الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 16

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 16


[ 1 ]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء السادس عشر مؤسسة الوفاء بيروت لبنان الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍. 1983 م بسم الله الرحمن الرحيم * (باب 5) * * (تزوجه صلى الله عليه وآله بخديجة رضى الله عنها) * * (وفضائلها وبعض أحوالها) * أقول: سيأتي بعض فضائلها في باب أحوال أبي طالب. 1 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن العباس بن عامر، عن أبان، عن بريد، عن الصادق عليه السلام قال (1): لما توفيت خديجة رضي الله عنها جعلت فاطمة عليها السلام تلوذ برسول الله صلى الله عليه وآله وتدور حوله، وتقول: أبه (2) أين أمي ؟ قال: فنزل جبرئيل عليه السلام فقال له: ربك يأمرك أن تقرء فاطمة السلام وتقول لها: إن أمك في بيت من قصب (3) كعابه من ذهب، وعمده ياقوت أحمر، بين آسية ومريم بنت عمران، فقالت فاطمة عليها السلام: إن الله هو السلام، ومنه السلام، وإليه السلام (4). 2 - ما: أبو عمرو (5)، عن ابن عقدة، عن أحمد بن محمد بن يحيى الجعفي، عن جابر ابن الحر النخعي، عن عبد الرحمن بن ميمون، عن أبيه قال: سمعت ابن عباس يقول: أول


(1) في المصدر: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام يقول. (2) في المصدر: يا أبه. (3) القصب: ما كان مستطيلا من الجوهر. الدر الرطب. الزبرجد الرطب المرصع. (4) المجالس: 110. (5) في المصدر: أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مهدى. وفيه: محمد ابن يحيى الجعفي قال: حدثنا أبى قال: حدثنا الحسين بن عبد الكريم وهو أبو هلال الجعفي قال: حدثنا جابر بن الحر الجعفي.

[ 2 ]

من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله من الرجال علي عليه السلام، ومن النساء خديجة عليها السلام (1). 3 - ل: محمد بن علي بن إسماعيل، عن أبي القاسم بن منيع، عن شيبان بن فروخ، عن داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله أربع خطط في الارض، وقال: أتدرون ما هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفضل نساء الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون (2). 4 - ل: سليمان بن أحمد اللخمي (3)، عن علي بن عبد العزيز، عن حجاج بن المنهال، عن داود بن أبي الفرات عن علباء (4)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله أربع خطوط، ثم قال: خير نساء الجنة مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون (5). 5 - ل: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن ابن أبي عثمان، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله اختار من النساء أربعا: مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة (6). أقول: سيأتي فيما أجاب أمير المؤمنين عليه السلام اليهودي الذي سأل عن خصال الاوصياء، فقال عليه السلام فيما قال: كنت أول من أسلم، فمكثنا بذلك ثلاث حجج، وما على وجه الارض خلق يصلي ويشهد لرسول الله صلى الله عليه وآله بما أتاه غيري، وغير ابنة خويلد رحمها الله وقد فعل.


(1) المجالس: 162. (2) الخصال 1: 96. (3) اللخمى بالخاء نسبة إلى لخم، وهو بطن عظيم ينتسب إلى لخم واسمه مالك بن عدى بن الحارث بن مرة بن ادد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، والرجل من مشايخ الصدوق كتب إليه من اصبهان. (4) علباء بالكسر فالسكون ثم الباء والمد، وهو علباء بن أحمر اليشكرى البصري، كان من القراء. (5) الخصال 1: 96. (6) المصدر 1: 107.

[ 3 ]

6 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبي علي الواسطي، عن عبد الله ابن عصمة، عن يحيى بن عبد الله، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله منزله، فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها وهي تقول: والله يا بنت خديجة ما ترين إلا أن لامك علينا فضلا، وأى فضل كان لها علينا ؟ ! ما هي إلا كبعضنا، فسمع مقالتها لفاطمة فلما رأت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وآله بكت، فقال: ما يبكيك يا بنت محمد ؟ ! قالت: ذكرت امي فتنقصتها فبكيت، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: مه يا حميراء، فإن الله تبارك وتعالى بارك في الودود الولود، وإن خديجة رحمها الله ولدت مني طاهرا وهو عبد الله وهو المطهر، وولدت مني القاسم وفاطمة ورقية وام كلثوم وزينب، وأنت ممن أعقم الله رحمه فلم تلدي شيئا (1). 7 - ص: تزوج النبي صلى الله عليه وآله بخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وتوفيت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام. 8 - يج: روي عن جابر قال: كان سبب تزويج خديجة محمدا أن أبا طالب قال: يا محمد إني اريد أن ازوجك ولا مال لي اساعدك به، وإن خديجة قرابتنا، وتخرج كل سنة قريشا في مالها مع غلمانها يتجر لها ويأخذ وقر بعير (2) مما أتى به، فهل لك أن تخرج ؟ قال: نعم، فخرج أبو طالب إليها وقال لها: ذلك، ففرحت وقالت لغلامها ميسرة: أنت وهذا المال كله بحكم محمد صلى الله عليه وآله، فلما رجع ميسرة حدث أنه ما مر بشجرة ولا مدرة إلا قالت: السلام عليك يا رسول الله، وقال: جاء بحيرا الراهب، وخدمنا لما رأى الغمامة على رأسه تسير حيثما سار تظله بالنهار، وربحا في ذلك السفر (3) ربحا كثيرا، فلما انصرفا قال ميسرة: لو تقدمت يا محمد إلى مكة وبشرت خديجة بما قد ربحنا لكان أنفع لك، فتقدم محمد على راحلته، فكانت خديجة في ذلك اليوم جالسة على غرفة مع نسوة فظهر لها محمد راكبا (4)، فنظرت خديجة إلى غمامة عالية على رأسه تسير بسيره، ورأت ملكين


(1) المصدر 2: 37 و 38. (2) أي حمل بعير. (3) في المصدر: وربحنا في هذه السفرة. (4) في المصدر: راكبا على راحلته.

[ 4 ]

عن يمينه وعن شماله (1)، في يد كل واحد سيف مسلول، يجيئان (2) في الهواء معه، فقالت: إن لهذا الراكب لشأنا عظيما ليته جاء إلى داري، فإذا هو محمد صلى الله عليه وآله قاصد لدارها (3)، فنزلت حافية إلى باب الدار، وكانت إذا أرادت التحول من مكان إلى مكان حولت الجواري السرير الذي كانت عليه، فلما دنت منه قالت: يا محمد اخرج و واحضرني (4) عمك أبا طالب الساعة، وقد بعثت إلى عمها (5) أن زوجني من محمد إذا دخل عليك، فلما حضر أبو طالب قالت: اخرجا إلى عمي ليزوجني من محمد فقد قلت له في ذلك، فدخلا على عمها، وخطب أبو طالب الخطبة المعروفة، وعقد النكاح، فلما قام محمد صلى الله عليه وآله ليذهب مع أبي طالب قالت (6) خديجة: إلى بيتك، فبيتي بيتك، وأنا جاريتك (7). 9 - د، قب: زوج أبو طالب خديجة من النبي، وذلك أن نساء قريش اجتمعن في المسجد في عيد، فإذا هن بيهودي يقول: ليوشك أن يبعث فيكن نبي، فأيكن استطاعت أن تكون له أرضا يطأها فلتفعل، فحصبنه، وقر ذلك القول في قلب خديجة، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد استأجرته خديجة على أن تعطيه بكرين، ويسير مع غلامها ميسرة إلى الشام، فلما أقبلا في سفرهما (8) نزل النبي صلى الله عليه وآله تحت شجرة فرآه راهب يقال له: نسطور، فاستقبله وقبل يديه ورجليه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، لما رأى منه علامات، وإنه نزل تحت الشجرة، ثم قال لميسرة: طاوعه في أوامره ونواهيه فإنه نبي، والله ما جلس هذا المجلس بعد عيسى عليه السلام أحد غيره، ولقد


(1) في المصدر: ملك عن يمينه، وملك عن شماله. (2) في المصدر: يحثان. (3) في المصدر: إلى دارها. (4) في المصدر: واحضر لى. (5) في المصدر: عمها ورقة. (6) في المصدر: قالت له. (7) الخرائج: 186 و 187. (8) من سفرهما خ ل.

[ 5 ]

بشر به عيسى عليه السلام، ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، وهو يملك الارض بأسرها، وقال ميسرة: يا محمد لقد جزنا عقبات بليلة كنا نجوزها بأيام كثيرة، وربحنا في هذه السفرة ما لم نربح من أربعين (1) سنة ببركتك يا محمد، فاستقبل خديجة، وأبشرها بربحنا، وكانت وقتئذ جالسة على منظرة لها، فرأت راكبا على يمينه ملك مصلت سيفه، وفوقه سحابة معلق عليها قنديل من زبرجدة، وحوله قبة من ياقوتة حمراء فظنت ملكا يأتي بخطبتها وقالت: اللهم إلي وإلى داري، فلما أتى كان محمدا وبشرها بالارباح، فقالت: وأين ميسرة ؟ قال: يقفو أثري، قالت: فارجع إليه وكن معه، ومقصودها لتستيقن حال السحابة، فكانت السحابة تمر معه، فأقبل ميسرة إلى خديجة وأخبرها بحاله، وقال لها: إني كنت آكل معه حتى يشبع (2) ويبقي الطعام كما هو، وكنت أرى وقت الهاجرة ملكين يظللانه، فدعت خديجة بطبق عليه رطب، ودعت رجالا ورسول الله صلى الله عليه وآله فأكلوا حتى شبعوا، ولم ينقص شيئا، فأعتقت ميسرة وأولاده وأعطته عشرة آلاف درهم لتلك البشارة، ورتبت الخطبة من عمرو بن أسد عمها. قال النسوي في تاريخه: أنكحه إياها أبوها خويلد بن أسد، فخطب أبو طالب بما رواه الخركوشي في شرف المصطفى، والزمخشري في ربيع الابرار، وفي تفسيره الكشاف، وابن بطة في الابانة، والجويني في السير عن الحسن، والواقدي وأبي صالح والعتبي فقال: " الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم الخليل، ومن ذرية الصفي إسماعيل، وصئصئ (3) معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس (4) حرمه، وجعل مسكننا بيتا محجوجا، وحرما أمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوازن برجل من قريش إلا رجح به، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه، وإن كان في المال مقلا،


(1) في أربعين خ ل. (2) في المناقب: حتى نشبع ويبقى الطعام بحاله. (3) ضئصئ خ ل. (4) قوله: حضنة البيت أي مربيه وكافله. وسواس جمع السائس: المدبر والمتولي لامر القوم ومن يصلح الخلق بارشادهم إلى الطريق المنجى في عاجلهم وآجلهم.

[ 6 ]

فإن المال ورق حائل (1)، وظل زائل، وله والله خطب عظيم، ونبأ شائع، وله رغبة في خديجة، ولها فيه رغبة، فزوجوه والصداق ما سألتموه من مالي عاجلة وآجلة " فقال خويلد: زوجناه ورضينا به. وروي أنه قال بعض قريش: يا عجبا أيمهر النساء الرجال، فغضب أبو طالب وقال: إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الاثمان، وإذا كانوا أمثالكم لم تزوجوا (2) إلا بالمهر الغالي، فقال رجل من قريش يقال له: عبد الله بن غنم: هنيئا مريئا يا خديجة قد جرت * لك الطير فيما كان منك بأسعد تزوجته (3) خير البرية كلها * ومن ذا الذي في الناس مثل محمد ؟ وبشر به المرءآن (4) عيسى بن مريم * وموسى بن عمران فيا قرب موعد أقرت به الكتاب قدما بأنه * رسول من البطحاء هاد ومهتد (5) بيان: قوله: فحصبنه أي رمينه بالحصباء، وصئصئ بالمهملتين والمعجمتين: الاصل، قال في النهاية: في حديث الخوارج يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين، الضئضئ: الاصل، يقال: ضئصئ صدق، وضؤضؤ صدق، وحكى بعضهم ضئضيئ بوزن قنديل، يريد أنه يخرج من نسله ومن عقبه، ورواه بعضهم بالصاد المهملة وهو بمعنا انتهى. وفي القاموس: الورق مثلثة، وككتف وجبل: الدارهم المضروبة، ومحركة الحي من كل حيوان، والمال من إبل ودراهم وغيرها انتهى. وفي الفقية: رزق كما سيأتي، و الحائل: المتغير. 10 - قب: خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى الشام في تجارة لخديجة وله خمس وعشرون


(1) في العدد: أمر حائل. (2) في المناقب: لم يزوجوا. (3) تزوجت خ ل. (4) البران خ ل. (5) مناقب آل أبي طالب 1: 29 و 30. العدد مخطوط.

[ 7 ]

سنة، وتزوج بها بعد أشهر، قال الكليني: تزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنة ولبث بها أربعا وعشرين سنة وأشهرا، وبنيت الكعبة ورضيت قريش بحكمه فيها وهو ابن خمس وثلاثين سنة (1). أقول: أوردنا تاريخ وفاتها في باب المبعث. 11 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: حدث أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن جبرئيل عليه السلام قال لي ليلة اسري بي حين رجعت وقلت: يا جبرئيل هل لك من حاجة ؟ قال: حاجتى أن تقرأ على خديجة من الله ومني السلام، وحدثنا عند ذلك أنها قالت حين لقاها نبي الله صلى الله عليه وآله فقال لها: الذي قال جبرئيل، فقالت: إن الله هو السلام، ومنه السلام، وإليه السلام، وعلى جبرئيل السلام (2). 12 - كشف: من مسند أحمد بن حنبل، عن عبد الله ابن جعفر، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خير نسائها خديجة، وخير نسائها مريم. ومنه، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله امرت أن ابشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب. ومنه، عن ابن عباس: إن أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله بعد خديجة علي عليه السلام، وقال مرة: أسلم. وقد تقدم ذكر إسلامها رضي الله عنها، وأنها سبقت الناس كافة، فلا حاجة إلى إعادة ذلك، وهو مشهور. ومن المسند عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون. ومنه، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: بشر رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة ببيت في الجنة


(1) المناقب 1: 119. (2) تفسير العياشي: مخطوط.

[ 8 ]

لا صخب فيه (1) ولا نصب. وروي أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله فسأل عن خديجة فلم يجدها، فقال: إذا جاءت فأخبرها أن ربها يقرؤها السلام. وروى أبو هريرة قال: أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله فقال: هذه خديجة قد أتتك معها إنآء مغطى فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومني السلام، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب (2). وقال شريك: وقد سئل عن القصب قصب الذهب (3). وقال الجوهري: القصب: أنابيب من جوهر وذكر الحديث. وقال غيره: اللؤلؤ، وقال صاحب النهاية في غريب الحديث: القصب: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف في هذا الحديث. والقصب من الجوهر: ما استطال منه في تجويف. وروي أن عجوزا دخلت على النبي صلى الله عليه وآله فألطفها، فلما خرجت سألته عائشة فقال: إنها كانت تأتينا في زمن خديجة، وإن حسن العهد من الايمان. وعن علي عليه السلام قال: ذكر النبي صلى الله عليه وآله خديجة يوما وهو عند نسائه فبكى، فقالت عائشة: ما يبكيك على عجوز حمراء من عجائز بني أسد ؟ فقال: صدقتني إذ كذبتم، وآمنت بي إذ كفرتم، وولدت لي إذ عقمتم، قالت عائشة: فما زلت أتقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بذكرها. ونقلت من كتاب معالم العترة النبوية لابي محمد بن عبد العزيز بن الاخضر الجنابذي الحنبلي ذكر خديجة بنت خويلد ام المؤمنين، وتقدم إسلامها، وحسن موازرتها، وخطر فضلها، وشرف منزلتها، ذكر مرفوعا عن محمد بن إسحاق (4) قال. كانت خديجة بنت خويلد


(1) في المصدر: من قصب لا صخب فيه. (2) قلت: الاحاديث كلها موجودة في مسند أحمد في باب مسند علي عليه السلام ومسند عبد الله جعفر وابن عباس وأنس وعبد الله بن أبي أوفى وأبي هريرة. (3) في المصدر: انه قصب الذهب. قلت: ولعل الصحيح: قال: إنه قصب الذهب. (4) وأخرجه أيضا ابن هشام في السيرة النبوية 1: 203 باسناده عن ابن اسحاق.

[ 9 ]

امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشئ تجعله لهم منه، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وآله من صدق حديثه و عظيم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله منها رسول الله صلى الله عليه وآله، وخرج في مالها ذلك، ومعه غلامها ميسرة حتى قدم الشام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ فقال ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، ثم باع رسول الله صلى الله عليه وآله سلعته التي خرج فيها (1)، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة، وكان ميسرة فيما يزعمون قال: إذا كانت الهاجرة (2) واشتد الحر نزل ملكان يظلانه من الشمس، وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قريبا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين، فبعثت إلى رسول الله فقالت له فيما يزعمون: يا ابن عم قد رغبت فيك لقرابتك مني، و شرفك في قومك، وسطتك (3) فيهم، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها قد كان حريصا على ذلك لو يقدر عليه، فلما قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله ما قالت ذكر ذلك لاعمامه، فخرج معه منهم حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى بإسناده عن ابن شهاب الزهري قال: لما استوى رسول الله صلى الله عليه وآله وبلغ أشده وليس له كثير مال استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حباشة، وهو سوق بتهامة، و استأجرت معه رجلا آخر من قريش، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما رأيت من صاحبة لاجير


(1) في السيرة: خرج بها. (2) الهاجرة: نصف النهار في القيظ، أو من عند زوال الشمس إلى العصر. (3) سطتك بكسر السين وفتح الطاء أي شرفك وسامى منزلتك.

[ 10 ]

خيرا من خديجة، ما كنا نرجع أنا وصاحبي إلا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبأه لنا. ومنه، قال الدولابي يرفعه عن رجاله: إنه كان من بدء أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أنه رأى في المنام رؤيا فشق عليه، فذكر ذلك لصاحبته خديجة، فقالت له: أبشر، فإن الله تعالى لا يصنع بك إلا خيرا، فذكر لها أنه رأى أن بطنه اخرج فطهر وغسل ثم اعيد كما كان، قالت: هذا خير فأبشر، ثم استعلن له جبرئيل فأجلسه على ما شاء الله أن يجلسه عليه، وبشره برسالة الله حتى اطمأن، ثم قال: اقرأ، قال كيف أقرء ؟ قال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الاكرم " فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله رسالة ربه واتبع الذي جاء به جبرئيل من عند الله، وانصرف إلى أهله، فلما دخل على خديجة قال: أرأيتك الذي كنت احدثك ورأيته في المنام فإنه جبرئيل استعلن، وأخبرها بالذي جاءه من عند الله وسمع، فقالت: أبشر يا رسول الله، فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا، فاقبل الذي أتاك الله، وأبشر فإنك رسول الله حقا. وروي مرفوعا إلى الزهري قال: كانت خديجة أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله. وعن ابن شهاب: أنزل الله على رسوله القرآن والهدى وعنده خديجة بنت خويلد. وقال ابن حماد: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج خديجة على اثنتى عشرة أوقية ذهبا وهي يومئذ ابنة ثماني وعشرين سنة. وحدثني ابن البرقي أبو بكر، عن ابن هشام، عن غير واحد، عن أبي عمرو بن العلاء قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة. وعن قتادة بن دعامة قال: كانت خديجة قبل أن يتزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله عند عتيق ابن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، يقال: ولدت له جارية وهي ام محمد بن صيفي المخزومي، ثم خلف عليها بعد عتيق أبو هالة هند بن زرارة التيمي، فولدت له هند بن هند، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله. وبإسناده يرفعه إلى محمد بن إسحاق قال: كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء من الله، ووازرته على أمره، فخفف الله بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله ذلك عن رسول الله

[ 11 ]

صلى الله عليه وآله بها، إذا رجع إليها تثبته، وتخفف عنه، وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت رحمها الله. وعن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله: أي ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لخديجة: يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني، قالت: قم يا بن عم فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فجلس عليها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول، فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فاجلس في حجري، ففعل، قالت: هل تراه ؟ قال: لا، قالت: يا بن عم اثبت وأبشر، فو الله إنه لملك (1) وما هو بشيطان. قال ابن إسحاق: قد حدثت بهذا الحديث عبد الله بن حسن قال: سمعت امي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول: أدخلت رسول الله صلى الله عليه وآله بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبرئيل، فقالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وآله: إن هذا لملك وما هو بشيطان. وعن ابن إسحاق أن خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد، فتتابع على رسول الله صلى الله عليه وآله هلاك خديجة وأبي طالب، وكانت خديجة وزيرة صدق على الاسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يسكن إليها. وعن عروة بن الزبير قال: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اريت بخديجة بيتا من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: أقرء خديجة من ربها السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا خديجة هذا جبرئيل يقرئك من ربك السلام، فقالت خديجة: الله السلام، ومنه السلام. وعلى جبرئيل السلام. وروي أن آدم عليه السلام قال: إني لسيد البشر يوم القيامة إلا رجل من ذريتي


(1) في المصدر: إن هذا الملك كريم.

[ 12 ]

نبي من الانبياء يقال له: محمد صلى الله عليه وآله (1)، فضل علي باثنتين: زوجته عاونته وكانت له عونا، وكانت زوجتي على عونا، وإن الله أعانه على شيطانه فأسلم، وكفر شيطاني (2). وعن عائشة قالت: كان رسول الله إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها واستغفار لها: فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن، قالت: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله غضب غضبا شديدا، فسقطت في يدي (3)، فقلت: اللهم إنك إن أذهبت بغضب رسولك صلى الله عليه وآله لم اعد بذكرها (4) بسوء ما بقيت، قالت: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما لقيت قال: كيف قلت ؟ والله لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقت مني (5) حيث حرمتموه، قالت: فغدا وراح علي بها شهرا. وروي أن خديجة رضوان الله عليها كانت تكنى ام هند. وعن ابن عباس أن عم خديجة عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن أباها مات قبل الفجار. وعن ابن عباس أنه تزوجها صلى الله عليه وآله وهي ابنة ثماني وعشرين سنة، ومهرها (6) اثنتي عشرة أوقية، وكذلك كانت مهور نساؤه، وقيل: إنها ولدت قبل الفيل بخمسة عشر سنة، وتزوجها صلى الله عليه وآله وهي بنت أربعين سنة، ورسول الله صلى الله عليه وآله ابن خمس وعشرين سنة. وحديث عفيف ورؤيته النبي صلى الله عليه وآله وخديجة وعليا يصلون حين قدم تاجرا إلى


(1) في المصدر: أحمد. (2) لعل المراد بالشيطان النفس الامارة، أي أن الله أعانه على نفسه ووفقه فغلب عليها، و أدخلها تحت قيادة التسليم لامر مولاها، ولكني لم اوفق على قيادتها فعصت وصدرت عنها ما يخالف رضى الله تعالى، هذا ما تحمتله ألفاظ الحديث، لكنه غير موافق لما عليه الامامية من عصمة الانبياء عليهم السلام، فيجب طرحه أو حمله على غير ذلك مما تقدم في بابه. (3) أي ندمت على ذلك. (4) في المصدر: لم أعد لذكر لها بسوء ما بقيت. (5) في المصدر: ورزقت منى الولد. (6) في المصدر: ومهرها النبي صلى الله عليه وآله.

[ 13 ]

العباس، وقوله: لا والله ما علمت على ظهر الارض كلها على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة قد تقدم ذكره بطريقه فلا حاجة لنا إلى ذكره، لانه لم يختلف في أنها رضي الله عنها أول الناس إسلاما. وقال ابن سعد يرفعه إلى حكم بن حزام (1): قال: توفيت خديجة في شهر رمضان سنة عشرة من النبوة، وهي ابنة خمس وستين سنة، فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله في حفرتها، ولم يكن يومئذ صلاة على الجنازة، قيل: ومتى ذلك يا أبا خالد ؟ قال: قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها، وبعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير، قال: فكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وأولاده كلهم منها إلا إبراهيم، فأنه من مارية القبطية. هذا آخر ما نقلته من كتاب الجنابذي (2). بيان: قوله: وسطتك بكسر السين، أي كونك وسطهم ومتوسطا بينهم، أي أشرفهم، قال الجوهري: وسطت القوم أسطهم وسطا ووسطة، أي توسطتهم، وفلان وسيط في قومه: إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا انتهى. قوله صلى الله عليه وآله: ورزقت مني، أي الولد، أو الاسلام (3). قولها: فغدا وراح علي بها شهرا، لعل المعنى أنه صلى الله عليه وآله كان إلى شهر يذكر خديجة وفضلها في الغدو والرواح، أو لما علم ندامتي في أمرها كان يغدو ويروح إلي لطفا بي (4). 13 - كا: بعض أصحابنا، عن علي بن الحسين، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يتزوج خديجة


(1) في المصدر: حكيم بن حزام، وهو الصحيح، وهو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الاسدي، أبو خالد المكى، ابن أخى خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها، وحزام بالحاء المهملة والزاء المعجمة. (2) كشف الغمة: 151 - 153. (3) قد عرفت أن الموجود في المصدر: ورزقت منى الولد. فلا مجال لاحتمال الثاني، مع أن الاسلام قد ذكر قبلا فلا وجه للاعادة. (4) والاظهر أن المعنى كان يغدو ويروح شهرا بهذه الحالة أي بحالة الغضب. وأخرج ابن الاثير الحديث مسندا باختلاف في ألفاظه في اسد الغابة 5: 438.

[ 14 ]

بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش حتى دخل على ورقة بن نوفل عم خديجة، فابتدأ أبو طالب بالكلام فقال: " الحمد لرب (1) هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرية إسماعيل وأنزلنا حرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه، ثم إن ابن أخي هذا يعني رسول الله صلى الله عليه وآله ممن لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به، ولا يقاس به رجل إلا عظم عنه، ولا عدل له في الخلق، وإن كان مقلا في المال، فإن المال رفد جار، وظل زائل، وله في خديجة رغبة، ولها فيه رغبة، وقد جئناك (2) لنخطبها إليك برضاها وأمرها، والمهر علي في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله، وله ورب هذا البيت حظ عظيم، ودين شائع، ورأي كامل " ثم سكت أبو طالب فتكلم عمها وتلجلج، وقصر عن جواب أبي طالب وأدركه القطع والبهر، وكان رجلا من القسيسين، فقالت خديجة مبتدئة: يا عماه إنك وإن كنت أولى (3) بنفسي مني في الشهود فلست أولى بى من نفسي، قد زوجتك يا محمد نفسي، والمهر علي في مالي، فأمر عمك فلينحر ناقة فليولم بها، وأدخل على أهلك، قال (4) أبو طالب: اشهدوا عليها بقبولها محمدا وضمانها المهر في مالها، فقال بعض قريش: يا عجباه (5) المهر على النساء للرجال ؟ فغضب أبو طالب غضبا شديدا وقام على قدميه، وكان ممن يهابه الرجال ويكره غضبه (6)، فقال: إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الاثمان، وأعظم المهر، وإذا كانوا أمثالكم لم يزوجوا إلا بالمهر الغالي، ونحر أبو طالب ناقة ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله بأهله، فقال رجل من قريش يقال له: عبد الله (7) بن غنم: هنيئا مرئيا يا خديجة قد جرت * لك الطير فيما كان منك بأسعد


(1) الحمد لله خ ل. (2) ولقد جئناك خ ل. (3) أولى لى خ ل. (4) فقال خ ل. (5) واعجباه خ ل. (6) في المصدر: وكان ممن تهابه الرجل وتكره غضبه. (7) أبو عبد الله خ ل وفي المصدر: فقال رجل من قريش يقال له: عبد الله بن غنم شعرا.

[ 15 ]

تزوجت خير البرية كلها * ومن ذا الذي في الناس مثل محمد ؟ وبشر به البر ان عيسى بن مريم * وموسى بن عمران فيا قرب موعد أقرت به الكتاب قدما بأنه * رسول من البطحاء هاد ومهتد (1) بيان: الزرع: الولد. قوله: فإن المال رفد جار أي عطاء مستمر، يجريه الله على عباده بقدر حاجتهم، وقد مر مكانه: ورق حائل، وسيأتي من الفقيه: رزق حائل. والبهر بالضم: انقطاع النفس من الاعياء، قولها: وإن كنت أولى بنفسي مني، لعل المعنى إنك وإن كنت أولى بأمري في محضر الناس عرفا، فلست أولى بأمري واقعا، أو إن كنت أولى في الحضور والتكلم بمحضر الناس، فلست أولى مني في أصل الرضا والقبول، أو إن كنت قادرا على إهلاكي وامكنك فيه، لكني لا امكنك في ترك هذا الامر، ولعل الاوسط أظهر، قوله: قد جرت لك الطير، يقال للحظ من الخير والشر: طائر، لقول العرب: جرى لفلان الطائر بكذا من الخير والشر، على طريقة التفأل والطيرة، وأصله أنهم كانوا يتفألون ويتطيرون بالسوانح والبوارح (2) من الطير عند توجههم إلى مقاصدهم ويحتمل أن يكون المعنى انتشر أسعد الاخبار منك في الآفاق سريعا بسبب ما كان منك من حسن الاختيار، فإن الطير أسرع في إيصال الاخبار من غيرها، والاول أظهر. والبر بالفتح: الصادق، والكثير البر. والقدم بالكسر: خلاف الحدوث، يقال: قد ما كان كذا. 14 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه واله على خديجة حيث مات (3) القاسم ابنها وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك، فقالت: درت دريرة فبكيت، فقال: يا خديجة أما ترضين إذا كان يوم القيامة أن تجئ إلى باب الجنة وهو قائم فيأخذ بيدك


(1) الفروع 2: 19 و 20. (2) السوانح جمع السانح: الذى يأتي من جانب اليمين، ويقابله البارح وهو الذى يأتي من جانب اليسار، والعرب تتيمن بالسوانح، وتتشأم بالبوارح. (3) في المصدر: حين مات.

[ 16 ]

فيدخلك الجنة، وينزلك أفضلها ؟ وذلك لكل مؤمن، إن الله عزوجل أحكم وأكرم أن يسلب المؤمن ثمرة فؤاده ثم يعذبه بعدها أبدا (1). 15 - كا: العدة، عن البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: توفي طاهر ابن رسول الله صلى الله عليه واله فنهى رسول الله صلى الله عليه واله خديجة عن البكاء، فقالت: بلى يا رسول الله، ولكن درت عليه الدريرة فبكيت، فقال لها: أما ترضين أن تجديه قائما على باب الجنة، فإذا رآك أخذ بيدك فأدخلك (2) أطهرها مكانا، وأطيبها ؟ قالت: وإن ذلك كذلك ؟ قال: فإن الله أعز وأكرم من أن يسلب عبدا ثمرة فؤاده فيصبر ويحتسب ويحمد الله عزوجل ثم يعذبه (3). 16 - نهج: ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه واله وخديجة وأنا ثالثها (4). 17 - يه: خطب أبو طالب رحمه الله لما تزوج النبي صلى الله عليه واله خديجة بنت خويلد رحمها الله بعد أن خطبها إلى أبيها، ومن الناس من يقول: إلى عمها، فأخذ بعضادتي (5) الباب ومن شاهده من قريش حضور، فقال: " الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم و ذرية إسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، يجبى (6) إليه ثمرات كل شئ وجعلنا الحكام على الناس في بلدنا الذي نحن فيه (7) ثم إن ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لا يوزن برجل من قريش إلا رجح، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه، وإن كان في المال قل فإن المال رزق حائل، وظل زائل، وله في خديجة رغبة، ولها فيه


(1) الفروع 1: 59. (2) فادخلك الجنة خ ل. (3) الفروع 1: 60. (4) نهج البلاغة: الجزء الاول: 417. (5) عضادتا الباب: خشبتاه من جانبيه. (6) أي يجمع. (7) في تاريخ اليعقوبي: بعد قوله: على الناس: وبارك لنا في بلدنا الذى نحن به.

[ 17 ]

رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله (1) من مالي، وله خطر (2) عظيم، وشأن رفيع، ولسان شافع جسيم، فزوجه ودخل بها من الغد، فأول ما حملت ولدت عبد الله بن محمد صلى الله عليه واله (3). 18 - اقول: قال الكازروني في المنتقى: روي أن خزيمة بن حكيم السلمي كانت بينه وبين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها قرابة، وإنه قدم عليها، وكان إذا قدم عليها أصابته بخير، فوجهته مع رسول الله صلى الله عليه واله وغلام لها يقال له: ميسرة في تجارة إلى بصرى من أرض الشام، فأحب خزيمة رسول الله صلى الله عليه واله حبا شديدا، فكان لا يفارقه في نومه ولا في يقظته، فساروا حتى إذا كانوا بين الشام والحجاز قام على ميسرة بعيران لخديجة، وكان رسول الله صلى الله عليه واله في أول الركب فخاف ميسرة على نفسه وعلى البعرين، فانطلق يسعى إلى رسول الله صلى الله عليه واله فأخبره بذلك فأقبل النبي صلى الله عليه واله إلى البعيرين فوضع يديه على أخفافهما وعوذهما، فانطلق البعيران يسعيان في أول الركب لهما رغاء (4)، فلما رأى خزيمة ذلك علم أن له شأنا عظيما، فحرص على لزومه ومحافظته، وساروا حتى إذا دخلوا الشام نزلوا براهب من رهبان الشام، فنزل رسول الله صلى الله عليه واله تحت شجرة، ونزل الناس متفرقين، وكانت الشجرة التي نزل تحتها شجرة يابسة قحلة (5)، قد تساقط ورقها، ونخر عودها، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه واله واطمأن تحتها أنورت وأشرقت واعشوشب ما حولها، وأينع (6) ثمرها، وتدلت أغصانها، فرفرفت (7) على رسول الله صلى الله عليه واله، وكان ذلك بعين الراهب فلم يتمالك أن انحدر من صومعته، فقال له: سألتك باللات والعزى (8)، فقال: إليك عني


(1) في المصدر: عاجلة وآجلة. (2) الخطر: الشرف وارتفاع القدر. وفي تاريخ اليعقوبي: وله والله خطب عظيم ونبأ شايع. (3) من لا يحضره الفقيه: 413. واخرج نحوه اليعقوبي في تاريخه 2: 15. (4) الرغاء: صوت الابل. (5) قحل الشئ: يبس. (6) أينع الثمر: أدرك وطاب وحان قطافه. (7) أي فبسطت أغصانها عليه. (8) في المصدر: سألتك باللات والعزى ما اسمك ؟

[ 18 ]

ثكلتك امك، فما تكلمت العرب بكلمة أثقل علي من هذه الكلمة، وكان ذلك مكرا من الراهب، وكان معه حين نزل من صومعته رق (1) أبيض، فجعل ينظر فيه مرة وإلى النبي صلى الله عليه واله اخرى، ثم أكب ينظر فيه مليا، فقال: هو هو ومنزل الانجيل، فلما سمع بذلك خزيمة ظن أن الراهب يريد بالنبي صلى الله عليه واله مكرا، فضرب بيده إلى قائمة سيفه فانتزعه وجعل يصيح بأعلى صوته: يا آل غالب، فأقبل الناس يهرعون إليه من كل ناحية يقولون: ما الذي راعك ؟ فلما نظر الراهب إلى ذلك أقبل يسعى إلى صومعته فدخلها وأغلق عليه بابها، ثم أشرف عليهم فقال: يا قوم ما الذي راعكم مني ؟ فوالذي رفع السماوات بغير عمد ما نزل بي ركب هو أحب إلي منكم، وإني لاجد في هذه الصحيفة أن النازل تحت هذه الشجرة - وأومأ بيده إلى الشجرة التي تحتها رسول الله صلى الله عليه واله - هو رسول رب العالمين، يبعث بالسيف المسلول، وبالذبح الاكبر، وهو خاتم النبيين، فمن أطاعه نجا، ومن عصاه غوى، ثم أقبل على خزيمة فقال: ما تكون من هذا الرجل ؟ أرجلا من قومه ؟ قال: لا، ولكن خادم له، وحدثه بحديث البعيرين، فقال له الراهب: أيها الرجل إنه النبي الذي يبعث في آخر الزمان، وإني مفوض إليك أمرا، ومستكتمك خبرا، وعاهد إليك عهدا، فقال: ما هو ؟ فإني سامع لقولك، وكاتم لسرك، ومطيع لامرك، فقال: إني أجد في هذه الصحيفة أنه يظهر على البلاد، وينصر على العباد، ولا ترد له راية، ولا تدرك له غاية، وإن له أعداء أكثرهم اليهود أعداء الله، فأحذرهم عليه، فأسر خزيمة ذلك في نفسه، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا محمد إني لارى فيك شيئا ما رأيته في أحد من الناس، إني لاحسبك النبي الذي يذكر أنه يخرج من تهامة، وإنك لصريح (2) في ميلادك، والامين في أنفس قومك، وإني لارى عليك من الناس محبة، وإني مصدقك في قولك، وناصرك على عدوك، فانطلقوا يؤمون الشام، فقضوا بها حوائجهم، ثم رجعوا،


(1) الرق: جلد رقيق يكتب فيه. الصحيفة البيضاء. (2) الصريح: الخالص، ولعل المراد أن ميلادك لم يشب بشئ من رسوم الجاهلية، أو أن نسبك الخالص، أو أنك خرجت من النكاح لم يدنسك السفاح. قال الكازرونى في المنتقى: أي لست بكاذب عندهم.

[ 19 ]

ثم قال: فأرسلت خديجة إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، فحضر، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله في عمومته فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة. وقد روى قوم أنه زوجها أبوها في حال سكره (1). قال الواقدي: هذا غلط، والصحيح أن عمها زوجها، وأن أباها مات قبل الفجار. وذكر أن أبا طالب خطب يومئذ، وذكر ما مر، فلما أتم أبو طالب خطبته تكلم ورقة بن نوفل، فقال: " الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا بالاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا علي معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربعمأة دينار، ثم سكت ورقة، وتكلم أبو طالب وقال: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها، اشهدوا علي يا معشر قريش إني قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد، وشهد علي بذلك صناديد قريش، فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن بالدفوف، وقالت: يا محمد مر عمك أبا طالب ينحر بكرة من بكراتك، وأطعم الناس على الباب، وهلم فقل (2) مع


(1) ذكره الطبري في تاريخه 2، 36 عن الواقدي، وروى اليعقوبي في تاريخه 2: 14 و 15 ذلك عن عمار بن ياسر في عمه عمرو بن أسد، إلا أنه قال فلما أصبح عمها عمرو بن أسد أنكر ما رأى فقيل له: هذا، فقال: متى زوجته ؟ قيل له: بالامس، قال: ما فعلت، قيل له: بلى نشهد أنك قد فعلت، فلما رأى عمرو رسول الله قال: اشهدوا أنى لم أكن زوجته بالامس، فقد زوجته اليوم اه‍. قلت: فيهما غرابة وشذوذ، ولم يرد ذلك من طرق الامامية. بل ورد من طرق لا يعتمد عليها الامامية، وقد عرفت قبل ذلك في رواية الكليني أن خديجة لما رأت أن عمها تلجلج وقصر عن الجواب قالت: يا عم لست أولى من نفسي، قد زوجتك يا محمد نفسي، وان ثبت في حديث صحيح أن غيرها كان المزوج لها فلا ينافى ذلك بل يجمع بوقوع العقد منهما جميعا، كما يأتي نظير ذلك في عقد ورقة بن نوفل. (2) من قال يقيل قيلولة: نام في القائلة أي منتصف النهار.

[ 20 ]

أهلك فأطعم الناس، ودخل رسول الله صلى الله عليه واله، فقال مع أهله خديجة (1). 19 - اقول: قال أبو الحسن البكري في كتاب الانوار: مر النبي صلى الله عليه واله يوما بمنزل خديجة بنت خويلد، وهي جالسة في ملا من نسائها وجواريها وخدمها، وكان عندها حبر من أحبار اليهود، فلما مر النبي صلى الله عليه واله نظر إليه ذلك الحبر وقال: يا خديجة اعلمي أنه قد مر الآن ببابك شاب حدث السن، فأمري من يأتي به، فأرسلت إليه جارية من جواريها، وقالت: يا سيدي مولاتي تطلبك، فأقبل ودخل منزل خديجة، فقالت: أيها الحبر هذا الذي أشرت إليه، قال: نعم هذا محمد بن عبد الله، قال له الحبر: اكشف لي عن بطنك، فكشف له، فلما رآه قال: هذا والله خاتم النبوة، فقالت (2) له خديجة: لو رآك عمه وأنت تفتشه لحلت عليك منه نازلة البلاء، وإن أعمامه ليحذرون عليه من أحبار اليهود، فقال الحبر: ومن يقدر على محمد هذا بسوء، هذا وحق الكليم رسول الملك العظيم في آخر الزمان، فطوبى (3) لمن يكون له بعلا، وتكون له زوجة وأهلا، فقد حازت شرف الدنيا والآخرة، فتعجبت خديجة، وانصرف محمد وقد اشتغل قلب خديجة بنت خويلد بحبه، وكانت خديجة ملكة عظيمة، وكان لها من الاموال والمواشي شئ لا يحصى، فقالت: أيها الحبر بم عرفت محمدا أنه نبي ؟ قال: وجدت صفاته في التوارة، إنه المبعوث آخر الزمان (4)، يموت أبوه وامه، ويكفله جده وعمه، وسوف يتزوج بامرأة من قريش سيدة قومها، وأميرة عشيرتها، وأشار بيده إلى خديجة، ثم بعد ذلك قال لها: احفظي ما أقول لك يا خديجة وأنشأ يقول:


(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثامن فيما كان سنة خمس وعشرين من مولده صلى الله عليه وآله اه‍ فيه: فقال مع أهله، فأقر الله عينه، وفرح أبو طالب فرحا شديدا وقال: الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن ودفع عنا الهموم. (2) في المصدر: فكشف عن بطنه، فلما رأى الحبر خاتم النبوة دهش لذلك، قالت. (3) في المصدر: هذا وحق الكليم على الجبل العظيم محمد صاحب البرهان، المبعوث في آخر الزمان، المعطل بدينه سائر الاديان. فطوبى اه‍. (4) أضاف في المصدر هنا: يكسر الاصنام.

[ 21 ]

يا خديجة لا تنسي الآن قولي * وخذي منه غاية المحصول يا خديجة هذا النبي بلا شك * هكذا قد قرأت في الانجيل سوف يأتي من الاله بوحي * ثم يجبى (1) من الاله بالتنزيل ويزوجه بالفخار ويحظى (2) * في الورى شامخا على كل جيل فلما سمعت خديجة ما نطق به الحبر تعلق قلبها بالنبي صلى الله عليه واله، وكتمت أمرها، فلما خرج من عندها قال: اجتهدي أن لا يفوتك محمد، فهو الشرف في الدنيا والآخرة (3)، وكان لخديجة عم يقال له: ورقة، وكان قد قرأ الكتب كلها (4)، وكان عالما حبرا، وكان يعرف صفات النبي الخارج في آخر الزمان، وكان عند ورقة أنه يتزوج بامرأة (5) سيدة من قريش، تسود قومها، وتنفق عليه مالها، وتمكنه من نفسها، وتساعده على كل الامور، فعلم ورقة أنه ليس بمكة أكثر مالا من خديجة، فرجا ورقة أن تكون ابنة أخيه خديجة، وكان يقول لها: يا خديجة سوف (6) تتصلين برجل يكون أشرف أهل الارض والسماء،


(1) أي يعطى. (2) ويزوج بذات الفخار فيضحى خ ل. (3) في المصدر: فهو والله شرف الدنيا والاخرة. (4) في المصدر: يقال له: ورقة بن نوفل، وكان من كهان قريش، وكان قد قرأ صحف شيث عليه السلام وصحف ابراهيم عليه السلام، وقرأ التوراة والانجيل وزبور داود عليه السلام. (5) في المصدر: بامرأة من قريش تكون سيدة قومها وأميرة عشيرتها، تساعده وتعاضده و تنفق عليه مالها، فعلم ورقة اه‍. (6) في المصدر: فرجا ورقة أن تكون زوجته حتى تفوز بالنبي صلى الله عليه وآله، وكان ورقة إذا دخل على خديجة تقول لها: يا خديجة سوف تتصلين برجل يكون فيه شرف الدنيا ونعيم الاخرة، وكانت خديجة أغنى أهل مكة، وكان لها في كل قبيلة من العرب قريب من الوف من النوق والخيل والغنم، لانها قد زوجت عبيدها بجواريها، وفرقهم مع العرب، وأعطتهم بيوت الشعر، والخيل والابل، وجعلوا يتوالدون ويكثرون، والدواب تلد وتكثر، وكان لها ازيد من أربعين ألف جمل تسافر بالتجارة إلى الشام والعراق والبحرين وعمان والطائف ومصر والحبشة وغيرها من الامصار، ومعها العبيد والغلمان والوكلاء، وكان أبو طالب اه‍.

[ 22 ]

وكان لخديجة في كل ناحية عبيد ومواشي حتى قيل: إن لها أزيد من ثمانين ألف جمل متفرقة في كل مكان، وكان لها في كل ناحية تجارة، وفي كل بلد مال، مثل مصر والحبشة وغيرها، وكان أبو طالب رضي الله عنه قد كبر وضعف عن كثرة السفر، وترك ذلك من حيث كفل النبي صلى الله عليه واله، فدخل عليه النبي صلى الله عليه واله ذات يوم فوجده مهموما، فقال: ما لي أراك يا عم مهموما ؟ فقال: يا ابن أخي اعلم أنه لا مال لنا، وقد اشتد الزمان علينا، وليس لنا مادة، وأنا قد كبرت، وضعف جسمي، وقل ما بيدي، واريد أن أنزل إلى ضريحي (1)، واريد أن أرى لك زوجة تسر قلبي يا ولدي لتسكن إليها، ومعيشة يرجع نفعها إليك، فقال له النبي صلى الله عليه واله: ما عندك يا عم من الرأي ؟ قال: اعلم يابن أخي أن هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس، وهي تعطي مالها سائر من يسألها التجارة (2)، ويسافرون به، فهل لك يا ابن أخي أن تمضي معي إليها ونسألها أن تعطيك مالا تتجر فيه، فقال: نعم، قم إليها وافعل ما بدا لك. قال أبو الحسن البكري: لما اجتمع بنو عبد المطلب قال أبو طالب لاخوته: امضوا بنا إلى دار خديجة بنت خويلد حتى نسألها أن تعطي محمدا مالا يتجر به، فقاموا من وقتهم وساعتهم وساروا إلى دار خديجة، وكان لخديجة دار واسعة تسع أهل مكة جميعا، وقد جعلت أعلاها قبة من الحرير الازرق، وقد رقمت في جوانبها صفة الشمس والقمر والنجوم، وقد ربطته من حبال الابريسم (3) وأوتاد من الفولاذ، وكانت قد تزوجت برجلين أحدهما اسمه أبو شهاب وهو عمرو الكندي (4)، والثاني اسمه عتيق بن عائذ، فلما ماتا خطبها عقبة بن أبي معيط، والصلت بن أبي يهاب، وكان لكل واحد منهما أربعمأة عبد وأمة، وخطبها أبو جهل بن هشام وأبو سفيان، وخديجة لا ترغب في واحد منهم، وكان


(1) قبل أن انزل ضريحي أرى خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. (2) في المصدر: وهى تعطى مالها من سألها التجارة. (3) بحبال من الابريسم خ ل. وهو الموجود في المصدر. (4) المشهور أنه أبو هالة مالك بن النباش بن زرارة التميمي، أو النباش بن زرارة أو هند بن النباش على اختلاف.

[ 23 ]

قد تولع قلبها بالنبي صلى الله عليه واله لما سمعت (1) من الاحبار والرهبان والكهان، وما يذكرونه من الدلالات، وما رأت قريش من الآيات، فكانت تقول: سعدت من تكون لمحمد قرينة، فإنه يزين صاحبه (2)، وازداد بها الوجد، ولج بها الشوق (3)، فبعثت إلى عمها ورقة ابن نوفل فقالت له: يا عم اريد أن أتزوج وما أدري بمن يكون، وقد أكثر علي الناس وقلبي لا يقبل منهم أحدا، فقال لها ورقة: يا خديجة ألا اعلمك بحديث غريب وأمر عجيب ؟ قالت: وما هو يا عم ؟ قال: عندي كتاب من عهد عيسى عليه السلام فيه طلاسم وعزائم، أعزم بها على ماء وتأخذينه وتغسلين به، ثم أكتب كتابا فيه كلمات من الزبور، وكلمات من الانجيل، فتضعيه تحت رأسك عند النوم وأنت على فراشك ملتفة بثيابك، فإن الذي يكون زوجك يأتيك في منامك حتى تعرفيه باسمه وكنيته، فقالت: افعل يا عم، قال: حبا وكرامة، وكتب الكتاب، وأعطاها إياه، وفعلت ما أمرها به ونامت فرأت كأن قد جاء إليها رجل لا بالطويل الشاهق، ولا بالقصير اللاذق، أدعج العينين، أزج الحاجبين، أحور المقلتين (4)، عقيقي الشفتين، مورد الخدين، أزهر اللون، مليح الكون، معتدل القامة، تظله الغمامة، بين كتفيه علامة، راكب على فرس من نور، مزمم (5) بسلسلة من ذهب، على ظهره سرج من العقيان، مرصع بالدر والجوهر، له وجه كوجه الآدميين منشق الذنب، له أرجل كالبقر، خطوته مد البصر، وهو يرقل بالراكب، وكان خروجه من دار أبي طالب، فلما رأته خديجة ضمته إلى صدرها، وأجلسته في حجرها، ولم تنم باقي ليلتها إلى أن أقبلت إلى عمها ورقة، وقالت: أنعمت صباحا يا عم، قال: وأنت لقيت


(1) في المصدر: وكان قد وقع محبة النبي صلى الله عليه واله في قلبها وقد تولع خاطرها به لما سمعت. (2) فانه يزين صاحبه ولا يشين خ ل. (3) لح عليها خ ل. (4) دعجت العين: صارت شديدة السواد مع سعتها فصاحبها أدعج. وحورت العين: اشتد بياض بياضها وسواد سوادها فصاحبها أحور. والمقلة: شحمة العين، أو هي السواد والبياض منها. العين ذاتها. (5) مزموم خ ل.

[ 24 ]

نجاحا، فلعلك رأيت شيئا في منامك، قالت: رأيت رجلا صفته كذا وكذا، فعندها قال ورقة: يا خديجة إن صدقت رؤياك تسعدين وترشدين، فإن الذي رأيته متوج بتاج الكرامة، الشفيع في العصاة يوم القيامة، سيد العرب والعجم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم، قالت: وكيف لي بما تقول يا عم وأنا كما يقول الشاعر: أسير إليكم قاصدا لازوركم * وقد قصرت بي عند ذاك رواحلي وملك الاماني خدعة غير أنني * اعلل حد الحادثات بباطل احمل برق الشرق شوقا إليكم * وأسأل ريح الغرب رد رسائلي قال: فزاد بها الوجد، وكانت إذا خلت بنفسها فاضت عبرتها أسفا، وجرت دمعتها لهفا، وهي تقول: كم أستر الوجد والاجفان تهتكه * واطلق الشوق والاغضاء (1) تمسكه جفاني القلب لما أن تملكه * غيري فوا أسفا لو كنت أملكه ما ضر من لم يدع مني سوى رمقي * لو كان يمسح بالباقي فيتركه قال الراوي: وأعجب ما رأيت في هذا الامر العجيب والحديث الغريب أن خديجة لم تفرغ من شعرها إلا وقد طرق الباب، فقالت لجاريتها: انزلي وانظري من بالباب، لعل هذا خبر من الاحباب، ثم أنشأ يقول: أيا ريح الجنوب لعل علم * من الاحباب يطفى بعض حري ولم لا حملوك إلي منهم * سلاما أشتريه ولو بعمري وحق ودادهم إني كتوم * وإني لا أبوح لهم بسري أراني الله وصلهم قريبا * وكم يسر أتى من بعد عسر فيوم من فراقكم كشهر * وشهر من وصالكم كدهر. قال: ثم نزلت الجارية وإذا أولاد عبد المطلب بالباب، فرجعت إلى خديجة و قالت: يا سيدتي إن بالباب سادات العرب، ذوي (2) المعالي والرتب، أولاد عبد المطلب،


(1) الاعضاء خ ل. (2) من ذوي المعالى خ ل. (*)

[ 25 ]

فرمقت (1) خديجة رمق الهوى، ونزل بها دهش الجوى (2)، وقالت: افتحي لهم الباب، وأخبري ميسرة يعتد لهم المساند والوسائد، فإني أرجو أن يكونوا قد أتوني بحبيبي محمد، ثم قالت شعرا: ألذ حياتي وصلكم ولقاكم * ولست ألذ العيش حتى أراكم وما استحسنت عيني من الناس غيركم * ولا لذ في قلبي حبيب سواكم على الرأس والعينين جملة سعيكم * ومن ذا الذي في فعلكم قد عصاكم (3) فها أنا محسوب (4) عليكم بأجمعي * وروحي ومالي يا حبيبي فداكم وما غيركم في الحب يسكن مهجتي * وإن شئتم تفتيش قلبي فهاكم قال صاحب الحديث: وبسط لهم ميسرة المجلس بأنواع الفرش فما استقر بالقوم الجلوس إلا وقد قدم لهم أصناف الطعام والفواكه من الطائف والشام، فأكلوا وأخذوا في الحديث، فقالت لهم خديجة من وراء الحجاب بصوت عذب، وكلام رطب: يا سادات مكة أضاءت بكم الديار، وأشرقت بكم الانوار، فلعل لكم حاجة فتقضى، أو ملمة (5) فتمضى، فإن حوائجكم مقضية، وقناديلكم مضيئة، فقال أبو طالب رضي الله عنه: جئناك في حاجة يعود نفعها إليك، وبركتها عليك، قالت: يا سيدي وما ذلك ؟ قال: جئناك في أمر ابن أخي محمد، فلما سمعت ذلك غاب (6) رشدها عن الوجود، وأيقنت بحصول المقصود، وقالت شعرا: بذكر كم يطفئ الفؤاد من الوقد * ورؤيتكم فيها شفا أعين الرمد ومن قال: إني أشتفي (7) من هواكم * فقد كذبوا لو مت فيه من الوجد وما لي لا أملا سرورا بقربكم * وقد كنت مشتاقا إليكم على البعد


(1) رمق: أطال النظر. (2) الجوى: شدة الوجد من حزن أو عشق. (3) فيما أردتم عصاكم خ ل. (4) محبوب خ ل. (5) الملمة: النازلة الشديدة من نوازل الدنيا. (6) غابت عن الوجود خ ل. وهو الموجود في المصدر. (7) أشتكى لهواكم خ ل.

[ 26 ]

تشابه سري في هواكم وخاطري (1) * فابدي الذي أخفى وأخفى الذي ابدي ثم قالت بعد ذلك: يا سيدي أين محمد حتى نسمع ما يقول (2) ؟ قال العباس رضي الله عنه: أنا آتيكم به، فنهض وسار يطلبه من الابطح (3) فلم يجده، فالتفت يمينا وشمالا فقالوا: ما تريد (4) ؟ فقال: اريد محمدا، فقالوا له: في جبل حرى (5)، فسار إليه فإذا هو فيه نائما في مرقد إبراهيم الخليل عليه السلام ملتفا ببرده وعند رأسه ثعبان عظيم في فمه طاقة ريحان يروحه بها، فلما نظر إليه العباس قال: خفت عليه من الثعبان، فجذبت سيفي وهممت بالثعبان (6)، فحمل الثعبان على العباس، فلما رأى العباس ذلك صاح من وقته ادركني يا ابن أخي، ففتح النبي صلى الله عليه واله عينيه فذهب الثعبان كأنه لم يكن، فقال النبي صلى الله عليه واله: ما لي أرى سيفك مسلولا ؟ قال: رأيت هذا الثعبان عندك، فسللت سيفي وقصدته خوفا عليك منه، فعرفت في نفسي الغلبة فصحت بك (7)، فلما فتحت عينك ذهب كأنه لم يكن، فتبسم النبي صلى الله عليه واله، وقال: يا عم ليس هذا بثعبان، ولكنه ملك من الملائكة، ولقد رأيته مرارا، وخاطبته (8) جهارا، وقال لي: يا محمد إني ملك من عند ربي موكل بحراستك في الليل والنهار من كيد الاعداء والاشرار، قال: ما ينكر فضلك يا محمد (9)، فقال له: سر معي إلى دار خديجة بنت خويلد تكون أمينا على أموالها، تسير


(1) وظاهرى خ ل. (2) في المصدر: وأين محمد حتى نحدثه بما تريدون، ونسمع ما يقول. (3) في الابطح خ ل. (4) في المصدر: قال له بعض أهل مكة: أراك يا سيدى التفت يمينا وشمالا، من تطلب ؟. (5) في المصدر: قال: كان هنا من ساعة وتوجه طالب جبل حرى. (6) في المصدر: فلما نظر إليه العباس خاف عليه من الثعبان أن يقتله فجذب سيفه وهم بالثعبان. (7) في المصدر: بعد قوله: مسلولا: قال: رأيت ما أرعبني، قال: وما رأيت شيئا يشبه السحر، وما كان أبونا يعرف السحر ولا أنت أيضا تعرفه، فأيش هذا ؟ قال: رأيت عند رأسك ثعبان عظيم فخفت عليك منه، وأردت قتله فحمل على فأرعبني فصحت بك اه‍ قلت: ولعل الصحيح: قال: وما رأيت ؟ قال: رأيت شيئا. (8) خاطبني خ ل. وهو الموجود في المصدر. (9) في المصدر بعد ذلك: وانى وجدت لك مكانا تعمل فيه، فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وقال: وأين يكون هذا ؟ قال عند خديجة تكون أمينا على أموالها.

[ 27 ]

بها حيث شئت، قال: اريد الشام، قال: ذلك إليك، فسار النبي صلى الله عليه واله والعباس إلى بيت خديجة، وكان من عادته صلى الله عليه واله إذا أراد زيارة قوم سبقه النور إلى بيتهم، فسبقه النور إلى بيت خديجة، فقالت لعبدها ميسرة: كيف غفلت عن الخيمة حتى عبرت الشمس إلى المجلس ؟ قال: لست بغافل عنها، وخرج فلم يجد تغير وتد ولا طنب، ونظر إلى العباس فوجده قد أقبل هو والنبي صلى الله عليه واله معه، فرجع وقال لها: يا مولاتي هذا الذي رأيته من أنوار محمد صلى الله عليه واله، فجاءت خديجة لتنظر إلى محمد، فلما دخل المجلس نهض أعمامه إجلالا له، وأجلسوه في أوساطهم، فلما استقر بهم الجلوس قدمت لهم خديجة الطعام (1) فأكلوا، ثم قالت خديجة: يا سيدي أنست بك الديار، وأضاءت بك الاقدار (2)، وأشرقت من طلعتك الانوار، أترضى أن تكون أمينا على أموالي تسير بها حيث شئت ؟ قال: نعم رضيت، ثم قال: اريد الشام، قالت: ذلك إليك، وإني قد جعلت لمن يسير على أموالي مائة وقية من الذهب الاحمر، ومائة وقية من الفضة البيضاء، وجملين وراحلتين (3)، فهل أنت راض ؟ فقال أبو طالب رضي الله عنه، رضي ورضينا، وأنت يا خديجة محتاجة إليه، لانه من حين خلق ما وقف له العرب على صبوة، وأنه مكين أمين، قالت خديجة: تحسن يا سيدي تشد على الجمل وترفع عليه الاحمال ؟ قال: نعم، قالت: يا ميسرة: ايتني ببعير حتى أنظر كيف يشد عليه محمد، فخرج ميسرة وأتى ببعير شديد المراس، قوى الباس، لم يجسر أحد من الرعاة أن يخرجه من بين الابل لشدة بأسه، فأدناه ليركبه فهدر وشقشق (4) واحمرت عيناه، فقال له العباس: ما كان عندك أهون من هذا البعير ؟ تريد أن تمتحن به ابن أخينا ؟ فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: دعه يا عم، فلما سمع البعير كلام البشير النذير برك على قدمي النبي صلى الله عليه وآله، وجعل يمرغ وجهه علي قدمي النبي صلى الله عليه وآله ونطق بكلام فصيح وقال:


(1) وما يوجب به الاكرام خ. قلت والزيادة موجودة في المصدر. (2) الاقطار خ ل. (3) وراحلة خ ل. وهو الموجود في المصدر. (4) هدر البعير: ردد صوته في حنجرته. شقشق: هدر وأخرج شقشقته. والشقشقة: شئ كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج.

[ 28 ]

من مثلى وقد لمس ظهري سيد المرسلين ؟ فقلن النسوة اللاتى كن عند خديجة: ماهذا إلا سحر عظيم قد أحكمه هذا اليتيم، قالت لهم خديجة: ليس هذا سحرا، وإنما هو آيات بينات، وكرامات ظاهرات، ثم قالت: نطق البعير بفضل أحمد مخبرا * هذا الذي شرفت به ام القرى هذا محمد خير مبعوث أتى * فهو الشفيع وخير من وطأ الثرى يا حاسديه تمزقوا من غيظكم * فهو الحبيب ولا سواه في الورى قال: وخرج أولاد عبد المطلب وأخذوا في اهبة السفر (1)، فالتفتت خديجة إلى النبي صلي الله عليه وآله وقالت: يا سيدي ما معك غير هذه الثياب، فليست هذه تصلح للسفر، فقال: لست أملك غيرها، فبكت خديجة وقالت: عندي يا سيدي ما يصلح للسفر، غير أنهن طوال فامهل (2) حتى اقصرها لك، فقال: هلمي بها، وكان صلى الله عليه وآله إذا لبس القصير يطول وإذا لبس الطويل يقصر، كأنه مفصل عليه (3)، فأخرجت له ثوبين من قباطي (4) مصر، وجبة عدنية، وبردة يمنية، وعمامة عراقية، وخفين من الاديم، وقضيب خيزران، فلبس النبي صلى الله عليه وآله الثياب وخرج كأنه البدر في تمامه (5)، فلما نظرت إليه جعلت تقول: اوتيت من شرف الجمال فنونا * ولقد فتنت بها القلوب فتونا قد كونت للحسن فيك جواهر * فيها دعيت الجوهر المكنونا يا من أعار (6) الظبي في لفتاته (7) * للحسن جيدا ساميا وجفونا انظر إلى جسمي النحيل وكيف قد * أجريت من دمع العيون عيونا


(1) الاهبة: العدة. وزاد في المصدر: وإصلاح شأنهم. (2) فتمهل خ ل. (3) قد فصل عليه خ ل. وهو الموجود في المصدر. (4) القباطى والقباطي جمع القبطية، القبطية والقبطية: ثياب من كتان منسوبة إلى القبط. و في المصدر: وبردة يمانية. وفيه: وعمامة شربية من دق العراق بحاشيتين من حرير. (5) كأنه البدر عند التمام، إذا انجلى عنه الغمام خ ل، وهو الموجود في المصدر. (6) أغار خ. (7) في فلواته خ ل.

[ 29 ]

أسهرت عيني في هواك صبابة * وملئت قلبي لوعة (1) وجنونا ثم قالت: يا سيدي عندك ما تركب عليه ؟ قال: إذا تعبت ركبت أي بعير أردت، قالت: وما يحملني على ذلك (2) ؟ لا كانت الاموال دونك يا محمد (3)، ثم قالت لعبدها ميسرة: ايتني بناقتي الصهباء حتى يركبها سيدي محمد، فأتى بها ميسرة وهي تزيد على الاوصاف، لا يلحقها في سيرها تعب، ولا يصيبها نصب، كأنها خيمة مضروبة، أو قبة منصوبة، ثم التفتت إلى ميسرة وناصح وقالت لهما: اعلما أنني قد أرسلت إليكما أمينا على أموالي، وأنه أمير قريش وسيدها (4)، فلا يد على يده، فإن باع لا يمنع، و ترك لا يؤمر، وليكن كلامكما له بلطف وأدب، ولا يعلو كلامكما على كلامه، قال عبدها ميسرة: والله يا سيدتي إن لمحمد عندي محبة عظيمة قديمة، والآن قد تضاعفت لمحبتك له، ثم إن النبي صلى الله عليه واله ودع خديجة وركب راحلته وخرج وميسرة وناصح بين يديه، وعين الله ناظرة إليه، فعندها قالت خديجة شعرا: قلب المحب إلى الاحباب مجذوب * وجسمه بيد الاسقام منهوب وقائل كيف طعم الحب قلت له: * الحب عذب ولكن فيه تعذيب أقذى (5) الذين علي خدي لبعدهم * دمي ودمعي مسفوح ومسكوب ما في الخيام وقد سارت ركابهم (6) * إلا محب له في القلب (7) محبوب كأنما يوسف في كل ناحية (8) * والحز (9) في كل بيت فيه يعقوب


(1) اللوعة: الحزن والهوى والوجد. (2) على تعبك خ ل. (3) في المصدر: دونك وفداك يا محمد. (4) في المصدر: قد ارسلت محمدا على اموالي، فانه أمين قريش وسيدها. (5) أفدى خ ل. (6) جمالهم خ ل. (7) في الركب خ ل. (8) راحلة خ ل. (9) والحى خ ل، وهو الموجود في المصدر. والحز: ألم في القلب. (*)

[ 30 ]

ثم إن النبي صلى الله عليه واله سار مجدا للسير إلى الابطح، فوجد القوم مجتمعين، وهم لقدومه منتظرون، فلما نظروا إلى جمال سيد المرسلين وقد فاق الخلق أجمعين فرح المحب (1)، واغتم الحاسد (2)، وظهر الحسد والكمد فيمن (3) سبقت له الشقاوة من المكذبين (4)، وزادت عقيدة من سبقت له السعادة من المؤمنين، فلما نظر العباس إليهم أنشأ يقول: يا مخجل الشمس والبدر المنير إذا * تبسم الثغر لمع البرق منه أضا كم معجزات رأينا منك قد ظهرت * يا سيدا ذكره يشفي به المرضى فلما نظر النبي صلى الله عليه واله إلى أموال خديجة على الارض ولم يحمل منها شئ زعق على العبيد، وقال: ما الذي منعكم عن شد رحالكم ؟ قالوا يا سيدنا لقلة عددنا، وكثرة أموالنا، فأبرك راحلته، ونزل ولوى ذيله في دور منطقته وصار يزعق بالبعير فيقول: بإذن الله تعالى، فتعجب الناس من فعله، فنظر العباس إلى النبي صلى الله عليه واله وقد احمرت وجناته من العرق، فقال: كيف اخلي الشمس تقرح هذا الوجه الكريم ؟ فعمد إلى خشبة وقال: لاتخذن منها حجفة (5) تظل (6) محمدا من حر الشمس، فارتجت الاقطار وتجلى الملك الجبار، وأمر الامين جبرئيل عليه السلام أن يهبط (7) إلى رضوان خازن الجنان وقل له: يخرج لك الغمامة التي خلقتها لحبيبي محمد صلى الله عليه واله قبل أن أخلق آدم بألفي عام، وانشرها على رأس حبيبي محمد، فلما رأوها شخصت نحوها الابصار، وقال العباس: إن (8) محمدا لكريم على ربه، ولقد استغنى عن حجفتي (9)، ثم أنشأ يقول:


(1) المحبون خ ل، وفي المصدر: المحبوب. (2) الحاسدون خ ل، وفي المصدر: الحسود. (3) ممن خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) في المصدر: وكتب من المكذبين، وبعده: وكتب من المؤمنين. (5) الحجفة: الترس من جلد بلا خشب وفي المصدر المحفة. (6) تظلل خ ل. (7) اهبط خ ل. (8) والله إن خ ل، وهو الموجود في المصدر. (9) في المصدر: عن محفتى.

[ 31 ]

وقف الهوى بي حيث كنت (1) فليس لي * متقدم عنكم ولا متأخر ثم سار القوم حتى نزلوا بجحفة الوداع وحطوا رحالهم حتى يلحق بهم المتأخرون فقال مطعم بن عدي: يا قوم إنكم سائرون إلى أرض كثيرة المهامه والاوعار (2)، وليس لكم مقدم تستشيرون به وترجعون إلى أمره، والرأي عندي أنكم تقدمون عليكم رجلا لتستندوا إلى رأيه، وترجعوا إلى أمره عن المنازع والمخالف، قالوا: نعم ما أشرت به، فقال بنو مخزوم: نحن نقدم علينا أخانا عمرو بن هشام المخزومي، وقال بنو عدي: نحن نقدم علينا أميرنا مطعم بن عدي، وقال بنو النضر: نحن نقدم علينا أميرنا النضر بن الحارث، وقال بنو زهرة: نحن نقدم علينا أميرنا احيحة بن الجلاح، وقال بنو لوي: نحن نقدم علينا أبا سفيان صخر بن حرب، وقال ميسرة: والله ما نقدم علينا إلا سيدنا محمد بن عبد الله، و قال بنو هاشم: ونحن أيضا نقدم علينا محمدا، فقال أبو جهل: لان (3) قدمتم علينا محمدا لاضعن هذا السيف في بطني، واخرجه من ظهري، فقبض حمزة على سيفه وقال: يا وغد (4) الرجال، ويا نذل الافعال (5)، والله ما اريد إلا أن يقطع الله يديك ورجليك ويعمى عينيك، فقال له النبي صلى الله عليه واله: اغمد سيفك يا عماه، ولا تستفتحوا سفركم بالشر، دعوهم يسيرون أول النهار، ونحن نسير آخره، فإن التقدم لقريش، وكان صلى الله عليه واله أول من تكلم بهذه الكلمة، وسار أبو جهل ومن يلوذ به، وقد استغنم (6) من بني هاشم الفرصة، وهو ينشد ويقول: لقد ضلت حلوم بني قصي * وقد زعموا بتسييد (7) اليتيم


(1) أنت خ ل. (2) المهامه: المفازة البعيدة. البلد القفر. والوعر: المكان الصلب. المكان المخيف الوحش. (3) والله لان خ ل، وفي المصدر: والله والله لان. (4) الوغد: الضعيف العقل. الاحمق. الدنى. (5) الفعال خ ل قلت: وهو الموجود في المصدر، قوله نذل من نذل أي كان خسيسا محتقرا. كان ساقطا في دين أو حسب فهو نذل. (6) في المصدر: وقد استغنموا الفرصة. (7) بتسديد خ ل.

[ 32 ]

وراموا للخلافة (1) غير كفو * فكيف يكون ذا الامر العظيم ؟ وإني فيهم ليث حمي * بمصقول ولي جد كريم فلو قصدوا عبيدة أو ظليما * وصخر الحرب ذا الشرف القديم لكنا راضيين لهم وكنا * لهم تبعا على خلف (2) ذميم فأجابه العباس يقول: ألا أيها الوغد الذي رام ثلبنا * أتثلب قرنا (3) في الرجال كريم أتثلب ياويك الكريم أخا التقى * حبيب لرب العالمين عظيم ولو لا رجال قد عرفنا محلهم * وهم عندنا في مجدب (4) ومقيم (5) لدارت سيوف يفلق الهام حدها * بأيدي رجال كالليوث تقيم حماة كماة (6) كالاسود ضراغم * إذا برزوا ردوا لكل زعيم ثم إن القوم ساروا إلى أن بعدوا عن مكة، فنزلوا بواد يقال له: واد الامواه، لانه مجتمع السيول (7) وأنهار الشام، ومنه تنبع عيون الحجاز، فنزل به القوم وحطوا رحالهم، وإذا بالسحاب قد اجتمع (8)، فقال النبي صلى الله عليه واله: ما أخوفني على أهل هذا الوادي أن يدهمهم (9) السيل فيذهب بجميع أموالهم، والرأي (10) عندي أن نستند إلى هذا الجبل، قال له العباس: نعم ما رأيت يا ابن أخي، فأمر النبي صلى الله عليه واله أن ينادي


(1) للرياسة خ ل. (2) بلا خلف خ ل. (3) القرن: السيد. (4) المجذب خ ل. (5) ومهيم خ ل. (6) الكماة جمع الكمى: الشجاع، أو لابس السلاح لانه يكمى نفسه أي يسترها بالدرع و البيضة. (7) في المصدر: وسمى بذلك لانه مجمع السيول. (8) قد أقبل خ ل وهو الموجود في المصدر. (9) أي غشيهم. (10) ولكن الرأى خ ل.

[ 33 ]

في القافلة أن ينقلوا رحالهم إلى نحو الجبل (1) مخافة السيل، ففعلوا إلا رجلا من بني جمح (2) يقال له: مصعب، وكان له مال كثير: فأبى أن يتغير (3) من مكانه، وقال: يا قوم ما أضعف قلوبكم ؟ تنهزمون عن شئ لم تروه ولم تعاينوه ؟ فما استتم كلامه إلا وقد ترادفت السحاب والبرق ونزل السيل وامتلا الوادي من الحافة إلى الحافة (4)، و أصبح الجمحي وأمواله كأنه لم يكن، وأقام القوم في ذلك المكان أربعة أيام والسيل يزداد، فقال ميسرة: يا سيدي هذه السيول لا تنقطع إلى شهر، ولا تقطعه السفار (5)، و إن أقمنا هاهنا أضر بنا المقام، ويفرغ الزاد، والرأي (6) عندي أن نرجع إلى مكة، فلم يجبه النبي صلى الله عليه واله إلى ذلك، ثم نام فرأى في منامه ملكا يقول له: يا محمد لا تحزن، إذا كان غداة غد مر قومك بالرحيل، وقف على شفير الوادي، فإذا رأيت الطير الابيض قد خط بجناحه فاتبع الخط، وأنت تقول: بسم الله وبالله، وأمر قومك أن يقولوا: هذه الكلمة، فمن قالها سلم، ومن حاد عنها غرق، فاستيقظ النبي صلى الله عليه واله وهو فرح مسرور، ثم أمر ميسرة أن ينادي في الناس بالرحيل، فرحلوا وشد ميسرة رحاله، فقال الناس: يا ميسرة وكيف نسير وهذا الماء لا تقطعه إلا السفن ؟ فقال: أما أنا فإن محمدا أمرني، وأنا لا اخالفه فقال القوم: ونحن أيضا لا نخالفه، فبادر القوم، وتقدم النبي صلى الله عليه واله ووقف على شفير الوادي، وإذا بالطير الابيض قد أقبل من ذروة الجبل. وخط بجناحه خطا أبيض يلمع، فشمر النبي صلى الله عليه واله أذياله واقتحم الماء وهو يقول: بسم الله وبالله، فلم يصل الماء إلى نصف ساقه، ونادى أيها الناس لا يدخل أحد منكم الماء حتى يقول هذه الكلمة، فمن قالها سلم،


(1) في المصدر: لحف الجبل قلت: هو بالكسر: أصل الجبل. (2) في نهاية الارب 203: بنو جمح بطن من بنى هصيص من قريش من العدنانية. (3) في المصدر: أن ينتقل. (4) في المصدر: والبرق قد لمع، والغيث قد نزل، والسيل قد تكاثر، وامتلاء الوادي من الفج إلى الفج. (5) السفن خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) ولكن خ ل.

[ 34 ]

ومن حاد عنها هلك، فاقتحم القوم الماء وهم يقولون: الكلمة (1)، ولم يتأخر من القوم سوى رجلين: أحدهما من بني جمح، والآخر من بني عدي، فقال العدوي: بسم الله و بالله، وقال الجمحي: بسم اللات والعزى، فغرق الجمحي وأمواله، وسلم العدوي و أمواله، فقال القوم للعدوي: ما بال صاحبك غرق ؟ قال: إنه قد عوج لسانه وخالف قول النبي صلى الله عليه واله (2) فغرق، فاغتم أبو جهل لعنه الله وقومه، وقالوا: ما هذا إلا سحر عظيم، فقال له بعض أصحابه: يا ابن هشام ما هذا بسحر، ولكن والله ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أفضل من محمد، فلم يرد جوابا، وساروا حتى نزلوا على بئر وكان تنزل عليه العرب في طريق الشام (3)، فقال أبو جهل: والله لاجد في نفسي غبنة (4) عظيمة إن رد محمد من سفره هذا سالما، ولقد عزمت على قتله، وكيف لي بالحيلة في قتله وهو ينظر من ورائه كما ينظر من أمامه، ولكن أفعل فسوف تنظرون، ثم عمد إلى الرمل والحصى وملا حجره وكبس (5) به البئر، فقال أصحابه: ولم تفعل ذلك ؟ فقال: اريد دفن البئر حتى إذا جاء ركب بني هاشم وقد أجهدهم العطش فيموتوا عن آخرهم، فتبادر القوم بالرمل و الحصى ولم يتركوا للبئر أثرا، فقال أبو جهل لعنه الله: الآن قد بلغت مرادي، ثم التفت إلى عبد له اسمه فلاح وقال له: خذ هذه الراحلة، وهذه القربة والزاد واختف تحت الجبل (6)، فإذا جاء ركب بني هاشم يقدمهم محمد، وقد أجهدهم العطش والتعب ولم يجدوا للبئر أثرا فيموتوا فأتني بخبرهم، فإذا أتيتني وبشرتني بموتهم أعتقتك وزوجتك بمن تريد من أهل مكة، فقال: حبا وكرامة، ثم سار أبو جهل وتأخر العبد كما أمره مولاه، وإذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدمهم محمد، فتبادر القوم إلى البئر فلم يجدوا له أثرا، فضاقت صدورهم


(1) في المصدر: وهم يقولون: بسم الله وبالله. (2) في المصدر: قول محمد. (3) أضاف في المصدر: فحطوا رحالهم، وسقوا دوابهم، وأخذوا راحة. (4) حرقة خ ل. (5) كبس البئر: سواها ودفنها. (6) لحف الجبل.

[ 35 ]

وأيقنوا بالهلاك، فلاذوا بمحمد صلى الله عليه واله (1)، فقال لهم: هل هنا موضع يعرف بالماء ؟ قالوا نعم بئر قد ردمت (2) بالرمل والحجارة (3)، فمشى النبي صلى الله عليه واله حتى وقف على شفير البئر فرفع طرفه إلى السماء ونادى: يا عظيم الاسماء، يا باسط الارض، ويا رافع السماء، قد أضر بنا الظمآء، فاسقنا الماء، فإذا بالحجارة والرمل قد تصلصلت (4)، وعين الماء قد نبعت وتفجرت، وجرى الماء من تحت أقدامه، فسقى القوم دوابهم، وملؤوا قربهم، وساروا و سار العبد إلى مولاه، وقال: ما وراءك يا فلاح ؟ وقال: والله ما أفلح من عادى محمدا، وحدثهم بما عاين منه، فامتلى أبو جهل غيظا، وقال للعبد: غيب وجهك عني، فلا أفلحت أبدا، ثم سار حتى وصل واديا من أودية الشام يقال له: ذبيان، وكان كثير الاشجار، إذ خرج من ذلك الوادي ثعبان عظيم كأنه النخلة السحوق، ففتح فاه وزفر، وخرج من عينيه الشرار، فجفلت منه ناقة أبي جهل لعنه الله، ولعبت بيديها ورجليها ورمته فكسرت أضلاعه، فغشي عليه، فلما أفاق قال لعبيده: تأخروا (5) إلى جانب الطريق، فإذا جاء ركب بني هاشم يتقدمهم محمد قدموه علينا حتى إذا رأت ناقته الثعبان فعسى أن ترميه إلى الارض فيموت، ففعل العبيد ما أمرهم به، وإذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدمهم محمد، فقال النبي صلى الله عليه واله: يا ابن هشام أراكم قد نزلتم وليس هو وقت نزولكم ؟ فقال له: يا محمد، والله قد استحييت أن أتقدم عليك، وأنت سيد أهل الصفا، وأعلا حسبا ونسبا، فتقدم، فلعن الله من يبغضك، ففرح العباس بذلك، وأراد العباس أن يتقدم فنهاه النبي صلى الله عليه واله وقال: ارفق يا عم، فما تقديمهم لنا إلا لمكيدة لنا (6)، ثم إنه صلى الله عليه واله تقدم أمامهم ودخل إلى ذلك الشعب، و إذا بالثعبان قد ظهر فجفلت منه ناقة النبي صلى الله عليه وآله، فزعق بها النبي صلى الله عليه واله وقال: ويحك


(1) في المصدر: وشكوا إلى النبي صلى الله عليه وآله. (2) أي سدت. (3) في المصدر: والحصى. مكان والحجارة. (4) تصلصل: صوت. (6) في المصدر: تنحوا. (6) في المصدر: فما قدمونا سوددا، وانما هي مكيدة، فقف حتى أتقدم أنا. ثم إن النبي. إه‍.

[ 36 ]

كيف تخافين وعليك خاتم الرسل وإمام البشر (1) ؟ ثم التفت إلى الثعبان وقال له: ارجع من حيث أتيت، وإياك أن تتعرض لاحد من الركب (2)، فنطق الثعبان بقدرة الله تعالى، وقال: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، فقال النبي صلى الله عليه واله: السلام على من اتبع الهدى، وخشي عواقب الردى، وأطاع الملك الاعلى، فعندها قال: يا محمد ما أنا من هوام الارض، وإنما أنا ملك من ملوك الجن واسمي الهام بن الهيم، وقد آمنت على يد أبيك إبراهيم الخليل، وسألته الشفاعة، فقال: هي لولد يظهر من نسلي يقال له: محمد، ووعدني (3) أن أجتمع بك في هذا المكان، وقد طال بي الانتظار، وقد شاهدت المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ليلة عرج به إلى السماء وهو يوصي الحواريين باتباعك، والدخول في ملتك، والآن قد جمع الله شملي بك، فلا تنسني من الشفاعة يا سيد المرسلين، فقال له النبي صلى الله عليه واله: لك ذلك علي، فعد من حيث جئت، ولا تتعرض لاحد من الركب، فغاب الثعبان، فلما نظر القوم إلى كلامه عجبوا من ذلك وازداد أعمام النبي صلى الله عليه وآله يقينا وفرحا. وازداد الجنود (4) غيظا وحسدا، فأنشأ العباس يقول: يا قاصدا نحو الحطيم وزمزم * بلغ فضائل أحمد المتكرم واشرح لهم ما عاينت عيناك من * فضل لاحمد والسحاب الاركم قل وأت بالآيات (5) في السيل الذي * ملاء الفجاج بسيله المتراكم (6) ونجى الذي لم يخط قول محمد * وهو الذي أخطا بوسط جهنم والبئر لما أن أضربنا الظمآء * فدعا الحبيب إلى الاله المنعم فاضت عيونا ثم سالت أنهرا * وغدا السحود بحسرة وتغمغم


(1) خاتم النبيين وامام المرسلين خ ل وفي المصدر: سيد المرسلين وخاتم النبيين. (2) أضاف في المصدر: فانى محمد رسول الله، والا شكوتك إلى إله السماء. (3) وأوعدني خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) الحسود خ ل، وهو الموجود في المصدر. (5) قد بانت الايات خ ل. (6) المتلاطم خ ل.

[ 37 ]

والهام بن الهيم لما أن رأى * خير البرية جاء كالمستسلم ناداه أحمد فاستجاب ملبيا * وشكى المحبة كالحبيب (1) المغرم من عهد إبراهيم ظل مكانه * يرجو الشفاعة خوف جسر (2) جهنم من ذا يقاس أحمد في الفضل من * كل البرية من فصيح وأعجم وبه توسل في الخطيئة آدم * فليعلم الاخبار من لم يعلم ولما فرغ العباس من شعره أجابه الزبير وأنشأ يقول شعرا: يا للرجال ذوي البصائر والنظر * قوموا انظروا أمرا مهولا قد خطر (3) هذا بيان صادق في عصرنا * من سيد عالي المراتب مفتخر آياته قد أعزجت كل الورى * من ذا يقائس عدها أو يختصر (4) منها الغمام تظله مهما مشى * أنى يسير تظله وإذا خطر (5) وكذلك الوادي أتى مترادفا * بالسيل يسحب للحجارة والشجر ونجى الذي قد طاع قول محمد * وهوى المخالف مستقرا في سقر وأزال عنا الضيم من حر الظماء * من بعد ما بان التقلقل والضجر والبئر فاضت بالمياء وأقبلت * تجري على الارض (6) أشباه النهر (7) والهام فيه عبارة (8) ودلالة * لذوي العقول ذوي (9) البصائر والفكر كاد الحسود يذوب مما عاينت * عيناه من فضل لاحمد قد ظهر


(1) كالكئيب خ ل. (2) حر خ ل. (3) حضر خ ل. (4) مالا يقاس بعدها أو تنحصر خ ل. (5) خضر خ ل. (6) أراض وآراض جمع الارض. (7) على وجه الثرى شبه النهر خ ل. (8) عزة خ ل. (9) ذووا خ ل.

[ 38 ]

يا للرجال ألا انظروا أنواره * تعلوا على نور الغزالة والقمر الله فضل أحمدا واختاره * ولقد أذل عدوه ثم احتقر فأجابه حمزة رضي الله عنه يقول: ما نالت الحساد فيك مرادهم * طلبوا نقوص الحال منك فزادا كادوا وما خافوا عواقب كيدهم * والكيد مرجعه على من كادا ما كل من طلب السعادة نالها * بميكدة أو أن يروم عنادا يا حاسدين محمدا يا ويلكم * حسدا تمزق منكم الاكبادا الله فضل أحمدا واختاره * ولسوف يملكه الورى وبلادا (1) وليملان الارض من إيمانه * وليهدين عن الغوى (2) من حادا قال: فشكرهم النبي صلى الله عليه واله على ذلك وساروا جميعا ونزلوا واديا كانوا يتعاهدون فيه الماء قديما فلم يجدوا فيه شيئا من الماء، فشمر النبي صلى الله عليه واله عن ذراعيه، وغمس كفيه في الرمل، ورمق السماء (3)، وهو يحرك شفتيه فنبع الماء من بين أصابعه تيارا (4)، وجرى على وجه الارض أنهارا، فقال العباس: امسك يا ابن أخي حذرا من الماء أن يغرق أموالنا ثم شربوا (5)، وملؤا قربهم، وسقوا دوابهم، فقال النبي صلى الله عليه واله لميسرة: لعل عندك شيئا من التمر فأحضره، وكان يأكل التمر، ويغرس النوى في الارض (6)، فقال له العباس: لم تفعل ذلك يابن أخي ؟ قال: يا عم اريد أن أغرسها نخلا، قال: ومتى تطعم (7) ؟


(1) وليملكن جمع الورى وبلادا خ ل. (2) من الغوى خ ل. (3) ورمق بطرفه إلى السماء خ ل. (4) من تار الماء: هاج. والتيار: سريع الجرى. والموج الهائج. (5) في المصدر: امسك يابن أخي فقد كاد الماء يغرق رحالنا، ثم شربوا. (6) في المصدر: فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا عم ما عندك شئ من التمر نأكل ؟ قال العباس: نعم، فأتاه العباس بقليل من التمر، وكان يأكل التمر ويبل النوى بريقه ثم يغمسه في الثرى. (7) في المصدر: متى يثمر ويطعم ؟.

[ 39 ]

قال: الساعة نأكل منها ونتزود إن شاء الله تعالى، فقال له العباس: يابن أخي النخلة إذا غرست تثمر في خمس سنين (1)، قال: يا عم سوف ترى من آيات ربي الكبرى، ثم ساروا حتى تواروا عن الوادي، فقال: يا عم (2) ارجع إلى الموضع الذي فيه النخلات واجمع لنا ما نأكله، فمضى العباس فرأى النخلات قد كبرت، وتمايلت (3) أثمارها، وأزهرت (4) فأوقر منها راحلته، والتحق بالنبي صلى الله عليه واله، فكان يأكل من التمر ويطعم القوم فصاروا متعجبين من ذلك، فقال أبو جهل لعنه الله: لا تأكلوا يا قوم مما يصنعه محمد الساحر، فأجابه قومه وقالوا: يابن هشام اقصر عن الكلام، فما هذا بسحر، ثم سار القوم حتى وصلوا عقبة أيله، وكان بها دير، وكان مملوا رهبانا، وكان فيهم راهب يرجعون إلى رأيه وعقله يقال (5) له: الفيلق بن اليونان بن عبدالصليب، وكان يكنى أبا خبير، وقد قرء الكتب، وعنده سفر فيه صفة النبي صلى الله عليه واله من عهد عيسى بن مريم عليه السلام، وكان إذا قرأ الانجيل على الرهبان ووصل إلى صفات النبي صلى الله عليه وآله بكى، وقال: يا أولادي متى تبشروني بقدوم البشير النذير، الذي يبعثه الله من تهامة، متوجا بتاج الكرامة، تظله الغمامة، يشفع في العصاة يوم القيامة (6)، فقال له الرهبان: لقد قتلت نفسك بالبكاء والاسف على هذا الذي تذكره، وعسى أن يكون قد قرب أوانه، فقال: إي والله إنه قد ظهر بالبيت الحرام، ودينه عنه الله الاسلام، فمتى تبشروني بقدومه من أرض الحجاز، وهو تظله الغمامة، وأنشأ يقول شعرا: لان نظرت عيني جمال أحبتي * وهبت لبشرى الوصل ما ملكت يدي وملكته روحي ومالي غيرها * وهذا قليل في محبة أحمد


(1) في المصدر: ثلاث سنين. (2) في المصدر: فالتفت النبي صلى الله عليه وآله إلى عمه العباس فقال: يا عم. (3) في المصدر: وبسقت بالتمر، وتمايلت. (4) أزهت خ ل. (5) في المصدر: يعتمدون بقوله ويرجعون إلى رأيه يقال. (6) أضاف في المصدر بعد ذلك: ودام على ذلك زمانا طويلا.

[ 40 ]

سألت إلهي أن يمن بقربه * ويجمع شملي بالنبي محمد قال: وما زال الراهب كلما ذكر الحبيب أكثر النحيب إلى أن حال (1) منه النظر وزاد به الفكر، فعند ذلك أشرف بعض الرهبان، وقد أشرقت الانوار من جبين النبي المختار، فنظر الرهبان إلى الانوار وقد تلالات من الركب، وقد أقبل من الفلا وأشرق (2) وعلا، تقدمهم سيد الامم، وقد نشرت على رأسه الغمامة، فقالوا: يا أبا الرهبان (3) هذا ركب قد أقبل من الحجاز، فقال: يا أولادي وكم ركب قد أقبل وأتى وأنا اعلل نفسي بلعل وعسى ؟ قالوا: يا أبانا قد رأينا نورا قد علا، فقال (4): الآن قد زال الشقاء، وذهب العناء، ثم رفع طرفه نحو السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي بجاه هذا المحبوب الذي زاد فيه تفكري إلا ما رددت علي بصري، فما استتم كلامه حتى رد الله عليه بصره، فقال الراهب للرهبان: كيف رأيتم جاه هذا المحبوب عند علام الغيوب، ثم أنشأ يقول: بدا النور من وجه النبي فأشرقا * وأحيا محبا بالصبابة محرقا (5) وأبرأ عيونا قد عمين من البكاء * وأصبح من سوء المكاره مطلقا ترى هل ترى عيناي طلعة وجهه * وأصبح من رق الضلالة معتقا ثم قال: يا أولادي إن كان هذا النبي المبعوث في هذا الركب ينزل (6) تحت هذه الشجرة فإنها (7) تخضر وتثمر، فقد جلس تحتها عدة من الانبياء، وهي من عهد عيسى ابن مريم عليه السلام يابسة، وهذه البئر لم نر فيها (8) ماء فإنه يأتي إليها ويشرب منها، فما كان


(1) في المصدر: خلل. (2) والنور قد أشرق خ ل، وهو الموجود في المصدر، وفيه: والركب قد أقبل من الفلا. (3) في المصدر: يا أبانا. (4) في المصدر: بعد قوله: قد علا: فقال: رأيتم النور ؟ قالوا: نعم، قال. (5) موثقا خ ل. (6) فهو ينزل خ ل. (7) وانها خ ل. (8) من مدة مديدة لم نر خ ل.

[ 41 ]

إلا قليلا وإذا الركب قد أقبل وحول البئر قد نزلوا، وحطوا الاحمال عن الجمال، وكان النبي صلى الله عليه واله يحب الخلوة بنفسه، فأقبل تحت الشجرة فاخضرت وأثمرت من وقتها وساعتها، فما استقر بهم الجلوس حتى قام النبي صلى الله عليه واله فمشى إلى البئر فنظر إليها واستحسن عمارتها، وتفل فيها فتفجرت منها عيون كثيرة، ونبع منها ماء معين، فلما رأى الراهب ذلك قال: يا أولادي هذا هو المطلوب فبادروا بصنع الولائم من أحسن الطعام لنتشرف بسيد بني هاشم، فإنه سيد الانام، لنأخذ منه الذمة (1) لسائر الرهبان، فبادر القوم لامره طائعين، وصنعوا الولائم، وقال لهم: انزلوا إلى أمير هذا القوم (2) وقولوا له: إن أبانا يسلم عليك، ويقول لك: إنه قد عمل (3) وليمة وهو يسألك أن تجيبه وتأكل من زاده، فنزل بعض الرهبان فما رأى أحسن من أبي جهل لعنه الله، ولم ير رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبر أبا جهل بمقالة الراهب، فنادى في العرب: إن هذا الراهب قد صنع لاجلي وليمة، واريد أن تجيبوا لدعوته (4)، فقال القوم: من نترك عند أموالنا ؟ فقال أبو جهل: اجعلوا محمدا عند أموالنا فهو الصادق الامين، وفي هذا المعنى قيل: شعر: ومناقب شهد العدو بفضلها * والفضل ما تشهد به الاعداء فسار القوم إلى النبي صلى الله عليه واله وسألوه أن يجلس عند متاعهم. وسار القوم إلى الراهب يتقدمهم أبو جهل لعنه الله، وقد أعجب بنفسه، فلما دخلوا الدير أحضر (5) لهم الطعام وناداهم بالرحب والاكرام، فأخذ القوم في الاكل، وأخذ الراهب القلنسوة جعل ينظر فيه ويدور على القوم رجلا رجلا (6)، وجعل ينظر فيهم رجلا رجلا، فلم ير صفة النبي


(1) الذمم خ ل. (2) الركب خ ل. (3) في المصدر: عمل لك. وفيه: أن تجيب عزيمته وتأكل وليمته. (4) في المصدر: أن تجيبوا عزيمته. وتأكلوا من وليمته. (5) أحضروا. (6) وأخذ الراهب السفر في يده وهو ينظر فيه ويدور على القوم رجلا خ ل وهو الموجود في المصدر.

[ 42 ]

صلى الله عليه وآله (1)، فرمى القلنسوة عن رأسه ونادى: واخيبتاه، واطول شقوتاه (2)، ثم جعل يقول: شعرا: يا أهل نجد تقضى العمر في أسف * منكم وقلبي لم يبلغ أمانيه يا ضيعة العمر لا وصل ألوذ به * من قربكم لا ولا وعد ارجيه قال: ثم بعد ذلك قال: يا سادات قريش هل بقي منكم أحمد (3) ؟ فقال أبو جهل: نعم بقي منا صبي صغير أجير على أموال بعض نسائنا، فما استتم كلامه حتى قام له حمزة وضربه ضربا وجيعا، وألقاه على قفاه، وقال: يا وغد الانام لم لا قلت: تأخر منا البشير النذير، السراج المنير، وما تركناه عند بضائعنا وأموالنا إلا لامانته وما فينا أصلح منه، ثم التفت حمزة إلى الراهب وقال: أرني السفر، وأخبرني بما فيه، فقال: سيدي هذا سفر فيه صفة النبي صلى الله عليه واله، لا بالطويل الشاهق، ولا بالقصير اللاصق، معتدل القامة، بين كتفيه علامة، تظله الغمامة، يبعث من تهامة، شفيع العصاة يوم القيامة، قال العباس: يا راهب إذا رأيته تعرفه ؟ قال: نعم، قال: سر معي إلى الشجرة، فإن صاحب هذه الصفة تحتها، فخرج الراهب من الدير يهرول في خطواته حتى لحق بالنبي صلى الله عليه واله، فلما رآه نهض قائما لا متكبرا ولا متجبرا، فقال: مرحبا بالفيلق، بعد ما قال له الراهب: السلام عليك يا أبا الفتيان، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وعليك السلام يا عالم الرهبان، ويا ابن اليونان يا ابن عبد الصليب (4)، فقال الراهب: وما أدراك أني الفيلق بن اليونان بن عبدالصليب ؟ قال: الذي أخبرك أني ابعث في آخر الزمان بالامر العجيب، فانكب الراهب على قدميه يقبلهما وهو يقول: يا سيد البشر، لعلك أن تجيب لوليمتنا لتحصل لنا بها (5) الكرامة. ونفوز بمحبتك يوم القيامة، فقال له النبي صلى الله عليه واله: اعلم أن القوم


(1) في المصدر: فلم يجد أحدا فيه الصفات التى عنده. (2) في المصدر: واطول تبعاه (3) في المصدر: أحد لم يحضر. (4) في المصدر: يابن اليونان بن عبدالصليب، قال: ومن أخبرك أنى. (5) في المصدر: بك.

[ 43 ]

أودعوني في أموالهم، فقال: يا مولاي تصدق علينا بالمسير، إن عدم لهم عقال علي ببعير، فقال له النبي صلى الله عليه واله: سر، وسار معهم إلى ديرهم، وكان له بابان: واحد كبير، والآخر صغير، وقد وضعوا بحيال الباب الصغير كنيسة فيها تصاوير وتماثيل، فإذا دخل الرجل من الباب الصغير ينحني برأسه، وذلك برسم السجود للتصاوير في الكنيسة، فخطر في نفسه أنه يدخل النبي صلى الله عليه واله من الباب الصغير ليتلذذ بمعاجزه (1) وغرائب كراماته، فلما دخل الراهب أمامه داخله الفزع من النبي صلى الله عليه واله فلما دخل النبي صلى الله عليه واله من الباب القصير أمر الله تعالى عضادتي الباب أن ترتفع، فارتفع الباب حتى دخل النبي صلى الله عليه واله منتصب القامة، فلما أشرف على القوم قاموا له إجلالا، وأجلسوه في أوساطهم على أعلى مكان، ووقف الراهب بين يديه، والرهبان حوله، فقدموا بين يديه طرائف الشام (2)، ثم رمق الراهب بطرفه إلى السماء فقال: إلهي وسيدي ومولاي أرني خاتم النبوة، فأرسل الله عزوجل جبرئيل ورفع ثيابه عن ظهره، فبان خاتم النبوة بين كتفيه، فسطع منه نور ساطع، فلما رآه الراهب خر ساجدا هيبة من ذلك النور، ثم رفع رأسه وقال: هو أنت حقا، ثم إن حمزة أنشأ يقول: أنت المظلل بالغمام وقد رأى * الرهبان أنك ذاك وانكشف الخبر ربيت في بحبوح (3) مكة بعد ما (4) * وضع الخليل وفاق فخرك من فخر ورضعت في سعد لثدي حليمة * كرما ففاض الثدي نحوك وانحدر قال: فشكره النبي صلى الله عليه واله وتفرق القوم إلى رحالهم، وقد كمد أبو جهل غيظا، وبقي ميسرة والراهب مع النبي صلى الله عليه واله فقال الراهب: يا سيدي أبشر، فإن الله يوطئ لك رقاب


(1) بمعجزاته خ ل وفي المصدر: لسدد معجزاته، ويشهدون غرائب كراماته اه‍ قلت: لعله مصحف يسددون بمعجزاته. (2) في المصدر: والرهبان حواليه، ومدحوه بأفصح لسان، وأوعدوه بالاجلال والاكرام، وقدموا بين يديه من ظرائف الشام. (3) بحبوحة مكة: وسطها. (4) حيث ما خ ل.

[ 44 ]

العرب، وتملك سائر البلاد، وينزل عليك القرآن، وتدين لك الانام، ودينك عند الله هو الاسلام (1)، وتنكس الاصنام، وتمحق الاديان، وتخمد النيران، وتكسر الصلبان، ويبقى ذكرك إلى آخر الزمان، فأسألك يا سيدي أن تتصدق علينا بالذمام لسائر الرهبان لتأخذ منهم امتك الجزية في ذلك الزمان، فياليتني كنت معك حتى تبعث يا سيدي (2)، فأعطاهم النبي صلى الله عليه واله الذمام، وأكرمهم (3) غاية الاكرام. وقال الراهب لميسرة: يا ميسرة اقرأ مولاتك مني السلام، واعلم (4) أنها قد ظفرت بسيد الانام، وأنه سيكون لك (5) شأن من الشأن، وتفضل على سائر الخاص والعام، واحذرها أن تفوتها القرب من هذا السيد، فإن الله تعالى سيجعل نسلها من نسله، وتبقى ذكرها إلى آخر الزمان، ويحسدها عليه كل أحد، وأعلمها أنه لا يدخل الجنة إلا من يؤمن به، ويصدق برسالته، وأنه أشرف الانبياء وأفضلهم، وأصفاهم سريرة، واحذر عليه من أعدائه اليهود في الشام حتى يعود إلى بيت الحرام، ثم ودع الراهب وخرج النبي صلى الله عليه واله ولحق بالقوم، وساروا من وقتهم وساعتهم إلى أن نزلوا بأرض الشام (6)، وحطوا رحالهم، فبادر أهل المدينة، واشتروا بضاعتهم، وباعت قريش بضائعها بأغلى أثمان، في أحسن بيع، وأما ما كان من النبي صلى الله عليه واله فإنه لم يبع شيئا من بضاعته، فقال أبو جهل لعنه الله: والله ما رأت خديجة سفرة أشأم من هذه، لم يبع من بضاعتها شيئا (7)، فلما أصبح الصباح نادى العرب (8)، فلما أقبلت من كل جانب ومكان يريدون البضائع، فلم


(1) أضاف في المصدر هنا. وتبعث بالمعجزات والدلائل والايات البينات. وفيه تنكسر الاصنام وتمحو الاوثان. (2) يا سيد ولد عدنان خ ل. وهو الموجود في المصدر. (3) وأكرمه خ ل. (4) وأعلمها خ ل. (5) لها خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) فنزلوا بمدينة يقال لها: برا خ ل. وفي المصدر: حتى وصلوا الشام ونزلوا بمدينة برا. (7) قط خ ل. (8) أقبلت العرب من دل خ ل.

[ 45 ]

يجدوا إلا بضائع خديجة، فباعها النبي صلى الله عليه واله بأضعاف ما باعت قريش (1)، فاغتم أبو جهل لذلك غما شديدا، ولم يبق من بضائع خديجة إلا حمل أديم، فجاء رجل من اليهود يقال له سعيد بن قطمور، وكان من أحبار اليهود وكهانهم، وكان قد اطلع على صفة النبي صلى الله عليه واله فلما نظر إليه عرفه بالنور، وقال: هذا الذي يسفه أحلامنا (2)، ويعطل أدياننا، ويرمل نسواننا، وأنا أحتال على قتله، ثم دنا من النبي صلى الله عليه واله وقال: يا سيدي بكم هذا الحمل ؟ فقال: بخمس مأة درهم، لا ينقص منها شئ، قال: اشتريت بشرط أن تسير معي إلى منزلي، وتأكل من طعامي حتى تحصل لنا البركة (3)، فقال النبي صلى الله عليه واله: نعم، فأخذ اليهودي حمل الاديم وسار إلى منزله، وسار النبي صلى الله عليه واله، فلما قرب اليهودي من منزله سبق إلى زوجته، وقال لها: اريد منك أن تساعديني على قتل هذا الذي يعطل أدياننا، قالت: وكيف أصنع به ؟ قال: خذي فردة (4) الرحى واقعدي على باب الدار، فإذا رأيتيه قبض منا ثمن حمل الاديم وخرج امي عليه فردة الرحى (5) حتى تقتليه، ونستريح منه، قال: فأخذت زوجة اليهودي الرحى، وطلعت على سطح الدار، فلما خرج النبي صلى الله عليه واله همت أن تلقى عليه الرحى فأمسك الله يديها (6)، ورجف قلبها، وقد غشي (7) عليها من نور وجه رسول الله صلى الله عليه واله، وكان لها ولدان قائمان (8) بفناء الدار فسقطت الرحى عليهما فماتا، فلما نظر اليهودي إلى ما جرى على أولاده نادى بأعلى صوته: يا بني قريظة فأجابوه من كل جانب ومكان، وقالوا له: ما ورائك ؟ قال (9): اعلموا أنه قد حل (10)


(1) واضاف في المصدر: وربحت بضائعها ربحا لم يخطر ببالهم. (2) أي عقولنا. (3) في المصدر: حتى تصل بكم البركة لانكم سكان بيت الله الحرام. (4 و 5) طبقة الرحى خ ل. (6) على يديها خ ل. (7) وكان قد غشى خ ل وهو الموجود في المصدر. (8) نائمان خ ل وهو الموجود في المصدر. (9) فقال خ ل وهو الموجود في المصدر. (10) في المصدر: دخل.

[ 46 ]

ببلدكم هذا الرجل الذي يعطل أديانكم، ويسفه أحلاكم (1)، وقد دخل منزلي، و أكل من طعامي، وقتل أولادي، فلما سمعت اليهود ذلك منه ركبوا خيولهم، وجردوا سيوفهم، وحملوا على قريش بأجمعهم، فلما نظر أعمام النبي صلى الله عليه واله إلى اليهود لبسوا دروعهم وبضهم (2) وركبوا خيولهم العربية، وارتفع الصياح، وشهروا الصفاح (3)، وقالوا: ما أبركه من صائح صاح (4)، وركب حمزة على جواده وهو أشقر مضمر، حسن المنظر، مليح المخبر، صافي الجوهر، من خيل قيصر، وتقلد سيفه، واعتقل رمحه، ولبس درعه، وحملي على اليهود فهناك جاشت عليهم الخيل من كل مكان، وحل بهم الوبال، فأجمع (5) رأيهم على أن ينفذوا منهم (6) سبعة رجال من رؤسائهم بلا سلاح، فلما رأتهم قريش من غير سلاح قالوا: ما شأنكم ! قالوا: يا معشر العرب إن هذا الرجل الذي معكم - يعنون بذلك النبي صلى الله عليه واله - أول من يبدئ بخراب دياركم، وقتل رجالكم، وتكسير أصنامكم، والرأي عندنا أن تسلموه لنا حتى نقتله ونستريح منه نحن وأنتم، فلما سمع حمزة الكلام قال: يا ويلكم هيهات هيهات أن نسلمه إليكم، فهو نورنا وسراجنا، ولو تلفت فيه ارواحنا فهي فداه دون اموالنا، فلما سمع اليهود ذلك آيسوا (7) من بلوغ مرادهم، ورجعوا على أعقابهم (8)، فلما عاين قريش اليهود وقد إنقلب بعضهم على بعض رأوها فرصة


(1) أضاف في المصدر: ويخرب دياركم. (2) في المصدر: لبسوا الدروع الداودية، واليسوف الهندية، والبيض الحلبية، والرماح الخطية. (3) أي سلوا سيوفهم ورفعوها. (4) أضاف في المصدر: واليهود ثابتون لوقع الصفاح. (5) في المصدر: فهناك حانت الاجال، ودارت عليهم الاحوال، وطحنت رحى الحرب رؤوس الابطال، وحل بهم الويل والنكال، وانهزموا اليهود، وقد علاهم الويل، وحل بهم العذاب، فاجمعوا. (6) في المصدر: إليهم. (7) في المصدر: وان الارواح فداه والاموال، وان أردتم قطع الرؤوس واتلاف النفوس هلموا، فلما سمع اليهود كلامهم آيسوا. (8) في المصدر أضاف: خائبين. (*)

[ 47 ]

فرحل القوم يجدون السير إلى ديارهم، وقد غنموا أسلابا من اليهود، وخيلهم وسلاحهم، وقد فرحوا بالنصر والظفر، فلما استقاموا على الطريق قال لهم ميسرة: ما منكم أحد يا قوم إلا وقد سافر مرة أو مرتين أو أكثر، فهل رأيتم أبرك من هذه السفرة، وأكثر من ربحها ؟ وما ذلك إلا ببركة محمد صلى الله عليه واله، وهو قد نشأ فيكم وهو قليل المال، فهل لكم أن تجمعوا له شيئا من بينكم على جهة الهدية حتى يستعين به على حاله، فقالوا له: والله لقد أصبت الرأي يا ميسرة، ثم إن القوم نزلوا منزلا كثير الماء والاشجار والانهار، فاستخرج كل واحد منهم شيئا لطيفا، وجاؤا به على سبيل الهدية، وكان يحب الهدية، ويكره الصدقة، فلما جمعوه (1) بين يديه قالوا له: خذها مباركة عليك، فدفعها إلى ميسرة ولم يرد جوابا، ثم إن القوم رحلوا يجدون السير، ويقطعون الفيافي والاودية إلى أن نزلوا دير الراهب، وهو الوادي الذي تزودوا منه التمر، ثم إنهم رحلوا حتي قربوا من مكة ونزلوا بحجفة (2) الوداع، فأخذ الناس ينفذون إلى أهاليهم يبشرونهم بقدومهم وغنمهم، قال أبو جهل لعنه الله: يا قوم ما رأيت ربحا أكثر من سفرتنا هذه، فقالو (3): نعم، قال: وأكثرنا أرباحا محمد صلى الله عليه واله، قال: ما كنت أحسب أنه يجلبهم من أماكنهم، ويبيع عليهم بأغلى الثمن، ثم أخذ القوم في إنفاذ رسلهم، ونفذ أبو جهل وغيره (4) رسلا، فأقبل ميسرة إلى النبي صلى الله عليه واله وقال: يا قرة العين هل ارشدك إلى خير يصل إليك ؟ قال: ما هو ؟ قال: تسير من وقتك وساعتك إلى مولاتي خديجة، وتبشرها بسلامة أموالنا، فإنها تعطي من يبشرها خيرا كثيرا، وأنا احب أن يكون ذلك لك، فقم الآن وسر إلى مكة، وادخل على مولاتي خديجة وبشرها بسلامة أموالها، فقام النبي صلى الله عليه واله وقال: يا ميسرة اوصيك بمالك ونفسك خيرا، وركب مستقبل الطريق وحده يريد مكة، وغاب عن الابصار، فبعث الله ملكا يطوي له البعيد، ويهون عليه الصعب الشديد، فلما أشرف على الجبال


(1) في المصدر: جمعوها. (2) في المصدر: بجحفة الوداع، بتقديم الجيم. (3) في المصدر: قالوا يا سيدنا ما فينا من ربح مثل ما ربح محمد. (4) ذكر في المصدر مكان غيره أسماء يطول ذكرهم.

[ 48 ]

أرسل الله عليه النوم، فنام، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل: أن اهبط إلى جنات عدن، واخرج منه القبة التي خلقتها لصفوتي محمد صلى الله عليه واله قبل أن أخلق آدم عليه السلام بألفي عام، وانشرها على رأسه (1)، وكانت من الياقوت الاحمر، معلقة بعلائق من اللؤلؤ الابيض يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، لها أربعة أركان، وأربعة أبواب، ركن من الزبرجد، وركن من الياقوت، وركن من العقيان (2) وركن من اللؤلؤ، وكذا الابواب، فنزل جبرئيل واستخرجها فتباشرت الحور العين، وأشرفت من قصورها، وقلن: لك الحمد يا رحمان، هذا الآن يبعث صاحب القبة وهبت ريح الرحمة، وصفقت الاشجار، ونشر جبرئيل عليه السلام القبة على رأس النبي صلى الله عليه واله، وأحدقت الملائكة بأركانها، ثم أعلنوا (3) بالتقديس والتسبيح، ونشر جبرئيل بين يديه ثلاثة أحلام، وتطاولت الجبال، ونادت الاشجار والاطيار والاملاك، يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه واله، هنيئا لك من عبد، ما أكرمك على الله تعالى ؟ قال: وكانت خديجة متكئة على موضع عال وجواريها حولها، وعندها جماعة من نساء قريش، وهي تطيل النظر إلى شعاب مكة، إذ كشف الله تعالى عن بصرها دون غيرها، وقد نظرت (4) نورا ساطعا وضياء لامعا من جهة باب المعلى، ثم إنها حققت النظر فرأت القبة والمحدقين بها، ناشرين أعلامها، والنبي صلى الله عليه واله نائم بها، فحارت في أمرها، فجعلت تنظر إليه، فقلن لها النسوة: ما لنا نراك باهتة يا بنت العم ؟ فقالت: يا بنات العرب أنا نائمة أم يقظانة ؟ فقلن: نعيذك بالله، بل أنت يقظانة، قالت لهن: انظروا (5) إلى باب المعلى وانظروا (6) إلى القبة، قلن: نعم رأينا، قالت لهن: وما


(1) أضاف في المصدر: قال صاحب الحديث. (2) العقيان: الذهب الخالص. (3) رفعوها خ ل، وفي المصدر: ثم أعلنوا بالتسبيح والتقديس والتهليل والتكبير والثناء على رب العالمين. (4) في المصدر: فرأت. (5 و 6) هكذا في نسخة المصنف والمصدر، والصحيح كما استظهر المصنف في الهامش، انظرن.

[ 49 ]

الذي ترون (1) غير ذلك ؟ قلن: نرى نورا ساطعا، وضيآء لامعا، قد بلغ عنان السماء، قالت: وما الذي ترون (2) غير ذلك ؟ قلن: لم نر شيئا، قالت: أما ترون (3) القبة و والراكب والاطيار الخضر المحدقين بالقبة، فقلن لها: لم نر شيئا، قالت: أرى راكبا أبهى من نور الشمس في قبة خضراء (4) لم أر أحسن منها على ناقة واسعة الخطا، ولا شك أن الناقة هي ناقتي الصهباء، والراكب محمد صلى الله عليه واله، فقلن: يا سيدتنا ومن أين لمحمد صلى الله عليه واله ما تقولين، وليس يقدر على هذا كسرى ولا قيصر ؟ فقالت لهن: فضل محمد أعظم من ذلك، ثم إن الناقة دخلت بين الشعاب، ثم قصدت باب المعلى، ثم إن الملائكة عرجت إلى السماء، وعرج جبرئيل عليه السلام بالقبة والاعلام، وانتبه النبي صلى الله عليه واله من نومه، ودخل مكة، وقصد منزل خديجة فوجدها وهي تقول: متى يصل محمد حتى امتع بالنظر إليه ؟ وهي تقوم وتقعد، وإذا بالنبي صلى الله عليه واله قد قرع الباب، قالت الجارية: من بالباب ؟ قال: أنا محمد، قد جئت ابشر خديجة بقدوم أموالها وسلامتها، فلما سمعت خديجة كلام رسول الله صلى الله عليه واله انحدرت إلى وسط الدار، ووقفت بالحجاب، وفتحت الجارية الباب، فقال: السلام عليكم يا أهل البيت، فقالت خديجة: هنيئا لك السلامة يا قرة عيني، قال: وأنت (5) يهنئك سلامة أموالك، قالت خديجة: تهنئني سلامتك أنت يا قرة العين، فوالله أنت عندي خير من جميع الاموال والاهل، ثم قالت: شعرا: جاء الحبيب الذي أهواه من سفر * والشمس قد أثرت في وجهه أثرا عجبت للشمس من تقبيل وجنته (6) * والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا ثم قالت: يا حبيبي أين خلفت الركب ؟ قال: بالجحفة، قالت: ومتى عهدك بهم ؟ قال: ساعتي هذه، فلما سمعت خديجة كلامه اقشعر جلدها، وقالت: سألتك بالله إنك فارقتهم بالجحفة ؟ قال: نعم، ولكن طوى الله لي البعيد، قالت: والله ما كنت احب أن تجئ هكذا وحيدا، إنما كنت احب أن تكون أول القوم، وأنظر إليك، وأنت مقدم


(1 و 2 و 3) هكذا في النسخة، واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: ترين. (4) في المصدر: إنى أرى راكبا قد أنار من وجهه المشرق والمغرب في قبة خضراء. (5) في المصدر: واننى. قلت: فعليه فيهنئك مصحف فنهنئك. (6) غرته خ ل.

[ 50 ]

الرجال، وارسل إليك جواري على رؤوس الجبال (1) بأيديهم المباخر والمعازف، وآمر عبيدي بالذبايح والعقائر، ويكون لك يوم مشهور، قال: يا خديجة إني أتيت ولم يعلم بي أحد من أهل مكة، فإن أمرتيني بالرجوع رجعت من هذه الساعة وتفعلين مرادك ؟ فقالت له: يا سيدي امهل قليلا، ثم عملت له زادا ساخنا فوضعته في مزادة (2)، و كانت العرب تعرفه بنقائه وطيب ريحه، وملات له قربة من ماء زمزم، وقالت له: ارجع أودعتك من طوى لك البعيد من الارض، فرجع النبي صلى الله عليه واله، ثم إن خديجة رجعت إلى موضعها لتنظر هل تعود القبة أم لا، وإذا بالقبة قد عادت وجبرئيل قد نزل، والملائكة قد أحدقوا بها كالاول، ففرحت خديجة بذلك، وأنشأت تقول: نعم لي منكم ملزم أي ملزم * ووصل مدى الايام لم يتصرم ولو لم يكن قلب المتيم (3) فيكم * جريحا لما سالت دموعي بالدم ولم يخل طرفي ساعة من خيالكم * ومن حبكم قلبي ومن ذكركم فمي ولو جبلا حملتموه بعادكم * لمال وما زال (4) جسمي وأعظمي أشد على كبدي يدي فيردها * بما فيه من وجد (5) من الشوق مضرم طويت الهوى والشوق ينشر طيه * وكتمت أشجاني فلم تتكتم فيارب قد طالت بنا شقة (6) النوى * وأنت قدير تنظم الشمل فانظم قال: ثم إن النبي صلى الله عليه واله سار قليلا والتحق بالقوم، وبعضهم يقظان (7)، و بعضهم رقود، فلما أحس به ميسرة قال: من الطارق (8) في هذا الليل العاكر (9) ؟ قال:


(1) في المصدر: وارتب لك جواري وعبيدى على رؤوس الجبال. (2) في المصدر: في مزادته. (3) المتيم: المحب العاشق. (4) حال خ ل. (5) جمر خ ل. (6) مدة خ ل. (7) أيقاظ خ ل. وهو الموجود في المصدر. (8) السائر خ ل. وهو الموجود في المصدر. (9) من عكر الليل: اشتد سواده.

[ 51 ]

أنا محمد بن عبد الله. قال: (1) يا سيدي ما عهدتك أن تهزء وعهدي بك أنك سائر، فما الذي أرجعك يا سيدي ؟ فقال له: يا ميسرة إني سافرت ثم عدت، فضحك ميسرة وقال: سافرت إلى ذيل هذا الجبل، ثم عدت ؟ قال النبي صلى الله عليه واله: بل قصدت البيت الحرام، فقال له ميسرة: ما عهدت منك يا سيدي إلا الصدق، فقال: يا ميسرة ما قلت لك إلا الصدق، فإن كان عندك شك فهذا خبز مولاتك خديجة، وهذا ماء زمزم، فلما نظر ميسرة إلى ذلك نهض قائما على قدميه، ونادى: يا معاشر قريش، ويا بني النضر، ويا بني زهرة، ويا بني هاشم هل غاب محمد عنكم غير ساعتين أو أقل من ذلك ؟ فقالوا: نعم، قال: قد سار إلى مكة ورجع، وهذا خبز مولاتي خديجة، وهذا ماء زمزم، فتعجب القوم ودهشت عقولهم، وصاح أبو جهل لعنه الله وقال: لا يبعد هذا على الساحر (2)، فلما أصبح الصباح بلغ العرب، سبق الخبر بقدوم القافلة، وخرج أهل مكة مبادرين، وسبق عبيد خديجة وجواريها و تفرقوا في شعاب مكة وأوديتها، بأيديهم المعازف والمباخر، فكان النبي صلى الله عليه واله ما يمر على عبد من عبيد خديجة إلا يعقر ناقة فرحا بقدومه، ثم تفرق الناس إلى منازلهم، و نظرت خديجة إلى جمالها وقد أقبلت كالعرائس، وكانت معتادة أن يموت بعض جمالها (3) ويجرب بعضها إلا تلك السفرة فإنها لم تنقص منها شعرة، فوقف قريش متعجبين من تلك الجمال، كلما مر بهم جمل بإزائه ناقة هيفاء فيقولون: لمن هذا (4) ؟ فيقال هذا (5) ما


(1) في المصدر: يا سيدي من ردك عن سرور يغم عليك ؟ وكان عهدي بك أنك سائر إلى مولاتي خديجة، قال له النبي صلى الله عليه وآله: يا ميسرة سافرت ثم عدت، فضحك ميسرة وقال والله سيدي ! ما عهدتك تستهزئ قط قال: يا ميسرة ما قلت لك الا صدقا. (2) استظهر المصنف أن (على) مصحف (عن). وفي المصدر: قال: فصاح بهم أبو جهل لعنه الله وقال: ما الذي أراه بكم ؟ قالوا: ان محمدا سار إلى مكة ورجع من ساعته، قال: انصرفوا إلى رحالكم، فلو كان غير محمد لكان عجبا، ولكن الساحر لا يبعد عليه مشارق الارض ومغاربها، قال: فتفرق القوم إلى رحالهم وباتوا تلك الليلة، فرحلوا العرب، وسبق البشير بقدوم العير، و خرج أهل مكة مبادرين. (3) بعضها خ ل. (4) هذه خ ل، وهو الموجود في المصدر. (5) هذه مما أفاد خ ل وهو الموجود في المصدر.

[ 52 ]

أفاده محمد صلى الله عليه واله لخديجة من الشام، فذهلت عقول قريش لذلك، فلما اجتمعت أموال خديجة فكوا رحالها، وعرضوا الجميع على خديجة وكانت جالسة خلف الحجاب، والنبي صلى الله عليه واله جالس وسط الدار، وميسرة يعرض عليها الامتعة شيئا فشيئا، فنظرت خديجة إلى شئ قد أدهشها، فبعثت إلى أبيها تعرفه بذلك، وترغبه في محمد صلى الله عليه واله، فلم تك إلا ساعة واحدة وإذا بخويلد قد أقبل ودخل منزل ابنته خديجة، وهو متزين بالثياب، متقلد سيفا، فلما نظرت إليه قامت وأجلسته إلى جنبها، وابتدأته بالترحيب، وجعلت تعرض عليه البضائع، وهي تقول: يا أبت هذا كله ببركة محمد صلى الله عليه واله، والله يا أبتاه إنه مبارك الطلعة، ميمون الغرة فما ربحت ربحا أغنم (1) من هذه السفرة، ثم التفت إلى ميسرة وقالت: حدثني كيف كان سفركم ؟ وما الذي عاينتم من محمد صلى الله عليه واله ؟ قال: يا سيدتي وهل اطيق أن أصف لك بعضا من صفاته وما عاينت منه صلى الله عليه واله ؟ ثم أخبرها بحديث السيل، والبئر، والثعبان، والنخل، وما أخبره الراهب، وما أوصاه إلى خديجة، فقالت: حسبك يا ميسرة: لقد زدتني شوقا إلى محمد صلى الله عليه واله، إذهب فأنت حر لوجه الله، وزوجتك وأولادك، ولك عندي ما تادرهم، وراحلتان، وخلعت عليه خلعة سنية، وقد امتلا سرورا وفرحا، ثم إن خديجة التفتت إلى النبي صلى الله عليه واله وقالت: ادن مني فلا حجاب اليوم بيني وبينك، ثم رفعت عنها الحجاب، وأمرت أن ينصب له كرسي من العاج والآبنوس، وأجلسته عليه، وقالت: يا سيدي كيف كان سفركم ؟ فأخذ يحدثها بما باعه وما شراه، فرأت خديجة ربحا عظيما، وقالت: يا سيدي لقد فرحتني بطلعتك، وأسعدتني برؤيتك، فلا لقيت بؤسا، ولا رأيت نحوسا، ثم جعلت تقول: شعرا: فلو أنني أمسيت في كل نعمة * ودامت لي الدنيا وملك الاكاسرة فما سويت عندي جناح بعوضة * إذا لم يكن عيني لعينك (2) ناظرة قال: ثم إن خديجة قالت: يا سيدي لك عندي حق البشارة زيادة على ما كان بيننا فهل لك الساعة من حاجة فتقضى ؟ قال صلى الله عليه واله: حتى أستريح وأعود إليك، ثم خرج و


(1) أعظم خ ل، وهو الموجود في المصدر. (2) لعينيك خ ل.

[ 53 ]

دخل منزله عمه أبي طالب، وكان أبو طالب فرحا بما عاين من ابن أخيه، فقبل ما بين عينيه وجاءت (1) أعمامه حوله، وقال أبو طالب: يا ولدي ما الذي أعطتك خديجة ؟ قال: وعدتني (2) الزيادة على ما بيننا، قال: هذه نعمة جليلة، وقد عزمت أن أترك لك بعيرين تسافر عليهما، وراحلتين تصلح بهما شأنك، وأما الذهب والفضة أخطب لك بهما فتاة من نسوان قريش من قومك (3) ثم لا ابالي بالموت حيث أتى، وكيف نزل، فقال: يا عماه افعل ما بدا لك، فلما كان وقت الغداة اغتسل النبي صلى الله عليه واله من وعك السفر (4)، وتطيب وسرح رأسه، ولبس أفخر أثوابه وسار إلى منزل خديجة، فلم يجد عندها سوى ميسرة، فلما رأته فرحت بقدومه، وجعلت تقول: دنا فرمى من قوس حاجبه سهما * فصادفني حتى قتلت به ظلما وأسفر عن وجه وأسبل شعره * فبات يباهي (5) البدر في ليلة ظلماء ولم أدر حتى زار من غير موعد * على رغم واش ما أحاط به علما وعلمني من طيب حسن حديثه * منادمة يستنطق الصخرة الصماء قال: ثم التفتت إليه وقالت: يا سيدي نعمت الصباح، ودامت لك الافراح، هل من حاجة فتقضى ؟ فاستحيا وطأطأ رأسه وعرق جبينه، فأقبلت عليه تلاطفه في الكلام، ثم قالت: يا سيدي إذا سألتك عن شئ تخبرني ؟ قال: نعم، قالت خديجة: إذا أخذت الجمال والمال من عندي ما تريد أن تصنع به ؟ قال لها: وما تريدين بذلك يا خديجة ؟ قالت: أزيدك وما أقدر عليه، قال اعلمي أن عمي أبا طالب قد أشار على أن يترك لي بعيرين اسافر بهما، وبعيرين أصلح بهما شأني، والذهب والفضة يخطب لي بهما امرأة من قومي تقنع مني بالقليل، ولا تكلفني ما لا اطيق، فتبسمت خديجة، وقالت: يا سيدي أما


(1) دارت خ ل، وهو الموجود في المصدر. (2) أوعدتني بالزيادة خ ل، وهو الموجود في المصدر. (3) من نسوان قومك خ ل. (4) أي من شدة السفر والمه وتعبه. (5) فبت اباهى خ ل.

[ 54 ]

ترضى (1) أني أخطب لك امرأة تحسن بقلبي (2) ؟ قال: نعم، قالت: قد وجدت لك زوجة، وهي من أهل مكة من قومك، وهي أكثرهن مالا واحسنهن جمالا وأعظمهن كمالا، و أعفهن فرجا، وأبسطهن يدا، طاهرة مصونة، تساعدك على الامور، وتقنع منك بالميسور ولا ترضى من غيرك بالكثير، وهي قريبة منك في النسب (3)، يحسدك عليها جميع الملوك والعرب، غير أني أصف لك عيبها، كما وصفت لك خيرها، قال: وما ذلك ؟ قال: عرفت قبلك رجلين، وهي أكبر منك سنا، قال صلى الله عليه واله: سميها لي، قالت: هي مملوكتك خديجة، فأطرق منها خجلا حتى عرق جبينه: وأمسك عن الكلام، فأعادت عليه القول مرة اخرى، وقالت: يا سيدي مالك لا تجيب ؟ وأنت والله لي حبيب، وإني لا اخالف لك أمرا، و أنشأت (4) تقول: يا سعد إن جزت بوادي الاراك * بلغ (5) قليبا ضاع مني هناك واستفت غزلان الفلا سائلا * هل لاسير الحب منهم فكاك ؟ وإن ترى ركبا بوادي الحمى * سائلهم عنى ومن لي بذاك ؟ نعم سروا واستصحبوا ناظري * والآن عيني تشتهي أن تراك ما في من عضو ولا مفصل * إلا وقد ركب منه (6) هواك عذبتني (7) بالهجر بعد الجفاء (8) * يا سيدي ماذا جزاء (9) بذاك ؟ فاحكم بما شئت وما ترتضي * فالقلب ما يرضيه إلا رضاك


(1) ترضاني خ ل، وهو الموجود في المصدر. (2) تحسن لك قلبى خ ل. (3) في المصدر: وتقنع منك باليسير، ولا ترضى من غيرك ولو بذل لها كثير، كبيرة في قومها مطاعة في أمرها، وعشيرتها قريبة منك في النسب. (4) بلسان حالها خ ل. (5) أنشد خ ل. (6) فيه خ ل. (7) أو عدتني خ ل. (8) بعد الوفاء خ ل. (9) ما جزاء هذا خ ل.

[ 55 ]

قال: ثم ألحت عليه بالكلام (1)، فقال لها: يا ابنة العم أنت امرأة ذات مال، وأنا فقير لا أملك إلا ما تجودين به علي، وليس مثلك من يرغب في مثلي (2)، وأنا أطلب امرأة يكون حالها كحالي، ومالها كمالي (3)، وأنت ملكة لا يصلح لك إلا الملوك، فلما سمعت كلامه قالت: والله يا محمد إن كان مالك قليلا فمالي كثير، ومن يسمح (4) لك بنفسه كيف لا يسمح لك بماله ؟ وأنا ومالي وجواري (5) وجميع ما أملك بين يديك وفي حكمك، لا أمنعك منه شيئا، وحق الكعبة والصفا ما كان ظني أن تبعدني عنك، ثم ذرفت (6) عبرتها وقالت: شعرا: والله ما هب نسيم الشمال * إلا تذكرت ليالي (7) الوصال ولا أضا من نحوكم بارق * إلا توهمت لطيف الخيال أحبابنا ! ما خطرت خطرة (8) * منكم غداة الوصل مني ببال جور الليالي خصني بالجفا * منكم ومن يأمن جور الليال ؟ رقوا وجودوا واعطفوا وارحموا * لا بد لي منكم على كل حال قال: ثم إن خديجة قالت: ورب احتجب عن الابصار (9)، وعلم حقيقة (10) الاسرار


(1) في المصدر: في الكلام. (2) في المصدر: وليس مثلك من يرغب في ووصل مثلى، والراغب في الفقير قليل. (3) زاد في المصدر: أقنع بها وتقنع بي، وفيه: وأنت تصلح لك الملوك يكونوا مثلك، مالهم كمالك، وحالهم كحالك. (4) أي من يجود لك. (5) في المصدر: وعبيدى وجواري. (6) أي سال دمعها. (7) أيام خ ل. (8) فرقة خ ل. (9) في المصدر: ورب الكعبة، وحق من اختفى عن الابصار. (10) في المصدر: وعلم خفية الاسرار ما قلت لك قولا اداعبك فيه، وما أنا الا فيما قلته محقة ولم أقل باطلا، قم وأمض إلى عمومتك.

[ 56 ]

أني محقة لك في هذا الامر، قم (1) إلى عمومتك وقل لهم: يخطبوني لك من أبي، ولا تخف من كثرة المهر، فهو عندي وأنا أقوم لك بالهدايا والمصانعات، فسر وأحسن الظن فيمن أحسن بك الظن (2)، فخرج النبي صلى الله عليه واله من عندها، ودخل على عمه أبي طالب و السرور في وجهه (3)، فوجد أعمامه مجتمعين، فنظر إليه أبو طالب وقال: يابن أخي يهنئك ما أعطتك خديجة وأظنها قد غمرتك من عطاياها، قال محمد صلى الله عليه واله: يا عم لي إليك حاجة، قال: وما هي ؟ قال، تنهض أنت وأعمامي هذه الساعة إلى خويلد، وتخطبون لي منه خديجة، فلم يرد أحد منهم عليه جوابا غير أبي طالب، فقال: يا حبيبي إليك نصير، وبأمرك نستشير في امورنا، وأنت تعلم أن خديجة امرأة كاملة ميمونة فاضلة تخشي العار، وتحذر الشنار (4)، وقد عرفت قبلك رجلين: أحدهما عتيق بن عائذ، والآخر عمرو الكندي، وقد رزقت منه ولدا، وخطبها ملوك العرب ورؤساؤهم وصناديد قريش وسادات بني هاشم وملوك اليمن وأكابر الطائف، وبذلوا لها الاموال، فلم ترغب في أحد منهم، ورأت أنها أكبر منهم، وأنت يابن أخي فقير لا مال لك ولا تجارة، وخديجة امرأة مزاحة عليك، فلا تعلل نفسك بمزاحها، ولا تسمع قريشا هذا الامر (5)، فقال أبو لهب: يا ابن أخي لا تجعلنا في أفواه العرب، وأنت لا تصلح لخديجة، فقام إليه العباس وانتهره، وقال: والله إنك لرذل الرجال، ردي الافعال، وما عسى أن يقولوا في ابن أخي، والله إنه أكثر منهم جمالا، وأزيد كمالا، وبماذا تتكبر عليه خديجة ؟ لمالها أم لزيادة كمالها وجمالها ؟ فاقسم برب الكعبة لان طلبت عليه مالا لاركبن جوادي وأطوف في الفلوات، ولادخلن


(1) ولكن قم خ ل. (2) في المصدر، ولا تخف إن كان يطلب منك مالا، فأنا والله أقوم لك بالهدايا والاموال ومهما طلب أبي من المال أنا أقوم به، وهذه أموالي وذخائري وعبيدى وجواري كلها بين يديك خذ منها ما شئت، فأنا لك طالبة، وفيك راغبة، ولا اريد سواك، فسر وأحسن الظن فيمن تحسن الظن بك، ولا تخيب قاصديك. (3) قد زاد خ ل. (4) الشنار: العار. أقبح العيب. (5) في المصدر: ولا تسمع قريش هذا الكلام أبدا.

[ 57 ]

على الملوك حتى أجمع له ما تطلب عليه (1) خديجة. قال النبي صلى الله عليه واله: يا معاشر الاعمام قد أطلتم الكلام فيما لا فائدة فيه، قوموا واخطبوا لي خديجة من أبيها، فما عندكم من العلم مثل ما عندي منها، فنهضت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها، وقالت: والله أنا أعلم أن ابن أخي صادق فيما قاله، ويمكن أن تكون خديجة مازحة عليه، ولكن أنا أروح وابين لكم الامر، ثم لبست أفخر ثيابها وسارت نحو منزل خديجة، فلقيتها بعض جواريها في الطريق فسبقتها إلى الدار، وأعلمت خديجة بقدوم صفية بنت عبد المطلب، وكانت قد عزمت على النوم فأخلت لها المكان (2)، وقد عثرت خديجة بذيلها، فقالت: لا أفلح من عاداك يا محمد، فسمعت صفية كلام خديجة فقالت في نفسها: أجاد الدليل، ثم طرقت الباب، ففتح و جاءت إلى خديجة فلقيتها بالرحب والتحية، وأرادت أن تأتي لها بطعام، فقالت: يا خديجة ما جئت لآكل طعام، بل يا ابنة العم جئت أسألك عن كلام أهو صحيح أم لا ؟ فقالت خديجة: بل هو صحيح إن شئت تخفيه أو شئت تبديه، وأنا قد خطبت محمدا لنفسي، وتحملت عنه مهري، فلا تكذبوه إن كان قد ذكر لكم بشئ (3)، وإني قد علمت أنه مؤيد من رب السماء، فتبسمت صفية وقالت: والله إنك لمعذورة فيمن أحببت، والله ما شاهدت عيني مثل نور جبينه، ولا أعذب من كلام ابن أخي، ولا أحلى من لفظه ثم أنشأت تقول: شعرا: الله أكبر كل الحسن في العرب * كم تحت غرة هذا البدر من عجب قوامه (4) ثم إن مالت ذوائبه * من خلفه فهي تغنيه عن الادب تبت يد اللآئمي فيه وحاسده * وليس لي في سواه قط من أرب (5)


(1) منه خ ل، وفي المصدر: ما طلبت من المال. (2) في المصدر: وقد عزمت على النوم ونزلت إلى أسفل الدار، ولم تترك عندها أحدا من الجوارى وقامت تمشى. (3) شيئا خ ل، وفي المصدر: إن كان قد نقل اليكم حديثا. (4) قوائمه خ ل. (5) الارب: الحاجة. الغاية.

[ 58 ]

قال: ثم إن صفية رضي الله عنها عزمت على الخروج من بيتها، فقالت لها خديجة: امهلي قليلا، ثم أخرجت خلعة سنية وخلعتها على صفية، وضمتها إلى صدرها، وقالت يا صفية: بالله عليك إلا ما أعنتيني على وصال محمد صلى الله عليه واله (1)، قالت: نعم، ثم خرجت طالبة لاخوتها، فقالوا لها: ما وراءك يا صفية، يا ابنة الطيبين ؟ قالت: يا إخواتي قوموا إن كنتم قائمين، فوالله إن لها في ابن أخيكم محمد صلى الله عليه واله رغبة ليس تدرك، ففرحوا بذلك كلهم غير أبي لهب، فإن كلامها زاده غيظا وحسدا لمحمد صلى الله عليه واله، وذلك بسبب الشقاوة السابقة (2)، فزعق بهم العباس وقال: فما قعودكم إذ كان قد حصل الامر ؟ فنهضوا جميعا إلى دار خويلد، وقد عمد أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه واله وألبسه أحسن الثياب، وقلده سيفا، وأركبه على جواده، ودار حوله عمومته وكلهم محدقون به، فلقاهم أبو بكر بن أبي قحافة وقال: إلى أين تريدون يا أولاد عبد المطلب ؟ لقد كنت قاصدا إليكم في حاجة خطرت ببالي، فقال له العباس: وما هي ؟ اذكرها، قال: رأيت في منامي كأن نجما قد ظهر في منزل أبي طالب وارتفع إلى افق السماء، وأنار واستنار إلى أن صار كالقمر الزاهر، ثم نزل بين الجدران فتبعته، فإذا هو قد دخل في بيت خديجة بنت خويلد، ودخل معها تحت الثياب، فما تأويله ؟ قال له أبو طالب: ها نحن لها قاصدون، وعلى خطبتها معولون، ثم ساروا حتى وصلوا منزل خويلد فسبقتهم الجواري إليه، وكان يشرب الخمر، وقد لعب الخمر في رأسه، فلما نظر إلى بني هاشم قام لهم وقال: مرحبا وأهلا بأبناء آبائنا وأعز الخلق علينا، فقال أبو طالب: يا خويلد ما جئنا إلا لحاجة (3)، وأنت تعلم قربنا منكم، ونحن في هذا الحرم أبناء أب واحد، وقد جئنا خاطبين ابنتك خديجة لسيدنا (4)، ونحن لها راغبون، فقال خويلد:


(1) في المصدر: برب الكعبة الا ما ساعدتيني على ما أطلب من قرب محمد. (2) في المصدر: وذلك بسبب الشقاوة السابقة ظهر به الحسد، وزاد الكمد، حيث أن خديجة تصل إلى محمد صلى الله عليه وآله. (3) في المصدر: يا خويلد ما أتيناك للطعام ولا للشراب، وأنت تعلم أننا لك قرابة، وأنتم لنا بنو عم، ونحن في هذا الحرم بنو أب واحد، ليس لاحد شرف كشرفنا، ونحن وأنت في الحال سوى، ونحب أن لا تخالفنا، وتقرب ابنتك لسيدنا، فهو يزينها ولا يشينها، وقد جئناك خاطبين وفي ابنتك راغبين. (4) محمد خ ل.

[ 59 ]

ومن الخاطب منكم ؟ ومن المخطوبة مني ؟ فقال أبو طالب: الخاطب منا محمد ابن أخي، و المخطوبة خديجة، فلما سمع ذلك خويلد تغير لونه وكبر عليه وقال: والله إن فيكم الكفاية، وأنتم أعز الخلق علينا، ولكن خديجة قد ملكت نفسها وعقلها أوفر من عقلي (1). وأنا لم تطب قلبي إن خطبها الملوك، فكيف وهذا محمد فقير صعلوك (2) ؟ فقام إليه حمزة رضي الله عنه فقال له: لا يقدر (3) اليوم بأمس، ولا تشاكل القمر بالشمس يا بادي الجهل، ويا خسيف (4) العقل، أما علمت أنك قد ضل رشدك. وغاب عقلك، أتثلب ابن أخينا ؟ أما علمت أنه إذا أراد أموالنا وأرواحنا قدمنا الكل بين يديه، ولكن سوف يبين لك غب (5) فعلك، ثم نفض أثوابه ونهض، ونهض إخواته وساروا إلى منازلهم، وبلغ الخبر خديجة من جارية لها، فقالت: ما وراءك ؟ قالت: أمر يغم القلوب (6)، فقالت لها: ماذا يا ويحك ؟ قالت: إن أباك قد رد أولاد عبد المطلب خائبين، فلما سمعت خديجة كلامها قالت: اطلبي لي عمي ورقة، فخرجت الجارية وعادت ومعها ورقة، فلما جاءها استقبلته بأحسن قبول، وقالت: مرحبا بك يا عم، فلا غابت طلعتك عني، ثم طرقت إلى الارض وقد قطب حاجباها (7)، فقال ورقة: حاشاك يا خديجة من السوء، ما الذي حل بك ؟ قالت: يا عم ما حال السائل ؟ وما نال (8) المسؤل ؟ قال: في أنحس حال، قال (9): ولكن أراك (10) يا


(1) في المصدر: وأرى أن عقلها أعز من عقلي، ورأيها أعلى من رأى، وأنا فما يطيب قلبى أن تخطبها الملوك، وازوجها بفقير صعلوك ؟ (2) الصعلوك: الفقير. (3) لا تقدر خ ل وفي المصدر: لا يقاس. (4) سخيف خ ل وفي المصدر: خسيس. قلت: خسيف العقل أي ناقص العقل. (5) الغب: العاقبة. (6) زاد في المصدر ويرد المعافى مكروبا. (7) قطبت حاجبيها خ ل قلت: هو الموجود في المصدر. قوله: قطبت أي قبضت ما بين عينيه كما يفعله العبوس. (8) بال خ ل. (9) في المصدر: وإنى أراه في أنحس حال. وأسقط قوله: قال. (10) في المصدر: وأراك.

[ 60 ]

خديجة تخاطبيني بهذا الكلام، كأنك تريدين الزواج ؟ قالت: أجل، قال: يا خديجة لقد خطبك الملوك والصناديد، ولم ترضى بأحد منهم، قالت: ما اريد من يخرجني من مكة، فقال: والله ما منها (1) أحد إلا وقد خطبك، مثل شيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأبي جهل بن هشام، والصلت بن أبي يهاب فأبيتي (2) عنهم جميعا، قالت: ما اريد من فيه عيب، ثم قالت: يا عم صف لي عيبهم، قال: يا خديجة أما شيبة ففيه سوء الظن، و أما عقبة فهو كثير السن، وأما أبو جهل فهو بخيل متكبر، كريه النفس، وأما الصلت فهو رجل مطلاق، فقالت: لعن الله من ذكرت، وهل تعلم أنه خطبني (3) غير هؤلاء ؟ قال: سمعت أنه قد خطبك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، قالت يا عم صف لي عيبه، وكان ورقة عنده علم من الكتب السالفة بما يكون من أمر محمد صلى الله عليه واله، فلما سمع كلامها طأطأ رأسه وقال: أصف لك عيبه ؟ قالت: نعم، قال: أصله أصيل، وفرعه طويل (4) وطرفه كحيل، وخلقه جميل، وفضله عميم، وجوده عظيم، والله يا خديجة ما كذبت فيما قلت، قالت: يا عم صف لي عيبه كما وصفت لي خيره، قال: يا خديجة: وجهه أقمر، وجبينه أزهر، وطرفه أحور، ولفظه أعذب (5) من المسك الاذفر، وأحلى من السكر، وإذا مشى كأنه البدر إذا بدر، والوبل إذا أمطر، قالت (6): يا عم صف لي عيبه، قال: يا خديجة مخلوق من الحسن (7) الشامخ، والنسب الباذخ، وهو أحسن العالم سيرة، وأصفاهم سريرة (8)، إذا مشى تخاله ينحدر من صبب، شعره كالغيهب، وخده أزهر من الورد الاحمر، وريحه


(1) فيها خ ل. وفي المصدر: قال: يا ابنتى أما خطبك شيبة بن ربيعة. (2) أبيت خ ل صح. (3) قد خطبني خ ل. (4) زاد في المصدر: وخده أسيل. (5) أحسن خ ل. وفي المصدر: أحلى من السكر، وريحه أطيب من المسك الاذفر. (6) في المصدر: إذا مشى تخاله البدر إذا أبدر، لا والله بل هو أنور، قالت. (7) هكذا في الاصل، وفي نسخة وفي المصدر: الحسب. (8) زاد في المصدر: لا بالقصير اللاصق. قلت: الصبب: الموضع المنحدر. والغيهب الشديد السواد من الخيل والليل. وفي المصدر: الغيهب الادجن.

[ 61 ]

أزكى من المسك الاذفر، ولفظه أعذب من الشهد وأخير، اشهدك يا خديجة أني احبه. قالت: يا عم أراك كلما قلت لك: صف لي عيبه وصفت لي حسنه ؟ قال: يا ابنتي وهل أنا أقدر على وصف خيره، ثم أنشأ يقول: لقد علمت كل القبائل والملا * بأن حبيب الله أظهرهم قلبا وأصدق من في الارض قولا وموعدا * وأفضل خلق الله كلهم قربا فقالت: يا ورقة إن أكثر الناس يثلبونه، قال: ثلبهم له إنه فقير، قالت: يا عم أما سمعت قول الشاعر: إذا سلمت رؤوس الرجال من الاذى * فما المال إلا مثل قلم الاظافر ولكن يا عم إذا كان ماله قليلا فما لي كثير، وإني يا عم محبة له على كل حال، فقال لها: إذن والله تسعدين وترشدين وتحضين (1) بنبي كريم، فقالت: يا عم أنا الذي خطبته لنفسي، فقال لها ورقة: وما الذي تعطيني وأنا ازوجك في هذه الليلة بمحمد ؟ فقالت: يا عم وهل لي شئ دونك، أم يخفى عليك ؟ وهذه ذخائري بين يديك، ومنزلي لك، وأنا كما قال القائل شعرا: إذا تحققتم ما عند صاحبكم * من الغرام فذاك العذر يكفيه أنتم سكنتم بقلبي فهو منزلكم * وصاحب البيت أدرى بالذي فيه ثم قال ورقة: يا خديجة لست اريد شيئا من حطام الدنيا، وإنما اريد أن تشفعي لي عند محمد صلى الله عليه واله يوم القيامة واعلمي يا خديجة أن بين أيدينا حساب وكتاب وعقاب وعذاب (2)، ولا ينجو إلا من تبع محمدا، وصدق برسالته، فياويل من زحزح (3) عن الجنة وادخل النار، فلما سمعت خديجة كلامه قالت: يا عم لك عندي ما طلبت، فخرج ورقة و


(1) تحظين خ ل قلت: هكذا في الاصل، والصحيح إما الثاني أو ما في المصدر وهو هكذا: وتقربين من نبي كريم، وزاد في المصدر: ورسول عظيم، وإنه يا خديجة نبى هذه الامة، فقالت: يا عم والله انى احبه، وأنا الذي أمرته أن يخطبني، فالان أنا الذي أمرته وأبي ابعده، قال ورقة: وهو ان أبيك، يا خديجة ما الذي تعطيني حتى ازوجك. (2) هكذا في الاصل والمصدر بالرفع. (3) زحزحه: باعده أو أزاله عنه فتباعد فتنحى.

[ 62 ]

دخل على أخيه خويلد وقد غلب عليه السكر، فجلس ورقة وقد ظهر الغيظ في وجهه (1)، و قال: يا أخي ما أغفلك عن نفسك ؟ تريد أن تقتلها أنت بنفسك ؟ فقال: ومن أين علمت يا أخي ؟ فقال: لقد خلفت بني عبد المطلب وقلوبهم تغلي عليك كغلي القدر، وقد أراد حمزة أن يهجم عليك في دارك، فقال خويلد: يا أخي وأي ذنب أذنبته عليهم حتى يفعلوا بي ذلك ؟ قال: سمعتهم يقولون إنك تثلب ابن أخيهم وهو عليك قبيح، إن كان قد وقع منك ذلك والله ما وطئ الحصى مثل محمد، أنسيت (2) ما جرى له في صغره، وما بان له في كبره ؟ والله ما يثلبه إلا لئيم، قال خويلد: والله يا أخي ما ثلبت الرجل، وإنه خير مني وإنما أراد أن يتزوج بخديجة، فقال له أخوه: ماذا تنكر منه ؟ قال خويلد: والله يا أخي ما أقول فيه: شيئا، ولكن خشيت من وجهين: الاول تسبني العرب حيث أنى رددت أكابرهم وساداتهم، وازوجها الآن بفقير لا مال له، والثاني أنها لا ترضاه فقال ورقة: إن العرب ما منهم إحد إلا ويحب أن يزوجه بابنته، ويشتهي أن يكون محمد نسيبه وقريبه، وأما خديجة فمذ عاينت فضله رضيت به، وأما أنت فقد جلبت لنفسك عداوة بني هاشم على غير شئ، وإنهم ما يتركونك غير ساعة لا سيما (3) الاسد الهجوم، حمزة القضاء المحتوم، لا يصده عنك صاد، ولا يرده عنك راد، والله إن قبلت نصحي، وسرت معي إلي بني هاشم سألتهم أن يرفعوا عنك يد العداوة، وتزوج محمدا صلى الله عليه واله بخديجة (4)، والله ما تصلح إلا له، ولا يصلح إلا لها، فقال: يا أخي أخاف أن يهجموا بي ويقتلوني، فقال ورقة: ضمان هذا الامر علي، فلا تخف، فنهضا جميعا وسارا حتى دخلا على أولاد عبد المطلب، فوقفا على الباب وكان من الامر المقدر أن في ذلك الوقت كان أولاد عبد المطلب جالسين، و


(1) في المصدر بعد ذلك: فقال له خويلد: ما تشرب ؟ قال: من يقتل أخوه فكيف يشرب ؟ فقال خويلد: ومن يقتلني ؟ قال: أنت تقتل، قال خويلد: وكيف ذلك ؟ قال: والله لقد خلفت. (2) في المصدر: فان كنت فعلت ذلك فقد والله وجب عليك القتل: والصدق أوفى، وصاحبه انجى وأعفى، والله ما احد أكبر من محمد، انسيت. (3) في المصدر: غير ساعة، أو بعض ساعة، كل من يلقاك منهم قتلك، لا سيما. (4) في المصدر: وتزوج خديجة. بمحمد.

[ 63 ]

بينهم النبي صلى الله عليه واله، فنظر إليه حمزة وقال: يا قرة العين ما تقول (1) ؟ والله لئن أمرتني لآتينك في هذه الساعة برأس خويلد، فقال خويلد لورقة: اسمع يا أخي، فقال ورقة اسمع أنت، فقال، خويلد: دعني أرجع، قال ورقة: لا، وانظر الآن ما أصنع، دعنا نأتي إليهم فإنهم لا يبعدون، من يأتي إليهم، ثم إن ورقة قرع الباب فقال النبي صلى الله عليه واله: لقد جاءكم خويلد وأخوه ورقة، فقام حمزة فأدخلهم، ويد خويلد في يد ورقة، ونادى: نعمتم صباحا ومساء وكفيتم شر الاعداء، يا أولاد زمزم والصفا، فناداه أبو طالب: وأنت يا خويلد كفيت ما تحذر وتخشى، فانتهره حمزة وقال: لا أهلا ولا سهلا لمن طلب منا بعدا، وأرانا هجرا وصدا، قال خويلد: ما كان ذلك مني يا سيدي، وأنتم تعلمون أن خديجة وافرة العقل، مالكة نفسها، وإنما تكلمت بهذا الكلام حتى أسمع ما تقول، والآن عرفت أن المرأة فيكم راغبة (2)، فلا تؤاخذوني بما جرى، ونحن كما قال الشاعر: ومن عجب الايام إنك هاجري * وما زالت الايام تبدئ العجائبا وما لي ذنب أستحق به الجفا * وإن كان لي ذنب أتيتك تائبا والآن قد رضيت لرضاها، ولاجل القرابة والنسب، وقال: شعرا: عودوني الوصال فالوصل عذب * وارحموا فالفراق والهجر صعب زعموا حين عاينوا أن جرمى * فرط حبي لهم وما ذاك ذنب لا وحق الخضوع عند التلاقي * ما جزى من يحب أن لا يحب فقال عند ذلك حمزة: يا خويلد أنت عندنا عزيز كريم، ولكن ما كان يجوز منك إذا جئناك أن تبعدنا، فقال ورقة: إنا لنحب محمدا أشد محبة، ونحن على ما تقولون، ولكن اريد يا بني هاشم أن تكون هذه الخطبة في غداة غد على رؤوس الانام (3)، حتى


(1) ما فكرك ؟ وهو الموجود في المصدر. (2) في المصدر بعد ذلك: ولكم طالبة، وقد جئتكم لتقبلوا عذرى، وتغفروا ذنبي، والان يا أولاد عبد المطلب فان خديجة لكم محبة، وأنا أيضا موافق لها لاجل القرابة والنسابة، فلا تشتموا بنا الاعداء، قال: فقال حمزة: يا خويلد أنت عندنا عزيز كريم. (3) الاشهاد خ ل. وهو الموجود في المصدر.

[ 64 ]

يسمع الغائب والحاضر، فقال حمزة: لا نخالفكم فيما تقولون، فقال ورقة: اعلمكم أن أخي له لسان (1) لا يخلص به عند العرب، واريد أن يوكلني في أمر ابنته خديجة، حتى أصير أنا المجاوب، وأنتم تعلمون أنى قد قرأت سائر الكتب وعرفت (2) سائر الاديان، فقال حمزة: وكله يا خويلد على ذلك، فقال خويلد: اشهدكم يا أولاد هاشم أني قد وكلت أخي ورقة في أمر ابنتي خديجة، فقال ورقة: اريد أن يكون هذا الامر عند الكعبة، فساروا جميعا إلى الكعبة، فوجدوا العرب مجتمعين بين زمزم والمقام، وهم جماعات كثيرة، منهم (3) الصلت بن أبي يهاب، ولئيمة بن الحجاج، وهاشم بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعثمان بن مبارك (4) العميري، وأسد بن غويلب الدارمي، وعقبة بن أبي معيط، وامية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب (5)، فناداهم ورقة: نعمتم صباحا يا سكان حرم الله، فقالوا كلهم: أهلا وسهلا يا أبا البيان، فقال ورقة: يا معشر قريش، يا جميع من حضر أني أسألكم، ما تقولون في خديجة بنت خويلد ؟ فنطق العرب بأجمعهم فقالوا: بخ بخ، لقد ذكرت والله الشرف الاوفى، والنسب الاعلى، والرأي الا زكى، ومن لا يوجد لها نظير في نساء العرب والعجم، فقال: أتحمدون أن تكون بلا بعل ؟ فقالوا: ليس بواجب، وقد وجدنا الخطاب لها كثيرا، وهي تأبى، قال ورقة: يا سادات العرب ألا وإن هذا أخي قد وكلني في أمرها، وهي قد أمرتي ن أن ازوجها، وأعلمتني أن لها رغبة في سيد من سادات قريش، وسألتها أن تسميه لي، فأبت، واحب أن تسمعوا الوكالة منه، وأن تحضروا كلكم جميعا غداة غد في منزلها، فما تسعكم غير دارها، وكان لها دار واسعة تسع أهل مكة، فلما سمعوا كلامه لم يبق أحد منهم إلا يقول: أنا هو المطلوب، فقالوا:


(1) في المصدر: لشأن. (2) في المصدر: وفهمت. (3) في المصدر: مثل النضر بن الحارث، ومطعم بن عدى، والصلت بن أبى أهاب المخزومى. (4) في المصدر: مالك. (5) زاد في المصدر: وصفوان بن امية وسادات مكة، فلما أشرف ورقة وخويلد عليهم نادى ورقة: يا أولاد زمزم والصفا، ومن بهما يضرب الامثال في جميع الاقطار، فرغبوا العيب وقالوا أهلا. اه‍.

[ 65 ]

نعم الوكيل والكفيل أنت، فقال ورقة لاخيه خويلد: تكلم ما دامت السادات حاضرين، قال خويلد: اشهدكم يا سادات العرب على أني قد نزعت نفسي من أمر ابنتي خديجة، وجعلت وكيلي وكفيلي في هذا الامر أخي، فلا رأي فوق رأيه، ولا أمر فوق أمره، فقال ورقة: اسمعوا أيها السادات، وإنه غير مجنون ولا مجبور ولا مخمور، وإني ازوجها بمن شئت، فقال العرب: سمعنا وأطعنا وشهدنا، وخرج خويلد وقد ذهب حكمها من يده، وسار ورقة إلى منزل خديجة وهو فرح مسرور، فلما نظرت إليه قالت: مرحبا و أهلا بك يا عم، لعلك قضيت الحاجة، قال: نعم يا خديجة يهنئك، وقد رجعت أحكامك (1) إلي، فأنا وكيلك، وفي غداة غد ازوجك إن شاء الله تعالى بمحمد صلى الله عليه واله، فلما سمعت خديجة كلامه فرحت وخلعت عليه خلعة قد اشتراها عبدها ميسرة من الشام بخمس مأة دينار، فقال ورقة: لا ترغبيني في مثل هذا، فلست براغب فيه، وإنما الرغبة في شفاعة محمد صلى الله عليه واله، فقالت: لك ذلك، ثم قال لها: يا خديجة قومي هذه الساعة، وجهزي أمرك، وجملي منزلك، واخرجي ذخائرك، وعلقي ستورك، وانشري حللك، واكمدي عدوك، فما يدخر المال إلا لمثل هذا اليوم، واصنعي وليمة لا يعوزك (2) فيها شئ، فإن العرب في غداة غد يأتون كلهم إلى دارك، فلما سمعت منه ذلك نادت في عبيدها وجواريها، و أخرجوا الستور والمساند والوسائد والبسط المختلفة الالوان والحلل ذات الاثمان و العقود والقلائد ونشرت الرايات. وقد روت الرواة الذين شاهدوا تلك الليلة أن تلك العبيد والاماء الذين كانوا برسم الخدمة لحمل الآنية ثمانون عبدا، وذبحت (3) الذبائح، وعقرت العقائر، وعقدت الحلاوات من كل لون، وجمعت الفواكه من كل فاكهة، وقصد ورقة منزل أبي طالب فوجده وإخوته


(1) في المصدر: أمرك. (2) أعوزه المطلوب: أعجزه وصعب عليه نيله. (3) في المصدر: ولقد روت الرواة الذين كانوا شاهدوا تلك الليلة ذكروا أنه كان في منزل خديجة برسم الخدمة من الجوار والعبيد مائة وستون، والجوار الذي برسم الخدمة لا غير ستون، وكان لها من جملة الانية في البيت ثمانون هاونا من ذهب، وكان لها ما لا يحصى، وذبحت اه‍.

[ 66 ]

مجتمعين، فقال لهم: نعمتم صباحا ومساء، ما يحبسكم عن إصلاح أمركم، انهضوا في أمر خديجة، فقد صار أمرها بيدي، فجذا كان غداة غد إن شاء الله تعالى ازوجها بمحمد صلى الله عليه وآله (1)، فعندها قال محمد صلى الله عليه واله: لا أنسى الله لك ذلك يا ورقة، وجزاك فوق صنيعك معنا (2)، ثم قال أبو طالب: الآن والله طاب قلبي، وعلمت أن أخي قد بلغ المنى، وقام لعمل الوليمة وإخوته عنده، فعند ذلك اهتز العرش والكرسي، وسجد الملائكة وأوحى الله تعالى إلى رضوان خازن الجنان أن يزينها، ويصف الحور والولدان، ويهيأ أقداح الشراب، ويزين الكواعب والاتراب (3)، وأوحى إلى الامين جبرئيل عليه السلام، أن ينشر لواء الحمد على الكعبة، وتطاولت الجبال، وسبحت بحمد الملك المتعال، على ما خص به محمدا صلى الله عليه واله، وفرحت الارض، وباتت مكة تغلي بأهلها كما يغلي المرجل (4) على النار، فلما أصبحوا أقبلت الطوائف والاكابر والقبائل والعشائر، فلما دخلوا منزل خديجة وجدوها وقد أعدت لهم المساند والوسائد والكراسي والمراتب، وجعلت مجلس كل واحد منهم في مرتبته ومحله، فدخل أبو جهل لعنه الله وهو يختال (5) في مشيته وزينته، وقد أرخى ذوائبه من ورائه، وحمائل سيفه على منكبه، وقد أحدقت به بنو مخزوم، فنظر إلى صدر المجلس وقد نصب فيه كرسي عظيم، وتحته أحد عشر كرسيا، في أعلى مكان مصفوفا لم ير أحسن منها، فتقدم وأراد الجلوس على ذلك السرير العالي، فصاح به ميسرة وقال له: يا سيدي تمهل قليلا ولا تعجل، فقد وضعت منزلك عند بني مخزوم، فرجع هو خجلان، وجلس فما كان إلا قليلا وإذا بأصوات قد علت، والعرب قد تواثبت، وقد أقبل العباس (6)


(1) زاد في المصدر: وما فعلت ذلك الا محبة لابن أخيكم. (2) لنا خ ل. (3) كواعب: فتيات تكعبت ثديهن أي نتأت وبرزت. والاتراب: لدات قرينات، مفردها ترب، وفي الاصل الجارية التى تلعب مع نظائرها في التراب. (4) المرجل: القدر. (5) أي يتكبر، والمصدر: وهو يسحب أذياله، ويجر أطماره. (6) النبي والعباس خ ل.

[ 67 ]

وحمزة إلى جانبه، وسيفه مجرد من غمده، وأبو طالب يقدمهم، وحمزة يقول: يا أهل مكة الزموا الادب، وقللوا الكلام، وانهضوا على الاقدام، ودعوا الكبر، فإنه قد جاءكم صاحب الزمان (1) محمد المختار، من الملك الجبار، المتوج بالانوار، صاحب الهيبة والوقار، قد (2) ورد عليكم، فنظرت العرب وإذا بالنبي صلى الله عليه واله قد جاء، وهو معتم بعمامة سوداء، تلوح ضياء جبينه من تحتها، وعليه قميص عبد المطلب، وبردة الياس، وفي رجليه نعلان لجده عبد المطلب، وفي يده قضيب إبراهيم الخليل، متختم بخاتم من العقيق الاحمر، والناس محدقون به، ينظرون إليه، وقد أحاطت به عشيرته، وحمزة يحجبه عن أعين الناظرين، وقد شخصت إليه جميع المخلوقات والموجودات بالاشارة يسلمون عليه، وقد ذهلت العرب مما رأوا منه (3)، وقام كل قاعد منهم على قدميه، وجلس النبي صلى الله عليه واله وأعمامه في أعلى موضع ومكان، وهو المكان الذي نحي عنه أبو جهل وأصحابه، ولم يبق منهم جالس غير أبو جهل لعنه الله وأخزاه، وقال: إن كان الامر لخديجة لتأخذن محمدا (4)، فتقدم إليه حمزة كالاسد، وقبض على أطرافه (5)، وقال له: قم لاسلمت من النوائب، ولا نجوت من المصائب، فأخذ أبو جهل يده وضربها في قائم (6) سيفه، فسبقه حمزة، وقبض على يده حتى نبع الدم من تحت أطفاره، ووكزه الحارث وقال له: ويلك يا ابن هاشم ما أنت عديل من نهض إليك من جملة الناس، ورأيت أنك أشرف منهم، لئن لم تقعد لآخذ رأسك، فخاف الفتنة وسكت وظن أنه زوج خديجة (7)، فلما استقر بالناس الجلوس إذا (8)، بخويلد


(1) راعى الذمار، هذا محمد خ ل. (2) فقد خ ل، وفي المصدر: قد أقبل عليكم. (3) وقد ذهلت العقول مما رأوا منه، وخرست الالسن خ ل. (4) في المصدر: فنزل به الحسد وظهر به الكمد. (5) في المصدر: على أطواقه. (6) على قائم خ ل. (7) في المصدر: وخاف أن يكون خديجة قد علمت ما جرى عليه، لانه كان ممن يرجوا أن يتزوج بها. (8) وإذا خ ل وفي المصدر: وإذا بصرخة قد علت، فنظر الناس إليها وإذا بخويلد.

[ 68 ]

قد أقبل، ودخل على خديجة (1) وهي تحت حجابها، وقال: يا خديجة أين عقلك ؟ وأين سوددك ؟ أنا لم أرض لك بالملوك، ورددتهم كبرا عليهم، وترضين الآن لنفسك بصبي صغير فقير يتيم ليس له مال أبدا، قد كان لك أجيرا، وهذا اليوم يكون لك بعلا ؟ لا كان ذلك أبدا، والآن إن قبلتيه لاعلينك بهذا السيف، واليوم لا شك فيه تسفك الدماء، ونهض على قدميه وخرج كأنه مجنون حتى وقف على صدر المجلس وقال: يا معاشر العرب، ويا ذوي المعالي والرتب، اشهدكم على أني لم أرض محمدا لابنتي بعلا، ولو دفع لي وزن جبل أبي قبيس ذهبا، فما بيني وبينه إلا السيوف، فما مثلي من يخدع بشرب المدام، ثم قال: ولو أنها قالت: نعم لعلوتها * بشفرة حد (2) للجماجم فاصل فمن رام تزويج ابنتي بمحمد * وإن رضيت يا قوم لست بقابل قال: فلما سمع أعمام النبي صلى الله عليه واله كلامه والحاضرون قال حمزة لاخيه أبي طالب مع إخوته: ما بقي للجلوس موضع، قوموا بنا (3)، فبينا هم في ذلك إذ أقبلت جارية لخديجة، وأشارت إلى أبي طالب فقام معها، ووقف أبو طالب خلف الحجاب، فسلمت عليه خديجة، وقالت: نعمت صباحا ومساء، يا سيد الحرم، لا تغتر بشقشقة أبي، فإنه ينصلح بشئ قليل، ثم أعطته كيسا فيه ألفا دينار، وقالت: يا سيدي خذ هذا وسر به إليه، كأنك تعاتبه وصبه في حجره، فإنه يرضى، فسار أبو طالب والناس حاضرون، وقال له: يا خويلد ادن مني، قال: لا أدنو منك أبدا، قال: يا خويلد إنه كلام تسمعه، فإن لم يرضك فما أحد يقهرك، وفتح (4) أبو طالب الكيس وصبه في حجر خويلد، وقال له: هذه عطية من ابن أخي لك، غير مهر ابنتك، فلما رأى خويلد المال انطفت ناره، وأقبل ووقف في


(1) وقد صار معها خلق كثير خ. (2) عضب خ ل. قلت: حد السكين: تشحذت ورق حدها. والحد من السيف: مقطعه. و العضب: السيف القاطع. (3) زاد في المصدر: فما بقى قعود عند ثارات الفتن. (4) في المصدر: ثم دنا من أبي طالب، ففتح.

[ 69 ]

الموقف الاول على رؤوس الجمع ونادى بأعلى صوته: يا معاشر العرب، وذوي المعالي والرتب، فوالله ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء بأفضل من محمد، ولقد رضيته لابنتي بعلا وكفوا، فكونوا على ذلك من الشاهدين، ثم قال العباس وقال: يا معاشر العرب لم تنكرون الفضل لاهله، هل سقيتم الغيث إلا بابن أخي ؟ وهل اخضر زرعكم إلا به ؟ وكم له عليكم من أياد كتمتموها، ولزمتم له الحسد والعناد ؟ وبالله اقسم ما فيكم من يعادل صيانته ولا أمانته، واعلموا أن محمدا صلى الله عليه واله لم يخطب خديجة لمالها ولا جمالها، إن المال زائل وإلى نفاد، ثم إن خويلدا (1) أقبل وجلس إلى جانب رسول الله صلى الله عليه واله، وأمسك الناس عن الكلام حتى يسمعوا ما يقول خويلد، فقال خويلد: يا أبا طالب ما الانتظار عما طلبتم ؟ اقضوا الامر، فإن الحكم لكم، وأنتم الرؤوساء (2) والخطباء، والبلغاء والفصحاء، فليخطب خطيبكم، ويكون العقد لنا ولكم، فنهض أبو طالب وأشار إلى الناس أن انصتوا، فأنصتوا فقال: " الحمد لله الذي جعلنا من نسل إبراهيم الخليل، وأخرجنا من سلالة إسماعيل، وفضلنا وشرفنا على جميع العرب، وجعلنا في حرمه، وأسبغ علينا من نعمه، وصرف عنا شر نقمه (3)، وساق إلينا الرزق من كل فج عميق، ومكان سحيق، والحمد لله على ما أولانا، وله الشكر على ما أعطانا، وما به حبانا وفضلنا على الانام، وعصمنا عن الحرام، وأمرنا بالمقاربة والوصل، وذلك ليكثر (4) منا النسل، وبعد فاعلموا يا معاشر من حضر، أن ابن أخينا محمد بن عبد الله خاطب كريمتكم الموصوفة بالسخاء والعفة، وهي فتاتكم المعروفة، المذكور فضلها، الشامخ (5) خطبها، وهو قد خطبها من أبيها خويلد على ما يحب من المال ".


(1) في المصدر: اعلموا أن المال يزول، والفخر لا يزول، فلا تظهروا الشر، ولا تطلبوا الفكر، قال: وكان قد ألجمهم بلجام واسكتهم من الكلام، قال: ثم ان خويلد اه‍. (2) في المصدر: يا أبا طالب ما الذي يؤخركم عما انتم له طالبون، افصلوا الامر، فلكم الحكم وأنتم الاحباء، ولابن أخيكم الرضى وانتم الرؤساء اه‍. (3) زاد في المصدر: وجعلنا في الباد القفر. (4) سقط من نسختي الانوار من قوله: وذلك ليكثر إلى قوله: وفي رجليها خلخالان من الذهب. (5) الشائع خ ل قلت: الخطب: الشأن.

[ 70 ]

ثم نهض ورقة وكان إلى جانب أخيه خويلد وقال: نريد مهرها المعجل دون المؤجل أربعمائة ألف (1) دينار ذهبا، ومأة (2) ناقة سود الحدق، حمر الوبر، وعشر حلل، وثمانية وعشرين عبدا وأمة، وليس ذلك بكثير علينا (3)، قال له أبو طالب: رضينا بذلك، فقال خويلد: قد رضيت وزوجت خديجة بمحمد على ذلك، فقبل النبي صلى الله عليه واله عقد النكاح، فنهض عند ذلك حمزة وكان معه دراهم فنثرها على الحاضرين، وكذلك أصحابه، فقام أبو جهل لعنه الله وقال: يا قوم رأينا الرجال يمهرون النساء أم النساء (4) يمهرون الرجال ؟ فنهض أبو طالب رضي الله عنه، وقال: ما لك يا لكع (5) الرجال، ويا رئيس الارذال ؟ مثل محمد صلى الله عليه واله يحمل إليه ويعطى، ومثلك من يهدي ولا يقبل منه، ثم سمع الناس مناديا ينادي من السماء: إن الله تعالى قد زوج بالطاهر الطاهرة، وبالصادق الصادقة، ثم رفع الحجاب، وخرجت منه جوار بأيديهن نثار ينثرن على الناس، وأمر الله عزوجل جبرئيل أن يرسل على الناس الطيب على البر والفاجر، فكان الرجل يقول لصاحبه: من أين لك هذا الطيب ؟ فيقول: هذا من طيب محمد، ثم نهض الناس إلى منازلهم، ومضى رسول الله صلى الله عليه واله إلى منزل عمه أبي طالب رضي الله عنه، وأعمامه حوله، وهو كالقمر، فاجتمعت نسوان قريش ونسوان بني عبد المطلب وبني هاشم في دار خديجة، والفتيان (6) يضربن الدفوف، وبعثت خديجة من يومها أربعة آلاف دينار إلى رسول الله صلى الله عليه واله، وقالت: يا سيدي انفذها إلى عمك العباس ينفذها إلى أبي، وأرسلت مع المال خلعة سنية، فسار بها العباس وأبو طالب إلى منزل خويلد وألبساه الخلعة، فقام خويلد من وقته وساعته إلى دار خديجة، وقال: يا بنتي ما الانتظار بالدخول ؟ جهزي نفسك، فهذا مهرك قد أتوا به إلي، وأعطوني هذه الخلعة، والله


(1) أربعة آلاف خ ل، ولعله الصحيح كما يأتي بعد ذلك. (2) ألف خ ل. (3) عليكم خ ل. (4) وما رأينا النساء خ ل. (5) اللكع: اللئيم. الاحمق. (6) القينات خ ل صح. أقول: هي جمع القينة: الامة المغنية.

[ 71 ]

ما تزوج أحد بزوج مثلك، لا في الحسن ولا في الجمال، فسمع أبو جهل ذلك فقام في الناس يقول: هذا المال من عند خديجة، فبلغ الخبر أبا طالب فخرج من وقته وساعته متقلدا سيفه، ووقف في الابطح والعرب مجتمعون، وقال: يا معاشر العرب سمعنا قول قائل وعيب عائب، فإن كانت النساء قد أقمن بواجب حقنا فليس ذلك بعيب، وحق لمحمد أن يعطى ويهدى إليه، فهذا جرى منها على رغم أنف من تكلم، وتكلم (1) بعض قريش من المبغضين بالازراء على خديجة حيث تزوجها محمد صلى الله عليه واله، وبلغ الخبر إلى خديجة فصنعت طعاما ودعت نساء المبغضين، فلما اجتمعن وأكلن قالت لهن: معاشر النساء بلغني أن بعولتكن عابوا علي فيما فعلته من أني تزوجت محمدا، وأنا أسألكم هل فيكم مثله، أو في بطن مكة شكله من جماله (2) وكماله وفضله وأخلاقه الرضية ؟ وأنا قد أخذته لاجل ما قد رأيت منه، وسمعت منه أشياء ما أحد رآها، فلا يتكلم أحد فيما لا يعنيه (3)، فكف كل منهن (4) عن الكلام. ثم إن خديجة قالت لعمها ورقة: خذ هذه الاموال وسر بها إلى محمد صلى الله عليه واله وقل له: إن هذه جميعها هدية له، وهي ملكه يتصرف فيها كيف شاء، وقل له: إن مالي وعبيدي وجميع ما أملك وما هو تحت يدي فقد وهبته لمحمد صلى الله عليه واله إجلالا وإعظاما له، فوقف ورقة بين زمزم والمقام ونادى بأعلى صوته: يا معاشر العرب إن خديجة تشهدكم على أنها قد وهبت نفسها ومالها وعبيدها وخدمها وجميع ما ملكت يمينها والمواشي والصداق والهدايا لمحمد صلى الله عليه واله، وجميع ما بذل لها مقبول منه، وهو هدية منها إليه إجلالا له وإعظاما ورغبة فيه، فكونوا عليها من الشاهدين، ثم سار ورقة إلى منزل أبي طالب رضي الله عنه، وكانت خديجة قد بعثت جارية ومعها خلعة سنية، وقالت: ادخليها إلى محمد صلى الله عليه واله، فإذا دخل عليه عمي ورقة يخلعها عليه ليزداد فيه حبا، فلما دخل ورقة عليهم قدم المال إليهم،


(1) وتكلمت بعض نساء قريش خ ل. (2) في جماله خ ل. (3) من عنى الامر فلانا: شغله وأهمه. (4) منهم خ ل.

[ 72 ]

وقال: الذي قالته خديجة، فقام النبي صلى الله عليه واله وأفرغ عليه الخلعة، وزاده خلعة اخرى، فلما خرج ورقة تعجب الناس من حسنه وجماله، ثم أخذت خديجة في جهازها، واعتدت صوافي (1) الذهب والفضة، وفيها الطيب والمسك والعنبر، فلما كانت الليلة الثالثة دخل عليها عمات النبي صلى الله عليه واله واجتمع السادات والاكابر في اليوم الثالث كعادتهم، ونهض العباس وهو يقول: أبشروا بالمواهب آل (2) فهر وغالب ! * افخروا يا آل قومنا بالثناء (3) والرغائب شاع في الناس فضلكم وعلى (4) في المراتب * قد فخرتم بأحمد زين كل الاطايب فهو كالبدر نوره مشرق (5) غير غائب * قد ظفرتي خديجة بجليل المواهب بفتى هاشم الذي ماله من مناسب * جمع الله شملكم فهو رب المطالب أحمد سيد الورى خير ماش وراكب * فعليه الصلاة ما سار عيس (6) براكب ثم إن خديجة قالت: اعلموا أن شأن محمد صلى الله عليه واله عظيم، وفضله عميم، وجوده جسيم، ثم نثرت عليهن (7) من المال والطيب ما دهش الحاضرين، وشجر طوبى تنثر في الجنة على الحور العين، فجعلن يلتقطن النثار، ثم يتهادينه، ثم إن خديجة أنفذت إلى أبي طالب غنما كثيرا ودنانير ودراهم وثيابا وطيبا، وعمل أبو طالب وليمة عظيمة، ووقف النبي صلى الله عليه واله وشد وسطه، وألزم نفسه خدمة جميع الناس، وأقام لاهل مكة الوليمة ثلاثة أيام، وأعمام النبي صلى الله عليه واله تحته في الخدمة، وأنفذت خديجة إلى الطائف وغيره، ودعت أهل الصنايع إلى منزلها، وصاغت المصاغ والحلي، وفصلت الثياب، وعملت الشمع بالعنبر


(1) صواني خ ل. (2) يا آل خ ل. (3) بالسناء خ ل. (4) علا خ ل. (5) طالع خ ل. (6) العيس: الابل البيض يخالط بياضها سواد خفيف. كرام الابل. (7) عليهم خ ل.

[ 73 ]

على هيئة الاشجار (1)، وأجرت عليه الذهب، وعملت فيه التماثيل من المسك والعنبر، ولم تزل تعمل في شغل العرس ستة أشهر حتى فرغت من جميع ما تحتاج إليه، وعلقت ستور الديباج المطرز (2)، ونقشت فيها صورة الشمس والقمر، وفرشت المجالس، ووضعت المساند والوسائد من الديباج والخز، وفرشت لرسول الله صلى الله عليه واله مجلسا على سرير تحت الابريسم والوشي (3)، والسرير من العاج والآبنوس، مصفح بصفائح الذهب الوهاج (4)، وألبست جواريها وخدمها ثياب الحرير والديباج المختلفات الالوان، ونظمت شعورهن باللؤلؤ والمرجان، وسورتهن (5)، ووضعت في أعناقهن قلائد الذهب، وأوقفت الخدم (6) بأيديهن المجامر من الذهب، وفيها الطيب والعنبر والبخور من العود والند (7)، و جعلت في يد كل واحدة من الخدم مراوح منقوشة بالذهب، مقصبة (8) بالفضة، وأوقفتهن عند مجلس رسول الله صلى الله عليه واله، ودفعت إلى بعضهن الدفوف والشموع، ونصبت في وسط الدار شمعا كثيرا على أمثال النخيل، فلما فرغت من ذلك دعت نسوان أهل مكة جميعهن فأقبلن إليها، ورفعت مجلس عمات النبي صلى الله عليه واله، ثم أرسلت إلى أبي طالب ليحضر وقت الزفاف، فلما كان تلك الليلة أقبل النبي صلى الله عليه واله بين أعمامه، وعليه ثياب من قباطي (9) مصر، و عمامة حمراء، وعبيد بني هاشم بأيديهم الشموع والمصابيح، وقد كثر الناس في شعاب مكة ينظرون إلى محمد صلى الله عليه وآله، ومنهم من وقف على السرادقات والنور يخرج من بين ثناياه (10)


(1) الشجر خ ل. (2) المسطر خ ل. (3) الوشى: الثياب المنقشة. (4) الوهاج: شديد الوهج. والوهج: اتقاد النار أو الشمس. (5) أي ألبستهن السوار. والسوار: حلية كالطوق تلبسها المرأة في زندها أو معصمها. (6) الخدام خ ل. (7) المسك خ ل. أقول: الند: عود يتبخر به. (8) مقضبة خ ل مفصصة خ ل. (9) القباطي بتشديد الياء وتخفيفها جمع القبطية بضم القاف وكسرها: ثياب من كتان منسوبة إلى القبط. (10) ثيابه خ ل.

[ 74 ]

ومن جبينه ومن تحت ثيابه، فلما وصلوا إلى دار خديجة دخل هو صلوات الله عليه وآله وهو كأنه القمر في تمامه، قد خرج من الافق، وأعمامه محدقون به كأنهم اسود الشرى (1)، في أحسن زينة وفرحة، يكبرون الله ويحمدونه على ما وصلوا إليه من الكرامة، فدخلوا جميعا إلى دارها، وجلس النبي صلى الله عليه واله في المجلس الذي هيئ له في دار خديجة رضي الله عنها، ونوره قد علا نور المصابيح، فذهلت النساء مما رأين من حسنه وجماله، ثم هيئوا خديجة للجلاء (2)، فخرجت أول مرة وعليها ثياب معمدة (3)، وعلى رأسها تاج من الذهب الاحمر، مرصع بالدر والجوهر، وفي رجليها خلخالان من الذهب، منقوش بالفيروزج، لم تر الاعين له نظيرا، وعليه قلائد لا تحصى من الزمرد والياقوت، فلما برزت ضربن النساء الدفوف. وجعلت بعض النساء تقول: شعرا: أضحى الفخار لنا وعز الشأن * ولقد فخرنا يا بني العدنان (4) أخديجة نلت العلا (5) بين الورى * وفخرت فيه جملة الثقلان أعني محمدا الذي لا مثله * ولد النساء في سائر الازمان فيه (6) المكارم والمعالي والحيا * ما ناحت الاطيار في الاغصان صلوا عليه وسلموا وترحموا * فهو المفضل من بني عدنان فتطاولي فيه خديجة ! واعلمي * أن قد خصصت بصفوة الرحمان ثم أقبلن بها نساء بني هاشم للجلوة الثانية على رسول الله صلى الله عليه واله، وقد أشرق من نور وجهها نور علا على جميع المصابيح والشموع، فتعجبت منها بنات عبد المطلب حتى زاد فيها نور لم يرى الراؤون مثله، وذلك فضل لرسول الله صلى الله عليه واله وعطية من الله تعالى لها،


(1) الشرى: مأسدة جانب الفرات يضرب بها المثل. (2) من جلا العروس على زوجه: عرضها عليه مجلوة. (3) مغمدة خ ل. (4) ولقد سمونا في بنى عدنان خ ل صح. (5) بيت العلا فينا ونعلو في الورى * وتقاصرت عن مجدك الثقلان خ ل. (6) فله خ ل.

[ 75 ]

وأقبلوا بها، وقد فاقت على جميع من حضر، وعليها سقلاط أبيض (1) مذهب، مرصع بالجوهر الاحمر والاخضر والاصفر، ومن كل الالوان، وكانت خديجة امرأة طويلة شامخة عريضة من النساء بيضاء لم ير في عصرها ألطف منها، ولا أحسن، وخرجت بين يديها صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها، وقالت شعرا: جاء السرور مع الفرح * ومضى النحوس مع الترح أنوارنا قد أقبلت * والحال فيها قد نجح بمحمد المذكور في * كل المفاوز والبطح لو أن يوازن أحمد * بالخلق كلهم رجح ولقد بدا من فضله * لقريش أمر قد وضح ثم السعود لاحمد * والسعد عنه ما برح بخديجة نبت الكمال (2) * وبحر نايلها طفح يا حسنها في حليها * والحلم منها ما برح (3) هذ النبي (4) محمد * ما في مدائحه كلح (5) صلوا عليه تسعدوا * والله عنكم قد صفح ثم أقبلن بها رضي الله عنها حتى أوقفوها بين يدي النبي صلى الله عليه واله، ثم بعد ذلك أخذوا التاج ورفعوه من رأسها، ووضعوه على رأس النبي صلى الله عليه واله، ثم أتوا بالدفوف وهن يضربن لها، وقلن لها: يا خديجة لقد خصصت هذه الليلة بشئ ما خص به غيرك، ولا ناله سواك من قبائل العرب والعجم، فهنيئا لك بما اوتيته، ووصل إليك من العز والشرف، وخرجت في الجلوة الثالثة، وعليها ثوب (6) أصفر، وعليها حلي وجوهر، وقد أضاء الموضع


(1) أسود خ ل. (2) خص الكريم خ ل. (3) متضح خ ل. (4) الامين خ ل. (5) الكلح: العبوس والقبح. (6) في ثوب خ ل وهو الموجود في المصدر.

[ 76 ]

من لمعان ذلك الجوهر الذي في وسط الاكليل، وفي آخر الاكليل ياقوتة حمراء تضئ، وقد أشرقت الدار من ذلك الجوهر (1) ومن نورها وحسنها، وأقبلت بين يديها صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها، وهي تقول: شعرا: أخذ الشوق موثقات الفؤاد * وألقت السهاد (2) بعد الرقاد فليالي اللقا بنور التداني * مشرقات خلاف طول البعاد فزت بالفخر يا خديجة إذ نلت * من المصطفى عظيم الوداد فغدا (3) شكره على الناس فرضا * شاملا كل حاضر ثم بادي كبر الناس والملائك جمعا * جبرئيل لدى السماء ينادي فزت يا أحمد بكل الاماني * فنحى الله عنك أهل العناد فعليك الصلاة ما سرت (4) العيس * وحطت لثقلها في البلاد قال: ثم بعد ذلك أجلسوها مع النبي صلى الله عليه واله وخرج جميع الناس عنها، وبقي عندها في أحسن حال، وأرخى بال، ولم يأخذ عليها أحدا من النساء حتى ماتت بعد ما بعث صلوات الله عليه وآله، وآمنت به، وصدقته وانتقلت إلى جنات عدن في أعلى عليين من قصور الجنة (5). أقول: وفي بعض النسخ بعد الابيات: وخلا رسول الله صلى الله عليه واله مع عروسه، وأوحى الله إلى جبرئيل: أن اهبط إلى الجنة، وخذ قبضة من مسكها، وقبضة من عنبرها، وقبضة من كافورها، وانثرها على جبال مكة، ففعل فامتلات شعاب مكة وأوديتها ومنازلها وطرقها


(1) في المصدر: من الجواهر ومن لونها ومن نورها وحسنها وجمالها. أقول: ومن نورها أي من نور خديجة رضى الله عنها. (2) في النسخ المطبوعة: وألفت السهار، والسهاد والسهار قريب في المعنى. يقال: سهد أي ذهب عنه النوم. وسهر أي لم ينم ليلا. (3) أي فصار. (4) سارت خ ل. (5) الانوار ومفتاح السرور والافكار: نسخة مخطوطة موجودة في مكتبتي، فيها زيادات أوردت بعضها في الذيل.

[ 77 ]

من ذلك الطيب، حتى أن الرجل يقول إذا خلا مع زوجته: ما هذا الطيب ؟ فتقول: هذا من طيب خديجة ومحمد صلى الله عليه واله. توضيح: المزمم: هو الذي شد عليه الزمام، وهو الذي يقاد به البعير. والعقيان من الذهب: الخالص. والارقال: ضرب من العدو، وفي بعض النسخ بالفاء من قولهم: فلان يرفل في مشيته، أي يتبختر. والاغضاء: إدناء الجفون. وباح بسره: أظهره. والجوى: الحرقة، وشدة الوجد من عشق أو حزن. والصبوة: الميل إلى الجهل. والمراس بالكسر: الشدة والقوة. ويقال: لفت وجهه أي صرفه. والصبابة: رقة الشوق وحرارته. ولوعة الحب: حرقته. والكمد بالتحريك: الحزن المكتوم. والحجفة: الترس. والوغد: الرجل الذي يخدم بطعام بطنه. والنذل: الخسيس والثلب: التصريح بالعيب والتنقص. والتغمغم: الكلام لا يبين. وأغرم بالشئ: أولع به. وخطر الرجل في مشيته: رفع يديه ووضعهما. وجفل: أسرع. والجافل: المنزعج. والغزالة: الشمس. والتيار (1): الموج، ويقال: قطع عرقا تيارا، أي سريعة الجري، واعتكر الليل، وأعكر: اشتد سواده. والهيف بالتحريك: ضمر البطن والخاصرة. وفرس هيفاء: ضامرة. والسحيق: البعيد. والسقلاط: شئ من صوف تلقيه المرأة على هودجها، أو ثياب ككتان موشية، وكان وشيه خاتم. والعيس بالكسر: الابل البيض يخالط بياضها شئ من الشقرة. أقول: إنما أوردت تلك الحكاية لاشتمالها على بعض المعجزات والغرائب، وإن لم نثق بجميع ما اشتملت عليه، لعدم الاعتماد على سندها (2)، كما أومأنا إليه، وإن كان مؤلفه من الافاضل والاماثل. 20 - د: في الدر: إن فاطمة عليها السلام ولدت بعد ما أظهر الله نبوة أبيها صلى الله عليه واله


(1) في المطبوع: كشداد. (2) جل روايات الواردة فيها مرسلات لم يعلم مأخذها، وهي بقصص العامة أشبه، وأما المؤلف فقد عرفت قبلا الشك في كونه من مشايخ الشهيد بل هو متقدم عليه وعلى ابن تيمية المتوفى سنة 728، وعلى أي فالرجل مجهول لا نعرف شيئا من حاله غير ما قدمناه في اول الحكاية.

[ 78 ]

بخمس سنين، وقريش تبني البيت (1)، وروي أنها ولدت عليها السلام في جميدى الآخرة يوم العشرين منه، سنة خمس وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه واله. في المناقب روي أن فاطمة عليها السلام ولدت بمكة بعد المبعث بخمس سنين، وبعد الاسرى بثلاث سنين في العشرين من جميدى الآخرة، وولدت الحسن عليه السلام ولها اثنتا عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة سنة بعد الهجرة (2)، وكان بين ولادتها الحسن وبين حملها بالحسين عليه السلام خمسون يوما. وروي أنها ولدت خمس سنين قبل ظهور الرسالة (3)، ونزول الوحي، وقيل: بينا النبي صلى الله عليه واله جالس بالابطح ومعه عمار بن ياسر، والمنذر بن الضحضاح، وأبو بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب، إذ هبط عليه جبرئيل عليه السلام في صورته العظمى، قد نشر أجنحته حتى أخذت من المشرق إلى المغرب، فناداه: يا محمد العلي الاعلى يقرء عليك السلام، وهو يأمرك أن تعتزل عن خديجة أربعين صباحا، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه واله، وكان لها محبا وبها وامقا (4)، قال: فأقام النبي صلى الله عليه وآله أربعين يوما، يصوم النهار، ويقوم الليل، حتى إذا كان في آخر أيامه تلك بعث إلى خديجة بعمار بن ياسر وقال قل لها: يا خديجة لا تظني أن انقطاعي عنك ولا قلي (5)، ولكن ربي عزوجل أمرني بذلك لتنفذ أمره، فلا تظني يا خديجة إلا خيرا، فإن الله عزوجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مرارا، فإذا جنك الليل فأجيفي (6) الباب، وخذي مضجعك من فراشك، فإني في منزل فاطمة بنت أسد، فجعلت خديجة تحزن في


(1) قد عرفت سابقا ان بناء البيت كان قبل مبعثه صلى الله عليه وآله. نعم ذكر ذلك ايضا ابن الخشاب في كتابه. (2) أي وقيل: ولدت الحسن بعد الهجرة، ولها إحدى عشرة سنة. (3) ذلك قول العامة، وسيأتي الخلاف في ولالتها وبيان أقوى الاقوال في باب ولادتها في المجلد العاشر على ترتيب المصنف. (4) الوامق: المحب. (5) هجرة ولا قلى خ ل، أقول: أي ولا غضب. (6) قال الجوهري: أجفت الباب: رددته. منه رحمه الله.

[ 79 ]

كل يوم مرارا لفقد رسول الله صلى الله عليه واله، فلما كان في كمال الاربعين هبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد العلي الاعلى يقرئك السلام، وهو يأمرك أن تتأهب لتحيته وتحفته، قال النبي صلى الله عليه واله: يا جبرئيل وما تحفة رب العالمين ؟ وما تحيته ؟ قال: لا علم لي، قال: فبينا النبي صلى الله عليه واله كذلك إذ هبط ميكائيل ومعه طبق مغطى بمنديل سندس، أو قال: إستبرق، فوضعه بين يدي النبي صلى الله عليه واله، وأقبل جبرئيل عليه السلام وقال: يا محمد يأمرك ربك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام، فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: كان النبي صلى الله عليه واله إذ أراد أن يفطر أمرني أن افتح الباب لمن يرد إلى الافطار، فلما كان في تلك الليلة أقعدني النبي صلى الله عليه واله على باب المنزل، وقال: يا بن أبي طالب إنه طعام محرم إلا علي، قال علي عليه السلام: فجلست على الباب وخلا النبي صلى الله عليه واله بالطعام، وكشف الطبق، فإذا عذق (1) من رطب، وعنقود من عنب، فأكل النبي صلى الله عليه واله منه شبعا، وشرب من الماء ريا، ومد يده للغسل فأفاض الماء عليه جبرئيل، وغسل يده ميكائيل، وتمند له إسرافيل، وارتفع فاضل الطعام مع الاناء إلى السماء، ثم قام النبي صلى الله عليه واله ليصلي فأقبل عليه جبرئيل، وقال: الصلاة محرمة عليك في وقتك حتى تأتي إلى منزل خديجة فتواقعها، فإن الله عزوجل آلى (2) على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرية طيبة، فوثب رسول الله صلى الله عليه واله إلى منزل خديجة، قالت خديجة رضوان الله عليها: وكنت قد ألفت الوحدة، فكان إذا جنتني الليل غطيت رأسي، وأسجفت (3) ستري، وغلقت بأبي، وصليت وردي (4)، واطفأت مصباحي، وآويت إلى فراشي، فلما كان في تلك الليلة لم أكن بالنائمة ولا بالمنتبهة إذ جاء النبي صلى الله عليه وآله فقرع الباب، فناديت: من هذا الذي يقرع حلقة لا يقرعها إلا محمد صلى الله عليه واله ؟ قالت خديجة: فنادى النبي صلى الله عليه واله بعذوبة كلامه وحلاوة منطقه: افتحي يا خديجة فإني محمد، قالت خديجة: فقمت فرحة مستبشرة بالنبي صلى الله عليه واله، وفتحت الباب، ودخل


(1) العذق بالكسر: عنقود العنب والرطب، يقال بالفارسية: " خوشه ". (2) أي حلف. (3) قال الجوهري: اسجفت الستر: أرسلته. منه. (4) الورد: الصلاة، أو الجزء من القرآن يقوم به الانسان كل ليلة.

[ 80 ]

النبي المنزل، وكان صلى الله عليه واله إذا دخل المنزل دعا بالاناء فتطهر للصلاة، ثم يقوم فيصلي ركعتين يوجز فيهما، ثم يأوي إلى فراشه، فلما كان في تلك الليلة لم يدع بالاناء، ولم يتأهب بالصلاة (1) غير أنه أخذ بعضدي، وأقعدني على فراشه، وداعبني ومازحني، و كان بيني وبينه ما يكون بين المرأة وبعلها، فلا والذي سمك السماء وأنبع الماء ما تباعد عني النبي صلى الله عليه واله حتى حسست بثقل فاطمة في بطني. وفيه عن المفضل بن عمر قال: قلت لابي عبد الله بن جعفر بن محمد عليهما السلام: كيف كانت ولادة فاطمة عليها السلام ؟ قال: نعم، إن خديجة عليها رضوان الله لما تزوج بها رسول الله صلى الله عليه واله هجرتها نسوة مكة، فكن لا يدخلن عليها ولا يسلمن عليها ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة من ذلك، فلما حملت بفاطمة عليها السلام صارت تحدثها في بطنها وتصبرها، وكانت خديجة تكتم ذلك عن رسول الله صلى الله عليه واله، فدخل يوما وسمع خديجة تحدث فاطمة، فقال لها: يا خديجة من يحدثك ؟ قالت: الجنين الذي في بطني يحدثني ويؤنسني، فقال لها: هذا جبرئيل يبشرني أنها انثى، وأنها النسمة الطاهرة الميمونة، وأن الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمة في الامة، يجعلهم خلفاءه في أرضه بعد انقضاء وحيه، فلم تزل خديجة رضي الله عنها على ذلك إلى أن حضرت ولادتها، فوجهت إلى نساء قريش ونساء بني هاشم يجئن ويلين منها ما تلي النساء من النساء، فأرسلن إليها عصيتينا ولم تقبلي قولنا، وتزوجت محمدا يتيم أبي طالب فقيرا لا مال له، فلسنا نجئ ولا نلي من أمرك شيئا، فاغتمت خديجة لذلك، فبينا هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة طوال كأنهن من نساء بني هاشم، ففزعت منهن، فقالت لها إحداهن: لا تحزني يا خديجة، فإنا رسل ربك إليك، ونحن أخواتك: أنا سارة، وهذه آسية بنت مزاحم، وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران، وهذه صفراء (2) بنت شعيب، بعثنا الله تعالى إليك لنلي من أمرك ما تلي النساء من النساء، فجلست واحدة عن يمينها، والاخرى عن يسارها، والثالثة من بين يديها، والرابعة من خلفها، فوضعت خديجة فاطمة عليها السلام طاهرة مطهرة، فلما سقطت إلى


(1) للصلاة خ ل. (2) تقدم في باب أحوال موسى عليه السلام الخلاف في اسمها وانها الصفوراء أو الصفراء.

[ 81 ]

الارض أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الارض ولا غربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور، فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها فغسلتها بماء الكوثر، وأخرجت خرقتين بيضاوين أشد بياضا من اللبن، وأطيب رائحة من المسك والعنبر، فلفتها بواحدة، وقنعتها بالاخرى، ثم استنطقتها فنطقت فاطمة عليها السلام بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن أبي رسول الله صلى الله عليه واله سيد الانبياء، وأن بعلي سيد الاوصياء، وأن ولدي سيد الاسباط، ثم سلمت عليهن، وسمت كل واحدة منهن باسمها، وضحكن إليها وتباشرت (1) الحور العين، وبشر أهل الجنة بعضهم بعضا بولادة فاطمة عليها السلام، وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك اليوم، فلذلك سميت الزهراء عليها السلام، و قالت: خذيها يا خديجة طاهرة مطهرة زكية ميمونة، بورك فيها وفي نسلها، فتناولتها خديجة عليها السلام فرحة مستبشرة، فألقمتها ثديها، فشربت فدر عليها، وكانت عليها السلام تنمي في كل يوم كما ينمي الصبي في شهر، وفي شهر كما ينمي الصبي في سنة، صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها (2). كتاب الدر النظيم مثل ما مر من الروايات كلها (3). أقول: سيأتي أحوال فاطمة صلوات الله عليها وولادتها في المجلد العاشر، وأحوال سائر أولاد خديجة رضي الله عنها في باب أحوال أولاد النبي صلى الله عليه واله.


(1) وتباشرن خ ل. (2) العدد: مخطوط، ليست نسخته موجودة عندي. (3) الدر النظيم: ليست نسخته موجودة عندي.

[ 82 ]

* (باب 6) * * (أسمائه صلى الله عليه وآله وعللها، ومعنى كونه صلى الله عليه و * (آله اميا وانه كان عالما بكل لسان، وذكر خواتيمه ونقوشها) * * (وأثوابه وسلاحه، ودوابه وغيرها مما يتعلق) * * (به صلى الله عليه وآله) * الايات: الاعراف " 7 ": الذين يتبعون الرسول النبي الامي 157. وقال: فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي 158. التوبة " 9 ": لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم 128. هود " 11 ": إنني لكم منه نذير وبشير 2. العنكبوت " 29 ": وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون 48. الاحزاب " 33 ": يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا 45 و 46. الفتح " 48 ": محمد رسول الله 29. المزمل " 73 ": يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا 1 و 2. المدثر " 74 ": يا أيها المدثر * قم فأنذر 1 و 2. * تفسير: قال الطبرسي رحمه الله الامي ذكر في معناه أقوال:


وها هنا ايات اخرى لم يذكره المصنف، منها في سورة آل عمران 143: " وما محمد الا رسول ". وفي سورة الاحزاب 40: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ". وفي سورة محمد 2: " وآمنوا بما نزل على محمد ". وفي سورة الصف 6: " ومبشروا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ". بل مقتضى ما يذكر من الروايات وتأويلها أن يذكر آيات اخرى كقوله تعالى: " طه " و " حم " و " يس " و " النجم " و " الشمس وضحيها " و " التين والزيتون " و " ذكرا رسولا " و " ن والقلم " و " عبد الله " وغير ذلك مما سيمر بك.

[ 83 ]

أحدها الذي لا يكتب ولا يقرء. وثانيها: أنه منسوب إلى الامة، والمعنى أنه على جبلة الامة قبل استفادة الكتابة، وقيل: إن المراد بالامة العرب لانها لم تكن تحسن الكتابة. وثالثها: أنه منسوب إلى الام، والمعنى أنه على ما ولدته امه قبل تعلم الكتابة. ورابعها: أنه منسوب إلى ام القرى وهو مكة، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (1). وفي قوله: " ما عنتم ": شديد عليه عنتكم، أي ما يلحقكم من الضرر بترك الايمان (2). وفي قوله تعالى: " إذا لارتاب المبطلون ": أي ولو كنت تقرء كتابا أو تكتبه لوجد المبطلون طريقا إلى الشك في أمرك (3)، ولقالوا: إنما يقرء علينا ما جمعه من كتب الاولين، قال السيد المرتضى قدس الله روحه: هذه الآية تدل على أن النبي صلى الله عليه واله ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة، فأما بعدها فالذي نعتقده في ذلك التجويز لكونه عالما بالقرائة والكتابة، والتجويز لكونه غير عالم بهما من غير قطع على أحد الامرين، وظاهر الآية يقتضي أن النفي قد تعلق بما قبل النبوة دون ما بعدها، ولان التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوة، لان المبطلين إنما يرتابون في نبوته صلى الله عليه واله لو كان يحسن الكتابة قبل النبوة، فأما بعد النبوة فلا تعلق له بالريبة والتهمة، فيجوز أن


(1) مجمع البيان 4: 487. (2) مجمع البيان 5: 86. (3) في المصدر بعد ذلك: وإلقاء الريبة لضعفة الناس في نبوتك، ولقالوا: إنما تقرأ علينا ما جمعته من كتب الاولين، فلما ساويتهم في المولد والمنشأ ثم أتيت بما عجزوا عنه وجب أن يعلموا أنه من عند الله تعالى، وليس من عندك، إذ لم تجر العادة أن ينشأ الانسان بين قوم يشاهدون أحواله من صغره إلى كبره ويرونه في حضره وسفره لا يتعلم شيئا من غيره ثم يأتي من عنده بشئ يعجز الكل عنه وعن بعضه، ويقرأ عليهم أقاصيص الاولين. قال الشريف الاجل المرتضى قدس الله روحه اه‍.

[ 84 ]

يكون قد تعلمها من جبرئيل عليه السلام بعد النبوة (1). وقال البيضاوي: " المزمل " أصله المتزمل، من تزمل بثيابه: إذا تلفف بها، سمي به النبي صلى الله عليه واله تهجينا لما كان عليه، لانه كان نائما أو مرتعدا مما دهشه بدء الوحي، متزملا في قطيفة، أو تحسينا له، إذ روي أنه صلى الله عليه واله كان يصلي متلففا ببقية مرط (2) مفروش على عائشة، فنزل أو تشبيها له في تثاقله بالمتزمل، لانه لم يتمرن بعد في قيام الليل، أو من تزمل الزمل: إذا تحمل الحمل، أي الذي تحمل أعباء (3) النبوة (4). وقال: " المدثر " المتدثر، وهو لابس الدثار (5)، وسيأتي بيانه في باب المبعث. 1 - في: بإسناده (6) عن سليم بن قيس الهلالي قال: لما أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام نزل قريبا من دير نصراني، إذ خرج علينا شيخ من الدير جميل الوجه، حسن الهيئة والسمت (7)، معه كتاب أتى أمير المؤمنين عليه السلام فسلم عليه، ثم قال: إني من نسل حواري عيسى بن مريم، وكان أفضل حواري عيسى بن مريم الاثنى عشر وأحبهم إليه وآثرهم عنده، وإن عيسى أوصى إليه ودفع إليه كتبه وعلمه وحكمته،


(1) مجمع البيان 8: 287. (2) المرط: كل ثوب غير مخيط. كساء من صوف ونحوه يؤتزر به. (3) الاعباء جمع العبء: الثقل والحمل. (4) أنوار التنزيل 2: 557. (5) أنوار التنزل 2: 560. (6) والاسناد هكذا: أحمد بن محمد بن سعيد بن عقده ومحمد بن همام بن سهيل وعبد العزيز و عبد الواحد ابنا عبد الله بن يونس، عن رجالهم، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس. وأخبرنا به من غير هذه الطرق هارون بن محمد قال: حدثنى أحمد بن عبيد (عبد خ) الله بن جعفر بن المعلى الهمداني قال: حدثنى أبو الحسن عمرو بن جامع ابن عمرو بن حرب الكندى قال: حدثنا عبد الله بن المبارك شيخ لنا كوفى ثقة قال: حدثنا عبد الرزاق ابن همام. عن معمر، عن أبان بن أبى عياش، عن سليم بن قيس. (7) السمت: هيئة أهل الخير.

[ 85 ]

فلم تزل (1) أهل هذا البيت على دينه متمسكين عليه (2) لم يكفروا ولم يرتدوا ولم يغيروا، وتلك الكتب عندي إملاء عيسى بن مريم عليه السلام، وخط أبينا بيده، فيها كل شئ يفعل الناس من بعده، واسم ملك ملك (3)، وإن الله يبعث رجلا من العرب من ولد إبراهيم خليل الله عليه السلام من أرض يقال لها: تهامة، من قرية يقال لها مكة - وساق الحديث إلى أن قال -: اسمه محمد، وعبد الله، ويس، والفتاح، والخاتم، والحاشر، والعاقب، و الماحي، والقائد، ونبي الله، وصفي الله، وجنب الله (4)، وإنه يذكر إذا ذكر، أكرم (5) خلق الله على الله: وأحبهم إلى الله، لم يخلق الله ملكا مقربا (6) ولا نبيا مرسلا من آدم عليه السلام فمن سواه خيرا عند الله، ولا أحب إلى الله منه، يقعده يوم القيامة على عرشه، ويشفعه (7) في كل من يشفع فيه باسمه جرى القلم في اللوح المحفوظ، محمد رسول الله الخبر (8). 2 - فس: أبي، عن القاسم بن محمد، عن علي (9)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام قالا: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا صلى قام على أصابع رجليه حتي تورمت، فأنزل الله تعالى: " طه " وهى بلغة طي يا محمد " ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " (10). 3 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام - وساق الحديث إلى أن قال: - وكان رسول الله صلى الله عليه واله يقوم


(1) في المصدر: فلم يزل. (2) في المصدر: بملته خ صح. (3) في المصدر: واسم ملك ملك منهم. (4) حبيب الله خ ل. (5) في المصدر: من أكرم. (6) في المصدر: مكرما. (7) أي يقبل شفاعته. (8) غيبة النعماني: 35 و 36. (9) أي على بن أبي حمزة. (10) تفسير القمى: 417 و 418. (*)

[ 86 ]

على أطراف أصابع رجليه، فأنزل الله سبحانه: " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " (1). 4 - مع: محمد بن هارون الزنجاني (2)، عن المعاذ بن المثنى، عن عبد الله بن أسماء، عن جويرية: عن سفيان بن سعيد (3)، عن الصادق عليه السلام في خبر طويل سيأتي في كتاب القرآن قال: وأما " طه " فاسم من أسماء النبي صلى الله عليه واله، ومعناه يا طالب الحق الهادي إليه، وأما " يس " فاسم من أسماء النبي صلى الله عليه واله، معناه يا أيها السامع لوحيي " والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط المستقيم " (4). 5 - م: وبجاه ذريته الطيبة الطاهرة من آل طه ويس (5). 6 - فس: قال الصادق عليه السلام: " يس " اسم رسول الله صلى الله عليه واله، والدليل عليه قوله: " إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم " قال: على الطريق الواضح " تنزيل العزيز الرحيم " قال: القرآن " لتنذر قوما ما انذر آباؤهم " إلى قوله: " على أكثرهم " يعني نزل (6) به العذاب " فهم لا يؤمنون " (7). 7 - فر: بإسناده عن سليمان بن قيس العامري (8) قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: رسول الله صلى الله عليه واله يس ونحن آله (9). 8 - كا: العدة، عن البرقي، عن محمد بن عيسى، عن صفوان رفعه إلى أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: هذا محمد أذن لهم في التسمية به، فمن أذن لهم في يس يعني


(1) الاصول 2: 95. (2) في المعاني: حدثنا أبو الحسن محمد بن هارون الزنجاني فيما كتب إلى على يدى على بن أحمد البغدادي الوراق قال: حدثنا معاذ بن المثنى العنبري. (3) في المصدر: الثوري. (4) معاني الاخبار: 11. (5) تفسير العسكري. (6) من نزل خ ل. (7) تفسير القمى: 548. (8) في المصدر: فرات قال: حدثنا أحمد بن الحسن معنعنا عن سليم بن قيس العامري. (9) تفسير فرات: 131.

[ 87 ]

التسمية وهو اسم النبي صلى الله عليه واله (1). 9 - ن: عن الريان بن الصلت (2)، عن الرضا عليه السلام في حديث طويل في الفرق بين العترة والامة، وساق الحديث إلى أن قال عليه السلام: أخبروني عن قول الله عزوجل: " يس والقرآن الحكيم " فمن عنى بقوله: " يس " ؟ قالت العلماء: " يس " محمد صلى الله عليه واله لم يشك فيه أحد، قال أبو الحسن عليه السلام: فإن الله عزوجل أعطى محمدا وآل محمد من ذلك فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه إلا من عقله، وذلك أن الله عزوجل لم يسلم على أحد إلا على الانبياء عليهم السلام فقال تعالى: " سلام على نوح في العالمين " وقال: " سلام على إبراهيم " وقال: " سلام على موسى وهارون " ولم يقل: سلام على آل نوح، ولم يقل: سلام على آل إبراهيم، ولا قال (3): سلام على آل موسى وهارون، وقال: " سلام على آل يس ": يعني آل محمد، وساق الحديث إلى أن قال: في قوله تعالى: " قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا " فالذكر رسول الله ونحن أهله (4). أقول: سيأتي بتمامه في كتاب الامامة. 10 - فس: " سلام علي آل يس " قال: يس محمد، وآل محمد الائمة (5). 11 - مع: الطالقاني، عن الجلودي، عن محمد بن سهل، عن الخضر بن أبي فاطمة، عن وهب بن نافع، عن كادح، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه، عن علي عليهم السلام في قوله عزوجل: " سلام على آل يس " قال: " يس " محمد، ونحن آل يس (6). 12 كا: أحمد بن مهران، وعلي بن إبراهيم جميعا عن محمد بن علي، عن الحسن ابن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن موسى عليه السلام في حديث طويل


(1) فروع الكافي 2: 87. (2) لم يذكر المصنف اسناد الحديث اختصارا وهو هكذا: حدثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب وجعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنهما قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه، عن الريان بن الصلت. (3) في المصدر: ولم يقل. (4) عيون أخبار الرضا: 131 و 132. (5) تفسير القمى: 559 و 560. (6) معاني الاخبار: 41.

[ 88 ]

سأله نصراني عن قوله تعالى: " حم والكتاب المبين " إلى قوله: " منذرين " ما تفسيرها في الباطن ؟ فقال: أما " حم " فهو محمد، وهو في كتاب هود الذي انزل عليه، وهو منقوص الحروف، وأما " الكتاب المبين " فهو أمير المؤمنين علي عليه السلام الخبر (1). 13 - فس: " والنجم إذا هوى " قال: النجم رسول الله صلى الله عليه واله، " إذا هوى " لما اسري به إلى السماء، وهو في الهواء، هذا رد على من أنكر المعراج، وهو قسم برسول الله صلى الله عليه واله، وهو فضل له على الانبياء (2). بيان: هوى جاء بمعنى هبط، وبمعنى سعد، والمراد في الخبر الثاني. 14 - فس: " والنجم والشجر يسجدان " قال: النجم رسول الله صلى الله عليه واله، وقد سماه الله في غير موضع، فقال: " والنجم إذا هوى " وقال: " وعلامات وبالنجم هم يهتدون " فالعلامات الاوصياء، والنجم رسول الله صلى الله عليه واله، قلت: " يسجدان " قال: يعبدان، قوله: " والسماء رفعها ووضع الميزان " قال: " السماء " رسول الله صلى الله عليه واله رفعه الله إليه و " الميزان " أمير المؤمنين عليه السلام نصبه لخلقه، قلت: " ألا تطغوا في الميزان " قال: لا تعصوا الامام، قلت: " وأقيموا الوزن بالقسط " قال: أقيموا الامام العدل (3)، قلت: " ولا تخسروا الميزان " قال: لا تبخسوا الامام حقه ولا تظلموه (4). 15 - كا: علي بن محمد، عن علي بن العباس، عن علي بن حمران، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: " والنجم إذا هوى " قال: اقسم بقبض محمد إذا قبض الخبر (5). 16 - فس: أبي، عن سليمان الديلمي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " والشمس وضحيها " قال: " الشمس " رسول الله صلى الله عليه واله، أوضح الله به


(1) اصول الكافي 1: 479. (2) تفسير القمي: 650 و 651. (3) والعدل خ ل وفي المصدر: بالعدل. (4) تفسير القمي: 658. (5) الروضة: 379 و 380. أقول: الحديث طويل، وفيه: علي بن حماد، وهو الصحيح والرجل على بن حماد المنقرى الكوفي راجع جامع الروات 1: 577.

[ 89 ]

للناس دينهم، قلت: " والقمر إذا تليها " قال: ذاك أمير المؤمنين عليه السلام (1). 17 - فر: بإسناده (2) عن عكرمة وسئل عن قول الله: " والشمس وضحيها * والمقر إذا تليها " قال: " الشمس وضحيها " هو محمد (3) صلى الله عليه واله " والقمر إذا تليها " أمير المؤمنين عليه السلام (4) " والنهار إذا جليها " آل محمد، وهما الحسن والحسين (5) " والليل إذا يغشيها " بنو امية، وقال ابن عباس هكذا، وقال أبو جعفر عليه السلام هكذا، وقال الحارث الاعور للحسين بن علي عليه السلام: يا ابن رسول الله أخبرني عن قول الله في كتابه المبين: " والشمس وضحيها " قال: ويحك يا حارث ذلك محمد رسول الله صلى الله عليه واله، قلت: قوله: " والقمر إذا تليها " قال: ذلك أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام يتلو محمدا صلى الله عليه واله الخبر (6). 18 - كا: العدة، عن سهل، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن قول الله عزوجل: " والشمس وضحيها " قال: " الشمس " رسول الله صلى الله عليه واله أوضح الله عزوجل به للناس دينهم، قال: قلت: " والقمر إذا تليها " قال: ذاك أمير المؤمنين عليه السلام


(1) تفسير القمي: 726. (2) والاسناد هكذا، فرات قال: حدثنى زيد بن محمد بن جعفر التمار معنعنا عن عكرمة. (3) في المصدر: محمد رسول الله صلى الله عليه وآله. (4) في المصدر: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. (5) في المصدر: هم آل محمد صلى الله عليه وآله الحسن والحسين عليهما السلام أقول: إلى هنا تم في المصدر حديث عكرمة، وأما ما بعد ذلك فهو موجود في رواية اخرى وهي هكذا: فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعنا عن ابن عباس في قول الله تعالى: " والشمس وضحاها " قال: رسول الله صلى الله عليه وآله " والقمر إذا تلاها " أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام " والنهار إذا جلاها " الحسن والحسين عليهما السلام، " والليل إذا يغشاها " بنو امية، ثم ذكر حديثا آخر مثله وفيه زيادة باسناده عن عبد الله بن زيد، عن ابن زيد معنعنا عن ابن عباس. وأما رواية أبي جعفر عليه السلام والحارث فالموجود في المصدر أنهما واحد هكذا: فرات قال: حدثني على بن محمد بن عمر الزهري معنعنا عن أبي جعفر قال: قال الحارث الاعور للحسين بن علي عليه السلام: يابن رسول الله جعلت فداك أخبرني عن قول الله في كتابه: " والشمس وضحاها " ثم ذكر مثل حديث الحارث، فعلى ذلك إما نسخة المصنف كانت ناقصة، أو أراد المصنف الاختصار فوقع ما ترى. (6) تفسير فرات الكوفي: 212.

[ 90 ]

تلا رسول الله صلى الله عليه واله ونفثه بالعلم نفثا الخبر (1). 19 - فس: " والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الامين " قال: " التين " رسول الله صلى الله عليه واله " والزيتون " أمير المؤمنين عليه السلام " وطور سينين " الحسن والحسين " وهذا البلد الامين " الائمة عليهم السلام الخبر (2). 20 - فس: " قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا " قال: " الذكر " اسم رسول الله صلى الله عليه وآله، ونحن أهل الذكر (3). 21 - ن: في حديث طويل عن الرضا عليه السلام في مناظرته عليه السلام مع أصحاب المقالات قال عليه السلام لرأس الجالوت: في الانجيل مكتوب: ابن (4) البرة ذاهب، والبار قليطا جاء من بعده، وهو يخفف الآصار (5)، ويفسر لكم كل شئ، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالامثال وهو يأتيكم بالتأويل، أتؤمن بهذا في الانجيل ؟ قال: نعم لا انكره الخبر (6). 22 - ن: في أسئلة الشامي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن ستة من الانبياء لهم اسمان، فقال: يوشع بن نون، وهو ذو الكفل، ويعقوب بن إسحاق عليه السلام، وهو إسرائيل، والخضر عليه السلام، وهو حلقيا (7)، ويونس عليه السلام، وهو ذو النون، وعيسى عليه السلام، وهو المسيح، ومحمد صلى الله عليه واله، وهو أحمد صلوات الله عليهم (8).


(1) الروضة: 50. قوله: نفثه أي ألقى في قلبه أو ألهمه. وأخرج الحديث فرات الكوفي في تفسيره أيضا ص 213. (2) تفسير القمي: 830. (3) تفسير القمي: 686. (4) في المصدر: ان ابن البرة. (5) جمع الاصر بتثليث الهمزة: الثقل. الذنب. العهد. (6) عيون اخبار الرضا: 93 و 94، والحديث طويل وقد أخرجه المصنف مسندا في كتاب الاحتجاجات راجع ج 10 ص 299 - 310، والقطعة في 308. (7) في نسخة من المصدر: حليقا. وفيما تقدم من كتاب الاحتجاجات: تاليا. جعليا خ ل. (8) عيون أخبار الرضا: 136، والحديث طويل أخرجه المصنف مسندا في كتاب الاحتجاجات 10: 75 - 82 والقطعة في 80. (*)

[ 91 ]

23 - مع: محمد بن عمرو البصري، عن عبد الله بن علي الكرخي، عن محمد بن عبد الله عن أبيه، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه واله صلاة الفجر، فلما انفتل (1) من صلاته أقبل علينا بوجهه الكريم على الله عزوجل، ثم قال معاشر الناس ! من افتقد الشمس فليتمسك بالقمر، ومن افتقد القمر فليتمسك بالزهرة، ومن افتقد الزهرة فليتمسك بالفرقدين، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: أنا الشمس، وعلي عليه السلام القمر، وفاطمة الزهرة، والحسن والحسين الفرقدان (2). 24 - شى: محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن عليه السلام في قول الله: " وعلامات وبالنجم هم يهتدون " قال: نحن العلامات، والنجم رسول الله صلى الله عليه واله (3). 25 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن منصور بزرج (4)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " وعلامات وبالنجم هم يهتدون " قال: النجم رسول الله صلى الله عليه واله، والعلامات الائمة من بعده عليه وعليهم السلام (5). 26 - ما: أحمد بن محمد بن الصلت، عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن محمد بن عيسى بن هارون الضرير، عن محمد بن زكريا المكي، عن كثير بن طارق، من ولد قنبر، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله (6) لعلي عليه السلام: يا علي خذ هذا الخاتم


(1) انفتل من صلاته: انصرف عنها. (2) معاني الاخبار: 39 وفي ذيله، وكتاب الله لا يفترقان حتى يردا على الحوض. وذكر شيخنا الصدوق فيه بأسانيده عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك نحوه. (3) تفسير العياشي: مخطوط. (4) بزرج معرب بزرك، والرجل هو منصور بن يونس بزرج أبويحيى القرشى مولاهم كوفى ثقة. (5) الامالي: 102. (6) في المصدر: قال: حدثنى زيد بن علي في جهار سوخ كندة بالكوفة ان أباه حدثه عن أبيه عن ابن عباس قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام فقال: يا علي أعط هذا الخاتم النقاش لينقش عليه اه‍. أقول: سقط مفعول قوله: أعطى وهو " خاتما ".

[ 92 ]

وانقش عليه محمد بن عبد الله، فأخذه أمير المؤمنين عليه السلام فأعطاه النقاش، وقال له: انقش عليه محمد بن عبد الله، فنقش النقاش، فأخطأت (1) يده فنقش عليه محمد رسول الله، فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فقال: ما فعل الخاتم ؟ فقال: هوذا، فأخذه ونظر إلى نقشه فقال: ما أمرتك بهذا، قال: صدقت ولكن يدي أخطات، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: يا رسول الله ما نقش النقاش ما أمرت به، ذكر أن يده أخطأت، فأخذ (2) النبي صلى الله عليه واله ونظر إليه فقال: يا علي أنا محمد بن عبد الله، وأنا محمد رسول الله، وتختم به، فلما أصبح النبي صلى الله عليه واله نظر إلى خاتمه، فإذا تحته منقوش " علي ولي الله " فتعجب من ذلك النبي صلى الله عليه واله، فجاء جبرئيل فقال: يا جبرئيل كان كذا وكذا، فقال: يا محمد كتبت ما أردت، وكتبنا ما أردنا (3). 27 - ع، ل، مع: محمد بن علي بن الشاه، عن محمد بن جعفر بن أحمد البغدادي، عن أبيه، عن أحمد بن السخت، عن محمد بن الاسود الوراق، عن أيوب بن سليمان، عن أبي البختري، عن محمد بن حميد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا أشبه الناس بآدم عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام أشبه الناس بي خلفه و خلقه، وسماني الله من فوق عرشه عشرة أسماء، وبين الله وصفي، وبشرني على لسان كل رسول بعثه إلى قومه، وسماني ونشر في التوراة اسمي، وبث ذكري في أهل التوارة والانجيل، وعلمني كلامه (4)، ورفعني في سمائه، وشق لي اسمي (5) من أسمائه، فسماني محمدا وهو محمود، وأخرجني في خير قرن من امتي، وجعل اسمي في التوراة أحيد، فبالتوحيد حرم أجساد امتي على النار، وسماني في الانجيل أحمد، فأنا محمود في أهل السماء، وجعل امتي الحامدين، وجعل اسمي في الزبور ماح (6)، محا الله عزوجل بي


(1) في المصدر: وأخطأت. (2) في المصدر: فأخذه. (3) المجالس والاخبار: 79 و 80. (4) في المصدر، كتابه. (5) في طبعة أمين الضرب: اسما - ظ. أقول: وهو الموجود في المصدر. (6) ماحى خ ل. وهو الموجود في العلل، وفيه: يمحى الله.

[ 93 ]

من الارض عبادة الاوثان، وجعل اسمي في القرآن محمدا، فأنا محمود في جميع (1) القيامة في فصل القضاء، لا يشفع أحد غيري، وسماني في القيامة حاشرا، يحشر الناس على قدمي وسماني الموقف، اوقف الناس بين يدي الله جل جلاله، وسماني العاقب، أنا عقب النبيين، ليس بعدي رسول، وجعلني رسول الرحمة، ورسول التوبة، ورسول الملاحم والمقفي (2)، قفيت النبيين جماعة، وأنا القيم الكامل الجامع، ومن علي ربي وقال لي: يا محمد صلى الله عليك فقد أرسلت كل رسول إلى امته بلسانها، وأرسلتك إلى كل أحمر وأسود من خلقي، و نصرتك بالرعب الذي لم أنصر به أحدا، وأحللت لك الغنيمة ولم تحل لاحد قبلك، و أعطيتك ولامتك كنزا من كنوز عرشي: فاتحة الكتاب، وخاتمة سورة البقرة، و جعلت لك ولامتك الارض كلها مسجدا، وترابها طهورا، وأعطيت لك ولامتك التكبير، وقرنت ذكرك بذكري حتى لا يذكرني أحد من امتك إلا ذكرك مع ذكري، فطوبى لك يا محمد ولامتك (3). توضيح: قال شارح الشفاء للقاضي عياض: احيد بضم الهمزة، وفتح المهملة، وسكون التحتية، فدال مهملة، وقيل: بفتح الهمزة، وسكون المهملة، وفتح التحتية، قال: سميت أحيد لاني احيد بامتي عن نار جهنم، أي أعدل بهم انتهى (4). وأما أحمد في اللغة فأفعل مبالغة من صفة الحمد، ومحمد مفعل مبالغة من كثرة الحمد، فهو صلى الله عليه واله أجل من حمد، وأفضل من حمد، وأكثر الناس حمدا، فهو أحمد المحمودين الحامدين، فأحمد إما مبالغة من الفاعل، أو من مفعول. قوله صلى الله عليه واله: يحشر الناس على قدمي، كنايه عن أنه أول من يحشر من الخلق، ثم يحشر الناس بعده، وقيل: أي في زمانه وعهده، ولا نبي بعده: وقيل: أي يقدم الخلق في المحشر وهم خلفه. والملاحم جمع الملحمة وهو القتال.


(1) جمع خ ل صح. وفي المعاني: جميع أهل القيامة. (2) في المعاني: المقتفى. (3) علل الشرائع: 45، الخصال 2: 47 و 48، معاني الاخبار: 19. (4) شرح الشفا 1: 498، وضبط أيضا بفتح فسكون فكسر وأيضا بضم فكسر، فسكون.

[ 94 ]

وقال الجزري: في أسمائه صلى الله عليه واله المقفي وهو المولي الذاهب، وقد قفى يقفي فهو مقف، يعني أنه آخر الانبياء، المتبع لهم، فإذا قفى فلا نبي بعده. قوله: القيم، أي الكثير القيام بامور الخلق، والمتولي لارشادهم ومصالحهم، و يظهر من سائر الكتب أنه بالثاء المثلثة، وإن الكامل الجامع تفسيره، وهو بضم القاف وفتح الثاء، قال الجزري: فيه أتاني ملك فقال: أنت قثم، وخلقك قثم، القثم: المجتمع الخلق، وقيل: الجامع الكامل وقيل: الجموع (1) للخير، وبه سمي الرجل قثم، معدول عن قاثم، وهو الكثير العطآء انتهى. وقال القاضي في الشفاء: روي أنه صلى الله عليه واله قال: أنا رسول الرحمة، ورسول الراحة، ورسول الملاحم، وأنا المقفي (2)، قفيت النبيين، وأنا قيم، والقيم: الجامع الكامل كذا وجدته ولم أروه، وأرى أن صوابه قثم بالثاء وهو أشبه بالتفسير انتهى (2). 28 - لى، ع، مع: ما جيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن علي بن الحسين الرقي، عن عبد الله بن جبلة، عن معاوية بن عمار، عن الحسن بن عبد الله، عن آبائه، عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه واله، فسأله أعلمهم فيما سأله، فقال له: لاي شئ سميت محمدا وأحمد وأبا القاسم وبشيرا ونذيرا و داعيا ؟ فقال النبي صلى الله عليه واله: أما محمد فإني محمود في الارض، وأما أحمد فإني محمود في السماء، وأما أبو القاسم فإن الله عزوجل يقسم يوم القيامة قسمة النار، فمن كفر بي من الاولين والآخرين ففي النار، ويقسم قسمة الجنة، فمن آمن بي وأقر بنبوتي ففي الجنة، وأما الداعي فإني أدعو الناس إلى دين بي عزوجل، وأما النذير فإني انذر بالنار من عصاني، وأما البشير فإني ابشر بالجنة من أطاعني (4).


(1) المجموع خ ل. (2) وفي المصدر: المقتفى، وذكر الشارح: المقفى وقال: هو أنسب. (3) شرح الشفا 1: 490 و 491. (4) الامالي: 112 - 114، علل الشرايع: 53، معاني الاخبار: 19 و 20، والحديث طويل أخرجه المصنف في كتاب الاحتجاجات، راجع 10: 294 - 302، والقطعة في 295.

[ 95 ]

أقول: قد مر في باب نقوش الخواتيم (1) في خبر الحسين بن خالد أنه كان نقش خاتم النبي صلى الله عليه واله: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله ". 29 - ع، مع، ن: الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسين بن فضال، عن أبيه قال: سألت الرضا عليه السلام فقلت له: لم كني النبي صلى الله عليه واله بأبي القاسم ؟ فقال: لانه كان له ابن يقال له: قاسم فكنى به، قال: فقلت: يا ابن رسول الله فهل تراني أهلا للزيادة ؟ فقال: نعم، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: " أنا وعلي أبوا هذه الامة " ؟ قلت: بلى، قال: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه واله أب لجميع امته، وعلي بمنزلته (2) فيهم ؟ قلت: بلى، قال: أما علمت أن عليا قاسم الجنة والنار ؟ قلت: بلى، قال: فقيل له: أبو القاسم لانه أبو قاسم الجنة والنار، فقلت له: وما معنى ذلك ؟ فقال: إن شفقة الرسول (3) على امته شفقة الآباء على الاولاد، وأفضل امته علي عليه السلام، ومن بعده شفقة علي عليه السلام عليهم كشفقته، لانه وصيه وخليفته والامام بعده، فلذلك قال صلى الله عليه وآله: " أنا وعلي أبوا هذه الامة " وصعد النبي صلى الله عليه واله المنبر فقال: " من ترك دينا أو ضياعا فعلي وإلي، ومن ترك مالا فلورثته " فصار بذلك أولى بهم من آبائهم وامهاتهم، وصار أولى بهم منهم بأنفسهم، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام بعده جرى له مثل ما جرى لرسول الله صلى الله عليه واله (4). بيان: قال الجزري: فيه من ترك ضياعا فإلي، الضياع: العيال، وأصله مصدر ضاع يضيع، فسمي العيال بالمصدر، كما تقول: من مات وترك فقرا، أي فقراء، وإن كسرت الضاد كان جمع ضائع كجائع وجياع. 30 - ب: هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام إن خاتم رسول الله صلى الله عليه واله كان من فضة، ونقشه " محمد رسول الله " قال: وكان نقش خاتم علي عليه السلام


(1) راجع ج 11: 63. (2) وعلي عليه السلام فيهم بمنزلته خ. أقول: هذه الزيادة موجودة في العلل، وفي العيون: وعلي عليه السلام منهم. أقول: لعله اصح. (3) النبي خ ل، أقول: هو الموجود في المصدر. (4) علل الشرائع: 53 و 54، معاني الاخبار: 20، عيون الاخبار: 238 و 239.

[ 96 ]

" الله الملك " وكان نقش خاتم والدي رضي الله عنه " العزة لله " (1). 31 - ل: أبي، عن سعد: عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن لرسول الله صلى الله عليه واله عشرة أسماء: خمسة منها في القرآن، وخمسة ليست في القرآن، فأما التي في القرآن: فمحمد، وأحمد، وعبد الله، ويس، ون، وأما التي ليست في القرآن: فالفاتح، والخاتم، والكاف، والمقفي، والحاشر (2). بيان: إنما سمي الفاتح لانه أول النبيين، أو جميع المخلوقات خلقا، أو به فتح الله أبواب الوجود والجود على العباد (3)، والكاف لانه يكف ويدفع عن الناس البلايا والشرور في الدنيا، والعذاب في الآخرة وفي بعض النسخ: الكافي. 32 - ل: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن علي بن سليمان، عن عبد الله بن عبيد الله الهاشمي، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان لرسول الله صلى الله عليه واله خاتمان: أحدهما مكتوب عليه: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله " والآخر: " صدق الله " (4). 33 - فس: قال: وسأل بعض اليهود رسول الله صلى الله عليه واله لم سميت محمدا وأحمدا وبشيرا ونذيرا ؟ فقال: أما محمد فإني في الارض محمود، وأما أحمد فإني في السماء أحمد منه في الارض، وأما البشير فابشر من أطاع الله بالجنة، وأما النذير فانذر من عصى الله بالنار (5). 34 - فس: " يا أيها المزمل " قال: هو النبي صلى الله عليه واله كان يتزمل بثوبه وينام (6).


(1) قرب الاسناد: 31. (2) الخصال 2: 48. (3) أو الغالب على من كان يعبد دون الله. وما كان يعبد دونه. (4) الخصال 1: 32. (5) تفسير القمى: 677. (6) تفسير القمى: 701.

[ 97 ]

" يا أيها المدثر " قال: تدثر الرسول، فالمدثر يعني المتدثر بثوبه " قم فأنذر " هو قيامه في الرجعة ينذر فيها (1). أقول: سيجئ في الاخبار أنه قال النبي صلى الله عليه واله: إن الله خلقني وعليا من نور واحد، وشق لنا اسمين من أسمائه، فذو العرش محمود وأنا محمد، والله الاعلى وهذا علي. 35 - ع: عبد الله بن محمد القرشي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي قريش، عن عبد الجبار ومحمد بن منصور الخزاز معا عن عبد الله بن ميمون القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه واله كان يتختم بيمينه (2). 36 - ل: ابن موسى، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن عبد الرحيم ابن علي الجبلي، وعبد الله بن الصلت، عن الحسن بن نصر الخزاز، عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قدم يهوديان فسألا أمير المؤمنين عليه السلام عن أشياء وسألا عن وصف النبي صلى الله عليه واله فقال فيما قال: كان عمامته السحاب، وسيفه ذو الفقار، وبغلته دلدل، وحماره يعفور، وناقته العضباء (3)، وفرسه لزاز، وقضيبه الممشوق. الخبر (4). بيان: قال في النهاية: فيه أنه كان اسم عمامة النبي صلى الله عليه واله السحاب، سميت به تشبيها بسحاب المطر، لانسحابه في الهواء، وقال: دلدل في الارض: ذهب ومر، يدلدل ويتدلدل في مشيه: إذا اضطرب، ومنه الحديث كان اسم بغلته دلدل. وقال: فيه إن اسم حمار النبي صلى الله عليه واله عفير هو تصغير تحقير لاعفر، من العفرة وهي الغبرة، ولون التراب، وفي حديث سعد بن عبادة أنه خرج على حماره يعفور ليعوده. قيل: سمي يعفورا للونه من العفرة، كما قيل في أخضر: يخضور، وقيل: سمي به تشبيها في عدوه باليعفور وهو الظبي، وقيل: الخشف.


(1) تفسير القمي: 702. (2) علل الشرائع: 64. (3) بتقديم المهملة على المعجمة. (4) الخصال 2: 146 و 148.

[ 98 ]

وقال: فيه كان اسم ناقته العضباء، هو علم لها، منقول من قولهم: ناقة عضباء، أي مشقوقة الاذن، ولم تكن مشقوقة الاذن، وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الاذن، والاول أكثر. وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة عضباء، وهي القصيرة اليد. وقال: فيه كان لرسول الله صلى الله عليه واله فرس يقال له: اللزاز، سمي به لشدة تلززه واجتماع خلقه، ولز به الشئ، أي لزق به، كأنه يلزق بالمطلوب لسرعته. وقال الفيروزآبادي: جارية ممشوقة: حسنة القوام، وقضيب ممشوق: طويل دقيق. 37 - لى: ابن الوليد، عن الصفار، عن عبد الله بن الصلت، عن يونس، عن ابن حميد، عن ابن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن اسم رسول الله صلى الله عليه واله في صحف إبراهيم عليه السلام الماحي، وفي توراة موسى عليه السلام الحاد، وفي إنجيل عيسى عليه السلام أحمد، وفي القرآن محمد، قيل: فما تأويل الماحي ؟ فقال: الماحي صورة الاصنام، وماحي الاوثان والازلام وكل معبود دون الرحمان، قيل: فما تأويل الحاد ؟ قال: يحاد من حاد الله ودينه، قريبا كان أو بعيدا، قيل: فما تأويل أحمد ؟ قال: حسن ثناء الله عزوجل عليه في الكتب بما حمد من أفعاله، قيل: فما تأويل محمد ؟ قال: إن الله وملائكته وجميع أنبيائه ورسله وجميع اممهم يحمدونه ويصلون عليه، وإن اسمه لمكتوب على العرش: محمد رسول الله صلى الله عليه واله وكان صلى الله عليه واله يلبس من القلانس اليمنية (1) والبيضآء والمضربة ذات الاذنين في الحرب، وكانت له عنزة يتكئ عليها، ويخرجها في العيدين فيخطب بها، وكان له قضيب يقال له: الممشوق، وكان له فسطاط يسمى الكن، وكانت له قصعة تسمى المنبعة، وكان له قعب يسمى الري، وكان له فرسان يقال لاحدهما: المرتجز، وللآخر السكب، وكان له بغلتان يقال لاحدهما (2): دلدل، وللاخرى الشهبآء، وكانت له ناقتان يقال لاحدهما: العضباء، وللاخرى الجدعاء، وكان له سيفان يقال لاحدهما: ذو الفقار، وللآخر العون، وكان له سيفان آخران يقال لاحدهما: المخذم، وللآخر


(1) اليمنة واليمنة برد يمنى. (2) هكذا في النسخة والمصدر وكذا فيما يأتي، والاصح: لاحداهما. كما في الفقيه.

[ 99 ]

الرسوم، وكان له حمار يسمى يعفور، وكانت له عمامة تسمى السحاب، وكان له درع تسمى ذات الفضول لها ثلاث حلقات فضة: حلقة بين يديها، وحلقتان خلفها، وكانت له راية تسمى العقاب، وكان له بعير يحمل عليه يقال له: الديباج، وكان له لواء يسمى المعلوم، وكان له مغفر يقال له: الاسعد، فسلم ذلك كله إلى علي عليه السلام عند موته، وأخرج خاتمه وجعله في إصبعه، فذكر علي عليه السلام أنه وجد في قائمة سيف من سيوفه صحيفة فيها ثلاثة أحرف: صل من قطعك، وقل الحق ولو على نفسك: وأحسن إلى من أساء إليك، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه واله: خمس لا أدعهن حتى الممات: الاكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمار مؤكفا (1)، وحلبي العنز بيدي، ولبس الصوف (2)، والتسليم على الصبيان لتكون سنة من بعدي (3). يه: عن يونس مثله إلى قوله: من أساء إليك (4). بيان: ضرب النجاد المضربة (5): خاطها، ذكره الجوهري. وقال: العنزة بالتحريك: أطول من العصا، وأقصر من الرمح، وفيه زج (6) كزج الرمح، والكن


(1) وكف وأكف وآكف الحمار: وضع عليه الوكاف. والوكاف: البرذعة وكساء يلقى على ظهر الدابة. (2) قد ورد في بعض الاخبار مدح لبس الصوف، وفي بعضها ذمه، ولعل الاول يختص بزمان مقفر جدب يكون الناس فيه في ضيق وشدة، كما يستفاد من حديث عن الصادق عليه السلام احتج فيه على الصوفية، وعلل فعل النبي صلى الله عليه وآله بذلك، وقال فيه: " إذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لافجارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفارها " أو الثاني ورد في قوم كانوا يتقشفون بالملابس وغيرها ويتظاهرون بها، ويرون أنفسهم بذلك أفضل من غيرهم، ويعدون أنفسهم عاملين للسنة، وغيرهم تاركين لها، مثل جل الصوفية والباطنية وغيرهم من أهل البدع والاهواء الذين أدخلوا أنفسهم في زى الزهد والصلاح: وقلبوا حقائق الاسلام واحكامه على مزعمتهم وآرائهم الفاسدة أعاذنا الله والمسلمين من شرورهم. (3) الامالى: 44. (4) الفقيه: 519. (5) النجاد هو المنجد أي من يعالج الفرش والوسائد ويخيطها. والمضرب: المخيط. و المضربة. كساء ذو طاقين بينهما قطن. (6) الزج: الحديدة التى في أسفل الرمح.

[ 100 ]

بالكسر: وقاء كل شئ وستره. والقعب: قدح من خشب مقعر. وقال الجزري: فيه كان لرسول الله صلى الله عليه واله فرس يقال له: المرتجز، سمي به لحسن صهيله. وقال: فيه كان له فرس يسمى السكب، يقال له فرس سكب، أي كثير الجري، كأنما يصب جريه صبا، وأصله من سكب الماء يسكبه. وقال الجوهري: الشهبة في الالوان: البياض الذي غلب على السواد. وقال الجزري: فيه إنه خطب على ناقته الجدعاء، هي المقطوعة الاذن، وقيل: لم تكن ناقته مقطوعة الاذن، وإنما كان هذا اسما، وقال: إنما سمي سيفه صلى الله عليه واله ذا الفقار لانه كان فيه حفر صغار حسان. وقال: الخذم: القطع، وبه سمي السيف مخذما. وقال الفيروزآبادي: الرسوم: الذي يبقى على السير يوما وليلة، والاصوب أنه بالباء كما سيأتي. قال في النهاية فيه كان لرسول الله صلى الله عليه واله سيف يقال له: الرسوب، أي يمضي في الضريبة، ويغيب فيها، وهي فعول من رسب: إذا ذهب إلى أسفل، وإذا ثبت. وفيه: إنه كان اسم درعه ذات الفضول، وقيل: ذو الفضول لفضلة كان فيها وسعة. وقال: فيه إنه كان اسم رآيته العقاب، وهي العلم الضخم. أقول: سيأتي في باب وصية النبي صلى الله عليه واله ذكر دوابه وسلاحه وأثوابه. 38 - ص: الصدوق، عن عبد الله بن حامد، عن أحمد بن حمدان، عن عمرو بن محمد، عن محمد بن مؤيد، عن عبد الله بن محمد بن عقبة، عن أبي حذيفة، عن عبد الله بن حبيب الهذلي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي منصور قال: لما فتح الله على نبيه خيبر أصابه حمار أسود، فكلم النبي صلى الله عليه واله الحمار فكلمه، وقال: أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا لم يركبها إلا نبي، ولم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الانبياء غيرك، وقد كنت أتوقعك، كنت قبلك ليهودي أعثر به عمدا، فكان يضرب بطني، ويضرب ظهري، فقال النبي صلى الله عليه واله: سميتك يعفور، ثم قال: تشتهي الاناث يا يعفور ؟ قال: لا، وكلما قيل:

[ 101 ]

أجب رسول الله صلى الله عليه واله خرج إليه، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه واله جاء إلى بئر فتردى (1) فيها فصار قبره جزعا (2). 39 - ير: إبراهيم بن هاشم، عن أعمش بن عيسى، عن حماد الطيافي (3)، عن الكلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: كم لمحمد (4) اسم في القرآن ؟ قال: قلت: اسمان أو ثلاث، فقال: يا كلبي له عشرة أسماء " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل * ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد * ولما قام عبد الله كادوا يكونون عليه لبدا * وطه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * ويس والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم * ون والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * ويا أيها المزمل * ويا أيها المدثر * وإنا أنزلنا إليكم ذكرا رسولا " فالذكر اسم من أسماء محمد صلى الله عليه واله ونحن أهل الذكر، فسل يا كلبي عما بدا لك، قال: فأنسيت والله القرآن كله فما حفظت منه حرفا أسأله عنه (5). 40 - قب: في أسمائه وألقابه صلى الله عليه واله: سماه في القرآن بأربعمأة اسم: العالم " وعلمك ما لم تكن تعلم " الحاكم " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك " الخاتم " وخاتم النبيين " العابد " واعبد ربك " الساجد " وكن من الساجدين " الشاهد " إنا أرسلناك شاهدا " المجاهد " يا أيها النبي جاهد الكفار " الطاهر " طه ما أنزلنا " الشاكر " شاكرا لانعمه " الصابر " واصبر وما صبرك " الذاكر " واذكر اسم ربك " القاضي " إذا قضى الله ورسوله " الراضي " لعلك ترضى " الداعي " وداعيا إلى الله " الهادي " وإنك لتهدي " القارئ " اقرأ


(1) أي سقط فيها. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) هكذا في النسخ والمصدر، ولعل الطيافي مصحف الطنافسي. راجع تنقيح المقال 1: 363: حماد بن بشير الطنافسي. (4) سأله عليه السلام، لانه كان نسابة العرب، ويرى نفسه أعلم فيها، فأفاده أنه ناقص لا يعرف أسماء أشهر العرب وهو النبي صلى الله عليه وآله. (5) بصائر الدرجات: 150.

[ 102 ]

باسم ربك " التالي " يتلو عليهم " الناهي " وما نهاكم عنه " الآمر " وأمر أهلك " الصادع " فاصدع بما تؤمر " الصادق " ص والقرآن " القانت " أمسن هو قانت " الحافظ " يحفظونه من أمر الله " الغالب " وإن جندنا " العائل " ووجدك عائلا " الضال أي يهدي به الضال " ووجدك ضالا " الكريم " إنه لقول رسول كريم " الرحيم " رؤف رحيم " العظيم " وإنك لعلى خلق " اليتيم " ألم يجدك " المستقيم " فاستقم كما امرت " المعصوم " والله يعصمك " البشير " إنا أرسلناك بالحق " النذير " بشيرا ونذيرا " العزيز " لقد جاءكم رسول " الشهيد " وجئنا بك شهيدا " الحريص " حريص عليكم " القريب " ق والقرآن " الحبيب، والمحب، والمحبوب، في سبع مواضع " حم " النبي " يا أيها النبي " القوي " ذوي قوة " الوحي " وكذلك أوحينا إليك " الامي " النبي الامي " الامين " مطاع ثم أمين " المكين " عند ذي العرش " المبين " وقل إني أنا النذير " المذكر " فذكر إنما أنت " المبشر " ومبشرا برسول " المنذر " إنما أنت منذر " المستغفر " واستغفر لذنبك " المسبح " فسبح بحمد ربك " المصلي " فصل لربك " المصدق " مصدقا لما معكم " المبلغ " يا أيها الرسول بلغ " المحدث " وأما بنعمة ربك " المؤمن " آمن الرسول " المتوكل " وتوكل على الحي " المزمل " يا أيها المزمل " المدثر " يا أيها المدثر " المتهجد " ومن الليل فتهجد " المنادي " سمعنا مناديا " المهتدي " وهداه إلى صراط " الحق " قد جاءكم الحق " الصدق " والذي جاء بالصدق " الذكر " إنا أرسلناك إليكم ذكرا " البرهان " قد جاءكم برهان " الفضل " قل بفضل الله " المرسل " إنك لمن المرسلين " المبعوث " هو الذي بعث " المختار " وربك يخلق " المعفو " عفى الله عنك " المغفور " ليغفر لك الله " المكفي " إنا كفيناك " المرفوع والرفيغ " ورفعنا لك " المؤيد " هو الذي أيدك " المنصور " وينصرك الله " المطاع " مكين مطاع " الحسنى " وصدق بالحسنى " الهدى " وما منع الناس (1) " الرسول " يا أيها الرسول " الرؤف " بالمؤمنين رؤف " النعمة " يعرفون نعمة الله " الرحمة " وما أرسلناك إلا رحمة " النور " قد جاءكم من الله نور " الفجر " والفجر وليال " المصباح " المصباح


(1) الاية هكذا: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جائهم الهدى. الاسراء: 94.

[ 103 ]

في زجاجة " السراج " وسراجا منيرا " الضحى " والضحى والليل " النجم " والنجم إذا هوى " الشمس " ثم جعلنا الشمس " البدر " طه " (1) الظل " ألم تر إلى ربك " البشر " بشر مثلكم " الناس " أم يحسدون الناس " الانسان " خلق الانسان " الرجل " على رجل منكم " الصاحب " ما ضل صاحبكم " العبد " أسرى بعبده " المجتبى " ولكن الله يجتبي " المقتدي " فبهديهم اقتده " المرتضى " إلا من ارتضى " المصطفى " الله يصطفي " أحمد " من بعدي اسمه " محمد " محمد رسول الله " كهيعص، يس، طه، حم، عسق، كل حرف تدل على اسم له، مثل الكافي والهادي، والعارف، والسخي، والطاهر، وغير ذلك (2). وأسماؤه في الاخبار: العاقب، وهو الذي يعقب الانبياء، الماحي: الذي يمحى به الكفر، ويقال: يمحى به سيئات من اتبعه، ويقال: الذي لا يكون بعده أحد. الحاشر: الذي يحشر الناس على قدميه. المقفي الذي قفى النبيين جماعة. الموقف: يوقف الناس بين يدي الله. القثم وهو الكامل الجامع. ومنه الناشر، والناصح، والوفي والمطاع، و النجي، والمأمون، والحنيف، والحبيب، والطيب، والسيد، والمقترب، والدافع، و الشافع، والمشفع، والحامد، والمحمود، والموجه، والمتوكل، والغيث (3). وفي التوراة: مئيذ مئيذ (4)، أي غفور رحيم، وقيل: مئيد مئيد (5) أي محمد، و قيل: مود مود، وفي حكاية إن اسمه فيها مرقوفا، أي المحمود. وفي الزبور: قليطا، مثل أبي القاسم، فقالوا: (6) بلقيطا، وقالوا: فاروق، وقالوا: محياثا. وفي الانجيل: طاب طاب، أي أحمد، ويقال: يعني طيب طيب.


(1) هكذا في النسخة والمصدر، ولم نجد من فسر طه بالبدر. (2) في كون جملة من هذه أسماءه صلى الله عليه وآله نظر، والوجه ظاهر، لانه لم يصح مثلا أن يقال لمن امر بالصلاة: ان اسمه المصلى، أو بالصيام ان اسمه الصائم. (3) المغيث خ ل. (4) في المصدر: ميذميذ. (5) ميد ميد. (6) وقالوا خ ل. (*)

[ 104 ]

وفي كتاب شعيا: نور الامم، ركن المتواضعين، رسول التوبة، رسول البلا. وفي الصحف: بلقيطا، وفي صحف شيث: طاليسا، وفي صحف إدريس: بهيائيل، وفي صحف إبراهيم: مود مود، وفي السماء الدنيا المجتبى، وفي الثانية المرتضى، وفي الثالثة المزكى، وفي الرابعة المصطفى، وفي الخامسة المنتجب، وفي السادسة المطهر والمجتبى، وفي السابعة المقرب والحبيب، ويسميه المقربون عبد الواحد، والسفرة الاول، والبررة الآخر، والكروبيون الصادق، والروحانيون الطاهر، والاولياء القاسم، والرضوان الاكبر، والجنة عبد الملك، والحور عبدالعطاء، وأهل الجنة عبد الديان، ومالك عبد المختار، وأهل الجحيم عبدالنجاة، والزبانية عبد الرحيم، والجحيم عبد المنان، وعلى ساق العرش رسول الله، وعلى الكرسي نبي الله، وعلى طوبى صفي الله، وعلى لواء الحمد صفوة الله، وعلى باب الجنة خيرة الله، وعلى القمر قمر الاقمار، وعلى الشمس نور الانوار، و الشياطين عبدالهيبة، والجن عبد الحميد، والموقف الداعي، والميزان الصاحب، والحساب الداعي، والمقام المحمود الخطيب، والكوثر الساقي، والعرش المفضل، والكرسي عبد الكريم، والقلم عبد الحق، وجبرئيل عبد الجبار، وميكائيل عبد الوهاب، وإسرافيل عبد الفتاح، وعزرائيل عبد التواب، والسحاب عبد السلام، والريح عبد الاعلى، والبرق عبد المنعم، والرعد عبد الوكيل، والاحجار عبد الجليل، والتراب عبد العزيز، والطيور عبد القادر، والسبع عبدالعطاء، والجبل عبدالرفيع، والبحر عبد المؤمن، والحيتان عبدالمهيمن، وأهل الروم الحليم، وأهل مصر المختار، وأهل مكة الامين، وأهل المدينة الميمون، والزنج مهمت، والترك صانجي، والعرب الامي، والعجم أحمد. ألقابه: حبيب الله، صفي الله، نعمة الله، عبد الله، خيرة الله، خلق الله (1)، سيد المرسلين، إمام المتقين، خاتم النبيين، رسول الحمادين، رحمة العالمين، قائد الغر المحجلين، خير البرية، نبي الرحمة، صاحب الملحمة (2)، محلل الطيبات، محرم الخبائث، مفتاح الجنة، دعوة إبراهيم، بشرى عيسى، خليفة الله في الارض، زين القيامة ونورها وتاجها، صاحب اللواء يوم القيامة،


(1) في المطبوع: خير خلق الله. (2) الملحمة: الموقعة العظيمة. القتل في الحرب.

[ 105 ]

واضع الاصر والاغلال، أفصح العرب، سيد ولد آدم، ابن العواتك (1)، ابن الفواطم (2)، ابن الذبيحين، ابن بطحاء مكة، العبد المؤيد، والرسول المسدد، والنبي المهذب، والصفي


(1) قال اليعقوبي في تاريخه 2: 99: واللاتي ولدنه من العواتك اثنتا عشرة عاتكة: عشر منهن مضريات وقحطانية وقضاعية، والمضريات ثلاث من قريش، وثلاث من سليم، وعدوانيتان، وهذلية وأسدية، فأما القرشيات فولدنه من قبل أسد بن عبد العزى، ام اسد بن عبد العزى الحطيا وهي ريطة بنت كعب بن سعد بن يتم بن مرة، وأمها قيلة بنت حذافة بن جمح، وامها امية بنت عامر بن الحان بن الحارث وهو غسان بن خزاعة، وامها عاتكة بنت هلال بن وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، وام هلال بن وهيب عاتكة بنت عتوارة بن الطرب بن الحارث بن فهر، وامها عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة بن خزيمة. وأما السليميات فولدته من قبل هاشم، ام هاشم بن عبدمناف عاتكة بنت مرة بن سليم بن منصور، وام مرة بن هلال عاتكة بنت مرة بن عدي بن سليمان بن قصى بن خزاعة، ويقال: هي عاتكة بنت جابرين قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم. وأما العدوانيتان فولدتاه من قبل امهات أبيه عبد الله، ومن قبل مالك بن النضر، فأما التى ولدته من قبل عبد الله فهى السابعة من امهاته، ويقال: الخامسة، وهي عاتكة بنت عامر بن ظرب بن عمرو بن يشكر بن الحارث، ومن قال: الخامسة فيقول: عاتكة بنت عبد الله بن الحارث بن وائلة ابن ظرب بن عمرو، وأما العدوانية الثالثة فام مالك بن النضر بن كنانة. وهي عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان. وأما الهذلية فولدته من قبل هاشم، وام هاشم عاتكة بنت مرة بن هلال، وامها ماوية بنت حورة بن عمرو بن سلول بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، فام معاوية بن بكر بن هوازن عاتكة بنت سعد بن هذيل. وأما الاسدية فولدته من قبل كلاب بن مرة، وهي الثالثة من امهاته وهى عاتكة بنت دودان بن اسد بن خزيمة. وأما القحطانية فولدته من قبل غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وام غالب ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة، وامها سلمى بنت طابخة بن إلياس بن مضر، وامها عاتكة بنت الازد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعر بن قحطان. وأما القضاعية فولدته من قبل كعب بن لوى وهى الثالثة من امهاته: عاتكة بنت رشدان بن قيس ابن جهينة بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة انتهى. أقول: قوله في السليميات: مرة بن سليم، أي مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة ابن سليم بن منصور. فقد اختصره، واسقط الثالثة من السليميات أيضا وهي ام هلال بن فالج عاتكة بنت عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة. قد أورد ذلك البغدادي في المحبر، وفيه ما قال اليعقوبي مع اختلاف في بعض الاسماء. (2) ذكر اليعقوبي في تاريخه 2: 101 الفواطم قال: أخبرني النسابون أنه ولدته من الفواطم أربع فواطم: قرشية، وقيسيتان وأزدية، فأما القرشية فولدته من قبل أبيه عبد الله وهي فاطمة بنت =

[ 106 ]

المقرب، والحبيب المنتجب، والامين المنتخب، صاحب الحوض والكوثر، والتاج والمغفر، والخطبة والمنبر، والركن والمشعر، والوجه الانور، والخد الاقمر، والجبين الازهر، و الدين الاظهر، والحسب الاطهر، والنسب الاشهر، محمد خير البشر، المختار للرسالة، الموضح للدلالة، المصطفى للوحي والنبوة، المرتضى للعلم والفتوة والمعجزات والادلة، نور في الحرمين، شمس بين القمرين، شفيع من في الدارين، نوره أشهر، وقلبه أطهر، وشرائعه أظهر، وبرهانه أزهر، وبيانه أبهر، وامته أكثر، صاحب الفضل والعطاء، والجود والسخآء، والتذكرة والبكاء، والخشوع والدعآء، والانابة والصفاء، والخوف والرجاء، والنور و الضيآء، والحوض واللواء، والقضيب والرداء، والناقة العضباء، والبغلة الشهبآء، قائد الخلق يوم الجزآء، سراج الاصفياء، تاج الاولياء، إمام الاتقياء، خاتم الانبياء، صاحب المنشور والكتاب، والفرقان والخطاب، والحق والصواب، والدعوة والجواب، وقائد الخلق يوم الحساب، صاحب القضيب العجيب، والفناء الرحيب (1)، والرأي المصيب، المشفق على البعيد والقريب، محمد الحبيب، صاحب القبلة اليمانية، والملة الحنيفية، والشريعة المرضية، والامة المهدية، والعترة الحسنية والحسينية، صاحب الدين والاسلام، والبيت الحرام، والركن والمقام، والصلاة والصيام، والشريعة والاحكام، والحل والحرام، صاحب الحجة والبرهان، والحكمة والفرقان، والحق والبيان، والفضل والاحسان، والكرم والامتنان، والمحبة والعرفان، صاحب الخلق الجلي، والنور المضيئ، والكتاب البهي، والدين الرضي، الرسول النبي الامي، صاحب الخلق العظيم، والدين القويم، والصراط المستقيم، والذكر الحكيم، والركن والحطيم، صاحب الدين والطاعة، والفصاحة والبراعة، و


= عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. والقيسيتان: ام عمرو بن عائذ بن عمران، وهي فاطمة بنت ربيعة بن عبد العزى بن رزام بن بكر بن هوازن، وامها فاطمة بنت الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور. والازدية: ام قصى بن كلاب، وهي فاطمة بنت سعد بن سهل (سيل - المحبر) انتهى أقول: وزاد البغدادي في المحبر في الاخير واحدة قال: وام بنى قصى حبى بنت حليل بن حبشية بن كعب بن سلول الخزاعية، وام حبى فاطمة بنت نصر بن عوف بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن خزاعة. (1) الفناء بالكسر: الساحة أمام البيت. الرحيب: المتسع.

[ 107 ]

الكر (1)، والشجاعة، والتوكل والقناعة، والحوض والشفاعة، صاحب الدين الظاهر، والحق الزاهر، والزمان الباهر، واللسان الذاكر، والبدن الصابر، والقلب الشاكر، والاصل الطاهر، والآباء الاخاير، والامهات الطواهر، صاحب الضيآء والنور، والبركة والحبور (2)، واليمن والسرور، واللسان الذكور (3)، والبدن الصبور، والقلب الشكور، والبيت المعمور. كناه: أبو القاسم، وأبو الطاهر، وأبو الطيب، وأبو المساكين، أبو الدرتين، وأبو الريحانتين، وأبو السبطين. وفي التوراة أبو الأرامل، وكناه جبرئيل بأبي إبراهيم لما ولد إبراهيم، وإنما يكنى بأبي القاسم بأول ولد يقال له: القاسم، ويقال: لانه يقسم الجنة يوم القيامة. صفاته: راكب الجمل، آكل الذراع، قابل الهدية، محرم الميتة، حامل الهراوة (4)، خاتم النبوة. نسبه: العربي التهامي، الابطحي اليثربي، المكي المدني، القرشي الهاشمي المطلبي، فهو من جهة الاب هاشمي، ومن جهة الام زهري، ومن الرضاع سعدي، و من الميلاد مكي، ومن الانشاء مدني (5). 41 - قب: أفراسه: الورد، أهداه التميم الداري، والطرب سمي لحسن صهيله (6)، ويقال: هو الطرف (7)، واللزاز وقد أهداه المقوقس، سمي بذلك لانه كان ملززا موثقا، واللحيف أهداه ربيعة بن أبي البرا، وسمي بذلك لانه كان كالملتحف بعرفه، والصحيح


(1) الكر بالفتح: الحملة في الحرب. (2) الحبور: السرور. النعمة. (3) الذكور: الكثير الذكر. (4) الهراوة: العصا الضخمة كهراوة الفأس والمعلول، وبالفارسية: " جوب دستى ". (5) مناقب آل أبي طالب 1: 102 - 106 للطبعة الاولى في ايران. (6) سمى لتشوقه وحسن صهيله. (7) في هامش النسخة: الظرب ظ، وكلمة (ظ) علامة للظاهر. (*)

[ 108 ]

أنه الورد الذي أعطاه الداري، وسماه النبي صلى الله عليه واله اللحيف، والمرتجز (1)، وهو المشترى من الاعرابي الذي شهد فيه خزيمة، والسكب وكان أول فرس ركبه، وأول ما غزا عليه في احد، وكان ابتاعه من رجل من فزارة، ويقال اسمه: بريدة الملاح، ومنها اليعسوب، والسبحة، وذو العقال، والملاوح، وقيل: مراوح. بغاله: أهدى إليه المقوقس دلدل، وكانت شهباء فدفعها إلى علي عليه السلام، ثم كانت للحسن عليه السلام ثم للحسين عليه السلام، ثم كبرت، وعميت، وهي أول بغلة ركبت في الاسلام، وقال التاريخي: أهدى إليه فروة بن عمرو الجذامي بغلة يقال لها: فضة. حمره: أهدى له المقوقس يعفور مع دلدل، وأعطاه فروة الجذامي عفير مع فضة. ابله: العضباء وكانت لا تسبق، والجدعاء، والقصواء، ويقال: القضوآء، وهي ناقة اشتراها النبي صلى الله عليه واله من أبي بكر بأربع مأة درهم، وهاجر عليها، ثم نفقت عنده، و الصهباء، ومنها البغوم (2)، والغيم، والنوق، ومروة، وكان له عشر لقاح يحلبها يسار كل ليلة قرينتين (3) عظيمتين يفرقهما على نسائه، منها: مهرة، أرسل بها سعد بن عبادة و الشقراء، والريا ابتاعهما بسوق النبط، والحباء (4)، والسمرا والعريس والسعدية والبغوم واليسيرة وبردة وكانت منائح رسول الله صلى الله عليه واله سبع اعنز يرعاهن ابن ام أيمن، وهي عجوة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورسة، وأطلال، وأطواف، وكانت له مائة من الغنم، وكان محزنبق (5) أحد بني النضير حبرا عالما أسلم، وقاتل مع رسول الله، وأوصى بماله


(1) سمى بذلك لحسن صهيله. (2) اليعوم خ ل صح. (3) قربتين خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) الخبا خ ل. (5) هكذا في النسخة، والصحيح كما في السيرة النبوية والامتاع والطبري: مخيريق، قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وآله في احد، وقال حين خرج: ان اصبت فاموالى لمحمد صلى الله عليه وآله يضعها حيث أراد الله.

[ 109 ]

لرسول الله صلى الله عليه واله، وهو سبع حوائط، وهي المبيت (1)، والصائفة (2)، والحسنى، وبرقة (3)، والعواف، والكلا (4)، ومشربة ام إبراهيم، وكان له صفايا (5) ثلاثة: مال بني النضير، وخيبر، وفدك، فأعطى فدك والعوالي (6) فاطمة عليها السلام وروي أنه وقف عليها، وكان له من الغنيمة الخمس، وصفي يصطفيه من المغنم ما شاء قبل القسمة، وسهمه مع المسلمين كرجل منهم، وكانت له الانفال، وكان ورث من أبيه ام أيمن فأعتقها، وورث خمسة أجمال أوارك (7) وقطعة (8) غنم وسيفا.


(1) الميثب خ ل، أقول: وهكذا أيضا في من لا يحضره الفقيه، وهو بكسر الميم، ثم الياء، ثم الثاء، ذكره الطريحي في مجمع البحرين في وثب وقال: الميثب بكسر الميم: الارض السهلة وماء لعقيل، وماء بالمدينة احدى صدقاته صلى الله عليه واله انتهى، وقال الصدوق في من لا يحضره الفقيه: 541 بعد ما ذكر وصية فاطمة عليها السلام بحوائطها السبعة، وعد منها الميثب: المسموع من ذكر أحد الحوائط الميثب، ولكني سمعت السيد أبا عبد الله محمد بن الحسن الموسوي أدام الله توفيقه يذكر انها تعرف عندهم بالميثم. (2) الصافية خ ل. أقول: ذكرها الصدوق أيضا الصافية، وأوردها الطريحي في مجمع البحرين في (صفا) وقال الصافية: أحد الحيطان السبعة لفاطمة عليها السلام. (3) في من لا يحضره الفقيه: البرقة، وضبطها الطريحي في مجمع البحرين بضم الباء وسكون الراء وقال: أحد الحيطان السبعة الموقوفة على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة. (4) الدلال خ ل صح أقول: هو الموجود أيضا في من لا يحضره الفقيه، وأوردها الطريح في (دلل) وعدها من الحطيان السبعة. الصفايا: كل ما كان يأخذه النبي ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. (6) في النهاية: العوالي في غير موضع من الحديث، هي أماكن بأعلى أراضي المدينة، و أدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، وفي الصحاح: العالية ما فوق نجد إلى أرض تهامة، وإلى ما وراء مكة وهي الحجاز وما والاها. وسيأتى ذكر العوالي وفدك في المجلد الثامن حسب ترتيب المصنف المشتمل على ما وقع من الجور والظلم على أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله بعده. (7) أحمال أوراك خ ل. (8) قطيعة خ ل.

[ 110 ]

سيوفه: ذو الفقار، والمخذم، والرسوب، ورثه من أبيه، والعضب، أعطاه سعد بن عبادة، وأصاب من بني قينقاع بتارا، وحتفا، وسيفا قلعيا. رماحه: أصاب ثلاثا من بني قينقاع، وكان له رمح يقال له: المستوفي، وكان له عنزة يقال لها: المثنى، أنفذها النجاشي، ويقال: إن النجاشي أعطى للزبير عنزة، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه واله أعطاه إياها، فكان بلال يحملها بين يديه يوم العيد، ويخرج بها في أسفاره، فتركز بين يديه يصلي إليها، ويقولون: هي التي تحمل المؤذنون بين يدي الخلفاء. دروعه: ذات الفضول أعطاها سعد بن عبادة، والفضة، ودرعان أصابهما من بني قينقاع، وهما السعدية، وذات الوشاح، ويقال: كانت عنده درع داود التي لبسها لما قتل جالوت. قسيه: البيضاء، وكان من شوحط، والصفراء من نبع، والروحاء، أصاب هذه الثلاثة من بني قينقاع، والكرع ويقال: كرار، وكان له ترس يقال له: الزلوق، وترس فيه تمثال رأس كبش أذهبه الله، وكان له جعبة يقال لها: الكافورة، ودخل مكة وعلى رأسه مغفر يقال له: ذو السبوغ، ورأيته العقاب، ولواؤه أبيض، وكان له قضيب يسمى الممشوق، ومحجن ومخصرة تسمى العرجون، ومنطقة من أديم مبشور، فيها ثلاث حلق من فضة والابزيم، والطرف من فضة، وكان له قدح مضبب بثلاث ضبات فضة، وتور من حجارة يقال له: المخضب، وقدح من زجاج، ومغتسل من صفر، وقطيفة، وقصعة، وخاتم فضة نقشه: " محمد رسول الله " وأهدى له النجاشي خفين أسودين ساذجين، فلبسهما، وقالت عائشة: كان فراش النبي صلى الله عليه واله الذي يرقد فيه من أدم (1) حشوه ليف، وكانت ملحفته مصبوغة بورس أو زعفران، وكان يلبس يوم الجمعة برده الاحمر، ويعتم بالسحاب. ودخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وكانت له ربعة فيها مشط عاج ومكحلة ومقراش ومسواك، ويقال: ترك يوم مات عشرة أثواب: ثوب حبرة (2)، وإزارا عمانيا، وثوبين صحاريين، و


(1) الادم جمع الاديم: الجلد المدبوغ. (2) الحبرة: ضرب من برود أليمن.

[ 111 ]

قميصا صحاريا، وقميصا سحوليا، وجبة يمنية، وخميصة، وكساء أبيض، وقلانس صغارا لاطئة ثلاثا أو أربعا، وإزارا طوله ثلاثة أشبار، وتوفي في إزار غليظ من هذه اليمانية، وكساء يدعى بالملتدة، وكان له سرير أعطاه أسعد بن زرارة، وكان منبره ثلاثة مراقي من الطرفاء (1) إستعملت امرأة لغلام لها نجار اسمه ميمون، وكان مسجده بلا منارة، وكان بلال يؤذن على الارض، وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله يا منصور أمت، وقال لمزنية: ما شعاركم ؟ قالوا: حرام، قال: شعاركم حلال، وكان شعار المهاجرين يوم احد يا بني عبد الله، والخزرج يا بني عبد الرحمن، والاوس يا بني عبد الله (2). توضيح: في القاموس: الورد من الخيل بين الكميت والاشقر. وفي المنتقى: إن تميم الداري أهدى لرسول الله صلى الله عليه واله فرسا يقال له: الورد. قوله: لحسن صهيله، يظهر منه أنه صححه بالطاء المهملة، والمضبوط في سائر الكتب بالمعجمة، قال في النهاية: الظرب ككتف: الجبل الصغير، وفيه كان له صلى الله عليه واله فرس يقال له: الظرب تشبيها بالجبل لقوته، ويقال: ظربت حوافر الدابة، أي اشتدت وصلبت، وقال: فيه إنه كان اسم فرسه صلى الله عليه واله اللجيف، رواه بعضهم بالجيم، فإن صح فهو من السرعة، لان اللجيف سهم عريض النصل، ورواه بعضهم بالحاء المهملة لطول ذنبه، فعيل بمعنى فاعل، كأنه يلحف الارض بذنبه، أي يغطيها به. وقال: فيه إنه كان يوم بدر على فرس يقال له: سبحة، هو من قولهم: فرس سابح إذا كان حسن مد اليدين في الجري. وفي القاموس: السبحة بالفتح: فرس للنبي صلى الله عليه واله. وفي النهاية: فيه إنه كان للنبي صلى الله عليه واله فرس يقال له: ذو العقال، العقال بالتشديد: داء في رجلي الدواب، وقد يخفف، سمي به لدفع عين السوء عنه، وقال: في أسماء دوابه صلى الله عليه وآله إن اسم فرسه ملاوح، وهو الضامر الذي لا يسمن، والسريع العطش والعظيم الالواح (3)، وقال في الحديث: إنه خطب على ناقته القصواء: هو لقب ناقته، و


(1) الطرفاء: شجر يقال له بالفارسية: كز. (2) مناقب آل أبي طالب 1: 116 - 118. (3) لوح الجسد: عظمه ما خلا قصب اليدين والرجلين أو كل عظم منه فيه عرض كالكتف.

[ 112 ]

القصواء. الناقة التي قطع طرف اذنها، وكل ما قطع من الاذن فهو جدع، فإذا بلغ الربع فهو قصو، فإذا جاوز فهو عضب، فإذا استوصلت فهو صلم، ولم تكن ناقته صلى الله عليه واله قصواء، وإنما كان هذا لقبا لها، وقيل كانت مقطوعة الاذن انتهى. واللقاح جمع اللقوح وهي الناقة الحلوب. والمهرة بالضم: ولد الفرس وغيره أول ما ينتج، والمنيحة والمنحة: الغنم فيها لبن. أقول: ذكر جماعة من اللغويين وأهل السير والمناقب من العامة أن العضباء و الجدعاء والضر ماء والصلماء والمخضرمة كلها واحدة، وعدو اللقاح حنا وسمر وعريس و سعدية ويعوم ويسير وربى ومهرية وبردة. والمنايح: زمزم، وسقيا، وبركة، ودرسينة وأطلال وأطراف وعجر، قوله: أوارك قال الكازروني: أي تأكل الاراك، وقال الفيروزآبادي: العضب: القطع. والسيف. و قال: البتر: القطع، وسيف باتر وبتار، والحتف: الهلاك. أقول: وعدوا من سيوفه القضيب، وقالوا: إنه أول سيف حمله، والقضيب: السيف اللطيف الدقيق، ويقال: إنه وصف بصاحب القضيب بهذا المعنى. قوله: يقال له: المثنى، قيل، هو المثوى، وقيل: هما رمحان. قال الجزري: فيه إن رمح النبي صلى الله عليه واله كان اسمه المثوى، سمي به لانه يثبت المطعون به من الثوى: الاقامة. قوله: السعدية منهم من صححها بالعين المهملة، ومنهم بالمعجمة، ومنهم بالصاد والمعجمة، وزاد بعضهم في دروعه: الخريق والبتراء، والكازروني صححه الخرنق بالنون كزبرج، وقال: لعلها سميت بذلك تشبيها بالناقة إذا خرنقت، وإنما يقال لها: خرنقت: إذا كثر لحم جنبيها، كالخرنق وهو ولد الارنب. وقال الجزري: فيه كان لرسول الله صلى الله عليه واله درع يقال لها: البتراء، سميت بذلك لقصرها انتهى. والشوحط: شجر يتخذ منه القسي كالنبع، وعد من قسيه الكتوم، وقال الجزري: سميت به لانخفاض صوتها إذا رمى عنها ومنها السداد. قال الجزري: سميت به تفألا بإصابة ما يرمى عليها، وقال: فيه كان اسم ترسه صلى الله عليه واله الزلوق، أي تزلق عنه السلاح فلا يخرقه. قوله: أذهبه الله، روي أنه اهدي إليه صلى الله عليه واله ترس كان فيه تمثال كبش أو عقاب،

[ 113 ]

وكان صلى الله عليه واله يكرهه، فوضع يده عليه فمحاه الله، وقيل: إنه وضعه فلما أصبح لم ير فيه التمثال، وعد من أتراسه صلى الله عليه واله الفتق والوفر، واختلف في أن المصور كان أحد هذه الثلاثة أو غيرها، وقال الجزري: فيه إنه كان اسم كنانته الكافور، تشبيها بغلاف الطلع وأكمام الفواكه لانها تسترها وتقيها كالسهام في الكنانة انتهى. وقيل: كان اسم الجعبة المنصلة، وقيل: كان تسمى الجمع، وقال الجزري: سمي درعه صلى الله عليه واله ذو السبوغ لتمامها وسعتها، وقال بعضهم: كان ألويته صلى الله عليه واله بيضاء، وربما جعل فيها السواد، وربما كان من خمر نسائه، والمحجن بالكسر: عصا معوجة الرأس كالصولجان، وقال الجزري: فيه أنه خرج إلى البقيع ومعه مخصرة له، المخصرة: ما يختصر الانسان بيده فيمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة أو قضيب، وقد يتكئ عليه. قوله: مبشور أي مقشور، قال الجزري: بشرت الاديم: إذا أخذت باطنه بالشفرة. وقال الفيروزآبادي: الابزيم بالكسر: الذي في رأس المنطقة وما أشبهه، وهو ذو لسان يدخل فيه الطرف الآخر انتهى. والضب: اللصوق، والضبة: حديدة عريضة يضبب بها الباب، والتور: شبه الاجانة (1). وقال الجزري: الورس: نبت أصفر يصبغ به، وقال الربعة: إناء مربع كالجونة، وقال: فيه كفن رسول الله صلى الله عليه واله في ثوبين صحاريين، صحار: قرية باليمن نسب الثوب إليها، وقيل: هو من الصحرة، وهي حمرة خفية كالغبرة، يقال: ثوب أصحر وصحارى، وقال: فيه أنه كفن في ثلاثة أثواب سحولية، يروى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار، أو إلى سحول وهي قرية باليمن، وأما بالضم فهو جمع سحل، وهو الثوب الابيض النقي، ولا يكون إلا من قطن، وقيل: اسم القرية بالضم أيضا، وقال: الخميصة: ثوب خز أو صوف معلم (2)، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة. قوله، لاطئة أي لاصقة بالرأس، والملبد: المرقع. 42 - قب: قوله: محمد رسول الله قد سماه الله بهذا الاسم في أربعة مواضع: " وما محمد إلا رسول * ما كان محمد أبا أحد * وآمنوا بما نزل على محمد * ومحمد رسول الله " قال


(1) الاجانة: إناء تغسل فيه الثياب. (2) من أعلم الثوب: جعل له علما من طراز وغيره.

[ 114 ]

سيبويه: أحمد على وزن أفعل يدل على فضله على سائر الانبياء لانه ألف التفضيل، و محمد على وزن مفعل، فالانبياء محمودون، وهو أكثر حمدا من المحمود، والتشديد للمبالغة، يدل على أنه كان أفضلهم. أنس قال رجل في السوق: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه واله فقال الرجل: إنما أدعو ذاك، فقال صلى الله عليه واله: سموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي. أبو هريرة إنه قال: لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا اقسم. وروي أن قريشا لما بنت البيت وأرادت وضع الحجر تشاجروا في وضعه حتى كاد القتال يقع، فدخل رسول الله صلى الله عليه واله فقالوا: يا محمد الامين قد رضينا بك، فأمر بثوب فبسط ووضع الحجر في وسطه، ثم أمر من كل فخذ (1) من أفخاذ قريش أن يأخذ جانب الثوب، ثم رفعوا، فأخذه رسول الله صلى الله عليه واله بيده فوضعه. ويروي أنه كان يسمي الامين قبل ذلك بكثير وهو الصحيح (2). 43 - عم: البخاري في الصحيح عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد. وقيل: إن الماحي الذي يمحي به سيئات من اتبعه. وفي خبر آخر: المقفي، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، والخاتم، والغيث، والمتوكل، وأسماؤه في كتب الله السالفة كثيرة، منها مؤذ مؤذ بالعبرية في التوراة، وفارق في الزبور (3). 44 - كشف: من أسمائه صلى الله عليه واله أحمد، وقد نطق به القرآن أيضا، واشتقاقه من الحمد كأحمر من الحمرة، ويجوز أن يكون نعتا في الحمد، قال ابن عباس رضي الله عنه:


(1) الفخذ: ما انقسم فيه أنساب البطن كبنى هاشم وبنى امية. (2) مناقب آل أبي طالب 1: 162. (3) اعلام الورى: 6 وفيه: وفاروق في الزبور.

[ 115 ]

اسمه في التوارة أحمد الضحوك (1) القتال، يركب البعير، ويلبس الشملة، ويجتزي بالكسرة، سيفه على عاتقه. ومن أسمائه الماحي، عن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحى بي الكفر، وقيل: يمحى به سيئات من اتبعه، ويجوز أن يمحى به الكفر وسيئات تابعيه، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب وهو الذي لا نبي بعده، وكل شئ خلف شيئا فهو عاقب، والمقفي وهو بمعنى العاقب لانه تبع الانبياء يقال: فلان يقفو أثر فلان أي يتبعه. ومن أسمائه صلى الله عليه واله: الشاهد، لانه يشهد في القيامة للانبياء بالتبليغ، وعلى الامم أنهم (2) بلغوا، قال الله تعالى: " فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " أي شاهدا، وقال الله تعالى: " وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " والمبشر من البشارة، لانه بشر (3) أهل الجنة بالجنة، والنذير لاهل النار بالخزي نعوذ بالله العظيم، والداعي إلى الله لدعائه إلى الله وتوحيده وتمجيده، والسراج المنير، فلاضاءة الدنيا به، ومحو الكفر بأنوار رسالته، كما قال العباس عمه رضي الله عنه، يمدحه (4): وأنت لما ولدت أشرقت * الارض وضاءت بنورك الافق فنحن في ذلك الضياء وفي * النور وسبل الرشاد نخترق (5) ومن أسمائه: نبي الرحمة، قال الله عزوجل: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " قال صلى الله عليه واله: " إنما أنا رحمة مهداة " والرحمة في كلام العرب العطف والرأفة والاشفاق، وكان بالمؤمنين رحيما كما وصفه الله تعالى، وقال عمه أبو طالب رحمه الله يمدحه:


(1) الضحوك: الكثير الضحك. (2) في المصدر: بأنهم. (3) في المصدر: يبشر أهل الايمان بالجنة. (4) في المصدر: يمدحه شعرا. (5) خرق المفازة: قطعها حتى بلغ أقصاها. واخترق الارض: مر فيها عرضا على غير طريق.

[ 116 ]

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل (1) ومن أسمائه: نبي الملحمة، ورد في الحديث، والملحمة: الحرب، وسمي بذلك لانه بعث بالذبح، روي أنه سجد يوما فأتى بعض الكفار بسلى (2) ناقة فألقاه على ظهره، والسلى بالقصر: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي، فقال: يا معشر قريش أي جوار هذا ؟ والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح، فقام إليه أبو جهل ولاذ به من بينهم، وقال: يا محمد ما كنت جهولا، وسمي نبى الملحمة بذلك. ومن أسمائه صلى الله عليه واله: الضحوك كما تقدم أنه ورد في التوراة، وإنما سمي بذلك لانه كان طيب النفس، وقد ورد أنه كانت فيه دعابة، وقال: إني لامزح ولا أقول إلا حقا، وقال لعجوز: الجنة لا يدخلها العجز، فبكت فقال: إنهن يعدن أبكارا. وروي عنه مثل هذا كثير (3)، وكان يضحك حتى يبدو ناجده، وقد ذكر الله سبحانه لنبيه لينه ورقته، فقال: " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " وكذلك كانت صفته صلى الله عليه واله على كثرة من ينتابه (4) من جفات العرب، وأجلاف البادية، لا يراه أحد ذا ضجر، ولا ذا جفآء، ولكن لطيفا في المنطق، رفيقا في المعاملات، لينا عند الجوار، كان وجهه إذا عبست الوجوه دارة القمر عند امتلاء نوره، صلى الله عليه وآله الطاهرين.


(1) ثمال اليتامى: غياثهم الذي يقوم بأمرهم. وعصمة للارامل، العصمة: المنعة. والارامل: المساكين من رجال ونساء، ويقال لكل واحد من الفريقين على انفراده أرامل، وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالا، ومعناه يمنعهم من الضياع والحاجة. وقد يذكر الارمل والارملة ويريد بالاول من ماتت زوجته. وبالثانى الذي مات زوجها. (2) السلى: الجلد الرقيق الذى يخرج فيه الولد من بطن امه ملفوفا فيه، وقيل: هو في الماشية السلى، وفي الناس المشيمة والاول أشبه، لان المشيمة تخرج بعد الولد ولا يكون الولد فيها حين يخرج. قاله الجزري في النهاية، وقال الفيروزآبادي: المشيمة: محل الولد، ومثله قال غيره. (3) في المصدر: كثيرا. (4) انتابه: أتاه مرة بعد اخرى.

[ 117 ]

ومن أسمائه: القتال، سيفه على عاتقه، سمي بذلك لحرصه على الجهاد، ومسارعته إلى القراع، ودؤوبه (1) في ذات الله، وعدم إحجامه، ولذلك قال علي عليه السلام: كنا إذا احمر البأس اتقيناه برسول الله صلى الله عليه واله، لم يكن أحد أقرب (2) إلى العدو منه، وذلك المشهور من فعله يوم احد، إذ ذهب القوم في سمع الارض وبصرها، ويوم حنين إذ ولوا مدبرين، وغير ذلك من أيامه صلى الله عليه واله حتى أذل بإذن الله صناديدهم، وقتل طواغيتهم ودوحهم (3)، واصطلم جماهيرهم، وكلفه الله القتال بنفسه، فقال: " لا تكلف إلا نفسك " فسمي صلى الله عليه واله القتال. ومن أسمائه: المتوكل، وهو الذي يكل اموره إلى الله، فإذا أمره (4) بشئ نهض غير هيوب ولا ضرع (5)، واشتقاقه من قولنا: رجل وكل، أي ضعيف، وكان صلى الله عليه واله إذا دهمه (6) أمر عظيم، أو نزلت به ملمة (7) راجعا إلى الله عزوجل غير متوكل على حول نفسه وقوتها، صابرا على الضنك (8) والشدة، غير مستريح إلى الدنيا ولذاتها، لا يسحب إليها ذيلا، وهو القائل: " ما لي وللدنيا إنما مثلي والدنيا كراكب أدركه المقيل في أصل شجرة فقال (9) في ظلها ساعة ومضى ". وقال صلى الله عليه واله: " إذ أصبحت آمنا في سربك (10)، معافى في بدنك، عندك قوت يومك


(1) دأب دؤوبا في العمل: جد وتعب واستمر عليه. وأحجم عن الامر: كف أو نكص هيبة. (2) في المصدر: لم يكن منا أحد أقرب. (3) أي وفرقهم. وفي المصدر: دوخهم بالمعجمة أي ذللهم. (4) في المصدر: فإذا أمره الله. (5) ضرع: من ضعف وتذلل. (6) أي غشيه. (7) الملمة: النازلة الشديدة من نوازل الدنيا. (8) الضنك: الضيق من كل شئ. (9) قال يقيل قيلولة: نام في منتصف النهار. (10) السرب بالفتح والكسر: الطريق، وبتحريك الراء: حجر الوحشى. وما في الحديث هو المعنى الاول، أو الثاني كناية عن البيت. ويأتى السرب بالكسر أيضا بمعنى القلب والنفس، فيكون المعنى آمنا في نفسك.

[ 118 ]

فعلى الدنيا العفاء " وقال لبعض نسائه: " ألم أنهك أن تحبسي شيئا لغد فإن الله يأتي برزق كل غد ". ومن أسمائه صلى الله عليه واله: القثم، وله معنيان: أحدهما من القثم وهو الاعطاء لانه كان أجود بالخير من الريح الهابة، يعطي فلا يبخل، ويمنح فلا يمنع، وقال الاعرابي الذي سأله: إن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر. وروي أنه أعطى يوم هوازن من العطايا ما قوم خمسمائة ألف ألف وغير ذلك مما لا يحصى، والوجه الآخر أنه من القثم وهو الجمع يقال للرجل الجموع للخير: قثوم وقثم، كذا حدث به الخليل، فإن كان هذا الاسم من هذا فلم تبق منقبة رفيعة ولا خلة (1) جليلة ولا فضيلة نبيلة إلا وكان لها جامعا، قال ابن فارس: والاول أصح وأقرب. ومن أسمائه: الفاتح: لفتحه أبواب الايمان المنسدة، وإنارته الظلم المسودة، قال الله تعالى في قصة من قال: " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق " أي احكم، فسمي صلى الله عليه واله فاتحا لان الله سبحانه حكمه في خلقه يحملهم على المحجة البيضاء، ويجوز أن يكون من فتحه ما استغلق من العلم، وكذا روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول في صفته: " الفاتح لما استغلق " والوجهان متقاربان. ومن أسمائه صلى الله عليه واله: الامين، وهو مأخوذ من الامانة وأدائها، وصدق الوعد، وكانت العرب تسميه بذلك قبل مبعثه، لما شاهدوه من أمانته، وكل من أمنت منه الخلف والكذب فهو أمين، ولهذا وصف به جبرئيل عليه السلام فقال: " مطاع ثم أمين ". ومن أسمائه صلى الله عليه واله: الخاتم، قال الله تعالى: " وخاتم النبيين " من قولك: ختمت الشئ أي تممته، وبلغت آخره، وهي خاتمة الشئ وختامه، ومنه ختم القرآن " وختامه مسك " أي آخر ما يستطعمونه عند فراغهم من شربه ريح المسك، فسمي به لانه آخر النبيين بعثة (2) وإن كان في الفضل أولا قال صلى الله عليه واله: " نحن الآخرون السابقون يوم


(1) في نسخه من المصدر: الخصلة. والمعنى واحد. (2) فهو تمم النبوة بمجيئه، فلا يأتي بعده نبي ولا رسول.

[ 119 ]

القيامة " يريد أنهم اتوا الكتاب من قبلنا، واوتيناه من بعدهم، فأما المصطفى فقد شاركه فيه الانبياء صلى الله عليه وعليهم أجمعين، ومعنى الاصطفاء الاختيار، وكذلك الصفوة والخيرة، إلا أن اسم المصطفى على الاطلاق ليس إلا له صلى الله عليه واله، لانا نقول: آدم مصطفى، نوح مصطفى، إبراهيم مصطفى، فإذا قلنا: المصطفى تعين صلى الله عليه واله، وذلك من أرفع مناقبه وأعلى مراتبه. ومن أسمائه صلى الله عليه واله، الرسول النبي الامي، والرسول والنبى، قد شاركه فيهما الانبياء عليهم السلام والرسول من الرسالة والارسال، والنبي يجوز أن يكون من الانباء: الاخبار (1)، ويحتمل أن يكون من نبأ: إذا ارتفع، سمي بذلك لعلو مكانه، ولانه خيرة الله من خلقه، وأما الامي فقال قوم: إنه منسوب إلى مكة، وهي ام القرى، كما قال تعالى: " بعث في الاميين رسولا " وقال آخرون: أراد الذي لا يكتب، قال ابن فارس: وهذا هو الوجه، لانه أدل على معجزه، وإن الله (2) علمه علم الاولين والآخرين، ومن علم الكائنات ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو امي، والدليل عليه قوله تعالى: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون " وروي عنه: " نحن امة امية لا نقرء ولا نكتب " وقد روي غير هذا. ومن أسمائه صلى الله عليه واله: يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، ومعناهما واحد، يقال: زمله في ثوبه أي لفه، وتزمل بثيابه أي تدثر، والكريم في قوله تعالى: " إنه لقول رسول كريم " وسماه نورا في قوله تعالى: " ولقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ". ونعمة في قوله تعالى: " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها " وعبدا في قوله تعالى: " نزل الفرقان على عبده " لا تدعني (3) إلا بيا عبده، فإنه أشرف أسمائي، ورؤوفا ورحيما في قوله تعالى: " بالمؤمنين رؤوف رحيم " وسماه عبد الله في قوله: " وإنه لما قام عبد الله يدعوه " وسماه طه ويس ومنذرا في قوله تعالى: " إنما أنت منذر " ومذكرا في قوله تعالى: " إنما أنت مذكر ".


(1) في طبعة: وهو الاخبار. (2) في المصدر: فان الله. (3) هكذا في النسخة والمصدر، واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: وقال: لا تدعني.

[ 120 ]

ونبي التوبة، وروى البيهقي في كتاب دلائل النبوة بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: " إن الله خلق الخلائق قسمين فجعلني في خيرهما قسما، وذلك قوله تعالى: " وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال " فأنا من أصحاب اليمين، وأنا من خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرهما ثلثا " وقد رواه ابن الاخضر الجنابذي، وذكر في كتابه معالم العترة النبوية، فذلك قوله: " وأصحاب الميمنة * وأصحاب المشئمة * والسابقون السابقون " فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الا ثلاث قبائل فجعلني في خيرهما قبيلة، وذلك قوله تعالى: " جعلناكم شعوبا وقبائل (1) " فأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا، وذلك قوله عزوجل: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب (2). قال عمه أبو طالب رضي الله عنه (3): وشق له من اسمه كي يجله * فذو العرش محمود وهذا محمد وقيل: إنه لحسان (4) من قصيدة أولها: ألم تر أن الله أرسل عبده * وبرهانه والله أعلى وأمجد ومن صفاته صلى الله عليه واله التي وردت في الحديث: راكب الجمل، ومحرم الميتة، وخاتم النبوة، وحامل الهراوة، وهي العصا الضخمة، والجمع الهراوى، بفتح الواو مثال المطايا، ورسول الرحمة، وقيل: إن اسمه في التوراة مادماد، وصاحب الملحمة، وكنيته أبو الأرامل، واسمه في الانجيل الفارقليط، وقال: " أنا الاول والآخر " أول في النبوة (5)، وآخر في البعثة، وكنيته أبو القاسم، وروى أنس أنه لما ولد له إبراهيم من مارية القبطية أتاه


(1) في المصدر: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. (2) زاد في المصدر هنا: وقد رواه ابن الاخضر في كتاب (به خ) معالم العترة النبوية. (3) قبله: لقد أكرم الله النبي محمدا * فأكرم خلق الله في الناس أحمد. (4) بل ضمن حسان قصيدته هذا البيت. (5) في المصدر: لانه أول في النبوة.

[ 121 ]

جبريل عليه السلام فقال: السلام عليك أبا إبراهيم، أو يا أبا إبراهتم صلى الله عليه واله (1). توضيح: قال في النهاية: الموت الاحمر: القتل، لما فيه من حمرة الدم أو لشدته، يقال: موت أحمر، أي شديد، ومنه حديث علي عليه السلام: " كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه واله " أي إذا اشتدت الحرب استقبلنا العدو به، وجعلناه لنا وقاية، وقيل: أراد إذا اضطرمت نار الحرب وتسعرت، كما يقال في الشر بين القوم: اضطرمت نارهم، تشبيها بحمرة النار، وكثيرا ما يطلقون الحمرة على الشدة، وقال: في حديث قيلة: " لا تخبر اختي فتتبع أخا بكر بن وائل سمع الارض وبصرها " يقال: خرج فلان بين سمع الارض وبصرها: إذا لم يدر أين يتوجه لانه يقع على الطريق، وقيل: أرادت بين طول الارض وعرضها، وقيل: أرادت بين سمع أهل الارض وبصرها، فحذفت المضاف، ويقال للرجل إذا غرر بنفسه وألقاها حيث لا يدري: أين هو ؟ ألقى نفسه بين سمع الارض وبصرها، وقال الزمخشري: هو تمثيل، أي لا يسمع كلامهما ولا يبصرهما إلا الارض، يعني اختها والبكري الذي تصحبه. وقال في قوله عليه السلام: " فعلى الدنيا العفآء " أي الدروس، وذهاب الاثر، وقيل: العفاء: التراب. 45 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يلبس من القلانس اليمنة (2) والبيضاء والمضربة وذات الاذنين في الحرب، وكانت عمامته السحاب، وكانت (3) له برنس يتبرنس به (4). بيان: قال الجزري: البرنس هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة، أو جبة أو ممطر أو غيره، قال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان يلبسها النساك في صدر الاسلام. 46 - كا: علي عن أبيه: عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا (5)، عن أبي عبد الله


(1) كشف الغمة: 64. (2) في المصدر: اليمنية. وكلاهما صحيحان. (3) والصحيح كما في المصدر: وكان. (4) فروع الكافي 2: 208. (5) في المصدر: بعض أصحابه.

[ 122 ]

عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يلبس قلنسوة بيضاء مضربة، وكان يلبس في الحرب قلنسوة لها اذنان (1). 47 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان خاتم رسول الله صلى الله عليه واله من ورق (2). 48 - كا: محمد بن يحي، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، و معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان خاتم رسول الله عليه السلام من ورق، قال: قلت له: كان فيه فص ؟ قال: لا (3). 49 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن هاشم (4)، عن أبي خديجة قال: الفص مدور، وقال: هكذا كان خاتم رسول الله صلى الله عليه واله (5). 50 - كا: العدة، عن سهل، عن جعفر بن محمد الاشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام إن النبي صلى الله عليه واله كان يتختم بيمينه (6). 51 - ثو: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن يوسف بن السخت، عن الحسن بن سهل، عن ابن مهزيار قال: دخلت على أبي الحسن موسى عليه السلام فرأيت في يده خاتما فصة (7) فيروزج نقشه " الله الملك "، قال: فأدمت النظر إليه فقال: ما لك تنظر فيه ؟ هذا حجر أهداه جبرئيل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه واله من الجنة، فوهبه رسول الله صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام (8). 52 - كا: العدة، عن سهل، عن بعض أصحابه، عن واصل بن سليمان، عن عبد الله


(1) الفروع 2: 208. (2) الفروع 2: 210. (3) الفروع 2: 210. (4) هكذا في النسخة المخطوطة والمطبوعة، والصحيح كما في المصدر: عبد الرحمن بن أبى هاشم راجع كتب الرجال. (5) الفروع 2: 210. (6) الفروع 2: 210. وفيه: في يمينه. (7) فصه خ. (8) ثواب الاعمال: 169 و 170.

[ 123 ]

ابن سنان قال: ذكرنا خاتم رسول الله صلى الله عليه واله، فقال تحب أن اريكه ؟ فقال: نعم، فدعا بحق مختوم ففتحه وأخرجه في قطنة، فإذا حلقة فضة، وفيه فص أسود، عليه مكتوب سطران: محمد رسول الله، قال: ثم قال: إن فص النبي صلى الله عليه واله أسود (1). 53 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه واله وقائمته فضة، وبين ذلك حلق من فضة، ولبست درع رسول الله صلى الله عليه واله فكنت أسحبها (2) وفيها ثلاث حلقات فضة من بين يديها وثنتان من خلفها (3). بيان: قال الجزري: فيه كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه واله من فضة، نعل السيف: الحديدة التي تكون في أسفل القراب انتهى، وقائم السيف وقائمته: مقبضه. 54 - كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن مثنى، عن حاتم ابن إسماعيل، عن أبي عبد الله عليه السلام إن حلية سيف رسول الله عليه السلام كان فضة كلها، قائمه وقباعه (4). بيان: قال الجزري: فيه كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه واله من فضة، هي التي تكون على رأس قائم السيف، وقيل هي ما تحت شاربي السيف (5). 55 - كا. علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن عطية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما تختم رسول الله صلى الله عليه واله إلا يسيرا حتى تركه (6). 56 - كا: العدة، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) الفروع 2: 212. (2) أي أجرها على الارض لانها كانت أطول من قامتى. (3) الفروع 2: 212. (4) الفروع 2: 212. (5) في القاموس: الشاربان: انفان طويلان في أسفل قائم السيف. (6) الفروع 2: 210. أقول: قوله: ما تختم الا يسيرا لعل المعنى في خاتم ذهب، وهو اشارة إلى حديث ورد أن النبي صلى الله عليه وآله تختم في يساره بخاتم من ذهب ثم خرج على الناس فطفق ينظرون إليه فوضع يده اليمنى على خنصره اليسرى حتى رجع إلى البيت فرمى به فما لبسه.

[ 124 ]

قال: كان نقش خاتم النبي صلى الله عليه واله محمد رسول الله صلى الله عليه واله (1). 57 - العدة، عن سهل، عن محمد بن عيسى، عن الحسين بن، خالد، عن الرضا عليه السلام مثله (2). 58 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن شمون، عن الاصم، عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت برة ناقة رسول الله صلى الله عليه واله من فضة (3). بيان: البرة بالضم: حلقة تجعل في لحم الانف. 59 - كا: علي، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبان عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان في منزل رسول الله صلى الله عليه واله زوج حمام أحمر (4). 60 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن أشيم، عن صفوان قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن ذي الفقار سيف رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: نزل به جبرئيل عليه السلام من السماء، وكانت (5) حلقته فضة (6). 61 - كا: حميد، عن عبيدالله الدهقان، عن الطاطري، عن محمد بن زياد، عن أبان عن يحيى، عن (7) أبي العلا قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: درع رسول الله صلى الله عليه واله: ذات الفضول لها حلقتان من ورق في مقدمها، وحلقتان من ورق في مؤخرها، وقال: لبسها علي عليه السلام يوم الجمل (8). 62 - وبهذا الاسناد، عن أبان، عن أبي بصير قال: كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه واله


(1) الفروع 2: 211. وللحديث ذيل أورده في باب نقش أمير المؤمنين عليه السلام. (2) الفروع 2: 212. وللحديث صدر وذيل. (3) الفروع 2: 230. (4) الفروع 2: 232. (5) وكانت حليته من فضة. (6) روضة الكافي: 267. (7) هكذا في نسخة المصنف وغيره، وفيه وهم، والصحيح كما في المصدر: يحيى بن أبى العلاء. (8) روضة الكافي: 331.

[ 125 ]

القصواء، إذا نزل عنها علق عليها زمامها، قال: فتخرج فتأتي المسلمين فيناولها الرجل الشئ، ويناولها هذا الشئ، فلا تلبث أن تشبع، قال فأدخلت رأسها في خباء سمرة بن جندب فتناول عنزة فضرب بها على رأسها فشجها، فخرجت إلى النبي صلى الله عليه واله فشكته (1). 63 - أقول: روى الكازروني في المنتقى بإسناده عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يلبس القلانس تحت العمائم وبغير العمائم، ويلبس العمائم بغير القلانس، وكان رسول الله صلى الله عليه واله يلبس القلانس اليمانية، ومن البيض المضربة، ويلبس ذوات الآذان في الحرب، ما كان من السيجان الخضر، وكان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه و هو يصلي، وكان من خلق رسول الله صلى الله عليه واله أن يسمي سلاحه ومتاعه ودوابه، وكان للنبي صلى الله عليه وآله أربعة أسياف: المجذم، والرسوب أهداهما له زيد الخير، وكان له أيضا القضيب وذو الفقار صار إليه يوم بدر، وكان للعاص بن منبه بن الحجاج، وكان لا يفارقه في الحرب، وكان قباع سيفه وقائمته وحلقته وذوابته وبكراته ونعله من فضة، وكانت له حلقتان في الحمائل في موضعها من الظهر، وكانت له أربع أدراع: ذات الوشاح: والبتراء، وذات المواشي، والخرنق، وقيل: كانت عنده درع داود النبي عليه السلام التي كان لبسها يوم قتل جالوت، وكانت له أربعة أفراس: المرتجز، وذو العقال، والسكب، والشحاء، ويقال البحر، وكان يركب البحر، وكان كميتا (2)، وكانت منطقته من أديم مبشور فيها ثلاث حلق من فضة، والابزيم (3)، والحلق على صنعة الفلك المضروبة من فضة، وكان اسم رمحه المثوى، وكانت له حربة يقال لها: العنزة، وكان يمشي بها ويدعم (4) عليها، وكانت تحمل بين يديه في الاعياد، فيركزها أمامه، ويستتر بها ويصلي، وكان له محجن قدر ذراع يمشي به، ويركب به، ويعلقه بين يديه على بعيره.


(1) روضة الكافي: 332. قوله: فشكته إما باللسان أو بالاشارة، وعلى التقديرين فهو من معجزاته صلى الله عليه وآله. قاله المصنف في مرآت العقول. (2) الكميت: ما كان لونه بين الاسود والاحمر. (3) تقدم تفسير ألفاظه الغريبة. (4) أي يسند ويتكئ عليها.

[ 126 ]

وفي رواية: ويأخذ الشئ، وكانت له مخصرة تسمى العرجون، وكان اسم قوسه الكتوم، واسم كنانته الكافور، ونبله الموتصلة، وترسه الزلوق، ومغفره ذو السبوغ، واسم عمامته السحاب، واسم ردائه الفتح، واسم رآيته العقاب، وكانت سوداء من صوف، وكانت ألويته بيضاء وربما جعل فيها السواد، وربما كان من خمر نسائه، وكانت له بغلة شهباء يقال لها: الدلدل، أهداها له المقوس ملك الاسكندرية، وهي التي قال لها في بعض الاماكن: اربضي دلدل فربضت، وكان علي عليه السلام يركبها بعد رسول الله صلى الله عليه واله، وقال غير ابن عباس، وكان يركبها الحسن بعد علي، ثم ركبها الحسين، ومحمد بن الحنفية حتى كبرت وعميت، فدخلت مطبخة لبني مذحج فرماها رجل بسهم فقتلها، وكانت له بغلة يقال لها: الايلية، وكانت محذوفة (1) طويلة، كأنها تقوم على رماح، حسنة السير، فأعجبته، وكان له حمار يدعى عفيرا، قال صلى الله عليه واله له: اليعفور، وكان أخضر، وكانت له ناقة تسمى العضباء، ويقال: القصواء، وكانت صهباء، وكانت له شاة يشرب لبنها يقال لها: غينة، و يقال: غوثة، وكان له قدحان اسم أحدهما الريان، والآخر المضبب، وكان يسع كل واحد منهما قدر مد، فيه ثلاث ضبات حديد، وحلقة تعلق بها، وكان له تور من حجارة يقال له: المخضب والمخضد يتوضأ فيه، وكان له مخضب من شبه (2) يكون فيه الحنآء و الكتم (3) من حر كان يجده في رأسه صلى الله عليه واله، وكانت له أربعة اسكندرانية أهداها المقوقس ملك مصر، وكان له نعلان من السبت (4)، وكان له مخصرة ذات قبالين، وكانت صفراء، و كان له خفان ساذجان أهداهما النجاشي ملك الحبشة، وكان له سرير وقطيفة وقصعة وجارية اسمها روضة.


(1) في المصدر: مخذوفة، أقول: الخذوف من الدواب: السريعة السير. (2) الشبه: النحاس الاصفر. التى ترمى الحصى من سرعتها. التى ترفع رجليها إلى شق بطنها عند السير. (3) الكتم بالتحريك قيل: هو الوسمة وقيل: شئ يزرع مع الحناء ويشبه ورقه ورق الحناء ويطلع أعلى منه حتى يقع استظلال الحناء به، وبالضم: ورق نبت يجعل منه شئ يقال له بالفارسية: نيل. (4) السبت: الجلد المدبوغ.

[ 127 ]

وفي رواية اخرى عن ابن عباس أيضا أنه قال: كان لرسول الله صلى الله عليه واله سيف محلى قائمه من فضة، ونعله من فضة، وفيه حلق من فضة، وكان يسمى ذا الفقار، وكانت له قوس نبع (1) تسمى السداد، وكانت له كنانة تسمى الجمع، وكانت له درع وشجه بالنحاس تسمى ذات الفضول، وكانت له حربة تسمى البيضاء، وكان له مجن (2) يسمى الوفر، وكان له فرس أدهم يسمى السكب، وكانت له بغلة شهباء تسمى دلدل، وكانت له ناقة تسمى العضباء، وكان له حمار يسمى يعفور، وكان له فسطاط يسمى التركي، وكان له عنز يسمى اليمن، وكانت له ركوة تسمى الصادر، وكانت له مرآة تسمى المدلة، وكانت له مقراض تسمى الجامع، وكانت له قضيب شوحط يسمى الممشوق. وفي بعض الروايات أنه كان لرسول الله صلى الله عليه واله ناقة جدعاء، وفي رواية حزماء، وفي رواية صرماء، وفي رواية صلماء، وفي رواية مخضرمة، وهي التي قطع طرف اذنها، والتي هاجر عليها رسول الله صلى الله عليه واله كانت القصواء، وقيل: الجدعاء، ابتاعها أبو بكر بأربعمائة درهم، فهاجر صلى الله عليه واله عليها مع أبي بكر، وكانت عنده حتى نفقت، وكانت حين قدم رسول الله صلى الله عليه واله رباعية، قال بعض المحققين من علمائنا: هذه الصفات كلها كأنها لناقة واحدة كان باذنها ما عبر كل واحد من الرواة عنه بما يغلب على ظنه، وبما يعرفه منها. وروي عن موسى بن عبيد أنه سأل ابن عمريا أبا عبد الرحمن أكنتم تراهنون على عهد رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قال: نعم، لقد راهن على فرس يقال له: سبحة، فجاءت سابقة، فلهش (3) ذلك وأعجبه. وفي رواية عن سهل بن سعد قال: كان للنبي صلى الله عليه واله عند أبي سعد ثلاثة أفراس يعلفهن، وسمعت أبي يسميهن اللزاز، واللحيف، والظرب، وقيل: اللجيف، وقيل: إن تميم الداري أهدى له صلى الله عليه واله فرسا يقال له: الورد، فأعطاه عمر، وقيل: أول فرس ملكه رسول الله صلى الله عليه وآله كان فرسا ابتاعه بالمدينة من رجل من بني فزارة بعشرة اواق، وكان


(1) النبع: شجر تتخذ منه السهام والقسى. (2) المجن: كل ما وقى من السلاح. الترس. (3) أي فلقدهش، وسيفسره قريبا.

[ 128 ]

اسمه الظرب فسماه السكب، وكان أول ما غزى عليه في احد، ويقال: إن المرتجز هو الذي اشتراه صلى الله عليه واله من أعرابي من بني مرة فجحده فشهد له خزيمة بن ثابت، وكان فرسا أبيض. ثم قال: السيجان جمع الساج وهو الطيلسان. قوله: فجعلها سترة بين يديه يدل على طولها، لانه صلى الله عليه واله لما سئل عن قدر ما يستر المصلي، قال: مثل آخرة الرحل. و القضيب: السيف اللطيف في قول الاصمعي، تشبيها بالقضيب من الشجر، وقيل: بل القضيب من القضب بمعنى المقضوب، لا يسمى قضيبا إلا بعد القطع. والقباع: ما يضبب طرف قائمة السيف، وأكثر ما يقال له: القبيعة، والذوابة ما يعلق به من قائمه. والبكرات: الحلق. ونعلق السيف: حديدة تكون في آخر الغمد، كانت فضة في سيف رسول الله صلى الله عليه واله. والسكب الواسع الجري كأنه يسكب الارض، أي يصبها (1). وقال الجزري: يقال: ناقة شحوى، أي واسعة الخطو، ومنه أنه كان للنبي صلى الله عليه واله فرس يقال له الشحاء، هكذا روي بالمد وفسر بأنه الواسع الخطو. وقال الكازروني: وسمي بالبحر لسعة جريه. والفلك بكسر الفاء جمع فلكة للثدي، أو فلكة المغزل. والعنزة: رمح صغير. ويدعم عليها أي يتكئ. والعرجون: من عيدان العنب. والموتصله من الوصل، كأنه سمي بذلك تفألا بوصوله إلى العدو. و الدلدل لعلها سميت به تشبيها بالدلدل وهو القنفذ، أو بشئ يشبهه، فلعلها شبهت به لقلة سكونها. والايلية: منسوبة إلى قرية بالشام. والمحذوفة (2): المقطوعة الذنب. و العفير: تصغير الاعفر كسويد وأسود حذفت همزتهما. والقياس اعيفر، وهو لون أبيض تعلوه حمرة، ويعفور مثل أعفر كأخضر ويخضور. والسبت بالكسر: جلود البقر المدبوغة (3) وإنما سميت الركوة بالصادر لانه يصدر عنها بالري. والجامع في اسم المقراض لانه يجمع ما يراد قرضه به، وذلك من جودته. قوله: فلهش أي فلقدهش، يقال هش للمعروف،


(1) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: محذوفة ولعله مصحف. (3) في المصدر: والسبت: جلد لم يدبغ. أقول: فيه وهم والصحيح ما في الصلب.

[ 129 ]

أي اشتهاه، ورجل هش: طلق المحيا انتهى (1). 64 - وقال القاضي عياض في الشفاء: روي عن محمد بن جبير (2) قال رسول الله صلى الله عليه واله: لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، قد سماه الله في كتابه محمدا وأحمد، فمن خصائصه تعالى له أن ضمن أسماءه ثناءه، وطوى أثناء ذكر (3) عظيم شكره، فأما اسمه أحمد فأفعل مبالغة من صفة الحمد، ومحمد مفعل مبالغة من كثرة الحمد، فهو صلى الله عليه واله أجل من حمد، وأفضل من حمد، وأكثر الناس حمدا، فهو أحمد المحمودين، وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد يوم القيامة ليتم له كمال الحمد، ويتشهر في تلك العرصات بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقاما محمودا، كما وعده، يحمده فيه الاولون والآخرون بشفاعته لهم، ويفتح عليه من المحامد كما قال صلى الله عليه واله ما لم يعط غيره، وسمي امته في كتب أنبيائه بالحامدين، فحقيق أن يسمي محمدا وأحمد، ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصه، وبدايع آياته فن آخر، وهو أن الله جل اسمه حمى أن يسمى بهما أحد قبل زمانه، أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشرت به الانبياء فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل (4) لبس على ضعيف القلب، أو شك، وكذلك محمد أيضا لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد، فسمي قوم قليل أبنائهم لرجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وهم محمد بن احيحة بن الجلاح الاوسي، ومحمد بن مسلمة الانصاري، ومحمد بن براء (5) البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمران (6) الجعفي، ومحمد بن خزاعي


(1) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: محمد بن جبير، عن أبيه، أقول: هو الصواب، لانه محمد بن جبير بن مطعم ابن عدى بن نوفل المتوفى على رأس المائة، وهو تابعي. (3) في نسخة المصنف: ذكره. (4) في المصدر: حتى يدخل. (5) في المصدر: محمد بن بداء، وفي المحبر: محمد بن بر بن عتوارة بن عامر بن ليث بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة انتهى وقال شارح الشفاء: بداء بفتح موحدة، وتشديد دال مهملة بعدها الف ممدودة، وفي نسخة صحيحة بباء موحدة فراء ممدودة. وعده أبو موسى من الصحابة. (6) في المصدر: عمران، وفي المحبر وشرح الشفاء عن نسخة: حمران مثل ما في الصلب.

[ 130 ]

السلمي (1) لا سابع لهم، حتى تحققت السمتان له صلى الله عليه واله، ولم ينازع فيهما، وأما قوله: " وأنا الماحي " فقد ورد في الحديث في تفسيره أنه الذي محيت به سيئات من اتبعه، وقيل: معنى على قدمي، أي يحشر الناس بمشاهدتي، كما قال: " لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا " وروي عنه صلى الله عليه واله: لي عشرة أسماء، وذكر منه " طه ويس " حكاه مكي، وقد قيل في بعض التفاسير: " طه " أنه يا طاهر، يا هادي، وفي " يس " يا سيد، حكاه السلمي عن الواسطي، وعن جعفر بن محمد. ومن أسمائه صلى الله عليه واله: رسول الرحمة، ورسول الراحة، ورسول الملاحم. وفي حديثه صلى الله عليه واله قال: " أتاني ملك فقال لي: أنت قثم " أي مجتمع، والقثوم: الجامع للخير، ومن أسمائه صلى الله عليه واله: النور، والسراج المنير، والمنذر، والنذير، والمبشر، والبشير، والشاهد، والشهيد، والحق المبين، وخاتم النبيين، والرؤوف الرحيم، والامين، وقدم صدق، ورحمة للعالمين، ونعمة الله، والعروة الوثقى، والصراط المستقيم، والنجم الثاقب، والكريم، والنبي الامي، وداعي الله، والمصطفى، والمجتبى، وأبو القاسم، والحبيب، و رسول رب العالمين، والشفيع المشفع، والمتقي، والمصلح، والطاهر، والمهيمن، والصادق، والمصدق، والهادي، وسيد ولد آدم (2)، وإما المتقين، وقائد الغر المحجلين، وحبيب الله، وخليل الرحمن، وصاحب الحوض المورود والشفاعة، والمقام المحمود، وصاحب الوسيلة، و صاحب التاج والمعراج، واللواء والقضيب، وراكب البراق والناقة والنجيب، وصاحب الحجة والسلطان، والخاتم والعلامة والبرهان، وصاحب الهراوة والنعلين. ومن أسمائه صلى الله عليه واله في الكتب المتوكل، والمختار، ومقيم السنة، والمقدس، وروح القدس (3)، وهو معنى البار قليط في الانجيل، وقال تغلب: البار قليط: الذي يفرق بين الحق والباطل. ومن أسمائه صلى الله عليه واله في الكتب السالفة ماذ ماذ، ومعناه طيب طيب، وحمطايا، و


(1) ذكرهم أيضا البغدادي في المحبر: 130. (2) زاد في المصدر: وسيد المرسلين. (3) زاد في المصدر: وروح الحق.

[ 131 ]

الخاتم، والخاتم حكاه كعب الاحبار، وقال تغلب: فالخاتم الذي ختم الانبياء (1)، و الخاتم أحسن الانبياء خلقا وخلقا، ويسمى بالسريانية مشفح والمتخمنا (2)، واسمه أيضا في التوراة أحيد، روي ذلك عن ابن سيرين، ومعنى صاحب القضيب أي السيف، وقع ذلك مفسرا في الانجيل، قال: معه قضيب من حديد يقاتل به، وامته كذلك، وقد يحمل على أنه القضيب الممشوق الذي كان يمسكه، وأما الهراوة فهي العصا، وأراها العصا المذكورة في حديث الحوض، وأما التاج فالمراد به العمامة، ولم يكن حينئذ إلا للعرب، والعمائم تيجان العرب، وكانت كنيته المشهورة أبا القاسم، وعن أنس أنه لما ولد له إبراهيم جاء جبرئيل عليه السلام فقال له: السلام عليك يا أبا إبراهيم (3). 65 - ع: العطار، عن سعد، عن عبد الله بن عامر، عن ابن أبي نجران، عن يحيى الحلبي، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن قول الله عزوجل: " واوحي إلي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ " قال: بكل لسان (4). ير: عبد الله بن عامر (5). بيان: اختلف في قوله تعالى: " ومن بلغ " فقيل: المعنى ولا خوف به من بلغه القرآن إلى يوم القيامة، وروى الحسن في تفسيره عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: من بلغه أني أدعو إلى أن لا إله إلا الله فقد بلغه، يعني بلغته الحجة، وقامت عليه، وسيأتي الاخبار الكثيرة في أن معناه ومن بلغ أن يكون إماما من آل محمد فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله صلى الله عليه واله، وأما هذا الخبر فلعله عليه السلام حمله على أحد المعنيين الاولين، والتقدير لانذر به من بلغه القرآن من أهل كل لسان، ولا يختص بالعرب، أو لانذر كل من بلغه دعوتي بلغتهم، واكلمهم بلسانهم، وهو أظهر، والله يعلم. 66 - ع: ابن الوليد، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، ومحمد البرقي،


(1) في المصدر: ختم به الانبياء. (2) في المصدر: المنحمنا. (3) شرح الشفا 1: 485 - 500. (4) علل الشرائع: 53. (5) بصائر الدرجات: 62.

[ 132 ]

عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان النبي صلى الله عليه واله يقرؤ الكتاب ولا يكتب (1). 67 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان، عن الحسن الصيقل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان مما من الله عزوجل به على نبيه صلى الله عليه واله أنه كان اميا لا يكتب ويقرؤ الكتاب (2). 68 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم " قال: كانوا يكتبون، ولكن لم يكن معهم كتاب من عند الله، ولا بعث إليهم رسولا فنسبهم إلى الاميين (3). 69 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ": وهو معطوف على قوله في سورة الفرقان: " اكتتبها وهي تملى عليه بكرة وأصيلا " فرد الله عليهم فقال: كيف يدعون أن الذي تقرءه أو تخبر به تكتبه عن غيرك وأنت ما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون، أي شكوا (4). 70 - مع، ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن جعفر بن محمد الصوفي قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام فقلت: يا ابن رسول الله لم سمي النبي صلى الله عليه واله الامي ؟ فقال: ما تقول الناس ؟ قلت: يزعمون أنه إنما سمي الامي لانه لم يحسن أن يكتب، فقال عليه السلام: كذبوا عليهم لعنة الله، أنى ذلك والله يقول في محكم كتابه: " هو (5) الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة " فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن ؟ والله لقد كان رسول الله صلى الله عليه واله يقرأ


(1) علل الشرائع: 53. (2) علل الشرائع: 53. (3) تفسير القمى: 678. (4) تفسير القمي: 497. (5) في نسخة المصنف والمصدر: وهو الذي. والمصحف الشريف خال عن العاطف.

[ 133 ]

ويكتب باثنين وسبعين، أو قال: بثلاثة وسبعين لسانا، وإنما سمي الامي لانه كان من أهل مكة، ومكة من امهات القرى، وذلك قول الله عزوجل: " لتنذر ام القرى ومن حولها " (1). ختص، ير: ابن عيسى مثله (2). 71 - ع: ابن الوليد، عن سعد، عن الخشاب، عن علي بن حسان وعلي بن أسباط و غيره رفعه عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: إن الناس يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه واله لم يكتب ولا يقرأ فقال: كذبوا لعنهم الله، أنى يكون ذلك ؟ وقد قال الله عز وجل: " هو الذي (3) بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " فيكون يعلمهم الكتاب والحكمة، وليس يحسن أن يقرأ أو يكتب ؟ قال: قلت: فلم سمي النبي الامي ؟ قال: نسب إلى مكة وذلك قول الله عز وجل: " لتنذر ام القرى ومن حولها " فام القرى مكة، فقيل: امي لذلك (4). ير: عبد الله بن محمد، عن الخشاب (5). شى: عن ابن أسباط مثله (6). 72 - ع: أبي، عن سعد، عن معاوية بن حكيم، عن البزنطي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان مما من الله عزوجل على رسول الله (7) صلى الله عليه واله أنه كان يقرأ ولا يكتب، فلما توجه أبو سفيان إلى احد كتب العباس إلى النبي صلى الله عليه واله، فجاءه الكتاب وهو في بعض حيطان المدينة، فقرءه ولم يخبر أصحابه وأمرهم أن يدخلوا المدينة، فلما


(1) علل الشرائع: 53، معاني الاخبار: 20. (2) بصائر الدرجات: 62. الاختصاص: مخطوط. (3) في نسخة المصنف وعلل الشرائع: وهو الذي. والبصائر والمصحف الشريف خاليان عن العاطف. (4) علل الشرائع: 52. (5) بصائر الدرجات: 62 وفيه: علي بن أسباط أو غيره. (6) تفسير العياشي: مخطوط. (7) على رسوله خ ل.

[ 134 ]

دخلوا المدينة أخبرهم (1). بيان: يمكن الجمع بين هذه الاخبار بوجهين: الاول أنه صلى الله عليه واله كان يقدر على الكتابة، ولكن كان لا يكتب، لضرب من المصلحة، الثاني أن نحمل أخبار عدم الكتابة والقراءة على عدم تعلمها من البشر، وسائر الاخبار على أنه كان يقدر عليهما بالاعجاز، وكيف لا يعلم من كان عالما بعلوم الاولين والآخرين، إن هذه النقوش موضوعة لهذه الحروف، ومن كان يقدر بإقدار الله تعالى له على شق القمر وأكبر منه كيف لا يقدر على نقش الحروف والكلمات على الصحائف والالواح ؟ والله تعالى يعلم. 73 - ع: الطالقاني، عن أحمد بن إسحاق المادرائي (2)، عن أبي قلابة عبد الملك ابن محمد، عن غانم بن الحسن السعدي، عن مسلم بن خالد المكي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: ما أنزل الله تبارك وتعالى كتابا ولا وحيا إلا بالعربية، فكان يقع في مسامع الانبياء بألسنة قومهم، وكان يقع في مسامع نبينا صلى الله عليه واله بالعربية، فإذا كلم به قومهم (3) كلمهم بالعربية، فيقع في مسامعهم بلسانهم، وكان أحد لا يخاطب رسول الله صلى الله عليه واله بأي لسان خاطبه إلا وقع في مسامعه بالعربية، كل ذلك يترجم جبرئيل عليه السلام له وعنه تشريفا من الله عزوجل له صلى الله عليه واله (4). 74 - ير: الحسن بن علي، عن أحمد بن هلال، عن خلف بن حماد، عن عبد الرحمن ابن الحجاج قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن النبي صلى الله عليه واله كان يقرأ ويكتب ويقرأ ما لم يكتب (5). 75 - قب: قوله: " النبي الامي الذي يجدونه " وقال عليه السلام: نحن امة امية لا نكتب ولا نحسب.


(1) علل الشرائع: 53. (2) في المصدر: الماذرائى بالبصرة. أقول: لعل الصحيح ما في المتن بالدال المهملة، نسبة إلى مادرايا من أعمال البصرة. (3) في المصدر: قومه. (4) علل الشرائع: 53. (5) بصائر الدرجات: 62.

[ 135 ]

وقيل: امي منسوبة إلى امة يعني جماعة عامة، والعامة لا تعلم الكتابة، ويقال: سمي بذلك لانه من العرب، وتدعى العرب الاميون. قوله: " هو الذي بعث في الاميين " وقيل: لانه يقول يوم القيامة: امتي امتي، وقيل: لانه الاصل، وهو بمنزلة الام التي يرجع الاولاد إليها، ومنه ام القرى، و قيل: لانه لامته بمنزلة الوالدة الشفيقة بولدها، فإذا نوي في القيامة: " يوم يفر المرء من أخيه " تمسك بامته، وقيل: منسوبة إلى ام وهي لا تعلم الكتابة، لان الكتابة من أمارات الرجال، وقالوا: نسب إلى أمة، يعني الخلقة، قال الاعشى: وإن معاوية الاكرمين * حسان الوجوه طوال الامم قال المرتضى في قوله تعالى: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب " الآية، ظاهر الآية يقتضي نفي الكتابة والقراءة بما قبل النبوة دون ما بعدها، ولان التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوة، لانهم إنما يرتابون في نبوته لو كان يحسنها قبل النبوة، فأما بعدها فلا تعلق له بالريبة، فيجوز أن يكون تعلمهما من جبرئيل بعد النبوة، ويجوز أن لم يتعلم فلا يعلم، قال الشعبي وجماعة من أهل العلم: ما مات رسول الله صلى الله عليه واله حتى كتب وقرأ، وقد شهر في الصحاح والتواريخ قوله صلى الله عليه واله: ايتوني بدوات وكتف أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا (1).


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 161.

[ 136 ]

* (باب 7) * * (آخر نادر في معنى كونه صلى الله عليه وآله يتيما وضالا وعائلا،) * * (ومعنى انشراح صدره * وعلة يتمه، والعلة التى من) * * (أجلها لم يبق له صلى الله عليه وآله ولد ذكر) * الايات: الضحى " 93 ": والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الاولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى * فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث 1 - 11. بسم الله الرحمن الرحيم * ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك * فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا * فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب 1 - 8. تفسير: قال المفسرون: في سبب نزول سورة الضحى: قال ابن عباس: احتبس الوحي عنه صلى الله عليه واله خمسة عشر يوما، فقال المشركون: إن محمدا صلى الله عليه واله قد ودعه ربه و قلاه، ولو كان أمره من الله تعالى لتتابع عليه، فنزلت: وقيل: إنما احتبس اثنى عشر يوما، وقيل أربعين يوما، وقيل: سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه واله عن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، وعن الروح، فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي هذه الايام، فاغتم لشماتة الاعداء، فنزلت تسلية لقلبه: " والضحى " أي وقت ارتفاع الشمس أو النهار " والليل إذا سجى " أي سكن أهله، أو ركد ظلامه " ما ودعك ربك " ما قطعك ربك قطع المودع، وهو جواب القسم " وما قلى " أي ما أبغضك " ولسوف يعطيك ربك فترضى " أي من الحوض والشفاعة وسائر ما أعد له من الكرامة، أو في الدنيا أيضا من إعلاء الدين، وقمع الكافرين، " ألم يجدك يتيما فآوى " قال الطبرسي رحمه الله: في

[ 137 ]

معناه قولان: أحدهما أنه تقرير لنعمة الله عليه حين مات أبوه وبقي يتيما فآواه الله بأن سخر له عبد المطلب ثم أبا طالب (1)، وكان صلى الله عليه واله مات أبوه وهو في بطن امه أو بعد ولادته بمدة قليلة، وماتت امه وهو ابن سنتين، ومات جده وهو ابن ثماني سنين. وسئل الصادق عليه السلام لم اوتم النبي صلى الله عليه واله عن أبويه ؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه حق. والآخر أن يكون المعنى ألم يجدك واحدا لا مثل لك في شرفك وفضلك فآواك إلى نفسه، واختصك برسالته، من قولهم: درة يتيمة: إذا لم يكن لها مثل، وقيل: فآواك، أي جعلك مأوى للايتام بعد أن كنت يتيما، وكفيلا للانام بعد أن كنت مكفولا. " ووجدك ضالا فهدى " فيه أقوال: أحدها وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من النبوة والشريعة، أي كنت غافلا عنهما فهداك إليهما، ونظيره " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " وقوله: " وإن كنت من قبله لمن الغافلين " فمعنى الضلال على هذا هو الذهاب عن العلم، مثل قوله تعالى: " أن تضل إحداهما ". وثانيها: أن المعني وجدك متحيرا لا تعرف وجوه معاشك فهداك إليها، فإن الرجل إذا لم يهتد إلى طريق مكسبه يقال: إنه ضال (2). وثالثها: أن المعنى وجدك لا تعرف الحق فهداك إليه بإتمام العقل، ونصب الادلة والالطاف حتى عرفت الله بصفاته بين قوم ضلال مشركين. ورابعها: وجدك ضالا في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبد المطلب، فروي أنه ضل في شعاب مكة وهو صغير فرآه أبو جهل ورده إلى جده عبد المطلب، فمن الله سبحانه بذلك عليه إذ رده إلى جده على يدي عدوه عن ابن عباس. وخامسها: ما روي أن حليمة بنت أبي ذؤيب لما أرضعته مدة وقضت حق الرضاع ثم أرادت رده إلى جده جاءت به حتى قربت من مكة فضل في الطريق، فطلبته جزعة


(1) في المصدر زيادة هي: وسخره للاشفاق عليه وحببه إليه حتى كان أحب إليه من أولاده، فكفله ورباه، واليتيم من لا أب له. (2) في المصدر: انه ضال لا يدري إلى أين يذهب، ومن أي وجه يكتسب.

[ 138 ]

وكانت تقول: لئن لم أره لارمين نفسي عن شاهق، وجعلت تصيح: وا محمداه، قالت: فدخلت مكة على تلك الحال، فرأيت شيخا متوكئا على عصا، فسألني عن حالي فأخبرته فقال: لا تبكي فأنا أدلك على من يرده عليك، فأشار إلى هبل صنمهم الاعظم، ودخل البيت وطاف بهبل وقبل رأسه وقال: يا سيداه لم تزل منتك جسيمة، رد محمدا على هذه السعدية، قال (1): فتساقطت الاصنام لما تفوه باسم محمد صلى الله عليه واله، وسمع صوت: إن هلاكنا على يدي محمد، فخرج وأسنانه تصطك، وخرجت إلى عبد المطلب وأخبرته بالحال، فخرج وطاف بالبيت، ودعا الله سبحانه فنودي واشعر بمكانه، فأقبل عبد المطلب فتلقاه ورقة بن نوفل في الطريق، فبيناهما يسيران إذا النبي صلى الله عليه واله قائم تحت شجرة يجذب الاغصان، ويعبث (2) بالورق، فقال عبد المطلب: فداك نفسي، وحمله ورده إلى مكة (3). وسادسها: ما روي أنه صلى الله عليه واله خرج مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة (4) غلام خديجة، فبينا هو راكب ذات ليلة ظلماء إذ جاء إبليس فأخذ بزمام ناقته فعدل به عن الطريق، فجاء جبرئيل عليه السلام فنفخ إبليس (5) نفخة وقع منها إلى الحبشة، ورده إلى القافلة، فمن الله عليه بذلك. وسابعها: أن المعنى وجدك مضلولا عنك في قوم لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك وأرشدهم إلى فضلك، والاعتراف بصدقك، والمراد أنك كنت خاملا لا تذكر ولا تعرف فعرفك الله إلى الناس حتى عرفوك وعظموك. " ووجدك عائلا " أي فقيرا لا مال لك " فأغنى " أي فأغناك بمال خديجة، ثم بالغنائم، وقيل: فأغناك بالقناعة، ورضاك بما أعطاك وروى العياشي بإسناده عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في قوله: " ألم يجدك يتيما فآوى " قال عليه السلام: فردا لا مثل لك في المخلوقين فآوى الناس إليك.


(1) قالت خ ل. (2) في المصدر: ويلعب. (3) ذكره في المصدر عن كعب. (4) مسيرة خ ل، أقول: هو وهم. (5) في المصدر: فنفخ بابليس.

[ 139 ]

" ووجدك ضالا فهدى " أي ضالة في قوم لا يعرفون فضلك فهداهم إليك. " ووجدك عائلا " تعول أقواما بالعلم فأغناهم بك. " فأما اليتيم فلا تقهر " أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه. وقيل: أي لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما " وأما السائل فلا تنهر " أي لا تنهره ولا ترده إذا أتاك يسألك، فقد كنت فقيرا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردا لينا " وأما بنعمة ربك فحدث " معناه اذكر نعم الله تعالى وأظهرها وحدث بها انتهى (1) كلامه رفع الله مقامه. وقال البيضاوي (2) في قوله تعالى: " ألم نشرح لك صدرك ": ألم نفسحه حتى وسع مناجات الحق ودعوة الخلق، فكان غائبا حاضرا ؟ أو ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم، وأزلنا عنه ضيق الجهل ؟ أو بما يسرنا لك تلقي الوحي بعد ما كان يشق عليك ؟ وقيل: إنه إشارة إلى ما روي أن جبرئيل أتى رسول الله صلى الله عليه واله في صباه أو يوم الميثاق فاستخرج قلبه وغسله، ثم ملاه إيمانا وعلما، ولعله إشارة إلى نحو ما سبق، ومعنى الاستفهام إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته، ولذلك عطف عليه " ووضعنا عنك وزرك " عبأك الثقيل " الذي أنقض ظهرك " الذي حمله على النقيض، وهو صوت الرحل عند الانتقاض من ثقل الحمل، وهو ما ثقل عليه من فرطاته قبل البعثة، أو جهله بالحكم و الاحكام، أو حيرته، أو تلقي الوحي، أو ما كان يرى من ضلال قومه مع العجز عن إرشادهم، أو من إصرارهم وتعديهم في إيذائه حين دعاهم إلى الايمان. " ورفعنا لك ذكرك " بالنبوة وغيرها " فإن مع العسر " كضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم " يسرا " كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة، فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يغمك " إن مع العسر يسرا " تكرير للتأكيد، أو استيناف وعدة بأن العسر مشفوع بيسر آخر، كثواب الآخرة " فإذا فرغت " من التبليغ " فانصب " فاتعب في العبادة شكرا بما عددنا عليك من النعم السالفة، ووعدنا بالنعم


(1) مجمع البيان 10: 504 - 506. (2) ما نقله عن البيضاوي لا ينطبق على ما في تفسيره، والظاهر أنه أخرجه عن غيره، ولا ينطبق أيضا على ما قاله الرازي والزمخشري في تفسيرهما.

[ 140 ]

الآتية، وقيل: فإذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة، أو فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء " وإلى ربك فارغب " بالسؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر وحده على إسعافه (1). أقول: اعلم أن شق بطنه صلى الله عليه واله في صغره في روايات العامة كثيرة مستفيضة كما عرفت، وأما رواياتنا وإن لم يرد فيها بأسانيد معتبرة لم يرد نفيها أيضا، ولا يأبى عنه العقل أيضا، فنحن في نفيه وإثباته من المتوقفين، كما أعرض عنه أكثر علمائنا


(1) قال الشريف الرضى قدس الله روحه الشريفة في تلخيص البيان: 279: وهذا القول مجاز واستعارة، لان النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز أن ينتهى عظم ذنبه إلى حال انقاض الظهر وهو صوت تقعقع العظام من ثقل الحمل، لان هذا القول لا يكون الا كناية عن الذنوب العظيمة و الافعال القبيحة، وذلك غير جائز على الانبياء عليهم السلام، في قول من لا يجيز عليهم الصغائر و الكبائر، وفي قول من يجيز عليهم الصغائر دون الكبائر، لان الله تعالى قد نزههم عن موبقات الانام ومستحقات " مستقبحات ظ " الافعال، إذ كانوا امناء وحيه، وألسنة أمره ونهيه، وسفرائه إلى خلقه، وقد استقصينا الكلام في باب مفرد من كتابنا الكبير، فنقول: إن المراد هاهنا بوضع الوزر ليس على ما يظنه المخالفون، من كونه كناية عن الذنب، وإنما المراد به ما كان يعانيه النبي صلى الله عليه وآله من الامور المستصعبة والمواقف الخطرة في أداء الرسالة، وتبليغ النذارة، وما كان يلاقيه صلى الله عليه وآله من مضار قومه، ويتلقاه من مرامي ايدى معشره، وكل ذلك حرج في صدره، وثقل على ظهره، فقرره الله تعالى بأنه أزال عنه تلك المخاوف كلها، و حط عن ظهره تلك الاعباء بأسرها، وأداله من أعدائه، وفضله على أكفائه، وقدم ذكره على كل ذكر، ورفع قدره على كل قدر، حتى أمن بعد الخيفة، واطمأن بعد القلقة، وخرج من حقائق الضغطة إلى مفاسح الغبطة، ومن عقال الانقباض إلى محال الانبساط، فلذلك قال سبحانه: " ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي انقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك " وهذه الامور التى امتن الله تعالى عليه بأنه فعلها به متشابهة في المعنى، لان شرح الصدر ووضع الوزر إذا كان بمعنى ازالة الثقل من الهم، ورفع الذكر أحوال يشبه بعضها البعض، فلا معنى لتاول الوزر هنا على أنه الذنب والمعصية، ولا دليل في الاية على ذلك، مع ما في القول به من الغمز في مزايا الانبياء الذين قد رفع الله سبحانه أقدارهم، وأعلى منارهم، وألزمنا اتباع مناهجهم وثقيل طرائقهم وتقبل أوامرهم. فان قال قائل: إن هذه السورة مكية وكان نزولها وهو عليه السلام بعد في حال الخوف والمراقبة وضعف اليد عن المغالبة، قيل له: لا يمتنع أن يكون الله تعالى بشره بما تؤول إليه عواقب أمره من انجلاء الكربة، وانحسار اللزبة، وقوة السلطان، وانتشار الاعلام، فقال المتوقع من ذلك عنده مقام الواقع لتصديقه وسكونه إلى صحته، فزال ما كان يعانيه من أثقال الهموم، و يقاسيه من خناق الكروب، وهذا جواب مقنع بتوفيق الله وعونه.

[ 141 ]

المتقدمين (1)، وإن كان يغلب على الظن وقوعه، والله يعلم وحججه عليهم السلام. 1 - ن: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: سئل علي بن الحسين عليه السلام لم اوتم النبي صلى الله عليه واله من أبويه ؟ قال: لئلا يجب عليه حق لمخلوق (2). 2 - مع، ع: حمزة العلوي، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسين بن فضال، عن أخيه أحمد، عن محمد بن عبد الله بن مروان، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل أيتم نبيه صلى الله عليه واله لئلا يكون لاحد عليه طاعة (3). 3 - ع: علي بن حاتم القزويني فيما كتب إلي عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين بن الوليد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: لاي علة لم يبق لرسول الله صلى الله عليه واله ولد ؟ قال: لان الله عزوجل خلق محمدا صلى الله عليه وآله نبيا وعليا عليه السلام وصيا، فلو كان لرسول الله صلى الله عليه واله ولد من بعده كان (4) أولى برسول الله صلى الله عليه واله من أمير المؤمنين عليه السلام فكانت لا تثبت (5) وصية أمير المؤمنين عليه السلام (6). 4 - مع، ع: القطان، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس قال: سئل عن قول الله: " ألم يجدك يتيما فآوى " قال: إنما سمي يتيما لانه لم يكن له نظير على وجه الارض من الاولين والآخرين، فقال عزوجل (7) ممتنا عليه


(1) لعل المتقدمين من علمائنا أعرضوا عن ذكره لغرابته وشذوذه، وعدم وروده في حديث صحيح عن طريق المعصومين. (2) عيون أخبار الرضا: 210. (3) معاني الاخبار: 20، علل الشرائع: 55. (4) لكان خ ل. (5) فيه غموض، لان الوصاية والخلافة عند الامامية تثبت بنص النبي صلى الله عليه وآله، عن الله، فهى موهبة الهية ولا يشترط فيها فقدان الولد أو وجوده. (6) علل الشرائع: 55. (7) في المصدر: فقال الله

[ 142 ]

نعمه: " ألم يجدك يتيما " أي وحيدا لا نظير لك ؟ " فأوى " إليك الناس، وعرفهم فضلك حتى عرفوك " ووجدك ضالا " يقول: منسوبا عند قومك إلى الضلالة فهداهم بمعرفتك " ووجدك عائلا " يقول: فقيرا عند قومك يقولون: لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، ثم زادك من فضله، فجعل دعاءك مستجابا حتى لو دعوت على حجر أن يجعله الله لك ذهبا لنقل عينه إلى مرادك، وأتاك بالطعام حيث لا طعام، وأتاك بالمآء حيث لا ماء، و أعانك (1) بالملائكة حيث لا مغيث فأظفرك بهم على أعدائك (2). 5 - ن: في خبر ابن الجهم (3)، عن الرضا عليه السلام قال الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه واله: " ألم يجدك يتيما فآوى " يقول: ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس ؟ " ووجدك ضالا " يعني عند قومك " فهدى " أي هداهم إلى معرفتك " ووجدك عائلا فأغنى " يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجابا (4). 6 - فس: علي بن الحسين، عن البرقي، عن أبيه، عن خالد بن يزيد، عن أبي الهيثم. عن زرارة، عن الامامين عليهما السلام في قول الله تعالى: " ألم يجدك يتيما فآوى " أي فآوى إليك الناس " ووجدك ضالا فهدى " أي هدى إليك قوما لا يعرفونك حتى عرفوك " ووجدك عائلا فأغنى " أي وجدك تعول أقواما فأغناهم بعلمك. قال علي بن إبراهيم: ثم قال (5): " ألم يجدك يتيما فآوى " قال: اليتيم الذي لا مثل له، ولذلك سميت الدرة: اليتيمة، لانه لا مثل لها " ووجدك عائلا فأغنى " بالوحي، فلا تسأل عن شئ أحدا " ووجدك ضالا فهدى " قال: وجدك ضالا في قوم لا يعرفون فضل نبوتك فهداهم الله بك (6).


(1) في المصدر: أغاثك. (2) معاني الاخبار: 20، علل الشرائع: 54 و 55. (3) والخبر طويل قطعه المصنف، ولم يذكر إسناده، وذكره الصدوق بهذا الاسناد: تميم ابن عبد الله بن تميم القرشى رضى الله عنه قال: حدثني أبى، عن حمدان بن سليمان النيسابوري، عن على بن محمد بن الجهم. (4) عيون أخبار الرضا: 111. (5) في قوله خ ل. (6) تفسير القمى: 729 والمراد بالامامين في صدر الحديث الباقر والصادق عليهما السلام.

[ 143 ]

7 - صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: سئل محمد بن علي بن الحسين عليه السلام لم اوتم النبي صلى الله عليه واله من أبويه ؟ قال: لئلا يوجد عليه حق لمخلوق (1). 8 - كنز: محمد بن العباس، عن أبي داود، عن بكار (2)، عن عبد الرحمن، عن إسماعيل ابن عبد الله (3)، عن علي بن عبيد الله (4) بن العباس قال: عرض على رسول الله صلى الله عليه واله ما هو مفتوح على امته من بعده كفرا كفرا، فسر بذلك، فأنزل الله تعالى: " وللآخرة خير لك من الاولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى " قال: فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابه المسك، في كل قصر ما ينبغي له من الازواج والخدم (5). بيان: قال الجزري، أهل الشام يسمون القرية كفرا، ومنه الحديث عرض على رسول الله صلى الله عليه واله ما هو مفتوح على امته بعده كفرا كفرا، فسر ذلك. أي قرية قرية. 9 - كنز: محمد بن العباس، عن محمد بن أحمد بن الحكم، عن محمد بن يونس، عن حماد بن عيسى، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله صلى الله عليه واله على فاطمة عليها السلام وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من أجلة الابل، فلما نظر إليا بكى وقال لها: يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غدا، فأنزل الله عليه: وللآخرة خير لك من الاولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى (6). 10 - كنز: محمد بن العباس، عن أحمد بن محمد النوفلي، عن أحمد بن محمد الكاتب، عن عيسى بن مهران بإسناده إلى زيد بن علي عليه السلام في قول الله تعالى: " ولسوف يعطيك ربك فترضى " قال: إن رضا رسول الله صلى الله عليه واله إدخال الله أهل بيته وشيعتهم الجنة (7).


(1) صحيفة الرضا: 38. (2) عن ابن بكار خ ل. اقول: وفى المصدر: عن بكار بن عبد الرحمن. (3) في المصدر: عبيد الله. (4) في المصدر: عبد الله، وهو الصحيح. (5) كنز جامع الفوائد: 391 و 392 والكنز هذا مختصر من كتاب تأويل الايات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة. (6) كنز جامع الفوائد: 392. (7) كنز جامع الفوائد: 392، وفي ذيله وكيف لا وانما خلقت الجنة لهم، والنار لاعدائهم =

[ 144 ]

* (باب 8) * * (أوصافه صلى الله عليه وآله في خلقته وشمائله وخاتم النبوة) * 1 - ك، لى: الطالقاني، عن الجلودي، عن محمد بن عطية، عن عبد الله بن عمرو، عن هشام بن جعفر، عن حماد، عن عبد الله بن سليمان وكان قاريا للكتب قال: قرأت في الانجيل يا عيسى جد في أمري، ولا تهزل، واسمع وأطع يابن الطاهرة الطهر البكر البتول، أنت من غير فحل أنا خلقتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، خذ الكتاب بقوة، فسر لاهل سوريا السريانية (1)، بلغ من بين يديك أني أنا الله الدائم الذي لا أزول، صدقوا النبي الامي، صاحب الجمل والمدرعة والتاج، وهي العمامة، والنعلين والهراوة وهي القضيب، الانجل العينين، الصلت الجبين، الواضح الخدين، الاقنى (2) الانف، مفلج الثنايا، كأن عنقه إبريق فضة، كأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من صدره إلى سرته، ليس على بطنه ولا على صدره شعر، أسمر اللون، دقيق المسربة (3)، شثن الكف والقدم (4)، إذا التفت التفت جميعا، وإذا مشى كأنما يتقلع


أقول: محمد بن العباس في صدر السند هو أبو عبد الله محمد بن العباس بن على بن مروان بن الماهيار البزاز المعروف بابن الحجام، صاحب كتاب ما نزل من القرآن في أهل البيت، وكان ثقة جليلا من أصحابنا، قد ظفر السيد شرف الدين الشولستانى المترجم في المقدمة: 149 على قطعة من كتابه هذا واخرجه في كتابه تأويل الايات الظاهرة. (1) بالسريانية خ ل. (2) أقنى أنفه: ارتفع وسط قصبته وضاق منخراه فهو أقنى. (3) في النهاية: في صفته عليه السلام أنه كان ذا مسربة، وفي حديث آخر: كان دقيق المسربة. المسربة بضم الراء: ما دق من شعر الصدر سائلا إلى الجوف. (4) في النهاية: شثن الكفين والقدمين أي أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر في الرجال لانه أشد لقبضهم، ويذم في النساء.

[ 145 ]

من الصخرة (1)، وينحدر من صبب، وإذا جاء مع القوم بذهم، عرقه في وجهه كاللؤلؤ (2)، وريح المسك ينفح منه، لم ير قبله مثله ولا بعده، طيب الريح، نكاح النساء، ذو النسل القليل، إنما نسله من مباركة لها بيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب (3) يكفلها في آخر الزمان كما كفل زكريا امك، لها فرخان مستشهدان، كلامه القرآن ودينه الاسلام، وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه، وشهد أيامه وسمع كلامه، قال عيسى: يا رب وما طوبى ؟ قال: شجرة في الجنة أنا غرستها (4)، تظل الجنان، أصلها من رضوان، ماؤها من تسنيم، برده برد الكافور، وطعمه طعم الزنجبيل، من يشرب من تلك العين شربة لا يظمأ بعدها أبدا، فقال عيسى عليه السلام: اللهم اسقني منها، قال: حرام يا عيسى على البشر أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي صلى الله عليه واله، وحرام على الامم أن يشربوا منها حتى يشرب امة ذلك النبي صلى الله عليه واله، أرفعك إلي ثم اهبطك في آخر الزمان لترى من امة ذلك النبي صلى الله عليه واله العجائب، ولتعينهم على اللعين الدجال، اهبطك في وقت الصلاة لتصلي معهم إنهم امة مرحومة (5). بيان: لا يبعد أن يكون سوريا في تلك اللغة اسم سورى، قال في القاموس: السورى كطوبى موضع بالعراق، وهو من بلد السريانيين. وقال: المدرعة كمكنسة: ثوب كالدراعة، ولا تكون إلا من صوف، وقال: النجل بالتحريك: سعة العين فهو أنجل. قوله: صلت الجبين، قال الجزري: أي واسعة، وقال الفيروزآبادي: رجل مفجل الثنايا: منفرجها، قوله: كأن الذهب يجري في تراقيه، لعله كناية عن حمرة ترقوته صلى الله عليه واله، أو سطوع النور منها. قوله: بذهم، قال الجزري: فيه بذ العالمين، أي سبقهم وغلبهم.


(1) أراد قوة مشيه، كأنه يرفع رجليه من الارض رفعا قويا لا كمن يمشى اختيالا ويقارب خطاه فان ذلك من مشى النساء. (2) في كمال الدين: كاللؤلؤ الرطب. (3) الصخب: الضجة واضطراب الاصوات للخصام. والنصب: التعب. الداء. (4) زاد في كمال الدين: بيدى. (5) كما الدين: 95 و 96، الامالي: 163 و 164.

[ 146 ]

أقول: فالمعنى أنه كان يغلبهم في الحسن والبهاء، ويمتاز بينهم، أو يسبقهم في المشي، و والاول أظهر، إذ سيأتي ما يخالف الثاني، والصخب بالتحريك: الصياح والجلبة. 2 - فس: الحسين بن عبد الله السكيني، عن أبي سعيد البجلي، عن عبد الملك ابن هارون، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام أن ملك الروم عرض على الحسين بن علي عليه السلام صور الانبياء فعرض عليه صنما يلوح (1)، فلما نظر إليه بكى بكاء شديدا، فقال له الملك: ما يبكيك ؟ فقال: هذه صفة جدي محمد صلى الله عليه واله: كث اللحية، عريض الصدر، طويل العنق، عريض الجبهة، أقنى الانف، أفلج الاسنان (2)، حسن الوجه، قطط الشعر، طيب الريح، حسن الكلام، فصيح اللسان، كان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، بلغ عمره ثلاثا وستين سنة، ولم يخلف بعده إلا خاتم مكتوب عليه: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " وكان يتختم في يمينه، وخلف سيفه ذا الفقار، وقضيبه وجبة صوف، وكساء صوف كان يتسرول به لم يقطعه ولم يخيطه حتى لحق بالله، فقال الملك: إنا نجد في الانجيل إنه يكون له ما يتصدق على سبطيه (3)، فهل كان ذلك ؟ فقال له الحسن عليه السلام: قد كان ذلك، فقال الملك: فبقي لكم ذلك ؟ فقال: لا، قال الملك: أول فتنة هذه الامة عليها، ثم على ملك نبيكم واختيارهم على ذرية نبيهم (4)، منكم القائم بالحق، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر. الخبر (5). بيان: قوله عليه السلام: قطط الشعر (6) مناف لما سيأتي من الاخبار، ولعل المراد


(1) واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: بلوح. وفي المصدر أيضا مثل المتن بالياء، والمعنى يلمع عنه النور. (2) في المصدر: ابلج الاسنان. وهو من ابلج الصبح: أضاء وأشرق. (3) في المطبوع وفي المصدر: ما يتصدق به على سبطيه. (4) في المصدر: لهذه أول فتنة هذه الامة، غلبا أباكما وهما الاول والثانى على ملك نبيكم واختيار هذه الامة على ذرية نبيهم. (5) تفسير القمى: 598 والحديث طويل قد أخرجه المصنف في كتاب الاحتجاجات: ج 10: 132 - 136، والقطعة في: 134. (6) رجل قطط الشعر: قصير الشعر جعده.

[ 147 ]

عدم الاسترسال التام كما سيأتي، ولا يبعد أن يكون تصحيف السبط. 3 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن قراءة عن محمد بن عيسى العبدي (1) قال: حدثنا مولا علي بن موسى، عن علي بن موسى، عن أبيه موسى ابن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنهم قالوا: يا علي صف لنا نبينا صلى الله عليه واله كأننا نراه، فإنا مشتاقون إليه، فقال: كان نبي الله صلى الله عليه واله أبيض اللون، مشربا حمرة، أدعج العين، سبط الشعر، كثف (2) اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة، كأنما عنقه إبريق فضة، يجري في تراقيه الذهب، له شعر من لبته إلى سرته كقضيب خيط إلى السرة، وليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكفين والقدمين، شثن الكعبين، إذا مشى كأنما يتقلع من صخر، إذا أقبل كأنما ينحدر من صبب، إذا التفت التفت جميعا بأجمعه كله، ليس بالقصير المتردد، ولا بالطويل المتمعط (3)، وكان في الوجه تدوير (4)، إذا كان في الناس غمرهم، كأنما عرقه في وجهه اللؤلؤ، عرفه أطيب من ريح المسك، ليس بالعاجز ولا باللئيم، أكرم الناس عشرة (5)، وألينهم عريكة، وأجودهم كفا، من خالطه بمعرفة أحبه، ومن رآه بديهة هابه، عزه بين عينيه، يقول باغته (6): لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وآله تسليما (7). بيان: قال الجوهري: الاشراب: خلط لون بلون، كأن أحدهما سقى الآخر، وإذا شدد يكون للتكثير والمبالغة، ويقال: أشرب الابيض حمرة، أي علاه ذلك، وقال:


(1) هكذا في النسخة، وفي المصدر: المعبدى، ولعلهما مصحفان، والصحيح العبيدي فهو محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين العبيدي اليقطينى الاسدي. (2) كث خ ل. أقول: هو الموجود في المصدر. والمعنى واحد. (3) المنمغط خ ل. أقول: هكذا في النسخة، والمصدر مثل المتن، وظاهر ما يأتي في البيان أنه الممغط. فعلى أي فالمعنى واحد. (4) تداوير خ ل. (5) استظهر المصنف أن الصحيح: عشيرة. أقول: كلاهما يصحان والمصدر مثل المتن. (6) في المصدر: ناعته. (7) أمالى ابن الشيخ: 217.

[ 148 ]

الفيروزآبادي: الدعج بالتحريك والدعجة: شدة سواد العين مع سعتها، والادعج: الاسود. وقال الجزري في صفته صلى الله عليه واله: في عينيه دعج، يريد أن سواد عينيه كان شديد السواد، وقيل: الدعج: شدة سواد العين في شدة بياضها، وقال: السبط من الشعر: المنبسط المسترسل. وقال: الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شجمة الاذن. قوله: المتردد، قال الجزري أي المتناهي في القصر، كأنه تردد بعض خلقه على بعض وتداخلت أجزاؤه، وقال في صفته صلى الله عليه واله: لم يكن بالطويل الممغط، وهو بتشديد الميم الثانية: المتناهي في الطول، وامغط النهار: إذا امتد، وممغطت الحبل وغيره: إذا مددته، وأصله منمغط، والنون للمطاوعة فقلبت ميما، وادغمت في الميم، ويقال: بالعين المهملة بمعناه. قوله عليه السلام: غمرهم، قال الجزري: أي كان فوق كل من كان معه، و العريكة: الطبيعة، قوله عليه السلام: من رآه بديهة هابه، قال الجزري: أي مفاجاة وبغتة، يعني من لقيه قبل الاختلاط به هابه لوقاره وسكونه، وإذا جالسه وخالطه بان حسن خلقه، قوله: عزه بين عينيه، تأكيد للسابق، ويفسره اللاحق، أي يظهر العز في وجهه أولا قبل أن يعرف، يقول: باغته بالباء الموحدة والغين المعجمة أي من رآه بغتة، وفي بعض النسخ غرة بالغين المعجمة والراء المهملة، ولعله من الغر بالفتح بمعنى حد السيف، فيرجع إلى الاول، أو هو بالضم بمعنى الغرة وهي البياض في الجبهة، وفي بعض النسخ ناعته بالنون والعين المهملة، ولا يخفى توجيهه، وسيأتي شرح سائر الفقرات في الاخبار الآتية. 4 - ن: الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز (1)، عن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، بمدينة الرسول صلى الله عليه وآله، قال: حدثني علي بن موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام عن موسى بن جعفر عليه السلام عن جعفر بن محمد عليه السلام عن أبيه، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام سألت خالي هند بن أبي هالة (2) عن حلية رسول الله صلى الله عليه واله وكان


(1) في المصدر: عبد العزيز بن منيع. أقول: هو البغوي الحافظ المعروف (2) هو هند بن أبي هالة التميمي، ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله، امه خديجة ام المؤمنين رضى الله عنها. شهد بدرا وقيل: بل شهد احدا وكان وصافا لحلية رسول الله صلى الله عليه وآله وشمائله وأوصافه.

[ 149 ]

وصافا للنبي صلى الله عليه واله، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه واله فخما مفخما، يتلالؤ وجهه تلالؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة (1) رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته (2) فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة اذنيه، إذا هو وفرة، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب (3)، سوابغ في غير قرن، بينهما له (4) عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم (5)، كث اللحية، سهل الخدين ضليع الفم، أشنب مفلج الاسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية (6) في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا، سواء البطن والصدر (7)، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين، وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائل الاطراف، سبط القصب، خمصان الاخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية (8)، إذا مشى كأنما ينحط في صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الارض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يبدر (9) من لقيه بالسلام. قال: قلت: فصف لي منطقه، فقال: كان صلى الله عليه واله مواصل (10) الاحزان، دائم الفكر،


(1) الهامة: الرأس. (2) في المكارم ونسخة من العيوم: عقيصته. (3) في العيون: الحاجبين. (4) المصادر خالية من كلمة (له). (5) في النهاية: في صفته صلى الله عليه وآله يحسبه من لم يتأمله أشم، الشمم: ارتفاع قصبة الانف واستواء أعلاها وإشراف الارنبة قليلا، ومنه قصيدة كعب (شم العرانين أبطال لبوسهم) شم جمع أشم، والعرانين: الانوف، وهو كناية عن الرفعة والعلو وشرف الانفس. (6) الدمية: الصورة المزينة فيها حمرة كالدم. (7) في مكارم الاخلاق هنا زيادة هي: عريض الصدر. (8) في المكارم: سريع المشية. (9) أي يسبق. (10) متواصل خ ل، أقول: هو الموجود في المصادر.

[ 150 ]

ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، (1) يفتتح الكلام، ويختمه بأشداقه (2)، يتكلم بجوامع الكلم فصلا، لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا ليس بالجافي ولا بالمهين، تعظم عنده النعمة وإن ذقت، لا يذم منها شيئا غير أنه كان لا يذم ذواقا (3) ولا يمدحه ولا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شئ حتى ينتصر له (4) إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، يضرب (5) براحته اليمنى باطن أبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه (6)، جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام (7). قال الحسن: فكتمتها (8) الحسين زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، وسأله عما سألته عنه، ووجدته (9) قد سأل أباه عن مدخل النبي صلى الله عليه واله ومخرجه، و مجلسه وشكله، فلم يدع منه شيئا، قال الحسين عليه السلام: سألت أبي عليه السلام عن مدخل رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، فإذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله. وجزء لاهله، وجزء لنفسه، ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدخر (10) عنهم منه شيئا، وكان من سيرته في جزء


(1) في المكارم زاد: طويل السكوت. وفي المعاني هي موجودة قبل قوله: لا يتكلم. (2) قال في النهاية بعد ذكر الحديث: الاشداق: جوانب الفم، وانما يكون ذلك لرحب شدقيه، والعرب تمتدح بذلك. (3) في المكارم: ولا يذم ذواقا. واسقط قوله: غير أنه كان. (4) زاد في المكارم: ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. (5) في المعاني: فضرب، وفي العيون: وإذا تحدث قارب يده اليمنى من اليسرى فضرب بابهامه اليمنى راحة اليسرى، وإذا غضب أعرض بوجهه. وفي المكارم: وإذا تحدث أشار بها فضرب (فيضرب خ ل) براحته اليمنى باطن أبهامه اليسرى. (6) في المكارم: من طرفه. (7) الغمام: السحاب، يقال: يفتر عن مثل حب الغمام أي يكشف عن أسنان بيض كالبرد. (8) في العيون: فكتمت هذا الخبر. (9) في العيون والمعاني: فوجدته. (10) زاد في المكام: أو قال: لا يدخر. الشك من ابى غسان.

[ 151 ]

الامة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والامة من مسألته عنهم (1)، وإخبارهم بالذي ينبغي (2)، ويقول: " ليبلغ الشاهد منكم الغائب، و أبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته (3)، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يقدر على إبلاغها (4) ثبت الله قدميه يوم القيامة " لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقيد (5) من أحد عثرة يدخلون روادا، ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة. فسألته (6) عن مخرج رسول الله صلى الله عليه واله كيف كان يصنع فيه ؟ فقال: كان صلى الله عليه واله (7) يخزن لسانه إلا عما يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم (8)، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس (9) ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس (10)، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الامر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا (11)، ولا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم أفضلهم عنده أعمهم نصيحة للمسلمين، و


(1) في العيون: وأصلح الامة من مسألته عنهم. ومثله في المكارم الا في نسخة من مسائلته عنهم. (2) في العيون والمكارم: ينبغى لهم. (3) في المكارم: من لا يستطيع ابلاغ حاجته. (4) في المكارم من لا يستطيع إبلاغها. (5) ولا يقيل خ ل، وفي المعاني: ولا يقبل (يقيد خ ل) من أحد عثرة، وفي العيون والمكارم: ولا يقبل من أحد غيره. (6) في المعاني والمكام: قال فسألته. (7) في المصادر: كان رسول الله صلى الله عليه وآله. (8) في المكارم: فيما يعنيه، ويؤلفهم ولا يفرقهم، أو قال: ينفرهم. (شك مالك) (9) في المكارم: الفتن خ ل. (10) في العيون: عما الناس فيه. (11) أن يملوا. قلت هو موجود في نسخة من المكارم. وبعده: لكل حال عند عتاد (عباد خ ل). والظاهر أن هذه الجملة قد سقطت عن العيون والمعاني لما يأتي بعد ذلك تفسيرها في كلام الصدوق.

[ 152 ]

أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة. قال: وسألته (1) عن مجلسه، فقال: كان صلى الله عليه واله لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر (2)، ولا يوطن الاماكن (3) وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب أحد من جلسائه أن أحدا (4) أكرم عليه منه، من جالسه صابره (5) حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرجع إلا بها (6) أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه خلقه، وصار لهم أبا (7)، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانة، لا ترفع فيه الاصوات، ولا تؤبن (8) فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متعادلين (9) متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب (10). فقلت: فكيف كانت سيرته في جلسائه ؟ فقال: كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب: ليس بفظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي،


(1) في المصادر: فسألته. (2) في المصادر: ذكر الله جل اسمه. (3) أي لا يتخذ لنفسه مجلسا يعرف به. (4) في العيون، كل واحد من جلسائه نصيبه حتى لا يحسب احد. وفي المكارم: كل (من خ ل) جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحدا. (5) في العيون: من جالسه أو نادمه لحاجة صابره. ومثله في المكارم الا أن فيه: قاومه. والمعنى: قام معه، ومعنى نادمه جالسه. (6) في العيون والمكارم: لم يرده الا بها. (7) في المكارم: قد وسع الناس منه بسطه وخلقه (بسطة وخلقا)، فكان (وكان) لهم أبا. و في العيون: فصار لهم أبا رحيما. (8) في المكارم: توهن خ ل. (9) في المكارم: متعادلون متفاضلون فيه بالتقوى متواضعون، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير أقول: قوله: فيه أي في مجلسه صلى الله عليه وآله. (10) في المكارم: ويحفظون، أو قال: يحوطون (يحيطون خ ل) الغريب. (شك أبو غسان).

[ 153 ]

فلا يؤيس منه ولا يخيب فيه مؤمليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والاكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته ولا عثراته (1)، ولا يتكلم إلا فيما رجا (2) ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم انصتوا له حتى يفرغ (3)، حديثهم عنده حديث اوليهم (4)، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه (5)، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز (6) فيقطعه بنهي (7) أو قيام. قال: فسألته عن سكوت رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكير (8)، فأما التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا يغضبه شئ ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربع (9): أخذه الحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاده الرأي في صلاح (10) امته، والقيام فيما جمع (11) لهم خير الدنيا و الآخرة (12).


(1) في العيون والمعاني: عثراته ولا عورته. (2) في العيون والمكارم: يرجو. (3) في العيون: وإذا تكلم عنده أحد انصتوا له حتى يفرغ من حديثه. (4) أولهم خ ل. (5) فأوفدوه خ ل. وهو الموجود أيضا في نسخة من العيون. (6) يجوزه خ ل. (7) بانتهاء خ ل، أقول: يوجد ذلك في نسخة من المكارم، وفيه: كلام، بدل قيام. (8) في المصادر: التفكر. (9) في الحذر أربع خ ل. (10) في العيون: في اصلاح. وفي المكارم: فيما أصلح. (11) بما جمع. (12) عيون الاخبار: 176 - 178.

[ 154 ]

مع: الطالقاني، عن القاسم بن بندار المعروف بأبي صالح الحذاء، عن إبراهيم بن نصر بن عبد العزيز، عن مالك بن إسماعيل النهدي، عن جميع بن عمير، عن عبد الرحمن العجلي قال: حدثني رجل بمكة، عن ابن أبي هالة التميمي، عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافا عن حلية رسول الله صلى الله عليه واله. وحدثني الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري وساق الاسناد الذي مضى في " ن " (1) إلى قوله: عن حلية رسول الله صلى الله عليه واله، ثم قال: وحدثني الحسن بن عبد الله بن سعيد، عن عبد الله بن أحمد بن عبدان، وجعفر بن محمد البزاز البغدادي معا، عن سفيان بن وكيع، عن جميع ابن عمير، عن رجل من بني تميم من ولد أبي هالة، عن أبيه، عن الحسن بن علي عليه السلام قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي، وكان وصافا للنبي صلى الله عليه واله وأنا أشتهي أن يصف لي منه شيئا لعلي أتعلق به، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه واله فخما مفخما، وساق الحديث إلى قوله: مثل حب الغمام، ثم قال: إلى هاهنا رواه أبو القاسم بن منيع، عن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد، والباقي رواية عبد الرحمن إلى آخره، ثم قال: قال الحسن: فكتمتها الحسين، وساق الحديث إلى آخره كما نقلناه من " ن " ثم قال: حدثنا أبو علي أحمد بن يحيى المؤدب قال: حدثنا محمد بن الهثيم (2)، قال: حدثنا عبد الله بن الصقر السكري أبو العباس، قال: حدثنا سفيان بن وكيع بن الجراح، قال: حدثني جميع بن عمير العجلي إملاء من كتابه قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة التميمي، عن أبيه، عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي وكان (3) وصافا للنبي صلى الله عليه واله وأنا أشتهي أن يصف لي منه شيئا لعلي أتعلق به، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه واله فخما مفخما. وذكر الحديث بطوله (4). مكا: برواية الحسن والحسين صلوات الله عليهما من كتاب محمد بن إبراهيم بن إسحاق


(1) أي في العيون. (2) القاسم الانباري. (3) قال: وكان خ ل. (4) معاني الاخبار: 28 - 30.

[ 155 ]

الطالقاني، عن ثقاته، عن الحسن بن علي عليه السلام قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي إلى آخر الخبر (1). قال الصدوق رحمه الله في " مع " (2): سألت أبا أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري عن تفسير هذا الخبر فقال: قوله: كان رسول الله فخما مفخما معناه كان عظيما معظما في الصدور والعيون، ولم تكن (3) خلقته في جسمه الضخامة وكثرة اللحم، وقوله: يتلالؤ وجهه تلالا القمر، معناه ينير ويشرق كإشراق القمر، وقوله: أطول من المربوع وأقصر من المشذب. المشذب (4) عند العرب: الطويل الذي ليس بكثير اللحم، يقال: جذع مشذب: إذا طرحت عنه قشوره وما يجري مجراها، ويقال لقشور الجذع التي (5) تقشر عنه: الشذب، قال الشاعر في صفة فرس: أما إذا استقبلته فكأنه * في العين جذع من أوال مشذب (6) وقوله: رجل الشعر، معناه في شعره تكسر وتعقف، ويقال: شعر رجل: إذا كان كذلك، فإذا كان الشعر لا تكسر فيه (7) قيل: شعر سبط ورسل، وقوله: إن انفرقت عقيقته، العقيقة: الشعر المجتمع في الرأس، وعقيقة المولود: الشعر الذي يكون على رأسه من الرحم، ويقال لشعر المولود المتجدد بعد الشعر الاول الذي حلق: عقيقة، ويقال للذبيحة التي تذبح عن المولود: عقيقة، وفي الحديث كل مولود مرتهن بعقيقته، وعق النبي صلى الله عليه واله عن نفسه بعد ما جائته النبوة، وعق عن الحسن والحسين عليهما السلام كبشين. وقوله: أزهر اللون، معناه نير اللون، يقال: أصفر يزهر: إذا كان نيرا،


(1) مكارم الاخلاق: 9 - 14. (2) أي في المعاني. (3) ولم يكن خ ل. (4) فالمشذب. (5) الذي خ ل. (6) في المصدر: شذب. (7) في المصدر: وإذا كان الشعر منبسطا لا تكسير فيه.

[ 156 ]

والسراج يزهر، معناه نير (1)، وقوله: أزج الحواجب، معناه طويل امتداد الحاجبين بوفور الشعر فيهما وجبينه إلى الصدغين، قال الشاعر: إن ابتساما بالنقي الافلج * ونظرا في الحاجب المزجج مئنة من الفعال الاعوج مئنة: علامة، وفي حديث النبي صلى الله عليه واله: إن في طول صلاة الرجل وقصر خطبته (2) مئنة من فقهه (3). وقوله: أزج الحواجب (4)، ولم يقل: الحاجبين: فهو على لغة من يوقع الجمع على التثنية، ويحتج بقول الله جل ثناؤه: " وكنا لحكمهم شاهدين (5) " يريد لحكم داود وسليمان عليهما السلام، وقال النبي صلى الله عليه واله: " الاثنان وما فوقهما جماعة " وقال بعض العلماء: يجوز أن يكون جمع (6)، فقال أزج الحواجب على أن كل قطعة من الحاجب اسمها حاجب، فأوقعت الحواجب على القواطع المختلفة، كما يقال للمرأة: حسنة الاجساد، وقد قال الاعشى: ومثلك بيضاء ممكورة (7) * وصاك العبير بأجسادها صاك معناه لصق. وقوله: في غير قرن، معناه أن الحاجبين إذا كان بينهما انكشاف وابيضاض يقال لهما: البلج والبلجة، يقال: حاجبه أبلج: إذا كان كذلك، وإذا اتصل الشعر في وسط الحاجب فهو القرن.


(1) ينير خ ل. (2) خطبه خ ل. (3) في فقهه خ ل. (4) في المصدر: وانما جمع الحاجب في قوله: أزج الحواجب. (5) الانبياء: 78. (6) هكذا في نسخة المصنف، والصحيح كما في غيرها وفي المصدر: جمعا. (7) مكر الثوب: صبغه بالمكر أي المغرة. والمغرة: الطين الاحمر يصبغ به. وقال الزمخشري في الاساس: وامرأة ممكورة الساقين: خدلتهما. أقول: خدل الساق: كانت خدلة أي ممتلثة ضخمة.

[ 157 ]

وقوله: أقنى العرنين: القنا: أن يكون في عظم الانف إحد يداب في وسطه، والعرنين: الانف. وقوله: كث اللحية، معناه أن لحيته قصيرة كثيرة الشعر فيها، وقوله: ضليع الفم، معناه كبير الفم، ولم تزل العرب تمدح بكبر الفم وتهجو بصغره، قال الشاعر يهجو رجلا: إن كان كدي وإقدامي لفي جرذ * بين العواسج أجني حوله المصع معناه إن كان كدي وإقدامي لرجل فمه مثل فم الجرذ في الصغر، والمصع: ثمر العوسج، وقال بعض الشعراء: لحا الله أفواه الدبا من قبيلة فعيرهم بصغر الافواه، كما مدحوا (1) الخطباء بسعة الاشداق، وإلى هذا المعنى يصرف قوله أيضا: كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، لان الشدق جميل مستحسن عندهم، يقال: خطيب أهرت (2) الشدقين، وهريت الشدق، وسمي عمرو بن سعيد الاشدق، وقال الخنساء ترثي أخاها: وأحيى من مخبأة حياء * وأجرى من أبي ليث هزبر هريت الشدق ريقال (3) إذا * ما عدا لم ينه عدوته بزجر وقال ابن مقبل: هرت الشقاشق ظلامون للجزر. وقوله: الاشنب من صفة الفم، قالوا: إنه الذي لريقه عذوبة وبرد، وقالوا أيضا: إن الشنب في الفم: تحدر (4) ورقة وحدة في أطراف الاسنان، ولا يكاد يكون هذا إلا مع الحداثة والشباب، قال الشاعر: يا بأبي أنت وفوك الاشنب * كأنما ذر عليه الزرنب


(1) في المصدر: كما مدحوا باشداقه، لان الاشداق جميل عندهم، كما مدحوا الخطباء بسعة الاشداق. (2) الاهرت والهريت: الواسع. (3) هكذا في نسخة المصنف وغيرها والصحيح كما في المصدر: رئبال أو ريبال. أي الاسد. (4) في المصدر: تحدد. ولعله أصوب.

[ 158 ]

وقوله: دقيق المسربة، فالمسربة: الشعر المستدق الممتد من اللبة إلى السرة، قال الحارث بن وعلة الجومي (1): ألآن لما ابيض مسربتي * وعضضت من نابي على جذم وقوله: كأن عنقه جيد دمية، فالدمية: الصورة، وجمعها دمى. قال الشاعر: أو دمية صور محرابها * أو درة سيقت إلى تاجر والجيد: العنق. وقوله: بادن متماسك، معناه تام خلق الاعضاء ليس بمسترخي اللحم ولا بكثيره. وقوله: سواء البطن والصدر، معناه أن بطنه ضامر، وصدره عريض، فمن هذه الجهة تساوي بطنه صدره، والكراديس: رؤوس العظام، وقوله: أنور المتجرد، معناه نير الجسد الذي تجرد من الثياب، وقوله: طويل الزندين، في كل ذراع زندان وهما جانبا عظم الذراع، فرأس الزند الذي يلي الابهام يقال له: الكوع، ورأس الزند الذي يلي الخنصر يقال له: الكرسوع، وقوله: رحب الراحة، معناه واسع الراحة كبيرها، والعرب تمدح بكبر اليد، وتهجو بصغرها، قال الشاعر: فناطوا من الكذاب كفا صغيرة * وليس عليهم قتله بكبير ناطوا معناه علقوا، وقالوا: رحب الراحة، أي كثير العطاء، كما قالوا: ضيق الباع في الذم. وقوله: شثن الكفين، معناه خشن الكفين، والعرب تمدح الرجال بخشونة الكف، والنساء بنعمة الكف (2)، وقوله: سائل الاطراف، أي تامها غير طويلة ولا قصيرة، وقوله: سبط القصب، معناه ممتد القصب، غير متعقدة، والقصب: العظام الجوف (3) التي فيها مخ، نحو الساقين والذراعين، وقوله: خمصان الاخمصين، معناه أن أخمص رجله شديد الارتفاع من الارض، والاخمص: ما يرتفع (4) عن الارض من وسط باطن الرجل وأسلفها، وإذا كان


(1) الجرمى خ ل. (2) في المصدر: بنعومة الكف. ومعناه لينة الكف. (3) الحرف خ ل. (4) في المصدر: ما ارتفع.

[ 159 ]

أسفل الرجل مستويا ليس فيها أخمص فصاحبه أرح، يقال: رجل أرح: إذا لم يكن لرجله أخمص، وقوله: مسيح القدمين، معناه ليس بكثير اللحم فيهما وعلى ظاهرهما، فلذلك ينبو الماء عنهما. وقوله: زال قلعا، معناه متثبا. يخطو تكفؤا، معناه خطاه كأنه يتكبر (1) فيها أو يتبختر لقلة الاستعجال معها، ولا تبختر فيها ولا خيلاء. وقوله: يمشي هونا، معناه السكينة والوقار، وقوله: ذريع المشية، معناه واسع المشية من غير أن يظهر فيه استعجال وبدار، يقال: رجل ذريع في مشيه، وامرأة ذراع: إذا كانت واسعة اليدين بالغزل. وقوله: كأنما ينحط في صبب، الصبب: الانحدار، وقوله: دمثا، الدمث: اللين الخلق، فشبه بالدمث من الرمل وهو اللين، قال قيس بن الخطيم: يمشي كمشي الزهراء (2) في دمث * الرمل إلى السهل دونه الجرف والمهين: الحقير، وقد رواه بعضهم المهين يعني لا يحتقر (3) أصحابه ولا يذلهم، تعظم عنده النعمة، معناه من حسن خطابه أو معونته بما يقل من الشأن كان عنده عظيما، وقوله: فإذا تعوطي الحق، معناه إذا تنوول غضب لله تبارك وتعالى، قال الاعشى: تعاطى الضجيع إذا سامها * بعيد الرقاد وعند الوسن معناه تناوله، وقوله: إذا غضب أعرض وأشاح، قالوا: في أشاح جد في الغضب وانكمش، وقالوا: جد وجزع (4)، واستعد لذلك، قال الشاعر: وإعطائي على العلات مالي * فضربي (5) هامة البطل المشيح وقوله: يسوق أصحابه، معناه يقدمهم بين يديه تواضعا وتكرمة لهم، ومن رواه يفوق، أراد يفضلهم دينا وحلما وكرما. وقوله يفتر عن مثل حب الغمام، معناه يكشف شفتيه عن ثغر أبيض يشبه حب الغمام، يقال: قد فررت الفرس: إذا كشفت عن أسنانه، وفررت الرجل عما في قلبه: إذا كشفته عنه، وقوله: لكل حال عنده عتاد، والعتاد:


(1) ينكسر خ ل. (2) في المصدر: الزهر. (3) لا يحقر خ ل. (4) خلافه جزع خ ل. (5) وضربي خ ل: وهو الموجود في المصدر، وفيه: وأعطى لى بدل إعطائي.

[ 160 ]

العدة، يعني أنه أعد للامور أشكالها ونظائرها، ومن رواه ولا يقيد من أحد عثرة، بالدال أي من جنى (1) عليه جناية اغتفرها وصفح عنها تصفحا وتكرما، إذا كان تعطيلها لا يضيع من حقوق الله شيئا، ولا يفسد متعبدا به ولا مفترضا، ومن رواه يقيل باللام ذهب إلى أنه صلى الله عليه واله لا يضيع حقوق الناس التي يجب (2) لبعضهم على بعض. وقوله: ثم يرد ذلك بالخاصة على العامة (3)، معناه أنه كان يعتمد في هذه الحال على أن الخاصة يرفع إلى العامة علومه وآدابه وفوائده، وفيه قول آخر: فيرد ذلك بالخاصة على العامة أن يجعل (4) المجلس للعامة بعد الخاصة فتنوب البآء عن " من " و " على " عن " إلى " لقيام بعض الصفات مقام بعض، وقوله: يدخلون روادا، الرواد جمع رائد، وهو الذي يتقدم القوم إلى المنزل يرتاد لهم الكلآء، يعني أنهم ينفعون بما يسمعون من النبي صلى الله عليه واله من ورائهم كما ينفع الرائد من خلفه، وقوله: ولا يفترقون إلا عن ذواق، معناه عن علوم يذوقون من حلاوتها ما يذاق من الطعام المشتهى، والادلة: التي تدل الناس على امور دينهم، وقوله: ولا تؤبن فيه الحرم، أي لا تعاب، أبنت الرجل فأنا آبن والمأبون: المعيب، والابنة: العيب، قال أبو الدرداء: إن نؤبن بما ليس فينا فربما زكينا بما ليس عندنا، ولعل ذا أن يكون بذلك، معناه إن نعيب بما ليس فينا، قال الاعشى: سلاجم كالنخل ألبستها * قضيب سرآء قليل الابن وقوله: ولا تنثى فلتاته، معناه من غلط فيه غلطة لم يشنع (5) ولم يتحدث بها، يقال: نثوت الحديث أنثوه نثوا: إذا حدثت به، وقوله: إذا تكلم أطرق جلساؤه كأن على رؤوسهم الطير، معناه أنهم كانوا لاجلالهم نبيهم صلى الله عليه واله لا يتحركون، فكانت صفتهم صفة من على رأسه طائر يريد أن يصيده، فهو يخاف إن تحرك طيران الطائر وذهابه، وفيه قول آخر: إنهم كانوا يسكنون ولا يتحركون حتى يصيروا بذلك عند الطائر


(1) في المصدر: قال: أي من جنى. (2) في المصدر: تجب. (3) في مكارم الاخلاق: ثم يرد ذلك على العامة والخاصة. (4) أي يجعل خ ل. (5) لم تشع خ ل.

[ 161 ]

كالجدران والابنية التي لا يخاف الطير وقوعا عليها، قال الشاعر: إذا حلت بيوتهم (1) عكاظا * حسبت على رؤوسهم الغرابا معناه لسكونهم تسقط الغربان على رؤوسهم، وخص بالغراب لانه من أشد الطير حذرا، وقوله: ولا يقبل الثنآء إلا من مكافئ، معناه من صح عنده إسلامه حسن موقع ثنائه عليه عنده، ومن استشعر منه نفاقا وضعفا في ديانته ألقى ثنائه عليه ولم يحفل به (2)، وقوله: إذا جاءكم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه، معناه فأعينوه واسعفوه على طلبته، يقال: رفدت الرجل رفدا بفتح الراء في المصدر، والرفد بكسر الراء الاسم، يعني به الهبة والعطية، تم الخبر بتفسيره والحمد لله كثيرا (3). بيان: أقول: هذا الخبر من الاخبار المشهورة، روته العامة في أكثر كتبهم، قوله: فخما مفخما، قال الجزري وغيره: أي عظيما معظما في الصدور والعيون، ولم تكن خلقته في جسمه الضخامة، وقيل: الفخامة في وجهه نبله (4)، وامتلاؤه مع الجمال والمهابة، والمربوع: الذي ليس بالطويل ولا بالقصير، وقالوا: المشذب هو الطويل البائن الطول مع نقص في لحمه، وأصله من النخلة الطويلة التى شذب عنها جريدها، أي قطع وفرق، وأوال كسحاب جزيرة بالبحرين، قوله: رجل الشعر، أي لم يكن شديد الجعودة، ولا شديد السبوطة، بل بينهما، قوله: إن انفرقت عقيقته، قال الحسين بن مسعود الفرآء في شرح السنة: العقيقة اسم لشعر على المولود حين يولد، سمي عقيقة لانه يحلق، وأصل العق: الشق والقطع، ومنه قيل للذبيحة عند الولادة: عقيقة، لانه يشق حلقومها، ثم قيل للشعر الذي ينبت بعد ذلك عقيقة أيضا على الاستعارة، وذلك معناه هاهنا يقول: إن انفرق شعر رأسه من ذات نفسه فرقه في مفرقه، وإن لم ينفرق تركه وفرة واحدة على حالها، يقال: فرقت الشعر أفرقه فرقا، وقيل: العقيقة: اسم الشعر قبل أن يحلق، فإذا حلق ثم نبت


(1) سوقهم خ ل. (2) أي لم يبال به ولم يهتم له. (3) معاني الاخبار: 30 - 32. (4) النبل: الجسيم. ذو النجابة والفضل. (*)

[ 162 ]

زال عنه اسم العقيقة، سمي شعره عقيقة إذ لم ينقل أنه حلق في صباه، ويروى عقيصته، وهي الشعر المعقوص، وهو نحو من المضفور (1) والوفرة إلى شحمة الاذن، والجمة إلى المنكب، واللمة التي المت بالمنكب. وقال الكازروني في المنتقى: العقيصة: هي الشعر المجموع المضفور، كأنه يريد إن انفرق شعره بعد ما جمعه وعقصه فرق شعره وتركه كل شئ منه في منبته، وإلا يبقى معقوصا، كان موضعه الذي يجمعه فيه حذاء اذنيه ويرسله هناك، وقال بعض علمائنا: هذا في أول الاسلام يفعله كفعل أهل الكتاب، ثم فرق بعد، وهذا الفرق هو الذي يعد في الخصال العشر من الفطرة، وروى بعضهم عقيقته وهو تصحيف انتهى (2). وقال الزمخشري: العقيقة: الشعر الذي يولد به، وكان تركها عندهم عيبا ولوما، وبنو هاشم أكرم، ومحمد بن عبد الله صلى الله عليه واله أكرم عليهم من أن يتركوه غير معقوق عنه، ولكن هندا (3) سمي شعره عقيقة لانه منها، ونباته من اصولها، كما سمت العرب أشياء كثيرة بأسامى ما هي منه، ومن سببه، وانفرق مطاوع فرق، أي كان لا ينفرق شعره إلا أن ينفرق هو، وكان هذا في صدر الاسلام، ويروى أنه إذا كان أمر لم يؤمر فيه بشئ يفعله المشركون وأهل الكتاب أخذ فيه بفعل أهل الكتاب، فسدل ناصيته ما شاء الله، ثم فرق بعد ذلك وفرة. قوله: وفرة، أي أعفاه عن الفرق، يعني أن شعره إذا ترك فرقه لم يجاوز شحمة اذنيه، وإذا فرقه تجاوزها انتهى. وقال الجزري: الازهر: الابيض المستنير، وقال: الزجج: تقويس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداده، وقال: القرن بالتحريك: التقاء الحاجبين، وهذا خلاف ما روت ام معبد في صفته صلى الله عليه واله: " أزج أقرن " أي مقرون الحاجبين، والاول الصحيح في صفته، وسوابغ، حال من المجرر وهو الحواجب، أي أنها رقت في حال سبوغها، ووضع الحواجب موضع الحاجبين، لان التثنية جمع، وقال في قوله: يدره الغضب: أي يمتلي دما إذا غضب،


(1) ضفر الشعر: نسج بعضه على بعض عرضا. (2) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه. (3) أي هند ابن أبى هالة الراوى للحديث.

[ 163 ]

كما يتملي الضرع لبنا إذا در. وقال الزمخشري: يدره الغضب، أي يحركه من أدرت المرأة المغزل: إذا فتلته فتلا شديدا. قوله: ممكورة أي مطوية الخلق. قوله: أقنى العرنين، قال الجزري: العرنين بالكسر: الانف، وقيل: رأسه، والقنا في الانف: طوله ودقة أرنبته مع حدب في وسطه. والشمم: ارتفاع قصبة الانف، واستواء أعلاها، وإشراف الارنبة قليلا. أقول: أي القنا الذي كان فيه لم يكن فاحشا مفرطا، بل كان لا يعلم إلا بعد التأمل، قوله: كث اللحية، قالوا: الكثاثة في اللحية أن تكون غير رقيقة ولا طويلة وفيها كثافة (1)، يقال: رجل كث اللحية بالفتح. قوله: سهل الخدين، قال الجزري: أي سائل الخدين، غير مرتفع الوجنتين. وقال الكازروني: يجوز أن يريد به لبس في خديه نتو، لان السهل ضد الحزن، وذكر بعضهم أنه يريد أسيل الخدين، لم يكثر لحمه ولم تغلظ جلدته (2). قوله: ضليع الفم، قال الجزري: أي عظيمه، وقيل: واسعة، والعرب تحمد عظم الفم وتذم صغره انتهى. وقيل: أراد بالفم الاسنان، فقد يكنى بالفم عنها، أي كان تام الاسنان، شديدها في تراصف، ولا يخفى بعده، والجرذ: نوع من الفار، ويقال: لحاه الله، أي قبحه ولعنه، والدبى بتخفيف الباء: الجراد قبل أن يطير، والشدق بالكسر: جانب الفم، والشدق بالتحريك: سعة الشدق. والهريت: الواسع الشدقين. قوله: وأحيى أي أكثر حياء، و المخبأة: المرأة المستورة. والريقان فيعال من أرقل: إذا أسرع، والشقشقة بالكسر شئ كالرية يخرجها البعير من فيه إذا هاج، وإذا قالوا للخطيب: ذو شقشقة فإنما يشبه بالفحل، ذكره الجوهري، وقال: ظلمت البعير: إذا نحرته من غير داء، قال ابن مقبل: عاد الاذلة في دار وكان بها * هرت الشقاشق ظلامون للجزر


(1) كثف: غلظ وكثر والتف. (2) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه.

[ 164 ]

وقال الزرنب: ضرب من النبات طيب الرائحة، ثم ذكر البيت، وقال الجزري: الشنب: البياض، والبريق: التحديد في الاسنان، وقال: الفلج: فرجة ما بين الثنايا و الرباعيات. وقال الجوهري: الجذم بالكسر: أصل الشئ وقد يفتح، وقال: وعضضت من نابي على جذم. قوله: جيد دمية، قال الجزري: الدمية: الصورة المصورة، وجمعها دمى، لانها يتنوق في صنعتها ويبالغ في تحسينها انتهى. قوله: معتدل الخلق، أي كل شئ من بدنه يليق بما لديه في الحسن والتمام. قوله: بادنا، قال الجزري: البادن: الضخم، فلما قال: بادنا، أردفه بقوله: متماسكا، وهو الذي يمسك بعض أعضائه بعضها فهو معتدل الخلق. وقال: سواء البطن والصدر، أي هما متساويان لا ينبو أحدهما عن الآخر. وقال الزمخشري: يعني أن بطنه غير مستفيض فهو مساو لصدره، وصدره عريض فهو مساو لبطنه. وقال الجزري: الكراديس هي رؤوس العظام، واحدها كردوس، وقيل هي ملتقى كل عظمين ضخمين كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أراد أنه ضخم الاعظاء قوله: أنور المتجرد، قال الجزري: أي ما جرد عنه الثياب من جسده وكشف، يريد أنه كان مشرق الجسد. وقال الكازروني: المتجرد: الموضع الذي يستتر بالثياب فيتجر دعنها في بعض الاحيان، يصفها بشدة البياض، وقد ورد في حديث آخر أنه كان أسمر، وفي حديث آخر: أنه كان أبيض مشربا، وفي هذا الحديث أنه كان أزهر اللون، ووجه الجمع بينها أن السمرة كانت فيما يبرز للشمس من بدنه، والبياض فيما وراء الثياب، وقوله: أزهر يحمل على إشراق اللون، لا على البياض، وقيل: إن المشرب إذا اشبع حكى سمرا، فإذا ليس بينهما اختلاف، وفي حديث آخر: لم يكن بالابيض الامهق، وهو الذي يشبه بياض الجص، و الانور وضع موضع النير، كقوله تعالى: " وهو أهون عليه (1) " وكقولهم: الله أكبر (2)، وقال: اللبة بالفتح وتشديد الباء: المنحر، وعاري الثديين، أي لم يكن عليهما شعر،


(1) الروم: 27. (2) المنتقى في مولد المصطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه.

[ 165 ]

وقيل: أراد لم يكن عليهما لحم، فإنه قد جاء في صفته أشعر الذراعين والمنكبين وأعلى الصدر انتهى. ولا يخفى بعد الاخير، وعدم الحاجة إليه لعدم التنافي. قوله: رحب الراحة، قال الكازروني، يكنون به عن السخاء والكرم، ويستدلون بهذه الخلقة على الكرم (1). قوله: فناطوا من الكذاب، قال الزمخشري: قاله الاخطل في صلب المختار بن أبي عبيد. قوله: شثن الكفين والقدمين، قال الجزري: أي أنهما يميلان إلى الغلظ و القصر، وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال، لانه أشد لقبضهم، ويذم في النساء. وقال الصاحب ابن عباد في المحيط: الشتون: اللينة من الثياب، الواحد شتن، وروي في الحديث في صفة النبي صلى الله عليه واله أنه كان شتن الكف بالتاء، ومن رواه بالثاء فقد صحف انتهى وهو غريب. قوله: سائل الاطراف، قال الزمخشري: أي لم تكن متعقدة، وقال الجزري: أي ممتدها، ورواه بعضهم بالنون، بمعناه كجبريل وجبرين. قوله: سبط القصب، قال الجزري: السبط بسكون الباء وكسرها: الممتد الذي ليس فيه تعقد ولا نتو، والقصب يريد بها ساعديه وساقيه، وقال: الاخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالارض منها عند الوطي، والخمصان: المبالغ منه، أي أن ذلك الموضع من أسفل قدمه شديد التجافي عن الارض، وسئل ابن الاعرابي عنه فقال: إذا كان خمص الاخمص بقدر لم يرتفع جدا ولم يستو أسفل القدم جدا فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى وارتفع جدا فهو ذم، فيكون المعنى أن أخمصه معتدل الخمص بخلاف الاول. وقال الجوهري: رجل أرح، أي لا أخمص لقدميه، كأرجل الزنج. قوله: مسيح القدمين، أي ملساوان لينتان ليس فيهما تكسر ولا شقاق، فإذا أصابهما الماء نبأ عنهما،


(1) المنتقى في مولد المصطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه.

[ 166 ]

أي يسيل ويمر سريعا لملاستهما. وقال الجزري: في صفته صلى الله عليه واله إذا مشى تقلع، أراد قوة مشيه، كأنه يرفع رجليه من الارض رفعا قويا، لا كمن يمشي اختيالا وتقارب خطاه، فإن ذلك من مشي النساء ويوصفن به، وفي حديث أبي هالة: إذا زال زال قلعا، يروى بالفتح والضم، فبالفتح هو مصدر بمعنى الفاعل، أي يزول قالعا لرجله من الارض، وهو بالضم إما مصدر أو اسم و هو بمعنى الفتح، وقال الهروي: قرأت هذا الحرف في كتاب غريب الحديث لابن الانباري قلعا بفتح القاف وكسر اللام، وكذلك قرأته بخط الازهري، وهو كما جاء في حديث آخر كأنما ينحط من صبب، والانحداد من الصبب والتقلع من الارض قريب بعضه من بعض، أراد أنه يستعمل التثبت ولا يبين منه في هذه الحال استعجال ومبادرة شديدة، وقال في صفة مشيه صلى الله عليه واله: كان إذا مشى تكفا تكفيا أي تمايل إلى قدام، هكذا روي غير مهموز، والاصل الهمز، وبعضهم يرويه مهموزا لان مصدر تفعل من الصحيح كتقدم تقدما، وتكفأ تكفؤا، والهمزة حرف صحيح، فأما إذا اعتل انكسرت عين المستقبل منه، نحو تخفى تخفيا فإذا خففت الهمزة التحقت بالمعتل فصار تكفيا بالكسر. وقال الكازروني أي يتثبت في مشيته حتى كأنه يميد كما يميد الغصن إذا هبت به الريح أو السفينة (1). وقال الجزري: الهون: الرفق واللين والتثبت، وقال: ذريع المشي، إي واسع الخطو. وقال الكازروني: الذريع: السريع، وربما يظن هذا اللفظ ضد الاول ولا تضاد فيه، لان معناه أنه كان صلى الله عليه واله مع تثبته في المشي يتابع بين الخطوات ويسبق غيره، كما ورد في حديث آخر أنه كان يمشي على هينة وأصحابه يسرعون في المشي فلا يدر كونه، أو ما هذا معناه، ويجوز أن يريد به نفي التبختر في مشيه (2). وقال القاضي في الشفاء: التقلع: رفع الرجل بقوة، والتكفؤ: الميل إلى سنن المشي وقصده، والهون: الرفق والوقار، والذريع: الواسع الخطو، أي: أن مشيه كان يرفع فيه


(1 و 2) المنتقى في مولد المصطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه.

[ 167 ]

رجليه بسرعة ويمد خطوه خلاف مشية المختال، ويقصد سمته (1)، وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة، كما قال: كأنما ينحط من صبب (2). وقال الجزري: الصبب: ما انحدر من الارض. قوله: وإذا التفت التفت جميعا، قال الجزري: أراد أنه لا يسارق النظر، وقيل أراد لا يلوي عنقه يمنه ويسرة إذا نظر إلى الشئ، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف، ولكن كان يقبل جميعا ويدبر جميعا، قوله: جل نظره الملاحظة، قال الجزري: هي مفاعلة من اللحظ، وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ، وأما الذي يلي الانف فالموق والماق. أقول: وفي الفائق وغيره من كتبهم بعد ذلك: " يسوق أصحابه (3) " وقالوا في تفسيره: أي يقدمهم أمامه، ويمشي خلفهم تواضعا، ولا يدع أحدا يمشي خلفه، قال بعضهم: وفي حديث آخر أنه كان يقول: " اتركوا خلف ظهري للملائكة " قوله: ليست له راحة، أي فراغ من الفكر والعمل، قوله: بأشداقه، قال الجزري: الاشداق: جوانب الفم، وإنما يكون ذلك لرحب شدقيه، والعرب تمتدح بذلك انتهى. وقيل: أي كان لا يتشدق في الكلام بأن بفتح فاه كله، قوله: بجوامع الكلم، قال الجزري: أي أنه كان كثير المعاني قليل الالفاظ، قوله: فصلا، أي بينا ظاهرا يفصل بين الحق والباطل، وقيل: أي الحكم الذي لا يعاب قائله، قوله: دمثا، قال الجزري: أراد أنه كان لين الخلق في سهولة، وأصله من الدمث، وهو الارض السهلة الرخوة، والرمل الذي ليس بمتلبد، قوله: ليس بالجافي، قال: أي ليس بالغليظ الخلقة والطبع، أو ليس بالذي يجفو أصحابه، والمهين يروى بضم الميم وفتحها، فالضم على الفاعل من أهان أي لا يهين من صحبه، والفتح على المفعول من المهانة: الحقارة، وهو مهين، أي حقير، قوله: تعظم عنده النعمة، في الفائق: يعظم النعمة، وقال: أي لا يستصغر شيئا اوتيه، وإن كان صغيرا، وقال: الذواق: اسم ما يذاق، أي لا يصف الطعام بطيب ولا


(1) السمت: الطريق والمحجة. (2) شرح الشفاء 1: 356 و 357. (3) يوجد أيضا في المكارم.

[ 168 ]

ببشاعة (1)، وقال الجزري: الذواق: المأكول والمشروب، فعال بمعنى مفعول من الذوق، ويقع على المصدر، والاسم. قوله: فإذا تعوطي الحق، قال الجزري: أي أنه كان من أحسن الناس خلقا مع أصحابه ما لم ير حقا يتعرض له بإهمال أو إبطال أو إفساد، فإذا رأى ذلك تنمر (2) وتغير حتى أنكره من عرفه، كل ذلك لنصرة الحق، والتعاطي: التناول والجرأة على الشئ، من عطا الشئ، يعطوه: إذا أخذه وتناوله. أقول: وفي أكثر رواياتهم بعد قوله: حتى ينتصر له: لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. قوله: يضرب براحته اليمنى، في بعض رواياتهم بباطن راحته باليمنى. وقال الكازروي: اتصل بها تفسيره: فيضرب بباطن راحته أي يشير بكفه إلى حديثه (3). وروى القاضي في الشفاء هكذا: وإذا تحدث اتصل بها فضرب بأبهامه اليمنى راحة اليسرى (4). قوله: وأشاح، قال الزمخشري: أي وجد في الاعراض وبالغ. وقال الجزري: فيه إنه ذكر النار ثم أعرض وأشاح، المشيح: الحذر، والجاد في الامر، وقيل: المقبل إليك المانع لما وراء ظهره، فيجوز أن يكون أشاح أحد هذه المعاني، أي حذر النار، كأنه ينظر إليها، أوجد على الايصاء باتقائها، أو أقبل إليك في خطابه، ومنه في صفته: إذا غضب أعرض وأشاح، قوله: غضن طرفه، أي كسره وأطرق ولم يفتح عينه، وإنما كان يفعل ذلك ليكون أبعد من الاشر والمرح. قوله: جل ضحكه، بالضم أي معظمه، قوله: ويفتر عن مثل حب الغمام، أي


(1) بشع: عكس حسن وطاب. (2) أي غضب وساء خلقه. (3) المنتقى في مولد المصطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه. (4) شرح الشفاء 1: 342.

[ 169 ]

يتبسم ويكثر حتى تبدو أسنانه من غير قهقهة، وهو من فررت الدابة أفرها فرا: إذا كشف شفتها لتعرف سنها، وافتر يفتر افتعل منه، وأراد بحب الغمام البرد. قوله عليه السلام: وشكله: قال الجزري: أي عن مذهبه وقصده، وقيل: عما يشاكل أفعاله، والشكل بالكسر الدل (1)، وبالفتح: المثل، والمذهب. وقال الكازروني: الشكل بالفتح: النحو، والسيرة (2). قوله: بالخاصة، قال الجزري وغيره: أراد أن العامة كانت لا تصل إليه في هذا الوقت، فكانت الخاصة تخبر العامة بما سمعت منه، فكأنه أوصل الفوائد إلى العامة بالخاصة، وقيل: إن البآء بمعنى (من) أي يجعل وقت العامة بعد وقت الخاصة وبدلا منهم، قوله: وقسمه معطوف على الايثار، قوله: روادا، قال الجزري: أي طالبين العلم، ملتمسين الحكم من عنده، ويخرجون أداة: هداة للناس، والرواد جمع رائد وهو الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلآء ومساقط الغيث. أقول: ومنهم من قرأ أذلة بالذال المعجمة، أي يخرجون متعظين بما وعظوا، متواضعين من قوله: " أذلة على المؤمنين (3) " وهو تصحيف. قوله: إلا عن ذواق، قال الجزري: ضرب الذواق مثلا لما ينالون عنده من الخير، أي لا يتفرقون إلا عن علم وأدب يتعلمونه، يقوم لانفسهم مقام الطعام والشراب لاجسادهم. وقال القاضي: ويشبه أن يكون على ظاهره (4) أي في الغالب والاكثر، قوله: يحذر الناس بالتخفيف: ويحترس منهم، عطف تفسير له، ومنهم من قرأ على بناء التفعيل إيثارا للتأسيس على التأكيد، أي كان يحذر الناس بعضهم من بعض، ويأمرهم بالحزم، ويحذر هو أيضا منهم، والاول أظهر، قوله: لا يوطن الاماكن، أي لا يتخذ لنفسه مجلسا يعرف به فلا يجلس إلا فيه، وقد فسره بما بعده، قوله: من جالسه، في بعض رواياتهم


(1) الدل: حالة السكينة وحسن السيرة. (2) المنتقى في مولود المطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه صلى الله عليه وآله. (3) المائدة: 54. (4) شرح الشفاء 1: 357.

[ 170 ]

بعد ذلك: أو قاومه، أي قام معه، قوله: ولا تؤبن فيه الحرم، قال الجزري: أي لا يذكرن بقبيح، كان يصان مجلسه عن رفث القول، يقال: أبنت الرجل ابنه: إذا رميته بخلة (1) سوء، فهو مأبون، وهو مأخوذ من الابن وهو العقد تكون في القسي يفسدها و تعاب بها، قوله: سلاجم جمع سلجم، وهي الطويل، والسرآء بالفتح ممدودا، شجر يتخذ منه القسي، وقال الجوهري: الابنة بالضم: العقدة في العود، ومنه قول الاعشى: قضيب سرآء كثير الابن، قوله: لا تنثى فلتاته، قال الجزري: أي لا تذاع، يقال: نثوت الحديث أنثوه نثوا، والنثآء في الكلام يطلق على القبيح والحسن، يقال: ما أقبح نثاه وما أحسنه، والفلتات جمع فلتة وهي الزلة، أراد أنه لم يكن لمجلسه فلتات فتنثى. أقول: الضمير في فلتاته راجع إلى المجلس. قوله: متواصلين فيه بالتقوى، في بعض رواياتهم: يتواصون فيه بالتقوى، وفي بعضها: يتعاطفون بالتقوى، والفظ: السئ الخلق، والصخب بالصاد والسين: الضجة واضطراب الاصوات للخصام، قوله: كأنما على رؤوسهم الطير، قال الجزري: وصفهم بالسكون الوقار، وأنهم لم يكن فيهم طيش ولا خفة، لان الطير لا تكاد تقع إلا على شئ ساكن، وقال الفيروزآبادي: كأن على رؤوسهم الطير، أي سأكون هيبة، وأصله أن الغراب يقع على رأس البعير فيلقط منه القراد (2)، فلا يتحرك البعير لئلا ينفر عنه الغراب، قوله: لا يتنازعون عنده الحديث، أي إذا تكلم أحد منهم أمسكوا حتى يفرغ ثم يتكلم الآخر، فما بعده تفسيره، قوله: حديثهم عنده حديث اولاهم (3)، وفي بعض النسخ: أولهم بالافراد، ولعله تأكيد للسابق، أي لا يتكلم إلا من سبق بالكلام، قوله: على الجفوة، أي غلظته وبعده من الآداب، قوله: ليستجلبونهم، أي يجيئون معهم بالغرباء إلى مجلسه من كثرة احتماله عنهم، وصبره على ما يكون منهم في سؤالهم إياه وغير ذلك،


(1) الخلة بفتح الخاء وضمها: الخصلة. (2) القرد والقراد: دويبة تتعلق بالبعير ونحوه، وهى كالقمل للانسان. (3) الظاهر مما بعده أنه مصحف اولهم.

[ 171 ]

والصحابة كانوا لا يجترؤون على مثل ذلك، وقال الجزري: رفدته أرفده: إذا أعنته. أقول: وفي بعض رواياتهم: فأرشده، والاظهر أنه هنا فأوفدوه بالواو، قوله: إلا من مكافئ، قال الجزري: قال القتيبي: معناه إذا أنعم على رجل نعمة فكافاه بالثناء عليه قبل ثنائه، وإذا أثنى قبل أن ينعم عليه لم يقبله، وقال ابن الانباري: هذا غلط، إذ كان أحد لا ينفك من إنعام النبي صلى الله عليه واله، لان الله بعثه رحمة للناس كافة، فلا يخرج منها مكافئ ولا غير مكافئ، والثنآء عليه فرض لا يتم الاسلام إلا به، وإنما المعنى أنه لا يقبل الثنآء عليه إلا من رجل يعرف حقيقة إسلامه، ولا يدخل عنده في جملة المنافقين الذين يقولون بألسنتهم: ما ليس في قلوبهم، وقال الازهري: فيه قول ثالث إلا من مكافئ، أي مقارب غير مجاوز حد مثله، ولا مقصر عما رفعه الله إليه. قوله: حتى يجوزه، أي يتجاوز عن ذلك الكلام ويتمه ويريد إنشاء كلام آخر فيقطعه النبي صلى الله عليه واله بنهي أو قيام، وفي بعض النسخ ورواياتهم: بانتهاء، فيحتمل أن يكون المعنى فيقطع السائل بانتهاء أو قيام، وليس في أكثر النسخ الضمير في " يجوزه " فيحتمل أن يكون بالراء المهملة، أي إلا أن يجور ويتكلم بباطل كفحش أو غيبة فيقطعه صلى الله عليه واله بنهي أو بقيام. ثم اعلم أن الصدوق رحمه الله ذكر في الشرح فقرتين لم يذكرهما في الرواية (1)، إذ الشرح شرح رواية اخرى، فذكره ولم يبال بعدم موافقته لما ذكره من الرواية: إحداهما: قوله: يسوق أصحابه، وقد مرت الاشارة إليها وإلى موضعها، والاخرى قوله: لكل حال عنده عتاد، قبل قوله: لا يقصر عن الحق، وقال الجزري في بيانه، أي ما يصلح لكل ما يقع من الامور، وإنما وصف الحسن عليه السلام هندا بأنه خاله لان أبا هالة كان زوج خديجة رضي الله عنها قبل النبي صلى الله عليه واله، فولدت له هندا وهالة كما سيأتي في أحوال خديجة رضي الله عنها.


(1) يحتمل اسقاطهما عن قلم النساخ.

[ 172 ]

5 - ن: بإسناد التميمي، عن الرضا عليه السلام، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: ما رأيت أحدا أبعد ما بين المنكبين من رسول الله صلى الله عليه واله (1). 6 - ص: لم يمض النبي صلى الله عليه واله في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب عرقه، ولم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له (2). 7 - ير: الحسن بن علي بن النعمان، عن يحيى بن عمر، عن أبان الاحمر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إنا معاشر الانبياء تنام عيوننا، ولا تنام قلوبنا، ونرى من خلفنا كما نرى من بين أيدينا (3). 8 - ير: محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن ميمون القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: طلب أبو ذر رسول الله صلى الله عليه واله فقيل له: إنه في حائط كذا وكذا، فمضى يطلبه فدخل إلى الحائط والنبي صلى الله عليه واله نائم، فأخذ عسيبا يابسا وكسره ليستبرئ به نوم رسول الله صلى الله عليه واله، قال: ففتح النبي صلى الله عليه واله عينه وقال: أتخدعني عن نفسي يا أبا ذر ؟ أما علمت أني أراكم في منامي كما أراكم في يقظتي (4). بيان: قال الفيروزآبادي: العسيب: جريدة من النخل مستقيمة رقيقة يكشط خوصها، والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف انتهى والاستبرآء: كناية عن الامتحان، أي فعل ذلك ليستعلم أنه صلى الله عليه واله نائم أم لا، أو ليعلم أنه يعلم في منامه ما يقع عنده أم لا، قوله صلى الله عليه واله أتخدعني عن نفسي، أي أتمكر بي في أمر نفسي، وتدعي أنك تؤمن بي، وتفعل ما ينافي ذلك، فإن فعلك يدل على أنك تحسب أني لا أرى في منامي ما أرى في يقظتي، أو المعنى أتخفيني عن نفسي، أي تحسبني غافلا عما يفعل بي وعندي، وعلى أي حال لا يخلو من تكلف، فإن الشائع في هذا الكلام أنه يستعمل فيمن يريد أن يغوي أحدا، ويضله عن الحق، ويوقعه فيما يضر بنفسه، فيمكن أن يكون عبر عن الشئ بلازمه، أي فعلك هذا يستلزم أن يمكن لاحد أن يخدعني ويوقعني فيما يضر بنفسي.


(1) عيون أخبار الرضا: 222. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3 و 4) بصائر الدرجات: 125.

[ 173 ]

9 - ير: محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن الحسين بن المختار، عن زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: طلب أبو ذر رحمه الله رسول الله صلى الله عليه واله، فقيل له: إنه صلى الله عليه وآله في حائط كذا وكذا، فتوجه في طلبه، فوجده نائما فأعظمه أن ينبهه، فأراد أن يستبرئ نومه صلى الله عليه واله (1)، فسمعه رسول الله صلى الله عليه واله فرفع رأسه فقال: يا ابا ذر أتخدعني ؟ أما علمت أني أرى أعمالكم في منامي كما أراكم في يقظتي، إن عيني تنام وقلبي لا ينام (2). يج: مرسلا مثله. 10 - ير: علي بن إسماعيل، عن صفوان، عن العلاء، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أراكم من خلفي كما أراكم بين يدي، لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم (3). ير: أيوب بن نوح، عن ابن المغيرة، عن علا، عن محمد مثله (4). 11 - ير: أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (5). 12 - ير: الحسن بن علي، عن عبيس بن هشام، عن أبي إسماعيل كاتب شريح، عن أبي عتاب زياد مولى آل وغش، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (6).


(1) فيه حذف يعلم من الحديث السابق. (2) بصائر الدرجات: 125. (3) بصائر الدرجات: 124، صدر الحديث هكذا: قال: قلت له: إنا نصلى في مسجد لنا فربما كان الصف امام وفيه انقطاع، فأمشي إليه بجانبى حتى اقيمه ؟ قال: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أراكم من خلفي اه‍. (4) بصائر الدرجات: 124، وللحديث أيضا صدر يوافق معنى ما تقدم. (5) بصائر الدرجات: 124، والحديث فيه هكذا: قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أقيموا صفوفكم فانى أراكم من خلفي كما أراكم بين يدى، ولا تختلفوا فخالف الله بين قلوبكم. (6) بصائر الدرجات: 124، والحديث فيه هكذا: قال: سمعت يقول: أقيموا صفوفكم إذا رأيتم خللا، ولا عليك، أن تأخذ وراك إذا وجدت ضيقا في الصفوف فتتم الصف الذي خلفك، أو تمشى منحرفا فتتم الصف الذي قدامك فهو خير، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أقيموا صفوفكم فانى أنظر إليكم من خلفي، ليقيمن أو ليخالفن الله بين قلوبكم. أقول لعل الصحيح لتقيمن بالتاء.

[ 174 ]

13 - سر: محمد بن الحسين، عن يزيد بن إسحاق، عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (1). 14 - سن: معاوية بن الحكيم، عن ابن المغيرة، عن إبراهيم بن معرض، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن عمر دخل على حفصة فقال: كيف رسول الله صلى الله عليه واله فيما فيه الرجال ؟ فقالت: ما هو إلا رجل من الرجال، فأنف الله لنبيه صلى الله عليه واله فأنزل إليه صحفة فيها هريسة من سنبل الجنة، فأكلها فزاد في بضعه بضع أربعين رجلا (2). بيان: البضع بالضم: الجماع، والثاني يحتمل الضم والكسر أيضا، والضم أظهر، قال الجزري: فيه صلاة الجماعة تفضل صلاة الواحد ببضع وعشرين درجة، البضع في العدد بالكسر، وقد يفتح: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة، وقال الجوهري: تقول بضع سنين، وبضعة عشر رجلا، فإذا جاوزت لفظ العشر لا تقول: بضع وعشرون، وهذا يخالف ما جاء في الحديث انتهى، وترك العاطف هنا يضعف أيضا الحمل على الكسر. 15 - سن: أبي، عن محمد بن سنان، عن منصور الصيقل، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أهدى إلى رسوله هريسة من هرائس الجنة، غرست في رياض الجنة، وفركها الحور العين فأكلها رسول الله صلى الله عليه واله فزاد في قوته بضع أربعين رجلا، وذلك شئ أراد الله أن يسر به نبيه صلى الله عليه واله (3). 16 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان مثله، ثم قال: وفي حديث آخر رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله شكى إلى ربه جل و عز وجع الظهر، فأمره بأكل الحب باللحم، يعني الهريسة (4). بيان: الفرك: الدلك. 17 - يج: من معجزاته صلى الله عليه واله أن الاخبار تواترت واعترف بها الكافر والمؤمن


(1) بصائر الدرجات: 125، والحديث فيه مثل ذيل حديث أبى عتاب الا أن فيه: لتقيمن. (2 و 3) المحاسن: 404. (4) فروع الكافي 2: 170.

[ 175 ]

بخاتم النبوة الذي بين كتفيه على شعرات متراكمة، تقدمت بها الانبياء قبل مولده بالزمن الطويل، فوافق ذلك ما أخبروا به عنه في صفته صلى الله عليه واله (1). 18 - يج: روي أن النبي صلى الله عليه واله قال: أتموا الركوع، والسجود، فوالله إني لاراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم (2). 19 - قب: كان النبي صلى الله عليه واله قبل المبعث موصوفا بعشرين خصلة من خصال الانبياء لو انفرد واحد بأحدها لدل على جلاله، فكيف من اجتمعت فيه، كان نبيا أمينا، صادقا حاذقا، أصيلا نبيلا، مكينا، فصيحا، نصيحا، عاقلا فاضلا، عابدا زاهدا، سخيا مكيا (3)، قانعا متواضعا، حليما رحيما، غيورا صبورا، موافقا مرافقا، لم يخالط منجما ولا كاهنا ولا عيافا (4)، ولما قالت قريش: إنه ساحر علمنا أنه قد أراهم ما لم يقدروا على مثله، وقالوا: هذا مجنون، لما هجم منه على شئ لم يفكر في عاقبته منهم، وقالوا: هو كاهن، لانه أنبأ بالغائبات، وقالوا: معلم، لانه قد أنبأهم بما يكتمونه من أسرارهم، فثبت صدقه من حيث قصدوا تكذيبه، وكان فيه خصال الضعفاء، ومن كان فيه بعضها لا ينظم أمره: كان يتيما فقيرا، ضعيفا وحيدا غريبا، بلا حصار ولا شكوة، كثير الاعداء، ومع جميع ذلك تعالى مكانه، وارتفع شأنه، فدل على نبوته صلى الله عليه واله، وكان الجلف (5) البدوي يرى وجهه الكريم فيقول: والله ما هذا وجه كذاب، وكان صلى الله عليه واله ثابتا في الشدائد وهو مطلوب، وصابرا على البأساء والضراء وهو مكروب محروب (6)، وكان زهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، فثبت له الملك، وكان يشهد كل عضو منه على معجزة:


(1 و 2) لم نجد الخبرين في الخرائج، وقد أومأنا سابقا أن نسخة خرائج المصنف كانت تتفاوت مع المطبوع، وتوجد فعلا نسخة منه في مكتبة سلطان العلماء تخالف المطبوع ايضا. (3) استظهر المصنف في الهامش أنه مصحف كميا، والكمى: الشجاع، أو لابس السلاح لانه يكمى نفسه أي يسترها بالدرع والبيضة. (4) العياف: المتكهن. الذى يعمل العيافة أي زجر الطير. (5) الجلف: الغليظ الجافي. (6) المحروب: الذى سلب ماله وترك بلا شئ.

[ 176 ]

نوره: كان إذا مشى (1) في ليلة ظلماء بداله نور كأنه قمر، قالت عائشة: فقدت إبرة ليلة فما كان في منزلي سراج، فدخل النبي صلى الله عليه واله فوجدت الابرة بنور وجهه. حمزة بن عمر الاسلمي قال: نفرنا مع النبي صلى الله عليه واله في ليلة ظلماء فأضاءت أصابعه عرفه (2). جابر بن عبد الله: إنه كان لا يمر في طريق فيمر فيه إنسان بعد يومين إلا عرف أنه عبر فيه. مسلم: كان النبي صلى الله عليه واله يقيل عند ام سلمة فكانت تجمع عرقه وتجعله في الطيب. عبد الجبار بن وائل، عن أبيه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه واله بدلو من ماء فشرب ثم توضأ فتمضمض، ثم مج (3) مجة في الدلو فصار مسكا أو أطيب من المسك. ظله: لم يقع ظله على الارض، لان الظل من الظلمة، وكان إذا وقف في الشمس والقمر والمصباح نوره يغلب أنوارها. قامته: كلما مشى مع أحد كان أطول منه برأس، وإن كان طويلا. رأسه: كان يظله سحابة من الشمس، وتسير لمسيره، وتركد لركوده، ولا يطير الطير فوقه. عينيه (4): كان يبصر من ورائه كما يبصر من أمامه، ويرى من خلفه كما يرى من قدامه. أنفه: لم يشم به منذ خلقه الله تعالى رائحة كريهة. فمه: كان يمج في الكوز والبئر فيجدون له رائحة أطيب من المسك.


(1) في المصدر: كان إذا يمشى. (2) العرف بالضم: ما ارتفع من رمل أو مكان ونحو ذلك، وسيحتمل إيضا أن يكون ذلك مصحف عرفة. وضبطه في نسخة المصنف بالفتح، ولم نعرف له معنى يناسب المقام. (3) أي رمى به. (4) في المصدر: عينه.

[ 177 ]

لسانه: كان ينطق بلغات كثيرة. محاسنه: كانت فيه سبع عشرة طاقة نور يتلالؤ في عوارضه. اذنيه (1): كان يسمع في منامه كما يسمع في انتباهه، ويسمع كلام جبرئيل عند الناس ولا يسمعونه. ربيع الابرار: إنه دخل أبو سفيان على النبي صلى الله عليه واله وهو يقاد فأحس بتكاثر الناس، فقال في نفسه: واللات والعزى يا ابن أبي كبشه لاملانها عليك خيلا ورجلا، وإني لارجو أن أرقي هذه الاعواد، فقال النبي صلى الله عليه واله: أو يكفينا الله شرك يا أبا سفيان. صدره: لم يكن على وجه الارض أعلم منه. ظهره: كان بين كتفيه خاتم النبوة، كلما أبداه غطى نوره نور الشمس، مكتوب عليه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، توجه حيث شئت فأنت منصور. في حديث جابر بن سمرة: رأيت خاتمه غضروف كتفيه مثل بيض الحمامة. وسئل الخدري عنه فقال: بضعة (2) ناشزة. أبو زيد الانصاري: شعر مجتمع على كتفيه. السائب بن يزيد: مثل زر الحجلة، ولما شك في موت رسول الله صلى الله عليه واله وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه، فقالت: قد توفي رسول الله صلى الله عليه واله قد رفع الخاتم. بطنه: كان يشد عليه الحجر من الغرث، فيشبع قلبه، كان تنام عيناه ولا ينام قلبه. يداه: فار الماء من بين أصابعه، وسبح الحصى في كفه. ركبه: ولد مسرورا (3) مختونا، وما احتلم قط، لان ذلك من الشيطان، وكان له شهوة أربعين نبيا. جلوسه: عائشة. قلت: يا رسول الله إنك تدخل الخلاء، فإذا خرجت دخلت على


(1) في المصدر: اذنه. (2) البضعة بالكسر والفتح: القطعة من اللحم. الناشزة: المرتفعة. (3) أي مقطوع السرة، والسرة: التجويف الصغير المعهود في وسط البطن.

[ 178 ]

أثرك فما أرى شيئا إلا أني أجد رائحة المسك، فقال: إنا معاشر الانبياء تنبت أجسادنا على أرواح الجنة، فما يخرج منه شئ إلا ابتلعته الارض. وتبعه رجل علم مراده فقال صلى الله عليه واله: إنا معاشر الانبياء لا يكون منا ما يكون من البشر. ام أيمن: أصبح رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا ام أيمن قومي فاهرقي ما في الفخارة، يعنى البول، قلت: والله شربت ما فيها وكنت عطشى، قالت: فضحك حتى بدت نواجده، ثم قال: أما إنك لا تنجع بطنك أبدا (1). ومنه حديث دم الفصد. فخذه: كل دابة ركبها النبي صلى الله عليه واله بقيت على سنها لا تهرم قط. رجليه (2): أرسلهما في بئر ماؤه أجاج فعذب. قوته: كان لا يقاومه أحد. إسحاق بن بشار: إن ركانة بن عبد بن زيد بن هاشم كان من أشد قريش فخلا (3)، فقال له النبي صلى الله عليه واله في وادي أصم: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه ؟ قال: إني لو أعلم أنه حق لاتبعتك، فقال النبي صلى الله عليه واله: أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول: حق ؟ قال: نعم، قال: قم حتى اصارعك، قال: فقام إليه ركانة فصارعه، فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه واله أضجعه، قال: فعد، فعاد فصرعه، فقال: إن ذا لعجب يا قوم، إن صاحبكم أسحر أهل الارض. حرمته: كان القمر يحرك مهده في حال صباه، وكان لا يمر على شجرة إلا سلمت عليه، ولم يجلس عليه الذباب، ولم تدن منه هامة ولا سامة. مشيه: كان إذا مشى على الارض السهلة لا يبين لقدميه أثر، وإذا مشى على الصلبة بان أثرهما.


(1) هكذا في المصدر أيضا، وقال المصنف: النجيع: دم البطن، ونحتمل قريبا أنه مصحف يوجع أو ييجع. (2) في المصدر: رجلاء. (3) في المصدر: فحلا، ولعله أصوب.

[ 179 ]

هيبته: كان عظيما مهيبا في النفوس حتى ارتاعت رسل كسرى، مع أنه كان بالتواضع موصوفا، وكان محبوبا في القلوب حتى لا يقليه (1) مصاحب، ولا يتباعد عنه مقارب، قال السدي في قوله: " سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب (2) ": لما ارتحل أبو سفيان و المشركون يوم احد متوجهين إلى مكة قالوا: ما صنعنا قتلناهم حتى لم يبق منهم إلا الشريد (3) تركناهم، إذ هموا وقالوا: ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا. وروي أن الكفار دخلوا مكة كالمنهزمين مخافة أن يكون له الكرة عليهم، وقال صلى الله عليه وآله: نصرت بالرعب مسيرة شهر. قوله تعالى: " وكف أيدي الناس عنكم (4) " وذلك أن النبي صلى الله عليه واله لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من أسد وغطفان أن يغيروا (5) على أهل المدينة، فكف الله عنهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. قوله تعالى: " هو الذي أيدك بنصره (6) " وقال صلى الله عليه واله: لم نخل في ظفر (7) إما في ابتداء الامر وإنما في انتهائه، وكان جميل بن معمر الفهري حفيظا لما يسمع، ويقول: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل (8) واحد منهما أفضل من عقل محمد، فكانت قريش تسميه ذا القلبين، فتلقاه أبو سفيان يوم بدر وهو آخذ بيده إحدى نعليه، والاخرى في رجله، فقال له: يابا معمر ما الخبر ؟ قال: انهزموا، قال: فما حال نعليك ؟ قال: ما شعرت إلا أنها في رجلي لهيبة محمد، فنزل: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه (9) ".


(1) أي لا يبغضه. (2) آل عمران: 151. (3) الشريد: الطريد. (4) الفتح: 20. (5) أغار عليهم: هجم وأوقع بهم. (6) الانفال: 62. (7) من ظفر ظ. (8) في المصدر: لكل واحد. (9) الاحزاب: 4.

[ 180 ]

أمير المؤمنين عليه السلام: وينصر الله من لاقاه إن له * نصرا يمثل بالكفار إذ عندوا (1) بيان: النبل: بالضم: الذكاء والنجابة، والمكانة: المنزلة، والعرف بالفتح: الريح الطيبة، وقال الجزري في صفة خاتم النبوة: إنه مثل زر الحجلة، الزر واحد الازرار التي تشد بها الكلل والستور، على ما يكون في حجلة العروس، وقيل: إنما هو بتقديم الراء على الزاي، ويريد بالحجلة القبجة (2)، مأخوذا من أرزت الجرادة: إذا كبست ذنبها في الارض فباضت، ويشهد له ما رواه الترمذي في كتابه بإسناده عن جابر بن سمرة قال: كان خاتم رسول الله صلى الله عليه واله الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة انتهى. والغرث: الجوع، قوله: على أرواح الجنة، في بعض النسخ بالمهملتين، أي الارواح التي تدخل الجنة، أو هي جمع الريح، أي أجسادنا طيبة كطيب ريح أهل الجنة، وفي بعض النسخ بالمعجمتين أي الحور، وقال الفيروزآبادي: النجيع: دم البطن. 20 - قب: الترمذي في الشمائل والطبري في التاريخ والزمخشري في الفائق والفتال في الروضة: رووا صفة النبي صلى الله عليه واله بروايات كثيرة منها عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وأبي هريرة وجابر بن سمرة وهند بن أبي هالة أنه كان صلى الله عليه واله فخما مفخما، في العيون معظما، وفي القلوب مكرما، يتلالؤ وجهه تلالا القمر ليلة البدر، أزهر منور اللون، مشربا بحمرة، لم تزر به مقلة، لم تعبه ثجلة، أغر أبلج أحور أدعج أكحل أزج، عظيم الهامة، رشيق القامة، مقصدا واسع الجبين، أقنى العرنين، أشكل العينين، مقرون الحاجبين، سهل الخدين صلتهما، طويل الزندين، شبح الذراعين، عظيم مشاشة المنكبين، طويل ما بين المنكبين، شثن الكفين، ضخم القدمين، عاري الثديين، خمصان الاخمصين، مخطوط المتيتين (3)، أهدب الاشفار، كث اللحية، ذا وفرة، وافر السبلة، أخضر الشمط،


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 84 - 86 ط ايران و 107 - 110 ط النجف وفيه: ما عندوا. (2) القبجة: طائرة تشبه الحجل، يقال لها بالفارسية: كبك. (3) في المصدر: المتينين. ولعله مصحف المتنين.

[ 181 ]

ضليع الفم (1) أشم أشنب (2) مفلج الاسنان، سبط الشعر، دقيق المسربة، معتدل الخلق، مفاض البطن، عريض الصدر، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، سائل الاطراف، منهوس (3) العقب قصير الحنك، داني الجبهة، ضرب اللحم بين الرجلين، كان في خاصرته انفتاق، فعم الاوصال، لم يكن بالطويل البائن، ولا بالقصير الشائن، ولا بالطويل الممغط، ولا بالقصير المتردد، ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط ولا بالمطهم ولا بالمكلثم ولا بالابيض الامهق، ضخم الكراديس، جليل المشاش (4)، كنوز المنخر (5)، لم يكن في بطنه ولا في صدره شعر إلا موصل ما بين اللبة إلى السرة كالخط، جليل الكتد، أجرد ذا مسربة، وكان أكثر شيبه في فودي رأسه وكأن كفه كف عطار مسها بطيب، رحب الراحة، سبط القصب، وكان إذا رضي وسر فكأن وجهه المرآة، وكان فيه شئ من صور، يخطو تكفؤا، ويمشي الهوينا، يبدؤ القوم إذا سارع إلى خير، وإذا مشى تقلع كأنما ينحدر في صبب، إذا تبسم يتبسم عن مثل المنحدر عن بطون الغمام، وإذا افتر افتر عن سنا البرق إذا تلالا، لطيف الخلق، عظيم الخلق، لين الجانب إذا طلع بوجهه على الناس رأوا جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد. كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ، وريح عرقه أطيب من ريح المسك الاذفر، بين كتفيه خاتم النبوة. أبو هريرة: كان يقبل جميعا ويدبر جميعا. جابر بن سمرة: كانت في ساقه (6) حموشة. أبو حجيفة: (7) كان قد سمط عارضاه وعنفقته بيضاء.


(1) رجل ضليع الفم أي عظيمه. وتقدم شرح بعض اللغات المشكلة في الخبر السابق. (2) في المصدر: أغنب، أقول: في القاموس: الغنب كصرد: دارات أوساط أشداق الغلمان الملاح. (3) منهوش خ ل. (4) المشاش جمع المشاشة: النفس أو الطبيعة ورأس العظم اللين. (5) في المصدر: أنور المتجرد. وتقدم معناه. (6) في المصدر: في ساقيه. (7) في المصدر: أبو جحيفة بتقديم المعجمة وهو الصحيح، اسم وهب بن عبد الله السوائى. يقال له: وهب الخير، صحابي معروف، وصحب امير المؤمنين عليا عليه السلام، مات سنة 74.

[ 182 ]

ام هاني: رأيت رسول الله صلى الله عليه واله ذا ضفائر أربع، والصحيح أنه كان له ذؤابتين، و ومبدأها من هاشم. أنس: ما عددت في رأس رسول الله صلى الله عليه واله ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء، ويقال سبع عشرة. ابن عمر: إنما كان شيبه نحوا من عشرين شعرة بيضاء. البراء بن عازب: كان يضرب شعره كتفيه. أنس: له لمة إلى شحمة اذنيه. عائشة: كان شعره فوق الوفرة ودون الجمة (1). بيان: قال الجزري: في صفته صلى الله عليه واله كان أزهر اللون، الازهر: الابيض المستنير، والزهرة والزهرة: البياض النير، وهو أحسن الالوان انتهى. ويقال: زرى عليه، أي عابه، وزرى به، أي تهاون، والمقلة بالضم: الحدقة، وفي رواياتهم بالصاد المهملة والقاف، قال الجزري: في حديث ام معبد ولم تزر به صقلة، أي دقة ونحول، يقال: صقلت الناقة: إذا أضمرتها، وقيل: أرادت أنه لم يكن منتفخ الخاصرة جدا، ولا ناحلا جدا، ويروى بالسين على الابدال من الصاد، ويروى صعلة، وهي صغر الرأس، وهي أيضا الدقة والنحول في البدن، وقال في قوله: لم تعبه ثجلة. أي ضخم بطن، ويروى بالنون والحاء، أي نحول ودقة، وقال الجوهري: الثجلة بالضم: عظم البطن، وسعته، قوله: أغر، أي أبيض صافي اللون، قوله: أبلج، أي مشرق الوجه مسفرة، ذكره الجزري، وقال الفيروزآبادي: الحور بالتحريك: أن يشتد بياض بياض العين وسواد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها، ويبيض ما حواليها، أو شدة بياضها، وسوادها في شدة بياض الجسد. وقال: الكحل محركة: أن يعلوا منابت الاشفار سواد خلقة، أو أن يسود مواضع الكحل كحل، كفرح، فهو أكحل، والكحلاء: الشديدة سواد العين، أو التي كأنها مكحولة، وإن لم تكحل، وقال: رجل رشق: حسن القد لطيفه، وقال الجزري: في صفته صلى الله عليه واله


(1) مناقب آل أبي طالب 1: 107 و 108 ط ايران و 135 و 136 ط النجف.

[ 183 ]

كان أبيض مقصدا، هو الذي ليس بطويل ولا قصير ولا جسيم، كأن خلقه نحى (1) القصد من الامور، والمعتدل الذي لا يميل إلى طرفي الافراط والتفريط، وقال في قوله: أشكل العينين: أي في بياضها شئ من حمرة، وهو محمود محبوب، يقال: ماء أشكل: إذا خالطه الدم، وقال: في صفته صلى الله عليه واله كان صلت الجبين، أي واسعه، وقيل: الصلت: الاملس، وقيل: البارز، وفي حديث آخر. كان سهل الخدين صلتهما، وقال في صفته صلى الله عليه واله: أنه كان مشبوح الذارعين، أي طويلهما، وقيل: عريضهما، وفي رواية: كان شبح الذراعين، والشبح: مدك الشئ بين أوتاد كالجلد والحبل، وقال الجوهري: رجل مشبوح الذراعين: عريضهما، وكذلك شبح الذراعين بالتسكين، وقال الجزري: في صفته صلى الله عليه واله جليل المشاش، أي عظيم رؤوس العظام كالمرفقين والكعبين والركبتين، وقال الجوهري: هي رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها، قوله: مخطوط المتيتين، لم أجد له معنى، ولعله إما تصحيف الليتين من ليت العنق: صفحته، أو المتنين من متني الظهر، وقال الجزري: في صفته صلى الله عليه واله كان أهدب الاشفار، وفي رواية: هدب الاشفار، أي طويل شعر الاجفان، وقال: فيه إنه كان وافر السبلة، السبلة بالتحريك: الشارب، والجمع السبال، قاله الجوهري: وقال الهروي: هي الشعرات التي تحت اللحى الاسفل، والسبلة عند العرب: مقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر، وقال في صفته صلى الله عليه واله: كان أخضر الشمط، أي كانت الشعرات التي شابت منه قد اخضرت بالطيب والدهن المروح انتهى، أقول: الاظهر أن الخضرة كانت للخضاب، وإنما حمل على ذلك لانكار أكثرهم اختضابه صلى الله عليه وآله، وقال في قوله: مفاض البطن: أي مستوي البطن مع الصدر، وقيل: المفاض ما يكون فيه امتلاء من فيض الاناء، ويريد به أسفل بطنه، وقال في صفته صلى الله عليه واله: منهوس الكعبين، أي لحمهما قليل، والنهس: أخذ اللحم بأطراف الاسنان، والنهش: الاخذ بجميعها، و يروى منهوس القدمين، وبالشين أيضا، وقال في صفة موسى عليه السلام: أنه ضرب من الرجال، هو الخفيف اللحم، الممشوق المستدق، وقال الجوهري: الضرب: الرجل الخفيف اللحم، وقال الجزري في صفته صلى الله عليه واله: كان في خاصرتيه انفتاق، أي اتساع، وهو محمود في


(1) في النهاية: انحى به.

[ 184 ]

الرجال، مذموم في النساء، وقال: في صفته صلى الله عليه واله كان فعم الاوصال، أي ممتلئ الاعضاء، يقال: فعمت الاناء وأفعمته: إذا بالغت في ملئه، وقال في الباين: أي المفرط طولا الذي بعد عن قد الرجال الطوال، وقال: المطهم: المنتفخ الوجه، وقيل: الفاحش السمن، و قيل: النحيف الجسم، وهو من الاضداد، وقال: المكلثم من الوجوه: القصير الحنك، الداني الجبهة، المستدير مع خفة اللحم، أراد أنه كان أسيل الوجه ولم يكن مستديرا، وقال: الامهق: الكريه البياض كلون الجص: يريد أنه كان نير البياض، وقال: الكتد بفتح التاء وكسرها: مجتمع الكتفين، وهو الكاهل، وقال: الاجرد: الذي ليس على بدنه شعر، ولم يكن كذلك، وإنما أراد به أن الشعر كان في أماكن من بدنه، كالمسربة، والساعدين والساقين، فإن ضد الاجرد الاشعر، وهو الذي على جميع بدنه شعر، وقال في فودي رأسه: أي ناحيته، كل واحد منهما فود، وقيل: الفود: معظم شعر الرأس، وقال: الهوينا تصغير الهونى، تأنيث الاهون، والغرض اللين، والتثبت، قوله: كان يقبل جميعا، قد عرفت ما قيل فيه، وقد سمعت بعض مشائخي يقول: إنه كناية عن ضخامة جسمه، ورصافة بدنه صلى الله عليه واله، أي كان لا يمكنه تحريك الرأس إلا بتحريك البدن، وهو من علامات الشجاعة كما هو المشاهد في المعروفين بها، والحموشة: الدقة، وقال الجزري: فيه أنه كان في عنفقته شعرات بيض، العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل: الشعر الذي بينها وبين الذقن انتهى، والضفائر: الذوائب المنسوجة، وقال الجزري: فيه ما رأيت ذا لمة أحسن من رسول الله صلى الله عليه واله، اللمة: من شعر الرأس دون الجمة، وسميت بذلك لانها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت فهي الجمة: فقال: الجمة من شعر الرأس: ما سقط على المنكبين (1). 21 - شى: في رواية صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام وعن سعد الاسكاف عن أبي جعفر عليه السلام: جاء أعرابي أحد بني عامر فسأل عن النبي صلى الله عليه واله فلم يجده، قالوا: هو يفرج (2)، فطلبه فلم يجده، قالوا: هو بمنى، قال: فطلبه فلم يجده، فقالوا: هو


(1) تقدم شرح سائر اللغات الغريبة في الاحاديث السابقة. (2) هكذا في نسخة المصنف، وفي المطبوع: بقزح وهو الصحيح، قال ياقوت: قزح بضم =

[ 185 ]

بعرفه، فطلبه فلم يجده، قالوا: هو بالمشاعر، قالوا: (1) فوجده في الموقف، قال: حلوا لي النبي صلى الله عليه واله، فقال الناس: يا أعرابي ما أنكرك، إذا وجدت النبي صلى الله عليه واله وسط القوم وجدته مفخما، قال: بل حلوه لي حتى لا أسأل عنه أحدا، قالوا: فإن نبي الله أطول من الربعة، وأقصر من الطويل الفاحش، كأن لونه فضة وذهب، أرجل الناس جمة، وأوسع الناس جبهة، بين عينيه غرة، أقنى الانف، واسع الجبين، كث اللحية، مفلج الاسنان، على شفته السفلى خال، كأن رقبته إبريق فضة، بعيد ما بين مشاشة المكنبين، كأن بطنه وصدره سبل (2) سبط البنان، عظيم البراثن، إذا مشى مشى متكفئا وإذا التفت التفت بأجمعه، كأن يده من لينها متن أرنب، إذا قام مع إنسان لم ينفتل حتى ينفتل صاحبه، وإذا جلس لم يحل حبوته (3) حتى يقوم جليسه، فجاء الاعرابي فلما نظر إلى النبي صلى الله عليه واله عرفه، قال بمحجنه (4) على رأس ناقة رسول الله صلى الله عليه واله عند ذنب ناقته فأقبل الناس تقول: ما أجرأك يا أعرابي ؟ قال النبي صلى الله عليه واله: دعوه فإنه أرب (5)، ثم قال: ما حاجتك ؟ قال: جاءتنا رسلك تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتحجوا البيت، وتغتسلوا من الجنابة، وبعثني قومي إليك رائدا، أبغي (6) أن أستحلفك وأخشى أن تغضب، قال: لا أغضب، إني أنا الذي سماني الله في التوراة والانجيل محمد رسول الله، المجتبى المصطفى، ليس


= أوله وفتح ثانيه، وحاء مهملة: القرن الذي يقف الامام عنده بالمزدلفة عن يمين الامام، وهو الميقدة وهو الموضع الذي كانت توقد فيه النيران في الجاهلية، وهو موقف قريش في الجاهلية، إذ كانت لا تقف بعرفة انتهى، وفي المجمع: قزح كصرد: اسم جبل بالمزدلفة، قال الشيخ (أي الطوسى): هو جبل هناك يستحب الصعود عليه. (1) قال خ ل. (2) سواء خ ل. (3) الحبوة بالفتح والضم: ما يحتبى به أي يشتمل به من ثوب أو عمامة. (4) لعل المعنى: مال أو أشار بمحجنه. والمحجن. العصا المنعطفة الرأس، أو كل معطوف الرأس على الاطلاق. (5) أديب خ ل. (6) أي أطلب.

[ 186 ]

بفحاش ولا سخاب في الاسواق، ولا يتبع السيئة السيئة، ولكن يتبع السيئة الحسنة، فسلني عما شئت، وأنا الذي سماني الله في القرآن: " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " فسل عما شئت، قال: إن الله الذي رفع السماوات بغير عمد هو أرسلك ؟ قال: نعم هو أرسلني، قال: بالله الذي قامت السماوات بأمره هو الذي أنزل عليك الكتاب، وأرسلك بالصلاة المفروضة، والزكاة المعقولة ؟ قال: نعم، قال: وهو أمرك بالاغتسال من الجنابة وبالحدود كلها ؟ قال: نعم، قال: فإنا آمنا بالله ورسله وكتابه واليوم الآخر والبعث والميزان والموقف والحلال والحرام صغيره وكبيره، قال: فاستغفر له النبي صلى الله عليه واله ودعا (1). توضيح: قال الجزري: في صفته صلى الله عليه واله أطول من المربوع، هو بين الطويل والقصير، يقال: رجل ربعة ومربوع، وقال الفيروزآبادي: البرثن كقنفذ: الكف مع الاصابع، ومخلب الاسد، أو هو للسبع كالاصبع للانسان. وقال الكازروني: في رواية، عن علي عليه السلام يصفه صلى الله عليه واله لاعرابي: إذا نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه واله عرفته ليس بالطويل المتثنى، ولا القصير الفاحش، أبيض مشرب حمرة، ربعة، أحسن الناس، شعره إلى شحمة اذنه، عريض الجبهة، ضخم العينين، أقرن الحاجبين مفلج الثنايا، أسيل الخد، كث اللحية، على شفته السفلى خال، كأن عنقه إبريق فضة، بعيد ما بين المنكبين، صخم البراثن. كذا جاء في الرواية، وقال بعض علمائنا: وأظن الصواب: ضخم الكراديس ليس على ظهره ولا بطنه إلا شعر كقضيب الفضة يجري، شثن الكفين، كأن كفه من لينها متن أرنب، إذا مشى مشى متقلعا، كأنه يهبط من صبب، وإذا التفت التفت بأجمعه، وإذا صوفح لم ينزع يده حتى ينزع الآخر، وإذا احتبى إليه رجل لم يحل حبوته حتى يكون الرجل هو الذي يحل حبوته، وإذا ضحك تبسم، يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة الحسنة، ليس بسخاب في الاسواق. ثم قال: المتثنى: الذاهب طولا، يستعمل في طول لا عرض له، لا يستمسك طوله من غير عرض كأنه ينحني، قوله: إذا احتبى إليه رجل، من عادة العرب إذا جلس


(1) تفسير العياشي: مخطوط.

[ 187 ]

أحدهم متمكنا أن يحتبي بثوبه، فإذا أراد أن يقوم حل حبوته، يعني إذا جلس إليه رجل لم يقم من عنده حتى يكون الرجل هو الذي يبدء بالقيام انتهى (1). وقال الجزري: فيه أن رجلا اعترض النبي صلى الله عليه واله يسأله، فصاح به الناس فقال: دعوا الرجل أرب ماله، في هذه اللفظة ثلاث روايات: أحدها أرب بوزن علم، ومعناها الدعاء عليه، أي اصيبت آرابه (2) وسقطت، وهي كلمة لا يراد بها وقوع الامر، كما يقال: تربت يداك وقاتلك الله، وإنما ذكر في معنى التعجب، وفي هذا الدعاء من رسول الله صلى الله عليه واله قولان: أحدهما تعجبه من حرص المسائل ومزاحمته، والثاني لما رآه بهذه الحال من الحرص غلبه طبع البشرية فدعا عليه (3)، وقيل: معناه احتاج فسأل، من أرب الرجل: إذا احتاج، ثم قال: ماله، أي أي شئ به وما يريد، والرواية الثانية: أرب ماله بوزن جمل (4)، أي حاجة له، وما زائدة للتقليل، أي له حاجة يسيرة، وقيل: معناه حاجة جاءت به، فحذف، ثم سأل فقال: ماله، والرواية الثالثة: أرب بوزن كتف، والارب: الحاذق الكامل، أي هو أرب، فحذف المبتدآء، ثم سأل فقال: ماله ؟ أي ما شأنه، ومثله الحديث الآخر: أنه جاءه رجل فقال: دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال: أرب ما له ؟ أي أنه ذو خبرة وعلم انتهى. اقول: كان في المنقول منه دعوه فإنه أديب بالدال المهملة والياء المثناة، ثم الموحدة، وكان يحتمل الراء أيضا، وقد عرفت مما نقلنا تصحيحه وتوجيهه. 22 - كا: العدة، عن سهل، عن محمد بن حسن بن شمون، عن علي بن محمد النوفلي، عن أبي الحسن عليه السلام قال ذكرت الصوت عنده، فقال: إن علي بن الحسين عليه السلام كان يقرء (5) فربما يمر (6) به المار فصعق من حسن صوته، وإن الامام لو أظهر من ذلك


(1) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه صلى الله عليه وآله. (2) آراب جمع الارب: العضو. (3) وذلك يصح عند من يرى جواز غلبة طبع البشرية عليه كالجزري وأمثاله وأما الامامية فهم لا يجوزون ذلك. (4) في النهاية: بوزن حمل. (5) يقرء القرآن خ ل. (6) مر خ ل وهو الموجود في المصدر. (*)

[ 188 ]

شيئا لما احتمله الناس من حسنه، قلت: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه واله يصلي بالناس ويرفع صوته بالقرآن ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان يحمل الناس من خلفه (1) ما يطيقون (2). 23 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن سيف، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: صف لي نبي الله صلى الله عليه واله، قال: كان نبي الله أبيض مشرب حمرة، أدعج العينين، مقرون الحاجبين، شثن الاطراف، كأن الذهب أفرغ على براثنه، عظيم مشاشة المنكبين، إذا التفت يلتفت جميعا من شدة استرساله، سربته (3) سائلة من لبته إلى سرته كأنها وسط الفضة المصفاة، وكأن عنقه إلى كاهله إبريق فضة، يكاد أنفه إذا شرب أن يرد الماء، وإذا مشى تكفأ كأنه ينزل في صبب، لم ير مثل نبي الله صلى الله عليه وآله قبله ولا بعده صلى الله عليه واله (4). بيان: قوله عليه السلام: كأن الذهب افرغ على براثنه، لعل المراد وصف صلابة كفه صلى الله عليه واله وشدة قبضه مع عدم يبس ينافي سهولة القبض، فإن الذهب لها جهة صلابة ولين، ويحتمل أن يكون التشبيه في الحمرة أو في النور، وفي إعلام الورى: على تراقيه، وقد مر مثله. قوله عليه السلام: من شدة استرساله، الاسترسال. الاستيناس والطمأنينة إلى الانسان، والثقة به فيما يحدثه ذكره الجزرى، وهذا يدل على أن التفاته صلى الله عليه واله جميعا إنما كان لعدم نخوته، وشدة لطفه، وحسن خلقه، لا كما ظنه الاكثر أنه إنما كان يفعل ذلك لمتانته ووقاره كما مر، والسربة بالضم: الشعر وسط الصدر إلى البطن. وقوله عليه السلام: كأنها وسط الفضة، تشبيه بليغ، حيث شبه هذا الخيط من الشعر في وسط البطن بما يتخيل الانسان من خط أسود في وسط الفضة المصقولة إذا كانت فيها حدبة فلا تغفل.


(1) من خلقه خ ل. (2) الاصول 2: 615. (3) سرته خ ل. أقول: هو مصحف. (4) الاصول 1: 443.

[ 189 ]

24 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن حماد، عن أيوب بن هارون، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أكان رسول الله صلى الله عليه واله يفرق شعره ؟ قال: لا، لان رسول الله صلى الله عليه واله (1) كان إذا طال شعره كان إلى شحمة اذنه (2). 25 - كا: العدة، عن سهل، عن محمد بن عيسى، عن عمرو بن إبراهيم، عن خلف ابن حماد، عن عمرو بن ثابت، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: إنهم يروون أن الفرق من السنة، قال: من السنة، قلت: يزعمون أن النبي صلى الله عليه واله فرق، قال: ما فرق النبي صلى الله عليه واله ولا كانت الانبياء تمسك الشعر (3). 26 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نصر، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الفرق من السنة ؟ قال: لا، قلت: فهل فرق رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قال: نعم، قلت: كيف فرق رسول الله صلى الله عليه واله وليس من السنة ؟ قال: من أصابه ما أصاب رسول الله صلى الله عليه واله يفرق كما فرق رسول الله صلى الله عليه واله وإلا فلا (4)، قلت: كيف ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله لما صد (5) عن البيت وقد كان ساق الهدي وأحرم (6) أراه الله " الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون " فعلم رسول الله صلى الله عليه واله أن الله سيفي له بما أراه، فمن ثم وفر ذلك الشعر الذي كان على رأسه حين أحرم، انتظارا لحلقه في الحرم حيث وعده الله عزوجل، فلما حلقه لم يعد في توفير الشعر، ولا كان ذلك من قبله صلى الله عليه واله (7). 27 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن


(1) في المصدر: ان رسول الله صلى الله عليه وآله. (2 و 3) فروع الكافي 2: 215. (4) في المصدر: كما فرق رسول الله صلى الله عليه فقد أصاب سنة رسول الله صلى الله عليه و آله والا فلا. (5) أي منع. (6) في المصدر: وأحرم وأراه الله الرؤيا التى أخبره الله بها في كتابه، إذ يقول: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " اه‍. (7) فروع الكافي 2: 215.

[ 190 ]

سنان، عن ابن مسكان، عن إسماعيل بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا روئي في الليلة الظلماء روئي له نور كأنه شقة قمر (1). اقول: قال الكازروني في المنتقى: روي عن علي عليه السلام كان النبي صلى الله عليه واله ضخم الرأس، عظيم العينين، هدب الاشفار، مشرب العينين، حمرة، كث اللحية، أزهر اللون، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تكفأ كأنما يمشي في صعد، وإذا التفت إلتفت جميعا. وفي رواية عنه عليه السلام أيضا قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله أبيض مشربا بياضه حمرة، أهدب الاشفار، أسود الحدقة، لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطول أقرب، لا جعد ولا سبط عظيم المناكب، في صدره مسربة، شثن الكف والقدم، كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ كأنه يمشي في صعد، لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه واله. وعنه عليه السلام أيضا: قال: ليس بالذاهب طولا، وفوق الربعة، إذا جاء مع القوم غمرهم، أبيض ضخم الهامة، أغر أبلج، أهدب الاشفار، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى يتقلع كأنما ينحدر من صبب، كأن العرق في وجهه اللؤلؤ، لم أر قبله ولا بعده مثله، بأبي هو وامي صلى الله عليه واله. وفي رواية عنه عليه السلام أيضا: لم يكن بالطويل الممغط، ولا القصير المتردد، كأنه ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط، ولا بالسبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان في الوجه تدوير (2)، أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الاشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى يتقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت جميعه، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفا، وأرحب الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله.


(1) اصول الكافي 1: 446. (2) تدويرا خ ل.

[ 191 ]

ثم قال: وقد فسر الاصمعي هذا الحديث فقال: الممغط: الذاهب طولا ويروى هذا بالغين والعين، والمتردد: الداخل بعضه في بعض قصرا، والمطهم: البادن الكثير اللحم، والمكلثم: المدور الوجه كذا ذكره الاصمعي، وقال غيره: المكلثم من الوجه: القصير الحنك، الداني الجبهة، المستدير الوجه، ولا يكون إلا مع كثرة اللحم، وقال أبو عبيد: كان أسيلا ولم يكن مستدير الوجه، وهذا الاختلاف يكون إذا لم يكن بعده قوله: وكان في الوجه تدوير، والاوجه أن يقال: لم يكن بالاسيل جدا، ولا المدور مع إفراط التدوير، كان بين المدور والاسيل، كأحسن ما يكون، إذ كل شئ من خلقه كان معتدلا، والافراط غير مستحب في شئ. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله ضليع الفم، أشكل العينين، منهوش العقب. قال الراوي: قلت لسماك راويه عن جابر: ما معنى ضليع الفم ؟ قال: عظيم الفم، قلت: ما أشكل العينين ؟ قال: طويل شق العين، قلت: ما منهوش العقب ؟ قال: قليل لحم العقب، والمنهوس بالسين المهملة: قليل اللحم أيضا، ويروى بالحرفين. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله أفلج الثنيتين، إذا تكلم رأي كالنور يخرج من بين ثناياه. وعن أنس قال: ما عددت في رأس رسول الله صلى الله عليه واله ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء. وقيل لجابر بن سمرة: كان في رأس رسول الله صلى الله عليه واله شيب ؟ قال: لم يكن في رأس رسول الله صلى الله عليه واله شيب إلا شعرات في مفرق رأسه، إذا دهن واراهن الدهن. وقال عبد الله بن بشر: كان في عنفقته شعرات بيض. وعن ابن عمر قال: كان شيب رسول الله صلى الله عليه واله نحوا من عشرين شعرة. وفي الترمذي عن أبي رمثه قال: أتيت النبي صلى الله عليه واله فرأيت الشيب أحمر. وعن أنس قال: ما شممت رائحة قط مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة النبي صلى الله عليه واله، ولا مسست شيئا قط خزة ولا حريرة ألين من كف رسول الله عليه السلام، وقال أنس: كنا

[ 192 ]

نعرف رسول الله صلى الله عليه واله إذا أقبل بطيب ريحه. وعن أبي هريرة: إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله إني زوجت ابنتي وإني أحب أن تعينني بشئ، فقال: ما عندنا شئ، ولكن إذا كان غدا فتعال وجئني بقارورة واسعة الرأس، وعود شجر، وآية (1) بيني وبينك أني اجيف الباب، فأتاه بقارورة واسعة الرأس وعود شجر، فجعل رسول الله صلى الله عليه واله يسلت العرق من ذراعيه حتى امتلات القارورة، فقال: خذها وأمر ابنتك إذا أرادت أن تطيب أن تغمس العود في القارورة وتطيب بها، وكانت إذا تطيبت شم أهل المدينة ذلك الطيب، فسموا بيت المتطيبين. وذكر البخاري في تاريخه الكبير عن جابر قال: لم يكن النبي صلى الله عليه واله يمر في طريق فتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه. وذكر إسحاق بن راهويه أن ذلك رائحته بلا طيب. وروي أنه صلى الله عليه واله كان إذا أراد أن يتغوط انشقت الارض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت لذلك رائحة طيبة (2). 28 - ل، لى: محمد بن أحمد الاسدي، عن عبد الله بن زيدان، وعلي بن العباس البجليين، عن أبي كريب، عن معاوية بن هشام، عن شيبان (3)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله أسرع إليك الشيب، قال: شيبتني هود والواقعة و المرسلات وعم يتسائلون (4). 29 - ما: ابن مخلد، عن ابن السماك عن يحيى بن أبي طالب، عن حماد بن سهيل (5)، عن أبي نعيم، عن سفيان، عن ربيعة قال: سمعت أنسا يقول: كان في رأس رسول الله صلى الله عليه واله ولحيته عشرون طاقة بيضاء (6).


(1) في المصدر: إيه، أي انطق بكلمة. (2) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الرابع في جامع أوصافه صلى الله عليه وآله. (3) في الخصال: شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة. (4) الامالي: 141، الخصال 1: 93، وفي الخصال: أبو بكر بدل رجل. (5) في المصدر: حماد بن سهل الثوري، وأسقط يحيى بن أبي طالب. (6) أمالي ابن الشيخ: 246. وفيه: ما كان.

[ 193 ]

30 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم، عن ابن المغيرة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: استأذنت زليخا على يوسف - وساق الحديث إلى أن قال -: قال لها: يا زليخا ما الذي دعاك إلى ما كان (1) ؟ قالت: حسن وجهك يا يوسف، فقال: كيف لو رأيت نبيا يقال له: محمد، يكون في آخر الزمان أحسن مني وجها، وأحسن مني خلقا، وأسمح مني كفا، قالت: صدقت، قال: وكيف علمت أني صدقت، قالت: لانك حين ذكرته وقع حبه في قلبي، فأوحى الله عزوجل إلى يوسف: أنها قد صدقت، وقد أحببتها (2) لحبها محمدا، فأمره الله تبارك وتعالى أن تزوجها (3). 31 - ص: بإسناده، إلى الصدوق عن عبد الله بن حامد، عن محمد بن حمدويه، عن محمد بن عبد الكريم، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين، عن شهر بن حوشب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه واله المدينة أتاه رهط من اليهود، فقالوا: إنا سائلوك عن أربع خصال - وساق الحديث إلى أن قال -: قالوا: أخبرنا عن نومك كيف هو ؟ قال: أنشدكم بالله هل تعلمون من صفة هذا الرجل الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وكذا نومي. الخبر (4) 32 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان بن عثمان، عن نعمان الرازي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: انهزم الناس يوم احد عن رسول الله صلى الله عليه واله، فغضب غضبا شديدا، قال: وكان إذا غضب انحدر عن جبينه (5) مثل


(1) في المصدر: إلى ما كان منك. (2) في المصدر: وإنى قد أحببتها. (3) علل الشرائع: 30 وفيه: أن يتزوجها. (4) قصص الانبياء: مخطوط، واخرجه المصنف بتمامه في كتاب الاحتجاجات، راجع ج 9: 307. (5) في المصدر: عن جبينيه.

[ 194 ]

اللؤلؤ من العرق (1). 33 - كتاب الغارات: لابراهيم بن محمد الثقفي بإسناده عن إبراهيم بن محمد من ولد علي عليه السلام قال: كان علي عليه السلام إذا نعت النبي صلى الله عليه واله قال: لم يك بالطويل الممغط، ولا القصير المتردد، وكان ربعة من القوم، ولم يك بالجعد القطط ولا السبط، كان جعدا رجلا، ولم يك بالمطهم ولا المكلثم، وكان في الوجه تدويرا، أبيض مشرب، أدعج العين، أهدب الاشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد ذا مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفا، وأجرء الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة (2)، وأكرمهم عشيرة (3)، بأبي من لم يشبع ثلاثا متوالية من خبز بر حتى فارق الدنيا، ولم ينخل دقيقة (4). أقول: قد مضت الاخبار في وصف خاتم النبوة في الابواب السابقة فلا نعيدها. * (باب 9) * * (مكارم أخلاقه وسيره وسننه صلى الله عليه وآله) * * (وما أدبه الله تعالى به) * الايات: آل عمران " 3 ": فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين. 159. الانعام " 6 ": قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي. 50


(1) روضة الكافي: 110. (2) العريكة: الطبيعة. (3) عشرة خ ل. (4) الغارات: لم يطبع إلى الآن، وما ظفرت بنسخته. (*)

[ 195 ]

الاعراف " 7 ": خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. 199 التوبة " 9 ": ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم. 61 النحل " 16 ": واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. 127 الكهف " 18 ": فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا. 6 وقال تعالى: فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا * ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لاقرب من هذا رشدا. 22 - 24 طه " 20 ": ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى. 1 - 3 وقال تعالى: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى * ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى * وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى. 130 - 132 الشعراء " 26 ": وأنذر عشريك الاقربين * واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون * وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم. 214 - 220 النمل " 27 ": ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون. 70 إلى قوله تعالى: فتوكل على الله إنك على الحق المبين. 79 وقال تعالى: إنما امرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وامرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلو القرآن. 91 و 92 العنكبوت " 28 ": اتل ما اوحي إليك من الكتاب وأقم الصلوة إن الصلوة

[ 196 ]

تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. 45 الروم " 30 ": فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. 60 الاحزاب " 33 ": وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا * ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا. 47 و 48 فاطر " 35 ": فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون. 8 يس " 36 ": وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين. 96 إلى قوله تعالى: فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون. 76 المؤمن " 40 ": فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار. 55 السجدة " 41 ": ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم. 34 - 36 الزخرف " 43 ": وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون * فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون. 88 و 89 الاحقاف " 46 ": فاصبر كما صبر اولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون. 35 محمد " 47 ": فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم. 19 ق " 50 ": فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود. 39 و 40 إلى قوله تعالى: نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد. 45 الطور " 52 ": وصبر لحكم ربك فإنك بأعيينا وسبح بحمد ربك حين تقوم

[ 197 ]

ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم. 48 و 49 القلم " 68 ": ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لاجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم * فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون. 1 - 6 إلى قوله تعالى: فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم. 48 المعارج " 70 ": فاصبر صبرا جميلا. 5 الجن " 72 ": قل إنما أدعو ربي ولا اشرك به أحدا * قل إني لا أمك لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا * إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا * حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة (1) فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا * قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا * عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا * ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شئ عددا. 21 - 28 المزمل: يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا * إن لك في النهار سبحا طويلا * واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا * واصبر على ما يقولون و اهجرهم هجرا جميلا * وذرني والمكذبين اولي النعمة ومهلهم قليلا. 1 - 11 إلى قوله تعالى: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه و طائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه. 20


(1) هكذا في النسخة، وهو وهم، قوله: " اما العذاب واما الساعة " زائدة والمصحف الشريف خال عنها.

[ 198 ]

المدثر " 74 ": يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر. 1 - 7 الدهر " 76 ": إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا * واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له و سبحه ليلا طويلا. 23 - 26 تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " فبما رحمة " ما زائدة " من الله لنت لهم " أي أن لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين " ولو كنت فظا " أي جافيا سئ الخلق " غليظ القلب " أي قاسي الفؤاد، غير ذي رحمة " لانفضوا من حولك " لتفرق أصحابك عنك، " فاعف عنهم " ما بينك وبينهم " واستغفر لهم " ما بينهم وبيني (1) " وشاورهم في الامر " أي استخراج آرائهم، واعلم ما عندهم، واختلف في فائدة مشاورته إياهم مع استغنائه بالوحي على أقوال: أحدها: أن ذلك على وجه التطييب لنفوسهم، والتألف لهم، والرفع من أقدارهم. وثانيها: أن ذلك ليقتدي به امته في المشاورة، ولا يرونها نقيصة، كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم (2). وثالثها: أن ذلك لامرين: لاجلال أصحابه، وليقتدي امته به في ذلك. ورابعها: أن ذلك ليمتحنهم بالمشاورة، ليتميز الناصح من الغاش. وخامسها: أن ذلك في امور الدنيا، ومكائد الحرب، ولقاء العدو، وفي مثل ذلك يجوز أن يستعين بآرائهم " فإذا عزمت " أي فإذا عقدت قلبك على الفعل وإمضائه، ورووا عن جعفر بن محمد، وعن جابر بن يزيد " فإذا عزمت " بالضم، فالمعنى إذا عزمت لك و وفقتك وأرشدتك " فتوكل على الله " أي فاعتمد على الله، وثق به، وفوض أمرك إليه، وفي هذه الآية دلالة على تخصيص (3) نبينا صلى الله عليه واله بمكارم الاخلاق، ومحاسن الافعال،


(1) زاد في المصدر: وقيل: معناه فاعف عنهم فرارهم من احد واستغفر لهم من ذلك الذنب. (2) الشورى: 38. (3) في المصدر: اختصاص نبينا صلى الله عليه وآله.

[ 199 ]

ومن عجيب أمره أنه كان أجمع الناس لدواعي الترفع، ثم كان أدناهم إلى التواضع، و ذلك أنه صلى الله عليه واله كان أوسط الناس نسبا، وأوفرهم حسبا، وأسخاهم وأشجعهم وأزكاهم و أفصحهم، وهذه كلها من دواعي الترفع، ثم كان من تواضعه أنه كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، ويركب الحمار، ويعلف الناضح (1)، ويجيب دعوة المملوك، ويجلس في الارض، ويأكل في الارض (2)، وكان يدعو إلى الله من غير زبر ولا كهر (3) ولا زجر، ولقد أحسن من مدحه في قوله. فما حملت من ناقة فوق ظهرها * أبر وأوفى ذمة من محمد (4) وفي قوله تعالى: " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله " أي خزائن رحمته، أو مقدوراته، أو أرزاق الخلائق " ولا أعلم الغيب " الذي يختص الله تعالى بعلمه، وإنما أعلم ما علمني " ولا أقول لكم إني ملك " أي لا أقدر على ما يقدر عليه الملك، فاشاهد من أمر الله وغيبه ما تشاهده الملائكة " إن أتبع إلا ما يوحى إلي " يريد ما أخبركم إلا بما أنزل الله إلي (5). أقول: الحاصل أني لا أقدر أن آتيكم بمعجزة وآية إلا بما أقدرني الله عليه، و أذن لي فيه، ولا أعلم شيئا إلا بتعليمه تعالى، ولا أعلم شيئا من قبل نفسي إلا بإلهام أو وحي منه تعالى، ولا أقول: إني مبرأ من الصفات البشرية من الاكل والشرب وغير ذلك. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " خذ العفو " أي ما عفا من أموال الناس، أي ما فضل من النفقة، فكان رسول الله صلى الله عليه واله يأخذ الفضل من أموالهم ليس فيها شئ موقت، ثم نزلت آية الزكاة فصار منسوخا بها، وقيل: معناه خذ العفو من أخلاق الناس،


(1) الناضح: البعير يستقى عليه. (2) في المصدر: ويأكل على الارض. (3) زبره عن الامر: منعه ونهاه عنه، زبر السائل: انتهره. وفي المصدر: من غير زئر، وهو من زأر الاسد: صات من صدره. والكهر: استقبالك إنسانا بوجه عابس تهاونا به. (4) مجمع البيان 2: 526 و 527. وفي المنقول اختصار وكذا في ما يأتي. (5) مجمع البيان 4: 304.

[ 200 ]

واقبل الميسور منها، وقيل: هو العفو في قبول العذر من المعتذر، وترك المؤاخذة بالاساءة " وأمر بالعرف " يعني بالمعروف، وهو كل ما حسن في العقل فعله أو الشرع " وأعرض عن الجاهلين " أي أعرض عنهم عند قيام الحجة عليهم، والاياس من قبولهم، ولا تقابلهم بالسفه صيانة لقدرك (1). وفي قوله تعالى: " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن " أي يستمع إلى ما يقال له ويصغى إليه ويقبله " قل اذن خير لكم " أي يستمع إلى ما هو خير لكم وهو الوحي (2)، أو هو يسمع الخير ويعمل به ومنهم من قرأ: " اذن خير لكم " بالرفع والتنوين فيهما، فالمعنى أن كونه اذنا أصلح لكم، لانه يقبل عذركم، ويستمع إليكم، ولو لم يقبل عذركم لكان شرا لكم، فكيف تعيبونه بما هو أصلح لكم ؟ " يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " أي لا يضره كونه اذنا فإنه اذن خير فلا يقبل إلا الخير الصادق من الله، و يصدق المؤمنين أيضا فيما يخبرونه، ويقبل منهم، دون المنافقين، وقيل: " يؤمن للمؤمنين " أي يؤمنهم فيما يلقي إليهم من الامان " ورحمة للذين آمنوا منكم " أي وهو رحمة لهم لانهم إنما نالوا الايمان بهدايته ودعائه إياهم (3). وفي قوله تعالى: " واصبر ": أي فيما تبلغه من الرسالة، وفيما تلقاه من الاذى " وما صبرك إلا بالله " أي بتوفيقه وتيسيره وترغيبه فيه " ولا تحزن عليهم " أي على المشركين في إعراضهم عنك، فإنه يكون الظفر والنصرة لك عليهم، ولا عتب عليك في إعراضهم " ولا تك في ضيق مما يمكرون " أي لا يكن صدرك في ضيق من مكرهم بك وبأصحابك، فإن الله يرد كيدهم في نحورهم (4). وفي قوله: " فعلك باخع نفسك على آثارهم " أي مهلك وقاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا، تمردا منهم على ربهم


(1) مجمع البيان 4: 512. (2) في المصدر: أي هو اذن خير يستمع إلى ما هو خير لكم وهو الوحى. (3) مجمع البيان 5: 44 و 45. (4) مجمع البيان 6: 393.

[ 201 ]

" إن لم يؤمنوا بهذا الحديث " أي القرآن " أسفا " أي حزنا وتلهفا (1). وفي قوله تعالى: " فلا تمار فيهم " أي فلا تجادل الخائضين في أمر الفتية وعددهم " إلا مرآء ظاهرا " أي إلا بما أظهرنا لك من أمرهم، أي إلا بحجة ودلالة وإخبار من الله سبحانه أو الامراء يشهده الناس ويحضرونه، فلو أخبرتهم في غير مرأى من الناس لكذبوا عليك، ولبسوا (2) على الضعفة، فادعوا أنهم كانوا يعرفونه، لان ذلك من غوامض علومهم " ولا تستفت فيهم منهم أحدا " أي لا تستخبر في أهل الكهف وعددهم من أهل الكتاب أحدا والخطاب له صلى الله عليه واله والمراد غيره " ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " فيه وجهان: أحدهما: أنه نهي من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه واله أن يقول: إني أفعل شيئا في الغد إلا أن يقيد ذلك بمشية الله تعالى، فيقول: إن شاء الله تعالى، وفيه إضمار القول. وثانيهما: أن قوله: " أن يشآء الله " بمعنى المصدر، وتقديره: ولا تقولن إني فاعل شيئا غدا إلا بمشية الله، والمعنى لا تقل: إني أفعل إلا ما يشآء الله ويريده من الطاعات (3) " واذكر ربك إذا نسيت " أي إذا نسيت الاستثناء ثم تذكرت فقل: إن شآء الله، وإن كان بعد يوم أو شهر أو سنة، وقد روي ذلك عن أئمتنا عليهم السلام، ويمكن أن يكون الوجه فيه أنه إذا استثنى بعد النسيان فإنه يحصل له ثواب المستثني من غير أن يؤثر الاستثناء بعد انفصال الكلام في الكلام، وفي إبطال الحنث وسقوط الكفارة في اليمين، وقيل: معناه واذكر ربك إذا غضبت بالاستغفار ليزول عنك الغضب، وقيل: إنه أمر بالانقطاع إلى الله تعالى، ومعناه واذكر ربك إذا نسيت شيئا بك إليه حاجة يذكره لك، وقيل: المراد به الصلاة، والمعنى إذا نسيت صلاة فصلها إذ ذكرتها (4).


(1) مجمع البيان 6: 450. (2) لبس عليه الامر: خلطه وجعله مشتبها بغيره خافيا. (3) في المصدر: ويريده، وإذا كان الله تعالى لا يشاء إلا الطاعات فكأنه قال: لا تقل: إنى أفعل إلا الطاعات. (4) مجمع البيان 6: 460 و 461.

[ 202 ]

اقول: يحتمل أن يكون الخطاب متوجها إليه صلى الله عليه واله والمراد به غيره، ويمكن أن يكون المراد بالنسيان الترك، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. ثم قال في قوله: " وقل عسى أن يهدين ربي لاقرب من هذا رشدا ": أي قل: عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب إلى الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف (1). قوله تعالى: " طه " ذهب أكثر المفسرين إلى أن معناه يا رجل بلسان الحبشية أو النبطية (2)، وقيل: هو من أسماء النبي صلى الله عليه واله. وقال الطبرسي: روي عن الحسن أنه قرأ " طه " بفتح الطاء وسكون الهاء، فإن صح فأصله (طأ) فابدل من الهمزة هاء، ومعناه طأ الارض بقدميك جميعا، فقد روي أن النبي صلى الله عليه واله كان يرفع إحدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه، فأنزل الله: " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " فوضعها، وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام، وقال قتادة: كان يصلي الليل كله ويعلق صدره بحبل حتى لا يغلبه النوم، فأمره الله سبحانه أن يخفف عن نفسه، وذكر أنه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل هذا التعب (3). قوله تعالى: " ما أنزلنا عليك القران لتشقى " قال البيضاوي: ما أنزلناه عليك لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريس، إذ ما عليك إلا أن تبلغ، أو بكثرة الرياضة وكثرة التهجد والقيام على ساق، والشقآء شائع بمعنى التعب، وقيل: رد وتكذيب للكفرة، فإنهم لما رأوا كثرة عبادته قالوا: إنك لتشقى بترك ديننا، وإن القرآن انزل عليك لتشقى به " إلا تذكرة " لكن تذكيرا، وانتصابه على الاستثناء المنقطع " لمن يخشى " لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالانذار، أو لمن علم الله منه أنه يخشى بالتخويف منه، فإنه المنتفع به (4).


(1) مجمع البيان 6: 462. (2) وقال الكلبي: هي بلغة عك، وأنشد لتميم بن نويرة: هتفت بطه في القتال فلم يجب * فخفت لعمري أن يكون موائلا. وقال الاخر: إن السفاهة طه من خلائفكم * لا بارك الله في القوم الملاعين. قاله الطبرسي. (3) مجمع البيان 7: 2. (4) أنوار التنزيل 2: 50.

[ 203 ]

قوله تعالى: " وسبح بحمد ربك " قيل: أي وصل وأنت حامد لربك على هدايته وتوفيقه، أو نزهه عن الشرك وعن سائر ما يضيفون إليه من النقائص حامدا له على ما ميزك بالهدى، معترفا بأنه المولى للنعم كلها " قبل طلوع الشمس " يعني الفجر " وقبل غروبها " يعني الظهر والعصر، لانهما في آخر النهار (1)، أو العصر وحده " ومن آناء الليل " ساعاته " فسبح " يعني المغرب والعشاء، وقيل: صلاة الليل " وأطراف النهار " تكرير لصلاتي الصبح والمغرب، إرادة الاختصاص، أو أمر بصلاة الظهر، فإنه نهاية النصف الاول من النهار، وبداية النصف الاخير " لعلك ترضى " أي سبح في هذه الاوقات طمعا أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك " ولا تمدن عينيك " أي نظر عينيك " إلى ما متعنا به " استحسانا وتمنيا أن يكون لك مثله " أزواجا منهم " أصنافا من الكفرة " زهرة الحيوة الدنيا " الزهرة: الزينة والبهجة، منصوب بمحذوف دل عليه " متعنا " أو به على تضمينه معنى أعطينا " لنفتنهم فيه " أي لنبلوهم ونختبرهم فيه، أو لنعذبهم في الآخرة بسببه " ورزق ربك " وما ادخره لك في الآخرة، أو ما رزقك من الهدى والنبوة " خير " مما منحهم في الدنيا " وأبقى " فإنه لا ينقطع (2). " وأمر أهلك بالصلاة " قال الطبرسي: أي أهل بيتك وأهل دينك بالصلوة، روى أبو سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية كان رسول الله صلى الله عليه واله يأتي باب فاطمة وعلي تسعة أشهر وقت كل صلاة (3) فيقول: الصلاة يرحمكم الله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. ورواه ابن عقدة من طرق كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام وعن غيرهم، مثل أبي بردة (4)، وأبي رافع. وقال أبو جعفر عليه السلام: أمره الله تعالى أن يخص أهله دون الناس ليعلم الناس أن لاهله عند الله منزلة ليست للناس، فأمرهم مع الناس عامة، وأمرهم خاصة.


(1) في المصدر: من آخر النهار. (2) أنوار التنزيل 2: 73. (3) في المصدر: وقت كل صلاة، وفيه: رحمكم الله. (4) في المصدر: أبى برزة.

[ 204 ]

" واصطبر عليها " أي وأصبر على فعلها وعلى أمرهم بها " لا نسألك رزقا " لخلقنا ولا لنفسك، بل كلفناك للعبادة وأداء الرسالة، وضمنا رزق جميع العباد " نحن نرزقك " الخطاب للنبي صلى الله عليه واله، والمراد به جميع الخلق، أي نرزق جميعهم ولا نسترزقهم " والعاقبة للتقوى " أي العاقبة المحمودة لاهل التقوى. (1) قوله تعالى: " واخفض جناحك " أي لين جانبك لهم، مستعار من خفض الطائر جناحه: إذا أراد أن ينحط " الذى يراك حين تقوم " أي إلى التهجد، أو للانذار " وتقلبك في الساجدين " أي ترددك في تصفح أحوال المتهجدين، كما روي أنه صلى الله عليه واله لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصا على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع من دندنتهم (2) بذكر الله والتلاوة، أو تصرفك فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أمهم (3). قال الطبرسي: وقيل معناه وتقلبك في أصلاب الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا (4)، وهو المروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، قالا: في أصلاب النبيين نبي بعد نبي حتى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح، من لدن آدم (5). قوله تعالى: " إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر " أي سبب للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها، من حيث أنها تذكر الله وتورث للنفس خشية منه، أو الصلاة الكاملة هي التي تكون كذلك، فإن لم تكن كذلك فكأنها ليست بصلاة، كما روى الطبرسي (6) مرسلا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أحب أن يعلم أقبلت صلاته أم لم


(1) مجمع البيان 7: 37. (2) دندن الرجل: نغم ولم يفهم منه كلام. (3) الظاهر أنه مصحف، والصحيح اممتهم بلفظة الخطاب. (4) رواه عن ابن عباس في رواية عطاء وعكرمة. (5) مجمع البيان 7: 207. (6) مجمع البيان 8: 285.

[ 205 ]

تقبل ؟ فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر، فبقدر ما منعته قبلت منه " ولذكر الله أكبر " أي ذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته، أو ذكر العبد لله في جميع الاحوال أكبر الطاعات، أو أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر، وسيأتي لها في كتاب الامامة تأويلات اخر. قوله تعالى: " فاصبر " أي على أذاهم " إن وعد الله " بنصرتك وإظهار دينك على الدين كله " حق ولا يستخفنك " أي ولا يحملنك على الخفة والقلق " الذين لا يوقنون " بتكذيبهم. قوله تعالى: " وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا " على سائر الامم " ولا تطع الكافرين والمنافقين " تهييج له على ما هو عليه من مخالفتهم " ودع أذاهم " أي إيذاءهم إياك، ولا تحتفل به (1)، أو إيذاءك إياهم مجازاة ومؤاخذة على كفرهم، و لذلك قيل: إنه منسوخ " وكفى بالله وكيلا " موكولا إليه الامر في الاحوال كلها. قوله تعالى: " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " أي فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب. " إن الله عليم بما يصنعون " فيجازيهم عليه. قوله تعالى: " وما علمناه الشعر " قال البيضاوى: رد لقولهم: إن محمدا شاعر، أي ما علمناه الشعر بتعليم القرآن، فإنه غير مقفى ولا موزون، وليس معناه ما يتوخاه (2) الشعراء من التخييلات المرغبة والمنفرة " وما ينبغي له " وما يصح له الشعر ولا يتأتى له إن أراد قرضه على ما اختبرتم طبعه نحوا من أربعين سنة، وقوله: أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب وقوله: هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت اتفاقي من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك، وقد يقع مثله كثيرا في تضاعيف المنثورات، على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعرا، وروي أنه حرك البائين، و


(1) أي لا تبال به ولا تهتم له. (2) وخى الامر: تطلبه دون سواه.

[ 206 ]

كسر التاء الاولى بلا إشباع، وسكن الثانية، وقيل: الضمير للقرآن أي وما يصح للقرآن أن يكون شعرا (1). وفي قوله تعالى: " واستغفر لذنبك ": وأقبل على أمر دينك وتدارك فرطاتك بترك الاولى (2) والاهتمام بأمر العدى بالاستغفار، فإنه تعالى كافيك في النصر وإظهار الامر " وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار ": ودم على التسبيح والتحميد لربك، وقيل: صل لهذين الوقتين، إذ كان الواجب بمكة ركعتان (3) بكرة، وركعتان عشاء (4). وفي قوله تعالى: " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ": أي في الجزاء وحسن العاقبة " إدفع " أي السيئة حيث اعترضتك " بالتي هي أحسن " منها وهي الحسنة، أو بأحسن ما يمكن رفعها به من الحسنات " فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " أي إذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي الشفيق " وما يلقاها " أي هذه السجية وهي مقابلة الاساءة بالاحسان " إلا الذين صبروا " فإنها تحبس النفس عن الانتقام " وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " من الخير وكمال النفس، وقيل: الحظ العظيم: الجنة " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ " أي نخس (5)، شبه به وسوسته لانها بعث على ما لا ينبغي كالدفع بما هو أسوء " فاستعذ بالله " من شره ولا تطعه " إنه هو السميع " لاستعاذتك " العليم " بنيتك أو بصلاحك (6). وفي قوله تعالى: " وقيله ": عطف على " الساعة " (7) أي وقول الرسول " فاصفح عنهم " فأعرض عن دعوتهم آيسا عن إيمانهم " وقل سلام " تسلم منكم ومتاركة " فسوف


(1) أنوار التنزيل 2: 316. (2) في المصدر: كترك الاولى. (3) الصحيح كما في المصدر: ركعتين بكرة، وركعتين عشاء. (4) أنوار التنزيل 2: 378. (5) أي ازعاج وتهييج. (6) أنوار التنزيل 2: 389. (7) في قوله تعالى: (وعنده علم الساعة) منه قدس سره.

[ 207 ]

يعلمون " تسلية للرسول، وتهديد لهم (1). وفي قوله تعالى: " ولا تستعجل لهم ": أي لكفار قريش بالعذاب فإنه نازل بهم في وقته لا محالة " كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار " استقصروا من هو له مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة " بلاغ " أي هذا الذي وعظتم به، أو هذه السورة كفاية، أو تبليغ من الرسول صلى الله عليه واله (2). قوله تعالى: " فاعلم أنه لا إله إلا الله " قال الطبرسي رحمه الله: أي أقم على هذا العلم، واثبت عليه، وقيل: يتعلق بما قبله، أي إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا إله إلا الله، أي يبطل الممالك (3) عند ذلك فلا ملك ولا حكم لاحد إلا الله، وقيل: إن هذا إخبار بموته، أي فاعلم أن الحي الذي لا يموت هو الله وحده، وقيل: إنه صلى الله عليه واله كان ضيق الصدر من أذى قومه فقيل له: فاعلم أنه لا كاشف لذلك إلا الله " واستغفر لذنبك " الخطاب له والمراد به الامة، (4)، وقيل: المراد به الانقطاع إلى الله تعالى، فإن الاستغفار عبادة يستحق به الثواب. " والله يعلم متقلبكم ومثواكم " أي متصرفكم في أعمالكم في الدنيا، ومصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار، وقيل: متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الامهات، " ومثواكم " أي مقامكم في الارض، وقيل: متقلبكم من ظهر إلى بطن، ومثواكم في القبور، وقيل: متصرفكم بالنهار (5)، ومضجعكم بالليل (6). وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وسبح بحمد ربك ": أي نزهه عن العجز عما يمكن، والوصف بما يوجب التشبيه، حامدا له على ما أنعم عليك من إصابة الحق وغيرها " قبل طلوع الشمس وقبل الغروب " يعني الفجر والعصر " ومن آناء الليل فسبحه " أي


(1) أنوار التنزيل 2: 415. (2) أنوار التنزيل 2: 433. (3) في المصدر: يبطل الملك. (4) زاد في المصدر: وانما خوطب بذلك لتستن امته بسنته. (5) في المصدر: متصرفكم في النهار. (6) مجمع البيان 9: 102 و 103.

[ 208 ]

وسبحه بعض الليل " وأدبار السجود " وأعقاب الصلاة، وقيل: المراد بالتسبيح الصلاة، فالصلاة قبل الطلوع الصبح، وقبل الغروب الظهر والعصر، ومن الليل العشاء آن والتهجد، وأدبار السجود النوافل بعد المكتوبات، وقيل: الوتر بعد العشاء (1). وقال الطبرسي رحمه الله: " وأدبار السجود " فيه أقوال: أحدها: أن المراد به الركعتان بعد المغرب " وإدبار النجوم " الركعتان قبل الفجر عن علي والحسن بن علي عليهم السلام. وثانيها: أنه التسبيح بعد كل صلاة. وثالثها: أنه النوافل بعد المفروضات. ورابعها: أنه الوتر من آخر الليل، وروي (2) ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام (3). قوله تعالى: " وما أنت عليهم بجبار " قال البيضاوي: أي بمسلط (4) تقسرهم على الايمان، أو تفعل بهم ما تريد، وإنما أنت داع (5). وفي قوله تعالى: " واصبرك لحكم ربك ": بإمهالهم وإبقائك في عنائهم " فإنك بأعيننا " في حفظنا بحيث نراك ونكلاك " وسبح بحمد ربك حين تقوم " عن أي مكان قمت، أو من منامك، أو إلى الصلاة " ومن الليل فسبحه " فإن العبادة فيه أشق على النفس وأبعد عن الرئاء " وإدبار النجوم " وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل (6). وقال الطبرسي رحمه الله: يعني الركعتين قبل صلاة الفجر وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (7).


(1) أنوار التنزيل 2: 460 و 461. (2) المصدر خال عن العاطف. (3) مجمع البيان 9: 150. (4) في المصدر: بمتسلط. أقول: القسر. القهر والاكراه على أمر. (5) أنوار التنزيل 2: 461. (6) أنوار التنزيل 2: 471. (7) مجمع البيان 9: 170.

[ 209 ]

وقال البيضاوي في قوله تعالى: " ن ": من أسماء الحروف، وقيل: اسم الحوت والمراد به الجنس أو اليهموت وهو الذي عليه الارض، أو الدواة، فإن بعض الحيتان يستخرج منه شئ أسود يكتب به (1). وقال الطبرسي: روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه واله قال: هو نهر في الجنة قال الله له: كن مدادا فجمد، وكان أبيض من اللبن، وأحلى من الشهد، ثم قال للقلم: اكتب فكتب القلم ما كان وهو كائن إلى يوم القيامة، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام (2). " والقلم " قال البيضاوي: هو الذي خط اللوح، أو الذي يخط به، أقسم به لكثرة فوائده " وما يسطرون " وما يكتبون، والضمير للقلم بالمعنى الاول على التعظيم، أو بالمعنى (3) الثاني على إرادة الجنس، وإسناد الفعل إلى الآلة وإجرائه (4) مجرى اولي العلم لاقامته مقامه، أو لاصحابه، أو للحفظة، وما مصدرية أو موصولة " ما أنت بنعمة ربك بمجنون " جواب القسم، والمعنى ما أنت بمجنون منعما عليك بالنبوة وحصافة (5) الرأي " وإن لك لاجرا " على الاحتمال أو الابلاغ " غير ممنون " مقطوع، أو ممنون به عليك من الناس، فإنه تعالى يعطيك بلا توسط " وإنك لعلى خلق عظيم " إذ تحتمل من قومك ما لا يحتمله أمثالك " فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون " أيكم الذي فتن بالجنون، والباء مزيدة، أو بأيكم الجنون، على أن " المفتون " مصدر، أو بأي الفريقين منكم الجنون ؟ أبفريق المؤمنين، أو بفريق الكافرين ؟ أي في أيهما (6) من يستحق هذا الاسم " فاصبر لحكم ربك " وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم " ولا تكن كصاحب


(1) أنوار التنزيل 2: 537. (2) مجمع البيان 10: 332، أقول: ذكر الطبرسي زائدا على ما قال البيضاوي: أنه اسم من أسماء السورة، وقيل: هو حرف من حروف الرحمن، وقيل: لوح من نور. (3) في المصدر: وبالمعنى الثاني. (4) في المصدر: وإجراؤه. (5) أي جودة الرأى. (6) في المصدر: في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم.

[ 210 ]

الحوت " يونس " إذ نادى " في بطن الحوت " وهو مكظوم " مملو غيظا في الضجرة فتبتلي ببلائه (1). وقال الطبرسي رحمه الله: " إنك لعلى خلق عظيم " أي على دين عظيم، وقيل: معناه إنك متخلق بأخلاق الاسلام، وعلى طبع كريم، وقيل: سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الاخلاق فيه، ويعضده ما روي عنه صلى الله عليه واله أنه قال: " إنما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق، وقال صلى الله عليه واله: " أدبني ربي فأحسن تأديبي " وقال: وأخبرني السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني، عن أبي القاسم الحسكاني بإسناده (2) عن الضحاك بن مزاحم قال: لما رأت قريش تقديم النبي صلى الله عليه واله عليا عليه السلام وإعظامه له نالوا من علي عليه السلام، وقالوا: قد افتتن به محمد صلى الله عليه واله، فأنزل الله تعالى " ن والقلم وما يسطرون " قسم أقسم الله به " ما أنت " يا محمد " بنعمة ربك بمجنون * وإنك لعلى خلق عظيم " يعني القرآن إلى قوله: " بمن ضل عن سبيله " وهم النفر الذين قالوا ما قالوا " وهو أعلم بالمهتدين " علي ابن أبي طالب عليه السلام (3). وقال البيضاوي في قوله تعالى: " ملتحدا " أي منحرفا وملتجئا " إلا بلاغا من الله " استثناء من قوله: " لا أملك " فإن التبليغ إرشاد وإنفاع، أو من " ملتحدا " و " رسالاته " عطف على " بلاغا من الله ". " ومن يعص الله ورسوله " في الامر بالتوحيد، إذ الكلام فيه " حتى إذا رأوا ما يوعدون " في الدنيا كوقعة بدر أو في الآخرة " قل إن أدري " أي ما أدري " أم يجعل له ربي أمدا " غاية يطول مدتها، كأنه لما سمع المشركون " حتى إذا رأوا ما يوعدون " قالوا: متى يكون ؟ إنكارا، قيل: قل: إنه كائن لا محالة، ولكن لا أدري وقته " فلا يظهر " فلا يطلع


(1) أنوار التنزيل 2: 537 و 538 و 541 وفيه: من الضجرة. (2) الاسناد هكذا: الحسكاني قال: حدثنا أبو عبد الله الشيرازي قال: حدثنا أبو بكر الجرجاني قال: حدثنا أبو أحمد البصري قال حدثنى عمرو بن محمد بن تركي، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن شعيب، عن عمرو بن شمر، عن دلهم بن صالح، عن الضحاك بن مزاحم. (3) مجمع البيان 10: 333 و 334.

[ 211 ]

" على غيبه أحدا " أي على الغيب المخصوص به علمه " إلا من ارتضى " يعلم بعضه حتى يكون له معجزة " من رسول " بيان ل‍ " من ". " فإنه يسلك من بين يديه " من بين يدي المرتضى " ومن خلفه رصدا " حرسا من الملائكة يحرسونه من اختطاف الشياطين وتخاليطهم " ليعلم أن قد أبلغوا " أي ليعلم النبي الموحى إليه أن قد أبلغ جبرئيل والملائكة النازلون بالوحي، أو ليعلم الله أن أبلغ (1) الانبياء بمعنى ليتعلق علمه به موجودا " رسالات ربهم " كما هي محروسة عن عن التغيير " وأحاط بما لديهم " بما عند الرسل " وأحصى كل شئ عددا " حتى القطر والرمل (2). وفي قوله تعالى: " يا أيها المزمل * قم الليل " أي قم إلى الصلاة، أو داوم عليها " إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه " الاستثناء من " الليل " و " نصفه " بدل من " قليلا " وقلته بالنسبة إلى الكل، والتخيير بين قيام النصف والزائد عليه كالثلثين، والناقص عنه كالثلث، أو " نصفه " بدل من " الليل " والاستثناء منه، والضمير في " منه " و " عليه " للاقل من النصف كالثلث، فيكون التخيير بينه وبين الاقل منه كالربع، والاكثر منه كالنصف، أو للنصف، والتخيير بين أن يقوم أقل منه على البت، وأن يختار أحد الامرين من الاقل والاكثر، أو الاستثناء من أعداد الليل، فإنه عام، والتخيير بين قيام النصف و الناقص عنه والزائد عليه " ورتل القرآن ترتيلا " اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكن السامع من عدها " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " يعني القرآن. فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين، أو رصين لرزانة لفظه ومتانة معناه، أو ثقيل على المتأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسر، وتحديد للنظر (3)، أو ثقيل في الميزان، أو على الكفار والفجار، أو ثقيل تلقيه لقول عائشة: رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم


(1) في المصدر: أن قد أبلغ. (2) أنوار التنزيل 2: 556 و 557. (3) في المصدر: وتجريد للنظر.

[ 212 ]

الشديد البرد فينفصم عنه (1)، وإن جبينه ليرفض (2) عرقا " إن ناشئة الليل " إن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، من نشأ من مكانه: إذا نهض، أو قيام الليل على أن الناشئة له، أو العبادة التي تنشأ بالليل، أي تحدث، أو ساعات الليل، فإنها تحدث واحدة بعد اخرى، أو ساعاتها الاول من نشأت: إذا ابتدأت " هي أشد وطأ " أي كلفة، أو ثبات قدم " وأقوم قيلا " وأسد مقالا، أو أثبت قراءة لحضور القلب، وهدوء الاصوات (3) " إن لك في النهار سبحا طويلا " تقلبا في مهامك واشتغالا بها، فعليك بالتهجد، فإن مناجات الحق تستدعي فراغا " واذكر اسم ربك " ودم على ذكره ليلا ونهارا " وتبتل إليه تبتيلا " وانقطع إليه بالعبادة، وجرد نفسك عما سواه " رب المشرق والمغرب " خبر محذوف، أو مبتدأ خبره " لا إله إلا هو ". " فاتخذه وكيلا " مسبب عن التهليلة (4)، فإن توحده بالالوهية يقتضي أن توكل إليه الامور " واصبر على ما يقولون " من الخرافات " واهجرهم هجرا جميلا " بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافيهم، وتكل أمرهم إلى الله كما قال: " وذرني والمكذبين " دعني وإياهم، وكل إلي أمرهم " اولي النعمة " أرباب التنعم، يريد صناديد قريش " ومهلهم قليلا " زمانا أو إمهالا " إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه " استعار الادنى للاقل، لان الاقرب إلى الشئ أقل بعدا منه، و " نصفه " و " ثلثه " عطف على " أدنى ". " وطائفة من الذين معك " ويقوم ذلك جماعة من أصحابك " والله يقدر الليل والنهار " لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلا الله " علم أن لن تحصوه " أي لن تحصوا تقدير الاوقات، ولن تستطيعوا ضبط الساعات " فتاب عليكم " بالترخيص في ترك القيام المقدور (5)، ورفع التبعة


(1) أي فيقطع عنه. (2) أي يسيل ويرشش. (3) أي سكونها. (4) في المصدر: التهليل. (5) في المصدر: القيام المقدر.

[ 213 ]

فيه " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل، عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها، قيل: كان التهجد واجبا على التخيير المذكور، فعسر عليهم القيام به فسنخ به، ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس، أو فاقرؤا القرآن بعينه كيفما تيسر عليهم " علم أن سيكون منكم مرضى " استيناف يبين حكمة اخرى مقتضية للترخيص والتخفيف، ولذلك كرر الحكم مرتبا عليه، وقال: " وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله " والضرب في الارض: ابتغآء للفضل، أو المسافرة للتجارة، وتحصيل العلم (1). " يا أيها المدثر " أي المتدثر، وهو لابس الدثار، وسيأتي القول فيه " قم " من مضجعك، أو قم قيام عزم وجد " فأنذر " مطلق للتعميم، أو مقدر بمفعول دل عليه قوله: " وأنذر عشيرتك الاقربين ". " وربك فكبر " وخصص ربك بالتكبير وهو وصفه بالكبرياء عقدا وقولا " و ثيابك فطهر " من النجاسات فإن التطهير واجب في الصلاة، محبوب في غيرها، وذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة كتقصيرها مخافة جر الذيول فيها، وهو أول ما امر به من رفض العادات المذمومة، أو طهر نفسك من الاخلاق والافعال الذميمة (2) أو فطهر دثار النبوة عما يدنسه من الحقد والضجر وقلة الصبر " والرجز فاهجر " واهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدي إليه من الشرك وغيره من القبائح " ولا تمنن تستكثر " ولا تعط مستكثرا، نهي عن الاستغزاز، وهو أن يهب شيئا طامعا في عوض أكثر، نهي تنزيه، أو نهيا خاصا به صلى الله عليه واله، أو لا تمنن على الله بعبادتك مستكثرا إياها، أو على الناس بالتبليغ مستكثرا به الاجر منهم، أو مستكثرا إياه " ولربك " ولوجهه أو أمره " فاصبر " فاستعمل الصبر، أو فاصبر على مشاق التكاليف وأذى المشركين (3). وفي قوله تعالى: " ولا تطع منهم آثما أو كفورا " أي كل واحد من مرتكب


(1) أنوار التنزيل 2: 557 - 560. (2) في المصدر، من الاخلاق الذميمة والافعال الدنية. وزاد بعد ذلك فيكون أمر باستكمال القوة العملية بعد أمره باستكمال القوة النظرية والدعاء إليه. (3) أنوار التنزيل 2: 560 و 561.

[ 214 ]

الاثم، الداعي لك إليه، ومن الغالي في الكفر الداعي إليه " واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا " أي وداوم على ذكره، أو دم على صلاة الفجر والظهر والعصر، فإن الاصيل يتناول وقتيهما " ومن الليل فاسجد له " وبعض الليل فصل له، ولعل المراد به صلاة المغرب والعشاء " وسبحه ليلا طويلا " وتهجد له طائفة طويلة من الليل (1). 1 - ل، لى: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان الاحمر، عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه واله وقد بلي ثوبه، فحمل إليه اثنى عشر درهما، فقال: يا علي خذ هذه الدراهم فاشتر لي ثوبا ألبسه، قال علي عليه السلام: فجئت إلى السوق فاشتريت له قميصا باثنى عشر درهما، وجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه واله، فنظر إليه فقال: يا علي غير هذا أحب إلي، أترى صاحبه يقيلنا ؟ فقلت: لا أدري، فقال: انظر، فجئت إلى صاحبه فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه واله قد كره هذا يريد ثوبا دونه (2) فأقلنا فيه، فرد علي الدراهم، وجئت به (3). إلى رسول الله صلى الله عليه واله فمشى معي إلى السوق ليبتاع قميصا، فنظر إلى جارية قاعدة على الطريق تبكي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: ما شأنك ؟ قالت: يا رسول الله إن أهل بيتي (4) أعطوني أربعة دراهم لاشتري لهم بها حاجة فضاعت فلا أجسر أن أرجع إليهم، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه واله أربعة دراهم، وقال: ارجعي إلى أهلك، ومضى رسول الله صلى الله عليه واله إلى السوق فاشترى قميصا بأربعة دراهم، ولبسه وحمد الله، وخرج فرأى رجلا عريانا يقول: من كساني كساه الله من ثياب الجنة، فخلع رسول الله صلى الله عليه واله قميصه الذي اشتراه وكساه السائل، ثم رجع إلى السوق فاشترى بالاربعة التي بقيت قميصا آخر، فلبسه وحمد الله ورجع إلى منزله، وإذا الجارية قاعدة على الطريق (5)، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما لك لا تأتين أهلك ؟ قالت: يا رسول الله إني قد أبطأت عليهم


(1) أنوار التنزيل 2: 573، وفيه وفى ما تقدم قبله اختصار من المصنف. (2) في الخصال: يريد غيره. (3) في الخصال: فجئت بها. (4) في الخصال: إن أهلى أعطوني. (5) في الخصال: فإذا الجارية قاعدة على الطريق تبكى.

[ 215 ]

وأخاف (1) أن يضربوني، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: مري بين يدي ودليني على أهلك، فجاء رسول الله صلى الله عليه واله حتى وقف على باب دارهم، ثم قال: السلام عليكم يا أهل الدار، فلم يجيبوه، فأعاد السلام فلم يجيبوه، فأعاد السلام فقالوا: عليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال لهم: ما لكم تركتم إجابتي في أول السلام والثاني ؟ قالوا: يا رسول الله سمعنا سلامك فأحببنا أن تستكثر منه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إن هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤاخذوها، فقالوا: يا رسول الله هي حرة لممشاك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: الحمد لله، ما رأيت اثنى عشر درهما أعظم بركة من هذه، كسى الله بها عريانين، وأعتق بها نسمة (2). 2 - لى: ابن الوليد، عن الصفار، عن عبد الله بن الصلت، عن يونس، عن ابن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: خمس لا أدعهن حتى الممات: الاكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمار مؤكفا، وحلبي العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان، لتكون (3) سنة من بعدي (4). 3 - ن، ع: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن علي بن الحسن ابن فضال، عن محمد بن الوليد، عن العباس بن هلال، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام مثله (5). ل: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، وصفوان معا عن الحسين بن مصعب، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام مثله (6).


(1) الخصال خال عن العاطف. (2) الخصال 2: 86 و 87، الامالي: 144. (3) لتكون ذلك خ ل. (4) الامالي: 44. (5) عيون أخبار الرضا: 235، علل الشرائع: 54. وفيهما: ليكون. (6) الخصال 1: 130.

[ 216 ]

بيان: الاكل على الحضيض: الاكل على الارض من غير أن يكون خوان، قال الجوهري: والحضيض: القرار من الارض عند منقطع الجبل، وفي الحديث " إنه اهدي إلى رسول الله صلى الله عليه واله هدية فلم يجد شيئا يضعه عليه، فقال: ضعه بالحضيض، فإنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد " يعني بالارض. وقال الفيروزآبادي: إكاف الحمار ككتاب وغراب ووكافه: برذعته (1)، والاكاف: صانعه، وآكف الحمار إيكافا وأكفه تأكيفا: شده عليه. أقول: سيأتي شرح الخبر بتمامه في كتاب الآداب والسنن إن شاء الله تعالى. 4 - لى: العطار، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن العيض بن القاسم قال: قلت للصادق جعفر بن محمد عليه السلام: حديث يروى عن أبيك عليه السلام أنه قال: ما شبع رسول الله صلى الله عليه واله من خبز بر قط، أهو صحيح ؟ فقال: لا، ما أكل رسول الله صلى الله عليه وآله خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير قط (2). 5 - لى: ابن إدريس، عن ابن عيسى، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن موسى بن إسماعيل، عن أبيه، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن يهوديا كان له على رسول الله صلى الله عليه واله دنانير فتقاضاه فقال له: يا يهودي ما عندي ما أعطيك فقال: فإني لا افارقك يا محمد حتى تقضيني، فقال: إذا أجلس معك، فجلس معه حتى صلى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله يتهددونه ويتواعدونه، فنظر رسول الله صلى الله عليه واله إليهم فقال: ما الذي تصنعون به ؟ فقالوا يا رسول الله يهودي يحبسك ؟ فقال صلى الله عليه واله: لم يبعثني ربي عزوجل بأن أظلم معاهدا ولا غيره، فلما علا النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت إلا لانظر إلى نعتك في التوراة، فإني قرأت نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله مولده بمكة


(1) البرذعة والبردعة: كساء يلقى على ظهر الدابة. (2) الامالى: 192.

[ 217 ]

ومهاجره بطيبة، وليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب، ولا متزين (1) بالفحش، ولا قول الخنآء، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله صلى الله عليه واله، وهذا مالي، فاحكم فيه بما أنزل الله، وكان اليهودي كثير المال، ثم قال عليه السلام: (2) كان فراش رسول الله صلى الله عليه واله عباءة، وكانت مرفقته أدم حشوها ليف، فثنيت له ذات ليلة، فلما أصبح قال: لقد منعني الفراش الليلة الصلاة، فأمر عليه السلام أن يجعل بطاق واحد (3). بيان: قال الجزري: فيه من قتل معاهدا لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، يجوز أن يكون بكسر الهاء وفتحها على الفاعل والمفعول، وهو في الحديث بالفتح أشهر وأكثر، والمعاهد: من كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة ما، وقال: الشطر (4): النصف. وقال الجوهري: طيبة على وزن شيبة: اسم مدينة الرسول صلى الله عليه واله، والصخب بالصاد وبالسين: الضجة، واضطراب الاصوات للخصام. قوله عليه السلام: ولا متزين، في بعض النسخ بالزاء المعجمة، أي لم يجعل الفحش زينة كما يتخذه اللئام، وفي بعضها بالراء أي لا يدنس نفسه بذلك. والخنآء أيضا الفحش في القول، والمرفقة بالكسر: الوسادة. 6 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله في بيت ام سلمة في ليلتها، ففقدته من الفراش، فدخلها في ذلك ما يدخل النساء، فقامت تطلبه في جوانب البيت حتى انتهت إليه وهو في جانب من البيت قائم رافع يديه (5) يبكي وهو يقول: " اللهم لا تنزع مني (6) صالح ما أعطيتني أبدا (7)،


(1) ولا صخاب، ولا مترين خ ل. (2) في المصدر: ثم قال علي عليه السلام. (3) الامالي: 279. (4) شطر المال: قسمه نصفين. (5) في المصدر: قائما رافعا يديه. (6) تنزع عنى خ ل. (7) في المصدر بعد ذلك: اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا، اللهم لا تشمت بى عدوا ولا حاسدا أبدا، اللهم لا تردني في سوء استنقذتني منه أبدا.

[ 218 ]

اللهم لا تشمت بي عدوا ولا حاسدا أبدا، اللهم ولا تردني في سوء استنقذتني منه أبدا، اللهم ولا تكلني إلي نفسي طرفة عين أبدا " قال: فانصرفت ام سلمة تبكي حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه واله لبكائها فقال لها: ما يبكيك يا ام سلمة ؟ فقالت: بأبي أنت وامي يا رسول الله ولم لا أبكي وأنت بالمكان الذي أنت به من الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، تسأله أن لا يشمت بك عدوا أبدا، وأن لا يردك في سوء استنقذك منه أبدا، وأن لا ينزع منك صالحا أعطاك (1) أبدا، وأن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين أبدا ؟ فقال: يا ام سلمة وما يؤمنني ؟ وإنما وكل الله يونس بن متى إلى نفسه طرفة عين وكان منه ما كان (2). 7 - ب: ابن طريف (3)، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه واله سائل يسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: هل من أحد عنده سلف ؟ فقام رجل من الانصار من بني الجبلى (4) فقال: عندي يا رسول الله، قال: فأعط هذا السائل أربعة أوساق تمر، قال: فأعطاه، قال: ثم جاء الانصاري بعد إلى النبي صلى الله عليه واله يتقاضاه فقال له: يكون إن شآء الله ثم عاد إليه (5) فقال: يكون إن شآء الله، ثم عاد إليه الثالثة فقال: يكون إنشاء الله، فقال: قد أكثرت يا رسول الله من قول: يكون إن شآء الله، قال: فضحك رسول الله، وقال: هل من رجل عنده سلف ؟ قال: فقام رجل فقال له: عندي


(1) في المصدر: صالح ما أعطاك. (2) تفسير القمي: 432. (3) هكذا في النسخة وفيه وهم، والصحيح ظريف بالظاء المعجمة، والرجل هو الحسن بن ظريف بن ناصح الكوفي المترجم في فهرستى النجاشي والشيخ وخلاصة العلامة وغيرها. (4) هكذا في الكتاب ومصدره ولم نقف عليه في كتاب الانساب، ولعله مصحف بنو الحبلى بالحاء المهملة، قال القلقشندى في نهاية الارب: 51: بنو الحبلى بطن من الخزرج من القحطانية، وهم بنو الحبلى واسمه سالم بن غنم بن عوف ابن الخزرج. وذكره ابن الاثير أيضا في اللباب في تهذيب الانساب 1: 275 و 276 وضبطه بضم الحاء وسكون الباء، وذكره أيضا الفيروزآبادي في القاموس. (5) في المصدر: ثم عاد إليه الثانية.

[ 219 ]

يا رسول الله، قال: وكم عندك ؟ قال: ما شئت، قال: فأعط هذا ثمانية أوسق من تمر، فقال الانصاري: إنما لي أربعة يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه واله: وأربعة أيضا (1). 8 - ب: ابن طريف (2)، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يورث دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة ولا شاة ولا بعيرا، ولقد قبض صلى الله عليه واله (3) وأن درعه مرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعا من شعير استلفها (4) نفقة لاهله (5). 9 - ب: أبوالبخترى، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام أن المساكين كانوا يبيتون في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه واله، فأفطر النبي صلى الله عليه واله مع المساكين الذين في المسجد ذات ليلة عند المنبر في برمة (6) فأكل منها ثلاثون رجلا، ثم ردت إلى أزواجه شبعهن (7) 10 - ب: محمد بن الوليد، عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة قاعدا أو يتوكأ على عصا، أو على حائط ؟ فقال: لا، ما شأن أبيك وشأن هذا ؟ ما بلغ ابوك هذا بعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما عظم أو بعد ما ثقل كان يصلي وهو قائم، و رفع إحدى رجليه حتى أنزل الله تبارك وتعالى: " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " فوضعها (8). بيان: لعل تحمل هذه الاثقال في العبادة كان في الشريعة ثم نسخ. 11 - ل: محمد بن عمر الحافظ البغدادي، عن إسحاق بن جعفر العلوي، عن أبيه جعفر بن محمد، عن علي بن محمد العلوي المعروف بالمشلل، عن سليمان بن محمد القرشي،


(1) قرب الاسناد: 44. (2) ذكرنا آنفا أن الصحيح ظريف بالظاء المعجمة. (3) لقد قبض رسول الله خ ل. (4) استسلفها خ ل، وهو الموجود في المصدر. (5) قرب الاسناد: 44. (6) البرمة: القدر من الحجر. (7) قرب الاسناد: 69. (8) قرب الاسناد: 79 و 80 وللحديث ذيل تركه المصنف.

[ 220 ]

عن إسحاق بن أبي زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس لست بتاركهن حتى الممات: لباسي الصوف (1)، وركوبي الحمار مؤكفا، وأكلي مع العبيد، وخصفي النعل بيدي، وتسليمي على الصبيان لتكون سنة من بعدي (2). 12 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أتاني ملك فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول: إن شئت جعلت لك بطحاء مكة ذهبا، قال: فرفع رأسه إلى السماء وقال (3): يا رب أشبع يوما فأحمدك، وأجوع يوما فأسألك (4). صح: عنه عليه السلام مثله (5). جا: عمر بن محمد، عن ابن مهرويه، عن داود بن سليمان، عنه عليه السلام مثله (6). 13 - ن: بإسناد التميمي (7)، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: كان النبي صلى الله عليه واله يضحى بكبشين أملحين أقرنين (8). 14 - ن: بهذا الاسناد قال: إن النبي صلى الله عليه واله كان يتختم في يمينه (9). 15 - ن: وبهذا الاسناد قال: ما شبع النبي صلى الله عليه واله من خبز بر ثلاثة أيام حتى مضى لسبيله (10).


(1) قد أسفلنا سابقا أن الروايات تختلف في لبس الصوف، فبعضها تذم ذلك، وبعضها تستحسنه وذكرنا وجها في رفع التخالف هناك. (2) الحديث قد سقط عن الطبع في المطبوع أولا، وهو موجود في طبعة قم. راجع ص 221. (3) في المجالس: فرفعت رأسي إلى السماء وقلت. (4) عيون أخبار الرضا: 199. (5) صحيفة الرضا: 22. (6) أمالى المفيد: 72 و 73. (7) الاسناد هكذا: حدثنا محمد بن عمر الحافظ قال: حدثنا الحسن بن عبد الله التميمي قال: حدثنى أبى قال: حدثنى سيدى علي بن موسى الرضا عليه السلام اه‍. (8 و 9) عيون أخبار الرضا: 223. (10) عيون أخبار الرضا: 224.

[ 221 ]

16 - ن: الحسين بن أحمد البيهقي، عن محمد بن يحيى الصولي، عن سهل بن القاسم النوشجاني قال: قال رجل للرضا عليه السلام: يابن رسول الله إنه يروى عن عروة بن زبير أنه قال: توفي النبي صلى الله عليه واله (1) وهو في تقية، فقال: أما بعد قول الله عزوجل: " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " فإنه أزال كل تقية بضمان الله عزوجل له وبين أمر الله، ولكن قريشا فعلت ما اشتهت بعده، وأما قبل نزول هذه الآية فلعله (2). 17 - ما: المفيد، عن الحسين بن محمد التمار، عن محمد بن إسكاب (3)، عن مصعب بن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه واله كان إذا رأى ناشئا ترك كل شئ، وإن كان في صلاة، وقال: " اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه " فإن ذهب حمد الله، وإن أمطر قال: " اللهم اجعله ناشئا نافعا " والناشئ: السحاب، والمخيلة أيضا: السحابة (4). بيان: قوله: والناشئ إلى آخر الكلام إما كلام الشيخ، أو بعض الروات و قال الجزرى: فيه كان إذا رأى ناشئا في افق السماء، أي سحابا لم يتكامل اجتماعه و اصطحابه. 18 - ما: ابن حشيش (5)، عن أحمد، عن سليمان بن أحمد الطبراني، عن: عمرو ابن ثور (6)، عن محمد بن يوسف (7)، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قال: ما شبع آل محمد عليه السلام ثلاثة أيام تباعا حتى لحق بالله عزوجل (8).


(1) في المصدر: رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) عيون اخبار الرضا: 271 و 272. (3) في المصدر: محمد بن، اسكاف، بالفاء. (4) أمالى ابن الشيخ: 80. (5) في المصدر: خشيش بالخاء المعجمة، وفي بعض المواضع منه خنيس، وفى اخرى: محمد بن على بن خشيش بن نصر بن جعفر بن ابراهيم التميمي. (6) وصفه في المصدر: بالجزامى. (7) وصفه في المصدر: بالفريابى. (8) مجالس ابن الشيخ: 196.

[ 222 ]

19 - ما: ابن مخلد، عن الخالدي (1)، عن الحسن بن علي القطان، عن عباد ابن موسى (2)، عن إبراهيم بن سليمان (3)، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يجلس على الارض، ويأكل على الارض، و يعتقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير (4). 20 - ما: حمويه بن علي، عن محمد بن محمد بن بكر الهزالي (5)، عن الفضل بن الحباب (6)، عن سلم، عن أبي هلال، عن بكر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب دخل على النبي صلى الله عليه واله وهو موقوذ - أو قال: محموم - فقال له عمر: يا رسول الله ما أشد وعكك أو حماك ؟ فقال: ما منعني ذلك أن قرأت الليلة ثلاثين سورة فيهن السبع الطول، فقال عمر: يا رسول الله غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر وأنت تجتهد هذا الاجتهاد ؟ فقال: يا عمر أفلا أكون عبدا شكورا ؟ (7). بيان: قال الفيروزآبادي: الموقوذ: الشديد المرض المشرف، ووقذه: صرعه، و سكنه، وغلبه، وتركه عليلا كأوقذه، وقال: الوعك: أدنى الحمى ووجعها ومغثها (8) في البدن، وألم من شدة التعب. 21 - ع: علي بن حاتم، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن الحسين بن


(1) ابن مخلد هو محمد بن محمد بن مخلد، والخالدي في المصدر: الخلدي. (2) وصفه في المصدر بالختلى. (3) في المصدر: أبو إسماعيل ابراهيم بن سليمان المؤدب. (4) مجالس ابن الشيخ: 250. (5) هكذا في النسخة، وفي المصدر: الهزاني وهو الصحيح، قال ابن الاثير في اللباب 3: 290: الهزانى بكسر الهاء وفتح الزاى المشددة وبعد الالف نون، هذه النسبة إلى هزان وهو بطن من عتيك، والعتيك من ربيعة، وهو هزان بن صباح بن عتيك، منهم أبوروق أحمد بن محمد بن بكر الهزانى حدث هو وأبوه. (6) كناه في المصدر أبا خليفة. ولقبه بالجحمى. (7) مجالس ابن الشيخ: 257. (8) مغثه الحمى: أصابته وأخذته.

[ 223 ]

موسى، عن أبيه، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله مكفرا لا يشكر معروفه، ولقد كان معروفه على القرشي والعربي والعجمي، ومن كان أعظم معروفا من رسول الله صلى الله عليه وآله على هذا الخلق ؟ وكذلك نحن أهل البيت مكفرون لا يشكر معروفنا، وخيار المؤمنين مكفرون لا يشكر معروفهم (1). 22 - ع: أبي، عن القاسم بن محمد بن علي بن إبراهيم النهاوندي، عن صالح بن راهويه، عن أبي جويد مولى الرضا عليه السلام عن الرضا عليه السلام قال: نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه واله فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول: إن الابكار من النساء بمنزلة الثمر على الشجر، فإذا أينع الثمر فلا دواء له إلا اجتناؤه، وإلا أفسدته الشمس، وغيرته الريح، وإن الابكار إذا أدركن ما تدرك النساء فلا دواء لهن إلا البعول، وإلا لم يؤمن عليهن الفتنة، فصعد رسول الله صلى الله عليه واله المنبر فجمع الناس ثم أعلمهم ما امر الله عزوجل به، فقالوا: ممن يا رسول الله ؟ فقال: من الاكفاء، فقالوا: ومن الاكفاء ؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، ثم لم ينزل حتى زوج ضباعة من المقداد بن الاسود، ثم قال: أيها الناس إني زوجت ابنة عمي المقداد ليتضع النكاح (2). 23 - ير: محمد بن الحسين، عن جعفر بن محمد بن يونس، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه واله كان في مكان ومعه رجل من أصحابه وأراد قضاء حاجة، فقام إلى الاشائين يعني النخلتين، فقال لهم اجتمعا، فاستتر بهما النبي صلى الله عليه واله فقضى حاجته، ثم قام فجاء الرجل فلم ير شيئا (3). بيان: قال الجوهري: الاشاء بالفتح والمد: صغار النخل. 24 - ص: الصدوق: عن عبد الله بن حامد، عن أحمد بن محمد بن الحسين، عن محمد بن يحيى أبي صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، أن جابر بن عبد الله


(1) علل الشرائع: 187. (2) علل الشرائع: 193. قوله: ليتضع أي ليخط. (3) بصائر الدرجات: 18.

[ 224 ]

قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه واله بمر الظهران (1) يرعى الغنم (2)، وإن رسول الله صلى الله عليه واله قال: عليكم بالاسود منه فإنه أطيبه، قالوا: ترعى الغنم ؟ قال: نعم وهل نبي إلا رعاها ؟ (3). 25 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن سيف بن حاتم، عن رجل من ولد عمار يقال له: أبو لؤلؤة سماه عن آبائه قال: قال عمار رضي الله عنه: كنت أرعى غنيمة أهلي، وكان محمد صلى الله عليه واله يرعى أيضا، فقلت: يا محمد هل لك في فخ فإني تركتها روضة برق ؟ قال: نعم، فجئتها من الغد وقد سبقني محمد صلى الله عليه واله وهو قائم يذود غنمه عن الروضة قال: إني كنت واعدتك فكرهت أن أرعى قبلك (4). بيان: قال الفيروزآبادي: البرق محركة: الحمل معرب برة، وقال: الابرق: غلظ فيه حجارة ورمل وطين مختلطة، والبرقة بالضم: غلظ، الابرق وبرق: ديار العرب تنيف على مائة منها: برقة الاثمار، والاوجال، والاجداد، وعدها إلى أن قال: والنجد، ويثرب، واليمامة، هذه برق العرب. 26 - سن: أبي، عن النوفلي، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلق الله العقل فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال: ما خلقت خلقا أحب إلى منك، فأعطى الله (5) محمدا تسعة وتسعين جزء، ثم قسم بين العباد جزء واحدا (6). 27 - صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ضعفت عن


(1) قال ياقوت: ظهران: واد قرب مكة، وعنده قرية يقال له: مر، تضاف إلى هذا الوادي فيقال: مر الظهران. (2) نرعى الغنم خ. (3 و 4) قصص الانبياء: مخطوط. (5) في المصدر: قال: فأعطى الله. (6) المحاسن: 192.

[ 225 ]

الصلاة والجماع (1)، فنزلت علي قدر من السماء، فأكلت منها فزاد في قوتي قوة أربعين رجلا في البطش والجماع (2). 28 - صح: عن الرضا، عن آبائه عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كنا مع النبي صلى الله عليه واله في حفر الخندق إذ جاءت فاطمة ومعها كسيرة من خبز فدفعتها إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال النبي صلى الله عليه واله: ما هذه الكسيرة ؟ قالت: خبزته قرصا (3) للحسن والحسين جئتك منه بهذه الكسيرة، فقال النبي صلى الله عليه واله: يا فاطمة أما إنه أول طعام دخل جوف أبيك منذ ثلاث (4). ن: بالاسانيد الثلاثة عنه عليه السلام مثله (5). 29 - سن: علي بن الحكم، عن أبي المغرا، عن ابن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يأكل أكل العبد، ويجلس جلوس العبد، و يعلم أنه عبد (6). بيان: أكل العبد: الاكل على الارض كما مر، وجلوس العبد: الجلوس على الركبتين. 30 - سن: أبي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يأكل أكل العبد، ويجلس جلسة العبد، وكان يأكل على الحضيض، وينام على الحضيض. 31 - سن: صفوان، عن ابن مسكان، عن الحسن الصيقل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: مرت امرأة بدوية (7) برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يأكل وهو جالس على


(1) في المصدر: ضعفت عن الصلاة والصيام والجماع. (2) صحيفة الرضا: 11. (3) في المصدر: قالت: خبز اخبزته للحسن. وفي العيون: قرصا خبزتها. (4) صحيفة الرضا: 15. (5) عيون اخبار الرضا: 205 و 206. (6) المحاسن: 456. (7) بذية خ ل.

[ 226 ]

الحضيض، فقالت: يا محمد والله إنك لتأكل أكل العبد، وتجلس جلوسه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: ويحك أي عبد أعبد مني ؟ قالت: فناولني لقمة من طعامك، فناولها، فقالت: لا والله إلا التي في فمك (1)، فأخرج رسول الله صلى الله عليه واله اللقمة من فمه فناولها، فأكلتها، قال أبو عبد الله عليه السلام: فما أصابها داء حتى فارقت الدنيا (2). مكا: من كتاب النبوة، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (3). كا: علي، عن أبيه، عن صفوان مثله (4). 32 - يج: روي عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله أقبل إلى الجعرانة (5) فقسم فيها الاموال، وجعل الناس يسألونه فيعطيهم حتى ألجؤوه إلى الشجرة، فأخذت برده وخدشت ظهره حتى جلوه عنها وهم يسألونه، فقال: أيها الناس ردوا علي بردي، والله لو كان عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته بينكم، ثم ما ألفيتموني جبانا ولا بخيلا، ثم خرج من الجعرانة في ذي القعدة، قال: فما رأيت تلك الشجرة إلا خضراء كأنما يرش عليه الماء. 33 - وفي رواية اخرى: حتى انتزعت الشجرة ردائه، وخدشت الشجرة ظهره (6). بيان: قال الجوهري: جلوا عن أوطانهم وجلوتهم أنا، يتعدى ولا يتعدى. 34 - قب: أما آدابه صلى الله عليه واله فقد جمعها بعض العلماء والتقطها من الاخبار: كان النبي صلى الله عليه واله أحكم الناس وأحلمهم وأشجعهم وأعدلهم وأعطفهم، لم تمس يده يد امرأة


(1) في المصدر: في فيك، وفي الكافي: إلا الذي في فيك. (2) حتى فارقت الدنيا روحها خ ل. المحاسن: 457. (3) مكارم الاخلاق: 15. (4) فروع الكافي 2: 157. (5) الجعرانة بكسر اوله، وسكون الثاني، وقد يكسر ويشدد الراء: هي ماء بين الطائف و مكة، وهي إلى مكة أقرب، قيل: هي من مكة على بريد من طريق العراق. (6) لم نجد الحديث في الخرائج المطبوع، وذكرنا قبل ذلك كرارا أن نسخة خرائج المصنف كانت تتفاوت مع المطبوع.

[ 227 ]

لا تحل، وأسخى الناس، لا يثبت عنده دينار ولا درهم، فان فضل ولم يجد من يعطيه و يجنه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرء منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من يسير ما يجد من التمر والشعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، ولا يسأل شيئا إلا أعطاه، ثم يعود إلى قوت عامه فيؤثر منه حتى ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شئ، وكان يجلس على الارض، وينام عليها، ويأكل عليها، وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويفتح الباب، ويحلب الشاة، ويعقل البعير فيحلبها، ويطحن مع الخادم إذا أعيا، ويضع طهوره بالليل بيده، ولا يتقدمه مطرق، ولا يجلس مكتئا، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع اللحم، وإذا جلس على الطعام جلس محقرا، وكان يلطع أصابعه، ولم يتجشأ قط، ويجيب دعوة الحر والعبد ولو على ذراع أو كراع، ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن ويأكلها، ولا يأكل الصدقة، لا يثبت بصره في وجه أحد، يغضب لربه ولا يغضب لنفسه، وكان يعصب (1) الحجر على بطنه من الجوع، يأكل ما حضر، ولا يرد ما وجد، لا يلبس ثوبين، يلبس بردا حبرة يمنية، وشملة (2) جبة صوف، والغليظ من القطن والكتان، وأكثر ثيابه البياض، ويلبس العمامة (3)، ويلبس القميص من قبل ميامنه، وكان له ثوب للجمعة خاصة، وكان إذا لبس جديدا أعطى خلق ثيابه مسكينا، وكان له عباء يفرش له حيث ما ينقل تثنى (4) ثنيتين، يلبس خاتم فضة في خنصره الايمن، يحب البطيخ، ويكره الريح الردية: ويستاك عند الوضوء، يردف (5) خلفه عبده أو غيره، يركب (6) ما أمكنه من فرس أو بغلة أو حمار، ويركب الحمار بلا سرج وعليه العذار (7)، ويمشي راجلا و


(1) أي يشد. (2) الشملة: كساء واسع يشتمل به. (3) في المصدر: ويلبس العمامة تحت العمامة. (4) أي يطوى ويرد بعضه على بعض. (5) في المصدر: ويردف. (6) في المصدر: ويركب. (7) العذار بالكسر: ما سال من اللجام على خد الفرس.

[ 228 ]

حافيا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة، ويشيع الجنائز، ويعود المرضى في أقصى المدينة، يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويناولهم بيده، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، و يتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على غيرهم إلا بما أمر الله، ولا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه، وكان أكثر الناس تبسما ما لم ينزل عليه قرآن أو لم تجر عظة، وربما ضحك من غير قهقهة، لا يرتفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس (1)، ما شتم أحدا بشتمة ولا لعن امرأة ولا خادما بلعنة، ولا لاموا أحدا إلا قال: دعوه، ولا يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة إلا قام معه في حاجته، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يغفر ويصفح، يبدأ من لقيه بالسلام، ومن رامه (2) بحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ما أخذ أحد يده فيرسل يده حتى يرسلها، وإذا القي مسلما بدأه بالمصافحة، وكان لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر الله، وكان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وأقبل عليه، وقال: ألك حاجة ؟ وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعا، يجلس (3) حيث ينتهى به المجلس، وكان أكثر ما يجلس مستقبل القبلة، وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه، ويؤثر الداخل بالوسادة التي تحته، وكان في الرضا والغضب لا يقول: إلا حقا، وكان يأكل القثاء بالرطب و الملح، وكان أحب الفواكه الرطبة إليه البطيخ والعنب، وأكثر طعامه الماء والتمر، و كان يتمجع اللبن بالتمر ويسميهما الاطيبين، وكان أحب الطعام إليه اللحم، ويأكل الثريد باللحم، وكان يحب القرع، وكان يأكل لحم الصيد ولا يصيده، وكان يأكل الخبز والسمن، وكان يحب من الشاة الذراع والكتف، ومن القدر الدبا، ومن الصباغ الخل، ومن التمر العجوة (4)، ومن البقول الهندبا والباذروج (5) والبقلة اللينة (6).


(1) في المصدر: ولا في ملبس. (2) أي قصده وأتاه. (3) في المصدر: وكان يجلس. (4) العجوة: التمر المحشى في وعائه. (5) الهندبا والهندباء: بقل معروف، يقال له بالفارسية: كاسنى. والباذروج قال الفيروزآبادي بفتح الذال: بقلة يقوى القلب جدا ويقبض إلا ان يصادف فضلة فيسهل. (6) مناقب آل أبي طالب 1: 100 و 101.

[ 229 ]

بيان: قوله: لا يتقدمه مطرق، أي كان أكثر الناس إطرافا إلى الارض حياء، يقال: أطرق، أي سكت ولم يكلم، وأرخى عينيه ينظر إلى الارض، والمهنة بالفتح و الكسر: الخدمة، ولطع الاصابع: لحسها ومصها بعد الطعام: والكراع كغراب من البقر والغنم: مستدق الساق. وقال الفيروزآبادي: المجيع: تمر يعجن بلبن، وتمجع: أكل التمر اليابس باللبن معا، وأكل التمر وشرب عليه اللبن. 35 - مكا: في تواضعه وحيائه: عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، وكان يوم خيبر ويوم قريظة والنضير على حمار مخطوم (1) بحبل من ليف تحته اكاف من ليف. وعن أنس بن مالك قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعرفون من كراهيته (2). وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يجلس على الارض، ويأكل على الارض ويعتقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك. وعن أنس بن مالك قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله مر على صبيان فسلم عليهم وهو مغذ. عن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه واله مر بنسوة فسلم عليهن. وعن ابن مسعود قال: أتى النبي صلى الله عليه واله رجل يكلمه فأرعد، فقال: هون عليك، فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القد (3). عن أبي ذر قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يجلس بين ظهراني (4) أصحابه فيجئ الغريب فلا يدري أيهم هو، حتى يسأل، فطلبنا إلى النبي صلى الله عليه واله أن يجعل مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا (5) من طين، وكان يجلس عليه، ونجلس بجانبيه.


(1) خطمه بالخطام: جعله على أنفه، والخطام: حبل يجعل في عنق البعير وغيره ويثنى في خطمه وأنفه. (2) في المصدر: كراهية لذلك. (3) مكارم الاخلاق: 14. (4) ظهرانى بالفتح أي وسطهم. (5) الدكان: شئ كالمصطبة يقعد عليه. والمصطبة: مكان ممهد قليل الارتفاع عن الارض، يجلس عليه.

[ 230 ]

وسئلت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه واله يصنع إذا خلا ؟ قالت: يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويصنع ما يصنع الرجل في أهله. وعنها: أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه واله الخياطة. وعن أنس بن مالك قال: خدمت النبي صلى الله عليه واله تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: هلا فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب علي شيئا قط. وعن أنس بن مالك قال: صحبت رسول الله صلى الله عليه واله عشر سنين، وشممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيب من نكهته، وكان إذا لقيه واحد (1) من أصحابه قام معه، فلم ينصرف حتى يكون الرجل ينصرف عنه (2)، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده ناولها إياه، فلم ينزع عنه حتى يكون الرجل هو الذى ينزع عنه، وما أخرج ركبتيه بين جليس (3) له قط، وما قعد إلى رسول الله صلى الله عليه واله رجل قط فقام حتى يقوم (4). وعن أنس بن مالك قال: إن النبي صلى الله عليه واله أدركه أعرابي فأخذ بردائه فجبذه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه واله وقد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال له: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه واله فضحك وأمر له بعطاء. عن أبي سعيد الخدري يقول: كان رسول الله صلى الله عليه واله حييا (5) لا يسأل شيئا إلا أعطاه. وعنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئا،


(1) في نسخة من المصدر: أحد. (2) في المصدر: حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه. (3) في المصدر: بين يدى جليس. (4) مكارم الاخلاق: 15. (5) الحيى: ذو الحياء.

[ 231 ]

فإني احب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر (1). في جوده: عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله أجود الناس كفا، وأكرمهم عشرة (2)، من خالطه فعرفه أحبه. من كتاب النبوة عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه واله قال: أنا أديب الله وعلي أديبي، أمرني ربي بالسخاء والبر، ونهاني عن البخل والجفاء، وما شئ أبغض إلى الله عزوجل من البخل وسوء الخلق، وإنه ليفسد العمل كما يفسد الطين (3) العسل. وبرواية اخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا وصف رسول الله صلى الله عليه واله قال: كان أجود الناس كفا، وأجرء الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة: وأكرمهم عشرة، ومن رآه بديهة هابه، ومن خالطه فعرفه أحبه، لم أر مثله قبله ولا بعده. وعن ابن عمر قال: ما رأيت أحدا أجود ولا أنجد ولا أشجع ولا أوضأ (4) من رسول الله صلى الله عليه وآله (5). وعن جابر بن عبد الله قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه واله شئ (6) قط قال: لا. وعن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله ام حبيبة ازوجكها (7)، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: نعم، قال مرني


(1) مكارم الاخلاق: 16. (2) في نسخة من المصدر: عشيرة. (3) في نسخة من المصدر: الخل. (4) أي أنظف. (5) مكارم الاخلاق: 16. (6) شيئا خ ل وفي نسخة من المصدر: لم يكن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وفيها: فتقول: لا. (7) هذا لا يصح لان النبي صلى الله عليه وآله زوج ام حبيبة سنة سبع من الهجرة وأبو سفيان أسلم عام الفتح في سنة ثمان بعد تزويجه صلى الله عليه وآله اياها.

[ 232 ]

حتى اقاتل الكفار كما قاتلت المسلمين، قال: نعم، قال ابن زميل: ولو لا أنه طلب ذلك من النبي صلي الله عليه وآله ما أعطاه، لانه لم يكن يسأل شيئا قط إلا قال: نعم. وعن عمر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه واله فقال (1): ما عندي شئ، ولكن اتبع علي، فإذا جاءنا شئ قضينا، قال عمر: فقلت: يا رسول الله ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، قال: فكره النبي صلى الله عليه واله، فقال (2) الرجل: أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، قال: فتبسم النبي صلى الله عليه واله وعرف السرور في وجهه (3). في شجاعته: عن علي عليه السلام قال: لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه واله وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا. وعنه عليه السلام قال: كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه واله فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه. وعن أنس بن مالك قال: كان بالمدينة فزع فركب النبي صلى الله عليه واله فرسا لابي طلحة، فقال: ما رأينا من شئ وإن وجدناه لبحرا. وبرواية اخرى عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله أشجع الناس، وأحسن الناس، وأجود الناس، قال: فزع أهل المدينة ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، قال: قتلقاهم رسول الله صلى الله عليه واله وقد سبقهم وهو يقول: لن (4) تراعوا، وهو على فرس لابي طلحة وفي عنقه السيف، قال: فجعل يقول للناس: لم تراعوا وجدناه بحرا، أو أنه لبحر (5). في علامة رضاه وغضبه: عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يعرف رضاه وغضبه في وجهه، كان إذا رضي فكأنما تلاحك الجذر (6) وجهه، وإذا غضب خسف لونه واسود.


(1) في المصدر: فسأله فقال. (2) في المصدر: فكره النبي صلى الله عليه وآله قوله ذلك فقال. (3) مكارم الاخلاق: 17. وفيه: حتى عرف السرور في وجهه. (4) لم تراعوا خ ل. (5) مكارم الاخلاق: 17. (6) هكذا في نسخة المصنف، والظاهر أنه مصحف الجدر. كما في المصدر وما يأتي بعد ذلك وفي تفسير اللغات.

[ 233 ]

عن كعب بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا سره الامر استنار وجهه كأنه دارة القمر. عن امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. عن عبد الله بن مسعود، يقول: شهدت من المقداد مشهدا لان أكون أنا صاحبه أحب إلي مما في الارض من شئ، قال: كان النبي صلى الله عليه واله إذا غضب احمر وجهه. عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه واله يعرف رضاه وغضبه بوجهه، كان إذا رضي فكأنما تلاحك الجدر وجهه (1)، وإذا غضب خسف لونه واسود. قال أبو البدر: سمعت أبا الحكم الليثي يقول: هي المرآة توضع في الشمس فيرى ضوءها على الجدار يعني قوله: تلاحك (2) الجدر. في الرفق بامته: عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبا دعا له، وإن كان شاهدا زاره، وإن كان مريضا عاده. عن جابر بن عبد الله قال: غزا رسول الله صلى الله عليه واله إحدى وعشرين غزوة بنفسه، شاهدت (3) منها تسعة عشر، وغبت عن اثنتين، فبينا أنا معه في بعض غزواته إذ أعيانا ضحى (4) تحتي بالليل فبرك، وكان رسول الله صلى الله عليه واله في آخرنا في آخريات الناس، فيزجي الضعيف ويردف (5) ويدعو لهم، فانتهى إلي وأنا أقول: يا لهف امياه (6)، وما زال لنا ناضح سوء، فقال: من هذا ؟ فقلت: أنا جابر بأبي أنت وامي يا رسول الله، قال: ما


(1) في المصدر: فكأنما يلاحك الجدر ضوء وجهه. (2) في المصدر: يلاحك. (3) شهدت خ ل. (4) أي أعجزنا بعيرى. وبرك البعير: استناخ، وهو أن يلصق صدره بالارض. (5) في نسخة من المصدر: ويردفه. (6) في نسخة من المصدر، اماه.

[ 234 ]

شأنك ؟ قلت: أعيا ناضحى، فقال: أمعك عصا ؟ فقلت: نعم، فضربه، ثم بعثه، ثم أناخه ووطئ على ذراعه، وقال: اركب فركبت فسايرته فجعل جملي يسبقه، فاستغفر لي تلك الليلة خمس وعشرين مرة، فقال لي: ما ترك عبد الله من الولد ؟ يعني أباه، قلت: سبع نسوة، قال: أبوك عليه دين ؟ قلت: نعم، قال: فإذا قدمت المدينة فقاطعهم، فإن أبوا فإذا حضر جذاذ (1) نخلكم فأذني، وقال: هل تزوجت ؟ قلت: نعم، قال: بمن ؟ قلت: بفلانة بنت فلان بأيم (2) كانت بالمدينة، قال: فهلا فتاة تلاعبها وتلاعبك ؟ قلت: يا رسول الله كن عندي نسوة خرق (3)، يعني أخواته: فكرهت أن آتيهن بامرأة خرقاء، فقلت: هذه أجمع لامري، قال: أصبت ورشدت، فقال: بكم اشتريت جملك ؟ فقلت: بخمس أواق من ذهب، قال: قد أخذناه (4)، فلما قدم المدينة أتيته بالجمل فقال: يا بلال أعطه خمس اواق من ذهب يستعين به (6) في دين عبد الله، وزده ثلاثا واردد عليه جمله، قال: هل قاطعت غرماء عبد الله ؟ قلت: لا يا رسول الله، قال: أترك وفآء (5) ؟ قلت: لا، قال: لا عليك إذا حضر جذاذ (7) نخلكم فأذني، فأذنته فجاء فدعا لنا فجذذنا واستوفى كل غريم كان يطلب تمرا وفآء، وبقي لنا ما كنا نجذ وأكثر، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ارفعوا ولا تكيلوا فرفعناه وأكلنا منه زمانا (8). وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا حدث الحديث أو سأل عن الامر كرره ثلاثا ليفهم ويفهم عنه.


(1) جذاذ النخل: صرامها أي قطع ثمرتها، وفي المصدر: جداد بالمهملة، والمعنى واحد. (2) آم الرجل من زوجته أو المرأة من زوجها: فقدها أو فقدته، فهو وهى أيم. (3) جمع الخرقاء: الحمقاء. (4) في نسخة من المصدر: قال: يعينه ولك ظهره إلى المدينة. (5) في المصدر: يستعين بها، وفيه: ورد عليه جمله. (6) في نسخة من المصدر: أتراك وفاء ؟ أقول: تراك ككتاب. (7) في المصدر: فإذا حضر جداد نخلكم. وفيه بعد ذلك: فجدونا. (8) مكارم الاخلاق: 18 و 19.

[ 235 ]

وعن ابن عمر قال: قال رجل: يا رسول الله، فقال: لبيك. وروي عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وآله كنا إذا جلسنا إليه إن أخذنا بحديث في ذكر الآخرة أخذ معنا، وإن أخذنا في الدنيا أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا، فكل هذا احدثكم عن رسول الله صلى الله عليه واله. عن أبي الحميسآء (1) قال: بايعت النبي صلى الله عليه واله قبل أن يبعث فواعدنيه (2) مكانا فنسيته يومي والغد، فأتيته يوم الثالث، فقال صلى الله عليه واله: يا فتى لقد شققت (3) علي، أنا هاهنا منذ ثلاثة أيام. وعن جرير بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه واله دخل بعض بيوته فامتلا البيت، ودخل جرير فقعد خارج البيت، فأبصره النبي صلى الله عليه واله فأخذ ثوبه فلفه فرمى به إليه، وقال: اجلس على هذا، فأخذ جرير (4) فوضعه على وجهه فقبله. عن سلمان الفارسي قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه واله وهو متكئ على وسادة فألقاها إلي، ثم قال: يا سلمان ما من مسلم دخل على أخيه المسلم فيلقى له الوسادة إكراما له إلا غفر الله له (5). في بكائه صلى الله عليه واله: عن أنس بن مالك قال: رأيت إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه واله وهو يجود بنفسه فدمعت عيناه (6)، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا أقول: إلا ما يرضى ربنا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون (7). عن خالد بن سلمة المخزومي قال: لما اصيب زيد بن حارثة انطلق رسول الله صلى الله عليه واله


(1) في نسخة من المصدر: ابن أبي حمساء. (2) في المصدر: فواعدته. (3) أي أوقعتني في المشقة. (4) في المصدر: فأخذه جرير. (5) مكارم الاخلاق: 19 و 20. وفي المصدر بعد ذلك زيادة أوردها في الباب الاتى. (6) في المصدر: عينا رسول الله صلى الله عليه واله فقال: تدمع العين. (7) مكارم الاخلاق: 20.

[ 236 ]

إلى منزله، فلما رأته ابنته جهشت فانتحب (1) رسول الله صلى الله عليه واله، وقال له بعض أصحابه: ما هذا يا رسول الله ؟ قال: هذا شوق الحبيب إلى الحبيب. في مشيه صلى الله عليه واله: عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما يتقلع من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله. عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا خرج مشى أصحابه أمامه، وتركوا ظهره للملائكة. عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا مشى مشى مشيا يعرف أنه ليس بمشي عاجز ولا بكسلان. عن أنس بن مالك قال: كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه واله جلسنا حلقة (2). وروي أن رسول الله لا يدع أحدا يمشي معه إذا كان راكبا حتى يحملهم معه، فإن أبى قال: تقدم أمامي، وأدركني في المكان الذي تريد، ودعاه صلى الله عليه واله قوم من أهل المدينة إلى طعام صنعوه له ولاصحاب له خمسة، فأجاب دعوتهم، فلما كان في بعض الطريق أدركهم سادس فماشاهم، فلما دنوا من بيت القوم قال للرجل السادس: إن القوم لم يدعوك، فاجلس حتى نذكر لهم مكانك ونستأذنهم بك (3). في جمل من أحواله وأخلاقه: من كتاب النبوة عن علي عليه السلام قال: ما صافح رسول الله صلى الله عليه واله أحدا قط فنزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، وما فاوضه أحد قط في حاجة أو حديث فانصرف حتى يكون الرجل ينصرف (4)، وما نازعه الحديث حتى يكون (5) هو الذي يسكت، وما رأى مقدما رجله بين يدي جليس له قط، ولا عرض له


(1) جهش: فزع باكيا. أو متهيئا للبكاء. انتحب: بكى شديدا. (2) خلفه خ ل ومثله في نسخة من المصدر. (3) مكارم الاخلاق: 21 و 22، وفي نسخة منه: ونستأذنهم لك. (4) في المصدر: حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف. (5) في المصدر: وما نازعه أحد الحديث فيسكت حتى يكون.

[ 237 ]

قط أمران إلا أخذ بأشدهما (1)، وما انتصر نفسه من مظلمة حتى ينتهك محارم الله فيكون حينئذ غضبه لله تبارك وتعالى، وما أكل متكئا قط حتى فارق الدنيا، وما سئل شيئا قط فقال: لا، وما رد سائلا حاجة (2) إلا بها أو بميسور من القول، وكان أخف الناس صلاة في تمام، وكان أقصر الناس خطبة وأقله هذرا (3)، وكان يعرف بالريح الطيب إذا أقبل، وكان إذا أكل مع القوم كان أول من يبدأ، وآخر من يرفع يده، وكان إذا أكل أكل مما يليه، فإذا كان الرطب والتمر جالت يده، وإذا شرب شرب ثلاثة أنفاس، وكان يمص الماء مصا، ولا يعبه عبا (4)، وكان يمينه لطعامه وشرابه وأخذه وإعطائه، كان (5) لا يأخذه إلا بيمينه، ولا يعطي إلا بيمينه، وكان شماله لما سوى ذلك من بدنه، وكان يحب التيمن في كل اموره: في لبسه وتنعله وترجله، وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا تكلم تكلم وترا، وإذا استأذن استأذن ثلاثا، وكان كلامه فصلا يتبينه كل من سمعه، وإذا تكلم رأى كالنور يخرج من بين ثناياه، وإذا رأيته قلت: أفلج الثنيتين، وليس بأفلج، وكان نظره اللحظ بعينه، وكان لا يكلم أحدا بشئ يكرهه، وكان إذا مشى ينحط من صبب (6)، وكان يقول: إن خياركم أحسنكم (7) أخلاقا، وكان لا يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا يتنازع أصحابه الحديث عنده، وكان المحدث عنه يقول: لم أر بعيني مثله قبله ولا بعده صلى الله عليه وآله. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله إذا رئي في الليلة الظلماء رئي له نور كأنه شقة قمر.


(1) في نسخة من المصدر: ولا خير بين أمرين إلا أخذ بأشدهما. (2) في المصدر: وما رد سائلا حاجة قط. (3) في المصدر: وأقلهم هذرا. أقول: هذر الرجل في كلامه: خلط وتكلم بما لا ينبغى. الهذر: سقط الكلام الذي لا يعبأ به. كثرة الكلام. والمراد أنه صلى الله عليه وآله لم يكن يهذر. (4) مص الماء: شربه شربا رفيقا مع جذب نفس. عب الماء: شربه بلا تنفس. (5) في المصدر: فكان. (6) في المصدر: كأنما ينحط من صبب، وهو الصحيح كما تقدم. (7) أحاسنكم خ ل.

[ 238 ]

عنه عليه السلام قال: نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه واله فقال: إن الله جل جلاله يقرئك السلام ويقول لك: هذه بطحاء مكة تكون لك رضراضه (1) ذهبا، قال: فنظر النبي صلى الله عليه واله إلى السماء ثلاثا ثم قال: لا يا رب، ولكن أشبع يوما فأحمدك، وأجوع يوما فأسألك. وعنه عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يحلب عنز أهله. وعنه عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يحب الركوب على الحمار مؤكفا، والاكل على الحضيض مع العبيد، ومناولة السائل بيديه (2). وعن جابر بن عبد الله قال: في (3) رسول الله صلى الله عليه واله خصال: لم يكن في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرفه، أو ريح عرقه، ولم يكن يمر بحجر ولا مدر (4) إلا سجد له. وعن ثابت بن أنس (5) بن مالك قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان أزهر اللون، كأن لونه اللؤلؤ، وإذا مشى تكفأ، وما شممت رائحة مسك ولا عنبر أطيب من رائحته، ولا مسست ديباجة ولا حريرا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه واله كان أخف الناس صلاة في في تمام. عن جرير بن عبد الله قال: لما بعث النبي صلى الله عليه واله أتيته لابايعه، فقال لي: يا جرير


(1) الرضراض. ما صغر ودق من الحصى. والموجود في المصدر: هذه بطحاء مكة إن شئت أن تكون لك ذهبا. (2) الحديث في المصدر هكذا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لست أدع ركوب الحمار. مؤكفا، والاكل على الحصير مع العبيد، ومناولة السائل بيدي. (3) في المصدر: كان في رسول الله صلى الله عليه وآله. (4) ولا شجر خ ل، وهو الموجود في المصدر. (5) ثابت عن أنس خ ل، أقول: في المصدر أيضا ثابت بن أنس بن مالك، والظاهر أنه مصحف والصحيح ثابت عن أنس، أي ثابت البنانى، عن أنس بن مالك بن النضر الانصاري المدنى خادم رسول الله صلى الله عليه وآله، راجع تهذيب التهذيب 1: 376.

[ 239 ]

لاي شئ جئت ؟ قال: قلت: جئت لاسلم على يديك يا رسول الله فألقى لي كساءه ثم أقبل على أصحابه فقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله وعد رجلا إلى الصخرة، فقال: أنا لك هاهنا حتى تأتي، فاشتدت الشمس عليه، فقال له أصحابه: يا رسول الله لو أنك تحولت إلى الظل، قال: وعدته إلى (1) هاهنا، وإن لم يجئ كان منه المحشر (2). وعن عائشة قال: قلت: يا رسول الله لو (3) أنك إذا دخلت الخلاء فخرجت دخلت في أثرك فلم أر شيئا خرج منك، غير أني أجد رائحة المسك، قال: يا عايشة إنا معشر الانبياء ينبت (4) أجسادنا على أرواح أهل الجنة، فما خرج منا من شئ ابتلعته الارض. وعن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبيه، فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشا، فقال: ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف (5) فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها. وعن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله توفي ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود على ثلاثين صاعا من شعير، أخذها رزقا لعياله. وعن أبي رافع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: إذا سميتم محمدا فلا تقبحوه،


(1) المصدر خال عن لفظة إلى. (2) في المصدر: كان منه الجشر، أقول: قال الجزري في النهاية: عنه من ترك القرآن شهرين لم يقرأه فقد جشره أي تباعد عنه، يقال: جشر عن أهله أي غاب عنهم، فالمعنى وإن لم يجئ كان منه التباعد والغيبة. (3) خلى المصدر عن لفظة (لو). (4) في المصدر: بنيت أجسادنا. (5) أي في يوم حار.

[ 240 ]

ولا تجبهوه (1) ولا تضربوه، بورك لبيت فيه محمد، ومجلس فيه محمد، ورفقة فيها محمد (2). * (في جلوسه وأمر أصحابه في آداب الجلوس) * وكان صلى الله عليه واله يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة أو يسميه، فيأخذه فيضعه في حجره تكرمة لاهله، فربما بال الصبي عليه، فيصيح بعض من رآه حين بال (3)، فيقول صلى الله عليه واله: لا تزرموا بالصبي، فيدعه حتى يقضي بوله، ثم يفرغ له من دعائه أو تسميته ويبلغ سرور أهله فيه، ولا يرون أنه يتأذى ببول صبيهم، فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعد. ودخل رجل المسجد وهو جالس وحده فتزحزح له (4)، فقال الرجل: في المكان سعة يا رسول الله، فقال صلى الله عليه واله: إن حق المسلم على المسلم إذا رآه يريد الجلوس إليه أن يتزحزح له. وروي أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: من أحب أن يمثل له الرجال فليتبوء مقعده في النار (5). وقال صلى الله عليه واله: لا تقوموا كما تقوم الاعاجم بعضهم لبعض (6) وروي عن أبي عبد الله عليه السلام من كتاب المحاسن قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله: إذا دخل منزلا قعد في أدنى المجلس حين يدخل. وعنه عليه السلام قال: كان رسول الله أكثر ما يجلس تجاه القبلة. وروي عنه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: إذا أتى أحدكم مجلسا فليجلس حيث ما انتهى مجلسه.


(1) أي لا تردوه عن حاجته. (2) مكارم الاخلاق: 22 - 25. (3) في نسخة من المصدر: حين يبول. (4) أي تباعد وتنحى له. (5) من النار خ ل. (6) في المصدر بعد ذلك: ولا بأس بأن يتخلل عن مكانه (موضعه خ ل).

[ 241 ]

وروي أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: إذا قام أحدكم من مجلسه منصرفا فليسلم، فليس الاولى (1) بأولى من الاخرى. وروي عنه عليه السلام أنه قال: إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع فهو أولى بمكانه. وروي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: أعطوا المجالس حقها، قيل: وما حقها ؟ قال: غضوا أبصاركم، وردوا السلام، وارشدوا الاعمى، وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر. عن أبي أمامة قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا جلس جلس القرفصآء. من كتاب المحاسن: وكان النبي صلى الله عليه واله يجلس ثلاثا: يجلس القرفصآء وهي أن يقيم ساقيه، ويستقبلهما (2) بيديه فيشد يده في ذراعه، وكان يجثو على ركبتيه، وكان يثني رجلا واحدة ويبسط عليها الاخرى، ولم ير متربعا قط، وكان يجثو على ركبتيه ولا يتكئ (3). * (في صفة أخلاقه في مطعمه) * من كتاب مواليد الصادقين كان رسول الله صلى الله عليه واله يأكل كل الاصناف من الطعام، وكان يأكل ما أحل الله له، مع أهله وخدمه إذا أكلوا، ومع من يدعوه من المسلمين على الارض، وعلى ما أكلوا عليه، ومما أكلوا، إلا أن ينزل به ضيف فيأكل مع ضيفه، وكان أحب الطعام إليه ما كان على ضفف (4)، ولقد قال ذات يوم وعنده أصحابه: " اللهم إنا نسألك من فضلك ورحمتك اللذين لا يملكهما غيرك " فبيناهم كذلك إذ اهدي إلى النبي صلى الله عليه واله شاة مشوية، فقال: خذوا هذا من فضل الله، ونحن ننتظر رحمته، وكان صلى الله عليه واله إذا وضعت المائدة بين يديه قال: " بسم الله اللهم اجعلها نعمة مشكورة تصل (5) بها نعمة الجنة " وكان


(1) في المصدر: فليست الاولى. (2) في المصدر: ويستقلهما (يستقلبهما خ ل) بيديه، فيشد يده في ذراعيه. قوله: يجثو أي يجلس على ركبتيه. (3) مكارم الاخلاق: 25 و 26. (4) ذكر المصنف فيما يأتي لها معاني، ويمكن أن يكون المعنى كان احب الطعام إليه ما كان عن حاجة فلا يأكل مع الشبع وعدم الميل والحاجة. (5) في المصدر: نصل.

[ 242 ]

كثيرا إذا جلس يأكل ما بين يديه، ويجمع ركبتيه وقدميه (1)، كما يجلس المصلي في اثنتين، إلا أن الركبة فوق الركبة، والقدم على القدم، ويقول صلى الله عليه واله: أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أكل رسول الله صلى الله عليه واله متكئا منذ بعثه الله عزوجل نبيا حتى قبضه الله إليه، متواضعا لله عزوجل، وكان صلى الله عليه واله إذا وضع يده في الطعام قال: بسم الله بارك لنا (2) فيما رزقتنا وعليك خلفه. من مجموع أبي، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام إن رسول الله صلى الله عليه واله كان إذا أفطر قال: اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبله منا، ذهب الظمآء، وابتلت العروق، وبقي الاجر. وقال: وكان رسول الله صلى الله عليه واله إذا أكل عند قوم قال: أفطر عندكم الصائمون، و أكل طعامكم الابرار. وقال: دعوة الصائم يستجاب عند إفطاره. وقد جاءت الرواية أن النبي صلى الله عليه واله كان يفطر على التمر، وكان إذا وجد السكر أفطر عليه (3). عن الصادق عليه السلام أن النبي صلى الله عليه واله كان يفطر على الحلو، فإذا لم يجد يفطر على الماء الفاتر، وكان يقول: إنه ينقي الكبد والمعدة، ويطيب النكهة والفم، ويقوي الاضراس والحدق، ويحدد الناظر (4)، ويغسل الذنوب غسلا، ويسكن العروق الهائجة والمرة الغالبة، ويقطع البلغم، ويطفئ الحرارة عن المعدة، ويذهب بالصداع. وكان صلى الله عليه واله لا يأكل الحار حتى يبرد، ويقول: إن الله لم يطعمنا نارا، إن الطعام الحار غير ذي بركة فأبردوه.


(1) في نسخة من المصدر: وكان كثيرا إذا جلس ليأكل يجمع ركبتيه وقدميه. (2) في المصدر: بسم الله اللهم بارك لنا. (3) مكارم الاخلاق: 26 و 27. (4) من حددت السكين: رققت حده، ثم يقال لكل ما دق في نفسه من حيث الخلقة أو من حيث المعنى كالبصر والبصيرة حديد، فيقال: هو حديد النظر وحديد الفهم، قال عزوجل: " فبصرك اليوم حديد ".

[ 243 ]

وكان صلى الله عليه واله إذا أكل سمى ويأكل بثلاث أصابع ومما يليه، ولا يتناول من بين يدي غيره، ويؤتى بالطعام فيشرع قبل القوم ثم يشرعون، وكان يأكل بأصابعه الثلاث: الابهام، والتي يليها (1)، والوسطى، وربما استعان بالرابعة، وكان صلى الله عليه وآله يأكل بكفه كلها، ولم يأكل بإصبعين، ويقول: إن الاكل بإصبعين هو أكلة الشيطان. ولقد جاءه بعض أصحابه يوما بفالوذج فأكل منه، وقال: مم هذا يا أبا عبد الله ؟ فقال: بأبي أنت وامي نجعل السمن والعسل في البرمة (2) ونضعها على النار، ثم نغليه، ثم نأخذ مخ الحنطة إذا طحنت فنلقيه على السمن والعسل، ثم نسوطه (3) حتى ينضج، فيأتي كما ترى، فقال صلى الله عليه واله: إن هذا الطعام طيب. ولقد كان يأكل الشعير إذا كان غير منخول (4) خبزا أو عصيدة (5) في حالة كل ذلك كان يأكل صلى الله عليه واله (6). ومن كتاب روضة الواعظين: قال العيص بن القاسم: قلت للصادق عليه السلام: حديث يروى عن أبيك عليه السلام: أنه قال: ما شبع رسول الله صلى الله عليه واله من خبز بر قط أهو صحيح ؟ فقال: لا، ما أكل رسول الله صلى الله عليه واله خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير قط (7). وقالت عايشة: ما شبع رسول الله صلى الله عليه واله من خبز الشعير يومين حتى مات. وروي أن رسول الله صلى الله عليه واله لم يأكل على خوان قط حتى مات، ولا أكل خبزا مرققا حتى مات. وقالت عايشة: ما زالت الدنيا علينا عسرة كدرة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه واله، فلما


(1) في المصدر: والتى تليها. (2) البرمة: القدر من الحجر. (3) أي نخلطه. (4) في المصدر: ولقد كان يأكل الشعير غير منخول. (5) العصيدة: دقيق بلت بالسمن ويطبخ. (6) في المصدر: كان يأكله صلى الله عليه وآله. (7) مكارم الاخلاق: 28.

[ 244 ]

قبض صبت الدنيا علينا صبا. ومن كتاب النبوة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما زال طعام رسول الله صلى الله عليه واله الشعير حتى قبضه الله إليه. عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يجيب دعوة المملوك، ويردفه خلفه، ويضع طعامه على الارض، وكان يأكل القثاء بالرطب، والقثاء بالملح، وكان يأكل الفاكهة الرطبة، وكان أحبها إليه البطيخ والعنب، وكان يأكل البطيخ بالخبز، وربما أكل بالسكر، وكان صلى الله عليه واله ربما أكل البطيخ بالرطب فيستعين باليدين جميعا. ولقد جلس يوما يأكل رطبا فيأكل بيمينه (1)، وأمسك النوى بيساره، ولم يلقه في الارض، فمرت به شاة قريبة منه فأشار إليها بالنوى الذي في كفه فدنت إليه وجعلت تأكل من كفه اليسرى، ويأكل هو بيمينه، ويلقي إليها النوى حتى فرغ، وانصرفت الشاة حينئذ. وكان صلى الله عليه واله إذا كان صائما يفطر على الرطب في زمانه، وكان ربما أكل العنب حبة حبة، وكان صلى الله عليه واله ربما (2) أكله خرطا (3) حتى ترى روال على لحيته كتحدر اللؤلؤ. والروال: الماء الذي يخرج من تحت القشر (4). وكان صلى الله عليه واله يأكل الحيس، وكان صلى الله عليه واله يأكل التمر ويشرب عليه الماء، وكان التمر والماء أكثر طعامه، وكان يتمجع اللبن والتمر ويسميهما الاطيبين، وكان يأكل العصيدة من الشعير بإهالة الشحم، وكان صلى الله عليه واله يأكل الهريسة أكثر ما يأكل، ويتسحر بها، وكان جبرئيل قد جاءه بها من الجنة يتسحر بها (5)، وكان يأكل في بيته مما يأكل


(1) في المصدر: يأكل بيمينه. (2) وربما خ ل. (3) خرط العنقود: وضعه في فيه وأخرج عمشوشه عاريا، والعمشوش: العنقود اكل بعض ما عليه. (4) مكارم الاخلاق: 29 و 30. (5) في المصدر: فتسحر بها.

[ 245 ]

الناس، وكان صلى الله عليه واله يأكل اللحم طبيخا بالخبز (1)، ويأكله مشويا بالخبز، وكان يأكل القديد وحده، وربما أكله بالخبز، وكان أحب الطعام إليه اللحم، ويقول: هو يزيد في السمع والبصر، وكان يقول صلى الله عليه واله: اللحم سيد الطعام في الدنيا والآخرة، فلو سألت (2) ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل، وكان يأكل الثريد بالقرع (3) واللحم، وكان يحب القرع ويقول: إنها شجرة أخي يونس، وكان صلى الله عليه واله يعجبه الدبا (4) ويلتقطه من الصحفة، وكان صلى الله عليه واله يأكل الدجاج ولحم الوحش ولحم الطير الذي يصاد، وكان لا يبتاعه ولا يصيده، ويحب أن يصاد له ويؤتى به مصنوعا فيأكله، أو غير مصنوع فيصنع له فيأكله، وكان إذا أكل اللحم لم يطأطئ رأسه إليه، ويرفعه إلى فيه، ثم ينتهسه انتهاسا (5)، وكان يأكل الخبز والسمن، وكان يحب من الشاة الذراع والكتف، ومن الصباغ الخل، ومن البقول الهندبا، والبادروج، وبقلة الانصار، ويقال: إنها الكرنب، وكان صلى الله عليه واله لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث ولا العسل الذي فيه المغافير، والمغافير: ما يبقى من الشجر في بطون النحل فيلقيه في العسل فيبقى له ريح في الفم، وما ذم رسول الله صلى الله عليه واله طعاما قط، كان إذا أعجبه أكله، وإذا كرهه تركه، وكان صلى الله عليه واله ما عاف من شئ، فإنه لا يحرمه على غيره (6)، ولا يبغضه إليه، وكان صلى الله عليه واله يلحس الصحفة ويقول: آخر الصحفة أعظم الطعام بركة، وكان صلى الله عليه واله إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه الثلاث التي أكل بها، فإن بقي فيها شئ عاوده فلعقها حتى يتنظف (7)، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها واحدة واحدة، ويقول: لا يدري في أي الاصابع البركة، وكان صلى الله عليه واله يأكل البرد (8) ويتفقد


(1) وبالخبز خ ل. (2) في المصدر: ولو سألت. (3) القرع: نوع من اليقطين يقال له بالفارسية: كدو. (4) الدبى: أصغر الجراد، والدباء بضم الفاء وتشديد الباء والمد، وقيل: يجوز القصر أيضا: القرع، وقيل: الدباء أعم لان القرع لا يطلق إلا على الرطب، وقيل: الدباء هو اليابس منه. (5) في نسخة من المصدر: ينتهشه انتهاشا. (6) في نسخة من المصدر: وكان صلى الله عليه وآله إذا عاف شيئا لا يحرمه على غيره. (7) في المصدر: حتى تتنظف. (8) البرد: ماء الغمام يتجمد في الهواء البارد ويسقط على الارض حبوبا، يقال له بالفارسية: تكرگ

[ 246 ]

ذلك أصحابه فيلتقطونه له فيأكله، ويقول: إنه يذهب باكلة الاسنان، وكان صلى الله عليه واله يغسل يديه من الطعام حتى ينقيهما، فلا يوجد لما أكل ريح، وكان صلى الله عليه واله إذا أكل الخبز واللحم خاصة غسل يديه غسلا جيدا، ثم مسح بفضل الماء الذي في يده وجهه، و كان صلى الله عليه واله لا يأكل وحده ما يمكنه، وقال: ألا انبئكم بشراركم ؟ قالوا: بلى، قال: من أكل وحده، وضرب عبده، ومنع رفده (1). * (في صفة أخلاقه في مشربه صلى الله عليه وآله) * وكان صلى الله عليه واله إذا شرب بدأ فسمى، وحسا (2) حسوة وحسوتين، ثم يقطع فيحمد الله، ثم يعود فيسمي، ثم يزيد في الثالثة، ثم يقطع فيحمد الله، وكان له في شربه ثلاث تسميات، وثلاث تحميدات، ويمص الماء مصا، ولا يعبه (3) عبا، ويقول: إن الكباد من العب، وكان صلى الله عليه واله لا يتنفس في الاناء إذا شرب، فإن أراد أن يتنفس أبعد الاناء عن فيه حتى يتنفس، وكان ربما شرب بنفس واحد حتى يفرغ، وكان صلى الله عليه واله يشرب في أقداح القوارير التي يؤتى بها من الشام، ويشرب في الاقداح التي يتخذ من الخشب، وفي الجلود، ويشرب في الخزف، ويشرب بكفيه، يصب الماء فيهما ويشرب، ويقول: ليس إناء أطيب من اليد، ويشرب من أفواه القرب والاداوي، ولا يختنثها اختناثا، ويقول: إن اختناثها ينتنها، وكان صلى الله عليه واله يشرب قائما، وربما شرب (4) راكبا، وربما قام فشرب من القربة أو الجرة أو الاداوة، وفي كل إناء يجده وفي يديه، وكان صلى الله عليه واله يشرب الماء الذي حلب عليه اللبن، ويشرب السويق. وكان صلى الله عليه واله أحب الاشربة إليه الحلو، وفي رواية أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه واله الحلود البارد، وكان يشرب الماء على العسل، وكان يماث (5) له الخبز فيشربه أيضا، و


(1) مكارم الاخلاق: 30 - 32. (2) حسا الشئ: شربه شيئا بعد شئ. (3) تقدم معناهما. (4) في المصدر: يشرب. (5) أي يخلط.

[ 247 ]

كان صلى الله عليه واله يقول: سيد الاشربة في الدنيا والآخر الماء. وقال أنس بن مالك: كانت لرسول الله صلى الله عليه واله شربة يفطر عليها، وشربة للسحر، و ربما كانت واحدة، وربما كانت لبنا، وربما كانت الشربة خبزا يماث، فهيأتها له صلى الله عليه واله ذات ليلة فاحتبس النبي صلى الله عليه واله فظننت أن بعض أصحابه دعاه، فشربتها حين احتبس، فجاء صلى الله عليه واله بعد العشاء بساعة، فسألت بعض من كان معه هل كان النبي صلى الله عليه واله أفطر في مكان أودعاه أحد ؟ فقال: لا، فبت بليلة لا يعلمها إلا الله من غم (1) أن يطلبها مني النبي صلى الله عليه واله ولا يجدها فيبيت جائعا، فأصبح صائما وما سألني عنها ولا ذكرها حتى الساعة، ولقد قرب إليه إناء فيه لبن وابن عباس عن يمينه وخالد بن الوليد عن يساره، فشرب، ثم قال لعبد الله ابن عباس: إن الشربة لك، أفتأذن أن اعطي خالد بن الوليد ؟ يريد السن (2)، فقال ابن عباس: لا والله، لا اوثر بفضل رسول الله صلى الله عليه واله أحدا، فتناول ابن عباس القدح فشربه. ولقد جاءه صلى الله عليه واله ابن خولى بإناء فيه عسل ولبن، فأبى أن يشربه، فقال شربتان في شربة، وإناءان في إناء واحد ؟ فأبى أن يشربه، ثم قال: ما احرمه، ولكني أكره الفخر والحساب بفضول الدنيا غدا، واحب التواضع، فإن من تواضع لله رفعه الله (3). * (في صفة أخلاقه في الطيب والدهن ولبس الثياب،) * * (وفي غسل رأسه صلى الله عليه وآله) * وكان صلى الله عليه واله إذا غسل رأسه ولحيته غسلهما بالسدر (4). في دهنه: وكان يحب الدهن، ويكره الشعث (5)، ويقول: إن الدهن يذهب بالبؤس، كان يدهن بأصناف من الدهن، وكان إذا أدهن بدأ برأسه ولحيته، ويقول: إن


(1) في نسخة من المصدر: من خوف. (2) في نسخة من المصدر: يريد الاسن. (3) مكارم الاخلاق: 32 و 33. (4) مكارم الاخلاق: 34. (5) شعث الشعر: كان مغبرا متلبدا. (*)

[ 248 ]

الرأس قبل اللحية، وكان يدهن بالبنفسج ويقول: هو أفضل الادهان، وكان صلى الله عليه واله إذا أدهن بدأ بحاجبيه، ثم بشاربيه، ثم يدخل في أنفه ويشمه، ثم يدهن رأسه، وكان صلى الله عليه واله يدهن حاجبيه من الصداع، ويدهن شاربيه بدهن سوى دهن لحيته (1). في تسريحه: وكان صلى الله عليه واله يمتشط (2) ويرجل رأسه بالمدرى وترجله نساؤه، و تتفقد نساؤه تسريحه إذا سرح رأسه ولحيته فيأخذن المشاطة، فيقال: إن الشعر الذي في أيدي الناس من تلك المشاطات، فأما ما حلق في عمرته وحجته فإن جبرئيل عليه السلام كان ينزل فيأخذه فيعرج به إلى السماء، ولربما سرح لحيته في اليوم مرتين، وكان صلى الله عليه واله يضع المشط تحت وسادته إذا امتشط به، ويقول: إن المشط يذهب بالوباء، وكان صلى الله عليه واله يسرح تحت لحيته أربعين مرة، ومن فوقها سبع مرات، ويقول: إنه يزيد في الذهن ويقطع البلغم. وفي رواية عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: من أمر المشط على رأسه ولحيته وصدره سبع مرات لم يقاربه داء أبدا (3). في طيبه: وكان صلى الله عليه واله يتطيب بالمسك حتى يرى وبيصه في مفرقه، وكان صلى الله عليه واله يتطيب بذكور الطيب وهو المسك والعنبر، وكان صلى الله عليه واله يتطيب بالغالية تطيبه بها نساؤه بأيديهن، وكان صلى الله عليه واله يستجمر بالعود القماري (4)، وكان يعرف في الليلة المظلمة قبل أن يرى بالطيب، فيقال: هذا النبي صلى الله عليه واله. عن الصادق عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله ينفق على الطيب أكثر مما ينفق على الطعام (5).


(1) مكارم الاخلاق: 34. (2) مشط ومشط الشعر: سرحه وخلص بعضه من بعض، وامتشط مطاوع مشط. ورجل الشعر: سرحه. (3) مكارم الاخلاق: 34 و 35. (4) منسوب إلى قمار بالفتح ويروى بالكسر: موضع بالهند، ينسب إليه العود، قال ياقوت: هكذا تقوله العامة، والذى ذكره اهل المعرفة: قامرون: موضع في بلاد الهند يعرف منه العود النهاية في الجودة. (5) في نسخة من المصدر: أكثر ما ينفق على غيره.

[ 249 ]

وقال الباقر عليه السلام: كان في رسول الله صلى الله عليه واله ثلاث خصال لم يكن (1) في أحد غيره لم يكن له فئ، وكان لا يمر في طريق فيمر فيه (2) بعد يومين أو ثلاثة إلا عرف أنه قد مر فيه لطيب عرفه، وكان لا يمر بحجر ولا بشجر إلا سجد له، وكان صلى الله عليه واله لا يعرض عليه طيب إلا تطيب به، ويقول: هو طيب ريحه، خفيف محمله (3)، وإن لم يتطيب وضع إصبعه في ذلك الطيب ثم لعق منه، وكان صلى الله عليه واله يقول: جعل (4) لذتي في النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة والصوم (5). في تكحله: وكان صلى الله عليه واله يكتحل في عينه اليمنى ثلاثا، وفي اليسرى ثنتين، وقال: من شآء اكتحل ثلاثا وكل حين، ومن فعل دون ذلك أو فوقه فلا حرج، وربما اكتحل وهو صائم، وكانت له مكحلة يكتحل بها بالليل، وكان كحله الاثمد (6). في نظره في المرآة: وكان صلى الله عليه واله ينظر في المرآة، ويرجل جمته ويمتشط، وربما نطر في الماء وسوى جمته فيه، ولقد كان يتجمل لاصحابه فضلا على تجمله لاهله (7)، وقال ذلك لعايشة حين رأته ينظر في ركوة فيها ماء في حجرتها ويسوي فيها جمته، و هو يخرج إلى أصحابه، فقالت: بأبي أنت وامي تتمرأ في الركوة وتسوي جمتك وأنت النبي وخير خلقه ؟ فقال: إن الله تعالى يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمل (8). في اطلائه: وكان رسول الله صلى الله عليه واله يطلي فيطليه من يطليه حتى إذا بلغ ما تحت


(1) في المصدر: لم تكن. (2) في المصدر: فيمر فيه أحد. (3) في المصدر: خفيف حمله. (4) في نسخة من المصدر: جعل الله. (5) مكارم الاخلاق: 34 و 35. (6) مكارم الاخلاق: 36. (7) في المصدر: فضلا عن تجمله لاهلة. (8) مكارم الاخلاق: 36.

[ 250 ]

الازار تولاه بنفسه، وكان صلى الله عليه واله لا يفارقه في أسفاره قارورة الدهن والمكحلة والمقراض والمرآة والمسواك والمشط. وفي رواية: تكون معه الخيوط والابرة والمخصف والسيور (1)، فيخيط ثيابه، و يخصف نعله، وكان صلى الله عليه واله إذا استاك استاك عرضا (2). في لباسه: وكان رسول الله صلى الله عليه واله يلبس الشملة يأتزر بها (3)، ويلبس النمرة يأتزر بها، فيحسن عليه النمرة لسوادها على بياض ما يبدو من ساقيه وقدميه، وقيل: لقد قبضه الله عزوجل وأن له لنمرة تنسج في بني عبد الاشهل ليلبسها صلى الله عليه واله، وربما كان صلى الله عليه واله يصلي بالناس وهو لابس الشملة، وقال أنس: ربما رأيته يصلي بنا الظهر في شملة عاقدا طرفيها بين كتفيه (4). في عمامته وقلنسوته: وكان صلى الله عليه وآله يلبس القلانس تحت العمائم، ويلبس القلانس بغير العمائم، والعمائم بغير القلانس، وكان يلبس البرطلة، وكان صلى الله عليه واله يلبس من القلانس التيهية اليمنية، (5) ومن البيض المصرية (6)، ويلبس القلانس ذوات الآذان في الحرب، منها ما يكون من السيجان الخضر، وكان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه يصلي إليها، وكان صلى الله عليه واله كثيرا ما يتعمم العمائم (7) الخز السود في أسفاره وغيرها، ويعتجر اعتجارا وربما لم يكن (8) له العمامة فيشد العصابة على رأسه أو على جبته، و كان شد العصابة من فعاله كثيرا ما يرى عليه، وكانت له عمامة يعتم بها يقال لها: السحاب،


(1) المخصف: مخرز الاسكاف، والسيور جمع السير: قدة من الجلد مستطيلة. (2) مكارم الاخلاق: 36. (3) في المصدر: ويأتزر بها، وكذا فيما بعد. وفيه: فتحسن عليه. (4) مكارم الاخلاق: 37. (5) في المصدر: من القلانس اليمنية. (6) المضربة خ ل. (7) في المصدر: بعمائم الخز السود. (8) في المصدر: لم تكن.

[ 251 ]

فكساها عليا عليه السلام، وكان ربما طلع علي فيها، فيقول: أتاكم علي عليه السلام في السحاب (1)، يعني عمامته التي وهب له (2). وقالت عايشة: ولقد لبس رسول الله صلى الله عليه واله جبة صوف، وعمامة صوف ثم خرج فخطب الناس على المنبر، فما رأيت شيئا مما خلق الله تعالى أحسن منه فيها (3). في كيفية لبسه: وكان صلى الله عليه واله إذا لبس ثوبا جديدا قال: " الحمد لله الذي كساني ما يواري عورتي، وأتجمل به في الناس " وكان إذا نزعه نزع من مياسره أولا، وكان من فعله إذا لبس الثوب الجديد حمد الله، ثم يدعو مسكينا فيعطيه خلقانه (4)، ثم يقول: ما من مسلم يكسو مسلما من سمل ثيابه لا يكسوه إلا الله عزوجل إلا كان في ضمان الله وحرزه وحيزه ما واراه حيا وميتا (5)، وكان صلى الله عليه واله إذا لبس ثيابه واستوى قائما قبل أن يخرج قال: " اللهم بك استترت، وإليك توجهت، وبك اعتصمت، وعليك توكلت، اللهم أنت ثقتي، وأنت رجائي، اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به مني، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير حيث ما توجهت، ثم يندفع لحاجته، وكان له صلى الله عليه واله ثوبان للجمعة خاصة سوى ثيابه في غير الجمعة، وكانت له خرقة ومنديل يمسح به وجهه من الوضوء، وربما لم يكن معه المنديل فيمسح وجهه بطرف الرداء الذي يكون عليه (6). في خاتمه: وكان صلى الله عليه واله لبس خاتما من فضة وكان فصه حبشي (7)، فجعل الفص مما يلي بطن الكف، ولبس خاتما من حديد ملويا عليه فضة، أهداها له معاذ بن جبل، فيه " محمد رسول الله " ولبس رسول الله (8) خاتمه في يده اليمنى، ثم نقله إلى شماله،


(1) في نسخة من المصدر: تحت السحاب. (2) في نسخة من المصدر: وهبها له. (3) مكارم الاخلاق: 37 و 38. (4) في نسخة من المصدر: فيعطيه القديم. (5) في نسخة من المصدر: وخيره (حيزه) وأمانه حيا وميتا. (6) مكارم الاخلاق: 38. (7) هكذا في نسخة المصنف، والصحيح كما في المصدر: وكان فصه حبشيا. (8) خلى المصدر عن قوله: رسول الله صلى الله عليه وآله. وكذا فيما بعده.

[ 252 ]

وكان خاتمه الآخر الذي قبض وهو في يده خاتم فضة، فصه فضة ظاهرا، كما يلبس الناس خواتيمهم، وفيه " محمد رسول الله " وكان رسول الله صلى الله عليه واله يستنجي بيساره وهو فيها (1). ويروى أنه لم يزل كان في يمينه إلى أن قبض، وكان صلى الله عليه واله ربما جعل خاتمه في إصبعه الوسطى في المفصل الثاني منها، وربما لبسه كذلك في الاصبع التي تلي الابهام، وكان ربما خرج على أصحابه وفي خاتمه خيط مربوط ليستذكر به الشئ، وكان صلى الله عليه واله يختم بخواتيمه على الكتب، ويقول: الخاتم على الكتاب حرز من التهمة (2). في نعله: وكان صلى الله عليه وآله يلبس النعلين بقبالتين، وكانت مخصرة معقبة حسنة التخصير مما يلي مقدم العقب، مستوية ليست بملسنة، وكان منها ما يكون في موضع الشئ الخارج قليلا، وكان كثيرا ما يلبس السبتية التي ليس لها شعر، وكان إذا لبس بدأ باليمنى، وإذا خلع بدأ باليسرى، وكان يأمر بلبس النعلين جميعا، وتركهما جميعا، كراهة أن يلبس واحدة دون اخرى، وكان يلبس من الخفاف من كل ضرب (3). في فراشه: الذي قبض (4) وهو عنده من أسمال (5) وادي القرى، محشوا وبرا، وقيل: كان طوله ذراعين أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر. عن علي عليه السلام: كان فراش رسول الله صلى الله عليه واله عباءة، وكانت مرفقته ادم حشوها ليف، فثنيت ذات ليلة، فلما أصبح قال: لقد منعني الليلة الفراش الصلاة، فأمر عليه السلام أن يجعل بطاق واحد. وكان له فراش من ادم حشوه ليف، وكانت له صلى الله عليه واله عباءة تفرش له حيثما انتقل،


(1) فيه غرابة ظاهرة، ولعله من طرق العامة وقد ورد من أئمة أهل البيت عليهم السلام آثار على خلافه، راجع كتاب وسائل الشيعة. (2) مكارم الاخلاق: 38 و 39. (3) مكارم الاخلاق: 39. (4) في المصدر: في فراشه: وكان فراشه صلى الله عليه وآله الذي قبض. (5) في المصدر: أشمال. ولعله الصحيح.

[ 253 ]

وتثني ثنتين، وكان صلى الله عليه واله كثيرا ما يتوسد وسادة له من ادم حشوها ليف، ويجلس عليها، وكانت له قطيفة فدكية يلبسها يتخشع بها، وكانت له قطيفة مصرية قصيرة الخمل، وكان له بساط من شعر يجلس عليه، وربما صلى عليه (1). في نومه: وكان ينام على الحصير ليس تحته شئ غيره، وكان يستاك إذا أراد أن ينام ويأخذ مضجعه، وكان صلى الله عليه واله إذا آوى إلى فراشه اضطجع على شقه الايمن، و وضع يده اليمنى تحت خده الايمن ثم يقول: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك (2). في دعائه عند مضجعه: وكان له أصناف من الاقاويل يقولها إذا أخذ مضجعه: فمنها أنه كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، اللهم إني لا أستطيع أن أبلغ في الثنآء عليك ولو حرصت، أنت كما أثنيت على نفسك " وكان صلى الله عليه واله يقول عند منامه: بسم الله اموت وأحيا، وإلى الله المصير، اللهم آمن روعتي، واستر عورتي، وأد عني أمانتي. ما يقول عند نومه: كان صلى الله عليه وآله يقرء آية الكرسي عند منامه، ويقول: أتاني جبرئيل فقال: يا محمد إن عفريتا من الجن يكيدك في منامك فعليك بآية الكرسي. عن أبي جعفر عليه السلام (3) قال: ما استيقظ رسول الله صلى الله عليه واله من نوم قط إلا خر لله عزوجل ساجدا. وروي أنه صلى الله عليه واله لا ينام (4) إلا والسواك عند رأسه، فإذا نهض بدأ بالسواك، و قال صلى الله عليه واله: لقد امرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي، وكان صلى الله عليه واله: مما يقول إذا استيقظ: " الحمد لله الذي أحياني بعد موتي، إن ربي لغفور شكور " وكان يقول صلى الله عليه واله: " اللهم إني أسألك خير هذا اليوم ونوره وهداه وبركته وطهوره ومعافاته، اللهم إني


(1) مكارم الاخلاق: 39 و 40. (2) مكارم الاخلاق: 40. (3) في المصدر: ما يقول عند استيقاظه: عن أبي جعفر عليه السلام إه‍. (4) في المصدر: كان لا ينام.

[ 254 ]

أسألك خيره وخير ما فيه، وأعوذ بك من شره وشر ما بعده (1) ". في سواكه: وكان صلى الله عليه وآله يستاك كل ليلة ثلاث مرات: مرة قبل نومه، ومرة إذا قام من نومه إلى ورده، ومرة قبل خروجه إلى صلاة الصبح، وكان يستاك بالاراك، أمره بذلك جبرئيل عليه السلام. وعن الصادق عليه السلام قال: إني لاكره للرجل أن يموت وقد بقيت خلة من خلال رسول الله صلى الله عليه واله لم يأت بها (2). بيان: قوله: وهو مغذ أي مسرع، من قولهم: أغذ إغذاذا: إذا أسرع في السير. والقد بالفتح: جلد السخلة الماعزة، وبالكسر: سير يقد من جلد غير مدبوغ. والقديد: اللحم المقدد، وفي النهاية: فيه كانوا يأكلون القد يريد جلد السخلة في الجدب انتهى. والجبذ: الجذب، والنجدة: الشجاعة، وقال الجزري: فيه لو تعلمون ما في هذه الامة من الموت الاحمر، يعني القتل، لما فيه من حمرة الدم أو لشدته، يقال: موت أحمر، أي شديد، ومنه حديث علي عليه السلام: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه واله أي إذا اشتدت الحرب استقبلنا العدو به وجعلناه لنا وقاية، وقيل: أراد إذا اضطرمت نار الحرب وتسعرت، كما يقال في الشر بين القوم: اضطرمت نارهم، تشبيها بحمرة النار، وكثيرا ما يطلقون الحمرة على الشدة، وقال: وفيه إنه ركب فرسا لابي طلحة فقال: إن وجدناه لبحرا، أي واسع الجري، وسمي البحر بحرا لسعته انتهى. قوله صلى الله عليه واله: لن تراعوا، هو من الروع بمعنى الفزع، وقال الجزري: في صفته صلى الله عليه واله إذا سر فكأن وجهه المرآة، وكان الجدر تلاحك وجهه، الملاحكة: شدة الملائمة، أي يرى شخص الجدر في وجهه، وقال الجوهري: الدارة: التي حول القمر، وهي الهالة قوله: فيزجي الضعيف، أي يسوقه ليلحقه بالرفاق، والناضح: البعير الذي يستقى عليه. قوله: جالت يده، أي أخذ من كل جانب. قوله: لا تزرموا بالصبي، من باب الافعال، أي لا تقطعوا عليه بوله، ومثل الرجل يمثل مثولا: إذا انتصب قائما، وقال الجزري: فيه أنه لم يشبع من خبز ولحم إلا على ضفف، الضفف: الضيق والشدة، أي لم يشبع منها إلا عن ضيق، وقيل:


(1 و 2) مكارم الاخلاق: 40 و 41.

[ 255 ]

الضفف: اجتماع الناس، يقال: ضف القوم على الماء يضفون ضفا وضففا، أي لم يأكل خبزا ولحما وحده، ولكن يأكل مع الناس، وقيل: الضفف أن تكون الاكلة أكثر من مقدار الطعام، والخفف: أن يكونوا بمقداره، وقال: الحيس هو الطعام المتخذ من التمر والاقط والسمن، وقد يجعل عوض الاقط الدقيق، أو الفتيت، وقال: كل شئ مما يؤتدم به إهالة، وقيل: هو ما اذيب من الالية والشحم. وقال: النهس: أكل اللحم بأطراف الاسنان، والنهش: الاخذ بجميعها، وقال الفيروزآبادي بقلة الانصار الكرنب، والكرنب بالضم وكسمند: السلق، أو نوع منه أحلى، والكباد بالضم: وجع الكبد، وقال الجزري: فيه نهي عن اختناث الاسقية، خنثت السقاء: إذا ثنيت فمه إلى خارج وشربت منه، وقال: المدرى: شئ يعمل من حديد، أو خشب على شكل سن من أسنان المشط وأطول منه يسرح به الشعر الملبد، ويستعمله من لا مشط له انتهى. والمشاطة بالضم: الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط، والوباء بالقصر والمد: الطاعون والمرض العام. والوبيص بالمهملة: البريق. وقال الجزري في حديث عايشة إنه كان يتطيب بذكارة الطيب، الذكارة بالكسر: ما يصلح للرجل كالمسك والعنبر والعود، وهي جمع ذكر، والذكورة مثله، ومنه الحديث كانوا يكرهون المؤنث من الطيب، ولا يرون بذكورته بأسا، هو ما لا لون له كالعود والكافور والعنبر، والمؤنث: طيب النساء كالخلوق والزعفران انتهى. والاثمد بالكسر (1): حجر الكحل: وقال الجزري فيه لا يتمرأ (2) أحدكم في الدنيا، أي لا ينظر فيها، هو يتفعل من الرؤية، والميم زائدة، وفي القاموس: الشملة بالفتح: كساء دون القطيفة يشتمل به، وقال: النمرة كفرحة: شملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف تلبسها الاعراب انتهى. والبرطلة: قلنسوة طويلة، والساج: الطيلسان الاخضر، والجمع سيجان، واعتجار العمامة: هو أن يلفها على رأسه، ويرد طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه،


(1) بكسر الهمزة والميم وبضمهما. (2) الموجود في النهاية هكذا: وفيه لا يتمر أي أحدكم في الدنيا، أي لا ينظر فيها، وهو ينفعل من الرؤية، والميم زائدة، وفي رواية: لا يتمرأ احدكم بالدنيا، من الشئ المرئ.

[ 256 ]

والسمل بالتحريك: الخلق من الثياب، وقال الجزري: في حديث خاتم النبي صلى الله عليه واله فيه فص حبشي، يحتمل أنه أراد من الجزع أو العقيق لان معدنهما اليمن والحبشة، أو نوعا آخر ينسب إليهما (1). قوله: وهو فيها، حمل على التقية، أو على أنه من موضوعات العامة، وربما حمل على بيان الجواز، وكذا الاستذكار إما من الموضوعات، أو محمول على أنه صلى الله عليه واله إنما فعله للتعليم، والقبال بالكسر: زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الاصبعين، قوله: مخصرة أي مستدقة الوسط. والمعقبة هي التي لها نتو من عقبه من جهة الفوق، ويحتمل من جهة التحت على بعد، والملسنة كمعظمة: ما فيها طول ولطافة كهيئة اللسان. قال الزمخشري في الفائق: فيه أن نعله صلى الله عليه واله كانت معقبة مخصرة ملسنة، أي مصيرا لها عقب مستدقة الخصر، وهو وسطها، مخرطة الصدر، مرققته من أعلاه على شكل اللسان انتهى. قوله: وكان منها، لعل المعنى أن بعضها كانت ملسنة لكن قليلا، وقال الجوهري السبت بالكسر: جلود البقر المدبوغة بالقرظ (2) يحذي منه النعال السبتية. 36 - جا: أبو غالب الزراري، عن محمد بن سليمان، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد ابن يحيى الخزاز، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق، عن أبيه، عن جده عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا خطب حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأفضل الهدى هدى محمد صلى الله عليه واله، وشر الامور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ويرفع صوته، وتحمار وجنتاه، ويذكر الساعة وقيامها، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحتكم الساعة، مستكم الساعة ثم يقول: " بعثت أنا والساعة كهاتين - ويجمع بين سبابتيه - من ترك مالا فلاهله، ومن ترك دينا فعلي وإلي (3). 37 - مكا: في كتاب مواليد الصادقين قال: محمد بن إبراهيم الطالقاني: وخبرت


(1) إليها خ ل. (2) قرظ: ورق السلم يدبغ به. (3) مجالس المفيد: 123.

[ 257 ]

أنه اعتزل صلى الله عليه واله نسائه في مشربة، والمشربة (1)، العلية، فدخل عليه عمرو في البيت اهب عطنة وقرظ، والنبي صلى الله عليه واله نائم على حصير قد أثر في جنبه، فوجد عمر ريح الاهب، فقال: يا رسول الله ما هذه الريح (2) ؟ قال: يا عمر هذا متاع الحي، فلما جلس النبي صلى الله عليه واله قد أثر (3) الحصير في جنبه، فقال عمر: أما أنا فأشهد أنك رسول الله، ولانت أكرم على الله من قيصر وكسرى، وهما فيما هما فيه من الدنيا، وأنت على الحصير قد أثر في جنبك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة (4). بيان: العلية بضم العين، وتشديد اللام المكسورة، واليآء: الغرفة، وقال الجوهري: الاهب بضم الهمزة والهاء وبفتحهما جمع إهاب وهو الجلد، وقيل: إنما يقال للجلد: إهاب قبل الدبغ، فأما بعده فلا، والعطنة: المنتنة التي هي في دباغها انتهى. والقرظ بالتحريك: ورق السلم يدبغ به. 38 - فر: جعفر بن أحمد معنعنا عن محمد بن كعب القرظي قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يتحارسه أصحابه، فأنزل الله تعالى إليه: " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك " إلى آخر الآية، قال: فترك الحرس حين أخبره الله تعالى أنه يعصمه من الناس بقوله: " والله يعصمك من الناس (5) ". 39 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي الحسن الانباري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يحمد الله في كل يوم ثلاث مأة وستين مرة، عدد عروق الجسد، يقول: الحمد لله رب العالمين كثيرا على كل حال (6).


(1) في المصدر: وروى أنه اعتزل نساءا في مشربة له شهرين. (2) في المصدر: ما هذه الاهب. (3) كان قد أثر خ ل وفي المصدر: وكان. (4) مكارم الاخلاق: 150 و 151. (5) تفسير فرات: 37. (6) اصول الكافي 2: 503.

[ 258 ]

40 - كا: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه واله كان لا يقوم من مجلس وإن خف حتى يستغفر الله عزوجل خمسا وعشرين مرة (1). 41 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يستغفر الله عزوجل كل يوم سبعين مرة، ويتوب إلى الله سبعين مرة (2). 42 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان، عن ابن ميمون (3) القداح، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إني لاعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن (4). 43 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخل يهودي على رسول الله صلى الله عليه واله وعايشة عنده، فقال: السام (5) عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: عليك، ثم دخل آخر فقال: مثل ذلك فرد عليه كما رد على صاحبه، ثم دخل آخر فقال: مثل ذلك، فرد رسول الله صلى الله عليه واله كما رد على صاحبه (6)، فغضبت عايشة فقالت: عليكم السام (7) والغضب واللعنة يا معشر اليهود، يا إخوة القردة والخنازير، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: يا عايشة إن الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء، إن الرفق لم يوضع على شئ قط إلا زانه، ولم يرفع عنه قط إلا شانه، قال: قالت: يا رسول الله أما سمعت إلى قولهم: السام عليكم ؟ فقال: بلى، أما سمعت ما رددت عليهم ؟ قلت: عليكم، فإذا سلم عليكم مسلم فقولوا: السلام عليكم، وإذا سلم


(1) اصول الكافي 2: 504. (2) اصول الكافي 2: 504 و 505. (3) في المصدر: ميمون القداح، وصححه الاردبيلى في جامع الروات. (4) اصول الكافي 2: 632، وللحديث صدر تركه المصنف. (5) السام: الموت. (6) صاحبيه خ ل وهو الموجود في المصدر. (7) في المصدر: السام عليك.

[ 259 ]

عليكم كافر فقولوا عليك (1). 44 - كا: العدة، عن البرقي، عن النوفلي، عن عبد العظيم بن عبد الله العلوي رفعه قال: كان النبي صلى الله عليه واله يجلس ثلاثا: القرفصآء وهو أن يقيم ساقيه: ويستقبلهما بيديه ويشد يده في ذراعه، وكان يجثو على ركبتيه، وكان يثني رجلا واحدة، ويبسط عليها الاخرى، ولم ير صلى الله عليه واله متربعا قط (2). 45 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام فقلت: جعلت فداك الرجل يكون مع القوم فيجري بينهم كلام (3) يمزحون ويضحكون، فقال: لا بأس ما لم يكن، فظننت أنه عنى الفحش، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان يأتيه الاعرابي فيهدي له الهدية، ثم يقول مكانه: أعطنا ثمن هديتنا، فيضحك رسول الله صلى الله عليه واله، وكان إذا اغتم يقول: ما فعل الاعرابي ليته أتانا (4). 46 - كا: الحسن بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رأى رسول الله صلى الله عليه واله امرأة فأعجبته، فدخل على ام سلمة (5) وكان يومها فأصاب منها، وخرج إلى الناس ورأسه يقطر، فقال: أيها الناس إنما النظر من الشيطان، فمن وجد من ذلك شيئا فليأت أهله (6). بيان: لعله صلى الله عليه واله إنما فعل ذلك وأظهر لتعليم غيره (7). 47 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن جميل بن دراج،


(1) اصول الكافي 2: 648. (2) اصول الكافي 2: 661. (3) كلاما خ ل أقول: هو مصحف. (4) اصول الكافي 2: 663. (5) إلى ام سلمة خ ل. (6) الكافي 2: 664. (7) ومع ذلك محمول على ما لم يمكن الصبر وخاف الوقوع في حرام، والا فلعله يكره اتيان أهله في هذا الحال، لروايات مذكورة في محله.

[ 260 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يقسم لحظاته بين أصحابه، فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية، قال: ولم يبسط رسول الله صلى الله عليه واله رجليه بين أصحابه قط، وإن كان ليصافحه الرجل فما يترك رسول الله صلى الله عليه واله يده من يده حتى يكون هو التارك، فلما فطنوا لذلك كان الرجل إذا صافحه قال (1) بيده فنزعها من يده (2). 48 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه واله: ما زال جبرئيل يوصيني بالسواك حتى خفت أن اخفي أو ادرد (3). بيان: قال الجزري: فيه لزمت السواك حتى كدت اخفي فمي، أي استقصي على أسناني فأذهبها بالتسوك، وقال: فيه لزمت السواك حتى خشيت أن يدردني، أي يذهب بأسناني، والدرد: سقوط الاسنان. 49 - كا: العدة، عن البرقي، وعلي، عن أبيه جميعا عن الاصفهاني، عن المنقري، عن سفيان بن عتيبة (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام إن النبي صلى الله عليه واله قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، وعلي أولى به من بعدي، فقيل له: ما معنى ذلك ؟ فقال: قول النبي صلى الله عليه واله: من ترك دينا أو ضياعا فعلي، ومن ترك مالا فلورثته، فالرجل ليست عليه على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال، وليس له على عياله أمر ولا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة، والنبي وأمير المؤمنين ومن بعدهما ألزمهم هذا، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم، وما كان سبب إسلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول الله صلى الله عليه واله، وإنهم آمنوا على


(1) حكى الفيروزآبادي في القاموس عن ابن الانباري أن قال يجيئ بمعنى تكلم وضرب و غلب ومات ومال واستراح وأقبل، ويعبر بها عن التهيؤ للافعال والاستعداد لها، يقال، قال فأكل، وقال: فضرب، وقال: فتكلم انتهى. أقول: ولعل المناسب في المقام المعنى الخامس أو الاخير. (2) اصول الكافي 2: 671. (3) فروع الكافي 1: 8. (4) عيينة خ ل أقول هذا هو الصحيح، وهو بضم العين المهملة ويائين فنون ثم هاء تصغير، والرجل هو سفيان بن عيينة بن أبى عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي، ترجمه النجاشي، و الكشى وابن داود في رجالهم، وابن حجر في التقريب.

[ 261 ]

أنفسهم وعلى عيالاتهم (1). بيان: قال الجزري: فيه من ترك ضياعا فإلى، الضياع: العيال، وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعا، فسمي العيال بالمصدر، وإن كسرت الضاد كان جمع ضايع كجايع وجياع انتهى. قوله عليه السلام: ليست له على نفسه ولاية، لانه إما أن يصير أجيرا لغيره فيكون لغيره عليه الولاية، أو يشتغل بسائر المكاسب وجوبا، فليس له الاشتغال بفضول الطاعات والمباحات، أو ليست له على نفسه ولاية أن يمنعها عن السؤال والطلب، أو المعنى أن الامام لما كان منفقا عليه حينئذ فله الولاية عليه، فليس له حقيقة على نفسه ولاية، أو أنه لما لم يكن له مال يجعله بضاعة للكسب فلا ولاية له على نفسه بأن يكلف نفسه الكسب، وأما عدم الامر والنهي له على عياله فلانه ليس له منعهم عن الخروج من البيت، ولا الامر بالخدمات، لانه يجب عليهم الخروج لتحصيل المعاش. 50 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئا لا يصنعه بأحد من المسلمين، كان إذا صلى على الهاشمي ونضح (2) قبره بالماء وضع رسول الله صلى الله عليه واله كفه على القبر حتى ترى أصابعه في الطين، فكان الغريب يقدم أو المسافر من أهل المدينة فيرى القبر الجديد عليه أثر كف رسول الله صلى الله عليه واله، فيقول: من مات من آل محمد ؟ صلى الله عليه واله (3). 51 - كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أكل رسول الله صلى الله عليه واله متكئا منذ بعثه الله عز وجل حتى قبض (4)، وكان يأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد، قلت: ولم ذاك ؟ قال: تواضعا لله عزوجل (5).


(1) اصول الكافي: 406. (2) نضحه: رشه. بله. (3) فروع الكافي 1: 55. (4) في المصدر: إلى أن قبضه. (5) فروع الكافي 2: 157.

[ 262 ]

52 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي المعزاء (1)، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يأكل أكل العبد، ويجلس جلسة العبد، ويعلم أنه عبد (2). 53 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة قال: سأل بشير الدهان أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر، فقال: هل كان رسول الله صلى الله عليه واله يأكل متكئا على يمينه وعلى يساره ؟ فقال: ما كان رسول الله يأكل متكئا على يمينه ولا على يساره صلى الله عليه واله، ولكن يجلس (3) جلسة العبد، قلت: ولم ذلك ؟ قال: تواضعا لله عزوجل (4). 54 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن معلى أبي عثمان (5)، عن المعلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما أكل نبي الله وهو متكئ منذ بعثه الله عزوجل، وكان يكره أن يتشبه بالملوك، ونحن لا نستطيع أن نفعل (6). 55 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يأكل


(1) هكذا في النسخة، وقد تقدم قبلا في الحديث 29: المغرا، قال المامقاني في تنقيح المقال 1: 379 المعزى بكسر الميم، وسكون العين، وفتح الزاى بعدها ألف بمعنى المعز وهو خلاف الضأن، وقد جعلها العلامة في ايضاح الاشتباه بالقصر، وابن طاووس وتلميذه ابن داود والسيد الداماد بالمد، والفرق بينهما أن الممدود يكتب بالالف كصفراء، والمقصور بالباء كحبلى، وظاهر القاموس وغيره أن القياس هو القصر لانه ذكره بالياء ثم قال: ويمد، أقول: و بالجملة فالرجل هو حميد بن المثنى العجلى الكوفي الصيرفي. (2) فروع الكافي 2: 157. (3) في المصدر: ولكن كان يجلس. (4) فروع الكافي 2: 157. (5) هذا هو الصحيح، وأما ما في بعض النسخ: معلى بن أبي عثمان فهو مصحف، لان أبا عثمان كنية معلى لا كنية أبيه، وأما اسم أبيه عثمان أو زيد على اختلاف ذكره النجاشي. (6) فروع الكافي 2: 157 و 158.

[ 263 ]

أكل العبد، ويجلس جلسة العبد، وكان يأكل على الحضيض، وينام على الحضيض (1). 56 - كا: العدة، عن البرقي، عن علي بن محمد القاساني، عن أبي أيوب سليمان بن مقبل المديني (2)، عن داود بن عبد الله بن محمد الجعفري، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه واله كان في بعض مغازيه فمر به ركب وهو يصلي، فوقفوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فسائلوهم (3) عن رسول الله صلى الله عليه واله ودعوا وأثنوا وقالوا: لو لا أنا عجال لانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وآله، فاقرأوه منا السلام ومضوا، فانفتل (4) رسول الله صلى الله عليه واله مغضبا، ثم قال لهم: يقف عليكم الركب ويسألونكم عني ويبلغوني السلام ولا تعرضون عليهم الغداء، ليعز علي قوم فيهم خليلي جعفر أن يجوزوه حتى يتغدوا عنده (5). 57 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يجعل العنزة بين يديه إذا صلى (6). بيان: قال الجوهري: العنزة بالتحريك: أطول من العصا، وأقصر من الرمح، و فيه زج كزج الرمح. 58 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان طول رحل رسول الله صلى الله عليه وآله ذراعا، وكان إذا صلى (7) وضعه بين يديه ليستتر به ممن يمر بين يديه (8). 59 - كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن


(1) فروع الكافي 2: 157. (2) في المصدر: سليمان بن مقاتل المدينى. (3) في المصدر: وسائلوهم. (4) أي فانصرف عن صلاته، وفي المصدر: فأقبل. (5) فروع الكافي 2: 158. (6) فروع الكافي 1: 81 و 82. (7) فإذا صلى خ ل. (8) فروع الكافي 1: 82.

[ 264 ]

أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله عند عايشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال: يا عايشة ألا أكون عبدا شكورا ؟ قال: وكان رسول الله صلى الله عليه واله يقوم على أطراف أصابع رجليه، فأنزل الله سبحانه: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (1). 60 - كا: العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه واله كان في سفر يسير على ناقة له، إذ نزل فسجد خمس سجدات، فلما ركب قالوا: يا رسول الله إنا رأيناك صنعت شيئا لم تصنعه، فقال صلى الله عليه واله: نعم استقبلني جبرئيل عليه السلام فبشرني ببشارات من الله عزوجل، فسجدت لله شكرا لكل بشرى سجدة (2). 61 - كا، العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن بحر السقا قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا بحر حسن الخلق يسر، ثم قال: ألا اخبرك بحديث ما هو في يدي أحد من أهل المدينة ؟ قلت: بلى، قال: بينما (3) رسول الله صلى الله عليه واله ذات يوم جالس في المسجد إذ جاءت (4) جارية لبعض الانصار وهو قائم، فأخذت بطرف ثوبه، فقام لها النبي صلى الله عليه واله فلم تقل: شيئا، ولم يقل لها النبي صلى الله عليه واله: شيئا حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فقام لها النبي صلى الله عليه واله في الرابعة وهي خلفه، فأخذت هدبة من ثوبه ثم رجعت، فقال لها الناس: فعل الله بك وفعل حبست رسول الله ثلاث مرات لا تقولين له: شيئا، ولا هو يقول لك: شيئا، ما كانت حاجتك إليه ؟ قالت: إن لنا مريضا فأرسلني أهلي لآخذ هدبة من ثوبه ليستشفى بها، فلما أردت أخذها رآني فقام، فاستحييت أن آخذها وهو يراني، وأكره أن استأمره في أخذها فأخذتها (5).


(1) اصول الكافي 2: 95. (2) اصول الكافي 2: 98. (3) بينا خ ل. (4) إذا جاءت خ ل. (5) اصول الكافي 2: 102.

[ 265 ]

بيان: هدبة الثوب: طرفه مما يلي طرته. 62 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله اتي باليهودية التي سمت الشاة للنبي صلى الله عليه وآله، فقال لها: ما حملك على ما صنعت ؟ فقالت: قلت: إن كان نبيا لم يضره، وإن كان ملكا أرحت الناس منه، فقال: فعفا رسول الله صلى الله عليه واله عنها (1). 63 - كا: حميد بن زياد، عن الخشاب، عن ابن بقاح، عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه واله على عايشة فرأى كسرة كاد أن يطأها فأخذها و أكلها، وقال: يا حميري أكرمي جوار نعم الله عليك، فإنها لم تنفر من قوم فكادت تعود إليهم (2). 64 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أفطر رسول الله عشية خميس في مسجد قبا، فقال: هل من شراب ؟ فأتاه أوس بن خولى الانصاري بعس (3) مخيض (4) بعسل، فلما وضعه على فيه نحاه، ثم قال: شرابان يكتفى بأحدهما من صاحبه، لا أشربه ولا احرمه: ولكن أتواضع لله، فإن من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر خفضه الله، ومن اقتصد في معيشته رزقه الله، ومن بذر حرمه الله، ومن أكثر ذكر (5) الموت أحبه الله (6). ين: ابن أبي عمير مثله (7). 65 - كا: العدة، عن البرقي، عن ابن فضال، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن


(1) اصول الكافي 2: 108. (2) فروع الكافي 2: 165. (3) من لبن: ين. (4) العس: بضم وتشديد السين: القدح أو الاناء الكبير. والمخيض. ما مخض من اللبن و اخذ زبده. (5) ذكر الله. ين. (6) اصول الكافي 2: 122. (7) الزهد، أو المؤمن: مخطوط، ليست موجودة عندي نسختهما.

[ 266 ]

مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يذكر أنه أتي رسول الله صلى الله عليه واله ملك، فقال: إن الله تعالى يخيرك أن تكون عبدا رسولا متواضعا، أو ملكا رسولا، قال: فنظر إلى جبرئيل وأومأ بيده أن تواضع، فقال: عبدا متواضعا رسولا، فقال الرسول (1): مع أنه لا ينقصك مما عند ربك شيئا، قال: ومعه مفاتيح خزائن الارض (2). 66 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن طلحة ابن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أعجب رسول الله صلى الله عليه واله شئ من الدنيا إلا أن يكون فيها جائعا خائفا (3). 67 - كا: العدة، عن البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج النبي صلى الله عليه واله وهو محزون، فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الارض فقال: يا محمد هذه مفاتيح خزائن الدنيا، (4) يقول لك ربك افتح وخذ منها ما شئت من غير أن ينقص (5) شيئا عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، فقال الملك: والذى بعثك بالحق (6) لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السماء الرابعة حين اعطيت المفاتيح (7) 68 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله أجرى الخيل التى أضمرت من الحصباء إلى مسجد بني زريق، وسبقها من ثلاث نخلات، فأعطى السابق عذقا، وأعطى المصلي (8) عذقا، وأعطى الثالث عذقا (9).


(1) أي الملك. (2) اصول الكافي 2: 122. (3) اصول الكافي 2: 129. (4) في المصدر: خزائن الارض (5) في المصدر: تنقص. (5) في المصدر: بعثك بالحق نبيا. (7) اصول الكافي 2: 129. (8) المصلي في خيل الحلبة هو الثاني، سمى به لان رأسه يكون عند صلا الاول، وهو ما عن يمين الذنب وشماله، قاله الجزري. (9) فروع الكافي 1: 341.

[ 267 ]

كا: علي، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (1). 69 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أحب الاصباغ إلى رسول الله صلى الله عليه واله الخل والزيت (2). 70 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه واله إلى ام سلمة رضي الله عنها فقربت إليه كسرة، فقال: هل عندك إدام ؟ فقالت: لا يا رسول الله ما عندي إلا خل فقال صلى الله عليه واله: نعم الادام الخل، ما افتقر بيت فيه خل (3). بيان: قوله: ما افتقر (4)، في بعض النسخ بتقدم القاف على الفاء، وفي بعضها بالعكس، والاول أظهر، قال الجزري: فيه ما أقفر بيت فيه خل، أي ما خلا من الادام وما عدم أهله الادام، والقفار: الطعام بلا ادم، وأقفر الرجل: إذا أكل الخبز وحده من القفر والقفار وهي الارض الخالية التي لا ماء بها. 71 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه واله اتي بطعام حار جدا، فقال: ما كان الله ليطعمنا النار، أقروه حتى يبرد ويمكن، فإنه طعام ممحوق (5) البركة، وللشيطان فيه نصيب (6). 72 - كا: علي، عن أبيه، عن القاساني، عن أبي أيوب المديني، عن سليمان الجعفري، عن الرضا عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه واله كان يعجبه النظر إلى الاترج الاخضر، والتفاح الاحمر (7).


(1) فروع الكافي 1: 341. (2 و 3) فروع الكافي 2: 172. (4) في المصدر: ما أقفر. (5) محق الله الشئ: نقصه وذهب ببركته. (6) فروع الكافي 2: 170 و 171. (7) فروع الكافي 2: 181.

[ 268 ]

73 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله يأكل الرطب بالخربز (1). 74 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يأكل البطيخ بالتمر (2). 75 - كا: العدة، عن سهل، عن جعفر بن محمد الاشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان النبي صلى الله عليه واله يعجبه الرطب بالخربز (3). 76 - كا: العدة، عن البرقي، عن محمد بن عيسى، عن عبيد الله الدهقان، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: أكل رسول الله صلى الله عليه واله البطيخ بالسكر، وأكل صلى الله عليه واله البطيخ بالرطب (4). 77 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كان يعجب رسول الله صلى الله عليه واله من البقول الحوك (5). بيان: قال الفيروزآبادي: الحوك: البادروج، والبقلة الحمقاء. 78 - كا: محمد بن يحيى، عن سهل، عن جعفر بن محمد الاشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا شرب الماء قال: الحمد لله الذي سقانا عذبا زلالا، ولم يسقنا ملحا اجاجا، ولم يؤاخذنا بذنوبنا (6). 79 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن إبراهيم الكرخي، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يشرب في الاقداح الشامية يجاء بها من الشام، وتهدى له صلى الله عليه واله (7). 80 - كا: بهذا الاسناد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان النبي صلى الله عليه واله يعجبه أن يشرب في القدح الشامي، وكان يقول: هذا أنظف آنيتكم (8).


(1 - 4) فروع الكافي 2: 181. (5) فروع الكافي 2: 182. (6) فروع الكافي 2: 186. (7 و 8) فروع الكافي 2: 187.

[ 269 ]

81 - كا: علي، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن عنبسة بن مصعب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: أتى النبي صلى الله عليه واله بشئ فقسمه فلم يسع أهل الصفة جميعا، فخص به اناسا منهم، فخاف رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون قد دخل قلوب الآخرين شئ، فخرج إليهم فقال: معذرة إلى الله عزوجل، وإليكم يا أهل الصفة، إنا اوتينا بشئ فأردنا أن نقسمه بينكم فلم يسعكم، فخصصت به اناسا منكم، خشينا جزعهم وهلعهم (1). 82 - كا: العدة، عن سهل، عن إسماعيل بن مهران، عن أيمن بن محرز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما صافح رسول الله صلى الله عليه واله رجلا قط فنزع يده حتى يكون هو الذي ينزع (2) يده منه (3). 83 - كا: العدة عن سهل، عن جعفر بن محمد الاشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لقي النبي صلى الله عليه واله حذيفة فمد النبي صلى الله عليه واله يده فكف حذيفة يده، فقال النبي صلى الله عليه واله: يا حذيفة بسطت يدي إليك فكففت يدك عني ؟ فقال حذيفة: يا رسول الله بيدك الرغبة، ولكني كنت جنبا فلم احب أن تمس يدي يدك وأنا جنب، فقال النبي صلى الله عليه واله: أما تعلم أن المسلمين إذا التقيا فتصافحا تحاتت (4) ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر (5). 84 - كا: علي بن محمد بن عبد الله، عن البرقي، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران، عن أيمن بن محرز، عن زيد الشحام (6)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: ما منع رسول الله


(1) فروع الكافي 1: 155. والهلع: الجزغ والضجر عند المصائب. الحرص والشح على المال. (2) هو النازع خ ل. (3) الاصول 2: 172. (4) تحات الورق من الشجر: تناثر. (5) الاصول 2: 183. (6) في المصدر: عن أبي اسامة عن زيد، وهو مصحف ولفظة (عن) زيادة من الطابع، لان أبا اسامة كنية زيد الشحام.

[ 270 ]

صلى الله عليه وآله سائلا قط، إن كان عنده أعطى، وإلا قال: يأتي الله به (1). 85 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله أول ما بعث يصوم (2) حتى يقال: ما يفطر، و يفطر حتى يقال: ما يصوم، ثم ترك ذلك وصام يوما وأفطر يوما وهو صوم داود عليه السلام، ثم ترك ذلك وصام الثلاثة الايام الغر، ثم ترك ذلك وفرقها في كل عشرة (3) يوما: خميسين بينهما أربعاء، فقبض عليه وآله السلام وهو يعمل ذلك (4). بيان: الايام الغر: الايام البيض في وسط الشهر. 86 - كا: العدة، عن سهل، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن محمد ابن مروان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان رسول الله صلى الله عليه واله يصوم حتى يقال: لا يفطر، ثم صام يوما وأفطر يوما، ثم صام الاثنين والخميس، ثم آل (5) من ذلك إلى صيام ثلاثة أيام في الشهر: الخميس في أول الشهر، وأربعآء في وسط الشهر، و خميس في آخر الشهر، وكان يقول: ذلك صوم الدهر، وقد كان أبي يقول: ما من أحد أبغض إلي من رجل يقال له: كان رسول الله صلى الله عليه واله يفعل كذا وكذا، فيقول: لا يعذبني الله على أن أجتهد في الصلاة، كأنه يرى أن رسول الله صلى الله عليه واله ترك شيئا من الفضل عجزا عنه (6). 87 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كن نساء النبي صلى الله عليه واله إذا كان عليهن صيام أخرن ذلك إلى شعبان كراهة أن يمنعن رسول الله صلى الله عليه واله، فإذا كان شعبان صمن، وكان رسول الله صلى الله عليه واله يقول:


(1) فروع الكافي 1: 166. (2) كان يصوم خ ل. (3) عشرة أيام خ ل. (4) الفروع 1: 187. (5) أي رجع. (6) فروع الكافي 1: 187 و 188.

[ 271 ]

شعبان شهري (1). 88 - كا: أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن أحمد بن صبيح، عن عنبسة العابد قال: قبض النبي صلى الله عليه واله على صوم شعبان ورمضان وثلاثة أيام في كل شهر: أول خميس، وأوسط أربعاء، وآخر خميس (2). 89 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن بن عثمان، عن رجل من أهل اليمامة كان مع أبي الحسن أيام حبس ببغداد، قال: قال أبو الحسن عليه السلام: إن الله عزوجل قال لنبيه صلى الله عليه واله: " وثيابك فطهر " وكانت ثيابه طاهرة، وإنما أمره بالتشمير (3). 90 - كا: علي بن محمد، عن البرقي، عن أبيه، عن النضر، عن موسى بن بكر، عن عجلان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئا إلا أعطاه، فأرسلت إليه امرأة ابنا لها فقالت: انطلق إليه فاسأله، فإن قال لك: ليس عندنا شئ فقل: أعطني قميصك، قال: فأخذ قميصه فرمى به إليه. وفي نسخة اخرى: وأعطاه، فأدبه الله عزوجل (4) تبارك وتعالى على القصد فقال: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (5). 91 كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن سليمان الفزاري (6)، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يكتحل بالاثمد إذا آوى إلى فراشه وترا وترا (7). 92 - كا: العدة، عن سهل، عن جعفر بن محمد الاشعري، عن ابن القداح، عن


(1 و 2) فروع الكافي 1: 188. (3) فروع الكافي 2: 207. (4) تبارك وتعالى خ ل. (5) فروع الكافي 1: 178، وللحديث صدر تركه المصنف. (6) في المصدر: سليم الفزاري. (7) فروع الكافي 2: 217.

[ 272 ]

أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ما زال جبرئيل عليه السلام يوصيني بالسواك حتى خشيت أن أدرد واحفي (1). 93 - كا: العدة، عن البرقي، عن موسى بن القاسم، عن صفوان، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان يكتحل قبل أن ينام أربعا في اليمنى، و ثلاثا في اليسرى (2). توضيح: لعل المعنى أنه صلى الله عليه واله قد كان يفعل كذلك لئلا ينافي الخبر السابق، و يحتمل أن يكون المراد بالسابق كونهما معا وترا، فيكون التكرير للتأكيد، أو الليالي، لكنه بعيد، ويمكن حمل السابق على التقية لكونه أوفق بأخبار المخالفين إذ أكثرهم رووا أنه صلى الله عليه واله كان يكتحل في كل عين ثلاثا. 94 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحصين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله مر في بعض طرق المدينة وسوداء تلقط السرقين، فقيل لها: تنحي عن طريق رسول الله صلى الله عليه واله، فقالت: إن الطريق لمعرض (3)، فهم بها بعض القوم أن يتناولها، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: دعوها فإنها جبارة (4). 95 - ين: عبد الله بن سنان، عن علي بن شجرة، عن عمه بشير (5)، عن أبي جعفر عليه السلام مثله (6). 96 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان النبي صلى الله عليه واله إذا خرج في الصيف من البيت خرج يوم الخميس، وإذا أراد أن يدخل في الشتاء من البرد دخل يوم الجمعة، وروي إيضا كان دخوله وخروجه ليلة الجمعة (7).


(1 و 2) فروع الكافي 2: 218. (3) أي عريض وواسع. (4) اصول الكافي 2: 309. (5) أي بشير النبال. (6) المؤمن للحسين بن سعيد: مخطوط. (7) فروع الكافي 2: 228.

[ 273 ]

97 - كا: أحمد بن عبد الله، عن البرقي، عن عبدل بن مالك (1)، عن هارون بن الجهم، عن الكاهلي، عن معاذ بياع الاكسية قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحلب عنز أهله (2). 98 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عمن ذكره، عن منصور بن العباس، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا أفطر بدأ بحلوآء يفطر عليها، فإن لم يجد فسكرة أو تمرات، فإذا أعوز ذلك كله فماء فاتر (3). 99 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن مهزم، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يفطر على التمر في زمن التمر، وعلى الرطب في زمن الرطب (4). 100 - كا: علي، عن أبيه، عن جعفر بن عبد الله الاشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله أول ما يفطر عليه في زمن الرطب الرطب، وفي زمن التمر التمر (5). 101 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير، قال: قال أبي عبد الله عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا دخل العشر الاواخر شد المتزر، واجتنب النساء، وأحيى الليل، وتفرغ للعبادة (6). 102 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد (7)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا كان العشر الاواخر اعتكف في المسجد وضربت له قبة من


(1) في نسخة من المصدر: عبيد بن مالك، وفي تنقيح المقال وجامع الروات: عبد الله بن مالك (2) فروع الكافي 1: 352. (3 - 6) فروع الكافي 1: 205. (7) عن الحلبي خ ل. أقول: الموجود في المصدر المطبوع قديما: حماد، عن أبى عبد الله عليه السلام وفي مرآت العقول والكافي المطبوع جديدا: حماد عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، وهو الصحيح.

[ 274 ]

شعر، وشمر المئزر، وطوى فراشه، فقال بعضهم: واعتزل النساء، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما اعتزال النساء فلا (1). بيان: طي الفراش كناية عن اجتناب النساء، أو النوم، والاول أظهر والاعتزال المنفي الاعتزال بالكلية. 103 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت بدر في شهر رمضان فلم يعتكف رسول الله صلى الله عليه واله، فلما أن كان من قابل اعتكف عشرين: عشرا لعامه، وعشرا قضاء لما فاته (2). 104 - كا: العدة، عن سهل، عن أحمد بن محمد، عن داود بن الحصين، عن أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه واله في شهر رمضان في العشر الاول، ثم اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثم اعتكف في الثالثة في العشر الاواخر، ثم لم يزل يعتكف في العشر الاواخر (3). 105 كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي الفرج قال: سأل أبان أبا عبد الله عليه السلام أكان لرسول الله عليه السلام طواف يعرف به ؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يطوف بالليل والنهار عشرة أسابيع: ثلاثة أول الليل، وثلاثة آخر الليل، واثنين إذا أصبح، واثنين بعد الظهر وكان فيما بين ذلك راحته (4). 106 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يذبح يوم الاضحى كبشين: أحدهما عن نفسه، والآخر عمن لم يجد من امته (5). 107 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن مرار، عن يونس، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالرجل يمر على الثمرة ويأكل منها ولا يفسد، وقد نهى


(1 - 3) فروع الكافي 1: 212. (4) فروع الكافي 1: 283. (5) فروع الكافي 1: 301.

[ 275 ]

رسول الله صلى الله عليه واله أن تبني الحيطان بالمدينة لمكان المارة (1). 108 - كا: علي بن محمد بن عبد الله، عن البرقي، عن القاساني، عمن حدثه، عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه واله إذا بلغت الثمار أمر بالحيطان فثلمت (2). 109 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه واله يعجبه الدبا ويلتقطه من الصحفة (3). 110 - محص: عن أبي سعيد الخدري، أنه وضع يده على رسول الله صلى الله عليه واله وعليه حمى فوجدها من فوق اللحاف، فقال: ما أشدها عليك يا رسول الله ؟ قال: إنا كذلك يشتد علينا البلاء ويضعف لنا الاجر (4). 111 - كا: محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مات رسول الله صلى الله عليه واله وعليه دين (5). 112 - كا: العدة، عن البرقي، عن ابن مهران، عن ابن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة (6). 113 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لو اهدي إلي كراع (7) لقبلته (8).


(1 و 2) فروع الكافي 1: 161. (3) فروع الكافي 2: 183. (4) التمحيص: مخطوط، ليست نسخته موجودة عندي. (5) فروع الكافي 1: 253. (6) فروع الكافي 1. 369، وفي ذيله: ويقول تهادوا فان الهدية تسل السخائم، وتجلى ضغائن العداوة والاحقاد. (7) الكراع من البقر والغنم: بمنزلة الوظيف من الفرس، وهو مستدق الساق، وقيل: الكراع من الدواب: ما دون الكعب، والكراع من الانسان: ما دون الركبة من مقدم الساق. (8) فروع الكافي 1: 369.

[ 276 ]

114 - كا: العدة، عن سهل، عن النهدي، عن موسى بن عمر بن بزيع، عن الرضا عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره (1). 115 - يب: محمد بن علي بن محبوب، عن ابن معروف، عن ابن المغيرة، عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول - وذكر صلاة النبي صلى الله عليه واله - قال: كان يأتي بطهور فيتحمر (2) عند رأسه، ويوضع سواكه تحت فراشه، ثم ينام ما شآء الله، فإذا استيقظ جلس، ثم قلب بصره في السماء، ثم تلا الآيات من آل عمران: " إن في خلق السموات والارض (3) " الآية، ثم يستن ويتطهر، ثم يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات على قدر قراءته (4) ركوعه، وسجوده على قدر ركوعه، يركع حتى يقال: متى يرفع رأسه ؟ ويسجد حتى يقال: متى يرفع رأسه ؟ ثم يعود إلى فراشه فينام ما شآء الله، ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران، ويقلب بصره في السماء، ثم يستن ويتطهر ويقوم (5) إلى المسجد فيصلي (6) أربع ركعات كما ركع قبل ذلك، ثم يعود إلى فراشه فينام ما شآء الله، ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران، ويقلب بصره، في السماء، ثم يستن ويتطهر (7) ويقوم إلى المسجد فيوتر ويصلي الركعتين، ثم يخرج إلى الصلاة (8).


(1) فروع الكافي 1: 420، والحديث منقول معناه، والاصل هكذا، قال: قلت للرضا عليه السلام. جعلت فداك إن الناس رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره، فكذا كان يفعل ؟ قال: فقال: نعم، وأنا أفعله كثيرا فافعله، ثم قال لى: اما انه أرزق لك انتهى، وذكره أيضا في كتاب الروضة: 147 بهذه العبارة أيضا. (2) هكذا في النسخة، وفي المصدر فيتخمر، وهو الصحيح، أي فيغطى. (3) واختلاف الليل والنهار خ. (4) في المصدر: على قدر قراءة ركوعه. (5) ثم يقوم خ ل، ومثله في المصدر. (6) فيركع خ ل، ومثله في المصدر. (7) ثم يتطهر خ ل ومثله في المصدر. (8) تهذيب الاحكام 1: 231.

[ 277 ]

بيان: الاستنان: استعمال السواك. 116 - كا: العدة، عن سهل وأبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار جميعا، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن سعيد بن عمرو الجعفي، عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ذات يوم وهو يأكل متكئا (1) قال: وقد كان يبلغنا أن ذلك يكره (2)، فجلعت أنظر إليه، فدعاني إلى طعامه، فلما فرغ قال: يا محمد لعلك ترى أن رسول الله صلى الله عليه واله رأته عين يأكل وهو متك منذ أن بعثه الله (3) إلى أن قبضه ؟ ثم رد على نفسه فقال: لا والله ما رأته عين يأكل وهو متك من أن بعثه الله إلى أن قبضه، ثم قال: يا محمد لعلك ترى أنه شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية من أن بعثه الله إلى أن قبضه ؟ ثم إنه رد على نفسه ثم قال (4): لا والله ما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية منذ بعثه الله (5) تعالى إلى أن قبضه، أما أني لا أقول: إنه كان لا يجد، لقد كان يجيز الرجل الواحد بالمأة من الابل (6)، فلو أراد أن يأكل لاكل ولقد أتاه جبرئيل عليه السلام بمفاتيح خزائن الارض ثلاث مرات يخيره من غير أن ينقصه الله تبارك وتعالى مما أعد الله له يوم القيامة شيئا، فيختار التواضع لربه عزوجل، وما سئل شيئا قط فيقول: لا، إن كان أعطى، وإن لم يكن قال: يكون، وما أعطى على الله شيئا قط إلا سلم ذلك إليه، حتى أن كان ليعطي الرجل الجنة فيسلم الله ذلك له، ثم تناولني بيده (7)، وقال: وإن كان صاحبكم (8) ليجلس جلسة العبد، ويأكل أكلة العبد، ويطعم الناس خبز البر واللحم، ويرجع إلى


(1) لعله كان يفعله لبيان الجواز، أو كان به ضعف أو مرض. (2) في المجالس: وقد كان يبلغنا أنه ينهى عن ذلك. (3) من أن بعثه الله خ ل، وهو الموجود في المصدر. (4) فقال خ ل. (5) من أن بعثه خ ل. (6) أي جعلها جائزة له. (7) من يناوله بيده خ ل. (8) أراد عليا عليه السلام.

[ 278 ]

أهله فيأكل الخبز (1) والزيت، وإن كان ليشتري القميص السنبلاني (2)، ثم يخير غلامه خيرهما، ثم يلبس الباقي، فإذا جاز أصابعه قطعه، وإذا جاز كعبه حذفه، وما ورد عليه أمران قط كلاهما لله رضا إلا أخذ بأشدهما على بدنه، ولقد ولى الناس خمس سنين فما وضع آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطيعة (3)، ولا أورث بيضاء ولا حمراء إلا سبع مأة درهم فضلت من عطاياه أراد أن يبتاع لاهله بها خادما، وما أطاق أحد عمله، لقد كان علي بن الحسين عليه السلام لينظر في الكتاب من كتب علي عليه السلام فيضرب به الارض ويقول: من يطيق هذا (4) ؟ ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا، عن الحسن بن فضال، عن علي بن عقبة مثله (5). 117 - كا: العدة، عن سهل، عن البزنطي، عن حماد بن عثمان قال: حدثني علي بن المغيرة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن جبرئيل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه واله فخيره، وأشار عليه (6) بالتواضع، وكان له ناصحا، فكان رسول الله صلى الله عليه واله يأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد تواضعا لله تبارك وتعالى، ثم أتاه عند الموت بمفاتيح خزائن الدنيا فقال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا بعث بها إليك ربك ليكون لك ما أقلت (7) الارض، من غير أن ينقصك شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: في الرفيق الاعلى (8). بيان: قال الجزري: في حديث الدعاء: وألحقني بالرفيق الاعلى، الرفيق جماعة


(1) الخلل خ ل. (2) القميصين السنبلانيين. (3) أي لم يجعل غلة بلد رزقا لشخص، أو لم يفرز بلدا له من غير حق. (4) روضة الكافي: 129 - 131. (5) المجالس للطوسي: 68، وقد سقط عن المطبوع ما بعد قوله: ينهى عن ذلك. (6) وأشار إليه خ ل (7) أي حملته ورفعته. (8) روضة الكافي: 131.

[ 279 ]

الانبياء يسكنون أعلى عليين، وهو اسم جاء على فعيل، وهو معناه الجماعة، كالصديق والخليط يقع على الواحد والجمع، ومنه قوله تعالى: " وحسن اولئك رفيقا " وقيل: معنى ألحقني بالرفيق الاعلى، أي بالله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، ومنه حديث عايشة: سمعته يقول عند موته: بل الرفيق الاعلى، وذلك أنه خير بين البقاء في الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله. 118 - كا: سهل (1)، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن عبد المؤمن الانصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: عرضت علي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: يا رب لا، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما، فإذا شبعت حمدتك وشكرتك، وإذا جعت دعوتك وذكرتك (2). ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا، عن ابن فضال مثله (3). 119 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام وغيره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان شئ أحب إلى رسول الله صلى الله عليه واله من أن يظل (4) خائفا جائعا في الله عزوجل (5). 120 - كا: العدة، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي المغرا (6)، عن


(1) فيه وهم، لان الكليني لا يروي عن سهل بن زياد إلا بواسطة عدة، فالصحيح العدة، عن سهل، ومنشأ الوهم أن الحديث في المصدر مصدر بسهل معلق على ما قبله وهو الحديث المتقدم، وهو عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، فغفل المصنف عن تعليق الحديث، أو أورده معلقا على ما قبله كما في المصدر، وهو الاقرب. (2) روضة الكافي: 131. (3) أمالي الطوسي: 73 و 74. (4) أي يدخله في كنفه. وفي بعض نسخ المصدر: يصل. (5) روضة الكافي: 129. (6) تقدم عن تنقيح المقال أن ضبطه المعزى، أو المعزاء، وأضاف في الكنى وجها ثالثا و هو المغراء بتقديم المعجمة.

[ 280 ]

زيد الشحام، عن عمرو بن سعيد بن هلال، عن أبي عبد الله قال إياك أن تطمح نفسك (1) إلى من فوقك وكفى بما قال الله عزوجل لرسول الله صلى الله عليه واله: " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم (2) " وقال الله عزوجل لرسوله: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا (3) " فإن خفت شيئا من ذلك فاذكر عيش رسول الله صلى الله عليه واله، فإنما كان قوته الشعير وحلواه التمر، ووقوده (4) السعف إذا وجده (5). كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن الشحام مثله (6). ين: فضالة، عن أبي المغرا مثله (7). 121 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل، عن أبي عبد الله صلى الله عليه واله قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يقسم لحظاته بين أصحابه، ينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية (8). 122 - كا: محمد، عن أحمد، عن ابن فضال، عن بعض أصحابنا. قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما كلم رسول الله صلى الله عليه واله العباد بكنه عقله قط، قال رسول الله صلى الله عليه واله: إنا معشر (9) الانبياء


(1) أي ترفع. (2) التوبة: 55. (3) طه: 131. (4) الوقود: ما توقد به النار أي ما اشتعلت به. (5) روضة الكافي: 168، وللحديث صدر تركه المصنف وهو هكذا: قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنى لا أكاد ألقاك إلا في السنين، فأوصني بشئ آخذ به: قال: اوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع معه، وإياك اه‍. وفي ذيله: وإذا اصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله صلى الله عليه وآله فان الخلق لم يصابوا بمثله قط. وأخرج الذيل أيضا في الفروع 1: 60. (6) الاصول 2: 137، وفيه: زيد الشحام، عن عمرو بن هلال، والظاهر أن عمرو بن هلال هو عمرو بن سعيد بن هلال، نسبه هنا إلى الجد. (7) ين: مخطوط. (8) روضة الكافي: 268. (9) في المصدر: معاشر الانبياء.

[ 281 ]

امرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم (1). 123 - ين: حماد، عن العقرقوفي (2)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه واله ذات يوم عنده عايشة فاستأذن عليه رجل، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: بئس أخو العشيرة، وقامت عايشة فدخلت البيت، وأذن له رسول الله صلى الله عليه واله فدخل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه واله عليه حتى إذا فرغ من حديثه خرج، فقالت له عايشة: يا رسول الله بينا أنت تذكره إذ أقبلت عليه بوجهك وبشرك (3)، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: إن من أشر عباد الله من يكره مجالسته لفحشه (4). 124 - ين: محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن الصيقل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مرت برسول الله صلى الله عليه واله امرأة بذية وهو يأكل، فقالت: يا محمد إنك لتأكل أكل العبد وتجلس جلوسه، فقال لها: ويحك وأي عبد أعبد مني ؟ قالت: اما لا فناولني لقمة من طعامك، فناولها رسول الله صلى الله عليه واله لقمة من طعامه، فقالت: لا والله إلا إلى في من فيك، قال: فأخرج اللقمة من فيه فتناولها إياها فأكلتها، قال أبو عبد الله عليه السلام فما أصابت بداء حتى فارقت الدنيا (5). 125 - ين: ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه واله كان قوته الشعير من غير ادم (6). 126 - ين: فضالة، عن ابن عميرة، عن ابن مسكان، عن عمار بن حيان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه واله أتته اخت له من الرضاعة، فلما أن نظر إليها سر بها وبسط ردائه لها فأجلسها عليه، ثم أقبل يحدثها ويضحك في وجهها، ثم قامت فذهبت، ثم جاء أخوها فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل: يا رسول الله صنعت باخته ما لم تصنع


(1) روضة الكافي: 268. (2) نسبة إلى عقرقوف بفتح الاولتين، وسكون الراء وضم القاف: قرية من نواحى نهر عيسى بينها وبين بغداد أربعة فراسخ. وقيل: هي قرية من نواحى الدجيل. والعقرقوفي هذا هو شعيب بن يعقوب أبو يعقوب ابن اخت أبي بصير يحيى ابن القاسم. (3) البشر: بشاشة الوجه. (4 - 6) ين: مخطوط، وتقدم حديث الصيقل عن المحاسن، ومتنه أوضح.

[ 282 ]

به وهو رجل ؟ فقال: لانها كانت أبرا بأبيها منه (1). 127 - ين: فضالة، عن أبان، عن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله صلى الله عليه واله قال: استقبل رسول الله صلى الله عليه واله رجل من بني فهد وهو يضرب عبدا له، والعبد يقول: أعوذ بالله، فلم يقلع الرجل عنه، فلما أبصر العبد برسول الله صلى الله عليه واله قال: أعوذ بمحمد فأقلع عنه الضرب، فقال: رسول الله صلى الله عليه واله: يتعوذ بالله فلا تعيذه ؟ ويتعوذ بمحمد فتعيذه ؟ والله أحق أن يجار عائذه من محمد، فقال الرجل: هو حر لوجه الله، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: والذي بعثني بالحق نبيا لو لم تفعل لواقع وجهك حر النار (2). 128 - ين: فضالة، عن أبان بن عثمان، عن سلمة بن أبي حفص، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام عن جابر قال: مر رسول الله صلى الله عليه واله بالسوق وأقبل يريد العالية والناس يكتنفه، فمر بجدي أسك على مزبلة ملقى وهو ميت، فأخذ باذنه، فقال: أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم ؟ قالوا ما نحب أنه لنا بشئ، وما نصنع به ؟ قال: أفتحبون أنه لكم ؟ قالوا: لا، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقالوا: والله لو كان حيا كان عيبا، فكيف وهو ميت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الدنيا على الله أهون من هذا عليكم (3). بيان: قال الجزري: فيه أنه مر بجدي أسك، أي مصطلم الاذنين مقطوعهما، قولهم: كان عيبا، أي معيبا، كذا فيما عندنا من النسخة، وكذا وجدت في كتاب رياض الصالحين (4) للنووي رواه عن جابر، ولعل فيه تصحيفا. 129 - ين: النضر، عن ابن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: دخل على النبي صلى الله عليه واله رجل وهو على حصير قد أثر في جسمه، ووسادة ليف قد أثرت في خده، فجعل يمسح ويقول: ما رضي بهذا كسرى ولا قيصر، إنهم ينامون على الحرير والديباج، أنت على هذا الحصير ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه واله: لانا خير منهما والله، لانا أكرم منهما


(1 - 3) ين: مخطوط. (4) رياض الصالحين: 222 وفيه: والله لو كان حيا كان عيبا انه أسك فكيف وهو ميت ؟ ! وقال: رواه مسلم. وقال: الاسك: صغير الاذن.

[ 283 ]

والله، ما أنا والدنيا، إنما مثل الدنيا كمثل راكب مر على شجرة ولها فئ فاستظل تحتها، فلما أن مال الظل عنها ارتحل فذهب وتركها (1). 130 - ين: النضر، عن عاصم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: جاءني ملك فقال: يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك: إن شئت جعلت لك بطحاء مكة رضراض (2) ذهب، قال: فرفع النبي صلى الله عليه واله رأسه إلى السماء فقال: يا رب أشبع يوما فأحمدك، وأجوع يوما فأسألك (3). 131 ين: بعض أصحابنا، عن علي بن شجرة، عن عمه بشير النبال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قدم أعرابي النبي صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله تسابقني بناقتك هذه، فسابقه فسبقه الاعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه واله إنكم رفعتموها فأحب الله أن يضعها (4)، إن الجبال تطاولت لسفينة نوح عليه السلام، وكان الجودي أشد تواضعا فحب الله (5) بها الجودي (6). 132 - ين: صفوان بن يحيى، عن النضري (7) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يتوب إلى الله في كل يوم سبعين مرة من غير ذنب، كان يقول: أتوب إلى الله (8). 133 - محص: عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رجلا من


(1) المؤمن: مخطوط. وتقدم نحوه قبلا. (2) الرضراض: ما صغر ودق من الحصى. (3) ين: مخطوط. (4) ذكر البرقي الحديث في المحاسن باسناده عن ابن بكير وفيه: انها ترفعت وحق على الله أن لا يرتفع شئ إلا وضعه الله. (5) هكذا في النسخ، ولعله مصحف. (6) ين: مخطوط. (7) هكذا في النسخ، والظاهر أنه مصحف النصرى بالصاد المهملة، لقب الحارث بن المغيرة، وهو من بنى نصر بن معاوية على ما صرح به النجاشي في الفهرست. (8) ين: مخطوط.

[ 284 ]

الانصار أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه واله صاعا من رطب، فقال رسول الله صلى الله عليه واله للخادم (1) التي جاءت به: ادخلي فانظري هل تجدين في البيت قصعة أو طبقا فتأتبني به ؟ فدخلت ثم خرجت إليه فقالت: ما أصبت قصعة ولا طبقا، فكنس رسول الله صلى الله عليه واله بثوبه مكانا من الارض، ثم قال لها: ضعيه هاهنا على الحضيض، ثم قال: والذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تعدل عند الله مثقال جناح بعوضة ما أعطى كافرا ولا منافقا منها شيئا (2). 134 - نهج: إلى أن بعث الله سبحانه محمدا صلى الله عليه واله (3) لانجاز عدته، وتمام نبوته، مأخوذا على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته (4)، كريما ميلاده (5). 135 - نهج: حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه واله شهيدا وبشيرا ونذيرا، خير البرية طفلا، وأنجبها كهلا، أطهر المطهرين شيمة، وأجود المستمطرين ديمة (6). بيان: الشيمة بالكسر: الخلق والطبيعة، والاستمطار: طلب المطر، وطلب العطآء الكثير مجازا، والديمة بالكسر: المطر الدائم، فيمكن أن يقرء على بناء المفعول، أي أجود من طلب منه العطآء الدائم الكثير، أو على بناء الفاعل إشارة إلى استجابة دعائه في الاستسقاء فيحتمل أن يكون أجود مأخوذا من الجود بمعنى المطر الكثير والله يعلم. 136 - نهج: ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه واله كاف لك في الاسوة (7)، ودليل لك (8) على ذم الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطرافها، ووطئت لغيره أكنافها، وفطم من رضاعها، وزوي عن زخارفها - وساقها إلى قوله عليه السلام -: فتأس بنبيك


(1) يطلق الخادم على المذكر والمؤنث. (2) التمحيص: مخطوط. (3) محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله. (4) سمات جمع السمة: العلامة، والمراد علاماته التي ذكرت في كتب الانبياء السابقين الذين بشروا به. (5) نهج البلاغة 1: 27. (6) نهج البلاغة 1: 216. وفيه وأمطر المستمطرين ديمة. (7) الاسوة: القدوة. (8) في المصدر: ودليل ذلك.

[ 285 ]

الاطهر الاطيب صلى الله عليه واله، فإن فيه اسوة لمن تأسى، وعزآء لمن تعزى، وأحب العباد إلى الله تعالى المتأسي بنبيه صلى الله عليه واله، والمقتص لاثره، قضم الدنيا قضما، ولم يعرها طرفا، أهضم أهل الدنيا كشحا، وأخمصهم من الدنيا بطنا، عرضت عليه الدنيا (1) فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه، وحقر شيئا فحقره، وصغر شيئا فصغره، ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله (2) وتعظيمنا ما صغر الله لكفى به شقاقا لله، ومحادة (3) عن أمر الله، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه واله يأكل على الارض، ويجلس جلسة العبد ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري، ويردف خلفه، ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه التصاوير فيقول: يا فلانة - لاحدى أزواجه - غيبيه عني، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها، فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتخذ منها رياشا، ولا يعتقدها قرارا، ولا يرجوا فيها مقاما، فأخرجها من النفس، وأشخصها عن القلب (4)، وغيبها عن البصر، وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر (5) إليه، وأن يذكر عنده، ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه واله ما يدلك على مساوي الدنيا وعيوبها، إذ جاع فيها مع خاصته، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته، فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمدا صلى الله عليه واله بذلك أم أهانه ؟ فإن قال: أهانه فقد كذب والعظيم (6)، وإن قال: أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له، وزواها عن أقرب الناس منه، فتأسى متأس بنبيه، واقتص أثره، وولج مولجه، وإلا فلا يأمن الهلكة، فإن الله جعل محمدا صلى الله عليه واله علما للساعة، ومبشرا بالجنة ومنذرا بالعقوبة، خرج من الدنيا خميصا، وورد الآخرة سليما، لم يضع حجرا على حجر حتى


(1) عرضت عليه الدنيا عرضا فابى خ ل. (2) في المصدر: ما أبغض الله ورسوله، وكذا فيما بعده. ما صغر الله ورسوله. (3) المحادة: المخالفة في عناد. (4) أي أزعجها وأبعدها. (5) في المصدر: من ينظر إليه. (6) في المصدر: وأتى بالافك العظيم.

[ 286 ]

مضى لسبيله، وأجاب دعي ربه، فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتبعه، وقائدا نطأ عقبه (1). بيان: المخازي: المقابح، قوله عليه السلام: وطئت بالتشديد أي هيأت، وبالتخفيف من قولهم: وطأت لك المجلس، أي جعلته سهلا لينا، قوله عليه السلام: زوي أي قبض، قوله عليه السلام: قضم الدنيا، في أكثر النسخ بالضاد المعجمة، وهو أكل الشئ اليابس بأطراف الاسنان، أي تناول منها قدر الكفاف وما تدعو إليه الضرورة، والتنوين في قضما للتقليل، وفي بعضها بالصاد المهملة بمعنى الكسر. قوله عليه السلام: ولم يعرها طرفا، من الاعارة، أي لم يلتفت إليها نظر إعارة، فكيف بأن يجعلها مطمح نظره ؟ ويقال: رجل أهضم: إذا كان خميصا لقلة الاكل، والكشح: الخاصرة، قوله: جلسة العبد، قال ابن أبي الحديد: وهي أن يضع قصبتي ساقيه على الارض ويعتمد عليها بباطن فخذيه (2)، يقال لها بالفارسية: دوزانو، والرياش إما جمع الريش، أو مرادفه، وهو اللباس الفاخر، ويطلق على المال والخصب والمعاش. قوله عليه السلام: خميصا، أي جائعا. 137 - ع: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن علي بن الريان، عن عبيد الله بن عبد الله الواسطي، عن واصل بن سليمان، أو عن درست يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: لم كان رسول الله صلى الله عليه واله يحب الذراع أكثر من حبه لسائر أعضاء الشاة ؟ قال: فقال: لان آدم قرب قربانا عن الانبياء من ذريته فسمي لكل نبي عضوا، وسمي لرسول الله صلى الله عليه واله الذراع، فمن ثم كان يحب الذراع ويشتهيها ويحبها ويفضلها (3). 138 - وفي حديث آخر: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان يحب الذراع لقربها من المرعى وبعدها من المبال (4). 139 - ير: إبراهيم بن هاشم، عن جعفر بن محمد، عن القداح، عن أبي عبد الله


(1) نهج البلاغة 1: 311 - 315. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 2: 472. (3 و 4) علل الشرائع: 56. أقول: لا اختلاف بين الروايتين، لجواز التعليل بكل منهما.

[ 287 ]

عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يحب الذراع والكتف، ويكره الورك لقربها من المبال (1) 140 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يعجبه الذراع (2). 141 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن إبراهيم بن حفص بن عمر العسكري بالمصيصة (3) من أصل كتابه، عن عبد الله بن الهيثم الانماطي، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن عمرو بن خالد الواسطي، عن محمد، وزيد ابني علي، عن أبيهما عليه السلام عن أبيه الحسين عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يرفع يديه إذا ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين (4). 142 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن عبد الرحيم بن سعد، عن إسماعيل ابن محمد العلوي، عن أبيه، عن جده إسحاق بن جعفر، عن أخيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: سمعت النبي صلى الله عليه واله يقول: بعثت بمكارم الاخلاق ومحاسنها (5). 143 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد بن جعفر العلوي، عن أحمد ابن عبد المنعم الصيداوي (6)، عن حسين بن شداد الجعفي، عن أبيه شداد بن رشيد، عن عمرو بن عبد الله بن هند (7)، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال علي بن الحسين عليه السلام:


(1) بصائر الدرجات: 148. وللحديث صدر وذيل. (2) فروع الكافي 2: 169. (3) المصيصة بالفتح ثم الكسر والتشديد وياء ساكنة، وقيل: بتخفيف الصاد: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام، بين انطاكية وبلاد الروم تقارب طرطوس. (4) أمالي الشيخ: 22، أقول: أي المجالس والاخبار، وهو المطبوع في آخر أمالي ابن الشيخ. (5) أمالي الشيخ: 27. (6) في المصدر: حدثنا أبو عبد الله جعفر بن محمد بن جعفر بن حسن العلوي الحسيني قال: حدثنا أبو نصر أحمد بن عبد المنعم بن نصر الصيداوي. (7) وصفه في المصدر: بالجملى. ولعله عبد الله بن هند الجملى فتأمل.

[ 288 ]

إن جدي رسول الله صلى الله عليه واله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له وتعبد بأبي هو وامي حتى انتفخ الساق، وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا. الخبر (1). 144 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن غياث بن مصعب الخجندي (2)، عن محمد ابن حماد الشاشي، عن حاتم الاصم، عن شقيق (3) البلخي، عمن أخبره من أهل العلم قال: قيل للنبي صلى الله عليه واله: كيف أصبحت ؟ قال: بخير من رجل لم يصبح صائما، ولم يعد مريضا، ولم يشهد جنازة (4). 145 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن إسماعيل بن موسى البجلي. عن عبد الله ابن عمر بن أبان، عن معاوية بن هشام، عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطا، عن ابن عباس قال: قيل للنبي صلى الله عليه واله: كيف أصبحت ؟ قال: بخير من قوم لم يشهدوا جنازة، ولم يعودوا مريضا (5). بيان: الظاهر أن (من) في الخبر السابق في قوله: (من رجل) بيانية، وهو تميز عن الضمير في أصبحت كقولهم: لله درك من فارس، وعز من قائل، ويالك من ليل، وفي الثاني يحتمل ذلك بأن يكون أصبحت في قوة أصبحنا، وأن تكون تبعيضية، ويكون حالا عن الضمير، أي حالكوني من قوم هم كذلك (6). 146 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم ابن أحمد، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي اسامة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: بلغنا أن رسول الله


(1) أمالي الشيخ: 47 و 48، والحديث طويل راجعه. (2) في المصدر: غياث بن مصعدة بن عبدة أبو العباس الخجندى الرياطى. (3) في المصدر: شقيق بن إبراهيم. (4) أمالي الشيخ: 49. (5) أمالي الشيخ: 49. (6) الظاهر أنه صلى الله عليه وآله ذكر التفضيل وأراد معنى آخر وهو كراهة ترك شهود الجنازة وعيادة المريض.

[ 289 ]

صلى الله عليه وآله لم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام قط، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما أكله قط، قلت: فأي شئ كان يأكل ؟ قال: كان طعام رسول الله صلى الله عليه واله الشعير إذا وجده، وحلواه التمر، ووقوده السعف (1). 147 - ما: أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن فضال (2)، عن العباس بن عامر، عن أحمد بن رزق، عن الفضيل (3) قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه واله يريد حاجة فإذا (4) بالفضل بن العباس، قال: فقال: احملوا هذا الغلام خلفي، قال: فاعتنق رسول الله صلى الله عليه واله بيده من خلفه على الغلام، ثم قال: يا غلام خف الله تجده أمامك، يا غلام خف الله يكفك ما سواه (5) إلى آخر ما سيأتي في باب مواعظه صلى الله عليه واله. 148 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي وزرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " واذكر ربك إذا نسيت (6) " قال: إذا حلف الرجل فنسي أن يستثني، فليستثن إذا ذكر (7). 149 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي جعفر الاحوال، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (8) " قال: فقال: إن الله عزوجل لما قال لآدم: ادخل الجنة، قال له: يا آدم لا تقرب هذه الشجرة، قال: وأراه


(1) أمالي الشيخ: 60. (2) أي علي بن الحسين بن فضال، على ما في المصدر. (3) أي الفضيل بن يسار. على ما في المصدر. (4) في المصدر: فإذا هو. (5) أمالي الشيخ: 65. (6) الكهف: 24. (7) فروع الكافي 2: 370. (8) طه: 115.

[ 290 ]

إياها، فقال آدم لربه: كيف أقربها ولقد نهيتني عنها أنا وزوجتي، قال: فقال لهما: لا تقرباها، يعني لا تأكلا منها، فقال آدم وزوجته: نعم يا ربنا لا نقربها ولا نأكل منها، ولم يستثنيا في قولهما: نعم، فوكلهما الله في ذلك إلى أنفسهما وإلى ذكرهما، قال: وقد قال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه واله في الكتاب: " ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله (1) " أن لا أفعله، فتسبق مشية الله في أن لا أفعله، فلا أقدر على أن أفعله، قال: فلذلك قال الله عزوجل " واذكر ربك إذا نسيت (2) " أي استثن مشية الله في فعلك (3). 150 - كا: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام إن رسول الله كان يتطيب بالمسك حتى يرى وبيصه في مفارقه (4). بيان: الوبيص: البريق. 151 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت لرسوله الله صلى الله عليه واله ممسكة إذا هو توضأ أخذها بيده وهي رطبة، فكان إذا خرج عرفوا أنه رسول الله صلى الله عليه واله برائحته (5). 152 - كا: العدة، عن البرقي، عن نوح بن شعيب، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن عليه السلام قال: كان يرى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه واله (6). 153 - كا: محمد بن يحيى، عن غير واحد، عن الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه واله كان إذا اشتكى رأسه استعط بدهن الجلحلان (7) وهو السمسم (8). 154 - كا: العدة، عن البرقي، عن بعض أصحابه، عن ابن اخت الاوازعي، عن


(1 و 2) الكهف: 22 و 23. (3) فروع الكافي 2: 370. (4 - 6) الفروع 2: 223. (7) هكذا في نسخة المصنف، وهو مصحف الجلجلان. والجلجلان بالفارسية: كنجد. (8) فروع الكافي 2: 226.

[ 291 ]

مسعدة بن اليسع، عن قيس الباهلي (1) إن النبي صلى الله عليه واله يحب أن يستعط بدهن السمسم (2). 155 - كا: العدة، عن سهل، عن النوفلي، عن عيسى (3) بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده قال: كانت من أيمان رسول الله صلى الله عليه واله لا واستغفر الله (4). 156 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم قال: إن العقرب لدغت رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: لعنك الله، فما تبالين مؤمنا أذيت أم كافرا، ثم دعا بالملح فدلكه فهدأت، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: لو يعلم الناس ما في الملح ما بغوا معه درياقا (5). 157 - كا: العدة، عن البرقي، عن أبيه وعمرو بن إبراهيم جميعا، عن خلف بن حماد، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لدغت رسول الله صلى الله عليه واله عقرب فنفضها وقال: لعنك الله فما يسلم منك مؤمن ولا كافر، ثم دعا بملح فوضعه على موضع اللدغة ثم عصره بإبهامه حتى ذاب: ثم قال: لو يعلم الناس ما في الملح ما احتاجوا معه إلى ترياق (6). 158 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وطئ رسول الله صلى الله عليه واله الرمضاء (7) فأحرقته، فوطئ على الرجلة وهي البقلة الحمقاء (8) فسكن عنه حر الرمضاء، فدعا لها وكان يحبها ويقول: من بقلة ما أبركها (9).


(1) في المصدر: قيس الباهلي، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) فروع الكافي 2: 226. (3) في المصدر وفي مرآت العقول: النوفلي، عن السكوني، عن عيسى اه‍. (4) فروع الكافي 2: 375. (5 و 6) فروع الكافي 2: 172. (7) الرمضاء: الارض الحامية من شدة حر الشمس. (8) البقلة الحمقاء والبقلة الرجلة بالفارسية: خرفه. ويقال لها: البقلة المباركة أيضا. (9) الفروع 2: 182. (*)

[ 292 ]

159 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل جميعا، عن ابن أبي عمير، وصفوان، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه واله مد يده إلى الحجر فلسعته عقرب، فقال: لعنك الله، لا برا تدعين ولا فاجرا. 160 - فس: أبي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان بينا رسول الله صلى الله عليه واله جالسا وعنده جبرئيل إذ حانت (1) من جبرئيل نظرة قبل السماء فانتقع لونه حتى صار كأنه كركم، ثم لاذ برسول الله صلى الله عليه واله فنظر رسول الله صلى الله عليه واله إلى حيث نظر جبرئيل عليه السلام فإذا شئ قد ملا بين الخافقين مقبلا، حتى كان كقاب الارض (2)، فقال: يا محمد إني رسول الله إليك، اخيرك أن تكون ملكا رسولا أحب إليك، أو تكون عبدا رسولا ؟ فالتفت رسول الله صلى الله عليه واله إلى جبرئيل وقد رجع إليه لونه، فقال جبرئيل: بل كن عبدا رسولا، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: بل أكون عبدا رسولا، فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد السماء الدنيا، ثم رفع الاخرى فوضعها في الثانية، ثم رفع اليمنى فوضعها في الثالثة، ثم هكذا حتى انتهى إلى السماء السابعة، كل سماء خطوة (3)، وكلما ارتفع صغر حتى صار آخر ذلك مثل الصر (4)، فالتفت رسول الله صلى الله عليه واله إلى جبرئيل فقال: لقد رأيت منك ذعرا (5)، وما رأيت شيئا كان أذعر لي من تغير لونك، فقال: يا نبي الله لا تلمني، أتدري من هذا ؟ قال: لا، قال: هذا إسرافيل حاجب الرب، ولم ينزل من مكانه منذ خلق الله السماوات والارض، فلما رأيته منحطا ظننت أنه جاء بقيام الساعة، فكان الذي رأيت من تغير لوني لذلك، فلما رأيت ما اصطفاك الله به رجع إلي لوني ونفسي، أما رأيته كلما ارتفع صغر، إنه ليس شئ يدنو من الرب إلا صغر لعظمته، إن هذا حاجب


(1) في المصدر: إذ حانت بالمعجمة. (2) حتى دنا من الارض خ ل وفي المصدر: حتى كان كقاب قوسين أو أدنى من الارض ثم قال اه‍ أقول: القاب: المقدار: ما بين نصف وتر القوس وطرفه. وقاب قوسين مثل في قرب المسافة. (3) في المصدر: بعدد كل سماء خطوة. (4) الصر: طائر كالعصفور أصفر. (5) في المصدر: رايتك ذعرا إه‍. أقول: فيكون وصفا. وفيه: وما رأيت مثله، وما رأيت شيئا كان أذعر لي من تغير لونك.

[ 293 ]

الرب وأقرب خلق الله منه، واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء، فإذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه فنظر فيه، ثم ألقى إلينا نسعى (1) به في السماوات و الارض، إنه لادنى خلق الرحمن منه، وبينه وبينه تسعون (2) حجابا من نور يقطع دونها الابصار، ما يعد ولا يوصف، وإني لاقرب الخلق منه، وبيني وبينه مسيرة ألف عام (3). بيان: يقال: انتقع لونه على بناء المجهول: إذا تغير من خوف أو ألم، والكركم بالضم: الزعفران (4). قوله: من الرب، أي من موضع ظهور عظمته وجلاله وصدور أمره ونهيه ووحيه. 160 - نوادر الراوندي: بإسناده (5) عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: بينا رسول الله صلى الله عليه واله يتوضأ إذ لاذ به هر البيت، وعرف رسول الله صلى الله عليه وآله أنه عطشان، فأصغى (6) إليه الاناء حتى شرب منه الهر، وتوضأ بفضله (7). 161 - وبهذا الاسناد قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا أكل عند القوم قال: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الابرار، وصلت عليكم الملائكة الاخيار (8). 162 - أسرار الصلاة: قال أبو ذر رضي الله عنه: قام رسول الله صلى الله عليه واله ليلة يردد قوله تعالى: " إن تعذبهم (9) فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " (10).


(1) في المصدر: ثم ألقاه إلينا فنسعى. (2) في المصدر: سبعون. وفيه: تقطع دونها الابصار، وما لا يعد ولا يوصف. (3) تفسير القمي: 389 و 390. (4) وقيل: هو المعصفر، وقيل: شئ كالورس، وقيل: عروق الصفر. وعروق الصفر بالفارسية: زردچوبه. (5) راجع المجلد الاول: 54 فانك تجد فيه إسناد النوادر. (6) أصغى الاناء: أماله. (7) نوادر الراوندي: 39 فيه: بينما، وفيه: ثم توضأ بفضله. (8) نوادر الراوندي: 35. (9) المائدة: 118. (10) الرسائل المنسوب إلى الشهيد: 137.

[ 294 ]

ولما قال رسول الله صلى الله عليه واله لابن مسعود: اقرء على، قال: ففتحت سورة النساء فلما بلغت " فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (1) " رأيت عيناه تذرفان من الدمع، فقال لي: حسبك الآن (2). * (باب 10) * * (نادر فيه ذكر مزاحه وضحكه صلى الله عليه وآله) * * (وهو من الباب الاول) * 1 - قب: كان صلى الله عليه واله يمزح ولا يقول: إلا حقا، قال أنس: مات نغير لابي عمير وهو ابن لام سليم، فجعل النبي صلى الله عليه واله يقول: يابا عمير ما فعل النغير ؟. وكان حادي بعض نسوته خادمه أنجشة فقال له: يا أنجشة ارفق بالقوارير. وفي رواية: لا تكسر القوارير. وكان له عبد أسود في سفر، فكان كل من أعيا ألقى عليه بعض متاعه حتى حمل شيئا كثيرا، فمر به النبي صلى الله عليه واله فقال: أنت سفينة فأعتقه. وقال رجل: احملني يا رسول الله، فقال: إنا حاملوك على ولد ناقة، فقال: ما أصنع بولد ناقة ؟ قال صلى الله عليه واله: وهل يلد الابل إلا النوق. واستدبر رجلا من ورائه وأخذ بعضده، وقال: من يشتري هذا العبد ؟ يعني أنه عبد الله. وقال صلى الله عليه واله لاحد: لا تنس يا ذا الاذنين. زيد بن أسلم إنه قال لامرأة وذكرت زوجها: أهذا الذي في عينيه بياض ؟ فقالت لا، ما بعينيه بياض، وحكت لزوجها فقال: أما ترين بياض عيني أكثر من سوادها ؟ ورأى صلى الله عليه واله جملا عليه حنطة، فقال: تمشي الهريسة.


(1) النساء: 41. (2) الرسائل المنسوب إلى الشهيد: 139.

[ 295 ]

ورأي بلالا وقد خرج بطنه، فقال صلى الله عليه واله: ام حبين، وام حبين: ضرب من الغطاية ويقال: إنها الحرباء (1). وقال صلى الله عليه واله للحسين: حزقة (2) حزقة ترق عين بقة. ابن عباس إنه صلى الله عليه واله كسى بعض نسائه ثوبا واسعا، فقال لها: البسيه واحمدي الله، وجرى منه ذيلا كذيل العروس. وقالت عجوز من الانصار للنبي صلى الله عليه واله، ادع لي بالجنة، فقال صلى الله عليه واله: إن الجنة لا يدخلها العجز، فبكت المرأة فضحك النبي صلى الله عليه واله وقال أما سمعت قول الله تعالى: " إنا أنشأناهن إنشاء * فجعلناهن أبكارا (3) ". وقال للعجوز الاشجعية: يا أشجعية لا تدخل العجوز الجنة، فرآها بلال باكية، فوصفها للنبي صلى الله عليه واله فقال: والاسود كذلك، فجلسا يبكيان، فرأهما العباس فذكرهما له، فقال: والشيخ كذلك، ثم دعاهم وطيب قلوبهم، وقال: ينشئهم الله كأحسن ما كانوا، وذكر أنهم يدخلون الجنة شبانا منورين، وقال: إن أهل الجنة جردمرد مكحلون. وقال صلى الله عليه واله لرجل: - حين قال: أنت نبي الله حقا نعلمه، ودينك الاسلام دينا نعظمه نبغي مع الاسلام شيئا نقضمه، ونحن حول هذا ندندن - يا علي اقض حاجته، فأشبعه علي عليه السلام وأعطاه ناقة وجلة تمر. وجاء أعرابي فقال: يا رسول الله بلغنا أن المسيح يعني الدجال يأتي الناس بالثريد وقد هلكوا جميعا جوعا، أفترى بأبي أنت وامي أن أكف من ثريده تعففا وتزهدا ؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه واله ثم قال: بل يغنيك الله بما يغني به المؤمنين. وقبل جد خالد القسري امرأة فشكت إلى النبي صلى الله عليه واله فأرسل إليه فاعترف، وقال: إن شاءت أن تقتص فلتقتص، فتبسم رسول الله صلى الله عليه واله وأصحابه، وقال: أو لا تعود ؟


(1) الحرباء بالكسر والمد: حيوان أكبر من العظاءة يستقبل الشمس، ويدور معها كيف دارت يتلون ألوانا بحر الشمس، يقال له بالفارسية: آفتاب پرست. (2) بفتح الحاء وضم الزاء، أو بضهما. (3) الواقعة: 35 و 36.

[ 296 ]

فقال: لا والله يا رسول الله، فتجاوز عنه. ورأي صلى الله عليه واله صهيبا يأكل تمرا، فقال صلى الله عليه واله: أتأكل التمر وعينك رمدة ؟ فقال: يا رسول الله إني أمضغه من هذا الجانب، وتشتكي عيني من هذا الجانب. ونهى صلى الله عليه واله أبا هريرة عن مزاح العرب، فسرق نعل النبي صلى الله عليه واله ورهن بالتمر و جلس بحذائه صلى الله عليه واله يأكل، فقال صلى الله عليه واله: يا أبا هريرة ما تأكل ؟ فقال: نعل رسول الله صلي الله عليه وآله. وقال سويبط المهاجري لنعيمان البدري: أطعمني، وكان على الزاد في سفر، فقال: حتى تجئ الاصحاب، فمروا بقوم فقال لهم سويبط: تشترون مني عبدا لي ؟ قالوا: نعم، قال: إنه عبد له كلام وهو قائل لكم: إني حر، فإن سمعتم مقاله تفسدوا علي عبدي، فاشتروه بعشرة قلائص، ثم جاؤا فوضعوا في عنقه حبلا، فقال نعيمان: هذا، يستهزئ بكم وإني حر، فقالوا: قد عرفنا خبرك، وانطلقوا به حتى أدركهم القوم و خلصوه، فضحك النبي صلى الله عليه واله من ذلك حينا. وكان نعيمان هذا أيضا مزاحا، فسمع محرمة بن نوفل وقد كف بصره يقول: ألا رجل يقودني حتى أبول ؟ فأخذ نعيمان بيده، فلما بلغ مؤخر المسجد قال: هاهنا فبل، فبال فصيح به، فقال: من قادني ؟ قيل: نعيمان، قال: الله (1) علي أن أضربه بعصاي هذه، فبلغ نعيمان فقال: هل لك في نعيمان ؟ قال: نعم، قال: قم، فقام معه فأتى به عثمان وهو يصلي، فقال: دونك الرجل، فجمع يديه بالعصا ثم ضربه، فقال الناس: أمير المؤمنين، فقال: من قادني ؟ قالوا: نعيمان، قال: لا أدعود إلى نعيمان أبدا. ورأى نعيمان مع أعرابي عكة عسل، فاشتراها منه، وجاء بها إلى بيت عايشة في يومها، وقال: خذوها، فتوهم النبي صلى الله عليه واله أنه أهداها له، ومر نعيمان والاعرابي على الباب، فلما طال قعوده قال: يا هؤلاء ردوها علي إن لم تحضر قيمتها، فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله القصة فوزن له الثمن، وقال لنعيمان: ما حملك على ما فعلت ؟ فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه واله يحب العسل، ورأيت الاعرابي معه العكة، فضحك رسول الله صلى الله عليه واله


(1) في المصدر: لله على. وهو الصواب.

[ 297 ]

ولم يظهر له نكرا (1). بيان: قال الجزري: فيه إنه قال لابي عمير أخي أنس: يابا عمير ما فعل النغير ؟ هو تصغير النغر وهو طائر يشبه العصفور أحمر المنقار. وقال: في حديث أنجشه، في رواية البراء ابن مالك: رويدك رفقا بالقوارير، أراد النساء، شبههن بالقوارير من الزجاج، لانه يسرع إليها الكسر، وكان أنجشة يحدو و ينشد القرائض والرجز فلم يأمن أن يصيبهن، أو يقع في قلوبهن حداؤه، فأمره بالكف عن ذلك. وفي المثل: الغناء رقية الزنا، وقيل: إن الابل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت، فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك لان النساء يضعفن عن شدة الحركة، وقال: ام حبين هي دويبة كالحرباء عظيمة البطن، إذا مشت تطأطئ رأسها كثيرا، وترفعه لعظم بطنها، فهي تقع على رأسها وتقوم، ومنه الحديث إنه رأى بلالا وقد خرج بطنه، فقال: ام حبين، تشبيها له بها، وهذا من مزحه صلى الله عليه واله. وقال: فيه إنه صلى الله عليه واله كان يرقص الحسن والحسين عليهما السلام ويقول: حزقة حزقة ترق عين بقة، فترقى الغلام حتى وضع قديمه على صدره، الحزقة: الضعيف المقارب الخطو من ضعفه، وقيل: القصير العظيم البطن، فذكرها له على سبيل المداعبة والتأنيس له، وترق بمعنى اصعد، وعين بقة كناية عن صغر العين، وحزقة مرفوع على خبر مبتداء محذوف، تقديره أنت حزقة، وحزقة الثاني كذلك، أو أنه خبر مكرر، ومن لم ينون حزقة فحذف حرف النداء وهي في الشذوذ، كقولهم: أطرق كري (2)، لان حرف النداء إنما يحذف من العلم المضموم والمضاف انتهى. والعجز بضمتين جمع العجوزة، والجرد جمع الاجرد وهو الذي لا شعر عليه، والمرد جمع الامرد، والقضم: الاكل بأطراف الاسنان. قال الجزري: فيه أنه سأل رجلا ما تدعو في صلاتك ؟ فقال: أدعو بكذا وكذا، وأسأل ربي الجنة، وأتعوذ به من النار، وأما دندنتك ودندنة معاذ فلا نحسنها،


(1) مناقب آل أبي طالب 1: 101 و 102. (2) الكرى: المكترى. المكارى.

[ 298 ]

فقال صلى الله عليه واله: حولهما ندندن، الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم، والضمير في حولهما للجنة والنار، أي حولهما ندندن وفي طلبهما انتهى. والعكة بالضم: وعاء من جلود مستدير يجعل فيه العسل والسمن. 2 - مكا: روي أن رسول الله صلى الله عليه واله يقول: إني لامزح ولا أقول: إلا حقا. وعن ابن عباس: إن رجلا سأله أكان النبي صلى الله عليه واله يمزح ؟ فقال. كان النبي صلى الله عليه واله يمزح. وعن حسن (1) بن علي عليهما السلام قال: سألت خالي هندا عن صفة رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: إذا كان غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حبة الغمام (2). عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه واله تبسم حتى بدت نواجده. عن أبي الدرداء قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا حدث بحديث تبسم في حديثه. عن يونس الشيباني قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: كيف مداعبة بعضكم بعضا ؟ قلت: قليلا، قال: فلا تفعلوا (3)، فإن المداعبة من حسن الخلق، وإنك لتدخل بها السرور على أخيك، ولقد كان النبي صلى الله عليه واله يداعب الرجل يريد به أن يسره (4). 3 - نوادر الراوندي: بإسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: بصر رسول الله صلى الله عليه واله امرأة عجوا درداء (5)، فقال: أما إنه لا يدخل الجنة عجوز درداء، فبكت، فقال صلى الله عليه واله لها: ما يبكيك ؟ فقالت: يا رسول الله إني درداء، فضحك رسول الله صلى الله عليه واله وقال: لا تدخلين الجنة على حالك (6).


(1) في المصدر: الحسن. (2) تقدمت معاني بعض ألفاظه. (3) في المصدر: هلا تفعلوا. (4) مكارم الاخلاق: 20 و 21. (5) درداء: التي ذهبت أسنانه. (6) نوادر الراوندي: 10. (*)

[ 299 ]

4 - وبهذا الاسناد قال: قال علي عليه السلام: نظر رسول الله صلى الله عليه واله إلى امرأة رمصاء العينين (1)، فقال أما إنه لا تدخل الجنة رمصاء العينين، فبكت وقالت: يا رسول الله وإني لفي النار ؟ فقال: لا، ولكن لا تدخلين الجنة على مثل صورتك هذه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا يدخل الجنة أعور ولا أعمى على هذا المعنى (2). أقول: سيأتي عدد حججه وعمره صلى الله عليه واله في باب حجة الوداع. * (باب 11) * * (فضائله وخصائصه صلى الله عليه وآله وما امتن الله به على عباده) * الايات: البقرة " 2 ": إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم 119. آل عمران " 3 ": إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين 68. الاعراف " 7 ": فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون 158. وقال تعالى: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون 188. الانفال " 8 ": واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون 26. وقال تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون 33. التوبة " 9 ": والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم. إلى قوله: والله وسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين * ألم يعلموا أنه من


(1) رمصت عينه: سال منها الرمص. والرمص: وسخ أبيض في مجرى الدمع من العين. (2) نوادر الراوندي: 10.

[ 300 ]

يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم 61 - 63. وقال تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم 128 و 129. هود " 11 ": أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة اولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون 17. الحجر " 15 ": لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون 72. الاسرى " 17 ": وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون. إلى قوله تعالى: وما نرسل بالآيات إلا تخويفا 59. وقال تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا * وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا * وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا 79 - 81. وقال تعالى: وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا 105. الانبياء " 21 ": وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين 107. الاحزاب " 33 ": النبي أولي بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله 6. وقال تعالى: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما 40. وقال تعالى: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا 45 و 46. سبا " 34 ": وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون 28. الفتح " 48 ": هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله

[ 301 ]

وكفى بالله شهيدا * محمد رسول الله 28 و 29. النجم " 53 ": والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى 1 - 6. الحشر " 59 ": وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب 7. الجمعة " 62 ": هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمه الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم 2 - 4. الطلاق " 65 ": الذين (1) آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور 10 - 11. الكوثر " 108 ": إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الابتر 1 - 3. تفسير: " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم " فيه تسلية للرسول بأنه ليس عليه إجبارهم على القبول، وليس عليه إلا البلاغ، وإنه لا يؤاخذ بذنبهم " إن أولى الناس بإبراهيم " أي أخصهم به، وأقربهم منه، أو أحقهم بنصرته بالحجة أو بالمعونة " للذين اتبعوه " من امته " وهذا النبي والذين آمنوا " لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الاصالة، أو يتولون نصرته بالحجة لما كان عليه من الحق " والله ولي المؤمنين " ينصرهم و يجازيهم الحسنى لايمانهم " وكلماته " أي ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه و وحيه، وسيأتي في الاخبار أن الائمة عليهم السلام كلمات (2) الله " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا " أي جلب نفع ولا دفع ضرر، وهو إظهار للعبودية، والتبري من ادعاء العلم


(1) أول الاية: أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا اولى الالباب الذين آمنوا. (2) ارادة هذا المعنى في هذه الاية بالخصوص محل تأمل بل منع ظاهر، ضرورة أن المعنى يصير: فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذى يؤمن بالله وبالائمة، وهو كما ترى غير صحيح، لا يساعده ظهور، ولا يوافقه الاعتبار، نعم هذا المعنى الوارد في الاخبار صحيح في محله ومورده لا في أمثال تلك الاية، وسيوافيك تلك الاخبار في كتاب الامامة.

[ 302 ]

بالغيوب من قبل نفسه " إلا ما شاء الله " من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له " ولو كنت أعلم الغيب " أي لو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه من استكثار المنافع واجتناب المضار حتي لا يمسني سوء، ويحتمل أن يكون المعنى لو كنت أعلم الغيب من قبل نفسي يغير وحي من الله لكنت أستعمله في جلب المنافع ودفع المضار، ولكني لما كنت أعلمه بالوحي لا جرم أني راض بقضائه تعالى، ولا أسعى في دفع ما أعلم وقوعه علي من المصائب بقضائه تعالى، فلا ينافي ما سيأتي أنهم عليهم السلام كانوا يعلمون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، كذا خطر بالبال والله يعلم حقيقة الحال. " واذكروا " الخطاب للمهاجرين أو للعرب " إذا أنتم قليل مستضعفون " في أرض مكة تستضعفكم قريش أو العرب، كانوا أذلاء في أيدي الروم " تخافون أن يتخطفكم الناس " التخطف: الاخذ بسرعة، والناس: كفار قريش أو من عداهم، فإنهم كانوا جميعا معادين مضادين لهم " فآواكم إلى المدينة، أو جعل لكم مأوى يتحصنون به عن أعاديكم " وأيدكم بنصره " على الكفار، أو بمظاهرة الانصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر " ورزقكم من الطيبات " يعني الغنائم أحلها لكم، ولم يحلها لاحد قبلكم، أو الاعم مما أعطاهم من الاطعمة اللذيدة " لعلكم تشكرون " هذه النعم " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " أي ما كان الله يعذب أهل مكة بعذاب الاستيصال وأنت مقيم بين أظهرهم لفضلك، ويحتمل الاعم، كما سيأتي في الاخبار أنه صلى الله عليه واله و أهل بيته عليهم السلام أمان لاهل الارض من عذاب الاستيصال " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " المراد باستغفارهم إما استغفار من بقي فيهم من المؤمنين لم يهاجروا، فلما خرجوا أذن الله في فتح مكة، أو الاعم بالنسبة إلى جميع أهل البلاد والازمان " من يحادد الله " المحادة: المشاقة والمخالفة. " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " قال الطبرسي رحمه الله: القراءة المشهورة " من أنفسكم " بضم الفاء، وقرأ ابن عباس وابن علية وابن محيصن والزهري " من أنفسكم بفتح الفآء، وقيل: إنها قراءة فاطمة عليه السلام (1)، أي من أشرافكم ومن خياركم، وعلى


(1) لعلها سمعت عنها عليها السلام حين خطبت خطبة التى ألقاها على أبي بكر وجماعة من الصحابة بعد فوت أبيها صلى الله عليه وآله. وفيها تلك الاية.

[ 303 ]

المشهور أي من جنسكم، قيل: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه واله وله فيهم نسب، وقيل: معناه أنه من نكاح لم يصبه شئ من ولادة الجاهلية عن الصادق عليه السلام " عزيز عليه ما عنتم " أي شديد عليه عنتكم وما يلحقكم من الضرر بترك الايمان " حريص عليكم " أي على من لم يؤمن " بالمؤمنين رؤف رحيم " الرأفة: شدة الرحمة. قال الطبرسي رؤوف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين، أو رؤوف بأقربائه، رحيم بأوليائه، أو رؤوف بمن رآه، رحيم بمن لم يره، وقال بعض السلف: لم يجمع الله لاحد من الانبياء بين اسمين من أسمائه إلا النبي صلى الله عليه واله، فإنه قال: " بالمؤمنين رؤوف رحيم " وقال: " إن الله (1) بالناس لرؤف رحيم (2) ". " فإن تولوا " عنك وأعرضوا عن قبول قولك والاقرار بنبوتك " فقل حسبي الله " أي الله كافي. قوله تعالى: " أفمن كان على بينة من ربه " المراد به النبي صلى الله عليه واله، والبينة القرآن، أو الاعم منه ومن المعجزات والبراهين، أو المؤمنون، والبينة: الحجة " ويتلوه شاهد منه " أي ويتبعه من يشهد بصحته منه، فقيل: هو جبرئيل يتلو القرآن على النبي صلى الله عليه واله، وسيأتي الاخبار المستفيضة بأنه أمير المؤمنين عليه السلام، وذهب إليه كثير من مفسري الخاصة والعامة، وقيل: هو ملك يسدده ويحفظه، وقيل: هو القرآن على الاحتمال الاخير " ومن قبله " أي قبل القرآن أو محمد صلى الله عليه واله " كتاب موسى " يشهد له " إماما " يؤتم به في امور الدين " ورحمة " أي نعمة من الله على عباده " اولئك يؤمنون به " أي النبي والشاهد، أو الشاهد باعتبار الجنس، فإنه يشمل الائمة عليهم السلام، أو المؤمنون يؤمنون بالنبي، أو القرآن " ومن يكفر به من الاحزاب " أي من مشركي العرب وفرق الكفار " فالنار موعده " مصيره ومستقره " فلا تك في مرية " أي في شك " منه " أي من القرآن، أو الموعد، والخطاب للنبي صلى الله عليه واله، والمراد به الامة أو عام. قوله تعالى: " لعمرك " قال الطبرسي رحمه الله: أي وحياتك يا محمد، ومدة بقائك (3)،


(1) البقرة: 143، والحج: 65. (2) مجمع البيان 5: 85 و 86. (3) في المصدر: ومدة بقائك حيا.

[ 304 ]

قال ابن عباس: ما خلق الله عزوجل ولا ذرأ ولا برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه واله، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلا بحياته (1). قوله تعالى: " وما منعنا أن نرسل بالآيات " أي التي اقترحتها قريش: من قلب الصفا ذهبا، وإحياء الموتى وغير ذلك " إلا أن كذب بها الاولون " من الامم السابقة فعذبوا بعذاب الاستيصال، إذ عادة الله تعالى في الامم أن من اقترح منهم آية فاجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستيصال، وقد صرفه الله تعالى عن هذه الامة ببركة النبي صلى الله عليه وآله " وما نرسل بالآيات إلا تخويفا " أي لا نرسل الآيات المقترحة إلا تخويفا من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له، فإن لم يخافوا وقع عليهم، و يحتمل أن يكون المراد القرآن والمعجزات الواقعة، فإنها تخويف، وإنذار بعذاب الآخرة. " ومن الليل فتهجد به " قال الطبرسي رحمه الله: خطاب للنبي صلى الله عليه وآله، أي فصل القرآن، ولا يكون التهجد إلا بعد النوم عن مجاهد وأكثر المفسرين، وقال بعضهم: ما يتقلب به في كل الليل يسمى تهجدا، والمتهجد: الذي يلقى الهجود أي النوم عن نفسه، كما يقال: المتحرج والمتأثم " نافلة لك " أي زيادة لك على الفرائض، لان صلاة الليل كانت فريضة على النبي صلى الله عليه واله وفضيلة لغيره، وقيل: كانت واجبة عليه فنسخ وجوبها بهذه الآية، وقيل: إن معناه فضيلة لك وكفارة لغيرك (2)، وقيل: نافلة لك ولغيرك، وإنما اختصه بالخطاب لما في ذلك من دعاء الغير للاقتداء به (3) " عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " عسى من الله واجبة، والمقام بمعنى البعث، فهو مصدر من غير جنسه، أي يبعثك يوم القيامة بعثا أنت محمود فيه، ويجوز أن يجعل البعث بمعنى الاقامة، أي يقيمك ربك مقاما تحمدك فيه الاولون والآخرون وهو مقام الشفاعة، يشرف فيه


(1) مجمع البيان 6: 342. (2) في المصدر: لان كل إنسان يخاف أن لا يقبل فرضه فيكون نفله كفارة، والنبي صلى الله عليه وآله لا يحتاج إلى كفارة. (3) في المصدر: إلى الاقتداء به، والحث على الاستنان بسنته.

[ 305 ]

على جميع الخلائق، يسأل فيعطى، ويشفع فيشفع، وقد أجمع المفسرون على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة، وهو المقام الذي يشفع فيه للناس، وهو المقام الذي يعطى فيه لواء الحمد، فيوضع في كفه، وتجتمع تحته الانبياء والملائكة، فيكون صلى الله عليه واله أول شافع وأول مشفع " وقل " يا محمد " رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق " المدخل والمخرج مصدر الادخال والاخراج، فالتقدير أدخلني إدخال صدق، وأخرجني إخراج صدق، وفي معناه أقول: أحدها: أن المعنى أدخلني في جميع ما أرسلتني به إدخال صدق، وأخرجني منه سالما إخراج صدق (1). وثانيها: أدخلني المدينة، وأخرجني منها إلى مكة للفتح. وثالثها: أنه امر بهذا الدعاء إذا دخل في أمر، أو خرج من أمر، والمراد أدخلني في كل أمر مدخل صدق. ورابعها: أدخلني القبر مدخل صدق، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، و مدخل الصدق: ما تحمد عاقبته في الدنيا والدين " واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا " أي اجعل لي عزا أمتنع به ممن يحاول صدي عن إقامة فرائضك، وقوة تنصرني بها على من عاداني فيك، وقيل: اجعل لي ملكا عزيزا أقهر به العصاة، فنصر بالرعب حتى خافه العدو على مسيرة شهر، وقيل: حجة بينة أتقوى بها على سائر الاديان، وسماه نصيرا لانه يقع به (2) النصرة على الاعداء فهو كالمعين " وقل جاء الحق " أي ظهر الحق وهو الاسلام والدين " وزهق " أي بطل " الباطل " وهو الشرك، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه واله مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " أورده البخاري في الصحيح، قال الكلبي: فجعل (3) ينكب لوجهه إذا قال ذلك، وأهل مكة يقولون: ما رأينا رجلا


(1) في المصدر زيادة هي: أي أعنى على الوحى والرسالة. (2) في المصدر: تقع به. (3) في المصدر: فجعل الصنم.

[ 306 ]

أسحر من محمد " إن الباطل كان زهوقا " أي مضمحلا ذاهبا هالكا لا ثبات له (1). وفي قوله تعالى: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ": أي نعمة عليهم، قال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر والمؤمن والكافر، فهو رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، ورحمة للكافر بأن عوفي مما أصاب الامم من الخسف والمسخ، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال لجبرئيل لما نزلت هذه الآية: هل أصابك من هذه الرحمة شئ ؟ قال: نعم، إي كنت أخشى عاقبة الامر فآمنت بك لما أثنى (2) علي بقوله: " ذي قوة عند ذي العرش مكين (3) " وقد قال صلى الله عليه واله: " إنما أنا رحمة مهداة " وقيل: إن الوجه في أنه نعمة على الكافر أنه عرضه للايمان والثواب الدائم وهداه وإن لم يهتد، كمن قدم الطعام إلى جائع فلم يأكل فإنه منعم عليه وإن لم يقبل (4). وفي قوله تعالى: " النبي صلى الله عليه واله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ": قيل: فيه أقوال: أحدها: أنه أحق بتدبيرهم، وحكمه عليهم أنفذ من حكمهم على أنفسهم لوجوب طاعته (5). وثانيها: أنه أولى بهم في الدعوة، فإذا دعاهم النبي صلى الله عليه واله إلى شئ ودعتهم أنفسهم إلى شئ كانت طاعته أولى لهم من طاعة أنفسهم (6). وثالثها أن حكمه أنفذ عليهم من حكم بعضهم على بعض، وروي أن النبي صلى الله عليه واله لما أراد غزوة تبوك وأمر الناس بالخروج قال قوم: نستأذن آباءنا وامهاتنا، فنزلت. وروي عن ابي وابن مسعود وابن عباس أنهم كانوا يقرؤون: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم وهو أب لهم " وكذلك هو في مصحف ابي، وروي ذلك عن


(1) مجمع البيان 6: 434 و 435. (2) في المصدر: لما أثنى الله. (3) التكوير: 20. (4) مجمع البيان 7: 67. (5) في المصدر: وحكمه أنفذ عليهم من حكمهم على أنفسهم خلاف ما يحكم به، لوجوب طاعته التى هو مقرونة بطاعة الله تعالى. (6) وهذا قريب من الاول.

[ 307 ]

أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، قال مجاهد: وكل نبي أب لامته، ولذلك صار المؤمنين إخوة (1). وفي قوله تعالى: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ": الذين لم يلدهم، وفي هذا بيان أنه ليس بأب لزيد فيحرم عليه زوجته (2)، فلهذا أشار إليهم فقال: " من رجالكم " وقد ولد له صلى الله عليه واله أولاد ذكور: إبراهيم، والقاسم، والطيب، والمطهر، فكان أباهم، وقد صح أنه قال للحسن عليه السلام: " إن ابني هذا سيد " وقال أيضا للحسن والحسين عليهما السلام: " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا " وقال صلى الله عليه واله: " إن كل بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلا أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم " وقيل: أراد بقوله: " رجالكم " البالغين من رجال ذلك الوقت، ولم يكن أحد من أبنائه رجلا في ذلك الوقت " ولكن رسول الله " أي ولكن كان رسول الله لا يترك ما أباحه الله تعالى بقول الجهال، وقيل: إن الوجه في اتصاله بما قبله أنه أراد سبحانه ليس يلزم طاعته صلى الله عليه واله وتعظيمه لمكان النسب بينه وبينكم، ولمكان الابوة، بل إنما يجب ذلك عليكم لمكان النبوة " وخاتم النبيين " أي وآخر النبيين، ختمت النبوة به، فشريعته باقية إلى يوم الدين (3). وفي قوله تعالى: " إنا أرسلناك شاهدا ": على امتك فيما يفعلونه من طاعة و معصية وإيمان وكفر، لتشهد لهم وعليهم يوم القيامة " ومبشرا " لمن أطاعني وأطاعك بالجنة " ونذيرا " لمن عصاني وعصاك بالنار " وداعيا إلى الله " والاقرار بوحدانيته (4)، وامتثال أوامره ونواهيه " بإذنه " أي بعلمه وأمره " وسراجا منيرا " يهتدى بك في الدين كما يهتدى بالسراج، والمنير الذي يصدر النور من جهته إما بفعله، وإما لانه سبب له، فالقمر منير، والسراج منير بهذا المعنى، والله منير السماوات والارض، وقيل: عنى بالسراج المنير القرآن، والتقدير ذا سراج (5).


(1) مجمع البيان 8: 338. (2) في المصدر: فتحرم عليه زوجته. (3) مجمع البيان 8: 361 و 362. (4) في المصدر: أي وبعثناك داعيا إلى الله والاقرار بوحدانيته. (5) مجمع البيان 8: 363.

[ 308 ]

وفي قوله تعالى: " إلا كافة للناس " أي عامة للناس كلهم: العرب والعجم وسائر الامم، ويؤيده الحديث المروي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه واله: اعطيت خمسا ولا أقول فخرا: بعثت إلى الاحمر والاسود، وجعلت لي الارض طهورا ومسجدا، واحل لي المغنم، ولم يحل لاحد قبلي، ونصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر، واعطيت الشفاعة فادخرتها لامتي يوم القيامة. وقيل: معناه جامعا للناس بالانذار والدعوة، وقيل: كافا للناس، أي مانعا لهم عما هم عليه من الكفر والمعاصي بالوعد والوعيد، والهاء للمبالغة (1). وفي قوله تعالى: " بالهدى ": أي بالدليل الواضح: أو بالقرآن " ودين الحق " أي الاسلام " ليظهره على الدين كله " أي ليظهر دين الاسلام بالحجج والبراهين على جميع الاديان، وقيل: بالغلبة والقهر والانتشار في البلدان، وقيل: إن تمام ذلك عند خروج المهدي عليه السلام، فلا يبقى في الارض دين سوى دين الاسلام (2). وفي قوله تعالى: " والنجم إذا هوى " فيه أقوال: أحدها: أن الله أقسم بالقرآن إذا انزل نجوم متفرقة على رسول الله صلى الله عليه واله في ثلاث وعشرين سنة، فسمي القرآن نجما لتفرقه في النزول (3). وثانيها: أنه أراد به الثريا، أقسم بها إذا سقطت وغابت مع الفجر، والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة. وثالثها: أن المراد به جماعة النجوم إذا هوت، أي سقطت وغابت وخفيت عن الحس، وأراد به الجنس. ورابعها: أنه يعني به الرجوم من النجوم، وهو ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع، وروت العامة عن جعفر الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله (4) نزل من السماء


(1) مجمع البيان 8: 391. (2) مجمع البيان 9: 127. (3) في المصدر: والعرب تسمى التفريق تنجيما، والمفرق منجما. (4) هكذا في المصدر، وفيه سقط، وفي المصدر: أنه قال: محمد رسول الله صلى الله عليه وآله.

[ 309 ]

السابعة ليلة المعراج، ولما نزلت السورة أخبر بذلك عتبة بن أبي لهب، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وطلق ابنته وتفل في وجهه، وقال: كفرت بالنجم وبرب النجم، فدعا صلى الله عليه واله عليه وقال: " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فخرج عتبة إلى الشام فنزل. في بعض الطريق، وألقى الله عليه الرعب، فقال لاصحابه: أنيموني بينكم (1)، ففعلوا فجاء أسد فافترسه من بين الناس. " ما ضل صاحبكم وما غوى " يعني النبي صلى الله عليه وآله، أي ما عدل عن الحق وما فارق الهدى، وما غوى فيما يؤديه إليكم، ومعنى غوى ضل، وإنما أعاده تأكيدا، وقيل: معناه ما خاب عن إصابة الرشد، وقيل: ما خاب سعيه بل ينال ثواب الله وكرامته " وما ينطق عن الهوى " أي وليس ينطق بالهوى وميل الطبع " إن هو إلا وحي يوحى " أي ما القرآن وما ينطق به من الاحكام إلا وحي من الله يوحى إليه، أي يأتيه به جبرئيل وهو قوله: " علمه شديد القوى " يعني جبرئيل، أي القوي في نفسه وخلقته " ذو مرة " أي ذو قوة وشدة في خلقه عن الكلبي، قال: ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الاسود فرفعها إلى السماء، ثم قلبها، ومن شدته صيحته لقوم ثمود حتى هلكوا، وقيل: معناه ذو صحة وخلق حسن، وقيل: شديد القوى في ذات الله، ذو مرة، أي صحة من الجسم، سليم من الآفات والعيوب، وقيل: ذو مرة، أي ذو مرور في الهواء، ذهابا (2) وجائيا ونازلا وصاعدا " فاستوى " جبرئيل عليه السلام على صورته التي خلق عليها بعد انحداره إلى محمد صلى الله عليه واله (3). وفي قوله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " أي ما أعطاكم الرسول من الفئ فخذوه وارضوا به، وما أمركم به فافعلوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فإنه لا يأمر ولا ينهى إلا عن أمر الله، وروى زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أعطى الله نبيا من الانبياء شيئا إلا وقد أعطى محمدا صلى الله عليه واله، قال لسليمان عليه السلام: " فامنن


(1) في المصدر: أنيمونى بينكم ليلا. (2) هكذا في نسخة المصنف، والصحيح كما في الطبعة الحروفية والمصدر: ذاهبا. (3) مجمع البيان 9: 172 و 173.

[ 310 ]

أو أمسك بغير حساب " وقال لرسول الله صلى الله عليه واله: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (1). وفي قوله تعالى: " هو الذي بعث في الاميين " يعني العرب، وكانت امة امية لا تكتب ولا تقرأ، ولم يبعث إليهم نبي، وقيل: يعني أهل مكة، لان مكة تسمى ام القرى " رسولا منهم " يعني محمدا صلى الله عليه واله، نسبه نسبهم، وهو من جنسهم، ووجه النعمة في أنه جعل النبوة في امي موافقة لما تقدمت البشارة به في كتب الانبياء السالفة، ولانه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالحكم التي تلاها، والكتب التي قرأها، وأقرب إلى العلم بأن ما يخبرهم به من أخبار الامم الماضية والقرون الخالية على وفق ما في كتبهم ليس ذلك إلا بالوحي " يتلو عليهم آياته " أي يقرأ عليهم القرآن " ويزكيهم " أي ويطهرهم من الكفر والذنوب، ويدعوهم إلى ما يصيرون به أزكيآء " ويعلمهم الكتاب والحكمة " الكتاب: القرآن، والحكمة: الشرايع، وقيل: إن الحكمة تعم الكتاب والسنة وكل ما أراده الله تعالى، فإن الحكمة هي العلم الذي يعمل عليه فيما يجتبى، أو يجتنب من امور الدين والدنيا " وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " معناه وما كانوا من قبل بعثه إليهم إلا في عدول عن الحق، وذهاب عن الدين بين ظاهر " وآخرين منهم " أي ويعلم آخرين من المؤمنين " لما يحلقوا بهم " وهم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة فإن الله سبحانه بعث النبي صلى الله عليه واله إليهم، وشريعته تلزمهم، وإن لم يلحقوا بزمان الصحابة، وقيل: هم الاعاجم ومن لا يتكلم بلغة العرب، وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام، وروي أن النبي صلى الله عليه واله قرأ هذه الآية فقيل له: من هؤلاء ؟ فوضع يده على كتف سلمان وقال: لو كان الدين (2) في الثريا لنالته رجال من هؤلاء. وعلى هذا فإنما قال: " منهم " لانهم إذا أسلموا صاروا منهم، وقيل: إن قوله: " لما يحلقوا بهم " يعني في الفضل والسابقة، فإن التابعين لا يدركون شأن السابقين من


(1) مجمع البيان 9: 261. أقول: تقدم حديث الشحام وما بمعناه وشرح له في ج 14: 85 - 87. (2) في المصدر: لو كان الايمان.

[ 311 ]

الصحابة وخيار المؤمنين " وهو العزيز " الذي لا يغالب " الحكيم " في جميع أفعاله " ذلك فضل الله " يعني النبوة التي خص الله بها رسوله " يؤتيه " أي يعطيه " من يشآء " بحسب ما يعلمه من صلاحه للبعثة وتحمل أعباء (1) الرسالة " والله ذو الفضل العظيم " ذو المن العظيم على خلقه ببعث محمد صلى الله عليه واله (2). وفي قوله تعالى: " قد أنزل الله إليكم ذكرا " يعني القرآن، وقيل: يعني الرسول، روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام " رسولا " إما بدل من " ذكرا " فالرسول إما جبرئيل أو محمد صلى الله عليه وآله، أو مفعول محذوف، أي أرسل رسولا، فالرسول محمد صلى الله عليه واله، أو مفعول قوله: " ذكرا " أي أنزل إليكم أن ذكر رسولا، فالرسول يحتمل الوجهين، ويجوز على الاول أن يكون المراد بالذكر الشرف، أي ذا ذكر، والظلمات الكفر والجهل، والنور الايمان والعلم (3). وفي قوله تعالى: " إنا أعطيناك الكوثر ": اختلفوا في تفسير الكوثر، فقيل: هو نهر في الجنة، وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: نهر في الجنة أعطاه الله نبيه عوضا من ابنه. وقيل: هو حوض النبي صلى الله عليه واله الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة وقيل: الكوثر: الخير الكثير، وقيل: هو النبوة والكتاب، وقيل: هو القرآن، وقيل: هو كثرة الاشياع و الاتباع (4)، وقيل: هو كثرة النسل والذرية، وقيل: هو الشفاعة، رووه عن الصادق عليه السلام، واللفظ محتمل للكل (5)، فيجب أن يحمل على جميع ما ذكر من الاقوال، فقد أعطاه الله سبحانه الخير الكثير في الدنيا، ووعده الخير الكثير في الآخرة " فصل لربك وانحر " أمره سبحانه بالشكر على هذه النعمة العظيمة بأن قال: " فصل " صلاة العيد " وانحر "


(1) الاعباء جمع العبء: الثقل والحمل. (2) مجمع البيان 10: 284. (3) مجمع البيان 10: 310. (4) في المصدر: كثرة الاصحاب والاشياع. (5) وان كان المعنى السابع أنسب لسبب النزول وأظهر لقوله: ان شانئك هو الابتر.

[ 312 ]

هديك وقيل: فصل لربك صلاة الغداة المفروضة بجمع (1)، وانحر البدن بمنى، وقيل صلى المكتوبة واستقبل القبلة بنحرك، وتقول العرب: منازلنا تتناحر، أي هذا ينحر هذا، أي يستقبله. وعن علي عليه السلام معناه ارفع يديك إلى النحر في صلاتك. وعن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قوله: " فصل لربك وانحر " هو رفع يديك حذاء وجهك. وروى عنه عليه السلام عبد الله بن سنان مثله. وعن جميل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: " فصل لربك وانحر " فقال: بيده هكذا، يعني استقبل بيديه حذو وجهه (2) القبلة في افتتاح الصلاة. وعن حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النحر، فرفع يده إلى صدره فقال: هكذا، ثم رفعها فوق ذلك، فقال: هكذا، يعني استقبل بيديه القبلة في استفتاح الصلاة (3). " إن شانئك هو الابتر " معناه أن مبغضك هو المنقطع عن الخير، وهو العاص بن وائل، وقيل: معناه أنه الاقل الاذل بانقطاعه عن كل خير، وقيل: معناه أنه لا ولد له على الحقيقة، وأن من ينتسب إليه ليس بولد له، قال مجاهد: الابتر: الذي لا عقب له، وهو جواب لقول قريش: إن محمدا لا عقب له، يموت فنستريح منه، ويدرس ذكره، إذ لا يقوم مقامه من يدعو إليه فينقطع أمره، وفي هذه السورة دلالات على صدق نبينا صلى الله عليه واله


(1) جمع بفتح فسكون: المزدلفة. المشعر. سمى جمعا لاجتماع الناس به. (2) في المصدر: حذاء وجهه. (3) وروى الطبرسي ما في معناه من طرق العامة قال: روى عن مقاتل بن حيان، عن الاصبغ، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لما نزلت هذه السورة، قال النبي صلى الله عليه وآله لجبريل: ما هذه النحيرة التى أمرني بها ربي ؟ قال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فانه صلاتنا و صلاة الملائكة في السماوات السبع، فان لكل شئ زينة وإن زينة الصلاة رفع الايدي عند كل تكبيرة.

[ 313 ]

وصحة نبوته: أحدها: أنه أخبر عما في نفوس أعدائه، وما جرى على ألسنتهم، ولم يكن بلغه ذلك فكان كما أخبره. وثانيها: أنه قال: " أعطيناك الكوثر " فانظر كيف انتشر دينه، وعلا أمره، و كثرت ذريته حتى صار نسبه أكثر من كل نسب، ولم يكن شئ من ذلك في تلك الحال. وثالثها: أن جميع فصحآء العرب والعجم قد عجزوا عن الاتيان بمثل هذه السورة على وجازة ألفاظها مع تحديه (1) إياهم بذلك، وحرصهم على بطلان أمره منذ بعث صلى الله عليه وآله إلى يوم الناس هذا، وهذا غاية الاعجاز. ورابعها: أنه سبحانه وعده بالنصر على أعدائه، وأخبره بسقوط أمرهم وانقطاع دينهم، أو عقبهم، فكان المخبر على ما أخبر به هذا، وفي هذه السورة الوجيزة من تشاكل المقاطع للفواصل، وسهولة مخارج الحروف بحسن التأليف والتقابل لكل من معانيها بما هو أولى به ما لا يخفى على من عرف مجارى كلام العرب (2). 1 - لى: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن إسماعيل الجعفي أنه سمع أبا جعفر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله: اعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا، واحل لي المغنم، ونصرت بالرعب، واعطيت جوامع الكلام، واعطيت الشفاعة (3). بيان: قوله صلى الله عليه واله: مسجدا، أي مصلى بخلاف الامم السابقة فإنهم كانوا لا يجوز لهم الصلاة اختيارا إلا في بيعهم وكنائسهم، أو ما يصح السجود عليه، والاول أشهر " وطهورا " أي ما يتطهر به من الاحداث بالتيمم، ومن الاخباث لبعض الاشيآء كباطن القدم والخف، ومخرج النجو في الاستنجاء بالاحجار والمدر، والمغنم بالفتح: ما يصاب


(1) تحدى الرجل: باراه وغالبه. والمبارات: المسابقة. والنبى صلى الله عليه وآله دعاهم إلى الاتيان بمثل القرآن، وأخبرهم بأنهم لم يمكنهم ذلك. (2) مجمع البيان 10: 549 و 550. (3) أمالي الصدوق: 130.

[ 314 ]

من أموال المشركين في الحرب، والمشهور أن حل المغنم من خصائصه وخصائص امته صلى الله عليه وآله، وأن الامم المتقدمة منهم من لم يبح لهم جهاد الكفار، ومنهم من ابيح لهم لكن لم يبح لهم الغنائم، وكانت غنائمهم توضع فتأتي نار فتحرقها، وأباحها الله لهذه الامة. قوله: ونصرت بالرعب، كان مما خصه الله تعالى به أنه كان يخافه العدو وبينه وبينه مسيرة شهر، وقيل: المراد بجوامع الكلام القرآن حيث جمع الله فيه معاني كثيرة بألفاظ يسيرة، وقيل: سائر كلماته الموجزة المشتملة على حكم عظيمة ومعاني كثيرة. 2 - لى: الدقاق، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن يحيى بن أبي إسحاق (1)، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن أبيه عليهم السلام قال: سئل النبي صلى الله عليه واله أين كنت وآدم في الجنة ؟ قال: كنت في صلبه، وهبط بي إلى الارض في صلبه، وركبت السفينة في صلب أبي نوح، وقذف بي في النار في صلب أبي إبراهيم، لم يلتق في أبوان على سفاح قط، لم يزل (2) الله عزوجل ينقلني من الاصلاب الطيبة إلى الارحام الطاهرة، هاديا مهديا حتى أخذ الله بالنبوة عهدي، وبالاسلام ميثاقي، وبين كل شئ من صفتي، وأثبت في التوارة والانجيل ذكري، ورقا (3)، بي إلى سمائه، وشق لي اسما من أسمائه (4)، امتي الحمادون، فذو العرش (5)، محمود، وأنا محمد (6). 3 - مع: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه،


(1) يحتمل كونه أبا بصير الاسدي لرواية علي بن أبي حمزة عنه، فعليه فأبو إسحاق لعله كنية أبيه، بناء على ما ذكره النجاشي أنه يحيى بن القاسم، وأما لو ثبت ما قيل: من أنه يحيى بن أبي القاسم فكلمه (أبى) زائدة، وصحيحه يحيى بن إسحاق. (2) ولم يزل الله خ ل. (3) هكذا في المصدر، ورقى معتل يائى يكتب بالباء فالصحيح كما في المصدر: رقانى، أي رفعني وصعدني. (4) من أسمائه الحسنى خ ل، وهو الموجود في المصدر. (5) وذو العرش خ ل. (6) أمالي الصدوق: 371.

[ 315 ]

عن جابر الجعفي، عن جابر الانصاري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه واله وذكر مثله (1). ثم قال الصدوق: وقد رويت هذا الحديث من طرق كثيرة. 4 - لى: الطالقاني، عن الجلودي (2)، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن الحسين بن الربيع، عن الاعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسما، وذلك قوله عزوجل في ذكر أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرهما (3) ثلثا، وذلك قوله عزوجل: " فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة * والسابقون السابقون (4) " وأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الا ثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله عزوجل: " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (5) " فأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله جل ثناؤه ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا، وذلك قوله عزوجل: " إنما يريد الله (6) ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (7) ". 5 - فس: الحسن (8) بن علي، عن أبيه، عن الحسن بن سعيد، عن الحسين بن علوان، عن علي بن الحسن العبدي (9)، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة السعدي،


(1) معاني الاخبار: 21. (2) في المصدر: الجلودي قال: حدثنا الحسين بن حميد قال حدثنا يحيى عن عبد الحميد الحماني. وفي نسخة من المصدر: الحسين بن أبي الربيع. (3) في خيرها خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) الواقعة: 8 - 10. (5) الحجرات: 13. (6) الاحزاب: 33. (7) أمالي الصدوق: 374. (8) الحسين خ ل. (9) في المصدر: علي بن الحسين العبدى. أقول: في اسم أبيه خلاف.

[ 316 ]

عن حذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه واله مثله مع زيادات (1). بيان: قوله صلى الله عليه واله: ولا فخر، أي أقوله معتدا بالنعمة لا فخرا واستكبارا. 6 - ما: المفيد، عن علي بن محمد بن رياح (2)، عن أبي علي الحسن بن محمد، عن ابن محبوب عن ابن رئاب، عن أبي بصير، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إن أبا ذر وسلمان خرجا في طلب رسول الله صلى الله عليه واله، فقيل لهما إنه توجه إلى ناحية قبا، فاتبعاه فوجداه ساجدا تحت الشجرة، فجلسا ينتظرانه حتى ظنا أنه نائم، فأهويا ليوقظاه فرفع رفع رأسه إليهما، ثم قال: قد رأيت مكانكما، وسمعت مقالتكما، ولم أكن راقدا إن الله بعث كل نبي كان قبلي إلى امته بلسان قومه، وبعثني إلى كل أسود وأحمر بالعربية، وأعطاني في امتي خمس خصال لم يعطها نبيا كان قبلي: نصرني بالرعب، تسمع (3) بي القوم وبيني وبينهم مسيرة شهر فيؤمنون بي، وأحل لي المغنم، وجعل لي الارض مسجدا وطهورا، أينما كنت منها أتيمم من تربتها، واصلي عليها، وجعل لكل نبي مسألة فسألوه إياها، فأعطاهم ذلك في الدنيا، وأعطاني مسألة فأخرت مسألتي لشفاعة المؤمنين (4) من امتي يوم القيامة (5)، ففعل ذلك، وأعطاني جوامع العلم، ومفاتيح الكلام، ولم يعط


(1) تفسير القمي: 661. أقول: وذكر فرات بن ابراهيم في تفسيره: 162 باسناده عن محمد بن عيسى بن زكريا الدهقان، قال: حدثنا يونس يعنى ابن على القطان. قال: حدثني ابراهيم يعنى ابن الحكم، عن أبيه، عن عبد العزيز بن عبد الصمد قال: حدثني أبو هارون العبدى، عن ربيعة السعدى، عن حذيفة بن اليمان، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الله خلق الخلق قسمين قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر. الآية " فأنا أتقى ولد آدم وقبيلتي خير القبائل، وأكرمها على الله ولا فخر. (2) في المصدر وبشارة المصطفى أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي بن رياح القرشي اجازة قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو على الحسن بن محمد. أقول: أما رياح فقد ضبطه العلامة في الخلاصة بالباء الموحدة في علي بن محمد بن علي بن عمر بن رباح. (3) في المصدرين: يسمع. (4) في بشارة المصطفى: لشفاعة المذنبين. (5) في المصدرين: إلى يوم القيامة.

[ 317 ]

ما أعطاني نبيا قبلي، فمسألتي بالغة إلى يوم القيامة لمن لقى الله لا يشرك به شيئا، مؤمنا بي، مواليا لوصيي، محبا لاهل بيتي (1). بشا: الحسن بن الحسين بن بابويه، عن شيخ الطائفة، عن المفيد، عن محمد بن علي ابن رياح، عن أبيه، عن الحسن بن محمد مثله (2). بيان: قوله صلى الله عليه واله: بلسان قومه، لعل المراد أن كل نبي من اولي العزم وغيرهم إنما كان يبعث أولا إلى قوم بلسانهم، وإن كان اولو العزم منهم يعم دينهم بعدهم أهل سائر اللغات بتوسط غير اولي العزم من الانبياء والاوصيآء، أو كان في زمانهم إيضا يبعث نبي آخر إلى قوم بلسانهم، فيبلغهم دين هذا النبي صلى الله عليه واله، وأما نبينا صلى الله عليه واله فإنه قد بعث إلى الجميع بلسانه (3)، وبلغهم ذلك في زمانه بنفسه، فبعث إلى كسرى وقيصر وسائر الفرق، وبلغهم رسالته. قوله صلى الله عليه واله: فمسألتي بالغة، أي دعوتي وشفاعتي كاملة تبلغ إلى يوم القيامة لهم، فأدعو لهم في الدنيا، وأشفع لهم في الآخرة. 7 - ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الله بن موسى (4)، عن محمد بن عبد الرحمن العرزمي (5)، عن المعلى بن هلال، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن عبد الله بن العباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: أعطاني الله تعالى خمسا، وأعطى عليا عليه السلام خمسا: أعطاني جوامع الكلم، وأعطي عليا جوامع العلم، وجعلني نبيا، وجعله


(1) مجالس ابن الشيخ: 35 و 36. (2) بشارة المصطفى: 103، وفيه وأعطى عليا مفاتيح الكلام. وفيه: لا يشرك به شيئا، فيرضى مواليا لوصيى محبا لاهل بيتى. (3) أي بالعربية. (4) هكذا في النسخة ومصدره، والظاهر أنه مصحف سعد، عن عبد الله بن موسى، كما يأتي في الحديث 12 في طريق الصدوق. (5) العرزمي بفتح العين وسكون الراء وفتح الزاي نسبة إلى جبانة عرزم بالكوفة، أو نسبة إلى عرزم: قوم كانوا بالبصرة، كما حكى عن ابن دريد، أو كما قال السمعاني في الانساب: وظني أنه بطن من فزاره، وجبانة عرزم الكوفة معروفة، ولعل هذه القبيلة نزلت بها فنسب الموضع إليهم.

[ 318 ]

وصيا، وأعطاني الكوثر وأعطاه السلسبيل، وأعطاني الوحي، وأعطاه الالهام، واسري بي إليه، وفتح له أبواب السماء (1) والحجب حتى نظر إلي ونظرت إليه، قال: ثم بكى رسول الله صلى الله عليه واله فقلت له: ما يبكيك فداك أبي وامي ؟ فقال: يا ابن عباس إن أول ما كلمني (2) به أن قال: يا محمد انظر تحتك، فنظرت إلى الحجب قد انخرقت، وإلي أبواب السماء قد فتحت (3)، ونظرت إلى علي وهو رافع رأسه إلي (4) فكلمني وكلمته وكلمني ربي عزوجل فقلت: يا رسول الله بم كلمك ربك ؟ قال: قال لي: يا محمد إني جعلت عليا وصيك ووزيرك وخليفتك من بعدك، فأعلمه، فها هو يسمع كلامك فأعلمته، وأنا بين يدي ربي عزوجل، فقال لي: قد قبلت وأطعت، فأمر الله الملائكة أن تسلم عليه ففعلت، فرد عليهم السلام ورأيت الملائكة يتباشرون به، وما مررت بملائكة من ملائكة السماء، إلا هنؤني وقالوا لي: يا محمد والذي بعثك بالحق لقد دخل السرور على جميع الملائكة باستخلاف الله عزوجل لك ابن عمك، ورأيت حملة العرش قد نكسوا رؤوسهم إلى الارض، فقلت: يا جبرئيل لم نكس حملة العرش رؤوسهم ؟ فقال: يا محمد ما من ملك من الملائكة إلا وقد نظر إلى وجه علي بن أبي طالب استبشارا به ما خلا حملة العرش، فإنهم استأذنوا الله عزوجل في هذه الساعة، فأذن لهم أن ينظروا إلى علي بن أبي طالب فنظروا إليه، فلما هبطت جعلت اخبره بذلك وهو يخبرني به، فعلمت أني لم أطأ موطئا (5) إلا وقد كشف لعلي عنه حتى نظر إليه، قال ابن عباس: قلت: يا رسول الله اوصني، فقال: عليك بمودة علي بن أبي طالب، والذي بعثني بالحق نبيا، لا يقبل الله من عبد حسنة حتى يسأله عن حب علي بن


(1) في الفضائل: أبواب السماوات. (2) في الروضة: كلمني ربى، وفي الفضائل: كلمني به ربى. (3) في الفضائل: قد انفتحت. وفي الروضة: فنظرت وإذا بالحجب قد اخترقت، وأبواب السماء قد تفتحت، حتى نظرت. (4) في الروضة: إلى السماء. (5) في الروضة: ما وطأت موضعا إلا وقد كشف له حتى نظر إلى ما نظرت إليه، فعند ذلك قال ابن عباس: يا رسول الله أحب أن توصيني بشئ قال: يا ابن عباس اعلم أن الله عزوجل لا يقبل حسنة من أحد حتى يسأله اه‍.

[ 319 ]

أبي طالب وهو تعالى أعلم، فإن جاءه بولايته قبل عمله على ما كان منه (1)، وإن لم يأت بولايته لم يسأله عن شئ ثم أمر به إلى النار، يا ابن عباس والذي بعثني بالحق نبيا إن النار لاشد غضبا على مبغض علي منها (2) على من زعم أن الله ولدا، يابن عباس لو أن الملائكة المقربين والانبياء المرسلين اجتمعوا على بغضه (3) ولن يفعلوا لعذبهم الله بالنار، قلت: يا رسول الله وهل يبغضه أحد ؟ قال: يابن عباس نعم يبغضه قوم يذكرون أنهم من امتي لم يجعل الله لهم في الاسلام نصيبا، يا ابن عباس إن من علامة بغضهم له تفضيلهم من هو دونه عليه (4)، والذي بعثني بالحق (5) ما بعث الله نبيا أكرم عليه مني، ولا وصيا أكرم عليه من وصيي علي، قال ابن عباس: فلم أزل له كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وأوصاني بمودته، وإنه لاكبر عملي عندي، قال ابن عباس: ثم مضى من الزمان ما مضى، وحضرت رسول الله صلى الله عليه واله الوفاة حضرته فقلت: فداك أبي وامي يا رسول الله قد دنا أجلك فما تأمرني ؟ فقال: يا ابن عباس خالف من خالف عليا ولا


(1) في المصدر: فان جاء بولايته. وفي الفضائل: فمن مات على ولايته وفيه: وإن لم يأت بولايته لا يقبل من عمله شئ، ثم يؤمر به إلى النار. وفي الروضة: فان كان من أهل الولاية قبل عمله على ما كان فيه، وإن لم يكن من أهل ولايته لم يسأله عن شئ حتى يأمر به إلى النار، وإن النار أشد بغضا على مبغض على ممن زعم أن لله ولدا. (2) في الفضائل: منهم. (3) في المصدر: على بغض علي، وفي الفضائل: على بغض علي بن أبي طالب مع ما يقع من عبادتهم في السماوات لعذبهم الله تعالى في النار. وفي الروضة: لو أن الملائكة والنبيين والمرسلين أجمعوا على بغض علي عليه السلام لعذبهم الله في جهنم، وما كانوا ليفعلوا، قلت: يا رسول الله وكيف يبغضونه ؟ قال: يابن عباس يكون قوم يذكرون أنهم من امتى لم يجعل الله لهم في الاسلام نصيبا، ويفضلون عليه غيره، والذي بعثنى بالحق نبيا، لا نبي أكرم على الله مني، ولا وصى أكرم على الله من وصيى علي ابن أبي طالب. هذا آخر الحديث في الروضة في رواية ابن مسعود وابن عباس، وذكر بعده عن ابن عباس فقط. (4) في الفضائل: لمن هو أدون منه عليه. (5) في المصدر والفضائل: بعثنى بالحق نبيا.

[ 320 ]

تكونن له ظهيرا (1) ولا وليا، قلت: يا رسول الله فلم لا تأمر الناس بترك مخالفته ؟ قال: فبكى عليه وآله السلام حتى اغمي عليه، ثم قال: يابن عباس سبق فيهم علم ربي، والذي بعثني بالحق نبيا لا يخرج أحد ممن خالفه من الدنيا وأنكر حقه حتى يغير الله تعالى ما به من نعمة، يابن عباس، إذا أردت أن تلقى الله وهو عنك راض فاسلك طريقة علي بن أبي طالب ومل معه حيث مال، وارض به إماما، وعاد من عاداه ووال من والاه، يابن عباس احذر (2) أن يدخلك شك فيه، فإن الشك (3) في علي كفر بالله تعالى (4). فض، يل: بالاسناد عن ابن مسعود وابن عباس مثله (5). بيان: قوله صلى الله عليه واله: ولن يفعلوا، أي والحال أنهم لا يفعلون ذلك أبدا، قوله صلى الله عليه وآله: وإنه لاكبر عملي أي أعد ولايته أكبر أعمالي. 8 - ب: ابن طريف (6)، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى جعل (7) الناس نصفين، فكنت في النصف الخير، ثم قسم النصف الخير ثلاثة فكتب في ثلث الخير، وما عرق في عرق سفاح قط، وما عرق في إلا عرق نكاح كنكاح الاسلام حتى آدم (8). توضيح: قوله صلى الله عليه واله: ثم قسم النصف الخير ثلاثة، المراد بنصف الخير أصحاب اليمين، ولعل المراد أنه قسمه نصفين حتى صارا مع أصحاب الشمال ثلاثة كما مر، أو الثلاثة باعتبار التسمية بالسابقين والمقربين، أو قسمة السابقين إلى الانبياء، وغيرهم،


(1) في المصدر والفضائل: ولا تكونن لهم ظهيرا. (2) في الفضائل: احذر من أن يدخلك. (3) في الروضة: فان اليسير من الشك فيه كفر. (4) مجالس ابن الشيخ: 64 - 65. (5) فضائل شاذان بن جبرئيل: 5 - 7، رواه عن ابن عباس فقط، الروضة: 156، وفيهما اختلافات لفظية ذكرت بعضها. (6) الصحيح: ظريف بالمعجمة، والرجل هو الحسن بن ظريف بن ناصح المذكور في التراجم. (7) في المصدر: قسم. وفيه: الثلث الاخير. (8) قرب الاسناد: 53.

[ 321 ]

أو إلى اولي العزم وغيرهم، وقال الفيروزآبادي: عرق في الارض: ذهب، وأعرق الشجر: اشتدت عروقه في الارض. 9 - ل: ابن بندار، عن محمد بن جمهور الحمادي، عن صالح بن محمد البغدادي، عن سعيد بن سليمان، ومحمد بن بكار، وإسماعيل بن إبراهيم قالوا: حدثنا الفرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي أمامة قال: قلت: يا رسول الله ما كان بدؤ أمرك ؟ قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بن مريم، ورأت امي أنه خرج منها شئ أضاءت منه قصور الشام (1). بيان: قوله: ما كان بدؤ أمرك، أي ابتداء ظهوره، ودعوة إبراهيم عليه السلام قوله: " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك (2) " وبشارة عيسى عليه السلام قوله: " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد (3) ". - 10 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي ابن فضال، عن ظريف بن ناصح، عن إبراهيم بن يحيى قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: قسم الله تبارك وتعالى أهل الارض قسمين، فجعلني في خيرهما، ثم قسم النصف الآخر على ثلاثة، فكنت خير الثلاثة، ثم اختار العرب من الناس، ثم اختار قريشا من العرب، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني عبد المطلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبد المطلب (4). 11 - ل: ابن بندار، عن مجاهد بن أعين، عن أبي بكر بن أبي العوام، عن بريدة (5)، عن سليمان التميمي، عن سيار، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: فضلت بأربع: جعلت (6) لامتي الارض مسجدا وطهورا، وأيما رجل من امتي أراد الصلاة فلم يجد


(1) الخصال 1: 83. (2) البقرة: 129. (3) الصف: 6. (4) الخصال 1: 19 و 20. (5) في المصدر في طبعيه: عن يزيد. (6) جعلت لى خ ل.

[ 322 ]

ماء ووجد الارض فقد جعلت له مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يسير بين يدي، واحلت لامتي الغنائم، وارسلت إلى الناس كافة (1). بيان: ظاهره أن البعثة إلى الناس كافة من خصائصه صلى الله عليه واله، وهو مخالف لما هو المشهور من أن بعض اولي العزم أيضا كانوا كذلك، ويمكن أن يحمل على أن المراد إرساله إلى كل من في زمانه ومن يأتي بعده من غير نسخ لشريعته، على أن التفضيل بتلك الامور لا ينافي شركة غيره معه فيها والله يعلم. 12 - ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد، عن عبد الله بن هارون (2)، عن محمد بن عبد الرحمن العرزمي، عن المعلى بن هلال، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: أعطاني الله خمسا، وأعطى عليا خمسا: أعطاني جوامع الكلم، وأعطى عليا جوامع العلم، وجعلني نبيا، وجعل عليا وصيا، وأعطاني الكوثر، وأعطي عليا السلسبيل، وأعطاني الوحي، وأعطى عليا الالهام، وأسرى بي إليه، وفتحت له أبواب السماء حتى رأى ما رأيت، ونظر إلى ما نظرت إليه، ثم قال: يا ابن عباس خالف (3) من خالف عليا ولا تكونن له ظهيرا ولا وليا، فوالذي بعثني بالحق ما يخالفه أحد إلا غير الله ما به من نعمة، وشوه (4) خلقه قبل إدخاله النار، يا ابن عباس لا تشك في علي فإن الشك فيه كفر (5) يخرج عن الايمان، ويوجب الخلود في النار (6). ل: أبي، عن سعد، عن عبد الله بن موسى بن هارون المفتي، عن محمد بن عبد الرحمن العرزمي إلى قوله: إلى ما نظرت إليه (7)، ثم قال: والحديث طويل (8).


(1) الخصال 1: 94. (2) هو عبد الله بن موسى بن هارون الاتى بعد ذلك. (3) في المصدر: يا بن عباس من خالف عليا فلا تكونن ظهيرا له ولا وليا. (4) أي قبح خلقه. (5) المصدر خال عن كلمة: كفر. (6) أمالي ابن الشيخ: 118. (7) في الخصال: وفتح له أبواب السماوات، والحجب حتى نظر إلى ما نظرت إليه. (8) الخصال 1: 141، ثم قال: أخذنا موضع الحاجة، وقد أخرجته بتمامه في كتاب المعراج.

[ 323 ]

13 - ل: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن ابن أبي عثمان، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الله تبارك وتعالى اختار من الانبياء أربعة للسيف: إبراهيم، وداود، وموسى، وأنا الخبر (1). 14 - ل: ابن الوليد، عن الصفار وسعد معا، عن ابن عيسى والبرقي معا، عن محمد البرقي، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود. عن سعيد بن جبير: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: اعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا، و نصرت بالرعب، واحل لي المغنم، واعطيت جوامع الكلم، واعطيت الشفاعة (2). 15 - ما: المفيد، عن عمر بن محمد الزيات، عن علي بن العباس، عن أحمد بن منصور الرقادي (3)، عن محمد بن مصعب، عن الاوزاعي، عن شداد أبي عمار، عن واثلة بن الاصقع (4) قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الله اصطفى إسماعيل من ولد إبراهيم، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشا من بني كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفاني من هاشم (5). 16 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن محمد بن سليمان، عن عبد السلام بن عبد الحميد إمام حران، عن موسى بن أعين، قال أبو المفضل: وحدثني نصر بن الجهم (6)، عن محمد * (هامش) (1) الخصال 1: 107، وللحديث صدر وذيل ترك المصنف ذكرهما هنا لعدم الحاجة إليهما (2) الخصال 1: 140 و 141. (3) هكذا في نسخة المصنف، وفي المصدر: الرمادي وهو الصحيح، قال ابن حجر في التقريب: 16: أحمد بن منصور بن سيار البغدادي الرمادي ابو بكر ثقة حافظ، طعن فيه أبو داود لمذهبه في الوقف في القرآن، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وستين (أي بعد المأتين) وله ثلاث و ثمانون. (4) هكذا في نسخة المصنف، وفي المصدر: واصلة بن الاصقع، وفي كل منهما وهم و الصحيح، واثلة بن الاسقع بالسين المهملة على ما في التقريب وأسد الغابة وغيرهما، وقد صرح الفيروزآبادي أيضا بذلك في القاموس في السقع. (5) أمالي ابن الشيخ: 154. (6) في المصدر: أبو القاسم المفيد بأردبيل.

[ 324 ]

ابن مسلم بن وارة (1) عن محمد بن مسلم بن أعين (2)، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين عن النبي صلى الله عليه واله قال: اعطيت خمسا لم يعطهن نبي كان قبلي: ارسلت إلى الابيض والاسود والاحمر، وجعلت لي الارض (3) مسجدا، ونصرت بالرعب، واحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد - أو قال: لنبي قبلي، واعطيت جوامع الكلم، قال عطا: فسألت أبا جعفر عليه السلام قلت: ما جوامع الكلم ؟ قال: القرآن، قال أبو المفضل: هذا حديث حران ولم يحدث به في هذا الطريق إلا موسى بن جعفر (4) الحراني (5). أقول: الابواب مشحونة بأخبار فضائله صلى الله عليه واله، وقد مر خبر جابر في باب أسمائه صلى الله عليه وآله في ذلك. 17 - ما: ابن بسران (6)، عن إسماعيل بن محمد الصفار، عن الحسن بن عرفة، عن هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت ؟


(1) في المصدر: محمد بن مسلم بن زوارة، وفيه وهم، والصحيح ما في الصلب. والرجل هو محمد بن مسلم بن عثمان بن عبد الله الرازي المعروف بابن وارة بفتح الراء المخففة. (2) هكذا في نسخة المصنف، وفي المصدر: محمد بن موسى بن اعين، وهو الصحيح وهو محمد بن موسى بن أعين الجزري أبويحيى الحراني، صرح ابن حجر في تهذيب التهذيب 9: 479 أنه يروى عن أبيه، وفي ابن وارة المذكور في 451 أنه يروي عن محمد بن موسى بن أعين الجزري. وسيأتي في ذيل الخبر ما يؤيد أيضا ذلك. (3) في المصدر: طهورا ومسجدا. (4) هكذا في النسخة، والصحيح كما في المصدر: موسى بن أعين الحراني. (5) أمالي ابن الشيخ: 309. (6) هكذا في النسخة، وفي المصدر: ابن بشران ولعله الصحيح، وسماه الطوسي في الامالي: 251: أبا الحسن بن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل. أقول: ولعل كلمة (ابن) قبل على زيادة من النساخ.

[ 325 ]

فأقول: أنا محمد، فيقول: بك امرت أن لا أفتح لاحد قبلك (1). 18 - شى: عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام قال: " إني أوحيت إليك كما أوحيت إلى نوح والنبيين من بعده " فجمع له كل وحي. بيان: في القرآن: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا (2) " ولعل في قرائتهم عليهم السلام كان هكذا، أو نقل للآية بالمعنى (3)، والغرض أن المراد بالتشبيه التشبيه الكامل، فكل ما اوحي إليهم أوحي إليه صلى الله عليه واله. 19 - جا: المراغي، عن عبد الكريم بن محمد، عن عثمان بن أبي شيبة، عن مصعب، عن الاوزاعي، عن شداد أبي عمار (4)، عن واثلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم (5). 20 - ن: بالاسناد (6) إلى دارم، عن الرضا، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه واله قال: أنا خاتم النبيين، وعلي خاتم الوصيين (7). 21 - ن: بالاسانيد الثلاثة (8) عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا سيد ولد آدم ولا فخر (9).


(1) أمالي ابن الشيخ: 252. (2) النساء: 162. (3) أو وقع التصحيف من نساخ تفسير العياشي، ولعله أنسب لانا رأينا أن أبا جعفر عليه السلام قرء على ما هو الموجود في المصحف الشريف في رواية اخرى وأيضا لو كانت له قراءة غير ما هو المشهور لنقلت لنا. (4) المراغي هو أبو الحسن علي بن خالد المراغي، وعبد الكريم وصفه في المصدر بالجبلي، ومصعب وصفه بالقرقستاني، وشداد هو ابن عبد الله القرشي ابو عمار الدمشقي. (5) مجالس المفيد: 126، وفيه سقط. (6) اسناد دارم مذكور في الفصل الرابع من المقدمة. راجع ج 1: 52. (7) عيون أخبار الرضا: 23. (8) الاسانيد الثلاثة مذكورة بتفصيلها في الفصل الرابع من المقدمة. راجع ج 1: 51. (9) عيون أخبار الرضا: 202.

[ 326 ]

22 - ما: أبو عمرو عبد الواحد بن محمد بن مهدي، عن ابن عقدة، عن الحسن بن جعفر بن مدرار، عن عمه طاهر، عن الحسن بن عمار، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق الارض عنه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع (1). 23 - شى: عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (2) " حتى نزلت سورة الفتح فلم يعد إلى ذلك الكلام (3). بيان: إنما لم يعد صلى الله عليه واله إلى هذا القول لقوله تعالى: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ". 24 - ل: إسماعيل بن منصور القصار، عن محمد بن القاسم بن محمد بن عبد الله العلوي (4)، عن سليمان بن عبد الله الدمشقي، عن أحمد بن أبان، عن عبد العزيز بن محمد، عن موسى (5) ابن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ام هاني بنت أبي طالب قالت: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أظهر الله تبارك وتعالى الاسلام على يدي، وأنزل الفرقان علي، وفتح الكعبة على يدي، وفضلني على جميع خلقه، وجعلني في الدنيا سيد ولد آدم، وفي الاخرة، زين القيامة، و حرم دخول الجنة على الانبياء حتى أدخلها أنا، وحرمها على اممهم حتى تدخلها امتي، وجعل الخلافة في أهل بيتي من بعدي إلى النفخ في الصور، فمن كفر بما أقول فقد كفر بالله العظيم (6).


(1) أمالي ابن الشيخ: 170. (2) الانعام: 15. (3) أخرجه البحراني أيضا في تفسير البرهان 4: 195. وأخرج أيضا حديث زرارة وحمران في ج 1: 427. (4) في المصدر: عبد الله بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام. (5) في المصدر: ابن موسى بن عبيدة، وهو مصحف، والرجل هو موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي أبو العزيز المدني، ضعفه ابن حجر في التقريب: 513 لا سيما في عبد الله بن دينار، توفي في 153. أقول: في تضعيفه نظر. (6) الخصال 2: 42.

[ 327 ]

25 - ج: عن ابن عباس قال: خرج من المدينة أربعون رجلا من اليهود، قالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الكاهن الكذاب حتى نوبخه في وجهه ونكذبه، فإنه يقول: أنا رسول الله رب العالمين (1)، فكيف يكون رسولا وآدم خير منه، ونوح خير منه ؟ وذكروا الانبياء عليهم السلام، فقال النبي صلى الله عليه واله لعبدالله بن سلام: التوراة بيني وبينكم، فرضيت اليهود بالتوراة، فقالت اليهود: آدم خير منك لان الله تعالى خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، فقال النبي صلى الله عليه واله آدم النبي أبي، وقد اعطيت أنا أفضل مما اعطي آدم، فقالت اليهود: وما ذاك ؟ قال: إن المنادي ينادي كل يوم خمس مرات: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله (2)، ولم يقل آدم رسول الله، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة، وليس بيد آدم، فقالت اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في التوراة، قال: هذه واحدة، قالت اليهود: موسى خير منك، قال النبي صلى الله عليه واله ولم ؟ قالوا: لان الله عزوجل كلمه بأربعة آلاف كلمة، ولم يكلمك بشئ، فقال النبي صلى الله عليه واله: لقد اعطيت أنا أفضل من ذلك، قالوا: وما ذاك ؟ قال: قوله عزوجل: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله (3) " وحملت على جناح جبرئيل عليه السلام حتى انتهيت إلى السماء السابعة فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، حتى تعلقت بساق العرش، فنوديت من ساق العرش: " إني أنا الله لا إله إلا أنا، السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الرؤوف الرحيم " ورأيته بقلبي، وما رأيته بعيني، فهذا أفضل من ذلك، فقالت اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في التوراة، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: هذا إثنان، قالوا: نوح خير منك (4)، قال النبي صلى الله عليه واله: ولم ذلك ؟ قالوا: لانه ركب في السفينة (5) فجرت على الجودي، قال النبي صلى الله عليه واله: لقد اعطيت أنا أفضل من ذلك، قالوا: وما ذاك ؟ قال: إن الله عزوجل أعطاني


(1) في المصدر: رسول رب العالمين. (2) في المصدر: وأن محمدا رسول الله. (3) الاسراء: 1. (4) في المصدر: هذه اثنتان، قالوا: نوح أفضل منك. (5) في المصدر: ركب السفينة.

[ 328 ]

نهرا في السماء مجراه من تحت العرش، وعليه ألف ألف قصر لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، حشيشها الزعفران، ورضراضها (1) الدر والياقوت، وأرضها المسك الابيض، فذاك خير لي ولامتي، وذلك قوله تعالى: " إنا أعطيناك الكوثر (2) " قالوا: صدقت يا محمد، وهو مكتوب في التوراة، هذا خير من ذاك، قال النبي صلى الله عليه واله: هذه ثلاثة، قالوا: إبراهيم خير منك، قال: ولم ذاك ؟ قالوا: لان الله اتخذه خليلا، قال النبي صلى الله عليه واله: إن كان إبراهيم خليله فأنا حبيبه محمد، قالوا: ولم سميت محمدا ؟ قال: سماني الله محمدا، وشق اسمي من اسمه، هو المحمود وأنا محمد، وامتي الحامدون (3)، قالت اليهود: صدقت يا محمد هذا خير من ذاك، قال صلى الله عليه واله: هذه أربعة، قالت اليهود: عيسى خير منك، قال صلى الله عليه واله: ولم ذاك ؟ قالوا: لان عيسى بن مريم عليه السلام كان ذات يوم بعقبة بيت المقدس فجاءته الشياطين ليحملوه، فأمر الله عزوجل جبرئيل أن اضرب بجناحك الايمن وجوه الشياطين، وألقاهم في النار، فضرب بأجنحته وجوههم وألقاهم في النار، قال النبي صلى الله عليه واله: أنا اعطيت أفضل من ذلك، قالوا: وما هو ؟ قال: أقبلت يوم بدر من قتال المشركين وأنا جائع شديد الجوع، فلما وردت المدينة استقبلتني امرأة يهودية وعلى رأسها جفنة، وفي الجفنة جدي مشوي، وفي كمها شئ من سكر، فقالت: الحمد لله الذي منحك السلامة، وأعطاك النصر والظفر على الاعداء، وإني قد كنت نذرت لله نذرا إن أقبلت سالما غانما من غزاة بدر لاذبحن هذا الجدي و لاشوينه ولاحملنه إليك لتأكله، قال النبي صلى الله عليه واله: فنزلت عن بغلتي الشهباء فضربت بيدي إلى الجدي لآكله فاستنطق الله الجدي، فاستوى على أربع قوائم، وقال: يا محمد لا تأكلني فإني مسموم، قالوا: صدقت يا محمد هذا خير من ذاك، قال النبي صلى الله عليه واله: هذه خمسة، قالوا: بقيت واحدة، ثم نقوم من عندك، قال: هاتوا، قالوا: سليمان خير منك قال: ولم ذاك ؟ قالوا: لان الله عزوجل سخر له الشياطين والانس والجن (4) والرياح


(1) الرضراض: ما صغر ودق من الحصى. (2) الكوثر: 1. (3) وامتى الحامدون على كل حال. (4) زاد في المصدر: والطير.

[ 329 ]

والسباع، فقال النبي صلى الله عليه وآله: فقد سخر الله لي البراق، وهو خير من الدنيا بحذافيرها، وهي دابة من دواب الجنة، وجهها مثل وجه آدمي، وحوافرها مثل حوافر الخيل، وذنبها مثل ذنب البقر، فوق الحمار ودون البغل، سرجه من ياقوتة حمراء، وركابه من درة بيضاء، مزمومة بسبعين ألف زمام (1) من ذهب، عليه جناحان مكللان بالدر والياقوت والزبرجد، مكتوب بين عينيه إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، قالت اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في التوراة، هذا خير من ذاك يا محمد، نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، قال لهم رسول الله: لقد أقام نوح في قومه ودعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم وصفهم الله فقللهم فقال: " وما آمن معه إلا قليل " ولقد تبعني في سني القليلة (2) ما لم يتبع نوحا في طول عمره وكبر سنه، وإن في الجنة عشرين ومأة ألف صف، امتي منها ثمانون صفا (3)، وإن الله عزوجل جعل كتابي المهيمن على كتبهم، الناسخ لهم، ولقد جئت بتحليل ما حرموا، وبتحريم بعض ما حللوا (4) من ذلك، إن موسى جاء بتحريم صيد الحيتان يوم السبت حتى أن الله قال: لمن اعتدى منهم (5): " كونوا قردة خاسئين (6) " فكانوا، ولقد جئت بتحليل صيدها حتى صار صيدها حلالا، قال الله عزوجل: " احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم (7) " وجئت بتحليل الشحوم كلها وكنتم لا تأكلونها، ثم إن الله عزوجل صلى على في كتابه قال الله: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (8) " ثم وصفني الله تعالى بالرأفة والرحمة، وذكر


(1) في المصدر: بألف زمام. (2) في المصدر وكتاب الاحتجاجات: ولقد تبعني في سنى القليلة وعمري اليسير. (3) الف صف خ ل صح، اقول: في المصدر: " وإن في الجنة عشرين ومائة صف، امتى منها ثمانون صفا " وهو الصحيح كما تقدم في الاحتجاجات. (4) في المصدر: ما أحلوا. (5) في المصدر: حتى أن الله تعالى قال لمن اعدى منهم في صيدها يوم السبت كونوا قردة خاسئين. (6) البقرة: 65. (7) المائدة: 96. (8) الاحزاب: 56.

[ 330 ]

في كتابه: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (1) " فأنز الله (2) عزوجل أن لا يكلموني حتى يتصدقوا بصدقة، وما كان ذلك لنبي قط، قال الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجويكم صدقة (3) " ثم وضعها عنهم بعد أن فرضها عليهم برحمته (4). 26 - سن: أبو إسحاق الثقفي، عن محمد بن مروان، عن أبان بن عثمان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أعطى محمدا شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام: التوحيد والاخلاص وخلع الانداد والفطرة الحنيفية (5) السمحة، لا رهبانية ولا سياحة (6)، احل فيها الطيبات، وحرم فيها الخبيثات، ووضع عنهم


(1) التوبة: 128. (2) في المصدر: وأنزل الله. (3) المجادلة: 12. (4) الاحتجاج: 28 و 29، وفيه: بعد أن افترضها عليهم برحمته ومنته، وأخرجه المصنف، أيضا في كتاب الاحتجاجات. راجع 9: 298 - 292. وذكر هنا وجها لذكر عيسى عليه السلام و أكل الجدى. (5) والحنفية خ ل، وهو الموجود في المصدر. والسمحة: السهلة. (6) قد كانت الرهبانية وهي الاعتزال عن الناس إلى دير أو كهف أو مغارة للتعبد والسياحة في الامصار وهي التعطل عن المشاغل وعدم الدخول فيما يهم المجتمع من الصناعات والتجارات ما شاعت في النصارى، وكانت بدعة ابتدعوها في دين المسيح عليه السلام ولم تكن في دينه، ثم انتشرت منهم في البلاد والمذاهب حتى جاء الاسلام، فرأى أنها جريمة تضر بالمجتمع، وتهدم أساس الحضارة، وتبطل حقوق الانسانية، ونواميس البشرية مع أن الله تعالى وضع الاديان حفظا لنواميس الاجتماع، وابقاء للنوع الانساني، فهدم صلى الله عليه وآله أساس الرهبنة، وانقض اركانه فقال: " لا رهبانية ولا سياحة " ووضع أساس الدين على ما يصلح به الدنيا والاخرة، و شرع قوانين يفوز عامله في الدارين جميعا، فلم يكن حثه على الصلاة مثلا بأكثر من حثه على التجارة والزراعة والنكاح، ولم يكن نظره إلى ما يصلح به الدنيا أقصر من نظره إلى ما يصلح الاخرة به، وكان يصف نفسه بذى العينين إيعازا إلى ذلك، هذا ما جاء به نبي الاسلام نبى الرحمة والحكمة، وأما المسلمون فلم نعلم كيفما غفلوا عن هذا النواميس الاسلامية وقوانينها وتعليم نبيهم فكيف أثر فيهم ما كان نبيهم يحذرهم عنه ؟ كيف أثر فيهم تعاليم الرهبنة ؟ ومن أين اعدوا من هذا الداء المزمن والسم الناقع ؟ فأصبحوا مستضعفين في الارض، مقهورين في أيدي من كانوا يسودون عليهم في الامس، سبحانك اللهم ما جزيتنا إلا بسوء أعمالنا وبرفضنا تعاليم نبيك، نسيناك فأنسيتنا أنفسنا، و ما تجازى إلا الكفور.

[ 331 ]

إصرهم والاغلال التي كانت عليهم، فعرف فضله بذلك، ثم افترض عليه فيها الصلاة و الزكاة والصيام والحج والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحلال والحرام، و المواريث والحدود والفرائض والجهاد في سبيل الله وزاده الوضوء، وفضله بفاتحة الكتاب، وبخواتيم سورة البقرة والمفصل (1)، وأحل له المغنم والفئ، ونصره بالرعب، وجعل له الارض مسجدا وطهورا، وأرسله كافة إلى الابيض والاسود، والجن والانس، وأعطاه الجزية، وأسر المشركين وفداهم، ثم كلف ما لم يكلف أحد (2) من الانبياء، أنزل عليه سيفا من السماء في غير غمد، وقيل له: " قاتل (3) في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك (4) ". كا: علي، عن أبيه، عن البزنطي، والعدة عن البرقي، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن مروان جميعا، عن أبان بن عثمان مثله (5). بيان: الظاهر أن المراد بالشرائع اصول الدين، وقوله: التوحيد والاخلاص و خلع الانداد بيان لها، والفطرة الحنيفية معطوف على الشرائع، وإنما خص عليه السلام ما به الاشتراك بهذه الثلاثة مع اشتراك كثير من العبادات بينه صلى الله عليه وآله وبينهم لاختلاف الكيفيات فيها دون هذه الثلاثة، ويحتمل أن يكون المراد بها الاصول واصول الفروع المشتركة، وإن اختلف في الخصوصيات والكيفيات، وحينئذ يكون جميع تلك الفقرات إلى قوله عليه السلام: وزاده بيانا للشرائع، ويشكل بالرهبانية والسياحة إذ المشهور أن


(1) قال الطريحي في مجمع البحرين: في الحديث فصلت بالمفصل، قيل: سمى به لكثرة ما يقع فيه من فصول التسمية بين السور، وقيل: لقصر سوره، واختلف في اوله، فقيل: من سورة ق، وقيل: من سورة محمد، وقيل: من سورة الفتح، وعن النووي مفصل القرآن من محمد، و قصاره من الضحى إلى آخره، ومطولاته إلى عم، ومتوسطاته إلى الضحى، وفي الخبر: المفصل ثمان وستون سورة. (2) أحدا خ ل أقول: وفي المصدر: ثم كلفه ما لم يكلف احدا من الانبياء. (3) النساء: 84، فيه: فقاتل. (4) المحاسن: 287 و 288. (5) الاصول 2: 17.

[ 332 ]

عدمهما من خصائصه صلى الله عليه وآله، إلا أن يقال: المراد عدم الوجوب، وهو مشترك، أو يقال: إنهما لم يكونا في شريعة عيسى عليه السلام أيضا، بل كانتا من مبتدعات امته، كما يؤمي إليه قوله تعالى: " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم (1) " أو يقال: ذكر هذا من خصائصه صلى الله عليه واله بين الكلام لبيان الفرق، وأما الجهاد فيمكن أن يكون واجبا على عيسى عليه السلام بشرط لم يتحقق، فلذا لم يجاهد، والاول أظهر، وإن كان قوله: وزاده وفضله بالاخير أوفق، والاصر بالكسر: الذنب، والثقل، والمراد بالاصر والاغلال التكاليف الشاقة التي كانت على الامم السالفة، وخواتيم سورة البقرة من قوله تعالى: " آمن الرسول (2) " إلى آخر السورة، والمفصل من سورة محمد إلى آخر القرآن. 27 - قب: فارق نبينا صلى الله عليه واله جماعة النبيين بمأة وخمسين خصلة، منها في باب النبوة، قوله: " وخاتم النبيين " (3) وقوله: " اعطيت جوامع الكلم " وقوله: " ارسلت إلى الخلق كافة " وبقاء دولته: " ليظهره على الدين كله (4) " والعجز عن الاتيان بمثل كتابه: " قل لئن اجتمعت الانس والجن (5) " وكان ممنوعا من الشعر وروايته: " وما علمناه الشعر (6) " وتسهيل شريعته: " ما جعل عليكم في الدين من حرج (7) " وإضعاف ثواب الطاعة: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها (8) " ورفع العذاب: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم (9) " وفرض محبة أهل بيته: " قل لا أسئلكم عليه أجرا (10) " وفي باب امته: " كنتم خير امة (11) * هو سماكم المسلمين (12) * إنما المؤمنون (13) * الذين اصطفينا من عبادنا (14) * هو اجتباكم الله (15) * ولي الذين آمنوا (16) * هو الذي يصلي عليكم (17) *


(1) الحديد: 27. (2) البقرة: 285 و 286. (3) الاحزاب: 40. (4) التوبة: 34. والفتح: 28. والصف: 9. (5) الاسراء: 88. (6) يس: 69. (7) الحج: 78. (8) الانعام: 160. (9) الانفال: 34. (10) الشورى: 23. (11) آل عمران: 110. (12) الحج: 78. (13) الانفال: 2. والنور: 62. (14) فاطر: 32. (15) الحج: 78. (16) البقرة: 255. (17) الاحزاب: 43.

[ 333 ]

ويستغفرون للذين آمنوا (1) " يعني الملائكة، وإفشاء السلام " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا (2) " وفي باب الطهارة كمال الوضوء، والتيمم، والاستنجاء بالحجارة، وإن الماء مزيل للنجاسات، وأن لا يؤثر النجاسة في الماء الكثير، وقوله: جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا، وكان ينام ثم يصلي ويقول: " تنام عيني ولا تنام قلبي " ويقال: فرض عليه السواك، وهو قد سنه لنا. وفي باب الصلاة: الاذان والاقامة، والجمعة، والجماعة، والركوع، والسجوتين، والتشهد، والسلام، وصلاة الليل، والوتر، وصلاة الكسوفين، والاستسقاء، وصلوة العشاء الآخرة. وفي باب الزكاة: حرم عليه الزكاة والصدقة، وهدية الكافر، وأحل له الخمس والانفال والغنيمة، وجعل زكاة المال ربع الخمس، لا ربع المال. وفي باب الصيام: " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن (3) " وليلة القدر، والعيدين، وتحليل الطعام والشراب، واللمس ليال الصيام إلى وقت الصبح، وحرم صوم الوصال، وقالوا: ابيح له الوصال في الصوم، وكتب عليه الاضحية وسنها لنا، وكذلك الفطرة على وجه. وفي باب الحج يقال: احل له دخول مكة بغير إحرام، وعقد النكاح وهو محرم، وفي باب الجهاد " يمددكم ربكم (4) " وقوله " نصرت بالرعب، واحلت لي الغنائم " وكان إذا لبس لامته (5) لم ينزعها حتى يقاتل، ولا يرجع إذا خرج، ولا ينهزم إذا لقى العدو وإن كثروا عليه، وإنه أفرس العالمين، وخص بالحمى. وفي باب النكاح: حرم عليه نكاح الاماء والذميات، والامساك بمن كرهت نكاحه، وحرم أزواجه على الخلق، وخص بإسقاط المهر، والعقد بلفظ الهبة، والعدد ما شآء بعد


(1) غافر: 70. (2) الانعام: 54. (3) البقرة: 185. (4) آل عمران: 125. (5) اللامة: الدرع.

[ 334 ]

التخيير، والعزل عمن أراد، وكان طلاقه زائدا على طلاق امته، والواحدة من نسائه إذا أتت بفاحشة ضعف لها العذاب. أبو عبد الله عليه السلام في قوله: " لا تحل لك النساء من بعد (1) " يعني قوله: " حرمت عليكم امهاتكم (2) " الآية. وفي باب الاحكام: تخفيف الامر على امته، والقربان بغير الفضيحة، وتيسير التوبة بغير القتل، وستر المعصية على المذنب، ورفع الخطآء والنسيان وما استكره عليه، والتخيير بين القصاص والدية والعفو، والفرق بين الخطآء والعمد، والتوبة من الذنب دون إبانة العضو، وتحليل مجالسة الحائض، والانتفاع بما نالته، وتحليل تزويج نساء أهل الكتاب لامته. وفي باب الآداب: لم يكن له خائنة الاعين، يعني الغمز بالعين، والرمز باليد، وحرم عليه أكل الثوم على وجهه. وفي باب الآخرة وذلك أنه أول من تنشق عنه الارض، وأول من يدخل الجنة: وأنه يشهد لجميع الانبياء بالادآء، وله الشفاعة، ولواء الحمد والحوض والكوثر، ويسأل في غير يوم القيامة، وكل الناس يسألون في أنفسهم، وأنه أرفع النبيين درجة، وأكثرهم امة (3). 28 - قب: كان له اثنان وعشرون خاصية: كان أحسن الخلائق: " الذي خلقك فسواك (4) " وأجملهم: " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم (5) " وأطهرهم: " طه * ما أنزلنا (6) " وأفضلهم: " وكان فضل الله عليك كبيرا (7) " وأعزهم: " لقد جاءكم رسول (8) "


(1) الصحيح: لا يحل. راجع الاحزاب: 52. (2) النساء: 22. (3) مناقب آل أبي طالب 1: 98 و 99. (4) الانفطار: 7. (5) التين: 4. (6) طه: 1 و 2. (7) في المصحف الشريف: عظيما. راجع النساء: 113 (8) التوبة: 128.

[ 335 ]

وأشرفهم: " إنا أرسلناك (1) " وأظهر معجزة: " قل لئن اجتمعت الانس والجن (2) " وأهيب الناس: " سنلقي في قلوب الذين (3) " وأكملهم سعادة: " عسى أن يبعثك ربك (4) " وأكرمهم كرامة: " سبحان الذي أسرى (5) " وأقربهم منزلة: " ثم دنى فتدلى (6) " وأقواهم نصرة: " وينصرك الله نصرا (7) " وأصحهم رؤيا: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا (8) " وأكملهم رسالة: " الله نزل أحسن الحديث (9) " وأحسنهم دعوة: " فبشر عبادي الذين (10) " وأعصمهم عصمة: " والله يعصمك (11) " وأبعدهم صيتا: " ورفعنا لك ذكرك (12) " وأحسنهم خلقا: " وإنك لعلى خلق (13) " وأبقاهم ولاية: " ليظهره على الدين كله (14) " وأعلاهم خاصية (15): " لعمرك (16) " وأجلهم خليفة: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا (17) " وأطهرهم أولادا: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس (18) " وإن الله تعالى وضع ثلاثة أشياء على هوى الرسول: الصلاة: " ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار (19) " والشفاعة: " ولسوف يعطيك ربك (20) " والقبلة: " فلنولينك قبلة (21) " كقول الناس: من حب فلان لفلان أنه إن أمره يتحويل القبلة لحولها، وأعطى التوراة لموسى عليه السلام، والانجيل لعيسى عليه السلام، والزبور لداود عليه السلام، وقال النبي صلى الله عليه واله: اوتيت السبع الطوال مكان التوراة، والمائين مكان الانجيل، والمثاني مكان الزبور، وفضلني ربي بالمفصل، وإنه


(1) البقرة: 119. والاحزاب: 45. (2) الاسراء: 88. (3) آل عمران: 151. (4) الاسراء: 79. (5) الاسراء: 1. (6) النجم: 8. (7) الفتح: 3. (8) الفتح: 27. (9) الزمر: 23. (10) الزمر: 17 و 18. (11) المائدة: 67. (12) الشرح: 4. (13) القلم: 4. (14) التوبة: 33، والفتح: 28. والصف: 9. (15) خاصة خ ل. (16) الحجر: 72. (17) الاحزاب: 33. (18) المائدة: 55. (19) طه: 13. (20) الضحى: 5. (21) البقرة: 144.

[ 336 ]

شاركه مع نفسه في عشرة مواضع: " ولله العزة ولرسوله (1) * أطيعوا الله وأطيعوا الرسول (2) * ومن يعص الله ورسوله (3) * إن الذين يؤذون الله ورسوله (4) * استجيبوا لله وللرسول (5) * وينصرون الله ورسوله (6) * إذا نصحوا لله ولرسوله (7) * فأذنوا بحرب من الله ورسوله (8) * فآمنوا بالله ورسوله (9) * ومن يتول الله ورسوله (10) " ومن جلالة قدره أن الله نسخ بشريعته سائر الشرايع، ولم ينسخ شريعته (11)، ونهى الخلق أن يدعوه باسمه: " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا (12) " وإنما كان ينبغي أن يدعى (13) له: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، ولم يأذن بالجهر عليه: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي (14) " وإن الله تعالى أرسل سائر الانبياء إلى طائفة دون اخرى، قوله: " وما أرسلنا من نبي إلا بلسان قومه (15) " كما قال:


(1) المنافقون: 8. (2) النساء: 59. المائدة: 92. النور: 54. محمد: 33. التغابن: 12. (3) النساء: 14. الاحزاب: 36. الجن: 23. (4) الاحزاب: 57. (5) الانفال: 24. (6) الحشر: 8. (7) هكذا في النسخة ومصدره، والصحيح كما في المصحف الشريف: ورسوله. راجع التوبة: 91. (8) البقرة: 279. (9) الاعراف: 158. التغابن: 8. (10) المائدة: 59. (11) أي بارسال نبى بعده، فانه خاتم النبيين. (12) النور: 63. (13) في المصدر: أن يدعو له. (14) الحجرات: 2. (15) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح كما في المصحف الشريف: من رسول. راجع ابراهيم: 4

[ 337 ]

" إنا أرسلنا نوحا إلى قومه (1) * وإلى عاد أخاهم هودا (2) * وإلى ثمود أخاهم صالحا (3) " قرية واحدة لم يكمل (4) له أربعين بيتا " وإلى مدين أخاهم شعيبا (5) " ولم تكمل أربعين بيتا " ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون (6) " إلى مصر وحدها، وأرسل إبراهيم عليه السلام بكوثى (7)، وهي قرية من السواد، وكان بعده لاسحاق عليه السلام، ويعقوب عليه السلام في أرض كنعان، ويوسف عليه السلام في أرض مصر، ويوشع عليه السلام إلى بني إسرائيل في البرية، وإلياس عليه السلام في الجبال، وأرسل نبينا صلى الله عليه واله إلى الناس كافة قوله: " نذيرا للبشر (8) " وإلى الجن أيضا قوله: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن (9) " وإلى الشياطين أيضا، قال صلى الله عليه واله: إن الله أعانني على شيطان حتى أسلم على يدي. قوله: " وما أرسلناك إلا كافة (10) " وقال قوله صلى الله عليه واله: " بعثت إلى الاحمر والاسود والابيض " وقال صلى الله عليه واله: " بعثت إلى الثقلين (11) " وإنه علق خمسة أشياء باتباعه: المحبة (12) " فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم (13) ".


(1) نوح: 1. (2) الاعراف: 65. هود: 50. (3) الاعراف: 73. هود: 61. (4) في المصدر: لم تكمل. (5) الاعراف: 85 هود: 84. العنكبوت: 36. (6) المؤمنون: 45. (7) كوثى العراق كوثيان: أحدهما كوثى الطريق، والاخر كوثى ربى، وبها مشهد ابراهيم الخليل عيله السلام وبها مولده، وهما من أرض بابل، وبها طرح إبراهيم عليه السلام في النار، وهما ناحيتان. قاله ياقوت. (8) المدثر: 36. (9) الاحقاف: 29. (10) سبأ: 28. (11) الثقل محركة: متاع السفر وحشه، وكل شئ نفيس مصون، ومنه الحديث: " إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " قاله الفيروزآبادي في القاموس، وقال الجزري في النهاية: فيه: " إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " سماهما ثقلين، لان الاخذ بهما والعمل بهما ثقيل، ويقال لكل خطير: ثقل، فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما. (12) والمغفرة ظ. (13) آل عمران: 31.

[ 338 ]

والفلاح: " فاتبعوه لعلكم تفلحون (1) " والهداية: " فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى (2) " والرحمة: " فسأكتبها للذين (3) الآية (4) "، وإنه مدح كل عضو من أعضائه: نفسه: " لا تكلف إلا نفسك (5) " رأسه: " يا أيها المدثر (6) " شعره: " والليل إذا سجى (7) " عينه: " ولا تمدن عينيك (8) " بصره: " ما زاغ البصر (9) " اذنه: " ويقولون: هو اذن (10) " لسانه: فإنما يسرناه بلسانك (11) " كلامه: " وما ينطق عن الهوى (12) " وجهه: قد نرى تقلب وجهك (13) " خده: " ولا تصعر خدك (14) " فؤاده: " ما كذب الفؤاد (15) " قلبه: " على


(1) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح كما في المصحف الشريف: " واتبعوه لعلكم تهتدون " راجع الاعراف: 158. (2) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح كما في المصحف الشريف " فمن اتبع " راجع طه: 123. (3) الاعراف: 139. (4) زاد في المصدر بعد ذلك، المقام أربعة: مقام الشوق لشعيب حيث بكى من خوف الله، ومقام السلام لابراهيم (إذ جاء ربه بقلب سليم) ومقام المناجاة لموسى (وقربناه نجيا) ومقام المحبة للنبي صلى الله عليه وآله (فكان قاب قوسين). وسمى الله تعالى نوحا شكورا: (إنه كان عبدا شكورا) وإبراهيم حليما: (إن ابراهيم لحليم) وموسى كليما: (وكلم الله موسى تكليما) وجمع له كما جمع لنفسه فقال: (إن الله بالناس لرؤوف رحيم) وله (بالمؤمنين رؤف رحيم) قيل: هما واحد، وقيل: الرؤف شدة الرحمة، رؤف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين، رؤف بأقربائه، رحيم بأصحابه، رؤف بعترته، رحيم بامته، رؤف بمن رآه، رحيم بمن لم يره، وإنه مدح اه‍. (5) النساء: 84. (6) المدثر: 1. (7) الضحى: 2. (8) طه: 131. (9) النجم: 17. (10) التوبة: 61. أقول: بل قوله تعالى: (قل اذن خير لكم). (11) مريم: 97. الدخان: 58. (12) النجم: 3. (13) البقرة: 144. (14) لقمان: 18، أقول: ذلك قول لقمان لابنه. (15) النجم: 11.

[ 339 ]

قلبك (1) " صدره: " ألم نشرح لك صدرك (2) " ظهره: " الذي أنقض ظهرك (3) " يده: " ولا تجعل يدك (4) " قيامه: " حين تقوم (5) " صوته: " فوق صوت النبي (6) " رجله: " طه * ما أنزلنا (7) " يعني طأ الارض بقدميك، روحه: " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (8) " خلقه: " وإنك لعلى خلق عظيم (9) " ثوبه: " وثيابك فطهر (10) " علمه: " وعلمك ما لم تكن تعلم (11) " صلاته: " فتهجد به نافلة لك (12) " صومه: " إن لك في النهار (13) " كتابه: " وإنه لكتاب عزيز (14) " دينه: " دينهم الذي ارتضى لهم (15) " امته: " كنت خير امة (16) " قبلته: فلنولينك قبلة (17) " بلده: " لا اقسم بهذا البلد (18) " قضاياه: " إذا قضى الله ورسوله (19) " جنده: " والعاديات ضبحا (20) " عزته: " ولله العزة ولرسوله (21) " عصمته: " والله يعصمك من الناس (22) " شفاعته: " فلعلك ترضى (23) " صلابته: " برائة من الله و رسوله (24) " وصيه: " إنما وليكم الله ورسوله (25) " أهل بيته: " ليذهب (26) عنكم الرجس أهل البيت (27) ".


(1) البقرة: 97. الشعراء: 194. (2) الشرح: 1. (3) الشرح: 3. (4) الاسراء: 29. (5) الشعراء: 218. (6) الحجرات: 2. (7) طه: 1 و 2. (8) الحجر: 72. (9) القلم: 4. (10) المدثر: 4. (11) النساء: 113. (12) الاسراء: 79. (13) المزمل: 7. (14) فصلت: 41. (15) النور: 55. (16) آل عمران: 110. (17) البقرة: 144. (18) البلد: 1. (19) الاحزاب: 36. (20) العاديات: 1. (21) المنافقون: 8. (22) المائدة: 67. (23) هكذا في الكتاب ومصدره، والصحيح كما في المصحف الشريف (لعلك ترضى) راجع طه: 130. (24) التوبة: 1. (25) المائدة: 55. (26) الاحزاب: 33. (27) مناقب آل أبي طالب 1: 159 و 160. وفي دلالة بعض الايات على المدح نظر.

[ 340 ]

29 - شى: عن سليمان بن خالد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: قول الناس لعلي عليه السلام: إن كان له حق فما منعه أن يقوم به ؟ قال: فقال: إن الله لم يكلف هذا إلا إنسانا واحدا: رسول الله صلى الله عليه واله، قال: " فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين (1) " فليس هذا إلا للرسول، وقال لغيره: " إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة (2) " فلم يكن يومئذ فئة يعينونه على أمره (3). 30 - شى: عن زيد الشحام، عن جعفر بن محمد قال: ما سأل رسول الله صلى الله عليه واله شيئا قط فقال: لا، إن كان عنده أعطاه، وإن لم يكن عنده قال: يكون إن شآء الله، ولا كافئ بالسيئة قط، وما ألقى (4) سرية مذ نزلت عليه " فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك " إلا ولى بنفسه (5). 31 - شى: أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه واله: " لا تكلف إلا نفسك " قال (6): كان أشجع الناس من لاذ برسول الله عليه وآله السلام (7). بيان: أي كان عليه السلام بحيث يكون أشجع الناس من لحق به ولجأ إليه، لانه كان أقرب الناس وأجرأهم عليهم، كما روي عن أمير المؤمنين أنه كان يقول: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه واله، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه. 32 - شى: عن الثمالي، عن عيص، عن أبي عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه واله: كلف ما لم يكلف أحد أن يقاتل في سبيل الله وحده، وقال: " حرض المؤمنين على القتال " وقال: إنما كلفتم اليسير من الامر أن تذكروا الله (8).


(1) النساء: 84. (2) الانفال: 16. (3) تفسير العياشي: مخطوط. وأخرجه البحراني في تفسير البرهان 1: 398 وفيه: ان الله لا يكلف هذا لانسان واحد الا رسول الله صلى الله عليه وآله وأورد نحوه في حديث باسناد آخر في ج 2: 70. (4) في تفسير البرهان: وما لقى. (5) تفسير العياشي: مخطوط. وأخرجه البحراني أيضا في البرهان 1، 398. (6) كذا. (7 و 8) تفسير العياشي: مخطوط، وأخرجهما البحراني أيضا في البرهان 1: 398.

[ 341 ]

33 - ارشاد القلوب: بالاسناد يرفعه إلى الامام موسى بن جعفر عليه السلام قال: قال: حدثني أبي جعفر، عن أبيه، قال: حدثني أبي علي، قال: حدثني أبي الحسين بن علي ابن أبي طالب عليه السلام قال: بينما أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله جلوس في مسجده بعد وفاته عليه السلام يتذاكرون فضل رسول الله صلى الله عليه واله إذ دخل علينا حبر من أحبار يهود أهل الشام (1) قد قرأ التوراة والانجيل والزبور، وصحف إبراهيم والانبياء، وعرف دلائلهم، فسلم علينا وجلس، ثم لبث هنيئة، ثم قال: يا امة محمد ما تركتم لنبي درجة ولا لمرسل فضيلة إلا وقد تحملتموها (2) لنبيكم، فهل عندكم جواب إن أنا سألتكم ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: سل يا أخا اليهود ما أحببت (3) فإني اجيبك عن كل ما تسأل بعون الله تعالى ومنه (4)، فوالله ما أعطى الله عزوجل نبيا ولا مرسلا درجة ولا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد صلى الله عليه واله، وزاده على الانبياء والمرسلين أضعافا مضاعفة، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: " ولا فخر " وأنا أذكر لك اليوم من فضله من غير إزرآء (5) على أحد من الانبياء ما يقر الله به أعين المؤمنين، شكرا لله على ما أعطى محمدا صلى الله عليه واله الآن (6)، فاعلم يا أخا اليهود إنه كان من فضله عند ربه تبارك وتعالى وشرفه ما أوجب المغفرة والعفو لمن خفض الصوت عنده، فقال جل ثناؤه في كتابه: " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتوقى لهم مغفرة وأجر عظيم (7) " ثم قرن طاعته بطاعته فقال: " ومن يطع الرسول فقد أطاع الله (8) " ثم قربه من قلوب المؤمنين وحببه إليهم،


(1) في المصدر: من أحبار اليهود من أهل الشام. (2) نحلتموها خ ل. (3) عما أحببت خ ل. (4) في المصدر: ومشيته. (5) في المصدر: وأنا ذاكر لك اليوم من فضائله من غير ازراء منى. (6) في المصدر: وزاده عليهم الان. (7) الحجرات: 3. (8) النساء: 80.

[ 342 ]

وكان يقول صلى الله عليه واله: " حبي خالط (1) دماء امتي فهم يؤثروني على الآباء وعلى الامهات وعلى أنفسهم " ولقد كان أقرب الناس (2) وأرؤفهم، فقال تبارك وتعالى: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم (3) " وقال عزوجل: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم (4) " والله لقد بلغ من فضله صلى الله عليه واله في الدنيا ومن فضله صلى الله عليه واله في الآخرة ما تقصر عنه الصفات، ولكن اخبرك بما يحمله قلبك، ولا يدفعه عقلك ولا تنكره بعلم إن كان عندك، لقد بلغ من فضله صلى الله عليه واله أن أهل النار يهتفون ويصرخون بأصواتهم ندما أن لا يكونوا أجابوه في الدنيا، فقال الله عزوجل: " يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (5) " ولقد ذكره الله تبارك وتعالى مع الرسل فبدأ به وهو آخرهم لكرامته صلى الله عليه واله، فقال جل ثناؤه: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح (6) " وقال: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده (7) " والنبيون قبله (8)، فبدأ به وهو آخرهم، ولقد فضله الله على جميع الانبياء، وفضل امته على جميع الامم فقال عز وجل: " كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر (9) " فقال اليهودي: إن آدم عليه السلام أسجد الله عزوجل له ملائكته، فهل فضل لمحمد صلى الله عليه واله مثل ذلك (10) ؟ فقال عليه السلام: قد كان ذلك، ولئن أسجد الله لآدم ملائكته فإن ذلك لما أودع الله عزوجل صلبه من الانوار والشرف، إذ كان هو الوعاء، ولم يكن سجودهم عبادة له، وإنما كان سجودهم طاعة لامر الله عزوجل وتكرمة وتحية، مثل السلام من الانسان على الانسان، واعترافا لآدم عليه السلام بالفضيلة، وقد أعطى الله محمد صلى الله عليه واله أفضل من ذلك، وهو أن الله صلى عليه، وأمر ملائكته أن يصلوا


(1) في المصدر: خالط حبى دماء امتى فانهم. (2) في المصدر: أرحم الناس. (3) التوبة: 128. (4) الاحزاب: 6. (5) الاحزاب: 66. (6) الاحزاب: 7. (7) النساء: 163. (8) من قبله خ ل. (9) آل عمران: 110. (10) في المصدر: بمثل ذلك.

[ 343 ]

عليه، وتعبد جميع خلقه بالصلاة عليه إلى يوم القيامة، فقال جل ثناؤه: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (1) " فلا يصلي عليه أحد في حياته ولا بعد وفاته إلا صلى الله عليه بذلك عشرا، وأعطاه من الحسنات عشرا، بكل صلاة صلى عليه، ولا يصلي عليه أحد بعد وفاته إلا وهو يعلم بذلك ويرد على المصلي والمسلم مثل ذلك، ثم إن الله عزوجل جعل دعاء امته فيما يسألون ربهم جل ثناؤه موقوفا عن الاجابة (2) حتى يصلوا فيه عليه صلى الله عليه واله، فهذا أكبر وأعظم مما أعطى الله آدم عليه السلام، ولقد أنطق الله عزوجل صم الصخور والشجر بالسلام والتحية له، وكنا نمر معه صلى الله عليه واله فلا يمر بشعب (3) ولا شجر (4) إلا قالت: السلام عليك يا رسول الله، تحية له، وإقرار بنبوته صلى الله عليه واله، وزاده الله عزوجل تكرمة بأخذ ميثاقه قبل النبيين، وأخذ ميثاق النبيين بالتسليم والرضا والتصديق له، فقال جل ثناؤه: " وإذ أخذنا من النبين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم (5) " وقال عزوجل: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال: أقررتم و أخذتم على ذلكم إصري (6) قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (7) " و قال الله عزوجل: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم (8) " وقال الله تعالى: " ورفعنا لك ذكرك (9) " فلا يرفع رافع صوته بكلمة الاخلاص: بشهادة أن لا إله إلا الله حتى يرفع صوته معها بأن محمدا رسول الله في الاذان والاقامة والصلاة (10) والاعياد والجمع ومواقيت الحج وفي كل خطبة حتى في خطب النكاح وفي الادعية، ثم ذكر اليهودي مناقب الانبياء وأمير المؤمنين عليه السلام يثبت للنبي صلى الله عليه واله ما هو أعظم منها، تركنا ذكرها طلبا


(1) الاحزاب: 56. (2) في المصدر: موقوفا من إجابته. (3) في المصدر: يعشب ولعله أظهر. (4) ولا شجرة خ ل. (5) الاحزاب: 7. (6) أي عهدي (7) آل عمران: 81. (8) الاحزاب: 6. (9) الشرح: 4. (10) والصلوات خ ل.

[ 344 ]

للاختصار حتى وصل إلى أن قال اليهودي: فإن الله عزوجل ناجى (1) موسى على جبل طور سيناء بثلاثمائة وثلاثة عشر كلمة (2) يقول لها فيها: " يا موسى إني أنا الله " فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك ؟ قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك ومحمد صلى الله عليه واله (3) ناجاه الله جل ثناؤه فوق سبع سماوات رفعه عليهن، فناجاه في موطنين: أحدهما عند سدرة المنتهى، وكان له هناك مقام محمود، ثم عرج به حتى انتهى إلى ساق العرش (4)، فقال عزوجل: " ثم دنى فتدلى (5) " ودنى له رفرفا أخضر اغشي (6) عليه نور عظيم حتى كان في دنوه كقاب قوسين أو أدنى، وهو مقدار ما بين الحاجب إلى الحاجب، وناجاه بما ذكره الله عزوجل في كتابه، قال تعالى: " لله ما في السموات وما في الارض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء (7) " وكانت هذه الآية قد عرضت على سائر الامم من لدن آدم إلى أن بعث محمد صلى الله عليه واله فأبوا جميعا أن يقبلوها (8) من ثقلها، وقبلها محمد (9)، فلما رأى الله عزوجل منه ومن امته القبول خفف عنه ثقلها، فقال الله عزوجل: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " ثم إن الله عزوجل تكرم على محمد، وأشفق (10) على امته من تشديد الآية التي قبلها هو وامته فأجاب عن نفسه وامته فقال: " والمؤمنون كل امن


(1) في المصدر: نادى. (2) في المصدر: بعد قوله: كلمة: مع كل كلمة يقول له: يا موسى. (3) ومحمدا خ ل. (4) في المصدر: حتى انتهى به إلى ساق العرش. وقال. (5) النجم: 8. (6) في النهاية: في حديث ابن مسعود في قوله تعالى: (لقدر أي من آيات ربه الكبرى) قال رأى رفرفا أخضر سد الافق، أي بساطا، وقيل: فراشا. انتهى. وفي المصدر: ناله رفرف أخضر غشى عليه. (7) البقرة: 284. (8) أي المحاسبة: بما يخفوه في أنفسهم وما يضمرون والعقاب عليه. (9) في المصدر: وقبلها محمد صلى الله عليه وآله وامته. (10) أشفق عليه: حاذر وخاف. وحنا وعطف. ولعل المراد هو الثاني.

[ 345 ]

بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " فقال الله عزوجل: لهم المغفرة والجنة إذا فعلوا ذلك، فقال النبي صلى الله عليه واله: " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " يعني المرجع في الآخرة، فأجابه قد فعلت بتائبي امتك قد أوجبت لهم المغفرة، ثم قال الله تعالى: أما إذا قبلتها أنت وامتك وقد كانت عرضت (1) من قبل على الانبياء والامم فلم يقبلوها فحق علي أن أرفعها عن امتك، فقال الله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت " من خير " وعليها ما اكتسبت " من شر، ثم ألهم الله عزوجل نبيه أن قال: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " فقال الله سبحانه: أعطيتك لكرامتك يا محمد، إن الامم السالفة كانوا إذا نسوا ما ذكروا (2) فتحت عليهم أبواب عذابي (3)، و رفعت ذلك عن امتك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " يعني بالآصار الشدائد التي كانت على الامم ممن كان قبل محمد، فقال عزوجل: لقد رفعت عن امتك الآصار التي كانت على الامم السالفة، وذلك أني جعلت على الامم أن لا أقبل (4) فعلا إلا في بقاع الارض التي اخترتها لهم وإن بعدت، وقد جعلت الارض لك ولامتك طهورا ومسجدا، فهذه من الآصار وقد رفعتها عن امتك، وقد كانت الامم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت على قربانه نارا تأكله، وإن لم أقبل ذلك منه رجع به مثبورا (5)، وقد جعلت قربان امتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه اضاعف له الثواب أضعافا مضاعفة، وإن لم أقبل (6) ذلك منه رفعت عنه به عقوبات الدنيا، وقد رفعت لك عن امتك وهي من الآصار التي كانت (7)، وكانت الامم السالفة مفروضا عليهم صلاتها (8) في كبد


(1) في المصدر: من قبل عرضتها. (2) ما ذكروا به خ ل. (3) فلعله كان يجب عليهم أن يتحفظوا من النسيان والخطاء. (4) في المصدر: لا أقبل منهم فعلا. (5) أي مطرودا خائبا. (6) في المصدر: ومن لم أقبل. (7) في المصدر: كانت على الامم السالفة. (8) صلواتها خ ل.

[ 346 ]

الليل (1) وأنصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت (2)، وقد رفعتها عن امتك، وفرضت عليهم صلاتهم في أطراف الليل والنهار في أوقات نشاطهم، وكانت الامم السالفة مفروضا عليهم خمسون صلاة في خمسين وقتا، وهي من الآصار التي كانت عليهم، وقد رفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة حسنتهم بحسنة واحدة، وسيئتهم بسيئة واحدة، وجعلتك لامتك الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة (3)، وكانت الامم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة لم تكتب لهم (4)، وإذا هم بالسيئة كتبتها عليهم (5) و إن لم يفعلها، وقد رفعت ذلك عن امتك، فإذا هم أحدهم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، وكانت الامم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنب أن احرم عليهم بعد التوبة (6) أحب الطعام إليهم، وكانت الامم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد المائة سنة، و المأتي سنة، ثم لم أقبل توبته دون أن اعاقبه في الدنيا بعقوبة، وقد رفعت ذلك عن امتك، وإن الرجل من امتك ليذنب المائة سنة ثم يتوب ويندم طرفة عين فأغفر له ذلك كله و أقبل توبته، وكانت الامم السالفة إذا أصابهم إذا (7) نجس قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت الماء طهورا لامتك من جميع الانجاس، والصعيد في الاوقات، وهذه الآصار (8) التي كانت عليهم رفعتها عن امتك. قال رسول الله صلى الله عليه واله: اللهم إذ قد فعلت ذلك بي فزدني، فألهمه الله سبحانه أن قال:


(1) أي وسطها. والانصاف جمع النصف. (2) في المصدر: كانت عليهم. (3) في المصدر: بسيئة واحدة. (4) له خ ل وهو الموجود في المصدر. (5) عليه خ ل، وهو الموجود في المصدر، وفيه: وإن لم يعملها. (6) المصدر خال عن قوله: بعد التوبة. (7) أذى نجس خ ل. وفي المصدر: أصابتهم أدنى نجس. (8) في المصدر: وهذه من الاصار.

[ 347 ]

" ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " قال الله عزوجل: قد فعلت ذلك بامتك، وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الامم، وذلك حكمي في جميع الامم أن لا اكلف نفسا فوق طاقتها (1)، قال: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا " قال: قال الله تعالى: قد فعلت ذلك بتائبي امتك (2)، ثم قال: " فانصرنا على القوم الكافرين (3) " قال الله عزوجل: قد فعلت ذلك، وجعلت امتك يا محمد كالشامة البيضاء في الثور الاسود، هم القادرون، وهم القاهرون، يستخدمون ولا يستخدمون لكرامتك (4)، وحق علي أن اظهر دينك على الاديان حتى لا يبقى في شرق الارض ولا غربها دين إلا دينك، ويؤدون إلى أهل دينك الجزية وهم صاغرون، " ولقد رآه نزلة اخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى (5) " فهذا أعظم يا أخا اليهود من مناجاته لموسى عليه السلام على طور سيناء، ثم زاد الله لمحمد صلى الله عليه واله (6) أن مثل النبيين فصلى بهم وهم خلفه يقتدون به، ولقد عاين تلك الليلة الجنة والنار، وعرج به إلى سماء سماء، فسلمت عليه الملائكة، فهذا أكثر من ذلك. قال اليهودي: فإن الله عزوجل ألقى على موسى محبة منه، فقال عليه السلام له: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه واله ألقى عليه محبة منه، فسماه حبيبا، وذلك أن الله تعالى جل ثناؤه أرى إبراهيم صورة محمد وامته، فقال: يا رب ما رأيت من امم الانبياء أنور ولا أزهر من هذه الامة، فمن هذا ؟ فنودي هذا محمد حبيبي، لا حبيب لي من خلقي غيره، أجريت ذكره قبل أن أخلق سمائي (7) وأرضي وسميته نبيا وأبوك آدم يومئذ من الطين، و


(1) ولعل الاصار التى سبقت ذكرها لم تكن فوق طاقتهم، وكانوا يطيقونها بخلاف هذه الامة، فانهم كانوا أضعف من هؤلاء طاقة. (2) في المصدر: تباهى للامم بدل قوله: بتائبي امتك. وكذا فيما تقدم. (3) البقرة: 284 - 286. (4) في المصدر: ولا يخدمون لكرامتك على. (5) النجم: 13 - 18. (6) محمدا خ ل وهو الموجود في المصدر. (7) في المصدر: أحببته قبل أن أخلق سمائي.

[ 348 ]

أجريت فيه روحه (1)، (ولقد القيت أنت معه في الذروة الاولى (2) وأقسم بحياته في كتابه، فقال جل ثناؤه: " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (3) " أي وحياتك يا محمد، وكفى بهذا رفعة وشرفا من الله عز وجل ورتبة، قال اليهودي: فأخبرني عما فضل الله به امته على سائر الامم، قال عليه السلام: لقد فضل الله امته صلى الله عليه واله على سائر الامم بأشياء كثيرة أنا أذكر لك منها قليلا من كثير، من ذلك قول الله عزوجل: " كنتم خير امة اخرجت للناس (4) " ومن ذلك أنه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلق في صعيد واحد سأله الله عزوجل النبيين هل بلغتم ؟ فيقولون: نعم، فيسأل الامم فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيقول الله جل ثناؤه وهو أعلم بذلك للنبيين: من شهداءكم اليوم ؟ فيقولون: محمد و امته، فتشد لهم امة محمد بالتبليغ، وتصدق شهادتهم، وشهادة (5) محمد صلى الله عليه واله فيؤمنون عند ذلك، وذلك قوله تعالى: " لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا (6) " يقول: يكون محمد عليكم شهيدا أنكم قد بلغتم الرسالة، ومنها أنهم أول الناس حسابا، وأسرعهم دخولا إلى الجنة قبل سائر الامم كلها. ومنها أيضا أن الله عزوجل فرض عليهم في الليل والنهار خمس صلوات في خمسة أوقات: اثنتان بالليل، وثلاث بالنهار، ثم جعل هذه الخمس صلوات تعدل خمسين صلاة، وجعلها كفارة خطاياهم، فقال عزوجل: " إن الحسنات يذهبن السيئات " (7) يقول: صلاة الخمس تكفر الذنوب ما اجتنبت (8) الكبائر. ومنها أيضا أن الله تعالى جعل لهم الحسنة الواحدة التي يهم بها العبد ولا يعملها


(1) روحا خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2) المصدر خال عما وضعناه بين الهلالين. (3) الحجر: 72. (4) آل عمران: 110. (5) وتصدق شهاداتهم محمد صلى الله عليه وآله خ ل. (6) البقرة: 143. (7) هود: 114. (8) ما اجتنب العبد خ ل، وهو الموجود في المصدر.

[ 349 ]

حسنة واحدة يكتبها له، فإن عملها كتبت (1) له عشر حسنات وأمثالها إلى سبعمائة ضعف فصاعدا. ومنها أن الله عز وجل يدخل الجنة من أهل هذه الامة سبعين ألفا بغير حساب، ووجوههم (2) مثل القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أحسن ما يكون الكوكب (3) الدري في افق السماء، والذين يلونهم على أشد كوكب في السماء إضاءة، ولا اختلاف بينهم ولا تباغض بينهم. ومنها أن القاتل منهم عمدا إن شاء أولياء المقتول (4) أن يعفوا عنه فعلوا، وإن شاؤوا قبلوا الدية، وعلى أهل التوراة وهم أهل دينك (5) يقتل القاتل ولا يعفى عنه، ولا تؤخذ منه دية، قال الله عزوجل: " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة (6) ". ومنها أن الله عزوجل جعل فاتحة الكتاب نصفها لنفسه، ونصفها لعبده، قال الله تعالى: قسمت بيني وبين عبدي هذه السورة، فإذا قال أحدهم: " الحمد لله " فقد حمدني، وإذا قال: " رب العالمين " فقد عرفني، وإذا قال: " الرحمن الرحيم " فقد مدحني، وإذا قال: " مالك يوم الدين " فقد أثني علي، وإذا قال: " إياك نعبد وإياك نستعين (7) " فقد صدق عبدي في عبادتي بعد ما سألني، وبقية هذه السورة له. ومنها أن الله تعالى بعث جبرائيل عليه السلام (8) إلى النبي صلى الله عليه واله أن بشر امتك بالزين والسناء (9) والرفعة والكرامة والنصر.


(1) في المصدر: كتبها له. (2) خلى المصدر عن العاطف. (3) مثل الكوكب خ صح. (4) في المصدر: أولياء دم المقتول أن يعفوا عنه فعلوا ذلك. (5) في المصدر: وهم أهل دينكم، والظاهر أنهما مصحف دينهم. (6) البقرة: 78. (7) الحمد: 1 - 5. (8) في المصدر: جبرئيل. (9) السناء: الرفعة. الضياء.

[ 350 ]

ومنها أن الله سبحانه أباحهم صدقاتهم يأكلونها، ويجعلونها في بطون فقرائهم يأكلون منها ويطعمون، وكانت صدقات من قبلهم من الامم المؤمنين (1) يحملونها إلى مكان قصي (2) فيحرقونها بالنار. ومنها أن الله عزوجل جعل الشفاعة لهم خاصة دون الامم، والله تعالى يتجاوز عن ذنوبهم العظام لشفاعة (3) نبيهم صلى الله عليه واله. ومنها أن يقال يوم القيامة: ليتقدم الحامدون، فتقدم امة محمد صلى الله عليه واله قبل الامم، وهو مكتوب امة محمد الحامدون (4)، يحمدون الله عزوجل على كل منزلة، ويكبرونه على كل نحد (5)، مناديهم في جوف السماء له (6) دوى كدوي النحل. ومنها أن الله لا يهلكهم بجوع، ولا يجمعهم علي ضلالة (7)، ولا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، ولا يساخ ببقيتهم (8)، وجعل لهم الطاعون شهادة (9). ومنها أن الله جعل لمن صلى على نبيه عشر حسنات (10)، ومحا عنه عشر سيئات،


(1) في المصدر: من كان قبلهم من الامم الماضين. (2) القصى: البعيد. (3) في المصدر: بشفاعة. (4) في المصدر: امة محمد هم الحامدون. (5) كل محل خ ل أقول: النجد: ما اشرف من الارض وارتفع. وفي المصدر: على كل حال. (6) لهم دوى خ ل. أقول هو الموجود في المصدر، والدوى: الصوت. (7) فلا أقل من ان تكون فيهم فرقة ناجية بخلاف سائر الامم حيث اجتمعوا على ضلالة. (8) ولا يساخ أي ولا ينخسف. وفي المصدر: ولا يساخ ببيضتهم، فمعناه: يبقى عزهم وسلطنتهم إلى يوم القيامة، ويحتمل أنه مصحف: ولا يستباح بيضتهم، قال الجزري في النهاية: فيه لا تسلط عليهم عدوا فيستبيح بيضتهم أي مجتمعهم وموضع سلطانهم ومستقر دعوتهم، وبيضة الدار: وسطها و معظمها، أراد عدوا يستأصلهم ويهلكهم جميعا، قيل: أراد إذا هلك أصل البيضة كان هلاك كل ما فيها من طعم أو فرخ، وإذا لم يهلك أصل البيضة ربما سلم بعض فراخها، قيل: أراد بالبيضة الخوذة، فكأنه شبه مكان اجتماعهم والتئامهم ببيضة الحديد. (9) أي يثيبهم به ثواب الشهادة والطاعون: الوباء وكل مرض عام. (10) في المصدر: جعل لمن صلى منهم على نبيهم صلاة واحدة عشر حسنات.

[ 351 ]

ورد الله سبحانه عليه مثل صلاته على النبي صلى الله عليه واله. ومنها أنه جعلهم أزواجا ثلاثة امما، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، والسابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب (1). حسابا يسيرا، والظالم لنفسه مغفور له إنشاء الله. ومنها أن الله عزوجل جعل توبتهم الندم والاستغفار والترك للاصرار، وكانت بنو إسرائيل توبتهم قتل النفس (2). ومنها قول الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه واله: امتك هذه مرحومة، عذابها (3) في الدنيا الزلزلة والفقر. ومنها أن الله عزوجل يكتب للمريض الكبير (4) من الحسنات على حسب ما كان يعمل في شبابه وصحته من أعمال الخير، يقول الله سبحانه للملائكة: استكتبوا (5) لعبدي مثل حسناته قبل ذلك ما دام في وثاقي (6). ومنها أن الله عزوجل ألزم امة محمد صلى الله عليه واله كلمة التقوى، وجعل بدؤ الشفاعة لهم في الآخرة. ومنها أن النبي صلى الله عليه واله رأى في السماء ليلة عرج به إليها ملائكة قياما وركوعا منذ خلقوا، فقال: يا جبرئيل هذه هي العبادة، فقال جبرئيل: صدقت يا محمد، فاسأل ربك أن يعطي امتك القنوت والركوع والسجود في صلاتهم، فأعطاهم الله تعالى ذلك، فامة محمد صلى الله عليه واله يقتدون بالملائكة الذين (7) في السماء، قال (8) النبي صلى الله عليه واله: إن اليهود


(1) يحاسب نفسه خ ل. (2) في المصدر: وكانت توبة بنى إسرائيل قتل أنفسهم. أقول: كانت توبتهم ذلك في بعض الذنوب كعبادة العجل. (3) في المصدر: عذابهم. (4) والكبير خ ل. (5) اكتبوا خ ل صح. وفي المصدر: يقول الله سبحانه لملائكته: اكتبوا. (6) الوثاق: ما يشد به من قيد وحبل ونحوهما. والمريض كأنه شد بالوثاق، لممنوعيته عن مزاوالة ما يفعله الصحيح. (7) في المصدر: الذين هم في السماء. (8) وقال خ.

[ 352 ]

يحسدونكم على صلاتكم وركوعكم وسجودكم (1). بيان: الازراء: التحقير والتهاون والعيب. قوله عليه السلام: والنبيون من قبله، أي كان نبيون من قبل نوح فلم يذكرهم بعد نوح، بل ذكر بعده من جاء بعده، وبدأ بنبينا قبل من تقدمه، ويحتمل إرجاع الضمير في قبله إلى النبي صلى الله عليه واله، أي النبيون الذين ذكر الله. أنهم بعد نوح كانوا قبله صلى الله عليه واله، وقد بدأ الله به قبل نوح وقبلهم في الآية الاولى، ولعله أظهر (2)، ويؤيده أن كلمة " من " ليست في بعض النسخ. والشامة: الخال. قوله: ولقد القيت أنت معه، على بناء المجهول. في الذروة الاولى، لعله من ذرو الريح، وذرو الحب أي نثره، أي ألقيتك معه حين أخرجت ذرية آدم من صلبه، ونثرتهم، وأخذت عليهم الميثاق، ولا يبعد أن يكون في الاصل والتقيت معه في الذر الاولى، أي لقيته في عالم الذر السابق حين أخذت ميثاقه منك ومن سائر النبين. قوله: على كل نجد، أي مكان مرتفع. 34 - فر: محمد بن أحمد معنعنا عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: إن النبي صلى الله عليه واله اوتي علم النبيين، وعلم الوصيين، وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم تلا هذه الآية يقول الله لنبيه صلى الله عليه واله: " هذا ذكر (3) من معي وذكر من قبلي " (4). 35 - ختص: جماعة من أصحابنا، عن محمد بن جعفر المؤدب، عن عدة من أصحابنا (5) عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن الحسن بن زياد، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا صفوان هل تدري كم بعث الله من نبي ؟ قال: قلت: ما أدري. قال: بعثت الله مائة ألف نبي وأربعة وأربعين ألف نبي (6)، ومثلهم أوصياء بصدق


(1) إرشاد القلوب 2: 217 - 226. (2) والمعنى أن تعالى ذكره مع النبيين فبدأ به والنبيون قبله صلى الله عليه وآله. (3) الانبياء: 24. (4) تفسير فرات: 96. (5) تقدم الحديث في باب معنى النبوة من كتاب قصص الانبياء 11: 59 وفيه: عن بعض أصحابه. (6) تقدمت في باب معنى النبوة روايات فيها أن عدتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبى وفيها غير ذلك. راجع.

[ 353 ]

الحديث، وأداء الامانة، والزهد في الدنيا، وما بعث الله نبيا خيرا من محمد صلى الله عليه واله، ولا وصيا خيرا من وصيه (1). 36 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله عليه السلام إن بعض قريش قال لرسول الله صلى الله عليه واله: بأي شئ سبقت الانبياء، وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم ؟ قال: إني كنت أول من آمن بربي، وأول من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيين " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم (2) " فكنت أنا أول نبي قال (3): بلى، فسبقتهم بالاقرار بالله عزوجل (4). 37 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن إسماعيل، عن سعدان بن مسلم، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه واله بأي شئ سبقت ولد آدم ؟ قال: إنني أول من أقر بربي، إن الله أخذ ميثاق النبيين " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى (5) " فكنت أول من أجاب (6). 38 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: قول الله عزوجل: " فاصبر كما صبر اولو العزم من الرسل (7) " فقال: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ومحمد صلى الله عليه واله، قلت: كيف صاروا اولوا العزم (8) ؟ قال: لان نوحا بعث بكتاب وشريعة، وكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه حتى جاء إبراهيم عليه السلام بالصحف وبعزيمة ترك كتاب


(1) الاختصاص: مخطوط. (2) الاعراف: 172. (3) أول من قال خ ل. (4) اصول الكافي 2: 10. (5) الاعراف: 172. (6) اصول الكافي 2: 12. (7) الاحقاف: 35. (8) هكذا في نسخة المصنف، وفي الطبعة الحروفية والمصدر، اولى العزم وهو الصحيح.

[ 354 ]

نوح عليه السلام لاكفرا به، فكل نبي جاء بعد إبراهيم عليه السلام أخذ بشريعة إبراهيم عليه السلام ومنهاجه وبالصحف حتى جاء موسى عليه السلام بالتوراة وشريعته ومنهاجه وبعزيمة ترك الصحف، فكل نبي جاء بعد موسى عليه السلام أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه، حتى جاء المسيح عليه السلام بالانجيل وبعزيمة ترك شريعة (1) موسى عليه السلام ومنهاجه، فكل نبي جاء بعد المسيح عليه السلام أخذ بشريعته ومنهاجه حتى جاء محمد صلى الله عليه واله فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة (2). 39 - ن: بالاسانيد الثلاثة (3) عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله إن موسى عليه السلام سأل ربه عزوجل فقال: يا رب اجعلني من امة محمد صلى الله عليه واله فأوحى الله تعالى إليه يا موسى إنك لا تصل إلى ذلك (4). صح: عنه عليه السلام مثله (5). 40 - ل: في وصية النبي صلى الله عليه واله (6) لعلي عليه السلام يا علي إن الله عزوجل أشرف على الدنيا فاختارني منها على رجال العالمين، ثم اطلع الثانية فاختارك على رجال العالمين بعدي، ثم اطلع الثالثة فاختار الائمة من ولدك على رجال العالمين بعدك، ثم اطلع الرابعة فاختار فاطمة على نساء العالمين (7). 41 - فر: عن سليمان الديلمي (8) عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: " اولئك


(1) لعل المراد بعض ما كان في شريعة موسى عليه السلام، ونسخ في شريعة عيسى عليه السلام، والا فعيسى عليه كان يتبع شريعة موسى في الفروع. (2) اصول الكافي 2: 17. (3) ذكر المصنف الاسانيد الثلاثد بتفاصيلها في الفصل الرابع من المقدمة. راجع ج 1: 51. (4) عيون أخبار الرضا: 200. (5) صحيفة الرضا: 29. (6) اخرج المصنف إسناد الوصية في الفصل الرابع من المقدمة راجع ج 1: 52. (7) الخصال 1: 96 و 97. (8) في المصدر: فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعنا عن سليمان الديلمي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه أبو بصير وقد أخذه النفس، فلما أن أخذ مجلسه قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد ما هذا النفس العالي ؟ قال: جعلت فداك يابن رسول الله: =

[ 355 ]

مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (1) " فرسول الله في الآية النبيين (2)، ونحن في هذا الموضع الصديقين والشهداء، وأنتم الصالحون. الخبر (3). 42 - يد، مع: إبراهيم بن هارون الهيتي (4)، عن محمد بن أحمد بن أبي الثلج، عن الحسين بن أيوب، عن محمد بن غالب، عن علي بن الحسين، عن الحسن بن أيوب، عن الحسين بن سليمان، عن محمد بن مروان الذهلي، عن الفضيل بن يسار قال: قلت لابي عبد الله الصادق عليه السلام: " الله نور السماوات والارض (5) " قال: كذلك الله عزوجل، قال: قلت: " مثل نوره " قال لي: محمد صلى الله عليه واله، قلت: " كمشكاة " قال: صدر محمد صلى الله عليه واله، قلت: " فيها مصباح " قال: فيه نور العلم، يعني النبوة، قلت: " المصباح في زجاجة " قال: علم رسول الله صلى الله عليه واله صدر إلى قلب علي عليه السلام، قلت: " كأنها " قال: لاي شئ تقرأ " كأنها " قلت: وكيف (6) جعلت فداك ؟ قال: " كأنه (7) كوكب دري " قلت: " توقد (8) من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية " قال: ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب


= كبرت سنى، ودق عظمي، واقترب اجلي، ولست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد وانك لتقول: هذا ؟ فقال: وكيف لا أقول: هذا ؟ فذكر كلاما، ثم قال: يا أبا محمد لقد ذكركهم الله في كتابه المبين بقوله: اولئك اه‍. وفي ذيله: فسموا بالصلاح كما سماكم الله يا ابا محمد. (1) النساء: 69. (2) أي من النبيين. وكذا فيما بعده. (3) تفسير فرات: 36. (4) الهيتى منسوب إلى هيت بالكسر: بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الانبار. وبلدة من قرى حوران من ناحية اللوى من اعمال دمشق. فما في المصدر: (الهيستى) مصحف. (5) النور: 35. (6) في معاني الاخبار: وكيف أقرأ. (7) قراءة (كأنها) متواتر أجمعت الامة عليها، فلا يعارضها ذلك، لانه خبر واحد معارض بمثله حيث وردت في روايات اخرى قراءة (كأنها) مع أن الحديث في نفسه أيضا ضعيف. (8) في التوحيد المطبوع: (يوقد) وفي نسخة مخطوطة والمعاني: (توقد) وهما قراءتان.

[ 356 ]

عليه السلام لا يهودي ولا نصراني، قلت: " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار " قال: يكاد العلم يخرج من فم العالم من آل محمد من قبل أن ينطق به، قلت: " نور على نور " قال: الامام على أثر الامام (1). 43 - فس: أبي، عن عبد الله بن جندب، عن الرضا عليه السلام، أنه كتب إليه: مثلنا في كتاب الله كمثل " المشكاة " والمشكاة في القنديل، فنحن المشكاة " فيها مصباح " المصباح محمد رسول الله صلى الله عليه واله " المصباح في زجاجة " من عنصره الطاهرة، إلى قوله تعالى: " لا شرقية ولا غربية " لا دعية ولا منكرة، " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسه نار " القرآن " نور على نور " إمام بعد إمام " يهدي الله لنوره من يشآء " الآية، فالنور علي يهدي الله لولايتنا من أحب، حق (2) على الله أن يبعث ولينا مشرقا وجهه، نيرا برهانه (3)، ظاهرة عند الله حجته. الخبر (4). 44 - ختص، ير: محمد بن الحسين، عن ابن سنان، عن عمار بن مروان، عن المنخل، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قوله تبارك وتعالى: " الله نور السماوات والارض مثل نوره " فهو محمد صلى الله عليه واله " فيها مصباح " وهو العلم " المصباح في زجاجة " فزعم أن الزجاجة أمير المؤمنين عليه السلام، وعلم نبي الله عنده (5). 45 - كشف: من دلائل الحميري عن محمد الرقاشي (6) قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله عن المشكاة، فرجع الجواب: المشكاة قلب محمد صلى الله عليه واله (7) أقول: سيأتي سائر الاخبار في ذلك مع شرحها في كتاب الامامة، وقد مر بعضها في كتاب التوحيد.


(1) معاني الاخبار: 9، التوحيد: 148، وفيه: في أثر الامام. (2) وحق خ ل. (3) في المصدر: منيرا برهانه. (4) تفسير القمي: 457 و 458. والحديث فيه طويل، ذكر المصنف بعضه. (5) الاختصاص: مخطوط، بصائر الدرجات: 48 و 85. (6) في المصدر: محمد بن درياب المرقاشي. (7) كشف الغمة: 307. في الحديث تقطيع.

[ 357 ]

46 - كنز: بإسناده عن عبد الله بن سليمان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: قوله تعالى: " قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (1) " قال: البرهان رسول الله صلى الله عليه واله والنور المبين علي بن أبي طالب عليه السلام (2). 47 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن هشام، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: سادة النبيين والمرسلين خمسة، وهم اولوا العزم من الرسل، وعليهم دارت الرحى: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم (3) وعلى جميع الانبياء (4). 48 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن ابن اذينة، عن بريد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس (5) " فقال: نحن الامة الوسطى، ونحن شهداء لله على خلقه، وحجبه في أرضه، قلت: قول الله عزوجل: " ملة أبيكم إبراهيم " قال: إيانا عنى خاصة " هو سماكم المسلمين من قبل " في الكتب التي مضت " وفي هذا " القرآن " ليكون الرسول عليكم شهيدا (6) " فرسول الله صلى الله عليه واله الشهيد علينا بما بلغنا عن الله عزوجل، ونحن الشهداء على الناس (7)، فمن صدق صدقناه يوم القيامة، ومن كذب كذبناه (8). 49 - وبهذا الاسناد عن الوشاء، عن أحمد بن عمر الحلال قال: سألت أبا الحسن


(1) النساء: 174. (2) كنز الفوائد: 71. (3) في المصدر: صلى الله عليه وآله وعلى جميع الانبياء. (4) اصول الكافي 1: 175. (5) البقرة: 143. (6) في المصحف الشريف: " شهيدا عليكم " راجع سورة الحج: 78. (7) تفسير لما بعد الاية: " وتكونوا شهداء على الناس ". (8) اصول الكافي 1: 190. وفيه: كذبناه يوم القيامة.

[ 358 ]

عليه السلام عن قول الله عزوجل: " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه (1) " فقال: أمير المؤمنين عليه السلام الشاهد على رسول الله صلى الله عليه واله، ورسول الله صلى الله عليه واله على بينة من ربه (2). 50 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن بريد، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (3) " فقال: رسول الله صلى الله عليه واله المنذر، ولكل زمان منا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله صلى الله عليه واله، ثم الهداة من بعده علي، ثم الاوصياء واحد بعد واحد (4). 51 - كا: أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما جاء به علي عليه السلام آخذ به، وما نهى عنه أنتهي عنه، جرى له من الفضل ما جرى لمحمد صلى الله عليه واله، ولمحمد صلى الله عليه وآله الفضل على جميع من خلق الله. الخبر (5). كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن محمد بن جمهور، عن ابن سنان مثله (6). 52 - كا: علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل، عن محمد بن الوليد شباب الصيرفي، عن سعيد الاعرج، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (7). 53 - كا: محمد بن يحيى، وأحمد بن محمد، عن محمد بن الحسين، عن علي بن حسان، عن أبي عبد الله الرياحي، عن أبي الصامت الحلواني، عن أبي جعفر عليه السلام قال: فضل (8) أمير المؤمنين عليه السلام ما جاء به آخذ به، وما نهى عنه أنتهي عنه، جرى له من الطاعة بعد


(1) هود: 17. (2) اصول الكافي: 190. (3) الرعد: 7. (4) اصول الكافي: 191. (5) اصول الكافي 1: 196. وفيه مثل ما جرى. (6) اصول الكافي 1: 197. (7) اصول الكافي 1: 197، والحديث طويل، وفيه: يؤخذ به، وما نهى عنه ينتهي عنه. (8) فضل على بناء للمفعول من التفعيل، ويحتمل المصدر.

[ 359 ]

رسول الله صلى الله عليه واله ما لرسول الله صلى الله عليه واله والفضل لمحمد صلى الله عليه واله، المتقدم بين يديه كالمتقدم بين يدي الله ورسوله، والمتفضل عليه كالمتفضل على رسول الله صلى الله عليه واله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، فإن رسول الله صلى الله عليه واله باب الله الذي لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلكه وصل إلى الله عزوجل، وكذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام من بعده، الخبر (1). 54 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن أبي داود المسترق، عن داود الجصاص قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " وعلامات وبالنجم هم يهتدون (2) " قال: النجم رسول الله صلى الله عليه واله، والعلامات هم الائمة (3). 55 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (4) " قال: رسول الله صلى الله عليه واله الذكر، أنا والائمة عليهم السلام أهل الذكر، وقوله عزوجل: " وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون (5) " قال أبو جعفر عليه السلام: نحن قومه، ونحن المسؤولون (6). 56 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن ابن اورمة، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " ألم تر إلي الذين بدلوا نعمة الله كفرا (7) " الآية، قال: عنى بها قريشا قاطبة: الذين عادوا رسول الله صلى الله عليه وآله، ونصبوا له الحرب، وجحدوا وصية وصيه (8).


(1) اصول الكافي 1: 197 و 198. (2) النحل: 16. (3) اصول الكافي 1: 206. (4) النحل: 43. (5) الزخرف: 44. (6) اصول الكافي 1: 210. (7) ابراهيم: 28. (8) اصول الكافي 1: 217.

[ 360 ]

57 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الله بن بحر، عن ابن مسكان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الائمة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه واله (1)، إلا أنهم ليسوا بأنبياء، ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي صلى الله عليه واله، فهم بمنزلة (2) رسول الله صلى الله عليه واله (3). بيان: ظاهر اشتراك سائر الخصائص بينه صلى الله عليه واله وبينهم عليهم السلام، وهو خلاف المشهور، ويحتمل أن يكون ذكر النساء على سبيل المثال، والمراد جميع الخصائص. 58 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن الخشاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال (4): " الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ (5) " قال: الذين آمنوا النبي صلى الله عليه واله وأمير المؤمنين عليه السلام، وذريته الائمة والاوصياء صلوات الله عليهم، ألحقنا بهم ولم ننقص ذريتهم الحجة التي جاء بها محمد صلى الله عليه واله في علي صلوات الله عليه، وحجتهم واحدة، وطاعتهم واحدة (6). 59 - كا: أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن علي بن إسماعيل: عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله: نحن في الامر والفهم والحلال والحرام نجري مجرى واحد، فأما رسول الله صلى الله عليه واله وعلي عليه السلام فلهما فضلهما (7). 60 - مع: أبي، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء إبليس إلى موسى بن عمران عليه السلام وهو يناجي ربه، فقال له:


(1) في وجوب الطاعة وحرمة العصيان. (2) في المصدر: فأما ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) اصول الكافي 1: 270. (4) في نسخة من المصدر: قال الله تعالى. (5) الطور: 21. (6) اصول الكافي 1: 275. (7) اصول الكافي 1: 275.

[ 361 ]

ملك من الملائكة: ما ترجو منه وهو على هذه الحال يناجي ربه ؟ فقال: أرجو منه ما رجوت من أبيه آدم وهو في الجنة، وكان فيما ناجاه أن قال له: يا موسى لا أقبل الصلاة إلا لمن تواضع لعظمتي، وألزم قلبه خوفي، وقطع نهاره بذكري، ولم يبت مصرا على الخطيئة، وعرق حق أوليائي وأحبائي، فقال: يا رب تعني بأحبائك وأوليائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب ؟ فقال: هم كذلك يا موسى، إلا أني أردت من من أجله خلقت آدم وحواء، ومن من أجله خلقت الجنة والنار، فقال موسى: ومن هو يا رب ؟ قال: محمد، أحمد، شققت اسمه من اسمي، لاني أنا المحمود، فقال موسى: يا رب اجعلني من امته، قال: أنت يا موسى من امته إذا عرفته، وعرفت منزلته، ومنزلة أهل بيته، إن مثله ومثل أهل بيته ومن خلقت كمثل الفردوس في الجنان، لا ييبس ورقها، ولا يتغير طعمها، فمن عرفهم وعرف حقهم جعلت له عند الجهل حلما، وعند الظلمة نورا، واجيبه قبل أن يدعو (1)، واعطيه قبل أن يسألني. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة (2). 61 - فر: عن عبيد بن كثير، عن محمد بن الجنيد، عن يحيى بن معلى (3)، عن إسرائيل، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله لما اسري بي إلى السماء قال لي العزيز (4) الجبار: يا محمد إني اطلعت إلى الارض اطلاعة فاخترتك منها، واشتققت لك اسما من أسمائي، لا اذكر في مكان إلا ذكرت معي، فأنا محمود (5) وأنت محمد، ثم اطلعت الثانية اطلاعة فاخترت منها عليا، واشتققت له اسما من أسمائي فأنا الاعلى وهو علي، يا محمد خلقتك وخلقت عليا وفاطمة والحسن والحسين أشباح نور


(1) في المصدر: قبل أن يدعوني. (2) معاني الاخبار: 20. (3) في المصدر: يحيى بن يعلي، ولعله يحيى بن يعلي الاسلمي الكوفي المترجم في التقريب: 556، وفيه أنه شيعي. (4) في المصدر: قال لي العزيز: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " قلت: " والمؤمنون " قال: صدقت يا محمد، من خلفت لامتك من بعدك ؟ قلت: خيرها لاهلها، قال: علي بن أبي طالب ؟ قلت. نعم: يا رب، قال: يا محمد اني اطلعت. (5) في المصدر: فأنا المحمود.

[ 362 ]

من نوري، وعرضت ولايتكم على السماوات (1) وعلى الارضين ومن فيهن، فمن قبل ولايتكم كان عندي من الاظفرين، ومن جحدها كان عندي من الكفار (2)، يا محمد لو أن عبدا عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي (3) ثم أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتكم. الخبر (4). 62 - ن: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن الهروي، عن الرضا عليه السلام في خبر طويل: قال: إن آدم عليه السلام، لما أكرمه الله تعالى بإسجاد ملائكته و بإدخال الجنة (5) قال في نفسه: هل خلق الله بشرا أفضل مني ؟ فعلم الله عزوجل ما وقع في نفسه، فناداه ارفع رأسك يا آدم فانظر إلى ساق عرشي، فرفع آدم عليه السلام رأسه فنظر إلى ساق العرش، فوجد عليه مكتوبا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيد شباب أهل الجنة، فقال آدم عليه السلام: يا رب من هؤلاء ؟ فقال عزوجل: هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولو لا هم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار، ولا السماء والارض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فاخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد (6) وتمنى منزلتهم فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهى عنها، وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة عليها السلام بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم، فأخرجهما الله عزوجل عن جنته، وأهبطهما عن جواره إلى الارض (7).


(1) في المصدر: على السماء وأهلها. (2) في المصدر: من الكافرين. (3) أي كالقربة الخلق. (4) تفسير فرات: 5. (5) في المصدر: باسجاد ملائكته له وبادخاله الجنة. (6) قال المصنف: المراد بالحسد الغبطة التي لم تكن تنبغي له عليه السلام، ويؤيده قوله عليه السلام: وتمنى منزلتهم. (7) عيون أخبار الرضا: 170. وأخرجه بتمامه عنه وعن المعاني في باب ارتكاب ترك الاولى ومعناه راجع 11: 164 و 165.

[ 363 ]

اقول: سيأتي أخبار كثيرة في فضله صلى الله عليه واله في كتاب الامامة، وأبواب فضائل أصحاب الكساء، وفضائل أمير المؤمنين عليه السلام. 63 - ب: ابن عيسى، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام أنه عليه السلام كتب إليه: قال أبو جعفر عليه السلام: لا يستكمل عبد الايمان حتى يعرف أنه يجري لآخرهم ما يجري لاولهم في الحجة والطاعة والحلال والحرام سواء (1)، ولمحمد صلى الله عليه واله وأمير المؤمنين فصلهما (2). 64 - ن: فيما بين الرضا عليه السلام (3) عند المأمون من فضل العترة الطاهرة قال: الذكر رسول الله صلى الله عليه واله، ونحن أهله، وذلك بين في كتاب الله حيث يقول: " الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات (4) " فالذكر رسول الله صلى الله عليه واله ونحن أهله (5). 65 - مع: الطالقاني، عن الجلودي، عن عبد الله بن محمد، عن العبسي، عن محمد ابن هلال، عن نائل بن نجيح، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل: " كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها (6) " قال أما الشجرة فرسول الله صلى الله عليه واله، وفرعها علي عليه السلام، وغصن الشجرة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله، وثمرها أولادها عليهم السلام، وورقها شيعتنا، ثم قال عليه السلام: إن المؤمن من شيعتنا ليموت فيسقط من الشجرة ورقة، وإن المولود من شيعتنا ليولد فتورق الشجرة ورقة (7). أقول: سيأتي مثله بأسانيد في كتاب الامامة.


(1) المصدر خال عن كلمة: سواء. (2) قرب الاسناد: 153. وفيه: ولامير المؤمنين عليه السلام. (3) ذكره الصدوق باسناده عن علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب وجعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنهما قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن الريان بن الصلت. (4) الطلاق: 10 و 11. (5) عيون أخبار الرضا: 132. (6) أبراهيم: 24 و 25. (7) معاني الاخبار: 113.

[ 364 ]

66 - ك: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن (1) موسى عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله أنا سيد من خلق الله، وأنا خير من جبرئيل وإسرافيل، وحملة العرش، وجميع الملائكة المقربين (2)، وأنبياء الله المرسلين، وأنا صاحب الشفاعة والحوض الشريف، وأنا وعلي أبوا هذه الامة، من عرفنا فقد عرف الله، ومن أنكرنا فقد أنكر الله عزوجل، ومن علي سبطا امتي، وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، ومن ولد الحسين أئمة تسعة، طاعتهم طاعتي، ومعصيتهم معصيتي، تاسعهم قائمهم ومهديهم (3). 67 - شف: من كتاب الامامة عن بيدار بن (4) عاصم، عمن حدثه، عن عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما خلق الله العرش خلق ملكين فاكتنفاه فقال: اشهدا أن لا إله إلا أنا، فشهدا، ثم قال: اشهدا أن محمدا رسول الله فشهدا، ثم قال: اشهدا أن عليا أمير المؤمنين فشهدا (5). 68 - ارشاد القلوب: عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: افتخر إسرافيل على جبرائيل فقال: أنا خير منك، قال: ولم أنت خير مني ؟ قال: لاني صاحب الثمانية حملة العرش، وأنا صاحب النفخة في الصور، وأنا أقرب الملائكة إلى الله تعالى، قال جبرائيل عليه السلام: أنا خير منك، فقال: بما أنت خير مني ؟ قال: لاني أمين الله على وحيه، وأنا رسوله إلى الانبياء والمرسلين، وأنا صاحب الخسوف والقذوف (6)، وما أهلك الله امة من الامم إلا علي يدي، فاختصما إلى الله تعالى فأوحى إليهما: اسكتا (7)، فوعزتي وجلالي لقد خلقت من هو خير منكما، قالا: يا رب


(1) في المصدر: علي بن موسى. (2) في المصدر: من جبرئيل وميكائيل واسرافيل وحملة العرش، وجميع ملائكة الله المقربين. (3) كمال الدين: 151 و 152. (4) هكذا في الكتاب، وفي المصدر: نبدار بتقديم النون على الباء، والظاهر أنهما مصحفان عن بندار بتقديم الباء. (5) كشف اليقين: 55. (6) في المصدر: صاحب الكسوف والخسوف. (7) في المصدر: فأوحى الله إليهما أن اسكتا.

[ 365 ]

أو تخلق خيرا منا (1) ونحن خلقنا من نور ؟ قال الله تعالى: نعم، وأوحى (2) إلى حجب القدرة: انكشفي (3)، فانكشف فإذا على ساق العرش الايمن مكتوب: " لا إله إلا الله، محمد (4) وعلي وفاطمة والحسن والحسين خير خلق الله (5) " فقال جبرائيل: يا رب فإني أسألك بحقهم عليك إلا جعلتني خادمهم، قال الله تعالى: قد جعلت، فجبرائيل من أهل البيت وإنه لخادمنا (6). 69 - فس: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن بسطام بن مرة عن إسحاق بن حسان، عن الهيثم بن واقد، عن علي بن الحسين العبدي، عن سعد الاسكاف، عن الاصبغ أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن قول الله عزوجل: " سبح اسم ربك الاعلى " (7) فقال: مكتوب على قائمة العرش قبل أن يخلق الله السماوات والارضين بألفي عام (8): لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فاشهدوا بهما، وأن عليا عليه السلام وصي محمد صلى الله عليه واله (9). 70 - شف: من كتاب الامامة عن هشام بن سالم، عن الحارث بن المغيرة النضري (10) قال: حول العرش كتاب جليل مسطور: إني أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين (11). 71 - صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إنا أهل بيت


(1) في المصدر: أو تخلق من هو خير منا ونحن خلقنا من نور الله. (2) في المصدر: وأومأ. (3) في المصدر: أن انكشفي. (4) في المصدر: محمد رسول الله. (5) في المصدر: أحباؤ الله. (6) إرشاد القلوب 2: 214. (7) الاعلى: 1. (8) في المصدر: والارض بألف سنة. (9) تفسير القمي: 721 و 722. (10) الصحيح النصري بالمهملة، صرح به النجاشي وقال: إنه من بني نصر بن معاوية. (11) كشف اليقين: 55.

[ 366 ]

لا تحل لنا الصدقة وامرنا باسباغ الوضوء، وأن لا ننزي حمارا على (1) عتيقة، ولا نمسح على خف (2). 72 - جع، لي: ما جيلويه، عن عمه، عن أحمد بن هلال، عن الفضل بن دكين، عن معمر بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أتى يهودي النبي صلى الله عليه واله فقام بين يديه يحد النظر (3) إليه، فقال: يا يهودي حاجتك ؟ (4) قال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلمه الله، وأنزل عليه التوراة والعصا، وفلق له البحر، وأظله بالغمام ؟ فقال له النبي صلى الله عليه واله: إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه، ولكني أقول: إن آدم عليه السلام لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال: " اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما غفرت لي " فغفرها الله له، وإن نوحا لما ركب في السفينة (5) وخاف الغرق قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني من الغرق " فنجاه الله عنه، وإن إبراهيم عليه السلام لما القي في النار قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني منها " فجعلها الله عليه بردا و سلاما، وإن موسى عليه السلام لما ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال: " اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أمنتني " فقال الله جل جلاله: " لا تخف إنك أنت الاعلى " (6) يا يهودي إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوتي ما نفعه إيمانه شيئا، ولا نفعته النبوة، يا يهودي ومن ذريتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته وقدمه وصلى خلفه (7). ج: عن معمر مثله (8).


(1) أنزاه: جعله ينزو، أي وقع عليه ووطئه. والعتيقة مؤنث العتيق: الفرس الرائع. (2) صحيفة الرضا: 5. (3) أحد إليه النظر: بالغ في النظر إليه. (4) في جامع الاخبار والاحتجاج: ما حاجتك ؟ فقال. (5) في الاحتجاج: لما ركب السفينة. (6) طه: 68. (7) جامع الاخبار: 8 - 9. الامالي: 131 و 132، فيهما وفي الاحتجاج: فقدمه. (8) الاحتجاج: 27 - 28 فيه: ويصلي خلفه.

[ 367 ]

73 - ص: بالاسناد عن الصدوق، عن هاني بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن بطة عن أبيه، عن محمد بن عبد الوهاب، عن أبي الحارث الفهري، عن عبد الله بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن أبي زيد بن أسلم (1)، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لما أكل آدم من الشجرة رفع رأسه إلى السماء فقال: " أسألك بحق محمد إلا رحمتني " فأوحى الله إليه: ومن محمد ؟ فقال: تبارك اسمك، لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله " فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدرا ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله إليه يا آدم إنه لآخر النبيين من ذريتك، فلو لا محمد ما خلقتك (2). 74 - شى: عن محمد بن عيسى بن عبد الله العلوي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال: يا رب أسألك بحق محمد لما تبت علي، قال: وما علمك بمحمد ؟ قال: رأيته في سرادقك الاعظم مكتوبا وأنا في الجنة (3). أقول: سيأتي جل الاخبار في ذلك في كتاب الامامة. 75 - ب: الطيالسي، عن فضيل بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اتقوا الله وعظموا الله وعظموا رسوله (4)، ولا تفضلوا على رسول الله صلى الله عليه واله أحدا، فإن الله تبارك وتعالى قد فضله. الخبر (5).


(1) الصحيح عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فلفظة أبي زائدة، والرجل هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوى مولاهم المدنى، ترجمه ابن حجر في التقريب: 308، والتهذيب 6: 177، وقد تقدم الخير في باب ارتكاب ترك الاولى ومعناه 11: 181، وذكرنا في الهامش أنه عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوى، وهو وهم، والصحيح ما ذكرنا هنا: وترجمنا هناك أبا الحارث الفهري. راجع. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) تفسير العياشي: مخطوط. وتقدم الحديث في ج 11: 187 أيضا. (4) في المصدر: رسول الله. (5) قرب الاسناد: 61.

[ 368 ]

76 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبد الله بن محمد بن أخي حماد الكاتب، عن الحسين بن عبد الله قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه وآله سيد ولد آدم ؟ فقال: كان والله سيد من خلق الله، وما برأ الله برية خيرا من محمد صلى الله عليه واله (1). 77 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر رسول الله صلى الله عليه واله فقال: قال أمير المؤمنين: ما برأ الله نسمة خيرا من محمد صلى الله عليه واله (2). 78 - كا: علي بن محمد، عن سهل، عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب، عن سنان بن طريف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنا أول أهل بيت نوه الله (3) بأسماءنا، إنه لما خلق السماوات والارض أمر مناديا فنادى: " أشهد أن لا إله إلا الله " ثلاثا " أشهد أن محمدا رسول الله " ثلاثلا ؟ " أشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا " ثلاثا (4). 79 - كا: علي بن محمد وغيره، عن سهل، عن محمد بن الوليد شباب الصيرفي، عن مالك بن إسماعيل المهدي، عن عبد السلام بن حارث، عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان في رسول الله صلى الله عليه واله ثلاثة لم تكن في أحد غيره: لم يكن له فئ، و كان لا يمر في طريق فيمر فيه بعد يومين أو ثلاثة إلا عرف أنه قد مر فيه لطيب عرفه، وكان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له (5). بيان: العرف بالفتح: الريح الطيبة. وسيأتي في بعض الاخبار أن بعض الاصحاب رأوا بعض الائمة عليهم السلام بلا فئ، فيمكن أن يكون دوام ذلك من خواصه صلى الله عليه واله، أو يكون الحصر إضافيا بالنسبة إلى غيرهم عليهم السلام.


(1) اصول الكافي 1: 440. (2) اصول الكافي 1: 440. النسمة: الانسان، أو كل دابة فيها روح. (3) أي أشاد بذكرنا وأظهر أسماءنا. (4) اصول الكافي 1: 441. (5) اصول الكافي 1: 442.

[ 369 ]

80 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله عليه السلام في خطبة له خاصة يذكر فيها حال النبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام وصفاتهم: فلم يمنع ربنا لحلمه وأناته (1) وعطفه ما كان من عظيم جرمهم وقبيح أفعالهم أن انتجب لهم أحب أنبيائه إليه، وأكرمهم عليه، محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله في حومة العز مولده، وفي دومة الكرم محتده، غير مشوب حسبه، ولا ممزوج نسبه، ولا مجهول عند أهل العلم صفته، بشرت به الانبياء في كتبها، ونطقت به العلماء بنعتها، و تأملته الحكماء بوصفها، مهذب لا يدانى، هاشمي لا يوازي أبطحي لا يسامي، شيمته الحياء، وطبيعته السخاء، مجبول على أوقار النبوة وأخلاقها، مطبوع على أوصاف الرسالة وأحلامها، إلى أن انتهت به أسباب مقادير الله إلى أوقاتها، وجرى بأمر الله القضاء فيه إلى نهاياتها، أداه محتوم قضاء الله إلى غاياتها، تبشر به كل امة من بعدها، ويدفعه كل أب إلى أب من ظهر إلى ظهر، لم يخلطه في عنصره سفاح، ولم ينجسه في ولادته نكاح، من لدن آدم عليه السلام إلى أبيه عبد الله في خير فرقة، وأكرم سبط، وأمنع رهط (2) وأكلا حمل، وأودع حجر، اصطفاه الله وارتضاه واجتباه، وآتاه من العلم مفاتيحه، ومن الكرم ينابيعه، ابتعثه رحمة للعباد، وربيعا للبلاد، وأنزل الله إليه الكتاب، فيه البيان والتبيان: " قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (3) " قد بينه للناس ونهجه بعلم قد فصله، ودين قد أوضحه، وفرائض قد أوجبها، وحدود حدها للناس وبينها، وامور قد كشفها لخلقه و أعلنها، فيها دلالة إلى النجاة، ومعالم تدعو إلى هداه (4)، فبلغ رسول الله صلى الله عليه واله ما أرسل به، وصدع بما أمر، وأدى ما حمل من أثقال النبوة، وصبر لربه، وجاهد في سبيله، و نصح لامته، ودعاهم إلى النجاة، وحثهم على الذكر، ودلهم على سبيل الهدى بمناهج و دواع أسس للعباد أساسها، ومنار رفع لهم أعلامها، كيلا يضلوا من بعده، وكان بهم رؤفا رحيما (5).


(1) الاناة: الوقار والحلم. (2) أي أعز قوم وأقواهم. (3) الزمر: 28. (4) هداة خ. (5) اصول الكافي 1: 444 و 445.

[ 370 ]

بيان: حومة البحر والرمل والقتال وغيره: معظمه، وأشد موضع منه، ودومة الشئ بالضم والفتح: أصله، وكذا المحتد بكسر التاء: الاصل، وحتد بالمكان: أقام به، ولعل المراد بالاول نسل إبراهيم أو هاشم، وبالثاني مكة شرفها الله، أو الاول إبراهيم عليه السلام، والثاني هاشم، أو هما مكة، والاول أظهر، والمراد بالحسب إما الاخلاق الكريمة، أو الاسباب الشريفة، أو هما معا، قوله: بنعتها، الضمير راجع إلى العلماء، و الاضافة إلى الفاعل، وكذا الفقرة التالية لها، قوله: لا يدانى على بناء المجهول، أي لا يدانيه في الكمال أحد، وكذا لا يوازي ولا يسامي، والمساماة: المفاخرة، والشيمة بالكسر: الخلق، وأوقار النبوة: أثقالها، كناية عن الشرئط العظيمة التي لا تكون النبوة بدونها، أي صارت تلك الاخلاق جبلته وطبعه وعليها خلق، وأحلامها: عقولها، أو جمع الحلم في مقابلة السفه والخرق. قوله عليه السلام: إلى أوقاتها، الضمير راجع إلى المقادير، أي أوصلته أسباب مقادير الله إلى أوقات حصول ما قدر فيه من وجوده، أو وفاته وانقضاء مدته، والاول أظهر، وكذا ضمير نهاياتها وغاياتها راجعان إلى القضاء أو المقادير، وقوله: تبشر به، استياف أو عطف بيان للجمل السابقة. قوله: نكاح، أي باطل من أنكحة الجاهلية، و السبط بالكسر: ولد الولد، والقبيلة العظيمة، والكلاءة: الحفظ والحراسة، والحجر حجر عبد المطلب وأبي طالب، ونهجه بالتخفيف أي أوضحه. وقوله: بعلم، أما متعلق بقوله: بينه، أو حال عن الكتاب، والمستتر في قوله: وفصله وقراينه إما راجع إلى الله، أو الرسول، أو الكتاب. قوله: فيها، أي في تلك الامور، وقوله: معالم، إما مرفوع معطوف على دلالة، أو مجرور معطوف على النجاة، ويمكن أن يقرأ هداة بالتاء، والضمير أظهر. ويقال: صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا، والمراد بالذكر إما القرآن أو الاعم، والضمير في قوله: أساسها راجع إلى المناهج والدواعي، والمراد بالتأسيس إما الوضع أو الاحكام والاتقان، وبسبيل الهدى منهج الشرع، وبالمناهج والدواعي أوصياؤه صلوات الله عليهم، والمراد بالتأسيس نصب الادلة على خلافتهم، ويمكن أن يراد بالمناهج الائمة، وبالدواعي الادلة الدالة على وجوب متابعتهم، وكذا المنار كناية عن الائمة عليهم السلام، و رفع الاعلام عن نصب الادلة.

[ 371 ]

81 - كا: ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: اللهم صلى على محمد صفيك وخليلك ونجيك المدبر لامرك (1). 82 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن علي بن جيش (2)، عن العباس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن الحسين بن أبي غندر، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما بعث الله نبيا أكرم من محمد صلى الله عليه واله، ولا خلق الله قبله أحدا، ولا أنذر الله خلقه بأحد من خلقه قبل محمد، فذلك (3) قوله تعالى: " هذا نذير من النذر الاولى (4) " وقال: " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (5) " فلم يكن قبله مطاع في الخلق، ولا يكون بعده إلى أن تقوم الساعة في كل قرن إلى أن يرث الله الارض ومن عليها (6). بيان: قوله عليه السلام: ولا خلق الله قبله أحدا، أي هو أول المخلوقات (7) كما مرت الاخبار الكثيرة في ذلك، قوله عليه السلام: ولا أنذر الله خلقه بأحد من خلقه قبل محمد صلى الله عليه واله، أي كان منذرا في عالم الذر، فكان إنذاره قبل كل أحد، والاستشهاد بالآية الاولى إما بحملها على أن المراد بها أن هذا، أي محمدا صلى الله عليه واله من جملة النذر السابقة، وليس إنذاره مختصا بهذا الزمان، أو بحملها على أن المعني بها إنما أنت منذر للنذر الاولى في عالم الذر: بأن تكون كلمة (من) للتعليل كقوله تعالى: " مما خطيئاتهم (8) " أو بمعنى (على) كقوله تعالى: " ونصرناه من القوم (9) " ويؤيد الوجهين ما رواه الصفار بإسناده إلى علي


(1) اصول الكافي: 451. (2) هكذا في النسخة والصحيح كما في المصدر: علي بن حبشي، وهو علي بن حبشي بن قوني المترجم في رجال الشيخ وفهرسته. (3) فلذلك خ ل. (4) النجم: 56. (5) الرعد: 7. (6) مجالس الشيخ: 63. (7) أو المعنى وما خلق الله قبله أحدا أكرم منه. (8) نوح: 25. (9) الانبياء 77. (*)

[ 372 ]

ابن معمر، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: " هذا نذير من النذر الاولى " قال: يعني به محمدا، حيث دعاهم إلى الاقرار بالله في الذر الاول، و بالآية الثانية لان مفادها على المشهور بين المفسرين إنما أنت منذر وهاد لكل قوم، فيكون هاديا للانبياء واممهم، ويحتمل أن يكون غرضه عليه السلام حصر الانذار فيه صلى الله عليه واله، أي لم يكن من أنذر قبله منذرا حقيقة، وإنما المنذر والمطاع على الاطلاق هو صلى الله عليه واله، كما يدل عليه آخر الخبر، فالاستشهاد بالآية الاولى إما بحملها على الاخير من المعنيين، فإنه لما كان منذرا للنذر فهو المنذر للجميع حقيقة، وإنما كانوا نوابه في الانذار، كما أن من بعده من الاوصياء كذلك، أو بحملها على أن المراد به الحصر، أي هذا منذر حسب من جملة من يسمون بالنذر من الانبياء السابقة، وبالثانية بحملها على أن قوله: " ولكل قوم هاد " من قبيل عطف الجملة على الجملة، ويكون المراد بالجزء الاولى حصر الانذار فيه صلى الله عليه واله على سبيل القلب، أي ليس المنذر إلا أنت، وأما غيرك فهم هادون من قبلك، أو على الوجه الذي قررناه في الوجه الاول، ولعله أقل تكلفا، هذا ما خطر بالبال في حل هذا الخبر الذي حير الافهام (1)، والله يعلم أسرار أئمة الانام. وقال الصدوق رحمه الله في الهداية (2) يجب أن يعتقد أن النبوة حق، كما اعتقدنا أن التوحيد حق، وأن الانبياء الذين بعثهم الله مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، جاؤا بالحق من عند الحق، وأن قولهم قول الله، وأمرهم أمر الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، وأنهم (3) لم ينطقوا إلا عن الله عزوجل وعن وحيه، وأن سادة الانبياء خمسة، الذين عليهم دارت الرحى، وهم أصحاب الشرائع، وهم اولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليه وعليهم، وأن محمدا سيدهم وأفضلهم، وأنه جاء بالحق وصدق المرسلين (4)، وأن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور


(1) ومع ذلك كله الحديث لا يخلو عن غرابة، مع ما يرى في إسناده من الضعف والجهالة. (2) الهداية: 5 و 6. (3) في المصدر: فانهم. (4) في المصدر زيادة هي: وان الذين كذبوه ذائقوا العذاب الاليم.

[ 373 ]

الذي انزل معه اولئك هم المفلحون، ويجب أن يعتقد أن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أفضل من محمد صلى الله عليه واله، ومن بعده الائمة صلوات الله عليهم، وأنهم أحب الخلق إلى الله عزوجل وأكرمهم عليه، وأولهم إقرارا به، لما أخذ الله ميثاق النبيين في الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى، وأن الله بعث نبيه صلى الله عليه واله إلى الانبياء عليهم السلام في في الذر، وأن الله أعطى ما أعطى كل نبي على قدر معرفته نبينا صلى الله عليه واله، وسبقه إلى الاقرار به، ونعتقد (1) أن الله تبارك وتعالى خلق جميع ما خلق له ولاهل بيته صلوات الله عليهم، وأنه لولاهم ما خلق الله السماء والارض ولا الجنة ولا النار ولا آدم ولا حواء ولا الملائكة ولا شيئا مما خلق صلوات الله عليهم أجمعين. 83 - كا: العدة، عن سهل وأحمد بن محمد جميعا، عن ابن محبوب، عن إبراهيم الكرخي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لو اهدي إلي كراع لقبلت، وكان ذلك من الدين، ولو أن كافرا أو منافقا اهدى إلي وسقا (2) ما قبلت، وكان ذلك من الدين، أبى الله تعالى لي زبد المشركين والمنافقين وطعامهم (3). بيان: هذا الخبر يدل على حرمة هدية المشركين عليه صلى الله عليه واله، فيكون من خصائصه كما ذكره ابن شهر آشوب، ويدل عليه خبر آخر سيأتي في باب قصة صديقه قبل البعثة، ولم يذكره الاكثر لما اشتهر من أنه صلى الله عليه واله قبل هدية النجاشي والمقوقس واكيدر بل كسرى أيضا، كما رواه الصدوق في الفقيه عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: أهدى كسرى للنبي صلى الله عليه واله فقبل منه، وأهدى قيصر للنبي صلى الله عليه واله فقبل منه، وأهدت له الملوك فقبل منهم (4). فقيل: إنه كان حراما فنسخ، ويحتمل أن يكون الحرمة مع عدم المصلحة في قبولها، مع أنه يحتمل أن يكون هؤلاء الذين قبل صلى الله عليه واله هديتهم كانوا أسلموا ولم يظهروا


(1) في المصدر: ونبينا صلى الله عليه وآله سبقهم إلى الاقرار به، ويعتقد. (2) الوسق: ستون صاعا، وقيل: حمل البعير. (3) فروع الكافي 1: 368. (4) من لا يحضره الفقيه: 390.

[ 374 ]

إسلامهم لقومه تقية كما هو الظاهر من أحوال النجاشي، لكن هذا في بعضهم ككسرى بعيد. قال في النهاية: فيه: " إنا لا نقبل زبد المشركين " الزبد بسكون الباء: الرفد و العطاء، قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا لانه قد قبل هدية غير واحد من المشركين، أهدى له المقوقس مارية، والبغلة أهدى له اكيدر دومة فقبل منهما، وقيل: إنما رد هديته ليغيظه بردها فيحمله ذلك على الاسلام، وقيل: ردها لان للهدية موضعا من القلب، ولا يجوز عليه أن يميل بقلبه إلى مشرك فردها قطعا لسبب الميل، و ليس ذلك مناقضا لقبوله هدية النجاشي والمقوقس واكيدر، لانهم أهل الكتاب انتهى (1). 84 - فر: الحسين بن سعيد، وأحمد بن الحسن معنعنا، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قوله تعالى (2): " الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين (3) " قال: يراك حين تقوم بأمره، وتقلبك في أصلاب الانبياء نبي بعد نبي (4). 85 - فر: علي بن محمد بن علي بن عمر الزهري (5)، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه واله فينا خطيبا فقال: الحمد لله على آلائه وبلائه عندنا أهل البيت، وأستعين الله على نكبات الدنيا وموبقات الآخرة (6)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني محمدا عبده ورسوله، أرسلني برسالته إلى جميع خلقه " ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة (7) " واصطفاني على جميع العالمين من الاولين و الآخرين، أعطاني مفاتيح خزائنه كلها، واستودعني سره، وأمرني بأمره، فكان القائم، وأنا الخاتم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، و " اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا


(1) النهاية 2: 128. راجع معالم السنن 3: 41 ففيه اختلاف مع المنقول. (2) في المصدر: في قوله تعالى. (3) الشعراء: 118 و 119. (4) تفسير فرات: 108. (5) في المصدر: معنعنا عن عبد الله بن عباس. (6) نكبات الدنيا: مصائبها. والموبقات: المهالك. (7) الانفال: 42.

[ 375 ]

وأنتم مسلمون (1) " واعلموا أن الله بكل شئ محيط وأن الله بكل شئ عليم، أيها الناس إنه سيكون بعدي قوم يكذبون علي فلا تقبلوا منهم ذلك، وامور يأتي (2). من بعدي يزعم أهلها أنها عني، ومعاذ الله أن أقول على الله إلا حقا، فما أمرتكم إلا بما أمرني به، ولا دعوتكم إلا إليه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. قال: فقام إليه عبادة بن الصامت فقال: متى ذلك يا رسول الله ؟ ومن هؤلاء ؟ عرفناهم لنحذرهم، فقال: أقوام قد استعدوا للخلافة من يومهم هذا، وسيظهرون لكم إذا بلغت النفس معني هاهنا، وأومأ بيده إلى حلقه، فقال له عبادة بن الصامت: إذا كان كذلك فإلى من يا رسول الله ؟ قال: فإذا كان ذلك فعليكم بالسمع والطاعة للسابقين من عترتي، فإنهم يصدونكم عن البغي (3)، ويهدونكم إلى الرشد، ويدعونكم إلى الحق، فيحيون كتابي (4) وسنتي وحديثي، ويموتون البدع، ويقمعون بالحق أهلها (5)، ويزولون مع الحق حيث ما زال (6)، فلن يخيل إلي أنكم تعملون، ولكني محتج عليكم، إذا أنا أعلمتكم ذلك فقد أعلمتكم (7)، أيها الناس إن الله تبارك وتعالى خلقني وأهل بيتي من طينة لم يخلق منها أحدا غيرنا (8)، فكنا أول من ابتدأ من خلقه، فلما خلقنا فتق بنورنا كل ظلمة، و أحيى بنا كل طينة طيبة، وأمات بنا كل طينة خبيثة، ثم قال: هؤلاء خيار خلقي، و حملة عرشي، وخزان علمي، وسادة أهل السماء والارض، هؤلاء الابرار المهتدون، المهتدى بهم، من جاءني بطاعتهم وولايتهم أولجته جنتي وكرامتي، ومن جاءني بعداوتهم والبراءة منهم أولجته ناري، وضاعفت عليه عذابي، وذلك جزاء الضالمين، ثم قال: نحن أهل


(1) آل عمران: 102. (2) في المصدر: فيقبل منهم ذلك، وامور تأتى. (3) في المصدر: يصدونكم عن الغى. (4) في المصدر: كتاب ربي. (5) في المصدر: فيقيمون بالحق أهلها. (6) أي يذهبون ويتحولون مع الحق حيثما ذهب وتحول. قوله: فلن يخيل أي لن أتوهم ذلك ولن يشتبه ذلك على. (7) أي فقد أعلمتكم بحقيقة الامر وبواقعه. (8) في المصدر: غيرنا وموالينا.

[ 376 ]

الايمان بالله ملاكه (1) وتمامه حقا حقا، وبنا سدد الاعمال الصالحة (2)، ونحن وصية الله في الاولين والآخرين، وإن منا الرقيب على خلق الله، ونحن قسم الله، أقسم بنا حيث يقول الله تعالى: " اتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليك رقيبا (3) " أيها الناس إنا أهل البيت عصمنا الله من أن نكون مفتونين أو فاتنين، أو مفتنين (4)، أو كذابين أو كاهنين، أو ساحرين أو عائفين، أو خائنين أو زاجرين، أو مبتدعين أو مرتابين، أو صادفين (5) عن الحق منافقين، فمن كان فيه شئ من هذه الخصال فليس منا، ولا نحن منه (6)، والله منه برئ ونحن منه برآء، ومن برأ الله منه أدخله جهنم وبئس المهاد، و إنا أهل البيت (7) طهرنا الله من كل نجس، فنحن الصادقون إذا نطقوا، والعالمون إذا سئلوا، والحافظون لما استودعوا، جمع الله لنا عشر خصال لم يجتمعن لاحد قبلنا (8)، ولا يكون لاحد غيرنا: العلم والحلم والحكم، واللب (9) والنبوة (10) والشجاعة، والصدق والصبر والطهارة والعفاف، فنحن كلمة التقوى، وسبيل الهدى، والمثل الاعلى، والحجة العظمى، والعروة الوثقى، فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (11).


(1) ملاكه أي قوامه. (2) في المصدر: وبنا سداد الاعمال الصالحة. (3) النساء: 1. أقول: قال الطبرسي: في معناه قولان: أحدهما أنه من قولهم: أسألك بالله أن تفعل كذا، وانشدك بالله والرحم، ونشدتك الله والرحم، وعلى هذا يكون قوله: (والارحام) عطفا على موضع قوله (به) والمعنى انكم كما تعظمون الله باقوالكم فعظموه بطاعتكم اياه. (4) المفتون: الضال، ومن وقع في الفتنة. الفاتن: المضل عن الحق، ومن أوقع غيره في الفتنة. (5) في المصدر أو صادين عن الحق. (6) في المصدر فليس مني ولا أنا منه. (7) في المصدر وانا أهل بيت. (8) في المصدر: بعدنا. (9) اللب: العقل الخالص من الشوائب أو ما ذكا من العقل. (10) في المصدر: الفتوة، مكان النبوة. وفيه: الصدق والطهارة والعفافة والولاية. وفيه: المحجة العظمى والعروة الوثقى والحق الذي أمر الله في المودة. (11) تفسير فرات: 110 و 111 والاية في سورة يونس: 32.

[ 377 ]

بيان: العائف: المتكهن، قاله الجوهري، وقال: الزجر: العيافة، وهو ضرب من التكهن، تقول: زجرت أنه يكون كذا وكذا، وصدف: أعرض، وسيأتي تفسير سائر الفقرات في كتاب الامامة. 86 - يب: محمد بن أحمد بن يحيى، عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن ابن فضال، عن مروان، عن عمار الساباطي قال: كنا جلوسا عند أبي عبد الله عليه السلام بمنى فقال له رجل: ما تقول في النوافل ؟ فقال: فريضة، قال: ففزعنا وفزع الرجل، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنما أعني صلاة الليل على رسول الله صلى الله عليه واله، إن الله يقول: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " (1). 87 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله كلف رسول الله ما لم يكلف (2) أحدا من خلقه، كلفه أن يخرج على الناس كلهم وحده بنفسه إن لم يجد فئة تقاتل معه، ولم يكلف هذا أحدا من خلقه قبله ولا بعده، ثم تلا هذه الآية " فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك (3) " ثم قال: وجعل الله له أن يأخذ له ما أخذ لنفسه، فقال عزوجل: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها (4) " وجعلت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه واله بعشر حسنات (5). 88 - ختص: عن علي بن سويد السائي، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: ما خلق الله خلقا أفضل من محمد صلى الله عليه وآله، ولا خلق خلقا بعد محمد أفضل من علي عليه السلام (6). 89 - ختص: عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى:


(1) تهذيب الاحكام 1: 204. والاية في سورة الاسراء: 79. (2) في المصدر: ما لم يكلفه. (3) النساء: 84. (4) الاعراف: 160. (5) روضة الكافي: 274 و 275. (6) الاختصاص: مخطوط.

[ 378 ]

" عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (1) " قال: يجلسه على العرش (2). 90 - نهج: اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، والمعلن الحق بالحق، والدافع جيشات الاباطيل، والدامغ صولات الاضاليل، كما حمل فاضطلع قائما بأمرك، مستوفزا في مرضاتك، غيرنا كل عن قدم، ولا واه في عزم، واعيا لوحيك، حافظا على عهدك، ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أورى قبس القابس، وأضاء الطريق للخابط، وهديت به القلوب بعد خوضات الفتن والاثم، و أقام موضحات الاعلام، ونيرات الاحكام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك بالحق ورسولك إلى الخلق (3). تبيين: الخاتم لما سبق، أي الوحي والرسالة، والفاتح لما انغلق، يقال: انغلق و استغلق: إذا عسر فتحه، أي فتح ما انغلق وأبهم على الناس من مسائل الدين والتوحيد والشرائع، والسبيل إلى الله تعالى، والمعلن الحق بالحق، أي مظهر الدين بالمعجزات، أو بالحرب والخصومة، يقال: حاق فلانا فحقه أي خاصمه فغلبه، أو بالبيان الواضح، أو بعضه ببعض، فإن بالاصول تظهر الفروع، أو بمعونة الحق تعالى، والجيشات جمع جيشة من جاشت القدر: إذا ارتفع غليانها، والاباطيل جمع باطل على غير قياس، أي دافع ثوران الباطل، وفتن المشركين، وما كانت عادة لهم من الغارات والحروب، والدامغ: المهلك، من دمغه: إذا شجه حتى بلغ الدماغ، وفيه الهلاك، والاضاليل أيضا جمع ضال، على غير قياس، والصولة: الحملة والوثبة والسطوة، قوله عليه السلام: كما حمل، الكاف للتعليل، أي صل عليه لذلك أو للتشبيه، أي صلاة تشبه وتناسب ما فعل، قوله: فاضطلع، أي قوي على حمله، من الضلاعة، وهي القوة، قوله: مستوفزا، أي مستعجلا، والنكول: الرجوع، والقدم بالضم: التقدم والاقدام، أي لم يرجع عن التقدم في الجهاد وغيره من امور الدين، والوهي: الضعف، وتقول: وعيت الحديث: إذا حفظته وفهمته، ومضى في الامر: نفذ، أي كان


(1) الاسراء: 79. (2) الاختصاص: مخطوط. قوله: يجلسه على العرش كناية عن رفعة مقامه وتفوقه على الخلائق أجمعين. (3) نهج البلاغة 1: 130 - 132.

[ 379 ]

مصرا في إنفاذ أمرك وإجرائه، ويقال: روى الزند، أي خرجت ناره، وأوريته أنا، والقبس: الشعلة والقابس: الذي يطلب النار، والمراد بالقبس هنا نور الحق، أي أشعل أنوار الدين حتى ظهر الحق للمقتبسين قوله: للخابط أي الذي يخبط لو لا ضوء نوره، قوله: بعد خوضات الفتن، خاض الماء: دخله، أي بعد أن خاضوا في الفتن أطوارا، والاعلام جمع علم، وهو ما يستدل به على الطريق من منار وجبل ونحوهما، والموضحات يحتمل الفتح والكسر كما لا يخفى، و نيرات الاحكام، أي الاحكام الواضحة الحقة، والمأمون تأكيد، والمراد بالعلم المخزون الامور التي لا تتعلق بالتكاليف، لانها لا يخزن عن المكلفين، قوله عليه السلام: وشهيدك، أي شاهدك على الخلق، قوله: وبعيثك، أي مبعوثك بالدين الثابت. 91 - نهج: فاستودعهم في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر، تناسختهم كرائم الاصلاب إلى مطهرات الارحام، كلما مضى سلف (1) قام منهم بدين الله خلف، حتى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمد صلى الله عليه واله، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا، وأعز الارومات مغرسا، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب (2) منها امناءه، عترته خير العتر، واسرته خير الاسر، وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم، وبسقت في كرم، لها فروع طوال، وثمر لا ينال (3)، فهو إمام من اتقى، وبصيرة من اهتدى، سراج لمع ضوؤه، وشهاب سطع نوره، وزندبرق لمعه، سيرته القصد، وسنته الرشد، وكلامه الفصل، وحكمه العدل، أرسله على حين فترة من الرسل، وهفوة عن العمل، وغباوة من الامم (4). بيان: قوله عليه السلام: في أفضل مستودع، الظاهر أن المراد بالمستودع والمستقر الاصلاب والارحام، فيكون ما بعده بيانا له، ويحتمل أن يكون المراد محل أرواحهم في عالم الذر. قوله: تناسختهم، أي تناقلتهم، قوله: حتى أفضت أي انتهت، والارومة: الاصل، ويحتمل أن يكون المراد بأفضل المعادن وأعز الارومات شجرة النبوة، وقيل:


(1) في المصدر: مضى منهم سلف. (2) في المصدر: انتخب. (3) في المصدر: وثمرة لا تنال. (4) نهج البلاغة 1: 201 و 202.

[ 380 ]

مكة شرفها الله، وقيل: نسبه وعشيرته، والصدع: الشق، والعترة: أخص من الاسرة، والاسرة: الرهط الادنون، وقيل: أراد بالشجر في الموضعين إبراهيم عليه السلام وقيل: أراد هاشما، بقرينة قوله: نبتت في حرم، أي مكة، كذا قيل والاظهر أن تحمل الشجرة ثانيا على نفسه وأهل بيته، كما ورد في أخبار كثيرة في تفسير الشجرة الطيبة، والمراد بالفروع الائمة، وطولها كناية عن بلوغهم في الشرف والفضل الغاية البعيدة، والمراد بالثمر علومهم ومعارفهم، وعدم النيل لغموض أسرارها بحيث لا تصل العقول إليها، والزند: العود الذي يقدح به النار، والقصد: الوسط والاعتدال في الامور من غير إفراط وتفريط، والفصل: الفاصل بين الحق والباطل، والهفوة: الزلة، والغباوة: الجهل وقلة الفطنة. 92 - نهج: مستقره خير مستقر، ومنبته أشرف منبت، في معادن الكرامة، ومماهد السلامة، قد صرفت نحوه أفئدة الابرار، وثنيت إليه أزمة الابصار، دفن به الضغائن، وأطفأ به النوائر (1)، ألف به إخوانا، وفرق به أقرانا (2)، أعز به الذلة، وأذل به العزة، كلامه بيان، وصمته لسان (3). بيان: يحتمل زائدا على ما تقدم أن يكون المراد بالمستقر المدينة، وبالمنبت مكة زادهما الله تعالى شرفا، قوله عليه السلام: ومماهد السلامة، قال ابن الميثم: المهاد: الفراش، ولما قال: " في معادن " وهي جمع معدن قال: بحكم القرينة والازدواج: " ومماهد " وإن لم يكن الواحد منها ممهدا، كما قالوا: الغدايا والعشايا ومأجورات ومأزورات ونحو ذلك، ويعني السلامة هاهنا البراءة من العيوب، أي في نسب طاهر غير مأبون ولا معيب، ويحتمل أن يراد بمعادن الكرامة ومماهد السلامة مكة والمدينة، فإنهما محل العبادة والسلامة من عذابه، والفوز بكرامته، ويحتمل أن يراد بمماهد السلامة ما نشأ عليه من مكارم الاخلاق الممهدة للسلامة من سخط الله، قوله: وثنيت، أي عطفت وصرفت، قوله: دفن به، أي أخفى وأذهب، والضغائن جمع ضغينة، وهي الحقد، والنوائر جمع نائرة، وهي العداوة،


(1) في المصدر: الثائرة، وهي الغضب والضجة والشغب، ولعله مصحف. (2) أي فرق به جماعة كانوا أقرانا والافا على الشرك. (3) نهج البلاغة 1: 203 و 204.

[ 381 ]

والمراد بالذلة ذلة الاسلام، وبالعزة عزة الشرك، قوله عليه السلام: وصمته لسان، فيه وجهان: أحدهما أنه كان يسكت عما لا ينبغي من القول، فيعلم الناس السكوت عما لا يعنيهم، وثانيهما: أن سكوته صلى الله عليه واله عن بعض أفعال الصحابة وعدم النهي عنها كان تقريرا لها، ودليلا على الاباحة. 93 - نهج: حتى أورى قبسا لقابس، وأنار علما لحابس، فهو أمينك وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة، اللهم اقسم له مقسما (1) من عدلك، وأجزه مضاعفات الخير من فضلك، اللهم أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم لديك نزله، وشرف عندك منزله، وآته الوسيلة (2)، وأعطه السناء (3) والفضيلة، واحشرنا في زمرته غير خزايا (4) ولا نادمين، ولا ناكبين (5) ولا ناكثين (6)، ولا ضالين، ولا مفتونين (7). بيان: الحابس: الواقف في مكانه الذي حبس ناقته ضلالا، فهو يخبط ولا يدري كيف يهتدي، والمراد ببنائه قواعد دينه أو كمالاته، والنزل بالضم: ما يهيأ للضيف. 94 - نهج: اختاره من شجرة الانبياء. ومشكاة الضيآء، وذؤابة العلياء (8)، وسرة


(1) المقسم: النصيب والحظ من نعمه والائه التي يقسمها بين العباد. (2) قال الجزري في النهاية في حديث الاذان: اللهم آت محمدا الوسيلة: الوسيلة هي ما يتوصل به إلى الشئ ويتقرب به، والمراد به في الحديث القرب من الله تعالى، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هي منزلة من منازل الجنة. (3) السناء: الرفعة. (4) الخزايا جمع خزيان، من خزى: وقع في بلية. ذل وهان. خجل من قبيح ارتكبه. (5) من نكب عن الطريق: إذا عدل. أي ولا عادلين عن طريق الحق والصواب. (6) أي ولا ناقضين عهدك (7) نهج البلاغة 1: 221. فيه: ولا ضالين ولا مضلين ولا مفتونين. (8) قال الجزري في النهاية: الذوائب جمع ذؤابة وهي الشعر المضفور من شعر الرأس، و ذؤابة الجبل أعلاه، ثم استعير للعز والشرف والمرتبة. أي اختاره من أشراف العرب وذوي أفدارهم.

[ 382 ]

البطحاء (1)، ومصابيح الظلمة، وينابيع الحكمة (2). 95 - نهج: وأشهد أن محمدا نجيب الله (3)، وسفير وحيه، ورسول رحمته (4). 96 - نهج: وأشهد أن محمدا عبده وسيد عباده، كلما نسخ (5) الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما، لم يسهم فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر (6). بيان: النسخ: الازالة والتغيير، استعير هنا للقسمة لانها إزالة للمقسوم وتغيير له، والعاهر: الزاني، ويطلق على الذكر والاثنى، وكذلك الفاجر. تذنيب: أقول: قد ذكر علمائنا رضي الله عنهم بعض خصائصه صلى الله عليه واله في كتبهم، وجمعها العلامة رحمه الله في كتاب التذكرة، فلنورد ملخص ما ذكروه رحمهم الله، قال في التذكرة: فأما الواجبات عليه دون غيره من امته امور: الاول السواك، الثاني الوتر، الثالث الاضحية، روي عنه صلى الله عليه واله أنه قال: ثلاث كتب علي، ولم يكتب عليكم: السواك، والوتر، والاضحية. وفي حديث آخر: كتب علي الوتر، ولم يكتب عليكم، وكتب علي السواك، ولم يكتب عليكم، وكتبت علي الاضحية، ولم تكتب عليكم. وتردد الشافعي (7) في وجوب السواك عليه صلى الله عليه واله. الرابع: قيام الليل لقوله تعالى: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك (8) " وإن أشعر لفظ النافلة بالسنة، ولكنها في اللغة الزيادة، ولان السنة جبر للفريضة، وكان صلى الله عليه واله معصوما من النقصان في الفرائض، واختلف الشافعية فقال بعضهم: كان ذلك واجبا عليه،


(1) سرة الوادي: بطنه أو أفضل مواضعه. (2) نهج البلاغة 1: 223 و 224. (3) أي مختاره المصطفى. (4) نهج البلاغة 1: 433. (5) قيل: نسخ الخلق: نقلهم بالتناسل عن اصولهم فجعلهم بعد الوحدة في الاصول فرقا. (6) نهج البلاغة 1: 456. (7) في المصدر: أصحاب الشافعي. (8) الاسراء: 79.

[ 383 ]

وقال بعضهم: كان واجبا عليه وعلى امته فنسخ. أقول: ذكر الوتر مع قيام الليل يشتمل على تكرار ظاهرا، والاصل فيه أن العامة رووا حديثا عن عايشة أن النبي صلى الله عليه واله قال: " ثلاث علي فريضة ولكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل " ولذا جمعوا بينهما تبعا للرواية، كما يظهر من شارح الوجيزة، وتبعهم أصحابنا رضوان الله عليهم. وقال الشهيد الثاني قدس سره: اعلم أن بين قيام الليل وبين الوتر الواجبين عليه مغايرة العموم والخصوص المطلق، لان قيام الليل بالتهجد يحصل بالوتر وبغيره، فلا يلزم من وجوبه وجوبه، وأما الوتر فلما كان من العبادات الواقعة بالليل فهو من جملة التهجد بل أفضله، فقد يقال: إن إيجابه يغني عن إيجاب قيام الليل وجوابه أن قيام الليل وإن تحقق بالوتر لكن مفهومه مغاير لمفهومه، لان الواجب من القيام لما كان يتأدى به وبغيره، وبالكثير منه والقليل كان كل فرد يأتي به منه موصوفا بالوجوب، لانه أحد أفراد الواجب الكلي، وهذا القدر لا يتأدى بإيجاب الوتر خاصة، ولا يفيد فائدته، فلابد من الجمع بينهما. ثم قال في التذكرة: الخامس: قضاء دين من مات معسرا، لقوله صلى الله عليه واله: " من مات وخلف مالا فلورثته، ومن مات وخلف دينا أو كلا فعلي (1) " وإلى هذا مذهب الجمهور، وقال بعضهم: كان ذلك كرما منه، وهذا اللفظ لا يمكن حمله على الضمان، لان من صحح ضمان المجهول لم يصحح على هذا الوجه، وللشافعية وجهان في أن الامام هل يجب عليه قضاء دين المعسر إذا مات، وكان في بيت المال سعة تزيد على حاجة الاحياء، لما في إيجابه من الترغيب في اقتراض المحتاجين. السادس: مشاورة اولي النهى لقوله تعالى: " وشاورهم في الامر (2) " وقيل: إنه لم يكن واجبا عليه، بل امر لاستمالة قلوبهم، وهو المعتمد، فإن عقل النبي صلى الله عليه واله أوفر من عقول كل البشر.


(1) في المصدر: أو كلا فالى، وعلى هذا مذهب الجمهور. (2) آل عمران: 159.

[ 384 ]

السابع: إنكار المنكر إذا رآه وإظهاره، لان إقراره على ذلك يوجب جوازه، فإن الله تعالى ضمن له النصر والاظهار. الثامن: كان عليه تخيير نسائه بين مفارقته، ومصاحبته بقوله تعالى: " يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن واسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (1) " والاصل فيه أن النبي صلى الله عليه واله آثر لنفسه الفقر والصبر عليه، فامر بتخيير نسائه (2) بين مفارقته واختيار زينة الدنيا، وبين اختياره والصبر على ضر الفقر، لئلا يكون مكرها لهن على الضر والفقر، هذا هو المشهور، وللشافعية وجه في التخيير لم يكن واجبا عليه، وإنما كان مندوبا، والمشهور الاول، ثم إن رسول الله صلى الله عليه واله لما خيرهن اخترنه والدار الآخرة، فحرم الله تعالى على رسوله التزويج عليهن، والتبدل بهن من أزواج، ثم نسخ ذلك ليكون المنة لرسول الله صلى الله عليه واله بترك التزوج عليهن بقوله تعالى: " إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت اجورهن (3) " قالت عايشة: إن النبي صلى الله عليه واله لم يمت حتى احل له النساء تعني اللاتي حظرن عليه، وقال أبو حنيفة: إن التحريم باق لم ينسخ، وقد روي أن بعض نساء النبي صلى الله عليه واله طلبت منه حلقة من ذهب، فصاغ لها حلقة من فضة وطلاها بالزعفران، فقالت: لا اريد إلا من ذهب، فاغتم النبي صلى الله عليه واله لذلك، فنزلت آية التخيير. وقيل: إنما خيره لانه لم يمكنه التوسعة عليهن، فربما يكون فيهن من يكره المقام معه فنزهه عن ذلك. وروي أن النبي صلى الله عليه واله كان يطالب بامور لا يملكها، وكان نساؤه يكثرن مطالبته حتى قال عمر: كنا معاشر المهاجرين متسلطين على نسائنا بمكة، وكانت نساء الانصار متسلطات على الازواج، فاختلط نساؤنا فيهن فتخلقن بأخلاقهن، وكلمت امرأتي


(1) الاحزاب: 28 و 29. (2) في المصدر: فأمره بتخيير نسائه. (3) الاحزاب: 50.

[ 385 ]

يوما فراجعتني، فرفعت يدي لاضربها وقلت: أتراجعيني يا لكعاء (1) ؟ فقالت: إن نساء رسول الله صلى الله عليه وآله يراجعنه، وهو خير منك، فقلت: خابت حفصة وخسرت، ثم أتيت حفصة وسألتها فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد يظل على بعض نسائه طول نهاره غضبانا، فقلت: لا تغتري بابنة أبي قحافة، فإنها حبة (2) رسول الله صلى الله عليه واله يحمل منها ما لا يحمل منك، وقال عمر: كنت قد ناوبت رجلا من الانصار حضور مجلس رسول الله صلى الله عليه واله ليخبر كل واحد منا صاحبه فيما يجري، فقرع الانصاري باب الدار يوما، فقلت: أجاءنا غسان ؟ وكان قد اخبرنا بأن غسان تنعل خيولها لتغزونا، فقال: أمر أفظع من ذلك، طلق رسول الله صلى الله عليه واله جميع نسائه، فخرجت من البيت، ورأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله يبكون حوله وهو جالس، وكان أنس علي البيت (3)، فقلت: استأذن لي فلم يجب، فانصرفت فنازعتني نفسي وعاودت فلم يجب، حتى فعلت ذلك ثلاثا، فسمع رسول الله صلى الله عليه واله صوتي فأذن، فدخلت فرأيته نائما على حصير من الليف، فاستوى وأثر الليف في جنبيه، فقلت: إن قيصر وكسرى يفرشان الديباج والحرير، فقال: أفي شك أنت يا عمر ؟ أما علمت أنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة، ثم قصصت عليه القصة فابتسم لما سمع قولي لحفصة: لا تغتري بابنة أبي قحافة، ثم قلت: طلقت نساءك ؟ فقال: لا. وروي أنه كان آلى من نسائه شهرا، فمكث في غرفة شهرا، فنزل قوله تعالى: " يا أيها النبي قل لازواجك (4) " الآية، فبدأ رسول الله صلى الله عليه واله بعايشة وقال: إني ملق إليك أمرا فلا تبادريني بالجواب حتى تؤامري (5) أبويك، وتلا الآية، فقالت: أفيك اؤامر أبوي ؟ اخترت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم قالت: لا تخبر أزواجك بذلك، وكانت تريد أن يخترن فيفارقهن رسول الله صلى الله عليه واله، فدار صلى الله عليه واله على نسائه وكان يخبرهن


(1) اللكعاء: اللئيمة. (2) الحبة بالكسر: المحبوبة. (3) في المصدر: وكان اسامة على البيت. (4) ذكرنا موضعه آنفا. (5) أي حتى تشاوري أبويك.

[ 386 ]

بما جرى لعايشة، فاخترن بأجمعن الله ورسوله، وهذا التخيير عند العامة كناية في الطلاق وعندنا أنه ليس له حكم. وقال الشهيد الثاني والشيخ علي رحمهما الله: هذا التخيير عند العامة القائلين بوقوع الطلاق بالكناية كناية عن الطلاق، وقال بعضهم: إنه صريح فيه، وعندنا ليس له حكم بنفسه، بل ظاهر الآية أن من اختارت الحياة الدنيا وزينتها يطلقها، لقوله تعالى: " إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن واسرحكن سراحا جميلا (1) ". أقول: سيأتي القول فيه في بابه. ثم قال في التذكرة: وأما المحرمات فقسمان: الاول ما حرم عليه خاصة في غير النكاح، وهو امور: الاول: الزكاة المفروضة، صيانة لمنصبه العلي عن أوساخ أموال الناس التي تعطى على سبيل الترحم، وتنبئ عن ذل الآخذ، وابدل بالفئ الذي يؤخذ على سبيل القهر والغلبة، المنبئ عن عز الآخذ، وذل المأخوذ منه، ويشركه (2) في حرمتها اولوا القربى، لكن التحريم عليهم بسببه أيضا، فالخاصة (3) عائدة إليه، قال رسول الله صلى الله عليه واله: إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة. اقول: قال الشهيد الثاني رحمه الله بعد ذكر هذا الوجه: مع أنها لا تحرم عليهم مطلقا، بل من غير الهاشمي مع وفاء نصيبهم من الخمس بكفايتهم، وأما عليه صلى الله عليه واله فإنها تحرم مطلقا، ولعل هذا أولى من الجواب السابق، لان ذاك مبني على مساواتهم له في ذلك كما تراه العامة، فاشتركوا في ذلك الجواب، والجواب الثاني مختص بقاعدتنا. رجعنا إلى كلام التذكرة: الثاني: الصدقة المندوبة، الاقرب تحريمها على رسول الله صلى الله عليه واله لما تقدم، وهو


(1) ذكرنا موضعه آنفا. (2) في المصدر: ويشاركه. (3) في المصدر: وفي غير نسخة المصنف: فالخاصية.

[ 387 ]

أحد قولي الشافعي تعظيما له وتكريما، وفي الثاني يجوز، وحكم الامام عندنا حكم النبي صلى الله عليه واله. الثالث: إنه كان صلى الله عليه واله لا يأكل الثوم والبصل والكراث، وهل كان محرما عليه ؟ الاقرب لا، وللشافعية وجهان، لكنه كان يمتنع منها لئلا يتأذى بها من يناجيه من الملائكة، روي أنه صلى الله عليه واله اتي بقدر فيها بقول فوجد لها ريحا فقربها إلى بعض أصحابه، وقال له: كل فإني اناجي من لا تناجي. الرابع: إنه صلى الله عليه واله كان لا يأكل متكئا، روي أنه صلى الله عليه واله قال: أنا آكل كما تأكل العبيد، وأجلس كما تجلس العبيد. وهل كان ذلك محرما عليه أو مكروها كما في حق الامة ؟ الاقرب الثاني، و للشافعي وجهان. الخامس: يحرم عليه الخط والشعر تأكيدا لحجته، وبيانا لمعجزته، قال الله تعالى: " ولا تخطه بيمينك " (1) وقال تعالى: " وما علمناه الشعر (2) " وقد اختلف في أنه صلى الله عليه واله كان يحسنهما أم لا، وأصح قولي الشافعي الثاني، وإنما يتجه التحريم على الاول. السادس: كان صلى الله عليه واله إذا لبس لامة (3) الحرب يحرم عليه نزعها حتى يلقى العدو ويقاتل، قال صلى الله عليه واله: " ما كان لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يلقى العدو " وهو المشهور عند الشافعية: ولهم وجه: إنه كان مكروها لا محرما. السابع: كان صلى الله عليه واله إذا ابتدأ بتطوع حرم عليه تركه قبل إتمامه، وفيه خلاف. الثامن: كان يحرم أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس، قال الله تعالى: " ولا تمدن عينيك (4) " الآية.


(1) العنكبوت: 48. (2) يس: 69. (3) اللامة: الدرع. (4) الحجر: 88.

[ 388 ]

التاسع: كان يحرم عليه خائنة الاعين، قال صلى الله عليه واله: " ما كان لنبي أن يكون له خائنة الاعين " وفسروها بالايماء إلى مباح: من ضرب، أو قتل علي خلاف ما يظهر ويشعر به الحال، وإنما قيل له: خائنة الاعين لانه سبب الخيانة (1)، من حيث أنه يخفى، ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور، وبالجملة أن يظهر خلاف ما يضمر، وطرد بعض الفقهاء ذلك في مكائدة الحروب وهو ضعيف، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه واله كان إذا أراد سفرا ورى بغيره. العاشر: اختلفوا في أنه هل كان يحرم عليه أن يصلي على من عليه دين أم لا على قولين. الحادي عشر: اختلفوا في أنه هل كان يجوز أن يصلي على من عليه دين مع وجود الضامن. الثاني عشر: لم يكن له أن يمن ليستكثر، قال الله تعالى: " ولا تمنن تستكثر (2)، أي لا تعط شيئا لتنال أكثر منه، قال المفسرون: إنه كان من خواصه صلى الله عليه واله. الثاني: ما حرم عليه خاصة في النكاح وهو امور: الاول: إمساك من تكره نكاحه وترغب عنه، لانه صلى الله عليه واله نكح امرأة ذات جمال، فلقنت أن تقول لرسول الله صلى الله عليه وآله: أعوذ بالله منك، وقيل لها: إن هذا الكلام يعجبه، فلما قالت ذلك قال صلى الله عليه واله: لقد استعذت بمعاذ وطلقها. وللشافعية وجه غريب: أن كان لا يحرم إمساكها لكن فارقها تكرما منه، ومات رسول الله صلى الله عليه واله عن تسع نسوة: عايشة، وحفصة، وام سلمة بنت ابن امية المخزومي، وام حبيبة بنت أبي سفيان، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، وسودة بنت زمعة، وصفية بنت حي بن أخطب الخيبرية، وزينب بنت جحش، وجميع من تزوج بهن خمسة عشر، وجمع بين إحدى عشرة، ودخل بثلاث عشرة، و فارق امرأتين في حياته: إحداهما الكلبية، وهي التي رأى بكشحها بياضا، فقال لها:


(1) في المصدر: لانه شبه الخيانة. (2) المدثر: 6.

[ 389 ]

الحقي بأهلك، والاخرى التي تعوذت منه، وقال أبو عبيد: تزوج رسول الله صلى الله عليه واله ثمانية عشر امرأة، واتخذ من الاماء ثلاثا (1). الثاني: نكاح الكفار (2)، عندنا لا يصح للمسلم على الاقوى. لقوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن (3) " وقال: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر (4) " وقال بعض علمائنا: إنه يصح، وهو مذهب جماعة من العامة، فعندنا التحريم بطريق الاولى ثابت في حق النبي صلى الله عليه واله، واختلف في مشروعيته له من جوز من العامة في حق الامة على قولين: أحدهما المنع، لقوله صلى الله عليه واله: " زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة " والجنة محرمة على الكافرين، ولانه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، والله تعالى أكرم زوجاته إذ جعلهن امهات المؤمنين، والكافرة لا تصلح لذلك، لان هذه اسوة (5) الكرامة، و لقوله تعالى: " إنما المشركون نجس (6) " ولقوله: " كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " وذلك لا يصح في الكافرة. والثاني الجواز لان ذبائحهم له حلال فكذلك نساؤهم، والمقدمة الاولى ممنوعة فإن ذبائح أهل الكتاب عندنا محرمة، وأما نكاح الامة فلم يجز له بلا خلاف بين الاكثر، وأما وطي الامة فكان سائغا له مسلمة كانت أو كتابية، لقوله تعالى: " وما ملكت أيمانكم (7) " وقوله تعالى: " وما ملكت يمينك (8) " ولم يفصل، وملك صلى الله عليه واله مارية القبطية وكانت مسلمة، وملك صفية وهي مشركة، فكانت عنده إلى أن أسلمت فأعتقها وتزوجها، وجوز بعضهم نكاح الامة المسلمة له صلى الله عليه واله بالعقد، كما يجوز بالملك والنكاح أوسع منه من الامة، ولكن الاكثر على المنع، لان نكاح الامة مشروط بالخوف من


(1) سيأتي أحوال أزواجه في بابه. (2) في المصدر: نكاح الكتابية. (3) البقرة: 221. (4) الممتحنة: 10. (5) الاسوة: القدوة. (6) التوبة: 28. (7) النساء: 3 وفيه: أو. (8) الاحزاب: 50.

[ 390 ]

العنت، والنبي صلى الله عليه واله معصوم، وبفقدان طول (1) الحرة، ونكاحه صلى الله عليه واله مستغني (2) عن المهر ابتداء وانتهاء، وبأن من نكح أمة كان ولده منها رقيقا عند جماعة، ومنصب النبي صلى الله عليه وآله منزه عن ذلك، لكن من جوز له نكاح الامة قال: خوف العنت إنما يشترط في حق الامة، ومنع من اشتراط فقدان الطول، وأما رق الولد فقد التزم (3) بعض الشافعية وجها مستبعدا فيه بذلك، والصحيح خلافه لانه عندنا يتبع أشرف الطرفين. واما التخفيفات: فقسمان: الاول ما يتعلق بغير النكاح وهي امور: الاول: الوصال في الصوم، كان مباحا للنبي صلى الله عليه واله، وحرام على امته، ومعناه أنه يطوي الليل بلا أكل وشرب (4) مع صيام النهار، لا أن يكون صائما، لان الصوم في الليل لا ينعقد، بل إذا دخل الليل صار الصائم مفطرا إجماعا، فلما نهى النبي صلى الله عليه واله امته عن الوصال قيل له: إنك تواصل، فقال: إني لست كأحدكم، إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني. وفي رواية: إني أبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني. قيل: معناه يسقيني ويغذيني بوحيه. وقال الشهيد الثاني نور الله ضريحه: الوصال يتحقق بأمرين: أحدهما الجمع بين الليل والنهار عن تروك الصوم بالنية، والثاني تأخير عشائه إلى سحوره بالنية كذلك (5)، بحيث يكون صائما مجموع ذلك الوقت، والوصال بمعنييه محرم على امته،


(1) الطول: القدرة والغنى. (2) هكذا في النسخة: والصحيح: مستغن. (3) في المصدر: فقد ألزم. (4) في المصدر: ولا شرب. (5) والروايات قد وردت بمعنيين، ففى مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام: الوصال الذي نهى عنه هو أن يجعل الرجل عشاه سحوره. وفي حديث الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الوصال في الصيام أن يجعل عشاه سحوره. وفي حديث سليمان الديلمي عنه عليه السلام: وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا وصال في صيام يعنى لا يصوم الرجل يومين متواليين من غير إفطار. وفي حديث حفص عنه عليه السلام: المواصل في الصيام يصوم يوما وليلة ويفطر في السحر.

[ 391 ]

ومباح له صلى الله عليه واله، ثم نقل كلام التذكرة وقال: ليس بجيد، لان الاكل بالليل ليس بواجب، وقد صرح به هو في المنتهى، فقال: لو أمسك عن الطعام يومين لا بنية الصيام بل بنية الافطار فيه فالاقوى عدم التحريم، وعلى ما ذكره هنا لا فرق بينه صلى الله عليه واله وبين غيره، بل المراد الصوم فيهما معا بالنية، فإن هذا حكم مختص به محرم على غيره. اقول: ما ذكره رحمه الله هو المطابق لكلام الاكثر، لكن الاخبار الواردة في تفسيره تقتضي التحريم (1) مطلقا، وأيضا لو كان المراد مع النية فلا وجه للتخصيص بهذين الفردين، بل الظاهر أنه لو نوى دخول ساعة من الليل مثلا في الصوم كان تشريعا محرما، وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى. ثم قال في التذكرة: الثاني اصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة، كجارية حسنة، وثوب مترفع (2)، وفرس جواد، وغير ذلك، ويقال لذلك الذي اختاره: الصفي والصفية والجمع الصفايا، ومن صفاياه صفية بنت حيى، اصطفاها واعتقاها وتزوجها، و ذو الفقار. الثالث: خمس الفئ والغنيمة كان لرسول الله صلى الله عليه واله الاستبداد به، وأربعة أخماس الفئ كانت له أيضا. الرابع: ابيح له دخول مكة بغير إحرام، خلافا لامته، فإنه محرم عليهم على خلاف. الخامس: ابيحت له ولامته كرامة له الغنائم، وكانت حراما على من قبله من الانبياء، بل امروا بجمعها، فتنزل نار من السماء فتأكلها، وإنه كان يقضي لنفسه، و في غيره خلاف، وأن يحكم لنفسه ولولده، وأن يشهد لنفسه ولولده، وأن يقبل شهادة من شهد له (3). السادس: ابيح له أن يحمي لنفسه الارض لرعي ماشيته، وكان حراما على من


(1) راجع الاحاديث. (2) رفع الثوب: خلاف غلظ. وفي الحديث: ثوب حسن. (3) في المصدر: من يشهد له.

[ 392 ]

قبله من الانبياء عليهم السلام، والائمة بعده ليس لهم أن يحموا لانفسهم. وقال المحقق الثاني رحمه الله في شرح القواعد: وهذا عندنا مشترك بينه وبين الائمة عليهم السلام، وقول المصنف رحمه الله في التذكرة: والائمة بعده ليس لهم أن يحموا لانفسهم ليس جاريا على مذهبنا. ثم قال في التذكرة: ابيح له أن يأخذ الطعام والشراب من المالك، وإن اضطر إليها (1)، لان حفظه لنفسه الشريفة أولى من حفظ نفس غيره، وعليه البذل و الفداء بمهجته مهجة رسول الله صلى الله عليه واله، لانه صلى الله عليه واله أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وقال المحقق في شرح القواعد: وينبغي أن يكون الامام كذلك كما يرشد إليه التعليل، ولم أقف على تصريح في ذلك. ثم قال في التذكرة: الثامن: كان لا ينتقض وضوءه بالنوم، وبه قال الشافعية: وحكى أبو العباس منهم وجها آخر غريبا، وكذلك حكى وجهين في انتقاض وضوئه باللمس. التاسع: كان يجوز له أن يدخل المسجد جنبا، ومنعه بعض الشافعية: وقال لا اخا له صحيحا. العاشر: قيل: إنه كان يجوز له أن يقتل من آمنه وهو غلط، فإنه من يحرم (2) عليه خائنة الاعين كيف يجوز له قتل من آمنه ؟ الحادي عشر: قيل: إنه كان يجوز له لعن من شاء من غير سبب يقتضبه، لان لعنه رحمة، واستبعده الجماعة، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه واله، قال: " اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفه، إنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته بتهمة ولعنة (3) فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة يتقرب بها إليك يوم القيامة " وهو عندنا باطل لانه معصوم لا يجوز منه لعن الغير وسبه بغير سبب، والحديث لو سلم إنما هو لسبب.


(1) في المصدر: وإن اضطر إليهما. (2) في المصدر: فان من يحرم عليه. (3) في المصدر: أو لعنته.

[ 393 ]

ومن التخفيفات (1) ما يتعلق بالنكاح وهي امور: الاول: الزيادة على أربع نسوة، فإنه صلى الله عليه واله مات عن تسع، وهل كان له الزيادة على تسع ؟ الاولى الجواز لامتناع الجور عليه، وللشافعية وجهان: هذا أصحهما، و الثاني المنع، وأما انحصار طلاقه في الثلاث فالوجه في ذلك كما في حق الامة، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني العدم كما لم ينحصر عدد زوجاته صلى الله عليه واله. الثاني: العقد بلفظ الهبة، لقوله تعالى: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي (2) " فلا يجب المهر حينئذ بالعقد ولا بالدخول، لا ابتداء ولا انتهاء كما هو قضية الهبة، وهو أظهر وجهي الشافعية، والثاني: المنع، كما في حق الامة، وعلى الاول هل يشترط لفظ النكاح من جهة النبي صلى الله عليه واله ؟ للشافعية وجهان: أحدهما نعم، لظاهر قوله تعالى: " أن يستنكحها (3) " والثاني لا يشترط في حق الواهبة (4)، وهل ينعقد نكاحه بمعنى الهبة في حق الواهبة، وخاصية النبي صلى الله عليه واله ليست في إسقاط المهر، بل في الانعقاد بلفظ الهبة. الثالث: كان إذا رغب صلى الله عليه واله في نكاح امرأة فإن كانت خلية فعليها الاجابة، ويحرم على غيره خطبتها، وللشافعية وجه: إنه لا يحرم، وإن كانت ذات زوج وجب على الزوج طلاقها لينكحها لقضية زيد (5)، ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه واعتقاده بتكليفه النزول عن أهله، ومن جانب النبي صلى الله عليه واله ابتلاؤه ببلية البشرية، ومنعه من خائنة الاعين، ومن الاضمار الذي يخالف الاظهار كما قال تعالى: " وتخفي في نفسك ما الله مبديه (6) " ولا شئ أدعى إلى غض البصر وحفظ لمجاريه الاتفاقية (7) من هذا


(1) في المصدر: القسم الثاني من التخفيفات. (2 و 3) الاحزاب: 50. (4) في المصدر: أن يشترط في حق الواهبة. (5) في المصدر: كقضية زيد. (6) الاحزاب: 37. (7) في المصدر: وحفظه عن المحابة الاتفاقية.

[ 394 ]

التكليف، وليس هذا من باب التخفيفات، كما قاله الفقهاء، بل هو في حقه غاية التشديد (1) إذ لو كلف بذلك آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع خوفا من ذلك، ولهذا قالت عايشة: لو كان صلى الله عليه واله يخفى آية لاخفى هذه. الرابع: انعقاد نكاحه بغير ولي وشهود، وهو عندنا ثابت في حقه صلى الله عليه واله وحق امته (2) إذ لا نشترط نحن ذلك، وللشافعية وجهان. الخامس: انعقاد نكاحه في الاحرام، وللشافعية فيه وجهان: أحدهما الجواز، لما روي أنه صلى الله عليه واله نكح ميمونة محرما، والثاني المنع كما لم يحل له الوطئ في الاحرام، والمشهور عندهم أنه نكح ميمونة حلالا. السادس: هل كان يجب عليه القسم بين زوجاته بحيث إذا باتت عند واحدة منهن ليلة وجب عليه أن يبيت عند الباقيات كذلك أم لا يجب ؟ قال الشهيد الثاني رحمه الله: اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: لا يجب عليه ذلك لقوله تعالى: " ترجي من تشاء منهن و تؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك (3) " ومعنى ترجي تؤخر


(1) فيه تأمل واضح يعلم بمراجعة الاية وتفسيرها، ولعله يأتي الكلام فيه في بابه. (2) في ثبوت جواز النكاح بغير ولي مطلقا في حق امته محل تأمل بل منع. (3) الاحزاب: 51. قال الطبرسي في معناه: أي تؤخر وتبعد من تشاء من أزواجك، وتضم إليك من تشاء منهن، واختلف في معناه على اقوال: احدها: أن المراد تقدم من تشاء من نسائك في الايواء إليك وهو الدعاء للفراش، وتؤخر من تشاء في ذلك، وتدخل من تشاء منهن في القسم، ولا تدخل من تشاء، عن قتادة، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم بين أزواجه وأباح الله له ترك ذلك. ثانيها: أن المراد تعزل من تشاء منهن بغير طلاق، وترد إليك من تشاء منهن بعد عزلك إياها بلا تجديد عقد. ثالثها: أن المراد تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء. رابعها: أن المراد تترك نكاح من تشاء من نساء امتك، وتنكح منهن من تشاء، عن الحسن، قال: وكان صلى الله عليه وآله إذا خطب امرأة لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يتزوجها أو يتركها. خامسها: تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتى يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك، وتترك من تشاء منهن فلا تقبلهما. " ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك " أي إن أردت أن تؤوى إليك امراة ممن عزلتهن عن ذلك وتضمها إليك فلا سبيل عليك بلوم ولا عتب، ولا إثم عليك في ابتغائها، أباح الله سبحانه له ترك القسم في النساء حتى يؤخر من يشاء عن وقت نوبتها، ويطأ من يشاء في غير وقت نوبتها، وله أن يعزل من يشاء، وله أن يرد المعزولة إن شاء، فضله الله بذلك على جميع الخلق.

[ 395 ]

وتترك إيوائه إليك، ومضاجعته بقرينة قسيمه، وهو قوله: " وتؤوي إليك من تشاء " أي تضمه إليك وتضاجعه، ثم لا يتعين ذلك عليك، بل لك بعد الارجاء أن تبتغي ممن عزلت ما شئت، وتؤويه إليك، وهذا ظاهر في عدم وجوب القسمة عليه صلى الله عليه واله، حتى روي أن بعد نزول الآية ترك القسمة لجماعة من نسائه، وآوى إليه جماعة منهن معينات، وقال آخرون: بل تجب القسمة عليه كغيره لعموم الادلة الدالة عليها، ولانه لم يزل يقسم بين نسائه حتى كان يطاف به وهو مريض عليهن، ويقول: هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك، يعني قلبه صلى الله عليه واله، والمحقق رحمه الله استضعف الاستدلال بالآية على عدم وجوب القسمة، بأنه كما يحتمل أن يكون المشية في الارجاء والايواء لجميع نسائه يحتمل أن يكون متعلقا بالواهبات أنفسهن خاصة، فلا يكون دليلا على التخيير مطلقا، وحينئذ فيكون اختيار قول ثالث وهو وجوب القسمة لمن تزوجهن بالعقد، و عدمها لمن وهبت نفسها، وفي هذا عندي نظر، لان ضمير الجمع المؤنث في قوله: ترجي من تشاء منهن " واللفظ العام في قوله: " ومن ابتغيت " لا يصح عوده للواهبات، لانه لم يتقدم ذكر الهبة إلا لامرأة واحدة، وهي قوله: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها " فوجد ضمير الهبة في مواضع من الآية، ثم عقبه بقوله: " ترجي من تشاء منهن " فلا يحسن عوده إلى الواهبات، إذ لم يسبق لهن ذكر على وجه الجمع، بل إلى جميع الازواج المذكورات في هذه الآية، وهي قوله تعالى: " يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت اجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك و بنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي (1) " الآية، ثم عقبها بقوله: " ترجي من تشاء منهن " الآية، وهذا هو ظاهر في عود ضمير النسوة المخير فيهن إلى من سبق من أزواجه جمع، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه واله لم يتزوج بالهبة إلا امرأة واحدة على ما ذكره المحدثون والمفسرون، وهو المناسب لسياق الآية، فكيف يجعل ضمير الجمع عائدا إلى الواهبات، وليس له منهن إلا واحدة، ثم لو تنزلنا وسلمنا جواز عوده إلى الواهبات لما جاز حمله عليه بمجرد الاحتمال، مع وجود اللفظ العام


(1) الاحزاب: 50.

[ 396 ]

الشامل لجميعهن، وأيضا فإن غاية الهبة أن تزويجه صلى الله عليه واله يجوز بلفظ الهبة من جانب المرأة أو من الطرفين، وذلك لا يخرج الواهبة عن أن تكون زوجة فيلحقها ما يحلق غيرها من أزواجه، لا أنها تصير بسبب الهبة بمنزلة الامة، وحينئذ فتخصيص الحكم بالواهبات لا وجه له أصلا، وأما فعله صلى الله عليه واله فجاز كونه بطريق التفضل والانصاف وجبر القلوب، كما قال الله تعالى: " ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن (2) " انتهى كلامه رحمه الله. ورجعنا إلى كلام التذكرة: السابع: إنه كان يجوز للنبي صلى الله عليه واله تزويج المرأة ممن شاء بغير إذن وليها، وتزويجها من نفسه، وتولى الطرفين من غير إذن وليهما، وهل (2) كان يجب عليه نفقة زوجاته ؟ وجهان لهم، بناء على الخلاف في المهر، وكانت المرأة تحل له بتزويج الله تعالى، قال سبحانه في قصة زيد: " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها (3) " وقيل: إنه نكحها بمهر، وحملوا " زوجناكها " على إحلال الله تعالى له نكاحها، وأعتق صلى الله عليه وآله صفية رضي الله عنها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وهو ثابت عندنا في حق امته، وجوز بعض الشافعية له الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وإنه كان يجوز له الجمع بين الاختين، وكذا في الجمع بين الام وبنتها، وهو عندنا بعيد، لان خطاب الله تعالى يدخل فيه لنبي صلى الله عليه واله. وأما الفضل (4) والكرامات فقسمان: الاول في النكاح، وهو امور: الاول: تحريم زوجاته على غيره (5)، قال الشهيد الثاني قدس الله سره: من جملة خواصه صلى الله عليه واله تحريم أزواجه من بعده على غيره، لقوله تعالى: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا (6) " وهي متناولة بعمومها لمن مات عنها من أزواجه، سواء


(1) الاحزاب: 51. (2) في المصدر قبل ذلك: وسوغ الشافعية أن ينكح المعتدة في وجه، وهل كان إه‍. (3) الاحزاب: 37. (4) في المصدر: وأما الفضائل والكرامات. (5) في المصدر: تحريم زوجاته اللواتى مات عنهن على غيره. (6) الاحزاب: 53.

[ 397 ]

كانت مدخولا بها أم لا، لصدق الزوجية عليهما ولم يمت صلى الله عليه واله عن زوجة في عصمته إلا مدخولا بها، ونقل المحقق الاجماع على تحريم المدخول بها، والخلاف في غيرها ليس بجيد، لعدم الخلاف أولا، وعدم الفرض الثاني ثانيا، وإنما الخلاف فيمن فارقها في حياته بفسخ، أو طلاق، كالتي وجد بكشحها بياضا، والمستعيذة، فإن فيه أوجها أصحها عندنا تحريمها مطلقا، لصدق نسبة زوجيتها إليه صلى الله عليه واله بعد الفراق في الجملة، فيدخل في عموم الآية (1)، والثاني أنها لا تحرم مطلقا، لانه يصدق في حياته أن يقال: ليست زوجته الآن، ولاعراضه صلى الله عليه واله عنها، وانقطاع اعتنائه بها. والثالث: إن كانت مدخولا بها حرمت وإلا فلا، لما روي أن الاشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمان عمر فهم برجمها فاخبر أن النبي صلى الله عليه واله فارقها قبل أن يمسها فخلاها، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. وروى الكليني في الحسن عن عمر بن اذينة في حديث طويل أن النبي صلى الله عليه واله فارق المستعيذة، وامرأة اخرى من كندة، قالت لما مات ولده إبراهيم: لو كان نبيا ما مات ابنه فتزوجتا (2) بعده باذن الاولين، وأن أبا جعفر عليه السلام قال ما نهى الله عزوجل عن شئ إلا وقد عصي فيه، لقد نكحوا أزواج رسول الله صلى الله عليه واله من بعده، وذكر هاتين العامرية والكندية، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: لو سألتم عن رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أتحل لابنه لقالوا: لا، فرسول الله أعظم حرمة من آبائهم. وفي رواية اخرى عن زرارة عنه عليه السلام نحوه، وقال في حديثه: وهم يستحلون أن يتزوجوا (3) امهاتهم ؟ وإن أزواج النبي صلى الله عليه واله في الحرمة مثل امهاتهم إن كانوا مؤمنين (4). إذا تقرر ذلك فنقول: تحريم أزواجه صلى الله عليه واله لما ذكرناه من النهي المؤكد عنه في


(1) إن لم نقل: إنها ظاهرة في اللواتي التي كن زوجاته حين موته صلى الله عليه وآله، نعم يدل على ذلك الحديث الاتي. (2) في الحديث: فتزوجتا فجذم أحد الرجلين، وجن الاخر. (3) في الكافي: وهم لا يستحلون أن يتزوجوا امهاتهم. (4) فروع الكافي 2: 33 و 34.

[ 398 ]

القرآن لا لتسميتهن امهات المؤمنين في قوله تعالى: " وأزواجه امهاتهم (1) " ولا لتسميته صلى الله عليه وآله والدا، لان ذلك وقع على وجه المجاز لا الحقيقة، كناية عن تحريم نكاحهن، ووجوب احترامهن، ومن ثم لم يجز النظر إليهن، ولا الخلوة بهن، ولا يقال لبناتهن: أخوات المؤمنين، لانهن لا يحرمن على المؤمنين، فقد زوج رسول الله صلى الله عليه واله فاطمة عليها السلام بعلي عليه السلام، واختيها: رقية وام كلثوم عثمان، وكذا لا يقال لآبائهن و امهاتهن: أجداد المؤمنين وجداتهم، ولا لاخوانهن وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم، وللشافعية وجه ضعيف في إطلاق ذلك كله، وهو في غاية البعد انتهى. ثم قال رحمه الله في التذكرة: الثاني: إن أزواجه امهات المؤمنين، سواء فيه من ماتت تحت النبي، ومن مات النبي صلى الله عليه واله وهي تحته، وليست الامومة هنا حقيقة، ثم ذكر نحوا مما ذكره الشهيد الثاني رحمه الله في ذلك. الثالث: تفضيل زوجاته على غيرهن بأن جعل ثوابهن وعقابهن على الضعف. الرابع: لا يحل لغيرهن من الرجال أن يسألهن شيئا إلا من وراء حجاب لقوله تعالى: " إذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب (2) " وأما غيرهن فيجوز أن يسألن مشافهة. الثاني: في غير النكاح، وهو امور: الاول: أنه خاتم النبيين صلى الله عليه واله. الثاني: إن له خير الامم (3)، لقوله تعالى: " كنتم خير امة (4) " تكرمة له صلى الله عليه وآله وتشريفا. الثالث: نسخ جميع الشرائع بشريعته. الرابع: جعل شريعته مؤبدة. الخامس: جعل كتابه معجزا بخلاف كتب سائر الانبياء عليهم السلام.


(1) الاحزاب: 6. (2) الاحزاب: 53. (3) في المصدر: امته خير الامم. (4) آل عمران: 110.

[ 399 ]

السادس: حفظ كتابه عن التبديل والتغيير، واقيم بعده حجة على الناس، و معجزات غيره من الانبياء انقرضت بانقراضهم. السابع: نصر بالرعب على مسيرة شهر، فكان العدو يرهبه من مسيرة شهر. الثامن: جعلت له الارض مسجدا، وترابها طهورا. التاسع: احلت له الغنائم دون غيره من الانبياء عليهم السلام. العاشر: يشفع في أهل الكبائر، لقوله صلى الله عليه واله: ذخرت شفاعتي لاهل الكبائر من امتي. الحادي عشر: بعث إلى الناس عامة. الثاني عشر: سيد ولد آدم يوم القيامة. الثالث عشر: أول من تنشق عنه الارض. الرابع عشر: أول شافع ومشفع. الخامس عشر: أول من يقرع باب الجنة. السادس عشر: أكثر الانبياء تبعا. السابع عشر: امته معصومة لا تجتمع على الضلالة. اقول: قال المحقق في شرح القواعد: في عد هذا من الخصائص نظر، لان الحديث غير معلوم الثبوت، وامته صلى الله عليه واله مع دخول المعصوم عليه السلام فيهم لا تجتمع على ضلالة لكن باعتبار المعصوم فقط، ولا دخل لغيره في ذلك، وبدونه هم كسائر الامم، على أن الامم الماضين مع أوصياء أنبيائهم كهذه الامة مع المعصوم، فلا اختصاص (1). ثم قال في التذكرة: الثامن عشر: صفوف امته كصفوف الملائكة. التاسع عشر: تنام عينه ولا ينام قلبه. العشرون: كان يرى من ورائه كما يرى من قدامه، بمعنى التحفظ والحس، وكذلك قوله صلى الله عليه واله: تنام عيناي ولا ينام قلبي.


(1) يمكن أن يقال: إن امته لا يجتمع على الضلالة، لان فيها فرقة في جميع الاعصار يتبعون الحق، ولو اتبع غيرهم غير سواء السبيل، فعليه يثبت الاختصاص.

[ 400 ]

الحادي والعشرون: كان تطوعه بالصلاة قاعدا كتطوعه قائما وإن لم يكن عذر (1)، وفي حق غيره ذلك على النصف من هذا. الثاني والعشرون: مخاطبة المصلي بقوله: السلام عليك ورحمة الله وبركاته (2)، ولا يخاطب سائر الناس. الثالث والعشرون: يحرم على غيره رفع صوته على صوت النبي. الرابع والعشرون: يحرم على غيره نداؤه (3) من وراء الحجرات للآية (4). الخامس والعشرون: نادى الله تعالى الانبياء، وحكى عنهم بأسمائهم، فقال تعالى: " يوسف أعرض عن هذا (5) * أن يا إبراهيم (5) * يا نوح (7) " وميز نبينا صلى الله عليه واله بالنداء بألقابه الشريفة فقال تعالى: " يا أيها النبي (8) * يا أيها الرسول (9) يا أيها المزمل (10) * يا أيها المدثر (11) " ولم يذكر اسمه في القرآن إلا في أربعة مواضع شهد له فيها بالرسالة لافتقار الشهادة إلى ذكر اسمه، فقال: " محمد رسول الله (12) * ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين (13) * والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم (14) * برسول يأتي من بعدي (15) اسمه أحمد " (16)، وكان يحرم أن ينادى باسمه


(1) في المصدر: وان لم يكن له عذر. (2) في المصدر: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. (3) في المصدر: مناداته. (4) والاية " ان الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون " الحجرات: 4. (5) يوسف: 29. (6) الصافات: 104. (7) هود: 46. (8) الانفال: 64 و 65 و 70 والتوبة: 73 وفي غيرها. (9) المائدة 41 و 67. (10) المزمل: 1. (11) المدثر: 1. (12) الفتح: 29. (13) الاحزاب: 40. (14) محمد: 2. (15) الصف: 6. (16) في الهامش: كأنه رحمه الله غفل عما في سورة آل عمران: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " ومعه خمسة مواضع، لكن لا يخل بمقصوده، منه عفى عنه. أقول: راجع آل عمران: 144.

[ 401 ]

فيقول: يا محمد، يا أحمد، ولكن يقول (1): يا نبي الله، يا رسول الله، يا خيرة الله، إلى غير ذلك من صفاته الجليلة. السادس والعشرون: كان يستشفى به. السابع والعشرون: كان يتبرك ببوله ودمه. الثامن والعشرون: من زنى بحضرته أو استهان به كفر. التاسع والعشرون: يجب على المصلي إذا دعاه يجيبه (2) ولا تبطل صلاته، و للشافعية وجه: إنه لا يجب وتبطل به الصلاة. الثلاثون: كان أولاد بناته ينسبون إليه، وأولاد بنات غيره لا ينسبون إليه، لقوله صلى الله عليه واله: " كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " وقيل: معناه أنه لا ينتفع يومئذ بسائر الانساب، وينتفع بالنسبة إليه صلى الله عليه واله. مسألة: قال صلى الله عليه واله: " سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي " واختفلوا، فقال الشافعي: إنه ليس لاحد أن يكني بأبي القاسم سواء كان اسمه محمدا أو لم يكن، ومنهم من حمله على كراهة الجمع بين الاسم والكنية، وجوزوا الافراد وهو الوجه، لان الناس لم يزالوا بكنيته صلى الله عليه واله يكنون (3) في جميع الاعصار من غير إنكار. انتهى (4). ويؤيد ما اختاره رحمه الله ما رواه الكليني والشيخ عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن أربع كنى: عن أبي عيسى، وعن أبي الحكم، وعن أبي مالك، وعن أبي القاسم إذا كان الاسم محمدا (5). أقول: هذا جملة ما ذكره أصحابنا وأكثر مخالفينا من خصائصه صلى الله عليه واله، ولم نتعرض للكلام عليها وإن كان لبعضها مجال للقول فيه لقلة الجدوى، ولانا أوردنا من الاخبار في هذا الباب وغيره ما يظهر به جلية الحال لمن أراد الاطلاع عليه، والله الموفق للسداد.


(1) أي المنادى. (2) في المصدر: أن يجيبه. (3) في المصدر: يكنون بكنيته. (4) التذكرة: مقدمات النكاح. (5) فروع الكافي 2: 87.

[ 402 ]

* (باب 12) * * (نادر في اللطائف في فضل نبينا صلى الله عليه وآله في الفضائل) * * (والمعجزات على الانبياء عليهم السلام) * 1 - قب: إن كان لآدم عليه السلام سجود الملائكة مرة فلمحمد صلوات الله والملائكة والناس أجمعين كل ساعة إلى يوم القيامة، وإن كان آدم قبلة الملائكة فجعله الله إمام الانبياء ليلة المعراج فصار إمام آدم عليه السلام، وإن خلق آدم عليه السلام من طين فإنه خلق من النور، قوله: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " وإن كان آدم أول الخلق فقد صار محمد قبله قوله: " إن الله خلقني من نور وخلق ذلك النور قبل آدم بألفي ألف سنة ". وإن كان آدم عليه السلام أبو البشر فمحمد صلى الله عليه واله سيد النذر، قوله صلى الله عليه واله: آدم و من دونه تحت لوائي يوم القيامة ". وإن كان آدم عليه السلام أول الانبياء فنبوة محمد أقدم منه، قوله: " كنت نبيا وآدم عليه السلام منخول (1) في طينته ". وإن عجزت الملائكة عن آدم عليه السلام فاعطي القرآن الذي عجز عنه الاولون و الآخرون، وإن قيل لآدم عليه السلام: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه (2) " فقال له: " ليغفر لك الله (3) ". وإن دخل آدم في الجنة فقد عرج به إلى قاب قوسين أو أدنى. إدريس: قوله: " ورفعناه مكانا عليا (4) " أي السماء، وللنبي: " ورفعنا لك ذكرك (5) " وناجى إدريس عليه السلام ربه، ونادى الله محمدا: " فأوحى إلى عبده ما أوحى (6) " وأطعم إدريس عليه السلام بعد وفاته، وقد أطعمه الله في حال حياته، قوله صلى الله عليه واله: " إني لست كأحدكم


(1) من نخل الدقيق: غربله وأزال نخالته. (2) البقرة: 37. (3) الفتح: 2. (4) مريم: 57. (5) الشرح: 4. (6) النجم: 10.

[ 403 ]

إني أبيت عند ربي ويطعمني ويسقيني. نوح عليه السلام: جرت له السفينة على الماء وهي تجري للكافر والمؤمن، ولمحمد صلى الله عليه واله جرى الحجر على الماء، وذلك أنه كان على شفير غدير ووراء الغدير تل عظيم، فقال عكرمة ابن أبي جهل: يا محمد إن كنت نبيا فادع من صخور ذلك التل حتى يخوض الماء فيعبر، فدعا بالصخرة فجعلت تأتي على وجه الماء حتى مثلت بين يديه، فأمرها بالرجوع فرجعت كما جاءت. واجيبت دعوته على قومه: " لا تذر على الارض (1) " فهطلت له السماء بالعقوبة، واجيبت لمحمد بالرحمة حيث قال: " حوالينا ولا علينا " فنوح عليه السلام رسول العقوبة، و محمد صلى الله عليه واله رسول الرحمة: " وما أرسلناك إلا رحمة (2) " دعا نوح لنفسه ولنفر يسير: " رب اغفر لي ولوالدي (3) " ومحمد دعا لامته من ولد منهم ومن لم يولد: " واعف عنا (4) " وقال له: " وجعلنا ذريته هم الباقين (5) " وقال لمحمد: " ذرية بعضها من بعض (6) " كانت سفينة نوح عليه السلام سبب النجاة في الدنيا، وذرية محمد صلى الله عليه واله سبب النجاة في العقبى (7) قوله: " مثل أهل بيتي كسفينة نوح " الخبر. وقال نوح عليه السلام: " إن ابني من أهلي (8) " فقيل له: " إنه ليس من أهلك (9) " ومحمد لما علنت من قومه المعاندة شهر عليهم سيف النقمة، ولم ينظر إليهم بعين المقة. قال حسان: وإن كان نوح نجى سالما * على الفلك بالقوم لما نجى فإن النبي نجى سالما * إلى الغار في الليل لما دجى


(1) نوح: 26. (2) الانبياء: 107. (3) نوح: 28. (4) البقرة: 286. (5) الصافات: 77. (6) آل عمران: 34. (7) بل في الدنيا والاخرة، لانهم هدوا الناس إلى مصالحهم مصالح الدنيا والاخرة، فيهم نجوا من مهالك الدنيا وعذاب الاخرة، وفازوا بسعادتهما. (8) هود: 45. (9) هود: 46.

[ 404 ]

هود عليه السلام انتصر من أعدائه بالريح، قوله: " وفي عاد إذ أرسلنا عليهم (1) " ومحمد نصره الله يوم الاحزاب والخندق بالريح والملائكة: قوله: " بجنود لم تروها (2) " فزاد الله محمدا على هود بثلاثة آلاف ملك، وفضله على هود بأن ريح عاد ريح سخط، وريح محمد صلى الله عليه واله ريح رحمة قوله: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم (3) " الآية، وصبر هود في ذات الله وأعذر قومه إذ كذب، والنبي صلى الله عليه واله صبر في ذات الله وأعذر قومه إذ كذب وشرد، وحصب بالحصى (4) وعلاه أبو جهل بسلى (5) شاة، فأوحى الله إلى جاجائيل ملك الجبال: أن شق الجبال وانته إلى أمر محمد صلى الله عليه واله، فأتاه فقال له: قد امرت لك بالطاعة، فإن أمرت أطبقت عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال: إنما بعثت رحمة اهد قومي فإنهم لا يعلمون. صالح عليه السلام خرجت لصالح ناقة عشراء (6) من بين صخرة صماء، واخرج لنبينا صلى الله عليه واله رجل من وسط الجبل يدعو له ويقول: " اللهم ارفع له ذكرا، اللهم أوجب له أجرا، اللهم احطط عنه وزرا " وعقر ناقته، وعقر أولاد محمد أبو القاسم البارع صلى الله عليه واله. لناقة صالح نادت اناس * وقد جسروا على قتل الحسين وكان لصاح ينذر قومه فقيل له: يا صالح ائتنا بعذاب الله، ومحمد نبي الرحمة، قوله: " وما أرسلناك إلا رحمة (7) " والناقة لم تناطقه ولم تشهد له بالنبوة وقد تكلم مع النبي صلى الله عليه نوق كثيرة. لوط، قال حسان بن ثابت:


(1) الذاريات: 41. (2) التوبة: 40. أقول: هذه آية الغار، وأما نصرته في يوم الاحزاب والخندق ففي آية: " وجنود لم تروها " وهي في الاحزاب: 9، ونصره في يوم حنين فقال: " وأنزل جنودا لم تروها " التوبة: 26. (3) الاحزاب: 9. (4) أي رمى بالحصى. (5) السلى: جلدة فيها الولد، وإذا انقطع في البطن هلكت الام والولد. (6) العشراء من النوق: التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية، أو هي كالنفساء من النساء. (7) الانبياء: 107.

[ 405 ]

وإن كان لوط دعا ربه * على القوم فاستوصلوا بالبلا فإن النبي ببدر دعا * على المشركين بسيف الفنا فناداه جبريل من فوقه * بلبيك لبيك سل ما تشاء إبراهيم عليه السلام نظر من الملك إلى الملك: " وكذلك نري إبراهيم (1) " والحبيب نظر من الملك إلى الملك: " ألم ترى إلى ربك كيف مد الظل (2) ". الخليل عليه السلام طالب قال: " إني ذاهب إلى ربي (3) " والحبيب مطلوب: " أسرى بعبده ليلا (4) " قال الخليل عليه السلام: " والذي أطمع أن يغفر لي (5) " وقيل للحبيب: " ليغفر لك الله (6) " وقال الخليل: " ولا تخزني (7) " وللحبيب: " يوم لا يخزي الله (8) " و قال الخليل عليه السلام وسط النار: حسبى الله، وقيل للحبيب: " يا أيها النبي حسبك الله (9) " قال الخليل عليه السلام: " واجعل لى لسان صدق (10) " وقيل للحبيب صلى الله عليه واله: " ورفعنا لك ذكرك (11) " قال الخليل عليه السلام: " وأرنا مناسكنا (12) وقيل للحبيب صلى الله عليه واله: " لنريه (13) " الخليل عليه السلام (14) " واجعلني من ورثة جنة النعيم (15) " وللحبيب صلى الله عليه واله " وللآخرة خير لك (16) " الخليل عليه السلام: " والذي هو يطعمني (17) " وللحبيب صلى الله عليه واله " أطعمهم من جوع (18) " لاجلك. الخليل عليه السلام بخل على أعدائه بالرزق " وارزق أهله من الثمرات (19) " والحبيب صلى الله عليه وآله سخا بها على الاعداء حتى عوتب: " ولا تبسطها كل البسط (20) " الخليل عليه السلام أقسم بالله: " وتالله لاكيدن أصناكم (21) " وأقسم الله بالحبيب: " لعمرك


(1) الانعام: 75. (2) الفرقان: 45. (3) الصفات: 99. (4) الاسراء: 1. (5) الشعراء: 82. (6) الفتح: 2. (7) الشعراء: 87. (8) التحريم: 8. (9) الانفال: 64. (10) الشعراء: 84. (11) الشرح: 4. (12) البقرة: 128. (13) الاسراء: 1. (14) في المصدر: قال الخليل. (15) الشعراء: 85. (16) الضحى: 4. (17) الشعراء: 79. (18) قريش: 4. (19) البقرة: 126. (20) الاسراء: 29. (21) الانبياء: 57.

[ 406 ]

إنهم (1) " واتخذ مقام الخليل قبلة: " واتخذوا من مقام إبراهيم (2) " وجعل أحوال الحبيب وأفعاله وأقواله قبلة: " لقد كان لكم في رسول الله اسوة (3) " الخليل عليه السلام كسر أصنام قوم بالخفية غضبا لله، والحبيب كسر عن الكعبة ثلاثمائة وستين صنما، وأذل من عبدها بالسيف، اصطفى الخليل عليه السلام بعد الابتلاء: " ولقد اصطفيناه (4) " واصطفى الحبيب صلى الله عليه وآله قبل الابتلاء: " الله يصطفي (5) " الخليل عليه السلام بذل ماله لاجل الجليل، وخلق الجليل العالم لاجل الحبيب صلى الله عليه واله، مقام الخليل عليه السلام مقام الخدمة: " واتخذوا من مقام إبراهيم (6) " ومقام الحبيب صلى الله عليه واله مقام الشفاعة: " عسى أن يبعثك (7) " والشفيع أفضل من الخادم، الخليل عليه السلام طلب ابتداء الوصلة قال: " هذا ربي (8) " والحبيب صلى الله عليه واله طلب بقاء الوصلة: " وامرت أن أكون من المسلمين (9) " وللبقاء فضل على الابتداء، صير الله حر النار على الخليل عليه السلام بردا وسلاما، وصير السم في جوفه سلاما حين سمته الخيبرية، ثم سخر له نار جهنم التي كانت نار الدنيا كلها جزء منها، كان الخليل عليه السلام مناديا بالحج والقربان: " وأذن في الناس بالحج (10) " والحبيب مناديا بالاسلام و الايمان: " مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم (11) " قال للخليل عليه السلام: " أو لم تؤمن (12) " وقال للحبيب صلى الله عليه واله: " آمن الرسول (13) " قال الخليل: " فإنهم عدو لي (14) " وقيل للحبيب عليه السلام: " لولاك لما خلقت الافلاك " وقيل (15) للخليل عليه السلام. " وفديناه بذبح (16) " والحبيب صلى الله عليه واله فدي أبوه عبد الله بمائة ناقة، وبارك في أولاد الخليل عليه السلام حتى عفوا، فامر داود عليه السلام في أيامه بإحصائهم فعجزوا عن ذلك، فأوحى


(1) الحجر: 72. (2) البقرة: 125. (3) الاحزاب: 21. (4) البقرة: 130. (5) الحج: 75. (6) البقرة: 125. (7) الاسراء: 79. (8) الانعام: 76. (9) النمل: 91. (10) الحج: 27. (11) آل عمران: 193. (12) البقرة: 260. (13) البقرة: 285. (14) الشعراء: 77. (15) في المصدر: وقال للخليل عليه السلام. (16) الصافات: 107.

[ 407 ]

الله تعالى إليه لما أطاعني بذبح ولده كثرت ذريته، والحبيب صلى الله عليه واله لما ابتلي أيضا بذبح ابنه الحسين عليه السلام كثرت أولاده، وصل الخليل إلى الجليل بالواسطة: " وكذلك نري إبراهيم (1) " ووصل الحبيب صلى الله عليه واله بلا واسطة: " ثم دنا فتدلى (2) " أراد الخليل عليه السلام رضا الملك في رفع الكعبة: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت (3) " وأراد الله القبلة في رضا الحبيب: " فلنولينك قبلة ترضاها (4) " كان الابتلاء للخليل أولا، والاجتباء آخرا: " واذ ابتلي إبراهيم ربه بكلمات (5) " والحبيب صلى الله عليه واله ابتداءه بشارة: " ليظهره على الدين (6) " سأل الخليل: " واجنبني وبني أن نعبد الاصنام (7) " وقال للحبيب صلى الله عليه وآله: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس (8) " الخليل من يخالك، و الحبيب من تخاله (9)، فلا جرم " ولسوف يعطيك ربك فترضى (10) " الخليل: المريد، والحبيب: المراد، الخليل: عطشان، والحبيب: ريان. قال صاحب العين: مخرج الحاء أقصى من مخرج الخاء بدرجة، فإن الخاء من الحلق، والحاء من الفؤاد، فإذا ذكرت الخليل لم تملا فاك، لانه من الحلق، وإذا ذكرت الحبيب ملات فاك وقلبك، لانه من الفؤاد، قالوا: أظهر الله الخليل، ولم يظهر الحبيب، الجواب أنه أظهر المحبة لمتبعيه، فكيف المتبوع: قوله: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (11) ". يعقوب: كان له اثنا عشر ابنا، ومحمد كان له اثنا عشر وصيا، وجعل الاسباط من سلالة صلبه. ومريم بنت عمران من بناته، والهداة في ذريته (12). قوله: " ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب (13) " و


(1) الانعام: 75. (2) النجم: 8. (3) البقرة: 127. (4) البقرة: 144. (5) البقرة: 124. (6) التوبة: 33. والفتح: 28. الصف: 9. (7) ابراهيم: 35. (8) الاحزاب: 33. (9) خاله: صادقه وآخاه. (10) الضحى: 5. (11) آل عمران: 31. (12) في المصدر: والهداية في ذريته. (13) العنكبوت: 27.

[ 408 ]

محمد أرفع ذكرا من ذلك، جعلت فاطمة عليها السلام سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن و الحسين عليهما السلام من ذريته، وآتاه الكتاب المحفوظ لا يبدل ولا يغير (1)، وصبر يعقوب عليه السلام على فراق ولده حتى كاد يحرض، وصبر محمد صلى الله عليه واله على وفاة إبراهيم وعلى ما علم من فحوى ما يجري على ذريته. يوسف عليه السلام إن كان له جمال فلمحمد صلى الله عليه واله ملاحة وكمال، قوله صلى الله عليه واله: كان يوسف عليه السلام أحسن ولكنني أملح. وإن كان يوسف في الليل نورانيا فمحمد في الدنيا والعقبى نوراني، ففي الدنيا يهدي الله لنوره، وفي العقبى: " انظرونا نقتبس (2) ". يوسف عليه السلام دعا لمالك بن ذعر ليكثر ماله وولده، قال النبي صلى الله عليه واله: " ستدرك (3) ولدا لي يسمى الباقر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، وقال لانس: اللهم أطل عمره، وأكثر ماله وولده " فبقي إلى أيام عمر بن عبد العزيز، وله عشرون من الذكور، وثمانون من الاناث، وكانت شجراته كل حول ذوات ثمرتين. صبر يوسف عليه السلام في الجب والحبس والفرقة والمعصية، ومحمد قاسى من كثرة الغربة والفرقة، وحبس في الشعب ثلاث سنين، وفي الغار ثلاث ليال، وكان ليوسف عليه السلام رؤياه، ولمحمد: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام (4) ". موسى عليه السلام أعطاه الله اثنتى عشرة عينا، قوله: " فانفجرت منه اثنتا عشرة (5) عينا " ومحمد أمر البراء بن عازب بغرس سهمه يوم الميضاة (6) بالحديبية في قليب جافة فتفجرت اثنتا عشرة عينا حتى كفت ثمانية آلاف رجل، وكان لموسى عليه السلام انفجار الماء من الحجر، ولمحمد عليه السلام انفجار الماء من بين أصابعه، وهذا أعجب، وأنزل الله لموسى


(1) أي لا ينسخ، ولا يصل إليه يدى التصحيف والتحريف. (2) الحديد: 13. (3) المخاطب جابر بن عبد الله الانصاري الصحابي. (4) الفتح: 27. (5) البقرة: 60. (6) الميضأة والميضاءة: الموضع يتوضأ فيه. المطهرة يتوضأ منها.

[ 409 ]

عمودا من السماء يضئ لهم ليلتهم، ويرتفع نهارهم، ورسول الله أعطى بعض أصحابه عصا تضئ أمامه وبين يديه، وأعطى قتادة بن النعمان عرجونا (1)، فكان العرجون يضئ أمامه عشرا. قوله: " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات (2) " قال ابن عباس والضحاك: اليد، والعصا، والحجر، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، يروى أن النبي صلى الله عليه واله استتر للوضوء في بعض أسفاره إلى الشام فأحاط به اليهود بالسيوف، فأثار الله من تحت رجله جرادا فاحتوشتهم (3)، وجعلت تأكلهم حتى أتت على جملتهم، وكانوا مأتي نفر، وقال عليه السلام: " إن بين الركن والصفا قبور سبعين نبيا ما ماتوا إلا بضر الجوع والقمل " وتبعه قوم يوما خاليا فنظر أحدهم إلى ثياب نفسه وفيها قمل، ثم جعل بدنه يحكه، فأنف من أصحابه، وانسل (4)، وأبصر آخر وآخر مثل ذلك حتى وجد كلهم من نفسه، ثم زاد ذلك عليهم حتى استولى ذلك عليهم فماتوا كلهم من خمسة أيام إلى شهرين، وهم جماعة بقتله فخرجوا نحو المدينة من مكة فسلط الله على مزاودهم ورواياهم وسطائحهم الجرذان فخرقتها ونقبتها وسال مياهها، فلما عطشوا شعروا فرجعوا القهقرى إلى الحياض التي كانوا تزودوا منها تلك المياة، وإذا الجرذان قد سبقتهم إليها فنقبت اصولها وسال في الحرة (5) مياهها، فتماوتوا، ولم ينفلت منهم إلا واحد لا يزال يقول: يا رب محمد وآل محمد، قد تبت من أذاه، ففرج عني بجاه محمد وآل محمد، فوردت عليه قافلة فسقوه وحملوه وأمتعة القوم (6)، فآمن بالنبي صلى الله عليه واله، فجعل رسول الله صلى الله عليه واله له تلك الجمال والاموال، واحتجم النبي صلى الله عليه واله مرة فدفع الدم الخارج منه إلى أبي سعيد الخدري، وقال: غيبه، فذهب فشربه، فقال: ماذا صنعت به ؟ قال: شربته، قال: أو لم


(1) العرجون: أصل العذق الذي يعوج ويبقى على النخل يابسا بعد أن تقطع عنه المشاريخ. (2) الاسراء: 101. (3) أي أحدقت بهم وجعلتهم في وسطها. (4) انسل أي انطلق مستخفيا. (5) الحرة: الارض ذات حجارة نخرة سود كأنها احرقت بالنار. (6) أي وحملوا أمتعة القوم.

[ 410 ]

أقل لك: غيبه ؟ فقال: قد غيبته في وعاء حريز، فقال: إياك وأن تعود لمثل هذا، ثم اعلم أن الله قد حرم على النار لحمك ودمك لما اختلط بدمي ولحمي، واستهزأ به أربعون نفرا من المنافقين، فقال صلى الله عليه واله: أما إن الله يعذبهم بالدم، فلحقهم الرعاف الدائم، و سيلان الدماء من أضراسهم، فكان طعامهم وشرابهم يختلط بدمائهم، فبقوا كذلك أربعين صباحا، ثم هلكوا. قوله: " اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء (1) " واعطي أفضل منه، وهو أن نورا كان عن يمينه حيث ما جلس، وكان يراه الناس كلهم، وقد بقي ذلك النور إلى قيام الساعة، وكان يحب أن يأتيه الحسنان، فيناديهما: هلما إلي، فيقبلان نحوه من البعد قد بلغهما صوته، فيقول بسبابته هكذا، يخرجهما من الباب، فتضئ لهما أحسن من ضوء القمر والشمس، فيأتيان، ثم تعود الاصبع كما كانت، وتفعل في إنصرافهما مثل ذلك قوله: " وأن ألق عصاك (2) " وله ما روي أن الزبير بن العوام انكسر سيفه في بعض الغزوات فأخذ النبي صلى الله عليه واله خشبة فمسحها من جانبيه، فصارت سيفا أجود ما يكون وأضربها (3)، فكان يقاتل به، وإن الله تعالى قلب جذوع سقوف يهود نازعوه أفاعي، وهي أكثر من مائة جذع، وقصدت نحوهم، والتقمت متاع بيتهم، فمات منهم أربعة، وخبل جماعة (4) وأسلم آخرون، وقالوا: اللهم بجاه محمد الذي اصطفيته، وعلي الذي ارتضيته، وأوليائهما الذين من سلم لهم أمرهم اجتبيته، فأنشر الله الاربعة. قوله: " فاضرب بعصاك البحر (5) " قال أمير المؤمنين عليه السلام: خرجنا معه يعني النبي صلى الله عليه واله إلى خيبر، فإذا نحن بواد يشخب فقد رناه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا: يا رسول الله العدو من ورائنا، والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى عليه السلام: " إنا لمدركون (6) " فنزل رسول الله صلى الله عليه واله ثم قال: " اللهم إنك جعلت لكل مرسل دلالة


(1) القصص: 32. (2) القصص: 31. (3) استظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: وأعطاها. (4) أصابهم جنون. (5) الصحيح كما في المصحف الشريف: (أن اضرب) راجع سورة الشعراء: 63. (6) الشعراء: 61.

[ 411 ]

فأرني قدرتك " وركب فعبرت الخيل لاتندى حوافرها، والابل لاتندى أخفافها، فرجعنا فكان فتحها، وفي رواية أنس إنه مطرت السماء ثلاثة أيام ولياليها بوادي الخزان (1)، فقالوا: يا رسول الله هول عظيم، فقال: أيها الناس اتبعوني، وكنت آخر الناس، ولقد رأيت الماء ما بل أخفاف الابل. قوله: " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين (2) " وروي أن النبي صلى الله عليه واله قال: " اللهم العن رعلا وذكوان (3)، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعل سنيهم كسني يوسف " ففي الخبر أن الرجل كان منهم يلحق صاحبه فلا يمكنه الدنو، فإذا دنا منه لا يبصره من شدة دخان الجوع، وكان يجلب (4) إليهم من كل ناحية، فإذا اشتروه وقبضوه لم يصلوا به إلى بيوتهم حتى يتسوس (5) وينتن، فأكلوا الكلاب الميتة والجيف والجلود، ونبشوا القبور، وأحرقوا عظام الموتى فأكلوها، وأكلت المرأة طفلها، وكان الدخان متراكما بين السماء والارض، وذلك قوله: " فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم (6) " فقال أبو سفيان ورؤساء قريش: يا محمد أتأمرنا بصلة الرحم ؟ فأدرك قومك فقد هلكوا، فدعا لهم، وذلك قوله: " ربرنا اكشف عنا العذاب إنا موقنون (7) " فقال الله تعالى: " إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (8) " فعاد إليهم الخصب والدعة، وهو


(1) استظهر في المصدر: أن الصحيح: الخزاز، أقول: ولعله كذلك راجع معجم البلدان 2: 364. (2) الاعراف: 130. (3) بنو رعل: بطن من بهتة من العدنانية، وهم بنو رعل بن مالك ابن عوف بن امرئ القيس بن بهتة، وبنو ذكوان أيضا بطن من بهتة من سليم من العدنانية، وهم بنو ذكوان بن ثعلبة بن بهتة، قال القلقشندي بعد ترجمتهما بذلك: وهم الذين مكث النبي صلى الله عليه وآله شهر ايقنت في الصلاة ويدعو عليهم. (4) أي يساق ويجئ بالطعام إليهم. (5) سوس الطعام: وقع فيه السوسو. والسوس: دود يقع في الصوف والخشب والثياب و البر ونحوها. (6) الدخان: 10 و 11. (7) هكذا في الكتاب، والصحيح كما في المصدر والمصحف الشريف: " انا مؤمنون " راجع سورة الدخان: 12. (8) الدخان: 15.

[ 412 ]

قوله: " فليعبدوا رب هذا البيت (1) " الآية، انتقم الله لموسى عليه السلام من فرعون، وانتقم لمحمد صلى الله عليه واله من الفراعنة: " سيهزم الجمع ويولون الدبر (2) " كان لموسى عليه السلام عصا، ولمحمد صلى الله عليه واله ذو الفقار، خلف موسى عليه السلام هارون عليه السلام في قومه، وخلف محمد صلى الله عليه واله عليا عليه السلام في قومه: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " وكان لموسى عليه السلام اثنا عشر نقيبا، ولمحمد صلى الله عليه واله اثنا عشر إماما، كان لموسى عليه السلام انفلاق البحر في الارض: " فانفلق فكان كل فرق (3) " ولمحمد صلى الله عليه واله انشقاق القمر في السماء وذلك أعجب: " اقتربت الساعة و انشق القمر (4) " العصا بلغت البحر فانفلق: " فاضرب بعصاك البحر (5) " وأشار بالاصبع إلى القمر فانشق، وقال موسى عليه السلام: " رب اشرح لي صدري (6) " وقال الله له: " ألم نشرح لك صدرك (7) " وقال لموسى وهارون عليهما السلام: " فقولا له قولا لينا (8) " وقال لمحمد صلى الله عليه واله واغلظ عليهم (9) * ولا تطع كل حلاف (10) " وأعطى الله موسى عليه السلام المن والسلوى، وأحل الغنائم لمحمد صلى الله عليه واله ولامته، ولم يحل لاحد قبله، وقال في حق موسى: " وظللنا عليهم الغمام (11) " يعني في التيه، والنبي صلى الله عليه واله كان يسير الغمام فوقه، وكلم الله موسى تكليما على طور سينآء، وناجى الله محمدا عند سدرة المنتهى، وكان واسطة بين الحق، وبين موسى عليه السلام، ولم يكن بين محمد صلى الله عليه واله وربه أحد: " فأوحى إلى عبده (12) " وليس من مشى برجليه كمن اسري بسره (13)، وليس من ناداه كمن ناجاه، ومن بعد نودي، ومن قرب نوجي، ولم يكلم موسى عليه السلام إلا بعد أربعين ليلة، ومحمد صلى الله عليه واله كان نائما في بيت ام هاني فعرج به، ومعراج موسى عليه السلام بعد الموعود، ومعراج محمد صلى الله عليه واله بلا وعد، واختار موسى قومه سبعين رجلا، واختير محمد وهو فريد، ولم يحتمل موسى عليه السلام


(1) قريش: 3. (2) القمر: 45. (3) الشعراء: 63. (4) القمر: 1. (5) الشعراء: 63. وفي المصحف الشريف: (أن اضر ب) ولعله منقول بالمعنى. (6) طه: 25. (7) الشرح: 1. (8) طه: 44. (9) التوبة: 73. (10) القلم: 10. (11) الاعراف: 160. (12) النجم: 10. (13) أي بشخصه وحقيقته.

[ 413 ]

ما رآه: " فخر موسى صعقا (1) " واحتمل محمد ذلك: " لقد رأى من آيات ربه (2) " معراج موسى عليه السلام نهارا، ومعراج محمد صلى الله عليه واله ليلا، ومعراج موسى عليه السلام على الارض، ومعراج محمد صلى الله عليه واله فوق السماوات السبع، أخبر بما جرى بينه وبين موسى عليه السلام، وكتم ما جرى بينه وبين محمد: " فأوحى إلى عبده ما أوحى (3) " قوله: " ولما جاء موسى لميقاتنا (4) " كأنه جاء من عند فرعون " لقد جاءكم رسول (5) " كأنه جاء من عند الله وقال لموسى: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا (6) " وأخرج النبي من مسجده ما خلا العترة، وفي هذا تبيان قوله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ". حسان: لئن كلم الله موسى على * شريف من الطور يوم الندا فإن النبي أبا قاسم * حبي بالرسالة فوق السماء وقد صار بالقرب من ربه * على قاب قوسين لما دنا وإن فجر الماء موسى لكم (7) * عيونا من الصخر ضرب العصا فمن كف أحمد قد فجرت * عيون من الماء يوم الظما وإن كان هارون من بعده * حبي بالوزارة يوم الملا فإن الوزارة قد نالها * علي بلا شك يوم الندا كعب بن مالك الانصاري: فإن يك موسى كلم الله جهرة * على جبل الطور المنيف (8) المعظم فقد كلم الله النبي محمدا * على الموضع الاعلى الرفيع المسوم داود عليه السلام كان له سلسلة الحكومة ليميز الحق من الباطل، ولمحمد صلى الله عليه واله القرآن:


(1) الاعراف: 142، وفيه: وخر. (2) النجم: 18. (3) النجم: 10. (4) الاعراف: 143. (5) التوبة: 128. (6) يونس: 87. (7) في المصدر: لهم. وهو الصحيح. (8) جبل منيف: مرتفع مشرف.

[ 414 ]

" ما فرطنا في الكتاب من شئ (1) " وليست السلسلة كالكتاب، والسلسلة قد فنيت والقرآن بقي إلى آخر الدهر، وكان له النغمة، ولمحمد صلى الله عليه واله الحلاوة: " وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول (2) " وكان له ثلاثون ألف حرس، وكان حارس محمد هو الله تعالى: " والله يعصمك من الناس (3) " وسبحت له الوحوش والطيور والجبال، فالله تعالى وملائكته يشهدون لمحمد: " وكفى بالله شهيدا * محمد رسول الله (4) " وقال له: " وألنا له الحديد (5) " وألان قلب محمد بالرحمة والشفاعة: " فبما رحمة من الله لنت لهم (6) " وألان لهم (7) الصم الصخور الصلاب وجعلها غارا، وكان يحلب الشاة المجهودة، ويمسح عرضها فيحلب منها كيف شاء، وسخر له الجبال وكان يسبحن، وأخذ النبي أحجارا فأمسكها فسبحن في كفه، وله الطير محشورة كل له أواب، ولمحمد البراق، وقال له: " وشددنا ملكه (8) " وشدد ملك محمد حتى نسخ بشريعته سائر الشرائع، وقال لداود: " ولا تتبع الهوى (9) " وقال لمحمد صلى الله عليه واله: " ما ضل صاحبكم (10) ". حسان: وإن كان داود قد أوبت (11) * جبال لديه وطير الهوا ففي كف أحمد قد سبحت * بتقديس ربي صغار الحصى سليمان سخرت له الريح: " غدوها شهر ورواحها شهر (12) " يقال: إنه غدا من العراق، وقال (13) بمرو، وأمسى ببلخ، وأكرم محمدا بالبراق خطوته مد البصر، و قال: " علمنا منطق الطير (14) " وروي أن الحمرة فجعت بأحد ولدها، فجاءت إلى


(1) الانعام: 38. (2) المائدة: 83. (3) المائدة: 67. (4) الفتح: 28 و 29. (5) سبأ: 10. (6) آل عمران: 159. (7) الظاهر كما في هامش النسخة أن الصحيح: وألان له. (8) ص: 20. (9) ص: 26. (10) النجم: 2. (11) أي قد رجعت معه بالتسبيح. (12) سبأ: 12. (13) قال: نام في القافلة أي منتصف النهار. (14) النمل: 16.

[ 415 ]

النبي صلى الله عليه واله وقد جعلت ترف على رأس رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: أيكم فجع (1) هذه ؟ فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضها، فقال النبي صلى الله عليه واله: ارددها، ومنه كلام البعير و العجل والضبي والشاة والذئب والذب، وسخرت له (2) " الجن والشياطين، وقال للنبي صلى الله عليه واله: " قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن (3) "، وقوله: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن (4) " وهو التسعة من أشراف الجن بنصيبين واليمن من بني عمرو بن عامر، منهم شصاه، ومصاه، والهملكان، والمرزبان، والمازمان، ونضاه، وهاضب، وعمرو، وبايعوه على العبادات، واعتذروا بأنهم قالوا على الله: شططا، وسليمان عليه السلام كان يصفدهم لعصيانهم، ونبينا أتوه طائعين راغبين، وسأل سليمان ملكا دنيا: " رب هب لي ملكا (5) " وعرض مفاتيح خزائن الدنيا على محمد صلى الله عليه واله فردها، فشتان بين من يسأل وبين من يعطى فلا يقبل، فأعطاه الله الكوثر والشفاعة والمقام المحمود " ولسوف يعطيك ربك فترضى (6) " وقال لسليمان: " امنن أو أمسك بغير حساب (7) " وقال لنبينا: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (8) ". حسان بن ثابت: وإن كانت الجن قد ساسها * سليمان والريح تجري رخا فشهر غدو به دائبا * وشهر رواح به إن يشا فإن النبي سرى ليلة * من المسجدين إلى المرتقى كعب بن مالك: وإن تك نمل البر بالوهم كلمت * سليمان ذا الملك الذي ليس بالعمى فهذا نبي الله أحمد سبحت * صغار الحصى في كفه بالترنم يحيى عليه السلام قال الله تعالى له: " وآتيناه الحكم صبيا (9) " وكان في عصر لا جاهلية


(1) فجعه: أوجعه باعدامه ما يتعلق به من أهل أو مال. (2) أي لسليمان عليه السلام. (3) الجن: 1. (4) الاحقاف: 29. (5) ص: 35 وهو منقول معناه والاية هكذا: " قال رب اغفر لي وهب لى ملكا ". (6) الضحى: 5. (7) ص: 39. وفيه: فامنن. (8) الحشر: 7 وفيه: وما اتاكم. (9) مريم: 12.

[ 416 ]

فيه، ومحمد صلى الله عليه واله اوتي الحكم والفهم صبيا بين عبدة الاوثان وحزب الشيطان، وكان يحيى عليه السلام أعبد أهل زمانه وأزهدهم، ومحمد أزهد الخلائق، وأعبدهم، حتى قيل: " طه ما أنزلنا (1) ". حسان بن ثابت: وإن كان يحيى بكت عينه * صغيرا وطهره في الصبي فإن النبي بكى قائما * حزينا على الرجل خوف الرجا فناداه أن طه (2) أبا قاسم * ولا تشق بالوحي لما أتى عيسى عليه السلام " وابرئ الاكمه والابرص (3) " ونبينا صلى الله عليه واله أتاه معاذ بن عفرا (4) فقال: يا رسول الله إني قد تزوجت، وقالوا للزوجة: إن بجنبي بياضا، فكرهت أن تزف إلي، فقال: اكشف لي عن جنبك، فكشف له عن جنبه، فمسحه بعود فذهب ما به من البرص، ولقد أتاه من جهينة أجذم يتقطع من الجذام، فشكا إليه، فأخذ قدحا من ماء فتفل فيه، ثم قال: امسح به جسدك ففعل فبرأ، وأبرأ صاحب السلعة (5)، وأتته امرأة فقالت: يا رسول الله إن ابني قد أشرف على حياض الموت، كلما أتيته بطعام وقع عليه التثاؤب (6)، فقام وقمنا معه، فلما أتيناه قال له: جانب يا عدو الله ولي الله، فأنا رسول الله، فجانبه الشيطان، فقام صحيحا، وأتاه رجل وبه ادرة (7) عظيمة، فقال: هذه الادرة تمنعني من التطهير والوضوء، فدعا بماء فبرك فيه ودعاه وتفل فيه، ثم أمره أن يفيض عليه (8)، ففعل الرجل، وأغفى إغفائة وانتبه فإذا هي قد تقلصت، وجائت امرأة ومعها


(1) طه: 1. (2) في المصدر: فناداه طه. (3) آل عمران: 49. (4) هكذا في النسخة، والصحيح: عفراء بالمد، والرجل هو معاذ بن الحارث بن رفاعة الانصاري النجاري. (5) السلعة: خراج في البدن أو زيادة فيه كالغدة بين الجلد واللحم. (6) تثاءب: أصابه كسل وفترة كفترة النعاس. (7) في النهاية: الادرة بالضم: نفخة في الخصية. (8) أي يفرغه عليه.

[ 417 ]

عكة (1) سمن واقط ومعها ابنة لها فقالت: يا رسول الله ولدت هذه كمها (2)، فأخذ رسول الله صلى الله عليه واله عودا فمسح به عينيها فأبصرتا. ومنه حديث قتادة بن ربعي ومحمد بن مسلمة و عبد الله بن أنيس. قوله: " واحيي الموتى بإذن الله (3) " قال الكلبي: كان عيسى عليه السلام يحيي الاموات بياحي يا قيوم، وقيل إنه أحيى أربعة أنفس، وهم عاذر، وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح، قال الرضا عليه السلام: لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه واله فسألوه أن يحيي لهم موتاهم، فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: اذهب إلى الجبانة (4) فناد باسم هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان، يقول لكم رسول الله: قوموا بإذن الله، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن امورهم، ثم أخبروهم أن محمدا قد بعث نبيا، فقالوا: وددنا أنا أدركناه فنؤمن به، و أحيى صلى الله عليه واله النفر الذين قتلوا يوم بدر فخاطبهم وكلمهم وعيرهم بكفرهم. قوله: " وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون (5) " ومحمد صلى الله عليه واله كان ينبئ بأشياء كثيرة، منها: قصة حاطب بن أبي بلتعة، وإنفاذ كتابه إلى مكة، ومنها قصة عباس و سبب إسلامه. ابن جريح في قوله: " ويعلمه الكتاب والحكمة (6) " إن الله تعالى أعطى عيسى عليه السلام تسعة أشياء من الحظ، ولسائر الناس جزءا وروي عن النبي صلى الله عليه واله اوتيت القرآن ومثليه. انشد: وإن كان من مات يحيى لكم * يناديه عيسى برب العلى.


(1) العكة: زقيق للسمن أصفر من القربة. (2) هكذا في النسخة، والصحيح: كمهاء بالمد، كما في المصدر. (3) آل عمران: 49. (4) الجبانة: المقبرة. الصحراء. (5) آل عمران: 49. (6) آل عمران: 48.

[ 418 ]

فإن الذراع لقد سمها * يهود لاحمد يوم القرى (1) فنادته أنى لمسمومة * فلا تقربني وقيت الاذي (2) بيان: الحمرة بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحة: ضرب من الطير كالعصفور. 2 - قب: قد مدح الله اثنى عشر من الانبياء باثنى عشر نوعا من الطاعة: مدح إسحاق عليه السلام ويعقوب عليه السلام بالطاعة: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب (3) " ولعيسى بالزهادة، قيل له: لو اتخذت منزلا أو اشتريت دابة، فقال ما قال، ولسليمان بالسخا، وكان يطعم كل يوم سبعمائة جريب من الحوارى (4)، وهو يأكل الخشكار، (5) ولابراهيم عليه السلام بالرحمة: " إن إبراهيم لحليم أواه منيب (6) "، وفيه قصة المجوس الذين أسلموا من ضيافته، ولنوح عليه السلام بالصلابة: " رب لا تذر على الارض (7) " وأيضا من موسى وهارون عليهما السلام: " ربنا إنك آتيت فرعون (9) " فبالغ نبينا صلى الله عليه واله في هذه الخصال حتى نهاه عن ذلك: الاستغفار: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم (10) " المجاهدة: " ولا تعجل بالقرآن (11) " العبادة: طه ما أنزلنا (8) " الزهد: " لم تحرم ما أحل الله لك (12) " وفيه حديث مارية، وعرض عليه مفاتيح الدنيا فأبى، السخا: " ولا تجعل يدك مغلولة (13) " الرحمة: " واغلظ عليهم (14) " وقال: " فلعلك باخع نفسك (15) " الصلابة: " لست عليهم بمصيطر (16) * يا أيها النبي جاهد


(1) أي يوم الضيافة. (2) مناقب آل أبي طالب 1: 148 - 157. (3) الانعام: 84. (4) الحواري بضم الحاء وتشديد الواو: الدقيق الابيض. (5) تقدم في باب قصص سليمان عليه السلام نحوه عن كتاب الدعوات، قال المصنف هناك: الخشكار لم اجده في أكثر كتب اللغة، فكأنه معرب مولده، وفي كتب الطب وبعض كتب اللغة أنه الخبز المأخوذ من الدقيق غير المنخول، وقيل: إنه الخبز اليابس، والاول هو المراد هنا انتهى أقول: في بعض نسخ المصدر: الخشار بالضم: وهو فضالة المائدة. وما لا لب له من الشعير. (6) هود: 75. (7) نوح: 26. (8) يونس: 88. (9) التوبة: 80. (10) طه: 114. (11) طه: 1. (12) التحريم: 1. (13) الاسراء: 29. (14) التوبة: 73. (15) الكهف: 6. (16) الغاشية: 22.

[ 419 ]

الكفار (1) " وفيه قصة ابن مكتوم. الانذار: " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (2) " عيب آلهتهم: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله (3) ". وإنه تعالى أقسم لاجله بخمسة عشر قسما: بهدايته: " والنجم إذا هوى (4) " برسالته: " يس والقرآن الحكيم (5) " بولي عهده: " والعاديات ضبحا (6) " بمعراجه: " لتركبن طبقا عن طبق (7) " بشريعته: " والعصر إن الانسان لفي خسر (8) " بكتابه: ق - والقرآن المجيد (9) " بخلقه: " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم (10) " بخلقه: " ن والقلم (11) " بزيادة نوافله: " طه ما أنزلنا (12) " بطهارته: " فلا اقسم بما تبصرون (13) " ببلده: " لا اقسم بهذا البلد (14) " بمحبته: " والضحى والليل (15) " بتهديد موذيه: " كلا لئن لم ينته (16) " بعقوبة أعدائه: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ (17) " بعمره: " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (18) " ومن شدة فرط المحب (19) أن يحلف بعمر حبيبه، وكل ما سأل الانبياء من الله تعالى أعطاه الله بلا سؤال: آدم عليه السلام: " وإن لم تغفر لنا (20) " وله: " ليغفر لك الله (21) " نوح عليه السلام: " لا تدر على الارض (22) " وله: " إنا كفيناك المستهزئين (23) " إبراهيم عليه السلام: " ولا تخزني يوم يبعثون (24) " وله " يوم لا يخزي الله النبي (25) " شعيب عليه السلام: " ربنا افتح بيننا (26) " وله: " إنا فتحنا لك (27) " لوط عليه السلام: " رب انصرني على


(1) التوبة: 73. (2) الحجر: 49. (3) الانعام: 108. (4) النجم: 1. (5) يس: 1. (6) العاديات: 1. (7) الانشقاق: 19. (8) العصر: 1. (9) ق: 1. (10) التين: 4. (11) القلم: 1. (12) طه: 1. (13) الحاقة: 38. (14) البلد: 1. (15) الضحى: 1. (16) العلق: 15. (17) المطففين: 15. (18) الحجر: 72. (19) في المصدر: فرط المحبة. (20) الاعراف: 22. (21) الفتح: 2. (22) نوح: 26. (23) الحجر: 95. (24) الشعراء: 87. (25) التحريم: 8. (26) الاعراف: 89. (27) الفتح: 1.

[ 420 ]

القوم (1) " وله: " وينصرك الله (2) " موسى عليه السلام: " قال رب اشرح لي صدري (3) " وله: " ألم نشرح لك (4) " موسى عليه السلام: " اخلفني في قومي (5) " وله: إنما وليكم الله (6) ". المقام أربعة: مقام الشوق لشعيب عليه السلام حيث بكى من خوف الله، ومقام السلام لابراهيم عليه السلام: إذ جاء ربه بقلب سليم (7) " ومقام المناجات لموسى عليه السلام: " وقربناه نجيا (8) " ومقام المحبة للنبي صلى الله عليه واله: " فكان قاب قوسين (9) " وسمى الله تعالى نوحا شكورا: " إنه كان عبدا شكورا (10) " وإبراهيم عليه السلام حليما: " إن إبراهيم لحليم (11) " وموسى عليه السلام كليما: " وكلم الله موسى تكليما (12) " وجمع له كما جمع لنفسه فقال: " إن الله بالناس لرؤوف رحيم (13) " وله: بالمؤمنين رؤوف رحيم (14) " قيل: هما واحد، وقيل: الرؤوف: شدة الرحمة، رؤوف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين، رؤوف بأقربائه رحيم بأصحابه، رؤوف بعترته، رحيم بامته، رؤوف بمن رآه، رحيم بمن لم يره (15).


(1) العنكبوت: 30. (2) الفتح: 3. (3) طه: 25. (4) الشرح: 1. (5) الاعراف: 142. (6) المائدة: 55. (7) الصافات: 84. (8) مريم: 52. (9) النجم: 9. (10) الاسراء: 3. (11) هود: 75. (12) النساء: 164. (13) البقرة: 143. (14) التوبة: 128. (15) مناقب آل أبي طالب 1: 158 - 160

[ 421 ]

بسمه تعالى وله الحمد إلى هنا انتهى الجزء السادس عشر من كتاب بحار الانوار للعلامة المجلسي (قدس سره) بهذه الصورة النفيسة، والتعاليق المحتاج إليها، وهو الجزء الثاني من المجلد السادس في تاريخ نبينا صلى الله عليه واله يحوى اثنين و أربعمائة حديث في ثمانية أبواب. بأصحابه، رؤوف بعترته، رحيم بامته، رؤوف بمن رآه، رحيم بمن لم يره (15).


(1) العنكبوت: 30. (2) الفتح: 3. (3) طه: 25. (4) الشرح: 1. (5) الاعراف: 142. (6) المائدة: 55. (7) الصافات: 84. (8) مريم: 52. (9) النجم: 9. (10) الاسراء: 3. (11) هود: 75. (12) النساء: 164. (13) البقرة: 143. (14) التوبة: 128. (15) مناقب آل أبي طالب 1: 158 - 160

[ 421 ]

بسمه تعالى وله الحمد إلى هنا انتهى الجزء السادس عشر من كتاب بحار الانوار للعلامة المجلسي (قدس سره) بهذه الصورة النفيسة، والتعاليق المحتاج إليها، وهو الجزء الثاني من المجلد السادس في تاريخ نبينا صلى الله عليه واله يحوى اثنين و أربعمائة حديث في ثمانية أبواب. وقد قوبل بالنسختين المطبوعتين إحديهما النسخة المشهورة بطبعة " أمين الضرب " وعدة نسخ مخطوطة جيدة في غاية الدقة والاتقان منها: النسخة الاصلية التي هي بخط المؤلف رضوان الله عليه. وسيصدر عاجلا - إنشاء الله تعالى - الجزء السابع عشر يبتد ب‍ (باب وجوب طاعته وحبه والتفويض إليه صلى الله عليه واله) والله تعالى ولي الوفيق. خادم العلم والدين عبد الرحيم الرباني الشيرازي.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية