا أهل شرف وحسب ونسب فرماهم بالسرق، وأنبهم (5) بما ليس فيهم، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك وجاء إليه قتادة فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: عمدت إلى أهل بيت شرف وحسب ونسب فرميتهم بالسرقة ؟ فعاتبه (6) عتابا شديدا، فاغتم قتادة من ذلك ورجع إلى عمه وقال: ليتني مت ولم اكلم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد كلمني بما كرهته، فقال عمه: الله المستعان، فأنزل الله في ذلك على نبيه صلى الله عليه وآله: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق " إلى قوله: " وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " يعني الفعل، فوقع القول مقام الفعل، ثم قال: " ثم يرم به بريئا " لبيد بن سهل. وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن اناسا من رهط بشير الادنين قالوا: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله نكلمه في صاحبنا ونعذره فإن صاحبنا برئ، فلما أنزل الله " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم " إلى قوله: " وكيلا " (7) فأقبلت رهط بشير فقالوا: يا بشير استغفر الله وتب (8) من الذنب، فقال: والذي أحلف به ما سرقها إلا لبيد فنزلت: " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (9) "


(1) في المصدر: بالسرقة. (2) وقالوا خ ل، وهو الموجود في المصدر. (3) يرحمك الله الله خ ل. (4) المنطيق: البليغ. (5) اتهمهم خ ل أقول: أنبه: عنفه ولامه. وفى المصدر: فرماهم بالسرقة. (6) وعاتبه خ ل. وهو الموجود في المصدر. (7) النساء: 108 و 109. (8) وتب إليه خ ل. (9) النساء: 112. [ * ]

[ 80 ]

ثم إن بشيرا كفر ولحق بمكة وأنزل الله في النفر الذين أعذروا بشيرا وأتوا النبي صلى الله عليه وآله ليعذروه " ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (1) " فنزل (2) في بشير وهو بمكة: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " (3) وفي تفسير النعماني بإسناده الذي يأتي في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن قوما من الانصار كانوا يعرفون ببني ابيرق، وساق الحديث نحوا مما رواه علي ابن إبراهيم أولا (4)


(1) النساء: 113. (2) فنزلت خ ل وفى المصدر: ونزلت. (3) تفسير القمى: 138 - 140، والاية في سورة النساء: 115. (4) تفسير النعماني: 92 - 94، أقول: حيث أن ألفاظه يخالف كثيرا، ما تقدم من تفسير القمى فنورد متن الخبر لمزيد الفائدة، قال: إن قوما من الانصار كانوا يعرف ببنى ابيرق وكانوا من المنافقين قد أظهروا الايمان وأسروا النفاق، وهم ثلاثة إخوة يقال لهم: بشر ومبشر وبشير، وكان بشر يكنى أبا طعمة، وكان رجلا خبيثا شاعرا، قال: فنقبوا على رجل من الانصار يقال له: رفاعة بن زيد بن عامر، وكان عم قتادة بن النعمان الانصاري، وكان قتادة ممن شهد بدرا، فأخذوا له طعاما كان أعده لعياله وسيفا ودرعا، فقال رفاعة لابن أخيه قتادة: إن بنى ابيرق قد فعلوا بى كذا وكذا، فلما بلغ بنو ابيرق ذلك جاؤا إليهما وقالوا لهما: إن هذا من عمل لبيد بن سهل، وكان لبيد بن سهل رجلا صالحا شجاعا بطلا إلا أنه فقير لا مال له، فبلغ لبيدا قولهم فأخذ سيفه وخرج إليهم، وقال لهم: يا بنى ابيرق أترمونني بالسرقة وأنتم أولى به منى ؟ والله والله لتبينن ذلك أو لامكنن سيفى هذا منكم، فلم يزالوا يلاقونه حتى رجع عنهم وقالوا له: أنت برئ من هذا، فجاء قتادة بن النعمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: بأبى أنت وامى إن أهل بيت منا نقبوا على عمى وأخذوا له كذا وكذا وهم اهل بيت سوء، وذكرهم بقبيح، فبلغ ذلك بنى ابيرق فمشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ومعهم رجل من بنى عمهم يقال له: اشتر بن عروة وكان فصيحا خطيبا، فقال: يارسول الله إن قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا لهم حسب ونسب وصلاح، ورماهم بالسرقة، وذكرهم بالقبيح، وقال فيهم: غير الواجب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن كان [ * ]

[ 81 ]

2 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: " وإن كان كبر عليك اعراضهم " قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب إسلام الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وجهد به أن يسلم فغلب عليه الشقاء فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنزل الله " وإن كان كبر عليك إعراضهم " إلى قوله: " نفقا في الارض " يقول: سربا، وقال علي بن إبراهيم في قوله: " نفقا في الارض أو سلما في السماء قال: إن قدرت أن تحفر الارض أو تصعد السماء أي لا تقدر على ذلك، ثم قال: " ولو شاء الله لجمعهم على الهدى " أي جعلهم كلهم مؤمنين وقوله: " فلا تكونن من الجاهلين (1) " مخاطبة للنبى صلى الله عليه وآله والمعنى للناس (2). 3 - فس: قوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " الآية، فإنه كان سبب نزولها أنه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمون أصحاب الصفة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أمرهم أن يكونوا في صفة يأوون إليها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعاهدهم بنفسه، وربما حمل إليهم ما يأكلون، وكانوا يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقربهم ويقعد معهم ويؤنسهم، وكان إذا جاء الاغنياء والمترفون من أصحابه ينكروا عليه (3) ذلك، و يقولوا له: اطردهم عنك، فجاء يوما رجل من الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده رجل من


ما قلته حقا فبئس ما صنع، فاغتم قتادة من ذلك ورجع إلى عمه وقال: يا ليتني مت ولم أكن كلمت رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا، فأنزل الله تعالى: " إنا أنزلنا " ثم ذكر الايات إلى قوله: " وكان فضل الله عليك عظيما " والظاهر أن قوله: يلاقونه مصحف يلائمونه، وقوله: أشتر بن عروة وقول القمى: أسيد بن عروة مصحفان عن أسير بن عروة، قال ابن الاثير في اسد الغابة 1: 95: أسير بن عروة - وقيل: ابن عمرو - بن سواد بن الهيثم بن ظفر بن سواد الانصاري الظفرى الاوسي، روى الواقدي باسناده عن محمود بن لبيد قال كان أسير بن عروة رجلا منطيقا، ثم ذكر ملخص الخبر ثم قال: أخرجه أبو عمر وأبو موسى الا أن أبا موسى جعل الترجمة أسير بن عمرو، وقيل: ابن عروة، وجعلها أبو عمر أسير بن عروة حسب وهما واحد. (1) الانعام: 35. (2) تفسير القمى: 185. (3) أنكروا عليه خ ل وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 82 ]

أصحاب الصفة (1) قد لزق برسول الله صلى الله عليه وآله، ورسول الله يحدثه، فقعد الانصاري بالبعد منهما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: تقدم فلم يفعل فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لعلك خفت أن يلزق فقره بك ؟ فقال الانصاري: اطرد هؤلاء عنك، فأنزل الله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " الآية، ثم قال: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " أي اختبرنا الاغنياء بالغنى لننظر كيف مواساتهم للفقراء، وكيف يخرجون ما فرض الله عليهم في أموالهم، واختبرنا الفقراء لننظر كيف صبرهم على الفقر وعما في أيدي الاغنياء " ليقولوا " أي الفقراء " أهؤلاء " الاغنياء " من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين " ثم فرض الله على رسوله أن يسلم على التوابين الذين عملوا السيئات ثم تابوا، فقال: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " يعني أوجب الرحمة لمن تاب، والدليل على ذلك قوله: " أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم " (2) 4 - فس: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ (3) " قال: إن عرض في قلبك منه شئ ووسوسة (4). 5 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (5) " يقول: تعرف أهل العذر والذين جلسوا بغير عذر (6). 6 - فس: أبي، عن عمرو بن سعيد الراشدي (7)، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما اسري برسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء وأوحى (8) الله إليه في علي عليه السلام


(1) رجل من أصحابه من أصحاب الصفة خ ل. (2) تفسير القمى: 189 و 190 والايات في سورة الانعام: 52 - 54. (3) الاعراف: 200. (4) تفسير القمى: 234. (5) التوبة: 43. (6) تفسير القمى: 269. (7) في المصدر: عمران بن سعيد الراشدي ولم اتحقق أيهما صحيح. (8) فأوحى الله خ ل وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 83 ]

ما أوحى من شرفه وعظمه عند الله ورد إلى البيت المعمور، وجمع له النبيين، وصلوا (1) خلفه عرض في نفسه (2) من عظم ما أوحى إليه في علي عليه السلام، فأنزل الله " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " يعني الانبياء فقد أنزلنا عليهم في كتبهم من فضله ما أنزلنا في كتابك " لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من من الممترين * ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (3) " فقال الصادق عليه السلام: فوالله ما شك ولا سأل (4). 7 - فس: " ولا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (5) " أي في النار، وهو مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله، والمعنى للناس، وهو قول الصادق عليه السلام: إن الله بعث نبيه بإياك أعني واسمعي يا جارة (6). 8 - فس: " فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (7) " فالمخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله، و المعنى للناس، قوله: " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره " قال: يعني أمير المؤمنين عليه السلام " وإذا لاتخذوك خليلا " أي صديقا لو أقمت غيره، ثم قال: " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * وإذا لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات (8) " من يوم الموت إلى أن تقوم الساعة (9). 9 - فس: " ولقد اوحي إليك " إلى قوله: " من الخاسرين (10) " فهذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله، والمعنى لامته، والدليل على ذلك قوله: " بل الله فاعبد وكن من


(1) في المصدر: فصلوا. (2) في نفس رسول الله خ ل وهو الموجود في المصدر. (3) يونس: 94 و 95. (4) تفسير القمى: 292 و 293. (5) الاسراء: 22. (6) تفسير القمى: 380. (7) الاسراء: 39. (8) الاسراء: 72 - 75. (9) تفسير القمى: 382 و 386. (10) الزمر: 65. [ * ]

[ 84 ]

الشاكرين (1) " وقد علم أن نبيه صلى الله عليه وآله يعبده ويشكره، ولكن استعبد نبيه صلى الله عليه وآله بالدعاء إليه تأديبا لامته. حدثنا جعفر بن أحمد، عن عبد الكريم بن عبد الرحيم، عن محمد بن علي، عن محمد ابن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله لنبيه صلى الله عليه وآله: " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (2) " قال: تفسيرها لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي عليه السلام من بعدك ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (3). 10 - فس: أبي، عن الحسن بن محبوب، عن الثمالي، عن أبي الربيع قال: سأل نافع أبا جعفر عليه السلام فقال: أخبرني عن قول الله: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (4) " من الذي (5) سأل محمد صلى الله عليه وآله (6) وكان بينه وبين عيسى عليه السلام خمسمائة سنة ؟ قال: فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا (7) " فكان من الآيات التي أراها الله محمدا صلى الله عليه وآله حين اسري به إلى بيت المقدس أن حشر الله الاولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم أمر جبرئيل فأذن شفعا وأقام شفعا، ثم قال في إقامته حي على خير العمل، ثم تقدم محمد صلى الله عليه وآله فصلى بالقوم، فأنزل الله عليه: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: علام تشهدون ؟ وما كنتم تعبدون ؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله أخذت على ذلك مواثيقنا وعهودنا، قال نافع: صدقت يا أبا جعفر (8).


(1) الزمر: 66. (2) الزمر: 65. (3) تفسير القمى: 579 و 580. (4) الزخرف: 45. (5) من ذا الذى خ ل. (6) رسول الله خ ل في المواضع. (7) الاسراء: 1. (8) تفسير القمى: 610 و 611 وفيه: صدقت يا محمد يا با جعفر. [ * ]

[ 85 ]

11 - فس: " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (1) " يعني أول الآنفين له أن يكون له ولد (2). 12 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى: " ثم جعلناك على شريعة من الامر " إلى قوله: " لن يغنوا عنك من الله شيئا " (3) بهذا تأديب لرسول الله صلى الله عليه وآله و المعنى لامته (4). 13 - فس: " عبس وتولى " * أن جاءه الاعمى " قال: نزلت في عثمان وابن ام مكتوم، وكان ابن ام مكتوم مؤذن رسول الله صلى الله عليه واله، وكان أعمى وجاء (5) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده أصحابه وعثمان عنده، فقدمه رسول الله صلى الله عليه وآله على عثمان، فعبس عثمان وجهه وتولى عنه، فأنزل الله: " عبس وتولى " يعني عثمان " أن جاءه الاعمى * وما يدريك لعله يزكى " أي يكون طاهرا أزكى " أو يذكر " قال: يذكره رسول الله صلى الله عليه وآله " فتنفعه الذكرى " ثم خاطب عثمان فقال: " أما من استغنى فأنت له تصدى " قال: أنت إذا جاءك غني تتصدى له وترفعه " وما عليك ألا يزكى " أي لا تبالي زكيا كان أو غير زكي إذا كان غنيا " وأما من جاءك يسعى " يعني ابن ام مكتوم " وهو يخشى * فأنت عنه تلهى (6) " أي تلهو ولا تلتفت إليه (7). 14 - فس: " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " إلى قوله: " والله عليم حكيم (8) " فإن العامة رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في الصلاة فقرأ سورة النجم في المسجد الحرام وقريش يستمعون لقراءته، فلما انتهى إلى هذه الآية: " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى " أجرى إبليس على لسانه فإنها الغرانيق العلى (9) * وإن شفاعتهن لترتجي، ففرحت قريش وسجدوا، وكان في القوم الوليد بن المغيرة المخزومي و هو شيخ كبير فأخذ كفا من حصى فسجد عليه وهو قاعد، وقالت قريش: قد أقر محمد بشفاعة


(1) الزخرف: 81. (2) تفسير القمى: 614. (3) الجاثية: 18 و 19. (4) تفسير القمى: 618 و 619. (5) فجاء خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) عبس: 1 - 10، (7) تفسير القمى: 711 و 712. (8) الحج: 52. (9) الاولى خ ل. [ * ]

[ 86 ]

اللات والعزى، قال: فنزل جبرئيل عليه السلام فقال له: قرأت ما لم انزل عليك (1)، وأنزل عليه " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان (2) ". وأما الخاصة (3) فإنه روى عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أصابه خصاصة (4) فجاء إلى رجل من الانصار فقال له: هل عندك من طعام ؟ فقال: نعم يارسول الله، وذبح له عناقا وشواه، فلما أدناه منه (5) تمنى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون معه علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فجاء أبو بكر وعمر، ثم جاء علي عليه السلام بعدهما، فأنزل الله في ذلك: " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " ولا محدث (6) " إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته " يعني أبا بكر وعمر " فينسخ الله ما يلقي الشيطان " يعني لما جاء علي عليه السلام بعدهما، " ثم يحكم الله آياته للناس " يعني ينصر الله أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال: " ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة " يعني فلانا وفلانا " للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم " يعني إلى الامام المستقيم، ثم قال: " ولا يزال الذين كفروا في مرية منه " أي في شك من أمير المؤمنين حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم " قال: العقيم: الذي لا مثل له في الايام، ثم قال: " الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا " قال: ولم يؤمنوا بولاية أمير المؤمنين والائمة عليهم السلام " فاولئك لهم عذاب مهين " (7). بيان: قال في النهاية: الغرانيق ههنا: الاصنام، وهي في الاصل المذكور من طير الماء، واحدها غرنوق وغرنيق سمي به لبياضه، وقيل: هو الكركي (8)، والغرنوق أيضا:


(1) ما لم أنزل به عليك خ ل. (2) الحج: 52. (3) الخاص خ ل. (4) الخصاصة: الفقر. (5) في المصدر: فلما دنا منه. (6) قد يحتمل أن يكون قوله: ولا محدث من زيادات الراوى ؟ والا يدل على التحريف وهو خلاف ما اجمع عليه الشيعة الامامية بل المسلمون، والحديث كما ترى مرسل ولو كان مسندا لما كان يوجب علما ولا عملا. (7) تفسير القمى: 441 و 442. (8) الكركي بالضم: طائر كبير أغبر اللون طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب، قليل اللحم يأوى إلى الماء أحيانا. [ * ]

[ 87 ]

الشاب الناعم الابيض، وكانوا يزعمون أن الاصنام تقربهم من الله تعالى وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع، قوله: يعني إلى الامام المستقيم، كذا فيما عندنا من النسخ (1)، ولعل فيه سقطا والظاهر أنه تفسير لقوله: " وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم " بأن المراد بالصراط المستقيم الامام المستقيم على الحق، و يحتمل أن يكون تفسيرا " للقاسية قلوبهم " أي قسا قلوبهم عن الميل إلى الامام المستقيم وقبول ولايته. 15 - قب: قال علم الهدى والناصر للحق: في رواياتهم أن النبي صلى الله عليه وآله لما بلغ إلى قوله: " أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى " ألقى الشيطان في تلاوته: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجي، فسر بذلك المشركون، فلما انتهى إلى السجدة سجد المسلمون والمشركون معا، إن صح هذا الخبر فمحمول على أنه كان يتلو القرآن فلما بلغ إلى هذا الموضع قال بعض المشركين: ذلك، فألقى في تلاوته، فأضافه الله إلى الشيطان، لانه إنما حصل بإغرائه ووسوسته وهو الصحيح لان المفسرين رووا في قوله: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء (2) " كان النبي صلى الله عليه وآله في المسجد الحرام فقام رجلان من عبدالدار عن يمينه يصفران، ورجلان عن يساره يصفقان بأيديهما فيخلطان (3) عليه صلاته، فقتلهم الله جميعا ببدر قوله: " فذوقوا العذاب (4) " وروي في قوله: " وقال الذين كفروا " أي قال رؤساؤهم من قريش لاتباعهم لما عجزوا عن معارضة القرآن: " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " أي عارضوه باللغو والباطل والمكاء ورفع الصوت بالشعر " لعلكم تغلبون (5) " باللغو (6). 16 - ع: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى،


(1) وكذا فيما عندنا من النسخ المخطوطة والمطبوعة. (2) الانفال: 35. (3) في المصدر: فيختلطان عليه. (4) الانفال 35. (5) فصلت: 16. (6) مناقب آل أبى طالب 1: 46. [ * ]

[ 88 ]

عن إبراهيم بن عمير (1) رفعه إلى أحدهما عليهما السلام في قول الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه واله: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فأسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك (2) " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاشك ولا أشك (3) 17 - ع: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن ابيه، عن علي بن عبد الله، عن بكر بن صالح، عن أبي الخير، عن محمد بن حسان، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل الداري، عن محمد بن سعيد الاذخري، وكان ممن يصحب موسى بن محمد بن الرضا عليه السلام أن موسى أخبره أن يحيى بن أكثم كتب إليه يسأله عن مسائل، فيها: وأخبرني عن قول الله عزوجل " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك (4) " من المخاطب بالآية فان كان المخاطب به النبي (5) صلى الله عليه وآله أليس قد شك فيما أنزل الله (6) عزوجل إليه، وإن كان المخاطب به غيره فعلى غيره (7) إذا انزل الكتاب ؟ قال موسى: فسألت أخي علي بن محمد عليه السلام عن ذلك، قال أما قوله " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " فإن المخاطب بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يكن في شك مما أنزل الله عزوجل، ولكن قالت الجهلة: كيف لا يبعث إلينا نبيا من الملائكة ؟ إنه لم يفرق بينه وبين غيره في الاستغناء عن المأكل والمشرب (8) والمشي في الاسواق، فأوحى الله عزوجل إلى نبيه صلى الله عليه وآله " فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " بمحضر من الجهلة، هل بعث الله رسولا قبلك إلا وهو يأكل الطعام ويمشي في الاسواق ؟ ولك بهم اسوة، وإنما


(1) استظهر المصنف في الهامش أنه ابراهيم بن عمر، ولعله كما استظهر، فيكون هو ابراهيم بن عمر اليماني والصنعانى لرواية حماد عنه. (2) يونس: 94. (3) استظهر المصنف أن الصحيح: لا أشك ولا أسأل، قلت: والموجود في المصدر يطابق المتن راجع علل الشرائع: 54. (4) أشرنا إلى موضعه آنفا. (5) هو النبي صلى الله عليه وآله خ ل وفى التحف: وان كان المخاطب النبي فقد شك. (6) قد أنزل خ ل. (7) في التحف: فعلى من إذا انزل الكتاب ؟ (8) في التحف: إذ لم يفرق بينه وبيننا في الاستغناء عن المآكل والمشارب. [ * ]

[ 89 ]

قال: " فإن كنت في شك " ولم يكن (1)، ولكن لينصفهم (2) كما قال له صلى الله عليه وآله: " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونسائنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (3) " ولو قال تعالوا: نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم لم يكونوا يجيبون للمباهلة، وقد عرف أن نبيه صلى الله عليه وآله مؤد عنه رسالته وما هو من الكاذبين، وكذلك عرف النبي صلى الله عليه وآله أنه صادق فيما يقول: ولكن أحب أن ينصف من نفسه (4). ف: مرسلا مثله. شى: عن محمد بن سعيد مثله. 18 - شى: عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " قال: لما اسري بالنبي صلى الله عليه وآله ففرغ من مناجات ربه رد إلى البيت المعمور وهو بيت في السماء الرابعة بحذاء الكعبة، فجمع الله النبيين والرسل والملائكة، وأمر جبرئيل فأذن وأقام وتقدم بهم فصلى، فلما فرغ التفت إليه فقال: " فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " إلى قوله: " من المهتدين (5) ". 19 - فس: محمد بن جعفر، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان عن علي بن أيوب، عن عمر بن يزيد بياع السابري قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام قول الله في كتابه: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قال: ما كان له ذنب ولا هم بذنب، ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له (6). 20 - ن: تميم القرشي، عن أبيه، عن حمدان بن سليمان، عن علي بن محمد بن الجهم قال: سأل المأمون الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من


(1) في التحف: ولم يكن شك. (2) ولكن للنصفة خ ل وهو الموجود في التحف. (3) آل عمران: 61. (4) علل الشرائع: 54. (5) تفسير العياشي: مخطوط، والاية ذكرنا موضعها في الايات. (6) تفسير القمى: 635. [ * ]

[ 90 ]

ذنبك وما تأخر (1) " قال الرضا عليه السلام: لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول الله صلى الله عليه وآله، لانهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنما، فلما جاءهم بالدعوة إلى كلمة الاخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: " أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب * وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا الشئ يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (2) " فلما فتح الله عزوجل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله مكة قال له يا محمد: " إنا فتحنا لك " مكة (3) " فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " عند مشركي أهل مكة بدعاءك إلى توحيد الله عز وجل فيما تقدم وما تأخر، لان مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا بظهوره عليهم (4)، فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزوجل: " عفا الله عنك لم أذنت لهم " قال الرضا عليه السلام: هذا مما نزل بإياك أعني و اسمعي يا جارة، خاطب الله عزوجل بذلك نبيه صلى الله عليه واله وأراد به امته، وكذلك قوله عزوجل: " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " وقوله عزوجل: " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " قال: صدقت يا ابن رسول الله الخبر (5). 21 - فر: جعفر بن محمد بن بشرويه القطان، عن محمد بن إبراهيم الرازي، عن ابن مسكان، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين علي عليهما السلام (6) قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قال: يا جبرئيل ما الذنب الماضي ؟ وما الذنب الباقي ؟ قال جبرئيل: ليس لك ذنب يغفرها لك (7)


(1) أشرنا إلى موضع الاية قبلا. (2) ص: 5 - 7. (3) المصدر خال عن قوله: مكة. (4) لا ينافى هذا المعنى ما تقدم في الخبر السابق لان ارادة الجميع ممكن. (5) عيون أخبار الرضا: 108 - 112. والايات قد أشرنا إلى موضعها في صدر الباب. (6) في المصدر: عن أبى عبد الله، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين على عليه السلام (7) تفسير فرات: 159. [ * ]

[ 91 ]

بيان: لعل المعنى أنه ليس المراد ذنبك إذ ليس لك ذنب، بل ذنوب امتك، أو نسبتهم إليك بالذنب، أو غير ذلك مما مر. أقول: قد مضت دلائل عصمته صلى الله عليه وآله في كتاب أحوال الانبياء عليهم السلام وسيأتي في كتاب الامامة، وسائر أبواب هذا المجلد مشحون بالاخبار والآيات الدالة عليها، و الامر أوضح من أن يحتاج إلى البيان، فلذا اكتفينا في هذا الباب بتأويل بعض ما يوهم خلاف ذلك والله المستعان. تذنيب: قال السيد المرتضى قدس الله روحه في التنزيه فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: " ووجدك ضالا فهدى " قلنا: في معنى هذه الآية أجوبة: أولها: أنه أراد وجدك ضالا عن النبوة فهداك إليها، أو عن شريعة الاسلام التي نزلت عليه وامر بتبليغها إلى الخلق، وبإرشاده صلى الله عليه وآله إلى ما ذكرناه أعظم النعمة عليه، فالكلام في الآية خارج مخرج الامتنان والتذكير بالنعم (1). وثانيها: أن يكون أراد الضلال عن المعيشة، وطريق التكسب، يقال للرجل الذي لا يهتدي طريق معيشته ووجه مكسبه: هو ضال لا يدري ما يصنع، ولا أين يذهب فامتن الله عليه بأن رزقه وأغناه وكفاه. وثالثها: وجدك ضالا بين مكة والمدينة عند الهجرة فهداك وسلمك من أعدائك، وهذا الوجه قريب (2) لولا أن السورة مكية، إلا أن يحمل على أن المراد سيجدك (3) على مذهب القرب في حمل الماضي على المستقبل. ورابعها: وجدك مضلولا عنك في قوم لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك، يقال: فلان ضال في قومه وبين أهله إذا كان مضلولا عنه.


(1) زاد في المصدر: وليس لاحد أن يقول: ان الظاهر بخلاف ذلك لانه لابد في الظاهر من تقدير محذوف يتعلق به الضلال، لان الضلال هو الذهاب والانصراف، فلابد من أمر يكون منصرفا عنه، فمن ذهب إلى أنه أراد الذهاب عن الدين فلا بد له من أن يقدر هذه اللفظة ثم يحذفها ليتعلق بها لفظ الضلال، وليس هو في ذلك أولى منا فيما قدرناه وحذفناه. (2) أو وجدك ضالا حين حملتك حليمة إلى مكة كما تقدم قصتها سابقا. (3) في المصدر: لولا أن السورة مكية وهى مقدمة للهجرة إلى المدينة، اللهم الا أن يحمل قوله تعالى: " وجدك " على أنه سيجدك. [ * ]

[ 92 ]

وخامسها: أنه روي في قراءة هذه الآية الرفع: " ألم يجدك يتيم فآوى " * ووجدك ضال فهدى " على أن اليتيم وجده، وكذا الضال، وهذا الوجه ضعيف لان القراءة غير معروفة، لان الكلام يفسد أكثر معانيه (1). فإن قيل: ما معنى " ووضعنا عنك وزرك " قلنا: أما الوزر في اصل اللغة فهو الثقل، وإنما سميت الذنوب بأنها أوزار لانها يثقل كاسبها وحاملها، وإذا كان أصل الوزر ما ذكرناه فكل شئ أثقل الانسان وغمه وكده وجهده جاز أن يسمى وزرا، تشبيها بالوزر الذي هو الثقل الحقيقي، وليس يمتنع أن يكون الوزر في الآية إنما أراد به غمه وهمه صلى الله عليه وآله بما كان عليه قومه من الشرك بأنه كان (2) هو وأصحابه بينهم مستضعفا مقهورا مغمورا، فكل ذلك مما يتعب الفكر ويكد النفس، فلما أن أعلى الله كلمته و نشر دعوته وبسط يده خاطبه بهذا الخطاب تذكيرا له بموقع النعمة عليه ليقابله بالشكر والثناء والحمد، ويقوي هذا التأويل قوله تعالى: " ورفعنا لك ذكرك " وقوله عزوجل " فإن مع العسر يسرا " والعسر بالشدائد والغموم أشبه، وكذلك اليسر بتفريج الكرب وإزالة الهموم والغموم أشبه. فإن قيل: هذا التأويل يبطله أن هذه السورة مكية نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وهو في الحال الذي (3) ذكرتم أنها كانت تغمه من ضعف الكلمة وشدة الخوف من الاعداء (4). قلنا عن هذا السؤال: جوابين (5): أحدهما: أنه تعالى لما بشره بأنه يعلي دينه على الدين كله ويظهره عليه ويشفي من أعدائه غيظه وغيظ المؤمنين به كان بذلك واضعا عنه ثقل غمه بما كان يلحقه من قومه، ومطيبا لنفسه، ومبدلا عسره يسرا، لانه يثق


(1) تنزيه الانبياء 105 و 106. (2) في المصدر: وانه كان. (3) في المصدر: وهو في الحال التى ذكرتم. (4) زاد في المصدر هنا: وقبل أن يعلى الله كلمة المسلمين على المشركين، فلا وجه لما ذكرتموه (5) في المصدر: جوابان. [ * ]

[ 93 ]

بأن وعد الله تعالى حق لا يخلف، فامتن الله عليه بنعمة سبقت الامتنان وتقدمته. والوجه الآخر (1): أن يكون اللفظ وإن كان ظاهره للماضي (2) فالمراد به الاستقبال، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والاستعمال، قال الله تعالى: " ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة (3) " وقال تعالى: " ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك (4) " إلى غير ذلك مما شهرته تغني عن ذكره (5). تذييل: قال المحقق الطوسي قدس الله روحه في التجريد: " ولا تنافي العصمة القدرة ". وقال العلامة نور الله ضريحه في شرحه: اختلف القائلون بالعصمة في أن المعصوم هل يتمكن من فعل المعصية أم لا، فذهب قوم منهم إلى عدم تمكنه من ذلك، وذهب آخرون إلى تمكنه منها، أما الاولون فمنهم من قال: إن المعصوم مختص في بدنه أو نفسه بخاصية تقتضي امتناع إقدامه على المعصية، ومنهم من قال: إن العصمة هي القدرة على الطاعة، وعدم القدرة على المعصية، وهو قول أبي الحسين البصري، وأما الآخرون الذين لم يسلبوا القدرة فمنهم من فسرها بأنه الامر الذي يفعله الله تعالى بالعبد من الالطاف المقربة إلى الطاعات التي يعلم معها أنه لا يقدم على المعصية بشرط أن لا ينتهي ذلك الامر إلى الالجاء، ومنهم من فسرها بأنها ملكة نفسانية لا يصدر عن صاحبها معها المعاصي، وآخرون قالوا: العصمة لطف يفعله الله لصاحبها، لا يكون له معه داع إلى ترك الطاعات، وارتكاب المعصية، وأسباب هذا اللطف امور أربعة: أحدها: أن يكون لنفسه أو لبدنه خاصية تقتضي ملكة مانعة من الفجور، وهذه الملكة مغائرة للفعل. الثاني: أن يحصل له علم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات.


(1) في المصدر: والجواب الاخر. (2) في المصدر: الماضي. (3) الاعراف: 50. (4) الزخرف: 77. (5) تنزيه الانبياء: 114 و 115. [ * ]

[ 94 ]

الثالث: تأكيد هذه العلوم بتتابع الوحي أو الالهام من الله تعالى. الرابع، مؤاخذته على ترك الاولى بحيث يعلم أنه لا يترك مهملا، بل يضيق عليه الامر في غير الواجب من الامور الحسنة، فإذا اجتمعت هذه الامور كان الانسان معصوما، والمصنف رحمه الله اختار المذهب الثاني، وهو أن العصمة لا تنافي القدرة، بل المعصوم قادر على فعل المعصية، وإلا لما استحق المدح على ترك المعصية ولا الثواب، ولبطل الثواب والعقاب في حقه، فكان خارجا عن التكليف، وذلك باطل بالاجماع وبالنقل في قوله تعالى: " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي " انتهى (1). وقال السيد المرتضى رحمه الله في كتاب الغرر والدرر: ما حقيقة العصمة التي يعتقد وجوبها للانبياء والائمة عليهم السلام ؟ وهل هي معنى يضطر إلى الطاعة، ويمتنع من المعصية (2)، أو معنى يضام الاختيار ؟ فإن كان معنى يضطر إلى الطاعة ويمتنع من المعصية فكيف يجوز الحمد والذم لفاعلهما ؟ وإن كان معنى يضام الاختيار فاذكروه ودلوا على صحة مطابقته له ووجوب اختصاص المذكورين به دون من سواهم، فقد قال بعض المعتزلة: إن الله تعالى عصم أنبياءه بالشهادة لهم بالاستعصام، كما ضلل قوما بنفس الشهادة (3)، فإن يكن ذلك هو المعتمد أنعم بذكره ودل على صحته وبطلان ما عساه فعله من الطعن عليه، وإن يكن باطلا دل على بطلانه وصحة الوجه المعتمد فيه دون ما سواه. الجواب: اعلم أن العصمة هي اللطف الذي يفعله الله تعالى، فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح، فيقال على هذا: إن الله عصمه بأن فعل له ما اختار عنده العدول عن القبيح، ويقال: إن العبد معصوم، لانه اختار عند هذا الداعي الذي فعل له، الامتناع من القبيح، وأصل العصمة في موضوع اللغة: المنع، يقال: عصمت فلانا من السوء: إذا منعت من حلوله به، غير أن المتكلمين أجروا هذه اللفظة على من امتنع باختياره عند اللطف الذي يفعله الله تعالى به، لانه إذا فعل به ما يعلم أنه يمتنع عنده من فعل القبيح


(1) شرح التجريد: 204 و 205. (2) في المصدر: ويمنع من المعصية. وكذا فيما بعده. (3) في المصدر: بنفس الشهادة عليهم بالضلال.

[ 95 ]

فقد منعه من القبيح، فأجروا عليه لفظة المانع قهرا وقسرا، وأهل اللغة يتعارفون ذلك أيضا ويستعملونه، لانهم يقولون فيمن أشار على غيره برأي فقبله منه مختارا واحتمى بذلك من ضرر يلحقه وسوء يناله: إنه حماه من ذلك الضرر ومنعه وعصمه منه، وإن كان ذلك على سبيل الاختيار. فان قيل: أفتقولون فيمن لطف له بما اختار عنده الامتناع من فعل واحد قبيح: إنه معصوم ؟ قلنا: نقول ذلك مضافا ولا نطلقه، فنقول: إنه معصوم من كذا، ولا نطلق فيوهم أنه معصوم من جميع القبائح، ونطلق في الانبياء والائمة عليهم السلام العصمة بلا تقييد، لانهم (1) لا يفعلون شيئا من القبائح بخلاف ما تقوله المعتزلة من نفي الكبائر عنهم دون الصغائر فإن قيل: فإذا كان تفسير العصمة ما ذكرتم فالأعصم الله جميع المكلفين وفعل بهم ما يختارون عنده الامتناع من القبائح ؟ قلنا: كل من علم الله أن له لطفا يختار عنده الامتناع من القبائح فإنه لابد أن يفعل به وإن لم يكن نبيا ولا إماما، لان التكليف يقتضي فعل اللطف على ما دل عليه في مواضع كثيرة، غير أنه يكون في المكلفين (2) من ليس في المعلوم أن شيئا متى فعل اختار عنده الامتناع من القبيح، فيكون هذا المكلف لا عصمة له في المعلوم ولا لطف، وتكليف من لا لطف له يحسن ولا يقبح، وإنما القبيح منع اللطف فيمن له لطف مع ثبوت التكليف، فأما قول بعضهم: إن العصمة هي الشهادة من الله تعالى بالاستعصام فباطل، لان الشهادة لا تجعل الشئ على ما هو به، وإنما تتعلق به على ما هو على، لان الشهادة هي الخبر، والخبر عن كون الشئ على صفة لا يؤثر في كونه عليها، فتحتاج أولا إلى أن يتقدم لنا العلم بأن زيدا معصوم أو معتصم ونوضح عن معنى ذلك، ثم تكون الشهادة من بعد مطابقة لهذا العلم، وهذا بمنزلة من سأل عن حد المتحرك فقال: هو الشهادة بأنه متحرك، أو المعلوم أنه على هذه الصفة، وفي هذا البيان كفاية لمن تأمله. انتهى (3)


(1) في المصدر: لانهم عندنا لا يفعلون. (2) في المصدر: غير أنه لا يمتنع أن يكون في المكلفين. (3) الغرر والدرر: 393 و 394 ط إيران وطبعت تلك المسألة مستقلة بعنوان مسألة في العصمة ضمن عدة من الكتب المسماة بكلمات المحققين راجع ص 203 من تلك المجموعة. [ * ]

[ 96 ]

وقال الصدوق رحمه الله في رسالة العقائد: اعتقادنا في الانبياء والرسل والملائكة و الائمة صلوات الله عليهم أجمعين أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى العصمة عنهم في شئ من أحوالهم فقد جهلهم، واعتقادنا فيهم أنهم موصوفون بالكمال والعلم من أوائل امورهم إلى أواخرها، لا يوصفون في شئ من أحوالهم بنقص ولا جهل (1). وقال الشيخ المفيد رفع الله درجته في شرح هذا الكلام: العصمة من الله لحججه هي التوفيق واللطف، والاعتصام من الحجج بهما عن الذنوب والغلط في دين الله، والعصمة تفضل من الله تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمته، والاعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، بل هي الشئ الذى يعلم الله تعالى أنه إذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصية له، وليس كل الخلق يعلم هذا من حاله، بل المعلوم منهم ذلك هم الصفوة والاخيار، قال الله تعالى: " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى (2) " الآية، وقال: " ولقد اخترناهم على علم على العالمين (3) " وقال: " وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار (4) " والانبياء والائمة صلوات الله عليهم من بعدهم معصومون في حال نبوتهم وإمامتهم من الكبائر والصغائر كلها، والعقل يجوز عليهم ترك مندوب إليه على غير التعمد للتقصير والعصيان، ولا يجوز عليهم ترك مفترض، إلا أن نبينا صلى الله عليه وآله والائمة صلوات الله عليهم من بعده كانوا سالمين من ترك المندوب والمفترض قبل حال إمامتهم عليهم السلام وبعدها، وأما الوصف لهم بالكمال في كل أحوالهم فإن المقطوع به كما لهم في جميع أحوالهم التي كانوا فيها حججا لله تعالى على خلقه، وقد جاء الخبر بأن رسول الله صلى الله عليه وآله والائمة من ذريته عليهم السلام كانوا حججا لله تعالى منذ أكمل عقولهم إلى أن قبضهم، ولم يكن لهم قبل أحوال التكليف أحوال نقص وجهل


(1) اعتقادات الصدوق: 108 و 109. فيه بعد قوله فقد جهلهم: ومن جهلهم فهو كافر. (2) الانبياء: 101. (3) الدخان: 32. (4) ص: 47. [ * ]

[ 97 ]

وأنهم يجرون مجرى عيسى ويحيى عليهما السلام في حصول الكمال لهم مع صغر السن وقبل بلوغ الحلم، وهذا أمر تجوزه العقول ولا تنكره، وليس إلى تكذيب الاخبار سبيل، و الوجه أن نقطع على كمالهم عليهم السلام في العلم والعصمة في أحوال النبوة والامامة، ونتوقف في ما قبل ذلك وهل كانت أحوال نبوة وإمامة أم لا، ونقطع على أن العصمة لازمة لهم منذ أكمل الله عقولهم إلى أن قبضهم عليهم السلام انتهى (1). وسيأتي مزيد توضيح لتلك المقاصد في كتاب الامامة إن شاء الله تعالى. باب 16 * (سهوه ونومه صلى الله عليه وآله عن الصلاة) * الايات: الانعام " 6 ": وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين 68. الكهف " 18 ": واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى ربي أن يهدين (2) لاقرب من هذا رشدا 24. الاعلى " 87 ": سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله 6 و 7. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " قيل: الخطاب له والمراد غيره، ومعنى " يخوضون " يكذبون بآياتنا وديننا، والخوض: التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب، وترك التفهم والتبين " فأعرض عنهم " أي فاتركهم ولا تجالسهم " حتى يخوضوا في حديث غيره " أي يدخلوا في حديث غير الاستهزاء بالقرآن " وإما ينسينك الشيطان " أي وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم " فلا تقعد بعد الذكرى " أي بعد ذكرك نهينا وما يجب عليك من الاعراض " مع القوم الظالمين "


(1) تصحيح الاعتقادات: 60 و 61. (2) هكذا في النسخ الصحيح كما في المصحف الشريف: عسى أن يهدين ربى. [ * ]

[ 98 ]

يعني في مجالس الكفار والفساق الذين يظهرون التكذيب بالقرآن والآيات والاستهزاء بذلك، قال الجبائي: وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الامامية في جواز التقية على الانبياء والائمة، وأن النسيان لا يجوز على الانبياء، وهذا القول غير صحيح ولا مستقيم، لان الامامية إنما تجوز التقية على الامام فيما يكون عليه دلالة قاطعة توصل إلى العلم ويكون المكلف مزاح العلة في تكليفه ذلك، فأما ما لا يعرف إلا بقول الامام من الاحكام ولا يكون على ذلك دليل إلا من جهته فلا يجوز عليه التقية فيه، وهذا كما إذا تقدم من النبي صلى الله عليه وآله بيان في شئ من أحكام الشريعة، فإنه يجوز منه أن لا يبين في حال اخرى لامته ذلك الشئ إذا اقتضته المصلحة، وأما النسيان والسهو فلم يجوز وهما عليهم فيما يؤدونه عن الله تعالى، فأما ما سواه فقد جوزوا عليهم أن ينسوه أو يسهو عنه ما لم يؤد ذلك إلى إخلال بالعقل، وكيف لا يكون كذلك وقد جوزوا عليهم النوم و الاغماء وهما من قبيل السهو، فهذا ظن منه فاسد، وبعض الظن إثم انتهى كلامه رحمه الله (1). وفيه من الغرابة ما لا يخفى، فإنا لم نر من أصحابنا من جوز عليهم السهو مطلقا في غير التبليغ، وإنما جوز الصدوق وشيخه الاسهاء من الله لنوع من المصلحة، ولم أر من صرح بتجويز السهو الناشي من الشيطان عليهم، مع أن ظاهر كلامه يوهم عدم القول بنفي السهو مطلقا بين الامامية، إلا أن يقال: مراده عدم اتفاقهم على ذلك، وأما النوم فستعرف ما فيه، فالاصوب حمل الآية على أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله ظاهرا، والمراد غيره، أو هو من قبيل الخطاب العام (2) كما عرفت في الآيات السابقة في الباب المقدم، و العجب أن الرازي تعرض لتأويل الآية مع أنه لا يأبى عن ظاهره مذهبه: وهو رحمه الله أعرض عنه. قال الرازي في تفسيره: إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد غيره، وقيل: الخطاب لغيره، أي إذا رأيت أيها السامع " الذين يخوضون في آياتنا " ونقل الواحدي أن


(1) مجمع البيان 4: 316 و 317. (2) ولا يشمله عمومه، والا فيعود المحذور. [ * ]

[ 99 ]

المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وآله والقرآن، فشتموا واستهزؤا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انتهى (1). وأما النسيان في الآية الثانية فيحتمل (2) أن يكون المراد به الترك، كما ورد كثيرا في الآيات، وهو مصرح به في كتب اللغة، والآية الثالثة إخبار بعدم النسيان، وأما الاستثناء بالمشية فقال البيضاوي: " إلا ما شاء الله " نسيانه بأن ينسخ تلاوته، و قيل: المراد به القلة والندرة، لما روي أنه صلى الله عليه وآله أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب ابي أنها نسخت فسأله فقال: نسيتها، أو نفي النسيان رأسا فإن القلة تستعمل للنفي انتهى (3). وقال الرازي في تفسيره: قال الواحدي: " سنقرئك " أي سنجعلك قاريا بأن نلهمك القراءة " فلا تنسى " ما تقرؤه وكان جبرئيل لا يفرغ من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله مخافة النسيان، فقال الله: " سنقرئك فلا تنسى " أي سنعلمك هذا القرآن حتى تحفظه، ثم ذكروا في كيفية ذلك وجوها: أحدها: أن جبرئيل سيقرأ عليك القرآن مرات حتى تحفظه حفظا لا تنساه. وثانيها: أنا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظه بالمرة الواحدة حفظا لا تنساه (4)، وقيل: قوله: " فلا تنسى " معناه النهي، والالف مزيدة للفاصلة، يعني فلا تغفل عن قراءته وتكريره (5) أما قوله: " إلا ما شاء الله " ففيه احتمالان: أحدهما: أن يقال: هذه الاستثناء غير حاصل في الحقيقة، وأنه لم ينس بعد نزول


(1) مفاتيح الغيب 4: 92. (2) احتمال بعيد لا يوافق سياق الآية ومعناها. (3) أنوار التنزيل 2: 598. (4) في المصدر: وثالثها: انه تعالى لما أمره في أول السورة بالتسبيح فكأنه تعالى قال: واظب على ذلك ودم عليه، فانا سنقرؤك القرآن الجامع لعلوم الاولين والاخرين، ويكون فيه ذكرك وذكر قومك، ونجمعه في قلبك، ونيسرك لليسرى وهو العمل به. (5) في المصدر: والقول المشهور أن هذا خبر، والمعنى سنقرؤك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان. [ * ]

[ 100 ]

هذه الآية شيئا، فذكره إما للتبرك، أو لبيان أنه لو أراد أن يصيره ناسيا لذلك لقدر عليه، حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل الله تعالى، أو لان يبالغ في التثبت والتيقظ والتحفظ في جميع المواضع، أو يكون الغرض منع النسيان، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهيمى فيما أملك إلا فيما شاء الله، ولا يقصد استثناء. وثانيهما: أن يكون استثناء في الحقيقة بأن يكون المراد إلا ما شاء الله أن تنسى ثم تذكر بعد ذلك، كما روي أنه صلى الله عليه وآله نسي في الصلاة آية، أو يكون المراد بالانساء النسخ، أو يكون المراد القلة والندرة، ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع، بل من الآداب والسنن انتهى (1). 1 - يب: الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته، قال: يستقبل الصلاة (2)، قلت: فيما يروي الناس، فذكر له حديث ذي الشمالين، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبرح من مكانه، ولو برح استقبل (3). 2 - يب: الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن الحسين بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى ركعتين، ثم قام فذهب في حاجته، قال: يستقبل الصلاة، قلت، فما بال رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستقبل حين صلى ركعتين، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينفتل من موضعه (4). 3 - يب: سعد عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنا صلينا المغرب فسها الامام فسلم في الركعتين فأعدنا الصلاة، فقال: لم أعدتم ؟ أليس قد انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله في الركعتين فأتم بركعتين، ألا أتممتم (5).


(1) مفاتيح الغيب 8: 410، وذكر المصنف معنى كلامه. (2) في المصدر والوسائل: ثم قام قال: يستقبل. (3) تهذيب الاحكام 1: 234، وفيه: لاستقبل خ ل. (4) تهذيب الاحكام: 1: 234، وفيه: لم ينتقل (لم ينفتل خ ل). (5) تهذيب الاحكام 1: 186 و 187 وفيه: في ركعتين. [ * ]

[ 101 ]

4 - يب: سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن سيف بن عميرة، عن الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله سها فسلم في ركعتين، ثم ذكر حديث ذي الشمالين، فقال: ثم قام فأضاف إليها ركعتين (1). 5 - يب: سعد، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر خمس ركعات، ثم انفتل، فقال له بعض القوم: يارسول الله هل زيد في الصلاة شئ ؟ فقال: وما ذاك ؟ قال: صليت بنا خمس ركعات، قال: فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس، ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم، وكان يقول: هما المرغمتان (2). 6 - يب: أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي جميلة، عن زيد الشحام قال: قال: إن نبي الله صلى بالناس ركعتين، ثم نسي حتى انصرف، فقال له ذو الشمالين: يارسول الله أحدث في الصلوة شئ ؟ فقال: أيها الناس أصدق ذو الشمالين ؟ فقالوا: نعم لم تصل إلا ركعتين، فقام فأتم ما بقي من صلاته (3). 7 - يب: محمد بن أحمد بن يحيى، عن موسى بن عمر بن يزيد، عن ابن سنان، عن أبى سعيد القماط قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى - وساقه إلى أن قال عليه السلام: - كل ذلك واسع، إنما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة فإنما عليه أن يبني على صلاته، ثم ذكر سهو النبي صلى الله عليه وآله (4).


(1) تهذيب الاحكام 1: 186، وللحديث صدر هو هكذا: قال: صليت بأصحابى المغرب، فلما أن صليت ركعتين سلمت، فقال بعضهم: انما صليت ركعتين فأعدت، فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام فقال: لعلك أعدت ؟ فقلت: نعم، فضحك ثم قال: انما كان يجزيك أن تقوم وتركع ركعة، ان رسول الله صلى الله عليه وآله اه‍. (2) تهذيب الاحكام: 236. (3) وللحديث صدر لم يورده المصنف. فراجع. التهذيب 1: 236 و 237. (4) التهذيب 1: 237. [ * ]

[ 102 ]

8 - يب محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام هل سجد رسول الله صلى الله عليه وآله سجدتي السهو قط ؟ فقال: لا ولا سجدهما (1) فقيه (2). أقول: قال الشيخ رحمه الله في التهذيب بعد إيراد هذا الخبر: الذي افتي به ما تضمنه هذا الخبر (3)، فأما الاخبار التي قدمناها من أن النبي صلى الله عليه وآله سها فسجد فإنها موافقة للعامة، وإنما ذكرناها لان ما يتضمنه من الاحكام معمول بها على ما بيناه (4) وقال رحمه الله في مقام آخر في الجمع بين الاخبار: مع أن في الحديثين الاولين ما يمنع من التعلق بهما، وهو حديث ذي الشمالين وسهو النبي صلى الله عليه وآله، وهذا مما تمنع العقول منه (5). وقال رحمه الله في الاستبصار بعد ذكر خبرين من الاخبار السابقة: مع أن في الحديثين ما يمنع من التعلق بهما، وهو حديث ذي الشمالين وسهو النبي صلى الله عليه وآله، وذلك مما يمنع منه الادلة القاطعة في أنه لا يجوز عليه السهو والغلط (6). وقال الصدوق رحمه الله في الفقيه: إن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وآله ويقولون: لو جاز أن يسهو صلى الله عليه وآله في الصلاة جاز أن يسهو في التبليغ لان الصلاة عليه فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة، وهذا لا يلزمنا، وذلك لان جميع الاحوال المشتركة يقع على النبي صلى الله عليه وآله فيها ما يقع على غيره، وهو متعبد بالصلاة كغيره ممن ليس بنبي، وليس كل من سواه بنبي كهو، فالحالة التي اختص بها هي النبوة، والتبليغ من شرائطها، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع في الصلاة،


(1) يسجدهما خ ل. (2) التهذيب 1: 236. (3) والخبر أقوى مما تقدم سندا، وفيما تقدم دليل على أن هذا المضمون كان مشهورا بين العامة، فالاخبار واردة في شرح ما يقولونه. (4) التهذيب 1: 236. (5) التهذيب 1: 187. (6) الاستبصار 1: 371. [ * ]

[ 103 ]

لانها عبادة مخصوصة، والصلاة عبادة مشتركة، وبها يثبت له العبودية، وبإثبات النوم له عن خدمة ربه عزوجل من غير إرادة له وقصد منه إليه نفي الربوبية عنه، لان الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الله الحي القيوم، وليس سهو النبي صلى الله عليه وآله كسهونا، لان سهوه من الله عزوجل وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ ربا معبودا دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا، وسهونا من الشيطان وليس للشيطان على النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام سلطان، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذينهم به مشركون، وعلى من تبعه من الغاوين، ويقول الدافعون لسهو النبي: إنه لم يكن في الصحابة من يقال له: ذو اليدين، وإنه لا أصل للرجل ولا للخبر، وكذبوا، لان الرجل معروف وهو أبو محمد عمير بن عبد عمر المعروف بذي اليدين، فقد نقل عنه المخالف والموافق، وقد أخرجت عنه أخبارا في كتاب وصف قتال القاسطين بصفين، وكان شيخنا محمد بن الحسن ابن أحمد بن الوليد يقول: أول درجة من الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله، ولو جاز أن يرد الاخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن يرد جميع الاخبار، وفي ردها إبطال الدين والشريعة، وأنا أحتسب الاجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي صلى الله عليه وآله والرد على منكريه إن شاء الله (1). 9 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل نسي أن يصلي الصبح حتى طلعت الشمس، قال: يصليها حين يذكرها، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم صلاها حين


(1) من لا يحضره الفقيه: 97 و 98. أقول: حاصل كلام الصدوق قدس الله روحه الشريف أن ما يجوز السهو عليه إسهاء الله إياه لمصلحة كنفى الربوبية عنه وإثبات أنه بشر مخلوق، وإعلام الناس حكم سهوهم في العبادات وأمثاله، وأما السهو الذى يعترينا من الشيطان فانه صلى الله عليه وآله وسلم منه برئ وهو ينزهه عن ذلك، وليس للشيطان عليه سلطان ولا سبيل، فبذلك يعلم أن ما اشتهر من أن الصدوق رحمه الله كان من القائلين بجواز السهو على النبي صلى الله عليه وآله باطل غير صحيح بل هو من القائلين بتنزهه عن ذلك، وقضية الاسهاء لمصلحة الامة مما أخذه عن الاخبار المتقدمة و الاتية. وسيأتى من المصنف ايعاز إلى ضعف ذلك ايضا. [ * ]

[ 104 ]

استيقظ، ولكنه تنحى عن مكانه ذلك ثم صلى (1). 10 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن سعيد الاعرج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: نام رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصبح والله عزوجل أنامه حتى طلعت الشمس عليه، وكان ذلك رحمة من ربك للناس، ألا ترى لو أن رجلا نام حتى طلعت (2) الشمس لعيره الناس وقالوا: لا تتورع (3) لصلاتك، فصارت اسوة وسنة، فإن قال رجل لرجل: نمت عن الصلاة، قال: قد نام رسول الله صلى الله عليه وآله، فصارت اسوة و رحمة، رحم الله سبحانه بها هذه الامة (4). 11 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة ابن مهران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بالناس الظهر ركعتين ثم سها فسلم، فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله أنزل في الصلاة شئ ؟ فقال: وما ذلك (5) ؟ فقال: إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتقولون مثل قوله ؟ قالوا: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فأتم بهم الصلاة وسجد بهم سجدتي السهو، قال: قلت: أرأيت من صلى ركعتين وظن أنهما (6) أربعا فسلم وانصرف ثم ذكر بعد ما ذهب أنه إنما صلى ركعتين، قال: يستقبل الصلاة من أولها، قال: قلت: فما بال رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستقبل الصلاة وإنما أتم بهم ما بقي من صلاته ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبرح من مجلسه، فإن كان لم يبرح من مجلسه فليتم ما نقص من صلاته إذا كان قد حفظ الركعتين الاولتين (7).


(1) فروع الكافي 1: 81. (2) في المصدر: حتى تطلع. (3) تفرغ خ ل. (4) فروع الكافي 1: 81. (5) ذلك خ ل وهو الموجود في التهذيب. (6) أنهما أربع خ ل، وهو الموجود في التهذيب. (7) فروع الكافي 1: 98 و 99. [ * ]

[ 105 ]

يب: الحسين بن سعيد، عن الحسن، عن ذرعة، عن سماعة مثله (1). 12 - كا: العدة، عن البرقي، عن منصور بن العباس، عن عمرو بن سعيد، عن الحسن ابن صدقة قال: قلت لابي الحسن الاول عليه السلام أسلم رسول الله صلى الله عليه وآله في الركعتين الاولتين ؟ فقال: نعم قلت: وحاله حاله ؟ قال: إنما أراد الله عزوجل أن يفقههم (2). 13 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن النعمان، عن سعيد الاعرج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سلم في ركعتين، فسأله من خلفه يارسول الله صلى الله عليه وآله أحدث في الصلاة شئ ؟ ! قال: وما ذاك ؟ قالوا: إنما صليت ركعتين، فقال: أكذاك يا ذا اليدين ؟ وكان يدعى ذا الشمالين، فقال: نعم: فبنى على صلاته فأتم الصلاة أربعا، وقال: إن الله هو الذي أنساه رحمة للامة، ألا ترى لو أن رجلا صنع هذا لعير، وقيل: ما تقبل صلاتك، فمن دخل عليه اليوم ذاك قال: قد سن رسول الله صلى الله عليه وآله وصارت اسوة، وسجد سجدتين لمكان الكلام (3). 14 - ن: تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام يا ابن رسول الله إن في الكوفة (4) قوما يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم الله، إن الذي لا يسهو هو الله لا إله إلا هو الخبر (5). 15 - سن: جعفر بن محمد بن الاشعث، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: صلى النبي صلى الله عليه وآله صلاة، وجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال لاصحابه هل أسقطت شيئا في القرآن (6) ؟ قال: فسكت القوم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أفيكم ابي ابن كعب ؟ فقالوا: نعم، فقال: هل أسقطت فيها بشئ ؟ قال: نعم يارسول الله إنه كان كذا وكذا، فغضب صلى الله عليه وآله ثم قال: ما بال أقوام يتلى عليهم كتاب الله فلا يدرون ما يتلى عليهم


(1) التهذيب 1: 235. (2 و 3) فروع الكافي 1: 99. (4) في المصدر: في سواد الكوفة. (5) عيون الاخبار: 326. (6) في المصدر: هل أسقطت شيئا في القراءة ؟. [ * ]

[ 106 ]

منه ولا يترك ؟ ! هكذا هلكت بنوا إسرائيل، حضرت أبدانهم، وغابت قلوبهم، ولا يقبل الله صلاة عبد لا يحضر قلبه مع بدنه (1). بيان: أقول: في هذا الحديث مع ضعف سنده إشكال من حيث اشتماله على التعيير بأمر مشترك (2)، إلا أن يقال: إنه صلى الله عليه وآله إنما فعل ذلك عمدا لينبههم على غفلتهم، و كان ذلك لجواز الاكتفاء ببعض السورة (3) كما ذهب إليه كثير من أصحابنا، أو لان الله تعالى أمره بذلك في خصوص تلك الصلاة لتلك المصلحة، والقرنية عليه ابتداؤه صلى الله عليه وآله بالسؤال، أو يقال: إنما كان الاعتراض على إتفاقهم على الغفلة واستمرارهم عليها. 16 - ير: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل للنبي صلى الله عليه وآله خمسة أرواح: روح الحياة، فيه دب ودرج (4)، وروح القوة فيه نهض وجاهد، وروح الشهوة فيه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الايمان فيه أمر وعدل، وروح القدس فيه حمل النبوة، فإذا قبض النبي صلى الله عليه وآله انتقل روح القدس، فصار في الامام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يسهو، والاربعة الارواح تنام وتلهو وتغفل وتسهو، وروح القدس ثابت يرى به ما في شرق الارض وغربها وبرها وبحرها، قلت: جعلت فداك يتناول الامام ما ببغداد بيده ؟ قال: نعم وما دون العرش (5). ختص: سعد، عن إسماعيل بن محمد البصري، عن عبد الله بن إدريس مثله. أقول: سيأتي أخبار كثيرة في أن روح القدس لا يلهو ولا يسهو ولا يلعب. 17 - يه: الحسن بن محبوب، عن الرباطي، عن سعيد الاعرج قال،: سمعت


(1) المحاسن: 260 و 261. (2) وهو النسيان. (3) وقد يمكن أن يقال: انه قرأ سورة بتمامها، وآيات من سورة اخرى. (4) دب: مشى على اليدين والرجلين درج: مشى. يقال: هو أكذب من دب ودرج أي أكذب الاحياء والاموات. (5) بصائر الدرجات: 134. [ * ]

[ 107 ]

أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى أنام رسول الله صلى الله عليه وآله عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم قام فبدأ فصلى الركعتين اللتين قبل الفجر، ثم صلى الفجر وأسهاه في صلاته، فسلم في الركعتين، ثم وصف ما قاله ذو الشمالين، وإنما فعل ذلك به رحمة لهذه الامة، لئلا يعير الرجل المسلم إذا هو نام عن صلاته أو سها فيها فقال: قد أصاب ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله (1). أقول: قال الشهيد رحمه الله في الذكرى: روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة قال: فقدمت الكوفة فأخبرت الحكم بن عتيبة وأصحابه فقبلوا ذلك مني، فلما كان في القابل لقيت أبا جعفر عليه السلام فحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وآله عرس في بعض أسفاره وقال: من يكلؤنا (2) فقال بلال: أنا، فنام بلال وناموا حتى طلعت الشمس، فقال: يا بلال ما أرقدك ؟ فقال: يارسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بأنفاسكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قوموا فتحولوا عن مكانكم الذي أصابكم فيه الغفلة، وقال: يا بلال أذن، فأذن، فصلى رسول الله ركعتي الفجر وأمر أصحابه فصلوا ركعتي الفجر، ثم قام فصلى بهم الصبح، ثم قال: من نسي شيئا من الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله عزوجل يقول: " وأقم الصلاة لذكري (3) " قال زرارة: فحملت الحديث إلى الحكم وأصحابه، فقال: نقضت حديثك الاول، فقدمت على أبي جعفر عليه السلام فأخبرته بما قال القوم، فقال: يا زرارة ألا أخبرتهم أنه قد فات الوقتان جميعا، وأن ذلك كان قضاء من رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم قال الشهيد رحمه الله: ولم أقف على راد لهذا الخبر من حيث توهم القدح في العصمة، وقد روى العامة عن أبي قتادة وجماعة من الصحابة في هذه الصورة أن النبي صلى الله عليه وآله امر بلالا فأذن فصلى ركعتي الفجر ثم أمره فأقام فصلى صلوة الفجر انتهى (4).


(1) من لا يحضره الفقيه: 119. (2) أي من يحرسنا ؟ (3) طه: 14. (4) الذكرى: 134. [ * ]

[ 108 ]

وقال شيخنا البهائي قدس الله روحه بعد نقل هذا الخبر وخبر ابن سنان: وربما يظن تطرق الضعف إليهما لتضمنهما لما يوهم القدح في العصمة، لكن قال شيخنا في الذكرى أنه لم يطلع على راد لهما من هذه الجهة، وهو يعطي تجويز الاصحاب صدور ذلك و أمثاله عن المعصوم، وللنظر فيه مجال واسع انتهى. تبيين: اعلم بعدما أحطت خبرا بما أسلفناه من الاخبار والاقوال أنا قد قدمنا القول في عصمة الانبياء صلوات الله عليهم في كتاب النبوة، وذكرت هناك أن أصحابنا الامامية أجمعوا على عصمة الانبياء والائمة صلوات الله عليهم من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمدا وخطأ ونسيانا قبل النبوة والامامة وبعدهما: بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه، ولم يخالف فيه إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد قدس الله روحهما فجوزا الاسهاء من الله تعالى، لا السهو الذي يكون من الشيطان، ولعل خروجهما لا يخل بالاجماع، لكونهما معروفي النسب، وأما السهو في غير ما يتعلق بالواجبات و المحرمات كالمباحات والمكروهات فظاهر أكثر أصحابنا أيضا الاجماع على عدم صدوره عنهم، ويدل على جملة ذلك كونه سببا لتنفير الخلق منهم، ولما عرفت من بعض الآيات والاخبار في ذلك، لاسيما في أقوالهم عليهم السلام لقوله تعالى: " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى (1) " وقوله تعالى: " إن أتبع إلا ما يوحى إلي (2) " ولعموم ما دل على التأسي بهم عليهم السلام في جميع أقوالهم وأفعالهم، وما ورد في وجوب متابعتهم، وفي الخبر المشهور عن الرضا عليه السلام في وصف الامام " فهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد أمن من الخطاء والزلل والعثار " وسيأتي في تفسير النعماني في كتاب القرآن بإسناده عن إسماعيل بن جابر، عن الصادق عليه السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام في بيان صفات الامام قال: " فمنها أن يعلم الامام المتولي عليه أنه معصوم من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، لا


(1) النجم: 3 و 4. (2) الانعام: 50. [ * ]

[ 109 ]

يزل في الفتيا ولا يخطئ في الجواب، ولا يسهو ولا ينسى، ولا يلهو بشئ (1) من أمر الدنيا - وساق الحديث الطويل إلى ان قال: - وعدلوا عن أخذ الاحكام من أهلها ممن فرض الله طاعتهم (2) ممن لا يزل ولا يخطئ ولا ينسى (3) " وغيرها من الاخبار الدالة بفحاويها على تنزههم عنها، وكيف يسهو في صلاته من كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولم يغير النوم منه شيئا، ويعلم ما يقع في شرق الارض وغربها، ويكون استغراقه في الصلاة بحيث لا يشعر بسقوط الرداء عنه ولا ما يقع عليه. وقال المحقق الطوسي رحمه الله في التجريد: ويجب في النبي صلى الله عليه وآله العصمة ليحصل الوثوق، فيحصل الغرض، ولوجوب متابعته وضدها، وللانكار عليه، وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو، وكلما ينفر عنه من دناءة الآباء وعهر (4) الامهات والفظاظة والغلظ والابنة وشبهها والاكل على الطريق وشبهه (5). وقال العلامة الحلي قدس الله روحه في شرح الكلام الاخير، أي يجب في النبي كمال العقل وهو ظاهر، وأن يكون في غاية الذكاء والفطنة وقوة الرأي بحيث لا يكون ضعيف الرأي، مترددا في الامور متحيرا، لان ذلك من أعظم المنفرات عنه، وأن لا يصح عليه السهو لئلا يسهو عن بعض ما امر بتبليغه، وأن يكون منزها عن دناءة الآباء وعهر الامهات، لان ذلك منفر عنه، وأن يكون منزها عن الفظاظة والغلظة لئلا تحصل النفرة عنه، وأن يكون منزها عن الامراض المنفرة نحو الابنة، وسلس الريح، والجذام والبرص، وعن كثير من المباحات الصارفة عن القبول منه القادحة في تعظيمه نحو الاكل على الطريق وغير ذلك، لان كل ذلك مما ينفر عنه، فيكون منافيا للغرض من البعثة انتهى (6).


(1) في المصدر: ولا يلهوه شئ من امور الدنيا. (2) في المصدر: ممن فرض الله طاعته على عباده. (3) تفسير النعماني: 79 و 124 (4) العهر: الزناء والفجور. (5 و 6) شرح التجريد: 195. [ * ]

[ 110 ]

وقال المحقق رحمه الله في النافع: والحق رفع منصب الامامة عن السهو في العبادة (1). وقال الشيخ المفيد نور الله ضريحه فيما وصل إلينا من شرحه على عقائد الصدوق رضي الله عنه: فأما نص أبي جعفر رحمه الله بالغلو على من نسب مشايخ القميين وعلمائهم إلى التقصير فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلو الناس إذا، وفي جملة المشار إليهم بالشيخوخية والعلم من كان مقصرا، وإنما يجب الحكم بالغلو على من نسب المحققين إلى التقصير، سواء كانوا من أهل قم أو غيرها من البلاد، وسائر الناس، وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد رحمه الله لم نجد لها دافعا في التقصير، وهي ما حكي عنه أنه قال: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله الامام عليه السلام، فإن صحت هذه الحكاية عنه فهو مقصر، مع أنه من علماء القميين ومشيختهم انتهى كلامه زاد الله إكرامه (2). وقال العلامة رحمه الله في المنتهى في مسألة التكبير في سجدتي السهو: احتج المخالف بما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ثم كبر وسجد، والجواب: هذا الحديث عندنا باطل لاستحالة السهو على النبي صلى الله عليه وآله (3). وقال في مسألة اخرى: قال الشيخ: وقول مالك باطل لاستحالة السهو على النبي صلى الله عليه وآله (4). وقال الشهيد رحمه الله في الذكرى: وخبر ذي اليدين متروك بين الامامية لقيام الدليل العقلي على عصمة النبي صلى الله عليه وآله عن السهو، لم يصر إلى ذلك غير ابن بابويه (5).


(1) النافع: 45. (2) تصحيح الاعتقادات: 65 و 66. (3) منتهى المطلب 1: 418. (4) منتهى المطلب 419 1. (5) الذكرى: 215. [ * ]

[ 111 ]

فإذا عرفت ذلك فلنتكلم فيما تقدم من الاخبار فإنها مع كثرتها مشتملة على سهو النبي صلى الله عليه وآله فحملها الاكثر على التقية لاشتهارها بين العامة، وبعضهم طرحها لاختلافها ومخالفتها لاصول المذهب من حيث ترك النبي صلى الله عليه وآله الصلاة الواجبة وإن كان سهوا، وإخباره بالكذب في قوله: " كل ذلك لم يكن " على ما رواه المخالفون، وعدم الاعادة مع التكلم فيها عمدا، وفي بعضها مع الاستدبار على ما رووه، ولمخالفتها لموثقة ابن بكير أن النبي صلى الله عليه وآله لم يسجد للسهو قط، وحملها على أنه صلى الله عليه وآله إنما فعل ذلك عمدا بأمره تعالى لتعليم الامة أو لبعض المصالح بعيد، وكذا حمل الكلام على الاشارة أبعد. قال العلامة رحمه الله في المنتهى والتذكرة بعد إيراد الخبر الذى رواه المخالفون عن أبي هريرة في قضية ذي اليدين: والجواب أن هذا الحديث مردود من وجوه: أحدها: أنه يتضمن إثبات السهو في حق النبي صلى الله عليه وآله وهو محال عقلا، وقد بينا في كتب الكلام. الثاني: أن أبا هريرة أسلم بعد أن مات ذو اليدين بسنتين، فإن ذا اليدين قتل يوم بدر وذلك بعد الهجرة بسنتين، وأسلم أبو هريرة بعد الهجرة بسبع سنين، واعترض على هذا بأن الذي قتل يوم بدر ذو الشمالين واسمه عبد بن (1) عمرو بن نضلة الخزاعي،


(1) في المصدر: عبد بن عمر، وفى أسد الغابة 3: 330: عبد عمرو بن نضلة الخزاعى، وقال في ج 2: 141: ذو الشمالين واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن غبشان بن سليم بن مالك بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، ثم قال بعد كلام في نسبه: وأسلم وشهد بدرا وقتل بها قتله اسامة الجشمى، وهذا ليس بذى اليدين الذى ذكر في السهو في الصلاة، لان ذا الشمالين قتل ببدر، والسهو في الصلاة شهده أبو هريرة، وكان اسلامه بعد بدر بسنين. وقال في ص 145: ذو اليدين واسمه الخرباق من بنى سليم، كان ينزل بذى جشب من ناحية المدينة، وليس هوذا الشمالين، ذو الشمالين خزاعي حليف لبنى زهرة قتل يوم بدر وذو اليدين عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين، وشهده أبو هريرة لما سها رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة: فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد بدر بأعوام، فهذا يبين لك أن ذااليدين الذى راجع النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة يومئذ ليس بذى الشمالين، وكان الزهري على علمه بالمغازي يقول: انه ذو الشمالين المقتول ببدر، وأن قصة ذو الشمالين كانت قبل بدر إه‍. [ * ]

[ 112 ]

وذو اليدين عاش بعد وفات النبي صلى الله عليه وآله ومات في أيام معاوية، وقبره بذي خشب، واسمه الخرباق، والدليل عليه أن عمران بن حصين روى هذا الحديث فقال فيه: فقام الخرباق فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يارسول الله ؟ واجيب بأن الاوزاعي روى فقال: فقام ذو الشمالين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يارسول الله صلى، وذو الشمالين قتل يوم بدر لا محالة، وروى الاصحاب أن ذا اليدين كان يقال له: ذو الشمالين رواه سعيد الاعرج عن أبي عبد الله عليه السلام. الثالث: أنه روي في هذا الخبر أن ذا اليدين قال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله، فقال: " كل ذلك لم يكن " وروي أنه صلى الله عليه وآله قال: " إنما السهو (2) لكم " وروي أنه قال: " لم انس ولم تقصر الصلاة " انتهى (2). وروى الحسين بن مسعود من علماء المخالفين في شرح السنة بإسناده عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يارسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يارسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الناس فقال: أصدق ذو اليدين ؟ فقالوا: نعم، فأتم رسول الله صلى الله عليه وآله ما بقي من صلاته ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم. ثم قال: هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم عن قتيبة، عن مالك، وأخرجاه من طرق عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. وبالاسناد عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه واله إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا قال: - فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة (3) في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، و وضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الايمن على ظهر كفه


(1) في المنتهى: أسهو لابين لكم. (2) منتهى المطلب 1: 308، التذكرة 1: الفصل الثالث في التروك. (3) أي موضوعة بالعرض. [ * ]

[ 113 ]

اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: أقصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه، وفي القوم رجل في يده طول يقال له: ذو اليدين، فقال: يارسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: أكما قال ذو اليدين ؟ فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم ثم كبر وسجوده مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر ثم كبر، فربما سألوه: ثم سلم ؟ فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم عن عمرو الناقد وغيره، عن ابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين. وقوله: خرجت السرعان هم المنصرفون عن الصلاة بسرعة، واحتج الاوزاعي بهذا الحديث على أن كلام العمد إذا كان من مصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة، لان ذااليدين تكلم عامدا، فكلم النبي صلى الله عليه وآله القوم عامدا والقوم أجابوا رسول الله صلى الله عليه وآله بنعم عامدين مع علمهم بأنهم لم يتموا الصلاة، ومن ذهب إلى أن غير كلام الناسي يبطل الصلاة زعم أن هذا كان قبل تحريم الكلام في الصلاة ثم نسخ، ولا وجه لهذا الكلام من حيث أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة وحدوث هذا الامر إنما كان بالمدينة، لان راويه أبو هريرة وهو متأخر الاسلام وقد رواه عمران بن حصين وهجرته متأخرة، فأما كلام القوم فروي عن ابن سيرين أنهم أومأوا أي نعم، ولو صح أنهم قالوا بألسنتهم فكان ذلك جوابا لرسول الله صلى الله عليه وآله، وإجابة الرسول لا يبطل الصلاة، وأما ذو اليدين فكلامه كان على تقدير النسخ وقصر الصلاة، وكان الزمان زمان نسخ، فكان كلامه على هذا التوهم في حكم كلام الناسي، وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله جرى على أنه أكمل الصلاة، فكان في حكم الناسي، وقوله: " لم أنس " دليل على أن من قال ناسيا: لم أفعل كذا وكان فعل لا يعد كاذبا، لان الخطأ والنسيان عن الانسان مرفوع. وبسند آخر عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يده طول فقال: أقصرت الصلاة ؟ فخرج مغضبا يجر رداءه، فقال: أصدق هذا ؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم، [ * ]

[ 114 ]

ثم سجد سجدتين ثم سلم، ولم يذكروا التشهد، وفي الحديث دليل على أن من تحول عن القبلة ساهيا لا إعادة عليه انتهى. أقول: لا يخفى عليك الاختلاف الواقع بيننا وبينهم في نقل هذا الخبر، ففي أكثر أخبارنا أنها كانت صلاة الظهر، وفي أكثر أخبارهم أنها كانت صلاة العصر، وفي بعض أخبارهم أنه سلم عن ركعتين، وفي بعضها أنه سلم عن ثلاث، وفي بعضها أنه صلى الله عليه واله دخل منزله، وهو متضمن للاستدبار المبطل عندنا مطلقا، وفي بعضها ما ظاهره أنه كان في موضع الصلاة إلى غير ذلك من الاختلافات التي تضعف الاحتجاج بالخبر. وقال الآبي في إكمال الاكمال بعض شروح صحيح مسلم في قوله: فقام ذو اليدين وفي رواية: رجل من بني سليم، وفي رواية: رجل يقال له: الخرباق، وكان في يده طول وفي رواية: رجل بسيط اليدين قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة العصر فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين، وفي رواية: صلاة الظهر. قال المحققون: هما قضيتان، وفي حديث عمران بن الحصين: وسلم في ثلاث ركعات من العصر، فهذه قضية ثالثة في يوم آخر، وفي قوله: " كل ذلك لم يكن " تأويلان: أحدهما: لم يكن المجموع، ولا ينفي وجود أحدهما. والثاني: وهو الصواب: لم يكن ذاك ولاذا في ظني بل ظني أني أكملت الصلاة أربعا، ثم قال: وهذا يدل على جواز النسيان في الافعال والعبادات على الانبياء، وأنهم لا يقرون عليه، ونقلوا عن الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، قالوا: ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخر الاسلام عن بدر، لان الصحابي قد يروي ما لا يحضره، بأن يسمعه من النبي صلى الله عليه وآله أو صحابي آخر (1). ثم أطال الكلام في ذلك إلى أن قال: وأما قولهم: إن ذا اليدين قتل يوم بدر فغلط، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين، ولسنا ندافعهم أن ذا الشمالين قتل يوم بدر، لان ابن إسحاق وغيره من أهل السير ذكروه فيمن قتل يوم بدر، قال ابن إسحاق ذوا


(1) لكن حديثه حيث روى مفصلا كما مر عن ابن سيرين آنفا نص على حضوره عند النبي حيث يقول فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كانه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى الخ افلا تراه كيف يتورع في نقل الحالات لئلا يفوته الامانة في الحديث ؟ ! [ * ]

[ 115 ]

الشمالين هو عمير بن عمرو بن غيشان من خزاعة، قال أبو عمرو: فذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل حضور أبي هريرة، وما ذكرنا من قصة ذي اليدين أن المتكلم رجل من بني سليم كما ذكره مسلم، وفي رواية ابن الحصين اسمه الخرباق، فذوا اليدين الذي شهد السهو سلمي، وذوا اليدين المقتول ببدر خزاعي يخالفه في الاسم والنسب (1) انتهى وقال القاضي عياض في كتاب الشفاء: اعلم أن الطواري من التغيرات والآفات على آحاد البشر لا تخلو أن تطرأ على جسمه أو على حواسه بغير قصد واختيار، كالامراض والاسقام، أو بقصد واختيار، وكله في الحقيقة عمل وفعل، ولكن جرى رسم المشايخ بتفصيله إلى ثلاثة أنواع: عقد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وجميع البشر تطرأ عليهم الآفات والتغييرات بالاختيار وبغير الاختيار في هذه الوجوه كلها، والنبي صلى الله عليه وآله وإن كان من البشر ويجوز على جبلته صلى الله عليه وآله ما يجوز على جبلة البشر فقد قامت البراهين القاطعة وتمت كلمة الاجماع على خروجه عنهم، وتنزيهه عن كثير من الآفات التي تقع على الاختيار وعلى غير الاختيار، فأما حكم عقد قلب النبي صلى الله عليه وآله من وقت نبوته فاعلم أن ما تعلق منه بطريق التوحيد والعلم بالله وصفاته والايمان به و بما أوحى إليه فعلى غاية المعرفة، ووضوح العلم واليقين، والانتفاء عن الجهل بشئ من ذلك أو الشك أو الريب فيه، والعصمة من كل ما يضاد المعرفة بذلك واليقين هذا ما وقع عليه إجماع المسلمين، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الانبياء سواه (2) وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف، والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته، والشك في شئ من ذلك (3). وأما ما عدا هذا الباب من عقود قلوبهم فجماعها أنها مملوة علما ويقينا على الجملة وأنها قد احتزت (4) من المعرفة بامور الدين والدنيا ما لا شئ فوقه (5) واعلم أن الامة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وآله من الشيطان، وكفايته منه، لا في جسمه بأنواع الاذى،


(1) والتحقيق ان الرجل واحد وهو المقتول ببدر فراجع كتاب ابى هريرة للسيد شرف الدين ره (2) شرح الشفاء 2: 173 و 174. (3) شرح الشفاء 2: 199 و 200. (4) في المصدر: قد احتوت. (5) شرح الشفاء 2: 209. [ * ]

[ 116 ]

ولا على خاطره بالوساوس (1) وأما أقواله صلى الله عليه وآله فقامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه، وأجمعت الامة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الاخبار عن شئ منها بخلاف ما هو به لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا وغلطا (2) وأما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الاخبار التي لا مستند لها إلى الاحكام ولا أخبار المعاد ولا تضاف إلى وحي بل في امور الدنيا وأحوال نفسه فالذي يجب تنزيه النبي صلى الله عليه وآله عن أن يقع خبره في شئ من ذلك بخلاف مخبره لا عمدا ولا سهوا ولا غلطا، وأنه معصوم من ذلك في حال رضاه وفي حال سخطه وجده ومزحه وصحته ومرضه، ودليله اتفاق السلف وإجماعهم عليه، وذلك أنا نعلم من ديدن الصحابة وعادتهم ومبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت، وعن أي شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد في شئ منها ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا (3). وأيضا فإن الكذب متى عرف من أحد في شئ من الاخبار بخلاف ما هو على أي وجه كان استريب بخبره، واتهم في حديثه، ولم يقع قوله في النفوس موقعا، ثم قال: و الصواب تنزيه النبوة عن قليله وكثيره، وسهوه وعمده، إذ عمدة النبوة البلاغ، والاعلام والتبيين، وتجويز شئ من هذا قادح في ذلك مشكك. ثم قال: فإن قلت: فما معنى قوله صلى الله عليه وآله في حديث السهو: كل ذلك لم يكن، فاعلم أن للعلماء في ذلك أجوبة: أما على القول بتجويز الوهم والغلط فيما ليس طريقه من القول البلاغ وهو الذي زيفناه فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه، وأما على مذهب من يمنع السهو والنسيان في أفعاله جملة، ويرى أنه في مثل هذا عامد بصورة النسيان ليسن فهو صادق في خبره، لانه لم ينس ولا قصرت، وهو قول مرغوب عنه، وأما على إحالة السهو عليه في الاقوال وتجويز السهو عليه فيما ليس طريقه القول ففيه أجوبة: منها أنه صلى الله عليه وآله أخبر عن اعتقاده وضميره، أما إنكار القصر فحق وصدق باطنا و


(1) شرح الشفاء 2: 213. (2) شرح الشفاء 2: 222. (3) شرح الشفاء 2: 242 و 243. [ * ]

[ 117 ]

ظاهرا، وأما النسيان فأخبر صلى الله عليه وآله عن اعتقاده وأنه لم ينس في ظنه، فكأنه قصد بهذا الخبر عن ظنه ومنها: أن قوله: " لم أنس " راجع إلى السلم، أي أني سلمت قصدا، وسهوت عن العدد. ومنها: أن المراد لم يجتمع القصر والنسيان، بل كان أحدهما، ومفهوم اللفظ خلافه. ومنها: أن المراد ما نسيت ولكن انسيت كما ورد في الحديث: " لست أنسي ولكن انسي. ومنها: أنه نفى النسيان وهو غفلة وآفة، ولكنه سها، والسهو إنما هو شغل بال (1). وأما ما يتعلق بالجوارح من الاعمال فأجمع المسلمون على عصمة الانبياء عليهم السلام من الفواحش والكبائر الموبقات، وأما الصغائر فجوزها جماعة من السلف وغيرهم على الانبياء، وذهب طائفة اخرى إلى الوقف، وذهب طائفة اخرى من المحققين (2) من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر أيضا، وقال بعض أئمتنا: ولا يجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها، إذ يلحقها ذلك بالكبائر، ولا في صغيرة أدت إلى إزالة الحشمة، وأسقطت المروءة وأوجبت الازراء والخساسة، فهذا أيضا مما يعصم عنه الانبياء إجماعا، وقد ذهب بعضهم إلى عصمتهم من مواقعة المكروه قصدا (3). وقد اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة فمنعها قوم (4)، وجوزها آخرون، والصحيح تنزيههم من كل عيب، وعصمتهم من كل ما يوجب الريب (5). ثم قال: هذا حكم ما يكون المخالفة فيه من الاعمال عن قصد، وما يكون بغير قصد وتعمد كالسهو والنسيان في الوظائف الشرعية فأحوال الانبياء عليهم السلام في ترك المؤاخذة به


(1) شرح الشفاء 2: 245 - 250. (2) وذهبت الطائفة الامامية إلى ذلك. (3) شرح الشفاء 2: 256 - 259. (4) والشيعة الامامية قائلون بعصمتهم عنها أيضا. (5) شرح الشفاء 2: 264. [ * ]

[ 118 ]

وكونه ليس بمعصية لهم مع اممهم سواء، ثم ذلك على نوعين: ما طريقه البلاغ وتعليم الامة بالفعل، وما هو خارج عن هذا مما يختص بنفسه، أما الاول فحكمه عند جماعة من العلماء حكم السهو في القول، لا يجوز طروء المخالفة فيها، لا عمدا ولا سهوا، واعتذروا عن أحاديث السهو بتوجيهات، وإلى هذا مال أبو إسحاق، وذهب الاكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الافعال البلاغية والاحكام الشرعية سهوا وعن غير قصد منه جائز عليه، كما تقرر من أحاديث السهو في الصلاة، وفرقوا بين الاقوال والافعال في ذلك، و القائلون بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط، بل ينبهون عليه، ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح، وقبل انقراضهم، على قول الآخرين، وأما ما ليس طريقه البلاغ ولا بيان الاحكام، من أفعاله صلى الله عليه وآله وما يختص به من امور دينه واذكار قلبه ما لم يفعله ليتبع فيه فالاكثر من طبقات علماء الامة على جواز السهو والغلط فيها على سبيل الندرة، وذهبت طائفة إلى منع السهو النسيان والغفلات والفترات في حقه صلى الله عليه وآله جملة (1)، وهو مذهب جماعة المتصوفة وأصحاب علم القلوب والمقامات انتهى ملخص كلامه (2). وقد بسط القول فيها بما لا مزيد عليه، وإنما أوردت هذه الكلمات منها لتطلع على مذاهبهم في العصمة، فإذا أحطت خبرا بما تلونا عليك فاعلم أن هذه المسألة في غاية الاشكال، لدلالة كثير من الآيات والاخبار على صدور السهو عنهم عليهم السلام، نحو قوله تعالى: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (3) " وقوله تعالى: " واذكر ربك إذا نسيت (4) "، وقوله تعالى: " فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما (5) " وقوله: " فإني نسيت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره (6) " وقوله: " لا تؤاخدني بما نسيت (7) "


(1) وإلى ذلك ذهب أكثر الامامية فيه وفيما قبله. (2) شرح الشفا 2: 267 - 270. (3) طه: 115. (4) الكهف: 24. (5) الكهف: 61. (6) الكهف: 63. (7) الكهف: 73 [ * ]

[ 119 ]

وقوله تعالى: " فلا تنسى * إلا ما شاء الله (1)، " وما أسلفنا من الاخبار وغيرها، وإطباق الاصحاب إلا ما شذ منهم على عدم جواز السهو عليهم، مع دلالة بعض الآيات والاخبار عليه في الجملة، وشهادة بعض الدلائل الكلامية والاصول المبرهنة عليه، مع ما عرفت في أخبار السهو من الخلل والاضطراب، وقبول الآيات للتأويل، والله يهدي إلى سواء السبيل. قال السيد المرتضى قدس الله روحه في كتاب تنزيه الانبياء: فإن قيل: ما معنى قوله: " لا تؤاخذني بما نسيت (2) " وعندكم أن النسيان لا يجوز على الانبياء عليهم السلام ؟ فأجاب بأن فيه وجوها ثلاثة: أحدها: أنه أراد النسيان المعروف، وليس ذلك بعجب مع قصر المدة، فإن الانسان ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب وغير ذلك. والوجه الثاني: أنه أراد لا تؤاخذني بما تركت، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى (2) " أي ترك، وقد روي هذا الوجه عن ابن عباس، عن ابي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال موسى عليه السلام: " لا تؤاخذني بما نسيت (3) " يقول: بما تركت من عهدك. والوجه الثالث: أنه أراد لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان فسماه نسيانا للمشابهة، كما قال المؤذن لاخوة يوسف عليه السلام: " إنكم لسارقون (4) " أي أنكم تشبهون السراق، وإذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها، وإذا حملناه على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيه أن النبي صلى الله عليه وآله إنما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤديه، أو في شرعه، أو في أمر يقتضي التنفير عنه، فأما فيما هو خارج عما ذكرناه فلا مانع من النسيان، ألا ترى أنه إذا نسي أو سها في مأكله أو مشربه على وجه لا يستمر


(1) الاعلى: 6 و 7. (2) طه: 115. (3) الكهف: 73. (4) يوسف: 70. [ * ]

[ 120 ]

ولا يتصل فينسب إلى أنه مغفل أن ذلك غير ممتنع انتهى كلامه رحمه الله (1). ويظهر منه عدم انعقاد الاجماع من الشيعة على نفي مطلق السهو عن الانبياء عليهم السلام وبعد ذلك كله فلا معدل عما عليه المعظم لوثاقة دلائلهم، وكونه أنسب بعلو شأن الحجج عليهم السلام، ورفعة منازلهم، وأما أحاديث النوم عن الصلاة فقد روتها العامة أيضا بطرق كثيرة، كما رواه في شرح السنة بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين قفل (2) خيبر أسرى (3) حتى إذا كان من آخر الليل عرس (4)، وقال لبلال: اكلا لنا الصبح، ونام رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وكلا بلال ما قدر له، ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر، فغلبته عيناه فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله ولا بلال ولا أحد من الركب حتى ضربتهم الشمس، ففزع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بلال، فقال بلال: يارسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فقال رسول الله: اقتادوا، فبعثوا رواحلهم فاقتادوا شيئا، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح، ثم قال حين قضى الصلاة: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: أقم الصلاة لذكري (5). ورواه بأسانيد اخرى بتغيير ما. أقول: ولم أر من قدماء الاصحاب من تعرض لردها إلا شرذمة من المتأخرين ظنوا أنه ينافي العصمة التي ادعوها، وظني أن ما ادعوه لا ينافي هذا، إذ الظاهر أن مرادهم العصمة في حال التكليف والتمييز والقدرة وإن كان سهوا، وإن كان قبل النبوة و الامامة، وإلا فظاهر أنهم عليهم السلام كانوا لا يأتون بالصلاة والصوم وسائر العبادات في حال رضاعهم، مع أن ترك بعضها من الكبائر، ولذا قال المفيد رحمه الله فيما نقلنا عنه: منذ أكمل الله عقولهم، وهذا لا ينافي الاخبار الواردة بأنهم عليهم السلام كانوا من الكاملين في عالم الذر، و يتكلمون في بطون امهاتهم وعند ولادتهم، لان الله تعالى مع أنه أكمل أرواحهم في عالم


(1) تنزيه الانبياء: 84. (2) قفل: رجع من السفر. (3) أسرى: سار ليلا. (4) عرس القوم: نزلوا من السفر للاستراحة ثم يرتحلون. (5) طه 14. [ * ]

[ 121 ]

الذر ويظهر منهم الغرائب في سائر أحوالهم على وجه الاعجاز جعلهم مشاركين مع سائر الخلق في النمو وحالة الصبا والرضاع والبلوغ، وإن كان بلوغهم لكمال عقولهم قبل غيرهم، ولم يكلفهم في حال رضاعهم وعدم تمكنهم من المشي والقيام بالصلاة وغيرها، فإذا صاروا في حد يتأتى ظاهرا منهم الافعال والتروك لا يصدر منهم معصية فعلا وتركا وعمدا وسهوا وحالة النوم أيضا مثل ذلك، ولا يشمل السهو تلك الحالة، لكن فيه إشكال من جهة ما تقدم من الاخبار وسيأتي أن نومه صلى الله عليه وآله كان كيقظته، وكان يعلم في النوم ما يعلم في اليقظة، فكيف ترك صلى الله عليه وآله الصلاة مع علمه بدخول الوقت وخروجه ؟، وكيف عول على بلال في ذلك مع أنه ما كان يحتاج إلى ذلك ؟ فمن هذه الجهة يمكن التوقف في تلك الاخبار، مع اشتهار القصة بين المخالفين. واحتمال صدورها تقية، ويمكن الجواب عن الاشكال بوجوه: الاول: أن تكون تلك الحالة في غالب منامه صلى الله عليه وآله، وقد يغلب الله عليه النوم لمصلحة، فلا يدري ما يقع، ويكون في نومه ذلك كسائر الناس كما يشعر به بعض تلك الاخبار. الثاني: أن يكون مطلعا على ما يقع، لكن لا يكون في تلك الحالة مكلفا بإيقاع العبادات، فإن معظم تكاليفهم تابع لتكاليف سائر الخلق، فإنهم كانوا يعلمون كفر المنافقين ونجاسة أكثر الخلق وأكثر الاشياء وما يقع عليهم وعلى غيرهم من المصائب وغيرها ولم يكونوا مكلفين بالعمل بهذا العلم. الثالث: أن يقال: كان مأمورا في ذلك الوقت من الله تعالى بترك الصلاة لمصلحة مع علمه بدخول الوقت وخروجه. الرابع: أن يقال: لا ينافي اطلاعه في النوم على الامور عدم قدرته على القيام ما لم تزل عنه تلك الحالة، فإن الاطلاع من الروح، والنوم من أحوال الجسد. قال القاضي عياض في الشفاء: فإن قلت: فما تقول في نومه صلى الله عليه وآله عن الصلاة يوم الوادي وقد قال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ؟ فاعلم أن للعلماء في ذلك أجوبة:

[ 122 ]

الاول: أن المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في غالب الاوقات، وقد يندر منه غير ذلك كما يندر من غيره خلاف عادته، ويصحح هذا التأويل قوله في الحديث: " إن الله قبض أرواحنا " وقول بلال فيه: " ما القيت على نومة مثلها قط " ولكن مثل هذا إنما يكون منه لامر يريد الله من إثبات حكم وتأسيس سنة وإظهار شرع، وكما قال في الحديث الآخر: " ولو شاء الله لايقظنا ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم ". والثاني: أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه، لما روي أنه كان ينام حتى ينفخ وحتى يسمع غطيطه، ثم يصلي ولم يتوضأ، وقيل: لا ينام من أجل أنه يوحى إليه في النوم وليس في قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشمس، وليس هذا من فعل القلب، وقد قال عليه السلام: " إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا ". فإن قيل: فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال: اكلالنا الصبح فقيل في الجواب: إنه كان من شأنه صلى الله عليه وآله التغليس بالصبح، ومراعات أول الفجر لا تصح ممن نامت عينه، إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح الظاهرة، فوكل بلالا بمراعات أوله ليعلم بذلك، كما لو شغل بشغل غير النوم عن مراعاته انتهى كلامه (1). ولم نتعرض لما فيه من الخطإ والفساد لظهوره، ولنختم هذا الباب بإيراد رسالة وصلت إلينا تنسب إلى الشيخ السديد المفيد، أو السيد النقيب الجليل المرتضى قدس الله روحهما، وإلى المفيد أنسب، وهذه صورة الرسالة بعينها كما وجدتها. بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي اصطفى محمدا لرسالته، واختاره على علم للاداء عنه، وفضله على كافة خليقته، وجعله قدوة في الدين، وعصمه من الزلات، وبرأه من السيئات، وحرسه من الشبهات، وأكمل له الفضل، ورفعه في أعلى الدرجات، صلى الله عليه وآله الذين بمودتهم تنم الصالحات. وبعد وقفت أيها الاخ وفقك الله لمياسير الامور، ووقانا وإياك المعسور على ما كتبت به في معنى ما وجدته لبعض مشائخك بسنده إلى الحسن بن محبوب، عن الرباطي،


(1) شرح الشفاء 2: 275 و 278. [ * ]

[ 123 ]

عن سعيد الاعرج، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام فيما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وآله من السهو في الصلاة والنوم عنها حتى خرج وقتها، فإن الشيخ الذي ذكرته زعم أن الغلاة تنكر ذلك وتقول: لو جاز أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ، لان الصلوة فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة، فرد هذا القول بأن قال: لا يلزم من قبل أن جميع الاحوال المشتركة يقع على النبي صلى الله عليه وآله فيها ما يقع على غيره، وهو متعبد بالصلاة كغيره من امته - وساق كلام الصدوق إلى آخره نحوا مما أسلفنا - ثم قال: وسألت أعزك الله بطاعته أن اثبت لك ما عندي فيما حكيته عن هذا الرجل، وابين عن الحق في معناه، وإنا نجيبك إلى ذلك، والله الموفق للصواب: اعلم أن الذي حكيت عنه ما حكيت مما قد أثبتناه قد تكلف ما ليس من شأنه، فأبدى بذلك عن نقصه في العلم وعجزه، ولو كان ممن وفق لرشده لما تعرض لما لا يحسنه، ولا هو من صناعته، ولا يهتدي إلى معرفته، لكن الهوى مرد لصاحبه (1)، نعوذ بالله من سلب التوفيق، ونسأله العصمة من الضلال، ونستهديه في سلوك نهج الحق، وواضح الطريق بمنه. الحديث الذي روته الناصبة والمقلدة من الشيعة: " أن النبي صلى الله عليه وآله سها في صلاته فسلم في ركعتين ناسيا، فلما نبه على غلطه فيما صنع أضاف إليهما ركعتين، ثم سجد سجدتي السهو " من أخبار الآحاد التي لا تثمر علما، ولا توجب عملا، ومن عمل على شئ منها فعلى الظن يعتمد في عمله بها دون اليقين، وقد نهى الله تعالى عن العمل على الظن في الدين، وحذر من القول فيه بغير علم يقين، فقال: " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (2) " وقال: " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (3) " وقال: " ولا تقف ما ليس لك به علم إن


(1) قوله: مرد أي مهلك. أقول: يبعد عن الشيخ المفيد بالنسبة إلى شيخه الصدوق ذلك التعبير جدا. (2) البقرة: 169، والاية هكذا: إنما يأمركم - يعنى الشيطان - بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. (3) الزخرف: 86، تمام الاية هكذا: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون. [ * ]

[ 124 ]

السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا (1) " وقال: " وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا (2) " وقال: " إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (3) " وأمثال ذلك في القرآن مما يتضمن الوعيد على القول في دين الله بغير علم، والذم والتهديد لمن عمل فيه بالظن، واللوم له على ذلك، وإذا كان الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله سها من أخبار الآحاد التي من عمل عليها كان بالظن عاملا حرم الاعتقاد لصحته، ولم يجز القطع به، ووجب العدول عنه إلى ما يقتضيه اليقين من كماله صلى الله عليه وآله وعصمته، وحراسة الله له من الخطاء في عمله، والتوفيق له فيما قال وعمل به من شريعته، وفي هذا القدر كفاية في إبطال حكم من حكم على النبي صلى الله عليه وآله بالسهو في صلاته. فصل: على أنهم اختلفوا في الصلاة التي زعموا أنه صلى الله عليه وآله سها فيها، فقال بعضهم هي الظهر وقال بعضهم هي العصر، وقال بعض آخر منهم: بل كانت عشاء الآخرة، و اختلافهم في الصلاة دليل على وهن الحديث، وحجة في سقوطه، ووجوب ترك العمل به وإطراحه. فصل: على أن في الخبر نفسه ما يدل على اختلاقه، وهو ما رووه من أن ذا اليدين قال للنبي صلى الله عليه وآله لما سلم في الركعتين الاوليين من الصلاة الرباعية: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت ؟ فقال صلى الله عليه وآله ما زعم ؟ (4) 6 كل ذلك لم يكن، فنفى صلى الله عليه وآله أن تكون الصلاة قصرت، ونفى أن يكون قد سها فيها، فليس يجوز عندنا وعند الحشوية المجيزين عليه السهو أن يكذب النبي صلى الله عليه وآله متعمدا ولا ساهيا، وإذا كان أخبر أنه لم يسه وكان صادقا في خبره فقد ثبت كذب من أضاف إليه السهو، ووضح بطلان دعواه في ذلك بلا ارتياب فصل: وقد تأول بعضهم ما حكوه من قوله: " كل ذلك لم يكن " على ما يخرجه عن الكذب مع سهوه في الصلاة، بأن قالوا: إنه صلى الله عليه وآله نفى أن يكون وقع الامران معا،


(1) الاسراء: 26. (2) يونس: 36. (3) يونس: 66. (4) هكذا في نسخة المصنف، والصحيح كما في الطبعة الحروفية: على ما زعم. [ * ]

[ 125 ]

يريد أنه لم يجتمع قصر الصلاة والسهو فكان قد حصل أحدهما ووقع. وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أنه لو كان أراد ذلك لم يكن جوابا عن السؤال، والجواب عن غير السؤال لغو لا يجوز وقوعه من النبي صلى الله عليه وآله. والثاني: أنه لو كان كما ادعوه لكان صلى الله عليه وآله ذاكرا به من غير اشتباه في معناه، لانه قد أحاط علما بأن أحد الشيئين كان دون صاحبه، ولو كان كذلك لارتفع السهو الذي ادعوه، وكانت دعواهم باطلة بلا ارتياب، ولم يكن أيضا معنى لمسألته حين سأل عن قول ذى اليدين، وهل هو على ما قال أو على غير ما قال ؟ لان هذا السؤال يدل على اشتباه الامر عليه فيما ادعاه ذو اليدين، ولا يصح وقوع مثله من متيقن لما كان في الحال. فصل، ومما يدل على بطلان الحديث أيضا اختلافهم في جبران الصلاة التي ادعوا السهو فيها، والبناء على ما مضى منها، والاعادة لها، فأهل العراق يقولون: إنه أعاد الصلاة لانه تكلم فيها والكلام في الصلاة يوجب الاعادة عندهم، وأهل الحجاز ومن مال إلى قولهم: يزعمون أنه بنى على ما مضى ولم يعد شيئا ولم يقض، وسجد لسهوه سجدتين، ومن تعلق بهذا الحديث من الشيعة يذهب فيه إلى مذهب أهل العراق، لانه تضمن كلام النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة عمدا، والتفاته عن القبلة إلى من خلفه، وسؤاله عن حقيقة ما جرى، ولا يختلف فقهاؤهم في أن ذلك يوجب الاعادة: والحديث متضمن أن النبي صلى الله عليه وآله بنى على ما مضى ولم يعد، وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في هذا الحديث أدل دليل على بطلانه، وأوضح حجة في وضعه واختلافه. فصل: على أن الرواية له من طريق الخاصة والعامة كالرواية من الطريقين معا أن النبي صلى الله عليه وآله سها في صلاة الفجر وكان قد قرأ في الاولة منهما سورة النجم حتى انتهى إلى قوله: " أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى (1) " فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى * وإن شفاعتهن لترتجي، ثم نبه على سهوه فخر ساجدا،


(1) النجم: 19 و 20. [ * ]

[ 126 ]

فسجد المسلمون، وكان سجودهم اقتداء به، وأما المشركون فكان سجودهم سرورا بدخوله معهم في دينهم، قالوا: وفي ذلك أنزل الله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته (1) " يعنون في قراءته، واستشهدوا على ذلك ببيت من الشعر: تمنى كتاب الله يتلوه قائما * وأصبح ظمآنا ومسد (2) قاريا فصل: وليس حديث سهو النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة أشهر في الفريقين من روايتهم (3) أن يونس عليه السلام ظن أن الله تعالى يعجز عن الظفر به، ولا يقدر على التضييق عليه، و تأولوا قوله تعالى: " فظن أن لن نقدر عليه (4) " على ما رووه، واعتقدوه فيه، وفي أكثر رواياتهم أن داود عليه السلام هوى امرأة اوريا بن حنان، فاحتال في قتله، ثم نقلها إليه، ورواياتهم أن يوسف بن يعقوب عليهما السلام هم بالزنا وعزم عليه، وغير ذلك من أمثاله، ومن رواياتهم التشبيه لله تعالى بخلقه، والتجوير له في حكمه، فيجب على الشيخ الذى سألت أيها الاخ عنه أن يدين الله بكل ما تضمنته هذه الروايات ليخرج بذلك عن الغلو عليما ادعاه، فإن دان بها خرج عن التوحيد والشرع، وإن ردها ناقض في اعتداله وإن كان ممن لا يحسن المناقضة لضعف بصيرته والله نسأل التوفيق. فصل: والخبر المروي أيضا في نوم النبي صلى الله عليه وآله عن صلاة الصبح من جنس الخبر عن سهوه في الصلاة، فإنه من أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، ومن عمل عليه فعلى الظن يعتمد في ذلك دون اليقين: وقد سلف قولنا في نظير ذلك ما يغني عن إعادته في هذا الباب، مع أنه يتضمن خلاف ما عليه عصابة الحق، لانهم لا يختلفون في أن من فاتته صلاة فريضة فعليه أن يقضيها أي وقت ذكرها من ليل أو نهار ما لم يكن الوقت مضيقا لصلاة فريضة حاضرة، وإذا حرم أن يؤدي فريضة قد دخل وقتها ليقضي فرضا قد


(1) الحج: 52، والصحيح كما في المصحف الشريف: من رسول ولا نبى. (2) كذا في نسخة المصنف، واستظهر في الهامش أنه مصحف: وسد. (3) أي رواية العامة وكذا فيما بعده. (4) الانبياء: 87. [ * ]

[ 127 ]

فاته كان حظر النوافل عليه قبل قضاء ما فاته من الفرض أولى، هذا مع الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا صلوة لمن عليه صلاة " يريد أنه لا نافلة لمن عليه فريضة فصل: ولسنا ننكر أن يغلب النوم على الانبياء عليهم السلام في أوقات الصلوات حتى تخرج فيقضوها بعد ذلك وليس عليهم في ذلك عيب ولا نقص، لانه ليس ينفك بشر من غلبة النوم ولان النائم لا عيب عليه، وليس كذلك السهو، لانه نقص عن الكمال في الانسان، وهو عيب يختص به من اعتراه، وقد يكون من فعل الساهي تارة كما يكون من فعل غيره، والنوم لا يكون إلا من فعل الله تعالى، فليس من مقدور العباد على حالة، ولو كان من مقدورهم لم يتعلق به نقص وعيب لصاحبه لعمومه جميع البشر، وليس كذلك السهو، لانه يمكن التحرز منه، ولانا وجدنا الحكماء يجتنبون أن يودعوا أموالهم وأسرارهم ذوي السهو والنسيان ولا يمتنعون من إيداعه من تعتريه الامراض والاسقام، ووجدنا الفقهاء يطرحون ما يرويه ذووا السهو من الحديث إلا أن يشركهم فيه غيرهم من ذوي اليقظة والفطنة والذكاء و الحذاقة، فعلم فرق ما بين السهو النوم بما ذكرناه، ولو جاز أن يسهو النبي صلى الله عليه وآله في صلاته وهو قدوة فيها حتى يسلم قبل تمامها، وينصرف عنها قبل إكمالها، ويشهد الناس ذلك فيه ويحيطوا به علما من جهته لجاز أن يسهو في الصيام حتى يأكل ويشرب نهارا في شهر رمضان بين أصحابه وهم يشاهدونه، ويستدركون عليه الغلط، وينبهونه عليه بالتوقيف على ما جناه، ولجاز أن يجامع النساء في شهر رمضان نهارا، ولم يؤمن عليه السهو في مثل ذلك إلى وطي ذوات المحارم ساهيا، ويسهو في الحج حتى يجامع في الاحرام، ويسعى قبل الطواف، ولا يحيط علما بكيفية رمي الجمار، ويتعدى من ذلك إلى السهو في كل أعمال الشريعة حتى ينقلها عن حدودها، ويضعها في غير أوقاتها، ويأتي بها على غير حقائقها، ولم ينكر أن يسهو عن تحريم الخمر فيشربها ناسيا أو يظنها شرابا حلالا، ثم ينفصل بعد ذلك لما بين عليه من صفتها، ولم ينكر أن يسهو فيما يخبر به عن نفسه وعن غيره ممن ليس بربه بعد أن يكون منصوبا في الاداء، ويكون مخصوصا بالاداء، و تكون العلة في جواز ذلك كله أنها عبادة مشتركة بينه وبين امته، كما كانت الصلاة عبادة مشتركة بينه وبينهم حسب اعتلال الرجل الذي ذكرت أيها الاخ عنه من إعلاله،

[ 128 ]

ويكون ذلك أيضا لاعلام الخلق أنه مخلوق ليس بقديم معبود، وليكون حجة على الغلاة الذين اتخذوه ربا وليكون أيضا سببا لتعليم الخلق أحكام السهو في جميع ما عددناه من الشريعة، كما كان سببا في تعليم الخلق حكم السهو في الصلاة، وهذا ما لا يذهب إليه مسلم ولا غال ولا موحد، ولا يجيزه على التقدير في النبوة ملحد، وهو لازم لمن حكيت عنه ما حكيت فيما أفتى به من سهو النبي صلى الله عليه وآله واعتل به، ودل على ضعف عقله، وسوء اختياره، وفساد تخيله، وينبغي أن يكون كل (1) من منع السهو على النبي صلى الله عليه وآله غاليا خارجا عن حد الاقتصاد، وكفى بمن صار إلى هذا المقال خزيا. فصل: ثم العجب حكمه بأن سهو النبي صلى الله عليه وآله من الله، وسهو من سواه من امته وكافة البشر من غيرها من الشيطان بغير علم فيما ادعاه ولا حجة ولا شبهة يتعلق بها أحد من العقلاء، اللهم إلا أن يدعى الوحي في ذلك، ويتبين به عن ضعف عقله لكافة الالباء ثم العجب من قوله: إن سهو النبي صلى الله عليه وآله من الله دون الشيطان، لانه ليس للشيطان على النبي صلى الله عليه وآله سلطان، وإنما زعم أن سلطانه على الذين يتولونه والذينهم به مشركون وعلى من اتبعه من الغاوين، ثم هو يقول: إن هذا السهو الذي من الشيطان يعم جميع البشر سوى الانبياء والائمة عليهم السلام، فكلهم أولياء الشيطان، وأنهم غاوون، إذ كان للشيطان عليهم سلطان، وكان سهوهم منه دون الرحمن، ومن لم يتيقظ لجهله في هذا الباب كان في عداد الاموات. فصل: فأما قول الرجل المذكور: إن ذا اليدين معروف فإنه يقال له: أبو محمد عمير بن عبد عمرو، وقد روى عنه الناس فليس الامر كما ذكر، وقد عرفه بما يرفع معرفته من تكنيته وتسميته بغير معروف بذلك، ولو أنه يعرفه بذي اليدين لكان اولى من تعريفه بتسميته بعمير، فإن المنكر له يقول له من ذو اليدين ؟ ومن هو عمير ؟ ومن هو عبد عمرو ؟ وهذا كله مجهول غير معروف، ودعواه أنه قد روى الناس عنه دعوى لا برهان عليها، وما وجدنا في اصول الفقهاء ولا الرواة حديثا عن هذا الرجل ولا ذكرا له، ولو كان معروفا كمعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وأمثالهم لكان ما تفرد به غير معمول عليه


(1) استظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: وحكمه بكون كل من منع. [ * ]

[ 129 ]

لما ذكرنا من سقوط العمل بأخبار الآحاد، فكيف وقد بينا أن الرجل مجهول غير معروف، فهو متناقض باطل بما لا شبهة فيه عند العقلاء، ومن العجب بعد هذا كله أن خبر ذي اليدين يتضمن أن النبي صلى الله عليه وآله سها فلم يشعر بسهوه أحد من المصلين معه من بني هاشم والمهاجرين والانصار ووجوه الصحابة وسادات الناس، ولا نظر إلى ذلك وعرفه إلا ذو اليدين المجهول الذي لا يعرفه أحد، ولعله من بعض الاعراب، أو أشعر القوم به فلم ينبهه أحد منهم على غلطه، ولا رأى صلاح الدين والدنيا بذكر ذلك له صلى الله عليه وآله إلا المجهول من الناس، ثم لم يكن يستشهد على صحة قول ذي اليدين فيما خبر به من سهوه إلا أبو بكر وعمر، فإنه سألهما عما ذكره ذو اليدين ليعتمد قولهما فيه، ولم يثق بغيرهما في ذلك، ولا سكن إلى أحد سواهما في معناه، وإن شيعيا يعتمد على هذا الحديث في الحكم على النبي صلى الله عليه وآله بالغلط والنقص وارتفاع العصمة عنه من العباد لناقص العقل، ضعيف الرأي، قريب إلى ذوي الآفات المسقطة عنهم التكليف، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل. هذا آخر ما وجدنا من تلك الرسالة، وكان المنتسخ سقيما، وفيما أورده رحمه الله مع متانته اعتراضات يظهر بعضها مما أسلفنا، ولا يخفى على من أمعن النظر فيها، والله الموفق للصواب.

[ 130 ]

(باب 7) * (علمه صلى الله عليه وآله وما دفع إليه من الكتب والوصايا وآثار) * * (الانبياء عليهم السلام، ومن دفعه إليه وعرض الاعمال) * * (عليه، وعرض امته عليه، وأنه يقدر على معجزات) * * (الانبياء عليه وعليهم السلام. *) 1 - كا: علي بن محمد، عن عبد الله بن علي، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حماد، عن بريد، عن أحدهما عليهما السلام في قول الله عزوجل: " وما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم (1) " فرسول الله أفضل الراسخين في العلم، قد علمه الله عزوجل جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله، والذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم فأجابهم الله بقوله: " يقولون آمنا به كل من عند ربنا (2) " والقرآن خاص وعام ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ، فالراسخون في العلم يعلمونه (3). بيان: قوله: والذين لا يعلمون تأويله، لعل المراد بهم الشيعة: إذا قال العالم فيهم بعلم، أي الراسخون في العلم الذين بين أظهرهم، قوله: فأجابهم الله، الضمير إما راجع إلى الذين لا يعلمون، أي أجاب عنهم ومن قبلهم على الحذف والايصال، أو إلى الراسخون في العلم، أي أجاب الله الراسخين من قبل الشيعة، وسيأتي تمام الكلام فيه في كتاب الامامة. 2 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن أسلم: عن إبراهيم بن أيوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: " إن في ذلك لآيات للمتوسمين (4) " قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله المتوسم، وأنا


(1 و 2) آل عمران: 7. (3) اصول الكافي 1: 213. (4) الحجر: 75. [ * ]

[ 131 ]

من بعده والائمة من ذريتي المتوسمون (1). 3 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تعرض الاعمال على رسول الله صلى الله عليه وآله أعمال العباد كل صباح أبرارها وفجارها، فاحذروها، وهو قول الله عزوجل: " اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله (2) " وسكت (3). بيان: لعل ضميري أبرارها وفجارها راجعان إلى الاعمال، وفيه تجوز، ويحتمل إرجاعهما إلى العباد، وارجاع فاحذروها إلى الاعمال، وفيه بعد (4). 4 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: إن الاعمال تعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله أبرارها وفجارها (5). 5 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، سمعته يقول: ما لكم تسوؤن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال له رجل: كيف نسوؤه ؟ فقال: أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسوؤا رسول الله صلى الله عليه وآله وسروه (6). 6 - كا: محمد، عن أحمد، عن علي بن النعمان (7) رفعه، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام يمصون الثماد، ويدعون النهر العظيم، قيل له: وما النهر العظيم ؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وآله والعلم الذي أعطاه الله، إن الله عزوجل جمع لمحمد صلى الله عليه وآله سنن النبيين من آدم عليه السلام وهلم جرا إلى محمد صلى الله عليه وآله، قيل له: وما تلك السنن ؟ قال: علم


(1) اصول الكافي 1: 218 و 219. (2) التوبة: 105. (3) اصول الكافي: 1: 219. (4) أقول: أبرار جمع بر كافعال جمع فعل وهو الطاعة وفجار كقطام اسم للفجور وضمير فاحذروها راجع إلى فجارها أي فاحذروا الفجور من الاعمال. (5) اصول الكافي 1: 220. (6) اصول الكافي 1: 219. (7) في البصائر: عن بعض الصادقين رفعه. [ * ]

[ 132 ]

النبيين بأسره، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله صير ذلك كله عند أمير المؤمنين عليه السلام (1). ير: أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان مثله (2) بيان: الثماد ككتاب: الماء القليل الذي لا مادة له، أو ماء يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف. 7 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان جميع الانبياء مأة ألف نبي وعشرين ألف نبى (3)، منهم خمسة اولو العزم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وعليهم، وإن علي بن أبي طالب عليه السلام كان هبة الله لمحمد صلى الله عليه وآله، وورث علم الاوصياء وعلم من كان قبله، و أما إن محمدا ورث علم من كان قبله من الانبياء والمرسلين (4). 8 - كا: أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن شعيب الحداد، عن ضريس الكناسي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده ابو بصير فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن داود عليه السلام ورث علم الانبياء، وإن سليمان عليه السلام ورث داود عليه السلام، و إن محمدا صلى الله عليه وآله ورث سليمان عليه السلام (5) وإنا ورثنا محمدا صلى الله عليه وآله، وإن عندنا صحف إبراهيم، وألواح موسى، فقال أبو بصير: إن هذا لهو العلم، فقال: يا با محمد ليس هذا هو العلم (6)، إنما العلم ما يحدث بالليل والنهار يوما بيوم وساعة بساعة (7). ير: أيوب بن نوح، ومحمد بن عيسى، عن صفوان مثله (8).


(1) اصول الكافي 1: 222. (2) بصائر الدرجات: 32 و 33، وللحديث في الكتابين ذيل يأتي في باب علم أمير المؤمنين عليه السلام. (3) تقدم في باب معنى النبوة ما ينافى هذا في العدد. (4) اصول الكافي 1: 224. (5) في البصائر: ورث سليمان عليه السلام وما هناك. (6) زاد في البصائر: إنما هذا الاثر. (7) اصول الكافي 1: 225. (8) بصائر الدرجات: 37، وأورد بعض قطعاته أيضا في ص 94. [ * ]

[ 133 ]

9 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا با محمد إن الله عزوجل لم يعط الانبياء شيئا إلا وقد أعطاه محمدا صلى الله عليه وآله، قال: وقد أعطى محمدا صلى الله عليه وآله جميع ما أعطى الانبياء عليهم السلام، وعندنا الصحف التي قال الله عزوجل: " صحف إبراهيم وموسى (1) " قلت: جعلت فداك هي الالواح ؟ قال: نعم (2). 10 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر أو غيره، عن محمد بن حماد، عن أخيه أحمد، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك أخبرني عن النبي صلى الله عليه وآله ورث النبيين كلهم ؟ قال: نعم قلت: من لدن آدم عليه السلام حتى انتهى إلى نفسه ؟ قال: ما بعث الله نبيا إلا ومحمد صلى الله عليه وآله أعلم منه، قال: قلت: إن عيسى بن مريم عليه السلام كان يحيي الموتى بإذن الله، قال: صدقت، وسليمان بن داود عليه السلام كان يفهم منطق الطير، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقدر على هذه المنازل قال: فقال: إن سليمان ابن داود عليه السلام قال للهدهد حين فقده وشك في أمره فقال: " ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (3) " حين فقده فغضب عليه فقال: " لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (4) " وإنما غضب لانه كان يدله على الماء، فهذا وهو طائر قد اعطي ما لم يعط سليمان، وقد كانت الريح والنمل والجن والانس والشياطين والمردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء، وكان الطير يعرفه، وإن الله يقول في كتابه: " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى (5) " وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال وتقطع به البلدان وتحيى به الموتى ونحن نعرف الماء تحت الهواء، وإن في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر إلا أن يأذن الله به مع ما قد يأذن الله مما كتبه الماضون جعله الله لنا في ام الكتاب، إن الله يقول: " وما من غائبة


(1) الاعلى: 19. (2) اصول الكافي 1: 225. (3) النمل: 20. (4) النمل: 21. (5) الرعد: 31. [ * ]

[ 134 ]

في. السماء والارض إلا في كتاب مبين (1) " ثم قال: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا (2) " فنحن الذين اصطفانا الله عزوجل، وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شئ (3) ". بيان: قوله عليه السلام: مع ما قد يأذن الله، أي أعطانا مع ذلك الاسماء التي كان الانبياء عليهم السلام يتلونها للاشياء فتحصل بإذن الله. 11 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، ومحمد بن خالد، عن زكريا بن عمران القمي، عن هارون بن الجهم، عن رجل من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام لم أحفظ اسمه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن عيسى بن مريم عليه السلام اعطي حرفين كان يعمل بهما، واعطي موسى عليه السلام أربعة أحرف، واعطي إبراهيم عليه السلام: ثمانية أحرف واعطي نوح خمسة عشر حرفا، واعطي آدم خمسة وعشرين حرفا، وإن الله تبارك وتعالى جمع ذلك كله لمحمد صلى الله عليه وآله (4)، وإن اسم الله الاعظم ثلاثة وسبعون حرفا أعطى (5) محمدا صلى الله عليه وآله اثنين وسبعين حرفا، وحجب عنه حرف واحد (6). ير: أحمد مثله (7). 12 - ير: محمد بن عبد الجبار، عن محمد البرقي، عن فضالة، عن عبد الصمد بن بشير عنه عليه السلام مثله (8).


(1) النمل: 75. (2) فاطر: 32. (3) اصول الكافي 1: 226. (4) في البصائر: وإنه جمع الله ذلك لمحمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته. (5) في البصائر: أعطى الله، وفيه في آخر الحديث: حرفا واحد. (6) اصول الكافي 1: 230. (7) بصائر الدرجات: 57. (8) بصائر الدرجات: 57، متن الحديث فيه هكذا: قال: كان مع عيسى بن مريم عليه السلام حرفان يعمل بهما وكان مع موسى عليه السلام أربعة أحرف، وكان مع إبراهيم عليه السلام ستة أحرف، وكان مع آدم عليه السلام خمسة وعشرين حرفا، وكان مع نوح عليه السلام ثمانية، وجمع ذلك كله لرسول الله صلى الله عليه وآله، إن اسم الله ثلاثة وسبعون حرفا، وحجب عنه واحدا. [ * ]

[ 135 ]

أقول: سيأتي مثله في كتاب الامامة بأسانيد. 13 - كا: محمد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السراج عن بشير بن جعفر، عن مفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى آل محمد صلى الله عليه وآله (1). 14 - كا: محد بن أبي عبد الله، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن الحسن بن العباس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قال رجل لابي جعفر عليه السلام: أرأيت قولك في ليلة القدر: وتنزل الملائكة والروح فيها إلى الاوصياء يأتونهم بأمر لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله قد علمه، أو يأتونهم بأمر كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلمه، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وليس من علمه شئ إلا وعلي عليه السلام له واع، قال أبو جعفر عليه السلام: مالي ولك أيها الرجل ؟ ومن أدخلك علي ؟ قال: أدخلني عليك القضاء لطلب الدين، قال: فافهم ما أقول لك: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري به لم يهبط حتى أعلمه الله جل ذكره علم ما قد كان وما سيكون، وكان كثير من علمه ذلك جملا يأتي تفسيرها في ليلة القدر، وكذلك كان علي بن أبي طالب عليه السلام قد علم، جمل العلم، ويأتي تفسيره في ليالي القدر كما كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله، قال السائل: أو ما كان في الجمل تفسير ؟ قال: بلى، ولكنه إنما يأتي بالامر من الله تبارك وتعالى في ليالي القدر إلى النبي صلى الله عليه وآله وإلى الاوصياء افعل كذا وكذا لامر كانوا قد علموه، امروا كيف يعملون فيه، قلت: فسر لي هذا، قال: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وآله إلا حافظا لجملة العلم وتفسيره، قلت: فالذي كان يأتيه في ليالي القدر علم ما هو ؟ قال: الامر، واليسر فيما كان قد علم. والخبر طويل أخذنا منه موضع الحاجة (2). 15 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن يوسف الابزاري، عن المفضل قال لي: قال أبو عبد الله عليه السلام ذات ليلة (3)، وكان لا يكنيني


(1) اصول الكافي 1: 232. (2) اصول الكافي 1: 242 و 251 و 252. (3) في المصدر: ذات يوم. [ * ]

[ 136 ]

قبل ذلك: يا أبا عبد الله، قال قلت: لبيك، قال: إن لنا في كل ليلة جمعة سرورا، قلت: زادك الله وما ذاك ؟ قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله صلى الله عليه وآله العرش، ووافى الائمة عليهم السلام معه، ووافينا معهم، فلا ترد أرواحنا إلى أبدائنا إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لانفدنا (1). 16 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن ثعلبة، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لولا أنا نزداد لانفدنا، قال: قلت: تزدادون شيئا لا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله، قال أما إنه إذا كان ذلك عرض على رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم على الائمة، ثم انتهى الامر إلينا (2) 17 - كا: علي، عن أبيه،، عن ابن أبي عمير: عن ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله برمانتين من الجنة فأعطاه إياهما فأكل واحدة وكسر الاخرى بنصفين، فأعطى عليا عليه السلام نصفها فأكلها، فقال: يا علي أما الرمانة الاولى التي أكلتها فالنبوة، ليس لك فيها شئ، وأما الاخرى فهو العلم فأنت شريكي فيه (3). 18 - ير: أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: قلت له: الائمة يحيون الموتي ويبرؤون الاكمه والابرص ويمشون على الماء ؟ قال: ما أعطى الله نبيا شيئا قط إلا وقد أعطاه محمدا صلى الله عليه وآله وأعطاه ما لم يكن عندهم الخبر (4). 19 - ير: علي بن خالد، عن ابن يزيد، عن عباس الوراق، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن ليث المرادي، عن سدير (5) قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام


(1) اصول الكافي 1: 254. (2) اصول الكافي 1: 255. (3) اصول الكافي 1: 263. (4) بصائر الدرجات: 76. (5) في المصدر: ليث المرادى أنه حدثه عن سدير فأتيته فقلت: فان ليث المرادى حدثنى عنك بحديث، قال: وما هو ؟ قلت: جعلت فداك حديث اليماني، قال: نعم كنت عند أبى جعفر عليه السلام [ * ]

[ 137 ]

فمر بنا رجل من أهل اليمن، فسأله أبو جعفر عليه السلام عن اليمن، فأقبل يحدث، فقال له أبو جعفر عليه السلام: هل تعرف دار كذا وكذا ؟ قال: نعم ورأيتها، قال: فقال له أبو جعفر عليه السلام: هل تعرف صخرة عندها في موضع كذا وكذا ؟ قال: نعم ورأيتها، فقال الرجل: ما رأيت رجلا أعرف بالبلاد منك، فلما قام الرجل قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا أبا الفضل تلك الصخرة التي غضب (1) موسى فألقى الالواح، فما ذهب من التوراة، التقمته الصخرة، فلما بعث الله رسوله ادته إليه وهي عندنا (2). 20 - ير: عن أبي خالد القماط (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عندنا صحف إبراهيم وموسى ورثناها من رسول الله صلى الله عليه وآله (4). 21 - ير: أبو محمد، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن علي بن أسباط، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في الجفر (5) إن الله تعالى لما أنزل ألواح موسى عليه السلام أنزلها عليه وفيها تبيان كل شئ كان وهو كائن إلى أن تقوم الساعة، فلما انقضت أيام موسى أوحى الله إليه أن استودع الالواح وهي زبرجدة من الجنة الجبل، فأتى موسى الجبل فانشق له الجبل فجعل فيه الالواح ملفوفة فلما جعلها فيه انطبق الجبل عليها، فلم تزل في الجبل حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وآله فأقبل ركب من اليمن يريدون النبي صلى الله عليه واله فلما انتهوا إلى الجبل انفرج الجبل، و خرجت الالواح ملفوفة كما وضعها موسى عليه السلام، فأخذها القوم، فلما وقعت في أيديهم القي في قلوبهم أن لا ينظروا إليها وهابوها حتى يأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنزل الله


(1) في المصدر: حيث غضب. (2) بصائر الدرجات: 37 و 38. (3) الحديث: في المصدر مسند، وهو هكذا: حدثنا محمد بن عيسى، عمن رواه عن محمد، قال: حدثنى عبد الله بن إبراهيم الانصاري الهمداني، عن أبى خالد القماط، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: لنا ولادة من رسول الله صلى الله عليه وآله طهر، وعندنا إه‍. (4) بصائر الدرجات: 38. (5) في المصدر وفى غير نسخة المصنف: إن في الجفر. [ * ]

[ 138 ]

جبرئيل على نبيه صلى الله عليه وآله فأخبره بأمر القوم، وبالذي أصابوا، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وآله ابتدأهم النبي صلى الله عليه وآله فسألهم عما وجدوا، فقالوا: وما علمك بما وجدنا ؟ فقال: أخبرني به ربي وهي الالواح، قالوا: نشهد أنك رسول الله صلى الله عليه واله فأخرجوها فدفعوها إليه فنظر إليها وقرأها وكتابها بالعبراني، ثم دعا أمير المؤمنين عليه السلام فقال: دونك هذه، ففيها علم الاولين وعلم الآخرين، وهي ألواح موسى عليه السلام، وقد أمرني ربي أن أدفعها إليك، قال:، يارسول الله لست احسن قراءتها، قال: إن جبرئيل أمرني أن آمرك أن تضعها تحت رأسك ليلتك هذه، فإنك تصبح وقد علمت قراءتها: قال فجعلها تحت رأسه فأصبح وقد علمه الله كل شئ فيها، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله أن ينسخها فنسخها في جلد شاة وهو الجفر، وفيه علم الاولين والآخرين، وهو عندنا، والالواح وعصا موسى عندنا، ونحن ورثنا النبي صلى الله عليه وآله شى: مثله وزاد في آخره: قال: قال أبو جعفر عليه السلام تلك الصخرة التي حفظت ألواح موسى عليه السلام تحت شجرة في واد يعرف بكذا. 22 - ير: محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن صباح المزني عن الحارث بن حصيرة، عن حبة العرني قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن يوشع بن نون عليه السلام كان وصي موسى بن عمران عليه السلام وكانت ألواح موسى من زمرد أخضر، فلما غضب موسى عليه السلام ألقى الالواح من يده، فمنها ما تكسر، ومنها ما بقي، ومنها ما ارتفع، فلما ذهب عن موسى عليه السلام الغضب قال يوشع بن نون: أعندك تبيان ما في الالواح ؟ قال: نعم، فلم يزل يتوارثونها (2) رهط من بعد رهط حتى وقعت في أيدي أربعة رهط من اليمن، وبعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بتهامة وبلغهم الخبر، فقالوا: ما يقول هذا النبي ؟ قيل ينهى عن الخمر والزنا، ويأمر بمحاسن الاخلاق وكرم الجوار، فقالوا: هذا أولى بما في أيدينا منا، فاتفقوا أن يأتوه في شهر كذا وكذا، فأوحى الله إلى جبرئيل ائت النبي فأخبره، فأتاه فقال: إن فلانا وفلانا وفلانا، وفلانا (ظ) ورثوا ألواح موسى عليه السلام


(1) بصائر الدرجات: 38. (2) في المصدر: فلم يزل يتوارثها. [ * ]

[ 139 ]

وهم يأتونك في شهر كذا وكذا، في ليلة كذا وكذا، فسهر لهم تلك الليلة، فجاء الركب فدقوا عليه الباب، وهم يقولون: يا محمد، قال: نعم يا فلان بن فلان، ويافلان بن فلان، ويافلان بن فلان، ويافلان بن فلان، أين الكتاب الذي توارثتموه من يوشع بن نون وصي موسى بن عمران ؟ قالوا نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، والله ما علم به أحد قط منذ وقع عندنا قبلك، قال: فأخذه النبي صلى الله عليه وآله فإذا هو كتاب بالعبرانية دقيق (1) فدفعه إلي، ووضعته عند رأسي، فأصبحت بالغداة (2) وهو كتاب بالعربية جليل فيه علم ما خلق الله منذ قامت السماوات والارض إلى أن تقوم الساعة، فعلمت ذلك (3). بيان: يمكن الجمع بين الخبرين بتحقق الامرين معا، ويحتمل أن يكونا واقعتين لكنه بعيد. 23 - ير: معاوية بن حكيم، عن محمد بن شعيب (4) بن غزوان، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخل عليه رجل من أهل اليمن، فقال: يايماني أتعرف شعب كذا وكذا ؟ قال: نعم، قال له: تعرف شجرة في الشعب صفتها كذا وكذا ؟ قال له: نعم، قال له: تعرف صخرة تحت الشجرة ؟ قال له: نعم، قال: فتلك الصخرة التي حفظت ألواح موسى عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله (5). 24 - ك: أبي وابن الوليد معا عن سعد، عن جماعة من أصحابنا الكوفيين، عن ابن بزيع، عن امية بن علي، عن درست الواسطي أنه سأل أبا الحسن موسى عليه السلام كان رسول الله (6) محجوجا بابى ؟ قال: لا، ولكنه كان مستودعا للوصايا فدفعها إليه قال: قلت: فدفعها إليه على أنه محجوج به فقال: لو كان محجوجا به لما دفع إليه الوصايا، قلت:


(1) رقيق خ ل. (2) في المصدر: فأصبحت بالكتاب. (3) بصائر الدرجات: 39 أقول: تقدم الحديث ملخصا في ج 13: 225 وذكرنا هنا وجه الجمع بين الاحاديث راجع. (4) في المصدر: عن شعيب بن غزوان. (5) بصائر الدرجات: 39. (6) في المصدر والكافي: أكان رسول الله صلى الله عليه وآله. [ * ]

[ 140 ]

فما كان حال ابى ؟ قال: أقر بالنبي صلى الله عليه وآله وبما جاء به ودفع إليه الوصايا ومات ابى من يومه (1). بيان: روى الكليني هذا الخبر عن محمد بن يحيى، عن سعد، عن جماعة من أصحابنا، عن أحمد بن هلال، عن امية بن علي القيسي، عن درست مثله (2)، إلا أن فيه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله محجوجا بأبي طالب، وكذا في آخر الخبر: فما كان حال أبي طالب والظاهر أن أحدهما تصحيف الآخر لوحدة الخبر، ويحتمل أن يكون السائل سئل عن حال كليهما، وكان الجواب واحدا، ثم التعليل الوارد في الخبر فيه إشكال ظاهر، إذ دفع الوصية لا ينافي كونه حجة على النبي صلى الله عليه وآله، كما أن النبي دفع الوصايا إلى أمير المؤمنين عليه السلام عند موته، مع أنه كان حجة عليه، ويمكن أن يتكلف فيه بوجوه: الاول أن يكون المراد بالدفع الدفع قبل ظهور آثار الموت، فإن الامام إنما يدفع الكتب والآثار إلى الامام الذي بعده عندما يظهر له انتهاء مدته، فيكون قوله: ومات ابى من يومه، أي كذا اتفق من غير علمه بذلك، أو يكون ما أعطاه عند موته غير ما أعطاه قبل ذلك، وإنما أعطى عند الموت بقية الوصايا. الثاني: أن يكون المراد بالدفع دفعا خاصا من جهة كونه مستودعا للوصايا، لا من جهة كونها له بالاصالة، ودفعها إلى غيره عند انتهاء حاجته كما صرح عليه السلام أولا بقوله: ولكنه كان مستودعا للوصايا، فالمعنى أنه لو كان كذلك لما دفع إليه الوصايا على هذا الوجه. الثالث: أن يكون المراد بكونه محجوجا بأبي طالب كونه مؤاخذا بسببه، وبأنه


(1) كمال الدين: 374. (2) اصول الكافي 1: 445 أقول: آبى ومثله آبة (بامالة الياء والتاء) من ألقاب علماء النصارى وكان آبى هذا اسمه بالط على ما سيجئ فصحف " ابى بالط " في نسخ الكافي بابى طالب و لو كان ذاك المستودع للوصايا أبا طالب لما أخر الاداء والدفع إلى يوم وفاته ؟ ! بل الظاهر أن الثاني عشر من أوصياء عيسى عليه السلام لما لم يكن له ان يوصى إلى احد استودع الوصايا حين وفاته عند من يوصلها إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله فكان آبى بالط آخر المستودعين الذين تناهت إليهم الوصايا فقدم إلى النبي لاداء الوديعة فدفع الوصايا إليه والدفع انما يقال لايصال الرجل ما ليس له إلى صاحبه فلو كان النبي محجوجا به لما دفع إليه الوصايا مقدما بل كان على النبي ان يقدم إليه لاخذ الوصايا. [ * ]

[ 141 ]

لم يهده إلى الاسلام، فأجاب عليه السلام بأنه كان مسلما وكان من الاوصياء، وكان مستودعا للوصايا وأقر به، ودفع إليه الوصايا، فلم يفهم السائل وقال: فدفع الوصايا يدل على تمام الحجة على أبي طالب، فيكون أبو طالب محجوجا برسول الله صلى الله عليه وآله حيث علم ذلك ودفع إليه الوصايا، ولم يؤمن به، فأجاب عليه السلام بأنه لو كان لم يؤمن به لما دفع إليه الوصايا بل كان مؤمنا. الرابع: أن يكون المحجوج بالمعنى الاول، والضمير في قوله: على أنه راجعا إلى أبي طالب، وفي قوله: (به) إلى النبي صلى الله عليه وآله كما ذكرنا في الوجه الثالث، فالجواب أنه لو كان رعية له لما كان دفع إليه الوصايا، ولا يخفى بعده ومخالفته لآخر الخبر، ولما هو المعلوم من كونه حجة على جميع الخلق، إلا أن يقال: إنه لم يكن حجيته عليه مثل سائر الخلق، لانه كان حاملا للوصايا ودافعها إليه، ولا يخفى ما فيه، وسيأتي بعض القول في هذا الخبر في باب أحوال أبي طالب رضي الله عنه. 25 - ك: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن أبي الخطاب وابن يزيد وأحمد ابن الحسن جميعا عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الذى تناهت إليه وصية عيسى بن مريم عليه السلام يقال له: ابى (1). 26 - ك: ابن الوليد، عن الصفار وسعد معا، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عمن حدثه من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان آخر أوصياء عيسى عليه السلام رجل يقال له: بالط (2). 27 - ك: أبي وابن الوليد معا، عن سعد، عن النهدي ومحمد بن عبد الجبار معا، عن إسماعيل بن سهل، عن ابن أبي عمير، عن درست الواسطي وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان سلمان الفارسي رحمه الله قد أتى غير واحد من العلماء وكان آخر من أتى ابى، فمكث عنده ما شاء الله، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وآله قال ابى: يا سلمان إن صاحبك: الذي قد ظهر (3) بمكة، فتوجه إليه سلمان رحمه الله (4)


(1) كمال الدين: 373، وفيه: رجل يقال له: ابى. (2 و 4) كمال الدين: 373. (3) في المصدر: إن صاحبك الذى تطلبه بمكة قد ظهر. [ * ]

[ 142 ]

28 - سن: أبو إسحاق الخفاف، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان الذي تناهت إليه وصايا عيسى عليه السلام ابى. ورواه عن ابن أبي عمير (1)، عن درست، وزاد فيه: فلما أن أتاه سلمان قال له: إن الذي تطلب قد ظهر اليوم بمكة فتوجه إليه (2). بيان: يحتمل أن يكون بالط وابي واحدا، ويحتمل تعددهما، ويكون الوصايا من عيسى عليه السلام انتهى إليه صلى الله عليه وآله من جهتين، بل من جهات لما سيأتي أنه انتهى إليه من جهة بردة أيضا، وأما أبو طالب فإنه كان من أوصياء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وكان حافظا لكتبهم ووصاياهم من تلك الجهة، لا من جهة بني إسرائيل، وموسى وعيسى عليهما السلام لم يكونا مبعوثين إليهم، بل كانوا على ملة إبراهيم عليه السلام كما مرت الاشارة إليه في كتاب النبوة. 29 - كا: محمد بن الحسن وغيره عن سهل، عن محمد بن عيسى ومحمد بن يحيى، عن محمد ابن الحسين جميعا، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أوصى موسى عليه السلام إلى يوشع بن نون عليه السلام وأوصى يوشع بن نون عليه السلام إلى ولد هارون عليه السلام، ولم يوص إلى ولده ولا إلى ولد موسى عليه السلام، إن الله عزوجل له الخيرة يختار من يشاء ممن يشاء، وبشر موسى ويوشع بالمسيح عليهم السلام، فلما أن بعث الله المسيح عليه السلام قال المسيح عليه السلام لهم: إنه سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد من ولد إسماعيل، يجئ بتصديقي وتصديقكم وعذري وعذركم، وجرت من بعده في الحواريين في المستحفظين، وإنما سماهم الله عزوجل المستحفظين، لانهم استحفظوا الاسم الاكبر، وهو الكتاب الذي يعلم به علم كل شئ الذي كان مع الانبياء صلوات الله عليهم، يقول الله عزوجل: " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وأنزلنا معهم الكتاب والميزان (3) " الكتاب: الاسم الاكبر، وإنما عرف مما يدعى الكتاب التوراة


(1) في المصدر: ورواه عن أبيه: عن ابن أبى عمير. (2) المحاسن: 235. (3) هكذا في النسخ، وفى المصدر: " لقد " بحذف العاطف، وفى المصحف الشريف: " لقد أرسلنا رسلا بالبينات وأنزلنا " والظاهر أن الاية منقولة بالمعنى أو تلفيق من آيتين. [ * ]

[ 143 ]

والانجيل والفرقان فيها كتاب نوح عليه السلام، وفيها كتاب صالح وشعيب وإبراهيم عليهم السلام، فأخبر الله (1) عزوجل " إن هذا لفي الصحف الاولى * صحف إبراهيم وموسى (2) " فأين صحف إبراهيم ؟ إنما (3) صحف إبراهيم عليه السلام الاسم الاكبر، وصحف موسى عليه السلام الاسم الاكبر، فلم تزل الوصية في عالم بعد عالم حتى دفعوها إلى محمد صلى الله عليه وآله، فلما بعث الله عزوجل محمدا أسلم له العقب من المستحفظين، وكذبه بنوا إسرائيل، ودعا إلى الله عزو جل، وجاهد في سبيله (4)، إلى آخر الخبر بطوله، وسيأتي في أبواب النصوص على الائمة عليه السلام. 30 ع: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن محمد بن نصير، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن محمد بن إسماعيل (5)، عن أبي إسماعيل السراج، عن بشر بن جعفر، عن مفضل الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: أتدري ما كان قميص يوسف عليه السلام ؟ قال: قلت: لا، قال: إن إبراهيم عليه السلام لما اوقدت له النار أتاه جبرئيل عليه السلام بثوب من ثياب الجنة وألبسه إياه، فلم يضره معه ريح ولا برد ولا حر، فلما حضر إبراهيم عليه السلام الموت جعله في تميمة (6) وعلقه على إسحاق عليه السلام، وعلقه إسحاق عليه السلام على يعقوب عليه السلام، فلما ولد ليعقوب عليه السلام يوسف علقه عليه، فكان في عضده حتى كان من أمره ما كان، فلما أخرج يوسف عليه السلام القميص من التميمة وجد يعقوب عليه السلام ريحه وهو قوله تعالى، " إني لاجد ربح يوسف لولا أن تفندون (7) " فهو ذلك القميص الذي انزل به من الجنة، قلت: جعلت فداك فإلى من


(1) في المصدر: فأخبره الله. (2) الاعلى: 18 و 19. (3) إن خ ل. (4) اصول الكافي 1: 293. (5) في المصدر: محمد بن إسماعيل السراج، وأسقط كلمة عن أبى إسماعيل، وفيه وهم و سقط من الطابع، والصحيح ما في المتن، ومحمد بن اسماعيل هو ابن بزيع، وأبو إسماعيل هو عبد الله بن عثمان بن عمرو بن خالد الفزارى. (6) التميمة: ما يجعل فيه العوذات ويعلق لدفع العين وغير ذلك. (7) يوسف: 94 [ * ]

[ 144 ]

صار هذا القميص ؟ قال: إلى أهله، وكل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى محمد وآله (1) ير: محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل مثله (2). 31 - ير: ابن معروف، عن حماد، عن حريز، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل علي عليه السلام عن علم النبي صلى الله عليه وآله، فقال: علم النبي صلى الله عليه وآله علم جميع النبيين، وعلم ما كان علم ما هو كائن إلى قيام الساعة (3). أقول: روى السيد في سعد السعود عن محمد بن العباس بن مروان من تفسيره عن عبد الله بن العلاء، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عثمان بن رشيد، عن الحسن بن عبد الله الارجاني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري أن عمار بن ياسر قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: وددت أنك عمرت فينا عمر نوح عليه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا عمار حياتي خير لكم ووفاتي ليس بشر لكم، أما في حياتي فتحدثون وأستغفر الله لكم، وأما بعد وفاتي فاتقوا الله وأحسنوا الصلاة علي وعلى أهل بيتي، وإنكم تعرضون علي بأسمائكم وأسماء آبائكم، وأنسابكم وقبائلكم، فإن يكن خيرا حمدت الله، وإن يكن سوى ذلك استغفرت الله لكم، فقال المنافقون والشكاك والذين في قلوبهم مرض: يزعم أن الاعمال تعرض عليه بعد وفاته بأسماء الرجال وأسماء آبائهم وأنسابهم إلى قبائلهم، إن هذا لهو الافك، فأنزل الله تعالى " قل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " فقيل له: ومن المؤمنون، قال: عامة وخاصة، أما الذي قال الله: " والمؤمنون " فهم آل محمد، ثم قال: " وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (4) " من طاعة ومعصية (5). 32 - ير: أحمد بن إسحاق، عن عبد الله بن حماد، عن سيف التمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ورب الكعبة ورب البيت ثلاث مرات لو كنت بين موسى والخضر عليهما السلام لاخبرتهما أني أعلم منهما، ولانبأتهما بما ليس في أيديهما، لان موسى والخضر عليهما السلام


(1) علل الشرائع: 29. (2) بصائر الدرجات: 52. (3) بصائر الدرجات: 35. (4) التوبة: 105. (5) سعد السعود: 98 وفيه: من طاعة الله ومعصيته. [ * ]

[ 145 ]

اعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما هو كائن، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله اعطي علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فورثناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة (1). 33 - ير: علي بن محمد بن سعيد، عن حمدان بن سليمان (2)، عن عبيدالله بن محمد اليماني (3)، عن مسلم بن الحجاج، عن يونس، عن الحسين بن علوان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله خلق اولي العزم من الرسل وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم، وفضلنا عليهم في علمهم وعلم رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يعلموا، وعلمنا علم الرسول وعلمهم (4). 34 - ير: اليقطيني، عن محمد بن عمر، عن عبد الله بن الوليد السمان قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا عبد الله ما تقول الشيعة في علي وموسى وعيسى عليهم السلام ؟ قال: قلت: جعلت فداك ومن أي الحالات تسألني ؟ قال: أسألك عن العلم فأما الفضل فهم سواء، قال: قلت: جعلت فداك فما عسى أن أقول فيهم ؟ فقال: هو والله أعلم منهما: ثم قال: يا عبد الله أليس يقولون: إن لعلي ما للرسول من العلم ؟ قال: قلت: بلى، قال: فخاصمهم فيه، قال: إن الله تبارك وتعالى قال لموسى: " وكتبنا له في الالواح من كل شئ " فأعلمنا أنه لم يبين له الامر كله، وقال الله تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وآله: " وجئنا بك على هؤلاء " شهيدا * ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ (5). 35 - ير: محمد بن الحسين، عن ابن سنان، عن عمار بن مروان، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أعطى الله محمدا صلى الله عليه وآله مثل ما أعطى آدم عليه السلام فمن دونه من الاوصياء


(1) بصائر الدرجات: 35 صدر الحديث هكذا: سيف التمار قال: كنا مع أبى عبد الله عليه السلام جماعة من الشيعة في الحجر، فقال: علينا عين، فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدا، فقلنا: ليس علينا عين، قال: ورب الكعبة (2) في المصدر: حمدان بن محمد بن سليمان النيسابوري، والظاهر أن الصحيح ما في متن الكتاب، وهو حمدان بن سليمان بن عميرة أبو الخير النيسابوري المعروف بالتاجر. (3) في المصدر: عبد الله بن محمد اليماني ولعله الصحيح، راجع التقريب وتهذيب التهذيب وفى المصدر بعد ذلك: عن يوسف. (4) بصائر الدرجات: 62 وفيه: أورثنا علمهم وفضلهم. (5) بصائر الدرجات: 62. والايتان في النساء: 41 والنحل: 89. [ * ]

[ 146 ]

كلهم، يا جابر هل تعرفون ذلك ؟ (1) 36 - ختص: ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن بكير الهجري، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان هبة الله لمحمد صلى الله عليه وآله ورث علم الاوصياء وعلم ما كان قبله، أما إن محمدا ورث علم من كان قبله من الانبياء والمرسلين (2). 37 - فس: أبي، عن ابن مرار، عن يونس، عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين (3) " قال: كشط له (4) عن الارض ومن عليها، وعن السماء وما فيها، والملك الذي يحملها، والعرش ومن عليه، وفعل ذلك برسول الله صلى الله عليه واله وأمير المؤمنين عليه السلام (5). 38 - ير: أحمد بن محمد، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن ابن مسكان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين " قال: كشط لابراهيم عليه السلام السماوات السبع حتى نظر إلى ما فوق العرش، وكشط له الارض حتى رأى ما في الهواء، وفعل بمحمد صلى الله عليه واله مثل ذلك، وإني لارى صاحبكم و الائمة من بعده قد فعل بهم مثل ذلك. 39 ير: محمد بن عيسى، عن البرقي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: هل رأى محمد صلى الله عليه وآله ملكوت السماوات والارض كما رأى إبراهيم قال: وصاحبكم (6). أقول: سيأتي في كتاب الامامة مثله بأسايند كثيرة. 40 - ير: أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح


(1) يعرفون ذلك خ بصائر الدرجات: 33. (2) الاختصاص: مخطوط. (3) الانعام: 75. (4) كشط الشئ: رفع عنه شيئا قد غشاه. وعن الشئ نزعه وكشف عنه. (5) تفسير القمى: 193. (6) بصائر الدرجات: 30 وفيه: نعم وصاحبكم. [ * ]

[ 147 ]

الكناني، عن أبي جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وفي يده اليمنى كتاب، وفي يده اليسرى كتاب، فنشر الكتاب الذي في يده اليمنى فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب لاهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم، لا يزاد فيهم واحد، ولا ينقص منهم واحد، قال: ثم نشر الذي بيده اليسرى، فقرأ كتاب من الله الرحمن الرحيم، لاهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، لا يزاد فيهم واحد، ولا ينقص منهم واحد (1). 41 - ير: محمد بن عيسى، عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: انتهى النبي صلى الله عليه وآله إلى السماء السابعة وانتهى إلى سدرة المنتهى، قال: فقالت السدرة، ما جازني (2) مخلوق قبلك، ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى، قال: فدفع إليه كتاب أصحاب اليمين وكتاب أصحاب الشمال، فأخذ كتاب أصحاب اليمين بيمينه وفتحه ونظر فيه فإذا فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، قال: وفتح كتاب أصحاب الشمال ونظر فيه فإذا فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم نزل ومعه الصحيفتان فدفعهما إلى علي بن أبي طالب عليه السلام (3). أقول: سيأتي مثله في باب المعراج وكتاب الامامة. 42 - ير: أبو الفضل العلوي، عن سعيد بن عيسى، عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير، عن أبيه، عن شريك بن عبد الله، عن عبد الاعلى (4) عن أبي وقاص، عن سلمان الفارسي قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول في قول الله عزوجل: " إن في ذلك لآيات للمتوسمين (5) " فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يعرف الخلق بسيماهم وأنا بعده المتوسم، والائمة من ذريتي المتوسمون إلى يوم القيامة (6).


(1) بصائر الدرجات: 52. (2) في المصدر: ما جاوزني. (3) بصائر الدرجات: 53. (4) وصفه في المصدر بالتغلبى. (5) الحجر: 75. (6) بصائر الدرجات: 104 و 105. [ * ]

[ 148 ]

43 - لى: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن مقاتل بن سليمان، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا سيد النبيين، ووصيي سيد الوصيين، وأوصيائي سادات الاوصياء، إن آدم عليه السلام سأل الله عزو جل أن يجعل له وصيا صالحا، فأوحى الله عزوجل إليه أني أكرمت الانبياء بالنبوة، ثم اخترت خلقي وجعلت خيارهم الاوصياء، ثم أوحى الله عزوجل إليه يا آدم أوص إلى شيث عليه السلام فأوصى آدم عليه السلام إلى شيث عليه السلام وهو هبة الله بن آدم، وأوصى شيث عليه السلام إلى ابنه شبان وهو ابن نزلة الحوراء التي أنزلها الله على آدم من الجنة فزوجها ابنه شيثا، وأوصى شبان إلى محلث (1)، وأوصى محلث إلى محوق وأوصى محوق إلى عميشا (2)، وأوصى عميشا إلى اخنوخ وهو إدريس النبي عليه السلام، وأوصى إدريس عليه السلام إلى ناحور، ودفعها ناحور إلى نوح النبي عليه السلام، وأوصى نوح إلى سام، وأوصى سام إلى عثامر، وأوصى عثامر إلى برعيثاشا (3) وأوصى برعيثاشا إلى يافث، وأوصى يافث إلى برة، وأوصى برة إلى جفيسة (4)، وأوصى جفيسة إلى عمران، ودفعها عمران إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، وأوصى إبراهيم عليه السلام إلى ابنه إسماعيل عليه السلام، وأوصى إسماعيل إلى إسحاق عليه السلام، وأوصى إسحاق إلى يعقوب عليه السلام، وأوصى يعقوب عليه السلام إلى يوسف عليه السلام، وأوصى يوسف عليه السلام إلى بثريا، وأوصى بثريا إلى شعيب عليه السلام ودفعها شعيب إلى موسى بن عمران، وأوصى موسى بن عمران إلى يوشع بن نون، وأوصى يوشع بن نون إلى داود عليه السلام، وأوصى داود عليه السلام إلى سليمان عليه السلام وأوصى سليمان عليه السلام إلى آصف بن برخيا، وأوصى آصف بن برخيا إلى زكريا عليه السلام، ودفعها زكريا إلى عيسى بن مريم عليه السلام، وأوصى عيسى عليه السلام إلى شمعون بن حمون الصفا عليه السلام، وأوصى شمعون عليه السلام إلى يحيى بن زكريا عليه السلام وأوصى يحيى بن زكريا إلى منذر، وأوصى منذر إلى سليمة (5)، وأوصى سليمة إلى بردة (6)، ثم قال رسول الله


(1) في المصدر: مجلث، وكذا فيما بعده. (2) في المصدر: غثميشا (عثميشاء خ ل) وكذا فيما بعده. (3) في نسخة من المصدر: برعيثاثا. (4) في نسخة من المصدر: جفسية. (5) في اثبات الوصية: سلمة. (6) في اثبات الوصية: برزة، وفيه بعد برزة: أبى بن برزة وبعده دوس بن أبى برزة ثم اسيد بن دوس ثم هوف ثم يحيى بن هوف، ثم محمد صلى الله عليه وآله وسلم [ * ]

[ 149 ]

صلى الله عليه وآله: ودفعها إلي بردة، وأنا أدفعها إليك يا علي، وأنت تدفعها إلى وصيك، ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك، واحد بعد واحد حتى يدفع إلى خير أهل الارض بعدك، ولتكفرن بك الامة ولتختلفن عليك اختلافا شديدا، الثابت عليك كالمقيم معي، والشاذ عنك في النار، والنار مثوى للكافرين (1). أقول: سيأتي الاخبار في ذلك في باب اتصال الوصية من كتاب الامامة. 44 - فس: عن محمد بن الحسن الصفار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أعمال العباد تعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله كل صباح أبرارها وفجارها، فاحذروا فليستحي أحدكم أن يعرض على نبيه العمل القبيح، عنه عليه السلام قال: ما من مؤمن يموت أو كافر يوضع في قبره حتى يعرض عمله على رسول الله وعلى أمير المؤمنين صلوات الله عليهما، وهلم جرا إلى آخر من فرض الله طاعته، فذلك قوله: " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون (2) ". 45 - مع: علي بن عبد الله المذكر، عن علي بن أحمد الطبري، عن الحسن بن علي بن زكريا، عن خراش قال: حدثنا مولاي أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حياتي خير لكم، وموتي خير لكم، أما حياتي فتحدثوني واحدثكم، وأما موتي فتعرض علي أعمالكم عشية الاثنين والخميس، فما كان من عمل صالح حمدت الله عليه، وما كان من عمل سيئ استغفرت الله لكم (3). 46 - فس: أبي، عن حنان، عن أبيه سدير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله مقامي بين أظهركم خير لكم، فإن الله يقول: " وما كان الله ليعذبهم


(1) الامالى: 242، أقول: في الحديث غرابة شديدة لوجوه منها: اشتماله على أسماء غير معروفة غريبة مخالفة لما تقدم في مجلدات قصص الانبياء عليهم السلام، ومنها قلة الواسطة بين يوسف وشعيب عليهما السلام، وبين يوشع وداود عليه السلام وبين سليمان وزكريا عليه السلام وبين يحيى عليه السلام ونبينا محمد صلى الله عليه وآله، وراوي الحديث مقاتل بن سليمان من رجال العامة، وغير موثق عند أصحابنا. (2) تفسير القمى: 279 و 280. والاية في سورة التوبة 105. (3) معاني الاخبار: 117. [ * ]

[ 150 ]

وأنت فيهم (1) " ومفارقتي إياكم خير لكم، فقالوا: يا رسول الله مقامك بين أظهرنا خير لنا فكيف تكون مفارقتك خيرا لنا ؟ قال: إنما مفارقتي (2) إياكم خير لكم فإن أعمالكم تعرض علي كل خميس واثنين فما كان من حسنة حمدت الله عليها، وما كان من سيئة استغفرت الله لكم (3). 47 - ير: محمد بن عبد الحميد، عن المفضل بن صالح، عن زيد الشحام قال: سألته (4) عن أعمال هذه الامة قال: ما من صباح يمضي إلا وهي تعرض على نبي الله أعمال هذه الامة (5). 48 - ير: أحمد بن محمد، عن الاهوازي، عن القاسم بن محمد، عن البطائني، عن ابي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن أبا الخطاب كان يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله تعرض عليه أعمال امته كل خميس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليس هو هكذا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله تعرض عليه أعمال هذه الامة كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروا، وهو قول الله عزوجل: " اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون (6) ". 49 - ير: أحمد بن محمد، عن الوشاء قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: إن الاعمال تعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله أبرارها وفجارها (7). 50 - ير: علي بن إسماعيل، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: الاعمال تعرض كل خميس على رسول الله صلى الله عليه وآله (8). 51 - ير: عبد الله بن جعفر، عن محمد بن عيسى، عن الاهوازي، عن جعفر وفضالة،


(1) إلانفال: 33. (2) في المصدر: أما مفارقتي. (3) تفسير القمى: 254. (4) الضمير راجع اما إلى الباقر أو إلى الصادق عليهما السلام. (5) بصائر الدرجات: 126. (6) بصائر الدرجات: 126، والاية في سورة التوبة: 105. (7) بصائر الدرجات: 126. (8) بصائر الدرجات: 126. [ * ]

[ 151 ]

عن سعيد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أعمال امة محمد صلى الله عليه وآله تعرض على رسول الله صلى الله عليه واله كل خميس، فليستحي أحدكم من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعرض عليه القبيح (1). أقول: سيأتي أخبار كثيرة في ذلك في كتاب الامامة. 52 - ير: أحمد بن موسى، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن يوسف الابزاري، عن المفضل قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام ذات يوم (2): إن لنا في كل ليلة جمعة سرورا قلت: زادك الله وما ذاك ؟ قال: إنه إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله صلى الله عليه وآله العرش، ووافى الائمة عليهم السلام معه، ووافينا معهم، فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد ولولا ذلك لنفد ما عندنا (3). 53 - ير: الحسن بن علي بن معاوية عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن أبي أيوب (4)، عن شريك بن مليح، وحدثني الخضر بن عيسى، عن الكاهلي، عن عبد الله ابن أبى أيوب (5)، عن شريك، عن أبي يحيى الصنعاني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: يا أبا يحيى لنا في ليالي الجمعة لشأن من الشأن، قال: فقلت له: جعلت فداك وما ذلك الشأن ؟ قال: يؤذن لارواح الانبياء الموتى، وأرواح الاوصياء الموتى، وروح الوصي الذي بين ظهرانيكم (6)، يعرج بها إلى السماء حتى توافي عرش ربها، فتطوف بها اسبوعا، وتصلى عند كل قائمة من قوائم العرش ركعتين، ثم ترد إلى الابدان التي كانت فيها


(1) بصائر الدرجات: 126. (2) في المصدر: قال لى أبو عبد الله عليه السلام ذات يوم: - وكان لا يكنينى قبل ذلك - يا با عبد الله، فقلت: لبيك جعلت فداك، قال. (3) بصائر الدرجات: 36. (4) في المصدر: عبد الله بن ايوب، والحديث يوجد في اصول الكافي 1: 253 وفيه أيضا ا عبد الله بن ايوب، والظاهر من الاردبيلى في جامع الروات 1: 472 أنه عبد الله بن أيوب بن راشد الزهري بياع الزطى. (5) الصحيح عبد الله بن أيوب كما تقدم. (6) أي بينكم ووسطكم. [ * ]

[ 152 ]

فتصبح الانبياء والاوصياء، قد ملئوا واعطوا سرورا، ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل جم الغفير (1). 54 - ير: محمد بن سعد، عن الحسن بن عبد الله بن جريش (2)، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أرواحنا وأرواح النبيين توافي العرش كل ليلة جمعة، فتصبح الاوصياء وقد زيد في علمهم مثل جم الغفير من العلم (3). 55 - كا: علي، عن أبيه، عن الحسن بن سيف (4)، عن أبيه، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس ثم رفع يده اليمنى قابضا على كفه ثم قال: أتدرون أيها الناس ما في كفي ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: فيها أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة، ثم رفع يده الشمال فقال: أيها الناس أتدرون ما في كفي ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة، ثم قال: حكم الله وعدل حكم الله وعدل حكم الله وعدل فريق في الجنة وفريق في السعير (5).


(1) بصائر الدرجات: 36. (2) في المصدر: الحسين بن عبد الله بن جريش، ويحتمل قويا كونهما مصحفان عن الحسن بن عباس بن حريش، وهو أبو على الرازي المترجم في فهرستى النجاشي والشيخ، له كتاب في شأن إنا أنزلناه في ليلة القدر، قد أخرج عدة من أحاديثه الكليني في اصول الكافي، وحريش بالهاء المهلة كشريف أو زبير، كما أنه يحتمل كون محمد بن إسحاق بن سعد الراوى عنه مصحفا عن أحمد بن إسحاق بن سعد الذى صرح الشيخ في الفهرست بأنه يروى عن الحسن ويؤيد ذلك كله أن الصفار روى في البصائر قبل ذلك الحديث مختصرا باسناده عن أحمد بن إسحاق، عن الحسن بن عباس بن جريش. بتصحيف حريش. (3) بصائر الدرجات: 36. (4) قال الاردبيلى في جامع الروات 1: 396: الظاهر أن الحسن سهو، والصواب الحسين بقرينة المواضع المذكورة، وعدم وجود الحسن بن سيف بن عميرة في كتب الرجال اه‍. أقول: فيه وهم بل الصحيح الحسن، وهو الحسن بن سيف بن سليمان التمار، الكوفى المترجم هو وابوه سليمان في فهرست النجاشي، ولم يذكر الكليني جده بل قال: الحسن بن سيف عن أبيه. (5) اصول الكافي 1: 444، ورواه الصفار أيضا في بصائر الدرجات: 52 باسناده عن ابراهيم بن هاشم عن الحسين بن سيف، عن أبيه قال: حدثنى أبو القاسم، عن محمد بن عبد الله قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام وفيه ثم رفع يده اليسرى. [ * ]

[ 153 ]

56 - ير: محمد بن عيسى، عن يونس، عن علي بن هاشم، عن محمد بن عبيد (1) الله ابن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل لي امتي في الطين، وعلمت الاسماء كما علم آدم الاسماء كلها، ورأيت أصحاب الرايات، فكلما مررت بك يا علي وبشيعتك استغفرت لكم (2). 57 - ير: عباد بن سليمان، عن سعد بن سعد، عن مقاتل بن مقاتل، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مثلت له امته في الطين فعرفهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وأخلاقهم وحلاهم (3)، قال: قلنا له: جعلت فداك جميع الامة من أولها إلى آخرها ؟ قال: هكذا قال أبو جعفر عليه السلام (4). ير: عباد بن سليمان، عن سعد بن سعد، عن صفوان بن يحيي عنه عليه السلام مثله (5). 58 - ير: يعقوب بن يزيد، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عرضت علي امتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها إلى آخرها، قال: قال قائل: يارسول الله صلى الله عليه وآله قد عرض عليك من خلق، أرأيت من لم يخلق ؟ قال: صور لي - والذي يحلف به رسول الله - في الطين حتى لانا أعرف بهم من أحبكم (6) بصاحبه (7). 59 - ير: ابن معروف، عن حماد، عن حريز، عن معروف بن خربوذ، عن أبي


(1) في المصدر: محمد بن عبد الله بن أبى رافع أقول: هو موافق لما عنونه الشيخ في رجاله في أصحاب الصادق عليه السلام قال: محمد بن عبد الله بن على بن أبى رافع مولى مات سنة 157، ولكن النجاشي عنونه مصغرا. (2) بصائر الدرجات: 24. (3) الحلى والحلى جمع الحلية: ما يزين به وحلية الانسان: ما يرى من لونه وظاهره وهيئته. (4) بصائر الدرجات: 24. (5) بصائر الدرجات: 24 وفيه: قال: هكذا قال أبو جعفر عليه السلام أو جعفر انتهى اقول: الشك من الراوى. (6) من احدكم خ ل. ومعنى صور لى في الطين أي في عالم الذر. (7) بصائر الدرجات: 24. [ * ]

[ 154 ]

جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لعلي: إن ربي مثل لي امتي في الطين، وعلمني أسماءهم كلها، كما علم آدم الاسماء كلها، فمر بي أصحاب الرايات فاستغفرت لك ولشيعتك يا علي إن ربي وعدني في شيعتك خصلة، قلت: وما هي يارسول الله ؟ قال: المغفرة لمن آمن منهم واتقى لا يغادر منهم صغيرة ولا كبيرة، ولهم تبدل سيئاتهم حسنات (1). 60 - كآ: العدة، عن أحمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (2). ير: عبد الله بن جعفر، عن محمد بن عيسى، عن حماد، عن حريز، عن ابن خربوذ عنه عليه السلام مثله إلى قوله: ولشيعتك (3). 61 - ير: أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن حنان ابن سدير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن ربي مثل لي امتي في الطين، وعلمني أسماء امتي كما علم آدم الاسماء كلها، فمر بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعلي وشيعته (4). ير: أحمد بن محمد أو غيره،، عن ابن محبوب، عن حنان، عن سديف المكي، عن الباقر عليه السلام عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (5). بيان: في الطين حال عن الفاعل، أي لم يخلق بدني بعد، ولم أنتقل إلى صلب آدم أيضا، أو عن المفعول، والاول أوفق بما سيأتي (6). أقول: قد أوردنا بعض الاخبار في كتاب الايمان والكفر في باب فضايل الشيعة. 62 - شى: عن ابن مسكان، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن امتي عرض (7) علي في الميثاق، فكان أول من آمن بي علي،


(1) بصائر الدرجات: 24. (2) اصول الكافي 1: 443 و 444 فيه: وان لا يغادر. (3) بصائر الدرجات: 25. (4 و 5) بصائر الدرجات: 25 وفي الاخير: وعلمني اسماء الانبياء الاشياء خ ل. (6) أي بالحديث الاتى حيث ان فيه: إن امتى عرضت على في الميثاق. (7) عرضت ظ. [ * ]

[ 155 ]

وهو أول من صدقني حين بعثت، وهو الصديق الاكبر، والفاروق يفرق بين الحق والباطل (1). فائدة: أقول: قد تقدمت الاخبار المستفيضة في كتاب العلم في أن النبي صلى الله عليه وآله والائمة صلوات الله عليهم لا يتكلمون إلا بالوحي، ولا يحكمون في شئ من الاحكام بالظن والرأي والاجتهاد والقياس، وهذا من ضروريات دين الامامية وأما الادلة العقلية على ذلك فليس هذا الكتاب محل ذكرها، وهي مذكورة في الكتب الاصولية والكلامية. قال العلامة رحمه الله في النهاية: النبي صلى الله عليه وآله لم يكن متعبدا بالاجتهاد، الامامية والجبائيان على ذلك، وقال الشافعي وأبو يوسف بالجواز، وفصل آخرون فجوزوه في الجزئية دون الشرعية، والحق الاول، لنا وجوه: الاول: قوله تعالى: " وما ينطق عن الهوى (2) " وقوله تعالى: " قل ما يكون لي أن ابدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي (3) ". الثاني: الاجتهاد يفيد الظن، وهو صلى الله عليه وآله قادر على معرفة الحكم على القطع، والقادر على العلم لا يجوز له الرجوع إلى الظن. الثالث: أن مخالفته في الحكم كفر لقوله تعالى: " لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم (4) " ومخالفة الاجتهاد لا تكفر انتهى. وتمام القول في ذلك ودفع الاعتراضات ودلائل الخصوم موكول إلى محله.


(1) تفسير العياشي: مخطوط. (2) النجم: 3. (3) يونس: 15. (4) النساء: 65. [ * ]

[ 156 ]

(باب 18) * (فصاحته وبلاغته صلى الله عليه وآله) * 1 - مع: عبد الحميد بن عبد الرحمن النيسابوري، عن أبيه (1)، عن عبيدالله بن محمد بن سليمان، عن أبي عمر والضرير، عن عباد بن عباد المهلبي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فنشأت سحابة (2) فقالوا: يا رسول الله هذه سحابة ناشئة ؟ فقال: كيف ترون قواعدها ؟ قالوا: يارسول الله ما أحسنه و أشد تمكنها ؟ قال: كيف ترون بواسقها ؟ قالوا: يارسول الله ما أحسنها وأشد تراكمها قال: كيف ترون جونها ؟ قالوا: يارسول الله ما أحسنه وأشد سواده ؟ قال كيف ترون رحاها ؟ قالوا: يارسول الله ما أحسنها وأشد استدارتها ؟ قال: فكيف ترون برقها أخفوا أم وميضا أم شق (3) شقا ؟ قالوا: يارسول الله بل يشق شقا، قال (4) رسول الله صلى الله عليه وآله: الحياء فقالوا يارسول الله ما أفصحك ؟ وما رأينا الذي هو أفصح منك، فقال: وما يمنعني من ذلك، وبلساني نزل القرآن بلسان عربي مبين. وحدثنا الحاكم (5)، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو علي الرياحي، عن أبي عمر (6) الضرير بهذا الحديث. أخبرني محمد بن هارون الزنجاني قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد قال قال: القواعد هي اصولها المعترضة في آفاق السماء، وأحسبها تشبه بقواعد البيت، وهي حيطانه والواحدة قاعدة، قال الله عزوجل: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت


(1) في المصدر: ابى سعيد مكان ابيه. (2) أي ارتفعت. (3) يشق خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) فقال خ ل: وهو الموجود في المصدر. (5) يعنى عبد الحميد المتقدم. (6) هكذا في نسخة المصنف، وفى السند المتقدم وفى المصدر: ابو عمرو، نعم نسخه من المصدر ثوافق ذلك ولعله الصحيح، راجع تقريب التهذيب: 119. [ * ]

[ 157 ]

وإسماعيل (1) " وأما البواسق ففروعها المستطيلة التي إلى وسط السماء إلى الافق الآخر وكذلك كل طويل فهو باسق، قال الله عزوجل: " والنخل باسقات لها طلع نضيد (2) " والجون هو الاسود اليحمومي (3)، وجمعة جون، وأما قوله: " فكيف ترون رحاها " فإن رحاها استدارة السحابة في السماء، ولهذا قيل: رحا الحرب، وهو الموضع الذي يستدار فيه لها، والخفو: الاعتراض من البرق في نواحي الغيم، وفيه لغتان، ويقال: خفا البرق يخفو خفوا، ويخفي خفيا، والوميض: أن يلمع قليلا ثم يسكن، وليس له اعتراض، وأما الذي شق (4) شقا فاستطالته في الجو إلى وسط السماء من غير أن يأخذ يمينا ولا شمالا، قال الصدوق: والحياء: المطر (5). بيان: الجون: بالفتح: النبات يضرب إلى سواد من خضرته، والاحمر، والابيض، والاسود: والجمع جون بالضم ذكره الفيروز آبادي، وقال: اليحموم: الدخان، والجبل الاسود، والمراد هنا المبالغة في السواد، وقال في النهاية عند ذكر هذا الخبر: خفا البرق يخفو، ويخفي خفوا وخفيا: إذا برق برقا ضعيفا، وومض وميضا: إذا لمع لمعا خفيا ولم يعترض، ويقال: شق البرق: إذا لمع مستطيلا إلى، وسط السماء وليس له اعتراض، و يشق معطوف على الفعل الذي انتصب عنه المصدر، لان تقديره أيخفى أم يومض أم يشق (6)


(1) البقرة: 127. (2) ق: 10. (3) المحمومى خ ل. (4) في المصدر: يشق خ ل. (5) معاني الاخبار: 92. (6) قال الزمخشري في الفائق: سئل النبي صلى الله عليه واله عن سحاب مرت، فقال: كيف ترون قواعدها وبواسقها ورحاها ؟ اجون ام غير ذلك ؟ ثم سأل عن البرق فقال: اخفوا ام وميضا ام يشق شقا ؟ قالوا: يشق شقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: جاءكم الحياء: اراد بالقواعد ما اعترض منها كقواعد البنيان، وبالبواسق ما استطال من فروعها، وبالرحى ما استدار منها، الجون في الجون كالورد في ورد الخفو والخفى: اعتراض البرق في نواحى الغيم، قال ابو عمرو: هو ان يلمع من غير ان يستطير، وانشد: [ * ]

[ 158 ]

2 - ختص: عن بعض الهاشميين رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن أعرابيا أتاه فقال: يارسول الله أيدالك الرجل امرأته ؟ قال: نعم إذا كان ملفجا، فقال: يارسول الله من أدبك ؟ قال: الله أدبني، وأنا أفصح العرب، ميدأني من قربش، وربيت في الفخر من هوازن بني سعد بن بكر، ونشأت سحابة فقالوا: هذه سحابة قد أظلتنا، فقال: كيف ترون قواعدها ؟ فقالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها ؟ قال: وكيف ترون رحاها ؟ فقالوا: ما أحسنها وأشد استدارتها ؟ قال: وكيف ترون البرق فيها وميضا أم خفوا أم شق شقا (1) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد جاءكم الحياء، فقالوا: يارسول الله ما رأينا أفصح منك، قال: وما يمنعني وأنا أفصح العرب، وأنزل الله القرآن بلغتي وهي أفضل اللغات، بيد أني ربيت في بني سعد بن بكر بيد وميد لغتان، وفيه ثلاث لغات: في معنى سوى أني من قريش، وإلا أني من قريش، وفي معنى غير أني من قريش (2). بيان: قال الجزري في شرح هذا الحديث: المدالكة: المماطلة: يعني مطله إياها بالمهر، والملفج بفتح الفاء: الفقير، يقال: ألفج الرجل فهو ملفج على غير قياس، يعني يماطلها بمهرها إذا كان فقيرا، وقال: ميد وبيد لغتان بمعنى غير، وقيل: معناهما على أن. أقول: فصاحته صلى الله عليه وآله لا يحتاج إلى البيان، وما نقل عنه من الخطب وجوامع الكلم لا يقدر على التكلم بواحدة منها إنس ولا جان، وهي فوق طاقة الانسان، ودون كلام الرحمن.


يبيت إذا ما لاح من نحو ارضه * سنا البرق يكلا خفيه ويراقبه. والوميض: لمعه ثم سكونه، ومنه اومض: إذا أوما. والشق: استطالته إلى وسط السماء من غير ان يأخذ يمينا وشمالا: اراد ايخفو خفوا، ام يمض وميضا ؟ ولذلك عطف عليه يشق شقا. و اظهار الفعل ههنا بعد اضماره فيما قبله نظير المجئ بالواو في قوله عزوجل: " وثامنهم كلبهم " بعد تركها فيما قبلها. منه عفى عنه. (1) هنا سقط يعلم مما سبق. (2) الاختصاص: مخطوط. [ * ]

[ 159 ]

(ابواب) * (معجزاته صلى الله عليه وآله) * (باب 1) * (اعجاز ام المعجزات: القران الكريم، وفيه بيان حقيقة) * * (الاعجاز وبعض النوادر) * الايات: البقرة " 2 " إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون 6. وقال تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا 23 و 24. وقال سبحانه: وضربت عليهم الذلة والمسكنة 61. وقال تعالى: وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم 76. وقال تعالى: قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين 94 و 95. وقال تعالى: علم الله أنكم كنتم تختاتون أنفسكم فتاب عليكم. آل عمران " 3 " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد 12. وقال تعالى: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء الآية 26. وقال تعالى: وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون 72. وقال تعالى، قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين 93. [ * ]

[ 160 ]

وقال سبحانه: لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون * ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤا بغضب من الله و ضربت عليهم المسكنة 111 و 112. وقال تعالى، وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ 119 - إلى قوله تعالى -: لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط 120. وقال تعالى: ولقد صدقكم الله وعده 152. النساء 4: ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون 81. وقال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 82. وقال سبحانه: ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها 91. وقال عزوجل: يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهم معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا 108. المائدة " 5 " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير 15. وقال تعالى: فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين 52. وقال سبحانه: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. الآية 54. وقال تعالى: وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون 61. وقال تعالى: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله 64. وقال عزوجل: والله يعصمك من الناس 67.

[ 161 ]

الانعام " 6 " وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون 37. وقال تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه 92. وقال سبحانه: ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله 93. وقال سبحانه: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله 111. وقال تعالى: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق 114. الاعراف " 7 ": سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها 146. وقال تعالى: وإن تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب 167. الانفال " 8 ": وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم 7. وقال تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الاولين 31. وقال سبحانه: فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون 36. براءة " 9 ": يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون 32 و 33. وقال تعالى: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا 74. وقال سبحانه: قل (1) لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا 83 - إلى قوله: - قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم 94. وقال سبحانه: وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون 107.


(1) هكذا في النسخ، والصحيح: فقل. [ * ]

[ 162 ]

وقال تعالى: وإذا ما انزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا 127. يونس " 10 ": وإذا تتلا عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقران غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن ابدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون 15 و 16. وقال تعالى: وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين 37 و 38. هود " 11 ": إم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما انزل بعلم الله وان لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون 13 و 14. وقال تعالى: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين 49. الرعد " 13 ": ويقول الذين كفروا لولا انزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد 7. الحجر " 15 ": ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين 24. النحل " 16 ": وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الاولين 24. وقال تعالى: وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا و هدى وبشرى للمسلمين * ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين 101 - 103. اسرى " 17 ": وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون 59. وقال سبحانه: قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا

[ 163 ]

يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا 88. الكهف " 18 ": ولم يجعل له عوجا * قيما 1 و 2. الانبياء " 21 ": وأسروا النجوى الذى ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون * قل ربي يعلم القول في السماء والارض وهو السميع العليم * بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما ارسل الاولون * ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون 2 - 6. الفرقان " 25 ": وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا ظلما وزورا * وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا * قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والارض إنه كان غفورا رحيما 4 - 6. وقال تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا 32. الشعراء " 26 ": وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الامين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين * وإنه لفي زبر الاولين * أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل * ولو نزلناه على بعض الاعجمين * فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين * كذلك سلكناه في قلوب المجرمين * لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم 192 - 201. النمل " 27 ": قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون 72. وقال تعالى: إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون 76. القصص " 28 ": إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد 85. العنكبوت " 29 ": وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون 48: الروم " 30 ": الم * غلبت الروم * في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من

[ 164 ]

يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون 1 - 5. سبأ " 34 ": ويرى الذين اوتوا العلم الذي انزل إليك من ربك هو الحق 6. الزمر " 39 ": الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم 23. وقال تعالى: قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون 28. السجدة " 41 ": وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 41 و 42 - إلى قوله تعالى: - ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءأعجمي وعربي 44. الدخان " 44 ": فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم * ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون * أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون * إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون 10 - 12. الفتح " 48 ": سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم - إلى قوله تعالى: - سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا 15. وقال تعالى: واخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا 21. وقال تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون 27. الطور " 52 " أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون * فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين 33 و 34. وقال تعالى: وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون 47. القمر " 54 ": سيهزم الجمع ويولون الدبر 45.

[ 165 ]

الصف " 61 ": يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون 8 و 9 الجمعة " 62 ": ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين 7. الحاقة " 69 " إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون 40 - 42. المرسلات " 77 ": فبأي حديث بعده يؤمنون 50. الكوثر " 108 ": إنا أعطيناك الكوثر - إلى قوله: - إن شانئك هو الابتر 1 - 3 تبت " 111 ": سيصلى نارا ذات لهب 3. تفسير: قوله تعالى: " سواء عليهم " أقول: " الظاهر أن المراد به جماعة بأعيانهم، فيكون إخبارا بما سيقع، وقد وقع، وإلا لانكر عليه معاندوه صلى الله عليه وآله. قوله تعالى: " فأتوا بسورة من مثله " قال النيسابوري في تفسيره: قد ذكر في كون القرآن معجزا طريقان: الاول: إما أن يكون مساويا لكلام سائر الفصحاء أو زائدا عليه بما لا ينقض العادة، أو بما ينقضها، والاولان باطلان، لانهم مع كونهم أئمة الفصاحة تحدوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها، مع أنهم كانوا متهالكين في إبطال أمره، حتى بذلوا النفوس والاموال، وارتكبوا المخاوف والمحن، وكانوا في الحمية والانفة إلى حد لا يقبلون الحق، كيف الباطل فتعين القسم الثالث. الطريق الثاني، أن يقال: إن بلغت السورة المتحدي بها في الفصاحة إلى حد الاعجاز فقد حصل المقصود، وإلا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجز، فعلى التقديرين يحصل الاعجاز. فإن قيل: وما يدريك أنه لن يعارض في مستقبل الزمان، وإن لم يعارض إلى الآن ؟ قلت: لانه لا يحتاج إلى المعارضة أشد مما وقت التحدي وإلا لزم تقرير المشبه للحق، وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن لا معارضة، وإلى هذا أشار سبحانه: بقوله: " ولن تفعلوا " واعلم أن شأن الاعجاز لا يدرك ولا يمكن وصفه، ومن فسر الاعجاز بأنه صرف

[ 166 ]

الله تعالى البشر عن معارضته، أو بأنه هو كون اسلوبه مخالفا لاساليب الكلام، أو بأنه هو كونه مبرءا عن التناقض، أو بكونه مشتملا على الاخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذا الآراء فقد كذب ابن اخت خالته، فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن، إنما هو من اسلوبه ونظمه المؤثر في القلوب تأثيرا لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ومع ذلك فإنه قد بلغ في الفصاحة النهاية، فدل ذلك على كونه معجزا. منها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو جارية، أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب، وليس في القرآن من هذه الاشياء مقدار كثير. ومنها: أنه تعالى راعى طريق الصدق، وتبرأ عن الكذب، وقد قيل: إن أحسن الشعر أكذبه، ولهذا فإن لبيد بن ربيعة وحسان ابن ثابت لما أسلما وتركا سلوك سبيل الكذب والتخييل رك شعرهما. ومنها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في بيت أو بيتين من قصيدة، والقرآن كله فصيح بكل جزء منه. ومنها: أن الشاعر الفصيح إذا كرر كلامه لم يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الاول وكل مكرر في القرآن فهو في نهاية الفصاحة، وغاية الملاحة. أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره * هو المسك ما كررته يتضوع (1). ومنها: أنه اقتصر على إيجاب العبادات، وتحريم المنكرات، والحث على مكارم الاخلاق، والزهد في الدنيا، والاقبال على الآخرة، ولا يخفى ضيق عطن البلاغة في هذه المواد. ومنها: أنهم قالوا: إن شعر امرئ القيس يحسن في وصف النساء وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الحرب، وشعر الاعشى عند الطرب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، والقرآن جاء فصيحا في كل فن من فنون الكلام. ومنها: أن القرآن أصل العلوم كلها، كعلم الكلام، وعلم الاصول، وعلم الفقه


(1) تضوع، أي انتشرت رائحته. [ * ]

[ 167 ]

واللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان، وعلم الاحوال، وعلم الاخلاق، وما شئت وأما قوله: " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " فإنه يدل على إعجاز القرآن وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله من وجوه:، أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا يعادونه أشد المعاداة، ويتهالكون في إبطال أمره، وفراق الاوطان والعشيرة، وبذل النفوس والمهج منهم، من أقوى ما يدل على ذلك، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله: " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " فلو أمكنهم الاتيان بمثله لاتوا به، وحيث لم يأتوا به ظهر كونه معجزا. وثانيها: أنه صلى الله عليه وآله إن كان متهما عندهم فيما يتعلق بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل، فلو خاف عاقبة أمره لتهمة فيه حاشاه عن ذلك لم يبالغ في التحدي إلى هذه الغاية. وثالثها: أنه لو لم يكن قاطعا بنبوته لكان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور لا يقطع في الكلام قطعا، وحيث جزم دل على صدقه. ورابعها: أن قوله: " ولن تفعلوا " وفي (لن) تأكيد بليغ في نفي المستقبل إلى يوم الدين إخبار بالغيب، وقد وقع كما قال، لان أحدا لو عارضه لامتنع أن لا يتواصفه الناس ويتناقلوه عادة، لاسيما والطاعنون فيه أكثف عددا من الذابين عنه، وإذا لم تقع المعارضة إلى الآن حصل الجزم بأنها لا تقع أبدا، لاستقرار الاسلام، وقلة شوكة الطاعنين انتهى. وقال البيضاوي: " من مثله " صفة سورة، أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا و (من) للتبعيض أو للتبيين، وزائدة عند الاخفش، أي بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة و حسن النظم، أو لعبدنا و (من) للابتداء، أي بسورة كائنة ممن هو على حاله صلى الله عليه وآله من كونه بشرا اميا لم يقرأ الكتب، ولم يتعلم العلوم، أو صلة فأتوا والضمير للعبد، و الرد إلى المنزل أوجه " وادعوا شهداءكم من دون الله " أمر بأن يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أو الامام، و (من) متعلقة ب‍ (ادعوا)، والمعنى وادعوا لمعارضته من حضركم أو رجوتم معونته

[ 168 ]

من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر أن يأتي بمثله إلا الله، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما آتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله فإنه من ديدن المبهوت العاجز عن إقامة الحجة، أو شهدائكم الذين اتخذتموهم من دون الله أولياء أو آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة، أو الذين يشهدون لكم بين يدي الله على زعمكم ليعينوكم، وقيل: من دون الله أي من دون أولياء الله، يعني فصحاء العرب ووجوه الشاهد ليشهدوا لكم أن ما آتيتم به مثله " إن كنتم صادقين " أنه من كلام البشر (1). وقال النيشابوري في قوله تعالى: " وضربت عليهم الذلة والمسكنة " أي احيطت بهم كالقبة المضروبة على الشخص، أو الصقت بهم كما يضرب الطين على الحائط، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة، إما على الحقيقة، وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية، وهذا من جملة الاخبار بالغيب الدال على كون القرآن وحيا نازلا من السماء. أقول: وكذا قوله: " وإذا خلا بعضهم إلى بعض " ظاهر أن هذه الاخبار كان على وجه الاعجاز، إذ المنافقون كانوا يبذلون جهدهم في إخفاء أسرارهم، وإبداء إيمانهم، وعدم اطلاع المسلمين على بواطنهم، ولو كان هذا الخبر مخالفا للواقع لانكروا أشد الانكار، وبينوا كذبه، وظهر على سائر الخلق بتفحص أحوالهم برأتهم من ذلك، ولانكر معاندوه صلى الله عليه وآله ذلك عليه، وهذا بين من أحوال من يدعي أمرا لا يستأهل له، ويخبر بامور لا حقيقة لها. وقال البيضاوي: في قوله تعالى: " قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة " خاصة بكم كما قلتم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا " من دون الناس " أي سائرهم أو المسلمين " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " لان من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها (2) كما قال علي عليه السلام " لا ابالي سقطت على الموت أو سقط الموت علي " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " من موجبات النار، وهذه الجملة إخبار بالغيب، وكان كما أخبر لانهم


(1) انوار التنزيل 1: 48 - 50. (2) في المصدر: زيادة هي: وأحب التخلص إليها من الدار ذات الشوائب. [ * ]

[ 169 ]

لو تمنوا لنقل (1) واشتهر فإن التمني ليس من عمل القلب ليخفى، بل هو أن يقول: ليت كذا، وإن كان بالقلب لقالوا: تمنينا، وعن النبي صلى الله عليه وآله: لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الارض يهودي (2). وقال الطبرسي رحمه الله: هذه القصة شبيه بقصة المباهلة، وإن النبي صلى الله عليه وآله لما دعا النصارى إلى المباهلة امتنعوا لقلة ثقتهم بما هم عليه، وخوفهم من صدق النبي صلى الله عليه وآله لو باهلوني (3) لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا، فلما لم يتمن اليهود الموت افتضحوا، كما أن النصارى لما أحجموا (4) عن المباهلة افتضحوا، وظهر الحق انتهى (5): قوله تعالى: " علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم " أقول: ظاهره أنهم كانوا يسرون خيانتهم ويخفونها فأبداها الله تعالى إذ نسبة الله تعالى هذا العلم إلى نفسه يدل على خفائها كما لا يخفى، فهذا أيضا من الاخبار بالغيب. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " قل للذين كفروا ستغلبون " أي قل لمشركي مكة ستغلبون يعني يوم بدر، وقيل لليهود فإنه صلى الله عليه واله جمعهم بعد بدر في سوق بني قينقاع (6) فحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش، فقالوا: لا يغرنك أنك أصبت أغمارا لا علم لهم بالحرب، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت، وقد صدق الله وعده بقتل قريظة و إجلاء بني النظير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم، وهو من دلائل النبوة (7). قوله تعالى: " قل اللهم مالك الملك " قال الطبرسي رحمه الله قيل: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة ووعد امته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود هيهات من أين لمحمد


(1) في المصدر: لو تمنوا الموت لنقل. (2) أنوار التنزيل 1: 98 و 99. (3) في المصدر: في قوله: لو باهلوني. (4) أحجم عن الشئ: كف أو نكص هيبة. (5) مجمع البيان 1:: 164. (6) بنو قينقاع بفتح القاف وتثليت النون: شعب من اليهود كانوا بالمدينة. (7) أنوار التنزيل 1: 195. [ * ]

[ 170 ]

ملك فارس والروم، ألم تكفه المدينة ومكة حتى طمع في الروم وفارس ؟ فنزلت هذه الآية عن ابن عباس وأنس، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله خط الخندق عام الاحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، فاحتج المهاجرون والانصار في سلمان وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون سلمان منا، وقالت الانصار: سلمان منا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: سلمان منا أهل البيت، فقال عمرو بن عوف كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان ابن مقرن المزني وستة من الانصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي باب (1) أخرج الله من باطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل (2) عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، قال: فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يارسول الله خرجت علينا صخرة بيضاء مروة (3) من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحتك منها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نتجاوز (4) خطك، قال: فهبط رسول الله صلى الله عليه وآله مع سلمان الخندق، والتسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله المعول من يد سلمان فضربها به ضربة صدعها (5)، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها (6) حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وآله ثانية (7) فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وآله ثالثة فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت


(1) في المصدر: ذى ناب. (2) في المصدر: يعدل. (3) المروة: حجارة صلبة تعرف بالصوان. (4) في المصدر: أن نجاوز. (5) صدع الشئ: شقه. (6) تثنية: لابة وهى الحرة والمراد شقتاها المحترقة من البرق. (7) في المصدر: الثانية. وكذا فيما بعدها: الثالثة. [ * ]

[ 171 ]

مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح، وكبر المسلمون، وأخذ بيد سلمان فرقا فقال سلمان: بأبي أنت وامي يارسول الله لقد رأيت منك شيئا ما رأيته منك قط، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى القوم وقال: رأيتم ما يقول سلمان ؟ فقالوا: نعم، فقال: ضربت ضربتي الاول فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منه قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن امتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منه قصور الحمر (1) من أرض الروم فكأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن امتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي ما رأيتم أضاءت لي منه قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن امتي ظاهرة عليها، فأبشروا، فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل، ويعلمكم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق (2)، ولا تستطيعون أن تبرزوا فنزل القرآن إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (3) " وأنزل الله تعالى في هذه القصة: " قل اللهم مالك الملك " الآية رواه الثعلبي بإسناده عن عمرو بن عوف (4). وقال في قوله تعالى: " وقالت طائفة من أهل الكتاب " قال الحسن والسدي: تواطأ أحد عشر (5) رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة (6) وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به آخر النهار، وقولوا إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه،


(1) في المصدر: قصور حمر. (2) أي من الخوف والفزع. (3) الاحزاب: 12، فيه وفى المصدر: وإذ يقول. (4) مجمع البيان 2: 427 و 428. (5) في المصدر: اثنا عشر. (6) عرينة بالتصغير: موضع ببلاد فزارة، وقيل: قرى بالمدينة. [ * ]

[ 172 ]

فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم (1)، وقالوا: إنهم من أهل الكتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينه (2) إلى دينكم، وقال مجاهد والمقاتل والكلبي: كان هذا في شأن القبلة لما حولت إلى الكعبة وصلوا شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الاشرف لاصحابه: آمنوا بما انزل على محمد من أمر الكعبة، وصلوا إليها وجه النهار، وارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلهم يشكون، ثم قال: وفي هذه الآيات معجزة باهرة لنبينا صلى الله عليه وآله إذ فيها إخبار عن سرائر القوم التي لا يعلمها إلا علام الغيوب (2) قوله تعالى: " قل فأتوا بالتوراة " قال الطبرسي رحمه الله: أنكر اليهود تحليل النبي صلى الله عليه وآله لحوم الابل، فقال صلى الله عليه وآله: كل ذلك كان حلالا لابراهيم عليه السلام، فقالت اليهود: كل شئ نحرمه فإنه كان محرما على نوح وإبراهيم، وهلم جرا حتى انتهى إلينا، فنزلت الآية عن الكلبي وأبي روق، فقال تعالى: " كل الطعام كان حلا لنبي إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة " معناه أن كل الطعام كان حلالا لبني إسرائيل قبل أن تنزل التوراة على موسى عليه السلام، فإنها تضمنت تحريم ما كان (4) حلالا لبني إسرائيل، واختلفوا فيما حرم عليهم وحالها بعد نزول التوراة، فقيل: إنه حرم عليهم ما كان يحرمونه قبل نزولها اقتداء بيعقوب عليه السلام عن السدي، و قيل: لم يحرمه الله تعالى عليهم في التوراة وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم وكفرهم وقيل: لم يكن شئ من ذلك حراما عليهم في التوراة وإنما هو شئ حرموه على أنفسهم اتباعا لابيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله فكذبهم الله تعالى وقال: " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها " حتى يتبين أنه كما قلت لا كما قلتم " إن كنتم صادقين " في دعواكم فاحتج عليهم بالتوراة، وأمرهم بالاتيان بها وبأن يقرؤوا ما فيها، فإنه كان في التوراة أنها كانت حلالا للانبياء، وإنما حرمها إسرائيل على نفسه (5)، فلم يجسروا على إتيان التوراة


(1) في المصدر: في دينه. (2) في المصدر: عن دينهم. (3) مجمع البيان 2: 460 و 461. (4) في المصدر: بعض ما كان. (5) في المصدر: فان كان في التوراة أنها كانت حلالا للانبياء وإنما حرمها إسرائيل ظهر كذبهم. [ * ]

[ 173 ]

لعلمهم بصدق النبي صلى الله عليه وآله وكذبهم، وكان ذلك دليلا ظاهرا على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله إذ علم بأن في التوراة ما يدل على كذبهم من غير أن يعلم التوراة (1) وقراءتها (2) قوله تعالى: " لن يضروكم إلا أذى " قال الطبرسي رحمه الله قال مقاتل: إن رؤوس اليهود مثل كعب بن الاشرف وأبي رافع وأبي ناشر (3) وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، فأنبوهم (4) على إسلامهم، فنزلت: " لن يضروكم إلا أذى " وعد الله المؤمنين أنهم منصورون، وأن أهل الكتاب لا يقدرون عليهم ولا تنالهم من جهتهم مضرة إلا أذى من جهة القول، وهو كذبهم على الله، وتحريفهم كتاب الله، وقيل: هو ما كانوا يسمعون المؤمنين من الكلام المؤذي " وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار " منهزمين " ثم لا ينصرون " أي لا يعانون (5) لكفرهم، وفي هذه الآية دلالة على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله لوقوع مخبره على وفق خبره، لان يهود المدينة من بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين لم يثبتوا لهم قط وانهزموا ولم ينالوا من المسلمين إلا بالسب والطعن " أينما ثقفوا " أي وجدوا " إلا بحبل من الله " أي بعهد من الله " وحبل من الناس " وعهد من الناس على وجه الذمة وغيرها من وجوه الامان (6). قوله تعالى: " عضوا عليكم الانامل " أي أطراف الاصابع " من الغيظ " أي من الغضب والحنق (7) لما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، ونصرة الله إياهم (8).


(1) في المصدر: من غير تعلم التوراة. (2) مجمع البيان 2: 475. (3) في المصدر: وأبى ياسر. (4) أي عنفوهم ولاموهم. (5) في المصدر: أي لا يعاونون وهو الصحيح. (6) مجمع البيان 2: 478 و 488. (7) الحنق: شدة الاغتياظ. (8) مجمع البيان 2: 493، وفيه بعد ذلك: وهذا مثل وليس هناك عض كقول الشاعر: إذا رأوني أطال الله غيظهم * عضوا من الغيظ أطراف الاباهيم وقول أبى طالب: يعضون غيظا خلفنا بالانامل. [ * ]

[ 174 ]

أقول: وفي هذا أيضا إخبار ببواطن امورهم، وبما كانوا يخفونه عن المسلمين، على سبيل الاعجاز، وكذا قوله: " لا يضركم كيدهم شيئا " إخبار بما سيكون، وقد كان، و كذا قوله: " لقد صدقكم الله وعده " فإنه تعالى قد أخبر بالوعد، وإنه قد وقع، ولو لم يكن لانكر عليه المعاندون، ولو أنكروا عليه لنقل، وسيأتي تفسيره، وكذا قوله " بيت طائفة منهم " إخبار بسرائر امورهم. قوله تعالى: " لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " قال الرازي: ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه: الاول: قال أبو بكر الاصم: معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطؤون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد، والله تعالى كان يطلع الرسول على تلك الاحوال حالا فحالا، ويخبره عنها على سبيل التفصيل، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق، فقيل لهم: إن ذلك لو لم يكن بإخبار الله تعالى لما اطرد الصدق فيه، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك بإعلام الله تعالى. والثاني: وهو الذي ذهب إليه أكثر المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة، لان الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله. الثالث: ما ذكره أبو مسلم الاصفهاني وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد، ومن المعلوم أن الانسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة فإذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكثيرة فلابد وأن يظهر التفاوت في كلامه، بحيث يكون بعضه قويا متينا، وبعضه سخيفا نازلا، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه المعجز من عند الله تعالى انتهى (1). وأقول: قوله تعالى: " ستجدون آخرين " إخبار بما سيكون، والكلام فيه كالكلام


(1) مفاتيح الغيب 3: 269. [ * ]

[ 175 ]

فيما مر، وسيأتي تفسيره، وكذا قوله تعالى: " يستخفون من الناس " وما قبله وما بعده يدل على أن الله تعالى أخبر بما كانوا به مستخفين، وأظهر ما كانوا له مسرين. وسيأتي قصته. قوله: " يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب " قال الرازي: قال ابن عباس: أخفوا صفة محمد صلى الله عليه وآله، وأخفوا الرجم (1)، ثم إن الرسول صلى الله عليه وآله بين ذلك لهم، وهذا معجز، لانه صلى الله عليه وآله لم يقرأ كتابا، ولم يتعلم علما من أحد، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخبارا عن الغيب، فيكون معجزا (2) قوله: " ويعفوا عن كثير " أي لا يظهر كثيرا مما تكتمونه أنتم، لانه لا حاجة إلى إظهاره في الدين قوله تعالى: " فعسى الله أن يأتي بالفتح " قال الطبرسي يعني فتح مكة، وقيل: فتح بلاد المشركين " أو أمر من عنده " فيه إعزاز المسلمين، وإذلال المشركين، وقيل: هو إظهار نفاق المنافقين، وقيل: هو القتل وسبي الذراري لبني قريظة، والاجلاء لبني النظير (3) ". أقول: " وهذا أيضا إخبار بما لم يقع وقد وقع، وعسى من الله موجبة قوله تعالى: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " هذا أيضا إخبار بما لم يكن فكان، وسيأتي الاخبار المستفيضة في كتاب أحوال أمير المؤمنين عليه السلام أنها نزلت فيه عليه السلام حيث قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. وقوله: " وقد دخلوا بالكفر " إخبار عن أسرار المنافقين، وكذا قوله تعالى: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء " أي بين اليهود والنصارى، أو بين فرق اليهود وفرق النصارى. " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " قال الطبرسي رحمه الله: أي لحرب محمد صلى الله عليه وآله وفي هذا معجزة ودلالة، لان الله أخبر فوافق خبره المخبر، فقد كانت اليهود أشد أهل


(1) في المصدر: أمر الرجم. (2) مفاتيح الغيب 3: 382. (3) مجمع البيان 3: 207. [ * ]

[ 176 ]

الحجاز بأسا، وأمنعهم دارا، حتى أن قريشا تعتضد بهم (1)، والاوس والخزرج تستبق إلى محالفتهم وتتكثر بنصرتهم، فأباد الله خضراءهم، واستأصل شأفتهم، واجتث أصلهم (2) فأجلى النبي صلى الله عليه وآله بني النضير وبني قينقاع، وقتل بني قريظة، وشرد أهل خيبر، وغلب على فدك، ودان (3) أهل وادي القرى، فمحا الله سبحانه آثارهم صاغرين، وقال قتادة: معناه أن الله سبحانه أذلهم ذلا لا يعزون بعده أبدا. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " والله يعصمك من الناس ": في هذه الآية دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وصحة نبوته من وجهين: أحدهما: أنه وقع مخبره على ما أخبر به. والثاني: أنه لا يقدم على الاخبار به إلا وهو يأمن أن يكون مخبره على ما أخبر به، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله لما نزلت هذه الآية قال لحراس من أصحابه كانوا يحرسونه، منهم سعد وحذيفة: الحقوا بملاحقكم، فإن الله سبحانه عصمني من الناس. قوله تعالى: " وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه " قال الرازي: هذا من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وآله، قالوا: لو كان رسولا من عند الله فهلا انزل عليه آية قاهرة و معجزة باهرة، ويروى أن بعض الملحدة طعن فقال: لو كان محمد قد أتى بآية ومعجزة لما صح أن يقول اولئك الكفار: " لولا انزل عليه آية ". والجواب عنه: أن القرآن معجزة قاهرة بدليل أنه صلى الله عليه وآله تحداهم به فعجزوا عن معارضته، وذلك يدل على كونه معجزا، بقي أن يقال: فإذا كان الامر كذلك فكيف قالوا: " لولا انزل عليه آية من ربه ؟ فنقول: الجواب عنه من وجوه: الاول: لعل القوم طعنوا في كون القرآن معجزا على سبيل اللجاج والعناد، و


(1) في المصدر: كانت تعتضد بهم. (2) خضراءهم أي سوادهم ومعظمهم، ذكره الجوهرى، وقال: الشأفة: قرحة تخرج في أصل القدم فتكوى فتذهب، يقال في المثل: استأصل الله شأفته، أي أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكى منه قدس سره أقول: اجتثه أي انقلعه من أصله. (3) في المصدر: ودان له. [ * ]

[ 177 ]

قالوا: إنه من جنس الكتب، والكتاب لا يكون من جنس المعجزات، فلاجل هذه الشبهة طلبوا المعجزة. الثاني: أنهم طلبوا معجزات من جنس معجزات سائر الانبياء، مثل فلق البحر، وإظلال الجبل. الثالث: أنهم طلبوا مزيد الآيات والمعجزات على سبيل التعنت، واللجاج، مثل إنزال الملائكة، وإسقاط السماء كسفا، وسائر ما حكاه عن الكافرين، فيحتمل أن يكون المراد (1) ما حكاه الله عن بعضهم في قوله: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " ثم إنه تعالى أجاب عن سؤالهم بقوله: " قل إن الله قادر على أن ينزل آية " يعني أنه تعالى قادر على إيجاد ما طلبتموه " ولكن أكثرهم لا يعلمون " واختلفوا في تفسيره على وجوه: فالاول أن يكون المراد أنه تعالى لما أنزل آية باهرة ومعجزة قاهرة وهي القرآن كان طلب الزيادة جاريا مجرى التحكم والتعنت الباطل، والله سبحانه له الحكم والامر فإن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، لان فاعليته لا يكون إلا بحسب محض المشية على قول أهل السنة، أو على وفق المصلحة على مذهب المعتزلة، وعلى التقديرين فإنها لا تكون على وفق اقتراحات الناس، فإن شاء أجابهم، وإن شاء لم يجبهم. الثاني: لما ظهرت المعجزة القاهرة والدلالة الكافية لم يبق لهم عذر ولا علة، فعند ذلك لو أجابهم في ذلك الاقتراح فلعلهم يقترحون اقتراحا ثانيا وثالثا ورابعا، وهكذا إلى ما لا غاية له، وذلك يقضي إلى أنه لا يستقر الدليل، ولا تتم الحجة، فوجب في أول الامر سد هذا الباب، والاكتفاء بما سبق من المعجزة الباهرة. الثالث: أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه فلو لم يؤمنوا عند ظهورها لاستحقوا عذاب الاستيصال فاقتضت رحمة الله صونهم عن هذا البلاء، وإن كانوا لا يعلمون كيفية هذه الرحمة، ولذا قال: " ولكن أكثرهم لا يعلمون ". الرابع: أنه تعالى علم منهم أنهم إنما يطلبون هذه المعجزات لا لطلب الفائدة


(1) في المصدر: الرابع أن يكون المراد. [ * ]

[ 178 ]

بل للعناد والتعصب، وعلم أنه لو أعطاهم مطلوبهم فهم لا يؤمنون ولا يفترون (1)، فلهذا السبب ما أعطاهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنه لا فائدة في ذلك، فالمراد من قوله: " ولكن أكثرهم لا يعلمون " هو أن القوم لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل التعنت و التعصب ما أعطاهم (2)، ولو كانوا عالمين لطلبوا ذلك على سبيل طلب الفائدة، فكان الله يعطيهم ذلك على أكمل الوجوه. انتهى كلامه (3). أقول: يمكن أن يقال في المقام الاول: إن ما ذكروه من إنزال الآية كالصريح في أنهم طلبوا أمرا بينا يرون نزوله من السماء، كنزول الملائكة عيانا، أو نزول الكتاب كذلك، أو نزول كسف من السماء، وهذا لا ينافي وقوع سائر المعجزات من الاخبار بالمغيبان، وإحياء الاموات، وشق القمر، وغير ذلك، وورود الانزال في سائر الآيات في إنزال القرآن والاحكام وغيرها مجازا لا يوجب صرف تلك الآية أيضا عن الحقيقة مع عدم الداعي إليه، بل وجود القرينة على المعنى الحقيقي، قوله تعالى: " مصدق الذي بين يديه " لكونه مطابقا لها في الاصول، ولشهادته بحقيقتها، ولورودها بالصفة التي نطقت بها الكتب المتقدمة. قوله تعالى: " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " قال الطبرسي رحمه الله قال الزجاج: هذا جواب لقولهم: " لو نشاء لقلنا مثل هذا " فادعوا ثم لم يفعلوا، وبذلوا النفوس والاموال، واستعملوا سائر الحيل في إطفاء نور الله، وأبى الله إلا أن يتم نوره، وقيل: المراد به عبد الله بن سعد بن أبي سرح أملى عليه رسول الله صلى الله عليه واله ذات يوم: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " إلى قوله: " ثم أنشأناه خلقا آخر (4) " فجرى على لسان ابن أبي سرح " فتبارك الله أحسن الخالقين " فأملاه عليه وقال: هكذا انزل، فارتد عدو الله، وقال: إن كان محمد صادقا فلقد اوحي إلي كما اوحي إليه، ولئن كان كاذبا فلقد


(1) المصدر خال عن قوله: لا يفترون. (2) في المصدر: فان الله لا يعطيهم مطلوبهم. (3) مفاتيح الغيب 4: 53 - 55. (4) المؤمنون: 12 - 14. [ * ]

[ 179 ]

قلت كما قال، وارتد عن الاسلام، وهدر رسول الله صلى الله عليه وآله دمه، فلما كان يوم الفتح جاء به عثمان وقد أخذ بيده ورسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد، فقال: يارسول الله اعف عنه، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أعاد فسكت ثم أعاد فقال: هو لك، فلما مر قال رسول الله صلى الله عليه وآله لاصحابه: ألم أقل: من رآه فليقتله ؟ فقال عباد بن بشر: كانت عيني إليك يارسول الله أن تشير إلي فأقتله، فقال صلى الله عليه وآله: الانبياء لا يقتلون بالاشارة انتهي (1). وفي قوله تعالى (2): " ما كانوا ليؤمنوا " إخبار عن عدم إيمان جماعة ولم يؤمنوا. قوله: " إلا أن يشاء الله " قال الطبرسي: أي أن يجبرهم على الايمان وهو المروي عن أهل البيت عليهم السلام (3). قوله تعالى: " سأصرف عن آياتي " إذا كان المراد سأصرف عن إبطال آياتي والمنع من تبليغها هؤلاء المتكبرين بالاهلاك، أو المنع من غير إهلاك، فلا يقدرون على القدح فيها، ويكون المراد بها المكذبين من هذه الامة لا امة موسى عليه السلام كما ذكره جماعة من المفسرين، ففيها إخبار بما لم يكن، وكذا قوله: " لا يؤمنون بها " وفي الآية وجوه اخر تركنا إيرادها لعدم احتياجنا هنا إليها. قوله: " وإذ تأذن ربك قال الرازي: بمعنى آذن أي أعلم، واللام في قوله: " ليبعثن " جواب القسم، لان قوله: " وإذ تأذن " جار مجرى القسم، وهذه الآية نزلت في اليهود على أنه لا دولة ولا عز لهم، وأن الذل يلزمهم، والصغار لا يفارقهم، ولما أخبر الله تعالى في زمان محمد صلى الله عليه وآله عن هذه الواقعة ثم شاهدنا بأن الامر كذلك كان هذا إخبارا صدقا عن المغيب فكان معجزا انتهى (4).


(1) مجمع البيان: 335. (2) لم نجده في مجمع البيان، والظاهر أنه من كلام المصنف والا لما تكرر ذكر الطبرسي بعده، فعليه فالجار في قوله، وفى قوله زائدة. (3) مجمع البيان 4: 351. (4) مفاتيح الغيب 4: 455 [ * ]

[ 180 ]

وقوله تعالى: " وإذ يعدكم الله " يدل على أنه صلى الله عليه وآله وعدهم من قبل الله تعالى بما قد وقع، وسيأتي شرحه. قوله تعالى: " قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا " قال البيضاوي: هو قول نضر ابن الحارث، وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنه كان قاضيهم، وقيل: هو قول الذين ائتمروا في أمره صلى الله عليه وآله، وهذا غاية مكابرتهم، وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا من ذلك فما منعهم أن يشاؤوا وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سواه (1)، مع أنفتهم، وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصا في باب البيان " إن هذا إلا أساطير الاولين " ما سطره الاولون من القصص (2). قوله تعالى: " فسينفقونها " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: نزلت في أبي سفيان من حرب استأجر يوم احد ألفين من الاحابيش (3) يقاتل بهم النبي صلى الله عليه وآله سوى من استجاشهم (4) من العرب وقيل: نزلت في المطعمين يوم بدر (5)، وقيل: لما اصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم (6) إلى مكة مشى صفوان بن امية وعكرمة بن أبي جهل في رجال من قريش اصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا وتركم، وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي افلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثارا بمن اصيب منا، ففعلوا فأنزل الله فيهم هذه الآية، رواه محمد بن إسحاق عن رجاله.


(1) في المصدر: فلم يعارضوا سورة. (2) أنوار التنزيل 1: 473 و 474. (3) الاحابيش: الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة. (4) استجاشه: طلب منه الجيش. منه. (5) في المصدر: وكانوا اثنى عشر رجلا: أبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيم بن حزام، وابى بن خلف، وزمعة بن الاسود، والحارث بن عامر بن نوفل، والعباس بن عبد المطلب، و كلهم من قريش، وكان كل يوم يطعم واحد منهم عشر جزر، وكانت النوبة يوم الهزيمة للعباس (6) فل القوم: منهزموهم. منه. [ * ]

[ 181 ]

ثم قال: وفي هذا دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله لانه أخبر بالشئ قبل كونه فوجد على ما أخبر به (1). قوله تعالى: " يريدون أن يطفؤوا نور الله " قال الرازي: المقصود منه بيان نوع ثالث من الافعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود والنصارى، وهو سعيهم في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وآله، وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعه، وقوة دينه، والمراد من النور الدلائل الدالة على صحة نبوته صلى الله عليه وآله وهي امور كثيرة: أحدها المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده، فإن المعجز إما أن يكون دليلا على الصدق أو لا يكون، فعلى الاول فحيث ظهر المعجز لابد من حصول الصدق، وإن لم يدل على الصدق قدح ذلك في نبوة موسى وعيسى عليهما السلام. وثانيها: القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد صلى الله عليه وآله، مع أنه من أول عمره إلى آخره ما تعلم وما استفاد وما نظر في كتاب، وذلك من أعظم المعجزات. وثالثها: أن حاصل شريعته تعظيم الله والثناء عليه، والانقياد لطاعته، وصرف النفس عن حب الدنيا، والترغيب في سعادات الآخرة، والعقل يدل على أنه لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه ورابعها: أن شرعه كان خاليا عن جميع العيوب، فليس فيه إثبات ما لا يليق بالله، وليس فيه دعوة إلى غير الله، وقد ملك البلاد العظيمة، وما غير طريقته في استحقار الدنيا وعدم الالتفات إليها، ولو كان مقصوده طلب الدنيا لما بقي الامر كذلك، فهذه الاحوال دلائل نيرة، وبراهين باهرة على صحة قوله، وإنهم (2) بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة وأنواع كفرهم ومكرهم أرادوا إبطال هذه الدلائل، فكان هذا جاريا مجرى من يريد إبطال نور الشمس بأن ينفخ فيها، ثم إنه تعالى وعد محمدا صلى الله عليه وآله مزيد النصرة، وإعلاء الدرجة، فقال: " ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " وقال في قوله تعالى: " هو الذي أرسل رسوله " اعلم أن كمال حال الانبياء لا يحصل إلا بامور.


(1) مجمع البيان 4: 541 و 542. (2) في المصدر: ثم انهم. [ * ]

[ 182 ]

أولها: كثرة الدلائل والمعجزات، وهو المراد من قوله: " أرسل رسوله بالهدى " وثانيها: كون دينه مشتملا على امور يظهر لكل أحد كونها موصوفة بالصواب والصلاح، ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدنيا والآخرة، وهو المراد من قوله: " ودين الحق ". وثالثها: صيرورة دينه مستعليا على سائر الاديان، غالبا لاضداده، قاهرا لمنكريه، وهو المراد من قوله: " ليظهره على الدين ". فإن قيل: ظاهر قوله: " ليظهره على الدين كله " يقتضي كونه غالبا لجميع الاديان وليس الامر كذلك، فإن الاسلام لم يصر غالبا لسائر الاديان في أرض الهند والروم والصين وسائر أراضي الكفرة. فالجواب عنه من وجوه: الاول: أنه لا دين لخلاف الاسلام (1)، إلا وقد قهرهم المسلمون، وظهروا عليهم في بعض المواضع وإن لم يكن ذلك في جميع مواضعهم، فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم، وغلبوا المجوس على ملكهم، وغلبوا عباد الاصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند، وكذلك سائر الاديان، فثبت أن الذي أخبر الله عنه في هذه الآية قد وقع وحصل، فكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا الثاني: أنه روي عن أبي هريرة أنه قال: هذا وعد من الله بأنه تعالى يجعل الاسلام غالبا على جميع الاديان، وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى عليه السلام. وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد إلا دخل في الاسلام أو أدى الخراج. الثالث: أن المراد ليظهر الاسلام على الدين كله في جزيرة العرب، وقد حصل ذلك، فإنه تعالى ما أبقى فيها أحدا من الكفار.


(1) في المصدر: بخلاف الاسلام. [ * ]

[ 183 ]

الرابع: أن المراد (1) الغلبة بالحجة والبيان (2). قوله تعالى: " يحلفون بالله ما قالوا " قال الطبرسي رحمه الله: اختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان جالسا في ظل حجرته (3) فقال: إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان (4)، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا، فأنزل الله هذه الآية، عن ابن عباس، وقيل: خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى تبوك، فكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، وطعنوا في الدين، فنقل ذلك حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لهم: ما هذا الذي بلغني عنكم ؟ فحلفوا بالله ما قالوا شيئا من ذلك، عن الضحاك، وقيل نزلت في الجلاس بن سويد ابن الصامت، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله خطب ذات يوم بتبوك وذكر المنافقين فسماهم رجسا وعابهم، فقال الجلاس: والله لئن كان محمد صادقا فيما يقول فنحن شر من الحمير، فسمعه عامر بن قيس فقال: أجل والله إن محمدا صادق وأنتم شر من الحمير، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلاس: كذب يارسول الله، فأمرهما رسول الله أن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس عند المنبر فحلف بالله ما قاله، ثم قام عامر فحلف بالله لقد قاله، ثم قال: اللهم أنزل على نبيك الصادق منا الصدوق (5)، فقال رسول الله والمؤمنون: آمين، فنزل جبرئيل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ " فإن يتوبوا يك خيرا لهم " فقام الجلاس فقال: يارسول الله اسمع الله قد عرض علي التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قال لك، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب


(1) هذا هو الوجه الخامس على ما في الصمدر، وأما الرابع فهكذا: ان المراد من قوله: " ليظهره على الدين كله " أن يوقفه على جميع شرائع الدين ويطلعه عليها بالكلية حتى لا يخفى عليه منها شئ. (2) مفاتيح الغيب 4: 624 - 626. (3) في المصدر: في ظل شجرة. (4) في المصدر: بعينى الشيطان. (5) في المصدر: منا من الصادق. [ * ]

[ 184 ]

إليه، فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك منه، عن الكلبي ومحمد بن إسحاق ومجاهد، وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سلول حين قال: " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل (1) " عن قتادة، وقيل: نزلت في أهل العقبة في أنهم ائتمروا في أن يغتالوا رسول الله صلى الله عليه وآله في عقبة، مرجعهم (2) من تبوك، وأرادوا أن يقطعوا أنساع راحلته ثم ينخسوا (3) فأطلعه تعالى على ذلك، وكان من جملة معجزاته، لانه لا يمكن معرفة ذلك إلا بوحي من الله، فسار رسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة وحده وعمار وحذيفة معه، أحدهما يقود ناقته، والآخر يسوقها، وأمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي، وكان الذين هموا بقتله اثنى عشر رجلا، أو خمسة عشر رجلا على الخلاف فيه، عرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وسماهم بأسمائهم واحدا واحدا، عن الزجاج والواقدي والكلبي، وقال الباقر عليه السلام: كانت ثمانية منهم من قريش، وأربعة من العرب انتهى (4). وأما قوله: " لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا " فيحتمل الدعاء عليهم والاخبار عن امتداد شقاوتهم، والاخير أظهر، فيكون من باب المعجزات، وكذا قوله: " لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم " إخبار بسرائرهم، وكذا قوله: " والله يشهد إنهم لكاذبون " وكذا قوله: " نظر بعضهم إلى بعض " فإنها كلها إخبار عما كانوا يسرون من المسلمين. قوله: " ائت بقرآن غير هذا أو بدله " قال الرازي في الفرق بينهما: إن المراد بالاول الاتيان بكتاب آخر لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه، وبالثاني تغيير هذا القرآن، كأن يضع مكان ذم بعض الاشياء مدحها، ومكان آية رحمة آية عذاب، أو المراد بالاول الاتيان بغيره، مع كون هذا الكتاب باقيا بحاله، وبالثاني أن يغير هذا الكتاب، ثم إن سؤالهم إما أن يكون على سبيل السخرية والاستهزاء، أو كان عرضهم التماس


(1) المنافقون: 8. (2) في المصدر: عند مرجعهم من تبوك. (3) الانساع جمع النسع، وهو بالكسر سير ينسج عريضا على هيئة أعنة البغال، تشد به الرحال ونخس الدابة كنصر وجعل: غرز مؤخرها أو جنبها بعود ونحوه منه قدس سره. (4) مجمع البيان 5: 51. [ * ]

[ 185 ]

كتاب لا يشتمل على سب آلهتهم والطعن في طرائقهم، فأمر بأن يجيبهم بأن هذا التبديل غير جائز مني " إن أتبع إلا ما يوحى إلي " وإنما لم يتعرض للاتيان بقرآن غير هذا لانه لما بين أنه لا يجوز له أن يبدله من تلقاء نفسه لانه وارد من الله تعالى، ولا يقدر على مثله كما لا يقدر سائر العرب على مثله، وكان ذلك متقررا في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديه لهم بمثل هذا القرآن فقد دلهم بذلك على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا، ثم لما كان هذا الالتماس لاجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه على سبيل الاختلاق، فلهذا احتج عليهم بأن اولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله من أول عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله، وأنه ما طالع كتابا، ولا تلمذ (1) لاستاذ، ولا تعلم من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الاصول، ودقائق علم الاحكام، ولطائف علم الاخلاق، وأسرار قصص الاولين، وعجز عن معارضته العلماء، والفصحاء، والبلغاء فكل من له عقل سليم فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والالهام من الله، فقوله: " لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به " حكم منه صلى الله عليه وآله بان هذا القرآن وحي من عند الله، وقوله: " فقد لبثت فيكم عمرا من قبله " إشارة إلى الدليل الذي قررناه، قوله: " ولا أدراكم به " أي ولا اعلمكم به (2)، وقال في قوله تعالى: " وما كان هذا القرآن أن يفترى ": حاصله أن هذا القرآن لا يقدر عليه أحد إلا الله عزوجل، ثم إنه احتج على هذه الدعوى بامور: الاول: " قوله " ولكن تصديق الذي بين يديه " وتقريره من وجوه: الاول: أنه صلى الله عليه وآله كان رجلا اميا ما سافر إلى بلدة لاجل التعلم، وما كانت مكة بلدة العلماء، وما كان فيها شئ من كتب العلم، ثم إنه صلى الله عليه وآله أتى بهذا القرآن، وكان مشتملا على أقاصيص (3)، والقوم كانوا في غاية العداوة له، فلو لم تكن هذه الاقاصيص موافقة لما في التوراة والانجيل لقدحوا فيه، ولبالغوا في الطعن فيه، فلما لم يفعلوا علمنا


(1) على وزن دحرج. (2) مفاتيح الغيب 4: 816 و 817، أقول: هذا ملخص كلامه. (3) في المصدر: على أقاصيص الاولين. [ * ]

[ 186 ]

أنها مطابقة لما في التوراة والانجيل، مع أنه ما طالعها ولا تلمذ لاحد فيها، فليس إلا بوحي منه تعالى. والثاني: أن كتب الله المنزلة دلت على مقدم محمد صلى الله عليه وآله، وإذا كان الامر كذلك كان مجيئه صلى الله عليه وآله تصديقا لما في تلك الكتب. الثالث: أنه أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل، فوقعت مطابقة لذلك الخبر، كقوله تعالى: " الم غلبت الروم (1) " وكقوله تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا (2) " وكقوله: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض (3) " وذلك يدل على أن الاخبار عن هذه الغيوب إنما حصلت بالوحي من الله تعالى بين يديه (4). والنوع الثاني من الدلائل قوله تعالى: " وتفصيل كل شئ " وتحقيقه أن العلوم إما أن تكون دينية أولا، ولا شك أن الاول أرفع حالا وأعظم شأنا من الثاني، وأما الدينية فإما أن تكون علم العقائد والاديان، وإما أن تكون علم الاعمال، فالاول هو معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأما معرفة الله فهي عبارة عن معرفة ذاته، وصفة جلاله، وصفة إكرامه، ومعرفة أفعاله، ومعرفة أحكامه، ومعرفة أسمائه، والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شئ من الكتب، بل لا يقرب منه شئ من المصنفات، وأما علم الاعمال فهو إما علم التكاليف المتعلقة بالظواهر وهو الفقه، ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم عن القرآن، وإما علم بصفة الباطن (5) ورياضة القلوب، وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره، فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة عقليها ونقليها اشتمالا يمتنع حصوله في سائر الكتب، فكان ذلك معجزا. وأما قوله: " لا ريب فيه من رب العالمين " فتقريره أن الكتاب الطويل المشتمل


(1) الروم: 1. (2) الفتح: 27. (3) النور: 55. (4) في العبارة سقط، والموجود في المصدر: وذلك يدل على أن الاخبار عن هذه الغيوب المستقبلة إنما حصل بالوحى من الله تعالى، فكان ذلك عبارة عن تصديق الذى بين يديه. (5) في المصدر: بتصفية الباطن. [ * ]

[ 187 ]

على هذه العلوم الكثيرة لابد وأن يشتمل على نوع من أنواع التناقض، وحيث خلا عنه علمنا أنه من عند الله، ثم بعد إيراد هذه الدلائل أعاد الكلام مرة اخرى بلفظ الاستفهام على سبيل الانكار فقال: " أم يقولون افتراه " ثم ذكر حجة اخرى على إبطال هذا القول فقال: " قل فأتوا بسورة مثله ". فإن قيل: لم قال في سورة البقرة: " من مثله " وهنا بسورة مثله. قلنا: إن محمدا صلى الله عليه وآله كان رجلا اميا لم يتلمذ لاحد، ولم يطالع كتابا فقيل (1) في سورة البقرة: " فأتوا بسورة من مثله " أي فليأت إنسان يساوي محمدا صلى الله عليه وآله في عدم التلمذ (2) وعدم مطالعة الكتب بسورة تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز، فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد صلى الله عليه وآله معجز، ثم إنه تعالى بين في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجز، فإن الخلق إن تلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا فإنه لا يمكنهم الاتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور، فلا جرم قال تعالى في هذه الآية: " فأتوا بسورة مثله ". فإن قيل: قوله: " بسورة مثله " هل يتناول جميع السور الصغار والكبار، أو يخص بالسور الكبار ؟ قلنا: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فالمراد مثل هذه السورة، لانها اقرب ما يمكن أن يشار إليه. واعلم أنه قد ظهر بما قررنا أن مراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرآن ستة: فأولها: أنه تحداهم بكل القرآن، كما قال: " قل لئن اجتمعت (3) " الآية وثانيها: أنه تحداهم بعشر سور (4).


(1) في المصدر: فقال. (2) من هنا يظهر أن الرازي جاء بالتملذ من باب التفعل فيما مر من تصاريفها وهو من الاغلاط المشهورة والصحيح ان المادة رباعية يقال تلمذ الاستاذ الولد فتلمذ له وتتلمذ (على وزن دحرج و تدحرج) فهو تلميذ والكلمة من الدخيل ومعناها بالفارسية: " شاكردى " ويحتمل أنه جاء بالتتلمذ أو التلمذة فسقطت التاء سهوا أو عمدا من المطابع. (3) الاسراء: 88 (4) في قوله: " فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " هود: 13. [ * ]

[ 188 ]

وثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة. ورابعها: أنه تحداهم بحديث مثله (1). وخامسها: أن في تلك المراتب الاربعة كان يطلب أن يأتي بالمعارضة رجل يساوى رسول الله صلى الله عليه وآله في عدم التلمذ والتعلم، ثم في سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان سواه، تعلم العلوم أو لم يتعلمها. وسادسها: أن في المراتب المتقدمة تحدى كل واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الاتيان بهذه المعارضة، كما قال: " وادعوا من استطعتم من دون الله (2) ". وقال في قوله: " تلك من أنباء الغيب ": أي من الاخبار التي كانت غائبة عن الخلق ما كنت تعرف هذه القصة أنت ولا قومك. فإن قيل: أليس كان قصة نوح مشهورة عند أهل العالم ؟ قلنا: بحسب الاجمال كانت مشهورة، وأما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة (3). وقال في قوله: " لولا انزل عليه آية من ربه ": اعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد صلى الله عليه وآله سوى القرآن لدلالة هذا الكلام عليه، والجواب عنه من وجهين: الاول: لعل المراد منه طلب معجزات سوى التي شاهدوها منه صلى الله عليه وآله، كحنين الجزع، ونبوع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وطلبوا منه معجزات غيرها، مثل فلق البحر، وقلب العصا ثعبانا (4). والثاني: أنه لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات (5).


(1) في قوله: " فليأتوا بحديث مثله " الطور: 34. (2) مفاتيح الغيب 4: 844 - 847. (3) مفاتيح الغيب 5: 65. (4) أو طلبوا منه امورا غير ممكنة كنزول الملائكة عيانا (5) مفاتيح الغيب 5: 182. [ * ]

[ 189 ]

وقال في قوله تعالى: " ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين " بعد أن ذكر وجوها: الرابع: قال ابن عباس: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان قوم يتقدمون إلى الصف الاول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها إذا ركعوا، ويجافون أيديهم (1) لينظروا من تحت آباطهم، فأنزل الله هذه الآية. انتهى (2). أقول: فعلى هذا فيه إخبار بأسرار القوم قوله تعالى: " وإذا بدلنا آية مكان آية " المراد به النسخ " والله أعلم بما ينزل " اعتراض دخل في الكلام، والمعنى الله أعلم بما ينزل من الناسخ والمنسوخ، والتغليظ و التخفيف في مصالح العباد، وهذا توبيخ للكفار على قولهم: " إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون " أي حقيقة القرآن وفائدة النسخ. " قل نزله روح القدس " قال في الكشاف: أي جبرئيل، اضيف إلى القدس وهو الطهر، والمراد الروح المقدس " ليثبت الذين آمنوا " أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه: هو الحق من ربنا، حكم لهم بثبات القدم في الدين (3). قوله: " إنما يعلمه بشر " قال الرازي: اختلف في هذا البشر (4)، قيل: هو عبد لبني عامر بن لؤي يقال له: يعيش، وكان يقرأ الكتب، وقيل: عداس غلام عتبة بن ربيعة، و قيل: عبد بني الحضرمي صاحب كتب وكان اسمه خيرا (5)، وكانت قريش تقول: عبد


(1) في المصدر: وإذا ركعوا جافوا أيديهم. (2) مفاتيح الغيب 5: 264. (3) الكشاف 2: 495. (4) في المصدر: واختلفوا في هذا البشر الذى نسب المشركون النبي صلى الله عليه وآله وإلى التعلم منه. (5) في المصدر: جبرا وقال الطبرسي: قال عبد الله بن مسلم كان غلامان في الجاهلية نصرانيان من أهل عين التمر، اسم احدهما يسار، واسم الاخر خير، كانا صيقلين يقرآن كتابا لهما بلسانهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ربما مر بهما واستمع لقراءتهما، فقالوا: انما يتعلم منهما. [ * ]

[ 190 ]

الحضرمي يعلم خديجة، وتعلم خديجة محمدا صلى الله عليه وآله، وقيل: كان بمكة نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام، ويقال: ابن ميسرة، يتكلم بالرومية، وقيل: سلمان الفارسي. قوله تعالى: لسان الذي يلحدون إليه " أي يميلون القول إليه " أعجمي " قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م وضع في كلام العرب للابهام والاخفاء وضد البيان، وعجم الزبيب يسمى لاختفائه، والعجماء: البهيمة، لانها لا توضح ما في نفسها، ثم إن العرب تسمى كل من لا يعرف لغة (1) ولا يتكلم بلسانهم أعجمي، قال الفراء وأحمد بن يحيى: الاعجم: الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، ألا ترى أنهم قالوا: زياد الاعجم، لانه كانت في لسانه عجمة، مع أنه كان عربيا. وأما تقرير الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا: إن القرآن إنما كان معجزا لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ، وكأنه قيل: هب إنه يتعلم المعاني من ذلك الاعجمي إلا أن القرآن إنما كان معجزا لما في ألفاظه من الفصاحة، فبتقدير أن يكونوا صادقين في أن محمدا صلى الله عليه وآله يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل إلا أن ذلك لا يقدح في المقصود لان القرآن إنما كان معجزا لفصاحته اللفظية (2). قوله: " وما منعنا أن نرسل بالآيات " قال الرازي فيه وجوه: الاول: أن المعنى أنه لو أظهر تلك المعجزات ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستيصال، وهو على هذه الامة غير جائز، لان الله تعالى علم منهم (3) من سيؤمن أو يؤمن أولادهم، فلذا ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم، وما أظهر تلك المعجزات، روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول أن يجعل الصفا ذهبا، وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الاراضي، فطلب الرسول ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى: إن شئت فعلت ذلك لكن لو أنهم كفروا أهلكتهم، فقال الرسول: لا اريد ذلك.


(1) في المصدر: لغتهم. (2) مفاتيح الغيب 5: 350. (3) في المصدر: علم أن فيهم من سيؤمن. [ * ]

[ 191 ]

الثاني: أن المراد لا نظهر هذه المعجزات، لان آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم، فأنتم لو رأيتموها لم تؤمنوا بها أيضا. الثالث: أن الاولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوها، فعلم الله منكم أيضا أنكم لو شاهدتموها لكذبتم بها، فكان إظهارها عبثا، والعبث لا يفعله الحكيم (1). قوله: " لئن اجتمعت الانس والجن " قال الرازي: فإن قيل: هب إنه ظهر عجز الانسان عن معارضته، فكيف عرفتم عجز الجن ؟ وأيضا فلم لا يجوز أن يقال: إن هذا القرآن نظم الجن ألقوه على محمد صلى الله عليه وآله. أجاب العلماء عن الاول بأن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزا. وعن الثاني أن ذلك لو وقع لوجب في حكمة الله أن يظهر ذلك التلبيس، وحيث لم يظهر ذلك دل على عدمه (2). قوله تعالى: " ولم يجعل له عوجا " قال الرازي: إنا قد ذكرنا أن الشئ يجب أن يكون كاملا في ذاته، ثم يكون مكملا لغيره، فقوله: " ولم يجعل له عوجا " إشارة إلى كونه كاملا في ذاته، وقوله: " قيما " إلى كونه مكملا لغيره، لان القيم عبارة عن القائم بمصالح الغير. وفي نفي العوج وجوه: أحدها: نفي التناقض عن آياته. وثانيها: أن كل ما ذكره الله فيه من التوحيد والنبوة والاحكام والتكاليف فهو حق وصدق، ولا خلل في شئ منها البتة. وثالثها: أن الانسان كأنه خرج من عالم الغيب متوجها إلى عالم الآخرة، وإلى حضرة جلال الله، وهذه الدنيا كأنها رباط بني على حد عالم القيامة (3)، حتى


(1) مفاتيح الغيب 5: 408. (2) مفاتيح الغيب 5: 441. (3) في المصدر: كأنها رباط بنى على طريق عالم القيامة. [ * ]

[ 192 ]

أن المسافر إذا نزل فيه اشتغل بالمهمات التي تجب رعايتها في هذا السفر، ثم يرتحل منه متوجها إلى عالم الآخرة، فكل ما دعاه من الدنيا إلى عالم الآخرة، ومن الجسمانيات إلى الروحانيات ومن الخلق إلى الحق فهو السير المستقيم، وكل ما دعاه من عالم الآخرة إلى الدنيا فهو السير المعوج، والقرآن مملو من الدعوة من الخلق إلى الحق، ومن الدنيا إلى الآخرة، ومن اللذات الشهوانية الجسدانية إلى الاستنارة بالانوار الصمدية (1)، فثبت أنه مبرأ من العوج والانحراف والباطل (2). قوله تعالى: " وأسروا النجوى " قال البيضاوي: أي بالغوا في إخفائها " هل هذا إلا بشر مثلكم " كأنهم استدلوا بكونه بشرا على كذبه في ادعاء الرسالة لادعائهم (3) أن الرسول لا يكون إلا ملكا، واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن سحر " بل قالوا أضغاث أحلام " إضراب لهم عن قولهم: هو سحر إلى أنه تخاليط الاحلام، ثم إلى أنه كلام افتراه، ثم إلى أنه قول شاعر، والظاهر أن (بل) الاولى لتمام حكاية (4) والابتداء باخرى، أو للاضراب عن تحاورهم في شأن الرسول، وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاولهم في أمر القرآن، والثانية والثالثة لاضرابهم عن كونه أباطيل خيلت إليه و خلطت عليه، إلى كونه مفتريات اختلقها من تلقاء نفسه، ثم إلى أنه كلام شعري يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها، ويرغبه فيها، ويجوز أن يكون الكل من الله تعالى تنزيلا لاقوالهم في درج الفساد، لان كونه شعرا أبعد من كونه مفترى، لانه مشحون بالحقائق والحكم، وليس فيه ما يناسب قول الشعراء، وهو من كونه أحلاما، لانه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع، والمفترى لا يكون كذلك، بخلاف الاحلام، و لانهم جربوا رسول الله صلى الله عليه وآله نيفا (5) وأربعين سنة ما سمعوا منه كذبا قط، وهو من كونه سحرا، لانه مجانسه من حيث أنهما من الخوارق " فليأتنا بآية كما ارسل الاولون "


(1) في المصدر: وفى غير نسخة المصنف من النسخ: الصمدانية. (2) مفاتيح الغيب 5: 452. (3) في المصدر: لاعتقادهم. (4) في المصدر: لتمام الحكاية. (5) النيف: الزيادة، وكل ما زاد على العقد فنيف إلى أن يبلغ العقد الثاني. [ * ]

[ 193 ]

أي كما ارسل به الاولون، مثل اليد البيضاء، والعصا، وإبراء الاكمه، وإحياء الموتى " ما آمنت قبلهم من قرية " أي من أهل قرية " أهلكناها " باقتراح الآيات لما جاءتهم " أفهم يؤمنون " لو جئتهم بها وهم أطغى منهم، وفيه دليل (1) على أن عدم الاتيان بالمقترح للابقاء عليهم، إذ لو أتى به لم يؤمنوا واستوجبوا عذاب الاستيصال كمن قبلهم (2). قوله: " إن هذا إلا إفك افتراه " قال الرازي: قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، وهو الذي قال هذا القول: " وأعانه عليه قوم آخرون " يعني عامرا (3) مولى حويطب بن عبد العزى، ويسارا غلام عامر بن الحضرمي، وجبيرا مولى عامر، هؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرؤون التوراة ويحدثون أحاديث منها، فلما أسلموا وكان النبي صلى الله عليه وآله يتعهدهم فلاجل ذلك قال النضر ما قال، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: " فقد جاؤوا ظلما وزورا " وإنما كفى هذا القدر جوابا لانه قد علم كل عاقل أنه صلى الله عليه وآله تحداهم بالقرآن، وهو النهاية في الفصاحة، وقد بلغوا في الخوض (4) على إبطال أمره كل غاية حتى أحوجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآية، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم مما أوردوه في هذه الآيات وغيرها، ولو استعان صلى الله عليه وآله بغيره في ذلك لامكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم، لانه صلى الله عليه وآله كاولئك في معرفة اللغة، والمكنة في العبارة (5)، فلما لم يبلغوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ الغاية في الفصاحة، وانتهى إلى حد الاعجاز، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم تلك الدلالة الواضحة لا يكون إلا التمادي في الجهل والعناد، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله: " فقد جاؤوا ظلما وزورا ".


(1) تنبيه خ ل، وفى المصدر: وهم أعتى منهم، وفيه تنبيه. (2) أنوار التنزيل 2: 75 و 76. (3) في المصدر: عداس مولى حويطب. وفيه: جبر بدل جبير. (4) في المصدر: في الحرص (5) في المصدر: والمكنة في الاستعانة. [ * ]

[ 194 ]

والشبهة الثانية لهم: قوله تعالى: " وقالوا أساطير الاولين " ما سطره المتقدمون، كأحاديث رستم وإسفنديار، " اكتتبها " انتسخها محمد صلى الله عليه وآله من أهل الكتاب، يعنى عامرا وبشارا (1) وجبيرا، ومعنى اكتتب هنا أمر أن يكتب له، كما يقال: احتجم وافتصد: إذا أمر بذلك " فهي تملى عليه " أي يلقى عليه كتابه ليتحفظها " بكرة وأصيلا " قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة وأصيلا يقرؤه عليكم (2)، وقال الحسن: هو قوله تعالى جوابا عن قولهم كأنه قال: إن هذه الآيات تملى عليه بالوحي حالا بعد حال، فكيف ينسب إلى أنه أساطير الاولين ؟ وجمهور المفسرين على أنه من كلام القوم، فأجاب تعالى بقوله: " قل أنزله الذي يعلم السر " الآية، وتقريره ما قدمنا أنه صلى الله عليه وآله تحداهم و ظهر عجزهم، فلو كان استعان بغيره لكان عليهم أن يستعينوا بأحد، فلما عجزوا ثبت أنه وحي الله تعالى وكلامه، فلهذا قال: " قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والارض " وذلك لان القادر على تركيب ألفاظ القرآن لابد وأن يكون عالما بكل المعلومات ظاهرها وخفيها " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " (3) ولاشتماله على الاحكام التي هي مقتضية لمصالح العباد ونظام العالم، وذلك لا يكون إلا من العالم بكل المعلومات، ولاشتماله على أنواع العلوم، وذلك لا يأتي إلا من العالم بكل المعلومات، إلى غير ذلك


(1) هكذا في نسخة المصنف، وهو مصحف يسارا. كما فيما تقدم وفى المصدر، وفى المصدر: جبرا بدل جبيرا. (2) في المصدر: ما يملى عليه بكرة يقرؤه عليكم عشية، وما يتلى عليه عشية يقرؤه عليكم بكرة. (3) قد لخص المصنف هنا كلام الرازي ونقل معناه ولذلك وقع خلل في العبارة، والصحيح من كلامه هكذا: وذلك لان القادر على تركيب ألفاظ القرآن لابد وأن يكون عالما بكل المعلومات ظاهرها وخافيها من وجوه: أحدها: أن مثل هذه الفصاحة لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات وثانيها أن القرآن مشتمل على الاخبار عن الغيوب، وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات وثالثها: أن القرآن مبرأ عن النقص، وذلك لا يتأتى إلا من العالم، على ما قال تعالى: " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. ورابعها: اشتماله على الاحكام التى هي مقتضية لمصالح العباد أه‍ ثم عد خامسها قوله: لاشتماله على أنواع العلوم. [ * ]

[ 195 ]

مما مر من وجوه الاعجاز في القرآن (1). قوله: " لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " قال الرازي: هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وآله، فإن أهل مكة قالوا: تزعم أنك رسول من عند الله، أفلا تأتينا بالقرآن جملة كما انزل التوراة جملة على موسى، والانجيل على عيسى، والزبور على داود ؟ وأجاب الله عنه بقوله: " كذلك لنثبت به فؤادك. بيانه من وجوه: أحدها: أنه صلى الله عليه وآله لم يكن من أهل القراءة والكتابة، فلو نزل عليه جملة واحدة كان لا يضبط، ولجاز عليه الخطأ (2) والغلط. وثانيها: أن من كان الكتاب عنده فربما اعتمد على الكتاب، وتساهل في الحفظ، فالله تعالى ما أعطاه الكتاب دفعة، بل كان ينزل عليه وظيفة ليكون حفظه له أكمل، فيكون أبعد عن المساهلة وقلة التحصيل. وثالثها: أنه تعالى لو انزل الكتاب جملة لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك لا جرم نزلت التكاليف قليلا قليلا، فكان تحملها أسهل. ورابعها: أنه إذا شاهد جبرئيل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته، فكان أقوى على الصبر على عوارض النبوة، وعلى احتمال أذية قومه وعلى الجهاد. وخامسها: أنه لما شرط الاعجاز فيه مع كونه منجما ثبت كونه معجزا، فإنه لو كان ذلك مقدورا للبشر لوجب أن يأتوا بمثله منجما مفرقا. وسادسها: كان القرآن ينزل بحسب أسؤلتهم والوقائع الواقعة لهم، وكانوا يزدادون بصيرة، لان بسبب ذلك كان ينضم مع الفصاحة الاخبار عن الغيوب. وسابعها: أن القرآن لما نزل منجما مفرقا وهو صلى الله عليه وآله كان يتحداهم من أول الامر وكان يتحداهم (3) بكل واحد من نجوم القرآن، فلما عجزوا عنه فعن معارضة الكل


(1) مفاتيح الغيب 6: 302 و 303. (2) في المصدر: ولجاز عليه الغلط والسهو. (3) في المصدر: فكأنه تحداهم. [ * ]

[ 196 ]

أولى، فبهذا الطريق ثبت في فؤاده أن القوم عاجزون عن المعارضة لا محالة وثامنها: أن السفارة بين الله وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة لبطل المنصب على جبرئيل عليه السلام، فلما أنزله مفرقا منجما بقي ذلك المنصب العالي عليه (1). والترتيل في الكلام أن يأتي بعضه على أثر بعض على توءدة ومهل. قوله تعالى: " على قلبك " أي فهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، و الباء في قوله: " بلسان " إما أن يتعلق بالمنذرين، فالمعنى فتكون من الذين، أنذروا بهذا اللسان، وإما أن يتعلق بنزل، فالمعنى أنزله باللسان العربي لتنذر به، لانه لو أنزله باللسان الاعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه ؟ وأما قوله: " وإنه لفي زبر الاولين " فيحتمل هذه الاخبار خاصة، أو صفة القرآن أو صفة محمد صلى الله عليه وآله، أو المراد وجوه التخويف " أو لم يكن لهم آية " حجة ثانية على نبوته صلى الله عليه وآله ؟ وتقريره أن جماعة من علماء بني إسرائيل أسلموا ونصوا على مواضع في التوراة والانجيل ذكر فيها الرسول صلى الله عليه وآله بنعته وصفته، وقد كان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود ويتعرفون منهم هذا الخبر، وهذا يدل دلالة ظاهرة على نبوته صلى الله عليه وآله (2). أقول: قوله تعالى: " لا يؤمنون به " إخبار بعدم إيمان هؤلاء المكذبين المعاندين، و كذا قوله تعالى: " عسى أن يكون ردف لكم " أي تبعكم ولحقكم، إخبار بما وقع عليهم قريبا في غزوة بدر، وقد مر أن عسى من الله تعالى موحبة. قوله تعالى: " أكثر الذي هم فيه يختلفون " قال البيضاوي: كالتشبيه والتنزيه و أحوال الجنة والنار وعزير والمسيح (3). قوله تعالى: " لرادك إلى معاد " قال الرازي: قيل: المراد به مكة، وارتداده إليها يوم الفتح، وتنكيره لتعظيمه، لانه لكان له فيه شأن عظيم من استيلائه عليها، و


(1) مفاتيح الغيب 5: 318 و 319 (2) مفاتيح الغيب 5: 366. (3) أنوار التنزيل 2: 206. [ * ]

[ 197 ]

قهره لاهلها، وإظهار عز الاسلام، وإذلال حزب الكفر، والسورة مكية: فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها، وقال مقاتل: إنه صلى الله عليه وآله خرج من الغار، وسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق و نزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها، وذكر مولده و مولد أبيه، فنزل جبرئيل وقال: تشتاق إلى بلدك ومولدك ؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم، فقال جبرئيل عليه السلام: إن الله يقول: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " يعني مكة ظاهرا عليهم، وهذا مما يدل على نبوته، لانه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر (1). قوله تعالى: " لارتاب المبطلون " قال الرازي: فيه معنى لطيف، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله إذا كان قارئا كاتبا ما كان يوجب كون الكلام كلامه، فإن جميع كتبة الارض وقرائها لا يقدرون عليه، لكن على ذلك التقدير يكون للمبطل وجه ارتياب، و على ما هو عليه لا وجه لارتيابه فهو أدخل في البطلان (2). قوله تعالى: " غلبت الروم " قال الطبرسي رحمه الله: قال المفسرون: غلبت فارس الروم وظهروا عليهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وفرح بذلك كفار قريش من حيث إن أهل فارس لم يكونوا أهل كتاب: وساء ذلك المسلمين، وكان بيت المقدس لاهل الروم كالكعبة للمسلمين، فدفعهم فارس عنه. وقوله: " في أدنى الارض " أي أدنى الارض من أرض العرب، وقيل: في أدنى الارض من أرض الشام إلى أرض فارس، يريد الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، و قيل: يريد أزرعات (3) وكسكر " وهم " يعني الروم " من بعد غلبهم " أي غلبة فارس


(1) مفاتيخ الغيب 6: 425. (2) مفاتيخ الغيب 6: 457. (3) هكذا في نسخة المصنف، والصحيح كما في المصدر: أذرعات بالذال المعجمة، هو بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان. وكسكر بالفتح ثم السكون: كورة واسعة، قصبتها اليوم واسط القصبة التى بين الكوفة و البصرة، وكانت قصبتها قبل أن يمصر الحجاج واسطا خسرو سابور، ويقال: إن حد كورة كسكر من الجانب الشرقي في آخر سقى النهروان إلى أن تصب دجلة في البحر كله من كسكر، فتدخل فيه على هذا البصرة ونواحيها، قاله ياقوت. [ * ]

[ 198 ]

إياهم " سيغلبون " فارس " في بضع سنين " وهذه من الآيات الدالة على أن القرآن من عند الله عزوجل، لان فيه إنباء ما سيكون، ولا يعلم ذلك إلا الله عزوجل " لله الامر من قبل ومن بعد " أي من قبل أن غلبت الروم ومن بعد ما غلبت، فإن شاء جعل الغلبة لاحد الفريقين على الآخر، وإن شاء جعل الغلبة للفريق الآخر عليهم، وإن شاء أهلكهما جميعا " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله " أي ويوم يغلب الروم فارسا يفرح المؤمنون بدفع الروم فارسا عن بيت المقدس، لا بغلبة الروم على بيت المقدس، فإنهم كفار، ويفرحون أيضا لوجه آخر، وهو اغتمام المشركين بذلك، ولتصديق خبر الله وخبر رسوله، ولانه مقدمة لنصرهم على المشركين " ينصر من يشاء " من عباده " وهو العزيز " في الانتقام من أعدائه " الرحيم " بمن أناب إليه من خلقه " وعد الله " أي وعد الله ذلك " لا يخلف الله وعده " بظهور الروم على فارس " ولكن أكثر الناس " يعني كفار مكة " لا يعلمون " صحة ما أخبرنا به لجهلهم بالله. القصة: عن الزهري قال: كان المشركون يجادلون المسلمين وهم بمكة يقولون: إن أهل الروم أهل كتاب وقد غلبهم الفرس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي انزل على نبيكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل الله تعالى: " الم غلبت الروم " إلى قوله: " في بضع سنين " قال: فأخبرني عبيدالله بن عتبة بن مسعود أن أبا بكر ناحب (1) بعض المشركين قبل أن يحرم القمار، على شئ إن لم يغلب فارس في سبع سنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم فعلت ؟ فكل ما دون العشرة بضع، فكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين، ثم أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبية، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب، وروى أبو عبد الله الحافظ بالاسناد عن ابن عباس في قوله: " الم غلبت الروم " قال: قد مضى، كان ذلك في أهل فارس والروم، وكانت فارس قد غلبت عليهم، ثم غلبت الروم بعد ذلك، ولقي نبي الله مشركي العرب، والتقت الروم وفارس فنصر الله النبي صلى الله عليه وآله ومن معه من المسلمين على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على مشركي العجم، ففرح المؤمنون بنصر الله إياهم، ونصر أهل الكتاب على العجم، قال عطية


(1) المناحبة: المخاطرة والمراهنة منه قدس سره. [ * ]

[ 199 ]

وسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال: التقينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومشركوا العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا الله على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصر الله إيانا على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على المجوس، فذلك قوله: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله " وقال سفيان الثوري: سمعت أنهم ظهروا يوم بدر، وقال مقاتل: لما كان يوم بدر غلب المسلمون كفار مكة، وأخبر الله رسوله أن الروم غلبت فارسا، ففرح المؤمنون بذلك، وروي أنهم استردوا بيت المقدس: وأن ملك الروم مشى إليه شكرا، بسطت له الرياحين فمشى عليها، وقال الشعبي: لم تمض تلك المدة التي عقدها أبو بكر مع ابي بن خلف حتى غلب الروم فارسا وربطوا خيولهم بالمدائن: وبنوا الرومية، فأخذ أبو بكر الخطر (1) من ورثته، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فتصدق به، وروي أن أبا بكر لما أراد الهجرة تعلق به ابي وأخذ ابنه عبد الله بن أبي بكر كفيلا فلما أراد أن يخرج ابي إلى حرب احد تعلق به عبد الله بن أبي بكر وأخذ منه ابنه كفيلا وجرح ابي في احد وعاد إلى مكة ومات من تلك الجراحة، جرحه رسول الله صلى الله عليه وآله وجاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لفارس نطحة أو نطحتان (2)، ثم لا فارس بعدها أبدا، والروم ذات القرون، كلما ذهب قرن خلف قرن هبهب (3) إلى آخر الابد انتهى (4). قوله تعالى: " ويرى الذين اوتوا العلم " أي أهل الكتابين، أو مطلق أهل العلم. قوله تعالى: " الله نزل أحسن الحديث " قال الطبرسي رحمه الله: هو أحسن الحديث لفرط فصاحته، ولاعجازه، ولاشتماله على جميع ما يحتاج إليه المكلف من التنبيه على أدلة التوحيد والعدل، وبيان أحكام الشرع وغير ذلك من المواعظ وقصص الانبياء و الترغيب والترهيب " كتابا متشابها " يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، ليس فيه


(1) الخطر: ما يراهن عليه. (2) من نطح الثور ونحوه: أصابه بقرنه. (3) الهبهب: السريع وهبهب السراب: ترقرق. (4) مجمع البيان 8: 294 - 296. [ * ]

[ 200 ]

اختلاف ولا تناقض، أو يشبه كتب الله المتقدمة، وإن كان أعم وأجمع وأنفع، وقيل: متشابها في حسن النظم، وجزالة اللفظ، وجودة المعاني " مثاني " سمي بذلك لانه تثنى فيه القصص والاخبار والاحكام والمواعظ بتصريفها في ضروب البيان، ويثنى أيضا في التلاوة فلا يمل لحسن مسموعه " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم " أي يأخذهم قشعريرة خوفا مما في القرآن من الوعيد " ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " إذا سمعوا ما فيه من الوعد بالثواب والرحمة (1). قوله تعالى: " وإنه لكتاب عزيز " قال البيضاوي: أي كثير النفع، عديم النظير، أو منيع لا يتأتي إبطاله وتحريفه " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات، أو مما فيه من الاخبار الماضية والامور الآتية " ولو جعلناه قرآنا أعجميا " جواب لقولهم: هلا نزل القرآن بلغة العجم ؟ " لقالوا لولا فصلت آياته " بينت بلسان نفقهه " ءاعجمي وعربي " أكلام أعجمي ومخاطب عربي ؟ إنكار مقرر للتحضيض (2). قوله تعالى: " فارتقب " أي فانتظر لهم " يوم تأتي السماء بدخان مبين " أكثر المفسرين على أنه إخبار بقحط ومجاعة أصابتهم بسوء أعمالهم، فالمراد يوم شدة ومجاعة، فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره، أو لان الهواء يظلم عام القحط لقلة الامطار وكثرة الغبار، أو لان العرب تسمي الشر الغالب دخانا، وقد قحطوا حتى أكلوا جيف الكلاب وعظامها، وقيل: إشارة إلى ظهور الدخان المعدود من أشراط الساعة كما مر في كتاب المعاد " يغشى الناس " أي يحيط بهم. وقوله: " هذا عذاب أليم " إلى قوله: " مؤمنون " مقدر بقول وقع حالا وإنا مؤمنون وعد بالايمان إن كشف العذاب عنهم " أنى لهم الذكرى " من أين لهم ؟ وكيف يتذكرون لهذه الحال ؟ " وقد جاءهم رسول مبين " يبين لهم ما هو أعظم منها في إيجاب الادكار من الآيات والمعجزات ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون " قال بعضهم: يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف، وقال


(1) مجمع البيان 8: 495. (2) أنوار التنزيل 2: 390. [ * ]

[ 201 ]

آخرون: إنه مجنون " إنا كاشفوا العذاب " بدعاء النبي صلى الله عليه وآله فإنه دعا فرفع القحط " قليلا " كشفا قليلا، أو زمانا قليلا، وهو ما بقي من أعمارهم " إنكم عائدون " إلى الكفر غب الكشف " يوم نبطش البطشة الكبرى " يوم القيامة، أو يوم بدر، ظرف لفعل دل عليه " إنا منتقمون " (1) وقال الطبرسي رحمه الله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا على قومه لما كذبوه، فقال: " اللهم سني (2) كسني يوسف " فأجدبت الارض فأصابت قريشا المجاعة، وكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان، وأكلوا الميتة والعظام، ثم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم وقومك قد هلكوا، فسأل الله تعالى لهم بالخصب والسعة فكشف عنهم، ثم عادوا إلى الكفر، عن ابن مسعود والضحاك انتهى (3). قوله تعالى: " سيقول لك المخلفون " أقول: هذا إخبار بما سيقع وقد وقع. وقوله: " يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم " إخبار بما في ضميرهم، وكذا قوله: " سيقول لك المخلفون " إخبار بما وقع بعد الاخبار من غزوة خيبر، وقولهم ذلك، كما سيأتي شرحه في غزوة الحديبية وغزوة خيبر. وكذا قوله تعالى: " ستدعون إلى قوم اولي بأس شديد ": قال الطبرسي رحمه الله: هم هوازن وحنين، وقيل: هم هوازن وثقيف، وقيل: هم بنو حنيفة مع مسيلمة، وقيل: هم أهل فارس، وقيل: هم الروم، وقيل: هم أهل صفين أصحاب معاوية، والصحيح أن المراد بالداعي في قوله: " ستدعون " هو النبي صلى الله عليه وآله، لانه قد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة، وقتال أقوام ذوي نجدة وشدة (4)، مثل أهل خيبر، وحنين والطائف ومؤتة، وإلى تبوك وغيرها، فلا معنى لحمل ذلك على بعد وفاته (5). وقال في قوله تعالى: " واخرى لم تقدروا عليها " معناه ووعدكم الله مغانم اخرى


(1) أنوار التنزيل 2: 416. (2) في المصدر: اللهم سنين كسنى يوسف. (3) مجمع البيان 9: 62. (4) النجدة: الشجاعة. والشدة: البأس. (5) مجمع البيان 9: 115. [ * ]

[ 202 ]

لم تقدروا عليها بعد، أو قرية اخرى لم تقدروا عليها قد أعدها الله لكم، وهي مكة، و قيل: هي ما فتح الله على المسلمين بعد ذلك إلى اليوم، وقيل: المراد فارس والروم، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله بشرهم كنوز كسرى وقيصر، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس و الروم وفتح مدائنها، بل كانوا خولا (1) لهم حتى قدروا عليها بالاسلام " قد أحاط الله بها " أي قدر الله عليها وأحاط بها علما انتهى (2). أقول: وكذا قوله تعالى: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " إخبار بالعيب كما سيأتي تفسيره. قوله تعالى: " أم يقولون تقوله " قال البيضاوي: أي اختلفه من تلقاء نفسه " بل لا يؤمنون " فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم " فليأتوا بحديث مثله " مثل القران " إن كانوا صادقين " في زعمهم، إذ فيهم كثير ممن عدوا فصحاء، فهو رد للاقوال المذكورة بالتحدي انتهى (3). قوله تعالى: " عذابا دون ذلك " أقول: على قول من قال: إن المراد به القتل يوم بدر أو القحط سبع سنين فهو أيضا إخبار بالغيب، وقد وقع، وكذا قوله تعالى، " سيهزم الجمع ويولون الدبر " إشارة إلى غزوة بدر، وهو من المعجزات، وكذا قوله: " والله متم نوره " وقوله: " ليظهره على الدين كله " وقد مر بيانه، وكذا قوله: " ولا يتمنونه أبدا " كما مر. قال البيضاوي: " وما هو بقول شاعر: كما تزعمون تارة " قليلا ما تؤمنون " تصدقون لما ظهر لكم صدقه تصديقا قليلا لفرط عنادكم " ولا بقول كاهن " كما تزعمون اخرى " قليلا ما تذكرون " تذكرون تذكرا قليلا، فلذلك يلتبس الامر عليكم، و ذكر الايمان مع نفي الشاعرية، والتذكر مع الكاهنية، لان عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بين لا ينكرها إلا معاند، بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحوال


(1) الخول: العبيد والاماء وغيرهم من الحاشية. (2) مجمع البيان 9: 123. (3) أنوار التنزيل 2: 470. [ * ]

[ 203 ]

الرسول صلى الله عليه وآله، ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة ومعاني أقوالهم (1) " فبأي حديث بعده " أي بعد القرآن " يؤمنون " إذا لم يؤمنوا به وهو معجز في ذاته، مشتمل على الحجج الواضحة والمعاني الشريفة (2). قوله تعالى: " إنا أعطيناك الكوثر " أقول: هو فوعل صيغة مبالغة في الكثرة، والمراد به الكثرة في العلوم والمعارف والفضائل، والاخلاق الكريمة والآداب الحسنة، و الذرية الطيبة، والاوصياء والعلماء والاتباع والامة، والدرجات الاخروية، والشفاعة، ولا يخفى وقوع ما يتعلق بالدنيا منها فهو من المعجزات. وأما قوله: " إن شانئك هو الابتر " فروي أنها نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج من المسجد فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا، واناس من صناديد قريش جلوس في المسجد، فلما دخل العاص قالوا: من الذي كنت تحدث معه ؟ قال: ذاك الابتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله بن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو من خديجة، وكانوا يسمون من ليس له ابن ابتر، فسمته قريش عند موت ابنه أبتر وصنبورا (3)، كذا روي عن ابن عباس، ففيه ايضا إعجاز بين، وكذا سورة تبت بتمامها تدل على عدم إيمان أبي لهب وزوجته، وقد ظهر صدقه فهو أيضا من المعجزات. 1 فس: " وإن كنتم في ريب " أي في شك " وادعوا شهدائكم " يعني الذين عبدوهم وأطاعوهم من دون الله (4). 2 - فس: " قل للذين كفروا ستغلبون " فإنها نزلت بعد بدر، لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر أتى بني قينقاع وهم بناديهم (5)، وكان بها سوق يسمى سوق النبط فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا معشر اليهود قد علمتم ما نزل بقريش وهم أكثر عددا وسلاحا وكراعا منكم، فادخلوا في الاسلام، فقالوا: يا محمد إنك تحسب حربنا مثل حرب


(1) أنوار التنزيل 2: 546. (2) أنوار التنزيل 2: 577. (3) الصنبور بالضم: الرجل الضعيف الذليل بلا أهل ولا عقب ولا ناصر. (4) تفسير القمى: 30. (5) النادى: المجلس. [ * ]

[ 204 ]

قومك، والله لو قد لقيتنا للقيت رجالا، فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد " قل للذين كفروا " الآية (1). 3 - فس: " ستجدون آخرين " الآية نزلت في عيينة ابن حصن (2) الفزاري، أجدبت بلادهم فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ووادعه على أن يقيم ببطن نخل ولا يتعرض له، وكان منافقا ملعونا وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الاحمق المطاع في قومه (3). 4 - فس: قوله: " يبين لكم كثيرا " الآية، قال: يبين النبي صلى الله عليه وآله ما أخفيتموه مما في التوراة من أخباره، ويدع كثيرا لا يبينه (4). 5 - فس: " وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه " أي هلا أنزل " ولكن أكثرهم لا يعلمون " قال: لا يعلمون أن الآية إذا جاءت ولم يؤمنوا بها يهلكوا، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " إن الله قادر على أن ينزل آية " وسيريك (5) في آخر الزمان آيات منها: دابة الارض، والدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، وطلوع الشمس من مغربها (6). 6 - فس: قوله: " مصدق الذي بين يديه " يعني التوراة والانجيل و الزبور (7). قوله: " وليقولوا درست " قال: كانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وآله: إن الذي تخبرنا به من الاخبار تتعلمه من علماء اليهود وتدرسه (8). قوله: " قبلا " أي عيانا (9).


(1) تفسير القمى: 88. (2) هكذا في نسخة المصنف، وفى المصدر: عيينة بن حصين. (3) تفسير القمى: 135. (4) تفسير القمى: 152. وفيه: يبين لكم النبي صلى الله عليه وآله. (5) في المصدر: وسيريكم. (6) تفسير القمى: 186. (7) تفسير القمى: 198. (8) تفسير القمى: 200. (9) تفسير القمى: 201. [ * ]

[ 205 ]

قوله تعالى: " سأصرف عن آياتي " يعني أصرف القرآن عن الذين يتكبرون في الارض بغير حق (1). قوله: " من يسومهم سوء العذاب " قال: نزلت في اليهود لا تكون لهم دولة أبدا (2). قوله: " إحدى الطائفتين " قال: العير أو قريش (3). قوله: " فسينفقونها " قال: نزلت في قريش لما وافاهم ضمضم، وأخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب العير، فأخرجوا أموالهم وحملوا وأنفقوا وخرجوا إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله ببدر فقتلوا وصاروا إلى النار، وكان ما أنفقوا حسرة عليهم (4). قوله: " يحلفون بالله ما قالوا " قال: نزلت في الذين تحالفوا في الكعبة أن لا يردوا هذا الامر في بني هاشم فهي كلمة الكفر، ثم قعدوا لرسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة وهموا بقتله، وهو قوله: " وهموا بما لم ينالوا " (5). قوله: " نظر بعضهم إلى بعض " يعني المنافقين " ثم انصرفوا " أي تفرقوا " " صرف الله قلوبهم " عن الحق إلى الباطل باختيارهم الباطل على الحق (6)، قوله: " بقرآن غير هذا " فإن قريشا قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله " ائتنا بقرآن غير هدا " فإن هذا شئ تعلمته من اليهود والنصارى " فقد لبثت فيكم عمرا من قبله " أي قد لبثت فيكم أربعين سنة قبل أن اوحي إلي لم آتكم بشئ منه حتى اوحي إلي (7). 7 - فس: " وإذا بدلنا آية مكان آية " قال: كان إذا نسخت اية قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله أنت مفتر، فرد الله عليهم فقال: " قل " لهم يا محمد " نزله روح القدس من ربك بالحق "


(1) تفسير القمى: 223. (2) تفسير القمى: 228. (3) تفسير القمى: 236. (4) تفسير القمى: 254. (5) تفسير القمى: 277. (6) تفسير القمى: 283. (7) تفسير القمى: 285. [ * ]

[ 206 ]

يعني جبرئيل عليه السلام، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " روح القدس " قال: الروح هو جبرئيل عليه السلام، والقدس: الطاهر (1) " ليثبت الذين آمنوا " هم آل محمد، قوله: " لسان الذي يلحدون إليه أعجمي " هو لسان أبي فهيكة (2) مولى ابن الحضرمي، كان أعجمي اللسان، وكان قد اتبع نبي الله وآمن به، وكان من أهل الكتاب، فقالت قريش: والله (3) يعلم محمدا علمه بلسانه، يقول الله: " وهذا لسان عربي مبين (4) ". 8 - فس: " ولم يجعل له عوجا قيما " قال: هذا مقدم ومؤخر، لان معناه الذي انزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا، فقد قدم حرفا على حرف (5). 9 - فس: " ولو نزلناه على بعض الاعجمين " قال الصادق عليه السلام: لو نزل القرآن على العجم ما آمنت به العرب، وقد نزول على العرب فآمنت به العجم (6). 10 - فس: " قال علي بن إبراهيم في قوله: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب " هو معطوف (7) على قوله في سورة الفرقان: " فهي تملى عليه بكرة وأصيلا " فرد الله عليهم فقال: كيف يدعون أن الذي تقرأه أو تخبر به تكتبه عن غيرك وأنت ما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون، أي شكوا (8). 11 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " الم غلبت الروم في أدنى الارض " قال: يا أبا عبيدة إن لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من الائمة عليهم السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما


(1) الطهر خ ل. (2) في المصدر: فكيهة. (3) في المصدر: هذا والله يعلم. (4) تفسير القمى: 365 و 366. (5) تفسير القمى: 391. (6) تفسير القمى: 474. (7) أي معنى. (8) تفسير القمى: 497. [ * ]

[ 207 ]

هاجر إلى المدينة وقد ظهر الاسلام كتب إلى ملك الروم كتابا، وبعث إليه رسولا يدعوه إلى الاسلام، وكتب إلى ملك فارس، كتابا وبعث إليه رسولا يدعوه إلى الاسلام، فأما، ملك الروم فإنه عظم كتاب رسول الله، وأكرم رسوله، وأما ملك فارس فإنه مزق كتابه، واستخف برسول الله صلى الله عليه وآله، وكان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم، وكان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الروم ملك فارس، وكانوا لناحية ملك الروم أرجى منهم لملك فارس، فلما غلب ملك فارس ملك الروم كبا (1) لذلك المسلمون واغتموا، فأنزل الله: " الم غلبت الروم في أدنى الارض " يعني غلبتها فارس في أدنى الارض وهي الشامات وما حولها، ثم قال: وفارس من بعد غلبهم الروم (2) سيغلبون في بضع سنين، قوله: " لله الامر من قبل " أن يأمر " ومن بعد " أن يقضي بما يشاء. قوله: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء " قلت: أليس الله يقول: " في بضع سنين " وقد مضى للمسلمين سنون كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وفي إمارة أبي بكر، وإنما غلبت المؤمنون فارس في إمارة عمر ؟ قال: ألم أقل لك: إن لهذا تأويلا وتفسيرا ؟ والقرآن يا با عبيدة ناسخ ومنسوخ، أما تسمع قوله: " لله الامر من قبل ومن بعد " يعني إليه المشية في القول أن (3) يؤخر ما قدم ويقدم (4) ما أخر إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين، وذلك قوله: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء (5) ". كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، والعدة عن سهل جميعا عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة إلى قوله: وهي الشامات وما حولها، يعني وفارس (6) " من بعد غلبهم، الروم " سيغلبون " يعني يغلبهم المسلمون " في بضع سنين لله الامر من قبل


(1) في المصدر: المطبوع كره وفى طبعه الاخر: بكى، وفى نسختين مخطوطتين مثل ما في الصلب، ولعل الصحيح الثاني، وفى الكافي: كره ذلك. (2) للروم خ ل. وفى المصدر: سيغلبون يعنى يغلبهم المسلمون. (3) إن شاء يؤخر خ ل. (4) وإن شاء يقدم خ ل. (5) تفسير القمى: 498 و 499. (6) في المصدر: " وهم " يعنى وفارس وهو الصحيح. [ * ]

[ 208 ]

ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء " عزوجل، فلما غزا المسلمون فارس وافتتحوها فرح المسلمون بنصر الله عزوجل قال: قلت: أليس الله عزوجل يقول " في بضع سنين " وقد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وفي إمارة أبي بكر وإنما غلب المؤمنون فارس في إمارة عمر ؟ فقال: ألم أقل لكم: إن لهذا تأويلا وتفسيرا، والقرآن يا با عبيدة ناسخ ومنسوخ، أما تسمع لقول الله عزوجل: " لله الامر من قبل و من بعد " يعني إليه المشية في القول أن يؤخر ما قدم ويقدم ما أخر في القول إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين، فذلك قوله عزوجل: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله " أي يوم يحتم القضاء بالنصر (1). بيان: قال الفيروز آبادي: الكبوة: العثرة، والوقفة منك لرجل عند الشئ تكرهه " وقال البيضاوي: وقرئ " غلبت " بالفتح و " سيغلبون " بالضم، ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام، والمسلمون سيغلبونهم، وفي السنة التاسعة من نزوله غزاهم المسلمون وفتحوا بعض بلادهم وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل انتهى (2). قوله عليه السلام: يعني غلبتها فارس، أقول: يحتمل وجهين: الاول: أن يكون إضافة غلبتها في كلامه عليه السلام إضافة إلى المفعول، يعني مغلوبية الروم من فارس، أو يقرأ على صيغة الماضي المعلوم فيكون في قراءتهم عليهم السلام غلبت وسيغلبون " كلاهما على المجهول، فيكون مركبا من القراءتين، ولم ينقل عن أحد، ولكنه ليس بمستبعد ومثله كثير. الثاني: أن يكون إضافة غلبتها إلى الفاعل، ويكون قراءتهم عليهم السلام موافقة لما نقلنا عن البيضاوي، فيكون إشارة إلى ثلاث وقائع: غلبة الروم على فارس في قوله: " غلبت الروم " وغلبة فارس على الروم في قوله: " وهم من بعد غلبهم " فضمير " هم " راجع إلى فارس، لظهوره بقرينة المقام، وكذا ضمير " غلبهم " والاضافة في غلبهم إضافة إلى الفاعل،


(1) روضة الكافي: 269 و 270. (2) أنوار التنزيل 2: 240. [ * ]

[ 209 ]

وإلى غلبة المسلمين على فارس بقوله: " سيغلبون " على المجهول. قوله: أليس الله عزوجل يقول: " في بضع سنين " أقول: لما كان البضع بكسر الباء في اللغة إنما يطلق على ما بين الثلاث إلى التسع وكان تمام الغلبة على فارس في السابع عشر، أو آخر السادس عشر من الهجرة، فعلى المشهور بين المفسرين من نزول الآية في مكة قبل الهجرة لابد من أن يكون بين نزول الآية وبين الفتح ست عشرة سنة، وعلى ما هو الظاهر من الخبر من كون نزول الآية بعد مراسلة قيصر وكسرى و كانت على الاشهر في السنة السادسة فيزيد على البضع أيضا بقليل اعترض السائل بذلك، فأجاب عليه السلام بأن الآية مشعرة باحتمال وقوع البداء في المدة حيث قال: " لله الامر من قبل ومن بعد " أي لله أن يقدم الامر قبل البضع، ويؤخره بعده كما هو الظاهر من تفسيره عليه السلام. 12 - فس: " لا يأتيه الباطل من بين يديه " قال: لا يأتيه الباطل من قبل التوراة ولا من قبل الانجيل والزبور، وأما من خلفه (1) لا يأتيه من بعده كتاب يبطله، قوله: " ءأعجمي وعربي " قال: لو كان هذا لقرآن أعجميا لقالوا: كيف نتعلمه ولساننا عربي وأتيتنا بقرآن أعجمي ؟ فأحب أن ينزل بلسانهم، وفيه قال الله عزوجل: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه (2). 13 - فس: قال قريش: قد اجتمعنا لننتصر ونقتلك يا محمد، فأنزل الله: " أم يقولون " يا محمد " نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر " يعني يوم بدر حين هزموا واسروا وقتلوا. (3). 14 - فس: " إنا أعطيناك الكوثر * قال: الكوثر نهر في الجنة، أعطى (4) الله محمدا عوضا من ابنه إبراهيم، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على عمرو بن العاص (5)، والحكم


(1) في المصدر: وما من خلفه ولعل (ما) مصحف (لا) أو (أما) كما في المتن. (2) تفسير القمى: 594 وفيه: وأحب أن ينزله. (3) تفسير القمى: 657. (4) في المصدر أعطاه الله. (5) في المصدر: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد وفيه عمرو بن العاص. [ * ]

[ 210 ]

ابن أبي العاص فقال عمرو: يابا الابتر، وكان الرجل في الجاهلية إذا لم يكن له ولد يسمى أبتر، ثم قال عمرو: إني لاشنؤ محمدا، أي ابغضه، فانزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله " إن شانئك " أي مبغضك عمرو بن العاص " هو الابتر " يعني لا دين له ولا نسب (1). 15 - كا: الحسين بن محمد، عن أحمد بن محمد السياري، عن أبي يعقوب البغدادي قال: قال ابن السكيت لابي الحسن عليه السلام: لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا، ويده البيضاء، وآلة السحر ؟ وبعث عيسى عليه السلام بآلة الطب ؟ وبعث محمدا صلى الله عليه وآله على جميع الانبياء بالكلام والخطب ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إن الله لما بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم، وإن الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى، وأبرأ الاكمه والابرص بإذن الله وأثبت به الحجة عليهم، وإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال: الشعر - فآتاهم من عند الله من مواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم، فقال ابن السكيت: تالله ما رأيت مثلك قط (2). بيان: قوله: وآلة السحر، أي ما يشبهه، أو يبطله، والاول أظهر بقرينة الثاني. 16 - ن: البيهقي، عن الصولي، عن محمد بن موسى الرازي، عن أبيه قال: ذكر الرضا عليه السلام يوما القرآن فعظم الحجة فيه والآية (3) المعجزة في نظمه، فقال: هو حبل الله المتين، وعروته الوثقى، وطريقته المثلى، المؤدي إلى الجنة، والمنجي من


(1) تفسير القمى: 741. (2) اصول الكافي 1: 24 و 25، وأخرجه أيضا عن كتاب علل الشرائع وعيون أخبار الرضا والاحتجاج في باب " علة المعجزة وأنه لم خص الله كل نبى بمعجزة خاصة " مع زيادة، وترجمنا بعض رواة الحديث، راجع ج 11: 70. (3) الدلالة خ ل. [ * ]

[ 211 ]

النار، لا يخلق (1) من الازمنة، ولا يغث على الالسنة، لانه لم يجعل لزمان دون زمان بل جعل دليل البرهان، وحجة على كل إنسان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (2). بيان: قال الجوهري: غث اللحم يغث ويغث: إذا كان مهزولا، وكذلك غث حديث القوم وأغث أي ردؤ وفسد، وفلان لا يغث عليه شئ، أي لا يقول في شئ إنه ردئ فيتركه انتهى. أقول: في هذا الحديث إشارة إلى وجه آخر من إعجاز القرآن، وهو عدم تكرره بتكرر القراءة والاستماع، بل كلما أكثر الانسان من تلاوته يصير أشوق إليه، ولا يوجد هذا في كلام غيره. 17 - عم: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكف عن عيب آلهة المشركين، ويقرأ عليهم القرآن فيقولون: هذا شعر محمد، ويقول بعضهم: بل هو كهانة، ويقول بعضهم: بل هو خطب، وكان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا، وكان من حكام العرب يتحاكمون إليه في الامور وينشدونه الاشعار فما اختاره من الشعر كان مختارا، وكان له بنون لا برحون من مكة، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها، وملك القنطار في ذلك الزمان، والقنطار: جلد ثور مملو ذهبا، وكان من المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله، وكان عم أبي جهل بن هشام، فقال له: يابا عبدشمس ما هذا الذي يقول محمد أسحر أم كهانة أم خطب ؟ فقال: دعوني أسمع كلامه، فدنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وهو جالس في الحجر فقال: يا محمد أنشدني من شعرك، قال: ما هو بشعر، ولكنه كلام الله الذي به بعث أنبيائه و رسله، فقال: اتل علي منه، فقرأ عليه رسول الله: " بسم الله الرحمن الرحيم " فلما سمع الرحمن استهزأ فقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمى الرحمن، قال: لا، ولكني أدعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم، ثم افتتح سورة حم السجدة، فلما بلغ إلى قوله:: " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد و


(1) أي لا يبلى ولا يرت. وفى المصدر: لا يخلق على الازمنة. (2) عيون أخبار الرضا: 271. [ * ]

[ 212 ]

ثمود (1) وسمعه اقشعر جلده (2)، وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته، ثم قام و مضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش، فقالت قريش: يابا الحكم صبا (3) أبو عبد شمس إلى دين محمد، أما تراه لم يرجع إلينا وقد قبل قوله ومضى إلى منزله، فاغتمت قريش من ذلك غما شديدا، وغدا عليه أبو جهل فقال: يا عم نكست برؤوسنا وفضحتنا، قال: وما ذاك يا ابن أخ ؟ قال: صبوت إلى دين محمد، قال: ما صبوت وإني على دين قومي وآبائي ولكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود، قال أبو جهل:، أشعر هو ؟ قال: ما هو بشعر، قال: فخطب هي ؟ قال: لا، إن الخطب كلام متصل، وهذا كلام منثور، ولا يشبه بعضه بعضا، له طلاوة، قال: فكهانة، هي ؟ قال: لا قال: فما هو ؟ قال: دعني افكر فيه، فلما كان من الغد قالوا: يا أبا عبد شمس ما تقول ؟ قال: قولوا هو سحر، فإنه آخذ بقلوب الناس، فأنزل الله تعالى فيه " ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا " إلى قوله: " عليها تسعة عشر " (4). وفي حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: اقرأ علي فقرأ عليه: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (5) فقال: أعد، فأعاد، فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمعذق وما يقول هذا بشر (3). بيان: صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين غيره، وقد يترك الهمز، والطلاوة بالكسر والفتح: الرونق والحسن، وأعذق الشجر، أي صارت لها عذوق وشعب، أو أزهر.


(1) فصلت: 13. (2) في المصدر: فلما سمعه اقشعر جلده. (3) أي مال وحن إليه. ويحتمل كونه مهموزا كما يأتي من المصنف. (4) المدثر: 11 - 30. (5) النحل: 90. (6) إعلام الورى: 27 و 28. [ * ]

[ 213 ]

18 - ن: البيهقي، عن الصولي، عن أبي ذكوان، عن إبراهيم بن العباس، عن الرضا، عن أبيه عليهما السلام إن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة (1) ؟ فقال: لان الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة (2). 19 - يج: روي أن ابن أبي العوجاء وثلاثة نفر من الدهرية اتفقوا على أن يعارض كل واحد منهم ربع القرآن، وكانوا بمكة عاهدوا على أن يجيئوا بمعارضته في العام القابل، فلما حال الحول واجتمعوا في مقام إبراهيم أيضا، قال أحدهم: إني لما رأيت قوله: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء (3) كففت عن المعارضة، وقال الآخر وكذا أنا لما وجدت قوله: " فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا (4) " آيست من المعارضة، وكانوا يسرون بذلك إذ مر عليهم الصادق عليه السلام فالتفت إليهم وقرأ عليهم: " قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله (5) " فبهتوا (6).


(1) الغضاضة: النضارة والطراءة. (2) عيون أخبار الرضا: 239، وفيه: لا يزداد عند النشر. وفيه: لم ينزله لزمان. (3) هود: 44. (4) يوسف: 80. (5) الاسراء: 88. (6) الخرائج: 242 أقول: ذكر الطبرسي الحديث في الاحتجاج: 205 مفصلا، وحيث أنه يشتمل على زوائد نافعة أذكره بألفاظه، قال: عن هشام بن الحكم قال: اجتمع ابن أبى العوجاء وأبو شاكر الديصانى الزنديق وعبد الملك البصري وابن المقفع عند بيت الله الحرام يستهزؤون بالحاج، ويطعنون بالقرآن، فقال ابن أبى العوجاء: تعالوا ننقض كل واحد منا ربع القرآن، و ميعادنا من قابل في هذا الموضع نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كله، فان في نقض القرآن إبطال نبوة محمد، وفى إبطال نبوته إبطال الاسلام، وإثبات ما نحن فيه، فاتفقوا على ذلك وافترقوا، فلما كان من قابل اجتمعوا عند بيت الله الحرام فقال ابن أبى العوجاء: أما أنا فمفكر منذ افترقنا في هذه الآية: " فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا " فما أقدر أن أضم إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئا فشغلتني هذه الاية عن التفكر فيما سواها، فقال عبد الملك: وأنا منذفا رقتكم مفكر في هذه الآية: " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوا منه ضعف الطالب والمطلوب " ولم أقدر [ * ]

[ 214 ]

20 - م: " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " إلى قوله تعالى: " اعدت للكافرين ". قال العالم موسى بن جعفر عليه السلام فلما ضرب الله الامثال للكافرين المجاهرين الدافعين لنبوة محمد صلى الله عليه وآله، والناصبين المنافقين لرسول الله، الدافعين ما قاله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أخيه علي عليه السلام، والدافعين أن يكون ما قاله عن الله عزوجل وهي آيات محمد ومعجزاته مضافة إلى آياته التي بينها لعلي عليه السلام بمكة والمدينة، ولم يزدادوا إلا عتوا وطغيانا، قال الله تعالى لمردة أهل مكة وعتاة أهل المدينة " إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " حتى تجحدوا أن يكون محمد رسول الله، وأن يكون هذا المنزل عليه كلامي، مع إظهاري عليه بمكة الباهرات من الآيات، كالغمامة، التي كانت تظله في أسفاره، والجمادات التي كانت تسلم عليه من الجبال والصخور والاحجار والاشجار، وكدفاعه قاصديه بالقتل عنه، وقتله إياهم، وكالشجرتين المتباعدتين اللتين تلاصقتا فقعد خلفهما لحاجته، ثم تراجعتا (1) إلى أمكنتهما كما كانتا ؟ وكدعائه الشجرة فجاءته مجيبة خاضعة ذليلة، ثم أمره لها بالرجوع فرجعت سامعة مطيعة " فأتوا " يا معاشر قريش واليهود ويا معشر النواصب المنتحلين الاسلام (2) الذين هم منه برآء، ويا معشر العرب الفصحاء البلغاء ذوي الالسن " بسورة من مثله " من مثل محمد صلى الله عليه وآله، من مثل رجل


على الاتيان بمثلها، فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الاية: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " لم أقدر على الاتيان بمثلها، فقال ابن المقفع: يا قوم إن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الاية: " وقيل يا أرض ابلعى ماءك وياسماء أقلعى وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين " لم ابلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر على الاتيان بمثلها، قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك إذ مر بهم جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فقال: " قل لئن اجتمعت الجن والانس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " فنظر القوم بعضهم إلى بعض وقالوا: لئن كان للاسلام حقيقة لما انتهت أمر وصية محمد إلا إلى جعفر بن محمد، والله ما رأيناه قط إلا هبناه، واقشعرت جلودنا لهيبته، ثم تفرقوا مقرين بالعجز. (1) تراجعهما خ ل. (2) المتحلين بالاسلام خ ل. [ * ]

[ 215 ]

منكم لا يقرأ ولا يكتب ولم يدرس كتابا، ولا اختلف إلى عالم ولا تعلم من أحد وأنتم تعرفونه في أسفاره وحضره، بقي كذلك أربعين سنة ثم اوتي جوامع العلم حتى علم علم الاولين والآخرين، فإن كنتم في ريب من هذه الآيات فأتوا من مثل هذا الرجل بمثل هذا الكلام ليبين أنه كاذب كما تزعمون، لان كل ما كان من عند غير الله فسيوجد له نظير في سائر خلق الله، وإن كنتم معاشر قراء الكتب من اليهود والنصارى في شك مما جاءكم به محمد صلى الله عليه وآله من شرائعه، ومن نصبه أخاه سيد الوصيين وصيا، بعد أن أظهر لكم معجزاته التي منها أن كلمته الذراع المسموسة، وناطقه ذئب، وحن إليه العود، وهو على المنبر، ودفع الله عنه السم الذي دسته اليهود في طعامهم، وقلب عليهم البلاء وأهلكهم به، وكثر القليل من الطعام " فأتوا بسورة من مثله " يعني من مثل هذا القرآن من التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم والكتب الاربعة عشر (1) فإنكم لا تجدون في سائر كتب الله سورة كسورة من هذا القرآن، وكيف يكون كلام محمد المتقول أفضل من سائر كلام الله وكتبه يا معشر اليهود والنصارى، ثم قال لجماعتهم: " وادعوا شهداءكم من دون الله " ادعوا أصنامكم التي تعبدونها أيها المشركون، وادعوا شياطينكم يا أيها اليهود والنصارى، وادعوا قرناءكم من الملحدين يا منافقي المسلمين من النصاب لآل محمد الطيبين وسائر أعوانكم على آرائكم (2) " إن كنتم صادقين " أن (3) محمدا تقول: هذا القرآن من تلقاء نفسه، لم ينزله الله عليه، وأن ما ذكره من فضل علي على جميع امته وقلده سياستهم، ليس بأمر أحكم الحاكمين. ثم قال عزوجل: " فإن لم تفعلوا " أي لم تأتوا يا أيها المقرعون بحجة رب العالمين " ولن تفعلوا " أي ولا يكون هذا منكم أبدا " فاتقوا النار التى وقودها " حطبها " الناس والحجارة " توقد تكون عذابا على أهلها " اعدت للكافرين " المكذبين لكلامه ونبيه، الناصبين العداوة لوليه ووصيه، قال: فاعلموا بعجزكم عن ذلك أنه من قبل


(0) في المصدر: المائة والاربعة عشر. أقول: تقدم في باب معنى النبوة انها مائة وأربعة كتب (1) على ارادتكم خ ل صح أقول: هو الموجود في المصدر. (2) بأن خ ل [ * ]

[ 216 ]

الله تعالى، ولو كان من قبل المخلوقين لقدرتم على معارضته (1)، فلما عجزوا بعد التقريع و التحدي (2) قال الله عزوجل: " قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (3). وقال علي بن الحسين عليه السلام قوله عزوجل: " وإن كنتم " أيها المشركون و اليهود وسائر النواصب من المكذبين لمحمد في القرآن في تفضيله (4) عليا أخاه المبرز على الفاضلين، الفاضل على المجاهدين، الذي لا نظير له في نصرة المتقين، وقمع الفاسقين وإهلاك الكافرين، وبث دين الله في العالمين " إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " في إبطال عبادة الاوثان من دون الله، وفي النهي عن موالاة أعداء الله، ومعاداة أولياء الله، و في الحث على الانقياد لاخي رسول الله، واتخاذه إماما، واعتقاده فاضلا راجحا لا يقبل الله عزوجل إيمانا ولا طاعة إلا بموالاته، وتظنون أن محمدا تقوله (5) من عنده، ونسبه (6) إلى ربه " فأتوا (7) بسورة من مثله " مثل (8) محمد امي لم يختلف قط إلى أصحاب كتب وعلم، ولا تلمذ لاحد، ولا تعلم منه، وهو من قد عرفتموه في حضره وسفره، لم يفارقكم قط إلى بلد ليس معه منكم جماعة يراعون أحواله، ويعرفون أخباره، ثم جاءكم بعد بهذا الكتاب المشتمل على هذه العجائب، فإن كان متقولا كما تزعمونه (9) فأنتم الفصحاء والبلغاء والشعراء والادباء الذين لا نظير لكم في سائر الاديان، ومن سائر الامم، فإن كان كاذبا فاللغة لغتكم، وجنسه جنسكم، وطبعه طبعكم (10)، وسيتفق لجماعتكم أو


(1) على معارضتي خ ل. (2) التقريع: التعنيف والتحدى: المباراة والمغالبة. (3) الاسراء: 88. التفسير المنسوب إلى الامام العسكري 4: 58 و 59. (4) في المصدر: وسائر النواصب المكذبين لمحمد في القرآن وفى تفضيله. (5) في المصدر: يقول. (6) ينسبه خ ل. (7) في المصدر: فان كانوا كما يظنون فأتوا. (8) من مثل خ ل. (9) متقولا له كما تزعمون خ ل. (10) كطبعكم خ ل. [ * ]

[ 217 ]

لبعضكم معارضة كلامه هذا بأفضل منه أو مثله، لان ما كان من قبل البشر لا عن الله فلا يجوز إلا أن يكون (1) في البشر من يتمكن من مثله، فأتوا بذلك لتعرفوه، وسائر النظار إليكم في أحوالكم أنه مبطل مكذب (2) على الله " وادعوا شهداءكم من دون الله " الذين يشهدون بزعمكم أنكم محقون، وأن ما تجيئون به نظير لما جاء به محمد، وشهداءكم الذين تزعمون أنهم شهداؤكم عند رب العالمين لعبادتكم لها وتشفع لكم إليه " إن كنتم صادقين " في قولكم: إن محمدا تقوله. ثم قال الله عزوجل: " فإن لم تفعلوا " هذا الذي تحديتكم به " ولن تفعلوا " أي ولا يكون ذلك منكم ولا تقدرون عليه فاعلموا أنكم مبطلون، وأن محمدا الصادق الامين المخصوص برسالة رب العالمين، المؤيد بالروح الامين، وبأخيه أمير المؤمنين وسيد الوصيين، فصدقوه فيما يخبر به عن الله من أوامره ونواهيه، وفيما يذكره من فضل علي وصيه وأخيه " واتقوا " (3) بذلك عذاب " النار التي وقودها " حطبها " الناس والحجارة " حجارة الكبريت أشد الاشياء حرا " اعدت " تلك النار " للكافرين " بمحمد، والشاكين في نبوته، والدافعين لحق علي أخيه، والجاحدين لامامته (4). إيضاح: اعلم أن هذا الخبر يدل على أن إرجاع الضمير في مثله إلى النبي و إلى القرآن كليهما، مراد الله تعالى بحسب بطون الآية الكريمة. 21 - م: " الم ذلك الكتاب لا ريب فيه " قال الامام عليه السلام: كذبت قريش و اليهود بالقرآن وقالوا: سحر مبين تقوله، فقال الله عزوجل: " الم ذلك الكتاب " أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلته عليك، هو (5) بالحروف المقطعة التي منها: ألف، لام، ميم، (6) وهو بلغتكم وحروف هجائكم " فأتوا بمثله إن كنتم صادقين " واستعينوا


(1) أن لا يكون خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) كاذب خ ل. (3) هكذا في النسخ، والصحيح كما في المصحف الشريف والمصدر: " فاتقوا ". (4) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 8. (5) وهو خ ل. (6) ألف ولام وميم خ ل. [ * ]

[ 218 ]

على ذلك بسائر شهدائكم، ثم بين أنهم لا يقدرون عليه بقوله: " قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (1) " ثم قال الله تعالى: " الم " هو القرآن الذي افتتح بالم، هو " ذلك الكتاب " الذي أخبرت به موسى، ومن بعده من الانبياء، وأخبروا بني إسرائيل أني سأنزله (2) عليك يا محمد كتابا عربيا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد " لا ريب فيه " لا شك فيه لظهوره عندهم، كما أخبرهم أنبياؤهم أن محمدا ينزل عليه الكتاب لا يمحوه الماء يقرأه هو وامته على سائر أحوالهم " هدى " بيان من الضلالة " للمتقين " الذين يتقون الموبقات، ويتقون تسليط السفه على أنفسهم، حتى إذا علموا ما يجب عليهم علمه عملوا بما يوجب لهم رضا ربهم. قال: وقال الصادق عليه السلام ثم الالف حرف من حروف قولك: الله، دل بالالف على قولك الله ودل باللام على قولك: الملك العظيم القاهر للخلق أجمعين، ودل بالميم على أنه المجيد المحمود في كل أفعاله، وجعل هذا القول حجة على اليهود، وذلك أن الله لما بعث موسى بن عمران عليه السلام ثم من بعده من الانبياء إلى بني إسرائيل لم يكن فيهم أحد إلا أخذ عليهم العهود والمواثيق ليؤمنن بمحمد العربي الامي والمبعوث بمكة، الذي يهاجر إلى المدينة، يأتي بكتاب بالحروف المقطعة افتتاح بعض سوره، يحفظه امته (3) فيقرؤونه قياما وقعودا ومشاة (4) وعلى كل الاحوال، يسهل الله حفظه عليهم، ويقرن بمحمد أخاه و وصيه علي بن أبي طالب، الآخذ عنه علومه التي علمها، والمتقلد عنه الامانة التي قلدها ومذلل كل من عاند محمدا بسيفه الباتر، ومفحم كل من جادله وخاصمه بدليله القاهر، يقاتل عباد الله على تنزيل كتاب محمد صلى الله عليه وآله (5) حتى يقودهم إلى قبوله طائعين وكارهين (6)،


(1) الاسراء: 88. (2) في المصدر: سأنزل. (3) وامته خ ل. (4) في المصدر: ومساءا أو صباحا. (5) في المصدر: كتاب الله. (6) أو كارهين خ ل. [ * ]

[ 219 ]

ثم إذا صار محمد إلى رضوان الله وارتد كثير ممن كان أعطاه ظاهر الايمان وحرفوا تأويلاته (1)، وغيروا معانيه، ووضعوها على خلاف وجوهها قاتلهم بعد علي على تأويلاته حتى يكون إبليس الغاوي بهم هو الخاسئ الذليل المطرود المغلول، قال: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وأظهره بمكة ثم سيره منها إلى المدينة وأظهره بها ثم أنزل عليه الكتاب، وجعل افتتاح سورته الكبرى ب‍ " الم " يعني " الم ذلك الكتاب " وهو ذلك الكتاب الذي أخبرت أنبيائي السالفين أني سأنزله عليك يا محمد " لا ريب فيه " فقد ظهر كما أخبرهم به أنبياؤهم أن محمدا ينزل عليه كتاب مبارك لا يمحوه الماء (2) يقرؤه هو وامته على سائر أحوالهم (3). بيان: لا يمحوه الماء لعله مخصوص بالقرآن الذى بخط أمير المؤمنين عليه السلام، أو المراد عدم محو جميعها بالماء، أو إذا محي بالماء لا يذهب، لانه آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم، وفي بعض النسخ لا يمحوه الزمان وهو ظاهر. 22 - م: " سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ": قال الامام عليه السلام: أخبر عن علمه فيهم، وهم الذين قد علم الله أنهم لا يؤمنون (4). 23 - م " وإذا خلا بعضهم إلى بعض ": قال الامام عليه السلام: لما بهر رسول الله صلى الله عليه وآله هؤلاء اليهود بمعجزته، وقطع معاذيرهم بواضح دلالته لم يمكنهم مراجعته في حجته، ولا إدخال التلبيس عليه في معجزته، قالوا: يا محمد قد آمنا بأنك الرسول الهادي المهدي، وأن عليا أخاك (5) هو الوصي والولي، و كانوا إذا خلوا باليهود الآخرين يقولون لهم: إن إظهارنا له الايمان به أمكن لنا من مكروهه (6)، وأعون لنا على اصطلامه (7) واصطلام أصحابه، لانهم عند اعتقادهم أننا


(1) تأويله خ ل. (2) الزمان خ ل. (3) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري: 22 و 23. (4) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري: 33. (5) هكذا في نسخة المصنف، وهو الصحيح وفى المصدر: أخوك. (6) في المصدر: على دفع مكروهه. (7) الاصطلام: الاستئصال. [ * ]

[ 220 ]

معهم يقفوننا على أسرارهم، ولا يكتموننا شيئا فنطلع عليهم أعداءهم فيقصدون أذاهم بمعاونتنا ومظاهرتنا في أوقات اشتغالهم واضطرابهم، وأحوال تعذر المدافعة والامتناع من الاعداء عليهم وكانوا مع ذلك ينكرون على سائر اليهود الاخبار للناس عما كانوا يشاهدونه من آياته ويعاينون (1) من معجزاته فاظهر محمدا صلى الله عليه وآله على سوء اعتقادهم، وقبح دخيلاتهم (2)، وعلى إنكارهم على من اعترف بما شاهده من آيات محمد وواضحات بيناته وباهرات معجزاته (3). 24 - م: " قل إن كانت لكم الدار الآخرة " الآيات: قال الامام عليه السلام: قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام: إن الله تعالى لما وبخ هؤلاء اليهود على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله، وقطع معاذيرهم، وأقام عليهم الحجج الواضحة بأن محمدا سيد النبيين وخير الخلائق أجمعين، وأن عليا سيد الوصيين، وخير من يخلفه بعده في المسلمين، وأن الطيبين من آله هم القوام بدين الله، والائمة لعباد الله، وانقطعت معاذيرهم وهم لا يمكنهم إيراد حجة ولا شبهة فلجؤوا إلى أن كابروا فقالوا: لا ندري ما تقول، ولكنا نقول: إن الجنة خالصة لنا من دونك يا محمد، ودون علي، ودون أهل دينك (4) وامتك، فإنا (5) بكم مبتلون ممتحنون، ونحن أولياء الله المخلصون، وعباده الخيرون، ومستجاب دعاؤنا، غير مردود علينا شئ من سؤالنا، فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: " قل " يا محمد لهؤلاء اليهود " إن كانت لكم الدار الآخرة " الجنة ونعيمها " خالصة من دون الناس " محمد وعلي والائمة وسائر الاصحاب ومؤمني الامة وأنكم بمحمد وذريته ممتحنون، وأن دعاءكم مستجاب غير مردود " فتمنوا الموت " للكاذبين


(1) يعاينونه خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2) في المصدر: وقبح اخلاقهم، وفى نسخة مخطوطة منه: دخلاتهم. والدخيلات الضمائر و البواطن. (3) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري: 117، وفى نسخة مخطوطة منه: وواضح بيناته وباهر معجزاته. (4) في نسخة مخطوطة من المصدر: أهل بيتك. (5) وإنا خ ل. [ * ]

[ 221 ]

منكم ومن مخالفيكم، فإن محمدا وعليا وذويهما يقولون: إنهم أولياء الله عزوجل من دون الناس الذين يخالفونهم في دينهم، وهم المجاب دعاؤهم، فإن كنتم معاشر اليهود كما تدعون فتمنوا الموت للكاذب منكم ومن مخالفيكم " إن كنتم صادقين " أنكم أنتم المحقون المجاب دعاؤكم على مخالفيكم، فقولوا: اللهم أمت الكاذب منا ومن مخالفينا ليستريح منه الصادقون (1)، وليزداد حجتك وضوحا بعد أن قد صحت ووجبت، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما عرض هذا عليهم: لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه فمات مكانه وكانت اليهود عالمين (2) بأنهم هم الكاذبون، وأن محمدا وعليا ومصدقيهما هم الصادقون، فلم يجسروا أن يدعوا بذلك، لعلهم بأنهم إن دعوا فهم الميتون، فقال الله تعالى: " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " يعني اليهود (3) لن يتمنوا الموت بما قدمت أيديهم من الكفر بالله، وبمحمد رسوله ونبيه وصفيه، وبعلي أخي نبيه ووصيه، وبالطاهرين من الائمة المنتجبين، فقال تعالى: " والله عليم بالظالمين " يعني اليهود، إنهم لا يجسرون أن يتمنوا الموت للكاذب، لعلمهم أنهم هم الكاذبون، ولذلك أمرتك (4) أن تبهرهم (5) بحجتك، وتأمرهم أن يدعوا على الكاذب ليمتنعوا من الدعاء، ويتبين للضعفاء أنهم هم الكاذبون (6). أقول: قد مضى تمامه في كتاب الاحتجاج، وهو مشتمل على معجزات غريبة ظهرت في تلك الحال تركناها حذرا من التكرار، ثم اعلم أن الآيات المشتملة على الاخبار بالغيوب ومكنونات الضمائر والاسرار كثيرة، وكذا الاخبار المتعلقة بتفسيرها وهي مبثوثة في سائر أبواب هذا المجلد وسائر المجلدات، وفيما أوردنا في هذا الباب غنى وكفاية لمن جانب العناد، والله يهدي إلى سبيل الرشاد


(1) الصادق خ ل. (2) علماء خ ل. (3) أن اليهود. (4) آمرك خ ل. وهو الموجود في المصدر. (5) بهره: غلبه وفضله: (6) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري: 179 و 180. [ * ]

[ 222 ]

تذنيب: فيه مقاصد: الاول في حقيقة المعجزة: وهي أمر تظهر بخلاف العادة من المدعي للنبوة أو الامامة عند تحري (1) المنكرين على وجه يدل على صدقه، ولا يمكنهم معارضته، ولها سبعة شروط: الاول: أن يكون فعل الله أو ما يقوم مقامه من التروك، كما إذا قال: معجزتي أن أضع يدي على رأسي وأنتم لا تقدرون عليه، ففعل وعجزوا. الثاني: أن يكون خارقا للعادة. الثالث: أن يتعذر معارضته فيخرج السحر والشعبدة. الرابع: أن يكون مقرونا بالتحدي، ولا يشترط التصريح بالدعوى، بل تكفي قرائن الاحوال. الخامس: أن يكون موافقا للدعوى، فلو قال: معجزتي كذا، وفعل خارقا آخر لم يدل على صدقه، كما نقل من فعل مسيلمة وأنه تفل في البئر ليزيد ماؤه فنضب (2) ويبس. السادس: أن لا يكون ما أظهره مكذبا له، كما لو أنطق الضب فقال: إنه كاذب، فلا يعلم صدقه، بل يزداد اعتقاد كذبه، بخلاف أن يحيي الميت فيكذبه، فإن الصحيح أنه لا يخرج عن المعجزة، لان إحياءه معجزة وهو غير مكذب، وإنما المكذب ذلك الشخص بكلامه، وهو بعد الاحياء مختار في تصديقه وتكذيبه، فلا يقدح تكذيبه، ومنهم من قدح فيه مطلقا، ومنهم من فرق بين استمرار حياته وبين ما إذا خر ميتا في الحال، فقدح في الثاني دون الاول والاظهر ما ذكرنا، السابع: أن لا تكون المعجزة متقدما على الدعوى، بل مقارنا لها أو متأخرا عنها بزمان يسير معتاد مثله، والمشهور أن الخوارق المتقدمة على دعوى النبوة كرامات وإرهاصات أي تأسيسات للنبوة. الثاني: في وجه دلالة المعجزة على صدق النبي أو الامام، فذهبت المعتزلة والامامية


(1) التحرى: طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الطن، أو طلب أحرى الامرين أي أولاهما (2) نضب الماء: غار في الارض. [ * ]

[ 223 ]

إلى أن خلق المعجزة على يد الكاذب مقدور لله تعالى، لعموم قدرته، لكنه ممتنع وقوعه في حكمته، لان فيه إيهام صدقه وهو قبيح من الله، فيمتنع صدوره عنه كسائر القبائح، فعلى هذا يتوقف على العلم بوجود الصانع وعموم علمه وقدرته وامتناع صدور القبيح منه، وقالت الاشاعرة: جرت عادة الله تعالى بخلق العلم بالصدق عقيب ظهور المعجزة، فإن إظهار المعجز على يد الكاذب وإن كان ممكنا عقلا فمعلوم انتفاؤه عادة، فلا تكون دلالته عقلية لتخلف الصدق عنه في الكاذب، بل عادية كسائر العاديات، لان من قال: أنا نبي ثم نتق الجبل (1) وأوقفه على رؤوسهم وقال: إن كذبتموني وقع عليكم، وإن صدقتموني انصرف عنكم، فكلما هموا بتصديقه بعد عنهم، وإذا هموا بتكذيبه قرب منهم علم بالضرورة أنه صادق في دعواه والعادة قاضية بامتناع ذلك من الكاذب، مع كونه ممكنا منه إمكانا عقليا لشمول قدرته للممكنات بأسرها، وقد ضربوا لذلك مثلا قالوا: إذا ادعى الرجل بمشهد الجم الغفير أني رسول هذا الملك إليكم، ثم قال للملك: إن كنت صادقا فخالف عادتك وقم من الموضع المعتاد من السرير، وانتقل بمكان لا تعتاده، ففعل كان ذلك نازلا منزلة التصديق بصريح مقاله ولم يشك أحد في صدقه بقرينة الحال وليس هذا من باب قياس الغائب على الشاهد، بل ندعي في إفادته العلم بالضرورة العادية، ونذكر هذا المثال للتفهيم. الثالث: في بيان إعجاز القرآن ووجهه زائدا على ما تقدم، وهو أنه صلى الله عليه وآله تحدى بالقرآن، ودعا إلى الاتيان بسورة مثله مصاقع (2) البلغاء والفصحاء من العرب العرباء (3) مع كثرتهم كثرة رمال الدهناء (4)، وحصى البطحاء، وشهرتهم بغاية العصبية، وحمية الجاهلية، وتهالكهم على المباهات والمبارات، والدفاع عن الاحساب، وركوب الشطط في هذا الباب، فعجزوا حتى آثروا المقارعة على المعارضة، وبذلوا المهج والارواح دون المدافعة، فلو قدروا على المعارضة لعارضوا ولو عارضوا لنقل إلينا. لتوفر الدواعي وعدم الصارف، والعلم


(1) أي قلع الجبل إشارة ورفعه فوق رؤوسهم. (2) المصاقع جمع المصقع: البليغ. العالي الصوت. من لا يرتج عليه في كلامه. (3) العرب العرباء: الصرحاء الخلص. (4) الدهناء: الفلاة. [ * ]

[ 224 ]

بجميع ذلك قطعي كسائر العاديات، لا يقدح فيه احتمال أنهم تركوا المعارضة مع القدرة عليها. أو عارضوا ولم ينقل إلينا لمانع، كعدم المبالات، وقلة الالتفات، والاشتغال بالمهمات. وأما وجه إعجازه فالجمهور من العامة والخاصة ومنهم الشيخ المفيد قدس الله روحه على أن إعجاز القرآن بكونه في الطبقة العليا من الفصاحة، والدرجة القصوى من البلاغة، على ما يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم، وعلماء الفرق بمهارتهم في فن البيان، وإحاطتهم بأساليب الكلام، هذا مع اشتماله على الاخبار عن المغيبات الماضية والآتية، وعلى دقائق العلوم الالهية، وأحوال المبدء والمعاد، ومكارم الاخلاق، والارشاد إلى فنون الحكمة العلمية والعملية، والمصالح الدينية والدنيوية، على ما يظهر للمتدبرين، ويتجلي للمتفكرين، وقيل: وجه إعجازه اشتماله على النظم الغريب، والاسلوب العجيب المخالف لنظم العرب ونثرهم في مطالعه ومقاطعه وفواصله، فإنها وقعت في القرآن على وجه لم يعهد في كلامهم، وكانوا عاجزين عنه، وعليه بعض المعتزلة، وقال الباقلاني: وجه الاعجاز مجموع الامرين: البلاغة، والنظم الغريب، وقيل: هو اشتماله على الاخبار بالغيب، وقيل: عدم اختلافه وتنافضه مع ما فيه من الطول والامتداد، وذهب السيد المرتضى منا وجماعة من العامة منهم النظام إلى الصرفة، على معنى أن العرب كانت قادرة على كلام مثل القرآن قبل البعثة، لكن الله صرفهم عن معارضته، واختلفوا في كيفيته، فقال النظام وأتباعه: صرفهم الله تعالى عنها مع قدرتهم عليها وذلك بصرف دعاويهم إليها مع توفر الاسباب الداعية في حقهم كالتقريع بالعجز، والاستنزال عن الرياسات، والتكليف بالانقياد، فهذا الصرف خارق للعادة فيكون معجزا، وقال السيد رحمه الله فيما نسب إليه:، كان عندهم العلم بنظم القرآن والعلم بأنه كيف يؤلف كلام يساويه أو يدانيه، والمعتاد أن من كان عنده هذان العلمان يتمكن من الاتيان بالمثل، إلا أنهم كلما حاولوا ذلك أزال الله تعالى عن قلوبهم تلك العلوم، والحق هو الاول (1).


(1) ويؤيد ذلك أن فصحاء العرب كانوا يستعظمون فصاحته، ولهذا أراد النابغة الاسلام حين سمع القرآن وعرف فصاحته فصده أبو جهل وقال له: يحرم عليك الاطيبين، وأن المشركين لما [ * ]

[ 225 ]

أقول: وللشيخ الراوندي قدس الله روحه هنا كلام طويل الذيل في بيان إعجاز القرآن ودفع الشبهة الواردة عليه، والفرق بين الحيلة والمعجزة، عسى أن نورده في كتاب القرآن إن شاء الله تعالى (باب 2) * (جوامع معجزاته صلى الله عليه وآله ونوادرها) * 1 - ب: الحسن بن ظريف، عن معمر، عن الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام ذات يوم وأنا طفل خماسي إذ دخل عليه نفر من اليهود فقالوا: أنت ابن محمد نبي هذه الامة، والحجة على أهل الارض ؟ قال لهم: نعم، قالوا: إنا نجد في التوراة أن الله تبارك وتعالى آتى إبراهيم وولده الكتاب والحكم والنبوة، وجعل لهم الملك والامامة، وهكذا وجدنا ذرية الانبياء لا تتعداهم النبوة والخلافة والوصية، فما بالكم قد تعداكم ذلك، وثبت في غيركم، ونلقاكم مستضعفين مقهورين، لا يرقب فيكم ذمة نبيكم (1) ؟ فدمعت عينا أبي عبد الله عليه السلام، ثم قال: نعم لم تزل أنبياء الله (2) مضطهدة (3) مقهورة مقتولة بغير حق، والظلمة غالبة، وقليل من عباد الله الشكور، قالوا: فإن الانبياء وأولادهم علموا من غير تعليم، واوتوا العلم تلقينا (4)، وكذلك ينبغي لائمتهم وخلفائهم وأوصيائهم، فهل اوتيتم ذلك ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ادنه يا


(1) كانوا يسمعون آيات الله فيريدون إبطالها ويصدون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وآله قالوا: " إن هذا لسحر مبين " أو " إن هذا إلا سحر يؤثر " ونحوهما، فيستفاد من تلك الايات أنهم لما رأوا أن فصاحة القرآن وبلاغته يكون في مرتبة لا يمكنهم الاتيان بمثله وأنهم عاجزون عن التكلم يشبهه لم يعرفوا طريقا أبلغ لصد الناس عن الدخول في الاسلام إلا أن يرموا النبي بأنه الساحر، وأن قرآنه سحر مبين، فلو كان القرآن في حد سائر كلام الادميين لكان كلامهم هذا كلاما ساقطا لا يعبأ به أحد. (1) أي لا يحفظ فيكم ذمة نبيكم، والذمة: العهد والامان. والحرمة والحق. (2) امناء الله خ ل. (3) اضطهده: قهره وجار عليه. أذاه واضطره بسبب المذهب والدين. (4) أي تلقينا من الملك بوحى وإلهام، ولم يكن علومهم مكتسبة من طريق يكتسب غيرهم. [ * ]

[ 226 ]

موسى، فدنوت فمسح يده على صدري، ثم قال: اللهم أيده بنصرك بحق محمد وآله، ثم قال: سلوه عما بدا لكم، قالوا: وكيف نسأل طفلا لا يفقه ؟ قلت: سلوني تفقها، ودعوا العنت (1). قالوا: أخبرنا عن الآيات التسع التي اوتيها موسى بن عمران، قلت: العصا، و إخراجه يده من جيبه بيضاء، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ورفع الطور، والمن والسلوى آية واحدة، وفلق البحر، قالوا: صدقت، * فما اعطي نبيكم من الآيات اللاتي نفت الشك عن قلوب من ارسل إليه ؟ قلت: آيات كثيرة أعدها إن شاء الله، فاسمعوا وعوا وافقهوا، أما أول ذلك فإن أنتم تقرون أن الجن كانوا يسترقون السمع قبل مبعثه فمنعت في أوان (2) رسالته بالرجوم، وانقضاض النجوم، وبطلان الكهنة والسحرة. ومن ذلك كلام الذئب يخبر بنبوته، واجتماع العدو والولي على صدق لهجته، وصدق أمانته، وعدم جهله أيام طفوليته، وحين أيفع، وفتى (3) وكهلا، لا يعرف له شكل (4)، ولا يوازيه مثل ومن ذلك أن سيف بن ذي يزن حين ظفر بالحبشة وفد عليه (5) قريش فيهم عبد المطلب، فسألهم عنه، ووصف لهم صفته فأقروا جميعا بأن هذه الصفة في محمد، فقال: هذا أوان مبعثه، ومستقره أرض يثرب وموته بها. ومن ذلك: أن أبرهة بن يكسوم (6) قاد الفيلة إلى بيت الله الحرام ليهدمه قبل مبعثه، فقال عبد المطلب: إن لهذا البيت ربا يمنعه، ثم جمع أهل مكة فدعا، وهذا بعدما أخبره سيف بن ذى يزن، فأرسل الله تبارك وتعالى عليهم طيرا أبابيل ودفعهم عن مكة وأهلها.


(1) أي ولا تسألونى متعنتا، والمتعنت: من يسأل غيره من جهة التلبيس عليه. (2) من أوان خ ل. وهو الموجود في المصدر. (3) وفتى أي حين كان فتى والفتى: الشاب الحدث. (4) الشكل: المثل والنظير. (5) وفد خ ل وفى المصدر: وفد عليه مثل وفد قريش. أقول: لعل كلمة مثل زائدة. (6) تقدمت قصته في الباب الاول: ج 15 ص 65. [ * ]

[ 227 ]

ومن ذلك أن أبا جهل عمرو بن هشام المخزومي أتاه وهو نائم خلف جدار، ومعه حجر يريد أن يرميه به، فالتصق بكفه. ومن ذلك أن أعرابيا باع ذودا له من أبي جهل فمطله (1) بحقه، فأتى قريشا فقال: أعدوني على أبي الحكم فقد لوى بحقي، فأشاروا إلى محمد صلى الله عليه وآله وهو يصلي في الكعبة، فقالوا: ائت هذا الرجل فاستعديه عليه، وهم يهزؤون بالاعرابي، فأتاه فقال له، يا عبد الله أعدني على عمرو بن هشام فقد منعني حقي، قال: نعم، فانطلق معه فدق على أبي جهل بابه، فخرج إليه متغيرا فقال له ما حاجتك ؟ قال: أعط الاعرابي حقه، قال: نعم، وجاء الاعرابي إلى قريش فقال: جزاكم الله خيرا، انطلق معي الرجل الذي دللتموني عليه فأخذ حقي، وجاء أبو جهل فقالوا: أعطيت الاعرابي حقه ؟ قال: نعم، قالوا: إنما أردنا أن نغريك بمحمد (2) ونهزأ بالاعرابي، فقال: ما هو إلا دق (3) بابي فخرجت إليه، فقال: أعط الاعرابي حقه، وفوقه مثل الفحل فاتحا فاه كأنه يريدني، فقال: أعطه حقه، فلو قلت: لا، لابتلع رأسي، فأعطيته. ومن ذلك أن قريشا أرسلت النضر بن الحارث وعلقمة بن أبي معيط بيثرب إلى اليهود، وقالوا لهما: إذا قدمتما عليهم فسائلوهم عنه، وهما قد سألوهم عنه فقالوا: صفوا لنا صفته، فوصفوه، وقالوا: من تبعه منكم ؟ قالوا: سفلتنا، فصاح حبر منهم فقال: هذا النبي الذي نجد نعته في التوراة، ونجد قومه أشد الناس عداوة له. ومن ذلك أن قريشا أرسلت سراقة بن جعشم حتى يخرج إلى المدينة في طلبه فلحق به، فقال صاحبه، هذا سراقة يا نبي الله، فقال: اللهم اكفنيه، فساخت قوائم ظهره (4)، فناداه يا محمد خل عني بموثق اعطيكه أن لا اناصح غيرك، وكل من عاداك لا اصالح،


(1) مطله بحقه: سوفه بوعد الوفاء مرة بعد الاخرى. وأعدى فلانا على فلان: نصره واعانه عليه واستعدى الرجل: استعان به. (2) أغرى الرجل بكذا: حضه عليه. (3) قال: يا هؤلاء دق خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) ساخ في الطين: غاص فيه وغاب والظهر: الركاب التى تحمل الاثقال. وفى طبعة أمين الضرب والحروفية: قوائم فرسه. [ * ]

[ 228 ]

فقال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم إن كان صادق المقال فأطلق فرسه، فاطلق فوفى، وما انثنى بعد (1). ومن ذلك أن عامر بن الطفيل وأزيد (2) بن قيس أتيا النبي صلى الله عليه وآله فقال عامر لازيد: إذا أتيناه فأنا اشاغله عنك فاعله بالسيف (3)، فلما دخلا عليه قال عامر: يا محمد حال (4)، قال: لا حتى تقول: لا إله (5) إلا الله، وإني رسول الله، وهو ينظر إلى أزيد، وأزيد لا يخبر شيئا، فلما طال ذلك نهض وخرج، وقال لازيد: ما كان أحد على وجه الارض أخوف منك على نفسه فتكا منك، ولعمري لا أخافك بعد اليوم، قال (6) له أزيد: لا تعجل فإني ما هممت بما أمرتني به إلا دخلت (7) الرجال بيني وبينك حتى ما أبصر غيرك فأضربك. ومن ذلك أن أزيد بن قيس والنضر بن الحارث اجتمعا على أن يسألاه عن الغيوب فدخلا عليه فأقبل النبي صلى الله عليه وآله على أزيد فقال: يا أزيد أتذكر ما جئت له يوم كذا (8) ومعك عامر بن الطفيل ؟ وأخبر بما كان منهما، فقال أزيد: والله ما حضرني وعامرا أحد وما أخبرك بهذا إلا ملك السماء، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله. ومن ذلك أن نفرا من اليهود أتوه فقالوا لابي الحسن جدي: استأذن لنا على ابن عمك نسأله فدخل (9) علي عليه السلام فأعلمه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: وما يريدون مني ؟ فإني


(1) بعد ذلك خ ل. (2) في نسخة من المصدر: أربد، وكذا فيما بعده. (3) علاه بالسيف: ضربه به. (4) في المصدر: يا محمد خائر ؟ (5) أشهد أن لا إله خ ل: (6) فقال خ ل. (7) ودخلت خ ل. (8) في المصدر: يوم كذا وكذا. (9) قال: فدخل خ ل. [ * ]

[ 229 ]

عبد من عبيدالله، لا أعلم إلا ما علمني ربي ثم قال: أذن لهم فدخلوا عليه، فقال: أتسألوني عما جئتم له أم انبئكم ؟ قالوا: نبئنا، قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين، قالوا: نعم، قال: كان غلاما من أهل الروم، ثم ملك وأتى مطلع الشمس ومغربها، ثم بنى السد فيها، قالوا: نشهد أن هذا كذا. ومن ذلك أن وابصة بن معبد الاسدي أتاه فقال: لا أدع من البر والاثم شيئا إلا سألته عنه، فلما أتاه قال له بعض أصحابه: إليك يا وابصة عن رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: دعه، ادنه يا وابصة، فدنوت، فقال: أتسأل عما جئت له أو أخبرك ؟ قال: أخبرني، قال: جئت تسأل عن البر والاثم، قال: نعم، فضرب بيده على صدره ثم قال: يا وابصة البر ما اطمأنت به النفس، والبر ما اطمأن به الصدر، والاثم ما تردد في الصدر وجال في القلب، وإن أفتاك الناس وأفتوك. ومن ذلك أنه أتاه وفد عبد القيس فدخلوا عليه، فلما أدركوا حاجتهم عنده قال: ائتوني بتمر أهلكم مما معكم، فأتاه كل رجل منهم بنوع منه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هذا يسمى كذا وهذا يسمى كذا، فقالوا: أنت أعلم بتمر أرضنا، فوصف لهم أرضهم، فقالوا أدخلتها ؟ قال لا، ولكن فسح لي فنظرت إليها، فقام رجل منهم فقال: يارسول الله هذا خالي وبه خبل (1) فأخذ بردائه، ثم قال: اخرج عدو الله ثلاثا ثم أرسله فبرأ، وأتوه بشاة هرمة فأخذ أحد اذنيها بين أصابعه فصار لها ميسما، ثم قال: خذوها فإن هذه السمة في آذان ما تلد إلى يوم القيامة، فهي توالد وتلك في آذانها معروفة غير مجهولة. ومن ذلك أنه كان في سفر فمر على بعير قد أعيا (2) وقام مبركا (3) على أصحابه فدعا بماء فتمضمض منه في إناء وتوضأ وقال: افتح فاه فصب في فيه، فمر ذلك الماء على رأسه وحاركه، ثم قال: اللهم احمل خلادا وعامرا ورفيقهما (4) وهما صاحبا الجمل،


(1) الخبل: الجنون. (2) أي قد تعب وكل. (3) في المصدر: وقاء منزلا على أصحابه. (4) في المصدر: ورفيقيهما. [ * ]

[ 230 ]

فركبوه وإنه ليهتز بهم أمام الخيل ومن ذلك أن ناقة لبعض أصحابه ضلت في سفر كانت فيه، فقال صاحبها: لو كان نبيا يعلم أمر (1) الناقة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: الغيب لا يعلمه إلا الله، انطلق يا فلان فإن ناقتك بموضع كذا وكذا، قد تعلق زمامها بشجرة، فوجدها كما قال. ومن ذلك أنه مر على بعير ساقط فتبصبص له، فقال: إنه ليشكو شر ولاية أهله له، وسأله أن يخرج عنهم فسأل عن صاحبه فأتاه فقال: بعه واخرجه عنك، فأناخ البعير يرغو، ثم نهض وتبع النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يسألنى أن أتولى أمره، فباعه من علي عليه السلام فلم يزل عنده إلى أيام صفين. ومن ذلك أنه كان في مسجده إذ أقبل جمل ناد (2) حتى وضع رأسه في حجره، ثم خرخر (3)، فقال النبي صلى الله عليه آله: يزعم هذا أن صاحبه يريد أن ينحره في وليمة على ابنه فجاء يستغيث، فقال رجل: يارسول الله هذا لفلان وقد أراد به ذلك، فأرسل إليه وسأله أن لا ينحره ففعل. ومن ذلك أنه دعا على مضر فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، فأصابهم سنون، فأتاه رجل فقال: فوالله ما أتيتك حتى لا يخطر لنا فحل ولا يتردد منا رائح (4)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم دعوتك فأجبتني، وسألتك فأعطيتني اللهم فاسقنا غيثا مغيثا مريئا سريعا (5) طبقا سجالا عاجلا غير رائث (6)، نافعا غير ضار " فما قام حتى ملا كل شئ، ودام عليهم جمعة، فأتوه فقالوا: يارسول الله انقطعت سبلنا وأسواقنا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: حوالينا ولا علينا، فانجابت السحابة عن المدينة وصار فيما حولها وامطروا أشهرا (7).


(1) اين الناقة خ ل، وفى المصدر: لعلم اين الناقة. (2) ند البعير: نفر وذهب شاردا. (3) أي صوت. (4) في نسخة من المصدر: ولا يزداد منا رابح. (5) مريعا خ ل. (6) في المصدر: غير زائب. (7) في المصدر: وامطروا شهرا. [ * ]

[ 231 ]

ومن ذلك أنه توجه إلى الشام قبل مبعثه مع نفر من قريش فلما كان بحيال بحير (1) الراهب نزلوا بفناء ديره، وكان عالما بالكتب وقد كان قرأ في التوراة مرور النبي صلى الله عليه وآله به، وعرف أوان ذلك، فأمر فدعي إلى طعامه، فأقبل يطلب الصفة في القوم فلم يجدها، فقال: هل بقي في رحالكم أحد، فقالوا: غلام يتيم، فقام بحير الراهب فاطلع فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وآله نائم وقد أظلته سحابة، فقال للقوم: ادعوا هذا اليتيم ففعلوا، وبحير مشرف عليه وهو يسير والسحابة قد أظلته، فأخبر القوم بشأنه وأنه سيبعث فيهم رسولا وما يكون من حاله وأمره، فكان القوم بعد ذلك يهابونه ويجلونه، فلما قدموا أخبروا قريشا بذلك (2)، وكان معهم عبد خديجة بنت خويلد، فرغبت في تزويجه وهي سيدة نساء قريش، وقد خطبها كل صنديد ورئيس قد ابتهم، فزوجته نفسها بالذي بانها من خبر بحير (3). ومن ذلك أنه كان بمكة قبل الهجرة أيام ألبت عليه قومه وعشائره، فأمر عليا أن يأمر خديجة أن تتخذ له طعاما ففعلت، ثم أمره أن يدعو له أقرباءه من بني عبد المطلب فدعا أربعين رجلا، فقال: احضر لهم طعاما يا علي، فأتاه بثريدة وطعام يأكله الثلاثة و الاربعة، فقدمه إليهم، وقال: كلوا وسموا، فسمى (4) ولم يسم القوم، فأكلوا و صدروا شبعى (5)، فقال أبو جهل: جاد ما سحركم محمد، يطعم من طعام ثلاثة رجال أربعين رجلا، هذا والله السحر (6) الذي لا بعده، فقال علي عليه السلام: ثم أمرني بعد أيام فاتخذت له مثله ودعوتهم بأعيانهم فطعموا وصدروا (7).


(1) في نسخة من المصدر: بحيراء، وكذا فيما يأتي بعد. (2) تقدم خبره مع بحيرا في الباب الرابع راجع ج 15: 408. (3) تقدم تزوجه بخديجة في الباب الرابع راجع ج 16: 1 - 81 (4) في نسخة من المصدر: فسميا. أقول: أي النبي صلى الله عليه وآله وعلى عليه السلام. (5) وشبعوا خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) هو السحر خ ل. (7) أي رجعوا إلى منازلهم. [ * ]

[ 232 ]

ومن ذلك أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: " دخلت السوق فابتعت لحما بدرهم، وذرة بدرهم، وأتيت (1) فاطمة عليها السلام حتى إذا فرغت من الخبز والطبخ قالت: لو دعوت أبي: فأتيته وهو مضطجع وهو يقول: أعوذ بالله من الجوع ضجيعا فقلت له: يارسول الله إن عندنا طعاما، فقام واتكأ علي ومضينا نحو فاطمة عليه السلام، فلما دخلنا قال: هلم طعامك يا فاطمة، فقدمت إليه البرمة والقرص، فغطى القرص وقال: " اللهم بارك لنا في طعامنا " ثم قال: اغرفي لعائشة، فغرفت، ثم قال: اغرفي لام سلمة (2)، فما زالت: تغرف حتى وجهت إلى نسائه التسع قرصة قرصة ومرقا، ثم قال: اغرفي لابنيك وبعلك، ثم قال: اغرفي وكلى وأهدي لجاراتك، ففعلت وبقي عندهم أياما يأكلون. ومن ذلك أن امرأة عبد الله بن مسلم أتته بشاة مسمومة، ومع النبي صلى الله عليه وآله بشر بن البراء بن عازب، فتناول النبي صلى الله عليه وآله الذراع، وتناول بشر الكراع، فأما النبي صلى الله عليه وآله فلاكها ولفظها، وقال: إنها لتخبرني أنها مسمومة، وأما بشر فلاك المضغة وابتلعها فمات، فأرسل إليها فأقرت، فقال: ما حملك على ما فعلت ؟ قالت: قلت زوجي وأشراف قومي، فقلت: إن كان ملكا قتلته، وإن كان نبيا فسيطلعه الله تبارك وتعالى على ذلك. ومن ذلك أن جابر بن عبد الله الانصاري قال: رأيت الناس يوم الخندق يحفرون وهم خماص (3)، ورأيت النبي صلى الله عليه وآله يحفر وبطنه خميص، فأتيت أهلي فأخبرتها، فقالت: ما عندنا إلا هذه الشاة، ومحرز من ذرة قال فاخبزي، وذبح الشاة وطبخوا شقها وشووا الباقي حتى إذا أدرك أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يارسول الله اتخذت طعاما فأتني أنت ومن أحببت، فشبك أصابعه في يده، ثم نادى ألا إن جابرا يدعوكم إلى طعامه، فأتى أهله مذعورا خجلا فقال لها: هي الفضيحة قد جفل (4) بها أجمعين، فقالت: أنت دعوتهم أم هو قال: هو، قالت: فهو أعلم بهم، فلما رآنا أمر بالانطاع (5)، فبسطت على الشوارع، وأمره


(1) في المصدر: وأتيت به. (2) فغرفت خ ل وهو الموجود في المصدر أيضا. (3) أي وهم جياع. (4) حفل خ ل وكذا في المصدر، وفى نسخة منه: فدخل (5) الانطاع جمع النطع: بساط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بالعذاب أو بقطع الرأس. [ * ]

[ 233 ]

أن يجمع (1) التوارى - يعني قصاعا كانت من خشب - والجفان، ثم قال: ما عندكم من الطعام ؟ فأعلمته، فقال: غطوا السدانة (2) والبرمة والتنور واغرفوا، وأخرجوا الخبز و اللحم وغطوا، فما زالوا يغرفون وينقلون ولا يرونه ينقص شيئا حتى شبع القوم وهم ثلاثة آلاف، ثم أكل جابر وأهله وأهدوا وبقي عندهم أياما. ومن ذلك أن سعد بن عبادة الانصاري أتاه عشية وهو صائم فدعاه إلى طعامه، و دعا معه على بن أبي طالب عليه السلام، فلما أكلوا قال النبي صلى الله عليه وآله: نبي ووصي أيا سعد (3) أكل طعامك الابرار، وأفطر عندك الصائمون، وصلت عليكم الملائكة، فحمله سعد على حمار قطوف، وألقى عليه قطيفة، فرجع الحمار وإنه لهملاج ما يساير. ومن ذلك أنه أقبل من الحديبية وفي الطريق ماء يخرج من وشل بقدر ما يروي الراكب والراكبين، فقال: من سبقنا إلى الماء فلا يستقين منه، فلما انتهى إليه دعا بقدح فتمضمض فيه ثم صبه في الماء، ففاض الماء فشربوا وملا واأداواهم ومياضيهم وتوضؤوا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: لان بقيتم وبقى (4) منكم ليسقين (5) بهذا الوادي يسقى ما بين يديه من كثرة مائه، فوجدوا ذلك كما قال. ومن ذلك إخباره عن الغيوب وما كان وما يكون فوجدوا ذلك موافقا لما يقول. ومن ذلك أنه أخبر صبيحة الليلة التي اسري به بما رأى في سفره، فانكر ذلك بعض وصدقه بعض، فأخبرهم بما رأى من المارة والممتارة، وهيأتهم ومنازلهم وما معهم من الامتعة وأنه رأى عيرا أمامها بعير أورق، وأنه يطلع يوم كذا من العقبة مع طلوع الشمس، فعدوا يطلبون تكذيبه للوقت الذي وقته لهم، فلما كانوا هناك طلعت الشمس، فقال بعضهم: كذب الساحر، وبصر آخرون بالعير قد أقبلت يقدمها الاورق فقالوا: صدق، هذه، نعم قد أقبلت.


(1) أمرنا أن نجمع خ ل. (2) السدانة: ستر الباب والمراد غطوا الباب بالستر وكذلك غطوا البرمة والتنور لئلا يرون الناس ما فيها. (3) يا سعد خ ل. وهو الموجود في المصدر. (4) أو بقى. (5) ليسمعن. [ * ]

[ 234 ]

ومن ذلك أنه أقبل من تبوك فجهدوا عطشا وبادر الناس إليه يقولون: الماء الماء يارسول الله، فقال لابي هريرة: هل معك من الماء شئ ؟ قال: كقدر قدح في ميضاتي قال: هلم ميضاتك، فصب ما فيه في قدح ودعا وأوعاه (1) وقال: ناد من أراد الماء. فأقبلوا يقولون: الماء يارسول الله، فما زال يسكب وأبو هريرة يسقي حتى روي القوم أجمعون، و ملاوا ما معهم، ثم قال لابي هريرة: اشرب، فقال: بل آخركم شربا، فشرب رسول الله صلى الله عليه وآله وشرب. ومن ذلك أن اخت عبد الله بن رواحة الانصاري مرت به أيام حفرهم الخندق فقال لها: أين تريدين (2) ؟ قالت: إلى عبد الله بهذه التمرات، فقال: هاتيهن فنثرت في كفه، ثم دعا بالانطاع وفرقها عليها وغطاها بالازر، وقام وصلى ففاض التمر على الانطاع، ثم نادى هلموا وكلوا، فأكلوا وشبعوا وحملوا معهم ودفع ما بقي إليها. ومن ذلك أنه كان في سفر فأجهدوا جوعا، فقال: من كان معه زاد فليأتنا به فأتاه نفر منهم بمقدار صاع، فدعا بالازر والانطاع ثم صب (3) التمر عليها (4)، ودعا ربه فأكثر الله ذلك التمر حتى كان أزوادهم إلى المدينة. ومن ذلك أنه أقبل من بعض أسفاره فأتاه قوم فقالوا: يارسول الله إن لنا بئرا إذا كان القيظ (5) اجتمعنا عليها، وإذا كان الشتاء تفرقنا على مياه حولنا، وقد صار من حولنا عدوا لنا فادع الله في بئرنا فتفل صلى الله عليه وآله في بئرهم ففاضت المياه المغيبة، وكانوا لا يقدرون أن ينظروا إلى قعرها بعد من كثرة مائها، فبلغ ذلك مسيلمة الكذاب فحاول مثله من قليب قليل ماؤه فتفل الانكد في القليب فغار ماؤه، وصار كالجبوب. ومن ذلك أن سراقة بن جعشم حين وجهه قريش في طلبه ناوله نبلا من كنانته و قال له: ستمر برعاتي فإذا وصلت إليهم فهذا علامتي، اطعم عندهم واشرب، فلما انتهى


(1) ووعاه خ ل وأعاده خ ل صح، والمصدر مثل الاخير. ومعنى دعا واوعاه: دعا بالبركة و الوفور ثم ستر القدح لئلا يرونه. (2) إلى أين تريد بن خ ل. وهو الموجود في المصدر. (3) ضعف خ ل. (4) عليهما خ ل. (5) القيض ح ل. [ * ]

[ 235 ]

إليهم أتوه بعنز حايل (1) فمسح صلى الله عليه وآله ضرعها فصارت حاملا ودرت حتى ملاوا الاناء وارتووا. ومن ذلك أنه نزل بام شريك فأتته بعكة فيها سمن يسير، فأكل هو أصحابه، ثم دعا لها بالبركة فلم تزل العكة تصب سمنا أيام حياتها. ومن ذلك أن ام جميل امرأة أبي لهب أتته حين نزلت سورة تبت ومع النبي صلى الله عليه وآله أبو بكر بن أبي قحافة، فقال: يارسول الله هذه ام جميل محفظة، أي مغضبة تريدك، ومعها حجر تريد أن ترميك به، فقال: إنها لا تراني، فقالت لابي بكر: أين صاحبك ؟ قال: حيث شاء الله، قالت: لقد جئته ولو أراه لرميته فإنه هجاني، واللات والعزى إني لشاعرة فقال أبو بكر: يارسول الله لم ترك ؟ قال: لا، ضرب الله بيني وبينها حجابا. ومن ذلك كتابه المهيمن الباهر لعقول الناظرين، مع ما أعطي من الخلال (2) التي إن ذكرناها لطالت فقالت اليهود: وكيف لنا بأن (3) نعلم أن هذا كما وصفت ؟ فقال لهم موسى عليه السلام. وكيف لنا بأن (4) نعلم أن ما تذكرون من آيات موسى صلى الله عليه على ما تصفون ؟ قالوا: علمنا ذلك بنقل البررة الصادقين، قال لهم: فاعلموا صدق ما أتيناكم (5) به بخبر طفل (6) لقنه الله من غير تلقين ولا معرفة عن الناقلين، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنكم الائمة والقادة والحجج من عند الله على خلقه، فوثب أبو عبد الله عليه السلام فقبل بين عيني، ثم قال: أنت القائم من بعدي - فلهذا قالت الواقفة: إنه حي، وإنه القائم - ثم كساهم أبو عبد الله عليه السلام ووهب لهم وانصرفوا مسلمين (7).


(1) من حال الانثى: لم تحمل. (2) الخلال: الخصال. (3 و 4) أن نعلم خ ل، وهو الموجود في المصدر. (5) أنبأتكم خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) أراد عليه السلام نفسه. (7) قرب الاسناد: 132 - 140. [ * ]

[ 236 ]

توضيح: قال الفيروز آبادي: غلام خماسي: طوله خمسة أشبار، وقال: رقبه: انتظره، والشئ: حرسه. قوله: ذمة نبيكم، أي عهده، أو حرمته والعنت محركة: الفساد والاثم و الهلاك، ودخول المشقة على الانسان. قوله عليه السلام: فمنعت في أوان رسالته، لعله محمول على المنع الشديد، أو المراد بأوان الرسالة ما تقدمها أيضا إلى الولادة، لئلا ينافي ما سبق من أن ظهور ذلك كان عند ولادته صلى الله عليه وآله. وأيفع الغلام، أي ارتفع. (1) وقوله عليه السلام: وهذا بعد ما أخبره سيف بن ذي يزن، خلاف ما هو المشهور من أن قصة الفيل كانت في سنة ولادته صلى الله عليه وآله أو قبله كما مر (2)، وهذا أوثق لصحة الخبر، ويمكن أن يتكلف بحمل هذا الخبر من سيف على خبر آخر غير ما سبق، أو بحمل قوله: بأن هذه الصفة في محمد، على أن المراد الصفة من حيث الاب والام والآثار بأن يكون قبل مولده، ولا يخفى بعدهما. والذود من الابل: ما بين الثلاث إلى العشر. قوله: أعدوني، أي انصروني، ولواه بحقه أي مطله. قوله: فساخت أي دخلت وغابت. قوله: وما انثنى، أي لم ينعطف ولم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله، أو عن ذلك العهد. قوله: حال، كذا في أكثر النسخ بالحاء المهملة، ولعله أمر من حالى يحالي، يقال: حاليته، أي طايبته، وفي بعضها بالمعجمة، ولعله بتشديد اللام من المخالة بمعنى المصادقة، أي كن صديقي وخليلي. قوله: لا يخبر شيئا، كذا في أكثر النسخ بالخاء المعجمة، والباء الموحدة، فيحتمل أن يكون بضم الباء أي لا يعلم شيئا، ولا يبعد أن يكون في الاصل لا يحير بالحاء المهملة والياء المثناة من قولهم: طحنت فما أحارت شيئا، أي ما ردت شيئا من الدقيق، ذكره


(1) أيفع الغلام: ترعرع وناهز البلوغ. (2) تقدمت قصة الفيل، ووفد قريش مع عبداالمطلب على سيف بن ذى يزن، وتقدم هناك خبر يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله كان ولد حين الوفود راجع ج 15: 186 وأما قصة الفيل فكانت قبل ولادته صلى الله عليه وآله. [ * ]

[ 237 ]

على سبيل المثل، أو بالجيم والزاء المعجمة، أي ما يجيز القتل، أو بالجيم والسين المهملة أي لا يجترئ عليه وهو أظهر، والفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار (1) غافل حتى يشد عليه فيقتله. قوله صلى الله عليه وآله: فسح لي على المجهول، أي وسع لي ورفعت الحجب عني. قوله: فصار لها ميسما، أي هذا الاخذ صار لها بمنزلة الميسم حيث أثر فيها. قوله صلى الله عليه وآله: الغيب لا يعلمه إلا الله، أقول: يحتمل وجوها: الاول: أن عدم إخباري أولا إنما كان لعدم علمي به، ولم يخبرني الله به، و إنما أخبرني في هذا الوقت. الثاني: أن يكون المراد بيان أن ما أخبره صلى الله عليه وآله من قبل الله ليكون دليلا على نبوته. الثالث: التبري عن أن ينسبوه إلى أنه يعلم الغيب بنفسه، والاوسط أظهر. وبصبص الكلب وتبصبص: حرك ذنبه، والتبصبص: التملق، ورغا البعير: صاح، والخرخرة، صوت النمر، وصوت السنور، استعير هنا لصوت البعير. قوله صلى الله عليه وآله: اللهم اشدد وطأتك، قال الجزري: الوطأة في الاصل: الدوس بالقدم، فسمي به الغزو والقتل، لان من يطأ الشئ برجله فقد استقصى في إهلاكه وإهانته، ومنه الحديث اللهم اشدد وطأتك على مضر، أي خذهم أخذا شديدا، وقال: السنة: الجدب، وقال: في حديث الاستسقاء ما يخطر لنا جمل، أي ما يحرك ذنبه هزالا، لشدة، القحط والجدب، يقال: خطر البعير بذنبه يخطر: إذا رفعه وحطه. انتهى. قوله رائح، أي حيوان يأتينا عند الرواح بالبركة، أو ماش من قولهم: راح: إذا مشى وذهب، قوله صلى الله عليه وآله: مغيثا، من الاغاثة بمعنى الاعانة عند الاضطرار، أو يأتي بعده بغيث آخر أو معشبا، فإن الغيث يطلق على الكلاء ينبت بماء السماء، وقال الجزري: في حديث الاستسقاء اسقنا غيثا مريئا مريعا، يقال: مرئ الطعام وأمرأني: إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيبا، والمريع: المخصب الناجع، وغيث طبق، أي عام واسع، ويقال: سجلت الماء


(1) غار الرجل: نام في نصف النهار، والمراد هنا شدة الغفلة. [ * ]

[ 238 ]

سجلا: إذا صببته صبا متصلا، وقال: غير رائث، أي غير بطئ متأخر، من راث: إذا أبطأ، وقال فيه: اللهم حوالينا ولا علينا، يقال: رأيت الناس حوله وحواليه، أي مطيفين به من جوانبه، يريد اللهم أنزل الغيث في مواضع النبات، لا مواضع الابنية، وفيه: فانجاب السحاب عن المدينة، أي انجمع وتقبض بعضه إلى بعض وانكشف عنها. انتهى. قوله عليه السلام: فأمر: أي بطعام والصنديد بالكسر: السيد الشجاع، ويقال: ألب على كذا: إذا لم يفارقه، أو هو من التأليب وهو التحريض والافساد، قوله: وصدروا: أي رجعوا، والبرمة بالضم: قدر من حجارة. والكراع كغراب: مستدق الساق. قوله: وهم خماص بالكسر، أي جياع. قوله: ومحرز - على بناء المفعول - إي شئ قليل أحرزته لعيالي، ولعل فيه تصحيفا. قوله: جفل بهم أي أسرع وذهب، ويقال: انجفل القوم، إي انقلعوا فمضوا، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة. قال الفيروز آبادي: حفل الوادي بالسيل: جاء بملئ جنبيه، والسماء: اشتد مطرها، والدمع: كثر، والقوم: اجتمعوا. قوله: غطوا السدانة، لم نعرف له معنى مناسبا، ولعله كان في الاصل بالسدانة البرمة فصحف، والسدان بالكسر: الستر، ويقال: قطفت الدابة، إي ضاق مشيها فهي قطوف، والهملاج بالكسر: السريع السير، الواسع الخطو. قوله: ما يساير، أي لا تسير معه دابة، ولا يسابق لسرعة سيره. قال الجزري: في الحديث: إن رجلا من الانصار قال حملنا رسول الله صلى الله عليه وآله على حمار لنا قطوف فنزل عنه فإذا هو فراغ لا يساير، إي سريع المشي واسع الخطو. انتهى. والوشل بالتحريك: الماء القليل، ووشل الماء وشلا، أي قطر، والاداوى بفتح الواو جمع الادوات، والمياضى جمع الميضاة وهي المطهرة. قوله صلى الله عليه وآله: يسقي ما بين يديه، إي يسقي الاراضي التي عنده للزرع، والامتيار جلب الميرة، والعير بالكسر: الابل التي تحمل الميرة، والاورق من الابل: الذي في لونه بياض إلى سواد، قوله:، إذا كان القيظ اجتمعنا عليها: العادة تقتضي عكس ذلك، فإن في

[ 239 ]

القيظ تنقص المياه، وفي الشتاء تزيد، ولعل المراد أن في الشتاء لنا مياه آخر، فلا نحتاج إلى الاجتماع على هذا الماء، وأما في الصيف قييبس تلك المياه فنجتمع عليها وهي لا تكفينا على حال، أو المراد بالقيظ الربيع، وفي بعض النسخ بالضاد يقال: بئر مقيضة، أي كثير الماء، والظاهر أن النساخ بدلوا فجعلوا القيظ مكان الشتاء وبالعكس، والانكد: المشؤوم، والجبوب: الارض، أي غليظها أو وجهها، أو التراب والعكة بالضم: آنية السمن أصغر من القربة. وقال الجزري: في حديث حنين: أردت أن احفظ الناس، وأن يقاتلوا عن أهليهم وأموالهم، أي اغضبهم، من الحفيظة: الغضب. قوله: فلهذا، أقول: هذا كلام الراوي أو الحميري، والمعنى أنه عليه السلام قال: أنت القائم، أي بأمر الامامة بعدي، فتمسكت به الواقفة لعنهم الله، وحملوه على أنه القائم صاحب الغيبة، وآخر الائمة فأنكروا إمامة من بعده. 2 - م: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال: قيل لامير المؤمنين عليه السلام: هل لمحمد صلى الله عليه وآله آية مثل آية موسى عليه السلام في رفعه الجبل فوق رؤوس الممتنعين عن قبول ما امروا به ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إي والذي بعثه بالحق نبيا، ما من آية كانت لاحد من الانبياء من لدن آدم عليه السلام إلى أن انتهى إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا وقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله مثلها أو أفضل منها، ولقد كان لمحمد صلى الله عليه واله نظير هذه الآية إلى آيات اخر ظهرت له، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أظهر بمكة دعوته، وأبان عن الله مراده رمته العرب عن قسي عداوتها بضروب إمكانهم (1)، ولقد قصدته يوما لاني (2) كنت أول الناس إسلاما، بعث (3) يوم الاثنين وصليت معه يوم الثلثاء، وبقيت معه اصلي سبع سنين حتى دخل نفر في الاسلام، وأيد الله تعالى دينه من بعد، فجاءه قوم من المشركين فقالوا له: يا محمد تزعم أنك رسول رب العالمين، ثم إنك لا ترضى بذلك حتى تزعم أنك


(1) في المصدر: بضروب مكانتهم. (2) في المصدر: وإنى: وفى نسخة منه: ولقد قصدوه يوما وإنى. (3) بايعت خ ل، وفى المصدر، بايعته، بعث يوم الاثنين. [ * ]

[ 240 ]

سيدهم وأفضلهم، فإن كنت نبيا فأتنا بآية كما تذكره عن الانبياء قبلك مثال (1) نوح الذي جاء بالغرق، ونجا في سفينته مع المؤمنين، وإبراهيم الذي ذكرت أن النار جعلت عليه بردا وسلاما، وموسى الذي زعمت أن الجبل رفع فوق رؤوس أصحابه حتى انقادوا لما دعاهم إليه صاغرين داخرين (2)، وعيسى الذي كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وصار هؤلاء المشركون فرقا أربع، هذه تقول: أظهر لنا آية نوح، وهذه تقول: أظهر لنا آية موسى، وهذه تقول: أظهر لنا آية إبراهيم، وهذه تقول: أظهر لنا آية عيسى فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما أنا (3) نذير مبين، آتيتكم بآية مبينة: هذا القرآن الذي تعجزون أنتم والامم وسائر العرب عن معارضته، وهو بلغتكم (4) فهو حجة الله وحجة نبيه عليكم (5)، وما بعد ذلك فليس لي الاقتراح على ربي، وما على الرسول إلا البلاغ المبين إلى المقرين بحجة صدقه، وآية حقه، وليس عليه أن يقترح (6) بعد قيام الحجة على ربه ما يقترحه عليه المقترحون الذين لا يعلمون هل الصلاح أو الفساد فيما يقترحون ؟ فجاء (7) جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام، ويقول: إني ساظهر لهم هذه الآيات، وإنهم يكفرون بها إلا من أعصمه منهم، ولكني اريهم (8) زيادة في الاعذار (9)، والايضاح لحججك، فقل لهؤلاء المقترحين لآية نوح عليه السلام: امضوا إلى جبل أبي قبيس فإذا بلغتم سفحه (10) فسترون آية نوح عليه السلام، فإذا غشيكم الهلاك فاعتصموا بهذا وبطفلين يكونان بين يديه، وقل للفريق الثاني المقترحين لآية إبراهيم


(1) من قبلك مثل نوح خ ل. (2) دخر: ذل وصغر. (3) انا لكم خ ل. (4) وقد بلغتكم خ ل. (5) فهو حجة بينة عليكم خ ل صح. وهو الموجود في المصدر والاحتجاج. (6) اقترح عليه كذا أو بكذا: تحكم وساله اياه بالعنف ومن غير روية. (7) في المصدر: فجاءه جبرئيل. (8) اريهم ذلك خ ل، وهو الموجود في الاحتجاج. (9) الاعذار اما جمع العذر وهو: الغلبة والنجح يقال في الحرب: لمن العذراى الغلبة واما مصدر من باب أعذر: أي رفع عنه اللوم والعذر. (10) سفح الجبل: أصله وأسفله. عرضه ومضجعه الذى يسفح أي ينصب فيه الماء. [ * ]

[ 241 ]

عليه السلام: امضوا إلى حيث تريدون من ظاهر مكة فسترون آية إبراهيم عليه السلام في النار، فإذا غشيكم البلاء (1) فسترون في الهواء امرأة قد أرسلت طرف (2) خمارها فتعلقوا به لتنجيكم من الهلكة وترد عنكم النار، وقل للفريق الثالث المقترحين لآية موسى عليه السلام: امضوا إلى ظل الكعبة فأنتم سترون آية موسى عليه السلام، وسينجيكم هناك عمي حمزة، وقل للفريق الرابع ورئيسهم أبو جهل: وأنت يا أبا جهل فاثبت عندي ليتصل بك أخبار هؤلاء الفرق الثلاثة، فإن الآية التي اقترحتها أنت تكون بحضرتي، فقال أبو جهل للفرق الثلاثة: قوموا فتفرقوا ليتبين (3) لكم باطل قول محمد، فذهبت الفرقة الاولى إلى جبل أبي فبيس فلما صاروا (4) إلى جانب الجبل نبع الماء من تحتهم، ونزل من السماء الماء من فوقهم من غير غمامة (5) ولا سحاب وكثر حتى بلغ أفواههم فألجمها وألجأهم إلى صعود الجبل إذ لم يجدوا منجى سواه، فجعلوا يصعدون الجبل والماء يعلو من تحتهم إلى أن بلغوا ذروته (6)، وارتفع الماء حتى ألجمهم وهم على قلة الجبل، وأيقنوا بالغرق إذ لم يكن لهم مفر، فرأوا عليا عليه السلام واقفا على متن الماء فوق قلة الجبل، وعن يمينه طفل، وعن يساره طفل، فناداهم علي: خذوا بيدي انجيكم أو بيد من شئتم من هذين الطفلين، فلم يجدوا بدا من ذلك، فبعضهم أخذ بيد علي، وبعضهم أخذ بيد أحد الطفلين، وبعضهم أخذ بيد الطفل الآخر، وجعلوا ينزلون بهم من الجبل والماء ينزل وينحط من بين أيديهم حتى أوصلوهم إلى القرار، والماء يدخل بعضه في الارض، ويرتفع بعضه إلى السماء حتى عادوا كهيئتهم إلى قرار الارض، فجاء علي عليه السلام بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهم يبكون و يقولون: نشهد أنك سيد المرسلين، وخير الخلق أجمعين، رأينا مثل طوفان نوح عليه السلام،


(1) في الاحتجاج: فإذ غشيكم النار. (2) طرفي خ ل. (3) ليبين خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) فلما صاروا في الارض. (5) غمام خ ل. (6) ذروة الجبل: أعلاه. [ * ]

[ 242 ]

وخلصنا هذا وطفلان كانا معه لسنا نراهما الآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما (1) إنهما سيكونان، هما الحسن والحسين سيولدان لاخي هذا، هما (2) سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما، اعلموا أن الدنيا بحر عميق،، قد غرق فيها خلق كثير، وأن سفينة نجاتها آل محمد: علي هذا وولداه اللذان رأيتموهما سيكونان، وسائر أفاضل أهلي، فمن ركب هذه السفينة نجا ومن تخلف عنها فرق، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فكذلك (3) الآخرة حميمها ونارها كالبحر (4)، وهؤلاء سفن امتي يعبرون (5) بمحبيهم وأوليائهم إلى الجنة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما سمعت هذا يا با جهل ؟ قال: بلى حتى أنظر إلى الفرقة الثانية والثالثة. فجاءت الفرقة الثانية يبكون ويقولون: نشهد أنك رسول رب العالمين، وسيد الخلق أجمعين، مضينا إلى صحراء ملساء ونحن نتذاكر بيننا قولك، فنظرنا السماء قد تشققت بجمر النيران تتناثر عنها، ورأينا الارض قد تصدعت ولهب النيران يخرج منها، فما زالت كذلك حتى طبقت الارض وملاتها، ومسنا من شدة حرها حتى سمعنا لجلودنا نشيشا من شدة حرها، وأيقنا بالاشتواء والاحتراق بتلك النيران، فبينما نحن كذلك إذ رفع لنا في الهواء شخص (6) امرأة قد أرخت خمارها فتدلى طرفه إلينا بحيث تناله أيدينا، وإذا مناد من السماء ينادينا: إن أردتم النجاة فتمسكوا ببعض أهداب هذا الخمار فتعلق كل واحد منا بهدبة من أهداب ذلك الخمار فرفعنا في الهواء ونحن نشق (7) جمر النيران ولهبها لا يمسنا شررها، ولا يؤذينا حرها (8)، ولا نثقل على الهدبة التي تعلقنا بها، ولا تنقطع الاهداب في أيدينا على دقتها، فما زالت كذلك حتى جازت بنا تلك النيران،


(1) ألا خ ل. (2) وهما خ ل. (3) وكذلك خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) في المصدر: جنتها ونارها كالبحر. (5) أي يعبرون بهم على الصراط ويصلونهم إلى الجنة. (6) الشخص: سواد الانسان وغيره تراه من بعد. (7) نشوف خ ل. (8) جمرها خ ل وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 243 ]

ثم وضع كل واحد منا في صحن داره سالما معافا، ثم خرجنا فالتقينا فجئناك عالمين بأنه لا محيص عن دينك، ولا معدل عنك وأنت أفضل من لجئ إليه، واعتمد بعد الله إليه، صادق في أقوالك، حكيم في أفعالك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي جهل: هذه الفرقة الثانية قد أراهم الله آية إبراهيم عليه السلام (1)، قال أبو جهل: حتى أنظر الفرقة (2) الثالثة وأسمع مقالتها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لهذه الفرقة الثانية لما آمنوا: يا عباد الله إن الله أغاثكم بتلك المرأة أتدرون من هي ؟ قالوا: لا، قال: تلك تكون ابنتي فاطمة، وهي سيدة النساء (3)، إن الله تعالى إذا بعث الخلائق من الاولين والآخرين نادى منادي ربنا من تحت عرشه: يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين على الصراط، فتغض الخلائق كلهم أبصارهم فتجوز فاطمة عليه الصراط، لا يبقى أحد في القيامة إلا غض بصره عنها إلا محمد وعلي والحسن والحسين والطاهرون من أولادهم فإنهم محارمها، فإذا دخلت الجنة بقي مرطها ممدودا على الصراط، طرف منه بيدها وهي في الجنة وطرف في عرصات القيامة، فينادي منادي ربنا: يا أيها المحبون لفاطمة تعلقوا بأهداب مرط فاطمة سيدة نساء العالمين فلا يبقى محب لفاطمة إلا تعلق بهدبة من أهداب مرطها، حتى يتعلق بها أكثر من ألف فئام وألف فئام (4)، قالوا: وكم فئام واحد يارسول الله ؟ قال: ألف ألف وينجون بها من النار (5). قال: ثم جاءت الفرقة الثالثة باكين يقولون: نشهد يا محمد أنك رسول رب العالمين وسيد الخلق أجمعين، وأن عليا أفضل الوصيين، وأن آلك أفضل آل النبيين، و صحابتك خير صحابة المرسلين، وأن امتك خير الامم أجمعين، رأينا من آياتك ما لا محيص لنا عنها، ومن معجزاتك ما لا مذهب لنا سواها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما الذي رأيتم ؟ قالوا: كنا قعودا في ظل الكعبة نتذاكر أمرك ونهزأ بخبرك وأنك ذكرت أن لك مثل (6)


(1) آياته خ ل. وفى المصدر. قد أراهم الله آية. (2) إلى الفرقة خ ل. (3) نساء العالمين خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) وألف فئام خ. وهو ايضا موجود في المصدر. (5) ألف ألف من الناس. قال خ ل، وهو الموجود في المصدر. (6) آية مثل خ ل. [ * ]

[ 244 ]

آية موسى عليه السلام (1)، فبينا نحن كذلك إذا ارتفعت الكعبة عن موضعها وصارت فوق رؤوسنا فركزنا (2) في مواضعنا، ولم نقدر أن نريمها (3)، فجاء عمك حمزة وقال بزج (4) رمحه هكذا تحتها فتناولها واحتبسها على عظمها فوقنا في الهواء، ثم قال لنا: اخرجوا، فخرجنا من تحتها، فقال: ابعدوا، فبعدنا عنها، ثم أخرج سنان الرمح من تحتها فنزلت إلى موضعها واستقرت (5)، فجئناك بذلك (6) مسلمين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي جهل: هذه الفرقة الثالثة قد جاءتك وأخبرتك بما شاهدت، فقال أبو جهل: لا أدري أصدق (7) هؤلاء أم كذبوا، أم حقق (8) لهم، أم خيل إليهم، فإن رأيت ما أنا (9) أقترحه عليك من نحو آيات عيسى بن مريم عليه السلام فقد لزمني الايمان بك، وإلا فليس يلزمني تصديق هؤلاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل فإن كان لا يلزمك تصديق هؤلاء على كثرتهم وشدة تحصيلهم فكيف تصدق بماثر آبائك وأجدادك، ومساوي أسلاف أعدائك ؟ وكيف تصدق عن الصين والعراق والشام إذا حدثت عنها ؟ هل المخبرون عن ذلك إلا دون هؤلاء المخبرين لك عن هذه الآيات مع سائر من شاهدها منهم من الجمع الكثيف (10) الذين لا يجتمعون على باطل يتخر صونه (11) إلا كان بإزائهم من يكذبهم ويخبر بضد إخبارهم ؟ ألا وكل فرقة من هؤلاء محجوجون (12) بما


(1) من رفع الجبل خ. (2) فركدنا خ ل، وهو الموجود في المصدر. (3) في المصدر: ولم نقدر أن نرميها: (4) فشال خ ل، وفى المصدر: فشال. فتناول خ ل. أقول: قوله: فقال أي فأهوى به. وأما في المصدر: فشال، يقال: شال الشئ وبالشئ أي رفعه. (5) فاستقرت خ ل. (6) لذلك خ ل. (7) صدقوا خ ل. (8) إليهم خ ل. (9) فان رأيت أنا ما أقترحه خ ل وهو الموجود في المصدرين. (10) الكثيف: الكثير. (11) في المصدر: فيخر صوابه. (12) محتجون خ ل. [ * ]

[ 245 ]

شاهدوا، وأنت يا أبا جهل محجوج بما سمعت ممن شاهد، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الفرقة الثالثة فقال لهم: هذا حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وآله، بلغه الله تعالى المنازل الرفيعة، والدرجات العالية، وأكرمه (1) بالفضائل لشدة حبه لمحمد ولعلي بن أبي طالب، أما إن حمزة عم محمد لينحي جهنم يوم القيامة عن محبيه كما نحى عنكم اليوم الكعبة أن تقع عليكم، قيل (2): وكيف ذلك يارسول الله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه ليرى يوم القيامة إلى جانب الصراط عالم كثير من الناس، لا يعرف عددهم إلا الله تعالى، هم كانوا محبي حمزة وكثير منهم أصحاب الذنوب والآثام، فتحول (3) حيطان بينهم وبين سلوك الصراط والعبور إلى الجنة، فيقولون: يا حمزة قد ترى ما نحن فيه، فيقول حمزة لرسول الله ولعلي بن أبي طالب صلوات الله عليهما: قد تريان أوليائي كيف يستغيثون بي ؟ فيقول محمد رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي ولي الله: يا علي أعن عمك على إغاثة أوليائه، واستنقاذهم من النار، فيأتي علي بن أبي طالب عليه السلام بالرمح (4) الذي كان يقاتل به حمزة أعداء الله تعالى في الدنيا، فيناوله إياه، ويقول: يا عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وعم (5) أخي رسول الله، ذد الجحيم عن أوليائك برمحك هذا كما كنت تذود به عن أولياء الله في الدنيا أعداء الله، فيتناول حمزة الرمح بيده فيضع زجه في حيطان النار الحائلة بين أوليائه وبين العبور إلى الجنة على الصراط، ويدفعها دفعة فينحيها مسيرة خمسمأة عام، ثم يقول لاوليائه والمحبين الذين كانوا له في الدنيا: اعبروا، فيعبرون على الصراط آمنين سالمين، قد انزاحت (6) عنهم النيران، وبعدت عنهم الاهوال، ويردون الجنة غانمين ظافرين، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي جهل: يا أبا جهل هذه الفرقة الثالثة، قد شاهدت آيات الله ومعجزات رسول الله، وبقي الذي لك، فأي آية تريد ؟ قال أبو جهل: آية


(1) وأكرمه الله خ ل. (2) قالوا خ ل. وهو الموجود في المصدر. (3) في المصدر: فيحول حيطان النار بينهم. (4) إلى الرمح خ ل. (5) ويا عم خ ل. (6) أئ قد زالت وانكشفت عنهم النيران. [ * ]

[ 246 ]

عيسى بن مريم عليه السلام كما زعمت أنه كان يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، فأخبرني بما أكلت اليوم، وما ادخرته في بيتي، وزدني على ذلك أن تحدثني بما صنعته بعد أكلي لما أكلت، كما زعمت أن الله زادك (1) في المرتبة فوق عيسى عليه السلام، فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله: أما ما أكلت وما ادخرت فاخبرك به واخبرك بما فعلته في خلال أكلك، وما فعلته بعد أكلك، وهذا يوم يفضحك الله فيه لاقتراحك (2)، فإن آمنت بالله لم تضرك هذه الفضيحة، وإن أصررت على كفرك اضيف لك إلى فضيحة الدنيا وخزيها خزي الآخرة الذي لا يبيد ولا ينفد ولا يتناهى، قال: وما هو ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قعدت يا أبا جهل تتناول من دجاجة مسمنة استطبتها (3)، فلما وضعت يدك عليها استأذن عليك أخوك أبوالبختري ابن هشام، فأشفقت (4) عليه أن يأكل منها وبخلت، فوضعتها تحت ذيلك، وأرخيت عليها ذيلك حتى انصرف عنك فقال أبو جهل: كذبت يا محمد، ما من هذا قليل ولا كثير، ولا أكلت من دجاجة، ولا ادخرت منها شيئا، فما الذي فعلته بعد أكلي الذي زعمت (5)، قال رسول الله صلى الله عليه وآله كان عندك (6) ثلاثمأة دينار لك، وعشرة آلاف دينار ودائع الناس عندك: المأة، والمأتان، والخمسمأة، والسبعمأة، والالف، ونحو ذلك إلى تمام عشرة آلاف، مال كل واحد في صرة وكنت قد عزمت على أن تختانهم، وقد كنت جحدتهم ومنعتهم، واليوم لما أكلت من هذه الدجاجة أكلت زورها (7) وادخرت الباقي، ودفنت هذا المال أجمع مسرورا فرحا باختيانك عباد الله، وواثقا بأنه قد حصل لك، وتدبير الله في ذلك خلاف تدبيرك، فقال أبو جهل: وهذا أيضا يا محمد، فما أصبت منه قليلا ولا كثيرا، وما دفنت شيئا، وقد سرقت تلك


(1) قد زادك. (2) في المصدر: يفضحك الله فيه باقتراحك. (3) هكذا في النسخة أقول: وفى المصدر اسمطتها: أي جعلتها على السماط وهو ما يبسط ويوضع عليه الطعام والسياق يوافق ذلك واما ما في نسخة المصنف فهو اما صورة النسخة التى كانت عنده أو تصحيح منه قده زعما ان الموافق للسياق انما هو استطبتها اي وجدتها طيبة ثم غفل عن ذلك كله عند بيان الحديث فنقل عن الجوهرى معنى سمط وهو لا يوافق السياق ولا المصدر الذى عندنا. (4) أشفق عليه ومنه: حاذر وخاف وحرص. (5) عندك زعمته خ ل. (6) معك خ ل. (7) في المصدر: أكلت ذروتها والزور: أعلى وسط الصدر. [ * ]

[ 247 ]

العشرة آلاف الودائع التي كانت عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل ما هذا من تلقائي فتكذبني، وإنما هذا جبرئيل الروح الامين يخبرني به عن رب العالمين، وعليه تصحيح شهادته وتحقيق مقالته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله هلم يا جبرئيل بالدجاجة التي أكل منها، فإذا الدجاجة (1) بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أتعرفها يا أبا جهل ؟ فقال أبو جهل: ما أعرفها وما أخبرت عن شئ، ومثل هذه الدجاجة المأكول بعضها في الدنيا كثير، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيتها الدجاجة إن أبا جهل قد كذب محمدا على جبرئيل، وكذب جبرئيل على رب العالمين، فاشهدي لمحمد بالتصديق، وعلى أبي جهل بالتكذيب فنطقت وقالت: أشهد يا محمد أنك رسول الله (2) وسيد الخلق أجمعين، وأن أبا جهل هذا عدو الله المعاند الجاحد للحق الذي يعلمه، أكل مني هذا الجانب، وادخر الباقي، وقد أخبرته بذلك، واحضرتنيه فكذب به، فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين فإنه مع كفره بخيل، استأذن عليه أخوه فوضعني تحت ذيله إشفاقا من أن يصيب مني أخوه، فأنت يارسول الله أصدق الصادقين من الخلق أجمعين، وأبو جهل الكاذب المفترئ اللعين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما كفاك ما شاهدت، آمن لتكون آمنا من عذاب الله عز وجل، قال أبو جهل: إني لاظن أن هذا تخييل وإيهام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهل تفرق بين مشاهدتك لهذا وسماعك لكلامها، وبين مشاهدتك لنفسك ولسائر قريش والعرب وسماعك لكلامهم ؟ قال أبو جهل: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فما يدريك أن جميع ما تشاهد وتحس بحواسك تخييل ؟ قال أبو جهل: ما هو بتخييل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولا هذا بتخييل وإلا كيف تصحح (3) أنك ترى في العالم شيئا أوثق منه ؟ قال: ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على الموضع المأكول من الدجاجة فمسح بده عليها فعاد اللحم عليه أوفر ما كان ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا با جهل أرأيت هذه الآية ؟ قال: يا محمد توهمت شيئا ولا اوقنه، قال رسول الله


(1) بالدجاجة خ ل. (2) رب العالمين خ ل صح. وفى المصدر: أشهد أن لا إله إلا الله يا محمد، وأنك رسول الله رب العالمين. (3) يصح خ ل. [ * ]

[ 248 ]

صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل فأتنا بالاموال التي دفنها هذا المعاند للحق، لعله يؤمن، فإذا هو بالصرر بين يديه كلها: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله قاله إلى تمام عشرة آلاف وثلاثمأة دينار (1)، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله - وأبو جهل ينظر إليه - صرة منها فقال: ائتوني بفلان بن فلان، فأتي به وهو صاحبها فقال: هاكها يا فلان ما قد اختانك فيه أبو جهل، فرد عليه ماله، ودعا بآخر ثم بآخر حتى رد العشرة آلاف كلها على أربابها، وفضح عندهم أبو جهل، وبقيت الثلاثمأة الدينار (2) بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: الآن آمن لتأخذ الثلاثمأة دينار (3)، ويبارك الله لك فيها حتى تصير أيسر (4) قريش، قال: لا آمن، ولكن آخذها فهي مالي، فلما ذهب يأخذها صاح رسول الله صلى الله عليه وآله بالدجاجة: دونك (5) أبا جهل، وكفيه عن الدنانير، وخذيه فوثبت الدجاجة على أبي جهل فتناولته بمخالبها، ورفعته في الهواء، وطارت به إلى سطح بيته فوضعته عليه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الدنانير إلى بعض فقراء المؤمنين، ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أصحابه فقال لهم: معاشر أصحاب محمد هذه آية أظهرها ربنا عزوجل لابي جهل، فعاند، وهذا الطير الذي حيي يصير من طيور الجنة الطيارة عليكم فيها، فإن فيها طيورا كالبخاتي، عليها من جميع أنواع المواشي (6)، تطير بين سماء الجنة وأرضها، فإذا تمنى مؤمن محب للنبي وآله الاكل من شئ منها وقع ذلك بعينه بين يديه، فتناثر ريشه وانسمط وانشوى وانطبخ، فأكل من جانب منه قديدا، ومن جانب منه مشويا بلا نار، فإذا قضى شهوته ونهمته (7) وقال: الحمد لله رب العالمين عادت كما كانت، فطارت في الهواء وفخرت على سائر طيور الجنة، تقول: من مثلي وقد أكل مني ولي الله عن أمر الله (8)


(1) مثقال خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) في المصدر: دينار. (3) مثقال خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) أمير خ ل. (5) دونك اسم فعل بمعنى خذ. (6) الوشى خ ل. (7) النهمة: بلوغ الهمة والشهوة في الشئ. (8) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 173 - 178. [ * ]

[ 249 ]

ج: مثله مع اختصار في وسطه وفي آخره (1). بيان: قال الجزري: فيه: يبلغ العرق منهم ما يلجمهم، أي يصل إلى أفواههم فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام. انتهى. والنشيش: الغليان، وهدبة الثوب بالضم: طرفه مما يلي طرته، والمراد هنا الخيوط المتدلية من طرفه، والمرط بالكسر: كساء من صوف أو خز، والفئام بالهمز وقد تقلب ياء: الجماعة من الناس، والمراد هنا هذا العدد، كما فسر أمير المؤمنين عليه السلام في خبر الغدير بمائة ألف. قوله: فركزنا. يقال: ركزت الرمح أي غرزته في الارض، وفي بعض النسخ بالدال المهملة من الركود بمعنى السكون والهدوء، ويقال: لا يريم من المكان، أي لا يبرح ولا يزول، والزج بالضم: الحديدة التي في أسفل الرمح، ويقال: تخرص، أي كذب والذود: الطرد والدفع، والزور: أعلى الصدر، والبخاتي جمع البختي وهو الابل الخراساني والشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره، والهاء عوض من الواو، ويقال: وشيت الثوب آشيه وشيا ووشية، ووشيته توشية، شدد للكثرة فهو موشي وموشى، والوشي (2) من اللون معروف ذكره الجوهري، وقال: سمطت الجدي أسمطه وأسمطه (3) سمطا: إذا نظفته من الشعر بالماء الحار لتشويه. 3 - ص: الصدوق، عن الحسن بن حمزة العلوي، عن محمد بن داود، عن عبد الله بن أحمد الكوفي، عن سهل بن صالح، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن موسى بن جعفر، عن آبائه صلوات الله عليهم قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا جلوسا يتذاكرون وفيهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذ أتاهم يهودي، فقال: يا امة محمد ما تركتم للانبياء درجة إلا نحلتموها (4) لنبيكم، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن كنتم تزعمون أن موسى عليه السلام


(1) الاحتجاج: 18 - 20. (2) الوشى أيضا: نقش الثوب. (3) هكذا في الصحاح وقد نص على ذلك مختار الصحاح حيث قال وبابه ضرب ونصر واماما في النسختين المطبوعتين " اسمطه واسمطته " الناس على ان اسمط من باب الافعال بمعنى سمط فوهم لا يوجد في اي لغة وكانهم ارادوا تطبيق البيان من نسخة: اسمطتها فافهم. (4) أي أضفتموها إليه وادعيتموها له. [ * ]

[ 250 ]

كلمه ربه على طور سيناء فإن الله كلم محمدا في السماء السابعة، وإن زعمت النصارى أن عيسى أبرأ الاكمه وأحيى الموتى فإن محمدا صلى الله عليه وآله سألته قريش أن يحيي ميتا فدعاني وبعثني معهم إلى المقابر، فدعوت الله تعالى عزوجل فقاموا من قبورهم، ينفضون التراب عن رؤوسهم بإذن الله عزوجل، وإن أبا قتادة بن ربعي الانصاري شهد وقعة احد فأصابته طعنة في عينه، فبدت (1) حدقته فأخذها بيده، ثم أتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله من يده ثم وضعها مكانها، فلم يك يعرف إلا بفضل حسنها وضوءها على العين الاخرى، ولقد بارز عبد الله بن عتيك فابين يده فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليلا ومعه اليد المقطوعة، فمسح عليها فاستوت يده (2). 4 - يج: اعلم أن الله تعالى كما أمر آدم عليه السلام أن يخرج من الجنة إلى الارض وأن يهاجر إليها أمر محمدا صلى الله عليه وآله أن يخرج من مكة إلى المدينة، وكما ابتلى آدم عليه السلام بقتل ابنه هابيل ابتلى محمدا صلى الله عليه وآله بقتل ابنيه الحسن والحسين عليهما السلام وكان يعلمه لاعلام الله إياه ذلك، وكما أمر الله آدم عليه السلام لما أمره بوضع النوى في الارض فصار في الحال نخلا باسقة عليها الرطب أكرم محمدا بمثله عند إسلام سلمان، وكما قال في وصف إدريس عليه السلام " ورفعناه مكانا عليا (3) " قال في وصف محمد: " ورفعنا لك ذكرك (4) " يذكر مع ذكر الله في الاذان والصلاة، وقد رفع إلى سدرة المنتهى فشاهد ما لم يشاهده بشر، وإن أطعم إدريس عليه السلام بعد وفاته من الجنة فقد أطعم محمدا وآله مرارا كثيرة في الدنيا (5)، وقيل لمحمد صلى الله عليه وآله: إنك تواصل (6) ؟ قال: إني لست كأحدكم، إني يطعمني ربي ويسقيني، وإن اوتي نوح عليه السلام إجابة الدعوة بما قال: " لا تذر على الارض من الكافرين ديارا (7) " فلم يبق


(1) فندرت خ ل. أقول: ندر الشئ: سقط من جوف شئ نظهر. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) مريم: 57. (4) الشرح: 4. (5) في المصدر: في الدنيا من الجنة. (6) أي تداوم الصيام من غير إفطار وتصوم صوم الوصال. (7) نوح: 26. [ * ]

[ 251 ]

منهم باقية إلا المؤمنين فقد اوتي محمد صلى الله عليه وآله مثله حين أنزل الله ملك الجبال، وأمر بطاعته فيما يأمره به من إهلاك قومه، فاختار الصبر على أذاهم، والابتهال في الدعاء لهم بالهداية ثم رق نوح عليه السلام على ولده فقال: " رب إن ابني من أهلي (1) " رقة القرابة، فالمصطفى لما أمره الله بالقتال شهر على قرابته سيف النقمة، ولم تحركه شفقة القرابة، وأخذ بالفضل معهم لما شكوا احتباس المطر، فدعا فمطروا من الجمعة إلى الجمعة حتى سألوه أن يقل وإن قال في نوح عليه السلام: " إنه كان عبدا شكورا (2) " فقد قال في محمد: " بالمؤمنين رؤوف رحيم (3) " " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (4) " وإن خص إبراهيم عليه السلام بالخلة ففضل بها (5) فقال: " واتخذ الله إبراهيم خليلا (6) " فقد جمع الله الخلة والمحبة لمحمد صلى الله عليه وآله حتى قال صلى الله عليه وآله: ولكن صاحبكم خليل الله وحبيب الله، وفي القرآن: " فاتبعوني يحببكم الله (7) " وعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: كان بيني وبين محمد بيع قبل أن يبعث فبقيت لي بقية فوعدته أن آتيه في مكانه، فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث، وكان محمد في مكانه ينتظرني، فقلت له في ذلك، فقال: أنا ههنا مذ وعدتك (8) أنتظرك، ضاهى جده إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام فإنه وعد رجلا فبقي في مكانه سنة فشكر الله له ذلك فقال: " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد (9) " وكان محمد في صباه يخرج بغنم لهم إلى الصحراء، فقال له بعض الرعاة: يا محمد إني وجدت في موضع كذا مرعى خصيبا، فقال: نخرج غدا إليه، فبكر (10) من بيته إلى ذلك الموضع وأبطأ الرجل


(1) هود: 45. (2) الاسراء: 3. (3) التوبة: 128. (4) الانبياء: 107. (5) في المصدر: ففضله. (6) النساء: 125. (7) آل عمران: 31. (8) في المصدر: مذ وعدتني. (9) مريم: 54. وفى الروايات: ان اسماعيل هذا غير اسماعيل بن ابراهيم عليهم السلام. (10) أي أتاه بكرة. [ * ]

[ 252 ]

في الوصول، فرأى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد منع غنمه أن ترعى في ذلك الموضع حتى يصل (1) ذلك الرجل فرعيا، ولا شك أن الانبياء كلهم واممهم تحت راية (2) نبينا، وإن كلم الله موسى عليه السلام على طور سيناء، فقد كلم محمدا فوق سبع سماوات، وجعل الله الامامة بعد محمد صلى الله عليه وآله في قومه عند انقطاع النبوة حتى يأتي أمر الله، وينزل عيسى عليه السلام فيصلي خلف رجل منهم يقال له: المهدي، يملا الارض عدلا، ويمحو كل جور، كما وصف رسول الله صلى الله عليه وآله. وإن النبي لما وصف عليا عليه السلام وشبهه بعيسى عليه السلام قال تعالى: " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (3) " وإن أخرج الله لصالح عليه السلام ناقة من الجبل لها شرب ولقومه شرب فقد أخرج تعالى لوصي محمد خمسين ناقة أو أربعين مرة ومأة ناقة مرة (4) من الجبل قضى بها دين محمد صلى الله عليه وآله ووعده، وقال تعالى: " وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين (5) " وهو علي بن أبي طالب على ما روى الرواة في تفسيرهم، وأنطق الله لمحمد البعير، وإن بئر زمزم (6) في صدر الاسلام بمكة كان للمسلمين يوما، وللكافرين يوما، فكان يستقى للمسلمين منه ما يكون ليومين في يوم، وللمشركين على ما كان عليه يوما فيوما، وإن أعطى الله يعقوب عليه السلام الاسباط من سلالة صلبه، ومريم بنت عمران من بناته فقال: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب (7) فقد أعطى محمدا صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام من صلبه، وهي سيدة نساء العالمين، وجعل الوصية والامامة في أخيه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم في الحسن والحسين وفي أولاد الحسين عليهم السلام إلى أن تقوم الساعة كلهم ولد (8) رسول الله صلى الله عليه وآله من فاطمة عليها السلام


(1) وصل خ ل. (2) المصدر خال عن قوله: ولا شك إلى قوله: نبينا. (3) الزخرف: 57. (4) في المصدر: خمسين ناقة مرة وثمانين مرة ومائة ناقة مرة من الجبل فقضى. (5) التحريم: 4. (6) رومة خ ل صح. (7) العنكبوت: 27. (8) وولد خ ل. [ * ]

[ 253 ]

كما كان عيسى عليه السلام من ولد الانبياء، قال الله: " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى (1) " وأعطى محمدا الكتاب المجيد، والقرآن العظيم، وفتح عليه وعلى أهل بيته باب الحكمة، وأوجب الطاعة لهم على الاطلاق بقوله: " أطيعوا الله وأطيعو الرسول واولي الامر منكم (2) " وإن صبر يعقوب عليه السلام على فراق ولده حتى كاد أن يكون حرضا (3) من الحزن، فقد فجع محمد صلى الله عليه وآله بابن كان له وحده فصبر، ووجد يعقوب عليه السلام وجد فراق، وحزن محمد صلى الله عليه وآله على قرة عينه كان بوفاته، وكان يعقوب عليه السلام فقد ابنا واحدا من بنيه ولم يتيقن وفاته، وإن اوتي يوسف شطر الحسن، فقد وصف جمال رسولنا فقيل: إذا رأيته رأيته كالشمس الطالعة، وإن ابتلي يوسف بالغربة وامتحن بالفرقة فمحمد فارق وطنه من أذى المشركين، ووقف على الثنية (4) وحول وجهه إلى مكة فقال: إني لاعلم أنك أحب البقاع إلى الله، ولولا أهلك أخرجوني ما خرجت، فلما بلغ الجحفة أنزل الله عليه: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد (5) ثم آل محمد صلى الله عليه وآله شردوا في الآفاق، وامتحنوا بما لم يمتحن به أحد غيرهم، وقد اعلم محمد صلى الله عليه وآله جميع ذلك، وكان يخبر به، وإن بشر الله يوسف برؤيا رآها فقد بشر محمدا برؤيا في قوله: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق (6) " وإن اختار يوسف عليه السلام الحبس توقيا من المعصية فقد حبس رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب ثلاث سنين ونيفا حتى (7) ألجأه أقاربه إلى أضيق الضيق، حتى كادهم الله ببعثه أضعف خلقه في أكل عهدهم الذي كتبوه (8) في قطيعة رحمه (9)، ولئن غاب يوسف عليه السلام


(1) الانعام: 84 و 85. (2) النساء: 59. (3) أي مشرفا على الموت من إذابة الحزن له. (4) الثنية: العقبة أو طريقها أو الجبل أو الطريقة فيه أو إليه. (5) القصص: 85. (6) الفتح: 27. (7) حين خ ل. (8) كتموه خ ل. (9) في المصدر: ولئن كان يوسف عليه السلام في الجب فكان محمد صلى الله عليه وآله في الغار [ * ]

[ 254 ]

فقد غاب مهدي آل محمد، وسيظهر أمره كما ظهر أمره، وأكثر ما ذكرناه يجري مجرى المعجزات، وفيها ما هو معجزة وإن قلب الله لموسى عليه السلام العصا حية فمحمد صلى الله عليه وآله دفع إلى عكاشة بن محصن يوم بدر لما انقطع سيفه قطعة حطب فتحول سيفا في يده (1)، ودعا الشجرة فأقبلت نحوه تخد الارض (2)، وإن كان موسى عليه السلام ضرب الارض بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فمحمد صلى الله عليه وآله كان ينفجر الماء من بين أصابعه، وانفجار الماء من اللحم والدم أعجب من خروجه من الحجر، لان ذلك معتاد (3)، وقد أخرج أوصياؤه من الجب الذي لا ماء فيه الماء إلى رأسه حتى شرب الناس منه (4)، وقال: إن المهدي من ولده يفعل مثل ذلك عند خروجه من مكة إلى الكوفة، وإن ضرب موسى بعصاه البحر فانفلق فكان آية محمد صلى الله عليه وآله لما خرج إلى خيبر إذا هو بواد يشخب فقد روه أربع عشر قامة والعدو من ورائهم، قال الناس: إنا لمدركون، قال: كلا، فدعا فعبرت الابل والخيل على الماء لا تندى (5) حوافرها وأخفافها، ولما عبر عمرو بن معدي كرب بعسكر الاسلام في البحر بالمدائن كان كذلك، وإن موسى عليه السلام قد أتى فرعون بألوان العذاب من الجراد والقمل والضفادع والدم فرسولنا قد أتى بالدخان على المشركين، وهو ما ذكره الله في قوله: " يوم تأتي السماء بدخان مبين (6) " وما أنزل الله على الفراعنة يوم بدر، وما أنزل الله على المستهزئين بعقوبات تستأصل في يوم أحد. فأما تكليم الله لموسى عليه السلام فإنه كان على الطور، ورسولنا دنا فتدلى فكان قاب


(1) ولما دعا محمد أبا جهل ليؤدي ثمن بعير الغريب ولم يعطه أتى إليه ثعبان وقال: ان لم تخرج إلى محمد وتقض ما يأمرك لابتلعتك، حتى خرج هائما، وكذلك قد أظهر الله ثعبانا على أعداء آل محمد صلى الله عليه وآله حين هموا بقتل واحد منهم عليهم السلام. خ أقول: المصدر خال عنه. (2) أي تشقها. (3) معتادة خ ل (4) المصدر خال من قوله: وقد أخرج إلى هنا. (5) ندى الشئ: ابتل. (6) الدخان: 10. [ * ]

[ 255 ]

قوسين أو أدنى، وقد كلمه الله هناك، وأما المن والسلوى والغمام واستضاءة الناس بنور سطع من يده فقد اوتي رسولنا ما هو أفضل منه، أحلت له الغنائم ولم تحل لاحد قبله، وأصاب أصحابه مجاعة في سرية بناحية البحر (1) فقذف البحر لهم حوتا فأكلوا منه نصف شهر، وقدموا بودكه (2)، وكان الجيش خلقا كثير ا، وكان يطعم الانفس الكثيرة من طعام قليل، ويسقي الجماعة الجمة من شربة من لبن حتى يرتووا، وروى حمزة بن عمر الاسلمي قال: نفرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في ليلة ظلماء فأضاءت أصابعه لنا فانكشفت الظلمة وهذا أعجب مما كان لموسى عليه السلام وأما اليد البيضاء لموسى عليه السلام فقد أعطى (3) محمدا أفضل من ذلك، وهو أن نورا كان يضئ له أبدا عن يمينه وعن يساره حيثما جلس وقام، يراه (4) الناس، وقد بقي ذلك النور إلى قيام الساعة يسطع من قبره، وكذا كان مع وصيه وأولاده المعصومين في حياتهم، والآن يكون يسطع من قبورهم (5)، وفي كل بقعة مر بها المهدي يرى نور ساطع، وإن موسى عليه السلام ارسل إلى فرعون فأراه الآية الكبرى ونبينا ارسل إلى فراعنة شتى، كأبي لهب، وأبي جهل، وشيبة، وعتبة ابني أبي ربيعة، وابي ابن خلف، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث وغيرهم، فأراهم الآيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ولم يؤمنوا، وإن كان الله انتقم لموسى عليه السلام من فرعون فقد انتقم لمحمد صلى الله عليه وآله يوم بدر فقتلوا بأجمعهم والقوا في القليب، وانتقم له من المستهزئين فأخذهم بأنواع البلاء، وإن كان موسى عليه السلام صار عصاه ثعبانا فاستغاث فرعون منه رهبة فقد أعطى محمدا مثله لما جاء إلى أبي جهل شفيعا لصاحب الدين، فخاف أبو جهل وقضى دين الغريب (6)، ثم إنه عتب عليه (7) فقال: رأيت عن يمين محمد


(1) في ناصية البحر خ. (2) الودك: الدسم من اللحم والشحم. (3) أعطى الله. (4) في المصدر: حيثما جلس، وكان يراه الناس. (5) في المصدر: يسطع في قبورهم أقول: وسقط عن المصدر قوله: من قبره إلى قوله: يسطع. (6) في المصدر: دين الغريم. (7) عيب عليه خ ل. [ * ]

[ 256 ]

ويساره ثعبانين تصطك أسنانهما، وتلمع النيران من أبصارهما، لو امتنعت لم آمن أن يبتلعني الثعبان، وقال تعالى لموسى عليه السلام، " وألقيت عليك محبة مني " وقال في وصيه وأولاده: " سيجعل لهم الرحمن ودا ". وإن كان داود عليه السلام سخر له الجبال والطير يسبحن له (1) وسارت بأمره، فالجبل نطق لمحمد صلى الله عليه وآله إذ جاد له اليهود، وشهد له بالنبوة، ثم سألوه أن يسير الجبل (2) فدعا فسار الجبل إلى فضاء كما تقدم، وسبح (3) الحصى في يد رسول الله صلى الله عليه وآله، وسخرت له الحيوانات كما ذكرنا، وإن لان الحديد لداود عليه السلام فقد لين لرسولنا الحجارة التي لا تلين بالنار، والحديد تلين بالنار، وقد لين الله العمود الذي جعله وصيه علي بن أبي طالب عليه السلام في عنق خالد بن وليد، فلما استشفع إليه أخذه من عنقه، وإن محمدا لما استتر من المشركين يوم احد مال برأسه نحو الجبل حتى خرقه بمقدار رأسه، وهو موضع معروف مقصود في شعب، وأثر ساعدا محمد صلى الله عليه وآله في جبل أصم من جبال مكة لما استروح في صلاته، فلان له الحجر حتى ظهر أثر ذراعيه فيه، كما أثر قدما إبراهيم عليه السلام في المقام، ولانت الصخرة تحت يد (4) محمد صلى الله عليه وآله ببيت المقدس حتى صار كالعجين، ورئي ذلك من مقام دابته والناس يلمسونه بأيديهم إلى يومنا هذا (5)، وإن الرضا عليه السلام من ولده دعا في خراسان فلين الله له جبلا يؤخذ منه القدور وغيرها، واحتاج الرضا عليه السلام هناك إلى الطهور فمس بيده الارض فنبع له عين، وكلاهما معروف (6)، وآثار وصي محمد صلى الله عليه وآله في الارض أكثر من أن تحصى، منها بئر عبادان، فإن


(1) معه خ ل. (2) في المصدر: أن يسير الجبل من مكانه إه‍ وهو خال عن قوله: إلى فضاء كما تقدم. (3) سبحت خ ل صح. (4) قدم خ ل. (5) المصدر خلا عن قوله: ورئى إلى هنا. (6) في المصدر: وهى معروفة. [ * ]

[ 257 ]

المخالف والمؤالف يروي أن من قال عندها: بحق علي يفور الماء من قعرها إلى رأسها، ولا يفور بذكر غيره وبحق غيره، وإن سور حلب من أصلب الحجارة فضربه علي بن أبي طالب بسيفه فأثره من فوقه إلى الارض ظاهر، وإنه صلى الله عليه وآله لما خرج إلى صفين فكان (1) بينه وبين دمشق مأة فرسخ وأكثر وقد نزل ببرية فكان يصلي فيها، فلما فرغ ورفع رأسه من سجدة الشكر قال: أسمع صوت بوق التبريز لمعاوية من دمشق، فكتبوا التاريخ، فكان كما قال، وقد بني هناك مشهد يقال له: مشهد البوق، وبكى داود عليه السلام على خطيئته حتى سارت الجبال معه، ومحمد صلى الله عليه وآله قام إلى الصلاة فسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل على الاثافي (2) من شدة البكاء، وقد آمنه الله من عقابه فأراد أن يتخشع، وقام على أطراف أصابع رجليه عشر سنين حتى تورمت قدماه، واصفر وجهه من قيام الليل، فأنزل الله " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (3) " وكان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال: أفلا أكون عبدا شكورا ؟ وكذلك كانت غشيات علي بن أبي طالب وصية في مقاماته (4). وإن سليمان عليه السلام سأل الله فاعطي ملكا لا ينبغي لاحد من بعده، ومحمد صلى الله عليه وآله عرضت عليه مفاتيح خزائن كنوز الارض فأبى استحقارا لها، فاختار التقلل والقربى (5)، فآتاه الله الشفاعة والكوثر وهي أعظم من ملك الدنيا من أولها إلى آخرها سبعين مرة، فوعد الله له المقام المحمود الذي يغبطه به الاولون والآخرون، وسار في ليلة إلى بيت المقدس ومنه إلى سدرة المنتهى، وسخر له الريح حتى حملت بساطه بأصحابه إلى غار أصحاب الهكف، وإن كان لسليمان عليه السلام غدوها شهر ورواحها شهر فكذلك كانت لاوصياء محمد، وسخرت له الجن، وآمنت به منقادة طائعة في قوله: " وإذ (6) صرفنا إليك نفرا من


(1) وكان خ ل. (2) الاثافي جمع الاثفية: الحجر توضع عليه القدر. (3) طه: 1. (4) خلا المصدر من قوله: وبحق غيره إلى هنا. (5) والقوت خ ل. (6) الاحقاف: 29. [ * ]

[ 258 ]

الجن (1) " وقبض صلى الله عليه وآله على حلق جني فخنقه (2)، ومحاربة وصيه من الجن وقتله إياهم معروفة، وكذلك إتيانهم إلى أولاده المعصومين عليهم السلام لاخذ العلم منهم مشهور وإن سليمان عليه السلام سخرهم للابنية والصنائع واستنباط القنى (3) ما عجز عنه جميع الناس ومحمد لم يحتج إلى هذه الاشياء، فلو أراد منهم ذلك لفعلوا، على أن مؤمني الجن يخدمون الائمة عليهم السلام وأنهم عليهم السلام كانوا يبعثونهم في أمر يريدونه على العجلة، وأن الله سخر الملائكة المقربين لمحمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته وذريته الطاهرين عليهم السلام فقد كانوا ينصرون (4) محمدا، ويقاتلون بين يديه كفاحا، ويمنعون منه ويدفعون، وكذلك كانوا مع علي بن أبي طالب، ويكونون مع بقية آل محمد عليهم السلام على ما روي. وإن سليمان عليه السلام كان يفهم كلام الطير ومنطقها، فكذلك نبينا كان يفهم منطق الطير، فقد كان في برية ورأى طيرا أعمى على شجرة، فقال للناس: إنه قال: يا ربي (5) إنني جائع، لا يمكنني أن أطلب الرزق، فوقع جرادة على منقاره فأكلها، وكذا فهم منطقها أهل بيته، وإن عيسى عليه السلام مر بكربلا فرأى ظباء فدعاها فقال: ههنا لا ماء ولا مرعى، فلم مقامكن فيها ؟ قالت: يا روح الله إن الله ألهمنا أن هذه البقعة حرم الحسين عليه السلام فآوينا إليها، فدعا الله عيسى عليه السلام أن يبقى أثر (6) يعلم به آل محمد أن عيسى كان مساعدا لهم في مصيبتهم، فلما مر علي بن أبي طالب عليه السلام بها جعل يقول: ههنا مناخ ركابهم، وههنا مهراق دمائهم، فسأله ابن عباس عنه فأخبره بقتل الحسين عليه السلام فيها. وأن عيسى عليه السلام كان (7) ههنا ودعا، ومن قصته كيت وكيت، فاطلب بعرات تلك الظباء فإنها باقية، فوجدوا كثيرا من البعر قد صار مثل الزعفران، وإن الظباء نطقت مع محمد صلى الله عليه وآله وعترته في مواضع شتى.


(1) قل اوحى إلى أنه استمع نفر من الجن خ (2) خنقه: شد على حلقه حتى يموت. (3) القنى جمع القناة: ما يحفر في الارض يجرى فيه الماء وفى المصدر: واستنباط العين. (4) ينظرون خ ل. (5) يا رب خ ل، وفى المصدر: فروى من كان معه أنه قال: يا ربي انى جائع. (6) يبقى أثرا خ ل. (7) مر خ ل صح. [ * ]

[ 259 ]

وإن يحيى بن زكريا اوتي الحكم صبيا، وكان يبكي من غير ذنب، ويواصل الصوم، ولم يتزوج (1)، وإنما اختار نبينا التزوج، لانه كان قدوة في فعله وقوله، والنكاح مما أمر الله به آدم عليه السلام لتناسل، وكان لسليمان عليه السلام من النساء والجواري ما لا يحصى، وقال النبي صلى الله عليه وآله: تناكحوا تكثروا فإني اباهي بكم الامم، وقال: مباضعتك أهلك صدقة، فقيل: يارسول الله نأتي شهوتنا ونفرح أفنوجر ؟ فقال: أرأيت لو جعلتها في باطل أفكنت تأثم ؟ قال: نعم، قال: أفتحاسبون بالشر، ولا تحاسبون بالخير ؟ وقد علم الله أن يكون له ذرية طيبة باقية إلى يوم القيامة. وقد وصف الله عيسى عليه السلام بما لم يصف به أحدا من أنبيائه، فقال: " وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين * ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (2) " ورسولنا وأهل بيته وعترته وسيلة آدم عليه السلام، ودعوة إبراهيم عليه السلام، وبشرى عيسى عليه السلام، وإن قدر عيسى عليه السلام من الطين كهيئة الطير فيجعلها (3) الله طيرا فإن الله أحيى الموتى لمحمد صلى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام وإن كان يبرئ الاكمه والابرص بإذن الله فكذا كان منهم عليهم السلام والآن ربما يدخل العميان ومن به برص مشاهدهم فيهب الله لهم نور أعينهم، ويذهب البرص عنهم ببركة تربتهم، وهذا معروف ما بين خراسان إلى بغداد إلى الكوفة إلى الحجاز (4). ايضاح: الشخب: السيلان، والودك بالتحريك: دسم اللحم، وبوق التبريز، أي البوق الذي ينفخ فيه لخروج العسكر إلى الغزو، والازيز: صوت غليان القدر، والمرجل بالكسر: القدر من النحاس، ويقال: كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس ولا غيره، ويقال: فلان يكافح الامور: إذا باشرها بنفسه. 5 - م: قال الامام عليه السلام ما أظهر الله عزوجل لنبي تقدم آية إلا وقد جعل


(1) وأهدى برأسه إلى بغية خ ل. (2) آل عمران: 45 (3) فجعله خ ل صح، وفى المصدر: فجعلها. (4) الخرائج: 259 - 261 وقد سقطت عن المصدر جمل من ذيل الحديث. [ * ]

[ 260 ]

لمحمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام مثلها وأعظم منها، قيل: يابن رسول الله فأي شئ جعل لمحمد وعلي ما يعدل آيات عيسى: إحياء (1) الموتى، وإبراء الاكمه والابرص، والانباء بما يأكلون وما يدخرون، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يمشي بمكة، وأخوه علي عليه السلام يمشي معه، وعمه أبو لهب خلفه يرمي عقبه بالاحجار وقد أدماه، ينادي معاشر قريش: هذا ساحر كذاب فاقذفوه (2) واهجروه واجتنبوه، وحرش عليه أوباش قريش فتبعوهما يرمونهما بالاحجار، فما منها (3) حجر أصابه إلا أصاب عليا عليه السلام فقال بعضهم: يا علي ألست المتعصب لمحمد، والمقاتل عنه، والشجاع (4) لا نظير لك مع حداثة سنك وأنك لم تشاهد الحروب، ما بالك لا تنصر محمدا ولا تدفع عنه ؟ فناداهم علي عليه السلام: معاشر أوباش قريش لا اطيع محمدا بمعصيتي له، لو أمرني لرأيتم العجب، وما زالوا يتبعونه حتى خرج من مكة، فأقبلت الاحجار على حالها تتدحرج، فقالوا: الآن تشدخ (5) هذه الاحجار محمدا وعليا ونتخلص منهما، وتنحت قريش عنه خوفا على أنفسهم من تلك الاحجار، فرأوا تلك الاحجار قد أقبلت على محمد وعلي كل حجر منها ينادي: السلام عليك يا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، السلام عليك يا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف، السلام عليك يارسول رب العالمين، وخير الخلق أجمعين، السلام عليك يا سيد الوصيين، ويا خليفة رسول رب العالمين، وسمعها جماعات قريش فوجموا فقال عشرة من مردتهم وعتاتهم: ما هذه الاحجار تكلمهما، ولكنهم رجال في حفرة بحضرة الاحجار قد خبأهم محمد تحت الارض، فهي تكلمهما لتغرنا وتخدعنا (6)، فأقبلت عند ذلك أحجار عشرة من تلك الصخور وتحلقت وارتفعت فوق العشرة المتكلمين بهذا الكلام، فما زالت تقع بهاماتهم (7) وترتفع وترضضها (8) حتى ما بقي من العشرة أحد إلا سال دماغه ودماؤه


(1) باحياء خ ل. وفى المصدر: من أحياء. (2) فافقدوه خ ل. وهو الموجود في المصدر. (3) في المصدر: فما حجر. (4) في المصدر: والشجاع الذى لا نظير لك. (5) شدخ الحجر الرجل: أصاب مشدخه: أي كسرها من حيث يصيبها. (6) فهم يكلمونهما ليغرونا ويختدعونا خ ل ظ. (7) الهامات جمع الهامة: رأس كل شئ. (8) أي تبالغ في رضها ودقها. [ * ]

[ 261 ]

من منخريه، وقد تخلخل رأسه وهامته ويافوخه، فجاء أهلوهم وعشائرهم يبكون ويضجون يقولون: أشد من مصابنا بهؤلاء تبجح محمد وتبذخه بأنهم قتلوا بهذه الاحجار آية له ودلالة ومعجزة، فأنطق الله عزوجل جنائزهم: صدق محمد وما كذب، وكذبتم (1) وما صدقتم واضطربت الجنائز ورمت من عليها وسقطوا على الارض، ونادت (2) ما كنا لننقاد ليحمل علينا أعداء الله إلى عذاب الله، فقال أبو جهل لعنه الله: إنما سحر محمد هذه الجنائز كما سحر تلك الاحجار والجلاميد والصخور، حتى وجد منها من النطق ما وجد، فإن كانت قتل (3) هذه الاحجار هؤلاء لمحمد آية له وتصديقا لقوله، وتبيينا (4) لامره فقولوا له: يسأل من خلقهم أن يحييهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا أبا الحسن قد سمعت اقتراح الجاهلين وهؤلاء عشرة قتلى، كم جرحت بهذه الاحجار التى رمانا بها القوم يا علي ؟ قال علي عليه السلام جرحت أربع جراحات، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: جرحت أنا ست جراحات، فليسأل كل واحد منا ربه أن يحيي من العشرة بقدر جراحاته، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله لستة منهم فنشروا، ودعا علي عليه السلام لاربعة منهم فنشروا، ثم نادى المحيون: معاشر المسلمين إن لمحمد وعلي شأنا عظيما في الممالك التى كنا فيها، لقد رأينا لمحمد صلى الله عليه وآله مثالا على سرير عند البيت المعمور وعند العرش، ولعلي عليه السلام مثالا عند البيت المعمور وعند الكرسي وأملاك السماوات والحجب وأملاك العرش يحفون بهما ويعظمونهما ويصلون عليهما، ويصدرون عن أوامرهما، ويقسمون على الله عزوجل لحوائجهم إذا سألوه بهما، فآمن منهم سبعة نفر، وغلب الشقاء على الآخرين، وأما تأييد الله عزوجل لعيسى عليه السلام بروح القدس فإن جبرئيل هو الذي لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قد اشتمل بعباءته القطوانية (5) على نفسه وعلى علي وفاطمة


(1) وكذبتم أنتم خ ل. (2) وقالت خ ل. (3) قتلت خ ل كما في نسخة من المصدر. والصحيح ما في الصلب وتأنيث " كانت " لرعاية الخبر: آية. (4) وتثبيتا خ ل. (5) قطوانية: عباءة بيضاء قصيرة الخمل. [ * ]

[ 262 ]

والحسن والحسين عليهم السلام وقال: اللهم هؤلاء، أهلي، أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم محب لمن أحبهم، ومبغض لمن أبغضهم، فكن لمن حاربهم حربا، ولمن سالمهم سلما، ولمن أحبهم محبا، ولمن أبغضهم مبغضا، فقال الله عزوجل: لقد أجبتك إلى ذلك يا محمد، فرفعت ام سلمة جانب العباء لتدخل، فجذبه رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: لست هناك وإن كنت في خير وإلى خير (1)، وجاء جبرئيل عليه السلام مدثرا (2) وقال: يارسول الله اجعلني منكم قال: أنت منا، قال: فأرفع العباء وأدخل معكم ؟ قال: بلى، فدخل في العباء، ثم خرج وصعد إلى السماء إلى الملكوت الاعلى وقد تضاعف حسنه وبهاؤه، وقالت الملائكة: قد رجعت بجمال خلاف ما ذهبت به من عندنا، قال: فكيف (3) لا أكون كذلك وقد شرفت بأن جعلت من آل محمد وأهل بيته، قالت الاملاك في ملكوت السماوات والحجب والكرسي والعرش، حق لك هذا الشرف أن تكون كما قلت، وكان علي عليه السلام معه جبرئيل عن يمينه في الحروب، وميكائيل عن يساره، وإسرافيل خلفه، وملك الموت أمامه. وأما إبراء الاكمه والابرص والانباء بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان بمكة قالوا: يا محمد ربنا (4) هبل، الذي يشفي مرضانا، وينقذ هلكانا، ويعالج جرحانا، قال صلى الله عليه وآله: كذبتم، ما يفعل هبل من ذلك شيئا، بل الله تعالى يفعل بكم ما يشاء (5) من ذلك، قال عليه السلام: فكبر هذا على مردتهم فقالوا له: يا محمد ما أخوفنا (6) عليك من هبل أن يضربك باللقوة والفالج والجذام والعمى وضروب العاهات لدعائك إلى خلافه، قال صلى الله عليه وآله: لا يقدر (7) على شئ مما ذكرتموه إلا الله عزوجل، قالوا: يا محمد فإن كان لك رب تعبده ولا رب سواه فاسأله أن يضربنا بهذه الآفات التي ذكرناها لك،


(1) وعلى خير خ ل (2) في نسخة من المصدر: متدثرا. (3) وكيف خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) إن ربنا خ ل. وهو الموجود في المصدر. (5) كما يشاء خ ل. (6) إنا نخاف خ ل. (7) لن يقدر خ ل، وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 263 ]

حتى نسأل نحن هبل أن يبرئنا منها، لتعلم أن هبل هو شريك ربك الذي إليه تؤمي وتشير، فجاء (1) جبرئيل عليه السلام فقال: ادع أنت على بعضهم، وليدع علي على بعض، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله على عشرين منهم ودعا علي على عشرة، فلم يريموا (2) مواضعهم حتى برصوا وجذموا وفلجوا ولقوا وعموا وانفصلت عنهم الايدي والارجل، ولم يبق في شئ من أبدانهم عضو صحيح إلا ألسنتهم وآذانهم، فلما أصابهم ذلك صير بهم إلى هبل ودعوه ليشفيهم، وقالوا (3): دعا على هؤلاء محمد وعلي ففعل بهم ما ترى فاشفهم، فناداهم هبل: يا أعداء الله وأي قدرة لي على شئ من الاشياء ؟ والذي بعثه إلى الخلق أجمعين وجعله أفضل النبيين والمرسلين لو دعا علي لتهافتت (4) أعضائي، وتفاصلت أجزائي، واحتملتني الرياح تذروني حتى لا يرى لشئ مني عين ولا أثر، يفعل الله ذلك بي حتى يكون أكبر جزء مني دون عشر عشير خردلة (5)، فلما سمعوا ذلك من هبل ضجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا (6): انقطع الرجاء عمن سواك فأغثنا وادع الله لاصحابنا فإنهم لا يعودون إلى أذاك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: شفاؤهم يأتيهم من حيث أتاهم (7) داؤهم، عشرون علي وعشرة على علي، فجاءوا بعشرين أقاموهم (8) بين يديه، وبعشرة أقاموهم بين يدي علي عليه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للعشرين غضوا (9) أعينكم، وقولوا: اللهم بجاه من بجاهه ابتليتنا فعافنا بمحمد وعلي والطيبين من آلهما، وكذلك قال علي عليه السلام للعشرة الذين بين يديه، فقالوها فقاموا كأنما (10) نشطوا من عقال، ما بأحد منهم نكبة


(1) فجاءه خ ل. (2) أي فلم يزل عن مواضعهم ولم يفارقوها. (3) في المصدر: وقالوا له. (4) أي تساقطت. (5) من خردلة خ ل. (6) وقالوا خ ل. (7) أتتهم خ ل. (8) فاقاموهم خ ل. وهو الموجود في المصدر. (9) غمضوا خ ل. (10) كأنهم نشطوا خ ل. أقول: انشط البعير من عقاله: اطلق. [ * ]

[ 264 ]

وهو أصح مما كان قبل أن اصيب بما اصيب، فآمن الثلاثون وبعض أهليهم، وغلب الشقاء على أكثر الباقين وأما الانباء بما يأكلون (1) وما يدخرون في بيوتهم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله - لما برؤوا - قال (2) لهم: آمنوا، فقالوا: آمنا، فقال: ألا أزيدكم بصيرة ؟ قالوا: بلى، قال: اخبركم بما تغدى (3) به هؤلاء وتداووا ؟ (4) تغدى فلان بكذا، وتداوى فلان بكذا، وبقي عنده كذا، حتى ذكرهم أجمعين، ثم قال: يا ملائكة ربي احضروني بقايا غدائهم ودوائهم على أطباقهم وسفرهم (5)، فأحضرت الملائكة ذلك، وانزلت من السماء بقايا طعام اولئك ودوائهم، فقالوا: هذه البقايا من المأكول كذا، والمداوي به كذا، ثم قال: يا أيها الطعام أخبرنا، كم أكل منك ؟ فقال الطعام: أكل مني كذا، وترك مني كذا، وهو ما ترون، وقال بعض ذلك الطعام: أكل صاحبي هذا مني كذا " وبقي مني كذا، وجاء به الخادم فأكل مني كذا، وأنا الباقي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فمن أنا ؟ قال الطعام و الدواء: أنت رسول الله، فقال: فمن هذا ؟ - يشير إلى علي عليه السلام - فقال الطعام والدواء: هذا أخوك سيد الاولين والآخرين، ووزيرك أفضل الوزراء، وخليفتك سيد الخلفاء (6). بيان: التحريش: الاغراء بين القوم، والاوباش من الناس: الاخلاط، ووجم أي أمسك وسكت، واليافوخ، ملتقى عظم مقدم الرأس ومؤخره، والتبجح بتقديم الجيم على الحاء: إظهار الفرح، والتبذخ: التكبر والعلو، والجلاميد جمع الجلمود بالضم وهو الصخر، ويقال: فلج على بناء المجهول، أي أصابه الفالج، فهو مفلوج، وكذا لقي على المجهول أصابه اللقوة.


(1) بما كانوا يأكلون خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2) فقال خ ل. (3) تغدى: أكل أول النهار. وفى المصدر: تغذى. (4) في المصدر المطبوع: وتداووا به، فقال (لواظ): قل يارسول الله، فقال: احصروا تغذى فلان. (5) السفر جمع السفرة: ما يبسط عليه الطعام. (6) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 149 و 150. [ * ]

[ 265 ]

6 - م: قال: أبو يعقوب: قلت: للامام عليه السلام هل كان لرسول الله صلى الله عليه وآله ولامير المؤمنين عليه السلام آيات تضاهي آيات موسى عليه السلام ؟ فقال عليه السلام: علي نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وآيات رسول الله آيات علي عليه السلام، وآيات علي آيات رسول الله صلى الله عليه وآله، وما آية أعطاها الله موسى عليه السلام ولا غيره من الانبياء إلا وقد أعطى الله محمدا مثلها أو أعظم منها، أما العصا التي كانت لموسى عليه السلام فانقلبت ثعبانا فتلقفت ما ألقته (1) السحرة من عصيهم وحبالهم فلقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله أفضل منها، وهو أن قوما من اليهود أتوا محمدا صلى الله عليه وآله فسألوه وجادلوه فما أتوه بشئ إلا أتاهم في جوابه بما بهرهم، فقالوا له: يا محمد إن كنت نبيا فأتنا بمثل عصا موسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الذي أتيتكم به أفضل (2) من عصا موسى عليه السلام، لانه باق بعدي إلى يوم القيامة متعرض (3) لجميع الاعداء المخالفين (4)، لا يقدر أحد (5) على معارضة سورة منه، وإن عصا موسى زالت ولم تبق بعده فتمتحن، كما يبقى القرآن فيمتحن، ثم إني سأتيكم بما هو أعظم من عصا موسى وأعجب، فقالوا: فأتنا، فقال: إن موسى عليه السلام كانت عصاه بيده يلقيها (6) وكانت القبط يقول كافرهم: هذا يحتال في العصا بحيلة، وإن الله سوف يقلب خشبا لمحمد ثعابين بحيث لا يمسها يد محمد ولا يحضرها، إذا رجعتم إلى بيوتكم واجتمعتم الليلة في مجمعكم في ذلك البيت قلب الله جذوع سقوفكم كلها أفاعي، وهي أكثر من مأة جذع، فتتصدع مرارات (7) أربعة منكم فيموتون، ويغشى على الباقين منكم إلى غداة غد، فيأتيكم يهود فتخبرونهم بما رأيتم فلا يصدقونكم فتعود بين أيديهم ويملا أعينهم ثعابين كما كانت في بارحتكم، فيموت منهم جماعة، وتخبل جماعة و


(1) ما أتته خ ل، وهو الموجود في المصدر. (2) أعظم خ ل، وهو الموجود في المصدر. (3) معرض خ ل،، وهو الموجود في المصدر. (4) والمخالفين خ ل وهو الموجود في المصدر. (5) لا يقدر أحد منهم أبدا على معارضة. وهو الموجود في المصدر. (6) فيلقيها خ ل. (7) مرارات جمع المرارة: هنة شبه كيس لازقة بالكبد تكون فيها مادة صفراء هي المرة. يقال لها بالفارسية: زهره. [ * ]

[ 266 ]

يغشى على أكثرهم، قال: فوالذي بعثه بالحق نبيا لقد ضحك القوم كلهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحتشمونه ولا يهابونه، ويقول بعضهم لبعض: انظروا ما ادعى ؟ وكيف عدا طوره (1) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن كنتم الآن تضحكون فسوف تبكون وتتحيرون إذا شاهدتم ما عنه تخبرون، ألا فمن هاله ذلك منكم وخشي على نفسه أن يموت أو يخبل فليقل: اللهم بجاه محمد الذي اصطفيته، وعلي الذي ارتضيته، وأوليائهما الذين من سلم لهم أمرهم اجتبيته، لما قويتني على ما أرى، وإن كان من يموت هناك ممن يحبه (2) ويريد حياته فليدع له بهذا الدعاء ينشره الله تعالى ويقويه، قال عليه السلام: فانصرفوا واجتمعوا في ذلك الموضع، وجعلوا يهزؤون بمحمد صلى الله عليه وآله وقوله: إن تلك الجذوع تنقلب أفاعي، فسمعوا حركة من السقف فإذا بتلك الجذوع انقلبت (3) أفاعي وقد لوت (4) رؤوسها عن الحائط وقصدت نحوهم تلتقمهم (5)، فلما وصلت إليهم كفت عنهم وعدلت إلى ما في الدار من حباب وجرار وكيزان (6) وصلايات وكراسي وخشب وسلاليم (7) وأبواب فالتقمتها وأكلتها، فأصابهم ما قال رسول الله عليه السلام: إنه يصيبهم، فمات (8) منهم أربعة، وخبل جماعة، وجماعة خافوا على أنفسهم فدعوا بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فقويت قلوبهم، وكانت الاربعة أتى بعضهم فدعا لهم بهذا الدعاء فنشروا، فلما رأوا ذلك قالوا: إن هذا الدعاء مجاب به، وإن محمدا صادق، وإن كان يثقل علينا تصديقه (9) أفلا ندعو به لتلين للايمان به والتصديق له والطاعة لاوامره وزواجره قلوبنا، فدعوا بذلك الدعاء فحبب الله


(1) أي جاوز حده (2) في المصدر المطبوع: وان كان من يموت هناك وكان ممن يحبه. وفى نسخة مخطوطة منه: وان كان من يموت هناك فمن يحبه اه‍ ولعله الصحيح. (3) تنقلب خ ل. (4) وقد ولت خ ل، وهو الموجود في المصدر وفيه: إلى الحائط. (5) أي لتاكلهم وتبتلعهم. (6) الحباب: جمع الحب والجرار: جمع الجرة والكيزان جمع الكوز. (7) جمع السلم. (8) ومات خ ل. (9) في المصدر: تصديقه واثباعه. [ * ]

[ 267 ]

تعالى إليهم الايمان وطيبه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر، فآمنوا بالله ورسوله، فلما أصبحوا من غد جاءت اليهود وقد عادت الجذوع ثعابين كما كانت، فشاهدوها وتحيروا ومات منهم جماعة، وغلب الشقاء على الآخرين (1) وقال: وأما اليد فلقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله مثلها وأفضل منها وأكثر منها ألف مرة (2) كان صلى الله عليه وآله يحب أن يأتيه الحسن والحسين عليهما السلام، وكانا يكونان عند أهلهما (3) أو مواليهما أو دايتهما (4)، وكان يكون في ظلمة الليل فيناديهما رسول الله صلى الله عليه وآله: يا با محمد، يا أبا عبد الله هلما إلى، فيقبلان نحوه من ذلك العبد قد بلغهما (5) صوته، فيقول (6) رسول الله صلى الله عليه وآله بسبابته هكذا يخرجها من الباب فتصئ لهما أحسن من ضوء القمر والشمس، فيأتيان فتعود (7) الاصبع كما كانت، فإذا قضى وطره (8) من لقائهما وحديثهما قال: ارجعا إلى موضعكما فقال (9) بعد بسبابته هكذا، فأضاءت أحسن من ضياء القمر والشمس، قد أحاط بهما إلى أن يرجعا إلى موضعهما، ثم تعود أصبعه صلى الله عليه وآله كما كانت من لونها في سائر الاوقات، وأما الطوفان الذي أرسله الله تعالى على القبط فقد أرسل الله مثله على قوم مشركين آية لمحمد صلى الله عليه وآله، فقال: إن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقال له: ثابت بن الافلح (10) قتل رجلا من المشركين في بعض المغازي، فنذرت امرأة ذلك المشرك المقتول لتشربن في قحف رأس ذلك القاتل الخمر، فلما وقع بالمسلمين يوم احد ما وقع، قتل ثابت هذا على ربوة من الارض فانصرف المشركون واشتغل رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه


(1) في المصدر: وتحيروا وغلب الشقاء عليهم. قال: واما اليد. (2) في المصدر: وأكثر من الف مرة. (3) في المصدر: عند أهليهما. (4) الداية: القابلة. (5) وقد بلغهما خ ل. (6) أي يشير بها. (7) ثم تعود خ ل. (8) الوطر: الحاجة والبغية. (9) وقال خ ل. (10) في نسخة من المصدر: ثابت بن أبى الافلح. [ * ]

[ 268 ]

بدفن أصحابه، فجاءت المرأة إلى أبي سفيان تسأله أن يبعث رجلا مع عبد لها إلى مكان ذلك المقتول ليجتز رأسه فيؤتى به لتفي بنذرها فتشرب في قحفه خمرا، وقد كانت البشارة أتتها بقتله، أتاها بها عبد لها فأعتقته وأعطته جارية لها، ثم سألت أبا سفيان فبعث إلى ذلك المقتول مأتين من أصحاب (1) الجلد في جوف الليل ليجتزوا رأسه فيأتوها به، فذهبوا فجاءت ريح فد حرجت الرجل إلى حدور (2) فتبعوه ليقطعوا رأسه فجاء من المطر وابل عظيم فغرق المأتين، ولم يوقف لذلك المقتول ولا لواحد من المأتين على عين ولا أثر، ومنع الله الكافرة مما أرادت، فهذا أعظم من الطوفان آية له صلى الله عليه وآله. وأما الجراد المرسل على بني إسرائيل فقد فعل الله أعظم وأعجب منه بأعداء محمد صلى الله عليه وآله، فإنه أرسل عليهم جرادا أكلهم، ولم يأكل جراد موسى عليه السلام رجال القبط، ولكنه أكل زروعهم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في بعض أسفاره إلى الشام، وقد تبعه مأتان من يهودها في خروجه عنها وإقباله نحو مكة، يريدون قتله، مخافة أن يزيل الله دولة اليهود على يده، فراموا قتله، وكان في القافلة فلم يجسروا عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد حاجة أبعد واستتر بأشجار تكنفه (3)، أو برية بعيدة، فخرج ذات يوم لحاجته فأبعد وتبعوه وأحاطوا به وسلوا سيوفهم عليه، فأثار الله جل وعلا من تحت رجل محمد من ذلك الرمل جرادا (4) فاحتوشتهم وجعلت تأكلهم، فاشتغلوا بأنفسهم عنه، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من حاجته وهم يأكلهم الجراد ورجع إلى أهل القافلة فقالوا له: ما بال الجماعة خرجوا خلفك لم يرجع منهم أحد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: جاءوا يقتلونني فسلط الله عليهم الجراد، فجاءوا ونظروا إليهم فبعضهم قد مات، وبعضهم قد كاد يموت، والجراد يأكلهم، فما زالوا ينظرون إليهم حتى أتى الجراد على أعيانهم فلم تبق منهم شيئا. وأما القمل فأظهر الله قدرته على أعداء محمد صلى الله عليه وآله بالقمل، وقصة ذلك أن رسول الله


(1) أصحابه خ ل. أقول أي من أصحابه الشديد القوى. (2) الحدور: المكان الذى ينحدر منه. (3) باشجار ملتفة أو بخربة بعيدة خ ل. (4) كثيرا خ ل. [ * ]

[ 269 ]

صلى الله عليه وآله لما ظهر بالمدينة أمره، وعلا بها شأنه حدث يوما أصحابه عن امتحان الله عزوجل للانبياء، وعن صبرهم على الاذى في طاعة الله. فقال في حديثه: إن بين الركن والمقام قبور سبعين نبيا ما ماتوا إلا بضر الجوع والقمل (1)، فسمع بذلك بعض المنافقين من اليهود وبعض مردة (2) قريش فتؤامروا (3) بينهم ليلحقن محمدا بهم فيقتلوه (4) بسبوفهم حتى لا يكذب، فتؤامروا بينهم وهم مأتان على الاحاطة به يوما يجدونه من المدينة خارجا (5)، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوما خاليا فتبعه القوم، ونظر أحدهم إلى ثياب نفسه وفيها قمل، ثم جعل بدنه وظهره يحكه من القمل فأنف من أصحابه، واستحيا فانسل عنهم (6)، وأبصر آخر ذلك من نفسه وفيها قمل مثل ذلك فانسل، فما زال كذلك حتى وجد ذلك كل واحد من نفسه فرجعوا، ثم زاد ذلك عليهم حتى استولى عليهم القمل، وانطبقت حلوقهم (7)، فلم يدخل فيها طعام ولا شراب فماتوا كلهم في شهرين منهم من مات في خمسة أيام، ومنهم من مات في عشرة أيام وأقل وأكثر، فلم يزد على شهرين حتى ماتوا بأجمعهم بذلك القمل والجوع والعطش، فهذا القمل الذي أرسله الله تعالى على أعداء محمد صلى الله عليه وآله آية له. وأما الضفادع فقد أرسل الله مثلها على أعداء محمد صلى الله عليه وآله حين قصدوا قتله فأهلكهم بالجرذ (8) وذلك أن مأتين بعضهم كفار العرب، وبعضهم يهود، وبعضهم أخلاط من الناس اجتمعوا بمكة في أيام الموسم وهموا فيما بينهم لنقتلن محمدا، فخرجوا نحو المدينة، فبلغوا بعض تلك المنازل، وإذا هناك ماء في بركة (9) أطيب من مائهم الذي كان معهم فصبوا ما


(1) أي عند الاسر وطول الحبس. (2) كفار خ ل. (3) أي فتشاوروا. (4) فليقتلنه خ ل وهو الموجود في المصدر. (5) في المصدر: خاليا خارجا. (6) أي فانطلق في استخفاء. (7) ونقبت حلقومهم خ ل صح. أقول: في المصدر المطبوع: وانطبقت حلقومهم، وفى نسخة مخطوطة مثل ما في الصلب والحلوق جمع الحلق. (8) فاهلكهم بها خ ل وفى المصدر: فاهلكهم الله بالجرذ. (9) أو حوض خ ل، وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 270 ]

كان معهم منه، وملاوا رواياهم ومزاودهم من ذلك الماء وارتحلوا (1) فبلغوا أرضا ذات جرذ كثير (2) فحطوا رواحلهم عندها فسلطت على مزاودهم ورواياهم وسطائحهم الجرذ (3) و خرقتها ونقبتها (4)، وسال مياهها في تلك الحرة (5) فلم يشعروا إلا وقد عطشوا ولا ماء معهم فرجعوا القهقرى إلى تلك البركة (6) التي كانوا تزودوا منها تلك المياه، وإذا الجرذ (7) قد سبقهم إليها فنقبت أفواهها (8)، وسألت (9) في الحرة مياهها، فوقفوا آيسين من الماء و تماوتوا، ولم يفلت منهم أحد إلا واحد، كان لا يزال يكتب على لسانه محمدا، وعلى بطنه محمدا ويقول: يا رب محمد وآل محمد قد تبت من أذى محمد ففرج عني بجاه محمد وآل محمد فسلم، و كف (10) عنه العطش، فوردت عليه قافلة فسقوه وحملوه وأمتعة القوم وجمالهم، وكانت أصبر على العطش من رجالها، فآمن برسول الله صلى الله عليه وآله، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الجمال و الاموال له. قال: وأما الدم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله احتجم مرة فدفع الدم الخارج منه إلى أبي سعيد الخدري وقال له: غيبه، فذهب فشربه، فقال له صلى الله عليه وآله: ما صنعت (11) به ؟ قال: شربته يارسول الله قال: أو لم أقل لك غيبه، فقال: غيبته (12) في وعاء حريز، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إياك وأن تعود لمثل هذا، ثم اعلم أن الله قد حرم على النار لحمك ودمك لما اختلط بدمي ولحمي فجعل أربعون من المنافقين يهزؤون برسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون: زعم أنه قد اعتق


(1) وارتجعوا خ ل. (2) وضفادع خ. (3) الضفادع والجرذ خ ل. (4) في المصدر: وثقبتها. (5) الحرة: الارض ذات حجارة نخرة سود كأنها احرقت بالنار. (6) الحياض خ ل. (7) والضفادع خ. (8) اصولها خ ل، وفى المصدر: فثقبت اصولها. (9) وسيلت خ ل. (10) وكف الله خ وهو الموجود في المصدر. (11) ماذا صنعت به خ. وهو الموجود في المصدر. (12) قد غيبته: خ [ * ]

[ 271 ]

الخدري من النار لاختلاط دمه بدمه، وما هو إلا كذاب مفتر ! وأما نحن فنستقذر دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إن الله يعذبهم بالدم ويميتهم به، وإن كان لم يمت القبط، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى لحقهم الرعاف الدائم، وسيلان الدماء من أضراسهم، فكان طعامهم وشرابهم يختلط بالدم فيأكلونه فبقوا كذلك أربعين صباحا معذبين ثم هلكوا. وأما السنين ونقص من الثمرات فإن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا على مضر فقال: " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " فابتلاهم الله بالقحط والجوع، فكان الطعام يجلب إليهم من كل ناحية، فإذا اشتروه وقبضوه لم يصلوا به إلى بيوتهم حتى يسوس (1) وينتن ويفسد فتذهب أموالهم، ولا يحصل لهم في الطعام نفع حتى أضربهم الازم والجوع الشديد العظيم، حتى أكلوا الكلاب الميتة، وأحرقوا عظام الموتى فأكلوها وحتى نبشوا عن قبور الموتى فأكلوهم، وحتى ربما أكلت المرأة طفلها، إلى أن مشى جماعة (2) من رؤساء قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا محمد هبك (3) عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان والبهائم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنتم بهذا معاقبون، وأطفالكم و حيواناتكم بهذا غير معاقبة، بل هي معوضة لجميع المنافع حيث (4) يشاء ربنا في الدنيا والآخرة، فسوف يعوضها الله تعالى عما أصابها (5) ثم عفا عن مضر وقال: " اللهم افرج عنهم " فعاد إليهم الخصب والدعة والرفاهية، فذلك قوله عزوجل فيهم يعدد عليهم نعمه: " فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (6) ". قال الامام (7) عليه السلام: وأما الطمس لاموال قوم فرعون فقد كان مثله آية لمحمد صلى الله عليه وآله


(1) يتسوس خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2) جماعات خ ل، وهو الموجود في المصدر. (3) هب: فعل أمر من وهب، ويقال: هبني فعلت أي احسبنى، وانما يستعمل من المادة بهذا المعنى كلمة " هب " للامر فقط فتنصب مفعولين. (4) حين خ ل (5) على ما أصابها خ ل. (6) القريش: 4 (7) قال أمير المؤمنين عليه السلام خ ل. وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 272 ]

وعلي عليه السلام، وذلك أن شيخا كبيرا جاء بابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، والشيخ يبكي ويقول: يارسول الله ابني هذا غذوته صغيرا، ومنته (1) طفلا عزيزا، وأعنته (2) بما لي كثيرا حتى اشتد أزره (3)، وقوي ظهره، وكثر ماله، وفنيت قوتي، وذهب مالى عليه، وصرت من الضعف إلى ما ترى (4) فلا يواسيني بالقوت الممسك لرمقي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للشاب: ماذا تقول ؟ قال: يارسول الله لا فضل معي عن قوتي وقوت عيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للوالد: ما تقول ؟ فقال: يارسول الله إن له أنابير (5) حنطة وشعير وتمر وزبيب، وبدر (6) الدراهم والدنانير وهو غني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للابن: ما تقول، قال الابن: يارسول الله مالي شئ مما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتق الله يافتى، وأحسن إلى والدك المحسن إليك يحسن الله إليك، قال: لا شئ لي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فنحن نعطيه عنك في هذا الشهر، فأعطه أنت فيما بعده، وقال لاسامة: أعط الشيخ مأة درهم نفقة لشهره لنفسه وعياله، ففعل، فلما كان رأس الشهر جاء الشيخ والغلام وقال الغلام: لا شئ لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله، لك مال كثير، ولكنك اليوم تمسي وأنت فقير وقير (7)، أفقر من أبيك هذا لا شئ لك، فانصرف الشاب فإذا جيران أنابيره قد اجتمعوا عليه يقولون: حول هذه الانابير عنا، فجاء إلى أنابيره وإذا الحنطة والشعير والتمر والزبيب قد نتن جميعه، وفسد وهلك، وأخذوه بتحويل ذلك عن جوارهم، فاكترى اجراء بأموال كثيرة فحولوه وأخرجوه بعيدا عن المدينة، ثم ذهب يخرج إليهم الكرى من أكياسه التي فيها دراهمه ودنانيره فإذا هي قد طمست ومسخت حجارة، وأخذه الحمالون بالاجرة فباع ما كان له من كسوة وفرش و * (هامش) (1) ربيته خ ل: وفى المصدر: صنته، وفى النسختين المطبوعتين: مننته من من فلانا: بلغ ممنونه وهو أقصى ما عنده. (2) في نسخة من المصدر: وأغنيته. (3) الازر: الظهر. (4) إلى ما قعد بى خ ل، وفى المصدر: وصرت من الضعيف إلى ما ترى، فعدل بى فلا يواسيني (5) الانابير جمع الانبار: بيت التاجر الذى تنضد فيه الغلال والمتاع. (6) البدر: جمع البدرة: الكيس الموضوعة فيه الدراهم والدنانير. كمية عظيمة من المال. عشرة آلاف درهم. (7) وتصير خ ل. [ * ]

[ 273 ]

دار وأعطاهم في الكراء، وخرج من ذلك كله صفرا، ثم بقي فقيرا وقيرا لا يهتدي إلى قوت يومه فسقم لذلك جسده وضني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيها العاقون للآباء والامهات اعتبروا واعلموا أنه كما طمس في الدنيا على أمواله فكذلك جعل بدل ما كان اعد له في الجنة من الدرجات معدا له في النار من الدركات ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله ذم اليهود بعبادة العجل من دون الله بعد رؤيتهم لتلك الآيات فإياكم وأن تضاهوهم في ذلك، قالوا: وكيف نضاهيهم يارسول الله ؟ قال: بأن تطيعوا مخلوقا في معصية الله، وتتوكلوا عليه من دون الله تكونوا قد ضاهيتموهم (1). توضيح: خبل كفرح: جن، ولوى برأسه: أمال، والصلاية: مدق الطيب، و القحف بالكسر: العظم فوق الدماغ، والجلد بالتحريك: القوة والشدة، واحتوش القوم الصيد: أنفره بعضهم على بعض، وعلى فلان: جعلوه وسطهم، والسطيحة: المزادة. قوله عليه السلام: يسوس ؟ أي يقع فيه السوس، وهو دود يقع في الطعام، وقال الجوهري، الازمة: الشدة والقحط، يقال: أصابتهم سنة أزمتهم أزما، أي استأصلتهم، وأزم علينا الدهر يأزم أزما، أي اشتد وقل خيره، وقال: مانه يمونه مونا: احتمل مونته (2) وقام بكفايته، وقال: فقير وقير (3): إتباع له، ويقال: معناه أنه قد أوقره الدين، أي أثقله وضني بالكسر: مرض، وفي النهاية: المضاهات: المشابهة وقد تهمز وقرئ بهما. 7 - ج: روي عن موسى بن جعفر عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام أن يهوديا من يهود الشام وأحبارهم كان قد قرأ التوراة والانجيل و الزبور وصحف الانبياء عليهم السلام وعرف دلائلهم جاء إلى مجلس فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وفيهم علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس وأبو معبد الجهني (4)، فقال: يا امة


(1) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 165 - 170. (2) ويستعمل مهموزا أيضا يقال: مأن يمأن مأنا. والمؤونة: القوت. (3) الوقير: الذليل المهان. (4) في المصدر: وابن مسعود وأبو سعيد، والظاهر أن الاخير مصحف راجع ما علقنا على الحديث في ج 10: 28. [ * ]

[ 274 ]

محمد ما تركتم لنبي درجة ولا لمرسل فضيلة إلا نحلتموها نبيكم فهل تجيبوني عما أسألكم عنه، فكاع (1) القوم عنه. فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: نعم، ما أعطى الله عزوجل نبيا درجة ولا مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد صلى الله عليه وآله وزاد محمدا صلى الله عليه وآله على الانبياء أضعافا مضاعفة. فقال له اليهودي فهل أنت مجيبي ؟ قال له: نعم، سأذكر لك اليوم من فضائل رسول الله صلى الله عليه وآله ما يقر الله به أعين المؤمنين، ويكون فيه إزالة لشك الشاكين في فضائله، إنه صلى الله عليه وآله كان إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: " ولا فخر " وأنا أذكر لك فضائله غير مزر (2) بالانبياء ولا متنقص لهم، ولكن شكرا لله عزوجل على ما أعطى محمدا صلى الله عليه وآله مثل ما أعطاهم، وما زاده الله وما فضله عليهم. قال له اليهودي: إني أسألك فأعد له جوابا، قال له علي عليه السلام: هات، قال له اليهودي: هذا آدم عليه السلام أسجد الله له ملائكته، فهل فعل بمحمد شيئا من هذا ؟ فقال له علي عليه السلام: لقد كان ذلك، ولئن أسجد الله لآدم ملائكته فإن سجودهم لم يكن سجود طاعة، إنهم عبدوا آدم (3) من دون الله عزوجل ولكن اعترافا لآدم بالفضيلة، ورحمة من الله له، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي أفضل من هذا (4)، إن الله عزوجل صلى عليه في جبروته (5)، والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة عليه، فهذه زيادة له يا يهودي. قال له اليهودي: فإن آدم عليه السلام تاب الله عليه من بعد خطيئته. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله نزل فيه ما هو أكبر من هذا من غير ذنب أتى، قال الله عزوجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (6) " إن محمدا غير


(1) كاع عنه: جبن عنه وهابه. (2) أزرى به وأزراه: عابه ووضع من حقه. (3) في المصدر: وانهم عبدوا آدم. (4) في المصدر وفى كتاب الاحتجاجات: اعطى ما هو أفضل من هذا. (5) الجبروت: صيغة مبالغة بمعنى القدرة والسلطة والعظمة. (6) الفتح: 2. [ * ]

[ 275 ]

مواف القيامة (1) بوزر ولا مطلوب فيها بذنب. قال له اليهودي: فإن هذا إدريس عليه السلام رفعه الله عزوجل مكانا عليا، وأطعمه من تحف الجنة بعد وفاته. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو افضل من هذا، إن الله جل ثناؤه قال فيه: " ورفعنا لك ذكرك (2) " فكفى بهذا من الله رفعة، ولئن اطعم إدريس من تحف الجنة بعد وفاته فإن محمدا صلى الله عليه وآله اطعم في الدنيا في حياته بينما يتضور (3) جوعا فأتاه جبرئيل عليه السلام بجام من الجنة فيه تحفة، فهلل الجام، وهللت التحفة في يده وسبحا وكبرا وحمدا، فناولها أهل بيته ففعل الجام مثل ذلك، فهم أن يناولها بعض أصحابه فتناولها جبرئيل عليه السلام، فقال له: كلها فإنها تحفة من الجنة أتحفك الله بها، وإنها لا تصلح إلا لنبي أو وصي نبي، فأكل صلى الله عليه وآله وأكلنا معه، وإني لاجد حلاوتها ساعتي هذه. قال له اليهودي: فهذا نوح عليه السلام صبر في ذات الله عزوجل، وأعذر قومه إذ كذب. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله صبر في ذات الله وأعذر قومه إذ كذب وشرد وحصب بالحصى، وعلاه أبو لهب بسلا شاة (4)، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جابيل (5) ملك الجبال أن شق الجبال، وانته إلى أمر محمد صلى الله عليه وآله، فأتاه فقال له: إني قد امرت لك بالطاعة فإن أمرت أطبقت (6) عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال صلى الله عليه وآله:


(1) في كتاب الاحتجاجات: في القيامة، وفى المصدر: يوم القيامة. (2) الشرح: 4. (3) أي يتلوى من وجع الجوع. (4) في المصدر: بسلا ناقة وشاة أقول: السلى: جلدة يكون فيها الولد في بطن أمه وإذا انقطع في البطن هلكت الام والولد. (5) قد ذكرنا في كتاب الاحتجاجات أن مكان جابيل في نسخة من الكتاب: حامل، وفى اخرى جاجائيل، وفى ثالثة: حبابيل. (6) في المصدر وفى نسخة من كتاب الاحتجاجات فان امرت أن الطبق. [ * ]

[ 276 ]

إنما بعثت رحمة رب اهد امتي فإنهم لا يعلمون، ويحك يا يهودي إن نوحا لما شاهد غرق قومه رق عليهم رقة القرابة، وأظهر عليهم شفقة فقال: " رب إن ابني من أهلي (1) " فقال الله تبارك اسمه: " إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح (2) " أراد جل ذكره أن يسليه بذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله لما علنت من قومه المعاندة (3) شهر عليهم سيف النقمة، ولم تدركه فيهم رقة القرابة، ولم ينظر إليهم بعين مقة. قال له اليهودي: فإن نوحا دعا ربه فهطلت له السماء بماء منهمر (4). قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، وكانت دعوته دعوة غضب، ومحمد صلى الله عليه وآله هطلت له السماء بماء منهمر رحمة إنه صلى الله عليه وآله (5) لما هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة فقالوا له: يا رسول الله احتبس القطر، واصفر العود، وتهافت الورق (6)، فرفع يده المباركة حتى رئي بياض إبطيه، وما ترى في السماء سحابة فما برح حتى سقاهم الله، حتى أن الشاب المعجب بشبابه لتهمه نفسه في الرجوع إلى منزله، فما يقدر من شدة السيل، فدام اسبوعا فأتوه في الجمعة الثانية فقالوا: يارسول الله لقد تهدمت الجدر، واحتبس الركب والسفر فضحك صلى الله عليه وآله وقال: " هذه سرعة ملالة ابن آدم " ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم في اصول الشيح، ومراتع البقع " فرئي حوالي المدينة المطر يقطر قطرا، وما يقع في المدينة قطرة لكرامته على الله عزوجل. قال له اليهودي: فإن هذا هود قد انتصر الله له من أعدائه بالريح، فهل فعل بمحمد صلى الله عليه وآله شيئا من هذا ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي


(1) هود 45. (2) هود: 46. (3) في المصدر: لما غلبت عليه من قومه المعاندة. (4) هطل المطر: نزل متتابعا متفرقا عظيم القطر والمنهمر: الغزير، أي ماء شديد الانصاب سريع التهطال. (5) في المصدر: وذلك أنه عليه السلام. (6) أي تساقطت. [ * ]

[ 277 ]

ما هو أفضل من هذا إن الله عزوجل ذكره انتصر (1) له من أعدائه بالريح يوم الخندق إذ أرسل عليهم ريحا تذرو الحصى، وجنودا لم يروها فزاد الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وآله على هود بثمانية آلاف ملك، وفضله على هود بأن ريح عاد ريح سخط، وريح محمد صلى الله عليه وآله ريح رحمة قال الله تبارك وتعالى: " يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها (2) ". قال له اليهودي: فإن هذا صالحا أخرج الله له ناقة جعلها لقومه عبرة. قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من ذلك، إن ناقة صالح لم تكلم صالحا، ولم تناطقه، ولم تشهد له بالنبوة، ومحمد صلى الله عليه وآله بينما نحن معه في بعض غزواته إذا هو ببعير قددنا ثم رغا (3) فأنطقه الله عزوجل فقال: يارسول الله إن فلانا استعملني حتى كبرت ويريد نحري، فأنا أستعيذ بك منه، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صاحبه فاستوهبه منه فوهبه له وخلاه، ولقد كنا معه فإذا نحن بأعرابي معه ناقة له يسوقها، وقد استسلم للقطع لما زور (4) عليه من الشهود فنطقت له الناقة فقالت: يارسول الله إن فلانا مني برئ، وإن الشهود يشهدون عليه بالزور، وإن سارقي فلان اليهودي. قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى، وأحاطت دلالته (5) بعلم الايمان به. قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، واعطي محمد صلى الله عليه وآله أفضل من ذلك، قد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى، وأحاطت دلالته (6) بعلم الايمان به، وتيقظ إبراهيم عليه السلام وهو ابن خمس عشرة سنة، ومحمد صلى الله عليه وآله كان ابن سبع سنين، قدم تجار من النصارى فنزلوا


(1) في كتاب الاحتجاجات: قد انتصر. (2) الاحزاب: 9. (3) رغا البعير: صوت وضج. (4) زور عليه: قال عليه: الزور. (5 و 6) دلائله خ ل. [ * ]

[ 278 ]

بتجارتهم بين الصفا والمروة، فنظر إليه بعضهم فعرفه بصفته ونعته وخبر مبعثه وآياته صلى الله عليه وآله، فقالوا له: يا غلام ما اسمك ؟ قال: محمد، قالوا: ما اسم ابيك ؟ قال: عبد الله، قالوا: ما اسم هذه ؟ وأشاروا بأيديهم إلى الارض قال: الارض قالوا: فما اسم هذه ؟ وأشاروا بايديهم إلى السماء، قال: السماء، قالوا: فمن ربهما ؟ قال: الله، ثم انتهرهم وقال: أتشككونني في الله عزوجل، ويحك يا يهودي لقد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله عزوجل مع كفر قومه، إذ هو بينهم يستقسمون بالازلام،، ويعبدون الاوثان، وهو يقول: لا إله إلا الله قال اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام حجب عن نمرود بحجب ثلاثة (1). فقال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله حجب عمن أراد قتله بحجب خمسة فثلاثة بثلاثة، واثنان فضل، قال الله عزوجل وهو يصف أمر محمد صلى الله عليه وآله فقال: " وجعلنا من بين أيديهم سدا " فهذا الحجاب الاول " ومن خلفهم سدا " فهذا الحجاب الثاني " فأغشيناهم فهم لا يبصرون (2) " فهذا الحجاب الثالث، ثم قال: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (3) " فهذا الحجاب الرابع، ثم قال: " فهي إلى الادقان فهم مقمحون (4) " فهذه حجب خمسة. قال اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام قد بهت الذي كفر ببرهان نبوته. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أتاه مكذب بالبعث بعد الموت وهو أبي بن خلف الجمحي معه عظم نخر ففركه (5)، ثم قال: يا محمد " من يحيي العظام و هي رميم " فأنطق الله محمدا بمحكم آياته، وبهته ببرهان نبوته فقال: " يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (6) " فانصرف مبهوتا.


(1) تقدم تفسيرها في كتاب الاحتجاجات راجع، (2) يس: 9. (3) الاسراء: 45. (4) يس: 8 (5) نخر العظم: بلى وتفتت، فهو ناخر ونخر، فرك الشئ: حكه حتى تفتت. (6) يس: 78 و 79. [ * ]

[ 279 ]

قال له اليهودي فإن هذا إبراهيم (1) جذ أصنام قومه غضبا لله عزوجل قال له على عليه السلام: لقد كان كذلك ومحمد صلى الله عليه وآله قد نكس عن الكعبة ثلاثمأة وستين صنما، ونفاها من جزيرة العرب، وأذل من عبدها بالسيف. قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد أضجع ولده وتله للجبين (2). فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد اعطي إبراهيم بعد الاضجاع الفداء، ومحمد صلى الله عليه وآله اصيب بأفجع منه فجيعة، إنه وقف صلى الله عليه وآله على عمه حمزة أسد الله وأسد رسوله و ناصر دينه، وقد فرق بين روحه وجسده فلم يبين عليه حرقة، ولم يفض عليه عبرة، ولم ينظر إلى موضعه من قلبه وقلوب أهل بيته ليرضي الله عزوجل بصبره، ويستسلم لامره في جميع الفعال، وقال صلى الله عليه وآله: " لولا أن تحزن صفية لتركته حتى يحشر من بطون السباع وحواصل الطير، ولولا أن يكون سنة بعدي لفعلت ذلك ". قال له اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام قد أسلمه قومه إلى الحريق فصبر، فجعل الله عزوجل النار عليه بردا وسلاما، فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك. قال له عليه السلام: لقد كان كذلك ومحمد صلى الله عليه وآله لما نزل بخيبر سمته الخيبرية فصير الله السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله، فالسم يحرق إذا استقر في الجوف، كما أن النار تحرق، فهذا من قدرته لا تنكره. قال له اليهودي: فإن هذا يعقوب عليه السلام اعظم في الخبر نصيبه، إذ جعل الاسباط من سلالة صلبه، ومريم ابنة عمران من بناته. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك ومحمد صلى الله عليه وآله أعظم في الخير نصيبا منه، إذ جعل فاطمة سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن والحسين من حفدته. قال له اليهودي: فإن يعقوب قد صبر على فراق ولده حتى كاد يحرض (3) من الحزن.


(1) جذه: كسره فانكسر. (2) تله: صرعه. (3) أي حتى كاد يشرف على الهلاك من الحزن. [ * ]

[ 280 ]

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، وكان حزن يعقوب عليه السلام حزنا بعده تلاق، ومحمد صلى الله عليه وآله قبض ولده إبراهيم قرة عينه في حياة منه، وخصه بالاختبار ليعظم له الادخار فقال صلى الله عليه وآله: " تحزن النفس ويجزع القلب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول ما يسخط الرب " في كل ذلك يؤثر الرضا عن الله عز ذكره، والاستسلام له في جميع الفعال. فقال له اليهودي: فإن هذا يوسف قاسى مرارة الفرقة، وحبس في السجن توقيا للمعصية، فالقي في الجب وحيدا. قال له على عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قاسى مرارة الغربة، وفارق الاهل (1) والاولاد والمال مهاجرا من حرم الله تعالى وأمنه، فلما رأى الله عزوجل كأبته و استشعاره (2) الحزن أراه تبارك وتعالى اسمه رؤيا توازي رؤيا يوسف عليه السلام في تأويلها، و أبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون (3) " ولئن كان يوسف عليه السلام حبس في السجن فلقد حبس رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه في الشعب ثلاث سنين، وقطع منه أقاربه وذووا الرحم، وألجأوه إلى أضيق المضيق، فلقد كادهم الله عز ذكره له كيدا مستبينا (4) إذ بعث أضعف خلقه فأكل عهدهم الذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه، ولئن كان يوسف عليه السلام القي في الجب فلقد حبس محمد صلى الله عليه وآله نفسه مخافة عدوه في الغار حتى قال لصاحبه: " ولا تحزن إن الله معنا (5) " ومدحه الله بذلك في كتابه. فقال له اليهودي: فهذا موسى بن عمران عليه السلام آتاه الله التوراة التي فيها حكمه. قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل منه، اعطي محمد


(1) في المصدر: وفراق الاهل. (2) الكأبة: الغم وسوء الحال والانكسار من الحزن. استشعر الخوف أي جعله شعار قلبه. (3) الفتح: 27. (4) متينا خ ل. (5) التوبة: 40. [ * ]

[ 281 ]

صلى الله عليه وآله سورة البقرة والمائدة بالانجيل، وطواسين وطه ونصف المفصل والحواميم بالتوراة، واعطي نصف المفصل والتسابيح بالزبور، واعطي سورة بني إسرائيل وبراءة بصحف إبراهيم عليه السلام وصحف موسى عليه السلام وزاد الله عز ذكره محمدا صلى الله عليه وآله السبع (1) الطوال، وفاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، واعطي الكتاب والحكمة. قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام ناجاه الله عزوجل على طور سيناء. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك. ولقد أوحى الله عزوجل إلى محمد صلى الله عليه وآله عند سدرة المنتهى، فمقامه في السماء محمود، وعند منتهى العرش مذكور. قال له اليهودي: فلقد ألقى الله على موسى عليه السلام محبة منه. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وآله ما هو أفضل منه، لقد ألقى الله عزوجل عليه محبة منه، فمن هذا الذي يشركه في هذا الاسم إذ تم من الله عزوجل به الشهادة، فلا تتم الشهادة إلا أن يقال: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ينادى به على المناير، فلا يرفع صوت بذكر الله عزوجل إلا رفع بذكر محمد صلى الله عليه وآله معه. قال له اليهودي: فلقد أوحى الله إلى ام موسى لفضل منزلة موسى عليه السلام عند الله عزوجل. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد لطف الله جل ثناؤه لام محمد صلى الله عليه وآله بأن أوصل إليها اسمه حتى قالت: أشهد والعالمون أن محمدا رسول الله منتظر


(1) قال الطريحي في مجمع البحرين: المفصل سمى به لكثرة ما يقع فيه من فصول التسمية بين السور وقيل لقصر سوره، واختلف في اوله فقيل من سورة ق، وقيل: من سورة محمد، وقيل: من سورة الفتح، وعن النووي مفصل القرآن من محمد، وقصاره من الضحى إلى آخره، ومطولاته إلى عم، ومتوسطاته إلى الضحى، وفى الخبر المفصل ثمان وستون سورة انتهى أقول: والسبع الطوال على المشهور من البقرة إلى الاعراف، والسابعة سورة يونس، أو الانفال وبراءة جميعا، لانهما سورة عند بعض والمراد هنا ما يبقى بعد اسقاط البقرة والمائدة وبراءة قاله المصنف. [ * ]

[ 282 ]

وشهد الملائكة على الانبياء أنهم أثبتوه في الاسفار (1)، وبلطف من الله عزو جل ساقه إليها، ووصل (2) إليها اسمه لفضل منزلته عنده حتى رأت في المنام أنه قيل لها: إن ما في بطنك سيد، فإذا ولدته فسميه محمدا، فاشتق الله له اسما من أسمائه، فالله محمود (3)، وهذا محمد. قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران عليه السلام قد أرسله الله إلى فرعون و أراه الآية الكبرى. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد أرسله إلى فراعنة شتى، مثل أبي جهل ابن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وأبي البختري، والنضر بن الحارث، وأبي بن خلف، ومنبه ونبيه ابني الحجاج، وإلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن المغيرة المخزومي، و العاص بن وائل السهمي، والاسود بن عبد يغوث الزهري، والاسود بن المطلب، والحارث ابن الطلاطلة (4)، فأراهم الآيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى تبين لهم أنه الحق. قال له اليهودي: لقد انتقم الله لموسى عليه السلام من فرعون. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد انتقم الله جل اسمه لمحمد صلى الله عليه وآله من الفراعنة، فأما المستهزؤون فقد قال الله عزوجل: " إنا كفيناك المستهزئين (5) " فقتل الله خمستهم، كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد، فأما الوليد بن المغيرة فمر بنبل لرجل من خزاعة قد راشه ووضعه في الطريق فأصابه شظية منه فانقطع أكحله حتى أدماه فمات وهو يقول: قتلني رب محمد. وأما العاص بن وائل فإنه خرج في حاجة له إلى موضع فتدهده (6) تحته حجر فسقط فتقطع قطعة قطعة فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد


(1) الاسفار جمع السفر بالكسر فالسكون: التوراة. (2) في المصدر: وأوصل. (3) في المصدر: فالله المحمود. (4) في المصدر: والحارث بن أبى الطلالة وكذا فيما يأتي والموجود في مجمع البيان والسيرة لابن هشام ايضا الحارث بن الطلاطلة مثل المتن وفى المحبر والمنمق للبغدادي الحارث بن قيس بن عدى الكعبي ولعل ذلك نسبة إلى الاب والاول إلى الام. (5) الحجر: 95. (6) أي فتدحرج. [ * ]

[ 283 ]

وأما الاسود بن عبد يغوث فإنه خرج يستقبل ابنه زمعة فاستظل بشجرة فأتاه جبرئيل عليه السلام فأخذ رأسه فنطح به الشجرة، فقال لغلامه: امنع عني هذا، فقال: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا إلا نفسك فقتله وهو يقول: قتلني رب محمد. وأما الاسود بن المطلب فإن النبي صلى الله عليه وآله دعا عليه أن يعمي الله بصره، وأن يثكله ولده، فلما كان في ذلك اليوم خرج حتى صار إلى موضع فأتاه جبرئيل عليه السلام بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمى وبقي حتى أثكله الله ولده. وأما الحارث بن الطلاطلة فإنه خرج من بيته في السموم (1) فتحول حبشيا فرجع إلى أهله فقال: أنا الحارث، فغضبوا عليه فقتلوه، وهو يقول: قتلني رب محمد. وروي أن الاسود بن الحارث أكل حوتا مالحا فأصابه العطش، فلم يزل يشرب الماء حتى انشق بطنه فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد، كل ذلك في ساعة واحدة، وذلك أنهم كانوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا له: يا محمد ننتظر بك إلى الظهر، فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك، فدخل النبي صلى الله عليه واله منزله فأغلق عليه بابه مغتما لقولهم، فأتاه جبرئيل عليه عن الله ساعته (2) فقال له: يا محمد السلام يقرأ عليك السلام، وهو يقول: " اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (3) يعني أظهر أمرك لاهل مكة، وادعهم إلى الايمان. قال: يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني ؟ قال له: " إنا كفيناك المستهزئين (4) ". قال: يا جبرئيل كانوا الساعة بين يدي، قال: قد كفيتهم، فأظهر أمره عند ذلك، و أما بقيتهم من الفراعنة (5) فقتلوا يوم بدر بالسيف، وهزم الله الجمع وولوا الدبر


(1) السموم: الريح الحارة. (2) في المصدر: فأتاه جبرئيل من الله من ساعته. وفى كتاب الاحتجاجات: عن الله ساعته. (3) الحجر: 94. (4) الحجر: 95. (5) في المصدر: وأما بقية الفراعنة. [ * ]

[ 284 ]

قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران عليه السلام قد اعطي العصا، فكانت تتحول ثعبانا. قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا إن رجلا كان يطالب أبا جهل بن هشام بدين ثمن جزور قد اشتراه، فاشتغل عنه وجلس يشرب، فطلبه الرجل فلم يقدر عليه، فقال له بعض المستهزئين: من تطلب ؟ قال: عمرو بن هشام - يعني أبا جهل - لي عليه دين، قال: فأدلك على من يستخرج الحقوق ؟ قال: نعم، فدله على النبي صلى الله عليه وآله، وكان أبو جهل يقول: ليت لمحمد إلي حاجة فأسخر به وأرده، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وآله فقال له: يا محمد بلغني أن بينك وبين عمرو بن هشام حسن (1)، وأنا أستشفع بك إليه، فقام معه رسول الله صلى الله عليه واله فأتى بابه فقال له: قم يا أبا جهل فأد إلى الرجل حقه، وإنما كناه أبا جهل (2) ذلك اليوم، فقام مسرعا حتى أدى إليه حقه، فلما رجع إلى مجلسه قال له بعض أصحابه: فعلت ذلك فرقا (3) من محمد، قال: ويحكم أعذروني، إنه لما أقبل رأيت عن يمينه رجالا بأيديهم حراب تتلألأ، وعن يساره ثعبانان (4) تصطك أسنانهما، وتلمع النيران من أبصارهما، لو امتنعت لم آمن أن يبعجوا (5) بالحراب بطني، ويقضمني الثعبانان، هذا أكبر مما اعطي موسى عليه السلام، ثعبان بثعبان موسى عليه السلام، وزاد الله محمدا صلى الله عليه وآله ثعبانا وثمانية أملاك معهم الحراب، ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله يؤذي قريشا بالدعاء، فقام يوما فسفه أحلامهم (6)، وعاب دينهم و، شتم أصنامهم، وضلل آباءهم، فاغتموا من ذلك غما شديدا، فقال أبو جهل: والله للموت خير لنا من الحياة، فليس فيكم معاشر قريش أحد يقتل محمدا صلى الله عليه وآله فيقتل به ؟ فقالوا له: لا، قال: فأنا أقتله، فإن شاءت بنو عبد المطلب قتلوني به، وإلا تركوني، قالوا: إنك


(1) هكذا في الاصل وهو خبران واسمه: البين بمعنى الصداقة فليس بظرف وفيه: حسنا ظ و خشن خ ل وفى المصدر: حسن صداقة. (2) في المصدر: وانما كناه بأبى جهل. (3) أي خوفا وفزعا منه. (4) في المصدر: ثعبانين. (5) أي يشقوا. (6) سفه الرجل: نسبه إلى السفه. الاحلام: العقول. [ * ]

[ 285 ]

إن فعلت ذلك اصطنعت إلى أهل الوادي معروفا لا تزال تذكر به، قال: إنه كثير السجود حول الكعبة، فإذا جاء وسجد أخذت حجرا فشدخته به، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فطاف بالبيت اسبوعا ثم صلى وأطال السجود، فأخذ أبو جهل حجرا فأتاه من قبل رأسه، فلما أن قرب منه أقبل فحل من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله فاغرا فاه (1) نحوه، فلما أن رآه أبو جهل فزع منه. وارتعدت يده، وطرح الحجر فشدخ رجله، فرجع مدمى متغير اللون يفيض عرقا، فقال له أصحابه: ما رأينا كاليوم (2)، قال: ويحكم أعذروني، فإنه أقبل من عنده فحل فاغرا فاه فكاد يبلعني (3)، فرميت بالحجر فشدخت رجلي. قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد اعطى اليد البيضاء، فهل فعل بمحمد شئ من هذا ؟. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، إن نورا كان يضئ عن يمينه حيثما جلس، وعن يساره أينما جلس، وكان يراه الناس كلهم. قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد ضرب له في البحر طريق، فهل فعل بمحمد شئ من هذا ؟. فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، خرجنا معه إلى حنين فإذا نحن بواد يشخب (4) فقدرناه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا: يارسول الله العدو من ورائنا، والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى: إنا لمدكون، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: " اللهم إنك جعلت لكل مرسل دلالة، فأرني قدرتك " و ركب صلوات الله عليه وآله فعبرت الخيل لا تندى (5) حوافرها، والابل لا تندى أخفافها


(1) فغر فاه: فتحه. (2) في المصدر: ما رأيناك كاليوم. (3) في المصدر وكتاب الاحتجاجات: يبتلعني. (4) أي يسيل. (5) أي لا تبتل. [ * ]

[ 286 ]

فرجعنا فكان فتحنا (1). قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد اعطي الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله لما نزل الحديبية وحاصره أهل مكة قد اعطي أفضل من (2) ذلك، وذلك أن أصحابه شكوا إليه الظماء وأصابهم ذلك حتى التقت خواصر الخيل، فذكروا له ذلك، فدعا بركوة يمانية، ثم نصب يده المباركة فيها فتفجرت من بين أصابعه عيون الماء، فصدرنا (3) وصدرت الخيل رواء وملانا كل مزادة (4) وسقاء ولقد كنا معه بالحديبية وإذا ثم قليب (5) جافة، فأخرج صلى الله عليه وآله سهما من كنانته فناوله البراء بن عازب فقال له: اذهب بهذا السهم إلى تلك القليب الجافة فاغرسه فيها، ففعل ذلك فتفجرت منه اثنتا عشرة عينا من تحت السهم، ولقد كان يوم الميضأة (6) عبرة وعلامة للمنكرين لنبوته، كحجر موسى عليه السلام حيث دعا بالميضأة فنصب يده فيها، ففاضت بالماء وارتفع حتى توضأ منه ثمانية آلاف رجل ؟ وشربوا حاجتهم، و سقوا دوابهم ؟ وحملوا ما أرادوا. قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد اعطي المن والسلوى، فهل فعل بمحمد نظير هذا ؟. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، إن الله عزوجل أحل له الغنائم ولامته، ولم تحل لاحد قبله، فهذا أفضل من المن و السلوى، ثم زاده أن جعل النية له ولامته عملا صالحا (7)، ولم يجعل لاحد من الامم


(1) فكان فتحا خ ل، وفى كتاب الاحتجاجات: فكان فتحنا فتحا. (2) في المصدر وكتاب الاحتجاجات: قد اعطى ما هو أفضل من ذلك. (3) صدر عن الماء: رجع عنه. (4) المزادة: ما يوضع فيه الزاد. (5) القليب: البئر وقيل: البئر القديمة. (6) الميضأة والميضاءة: الموضع يتوضأ فيه. المطهرة يتوضأ منها. (7) في المصدر: ثم زاده أن جعل النية له ولامته بلا عمل عملا صالحا. [ * ]

[ 287 ]

ذلك قبله، فإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشر. قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد ظلل عليه الغمام. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، وقد فعل ذلك لموسى عليه السلام في التيه، واعطي محمد صلى الله عليه وآله أفضل من هذا، إن الغمامة كانت تظلله من يوم ولد إلى يوم قبض في حضره و أسفاره، فهذا أفضل مما اعطي موسى عليه السلام. قال له اليهودي: فهذا داود عليه السلام قد ألان الله (1) عزوجل له الحديد، فعمل منه الدروع. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد اعطي ما هو أفضل منه، إنه لين الله عزوجل له الصم الصخور الصلاب، وجعلها (2) غارا، ولقد غارت الصخرة تحت يده ببيت المقدس لينة حتى صارت كهيئة العجين، قد رأينا ذلك والتمسناه تحت رايته. قال له اليهودي: فإن هذا داود عليه السلام بكى على خطيئته حتى سارت الجبال معه لخوفه. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد اعطي ما هو أفضل من هذا، إنه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أزيز كأزيز المرجل على الاثافي من شدة البكاء، وقد آمنه الله عزوجل من عقابه، فأراد أن يتخشع لربه ببكائه، ويكون إماما لمن اقتدى به، ولقد قام صلى الله عليه وآله عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه، واصفر وجهه، يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك فقال الله عزوجل: " طه * ما أنزلنا عليك القرآن * لتشقى (3) " بل لتسعد به، ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يارسول الله أليس الله عزوجل قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: بلى، أفلا أكون عبدا شكورا، ولئن سارت الجبال وسبحت معه لقد عمل محمد صلى الله عليه وآله ما هو أفضل من هذا، إذ كنا معه على جبل


(1) في المصدر: قد لين الله له الحديد واستظهر المصنف في الهامش أنه مصحف هارا: أي منصدعا. (3) طه: 1 و 2. [ * ]

[ 288 ]

حراء إذ تحرك الجبل فقال له: قر فليس عليك (1) إلا نبي وصديق شهيد، فقر الجبل مجيبا لامره، ومنتهيا إلى طاعته، ولقد مررنا معه بجبل وإذا الدموع تخرج من بعضه، فقال له (2): ما يبكيك يا جبل ؟ فقال: يارسول الله كان المسيح مر بي وهو يخوف الناس بنار (3) وقودها الناس والحجارة، فأنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة، قال له: لا تخف، تلك حجارة (4) الكبريت، فقر الجبل وسكن وهدأ وأجاب لقوله. قال له اليهودي: فإن هذا سليمان عليه السلام اعطي ملكا لا ينبغي لاحد من بعده. فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، إنه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الارض قبله وهو ميكائيل. فقال له: يا محمد عش ملكا منعما، وهذه مفاتيح خزائن الارض معك، وتسير (5) معك جبالها ذهبا وفضة، لا ينقص لك فيما ادخر (6) لك في الآخرة شئ، فأومأ إلى جبرئيل عليه السلام - وكان خليله من الملائكة - فأشار إليه: إن تواضع، فقال: بل أعيش نبيا عبدا، آكل يوما، ولا آكل يومين، وألحق بإخواني من الانبياء من قبلي، فزاده الله تعالى الكوثر، وأعطاه الشفاعة، وذلك أعظم من ملك الدنيا من أولها إلى آخرها سبعين مرة، ووعده المقام المحمود، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله تعالى على العرش، فهذا أفضل مما اعطي سليمان بن داود عليه السلام. قال له اليهودي: فإن هذا سليمان عليه السلام قد سخرت له الرياح فسارت به في بلاده، غدوها شهر ورواحها شهر. فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، إنه اسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت


(1) في المصدر: قر، فانه ليس عليك. (2) في المصدر: وكتاب الاحتجاجات: فقال له النبي صلى الله عليه وآله. (3) في المصدر: وهو يخوف الناس من نار. (4) الحجارة خ ل. (5) ويسير خ ل. (6) في المصدر: ولا ينقص مما ادخر لك. [ * ]

[ 289 ]

السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقل من ثلث ليلة حتى انتهى إلى ساق العرش، فدنا بالعلم فتدلى، فدلي له من الجنة رفرف أخضر، وغشى النور بصره، فرأى عظمة ربه عزوجل بفؤاده، ولم يرها بعينه، فكان قاب قوسين بينها وبينه أو أدنى، فأوحى (1) إلى عبده ما أوحى، فكان فيما أوحى إليه الآية التي في سورة البقرة قوله: " لله ما في السموات وما في الارض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير " وكانت الآية قد عرضت على الانبياء من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث الله تبارك اسمه محمدا، وعرضت على الامم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها، وقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وعرضها على امته فقبلوها، فلما رأى الله تبارك وتعالى منهم القبول علم أنهم لا يطيقونها، فلما أن صار إلى ساق العرش كرر عليه الكلام ليفهمه، فقال: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " فأجاب صلى الله عليه وآله مجيبا عنه وعن امته فقال: " والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " فقال جل ذكره: لهم الجنة، والمغفرة علي إن فعلوا ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما إذ فعلت (2) بنا ذلك ف‍ " غفرانك ربنا وإليك المصير " يعني المرجع في الآخرة، قال: فأجابه الله جل ثناؤه: وقد فعلت ذلك بك وبامتك، ثم قال عزوجل: أما إذ (3) قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الامم فأبوا أن يقبلوها وقبلتها امتك فحق علي أن أرفعها عن امتك فقال: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت " من خير " وعليها ما اكتسبت " من شر، فقال النبي صلى الله عليه وآله، لما سمع ذلك: أما إذ فعلت ذلك بي وبامتي فزدني، قال: سل قال: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " قال الله عزوجل: لست أؤاخذ امتك بالنسيان والخطأ لكرامتك علي، وكانت الامم السالفة إذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم أبواب العذاب، وقد رفعت ذلك عن امتك، وكانت الامم السالفة إذا أخطأوا اخذوا بالخطأ وعوقبوا عليه، وقد رفعت ذلك عن امتك لكرامتك علي


(1) في المصدر: فأوحى الله. (2) إذا فعلت خ ل. (3) إذا قبلت خ ل. [ * ]

[ 290 ]

فقال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم إذ أعطيتني ذلك فزدني، فقال الله تعالى له: سل، قال: " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " يعني بالاصر الشدائد التي كانت على من كان قبلنا، فأجابه الله إلى ذلك، فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن امتك الآصار التي كانت على الامم السالفة، كنت لا أقبل صلاتهم إلا في بقاع من الارض معلومة (1) اخترتها لهم وإن بعدت، وقد جعلت الارض كلها لامتك مسجدا وطهورا، فهذه من الآصار التي كانت على الامم قبلك فرفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة إذا أصابهم أذى من نجاسة قرضوها من أجسادهم، وقد جعلت الماء لامتك طهورا، فهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت عليه نارا فأكلته، فرجع مسرورا، ومن لم أقبل ذلك منه رجع مثبورا (2)، وقد جعلت قربان امتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه أضعفت ذلك له أضعافا مضاعفة، ومن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه عقوبات الدنيا، وقد رفعت ذلك عن امتك وهي من الآصار التي كانت على من كان قبلك، وكانت الامم السالفة صلواتها مفروضة عليها في ظلم الليل وأنصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك، وفرضت عليهم صلاتهم في أطراف الليل والنهار، في (3) أوقات نشاطهم، و كانت الامم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتا، وهي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك، وجعلتها خمسا في خمسة أوقات، وهي إحدى وخمسون ركعة، وجعلت لهم أجر خمسين صلاة، وكانت الامم السالفة حسنتهم بحسنة، وسيئتهم بسيئة، وهي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك، وجعلت الحسنة بعشرة والسيئة بواحدة، وكانت الامم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة ثم لم يعملها لم تكتب له، وإن عملها كتبت له حسنة، وإن امتك إذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشرا، وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، وكانت


(1) في المصدر: الا في بقاع معلومة من الارض (2) المثبور: الخائب: المصروف عن الخير. (3) وفى اوقات خ ل. [ * ]

[ 291 ]

الامم السالفة إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة، وإن امتك إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، وهذه من الآصار التي كانت عليهم، فرفعت ذلك عن امتك، وكانت الامم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنوب أن حرمت عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم وقد رفعت ذلك عن امتك، وجعلت ذنوبهم فيما بيني وبينهم، وجعلت عليهم ستورا كثيفة، و قبلت توبتهم بلا عقوبة، ولا اعاقبهم بأن أحرم عليهم أحب الطعام إليهم، وكانت الامم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد مأة سنة أو ثمانين سنة أو خمسين سنة ثم لا أقبل توبته دون أن اعاقبه في الدنيا بعقوبة، وهي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك وإن الرجل من امتك ليذنب عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو مأة سنة ثم يتوب ويندم طرفة عين فأغفر له ذلك كله. فقال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم إذ أعطيتني (1) ذلك كله فزدني، قال: سل، قال: " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " قال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بامتك، وقد رفعت عنهم عظم (2) بلايا الامم، وذلك حكمي في جميع الامم أن لا اكلف خلقا فوق طاقتهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا " قال الله عزوجل: قد فعلت ذلك بتائبي امتك، ثم قال صلى الله عليه وآله: " فانصرنا على القوم الكافرين (3) " قال الله عز اسمه: إن امتك في الارض كالشامة (4) البيضاء في الثور الاسود، هم القادرون، وهم القاهرون، يستخدمون ولا يستخدمون لكرامتك علي، وحق علي أن اظهر دينك على الاديان حتى لا يبقى في شرق الارض وغربها دين إلا دينك، أو يؤدون إلى أهل دينك الجزية. قال له اليهودي: فإن هذا سليمان عليه السلام سخرت له الشياطين، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل.


(1) إذا أعطيتني خ ل. (2) عظيم خ ل. (3) البقرة: 284 - 286. (4) الشامة: الخال: بثرة سوداء في البدن. [ * ]

[ 292 ]

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد اعطي محمد صلى الله عليه وآله أفضل من هذا، إن الشياطين سخرت لسليمان عليه السلام وهي مقيمة على كفرها، وقد سخرت لنبوة محمد صلى الله عليه وآله الشياطين بالايمان، فأقبل إليه الجن التسعة من أشرافهم من جن نصيبين واليمن من بني عمرو بن عامر (1) من الا حجة (2)، منهم شضاه، ومضاه (3)، والهملكان، والمرزبان، و المازمان، ونضاه، وهاصب، وهاضب (4)، وعمرو، وهم الذين يقول الله تبارك اسمه فيهم: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن " وهم التسعة " يستمعون القرآن (5) " فأقبل إليه الجن والنبي صلى الله عليه وآله ببطن النخل، فاعتذروا بأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا، ولقد أقبل إليه أحد وسبعون ألفا منهم فبايعوه على الصوم والصلاة والزكاة والحج والجهاد ونصح المسلمين فاعتذروا بأنهم قالوا على الله شططا، وهذا أفضل مما اعطي سليمان عليه السلام، سبحان من سخرها لنبوة محمد صلى الله عليه وآله بعد أن كانت تتمرد وتزعم أن لله ولدا، فلقد شمل مبعثه (6) من الجن والانس ما لا يحصى. قال له اليهودي: فهذا يحيى بن زكريا عليه السلام يقال: إنه اوتي الحكم صبيا، و الحلم والفهم (7)، وإنه كان يبكي من غير ذنب، وكان يواصل الصوم. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، إن يحيى بن زكريا، كان في عصر لا أوثان فيه ولا جاهلية، ومحمد صلى الله عليه وآله اوتي الحكم والفهم صبيا بين عبدة الاوثان، وحزب الشيطان، ولم يرغب لهم في صنم قط، ولم ينشط لاعيادهم ولم ير منه كذب قط صلى الله عليه وآله


(1) في المصدر: فأقبل إليه من الجن التسعة من أشرافهم، واحد من جن نصيبين، والثمان من بنى عمرو بن عامر. (2) من الاجنحة خ ل. (3) شصاه ومصاه خ ل. (4) في المصدر: وهاضب وهضب. (5) الاحقاف: 29. (6) بعثه خ ل. (7) والحكم: الفهم خ ل صح. [ * ]

[ 293 ]

وكان أمينا صدوقا حليما، وكان يواصل صوم الاسبوع والاقل والاكثر، فيقال له في ذلك فيقول: " إني لست كأحدكم إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني " وكان يبكي صلى الله عليه وآله حتى يبتل مصلاه، خشية من الله عزوجل من غير جرم. قال له اليهودي: فإن هذا عيسى بن مريم عليه السلام يزعمون أنه تكلم في المهد صبيا. قال له على عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله سقط من بطن امه واضعا يده اليسرى على الارض، ورافعا يده اليمنى إلى السماء، يحرك شفتيه بالتوحيد، وبدا من فيه نور رأى أهل مكة منه قصور بصرى (1) من الشام وما يليها، والقصور الحمر من أرض اليمن وما يليها، والقصور البيض من إصطخر وما يليها، ولقد أضاءت الدنيا ليلة ولد النبي صلى الله عليه وآله حتى فزعت الجن والانس والشياطين، وقالوا: حدث في الارض حدث، ولقد رئيت الملائكة ليلة ولد تصعد وتنزل وتسبح وتقدس، وتضطرب النجوم وتتساقط، علامة (2) لميلاده، ولقد هم إبليس بالظعن في السماء لما رأى من الاعاجيب في تلك الليلة، وكان له مقعد في السماء الثالثة، والشياطين يسترقون السمع، فلما رأوا الاعاجيب أرادوا أن يسترقوا السمع فإذا هم قد حجبوا من السماوات كلها، ورموا بالشهب دلالة لنبوته صلى الله عليه وآله. قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه قد أبرأ الاكمه والابرص بإذن الله عزوجل. فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله (3) أبرأ ذا العاهة من عاهته، فبينما هو جالس صلى الله عليه وآله إذ سأل عن رجل من أصحابه، فقالوا: يارسول الله أنه قد صار من البلاء كهيئة الفرخ لا ريش عليه (4)، فأتاه صلى الله عليه وآله فإذا هو كهيئة الفرخ من شدة البلاء، فقال: قد كنت تدعو في صحتك دعاء ؟ قال: نعم، كنت، أقول: يا رب أيما عقوبة أنت معاقبي


(1) بصرى بالضم: من أعمال دمشق، وهى قصبة كورة حوران. (2) علامات خ ل. (3) في المصدر وكتاب الاحتجاجات: ومحمد اعطى ما هو أفضل من ذلك، أبرأ إه. (4) في المصدر: الذى لا ريش عليه. [ * ]

[ 294 ]

بها في الآخرة فعجلها لي في الدنيا. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ألا قلت: " اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " فقالها (1) فكأنما نشط من عقال، وقام صحيحا وخرج معنا، ولقد أتاه رجل من جهينة أجذم يتقطع من الجذام، فشكا إليه صلى الله عليه وآله فأخذ قدحا من ماء فتفل فيه، ثم قال: امسح به جسدك، ففعل فبرئ حتى لم يوجد فيه شئ، ولقد أتى العربي (2) أبرص فتفل من فيه عليه فما قام من عنده إلا صحيحا، ولئن زعمت أن عيسى عليه السلام أبرأ ذوي العاهات من عاهاتهم فإن محمدا صلى الله عليه وآله بينما هو في بعض أصحابه إذا هو بامرئة فقالت: يارسول الله إن ابني قد أشرف على حياض الموت، كلما أتيته بطعام وفع عليه التثاؤب، فقام النبي صلى الله عليه وآله وقمنا معه، فلما أتيناه قال له: جانب (3) يا عدو الله ولي الله فأنا رسول الله، فجانبه الشيطان فقام صحيحا وهو معنا في عسكرنا، ولئن زعمت أن عيسى عليه السلام أبرأ العميان فإن محمدا صلى الله عليه وآله قد فعل ما هو أكثر من ذلك (4)، إن قتادة بن ربعي كان رجلا صبيحا، فلما أن كان يوم احد أصابته طعنة في عينه، فبدرت (5) حدقته فأخذها بيده، ثم أتى بها النبي صلى الله عليه وآله فقال: يارسول الله إن امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله من يده، ثم وضعها مكانها، فلم تكن تعرف إلا بفضل حسنها، وفضل ضوئها على العين الاخرى. ولقد جرح عبد الله ابن عتيك وبانت يده يوم ابن أبي الحقيق، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله ليلا، فمسح عليه يده (6)، فلم تكن تعرف من اليد الاخرى.


(1) في المصدر: فقالها الرجل. (2) أعرابي خ ل، وفى المصدر: ولقد اتى النبي باعرابى أبرص. (3) أي باعد عن ولى الله والتثاؤب: فتح الفم واسعا مسترخيا من غير قصد أو هو التثاوب: رجع المأكول والمشروب بلا ريث. (4) في المصدر: قد فعل أكبر من ذلك. (5) في المصدر: فندرت بالنون من ندر الشئ: سقط من جوف شئ فظهر، من موضعه: زال. (6) في المصدر: وبانت يده يوم حنين فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله يمسح عليه يده. أقول: لعل ما في المتن أصوب. [ * ]

[ 295 ]

ولقد أصاب محمد بن مسلمة يوم كعب بن الاشرف مثل ذلك في عينه ويده، فمسحه رسول الله صلى الله عليه وآله فلم نستبينا. ولقد أصاب عبد الله بن أنيس مثل ذلك في عينه فمسحها فما عرفت من الاخرى، فهذه كلها دلالة لنبوته صلى الله عليه وآله. قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه قد أحيى الموتى بإذن الله. قال له علي عليه السلام: لقد كان ذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله سبحت في يده تسع حصيات، تسمع نغماتها في جمودها ولا روح فيها، لتمام حجة نبوته، ولقد كلمته الموتى من بعد موتهم، واستغاثوه مما خافوا من تبعته (1)، ولقد صلى بأصحابه ذات يوم فقال: ما ههنا من بني النجار أحد وصاحبهم محتبس على باب الجنة بثلاثة دراهم لفلان اليهودي، وكان شهيدا. ولئن زعمت أن عيسى عليه السلام كلم الموتى فلقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله ما هو أعجب من هذا، إن النبي صلى الله عليه وآله لما نزل بالطائف وحاصر أهلها بعثوا إليه بشاة مسلوخة مطلية بسم (2)، فنطق الذراع منها، فقالت: يارسول الله لا تأكلني فإني مسمومة، فلو كلمته البهيمة وهي حية لكانت من أعظم حجج الله عز ذكره على المنكرين لنبوته، فكيف وقد كلمته من بعد ذبح وسلخ وشي (3) ولقد كان صلى الله عليه وآله يدعو بالشجرة فتجيبه، وتكلمه البهيمة وتكلمه السباع، وتشهد له بالنبوة، وتحذرهم عصيانه، فهذا أكثر مما اعطي عيسى عليه السلام. قال له اليهودي: إن عيسى يزعمون أنه أنبا قومه بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم. قال له علي عليه السلام لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله فعل ما هو أكثر من هذا (4)، إن


(1) بيعته خ ل. (2) مطبوخة بالسم خ ل. (3) بالفتح: مصدر شوى اللحم يشويه: عرضه للنار حتى نضج. (4) في المصدر: ومحمد صلى الله عليه وآله كان له أكثر من هذا. [ * ]

[ 296 ]

عيسى عليه السلام أنبأ قومه بما كان من وراء حائط، ومحمد أنبأ عن مؤتة (1) وهو عنها غائب ووصف حربهم ومن استشهد منهم، وبينه وبينهم مسيرة شهر. وكان يأتيه الرجل يريد أن يسأله عن شئ فيقول صلى الله عليه وآله: تقول أو أقول ؟ فيقول: بل قل يارسول الله، فيقول: جئتني في كذا وكذا حتى يفرغ من حاجته. ولقد كان صلى الله عليه وآله يخبر أهل مكة بأسرارهم بمكة حتى لا يترك من أسرارهم (2) شيئا منها ما كان بين صفوان بن امية وبين عمير بن وهب، إذ أتاه عمير فقال: جئت في فكاك ابني، فقال له: كذبت، بل قلت لصفوان وقد اجتمعتم في الحطيم، وذكرتم قتلى بدر: والله للموت خير لنا من البقاء (3) مع ما صنع محمد بنا، وهل حياة بعد أهل القليب ؟ فقلت أنت لولا عيالي ودين علي لارحتك من محمد، فقال صفوان: علي أن أقضي دينك، وأن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما يصيبهن من خير أو شر، فقلت أنت: فاكتمها علي، وجهزني حتى أذهب فأقتله، فجئت لتقتلني، فقال: صدقت يارسول الله، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأشباه هذا مما لا يحصى. قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه خلق (4) من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله عزوجل. فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قد فعل ما هو شبيه بهذا إذ أخذ (5) يوم حنين حجرا فسمعنا للحجر تسبيحا وتقديسا، ثم قال للحجر: انفلق فانفلق ثلاث فلق، نسمع لكل فلقة منها تسبيحا لا يسمع للاخرى. ولقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته، ولكل غصن منها تسبيح وتهليل وتقديس


(1) مؤتة بضم الميم وسكون الهمزة وفتح التاء: قرية من قرى البلقاء في حدود الشام، قتل فيها جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه وبها قبره. (2) في المصدر: من سرائرهم. (3) في المصدر: وقلتم: والله للموت أهون علينا من البقاء. (4) كان يخلق خ ل. (5) إذا أخذ خ ل وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 297 ]

ثم قال لها: انشقي فانشقت نصفين، ثم قال لها: التزقي، فالتزقت، ثم قال لها: اشهدي لي بالنبوة، فشهدت، ثم قال لها: ارجعي إلى مكانك بالتسبيح والتهليل والتقديس ففعلت، وكان موضعها بجنب (1) الجزارين بمكة. قال له اليهودي: فإن عيسى عليه السلام يزعمون أنه كان سياحا. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله، كانت سياحته في الجهاد، واستنفر في عشر سنين ما لا يحصى من حاضر وباد، وأفنى فئاما من العرب من منعوت بالسيف، لا يداري بالكلام، ولا ينام إلا عن دم، ولا يسافر إلا وهو متجهز لقتال عدوه. وقال له اليهودي: فإن عيسى عليه السلام: يزعمون أنه كان زاهدا. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أزهد الانبياء عليهم السلام كان له ثلاث عشرة زوجة سوى من يطيف به من الاماء، ما رفعت له مائدة قط وعليها طعام، وما أكل خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير ثلاث ليال متواليات قط، توفي صلى الله عليه وآله ودرعه مرهونة عند يهودي بأربعة دراهم، ما ترك صفراء ولا بيضاء، مع ما وطئ له من البلاد *، ومكن له من غنائم العباد، ولقد كان يقسم في اليوم الواحد ثلاث مأة ألف، وأربعمأة ألف ويأتيه السائل بالعشي فيقول: والذي بعث محمدا بالحق ما أمسى في آل محمد صاع من شعير ولا صاع من بر، ولا درهم ولا دينار. وقال له اليهودي: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وأشهد أنه ما أعطى الله نبيا درجة ولا مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وزاد محمدا صلى الله عليه وآله على الانبياء صلوات الله عليهم أضعاف درجات. فقال ابن عباس لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أشهد يا أبا الحسن أنك من الراسخين في العلم، فقال: ويحك ومالي لا أقول ما قلت في نفس من استعظمه الله عزوجل في عظمته جلت (2) فقال: " وإنك (3) لعلى خلق عظيم (4) ".


(1) في المصدر: حيث. (2) في المصدر: فقال جلت عظمته. (3) القلم: 4. (4) الاحتجاج: 111 - 120. [ * ]

[ 298 ]

بيان: أقول: قد مضى الخبر بشرحه في المجلد الرابع (1)، وإنما أعدناه لكونه أنسب بهذا المجلد، والله المؤيد، 8 - يج: روي أن جارية يقال لها: زائدة كانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرا، فأتته ليلة وقالت: عجنت عجينا لاهلي، فخرجت أحتطب فرأيت فارسا لم أر أحسن منه، فقال لي: كيف محمد ؟ قلت: بخير، ينذر الناس بأيام الله (2)، فقال: إذا أتيت محمدا فأقرئيه السلام وقولي له: رضوان خازن الجنة يقول: إن الله قسم الجنة لامتك أثلاثا فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث تشفع لهم فتشفع (3) فيهم، قالت: فمضى (4)، فأخذت الحطب أحمله فثقل علي فالتفت ونظر إلي وقال: ثقل عليك حطبك ؟ فقلت: نعم، فأخذ قضيبا أحمر كان في يده فغمز الحطب ثم نظر (5) فإذا هو بصخرة ثابتة (6) فقال: أيتها الصخرة احمل الحطب معها، فقالت: يا رسول الله خف (7) عني وقري (8) فإني (9) رأيتها تذكرك حتى رجعت، فالقت الحطب وانصرفت (10). 9 - يج، روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله انتهى إلى رجل قد فوق سهما ليرمي بعض المشركين فوضع صلى الله عليه وآله يده فوق السهم (11) وقال: ارمه، فرمى ذلك المشرك به، فهرب المشرك من السهم وجعل يروغ من السهم يمنة ويسرة، والسهم يتبعه حيثما راغ حتى


(1) راجع ج 10 ص 49 - 51، من طبعنا هذا. (2) في المصدر: ينذر الناس بآيات الله. (3) أي فتقبل شفاعتك فيهم. (4) في المصدر: فمضيت. (5) ثم نظر إلى خ ل. (6) ناتية خ ل. والناتى: البارز. (7) حملت خ ل. (8) الوقر: الحمل الثقيل. (9) وانى خ ل. (10) الخرائج 183 و 184. أقول: قال الراوندي: هو من احاديث العامة. (11) على السهم خ ل. [ * ]

[ 299 ]

سقط السهم في رأسه، فسقط المشرك ميتا، فأنزل الله: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى (1) ". بيان: يروغ، أي يميل ويحيد. 10 - يج: كان لكل عضو من أعضاء النبي صلى الله عليه وآله معجزة، فمعجزة رأسه أن الغمامة ظلت (2) على رأسه، ومعجزة عينيه أنه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، ومعجزة أذنيه هي أنه كان يسمع الاصوات في النوم كما يسمع في اليقظة، ومعجزة لسانه أنه قال للظبي: من أنا ؟ قال: أنت رسول الله، ومعجزة يده أنه أخرج من بين أصابعه الماء، ومعجزة رجليه أنه كان لجابر بئر ماؤها زعاق (3)، فشكا إلى النبي صلى الله عليه وآله فغسل رجليه في طشت وأمر بإهراق ذلك الماء فيها، فصار ماؤها عذبا، ومعجزة عورته أنه ولد مختونا، ومعجزة بدنه أنه لم يقع ظله على الارض، لانه كان نورا، ولا يكون من النور الظل كالسراج، ومعجزة ظهره ختم النبوة، كان على كتفه مكتوبا (4): لا إله إلا الله، محمد رسول الله (5). 11 - قب: من أوضح الدلالات على نبوته صلى الله عليه وآله استيقان كافتهم بحدوده، وتمكن موجباتها في غوامض صدورهم، حتى أنهم يشتمون بالفسوق من خرج عن حد من حدوده وبالجهل من لم يعرفه، وبالكفر من أعرض عنه، ويقيمون الحدود، ويحكمون بالقتل والضرب والاسر لمن خرج عن شريعته، ويتبرء الاقارب بعضهم من بعض في محبته، وإنه صلى الله عليه وآله بقي في نبوته نيفا وعشرين سنة بين ظهراني قوم ما يملك من الارض إلا جزيرة العرب فاتسقت (6) دعوته برا وبحرا منذ خمسمأة وسبعين سنة (7)، مقرونا باسم


(1) الانفال: 17. (2) أظلت خ ل. (3) زعق الماء: كان مرا لا يطاق شربه. (4) في المصدر: خاتم النبوة بين كتفيه مكتوبا فيه. (5) الخرائج: 221. (6) اتسقت الامر: انتظم واستوى ولعل الصحيح: اتسعت كما في الطبعة الحروفية. (7) وهى عصر مؤلف الكتاب أعنى ابن شهر آشوب. [ * ]

[ 300 ]

ربه، ينادى بأقصى الصين والهند والترك والخزر والصقالبة والشرق والغرب والجنوب والشمال في كل يوم خمس مرات بالشهادتين بأعلى صوت بلا اجرة، وخضعت الجبابرة لها، ولا تبقى لملك نوبته بعد موته (1)، وعلى ذلك فسر الحسن ومجاهد قوله تعالى: " ورفعنا لك ذكرك (2) ": ما يقول المؤذنون على المنائر، والخطباء على المنابر. قال الشاعر: وضم الاله اسم النبي إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد ومن تمام قوته أنها تجذب العالم من أدنى الارض وأقصى أطرافها في كل عام إلى الحج، حتى تخرج العذراء من خدرها، والعجوز في ضعفها، ومن حضرته وفاته يوصي بأدائها، وقد نرى الصائم في شهر رمضان يتلهب عطشا حتى يخوض الماء (3) إلى حلقه، ولا يستطيع أن يجرع منه جرعة، وكل يوم خمس مرات يسجدون خوفا وتضرعا وكذلك أكثر الشرائع، وقد تحزب الناس في محبته حتى يقول كل واحد: أنا على الحق، وأنت لست على دينه (4). 12 - قب: صيد سمكة فوجد على إحدى اذنيها لا إله إلا الله، وعلى الاخرى محمد رسول الله كتاب شرف المصطفى إنه اتي بسخلة منقشة، فنظرت إلى بياض شحمة اذنيها فإذا في إحداهما لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وآله: يا محمد إنني كنت وأخ لي خلف هذا الجبل نحتطب حطبا، فرأينا الجموع قد زحف بعضها إلى بعض، فقلت لاخي: اقعد حتى ننظر لمن تكون الغلبة، وعلى من تدور الدائرة (5)، فإذا قد كشف الله عن أبصارنا فرأينا خيولا قد نزلت من السماء إلى الارض، أرجلها في الارض، وأعناقها في السماء، وعليها قوم


(1) النوبة: الدولة. (2) الشرح: 4 (3) خاض الماء: دخله. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 110. (5) يقال: دارت عليهم الدوائر، أي نزلت بهم النوائب والدواهي. [ * ]

[ 301 ]

جبارون، ومعهم ألوية قد سدت ما بين الخافقين (1)، فأما أخي فإنه انشقت مرارته فمات من وقته وساعته، وأما أنا فقد جئتك، ثم أسلم. ومثل الملائكة: الذين ظهروا على الخيل البلق بالثياب البيض يوم بدر تقدمهم جبرئيل على فرس يقال لها: حيزوم. أنس: إن النبي صلى الله عليه وآله سمع صوتا من قلة جبل: " اللهم اجعلني من الامة المرحومة المغفورة " فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا بشيخ أشيب، قامته ثلاثمأة ذراع، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله عانقه ثم قال: إنني آكل في كل سنة مرة واحدة، وهذا أوانه فإذا هو بمائدة انزل من السماء فأكلا، وكان الياس عليه السلام (2). بيان: الاشيب: المبيض الرأس. 13 - قب: كان للنبي صلى الله عليه وآله من المعجزات ما لم يكن لغيره من الانبياء، وذكر أن له أربعة آلاف وأربعمأة وأربعون (3) معجزة، ذكرت منها ثلاثة آلاف، تتنوع أربعة أنواع: ما كان قبله، وبعد ميلاده، وبعد بعثه، وبعد وفاته، وأقواها وأبقاها القرآن لوجوه: أحدها: أن معجزة كل رسول موافق للاغلب من أحوال عصره، كما بعث الله موسى عليه السلام: في عصر السحرة بالعصا، فإذا هي تلقف، وفلق البحر يبسا، وقلب العصا حية فأبهر كل ساحر، وأذل كل كافر، وقوم عيسى عليه السلام أطباء، فبعثه الله بإبراء الزمنى، وإحياء الموتى بما دهش كل طبيب، وأذهل كل لبيب، وقوم محمد صلى الله عليه وآله فصحاء فبعثه الله بالقرآن في إيجازه وإعجازه بما عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء، وتبلد فيه الشعراء ليكون العجز عنه أقهر، والتقصير فيه أظهر. والثاني: أن المعجز في كل قوم بحسب أفهامهم، على قدر عقولهم وأذهانهم، وكان في بني إسرائيل من قوم موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام بلادة وغباوة، لانه لم ينقل عنهم من


(1) الخافقان: المشرق والمغرب. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 117 و 118. (3) في المصدر: أربعين وهو الصحيح. [ * ]

[ 302 ]

كلام جزل أو معنى بكر، وقالوا لنبيهم حين مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم: اجعل لنا إلبا، والعرب أصح الناس أفهاما، وأحدهم أذهانا، فخصوا بالقرآن بما يدركونه بالفطنة دون البديهة لتخص كل امة بما يشاكل طبعها. والثالث: أن معجز القرآن أبقى على الاعصار، وأنشر في الاقطار، وما دام إعجازه فهو أحج، وبالاختصاص أحق، فانتشر ذلك بعده في أقطار العالم شرقا وغربا، قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر، وقد انقرض القوم وهذه سنة سبعين وخمسمأة من مبعثه، فلم يقدر أحد على معارضته (1). 14 - م: قال محمد بن علي الباقر عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة وظهرت آثار صدقه وآيات حقه وبينات نبوته كادته اليهود أشد كيد، وقصدوه أقبح قصد، يقصدون أنواره ليطمسوها، وحججه ليبطلوها، وكان ممن قصده للرد عليه وتكذيبه مالك ابن الصيف، وكعب بن الاشرف، وحي بن أخطب، وجدي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، وأبو لبابة بن عبد المنذر وشعبة، فقال مالك لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا محمد تزعم أنك رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كذلك قال الله خالق الخلق أجمعين، قال: يا محمد لن نؤمن أنك رسول الله (2) حتى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتنا (3)، ولن نشهد أنك عن الله (4) جئتنا حتى يشهد لك هذا البساط، وقال أبو لبابة بن عبد المنذر: لن نؤمن لك يا محمد أنك رسوله، ولا نشهد لك به حتى يؤمن (5) ويشهد لك هذا السوط الذي في يدي، وقال كعب بن الاشرف. لن نؤمن لك أنك رسول الله، ولن نصدقك (6) حتى يؤمن لك هذا الحمار، وأشار لحماره الذي كان راكبه (7)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه ليس للعباد


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 125 و 126. (2) في المصدر: لن نؤمن لك أنك رسول الله. (3) تحتي خ ل. (4) ولن نشهد لك بأنك عن الله خ ل. وفى المصدر: ولن نشهد لك أنك عن الله. (5) حتى يؤمن لك خ ل وفى المصدر: حتى يؤمن ويشهد لك به. (6) في المصدر: ولن نصدقك به. (7) هذا الحمار الذى أركبه خ ل. وفى المصدر: حتى يؤمن لك هذا الحمار الذى أركبه. [ * ]

[ 303 ]

الاقتراح على الله، بل عليهم التسليم لله، والانقياد لامره، والاكتفاء بما جعله كافيا، أما كفاكم أن أنطق التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم بنبوتي ودل على صدقي، وتبين لكم فيها (1) ذكر أخي ووصيي، وخليفتي في امتي، وخير من أتركه على الخلائق بعدي: علي بن أبي طالب، فأنزل (2) علي هذا القرآن الباهر للخلق أجمعين، المعجز لهم عن أن يأتوا بمثله، وأن يتكلفوا شبهه، فأما (3) هذا الذي اقترحتموه فلست أقترحه على ربي عزوجل، بل أقول: إن ما أعطانيه ربي من دلالة هو حسبي وحسبكم، فإن فعل عزوجل ما اقترحتموه فذاك زائد في تطوله (4) علينا وعليكم، وإن منعنا ذلك فلعلمه بأن الذي فعله كاف فيما أراده منا. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من كلامه هذا أنطق الله البساط فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا صمدا قيوما أبدا لم يتخذ صاحبه ولا ولدا، ولم يشرك في حكمه أحدا، وأشهد أنك يا محمد عبده ورسوله، أرسلك بالهدى ودين الحق ليظهرك على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف أخوك ووصيك وخليفتك في امتك، وخير من تتركه على الخلائق بعدك، وأن من والاه فقد والاك، ومن عاداه فقد عاداك، ومن أطاعه فقد أطاعك، ومن عصاه فقد عصاك، وأن من أطاعك فقد أطاع الله، واستحق السعادة برضوانه، وأن من عصاك فقد عصى الله، واستحق أليم العذاب بنيرانه. قال: فعجب القوم فقال (5) بعضهم لبعض: ما هذا إلا سحر مبين، فاضطرب (6) البساط وارتفع، ونكس مالك بن الصيف وأصحابه (7) حتى وقعوا على رؤوسهم ووجوههم، ثم أنطق الله تعالى


(1) بين فيها خ ل، وهو الموجود في المصدر. (2) وأنزل خ ل. (3) وأما خ ل. (4) تطول عليه: امتن عليه. (5) وقال خ ل. (9) واضطرب خ ل. (7) وأصحابه عنه خ ل. وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 304 ]

البساط ثانيا فقال: أنا بساط أنطقني الله (1)، وأكرمني بالنطق بتوحيده وتمجيده، والشهادة لمحمد نبيه، وأنه سيد الانبياء (2)، ورسوله إلى خلقه والقائم بين عباد الله بحقه، وإمامة أخيه ووصيه ووزيره وشقيقه (3) وخليله وقاضي ديونه، ومنجز عداته، وناصر أوليائه، وقامع أعدائه، والانقياد لمن نصبه إماما ووليا، والبراءة ممن اتخذه منابذا وعدوا، فما ينبغي لكافر أن يطأني، ولا يجلس (4) علي، إنما (5) يجلس علي المؤمنون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار، قوموا فاجلسوا عليه، فإنكم بجميع ما شهد به هذا البساط لمؤمنون (6) فجلسوا. ثم أنطق الله سوط أبي لبابة بن عبد المنذر فقال: أشهد أن لا إله إلا الله خالق الخلق، وباسط الرزق، ومدبر الامور (7)، والقادر على كل شئ، وأشهد أنك يا محمد عبده ورسوله وصفيه وخليله، وحبيبه ووليه ونجيه (8)، جعلك السفير بينه وبين عباده، لينجي بك السعداء ويهلك بك الاشقياء، وأشهد أن علي بن أبي طالب المذكور في الملا الاعلى بأنه سيد الخلق بعدك، وأنه المقاتل على تنزيل كتابك ليسوق مخالفيه إلى قبوله طائعين وكارهين، ثم المقاتل بعده على تأويله المنحرفين (9) الذين غلبت أهواؤهم عقولهم فحرفوا تأويل كتاب الله وغيروه، والسابق إلى رضوان الله أولياء الله بفضل عطيته، والقاذف في نيران الله أعداء الله بسيف نقمته والمؤثرين لمعصيته ومخالفته، قال: ثم انجذب السوط من يد (10) أبي لبابة، وجذب أبا لبابة فخر لوجهه (11)، ثم قام بعد فجذبه السوط فخر لوجهه


(1) أكرمنى الله بالنطق خ ل. (2) أنبيائه خ ل، وفى المصدر: بأنه سيد أنبيائه. وفيه: وبامامة اخيه. (3) الشقيق: النظير. الاخ. (4) في المصدر: ولا أن يجلس. (5) وانما خ ل. (6) المؤمنون خ ل. وفى المصدر بعد ذلك: فجلسوا عليه. (7) الامر خ ل. (8) ونجيبه خ ل. (9) المحرفين خ ل وهو الموجود في المصدر. (10) من يدى خ ل. (11) ثم قام فخر لوجهه. [ * ]

[ 305 ]

ثم لم يزل كذلك مرارا حتى قال أبو لبابة: ويلي مالي ؟ فأنطق (1) الله عزوجل السوط فقال: يا بالبابة إني سوط قد أنطقني الله بتوحيده، وأكرمني بتحميده، وشرفني بتصديق نبوة محمد سيد عبيده، وجعلني ممن يوالي خير خلق الله بعده، وأفضل أولياء الله من الخلق حاشاه (2)، والمخصوص بابنته سيدة النسوان، المشرف (3) بيتوتته على فراشه أفضل الجهاد، والمذل لاعدائه بسيف الانتقام، والباين في امته بعلوم الحلال والحرام والشرائع والاحكام، لا ينبغي (4) لكافر مجاهر بالخلاف على محمد أن يبتذلني ويستعملني، لا أزال أجذبك حتى اثخنك، ثم أقتلك وأزول عن يدك، أو تظهر الايمان بمحمد صلى الله عليه وآله، فقال أبو لبابة: فأشهد (5) بجميع ما شهدت به أيها السوط وأعتقده، واؤمن به، فنطق السوط: ها، لذا (6) قد تقررت في يدك، لاظهارك الايمان، والله أعلم بسريرتك، وهو الحاكم لك أو عليك في يوم الوقت المعلوم. قال عليه السلام: ولم بحسن إسلامه، وكانت (7) منه هنات وهنات، فقام القوم (8) من عند رسول الله صلى الله عليه وآله فجعلت (9) اليهود يسر بعضها (10) إلى بعض بأن محمدا لمؤتى له (11) ومبخوت في أمره، وليس بنبي صادق، وجاء كعب بن الاشرف يركب حماره فشب به


(1) قال: فأنطق خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) غيره خ ل. (3) والمشرف خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) ما ينبغى خ ل وهو الموجود في المصدر. (5) أشهد خ ل. (6) في المصدر: ها أنا ذا. (7) وكان خ ل. (8) فلما قام القوم خ ل. وهو الموجود في المصدر. (9) جعلت خ ل، وهو الموجود في المصدر. (10) بعضهم خ ل. (11) وفى المصدر المطبوع ونسخة مخطوطة: لمتأله وفى اخرى مثل المتن. والمبخوت: المحظوظ في أمره [ * ]

[ 306 ]

الحمار وصرعه على رأسه فأوجعه، ثم عاد ليركبه (1) فعاد إليه (2) الحمار بمثل صنيعه، ثم عاد ليركبه فعاد عليه الحمار بمثل صنيعه، فلما كان في السابعة أو الثامنة أنطق الله تعالى الحمار فقال: يا عبد الله بئس العبد أنت، شاهدت آيات الله وكفرت بها، أنا حمار قد أكرمني الله بتوحيده، فأنا (3) أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق الانام ذو الجلال والاكرام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد أهل دار السلام، مبعوث لاسعاد من سبق علم (4) الله له بالسعادة، وإشقاء من سبق الكتاب عليه بالشقاوة، وأشهد أن بعلي ابن أبي طالب وليه ووصي رسوله، يسعد الله من يسعد (5) إذا وفقه لقبول موعظته، والتأدب بأدبه، والايتمار بأوامره، والانزجار بزواجره، وأن الله تعالى بسيوف سطوته وصولات نقمته يكبت ويخزي أعداء محمد حتى يسوقهم بسيفه الباتر، ودليله الواضح الباهر إلى الايمان به، أو يقذفه (6) في الهاوية إذا أبى إلا تماديا في غيه، وامتدادا في طغيانه وعمهه (7)، ما ينبغي لكافر أن يركبني، بل لا يركبني إلا مؤمن بالله، مصدق بمحمد رسول الله في أقواله (8)، متصوب (9) له في جميع أفعاله، وفي فعل أشرف الطاعات في نصبه أخاه عليا وصيا ووليا، ولعلمه وارثا، وبدينه قيما، وعلى امته مهيمنا (10)، ولديونه قاضيا، ولعداته منجزا، ولاوليائه مواليا، ولاعدائه معاديا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا


(1) فركبه خ ل. (2) في المصدر: فعاد عليه. (3) وأنا خ ل. (4) في علم الله خ ل وهو الموجود في المصدر. (5) في المصدر: من يسعده. (6) في المصدر: أو يقذفه الله. (7) العمه: عمى البصيرة والتردد في الضلال، والتحير في الامر. (8) في جميع أقواله خ ل. (9) أي متطأطئ منخفض له وفى المصدر: مصوب. (10) أي رقيبا وحافظا. [ * ]

[ 307 ]

كعب بن أشرف (1) حمارك أعقل منك (2)، قد أبى أن تركبه، فلن تركبه أبدا، فبعه من بعض إخواننا المؤمنين، فقال كعب: فلا حاجة لي فيه بعد أن ضرب (3) بسحرك، فناداه حماره: يا عدو الله كف عن تجهم محمد رسول الله، والله لولا كراهية مخالفته (4) لقتلتك، ووطيتك بحوافري، ولقطعت رأسك بأسنانى، فخزي وسكت، واشتد جزعه مما سمع من الحمار، ومع ذلك غلب عليه الشقاء واشترى الحمار منه ثابت بن قيس بمأة درهم (5)، وكان يركبه ويجئ (6) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو تحته هين لين ذليل كريم، يقيه المتالف، ويرفق به في المسالك، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له: يا ثابت هذا لك وأنت مؤمن مرتفق بمرتفقين (7) فلما انصرف (8) القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يؤمنوا أنزل الله يا محمد: " إن الذين كفروا سواء عليهم " في العظة " ءأنذرتهم " فوعظتهم وخوفتهم " أم لم تنذرهم لا يؤمنون " لا يصدقون بنبوتك، وهم قد شاهدوا هذه الآيات وكفروا، فكيف يؤمنون بك عند قولك ودعائك (9). بيان: يقال: أثخنته الجراحة، أي أوهنته، قاله الجوهري، وقال: في فلان هنات أي خصال شر، وقال: الشباب: نشاط الفرس ورفع يديه جميعا، تقول: شب الفرس يشب ويشب شبابا وشبيبا: إذا قمص (10) ولعب. انتهى. وتجهمه: استقبله بوجه كريه. 14 - م: قال الامام الحسن عليه السلام: قلت لابي علي بن محمد عليه السلام: كيف كانت


(1) الاشرف خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) خير منك خ ل، وهو الموجود في المصدر. (3) أن قد ضرب خ ل. (4) في المصدر: مخالفة رسول الله. (5) دينار خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) ويجئ عليه إلى رسول الله خ ل. وفى المصدر المطبوع: يأتي عليه. (7) بمتن مؤمن خ ل. وفى المصدر المطبوع: ترتفق بمرتفق. (8) قال: فلما انصرف خ ل. (9) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 33 - 36. (10) قمص الفرس وغيره: رفع يديه معا وطرحهما معا وعجن برجليه. [ * ]

[ 308 ]

الاخبار (1) في هذه الآيات التي ظهرت على رسول الله صلى الله عليه واله بمكة والمدينة ؟ فقال: يا بني استأنف لها النهار، فلما كان من غد (2) قال: يا بني أما الغمامة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسافر إلى الشام مضاربا لخديجة بنت خويلد، وكان من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر، فكانوا (3) في حمارة القيظ يصيبهم حر تلك البوادي، وربما عصفت عليهم فيها الرياح، وسفت (4) عليهم الرمال والتراب، وكان الله تعالى في تلك الاحوال يبعث لرسول الله صلى الله عليه وآله غمامة تظله فوق رأسه، تقف بوقوفه، وتزول بزواله، إن تقدم تقدمت، وإن تأخر تأخرت، وإن تيامن تيامنت، وإن تياسر تياسرت، فكانت تكف عنه حر الشمس من فوقه وكانت تلك الرياح المثيرة لتلك الرمال والتراب تسفيها في وجوه قريش ورواحلها (5)، حتى إذا دنت من محمد صلى الله عليه وآله هدأت وسكنت، ولم تحمل شيئا من رمل ولا تراب، وهبت عليه ريح باردة لينة، حتى كانت قوافل قريش يقول قائلها: جوار محمد أفضل من خيمة، فكانوا يلوذون به، ويتقربون إليه، فكان الروح يصيبهم بقربه، وإن كانت الغمامة مقصورة عليه وكان إذا اختلط بتلك القوافل غرباء فإذا الغمامة تسير بعيدا منهم (6) قالوا: إلى من قرنت هذه الغمامة فقد شرف وكرم، فتخاطبهم أهل القافلة: انظروا إلى الغمامة تجدوا عليها اسم صاحبها، واسم صاحبه (7) وصفيه وشقيقه، فينظرون فيجدون مكتوبا عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي سيد الوصيين، وشرفته بآله (8) الموالين له ولعلي وأوليائهما والمعادين لاعدائهما، فيقرأ ذلك ويفهمه من يحسن أن يكتب، ويقرء من لا يحسن ذلك.


(1) هذه الاخبار خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) في غد خ ل. وفى المصدر: في الغد. (3) وكانوا خ ل. (4) سفت وأسفت الريح التراب: ذرته أو حملته. (5) ووجوه رواحلها خ ل. وفى المصدر المطبوع: ووجوه رواحلهم (6) تسير في موضع بعيد خ ل وهو الموجود في المصدر. (7) الضمير يعود إلى صاحب الغمامة. (8) بأصحابه خ ل. وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 309 ]

قال على بن محمد عليه السلام: وأما تسليم الجبال والصخور والاحجار عليه فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما ترك التجارة إلى الشام، وتصدق بكل ما رزقه الله تعالى من تلك التجارات كان يغدو كل يوم إلى حرا (1) يصعده وينظر من قلله إلى آثار رحمة الله، وأنواع (2) عجائب رحمته، وبدائع حكمته، وينظر إلى أكناف السماء وأقطار الارض والبحار (3) والمفاوز والفيافي، فيعتبر بتلك الآثار، ويتذكر بتلك الآيات، ويعبد الله حق عبادته، فلما استكمل أربعين سنة ونظر الله عزوجل إلى قلبه فوجده أفضل القلوب وأجلها وأطوعها وأخشعها وأخضعها أذن لابواب السماء ففتحت، ومحمد ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا ومحمد ينظر إليهم، وأمر بالرحمة فانزلت عليه من لدن ساق العرش إلى رأس محمد وغمرته، ونظر إلى جبرئيل، الروح الامين، المطوق بالنور، طاووس الملائكة هبط إليه، وأخذ بضبعه وهزه (4) وقال يا محمد: اقرأ، قال: وما أقرأ ؟ قال: يا محمد " اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الاكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم (5) " ثم أوحى إليه ما أوحى إليه ربه عزوجل، ثم صعد إلى علو، ونزل محمد صلى الله عليه وآله من الجبل وقد غشيه من تعظيم جلال الله، وورد عليه من كبير (6) شأنه ما ركبه الحمى (7) والنافض، وقد اشتد عليه ما يخافه من تكذيب قريش في خبره، ونسبهم إياه إلى الجنون، وأنه يعتريه شياطين، وكان من أول أمره أعقل خلق الله (8)، وأكرم براياه وأبغض الاشياء إليه الشيطان وأفعال المجانين وأقوالهم، فأراد الله عزوجل، أن يشرح


(1) حرا، بالكسر والتخفيف وحراء بالمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال. (2) والى أنواع خ ل. (3) وأقطار البحار خ ل. (4) أي حركه. (5) كلا خ ل. العلق: 1 - 5. (6) في المصدر المطبوع: من كبرياء شأنه. (7) ما ركبه به الحمى خ ل وهو الموجود في المصدر قوله: النافض أي حمى الرعدة. (8) أعقل خليقة الله خ ل. وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 310 ]

صدره، ويشجع قلبه فأنطق (1)، الجبال والصخور والمدر، وكلما وصل إلى شئ منها ناداه: السلام عليك يا محمد، السلام عليك ياولي الله، السلام عليك يارسول الله، أبشر فإن الله عزوجل قد فضلك وجملك وزينك وأكرمك فوق الخلائق أجمعين من الاولين والآخرين، لا يحزنك أن تقول (2) قريش: إنك مجنون، وعن الدين مفتون، فإن الفاضل من فضله رب العالمين، والكريم من كرمه خالق الخلق أجمعين، فلا يضيقن صدرك من تكذيب قريش وعتاة العرب لك، فسوف يبلغك ربك أقصى منتهى الكرامات، ويرفعك إلى أرفع الدرجات وسوف ينعم ويفرح أولياءك بوصيك علي بن أبى طالب، وسوف يبث علومك في العباد والبلاد، بمفتاحك (3) وباب مدينة حكمتك (4) علي بن أبي طالب، وسوف يقر عينك ببنتك فاطمة، وسوف يخرج منها ومن علي الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وسوف ينشر في البلاد دينك، وسوف يعظم أجود المحبين لك ولاخيك، وسوف يضع (5) في يدك لواء الحمد، فتضعه في يد أخيك علي، فيكون تحته كل نبى وصديق وشهيد، يكون قائدهم أجمعين إلى جنات النعيم، فقلت في سري: يا رب من علي بن أبى طالب الذي وعدتني به ؟ - وذلك بعد ما ولد على وهو طفل - أو هو ولد عمى ؟ وقال بعد ذلك لما تحرك على قليلا (6) وهو معه: أهو هذا ؟ ففي كل مرة من ذلك انزل عليه ميزان الجلال، فجعل محمد في كفة منه ومثل له علي عليه السلام وسائر الخلق من امته إلى يوم القيامة في كفة فوزن بهم فرجح، ثم اخرج محمد من الكفة وترك علي في كفة محمد التي كان فيها، فوزن بسائرامته فرجح بهم، فعرفه (7) رسول الله بعينه وصفته ونودي في سره: يا محمد هذا علي * (الهامش) * (1) فأنطق الله خ ل. (2) في المصدر: لا يحزنك قول قريش. (3) فمفتاحك خ ل. (4) في المصدر المطبوع: علمك. (5) في المصدر المطبوع: يوضع. (6) وليدا خ ل. (7) وعرفه خ ل. [ * ]

[ 311 ]

ابن أبي طالب صفيي الذي اؤيد به هذا الدين * يرجح على جميع امتك بعدك. فذلك حين شرح الله صدري بأداء الرسالة، وخفف عني (1) مكافحة الامة، وسهل علي مبارزة العتاة والجبابرة من قريش. قال علي بن محمد عليه السلام: وأما دفاع الله القاصدين لمحمد صلى الله عليه وآله إلى قتله، وإهلاكه إياهم كرامة لنبيه، وتصديقه إياه فيه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان وهو ابن سبع سنين (2) بمكة، قد نشأ في الخير نشوا لا نظير له في سائر صبيان قريش، حتى ورد مكة قوم من يهود الشام فنظروا إلى محمد صلى الله عليه وآله وشاهدوا نعته وصفته، فأسر بعضهم إلى بعض: هذا والله محمد الخارج في آخر الزمان، المدال (3) على اليهود وسائر أهل الاديان، يزيل الله تعالى به دولة اليهود، ويذلهم ويقمعهم (4)، وقد كانوا وجدوه في كتبهم النبي الامي الفاضل الصادق، فحملهم الحسد على أن كتموا ذلك، وتفاوضوا (5) في أنه ملك يزال، ثم قال بعضهم لبعض: تعالوا نحتال (6) عليه فنقتله، فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت، لعلنا نصادفه ممن يمحو، فهموا بذلك، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى نمتحنه ونجربه بأفعاله، فإن الحلية قد توافق الحلية، والصورة قد تشاكل الصورة، إن ما وجدناه في كتبنا أن محمدا يجنبه ربه من الحرام والشبهات، فصادفوه والقوه وادعوه إلى دعوة، وقدموا إليه الحرام والشبهة، فإن انبسط فيهما أو في أحدهما فأكله فاعلموا أنه غير من تظنون، و إنما الحلية وافقت الحلية، والصورة ساوت الصورة، وإن لم يكن الامر كذلك ولم يأكل منهما فاعلموا أنه هو، فاحتالوا له في تطهير الارض منه لتسلم لليهود دولتهم.


(1) على خ ل. والمكافحة: المدافعة. (2) تسع سنين خ ل. (3) أدال الله بنى فلان من عدوهم: جعل الكرة لهم عليه. وأدال الله زيدا من عمرو: نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد. (4) قمعه وأقمعه: قهره وذلله. (5) أي تحادثوا وتذاكروا وانتهت أنظارهم إلى أن الرياسة ملك يزول، وقل ما يتفق حصولها لشخص. (6) نحتل خ ل. [ * ]

[ 312 ]

قال، فجاؤا إلى أبي طالب فصادفوه ودعوه إلى دعوة لهم، فلما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله قدموا إليه وإلى أبي طالب والملا (1) من قريش دجاجة مسمنة كانوا قد وقذوها (2) وشووها فجعل أبو طالب وسائر قريش يأكلون منها، ورسول الله صلى الله عليه وآله يمد يده نحوها فيعدل بها يمنة، ثم (3) يسرة، ثم أماما، ثم خلفا، ثم فوقا، ثم تحتا لا تصيبها يده فقالوا: مالك يا محمد لا تأكل منها ؟ فقال: يا معشر اليهود قد جهدت أن أتناول منها، وهذه يدي يعدل (4) بها عنها، وما أراها إلا حراما يصونني ربي عزوجل عنها (5) فقالوا: ما هي إلا حلال فدعنا نلقمك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فافعلوا إن قدرتم، فذهبوا ليأخذوا منها ويطعموه فكانت أيديهم يعدل بها إلى الجهات كما كانت يد رسول الله صلى الله عليه وآله تعدل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله. فهذه قد منعت منها، فأتوني بغيرها إن كانت لكم، فجاؤه بدجاجة اخرى مسمنة مشوية قد أخذوها لجار لهم غائب، لم يكونوا اشتروها، وعملوها (6) على أن يردوا عليه ثمنها إذا حضر، فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله لقمة فلما ذهب (7) يرفعها ثقلت عليه، ونصلت (8) حتى سقطت من يده، وكلما ذهب يرفع ما قد تناوله بعدها ثقلت وسقطت فقالوا: يا محمد فما بال هذه لا تأكل منها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وهذه أيضا قد منعت منها، وما أراها إلا من شبهة يصونني ربي عزوجل عنها، قالوا: ما هي شبهة، فدعنا نلقمك منها فقال افعلوا (9) إن قدرتم عليه، فكلما (10) تناولوا لقمة ليلقموه ثقلت كذلك في أيديهم ثم


(1) والى الملا خ ل. (2) أي ضربوها ضربا شديدا حتى ماتت. (3) ويسرة خ ل. وهو الموجود في المصدر. (4) في المصدر: تعدل. وكذا فيما يأتي. (5) منها خ ل. (6) وعمدوا خ ل. وهو الموجود في المصدر. (7) في المصدر المطبوع: أن يرفعها. (8) وفصلت خ ل. (9) قال: فافعلوا خ ل وهو الموجود في المصدر. (10) فلما خ ل. [ * ]

[ 313 ]

سقطت، ولم يقدروا أن يلقموها (1)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هو ما قلت لكم: شبهة (2) يصونني ربي عزوجل عنها، فتعجبت قريش من ذلك، وكان ذلك مما يقيمهم على اعتقاد عداوته إلى أن أظهروها (3) لما أن أظهره الله عزوجل بالنبوة، وأغرتهم اليهود أيضا، فقالت لهم اليهود: أي شئ يرد عليكم من هذا الطفل ؟ ما نراه إلا يسالبكم (4) نعمكم وأرواحكم (5)، سوف يكون لهذا شأن عظيم. وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: فتواطأت اليهود على قتله في طريقه على جبل حرا وهم سبعون (6)، فعمدوا إلى سيوفهم فسموها، ثم قعدوا له ذات غلس في طريقه على جبل حرا، فلما صعده صعدوا إليه وسلوا سيوفهم وهم سبعون رجلا من أشد اليهود وأجلدهم وذوي النجدة منهم، فلما أهووا بها إليه ليضربوه بها التقى طرفا الجبل بينهم وبينه فانضما (7)، وصار ذلك حائلا بينهم وبين محمد صلى الله عليه وآله، وانقطع طمعهم عن الوصول إليه بسيوفهم، فغمدوها، فانفرج الطرفان بعدما كانا انضما، فسلوا بعد سيوفهم وقصدوه، فلما (8) هموا بإرسالها عليه انضم طرفا الجبل، وحيل (9) بينهم وبينه، فيغمدونها ثم ينفرجان فيسلونها إلى أن بلغ ذروة (10) الجبل، فكان (11) ذلك سبعا وأربعين مرة، فصعدوا الجبل وداروا خلفه (12) ليقصدوه بالقتل فطال عليهم الطريق، ومد الله عزوجل


(1) أن يقلوها خ ل وفى المصدر المطبوع: أن يرفعوها. وفى نسخة مخطوطة: أن يعلوها. (2) في المصدر: هذه شبهة. (3) أن يظهروها خ ل. (4) سالبكم خ ل. (5) وأزواجكم خ ل. (6) في المصدر: سبعون رجلا. (7) وانضما خ ل. (8) فكلما هموا خ ل. (9) يحول خ ل. (10) ذروة الجبل: أعلاه. (11) وكان خ ل. (12) حلقة خ ل. [ * ]

[ 314 ]

الجبل فأبطأوا عنه حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من ذكره وثنائه على ربه واعتباره بعبره، ثم انحدر عن الجبل فانحدروا خلفه ولحقوه وسلوا سيوفهم عليه ليضربوه بها، فانضم طرفا الجبل، وحال بينهم وبينه، فغمدوها ثم انفرج فسلوها، ثم انضم فغمدوها، وكان ذلك سبعا وأربعين مرة، كلما انفرج سلوها، فإذا انضم غمدوها، فلما كان في آخر مرة وقد قارب رسول الله صلى الله عليه وآله القرار سلوا (1) سيوفهم عليه فانضم طرفا الجبل، وضغطهم الجبل ورضضهم (2)، وما زال يضغطهم حتى ماتوا أجمعين، ثم نودي يا محمد: انظر خلفك إلى بغاتك السوء (3) ماذا صنع بهم ربهم فنظر فإذا طرفا الجبل مما يليه منضمان: فلما نظر انفرج الطرفان وسقط اولئك القوم وسيوفهم بأيديهم، وقد هشمت (4) وجوههم و ظهورهم وجنوبهم وأفخاذهم وسوقهم وأرجلهم، وخروا موتى تشخب أوداجهم دما، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك (5) الموضع سالما مكفيا مصونا محفوظا، تناديه الجبال وما عليها من الاحجار (6): هنيئا لك يا محمد نصرة الله عزوجل لك على أعدائك بنا، وسينصرك (7) إذا ظهر أمرك على جبابرة امتك وعتاتهم بعلي بن أبي طالب ويشد يده (8) لاظهار دينك وإعزازه وإكرام أوليائك، وقمح أعدائك، وسيجعله تاليك وثانيك ونفسك التي بين جنبيك، وسمعك الذى به تسمع، وبصرك الذي به تبصر، ويدك التي بها تبطش، ورجلك التي عليها تعتمد، وسيقضي عنك ديونك، ويفي عنك بعداتك، وسيكون جمال امتك، وزين أهل ملتك، وسيسعد ربك عزوجل به محبيه، ويهلك به شانئيه. قال علي بن محمد عليه السلام: وأما الشجرتان اللتان تلاصقتا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) أرسلوا خ ل. (2) ضغطه: عصره، رضض الشئ: بالغ في رضه أي دقه وجرشه. (3) بالسوء خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) هشمه: كسره. (5) عن ذلك خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) من الاحجار والاشجار خ ل. وهو الموجود في المصدر. (7) وسينصرك الله خ ل. (8) في المصدر: وتشديده. تسديده خ ل. [ * ]

[ 315 ]

كان ذات يوم في طريق له بين مكة والمدينة، وفي عسكره منافقون من المدينة، وكافرون من مكة ومنافقون لها (1)، وكانوا يتحدثون فيما بينهم بمحمد (2) صلى الله عليه وآله الطيبين وأصحابه الخيرين، فقال بعضهم لبعض: يأكل كما نأكل، وينفض كرشه من الغائط والبول كما ننفض، ويدعي أنه رسول الله، فقال بعض مردة المنافقين: هذه صحراء ملساء لاتعمدن النظر إلى أسته أذا قعد لحاجته حتى أنظر هل الذي يخرج منه كما يخرج منا أم لا، فقال آخر (3) لكنك أن ذهبت تنظر معه منعه من أن يقعد، لانه (4) أشد حياء من الجارية العذراء المحرمة (5)، قال: فعرف الله عزوجل ذلك (6) نبيه صلى الله عليه وآله فقال لزيد بن ثابت: اذهب إلى تينك الشجرتين المتباعدتين - يؤمئ إلى شجرتين بعيدتين قد أو غلتا (7) في المفازة، وبعدتا عن الطريق قدر ميل - فقف بينهما وناد أن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمركما أن تلتصقا وتنضما، ليقضي رسول الله صلى الله عليه وآله خلفكما حاجته، ففعل ذلك زيد وقاله (8) فوالذي بعث محمدا بالحق نبيا إن الشجرتين انقلعتا باصولهما من مواضعهما، وسعت كل واحدة منهما إلى الاخرى: سعي المتحابين، كل واحد منهما إلى الآخر: التقيا بعد طول غيبة، وشدة اشتياق، ثم تلاصقتا وانضمتا: انضمام متحابين في فراش في صميم (9) الشتاء، وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله خلفهما، فقال اولئك المنافقون: قد استتر عنا، فقال بعضهم لبعض: فدوروا خلفه لتنظروا إليه. فذهبوا يدورون خلفه، فدارت الشجرتان كلما داروا، ومنعتاهم من النظر إلى عورته، فقالوا: تعالوا نتحلق حوله لتراه طائفة منا، فلما ذهبوا


(1) بها خ ل وفى المصدر: منها. (2) لمحمد خ ل. (3) الاخر خ ل. (4) فانه خ ل. (5) في المصدر: العذراء الممتنعة المحرمة. (6) محمدا خ ل وهو الموجود في المصدر المطبوع، وفى المخطوط: نبيه محمدا. (7) أي التفتا واختلط ونشب بعض اغصانهما ببعض. (8) وقالوا خ ل وفى المصدر المطبوع: وقال له. وفى المخطوط: فقاله. (9) الصميم من البرد: شديده، ومن كل شئ: خالصه ومحضه. [ * ]

[ 316 ]

يتحلقون تحلقت الشجرتان فأحاطتا به كالانبوبة حتى فرغ وتوضأ، وخرج من هناك وعاد إلى العسكر، وقال لزيد بن ثابت: عد إلى الشجرتين وقل لهما: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمركما أن تعودا إلى أماكنكما، فقال لهما وسعت (1) كل واحدة منهما إلى موضعهما - والذي بعثه بالحق نبيا - سعي الهارب الناجي بنفسه من راكض شاهر سيفه خلفه، حتى عادت كل شجرة إلى موضعها، فقال المنافقون: قد امتنع محمد من أن يبدي لنا عورته، وأن ننظر إلى إسته، فتعالوا ننظر إلى ما خرج منه لنعلم (2) أنه ونحن سيان، فجاءوا إلى الموضع فلم يروا شيئا البتة، لا عينا ولا أثرا، قال: وعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك، فنودوا من السماء أوعجبتم لسعي الشجرتين إحداهما إلى الاخرى، إن سعي الملائكة بكرامات الله عزوجل إلى محبي محمد ومحبي علي أشد من سعي هاتين الشجرتين إحداهما إلى الاخرى، وإن تنكب نفحات النار يوم القيامة عن محبي علي (3) والمتبرئين من أعدائه أشد من تنكب هاتين الشجرتين إحداهما عن الاخرى. قال علي بن محمد صلوات الله عليهما. وأما دعاؤه صلى الله عليه وآله الشجرة فإن رجلا من ثقيف كان أطب الناس يقال له: الحارث بن كلدة الثقفي، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد جئت اداويك من جنونك، فقد داويت مجانين كثيرة فشفوا على يدي، فقال رسول الله (4) صلى الله عليه وآله: أنت تفعل أفعال المجانين، وتنسبني إلى الجنون ؟ قال الحارث: وماذا فعلته من أفعال المجانين ؟ قال: نسبتك إياي إلى الجنون من غير محنة (5) منك ولا تجربة ولا نظر في صدقي أو كذبي، فقال الحارث: أو ليس قد عرفت كذبك وجنوبك بدعواك النبوة التي لا تقدر لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وقولك لا تقدر لها فعل المجانين (6)، لانك لم


(1) في المصدر: فسعت. (2) لتعلموا خ ل. (3) محمد خ ل. (4): يا حارث خ ل، وهو الموجود في المصدر. (5) محن فلانا: اختبره وجربه. (6) أفعال المجانين خ ل وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 317 ]

تقل: لم قلت كذا ؟ ولا طالبتني بحجة فعجزت عنها، فقال الحارث: صدقت أنا أمتحن أمرك. بآية اطالبك بها، إن كنت نبيا فادع تلك الشجرة - يشير بشجرة عظيمة بعيد عمقها - فإن أتتك علمت أنك رسول الله صلى الله عليه وآله، وشهدت لك بذلك، وإلا فأنت ذلك المجنون الذي قيل لي، فرفع رسول الله يده إلى تلك الشجرة، وأشار إليها أن تعالى فانقلعت تلك الشجرة باصولها وعروقها، وجعلت تخد في الارض اخدودا (1) عظيما كالنهر حتى دنت من رسول الله صلى الله عليه وآله فوقفت بين يديه، ونادت بصوت فصيح: ها (2) أناذا يارسول الله ما تأمرني ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: دعوتك لتشهد لي بالنبوة بعد شهادتك لله بالتوحيد، ثم تشهدي بعد شهادتك لي لعلي هذا بالامامة، وأنه سندي وظهري وعضدي وفخري وعزي (3)، ولولاه ما خلق الله (4) عزوجل شيئا مما خلق، فنادت أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أنك يا محمد عبده ورسوله، أرسلك بالحق بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا، وأشهد أن عليا ابن عمك هو أخوك في دينك، أوفر خلق الله من الدين حظا، وأجز لهم من الاسلام نصيبا، وأنه سندك وظهرك، قامع أعدائك، ناصر (5) أوليائك باب علومك في امتك، وأشهد أن أولياءك الذين يوالونه ويعادون أعداءه حشو الجنة وأن أعداءه الذين يوالون أعداءه ويعادون أولياءه (6) حشو النار، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحارث بن كلدة فقال: يا حارث أو مجنونا يعد من هذه آياته ؟ فقال الحارث بن كلدة لا والله يارسول الله، ولكني أشهد أنك رسول (7) رب العالمين، وسيد الخلق أجمعين، وحسن إسلامه. وأما كلام الذراع المسمومة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما رجع من خيبر إلى المدينة


(1) خد الارض: شقها. والاخدود: الحفرة المستطيلة. (2) فها خ ل. (3) المصدر خال عن قوله: وعزى. (4) لما خلق خ ل. وهو الموجود في المصدر. (5) وناصر خ ل. (6) وأن أعداءك الذين يوالون أعداءك ويعادون أولياءك خ ل وهو الموجود في المصدر. (7) رسول الله خ ل. [ * ]

[ 318 ]

وقد فتح الله له جاءته امرأة من اليهود قد أظهرت (1) الايمان، ومعها ذراع مسمومة مشوية وضعتها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذه ؟ قالت له: بأبي أنت وامي يارسول الله همني أمرك في خروجك إلى خيبر، فإني علمتهم رجالا جلدا، وهذا حمل كان لى ربيبة أعده كالولد لي، وعلمت أن أحب الطعام إليك الشواء، وأحب الشواء إليك الذراع، ونذرت لله لئن سلمك الله منهم لاذبحنه ولاطعمنك من شوائة ذراعيه، والآن فقد سلمك الله منهم وأظفرك عليهم (2)، وقد جئتك بنذري (3)، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله البراء بن معرور وعلي بن أبي طالب عليه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ايتوني (4) بالخبز، فاتي به فمد البراء بن المعرور يده وأخذ منه لقمة فوضعها في فيه، فقال (5) علي بن أبي طالب عليه السلام: يابراء لا تتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال البراء وكان أعرابيا: يا علي كأنك تبخل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! فقال علي عليه السلام: ما ابخل رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكني ابجله واوقره ليس لي ولا لك ولا لاحد من خلق الله أن يتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله بقول ولا فعل ولا أكل ولا شرب، فقال البراء: ما ابخل (6) رسول الله صلى الله عليه وآله، قال علي عليه السلام ما لذلك قلت، ولكن هذا جاءت به هذه وكانت يهودية، ولسنا نعرف حالها، فإذا أكلته بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله فهو الضامن لسلامتك منه، وإذا أكلته بغير إذنه وكلت (7) إلى نفسك يقول علي هذا والبراء يلوك (8) اللقمة، إذ (9) أنطق الله الذراع فقالت (10): يارسول الله


(1) وقد أظهرت خ ل. (2) بهم خ ل. وهو الموجود في المصدر. (3) وقد جئتك بهذا أفى بنذري خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) ايتونا خ ل. (5) فقال له خ ل. (6) ما ابجل خ ل. (7) وكلك خ ل. (8) لاك اللقمة: مضغها أهون المضغ وأدارها في فيه. (9) إذا خ ل. (10) وقالت خ ل. [ * ]

[ 319 ]

لا تأكلني فإني مسمومة، وسقط البراء في سكرات الموت ولم يرفع إلا ميتا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ايتوني بالمرأة فاتي بها، فقال: ما حملك على ما صنعت ؟ فقالت: وترتني وترا عظيما (1)، قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي وابني، ففعلت هذا وقلت: إن كان ملكا فسأنتقم منه، وإن كان نبيا كما يقول وقد وعد فتح مكة والنصر والظفر فيمنعه الله (2) منه ويحفظه ولن يضره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيتها المرأة لقد صدقت، ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يغرك موت البراء فإنما امتحنه الله لتقدمه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ولو كان بأمر رسول الله أكل منه لكفي شره وسمه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ادع لي فلانا وفلانا، وذكر قوما من خيار أصحابه فيهم سلمان والمقداد وأبو ذر وعمار وصهيب وبلال وقوم من سائر الصحابة تمام عشرة وعلي عليه السلام حاضر معهم، فقال: اقعدوا وتحلقوا عليه، ووضع (3) رسول الله صلى الله عليه وآله يده على الذراع المسمومة ونفث عليه، وقال (4): " بسم الله الشافي، بسم الله الكافي، بسم الله المعافي، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ ولا داء في الارض ولا في السماء وهو السميع العليم " ثم قال: كلوا على اسم الله، فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وأكلوا حتى شبعوا، ثم شربوا عليه الماء، ثم أمر بها فحبست، فلما كان اليوم الثاني جاء بها (5) فقال: أليس هؤلاء أكلوا ذلك السم بحضرتك ؟ فكيف رأيت دفع الله عن نبيه وصحابته ؟ فقالت: يارسول الله كنت إلى الآن في نبوتك شاكة، والآن قد (6) أيقنت أنك رسول الله حقا، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله وحسن إسلامها. فقال علي بن الحسين عليه السلام: ولقد حدثني أبي، عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) وتر فلانا: أصابه بظلم أو مكروه. (2) فسيمنعه الله خ ل صح. وهو الموجود في المصدر المخطوط. (3) فوضع خ ل. وهو الموجود في المصدر. (4) زاد في المصدر المطبوع: بسم الله الرحمن الرحيم. (5) في المصدر المطبوع: جئ بها. (6) فقد خ ل. [ * ]

[ 320 ]

لما حملت إليه جنازة البراء بن معرور ليصلي عليه قال: أين علي بن أبي طالب ؟ قالوا: يا رسول الله إنه ذهب في حاجة رجل من المسلمين إلى قبا، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يصل عليه، قالوا: يارسول الله مالك لا تصلي عليه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل أمرنى أن اؤخر الصلاة عليه إلى أن يحضره علي (1) فيجعله في حل مما كلمه به بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله، ليجعل الله موته بهذا السم كفارة له، فقال بعض (2) من حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وشاهد الكلام الذي تكلم به البراء: يارسول الله إنما كان مزحا مازح به عليا لم يكن منه جدا فيؤاخذه الله عزوجل بذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو كان ذلك منه جدا لاحبط الله تعالى أعماله كلها، ولو كان تصدق بمثل (3) ما بين الثرى إلى العرش ذهبا وفضة، ولكنه كان مزحا وهوفي حل من ذلك إلا إن رسول الله صلى الله عليه واله يريد أن لا يعقتد أحد منكم أن عليا عليه السلام واجد (4) عليه فيجدد بحضرتكم إحلالا (5)، ويستغفر له ليزيده الله عزوجل بذلك قربة ورفعة في جنانه، فلم يلبث أن حضر علي بن أبي طالب عليه السلام، فوقف قبالة الجنازة، وقال، رحمك الله يابراء، فلقد كنت صواما قواما، ولقد مت في سبيل الله وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولو كان أحد من الموتى يستغني عن صلاة رسول الله لاستغنى صاحبكم هذا بدعاء علي عليه السلام له، ثم قام فصلى عليه ودفن فلما انصرف وقعد في العزاء (6) قال: أنتم يا أولياء البراء بالتهنية أولى منكم بالتعزية، لان صاحبكم عقد له في الحجب قباب من السماء الدنيا إلى السماء السابعة: وبالحجب كلها إلى الكرسي إلى ساق العرش


(1) على بن ابى طالب خ ل. (2) فقال له خ ل. (3) ولو تصدق على ما بين الثرى خ ل وفى المصدر المطبوع: ولو كان تصدق بملاء ما بين الثرى وفى المخطوط: ولو تصدق ما بين الثرى. (4) وجد عليه: غضب. (5) احلالا له خ ل. (6) المعزى خ ل، وهو الموجود في المصدر المطبوع. [ * ]

[ 321 ]

لروحه التي عرج بها فيها، ثم ذهب بها إلى ربض الجنان (1) وتلقاها كل من كان فيها من خزانها (2)، واطلع إليه كل من كان فيها من حور حسانها (3) فقالوا بأجمعهم له (4): طوباك طوباك يا روح البراء، انتظر عليك رسول الله عليا صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما الكرام حتى ترحم عليك علي واستغفر لك، أما إن حملة عرش ربنا حدثونا عن ربنا أنه قال: يا عبدي الميت في سبيلي، لو كان (5) عليك من الذنوب بعدد الحصى والثرى و قطر المطر وورق الشجر وعدد شعور الحيوانات ولحظاتهم وأنفاسهم وحركاتهم وسكناتهم لكانت مغفورة بدعاء علي عليه السلام لك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فتعرضوا عباد الله (6) لدعاء علي لكم، ولا تتعرضوا لدعاء علي عليكم، فإن من دعا عليه أهلكه الله، ولو كانت حسناته عدد ما خلق الله، كما أن من دعا له أسعده الله، ولو كانت سيئاته بعدد ما خلق الله. وأما كلام الذئب له: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان جالسا ذات يوم إذ جاءه راع ترتعد فرائصه قد استفزعه (7) العجب، فلما رآه (8) من بعيد قال لاصحابه: إن لصاحبكم هذا شأنا عجيبا، فلما وقف قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: حدثنا بما أزعجك، قال الراعي: يا رسول الله أمر (9) عجيب، كنت في غنمي إذ جاء ذئب، فحمل حملا فرميته بمقلاعتي (10) فانتزعته منه، ثم جاء إلى الجانب الايمن فتناول (11) حملا فرميته بمقلاعتي فانتزعته


(1) في المصدر: المطبوع: أرض الجنان، وفى المخطوط: روض الجنان. (2) من الخزان خ ل. (3) من الحور الحسان خ ل. (4) في المصدر: وقالوا بأجمعهم له قولا عقله وفهم: طوباك إه‍. (5) لك خ ل. (6) يا عباد الله خ ل. وهو الموجود في المصدر. (7) استفرغه خ ل: وهو الموجود في المصدر المطبوع، وفى المخطوط: استقرعه. (8) في المصدر المطبوع: فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله. (9) أمرى خ ل. (10) بمقذافتى خ ل في المواضع. (11) فحمل خ ل. [ * ]

[ 322 ]

منه، ثم جاء إلى الجانب الايسر فتناول حملا فرميته بمقلاعتي فانتزعته، ثم جاء إلى الجانب الآخر فتناول حملا فرميته بمقلاعتي فانتزعته منه، ثم جاء الخامسة هو وانثاه يريد أن يتناول (1) حملا فأردت أن أرميه فأقعى (2) على ذنبه وقال: أما تستحيي تحول (3) بيني وبين رزق قد قسمه الله لي، أفما أحتاج أنا إلى غداء أتغدى به ؟ فقلت: ما أعجب هذا ذئب أعجم يكلمني كلام الآدميين، فقال لي الذئب: ألا انبئك بما هو أعجب من كلامي لك ؟ محمد رسول رب العالمين بين الحرتين، يحدث الناس بأنباء ما قد سبق من الاولين وما لم يأت من الآخرين، ثم اليهود مع علمهم بصدقه ووجودهم (4) له في كتب رب العالمين بأنه أصدق الصادقين وأفضل الفاضلين يكذبونه ويجحدونه وهو بين الحرتين، و هو الشفاء النافع، ويحك يا راعي آمن به تأمن من عذاب الله، وأسلم له تسلم من سوء العذاب الاليم، فقلت له: والله لقد عجبت من كلامك، واستحييت من منعي لك ما تعاطيت أكله فدونك غنمي، فكل منها ما شئت لا ادافعك ولا امانعك، فقال لي الذئب: يا عبد الله احمد الله (5) إذ كنت ممن يعتبر بآيات الله، وينقاد لامره، لكن (6) الشقي كل الشقي من يشاهد آيات محمد في أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام، وما يؤديه عن الله عزوجل من فضائله وما يراه من وفور حظه من العلم (7) الذي لا نظير له فيه، والزهد الذي لا يحاذيه أحد فيه، والشجاعة التي لا عدل له فيها، ونصرته للاسلام التي لاحظ لاحد فيها مثل حظه، ثم يرى مع ذلك كله رسول الله يأمر بموالاته وموالات أوليائه والتبري من أعدائه ويخبر أن الله تعالى لا يقبل من أحد عملا وإن جل وعظم ممن يخالفه (8)، ثم هو مع


(1) يريدان أن يتناولا خ ل. (2) أقعى على ذنبه: جلس على إسته. (3) في المصدر: أن تحول (4) مصدر وجد يجد من افعال القلوب تنصب مفعولين (5) فاحمد الله خ ل. (6) ولكن خ ل، (7) من العمل خ ل. (8) خالفه خ ل. [ * ]

[ 323 ]

ذلك يخالفه، ويدفعه عن حقه ويظلمه، ويوالي أعداء، ويعادي أولياءه إن هذا لاعجب من منعك إياي. قال الراعي: فقلت: أيها الذئب أو كائن هذا ؟ قال: بلى وما هو أعظم منه، سوف يقتلونه باطلا، ويقتلون ولده، ويسبون حريمهم (1)، وهم مع ذلك يزعمون أنهم مسلمون فدعواهم أنهم على دين الاسلام مع صنيعهم هذا بسادة أهل الاسلام أعجب من منعك لي لا جرم أن الله قد جعلنا معاشر الذئاب أنا ونظرائي من المؤمنين نمزقهم في النيران يوم فصل القضاء، وجعل في تعذيبهم شهواتنا، وفي شدائد آلامهم لذاتنا، قال الراعي: فقلت: والله لولا هذه الغنم بعضها لي وبعضها أمانة في رقبتي لقصدت محمدا حتى أراه، فقال لي الذئب: يا عبد الله فامض إلى محمد، واترك علي غنمك لارعاها لك، فقلت: كيف أثق بأمانتك ؟ فقال لي: يا عبد الله إن الذي أنطقني بما سمعت هو الذي يجعلني قويا أمينا عليها، أو لست مؤمنا بمحمد، مسلما له ما أخبر به عن الله تعالى في أخيه علي عليه السلام ؟ فامض لشأنك فإني راعيك، والله عزوجل ثم ملائكته المقربون رعاة لي، إذ كنت خادما لولي (2) علي، فتركت غنمي على الذئب والذئبة وجئتك يارسول الله، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله، في وجوه القوم، وفيها ما يتهلل سرورا به وتصديقا، وفيها من يعبس (3) شكا فيه وتكذيبا ويسر منافقون إلى أمثالهم: هذا قد واطأه محمد على هذا الحديث ليختدع (4) به الضعفاء الجهال، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: لئن شككتم أنتم فيه فقد تيقنته أنا وصاحبي الكائن معي في أشرف المحال من عرش الملك الجبار، والمطوف به معي في أنهار الحيوان من دار القرار، والذي هو تلوي (5) في قيادة الاخيار، والمتردد معي في الاصلاب الزاكيات المتقلب معي في الارحام الطاهرات، الراكض معي في مسالك الفضل، والذي كسي ما كسيته من العلم والحلم والعقل، وشقيقي الذي انفصل مني عند الخروج إلى صلب عبد الله


(1) حرمهم خ ل. وفى المصدر المطبوع: حرمه. (2) لولى الله خ ل. (3) ما تعبس خ ل. (4) ليخدع خ ل: (5) أي والذى هو تابعي وخلفي في قيادة الاخيار. [ * ]

[ 324 ]

وصلب أبي طالب، وعديلي في اقتناء المحامد والمناقب علي بن أبي طالب، آمنت به أنا و الصديق الاكبر، وساقي أوليائي من نهر الكوثر، آمنت به أنا والفاروق الاعظم، و ناصر أوليائي السيد الاكرم، آمنت به أنا ومن جعله الله محنة لاولاد الغي والرشدة (1)، وجعله للموالين له أفضل العدة، آمنت به أنا ومن جعله الله لديني قواما، ولعلومي علاما، وفي الحروب مقداما، وعلى أعدائي ضرغاما، أسدا قمقاما (2)، آمنت به أنا ومن سبق الناس إلى الايمان فتقدمهم إلى رضا الرحمن، وتفرد دونهم بقمع أهل الطغيان، وقطع بحججه وواضح بيانه (3) معاذير أهل البهتان، آمنت به أنا وعلي بن أبيطالب الذي جعله الله لي سمعا وبصرا، ويدا ومؤيدا، وسندا وعضدا، لا ابالي من (4) خالفني إذا وافقني، ولا أحفل بمن خذلني إذا وازرني، ولا أكترث (5) بمن ازور عني إذا ساعدني، آمنت به أنا ومن زين الله به الجنان وبمحبيه، وملا طبقات النيران بشانئيه (6)، ولم يجعل أحدا من امتي يكافيه ولا يدانيه، لم يضرني عبوس المعبس (7) منكم إذا تهلل وجهه، ولا إعراض المعرض (8) منكم إذا خلص لي وده، ذاك علي بن أبي طالب، الذي لو كفر الخلق كلهم من أهل السماوات والارضين (9) لنصر الله عزوجل به وحده هذا الدين، والذي لو عاداه الخلق كلهم لبرز إليهم أجمعين، باذلا روحه في نصرة كلمة الله رب العالمين، وتسفيل كلمات إبليس اللعين. قال صلى الله عليه وآله: هذا الراعي (10) لم يبعد شاهده فهلموا بنا إلى قطيعه ننظر إلى الذئبين


(1) والرشد خ ل. وفى المصدر المطبوع: ورحمة لاولاد الرشد. (2) القمقام بفتح القاف وضمها: السيد الكثير العطاء. (3) في المصدر: وواضح بيناته. (4) في المصدر المطبوع: ممن، وفي المخطوط: بمن. (5) أي لا أعبا به ولا أباليه. (6) في المصدر: بمبغضيه وشانئيه. (7) المتعبسين خ ل وفى المصدر: المتعبس. (8) المعرضين خ ل. وهو الموجود في المصدر المطبوع. (9) وأهل الارضين خ ل. (10) لم يباعد مشاهده خ ل. وفى المصدر المطبوع: ثم قال: هذا الراعى لم يباعد شاهده. وفى المخطوط: لم يبعد. [ * ]

[ 325 ]

فإن كلمانا (1) ووجدناهما يرعيان غنمه، وإلا كنا على رأس أمرنا، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله و معه جماعة كثيرة من المهاجرين والانصار، فلما رأوا القطيع من بعيد قال الراعي: ذاك قطيعي، فقال المنافقون: فأين الذئبان ؟ فلما قربوا رأوا الذئبين يطوفان حول الغنم يردان عنها كل شئ يفسدها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: أتحبون أن تعلموا أن الذئب ماعنى غيري بكلامه ؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال: أحيطوا بي حتى لا يراني الذئبان، فأحاطوا به، فقال للراعي: يا راعي قل للذئب: من محمد الذي ذكرته من بين (2) هؤلاء ؟ قال: فجاء الذئب إلى واحد منهم وتنحى عنه، ثم جاء إلى آخر (3) وتنحى عنه، فما زال (4) حتى دخل وسطهم فوصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله هو وانثاه، وقالا: السلام عليك يا رسول الله رب العالمين (5)، وسيد الخلق أجمعين، ووضعا خدودهما على التراب ومرغاها (6) بين يديه، وقالا: نحن كنا دعاة إليك بعثنا إليك هذا الراعي وأخبرناه بخبرك، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المنافقين معه فقال: ما للكافرين عن هذا محيص، ولا للمنافقين عن هذا (7) موئل ولا معدل. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذه واحدة، قد علمتم صدق الراعي فيها، أفتحبون أن تعلموا صدقه في الثانية قالوا: بلى يارسول الله، قال: أحيطوا بعلي بن أبي طالب، ففعلوا ثم نادى رسول الله أيها (8) الذئبان إن هذا محمد، قد أشرتما للقوم إليه وعينتما عليه، فأشيرا وعينا علي بن أبي طالب الذي ذكرتماه بما ذكرتماه، قال فجاء (9) الذئبان وتخللا القوم وجعلا يتأملان الوجوه والاقدام، وكل من تأملاه أعرضا عنه حتى بلغا عليا، فلما تأملاه مرغا في


(1) في المصدر: وإن كانا. (2) زاد في المصدر: فقال الراعى للذئب ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) الاخر خ ل. (4) في المصدر: فما زال كذلك. (5) خلا المصدر من قوله: رب العالمين. (6) مرغ وجهه في التراب: قلبه فيه. (7) من هذا خ ل. (8) يا أيها الذئبان ح ل. (9) فجاءه خ ل. [ * ]

[ 326 ]

التراب أبدانهما، ووضعا على الارض بين يديه خدودهما، وقالا: السلام عليك يا حليف الندى،، ومعدن النهى، ومحل الحجى، وعالما بما في الصحف الاولى، ووصي المصطفى، السلام عليك يامن أسعد الله به محبيه، وأشقى بعداوته شانئيه، وجعله (1) سيد آل محمد وذويه، السلام عليك يامن لو أحبه أهل الارض كما يحبه أهل السماء، لصاروا خيار الاصفياء، ويامن لو أحس بأقل قليل من بغضه من أنفق في سبيل الله ما بين العرش إلى الثرى، لانقلب بأعظم الخزي والمقت من العلي الاعلى، قال: فعجب أصحاب رسول الله الذين كانوا معه، قالوا يارسول الله ما ظننا أن لعلي هذا المحل من السباع مع محله منك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فكيف لو رأيتم محله من سائر الحيوانات المبثوثات في البر والبحر وفي السماوات والارض، والحجب والعرش والكرسي، والله لقد رأيت من تواضع أملاك سدرة المنتهى لمثال علي المنصوب بحضرتهم ليشبعوا بالنظر إليه بدلا من النظر إلى علي كلما اشتاقوا إليه ما يصغر في جنبه تواضع هذين الذئبين، وكيف لا يتواضع الاملاك و غيرهم من العقلاء لعلي وهذا رب العزة قد آلى على نفسه قسما (2) لا يتواضع أحد لعلي قيس (3) شعرة إلا رفعه الله في علو الجنان مسيرة مأة ألف سنة، وإن التواضع الذي تشاهدونه يسير قليل في جنب هذه الجلالة والرفعة اللتين عنهما تخبرون. وأما حنين العود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يخطب بالمدينة إلى جذع (4) نخلة في صحن مسجدها، فقال له بعض أصحابه (5): يارسول الله إن الناس قد كثروا، وإنهم يحبون النظر إليك إذا خطبت، فلو أذنت أن نعمل لك منبرا له مراقي (6) ترقاها فيراك الناس إذا خطبت، فأذن في ذلك، فلما كان يوم الجمعة مر بالجذع فتجاوزه إلى المنبر فصعده، فلما استوى عليه حن ذلك الجذع حنين الثكلى، وأن أنين الحبلى،


(1) جعلك خ ل. (2) في المصدر: قسما حقا. (3) في المصدر: قدر شعرة والمعنى واحد. (4) في المصدر: على جذع. (5) أهله خ ل. (6) مراق خ ل [ * ]

[ 327 ]

فارتفع بكاء الناس وحنينهم وأنينهم، وارتفع حنين الجذع وأنينه في حنين الناس وأنينهم ارتفاعا بينا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك نزل عن المنبر وأتى الجذع فاحتضنه ومسح عليه يده، وقال: اسكن فما تجاوزك رسول الله تهاونا بك، ولا استخفافا بحرمتك، ولكن ليتم لعباد الله مصلحتهم، ولك جلالك وفضلك إذ كنت مستند محمد رسول الله، فهدأ حنينه وأنينه، وعاد رسول الله صلى الله عليه واله إلى منبره، ثم قال: معاشر المسلمين هذا الجذع يحن إلى رسول رب العالمين، ويحزن لبعده عنه، ففى (1) عباد الله الظالمين أنفسهم من لا يبالي: قرب من رسول الله أم بعد، ولولا (2) أني احتضنت هذا الجذع، ومسحت يدي (3) عليه ما هدأ حنينه إلى يوم القيامة، وإن من عباد الله وإمائه لمن يحن إلى محمد رسول الله وإلى علي ولي الله كحنين هذا الجذع، وحسب المؤمن أن يكون قلبه على موالاة محمد و علي وآلهما الطيبين منطويا، أرأيتم شدة حنين هذا الجذع إلى محمد رسول الله ؟ وكيف هدأ لما احتضنه محمد رسول الله ومسح يده (4) عليه ؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله والذي بعثني بالحق نبيا، إن حنين خزان الجنان وحور عينها وسائر قصورها ومنازلها إلى من يوالى (5) محمدا وعليا و آلهما الطيبين ويبرأ (6) من أعدائهما لاشد من حنين هذا الجذع الذي رأيتموه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن الذي يسكن حنينهم وأنينهم ما يرد عليهم من صلاة أحدكم معاشر شيعتنا على محمد وآله الطيبين، أو صلاة (7) نافلة، أو صوم أو صدقة، وإن من عظيم ما يسكن حنينهم إلى شيعة محمد وعلي ما يتصل بهم من إحسانهم إلى إخوانهم المؤمنين، ومعونتهم لهم على دهرهم، يقول أهل الجنان بعضهم لبعض: لا تستعجلوا


(1) وفى خ ل. (2) أو بعد، لولا خ ل. (3) يبدى خ ل. (4) بيده خ ل. (5) يتولى خ ل. (6) ويتبرأ خ ل. وفى المصدر المطبوع: ويتبرأ من أعدائهم. (7) أو صلاته لله ح ل. [ * ]

[ 328 ]

صاحبكم، فما يبطئ عنكم إلا للزيادة في الدرجات العاليات في هذه الجنان بإسداء (1) المعروف إلى إخوانه المؤمنين، وأعظم من ذلك مما يسكن حنين سكان الجنان وحورها إلى شيعتنا ما يعرفهم الله من صبر شيعتنا على التقية واستعمالهم التورية ليسلموا (2) من كفرة عباد الله وفسقتهم، فحينئذ تقول خزان الجنان وحورها: لنصبرن على شوقنا إليهم (3) كما يصبرون على سماع المكروه في ساداتهم وأئمتهم، وكما يتجرعون الغيظ، ويسكتون عن إظهار الحق لما يشاهدون من ظلم من لا يقدرون على دفع مضرته، فعند ذلك يناديهم ربنا عزوجل: يا سكان جناتي ويا خزان رحمتي ما لبخل أخرت عنكم أزواجكم وساداتكم، ولكن ليستكملوا (4) نصيبهم من كرامتي بمواساتهم إخوانهم المؤمنين والاخذ بأيدي الملهوفين، والتنفيس عن المكروبين، وبالصبر على التقية من الفاسقين الكافرين، حتى إذا استكملوا أجزل كراماتي نقلتهم إليكم على أسر الاحوال وأغبطها فأبشروا، فعند ذلك يسكن حنينهم وأنينهم. وأما قلب الله السم على اليهود الذين قصدوه به، وأهلكهم (5) به فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما ظهر بالمدينة اشتد حسد ابن ابي له، فدبر عليه أن يحفر له حفيرة في مجلس من مجالس داره، ويبسط فوقها بساطا، وينصب في أسفل الحفيرة أسنة رماح، ونصب (6) سكاكين مسمومة، وشد أحد جوانب البساط والفراش إلى الحائط، ليدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وخواصه مع علي عليه السلام، فإذا وضع رسول الله صلى الله عليه وآله رجله على البساط وقع في الحفيرة، وكان قد نصب في داره، وخبأ رجالا بسيوف مشهورة يخرجون على علي عليه السلام ومن معه عند وقوع محمد في الحفيرة فيقتلونهم بها، ودبر أنه إن لم ينشط للقعود على ذلك


(1) أي باعطاء المعروف واهدائه. (2) ليسلموا بها خ ل. وهو الموجود في المصدر. (3) وحنيننا خ ل صح، وهو الموجود في المصدر المطبوع، وفى المخطوط: على شوقنا إليهم و حنيننا إليهم. (4) إلا ليستكملوا خ ل. (5) وإهلاكهم به خ ل. (6) وينصب خ ل. [ * ]

[ 329 ]

البساط أن يطعموه من طعامهم المسموم ليموت هو وأصحابه معه جميعا، فجاءه جبرئيل عليه السلام وأخبره (1) بذلك، وقال له: إن الله يأمرك أن تقعد حيث يقعدك، وتأكل مما يطعمك، فإنه مظهر عليك آياته، ومهلك أكثر من تواطأ على ذلك فيك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وقعد على البساط، وقعدوا عن يمينه وشماله وحواليه، ولم يقع في الحفيرة، فتعجب ابن ابي ونظر (2) وإذا قد صار ما تحت البساط أرضا ملتئمة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام وصحبهما بالطعام المسموم، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وضع يده في الطعام قال: يا علي ارق (3) هذا الطعام بالرقية النافعة، فقال علي عليه السلام: بسم الله الشافي، بسم الله الكافي، بسم الله المعافي، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ (4) في الارض ولا في السماء، وهو السميع العليم " ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام، ومن معهما حتى شبعوا، ثم جاء أصحاب عبد الله ابن ابي وخواصه فأكلوا فضلات رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه ظنوا أنه (5) قد غلط ولم يجعل فيه سموما لما رأوا محمدا وصحبه لم يصبهم مكروه، وجاءت بنت عبد الله بن ابي إلى ذلك المجلس المحفور تحته المنصوب فيه (6) ما نصب، وهي كانت دبرت ذلك ونظرت فإذا (7) ما تحت البساط أرض ملتئمة، فجلست على البساط واثقة فأعاد الله الحفيرة بما فيها فسقطت فيها وهلكت، فوقعت الصيحة، فقال عبد الله ابن ابي: إياكم وأن تقولوا: إنها سقطت في الحفيرة، فيعلم محمد ما كنا قد دبرنا عليه، فبكوا وقالوا: ماتت العروس - وبعلة عرسها كانوا دعوا رسول الله صلى الله عليه وآله - ومات القوم الذين أكلوا فضلة رسول الله صلى الله عليه وآله، فسأل رسول الله عن سبب موت الابنة والقوم، فقال ابن ابي: سقطت من السطح، ولحق القوم


(1) فأخبره خ ل. (2) ونظر ابن ابى خ ل. وفى المصدر المخطوط: فنظر إلى ابن ابى وإذا صار. (3) رقاه ورقى عليه: استعمل الرقية نفعا له أو إضرارا به. والرقية: العوذة التى يرقى بها صاحب الافة. (4) ولا داء خ. (5) في المصدر: ظنا منهم انه قد غلط. (6) فيها خ ل. (7) وإذا خ ل. [ * ]

[ 330 ]

تخمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله أعلم بماذا ماتوا، وتغافل عنهم وأما تكثير الله القليل من الطعام لمحمد صلى الله عليه وآله فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان ذات يوم (1) جالسا هو وأصحابه بحضرة جمع من خيار المهاجرين والانصار إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن شدقي يتحلب، وأجدني أشتهي حريرة مدوسة ملبقة بسمن وعسل، فقال علي عليه السلام: وأنا أشتهي ما يشتهيه رسول الله صلى الله عليه وآله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي الفصيل: ما (2) تشتهي أنت ؟ فقال: خاصرة حمل مشوي، وقال لابي الشرور وأبي الدواهي: ما (3) تشتهيان أنتما ؟ قالا: صدر حمل مشوي، قال (4) رسول الله صلى الله عليه وآله: أي عبد مؤمن يضيف اليوم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه ويطعمهم شهواتهم ؟ فقال عبد الله بن ابي (5): هذا والله اليوم الذي نكيد (6) فيه محمدا وصحبه ونقتله، ونخلص العباد والبلاد منه، وقال: يارسول الله أنا اضيفكم، عندي شئ من بر وسمن وعسل، وعندي حمل اشويه (7) لكم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فافعل، فذهب عبد الله بن ابي وأكثر السم في ذلك البر الملبق بالسمن والعسل، وفي ذلك الحمل المشوي، ثم عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: هلموا إلى ما اشتهيتم، قال (8) رسول الله صلى الله عليه وآله: مع هؤلاء ؟ قال ابن ابي: أنت وعلي وسلمان والمقداد وأبو ذر وعمار، فأشار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي الشرور وأبي الدواهي وأبي الملاهي وأبي النكث وقال: يا ابن ابي دون هؤلاء ؟ فقال ابن ابي: نعم دون هؤلاء، وكره أن يكونوا معه (9) لانهم كانوا مواطئين لابن ابي على النفاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا حاجة لي في شئ أستبد به دون هؤلاء المهاجرين (10) والانصار الحاضرين لي، فقال عبد الله: يارسول الله إن الشئ قليل


(1) كان يوما خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2 و 3) ماذا خ ل. (4) فقال خ ل. (5) في نفسه خ ل. (6) أكيد خ ل. (7) اشوى لكم خ ل. (8) فقال رسول الله: أنا ومن ؟ خ ل صح مثل ما في المصدر: (9) معهم خ ل. (10) في المصدر: دون هؤلاء ودون المهاجرين. [ * ]

[ 331 ]

لا يشبع (1) أكثر من عشرة إلى خمسة (2)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله (3)، إن الله أنزل مائدة على عيسى عليه السلام وبارك له في أرغفة (4) وسميكات حتى أكل وشبع منها أربعة آلاف وسبعمأة، فقال: شأنك، ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وآله يا معاشر المهاجرين والانصار هلموا إلى مائدة (5) عبد الله بن ابي، فجاءوا مع رسول الله وهم سبعة (6) آلاف وثمانمأة، فقال عبد الله لاصحاب له: كيف نصنع ؟ هذا محمد وصحبه، وإنما نريد أن نقتل محمدا ونفرا من أصحابه (7)، ولكن إذا مات محمد وقع بأس هؤلاء بينهم، فلا يلتقي اثنان منهم في طريق وبعث ابن ابي إلى أصحابه والمتعصين له ليتسلحوا ويتجمعوا، قال: وما (8) هو إلا أن يموت محمد حتى يلقانا أصحابه (9) ويتهالكوا، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله داره أومأ عبد الله إلى بيت له صغير، فقال: يارسول الله أنت وهؤلاء الاربعة يعني عليا وسلمان والمقداد وعمارا في هذا البيت، والباقون في الدار والحجرة والبستان، ويقف منهم قوم على الباب حتى يفرغ أقوام ويخرجون، ثم يدخل بعدهم أقوام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الذي يبارك في هذا الطعام القليل ليبارك في هذا البيت الصغير الضيق، ادخل يا علي ويا سلمان (10) ويا مقداد ويا عمار، ادخلوا (11) معاشر المهاجرين والانصار، فدخلوا أجمعين وقعدوا حلقة واحدة كما يستديرون حول ترابيع الكعبة، وإذا البيت قد وسعهم أجمعين، حتى أن بين كل رجلين منهم موضع رجل، فدخل عبد الله بن ابي فرأى عجبا عجيبا


(1) لا يسع خ ل. (2) هكذا في النسخ: والصحيح كما في المصدر: أكثر من أربعة إلى خمسة. (3) يا عبد الله خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) في المصدر: أربعة أرغفة. (5) مأدبة خ ل، وهو الموجود في المصدر المطبوع. (6) ستة خ ل صح، وهو الموجود في نسخة من المصدر. (7) من صحبه خ ل. (8) وقال: ما خ ل. (9) حتى يبقى لى خ ل. (10) وياباذر خ ل. (11) وادخلوا خ ل. [ * ]

[ 332 ]

من سعة البيت الذي كان ضيقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ايتنا بما عملته، فجاءه بالحريرة الملبقة بالسمن والعسل، وبالحمل المشوي، فقال ابن أبي: يا رسول الله صلى الله عليه وآله كل أنت أولا قبلهم، ثم ليأكل صحبك هؤلاء: علي ومن معه، ثم يطعم هؤلاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله. كذلك أفعل، فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على الطعام، ووضع علي عليه السلام يده معه، فقال ابن أبي: ألم يكن الامر على أن يأكل علي مع أصحابك (1) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله إن عليا أعلم بالله وبرسوله منك إن الله ما فرق فيما مضى بين محمد وبين علي، ولا يفرق فيما يأتي أيضا بينهما، إن عليا كان وأنا معه نورا واحدا، عرضنا الله عزوجل على أهل سماواته وأرضيه وسائر حجبه وجنانه وهوائه (2)، وأخذ لنا عليهم العهود والمواثيق ليكونن لنا ولاوليائنا موالين، ولاعدائنا معاندين، ولمن نحبه محبين، ولمن نبغضه مبغضين (3)، ما زالت إرادتنا واحدة، ولا تزال لا أريد إلا ما يريد، ولا يريد إلا ما أريد، يسرني ما يسره، ويؤلمني ما يؤلمه، فدع يا ابن أبي عليا فإنه أعلم بنفسه وبي منك، قال ابن أبي: نعم يارسول الله، وأفضى إلى جد ومعتب (4)، فقال: أردنا واحدا فصارا اثنين الآن يموتان جميعا ونكفاهما جميعا، وهذا لحينهما (5) وسعادتنا، فلو بقي علي بعده لعله كان يجالد أصحابنا هؤلاء، وعبد الله بن أبي قد جمع جميع أصحابه ومتعصبيه حول داره ليضعوا السيف على (6) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إذا مات بالسم، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام يدهما (7) في الحريرة الملبقة بالسمن والعسل فأكلا حتى شبعا، ثم وضع من اشتهى خاصرة الحمل ومن اشتهى صدره منهم فأكلا (8) حتى شبعا، وعبد الله ينظر ويظن أن لا يلبثهم (9) السم فإذا هم لا


(1) أن تأكل مع أصحابك وتفرد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال خ ل. (2) في المصدر: وهو امه. (3) باغضين خ ل. (4) في المصدر: نعم يا رسول الله، وأفضل منى، وأشار إلى جد ومعثب. (5) بختنا خ ل. وفى المصدر: ونكف شرهما جميعا، وهذا لخيبتهما وسعادتنا. (6) ليقعوا على أصحاب خ ل. (7) أيديهما خ ل. (8) وأكلا خ ل. (9) في المصدر: أنه لا يلبثهم. [ * ]

[ 333 ]

يزدادون إلا نشاطا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هات الحمل، فلما أتى به قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن ضع الحمل في وسط البيت، فوضعه، فقال عبد الله: يا رسول الله كيف تناله أيديهم ؟ فقال رسول الله: إن الذي وسع هذا البيت وعظمه حتى وسع جماعتهم وفضل عنهم هم الذي يطيل أيديهم حتى تنال هذا الحمل، قال: فأطال الله تعالى أيديهم حتى نالت ذلك، فتناولوا منه وبارك (1) في ذلك الحمل حتى وسعهم وأشبعهم وكفاهم، فإذا هو بعد أكلهم لم يبق منه إلا عظامه، فلما فرغوا منه طرح عليه رسول الله صلى الله عليه وآله منديلا له ثم قال: يا علي اطرح عليه الحريرة الملبقة (2) بالسمن والعسل، ففعل، فأكلوا منه حتى شبعوا كلهم وأنفدوه، ثم قالوا: يارسول الله نحتاج إلى لبن أو شراب نشربه عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن صاحبكم أكرم على الله من عيسى عليه السلام، أحيى الله تعالى له الموتى، وسيفعل ذلك لمحمد، ثم بسط منديله ومسح يده عليه وقال: (أللهم كما باركت فيها فأطعمتنا من لحمها فبارك فيها وأسقنا من لبنها) قال: فتحركت وبركت وقامت وامتلا ضرعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ايتوني بأزقاق وظروف وأوعية ومزادات، فجاءوا بها (3) فملاها فسقاهم حتى شربوا (4) ورووا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لولا أني أخاف أن يفتتن بها امتي كما افتتن بنو إسرائيل بالعجل فاتخذوه ربا من دون الله لتركتها تسعى في أرض الله، وتأكل من حشائشها، ولكن اللهم أعدها عظاما كما أنشأتها فعادت عظاما مأكولا ما عليها من اللحم شئ، وهم ينظرون، قال: فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يتذاكرون بعد ذلك توسعة الله البيت، وتكثيره الطعام، ودفعه غائلة السم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني إذا تذكرت ذلك البيت كيف وسعه الله بعد ضيقه، وفي تكثير ذلك الطعام بعد قلته، وفي ذلك السم كيف أزال الله تعالى غائلته عن


(1) وبارك الله خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2) في المصدر المطبوع: اطرح على الحريرة. وفي المخطوط: اطرح منديلك على الحريرة - (3) فجاءوه خ ل. (4) حتى شبعوا خ ل. [ * ]

[ 334 ]

محمد وعن ذويه (1) وكيف وسعه وكثره ؟ أذكر ما يزيده (2) الله تعالى في منازل شيعتنا وخيراتهم في جنات (3) عدن وفي الفردوس، إن في شيعتنا (4) لمن يهب الله تعالى له في الجنان من الدرجات والمنازل والخيرات ما لا يكون الدنيا وخيراتها في جنبها إلا كالرملة في البادية الفضفاضة (5)، فما هو إلا أن يرى أخا له مؤمنا فقيرا فيتواضع له ويكرمه ويعينه ويمونه ويصونه عن بذل وجهه له، حتى يرى الملائكة الموكلين بتلك المنازل والقصور وقد تضاعفت حتى صارت في الزيادة كما كان هذا الزائد في هذا البيت الصغير الذي رأيتموه فيما صار إليه من كبره وعظمه وسعته، فيقول الملائكة: يا ربنا لا طاقة لنا بالخدمة في هذه المنازل فامددنا بملائكة (6) يعاونوننا، فيقول الله: ما كنت لاحملكم ما لا تطيقون، فكم تريدون مددا ؟ فيقولون: ألف ضعفنا، وفيهم من المؤمنين من يقول الملائكة (7) نستزيد مددا ألف ألف ضعفنا (8) وأكثر من ذلك على قدر قوة إيمان صاحبهم: وزيادة إحسانه إلى أخيه المؤمن، فيمدهم الله تعالى بتلك الاملاك، وكلما لقي هذا المؤمن أخا (9) فبره زاد الله في ممالكه وفي خدمه في الجنة كذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وإذا تفكرت في الطعام المسموم الذي صبرنا عليه كيف أزال الله عنا غائلته وكثره ووسعه ذكرت صبر شعتنا على التقية، وعند ذلك يؤديهم الله بذلك الصبر إلى أشرف العاقبة، وأكمل السعادة طال ما يغتبطون في تلك الجنان بتلك الطيبات، فيقال لهم: كلوا هنيئا بتقيتكم (10) لاعدائكم وصبركم على أذاهم (11).


(1) ومن دونه خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2) ما يزيد الله خ ل. (3) في منازل عدن خ ل. (4) في المصدر المطبوع: من شيعتنا لمن يهبه الله. (5) الفضفاضة: الواسعة. (6) بأملاك خ ل تعاونوننا خ ل. (7) تقول أملاكه خ ل. (8) ضعفها خ ل وهو الموجود في المصدر. (9) أخاه خ ل. وهو الموجود في المصدر. (10) جزاء على تقيتكم خ ل. وفي المصدر: كلوا هنيئا جزاء على تقيتكم. (11) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 59 - 79. [ * ]

[ 335 ]

توضيح: قال الجوهري: حمارة القيظ بتشديد الراء: شدة حره، وقال: الضبع: العضد. قوله: ونصلت أي خرجت. قوله: أي شئ يرد عليكم، على بناء المجهول، أي لا يرد عليكم شيئا ذهب عنكم أو على بناء المعلوم، أي لا ينفعكم، يقال: هذا أرد، أي أنفع، ولارادة فيه، أي لا فائدة فيه. والكرش للحيوان بمنزلة المعدة للانسان، ونفضه كناية عن استخراج ما فيه من البول والغائط، والايغال: الامعان في السير، وربض الدار بالتحريك: ما حولها، والقمقام: السيد، ويقال: لا يحفل بكذا بالكسر، أي لا يبالي، والازورار: العدول والانحراف. قوله صلى الله عليه وآله: وإلا كنا على رأس أمرنا، أي إن لم نشاهد ذلك لا يبطل أمرنا، بل نكون على ما كنا عليه من الدلائل والمعجزات، والموئل: الملجأ. قوله: حليف الندى، أي ملازم الجود لا يفارقه كما لا يفارق الحليف صاحبه، وقيس كذا بالكسر: قدره. قال الفيروز آبادي: تحلب عينه وفوه: سالا. قوله: مدوسة: الدوس: الوطئ بالرجل، وإخراج الحب من السنبل، ولعل المراد هنا المبالغة في التقية أو الدق أو الخلط، ويقال لبقها أي خلطها خلطا شديدا ذكره الجزري. وقال الجوهري: الثريد الملبق الشديد التثريد الملين بالدسم. وأبو الفصيل أبو بكر، وكان يكنى به لموافقة البكر والفصيل في المعنى، وأبو الشرور عمر، وأبو الدواهي عثمان، وفي الاخير يحتمل أن يكون المراد بأبي الشرور أبا بكر على الترتيب إلى معاوية، أو عمر على الترتيب إلى معاوية، ثم على هذا أبو النكث إما أبو بكر أو طلحة بترك ذكر أبي بكر، والحين بالفتح: الهلاك. 16 - م: لما نزلت هذه الآية: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) في حق اليهود والنواصب قالوا له: يا محمد زعمت أنه ما في قلوبنا شئ من مواساة الفقراء، ومعاونة الضعفاء والنفقة في إبطال الباطل، وإحقاق الحق، وأن الاحجار ألين من قلوبنا، وأطوع لله منا، وهذه الجبال بحضرتنا فهلم بنا إلى بعضها فاستشهده على

[ 336 ]

تصديقك وتكذيبنا، فإن نطق بتصديقك فأنت المحق، يلزمنا اتباعك، وإن نطق بتكذيبك أو صمت فلم يرد جوابك فاعلم أنك المبطل في دعواك، المعاند لهواك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نعم هلموا بنا إلى أيها شئتم فأستشهده ليشهد لي عليكم، فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه، فقالوا، يا محمد هذا الجبل فاستشهده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للجبل: إني أسألك بجاه محمد وآله الطيبين، الذين بذكر أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه وهم خلق كثير لا يعرف عددهم إلا الله (1) عزوجل، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله على آدم عليه السلام وغفر خطيئته وأعاده إلى مرتبته، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم وسؤال الله بهم رفع إدريس عليه السلام في الجنة مكانا عليا، لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على هؤلاء اليهود في ذكر قساوة قلوبهم، وتكذيبهم في جحدهم (2) لقول محمد رسول الله، فتحرك الجبل وتزلزل وفاض عنه الماء ونادى: يا محمد أشهد أنك رسول رب العالمين، وسيد الخلائق (3) أجمعين، وأشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة، لا يخرج منها خير، كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا أو تفجرا (4)، وأشهد أن هؤلاء كاذبون عليك فيما به يقذفونك (5) من الفرية على رب العالمين. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأسألك أيها الجبل، أأمرك الله تعالى بطاعتي فيما ألتمسه منك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بهم نجى الله تعالى نوحا عليه السلام من الكرب العظيم، وبرد الله النار على إبراهيم عليه السلام وجعلها عليه سلاما (6)، ومكنه في جوف النار على سرير وفراش وثير، لم ير ذلك الطاغية مثله لاحد من ملوك الارض أجمعين، فأنبتت حواليه (7) من


(1) غير الله خ ل. (2) في المصدر: وجحدهم. (3) الخلق خ ل. (4) في المصدر: أو تفجيرا. (5) يقرفونك خ ل. أقول: قرف فلانا بكذا: عابه أو اتهمه به. (6) في المصدر: وجعلها عليه بردا وسلاما. (7) من حواليه خ ل. [ * ]

[ 337 ]

الاشجار الخضرة النضرة النزهة، وغمر (1) ما حوله من أنواع النور (2) بما لا يوجد إلا في فصول أربعة من السنة (3)، قال الجبل: بلى (4)، أشهد لك يا محمد بذلك، وأشهد أنك لو اقترحت على ربك أن يجعل رجال الدنيا قردا وخنازير لفعل، أو يجعلهم ملائكة لفعل، وأن يقلب النيران جليدا (5) والجليد نيرانا لفعل: أو يهبط السماء ألى الارض أو يرفع الارض إلى السماء لفعل، أو يصير أطراف المشارق والمغارب والوهاد (6) كلها صرة كصرة الكيس لفعل، وأنه قد جعل الارض والسماء طوعك، والجبال والبحار تنصرف بأمرك وسائر ما خلق الله من الرياح والصواعق وجوارح الانسان وأعضاء الحيوان لك مطيعة، و ما أمرتها به من شئ ائتمرت. فقالت اليهود: يا محمد أعلينا تشبه وتلبس ؟ (7) قد أجلست مردة من أصحابك خلف صخور هذا (8) الجبل، فهم ينطقون بهذا الكلام، ونحن لا ندري أنسمع من الرجال أم من الجبال، لا يغتر بمثل هذا إلا ضعفاؤك الذين تبحبح (9) في عقولهم، فإن كنت صادقا فتنح من موضعك هذا إلى ذلك القرار، وأمر هذا الجبل أن ينقلع من أصله فيسير إليك إلى هناك، فإذا حضرك ونحن نشاهده فأمره أن ينقطع نصفين من ارتفاع سمكه، ثم ترتفع السفلى من قطعته فوق العليا، وتنخفض العليا تحت السفلى، فإذا أصل الجبل قلته (10) وقلته أصله لنعلم (11) أنه من الله، لا يتفق بمواطأة ولا بمعاونة مموهين متمردين.


(1) عمر خ ل. (2) في نسخة من المصدر: المنثور. (3) في جميع السنة خ ل. وهو الموجود في المصدر. (4) بل خ ل. (5) الجليد: ما يجمد على الارض من الماء. يقال له بالفارسية: يخ. (6) الوهاد جمع الوهدة: الارض المنخفضة. الهوة في الارض. (7) علينا تشتبه وتلتبس خ ل. (8) على هذا الجبل خ ل. (9) تنجنج خ ل. (10) القلة: أعلى الجبل. (11) فحينئذ نعرف خ ل. [ * ]

[ 338 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - وأشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال (1) - يا أيها الحجر تدحرج فتدحرج، فقال (2) لمخاطبة: خذه وقربه من اذنك فسيعيد عليك ما سمعت، فإن هذا جزء من ذلك الجبل، فأخذه الرجل فأدناه إلى أذنه فنطق الحجر بمثل ما نطق به الجبل أولا من تصديق رسول الله صلى الله عليه وآله وفيما (3) ذكره عن قلوب اليهود، فيما (4) أخبر به من أن نفقاتهم في دفع أمر محمد باطل ووبال عليهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله أسمعت هذا ؟ أخلف هذا الحجر أحد يكلمك يوهمك (5) أنه الحجر يكلمك ؟ قال: لا، فأتني بما اقترحت في الجبل، فتباعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى فضاء واسع، ثم نادى الجبل: يا أيها الجبل بحق محمد وآله الطيبين الذين بجاههم ومسألة عباد الله بهم أرسل الله على قوم عاد ريحا صرصرا عاتية، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل خاوية، وأمر جبرئيل أن يصيح صيحة في قوم صالح عليه السلام حتى صاروا كهشيم المحتظر، لما انقلعت من مكانك بإذن الله، وجئت إلى حضرتي هذه - ووضع يده على الارض بين يديه - فتزلزل الجبل وسار كالقارح الهملاج (6) حتى دنا من أصبعه أصله فلزق (7) بها، ووقف ونادى: ها أنا ذا سامع لك مطيع يارسول رب العالمين، وإن رغمت أنوف هؤلاء المعاندين فأمرني أءتمر بأمرك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن هؤلاء افترحوا على أن آمرك أن تنقلع من أصلك فتصير نصفين، ثم ينحط أعلاك، ويرتفع أسفلك فتصير ذروتك (8) أصلك وأصلك ذروتك، فقال الجبل: أفتأمرني بذلك يارسول رب العالمين ؟ قال: بلى، فانقطع نصفين وانحط أعلاه إلى الارض وارتفع أسفله فوق أعلاه، فصار فرعه أصله، وأصله فرعه، ثم نادى الجبل: معاشر اليهود


(1) فقال خ ل. (2) ثم قال خ ل. وهو الموجود في المصدر المخطوط. (3) فيما خ ل. (4) في المصدر: وفيما أخبر به. (5) في المصدر المطبوع: ويوهمك. (6) دابة هملاج: حسنة السير في سرعة وبخترة. (7) في المصدر: حتى صار بين يديه ودنا من اصبعه أصله فلصق بها. (8) الذروة بالضم والكسر: أعلى الشئ. [ * ]

[ 339 ]

هذا الذي ترون دون معجزات موسى الذي تزعمون أنكم به تؤمنون ؟ فنظر اليهود بعضهم إلى بعض فقال بعض (1): ما عن هذا محيص، وقال آخرون منهم: هذا رجل مبخوت مؤتى له والمبخوت تؤتى (2) له العجائب ولا يغرنكم ما تشاهدون، فناداهم الجبل: يا أعداء الله قد أبطلتم بما تقولون نبوة موسى عليه السلام: هلا قلتم لموسى: إن قلب العصا ثعبانا، وانفلاق البحر طرقا، ووقوف الجبل كالظلمة فوقكم (3) إنما تأتي لك لانك مؤاتى لك، يأتيك جدك بالعجائب، فلا يغرنا ما نشاهده، فألقمتهم الجبال بمقالتها الصخور، ولزمتهم (4) حجة رب العالمين. قوله عزوجل: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (5) ". قال الامام عليه السلام: فلما بهر رسول الله صلى الله عليه وآله هؤلاء اليهود بمعجزته، وقطع معاذيرهم بواضح دلالته، لم يمكنهم مراجعتهم في حجته، ولا إدخال التلبيس عليه من معجزته قالوا: يا محمد قد آمنا بأنك الرسول الهادي المهدي، وأن عليا أخوك هو الولي والوصي وكانوا إذا خلوا باليهود الآخرين يقولون لهم: إن إظهارنا له الايمان به أمكن لنا من مكروهه، وأعون لنا على اصطلامه واصطلام إصحابه، لانهم عند اعتقادهم أننا منهم (6) يقفوننا على أسرارهم، ولا يكتموننا شيئا فنطلع عليهم (7) أعداءهم فيقصدون أذاهم بمعاونتنا ومظاهرتنا في أوقات اشتغالهم واضطرابهم، وفي أحوال تعذر المدافعة والامتناع من الاعداء


(1) بعضهم خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2) تتأتى خ ل أقول: البخت كلمة فارسية معناها الجد والحظ والمبخوت هو الذى يؤاتيه بخته بما يريد. (3) فوقهم خ ل. (4) وألزمتهم خ ل. (5) البقرة: 75 - 77. (6) معهم خ ل. (7) عليها خ ل. [ * ]

[ 340 ]

عليهم، وكانوا مع ذلك ينكرون على سائر اليهود الاخبار للناس عما كانوا يشاهدونه من آياته، ويعاينونه من معجزاته، فأظهر الله تعالى محمدا رسوله على سوء اعتقاداتهم، وقبح دخيلاتهم (1)، وعلى إنكارهم على من اعترف بما شاهده من آيات محمد وواضحات (2) بيناته وباهرات معجزاته فقال: يا محمد " أفتطمعون " أنت وأصحابك من علي وآله الطيبين " أن يؤمنوا لكم " هؤلاء اليهود الذين هم بحجج الله قد بهرتموهم، وبآيات الله ودلائله الواضحة قد قهرتموهم، أن يؤمنوا لكم: يصدقوكم (3) بقلوبهم ويبدوا في الخلوات لشياطينهم شرايف (4) أحوالكم، " وقد كان فريق منهم " يعني من هؤلاء اليهود من بني إسرائيل " يسمعون كلام الله " في أصل جبل طور سيناء، وأوامره ونواهيه " ثم يحرفونه " عما سمعوه إذا أدوه إلى من ورائهم من سائر بني إسرائيل " من بعد ما عقلوه " وعلموا أنهم فيما يقولونه كاذبون، " وهم يعلمون " أنهم في قلبهم (5) كاذبون، وذلك أنهم لما ساروا مع موسى عليه السلام إلى الجبل فسمعوا كلام الله، ووقفوا على أوامره ونواهيه، رجعوا فأدوه إلى من بعدهم فشق عليهم، فأما المؤمنون منهم فثبتوا على إيمانهم، وصدقوا في نياتهم، وأما أسلاف هؤلاء اليهود الذين نافقوا رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه القصة فإنهم قالوا لبني إسرائيل: إن الله تعالى قال لنا هذا، وأمرنا بما ذكرناه لكم ونهانا، وأتبع (6) ذلك بأنكم إن صعب عليكم ما أمرتكم به فلا عليكم أن لا تفعلوه، وإن صعب (7) ما عنه نهيتكم فلا عليكم أن ترتكبوه (8) وتواقعوه، هذا وهم يعلمون أنهم بقولهم هذا كاذبون


(1) دخيلة المرء: باطنه وضميره. وفى المصدر المخطوط: دخلاتهم: وفى المطبوع: أخلاقهم. (2) وواضح خ ل. (3) في المصدر: ويصدقوكم. (4) شريف خ ل. (5) في قولهم خ ل. وفى المصدر: في قيلهم. (6) وسع خ ل. (7) في المصدر: صعب عليكم. (8) أن تركتموه خ ل. [ * ]

[ 341 ]

ثم أظهر الله نفاقهم على الآخرين (1) مع جهلهم فقال عزوجل: " وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا " كانوا إذا لقوا سلمان والمقداد وأبا ذر وعمارا قالوا آمنا كإيمانكم إيمانا بنبوة محمد، مقرونا بالايمان بإمامة أخيه علي بن أبي طالب، وبأنه أخوه الهادي، ووزيره الموافي، وخليفته على امته، ومنجز عدته (2)، والوافي بذمته، والناهض بأعباء (3) سياسته وقيم الخلق الذائد (4) لهم عن سخط الرحمن، الموجب لهم إن أطاعوه رضى الرحمن، وأن خلفاءه من بعده هم النجوم الزاهرة، والاقمار المنيرة (5)، والشموس المضيئة الباهرة، و أن أوليائهم أولياء الله، وأن أعدائهم أعداء الله، ويقول بعضهم: نشهد أن محمدا صاحب المعجزات، ومقيم الدلالات الواضحات، هو الذي لما تواطأت قريش على قتله وطلبوه فقدا (6) لروحه أيبس الله أيديهم فلم تعمل، وأرجلهم فلم تنهض، حتى رجعوا عنه خائبين مغلوبين، لو شاء محمد وحده قتلهم أجمعين، وهو الذي لما جاءته قريش وأشخصته إلى هبل ليحكم عليه بصدقهم وكذبه، خر هبل لوجهه، وشهد له بنبوته، ولعلي (7) أخيه بإمامته ولاوليائه من بعده بوراثته، والقيام بسياسته وإمامته، وهو الذي لما ألجأته قريش إلى الشعب ووكلوا ببابه من يمنع من إيصال قوت، ومن خروج أحد عنه، خوفا أن يطلب لهم قوتا غذى هناك كافرهم ومؤمنهم أفضل من المن والسلوى، كلما اشتهى كل واحد منهم من أنواع الاطعمة الطيبات ومن أصناف الحلاوات، وكساهم أحسن الكسوات، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بين أظهرهم إذا رآهم (8) وقد ضاق لضيق فجهم صدورهم قال (9) بيده هكذا بينماه إلى الجبال وهكذا بيسراه إلى الجبال، وقال لها: اندفعي فتندفع وتتأخر حتى يصيروا بذلك


(1) نفاقهم الاخر خ ل. وهو الموجود في المصدر المخطوط. (2) في المصدر: عداته. (3) الاعباء جمع العبء: الثقل والحمل. (4) الذائد: الطارد والدافع. (5) النيرة خ ل. وهو الموجود في المصدر المخطوط. (6) قصدا خ ل وهو الموجود في نسخة من المصدر. (7) وشهد لعلى خ ل. وهو الموجود في المصدر المخطوط. (8) إذ رآهم خ ل. (9) نشال خ ل. [ * ]

[ 342 ]

في صحراء لا يرى طرفاها، ثم يقول بيده هكذا (1)، ويقول: أطلعي يا أيتها المودعات لمحمد وأنصاره ما أودعكها الله من الاشجار والاثمار (2) وأنواع الزهر والنبات، فتطلع من الاشجار الباسقة والرياحين المونقة والخضرات النزهة ما يتمتع به القلوب والابصار، و يتجلى (3) به الهموم والافكار، ويعلمون أنه ليس لاحد من ملوك الارض مثل صحرائهم على ما تشتمل عليه من عجائب أشجارها، وتهدل أثمارها (4)، واطراد أنهارها، وغضارة رياحينها، وحسن نباتها، ومحمد هو الذي لما جاءه رسول أبي جهل يتهدده ويقول: يا محمد إن الخيوط التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة، ورمت بك إلى يثرب. وإنها لا تزال بك حتى تنفرك (5) وتحثك على ما يفسدك ويتلفك (6) إلى أن تفسدها على أهلها، و تصليهم حر نار (7) تعديك طورك، وما أرى ذلك إلا وسيؤول إلى أن تثور عليك قريش ثورة رجل واحد لقصد آثارك (8)، ودفع ضررك وبلائك، فتلقاهم بسفهائك المغترين بك، و يساعد (9) على ذلك من هو كافر بك مبغض لك، فيلجئه إلى مساعدتك ومظاهرتك خوفه لان يهلك بهلاكك، ويعطب عياله بعطبك، يفتقر هو ومن يليه بفقرك، وبفقر متبعيك (10) إذ يعتقدون أن أعدائك إذا قهروك ودخلوا ديارهم عنوة لم يفرقوا بين من والاك وعاداك، و اصطلموهم باصطلامهم لك وأتوا على عيالهم وأموالهم بالسبي والنهب، كما يأتون على عيالك وأموالك، وقد أعذر من أنذر (11) وبالغ من أوضح، اديت هذه الرسالة إلى محمد وهو بظاهر


(1) بيده هكذا وبيده هكذا خ ل. (2) الثمار خ ل. وفى المصدر المخطوط: والانهار. (3) وينجلى خ ل. (4) ثمارها خ ل. (5) وتنفرك خ ل. (6) في المصدر المطبوع: وتبلغك. ولعله الاصح. (7) في المصدر وتصليهم حرنا. (8) دمارك خ ل صح. (9) ويساعدهم خ ل. (10) شيعتك خ ل. (11) أي من حذرك ما يحل بك فقد أعذر إليك، أي صار معذورا عندك. [ * ]

[ 343 ]

المدينة بحضرة كافة أصحابه، وعامة الكفار به من يهود بني إسرائيل، وهكذا امر الرسول ليجبن (1) المؤمنين، ويغري (2) بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول: قد أطريت (3) مقالتك ؟ واستكملت رسالتك ؟ قال: بلى، قال: فاسمع الجواب، إن أبا جهل بالمكاره والعطب يتهددني، ورب العالمين بالنصر والظفر يعدني، وخبر الله أصدق، والقبول من الله أحق، لن يضر محمدا من يخذ له أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله ويتفضل بجوده وكرمه عليه، قل له: يا أبا جهل إنك راسلتني (4) بما ألقاه في خلدك (5) الشيطان، وأنا اجيبك بما ألقاه في خاطري (6) الرحمن إن الحرب بيننا وبينك كائنة إلى تسعة وعشرين يوما، وإن الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، وستلقى أنت وعتبة وشيبة والوليد وفلان وفلان - وذكر عددا من قريش - في قليب بدر مقتلين (7) أقتل منكم سبعين، وآسر منكم سبعين، أحملهم على الفداء (8) العظيم الثقيل، ثم نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين واليهود (9) وسائر الاخلاط: ألا تحبون أن اريكم مصرع كل من هؤلاء ؟ هلموا إلى بدر، فإن هناك الملتقى والمحشر، وهناك البلاء الاكبر، لاضع فدمي على مواضع مصارعهم، ثم ستجدونها لا تزيد ولا تنقص ولا تتغير ولا تتقدم ولا تتأخر لحظة ولا قليلا ولا كثيرا، فلم يخف ذلك على أحد منهم ولم يجبه (10) إلا علي بن أبي طالب وحده، وقال: نعم بسم الله، وقال الباقون: نحن نحتاج إلى مركوب وآلات و نفقات فلا يمكننا الخروج إلى هناك وهو مسيرة أيام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لسائر


(1) ليخيب خ ل. وفى المصدر: المخطوط: ليجيبوا، وفى نسخة: ليخبتوا. (2) في المصدر المخطوط: ليغروا بالوثوب. بالثبوت خ ل. (3) اطردت خ ل. (4) قد راسلتني خ ل. (5) الخلد: البال والقلب. (6) في نسخة من المصدر: خلدي. (7) متقلبين خ ل. (8) في المصدر المطبوع: القيد. (9) واليهود والنصارى خ ل. وهو الموجود في المصدر. (10) ولم يجبه أحد خ ل. [ * ]

[ 344 ]

اليهود: فأنتم ماذا تقولون ؟ قالوا: نحن نريد أن نستقر في بيوتنا، ولا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في ادعائه محيل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا نصب عليكم في المسير إلى هناك، اخطوا خطوة واحدة فإن الله يطوي الارض لكم ويوصلكم في الخطوة الثانية إلى هناك، فقال المؤمنون: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله، فلنتشرف بهذه الآية، وقال الكافرون والمنافقون: سوف نمتحن هذا الكذب ليقطع (1) عذر محمد، ويصير دعواه حجة عليه، وفاضحة له في كذبه، قال: فخطا القوم خطوة ثم الثانية فإذا هم عند بئر بدر فعجبوا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اجعلوا (2) البئر العلامة، واذرعوا من عندها كذا ذراعا، فذرعوا فلما انتهوا إلى آخرها قال: هذا مصرع أبي جهل يجرحه فلان الانصاري، ويجهز (3) عليه عبد الله بن مسعود أضعف أصحابي، ثم قال: اذرعوا من البئر من جانب آخر ثم من جانب آخر (4) كذا وكذا ذراعا وذراعا، و ذكر أعداد الاذرع مختلفة، فلما انتهى كل عدد إلى آخره قال محمد صلى الله عليه وآله: هذا مصرع عتبة، وذلك مصرع شيبة، وذلك مصرع الوليد، وسيقتل فلان وفلان - إلى أن سمى تمام سبعين منهم بأسمائهم - وسيؤسر فلان وفلان، إلى أن ذكر سبعين بأسمائهم وأسماء آبائهم وصفاتهم ونسب المنسوبين إلى الآباء منهم، ونسب الموالي منهم إلى مواليهم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله أوقفتم على ما أخبرتكم به ؟ قالوا: بلى، قال: إن ذلك لحق كائن إلى ثمانية (5) وعشرين يوما من اليوم، في اليوم التاسع (6) والعشرين وعدا من الله مفعولا، وقضاء حتما لازما. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر المسلمين واليهود اكتبوا بما سمعتم، فقالوا: يا


(1) لينقطع خ ل وهو الموجود في المصدر المخطوط. (2) واجعلوا خ ل. (3) جهز على الجريح، شد عليه وأتم قتله. (4) ثم من جانب آخر خ. (5) بعد ثمانية خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) في المصدر: من اليوم التاسع والعشرين. [ * ]

[ 345 ]

رسول الله قد سمعنا ووعينا ولا ننسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الكتابة أذكر لكم، فقالوا: يارسول الله وأين الدواة والكتف ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذلك للملائكة (1)، ثم قال: يا ملائكة ربي، اكتبوا ما سمعتم من هذه القصة في أكتاف واجعلوا في كم كل واحد منهم كتفا من ذلك، ثم قال: معاشر المسلمين تأملوا أكمامكم وما فيها وأخرجوه واقرءوه، فتأملوها فإذا في كم كل واحد منهم صحيفة، قرأها وإذا فيها ذكر ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك سواء، لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر، فقال: أعيدوها في أكمامكم تكن (2) حجة عليكم، وشرفا للمؤمنين منكم، وحجة على أعدائكم، فكانت معهم، فلما كان يوم بدر جرت الامور كلها ببدر، ووجدوها كما قال (3) صلى الله عليه وآله لا يزيد ولا ينقص، قابلوا بها ما في كتبهم فوجدوها كما كتبته الملائكة فيها لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر، فقبل المسلمون ظاهرهم (4)، ووكلوا باطنهم إلى خالقهم، فلما أفضى بعض هؤلاء اليهود إلى بعض قالوا: أي شئ صنعتم أخبرتموهم بما فتح الله عليكم من الدلالات على صدق نبوة محمد وإمامة أخيه علي ليحاجوكم به عند ربكم، بأنكم كنتم قد علمتم هذا وشاهدتموه فلم تؤمنوا به ولم تطيعوه ؟ وقدروا بجهلهم أنهم إن لم يخبروهم بتلك الآيات لم يكن لهم (5) عليهم حجة في غيرها، ثم قال عزوجل: " أفلا تعقلون " أن هذا الذي تخبرونهم به بما فتح الله عليكم من دلائل نبوة محمد حجة عليكم عند ربكم، قال (6) الله عزوجل: " أولا يعلمون " يعني أو لا يعلم هؤلاء القائلون لاخوانهم " أتحدثونهم بما فتح الله عليكم " " أن الله يعلم ما يسرون " من عداوة محمد ويضمرونه من أن إظهارهم الايمان به أمكن لهم من اصطلامه وإبارة (7) أصحابه " وما يعلنون " من الايمان ظاهرا ليؤنسوهم ويقفوا به على


(1) إلى الملائكة خ ل. (2) تكون خ ل. (3) كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله خ ل. (4) أي فأقرت اليهود بما رأوا وأظهروا التصديق بذلك فقبل المسلمون ما أظهروا. (5) له خ ل. (6) ثم قال خ ل. (7) وإبادة خ ل. أقول هو الموجود في المصدر المخطوط، والابارة والابادة: الاهلاك. [ * ]

[ 346 ]

أسرارهم فيذيعونها بحضرة من يضرهم، وأن الله لما علم ذلك دبر لمحمد تمام أمره، و بلوغ غاية ما أراد الله (1) ببعثه، وأنه يتم أمره، وأن نفاقهم وكيادهم (2) لا يضره (3). بيان: الوثير: اللين الموافق قوله: تبحبح في عقولهم، في بعض النسخ بالباء الموحدة التحتانية في الموضعين، والحائين المهملتين، أي تتمكن وتستقر في عقولهم من قولهم: بحبح في المكان أي تمكن فيه، وفي بعضها بالنونين والجيمين من قولهم: تنجنج: إذا تحرك وتجبر، والقارح من الخيل: هو الذي دخل في السنة الخامسة، والمؤاتي بالهمز وقد يقلب واوا من المؤاتات وهي حسن المطاوعة والموافقة، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين. 17 - كا: علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد شباب الصيرفي، عن مالك بن إسماعيل النهدي، عن عبد السلام بن حارث، عن سالم بن أبي حفصة العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان في رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة لم تكن في أحد غيره: لم يكن له فئ وكان لا يمر في طريق فيمر فيه بعد يومين أو ثلاثة إلا عرف أنه قد مر فيه لطيب عرفه، و كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له (4). 18 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي المغرا، عن عمار السجستاني، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وضع حجرا على الطريق يرد الماء عن أرضه، فوالله ما نكب بعيرا ولا إنسانا حتى الساعة (5).


(1) ما أراده الله خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2) وكيدهم خ ل. (3) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 115 - 120. (4) اصول الكافي 1: 442. (5) فروع الكافي 1: 348. أقول: نكبت الحجارة رجله: لثمتها أو اصابتها وخدشتها [ * ]

[ 347 ]

(باب 3) ما ظهر له صلى الله عليه وآله شاهدا على حقيته من المعجزات السماوية والغرايب العلوية من انشقاق القمر ورد الشمس وحبسها، واظلال الغمامة، وظهور الشهب ونزول الموائد والنعم من السماء وما يشاكل ذلك زائدا على ما مضى في باب جوامع المعجزات الايات: القمر 54 اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر 1 و 2. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " اقتربت الساعة " أي قربت الساعة التي تموت فيها الخلائق، وتكون القيامة. والمراد فاستعدوا لها قبل هجومها " وانشق القمر " قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين (1)، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: إن فعلت تؤمنون ؟ قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله ربه أن يعطيه ما قالوا فانشق القمر فلقتين (2)، ورسوله الله صلى الله عليه وآله ينادي: يا فلان يا فلان اشهدوا. وقال ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله شقتين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله اشهدوا اشهدوا. وروي أيضا عن ابن مسعود أنه قال: والذي نفسي بيده لقد رأيت الحراء (3) بين فلقي القمر. وعن جبير بن مطعم قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله حتى صار فرقتين


(1) فرقتين خ ل وهو الموجود في المصدر والفلقتين: القطعتين. (2) في المصدر: فرقتين. (3) في المصدر: حراء وهو الصحيح. [ * ]

[ 348 ]

على هذا الجبل، وعلى هذا الجبل، فقال اناس: سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم، وقد روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة، منهم عبد الله بن مسعود، و أنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وابن عباس، وجبير بن مطعم، وعبد الله بن عمر، و عليه جماعة من المفسرين إلا ما روي عن عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال: معناه وسينشق القمر، وروي ذلك عن الحسن، وأنكره أيضا البلخي، وهذا لا يصح، لان المسلمين أجمعوا على ذلك فلا يعتد بخلاف من خالف فيه، ولان اشتهاره بين الصحابة يمنع من القول بخلافه، ومن طعن في ذلك بأنه لو وقع لما كان يخفى على أحد من أهل الاقطار فقوله باطل، لانه يجوز أن يكون الله تعالى قد حجبه عن أكثرهم بغيم وما يجري مجراه ولانه قد وقع ذلك ليلا فيجوز أن يكون الناس كانوا نياما فلم يعلموا بذلك، على أن الناس ليس كلهم يتأملون ما يحدث في السماء وفي الجو من آية وعلامة، فيكون مثل انقضاض الكواكب وغيره مما يغفل الناس عنه، وإنما ذكر سبحانه " اقتربت الساعة " مع " انشق القمر (1) " لان انشقاقه من علامة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله، ونبوته وزمانه من أشراط الساعة (2) " وإن يروا آية يعرضوا " هذا إخبار من الله تعالى عن عناد كفار قريش، و إنهم إذا رأوا آية معجزة أعرضوا عن تأملها، والانقياد لصحتها عنادا وحسدا " ويقولوا سحر مستمر " أي قوي شديد يعلو على كل سحر، وهو من إمرار الحبل وهو شدة فتله، واستمر الشئ: إذا قوي واستحكم، وقيل: معناه ذاهب (3) مضمحل لا يبقى، وقال المفسرون: لما انشق القمر قال مشركوا قريش: سحرنا محمد، فقال الله سبحانه: " وإن يروا آية يعرضوا " عن التصديق والايمان بها، قال الزجاج: وفي هذا دلالة على أن ذلك قد كان ووقع. وأقول: ولانه تعالى قد بين أنه يكون آية على وجه الاعجاز، وإنما يحتاج


(1) في المصدر: مما يغفل اكثر الناس عنه، وإنما ذكر سبحانه اقتراب الساعة مع انشقاقه (2) في المصدر: من أشراط اقتراب الساعة أقول: الاشراط: العلامات. (3) في المصدر: سحر ذاهب. [ * ]

[ 349 ]

إلى الآية المعجزة في الدنيا، ليستدل الناس بها على صحة النبوة، ويعرفوا صدق الصادق لا في حال انقطاع التكليف والوقت الذي يكون الناس فيه ملجئين إلى المعرفة، و لانه سبحانه قال: " ويقولوا سحر مستمر " وفي وقت الالجاء لا يقولون للمعجز: إنه سحر (1). وقال الرازي: المفسرون بأسرهم على أن المراد أن القمر حصل فيه الانشقاق، و دلت الاخبار على حدوث الانشقاق، وفي الصحاح خبر مشهور رواه جمع من الصحابة، قالوا: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله انشقاق القمر معجزة، فسأل ربه فشقه، وقول بعض المفسرين: المراد سينشق بعيد ولا معنى له لان من منع ذلك وهو الطبيعي يمنعه في الماضي و المستقبل، ومن وجوزه لا حاجة إلى التأويل، وإنما ذهب إليه ذلك الذاهب لان الانشقاق أمر هائل، فلو وقع لعم وجه الارض، فكان ينبغي أن يبلغ حد التواتر، فنقول: إن النبي صلى الله عليه وآله لما كان يتحدى بالقرآن وكانوا يقولون: إنا نأتي بأفصح ما يكون من الكلام، وعجزوا عنه وكان القرآن معجزة باقية إلى قيام الساعة لا يتمسك بمعجزة آخرى فلم ينقله العلماء بحيث يبلغ حد التواتر، وأما المؤرخون تركوه لان التواريخ في أكثر الامر يستعملها المنجمون، وهم لما وقع الامر قالوا: بأنه مثل خسوف القمر وظهور شئ في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر، فلذا تركوا حكايته في تواريخهم، والقرآن أدل دليل وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه، وحديث امتناع الخرق والالتيام حديث اللئام، وقد ثبت جواز الخرق و التخريب على السماوات، ثم قال: وأما كون الانشقاق آية للساعة فلان منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء وانفطارها وكذلك قوله في كل جسم سماوي من الكواكب فإذا انشق بعضها ثبت خلاف ما يقول به من عدم جواز خراب العالم انتهى (2). وقال القاضي في الشفاء: أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوع الانشقاق، وروى البخاري، بإسناده عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله


(1) مجمع البيان 9: 186. (2) مفاتيح الغيب ج 7 مع اختلاف يسير فراجع. [ * ]

[ 350 ]

صلى الله عليه وآله فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اشهدوا. وفي رواية مجاهد: ونحن مع النبي صلى الله عليه وآله، وفي بعض طرق الاعمش: بمنى، ورواه أيضا عن ابن مسعود الاسود وقال: حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر، ورواه عنه مسروق أنه كان بمكة، وزاد: فقال كفار قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فقال رجل منهم: إن محمدا إن كان سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الارض كلها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا، فأتوا فسألوا (1) فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك. وحكى السمرقندي عن الضحاك نحوه، وقال: فقال أبو جهل: هذا سحر، فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى ينظروا أرأوا ذلك أم لا، فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقا " فقالوا " يعني الكفار " هذا سحر مستمر " ورواه أيضا عن ابن مسعود علقمة فهؤلاء أربعة عن عبد الله. وقد رواه غير ابن مسعود، منهم أنس وابن عباس وابن عمر وحذيفة وجبير بن مطعم وعلي، فقال علي عليه السلام من رواية أبي حذيفة الارحبي (2): انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وآله. وعن أنس سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وآله أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر فرقتين حتى رأوا حراء بينهما، رواه عن أنس قتادة، وفي رواية معمر وغيره عن قتادة عنه: أراهم القمر مرتين (3) انشقاقه، فنزلت " اقتربت الساعة "، ورواه عن جبير بن مطعم ابنه محمد،


(1) في المصدر: فسألوهم. (2) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الحاء المهملة وفى آخرها الباء نسبة إلى بنى أرحب وهم بطن من همدان. (3) قال شارح الشفاء: أي شقتن أو فلقتين، ويؤيده انه في نسخة فرقتين، وقيل بمعنى كرتين وفى صحيح مسلم: فأراهم انشقاق القمر مرتين، قال الحلبي هذه المسألة فتشت عنها كثيرا حتى وجدتها في كلام أبى عبد الله ابن امام الجوزية ذكرها في كتابه إغاثة اللهفان فذكر كلاما وفيه: إن المرات يراد بها الافعال تارة والاعيان تارة، وأكثر ما تستعمل في الافعال، وأما الاعيان فكقوله في الحديث " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مرتين " أي شقين وفلقتين، ولما خفى هذا على من لم يحط به علما زعم أن الانشقاق وقع مرة بعد مرة في زمانين، وهذا مما يعلم أهل الحديث و من له خبرة بأحوال الرسول صلى الله عليه وآله وسيرته أنه غلط وأنه لم يقع الانشقاق الا مرة واحدة إه‍ ثم ذكر عن شيخه العراقى تعدد الانشقاق ورده. [ * ]

[ 351 ]

وابن ابنه جبير بن محمد، ورواه عن ابن عباس عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، ورواه عن ابن عمر مجاهد، ورواه عن حذيفة أبو عبد الرحمن السلمي، ومسلم بن أبي عمران الازدي، وأكثر طرق هذه الاحاديث صحيحة، والآية مصرحة، فلا يلتفت إلى اعتراض مخذول بأنه لو كان هذا لم يخف على أهل الارض، إذ لم ينقل عن أهل الارض أنهم رصدوه في تلك الليلة ولم يروه ولو نقل إلينا من لا يجوز تمالؤهم (1) لكثرتهم على الكذب لما كانت علينا به حجة إذ ليس القمر في حد واحد لجميع الارض، فقد يطلع على قوم قبل أن يطلع على آخرين، وقد يكون من قوم بضد ما هو من مقابلهم من أقطار الارض أو يحول بين قوم وبينه سحابة أو جبال، ولهذا نجد الكسوفات في بعض البلاد دون بعض وفي بعضها جزئية وفي بعضها كلية وفي بعضها لا يعرفها إلا المدعون لعلمها، وآية القمر كانت ليلا، والعادة من الناس بالليل الهدوء والسكون وإيجاف الابواب (2)، وقطع التصرف، ولا يكاد يعرف من امور السماء شيئا إلا من رصد ذلك، ولذلك ما يكون الكسوف القمري كثيرا في البلاد، وأكثرهم لا يعلم به حتى يخبر، وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب يشاهدونها من أنوار ونجوم طوالع عظام يظهر بالاحيان بالليل في السماء ولا علم عند احد منها انتهى (3). 1 - فس: " اقتربت الساعة " قال: قربت القيامة فلا يكون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا القيامة وقد انقضت النبوة والرسالة، قوله " وانشق القمر " فإن قريشا سألت رسول الله صلى الله عليه وآله أن يريهم آية فدعا الله فانشق القمر بنصفين (4) حتى نظروا إليه ثم، التأم " فقالوا هذا سحر مستمر " أي صحيح، وروي أيضا في قوله: " اقتربت الساعة " قال: خروج القائم عليه السلام. حدثنا حبيب بن الحسن (5) بن أبان الآجري، قال: حدثني محمد بن هشام، عن


(1) أي توافقهم وتواطؤهم. (2) أي اغلاقها. (3) شرح الشفاء 1: 584 - 589. (4) نصفين خ ل (5) الحصين خ ل. وهو الموجود في المصدر. [ * ]

[ 352 ]

محمد (1) قال: حدثني يونس قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: اجتمعوا أربعة عشر رجلا أصحاب العقبة ليلة أربعة عشر من ذي الحجة، فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله: ما من نبي إلا وله آية فما آيتك في ليلتك هذه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما الذي تريدون ؟ فقالوا: إن يكن لك عند ربك قد فأمر القمر (2) أن ينقطع قطعتين، فهبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد الله (3) يقرئك السلام ويقول لك: إني قد امرت كل شئ بطاعتك، فرفع رأسه فأمر القمر (4) أن ينقطع قطعتين فانقطع قطعتين، فسجد النبي صلى الله عليه وآله شكرا لله، وسجد شيعتنا، ثم رفع النبي رأسه ورفعوا رؤوسهم فقالوا (5): يعود كما كان ؟ فعاد كما كان، ثم قالوا: ينشق رأسه، فأمره فانشق، فسجد النبي صلى الله عليه وآله شكرا لله، وسجد (6) شيعتنا فقالوا: يا محمد حين تقدم سفارنا (7) من الشام واليمن نسألهم (8) ما رأوا في هذه الليلة، فإن يكونوا رأوا مثل ما رأينا علمنا أنه من ربك، وإن لم يروا مثل ما رأينا علمنا أنه سحر سحرتنا به، فأنزل الله: " اقتربت الساعة " إلى آخر السورة (9). 2 - م، ج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام في احتجاج النبي صلى الله عليه وآله على قريش إن الله يا أبا جهل إنما دفع عنك العذاب لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة عكرمة ابنك، وسيلي من امور المسلمين ما إن أطاع الله فيه كان عند الله خليلا، وإلا فالعذاب نازل عليك، وكذلك سائر قريش السائلين لما سألوا من هذا إنما امهلوا لان الله علم أن بعضهم سيؤمن بمحمد، وينال به السعادة، فهو لا يقطعه عن تلك السعادة


(1) وقال خ. (2) الهلال خ ل. (3) إن الله خ ل. وهو الموجود في المصدر. (4) الهلال خ ل. (5) فقالوا أيعود خ ل. (6) وسجدوا خ ل. (7) أسفارنا خ ل. أقول: الاسفار والسفر جمع السافر: المسافر. (8) فنسألهم خ ل. (9) تفسير القمى: 656 و 657. [ * ]

[ 353 ]

ولا يبخل بها عليه، أو من يولد منه مؤمن، فهو ينظر (1) أباه لايصال ابنه إلى السعادة، ولولا ذلك لنزل العذاب بكافتكم، فانظر نحو السماء، فنظر أكنافها فإذا أبوابها مفتحة، وإذا النيران نازلة منها مسامتة لرؤوس القوم حتى تدنو منهم، حتى وجدوا حرها بين أكتافهم، فارتعدت فرائص (2) أبي جهل والجماعة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا ترو عنكم فإن الله لا يهلككم بها، وإنما أظهرها عبرة، ثم نظروا وإذا قد خرج من ظهور الجماعة أنوار قابلتها ودفعتها حتى أعادتها في السماء كما جاءت منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بعض هذه الانوار أنوار من قد علم الله أنه سيسعده بالايمان في كل منكم من بعد (3)، وبعضها أنوار طيبة سيخرج عن بعضكم ممن لا يؤمن وهم مؤمنون (4). 3 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن علي بن محمد بن علي الحسيني، عن جعفر ابن محمد بن عيسى، عن عبيدالله بن علي، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: انشق القمر: بمكة فلقتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اشهدوا اشهدوا (5). 4 - ما: جماعة، عن أبي المفضل: عن نصر بن القاسم، وعمرو بن أبي حسان، عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن ديلم بن غزوان العبدي، وعلي بن أبي سارة الشيباني، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث رجلا إلى فرعون من فراعنة العرب يدعوه إلى الله عزوجل، فقال لرسول النبي صلى الله عليه وآله: أخبرني عن هذا الذي يدعوني (6) إليه أمن فضة هو أم من ذهب أم من حديد ؟ فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بقوله، فقال النبي صلى الله عليه وآله ارجع إليه فادعه، فقال: يا نبي الله إنه أعتى (7) من ذلك، قال: ارجع إليه


(1) أي يمهل أباه. (2) الفرائص جمع الفريصة: اللحمة بين الجنب والكتف، أو بين الثدى والكتف ترعد عند الفزع. (3) في المصدر: سيسعده بالايمان بى منكم من بعد. (4) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 212، الاحتحاج: 18. (5) أمالى ولد الشيخ: 218، وفيه: اشهدوا اشهدوا بهذا. (6) في المصدر: تدعوني إليه. (7) من عتى الرجل: استكبر وجاوز الحد. والعاتى: الجبار. [ * ]

[ 354 ]

فقال (1) كقوله، فبينا هو يكلمه إذ رعدت سحابة رعدة فألقت على رأسه صاعقة ذهبت بقحف (2) رأسه، فأنزل الله جل ثناؤه: " ويرسل (3) الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (4) ". 5 - ص: الصدوق بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن قوله تعالى: " اقتربت الساعة وانشق القمر (5) " قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله حتى صار بنصفين، ونظر إليه الناس وأعرض أكثرهم، فأنزل الله تعالى جل ذكره " وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (6) " فقال المشركون: سحر القمر، سحر القمر (7). 6 - يج: روي أن أهل المدينة مطروا مطرا عظيما فخافوا الغرق فشكوا إليه، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجابت السحاب عن المدينة على هيئة الاكليل لا تمطر في المدينة وتمطر حواليها، فعاين مؤمنهم وكافرهم أمرا لم يعاينوا مثله. 7 - يج: روي أنه كان في سفرين من أسفاره قبل البعثة معروفين مذكورين عند عشيرته، وغيرهم لا يدفعون حديثهما (8)، فكانت سحابة أظلت عليه حين يمشي تدور معه حيثما دار، وتزول حيث زال، يراها رفقاؤه ومعاشروه. 8 - يج: روي أن القمر انشق وهو بمكة أول مبعثه، يراه أهل الارض طرا، فتلا به عليهم قرآنا فما أنكروا ذلك عليه، وكان ما أخبرهم به من الامر الذي لا يخفى أثره ولا يندرس ذكره، وقول بعض الناس: إنه لم يره إلا واحد خطأ، بل شهرته أغنت


(1) في المصدر: قال ارجع إليه فرجع إليه فقال. (2) القحف بالكسر: العظم الذى فوق الدماغ. ما انفلق من الجمجمة فانفصل. (3) الرعد: 13، (4) امالي ابن الشيخ: 309. (5) القمر: 1. (6) القمر: 2. (7) قصص الانبياء: مخطوط. (8) أي لا يردون ما رأوا في هذين السفرين من كراماته وفضائله، بل كانوا يقرون بوقوعها و صحتها، أو لا يتركون ذكر ما رأوا فيهما من الكرامات بل كانوا يذكرونها كثيرا في أنديتهم ومحافلهم ويذيعونها وقوله: معروفين مذكورين صفة لسفرين. [ * ]

[ 355 ]

عن نقله، على أنه إن لم يره إلا واحد كان أعجب، وروى ذلك خمسة نفر: ابن مسعود، وابن عباس، وابن جبير وابن مطعم عن أبيه، وحذيفة وغيرهم. 9 - يج: من معجزاته صلى الله عليه وآله أن أبا طالب سافر بمحمد صلى الله عليه وآله، فقال: كلما كنا نسير في الشمس تسير الغمامة بسيرنا، وتقف بوقوفنا، فنزلنا يوما على راهب بأطراف الشام في صومعة، فلما قربنا منه نظر إلى الغمامة تسير بسيرنا قال: في هذه القافلة شئ، فنزل فأضافنا، وكشف (6) عن كتفيه فنظر إلى الشامة بين كتفيه فبكى، وقال: يا أبا طالب لم تجب (7) أن تخرجه من مكة، وبعد إذ أخرجته فاحتفظ به واحذر عليه اليهود فله شأن عظيم، وليتني ادركه فأكون أول مجيب لدعوته. 10 - يج: من معجزات النبي صلى الله عليه وآله أنه كان ليلة جالسا في الحجر، وكانت قريش في مجالسها يتسامرون، فقال بعضهم لبعض: قد أعيانا أمر محمد، فما ندري ما نقول فيه، فقال بعضهم: قوموا بنا جميعا إليه نسأله أن يرينا آية من السماء، فإن السحر قد يكون في الارض ولا يكون في السماء، فصاروا إليه، فقالوا يا محمد إن لم يكن هذا الذي نرى منك سحرا فأرنا آية في السماء، فإنا نعلم أن السحر لا يستمر في السماء كما يستمر في الارض، فقال لهم: ألستم ترون هذا القمر في تمامه لاربع عشرة ؟ فقالوا: بلى، قال: فتحبون (8) أن تكون الآية من قبله وجهته ؟ قالوا: قد أحببنا ذلك، فأشار إليه بإصبعه فانشق بنصفين، فوقع نصفه على ظهر الكعبة، ونصفه الآخر على جبل أبي قبيس، وهم ينظرون إليه، فقال بعضهم: فرده إلى مكانه، فأومئ بيده إلى النصف الذي كان على جبل أبي قبيس فطارا جميعا فالتقيا في الهواء فصارا واحدا، واستقر القمر في مكانه على ما كان، فقالوا: قوموا فقد استمر سحر محمد في السماء والارض، فأنزل الله: " اقتربت الساعة وانشق


(1) ظهر خ ل. (2) في نسخة: لم نحب. وفى طبعة أمين الضرب: لم تحب أقول: فعلى الاخير لعله استفهام انكاري. (3) أفتحبون خ ل. [ * ]

[ 356 ]

القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (1) ". 11 - قب: أجمع المفسرون والمحدثون سوى عطاء والحسين والبلخي في قوله: " اقتربت الساعة وانشق القمر " أنه اجتمع المشركون ليلة بدر إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، قال صلى الله عليه وآله: إن فعلت تؤمنون ؟ قالوا: نعم، فأشار إليه بإصبعه فانشق شقتين رئي حرى (2) بين فلقيه. وفي رواية نصفا على أبي قبيس ونصفا على قيقعان (3)، وفي رواية نصف على الصفا، ونصف على المروة، فقال صلى الله عليه وآله: اشهدوا، اشهدوا فقال ناس: سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم، وكان ذلك قبل الهجرة، وبقي قدر ما بين العصر إلى الليل وهم ينظرون إليه ويقولون: هذا سحر مستمر، فنزل: " وإن يروا آية يعرضوا " الآيات، وفي رواية أنه قدم السفار من كل وجه، فما من أحد قدم إلا أخبرهم أنهم رأوا مثل ما رأوا (4). 12 - قب: أبو رجاء العطاردي (5) قال: أول ما أنكرنا عند مبعث النبي صلى الله عليه وآله انقضاض الكواكب. قال الزجاج في قوله: " فاسترق السمع فأتبعه شهاب ثاقب (6) ": الشهاب من


(1) لم نجد الحديث وما قبله وما يأتي بعد ذلك في الخرائج المطبوع، وقد اشرنا سابقا إلى أن النسخة التى كانت عند المصنف كانت فيها زيادات لا تكون في المطبوعة، وذكر العلامة الرازي في الذريعة أنه توجد نسخة منه في مكتبة سلطان العلماء بطهران تخالف النسخة المطبوعة. (2) حرى لغة في حراء قال الفيروز آبادى: حراء ككتاب وكعلى عن عياض ويونث ويمنع: جبل بمكة فيه غار تحنث فيه النبي صلى الله عليه وآله انتهى وقال ياقوت في معجم البلدان: قال بعضهم: للناس فيه ثلاث لغات يفتحون حاءه وهى مكسورة، ويقصرون الفه وهى ممدودة، ويميلونها وهى لا تسوغ فيها الامالة لان الراء سبقت الالف ممدودة مفتوحة وهى حرف مكرر فقامت مقام الحرف المستعلى مثل راشد ورافع فلا تمال. (3) هكذا في نسخة المصنف، والصحيح كما في المصدر: فعيقعان بالتصغير: جبل بمكة وجهه إلى أبى قبيس. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 106 طبعة النجف. (5) أبو رجاء العطاردي هو عمران بن ملحان مخضرم مات سنة 105 وله 120 سنة. (6) هكذا في الكتاب ومصدره، ولا يوجد ذلك في المصحف الشريف، فهو ملفق عن قوله تعالى في سورة الحجر الاية: 18: " الا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين " وقوله في سورة الصافات الاية 10: " الامن خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ". [ * ]

[ 357 ]

معجزات نبينا صلى الله عليه وآله، لانه لم ير قبل زمانه، والدليل عليه أن الشعراء كانوا يمثلون في السرعة بالبرق والسيل، ولم يوجد في أشعارها بيت واحد فيه ذكر الكواكب المنقضة، فلما حدثت بعد مولده استعملت، قال ذوالرمة: كأنه كوكب في إثر عفرية * مسوم في سواد الليل منقضب. الضحاك (1) في قوله: " فارتقب يوم تأتي السماء بدخان " الآيات، كان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان، وأكلوا الميتة والعظام (2)، ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وقومك قد هلكوا، فسأل الله تعالى لهم الخصب والسعة، فكشف الله عنهم ثم عادوا إلى الكفر (3). بيان: قال الجزري: العفارة: الخبث والشيطنة، ومنه الحديث إن الله يبغض العفرية النفرية: هو الداهي الخبيث الشرير (انتهى). قوله: مسوم أي مرسل، وقال الجوهري: انقضب الشئ: انقطع، وتقول: انقضب الكوكب من مكانه، ثم ذكر هذا الشعر مستشهدا به. 13 - عم: من معجزاته صلى الله عليه وآله أن القمر انشق له بنصفين بمكة في أول مبعثه، وقد نطق به القرآن (4)، وقد صح عن عبد الله بن مسعود أنه قال: انشق القمر حتى صار


(1) أي قال الضحاك. وكثيرا ما يسقط صاحب المناقب كلمة (قال) اعتمادا على الوضوح و دلالة السياق. (2) وذلك حين دعا صلى الله عليه وآله عليهم وقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف عليه السلام فابتلاهم الله بالقحط والجوع تقدمت قصته. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 92 و 93 طبعة النجف. (4) اقول القرآن نطق بان النبي قد شق القمر آية ومعجزة بمكة من اقتراح الناس فطاوعه القمر وانشق ولكن الناس الحاضرين رأوا وقالوا هذا سحر مستمر فيدل على ان القمر قد انشق: دلالة الفعل الماضي من باب المطاوعة ويدل على انه كان من اقتراح ناس حاضرين: اتيان ضمير الجمع في يروا - ويعرضوا بلا سبق لهم في الذكر ويدل على ان الشق كان باشارة وامر النبي: انشقاقها بعنوان الاية فان الاية انما يكون عند ادعاء النبي وكذا لفظ الانشقاق فان المطاوعة انما يستعمل عند ايقاع الفعل فكأنه قال شقه فانشق ويدل على كون ذلك بمكة: نزول السورة بمكة شرفها الله تعالى. فالقرآن يصرح بانه قد انشق القمر بمجمع من المشركين المعاندين في مكة فلو فرض انه لم يقع كانت الاية كذبا فكيف لم يعترضوا على النبي والقرآن بانه كذب مع اصرارهم في تكذيبه. [ * ]

[ 358 ]

فرقتين، فقال كفار أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به، قال: فسئل السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا: رأيناه، استشهد البخاري في الصحيح بهذا الخبر في أن ذلك كان بمكة (1). أقول: قد مرت الاخبار المستفيضة في إظلال السحاب عليه صلى الله عليه وآله في باب منشاه صلى الله عليه وآله، وباب احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على اليهود وسائر الابواب، لا سيما أبواب هذا المجلد، وسيأتي رد الشمس بدعائه صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام في أبواب معجزات أمير المؤمنين عليه السلام، وكذا إجابة السحاب له صلى الله عليه وآله في أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، وكذا تطوق السحاب وبعده عن المدينة بإشارته صلى الله عليه وآله قد مر في باب المتقدم وسيأتي في باب استجابة دعائه صلى الله عليه وآله. وقال القاضي في الشفاء: خرج الطحاوي (2) في مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين (3) أن النبي صلى الله عليه وآله كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أصليت يا علي ؟ قال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم إنه كان في طاعتك وفي طاعة رسولك فاردد عليه الشمس، قال أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعدما غربت ووقعت (4) على الارض، وذلك بالصهباء في خيبر.


(1) إعلام الورى: 19. (2) قال شارح الشفاء: هو الامام الحافظ العلامة صاحب التصانيف المهمة روى عنه الطبراني وغيره من الائمة وهو مصرى من أكابر علماء الحنفية، لم يخلف مثله بين الائمة الحنفية، وكان أولا شافعيا يقرأ على خاله المزني، ثم صار حنفيا، توفى سنة 321، إه‍ أقول: هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الازدي الطحاوي، وكتابه مشكل الاحاديث قد طبع بحيدر آباد في 4 مجلدات. (3) وقال شارح الشفاء: وكذا الطبراني رواه بأسانيد رجال بعضها ثقاة. أقول: هي من الروايات المشهورة بين العامة والخاصة وسيأتى بأسانيدها في محله. (4) في شرح الشفاء: ووقفت على الجبال والارض، ويروى وقعت. [ * ]

[ 359 ]

قال: وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات، وحكى الطحاوي أن أحمد بن (1) صالح كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث الاسماء (2) لانه من علامات النبوة. وروى يونس بن بكير (3) في زيادة المغازي روايته عن ابن إسحاق: لما اسري برسول الله صلى الله عليه وآله وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير، قالوا: متى تجئ ؟ قال: يوم الاربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم تجئ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس (4). 14 - يج: عن أسماء بنت عميس قالت: إن عليا بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله في حاجة في غزوة حنين وقد صلى النبي صلى الله عليه وآله العصر ولم يصلها علي، فلما رجع وضع رأسه في حجر علي عليه السلام وقد أوحى الله إليه فجلله بثوبه، فلم يزل كذلك حتى كادت الشمس تغيب، ثم إنه سري عن النبي صلى الله عليه وآله فقال: أصليت يا علي ؟ قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وآله اللهم رد على علي الشمس، فرجعت حتى بلغت نصف المسجد، قالت أسماء: وذلك بالصهباء. 15 - يج: روي عن ام سلمة أن فاطمة عليها السلام جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله حاملة حسنا وحسينا، وفخارا فيه حريرة، فقال: ادعى ابن عمك، وأجلس أحدهما على فخذه اليمنى، والآخر على فخذه اليسرى، وعليا وفاطمة أحدهما بين يديه، والآخر خلفه،


(1) قال شارح الشفاء: هو أبو جعفر الطبري المصرى الحافظ سمع ابن عيينة ونحوه، وروى عنه البخاري وغيره، وقد كتب عن ابن وهب خمسين الف حديث، وكان جامعا يحفظ ويعرف الحديث والفقه والنحو مات بمصر سنة 248، وكان أبوه من أهل طبرستان، وقد جرت بين أحمد هذا و ابن حنبل مذاكرات، وكتب كل واحد منهما عن صاحبه: وكان يصلى بالشافعي. (2) في المصدر: أسماء بلا لام تعريف. (3) قال شارح الشفاء: هو الحافظ أبو بكر الشيباني، يروى عن هشام بن عروة والاعمش و محمد بن اسحاق امام المغازى، وعنه أبو كريب وابن نمير والعطاردي، قال ابن معين: صدوق، وقال ابن داود: ليس بحجة يوصل كلام ابن اسحاق بالاحاديث، اخرج له مسلم متابعة، وقد خرج له البخاري في الشواهد، وأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة. (4) شرح الشفاء 1: 589 - 591. [ * ]

[ 360 ]

فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ثلاث مرات وأنا عند عتبة الباب، فقلت: وأنا منهم ؟ فقال: أنت إلى خير، وما في البيت غير هؤلاء وجبرئيل، ثم أغدف عليهم كساء خيبريا فجللهم به وهو معهم، ثم اتاه جبرئيل بطبق فيه رمان وعنب فأكل النبي صلى الله عليه وآله فسبح العنب والرمان، ثم أكل الحسن والحسين فتناولا فسبح العنب والرمان في أيديهما، ثم دخل علي فتناول منه فسبح أيضا، ثم دخل رجل من الصحابة وأراد أن يتناول، فقال جبرئيل: إنما يأكل من هذا نبي أو ولد نبي أو وصي نبي. بيان: في النهاية: فيه إنه أغدف على علي سترا، أي أرسله. 16 - يج: روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا يوما في حاجة فانصرف علي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في حجرتي، فلما دخل علي من باب الحجرة استقبله رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الفضاء بين الحجر (1) فعانقه وأظلتهما غمامة سترتهما عني، ثم زالت عنهما الغمامة، فرأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وآله عنقود عنب أبيض وهو يأكل ويطعم عليا، فقلت: يارسول الله تأكل وتطعم عليا ولا تطعمني ؟ قال: هذا من ثمار الجنة لا يأكلها إلا نبي أو وصي نبي في الدنيا. 17 - ما: الفحام، عن عمه عمر بن يحيى، عن محمد بن سليمان بن عاصم، عن أحمد ابن محمد العبدي، عن علي بن الحسن الاموي، عن محمد بن جرير، عن عبد الجبار بن العلاء، عن يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن اسرج بغلته الدلدل، وحماره اليعفور، ففعلت ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وآله، فاستوى على بغلته واستوى علي على حماره، وسارا وسرت معهما، فأتينا سفح (2) جبل فنزلا وصعدا حتى صارا على ذروة الجبل، ثم رأيت غمامة بيضاء كدارة الكرسي (3) وقد أظلتهما، ورأيت النبي صلى الله عليه وآله وقد مد يده إلى شئ يأكل وأطعم عليا حتى توهمت أنهما قد شبعا،


(1) جمع الحجرة وفضائها صحن الحجرات وسط واسع الحجرة خ ل صح. (2) سفح الجبل: أصله وأسفله. عرضه ومضجعه الذى يسفح أي ينصب فيه الماء. (3) كدارة الترس خ ل. [ * ]

[ 361 ]

ثم رأيت النبي صلى الله عليه وآله وقد مد يده إلى شئ وقد شرب وسقى عليا حتى قدرت أنهما قد شربا ريهما، ثم رأيت الغمامة وقد ارتفعت، ونزلا فركبا وسارا وسرت معهما والتفت النبي صلى الله عليه وآله فرأى في وجهي تغيرا، فقال: ما لي أرى وجهك متغيرا ؟ ! فقلت: ذهلت (1) مما رأيت، فقال: فرأيت ما كان ؟ فقلت: نعم فداك أبي وامي يارسول الله، قال: يا أنس والذي خلق ما يشاء لقد أكل من تلك الغمامة ثلاث مأة وثلاثة عشر نبيا وثلاث مأة وثلاثة عشر وصيا، ما فيهم نبي أكرم على الله مني، ولا فيهم وصي أكرم على الله من علي (2). بيان: الدارة: ما أحاط بالشئ، قوله: ذهلت، أي غفلت عن كل شئ لدهشة ما رأيت، وفي بعض النسخ: وهلت، أي فزعت وهو أظهر. 18 - ما: ابن حشيش، عن علي بن القاسم بن يعقوب، عن محمد بن الحسين بن مطاع، عن أحمد بن حسن القواس (3)، عن محمد بن سلمة الواسطي، عن يزيد بن هارون، عن حماد ابن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم بغلته فانطلق إلى جبل آل فلان، وقال: يا أنس خذ البغلة، وانطلق إلى موضع كذى وكذى تجد عليا جالسا يسبح بالحصا فأقرئه مني السلام واحمله على البغلة وأت به إلي، قال أنس: فذهبت فوجدت عليا عليه السلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فحملته على البغلة فأتيت به إليه، فلما أن بصر برسول الله صلى الله عليه وآله قال: السلام عليك يارسول الله، قال: وعليك السلام يا أبا الحسن اجلس فإن هذا موضع قد جلس فيه سبعون نبيا مرسلا، ما جلس فيه من الانبياء أحد إلا وأنا خير منه، وقد جلس في موضع كل نبي أخ له ما جلس من الاخوة أحد إلا وأنت خير منه، قال أنس: فنظرت إلى سحابة قد أظلتهما ودنت من رؤوسهما، فمد النبي صلى الله عليه وآله يده إلى السحابة فتناول عنقود عنب فجعله بينه وبين علي، وقال: كل يا أخي، فهذه هدية من الله تعالى إلي ثم إليك، قال أنس: فقلت: يارسول الله علي


(1) وهلت خ ل. (2) أمالى ابن الشيخ: 177 و 178. (3) في المصدر:: أبى العباس أحمد بن حبر القواس خال ابن كردى. وفيه ابن خشيش بالخاء المعجمة. [ * ]

[ 362 ]

أخوك ؟ قال: نعم علي أخي، قلت: يارسول الله صف لي كيف علي أخوك ؟ قال: إن الله عزوجل خلق ماء تحت العرش قبل أن يخلق آدم بثلاثة آلاف عام، وأسكنه في لؤلؤة خضراء في غامض علمه إلى أن خلق آدم، فلما أن خلق آدم نقل ذلك الماء من اللؤلوءة فأجراه في صلب آدم إلى أن قبضه الله، ثم نقله في صلب شيث (1)، فلم يزل ذلك الماء ينتقل من ظهر إلى ظهر حتى صار في عبد المطلب (2)، ثم شقه الله عزوجل نصفين فصار نصفه في أبي: عبد الله بن عبد المطلب، ونصف في أبي طالب، فأنا من نصف الماء، وعلي من النصف الآخر، فعلي أخي في الدنيا والآخرة، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله: " وهو الذي (3) خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا " (4). 19 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن بسطام بن مرة الفارسي قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد الفارسي (5)، عن محمد بن معروف، عن صالح بن رزين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: عليكم بالهريسة فإنها تنشط للعبادة أربعين يوما، وهي من المائدة التي انزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله (6). أقول: سيأتي في باب فضائل أصحاب الكساء وأبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، وأبواب فضائل فاطمة عليها السلام نزول المائدة بطرق عديدة، وإيرادها هنا موجب للتكرار.


(1) في المصدر: ثم نقله إلى صلب شيث. (2) في المصدر: حتى صار في صلب عبد المطلب. (3) الفرقان: 54. (4) أمالى ابن الشيخ: 197 و 198. (5) في المصدر: عبد الرحمن بن عمر بن يزيد الفارسى، وعده الاردبيلى كذلك في جامع الرواة فيمن يروى عن محمد بن معروف. (6) فروع الكافي 2: 170. [ * ]

[ 363 ]

(باب 4) * (معجزاته صلى الله عليه وآله في اطاعة الارضيات من الجمادات) * * (والنباتات له وتكلمها معه) * 1 - يج: روي عن فاطمة بنت أسد أنه لما ظهرت أمارة وفاة عبد المطلب قال لاولاده: من يكفل محمدا ؟ قالوا: هو أكيس منا فقل له يختار لنفسه، فقال عبد المطلب يا محمد جدك على جناح السفر إلى القيامة، أي عمومتك وعماتك تريد أن يكفلك ؟ فنظر في وجوههم ثم زحف إلى عند أبي طالب (1)، فقال له عبد المطلب: يا أبا طالب إني قد عرفت ديانتك وأمانتك فكن له كما كنت له، قالت: فلما توفي أخذه أبو طالب وكنت أخدمه وكان يدعوني الام، قالت (2): وكان في بستان دارنا نخلات، وكان أول إدراك الرطب وكان أربعون صبيا من أتراب (3) محمد، يدخلون علينا كل يوم في البستان، ويلتقطون ما يسقط فما رأيت قط محمدا يأخذ رطبة من يد صبي سبق إليها، والآخرون يختلس بعضهم من بعض، وكنت كل يوم ألتقط لمحمد حفنة (4) فما فوقها، وكذلك جاريتي، فاتفق يوما أن نسيت أن ألتقط له شيئا ونسيت جاريتي، وكان محمد نائما، ودخل الصبيان و أخذوا كل ما سقط من الرطب وانصرفوا، فنمت فوضعت الكم على وجهي حياء من محمد إذا انتبه، قالت: فانتبه محمد ودخل البستان فلم ير رطبة على وجه الارض، فانصرف فقالت له الجارية: إنا نسينا أن نلتقط شيئا، والصبيان دخلوا وأكلوا جميع ما كان قد سقط، قالت: فانصرف محمد إلى البستان وأشار إلى نخلة وقال: أيتها الشجرة أنا جائع، قالت:


(1) في المصدر: ثم قال إلى أبى طالب. (2) وقالت خ ل. (3) الاتراب جمع التربة: من ولد معك أو تربى معك. (4) الحفنة: ملء الكفين، وفى المصدر: الجفنة بالجيم. [ * ]

[ 364 ]

فرأيت الشجرة (1) قد وضعت أغصانها التي عليها الرطب حتى أكل منها محمد ما أراد، ثم ارتفعت إلى موضعها، قالت فاطمة: فتعجبت، وكان أبو طالب قد خرج من الدار، وكل يوم إذا رجع وقرع الباب كنت أقول للجارية حتى تفتح الباب، فقرع أبو طالب (2) فعدوت حافية إليه وفتحت الباب وحكيت له ما رأيت، فقال: هو إنما يكون نبيا، وأنت تلدين له وزيرا بعد ثلاثين (3) فولدت عليا كما قال (4). 2 - يج: روي عن جابر قال: كنت إذا مشيت في شعاب مكة مع محمد صلى الله عليه وآله لم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يارسول الله. 3 - يج: روي عن عمار بن ياسر أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض أسفاره قال: فنزلنا يوما في بعض الصحارى القليلة الشجر، فنظر إلى شجرتين صغيرتين فقال لي: يا عمار صر إلى الشجرتين فقل لهما: يأمركما رسول الله أن تلتقيا حتى يقعد تحتكما، فأقبلت كل واحدة إلى الاخرى حتى التقتا فصارتا كالشجرة الواحدة، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله خلفهما فقضى حاجته، فلما أراد الخروج قال: لترجع كل واحدة إلى مكانها، فرجعتا كذلك. 4 - قب، يج: عن يعلى بن سيابة مثله (5). 5 - يج: من معجزاته صلى الله عليه وآله لما غزا بتبوك كان معه من المسلمين خمسة وعشرون ألفا سوى خدمهم، فمر صلى الله عليه وآله في مسيره بجبل يرشح الماء من أعلاه إلى أسفله من غير سيلان، فقالوا: ما أعجب رشح هذا الجبل ؟ فقال: إنه يبكي قالوا: والجبل يبكى ؟ قال: أتحبون أن تعلموا ذلك ؟ قالوا: نعم، قال: أيها الجبل مم بكاؤك فأجابه الجبل وقد سمعه الجماعة بلسان فصيح: يارسول الله مر بي عيسى بن مريم وهو يتلو " نارا وقودها


(1) في المصدر: فرأيت النخلة. (2) في المصدر: فقرع أبو طالب الباب. (3) بعد يأس خ ل. (4) الخرائج: 186 وفيه: وتلدين وزيره، فولدت عليا وزيره كما قال. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 117 طبعة النجف. [ * ]

[ 365 ]

الناس والحجارة (1) " فأنا أبكي منذ ذلك اليوم خوفا من أن أكون من تلك الحجارة، فقال: اسكن مكانك فلست منها، إنما تلك حجارة (2) الكبريت، فجف ذلك الرشح من الجبل في الوقت حتى لم ير شئ من ذلك الرشح ومن تلك الرطوبة التي كانت (3). 6 - يج: روي أن نبي الله صلى الله عليه وآله لما بنى مسجده كان فيه جذع نخل إلى جانب المحراب يابس عتيق، إذا خطب يستند عليه، فلما اتخذ له المنبر وصعد حن ذلك الجذع كحنين الناقة إلى فصيلها، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله فاحتضنه فسكن من الحنين، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله ويسمى الحنانة، إلى أن هدم بنوامية المسجد وجددوا بناءه فقلعوا (4) الجذع. 7 - يج: روي أنه كان ليهودي حق على مسلم، وقد عقد على أن يغرس المسلم له عدة خط من النخيل ويربيها إلى أن ترطب ألوانا كثيرة، فإنه عليه السلام أمر عليا أن يأخذ النوى على عدد تلك الاشجار التي ضمنها المسلم لليهودي، فصار يضع رسول الله صلى الله عليه وآله النوى في فيه ثم يعطيه عليا فيدفنه في الارض، فإذا اشتغل بالثاني نبت الاول حتى تمت أشجار النخل على الالوان المختلفة من الصفرة والحمرة والبياض والسواد وغيرها، وكان النبي صلى الله عليه وآله يمشي يوما بين نخلات ومعه علي عليه السلام فنادت نخلة إلى نخلة: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا وصية، فسميت الصيحانية. 8 - قب: أمير المؤمنين عليه السلام قال: لما غزونا خيبر ومعنا من يهود فدك جماعة فلما أشرفنا على القاع إذا نحن بالوادي. والماء يقلع الشجر ويدهده الجبال، قال: فقد رنا الماء فإذا هو أربع عشرة قامة، فقال بعض الناس: يارسول الله العدو من ورائنا والوادي قدامنا: فنزل النبي صلى الله عليه وآله فسجد ودعا ثم قال: سيروا على اسم الله، قال: فعبرت الخيل والابل والرجال (5).


(1) التحريم: 6. (2) الحجارة خ ل. (3) الخرائج: 189. (4) فقطعوا خ ل. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 114. [ * ]

[ 366 ]

9 - جابر: خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى المسلمين وقال: جدوا في الحفر، فجدوا و اجتهدوا ولم يزالوا يحفرون حتى فرغ من الحفر والتراب حول الخندق تل عال، فأخبرته بذلك، فقال: لا تفزع يا جابر فسوف ترى عجبا من التراب، قال: وأقبل الليل ووجدت عند التراب جلبة وضجة عظيمة، وقائل يقول: انتسفوا التراب والصعيدا * واستودعوه بلدا بعيدا وعاونوا محمد الرشيدا * قد جعل الله له عميدا أخاه وابن عمه الصنديدا فلما أصبحت لم أجد من التراب كفا واحدا (1). بيان: الصنديد: السيد الشجاع. 10 - قب: استند النبي صلى الله عليه وآله على شجرة يابسة فأورقت وأثمرت (2). 11 - ونزل النبي صلى الله عليه وآله بالجحفة تحت شجرة قليلة الظل، ونزل أصحابه حوله فتداخله شئ من ذلك، فأذن الله تعالى لتلك الشجرة الصغيرة حتى ارتفعت وظللت الجميع، فأنزل الله تعالى ذكره: " ألم تر إلى (3) ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا (4) ". 12 - شى: عن إسماعيل رفعه إلى سعيد بن جيبر قال: كان على الكعبة ثلاث مأة وستون صنما، لكل حي من أحياء العرب الواحد والاثنان، فلما نزلت هذه الآية " شهد الله أنه لا إله إلا هو " إلى قوله: " العزيز الحكيم (5) " خرت في الكعبة سجدا (6). 13 - ير: أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد وعلي بن الحكم جميعا، عن محمد بن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من الناس من يؤمن بالكلام ومنهم من لا يؤمن إلا بالنظر، إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: أرني آية، فقال


(1) منافب آل أبى طالب 1: 115. (2) مناقب آل أبي طالب 1: 117. (3) الفرقان: 45 (4) مناقب آل أبى طالب 1: 117. (5) آل عمران: 18. (6) تفسير العياشي: مخطوط. [ * ]

[ 367 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله لشجرتين: اجتمعا، فاجتمعتا، ثم قال: تفرقا، فافترقتا، ورجع كل واحدة منهما إلى مكانهما، قال: فآمن الرجل (1). ير: إبراهيم بن هاشم، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن حماد، عن خالد بن عبد الله، عنه عليه السلام مثله (2). ير: أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن البزنطي، عن حماد مثله (3). 14 - ير: أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابه، عن قاسم بن محمد عن إبراهيم بن إسحاق، عن هارون، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لابي بكر: أهل أجمع بينك وبين رسول الله ؟ - والحديث طويل - فأخبر أبو بكر عمر فقال له: أما تذكر يوما كنا مع النبي صلى الله عليه وآله فقال للشجرتين: التقيا، فالتقتا، فقضى حاجته خلفهما، ثم أمرهما فتفرقتا (4). 15 - ير: محمد بن الحسين، عن جعفر بن محمد بن يونس، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه وآله في مكان ومعه رجل من أصحابه وأراد قضاء حاجة فقال: ائت الاشاتين، يعني النخلتين، فقل لهما: اجتمعا، فاستتر (5) بهما النبي صلى الله عليه وآله فقضى حاجته، ثم قام فجاء الرجل فلم ير شيئا (6). بيان: قال الفيروز آبادي: أشى النخل: صغاره أو عامته، الواحدة أشاة (7). 16 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن محمد بن عبد الجبار، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله صلوات الله عليه قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الركن الغربي فجازه فقال له الركن: يارسول الله ألست قعيدا من قواعد بيت ربك فما بالي


(1 - 3) بصائر الدرجات: 71. (4) بصائر الدرجات: 70. (5) في المصدر: فقل لهما: اجتمعا بأمر رسول الله فقال لهما: اجتمعا بامر رسول الله صلى الله عليه وآله فاجتمعا فاستتر. اه‍. (6) بصائر الدرجات: 71. (7) هكذا في الكتاب وفى القاموس: أشاء النخل: صغاره أو عامته، الواحدة أشاءة. وذكر الجوهرى نحوه في الصحاح. [ * ]

[ 368 ]

لا استلم ؟ فدنا منه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اسكن عليك السلام (1) غير مهجور، ودخل حائطا فنادته العراجين من كل جانب السلام عليك يارسول الله، وكل واحد منها يقول: خذ مني، فأكل، ودنا من العجوة فسجدت فقال: " اللهم بارك عليها وانفع بها " فمن ثم روي أن العجوة من الجنة، وقال صلى الله عليه وآله: إني لاعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن ابعث إني لاعرفه الآن، ولم يكن صلى الله عليه وآله يمر في طريق يتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب عرفه، ولم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له (2). ير: محمد بن عبد الجبار إلى قوله: غير مهجور (3). 17 - ص: الصدوق، عن عبد الله بن حامد، عن حامد بن محمد، عن علي بن عبد العزيز، عن محمد بن سعيد الاصفهاني، عن شريك، عن سماك، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: بم أعرف أنك رسول الله ؟ قال: أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة فأتاني أتشهد أني رسول الله ؟ قال: نعم، قال: فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخل حتى سقط على الارض، فجعل يبقر حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال: ارجع فرجع حتى عاد إلى مكانه، فقال: اشهد أنك لرسول الله، وآمن، فخرج العامري يقول: يا آل عامر بن صعصعة والله لا اكذبه بشئ أبدا. وكان رجل من بني هاشم يقال له: ركانة وكان كافرا من أفتك الناس، يرعى غنما له بواد يقال له: وادي إضم (4)، فخرج النبي صلى الله عليه وآله إلى ذلك الوادي فلقيه ركانة، فقال: لولا رحم بيني وبينك ما كلمتك حتى قتلتك، أنت الذي تشتم آلهتنا ؟ ادع إلهك ينجيك مني، ثم قال: صار عني فإن أنت صرعتني فلك عشرة من غنمي، فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وصرعه وجلس على صدره، فقال ركانة: فلست بي فعلت هذا، إنما فعله إلهك


(1) السلام على فعال بمعنى التسليم لا السلام بالكسر بمعنى الاستلام إذ لم يرد في اللغة بمعناه، ويأبى عنه التعدية بعلى أيضا منه قدس سره. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) بصائر الدرجات: 148. (4) ذكره ياقوت بالكسر ثم الفتح وأنه اسم لمواضع منها ماء يطؤه الطريق بين مكة واليمامة عند السمينة. ومنها واد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر. [ * ]

[ 369 ]

ثم قال ركانة: عد، فإن أنت صرعتني فلك عشرة اخرى تختارها، فصرعه النبي صلى الله عليه وآله الثانية، فقال: إنما فعله إلهك، عد فإن أنت صرعتني فلك عشرة اخرى، فصرعه النبي صلى الله عليه وآله الثالثة: فقال ركانة: خذلت اللات والعزى، فدونك ثلاثين شاة فاخترها، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما اريد ذلك، ولكني أدعوك إلى الاسلام يا ركانة، وانفس ركانة يصير إلى النار، إنك إن تسلم تسلم، فقال ركانة: لا إلا أن تريني آية، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله: الله شهيد عليك الآن، إن دعوت ربي فأريتك آية لتجيبني إلى ما أدعوك ؟ قال: نعم، وقربت منه شجرة ثمرة (1) قال: اقبلي بإذن الله، فانشقت باثنين، وأقبلت على نصفها بساقها حتى كانت بين يدي نبي الله، فقال ركانة: أريتني شيئا عظيما، فمرها فلترجع، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: الله شهيد إن أنا دعوت ربي يأمرها فرجعت لتجيبني إلى ما أدعوك إليه ؟ قال: نعم، فأمرها فرجعت حتى التأمت بشقها، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: تسلم ؟ فقال ركانة: أكره أن تتحدث نساء مدينة أني إنما أجبتك لرعب دخل في قلبي منك، ولكن فاختر غنمك، فقال صلى الله عليه وآله: ليس لي حاجة إلى غنمك إذا أبيت أن تسلم (2). بيان: بقره كمنعه: شقه، وبيقر (3): مشى كالمتكبر، وانفس ركانة: " وا " كلمة نداء للندبة، ونفس مضاف إلى ركانة، ويمكن أن يقرأ أنفس على صيغة المتكلم على الحذف والايصال، من قولهم: نفس به كفرح، أي ضن. يج: مرسلا مثله إلى قوله: أشهد أنك لرسول الله. 18 - قب: عن ابن عباس مثله قال: وفي رواية فدعا العذق فلم يزل يأتي و يسجد حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله يتكلم (4). 19 - ص: الصدوق، عن عبد الله بن حامد، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن منصور،


(1) سمرة خ ل ظ. (2) قصص الانبياء: مخطوط. وذكر مختصره الشيخ الحر العاملي في اثبات الهداة 2: 130 وكذا ما تقدم قبل ذلك عن القصص. (3) أقول هذا بيان ما في بعض النسخ وهو: يبيقر بدل يبقر وقد فاتنا الايعاز إليه. (4) مناقب آل ابى طالب 1: 112. [ * ]

[ 370 ]

عن عمرو بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقوم فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يوم الجمعة فيخطب بالناس فجاءه رومي فقال: يارسول الله أصنع لك شيئا تقعد عليه ؟ فصنع له منبرا له درجتان ويقعد على الثالثة، فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وآله خار الجذع كخوار الثور، فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فسكت (1)، فقال: والذي نفسي بيده لو لم التزمه لما زال كذا إلى يوم القيامة ثم أمر بها فاقتلعت (2) فدفنت تحت منبره (3). 20 - قب: لما سار النبي صلى الله عليه وآله إلى قتال المقفع بن الهميسع البنهاني (4) كان في طريق المسلمين جبل عظيم هائل تتعب فيه المطايا، وتقف فيه الخيل، فلما وصل المسلمون شكوا أمره إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وما يلقون فيه من التعب والنصب، فدعا النبي صلى الله عليه وآله بدعوات فساخ الجبل في الارض وتقطع قطعا (5). 21 - لى: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن أبي الحسن العبدي، عن الاعمش، عن عباية بن ربعى، عن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: قال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله يا ابن أخ، الله أرسلك ؟ قال: نعم، قال، فأرني آية: قال: ادع لي تلك الشجرة، فدعاها فأقبلت حتى سجدت بين يديه، ثم انصرفت، فقال أبو طالب أشهد أنك صادق، يا علي صل جناح ابن عمك (6). 22 - ج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال:


(1) في اثبات الهداة: فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وآله حن الجذع إليه فالتزمه فسكت اه‍ أقول: لعلهما لا يخلوان عن سقط، ولعل الصحيح: فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فالتزمه فسكت. وفى اثبات الهداة: لو لم التزمه ما زال يحن إلى يوم القيامة. (2) ذلك ينافى ما تقدم من أنه كان باقيا إلى أن هدم بنو امية المسجد فقطعوه. (3) قصص الانبياء: مخطوط، والحديث موجود في اثبات الهداة 2: 131. (4) هكذا في الكتاب ومصدره، ولعله مصحف النبهاني بتقديم النون على الباء. نسبة إلى نبهان واسمه سودان بن عمرو بن الغوث من طيئ أو مصحف البنهائى نسبة إلى بنها بلدة على ستة فراسخ من فسطاط مصر. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 69. (6) الامالى: 365 (م 89). [ * ]

[ 371 ]

إن النبي صلى الله عليه وآله أتاه ثقفي كان أطب العرب، فقال له: إن كان بك جنون داويتك، فقال له محمد صلى الله عليه وآله: أتحب أن أراك آية تعلم بها غناي عن طبك وحاجتك إلى طبي ؟ فقال: نعم، قال: أي آية تريد ؟ قال: تدعو ذلك العذق، وأشار إلى نخلة سحوق (1)، فدعاها فانقلع اصولها (2) من الارض وهي تخد الارض خدا حتى وقفت بين يديه، فقال له: أكفاك ؟ قال: لا، قال: فتريد ماذا ؟ قال: تأمرها أن ترجع إلى حيث جاءت منه، ولتستقر (3) في مقرها الذي انقلعت منه، فأمرها فرجعت واستقرت في مقرها (4). بيان: سحقت النخلة ككرم: طالت، وفي بعض النسخ سموق بمعناه. 23 - لى: أبي، عن سعد، عن علي بن حماد البغدادي، عن بشر بن غياث المريسي، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن أبي حنيفة، عن عبد الرحمن السلماني، عن جيش (5) بن المعتمر، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فوجهني إلى اليمن لاصلح بينهم، فقلت: يارسول الله إنهم قوم كثير ولهم سن وأنا شاب حدث، فقال: يا علي إذا صرت بأعلى عقبة أفيق فناد بأعلى صوتك: يا شجر يامدر ياثرى، محمد رسول الله يقرئكم السلام، قال: فذهبت فلما صرت بأعلى العقبة أشرفت على أهل اليمن فإذا هم بأسرهم مقبلون نحوي، مشرعون رماحهم، مسورون أسنتهم، متنكبون قسيهم شاهرون سلاحهم، فناديت بأعلى صوتي: يا شجر يامدر (6) ياثرى، محمد رسول الله يقرئكم السلام قال: فلم يبق (7) شجرة ولا مدرة ولا ثرى إلا ارتج بصوت واحد: وعلى


(1) سموق خ ل. (2) في المصدر: فانقلع أصلها من الارض. (3) في المصدر: وتستقر في مقرها. (4) الاحتجاج: 123. (5) هكذا في الكتاب، وفى المصدر: حنش بالحاء المهملة بعدها النون وهو الصحيح. راجع تقريب ابن حجر: 130 وتنقيح المقال 1: 381. (6) ويا مدر خ ل. وهو الموجود في المصدر. (7) في المصدر: فلم تبق. [ * ]

[ 372 ]

محمد رسول الله وعليك السلام، فاضطربت قوائم القوم، وارتعدت ركبهم (1)، ووقع السلاح من أيديهم، وأقبلوا إلي مسرعين، فأصلحت بينهم وانصرفت (2). 24 - ير: أحمد بن موسى، عن محمد بن أحمد مولى حريز بن زيات، عن محمد بن عمير الجرجاني، عن رجل من أصحاب بشير (3) المريسي، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن عبد الرحمن، عن عيسى (4)، عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله (5). ير: أحمد بن موسى، عن أحمد بن محمد المعروف بغزال، عن محمد بن عمر الجرجاني يرفعه إلى عبد الرحمن بن أحمد السلماني عنه صلوات الله عليه مثله (6). يج: مرسلا مثله. بيان: انتكب قوسه وتنكب: ألقاه على منكبه. 25 - فس: لما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله حصن بني قريظة كان حول الحصن نخل كثير فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فتباعد عنه وتفرق في المفازة (7). 26 - ما، ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن علي بن محمد بن علي الحسيني، عن جعفر بن محمد بن عيسى، عن عبيدالله بن علي، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إني لاعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل أن ابعث، إني لاعرفه الآن (8). يج: مرسلا مثله. 27 - ما: الفحام، عن عمه عمر بن يحيى، عن محمد بن سليمان بن عاصم، عن أحمد بن


(1) في نسخة من المصدر: فارتعدت فرائصهم وركبهم. (2) الامالى: 134 و 135. (3) هكذا في الكتاب ومصدره، وتقدم في الحديث السابق بشر وهو الصحيح والرجل هو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث المريسى الفقيه الحنفي المتكلم، المتوفى سنة 218، أخذ الفقه من أبى يوسف، واشتغل بالكلام وكان مرجئيا، وحكى عنه أقوال شنيعة، تنسب إليه الفرقة المريسية. (4) في المصدر: عبد الرحمن عن امير المؤمنين عليه السلام. (5) بصائر الدرجات: 148. (6) بصائر الدرجات: 147. (7) تفسير القمى: 528. (8) أمالى ابن الشيخ: 217 و 218. [ * ]

[ 373 ]

محمد العبدي، عن علي بن الحسن الاموي، عن جعفر الاموي، عن عباس بن عبد الله، عن سعد بن ظريف (1) عن الاصبغ بن نباتة، عن أبي مريم، عن سلمان قال: كنا جلوسا عند النبي عليه السلام إذ أقبل علي بن أبي طالب عليه السلام فناوله (2) حصاة فما استقرت الحصاة في كف علي عليه السلام حتى نطقت، وهي تقول: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، رضيت بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبعلي بن أبي طالب وليا " ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: من أصبح منكم راضيا بالله (3) وبولاية علي بن أبي طالب فقد أمن خوف الله وعقابه (4). 28 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، وابن هاشم، عن الحسن بن علي، عن داود بن علي اليعقوبي (5)، عن بعض أصحابنا، عن عبد الاعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى رسول الله يهودي يقال له: سجت (6)، فقال له يا محمد جئت أسألك عن ربك فإن أجبتني عما أسألك عنه (7) وإلا رجعت، فقال له: سل عما شئت، فقال: أين ربك ؟ فقال: هو في كل مكان، وليس هو في شئ من المكان محدود (8)، قال: فكيف هو ؟ فقال: وكيف أصف ربي بالكيف، والكيف مخلوق، والله لا يوصف بخلقه، قال: فمن يعلم أنك نبي (9) ؟ قال: فما بقي حوله حجر ولا مدر ولا غير ذلك إلا تكلم بلسان عربي مبين: يا شيخ (10) إنه رسول الله، فقال: سجت (11) بالله ما رأيت كاليوم أبين، ثم قال: أشهد أن


(1) هكذا في الكتاب، وفى المصدر: طريف بالطاء المهملة وهو الصحيح (2) في المصدر: فناوله النبي صلى الله عليه وآله. (3) وبنبيه ظ. (4) أمالى ابن الشيخ: 178. (5) ذكرنا ضبطه في كتاب التوحيد: باب نفى الزمان والمكان: ج 3 و 332. (6) شخت خ ل. أقول: ذكرنا ما قيل في ضبطه وما وجد من اختلاف النسخ في باب نفى الزمان و المكان: ج 3: 332. (7) في المصدر: فان أجبتني عما أسألك عنه اتبعتك. (8) المحدود خ ل. هكذا في نسخة المصنف، والموجود في التوحيد: وليس هو في شئ من المكان بمحدود، وأخرجه المصنف هكذا في كتاب التوحيد. (9) في نسخة من التوحيد: فمن أين يعلم أنك نبى ؟ (10) يا شيخ خ ل، أقول: في التوحيد: ياسبخ، وفى البصائر: ياسجت. (11) شخت خ ل. [ * ]

[ 374 ]

لا إله إلا الله، وأنك رسول الله (1). ير: ابن هاشم، عن الحسن بن علي مثله (2). 29 - ص: الصدوق، عن الطالقاني، عن أحمد بن محمد بن رميح، عن أحمد بن جعفر عن أحمد بن علي، عن محمد بن علي الخزاعي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن الصادق عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم مثله مع زيادة، وقد أوردناه في باب النص على علي عليه السلام (3). 30 - ير: أحمد بن الحسين، عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الله بن أحمد بن كليب، عن محمد بن مسمع، عن صالح بن حسان، عن إبراهيم بن عبدالاكرم الانصاري ثم النجاري إن رسول الله دخل هو وسهل بن حنيف وخالد بن أيوب الانصاري حائطا من حيطان بني النجار، فلما دخل ناداه حجر على رأس بئر لهم عليها السواني (4) يصحيح: " عليك السلام يا محمد، اشفع إلى ربك أن لا يجعلني من حجارة جهنم التي يعذب بها الكفرة " فقال النبي صلى الله عليه وآله ورفع يديه: " اللهم لا تجعل هذا الحجر من أحجار جهنم " ثم ناداه الرمل: " السلام عليك يا محمد ورحمة الله وبركاته، ادع الله ربك أن لا يجعلني من كبريت جهنم " فرفع النبي صلى الله عليه وآله يديه وقال: " اللهم لا تجعل هذا الرمل من كبريت جهنم " قال: فلما دنا رسول الله إلى النخل تدلت العراجين فأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وآله فأكل وأطعم، ثم دنا من العجوة فلما أحسته سجدت فبارك عليها رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: " اللهم بارك عليها وانفع بها " فمن ثم روت العامة أن الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة (5) 31 - يج: روي أنه صلى الله عليه وآله مر بسمرة غليظة الشوك، متقنة الفروع، ثابتة الاصل


(1) التوحيد: 326، أقول: رواه الكليني أيضا في كتابه الكافي. (2) بصائر الدرجات: 147. أقول: أورد المصنف الحديث ايضا في ج 3: 332 و 333. (3) قصص الانبياء: مخطوط. (4) السوانى جمع السانية: ما يعرف بالساقية أو الناعورة. (5) بصائر الدرجات: 148. [ * ]

[ 375 ]

فدعاها فأقبلت تخد الارض إليه طوعا، ثم أذن لها فرجعت إلى مكانها، فأية آية أبين وأوضح من موات يقبل مطيعا لامره مقبلا ومدبرا. 32 - قب يج: روي أنه صلى الله عليه وآله في غزوة الطائف مر في كثير من طلح (1) فمشى وهو وسن (2) فاعترضته سدرة فانفرجت السدرة له نصفين فمر بين نصفيها، وبقيت السدرة منفردة على ساقين إلى زماننا هذا، وهي معروفة بذلك البلد، مشهورة يعظمها أهله وغيرهم ممن عرف شأنها لاجله، وتسمى سدرة النبي صلى الله عليه وآله (3)، وإذا انتجع الاعراب الغيث عضدوا (4) منه ما أمكنهم، وعلقوه على إبلهم وأغنامهم، ويقلعون شجر هذا الوادي ولا ينالون هذه السدرة بقطع ولا شئ من المكروه معرفة بحالها، وتعظيما لشأنها، فصارت له آية بينة وحجة باقية هناك (5). عم: أورده الشيخ أبو سعيد الواعظ في كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله (6). 33 - يج: روي أنه صلى الله عليه وآله كان في مسجده جذع كان إذا خطب فتعب أسند إليه ظهره، فلما اتخذ له منبر حن الجذغ، فدعاه فأقبل يخد الارض والناس حوله ينظرون إليه، فالتزمه وكلمه فسكن، ثم قال له: عد إلى مكانك وهم يسمعون، فمر حتى صار في مكانه، فازداد المؤمنون يقينا. 34 - يج: روي أنه صلى الله عليه وآله انتهى إلى نخلتين بينهما فجوة من الارض فقال: انضما وأصحابه حضور، فأقبلتا تخدان الارض حتى انضمتا


(1) في المناقب: من طلح وسدر. وفى اعلام الورى: كان في غزاة الطائف ومسيره ليلا على راحلته بواد بقرب الطائف يقال له: نجيب، ذوشجر كثير من سدر وطلح. (2) في المناقب: وهو وسن من النوم. وفى اعلام الورى: وهو في وسن النوم. أقول: الوسن: فتور يتقدم النوم. (3) في المناقب: وبقيت منفرجة على ساقين إلى زماننا هذا يتبرك بها كل مار، ويسمونها سدرة النبي. أقول: ونحوه في اعلام الورى. ولم يذكر ازيد من هذا فيهما. (4) عضد الشجرة: نثر ورقها لابله وانتجع الغيث: أي ذهب في طلب الكلاء الذى ينبت بماء الغيث. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 117 طبعة النجف. (6) اعلام الورى: 20 و 40 من طبعه الجديد. [ * ]

[ 376 ]

35 - يج: روي أن قوما من العرب اجتمعوا عند صنم لهم ففاجأهم صوت من جوفه يناديهم بكلام فصيح: " أتاكم محمد يدعوكم إلى الحق " فانجفلوا فزعين (1)، وذلك حين بعث صلى الله عليه وآله، فأسلم أكثر من حضر. بيان: انجفل القوم، أي انقلعوا كلهم ومضوا. 36 - يج: روي أنه كان على جبل حراء فتحرك الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اسكن فما عليك إلا نبي أو وصي " وكان معه علي عليه السلام فسكن. 37 - يج: روي أنه انصرف ليلة من العشاء فأضاءت له برقة فنظر إلى قتادة بن النعمان فعرفه، وكانت ليلة مطيرة فقال: يا نبي الله أحببت أن اصلي معك، فأعطاه عرجونا وقال: خذ هذا فإنه سيضئ لك أمامك عشرا، فإذا أتيت بيتك فإن الشيطان قد خلفك فانظر إلى الزاوية على يسارك حين تدخل فاعله بسيفك، فدخلت فنظرت حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا أنا بسواد فعلوته بسيفي، فقال أهلي: ماذا تمنع (2) ؟ وفيه معجزتان: إحداهما إضاءة العرجون بلا نار جعلت في رأسه، والثانية خبره عن الجني على ما كان. 38 - يج: روي أن جبرئيل أتاه فرآه حزينا، فقال: مالك ؟ قال: فعل بي الكفار كذا وكذا، قال جبرئيل: فتحب أن اريك آية ؟ قال: نعم، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شجرة من وراء الوادي، قال: ادع تلك الشجرة. فدعاها النبي صلى الله عليه وآله فجاءت حتى قامت بين يديه، قال: مرها فلترجع، فأمرها فرجعت، فقال النبي صلى الله عليه وآله: حسبي. 39 - يج: روي أنه صلى الله عليه وآله كان في سفر فأقبل إليه أعرابي فقال: صلى الله عليه وآله هل أدلك إلى خير ؟ فقال: ما هو ؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فقال الاعرابي: هل من شاهد ؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها النبي صلى الله عليه وآله فأقبلت تخد الارض، فقامت بين يديه فاستشهدها فشهدت كما قال: وأمرها فرجعت إلى منبتها، ورجع الاعرابي إلى قومه وقد أسلم، فقال: إن يتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت إليك وكنت معك.


(1) مسرعين خ ل. (2) تصنع خ ل صح. [ * ]

[ 377 ]

40 - يج: روي أن أعرابيا جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال: هل من آية فيما تدعو إليه ؟ فقال: نعم، ائت تلك الشجرة فقل لها: يدعوك رسول الله، فمالت عن يمينها وشمالها وبين يديها فقطعت عروقها، ثم جاءت تخد الارض حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، قال فمرها فلترجع إلى منزلها فأمرها فرجعت إلى منبتها، فقال الاعرابي: ائذن لي أسجد لك، فقال: لو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها، قال: فائذن لي أن اقبل يديك (1)، فأذن له. 41 - يج: روي عن جابر قال: لم يمر النبي صلى الله عليه وآله في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرفه، ولم يمر بحجر ولا شجر إلا سجد. 42 - يج: روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ كفا من الحصى فسبحن في يده صلى الله عليه وآله، ثم صبهن في يد علي عليه السلام فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح في أيديهما ثم صبهن في أيدينا فما سبحت. 43 - يج: روى أبو أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال للعباس: يا أبا الفضل الزم منزلك غدا أنت وبنوك فإن لي فيكم حاجة، فصبحهم وقال: تقاربوا، فزحف بعضهم إلى بعض حتى إذا أمكنوا اشتمل عليهم بملاءة (2) وقال: يا رب هذا عمي صنو (3) أبي: وهؤلاء بنو عمي فاسترهم من النار كستري إياهم، فأمنت اسكفة (4) الباب وحوائط البيت: آمين آمين. 44 - يج:، روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من الناس من لا يؤمن إلا بالمعاينة ومنهم من يؤمن بغيرها، إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: أرني آية، فقال بيده إلى النخل فذهبت يمنة، ثم قال: هكذا، فذهبت يسرة فآمن الرجل. 45 - يج: روي أن رجلا مات وإذا الحفارون لم يحفروا شيئا، فشكوا إلى


(1) بين يديك خ ل. (2) الملاءة: ثوب يشبه الملحفة. (3) الصنو: الاخ الشقيق. (4) الاسكفة: خشبة الباب التى يوطأ عليها. [ * ]

[ 378 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا: حديدنا لا يعمل في الارض كما نضرب في الصفا، قال: ولم إن كان صاحبكم لحسن الخلق، ائتوني بقدح من ماء فأدخل يده فيه، ثم رشه على الارض رشا، فحفر الحفارون فكأنما رمل يتهايل عليهم (1). 46 - يج: روي عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في غزاة فلما انصرف راجعا نزل في بعض الطريق فبينما رسول الله صلى الله عليه وآله يطعم والناس معه إذ أتاه جبرئيل فقال: يا محمد قم فاركب، فقام النبي صلى الله عليه وآله فركب، وجبرئيل معه، فطويت له الارض كطي الثوب حتى انتهى إلى فدك، فلما سمع أهل فدك وقع الخيل ظنوا أن عدوهم قد جاءهم، فغلقوا أبواب المدينة، ودفعوا المفاتيح إلى عجوز لهم في بيت لهم خارج من المدينة ولحقوا برؤوس الجبال، فأتى جبرئيل العجوز حتى أخذ المفاتيح (2)، ثم فتح أبواب المدينة، ودار النبي في بيوتها وقراها، فقال جبرئيل: يا محمد هذا ما خصك الله به (3) و أعطاكه دون الناس، وهو قوله: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول و لذي القربى (4) " وذلك قوله: " فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء (5) " ولم يعرف المسلمون ولم يطؤوها ولكن الله أفاءها على رسوله و طوف به جبرئيل في دورها وحيطانها، وغلق الباب ودفع المفاتيح إليه، فجعلها رسول الله صلى الله عليه وآله في غلاف سيفه وهو معلق بالرحل، ثم ركب وطويت له الارض كطي الثوب، ثم أتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وهم على مجالسهم ولم يتفرقوا ولم يبرحوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد انتهيت إلى فدك، وإني قد أفاءها الله علي، فغمز المنافقون بعضهم بعضا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذه مفاتيح فدك، ثم أخرجها من غلاف سيفه، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وركب معه الناس، فلما دخل المدينة دخل على فاطمة فقال: يا بنية إن الله قد أفاء على أبيك بفدك، واختصه بها فهي له خاصة دون المسلمين، أفعل بها ما أشاء، وإنه قد كان لامك خديجة على أبيك مهر، وإن أباك قد جعلها لك بذلك وأنحلتكها (6)


(1) أي ينصب عليهم. ولم نجد الحديث وما قبله في المصدر. (2) في المصدر: وأخذ المفاتيح. (3) في المصدر: انظر إلى ما خصك الله به. (4 و 5) الحشر: 7 و 8. (6) في المصدر: وانحلك اياها. [ * ]

[ 379 ]

تكون لك ولولدك بعدك، قال: فدعا بأديم (1) ودعا علي بن أبي طالب فقال: اكتب لفاطمة بفدك نحلة من رسول الله، فشهد على ذلك علي بن أبي طالب، ومولى لرسول الله وام أيمن، فقال رسول الله إن ام أيمن امرأة من أهل الجنة، وجاء أهل فدك إلى النبي صلى الله عليه وآله فقاطعهم على أربعة وعشرين ألف دينار في كل سنة (2). 47 - يج: روي عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل إلى الجعرانة فقسم فيها الاموال، وجعل الناس يسألونه فيعطيهم حتى ألجؤوه إلى شجرة فأخذت برده و خدشت ظهره حتى جلوه عنها وهم يسألونه، فقال: أيها الناس ردوا علي بردي، والله لو كان عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته بينكم، ثم ما ألفيتموني جبانا ولا بخيلا، ثم خرج من الجعرانة في ذي القعدة، قال: فما رأيت تلك الشجرة إلا خضراء كأنما يرش عليه الماء وفي رواية اخرى: حتى انتزعت الشجرة رداه وخدشت ظهره (3). 48 - يج: من معجزاته صلى الله عليه وآله أنه أخذ الحصى في كفه فقالت كل واحدة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. 49 - قب: علقمة وابن مسعود كنا نجلس مع النبي صلى الله عليه وآله ونسمع الطعام يسبح ورسول الله يأكل. وأتاه مكرز العامري وسأله آية فدعا بتسع حصيات فسبحن في يده. وفي حديث أبي ذر فوضعهن على الارض فلم يسبحن وسكتن، ثم عاد وأخذهن فسبحن (4). ابن عباس قال: قدم ملوك حضرموت على النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: كيف نعلم أنك رسول الله ؟ فأخذ كفا من حصى فقال: هذا يشهد أني رسول الله، فسبح الحصى في يده وشهد أنه رسول الله.


(1) في المصدر: بأديم عكاظى. (2) الخرائج: 185. (3) وخدشت الشجرة ظهره خ ل. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 80. [ * ]

[ 380 ]

النبي صلى الله عليه وآله قال: إني لاعرف حجرا بمكة ما مررت عليه إلا سلم علي أبو هريرة وجابر الانصاري وابن عباس وابي بن كعب وزين العابدين عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله كان يخطب بالمدينة إلى بعض الاجذاع، فلما كثر الناس واتخذوا له منبرا وتحول إليه حن كما تحن الناقة، فلما جاء إليه والتزمه كان يئن أنين الصبي الذي يسكت. وفي رواية: فاحتضنه رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة. وفي رواية: فدعاه النبي صلى الله عليه وآله فأقبل يخد الارض والتزمه، وقال: عد إلى مكانك فمر كأحد الخيل وفي مسند الانصار عن أحمد قال: ابي بن كعب: قال النبي صلى الله عليه وآله: اسكن اسكن، إن تشأ غرستك في الجنة فيأكل منك الصالحون، وإن تشأ اعيدك كما كنت رطبا، فاختار الآخرة على الدنيا. وفي سنن ابن ماجه: إنه لما هدم المسجد أخذ ابي بن كعب الجذع الحنانة وكان عنده في بيته حتى بلي فأكلته الارضة وعاد رفاتا (1). 50 - قب: تكملة اللطائف: إنه كان النبي صلى الله عليه وآله يبني مسجدا في المدينة، فدعا شجرة من مكة فخدت الارض حتى وقفت بين يديه، ونطقت بالشهادة على نبوته (2). أبو هريرة قال: انصرف النبي صلى الله عليه وآله ليلة من العشاء فأضاءت له برقة فنظر إلى قتادة بن النعمان فعرفه فقال: يا نبي الله كانت ليلة مطيرة فأحببت أن اصلي معك، فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله عرجونا وقال: خذ هذا تستضئ به ليلتك. الخبر. وأعطى صلى الله عليه وآله عبد الله (3) بن الطفيل الازدي نورا في جبينه ليدعو به قومه، فقال:


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 80 و 81 طبعة النجف. (2) مناقب آل أبي طالب 1: 83. (3) هكذا في الكتاب ومصدره: ولم نجد من كان مسمى بذاك في الصحابة، والظاهر أنه مصحف الطفيل بن عمرو، حيث ذكر ابن هشام في السيرة وابن أثير في اسد الغابة والمقريزي في امتاع الاسماع تلك القصة في ترجمته وسبب اسلامه، والرجل هو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم الدوسى الازدي يلقب ذا النور. [ * ]

[ 381 ]

يارسول الله هذه مثلة (1)، فجعله رسول الله في سوطه، واهتدى به [ أبو هريرة وروي ] أبو هريرة أن الطفيل بن عمرو نهته قريش عن قرب النبي صلى الله عليه وآله فدخل المسجد فحشا (2) اذنيه بكرسف لكيلا يسمع صوته فكان يسمع فأسلم، وقال: يحذرني محمدها قريش * وما أنا بالهيوب (3) لدى الخصام فقام إلى المقام وقمت منه * بعيدا حيث أنجو من ملام وأسمعت الهدى وسمعت قولا * كريما ليس من سجع الانام وصدقت الرسول وهان قوم * علي رموه بالبهت العظام ثم قال يارسول الله إني امرؤ مطاع في قومي، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا على ما أدعوهم إلى الاسلام، فقال صلى الله عليه وآله: اللهم اجعل له آية، فانصرف إلى قومه إذ رأى نورا في طرف سوطه كالقنديل فأنشأ قصيدة منها: ألا أبلغ لديك بني لوي * على الشنآن والغضب المرد بأن الله رب الناس فرد * تعالى جده (4) عن كل جد وأن محمدا عبد رسول * دليل هدى وموضح كل رشد رأيت له دلائل أنبأتني * بأن سبيله يهدي لقصد (5) أبو عبد الله الحافظ قال: خط النبي صلى الله عليه وآله عام الاحزاب أربعين ذراعا بين كل عشرة، فكان سلمان وحذيفة يقطعون نصيبهم فبلغوا كديا عجزوا عنه، فذكر سلمان للنبي صلى الله عليه وآله ذلك فهبط صلى الله عليه وآله وأخذ معوله وضرب ثلاث ضربات في كل ضربة لمعة وهو يكبر، ويكبر الناس معه، فقال: يا أصحابي هذا ما يبلغ الله شريعتي الافق.


(1) في امتاع الاسماع: " فقال يارسول الله أخشى أن يقولوا: هذه مثلة " وفى السيرة واسد الغابة بعد ما ذكرا أنه وقع ذلك النور بين عينيه حين خرج إلى قومه بين الطريق قالا: " فقال: اللهم في غير وجهى انى أخشى أن يظنوا انها مثلة وقعت في وجهى لفراقي دينهم. (2) في المصدر: محشوا اذنيه. (3) الهيوب: الخائف. (4) أي جلاله وعظمته. (5) في المصدر: بأن سبيله للفضل يهدى. [ * ]

[ 382 ]

وفي خبر: بالاولى اليمن، وبالثانية الشام والمغرب، وبالثالثة المشرق، فنزل: " ليظهره على الدين كله " الآية جابر بن عبد الله اشتد علينا في حفر الخندق كدية، فشكوا (1) إلى النبي صلى الله عليه وآله فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو، ثم نضح الماء على تلك الكدية فعادت كالكندر. وروي أن عكاشة انقطع سيفه يوم بدر، فناوله رسول الله صلى الله عليه وآله خشبة وقال: قاتل بها الكفار، فصارت سيفا قاطعا يقاتل به حتى قتل به طليحة في الردة. وأعطى عبد الله بن جحش يوم أحد عسيبا (2) من نخل فرجع في يده سيفا. وروي في ذي الفقار مثله رواية. وأعطى صلى الله عليه وآله يوم احد لابي دجانة سعفة نخل فصارت سيفا فأنشأ أبو دجانة: نصرنا النبي بسعف النخيل * فصار الجريد حساما صقيلا وذا عجب من امور الاله * ومن عجب الله ثم الرسولا غيره (3): ومن هز الجريدة فاستحالت * رهيف الحد (4) لم يلق الفتونا (5) وروي أنه صلى الله عليه وآله قال: أعطني يا علي كفا من الحصى فرماها وهو يقول: " جاء الحق وزهق الباطل " قال الكلبي: فجعل الصنم ينكب لوجهه إذا قال ذلك، وأهل مكة يقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد. أبو هريرة: إن رجلا أهدى إليه قوسا عليه تمثال عقاب، فوضع يده عليه فأذهبه الله.


(1) في المصدر: فشكونا. (2) العسيب: جريدة من النخل كشط خوصها. (3) أي وقال غيره. (4) أي رقيق الحد، يقال: سيف مرهف أي محدد مرقق الحد. (5) في المصدر: لم يلق الغلولا. ويحتمل أن يكون مصحف الفلولا. والفل، الكسر أو الثلمة في حد السيف [ * ]

[ 383 ]

وكان خباب (1) بن الارت في سفر فأتت بنيته إلى الرسول صلى الله عليه وآله وشكت نفاد النفقة، فقال: ايتيني بشوية لكم، فمسح يده على ضرعها فكانت تدر إلى انصراف خباب (2). بيان: الكدية بالضم: الارض الصلبة. 51 - م: قال عمار بن ياسر: إني قصدت النبي صلى الله عليه وآله يوما وأنا فيه شاك، فقلت: يا محمد لا سبيل إلى التصديق بك مع استيلاء الشك فيك على قلبي، فهل من دلالة ؟ قال: بلى، قلت: ما هي ؟ قال: إذا رجعت إلى منزلك فسل عني ما لقيت من الاحجار والاشجار تصدقني برسالتي، وتشهد عندك بنبوتي، فرجعت فما من حجر لقيته ولا شجر رأيته إلا سألته (3) يا أيها الحجر ويا أيها الشجر إن محمدا يدعي شهادتك بنبوته وتصديقك له برسالته، فبماذا تشهد له ؟ فنطق (4) الحجر والشجر: أشهد أن محمدا رسول ربنا (5). 52 - م: جاء رجل من المؤمنين إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: كيف تجد قلبك لاخوانك المؤمنين الموافقين لك في محبة محمد وعلي وعداوة أعدائهما ؟ قال فإني أراهم كنفسي، يؤلمني ما يؤلمهم، ويسرني ما يسرهم، ويهمني ما يهمهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فأنت إذا ولي الله لا تبال، فإنك قد يوفر عليك ما ذكرت، ما أعلم أحدا، من خلق الله له ربح كربحك إلا من كان على مثل حالك، فليكن لك ما أنت عليه بدلا من الاموال فافرح به، وبدلا من الولد والعيال (6) فأبشر به، فإنك من أغنى الاغنياء، وأحي أوقاتك بالصلاة على محمد وعلي وآلهما الطيبين، ففرح الرجل وجعل يقولها، فقال ابن أبي هقاقم وقد رآه: يا فلان قد زودك محمد الجوع والعطش، وقال له أبو الشرور: قد زودك محمد الاماني الباطلة، ما أكثر ما يقولها ولا يحلى بطائل وقد حضر الرجل السوق في غد وقد


(1) بفتح الخاء وتشديد الباء. والارت بفتح الهمزة والراء وتشديد التاء. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 103 و 104. (3) ناديته خ ل. وهو الموجود في المصدر. (4) فينطق خ ل. (5) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام 253. (6) وبدلا من الولدان والجوارى خ ل. [ * ]

[ 384 ]

حضراه، فقال أحدهما الآخر: هلم نطنز بهذا المغرور (1) بمحمد، فقال له أبو الشرور: يا عبد الله قد اتجر الناس اليوم وربحوا، فماذا كانت تجارتك ؟ قال الرجل: كنت من النظارة ولم يكن لي ما أشتري ولا ما أبيع ولكني كنت اصلي على محمد وعلي وآلهما الطيبين، فقال له أبو الشرور: قد ربحت الخيبة، واكتسبت الحرمان، وسبقك (2) إلى منزلك مائدة الجوع عليها طعام من المنى وإدام وألوان من أطعمة الخيبة (3) التي تتخذها لك الملائكة الذين ينزلون على أصحاب محمد بالخيبة والجوع والعطش والعرى والذلة، فقال الرجل: كلا والله إن محمدا رسول الله، وإن من آمن به فمن المحقين السعيدين، سيوفر (4) الله من آمن به بما يشاء من سعة يكون بها متفضلا، ومن ضيق (5) يكون به عادلا ومحسنا للنظر له، وأفضلهم عنده أحسنهم تسليما لحكمه، فلم يلبث الرجل أن مر بهم رجل بيده سمكة قد أراحت (6) فقال أبو الشرور وهو يطنز: بع هذه السمكة من صاحبنا هذا، يعني صاحب رسول الله، فقال الرجل: اشترها مني فقد بارت (7) علي، فقال: لا شئ معي، فقال أبو الشرور: اشترها (8) ليؤدي ثمنها رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يطنز، ألست تثق برسول الله ؟ أفلا تنبسط إليه في هذا القدر ؟ فقال: نعم بعنيها، قال الرجل: قد بعتكها بدانقين فاشتراها بدانقين على أن يجعله على رسول الله صلى الله عليه وآله (9)، فبعث به إلى رسول الله، فأمر رسول الله اسامة أن يعطيه درهما، فجاء الرجل فرحا مسرورا بالدرهم، وقال: إنه أضعاف قيمة سمكتي، فشقها الرجل بين أيديهم (10)، فوجد فيها جوهرتين نفيستين قومتا مأتي ألف درهم، فعظم ذلك


(1) أي نسخر به. (2) سبق خ ل. (3) في المصدر: من الاطعمة التى. (4) سيؤمن خ ل سيكرم خ ل. (5) منفصلا من ضيق خ ل. وهو الموجود في نسختنا المخطوطة من المصدر. (6) أي أنتنت. (7) أي كسدت. (8) في المصدر: اشترها بدانق. (9) في المصدر: على أن يحيله على رسول الله صلى الله عليه وآله. (10) فشق الرجل السمكة بين أيديهم. [ * ]

[ 385 ]

على أبي الشرور وابن أبي هقاقم، فتبعا الرجل صاحب السمكة فقالا: ألم تر الجوهرتين ؟ إنما بعته السمكة لا ما في جوفها فخذهما منه، فتناولهما الرجل من المشتري فأخذ إحداها بيمينه، والاخرى بشماله فحولهما الله عقربتين (1) لدغتاه، فتأوه وصاح ورمى بهما من يده، فقالا: ما أعجب سحر محمد (2)، ثم أعاد الرجل نظره إلى بطن السمكة فإذا جوهرتان اخريان، فأخذهما فقال لصاحب السمكة: خذهما فهما لك أيضا، فذهب يأخذهما فتحولتا حيتين ووثبتا عليه ولسعتاه فصاح وتأوه وصرخ، وقال للرجل: خذهما عني، فقال الرجل: هما لك على ما زعمت وأنت أولى بهما، فقال الرجل: خذ والله جعلتهما لك، فتناولهما الرجل عنه (3) وخلصه منهما، وإذا هما (4) قد عادتا جوهرتين، وتناول العقربتين (5) فعادتا جوهرتين، فقال أبو الشرور لابي الدواهي: أما ترى سحر محمد ومهارته فيه وحذقه به ؟ فقال الرجل المسلم: يا عدو الله أو سحرا ترى هذا ؟ لئن كان هذا سحرا فالجنة والنار أيضا يكونان (6) بالسحر ؟ فالويل لكما في مقامكما على تكذيب من يسحر بمثل الجنة والنار، فانصرف الرجل صاحب السمكة وترك الجواهر الاربعة على الرجل، فقال الرجل لابي الشرور وأبي الدواهي: يا ويلكما آمنا بمن آثار (7) نعم الله عليه وعلى من يؤمن به، أما رأيتما العجب (8) ؟ ثم جاء بالجواهر الاربعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وجاءه تجار غرباء يتجرون فاشتروها منه بأربعمأة ألف (9) فقال الرجل: ما كان أعظم بركة اليوم (10) يارسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا بتوقيرك محمدا رسول الله، وتعظيمك


(1) في المصدر: عقربين. (2) ما أعجب من سحر محمد خ ل. (3) فتناولهما الرجل منه خ ل. (4) في المصدر المطبوع: فاذاهما. (5) في المصدر: العقربين. (6) في المصدر: تكونان. (7) اثر خ ل. (8) العجيب خ ل وفى المصدر: أما رأيتما العجب العجيب. (9) بأربعمأة ألف درهم خ ل وهو الموجود في المصدر. (10) في المصدر: ما كان أعظم بركة سوقى اليوم. [ * ]

[ 386 ]

عليا أخا رسول الله ووصيه، وهو جاعل (1) ثواب الله لك، وربح عملك الذي عملته، أفتحب أني أدلك على تجارة تشغل (2) هذه الاموال بها ؟ قال: بلى يارسول الله، قال صلى الله عليه وآله: اجعلها بذور أشجار الجنان، قال: كيف أجعلها ؟ قال: واس منها إخوانك (3) المؤمنين المقصرين عنك في رتب محبتنا، وساو فيها إخوانك المؤمنين المساوين لك في موالاتنا وموالاة أوليائنا، ومعاداة أعدائنا، وآثر بها إخوانك المؤمنين الفاضلين عليك في المعرفة بحقنا، والتوقير لشأننا، والتعظيم لامرنا، ومعاداة أعدائنا، ليكون ذلك بذر شجر الجنان، أما إن كل حبة تنفقها على إخوانك الذين ذكرتهم لتربى لك حتى تجعل كألف ضعف أبي قبيس، وألف ضعف احد وثور وثبير (4) فتبنى لك بها قصور (5) في الجنة شرفها الياقوت، وقصور الذهب (6) شرفها الزبرجد، فقام رجل وقال: يارسول الله فأني فقير، ولم أجد مثل ما وجد هذا، فمالي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لك منا الحب الخالص، والشفاعة النافعة المبلغة، أرفع الدرجات العلى، بموالاتك لنا أهل البيت، ومعاداتك لاعدائنا (7). بيان: لعل المراد بابن أبي الهقاقم وأبي الدواهي كليهما عمر، ويحتمل أن يكون المراد بابن أبي الهقاقم عثمان (8)، يقال: هقم كفرح: اشتد جوعه فهو هقم ككتف، والهقم بكسر الهاء وفتح القاف المشددة: الكثير الاكل، وقال الجوهري: قولهم: لم


(1) وهو جاء على ثواب الله لك خ ل وهو الموجود في المصدر: واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: عاجل ثواب الله لك أقول وكأنه مصحف جعل بالضم أي الاجر. (2) تشتغل خ ل. (3) أي عاون بها إخوانك. (4) ثور بالفتح وثبير وزان شريف: جبلان بمكة. (5) قصور الفضة خ ل. (6) هكذا في الكتاب ومصدره المطبوع، وفى نسختين مخطوطتين من المصدر: وقصور الجنة شرفها الزبرجد. ولعل الصحيح: وقصور في الجنة. - أو فيها - شرفها الزبرجد: أو الصحيح كما تقدم: فتبنى لك بها قصور الفضة شرفها الياقوت، وقصور الذهب شرفها الزبرجد. (7) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام: 254 - 256. (8) قد مر نظير ذلك في الحديث 15 ص 335 وأقول الظاهر ان تلك الكنى والالقاب من مخترعات رواة الاخبار وناقلى الاثار حين يروونها في المجالس العامة. [ * ]

[ 387 ]

يحل منه بطائل، أي لم يستفد منه كبير فائدة ولا يتكلم به إلا مع الجحد. 53 - يج، عم: من معجزاته صلى الله عليه وآله خبر سراقة بن جعشم الذي اشتهر في العرب يتقاولون فيه الاشعار، ويتفاوضونه في الديار: إنه تبعه وهو متوجه إلى المدينة طالبا لغرته ليحظى (1) بذلك عند قريش حتى إذا أمكنته الفرصة في نفسه، وأيقن أن قد ظفر ببغيته ساخت قوائم فرسه حتى تغيبت بأجمعها في الارض، وهو بموضع جدب وقاع صفصف (2) فعلم أن الذي أصابه أمر سماوي، فنادي: يا محمد ادع ربك يطلق لي فرسي، وذمة الله علي أن لا أدل عليك أحدا، فدعا له فوثب جواده كأنه أفلت من انشوطة (3)، وكان رجلا داهية، وعلم بما رأى أنه سيكون له نبأ، فقال:، اكتب لي أمانا، فكتب له فانصرف (4). 54 - عم: قال محمد بن إسحاق: إن أبا جهل قال في أمر سراقة أبياتا فأجابه سراقة: أبا حكم واللات لو كنت شاهدا * لامر جوادي أن تسيخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا * نبي وبرهان (5) فمن ذا يكاتمه ؟ عليك فكف الناس عنه فأنني * أرى أمره يوما ستبدو معالمه (6) 55 - عم: أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوة عن أبي عبد الله الحافظ (7)، عن أحمد بن عبد الله (8) المزني، عن يوسف بن موسى (9) عن عباد بن يعقوب، عن يوسف بن


(1) أي ليصير بذلك ذا منزلة وحظ ومكانة عندهم. (2) قاع صفصف: مستو مطمئن. (3) الانشوطة: العقدة التى يسهل انحلالها. (4) إعلام الورى: 16 ط 1 و 33 و 34 ط 2. (5) في المصدر: ببرهان وكذا: اباحكم والله لو كنت شاهدا. (6) إعلام الورى: 16. (7) أي محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري الحافظ صاحب المستدرك، والحديث يوجد في المستدرك 2: 620. (8) في المصدر: محمد بن أحمد بن عبد الله المزني. وفى المستدرك: أبو محمد احمد بن عبد الله المزكى، لكن في ص 481: المزني. (9) في المصدر والمستدرك: يوسف بن موسى المروزى. [ * ]

[ 388 ]

أبي نور (1)، عن السدي (2)، عن عباد بن عبد الله، عن علي عليه السلام قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال له: السلام عليك يارسول الله. قال: وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن العلاء، عن يونس بن عيينة، عن إسماعيل بن عبد الرحمن (3)، عن عباد قال:، سمعت عليا عليه السلام يقول: لقد رأيتني أدخل معه - يعني النبي صلى الله عليه وآله - الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يارسول الله وأنا أسمعه (4). يج: عنه عليه السلام مثله. 56 - كا: العدة، عن البرقي، عن التفليسي، عن السمندي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمص النوى بفيه ويغرسه فيطلع من ساعته (5). 57 - ين: عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: ذكر أبو عبد الله عليه السلام يوما حسن الخلق، فقال: مات مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله فأمر أن يحفروا له، فانطلقوا فحفروا فعرضت لهم صخرة في القبر، فلم يستطيعوا أن يحفروا، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا،: يارسول الله إنا حفرنا لفلان فعرضت لنا صخرة فجعلنا نضرب حتى تثلمت معاولنا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وكيف وقد كان حسن الخلق ؟ ارجعوا فاحفروا، فرجعوا فحفروا، فسهل الله حتى أمكنهم دفنه (6).


(1) هكذا في الكتاب ومصدره، وفى المستدرك: الوليد بن أبى ثور، وهو الصحيح: والرجل هو الوليد بن عبد الله بن أبى ثور الهمداني الكوفى، قد ينسب إلى جده، ترجمه ابن حجر في التقريب: 540 وقال: مات في 172. (2) هو اسماعيل بن عبد الرحمن الواقع في الاسناد الاتى. (3) هو السدى المتقدم. ترجمه ابن حجر في التقريب: 43 والمامقاني في تنقيح المقال 1: 137 مات في 127. (4) إعلام الورى: 25 ط 1 و 48 ط 2 (5) فروع الكافي 1: 348 (6) مخطوط. [ * ]

[ 389 ]

58 - يج: روي أن عبد الله قال: إنكم تعدون الآيات عذابا، وإنا كنا نعدها بركة على عهد النبي صلى الله عليه وآله، لقد كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وآله ونحن نسمع التسبيح من الطعام. 59 - عم، نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته القاصعة: ولقد كنت معه لما أتاه الملا من قريش، فقالوا له: يا محمد إنك قد ادعيت عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول، وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب، فقال صلى الله عليه وآله لهم: وما تسألون ؟ قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها، وتقف بين يديك، فقال صلى الله عليه وآله: إن الله على كل شئ قدير، فإن فعل الله ذلك لكم أتؤمنون وتشهدون بالحق ؟ قالوا: نعم، قال: فإني ساريكم ما تطلبون، وإني لاعلم أنكم لا تفيؤون إلى خير (1)، وإن فيكم من يطرح في القليب (2) ومن يحزب الاحزاب، ثم قال صلى الله عليه وآله: يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله، فوالذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها، وجاءت ولها دوي شديد، وقصف كقصف (3) أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله مرفوفة، وألقت بغصنها الاعلى على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله، وببعض أغصانها على منكبي، وكنت عن يمينه صلى الله عليه وآله، فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا علوا واستكبارا: فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها، فأمرها بذلك، فأقبل إليه، نصفها كأعجب (4) إقبال وأشده دويا، فكادت تلتف برسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا كفرا وعتوا: فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان، فأمره صلى الله عليه وآله فرجع، فقلت أنا: لا إله إلا الله، إني أول مؤمن بك يارسول الله، وأول من أقر بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى تصديقا لنبوتك (5)، وإجلالا لكلمتك، فقال القوم كلهم: بل ساحر كذاب،


(1) أي لا ترجعون إليه. (2) القليب كامير: البئر، والمراد منه قليب بدر طرح فيه عدة من أكابر قريش. (3) وقصيف كقصيف خ ل. (4) بأعجب عم. (5) في المصدر. تصديقا بنبوتك. [ * ]

[ 390 ]

عجيب السحر، خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا ؟ ؟ ! يعنونني (1) قب: مرسلا مثله مع اختصار (2). بيان: الدوي: صوت ليس بالعالي كصوت النحل ونحوه، وقصف الرعد وغيره قصيفا: اشتد صوته، ورفرف الطائر بجناحيه: إذا بسطهما عند السقوط على شئ يحوم عليه ليقع فوقه، والعتو: التكبر والتجبر. * (باب 5) * * (ما ظهر من اعجازه صلى الله عليه وآله في الحيوانات بأنواعها) * * (واخبارها بحقيته. وفيه كلام الشاة المسمومة زائدا على) * * (ما مر في باب جوامع المعجزات) * 1 - قب: محمد بن إسحاق: مرت امرأة من المشركين شديدة القول في النبي صلى الله عليه وآله ومعها صبي لها ابن شهرين، فقال الصبي: السلام عليك يارسول الله محمد بن عبد الله، فأنكرت الام ذلك من ابنها، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا غلام من أين تعلم أني رسول الله، وأني محمد بن عبد الله ؟ قال: أعلمني ربي رب العالمين، والروح الامين، فقال النبي: من الروح الامين ؟ قال: جبرئيل وها هو قائم على رأسك ينظر إليك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما اسمك يا غلام ؟ فقال: عبد العزى وأنا كافر به، فسمني ما شئت يارسول الله، قال: أنت عبد الله، فقال: يارسول الله ادع الله أن يجعلني من خدمك في الجنة، فدعا له، فقال: سعد من آمن بك، وشقي من كفر بك، ثم شهق شهقة فمات. شمر بن عطية أنه اتي النبي صلى الله عليه وآله بصبي قد شب ولم يتكلم قط فقال: أدن (3) فدنا، فقال: من أنا ؟ قال أنت رسول الله.


(1) نهج البلاغة 1: و 417 و 418، اعلام الورى: 15 ط 1 و 32 ط 2. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 112. (3) في المصدر: ادن منى. [ * ]

[ 391 ]

الواقدي عن المطلب بن عبد الله قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله جالس بالمدينة في أصحابه إذا أقبل ذئب فوقف بين يدي النبي صلى الله عليه وآله يعوي، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هذا وافد السباع إليكم فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وأحرزتم منه فما أخذ فهو رزقه، فقالوا: يارسول الله ما تطيب أنفسنا له بشئ، فأومأ النبي صلى الله عليه وآله بأصابعه الثلاثة إي خالسهم (1)، فولى وله عسلان. وفي حكاية عمرو بن المنتشر أنه سأل النبي صلى الله عليه واله أن يدفع الحية عن الوادي، و يرد النخلة من ساعته (2)، فخرج النبي صلى الله عليه وآله فإذا الحية تجرجر وتكشكش كالبعير الهائج، وتخور كما يخور الثور، فلما نظرت إلى النبي صلى الله عليه وآله قامت وسلمت عليه، ثم وقف على النخلة وأمر يده عليها، وقال: " بسم الله الذي قدر فهدى، وأمات وأحيا " فصارت بطول النبي صلى الله عليه وآله وأثمرت ونبع الماء من أصلها (3)، وأكل النبي صلى الله عليه وآله يوما رطبا كان في يمينه، وكان يحفظ النوى في يساره، فمرت شاة فأشار إليها بالنوى، فجعلت تأكل في كفه اليسرى، وهو يأكل بيمينه حتى فرغ وانصرف الشاة (4). معرض بن عبد الله، عن أبيه،، عن جده قال: اتي بصبي في خرقة إلى النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع، فوضعه في كفه ثم قال له: من أنا يا صبي ؟ فقال: أنت محمد رسول الله قال: صدقت يا مبارك، فكنا نسميه مبارك اليمامة. ابن عباس إن النبي صلى الله عليه وآله خلع خفيه وقت المسح، فلما أراد أن يلبسهما تصوب عقاب من الهواء وسلبه وحلق (5) في الهواء ثم أرسله، فوقعت من بينه حية، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أعوذ بالله من شر من يمشي (6) على بطنه، ومن شر من يمشي على رجلين


(1) خلس الشئ: اختطفه بسرعة على غفلة. (2) أي تخرج النخلة طلعها من ساعته. وفى المصدر: ويرد النخلة عن عادتها (3) مناقب آل أبى طالب 1: 88. (4) مناقب آل أبي طالب 1: 104. (5) حلق الطائر: ارتفع في طيرانه واستدار كالحلقة. وفى المصدر: وعلق في الهواء. (6) في المصدر. ما يمشى. [ * ]

[ 392 ]

ثم نهى أن يلبس إلا أن يستبرا (1). توضيح: العسلان بالتحريك: ضرب من العدو، يقال: عسل الذئب يعسل عسلا وعسلانا: إذا أعنق وأسرع، والجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته، كشيش الافعي: صوتها من جلدها، يقال: كشت وكشكشت، والتصوب: المجئ من العلو. 2 - عم: من معجزاته صلى الله عليه وآله حديث الغار، وأنه صلى الله عليه وآله لما آوى إلى غار بقرب مكة يعتوره النزال، ويأوي إليه الرعاء، متوجهة (2) إلى الهجرة، فخرج القوم في طلبه فعمى الله أثره (3) وهو نصب أعينهم، وصدهم عنه، وأخذ بأبصارهم دونه، وهم دهاة العرب وبعث سبحانه العنكبوت فنسجت في وجه النبي صلى الله عليه وآله فسترته وآيسهم ذلك من الطلب فيه، وفي ذلك يقول السيد الحميري في قصيدته المعروفة بالمذهبة: حتى إذا قصدوا لباب مغاره * ألفوا عليه نسج (4) غزل العنكب صنع الاله له فقال فريقهم * ما في المغار لطالب من مطلب ميلوا وصدهم المليك ومن يرد * عنه الدفاع مليكه لا يعطب (5) وبعث الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، فأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وهراواهم (6) وسيوفهم حتى إذا كانوا من النبي بقدر أربعين ذراعا، تعجل (7) رجل منهم لينظر من في الغار فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: مالك لا تنظر في الغار ؟ فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أن ليس فيه أحد، وسمع النبي صلى الله عليه وآله ما قال فدعا لهن (8)


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 118. (2) في المصدر: متوجه إلى الهجرة. (3) أي أخفاه. (4) في المصدر: نسيج. (5) في المصدر: لم يعطب. (6) الهراوى جمع الهراوة: العصا الضخمة كهراوة الفأس والمعول. (7) في المصدر: فعجل. (8) أي للحمامات وجنسها. [ * ]

[ 393 ]

النبي صلى الله عليه وآله وفرض جزاءهن، فانحدون في الحرم (1)، 3 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الاشعري، عن ان القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمت اليهودية النبي صلى الله عليه وآله في ذراع وكان النبي صلى الله عليه وآله يحب الذراع والكتف،، ويكره الورك لقربها من المبال (2). 4 - كا: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من وراء اليمن واديا يقال له: وادي برهوت، ولا يجاور ذلك الوادي إلا الحيات السود والبوم من الطير، في ذلك الوادي بئر يقال لها: بلهوت، يغدى ويراح إليها بأرواح المشركين، يسقون من ماء الصديد، خلف ذلك الوادي قوم يقال لهم: الذريح، لما أن بعث الله عزوجل محمدا صلى الله عليه وآله صاح عجل لهم فيهم، وضرب بذنبه فنادى فيهم: يا آل الذريح - بصوت فصيح - أتى رجل بتهامة يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قالوا: لامر ما أنطق الله هذا العجل، قال: فنادى فيهم ثانية، فعزموا على أن يبنوا سفينة فبنوها ونزل فيها سبعة منهم وحملوا من الزاد ما قذف الله في قلوبهم، ثم رفعوا شراعا (3) وسيبوها في البحر، فما زالت تسير بهم حتى رمت بهم بجدة، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله: أنتم أهل الذريح، نادى فيكم العجل ؟ قالوا: نعم، قالوا اعرض علينا يا رسول الله الدين والكتاب، فعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله الدين والكتاب والسنن والفرائض والشرائع كما جاء من عند الله عز ذكره، وولى عليهم رجلا من بني هاشم سيره معهم، فما بينهم اختلاف حتى الساعة (4). 5 - كنز الكراجكى: روي أن ذئبا شد على غنم لاهبان بن أنس فأخذ منها شاة فصاح به فخلاها، ثم نطق الذئب فقال: أخذت مني رزقا رزقنيه الله، فقال اهبان: سبحان الله ذئب يتكلم، فقال الذئب: أعجب من كلامي أن محمدا يدعو الناس إلى التوحيد


(1) اعلام الورى: 16 و 17 ط 1 و 34 ط 2. وفيهما: حماما، وفيهما فانحدرت. (2) فروع الكافي 1: 169. (3) في المصدر: ثم رفعوا شرعها. (3) في المصدر: ثم رفعوا شرعها. (4) روضة الكافي: 261 و 262. [ * ]

[ 394 ]

بيثرب ولا يجاب، فساق اهبان غنمه وأتى إلى المدينة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بما رآه، فقال: هذه غنمي طعمة لاصحابك، فقال: أمسك عليك غنمك، فقال: لا والله لا اسرحها (1) أبدا بعد يومي هذا، فقال: " اللهم بارك عليه وبارك له في طعمته " فأخذها أهل المدينة فلم يبق في المدينة بيت إلا ناله منها (2). 6 - ما: المفيد، عن علي بن مالك النحوي، عن محمد بن عبد الواحد الزاهد، عن أحمد ابن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: بينما رجل من أسلم (3) في غنيمة له يهش عليها ببيداء ذي الحليفة إذ عدا عليه الذئب فانتزع شاة من غنمه، فهجهج به الرجل ورماه بالحجارة حتى استنقذ منه شاته، قال: فأقبل الذئب حتى أقعى مستثفرا بذنبه، مقابلا للرجل، ثم قال له: أما اتقيت الله عزوجل ؟ حلت بيني وبين شاة رزقنيها الله ؟ فقال الرجل: تالله ما سمعت كاليوم قط، فقال الذئب: مم تعجب ؟ فقال: أعجب من مخاطبتك إياي، فقال الذئب: أعجب من ذلك رسول الله بين الحرتين في النخلات يحدث الناس بما خلا، ويحدثهم بما هو آت وأنت ههنا تتبع غنمك، فلما سمع الرجل قول الذئب ساق غنمه يحوزها حتى إذا أحلها فناء قرية الانصار، سأل عن رسول الله صلى الله عليه وآله فصادفه في بيت أبي أيوب فأخبره خبر الذئب، فقال له رسول الله: صدقت، احضر العشية، فإذا رأيت الناس قد اجتمعوا فأخبرهم ذلك، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر واجتمع الناس إليه أخبرهم الاسلمي خبر الذئب، فقال (4) رسول الله صلى الله عليه وآله: صدق صدق صدق، تلك الاعاجيب بين يدي الساعة، أما والذي نفس محمد بيده ليوشك الرجل أن يغيب عن أهله الروحة أو الغدوة فيخبره سوطه أو عصاه أو نعله بما أحدث أهله من بعده (5).


(1) سرح المواشى، أرسلها ترعى. (2) كنز الكراجكى: 92. (3) أسلم: بطن من العرب. (4) في المصدر: فقال لهم. (5) أمالى ابن الشيخ: 8. [ * ]

[ 395 ]

يج: عن أبى سعد مثله. بيان: هش الورق يهشه ويهشه ضربه: بعصا لتسقط، وهجهج بالسبع: صاح، والاستثفار: إدخال الكلب ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه، قوله: بما خلا، أي مضى. 7 - لى: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن أبي جميلة، عن سعد بن ظريف (1)، عن الاصبغ، عن علي عليه السلام قال: إن اليهود أتت امرأة منهم يقال لها: عبدة، فقالوا: يا عبدة قد علمت أن محمدا قد هد ركن بني إسرائيل، وهدم اليهودية، وقد غالى (2) الملا من بني إسرائيل بهذا السم له، وهم جاعلون لك جعلا (3) على أن تسميه في هذه الشاة، فعمدت عبدة إلى الشاة فشوتها ثم جمعت الرؤساء في بيتها وأتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا محمد قد علمت ما توجب لي من حق الجوار، وقد حضرني رؤساء اليهود فزيني بأصحابك، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه علي عليه السلام وأبو دجانة وأبو أيوب وسهل بن حنيف وجماعة من المهاجرين، فلما دخلوا وأخرجت الشاة سدت اليهود آنافها بالصوف، وقاموا على أرجلهم، وتوكأوا على عصيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: اقعدوا، فقالوا: إنا إذا زارنا نبي لم يقعد منا أحد، وكرهنا أن يصل إليه من أنفاسنا ما يتأذى به، وكذبت اليهود عليها لعنة الله، إنما فعلت ذلك مخافة سورة (4) السم ودخانه، فلما وضعت الشاة بين يديه تكلم كتفها فقالت: مه يا محمد لا تأكلني فإني مسمومة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عبدة فقال لها: ما حملك على ما صنعت ؟ فقالت: قلت: إن كان نبيا لم يضره، وإن كان كاذبا أو ساحرا أرحت قومي منه، فهبط جبرئيل عليه السلام فقال: السلام يقرئك السلام ويقول: قل: بسم الله الذي يسميه به كل مؤمن، وبه عز كل مؤمن، وبنوره الذي أضاءت به السماوات والارض، وبقدرته التي خضع لها كل


(1) هكذا في الكتاب، والصحيح: سعد بن طريف بالطاء المهملة كما في المصدر: وكتب التراجم. (2) غالى الشئ وبالشئ: اشتراه بثمن غال. (3) الجعل بالضم: أجر العامل. (4) سورة السم: حدته. [ * ]

[ 396 ]

جبار عنيد، وانتكس كل شيطان مريد، من شر السم والسحر واللمم، بسم العلي (1) الملك الفرد الذي لا إله إلا هو، وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا " فقال النبي صلى الله عليه وآله: ذلك، وأمر أصحابه فتكلموا به، ثم قال: كلوا (2) ثم أمرهم أن يحتجموا (3). 8 - قب عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله، وزاد بعد قوله: وسهل بن حنيف: وفي خبر وسلمان والمقداد وعمار وصهيب وأبو ذر وبلال والبراء بن معرور. ثم قال بعد تمام الخبر: وفي خبر إن البراء بن معرور أخذ منه لقمة أول القوم: فوضعها في فيه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لا تتقدم رسول الله في كلام (4) له جاءت به هذه وكانت يهودية، ولسنا نعرف حالها، فإن أكلته بأمر رسول الله فهو الضامن لسلامتك منه، وإذا أكلته بغير إذنه وكلك إلى نفسك، فنطق الذراع وسقط البراء ومات وروي أنها كانت زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مسلم، والآكل كان بشر بن البراء بن معرور، وأنه دخلت امه على النبي صلى الله عليه وآله عند وفاته فقال: يا ام بشر ما زالت اكلة خيبر التي اكلت مع ابنك تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهري، ولذلك يقال: إن النبي صلى الله عليه وآله مات شهيدا. وعن عروة بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وآله بقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي مات فيه. وفي رواية أربع سنين وهو الصحيح (5). بيان: قوله: قد غالى اليهود، أي أخذوه بالثمن الغالي وبالغوا فيه، واللمم


(1) في نسخة من المصدر: بسم الله العلى. (2) حمله بعض علمائنا على أن الاكل كان قبل تحريم ذبائح اليهود، وبعضهم على علمه صلى الله عليه وآله بكون الذابح مسلما. (3) الامالى للصدوق: 135 (م 40). (4) هكذا في الكتاب ومصدره، أي قال على عليه السلام ذلك في جملة كلام له، وتقدم ذلك الكلام عن تفسير الامام العسكري قبلا، ويحتمل كونه مصحفا عن قوله في طعام له. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 80 و 81. [ * ]

[ 397 ]

بالتحريك: طرف من الجنون، ومس الجن، وصغائر الذنوب، والابهر: عرق إذا انقطع مات صاحبه، وهما أبهران يخرجان من القلب، ثم ينشعب منهما سائر الشرائين. 9 - ما: المفيد، عن عمر بن محمد الصيرفي، عن الحسين بن إسماعيل الضبي عن عبد الله بن شبيب، عن هارون بن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة عن زكريا بن إسماعيل الزيدي من ولد زيد بن ثابت، عن أبيه، عن عمه سلمان بن زيد ابن ثابت، عن زيد بن ثابت قال: خرجنا جماعة من الصحابة في غزاة من الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وقفنا في مجمع طرق، فطلع أعرابي بخطام بعير حتى وقف على رسول الله، وقال: السلام عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: وعليك السلام قال: كيف أصبحت بأبي أنت وأمي يارسول الله ؟ قال له: أحمد الله إليك كيف أصبحت. قال: كان وراء البعير الذي يقوده الاعرابي رجل فقال: يارسول الله إن هذا الاعرابي سرق البعير فرغا البعير (1) ساعة وأنصت له رسول الله صلى الله عليه وآله يستمع رغاءه، قال: ثم أقبل رسول الله على الرجل فقال: انصرف عنه، فإن البعير، يشهد عليك أنك كاذب، قال فانصرف الرجل وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الاعرابي فقال: أي شئ قلت حين جئتني ؟ قال: قلت: اللهم صل على محمد حتى لا تبقى صلاة، اللهم بارك على محمد حتى لا تبقى بركة، اللهم سلم على محمد حتى لا يبقى سلام، اللهم ارحم محمدا حتى لا تبقى رحمة " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني أقول مالي أرى البعير ينطق بعذره ؟ ! و أرى الملائكة قد سدوا الافق ! (2). 10 - ما: جماعة، عن أبي المفضل عن أحمد بن عبد الله بن عمار الثقفي الكاتب، عن علي بن محمد النوفلي، عن محمد بن الحارث الدهني، عن القاسم بن الفضل، عن عباد المنقري (3)


(1) رغا البعير: صوت. (2) امالي ابن الشيخ: 79 و 80. (3) في المصدر: محمد بن الحارث بن بشير الرحبى قال: حدثنى القاسم بن الفضل بن عميرة العبسى، عن حماد (عباد خ ل) المنقرى. [ * ]

[ 398 ]

عن الصادق، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله بظبية مربوطة بطنب فسطاط، فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وآله أطلق الله عزوجل لها من لسانها (1) فكلمته فقالت: يارسول الله إني ام خشفين عطشانين، وهذا ضرعي قد امتلا لبنا، فخلني حتى أنطلق فارضعهما ثم أعود فتربطني كما كنت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف وأنت ربيطة قوم و صيدهم ؟ قالت: بلى يارسول الله أنا أجئ فتربطني كما كنت أنت بيدك (2)، فأخذ عليها موثقا من الله لتعودن وخلى سبيلها، فلم تلبث إلا يسيرا حتى رجعت قد فرغت (3) ما في ضرعها، فربطها نبي الله كما كانت، ثم سأل لمن هذا الصيد ؟ قالوا: يارسول الله هذه لبني فلان، (4) فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله وكان الذي اقتنصها منهم منافقا فرجع عن نفاقه وحسن إسلامه فكلمه النبي صلى الله عليه وآله ليشتريها منه قال: بلى (5) اخلي سبيلها فداك أبي وامي يا نبي الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أن البهائم يعلمون من الموت ما تعلمون أنتم ما أكلتم منها سمينا. (6) ايضاح: الطنب بضمتين: حبل الخباء، والخشف مثلثة: ولد الظبي أول ما يولد أو أول مشيه، واقتنصه: اصطاده. 11 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم قاعدا إذ مر به بعير فبرك بين يديه ورغا، فقال عمر: يارسول الله أيسجد لك هذا الجمل ؟ فإن سجد لك فنحن أحق أن نفعل، فقال: لا بل اسجدوا لله، إن هذا الجمل يشكو أربابه، ويزعم أنهم انتجوه صغيرا واعتملوه، فلما كبر وصار أعون (7)


(1) في المصدر: أطلق الله عزوجل لسانها. (2) في المصدر: انى ساجئ فتربطني انت بيدك كما كنت. (3) في المصدر: قد أفرغت. (4) في المصدر: فقيل له: هذه لبنى فلان. (5) بل خ ل. (6) امالي ابن الشيخ: 289. (7) أعور خ ل. [ * ]

[ 399 ]

كبيرا ضعيفا أرادوا نحره، ولو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها، ثم قال أبو عبد الله صلوات الله عليه: ثلاثة من البهائم أنطقها الله تعالى على عهد النبي صلى الله عليه وآله: الجمل وكلامه الذي سمعت، والذئب فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فشكا إليه الجوع، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله أصحاب الغنم، فقال: افرضوا للذئب شيئا، فشحوا، فذهب ثم عاد إليه الثانية فشكا الجوع، فدعاهم فشحوا، ثم جاء الثالثة فشكا الجوع فدعاهم فشحوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اختلس، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وآله فرض للذئب شيئا ما زاد الذئب عليه شيئا حتى تقوم الساعة، وأما البقرة فإنها آذنت بالنبي صلى الله عليه وآله ودلت عليه، وكانت في نخل لبني سالم من الانصار، فقالت: يا آل ذريح عمل نجيح صائح يصيح بلسان عربي فصيح بأن لا إله إلا الله رب العالمين، ومحمد رسول الله سيد النبيين، وعلي وصيه سيد الوصيين. (1) ختص: الخشاب مثله. (2) بيان: قوله: أعون، لعله مأخوذ من العوان وهو النصف (3) من كل حيوان، ومن البقر والخيل التي نتجت بعد بطنها البكر، والمتعاونة: المرأة الطاعنة في السن، وفي بعض النسخ بالواو والراء وهو الذي ذهب حس إحدى عينيه، والضعيف الجبان، وذريح أبوحي قولها: عمل نجيح خبر مبتدء محذوف، أي ما أدلكم عليه عمل يوجب النجح والظفر بالمطلوب، والنجيح: الصواب من الرأي، ونجح أمره: تيسر وسهل. قب يج عن الصادق عليه السلام إلى قوله: أن تسجد لزوجها (4). 12 - ختص، ير: أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الذئاب جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله تطلب أرزاقها، فقال لاصحاب الغنم: إن شئتم صالحتها على شئ تخرجوه إليها ولا يرزأ (5) من أموالكم شيئا،


(1) قصص الانبياء: مخطوط. (2) الاختصاص مخطوط. (3) أي ما كان في منتصف السن. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 85. (5) في المصدر: ولا ترزأ. [ * ]

[ 400 ]

وإن شئتم تركتموها تعدوا، وعليكم حفظ أموالكم، قالوا: بل نتركها كما هي تصيب منا ما أصابت، ونمنعها ما استطعنا (1). بيان: قال الفيروز آبادي: رزأه ماله كجعله وعمله رزا بالضم: أصاب منه شيئا. 13 - ختص، ير: أحمد بن الحسن بن فضال، عن أبيه وأحمد بن محمد، عن ابن فضال عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن ناضحا (2) كان لرجل من الناس فلما أسن قال بعض أصحابه: لو نحرتموه، فجاء البعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجعل يرغو، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صاحبه، فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وآله: إن هذا يزعم أنه كان لكم شابا حتى هرم، وأنه قد نفعكم وأنكم أردتم نحره، قال: فقال: صدق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تنحروه ودعوه، قال: فتركوه (3). 14 - ختص، ير: الحجال، عن اللؤلؤي، عن ابن سنان، عن أبي الجارود، عن عدي بن ثابت (4)، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: بينا نحن قعود مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل بعير حتى برك ورغا، وتسافلت (5) دموعه على عينيه (6)، فقال رسول الله صلى الله عليه واله لمن هذا البعير ؟ فقيل: لفلان الانصاري قال: علي به، قال: فاتي به، فقال له: بعيرك هذا يشكوك قال: ويقول ماذا يارسول الله ؟ قال: يزعم أنك تستكده وتجوعه، قال: صدق يارسول الله ليس لنا ناضح غيره، وأنا رجل معيل، قال: فهو يقول لك: استكدني وأشبعني، فقال: يارسول الله نخفف عنه ونشبعه، قال: فقام البعير فانصرف (7).


(1) الاختصاص: مخطوط بصائر الدرجات 101. (2) الناضح: البعير يستقى عليه. (3) الاختصاص: مخطوط. بصائر الدرجات: 101. (4) على بن ثابت خ ل، أقول: الصحيح ما في المتن. (5) تناثرت خ ل. (6) من عينيه خ ل. (7) الاختصاص. مخطوط - بصائر الدرجات: 101. [ * ]

[ 401 ]

بيان: استكده أي طلب منه الكد والشدة والالحاح في العمل. 15 - ختص، ير: بهذا الاسناد عن جابر قال: بينا نحن يوما من الايام عند رسول الله صلى الله عليه وآله قعود أذ أقبل بعير حتى برك ورغا، وتسيل دموعه، قال صلى الله عليه وآله: لمن هذا البعير ؟ قالوا: لفلان، قال: علي به، فقال له: بعيرك هذا يزعم أنه ربى صغيركم، وكد على كبيركم، ثم أردتم أن تنحروه، قالوا: يارسول الله لنا وليمة فأردنا أن ننحره، قال: فدعوه لي، قال: فتركوه، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان يأتي دور الانصار مثل السائل يشرف على الحجر، فكان العواتق يجبين له حتى يجئ (1)، فيقلن: هذا عتيق رسول الله صلى الله عليه وآله، فسمن حتى تضايق به جلده. بيان: العاتق: الجارية أول ما أدركت. 16 - ختص، ير: ابن يزيد، عن عبد الحميد بن سالم، عن هارون بن خارجة أو غيره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قالت الناقة ليلة نفروا بالنبي لرسول الله صلى الله عليه وآله: لا والله لا أزلت خفا عن خف ولو قطعت إربا إربا (2). بيان، الارب بالكسر: العضو. 17 - ص: عن ابن عباس قال: جاء أعرابي من بني سليم ومعه ضب اصطاده في البرية في كمه، فقال: لا اؤمن بك حتى ينطق هذا الضب، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ياضب من أنا ؟ فقال: أنت محمد بن عبد الله، اصطفاك الله حبيبا، فأسلم السلمي (3). يج مثله. 18 - ختص، ير: السندي بن محمد، عن أبان بن عثمان، عن عمرو بن صهبان، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن جابر بن عبد الله قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة ذات الرقاع وهي غزوة بني ثعلبة من غطفان حتى إذا كان قريبا من المدينة إذا بعير حل يرقل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فوضع جرانه على الارض ثم خرخر (4)، فقال رسول الله


(1) حتى يأتي خ ل. (2) الاختصاص، مخطوط، بصائر الدرجات: 101. (3) قصص الانبياء: مخطوط. (4) جرجر خ ل. أقول: خرخر: صوت وجرجر الجمل: ردد صوته في حنجرته. [ * ]

[ 402 ]

صلى الله عليه وآله: هل تدرون ما يقول هذا البعير ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه أخبرني أن صاحبه عمل عليه حتى إذا أكبره وأدبره وأهزله أراد أن ينحره ويبيع لحمه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جابر اذهب به إلى صاحبه فأتني به فقلت: لا أعرف صاحبه، قال هو يدلك، قال: فخرجت معه حتى انتهيت إلى بني واقف، فدخل في زقاق فإذا بمجلس فقالوا: يا جابر كيف تركت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وكيف تركت المسلمين ؟ قلت: صالحون، ولكن أيكم صاحب هذا البعير ؟ فقال بعضهم: أنا، فقلت: أجب رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: مالي ؟ قلت: استعدى عليك بعيرك، قال: فجئت أنا وهو والبعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: إن بعيرك أخبرتي أنك عملت عليه حتى إذا أكبرته وأدبرته وأهزلته أردت نحره وبيع لحمه، قال الرجل: قد كان ذلك يارسول الله صلى الله عليه وآله، قال: بعه مني، قال: بل هو لك يارسول الله صلى الله عليه وآله، قال: بل بعه مني، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم ضرب على صفحته فتركه يرعى في ضواحي المدينة، فكان الرجل منا إذا أراد الروحة والغدوة منحه رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال جابر: رأيته وقد ذهب عنه دبره وصلح (1). ايضاح: أرقل: أسرع، وجران البعير بالكسر: مقدم عنقه، الضواحي: النواحي، ودبر وأدبر: صار ذا دبر بالتحريك وهو قرحة الدابة. 19 - ص: الصدوق، عن عبد الله بن حامد، عن إسماعيل بن سعيد، عن أحمد بن عبد الله بن نصر، عن إبراهيم بن سهل، عن حسان بن أغلب بن تميم عن أبيه، عن هشام بن حسان عن الحسن بن ظبية بن محصن، عن ام سلمة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله يمشي في الصحراء فناداه مناد: يارسول الله مرتين، فالتفت فلم ير أحدا، ثم ناداه فالتفت فإذا هو بظبية موثقة (2)، فقالت: إن هذا الاعرابي صادني ولي خشفان في ذلك الجبل. أطلقني حتى أذهب وأرضعهما وأرجع، فقال: وتفعلين ؟ قالت: نعم إن لم أفعل عذبني الله عذاب العشار، فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت فأوثقها، فأتاه الاعرابي،


(1) الاختصاص: مخطوط. بصائر الدرجات: 102. (2) في الخرائج: موثوقة وفيه بعد ذلك: قال: ما حاجتك، فقالت. [ * ]

[ 403 ]

فقال: يارسول الله أطلقها، فأطلقها (1)، فخرجت تعدو وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله (2). يج: عن ام سلمة مثله (3). 20 - ص: الصدوق، عن ابي حامد (4)، عن ابن سعدان، عن أبي الخير بن بندار بن يعقوب، عن جعفر بن درستويه، عن اليمان بن سعيد، عن يحيى بن عبد الله، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ دخل أعرابي على ناقة حمراء فسلم، ثم قعد. فقال بعضهم (5): إن الناقة التي تحت الاعرابي سرقها قال: أقم بينة، فقالت (6) الناقة التي تحت الاعرابي والذي بعثك بالكرامة (7) يارسول الله إن هذا ما سرقني ولا ملكني أحد سواه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أعرابي ما الذي قلت حتى أنطقها الله بعذرك ؟ قال: قلت: " اللهم إنك لست برب (8) استحدثناك، ولا معك إله أعانك على خلقنا، ولا معك رب فيشركك في ربوبيتك، أنت ربنا كما تقول، وفوق ما يقول القائلون، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تبرأني ببرأتي " فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالكرامة (9) يا


(1) في الخرائج: فانتبه الاعرابي فأخبره النبي صلى الله عليه وآله بحالها فاطلقها. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) الخرائج: 184. (4) هكذا في الكتاب، ولعل الصحيح: عبد الله بن حامد أو ابن حامد. (5) في الخرائج: إن اعرابيا يمانيا أتى النبي صلى الله عليه وآله على ناقة حمراء فلما قضى نحبه قالوا إه‍. أقول: النحب: الحاجة. (6) قال: أثم بينة ؟ قالوا: نعم، قال: يا على خذ حق الله من الاعرابي ان قامت عليه البينة، فأطرق الاعرابي ساعة، فقال على عليه السلام: قم يا أعرابي والا فادل بحجتك، فقالت يج، اقول هكذا اورده المصنف في هامش النسخة، وفى الخرائج: قم يا اعرابى لامر الله والا فادل بحجتك. اقول: ادلى بحجته: احضرها واحتج بها. (7) في الخرائج: والذى بعثك بالحق نبيا. (8) باله خ ل. (9) في الخرائج: والذى بعثنى بالحق نبيا. [ * ]

[ 404 ]

أعرابي لقد رأيت الملائكة (1) يكتبون مقالتك، ألا ومن نزل به مثل ما نزل بك فليقل مثل مقالتك، وليكثر الصلاة علي (2). يج: مرسلا مثله (3). 21 - ص: الصدوق، عن عبد الله بن حامد، عن أحمد بن حمدان، عن عمرو بن محمد، عن محمد بن مؤيد، عن عبد الله بن محمد بن عقبة، عن أبي حذيفة، عن عبد الله بن حبيب الهذلي عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي منصور قال: لما فتح الله على نبيه خيبر أصابه حمار أسود، فكلم النبي الحمار فكلمه، وقال: أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا لم يركبها إلا نبي، ولم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الانبياء غيرك، وقد كنت أتوقعك، كنت قبلك ليهودي أعثر به عمدا، فكان يضرب بطني، ويضرب ظهري، فقال النبي صلى الله عليه وآله سميتك يعفور، ثم قال: تشتهي الاناث يايعفور ؟ قال: لا، وكلما قيل: أجب رسول الله صلى الله عليه وآله خرج إليه، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله جاء إلى بئر فتردى فيها فصارت قبره جزعا (4). 22 - كا: محمد بن الحسن، وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد شباب الصيرفي، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر وصية النبي صلى الله عليه وآله وما أعطاه أمير المؤمنين إلى أن قال: والحمار عفير، فقال: اقبضها في حياتي، فذكر أمير المؤمنين عليه السلام أن أول شئ من الدواب توفي عفير، ساعة قبض رسول الله صلى الله عليه وآله قطع خطامه ثم مر يركض حتى أتى بئر بنى حطمة (5) بقبا فرمى بنفسه فيها، فكانت قبره (6).


(1) يبتدرون أفواه الازقة يكتبون خ اقول: هو الموجود في الخرائج. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) الخرائج: 184 وفيه: في آخره: فينقذه الله تعالى. (4) قصص الانبياء: مخطوط، والحديث عامى السند اخرجه الصدوق بطريقه إلى العامة، قوله فتردى أي فسقط. (5) هكذا في الكتاب، والصحيح: خطمه بالخاء المعجمة كما في المصدر، وهم حى من الاوس من القحطانية وهم بنو خطمة بن جشم بن مالك بن الاوس بن حارثة. (6) اصول الكافي 1: 236 و 237. [ * ]

[ 405 ]

23 - وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن ذلك الحمار كلم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال:، بأبي أنت وأمي إن أبي حدثني عن أبيه، عن جده، عن أبيه أنه كان مع نوح في السفينة، فقام إليه (1) فمسح على كفله، ثم قال: يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم، والحمد لله الذي جعلني ذلك الحمار (2). 24 - ص: الصدوق، عن أحمد بن الحسين، عن جعفر بن شاذان، عن جعفر بن علي ابن نجيح، عن إبراهيم بن محمد بن ميمون، عن مصعب، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد حاجة أبعد في المشي، فأتى يوما واديا لحاجة فنزع خفه وقضى حاجته، ثم توضأ وأراد لبس خفه، فجاء طائر أخضر، فحمل الخف فارتفع به، ثم طرحه فخرج منه أسود، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذه كرامة أكرمني الله بها، اللهم إني أعوذ بك من شر من يمشي على بطنه، ومن شر من يمشي على رجلين، ومن شر من يمشى على أربع، ومن شر كل ذي شر ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (3). 25 - ير: أحمد بن محمد، عن الاهوازي، عن القاسم بن محمد، عن علي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سم رسول الله يوم خيبر فتكلم اللحم فقال: يارسول الله إني مسموم، قال: فقال: النبي صلى الله عليه وآله عند موته: اليوم قطعت مطاياي (4) الاكلة التي أكلت بخيبر: وما من نبي ولا وصي إلا شهيد (5). بيان: المطايا جمع المطية وهي الدابة، ولعلها استعيرت هنا لما يعتمد عليه الانسان من الاعضاء والقوى، ويحتمل أن يكون في الاصل (6) مطاي، أي ظهري فصحف. 26 - ير: إبراهيم بن هاشم، عن جعفر بن محمد، عن عبد الله بن ميمون القداح،


(1) في المصدر: فقام إليه نوح. (2) اصول الكافي 1: 236 و 237، اقول: والحديث مرسل كما ترى وفيه غرابة. (3) قصص الانبياء: مخطوط. (4) اخرج الشيخ الحر العاملي الحديث في اثبات الهداة 1: 604 وفيه: مطاى. (5) بصائر الدرجات: 146. (6) وقد عرفت انه المتعين الموجود في اثبات الهداة. [ * ]

[ 406 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمت اليهودية النبي صلى الله عليه وآله في ذراع، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب الذراع والكتف، ويكره الورك لقربها من المبال، قال: لما اوتي بالشواء أكل من الذراع وكان يحبها، فأكل ما شاء الله ثم قال الذراع: يارسول الله إني مسموم فتركه، وما زال ينتفض (1) به سمه حتى مات صلى الله عليه وآله (2). 27 - يج: روي أن رجلا كان في غنمه يرعاها فأغفلها سويعة من نهاره، فأخذ الذئب منها شاة، فجعل يتلهف ويتعجب، فطرح الذئب الشاة ثم كلمه بكلام فصيح: أنتم أعجب، هذا محمد يدعو إلى الحق ببطن مكة (3)، وأنتم عنه لاهون، فأبصر الرجل رشده فأقبل حتى أسلم، وحدث القوم بقصته، وأولاده يفتخرون على العرب بذلك، فيقول أحدهم: أنا ابن (4) مكلم الذئب (5). 28 - يج: روي أنه صلى الله عليه وآله اتي بشاة مسمومة أهدتها له امرأة يهودية ومعه أصحابه، فرفع يده ثم قال: ارفعوا أيديكم فإنها لتخبرني أنها مسمومة. 29 - قب، يج: روي أن قوما من عبد القيس أتوه بغنم لهم فسألوه أن يجعل لهم علامة يعرفونها بها فغمز بإصبعه في اصول آذانها فابيضت، فهي إلى اليوم معروفة النسل (6). 30 - يج: روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان في إصحابه إذ جاءه أعرابي معه ضب قد صاده وجعله في كمه، قال: من هذا ؟ قالوا: هذا النبي (7)، قال: واللات والعزى ما أحد أبغض إلي منك، ولولا أن تسميني قومي عجولا لعجلت عليك فقتلتك، فقال:، ما


(1) ينتقض خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) بصائر الدرجات: 146. (3) في المصدر: انتم اعجب منى، هذا محمد يدعو إلى الحق وينطق بالصدق وهو بمكة. (4) في المصدر وكان اولاده يفتخرون على العرب بذلك، فيقولون: نحن بنو مكلم الذئب. (5) الخرائج: 183. (6) مناقب آل ابى طالب 1: 104. (7) في المصدر: قال: ما هذا ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: هذا ضب وفيه: ما اجد احدا ابغض إلى منك. [ * ]

[ 407 ]

حملك على ما قلت ؟ آمن بالله، قال: لا آمنت أو يؤمن بك هذا الضب وطرحه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ياضب، فأجابه الضب بلسان عربي يسمعه القوم لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة قال: من تعبد ؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الارض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه، قال: فمن أنا ياضب ؟ قال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك، وخاب من كذبك، قال الاعرابي: لا أتبع أثرا بعد عين، لقد جئتك وما على ظهر الارض (1) أحد أبغض إلي منك، وإنك الآن أحب إلي من نفسي ووالدي (2)، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، فرجع إلى قومه وكان من بني سليم، فأخبرهم بالقصة فآمن ألف إنسان منهم (3). 31 - يج: روي أن النبي صلى الله عليه وآله بعث برجل يقال له: سفينة بكتاب إلى معاذ وهو باليمن، فلما صار في بعض الطريق إذا هو بأسد رابض (4) في الطريق، فخاف أن يجوز، فقال: أيها الاسد إني رسول رسول الله إلى معاذ، وهذا كتابه إليه، فهرول الاسد قدامه غلوة (5) ثم همهم، ثم خرج، ثم تنحى عن الطريق، فلما رجع بجواب الكتاب فإذا بالسبع في الطريق ففعل مثل ذلك، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وآله أخبره بذلك، فقال: إنه قال في المرة الاولى: كيف رسول الله ؟ وقال في المرة الثانية: اقرء رسول الله السلام. 32 - يج روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان في سفر إذ جاء بعير فضرب الارض بجرانه، وبكى حتى ابتل ما حوله من الدموع، فقال: هل تدرون ما يقول ؟ إنه يزعم أن صاحبه يريد نحره غدا، فقال النبي صلى الله عليه وآله لصاحبه: تبيعه ؟ فقال: مالي مال أحب (6) إلي منه، فاستوصى به خيرا (7).


(1) في المصدر: وما على وجه الارض. (2) وولدى خ ل. (3) الخرائج: 184. (4) ربض الاسد: برك، وهو ان يلصق صدره بالارض. (5) عنوة خ ل. (6) لعله قال ذلك لما راى يفعل ذلك عند النبي صلى الله عليه وآله. (7) قال: فاستوص به خيرا خ ل. [ * ]

[ 408 ]

33 - يج: روي أن ثورا أخذ ليذبح فتكلم فقال: رجل يصيح، لامر نجيح، بلسان فصيح بأعلى مكة، لا إله إلا الله، فخلي عنه. 34 - قب، يج: روي عن أنس قال: إن النبي صلى الله عليه وآله دخل حائطا للانصار وفيه غنم (1)، فسجدت له، فقال أبو بكر: نحن أحق لك بالسجود من هذا الغنم (2)، فقال: إنه لا ينبغي أن يسجد أحد لاحد، ولو جاز ذلك لامرت المرأة أن تسجد لزوجها (3). 35 - يج: روي أن عبد الله بن أبي أوفى قال: بينما نحن قعود عند النبي صلى الله عليه وآله إذا أتاه آت فقال ناضح آل فلان قد ند (4) عليهم فنهض ونهضنا معه فقلنا: (5) لا تقربه فإنا نخافه عليك، فدنا من البعير، فلما رآه سجد له، ثم وضع رسول الله يده على رأس البعير فقال: هات الشكال (6)، فوضعه في رأسه وأوصاهم به خيرا. 36 - يج: روي أنه صلى الله عليه وآله مر على بعير ساقط فبصبص له، فقال: إنه يشكو ولاية أهله، وسأله أن يخرج عنهم، فسأل عن أصحابه فأتاه صاحبه فقال: بعه وأخرجه عنك، والبعير يرغو، ثم نهض وتبع النبي صلى الله عليه وآله فقال: يسألني أن أتولى أمره، فباعه من علي عليه السلام فلم يزل عنده إلى أيام صفين. 37 - روي أن امرأة عبد الله بن مشكم أتته بشاة مسمومة، ومع النبي صلى الله عليه وآله بشر بن البراء بن عازب، فتناول النبي صلى الله عليه وآله الذراع، فتناول بشر الكراع، فأما النبي صلى الله عليه وآله فلاكها ولفظها، وقال: إنها لتخبرني أنها مسمومة، وأما بشر فلاك المضغة وابتلعها فمات، فأرسل إليها فأقرت، فقال: ما حملك على ما فعلت ؟ قال: قتلت زوجي وأشراف قومي، فقلت: إن كان ملكا قتلته، وإن كان نبيا فسيطلعه الله.


(1) في المناقب: وفيه عنز. (2) في المناقب: من هذه العنز. (3) مناقب آل ابى طالب 1: 86. (4) ند البعير: نفر وذهب شاردا. والناضح: البعير يستقى عليه. (5) أي لرسول الله صلى الله عليه وآله. (6) الشكال: وثاق يوثق به البعير. والشكال في الخيل: ان تكون ثلاث قوائم مقيدة، و واحدة مطلقة. [ * ]

[ 409 ]

38 - يج: روي أن سعد بن عبادة أتاه عشية وهو صائم، فدعاه إلى طعامه ودعا معه عليا عليه السلام، فلما أكلوا قال النبي صلى الله عليه وآله: نبي ووصي أفطرا عندك، وأكل طعامك الابرار، وأفطر عندك الصائمون، وصلت عليك الملائكة، فحمله سعد على حمار قطوف و ألقى عليه قطيفة وإنه لهملاج لا يساير (1). 39 - بج روي عن ابن الاعرابي أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: خرجت غازيا فكسر بي، فغرق المركب وما فيه، وأقبلت (2) وما علي إلا خرقة قد اتزرت بها، وكنت (3) على لوح وأقبل اللوح يرمي (4) بي على جبل في البحر، فإذا صعدت وظننت أني نجوت جاءتني موجه فانتسفتني (5)، ففعلت بي مرارا، ثم إني خرجت أستند (6) على شاطئ البحر فلم يلحقني (7)، فحمدت الله على سلامتي، فبينما أنا أمشي إذ بصربي أسد فأقبل نحوي يريد أن يفترسني (8)، فرفعت يدي إلى السماء فقلت: اللهم إني عبدك ومولى نبيك نجيتني من الغرق، أفتسلط علي سبعك ؟ فالهمت أن قلت: أيها السبع أنا سفينة مولى رسول الله، احفظ رسول الله في مولاه، فوالله إنه لترك الزئير (9) وأقبل كالسنور يمسح خده بهذه الساق مرة، وبهذه الساق اخرى، وهو ينظر في وجهي مليا ثم طأطأ ظهره وأومأ إلى: أن اركب، فركبت ظهره، فخرج يخب بي، فما كان بأسرع


(1) القطوف من الدواب التى تسيئ السير وتبطئ. ودابة هملاج أي حسنة السير في سرعة وبخترة. قوله: لا يساير أي لا تسير معه دابة ولا يسابق لسرعة سيره. (2) في المصدر: وافلت: وهو الصحيح أي تخلصت (3) وركبت خ ل. (4) في المصدر: يرقى بى وهو الصحيح. (5) أي نفضتنى واسقطتني. (6) اشتد خ ل. (7) في المصدر: فلم تلحقني أي الامواج. (8) فأقبل يزأر إلى ان يفترسني خ ل. وفى المصدر: فأقبل يبربر على يريد ان يفرسنى اقول البربرة: الصياح مع غضب ونفور. (9) في المصدر: فترك البربرة. [ * ]

[ 410 ]

من أن هبط (1) جزيرة، وإذا فيها من الشجر والثمار وعين عذبة (2)، من ماء، فدهشت فوقف وأومأ إلي أن انزل، فنزلت فبقي واقفا حذاي ينظر، فأخذت من تلك الثمار و أكلت، وشربت من ذلك الماء فرويت، فعمدت إلى ورقة فجعلتها لي مئزرا واتزرت بها، وتلحفت باخرى وجعلت ورقة شبيها بالمزود فملاتها من تلك الثمار، وبللت الخرقة التي كانت معي لاعصرها إذا احتجت إلى الماء فأشربه، فلما فرغت مما أردت أقبل إلي فطأطأ ظهره، ثم أومأ إلي: أن اركب، فلما ركبت أقبل بي نحو البحر في غير الطريق الذي أقبلت منه، فلما جزت على البحر (3) إذا مركب سائر في البحر، فلوحت لهم، فاجتمع أهل المركب يسبحون ويهللون ويرون رجلا راكبا أسدا، فصاحوا يافتى من أنت أجني أم إنسي ؟ قلت: أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، رعى الاسد في حق (4) رسول الله ففعل ما ترون، فلما سمعوا ذكر رسول الله حطوا الشراع وحملوا رجلين في قارب صغير، ودفعوا إليهما ثيابا فجاءا إلي، ونزلت من الاسد، ووقف ناحية مطرقا ينظر ما أصنع، فرميا إلي بالثياب وقالا: البسها فلبستها فقال أحدهما: اركب ظهري حتى أحملك إلى القارب (5) أيكون السبع أرعى لحق رسول الله من امته، فأقبلت على الاسد فقلت: جزاك الله خيرا عن رسول الله، فوالله لنظرت إلى دموعه تسيل على خده ما يتحرك، حتى دخلت القارب وأقبل يلتفت (6) إلي ساعة (7) حتى غبنا عنه (8). بيان: انتسفه:، قلعه، والزئير: صوت الاسد من صدره، والخبب بالتحريك:


(1) في المصدر: هبط بى. (2) والثمر وعين غزيرة خ ل. (3) في المصدر: فلما صرت على ساحل البحر. (4) أي حفظ حقه صلى الله عليه وآله. (5) حتى ادخلك القارب خ ل: وفى المصدر بعد ذلك: فما يكون الاسد ارعى لحق رسول الله صلى الله عليه وآله من امته. (6) في المصدر: وما تحرك حتى دخلت القارب وهو يلتفت. (7) بعد ساعة خ. (8) الخرائج: 187 و 188. ولم نجد فيه عدة من الاحاديث المتقدمة والاتية، وقد أشرنا سابقا إلى تخالف نسخة المصنف والنسخة المطبوعة وكأن المطبوعة مختصرة منها. [ * ]

[ 411 ]

ضرب من العدو، ولوح بالشئ: أشاربه، والقارب: السفينة الصغيرة. 40 - يج: روى عن جابر، عن عمار بن ياسر أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض غزواته، قال: فلما خرجنا من المدينة تأخر عنا رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أقبل خلفنا، فانتهى (1) إلي وقد قام (2) جملي وبرك في الطريق، وتخلفت عن الناس بسبب ذلك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله عن راحلته فأخذ من الاداوة (3) ماء في فمه، ثم رشه على الجمل، و صاح به، فنهض كأنه ظبي، فقال لي: اركبه وسر (4)، فركبته وسرت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فوالله ما كانت ناقة رسول الله العضباء تفوته (5)، فقال لي: ما تبيعني الجمل ؟ قلت: هو لك يارسول الله، قال: لا إلا بثمن قلت: تعطي من الثمن ما شئت، قال: مأة درهم، قلت: قد بعتك، قال: ولك ظهره إلى المدينة، فلما رجعنا ونزلنا المدينة حططت منه رحلي، وأخذت بزمامه فقدمت (6) إلى باب دار رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: وفيت يا عمار، فقلت: الواجب هذا يارسول الله، فقال: يا أنس ادفع إلى عمار مأة درهم لثمن الجمل، ورد عليه الجمل هدية منا إليه لينتفع به. قال جابر: وكنا يوما جلوسا حوله صلى الله عليه وآله في مسجده فأخذ كفا من حصى المسجد فنطقت الحصيات كلها في يده بالتسبيح، ثم قذف بها إلى موضعها في المسجد (7). 41 - يج: روي أن قوما أتوا النبي شكوا بعيرا لهم جن، وقد خرب بستانا لهم، فمشى صلى الله عليه وآله إلى بستانهم، فلما فتحوا الباب صدم البعير، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وقع في التراب، وجعل يصيح بحنين، فقال النبي: إنه يشكوكم ويقول: عملت سنين و أتعبتموني في حوائجكم، فلما أن كبرت أردتم أن تنحروني، قالوا: قد كان كذلك وقد


(1) وانتهى خ ل. (2) أي وقف، اوكل فلم يسر. (3) الاداوة بالكسر: اناء صغير من جلد يتخذ للماء. (4) وسر عليه خ ل. (5) تفوقه خ ل. أقول: تفوته أي تجاوزه والعضباء بالعين المهملة والضاد المعجمة (6) فقدمته خ ل. (7) من المسجد خ ل. [ * ]

[ 412 ]

وهبناه لك يارسول الله، قال صلى الله عليه آله: بل بيعونيه، فابتاعه وأعتقه، فكان يطوف في المدينة ويعلفه أهلها ويقولون: عتيق رسول الله. بيان: الصدم: الدفع. 42 - يج: روي أن الوليد بن (1) عبادة بن بن الصامت قال: بينما جابر بن عبد الله يصلي في المسجد إذ قام إليه أعرابي فقال: أخبرني هل تكلم بهيمة (2) على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم، دعا النبي صلى الله عليه وآله على عتبة بن أبي لهب، فقال: أكلك (3) كلب الله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوما في صحب له حتى إذا نزلنا على مبقلة بمكة خرج عتبة مستخفيا، فنزل في أقاصي أصحاب النبي صلى الله عليه وآله والناس لا يعلمون، ليقتل محمدا (4)، فلما هجم الليل إذا أسد قبض على عتبة، ثم أخرجه خارج الركب، ثم زأر زئيرا لم يبق أحد من الركب إلا أنصت له، ثم نطق بلسان طلق (5) وهو يقول: هذا عتبة بن أبي لهب خرج من مكة مستخفيا، يزعم أنه يقتل محمدا، ثم مزقه (6) قطعا قطعا فلم يأكل منه. ثم قال جابر: وقد تثمل (7) قوم من آل ذريح وفتيات (8) لهم ليلة فبينما هم في لهوهم ولعبهم إذ صعد عجل على رابية، وقال لهم بلسان ذلق (9): يا آل ذريح، أمر نجيح، صائح يصيح، بلسان فصيح، ببطن مكة، يدعوهم إلى قول: لا إله إلا الله فأجيبوه، فترك القوم لهوهم ولعبهم وأقبلوا إلى مكة فدخلوا في الاسلام مع رسول الله. ثم قال جابر: لقد تكلم ذئب أتى غنما ليصيب منها، فجعل الراعي يصده ويمنعه


(1) في المصدر: روى عن الوليد. (2) في المصدر: هل تكلمت بهيمة. (3) قتلك خ ل. (4) في المصدر: والناس لا يعلمون انه جاء لقتل محمد صلى الله عليه وآله. (5) أي فصيح. (6) فرقه خ ل. (7) تمثل خ ل وهو الموجود في المصدر: وهو مصحف. (8) وفتيان خ ل. وفى المصدر: وقينات. (9) الذلق من الالسنة: ذو الحدة، يقال: لسان ذلق طلق أي ذو حدة. البليغ الفصيح. [ * ]

[ 413 ]

فلم ينته، فقال: عجبا لهذا الذئب، فقال: يا هذا أعجب (1) مني، محمد بن عبد الله القرشي يدعوكم ببطن مكة إلى قوله: لا إله إلا الله يضمن لكم عليه الجنة وتأبون عليه، فقال الراعي: يالك من طامة، من يرعى الغنم حتى آتيه فاؤمن به ؟ قال الذئب: أنا أرعى الغنم فخرج ودخل مع رسول الله في الاسلام. ثم قال جابر: ولقد تكلم بعير كان لآل النجار شرد عنهم (2) ومنعهم ظهره، فاحتالوا له بكل حيلة فلم يجدوا إلى أخذه من سبيل، فأخبروا النبي صلى الله عليه وآله فخرج إليه فلما بصر به البعير برك خاضعا باكيا، فالتفت النبي إلى بني النجار فقال: إلا إنه يشكوكم أنكم قللتم علفه وأثقلتم ظهره، فقالوا: إنه ذو منعة لا يتمكن منه (3)، فقال: انطلق مع أهلك، فانطلق ذليلا. ثم قال: جابر لقد تكلم ظبية اصطادها قوم من الصحابة فشدوها إلى جانب رحلهم، فمر النبي صلى الله عليه وآله فنادته يا نبي الله، يارسول الله، فقال: أيتها النجداء ما شأنك ؟ قالت: إني حافل ولي خشفان، فخلني حتى ارضعهما وأعود (4)، فأطلقها ثم مضى، فلما رجع إذا الظبية قائمة، فجعل النبي صلى الله عليه وآله يوثقها، فحس أهل الرحل به فحدثهم بحديثها، قالوا: وهي لك، فأطلقها فتكلمت بالشهادتين (5). بيان: المبقلة: موضع البقل، ويقال: كل نبات اخضرت له الارض فهو بقل، والثمل محركة، السكر، وتثمل ما في الاناء: تحساه، والرابية: ما ارتفع من الارض، قوله: يالك من طامة، النداء للتعجب، نحويا للماء، و " من " للبيان، والطامة: الامر العظيم، والداهية الكبرى، والنجد: ما أشرف من الارض، والدليل الماهر، والشجاع الماضي فيما يعجز غيره، والكرب والغم، والنجود من الابل والاتن: الطويلة العنق،


(1) في المصدر: يا هذا أنتم اعجب منى. (2) في المصدر: شرد عليهم اقول: أي خرج عن طاعتهم وفيه: فاحتالوا عليه. (3) في المصدر: لا نتمكن منه. (4) في المصدر: فخلني حتى امضى وارضعهما واعود. (5) الخرائج: 222، وهو خال عن قوله: فتكلمت بالشهادتين. [ * ]

[ 414 ]

والناقة الماضية والمتقدمة، والنجدة: الشجاعة، والشدة، والهول والفزع، والحافل: الممتلئ ضرعها لبنا. 43 - يج: روي عن سلمان قال: كنت قاعدا عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل أعرابي فقال: يا محمد أخبرني بما في بطن ناقتي حتى أعلم أن الذي جئت به حق، واؤمن بإلهك وأتبعك، فالتفت النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فقال: حبيبي علي يدلك (1)، فأخذ عليه السلام بخطام الناقة ثم مسح يده على نحرها، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: " اللهم إني أسألك بحق محمد وأهل بيت محمد، وبأسمائك الحسنى، وبكلماتك التامات لما أنطقت هذه الناقة حتى تخبر بما في بطنها " فإذا الناقة قد التفت إلى علي عليه السلام وهو يقول: يا أمير المؤمنين إنه ركبني يوما وهو يريد زيارة ابن عم له، فلما انتهى بي إلى واد يقال له: وادي الحسك نزل عني، وأبركني في الوادي وواقعني، فقال الاعرابي: ويحكم أيكم النبي هذا أو هذا ؟ قيل: هذا النبي، وهذا أخوه ووصيه، فقال الاعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وسأل النبي صلى الله عليه وآله أن يسأل الله ليكفيه ما في بطن ناقته، فكفاه وأسلم وحسن إسلامه. 44 - قب، يج: روي (2) عن أبي ذر قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله يوما فقال: ما فعلت غنيماتك ؟ قلت: إن لها قصة عجيبة، بينما أنا في صلاتي إذ عدا (3) الذئب على غنمي، فقلت في نفسي: لا أقطع الصلاة، فأخذ حملا فذهب به وأنا أحس به، إذ أقبل على الذئب أسد فاستنقذ الحمل (4) ورده في القطيع، ثم ناداني: يا أبا ذر أقبل على صلاتك، فإن الله قد وكلني بغنمك (5)، فلما فرغت قال لي الاسد: امض إلى محمد


(1) خبره يا على بذلك خ ل. (2) في المناقب: واتى ابو ذر إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ان لى غنيمات واكره ان افارق حضرتك، فقال صلى الله عليه وآله: انك فيها، فلما كان يوم السابع جاءه فقال: بينما انا في صلاتي إذ أخذ ذئب حملا فاستقبله اسد فقطعه بنصفين، واستنقذ الحمل ورده إلى القطيع، ثم نادانى. (3) إذا عدا خ ل. (4) في الخرائج: فاستنقذ الحمل من يده. (5) في المناقب: قد وكلنى بغنمك إلى ان تصلى. [ * ]

[ 415 ]

فأخبره (1) أن الله أكرم صاحبك الحافظ لشريعتك، ووكل أسدا بغنمه، فعجب (2) من حول النبي (3) صلى الله عليه وآله. 45 - قب: أبو هريرة وعائشة: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وفي يده ضب فقال: يا محمد لا اسلم حتى تسلم هذه الحية، فقال النبي (4) صلى الله عليه وآله: من ربك ؟ فقال: الذي في السماء ملكه، وفي الارض سلطانه، وفي البحر عجائبه، وفي البر بدائعه، وفي الارحام علمه، ثم قال: ياضب من أنا ؟ قال: أنت رسول رب العالمين، وزين الخلق يوم القيامة أجمعين، وقائد الغر المحجلين، قد أفلح من آمن بك وأسعد، فقال الاعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم ضحك وقال: دخلت عليك وكنت أبغض الخلق إلي، وأخرج وأنت أحبهم إلي، فلما بلغ الاعرابي منزله استجمع أصحابه (5) و أخبرهم بما رأى، فقصدوا نحو النبي صلى الله عليه وآله بأجمعهم، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وآله، فأنشأ الاعرابي: ألا يارسول الله إنك صادق * فبوركت مهديا وبوركت هاديا شرعت لنا دين الحنيفي بعدما * عندنا كأمثال الحمير الطواغيا فياخير مدعو وياخير مرسل * إلى الانس ثم الجن لبيك داعيا أتيت ببرهان من الله واضح * فأصبحت فينا صادق القول راضيا فبوركت في الاقوام حيا وميتا * وبوركت مولودا وبوركت ناشيا وروي أن اسم الاعرابي سعد بن معاذ السلمي، فسر النبي صلى الله عليه وآله بإسلامهم، وأمر الاعرابي عليهم. زيد بن أرقم وأنس وام سلمة والصادق عليه السلام: إنه مر بظبية مربوطة بطنب خيمة يهودي فقالت: يارسول الله إني ام خشفين عطشانين، وهذا ضرعي قد امتلا لبنا، فخلني


(1) في المناقب: فاخبره بحفظي لغنمك. اقول: هذا آخر الحديث في المناقب. (2) في الخرائج: فتعجب من كان حول النبي صلى الله عليه وآله من ذلك. (3) مناقب آل ابى طالب 1: 87. الخرائج: 222. (4) أي فقال النبي للضب. (5) في المصدر: اجتمع بأصحابه. [ * ]

[ 416 ]

حتى ارضعها ثم أعود فتربطني، فقال: أخاف أن لا تعودي، قالت: جعل الله علي عذاب العشارين إن لم أعد، فخلى سبيلها، فخرجت وحكت لخشفيها ما جرى، فقالا: لا نشرب اللبن وضامنك رسول الله في أذى منك، فخرجت مع خشفيها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأثنت عليه، وجعلا يمسحان رؤوسهما برسول الله، فبكى اليهودي وأسلم، وقال: قد أطلقتها، واتخذ هناك مسجدا، فخنق (1) رسول الله صلى الله عليه وآله في أعناقها بسلسلة، وقال: حرمت لحومكم على الصيادين، ثم قال: لو أن البهائم يعلمون من الموت الخبر. وفي رواية زيد: فأنا والله رأيتها تسبح في البرية وهي تقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وروي أن الرجل اسمه اهيب بن سماع (2). عروة بن الزبير: إنه لما فتح خيبر كان في سهم رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة أزواج ثقالا، وأربعة أزواج خفافا، وعشرة أواقي ذهبا وفضة، وحمار أقمر (3)، فلما ركبه رسول الله نطق، وقال: يارسول الله أنا عفير، ملكني ملك اليهود، وكنت عضوضا جموحا (4) غير طائع، فقال له: هل لك من أب (5) ؟ قال: لا، لانه كان منا سبعون مركبا للانبياء، والآن نسلنا منقطع لم يبق غيري، ولم يبق غيرك من الانبياء، وبشرنا بذلك زكريا عليهم السلام، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يبعثه إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه: أن أجب رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله أتلف نفسه في بئر لابي (6) الهيثم بن التيهان فصار قبره. وروى أبو جعفر نحوا منه في علل الشرائع.


(1) أي فطوق وقدل ومنه المخنقة بكسر الميم أي القلادة. (2) مناقب آل ابى طالب 1: 83 و 84. (3) الاقمر: ما لونه القمرة: والقمرة: لون البياض إلى الخضرة. (4) العضوض: الكثير العض. والجموح: الذى يركب رأسه لا ينثنيه شئ وهو عيب. (5) يحتمل ان يكون مكان قوله: من اب " من ابن "، أو " من اتان " أو " من اناث " كما في الخرائج منه قدس سره أقول: ولعل المراد هل أبوك حى أو قد مات. (6) اسم ابى الهيثم مالك. [ * ]

[ 417 ]

عبد الرحمن العنبري: خطب النبي صلى الله عليه وآله يوم عرفة وحث على الصدقة، فقال رجل: يارسول الله إن إبلي هذه للفقراء، فنظر النبي صلى الله عليه وآله إليها فقال: اشتروها لي، فاشتريت، فأتت ليلة إلى حجرة النبي صلى الله عليه وآله (1) فقال النبي صلى الله عليه وآله: بارك الله فيك، قالت: كنت حاميا فاستعرت من صاحبي فشردت منهم، وكنت أرعى فكان النبات يدعوني والسباع تصيح علي: إنه لمحمد، فسألها النبي صلى الله عليه وآله عن اسم مولاها، فقالت: عضبا فسماها عضبا (2). قال عمر بن الخطاب: فلما حضر النبي صلى الله عليه وآله الوفاة قالت: لمن توصي بي بعدك ؟ قال: ياعضبا بارك الله فيك، أنت لابنتي فاطمة، تركبك في الدنيا والآخرة، فلما قبض النبي صلى الله عليه واله أتت إلى فاطمة عليها السلام ليلا فقالت: السلام عليك يا بنت رسول الله: قد حان فرافي الدنيا، والله ما تهنأت بعلف ولا شراب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وماتت بعد النبي صلى الله عليه وآله بثلاثة أيام (3). 46 - قب: جابر الانصاري وعبادة بن الصامت قالا: كان في حائط بني النجار جمل قطم (4) لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه، فدخل النبي صلى الله عليه وآله الحائط ودعاه فجاءه ووضع مشفره على الارض، ونزل بين يديه فخطمه ودفعه إلى أصحابه، فقيل: البهائم يعرفون نبوتك ؟ فقال: ما من شئ إلا وهو عارف بنبوتي سوى ابي جهل وقريش، فقالوا نحن أحرى بالسجود لك من البهائم، قال: إني أموت، فاسجدوا للحي الذي لا يموت. وجاء جمل آخر يحرك شفتيه ثم أصغى إلى الجمل وضحك، ثم قال: هذا يشكو قلة العلف، وثقل الحمل، يا جابر اذهب معه إلى صاحبه فأتني به، قلت: والله ما أعرف صاحبه، قال: هو يدلك، قال: فخرجت معه إلى بعض بني حنظلة وأتيت به إلى رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: بعيرك هذا يخبرني بكذا وكذا، قال: إنما كان ذلك لعصيانه


(1) الصحيح: فسلمت كما في المصدر. (2) في المصدر: عضباء بالمد. وكذا فيما بعده. (3) مناقب آل ابى طالب 1: 85 و 86. (4) قطيم خ ل. [ * ]

[ 418 ]

ففعلنا به ذلك ليلتين، فواجهه رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: انطلق مع أهلك، فكان يتقدمهم متذللا، فقالوا: يارسول الله أعتقناه لحرمتك فكان يدور في الاسواق، والناس يقولون:، هذا عتيق رسول الله (1). بيان: قطمه يقطمه: عضه، وكفرح: اشتهى الضراب والنكاح واللحم أو غيره فهو قطم ككتف، والقطيم كإردب: الفحل الصؤول. 47 - م: قوله عزوجل " أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل " (2) قال الامام عليه السلام: قال علي ابن محمد بن علي بن موسى صلوات الله عليهم: " أم تريدون " بل تريدون يا كفار قريش واليهود " أن تسألوا رسولكم " ما تقترحونه من الآيات التي لا تعلمون هل فيه صلاحكم أو فسادكم " كما سئل موسى من قبل " واقترح عليه لما قيل له: " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة (3) " ذ " ومن يتبدل الكفر بالايمان (4) " بأن لا يؤمن عند مشاهدة ما يقترح من الايات، أو لا يؤمن إذا عرف أنه ليس له أن يقترح، وأنه يجب عليه أن يكتفى بما قد أقامه الله تعالى من الدلالات، وأوضحه من الآيات البينات فيتبدل الكفر بالايمان بأن يعاند ولا يلتزم الحجة القائمة (5) " فقد ضل سواء السبيل " أخطأ طريق القصد المؤدية إلى الجنان، وأخذ في الطريق المؤدية إلى النيران (6). قال عليه السلام: قال الله تعالى: يا أيها اليهود " أم تريدون " بل تريدون من بعد ما آتيناكم


(1) الخرائج: 84. (2) البقرة: 108. (3) البقرة: 55. (4) زاد في المصدر: بعد جواب الرسول له ان ما سأله لا يصلح افتراحه على الله، أو بعد ما يظهر الله له ما اقترح إن كان صوابا، " ومن يتبدل الكفر بالايمان " بأن لا يؤمن. (5) في المصدر: الحجة القائمة عليه. (6) في المصدر: أخطا قصد الطرق المؤدية إلى الجنان، وأخذ في الطرق المودية إلى النيران. [ * ]

[ 419 ]

" أن تسألوا رسولكم " وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قصده عشرة من اليهود يريدون أن يتعنتوه (1) ويسألوه عن أشياء يريدون أن يعانتوه بها، فبينما هم كذلك إذ جاء أعرابي كأنه يدفع في قفاه قد علق على عصا على عاتقه جرابا مشدود الرأس فيه شئ قد ملاه لا يدرون ما هو ؟ فقال يا محمد أجبني عما أسألك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أخا العرب قد سبقك اليهود (2) أفتأذن لهم حتى أبدأ بهم ؟ قال الاعرابي: لا فإني غريب مجتاز، فقال رسول الله فأنت إذا أحق منهم لغربتك واجتيازك، فقال الاعرابي: ولفظة اخرى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هي ؟ قال: إن هؤلاء أهل الكتاب يدعونه بزعمهم (3) حقا، ولست آمن أن تقول شيئا يواطؤونك عليه، ويصدقونك ليفتنوا (4) الناس عن دينهم وأنا لا أقنع بمثل هذا، لا أقنع إلا بأمر بين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ أين علي بن أبي طالب ؟ فدعي بعلي عليه السلام فجاء حتى قرب من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال الاعرابي يا محمد: وما تصنع بهذا في محاورتي وإياك (5) ؟ قال: يا أعرابي سألت البيان وهذا البيان الشافي، وصاحب العلم الكافي، أنا مدينة الحكمة وهذا بابها، فمن أراد الحكمة والعلم فليأت الباب، فلما مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله قال رسول الله بأعلى صوته: يا عباد الله من أراد أن ينظر إلى آدم في جلالته، وإلى شيث في حكمته، وإلى إدريس في نباهته ومهابته، وإلى نوح في شكره لربه وعبادته، وإلى إبراهيم في وفائه وخلته وإلى موسى في بغض كل عدو لله ومنابذته، وإلى عيسى في حب كل مؤمن ومعاشرته (6) فلينظر إلى علي بن أبي طالب هذا، فأما المؤمنون فازدادوا بذلك إيمانا، وأما المنافقون فازداد نفاقهم. فقال الاعرابي: يا محمد هكذا مدحك لابن عمك، إن شرفه شرفك، وعزه عزك ولست أقبل من هذا شيئا إلا بشهادة من لا يحتمل شهادته بطلانا ولا فسادا، بشهادة هذا


(1) أن يعنتوه خ ل. (2) قد سبقتك اليهود خ ل. (3) في المصدر: ان لهولاء كتابا يدعونه ويزعمونه حقا. (4) ليفتتن خ ل. (5) لك واياك خ ل. (6) في المصدر: وحسن معاشرته. [ * ]

[ 420 ]

الضب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أخا العرب فأخرجه من جرابك أستشهده (1) فيشهد لي بالنبوة، ولاخي هذا بالفضيلة، فقال الاعرابي: لقد تعبت في اصطياده، وأنا خائف أن يطفر (2) ويهرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تخف فإنه لا يطفر ولا يهرب، بل يقف ويشهد لنا بتصديقنا وتفضيلنا، فقال الاعرابي أخاف أن يطفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فإن طفر فقد كفاك به تكذيبا لنا، واحتجاجا علينا، ولن يطفر ولكنه سيشهد لنا بشهادة الحق، فإذا فعل ذلك فخل سبيله، فإن محمدا يعوضك عنه ما هو خير لك منه، فأخرجه الاعرابي من الجراب ووضعه على الارض، فوقف واستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله، ومرغ خديه في التراب ثم رفع رأسه، وأنطقه الله تعالى فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه، وسيد المرسلين، وأفضل الخلق أجمعين، وخاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين، وأشهد أن أخاك علي بن أبي طالب على الوصف الذي وصفته، وبالفضل الذي ذكرته، وأن أولياءه في الجنان مكرمون، وأن أعداءه في النار خالدون (3)، فقال الاعرابي وهو يبكي: يارسول الله وأنا أشهد بما شهد به هذا الضب فقد رأيت وشاهدت وسمعت ما ليس لي عنه معدل ولا محيص، ثم أقبل الاعرابي على اليهود فقال: ويلكم أي آية بعد هذه تريدون، ومعجزة بعد هذه تقترحون ؟ ليس إلا أن تؤمنوا أو تهلكوا أجمعين، فآمن اولئك اليهود كلهم وقالوا: عظمت بركة ضبك علينا يا أخا العرب، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أخا العرب خل الضب على أن يعوضك الله عزوجل عنه ما هو خير منه، فإنه ضب مؤمن بالله وبرسوله وبأخي رسوله، شاهد بالحق، ما ينبغي أن يكون مصيدا ولا أسيرا، ولكنه يكون مخلى سربه، تكون له مزية (4) على سائر الضباب بما فضله الله أميرا، فناداه الضب: يارسول الله فخلني وولني تعويضه لاعوضه، فقال الاعرابي وما عساك توضني ؟ قال: تذهب بي إلى الجحر الذي أخذتني منه ففيه عشرة آلاف دينار


(1) في المصدر: لتستشهده. (2) طفر: وثب في ارتفاع. (3) يهانون خ. (4) المصدر خال عن قوله: تكون له مزية. [ * ]

[ 421 ]

خسروانية، وثلاثمأة (1) ألف درهم فخذها، فقال الاعرابي: كيف أصنع ؟ قد سمع هذا من الضب جماعات الحاضرين ههنا وأنا تعب، فإن من هو مستريح يذهب إلى هناك فيأخذه فقال الضب: يا أخا العرب إن الله قد جعله عوضا مني، فما كان ليترك أحدا يسبقك إليه ولا يروم أحد أخذه إلا أهلكه الله، وكان الاعرابي تعبا فمشى قليلا وسبقه إلى الجحر جماعة من المنافقين كانوا بحضرة رسول الله، فأدخلوا أيديهم إلى الجحر ليتناولوا منه ما سمعوا فخرجت عليهم أفعى عظيمة فلسعتهم وقتلتهم، ووقف حتى حضر الاعرابي فنادته: يا أخا العرب انظر إلى هؤلاء كيف أمرني الله بقتلهم دون مالك الذي هو عوضك (2) من ضبك، وجعلني هو حافظة (3) فتناوله، فاستخرج الاعرابي الدراهم والدنانير، فلم يطق احتمالها، فنادته الافعى: خذ الحبل الذي في وسطك وشده بالكيس (4)، ثم شد الحبل في ذنبي فإني سأجره (5) لك إلى منزلك، وأنا فيه خادمك (6) وحارس مالك هذا، فجاءت الافعى فما زالت تحرسه والمال إلى أن فرقه الاعرابي في ضياع وعقار وبساتين اشتراها، ثم انصرفت الافعى (7). بيان: عنته تعنيتا: شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه ويقال: جاءه متعنتا، أي طالبا زلته، والنباهة: الشرف.


(1) ثمانمأة خ ل. (2) في المصدر: الذى هو عوض عن ضبك. (3) حافظا خ ل. وفى نسخة من المصدر: حائطة، وفى اخرى: حائطا. (4) بالكيسين خ ل. (5) سأجره اليك. (6) في المصدر: حارسك. (7) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري: 203 - 205. [ * ]

[ 422 ]

صورة فتو غرافية من نسخة المؤلف (قدس سره) وهي الصحيفة التي يبتدء بها هذا الجزء

[ 423 ]

(مراجع التصحيح والتخريج والتعليق) بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين. اما بعد: فقد وفقنا الله تعالى - وله الشكر والمنة - لتصحيح الكتاب وتنميقه، وتحقيق نصوصه وأسانيده ومراجعة مصادره ومآخذه، مزدانا بتعاليق مختصرة لا غنى عنها في فهم غرائب ألفاظه ومشكلاته وكان مرجعنا في المقابلة والتصحيح مضافا إلى اصول الكتاب و النسخة المطبوعة المشهورة بطبعة " أمين الضرب " والطبعة الحروفية عدة نسخ مخطوطة جيدة في غاية الدقة والاتقان: منها: النسخة الثمينة الاصلية التي هي بخط المؤلف رضوان الله عليه تفضل بها العالم العامل حجة الاسلام الحاج السيد مهدي الصدر العاملي الاصبهاني صاحب الوعظ و إمام الجماعة في عاصمة طهران وهي مما ورثه من أبيه الفقيد السعيد الخطيب المشهور الحاج السيد (صدر الدين العاملي) رحمة الله عليه. والنسخة مخطوطة بخط جيد في غاية الدقة والاتقان معلمة بخطوط افقية بالحمرة كتب المصنف قدس سره بخطه الشريف عناوين أبوابها ورموز مصادرها وتفسير الآيات و شروح ألفاظ الحديث كلها وأما متون الاحاديث فهي بخط غيره (وكان عليها اعتمادي في التصحيح) يرى القارئ صحيفة من صورتها الفوتوغرافية في الصحيفة الآتية. ومنها: نسخة مخطوطة بخط نعمة الله بن محمد مهدي الاصطهباناتي استكتبها عام 1278 ه‍. ومنها: نسخة مخطوطة اخرى مصححة بتصحيح محمد حسن ابن أبي تراب مؤرخة بعام 1226 تفضل بهما الفاضل البارع الاستاذ المعظم السيد جلال الدين الارموي الشهير بالمحدث ويأتي مزيد توضيح بالنسبة إلى هاتين النسختين مع صورهما الفوتوغرافية في الجزء الذي يتم به تاريخ نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله إنشاء الله تعالى. وكان مرجعنا في تخريج أحاديثه وتعاليقه كتبا أوعزنا إلى بعضها في المجلدات السابقة، ونذكر هنا بعضا آخر: 1 - إثبات الهداة للحر العاملي طبع بقم في سنة 1378. ق 2 - الاحتجاج للطبرسي طبع بالنجف في سنة 1350. 3 - أسرار الصلاة للشهيد الثاني طبع بايران في سنة 1313.

[ 424 ]

4 - إعلام الورى للطبرسي طبع بإيران في سنة 1312 5 - إعلام الورى ط 2 للطبرسي طبع بطهران في سنة 1338 ش 6 - الامالي للشيخ وولده طبع بايران في سنة 1313 ق 7 - الامالي للشريف المرتضى طبع بمصر في سنة 1325. 7 - الامالي للشريف المرتضى طبع بمصر في سنة 1325. 8 - التجريد للمحقق الطوسي وشرحه للعلامة طبع بهند في سنة 1310. 9 - التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام طبع بايران في سنة 1315. 10 - التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام مخطوط بخزانة كتبي المخصوصة كتب في 1132. 11 - التفسير لعلى بن إبراهيم القمي طبع بايران في سنة 1313 12 - التفسير لعلي بن إبراهيم مخطوط بخزانة كتبي المخصوصة كتب في 1063. 13 - التفسير لعلي بن إبراهيم مخطوط بخزانة كتبي المخصوصة كتب دون تاريخ. 14 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد طبع بمصر. 15 - الشفاء للقاضي عياض وشرحه لعلي القارئ طبع باسلامبول في سنة 1308. 16 - قرب الاسناد للحميري طبع بطهران في سنة 1370. 17 - كشف اليقين لابن طاوس طبع بالنجف في سنة 1369. 18 - كنز جامع الفوائد نسخة مخطوطة أرسلها إلينا الاستاذ المرتضى المدرسي. 19 - مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب طبع بالنجف في سنة 1376. 20 - النوادر للراوندي طبع بالنجف في سنة 1376. وفي الختام لا ننسى الثناء على عدة من الافاضل الكرام ونخبة من العلماء العظام الذين ساعدوني في مشروعي هذا، وهم: فضيلة الشيخ محمد علي الذاكري الشيرازي ساعدني في مقابلة الكتاب وفضيلة الشيخ حسين الدارابي المشتهر بالكرماني والشيخ حسين المؤمن الشيرازي ساعداني في مقابلة الكتاب على الخطية وفي مقابلته على المصادر والماخذ، كما أنا لا ننسى الثناء على العالم الفاضل الشيح محمد مهدي العميد اليزدي حيث ساعدني في مقابلة المجلدات الاولى ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإخواننا لمرضاته ولخدمة الدين وأهله. لجنة التحقيق والتصحيح لدار الكتب الاسلامية عبد الرحيم الرباني الشيرازي

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية