الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 15

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 15


[ 1 ]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الائمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الخامس عشر دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كليوباترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنزل 830711 - 830717 برقيا ": التراث - تلكس 44632 / le تراث

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أكرم سيد أنبيائه محمدا بالرسالة وشرفها به، شرائف الصلوات وكرائم التحيات والتسليمات عليه وعلى الافاخم الانجبين من عترته وآله. أما بعد فيقول الخاطئ القاصر العاثر محمد بن محمد التقي المدعو بباقر عفا الله عن عثراتهما وحشرهما مع مواليهما وساداتهما: هذا هو المجلد السادس من كتاب بحار الانوار المشتمل على تاريخ سيد الابرار، ونخبة الاخيار، زين الرسالة والنبوة، وينبوع الحكمة والفتوة، (1) نبي الانبياء وصفي الاصفياء، نجي الله ونجيبه، وخليل الله وحبيبه، محمول الافلاك، ومخدوم الاملاك، صاحب المقام المحمود، وغاية إيجاد كل موجود، شمس سماء العرفان، واس بناء الايمان، شرف الاشراف، وغرة (2) عبد مناف، بحر السخاء، ومعدن الحياء، رحمة العباد، وربيع البلاد، الذي به اكتسى الفخر فخرا " والشرف شرفا "، وبه تضمنت الجنان غرفا "، والقصور شرفا "، فركعت السماوات لاعباء نعمه، وسجدت الارضون لموطئ قدمه، وبنوره استضاءت الانوار، واستنارت الشموس والاقمار، وبظهوره تجلت الاسرار عن جلابيب الاستار، إمام المرسلين، وفخر العالمين، ابى القاسم محمد بن عبد الله، خاتم النبيين، صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الاطهرين، وبيان فضائله (2) ومناقبه ومعجزاته ومكارمه وغزواته وسائر أحواله صلى الله عليه وآله.


(1) الفتوة: السخاء والكرم. المروءة. ويقال بالفارسية (جوانمردى) وهو أنسب باشتقاقه. (2) الغرة من كل شئ: أوله ومعظمه وطلعه، ومن القوم: شريفهم. (3) عطف على قوله: على تاريخ.

[ 2 ]

(باب 1) * (بدء خلقه وما جرى له في الميثاق، وبدء نوره وظهوره) * * (صلى الله عليه وآله من لدن آدم عليه السلام، وبيان حال (1)) * * (آبائه العظام، وأجداده الكرام، لا سيما عبد المطلب و) * * (والديه عليهم الصلاة والسلام، وبعض احوال العرب في) * * (الجاهلية، وقصة الفيل، وبعض النوادر) * الايات: آل عمران (3) وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين 81. الاعراف (7) وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون 172 و 173. الشعراء (26) الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين 118 و 119. الاحزاب (33) وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا " غليظا " * ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا " أليما " 7 و 8. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم): أي واذكر يا محمد حين أخذ الله الميثاق من النبيين خصوصا بأن يصدق بعضهم بعضا "، ويتبع بعضهم بعضا "، وقيل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، وأن يصدق


(1) في النسختين المطبوعتين: أحوال.

[ 3 ]

بعضهم بعضا "، وأن ينصحوا لقومهم (ومنك) يا محمد، وإنما قدمه لفضله وشرفه (ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم) خص هؤلاء لانهم أصحاب الشرائع (وأخذنا منهم ميثاقا " غليظا ") أي عهدا " شديدا " على الوفاء بما حملوا من أعباء الرسالة، وتبليغ الشرائع، وقيل: على أن يعلنوا أن محمدا " رسول الله، ويعلن محمد أن لانبي بعده (ليسأل الصادقين عن صدقهم) قيل: معناه: إنما فعل ذلك ليسأل الانبياء والمرسلين ما الذي جاءت به اممكم (1) وقيل: ليسأل الصادقين في توحيد الله وعدله والشرائع (عن صدقهم) أي عما كانوا يقولونه فيه تعالى، فيقال لهم: هل ظلم الله أحدا " ؟ هل جازى كل إنسان بفعله ؟ هل عذب بغير ذنب ؟ ونحو ذلك، فيقولون: نعم عدل في حكمه، وجازى كلا بفعله، وقيل: معناه: ليسأل الصادقين في أقوالهم عن صدقهم في أفعالهم، وقيل: ليسأل الصادقين ماذا قصدتم بصدقكم ؟ وجه الله أو غيره ؟ (2) أقول: سيأتي تفسير سائر الآيات، وسنورد الاخبار المتضمنة لتأويلها في هذا الباب وغيره. 1 - فس: محمد بن الوليد، عن محمد بن الفرات، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (الذي يراك حين تقوم) في النبوة (وتقلبك في الساجدين) قال: في أصلاب النبيين. (3) 2 - كنز: محمد بن العباس، عن الحسين بن هارون، عن علي بن مهزيار، عن أخيه عن ابن أسباط، عن عبد الرحمن بن حماد، عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله عزوجل: (وتقلبك في الساجدين) قال: يرى تقلبه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم عليه السلام. (4) 3 - ير: بعض أصحابنا، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن علي بن معمر عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: (هذا نذير من النذر الاولى)


(1) في المصدر: ما الذى أجاب به اممكم ؟ وهو الصواب. (2) مجمع البيان 8: 339. (3) تفسير القمى: 474. (4) مخطوط

[ 4 ]

قال: يعني به محمدا " صلى الله عليه وآله حيث دعاهم إلى الاقرار بالله في الذر الاول. (1) 4 - ل، مع: الحاكم أحمد بن محمد بن عبد الرحمن المروزي، عن محمد بن إبراهيم الجرجاني عن عبد الصمد بن يحيى الواسطي، عن الحسن بن علي المدني، عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه قال: إن الله تبارك وتعالى خلق نور محمد صلى الله عليه وآله قبل أن خلق (2) السماوات والارض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار وقبل أن خلق (3) آدم ونوحا " وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى وداود وسليمان عليهم السلام وكل من قال الله عزوجل في قوله: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) إلى قوله: (وهديناهم إلى صراط مستقيم) وقبل أن خلق الانبياء كلهم بأربع مائة ألف سنة وأربع وعشرين ألف سنة، وخلق عزوجل معه اثني عشر حجابا ": حجاب القدرة، وحجاب العظمة، وحجاب المنة، (4) وحجاب الرحمة، وحجاب السعادة، وحجاب الكرامة، وحجاب المنزلة، و حجاب الهداية، وحجاب النبوة، وحجاب الرفعة، وحجاب الهيبة، وحجاب الشفاعة. ثم حبس نور محمد صلى الله عليه وآله في حجاب القدرة اثني عشر ألف سنة، وهو يقول: (سبحان ربي الاعلى) وفي حجاب العظمة إحدى عشر ألف سنة، وهو يقول: (سبحان عالم السر) وفي حجاب المنة عشرة آلاف سنة، وهو يقول: (سبحان من هو قائم لا يلهو) وفي حجاب الرحمة تسعة آلاف سنة، وهو يقول: (سبحان الرفيع الاعلى) وفي حجاب السعادة ثمانية آلاف سنة وهو يقول: (سبحان من هو دائم لا يسهو) وفي حجاب الكرامة سبعة آلاف سنة، وهو يقول: (سبحان من هو غني لا يفتقر) وفي حجاب المنزله ستة آلاف سنة، وهو يقول: (سبحان العليم الكريم (5)) وفي حجاب الهداية خمسة آلاف سنة، وهو يقول: (سبحان ذي العرش العظيم (6)) وفي حجاب النبوة أربعة آلاف سنة وهو يقول: (سبحان رب


(1) بصائر الدرجات: 24. (2 و 3) في نسخة: قبل أن يخلق. (4) وفي الانوار على ما يأتي (وحجاب العزة) ولعله أحسن. (5) في المصدر: سبحان ربى العلى الكريم. (6) في المصدر: سبحان رب العرش العظيم.

[ 5 ]

العزة عما يصفون) وفي حجاب الرفعة ثلاثة آلاف سنة، وهو يقول: (سبحان ذي الملك والملكوت) وفي حجاب الهيبة ألفي سنة، وهو يقول: (سبحان الله وبحمده) وفي حجاب الشفاعة ألف سنة، وهو يقول: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ثم أظهر اسمه على اللوح فكان على اللوح منورا " أربعة آلاف سنة، ثم أظهره على العرش فكان على ساق العرش مثبتا " سبعة آلاف سنة، إلى أن وضعه الله عزوجل في صلب آدم عليه السلام، (1) ثم نقله من صلب آدم عليه السلام إلى صلب نوح عليه السلام، ثم من صلب إلى صلب (2) حتى أخرجه الله عز وجل من صلب عبد الله بن عبد المطلب، فأكرمه بست كرامات: ألبسه قميص الرضا، ورداه برداء الهيبة، وتوجه بتاج الهداية، (3) وألبسه سراويل المعرفة، وجعل تكته تكة المحبة، يشد بها سراويله، وجعل نعله نعل الخوف، وناوله عصا المنزلة. ثم قال: يا محمد اذهب إلى الناس فقل لهم: قولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وكان أصل ذلك القميص من ستة أشياء: قامته من الياقوت، وكماه من اللؤلؤ، ودخريصه من البلور الاصفر، وإبطاه من الزبرجد، وجربانه من المرجان الاحمر، وجيبه من نور الرب جل جلاله، فقبل الله عزوجل توبة آدم عليه السلام بذلك القميص، ورد خاتم سليمان عليه السلام به ورد يوسف عليه السلام إلى يعقوب عليه السلام به، ونجى يونس عليه السلام من بطن الحوت به، وكذلك سائر الانبياء عليهم السلام أنجاهم من المحن به، ولم يكن ذلك القميص إلا قميص محمد صلى الله عليه وآله. (4)


(1) في هامش المخطوط حاشية بخط المصنف وهى: لما كانوا عليهم السلام هم المقصودون من خلق آدم عليه السلام وسائر ذريته فكان خلق آدم عليه السلام من الطينة الطيبة ليكون قابلا لخروج تلك الاشخاص المقدسة منه، وربى تلك الطينة في الاباء والامهات حتى كملت قابليتها في عبد الله وأبى طالب، فخلق المقدسين منهما، فيحتمل أن يكون حفظ النور وانتقاله من الاصلاب كناية عن انتقال تلك القابلية، واستكمال هذا الاستعداد، وما ورد أن كمالهم وفضلهم كان سبب الاشتمال على أنوارهم يستقيم على هذا، وكذا ماضارعها من الاخبار والله يعلم تلك الاسرار، وحججه الاخيار عليهم السلام. منه عفى عنه. (2) في المصدر: ثم جعل يخرجه من صلب إلى صلب حتى أخرجه من صلب. (3) في المصدر: رداه رداء الهيبة، وتوجه تاج الهداية. (4) الخصال 1: 82، معاني الاخبار: 88 و 89.

[ 6 ]

بيان: قوله: (ثم حبس نور محمد صلى الله عليه وآله) ليس الغرض ذكر جميع أحواله صلى الله عليه وآله في الذر لعدم موافقة العدد بل قد جرى على نوره أحوال قبل تلك الاحوال أو بعدها أو بينها لم تذكر في الخبر. (1) والدخريص بالكسر: لبنة القميص. وجربان القميص - بضم الجيم والراء وتشديد الباء - معرب كريبان. 5 - فر: عن جعفر بن محمد الفزاري بإسناده (2) عن قبيصة بن يزيد الجعفي (3) قال: دخلت على الصادق عليه السلام وعنده ابن ظبيان والقاسم الصيرفي، (4) فسلمت وجلست وقلت: يا ابن رسول الله (5) أين كنتم قبل أن يخلق الله سماء مبنية، وأرضا مدحية أو ظلمة أو نورا " (6) قال: كنا أشباح نور حول العرش، نسبح الله قبل أن يخلق آدم عليه السلام بخمسة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم عليه السلام فرغنا في صلبه، فلم يزل ينقلنا من صلب طاهر إلى رحم مطهر حتى بعث الله محمدا " صلى الله عليه وآله الخبر. (7) 6 - فر: جعفر بن محمد بن بشرويه القطان، بإسناده عن الاوزاعي، (8) عن


(1) وقد ذكر بعضها في خبر الانوار كما يأتي. (2) في المصدر: باسناده معنعنا. (3) في المصدر: فيضة بن يزيد الجعفي. وعلى أي فلم نجد ترجمته. (4) في المصدر: وعنده البوس بن ابى الدوس، وابن ظبيان والقاسم بن الصيرفى. قلت: أما البوس فلم نجد ترجمته، وابن ظبيان هو يونس بن ظبيان المعروف، والقاسم هو ابن عبد الرحمن الصيرفى. (5) في المصدر: يا ابن رسول الله أتيتك مستفيدا "، قال: سل واوجز، قلت: أين كنتم إه‍. (6) في المصدر: أو ظلمة ونورا "، قال: يا فيضة لم سألتنا عن هذا الحديث في مثل هذا الوقت ؟ أما علمت أن حبنا قد اكتتم، وبغضنا قد نشأ، وان لنا أعداء من الجن يخرجون حديثنا ألى أعدائنا من الانس وان الحيطان لها آذان كآذان الناس، قال: قلت: قد سألت عن ذلك، قال: يا فيضة كنا أشباح نور إه‍. قلت: قوله: (قد نشأ) لعله مصحف (قد نشر) أو (قد فشا) أو المعنى أن بغضنا في حدوث وتجدد دائما، لان أعداءنا لم يزل يربون الناس ويسوقونهم على ذلك. قوله: (إن لنا اه‍) لعله تعريض ببعض حاضرى المجلس وأنه من أعدائنا، أو اشارة إلى لزوم التحفظ وشدة التستر عن كشف أسرارهم. (7) تفسير فرات: 207. (8) في المصدر: معنعنا عن الاوزاعي.

[ 7 ]

صعصعة بن صوحان والاحنف بن قيس، عن ابن عباس (1) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلقني الله نورا تحت العرش قبل أن يخلق آدم عليه السلام باثني عشر ألف سنة، فلما أن خلق الله آدم عليه السلام ألقى النور في صلب آدم عليه السلام فأقبل ينتقل ذلك النور من صلب إلى صلب حتى افترقنا في صلب عبد الله بن عبد المطلب وأبي طالب، فخلقني ربي من ذلك النور لكنه لا نبي بعدي. (2) 7 - ع: إبراهيم بن هارون، عن محمد بن أحمد بن أبي الثلح، (3) عن عيسى بن مهران، (4) عن منذر الشراك، عن إسماعيل بن علية، عن أسلم بن ميسرة العجلي، عن أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وعليا و فاطمة والحسن والحسين من قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام، قلت: فأين كنتم يا رسول الله ؟ قال: قدام العرش، نسبح الله ونحمده ونقدسه ونمجد، قلت: على أي مثال ؟ قال: أشباح نور، حتى إذا أراد الله عز وجل أن يخلق صورنا صيرنا عمود نور، ثم قذفنا في صلب آدم، ثم أخرجنا إلى اصلاب الآباء وأرحام الامهات، ولا يصيبنا نجس الشرك، ولا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم ويشقى بنا آخرون، فلما صيرنا إلى صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفين، فجعل نصفه في عبد الله، ونصفه في أبي طالب، ثم أخرج الذي (5) لي إلى آمنة، والنصف إلى فاطمة بنت أسد، فأخرجتني آمنة، و


(1) للحديث صدر يأتي في فضائل على عليه السلام. (2) تفسير فرات: 190. (3) هكذا في النسختين المطبوعتين، وفي المصدر: محمد بن احمد بن ابى البلخ. وفي نسخة المصنف: محمد بن احمد بن أبى البلح - بالباء - وكلها وهم، والرجل هو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل الكاتب أبو بكر المعروف بابن أبى الثلج، وأبو الثلج هو عبد الله بن اسماعيل، والرجل مذكور في تراجم الخاصة كلها، وقد ذكره ابن حجر في التقريب والتهذيب في جده محمد بن عبد الله، وفي جميع التراجم (الثلج) بالثاء مضافا الى تصريح العلامة بالضبط في الايضاح. (4) في نسخة من المصدر: موسى بن مهران. (5) في المصدر: ثم أخرج النصف الذى لى.

[ 8 ]

أخرجت فاطمة عليا، ثم أعاد عز وجل العمود إلي فخرجت مني فاطمة، ثم أعاد عز وجل العمود إلى علي فخرج منه الحسن والحسين - يعني من النصفين جميعا - فما كان من نور علي فصار في ولد الحسن، وما كان من نوري صار في ولد الحسين، فهو ينتقل في الائمة من ولده إلى يوم القيامة. (1) 8 - فر: جعفر بن محمد الاحمسي بإسناده (2) عن أبي ذر الغفاري، عن النبي صلى الله عليه وآله في خبر طويل في وصف المعراج ساقه إلى أن قال: - قلت: يا ملائكة ربي هل تعرفونا حق معرفتنا ؟ فقالوا: يا نبي الله وكيف لا نعرفكم وأنتم أول ما خلق الله ؟ (3) خلقكم أشباح نور من نوره في نور (4) من سناء عزه، ومن سناء ملكه، ومن نور وجهه الكريم، وجعل لكم مقاعد في ملكوت سلطانه، وعرشه على الماء قبل أن تكون السماء مبنية، والارض مدحية، (5) ثم خلق السماوات والارض في ستة أيام، ثم رفع العرش إلى السماء السابعة فاستوى على عرشه وأنتم أمام عرشه تسبحون وتقدسون وتكبرون، ثم خلق الملائكة من بدء ما أراد من أنوار شتى، وكنا نمر بكم وأنتم تسبحون وتحمدون وتهللون وتكبرون وتمجدون و تقدسون، فنسبح ونقدس ونمجد ونكبر ونهلل بتسبيحكم وتحميدكم وتهليلكم وتكبيركم وتقديسكم وتمجيدكم، (6) فما انزل من الله فإليكم وما صعد إلى الله فمن عندكم، فلم لا نعرفكم ؟ اقرأ عليا منا السلام - وساقه إلى أن قال -: ثم عرج بي إلى


(1) علل الشرائع: 80 قلت: قال المصنف: أكثر هذه الاخبار تدل على تقدم خلق الارواح على الاجساد، وبعضها على عالم المثال، والله يعلم حقيقة الحال انتهى. وقد أورد ما يناسب المقام من كلام الشيخ المفيد والسيد المرتضى رضى الله عنهما في باب الطينة والميثاق من كتاب العدل راجع ج 5: 260 - 276. (2) في المصدر: معنعنا عن أبى ذر. (3) في المصدر: وأنتم أول خلق الله. (4) في المصدر: من نور في نور. (5) في المصدر بعد قوله: مدحية زيادة هي: وهو في الموضع الذى ينوى فيه. وفيه: خلق السماوات والارضين. (6) في المصدر: وانتم تقدسون وتهللون وتكبرون وتسبحون وتمجدون فنسبح ونقدس و نمجد ونهلل بتسبيحكم وتقديسكم وتهليلكم.

[ 9 ]

السماء السابعة، فسمعت الملائكة يقولون لما أن رأوني: الحمد لله الذي صدقنا وعده، ثم تلقوني وسلموا علي، وقالوا لي مثل مقالة أصحابهم، فقلت: يا ملائكة ربي سمعتكم تقولون: الحمد لله الذي صدقنا وعده، (1) فما الذي صدقكم ؟ قالوا: يا نبي الله إن الله تبارك وتعالى لما أن خلقكم أشباح نور من سناء نوره ومن سناء عزه، وجعل لكم مقاعد في ملكوت سلطانه عرض ولايتكم علينا، (2) ورسخت في قلوبنا، فشكونا محبتك إلى الله، فوعد ربنا (3) أن يريناك في السماء معنا، وقد صدقنا وعده. الخبر. (4) 9 - خص: الحسين بن حمدان، عن الحسين المقري الكوفي، عن أحمد بن زياد الدهقان عن المخول بن إبراهيم، عن رشدة بن عبد الله، عن خالد المخزومي، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه في حديث طويل قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا سلمان فهل علمت من نقبائي ومن الاثنا عشر الذين اختارهم الله للامامة بعدي ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا سلمان خلقني الله من صفوة نوره ودعاني فأطعت، وخلق من نوري عليا فدعاه فأطاعه، وخلق من نوري ونور علي فاطمة فدعاها فأطاعته، وخلق مني ومن علي وفاطمة الحسن و الحسين فدعاهما فأطاعاه، فسمانا بالخمسة الأسماء من أسمائه: الله المحمود وأنا محمد، والله العلي وهذا علي، والله الفاطر وهذه فاطمة، والله ذو الإحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين، ثم خلق منا من صلب الحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماء مبنية، وأرضا مدحية، أو هواء أو ماء أو ملكا أو بشرا، وكنا بعلمه نورا نسبحه ونسمع ونطيع. الخبر. 10 - كنز: من كتاب الواحدة عن أبي محمد الحسن بن عبد الله الكوفي، عن جعفر ابن محمد البجلي، عن أحمد بن حميد، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين


(1) في المصدر: فقلت: ملائكة ربى سمعت وأنتم تقولون: الحمد لله الذى صدقنا وعده و اورثنا الارض نتبوء من الجنة حيث نشاء. (2) في المصدر بعد قوله: سلطانه: واشهدكم على عباده عرض ولايتكم علينا. (3) في المصدر: فوعدنا ربنا. (4) تفسير فرات: 134 - 136. والحديث طويل.

[ 10 ]

عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى أحد واحد تفرد في وحدانيته، ثم تكلم بكلمة فصارت نورا "، ثم خلق من ذلك النور محمدا " صلى الله عليه وآله وخلقني وذريتي، ثم تكلم بكلمة فصارت روحا "، فأسكنه الله في ذلك النور، وأسكنه في أبداننا، فنحن روح الله وكلماته، وبنا احتجب عن خلقه، فمازلنا في ظلة خضراء حيث لا شمس ولا قمر ولاليل ولا نهار ولا عين تطرف، نعبده ونقدسه ونسبحه قبل أن يخلق الخلق. الخبر. (1) 11 - كنز: عن محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله في كتابه مصباح الانوار (2) بإسناده عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن و الحسين قبل أن يخلق آدم عليه السلام حين لاسماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا ظلمة ولا نور ولا شمس ولا قمر ولا جنة ولا نار، فقال العباس: فكيف كان بدء خلقكم يا رسول الله ؟ فقال: يا عم لما أراد الله أن يخلقنا تكلم بكلمة خلق منها نورا "، ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها روحا "، ثم مزج النور بالروح، فخلقني وخلق عليا " وفاطمة والحسن والحسين، فكنا نسبحه حين لا تسبيح، ونقدسه حين لا تقديس، فلما أراد الله تعالى أن ينشئ خلقه فتق نوري فخلق منه العرش فالعرش من نوري، ونوري من نور الله، ونوري أفضل من العرش، ثم فتق نور أخي علي فخلق منه الملائكة، فالملائكة من نور علي، ونور علي من نور الله، وعلي أفضل من الملائكة، ثم فتق نور ابنتي فخلق منه السماوات والارض فالسماوات والارض من نور ابنتي فاطمة، ونور ابنتي فاطمة من نور الله، وابنتي فاطمة أفضل من السماوات والارض، ثم فتق نور ولدي الحسن فخلق منه الشمس والقمر، فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن، ونور الحسن من نور الله، والحسن أفضل من الشمس


(1) كنز جامع الفوائد مخطوط. (2) قال المصنف في الهامش: وجدته في المصباح لكنه ليس من الشيخ كما مر في الفهرست انتهى. قلت: ذكر في الفصل الاول من مقدمة الكتاب أنه للشيخ هاشم بن محمد، وقد ينسب إلى شيخ الطائفة وهو خطأ، وكثيرا ما يروى عن الشيخ شاذان بن جبرئيل القمى وهو متأخر عن الشيخ بمراتب. راجع ج 1: 21 قلت: كان الشيخ شاذان في القرن السادس، لانه ألف كتابه ازاحة العلة في سنة 558.

[ 11 ]

والقمر، ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة والحور العين، فالجنة والحور العين من نور ولدي الحسين، ونور ولدي الحسين من نور الله، وولدي الحسين أفضل من الجنة والحور العين. الخبر. (1) 12 - مع: القطان، عن الطالقاني، (2) عن الحسن بن عرفة، عن وكيع، عن محمد بن إسرائيل، عن أبي صالح، عن أبي ذر رحمة الله عليه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد، نسبح الله يمنة العرش قبل أن خلق آدم بألفي عام، فلما أن خلق الله آدم عليه السلام جعل ذلك النور في صلبه، ولقد سكن الجنة ونحن في صلبه، ولقد هم بالخطيئة ونحن في صلبه، ولقد ركب نوح عليه السلام السفينة ونحن في صلبه، ولقد قذف إبراهيم عليه السلام في النار ونحن في صلبه، فلم يزل ينقلنا الله عزوجل من أصلاب طاهرة (3) إلى أرحام طاهرة حتى انتهى بنا إلى عبد المطلب، فقسمنا بنصفين، فجعلني في صلب عبد الله، وجعل عليا في صلب أبي طالب، وجعل في النبوة والبركة، وجعل في علي الفصاحة والفروسية، وشق لنا اسمين من أسمائه، فذو العرش محمود وأنا محمد، والله الاعلى وهذا علي. (4) 13 - مع: المكتب، عن الوراق، عن بشر بن سعيد، عن عبد الجبار بن كثير، عن محمد بن حرب الهلالي أمير المدينة، عن الصادق عليه السلام قال: إن محمدا " وعليا " صلوات الله عليهما كانا نورا " بين يدي الله جل جلاله قبل خلق الخلق بألفي عام، وإن الملائكة لما رأت ذلك النور رأت له أصلا " وقد انشعب (5) منه شعاع لامع، فقالت: إلهنا وسيدنا ما هذا النور ؟


(1) كنز جامع الفوائد مخطوط. (2) هكذا في النسخ. وفيه وهم لان الموجود في المعاني: ابو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد ابن عبيد النيسابوري المروانى قال: حدثنا محمد بن اسحاق بن ابراهيم بن مهران السراج، و القطان كما عرفت في الفصل الرابع من مقدمة الكتاب أحمد بن الحسن، والطالقاني هو محمد بن ابراهيم بن اسحاق وكلاهما من مشائخ الصدوق، لا يروى أحدهما عن الاخر. (3) في نسخة من المصدر: أصلاب طيبة. (4) معاني الاخبار: 21. (5) في المصدر: قد انشعب.

[ 12 ]

فأوحى الله عزوجل إليهم: هذا نور من نوري أصله نبوة وفرعه إمامة، فأما النبوة (1) فلمحمد عبدي ورسولي، وأما الامامة فلعلي حجتي ووليي، ولولاهما ما خلقت خلقي الخبر. (2) 14 - ما: المفيد، عن علي بن الحسن البصري، عن أحمد بن إبراهيم القمي، (3) عن محمد بن علي الاحمر، عن نصر بن علي، (4) عن حميد، عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كنت أنا وعلي عن يمين العرش، نسبح الله قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما خلق آدم جعلنا في صلبه، ثم نقلنا من صلب إلى صلب في أصلاب الطاهرين وأرحام المطهرات حتى انتهينا إلى صلب عبد المطلب، فقسمنا قسمين: فجعل في عبد الله نصفا "، وفي أبي طالب نصفا "، وجعل النبوة والرسالة في، وجعل الوصية والقضية في علي، ثم اختار لنا اسمين اشتقهما من أسمائه: فالله المحمود وأنا محمد، والله العلي وهذا علي، فأنا للنبوة والرسالة، وعلي للوصية والقضية. (5) 15 - ما: الفحام، عن محمد بن أحمد الهاشمي، عن عيسى بن أحمد بن عيسى، عن أبي الحسن العسكري، (6) عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله:


(1) في المصدر: أما النبوة. (2) معاني الاخبار: 100. (3) في المصدر: حدثنا أبو بشر محمد بن ابراهيم القمى. والظاهر أنه سهو من النساخ، لان أبا بشر اسمه أحمد، وأما توصيفه بالقمى فهو وهم، والصحيح العمى بالعين، والرجل هو أحمد بن ابراهيم بن أحمد بن المعلى بن أسد العمى البصري أبو بشر، والعمى نسبة إلى العم لقب مرة بن مالك بن حنظلة ابي قبيلة. راجع ترجمته فهارس النجاشي والشيخ وابن النديم وخلاصة العلامة وغيره. (4) في المصدر: نصر بن على، عن عبد الوهاب بن محمد، عن حميد. (5) امالي ابن الشيخ: 115. (6) في المصدر: أبو موسى عيسى بن أحمد بن عيسى المنصوري قال: حدثنى الامام على بن محمد قال: حدثنى أبى محمد بن على إه‍. ثم ذكر الائمة إلى على عليهم السلام.

[ 13 ]

يا علي خلقني الله تعالى وأنت من نور الله حين خلق آدم، فأفرغ ذلك النور في صلبه، فأفضى به إلى عبد المطلب، ثم افترق من عبد المطلب أنا في عبد الله، وأنت في أبي طالب، لا تصلح النبوة إلا لي، ولا تصلح الوصية إلا لك، فمن جحد وصيتك جحد نبوتي، ومن جحد نبوتي كبه الله (1) على منخريه في النار. (2) 16 - ما: بإسناده عن أنس بن مالك (3) قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله علي أخوك ؟ قال: نعم علي أخي، قلت: يا رسول الله صف لي كيف علي أخوك ؟ قال: إن الله عز وجل خلق ماء " تحت العرش قبل أن يخلق آدم بثلاثة آلاف عام، وأسكنه في لؤلؤة خضراء في غامض علمه (4) إلى أن خلق آدم، فلما خلق آدم نقل ذلك الماء من اللؤلؤة فأجراه في صلب آدم، (5) إلى أن قبضه الله، ثم نقله إلى صلب شيث، فلم يزل ذلك الماء ينتقل من ظهر إلى ظهر (6) حتى صار في عبد المطلب، ثم شقه الله عزوجل


(1) في المصدر: أكبه الله. (2) أمالى ابن الشيخ: 185. (3) الحديث مسند في المصدر أخرجه المصنف مرسلا للاختصار، والاسناد هكذا: حدثنا الشيخ السعيد الوالد رحمه الله قال: حدثنا محمد بن على بن خشيش قال: حدثنا أبو الحسن على بن القاسم ابن يعقوب بن عيسى بن الحسن بن جعفر بن ابراهيم القيسي الخزاز املاء في منزله قال: حدثنا أبو زيد محمد بن الحسين بن مطاع المسلمى املاء، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن حبر القواس خال ابن كردى، قال: حدثنا محمد بن سلمة الواسطي قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك. ثم ذكر جملا يتعلق بالفضائل تركه المصنف واورده في موضعه. قوله: (ابن خشيش) هكذا في مواضع، وفي مواضع اخر (ابن خنيس) بالخاء فالنون ثم الياء فالسين وظاهر المصنف في المقدمة أنه ابن حشيش بالحاء فعلى أي نسبه في الامالى: 195 هكذا: محمد بن على بن خشيش بن نصر بن جعفر بن ابراهيم التميمي. (4) فيه اضطراب وغموض ظاهر، ولعل المراد أن محل لؤلؤة خضراء كان مخفيا عن الملائكة وان كان ظاهرا في غامض علمه. والمراد من غامض علمه علم لم يكن يظهره لغيره. (5) اجراء الماء في صلب آدم ايضا يحتمل أن يكون كناية عن الاستعداد لخروج تلك الانوار منه كما عرفت منه رحمه الله. (6) في المصدر: من طهر إلى طهر. وفيه: في صلب عبد المطلب.

[ 14 ]

نصفين: فصار نصفه في أبي عبد الله بن عبد المطلب، ونصفه في أبي طالب، فأنا من نصف الماء وعلي من النصف الآخر فعلي أخي في الدنيا والآخرة. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله: (وهو الذي خلق من الماء بشرا " فجعله نسبا " وصهرا " وكان ربك قديرا "). (1) اقول: سيأتي الاخبار الكثيرة في بدء خلقه صلى الله عليه وآله في كتاب أحوال أمير المؤمنين عليه السلام وكتاب الامامة. 17 - ع: القطان، عن ابن زكريا، عن البرمكي، عن عبد الله بن داهر، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا مفضل أما علمت أن الله تبارك وتعالى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وهو روح إلى الانبياء عليهم السلام وهم أرواح قبل خلق الخلق بألفي عام ؟ قلت: بلى، قال: أما علمت أنه دعاهم إلى توحيد الله وطاعته و اتباع أمره ووعدهم الجنة على ذلك، وأوعد من خالف ما أجابوا إليه وأنكره النار ؟ فقلت: بلى. الخبر. (2) 18 - مع: بإسناده عن ابن مسعود (3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام: لما خلق الله عز ذكره آدم ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته وزوجه حواء أمته فرفع طرفه نحو العرش فإذا هو بخمسة سطور مكتوبات، قال آدم: يا رب من هؤلاء ؟ قال الله عز وجل له: هؤلاء الذين إذا تشفع بهم إلي خلقي شفعتهم فقال آدم: يا رب بقدرهم عندك ما اسمهم ؟ قال: أما الاول فأنا المحمود وهو محمد، و


(1) امالي ابن الشيخ: 197 و 198. (2) علل الشرائع: 65 والحديث طويل يأتي في محله. (3) الحديث في المصدر مسند ترك اسناده اختصارا والاسناد هذا: حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي الكوفى، قال: حدثنا فرات بن ابراهيم الكوفى، قال حدثنا الحسن بن على بن الحسين بن محمد، قال: حدثنا ابراهيم بن الفضل بن جعفر بن على بن ابراهيم بن سليمان بن عبد الله ابن العباس، قال: حدثنا الحسن بن على الزعفراني البصري قال: حدثنا سهل بن بشار (يسارخ ل) قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن على الطالقاني قال: حدثنا محمد بن عبد الله مولى بنى هاشم، عن محمد ابن اسحاق، عن الواقدي، عن الهذيل (الهذلى خ ل) عن مكحول، عن طاوس، عن ابن مسعود.

[ 15 ]

الثاني فأنا العالي الاعلى (1) وهذا علي، والثالث فأنا الفاطر وهذه فاطمة، والرابع فأنا المحسن وهذا حسن، والخامس فأنا ذو الاحسان وهذا حسين، كل يحمد الله عز وجل. (2) أقول: سيأتي في ذلك أخبار كثيرة في كتاب الامامة. 19 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن على بن مهدي وغيره، عن محمد بن علي بن عمرو، (3) عن أبيه، عن جميل بن صالح، عن أبي خالد الكابلي، عن ابن نباتة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ألا إني عبد الله وأخو رسوله، وصديقه الاول، قد صدقته وآدم بين الروح والجسد، ثم إني صديقه الأول في امتكم حقا "، فنحن الاولون و نحن الآخرون. الخبر. (4) 20 - فس: أبي، عن النضر، عن يحيى الحلبي عن ابن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أول من سبق من الرسل إلى (بلى) رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك أنه كان أقرب الخلق إلى الله تبارك وتعالى. الخبر. (5) 21 - ع: الصائغ، (6) عن أحمد الهمداني، عن جعفر بن عبيدالله، عن ابن محبوب عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن بعض قريش قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: بأي شئ سبقت الانبياء وفضلت عليهم وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم ؟ قال: إني كنت أول من أقر بربي جل جلاله، وأول من أجاب، حيث أخذ الله ميثاق النبيين، وأشهدهم


(1) المصدر خال عن قوله: الاعلى. (2) معاني الاخبار: 21. (3) في المصدر: عمرو بن طريف الحجرى. (4) المجالس والاخبار: 42 والحديث طويل. (5) تفسير القمى: 229. (6) الصائغ كما قال المصنف في الفصل الرابع من مقدمة الكتاب هو عبد الله بن محمد، و الموجود في المصدر: الحسن بن على بن أحمد الصائغ، فالظاهر أنه وهم فيه.

[ 16 ]

على أنفسهم: ألست بربكم ؟ قالوا: بلى، فكنت أول نبي قال (بلى) فسبقتهم إلى الاقرار بالله عزوجل. (1) ير: ابن محبوب عن صالح مثله. (2) شى: عن صالح مثله. (3) 22 - ع: ابن المتوكل، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن بن كثير، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أراد الله عزوجل أن يخلق الخلق خلقهم ونشرهم بين يديه، ثم قال لهم: من ربكم ؟ فأول من نطق رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والائمة صلوات الله عليهم أجمعين، فقالوا: أنت ربنا، فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني وعلمي وامنائي في خلقي، وهم المسؤولون، ثم قال لبني آدم: (4) أقروا لله بالربوبية، ولهؤلاء النفر بالطاعة والولاية، فقالوا: نعم ربنا أقررنا، فقال الله جل جلاله للملائكة: اشهدوا، فقالت الملائكة: شهدنا على أن لا يقولوا غدا ": إنا كنا عن هذا غافلين، أو يقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون، يا داود الانبياء مؤكدة عليهم في الميثاق. (5) 23 - ير: علي بن إسماعيل، عن محمد بن إسماعيل، عن سعدان، عن صالح بن سهل، (6) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله بأي شئ سبقت ولد آدم ؟ قال: إني أول من أقر ببلى، إن الله أخذ ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم ؟ قالوا: بلى، فكنت أول من أجاب. (7)


(1) معاني الاخبار: 52 و 53. (2) بصائر الدرجات: 24. (3) تفسير العياشي مخطوط. (4) في المصدر: ثم قيل لبنى آدم. (5) علل الشرائع: 50 وفيه: والانبياء مؤكدة اه‍. (6) في المصدر: سعدان بن مسلم، عن سهل بن صالح قلت: هو مقلوب، والرجل هو صالح بن سهل الهمداني الذى رماه ابن الغضائري بالكذب ووضع الحديث. وتقدم الحديث عنه عن العلل. (7) بصائر الدرجات: 23.

[ 17 ]

24 - شى: عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم) إلى (قالوا بلى (1)) قال: كان محمد عليه وآله السلام أول من قال بلى (2). 25 - فس: قال الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم) الآية، كان الميثاق مأخوذا " عليهم لله بالربوبية، ولرسوله بالنبوة، ولامير المؤمنين والائمة بالامامة، فقال: ألست بربكم، ومحمد نبيكم، وعلي إمامكم، والائمة الهادون أئمتكم ؟ فقالوا: بلى، فقال الله: (أن تقولوا يوم القيامة) أي لئلا تقولوا يوم القيامة (إنا كنا عن هذا غافلين) فأول ما أخذ الله عز وجل الميثاق على الانبياء له بالربوبية وهو قوله: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) فذكر جملة الانبياء ثم أبرز أفضلهم بالاسامي، فقال: (ومنك) يا محمد، فقدم رسول الله صلى الله عليه وآله لانه أفضلهم (ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم) فهؤلاء الخمسة أفضل الانبياء، ورسول الله أفضلهم، ثم أخذ بعد ذلك ميثاق رسول الله صلى الله عليه وآله على الانبياء (3) بالايمان به، وعلى أن ينصروا أمير المؤمنين، فقال: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جائكم رسول مصدق لما معكم) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله (لتؤمنن به ولتنصرنه) يعني أمير المؤمنين عليه السلام، تخبروا اممكم بخبره وخبر وليه والائمة (4). 26 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن موسى بن عمر (5)، عن ابن سنان، عن أبي سعيد القماط، عن بكير قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: هل تدري ما كان الحجر ؟ قال: قلت لا، قال: كان ملكا " عظيما " من عظماء الملائكة عند الله عزوجل، فلما أخذ الله


(1) هكذا في نسخة المصنف وغيره، والصحيح كما في البرهان، إلى قوله: (قالوا بلى). (2) تفسير العياشي: مخطوط. وقد أخرجه وغيره البحراني في البرهان 2: 50. (3) على الانبياء له - خ ل. (4) تفسير القمى: 229 و 230، في المصدر: وخبر وليه من الائمة، قلت: قوله: (أمير المؤمنين) تأويل للاية، والا فالظاهر يخالفه، وعلى أي فالحديث مرسل كما ترى. (5) في المصدر: موسى بن عمر (عمران خ ل).

[ 18 ]

الميثاق من الملائكة له بالربوبية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة ولعلي بالوصية اصطكت فرائص الملائكة، وأول من أسرع إلى الاقرار ذلك الملك، ولم يكن فيهم أشد حبا لمحمد وآل محمد منه، فلذلك اختاره الله عزوجل من بينهم، وألقمه الميثاق، فهو يجئ يوم القيامة وله لسان ناطق، وعين ناظره، وليشهد لكل من وافاه إلى ذلك المكان، وحفظ الميثاق (1). أقول: سيأتي الخبر بتمامه مع سائر الاخبار في ذلك في كتاب الامامة وكتاب الحج إن شاء الله تعالى. 27 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما قبض الله نبيا " حتى أمره أن يوصي إلى عشيرته من عصبته (2)، وأمرني أن اوصي، فقلت: إلى من يا رب ؟ فقال: أوص يا محمد إلى ابن عمك علي بن أبي طالب، فإني قد أثبته في الكتب السالفة، وكتبت فيها أنه وصيك، وعلى ذلك أخذت ميثاق الخلائق (3) ومواثيق أنبيائي ورسلي، أخذت مواثيقهم لي بالربوبية، ولك يا محمد بالنبوة، ولعلي بن أبي طالب بالولاية (4). أقول: سيأتي سائر الاخبار في ذلك في كتاب الامامة، فإن ذكرها في الموضعين يوجب التكرار. 28 - كا: أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيدالله، عن محمد بن عيسى، ومحمد بن عبد الله (5)، عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى: يا محمد إني خلقتك وعليا نورا " - يعني روحا " - بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي


(1) علل الشرائع: 148. (2) في المصدر: حتى أمره الله أن يوصى إلى أفضل عشيرته من عصبته. (3) الخلائف خ ل. (4) أمالى ابن الشيخ: 63 و 64. (5) في الكافي: الحسين بن عبد الله، عن محمد بن عيسى ومحمد بن عبد الرحمن، وفي مرآة العقول: الحسين بن عبيدالله (عبد الله خ ل) عن محمد بن عيسى ومحمد بن عبد الله (عبد الرحمن خ ل). (*)

[ 19 ]

وبحري، فلم تزل تهللني وتمجدني، ثم جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة، فكانت تمجدني وتقدسني وتهللني، ثم قسمتها ثنتين، وقسمت الثنتين ثنتين، فصارت أربعة: محمد واحد، وعلي واحد، والحسن والحسين ثنتان، ثم خلق الله فاطمة من نور ابتدأها (1) روحا " بلا بدن، ثم مسحنا بيمينه (2) فأفضى نوره فينا (3). 29 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الاشياء فأشهدهم خلقها (4)، وأجرى طاعتهم عليها، وفوض امورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون، ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى (5)، ثم قال: يا محمد هذه الديانة التي من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد (6). 30 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن رجاء بن يحيى، عن داود بن القاسم، عن عبد الله بن الفضل، عن هارون بن عيسى بن بهلول، عن بكار بن محمد بن شعبة، عن أبيه، عن بكر بن عبد الملك (7)، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده أمير المؤمنين عليهم السلام قال:


(1) هذا يخالف بعض الاحاديث السابقة. (2) مسح الله باليمين كناية عن جعلهم ذا اليمن والبركة. (3) الاصول 1: 440. (4) أي خلقها بحضرتهم واطلعهم على أطوار الخلق وأسراره. قوله: (وأجرى) أي أوجب. (5) سيأتي في المجلد الامامة في فصل بيان التفويض ومعانيه شرح من المصنف حول الحديث، وسيأتى هنا لك تحقيق حول التفويض. (6) الاصول 1: 441. (7) في إسناد الحديث اختصار، وتفصيله كما في المصدر هكذا: أخبرنا جماعة عن أبى المفضل، قال: أخبرنا رجاء بن يحيى أبو الحسين العبرتائى الكاتب، قال: حدثنا أبو هاشم داود بن القاسم أبى المفضل، قال: حدثنا عبيدالله بن الفضل أبو عيسى النبهاني بالقسطاس، قال: حدثنا هارون ابن عيسى بن بهلول المصرى الدهان، قال: حدثنا بكار بن محمد بن شعبة اليماني، قال: أبى محمد ابن شعبة الذهلى قاضى اليمامة، قال: حدثنى بكر بن الملك الاعتق البصري.

[ 20 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي خلق الله الناس من أشجار شتى، وخلقني وأنت من شجرة واحدة، أنا أصلها وأنت فرعها، فطوبى لعبد تمسك بأصلها، وأكل من فرعها (1). 31 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم المدائني (2)، عن عثمان بن عبد الله، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: بينا النبي صلى الله عليه وآله بعرفات، وعلي عليه السلام تجاهه ونحن معه، إذ أومأ النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فقال: ادن مني يا علي، فدنا منه، فقال: ضع خمسك - يعني كفك - في كفي، فأخذ بكفه، فقال: يا علي خلقت أنا وأنت من شجرة أنا أصلها، وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلق بغصن من أغصانها أدخله الله الجنة (3). 32 - ما: الغضائري، عن علي بن محمد العلوي، عن الحسن بن علي بن صالح (4)، عن الكليني، عن علي بن محمد، عن إسحاق بن إسماعيل النيسابوري، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، عن الحسن بن علي عليه السلام قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: خلقت من نور الله عزوجل، وخلق أهل بيتي من نوري، وخلق محبيهم من نورهم، وسائر الخلق في النار (5)، (6). 33 - ما: الغضائري، عن علي بن محمد العلوي، عن عبد الله بن محمد، عن الحسين، عن أبي عبد الله بن أسباط، عن أحمد بن محمد بن زياد العطار، عن محمد بن مروان الغزال، عن عبيد بن يحيى، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن جده الحسن بن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في الفردوس لعينا " أحلى من الشهد، وألين من الزبد، وأبرد من


(1) المجالس والاخبار: 34. (2) في المصدر: عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن حماد الخطيب المدائني قال: حدثنا عثمان بن عبد الله أبو عمرو العثمان. (3) المجالس والاخبار: 34. (4) في المصدر: الحسين بن صالح بن شعيب الجوهرى. (5) في نسخة: من النار. (6) المجالس والاخبار: 57.

[ 21 ]

الثلج، وأطيب من المسك، فيها طينة خلقنا الله عزوجل منها، وخلق شيعتنا منها، فمن لم يكن من تلك الطينة فليس منا ولا من شيعتنا، وهي الميثاق الذي أخذ الله عز وجل على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (1). 34 - كتاب فضائل الشيعة بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: كنا جلوسا " مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل إليه رجل فقال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزوجل لابليس: (أستكبرت أم كنت من العالين) فمن هم يا رسول الله ؟ الذين هم أعلى من الملائكة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين، كنا في سرادق العرش نسبح الله وتسبح الملائكة بتسبيحنا قبل أن يخلق الله عزوجل آدم بألفي عام (2)، فلما خلق الله عز وجل آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له، ولم يأمرنا بالسجود، فسجدت الملائكة كلهم إلا إبليس فإنه أبى أن يسجد، فقال الله تبارك وتعالى: (أستكبرت أم كنت


(1) المجالس والاخبار: 57، في المصدر: أخذ الله عليه ولاية، وفي ذيل الحديث: قال عبيد: فذكرت لمحمد بن الحسين هذا الحديث، فقال: صدقك يحيى بن عبد الله، هكذا أخبرني أبى، عن جدى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال عبيد: قلت: أشتهى أن تفسره لنا إن كان عندك تفسير، قال: نعم، أخبرني أبى، عن جدى، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن لله تعالى ملكا رأسه تحت العرش، وقدماه في تخوم الارض السابعة السفلى، بين عينيه راحة أحدكم، فإذا أراد الله عز وجل أن يخلق خلقا على ولاية على بن أبى طالب عليه السلام أمر ذلك الملك فأخذ من تلك الطينة فرمى بها في النطفة، حتى تصير إلى الرحم، منها يخلق وهى الميثاق والسلام إنتهى قلت: قوله: لمحمد بن الحسين، قد سقط (على) من البين في الطبع، والصحيح لمحمد بن على بن الحسين عليهم السلام، وقد ذكر الحديث تارة اخرى في الامالى: 194 باسناده عن أبى منصور السكرى، عن جده علي بن عمر، عن ابي العباس اسحاق بن مروان القطان، عن ابيه عبيد بن مهران العطار، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه وعن جعفر بن محمد عليه السلام، وفي ذيله: قال عبيد: فذكرت ذلك لمحمد بن علي بن الحسين بن على عليهم السلام هذا الحديث إه‍. قوله: إن في الجنة اه‍) يخالف الحديث الاول وغيره حيث أن الحديث الاول يدل على أن خلقهم كان قبل الجنة والنار، ولعله يحمل على الخلق في بعض مراتب الوجود، فالاول يدل على الخلق في عالم الانوار، والثانى على خلق طينتهم ومادتهم بعد ما خلق أنوارهم من قبل. (2) هذا لا ينافى ما تقدم في الحديث الاول من أن نور محمد صلى الله عليه وآله خلق قبل آدم وقبل العرش بآلاف سنة، لان نوره انتقل إلى سرادق العرش بعد خلق العرش، وليس في الحديث (إنا خلقنا) بل فيه: (كنا).

[ 22 ]

من العالين) أي من هؤلاء الخمس المكتوب أسماؤهم في سرادق العرش (1). 35 - ير: ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن بشر بن أبي عقبة (2)، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: إن الله خلق محمدا من طينة من جوهرة تحت العرش، وإنه كان لطينته نضح (3)، فجبل طينة أمير المؤمنين عليه السلام من نضح طينة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان لطينة أمير المؤمنين عليه السلام نضح فجبل طينتنا من نضح طينة أمير المؤمنين عليه السلام (4)، وكان لطينتنا نضح فجبل طينة شيعتنا من نضح طينتنا، فقلوبهم تحن إلينا (5)، وقلوبنا تعطف عليهم تعطف الوالد على الولد، ونحن خير لهم، وهم خير لنا، ورسول الله صلى الله عليه وآله لنا خير ونحن له خير (6). 36 - ير: محمد بن حماد، عن أخيه أحمد، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبيه، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: سمعته يقول: خلق الله الانبياء والاوصياء يوم الجمعة، وهو اليوم الذي أخذ الله ميثاقهم، وقال: خلقنا نحن وشيعتنا من طينة مخزونة لا يشذ منها شاذ إلى يوم القيامة (7). 37 - ير: احمد بن موسى، عن الحسن بن موسى، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل خلق محمدا وعترته من طينة العرش (8) فلا ينقص منهم واحد، ولا يزيد منهم واحد (9). 38 - ير: بعض أصحابنا، عن محمد بن الحسين، عن عثمان بن عيسى، عن عبد الرحمن


(1) فضائل الشيعة: مخطوط. (2) في المصدر: عن شيخ من أهل المدائن يسمى بشر إه‍. (3) النضح: رشاش الماء. (4) في المصدر: من فضل طينة أمير المؤمنين عليه السلام. (5) أي تشتاق إلينا. (6) بصائر الدرجات: 5. (7) بصائر الدرجات: 6. (8) هذا لا ينافي خلقهم قبل العرش، لان ذلك يحمل على خلق مادتهم لا أنوارهم. (9) بصائر الدرجات: 6.

[ 23 ]

ابن الحجاج قال: إن الله تبارك وتعالى خلق محمدا " وآل محمد من طينة عليين، وخلق قلوبهم من طينة فوق ذلك. الخبر (1). 39 - ك: العطار، عن أبيه، عن الاشعري، عن ابن أبي الخطاب، عن أبي سعيد الغضنفري (2)، عن عمرو بن ثابت، عن أبي حمزة قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: إن الله عز وجل خلق محمدا " وعليا " والائمة الاحد عشر من نور عظمته أرواحا " في ضياء نوره (3)، يعبدونه قبل خلق الخلق، يسبحون الله عز وجل ويقدسونه، وهم الائمة الهادية من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين (4). 40 - ك: ابن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن الحسين بن زيد، عن الحسن بن موسى، عن علي بن سماعة، عن علي بن الحسن بن رباط، عن أبيه، عن المفضل، قال: قال الصادق عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نورا " قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا، فقيل له: يا ابن رسول الله ومن الاربعة عشر ؟ فقال: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال، ويطهر الارض من كل جور وظلم (5). 41 - من رياض الجنان لفضل الله بن محمود الفارسي بإسناده إلى جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا جابر كان الله ولا شئ غيره، لا معلوم ولا مجهول، فأول ما ابتدأ من خلقه أن خلق محمدا صلى الله عليه وآله، وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه، حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان، ولا ليل ولا نهار، ولا شمس ولا قمر، الخبر (6).


(1) بصائر الدرجات: 5. (2) في المصدر: العصفرى، وروى الحديث الكليني في اصول الكافي باب ما جاء في الاثنى عشر 1: 530 باسناده عن محمد بن يحيى العطار وفيه: العصفوري. (3) في الكافي: من نور عظمته، فاقامهم أشباحا في ضياء نوره. (3) في الكافي: من نور عظمته، فاقامهم أشباحا " في ضياء نوره. (4) كمال الدين: 184. (5) كمال الدين: 192 و 193. (6) رياض الجنان: مخطوط.

[ 24 ]

42 - وروى أحمد بن حنبل بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربعة عشر ألف عام (1). 43 - وعن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله: أول شئ خلق الله تعالى ما هو ؟ فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير (2). 44 - وعن جابر أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول ما خلق الله نوري، ابتدعه من نوره، واشتقه من جلال عظمته (3). أقول: سيأتي تمام هذه الاخبار مع سائر الاخبار الواردة في بدء خلقهم عليهم السلام في كتاب الامامة. 45 - كا: علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي بن إبراهيم، عن علي ابن حماد، عن المفضل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف كنتم حيث كنتم في الاظلة ؟ فقال: يا مفضل كنا عند ربنا ليس عنده أحد غيرنا في ظلة خضراء، نسبحه ونقدسه و نهلله ونمجده، وما من ملك مقرب ولاذي روح غيرنا حتى بدا له في خلق الاشياء، فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم، ثم أنهى (4) علم ذلك إلينا (5). 46 - كا: احمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله الصغير. عن محمد بن إبراهيم الجعفري، عن أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله كان إذ لا كان، فخلق الكان والمكان، وخلق نور الانوار الذي نورت منه الانوار، وأجرى فيه من نوره الذي نورت منه الانوار، وهو النور الذي خلق منه محمدا " وعليا "، فلم يزالا نورين أولين إذ لا شئ كون قبلهما، فلم يزالا يجريان طاهرين مطهرين في الاصلاب الطاهرة حتى افترقا في أطهر طاهرين في عبد الله وأبي طالب عليهما السلام (6).


(1 - 3) رياض الجنان: مخطوط. (4) أي أعلمنا به. (5) الاصول 1: 441. (6) الاصول 1: 441 و 442.

[ 25 ]

بيان. قوله: (إذ لا كان) لعله مصدر بمعنى الكون كالقال والقول، والمراد به الحدوث، أي لم يحدث شئ بعد، أو هو بمعنى الكائن، ولعل المراد بنور الانوار أولا " نور النبي صلى الله عليه وآله، إذ هو منور أرواح الخلائق بالعلوم والهدايات والمعارف، بل سبب لوجود الموجودات، وعلة غائية لها، وأجرى فيه، أي في نور الانوار، من نوره، أي من نور ذاته، من إفاضاته وهداياته التي نورت منها جميع الانوار حتى نور الانوار المذكور أولا ". قوله: (وهو النور الذي) أي نور الانوار المذكور أولا "، والله يعلم أسرار أهل بيت نبيه صلوات الله عليهم. 47 - كا: أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن جابر بن يزيد قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمدا " وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله، قلت: وما الاشباح ؟ قال: ظل النور، أبدان نورانية بلا أرواح، وكان مؤيدا " بروح واحد (1) وهي روح القدس، فبه كان يعبد الله وعترته، ولذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل، ويصلون الصلوات، ويحجون ويصومون (2). بيان: قوله عليه السلام: (أشباح نور) لعل الاضافة بيانية، أي أشباحا " نورانية، والمراد إما الاجساد المثالية، فقوله: (بلا أرواح) لعله أراد به بلا أرواح حيوانية، أو الارواح بنفسها، سواء كانت مجردة أو مادية، لان الارواح إذا لم تتعلق بالابدان فهي مستقلة بنفسها، أرواح من جهة وأجساد من جهة، فهي أبدان نورانية لم تتعلق بها أرواح آخر، و ظل النور أيضا إضافته بيانية، وتسمى عالم الارواح والمثال بعالم الظلال، لانها ظلال تلك العالم وتابعة لها، أو لانها لتجردها أو لعدم كثافتها شبيهة بالظل، وعلى الاحتمال الثاني يحتمل أن تكون الاضافة لامية، بأن يكون المراد بالنور نور ذاته تعالى، فإنها من آثار تلك النور، والمعنى دقيق فتفطن.


(1) في المصدر: بروح واحدة. (2) الاصول 1: 442. (*)

[ 26 ]

48 - اقول: قال الشيخ أبو الحسن البكري استاد الشهيد الثاني (1) قدس الله روحهما في كتابه المسمى بكتاب الانوار: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث عن أبي عمر الانصاري سألت عن كعب الاحبار (2) ووهب بن منبه وابن عباس قالوا جميعا ": لما أراد الله أن يخلق محمدا " صلى الله عليه وآله قال لملائكته: إني اريد أن أخلق خلقا " أفضله واشرفه على الخلائق أجمعين، وأجعله سيد الاولين والاخرين، واشفعه فيهم يوم الدين، فلولاه مازخرفت الجنان، ولا سعرت النيران، فاعرفوا محله، وأكرموه لكرامتي، وعظموه لعظمتي، (3) فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا وما اعتراض العبيد على مولاهم ؟ ! (4) سمعنا وأطعنا، فعند ذلك أمر الله تعالى جبرئيل (5) وملائكة الصفيح الاعلى وحملة العرش فقبضوا تربة رسول الله صلى الله عليه وآله من


(1) اسمه أحمد بن عبد الله على ما في الرياض وكشف الظنون، أو أحمد بن عبد الله بن محمد على ما في لسان الميزان، وقد استشكل في صحة نسبة كتاب الانوار إلى أبى الحسن البكري استاذ الشهيد الثاني لامور: 1 - ما حكى صاحب الرياض عن بعض المؤرخين أنه رأى نسخة عتيقة منه تاريخ كتابتها: 696، 2 - ما حكى عن ابن تيمية المتوفى سنة 728 أنه ذكر في كتاب منهاج السنة أن أبا الحسن البكري مؤلف الانوار كان أشعرى المذهب، وعن السمهودى في كتابه تاريخ المدينة المؤلف: 888 أن سيرة أبى الحسن البكري البطلان والكذب، قد ترجم ابن حجر المتوفى 852 أبا الحسن البكري وعد من كتبه كتاب ضياء الانوار، فعلى ذلك فكيف يمكن القول بأنه من مشايخ الشهيد الثاني المستشهد سنة 966، ولذا حكم بتعدد أبى الحسن البكري أحدهما صاحب الانوار، ثانيهما المترجم في شذرات الذهب بعنوان علاء الدين أبى الحسن على بن جلال الدين محمد البكري الصديقى الشافعي المحدث المتوفى بالقاهرة سنة 952 وهو استاذ الشهيد الثاني فتأمل وراجع الذريعة 2: 409 و 410 وأعيان الشيعة: الجزء التاسع: 33 - 37. قلت: ونسخة من كتاب الانوار هذا عندنا موجودة. (2) بالحاء المهملة، هو كعب بن ماتع الحميرى أبو اسحاق، مخضرم، كان من أهل اليمن فسكن الشام ومات في خلافة عثمان وقد زاد على المائة. (3) في المصدر: و عظموه لتعظيمي. (4) في المصدر بعد ذلك: نعوذ بجلالك أن نعصيك، سمعنا إه‍. (5) في المصدر: أمر الله تعالى طاؤوس الملائكة وهو جبرئيل أن يأتيه بالطينة المباركة، فهبط جبرئيل وملائكة الصفيح الاعلى إه‍. قلت: الصفيح: السماء.

[ 27 ]

موضع ضريحه، وقضى أن يخلقه من التراب، ويميته في التراب، ويحشره على التراب، فقبضوا من تربة نفسه الطاهرة قبضة طاهرة (1) لم يمش عليها قدم مشت إلى المعاصي، فعرج بها الامين جبرئيل فغمسها في عين السلسبيل، حتى نقيت كالدرة البيضاء، فكانت تغمس كل يوم في نهر من أنهار الجنة، وتعرض على الملائكة، فتشرق أنوارها فتستقبلها الملائكة بالتحية والاكرام، وكان يطوف بها جبرئيل في صفوف الملائكة، فإذا نظروا إليها قالوا: الهنا وسيدنا إن أمرتنا بالسجود سجدنا، فقد اعترفت الملائكة بفضله (2) وشرفه قبل خلق آدم عليه السلام، ولما خلق الله آدم عليه السلام سمع في ظهره نشيشا " (3) كنشيش الطير، وتسبيحا " وتقديسا "، فقال آدم: يا رب وما هذا ؟ فقال: يا آدم هذا تسبيح محمد العربي، سيد الاولين والاخرين، فالسعادة لمن تبعه وأطاعه، والشقاء لمن خالفه (4)، فخذ يا آدم بعهدي، ولا تودعه إلا الاصلاب الطاهرة من الرجال، والارحام من النساء الطاهرات الطيبات العفيفات (5)، ثم قال آدم عليه السلام: يا رب لقد زدتني بهذا المولود شرفا " ونورا " وبهاء ووقارا "، وكان نور رسول الله صلى الله عليه وآله في غرة آدم كالشمس في دوران قبة الفلك، أو كالقمر في الليلة المظلمة، وقد أنارت منه السماوات والارض والسرادقات والعرش والكرسي، وكان آدم عليه السلام إذا أراد أن يغشى حواء أمرها أن تتطيب وتتطهر، ويقول لها: الله يرزقك هذا النور، ويخصك به، فهو وديعة الله وميثاقه، فلا يزال نور رسول الله صلى الله عليه وآله في غرة آدم عليه السلام. فروي (6) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: كان الله ولا شئ معه، فأول


(1) في المصدر: فقبضوا القبضة من تربة نقية طاهرة. (2) في المصدر: وعرفت الملائكة فضله. (3) النشيش: الصوت. (4) في المصدر: والسعيد من تبعه وأطاعه، والشقى من خالفه. (5) في المصدر: ولا تودعه الا في الاصلاب الطاهرة، قال آدم: سمعت وأطعت وقبلت العهد والميثاق، فلا أودعه إلا في الاصلاب الطاهرة من الرجال، والارحام المطهرة الزكية من النساء الطاهرات الحافظات العفيفات، فقال آدم عليه السلام إه‍. (6) النسخة المخطوطة من المصدر خال عن قوله: فروى إلى ما يأتي بعد صفحات من قصة ميلاد شيث عليه السلام، فالحديث فيه هكذا: فلا يزال نور رسول الله صلى الله عليه وآله في غرة آدم عليه السلام حتى حملت حواء بشيث.

[ 28 ]

ما خلق نور حبيبه محمد صلى الله عليه وآله قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والارض و اللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحواء بأربعة وعشرين وأربعمائة ألف عام، فلما خلق الله تعالى نور نبينا محمد صلى الله عليه وآله بقي ألف عام بين يدي الله عز وجل واقفا " يسبحه ويحمده، والحق تبارك وتعالى ينظر إليه ويقول: يا عبدي أنت المراد والمريد، وأنت خيرتي من خلقي، وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت الافلاك، من أحبك أحببته، ومن أبغضك أبغضته، فتلالا نوره وارتفع شعاعه، فخلق الله منه اثني عشر حجابا " أولها حجاب، القدرة، ثم حجاب العظمة، ثم حجاب العزة، ثم حجاب الهيبة، ثم حجاب الجبروت، ثم حجاب الرحمة، ثم حجاب النبوة، ثم حجاب الكبرياء (1)، ثم حجاب المنزلة ثم حجاب الرفعة، ثم حجاب السعادة، ثم حجاب الشفاعة، ثم إن الله تعالى أمر نور رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدخل في حجاب القدرة فدخل وهو يقول: (سبحان العلي الاعلى) وبقي على ذلك اثنى عشر ألف عام، ثم أمره أن يدخل في حجاب العظمة فدخل وهو يقول: (سبحان عالم السر وأخفى) أحد عشر ألف عام، ثم دخل في حجاب العزة وهو يقول: (سبحان الملك المنان) عشرة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الهيبة وهو يقول: (سبحان من هو غني لا يفتقر) تسعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الجبروت وهو يقول: (سبحان الكريم الاكرم) ثمانية آلاف عام، ثم دخل في حجاب الرحمة وهو يقول: (سبحان رب العرش العظيم) سبعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب النبوة وهو يقول: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) ستة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الكبرياء و هو يقول: (سبحان العظيم الاعظم) خمسة آلاف عام، ثم دخل في حجاب المنزلة وهو يقول: (سبحان العليم الكريم) أربعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الرفعة وهو يقول: (سبحان ذى الملك والملكوت) ثلاثة آلاف عام، ثم دخل في حجاب السعادة وهو يقول: (سبحان من يزيل الاشياء ولا يزول) ألفي عام، ثم دخل في حجاب الشفاعة وهو يقول: (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) ألف عام.


(1) حجاب الكرامة - خ ل.

[ 29 ]

قال الامام علي بن ابي طالب عليه السلام: ثم إن الله تعالى خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله عشرين بحرا " من نور، في كل بحر علوم لا يعلمها إلا الله تعالى، ثم قال لنور محمد صلى الله عليه وآله: أنزل في بحر العز فنزل، ثم في بحر الصبر، ثم في بحر الخشوع، ثم في بحر التواضع، ثم في بحر الرضا، ثم في بحر الوفاء، ثم في بحر الحلم، ثم في بحر التقى، ثم في بحر الخشية، ثم في بحر الانابة، ثم في بحر العمل، ثم في بحر المزيد، ثم في بحر الهدى، ثم في بحر الصيانة، ثم في بحر الحياء، حتى تقلب في عشرين بحرا "، فلما خرج من آخر الابحر قال الله تعالى: يا حبيبي ويا سيد رسلي، ويا أول مخلوقاتي ويا آخر رسلي أنت الشفيع يوم المحشر، فخر النور ساجدا "، ثم قام فقطرت منه قطرات كان عددها مائة ألف وأربعة وعشرين ألف قطرة، فخلق الله تعالى من كل قطرة من نوره نبيا " من الانبياء، فلما تكاملت الانوار صارت تطوف حول نور محمد صلى الله عليه وآله كما تطوف الحجاج حول بيت الله الحرام، وهم يسبحون الله ويحمدونه ويقولون: (سبحان من هو عالم لا يجهل، سبحان من هو حليم لا يعجل، سبحان من هو غني لا يفتقر) فناداهم الله تعالى: تعرفون من أنا ؟ فسبق نور محمد صلى الله عليه وآله قبل الانوار ونادى: (أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، رب الارباب، وملك الملوك) فإذا بالنداء من قبل الحق: أنت صفيي، وأنت حبيبي، وخير خلقي، امتك خير امة اخرجت للناس، ثم خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله جوهرة، وقسمها قسمين، فنظر إلى القسم الاول بعين الهيبة فصار ماء عذبا، ونظر إلى القسم الثاني بعين الشفقة فخلق منها (1) العرش فاستوى على وجه الماء، فخلق الكرسي من نور العرش، وخلق من نور الكرسي اللوح، وخلق من نور اللوح القلم، وقال له: اكتب توحيدي، فبقي القلم ألف عام سكران من كلام الله تعالى، فلما أفاق قال: اكتب، قال: يا رب وما أكتب ؟ قال: اكتب: (لاإله إلا الله، محمد رسول الله) فلما سمع القلم اسم محمد صلى الله عليه وآله خر ساجدا "، وقال: سبحان الواحد القهار، سبحان العظيم الاعظم، ثم رفع رأسه من السجود وكتب: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ثم قال: يا رب ومن محمد الذي قرنت اسمه باسمك وذكره بذكرك ؟ قال الله تعالى له: يا قلم فلولاه ما خلقتك، ولا خلقت خلقي إلا لاجله، فهو بشير ونذير،


(1) فخلق منه - خ ل.

[ 30 ]

وسراج منير، وشفيع وحبيب، فعند ذلك انشق القلم من حلاوة ذكر محمد صلى الله عليه وآله، ثم قال القلم: السلام عليك يا رسول الله، فقال الله تعالى: وعليك السلام مني ورحمة الله وبركاته، فلأجل هذا صار السلام سنة، والرد فريضة، ثم قال الله تعالى: اكتب قضائي وقدري، وما أنا خالقه إلى يوم القيامة، ثم خلق الله ملائكة يصلون على محمد وآل محمد، ويستغفرون لامته إلى يوم القيامة، ثم خلق الله تعالى من نور محمد صلى الله عليه وآله الجنة، وزينها بأربعة أشياء: التعظيم، والجلالة، والسخاء، والامانة، وجعلها لاوليائه وأهل طاعته، ثم نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة فذابت، فخلق من دخانها السماوات، ومن زبدها الارضين، فلما خلق الله تبارك وتعالى الارض صارت تموج بأهلها كالسفينة، فخلق الله الجبال فأرساها (1) بها، ثم خلق ملكا " من أعظم ما يكون في القوة فدخل تحت الارض، ثم لم يكن لقدمي الملك قرار فخلق الله صخرة عظيمة وجعلها تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخرة قرار فخلق لها ثورا " عظيما " لم يقدر أحد ينظر إليه لعظم خلقته وبريق عيونه، حتى لو وضعت البحار كلها في إحدى منخريه ما كانت إلا كخردلة ملقاة في أرض فلاة، فدخل الثور تحت الصخرة وحملها على ظهره وقرونه، واسم ذلك الثور لهوتا، ثم لم يكن لذلك الثور قرار فخلق الله له حوتا " عظيما "، واسم ذلك الحوت به موت. فدخل الحوت تحت قدمي الثور فاستقر الثور على ظهر الحوت (2)، فالارض كلها على كاهل الملك، والملك على الصخرة،


(1) من أرسى الوتد في الارض: ضربه فيها، وذلك إشارة إلى قوله تعالى: (والجبال أوتادا)، أو المعنى أثبتها به، كما يثبت السفينة بالدسر والمسامير لئلا تنفسخ أجزاؤها. وتتفرق كل جزء منها في الجو. (2) قد ورد هذا التفصيل في أخبار من العامة، ولعل مصنف الانوار أخذه من طريقهم، وهو يخالف العلم الحاصل لنا من القرآن العظيم وأخبار النبي والولى عليهم صلوات الله وسلامه و غيرهما الذى يدل على أن الارض قائمة بنفسها غير محمولة ولا موضوعة على شئ، تتحرك في الفضاء، كما يشير إليه قوله تعالى: (والجبال أوتادا) إذ لو كانت مثبتة على شئ لما احتاجت إلى وتد، وكقوله تعالى: (وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم) أو (أن تميد بهم) كما في سورة الانبياء وكقوله تعالى: (ألم نجعل الارض مهادا " والجبال أوتادا ") وغير ذلك من الايات الدالة على ذلك، وكقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (نور السماوات والارضين وفاطرهما ومبتدعهما بغير عمد خلقهما فاستقرت الارضون بأوتادها فوق الماء) وقال في دعاء وداع شهر رمضان: (وبسط الارض - >

[ 31 ]

والصخرة على الثور، والثور على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الهواء، والهواء على الظلمة، ثم انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمة، ثم خلق الله تعالى العرش من ضياءين: أحدهما الفضل والثاني العدل، ثم أمر الضياءين فانتفسا بنفسين، فخلق منهما أربعة أشياء: العقل والحلم والعلم والسخاء، ثم خلق من العقل الخوف، وخلق من العلم الرضا، ومن الحلم المودة، ومن السخاء المحبة، ثم عجن هذه الاشياء في طينة محمد صلى الله عليه وآله، ثم خلق من بعدهم أرواح المؤمنين من امة محمد صلى الله عليه وآله، ثم خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والضياء والظلام وسائر الملائكة من نور محمد صلى الله عليه وآله، فلما تكاملت الانوار سكن نور محمد تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى الجنة فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل إلى سدرة المنتهى فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى السماء السابعة، ثم إلى السماء السادسة، ثم إلى السماء الخامسة، ثم إلى السماء الرابعة، ثم إلى السماء الثالثة، ثم إلى السماء الثانية، ثم إلى السماء الدنيا، فبقي نوره في السماء الدنيا إلى أن أراد الله تعالى أن يخلق آدم عليه السلام أمر جبرئيل عليه السلام أن ينزل إلى الارض ويقبض منها قبضة، فنزل جبرئيل فسبقه اللعين إبليس فقال للارض: إن الله تعالى يريد أن يخلق منك خلقا " ويعذبه بالنار، فإذا أتتك ملائكته فقولي: أعوذ بالله منكم أن تأخذوا مني شيئا يكون للنار فيه نصيب (1)، فجاءها جبرئيل عليه السلام فقالت: إني اعوذ بالذي أرسلك أن تأخذ مني شيئا "، فرجع جبرئيل ولم يأخذ منها شيئا "، فقال: يا رب قد استعاذت بك مني فرحمتها، فبعث ميكائيل فعاد كذلك، ثم أمر إسرافيل فرجع كذلك،


< - على الماء بلا أركان) وقال على عليه السلام عند توصيفه خلق الارض: (وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم) إلى غير ذلك مما يدل عليه، وعلى أن الارض متحركة فان ذلك كله ينافى استقرار الارض على جرم، ولذا ترى أن العلماء يؤولون هذا الخبر ونحوه و يصرفونه عن ظاهره بما يأتي في محله، فعلى أي فالحديث يدل إجمالا على أن للارض قوة تجذبها عن السقوط، وأن لها حركة كحركة الحوت في الماء. والتعبير بالثور وغيره لو صح الحديث عنهم عليهم السلام رمز وإشارات إلى معان هم أعلم بها. (1) لا يخلو ذلك عن غرابة، لان المعروف أن الشيطان لم يكن قبل آدم عليه السلام ضالا مضلا مخالفا لما يعلم أن الله يريده، إلا أن يكون ذلك للشفقة على الارض، لا لمخالفة الله سبحانه.

[ 32 ]

فبعث عزرائيل فقال: وأنا أعوذ بعزة الله أن أعصي له أمرا "، فقبض قبضة من أعلاها و أدونها وأبيضها وأسودها وأحمرها وأخشنها وأنعمها (1)، فلذلك اختلفت أخلاقهم وألوانهم، فمنهم الابيض والاسود والاصفر، فقال له تعالى: ألم تتعوذ منك الارض بي، فقال: نعم، لكن لم ألتفت له فيها، وطاعتك يا مولاي أولى من رحمتي لها، فقال له الله تعالى: لم لا رحمتها كما رحمها أصحابك ؟ قال: طاعتك أولى، فقال: اعلم أني اريد أن أخلق منها خلقا " أنبياء وصالحين وغير ذلك، وأجعلك القابض لارواحهم، فبكى عزرائيل عليه السلام فقال له الحق تعالى: ما يبكيك ؟ قال: إذا كنت كذلك كرهوني هؤلاء الخلائق، فقال: لا تخف إني أخلق لهم عللا فينسبون الموت إلى تلك العلل، ثم بعد ذلك أمر الله تعالى جبرئيل عليه السلام أن يأتيه بالقبضة البيضاء التي كانت أصلا "، فأقبل جبرئيل عليه السلام ومعه الملائكة الكروبيون والصافون والمسبحون، فقبضوها من موضع ضريحه وهي البقعة المضيئة المختارة من بقاع الارض، فأخذها جبرئيل من ذلك المكان فعجنها بماء التسنيم (2) وماء التعظيم وماء التكريم وماء التكوين وماء الرحمة وماء الرضا وماء العفو، فخلق من الهداية رأسه، ومن الشفقة صدره، ومن السخاء كفيه، ومن الصبر فؤاده، ومن العفة فرجه، ومن الشرف قدميه، ومن اليقين قلبه، ومن الطيب أنفاسه، ثم خلطها بطينة آدم عليه السلام، فلما خلق الله تعالى آدم عليه السلام أوحى إلى الملائكة: (إني خالق بشرا " من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) فحملت الملائكة جسد آدم عليه السلام ووضعوه على باب الجنة وهو جسد لا روح فيه، والملائكة ينتظرون متى يؤمرون بالسجود، وكان ذلك يوم الجمعة بعد الظهر، ثم إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لادم عليه السلام فسجدوا إلا إبليس لعنه الله، ثم خلق الله بعد ذلك الروح وقال لها: ادخلي في هذا الجسم، فرأت الروح مدخلا " ضيقا " فوقفت، فقال لها: ادخلي كرها "، واخرجي كرها "، قال: فدخلت الروح في اليافوخ (3) إلى العينين، فجعل ينظر إلى نفسه، فسمع تسبيح


(1) أي الينها. (2) تسنيم قيل: هو عين في الجنة رفيعة القدر، وفسره في القرآن بقوله: (عينا يشرب بها المقربون). (3) اليافوخ واليأفوخ: الموضع الذى يتحرك من رأس الطفل، وهو فراغ بين عظام جمجمته في مقدمتها وأعلاها لا يلبث أن تلتقي فيه العظام. (*)

[ 33 ]

الملائكة، فلما وصلت إلى الخياشيم عطس آدم عليه السلام، فأنطقه الله تعالى بالحمد، فقال: الحمد لله، وهي أول كلمة قالها آدم عليه السلام، فقال الحق تعالى: رحمك الله يا آدم، لهذا (1) خلقتك، وهذا لك ولولدك أن قالوا مثل ما قلت، فلذلك صار تسميت العاطس (2) سنة، ولم يكن على إبليس أشد من تسميت العاطس، ثم إن آدم عليه السلام فتح عينيه فرأى مكتوبا " على العرش: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فلما وصلت الروح إلى ساقه قام قبل أن تصل إلى قدميه فلم يطق فلذلك قال تعالى: (خلق الانسان من عجل). قال الصادق عليه السلام: كانت الروح في رأس آدم عليه السلام مائة عام، وفي صدره مائة عام، وفي ظهره مائة عام، وفي فخذيه مائة عام، وفي ساقيه وقدميه مائة عام (3)، فلما استوى آدم عليه السلام قائما " أمر الله الملائكة بالسجود، وكان ذلك بعد الظهر يوم الجمعة، فلم تزل في سجودها إلى العصر، فسمع آدم عليه السلام من ظهره نشيشا " كنشيش الطير، وتسبيحا " و تقديسا "، فقال آدم: يا رب وما هذا ؟ قال: يا آدم هذا تسبيح محمد العربي سيد الاولين و الاخرين، ثم إن الله تبارك وتعالى خلق من ضلعه الاعوج (4) حواء وقد أنامه الله تعالى، فلما انتبه رآها عند رأسه، فقال: من أنت ؟ قالت: أنا حواء، خلقني الله لك، قال: ما أحسن خلقتك ! فأوحى الله إليه: هذه أمتي حواء وأنت عبدي آدم، خلقتكما لدار اسمها جنتي، فسبحاني واحمداني، يا آدم اخطب حواء مني وادفع مهرها إلي، فقال آدم: وما مهرها يا رب ؟ قال: تصلي على حبيبي محمد صلى الله عليه وآله عشر مرات، فقال آدم: جزاؤك يا رب على ذلك الحمد والشكر ما بقيت، فتزوجها على ذلك، وكان القاضي الحق، و العاقد جبرئيل، والزوجة حواء، والشهود الملائكة، فواصلها، وكانت الملائكة يقفون من وراء آدم عليه السلام، قال آدم عليه السلام: لاي شئ يا رب تقف الملائكة من ورائي ؟ فقال:


(1) أي للرحمة بك. (2) تسميت العاطس: الدعاء له بقوله: يرحمك الله أو نحوه. (3) الحديث منفرد بذلك التفصيل، وقد تقدم أخبار آدم عليه السلام في المجلد 11 ولم يكن فيه هذا التفصيل. (4) تقدمت روايات فيما خلقت حواء منه والخلاف فيه. راجع ج 11 ص 116 وقبله و ص 222.

[ 34 ]

لينظروا إلى نور ولدك محمد صلى الله عليه وآله، قال: يا رب اجعله أمامي حتى تستقبلني الملائكة، فجعله في جبهته، فكانت الملائكة تقف قدامه صفوفا، ثم سأل آدم عليه السلام ربه أن يجعله في مكان يراه آدم، فجعله في الاصبع السبابة، فكان نور محمد صلى الله عليه وآله فيها، ونور علي عليه السلام في الاصبع الوسطى، وفاطمة عليها السلام في التي تليها، والحسن عليه السلام في الخنصر، والحسين عليه السلام في الابهام، وكانت أنوارهم كغرة الشمس في قبة الفلك، أو كالقمر في ليلة البدر، وكان آدم عليه السلام إذا أراد أن يغشي حواء يأمرها أن تتطيب وتتطهر، ويقول لها: يا حواء الله يرزقك هذا النور ويخصك به، فهو وديعة الله وميثاقه، فلم يزل نور رسول الله صلى الله عليه وآله في غرة آدم عليه السلام حتى حملت حواء بشيث، وكانت الملائكة يأتون حواء ويهنؤنها، فلما وضعته نظرت بين عينيه إلى نور رسول الله صلى الله عليه وآله يشتعل اشتعالا "، ففرحت بذلك، وضرب جبرئيل عليه السلام بينها وبينه حجابا " من نور (1) غلظه مقدار خمسمأة عام، فلم يزل محجوبا " محبوسا " حتى بلغ شيث عليه السلام مبالغ الرجال، (2) والنور يشرق في غرته، (3) فلما علم آدم عليه السلام أن ولده شيث بلغ مبالغ الرجال قال له: يا بني إني مفارقك عن قريب، فادن مني حتى آخذ عليك العهد والميثاق كما أخذه الله تعالى على من قبلك، ثم رفع آدم عليه السلام رأسه نحو السماء وقد علم الله ما أراد، فأمر الله الملائكة أن يمسكوا عن التسبيح ولفت (4) أجنحتها، وأشرفت سكان الجنان من غرفاتها، وسكن صرير أبوابها، وجريان أنهارها، وتصفيق أوراق أشجارها، وتطاولت لاستماع ما يقول آدم عليه السلام، ونودي: يا آدم قل ما أنت قائل، فقال آدم عليه السلام: اللهم رب القدم قبل النفس، ومنير القمر والشمس، خلقتني كيف شئت، وقد أودعتني هذا النور الذي أرى منه التشريف والكرامة (5)، وقد صار


(1) في المصدر: فضرب جبرئيل بينها وبين ابليس حجابا من نور غلظه خمسمأة عام، فلم يزل ابليس محجوبا اه‍ وكذا في اثبات الوصية. (2) في المصدر وفي اثبات الوصية: حتى بلغ شيث سبع سنين. (3) في المصدر: من غرته إلى السماء. (4) في المصدر: فأمر الله الملائكة أن يمسكوا عن التسبيح حتى يسمعوا ما يقول آدم، فهد الملائكة عن التسبيح ولفت أجنحتها اه‍ قلت: فهد مصحف فهدء أي فسكن، واللف: ضد النشر. (5) في المصدر: أنالنى عنه التشريف والكرامة.

[ 35 ]

لولدي شيث، وإني اريد أن آخذ عليه العهد والميثاق كما أخذته علي، اللهم وأنت الشاهد عليه، وإذا بالنداء من قبل الله تعالى: يا آدم خذ على ولدك شيث العهد، وأشهد عليه جبرئيل وميكائيل والملائكة أجمعين، قال: فأمر الله تعالى جبرئيل عليه السلام أن يهبط إلى الارض في سبعين ألفا " من الملائكة بأيديهم ألوية الحمد، وبيده حريرة بيضاء، و قلم مكون من مشية الله (1) رب العالمين، فأقبل جبرئيل على آدم عليه السلام، وقال له: يا آدم ربك يقرئك السلام ويقول لك: اكتب على ولدك شيث كتابا (2)، وأشهد عليه جبرئيل وميكائيل والملائكة أجمعين، فكتب الكتاب، وأشهد عليه، وختمه جبرئيل بخاتمه، ودفعه إلى شيث: وكسا قبل انصرافه حلتين (3) حمراوين أضوء من نور الشمس، وأروق (4) من السماء، لم يقطعا ولم يفصلا، بل قال لهما الجليل: كونيا فكانتا، ثم تفرقا (5)، وقبل شيث العهد وألزمه نفسه، ولم يزل ذلك النور بين عينيه حتى تزوج المحاولة (6) البيضاء، وكانت بطول حواء، واقترن إليها بخطبة جبرئيل، فلما وطأها حملت بأنوش، فلما حملت به سمعت مناديا " ينادي: هنيئا " لك يا بيضاء، لقد استودعك الله نور سيد المرسيلن، سيد الاولين والاخرين، فلما ولدته أخذ عليه شيث العهد كما أخذ عليه، وانتقل إلى ولده قينان، ومنه إلى مهلائيل، ومنه إلى ادد (7)، ومنه إلى اخنوخ وهو إدريس عليه السلام، ثم أودعه إدريس ولده متوشلخ، وأخذ عليه العهد، ثم انتقل إلى


(1) في المصدر: وقلم مكتوب في مشية الله. (2) في المصدر: كتابا بالعهد والميثاق. (3) في المصدر: وكسى شيث قبل انصرافهم عنه حلتين حمراوتين أنور من الشمس وأرق من رقة الماء لم تقطع ولم تفصل. (4) أي أصفى. (5) في المصدر: ثم تفرقا على ذلك. (6) هكذا في النسخ، وفي المصدر: المخاولة بالخاء. ولعله مصحف المخولة من خوله الشئ: أعطاه إياه متفضلا، وذلك لما تقدم في المجلد - 11 - إن الله أعطاه من الجنة حورية اسمه نزلة أو غير ذلك على ما تقدم. (7) في اثبات الوصية: اسمه بردا، والظاهر أنه مصحف يرد، ويقال له: اليارد ايضا ".

[ 36 ]

ملك (1)، ثم إلى نوح، ومن نوح إلى سام، ومن سام إلى ولده أرفخشد (2)، ثم إلى ولده عابر (3)، ثم إلى قالع (4)، ثم إلى أرغو، ومنه إلى شارغ (5)، ومنه إلى تاخور (6)، ثم انتقل إلى تارخ، ومنه إلى إبراهيم، ثم إلى إسماعيل، ثم إلى قيذار (7)، ومنه إلى الهميسع (8)، ثم انتقل إلى نبت (9)، ثم إلى يشحب، ومنه إلى ادد، ومنه إلى عدنان، ومنه إلى معد، ومنه إلى نزار، ومنه إلى مضر، ومن مضر إلى إلياس (10)، ومن إلياس إلى مدركة، ومنه إلى خزيمة، ومنه إلى كنانة، ومن كنانة إلى قصى (11)، ومن قصى إلى لوي، ومن لوي إلى غالب، ومنه إلى فهر، ومن فهر إلى عبد مناف، ومن عبدمناف إلى هاشم، وإنما سمي هاشما " لانه هشم الثريد لقومه، وكان اسمه عمرو العلاء،


(1) هكذا في النسخ، وفي المصدر واثبات الوصية لمك وهو الصحيح. (2) في المصدر: ثم إلى ولده شالخ ثم إلى ولده عابر، وهو الصحيح كما في سبائك الذهب وتاريخ اليعقوبي. (3) وهو هود عليه السلام كما في اثبات الوصيه وغيره. (4) في تاريخ اليعقوبي واثبات الوصية وسبائك الذهب: فالغ، وفي الاخير: ويقال: فالخ بالخاء، وفى الطبري بالغ فهو فالج قال: وتفسير بالغ القاسم بالسريانية لانه الذى قسم الارضين بين ولد آدم. (5) في المصدر: شاروغ، وفي السبائك: شاروخ، وفي اثبات الوصية: سروع، وفي الطبري: ساروغ. (6) في اثبات الوصية والسبائك: ناحور وهو المشهور. (7) في غير نسخة المصنف القيدار بالدال المهملة وهو الموجود في اثبات الوصية و السبائك. (8) قد أثبت في اثبات الوصية والسبائك بين قيدار والهميسع حمل ونبت وسلامان. (9) ولعله مقدم كما عرفت، وعد المسعودي في اثبات الوصية بعد الهميسع اليسع وبعده ادد، وفي السبائك بعد الهميسع ادد. (10) بكسر الهمزة أو بفتحها على اختلاف. (11) قد ذكر المسعودي في اثبات والسويدي في سبائك الذهب والطبري في تاريخه بعد كنانة النضر، ثم مالك ثم فهر ثم غالب ثم لؤى ثم كعب ثم مرة ثم كلاب ثم قصى ثم عبد مناف. و سيأتي مثل ذلك في باب أجداده صلى الله عليه وآله.

[ 37 ]

وكان نور رسول الله صلى الله عليه وآله في وجهه، إذا أقبل تضئ منه الكعبة، وتكتسي من نوره نورا " شعشعانيا "، ويرتفع من وجهه نور إلى السماء، وخرج من بطن امه عاتكة بنت مره، بنت فالج (1) بن ذكوان، وله ضفيرتان كضفيرتي إسماعيل عليه السلام، يتوقد نورهما إلى السماء، فعجب أهل مكة من ذلك، وسارت إليه قبائل العرب من كل جانب، وماجت (2) منه الكهان، ونطقت الأصنام بفضل النبي المختار، وكان هاشم لا يمر بحجر ولا مدر إلا ويناديه ابشر يا هاشم فإنه سيظهر من ذريتك أكرم الخلق على الله تعالى، و أشرف العالمين محمد خاتم النبيين، وكان هاشم إذا مشى في الظلام أنارت منه الحنادس، (3) ويرى من حوله كما يرى من ضوء المصباح، فلما حضرت عبد مناف الوفاة أخذ العهد على هاشم أن يودع نور رسول الله صلى الله عليه وآله في الأرحام الزكية من النساء (4)، فقبل هاشم العهد وألزمه نفسه، وجعلت الملوك تتطاول إلى هاشم ليتزوج منهم ويبذلون إليه الاموال الجزيلة (5)، وهو يأبى عليهم، وكان كل يوم يأتي الكعبة ويطوف بها سبعا "، ويتعلق بأستارها، وكان هاشم إذا قصده قاصد أكرمه، وكان يكسو العريان، ويطعم الجائع، و يفرج عن المعسر، ويوفي عن المديون، ومن اصيب بدم دفع عنه (6)، وكان بابه لا يغلق عن صادر ولا وارد، وإذا أولم وليمة أو اصطنع طعاما " لاحد وفضل منه شئ يأمر به أن يلقى إلى الوحش (7) والطيور حتى تحدثوا به وبجوده في الافاق، وسوده (8) أهل مكة بأجمعهم وشرفوه وعظموه، وسلموا إليه مفاتيح الكعبة والسقاية والحجابة والرفادة


(1) في المصدر: عالج. وفي اليعقوبي: فالج كما في المتن. (2) أي اختلفت امورهم واضطربت. (3) الحنادس جمع الحندس: الظلمة. (4) في المصدر: أخذ العهد والميثاق على أنه لا يودع نور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا في الارحام الزكية من اكرم الناس. (5) في المصدر: ويبذلون له الجزيل من الاموال. (6) في المصدر: ومن اصيب بذنب رفع عنه ذنبه. (7) في المصدر: الوحوش. (8) أي جعلوه سيدا.

[ 38 ]

ومصادر امور الناس ومواردها، وسلموا إليه لواء نزار، وقوس إسماعيل عليه السلام، وقميص إبراهيم عليه السلام، ونعل شيث عليه السلام، وخاتم نوح عليه السلام، فلما احتوى على ذلك كله ظهر فخره ومجده، وكان يقوم بالحاج (1) ويرعاهم، ويتولي امورهم ويكرمهم، ولا ينصرفون إلا شاكرين. قال أبو الحسن البكري: وكان هاشم إذا أهل (2) هلال ذي الحجة يأمر الناس بالاجتماع إلى الكعبة، فإذا اجتمعوا قام خطيبا " (3) ويقول: (معاشر الناس إنكم جيران الله وجيران بيته، وإنه سيأتيكم في هذا الموسم زوار بيت الله وهم أضياف الله، والاضياف هم أولى بالكرامة، وقد خصكم الله تعالى بهم وأكرمكم، وإنهم سيأتونكم شعثا " غبرا " من كل فج عميق، ويقصدونكم من كل مكان سحيق، فاقروهم (4) واحموهم وأكرموهم يكرمكم الله تعالى) وكانت قريش تخرج المال الكثير من أموالهم، وكان هاشم ينصب أحواض الاديم (5)، ويجعل فيها ماء من ماء زمزم، ويملي باقي الحياض من سائر الابار بحيث تشرب الحاج (6)، وكان من عادته أنه يطعمهم قبل التروية بيوم، وكان يحمل لهم الطعام إلى منى وعرفة، وكان يثرد لهم اللحم والسمن والتمر، ويسقيهم اللبن إلى حيث (7) تصدر الناس من منى، ثم يقطع عنهم الضيافة. قال أبو الحسن البكري: بلغنا أنه كان بأهل مكة ضيق وجدب وغلاء، ولم يكن عندهم ما يزودون به الحاج، فبعث هاشم إلى نحو الشام أباعر، فباعها واشترى بأثمانها


(1) في المصدر: وكان يقوم بالحجاج. (2) في المصدر: إذ استهل. (3) في المصدر: فإذا تكالموا قام فيهم خطيبا " ويقول: يا معشر الناس. (4) قرى الضيف: أضافه. (5) الاديم: الجلد المدبوغ. (6) في المصدر: ويجعل فيها ماء زمزم، ويملى في الحياض من ماء غير زمزم بل من سائر الابار حتى يشربون الحجاج. (7) في المصدر: إلى حين. (*)

[ 39 ]

كعكا " (1) وزيتا "، ولم يترك عنده من ذلك قوت يوم واحد، بل بذل ذلك كله للحاج، فكفاهم جميعهم (2)، وصدر الناس يشكرونه في الافاق، وفيه يقول الشاعر: يا أيها الرجل المجدر حيله (3) * هلا مررت بدار عبد مناف ؟ ! ثكلتك امك لو مررت ببابهم * لعجبت من كرم ومن أوصاف. عمرو العلاء هشم الثريد لقومه * والقوم فيها مسنتون (4) عجاف بسطوا إليه الرحلتين كليهما * عند الشتاء ورحلة الاصياف قال: فبلغ خبره إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى قيصر ملك الروم، فكاتبوه و راسلوه أن يهدوا له بناتهم رغبة في النور الذي في وجهه، وهو نور محمد صلى الله عليه وآله، لأن رهبانهم وكهانهم أعلموهم بأن ذلك النور نور رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبى هاشم عن ذلك، وتزوج من نساء قومه، ورزق منهن أولادا "، وكان أولاده الذكور أسد ومضر (5) وعمرو وصيفى، وأما البنات فصعصعة (6) ورقية وخلادة (7) والشعثاء، فهذه جملة الذكور والاناث، و نور رسول الله صلى الله عليه وآله في غرته لم يزل، فعظم ذلك عليه وكبر لديه، فلما كان في بعض الليالي وقد طاف بالبيت سأل الله تعالى أن يرزقه ولدا " يكون فيه نور رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذه النعاس، فمال عن البيت، ثم اضطجع، فأتاه آت يقول في منامه: عليك بسلمى بنت عمرو فإنها طاهرة مطهرة الاذيال، فخذها، وادفع لها (8) المهر الجزيل، فلم تجد


(1) الكعك: خبز يعمل مستديرا من الدقيق والحليب والسكر أو غير ذلك. (2) في المصدر: واشترى بأثمانها كعكا وزيتا، فلما قدم الحاج اطعمهم ما جرت العادة، و لم يترك عنده من ذلك قوت يوم واحد، بل بذل ذلك كله إلى الحاج، فألقى ذلك الطعام إلى الحاج كلهم. (3) هكذا في النسخ، وفي المصدر قد سقطت الاشعار، وفي تاريخ الطبري والسيرة الحلبية: يا أيها الرجل المحول رحله * ألا نزلت بآل عبد مناف. (4) من أسنت القوم: أصابهم الجدب والقحط. (5) في المصدر: نضر مكان مضر، وفي السبائك: نضلة. (6) في نسخة: صفية. (7) في المصدر: خالدة. (8) في المصدر: وادفع إليها.

[ 40 ]

لها مشبها " من النساء، فإنك ترزق منها ولدا " يكون منه النبي صلى الله عليه وآله فصاحبها ترشد، واسع (1) إلى أخذ الكريمة عاجلا "، قال: فانتبه هاشم فزعا " مرعوبا "، وأحضر بني عمه وأخاه المطلب، وأخبرهم بما رآه في منامه وبما قال الهاتف، فقال له أخوه المطلب: يابن ام إن المرأة المعروفة في قومها، كبيرة في نفسها (2)، قد كملت عفة واعتدالا (3)، وهي سلمى بنت عمرو بن لبيد بن حداث بن (4) زيد بن عامر بن غنم بن مازن بن النجار، وهم أهل الاضياف والعفاف، وأنت أشرف منهم حسبا "، وأكرم منهم نسبا "، قد تطاولت إليك الملوك والجبابرة (5)، وإن شئت فنحن لك خطابا "، فقال لهم: الحاجة لا تقضى إلا بصاحبها، وقد جمعت فضلات وتجارة واريد أن أخرج إلى الشام للتجارة ولوصال هذه المرأة، فقال له أصحابه (6): نحن نفرح لفرحك، ونسر لسرورك، وننظر ما يكون من أمرك، ثم إن هاشما " خرج للسفر (7) وخرج معه أصحابه بأسلحتهم، وخرج معه العبيد يقودون الخيل والجمال، وعليها أحمال الاديم، وعند خروجه (8) نادى في أهل مكة فخرجت معه السادات والاكابر، وخرج معه العبيد والنساء لتوديع هاشم، فأمرهم بالرجوع وسار هو


(1) في المصدر: واسرع. (2) زاد في المصدر: طاهرة مطهرة. (3) في المصدر: عقلا مكان اعتدالا. (4) في المصدر: خداش بن زيد بن خزام بن عامر بن تميم بن مازن بن النجار، وفي اليعقوبي: عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار، وفي الطبري زيد بن عمرو بن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدى بن النجار، وفي قول: عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي. (5) في المصدر: الملوك والاكاسرة والجبابرة. (6) قالوا له أصحابه وبنوا عمه: نحن لك ومعك، ونفرح لفرحك. (7) في المصدر: ثم ان هاشما أمرهم أن يتأهبوا للسفر فخرج وخرجوا معه بسلاحهم وتيجانهم ولبوسهم، وخرج معه العبيد إه‍. (8) في المصدر: بعد قوله: الاديم: ومعهم الدروع والبيض والجواشن، وأخذوا معهم لواء نزار، وهم يومئذ أربعون سيدا من بنى عبد مناف وعامر ومخزوم، وساروا القوم حوله، فلما خرج نادى.

[ 41 ]

وبنو عمه وأخوه المطلب إلى يثرب كالاسود طالبي بني النجار. فلما وصلوا المدينة أشرق بنور رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك الوادي من غرة هاشم (1) حتى دخل جملة البيوت، فلما رآهم أهل يثرب بادروا إليهم مسرعين، وقالوا: من أنتم أيها الناس ؟ فما رأينا أحسن منكم جمالا "، ولا سيما صاحب هذا النور الساطع، والضياء اللامع، قال لهم المطلب: نحن أهل بيت الله، وسكان حرم الله، نحن بني لوي بن غالب (2)، وهذا أخونا هاشم بن عبد مناف، وقد جئناكم (3) خاطبين، وفيكم راغبين، وقد علمتم أن أخانا هذا خطبه الملوك والاكابر، فما رغب إلا فيكم، ونحب أن ترشدونا إلى سلمى، وكان أبوها يسمع الخطاب، فقال لهم: مرحبا " بكم، أنتم أرباب الشرف و المفاخر، والعز والماثر، والسادات الكرام، والمطعمون الطعام (4)، ونهاية الجود والاكرام، ولكم عندنا ما تطلبون، غير أن المرأة (5) التي خرجتم لاجلها وجئتم لها طالبين هي ابنتي وقرة عيني، وهي مالكة نفسها (6)، ومع ذلك إنها خرجت بالامس إلى سوق من أسواقنا مع نساء من قومها يقال لها سوق بني قينقاع، فإن أقمتم عندنا فأنتم في العناية والكلاية، وإن أردتم أن تسيروا إليها ففي الرعاية، ومن الخاطب لها والراغب فيها ؟ قالوا: صاحب هذا النور الساطع، والضياء اللامع، سراج بيت الله الحرام، ومصباح الظلام، الموصوف بالجود والاكرام (7) هاشم بن عبد مناف، صاحب رحلة الايلاف، و ذروة الأحقاف، فقال أبوها: بخ بخ لقد علونا وفخرنا بخطبتكم، اعلموا يا من حضر إني


(1) في المصدر بعد قوله: بنى النجار: قال أبو الحسن البكري: (ثم ساروا حتى أشرفوا على يثرب انقدح نور رسول الله صلى الله عليه وآله من غرة هاشم حتى دخل المراقد والبيوت). (2) في المصدر: بنى كعب بن لوى بن غالب. (3) في المصدر: قد جئنا إليكم خاطبين. (4) في المصدر: لانكم أرباب العلاء والمفاخر، والشرف والماثر، وكرام عظام، وسادات فخام ومطعمين الطعام. (5) في المصدر: فلكم ما تحبون، وحصل ما تطلبون، إن المرأة اه‍. (6) في المصدر: غير أنها مالكة نفسها. (7) في المصدر: والكرم.

[ 42 ]

قد رغبت في هذا الرجل أكثر من رغبته (1) فينا، غير أني اخبركم أن أمري دون أمرها (2)، وها أنا أسير معكم إليها، فانزلوا يا خير زوار، ويا فخر بني نزار، قال: فنزل هاشم وأخوه وأصحابه وحطوا رحالهم ومتاعهم، وسبق أبوها عمرو إلى قومه، ونحر لهم النحاير، وعقر لهم العقاير، وأصلح لهم الطعام، وخرجت لهم العبيد بالجفان، فأكلت القوم منه حسب الحاجة، ولم يبق من أهل يثرب أحد إلا خرج ينظر إلى هاشم ونور وجهه، وخرج الاوس والخزرج والناس متعجبن من ذلك النور، وخرج اليهود، فلما نظروا إليه عرفوه بالصفة التي وجدوها في التوراة والعلامات، فعظم ذلك عليهم، وبكوا بكاء شديدا "، فقال بعض اليهود لحبر من أحبارهم: ما بكاءكم ؟ قال: من هذا الرجل الذي يظهر منه سفك دمائكم (3) وقد جاءكم السفاك القتال الذي تقاتل معه الاملاك المعروف في كتبكم بالماحي، وهذه أنواره قد ابتدرت، قال: فبكى اليهود من قوله، وقالوا له: يا ابانا فهل هذا الذي ذكرت نصل إلى قتله، ونكفي شره ؟ فقال لهم: هيهات حيل بينكم وبين ما تشتهون، وعجزتم عما تأملون، إن هذا هو المولود الذي ذكرت لكم، تقاتل معه الاملاك من الهواء، ويخاطب من السماء، ويقول: قال جبرئيل عن رب السماء (4)، فقالوا: هذا تكون له هذه المنزلة ؟ قال: أعز (5) من الولد عند الوالد، فإنه أكرم أهل الارض على الله تعالى، وأكرم أهل السماوات، فقالوا: أيها السيد الكريم نحن نسعى في إطفاء ضوء هذا المصباح قبل أن يتمكن ويحدث علينا منه كل مكروه، وأضمر القوم لهاشم العداوة، وكان بدء عداوة اليهود من ذلك اليوم لرسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أصبح هاشم أمر أصحابه أن يلبسوا أفخرج أثوابهم، وأن يظهروا


(1) في المصدر: رغبتكم. (2) في المصدر: إن أمرها دون أمرى ولعله مصحف. (3) في المصدر: قال: من هذا الرجل الذى يظهر ما يكون منه خراب دياركم، وقد جاءكم (4) زاد في المصدر: وامرت ونهيت. (5) في المصدر: فقالوا: هذا يكون بمنزلة الولد فانه اكرم أهل الارض اه‍. ولعل فيه سقط وصوابه: فقالوا: هذا يكون بمنزلة الولد ؟ قال: أعز من الولد عند الوالد، فانه أكرم أهل الارض إه‍.

[ 43 ]

زينتهم، فلبسوا ما كان عندهم من الثياب، وما قد أعدوه للزينة والجمال، وأظهروا التيجان والجواشن والدروع والبيض، فأقبلوا يريدون سوق بني قينقاع وقد شدوا لواء نزار على قناة، وأحاطوا بهاشم عن يمينه وشماله، ومشى قدامه العبيد وأبو سلمى معهم وأكابر قومه، ومعهم جماعة من اليهود، فلما أشرفوا على السوق وكان تجتمع إليه الناس من أقاصي البلاد وأقطارها (1) وأهل الحضر وسكانها، فنظر القوم إلى هاشم وأصحابه وتركوا معاشهم (2) وأقبلوا ينظرون إلى هاشم ويتعجبون من حسنه وجماله، وكان هاشم بين أصحابه كالبدر المنير بين الكواكب، وعليه السكينة والوقار، فأذهل بجماله أهل السوق، وجعلوا ينظرون إلى النور الذي بين عينيه، وكانت سلمى بنت عمرو واقفة مع الناس تنظر إلى هاشم وحسنه وجماله وما عليه من الهيبة والوقار، إذ أقبل عليها أبوها وقال لها: يا سلمى ابشرك بما يسرك ولا يضرك، وكانت معجبة بنفسها من حسنها وجمالها، فلما نظرت إلى هاشم وجماله نسيت حسنها وجمالها (3)، وقالت: يا أبت بما تبشرني ؟ قال: إن هذا الرجل، إليك خاطب، وفيك راغب، وهو يا سلمى من أهل الكفاف والعفاف والجود والاضياف هاشم بن عبد مناف، وإنه لم يخرج من الحرم لغير ذلك، فلما سمعت سلمى كلام أبيها أعرضت عنه بوجهها وأدركها الحياء منه فأمسكت عن الكلام، ثم قالت: يا أبت إن النساء يفتخرون على الرجال بالحسن والجمال والقدر والكمال، وإذا كان زوج المرأة سيدا " من سادات العرب وكان مليح المنظر والمخبر فما أقول لك، وقد عرفت ما جرى بينى وبين احيحة بن الجلاح (4) الاوسي وحيلتي عليه حتى خلعت نفسي منه لما علمت أنه لم يكن من الكرام، وإن هذا الرجل يدل عظمته ونور وجهه على مروته، وإحسانه يدل على فخره، فإن يكن القوم كما ذكرت قد خطبونا ورغبوا فينا فإنى فيهم راغبة،


(1) أقفارها خ ل. (2) في المصدر: فلما أشرف هاشم على السوق وأصحابه، ونظروا إلى هاشم وأصحابه تركوا معاشهم. (3) في المصدر: نسيت نفسها وانحقرت. (4) في المصدر: الحلاج.

[ 44 ]

ولكن لابد أن أطلب منهم المهر (1)، ولا اصغر نفسي (2)، وسيكون لنا ولهم خطاب وجواب، وكان القول منها لحال أبيها لأنها لم تصدق بذلك، حتى نزل هاشم قريبا " من السوق واعتزل ناحية عنه، فأقبل أهل السوق إليه مسرعين ينظرون إلى نوره حتى ضاع كثير من متاعهم ومعاشهم من نظرهم إليه، وقد نصبت له خيمة من الحرير الاحمر، و وضعت له سرادقات (3)، فلما دخل هاشم وأصحابه الخيمة تفرق أهل السوق عنهم، و جعل يسأل بعضهم بعضا " عن أمر هاشم وقومه، وما أقدمهم عليه (4) من مكة، فقيل: إنه جاء خاطبا " لسلمى فحسدوها عليه، وكانت أجمل أهل زمانها وأكملهم حسنا " وجمالا "، وكانت جارية تامة معتدلة، لها منظر ومخبر (5)، كاملة الاوصاف، معتدلة الاطراف (6)، سريعة الجواب، حسنة الاداب، عاقلة طريفة عفيفة لبيبة، طاهرة من الادناس، فحسدوها كلهم على هاشم حتى حسدها إبليس لعنه الله وكان قد تصور لها في صورة شيخ كبير (7) وقال: يا سلمى أنا من أصحاب هاشم قد جئتك ناصحا " لك (8)، اعلمي أن لصاحبنا هذا من الحسن والجمال ما رأيت إلا أنه رجل ملول للنساء، لا تقيم المرأة عنده أكثر من شهرين إذا أراد، وإلا فعشرة أيام لا غير، وقد تزوج نساء كثيرة، ومع ذلك إنه جبان في الحروب، فقالت سلمى: إليك عني،


(1) زاد في المصدر: ما نستحقه. (2) في نسخة وفي المصدر: ولا اصغر حالى. (3) في المصدر: وكان القول منهم - مصحف منها - تجملا ومحالا لابيها، لانها لم تصدق بذلك حتى سمعت صحة الكلام، فلما نزل هاشم قريبا من السوق واعتزل بناحية منه أقبلوا أهل السوق و اصحابه كلهم مسرعين لينظرون إليه. قال أبو الحسن البكري: (وقد بلغني أنه ضاع كثير من معايشهم حتى اشتغلو بالنظر إلى هاشم، قال: وضرب له خيمة من الخز الاحمر، ونصبت له سرادقات). (4) في المصدر: وجعلوا يسألون بعضهم بعضا. وفيه: وما أقدمهم عليهم. (5) المخبر: العلم بالشئ أو إدراكه بالخبر أو الاختيار لا بالنظر، خلاف المنظر. (6) الاعطاف خ ل وفي المصدر: تامة، كاملة العقل، وكاملة الاوصاف وسريعة الجواب و فيه: ظريفة. (7) زاد في المصدر: ذى هيبة وحلية حسنة. (8) في المصدر: قد جئتك بخبره وهى نصيحة منى إليك، اعلمي.

[ 45 ]

فو الله لو ملا لي حصنا " من المال ما قبلته، ولو ملا لي حصون خيبر ذهبا " وفضة ما رغبت فيه لهذه الخصال التي ذكرت، ولقد كنت أجبته ورغبت فيه وقد قلت رغبتي فيه لهذه الخصال، اذهب عني، فانصرف عنها وتركها في همها وغمها، ثم إن إبليس لعنه الله تصور لها بصورة اخرى وزعم انه من أصحاب هاشم وذكر لها مثل الاول، فقالت: أو ليس الذى قد أرسلتك إليه أنه لا يرسل إلي رسولا " بعد ذلك، فسكت إبليس لعنه الله، فقالت: إن أرسل رسولا " بعدك أمرت بضرب عنقه، فخرج إبليس فرحا " مسرورا " وقد ألقى في قلبها البغضة لهاشم، وظن أن هاشما " يرجع خائنا "، فعند ذلك دخل عليها أبوها فوجدها في سكرتها وحيرتها، فقال: يا سلمى ما الذي حل بك هذا اليوم وهذا يوم سرورك ؟ ! فقالت: يا أبت لا تزيدني كلاما "، فقد فضحتني وأشهرت أمري، أردت أن تزوجني برجل ملول للنساء، كثير الطلاق، جبان في الحروب، فضحك أبوها وقال: يا سلمى والله ما لهذا الرجل شئ من هذه الخصال الثلاث، وإنه إلى كرمه الغاية، وإلى جوده النهاية، وإنما سمي هاشما " لانه أول من هشم الثريد لقومه، وأما قولك: كثير الطلاق فإنه ما طلق امرأة قط، وأما قولك: جبان فهو واحد أهل زمانه في الشجاعة، وإنه لمعروف عند الناس بالجواب والخطاب والصواب (1)، فقالت: يا أبت لو أنه ما جائني عنه إلا واحد كذبته وقلت: إنه عدو، فقد جاءني ثلاثة نفر كل واحد منهم يقول مثل مقالة الاخر، فقال أبوها: ما رأينا منه رسولا ولا جاءنا منه خبر، وكان الشيطان يظهر لهم في ذلك الزمان ويأمرهم وينهاهم، وقد صح عندها ما قاله الشيطان الرجيم وهي تظن أنه من بني آدم، وهاشم لا يعلم شيئا " من ذلك (2)، وكان قد عول على جمع من قومه في خطبتها (3)، ثم إن سلمى خرجت في بعض حوائجها وهي تحب أن تنظر إلى هاشم،


(1) في المصدر، والضراب مكان والصواب. (2) في المصدر، بعد قوله: منه خبر: وانى ورائك معلوم (كذا) الساعة، ثم خرج من عندها وتركها في همها وغمها، وقد صح عندها قول الشيطان وأخذ بعقلها، وكان الشيطان في ذلك الزمان يظهر لهم ويأخذ بعقولهم ويأمرهم وينهاهم، ويظنون أنه من بنى آدم، وهاشم لا يعلم شيئا من ذلك. (3) وقد عول على خطبتها في غد في جمع من ذلك خ ل ومثله ما في المصدر. قوله: عول أي جزم واعتمد.

[ 46 ]

فجمع الله بينهما في الطريق، فوقع في قلبها أمر عظيم من محبته، وكان في ذلك الزمان لا تستحي النساء من الرجال، ولا يضرب بينهن (1) حجاب إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وآله، و نزل طائفة من اليهود من جهة خيمه هاشم، ولما اجتمعت سلمى بهاشم عرفته بالنور الذي في وجهه، وعرفها أيضا هو، فقالت له: يا هاشم قد أحببتك (2) وأردتك، فإذا كان غدا فاخطبني من أبي، ولا يعز عليك ما يطلب أبي منك، فإن لم تصله يدك ساعدتك عليه، فلما أصبح تأهب هاشم للقاء القوم فتزينوا بزينتهم (3)، وإذا أهل سلمى قد قدموا، فقام من كان في الخيمة إجلالا " لهم، وجلس هاشم وأخوه وبنو عمه في صدر الخيمة فتطاولت القوم إلى هاشم (4)، فابتدأهم المطلب بالكلام، وقال: يا أهل الشرف والاكرام والفضل والانعام، نحن وفد بيت الله الحرام، والمشاعر العظام (5)، وإلينا سعة الاقدام (6)، وأنتم تعلمون شرفنا وسوددنا، وما قد خصصنا (7) الله به من النور الساطع، والضياء اللامع، ونحن بنو لوي بن غالب، قد انتقل هذا النور إلى عبد مناف، ثم إلى أخينا هاشم، وهو معنا من آدم إلى أن صار إلى هاشم (8)، وقد ساقه الله إليكم، وأقدمه عليكم، فنحن لكريمتكم خاطبون، وفيكم راغبون، ثم أمسك عن الكلام، فقال عمرو أبو سلمى: لكم التحية والاكرام والاجابة والاعظام، وقد قبلنا خطبتكم، وأجبنا دعوتكم، وأنتم تعرفون عليتنا (9)، ولا يخفى عليكم أحوالنا، ولابد من تقدير المهر كما كان سلفنا و


(1) في المصدر: ولا يضربن عليهن حجابا. (2) قد أجبتك خ ل. (3) زاد في المصدر: وأوصى أخاه المطلب أن يكون خطيبا. (4) في المصدر: إلى هاشم بالاعناق. (5) في المصدر: وزمزم والمقام. مكان والمشاعر الغطام. (6) زاد في المصدر: والينا يرد الورى. (7) خصنا الله خ ل ومثله ما في المصدر. (8) في المصدر زيادة: يجرى من قنوات طاهرات إلى بطون مطهرة. (9) العلية بالضم والكسر: بيت منفصل عن الارض ببيت ونحوه، ويقال: هو من علية قومه وعليتهم وعليهم وعليهم أي من أهل الرفعة والشرف فيهم. وفي هامش نسخة المصنف بخطه: عليقتنا خ ل.

[ 47 ]

آباؤنا (1)، ولولا ذلك ما واجهناكم بشئ من ذلك ولا قابلناكم به أبدا "، فعند ذلك قال المطلب: لكم عندي مأة ناقة سود الحدق، حمر الوبر، لم يعلها جمل، فبكى إبليس لعنه الله وكان من جملة من حضر، وجلس عند أبي سلمى وأشار إليه أن اطلب الزيادة، فقال أبو سلمى: معاشر السادات ما هذا ؟ هذا قدر ابنتنا عندكم ؟ فقال المطلب: ولكم ألف مثقال من الذهب الاحمر، فغمز إبليس لعنه الله أبا سلمى وأشار إليه أن اطلب الزيادة، فقال: يافتى قصرت في حقنا فيما قلت (2)، وأقللت فيما بذلت، فقال: ولكم عندنا حمل عنبر، وعشرة أثواب من قباطي مصر، وعشرة من أراضي العراق، فقد أنصفناكم، فغمز إبليس لعنه الله أبا سلمى وأشار إليه أن اطلب الزيادة، فقال: يا فتى قد قاربت وأجملت، قال له المطلب: ولكم خمس وصايف برسم الخدمة، فهل تريدون أكثر من ذلك ؟ فأشار إليه إبليس لعنه الله أن اطلب الزيادة، فقال أبو سلمى: يا فتى إن الذي بذلتموه لنا إليكم راجع، فقال المطلب: ولكم عشر أواق من المسك الاذفر، وخمسة أقداح (3) من الكافور، فهل رضيتم أم لا ؟ فهم إبليس أن يغمز أبا سلمى فصاح به أبو سلمى وقال له: يا شيخ السوء اخرج لقد جئت شيئا " نكرا، فوالله لقد أخجلتني، فقال له المطلب: اخرج يا شيخ السوء، فقام الشيطان وخرج، وخرج اليهود معه، فقال إبليس: يا عمرو إن الذي شرطته في مهر ابنتك قليل، وإنما أردت أن أطلب من القوم ما تفتخر به ابنتك على سائر نسائها وأهل زمانها، ولقد هممت أن أشرط عليه أن يبني لها قصرا طوله عشرة فراسخ، وعرضه مثل ذلك، ويكون شاهقا " في الهواء، باسقا " في السماء (4)، وفي أعلاه مجلس ينظر منه إلى أيوان كسرى، وينظر إلى المراكب منحدرات في البحر، ثم يجلب إليه نهرا " من الدجلة والفرات عرضه مأة ذراع، تجري فيه المراكب (5)، ثم يغرس حول النهر


(1) وآباؤكم خ ل، وفي المصدر: سلفنا وسلفكم وآباؤنا وآباؤكم. (2) في المصدر: قصرت في حقنا مما بذلت. (3) أواق خ ل. (4) شهق الجبل: ارتفع فهو شاهق. بسق النخل: ارتفعت أغصانه وطال فهو باسق. (5) في المصدر: تجرى فيه المراكب منحدرات ومصعدات.

[ 48 ]

نخلات معتدلات لا ينقطع ثمرها صيفا " ولا شتاء "، قال المطلب: يا ويلك ومن يقدر على ذلك يا شيخ السوء ؟ فقد أسرفت فيما قلت، من يصل إلى ما أردت ؟ (1) فصاح به أبو سلمى والمطلب فأخذته الصيحة من كل مكان، وكان مراد إبليس لعنه الله تفرق المجلس، ثم قال أرمون بن قيطون: يا قوم إن هذا الشيخ أحكم الحكماء، وهو معروف في بلادنا بالحكمة، وفي الشام والعراق، وبعد ذلك إننا ما نزوج ابنتنا برجل غريب من غير بلدنا، فقامت اليهود وهم أربع مأة يهودي وأهل الحرم أربعون سيدا " وجردوا سيوفهم، وقال هاشم لاصحابه: دونكم القوم، فهذا تأويل رؤياي، فقامت الصيحة فيهم فوثب المطلب على أرمون بن قيطون، ووثب هاشم على إبليس لعنه الله فانحاز يريد الهرب فأدركه هاشم وقبضه ورفعه وجلد به الارض (2)، فصرخ صرخة عظيمة لما غشاه (3) نور رسول الله صلى الله عليه وآله وصار ريحا "، فالتفت هاشم إلى أخيه المطلب فوجده قد قتل أرمون بن قيطون وقسمه نصفين، وقتل هاشم وأصحابه جمعا " كثيرا " من اليهود، ووقعت الرجفة في المدينة، وخرج الرجال والنساء وانهزم اليهود على وجوههم، ورجع أبو سلمى وقال لقومه: مزجتم الفرح بالترح ؟ وما كان سبب الفتنة إلا من إبليس (4) لعنه الله، فوضع (5) السيف عن اليهود بعد أن قتل منهم سبعين (6) رجلا، وكانت عداوة اليهود لرسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك اليوم، ثم إن هاشما " قال لاصحابه: هذا تأويل رؤياي، فافتقد اليهود الحبر فلم يجدوه (7)، فقال هاشم: يا معاشر اليهود إنما أغواكم الشيطان الرجيم، فانظروا إلى صاحبكم، فإن وجدتموه فاعلموا أنه كما زعمتم حكيم من حكمائكم، وإن لم تجدوه فقد حيل بينكم


(1) من يصل إلى ما نطقت خ ل وكذا في المصدر. (2) في المصدر: فأدركه هاشم وقبض على مجامع طوقه وجذبه ورفعه فجلد به الارض إه‍ قلت: جلد به الارض: صرعه. (3) غشيه خ ل. (4) الا ابليس خ ل ومثله ما في المصدر. (5) فرع خ ل وكذا في المصدر. (6) اثنين وسبعين خ ل وهكذا في المصدر. (7) في المصدر: قال: ثم ان اليهود افتقدوا الحبر فلم يجدوه.

[ 49 ]

وبينه وظننتم أنه من أحباركم وما هو إلا الشيطان أغواكم، ثم إن أبا سلمى عمد إلى إصلاح شأنه، ورجع القوم إلى أماكنهم وقد امتلؤا غيظا " على اليهود، فأقبل هاشم إلى منزله واصلح الولائم (1)، وأمر العبيد أن يحملوا الجفان المترعة باللبن ولحوم الضأن والابل، ثم إن عمروا " مضى إلى ابنته وقال لها: إن الرجل الذي يقول لك: إن هاشما " لجبان قد نطق بالمحال، والله لو لا أمسكته وأحلف عليه ما ترك من القوم واحدا "، فقالت: يا أبت امض معهم على كل حال ولا ملامة للآئم (2)، قال: فلما أكلوا ورفعوا أيديهم قال لهم أبو سلمى: يا معاشر السادات اصرفوا عن قلبوكم الغيظ وكل هم، فنحن لكم وابنتنا هدية، فقال له المطلب: لك ما ذكرناه وزيادة، ثم قال: يا أخي هاشم أرضيت بما تكلمت به عنك ؟ قال: نعم، فعند ذلك تصافحوا، ومضى أبو سلمى وأخرج من كمه دنانير (3) ودراهم فنثر الدنانير على هاشم وأخيه المطلب، ونثر الدراهم على أصحابه، ونثر عليهم زرير المسك الاذفر، والكافور والعنبر، حتى غمر أطمارهم (4)، ثم قال: يا هاشم تحب الدخول على زوجتك هذه الليلة أو تصبر لها حتى تصلح لها شأنها (5) ؟ قال: بل أصبر حتى تصلح شأنها، فعند ذلك أمر بتقديم مطاياهم، فركبوا وخرجوا، ثم إن هاشما " دفع إلى أخيه المطلب ما حضره من المال، وأمره أن يدفعه إلى سلمى، فلما جائها المطلب فرحت به وبذلك المال وقبلته، وقالت: يا سيد الحرم وخير من مشى على قدم سلم على أخيك وقل له: ما الرغبة إلا فيك (6)، فاحفظ منا ما حفظنا منك، ثم قالت: قل (7) له ما أقول لك، قال: قولي ما بدا لك، قالت: قل لاخيك: إني امرأة كان لي رجل اسمه احيحة بن الجلاح (8) الأوسي، وكان كثير المال، فلما تزوجته اشترطت عليه أنه متى أساء إلي


(1) في المصدر: فلما جلس هاشم وأخوه وأصحابه مضى عمرو إلى منزله وأصلح الولائم. (2) في المصدر: ولا تطمع ملامة اللائم. (3) وخرج وفي كمه دنانير خ ل ومثله ما في المصدر. (4) الاطمار جمع الطمر: الثوب. (5) في المصدر: حتى تصلح شأنها. (6) في نسخة وفي المصدر: الا فيه. (7) في المصدر: تقول له. (8) في المصدر: الحلاج.

[ 50 ]

فارقته، وكان من قصتي أني رزقت منه ولدا فأردت فراقه فأخذت خيطا " وربطته في رجل الطفل، فجعل الطفل يبكي تلك الليلة حتى مضى من الليل ثلثه أو نصفه، وقطعت الخيط من رجل الطفل، فنام الطفل وأبوه، فخرجت إلى أهلي، فانتبه الرجل فلم يجدني فعلم أنها حيلة مني عليه، وأنا قد حدثتك بهذا الحديث لتخبر به أخاك لكيلا يخفى عليه شئ من أمري، ولا يشتغل عني بباقي نسائه، فقال المطلب عند ذلك: اعلمي أن أخي قد تطاولت إليه الملوك في خطبته، ورغبوا في تزويجه فأبى حتى أتاه آت في منامه فأخبره بخبرك فرغب فيك، وأراد أن يستودعك هذا النور الذي استودعه الله إياه بعد الانبياء، فأسأل الله أن يتم لكم السرور، وأن يكفيكم كل محذور (1)، ثم إنه خرج وهي تشيعه ومعها نساء من قومها، فمضى إلى أخيه وأخبره بما قالت له سلمى، فضحك لذلك وقال له: بلغت الرسالة، قال: ثم أقام هاشم أياما " ودخل على زوجته سلمى في مدينة يثرب وحضر عرسها الحاضر والبادي من جميع الافاق، فلما دخل بها رأى ما يسره من الحسن والجمال، والهيئة والكمال، ثم إن سلمى دفعت إليه جميع المال الذي دفعه إليها وزادته أضعافا "، فلما واقعها حملت منه في ليلتها بعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا حديث تزويج سلمى بهاشم، وكان أهل يثرب يعملون الولائم، ويطعمون الناس إكراما " لهاشم وأصحابه، وقد زاد سلمى حسنا " وجمالا وصار أهل يثرب يهنؤنها بما خصها الله تعالى به (2). قال: أبو الحسن البكري: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما


(1) وأن يقيكم شر كل محذور خ ل وفي المصدر. (2) في المصدر بعد قوله: (جد رسول الله صلى الله عليه وآله): وأهل يثرب كل يوم يعملون الولائم، ويطعمون الناس اكراما لهاشم وأصحابه، وسلمى قد زاد حسنها وجمالها على سائر نساء يثرب، وهن تهنؤها بذلك الشرف العالي الذى خصها الله عزوجل وخص قومها وافتخار هم بما يحدث الكهان والاحبار عن صفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما يكون من أمر ولد هاشم، وما يتم له من القتال مع اليهود، وسلمى وقومها يقتلون اليهود، ويرجعون اليهود بالذلة والكسرة، ولم يقم هاشم عندها الا ليال قلائل ثم سافر غزة الشام ومات بها. تم الجزء الاول والحمد لله رب العالمين. قلت: وفي الحديث ما لا يخفى من الغرابة والارسال.

[ 51 ]

تزوج هاشم بن عبد مناف بسلمى بنت عمرو النجارية ودخل بها حملت بعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله، وانتقل النور الذي كان في وجهه إلى سلمى زادها حسنا " وجمالا وبهجة وكمالا حتى شاع حسنها في الافاق، وكان يناديها الشجر (1) والحجر والمدر بالتحية والاكرام، وتسمع قائلا يقول عن يمينها: السلام عليك يا خير البشر (2)، ولم تزل تحدث بما ترى حتى حذرها هاشم فكانت تكتم أمرها عن قومها حتى إذا كان ذات ليلة سمعت قائلا (3) يقول: لك البشر إذ اوتيت أكرم من مشى * وخير الناس من حضر وبادي وقال: لما سمعت ذلك لم تدع هاشما " يلامسها بعد ذلك (4). قال: ثم إن هاشما " أقام في المدينة أياما " حتى اشتهر حمل سلمى، فقال لها: يا سلمى (5) إني أودعتك الوديعة التي أودعها الله تعالى آدم عليه السلام، وأودعها آدم عليه السلام، ولدها شيثا " عليه السلام، ولم يزالوا يتوارثونها من واحد إلى واحد إلى أن وصلت إلينا، وشرفنا الله بهذا النور، وقد أودعته إياك، وها أنا آخذ عليك العهد والميثاق بأن تقيه وتحفظيه، وإن أتيت به وأنا غائب عنك فليكن عندك بمنزلة الحدقة من العين، والروح بين الجنبين، وإن قدرت على أن لا تراه العيون فافعلي، فإن له حسادا " وأضدادا "، وأشد الناس عليه اليهود، وقد رأيت ما جرى بيننا وبينهم يوم خطبتك، وإن لم أرجع من سفري هذا أو سمعت أني قد هلكت فليكن عندك محفوظا " مكرما " إلى أن يترعرع (6)، واحمليه إلى الحرم إلى عمومته في دار عزه ونصرته، ثم قال لها: اسمعي واحفظي ما قلت لك، قالت: نعم قد سمعت وأطعت ولقد أوجعتني


(1) في المصدر: حتى كان الناس يتعجبون من حسنها وجمالها، وشاع حسن سلمى في جميع الافاق، قال: (وكانت إذا مشت يناديها الشجر). (2) في المصدر: يا خير نساء البشر. (3) في المصدر: وهى نائمة إذ سمعت قائلا. (4) هكذا في النسخ، وهو كلام الهاتف ولعل يلامسها مصحف تلامسك. وفي المصدر: فلما سمعت ذلك قالت: لم أدع هاشما يلا مسنى ولا يقربني بعد ذلك. (5) في المصدر: ثم انه عزم على الخروج إلى غزة الشام وأوصى زوجته وقال: يا سلمى. (6) ترعرع الصبى، ونشأ وشب.

[ 52 ]

بكلامك، فأنا أسأل الله العظيم أن يردك سالما "، ثم خرج هاشم وأخوه المطلب وأصحابه وأقبل عليهم وقال: يا بني أبي وعشيرتي من بني لوي إن الموت سبيل لابد منه، وأنا غائب عنكم، ولا أدري أني أرجع إليكم أم لا، وأنا اوصيكم: إياكم والتفرق والشتاة فتذهب حميتكم، وتقل قيمتكم، ويهين قدركم عند الملوك، ويطمع فيكم الطامع، فهل أنت يا أخي لما أقول لك سامع ؟ وإني مخلف فيكم ومقدم عليكم أخي المطلب دون إخوتي، لأنه من أبي وامي، وأعز الخلق عندي، وإن سمعتم وصيتي وقدمتموه وسلمتم إليه مفاتيح الكعبة وسقاية الحاج ولواء نزار وكل ما كان من مكارم الانبياء سعدتم (1)، وإني أوصيكم بولدي الذي اشتملت عليه سلمى، فإنه سيكون له شأن عظيم، ولا تخالفوا قولي، قالوا: سمعنا وأطعنا غير أنك كسرت قلوبنا بوصيتك، وأزعجت أفئدتنا بقولك، قال: ثم إن هاشما " سافر إلى غزة (2) الشام فحضر موسمها وباع أمتعته وشرى ما كان يصلح له، واشترى لسلمى طرفا " وتحفا "، ثم إنه تجهز للسفر فلما كان الليلة التي عزم فيها على الرحيل طرقته حوادث الزمان، وأتته العلة، فأصبح مثقلا، وارتحل رفقاءه وبقي هاشم وعبيدة وأصحابه (3)، فقال لهم: ألحقوا بأصحابكم فإنى هالك لا محالة، وارجعوا إلى مكة وإن مررتم على يثرب (4) فاقرءوا زوجتي سلمى عني السلام، وأخبروها بخبري، وعزوها في شخصي، وأوصوها بولدي، فهو أكبر همي، ولو لاه ما نلت أمري، فبكى القوم بكاء شديدا " فقالوا: ما نبرح عنك حتى ننظر ما يكون من أمرك، وأقاموا يومهم (5)، فلما أصبحوا ترادفت (6) عليه الأمراض، فقالوا له: كيف تجد نفسك ؟ فقال:


(1) في المصدر: ولواء نزار، ونعل شيث، وقميص ابراهيم، وقوس إسماعيل، وخاتم نوح والحجابة والرفادة وكل ما كان من مكارم الانبياء، وكل ما كان لعبد مناف، فان فعلتم ذلك سعدتم. (2) غزة بفتح أوله وتشديد ثانيه وفتحه: مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر، بينها و بين عسقلان فرسخان أو أقل، وفيها مات هاشم وبها قبره ولذا يقال لها: غزة هاشم. (3) في المصدر: وغلمانه واصحابه. (4) بيثرب خ ل وفي المصدر: إلى يثرب. (5) ليلتهم خ ل. (6) أي تتابعت.

[ 53 ]

لا مقام لي معكم أكثر من يومي هذا، وغدا " توسدوني التراب (1)، فبكى القوم بكاء " شديدا " وعلموا أنه مفارق الدنيا، ولم يزالوا يشاهدونه (2) حتى طلع الفجر الاول، فاشتد به الامر، فقال لهم: اقعدوني وسندوني وآتوني بدواة وقرطاس، فأتوه بما طلب، وجعل يكتب وأصابعه ترتعد، فقال: باسمك اللهم هذا كتاب كتبه عبد ذليل، جائه أمر مولاه بالرحيل، أما بعد فإني كتبت إليكم هذا الكتاب وروحي بالموت تجاذب، لانه لا لأحد من الموت مهرب (3)، وإني قد نفذت إليكم أموالي فتقاسموها بينكم بالسوية، ولا تنسوا البعيدة عنكم (4) التي آخذت نوركم، وحوت عزكم سلمى، واوصيكم بولدي الذي منها، وقولوا: لخلادة (5) وصفية ورقية يبكين علي، ويندبن ندب الثاكلات، ثم بلغوا سلمى عني السلام وقولوا لها: آه ثم آه، إني لم أشبع من قربها، والنظر إليها وإلى ولدها، والسلام عليكم ورحمة الله إلى يوم النشور، ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى اصحابه، وقال: اضجعوني فأضجعوه، فشخص ببصره نحو السماء ثم قال: رفقا " " رفقا " أيها الرسول بحق ما حملت من نور المصطفى، وكأنه كان مصباحا وانطفئ، ثم لما مات جهزوه ودفنوه وقبره معروف هناك، ثم عزم عبيدة وغلمانه على الرحيل بأمواله وفيه يقول الشاعر: اليوم هاشم قد مضى لسبيله * يا عين جودي منك بالعبرات وابكي على البدر المنير بحرقة * وابكي على الضرغام طول حياتي آه أبو كعب مضى لسبيله * يا عين فابكى الجود بالعبرات صعب العريكة لابه لوم ولا * فشل غداة الروع والكربات يا عين ابكي غيث جود هاطل * أعني ابن عبد مناف ذي الخيرات


(1) أي تجعلون تحت رأسي تراب قبري. (2) يساهروه خ ل وكذا في المصدر. (3) وروحي بالموت تجذب ومالاحد خ ل وكذا في المصدر وفيه: مالاحد منه مهرب. (4) في المصدر: البعيدة الغائبة عنكم. (5) في المصدر: لخالدة.

[ 54 ]

وابكى لاكرم من مشى فوق الثرى * فلاجله قد أردفت زفراتي قال: وسار القوم حتى أشرفوا على يثرب فبكو بكاء " شديدا "، ونادوا: وا هاشماه، واعزاه، وخرج الناس وخرجت سلمى وأبوها وعشيرتها فنظروا وإذا " بخيل هاشم قد جزوا نواصيها وشعورها، وعبيد هاشم يبكون (1)، فلما سمعت سلمى بموت هاشم مزقت أثوابها، ولطمت خدها، وقالت: واهاشماه، مات والله لفقدك الكرم والعز من بعدك، يا هاشماه يا نور عيني من لولدك الذي لم تر عيناك ؟ قال: فضج الناس بالبكاء والنحيب، ثم إن سلمى أخذت سيفا " من سيوف هاشم وعطفت به على ركابه وعقرتها عن آخرها، وحسبت ثمنها على نفسها، وقالت لوصي هاشم: اقرء المطلب عني السلام وقل له: إني على عهد أخيه، وإن الرجال بعده علي حرام، ثم إن العبيد والغلمان ساروا إلى مكة وقد سبقهم الناعي إلى أولاده وعياله، فأكثر أهل مكة البكاء والنحيب، وخرج الرجال وخرجت نساء قريش منشرات الشعور، ومشققات الجيوب، وخرجت نساء سادات بني عبد مناف، وتقدمت خلادة (2) تلومهم حيث إنهم لم يحملوه إلى الحرم وأنشأت تقول: يا أيها الناعون أفضل من مشى * الفاضل بن الفاضل بن الفاضل اسد الثرى ما زال يحمي أهله * من ظالم أو معتد بالباطل ماضي العزيمة أروع ذي همة * عليا وجود كالسحاب الهاطل زين العشيرة كلها وعمادها * عند الهزاهز طاعن بالذابل (3) إن السميدع قد مضى (4) في بلدة * بالشام بين صحاصح وجنادل قال: فلما فرغت من شعرها أتت إليهم بنته الشعثاء فحثت التراب على وجههم،


(1) في المصدر: وخرجت سلمى وأبوها وقومها فنظروا إلى مطايا هاشم قد قصوا نواصيها و شعورها، وكل جنيبه ومطية عليها من أثواب هاشم، وعبيدة واصحابه يبكون. (2) في المصدر: خالدة بنت الورقاء. (3) أي بالرمح الدقيق. (4) ان السميدع قد ثوى خ ل السميدع: السيد الكريم. الشريف. الشجاع. (*)

[ 55 ]

وقالت: بئس العشيرة أنتم ضيعوا سيدهم، وأسلموا عمادهم، أما كان هاشم مشفقا " عليكم، إذا نزل به الموت أن تحملوه إلى بلده وعشيرته حتى نشاهده، وأنشأت بعد ذلك تقول: يا عين جودي وسحي (1) دمعك الهطلا * على كريم ثوى في الشام ثم خلا زين الورى ذاك الذي سن القرى * كرما " ولم ير في يديه مذ نشا بخلا قال: فلما فرغت من شعرها أقبلت ابنة الطليعة حليلة هاشم تقول (2): ألا يا أيها الركب الذين تركتموا * كريمكم بالشام رهن مقام ألم تعرفوا ما قدره وفخاره * ألا إنكم أولى الورى بملام أيا عبرتي سحي عليه فقد مضى * أخو الجود والاضياف تحت رخام قال: وكان آخر من رثاه من بناته رقية فإنها جعلت تندب وتقول: عين جودي بالبكاء والعويل * لاخ الفضل والسخاء الفضيل طيب الاصل في العزيمة ماض * سمهري (3) في النايبات أصيل قال: فبكى القوم عند ذلك وفكوا كتابه وقرءوه فجددوا حزنهم، ثم قدموا أخاه المطلب وسودوه عليهم، فقال: إن أخي عبد شمس أكبر مني وأحق بهذا الامر، فقال عبد شمس: وأيم الله إنك خليفة أخي هاشم، قال: فرضوا أهل مكة بذلك، وسلموا له (4) لواء نزار، ومفاتيح الكعبة والسقاية والرفادة ودار الندوة، وقوس إسماعيل عليه السلام، ونعل شيث عليه السلام، وقميص إبراهيم عليه السلام، وخاتم نوح عليه السلام، وما كان في أيديهم من مكارم الانبياء، وأقام المطلب أياما " (5)، فلما اشتد بسلمى الحمل وجائها المخاض وهى لا تجد ألما " إذ سمعت هاتفا " يقول:


(1) أي صبى صبا " متتابعا غزيرا. (2) ابنته الصفية تقول خ ل. (3) اسمهر: اشتد وصلب، اعتدل كالرمح، يقال: رمح سمهرى ورماح سمهرية. قد سمهري: اعتدل. (4) وسلموا إليه خ ل ومثله في المصدر. (5) في المصدر: كمل الجزء الثاني بعون الله وحسن توفيقه ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم. قال ابو الحسن البكري: حدثنا أشيخانا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث قالوا: ثم ان سلمى بها وقت حملها.

[ 56 ]

يا زينة النساء من بني النجار * بالله اسدلي عليه بالاستار واحجبيه عن أعين النظار * كي تسعدي في جملة الاقطار قال: فلما سمعت شعر الهاتف أغلقت بابها، وأسدلت سترها، وكتمت أمرها، فبينما هي تعالج نفسها إذ نطرت إلى حجاب من نور قد ضرب عليها من البيت إلى عنان السماء، وحبس الله عنها الشيطان الرجيم، فولدت شيبة الحمد، وقامت وتولت أمرها (1)، ولما وضعته سطع منه (2) نور شعشعاني، وكان ذلك النور نور رسول الله صلى الله عليه وآله، فضحك وتبسم (3)، فتعجبت امه من ذلك، ثم نظرت إليه فإذا هي بشعرة بيضاء تلوح في رأسه، فقالت: نعم أنت شيبة كما سميت، ثم إن سلمى درجته في ثوب من صوف وقمطته وهيأته ولم تعلم به أحدا " من قومها حتى مضت له أيام، وصارت تلاعبه ويهش إليها، فلما كمل له شهر علم الناس فأقبلت القوابل إليها فوجودها تلاعبه (4)، فلما صار له شهران مشى ولم يكن على اليهود أشد منه (5) وأكثر ضررا "، وكانوا إذا نظروا إليه امتلؤا غيظا " وخنقا " (6) لما يعلمون بما سيظهر منه من تدميرهم، وخراب أوطانم وديارهم، وقطع آثارهم (7)، وكانت امه إذا ركبت ركب معها أبطال الاوس والخزرج، وكانت مطاعة بينهم (8)، وكان إذا خرج يلعب يقفون (9) الناس من حوله يفرحون به أولادهم (10)، وكانت امه لا تأمن عليه أحدا "، فلما تم له سبع سنين اشتد حبله، وقوى بأسه، وتبين


(1) في المصدر: وقامت من وقتها وساعتها وتولت نفسها. (2) وسطع من غرته نور شعشعانى خ ل ومثله ما في المصدر. (3) في المصدر: وإذا الطفل قد ضحك وتبسم. (4) فوجدوه يلاعب امه خ ل ومثله ما في المصدر. (5) في المصدر: أشد منه عداوة. (6) وكمدا خ ل. (7) في المصدر: لما علموا سيظهر منه ما يدمرهم ويخرب ديارهم ويقطع آثارهم. (8) مطاعة فيهم خ ل. (9) يقف خ ل. (10) يفرحون به دون أولادهم خ ل ومثله في المصدر.

[ 57 ]

للناس فضله، وكان يحمل الشئ الثقيل، ويأخذ الصبي ويصرعه، فلم يشكوه إلى امه وكان يهشم عظامهم. قال أبو الحسن البكري: بلغنا أن رجلا من بني الحارث دخل يثرب في حاجة (1) فإذا هو بابن هاشم يلعب مع الصبيان قد غمرهم بنوره، فوقف الرجل ينظر (2) إلى الصبي وهو يقول: ما أسعد من أنت في ديارهم ساكن ؟ وكان يلعب وهو يقول: أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن هاشم وكفى، قال: فناداه الرجل: يا فتى، فأجاب وقال: ما تريد يا عم ؟ قال: ما اسمك ؟ قال: شيبة بن هاشم بن عبد مناف، مات أبي وجفوني عمومتي، وبقيت مع امي وأخوالي، فمن أين أقبلت يا عم ؟ قال: من مكة، قال: وهل أنت متحمل لي رسالة (3) ومتقلد لي أمانة ؟ قال الحارث: وحق ابي وأبيك إني فاعل ما تأمرني به، قال: يا عم إذا رجعت إلى بلدك سالما " ورأيت بني عبد مناف فاقرءهم مني السلام وقل لهم: إن معي رسالة غلام يتيم، مات أبوه، وجفوه عمومته، يا بني عبد مناف ما أسرع ما نسيتم وصية هاشم، وضيعتم نسله، وإذا هبت الريح تحمل روائحكم إلي، قال: فبكى الرجل واستوى على مطيته وأرسل زمامها (4) حتى قدم مكة، فلم يكن له همة إلا رسالة الغلام، ثم أتى مجلس بني عبد مناف فوجدهم جلوسا " فأنعمهم صباحا، وقال: يا أهل الفضل والأشراف، يا بني عبد مناف، أراكم قد غفلتم عن عزكم وتركتم مصباحكم يستضئ به غيركم، قالوا: وما ذلك ؟ فأخبرهم بوصية ابن أخيهم، فقالوا: وأيم الله ما ظننا أنه صار إلى هذا الامر، فقال لهم الحارث: وإنه (5) ليعجز الفصحاء عن فصاحته، ويعجز اللبيب عن خطابه (6)، وإنه لفصيح اللسان، جري الجنان، يتحير في كلامه اللبيب، فائق على العلماء، عاقل أديب، إلى عقله الكفاية، وإلى جماله النهاية، فقال عمه المطلب بن عبد مناف: شعرا ":


(1) في حاجة له خ ل. (2) يناظر إلى الصبى خ ل. (3) متحمل منى رسالة خ ل. (4) في المصدر: وأرخى زمامها. (5) في المصدر: والله أنه ليعجز. (6) في المصدر: عن خطابته.

[ 58 ]

أقسمت بالسلف الماضين من مضر * وهاشم الفاضل المشهور في الامم لأمضين إليه الآن مجتهدا * وأقطعن إليه البيد في الظلم السيد الماجد المشهور من مضر * نور الانام وأهل البيت والحرم قال: وكان المطلب أشد أهل زمانه بأسا " في الشجاعة، فقال له إخوته: نخشي عليك إن علمت امه لم تدعه يخرج معك (1)، لانها شرطت على أخيك ذلك، فقال: يا قوم إن لي في ذلك أمرا " ادبره، ثم إنه تهيأ للخروج، وأفرغ على نفسه لامة (2) حربه، وركب مطيته وخرج وقد أخفى نفسه خوفا " أن يشعر به أحد فيخبر سلمى ثم أقبل يجد السير حتى أقبل (3) على مدينة يثرب وقد ضيق لثامه، ودخل المدينة فوجد شيبة يلعب فعرفه بالنور الذي أودعه الله فيه، وهو قد رفع صخرة عظيمة وقال: أنا ابن هاشم المعروف بالعظائم، فلما سمع كلامه عمه أناخ مطيته وناداه: ادن مني يابن أخي، فأسرع إليه شيبة فقال له: من أنت يا هذا ؟ فقد مال قلبي إليك وأظنك أحد عمومتي، فقال له: أنا عمك المطلب، وأسبل عبرته (4)، وجعل يقبله وقال: يابن أخي احب أن تمضي معي إلى بلد أبيك وعمومتك، وتكون في دار عزك، فقال: نعم، فركب المطلب، وركب شيبة معه وسارا، فقال له شيبة: يا عم اسرع بنا لاني أخشى أن يعلموا (5) بنا امي وعشيرتها فيلحقوا بنا (6) فيأخذوني قهرا "، أما علمت أنه يركب لركوبها أبطال الاوس والخزرج، فقال له: يابن أخي في الله الكفاية (7)، ثم سارا وركبا الجادة الكبرى حتى أدركهم المساء بذي الحليفة فنزلا وسقيا مطيتهما، ثم إن المطلب ركب مطية (8) وأخذ


(1) يخرج معك الينا خ ل. (2) اللامة: الدرع. (3) حتى اشرف خ ل. (4) أسبل الدمع: أرخاه. والعبرة: الدمعة. (5) أن تعلم خ ل. (6) في المصدر: فيلحقون بنا. (7) في الله الكفاية من كل رزية. ومثله في المصدر. (8) في المصدر: ثم إن المطلب استوى على المطية.

[ 59 ]

ابن أخيه شيبة قدامه وأرسل زمامها وسارا، فبينما هما كذلك إذ سمعا صهيل الخيل و قعقعة (1) اللجم وهمهمة الرجال في جوف الليل، فقال المطلب: يابن أخي دهينا (2) ورب الكعبة فما نصنع ؟ قال شيبة: ألم أقل لك إن القوم يلحقون بنا، فانحرف بنا عن الجادة إلى الطريق السفلى، قال المطلب: وكيف يخفى أمرنا عليهم ونورك يدل علينا قال: أستر وجهي (2). فعسى أن يخفى أمرنا عليهم، قال: فأخذ المطلب ثوبا " وطواه ثلاث طيات وستر به وجهه، وإذا بالنور علا من وجهه كما كان، فقال: يابن أخي إن لك شأنا " عظيما " عند الله، فإن الذي أعطاك هذا النور يصرف عنا (4) كل محذور، قال: فبينا هو يخاطب ابن أخيه إذ أدركتهما الخيل وكانوا من اليهود، فلما رأوا شيبة علموا أنه هو الذي يخرج من ذريته من يسومهم سؤ العذاب، ويكون خراب ديارهم على يديه وقد بلغهم (5) في ذلك اليوم أن شيبة قد خرج هو وعمه ولا ثالث لهما فأدركهم الطمع في قتله، فخرجوا وخرج معهم سيد (6) من سادات اليهود يقال له: دحية، وكان له ولد يقال له: لاطية، فخرج يوما " يلعب مع الصبيان فأخذ شيبة عظم بعير وضرب به ابن دحية فهشم رأسه وشجه شجة موضحة (7)، وقال له: يا ابن اليهودية قد قرب أجلك (8)، و دنا خراب دياركم، فبلغ الخبر إلى أبيه دحية فامتلا غيظا "، فلما علم أنه قد خرج مع


(1) أي صوت اللجم. (2) أصبنا بداهية. (3) في المصدر: وكيف يخفى أمرنا ونورك قد يدلوا علينا وقد أنار ما حولها، فقال يا عم استر وجهى. (4) يصرف عنك خ ل ومثله في المصدر. (5) في المصدر زيادة: ويخفى آثارهم وكان قد بلغهم. (6) فخرجوا في أثره وكان قد خرج في جمعهم سيد اه‍. (7) هشم راسه: كسره. شج الرأس: جرحه. كسره. قوله: (موضحة) من أوضحت الشجة في الرأس: كشف العظم. وفي المصدر: واضحة مكان موضحة. (8) قربت آجالكم خ ل ومثله في المصدر وفيه أيضا، ودنا قلع آثاركم مكان خراب دياركم، وفيه: فامتلاء غيظا عليه وحنقا، فلما علم بخروجه مع عمه نادى بأعلى صوته، يا معاشر اليهود.

[ 60 ]

عمه نادى: يا معاشر اليهود، هذا الغلام الذى تخشونه قد خرج معه عمه وما لهما ثالث فاسرعوا إليه واقتلوه، فخرجوا وكان عددهم سبعين فارسا "، فلحقوا بشيبة وعمه، فقال لعمه شيبة: يا عم انزلني حتى أراك قدرة الله تعالى فأنزله عمه فقصده القوم (1) فجثا على الطريق وجعل يمرغ وجهه في التراب ويدعوا ويقول في دعائه: (يا رب الظلام الغامر، والفلك الدائر (2)، يا رب السبع الطباق، يا مقسم الارزاق، أسألك بحق الشفيع المشفع، والنور المستودع، أن ترد عنا كيد أعدائنا) فما استتم دعاؤه حتى كادت الخيل تهجم عليهم، فوقفت الخيل، فقال ابن دحية لاطية: يابن هاشم (3) اصرف عنا هذا الخطاب وكثرة الجواب، فنحن لا نشك فيك يا بن عبد مناف، فأنتم السادات (4)، اعلموا أنا ما خرجنا طالبين كيدكم، ولكن خرجنا كى نردك إلى امك، فلقد كنت مصباح بلدتنا، فقال شيبة: أراكم تنظرون إلي بعين مغضب، فكيف تكون في قلوبكم المحبة لي ؟ لكن لما رأيتم قدرة الله تعالى قلتم: هذا الكلام، وتركهم، وسار إلى عمه، فقال له المطلب: يابن أخي إن لك عند الله شأنا "، ثم جعل يقبله، وسارا وسار القوم راجعين، قال لهم لاطية (5):


(1) في المصدر: فعسى أن نقتله ونصرف عنا شره قال: (فخرجوا مسرعين وكانوا سبعين فارسا فأطلقوا الاعنة وقوموا ولحقوا بشيبة وعمه، ثم ان شيبة قال لعمه ان اليهود لحقوابنا وهم أشد عداوة وما جاؤا الا في طلبى، فقال له عمه: يابن أخى لا تخف فوحق الكعبة الكبرى لا يصلون اليك بمكروه أبدا "، فقال شيبة: يا عم انزلني حتى أراك قدرة الله تعالى الذى خلقني وجعل هذا النور في وجهى، قال: فأنزله عمه، فلما وصل الارض قام قائما فقصده القوم). (2) في المصدر: والبحر الزاخر. وأثبته المصنف في الهامش عن نسخة. (3) فوقف الخيل لا تقدر على المسير خ ل وفي المصدر فبقيت الخيل في وحل لا تقدر على المسير. وفيه: فقال دحية: يا بن هاشم. (4) في المصدر: صرف الخطاب، وكثرة الجواب فنحن ما نشك فيه يابن عبد مناف فانتم السادات الاشراف. (5) في المصدر، يا دحية اليهود، وشاة القرود، انكم تنظرون إلى بعين مقت، فكيف قدح في قلوبكم المحبة لنا، فان ذلك محال، لكن لما رأيتم قدرة الله عز وجل وانكم لا تصلون الينا و ان الله يحول بيننا وبينكم نطقتم بالوسواس، ثم تركهم ومضى إلى ابن عمه، فقال له المطلب: يا خير من مشى، ان لك عند الله تعالى شأنا، ثم جعل يقبله ويقول: ان لك عند الله حرمة عظيمة، قال: وان القوم لما ولوا عنهم ساقوا خيلهم راجعين، فقال لهم لاطية.

[ 61 ]

ألم تعلموا أن هؤلاء معدن السحر ؟ قالوا: بلى، قال: يا بني إسرائيل يا امة الكليم قد سحركم هذا الغلام وعمه فدعونا نترجل، فاتبعوهم من ورائهم شاهرين سيوفهم وقصدوا شيبة، فلما قربوا قال المطلب: الان قد حققت الحقائق (1)، وأخذ المطلب قوسه وجعل فيه سهما " ورمى (2) بها اليهود فقتل بها عبد لاطية، فأتاه سيده وقد مات، و قد أخذ اخرى ورمى بها فأصابت رجلا آخر فقتله، فصاحوا بأجمعهم وهموا بالرجوع، فقال لهم لاطية: عار عليكم الرجوع عن اثنين، فإلى متى يصيبون منا بنبلهم ؟ فلا بد أن يفرغ نبلهم ونقتلهم، ولم يكن (3) في القوم أشجع منه، وكان من يهود خيبر، فعند ذلك حملوا عليهما حملة رجل واحد، وجاء لاطية إلى المطلب وقال: قف لي اكلمك بما فيه المصلحة ونرجع (4) عنكم، قال شيبة: يا عم إن القوم قد عزموا علينا، فقال المطلب: يا معاشر اليهود ليس فيكم شفيق ولا حبيب، والمقام له بين عمومته خير له فانصرفوا راجعين، فقال لهم لاطية: كيف يرجع هذا الجمع خائبا " ونحن قد خرجنا ومرادنا أن نرده إلى أمه ؟


(1) في المصدر: قد سحرنا هذا الغلام وعمه، وقد سحروا خيلنا، وان هذه المصيبة الكبرى أن يرجع هذا الجمع العظيم خائبين وهم اثنين، قال: فلما علموا اليهود أن خيلهم لا تقدر على الوصول إليهم نزلوا عن خيلهم وجردوا سيوفهم، ومشوا إليهم على أقدامهم، فلما قربوا من شيبة وعمه قال المطلب: الان حق الحقائق، وزالت العوائق. (2) في المصدر زيادة: وكان قوس اسماعيل عليه السلام. وأتبة المصنف في الهامش عن نسخة. وفي المصدر: وأخذ نبلة وجعلها في كبد القوس ورمى. (3) في المصدر: وجذب النبلة منه فأخرجها مع روحه، فبينا هم متحيرين في أمرها هم فرماهم بآخر فاصاب رجل منهم في جبهته، فخرجت النبلة من قفاه، فجاء اليهود إليه فوجدوه ميتا فصاحوا بأجمعهم وهموا بالرجوع، فقال لهم ابن دحية: هيهات قد كان رجوعكم ما كان بعد قتل هؤلاء عار عليكم، فقالوا: أيها السيد الكريم وما تراه من الحلية ؟ قال: وكم يكون النبل ؟ فعسى أن يكون عشرة فيصيب بها عشرة منا، وليس كلها تصيب وتقتل، فإذا ظفرنا بهم قتلناه وقتلنا عمه، فعار علينا أن نتركهما وهما اثنان ونحن سبعون فارسا، قال: فحرصهم على القتال، ولم يكن اه‍، قلت: الظاهر أن كلمة - ابن - زائدة وصوابه دحية، لان ابنه كما تقدم قبلا لم يبلغ مبلغ الرجال. (4) في المصدر: فعند ذلك أخذوا سيفوفهم ودرقهم وهموا أن يأخذوا شيبة وعمه المطلب، يقدمهم لاطية بن دحية، ثم انه زعق بهم وقال: يا بن هاشم قف لى حتى اعلمك ما يكون فيه المصلحة بيننا وبينكم ونرجع إلى أماكننا.

[ 62 ]

فقال لهم المطلب: أنتم قوم ظالمون (1)، لقد أكثرتم الكلام، وأطلتم الملام، ثم قال المطلب: إنما غرضي أن تمضي إلى عمومتك، فإن كنت تعرف من القوم الصدق فارجع معهم حتى تكبر وتبلغ مبالغ الرجال، ثم تعود إلى بلد عمومتك، قال: يا عم لا يغرنك كلامهم، إنهم أعداءنا، قال عمه: صدقت، قال: ثم إن المطلب قال لهم: يا حزب الشيطان بنا تمكرون، وعلينا تحتالون ؟ إنما ساقكم إلينا آجالكم، فمن شاء (2) منكم أن يبرز إلى القتال فليبرز، فلما سمعوا كلام المطلب قال لهم لاطية: أما تعلمون أن هذا فارس بني عبد مناف الذي يفرق العرب ؟ من يبرز إليه فله (3) عندي مأة نخلة حاملة ليس فيها ذكر، فقال له رجل يقال له: (جميع) من بني قريظة وكان للاطية عليه دين: أنا أبرز إليه واترك دينك عني، قال: نعم ولك مثله، فاشهدوا يا من حضر، ثم خرج جميع إلى المطلب وهو لا يعلم به حتى قرب منه، فقال له المطلب: لا أشك أنه قد ساقك قصر أجلك، ثم ضربه بالسيف فقال: خذها وأنا المطلب بن عبد مناف، فمات من ساعته، فأقبل اليهود و أحاطوا به، فلما رأى لاطية ما حل باصحابه غضب غضبا " شديدا " وقال: من يبرز إليه فله (4) عندي ما يريد، فقال له غلاب: ما لهذا البطل إلا بطل مثله، أبرز إليه أنت،


(1) ضالون خ ل، قلت: قد اختلف هنا المصدر مع ما نقل عنه في المتن، والظاهر أن متن الكتاب مختصر منه، والموجود في المصدر بعد قوله: (قد عزموا علينا) هكذا: مما دهاهم منا، قال: فناداهم المطلب وقال: يا معاشر اليهود ما كفاكم ما جرى لكم، ولا شك أن آجالكم تسوقكم الينا، فان زعمتم أنكم تطلبون ابن أخى فو الله لن تصلوا إليه حتى تقتلوني دونه، فقال له لاطية بن دحية: يابن عبد مناف اعلم ما جئناكم الا شفقة عليكم، ومحبة في ابن أخيك، لانه قد تربى في بلدنا ومع أولادنا، والثانى أن له علينا أياديا واحسانا "، فأردنا أن نرده إلى امه، فقال لهم المطلب: يا قوم ليس منكم قريب ولا شفيق ولا حبيب، والمقام بين عمومته أحب إليه، فانصرفوا راجعين، اليكم قاصدين، قالوا: أردنا أن نردك إلى امك، فقال لهم المطلب: أنتم قوم ضالون. (2) في المصدر: ثم ان المطلب اهتز في موضعه وكان من الفرسان المعدودين والابطال المعروفين، وقد شد وسطه وعطف نحوهم فقال لهم: يا حزب الشيطان بنا تمكرون، وعلينا تحتالون و تخدعون ؟ اعلموا ما ساقكم الينا في هذه الليلة الا قصر آجالكم، واعلموا أن الاسد لا يقبضن بالخداع، والبحر لا يقاس بالذراع، فان كنتم عطف ظنكم أن تصلون الينا بالخداع قبل قطع واختلاف النفوس (كذا) وتتكلمون بمكركم وخداعكم فهذا بعيد عنكم، فمن شاء اه‍. (3 و 4) وله عندي خ ل.

[ 63 ]

قال: نعم أنا أبرز إليه وجرد سيفه ودنا من المطلب فتقاتلا من أول النهار حتى مضى من الليل أكثره (1)، واليهود فرحون إذ برز لاطية للمطلب هذا، وعينا شيبة يهملان دموعا " خوفا " على عمه المطلب، فبيناهم كذلك وإذا " بغبرة قد ثارت كأنها (2) الليل المظلم (3) وقد سدت الافق، وإذا بصهيل الخيل، وقعقعة اللجم، واصطفاق الاسنة، وإذاهم أربعمأة وهم فرسان الاوس والخزرج قد أقبلوا من المدينة مع سلمى وأبيها، فلما نظرت إلى اليهود مجتمعين على حرب المطلب صاحت بهم صيحة عظيمة وقالت: يا ويلكم ما هذا الفعال ؟ فهم لاطية بالهزيمة فقال له المطلب: إلى أين يا عدو الله، الفرار (4) من الموت، ثم ضربه بالسيف على عاتقه فقسمه نصفين، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار، وجالت الفرسان على اليهود، فما كان إلا قليلا حتى باد (5) جميع اليهود، فعند ذلك عطفوا على المطلب والسيف مشهور في يده وقد دفع القوس إلى ابن أخيه، فلما جالت الكتائب خافت سلمى على ولدها فأومأت إلى القوم وكانت مطاعة فيهم فأمسكوا عن القتال، فتقدمت سلمى إلى المطلب ونادته وقالت: من الهاجم على مرابط الاسد والخاطف من اللبوة شبلها ؟ قال المطلب: هو من يزيده شرفا " على شرفه، وعزا " إلى عزه، وهو أشفق عليه منكم، وأنا أرجو أن يكون صاحب الحرم، والمتولي على الامم، وأنا عمه المطلب، فلما سمعت كلامه قالت: مرحبا " (6) وأهلا وسهلا، ولم لا تستأذني في حملك ولدنا


(1) في المصدر: فقال: نعم، فأخذته الحمية، وغضب وتجرد من ثيابه، وركب جواده، و أخذ درقته وسيفه وقد عزم على القتال، فلما رآه المطلب أقبل مسرعا اليهما فأخذ المطلب بيد ابن أخيه ورجع إلى عدو الله قاصدا غير طايش، فتقابل الكبشين وتناطحا وتجاولا حتى مضى أكثر الليل اه‍. قلت: قد قدمنا أن الظاهر أن لاطية مصحف داحية. (2) في المصدر زيادة: فلما طال عليهما القتال وقد مل كل واحد منهما صاحبه وإذا هم بغبرة قد ثارت عليهم كأنها اه‍. (3) كأنها قطع الليل المظلم خ ل. (4) في المصدر: أين الفرار. وأثبته المصنف في الهامش عن نسخة. (5) حتى أبادوا خ ل. (6) في المصدر زيادة: ما أنا بعدو ولا معاند انا عمه وجماله، فلما سمعت كلامه سلمى قالت، من أنت من عمومته ؟ قال: أنا الذى زوجتك من أبيك، فقالت له عند ذلك: مرحبا. (*)

[ 64 ]

من بلدنا، وأنا قد شرطت على أبيه إن رزقت منه ولدا " يكون عندي ولا يفارقني، فقال لها المطلب: كان ذلك، ثم أقبلت على ولدها، وقالت: يا ولدي خرجت مع عمك وتركتني، والان إن أردت أن ترجع معي فارجع، وإن اخترت عمك فامض راشدا "، فلما سمع كلام امه أطرق إلى الارض، فقالت له امه: يا بني لم تسكت وأنت طلق اللسان، جرئ الجنان ؟ فوحق أبيك إني لا أمنعك عن شهوتك، وإن عز علي فراقك يا ولدي، فرفع رأسه وقد سبقته العبرة فقال: يا اماه أخشى مخالفتك لانه محرم علي عصياني لك، ولكن احب مجاورة بيت ربي، وأنظر إلى عمومتي وعشيرتي، فإن أمرتني بالمسير سرت وإلا رجعت، فعند ذلك بكت وقالت له: إذا كان كذلك فقد سمحت لك برضى مني، و قد كنت مستأنسة بغرتك (1) فلا تنسني، ولا تقطع أخبارك عني، ثم قبلته وودعته، وقالت: يابن عبد مناف قد سلمت إليك الوديعة التي استودعنيها أخوك هاشم بالعهد والميثاق، فاحتفظ بها، فإذا بلغ ولدي مبالغ الرجال ولم أكن حاضرة فانظروا بمن تزوجونه، فقال لها المطلب: تكرمت بما فعلت، وأجملت فيما وصفت (2)، ونحن لا ننسى حقك ما حيينا، ثم عطف عليها يودعها فقالت سلمى: خذوا من هذا الثياب والخيل ما تريدون، فشكرها المطلب وأردف ابن أخيه وسارا حتى قربا من مكة فأضاءت شعابها (3) وأنارت الكعبة، فأقبلت الناس ينظرون إليه، وإذا هم بالمطلب يحمل ابن أخيه، فسألوه عنه و قالوا: من هذا يابن عبد مناف الذي قد أضائت به البلاد ؟ فقال لهم المطلب: هذا عبد لي، فقالوا: ما أجمل هذا العبد، فسموه الناس من ذلك عبد المطلب، وأقبل إلى منزله وكتم أمره، وقد عجبت الناس منه ومن نوره وهم لا يعلمون أنه جد رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم إنه ظهرت له (4) آيات ومعجزات ومناقب ودلالات تدل على النبوة (5).


(1) في المصدر: مستأنسة بقربك عمن مضى. (2) فيما صنعت خ ل. (3) في المصدر: فقال له المطلب: يابن أخى انى كاتم أمرك حتى ارقيك في مرتبة أبيك فدخلا مكة وضاءت شعابها. (4) في المصدر: لعبد المطلب. (5) هنا تم الجزء الثالث وفي المصدر بعد ذلك: الجزء الرابع من كتاب الانوار.

[ 65 ]

وقال أبو الحسن البكري: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما قدم المطلب وشيبة إلى الحرم وكان بين عينيه نور رسول الله صلى الله عليه وآله كانت قريش تتبرك به، فإذا أصابتهم مصيبة أو نزلت بهم نازلة أودهمهم طارق (1) أو نزل بهم قحط توسلوا بنور رسول الله صلى الله عليه وآله فيكشف الله عنهم ما نزل بهم، قال: وكان أعجب نازلة نزلت بهم وأعجب آية ظهرت لهم ما جرى من أصحاب الفيل وهو أبرهة بن الصباح، وكان ملك اليمن، وقيل: ملك الحبشة (2) الذي ذكره الله في كتابه العزيز، وكان قد أشرف منه أهل مكة على الهلاك، وقد حلف أنه يقطع آثارهم، ويهدم الكعبة، ويرمى بأحجارها في بحر جدة، ويحفر أساسها، فكشفه الله عن البيت وأهله ببركة عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله. قال صاحب الحديث: فأما ما اجتمعت عليه الروايات وأصحاب الحديث أنه نزلت جماعة من أهل مكة بأرض الحبشة في تجارة فدخلوا في كنيسة من كنائس النصارى، و أوقدوا بها نارا " يصطلون عليها، ويصلحون بها طعاما " لهم ورحلوا لم يطفؤها فهبت ريح فأحرقت جميع ما في الكنيسة، فلما دخلوا قالوا: من فعل هذا ؟ قالوا: كان (3) بها تجار من عرب مكة، فأخبروا بذلك النجاشي وكان ملك اليمن أو ملك الحبشة - والله أعلم - قال: ما أحرق معبدنا إلا العرب، فغضب لذلك غضبا " شديدا "، وقال: لاحرقن معبدهم كما أحرقوا معبدنا، فأرسل وزيره أبرهة بن الصباح وأرسل معه أربعمأة فيل، وأرسل معه مأة ألف مقاتل، وقال له: امضى إلى كعبتهم وانقضها حجرا " حجرا "، وارمها في بحر جدة، واقتل رجالهم، وانهب أموالهم وذراريهم، ولا تترك لهم رجالا "، قال: فأمر المنادي ينادي في الجيوش بالمسير إلى مكة، واجتمعوا من كل جانب ومكان، وأعدوا ما يصلح للسفر من الزاد والماء والعدد والسلاح والدواب وأمرهم بالمسير، قال: فسار القوم وجعل في مقدمة الجيوش رجلا من أخيار دولته يقال له: الاسود بن مقصود (4)، وأمره بالمسير أمامه،


(1) دهمهم: غشيهم. الطارق: الداهية. (2) في المصدر، وهو صاحب الفيل. وذكره المصنف في الهامش عن نسخة. (3) كانوا خ ل. (4) في المصدر: شمير بن المقصود، وفي موضع: شمر، وفي السيرة الحلبية الاسود كما في المتن.

[ 66 ]

ومعه عشرون ألف فارس، وقال: امض بمن معك، وانزل على الكعبة، وخذ رجالها ونسائها ولا تقتل منهم أحدا " حتى آتيك، فإني اريد أن اعذبهم عذابا " شديدا " لم يعذب به أحد من العالمين، قال: فسار بجيشه سيرا " عنيفا " يقطع الفيافي والقفار، ويجوز السهل والوعار، ولم يقروا ولم يهدءوا (1) حتى نزلوا ببطن مكة، فلما سمع أهل مكة أنه قد نزل بهم صاحب الفيل جمعوا أموالهم وأهليهم ودوابهم وهموا بالخروج من مكة هاربين من أصحاب الفيل، فلما نظر إليهم عبد المطلب قال لهم: يا قوم أيجمل منكم (2) هذا الامر ؟ وإنه لعار عليكم خروجكم عن كعبتكم، قالوا له: إن الملك أقسم بمعبوده أن لابد له من ذلك أن يهدم الكعبة، ويرمي أحجارها في البحر، ويذبح أطفالها، ويرمل نسائها، ويقتل رجالها، فاتركنا نخرج قبل أن يحل بنا الويل، فقال لهم عبد المطلب: إن الكعبة لا يصلون إليها، لان لها مانعا " يمنعهم عنها، وصادا " يصدهم عنها، فإن أنتم التجأتم إليها واعتصمتم بها فهو خير لكم، فلم تطمئن القلوب (3) إلى كلامه، وغلب عليهم الخوف والجزع، وخرجوا هاربين يطلبون الشعاب، ومنهم من طلب الجبال، ومنهم من ركب البحر، قال: فعند ذلك قالوا لعبد المطلب: ما يمنعك أن تهرب مع الناس ؟ قال: أستحيي من الله أن أهرب عن بيته وحرمه، فوالله لا برحت من مكاني ولا نأيت (4) عن بيت ربي حتى يحكم الله بما يشاء، قال: ولم يبق يومئذ بمكة إلا عبد المطلب وأقاربه وهم غير آمنين على أنفسهم، فلما نظر عبد المطلب إلى الكعبة خالية وديارها خاوية قال: (اللهم أنت أنيس المستوحشين ولا وحشة معك، فالبيت بيتك، والحرم حرمك، والدار دارك، ونحن جيرانك تمنع عنه ما تشاء (5)، ورب الدار أولى بالدار) قال: وأقام الاسود بن (6)


(1) السهل: الارض الممتدة المستقيم سطحها. والوعر: ضدها. قوله: (لم يهدؤا) أي لم يسكنوا. (2) أيحمد بكم خ ل. (3) في المصدر: فلم يطمئن القوم. وأثبته المصنف في الهامش عن نسخة. (4) في المصدر: ولا باينت. (5) في المصدر: من تشاء، وكذا في نسخة على ما اثبته المصنف في الهامش. (6) في المصدر: الشمر بن المقصود.

[ 67 ]

مقصود بجيشه حتى ورد عليه أبرهة بن الصباح ومعه بقية الجيش وهم أربعمأة فيل (1)، فكدر المياه، وحطم المراعي، وسد المسالك والفجاج (2)، وحطموا الارض، فأضر بهم العطش والجوع لكثرتهم فشكوا ذلك إلى أبرهة، فقال لهم: سيروا إلى مكة مسرعين، فنزلوا بالابطح (3)، وساقوا جميع المواشي، وكانت لعبد المطلب ثمانون ناقة حمراء فأخذها القوم وتقاسموها (4)، وسبق بعض الرعاة فأخبر عبد المطلب بذلك، فقال: (الحمد لله) هي مال الله، وضيافة لاهل بيته وزواره وحجاجه، فإن سلمها (5) فهي له، وإن ردها إلينا فهي إحسانه، وهي عارية عندنا)، ثم إن عبد المطلب لبس قميصه، وتردى برداء لوي، وتحزم (6) بمنطقة الخليل عليه السلام، وتنكب قوس إسماعيل عليه السلام، واستوى على مطيته وعزم على الخروج، فقام إليه أقاربه وقالوا له: أين تريد ؟ قال: إلى (7) هذا الرجل الظالم الذي أخذ مال الله عز وجل، وتعرض لحرم الله، قالوا: ما كنا بالذي نطلق سبيلك حتى تمضي إليه لان هذا مثل البحر من دخله غرق، وأنت اعتصمت برب الكعبة، واعتصمنا معك، ورضينا لانفسنا ما رضيت لنفسك، أما الخروج من الحرم إلى شر الامم فما نسمح لك بذلك، قال: يا قوم إني أعلم من فضل ربي ما لا تعلمون، فخلوا سبيلي فإني سأرجع إليكم عن قريب، فخلوا سبيله فمرت به مطيته كالريح، فلما أشرف على القوم نظروا إليه من بعيد فإذا هو كالبدر إذا بدا، والصبح إذا أسفر، فلما عاينوه من قريب بهتوا فيه فجاؤه وقد حبس الله أيديهم عنه، فقالوا له: من أنت أيها الرجل الجميل الطلعة، المليح الغرة، من أنت يا ذا النور الساطع، والضياء اللامع ؟ فإن كنت من هذه البلدة نسألك أن ترد


(1) في المصدر: اربعمأة قبيلة، وكذا في نسخة على ما أثبته المصنف في الهامش. (2) في المصدر: وكدروا وكذا ما بعدها من الافعال. (3) في المصدر: فسار القوم إلى مكة مسرعين فنزلوا في الابطح. (4) وتقاسموا المواشى خ ل. (5) في المصدر: فان تسلمها. (6) أي شد وسطه. (7) آتى إلى هذا لرجل الظالم خ ل.

[ 68 ]

عن قربنا (1) شفقة منا عليك، فقال لهم: إني اريد الملك، فقالوا له: إن ملكنا قد أقسم بمعبوده أن لا يترك من قومك أحدا "، فقال لهم عبد المطلب: إني قد أتيته قاصدا "، فعند ذلك تصارخت القوم وقال بعضهم لبعض: ما رأينا مثل هذا الرجل في الجمال و الكمال إلا أنه ناقص العقل، نحن نقول: إن ملكنا قد أقسم بمعبوده أن لا يترك أحدا " من أهل هذه البلدة، وهو يقول: لابد لي منه، قال: فخلوا سبيله فمضى قاصدا " إلى الملك، فأوصلوا خبره إلى الملك، وقالوا: أيها الملك قد قدم علينا رجل صفته كذا وكذا من أهل مكة ولم يفزع ولم يجزع، فقال الملك: علي به، فوحق ما أعتقده من ديني لو سألني أهل الارض ما قبلت فيه سؤالا، قال: فعند ذلك أقبلوا إلى عبد المطلب ليأتوا به، فقال لهم عبد المطلب: إني قادم إلى الملك بنفسي، فأمر الملك قومه أن يشهروا السلاح، ويجردوا السيوف، وجعل الملك على رأسه تاجا "، وشد عمامته على جبينه، وأمر سياس الفيل أن يحضروه فأحضروه، وكان فيهم فيل يقال له: المذموم (2)، وكان قد ركبوا على رأسه قرنين من حديد لو نطح جبلا راسيا " بهما لالقاه، وكانوا (3) قد علقوا على خرطومه سيفين هنديين وعلموه الحرب، ووقف سياسه من ورائه، فقال لهم الملك: إذا رأيتموني قد أشرت لكم (4) عند دخول هذا المكى فأطلقوه عليه حتى يدوسه بكلكله (5)، قال: فدخل عليهم عبد المطلب وهم صفوف ينظرون ما يأمرهم الملك في عبد المطلب وهم باهتون، وهو لا يلتفت إلى أحد منهم حتى جاوز أصحاب الفيل، فأمرهم الملك بإطلاق الفيل فأطلقوه، فلما قرب من عبد المطلب برك الفيل إلى الارض وجثا على ركبتيه وسكن ارتجاجه، وكان قبل ذلك إن أحضره سياسه (6) على القتال تحمر عيناه، ويضرب بخرطومه وفيه سيفان، فلما قرب من عبد المطلب سكن ولم يفعل شيئا "، فتعجب الملك وأصحابه من ذلك، وألقى الله


(1) في المصدر: أن ترد عن قريب، وأثبته المصنف في الهامش عن نسخة. (2) في سيرة ابن هشام سماه المحمود. (3) وكان خ ل وفي المصدر: لو نطح جبلا لرماه بهما وكان. (4) أشرت إليكم خ ل. (5) الكلكل: الصدر. (6) في المصدر: إذا أتوا به سياسه. وأطلقوه لقتال.

[ 69 ]

في قلبه الجزع والفزع، وارتعدت فرائصه، ورق قلبه، فأقبل على عبد المطلب حتى أجلسه بجانبه، ورحب به، والتفت إلى الاسود بن مقصود، وقال: أي شئ يطلب هذا الرجل المكي فأقضي حاجته. وقد كان الملك يحلف على هلاكه قبل ذلك، ثم قال له الملك: من أنت وما اسمك ؟ فما رأيت أجمل منك وجها "، ولا أحسن منك بهجة، ولك عندي ما سألت، ولو سألتني الرجوع عن بلدك لفعلت (1)، فقال له عبد المطلب: لا أسألك في شئ من ذلك إلا أن قومك أغاروا علينا، وأخذوا لي ثمانين ناقة، وكنت قد أعددتها للحجاج الذين يقصدوننا من جميع النواحي، فإن رأيت أن تردها علي فافعل، فأمر الملك رجاله بإحضارهن (2)، ثم قال الملك: هل لك من حاجة غيرها فاسألني فيها (3) ؟ فقال عبد المطلب: أيها الملك ما أريد غير هذه، فقال له الملك: فلم لا تسألني في بلدك (4) فإني أقسمت لاهدمن كعبتكم، وأقتل رجالكم، لكن لعظم قدرك عندنا لو سألتني فيها قبلت سؤالك (5)، فقال عبد المطلب: لا أسألك في شئ من ذلك، قال: ولم ذلك ؟ قال: إن لها مانعا " يمنعها غيري، فقال الملك: اعلم يا عبد المطلب إني أخرج على أثرك بجنودي ورجالي، فنخرب الكعبة ونواحيها، وأقتل سكانها، فقال له عبد المطلب: إن قدرت فافعل، قال: فانصرف عبد المطلب ومر على الفيل المذموم، فلما نظر الفيل إلى عبد المطلب سجد له، فقام الوزراء والحجاب يلومون الملك في أمر عبد المطلب كيف خلى سبيله، فقال لهم الملك: ويحكم لا تلوموني، ألم تروا كيف سجد له الفيل بين يديه ؟ والله لقد وقع لهذا الرجل في قلبي هيبة عظيمة، ولكن أشيروا علي بما يكون من هذا الأمر، فقالوا: لابد لنا أن نسير إلى مكة فنخربها، ونرمي أحجارها في بحر جدة، فعند ذلك أمر الملك بالجموع والجيوش أن تزحف إلى مكة (6)، ولما وصل عبد المطلب بالنوق إلى


(1) في المصدر: لرجعت. قلت: في الجملة الاخيرة غرابة ظاهرة ينفرد بها. (2) فاحضروا خ ل. (3) تسألني فيها خ ل. (4) في المصدر: لم لم تسألني الرجوع عن بلدك ؟ (5) قد عرفت أن فيها غرابة وشذوذ. (6) أي أن تمشى إلى مكة. وفي المصدر بعد ذلك: قال: (وقدموا الفيل قدامهم وساروا، فلما وصل). (*)

[ 70 ]

مكة خرج إليه أقاربه وبنو عمه يهنؤنه بالسلامة، وقد كانوا آيسوا منه، فلما نظروا إليه فرحوا به وجعلوا يتعلقون به ويقبلون يديه، وقالوا: (الحمد لله الذي حماك وحفظك بهذا النور الحسن)، ثم سألوه عن الجيش فأخبرهم بقصته وخبر الفيل، فقالوا له: ما الذي تأمرنا به ؟ فقال: يا قوم اخرجوا إلى جبل أبي قبيس حتى ينفذ الله حكمه ومشيته، قال: فخرج القوم بأولادهم ونسائهم ودوابهم، وخرج عبد المطلب وبنو عمه وإخوته وأقاربه، وأخرج مفاتيح الكعبة إلى جبل أبي قبيس، وجعل يسير بهم إلى الصفا، ويدعو ويبكي ويتوسل بنور محمد صلى الله عليه وآله، وجعل يقول: (يا رب إليك المهرب، وأنت المطلب، أسألك بالكعبة العلياء ذات الحج والموقف العظيم المقرب، يا رب ارم الاعادي بسهام العطب (1) حتى يكونوا كالحصيد المنقلب) ثم رجع وأتى إلى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول: لاهم إن المرء يمنع رحله، فامنع رحالك (2) * لا يغلبن صليبهم، ومحالهم عدوا " (3) محالك إن كنت تاركهم وكعبتنا (4) فأمر ما بدالك * جروا جميع بلادهم، والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا جمالك بكيدهم، جهلا وما راقبوا جلالك * فانصر على آل الصليب، وعابديه اليوم آلك وقال أيضا " شعرا ": يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا * أمنعهم أن يخربوا قراكا وإذا بهاتف يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول: قد أجبت دعوتك، وبلغت مسرتك إكراما " للنور الذي في وجهك، فنظر يمينا " وشمالا " فلم ير أحدا "، ثم قال لمن معه وهم على جبل أبي قبيس وقد نشروا شعورهم وهم يبتهلون بالدعاء ويستبشرون بالاجابة، ثم قال: أبشروا فإني رأيت النور الذي في وجهي قد علا، وإنما كان ذلك كاشفا " لما


(1) العطب: الهلاك. (2) ذكر ابن هشام في السيرة البيتين الاوليين وفي رواية منه: فامنع حلالك. والحلال بالكسر جمع الحلة: القوم النزول فيهم كثرة. وجماعة البيوت. (3) في السيرة: غدوا بالغين المعجمة. والمحال بكسر الميم: القوة والشدة. (4) في السيرة: وقبلتنا.

[ 71 ]

طرقكم، ففرح القوم وتضرعوا إلى الله تعالى، فبينما هم كذلك إذا أشرفت عليهم غبرة القوم (1)، وتقاربت الصفوف، ولاح لهم بريق الاسنة، ثم انكشف الغبار عن الفيل فنظروا إليه كأنه الجبل العظيم، وقد ألبسوه الحديد، وزينوه بزينة، فاشتد قلقهم، وانهملت عبراتهم، وتضرع عبد المطلب ودعا، فو الله ما أتم عبد المطلب دعائه وتضرعه حتى وقف الفيل مكانه فصرخت عليه الفيالة (2)، وزجرته الساسة، فلم يلتفت إليهم، فوقفت الجيوش ودهشوا، فقال الاسود بن مقصود وهو على الساقة: (3) ما الخبر ؟ قالوا: إن الفيل قد وقف، فقال للساسة: اضربوه، فضربوه فما حال ولا زال، فتعجبوا من ذلك، ثم أمرهم أن يعطفوا رأسه ففعلوا فهرول راجعا "، فأمر برده فردوه فوقف، فقال الاسود: سحروا فيلكم، ثم بعث إلى الملك وأعلمه بذلك، فقال له: أشر علينا، فبعث أبرهة إلى ابن مقصود فقال: ليس من جرب كمن لا يجرب، ابعث للقوم رسولا " (4) واطلب الصلح، ولا تخبرهم بأمر الفيل لئلا يكون طريقا " لطمعهم فيكم، واطلب منهم رجالا بعدد من قتل منا (5)، ويقومون لنا بما أفسدوا من كنيستنا، فإذا فعلوا ذلك رجعنا عنهم، قال: فلما دخل رسوله أبرهة على الاسود وكان اسمه حناطة الحميري (6)، وكان يهزم الجيوش وحده، وكان له خلقة هائلة فقال له الاسود هل لك أن تكون أنت الرسول إليهم ؟ فعسى أن يكون الصلح على يديك، فقال حناطة: ها أنا سائر إليهم، فإن صالحونا وإلا


(1) غبرة الفيل والقوم خ ل. (2) فيالة جمع الفيال: صاحب الفيل وسياسة. (3) على السيافة خ ل وفي المصدر: على السياسة. (4) رسولا من عندك خ ل. (5) فيه غرابة لانه لم يسبق منهم ذكر مقتول، حتى يطلبون من عبد المطلب قودا، ولم يكن عبد المطلب وقومه يحاربونهم حتى يدعونهم إلى الصلح، وجاء ذكر حناطة يعمر بن نفاثة بن عدى بن الدئل بن بكر بن مناة بن كنانة في السيرة ابن هشام لكنه ذكر أنه وعبد المطلب وخويلد ابن واثلة ذهبوا إلى أبرهة فعرضوا عليه ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم، وقال ابن هشام بعد ذلك: والله أعلم أكان ذلك أم لا. (6) اليحمرى خ ل.

[ 72 ]

رجعت برؤوسهم، ثم سارو هو معجب بنفسه فسأل عن سيد قريش، فقالوا: هو الشيبة النجار (1)، وكان عبد المطلب قد رأه وعلم أنه رسول من القوم، فلما نظر حناطة إلى عبد المطلب دهش وحار، فقال له عبد المطلب: ما الذي أتى بك ؟ قال: يا مولاي إن أبرهة قد عرف فضلكم، ووهب لكم الحرم والبيت، وقد أرسل إليك أن تقوم بدية من قتل له، أو تسلم من رجالك بعددهم (2)، ثم تقوم له بثمن ما عدم من الكنيسة، فإذا فعلتم هذا رجع عنكم (3)، فقال عبد المطلب: أيؤخذ البرئ بالسقيم، ونحن من شميتنا الامانة والصيانة، ونقبض أيدينا عن المظالم، ونصرف جوارحنا (4) عن المآثم، فبلغ صاحبك عنا ذلك، وأما هذا البيت فقسبق مني القول فيه: إن له ربا " يمنع عنه، فوالله ما كبر علي ما جمعتموه من الرجال، فإن أراد صاحبك المسير فليسر، وإن أراد المقام فليقم، قال: فلما سمع حناطة كلامه غضب وأراد أن يقتل عبد المطلب، فظهر لعبد المطلب ما في وجهه فلم يمهله دون أن قبض على محزمه ومراق بطنه وشاله (5) وضرب به الارض، وقال: وعزة ربي لو لا أنك رسول لاهلكتك قبل أن تأتي صاحبك، فرجع حناطة إلى الاسود وأعلمه بما كان من أمره، ثم قال: هؤلاء قوم قد غلت (6) دماؤهم، والرأي عندي أن تراسل القوم بعد هذا، واعلم أن مكة خلية من أهلها (7)، فاسرع إلى الغنيمة. قال الراوي: فأمر الجيوش بالزحف فساروا نحو الحرم، فلما قربوا منه جاءهم أمر الله من حيث لا يشعرون، وإذاهم بأفواج من الطير كالسحابة المترادفة يتبع بعضها بعضا "، و هي كأمثال الخطاطيف، يحمل (8) كل طير ثلاثة أحجار: أحدها في منقاره، واثنين (9)


(1) في المصدر: الشيبة الفخار. أثبته المصنف في الهامش عن نسخة. (2) أو ترجع له برجال بعددهم خ ل. (3) في المصدر زيادة: وأنتم له شاكرون. (4) جوانحنا خ ل. (5) المحزم ما يشد به الوسط. شاله: رفعه. (6) حلت خ ل. (7) عن أهلها خ ل. (8) يحمل منها خ ل وفي المصدر: يحمل كل طير منها. (9) في المصدر: اثنتين.

[ 73 ]

بين رجليه كالعدس، وكبيرها كالحمص، وقد تعالت الطيور، وارتفعت وامتدت فوق العسكر (1)، وانتشرت بطولهم وعرضهم، فلما نظر القوم إلى ذلك خافوا وقالوا: ما هذه الطيور التي لم نر مثلها قبل هذا اليوم ؟ فقال الاسود: ما عليكم بأس، لانها طير تحمل رزقها لفراخها، ثم قال: علي بقوسي ونبلي حتى أردها عنكم، فأخذ قوسه و أراد الرمي فتصارخت الطيور مستأذنة لربها في هلاك القوم، فما أتمت (2) صراخها حتى فتحت أبواب السماء، وإذا بالنداء: أيها الطيور المطيعة لربها افعلوا ما امرتم به، فقد اشتد غضب الجبار على الكفار، ففتحت الطيور أفواهها، وكان أول حصاة وقعت على رأس حناطة فنزلت من البيضة إلى الرأس إلى الحلقوم، ونزلت إلى الصدر، وخرجت من دبره، ونزلت إلى الارض وغاصت فانقلب صريعا "، فتناثرت (3) القوم يمينا " وشمالا و الطيور تتبعهم لا تحول ولا تزول عن الرجل حتى ترميه بالحصاة على رأسه، فتخرج من دبره ولا يردها درقة (4) ولا حديد، وإن أبرهة لما نظر إلى الطير وفعلها علم أنه قد احيط بهم، فولى هاربا " على وجهه، وأما الاسود فإنه لما نظر إلى ما نزل بقومه والحصى تتساقط عليهم وهم يقعون على وجوههم فإذا بطير قد ألقى (5) حجرا " فوقع في فيه حتى خرج من دبره (6)، وأتاه آخر فضربه في هامته فطلع من قفاه (7)، فخر صريعا "، وأعجب من ذلك أن رجلا " من حضرموت كان له أخ فسأله المسير معه فأبى، وقال: ما أنا ممن يتعرض لبيت الله، فلما نزل بهم البلاء خرج هاربا " على وجهه والطير يتبعه، فلما وصل إلى أخيه وصف له العذاب الذي حل بالقوم ورفع رأسه وإذا هو بطير قد رماه بحصاة


(1) في المصدر: وامتدت من فوق رؤس القوم. (2) في المصدر: فماتت. (3) فتنافرت خ ل. (4) الدرقة: الترس من جلود ليس فيه خشب ولا عقب. (5) قد ألقى عليه خ ل. (6) خرج من نقرة قفاه خ ل. (7) من قفاه خ ل وفي المصدر: فخرج من نقرته.

[ 74 ]

على هامته وخرجت من دبره، وأما أبرهة فإنه سار مجدا " على فرسه، إذ سقطت يده اليمنى فتحير في أمره فسقطت يده اليسرى، ثم رجله اليمنى، ثم اليسرى، فأتى منزله فحكى لهم جميع ما جرى لهم كلهم، فما أتم حديثه إلا ورأسه قد وقع، هذا ما جرى لهم، وأما عبد المطلب ومن معه فإنهم أقاموا في ابتهال ودعاء وتضرع وقد استجيب لهم ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالوا في دعائهم: (اللهم ببركة هذا النور الذي وهبتنا اجعل لنا من كل كيدهم فرجا " (1)، وانصرنا على أعداءنا) ونظروا هياكل الاعداء على وجه الارض مطروحة، والفيل ولى هاربا "، وأما ما كان ممن فر من أهل مكة وسمع بما نزل بأصحاب الفيل أتوا فرحين مستبشرين، وأقاموا مدة ينقلون الا سلاب والرحال (2) وكان سعادتهم (3) وسرورهم ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم إن عبد المطلب (4) كان ذات يوم نائما " في الحجر إذ أتاه آت فقال له: احفر طيبة، قال: فقلت له: وما طيبة ؟ فغاب عني إلى غد، فنمت في مكاني فأتى الهاتف فقال: احفر برة، فقلت: وما برة ؟ فغاب عني، فنمت في اليوم الثالث فأتى وقال: احفر مضنونة، فقلت: وما مضنونة ؟، فغاب عني، وأتاني في اليوم الرابع وقال: احفر زمزم، فقلت: وما زمزم ؟ قال: لا تنزف أبدا " ولا تذم، تسقي الحجيج الاعظم، عند قرية النمل، فلما دله على الموضع أخذ عبد المطلب معوله وولده الحارث ولم يكن له يومئذ ولد غيره، فلما ظهر له البناء وعلمت قريش بذلك قالوا له: هذا بئر زمزم، بئر أبينا إسماعيل عليه السلام و نحن فيه شركاء، قال: لا أفعل لانه أمر خصصت به دونكم، فتشاوروا على أن يجعلوا


(1) في المصدر: فرجا ومخرجا. (2) أسلاب جمع السلب: ما يسلب وينتزع من القتيل. الرحال جمع الرحل: ما يستصحبه المسافر من الاثاث في السفر. (3) في المصدر: وكان ذلك سبب سعادتهم. (4) في المصدر: قال الراوى لهذا الحديث ثم ان عبد المطلب.

[ 75 ]

بينهم حكما " وهو سعيد بن خثيمة (1)، وكان بأطراف الشام، فخرجوا حتى إذا كانوا بمفازة بين الحجاز والشام بلغ بهم الجهد والعطش ولم يجدوا ماء، فقالوا لعبد المطلب: ما تفعل ؟ قال: كل واحد منكم يحفر حفيرة لنفسه ففعلوا، ثم ركب عبد المطلب راحلته وسار بها (2) فنبع الماء من تحت خفها فكبر وكبرت أصحابه وشربوا جميعهم وملؤا قربهم وحلفوا أن لا يخالفوه في زمزم، فقالوا: إن الذي أسقاه الماء في هذه الفلاة هو الذي أعطاه زمزم، ورجعوا ومكنوه من الحفر (3). فلما تمادى على الحفر وجد غزالين من ذهب وهما اللذان دفنهما جدهم، ووجد أسيافا " كثيرة ودروعا "، فطلبوه بنصيبهم فيها، فقال لهم: هلموا إلى من ينصف بيننا، فنضرب القداح (4) فنجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه كان هذا له، قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين له، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطاه لصاحب القداح (5) وهو عند هبل، وهبل صنم في الكعبة، فضرب بهما فخرج الاصفران على الغزالين، وخرج الاسودان على الاسياف والدروع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الاسياف ما بين الكعبة، فضرب في الباب الغزالين من الذهب، وأقام عبد المطلب بسقاية زمزم للحاج (6). وما كان بمكة من يحسده ويضاده إلا رجل واحد وهو عدي بن نوفل، وكان أيضا " صاحب منعة (7) وبسطة وطول يد، وكان المشار إليه قبل قدوم عبد المطلب، فلما قدم


(1) في المصدر: سعيد بن جندب، في سيرة لابن هشام: كاهنة بنى سعد هذيم. (2) وأشاربها خ ل. (3) ذكره ابن هشام في السيرة ثم قال: (قال ابن اسحاق: فهذا الذى بلغني من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه في زمزم). (4) القدح بالكسر: السهم الذى كانوا يقتسمون به. (5) في المصدر: ثم أعطى لصاحب القداح أجرته وفي هامش نسخة المصنف: ودفع إليه اجرته خ ل. (6) ذكره ايضا ابن هشام في السيرة 1: 158. (7) المنعة: العزة والقوة.

[ 76 ]

عبد المطلب إلى مكة وسوده أهل مكة عليهم كبر ذلك على عدي بن نوفل، إذ مال الناس إلى عبد المطلب وكبر ذلك عليه، فلما كان بعض الايام تناسبا (1) وتقاولا ووقع الخصام، فقال عدي بن نوفل لعبد المطلب: أمسك عليك ما أعطيناك، ولا يغرنك ما خولناك، فإنما أنت غلام من غلمان قومك، ليس لك ولد ولا مساعد فبم تستطيل علينا ولقد كنت في يثرب وحيدا " حتى جاء بك عمك إلينا، وقدم بك علينا، فصار لك كلام، فغضب عبد المطلب لذلك، وقال له: يا ويلك تعيرني بقلة الولد، لله علي عهد وميثاق لازم، لان رزقني الله عشرة أولاد ذكورا " وزاد عليهم لأنحرن أحدهم إكراما " وإجلالا لحقه، وطلبا " بثأري (2) بالوفاء، اللهم فكثر لي العيال، ولا تشمت بي أحدا "، إنك أنت الفرد الصمد، ولا أعاين بمثل قولك أبدا (3)، ثم مضى وأخذ في خطبة النساء والتزويج حرصا " على الأولاد، ثم تزوج بست نساء فرزق منهن عشرة أولاد، وكل امرأة تزوجها هي كانت ذات حسن وجمال وعز في قومها، منهن منعة بنت حباب الكلابية (4)، والطائفية (5)، والطليقية بنت غيدق اسمها سمراء، وهاجرة الخزاعية، وسعدى بنت حبيب الكلابية، وهالة بنت وهب، وفاطمة بنت عمرو المخزومية، وأما منعة بنت الحباب فإنها ولدت له الغيداق واسمه الحجل، وإنما سمي الغيداق لمروته وبذل ماله، وأما الفرعي (6) فولدت له أبا لهب واسمه عبد العزى، وأما سعدى (7) فولدت له ولدين: أحدهما ضرار، والاخر العباس، وأما فاطمة فولدت له ولدين: أحدهما عبد مناف، ويقال له: أبو طالب


(1) تسابا خ ل. (2) لثارى خ ل. (3) قوله أحدا خ ل. (4) في المصدر: بغلة بنت حسان الكلبية: وفي تاريخ اليعقوبي: ممنعة بنت عمرو بن مالك بن نوفل الخزاعى. (5) لم يذكر الطائفية في المصدر. (6) لم تسبق قبل ذلك ولعلها الخزاعية. وذكر اليعقوبي أن اسمها لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر الخزاعى. (7) في تاريخ اليعقوبي: اسمها نتيلة بنت جناب بن كليب بن النمر بن قاسط.

[ 77 ]

والاخر عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وآله (1)، وكان عبد الله أصغر أولاده، وكان في وجهه نور رسول الله صلى الله عليه وآله، فأولاد عبد المطلب الحارث وأبو لهب والعباس وضرار وحمزة والمقوم والحجل والزبير وأبو طالب و عبد الله (2)، وكان عبد المطلب قائما " مجتهدا " في خدمة الكعبة، وكان عبد المطلب نائما " في بعض الليالي قريبا " من حائط الكعبة فرأى رؤيا " فانتبه فزعا " مرعوبا "، فقام يجر أذياله ويجر ردائه إلى أن وقف على جماعته وهو يرتعد فزعا "، فقالوا له: ما وراءك يا أبا الحارث ؟ إنا نراك مرعوبا " طائشا "، فقال: إني رأيت كأن قد خرج من ظهري سلسلة بيضاء مضيئة، يكاد ضوئها يخطف الابصار، لها أربعة أطراف، طرف منها قد بلغ المشرق، وطرف منها قد بلغ المغرب، وطرف منها قد غاص تحت الثرى، وطرف منها قد بلغ عنان السماء، فنظرت (3) وإذا رأيت تحتها شخصين عظيمين بهيين، فقلت لاحدهما: من أنت ؟ فقال: أنا نوح نبي رب العالمين، وقلت للاخر: من أنت ؟ قال: أنا إبراهيم الخليل، جئنا نستظل بهذه الشجرة، فطوبى لمن استظل بها، والويل لمن تنحى عنها، فانتبهت لذلك فزعا " مرعوبا " فقال له الكهنة: يا أبا الحارث هذه بشارة لك، وخير يصل إليك، ليس لاحد فيها شئ، وإن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يدعو أهل المشرق والمغرب، ويكون رحمة لقوم، وعذابا " على قوم، فانصرف عبد المطلب فرحا " مسرورا "، وقال في نفسه: ليت شعري من يقبض النور من ولدي، وكان يخرج كل يوم إلى الصيد وحده، فأخذه ذات يوم العطش فنظر إلى ماء صاف في حجر معين، فشرب منه فوجده أبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأقبل من وقته وغشى زوجته فاطمة بنت عمرو، فحملت بعبدالله أبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فانتقل النور الذي كان في وجهه إلى زوجته فاطمة، فما مرت بها الليالي والايام حتى ولدت عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وآله، فانتقل النور إليه، فلما ولدته


(1) وعد اليعقوبي في تاريخه من أولادها أيضا الزبير وعبد الكعبة وهو المقوم. (2) وأضاف اليعقوبي قثم، وذكر أن امه وام الحارث واحدة وهو صفية بنت جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة. (3) في المصدر زيادة هي: فبينما أنا أنظر إليها وإذا هي قد تحولت شجرة بيضاء زاهرة، لها أغصان قد بلغت إلى عنان السماء، فنظرت.

[ 78 ]

سطح النور في غرته (1) حتى لحق عنان السماء (2)، فلما نظر إليه عبد المطلب فرح (3) فرحا " شديدا "، ولم يخف مولده على الكهنة والاحبار، فأما الكهنة فعظم أمره عليهم لابطال كهانتم، وأما أحبار اليهود فكانت معهم جبة بيضاء وكانت جبة يحيى بن زكريا عليهما السلام، وكان الدم يابسا " عليها قد غمست في دمه، وكان في كتبهم: إن هذا الدم الذي في الجبة إذا قطر منها قطرة واحدة من الدم يكون قد قرب خروج صاحب السيف المسلول، فنظروا إلى ذلك الدم فوجدوا الجبة، وإذا بها قد صارت رطبة يقطر منها الدم (4)، فعلموا أنه قد دنا خروجه، فاغتموا لذلك غما " شديدا "، وبعثوا إلى مكة رجالا منهم يكشفون لهم عن الخبر، ويأتونهم بخبر مولده، وكان عبد الله يشب في اليوم مثل ما يشب أولاد الناس في السنة، وكان الناس يزورونه ويتعجبون من حسنه وجماله وأنواره، وقيل: إنه لقى عبد الله في زمانه ما لقى يوسف الصديق في زمانه، وذلك من عداوة اليهود، وجرت عليه امور عظيمة وأحوال جسيمة (5). فلما كملت لعبد المطلب عشرة أولاد ذكورا " وولد له الحارث (6) فصاروا أحد عشر ولدا " ذكرا " فذكر نذره الذي نذر، والعهد الذي عاهد: لئن بلغت أولادي أحد عشر ولدا " ذكورا " (7) لاقربن أحدهم لوجه الله تعالى، فجمع عبد المطلب أولاده بين يديه، وصنع لهم طعاما "، وجمعهم حوله، واغتم لذلك غما " شديدا "، ثم قال لهم: يا أولادي إنكم كنتم تعلمون (8) أنكم عندي بمنزلة واحدة، وأنتم الحدقة من العين، والروح بين الجنبين،


(1) في المصدر: من غرته. (2) بعنان السماء خ ل. (3) فرح به خ ل. (4) في المصدر: فنظروا إلى ذلك الدم فوجدوه قد صار رطبا يقطر منها دما. فعلموا. ونقله المصنف في الهامش عن نسخة. (5) ذكر نحوه المسعودي في اثبات الوصية: 84. (6) قد سبق أن الحارث ولد قبلهم، فالصحيح كما في المصدر: وولده الحارث. (7) في المصدر: عشرة، وذكر المصنف عن نسخة في الهامش هكذا: عشرة ذكورا لا نحرن. (8) أنتم تعلمون خ ل وهو الموجود في المصدر.

[ 79 ]

ولو أن أحدكم أصابته شوكة لساءني ذلك (1)، ولكن حق الله أوجب من حقكم (2)، وقد عاهدته ونذرت له متى رزقني الله أحد عشر ولدا " ذكرا " لأنحرن أحدهم قربانا "، وقد أعطاني ما سألته، وبقي الآن (3)، ما عاهدته، وقد جمعتكم لاشاوركم، فما أنتم قائلون ؟ فجعل بعضهم ينظر إلى بعض وهم سكوت لا يتكلمون، فأول من تكلم منهم عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وآله وكان أصغر أولاده، فقال: يا أبت أنت الحاكم علينا، ونحن أولادك وفي طوع يدك، وحق الله أوجب من حقنا، وأمره أوجب من أمرنا، ونحن لك طائعون وصابرون على حكم الله وحكمك، وقد رضينا بأمر الله وأمرك، وصبرنا على حكم الله و حكمك، ونعوذ بالله من مخالفتك، فشكره أبوه، وكان لعبد الله في ذلك اليوم إحدى عشر سنة، فلما سمع أبوه كلامه بكى بكاء " شديدا " حتى بل لحيته من دموعه، ثم قال لهم: يا أولادي ما الذي تقولون ؟ فقالوا له: سمعنا وأطعنا، فافعل ما بدا لك، ولو نحرتنا عن آخرنا فكيف واحدا " منا، فشكرهم على مقالتهم، ثم قال لهم: يا بني امضوا إلى امهاتكم وأخبروهن بما قلت لكم، وقولوا لهن يغسلنكم ويكحلنكم ويطيبنكم، والبسوا أفخر ثيابكم، وودعوا امهاتكم وداع من لا يرجع أبدا "، فتفرقوا إلى امهاتهم و وأخبروهن بما قال لهم أبوهم، ففاضت لاجل ذلك العيون، وترادفت الاحزان (4)، قال: ثم إن عبد المطلب بات تلك الليلة مهموما " مغموما "، لم يطعم طعاما "، ولم يشرب شرابا "، ولم يغمض عينا " حتى طلع الفجر (5)، ثم لبس أفخر أثوابه، وتردى برداء آدم عليه السلام، وتنعل بنعل شيث عليه السلام، وتختم بخاتم نوح عليه السلام، وأخذ بيده خنجرا " ماضيا " ليذبح به بعض أولاده،


(1) في المصدر هنا زيادة هي: ولو عرض لبعضكم عارض لاذانى. وأثبته المصنف في الهامش عن نسخة. (2) في المصدر هنا زيادة هي: ومكان الله أعظم من مكانكم. ونقله المصنف في الهامش عن نسخة. (3) وبقى على الان ما عاهدته خ ل. (4) في المصدر هنا زيادة هي: وعقدن لفقد أولادهن الماتم. (5) في المصدر هنا زيادة هي: وهو مع ذلك قلقا مرعوبا لما يعلم من أمر أولاده وما يريد أن يفعل بهم، قال: (فاغتسل ولبس) اه‍. قلت: قوله: (قلقا) لعله مصحف قلق مرعوب.

[ 80 ]

وخرج يناديهم من عند امهاتهم واحدا " واحدا "، فأقبلوا إليه مسرعين وقد تزينوا (1) بأحسن الزينة، فلم يتأخر (2) غير عبد الله، لانه كان أصغرهم، فسألهم عنه فقالوا: لا نعلمه منهم أحد (3) فخرج إليه بنفسه حتى ورد منزل فاطمة زوجته، فأخذ بيده، فتعلقت به امه، فجعل أبوه يجذبه منها، وهي تجذبه منه، وهو يريد أباه (4)، وهو يقول: (يا اماه اتركيني أمضي مع أبي ليفعل بي ما يريد)، فتركته وشقت جيبها وصرخت وقالت: (لفعلك يا أبا الحارث فعل لم يفعله أحد غيرك، فكيف تطيب نفسك بذبح ولدك ؟ وإن كان ولا بد من ذلك فخل عبد الله لانه طفل صغير وارحمه لاجل صغره، ولاجل هذا النور الذي في غرته (5)) فلم يكترث بكلامها (6)، ثم جذبه من يدها (7)، فقامت عند ذلك تودعه فضمته إلى صدرها، وقالت: (حاشاك يا رب أن يطفئ نورك، وقد قلت حيلتي فيك يا ولدي، واحزنا عليك يا ولدي، ليتني قبل غيبتك عني وقبل ذبحك يا ولدي غيبت تحت الثرى، لئلا أرى فيك ما أرى، ولكن ذلك بالرغم مني لا بالرضا


(1) في المصدر: وقد تطيبوا وتزينوا. (2) في المصدر: ولم يتأخر أحد منهم. وفي هامش الكتاب: فلم يتأخر منهم أحد خ ل. (3) فقالوا: ما لنا به علم خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) وهو يريد ابنه وهى تمنعه خ ل وفي المصدر: وهو يريد أبيه وهى تمنعه وهو يقول: يا أماه اتركيني أمضى مع أبى ليمثل أمره وما عاهد الله عز وجل به، فأنا أعود إليك ان شاء الله تعالى، فتركته وقالت: (يا أبا الحارث فعلك الذى عزمت عليه ما سبقك إليه أحد من الناس، فكيف تطيب نفسك أن تذبح أولادك) ؟. (5) ولهذا النور الذى في غرته خ ل. وفي المصدر: في وجهه، وبعده: فورب الكعبة لان فعلت ببعض أولادك ما أنت عليه عازم تشمت بك الحساد، ولا تطيب نفسك أبدا، فقال لها عبد المطلب: (يا فاطمة ان عبد الله اجل اولادي وأحبهم إلى، وأنا أرجو من الله تعالى أن ينجيه ويرحم صغر سنه)، قال: (ثم ان عبد المطلب عزم على المسير به، فقامت امه تضمه إلى صدرها وهى تقول: أترى ورب الكعبة قضى بفراقك، وقدر على وحشتك حاشا نور الله يطفأ ويذهب نور الابطح والصفا، ولقد قلت حيلتى يا بنى). (6) أي لم يعبأ به ولا يباليه. (7) ثم جذبه بيده وأخذه خ ل.

[ 81 ]

سوقك من عندي من غير اختياري (1))، فلما سمع ذلك أبوه بكى بكاء " شديدا " حتى غشي عليه وتغير لونه، فقال عبد الله لامه: دعيني أمضي مع أبي، فإن اختارني (2) ربي كنت راضيا " سامحا " ببذل روحي له، وإن كان غير ذلك عدت إليك، فأطلقته امه فمشى وراء أبيه وجملة أولاده (3) إلى الكعبة، فارتفعت الاصوات من كل ناحية، وأقبلوا ينظرون ما يصنع عبد المطلب بأولاده، وأقبلت اليهود والكهنة وقالوا: لعله يذبح الذي نخافه، ثم عزم على القرعة بينهم وجاء بهم جميعا " للمنحر، وبيده خنجر يلوح الموت من جوانبه، ثم نادى بأعلا صوته يسمع القريب والبعيد وقال: (اللهم رب هذا البيت والحرم والحطيم، وزمزم (4) ورب الملائكة الكرام، ورب جملة الانام، اكشف عنا بنورك الظلام (5)، بحق ما جرى به القلم، اللهم إنك خلقت الخلق بقدرتك، وأمرتهم بعبادتك، لا مانع منك إلا أنت (6)، وإنما يحتاج الضعيف إلى القوي، والفقير إلى الغني، يا رب وأنت تعلم أني نذرت نذرا "، وعاهدتك عهدا " على إن وهبتني عشرة أولاد ذكور لاقربن لوجهك الكريم واحدا " منهم، وها أنا وهم بين يديك، فاختر منهم من أحببت، اللهم كما قضيت وأمضيت فاجعله في الكبار، ولا تجعله في الصغار، لان الكبير أصبر على البلاء من الصغير،


(1) بغير اختياري خ ل. (2) في المصدر بعد ذلك: يفعل بى ما يشاء، ويحكم ما يريد، فان اختارني إه‍. (3) مع جملة أولاده خ ل، وفي المصدر: ومشى وراء أبيه، وأقبل عبد المطلب وساق أولاده بين يديه إلى الكعبة، فارتفعت الاصوات، وخرجت الرجال والنساء من كل جانب ومكان، و جعلوا ينظرون إلى عبد المطلب وما يريد يصنع بأولاده، وأقبلوا إليه السحرة والكهنة واليهود ويقولون: عسى أن يذبح الذى نخاف منه، وكانوا اليهود يقولون: هذا الذى يخرج منه ما تحذرون وقد قرب ذلك منكم، فلما علموا أن عبد المطلب لابد أن يقارع بينهم فأى من وقعت عليه القرعة يذبحه أقبلت الناس إلى المنحر وهم ينظرون إلى عبد المطلب وأولاده خلفه، فأقبل بهم نحو المنحر وبيده خنجر ماض فتطاولت إليه الاعناق، ثم نادى إه‍. (4) اللهم رب هذا البيت الحرام، والمشاعر العظام وزمزم والمقام خ ل. (5) في المصدر: الظلم. (6) المصدر خال عن قوله: الا انت. (*)

[ 82 ]

والصغير أولى بالرحمة، اللهم رب البيت والاستار، والركن والاحجار، وساطح الارض، ومجري البحار، ومرسل السحاب والامطار، اصرف البلاء عن الصغار) ثم دعا بصاحب الجرائد فقدها (1) فقذفها وكتب على كل واحدة اسم ولد، ثم دعا بصاحب القداح وهي الازلام (2) التي ذكرها الله تعالى، وكانوا يقسمون (3) بها في الجاهلية، فأخذ الجرائد من يده، وساق أولاد عبد المطلب وقصد بهم الكعبة، فأخذت امهاتهم في الصراخ والنياح والشق للجيوب (4)، كل واحدة تبكي على ولدها، وجميع الناس يبكون لبكائهم، وجعل عبد المطلب يقوم (5) مرة ويقعد اخرى، وهو يدعو (6): (يا رب اسرع في قضائك) فتطاولت الاعناق، وفاضت العبرات، واشتدت الحسرات، فبينما هم في ذلك وإذا بصاحب القداح قد خرج من الكعبة وهو قابض على عبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد جعل ردائه في عنقه وهو يجره وقد زالت النضارة من وجهه، واصفر لونه، وارتعدت فرائصه، وقال له: يا عبد المطلب هذا ولدك قد خرج عليه السهم، فإن شئت فاذبحه أو اتركه (7)، فلما سمع كلامه خر مغشيا " عليه، ووقع إلى الارض (8)، وخرج بقية أولاده من الكعبة وهم يبكون على أخيهم، وكان أشدهم عليه حزنا " أبو طالب لانه شقيقه من امه وأبيه، وكان لا يصبر عنه ساعة واحدة، وكان يقبل غرته وموضع النور من وجهه، ويقول: يا أخي ليتني لا أموت حتى أرى ولدك الوارث لهذا النور الذي فضله الله على الخلق أجمعين (9)، الذي يغسل الارض من الدنس، ويزيل دولة الاوثان، ويبطل كهانة الكهان.


(1) فقدرها خ ل وفي المصدر: وقدر وفصله وكتب. (2) في المصدر: القداح الذى كانوا يضربون بها، وهى التى تسمى الازلام. (3) يقتسمون خ ل وكذا في المصدر. (4) وشق الجيوب خ ل. (5) في المصدر: وقلق عبد المطلب قلقا شديدا "، وجعل يقوم اه‍. وزاد في الدعاء: فانى راغب إليك. (6) وهو يقول خ ل. (7) وان شئت اتركه خ ل ومثله في المصدر. (8) في المصدر: على الارض. (9) في المصدر زيادة هي: وتقاتل معه الملائكة المقربين.

[ 83 ]

فلما ولد النبي صلى الله عليه وآله كان يحبه أبو طالب حبا " شديدا " (1)، ويقول له: فدتك نفسي يابن أخي، يابن الذبيحين إسماعيل وعبد الله. رجعنا إلى الحديث الاول: ثم لما أفاق عبد المطلب سمع البكاء من الرجال و النساء من كل ناحية، فنظر وإذا فاطمة بنت عمرو ام عبد الله وهي تحثو التراب على وجهها، وتضرب على صدرها، فلما نظر إليها عبد المطلب لم يجد صبرا " وقبض (2) على يد ولده، وأراد أن يذبحه فتعلقت به سادات قريش وبنو عبد مناف فصاح بهم صيحة منكرة وقال: يا ويلكم لستم أشفق على ولدي مني، ولكن أمضي حكم ربي، وأبو طالب متعلق بأذيال عبد الله وهو يبكي ويقول لابيه: اترك أخي واذبحني مكانه فإني راض أن أكون (3) قربانك لربك، فقال عبد المطلب: ما كنت بالذي أتعرض على ربي، واخالف حكمه، فهو الامر وأنا المأمور، ثم اجتمع أكابر قومه وعشيرته وقالوا له: يا عبد المطلب عد إلى صاحب القداح مرة ثانية فعسى أن يقع السهم في غيره (4)، ويقضي الله ما فيه الفرج، فعاد ثانية فعاد السهم (5) على عبد الله، فقال عبد المطلب: قضي الأمر ورب الكعبة، ثم ساق ولده عبد الله إلى المنحر والناس من وراءه صفوف، فلما وصل المنحر عقل رجليه (6) فعند ذلك ضربت امه وجهها، ونشرت شعرها، ومزقت أثوابها، ثم أضجعه وهو ذاهل (7) لا يدري ما يصنع مما بقلبه من الحزن، فلما رأته امه أنه لا محالة عازم على ذبحه مضت مسرعة إلى قومها، وهي قد اضطربت جوارحها لما رأت عبد المطلب قد أضجع


(1) وكان يفتخر به خ ل وهو موجود في المصدر. (2) لم يملك نفسه خ ل وفي المصدر: فلما نظر عبد المطلب إلى فاطمة وشدة حزنها وعظم قلقها فلم تحمل صبرا وقد اكملت الحزن ثم انه قبض. (3) فقد رضيت أن أكون خ ل وكذا في المصدر. (4) على غيره خ ل وهكذا في المصدر. (5) فعاد فخرج السهم خ ل وفي المصدر وفعل فخرج السهم. (6) عقل رجليه بحبل خ ل وهكذا هو في المصدر. (7) وهو داهش خ ل وهكذا هو في المصدر.

[ 84 ]

عبد الله ولده ليذبحه، وهو لا يسمع (1) عذل عاذل، ولا قول قائل، وضجت الملائكة بالتسبيح، ونشرت أجنحتها، ونادى جبرئيل (2)، وتضرع إسرافيل وهم يستغيثون إلى ربهم، فقال الله: يا ملائكتي إني بكل شئ عليم، وقد ابتليت عبدي لانظر صبره على حكمي، فبينما عبد المطلب كذالك إذ أتاه عشرة رجال عراة حفاة، في أيديهم السيوف، وحالوا بينه وبين ولده، فقال لهم: ما شأنكم ؟ قالوا له: لا ندعك تذبح ابن اختنا ولو قتلتنا (3) عن آخرنا، ولقد كلفت هذه المرأة ما لا تطيق، ونحن أخواله من بني مخزوم، فلما رآهم قد حالوا بينه وبين ولده رفع رأسه إلى السماء، وقال: (يا رب قد منعوني أن أمضي حكمك، واوفي بعهدك، فاحكم بيني وبينهم بالحق وأنت خير الحاكمين)، فبينما هم كذلك (4) إذ أقبل عليهم رجل من كبار قومه يقال له: عكرمة بن عامر (5)، فأشار بيده إلى الناس أن اسكتوا، ثم قال: يا ابا الحارث اعلم أنك قد أصبحت سيد الابطح، فلو فعلت بولدك هذا لصار سنة بعدك يلزمك عارها وشنارها، وهذا لا يليق بك، فقال: أترى يا عكرمة أغضب ربي ؟ قال: إني أدلك (6) على ما فيه الصلاح، قال: ما هو يا عكرمة، قال: إن معنا في بلادنا كاهنة (7) عارفة ليس في الكهان أعرف منها، تحدث بما يكون في ضمائر الناس وما يخفى في سرائرهم (8)، وذلك أن لها صاحبا من الجن يخبرها بذلك، فلما سمع كلامه سكن ما به فأجمع رأيهم (9) على ذلك، فقالوا: يا أبا الحارث لقد تكلم عكرمة بالصواب، فأخذ عبد المطلب ولده وأقبل إلى منزله وأخذ


(1) فلما حققت الحقائق، وأخذ الشفرة بيده وهو لا يسمع خ ل وفي المصدر: وقد اضطربت بما جرى عليها، وقد حققت الحقائق، وأخذ الشفرة بيده وهو لا يسمع. (2) في المصدر: فابتهل جبرائيل. (3) ولو قتلنا خ ل. (4) في ذلك خ ل. (5) في المصدر: وكان سيد قومه. (6) في المصدر زيادة هي: وأرضى عباده واخلف عهده، قال عكرمة: هل أدلك. (7) في المصدر: قال عكرمة: اعلم أيها السيد ان جوارنا كاهنة. (8) وما يجول في سرائرهم خ ل وفي المصدر: وما يحول. (9) فلما سمع كلامه أصغى إليه وسكن. وهكذا هو في المصدر. وفيه: فأجمعوا رأيهم.

[ 85 ]

أهبة (1) السفر إلى الكاهنة، وأخذ معه هدية عظيمة (2)، وكان اسم الكاهنة ام ملخان، فلما كان بعد ثلاثة أيام خرج عبد المطلب (3) في قومه إلى الكاهنة، فتقدم عبد المطلب إليها بعد أن دفع إليها الهدية، فسألها عن أمره، فقالت، انزلوا، وغدا " أظهر لكم العجب، فلما كان غداة غد اجتمعوا عندها فأنشأت تقول: يا مرحبا بالفتية الاخيار * الساكني البيت مع الاستار قد خلقوا من صلصل الفخار * ومن صميم العز والانوار خذوا بقولي صح في الاثار * انبئكم بالعلم والاخبار أهل الضياء والنور والفخار * من هاشم سماه في الاقدار قد رام من خالقه الجبار * أن يعطه عشرا " من الاذكار من غير ما نقص بإذن الباري * فواحد ينحره للانذار ثم إنها التفتت إلى عبد المطلب، وقالت له (4): أنت الناذر ؟ قال: نعم، جئناك لتنظري في أمرنا، وتعملي الحيلة في ولدنا، فقالت: ورب البنية (5)، وناصب الجبال المرسية، وساطح الارض المدحية، إن هذا الفتى الذي ذكرتموه سوف يعلو ذكره ويعظم


(1) الاهبة: العدة وما يحتاج في السفر إليه. (2) سنية خ ل. (3) في بعض النسخ هكذا: فلما كان بعد ثلاثة أيام خرج عبد المطلب في جماعة قومه من بنى عبد مناف وبنى مخزوم فجعل يقول: تملكني الهموم (قد - خ ل) فضقت ذرعا * ولم أملك لما قد حل دفعا نذرت وكان نذر المرء دينا * وهل حر يرى للنذر منعا ثم ان القوم ساروا طالبين للكاهنة فوجودها غائبة فسألوا عنها، فقيل لهم: انها خرجت في طلب حاجة لها، فساروا قاصدين للمكان الذى هي فيه، فتقدم إليها عبد المطلب بعد ما دفع إليها الهدية. (إلى آخر ما في المتن). منه عفى عنه. قلت: ومثله ما في نسختنا الا أنه ترك الشعر. (4) في المصدر: فقالت: انزلوا استريحوا يومكم هذا، فان فرجكم وجب، وغدا سيظهر لكم العجب قال: فتفرقوا القوم عنها، فلما كان في غداة غد اجتمعوا إليها، وعن خبرهم سألوها وما جاؤا فيه وقال: ثم نظرت إلى عبد المطلب وقالت له. (5) فورب البرية خ ل ومثله في المصدر.

[ 86 ]

أمره، وإني سأرشدكم إلى خلاصه، فكم الدية عندكم، قالوا: عشرة (1) من الابل، قالت: ارجعوا إلى بلدكم واستقسموا بالازلام على عشرة من الابل وعلى ولدكم، فإن خرج عليه السهم فزيدوا عشرة اخرى وارموا عليها بالسهام، فإن خرج عليه دونها فزيدوا عشرة اخرى هكذا إلى المأة، فإن لم تخرج على الابل اذبحوا ولدكم، ففرح القوم ورجعوا إلى مكة، وأقبل (2) عبد المطلب على ولده يقبله، فقال عبد الله: يعز علي يا أبتاه شقاءك من أجلي، وحزنك علي، ثم أمر عبد المطلب أن يخرج كل ما معه من الابل، فأحضرت وأرسل إلى بني عمه أن يأتوا بالابل على قدر طاقتهم، وقال: (إن أراد الله بي خيرا " وقاني في ولدي، وإن كان غير ذلك فحكمه ماض)، فجعل أهل مكة يسوقون له كل ما معهم من الابل، وأقبل عبد المطلب على فاطمة ام عبد الله، وقد أقرحت عيناها بالبكاء فأخبرها بذلك ففرحت وقالت: أرجو من ربي أن يقبل مني الفداء، ويسامحني في ولدي، وكانت ذات يسار ومال كثير، وكانت امها سرحانة زوجة عمرو المخزومي، وكانت كثيرة الاموال والذخائر، وكان لها جمال تسافر إلى العراق، وجمال تسافر إلى الشام، فقالت: علي بمالي ومال أمي، ولو طلب مني ربي ألف (3) ناقة لقدمتها إليه وعلي الزيادة، فشكرها عبد المطلب وقال: أرجو أن يكون في مالي ما يرضى ربي، ويفرج كربي، وأما الناس بمكة ففي فرح وسرور (4)، وبات عبد المطلب فرحا " مسرورا "، ثم أقبل إلى الكعبة وطاف بها سبعا "، وهو يسأل الله تعالى أن يفرج عنه، فلما طلع الصباح (5) أمر رعاة الابل أن يحضروها، فأحضروها (6)، وأخذ عبد المطلب ابنه فطيبه وزينه وألبسه أفخر


(1) مأة خ ل وفي المصدر: عشرين. (2) في المصدر: قال: (ففرحوا القوم فرحا شديدا ورجعوا إلى أهليهم مسرورين، فلما وصلوا مكة خرجوا أهلها كلهم يسألون ما قالت الكاهنة، فأخبروهم بمقالها، وأقبل). (3) في المصدر: ألفين. (4) في المصدر: وأما الناس فقد أمسوا بمكة في فرح وسرور. (5) أصبح الصباح خ ل. وهكذا هو في المصدر. (6) في المصدر هنا زيادة هي هكذا: وأتوا بنو عمه بما كان من المال فجمعوا أموالا كثيرة. (*)

[ 87 ]

أثوابه، وأقبل به إلى الكعبة، وفي يده الحبل والسكين، فلما رأته امه فاطمة قالت: يا عبد المطلب ارم ما في يدك حتى يطمئن قلبي، قال: إني قاصد إلى ربي أسأله أن يقبل مني الفداء في ولدي، فإن نفدت أموالي وأموال قومي ركبت جوادي وخرجت إلى كسرى وقيصر (1) وملوك الهند والصين مستطعما " على وجهي حتى أرضى ربي (2)، وأنا أرجو أن يفديه كما فدا أبي إسماعيل من الذبح، وسار إلى الكعبة والناس حوله ينظرون، فقال لهم: (يا معاشر من حضر إياكم أن تعودوا إلي في ولدي كما فعلتم بالامس، وتحولوا بيني وبين ذبح ولدي)، ثم إنه قدم (3) عشرة من الابل وأوقفها (4) وتعلق بأستار الكعبة، وقال: (اللهم أمرك نافذ)، ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها، فخرج السهم على عبد الله، فقال عبد المطلب: (لربي القضاء)، فزاد على الابل عشرة، وأمر صاحب القداح أن يضربها، فضربها فخرج السهم على عبد الله، فقال أشراف قريش: لو قدمت غيرك يا عبد المطلب لكان خيرا "، فإنا نخشى أن يكون ربك ساخطا " عليك، فقال لهم: إن كان الامر كما زعمتم فالمسئ أولى بالاعتذار، ثم قال: (اللهم إن كان دعائي عنك قد حجب من كثرة الذنوب فإنك غفار الذنوب، كاشف الكروب، تكرم علي بفضلك وإحسانك) ثم زاد عشرة اخرى من الابل ورمق بطرفه نحو السماء وقال: (اللهم أنت تعلم السر وأخفى، وأنت بالمنظر الاعلى، اصرف عنا البلاء كما صرفته عن إبراهيم الذي وفى) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على


(1) في المصدر: وقيصر الشام، وبطارقة الروم، وملوك الهند. (2) فيه غرابة: فان الذى تقدم في قول كاهنة أن الفداء لم تجاوز عن المأة، فلو لم تخرج الازلام بعد ذلك على الابل بل خرجت على عبد الله فالمتعين قتله فعليه فلا معنى للخروج إلى كسرى وغيره. (3) في المصدر: يا معاشر الناس انكم تعلمون منزلة الولد، لا يقاس به أحد، لانها روح خرجت من روح، وما أنتم بأشفق منى على ولدى، وقد كانت منكم بالامس بى زلة وفعلة منكرة، وأياكم أن تعودوا لمثلها، وتحولون بينى وبين ولدى، فاتركوني أناجي ربى، وأرجوه أن يتكرم على بولدى، فانه اهل الجود والكرم، ثم ان عبد المطلب قدم. (4) قد سقط من المصدر من هنا إلى قوله: اتركوني حتى أنفذ حكم ربى.

[ 88 ]

عبد الله، فقال عبد المطلب: إن هذا لشئ يراد، ثم قال: لعل بعد العسر يسرا "، ثم أضاف إلى الثلاثين عشرة اخرى فقال: يا رب هذا البيت والعباد * إن بني أقرب الأولاد وحبه في السمع والفؤاد * وامه صارخة تنادي فوقه من شفرة الحداد * فانه كالبدر في البلاد ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله، فقال عبد المطلب: كيف أبذل فيك يا ولدي الفداء وقد حكم فيك الرب بما يشاء، ثم أضاف إلى الاربعين عشرة اخرى، وأمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله، فقالت امه: يا عبد المطلب اريد منك أن تتركني أسأل الله في ولدي، فعسى أن يرحمني ويرحم ضعفي وحالتي هذه، فقامت فاطمة وأضافت إلى الخمسين عشرة اخرى. وقالت: (يا رب رزقتني ولدا " وقد حسدني عليه أكثر الناس وعاندني فيه، وقد رجوته أن يكون لي سندا " وعضدا "، وأن يوسدني في لحدي، ويكون ذكري بعدي، فعارضنني فيه أمرك وأنت تعلم يا رب إنه أحب أولادي إلي، وأكرمهم لدي، وإني يا رب فديته بهذه الفداء فاقبلها ولا تشمت بي الاعداء)، ثم أمرت صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله، فقال عبد المطلب: إن لكل شئ دليلا ونهاية، وهذا الامر ليس لي ولا لك فيه حيلة، فلا تعودي إلى التعرض في أمري، ثم أضاف إلى الستين عشرة اخرى فقال: (اللهم منك المنع ومنك العطاء، وأمرك نافذ كما تشاء، وقد تعرضت عليك بجهلي وقبيح عملي فلا تؤاخذني ولا تخيب أملي) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله، فعند ذلك ضج الناس بالبكاء والنحيب، فقال عبد المطلب: (ما بعد المنع إلا العطاء، وما بعد الشدة إلا الرخاء، وأنت عالم السر وأخفى)، ثم ضم إلى السبعين عشرة أخرى وأمر صاحب القداح أن يضربها، فضربها فخرج السهم على عبد الله، فأخذ عبد المطلب الحبل والسكين بيده وهم الناس أن يمنعوه مثل المرة الاولى فقال لهم: أقسمت بالله إن عارضنني في ولدي أحد لاضربن نفسي بهذا السكين و أذبح نفسي، اتركوني حتى أنفذ حكم ربي فأنا عبده، وولدي عبده، يفعل بنا ما يشاء

[ 89 ]

ويحكم ما يريد، فأمسك الناس عنه، ثم أضاف إلى الثمانين عشرة وجعل يقول: (يا رب إليك المرجع، وأنت ترى وتسمع) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله، فوقع عبد المطلب مغشيا " عليه، فلما أفاق قال: (واغوثاه إليك يا رب) وجذب ابنه للذبح وضجت الناس بالبكاء والعويل رجالا " ونساء "، فعند ذلك صاح عبد الله في وثاقه (1) وقال: يا أبت أما تستحيي من الله ؟ كم ترد أمره وتلح عليه ؟ هلم إلي فانحرني فإني قد خجلت من تعرضك إلى ربك في حقي، فإني صابر على قضائه وحكمه، وإن كنت يا أبت لا تقدر على ذلك من رقة قلبك علي يا ابتاه فخذ بيدي ورجلي واربطهما بعضهما إلى بعض، وغط وجهي لئلا ترى عينك عيني، واقبض ثيابك عن دمي لكيلا تتلطخ بالدم، فتكون إذا لبست أثوابك تذكرك الحزن علي يا أبت، واوصيك يا أبتاه بامي خيرا "، فإني أعلم أنها بعدي هالكة لا محالة من أجل حزنها علي فسكنها وسكن دمعتها، وإني أعلم أنها لا تلتذ بعدي بعيش، وأوصيك بنفسك خيرا، فإن خفت ذلك فغمض عينيك فإنك تجدني صابرا "، ثم قال عبد المطلب: يعز علي يا ولدي كلامك هذا، ثم بكى حتى اخضلت لحيته بالدموع، ثم قال: (يا قوم ما تقولون ؟ كيف أتعرض على ربي في قضائه ؟ وإني أخاف أن ينتقم مني (2)، ثم قام ونهض إلى الكعبة فطاف بها سبعا " ودعا الله ومرغ وجهه وزاد في دعائه، وقال: (يا رب امض أمرك فإني راغب في رضاك (2)) ثم زاد على الابل عشرة فصارت مأة، وقال: من أكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له، ثم قال: (رب ارحم تضرعي وتوسلي وكبري) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها، فضربها فخرج السهم على الابل، فنزع الناس عبد الله من يد أبيه، وأقبلت الناس من كل مكان يهنؤنه بالخلاص، وأقبلت أمه وهي تعثر (4) في أذيالها فأخذت ولدها وقبلته وضمته إلى صدرها، ثم قالت: (الحمد لله الذي لم يبتلني بذبحك،


(1) الوثاق: ما يشد به من قيد وحبل ونحوهما. (2) في المصدر: فانى أستحيى اعاوده مرة اخرى فينتقم منى. (3) في المصدر: ما أنا راغب عن قضائك. (4) أي تسقط.

[ 90 ]

ولم يشمت بي الاعداء وأهل العناد)، فبينما هم كذلك إذ سمعوا هاتفا " من داخل الكعبة وهو يقول: (قد قبل الله منكم الفداء، وقد قرب خروج المصطفى)، فقالت قريش: بخ بخ لك يا أبا الحارث، هتفت بك وبابنك الهواتف، وهم الناس بذبح الابل، فقال عبد المطلب: مهلا أراجع ربي مرة اخرى، فإن هذه القداح تصيب وتخطئ، وقد خرجت على ولدي تسع مرات متواليات، وهذه مرة واحدة، فلا أدري ما يكون من الثانية (1)، اتركوني أعاود ربي مرة واحدة، فقالوا له: افعل ما تريد، ثم إنه استقبل الكعبة وقال: (اللهم سامع الدعاء، وسابغ النعم، ومعدن الجود والكرم، فإن كنت يا مولاي مننت علي بولدي هبة منك فاظهرلنا برهانه مرة ثانية) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على الابل، فأخذت فاطمة ولدها وذهبت به إلى بيتها وأتى إليه الناس من كل جانب ومكان سحيق، وفج عميق (2) يهنؤنها بمنة الله عليها، ثم أمر عبد المطلب أن تنحر الإبل فنحرت عن آخرها وتناهبها الناس، وقال لهم: لا تمنعوا منها الوحوش والطير (3)، وانصرف فجرت سنة في الدية مأة من الابل إلى هذا الزمان، ومضى عبد المطلب وأولاده، فلما رأته الكهنة والاحبار وقد تخلص خاب أملهم، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نسع في هلاكه (4) من حيث لا يشعر به أحد، فقال كبيرهم وكان يسمى ربيان وكانوا له سامعين فقال لهم: اعملوا طعاما " وضعوا فيه سما "، ثم ابعثوا به إلى عبد المطلب على حال الهدية إكراما " لخلاص ولده، فعزم القوم على ذلك فصنعوا طعاما " ووضعو فيه سما "، وأرسلوه مع نساء متبرقعات إلى بيت عبد المطلب، وهن خافيات أنفسهم بحيث لا تعلم إحداهن، فقرعوا الباب فخرجت إليهم فاطمة ورحبت بهن، وقالت: من أين أنتن ؟


(1) في الثانية خ ل وهكذا في المصدر. (2) السحيق: البعيد. وفج عميق: طريق بعيدة غامضة. (3) يوجد ذكر القصة بتمامها في السيرة لابن هشام: 1: 164 - 168، وتاريخ الطبري: 1: 5 وفيهما: أن عبد المطلب ضرب على الابل وعلى ابنه عبد الله القداح ثلاث مرات حين خرج القدح على الابل. (4) في المصدر: تعالوا نعمل حيلة في هلاكه.

[ 91 ]

قلن لها: نحن من قرابتك من بني عبد مناف، دخل علينا السرور لخلاص ابنك، فأخذت فاطمة منهن الطعام (1)، وأقبلت إلى عبد المطلب، فقال: من أين هذا ؟ فذكرت له الخبر، فقال عبد المطلب: هلموا إلى ما خصكم به قرابتكم، فقاموا وأرادوا الاكل منه، وإذا بالطعام قد نطق بلسان فصيح وقال: لا تأكلوا مني فإني مسموم، وكان هذا من دلائل نور رسول الله صلى الله عليه وآله، فامتنعوا من أكله وخرجوا يقتفون النساء فلم يروا لهن أثرا "، فعلموا أنه مكيدة من الا " عداء، فحفروا للطعام حفيرة ووضعوه فيها (2). وقال أبو الحسن البكري: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما قبل الله الفداء من عبد المطلب في ولده عبد الله فرح فرحا " شديدا "، فلما لحق عبد الله ملاحق الرجال تطاولت إليه الخطاب، وبذلوا في طلبه الجزيل من المال (3)، كل ذلك رغبة في نور رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يكن في زمانه أجمل ولا أبهى ولا أكمل منه، وكان إذا مر بالناس في النهار يشمون منه رائحة (4) المسك الاذفر والكافور والعنبر، وكان إذا مر بهم ليلا تضئ من نوره الحنادس والظلم، فسموه أهل مكة مصباح الحرم، وأقام عبد المطلب وابنه عبد الله بمكة حتى تزوج عبد الله بآمنة بنت وهب، وكان السبب في تزويجها به (5) أن الاحبار اجتمعوا بأرض الشام، وتكلموا في مولد رسول الله صلى الله عليه وآله والدم الذي قد جرى من جبة يحيى بن زكريا عليهما السلام كما تقدم ذكره، فلما أيقنوا أنه قد قرب خروج صاحب السيف (6)، وظهرت أنواره تشاوروا فيما بينهم وساروا إلى حبر لهم (7) وكان في


(1) في المصدر: دخل عليهن السرور بخلاص ابن أخيهم وقد عملوا طعاما وليمة وبعثوا إليكم بعضها، فأخذت منهن الطعام. (2) في المصدر: ثم أقام بعد ذلك مدة وخرج وتزوج بآمنة بنت وهب ام رسول الله صلى الله عليه وآله، تم الجزء الرابع، والحمد لله رب العالمين. (3) وبذلوا في قربه الجزيل من الاموال خ ل. (4) روائح خ ل وهكذا في المصدر. (5) في المصدر: قال البكري: وكان سبب تزويج آمنة بعبد الله أن الاحبار. (6) السيف المسلول. وهكذا في المصدر. (7) في المصدر: فتشاوروا بينهم وعقدوا رأيهم على المسير إلى حبر لهم.

[ 92 ]

قرية من قرى الاردن، وكانوا يقتبسون من علمه، وكان ممن عمر في زمانه (1)، فقصده القوم، فلما وصلوا إليه قال لهم: ما الذي أزعجكم (2) ؟ قالوا له: إنا نظرنا في كتبنا فوجدنا صفة هذا الرجل السفاك (3) الذي تقاتل معه الاملاك، وما نلقى عند ظهوره من الاهوال والهلاك (4)، وقد جئناك نشاورك في أمره قبل ظهوره وعلو ذكره، قال: يا قوم إن من أراد إبطال ما أراد الله فهو جاهل مغرور، وإنه لكائن بكم، وهذا الذي ذكرتم قد سبق أمره عند الله، فكيف تقدرون على إبطاله ؟ وهو مبطل كهانة الكهان، ومزيل دولة الصلبان (5)، وسيكون له وزير وقريب (6)، فلما سمعوا كلامه خافوا وحاروا، فقام حبر من أحبارهم يقال له: هيوبا بن داحورا (7)، وكان كافرا " متمردا " شديد البأس، فقال لهم: هذا رجل قد كبر وخرف وقل عقله فلا تسمعوا من قوله (8)، ثم قال لهم: أرأيتم الشجرة إذا قطعت من أصلها فهل تعود خضرا " ؟ قالوا: لا، قال: فإن قتلتم صاحبكم هذا الذي يخرج من صلبه هذا المولود فما الذي تخافون منه ؟ فقوموا هذه الساعة وخذوا معكم تجارة وسيروا إلى البلد الذي هو فيها، يعني مكة، فإذا وصلتم دبرتم الحيلة في هلاكه فتبعوا قوله (9) وقالوا له: أنت سيدنا (10)، قال لهم: افعلوا ما آمركم به، وأنا معكم بسيفي ورمحي، ولكن ما أسير معكم حتى تعاهدوني (11)، فيعمد كل واحد منكم إلى


(1) وكان قد بلغ من العمر فوق مأة عام خ ل وفي المصدر: وكان قد بلغ من العمر مأة سنة. (2) في المصدر: قال: ما الذي أقدم الاحبار وعلماء الامصار ؟ (2) الهتاك خ ل وفي المصدر: السفاك الهتاك. (4) وقد قرب زمانه خ ل وهو الموجود أيضا في المصدر. (5) الصلبان جمع الصليب. (6) قرين خ ل، وهو الموجود في المصدر. (7) في المصدر: هلو يابن داخور. (8) واياكم أن تسمعوا منه خ ل. وهو الموجود في المصدر. (9) فصدقوا قوله، ومثله الموجود في المصدر. (10) سيدنا وعمادنا خ ل وهو الموجود في المصدر. (11) ولا تخاذلوني خ ل، يوجد أيضا في المصدر وفيه ايضا فليعمد، وفيه: يسقيه.

[ 93 ]

سيفه ليسقيه سما " فأجابوه إلى ذلك وافترقوا، ثم اجتمعوا بايلة (1)، وخرجوا بجمالهم محملة بالتجارة، وساروا حتى وصلوا مكة، فلما دخلوها سمعوا من ورائهم صوتا وهو يقول: قصدتم لازر القوم في السر والجهر * تريدون مكرا " بالمعظم في القدر ومن غالب الرحمن لا شك إنه * سيرميه باريه بقاصمة الظهر ستضحون يا شر الانام كأنكم * نعام اسيقت للذباحة والنحر فلما سمعوا كلام الهاتف هالهم ذلك وهموا بالرجوع، فقال لهم هيوبا: لا تخافوا من كلام هذا الهاتف، فإن هذا الوادي قد كثر فيه الكهان والشياطين، وإن هذا الهاتف هو شيطان قد علم قصدكم فعند ذلك تبادر القوم، فكان كل من لقاهم يحدثهم بحسن عبد الله وجماله، فوقع في قلوبهم الكمد (2) والحسد، فجعلوا يسومون متاعهم ولا يبيعون منه شيئا "، وإنما يريدون بذلك المقام بمكة والحيلة في قتل عبد الله فأقبل يوما " عبد المطلب وهو قابض على يده ولده عبد الله، ومر باليهود، وكان عبد الله قد رأى رؤيا أفزعته، فخرج مرعوبا " إلى أبيه فقال: ما أصابك يا بني (3) ؟ قال: رؤيا هالتني، قال: رأيت سيوفا " مجردة في أيدي قردة وهم قعود على أدبارهم، وأنا أنظر إليهم وهم يهزون السيوف ويشيرون بها إلي فعلوت عنها (4) في الهواء، فبينما أنا كذلك وإذا بنار قد نزلت من السماء فزادتني خوفا، وقلت: كيف خلاصي منها ؟ فبينما أنا كذلك وإذا بالنار قد وقعت على القردة فأحرقتهم عن آخرهم، فزادني ذلك رعبا "، فقال له أبوه: وقاك الله يا بني شر ما تحاذر من الحساد والاضداد (5)، فإن الناس يحسدونك على هذا النور الذي في وجهك، ولكن


(1) ثم اجتمعوا إليه خ ل، وفي المصدر: وافترقوا على انهم يجتمعون بليلة. (2) الكمد: الحزن والغم الشديد. وفي المصدر بعد ذلك: إلى أن وصلوا مكة. فلم يظهر عليهم أحد بما في نفوسهم: وظنوا أنهم تجار، وجعلوا يسومون. (3) ما الذي بك يا بنى خ ل، وكذا في المصدر، وفيه بعد ذلك: صرف الله عنك المحذور، و وقاك ما تخافه من الشرور. (4) في المصدر: فعلوت عنهم. (5) وقاك الله يا بنى البلاء خ ل وفي المصدر: الرصاد مكان الاضداد.

[ 94 ]

لو اجتمعت أهل الارض إنسها وجنها لم يقدروا على شئ، لانه وديعة من الله عز وجل لخاتم الانبياء، وهاهنا أحبار اليهود من الشام وفيهم الحكمة والمعرفة فقم معي حتى أقص عليهم رؤياك، فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله ودخلا عليهم، فلما نظر إليه الاحبار وهو كأنه البدر المنير نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: هذا الذي نطلبه، فقال لهم عبد المطلب: يا معاشر اليهود (1) جئنا إليكم نخبركم (2) برؤيا رآها ولدي هذا، فقالوا له: وماذا ؟ فقص عليهم الرؤيا، فزادهم حنقا " عليه، وقال له هيوبا: أيها السيد إنها أضغاث أحلام وأنتم سادات كرام، ليس لكم معاند ولا مضاد، ثم انصرف عبد المطلب بولده وأقاموا بعد ذلك أياما " يريدون الحيلة فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا، وكان عبد الله مغرما بالصيد (3)، وكان إذا خرج إلى الصيد لا يرجع إلا ليلا، وكان يخرج مع أبيه فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا حتى خرج ذات يوم وحده (4) فخرجوا ورائه من حيث لا يشعر بهم أحد (5)، فقال لهم هيوبا: ما انتظاركم وقد خرج الذي تطلبونه (6) ؟ فقالوا له: إنا نخاف من فتيان مكة (7) وفرسان بني هاشم وهم لا يطاقون وقد ذلت لهم العمالقة وغيرهم (8)، ونخشى أن يشعروا بنا (9)، فلما سمع هيوبا مقالتهم قال: خاب سعيكم، فإذا كنتم هكذا فما الذي أتى بكم إلى هاهنا ؟ فلابد من قتل هذا الغلام، ولو طال عليكم المقام، ولم تجدوا يوما " مثل هذا اليوم، فإذا قتلناه وخفتم التهمة به (10) فعلي ديته، وكانوا قد بعثوا عبدا من


(1) يا معاشر الاحبار خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) جئنا اليكم تخبرونا بما رآه ولدى في رؤياه خ ل وهو الموجود في المصدر. (3) أي مولعا. وفي الهامش اضاف: والقنص خ ل قلت: القنص: الصيد.. (4) فوجدوه وحده خ ل. (5) في المصدر: حتى خرج ذات يوم وحده فطمعوا فيه وخرجوا من حيث لا يشعر أحد متفرقين. (6) في المصدر: فاخرجوا وجدوا السير حتى تظفروا به. (7) من فتيان حرم خ ل وهو الموجود في المصدر. (8) في المصدر: وهم رجال لا يطاقونهم أحد، وقد دانت لهم العمالقة، وفزعت من سيوفهم الجبابرة. (9) في المصدر: فيخرجون وراءنا. (10) في المصدر: فاتهمونا بقتله.

[ 95 ]

عبيدهم ينظر إلى أين يتوجه عبد الله، فرجع العبد وأخبرهم أنه قد غاب بين الجبال و الشعاب، وقد خرج من العمران، وليس عنده (1) إنسان، فعزم القوم على ما أملوه، وجعلوا نصفا عند الامتعة، والنصف الاخر أخذوا السيوف تحت ثيابهم وخرجوا قاصدين عبد الله والعبد أمامهم حتى أوقفهم عليه (2)، وكان عبد الله قد صاد حمار وحش وهو يسلخه فنظر إلى القوم وقد أقبلوا عليه، فقال لهم هيوبا: هذا صاحبكم الذي خرجتم من أوطانكم في في طلبه، فما أحس عبد الله إلا وقد أحاطوا به، وكانوا قد افترقوا فرقتين، وقالوا للذين خلفوهم عند متاعهم: إذا دعوناكم أجيبونا مسرعين، فلما أشرفوا على عبد الله وقد سدوا الطرقات (3)، وزعموا أنهم قد حكموا عليه، فرفع عبد الله رأسه إلى السماء، ودعا الله تعالى وأقبل إليهم (4) وقال: يا قوم ما شأنكم ؟ فوالله ما بسطت يدي إلى واحد منكم بمكروه أبدا فتطالبوني به، ولا غصبت مالا " قط، ولا قتلت احدا " فاقتل به، فما حاجتكم ؟ فإن يكن سبقت مني فعلة سوء إليكم فأخبروني حتى أعرفها، واليهود يومئذ تلثموا ولم يبين منهم إلا حماليق الحدق (5)، فلم يردوا عليه جوابا "، وأشار بعضهم إلى بعض وهموا بالهجوم عليه، فجعل نبلة في كبد قوسه ورمى بها نحوهم فاصابت رجلا منهم فوقع ميتا "، ثم رماهم بأربع نبال أصابت أربعة رجال فاشتغلوا عنه بانفسهم، فأخذ الخامسه ليرميهم بها وأنشأ يقول: ولي همه تعلو على كل همة * وقلب صبور لا يروع من الحرب (6) ولي نبلة أرمي بها كل ضيغم * فتنفذ في اللبات والنحر والقلب فأربعة منها أصابت لاربع * ولو كاثروني صلت بالطعن والضرب أخذت نبالي ثم أرسلت بعضها * فصارت كبرق لاح في خلل السحب


(1) ليس معه خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2) في المصدر: فسار بهم حتى أوقفهم عليه، ثم قال: يا قوم دونكم وما كنتم تطلبون. (3) الطريق خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) في المصدر: فاذاهم مجدين نحوه، فعلم انهم يريدون (معدون خ) شرا فترك ما كان فيه و أقبل عليهم. (5) حملاق العين بالكسر والفتح وحملوقها: باطن الاجفان، والجمع الحماليق. (6) في الحرب خ ل.

[ 96 ]

فلما سمعوا ذلك منه قال له هيوبا: يا فتى احبس عنا نبالك فقد أسرفت في فعالك، ولقد قتلت منا رجالا من غير ذنب ولا سابقة سبقت منا إليك، ونحن قوم تجار، ونحن الذين وقفت علينا بالأمس مع أبيك، وكان لنا عبد قد هرب منا، فلما رأيناك أنكرناك، فعندما عرفناك أنك عبد الله فنحن ما لنا معك طلابة، وأنك (1) لاعز الخلق علينا، و أكرمهم لدينا، فامض لسبيلك فقد سمحنا لك بما فعلت فينا، فقال لهم: يا ويلكم ما الذي تبين لكم مني أني عبدكم ؟ فهل عبدكم مثلي، أو صفته صفتي، أوله نور كنوري ؟ فقالوا له: إنما دخلنا الشك وأنت متباعد عنا، فلما قربت منا وعرفناك، فاسمح لنا بما كان منا إليك فإنا سمحنا لك بما كان وإن كان وأعظم من ذلك أنك قتلت (2) منا رجالا لاذنب لهم، ونحن حيث أكلنا طعام أبيك وشربنا شرابه فنحن لك (3) شاكرون، وأنت أولى بكتمان ما كان اليوم (4) منا، فلما سمع عبد الله كلامهم زعم أنه حق وهو خديعة، ثم إنه ركب جواده وأخذ قوسه وعطف إلى ناحية المضيق (5)، فلما رآه القوم قد أقبل عليهم يريد الخروج بادروا إليه بأجمعهم وجعلوا يرمونه بالحجارة وقاموا إليه بالسيوف، فجعل يكر فيهم كرة بعد كرة، فعند ذلك صاح فيهم هيوبا فتبادروا إليه بأجمعهم وهو يكر فيهم يمينا " وشمالا "، وكلما رمى رجل خر صريعا " ونزل عبد الله عن فرسه واستند إلى المضيق، وقد أقبلوا إليه من كل جانب يرمونه بالحجارة، فبينما هم في المعركة وإذا هم برجال قد أقبلوا بأيديهم السيوف مشهورة وهم عراة مسرعون نحوهم، فإذاهم بنو هاشم، وأبو طالب (6) وفتيان مكة وكان في أولهم أبو طالب وحمزة والعباس، فعند


(1) انكم خ ل. (2) في المصدر: وان أعظم ما كان منك انك قتلت. (3) له خ ل. (4) في المصدر: ما كان اليوم واقع. (5) المضيق الاخر خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) بنو عبدمناف خ ل وفي المصدر: فتأملوهم فاذاهم بنو هاشم وبنو عبدمناف وفتيان مكة.

[ 97 ]

ذلك ناداه أبوه فقال (1): يا بني هذا تأويل رؤياك من قبل، فما استتم كلامه حتى أحاط بعبدالله إخوته وأقاربه. قال البكري: وكان قد أخبرهم بالخبر رجل يقال له: وهب بن عبدمناف، لانه أشرف عليهم في المعركة (2)، فهم أن ينزل فخاف على نفسه من كثرتهم، فأتى إلى الحرم (3) ونادى في بني هاشم (4)، فلما رآهم اليهود أيقنوا بالهلاك وقالوا لعبدالله: إنما أردنا أن نعلم حقيقة الحال، فقال لهم عبد الله: هيهات لقد أجهدتم أنفسكم في هلاكي، فهرب منهم جماعة والتجؤا إلى جبل وظنوا أنهم قد نجوا، فإذا أتاهم أمر الله فسقطت عليهم قطعة من الجبل فسدت (5) عليهم المضيق فلم يجدوا مهربا "، ولحقهم عبد المطلب وأصحابه، والفرقة التي كانت من الجانب الاخر مع هيوبا قتلوا منهم اناسا " كثيرة، وقال رجل منهم: دعونا نصل مكة وافعلوا فينا ما تريدون، فإن لنا مع الناس أمتعة وأموالا " كنا قد أخفيناها وأنتم أحق بها، خذوها ولا تقتلونا، فكتفوهم عن آخرهم، وأقبلوا بهم إلى مكة وأقبل عبد المطلب على ولده يقبله ويقول: (يا ولدي لولا وهب بن عبد مناف أخبرنا بأمرك ماكنا علمنا، ولكن الله تعالى يحفظك)، فلما أشرفوا على مكة خرج الناس يهنؤنهم بالسلامة، وإذا باليهود مكتوفين، فجعل جملة الناس يرمونهم الحجارة، فقام لهم عبد المطلب وقال: ارسلوا بهم (6) إلى دار وهب حتى يستقصوا على أموالهم، ولم يبق لهم شئ فأرسلوهم إلى دار وهب، فلما كان في تلك الليلة أقبل وهب على زوجته برة بنت عبد العزى وقال لها: يا برة لقد رأيت اليوم عجبا " من عبد الله ما رأيته من أحد، وهو يكر على هؤلاء القوم، وكلما رماهم بنبلة قتل منهم إنسانا "، وهو أجمل الناس وجها " مما (7)


(1) وقال خ ل. (2) وهم في المعركة خ ل وهو الموجود في المصدر. (3) فأقبل إلى الحرم خ ل. (4) في المصدر زيادة هي: فبادروا إليه بنو عبد المطلب مسرعين. (5) فسد خ ل. (6) أرسلوا خ ل وكذلك في المصدر. (7) لما قد خصه الله خ ل وفي المصدر: لما خصه الله به من النور الساطع والضياء اللامع.

[ 98 ]

خصه الله تعالى من الضياء الساطع، فامضي إلى أبيه واخطبيه لا بنتنا واعرضيها عليه، فعسى أن يقبلها، فإن قبلها سعدنا سعادة عظيمة، قالت له يا وهب: إن رؤساء مكة و أبطال الحرم وأشراف البطحاء قد رغبوا فيه فأبى عن ذلك، وقد كاتبه ملوك الشام والعراق على ذلك فأبى عليهم، فكيف يتزوج بابنتنا وهي قليلة المال (1) ؟ قال لها: إن لي عليهم اليد إنني أخبرتهم (2) بأمر عبد الله مع هذا اليهود، ثم إن برة قامت ولبست أفخر أثوابها وخرجت حتى أتت دار عبد المطلب فوجدته يحدث أولاده بالخبر، فقالت: أنعم الله مساءكم، ودامت نعماءكم، فرد عليها عبد المطلب التحية والاكرام، وقال لها: لقد سلف (3) لبعلك اليوم علينا يد لا نقدر أن نكافيه أبدا "، وله أياد بالغة (4) بذلك، وسنجازيه بما فعل إن شاء الله تعالى، فطمعت برة في كلامه، ثم قال (5): بلغي بعلك عنا التحية والاكرام وقولي له: إن كان له لدينا حاجة تقضى إن شاء الله مهما كانت، فقالت له برة: يا أبا الحارث قد طلبنا تعجيل المسرة، وقد علمنا أن ملوك الشام والعراق وغيرهم تطاولت إليكم، وقد رغبوا في ولدكم يطلبون أولادكم وأنواركم المضيئة، ونحن أيضا " طمعنا فيمن طمع في ولدكم عبد الله، ورجوناه مثل من رجا (6). وقد رجا وهب أن يكون عبد الله بعلا " لابنتنا، وقد جئناكم طامعين وراغبين في النور الذي في وجه ولدكم عبد الله، ونسألكم أن تقبلونا، فإن كان مالها قليلا " فعلينا ما نجملها به (7) وهي هدية منا لابنك عبد الله، فلما سمع عبد المطلب كلامها نظر إلى ولده وكان قبل ذلك إذا عرض عليه التزويج


(1) سيئة الحال: وفي المصدر: سيئة الحال، قليلة المال. (2) عليهم يدا لانى خ ل وفي المصدر: عليهم اليوم يدا بما أخبرتهم. (3) في المصدر: ودامت نعماؤكم في المساء والصباح، فرد عليها عبد المطلب التحية والاكرام فقال: وانت وقيت الاذى في الصباح والمساء وجعلكم أهل الفلاح والنعماء، ولقد سلف اه‍. (4) وله علينا أياد بالغة خ ل. (5) قال لها خ ل. (6) في المصدر: يطلبون أنواركم ورفعتكم على الخلق ومقداركم، وقد طمعنا فيه كمثل من طمع ورجونا كمن رجا. (7) فعلينا تجميلها خ ل.

[ 99 ]

من بنات الملوك يظهر في وجهه الامتناع، وقال أبوه: ما تقول يا بني فيما سمعت ؟ فوالله ما في بنات أهل مكة مثلها، لانها محتشمة في نفسها طاهرة مطهرة، عاقلة دينة (1)، فسكت عبد الله ولم يرد جوابا "، فعلم أبوه أنه قد مال إليها، فقال عبد المطلب: قد قبلنا دعوتكم، وأجبنا ورضينا بابنتكم، قالت فاطمة زوجة عبد المطلب: أنا أمضي معك إليها (2) حتى أنظر إلى آمنة، فإن كانت تصلح لولدي رضينا بها، فرجعت برة مسرورة بما سمعت، ثم سارت إلى زوجها مسرعة وبشرته وسمعت ام آمنة هاتفا " في الطريق يقول: (بخ بخ لكم يا معشر أهل الصفا، قد قرب خروج المصطفى)، فدخلت على زوجها فقال: وما وراءك ؟ قالت: لقد سعدت سعادة علا قدرك في جملة العالمين، اعلم أن عبد المطلب قد رضي بابنتك (3)، ولكن مع الفرح ترحة، قال: وما هي ؟ قالت: إن فاطمة خارجة تنظر إلى ابنتك آمنة، فإن رضيت بها وإلا لم يكن شيئا (4)، وإني أخاف أن لا ترضى بها، فقال لها وهب بن عبدمناف: اخرجي هذه الساعة إلى ابنتك وزينيها وألبسيها أفخر الثياب وقلديها أفخر ما عندك، فعسى ولعل، فعمدت برة إلى بنتها وألبستها أفخر ما عندها من الثياب، والحلي، وضفرت شعرها (5)، وأرخت ذوائبها (6) على أكتافها، وقالت لها: يا ابنتي إذا أتتك فاطمة فتأدبي لها أحسن الأدب، وارغبي في النور الذي في وجه ولدها عبد الله، فبينما هما في ذلك إذ أقبلت فاطمة وخرج وهب من المنزل، وإذا بعبد المطلب (7) فأدخلوا فاطمة، فقامت لها آمنة إجلالا " وتعظيما " ورحبت بها أحسن


(1) أديبة خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) وأجبنا مسألتكم، ورضينا لعبد الله ابنتكم وسأمضى إليها. (3) في المصدر: قالت له: يا هذا لقد سعدت، وسعد جدك، وعلا في الناس ذكرك ومجدك، وشاع فخرك وارتفع قدرك، وقد رضى عبد المطلب ابنتك. (4) في المصدر: فان رضيت تمت المصاهرة، وان لم ترضاها فما تمت المصاهرة. (5) ضفر الشعر: نسج بعضها على بعض عريضا. (6) الذوائب جمع الذؤابة: شعر في مقدم الرأس. (7) وولده عبد الله خ ل وفي المصدر: وإذا بعبدالله ووالده.

[ 100 ]

المرحب، فنظرت إليها فاطمة وإذا بها قد كساها الله جمالا " لا يوصف (1)، فلما رأت فاطمة ذلك الحسن والجمال وقد أضاء من نور وجهها ذلك المجلس، قالت فاطمة: يا برة ما كنت عهدت أن آمنة على هذه الصورة ولقد رأيتها قبل ذلك مرارا "، فقالت برة: يا فاطمة كل ذلك ببركتم علينا، ثم خاطبت (2) فاطمة آمنة وإذا هي أفصح نساء أهل مكة، فقامت فاطمة وأتت إلى عبد المطلب وعبد الله، وقالت: يا ولدي ما في بنات العرب مثلها أبدا، ولقد ارتضيتها، وإن الله تعالى لا يودع هذا النور إلا في مثل هذه. ولما وقع (3) الحديث بين وهب وبين عبد المطلب في أمر ابنته آمنة، قال وهب: يا أبا الحارث هذه آمنة هدية مني إليك بغير صداق معجل ولا مؤجل، فقال عبد المطلب جزيت (4) خيرا " ولابد من صداق، ويكون بيننا وبينك من يشهد به من قومنا، ثم (5) إن عبد المطلب هم أن يمد إليه شيئا " من المال ليصلح به شأنها، إذ سمع همهمة وأصواتا " فوثب وهب وسيفه مسلول ثم قاموا جميعا "، قال أبو الحسن البكري: وكان سبب ذلك أن اليهود الذين كانوا محبوسين في دار وهب خدعهم الشيطان، وزين لهم هيوبا إنكم مقتولون لا محالة، فقوموا جميعا " وخاطروا بأنفسكم على عبد المطلب وابنه عبد الله، فإن الموت قد وقع بكم، واهربوا على وجوهكم، ثم إن هبوبا تمطى في كتافه فقطعه، ثم


(1) في المصدر: وقد كساها الله عزوجل نورا " وجمالا وزينها في عين فاطمة لما سبق لها في علم الله عزوجل أن يخرج منها سيد الانبياء وصفوة الرسل، وخير الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم. (2) في المصدر: فأعجبتها وقالت لامها: ما كنت أظن أن آمنة بهذه الصفة، ولقد رأيتها مرارا " كثيرة وما كانت بهذه الحالة فقالت امها: يا فاطمة كل ما رأيت من حسنها وجمالها فهو من بركتكم. وقد خشيت أن لا ترضاها لولدها، قال: فخاطبت اه‍ قلت: (لولدها مصحف لولدك). (3) في المصدر: يا ولدى ما في بنات مكة أجمل ولا أعقل ولا أبهى من آمنة، فان ذلك من فضل الله تعالى واحسانه إذ خصنا بأفضل معشر، وان الله لا يودع نور حبيبه وصفيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا في أطهر وعاء وأعف أحشاء. قال: ولما وقع اه‍. (4) جوزيت خ ل وكذا في المصدر. (5) وقومك خ ل وكذا في المصدر، وبعده: قال: ثم إه‍.

[ 101 ]

حل جملة أصحابه (1)، فلما خلصهم قالوا: بم نهجم عليهم وليس معنا سلاح ؟ فقال هيوبا: نهجم عليهم بالحجارة هجمة رجل واحد، وهم غافلون، فسار القوم وأقبلوا وعبد المطلب وولده عبد الله ووهب في دار وهب، والمصباح عندهم (2)، واليهود يرونهم وهم لا يرون اليهود فرموهم بالحجارة التي كانت معهم، فرد الله تعالى عليهم الحجارة فهشمت وجوههم، ومنهم من وقع حجره في رأسه، ومنهم من وقع في صدره، وذلك بقدرة الله تعالى لاجل النور الذي في وجه عبد الله، فحمل عليهم عبد المطلب ومن كان معه فقتلوهم عن آخرهم (3)، وكان عبد المطلب لا يفارقه سيفه حيث ما توجه، وبعد ذلك خرج عبد المطلب وولده وزوجته إلى منزلهم، وقالوا: يا وهب إذا كان في غداة غد جمعنا قومنا (4) وقومك ليشهدون بما يكون من الصداق، فقال: جزاك الله خيرا "، فلما طلع الفجر أرسل عبد المطلب إلى بني عمه ليحضروا خطبتهم، ولبس عبد المطلب (5) افخر أثوابه، وجمع وهب أيضا قرابته وبني عمه فاجتمعوا في الابطح، فلما أشرف عليهم الناس قاموا (6) إجلالا " لعبد المطلب وأولاده، فلما استقر بهم المجلس خطبوا خطبتهم وعقدوا عقد النكاح، وقام عبد المطلب فيهم خطيبا "


(1) جملة كتاف أصحابه خ ل. (2) في المصدر: وكان سبب ذلك أن اليهود الذين كانوا محبوسين في دار وهب فزعوا و أخذهم الرعب، وكانوا في دار خالية، فحركهم الشيطان لهلاكهم، فقال لهم حبرهم هيوبا: يا ويلكم انكم مقتولون لا محالة فقوموا فخاطروا بنفوسكم، لعلكم تظفروا بهم فقتلوهم جميعا وتخرجوا في هذه الليلة هاربين على وجوهكم. قال: فتمطى عدو الله في كتافه فقطعه وكان من جلود، ثم حل عن أصحابه، فقالوا: بما تقتلونهم ما معنا سلاح ؟ فقالوا: نهجم عليهم بالحجارة وهم غافلون، قال: فعند ذلك تبادرت القوم وهيوبا في أوائلهم ومع كل واحد حجرات، قال: فأقبلوا حتى وقفوا قريبا من عبد المطلب وولده و وهب، وهم قعود في ضوء المصباح. (3) في المصدر: بعد قوله: بقدرة الله: قال (فنظر عبد المطلب إلى امر عظيم فتعجب من قدرة الله تعالى وصاحوا في اليهود، وقالوا: يا أعداء الله ما رأيتم ما حل بكم بالامس، ولكن الله خذلكم بانقطاع آجالكم، فحملوا عليهم فقتلوهم عن آخرهم، وكفاهم الله شرهم). (4) من قومنا خ ل وكذا في المصدر. (5) عبد الله خ ل وكذا في المصدر. (6) أشرفوا عليهم قاموا خ ل وفي المصدر: فلما أشرفوا على الناس قاموا الناس.

[ 102 ]

فقال: (الحمد لله حمد الشاكرين حمدا " أستوجبه بما أنعم علينا (1) وأعطانا، وجعلنا لبيته جيرانا "، ولحرمه سكانا "، وألقى محبتنا في قلوب عباده، وشرفنا على جميع الامم، ووقانا شر الافات والنقم، والحمد لله الذي أحل لنا النكاح، وحرم علينا السفاح، وأمرنا بالاتصال وحرم علينا الحرام (2)، اعلموا أن ولدنا عبد الله هذا الذي تعرفونه قد خطب فتاتكم آمنة بصداق (3) معجل ومؤجل كذا وكذا، فهل رضيتم بذلك من ولدنا) ؟ قال وهب: قد رضينا منكم، فقال عبد المطلب: اشهدوا يا من حضر، ثم تصافحوا وتهانوا وتصافقوا وتعانقوا، وأولم عبد المطلب وليمة عظيمة، فيها (4) جميع أهل مكة وأوديتها وشعابها وسوادها، فأقام الناس في مكة أربعة أيام (5). قال أبو الحسن البكري: ولما تزوج عبد الله بآمنة أقامت معه زمانا "، والنور في وجهه لم يزل حتى نفذت مشية الله تعالى وقدرته وأراد أن يخرج خيرة خلقه محمدا " رسول الله وأن يشرف (6) به الارض وينورها بعد ظلامها، ويطهرها بعد تنجيسها (7)، أمر الله تعالى جبرئيل عليه السلام أن ينادي في جنة المأوى أن الله جل جلاله قد تمت كلمته ومشيته وأن الذي وعده من ظهور البشير (8) النذير السراج المنير الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله وهو صاحب الامانة والصيانة يظهر (9) نوره في البلاد، ويكون


(1) في المصدر: أستوجبه به ما أنعم علينا. (2) في المصدر: زيادة هي: وحلل لنا الحلال. (3) في المصدر: بكريمتكم التى لا تنكرونها بصداق. (4) في نسخة: حضر فيها. وفي المصدر: حضروها أياما. (5) قد ذكر تزويج عبد الله بآمنة مختصرا " ابن هشام في سيرته والطبري في تاريخه والمسعودي في اثبات الوصية وغيرهم في غيرها. (6) أن يشرق خ ل. (7) تنجسها خ ل وفي المصدر: ويطهرها من النجس والدنس. (8) في المصدر: قال: فأمر الله تعالى جبرائيل أن ينادى في السماوات، فنادى جبرئيل في صفوف الملائكة المقربين، وحملة العرش، وعند سدرة المنتهى وفي جنة المأوى أن الله تبارك وتعالى قد تمت حكمته، ونفذت مشيته، وأن وعده الحق، الذى وعد من ظهور نبيه البشير. (9) وسيظهر خ ل وفي المصدر. فيسظهر.

[ 103 ]

رحمة على العباد، ومن أحبه بشر بالشرف والحباء (1)، ومن أبغضه بسوء القضاء، وهو الذي عرض عليكم من قبل أن يخلق آدم عليه السلام الذي يسمى في السماء أحمد (2)، وفي الارض محمدا " (2) وفي الجنة أبا القاسم (4)، فأجابته الملائكة بالتسبيح والتهليل والتقديس والتكبير لله رب العالمين، وفتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وأشرفت الحور العين (5)، وسبحت الاطيار على رؤس الاشجار، فلما فرغ جبريل من أهل السماوات أمره الله أن ينزل في مأة ألف من الملائكة إلى أقطار الارض، وإلى جبل قاف، وإلى خازن السحاب، وجملة ما خلق الله يبشرهم (6) بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم نزل إلى الارض السابعة فأخبرهم بخبره، ومن أراد الله به خيرا " ألهمه محبته، ومن أراد به شرا " ألهمه بغضه، وزلزلت الشياطين، وصفدت (7) وطردت عن الاماكن التي كانوا يسترقون فيها السمع، ورجموا بالشهب. قال صاحب الحديث: ولما كانت ليلة الجمعة عشية عرفة وكان عبد الله قد خرج هو وإخوته وأبوه. فبينما هم سائرون وإذا بنهر عظيم فيه ماء زلال، ولم يكن قبل ذلك اليوم هناك ماء فبقي عبد المطلب وأولاده متعجبين، فبينما عبد الله كذلك (8) إذ نودي يا عبد الله اشرب من هذا النهر، فشرب منه، وإذا هو أبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأزكى من المسك، فنهض مسرعا " والتفت إلى إخوته فلم يروا للنهر أثرا " فتعجبوا منه، ثم إن عبد الله مضى مسرعا " إلى منزله فرءته آمنة طائشا "، فقالت له: ما بالك (9) ؟ صرف الله عنك الطوارق،


(1) الحباء: العطاء. (2) واسمه في السماء أحمد خ ل وكذا في المصدر. (3) محمد خ ل وكذا في المصدر. (4) أبو القاسم خ ل وكذا في المصدر. (5) الحسان خ ل وفي المصدر: وأشرفت الحور والولدان. (6) في المصدر: وإلى خازن السحاب والانهار والفيافي والقفار يبشرهم. (7) صفده: أوثقه وقيده بالحديد أو في الحديد وغيره. (8) فبقى عبد الله متعجبا متفكرا " ولم يجد طريقا وقد قطع عليه الجادة، فبينما هو كذلك إه‍، وهو الموجود في المصدر. (9) مالك خ ل.

[ 104 ]

فقال لها: قومي فتطهري وتطيبي وتعطري - واغتسلي خ ل -، فعسى الله أن يستودعك هذا النور، فقامت وفعلت ما أمرها، ثم جاءت إليه فغشيها تلك الليلة المباركة، فحملت برسول الله صلى الله عليه وآله، فانتقل النور من وجه عبد الله في ساعته إلى آمنة بنت وهب، قالت آمنة: لما دنا مني ولا مسني (1) أضاء منه نور ساطع، وضياء لامع، فأنارت منه السماء والارض، فأدهشني ما رأيت، وكانت آمنة بعد ذلك يرى النور في وجهها كأنه المرآت المضيئة (2). بيان: النشيش: صوت الماء وغيره إذا غلا. والاراض بالكسر: بساط ضخم من صوف أو وبر. وانحاز عنه: عدل، وانحاز القوم: تركوا مراكزهم. والترح بالتحريك: ضد الفرح. والاروع من الرجال: الذي يعجبك حسنه. والذابل: الرمح الرقيق. والسميدع بالفتح: السيد الموطأ الاكناف. والصحاصح: جمع الصحصاح وهو المكان المستوي. والجندل: الحجارة. والاسمهرار: الصلابة والشدة. قوله: (دهينا)، أي أصابتنا الداهية. والدرقة: الترس. والغيداق: الكريم. والضيغم: الاسد. أقول: إنما أوردت هذا الخبر مع غرابته وإرساله للاعتماد على مؤلفه واشتماله على كثير من الايات والمعجزات التي لا تنافيها سائر الاخبار، بل تؤيدها والله تعالى يعلم. 49 - قب: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب سمي بذلك لان هاشما " (3) دخل مكة وهو رديفه، وعبد المطلب اسمه شيبة الحمد بن هاشم (4)، سمي بذلك لانه هشم الثريد للناس في أيام الغلاء، وهو عمرو بن عبدمناف، سمي بذلك لانه علا وأناف، واسمه المغيرة


(1) ومسني خ ل وكذا في المصدر. (2) في المصدر: كأنه المرآة الصافية. ثم الجزؤ الخامس والحمد لله رب العالمين. قلت: (يأتي بقية الحديث في الابواب الاتية). (3) هكذا في النسخ، واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح المطلب. قلت: (المذكور في المصدر أيضا هو المطلب). (4) في المصدر: اسمه شيبة الحمل، لبياض كان في شعره بعد ما تولد ابن هاشم.

[ 105 ]

ابن قصي، واسمه زيدا، قصي عن دار قومه، لانه حمل من مكة في صغره إلى بلاد أزدشنوءة فسمي قصيا، ويلقب بالمجمع لانه جمع قبائل قريش بعد ما كانوا في الجبال والشعاب. وقسم بينهم المنازل بالبطحاء، ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر وهو قريش، وسمي النضر لان الله تعالى اختاره، والنضر النضرة (1)، ابن خزيمة، وإنما سمى بذلك لانه خزم نور آبائه، ابن مدركة، لانهم أدركوا الشرف في أيامه، وقيل: لادراكه صيدا " لابيه، وسمي أبوه طابخة لطبخه لابيه، ابن إلياس (2) النبي عليه السلام، وسمي بذلك لانه جاء على أياس وانقطاع، ابن مضر، وسمي بذلك لأخذه بالقلوب، ولم يكن يراه أحد إلا أحبه، ابن نزار، واسمه عمرو، وسمي بذلك لان معد نظر إلى نور النبي صلى الله عليه وآله في وجهه فقرب له قربانا " عظيما "، وقال له: لقد استقللت هذا القربان وإنه لقليل نزر، ويقال: إنه اسم أعجمي، وكان رجلا " هزيلا "، فدخل على يستاسف فقال: هذا نزار ابن معد، وسمي بذلك لانه كان صاحب حروب وغارات على اليهود، وكان منصورا "، ابن عدنان، لان أعين الحى كلها تنظر إليه. وروي عنه صلى الله عليه وآله إذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا. وعنه صلى الله عليه وآله كذب النسابون، قال الله تعالى: (وقرونا بين ذلك كثيرا "). قال القاضي عبد الجبار بن أحمد: المراد بذلك أن اتصال الانساب غير معلوم، فلا يخلوا إما أن يكون كاذبا " أو في حكم الكاذب. وقد روي أنه انتسب إلى إبراهيم. ام سلمة سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: معد بن عدنان بن أدد، وسمي ادد لانه كان ماد الصوت، كثير الغر، ابن زيد بن ثرا بن أعراق الثرى. قالت ام سلمة: زيد هميسع، وثرا نبت، وأعراق الثرى إسماعيل بن إبراهيم، قالت: ثم قرء عليه السلام (وعادا " وثمود وأصحاب الرس) الاية، واعتمد النسابة وأصحاب التواريخ أن عدنان هو ابن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل


(1) قد أثبت في السير والتواريخ بين النضر وخزيمة كنانة. (2) بكسر الهمزة أو فتحها على اختلاف.

[ 106 ]

ابن قيذار بن إسماعيل (1). وقال ابن بابويه: عدنان بن أد بن ادد بن زيد بن يقدد بن يقدم بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل، وقال ابن عباس: عدنان بن أد بن ادد بن اليسع بن الهميسع، و يقال: ابن ياحين (2) بن يخشب (3) بن منحر بن صابوغ بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن سروغ (4) بن ارغو وهو هود، ويقال: بن قالغ بن غابر (5) وهو هود بن أرفخشد بن متوشلخ بن سام بن نوح بن لمك بن اخنوخ، ويقال: احنوخ وهو إدريس بن مهلايل (6)، ويقال: مهاييل بن زبارز (7)، ويقال: مارد، ويقال أياد بن قينان بن أنوش، ويقال: قينان بن ادد بن أنوش بن شيث وهو هبة الله ابن آدم. امه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة إلى آخر النسب،


(1) ذكرت في الطبعة الحروفيه وفي هامش طبعة أمين الضرب أشعار خلت عنها نسخة المصنف وسائر نسخ الكتاب ومصدره، والظاهر أنها من زيادة النساخ، ونحن نذكرها هنا لتتميم الفائدة وهى: هو ابن عبد الله نجل الشيبة * هو ابن هاشم بدون الريبة عبد مناف جده نجل قصى * ابن كلاب مرة كعب لوى هو ابن غالب هو ابن فهر * هو ابن مالك هو ابن النضر ابن كنانة بن أنجب الناس * خزيمة مدركة والياس هو ابن مضر نزار معد * هو ابن عدنان وفى العهد هو ابن أدد بن هوا بن اليسع * ابن سلامان من الهميسع. حمل ابن قيذار بن إسماعيل * هو ابن ابراهيمنا الخليل أولئك الاطائب الكرام * لادم عليهم السلام (2) يامين خ ل. (3) في المصدر: يشخب. (4) في المصدر: ناحور بن شروغ. (5) في المصدر: عابر. (6) في المصدر: ويقال: اخنوخ هو إدريس بن مهلائيل. (7) في المصدر: وقيل: مهائيل بن زياد (ياذر - خ).

[ 107 ]

ويقال: إنه ينسب إلى آدم بتسعة وأربعين أبا " (1). 50 - د: رسول الله صلى الله عليه وآله أبو القاسم محمد وأحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن لوي (2) بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن ادد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن النبت بن حمل بن قيداد بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهم السلام بن تارخ بن ناخور بن شروغ بالشين المعجمة والغين المعجمة ابن ارغو بن فالغ بالغين المعجمة فيهما بن عابر بفتح الباء والعين غير المعجمة ابن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح بن ملك بن متوشلخ بكسر اللام ابن اخنوخ بن اليارذ بالذال المعجمة ابن مهلايل بن فينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام (3). وقال ابن بابويه: عدنان بن أد بن ادد بن زيد بن يعدد بن يقدم بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل (4). وقال ابن عباس: عدنان بن أد بن ادد بن اليسع بن الهميسع. ويقال: ابن يامين بن يحشب بن منحد بن صابوع بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارخ بن سروع بن أرغو، وهو هود ويقال: ابن قالع بن عامر بن أرفخشد بن ناحور بن متوشلح بن سام بن نوح بن لمك بن احنوح، وهو إدريس بن مهلائيل، ويقال: مهائيل بن زياد، ويقال: مارد، ويقال: أياد بن قينان بن أنوش، ويقال: قينان بن


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 106 و 107. (2) في السير والتواريخ: مرة بن كعب لوى. (3) هذا يوافق ما ذكره السويدي في سبائك الذهب الا أنه ضبط بعض الاسماء على خلاف ذلك مثل قيداد فانه قال: (قيدار) بالراء وهو الصحيح كما في غيره، ومثل ناخور بن شروغ فانه قال: (ناحور بن شاروخ) وذكر عن بعض شارغ وعن آخر شاروع، وملك فانه قال: (لمك) وهو الصحيح كما في غيره، ومهلايل فانه قال: (مهلائيل)، وفينان فانه قال: (قينان)، بالقاف وهو الصحيح، وقد أسقط اليسع أيضا ". (4) هذا يوافق ما ذكره الطبري عن بعض الا أن فيه يقدر مكان يعدد.

[ 108 ]

أو دين أنوش بن شيث وهو هبة الله بن آدم عليهم السلام (1). 51 - ب: السندي بن محمد، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني مستوهب من ربي أربعة، وهو واهبهم لي إن شاء الله: آمنة بنت وهب، وعبد الله بن عبد المطلب، وأبو طالب بن عبد المطلب، ورجل من الانصار جرت بيني وبينه ملحة (2). بيان: قال الفيروز آبادي: بينهما ملح وملحة: حرمة وحلف، وهذا الخبر يدل على إيمان هؤلاء فإن النبي صلى الله عليه وآله لا يستوهب ولا يشفع لكافر، وقد نهى الله عن موادة الكفار والشفاعة لهم والدعاء لهم كما دلت عليه الايات الكثيرة. 52 - مع، لى: ابن الوليد، عن الصفار، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن ابن كثير الهاشمي قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن الله جل جلاله يقرءك السلام ويقول: إني حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك، فقال: يا جبريل بين لي ذلك، فقال: أما الصلب الذي أنزلك فعبدالله بن عبد المطلب، وأما البطن الذي حملك فآمنة بنت وهب، وأما الحجر الذي كفلك فأبو طالب بن عبد المطلب وفاطمة بنت أسد (2). بيان: هذا الخبر أيضا يدل على إيمان هؤلاء، فإن الله تعالى أوجب النار على جميع المشركين والكفار كما دلت عليه الايات والأخبار. 53 - ع، مع: محمد بن عمرو بن علي البصري، عن عبد السلام بن محمد بن هارون الهاشمي، عن محمد بن محمد بن عقبة الشيباني، عن الخضر بن أبان، عن أبي هدية إبراهيم ابن هدية (4)، عن أنس بن مالك قال: أتى أبو ذر يوما " إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال:


(1) قد اختلفوا أصحاب السير والتواريخ في نسبه صلى الله عليه وآله وسلم من بعد عدنان اختلافا شديدا لا يعنى ذكره هنا فمن شاء الوقوف فليراجع تاريخ اليعقوبي 2: 97 وسيرة ابن هشام 1: 1 و 2، ومروج الذهب 2: 272 وتاريخ الطبري 2: 29. (2) قرب الاسناد: 27. (3) معاني الاخبار: 45 و 46، الامالى، 361. (4) هكذا في الكتاب ومصدريه، وفيه وهم، والصحيح: أبى هدية ابراهيم بن هدبة بالباء الموحدة، كما في تاريخ بغداد ولسان الميزان، والرجل هو ابراهيم بن هدبة، أبو هدبة الفارسى، كان بالبصرة، تم خرج إلى اصبهان والرى، ووافى بغداد، وحدث عن أنس بن مالك.

[ 109 ]

ما رأيت كما رأيت البارحة، قالوا: وما رأيت البارحة ؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ببابه، فخرج ليلا " فأخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام، وخرجا إلى البقيع فمازلت أقفو أثرهما إلى أن أتيا مقابر مكة فعدل إلى قبر أبيه فصلى عنده ركعتين، فإذا بالقبر قد انشق و إذا بعبدالله جالس وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا " عبده ورسوله، فقال له: من وليك يا أبه ؟ فقال: وما الولي (1) يا بني ؟ قال: هو هذا علي، قال: وإن عليا " وليي، قال: فارجع إلى روضتك، ثم عدل إلى قبر امه (2) فصنع كما صنع عند قبر أبيه فإذا بالقبر قد انشق فإذا هي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك نبي الله ورسوله، فقال لها من وليك يا اماه ؟ فقالت: ومن الولي (3) يا بني ؟ فقال: هو هذا علي بن أبي طالب، فقالت: إن عليا وليي (4)، فقال: ارجعي إلى حفرتك وروضتك، فكذبوه، ولببوه (5)، وقالوا: يا رسول الله كذب عليك اليوم، فقال: وما كان من ذلك ؟ قالوا: إن جندب (6) حكى عنك كيت وكيت (7)، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. قال عبد السلام بن محمد: فعرضت هذا الخبر على الهجيمي (8) محمد بن عبد الاعلى فقال: أما علمت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتاني جبرئيل عليه السلام فقال: إن الله عزوجل حرم النار على ظهر أنزلك وبطن حملك، وثدي أرضعك، وحجر كفلك (9). بيان: هذا الخبر أيضا يدل على إيمان والديه عليهما السلام إذ لو كانا ماتا على الشرك لم


(1) ومن الولى خ ل. (2) في المصدر: إلى قبر امه آمنة. (3) في المصدر: وما الولاية. (4) في المصدر: وان عليا وليى. (5) لببوه: أخذوا بتلبيبه وجروه، والتلبيب: ما في موضع اللبب من الثياب ويعرف بالطوق، ويقال له بالفارسية: (يقه پيراهن). (6) اعلم المصنف على لفظة جندب كلمة كذا، ولم نعرف وجهه، لان جندب هو أبو ذر. (7) كيت وكيت يكنى بهما عن الحديث والخبر. (8) في المصدر: الجهمى. (9) علل الشرائع: ص 70. معاني الاخبار: 55.

[ 110 ]

ينفعهم الايمان بعد الاحياء، لان الله تعالى ختم على من مات على الكفر والشرك دخول النار، فهو صلى الله عليه وآله إنما أحياهما ليدركا أيام نبوته، ويشهدا برسالته وبإمامة وصيه، فيكمل بذلك إيمانهما، ويشهد له قوله صلى الله عليه وآله: فارجع إلى روضتك. 54 - فس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو قمت المقام المحمود لشفعت لأبي وامي (1) وأخ كان لي مواخيا " في الجاهلية (2). 55 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة وعبد الله بن سنان وأبي حمزة الثمالي قالوا: سمعنا أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول: لما حج رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع نزل بالابطح ووضعت له وسادة فجلس عليها ثم رفع يده إلى السماء وبكى بكاء " شديدا "، ثم قال: يا رب إنك وعدتني في أبي وامي وعمي أن لا تعذبهم (3) قال فأوحى الله إليه إني آليت على نفسي أن لا يدخل جنتي إلا من شهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبدي ورسولي، ولكن ائت الشعب فنادهم فإن أجابوك فقد وجبت لهم رحمتي، فقام النبي صلى الله عليه وآله إلى الشعب فناداهم يا أبتاه ويا اماه ويا عماه، فخرجوا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ترون إلى هذه (4) الكرامة التي أكرمني الله بها، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله حقا " حقا "، وأن جميع ما أتيت به من عند الله فهو الحق، فقال: ارجعوا إلى مضاجعكم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكة (5)، و قدم عليه علي بن أبي طالب من اليمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ابشرك يا علي ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: بأبي أنت وامي لم تزل مبشرا "، فقال: ألا ترى إلى ما رزقنا الله تبارك وتعالى في سفرنا هذا ؟ وأخبره الخبر، فقال على: الحمد لله، قال: فأشرك رسول الله صلى الله عليه وآله في بدنه (6) أباه وامه وعمه (7).


(1) في المصدر: وامى وعمى. (2) تفسير القمى: 355. (3) أن لا تعذبهم بالنار خ ل وكذا في المصدر. (4) في المصدر: الا ترون أن هذه. (5) إلى مكة خ ل. (6) البدنة: تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهى بالابل أشبه. (7) تفسير القمى: 355 و 356.

[ 111 ]

بيان: هذا الخبر إما محمول على التقية، أو على أنه إنما فعل ذلك ليظهر للناس إسلامهم، ثم اعلم أن هذه الاخبار مخالفة لما اشتهر من أن والديه عليهما السلام ماتا في غير مكة ويمكن الجمع بينهما بأن يكونوا نقلوهما بعد موتهما إلى مكة كما ذكره بعض أهل السير، أو انتقلا بعد ندائه صلى الله عليه وآله بإعجازه إليها. 56 - ص: إن أباه توفى وامه حبلى، وقدمت امه آمنة بنت وهب على أخواله من بني عدي من النجار بالمدينة، ثم رجعت به حتى إذا كانت بالابواء (1) ماتت، وأرضعته حتى شب حليمة بنت عبد الله السعدية (2). 57 - يج: روي أن عبد الله بن عبد المطلب لما ترعرع ركب يوما " ليصيد، وقد نزل بالبطحاء قوم من اليهود قدموا ليهلكوا والد محمد صلى الله عليه وآله ليطفؤا نور الله فنظروا إلى عبد الله فرءوا حلية ابوة النبوة فيه، فقصدوه وكانوا ثمانين نفرا " بالسيوف والسكاكين، وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة والد آمنة ام محمد صلى الله عليه وآله في ذلك الصوب يصيد، وقد رأى عبد الله وقد صف به اليهود ليقتلوه، فقصد أن يدفعهم عنه، وإذا " بكثير من الملائكة معهم الاسلحة طردوا عنه اليهود (3)، فعجب من ذلك وانصرف، ودخل على عبد المطلب وقال: ازوج بنتي آمنة من عبد الله، وعقد فولدت رسول الله صلى الله عليه وآله (4). 58 - قب: تصور لعبد المطلب أن ذبح الولد أفضل قربة لما علم من حال إسماعيل عليه السلام فنذر إنه متى رزق عشرة أولاد ذكور أن ينحر أحدهم للكعبة شكرا " لربه، فلما وجدهم عشرة قال لهم، يا بني ما تقولون في نذري ؟ فقالوا: الامر إليك، ونحن بين يديك فقال: لينطلق كل واحد منكم إلى قدحه وليكتب عليه اسمه ففعلوا وأتوه بالقداح فأخذها وقال: عاهدته والان اوفي عهده * إذ كان مولاي وكنت عبده


(1) الابواء بالفتح: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلا. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) في المصدر بعد قوله: اليهود: وكان الله قد كشف عن بصر وهب فعجب. (4) الخرائج: 186. وفيه: فعقد العقد فحملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

[ 112 ]

نذرت نذرا " لا احب رده * ولا احب أن أعيش بعده فقدمهم ثم تعلق بأستار الكعبة ونادى: (اللهم رب البلد الحرام (1)، والركن والمقام، ورب المشاعر العظام، والملائكة الكرام، اللهم أنت خلقت الخلق لطاعتك، وأمرتهم بعبادتك، لا حاجة منك في كلام له) ثم أمر بضرب القداح وقال: (اللهم إليك أسلمتهم ولك أعطيتهم، فخذ من أحببت منهم فإني راض بما حكمت، وهب لي أصغرهم سنا " فإنه أضعفهم ركنا ") ثم أنشأ يقول: يا رب لا تخرج عليه قدحي * واجعل له واقية من ذبحي فخرج السهم على عبد الله فأخذ الشفرة وأتى عبد الله حتى أضجعه في الكعبة، وقال: هذا بني قد اريد نحره * والله لا يقدر شئ قدره فإن يؤخره يقبل عذره (2). وهم بذبحه فأمسك أبو طالب يده وقال: كلا ورب البيت ذي الانصاب (3) * ما ذبح عبد الله بالتلعاب (4) ثم قال: (اللهم اجعلني فديته، وهب لي ذبحته)، ثم قال: خذها إليك هدية يا خالقي * روحي وأنت مليك هذا الخافق وعاونه أخواله من بني مخزوم وقال بعضهم: يا عجبا " من فعل عبد المطلب * وذبحه ابنا كتمثال الذهب فأشاروا عليه بكاهنة بني سعد فخرج في ثمان مأة رجل وهو يقول:


(1) في المصدر البيت (البلد خ) الحرام. (2) في المصدر: فان تؤخره تقبل عذره. (3) الانصاب جمع النصب: العلم المنصوب. وكل ما جعل علما. ولعل المراد من الانصاب في الشعر هذا المعنى، أي صاحب أعلام وعلائم تدل عليه، والمراد أعلام البيت أو الاعم، والانصاب ايضا: حجارة كانت للعرب حول البيت تعبدها وتذبح عليها. (4) أي بلعب ومزاح.

[ 113 ]

تعاورني (1) أمر فضقت به ذرعا (2) * ولم أستطع مما تجللني دفعا " نذرت ونذر المرء دين ملازم * وما للفتى مما قضى ربه منعا " وعاهدته عشرا " إذا ما تكملوا * اقرب (3) منهم واحدا " ماله رجعا " فأكملهم عشرا " فلما هممت أن * أفئ بذاك النذر ثار له (4) جمعا " يصدونني عن أمر ربي وإنني * سأرضيه مشكورا " ليلبسني نفعا " فلما دخلوا عليها قال: يا رب إني فاعل لما ترد (5) * إن شئت ألهمت الصواب والرشد فقالت: كم دية الرجل عندكم ؟ قالوا: عشرة من الابل، قالت: واضربوا على الغلام وعلى الابل القداح، فإن خرج القداح على الابل فانحروها، وإن خرج عليه فزيدوا في الابل عشرة عشرة حتى يرضى ربكم، وكانوا يضربون القداح على عبد الله وعلى عشرة فيخرج السهم على عبد الله إلى أن جعلها مأة، وضرب فخرج القدح على الابل فكبر عبد المطلب وكبرت قريش، ووقع عبد المطلب مغشيا " عليه، وتواثبت بنو مخزوم فحملوه على أكتافهم، فلما أفاق من غشيته قالوا: قد قبل الله منك فداء ولدك، فبينا هم كذلك فإذا " بهاتف يهتف في داخل البيت وهو يقول: قبل الفداء. ونفذ القضاء، وآن (6) ظهور محمد المصطفى، فقال عبد المطلب: القداح تخطئ وتصيب حتى أضرب ثلاثا "، فلما ضربها خرج على الابل فارتجز يقول: دعوت ربي مخلصا " وجهرا " * يا رب لا تنحر بني نحرا " فنحرها كلها فجرت السنة في الدية بمأة من الابل (7).


(1) تعاورنى أي تعاطونى وتداولني. وفي المصدر: تغادرني. (2) أي لم أقدر عليه، وضعف طاقتي في قباله. (3) في المصدر: اقرر. (4) أي هاج ووثب عليه. (5) في المصدر: تود. (6) أي قرب وقته (7) مناقب آل أبى طالب 1: 15 و 16.

[ 114 ]

59 - قب: كانت امرأة يقال لها: فاطمة بنت مرة قد قرأت الكتب، فمر بها عبد الله ابن عبد المطلب، فقالت: أنت الذي فداك أبوك بمأة من الابل ؟ قال: نعم، فقالت: هل لك أن تقع علي مرة واعطيك من الابل مأة ؟ فنظر إليها وأنشأ: أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه فكيف بالامر الذي تبغينه ومضى مع أبيه فزوجه أبوه آمنة فظل عندها يوما " وليلة، فحملت بالنبي صلى الله عليه وآله، ثم انصرف عبد الله فمر بها فلم يربها حرصا " على ما قالت أولا "، فقال لها عند ذلك مختبرا ": هل لك فيما قلت لي فقلت: لا ؟ قالت: قد كان ذاك (1) مرة فاليوم لا فذهبت كلمتاهما مثلا ". ثم قالت: أي شئ صنعت بعدي ؟ قال: زوجني أبي آمنة فبت عندها، فقالت: لله ما زهرية سلبت * ثوبيك ما سلبت ؟ وما تدري ثم قالت: رأيت في وجهك نور النبوة فأردت أن يكون في وأبي الله إلا أن يضعه حيث يحب، ثم قالت: بني هاشم قد غادرت من أخيكم * امينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوه * فتائل قد شبت (2) له بدخان وما كل ما يحوى الفتى من نصيبه * بحرص ولا ما فاته بتواني ويقال: إنه مر بها وبين عينيه غرة كغرة الفرس، وكان عند الاحبار جبة صوف بيضاء قد غمست في دم يحي بن زكريا عليه السلام وكانوا قد قرءوا في كتبهم إذا رأيتم هذه الجبة تقطر دما " فاعلموا أنه قد ولد أبو السفاك الهتاك، فلما رءوا ذلك من الجبة اغتموا و


(1) في المصدر: ذلك. (2) بثت خ ل. شبت النار: اتقدت. وفي نسخة من المصدر: ميثت من ماث موثا: خلطه. وذابه.

[ 115 ]

اجتمع خلق على أن يقتلوا عبد الله. فوجدوا الفرصة منه لكون عبد المطلب في الصيد فقصدوه، فأدرك وهب بن عبد مناف الزهري فجاز (1) منه فنظر إلى رجال نزلوا من السماء وكشفوهم عنه، فزوج ابنته من عبد الله، قال: فمتن من نساء قريش مأتا امرءة غيرة، ويقال: إن عبد الله كان في جبينه نور يتلالا، فلما قرب من حمل محمد صلى الله عليه وآله لم يطق أحد رؤيته، وما مر بحجر ولا شجر إلا سجد له وسلم عليه، فنقل الله منه نوره يوم عرفة وقت العصر وكان يوم الجمعة إلى آمنة (2). بيان: قولها: (ما زهرية)، المراد بالزهرية (3) آمنة، أي آمنة ما سلبت ثوبيك فقط حين قاربتها، ما سلبت ؟ أي أي شئ سلبت ؟ أي سلبت منك شيئا " عظيما "، وهو نور النبوة، وما تدري، قولها: (قد غادرت)، أي تركت، قولها: (للباه يعتلجان)، أي للجماع، يتصارعان وينضمان، والخبو: الانطفاء، قد شبت له على بناء المجهول، أي أوقدت، والضمير للمصباح، والحاصل أنها خاطبت بني هاشم أن آمنة ذهبت بالنور من عبد الله، كمصباح اطفئ فلم يبق منه إلا فتيلة فيها دخان، ثم ذكرت لنفسها عذرا " فيما فاتها بأن الحرص لا يسوق شيئا " لم يقدر، وليس كل ما فات من الانسان بالتواني والتقصير، بل هو من تقدير الحكيم الخبير. 60 - قب: توفي أبوه صلى الله عليه وآله وهو ابن شهرين. الواقدي (4): وهو ابن سبعة أشهر. الطبري: توفي أبوه بالمدينة ودفن في دار النابغة. ابن إسحاق: توفي أبوه وامه حامل به، وماتت امه وهو ابن أربع سنين. الكلبي: وهو ابن ثمانية وعشرين شهرا ". محمد بن إسحاق: توفيت امه بالابواء منصرفة إلى مكة وهو ابن ست، ورباه


(1) فجأة خ ل. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 19. (3) لانها كانت من أولاد ابن زهرة. (4) أي قال الواقدي وهكذا فيما يأتي بعده.

[ 116 ]

عبد المطلب وتوفي عنه وهو ابن ثمانية (1) سنين وشهرين وعشرة أيام فأوصى به إلى أبي طالب فرباه (2). 61 - د: قيل: إنه لما شب رسول الله صلى الله عليه وآله وترعرع وسعى ردته حليمة إلى امه فافتصلته (3) وقدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار بالمدينة، ثم رجعت به حتى إذا كان بالابواء هلكت بها، فيتم (4) رسول الله صلى الله عليه وآله وكان عمره يومئذ ست سنين فرجعت به ام أيمن إلى مكة، وكانت تحضنه (5)، وورث رسول الله صلى الله عليه وآله من امه ام أيمن، وخمسة أجمال أوداك (6)، وقطيعة غنم، فلما تزوج بخديجة أعتق ام أيمن. وروي أن آمنة لما قدمت برسول الله صلى الله عليه وآله المدينة نزلت به في دار النابغة رجل من بني عدي بن النجار فأقامت بها شهرا "، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يذكر امورا " كانت في مقامه ذلك، فقال صلى الله عليه وآله: نظرت إلى رجل من اليهود يختلف وينظر إلي، ثم ينصرف عني، فلقيني يوما " خاليا " فقال لي: يا غلام ما اسمك ؟ قلت: أحمد، فنظر إلى ظهري فأسمعه يقول: هذا نبي هذه الامة، ثم راح إلى أخوالي فخبرهم الخبر فأخبروا امي فخافت علي وخرجنا من المدينة. وحدثت ام أيمن: قالت: أتاني رجلان من اليهود يوما " نصف النهار بالمدينة فقالا: اخرجي لنا أحمد فأخرجته، فنظرا إليه وقلباه مليا " ونظرا إلى سرته ثم قال أحدهما لصاحبه: هذا نبي هذه الامة، وهذه دار هجرته، وسيكون بهذه البلدة من القتل والسبي أمر عظيم (7).


(1) ثمان خ ل. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 119. (3) افتصل الصبى عن الرضاع: فطمه. (4) يتم الصبى من أبيه أو امه: صار يتيما. (5) أي ترباه. (6) في هامش نسخة المصنف بخطه: جمال أوارك ظ. قلت: رمز بقوله: ظ إلى أنه الظاهر. (7) العدد: مخطوط.

[ 117 ]

62 - د: عبد الله أنفذه أبوه يمتار (1) له تمرا " من يثرب فتوفي بها (2). 63 - عد: قال الشيخ أبو جعفر رضي الله عنه: اعتقادنا في آباء النبي صلى الله عليه وآله أنهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد الله، وأن أبا طالب كان مسلما "، وآمنة بنت وهب بن عبد مناف ام رسول الله صلى الله عليه وآله كانت مسلمة، وقال النبي صلى الله عليه وآله: خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم. وقد روي أن عبد المطلب كان حجة، وأبو طالب (3) كان وصيه عليه السلام (4). بيان: اتفقت الامامية رضوان الله عليهم على أن والدي الرسول وكل أجداده إلى آدم عليه السلام كانوا مسلمين، بل كانوا من الصديقين: إما أنبياء مرسلين، أو أوصياء معصومين، ولعل بعضهم لم يظهر الاسلام لتقية أو لمصلحة دينية. قال أمين الدين الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان: قال أصحابنا: إن آزر كان جد إبراهيم عليه السلام لامه، أو كان عمه من حيث صح عندهم أن آباء النبي صلى الله عليه وآله إلى آدم كلهم كانوا موحدين، وأجمعت الطائفة على ذلك، ورووا (5) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات، حتى أخرجني في عالمكم هذا، لم يدنسني بدنس الجاهلية. ولو كان في آبائه عليه السلام كافر لم يصف جميعهم بالطهارة، مع قوله سبحانه: (إنما المشركون نجس) ولهم في ذلك أدلة ليس هنا موضع ذكرها. انتهى (6). وقال إمامهم الرازي في تفسيره: قالت الشيعة: إن أحدا " من آباء الرسول صلى الله عليه وآله وأجداده ما كان كافرا "، وأنكروا أن يقال: إن والد إبراهيم كان كافرا " وذكروا أن آزر كان عم إبراهيم عليه السلام، واحتجوا على قولهم بوجوه:


(1) امتار لنفسه أو لعياله: جمع الطعام والمؤنة. (2) العدد: مخطوط. (3) في المصدر: وأبا طالب. (4) الاعتقادات: 116. (5) في المصدر: وروى. (6) مجمع البيان 4: 322.

[ 118 ]

الاولى: أن آباء نبينا ما كانوا كفارا " ويدل عليه وجوه: منها: قوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين (1)) قيل: معناه إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد، وبهذا التقدير فالاية دالة على أن جميع آباء محمد صلى الله عليه وآله كانوا مسلمين، فيجب القطع (2) بأن والد إبراهيم كان مسلما "، ومما يدل على أن أحدا " من آباء محمد صلى الله عليه وآله ما كانوا من المشركين قوله صلى الله عليه وآله: (لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات) وقال تعالى: (إنما المشركون نجس). أقول: ثم أورد بعض الاعتراضات والاجوبة التي لا حاجة لنا إلى إيرادها، ثم قال: وأما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله صلى الله عليه وآله كان كافرا "، وذكروا أن نص الكتاب في هذه الاية تدل على أن آزر كان كافرا "، وكان والد إبراهيم عليه السلام إلى آخر ما قال (3)، وإنما أوردنا كلامه ليعلم أن اتفاق الشيعة على ذلك كان معلوما "، بحيث اشتهر بين المخالفين. وأما المخالفون: فذهب أكثرهم إلى كفر والدي الرسول صلى الله عليه وآله وكثير من أجداده كعبد المطلب وهاشم وعبد مناف صلوات الله عليهم أجمعين (4)، وإجماعنا وأخبارنا متضافرة


(1) الشعراء: 118 و 119. (2) في المصدر: فحينئذ يجب القطع. (3) مفاتيح الغيب 4: 103. (4) وذهب بعضهم إلى ايمان والديه صلى الله عليه وآله وأجداده، واستدلوا عليه بالكتاب والسنة، منهم السيوطي، قال في كتاب مسالك الحنفاء: 17: المسلك الثاني أنهما أي عبد الله وآمنة لم يثبت عنهما شرك، بل كانا على الحنيفية دين جدهما ابراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام كما كان على ذلك طائفة من العرب كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهما، وهذا المسلك ذهبت إليه طائفة منهم الامام فخر الدين الرازي فقال في كتابه أسرار التنزيل ما نصه: قيل: ان آزر لم يكن والد ابراهيم بل كان عمه واحتجوا عليه بوجوه: منها أن آباء الانبياء ما كانوا كفارا، ويدل عليه وجوه: منها قوله تعالى: (الذى يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين) قيل: معناه أنه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد. وبهذا التقدير الاية دالة على أن جميع أباء محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا مسلمين، وحينئذ يجب القطع بأن والد ابراهيم ما كان من الكافرين، انما ذاك عمه، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين) على وجوه - >

[ 119 ]

على خلافهم، وسيأتي الاخبار الكثيرة الدالة على ذلك في سائر أبواب الكتاب. ووجدت في بعض الكتب أن عبد المطلب اسمه شيبة، ويقال: شيبة الحمد، وقد قيل: إن اسمه عامر، والصحيح الاول، ويقال: إنه سمي شيبة لانه ولد وفي رأسه


< - آخر، وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينهما وجب حمل الاية على الكل، ومتى صح ذلك ثبت أن والد ابراهيم ما كان من عبدة الاوثان. ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وآله ما كانوا مشركين قوله عليه السلام: (لم ازل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات) وقال تعالى: (انما المشركون نجس) فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركا. هذا كلام الامام فخر الدين الرازي بحروفه، وناهيك به امامة وجلالة، فانه امام أهل السنة في زمانه، والقائم بالرد على الفرق المبتدعة في وقته. ثم قال: وعندي في نصرة هذا المسلك وما ذهب إليه الامام فخر الدين أمور: أحدها دليل استنبطه مركب من مقدمتين. الاولى: إن الاحاديث الصحيحة دلت على أن كل أصل من اصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من آدم عليه السلام إلى أبيه عبد الله فهو خير أهل قرنه وأفضلهم، ولا أحد في قرنه ذلك خير منه ولا أفضل. الثانية: إن الاحاديث والاثار دلت على أنه لم تخل الارض من عهد نوح عليه السلام أو آدم عليه السلام إلى بعثة النبي صلى الله عليه وآله إلى أن تقوم الساعة من ناس على الفطرة يعبدون الله ويوحدونه ويصلون له وبهم تحفظ الارض ولولا هم لهلكت الارض ومن عليها، وإذا قرنت بين هاتين المقدمتين انتج منهما قطعا أن آباء النبي صلى الله عليه وآله لم يكن فيهم مشرك، لانه ثبت في كل منهم أنه خير قرنه، فان كان الناس الذين على الفطرة هم آباؤهم فهو المدعى، وإن كان غيرهم وهم على الشرك لزم أحد الامرين: إما أن يكون المشرك خيرا " من المسلم وهو باطل بالاجماع، وإما أن يكون غيرهم خيرا " منهم وهو باطل لمخالفة الاحاديث فوجب قطعا " أن لا يكون فيهم مشرك ليكونوا خير أهل الارض في كل قرنه إه‍. ثم ذكر أدلة لاثبات المقدمة الاولى منها: ما أخرجه البخاري عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذى كنت فيه. وما أخرجه البيهقى في دلائل النبوة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ما افترق الناس فرقتين الا جعلني الله في خيرهما. فأخرجت من بين أبوى فلم يصبنى شئ من عهد الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبى وامى فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا. - >

[ 120 ]

شعرة بيضاء، ويكنى أبا الحارث، ويلقب الفياض لجوده، وإنما سمي عبد المطلب لان أباه هاشما " مر بيثرب في بعض أسفاره فنزل على عمرو بن زيد، وقيل: زيد بن عمرو ابن خداش بن امية بن وليد بن غنم بن عدي بن النجار، والراوي الاول يقول: عمرو


< - وما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة من طرق عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه و آله وسلم: لم يزل الله ينقلني من الاصلاب الطيبة إلى الارحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تنشعب شعبتان الاكنت في خيرهما. وما أخرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمى في فضائل العباس من حديث واثلة بلفظ (إن الله اصطفى من ولد آدم ابراهيم واتخذه خليلا، واصطفى من ولد ابراهيم اسماعيل، ثم اصطفى من ولد اسماعيل نزارا، ثم اصطفى من ولد نزار مضر، ثم اصطفى من مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشا، ثم اصطفى من قريش بنى هاشم، ثم اصطفى من بنى هاشم بنى عبد المطلب، ثم اصطفاني من بنى عبد المطلب). قال: أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى. ثم ذكر تسعة أحاديث اخرى تدل على ذلك. ثم ذكر أدلة لاثبات المقدمة الثانية: منها: أحاديث تدل على أن الارض لم تزل بعد نوح كان على وجهها مسلمون يعملون لله بطاعته، ويدفع الله بهم عن أهل الارض فعدهم في بعضها سبعة، وفي اخرى أربعة عشر، وفي ثالثة اثنى عشر. ومنها: أحاديث وردت في تفسير قوله تعالى: (كان الناس امة واحدة) فيها أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، وفيها: أن ما بين نوح إلى آدم من الاباء كانوا على الاسلام، وفيها: أن أولاد نوح عليه السلام لم يزالوا على الاسلام وهم ببابل حتى ملكهم نمرود ابن كوس فدعاهم إلى عبادة الاوثان ففعلوا. ثم قال: فعرف من مجموع هذه الاثار أن أجداد النبي صلى الله عليه وآله كانوا مؤمنين بيقين من آدم إلى زمن نمرود، وفي زمنه كان ابراهيم عليه السلام وآزر، فان كان آزر والد ابراهيم فيستثنى من سلسلة النسب، وان كان عمه فلا استثناء في هذا القول - أعنى أن آزر ليس أبا ابراهيم - كما ورد عن جماعة من السلف. ثم ذكر آثار أو أقوالا تدل على أن آزر كان عم ابراهيم ولم يكن أباه. ثم قال: ثم استمر التوحيد في ولد ابراهيم واسماعيل، قال الشهرستاني في الملل والنحل: كان دين ابراهيم قائما والتوحيد في صدر العرب شائعا، واول من غيره واتخذ عبادة الاصنام عمرو بن لحى، وقال عماد الدين ابن كثير في تاريخه: كانت العرب على دين ابراهيم عليه السلام إلى أن ولى عمرو بن عامر الخزاعى مكة، وانتزع ولاية البيت من أجداد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأحدث عمرو المذكور عبادة الاصنام وشرع للعرب الضلالات، وتبعته العرب على الشرك، و فيهم بقايا من دين ابراهيم، وكانت مدة ولاية خزاعة على البيت ثلاث مائة سنة وكانت ولايتهم - >

[ 121 ]

ابن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج وهو المعتمد، فرأى ابنته سلمى فخطبها إليه فزوجه إياها، وشرط عليه أنها إذا حملت أتى بها لتلد في دار قومها، وبنى عليها هاشم بيثرب ومضى بها إلى مكة،


< - مشؤومة إلى أن جاء قصى جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقاتلهم وانتزع ولاية البيت عنهم، الا أن العرب بعد ذلك لم ترجع عما كان أحدثه عمرو الخزاعى. فثبت أن آباء النبي صلى الله عليه وآله من عهد ابراهيم عليه السلام إلى زمان عمرو المذكور كلهم مؤمنون بيقين، ونأخذ الكلام على الباقي. ثم ذكر آياتا لاثبات ذلك وعقبها بأحاديث منها: ما ورد في تفسير قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه) تدل على أن التوحيد كان باقيا في ذرية ابراهيم عليه السلام ولم يزل ناس من ذريته على الفطرة يعبدون الله تعالى حتى تقوم الساعة وأحاديث في تفسير قوله: (واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام) تدل على أن الله استجاب لابراهيم عليه السلام دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته، وحديثا في تفسير قوله تعالى: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريني) يدل على أنه لن تزال من ذرية ابراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله تعالى، ثم ذكر آثارا تدل على أن عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة والياس وكعب بن لوى وغيرهم كانوا مسلما، ثم قال: فحصل مما أوردناه أن آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عهد ابراهيم إلى كعب بن لوى كانوا كلهم على دين ابراهيم عليه السلام، وولده مرة بن كعب الظاهر أنه كذلك لان أباه أوصاه بالايمان، وبقى بينه وبين عبد المطلب أربعة آباء وهم كلاب وقصى وعبد مناف وهاشم، ولم أظفر فيهم بنقل لا بهذا ولا بهذا، وأما عبد المطلب ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لم تبلغه الدعوة، والثانى: أنه كان على التوحيد وملة ابراهيم وهو ظاهر عموم قول الامام فخر الدين وما تقدم من الاحاديث. والثالث: أن الله أحياه بعد بعثة النبي عليه السلام حتى آمن به وأسلم ثم مات، حكاه ابن سيد الناس، وهذا أضعف الاقوال، ووجدت في بعض كتب المسعودي اختلافا في عبد المطلب وأنه قد قيل فيه: مات مسلما لما رأى من الدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلم انه لا يبعث الا بالتوحيد، وقال الشهرستاني في الملل والنحل: ظهر نور النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اسارير عبد المطلب بعض الظهور، وببركة ذلك النور الهم النذر في ذبح ولده، وببركته كان يأمر ولده بترك الظلم والبغى، ويحثهم على مكارم الاخلاق، وينهاهم عن دنيات الامور، وببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه: انه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة، فقيل بعبد المطلب في ذلك، ففكر في ذلك فقال: والله وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن باحسانه، ويعاقب فيها المسئ باساءته، وببركة ذلك النور قال لابرهة: ان لهذا البيت ربا يحفظه، ومنه قال وقد - >

[ 122 ]

فلما أثقلت أتى بها إلى يثرب في السفرة التي مات فيها وذهب إلى الشام فمات هناك بغزة من أرض الشام، وولدت سلمى عبد المطلب وشب عند امه فمر به رجل من بني الحارث بن عبد مناف، وهو مع صبيان يتناضلون (1) فرآه أجملهم وأحسنهم إصابة، وكلما رمى فاصاب، قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن السيد البطحاء، فأعجب الرجل ما رأى منه ودنا إليه فقال: من أنت ؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبدمناف، قال: بارك الله فيك، وكثر فينا مثلك، قال:


صعد أبا قبيس: لاهم ان المرء يمنع رحله فامنع حلالك * لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك فانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك انتهى كلام الشهرستاني. ثم ذكر امورا " تدل على ايمان عبد المطلب إلى أن قال: ثم رأيت الامام أبا الحسن الماوردى أشار إلى نحو ما ذكره الامام فخر الدين الا أنه لم يصرح كتصريحه، فقال في كتابه أعلام النبوة: لما كان انبياء الله صفوة عباده وخيرة خلقه لما كلفهم من القيام بحقه والارشاد لخلقه استخلصهم من أكرم العناصر، واجتباهم بمحكم الاوامر فلم يكن لنسبهم من قدح، ولمنصبهم من جرح، ليكون القلوب أصغى، والنفوس لهم أوطأ، فيكون الناس إلى اجابتهم أسرع، ولاوامرهم أطوع، وان الله استخلص رسوله صلى الله عليه وآله من أطيب المناكح، وحماه من دنس الفواحش، ونقله من اصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة، وقد قال ابن عباس في تأويل قول الله تعالى: (وتقلبك في الساجدين): أي تقلبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلك نبيا، فكان نور النبوة ظاهرا " في آبائه، واذ اخبرت حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت أنه سلالة آباء كرام ليس في آبائه مسترذل و لا مغمور مسبل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة انتهى كلام الماوردى بحروفه، قلت: ثم فصل السيوطي الكلام حول ذلك وحول امهاته صلى الله عليه وآله وسلم وصنف أيضا في ذلك كتابه الدرج المنيفة في الاباء الشريفة، وكتابه المقامة السندسية في النسبة المصطفوية، وكتابه التعظيم والمنة في أن أبوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة، و كتابه السبل الجلية في الاباء العلية، وصنف كتاب نشر العلمين المنيفين في احياء الابوين الشريفين رد فيه على من جزم بأن الحديث الذى ورد في احيائهما موضوع، وصنف كتاب أنباء الاذكياء في حياة الانبياء عليهم السلام. قلت: وممن صرح بايمان عبد المطلب وغيره المسعودي واليعقوبي وغيرهما. (1) يتناضلون أي تباروا في النضال وتراموا للسبق.

[ 123 ]

من أنت يا عم ؟ قال: رجل من قومك، قال: حياك الله ومرحبا " بك، وسأله عن أحواله وحاجته، فرأى الرجل منه ما أعجبه، فلما أتى مكة لم يبدء بشئ حتى أتى المطلب بن عبد مناف فأصابه جالسا " في الحجر فخلا به وأخبره خبر الغلام وما رأى منه، فقال المطلب: والله لقد أغفلته، ثم ركب قلوصا " (1) ولحق بالمدينة وقصد محلة بني النجار فإذا هو بالغلام في غلمان منهم، فلما رآه أناخ قلوصه وقصد إليه، فأخبره بنفسه، وأنه جاء للذهاب به، فما لبث أن جلس على عجز الرحل وركب المطلب القلوص ومضى به، وقيل: بل كانت امه قد علمت بمجئ المطلب ونازعته فغلبها عليه، ومضى به إلى مكة وهو خلفه، فلما رآه قريش قامت إليه وسلمت عليه وقالوا: من أين أقبلت ؟ قال: من يثرب، قالوا: ومن هذا معك ؟ قال: عبد ابتعته، فلما أتى محله اشترى له حلة فألبسه إياها وأتى به في مجلس بني عبدمناف، فقال: هذا ابن أخيكم هاشم، وأخبرهم خبره، فغلب عليه عبد المطلب لقول عمه: إنه عبد ابتعته، وساد عبد المطلب قريشا "، وأذعنت له سائر العرب بالسيادة والرياسة، وأخباره مشهورة مع أصحاب الفيل، وحفر زمزم، وفي سقياه حين استسقى مرتين: مرة لقريش، ومره لقيس إلى غير ذلك من فضائله، و أخباره وأشعاره تدل على أنه كان يعلم أن سبطه محمدا " نبي، وهو ابن هاشم، واسمه عمرو، و يقال له: عمرو العلى، ويكنى أبا نضله، وإنما سمي هاشما " لهشمه الثريد (2) للحجاج، وكانت إليه الوفادة والرفادة (3) وهو الذي سن الرحلتين: رحلة الشتاء إلى اليمن و


(1) القلوص من الابل: الطويلة القوائم. الشابة منها أو الباقية على السير. (2) هشم الثريد لقومه أي كسر الخبز وفنه وبله بالمرق فجعله ثريدا فهو هاشم. (3) قال ابن هشام: كانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصى بن كلاب فيصنع به طعاما للحاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وذلك أن قصيا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش انكم جيران الله، واهل بيته، وأهل الحرم، وأن الحجاج ضيف الله، و (أهله) وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا، فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى إه‍.

[ 124 ]

العراق، ورحلة الصيف إلى الشام ومات بغزة من أرض الشام وفيه يقول مطرود بن كعب الخزاعي: شعر: عمرو العلى هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف (1). وكان هاشم يدعى القمر، ويسمى ذات الركب، وقد سمي بهذا آخرون من قريش أيضا "، وهو ابن عبد مناف، واسمه المغيرة، وإنما سمته عبد مناف امه، ومناف اسم صنم كان مستقبل الركن الاسود، وكان أيضا " يدعى القمر لجماله، ويدعى السيد لشرفه وسودده، وهو ابن قصي، واسمه زيد، وإنما سمى قصيا " لان امه فاطمة بنت سعد بن سنبل الازدية (2) من أزدشنوءه تزوجها بعد أبيه كلاب ربيعة بن حزام بن سعد بن زيد القضاعي، فمضى بها إلى قومه، وكان زهرة بن كلاب كبيرا "، فتركته عند قومه، وحملت زيدا " معها، لانه كان فطيما "، فسمي قصيا " لانه أقصى عن داره، وشب في حجر ربيعة بن حزام، لا يرى إلا أنه أبوه إلى أن كبر فنازع بعض بني عذرة، فقال له العذري: الحق بقومك فإنك لست منا، قال: وممن أنا ؟ قال: سل امك تخبرك، فقالت: أنت والله أكبر منهم نفسا " ووالدا " ونسبا "، أنت ابن كلاب بن مرة، وقومك آل الله في حرمه وعند بيته، فكره قصي المقام دون مكة، فأشارت عليه امه أن يقيم حتى يدخل الشهر الحرام، ثم يخرج مع حجاج قضاعة ففعل، ولما صار إلى مكة تزوج إلى خليل بن الحبشية الخزاعي ابنته حيي، وكان خليل يلي أمر الكعبة، وعظم أمر قصي حتى استخلص البيت من خزاعة وحاربهم وأجلاهم عن الحرم وصارت إليه السدانة والوفادة والسقاية، وجمع قبائل قريش وكانت متفرقة. وقال محمد بن مسعود الكازروني في كتاب المنتقى: ولد عبد الله لاربع وعشرين سنة


(1) في سيرة ابن هشام: قوم بمكة مسنتين عجاف. بعده: سنت إليه الرحلتان كلاهما * سفر الشتاء ورحلة الايلاف. ويروى: ورحلة الاصياف. (2) في القاموس: أزد بن الغوث أبوحى ومن أولاده الانصار كلهم ويقال: أزدشنوءة. والغزة بالغين والزاى المعجمتين: بلد بفلسطين، وقال في القاموس: مات بها هاشم. وعذرة بالذال المعجمة: قبيلة باليمن. منه عفى عنه.

[ 125 ]

مضت من ملك كسرى أنوشروان، فبلغ سبع عشرة سنة، ثم تزوج آمنة، فلما حملت برسول الله صلى الله عليه وآله توفي، وذلك أن عبد الله بن عبد المطلب خرج إلى الشام (1) في عير من عيرات قريش، يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا، فمروا بالمدينة وعبد الله بن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضا " شهرا "، ومضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن عبد الله، فقالوا خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب أعظم ولده (2) الحارث فوجده قد توفي في دار النابغة (3)، فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد (4) عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجدا " شديدا "، ورسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ حمل، ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنة. وروي أنه توفي بعد ما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثمانية وعشرون شهرا "، ويقال: سبعة أشهر، والاول أصح. قال الواقدي: ترك عبد الله أم أيمن وخمسة جمال أوراك، يعني قد أكلت الاراك، وقطيعة غنم، فورث رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت أم أيمن تحضنه واسمها بركة (5). 64 - ن لى: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال: أنشدني الرضا عليه السلام لعبد المطلب شعر (6): يعيب الناس كلهم زمانا * وما لزماننا عيب سوانا نعيب زماننا والعيب فينا * ولو نطق الزمان بناهجانا (7)


(1) في المصدر زاد: إلى غزة. (2) في المصدر: أكبر ولده. (3) في المصدر زيادة هي: وهو رجل من بنى عدى بن النجار في الدار التى إذا دخلتها فالدويرة عن يسارك، فأخبره أخواله بمرضه وبقيامهم عليه، وما ولوامن أمره وانهم قبروه، فرجع اه‍. (4) أي حزن، (5) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الخامس من الباب الثامن من القسم الاول. (6) هكذا في نسخة المصنف، والصحيح: شعرا كما في المصدر. (7) بها خ ل.

[ 126 ]

وإن الذئب يترك لحم ذئب * ويأكل بعضنا بعضا " عيانا (1) أقول: سيأتي في باب مولد النبي صلى الله عليه وآله بعض أخباره. 65 - ل: الفامي وابن مسرور معا "، عن ابن بطة، عن الصفار، عن ابن معروف، عن حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي جعفر صلى الله عليه وآله قال: أول من سوهم عليه مريم بنت عمران، وهو قول الله: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) والسهام ستة، ثم استهموا في يونس عليه السلام لما ركب مع القوم، فوقفت السفينة في اللجة، فاستهموا فوقع السهم على يونس عليه السلام ثلاث مرات، قال: فمضى يونس عليه السلام إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى بنفسه، ثم كان عبد المطلب ولد له تسعة فنذر في العاشر إن يرزقه الله غلاما " أن يذبحه، قال: فلما ولد عبد الله لم يكن يقدر أن يذبحه ورسول الله صلى الله عليه وآله في صلبه، فجاء بعشر من الابل وساهم عليها وعلى عبد الله فخرجت السهام على عبد الله، فزاد عشرا "، فلم يزل السهام تخرج على عبد الله ويزيد عشرا "، فلما بلغت مأة خرجت السهام على الابل، فقال عبد المطلب: ما أنصفت ربي، فأعاد السهام ثلاثا " فخرجت على الابل، فقال: الآن علمت أن ربي قد رضي، فنحرها (2). 66 - ل: أبي، عن سعد، عن أبي محمد الفضل اليماني، عن الحسن بن جمهور، عن أبيه، عن علي بن حديد، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هبط جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن الله عزوجل قد شفعك (3) في خمسة: في بطن حملك وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وفي صلب أنزلك وهو عبد الله بن عبد المطلب، وفي حجر كفلك وهو عبد المطلب بن هاشم، وفي بيت آواك وهو عبد مناف بن عبد المطلب أبو طالب، وفي أخ كان لك في الجاهلية، قيل:


(1) عيون الاخبار: 306، الامالى، 107، وفي العيون زيادة هي: لبسنا للخدوع مسوك طيب * وويل للغريب إذا اتانا (2) الخصال 1: 75. (3) أي قبل شفاعتك فيهم.

[ 127 ]

يا رسول الله من هذا الاخ ؟ فقال رسول الله: كان آنسي وكنت آنسه، وكان سخيا " يطعم الطعام (1). 67 - ل: محمد بن علي بن الشاه، عن أبي حامد، عن أبي يزيد، عن محمد بن أحمد بن صالح التميمي، عن ابيه، عن أنس بن محمد أبي مالك، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في وصيته له: يا علي إن عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن أجراها الله له في الإسلام: حرم نساء الاباء على الابناء فأنزل الله عزوجل: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) ووجد كنزا " فأخرج منه الخمس وتصدق به، فأنزل الله عزوجل: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) الاية، ولما حفر زمزم سماها سقاية الحاج فأنزل الله عز وجل: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر) الآية، وسن في القتل مأة من الابل فأجرى الله عزوجل ذلك في الاسلام، ولم يكن للطواف عدد عند قريش فسن فيهم عبد المطلب سبعة أشواط، فأجرى الله ذلك في الاسلام، يا علي إن عبد المطلب كان لا يستقسم بالازلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح على النصب، ويقول: أنا على دين أبي إبراهيم عليه السلام (2). بيان: لعله عليه السلام فعل هذه الامور بإلهام من الله تعالى، أو كانت في ملة إبراهيم عليه السلام فتركتها قريش فأجراها فيهم، فلما جاء الاسلام لم ينسخ هذه الامور لما سنه عبد المطلب. 68 - ل: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان الاحمر قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يحدث عن أبيه عليه السلام قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن ولد عبد المطلب، فقال: عشرة والعباس. قال الصدوق ره: وهم عبد الله، وأبو طالب، والزبير، وحمزة، والحارث، وهو أسنهم والغيداق، والمقوم، وحجل، وعبد العزى وهو أبو لهب، وضرار، والعباس، ومن الناس


(1) الخصال 1: 141، قال الصدوق، اسم هذا الاخ الحلاس بن علقمة. (2) الخصال 1: 150.

[ 128 ]

من يقول: إن المقوم هو حجل. ولعبد المطلب عشرة أسماء (1)، تعرفه بها العرب وملوك القياصرة وملوك العجم وملوك الحبشة، فمن أسمائه: عامر، وشيبة الحمد، وسيد البطحاء، وساقي الحجيج، وساقي الغيث، وغيث الورى في العام الجدب، وأبو السادة العشرة، وعبد المطلب، وحافر زمزم (2)، وليس ذلك لمن تقدمه (3). 69 - ن: القطان، عن الاسدي (4)، عن علي بن الحسن بن فضال، عن ابيه قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله أنا ابن الذبيحين، قال: يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، وعبد الله بن عبد المطلب، أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشر الله تعالى به إبراهيم عليه السلام (فلما بلغ معه السعي) وهو لما عمل مثل عمله (قال يا بني: إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى * قال يا أبت افعل ما تؤمر) ولم يقل له: يا أبت افعل ما رأيت (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) فلما عزم على ذبحه فداه الله تعالى بذبح عظيم بكبش أملح. يأكل في سواد، ويشرب في سواد، وينظر في سواد، ويمشى في سواد ويبول (5) ويبعر في سواد، وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاما، وما خرج من رحم انثى، وإنما قال الله عزوجل له:


(1) اختاره اليعقوبي، وأضاف قثم مكانه وقال: امه صفية بنت جندب بن حجير. (2) لم نجد العاشر في الكتاب ومصدره، ولعله ابراهيم الثاني على ما يقول اليعقوبي، قال: كانت قريش تقول عبد المطلب ابراهيم الثاني. (3) الخصال 1: 62 و 63. (4) هكذا في نسخة المصنف وغيرها، والموجود في المصدر: أحمد بن الحسن القطان، عن أحمد بن محمد بن سعيد الكوفى، والظاهر أنه رحمه الله غفل عما قدمه في المجلد الاول من أن الاسدي في وسط السند مختصر أبى الحسين محمد بن جعفر الاسدي، وذكر أنا نعبر عن أحمد بن محمد بن سعيد بأحمد الهمداني أو ابن عقدة أو أحمد الكوفى. (5) في المصدر: ويبول في سواد. قلت: قال الجزرى في النهاية: وفيه أنه ضحى بكبش يطأ في سواد، وينظر في سواد، ويبرك في سواد، أي أسود القوائم والمرابض والمحاجر انتهى، وقيل: ان المراد أنه كان مقيما في الحشيش والمرعى والخضرة إذا أشبعت مالت إلى السواد، أو كان ذا ظل عظيم لسمنه وعظم جثته بحيث يمشى فيه ويأكل وينظر ويبعر فيه مجازا " في السمن.

[ 129 ]

كن فكان، ليفدي به إسماعيل، فكل ما يذبح بمنى فهو فدية لاسماعيل إلى يوم القيامة، فهذا أحد الذبيحين، وأما الاخر فإن عبد المطلب كان تعلق بحلقة باب الكعبة ودعا الله عزوجل أن يرزقه عشرة بنين، ونذر لله عزوجل أن يذبح واحدا " منهم متى أجاب الله دعوته، فلما بلغوا عشرة قال: قد وفى الله تعالى لي فلافين (1) لله عزوجل فأدخل ولده الكعبة، وأسهم بينهم، فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وكان أحب ولده إليه، ثم أجالها ثانية فخرج سهم عبد الله، ثم أجالها ثالثة، فخرج سهم عبد الله فأخذه وحبسه وعزم على ذبحه، فاجتمعت قريش ومنعته من ذلك، واجتمع نساء عبد المطلب يبكين ويصحن، فقالت له ابنته عاتكة: يا أبتاه اعذر فيما بينك وبين الله عزوجل في قتل ابنك، قال: وكيف اعذر يا بنية فإنك مباركة ؟ قالت: اعمد على تلك السوائم (3) التي لك في الحرم فاضرب بالقداح على ابنك وعلى الابل واعط ربك حتى يرضى، فبعث عبد المطلب إلى إبله فأحضرها وعزل منها عشرا "، وضرب بالسهام فخرج سهم عبد الله، فما زال يزيد عشرا " عشرا " حتى بلغت مأة، فضرب فخرج السهم على الابل، فكبرت قريش تكبيرة ارتجت لها جبال تهامة، فقال عبد المطلب: لا حتى أضرب بالقداح ثلاث مرات، فضرب ثلاثا " كل ذلك يخرج السهم على الابل، فلما كان في الثالثة اجتذبه الزبير وأبو طالب وإخواتهما من تحت رجليه، فحملوه وقد انسلخت جلدة خده الذي كان على الارض وأقبلوا يرفعونه ويقبلونه ويمسحون عنه التراب، وأمر عبد المطلب أن تنحر الابل بالحزورة، ولا يمنع أحد منها، وكانت مأة، فكانت لعبد المطلب خمس من السنن أجراها الله عزوجل في الاسلام: حرم نساء الاباء على الابناء، وسن الدية في القتل مأة من الابل، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط، ووجد كنزا " فأخرج منه الخمس، وسمي زمزم حين حفرها سقاية الحاج، ولولا أن عبد المطلب كان حجة (3) وأن عزمه على ذبح ابنه عبد الله شبيه بعزم إبراهيم عليه السلام على ذبح ابنه إسماعيل لما افتخر النبي صلى الله عليه وآله بالانتساب إليهما لاجل


(1) في المصدر: فلاوفين. (2) السوائم جمع السائمة: الماشية والابل الراعية. (3) في نسخة من المصدر: ولولا أن عمل عبد المطلب كان حجة.

[ 130 ]

أنهما الذبيحان في قوله صلى الله عليه وآله: أنا ابن الذبيحين، والعلة التي من أجلها دفع الله عز و جل الذبح عن إسماعيل هي العلة التي من أجلها دفع الذبح عن عبد الله، وهي كون النبي والائمة (1) صلوات الله عليهم في صلبيهما، فببركة النبي والأئمة صلوات الله عليهم دفع الله الذبح عنهما، فلم تجر السنة في الناس بقتل أولادهم، ولولا ذلك لوجب على الناس كل أضحى التقرب إلى الله تعالى ذكره بقتل أولادهم، كل ما يتقرب الناس به إلى الله عز وجل من اضحية فهو فداء لاسماعيل إلى يوم القيامة (2). 70 - جا، ما: المفيد، عن علي بن بلال المهلبي، عن عبد الواحد بن عبد الله بن يونس، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن المعلى، عن العمي (3)، عن جعفر بن بشير، عن سليمان بن سماعة، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: لما قصد أبرهة بن الصباح ملك الحبشة لهدم البيت (4) تسرعت الحبشة فأغاروا عليها فأخذوا سرحا " لعبد المطلب بن هاشم، فجاء عبد المطلب فاستأذن عليه فأذن له وهو في قبة ديباج على سرير له: فسلم عليه، فرد أبرهة السلام وجعل ينظر في وجهه فراقه حسنه وجماله وهيبته، فقال له: هل كان في آبائك مثل هذا النور الذي أراه لك والجمال ؟ قال: نعم أيها الملك كل آبائي كان لهم هذا الجمال والنور والبهاء، فقال له أبرهة: لقد فقتم (6) فخرا " وشرفا "، ويحق لك أن تكون سيد قومك، ثم أجلسه معه على سريره، وقال لسائس فيله الاعظم: وكان فيلا " أبيض عظيم الخلق، له نابان مرصعان بأنواع الدر والجواهر، وكان الملك يباهي به ملوك الارض - اتيني به، فجاء به سائسه وقد زين بكل زينة حسنة، فحين قابل وجه عبد المطلب سجد له، ولم يكن يسجد لملكه، وأطلق الله لسانه بالعربية فسلم على عبد المطلب، فلما رأى الملك ذلك ارتاع


(1) والائمة المعصومين خ ل. (2) عيون الاخبار: 117 و 118. (3) منسوب إلى بنى العم من تميم، والرجل هو محمد بن جمهور العمى البصري. (4) في المصدر: مكة لهدم البيت. (5) السرح: الماشية. (6) في المصدر: لقد فقتم الملوك.

[ 131 ]

له وظنه سحرا "، فقال: ردوا الفيل إلى مكانه، ثم قال لعبد المطلب: فيم جئت ؟ فقد بلغني سخاءك وكرمك وفضلك، ورأيت من هيبتك وجمالك وجلالك ما يقتضي أن أنظر في حاجتك، فسلني ما شئت، وهو يرى أنه يسأله في الرجوع من مكة، فقال له عبد المطلب: إن أصحابك غدوا (1) على سرح لي فذهبوا به فمرهم برده علي، قال: فتغيظ الحبشي من ذلك، وقال لعبد المطلب: لقد سقطت من عيني، جئتني تسألني في سرحك وأنا قد جئت لهدم شرفك، وشرف قومك، ومكرمكتم التي تتميزون بها من كل جيل وهو البيت الذي يحج إليه من كل صقع في الأرض، فتركت مسألتي في ذلك وسألتني في سرحك، فقال له عبد المطلب: لست برب البيت الذي قصدت لهدمه، وأنا رب سرحي الذي أخذه أصحابك، فجئت أسألك فيما أنا ربه، وللبيت رب هو أمنع له من الخلق كلهم، وأولى به منهم، فقال الملك ردوا عليه سرحه، وانصرف إلى مكة (2)، وأتبعه الملك بالفيل الأعظم مع الجيش لهدم البيت، فكانوا إذا حملوه على دخول الحرم أناخ، وإذا تركوه رجع مهرولا "، فقال عبد المطلب لغلمانه: ادعوا إلي ابني، فجئ بالعباس، فقال: ليس هذا أريد، ادعوا إلي ابني، فجئ بأبي طالب فقال: ليس هذا اريد، ادعوا إلي ابني فجئ بعبدالله أب النبي صلى الله عليه وآله، فلما أقبل إليه قال: اذهب يا بني حتى تصعد أبا قبيس، ثم اضرب ببصرك ناحية البحر، فانظر أي شئ يجئ من هناك، وخبرني به، قال: فصعد عبد الله أبا قبيس فما لبث أن جاء بطير أبابيل (3) مثل السيل والليل، فسقط على أبي قبيس، ثم صار إلى البيت فطاف سبعا "، ثم صار إلى الصفا والمروة فطاف بهما سبعا "، فجاء عبد الله إلى أبيه فأخبره الخبر، فقال: انظر يا بني ما يكون من أمرها بعد فأخبرني به، فنظرها فإذا هي قد أخذت نحو عسكر الحبشة، فأخبر عبد المطلب بذلك، فخرج عبد المطلب وهو يقول: يا أهل مكة اخرجوا إلى العسكر فخذوا غنائمكم، قال:


(1) في المجالس: عدوا. (2) في المجالس: ردوا عليه سرحه، وازحفوا إلى البيت فانفضوه حجرا " حجرا "، فأخذ عبد المطلب سرحه، وانصرف إلى مكة. (3) في المصدر: أن جاء طير أبابيل.

[ 132 ]

فأتوا العسكر وهم أمثال الخشب النخرة، وليس من الطير إلا ما معه ثلاثة أحجار في منقاره ويديه (1) يقتل بكل حصاة منها واحدا " من القوم، فلما أتوا على جميعهم انصرف الطير فلم ير قبل ذلك ولا بعده، فلما هلك القوم بأجمعهم جاء عبد المطلب إلى البيت فتعلق بأستاره وقال: يا حابس الفيل بذي المغمس * حبسته كأنه مكوس في مجلس (2) تزهق فيه الانفس فانصرف وهو يقول في فرار قريش وجزعهم من الحبشة: طارت قريش إذا رأت خميسا * فظلت فردا " لا أرى أنيسا ولا أحس منهم حسيسا * إلا أخا " لي ماجدا " نفيسا مسودا " في أهله رئيسا. (3) بيان: راقه: أعجبه، قال الفيروز آبادي: المغمس كمعظم ومحدث: موضع بطريق الطائف فيه قبر أبي رغال دليل أبرهة ويرجم، وقال: المكوس كمعظم حمار. أقول: روي في كتاب العدد مثله إلا أنه زاد فيه: فحين قابل الفيل وجه عبد المطلب سجد له، ولم يكن سجد لملكه وأطلق الله لسانه بالعربية فسلم على عبد المطلب وقال بلسان فصيح: يا نور خير البرية، ويا صاحب البيت والسقاية، ويا جد سيد المرسيلن، السلام على نور الذي في ظهرك، يا عبد المطلب معك العز والشرف، لن تذل ولن تغلب أبدا "، فلما رأى الملك ذلك ارتاع له وظنه سحرا "، فقال: ردوا الفيل إلى مكانه، ثم قال لعبد المطلب: فيم جئت ؟ فقد بلغني سخاءك وكرمك وفضلك، ورأيت من هيبتك وجمالك وجلالك ما يقتضي أن أنظر في حاجتك، فسل ما شئت. وساق الحديث إلى آخره (4). 71 - فس: (ألم تر) ألم تعلم يا محمد (كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) قال:


(1) في الامالى: ورجليه مكان يديه، والمجالس خلى عنهما. (2) في المصدر: في محبس. (3) مجالس المفيد: 184 - 186. أمالى ابن الشيخ: 49 و 50. (4) العدد: مخطوط.

[ 133 ]

نزلت في الحبشة حين جاءوا بالفيل ليهدموا به الكعبة، فلما أدنوه (1) من باب المسجد قال له عبد المطلب: تدري أين يأم بك ؟ قال برأسه: لا، قال: أتوا بك لتهدم كعبة الله، أتفعل ذلك ؟ فقال برأسه: لا، فجهدت به الحبشة ليدخل المسجد فأبى، فحملوا عليه بالسيوف وقطعوه، (فأرسل (2) عليهم طيرا " أبابيل) قال: بعضها على أثر بعض (ترميهم بحجارة من سجيل) قال: كان مع كل طير حجر (3) في منقاره، وحجران في مخاليبه (4)، وكانت ترفرف على رؤوسهم، وترمى في دماغهم (5) فيدخل الحجر في دماغهم، ويخرج من أدبارهم، وتنتفض (6) أبدانهم فكانوا كما قال: (7) (فجعلهم كعصف مأكول) قال: العصف: التبن، والمأكول هو الذي يبقى من فضله، قال الصادق عليه السلام: وأهل الجدري من ذلك (8) الذي أصابهم في زمانهم جدري (9). بيان: قال الطبرسي ره: أجمعت الرواة على أن ملك اليمن الذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة بن الصباح، وقيل: إن كنيته أبو يكسوم، قال الواقدي: هو صاحب النجاشي جد النجاشي الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال محمد بن إسحاق: أقبل تبع حتى نزل على المدينة، فنزل بوادي قبا فحفر بها بئرا " تدعى اليوم ببئر الملك، قال: و بالمدينة إذ ذاك يهود والاوس والخزرج فقاتلوه وجعلوا يقاتلونه بالنهار، فإذا أمسى أرسلوا إليه بالضيافة، فاستحيى وأراد صلحهم، فخرج إليه رجل من الاوس يقال له: احيحة


(1) فلما دنوا خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) هكذا في النسخ، وفي المصدر: وأرسل، وهو الصحيح على ما في المصحف الشريف، (3) ثلاثة أحجار: حجر خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) رجليه خ ل وفي المصدر: مخالبه. (5) في المصدر: وترمى أدمغتهم. (6) تنتقض خ ل. (7) قال الله خ ل وهو الموجود في المصدر. (8) وأهل الجدرى من ذلك أصابهم الذى أصابهم في زمانهم جدري خ ل - صح، وهو الموجود في طبعة من المصدر وفي نسخة مخطوطة عندي، قلت: الجدرى بضم الجيم وفتحه: مرض يسبب بثورا " جمرا " بيض الرؤوس تنتشر في البدن وتتقيح سريعا وهو شديد العدوى. (9) تفسير القمى: 739 و 740.

[ 134 ]

ابن الجلاح، وخرج إليه من اليهود بنيامين القرطي (1)، فقال له احيحة: أيها الملك نحن قومك، وقال بنيامين: هذه بلدة لا تقدر أن تدخلها ولو جهدت. قال: ولم ؟ قال: لانها منزل نبي من الانبياء يبعثه الله من قريش، قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان من مكة على ليلتين بعث الله عليه ريحا " قصفت (2) يديه ورجليه، وشنجت (3) جسده، فأرسل إلى من معه من اليهود فقال: ويحكم ما هذا الذي أصابني ؟ قالوا: حدثت نفسك بشئ ؟ قال: نعم، وذكر ما أجمع عليه من هدم البيت، وإصابة ما فيه، قالوا: ذاك بيت الله الحرام، ومن أراده هلك، قال: ويحكم وما المخرج مما دخلت فيه ؟ قالوا: تحدث نفسك بأن تطوف به وتكسوه وتهدي له، فحدث نفسه بذلك فأطلقه الله، ثم سار حتى دخل مكة فطاف بالبيب، وسعى بين الصفا والمروة، وكسى البيت، وذكر الحديث في نحره بمكة وإطعامه الناس، ثم رجوعه إلى اليمن وقتله وخروج ابنه إلي قيصر واستعانته به (4) فيما فعل قومه بأبيه، وإن قيصرا " كتب له إلى النجاشي ملك الحبشة وأن النجاشي بعث معه ستين ألفا "، واستعمل عليهم روزبه حتى قاتلوا حمير قتلة أبيه، ودخلوا صنعاء فملكوها وملكوا اليمن، وكان في أصحاب روزبه رجل يقال له: أبرهة وهو أبو يكسوم، فقال لروزبه أنا أولى بهذا الامر منك، وقتله مكرا "، وأرضى النجاشي، ثم إنه بنى كعبة باليمن و جعل فيها قبابا " من ذهب، وأمر أهل مملكته بالحج إليها يضاهي بذلك البيت الحرام، وإن رجلا " من بني كنانة خرج حتى قدم اليمن فنظر إليها، ثم قعد فيها، - يعني لحاجة الانسان -، فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة فيها، فقال: من اجترء علي بهذا ؟ ونصرانيتي لاهدمن ذلك البيت حتى لا يحجه حاج أبدا "، فدعا بالفيل وأذن قومه (5) بالخروج


(1) في المصدر: القرظى. (2) في المصدر: فقصفت. (3) أي تقبض وتقلص. (4) في المصدر: واستغاثته به. (5) وأذن في قومه خ ل.

[ 135 ]

ومن اتبعه من أهل اليمن، وكان أكثر من تبعه منهم عك (1) والأشعريون (2) وخثعم قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلا " من بني سليم ليدعو الناس إلى حج بيته الذي بناه، فتلقاه رجل من الخمس (3) من بني كنانة فقتله، فازداد بذلك حنقا "، وأحث السير والانطلاق، وطلب من أهل الطائف دليلا "، فبعثوا معه رجلا " من هذيل يقال له: نفيل، فخرج بهم يهديهم حتى إذا كانوا بالمغمس نزلوا وهو من مكة على ستة أميال، فبعثوا مقدماتهم إلى مكة. فخرجت قريش عباديد (4) في رؤوس الجبال وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بقتال هؤلاء القوم، ولم يبق بمكة غير عبد المطلب بن هاشم أقام على سقايته، وغير شيبة بن عثمان بن عبدالدار أقام على حجابة البيت، فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي الباب ثم يقول: لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك (5) * لا يغلبوا بصليبهم ومحالهم عدوا " محالك إن يدخلوا البيت الحرام إذا " فأمر ما بدالك ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعما " لقريش فأصابت فيها مأتي بعير لعبد المطلب ابن هاشم، فلما بلغه ذلك خرج حتى أتى القوم، وكان حاجب أبرهة رجلا " من الأشعريين (6)، وكانت له بعبد المطلب معرفة، فاستأذن له على الملك وقال له: أيها


(1) عك: بطن اختلف في نسبه، فقال بعضهم: بنوعك بن عدثان بن عبد الله بن الازد من كهلان، من القحطانية، وذهب آخرون إلى أنهم من العدنانية، وعك أصغر من معد بن عدنان أبو العدنانية، وقال آخرون: انه عك بن الديث بن عدنان بن ادد أخو معد بن عدنان، وكانت مواطنهم في نواحى زبيد، وقطنوا مدينة الكدراء وغيرها من مدن اليمن التهامية. (2) في المصدر: الاشعرون وكذا فيما يأتي بعد ذلك: وكلاهما صحيح، والاشعريون من قبائل كهلان من القحطانية، وهم بنو الاشعر بن ادد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وكانت ديارهم من حدود بنى مجيد بارض الشقاق فالى حليس فزبيد. وخثعم: قبيلة من القحطانية، تنسب إلى خثعم بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان. (3) في المصدر: الحمس بالحاء المهملة، وهو بضم الحاء وسكون الميم: قبائل من العرب. (4) العباديد: الفرق من الناس. (5) في المصدر: حلالك. وتقدم معناه. (6) في المصدر: من الاشعرين.

[ 136 ]

الملك جائك سيد قريش، الذي يطعم إنسها في الحي (1)، ووحشها في الجبل، فقال: ائذن له، وكان عبد المطلب رجلا " جسيما " جميلا "، فلما رآه أبو يكسوم أجله أن يجلسه تحته (2)، وكره أن يجلسه معه على سريره، فنزل من سريره فجلس على الارض، و أجلس عبد المطلب معه، ثم قال: ما حاجتك ؟ قال: حاجتي مأتا بعير لي أصابتها مقدمتك، فقال أبو يكسوم: والله لقد رأيتك فأعجبتني، ثم تكلمت فزهدت فيك (3)، فقال: ولم أيها الملك ؟ قال: لاني جئت إلى بيت عزكم ومنعتكم (4) من العرب، وفضلكم في الناس، وشرفكم عليهم، ودينكم الذي تعبدون، فجئت لاكسره، واصيبت لك مأتا بعير، فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك، ولم تطلب إلي في بيتكم، فقال له عبد المطلب: أيها الملك إنما اكلمك فيما لي (5)، ولهذا البيت رب هو يمنعه، لست أنا منه في شئ، فراع ذلك أبا يكسوم، وأمر برد إبل عبد المطلب عليه، ثم رجع وأمست ليلتهم تلك ليلة كالحة نجومها، كأنها تكلمهم كلاما " لاقترابها منهم، فأحست نفوسهم بالعذاب، وخرج دليلهم حتى دخل الحرم وتركهم، وقام الاشعريون وخثعم وكسروا رماحهم و سيوفهم، وبرءوا إلى الله أن يعينوا على هدم البيت، فباتوا كذلك بأخبث ليلة، ثم أدلجوا بسحر (6)، فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا بمكة، فوجهوه إلى مكة، فربض، فضربوه فتمرغ فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن يصبحوا، ثم إنهم أقبلوا على الفيل فقالوا: لك الله أن لا نوجهك إلى مكة، فانبعث فوجهوه إلى اليمن راجعا " فتوجه يهرول فعطفوه حين رأوه منطلقأ حتى إذا ردوه إلى مكانه الاول ربض، فلما رأوا ذلك عادوا إلى القسم فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتى إذا كان من طلوع الشمس طلعت عليهم الطير


(1) الحى: محلة القوم. (2) في المصدر: أعظمه أن يجلسه تحته. (3) أي رغبت عنك. (4) المنعة: العز والقوة. (5) في المصدر أنا اكلمك فيما لى. (6) أي ساروا قريبا من السحر.

[ 137 ]

معها الحجارة، فجعلت ترميهم، وكل طائر في منقاره حجر، وفي رجليه حجران، وإذا رمت بتلك مضت، وطلعت اخرى، فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه، ولا عظم إلا أوهاه (1) وثقبه، وثاب (2) أبو يكسوم راجعا " قد أصابته بعض الحجاره، فجعل كلما قدم أرضا " انقطع له فيها إرب (4) حتى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شئ إلا أباده، (3) فلما قدمها انصدع صدره، وانشق بطنه فهلك، ولم يصب من خثعم و الاشعريين أحد، قال: وكان عبد المطلب يرتجز ويدعو على الحبشة يقول: يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا * إنهم لم يقهروا قواكا (5) قال: ولم تصب تلك الحجارة أحدا " إلا هلك، وليس كل القوم أصابت، وخرجوا هاربين، يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق (4). وقال مقاتل: السبب الذي جر أصحاب الفيل إلى مكة هو أن فئة من قريش خرجوا تجارا " إلى أرض النجاشي، فساروا حتى دنوا من ساحل البحر، وفي حقف من أحقافها بيعة للنصارى تسميها قريش الهيكل، ويسميها النجاشي وأهل أرضه ما سرخشان، فنزل القوم فجمعوا حطبا " ثم أججوا نارا " فاشتووا لحما "، فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف فذهبت الرياح بالنار فاضطرم الهيكل نارا "، فغضب النجاشي لذلك فبعث أبرهة لهدم الكعبه.


(1) أي كسره. (2) أي عاد. (3) الارب: العضو. (4) باده خ ل وهو الموجود في المصدر. (5) قراكا خ ل. (6) في المصدر هنا أشعار أسقطها المصنف وهى: ردينة لو رأيت ولم ترينة * لدى جنب المحصب ما رأينا حمدت الله إذ عاينت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا وكل القوم يسأل عن نفيل * كأن على للحبشان دينا

[ 138 ]

وروى العياشي بإسناده عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أرسل الله على أهل الفيل (1) طيرا " مثل الخطاف أو نحوه في منقاره حجر مثل العدسة، فكان يحاذي برأس الرجل فيرميه بالحجر، فيخرج من دبره، فلم تزل بهم حتى أتت عليهم، قال: فأفلت رجل منهم فجعل يخبر الناس بالقصة، فبينا هو يخبرهم إذ ابصر طيرا " منها، فقال: هذا هو منها (2)، قال: فحاذى به فطرحه على رأسه فخرج من دبره. وقال عبيد بن عمير: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا " نشأت من البحر كأنها الخطاطيف، كل طير منها معه ثلاثة أحجار، ثم جاءت حتى صفت على رؤوسهم، ثم صاحت والقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما من حجر وقع منها على رجل إلا خرج من الجانب الاخر، إن وقع على رأسه خرج من دبره، وإن وقع على شئ من جسده خرج من الجانب الاخر. وعن ابن عباس: قال: دعا الله الطير الابابيل فأعطاها حجارة سودا " عليها الطين، فلما حاذت بهم رمتهم، فما بقي أحد منهم إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه، قال: وكانت الطير نشأت من قبل البحر، لها خراطيم الطيور، ورؤوس السباع، لم تر قبل ذلك ولا بعده، فقال تعالى: (ألم تر) ألم تعلم (كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) الذي قصدوا تخريب الكعبة، وكان معهم فيل واحد اسمه محمود، وقيل: ثمانية أفيال، وقيل: اثنا عشر فيلا "، وإنما وحد لانه أراد الجنس، وكان ذلك في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، وعليه أكثر العلماء، وقيل: كان أمر الفيل قبل مولده صلى الله عليه وآله بثلاث وعشرين سنة، وقيل: بأربعين سنة (3) (ألم يجعل كيدهم في تضليل) أي ضل سعيهم


(1) في المصدر: أصحاب الفيل. (2) فقال: مثل هذا هو منها خ ل. (3) في المصدر: والصحيح الاول، ويدل عليه ما ذكر أن عبد الملك بن مروان قال لعتاب بن أشيم الكنانى الليثى، يا عتاب أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال عتاب: رسول الله صلى الله عليه وآله أكبر منى وأنا أسن منه، ولد رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم عام الفيل، ووقعت على روث الفيل. وقالت عايشة: رأيت قائد الفيل وسائقه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان.

[ 139 ]

حتى لم يصلوا إلى ما أرادوه بكيدهم (وأرسل عليهم طيرا " أبابيل) أي أقاطيع يتبع بعضها بعضا " كالابل المؤبلة، وكانت لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب، وقيل: لها أنياب كأنياب السباع، وقيل: طير خضر لها مناقير صفر، وقيل: طير سود بحرية تحمل في مناقيرها وأكفها الحجارة، ويمكن أن يكون بعضها خضرا "، وبعضها سودا " (ترميهم بحجارة من سجيل) أي تقذفهم تلك الطير بحجاره صلبة شديدة، وقال موسى ابن عايشة: كانت أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة (1). وقال البيضاوي: (من سجيل) من طين متحجر، معرب سنگ كل وقيل: من السجل، وهو الدلو الكبير، أو الاسجال وهو الارسال، أو من السجل ومعناه من جملة العذاب المكتوب المدون. (فجعلهم كعصف مأكول) كورق زرع وقع فيه الاكال وهو أن يأكله الدود أو اكل حبه فبقي صفرا " منه، أو كتبن أكلته الدواب وراشته (2). 72 - كنز الكراجكى: عن الحسين بن عبيدالله الواسطي، عن التلعكبري، عن محمد بن همام وأحمد بن هوذة جميعا "، عن الحسن بن محمد بن جمهور، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: لما ظهرت الحبشة باليمن وجه يكسوم ملك الحبشة بقائدين من قواده، يقال لاحدهما: أبرهة، والاخر أرباط، في عشرة من الفيلة، كل فيل في عشرة آلاف لهدم بيت الله الحرام، فلما صاروا ببعض الطريق وقع بأسهم بينهم، واختلفوا فقتل أبرهة أرباط واستولى على الجيش، فلما قارب مكة طرد أصحابه عيرا " لعبد المطلب بن هاشم، فصار عبد المطلب إلى أبرهة، وكان ترجمان أبرهة والمستولي عليه ابن داية لعبد المطلب، فقال الترجمان لابرهة: هذا سيد العرب وديانها فأجله وأعظمه، ثم قال لكاتبه: سله ما حاجته ؟ فسأله فقال: إن أصحاب الملك طردوا لي نعما "، فأمر بردها، ثم أقبل على


(1) مجمع البيان: 10: 540 - 542. وفيه اختصار. (2) أنوار التنزيل: 2: 619. قوله: راشته: أي أكلته كثيرا.

[ 140 ]

الترجمان فقال: قل له: عجبا " لقوم سودوك ورءسوك (1) عليهم حيث تسألني في عير لك وقد جئت لاهدم شرفك ومجدك، ولو سألتني الرجوع عنه لفعلت (2)، فقال: أيها الملك إن هذه العير لي وأنا ربها، فسألتك إطلاقها، وإن لهذه البنية ربا يدفع عنها، قال: فإني عاد (3) لهدمها حتى أنظر ماذا يفعل، فلما انصرف عبد المطلب رحل ابرهة بجيشه فإذا هاتف يهتف في السحر الاكبر: يا أهل مكة أتاكم أهل عكة بجحفل جرار يملا الاندار ملا الجفار، فعليهم لعنة الجبار، فأنشأ عبد المطلب يقول شعر (4). أيها الداعي لقد أسمعتني * كل ما قلت وما بي من صمم إن للبيت لربا " مانعا " * من يرده بأثام يصطلم رامه تبع في أجناده * حمير والحي من آل إرم هلكت بالبغي فيهم جرهم * بعد طسم وحديس (5) وجشم وكذاك الامر فيمن كاده * ليس أمر الله بالامر الامم نحن آل الله فيما قد خلا * لم يزل ذاك على عهد إبرهم (6) نعرف الله وفينا شيمة * صلة الرحم ونوفي بالذمم لم يزل لله فينا حجة * يدفع الله بها عنها (7) النقم ولنا في كل دور كرة * نعرف الدين وطورا في العجم


(1) أي جعلوك رئيسا. (2) فيه تفرد وغرابة. (3) في نسخة مخطوطة عندي: غاد. (4) هكذا في النسخ، والظاهر أنه خبر لمبتدء محذوف أي هذا شعر، وأيها الداعي مقول لقوله يقول. أو هو مصحف شعرا، والمصدر خال عنه. (5) هكذا في النسخ، وفي المصدر جديس بالجيم وهو الصحيح وجديس كشريف: قبيلة من العرب العاربة البائدة، كانت مساكنهم اليمامة وقال في العبر: كانت مساكنهم بالبحرين وكان يجاورهم في مساكنهم طسم، وطسم: قبيلة من العاربة، وهم بنو طسم بن لاود بن سام بن نوح، وذكر الجوهرى أنهم من عاد، وكانت منازلهم الاحقاف من اليمن مع جديس، وذكر في العبر: أن ديارهم كانت اليمامة، وقد انقرضت. وجشم يطلق على بطون. راجع نهاية الارب للقلقشندى. (6) مخخف ابراهيم. (7) عنا خ ل.

[ 141 ]

فإذا ما بلغ الدور إلى * منتهى الوقت أتى الطين فدم بكتاب فصلت آياته * فيه تبيان أحاديث الامم فلما أصبح عبد المطلب جمع بنيه وأرسل الحارث ابنه الاكبر إلى أعلى أبي قبيس فقال: انظر يا بني ماذا يأتيك من قبل البحر فرجع فلم ير شيئا "، فأرسل واحدا " بعد آخر من ولده فلم يأته أحد منهم عن البحر بخبر، فدعا عبد الله وإنه لغلام حين أيفع (1)، وعليه ذؤابة تضرب إلى عجزه، فقال: اذهب فداك أبي وامي، فاعل أبا قبيس فانظر ماذا ترى يجئ من البحر، فنزل مسرعا " فقال: يا سيد النادي (2) رأيت سحابا " من قبل البحر مقبلا "، يستفل تارة، ويرتفع اخرى، إن قلت غيما " قلته، وإن قلت جهاما " خلته، يرتفع تارة، وينحدر أخرى، فنادى عبد المطلب يا معشر قريش ادخلوا منازلكم، فقد أتاكم الله بالنصر من عنده، فأقبلت الطير الابابيل في منقار كل طائر حجر، وفي رجليه حجران، فكان الطائر الواحد يقتل ثلاثة من أصحاب أبرهة، كان يلقي الحجر في قمة (3) رأس الرجل فيخرج من دبره، وقد قص الله تبارك وتعالى نبأهم في كتابه فقال سبحانه: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) السورة، السجيل: الصلب من الحجارة. والعصف: ورق الزرع. ومأكول يعني كأنه قد اخذ ما فيه من الحب فأكل وبقي لا حب فيه، وقيل: إن الحجارة كانت إذا وقعت على رؤوسهم وخرجت من أدبارهم بقيت أجوافهم فارغة خالية حتى يكون الجسم كقشر الحنظلة (4). بيان: قال الجوهري: العكة بالضم: آنية السمن، ورملة حميت عليها الشمس، وفورة الحر. وعكة اسم بلد في الثغور. والجحفل: الجيش. والاندر: البيدر. ولعل فيه تصحيفا " (5) والجفار جمع جفر وهو من أولاد الشاة ما عظم، وجمع جفرة وهي جوف الصدر، وسعة في الارض مستديرة. والأمم محركة: اليسير. والفدم: الاحمر المشبع حمرة، ولعله


(1) يفع وأيفع الغلام: ترعرع وناهز البلوغ. (2) النادى: مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه. (3) القمة بالكسر: أعلى كل شئ. (4) كقشر الحنطة خ ل كنز الكراجكى: 81 و 82 (5) لان في الصلب: الاندار.

[ 142 ]

هنا كناية عن الدم، والجهام: السحاب لاماء فيه. 73 - ع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي مريم، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (وأرسل عليهم طيرا " أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل) فقال: هؤلاء أهل مدينة كانت على ساحل البحر إلى المشرق فيما بين اليمامة والبحرين، يخيفون السبيل، ويأتون المنكر، فأرسل عليهم طيرا " جاءتهم من قبل البحر رؤوسها كأمثال رؤوس السباع، وأبصارها كأبصار السباع (1)، مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في مخاليبه (2)، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها حتى جدرت أجسادهم، فقتلهم الله عزوجل بها، وما كانوا قبل ذلك رءوا شيئا " من ذلك الطير ولا شيئا " من الجدري، ومن أفلت منهم انطلقوا حتى بلغوا حضرموت وادي باليمن أرسل الله عزوجل عليهم سيلا " فغرقهم ولارءوا في ذلك الوادي ماء قبل ذلك، فلذلك سمي حضرموت حين ماتوا فيه (3). بيان: هذا حديث غريب مخالف لما مر، لم أره إلا من هذا الطريق، ويمكن أن تكون السورة إشارة إلى الواقعتين معا "، ويحتمل أن يكون الذين أرادوا البيت هؤلاء القوم، وسيأتي الخبر من الكافي بهذا السند (4) بوجه آخر لا يخالف شيئا " من الاخبار (5). 74 - ك: ابن موسى، عن ابن زكريا القطان، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله ابن محمد، عن أبيه، عن الهيثم بن عمرو المغربي (6)، عن إبراهيم بن عقيل الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد إلا هو، إجلالا " له، وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج عبد المطلب، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج وهو غلام صبي فيجئ حتى يجلس على الفراش، فيعظم ذلك


(1) كأبصار السباع من الطير خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) في المصدر: في مخالبه. (3) علل الشرائع: في مخالبه. (3) علل الشرائع: 176. (4) تحت رقم: 89. (5) ان لم يسقط صدره: ولكن الظاهر أنهما واحد قد اسقط الكليني أو بعض الرواة صدره. (6) في المصدر: المزني مكان المغربي.

[ 143 ]

أعمامه (1) ويأخذونه ليؤخروه فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فو الله إن له لشأنا " عظيما "، إني أرى أنه سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم، إني أرى غرته غرة تسود الناس، ثم يحمله فيجلسه معه، ويمسح ظهره ويقبله، ويقول: ما رأيت قبلة أطيب منه، ولا أطهر قط (2)، ولا جسدا " ألين منه ولا أطيب، ثم يلتفت (3) إلى أبى طالب - وذلك أن عبد الله وأبا طالب لام واحدة - فيقول: يا أبا طالب إن لهذا الغلام لشأنا " عظيما " فاحفظه واستمسك به، فإنه فرد وحيد، وكن له كالام لا يصل إليه شئ يكرهه، ثم يحمله على عنقه فيطوف به اسبوعا "، وكان عبد المطلب قد علم أنه يكره اللات والعزى فلا يدخله عليهما، فلما تمت له ست سنين ماتت امه آمنة بالابواء بين مكة والمدينة، وكانت قدمت به على أخواله من بني عدي، فبقي رسول الله صلى الله عليه وآله يتيما " لا أب له ولا أم، فازداد عبد المطلب له رقة وحفظا "، وكانت هذه حاله حتى أدرك عبد المطلب الوفاة فبعث إلى أبي طالب ومحمد على صدره وهو في غمرات الموت وهو يبكي، ويلتفت إلى أبي طالب ويقول: يا أبا طالب انظر أن تكون حافظا " لهذا الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه، ولم يذق شفقة امه، انظر يا أبا طالب أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك، فإني قد تركت بني كلهم وأوصيتك به لانك من ام أبيه، يا أبا طالب إن أدركت أيامه تعلم (4) أني كنت من أبصر الناس به، وأنظر الناس وأعلم (5)، فإن استطعت أن تتبعه فافعل وانصره بلسانك ويدك ومالك، فإنه والله سيسودكم ويملك ما لم يملك أحد (6) من بني آبائي، يا أبا طالب ما أعلم أحدا " من آبائك مات عنه أبوه على حال ابيه، ولا امه على حال امه، فاحفظه لوحدته، هل قبلت وصيتي ؟ قال: نعم قد قبلت والله علي بذلك


(1) في نسخة من المصدر: فيعظم ذلك على أعمامه خ ل. (2) في المصدر: ما رأيت قبله من هو أطيب منه ولا أطهر قط. (3) في المصدر: ثم التفت. (4) في المصدر: فاعلم. (5) في المصدر: وأعلم الناس به. وهو يخلو عن قوله: وأنظر. (6) ما لم يملك كل واحد خ ل.

[ 144 ]

شاهد (1)، فقال عبد المطلب: فمد يدك إلي، فمد يده فضرب بيده إلى يده، ثم قال عبد المطلب: الان خفف علي الموت، ثم لم يزل يقبله ويقول: أشهد أني لم اقبل أحدا من ولدي أطيب ريحا " منك، ولا أحسن وجها " منك، ويتمنى أن يكون قد بقي حتى يدرك زمانه، فمات عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، فضمه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه ساعة من ليل ولانهار، وكان ينام معه حتى بلغ لا يأمن (2) عليه أحدا (3). 75 - ك: أحمد بن محمد بن الحسين، عن محمد بن يعقوب الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بن بشار الهذلي (4)، عن العباس بن عبد الله بن سعيد، عن بعض أهله قال: كان يوضع لعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله فراش في ظل الكعبة، وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا " له، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي حتى يجلس عليه، فيذهب أعمامه ليؤخروه فيقول جده عبد المطلب: دعوا ابني، فيمسح على ظهره ويقول: إن لابني هذا لشأنا "، فتوفي عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وآله ابن ثمان سنين بعد الفيل بثمان سنين (5). 76 - ك: أحمد بن محمد الصائغ، عن محمد بن أيوب، عن صالح بن أسباط، عن إسماعيل بن محمد، وعلي بن عبد الله، عن الربيع بن محمد السلمي (6)، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباته قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبدمناف صنما " قط، قيل: فما كانوا يعبدون ؟ قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به (7).


(1) في المصدر: والله على بذلك شهيد. (2) في المصدر: لا يأتمن عليه أحدا. (3) كمال الدين: 102 و 103. (4) في المصدر: المدنى، الظاهر أن بشار مصحف يسار، فالرجل هو محمد بن اسحاق بن يسار أبو بكر المطلبى مولاهم المدنى، نزيل العراق، امام المغازى. (5) كمال الدين: 103. وفيه: بعد عام الفيل. (6) المسكى خ ل وهو الصحيح. (7) كمال الدين: 104.

[ 145 ]

77 - يج: من معجزات النبي صلى الله عليه وآله أن أبرهة بن يكسوم قاد الفيلة إلى بيت الله الحرام ليهدمه قبل مبعثه، فقال عبد المطلب لابرهة وقد حضره بعد أن عظم شأنه لسؤاله بعيره: إن لهذا البيت ربا " يمنعه، ثم رجع إلى أهل مكة فدعا عبد المطلب على أبي قبيس وأهل مكة قد صعدوا وتركوا مكة، ثم قال لابي طالب (1): اخرج وانظر ماذا ترى في السماء، فرجع قال: طيورا " لم تكن في ولايتنا، وقد أخبره سيف بن ذي يزن وغيره به، فأرسل الله عليهم طيرا " أبابيل ودفعهم عن مكة وأهلها (2). 78 - قب: لما قصد أبرهة بن الصباح لهدم الكعبة أتاه عبد المطلب ليسترد منه إبله، فقال: تعلمني في مأة بعير، وتترك دينك ودين آبائك وقد جئت لهدمه ؟ فقال عبد المطلب: أنا رب الابل، وإن للبيت ربا " سيمنعه منك، فرد إليه إبله، فانصرف إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأخذ بحلقة الباب قائلا ": يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا * امنعهم أن يخربوا قراكا وله أيضا ": لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك * لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا " محالك فانجلى نوره على الكعبة فقال لقومه: انصرفوا، فوالله ما انجلى من جبيني هذا النور إلا ظفرت، والان قد انجلى عنه، وسجد الفيل له، فقال للفيل: يا محمود، فحرك الفيل رأسه، فقال له: تدري لم جاءوا بك ؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال: جاءوا بك لتهدم بيت ربك، أفتراك فاعل ذلك ؟ فقال الفيل برأسه: لا (3). بيان: المحال بالكسر: الكيد والقوة.


(1) يخالف ما مر من أنه كان عبد الله. (2) لم نجده في الخرائج المطبوع: والظاهر كما استفدنا من مواضع من بحار الانوار أن نسخة الخرائج التى كانت عند المصنف كانت أكمل من المطبوع، ولعلها كانت مطابقة للنسخة التى ذكر الطهراني في الذريعة: أنها تخالف المطبوع وأنها موجودة في مكتبة سلطان العلماء. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 18 و 19.

[ 146 ]

79 - قب: عكرمة قال: كان يوضع فراش لعبد المطلب في ظل الكعبة، ولا يجلس عليه أحد إجلالا " له، وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه، فيقول لهم عبد المطلب: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا " عظيما "، إني أرى أنه سيأتي عليكم وهو سيدكم، ثم يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبله ويوصيه إلى ابي طالب (1). 80 - فض (2): قال الواقدي: كان في زمان عبد المطلب رجل يقال له: سيف بن ذي يزن، وكان من ملوك اليمن، وقد أنفذ ابنه إلى مكة واليا " من قبله، وتقدم إليه باستعمال العدل والانصاف ففعل ما أمره به أبوه، ثم إن عبد المطلب دعا برؤوساء قريش مثل عتبة ابن ربيعة، ومثل الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، وامية بن خلف، ورؤساء بني هاشم، فاجتمعوا في دار الندوة (3)، فلما قعدوا وأخذوا مراتبهم فتكلم عبد المطلب وقال: اعلموا أني قد دبرت تدبيرا "، فقال المشايخ: وما دبرت يا رئيس قريش وكبير بني هاشم ؟ فقال: يا قوم إنكم تحتاجون أن تخرجوا معي نحو سيف بن ذي يزن لتهنيته في ولايته وهلاك عدوه ليكون أرفق بنا، وأميل إلينا، فقالوا له بأجمعهم: نعم ما رأيت، ونعم ما دبرت، قال: فخرج عبد المطلب ومعه سبعة وعشرون رجلا " على نوق جياد نحو اليمن، فلما وصلوا إلى سيف بن ذي يزن بعد أيام سألوا عن الوصول إليه، قالوا لهم: إن الملك في القصر الوردي، وكان من عاداته (4) في أوان الورد أن يدخل قصر غمدان، ولا يخرج إلا بعد نيف وأربعين يوما "، ولا يصل إليه ذوحاجة ولا زائر، وأنتم قصدتم الملك في أيام الورد، فذهب عبد المطلب


(1) مناقب آل أبى طالب: 1: 24 و 25. وفيه: سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم، انى أرى غرته غرة تسود الناس، ثم. (2) هكذا في نسخة المصنف وسائر النسخ المطبوعة والمخطوطة، و (فض) كما عرفت في المجلد الاول رمز لكتاب الروضة، وكتاب الروضة مقصور على ذكر فضائل على عليه السلام وبعض الائمة، وليس فيه الحديث وما يشابهه، والحديث مذكور في كتاب الفضائل، فلعل (فض) مصحف (يل) وقد غفل المصنف فوهم في ذلك. (3) في الفضائل زيادة هي: وهى الدار الموصلة في مسجد الحرام. (4) في المصدر: وكان من عادته.

[ 147 ]

إلى باب بستانه، وكان لقصر غمدان في وسط البستان أبواب، وكان لهذا البستان باب يفتح إلى البرية، وقد وكل بذلك البستان بوابا " واحدا "، فقال عبد المطلب لاصحابه: لعلنا يتهيئ لنا الدخول بحيلة، ولا يتهيئ إلا هي، فقال القوم: صدقت، قال الواقدي: ثم إن عبد المطلب نزل وأخذ نحو الباب، فنظر إلى البواب وسلم عليه، فقال له: يا بواب دعني أن أدخل هذا البستان، فقال البواب: واعجبا " منك ! ما أقل فهمك، وأضعف رأيك ؟ أمصروع أنت ؟ فقال له عبد المطلب: ما رأيت من جنوني ؟ فقال له البواب: ما علمت أن سيف بن ذي يزن في القصر مع جواريه وخدمه قاعدا " (1) فإن بصر بك في بستانه أمر بقتلك، وإن سفك دمك عنده أهون من شربة ماء، فقال له عبد المطلب: دعني أدخل ويكون من الملك إلي ما يكون، فقال له البواب: يا مغلوب العقل إن الملك في القصر وعيناه للباب والبواب، إنه قدر ما يرمق (2) أن يأمر بقتلك، فقال عقيل بن أبي وقاص: يا أبا الحارث أما علمت أن المصابيح لا تضئ إلا بالدهن ؟ فقال عبد المطلب: صدقت، قال الواقدي: ثم إن عبد المطلب دعا بكيس من أديم فيه ألف دينار، وقال: بعد أن صب الكيس بين يدي البواب يا هذا إن تركتني أدخل البستان جعلت هذا بري إليك، فاقبل صلتي، وخل سبيلي، فلما نظر البواب إلى الدرهم (3) خر مبهوتا " وقال له البواب: يا شيخ إن دخلت ونظر إليك وسألك عن كيفية دخولك ما أنت قائل ؟ قال عبد المطلب: أقول له: كان البواب نائما " وشرط عليه عبد المطلب أن لا يكذبه إن دعاه الملك للمسألة فيقول: غفوت (4) وليس لي بدخوله علم، قال: نعم، فقال عبد المطلب: إن كذبتني في هذا صدقت الملك عن الصلة التي وصلتك بها، فقال له البواب: ادخل يا شيخ، فدخل عبد المطلب البستان، وكان قصر غمدان في وسط الميدان والبستان كأنه جنة من الجنان، قد حف بالورد والياسمين وأنواع الرياحين والفواكه، وفيه أنهار جارية وسطه، وإذا سيف بن ذي يزن قد اتكأ على عمود المنظرة من قصره، فلما نظر إلى عبد المطلب غضب


(1) في الفضائل: قاعد وهو الصحيح. (2) رمقه: أطال النظر إليه. لحظه لحظا خفيفا. والمراد هنا المعنى الثاني. (3) في الفضائل: إلى الدراهم. (4) غفى: نعس. نام نومة خفيفة.

[ 148 ]

وقال لغلمانه: من ذا الذي دخل علي بغير إذني ؟ ايتوني به سريعا "، فسعى إليه الغلمان والخدم فاختطفوه من البستان، فلما دخل عبد المطلب عليه رأى قصرا " مبنيا " على حجر، مطلى بطلاء الوردي، منقشا " بنقش اللازوردي، وورد على أمثال الورد، ورأى عن يمين الملك وعن شماله وبين يديه من الجواري ما لا عدد لهن، ورأى بقرب الملك عمودا " من عقيق أحمر، وله رأس من ياقوت أزرق، مجوف محشى بالمسك، ورأى عن يساره تورا " (1) من ذهب أحمر، وعلى فخذه سيف نقمته مكتوب عليه بماء الذهب. شعر: رب ليث مدجج كان يحمي * ألف قرن منغمد الاغمادي وخميس ملفف بخميس * بدد (2) الدهر جمعهم في البلاد قال الواقدي: فوقف عبد المطلب بين يديه ولم يتكلم له الملك ولا عبد المطلب حتى كرع الملك في التور الذي بين يديه، فلما فرغ من شربه نظر إليه وكان سيف قد شاهد عبد المطلب قبل هذا، ولكنه انكره حتى استنطقه، فقال له الملك: من الرجل ؟ فقال أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، حتى بلغ آدم عليه السلام، فقال له الملك: أنت ابن اختي ؟ فقال: نعم أيها الملك أنا ابن اختك، وذلك أن سيف بن ذي يزن كان من آل قحطان، وآل قحطان من الاخ، وآل إسماعيل من الاخت، فعلم سيف بن ذي يزن أن عبد المطلب ابن اخته، فقال سيف: أهلا " وسهلا " وناقة " ورحلا "، ومد الملك يده إلى عبد المطلب، وكذلك عبد المطلب إلى نحو الملك، فأمره الملك بالقعود وكناه بأبي الحارث، أنتم معاشر أهل الشار، رجال الليل والنهار، وغيوث الجدب والغلاء، وليوث الحرب بضرب الطلا، ثم قال: يا أبا الحارث فيم جئت ؟ فقال له عبد المطلب: نحن جيران بيت الله الحرام، وسدنة البيت (3)، وقد جئت إليك وأصحابي بالباب لنهنئك بولايتك وما فوضه الله تعالى من النصر لك وأجراه على يديك من هلاك عدوك، فالحمد لله الذي نصرك، وأقر عينيك، وأفلج حجتك (4)، وأقر


(1) التور: اناء صغير. (2) بدد: فرق. (3) سدنة: جمع السادن: خادم الكعبة. (4) أي أظهرها وقدمها.

[ 149 ]

عيوننا بخذلان عدوك، فأطال الله تعالى في سوابغ نعمه مدتك، وهنأك بما منحك، ووصلها بالكرامة الابدية، فلا خيب دعائي فيك أيها الملك، ففرح سيف بدعائه واستقر له بالمحبة بما سمع من تهنيته، ثم أمره أن يصير هو ومن معه بالباب من أصحابه إلى دار الضيافة إلى أن يؤمر (1) بإحضارهم بعد هذا اليوم إلى مجلسه، فمضى وحجابه وخدمه بين يديه إلى حيث أمرهم، وخرج عبد المطلب واستوى على جمله وأتبعه أصحابه وبين يديه غلمان الملك وحوله حتى أنزلوه وأصحابه الدار، وبالغوا بالتوصية به وبأصحابه، فأمر الملك أن يجري عليهم في كل يوم ألف درهم بيض، فبقي عبد المطلب في دار الضيافة سريرا " (2) حتى تصرمت أيام الورد، فلما كان في اليوم الذي أراد فيه مجلسه للتسليم عليه والنظر في أمره ذكر عبد المطلب في شطر من ليلته فأمر بإحضاره وحده، فدخل عليه الرسول فأمره وأعلمه بمراد الملك منه، فقام معه إليه، فإذا الملك في مجلسه وحده، فقال لخدمه: تباعدوا عنا، فلم يبق في المجلس غير الملك وعبد المطلب، وثالثهم رب العزة تبارك وتعالى، فقال له الملك: يا أبا الحارث، إن من آرائي أن افوض إليك علما " كنت كتمته عن غيرك، وأريد أن أضعه عندك، فإنك موضع ذلك، وأريد أن تطويه وتكتمه إلى أن يظهره الله تعالى، فقال عبد المطلب: السمع والطاعة للملك، وكذا الظن بك فقال الملك: اعلم يا أبا الحارث إن بأرضكم غلاما " حسن الوجه والبدن، جميل القد والقامة، بين كتفيه شامة (3)، المبعوث من تهامة، أنبت الله تعالى على رأسه شجرة النبوة، وظللته الغمامة، صاحب الشفاعة يوم القيامة، مكتوب بخاتم النبوة على كتفيه سطران: لا إله إلا الله، والثاني محمد رسول الله، والله تعالى أمات امه وأباه، وتكون تربيته على جده وعمه، وإني وجدت في كتب بني إسرائيل صفته أبين وأشرح من القمر بين الكواكب، وإني أراك جده، فقال عبد المطلب: أنا جده أيها الملك، فقال الملك: مرحبا " بك وسهلا " يا أبا الحارث، ثم قال له الملك: اشهدك على نفسي يا أبا الحارث إني مؤمن به وبما يأتي


(1) إلى أن يأمر خ ل. (2) السرير. الذى يسر اخوانه ويبرهم، وفي هامش نسخة المصنف مكانه: سرا " برا ". (3) الشامة: الخال.

[ 150 ]

به من عند ربه، ثم تأوه سيف ثلاث مرات بأن يراه فكان ينصره وينظره (1)، يتعجب منه الطير في الهواء، ثم قال: يا أبا الحارث عليك بكتمان ما ألقيت عليك، ولا تظهره إلى أن يظهره الله تعالى، فقال عبد المطلب: السمع والطاعة للملك، ونظر عبد المطلب في لحية سيف بن ذي يزن سوادا " وبياضا "، وخرج من عنده وقد وعده في الحباء في غد ليرحلوا إلى أرض الحرم إن شاء الله تعالى، فلما رجع إلى أصحابه وجدهم وجلين شاحبين (2) وقد أكثروا الفكر فيه حين دعاه الملك في مثل ساعته التى دعاه فيها، فقالوا له، ما كان يريد الملك منك ؟ قال عبد المطلب: يسألني عن رسوم مكة وآثارها، ولم يخبر عبد المطلب أحدا بما كان بينه وبين الملك، وغدا عليهم رسول الملك من غد يحضرهم مجلسه فتطيبوا وتزينوا ودخلوا القصر، وعبد المطلب يقدمهم، فدخلوا عليه فنظر عبد المطلب فإذا برأسه ولحيته حالكا "، فقال له عبد المطلب: إني تركتك أبيض اللحية فما هذا ؟ فقال له الملك: إني أستعمل الخضاب، فقال أصحاب عبد المطلب: إن رأى الملك أن يرانا أهلا " لذلك الخضاب فليفعل، قال فأمر الملك أن يؤخذ بهم إلى الحمام، وكان القوم بيض الرؤوس واللحاء، فخضبوا هناك فخرجوا ولشعورهم بريق كأسود ما يكون من الشعر، ويقال: إن سيفا " أول من خضب رأسه ولحيته. قال الواقدي: ثم إن الملك أمر لكل واحد منهم ببدرة بيض، فحمل كل واحد منهم على دابة وبغل، وأمر لكل واحد منهم بجارية وغلام وبتخت ثياب (3) فاخرة، ولعبد المطلب بضعفي ما وهب لهم، ثم دعا الملك بفرسه العقاب وبغلته الشهباء وناقته العضباء (4) وقال يا أبا الحارث: إن الذي اسلمه إليك (5) أمانة في عنقك تحفظها إلى


(1) والظاهر أن بعد ذلك سقط ما يرتبط بين الجملتين. (2) الشاحب: المهزول أو المتغير اللون. (3) في الفضائل: وغلام وثياب وبتخت ثياب، قلت. والتخت: خزانة الثياب. (4) العضباء بالعين المهملة والضاد المعجمة، قال الجزرى: فيه كان اسم ناقته العضباء، وهو علم لها منقول من قولهم: ناقة عضباء أي مشقوقة الاذن، ولم تكن مشقوقة الاذن، وقال بعضهم كانت مشقوقة الاذن، والاول أكثر، وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة عضبا وهى القصيرة اليد. (5) في الفضائل: أسلمته إليك.

[ 151 ]

أن تسلمها إلى محمد صلى الله عليه وآله إذا بلغ مبلغ الرجال فقال له: اعلم أني ما طلبت على ظهر هذه الفرس شيئا " إلا وجدته، وما قصدني عدو وأنا راكب عليها إلا نجاني الله تعالى منه، وأما البغلة فإني كنت أقطع بها الدكداك والجبال لحسن سيرها، ولا أنزل عنها ليلي ونهاري، فأمره أن يتحفظ ويجعلها لي تذكرة، وبلغه عني التحية الكثيرة، فقال عبد المطلب: السمع والطاعة لامر الملك، ثم ودعوه وخرجوا نحو الحرم حتى دخلوا مكة، فوقعت الصيحة في البلد بقدومهم، فخرج الناس يستقبلونهم، وخرج أولاد عبد المطلب وقعد النبي على صخرة وقد ألقى كمه على وجهه لئلا تناله الشمس حتى تقارب عبد المطلب، فنظر أولاده إليه وقالوا: يا أبانا خرجت إلى اليمن شيخا " ورجعت شابا "، قال: نعم أيها الفتيان سأخبركم بما ذكرتم، ثم قال لهم: أين سيدي محمد ؟ فقالوا: إنه قعد في بعض الطريق ينتظركم، ثم إن عبد المطلب سار نحوه حتى وصل إليه مع أصحابه، فنزل عن مركوبه وعانقه وقبل ما بين عينيه، وقال له: إن هذا الفرس والبغلة والناقة أهداها إليك سيف بن ذي يزن، ويقرء عليك التحية الطيبة، ثم أمر أن يحمل رسول الله صلى الله عليه وآله على الفرس، فلما استوى النبي صلى الله عليه وآله على ظهر الفرس انتشط وصهل صهيلا " شديدا " فرحا " برسول الله صلى الله عليه وآله، ونسب هذا الفرس إنه عقاب بن ينزوب بن قابل بن بطال بن زاد الراكب بن الكفاح بن الجنح بن موج بن ميمون بن ريح، أمر الله تعالى قال: كن، فكان بأمره. قال الواقدي: وأخذ ابو طالب بلجام فرسه، وحف برسول صلى الله عليه وآله أعمامه، فقال صلى الله عليه وآله: خلوا عني فإن ربي يحفظني ويكلاني (1)، فخلوا عنه، فدخل النبي صلى الله عليه وآله إلى مكة على حالته، فشاع خبره في قريش وبني هاشم، فتعجب من أمره الخلق، وبقي النبي صلى الله عليه وآله فرحا " مسرورا " عند عبد المطلب. قال الواقدي: ودب النبي صلى الله عليه وآله ودرج وأتى عليه ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام فعندها اعتل عبد المطلب علة شديدة فأمر أن يحمل سريره إلى عند البيت الحرام، وينصب هناك عند أستار الكعبة، وكان لعبد المطلب سرير من خيزران أسود ورثه من جده عبد مناف، وكان السرير له شبكات من عاج وآبنوس وصندل وعود أحسن ما يكون إحكاما "


(1) كلا الله فلانا: حرسه وحفظه.

[ 152 ]

وهيئة، وأمر عبد المطلب أن يزين السرير بألوان الفرش والديباج الرقاق، وأمر أن ينصب فوق سريره فسطاط من ديباج أحمر، ففعل ذلك، وحمل عبد المطلب إلى بيت الله الحرام ونام على ذلك السرير المزين، وقعد حوله أولاده، وكان له من البنين عشرة أنفس، فمات منهم عبد الله، وبقى بعده تسعة أنفس شجعان يعد كل واحد منهم بألف، وقعدوا حوله وحفوا بعبد المطلب يبكون ودموعهم تتقاطر كالمطر، وقعد النبي صلى الله عليه وآله واجتمعت عند عبد المطلب بطون العرب وكبار قريش مصطفون (1)، ما منهم أحد إلا وعيناه تهملان بالدموع، فعند ذلك ظهر أبو لهب لعنه الله وأخزاه وأخذ برأس رسول الله صلى الله عليه وآله لينحيه عن عبد المطلب فصاح عبد المطلب وانتهره (2)، وقال له: مه يا عبد العزى أنت من عداوتك لا تنفك من إظهارك ببغضك لولدي محمد، اقعد مكانك وأمسك (3) عنه، وقام أبو لهب وقعد عند رجل عبد المطلب خجلا " مخذولا "، لأن أبا لهب كان من الفراعنة المبغضين لرسول الله صلى الله عليه وآله، ثم مال عبد المطلب إلى جنبه وأقبل بوجهه على أبي طالب لأنه (4) لم يكن في اولاد عبد المطلب أرفق منه برسول الله صلى الله عليه وآله ولا أميل منه، ثم أنشأ يقول - شعر - (5): اوصيك يا عبد مناف بعدي * بموحد بعد أبيه فردي فارقه وهو ضجيع المهدي * فكنت كالام له في الوجدي قد كنت ألصقه الحشى والكبدي * حتى إذا خفت فراق الوحدي اوصيك أرجى أهلنا بالرفدي * يابن الذي غيبته في اللحدي بالكره مني ثم لا بالعمدي * وخيرة الله يشاء في العبدي ثم قال عبد المطلب: يا أبا طالب إنني القي إليك بعد وصيتي، قال أبو طالب: ما هي ؟ قال: يا بني اوصيك بعدي بقرة عيني محمد صلى الله عليه وآله وأنت تعلم محله مني، ومقامه لدي، فأكرمه بأجل الكرامة، ويكون عندك ليله ونهاره ومادمت في الدنيا، الله ثم الله في حبيبه، ثم


(1) مصطفين خ ل. (2) انتهره: زجره. (3) في الفضائل: واسكت. (4) في الفضائل: وأقبل بوجهه على أبى طالب وألقى إليه لانه. (5) في الفضائل: يقول شعرا،

[ 153 ]

قال لاولاده: اكرموا وجللوا محمدا " صلى الله عليه وآله، وكونوا عند إعزازه وإكرامه، فسترون منه أمرا " عظيما " عليا "، وسترون آخر أمره ما أنا أصفه لكم عند بلوغه، فقالوا بأجمعهم: السمع والطاعة يا أبانا نفديه بأنفسنا وأموالنا ونحن له فدية، قال أبو طالب: قد أوصيتنا بمن هو أفضل مني ومن إخواني، قال: نعم، - ولم يكن في أعمام النبي صلى الله عليه وآله أرفق من أبي طالب قديما " وحديثا " في أمر محمد صلى الله عليه وآله -، ثم قال: إن نفسي ومالى دونه فداء (1) انازع معاديه: وأنصر مواليه، فلا يهمنك أمره. قال الواقدي: ثم إن عبد المطلب غمض عينيه وفتحهما ونظر قريشا " وقال: يا قوم أليس حقي عليكم واجبا " ؟ فقالوا بأجمعهم: نعم حقك على الكبير والصغير واجب، فنعم القائد ونعم السائق فينا كنت، فجزاك الله تعالى عنا خيرا "، ويهون عليك سكرات الموت، وغفر لك ما سلف من ذنوبك، فقال عبد المطلب: اوصيكم بولدي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله فأحلوه محل الكرامة فيكم وبروه ولا تجفوه، ولا تستقبلوه بما يكره، فقالوا بأجمعهم: قد سمعنا منك وأطعناك فيه، ثم قال لهم عبد المطلب: إن الرئيس عليكم من بعدي الوليد بن المغيرة أبو عبدالشمس بن أبي العاص بن نقية (2) بن عبد شمس بن عبدمناف، فضجت الخلق بأجمعهم وقالوا: قبلنا أمرك، فنعم ما رأيته رأيا "، ونعم ما خلفته فينا بعدك، وصارت قريش وبنو هاشم تحت ركاب الوليد بن المغيرة، فعند ذلك تغير وجه عبد المطلب واخضرت أظافير يديه ورجليه، ووقع على وجنتيه غبار الموت، يكثر التقلب من جنب إلى جنب، ومرة يقبض رجلا " ويبسط اخرى، والخلائق من قريش وبني هاشم حاضرون، وقد صارت مكة في ضجة واحدة، وأراد النبي صلى الله عليه وآله أن يقوم من عنده ففتح عبد المطلب عينيه وقال: يا محمد تريد أن تقوم ؟ قال: نعم، فقال عبد المطلب: يا ولدي فإني وحق رب السماء لفي راحة مادمت عندي، قال: فقعد النبي صلى الله عليه وآله فما كان إلا عن قليل حتى قضى نحبه (3).


(1) في الفضائل: فداه. (2) هكذا في النسخ، واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح امية. (3) قضى فلان نحبه أي مات كان الموت نذر في عنقه.

[ 154 ]

قال الواقدي: ثم قاموا في تغسيله فغسلوه وكفنوه وحنطوه، وجعلوه في أعواد المنايا وحملوه إلى ذيل الصفا، وما بقي في مكة شيخ ولا شاب ولا حر ولا عبد من الرجال و النساء إلا وقد ذهبوا إلى جنازته وعظموها ودفنوه، فرجع الخلق من جنازته باكين عليه لفقده من مكة، فقالت عاتكة بنت عبد المطلب ترثي أباها وتقول: ألا يا عين ويحك فاسعديني * بدمع واكف (1) هطل غزير على رجل أجل الناس أصلا * وفرعا " في المعالي والظهور طويل الباع أروع شيظميا * أغر كغرة القمر المنير (2) وقالت صفية ترثي أباها: أعيني جودا بالدموع السواكب * على خير شخص من لوي بن غالب (3) أعيني جودا عبرة بعد عبرة * على الاسد الضرغام محض الضرائب (4) وقالت برة بنت عبد المطلب تبكي أباها وترثيه: أعيني جودا بالدموع الهواطل * على النحر مني (5) مثل فيض الجداول ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة * ويوم على مولى كريم الشمائل أبا الحارث الفياض ذو الباع والندى * رئيس قريش كلها في القبائل فأسقى مليك الناس موضع قبره * بنوء الثريا (6) ديمة بعد وابل


(1) وكف الدمع: سال قليلا قليلا. قوله: هطل من هطل المطر: نزل متتابعا متفرقا عظيم القطر. (2) في الفضائل هنا زيادة هي: فقد فارقت ذا كرم وخير * وبكى هاشم وبنى أبيه ثمار الناس في السنة الترور * وغيث للعرى في كل أرض إذا ظن الغنى على الفقير (3) في الفضائل هنا زيادة هي هذه: اعينى لا تسحرا من بكاكما * على ماجد العراف عف المكاسب (4) في الفضائل بعده أبيات هي: أبا الحارث الفياض ذى الحلم والبها * وذى الباع والباعون زين المناسب وذو الماجد الغر الرفيع وذو الندى * وذو العون عند المعضلات النوائب فان تبكياه تبكيا ذا مهابة * كريم المساعى حمله غير عازب (5) في الفضائل: على البحر منى. (6) قال الجزرى: فيه ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الانساب، والنياحة، والانواء - >

[ 155 ]

وقالت أروى بنت عبد المطلب ترثي أباها: ألا يا عين ويحك فاسعديني * بويل واكف من بعد ويل بدمع من دموعك ذو غروب * فقد فارقت ذا كرم ونبل طويل الباع أروع ذي المعالي * أبوك الخير وارث كل فضل وقالت آمنة بنت عبد المطلب تبكي أباها وترثيه: بكت عيني وحق لها البكاء * على سمح السجية والحياء (1) على سمح الخليقة أبطحي * كريم الخيم ينميه العلاء أقب الكشح أروع ذي اصول * له المجد المقدم والثناء (2) وكان هو الفتى كرما " وجودا " * وبأسا " حين يشتبك القناء (3) بيان: قال الجزري: فيه ذكر غمدان، هو بضم الغين وسكون الميم: البناء العظيم بناحية صنعاء اليمن، قيل: هو من بناء سليمان عليه السلام انتهى. والمدجج: الذي دخل في سلاحه. والأغماد جمع الغمد بالكسر وهو جفن السيف، وغمده يغمده: جعله في الغمد. وكرع الماء: تناوله بفيه من غير أن يشرب بكفه ولا بإناء كما تشرب البهائم. والشارة والشيار: الحسن والجمال والهيئة واللباس والزينة. والطلا بالضم: الأعناق.


< - قد تكرر ذكر النوء والانواء في الحديث، ومنه الحديث: مطرنا بنوء كذا، وحديث عمر: كم بقى من نوء الثريا، والانواء هي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى: (والقمر قدرناه منازل) ويسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، و تطلع اخرى مقابلها ذلك الوقت في الشرق، فتقضى جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، وينسبونه إليها ويقولون: مطرنا بنوء كذا، وانما غلظ النبي صلى الله عليه وآله في أمر الانواء لان العرب كانت تنسب المطر إليها فأما من جعل المطر من فعل الله أراد بقوله، مطرنا بنوء كذا أي في وقت كذا. (1) نسب ابن هشام في السيرة الابيات إلى أروى، وفيه: على سمح سجيته الحياء. وفيه: على سهل الخليقة ابطحى * كريم الخيم نيته العلاء (2) في السيرة، السناء. (3) فضائل شاذان بن جبرئيل: 52 - 64. قلت: ذكر المسعودي في مروج الذهب 2: 83 وفود عبد المطلب على معدى كرب بن سيف بن ذى يزن وذكر فيه نحو الحديث.

[ 156 ]

ويقال: رجل بر سر أي يبر ويسر. والحالك: الاسود الشديد السواد. والدكداك من الرمل: ما التبد منه بالارض ولم يرتفع. والشيظم: الطويل الجسم. والغروب: مجاري الدمع. والخيم بالكسر: السجية والطبيعة لا واحد له من لفظه. 81 - د: لما ماتت آمنة ضم عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه واله إلى نفسه وكان يرق عليه ويحبه ويقربه إليه ويدنيه، وخرج رسول الله صلى الله عليه واله يوما " يلعب مع الغلمان حتى بلغ الردم (1) فرآه قوم من بني مدلج (2) فدعوه فنظروا إلى قدميه وإلى أثره، ثم خرجوا في أثره فصادفوا عبد المطلب قد اعتنقه، فقالوا له: ما هذا منك ؟ قال: ابني، قالوا: احتفظ به فإنا لم نر قدما " أشبه بالقدم التي في المقام منه، فقال عبد المطلب لابي طالب: اسمع ما يقول هذا، فكان أبو طالب يحتفظ به (3). 82 - روى كميل بن سعيد، عن أبيه قال: حججت في الجاهلية فإذا أنا برجل يطوف بالبيت وهو يرتجز ويقول: يا رب رد راكبي محمدا " * رد إلي واصطنع عندي يدا " قال: فقلت: من هذا ؟ قيل: هو عبد المطلب بن هاشم، ذهبت إبل له فأرسل ابن ابنه في طلبها، ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها، وقد احتبس عليه، قال: فما برحت أن جاء النبي صلى الله عليه وآله وجاء بالابل، فقال له: يا بني قد حزنت عليك حزنا " لا يفارقني أبدا ". وتوفي عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وآله له ثمان سنين وشهران وعشرة أيام، وكان خلف جنازته يبكي حتى دفن بالحجون (4)، فكفله أبو طالب عمه وكان أخا عبد الله لابيه وامه (5).


(1) الردم: السد، وقيل: الحاجز الحصين أكبر من السد: ومنه الردم بمكة، وهو حاجز يمنع السيل عن البيت المحرم ويعبر عنه الان بالمدعى قاله الطريحي في المجمع، وقال ياقوت: ردم بنى جمح بمكة. (2) أي من بنى مدلج بن مرة بن عبدمناف بن كنانة بن خزيمة، كان منهم من اختص بعلم القيافة، وهو اصابة الفراسة في معرفة الاشياء في الاولاد والقرابات ومعرفة الاثار. (3) العدد: مخطوط. (4) الحجون: جبل بأعلى مكة فيه مدافن أهلها. (5) العدد: مخطوط.

[ 157 ]

83 - كنز الكراجكى: روي أنه قيل لاكثم بن صيفي وكان حكيم العرب وكان من المعمرين: إنك لاعلم أهل زمانك وأحكمهم وأعقلهم وأحلمهم، فقال: وكيف لا أكون كذلك وقد جالست أبا طالب بن عبد المطلب دهره، وعبد المطلب دهره، وهاشما " دهره، وعبد مناف دهره، وقصيا " دهره ؟ وكل هؤلاء سادات أبناء سادات فتخلقت بأخلاقهم وتعلمت من حلمهم، واقتبست (1) سوددهم، واتبعت آثارهم (2). 84 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي عبد الله صلى الله عليه وآله قال: يحشر عبد المطلب يوم القيامة امة وحده (3) عليه سيماء الانبياء وهيبة الملوك (4). بيان: قوله عليه السلام: امة وحده، أي إذا حشر الناس فوجا " فوجا " هو يحشر وحده، لانه كان في زمانه متفردا " بدين الحق من بين قومه. قال في النهاية: في حديث قس إنه يبعث يوم القيامة امة واحدة، الامة الرجل المتفرد بدين كقوله تعالى: (إن إبراهيم كان امة). 85 - كا: علي، عن أبيه، عن الأصم، عن الهيثم بن واقد، عن مقرن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عبد المطلب أول من قال: بالبداء يبعث يوم القيامة امة وحده (5)، عليه بهاء الملوك، وسيماء الانبياء (6). 86 - كا: بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن محمد بن سنان (7)، عن المفضل بن عمر، جميعا " عن أبي


(1) في المصدر: واقتنيت من سوددهم. (2) كنز الكراجكى: 84 و 85. (3) امة واحدة خ ل. (4) اصول الكافي 1: 446 و 447. (5) واحدة خ ل. (6) اصول الكافي 1: 447. (7) واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: ومحمد بن سنان قلت: في المصدر. أيضا و عن محمد بن سنان.

[ 158 ]

عبد الله عليه السلام قال، يبعث عبد المطلب امة وحده عليه بهاء الملوك، وسيماء الانبياء، و ذلك أنه أول من قال بالبداء، قال: وكان عبد المطلب أرسل رسول الله صلى الله عليه واله إلى رعاته في إبل (1) قد ندت له (2)، فجمعها فأبطأ عليه فأخذ بحلقة باب الكعبة وجعل يقول: يا رب أتهلك آلك إن تفعل فأمر ما بدالك، فجاء رسول الله صلى الله عليه واله بالابل وقد وجه عبد المطلب في كل طريق، وفي كل شعب في طلبه، وجعل يصيح: يا رب أتهلك آلك إن تفعل فأمر ما بدالك، ولما رأى رسول الله صلى الله عليه واله أخذه فقبله، فقال: يا بني لا وجهتك بعد هذا في شئ، فإني أخاف أن تغتال فتقتل. (3). توضيح: قوله عليه السلام: وذلك أنه تعليل لقوله: عليه سيماء الانبياء. وند البعير: نفر وذهب على وجهه شاردا ". قوله: أتهلك آلك، أي أتهلك من جعلته أهلك، ووعدت أنه سيصير نبيا "، ثم تفطن بإمكان البداء فقال: إن تفعل فأمر آخر بدالك فيه، فظهر أنه كان قائلا " بالبداء، ويمكن أن يقرأ بصيغة الامر، أي فأمر ما بدالك في وأهلكني فإني لا احب الحياة بعده، والاول أظهر. والاغتيال: هو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه أحد. 87 - كا: العدة، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن ابن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما أن وجه صاحب الحبشة بالخيل ومعهم الفيل ليهدم البيت مروا بإبل لعبد المطلب فساقوها، فبلغ ذلك عبد المطلب فأتى صاحب الحبشة فدخل الاذن فقال: هذا عبد المطلب بن هاشم، قال: وما يشآء ؟ قال الترجمان: جاء في إبل له ساقوها يسألك ردها، فقال ملك الحبشة لاصحابه: هذا رئيس قوم وزعيمهم، جئت إلى بيته الذي يعبده لأهدمه وهو يسألني إطلاق إبله، أما لو سألني الامساك عن هدمه لفعلت (4)، ردوا عليه إبله، فقال عبد المطلب لترجمانه: ما قال الملك ؟ فأخبره، فقال


(1) في المصدر: إلى رعاية في إبل. (2) وقد ندت له خ ل. (3) اصول الكافي 1: 447. (4) ذكرنا قبل ذلك أن هذا لا يخلو عن غرابة. (*)

[ 159 ]

عبد المطلب: أنا رب الابل، ولهذا البيت رب يمنعه، فردت عليه إبله، وانصرف عبد المطلب نحو منزله فمر بالفيل في منصرفه فقال للفيل: يا محمود، فحرك الفيل رأسه، فقال له: أتدري لم جاءوا بك ؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال عبد المطلب: جاءوا بك لتهدم بيت ربك، أفتراك فاعل ذلك ؟ فقال برأسه: لا، فانصرف عبد المطلب إلى منزله، فلما أصبحوا غدوا به لدخول الحرم فأبى وامتنع عليهم، فقال عبد المطلب لبعض مواليه عند ذلك: اعل الجبل فانظر ترى شيئا "، فقال: أرى سوادا " من قبل البحر، فقال له: يصيبه بصرك أجمع ؟ فقال له: لا، ولأوشك أن يصيب، فلما أن قرب قال: هو طير كثير ولا أعرفه يحمل كل طير في منقاره حصاة مثل حصاة الخذف أو دون حصاة الخذف، فقال عبد المطلب ورب عبد المطلب ما يريد إلا القوم، حتى لما صاروا فوق رؤوسهم أجمع ألقت الحصاة فوقعت كل حصاة على هامة رجل فخرجت من دبره فقتلته، فما انفلت منهم إلا رجل واحد يخبر الناس، فلما أن أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتلته (1). 88 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لاحد غيره، وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وهو طفل يدرج (2) حتى جلس على فخذيه، فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه، فقال له عبد المطلب: دع ابني فإن الملك قد أتاه (3). 89 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي مريم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: (وأرسل عليهم طيرا " أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل) قال: كان طير ساف (4) جاءهم من قبل البحر رؤوسها كأمثال رؤوس السباع، وأظفارها كأظفار السباع من الطير، مع كل طائر ثلاثة أحجار: في رجليه حجران، وفي منقاره حجر، فجعلت ترميهم بها حتى جدرت (5)


(1) الاصول 1: 447 و 448. (2) درج الصبى: مشى قليلا. (3) الاصول 1: 448. (4) سف الطائر: مر على وجه الارض. (5) أجدرت خ ل.

[ 160 ]

أجسادهم فقتلهم (1) بها، وما كان قبل ذلك رؤي شئ من الجدري، ولا رءوا ذلك من الطير قبل ذلك اليوم ولا بعده، قال: ومن أفلت منهم يومئذ انطلق حتى إذا بلغوا حضرموت وهو واد دون اليمن، أرسل الله عليهم سيلا " فغرقهم أجمعين، قال: وما رؤي في ذلك الوادي ماء (2) قبل ذلك اليوم بخمسة عشر سنة، قال: فلذلك سمي حضرموت حين ماتوا فيه (3). 90 - ختص: محمد بن علي، عن محمد بن الحسن، عن عبد الرحمن بن أخي الاصمعي (4)، عن بعض أصحابنا، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي الحسن (5) مولى المنصور قال: أخرج إلي بعض ولد سليمان بن علي كتابا " بخط عبد المطلب وإذا شبيه بخط الصبيان (6): بسمك اللهم، ذكر حق عبد المطلب بن هاشم من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري من أهل زول (7) صنعاء عليه ألف درهم فضة طيبة كيلا " بالجديد، ومتى دعاه بها أجابه، شهد الله والملكان (8). 91 - ما: محمد بن أحمد بن شاذان، عن إبراهيم بن محمد المذاري، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: سألته عن القائم في طريق الغري (9)، فقال: نعم إنه لما جازوا بسرير أمير المؤمنين علي عليه السلام انحنى أسفا " وحزنا " على أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك سرير أبرهة لما دخل عليه عبد المطلب انحنى ومال (10).


(1) فقتلتهم خ ل. (2) ماء قط خ ل. (3) الروضة: 84. (4) في المصدر: عن عمه الاصمعي. (5) في المصدر: أبى الحسن جمهور. (6) في بعض نسخ المصدر. بخط النساء. (7) قال ياقوت: الزول: اسم مكان باليمن وجد بخط عبداالمطلب بن هاشم. (8) الاختصاص: 123. (9) في المصدر: عن القائم المائل في طريق الغرى. (10) الامالى: 68 و 69.

[ 161 ]

92 - د: كان لهاشم خمسة بنين: عبد المطلب وأسد، ونضلة، وصيفي، وأبو صيفي (1)، وسمي هاشما " لهشمه الثريد للناس في زمن المسغبة (2)، وكنيته أبو نضلة، واسمه عمرو العلى قال ابن الزبعري: كانت قريش بيضة فتقلقت (3) * فالمخ خالصها لعبد مناف الرايشون وليس يوجد رايش * والقائلون: هلم للاضياف والخالطون فقيرهم بغنيهم * حتى يكون فقيرهم كالكافي عمرو العلى هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف ولد هاشم وعبد شمس توأمان في بطن، فقيل: إنه اخرج أحدهما وإصبعه ملتصقة بجبهة الاخر، فلما ازيلت من موضعها أدميت، فقيل: يكون بينهما دم، وكان عبد مناف وصى إلى هاشم ودفع إليه مفتاح البيت وسقاية الحاج وقوس إسماعيل، ومات هاشم بغزة من آخر عمل الشام، ومات عبد المطلب بالطائف، وأسد من ولد هاشم انقرض عقبه إلا من ابنته فاطمة ام أمير المؤمنين عليه السلام، وأبو صيفي انقرض عقبه إلا من ابنته رفيقة وهي ام مخزومة بن نوفل، وصيفي لا عقب له، ونضلة لا عقب له، والبقية من سائر ولد هاشم من عبد المطلب، وعبد مناف، اسمه المغيرة بن قصي، واسمه زيد، قصا عن دار قومه لانه حمل من مكة في صغره إلى بلاد أزدشنوءة وسمي قصيا "، ويلقب بالمجمع، لانه جمع قبايل قريش بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وسمي قريشا "، ابن خزيمة بن مدركة لانهم أدركوا الشرف في أيامه، ابن إلياس، لانه جاء


(1) في السيرة الهشامية: فولد هاشم أربعة نفر وخمس نسوة: عبد المطلب، وأسد، وابا صيفي ونضلة، والشفاء، وخالدة، وضعيفة، ورقية، وحية، فام عبد المطلب ورقية: سلمى بنت عمرو ابن زيد بن لبيد اه‍ وام أسد: قيلة بنت عامر بن مالك الخزاعى، وام أبى صيفي وحية: هند بنت عمرو بن ثعلبة الخزرجية، وأم نضلة والشفاء: امراة من قضاعة، وام خالدة وضعيفة: واقدة بنت أبى عدى المازنية. قلت: وذكره اليعقوبي في تاريخه 1: 202 مع اختلاف راجعه. (2) المسغبة: المجاعة. (3) فتفلقت خ ل.

[ 162 ]

على أياس وانقطاع، ابن مضر لاخذه بالقلوب، ولم يكن يراه أحد إلا أحبه، ابن نزار واسمه عمرو بن معد بن عدنان. بيان: راش: جمع المال والاثاث، والصديق: أطعمه وسقاه وكساه وأصلح حاله. 93 - أقول: قال صاحب المنتقى وغيره: وروي عن ابن عباس وغير واحد قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه واله مع امه آمنة بنت وهب، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به، ومعه ام أيمن تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة فأقامت به عندهم شهرا "، وكان قوم من اليهود يختلفون وينظرون (1)، قالت ام أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الامة، وهذه دار هجرته، ثم رجعت به امه إلى مكة، فلما كانوا بالابواء توفيت امه آمنة، فقبرها هناك، فرجعت به ام أيمن إلى مكة، ثم لما مر رسول الله صلى الله عليه واله في عمرة الحديبية بالابواء قال: إن الله قد أذن لي في زيارة قبر امي، فأتاه رسول الله صلى الله عليه واله فأصلحه وبكى عنده وبكى المسلمون لبكاء رسول الله صلى الله عليه واله، فقيل له فقال: أدركتني رحمة رحمتها فبكيت. وروي عن بريدة قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه واله مكة أتى قبرا " فجلس إليه وجلس الناس حوله، فجعل يتكلم كهيئة المخاطب، ثم قام وهو يبكي فاستقبله عمر فقال: يا رسول الله ما الذي أبكاك ؟ قال: هذا قبر امي سألت ربي الزيارة فأذن لي. ثم قال في المنتقى: وجه الجمع أنه يجوز أنها توفيت بالابواء ثم حملت إلى مكة فدفنت بها، وأما عبد المطلب عليه السلام فمات وللنبي صلى الله عليه وآله ثمان سنين وهو ابن ثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مأة وعشرين سنة، وسئل رسول الله صلى الله عليه واله أتذكر موت عبد المطلب ؟ فقال: نعم أنا يومئذ ابن ثمان سنين، قالت ام أيمن: رأيت رسول الله صلى الله عليه واله يبكي خلف سرير عبد المطلب. وفي رواية: توفي عبد المطلب وللنبي ثمانية وعشرون شهرا "، والاولى أصح. وتوفي عبد المطلب في ملك هرمز بن أنوشيروان (2).


(1) وينظرون إليه خ ل. (2) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الثالث فيما كان سنة ست من مولده صلى الله عليه و آله وسلم، والباب السادس فيما كان من سنة ثمان إلى سنة احدى عشرة من مولده صلى الله عليه وآله وسلم.

[ 163 ]

94 - د: كان لعبد المطلب عشرة أسماء: عمر، وشيبة الحمد، وسيد البطحاء، وساقي الحجيج، وساقي الغيث، وغيث الورى في العام الجدب، وأبو السادة العشرة، وحافر زمزم، وعبد المطلب (1)، وله عشرة بنين: الحارث، والزبير، وحجل وهو الغيداق، وضرار وهو نوفل، والمقوم، وأبو لهب وهو عبد العزى، وعبد الله، وأبو طالب، وحمزة، والعباس، وكانوا من امهات شتى إلا عبد الله وأبو طالب والزبير، فإن امهم فاطمة بنت عمرو بن عايذ، وأعقب من البنين خمسة: عبد الله أعقب محمدا " صلى الله عليه وآله سيد البشر، وأبو طالب أعقب جعفرا " وعقيلا " وعليا " عليه السلام سيد الوصيين، والعباس أعقب عبد الله وقثم والفضل وعبيدالله، والحارث أعقب عتبة ومعتبة وعتيقا "، وكان لعبد المطلب ست بنات: عاتكة، واميمة، والبيضاء وهي ام حكيم، وبرة، وصفية وهي ام الزبير، وأروى، ويقال: وريدة، وأسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وآله أبو طالب وحمزة والعباس، ومن عماته صفية وأروى وعاتكة، وآخر من مات من أعمامه العباس، ومن عماته صفية. 95 - كا: علي بن إبراهيم وغيره رفعوه قال: كان في الكعبة غزالان من ذهب وخمسة أسياف، فلما غلبت خزاعة جرهم على الحرم ألقت جرهم الاسياف والغزالين في بئر زمزم، وألقو فيها الحجارة وطموها (2) وعموا أثرها، فلما غلبت قصي على خزاعة لم يعرفوا موضع زمزم وعمي عليهم موضعها، فلما غلب عبد المطلب وكان يفرش له في فناء الكعبة ولم يكن يفرش لأحد هناك غيره، فبينما هو نائم في ظل الكعبة فرأى في منامه أتاه آت فقال له: احفر برة، قال: وما برة ؟ ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: احفر طيبة، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال: احفر المضنونة (3)، قال: ثم أتاه في الرابع فقال: احفر زمزم لا تنزخ (4) ولا تذم لسقي (5) الحجيج الاعظم، عند الغراب الاعصم، عند قرية النمل، وكان عند زمزم حجر يخرج منه النمل فيقع عليه الغراب الاعصم في كل يوم يلتقط


(1) سقط العاشر واحتملنا سابقا إنه إبراهيم الثاني. (2) طم البئر: سواها ودفنها. (3) في المصدر: قال: وما المضنونة ؟. (4) في المصدر: لا تبرح، وفي نسخة مخطوطة عندي: لا تنزح. (5) في المصدر: تسقى.

[ 164 ]

النمل، فلما رأى عبد المطلب هذا عرف موضع زمزم، فقال لقريش: إني عبرت (1) في أربع ليال في حفر زمزم فهي مآثرتنا وعزنا فهلموا نحفرها، فلم يجيبوه إلى ذلك، فأقبل يحفرها هو بنفسه، وكان له ابن واحد وهو الحارث، وكان يعينه على الحفر، فلما صعب ذلك عليه تقدم إلى باب الكعبة ثم رفع يديه ودعا الله عزوجل، ونذر له إن رزقه عشر بنين أن ينحر أحبهم إليه تقربا " إلى الله عزوجل، فلما حفر وبلغ الطوي طوي إسماعيل وعلم أنه قد وقع على الماء كبر وكبرت قريش فقالوا: يا أبا الحارث هذه مآثرتنا ولنا فيها نصيب، قال لهم: لم تعينوني على حفرها هي لي ولولدي إلى آخر الأبد (2). تبيين: عمى عليه الامر: التبس، قال الجزري: في حديث زمزم أتاه آت فقال: احفر برة سماه برة لكثرة منافعها وسعة مائها، وقال الفيروز آبادي: طيبة بالكسر: اسم زمزم، وقال الجزري: فيه احفر المضنونة، أي التي يضن بها لنفاستها وعزتها، وقال: فيه أرى عبد المطلب في منامه احفر زمزم لا تنزف ولا تذم، أي لا يفنى ماءها على كثرة الاستسقاء، ولا تذم، أي لا تعاب، أولا تلفى مذموما " من أذممته: إذا وجدته مذموما "، وقيل: لا يوجد ماءها قليلا " من قولهم: بئر ذمة: إذا كانت قليلة الماء: وقال: الغراب الاعصم: الابيض الجناحين، وقيل: الابيض الرجلين انتهى. والماثرة بفتح الثاء وضمها: المكرمة، والطوي على فعيل: البئر المطوية بالحجارة. 96 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد قال: سمعت أبا إبراهيم عليه السلام يقول: لما احتفر عبد المطلب زمزم وانتهى إلى قعرها خرجت عليه من أحد جوانب البئر رائحة منتنة أفظعته فأبى أن ينثني (3) وخرج ابنه الحارث عنه، ثم حفر حتى أمعن (4) فوجد في قعرها عينا " تخرج عليه برائحة المسك، ثم احتفر


(1) قد عبرت خ ل وفي المصدر: إنى امرت. (2) فروع الكافي 1: 225 و 226. (3) أي فأبى أن ينصرف. (4) أمعن في الطلب: أبعد وبالغ في الاستقصاء.

[ 165 ]

فلم يحفر إلا ذراعا " حتى تجلاه النوم فرأى رجلا " طويل الباع (1)، حسن الشعر، جميل الوجه، جيد الثوب، طيب الرائحة يقول (2): احفر تغنم، وجد تسلم، ولا تذخرها للمقسم، الاسياف لغيرك، والتبر (3) لك، أنت أعظم العرب قدرا "، ومنك يخرج نبيها ووليها والاسباط، والنجباء الحكماء العلماء البصراء، والسيوف لهم، وليسوا اليوم منك ولا لك، ولكن في القرن الثاني منك، بهم ينير الله الارض، ويخرج الشياطين من أقطارها، ويذلها في عزها، ويهلكها بعد قوتها، ويذل الاوثان ويقتل عبادها حيث كانوا، ثم يبقى بعده نسل من نسلك هو أخوه ووزيره ودونه في السن، وقد كان القادر على الاوثان، لا يعصيه حرفا "، ولا يكتمه شيئا "، ويشاوره في كل أمر حجم عليه (4)، واستعيا عنها عبد المطلب فوجد ثلاثة عشر سيفا " مسندة إلى جنبه فأخذها، وأراد أن يبث (5) فقال: وكيف ولم أبلغ الماء، ثم حفر فلم يحفر شبرا " (6) حتى بداله قرن الغزال ورأسه فاستخرجه وفيه طبع: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله، فلان خليفة الله، فسألته فقلت: فلان متى كان ؟ قبله أو بعده ؟ قال: لم يجئ بعد، ولا جاء شئ من أشراطه (7)، فخرج عبد المطلب وقد استخرج الماء وأدرك وهو يصعد، فإذا أسود له ذنب طويل يسبقه بدارا " إلى فوق، فضربه فقطع أكثر ذنبه، ثم طلبه ففاته، وفلان قاتله إن شاء الله، ومن رأي عبد المطلب أن يبطل الرؤيا التي رآها في البئر، ويضرب السيوف صفايح للبيت (8)، فأتاه الله بالنوم فغشيه وهو في حجر الكعبه فرأى ذلك الرجل بعينه وهو يقول: يا شيبة الحمد احمد ربك، فإنه سيجعلك


(1) الباع: قدر مد اليدين، يقال: طويل الباع ورحب الباع، أي كريم مقتدر. (2) في المصدر: وهو يقول. (3) البئر لك خ ل. (4) هجم عليه: انتهى إليه بغتة على غفلة منه. (5) أن يثب خ ل، وهو الموجود في المصدر. (6) في المصدر: إلا شبرا. (7) الاشراط: العلامات. (8) مفاتيح للبيت خ ل وفي المصدر: صفايح البيت.

[ 166 ]

لسان الارض، ويتبعك قريش خوفا " ورهبة " وطمعا "، ضع السيوف في مواضعها، فاستيقظ (1) عبد المطلب فأجابه: إنه يأتيني في النوم فإن يكن من ربي فهو أحب إلي، وإن يكن من شيطان فأظنه مقطوع الذنب (2)، فلم ير شيئا " ولم يسمع كلاما "، فلما أن كان الليل أتاه في منامه بعدة من رجال وصبيان فقالوا له: نحن أتباع ولدك، ونحن من سكان السماء السادسة، السيوف ليست لك، تزوج في مخزوم تقوي (3)، واضرب بعد في بطون العرب فإن لم يكن معك مال فلك حسب، فادفع هذه الثلاثة عشرة (4) سيفا " إلى ولد المخزومية ولا بيان لك (5) أكثر من هذا، وسيف لك منها واحد يقع من يدك (6) فلا تجد له أثرا " إلا أن يستجنه (7) جبل كذا وكذا فيكون من أشراط قائم آل محمد صلى الله عليه وعليهم، فانتبه عبد المطلب وانطلق والسيوف على رقبته فأتى ناحية من نواحي مكة ففقد منها سيفا " كان أرقها عنده، فيظهر من ثم، ثم دخل معتمرا " وطاف بها على رقبته والغزالين (8) إحدى عشر (9) طوافا " وقريش تنظر إليه وهو يقول: اللهم صدق وعدك، فأثبت لي قولي، و انشر ذكري، وشد عضدي، وكان هذا ترداد (10) كلامه، وما طاف حول البيت بعد رؤياه في البيت (11) ببيت شعر حتى مات، ولكن قد ارتجز على بنيه يوم أراد نحر عبد الله، فدفع الأسياف جميعها إلى بني المخزومية: إلى الزبير، وإلى أبي طالب، وإلى عبد الله،


(1) واستيقظ خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) مقطع الذنب خ ل. (3) في المصدر: تقو. (4) في المصدر: عشر. (5) ولا يبان لك خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) في المصدر: ولك منها واحد سيقع من يدك. (7) يسجنه خ ل وهو الموجود في المصدر. (8) أي طاف بالسيوف حال كونها على رقبته مع الغزالين. (9) احدى وعشرين خ ل وهو الموجود في المصدر. (10) الترداد: التكرار. (11) في البئر خ ل.

[ 167 ]

فصار لابي طالب من ذلك أربعة أسياف: سيف لابي طالب، وسيف لعلي، وسيف لجعفر، وسيف لطالب، وكان للزبير سيفان، وكان لعبد الله سيفان، ثم عادت فصار لعلي الاربعة الباقية: اثنين من فاطمة، واثنين من أولادها (1)، فطاح (2) سيف جعفر يوم أصيب فلم يدر في يد من وقع حتى الساعة، ونحن نقول: لا يقع سيف من أسيافنا في يد غيرنا إلا رجل يعين به معنا إلا صار فحما "، قال: وإن منها لواحدا " في ناحية يخرج كما تخرج الحية فيبين منه ذراع وما يشبهه فتبرق له الارض مرارا "، ثم يغيب، فإذا كان الليل فعل مثل ذلك فهذا دأبه حتى يجئ صاحبه ولو شئت أن اسمى مكانه لسميته، ولكن أخاف عليكم من أن اسميه فتسموه فينسب إلى غير ما هو عليه (3). بيان: حتى تجلاه النوم، أي غشيه وغلب عليه، وجد من الجود أو من الجد و الاول أنسب بترك الذخيرة، والضمير في قوله: ولا تذخرها راجع إلى الغنيمة المدلول عليها بقوله: تغنم، والمقسم مصدر ميمي بمعنى القسمة، أي لا تجعلها ذخيرة لان تقسم بعدك، والتبر بالكسر: الذهب والفضة، وفي بعض النسخ: البئر. قوله عليه السلام: واستعيا عنها عبد المطلب: لعلة من قولهم: عيي: إذا لم يهتد لوجهه، و أعي الرجل في المشي وأعي عليه الامر، والمعنى أنه تحير في الامر ولم يدر معنى ما رأى في منامه، أو ضعف وعجز عن البئر وحفرها، وفي بعض النسخ بالغين المعجمة والباء الموحدة من قولهم: غبى عليه الشئ: إذا لم يعرفه، وهو قريب من الاول. قوله عليه السلام: وأراد أن يبث أي ينشر ويذكر خبر الرؤيا، فكتمه، أو يفرق السيوف على الناس فأخره، وفي بعض النسخ: يثب بتقديم المثلثة من الوثوب، أي يثب عليها فيتصرف فيها، أو يثب على الناس بهذه السيوف. قوله: فلان خليفة الله، أي القائم عليه السلام، والاسود لعله كان الشيطان، والقائم عليه السلام يقتله كما سيئاتي في كتاب الغيبة، ولذا قال عبد المطلب: فأظنه مقطوع الذنب. قوله عليه السلام: ويضرب السيوف صفايح للبيت، أي يلصقها بباب البيت، لتكون


(1) في المصدر: فصارت لعلى الاربعة الباقية: اثنان من فاطمة، واثنان من أولادها. (2) طاح: سقط وهلك. (3) فروع الكافي 1: 226.

[ 168 ]

صفايح لها، أو يبيعها ويصنع من ثمنها صفايح البيت، وفي بعض النسخ: مفاتيح للبيت، فيحتمل أن يكون المراد أن يجاهد المشركين فيستولي عليهم، ويخلص البيت من أيديهم. قوله عليه السلام: فأجابه، أي أجاب عبد المطلب الرجل الذي كلمه في المنام. قوله: تزوج في مخزوم، تزوج عبد المطلب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمر بن مخزوم ام عبد الله والزبير وأبي طالب. قوله: واضرب بعد في بطون العرب: أي تزوج في أي بطن منهم شئت، والحاصل أنك لابد لك أن تتزوج في بني مخزوم ليحصل والد النبي والاوصياء صلوات الله عليهم ويرثوا السيوف، وأما سائر القبائل فالامر إليك، ويحتمل أن يكون المراد جاهد بطون العرب وقاتلهم، والاول أظهر. قوله: إلا أن يستجنه، وفي بعض النسخ يسجنه، أي يخفيه ويستره. قوله: فيظهر من ثم، أي يظهر في زمن القائم عليه السلام من هذا الموضع الذي فقد فيه، أو من الجبل الذي تقدم ذكره، ولعله كان كل سيف لمعصوم، وكان بعددهم، وسيف القائم عليه السلام أخفاه الله في هذا المكان ليظهر له عند خروجه. قوله: فصار لعلي، يحتمل أن يكون المراد بالاربعة الباقية تتمة الثمانية المذكورة إلى اثني عشر، ويكون المراد بفاطمة امه عليه السلام، أي صارت الاربعة الباقية أيضا إلى علي عليه السلام من قبل امه وإخوته، حيث وصل إليهم من جهة أبي طالب زايدا " على ما تقدم، أو يكون المراد بفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله، بأن يكون النبي صلى الله عليه وآله أعطاها سيفين غير الثمانية، وأعطى الحسنين عليهما السلام سيفين، ويحتمل أن يراد بالاربعة سيوف الزبير وعبد الله، فيكون الاربعة الاخرى مسكوتا " عنها. قوله عليه السلام: إلا صار فحما "، أي يسود ويبطل ولا يأتي منه شئ حتى يرجع إلينا. قوله عليه السلام: وإن منها لواحدا "، لعله هو الذي فقد من عبد المطلب يظهر هكذا عند ظهور القائم عليه السلام ليأخذه. قوله عليه السلام: فينسب إلى غير ما هو عليه، أي يتغير مكانه، أو يأخذه غير القائم عليه السلام.

[ 169 ]

أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد: قال: محمد بن إسحاق (1) لما انبط (2) عبد المطلب الماء في زمزم حسدته قريش فقالت له: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا " فأشركنا معك، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الامر أمر خصصت به دونكم، واعطيته من بينكم، فقالوا له: فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم حكما " احاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد بن هزيم (3)، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام (4)، فركب عبد المطلب في نفر من بني عبد مناف، وخرج من كل قبيلة من قبائل قريش قوم، والارض إذ ذاك مفاوز حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام نفد ما كان مع عبد المطلب وبني أبيه من الماء وعطشوا عطشا " شديدا " فاستسقوا قومهم فأبوا أن يسقوهم وقالوا: نحن بمفازة ونخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وخاف على نفسه وأصحابه الهلاك قال لاصحابه ما ترون ؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما أحببت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منا حفرة لنفسه بما معه من القوة، فكلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته حتى يكون آخركم رجل واحد، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب، قالوا: نعم ما أشرت، فقام كل رجل منهم فحفر حفيرة لنفسه، وقعدوا ينتظرون الموت، ثم إن عبد المطلب قال لاصحابه: والله إن إلقائنا بأيدينا كذا للموت لا نضرب في الارض فنطلب الماء لعجز، فقوموا فعسى الله أن يرزقنا ماء " ببعض الارض ارتحلوا، فارتحلوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم صانعون، فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجر من تحت خفها عين من ماء عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه،


(1) ذكره عنه ايضا ابن هشام في السيرة 1: 155 مع اختلاف في ألفاظه. (2) انبط البئر: استخرج ماءها. (3) في المصدر: هذيم بالذال المعجمة والصحيح: سعد هذيم، كما في السيرة الهشامية، قال القلقشندى في نهاية الارب 395: بنو هذيم: بطن من قضاعة وهم بنو سعد بن زيد بن ليث بن أسود بن أسلم بن الحافى بن قضاعة، وهذيم عبد حبشي حضنه فعرف به فيقال له: سعد هذيم. (4) بأطراف الشام خ ل. قلت: الاشراف: الاطراف.

[ 170 ]

ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستقوا حتى ملاؤا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال لهم: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا، ثم قالوا له قد والله قضي لك علينا، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا "، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه المفازة هو سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا "، فرجع ورجعوا معه لم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبين زمزم (1). 97 - كا: علي، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا "، عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر، عن أبان، عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: لم يزل بنو إسماعيل ولاة البيت يقيمون للناس حجهم وأمر دينهم يتوارثونه كابر عن كابر حتى كان زمن عدنان ابن ادد فطال عليهم الامد فقست قلوبهم، وافسدوا (2) وأحدثوا في دينهم، وأخرج بعضهم بعضا "، فمنهم من خرج في طلب المعيشة، ومنهم من خرج كراهية القتال وفي أيديهم أشياء كثيرة من الحنيفية من تحريم الامهات والبنات، وما حرم الله في النكاح إلا أنهم كانوا يستحلون امرأة الاب وابنة الاخت، والجمع بين الاختين، وكان في أيديهم الحج و التلبية والغسل من الجنابة إلا ما أحدثوا في تلبيتهم وفي حجهم من الشرك، وكان فيما بين إسماعيل وعدنان بن ادد موسى عليه السلام، وروى أن معد بن عدنان خاف أن يدرس الحرم فوضع أنصابه (3)، وكان أول من وضعها، ثم غلبت جرهم بمكة على ولاية البيت فكان يلي منهم كابر عن كابر حتى بغت جرهم بمكة، واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة وظلموا من دخل مكة وعتوا وبغوا، وكانت مكة في الجاهلية لا يظلم ولا يبغي فيها ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه، وكانت تسمى بكة لانها تبك (4) أعناق الباغين


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 3: 465، قلت: قال ابن هشام في السيرة 1: 156 بعد ما ذكر الحديث قال ابن اسحاق: فهذا الذى بلغني من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه في زمزم. (2) في المصدر: وفسدوا. (3) الانصاب: الاعلام المنصوبة التى يعرف بها الحرم. (4) أي تدق. (*)

[ 171 ]

إذا بغوا فيها، وتسمى بساسة (1) كانوا إذا ظلموا فيها بستهم وأهلكتهم، وسمي ام رحم (2) كانوا إذا لزموها رحموا، فلما بغت جرهم واستحلوا فيها بعث الله عزوجل عليهم الرعاف والنمل، وأفناهم، فغلبت خزاعة، واجتمعت ليجلوا من بقي من حرهم عن الحرم ورئيس خزاعة عمرو بن ربيعة (3) بن حارثة بن عمرو، ورئيس جرهم عمرو بن الحارث بن مصاص (4) الجرهمي، فهزمت خزاعة جرهم، وخرج من بقي من جرهم إلى أرض من أرض جهينة، فجاءهم سيل أتي لهم (5) فذهب بهم، ووليت خزاعة البيت فلم يزل في أيديهم حتى جاء قصي بن كلاب، وأخرج خزاعة من الحرم، وولى البيت وغلب عليه (6). بيان: ادد كعمر بضمتين، والدرس: الانمحاء، وجرهم كقنفذ (7): حي من اليمن. والرحم بالضم الرحمة، والرعاف في بعض النسخ بالراء المهملة وهو بالضم: خروج الدم من الانف، وفي بعضها بالمعجمة يقال: موت زعاف، أي سريع، فالمراد به الطاعون. وقال الفيروز آبادي: النملة قروح في الجنب كالنمل، وبثر يخرج في الجسد بالتهاب واحتراق، ويرم مكانها يسيرا " ويدب إلى موضع آخر كالنملة. قوله عليه السلام: سيل أتي


(1) في النهاية: من أسماء مكة الباسة، سميت بها لانها تحطم من أخطأ فيها، ويروى بالنون من النس: الطرد قلت: في السيرة الهشامية: بالنون: الناسة. (2) في المصدر: وتسمى ام رحم. قلت: قال الجزرى في النهاية 2: 77: وفي حديث مكة: هي ام رحم أي اصل الرحمه. (3) سعد خ ل قلت: الصحيح ما في الصلب. (4) هكذا في الكتاب ومصدره الصحيح،: مضاض كما في السيرة ونهاية الارب ومروج الذهب وغيرها. (5) سيل أتى بهم خ ل. (6) فروع الكافي 1: 223، قلت: ذكر ابن هشام ما وقع بين جرهم وخزاعة وما وقع بين قصى وخزاعة في سيرته 1: 123 - 131، وذكره أيضا المسعودي في مروج الذهب 2: 49 و 56 و 58. (7) قال القلقشندى في نهاية الارب: بنوجرهم: بطن من القحطانية، وكانت منازل بنى قحطان اليمن، فلما ملك يعرب بن قحطان اليمن ولى أخاه جرهم الحجاز فاستولى عليه وملكه.

[ 172 ]

هو بالتشديد على وزن فعيل: سيل جائك ولم يصبك مطره، والسيل الاتي أيضا ": الغريب (1). 98 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن سعيد الاعرج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العرب لم يزالوا على شئ من الحنيفية يصلون الرحم ويقرون الضيف، ويحجون البيت، ويقولون: اتقوا مال اليتيم فإن مال اليتيم عقال، ويكفون عن أشياء من المحارم مخافة العقوبة، وكانوا لا يملى لهم إذا انتهكوا المحارم. وكانوا يأخذون من لحاء شجر الحرم فيعلقونه في أعناق الابل فلا يجترئ أحد أن يأخذ من تلك الابل حيث ما ذهبت، ولا يجترئ أحد أن يعلق من غير لحاء شجر الحرم، أيهم فعل ذلك عوقب، وأما اليوم فاملي لهم. ولقد جاء أهل الشام فنصبوا المنجنيق على أبي قبيسس فبعث الله عليهم سحابة كجناح الطير فأمطرت عليهم صاعقة فأحرقت سبعين رجلا " حول المنجنيق (2)، بيان: الاقراء: الضيافة. والاملاء: المهلة. وانتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل. واللحاء بالكسر ممدودا " ومقصورا ": ما على العود من القشر، والظاهر أن نصب المنجنيق كان لتخريب البيت. 99 - كا: الحسين بن محمد (3) عن المعلى، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن


(1) سيل أتى: يأتي من حيث لا يدرك. (2) فروع الكافي 1: 223 قلت: ذكر المسعودي ديانات العرب وآرائها في الجاهلية في مروج الذهب 2: 126 وبعده، وذكر اليعقوبي في تاريخه 2: 7 جملا من آراء عبد المطلب و فضائله نثبتها هناك حيث فاتنا ذكرها قبلا قال: ورفض عبادة الاصنام، ووحد الله عزوجل، ووفى بالنذر، وسن سننا نزل القرآن بأكثرها وجاءت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله بها، وهى الوفاء باالنذور، ومائة من الابل في الدية، وألا تنكح ذات محرم، ولا تؤتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق، والنهى عن قتل الموؤدة، والمباهلة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا، والحد عليه، والقرعة، وألا يطوف أحد بالبيت عريانا، واضافة الضيف، وألا ينفقوا إذا حجوا إلا من طيب أموالهم، وتعظيم الاشهر الحرم، ونفى ذوات الرايات اه‍ ثم ذكر قصة أصحاب الفيل. (3) اسناد الحديث في المصدر مبدو بالوشاء، وهو معلق على سابقه، واسناد الحديث السابق هكذا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد وعلى بن محمد، عن صالح بن أبى حماد جميعا عن الوشاء.

[ 173 ]

أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني ولدت بنتا " وربيتها حتى إذا بلغت فألبستها وحليتها، ثم جئت بها إلى قليب (1) فدفعتها في جوفه، وكان آخر ما سمعت منها وهي تقول: يا أبتاه، فما كفارة ذلك ؟ قال: ألك ام حية ؟ قال: لا، قال: فلك خالة حية ؟ قال: نعم، قال: فابررها فإنها بمنزلة الام تكفر عنك ما صنعت، قال أبو خديجة: فقلت لابي عبد الله عليه السلام متى كان هذا ؟ قال: كان في الجاهلية، وكانوا يقتلون البنات مخافة أن يسبين فيلدن في قوم آخرين (2). 100 - كنز الكراجكى: عن الحسين بن عبيدالله، عن هارون بن موسى، عن محمد بن همام، عن الحسن بن جمهور، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن مالك بن عطية قال: لما حفر عبد المطلب بن هاشم زمزم، وأنبط منها الماء أخرج منها غزالين من ذهب وسيوفا " وأدراعا "، فجعل الغزالين زينة للكعبة، وأخذ السيوف والدروع، وقال: هذه وديعة كان أودعها مضاض الجرهمي بن الحارث بن عمرو بن مضاض، والحارث الذي يقول: (شعر) (3): كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا (4) * أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر (5) ويمنعنا من كل فج نريده * أقب كسرحان الاباءة ضامر وكل لجوج في الجراء طمرة * كعجزاء فتحاء الجناحين كاسر


(1) القليب: البئر: (2) الاصول 2: 162 و 163. (3) المصدر خال عن لفظة: شعر. ونسب ابن هشام الاشعار الى عمرو بن الحارث [ بن عمرو ] بن مضاض. (4) أولها: وقائلة والدمع سكب مبادر * وقد شرقت بالدمع منها المحاجر والحجون بفتح الحاء: موضع بأعلى مكة. وسمر: تحدث ليلا. بعده: فقلت لها والقلب منى كأنما * يلجلجه بين الجناحين طائر يلجلجه: يحركه ويديره. (5) صروف الليالى: شدائدها ونوائبها. والجدود جمع الجد: الحظ والبخت. ويقال عثر جده أي تعس وهلك، والجدود العواثر: الحظوظ المهلكات والبخت النحس المتعس.

[ 174 ]

والقصيدة طويلة، فحسدته قريش بذلك فقالوا: نحن شركاءك فيها، فقال: هذه فضيلة بنت (1) بها دونكم أريتها في منامي ثلاث ليال تباعا ". قالوا: فحاكمنا إلى من شئت من حكام العرب، فخرجوا إلى الشام يريدن أحد كهانها وعلمائها، فأصابهم عطش شديد فأوصى بعضهم إلى بعض، فبيناهم على تلك الحال إذ بركت ناقة عبد المطلب فنبع الماء من بين أخفافها، فشربوا وتزودوا، وقالوا: يا عبد المطلب إن الذي سقاك في هذه البادية القفر هو الذي سقاك بمكة، فرجعوا وسلموا له هذه المآثرة (2)، بيان: القبب: الضمر، وخمص البطن. والاباءة: أجمة القصب. والجرآء بالكسر جمع الجر وهو بالضم والكسر: ولد الكلب والسباع. وفرس طمر بالكسر وتشديد الراء وهو المستفز للوثب والعدو. وعقاب عجزاء: قصيرة الذنب، ويقال: كسر الطائر: إذا ضم جناحيه حين ينقض. والكاسر: العقاب، ذكرها الجوهري. (باب 2) * (البشائر بمولده ونبوته من الانبياء والاوصياء صلوات الله عليه) * * (وعليهم وغيرهم من الكهنة وسائر الخلق، وذكر بعض) * * (المؤمنين في الفترة) * الايات: البقرة (2) ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين 89. وقال تعالى: ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون 101. وقال سبحانه:.. وابعث فيهم رسولا " منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب و الحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم 129.


(1) هكذا في نسخة المصنف، وفي المصدر: نبئت. (2) كنز الكراجكى: 106 و 107.

[ 175 ]

وقال تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا " منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون 147. آل عمران (3): وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون 81 و 82. وقال تعالى: وإذا أخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا " قليلا " فبئس ما يشترون * لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب و لهم عذاب أليم 187 و 188. الاعراف (7): الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا " عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به و عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون 157. وقال تعالى: وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم 167. الانبياء (21): ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون 105. الشعراء (26): وإنه لفي زبر الاولين * أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل 196 و 197. القصص (28): وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين. [ إلى قوله تعالى ]: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما " ما آتيهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون 45 و 46. الصف (61): وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا "

[ 176 ]

لما بين يدي من التوراة ومبشرا " برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين * ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الاسلام والله لا يهدي القوم الظالمين 6 و 7. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله): قال ابن عباس: كانت اليهود (يستفتحون) أي يستنصرون على الاوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وآله قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولونه فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنه مبعوث، فقال سلام بن مشكم (1) أخو بني النضير: ما جاءنا بشئ نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله تعالى هذه الاية (2). وفي قوله: (مصدق لما معهم): مصدق لكتبهم من التوراة والانجيل، لأنه جاء على الصفة التي تقدم بها البشارة (3). وفي قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين): روي عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وقتادة أن الله تعالى أخذ الميثاق على الانبياء قبل نبينا أن يخبروا اممهم بمبعثه ونعته، ويبشروهم، به، ويأمروهم بتصديقه، وقال طاؤوس: أخذ الله الميثاق على الانبياء على الاول والاخر، فأخذ ميثاق الاول بما جاء (4) به الاخر. وقال الصادق عليه السلام: تقديره وإذ أخذ الله ميثاق امم النبين بتصديق نبيها، و العمل بما جاءهم به، وإنهم خالفوه بعد ما جاء وما وفوا به، وتركوا كثيرا " من شرائعه، وحرفوا كثيرا " منها. والاصر: العهد (5). وفي قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب) قيل: أراد به اليهود،


(1) في المصدر: سلام بن مسلم. (2) مجمع البيان 1: 158. (3) مجمع البيان 1: 169 وفيه تقدمت بها البشارة. (4) في المصدر: لتؤمنن بما جاء به الاخر. (5) مجمع البيان 2: 68. (*)

[ 177 ]

وقيل: اليهود والنصارى، وقيل: كل من اوتي علما " بشئ من الكتب (لتبيننه للناس) أي محمدا " صلى الله عليه وآله (1)، لان في كتابهم أنه رسول الله، وقيل: أي الكتاب فيدخل فيه بيان أمر النبي صلى الله عليه وآله (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا) قيل: هم اليهود الذين فرحوا بكتمان أمر النبي صلى الله عليه وآله، وأحبوا أن يحمدوا بأنهم أئمة وليسوا كذلك، وقال البلخي: إن اليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحباءه، وأهل الصلاة والصوم، وليسوا كذلك (2)، ولكنهم أهل الشرك والنفاق وهو المروي عن الباقر عليه السلام، والاقوى أن يكون المعني بالاية من أخبر الله عنهم أنه أخذ ميثاقهم في أن يبينوا أمر محمد صلى الله عليه وآله ولا يكتموه (3). وفي قوله: (في التوراة والانجيل) معناه يجدون نعته وصفته ونبوته مكتوبا " في التوراة في السفر الخامس: إني ساقيم لهم نبيا " من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فيه، فيقول لهم: كل ما اوصيه به. وفيها أيضا " مكتوب: وأما ابن الامة (4) فقد باركت عليه جدا " جدا "، وسيلد اثنى عشر عظيما "، واؤخره لامة عظيمة. وفيها أيضا: أتانا الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران (5). وفي الانجيل بشارة بالفار قليط في مواضع: منها نعطيكم فارقليط آخر يكون معكم آخر الدهر كله. وفيه أيضا ": قول المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم


(1) في المصدر: أي لتظهرنه للناس، والهاء عائدة إلى محمد صلى الله عليه وآله. (2) في المصدر: وليسوا من أولياء الله ولا أحبائه ولا أهل الصلاة والصوم. (3) مجمع البيان 2: 552 و 553 و 554. (4) والمراد به اسماعيل عليه السلام. (5) قال الحموى في المعجم: ساعير: اسم لجبال فلسطين، وهو من حدود الروم وهو قرية من الناصرة بين طبرية وعكا، وفاران كلمة عبرانية معربة وهى من أسماء مكة، وقيل: هو اسم لجبال مكة، وقال ابن ماكولا: هي جبال الحجاز، وفي التوراة: جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير واستعلن من فاران، محيئه من سيناء تكليمه لموسى عليه السلام، واشراقه من ساعير هو انزال الانجيل على عيسى عليه السلام، واستعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه واله وسلم

[ 178 ]

الفارقليط (1) روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنه نذيركم يجمع الحق، و يخبركم بالامور المزمعة (2)، ويمدحني ويشهد لي. وفيه أيضا ": إنه إذا جاء قيد أهل العالم. قوله تعالى: (إصرهم) أي ثقلهم وهو التكاليف الشاقة (والاغلال التي كانت عليهم) أي العهود التي كانت في ذمتهم، وقيل: يريد بالاغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم، وما أشبه ذلك (وعزروه) أي عظموه ووقروه (واتبعوا النور الذي انزل معه) أي القرآن (3). أقول: سيأتي في الروايات أنه أمير المؤمنين عليه السلام. وفي قوله تعالى: (وإذ تأذن ربك) أي آذن وأعلم (ليبعثن عليهم) أي على اليهود (إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) أي من يذيقهم ويوليهم شدة العذاب بالقتل وأخذ الجزية منهم، والمعني به امة محمد صلى الله عليه واله عند جميع المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (4). وفي قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) قيل: الزبور: كتب الانبياء، والذكر: اللوح المحفوظ، وقيل: الزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة، والذكر: التوراة، وقيل: الزبور كتاب داود عليه السلام، والذكر: التوراة (أن الارض يرثها عبادي الصالحون) أي أرض الجنة أو الارض المعروفة يرثها امة محمد صلى الله عليه واله، وقال أبو جعفر عليه السلام: هم أصحاب المهدي في آخر الزمان (5). وفي قوله سبحانه: (وإنه لفي زبر الاولين) أي ذكر القرآن وخبره في كتب الاولين على وجه البشارة به وبمحمد صلى الله عليه واله (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني


(1) فارقليط: كلمة يونانية، معناها الذي يذكره الناس بالخير ويحمدونه. وهو مرادف لمحمد أو أحمد. (2) أزمع الامر وعليه وبه: ثبت عليه وأظهر فيه عزما. (3) مجمع البيان 4: 488. (4) مجمع البيان 4: 494. (5) مجمع البيان 7: 66. ثم ذكر أخبارا من العامة تدل على قول الاخير.

[ 179 ]

إسرائيل) أي أولم يكن علم علماء بني إسرائيل بمجيئه على ما تقدمت البشارة به دلالة لهم على صحة نبوته، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم خمسة: عبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد (1). وفي قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي) أي في الجانب الغربي من الجبل الذي كلم الله فيه موسى، وقيل: بجانب الوادي الغربي (إذ قضينا إلى موسى الامر) أي عهدنا إليه بالرسالة، وقيل: أراد كلامه معه في وصف نبينا محمد صلى الله عليه واله ونبوته (ولكن رحمة من ربك) أي الله أعلمك ذلك، وعرفك إياه نعمة من ربك أنعم بها عليك، وهو أن بعثك نبيا "، واختارك لانباء العلم بذلك معجزة لك، لتنذر العرب الذين لم يأتهم رسول قبلك لكي يتفكروا ويعتبروا (2). 1 - شى: عن حبيب (3) السجستاني قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) فكيف يؤمن موسى عليه السلام بعيسى عليه السلام وينصره ولم يدركه ؟ وكيف يومن عيسى عليه السلام بمحمد صلى الله عليه واله وينصره ولم يدركه ؟ فقال: يا حبيب إن القرآن قد طرح منه آي كثيرة، ولم يزد فيه إلا حروف أخطأت بها الكتبة، وتوهمتها الرجال، وهذا وهم، فاقرءها: (وإذ أخذ الله ميثاق امم النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه)، هكذا أنزلها الله يا حبيب، فو الله ماوفت امة من الامم التي كانت قبل موسى بما أخذ الله عليها من الميثاق لكل نبي بعثه الله بعد نبيها، ولقد كذبت الامة التي جاءها موسى لما جاءها موسى ولم يومنوا به ولا نصروه


(1) مجمع البيان 7: 204، اختصر المصنف ما في المصدر، وكذا فيما مر. (2) مجمع البيان 7، 256 و 257. (3) حبيب السجستاني لم يوثقه أصحاب الرجال، والحديث مع الغض عن وثاقته وعدمها مرسل معارض لما عليه اجماع الامة من أن القران هو ما بين الدفتين لم يزد فيه ولم ينقص عنه، وهو احد الثقلين الذى تاركه النبي صلى الله عليه وآله بين الامة، وهو باق إلى قيام الساعة مع أن ما في النقل الثاني لم يدفع إشكال الراوى أيضا، إلا أن يكون المراد من الامم امة موسى وعيسى عليهما السلام الموجودون في زمان النبي صلى الله عليه وآله.

[ 180 ]

لما جاءها إلا القليل منهم، ولقد كذبت امة عيسى عليه السلام بمحمد صلى الله عليه واله ولم يؤمنوا به ولا نصروه لما جاءهم إلا القليل منهم، ولقد جحدت هذه الامة بما أخذ عليها رسول الله من الميثاق لعلي بن أبي طالب عليه السلام يوم أقامه للناس ونصبه لهم ودعاهم إلى ولايته وطاعته في حياته، وأشهدهم بذلك على أنفسهم، فأي ميثاق أو كد من قول رسول الله صلى الله عليه واله في علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فو الله ما وفوا به، بل جحدوا وكذبوا (1). 2 - فس: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) الاية، فإن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام: هل تعرفون محمدا " في كتابكم ؟ قال: نعم والله نعرفه بالنعت الذي نعته الله لنا إذا رأيناه فيكم، كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان، والذي يحلف به ابن سلام لانا بمحمد هذا أشد معرفة مني بابني، قال الله: (الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون) (2). 3 - نجم: في كتاب دلائل النبوة جمع أبي القاسم الحسين بن محمد السكوني، عن محمد بن علي بن الحسين، عن الحسن، عن عبد الله بن غانم، عن هناد، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن صالح بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن أسعد، عن ابن مسيب، عن حسان ابن ثابت (3) قال: إني والله لغلام يفعاء (4) ابن سبع أو ثمان سنين أعقل كل ما سمعت


(1) تفسير العياشي: مخطوط. (2) تفسير القمى: 182. (3) الموجود في المصدر هكذا: ووجد في كتاب دلائل النبوة جمع أبى القاسم الحسين بن محمد السكوني من نسخة عتيقة عليها سماع تاريخه يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ونسخ من أصل كتاب مصنفه، فذكر في معرفة بعض اليهود بعلم النجوم حديث بعثة النبي صلوات الله عليه وآله فقال ما هذا لفظه: حدثنى الشريف أبو عبد الله محمد بن على بن الحسين بن على بن عبد الرحمن قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا عبد الله بن غانم قال حدثنا هناد قال: حدثنا يونس، عن ابى اسحاق قال: حدثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن يحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: حدثنا ابن شيث، عن رجال قومه، عن حسان بن ثابت إه‍. قلت: الصحيح: عن يحيى بن عبد الله، ويحيى هذا هو يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، راجع تهذيب التهذيب 4: 379. (4) في المصدر: لغلام يفقه.

[ 181 ]

إذ سمعت يهوديا " وهو على أكمة (1) يثرب يصرخ: يا معشر اليهود، فلما اجتمعوا قالوا: ويلك مالك ؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث به الليلة (2). 4 - ل: ما جيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن علي بن الحسين الرقي، عن عبد الله بن جبلة، عن الحسن بن عبد الله، عن آبائه، عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام في حديث طويل قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه واله فسأله أعلمهم عن أشياء فأجابه عليه السلام فأسلم وأخرج رقا " أبيض (3)، فيه جميع ما قال النبي صلى الله عليه واله، وقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا ما استنسختها إلا من الالواح التي كتب الله عزوجل لموسى بن عمران عليه السلام، ولقد قرأت في التوراة فضلك حتى شككت فيه يا محمد، ولقد كنت أمحو اسمك منذ اربعين سنة من التوراة، وكلما محوته وجدته مثبتا " فيها، ولقد قرأت في التوراة أن هذه المسائل لا يخرجها غيرك، وإن في الساعة التي ترد عليك فيها هذه المسائل يكون جبرئيل عن يمينك، وميكائيل عن يسارك، ووصيك بين يديك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: صدقت، هذا جبرئيل عن يمني، وميكائيل عن يساري (4)، ووصيي علي بن أبي طالب بين يدي، فآمن اليهودي وحسن إسلامه (5). 5 - ك: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسن بن علي، عن عمر ابن أبان رفعه (6) أن تبع (7) قال في مسيره (8):


(1) أكمة: التل. وفي المصدر وهو على اطمة يثرب يصيح اه‍. والاطم: الحصن. (2) فرج المهموم: 29. (3) الرق: جلد رقيق يكتب فيه. (4) عن شمالى خ ل. (5) الخصال 2: 9. (6) في المصدر: عمر بن أبان، عن أبان رفعه. (7) هو تبع بن حسان بن بحيلة بن كلى كرب بن تبع الاقرن، وهو أسعد أبو كرب على ما في تاريخ اليعقوبي، وفي سيرة ابن هشام: حسان بن تبان أسعد أبى كرب (وتبان أسعد: هو تبع الاخر) ابن كلى كرب بن زيد (وزيد: هو تبع الاول) بن عمرو ذى الاذعار بن أبرهة ذى المنار بن الريش ويقال: الرائش. وقد فصل اليعقوبي وابن هشام والمسعودي والطبري وابن الاثير أخباره وقد تقدم طرف من أخباره في باب بعض أحوال ملوك الارض في المجلد 14 من طبعنا هذا. (8) في نسخة من المصدر: قال في شعره.

[ 182 ]

حتى أتاني من قريظة عالم * حبر لعمرك في اليهود مسدد قال: ازدجر عن قرية محجوبة * لنبي مكة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب (1) * وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتها لله أرجو عفوه * يوم الحساب من الحميم الموقد (2) فلقد تركت له بها من قومنا * نفرا " اولي حسب وممن يحمد نفرا " يكون النصر في أعقابهم * أرجو بذاك ثواب رب محمد ما كنت أحسب أن بيتا " طاهرا " (3) * لله في بطحاء مكة يعبد قالوا: بمكة بيت مال داثر * وكنوزه من لؤلؤ وزبرجد فأردت أمرا " حال ربي دونه * والله يدفع عن خراب المسجد فتركت ما أملته فيه لهم * وتركتهم مثلا " لاهل المشهد (4) قال أبو عبد الله عليه السلام: كان الخبر (5) أنه سيخرج من هذه يعني مكة نبي يكون مهاجره يثرب، فأخذ قوما " من اليمن فأنزلهم مع اليهود لينصروه إذا خرج، وفي ذلك يقول: شهدت على أحمد أنه * رسول من الله بارئ النسم فلو مد عمري إلى عمره * لكنت وزيرا " له وابن عم وكنت عذابا " على المشركين * أسقيهم كأس حتف وغم (6) 6 - ك: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن تبع قال للاوس والخزرج. كونوا


(1) ثربة وثرب عليه: لامه، قبح عليه فعله. (2) في المصدر: من الجحيم الموقد. (3) في نسخة وفي الصدر: ظاهرا. (4) الابيات من قصيدة طويلة مطلعها: ما بال عينك لا تنام كأنما * كحلت مآقيها بسم الاسود (5) في المصدر: قد أخبر. (6) كمال الدين: 101.

[ 183 ]

ها هنا حتى يخرج هذا النبي، فأما أنا فلو أدركته لخدمته وخرجت معه (1). 7 - ك: أحمد بن محمد بن الحسين البزاز، عن محمد بن يعقوب الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكر (2)، عن زكريا بن يحيى، عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يقول: لا يشتبهن عليكم أمر تبع فإنه كان مسلما " (3). بيان: اختلف في تبع هل كان مسلما " أم لا، وهذه الروايات تدل على إسلامه. قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: (أهم خير أم قوم تبع) أي أمشركوا قريش أظهر نعمة، وأكثر أموالا "، وأعز في القوة والقدرة أم قوم تبع الحميري، الذي سار بالجيوش حتى حير الحيرة، وأتى سمرقند فهدمها ثم بناها، وكان إذا كتب كتب: (بسم الذي ملك برا " وبحرا "، وضحا " وريحا " (4))، عن قتادة، سمي تبعا " لكثرة أتباعه من الناس، وقيل: لانه تبع من قبله من ملوك اليمن، والتبابعة: اسم ملوك اليمن، فتبع لقب له كما يقال: خاقان لملك الترك، وقيصر لملك الروم، واسمه أسعد أبو كرب، وروى سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: (لا تسبوا تبعا " فإنه كان قد أسلم) قال كعب: نعم الرجل الصالح، ذم الله قومه ولم يذمه (5). وقال البيضاوي: وكان مؤمنا " وقومه كافرين، ولذلك ذمهم دونه، وعنه عليه السلام: ما أدري أكان تبع نبيا " أو غير نبي (6). 8 - ك: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه واله ذات يوم بفناء الكعبة يوم افتتح مكة إذ أقبل إليه وفد فسلموا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: من القوم ؟ قالوا: وفد من بكر بن


(1) كمال الدين: 101 و 102. (2) في المصدر: يونس بن بكير. (3) كمال الدين: 102. (4) الضح: الشمس، وقولهم: جاء فلان بالضح والريح أي بما طلعت عليه الشمس، وما جرت عليه الريح، يعنى من الكثرة. (5) مجمع البيان 9: 66. (6) أنوار التنزيل 2: 419.

[ 184 ]

وائل (1)، قال: فهل عندكم علم من خبر قس بن ساعدة الايادي ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فما فعل ؟ قالوا: مات، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: الحمد لله رب الموت، ورب الحياة، كل نفس ذائقة الموت، كأني أنظر إلى قس بن ساعدة الايادي وهو بسوق عكاظ على جمل له أحمر، وهو يخطب الناس ويقول: اجتمعوا أيها الناس (2)، فإذا اجتمعتم فأنصتوا، فإذا أنصتم فاستمعوا، فإذا اسمعتم (3) فعوا، فإذا وعيتم فاحفظوا، فإذا حفظتم فاصدقوا، ألا إن من عاش مات، ومن مات فات، ومن فات فليس بآت، إن في السماء خبرا "، وفي الارض عبرا "، سقف مرفوع، ومهاد موضوع، ونجوم تمور، وليل يدور، وبحار ماء لا تغور (4)، يحلف قس ما هذا بلعب (5)، وإن من وراء هذا لعجبا "، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ؟ أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا ؟ يحلف قس يمينا " غير كاذبة إن لله دينا " هو خير من الدين الذي أنتم عليه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: رحم الله قسا " يحشر يوم القيامة امة واحدة، ثم قال: هل فيكم أحد يحسن من شعره شيئا " ؟ فقال بعضهم: سمعته يقول: في الاولين الذاهبين من القرون لنا بصائر * لما رأيت مواردا " للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها يمضي الاكابر والاصاغر * لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر وبلغ من حكمة قس بن ساعدة ومعرفته أن النبي صلى الله عليه واله كان يسأل من يقدم عليه من إياد (6) عن حكمته ويصغى إليها (7). 9 - كنز الكراجكى: عن أسد بن إبراهيم السلمي، عن محمد بن أحمد بن موسى،


(1) بنو بكر بن وائل: قبيلة عظيمة من العدنانية تنسب إلى بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن نزار بن معد بن عدنان، فيها الشهرة والعدد، كانت ديارها من اليمامة إلى البحرين، إلى سيف كاظمة، إلى البحرين فأطراف سواد العراق فالابلة فهيت. (2) في المصدر: أيها الناس اجتمعوا. (3) في المصدر: فإذا سمعتم. (4) غار الماء: ذهب في الارض. وفي المصدر: وبحار ماء تغور. (5) في المصدر زيادة وهى: والناس يلعب. (6) اياد: بطن عظيم من العدنانية وهم بنو إياد بن نزار بن معد بن عدنان. (7) كمال الدين: 99 و 100.

[ 185 ]

عن عبد الله بن محمد (1)، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن حسان، عن محمد بن الحجاج (2)، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس مثله إلى قوله: حيث صار القوم صائر (2). بيان: مار الشئ يمور مورا ": تحرك وجاء وذهب. 10 - ك: الحسن بن عبد الله، عن الحسين بن الحسن بن علي بن إسماعيل (4)، عن محمد بن زكريا، عن عبد الله بن الضحاك، عن هشام، عن أبيه أن وفدا " من إياد قدموا على رسول الله صلى الله عليه واله فسألهم عن حكم قس بن ساعدة فقالوا: قال قس شعرا ": يا ناعي الموت والاموات في جدث * عليهم من بقايا تربهم (5) خرق دعهم فإن لهم يوما " يصاح بهم * كما ينبه من نوماته الصعق منهم عرات ومنهم في ثيابهم * منها جديد ومنها الان ذوالخلق (6) مطر ونبات وآباء وامهات، وذاهب وآت، وآيات في أثر آيات، وأموات بعد أموات، وضوء وظلام، وليال وأيام، وفقير وغني، وسعيد وشقي، ومحسن ومسئ، أين الارباب الفعلة ؟ ليصلحن كل عامل عمله، كلا بل هو الله واحدا " (7) ليس بمولود ولا والد، أعاد وابدئ، وإليه المآب غدا "، أما بعد يا معشر إياد أين ثمود وعاد ؟ وأين الاباء والاجداد ؟ أين الحسن الذي لم يشكر، والقبيح الذي لم ينقم، كلا ورب الكعبة ليعودن ما بدا، ولئن ذهب يوما " (8) ليعودن يوما ".


(1) في المصدر: ابو بكر محمد بن أحمد بن موسى بن ابراهيم البابسيرى الحنظلي قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد من ولد عمر بن الخطاب. (2) في المصدر: اللخمى. (3) كنز الكراجكى: 255 فيه اختصار واختلاف لفظي راجعه. (4) في المصدر: حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد قال: أخبرنا ابو الحسن على بن الحسين بن اسماعيل. (5) بزهم خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) في المصدر: منها الجديد ومنها الاورق الخلق. وبعده: حتى يعودوا بحال غير حالتهم * خلق جديد وخلق بعدهم خلقوا (7) في المصدر: هو الله واحد. (8) يوم خ ل.

[ 186 ]

وهو قس بن ساعدة بن حداق بن زهر بن إياد بن نزار، أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكأ على عصا "، ويقال: إنه عاش ست مأة سنة، وكان يعرف النبي باسمه ونسبه، ويبشر الناس بخروجه وكان يستعمل التقية، ويأمر بها في خلال ما يعظ به الناس (1). بيان: الترب يحتمل أن يكون بالمثلثه يقال: ثرب المريض: نزع عنه ثوبه، ويحتمل أن يكون تصحيف ثوبهم، وفي بعض النسخ بزهم وهو أظهر. أقول: سيأتي وصية قس في أبواب المواعظ، وفي باب كونهم أفضل من الانبياء في كتاب الامامة. 11 - ك: ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن علي بن حكيم، عن عمرو بن بكار العبسي، عن محمد بن السائب، عن أبى صالح، عن ابن عباس، وعن محمد بن علي بن حاتم البرمكي، (2)، عن محمد بن أحمد بن أزهر، عن محمد بن إسحاق البصري، عن علي بن حرب، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عمرو بن بكير (3)، عن أحمد بن القاسم، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن (4) بالحبشة وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه واله بسنتين أتاه وفد العرب وأشرافها وشعراءها لتهنئه وتمدحه، وتذكر ما كان من بلائه (5) وطلبه بثار قومه، فأتاه وفد من قريش ومعهم عبد المطلب بن هاشم وامية بن عبد شمس، وعبد الله بن جذعان، وأسد بن خويلد بن عبد العزى (6)، ووهب بن عبد مناف في اناس من وجوه قريش، فقدموا عليه


(1) كمال الدين: 100 و 101. (2) في المصدر: البوفكى (النوفلي خ). (3) في المصدر: عمرو بن بكر. وفي الكنز: عمر بن بكر. (4) في الكنز: واسمها النعمان بن قيس. (5) حسن بلائه خ ل. وهو الموجود في الكنز. (6) هكذا في نسخة المصنف وكمال الدين واعلام الورى، والظاهر أنه وهم والصحيح كما في الكنز ومروج الذهب. خويلد بن أسد بن عبد العزى.

[ 187 ]

صنعاء فاستأذنوا، فإذا هو في رأس قصر يقال له: غمدان، وهو الذي يقول فيه امية بن أبي الصلت: اشرب هنيئا " عليك التاج مرتفقا " (1) * في رأس غمدان دارا " منك محلالا (2) فدخل عليه الاذن فأخبره بمكانهم فأذن لهم، فلما دخلوا عليه دنا عبد المطلب منه فاستأذنه في الكلام، فقال له: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك. قال: فقال عبد المطلب: إن الله أحلك أيها الملك محلا رفيعا " صعبا " منيعا " شامخا " باذخا "، وأنبتك منبتا " طابت ارومته، وعذبت جرثومته (3)، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أكرم موطن، وأطيب معدن، فأنت أبيت اللعن ملك العرب، وربيعها الذي تخصب به، وأنت أيها الملك رأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها (4) الذي يلجأ إليه العباد سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمل من أنت سلفه (5)، ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا (6)، فنحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة، قال: وأيهم أنت أيها المتكلم ؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال: ابن اختنا ؟ قال: نعم، قال: ادن (7) فأدناه، ثم أقبل على القوم وعليه فقال: مرحبا " وأهلا "، وناقة " (8) ورحلا "، ومستناخا "


(1) مرتفعا خ ل وهو الموجود في المصادر كلها. (2) القصيدة طويلة أوردها ابن هشام في السيرة 1: 69 و 70 والمسعودي بعضها في مروج الذهب 2: 84 و 85. (3) وعزت جرثومته خ ل وهو الموجود في الكنز. (4) المعقل: الملجأ. (5) من هم سلفه خ ل وهو الموجود في الكنز، قوله: فلن يخمل، أي فلن يخفى. (6) في كمال الدين: من كشف الكرب: وفى الكنز: لكشف الكرب. قوله: فدحنا أي أثقلنا وبهظنا. (7) ادنه خ ل، وفي كمال الدين: قال: ادن فدنا منه. (8) ناقة خ ل.

[ 188 ]

سهلا "، وملكا وربحلا (1)، يعطى عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، وأنتم (2) أهل الليل، وأهل النهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء (3) إذا ظعنتم، قال: ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود فأقاموا شهرا " لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه (4)، ثم قال: أيا عبد المطلب (5) إني مفوض إليك من سر علمي أمرا " لو كان (6) غيرك لم أبح له به (7)، ولكني رأيتك معدنه فأطلعك عليه طلعة (8) فليكن عندك مطويا " حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره، إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لانفسنا وأخبرناه (9) دون غيرنا خبرا " عظيما "، وخطرا " جسيما "، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة، فقال عبد المطلب: مثلك أيها الملك من سر وبر (10)، فما هو فداك أهل الوبر زمرا " بعد زمر (11) ؟ فقال: إذا ولد بتهامة، غلام بين كتفيه شامة، كانت له الامامة، ولكم به الزعامة (12) إلى يوم القيامة، فقال له عبد المطلب: أبيت اللعن لقد ابت (13) بخير ما آب بمثله وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه


(1) هكذا في نسخة المصنف، ولعله مصحف: ونحلا كما في كمال الدين والكنز، وفي كمال الدين بعد ذلك: يعنى عطاء جزيلا. وفي الكنز: يعنى يعطى عطاء جزيلا. (2) في كمال الدين والكنز: فأنتم. (3) الحباء: العطية. (4) فأدناه وأخلاه خ ل، وفي كمال الدين: فأدنى مجلسه وأخلاه. (5) في كمال الدين: يا عبد المطلب. (6) في كمال الدين: من سر على أمر ما لو كان. وفي الكنز: من سر علمي ما لو يكون. (7) أي لم أظهره. (8) أطلعه على سره: أظهره له. وفي كمال الدين والكنز. فأطلعتك عليه. (9) في هامش نسخة المصنف: واختبيناه خ ل واحتجناه خ ل الكراجكى. قلت: الموجود في كمال الدين. وحجبناه وفي الكنز: واحتجبناه. والظاهر أن الاخير مصحف لان احتجب لم يستعمل متعديا، وأما واحتجناه لعله من احتجن الشى: جذبه، والمال: ضمه إلى نفسه واحتواه. (10) المصدر خال عن كلمة من، يقال: رجل سر برأى يسر ويبر. (11) زمنا من بعد زمن خ ل. (12) في المصدر: الدعامة: والدعامة: عماد البيت، ودعامة القوم: سيدهم. (13) أي رجعت.

[ 189 ]

لسألته من أسراره ما أزداد به سرورا " (1)، فقال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد فيه، اسمه محمد، يموت أبوه وامه، ويكفله جده وعمه، وقد ولداه سرارا " (2) والله باعثه جهارا "، وجاعل له منا أنصارا "، يعز بهم أوليائه، ويذل بهم أعدائه، يضرب بهم الناس عن عرض، (3) ويستفتح بهم (4) كرائم الارض، يكسر الاوثان، ويخمد النيران، ويعبد الرحمن، ويزجر (5) الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله، فقال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك (6)، وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك، فهل الملك ساري بإفصاح (7) فقد أوضح لي بعض الايضاح ؟ فقال ابن ذى يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على البيت (8)، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب، قال: فخر عبد المطلب ساجدا "، فقال له: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا " مما ذكرته لك، فقال (9): كان لي ابن وكنت به معجبا "، وعليه رفيقا (10)، فزوجته كريمة من كرائم قومي: آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام فسميته محمدا "، مات أبوه وأمه


(1) في المصدر: لسألته عن مسارة أياى ما ازداد به سرورا. ونسخة من كمال الدين يوافق المتن. (2) ولدناه مرارا خ ل الكراجكى. قلت: في كمال الدين، وقد ولد سرارا. وفي نسختنا المخطوطة: فقال ابن ذى يزن: نبى يبعث من عقبك، ورسول من فرعك، اسمه محمد (أحمد خ ل) هذا حينه الذى يولد فيه أوقد ولد فيه، اسمه محمد، يموت أبوه وامه، ويكفله جده وعمه، وقد ولد اسرارا ". (3) يقال: خرجوا يضربون الناس عن عرض: أي عن شقة وناحية كيفما اتفق لا يبايون من ضربوا. (4) يستبيح به خ ل، وهو الموجود في الكنز وفي كمال الدين: تستبيح. (5) ويدحر خ ل وهو الموجود في الكنز وفي نسختنا المخطوطة من كمال الدين، ودحره: طرحه وأبعده. (6) عز جارك خ ل (7) بايضاح خ ل. (8) في المصدر: على النصب. (9) بعد ذلك في نسختنا المخطوطة من كمال الدين: فقال عبد المطلب: نعم أيها الملك، كان إه‍. (10) وبه شفيقا خ ل قلت: في الكنز: وعليه شفيقا.

[ 190 ]

وكفلته أنا وعمه (1)، فقال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت (2) فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة أن تكون له الرئاسة (3) فيطلبون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون أو أبنائهم (4)، ولولا علمي بأن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى صرت (5) بيثرب دار ملكه نصرة له، لكني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق (6) أن يثرب دار ملكه، وبها استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أني أخاف فيه العاهات، وأحذر عليه العاهات لاعلنت على حداثة سنه أمره في هذا الوقت، ولاوطأت أسنان العرب عقبه، ولكني صارف إليك عن ذلك غير تقصير (7) مني بمن معك، قال: ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد، وعشر إماء، وحلتين من البرود، ومأة من الابل، وخمسة أرطال ذهب، وعشرة أرطال فضة، وكرش (8) مملوة عنبرا "، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فأتني، فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، قال: وكان عبد المطلب كثيرا " ما يقول: يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنه إلى نفاد، ولكن يغبطني (9) بما يبقى لي ولعقبي من بعدي ذكره وفخره


(1) في هامش نسخة المصنف نقلا عن الكنز زيادة: بين كتفيه شامة، وكل ما ذكرت من علامته. قلت: هو موجود في الكنز أيضا. (2) في كمال الدين: كما قلت لك. (3) أن تكون لك الرياسة خ ل وهو الموجود في الكنز. (4) في الكنز: لو أنبأتهم، ونقله المصنف في الهامش عنه أيضا. وفي الكنز وكمال الدين: ولولا أنى أعلم أن الموت مجتاحى إه‍. (5) حتى أصير خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) الباسق خ ل وهو الموجود في الكنز. (7) ولكني صارف ذلك اليك من غير تقصير خ ل. (8) الكرش: وعاء الطيب والثوب. (9) ليغبطني.

[ 191 ]

وشرفه، فإذا قيل: متى ذلك (1) ؟ قال: ستعلمن نبأ ما أقول ولو بعد حين، وفي ذلك يقول امية بن عبد شمس يذكر مسيرهم إلى ابن ذي يزن: جلبنا الضح (2) تحمله المطايا * على أكوار أجمال ونوق مغلغلة مرافقها (3) تعالى * إلى صنعاء من فج عميق تؤم بنا ابن ذي يزن وتهدى * ذوات بطونها أم الطريق وتزجى (4) من مخائله بروقا * مواصلة الوميض إلى بروق فلما وافقت صنعاء صارت (5) * بدار الملك والحسب العريق إلى ملك يدر لنا العطايا * بحسن بشاشة الوجه الطليق (6) 12 - عم: عن أبي صالح، عن ابن عباس مثله، ثم قال: روى هذا الحديث الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوة من طريقين (7). 13 - كنز الكراجكى: عن الحسين بن عبيدالله الواسطي، عن التلعكبري، عن محمد بن همام وأحمد بن هوذه، عن الحسين بن محمد بن جمهور، عن أبيه، عن علي بن حرب مثله (8). ايضاح: قوله: مرتفقا، قال الجزري. المرتفق: المتكئ على المرفقة وهي كالوسادة، ومنه حديث ابن ذي يزن: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا. وقال الفيروز آبادي: روضة محلال: تحل كثيرا ". انتهى.


(1) فإذا قيل له: وما ذلك ؟ خ ل وهو الموجود في الكنز. (2) النصح خ ل وفي كمال الدين: جلينا النصح، وفي الكنز: جليبا النصح. (3) مراقعها خ ل وهو الموجود في الكنز. (4) وترعى خ ل وهو الموجود في الكنز. (5) في الكنز: حلت. (6) كمال الدين: 105 - 107. (7) اعلام الورى: 10 و 11. وفيه اختصار واختلاف لفظي. (8) كنز الكراجكى: 82 - 84. قلت: ذكره المسعودي ملخصا في مروج الذهب في وفود عبد المطلب على معدى كرب بن سيف بن ذى يزن.

[ 192 ]

والارومة بالفتح: أصل الشجرة. قوله: وعذبت في أكثر النسخ بالباء الموحدة، وفي بعضها بالمثناة من العذاة: الارض الطيبة البعيدة من الماء والسباخ، وفي بعضها عزت، وفي بعضها عظمت. والجرثومة بالضم: الاصل. وبسق النخل: طال. قوله: أبيت اللعن، قال الجزري: كان هذا في تحايا الملوك في الجاهلية والدعاء لهم، معناه أبيت أن تفعل فعلا تلعن بسببه وتذم انتهى. وقيل: أي أجارك الله أن تفعل ما تلعن به والسدنة جمع السادن وهو الخادم: وأشخصنا، أي أخرجنا وأتى بنا. وأبهجنا أي أفرحنا. وفدحنا أي ثقل علينا. والمرزئة: المصيبة. والربحل بكسر الراء، وفتح الباء الواسع العطاء. والجزل: العظيم. قوله: وأنتم أهل الليل، وأهل النهار، أي نصحبكم ونأنس بكم في الليل والنهار. والحباء: العطاء، والظعن: الارتحال. قوله: انتبه لهم، أي ذكرهم مفاجاة. قوله: أخبرناه، في بعض النسخ: اختبيناه، أي أخفيناه، وفي روايات العامة: احتجناه بالحاء المهملة، ثم التاء، ثم الجيم، ثم النون المشددة، قال الجزري: الاحتجان جمع الشئ وضمه إليك، ومنه حديث ابن ذي يزن واحتجناه دون غيرنا. والشأمة (1) بالهمزة وقد يخفف: الخال في الجسد، والمراد بها هنا خاتم النبوة. والزعامة: الشرف والرئاسة. قوله: ولداه سرارا، في بعض الروايات: وقد ولدناه مرارا، أي كانت غير واحدة من جداته من قبيلتنا من اليمن. قوله: عن عرض، بالضم، أي من اعترض لهم من أي ناحية وجانب كان، يعني إذا لم يوافقهم في دينهم، قال الفيروز آبادي: ويضربون الناس عن عرض: لا يبالون من يضربون. وقال: الكعب: الشرف والمجد. وقال الجزرى: لا يزال كعبك عاليا "، أي لا تزال شريفا " مرتفعا " على من يعاديك. قوله: والعلامات على البيت، في بعض الروايات على النصب، وفسر بحجارة كانوا يذبحون عليها للاصنام، ويحتمل أن يكون المراد أنصاب الحرم. وقال الجزرى: ثلجت نفسي بالامر: إذا اطمأنت إليه وسكنت. وثبت فيها ووثقت به، ومنه حديث ابن


(1) بل الظاهر أنه أجوف ياتي من شام يشيم، ظهرت في جلده شامة.

[ 193 ]

ذي يزن: وثلج صدرك. والمراد بالنفاسة: الحسد، وفي الاصل بمعنى البخل، و الاستبداد بالشئ، والرغبة فيه. والغوائل جمع الغائلة وهي الشر. والحبائل: المصائد. والاجتياح: الاهلاك والاستيصال. وقال الجزري: في حديث ابن ذي يزن: لاوطئن أسنان العرب كعبه، يريد ذوي أسنانهم وهم الاكابر والاشراف انتهى، أي لرفعته على أشرافهم، وجعلتهم موضع قدمه. وقال الجزري: فيه يكون رسول الله في الضح والريح، قال الهروي: أراد كثرة الخيل والجيش، يقال: جاء فلان بالضح والريح، أي بما طلعت عليه الشمس، وهبت عليه الريح، يعنون المال الكثير، وقال: الاكوار جمع كور بالضم وهو رحل الناقة بأداته، وقال: في حديث ابن ذي يزن: مغلغلة مغالقها تعالى * إلى صنعاء من فج عميق. المغلغلة بفتح الغينين: الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد، وبكسر الثانية: المسرعة من الغلغلة: سرعة السير. قوله: تعالى، أي تتصاعد وتذهب، قوله: وتهدى في أكثر الروايات، وتفرى أي تقطع. وام الطريق: معظمه. والازجاء: السوق، والدفع. والمخائل جمع المخيلة وهي السحابة التي تحسبها ماطرة. والوميض: لمعان البرق. 14 - ك: القطان وابن موسى ومحمد بن أحمد الشيباني (1) جميعا "، عن ابن زكريا القطان، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن الهيثم، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، عن أبي طالب قال: خرجت إلى الشام تاجرا " سنة ثمان من مولد رسول الله صلى الله عليه واله، وكان في أشد ما يكون من الحر فلما أجمعت على السير قال لي رجال قومي (2): ما تريد أن تفعل بمحمد ؟ وعلى من تخلفه ؟ فقلت: لا اريد أن اخلفه على أحد، يكون معي، فقيل: صغير في حر (3)


(1) السنانى خ ل. (2) في المصدر: قال لى رجال من قومي. (3) في المصدر: لا اريد أن اخلفه على أحد من الناس، أريد أن يكون معى، فقيل: غلام صغير في حر.

[ 194 ]

مثل هذا تخرجه معك ؟ فقلت: والله لا يفارقني حيث توجهت أبدا "، وإني لا وطئ له الرحل، فذهبت فحشوت له حشية زكتأ وكنا ركبانا " كثيرا " (1)، فكان والله البعير الذي عليه محمد أمامي لا يفارقني وكان يسبق الركب كلهم، وكان إذا اشتد الحر جاءت سحابة بيضاء مثل قطعة ثلج فتسلم عليه وتقف على رأسه ولا تفارقه، وكانت ربما أمطرت علينا السحابة بأنواع الفواكه وهي تسير معنا، وضاق الماء بنا في طريقنا حتى كنا لا نصيب قربة إلا بدينارين، وكنا حيث ما نزلنا تمتلي الحياض، ويكثر الماء وتخضر الارض، فكنا في كل خصب وطيب من الخير، وكان فينا (2) قوم قد وقفت جمالهم فمشى إليها رسول الله ومسح عليها فسارت (3)، فلما قربنا من بصرى (4) إذا نحن بصومعة قد أقبلت تمشي كما تمشي الدابة السريعة حتى إذا قربت منا وقفت، فإذا فيها راهب وكانت السحابة لا تفارق رسول الله صلى الله عليه واله ساعة واحدة، وكان الراهب لا يكلم الناس، ولا يدري ما الركب، وما فيه من التجار (5)، فلما نظر إلى النبي صلى الله عليه واله عرفه، فسمعته يقول: إن كان أحد فأنت أنت، قال: فنزلنا تحت شجرة عظيمة قريبة من الراهب قليلة الاغصان، ليس لها حمل، وكان الركب ينزل تحتها، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه واله اهتزت الشجرة، وألقت أغصانها على رسول الله، وحملت من ثلاثة أنواع من الفاكهة: فاكهتان للصيف، وفاكهة للشتاء، فتعجب جميع من معنا من ذلك، فلما رأى بحيراء (6) الراهب ذهب فاتخذ طعاما " لرسول الله بقدر ما يكفيه، ثم جاء وقال: من يتولى أمر هذا الغلام ؟ فقلت: أنا، فقال، أي شئ تكون منه ؟ فقلت: أنا عمه، فقال: يا هذا إن له أعماما "، فأي الاعمام أنت ؟ فقلت أنا أخو أبيه من أم واحدة،


(1) في المصدر: فحشوت له حشية كساء وكتانا وكنا ركبانا كثيرا ". (2) في المصدر: وكان معنا. (3) في المصدر: فمسح يده عليها فسارت. (4) في المصدر: بصرى الشام. قلت: بصرى بالضم والقصر: من أعمال دمشق، وهى قصبة كورة حوران. (5) في المصدر: ولا ما فيه من التجارة. (6) في سيرة ابن هشام والقاموس: بحيرى بالقصر، وظاهر المصدر ونسخة المصنف بالمد حيث أنه اثبت فيهما بالالف.

[ 195 ]

فقال: أشهد أنه هو وإلا فلست بحيراء، ثم قال: يا هذا أتأذن لي أن أقرب هذا الطعام منه ليأكله، فقلت له: قربه إليه (1)، فالتفت إلى النبي صلى الله عليه واله فقلت (2) له: يا بني رجل أحب أن يكرمك فكل، فقال: هو لي دون أصحابي ؟ فقال بحيراء: نعم هو لك خاصة، فقال النبي صلى الله عليه واله: فإني لا آكل دون هؤلاء، فقال بحيراء: إنه لم يكن عندي أكثر من هذا، فقال: أفتأذن يا بحيراء أن يأكلوا معي ؟ فقال: نعم، فقال: بسم الله (3)، فأكل و أكلنا معه، فو الله لقد كنا مأة وسبعين رجلا "، وأكل (4) كل واحد منا حتى شبع و تجشأ، وبحيراء قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه واله يذب عنه، ويتعجب من كثرة الرجال وقلة الطعام، وفي كل ساعة يقبل رأسه ويافوخه (5)، ويقول: هو هو ورب المسيح، والناس لا يفقهون (6)، فقال رجل من الركب: إن لك لشأنا "، وقد كنا نمر بك قبل اليوم فلا تفعل بنا هذا البر، فقال بحيراء: والله إن لي لشأنا " وشأنا "، وإني لارى مالا ترون، وأعلم ما لا تعلمون، وإن تحت هذه الشجرة لغلاما " لو كنتم تعلمون منه ما أعلم لحملتموه على أعناقكم حتى تردوه إلى وطنه، والله ما أكرمتكم إلا له، ولقد رأيت (7) وقد أقبل نور من أمامه ما بين السماء والارض، ولقد رأيت رجالا " في أيديهم مراوح الياقوت والزبرجد يروحونه، وآخرين ينثرون عليه أنواع الفواكه، ثم هذه السحابة لا تفارقه، وصومعتي (8) مشت إليه كما تمشي الدابة على رجلها، ثم هذه الشجرة لم تزل يابسة قليلة الاغصان وقد كثرت أغصانها واهتزت و


(1) في المصدر: بعد ذلك: ورأيته كارها لذلك والتفت. (2) فقال له خ ل، قلت: فعليه فيكون ما قبله فالتقت بصيغة الغائب. (3) في المصدر: كلو بسم الله. (4) فأكل خ ل. (5) اليافوخ: الموضع الذى يتحرك من رأس الطفل، وهو فراغ بين عظام جمجمته في مقدمتها وأعلاها لا يلبث أن تلتقي فيه العظام. (6) في المصدر: لا يفهمون. (7) ولقد رأيته خ ل. (8) في المصدر: ثم صومعتي.

[ 196 ]

حملت ثلاثة أنواع من الفواكه: فاكهتان للصيف، وفاكهة للشتاء، ثم هذه الحياض التي غارت وذهب ماءها أيام تمرج (1) بني اسرائيل بعد الحواريين حين وردوا (2) عليهم، فوجدنا في كتاب شمعون الصفا أنه دعا عليهم فغارت وذهب ماءها، ثم قال: متى ما رأيتم قد ظهر في هذه الحياض الماء فاعلموا أنه لاجل نبي يخرج في أرض تهامة، مهاجره إلى المدينة، اسمه في قومه الأمين، وفي السماء أحمد، وهو من عترة إسماعيل بن إبراهيم لصلبه، فو الله إنه لهو، ثم قال بحيراء: يا غلام أسألك عن ثلاث خصال بحق اللات والعزى إلا ما أخبر تنيها، فغضب رسول الله صلى الله عليه واله عند ذكر اللات والعزى، وقال: لا تسألني بهما، فو الله ما أبغضت شيئا " كبغضهما، إنهما صنمان من حجارة لقومي، فقال بحيراء: هذه واحدة، ثم قال: فبالله إلا ما أخبرتني، فقال: سل عما بدالك فإنك قد سألتني بإلهي وإلهك الذي ليس كمثله شئ، فقال: أسالك عن نومك ويقظتك، فأخبره عن نومه و يقظته واموره وجميع شأنه (3)، فوافق ذلك ما عند بحيراء (4)، فأكب عليه بحيراء يقبل رجليه ويقول: يا بني ما اطيب ريحك ؟ يا أكثر النبيين أتباعا "، يا من بهاء نور الدنيا من نوره، يا من بذكره تعمر المساجد، كأنني بك قد قدت (5) الاجناد والخيل الجياد، وتبعك العرب والعجم طوعا " وكرها "، وكأنني باللات والعزي وقد كسرتهما، وقد صار البيت العتيق لا يملكه غيرك، تضع مفاتيحه حيث تريد، كم من بطل من قريش والعرب تصرعه ؟ ! معك مفاتيح الجنان والنيران، معك الذبح (6) الاكبر وهلاك الأصنام، أنت الذي لا تقوم الساعة حتى تدخل الملوك كلها في دينك صاغرة قمئة، فلم يزل يقبل يديه مرة ورجليه مرة ويقول: لئن أدركت زمانك لاضربن بين يديك بالسيف ضرب الزند بالزند، أنت سيد ولد آدم، و


(1) أي أيام فسادهم واضطرابهم. (2) ردوا خ ل ظ. (3) في المصدر: أسألك عن نومك وهيأتك وامورك ويقظتك، فأخبره عن نومه. وهيأته واموره وجميع شأنه. (4) فوافق ما عند بحيراء من صفة التى عنده خ ل، وهو الموجود في المصدر. (5) من قاد الدابة، مشى أمامها آخذ بقيادها. وقاد الجيش: كان رئيسا عليهم. (6) الريح خ ل.

[ 197 ]

سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، والله لقد ضحكت الارض يوم ولدت فهي ضاحكة إلى يوم القيامة فرحا " بك، والله لقد بكت البيع والاصنام، والشياطين (1) فهي باكية إلى يوم القيامة، أنت بدعوة إبراهيم (2)، وبشارة عيسى، أنت المقدس المطهر من أنجاس الجاهلية، ثم التفت إلى أبي طالب فقال: ما يكون هذا الغلام (3) منك فإني أراك لا تفارقه ؟ فقال أبو طالب: هو أبني، فقال: ما هو ابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون والده الذي ولده حيا " ولا امه، فقال: إنه ابن أخي وقد مات أبوه وامه حاملة به، و ماتت امه وهو ابن ست سنين، فقال: صدقت هكذا هو، ولكني أرى لك أن ترده إلى بلده عن هذا الوجه، فإنه ما بقي على ظهر الارض يهودي ولا نصراني ولا صاحب كتاب إلا وقد علم بولادة هذا الغلام، ولئن رأوه وعرفوا منه ما قد عرفت أنا منه ليبغنه شرا " (4)، وأكثر ذلك من اليهود، فقال أبو طالب: ولم ذلك ؟ قال: لانه كائن لابن أخيك الرسالة والنبوة، ويأتيه الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى، فقال أبو طالب: كلا إن شاء الله لم يكن الله ليضيعه، ثم خرجنا به إلى الشام فلما قربنا من الشام رأيت والله قصور الشامات كلها قد اهتزت، وعلا منها نور أعظم من نور الشمس، فلما توسطت (5) الشام ما قدرنا أن نجوز سوق الشام من كثرة ما ازدحم الناس ينظرون إلى وجه رسول الله صلى الله عليه واله، وذهب الخبر إلى جميع الشامات حتى ما بقى فيها حبر ولا راهب إلا اجتمع عليه، فجاء حبر عظيم كان اسمه نسطور فجلس مقابله ينظر إليه ولا يكلمه بشئ، حتى فعل ذلك ثلاثة أيام متوالية، فلما كانت الليلة الثالثة لم يصبر حتى قام إليه فدار خلفه كأنه يلتمس منه شيئا "، فقلت: يا راهب كأنك تريد منه شيئا " ؟ قال: أجل إني اريد منه شيئا "، ما اسمه ؟ قلت: محمد بن عبد الله، فتغير والله لونه، ثم قال:


(1) في المصدر: والشياطين يوم ولدت. (2) أنت دعوة إبراهيم خ ل، وهو الموجود في المصدر. (3) قد سأل عن ذلك قبل ذلك ولعله وهم من قبل النساخ. (4) في المصدر: لا بتغوه شرا. (5) توسطنا خ ل.

[ 198 ]

فترى أن تأمره أن يكشف لي عن ظهره لانظر إليه ؟ فكشف عن ظهره فلما رأى الخاتم أكب عليه (1) يقبله ويبكي، ثم قال: يا هذا اسرع برد هذا الغلام إلى موضعه الذي ولد فيه، فإنك لو تدري كم عدو له في أرضنا لم تكن بالذي تقدمه معك، فلم يزل يتعاهده في كل يوم ويحمل إليه الطعام، فلما خرجنا منها أتاه بقميص من عنده، فقال له: ترى أن تلبس هذا القميص لتذكرني به ؟ فلم يقبله، ورأيته كارها " لذلك، فأخذت أنا القميص مخافة أن يغتم، وقلت: أنا البسه، وعجلت به حتى رددته إلى مكة، فو الله ما بقي بمكة يومئذ امرأة ولا كهل ولا شاب ولا صغير ولا كبير إلا استقبله (2) شوقا " إليه ما خلا أبو جهل (3) لعنه الله، فإنه كان فاتكا " ماجنا " قد ثمل من السكر (4). بيان: قوله: حشية زكتأ الزكت: الملا، وفي بعض النسخ دكتأ (5)، ولم أعرف له معنى، وفي بعضها ريشا " وكتانا " كثيرا "، وهو أصوب. قوله وضاق الماء بنا، لعل المراد به في غير هذه المرة أو أولا ". والمرج بالتحريك: الفساد والغلق والاضطراب. قوله قمئة أي ذليلة. والزند: الذي يقدح به النار. والفاتك: الذي يرتكب ما دعت إليه النفس. والجري (6): الشجاع. والماجن: الذي لا يبالي قولا " وفعلا ". والثمل: السكر، يقال: ثمل كفرح. والمراد هنا شدته، أو السكر بالتحريك، وهو الخمر، ونبيذ يتخذ من التمر. 15 - ك: بالاسناد المتقدم عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، وعبد الرحمن بن محمد، عن محمد ابن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن هرثم (7)، عن أبيه، عن جده أن أبا طالب قال: لما فارقه بحيراء بكى بكاء شديدا " وأخذ يقول: ابن آمنة كأني بك وقد رمتك العرب بوترها،


(1) في المصدر: انكب عليه. (2) في المصدر: الا استقبلوه. (3) ما خلا أبا جهل ظ. (4) كمال الدين: 107 - 110. (5) الصحيح: وكتأ بالواو وهو أيضا بمعنى الملاء. (6) لم تكن في الحديث لفظة جرى. (7) في المصدر: المطبوع: أبى عمرو بن هرثم، وفي نسختنا المخطوطة: أبى عمرو بن خزيم.

[ 199 ]

وقد قطعك الاقارب، ولو علموا لكنت لهم بمنزلة الاولاد، ثم التفت إلي وقال: أما أنت يا عم فارع فيه قرابتك الموصولة، واحفظ فيه وصية أبيك، فإن قريشا " ستهجرك فيه، فلا تبال فإني أعلم أنك لا تؤمن به (1)، ولكن، سيؤمن به ولد تلده، وسينصره نصرا " عزيزا "، اسمه في السماوات البطل الهاصر، والشجاع الاقرع (2)، منه الفرخان المستشهدان، وهو سيد العرب ورئيسها (3)، وذو قرنيها، وهو في الكتب أعرف من أصحاب عيسى عليه السلام، فقال أبو طالب: قد رأيت والله كل الذي وصفه بحيراء وأكثر (4). 16 - عم: أورد محمد بن إسحاق بن يسار، وساق مثل هذا الخبر ثم قال: وفي ذلك يقول أبو طالب في قصيدته الدالية أوردها محمد بن إسحق بن يسار: إن ابن آمنة النبي محمدا " * عندي بمثل منازل الاولاد لما تعلق بالزمام (5) رحمته * والعيس قد قلصن بالازواد فارفض من عيني دمع ذارف * مثل الجمان مفرد الافراد (6) راعيت فيه قرابة موصولة * وحفظت فيه وصية الاجداد وأمرته بالسير بين عمومة * بيض الوجوه مصالت الانجاد ساروا لابعد طية معلومة * ولقد تباعد طية المرتاد حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لاقوا على شرف من المرصاد


(1) في المصدر المطبوع: فلا تبالي، وإنى أعلم أنك لا تؤمن به ظاهرا، وستؤمن به باطنا. و مثله في نسختنا المخطوطة الا أنه قال: وتؤمن باطنا. فعلى ذلك فقوله بعد ذلك: ولكن سيؤمن به ولد تلده أي سيؤمن به ظاهرا وباطنا. (2) الانزع خ ل وهو الموجود في المصدر. (3) في المصدر: رئيسها وزينها. (4) كمال الدين: 110. (5) ايعاز إلى ما في حديث محمد بن اسحاق: فلما تهيأ أبو طالب للرحيل وأجمع المسير انتصب (أوصب به كما في السيرة) له رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ بزمام ناقته وقال: يا عم إلى من تكلني ؟. (6) في المصدر: مفرق الافراد.

[ 200 ]

حبرا " فأخبرهم حديثا " صادقا " * عنه ورد معاشر الحساد قوما " يهودا " قدرءوا ما قد رأى * ظل الغمام وعز ذي الاكباد ساروا لقتل محمد فنهاهم * عنه وأجهد أحسن الاجهاد (1) بيان -: البطل: الشجاع، والهاصر: الاسد الشديد الذي يفترس ويكسر، والاقرع المراد به الاصلع، وأما قوله: أعلم أنك لا تؤمن به المراد به الايمان الظاهري، (2) والعيس بالكسر: الابل البيض يخالط بياضها شئ من الشقرة. قوله: قد قلصن، أي اجتمعن وانضممن، والازواد جمع الزاد وهو الطعام المتخذ للسفر، والجمان هو اللؤلؤ الصغار، وقيل: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ، والمصالت جمع المصلت بالكسر وهو الماضي في الامور، والانجاد جمع نجد بالفتح وهو الشجاع، وقال الجوهري: قال الخليل: الطية تكون منزلا، وتكون منتأى (3)، تقول: من مضى لطية أي لنيته التي انتواها، وبعدت عنا طيتة، وهو المنزل الذي انتواه. 17 - ك: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان يرفعه قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه واله أراد أبو طالب يخرج إلى الشام في عير قريش، فجاء رسول الله صلى الله عليه واله وتشبث بالزمام وقال: يا عم على من تخلفني ؟ لا على ام، ولا على أب وقد كانت امه توفيت، فرق له أبو طالب ورحمه وأخرجه معه، وكانوا إذا ساروا


(1) اعلام الورى: 11 - 13، وقد ذكره أيضا ابن هشام 1: 194 - 197. (2) قد عرفت أن نسخة المصنف كان ناقصا، وأن الموجود في المصدر: إنك لا تؤمن به ظاهر أو ستؤمن به باطنا. وعلى أي فاجماع جمهور الامامية على أن أبا طالب كان مؤمنا ولم يكن يظهر إيمانه لمصلحة تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله، وفي مواضع من نفس ذلك الحديث ايضا دلالات على ايمانه كقوله: النبي محمدا "، وقوله: حبرا فأخبرهم حديثا صادقا، وذمه اليهود ووصفه إياهم بالحساد، بل نفس الاخبار بتلك الدلائل والمعاجزات دلالة ظاهرة على ايمانه به صلى الله عليه وآله وسلم. أضف إلى ذلك كله روايات كثيرة وردت في ذلك وأشعاره التى تدل صريحا على ايمانه بالله ورسوله، ونفيه الانداد وما كان يعبد من دون الله قومه، وسيوافيك طرف من ذلك انشاء الله في محله. (3) المنتأى: الموضع البعيد.

[ 201 ]

تسير على رأس رسول الله الغمامة تظله من الشمس، فمروا في طريقهم برجل يقال له: بحيراء، فلما رأى الغمامة تسير معهم نزل من صومعته، فأخذ لقريش طعاما " وبعث إليهم يسألهم أن يأتوه فأتوه، وخلفوا رسول الله صلى الله عليه واله في الرحل، فنظر بحيراء إلى الغمامة قائمة، فقال لهم: هل بقي منكم أحد لم يأتني ؟ فقالوا: ما بقي منا إلا غلام حدث خلفناه في الرحل، فقال: لا ينبغي أن يتخلف عن طعامي أحد منكم، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله فلما أقبل أقبلت الغمامة، فلما نظر إليه بحيراء قال: من هذا الغلام ؟ قالوا: ابن هذا، وأشاروا إلى أبي طالب، فقال له بحيراء: هذا ابنك ؟ فقال أبو طالب: هذا ابن أخي، قال: ما فعل ابوه ؟ قال: توفي وهو حمل، فقال بحيراء لابي طالب: رد هذا الغلام في بلاده، فإنه إن علمت منه اليهود ما أعلم منه قتلوه، فإن لهذا شأنا " من الشأن، هذا نبي هذه الامة، هذا نبي السيف (1). 18 - ك: القطان وابن موسى والسناني جميعا "، عن ابن زكريا القطان، عن محمد ابن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، قال: حدثني أبي وحدثني الهيثم بن عمر المزني، عن عمه، عن يعلى النسابة قال: خرج خالد بن أسيد بن أبي العاص وطليق ابن أبي سفيان بن امية تجارا " إلى الشام سنة خرج رسول الله صلى الله عليه واله فيها، فكانا معه، وكانا يحكيان أنهما رأيا في مسيره وركوبه مما يصنع الوحش والطير، فلما توسطنا سوق بصرى إذا نحن بقوم من الرهبان قد جاءوا متغيري الالوان، كأن على وجوهم الزعفران نرى منهم الرعد (2)، فقالوا: يجب (3) أن تأتوا أكبرنا، فإنه هاهنا قريب في الكنيسة العظمى، فقلنا: ما لنا ولكم ؟ فقالوا: ليس يضركم من هذا شئ، ولعلنا نكرمكم، وظنوا أن واحد منا محمد، فذهبنا معهم حتى دخلنا معهم الكنيسة العظيمة البنيان، فإذا " كبيرهم قد توسطهم وحوله تلامذته، وقد نشر كتابا " في يده (4)، فأخذ ينظر


(1) كمال الذين: 110. (2) في المصدر: ترى منهم الرعدة. (3) نحب خ ل وفي المصدر: نحب أن تأتوا كبيرنا. (4) في المصدر المطبوع: في يديه، وفي نسختنا المخطوطة: بين يديه.

[ 202 ]

إلينا مرة، وفي الكتاب مرة، فقال لاصحابه: ما صنعتم شيئا "، لم تأتوني بالذي اريد، وهو الآن هاهنا، ثم قال لنا: من أنتم ؟ قلنا: رهط من قريش، فقال: من أي قريش ؟ فقلنا: من بني عبد شمس، فقال لنا: معكم غيركم ؟ فقلنا: نعم شاب من بني هاشم، نسميه يتيم بني عبد المطلب، فو الله لقد نخر نخرة (1) كاد أن يغشى عليه، ثم وثب فقال: أوه أوه هلكت النصرانية والمسيح، ثم قام واتكأ على صليب من صلبانه وهو مفكر وحوله ثمانون رجلا " من البطارقة والتلامذة، فقال لنا: فيخف عليكم أن ترونيه ؟ فقلنا له: نعم، فجاء معنا، فإذا " نحن بمحمد، قائم في سوق بصرى، والله لكأنا لم نر وجهه إلا يومئذ، كان هلالا " يتلالا من وجهه، قد ربح الكثير، واشترى الكثير فأردنا أن نقول للقين (2): هو هذا، فإذا " هو قد سبقنا فقال: هو (3) قد عرفته والمسيح فدنا منه، وقبل رأسه، وقال: أنت المقدس، ثم أخذ يسأله عن أشياء من علاماته فأخذ النبي صلى الله عليه واله يخبره فسمعناه يقول: لئن أدركت زمانك لاعطين السيف حقه، ثم قال لنا: أتعلمون ما معه معه الحياة والموت ؟ من تعلق به حيي طويلا "، ومن زاغ عنه مات موتا " لا يحي بعده أبدا "، هو الذي معه الربح الاعظم، ثم قبل وجهه (4) ورجع راجعا " (5). بيان: قوله: للقين: القين العبد، ولعلهم أرادوا أن يغلطوه ويكذبوه فأرادوا أن يشيروا إلى عبد أنه هو فعرفه قبل ذلك، وفي بعض النسخ للقس وهو الظاهر. 19 - ك: القطان وابن موسى والسناني جميعا "، عن ابن زكريا القطان، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، وقيس بن سعد الدئلي، عن عبد الله بن بحير الفقعسي (6)، عن بكر بن عبد الله الاشجعي، عن آبائه قالوا: خرج سنة خرج


(1) نخر الانسان: مد الصوت والنفس في خياشمه. (2) للقس خ ل وهو الموجود في المصدر المطبوع والمخطوط. (3) في المصدر المطبوع: هو هو. (4) في المصدر: هذا الذى معه الذبح الاعظم ثم قبل راسه. (5) كمال الدين: 111. (6) الفقعسى بفتح الاول ثم السكون ثم الفتح: نسبة إلى فقعس بن الحارث بن ثعلبة بن داود ابن أسد بن خزيمة.

[ 203 ]

رسول الله صلى الله عليه واله إلى الشام عبد مناة بن كنانة، ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن نعمان بن عدى تجارا " إلى الشام، فلقاهما أبو چالمويهب الراهب فقال لهما: من أنتما ؟ قالا: نحن تجار من أهل الحرم من قريش، فقال لهما: من أي قريش ؟ فاخبراه، فقال لهما: هل قدم معكما من قريش غيركما ؟ قالا: نعم شاب مع بني هاشم اسمه محمد، فقال أبو المويهب: إياه والله أردت، فقالا: والله ما في قريش أخمل (1) منه ذكرا "، إنما يسمونه بيتيم (2) قريش، وهو أجير لامرأة منا يقال لها: خديجة، فما حاجتك إليه ؟ فأخذ يحرك راسه ويقول: هو هو، فقال لهما: تدلاني عليه، فقالا: تركناه في سوق بصرى، فبيناهم في الكلام إذ طلع (3) رسول الله صلى الله عليه واله، فقال: هو هذا، فخلا به ساعة يناجيه و يكلمه، ثم أخذ يقبل بين عينيه، وأخرج شيئا " من كمه لا ندرى ما هو ورسول الله صلى الله عليه واله يأبى أن يقبله، فلما فارقه قال لنا: تسمعان مني ؟ هذا والله (4) نبي آخر الزمان، والله سيخرج إلى قريب يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإذا رأيتم ذلك فاتبعوه، ثم قال: هل ولد لعمه أبي طالب ولد يقال له: علي ؟ فقلنا: لا، فقال: إما أن يكون قد ولد، أو يولد في سنته، هو أول من يؤمن به، نعرفه، وإنا لنجد صفته عندنا بالوصية كما نجد صفة محمد بالنبوة، وإنه سيد العرب وربانيها (5) وذو قرنيها، يعطي السيف حقه، اسمه في الملا الاعلى علي، وهو أعلى الخلائق يوم القيامة بعد الانبياء ذكرا "، وتسميه الملائكة البطل الازهر المفلح لا يتوجه إلى وجه إلا أفلح وظفر، والله هو


(1) خمل ذكره: خفى. (2) يتيم خ ل وهو الموجود في المصدر. (3) طلع عليهم خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) في نسخة من المصدر: قال لنا شمعان: نبى هذا والله. (5) قال الجزرى: الربانى منسوب إلى الرب بزيادة الالف والنون للمبالغة، وقيل: هو من الرب بمعنى التربية، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها، والربانى: العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذى يطلب بعلمه وجه الله تعالى، وقيل: العالم العامل المعلم انتهى وقيل: هو المتأله العارف بالله.

[ 204 ]

أعرف بين أصحابه في السماء (1) من الشمس الطالعة (2). 20 - ك: أحمد بن محمد بن الحسين، عن محمد بن يعقوب بن يوسف، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بن بشار المدني (3) قال: كان زيد بن عمرو بن نفيل (4) أجمع على الخروج من مكة يضرب في الارض، ويطلب الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام، وكانت امرأته صفية بنت الحضرمي كلما أبصرته قد نهض إلى الخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل (5)، فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب (6) دين إبراهيم عليه السلام ويسأل عنه، فلم يزل في ذلك فيما يزعمون حتى أتى الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل حتى أتى الشام فجال فيها حتى أتى راهبا " من أهل البلقاء فتبعه، كان ينتهي إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام فقال له الراهب: إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، لقد درس علمه، وذهب من كان يعرفه، ولكنه قد أظلك خروج نبي يبعث بأرضك التي خرجت منها بدين إبراهيم الحنيفية، فعليك ببلادك فإنه مبعوث، الآن هذا زمانه (7)، ولقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا " منهما، فخرج مسرعا " حين قال له الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه، فقال ورقة بن نوفل (8) وكان قد اتبع مثل


(1) في المصدر: هو أعرف من بين أصحابه في السماوات. (2) كمال الدين: 111 و 112 (3) في المصدر: المدينى، والصحيح: محمد بن اسحاق بن يسار بالياء والسين المهملة، وهو مؤلف السيرة التى ينقل عنه ابن هشام في سيرته كثيرا. (4) هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى بن كعب بن لوى. (5) وكان الخطاب بن نفيل عمه وأخاه لامه، وكان يعاتبه على فراق دين قومه، وكان الخطاب قد وكل صفية به وقال: إذا رأيته قد هم بأمر فاذنيني به. قال ابن هشام في السيرة. (6) الكتاب الاول خ ل وهو الموجود في المصدر. (7) في المصدر: ألا ان هذا زمانه. (8) هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوى، وكان ممن رفض الجاهلية، يلتمس الحنيفية من دين ابراهيم عليه السلام، وترك عبادة الاوثان والاصنام.

[ 205 ]

رأي زيد ولم يفعل في ذلك ما فعل فبكاه ورقة وقال فيه: رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا " من النار حاميا بدينك ربا " ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا (1) وقد تدرك الانسان رحمة ربه * ولو كان تحت الارض ستين واديا (2) 21 - قب: عن محمد بن إسحاق مثله (2). بيان: قوله: شام اليهودية، بتشديد الميم، قال الجزري: يقال شاممت فلانا ": إذا قاربته وتعرفت ما عنده بالاختبار والكشف، وهي مفاعلة من الشم، كأنك تشم ما عندك، ويشم ما عنده لتعملا بمقتضى ذلك انتهى. واللخم بالتحريك: وادبا لحجاز، بسكون الخاء بلالام حي باليمن. 22 - ك: بهذا الاسناد عن محمد بن إسحاق بن بشار المدني (4)، عن محمد بن جعفر بن الاثير، ومحمد بن عبد الرحمان بن عبد الله بن الحصين التميمي أن عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد قالا: يا رسول الله تستغفر لزيد (5) ؟ قال: نعم فاستغفروا له، إنه يبعث امة واحدة (6). 23 - ك: بالاسناد المتقدم عن يونس بن بكير، عن المسعودي، عن نفيل بن هشام، عن أبيه أن جده سعيد بن زيد سأل رسول الله صلى الله عليه واله عن أبيه زيد بن عمر، فقال: يا رسول


(1) بعده وادراكك الدين الذى قد طلبته * ولم تك عن توحيد ربك ساهيا. فأصبحت في دار كريم مقامها * تعلل فيها بالكرامة لاهيا. تلاقى خليل الله فيها ولم تكن * من الناس جبارا إلى النار هاويا (2) كمال الدين: 115 وفيه: وقد يدرك الانسان. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 11، والحكاية توجد في سيرة ابن هشام نقلا عن محمد بن اسحاق راجع ج 1: 247 - 250. (4) قد عرفت آنفا أن بشار مصحف يسار، وهذا الحديث رواه ابن هشام في السيرة عن محمد بن اسحاق بن يسار. (5) في المصدر والسيرة: أنستغفر لزيد ؟. (6) كمال الدين: 115، وفيه: فانه يبعث يوم القيامة امة واحدة.

[ 206 ]

الله إن بن عمرو كان كما رأيت وكما بلغك فلو أدركك لآمن بك (1)، فأستغفر له ؟ قال: نعم فاستغفر له، وقال: إنه يجئ يوم القيامة امة واحدة، وكان فيما ذكروا أنه يطلب الدين فمات وهو في طلبه (2). 24 - ك: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير والبزنطي معا "، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما دعا رسول الله صلى الله عليه واله بكعب بن أسد ليضرب عنقه فاخرج (3) وذلك في غزوة بني قريظة نظر إليه رسول الله صلى الله عليه واله فقال له: يا كعب أما نفعك وصية ابن حواش الحبر المقبل من الشام (4) ؟ فقال: (تركت الخمر والخمير، وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث، هذا أوان خروجه، يكون مخرجه بمكة، وهذه دار هجرته، وهو الضحوك القتال، يجتزئ بالكسرة و التميرات، ويركب الحمار العاري، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقة، لا يبالي بمن لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر) قال كعب: قد كان ذلك يا محمد، ولولا أن اليهود تعيرني أني جبنت (5) عند القتل لآمنت بك وصدقتك، ولكني على دين اليهودية عليه أحي وعليه أموت، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: قدموه واضربوا عنقه، فقدم وضربت عنقه (6). 25 - ص: بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن اورمة، عن عيسى بن العباس، عن محمد بن عبد الكريم التفليسي، عن عبد المؤمن بن محمد رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أوحى الله تعالى جلت عظمته إلى عيسى عليه السلام: جد في أمري ولا تترك، إني خلقتك من غير فحل آية للعالمين، أخبرهم آمنوا بي وبرسولي النبي الامي نسله من مباركة،


(1) في المصدر: فلو أدركك كان آمن بك. (2) كمال الدين: 115. (3) في المصدر: واخرج. (4) في المصدر: الحبر الذى أقبل من الشام. (5) جئثت خ ل وفى هامش نسخة المصنف بخطه: جئث كفرح: ثقل عند القيام، أو حمل شئ ثقيل، وكزهى جؤثا: فزع ق. قلت: في المصدر: خشيت. (6) كمال الدين، 114 و 115.

[ 207 ]

وهي مع امك في الجنة طوبى لمن سمع كلامه، وأدرك زمانه، وشهد أيامه: قال عيسى: يا رب وما طوبى ؟ قال: شجرة في الجنة تحتها عين، من شرب منها شربة لم يظمأ بعدها أبدا "، قال عيسى: يا رب اسقني منها شربة ؟ قال: كلا يا عيسى، إن تلك العين محرمة على الانبياء حتى يشربها ذلك النبي، وتلك الجنة محرمة على الامم حتى يدخلها امة ذلك النبي (1). 26 - يج: فصل ونذكر هاهنا شيئا " مما في الكتب المتقدمة من ذكر نبينا، و كيف بشرت الانبياء قبله بألفاظهم، منها ألفاظ التوراة في هذا الباب في السفر الاول منه: إن الملك نزل على إبراهيم فقال له: إنه يولد في هذا العالم لك غلام اسمه إسحاق فقال إبراهيم: ليت إسماعيل يعيش بين أيديك يخدمنك (2)، فقال الله لابراهيم: لك ذلك، قداستجيب في إسماعيل وإني ابركه وآمنه (3) واعظمه بما استجبت فيه، وتفسير هذا الحرف محمد، ويلد اثنى عشر عظيما "، واصيره لامة كثيرة. وقال في التوراة: إن الملك نزل على هاجر ام إسماعيل وقد كانت خرجت مغاضبة لسارة وهي تبكي، فقال لها: ارجعي واخدمي مولاتك، واعلمي أنك تلدين غلاما " يسمى إسماعيل، وهو يكون معظما " في الامم، ويده على كل يد. ولم يكن ذلك لاسماعيل ولا لاحد من ولده غير نبينا. وقال في التوراة: إن إبراهيم لما أخرج إسماعيل وامه هاجر اصابهما عطش، فنزل عليهما ملك وقال لها: لا تهاوني بالغلام، وشدي يديك به، فإني اريد أن اصيره لامر عظيم. فإن قيل: هذا تبشير بملك وليس فيه ذكر نبوة، قلنا: الملك ملكان: ملك كفر وملك هدى، ولا يجوز أن يبشر الله إبراهيم عليه السلام وهاجر بظهور الكفر في ولدهما، و يصفه بالعظم.


(1) قصص الانبياء: مخطوط. (2) يخدمك خ ل. (3) ائتمنه خ ل.

[ 208 ]

وقال في التوراة: أقبل من سيناء (1)، وتجلى من ساعير، وظهر من جبل فاران. فسيناء: جبل كلم الله عليه موسى، وساعير هو الجبل الذي بالشام كان فيه عيسى، وجبل فاران مكة. وفي التوراة: إن إسماعيل سكن برية فاران، ونشأ فيها، وتعلم الرمي. فذكر الله (2) مع طور سيناء وساعير التي جاء منها بأنبيائه، ومجئ الله إتيان دينه وأحكامه، فلقد ظهر دين الله من مكة وهي فاران، فأتم الله تعالى هذه المواعيد لابراهيم عليه السلام بمحمد صلى الله عليه واله، فظهر دين الله في مكة بالحج إليها، واستعلن ذكره بصراخ أصحابه بالتلبية على رؤوس الجبال وبطون الاودية، ولم يكن موجودا " إلا بمجئ محمد صلى الله عليه واله وغيره من ولد إسماعيل عباد أصنام، فلم يظهر الله بهم تبجيله (3). ويدل على تأويلنا ما قال في كتاب حيقوق: سيد يجئ من اليمن، يقدس (4) من جبل فاران، يغطي (5) السماء بهاء "، ويملا الارض نورا "، ويسيل الموت (6) بين يديه، وينقر الطير بموضع قدميه. وقال في كتاب حزقيل النبي لبني إسرائيل: إني مؤيد بني قيدار بالملائكة، - و قيدار جد العرب ابن إسماعيل لصلبه - وأجعل الدين تحت أقدامهم فيريثونكم (7) بدينهم، وليشمون أنفسكم بالحمية والغضب، ولا ترفعون (8) أبصاركم ولا تنظرون إليهم، و جميع رضاي يصنعونه بكم. وإن محمدا " اخرج إليهم بمن أطاعه من بني قيدار فيقتل (9) مقاتليهم، وأيدهم الله


(1) طور سيناء خ ل. (2) فذكره الله خ ل. (3) فلم يظهر الله بهم قبله خ ل. (4) ويقدس خ ل. (5) في نسخة مخطوطة: يعطى. (6) ويسير الموت خ ل. (7) فيدينونكم خ ل. (8) ولا ترفضون خ ل. (9) فقتل خ ل صح. (*)

[ 209 ]

بالملائكة في بدر والخندق وحنين. وقال في التوراة في السفر الخامس: إني اقيم لبني إسرائيل نبيا " من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي على فمه. وإخوة بني إسرائيل ولد إسماعيل، ولم يكن في بني إسماعيل نبي مثل موسى، ولا أتى بكتاب ككتاب موسى غير نبينا صلى الله عليه واله. ومن قول حيقوق النبي ومن قول دانيال: جاء الله (1) من اليمن، والتقديس من جبال فاران، فامتلات الارض من تحميد أحمد وتقديسه، وملك الارض بهيبته. وقال أيضا ": يضئ له نوره الارض، وتحمل (2) خيله في البر والبحر. وقال أيضا: سننزع في قبيك أغرافا " (3)، وترتوي السهام بأمرك، يا محمد ارتواء ". وهذا إيضاح باسمه وصفاته. وفي كتاب شعيا النبي: عبدي خيرتي من خلقي، رضي نفسي أفيض عليه روحي، أو قال: أنزل فيظهر في الامم عدلي، لا يسمع صوته في الاسواق، يفتح العيون العور، ويسمع الآذان الصم، ولا يميل إلى اللهو، ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفئ حتى تثبت في الارض حجتي، وينقطع به العذر. وقال في الفصل الخامس: أثر سلطانه على كتفه. يعني علامة النبوة، وكان على كتفه خاتم النبوة. وأعلامه في الزبور: قال داود في الزبور: سبحوا الرب تسبيحا " حديثا "، وليفرح إسرائيل بخالقه ونبوءة صهيون، من أجل أن الله اصطفى له امته، وأعطاه النصر، وسدد الصالحين منهم بالكرامة، يسبحونه على مضاجعهم، وبأيديهم سيوف ذات شفرتين (4). لينتقم الله تعالى من الامم الذين لا يعبدونه.


(1) جاء به الله خ ل. (2) ويجيل خ ل. (3) غرقا خ ل. (4) الشفرة: حد السيف.

[ 210 ]

وفي مرموز آخر من الزبور: تقلد أيها الخيار السيف، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك مشنونة (1)، والامم يجرون تحتك. وفي مرموز آخر: إن الله أظهر من صهيون (2) إكليلا " محمودا ". ضرب الاكليل مثلا " للرئاسة والامامة، ومحمود هو محمد صلى الله عليه واله. وذكر أيضا " في صفته: ويجوز من البحر إلى البحر من لدن الانهار إلى مقطع الارض، وإنه ليخر أهل الخزائن (3) بين يديه، يأتيه ملوك الفرس، وتسجد له وتدين له الامم بالطاعة، ينقذ الضعيف، ويرق (4) بالمساكين. وفي مرموز آخر: اللهم ابعث جاعل السنة كي يعلم الناس أنه بشر. هذا إخبار عن محمد يخبر الناس أن المسيح بشر. وفي كتاب شعيا النبي: قيل لي: قم نظارا " فانظر ماذا ترى فخبر به، فقلت: أرى راكبين مقبلين: أحدهما على حمار، والآخر على جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بإبل وأصنامها. فكل أهل الكتاب يؤمن بهذه الكتب، وتنفرد النصارى بالانجيل، وأعلامه في الانجيل: قال المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم الفار قليط بروح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما هو كما يقال له، ويشهد (5) علي وأنتم تشهدون، لانكم معه من قبل الناس، وكل شئ أعده الله لكم يخبركم به، وفي حكاية يوحنا عن المسيح قال: الفار قليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنه يكلمكم مما يسمع، وسيؤتيكم


(1) لعل المعنى: وسهامك متوجهة من كل جانب. وفي هامش نسخة المصنف. مكانه: مسنونه، ولعله أصح، وهو من سن الرمح: ركب فيه السنان. (2) صهيون كبرذون: بيت المقدس أو موضع به، والا كليل: التاج، والمراد به الملك و السلطان أو ما يشمل النبوة. (3) الجزائر خ ل. (4) يرؤف خ ل. (5) ويشهده خ ل.

[ 211 ]

بالحق، ويخبركم بالحوادث والغيوب. وقال في حكاية اخرى: الفار قليط روح الحق الذي يرسله (1) باسمي، هو يعلمكم كل شئ. وقال: إني سائل ربي أن يبعث إليكم فارقليط آخر يكون معكم إلى الابد، وهو يعلمكم كل شئ. وقال في حكاية اخرى: ابن البشر (2) ذاهب، والفار قليط يأتي بعده، يحيي (3) لكم الاسرار، ويفسر لكم كل شئ، وهو يشهد لي كما شهدت له، فإني أجيئكم بالامثال، وهو يجيئكم بالتأويل. ومن أعلامه في الانجيل إنه لما حبس يحي بن زكريا ليقتل بعث بتلاميذه إلى المسيح وقال لهم: قولوا: أنت هو الآتي أو نتوقع غيرك ؟ فأجابه المسيح وقال: الحق اليقين أقول لكم: إنه لم تقم النساء على أفضل (4) من يحي بن زكريا، وإن التوراة وكتب الانبياء يتلو بعضها بعضا " بالنبوة والوحي حتى جاء يحي، فأما الآن فإن شئتم فاقبلوا أن الاليا متوقع أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليسمع. روي أنه كان فيه: إن أحمد متوقع فغيروا الاسم وجعلوا إليا لقوله: (يحرفون الكلم عن مواضعه) وإليا هو علي بن ابي طالب عليه السلام، وقيل: إنما ذكر إليا لان عليا " قدام محمد صلى الله عليه واله في كل حرب وفي كل حال حتى يوم القيامة، فإنه صاحب رايته، و كان اسم محمد بالسريانية مشفحا "، ومشفح هو محمد بالعربية، وإنهم يقولون: شفح لالاها: إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله، وإذا كان الشفح الحمد فمشفح محمد. وفي كتاب شعيا في ذكر الحج: ستمتلي البادية فتصفر (5) لهم من أقاصي الارض


(1) أرسله خ ل. (2) ابن البر خ ل. (3) يجلى خ ل. (4) عن افضل خ ل. (5) فيظفر بهم.

[ 212 ]

فإذاهم سراع يأتون، يبثون تسبيحه في البر والبحر، يأتون من المشرق كالصعيد كثرة. وقال شعيا: قال الرب: ها أناذا مؤسس بصهيون من بيت الله حجرا "، وفي رواية: مكرمة "، فمن كان مؤمنا " فلا يستعجلنا. وقال دانيال في الرؤيا التي رآها بخت نصر ملك بابل وعبرها: أيها الملك رأيت رؤيا " هائلة، رأيت صنما " بارع الجمال، قائما " بين يديك، رأسه من الذهب، وساعده من الفضة، وبطنه وفخذه نحاس، وساقاه حديد، وبعض رجليه خزف، ورأيت حجرا " صك رجلي ذلك الصنم فدقهما دقا " شديدا "، فتفتت ذلك الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه، وصار رفاتا " كدقاق البيدر، وعصفته الريح فلم يوجد له أثر، وصار ذلك الحجر الذي دق الصنم جبلا " عاليا " امتلات منه الارض، فهذه رؤياك، قال: نعم، ثم عبرها له فقال: إن الرأس الذي رأيت من الذهب مملكتك، فتقوم بعدك مملكة اخرى دونك، والمملكة الثالثة التى تشبه النحاس تتسلط على الارض كلها، والمملكة الرابعة قوتها قوة الحديد كما أن الحديد يدق كل شئ، وأما الرجل الذي كان بعضها من حديد، وبعضها من خزف، فإن بعض تلك المملكة يكون عزا "، وبعضها ذلا "، ويكون كلمة أهل المملكة متشتتة، ويقيم إله السماء في تلك الايام ملكا " عظيما " دائما " أبديا "، لا يتغير ولا يتبدل ولا يزول، ولا يدع لغيره من الامم سلطانا "، ويقوم دهر الداهرين. فتأويل الرؤيا بعث محمد، تمزقت الجنود لنبوته، ولم ينتقض مملكة فارس لاحد قبله، وكان ملكها أعز ملوك الارض وأشدها شوكة، وكان أول ما بدا فيه انتقاص قتل شيروية بن أبرويز أباه، ثم ظهر الطاعون في مملكته وهلك فيه، ثم هلك ابنه أردشير، ثم ملك رجل ليس من أهل بيت الملك فقتلته بوران بنت كسرى، ثم ملك بعده رجل يقال له: كسرى ابن قباد ولد بأرض الترك، ثم ملكت بوران بنت كسرى، فبلغ رسول الله صلى الله عليه واله ملكها فقال: (لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة)، ثم ملكت بنت اخرى لكسرى فسمت وماتت، ثم ملك رجل ثم قتل، فلما راى أهل فارس ما هم فيه من الانتشار امر (1) ابن لكسرى يقال له: يزدجرد فملكوه عليهم، فأقام بالمدائن على الانتشار ثماني


(1) أمره: ولاه الامارة وحكمه.

[ 213 ]

سنين، وبعث إلى الصين بأمواله، وخلف أخا " بالمدائن لرستم فأتى لقتال المسلمين، ونزل بالقادسية، وقتل بها، فبلغ ذلك يزدجرد فهرب إلى سجستان وقتل هناك. وقال في التوراة: أحمد عبدي المختار، لافظ ولا غليظ ولا صخاب (1) في الاسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته طيبة، وملكه بالشام، وامته الحامدون، يحمدون الله على كل نجد (2)، ويسبحونه في كل منزل، ويقومون على أطرافهم وهم رعاة الشمس (3)، مودتهم في جو السماء (4)، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سوآء، رهبان بالليل، اسد بالنهار، لهم دوي كدوي النحل، يصلون الصلاة حيثما أدركهم الصلاة. ومما أوحى الله إلى آدم: أنا الله ذو بكة، أهلها جيرتي، وزوارها وفدي وأضيافي، أعمره بأهل السماء وأهل الارض، يأتونه أفواجا " شعثا " غبرا، يعجون بالتكبير والتلبية، فمن اعتمره لا يريد غيره فقد زارني، وهو وفد لي، ونزل بي، وحق لي أن اتحفه بكرامتي، أجعل ذلك البيت ذكره وشرفه ومجده وسنائه لنبي من ولدك يقال له: إبراهيم، أبني له قواعده، وأجري على يديه عمارته، وأنبط له سقايته، واريه حله وحرمه، واعلمه مشاعره، ثم يعمره الامم والقرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك يقال له: محمد وهو خاتم النبيين، فأجعله من سكانه وولاته (5). ومن أعلامه اسمه، إن الله حفظ اسمه حتى لم يسم باسمه أحد قبله صيانة من الله لاسمه، ومنع منه (6) كما فعل بيحي بن زكريا، (لم نجعل له من قبل سميا)، وكما


(1) الفظ: الغليظ السئ الخلق الخشن الكلام الصخاب: الشديد الصياح. (2) النجد: ما أشرف من الارض وارتفع. (3) أي هم يرقبون الشمس متى تزول فيصلون. والمراد المحافظة على مواقيت الصلاة. (4) يرونها في جو السماء خ ل ظ. (5) الخرائج.. لم نجدها فيه بتفصيله: نعم فيه: منها (أي من المعجزات) ما وجدت في كتب الانبياء قبله من تصديقه ووصفه بصفاته وإظهار علاماته، والدلالة على وقته ومكانه وولادته وأحوال آبائه وامهاته اه‍ ولم يذكر بعد ذلك تفصيلها، والظاهر أن النسخة المطبوعة ناقصة وكانت النسخة التى عند المصنف تامة، وذكر العلامة الرازي في الذريعة أنه رأى نسخة في مكتبة سلطان العلماء بطهران تخالف المطبوع. (6) ومنعه منه خ ل:

[ 214 ]

فعل بإبراهيم وإسحاق ويعقوب وصالح وأنبياء كثيرة منع من مسماتهم (1) قبل مبعثهم ليعرفوا به إذا جاءوا، ويكون ذلك أحد أعلامهم (2). وعن سراقة بن جعشم (3) قال: خرجت رابع أربعة، فلما قدمنا الشام نزلنا على غدير فيه شجرات وقربه قائم (4) لديراني، فأشرف علينا قال: من أنتم ؟ قلنا: قوم من مضر، قال: من أي المضرين ؟ قلنا: من خندف، قال: أما إنه سيبعث فيكم وشيكا (5) نبي اسمه محمد، فلما صرنا إلى أهلنا ولد لكل رجل منا غلام فسماه محمدا "، وهذا ايضا " من أعلامه. 27 - يج: روي أن تبع بن حسان (6) سار إلى يثرب وقتل من اليهود ثلاثمائة وخمسين رجلا " صبرا "، وأراد خرابها (7) فقام إليه رجل من اليهود له مأتان وخمسون سنة، وقال: أيها الملك مثلك لا يقبل قول الزور، ولا يقتل على الغضب، وإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية، قال: ولم ؟ قال: لانه يخرج منها من ولد إسماعيل نبي يظهر من هذه البنية - يعني البيت الحرام - فكف تبع ومضى يريد مكة ومعه اليهود، وكسا البيت وأطعم الناس، وهو القائل: شهدت على أحمد إنه * رسول من الله بارئ النسم فلو مد عمري إلى عمره * لكنت وزيرا " له وابن عم ويقال: هو تبع الاصغر، وقيل: هو الاوسط. 28 - يج: روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فنشأ رسول الله صلى الله عليه واله في حجر ابي طالب


(1) منع من أسمائهم خ ل، وفي المصدر: من مسمياتهم. (3) الخرائج: 184. (3) بضم الجيم والشين وبينهما العين الساكنة. (4) القائم: البناء. (5) الوشيك: السريع. (6) في المصدر: حسان بن تبع وهو الصحيح. (7) إخرابها خ ل. (*)

[ 215 ]

فبينما هو غلام يجئ بين الصفا والمروة إذ نظر إليه رجل من أهل الكتاب فقال: ما اسمك ؟ قال: اسمي محمد، قال: ابن من ؟ قال: ابن عبد الله، قال: ابن من ؟ قال: ابن عبد المطلب، قال: فما اسم هذه ؟ وأشار إلى السماء، قال: السماء، قال: فما اسم هذه ؟ وأشار إلى الارض، قال: الارض، قال: فمن ربهما ؟ قال: الله، قال: فهل لهما رب غيره ؟ قال: لا، ثم إن أبا طالب خرج به معه إلى الشام في تجارة قريش فلما انتهى به إلى بصرى وفيها راهب لم يكلم أهل مكة، إذا مروا به، ورأى علامة رسول الله صلى الله عليه واله في الركب، فإنه راى غمامة تظله في مسيره، ونزل تحت شجرة قريبة من صومعته، فثنيت (1) أغصان الشجرة عليه، والغمامة على رأسه بحالها، فصنع لهم طعاما "، واجتمعوا إليه، وتخلف النبي محمد، فلما نظر بحيراء الراهب إليهم ولم ير الصفة التي يعرف قال:: فهل تخلف منكم أحد ؟ قالوا: لا واللات والعزى إلا صبي، فاستحضره فلما لحظ إليه نظر إلى أشياء من جسده قد كان يعرفها من صفته، فلما تفرقوا قال: يا غلام أتخبرني عن أشياء أسألك عنها ؟ قال: سل، قال: أنشدك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما أراد أن يعرف، لانه سمعهم يحلفون بهما، فذكروا أن النبي قال له: لا تسألني باللات والعزى، فإني والله لم أبغض بغضهما شيئا " قط، قال: فو الله لاخبرتني (2) عما أسألك عنه ؟ قال: فجعل يسأله عن حاله في نومه وهيئته في اموره (3) فجعل رسول الله صلى الله عليه واله يخبره، فكان يجدها موافقة لما عنده، فقال له: اكشف عن ظهرك، فكشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على الموضع الذي يجده عنده، فأخذه الافكل وهو الرعدة واهتز الديراني فقال: من أبو هذا الغلام ؟ قال أبو طالب: هو ابني، قال: لا والله لا يكون أبوه حيا "، قال أبو طالب: إنه هو ابن أخي، قال: فما فعل أبوه ؟ قال: مات وهو ابن شهرين قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلادك، واحذر عليه اليهود، فو الله لئن رأته وعرفوا منه الذي عرفته ليبغنه شرا "، فخرج أبو طالب فرده إلى مكة


(1) فنبتت خ ل. (2) الا أخبرتني خ ل. (3) ويقظته واموره خ ل.

[ 216 ]

29 - يج: روى أن قريشا " أرسلت النضر بن الحارث وعلقمة بن أبي معيط بيثرب إلى اليهود، فقالوا لهما: إذا قدمتما عليهم فاسألوهم عنه، فلما قدما سألوهم، فقالوا: صفوا لنا صفته، فوصفوه، قالوا: ومن تبعه ؟ قالوا: سفلتنا، فصاح حبر منهم ثم قال: هذا النبي الذي نجد نعته في التوراة، ونجد قومه أشد الناس عداوة له. 30 - يج: روى أن سيف بن ذي يزن حين ظهر بالحبشة وفد عليهم قريش، وفيهم عبد المطلب، فسأله عن محمد سرا "، فأخبره به، ثم بعد مدة طويلة دخلوا عليه فسألهم عنه ووصف لهم صفته فأقروا جميعا " أن هذه الصفة في محمد، فقال: هذا أوان مبعثه، ومستقره يثرب، وموته بها. 31 - يج: روى عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: إن الله أمر نبيه أن يدخل الكنيسة ليدخل رجل الجنة، فلما دخلها ومعه جماعة فإذا هو بيهود يقرؤون التوراة، وقد وصلوا إلى صفة النبي صلى الله عليه واله، فلما رأوه أمسكوا، وفي ناحية الكنيسة رجل مريض، فقال النبي صلى الله عليه واله: ما لكم أمسكتم ؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة النبي صلى الله عليه واله فأمسكوا، ثم جاء المريض يجثو (1) حتى أخذ التوراة فقرءها حتى أتى على آخر صفة النبي وامته، فقال هذه صفتك وصفة امتك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ثم مات، فقال النبي صلى الله عليه واله: ولوا أخاكم (2). 32 - يج: روى عن بعضهم قال: حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعة يقول: سلوا أهل هذا الموسم هل فيكم أحد من أهل الحرم ؟ قالوا نعم، فقالوا: سلوه هل ظهر أحمد بن عبد المطلب ؟ فهذا هو الشهر الذي يخرج فيه، وهو آخر الانبياء، ومخرجه من الحرم، ومهاجرته إلى نخل وحرة وسباخ (3). قال الراوى: فلما رجعت إلى مكة قلت: هل هاهنا من حدث ؟ قالوا: أتانا محمد بن عبد الله الامين (4).


(1) جثا: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه. (2) صلوا على أخيكم خ ل. (3) أرض حرة: لارمل فيها. رملة حرة: لاطين فيها. والحرة: الارض ذات حجارة نخرة سود كأنها أحرقت بالنار. السباح من الارض: ما لم يحرث ولم يعمر. (4) محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الامين خ ل.

[ 217 ]

33 - يج: روى عن زيد بن سلام أن جده أبا سلام حدثه أن رسول الله صلى الله عليه واله بينما هو في البطحاء قبل النبوة فإذا هو برجلين عليهما ثياب سفر، فقالا: السلام عليك، فقال لهما النبي صلى الله عليه واله: وعليكما السلام، فقال أحدهما لصاحبه: لا إله إلا الله ما لقيت أحدا منذ ولدتني امي يرد السلام قبلك، وقال الآخر: سبحان الله ما لقيت رجلا " يسلم منذ ولدتني امي، فقال له الراكب: هل في القرية رجل (1) يدعى أحمد ؟ فقال: ما فيها أحمد ولا محمد غيرى، قال: من أهلها أنت ؟ قال: نعم من أهلها، وولدت فيها، فضرب ذراع راحلته وأناخها، ثم كشف عن كتف رسول الله صلى الله عليه واله حتى نظر إلى الخاتم الذى بين كتفيه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وتبعث بضرب رقاب قومك، فهل من زاد تزودني ؟ فأتاه بخبز وتميرات، فجعلهن في ثوبه حتى أتى صاحبه، وقال: الحمد لله الذى لم يمتني حتى حمل لي نبي الله الزاد في ثوبه، ثم قال النبي صلى الله عليه واله: هل من حاجة سوى هذا ؟ قال: تدعو الله أن يعرف بيني وبينك يوم القيامة، فدعا له، ثم انطلق. وفي كتب الله المتقدمة: لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه عطس، فقال له ربه: قل الحمد لله، ثم قال له ربه (2): يرحمك ربك (3)، ائت أولئك الملا من الملائكة وقل لهم: السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قال له ربه: هذه تحيتك و تحية ذريتك. 34 - يج: روي أنه سئل ابن عباس: بلغنا أنك تذكر سطيحا " وتزعم أن الله خلقه ولم يخلق من ولد آدم شيئا " يشبهه، قال: نعم، إن الله خلق سطيحا " الغساني لحما " على وضم، والوضم شرائج (4) من جرائد النخل، وكان يحمل على وضم، ويؤتى به حيث يشاء، ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة والعنق، وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته، كما يطوى الثوب، ولم يكن يتحرك منه شئ سوى لسانه، فلما أراد الخروج


(1) من رجل خ ل. (2) فلما قال قال له ربه خ ل. (3) يرحمك الله خ ل. (4) الشرائج جمع الشريجة: جوالق كالخرج ينسج من سعف النخل.

[ 218 ]

إلى مكة حمل على وضمة فأتي به مكة، فخرج إليه أربعة من قريش فقالوا: أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك، فأخبرنا عما يكون في زماننا، وما يكون من بعد، قال: يا معشر العرب لا علم عندكم (1) ولا فهم، وينشأ من عقبكم دهم، يطلبون (2) أنواع العلم، يكسرون الصنم، ويقتلون العجم، ويطلبون المغنم، قالوا: يا سطيح من يكونون اولئك ؟ قال: و البيت ذي الاركان لينشان من عقبكم ولدان يوحدون الرحمان، ويتركون عبادة الشيطان، قالوا: فمن نسل من يكونون اولئك ؟ قال: أشرف الاشراف من عبد مناف، قالوا: من أي بلدة يخرج ؟ قال: والباقي الابد (3) ليخرجن من ذا البلد (4)، يهدي إلى الرشد، يعبد ربا " انفرد (5). بيان: قال الجوهري: الوضم: كل شئ يجعل عليه اللحم من خشب أوبارية يوقى به من الارض وقال: الدهم: العدد الكثير. 35 - يج: روي أن عبد المطلب قدم (6) اليمن فقال له حبر من أهل الزبور: أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك ؟ قال: نعم إلا إلى عورة، ففتح إحدى منخريه فنظر فيه، ثم نظر في الاخرى، فقال: أشهد أن في إحدى يديك الملك، وفي الاخرى النبوة، وإنا نجد في بني زهرة فكيف ذلك (7)، قال: قلت: لا أدري قال: هل من شاعة ؟ قلت: ما الشاعة ؟ قال: الزوجة، قال: فإذا رجعت فتزوج منهم، فرجع إلى مكة فتزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة. 36 - يج: روي أن بعد مولد النبي صلى الله عليه واله بسنتين أتت أشراف العرب سيف بن ذي يزن الحميري، لما ظهر على الحبشة، وفد عليه قريش للتهنئة، وفيهم عبد المطلب، و


(1) في المصدر: لا علم لكم. (2) في المصدر: وينشأ من عقبكم وهم يطلبون. (3) والباقى في الابد خ ل. وفي المصدر: إلى الابد. (4) في المصدر: من ذى البلد وهو الصحيح. (5) الخرائج: 186. (6) ليخرجن خ ل. (7) فكيف يكون ذلك خ ل.

[ 219 ]

قال: أيها الملك سلفك خير سلف، وأنت لنا خير خلف، قال: من أنت ؟ قال: عبد المطلب ابن هاشم، قال: ابن اختنا، ثم أدناه، وقال: إني مفض إليك خيرا " (1) عظيما "، يولد نبي اوقد ولد، اسمه محمد، الله باعثه جهارا "، وجاعل له منا أنصارا "، فقال عبد المطلب: كان لي ابن زوجته كريمة فجائت بغلام سميته محمدا "، ثم أمر لكل قرشي بنعمة، عظيمة، و لعبد المطلب بأضعافها عشرة، وهم يغبطونه بها، فقال: لو علمتم بفخري وذكري لغبطتم به (2). 37 - يج: روي أن جبير بن مطعم قال: كنت آذى (3) قريش بمحمد، فلما ظننت أنهم سيقتلونه خرجت حتى لحقت بدير، فأقاموا لي الضيافة ثلاثا "، فلما رأوني لا أخرج قالوا: إن لك لشأنا " ؟ قلت، إني من قرية إبراهيم (4)، وابن عمي يزعم أنه نبي، فآذاه قومه فأرادوا قتله فخرجت لئلا أشهد ذلك، فأخرجوا إلى صورة، قلت: ما رأيت شيئا " أشبه بشئ من هذه الصورة بمحمد، كأنه طوله وجسمه، وبعد ما بين منكبيه، فقالوا: لا يقتلونه، وليقتلن من يريد قتله، وإنه لنبي، وليظهرنه الله، فلما قدمت مكة إذا هو خرج إلى المدينة، وسئلوا (5) من أين لكم هذه الصورة ؟ قالوا: إن آدم عليه السلام سال ربه أن يريه الانبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، وكان في خزانة آدم عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين من هناك فدفعها إلى دانيال. 38 - يج: من معجزاته صلى الله عليه واله حديث كعب بن مانع (7) بينما هو في مجلس و


(1) خبرا خ ل. (2) يوجد في الخرائج: 274 حديثا نحوه مع اختلاف كثير لفظا ومعنى، وأما الحديث بألفاظه فلم نجده فيه. (3) أدنى خ ل. قوله: آذى، من أذى يأذى: اصيب بأذى. (4) أي من مكة. (5) وسألتهم خ ل. (6) الصحيح ماتع بالتاء على ما ضبطه في تهذيب الاسماء واللغات، وظاهر التقريب والجمع بين رجالى الصحيحين، والرجل هو كعب بن ماتع الحميرى أبو إسحاق المعروف بكعب الاحبار، مخضرم، كان من أهل اليمن فسكن الشام، ومات في خلافة عثمان وقد زاد على المائة.

[ 220 ]

رجل من القوم معهم يحدث أصحابه يقول: رأيت في النوم أن الناس حشروا، وأن الامم تمركل امة مع نبيها، ومع كل نبي نوران يمشي بينهما، ومع كل من اتبعه نور يمشى به حتى مر محمد صلى الله عليه واله في امته، فإذا ليس معه شعرة إلا وفيها نوران من رأسه وجلده، ولا من اتبعه من امته إلا ومعه نوران مثل الانبياء فقال كعب: والتفت إليهما (1) ما هذا الذي يحدث به ؟ فقال: رؤيا رأيتها، فقال (2): والذي بعث محمدا صلى الله عليه واله بالحق إنه لفي كتاب الله كما رأيت. 39 - يج: روي أن زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال لزيد: من أين أقبلت يا صاحب البعير ؟ قال: من بنية إبراهيم قال: وما تلتمس ؟ قال: الدين، قال: ارجع فإنه يوشك أن يظهر الذي (3) تطلب في أرضك، فرجع يريد مكة حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه، وكان يقول: أنا على دين إبراهيم عليه السلام، وأنا ساجد على نحو البنية التي بناها إبراهيم عليه السلام، وكان يقول: إنا ننتظر نبيا " من ولد إسماعيل من ولد عبد المطلب. 40 - يج: روي عن جرير بن عبد الله البجلي قال: بعثني النبي صلى الله عليه واله بكتابه إلى ذي الكلاع وقومه، فدخلت عليه فعظم كتابه وتجهز وخرج في جيش عظيم، وخرجت معه، فبينما نسير إذ رفع إلينا دير راهب، فقال: اريد هذا الراهب، فلما دخلنا عليه سأله أين تريد ؟ قال: هذا النبي الذي خرج في قريش، وهذا رسوله، قال الراهب: لقد مات هذا الرسول، فقلت: من أين علمت بوفاته ؟ قال: إنكم قبل أن تصلوا إلي كنت أنظر في كتاب دانيال، مررت بصفة محمد ونعته وأيامه وأجله، فوجدت أنه توفي في هذه الساعة، فقال ذو الكلاع: أنا أنصرف، قال جرير: فرجعت فإذا رسول الله توفي ذلك اليوم (4).


(1) أي إلى القائل ومخاطبه. (2) أي كعب بن ماتع. (3) الدين الذى خ ل. (4) الخرائج: 222. -

[ 221 ]

41 - قب: قال داود في زبوره: اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة. وقال عيسى في الانجيل: إن البر ذاهب، والبار قليطا جائي (1) من بعده، وهو يخفف الآصار (2)، ويفسر لكم كل شئ ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالامثال، وهو يأتيكم بالتأويل (3). 42 - د، قب: كان كعب بن لوي بن غالب يجتمع إليه الناس في كل جمعة، وكانوا يسمونها عروبة، فسماه كعب يوم الجمعة، وكان يخطب فيه الناس ويذكر فيه خبر النبي آخر خطبته كلما خطب، وبين موته والفيل خمسمأة وعشرون سنة فقال: أم والله لو كنت فيها ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت فيها تنصب الجمل، ولارقلت فيها إرقال الفحل، ثم قال: يا ليتني شاهد فحوى (4) دعوته * حين العشيرة تبغي الحق خذلانا (5) بيان: قوله: لتنصبت، أي حملت النصب والتعب، أو انتصبت وقمت بخدمته. و الارقال: الاسراع. 43 - وروى محمد بن مسعود الكازروني في كتاب المنتقى بإسناده (6) عن أبي سلمة قال: كان كعب بن لوي بن غالب يجمع قومه يوم الجمعة، وكانت قريش تسمي الجمعة عروبة، فيخطبهم فيقول: أما بعد فاسمعوا وتعلموا، وافهموا واعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح (7) والارض مهاد، والسماء بناء (8) والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، والاولون كالآخرين،


(1) في المصدر جاء. (2) الاصار جمع الاصر بتثليت الهمزة: الذنب. (3) مناقب آل أبى طالب 1: 11. (4) الفحوى من الكلام: مذهبه ومعناه. وفي تاريخ اليعقوبي: شاهد نجوى دعوته. (5) العدد: مخطوط، مناقب آل ابى طالب 1: 11. (6) والاسناد مذكور في المنتقى، وذكره بطوله (7) في تاريخ اليعقوبي: إن الليل ساج والنهار ضاح. (8) في تاريخ اليعقوبي: والسماء عماد.

[ 222 ]

والانثى والذكر زوج (1)، فصلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أولادكم (2)، فهل رأيتم من هالك رجع ؟ أو ميت نشر ؟ الدار أمامكم، وأظن (3) غير ما تقولون، عليكم بحرمكم زينوه وعظموه وتمسكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم، ثم يقول: نهار وليل كل أوب بحادث * سوآء علينا ليلها ونهارها يؤبان بالاحداث حين تأوبا * وما للفم الضافي عليها ستورها (4) على غفلة يأتي النبي محمد * فيخبر أخبارا " صدوقا " خبيرها (5) ثم يقول: والله لو كنت فيها لتنصبت فيها تنصب الجمل، وأرقلت فيها إرقال الفحل، قال أهل العلم: إنما ذكر كعب صفة النبي صلى الله عليه واله ونبوته من صحف إبراهيم عليه السلام (6). 44 - د، قب: كان تبع الاول (7) من الخمسة التي كانت لهم الدنيا (8) بأسرها،


(1) في تاريخ اليعقوبي: والابناء ذكر. (2) ثمروا: كثروا، وفي تاريخ اليعقوبي: ثمروا أموالكم. (3) في تاريخ اليعقوبي: والظن غير ما تقولون. (4) في تاريخ اليعقوبي: وبالنعم الضافى علينا ستورها. وفيه بعده: صروف وأنباء تغلب أهلها * لها عقد ما يستحل مريرها. وفي هامش نسخة المصنف بخطه: الضفو: السبوغ، وثوب ضاف: سابغ، ووضفا المال: كثر، ورجل ضافى الرأس أي كثير شعر الرأس. ص. (5) في تاريخ اليعقوبي بعد ذلك: ثم يقول: يا ليتني شاهد نجوى دعوته، لو كنت ذا سمع وذا بصر ويد ورجل لتنصبت له تنصب الابل، ولا رقلت ارقال الفحل، فرحا بدعوته، جذلا بصرخته. (6) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني من القسم الاول، وذكره اليعقوبي في تاريخه: 194 و 195. (7) ذكر ابن هشام في سيرته أن تبع الاول هو زيد بن عمر، وأما من قدم المدينة وأراد إهلاك اهلها هو تبان أسعد أبى كرب بن كلى كرب بن زيد بن عمرو، وهو تبع الاخر، وذكر فيه قصته مفصلا. راجع السيرة 1: 14 - 21 وراجع أيضا تاريخ اليعقوبي 1: 160. (8) من الخمسة الذين ملكوا الدنيا خ ل.

[ 223 ]

فسار في الآفاق، وكان يختار من كل بلدة عشرة أنفس من حكمائهم فلما وصل إلى مكة كان معه أربعة آلاف رجل من العلماء، فلم يعظمه أهل مكة، فغضب عليهم وقال لوزيره عمياريسا " في ذلك، فقال الوزير: إنهم جاهلون ويعجبون بهذا البيت، فعزم الملك في نفسه أن يخربها ويقتل أهلها، فأخذه الله بالصدام، وفتح عن عينيه واذنيه وأنفه وفمه ماء منتنا " عجزت الاطباء عنه، وقالوا: هذا أمر سماوي، وتفرقوا. فلما أمسى جاء عالم إلى وزيره وأسر إليه إن صدق الامير بنيته عالجته، فاستأذن الوزير له فلما خلا به قال له: هل أنت نويت في هذا البيت أمرا " ؟ قال: كذا وكذا، فقال العالم: تب من ذلك ولك خير الدنيا والآخرة، فقال: قد تبت مما كنت نويت فعوفي في الحال، فآمن بالله، وبإبراهيم الخليل عليه السلام، و خلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أول من كسا الكعبة، وخرج إلى يثرب، ويثرب هي أرض فيها عين ماء، فاعتزل من بين أربعة آلاف رجل عالم أربعمأة رجل عالم على أنهم يسكنون فيها، وجاءوا إلى باب الملك، وقالوا: إنا خرجنا من بلداننا وطفنا مع الملك زمانا " وجئنا إلى هذا المكان ونريد المقام إلى أن نموت فيه، فقال الوزير: ما الحكمة في ذلك ؟ قالوا: اعلم أيها الوزير أن شرف هذا البيت بشرف محمد صاحب القرآن والقبلة واللواء والمنبر. مولده بمكة، وهجرته إلى هاهنا، إنا على رجاء أن ندركه أو تدركه أولادنا، فلما سمع الملك ذلك تفكر أن يقيم معهم سنة رجاء " أن يدرك محمدا " صلى الله عليه واله، وأمر أن يبنوا أربع مأة دار لكل واحد دار، وزوج كل واحد منهم بجارية معتقة، وأعطى لكل واحد منهم مالا " حزيلا ". (1) بيان: قال الفيروز آبادي: الصدام ككتاب: داء في رؤوس الدواب. 45 - د، قب: روى ابن بابويه في كتاب النبوة أنه قال أبو عبد الله عليه السلام: إن تبعا قال للاوس والخزرج: كونوا هاهنا حتى يخرج هذا النبي، أما أنا لو أدركته لخدمته ولخرجت معه. وروى أنه قال: قالوا بمكة بيت مال داثر * وكنوزه من لؤلؤ وزبرجد بادرت أمرا " حال ربي دونه * والله يدفع عن خراب المسجد فتركت فيه من رجالي عصبة * نجباء ذوي حسب ورب محمد


(1) العدد: مخطوط، مناقب آل أبى طالب 1: 11 و 12.

[ 224 ]

وكتب كتاب إلى النبي صلى الله عليه واله يذكر فيه إيمانه وإسلامه، وأنه من امته فليجعله تحت شفاعته، وعنوان الكتاب: إلى محمد بن عبد الله، خاتم النبيين، ورسول رب العالمين من تبع الاول، ودفع الكتاب إلى العالم الذي نصح له، وسار حتى مات بغلسان بلد من بلاد الهند، وكان بين موته ومولد النبي صلى الله عليه واله ألف سنة، ثم إن النبي لما بعث وآمن به أكثر أهل المدينة أنفذوا الكتاب إليه على يد ابي ليلى، فوجد النبي صلى الله عليه واله في قبيلة بني سليم فعرفه رسول الله صلى الله عليه واله، فقال له: أنت أبو ليلى ؟ قال: نعم، قال: ومعك كتاب تبع الاول ؟ فتحير الرجل ؟ فقال: هات الكتاب، فأخرجه ودفعه إلى رسول الله صلى الله عليه واله فدفعه النبي إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقرأه عليه، فلما سمع النبي صلى الله عليه واله كلام تبع قال: مرحبا " بالاخ الصالح ثلاث مرات، وأمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة (1). 46 - قب: أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة أنه قال: قال راهب لطلحة في سوق بصرى: هل ظهر أحمد فهذا شهره الذي يظهر فيه، في كلام له. وقال عفكلان الحميري لعبد الرحمان بن عوف: ألا ابشرك ببشارة وهي خير لك من التجارة ؟ انبئك بالمعجبة وابشرك بالمرغبة، إن الله قد بعث في الشهر الاول من قومك نبيا " ارتضاه وصفيا "، أنزل عليه كتابا "، جعل له ثوابا "، ينهى عن الاصنام، ويدعو إلى الاسلام أخف الوقفة، وعجل الرجعة، وكتب إلى النبي صلى الله عليه واله. أشهد بالله رب موسى * أنك ارسلت بالبطاح فكن شفيعي إلى مليك * يدعو البرايا إلى الفلاح فلما دخل على النبي صلى الله عليه واله قال: أحملت إلي وديعة أم أرسلك إلي مرسل برسالة ؟ فهاتها. وبشر أوس بن حارثة بن ثعلبة قبل مبعثه بثلاثمائة عام، وأوصى أهله باتباعه في حديث طويل، وهو القائل: إذا بعث المبعوث من آل غالب * بمكة فيما بين زمزم والحجر


(1) العدد: مخطوط، مناقب آل ابى طالب: 12.

[ 225 ]

هنالك فاشروا نصره ببلادكم (1) * بني عامر إن السعادة في النصر وفيه يقول النبي صلى الله عليه واله: رحم الله أوسا " مات في الحنيفية، وحث على نصرتنا في الجاهلية (2). د: وبشر أوس بن حارثة وذكر نحوه. (3). 47 - قب: ذكر الماوردي أن عبد المطلب رأى في منامه كأنه خرج من ظهره سلسله بيضاء، لها أربعة أطراف: طرف قد أخذ المغرب، وطرف أخذ المشرق، وطرف لحق بأعنان السماء، وطرف لحق بثرى الارض، فبينما هو يتعجب إذ التفت الانوار فصارت شجرة خضراء، مجتمعة الاغصان، متدلية الاثمار، كثيرة الاوراق، قد أخذ أغصانها أقطار الارض في الطول والعرض، ولها نور قد أخذ الخافقين، وكأني قد جلست تحت الشجرة وبإزاي شخصان بهيان وهما نوح وإبراهيم عليهما السلام، قد استظلا به، فقص ذلك على كاهن فسره بولادة النبي صلى الله عليه واله (4). 48 - قب: المفسرون عن عبد الله بن عباس في قوله: (لايلاف قريش) أنه كانت لهم في كل سنة رحلتان باليمن والشام، فكان من وقاية أبي طالب أنه عزم على الخروج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا " سنة ثمان من مولده، أخذ النبي صلى الله عليه واله بزمام ناقته وقال: يا عم على من تخلفني ولا أب لي ولا ام ؟ وكان قيل لي (5): ما يفعل به في هذا الحر وهو غلام صغير ؟ ! فقال: والله لاخرجن به ولا افارقه أبدا (6). 49 - شى: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) فقال: كانت اليهود تجد في كتبها أن مهاجر محمد صلى الله عليه واله


(1) بقلادكم خ ل. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 16 و 17. (3) العدد: مخطوط. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 17 و 18. (5) قيل له خ ل. (6) مناقب آل أبى طالب 1: 27.

[ 226 ]

ما بين عير واحد (1)، فخرجوا يطلبون الموضع، فمروا بجبل تسمى حداد (2)، فقالوا: حداد واحد سواء، فتفرقوا عنده، فنزل بعضهم بفدك، وبعضهم بخيبر، وبعضهم بتيمآء، فاشياق الذين بتيمآء إلى بعض إخوانهم، فمر بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه، وقال لهم: أمر بكم ما بين عير واحد، فقالوا له: إذا مررت بهما فارناهما، فلما توسط بهم ارض المدينة قال لهم: ذاك عير، وهذا احد، فنزلوا عن ظهر إبله فقالوا له: قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة لنا في إبلك، فاذهب حيث شئت، وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك وخيبر أنا قد أصبنا الموضع فهلموا إلينا، فكتبوا إليهم: أنا قد استقرت بنا الدار، واتخذنا الاموال، وما أقربنا منكم، وإذا كان ذلك فما أسرعنا إليكم، فاتخذوا بأرض المدينة الاموال، فلما كثرت أموالهم بلغ تبع فغزاهم فتحصنوا منه فحاصرهم، وكانوا يرقون لضعفاء أصحاب تبع فيلقون إليهم بالليل التمر والشعير، فبلغ ذلك تبع فرق لهم وآمنهم، فنزلوا إليه، فقال لهم: إني قد استطبت بلادكم ولا أراني إلا مقيما " فيكم، فقالوا له: إنه ليس ذلك لك، إنها مهاجر نبي، وليس ذالك لاحد حتى يكون ذالك، فقال لهم: فإني مخلف فيكم من اسرتي (3) من إذا كان ذالك ساعده ونصره، فخلف فيهم حين بوأهم الاوس والخزرج (4)، فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود، فكانت اليهود يقول لهم: أما لو بعث محمد لنخرجنكم من ديارنا وأموالنا، فلما بعث الله محمدا " عليه الصلاة والسلام آمنت به الانصار، وكفرت به اليهود، وهو قول الله:


(1) قال الحموى: العير: جبل بالحجاز، قال عرام: عير جبلان احمران من عن يمينك وأنت ببطن العقيق تريد مكة، ومن عن يسارك شوران وهو جبل مطل على السد، وذكر لى بعض اهل الحجاز أن بالمدينة جبلين يقال لاحدهما: عير الوارد، وللاخر عير الصادر، وهما متقاربان، وهذا موافق لقول عرام، وقال نصر: عير جبل مقابل الثنية المعروفة بشعب الخوز. وقال: احد: اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة احد، وهو جبل أحمر، ليس بذى شناخيب، وبينه وبين المدينة قرابة ميل في شماليها. (2) لم نجده، ولعله مصحف حدد، وحدد كمال قال الحموى: جبل مطل على تيماء، وقال ابن السكيت: أرض لكلب. وتيماء: بليد في اطراف الشام، بين الشام ووادى القرى، على طريق حاج الشام ودمشق. (3) اسرة الرجل: رهطه الادنون. (4) في الكافي: فخلف حيين: الاوس والخزرج.

[ 227 ]

(وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - إلى - فلعنة الله على الكافرين). (1) كا: محمد بن يحي، عن ابن عيسى، عن الاهوازي، عن النضر، عن زرعة، عن أبى بصير مثله (2). 50 شى: عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قوله: (يجدونه) يعني اليهود والنصارى صفة محمد واسمه (مكتوبا " عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر (3)). 51 - جا: الحسين بن محمد التمار، عن محمد بن القاسم الانباري، عن حميد بن محمد بن حميد، عن محمد بن نعيم العبدي، عن أبي علي الرواسي عبد الله (4)، عن عبيد بن سميع، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما قدم على النبي صلى الله عليه واله وفد إياد قال لهم: ما فعل قس بن ساعدة ؟ كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل أورق، وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه (5)، فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا رسول الله، سمعته وهو يقول بسوق عكاظ: أيها الناس اسمعوا وعوا، واحفظوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحار ترجرج (6)، ونجوم تزهر، ومطر ونبات، وآباء وامهات، وذاهب وآت، وضوء وظلام، وبر وأثام، ولباس ورياش، ومركب ومطعم ومشرب. إن في السماء لخبرا "، وإن في الارض لعبرا "، ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام هناك فأقاموا، أم تركوا فناموا ؟ يقسم بالله قس بن ساعدة قسما " برا لا إثم فيه ما لله على الارض دين أحب إليه من دين


(1) تفسير العياشي: مخطوط. (2) روضة الكافي: 308 - 310. (3) تفسير العياشي: مخطوط. (4) في المصدر: ابن عبد الله. (5) استظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: من يحفظه. قلت: في المصدر: ما أجدني حفظه. (6) أي تحرك واضطرب. (*)

[ 228 ]

قد أظلكم زمانه، وأدرككم أوانه، طوبى لمن أدرك صاحبه فبايعه (1)، وويل لمن أدركه ففارقه، ثم أنشأ يقول: في الذاهبين الاولين من القرون لنا بصائر * لما رأيت مواردا " للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها يمضي الاصاغر والاكابر * لا يرجع الماضي إليك ولا من الماضين غابر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يرحم الله قس بن ساعدة، إني لارجو أن يأتي يوم القيامة امة وحده (2)، فقال رجل من القوم: يا رسول الله لقد رأيت من قس عجبا "، قال: وما الذي رأيت ؟ قال: بينما انا يوما بجبل " في ناحيتنا يقال له: سمعان في يوم قائظ (3) شديد الحر إذا انا بقس بن ساعدة في ظل شجرة عندها عين ماء، وإذا حواليه سباع كثيرة، وقد وردت حتى تشرب من الماء، وإذا زأر سبع منها على صاحبه ضربه بيده، وقال: كف حتى يشرب الذي ورد قبلك، فلما رأيته وما حوله من السباع هالني ذلك ودخلني رعب شديد، فقال لي: لا بأس عليك، لا تخف إن شاء الله، وإذا أنا بقبرين بينهما مسجد، فلما آنست به قلت: ما هذان القبران ؟ قال: قبر أخوين كانا لي يعبدان الله في هذا الموضع معي، فماتا فدفنتهما في هذا الموضع، واتخذت فيما بينهما (4) مسجدا " أعبد الله فيه حتى ألحق بهما، ثم ذكر أيامهما وفعالهما فبكى ثم قال: خليلي هبا طال ما قد رقدتما * أجدكما لا تقضيان كراكما ألم تعلما أني بسمعان مفرد * وما لي بها ممن حببت سواكما اقيم على قبريكما لست بارحا " * طوال الليالي أو يجيب صداكما ابكيكما طول الحياة وما الذي * يرد على ذي عولة إن بكاكما كأنكما والموت أقرب غاية * بروحي في قبري كما قد أتاكما


(1) في المصدر: وبايعه. (2) في المصدر: واحدة. (3) قاظ اليوم: اشتد حره. ويوم قائظ: شديد الحر. (4) في المصدر: ما بينهما.

[ 229 ]

فلو جعلت نفس لنفس وقاية * لجدت بنفسي أن أكون فداكما (1). بيان: قوله صلى الله عليه واله: ما أجدني لعله كان في الاصل ما أجودني فصحف، ويحتمل أن يكون قال ذلك على جهة المصلحة ليسمع الناس من القوم (2)، والزئير: صوت الاسد من صدره، وقد زأر كضرب ومنع وسمع، والهب: الانتباه من النوم، ونشاط كل سائر وسرعته. والكرى: النوم. وقال الجوهري: الصدى: الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، يقال: صم صداه، وأصم الله صداه أي أهلكه، لان الرجل إذا مات لم يسمع الصدى منه شيئا " فيجيبه. وقال الفيروز آبادي: الصدى: الجسد من الآدمي بعد موته. وطائر يخرج من رأس المقتول إذا بلي بزعم الجاهلية انتهى. وما في البيت يحتمل المعنيين، وعلى التقديرين (أو) بمعى (إلى أن) أي أقيم على قبريكما إلى أن تحييا وتجيباني. 52 - نجم: وجدت في كتاب درة الاكليل تأليف محمد بن أحمد بن عمرو بن حسين القطيعي في الجزء الثالث منه عند قوله: مفاريد الاسماء علي التقييد، فذكر في ترجمة عبد الاول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق الشجري الاصل الهروي المولد الصوفي الشيخ الثقة أبي الوقت بن أبي عبد الله (3) حديث دلالة النجوم عند هرقل ملك الروم على نبوة نبينا محمد صلوات الله عليه وعلى آله، والحديث طويل يتضمن سؤال هرقل لبعض قريش


(1) مجالس المفيد: 201 - 203. (2) ويحتمل أنه صلى الله عليه وآله لم يحفظه لاشتماله على الشعر والرجز لمصلحة، ولذا قيل: انه إذا تمثل ببيت شعر يكسره، أو كان يجرى على لسانه منكسرا، كما روى أنه كان يتمثل بهذا البيت: كفى الاسلام والشيب للمرء ناهيا، فقيل له يا رسول الله: انما قال الشاعر: كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا، وروى انه كان يتمثل يقول الشاعر: ستبدى لك الايام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالاخبار من لم تزود فجعل يقول: يأتيك من لم تزود بالاخبار، فقيل له: ليس هكذا يا رسول الله، فيقول: انى لست بشاعر وما ينبغي لى. (3) في المصدر: الشيخ المعمر الثقة الموقت ابن ابى عبد الله. قلت: الموقت: الذى يراعى الاوقات والاهلة.

[ 230 ]

عن صفات النبي صلى الله عليه واله، ولفظ كتاب النبي صلى الله عليه واله إلى هرقل، ثم قال: ما هذا لفظه: وكان ابن الناطور صاحب إيليا وهرقل اسقفا " على نصارى الشام يحدث (1) أن هرقل حين قدم إيليا (2) أصبح يوما " خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا (3) هيئتك، ابن الناطور: وكان هرقل جيدا " ينظر في النجوم (4)، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت ملك قد ظهر من مختتن هذه الامة (5)، قالوا: ليس مختتن إلا اليهود فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك يقتلون من بهم (6) من اليهود، فبينا هم على أمرهم إذ أتى هرقل برجل أرسل إليه ملك غسان يخبر عن رسول الله صلى الله عليه واله (7)، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن (8) هو أم لا، فنظروا فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون (9)، فقال هرقل: هذا ملك هذه الامة قد ظهر، ثم كتب إلى صاحب له برومية وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأى هرقل على خروج النبي صلى الله عليه واله أنه نبي (10)، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم أطلع (11) فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم (12) فبايعوا هذا الرجل،


(1) في المصدر: أشفقا على نصارى الشام فحدث. وفيه: ايلياء بالمد وكذا فيما يأتي بعد ذلك، وايلياء: اسم مدينة بيت المقدس. (2) في المصدر: حين فقد ايلياء. ولعله مصحف. (3) في المصدر: أنكرنا. (4) في المصدر: جيد النظر في علم النجوم. (5) في المصدر: انى نظرت الليلة في النجوم فرايت ملكا يظهر في من يختتن من هذه الامة. (6) بها خ ل ظ وفى المصدر: فيها. (7) في المصدر: يخبره بخبر رسول الله صلى الله عليه وآله. (8) في المصدر: أيختتن. (9) في المصدر: فسألهم عن العرب فقالوا: انهم يختتنون. (10) في المصدر: وانه نبى. (11) في المصدر: ثم اطلع عليهم. (12) في المصدر: بعد ذلك: قالو: بلى، قال: بايعوا هذا النبي.

[ 231 ]

فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الابواب فوجدوها قد غلقت (1)، فلما رأى هرقل نفرتهم وآيس من الايمان قال: ردوهم علي، وقال (2): إني قلت مقالتي آنفا " أختبر بها شدتكم على دينكم وقد رأيت (3)، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل (4). بيان: قوله: فلم يرم حمص، أي لم يبرحه ولم يزل عنه، من رام يريم، والدسكرة: القرية، والصومعة. وحاص عنه يحيص حيصا " وحيصة: عدل وحاد. 53 - كا: علي عن أبيه، عن صفوان بن يحي، عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) قال: كان قوم فيما بين محمد صلى الله عليه واله وعيسى عليه السلام و كانوا يتوعدون أهل الاصنام بالنبي صلى الله عليه واله، ويقولون: ليخرجن نبي فليكسرن أصنامكم، وليفعلن بكم وليفعلن، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه واله كفروا به (5). 54 - د: البشائر به: من ذلك بشائر موسى في السفر الاول، وبشائر إبراهيم عليه السلام في السفر الثاني، وفي السفر الخامس عشر، وفي الثالث والخمسين من مزامير داود عليه السلام، وبشائر عويديا (6) وحيقوق وحزقيل ودانيال وشعيا، وقال داود في زبوره: اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة. وقال عيسى عليه السلام في الانجيل: إن البر ذاهب، والبار قليطا جائي من بعده، وهو يخفف الآصار، ويفسر كل شئ، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالامثال


(1) في المصدر: فوجدوها مغلقة. (2) في المصدر: فلما ردوهم قال لهم: انى قلت. (3) في المصدر: وقد رأيت ما اعجبني. (4) فرج المهموم: 30 و 31. (5) روضة الكافي: 310. (6) هكذا في النسخ، وفي قاموس التوراة: عوبدياء بالباء والمد: أحد أنبياء بنى اسرائيل، كان في سنة 578 قبل ميلاد المسيح تقريبا، ويظن انه كان معاصر الارمياء وحزقيل، وله كتاب بعد من كتب العهد القديم.

[ 232 ]

وهو يأتيكم بالتأويل (1). 55 - كنز الكراجكى: قال: ذكر الرواة من أهل العلم أن ربيعة بن نصر (2) رأى رؤيا " هالته (3)، فبعث في أهل مملكته فلم يدع كاهنا " ولا ساحرا " ولا فائفا " ولا منجما " إلا أحضره إليه، فلما جمعهم قال لهم: إني قد رأيت رؤيا " هالتني، فأخبروني بتأويلها، قالوا: اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن اخبره بها، فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم: إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق (4)، فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانك بما سألت، فلما قيل له ذلك بعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكهان، فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له: يا سطيح إني قد رأيت رؤيا " هالتني و فظعت بها، فأخبرني بها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها، قال: أفعل، رأيت جمجمة (5) خرجت من ظلمة فوقعت (6) بأرض تهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة (7)، قال له الملك: ما أخطأت منها شيئا " يا سطيح، فما عندك في تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، فليمكن ما بين أنين (8) إلى جرش، قال له الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن يا سطيح ؟ أفي زماني أم بعده ؟ قال:


(1) العدد: مخطوط. (2) أحد ملوك اليمن من ملوك التبايعة، وكان من أجداد نعمان بن المنذر المشهور. (3) في المصدر بعد ذلك: وقطع بها، فلما رآها بعث. (4) سطيح هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدى بن مازن غسان. وشق: ابن صعب بن يشكر بن رهم بن افرك بن قيس بن عبقر بن أنمار بن نزار. على ما في السيرة، و أوردهما المسعودي في مروج الذهب مع اختلاف في أجداد شق. (5) هكذا في الكتاب ومصدره، وفي السيرة: حممة. بالحاء المهملة وهى قطعة من النار، وهى الفحمة ايضا. (6) في المصدر: فرفعت. (7) الجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ. (8) هكذا في الكتاب، وفي المصدر: اثنين، وفي سيرة ابن هشام: أبين. قال الحموى في معجم البلدان: أبين بوزن أحمر: مخلاف باليمن، منه عدن، قلت: المخلاف: الكورة من البلاد (*)

[ 233 ]

لابل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون (1) ويخرجون منها هاربين، قال الملك: من ذا الذي يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال: يليه إرم ذي (2) يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن، قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع ؟ قال: بل ينقطع قال: ومن يقطعه ؟ قال: نبي زكي، يأتيه الوحي من قبل العلي، قال: وممن هذا النبي ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر يا سطيح من آخر ؟ قال: نعم يوم يجمع فيه الاولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون، قال: أحق ما تخبرنا يا سطيح ؟ قال: نعم والشفق والفلق (3)، والليل إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق، فلما فرغ قدم عليه شق فدعاه فقال له: يا شق إني رأيت رؤيا " هالتني وفظعت بها، فأخبرني عنها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها كما قال لسطيح، وقد كتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان، قال: نعم رأيت جمجمة (4) خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة، قال له الملك: ما أخطأت منها، فما عندك في تأويلها ؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم الحبشان (5)، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أنين (6) إلى نجران، فقال له الملك: و أبيك إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى كائن افي زماني أم بعده ؟ قال: بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم الشأن. ويذيقهم أشد الهوان، قال: ومن هذا العظيم الشأن ؟ قال: غلام ليس بدني ولا مدن، يخرج من بيت ذي يزن، قال: فهل يدوم سلطانه أو ينقطع ؟


(1) أجمعين خ ل وفي المصدر: ثم يقبلون بها أجمعون، وفي سيرة ابن هشام بعد قوله: السنين: قال أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟ قال: لا، بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين. (2) في السيرة: ارم بن ذى يزن. (3) في السيرة: والشفق والغسق، والفلق إذا التسق. (4) في السيرة: حممة كما تقدم. (5) في السيرة: السودان. (6) تقدم آنفا أن الصحيح: أبين.

[ 234 ]

قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل، قال: وما يوم الفصل ؟ قال: يوم يجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع منها الاحياء والاموات، ويجمع الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات، قال: أحق ما تقول ياشق ؟ قال: إي ورب السماء والارض، وما بينهما من رفع وخفض، إنما أنبأتك لحق ما فيه أمض (1). بيان: قال في النهاية: قيل: الحنش: ما أشبه رأسه رؤوس الحيات من الوزغ و الحرباء وغيرهما، وقيل: الاحناش: هو ام الارض، ومنه حديث سطيح: أحلف بما بين الحرتين من حنش، وفي القاموس: الجرش: بالتحريك: بلد بالاردن، وقال: أمض كفرح: لم يبال من المعاتبة، وعزيمته ماضية في قلبه، وكذا إذا أبدى لسانه غير ما يريده (2). 56 - كنز الكراجكى: روى أن رجلا " حدث رسول الله صلى الله عليه واله فقال في حديثه: خرجت في طلب بعير لي ضل، فوجدته في ظل شجرة يهش من ورقها، فدنوت منه فزممته واستويت على كوره (3)، ثم اقتحمت واديا فإذا " أنا بعين خرارة (4)، وروضة مدهامة (5)، وشجرة عادية (6)، وإذا أنا بقس قائما " يصلي بين قبرين، قد اتخذ له بينهما مسجدا "، قال: فلما انفتل (7) من صلاته قلت له: ما هذان القبران ؟ فقال: هذان قبرا أخوين كانا لي، يعبدان الله عزوجل معي في هذا المكان، فأنا أ عبد الله بينهما إلى أن ألحق بهما، قال: ثم التفت إلى القبرين فجعل يبكي وهو يقول:


(1) كنز الكراجكى: 85 - 86، وأخرجه ايضا ابن هشام في سيرته 1: 11 - 13. (2) قال ابن هشام في السيرة: أمض يعنى شكا، هذا بلغة حمير، وقال أبو عمرو: أمض أي باطل. (3) الكور: رحل البعير، أو الرحل بأداته. (4) الخرارة: الكثير الخرير، والخرير: صوت الماء. (5) أي خضراء تضرب إلى السواد نعمة وريا. (6) أي مرتفعة بحيث تجاوزت عن حدها. (7) أي انصرف.

[ 235 ]

خليلي هبا طال ما قد رقدتما * أجدكما أم تقضيان كراكما أرى خللا " في الجلد والعظم منكما * كأن الذي يسقي العقار سقاكما ألم تعلما أني بسمعان مفرد * ومالي بسمعان حبيب سواكما (1) فلو جعلت نفس لنفس فدائها * لجدت بنفسي أن تكون فداكما (2) قال: فقلت له: فلم لا تلحق بقومك فتكون معهم في خيرهم وشرهم ؟ فقال: ثكلتك امك، أما علمت أن ولد إسماعيل تركوا دين أبيهم، واتبعوا الاضداد، و عظموا الانداد، قلت: فما هذه الصلاة التي لا تعرفها العرب ؟ فقال: اصليها لاله السماء فقلت: وللسماء إله غير اللات والعزى ؟ فأسقط (3) وامتقع لونه، وقال: إليك (4) عني يا أخا إياد، إن للسماء إلها هو الذي خلقها، وبالكواكب زينها، وبالقمر المنير أشرقها، أظلم ليلها (5)، وأضحى نهارها، وسوف تعمهم من هذه الرحمة - وأومأ بيده نحو مكة - برجل أبلج من ولد لوي بن غالب يقال له: محمد، يدعو إلى كلمة الاخلاص، ما أظن أني ادركه، ولو أدركت أيامه لصفقت بكفي على كفه، ولسعيت معه حيث يسعى، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: رحم الله أخي قسا " يحشر يوم القيامة امة وحده (6). بيان: قال في النهاية: في حديث قس ذكر العقار، وهو بالضم من أسماء الخمر، وفي القاموس: العقار بالضم: الخمر لمعاقرته، أي ملازمته الدن، أو لعقرها شاربها عن المشي.


(1) في المصدر بعده: مقيم على قبريكما لست بارحا * طوال الليالى أو يجيب صداكما. (2) في المصدر: أن أكون فداكما. وتقدمت الاشعار عن المجالس آنفا باختلاف راجعها. (3) هكذا في الكتاب، وفي المصدر: فامتقط. قلت: أي تغيظ، وامتقع لونه أي تغير لونه من حزن أو فزع أو ريبة. (4) إليك: اسم فعل بمعنى أبعد. (5) أي جعلها مظلما. (6) كنز الكراجكى: 255 و 256.

[ 236 ]

57 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس عن أبان بن أبي عياش (1) عنه قال: أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام فنزل العسكر قريبا " من دير نصراني، إذ خرج علينا من الدير شيخ جميل (2) حسن الوجه، حسن الهيئة والسمت، معه كتاب في يده، حتى أتى أمير المؤمنين عليه السلام فسلم عليه بالخلافة، فقال له علي عليه السلام: مرحبا " يا أخي شمعون بن حمون، كيف حالك رحمك الله ؟ فقال: بخير يا أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، ووصي رسول رب العالمين، إني من نسل رجل من (3) حواري عيسى بن مريم عليه السلام. وفي رواية اخرى: أنا من نسل حواري أخيك عيسى بن مريم عليه السلام. من نسل شمعون بن يوحنا، وكان أفضل حواري عيسى بن مريم عليه السلام الاثنى عشر، وأحبهم إليه، وآثرهم عنده، وإليه أوصى عيسى عليه السلام، وإليه دفع كتبه علمه وحكمته، فلم يزل أهل بيته على دينه متمسكين عليه (4) لم يكفروا ولم يبدلوا ولم يغيروا، و تلك الكتب عندي إملاء عيسى بن مريم عليه السلام، وخط أبينا بيده، وفيه كل شئ يفعل الناس من بعده ملك ملك وما يملك، وما يكون في زمان كل ملك منهم حتى يبعت الله رجلا " من العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله، من أرض تدعى تهامة، من قرية يقال لها: مكة، يقال له: أحمد، الانجل (5) العينين، المقرون الحاجبين، صاحب الناقة والحمار، والقضيب والتاج، يعني العمامة، له اثنا عشر اسما "، ثم ذكر مبعثه ومولده وهجرته، ومن يقاتله ومن ينصره ومن يعاديه، وكم يعيش، وما تلقى امته بعده إلى أن ينزل الله عيسى بن مريم عليه السلام من السماء، فذكر في ذلك الكتاب ثلاثة عشر رجلا " (6)


(1) تقدم إسناد الكتاب في ج 1 ص 76، وأوعزنا نحن هناك في الذيل أن كتاب سليم من أقدم الكتب المصنفة في الاسلام، وترجمنا مؤلفه في المقدمة: 156، وأشرنا هناك إلى أنه من الاصول المعتبرة التى ترجع إليه الشيعة في كل عصر. (2) في المصدر: شيخ كبير جميل. (3) المصدر خال عن قوله: رجل من. (4) في المصدر: متمسكين بملته. (5) نجل الرجل: وسعت عينه وحسنت فهو أنجل. (6) وهم النبي صلى الله عليه وآله والائمة الاثنا عشر عليهم السلام.

[ 237 ]

من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله صلى الله عليهم هم خير من خلق الله، وأحب من خلق الله إلى الله، وإن الله ولي من والاهم، وعدو من عاداهم، من أطاعهم اهتدى، ومن عصاهم ضل، طاعتهم لله طاعة ومعصيتهم لله معصية، مكتوبة فيه أسماؤهم وأنسابهم ونعتهم، وكم يعيش كل رجل منهم واحد بعد واحد (1)، وكم رجل منهم يستر أدلة للناس حتى ينزل (2) الله عيسى عليه السلام على آخرهم، فيصلي عيسى عليه السلام خلفه، ويقول: إنكم أئمة لا ينبغي لاحد أن يتقدمكم، فيتقدم فيصلي بالناس، وعيسى عليه السلام خلفه في الصف (2)، أولهم وأفضلهم وخيرهم، له مثل اجورهم، واجور من أطاعهم، واهتدى بهداهم، أحمد (4) رسول الله صلى الله عليه وآله، واسمه محمد، وياسين، والفتاح، والختام (5)، والحاشر، و العاقب، والماحي. وفي نسخة اخرى: مكان الماحي الفتاح والقائد، وهو نبى الله، وخليل الله، و حبيب الله، وصفية وأمينه وخيرته، يرى تقلبه في الساجدين. وفي نسخة اخرى: يراه تقلبه في الساجدين، يعني في أصلاب النبيين. ويكلمه برحمته، فيذكر إذا ذكرو هو اكرم خلق الله على الله، وأحبهم إلى الله، لم يخلق الله خلقا " ملكا مقربا " ولا نبيا " مرسلا آدم فمن سواه خيرا " عند الله ولا أحب إلى الله منه، يقعده يوم القيامة على عرشه، ويشفعه في كل من شفع فيه، باسمه جرى القلم في في اللوح المحفوظ، في ام الكتاب، ثم أخوه صاحب اللواء إلى يوم المحشر الاكبر، ووصيه ووزيره وخليفته في امته، وأحب خلق الله إلى الله بعده على بن أبي طالب عليه السلام. ولي كل مؤمن بعده، ثم أحد عشر إماما " من ولد محمد وولد الاول (6): اثنان منهم سميا ابني هارون: شبر وشبير.


(1) في المصدر: واحدا بعد واحد. (2) في المصدر: وكم رجل منهم يستر بدينه ويكتمه من قومه ومن يظهر حتى ينزل. (3) في المصدر: في الصف الاول. (4) هو وما يأتي بعده تفسير لقوله: ثلاثة عشر. (5) في المصدر: والخاتم. (6) أي أول الائمة وهو على بن ابى طالب عليه السلام في المصدر: ولد أول الاثنى عشر.

[ 238 ]

وفي نسخة اخرى: ثم أحد عشر من ولد ولده (1): أولهم شبر، والثاني شبير، وتسعة من شبير، واحد بعد واحد (2). وفي نسخة الاولى: وتسعة من ولد أصغرهما وهو الحسين، واحد بعد واحد (3)، آخرهم الذي يصلي عيسى بن مريم عليه السلام خلفه، فيه تسمية كل من يملك منهم، ومن يستتر بدينه، ومن يظهر، فأول من يظهر منهم يملا جميع بلاد الله قسطا " وعدلا، ويملك ما بين المشرق والمغرب حتى يظهره الله على الاديان كلها. فلما بعث النبي صلى الله عليه واله وأبي حي صدق به وآمن به، وشهد أنه رسول الله صلى الله عليه واله، وكان شيخا " كبيرا " لم يكن به شخوص فمات، وقال: يا بني إن وصي محمد صلى الله عليه واله وخليفته الذي اسمه في هذا الكتاب ونعته سيمر بك إذا مضى ثلاثة من أئمة الضلالة، يسمون بأسمائهم وقبائلهم، فلان وفلان وفلان، ونعتهم، وكم يملك كل واحد منهم، فإذا مر بك فاخرج إليه وبايعه وقاتل معه عدوه، فان الجهاد معه كالجهاد مع محمد صلى الله عليه واله، والموالي له كالموالي لمحمد صلى الله عليه واله، والمعادي له كالمعادي لمحمد صلى الله عليه واله، وفي هذا الكتاب يا أمير المؤمنين اثنى عشر (4) إماما " من قريش، ومن قومه (5) من أئمة الضلالة يعادون أهل بيته، ويدعون حقهم، ويمنعونهم منه، ويطردونهم ويحرمونهم، ويتبرؤن منهم، ويخيفونهم، مسمون واحدا " واحدا " بأسمائهم ونعتهم، وكم يملك كل واحد منهم وما يلقى منهم ولدك وأنصارك و شيعتك من القتل والحرب والبلاء والخوف، وكيف يديلكم (6) الله منهم ومن أوليائهم وأنصارهم، وما يلقون (7) من الذل والحرب والبلاء والخزي والقتل والخوف منكم (8)


(1) في المصدر: من ولده وولد ولده. (2 و 3) في المصدر: واحدا " بعد واحد. (4) في المصدر: إن اثنى عشر. (5) في المصدر وطبعة أمين الضرب والحروفية: ومن قومه معه. (6) ادال الله بنى فلان من عدوهم: جعل الكرة لهم عليه. الله زيدا من عمرو: نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد. (7) تلقون خ ل. (8) منهم خ ل.

[ 239 ]

أهل البيت، يا أمير المؤمنين ابسط يدك ابايعك بأني (1) أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا " عبده ورسوله، وأشهد أنك خليفة رسول الله صلى الله عليه واله في امته، ووصيه وشاهده على خلقه، وحجته في أرضه، وأن الاسلام دين الله، وأني أبرء من كل دين خالف دين الاسلام، فإنه دين الله الذي اصطفاه لنفسه، ورضيه لاوليائه، وإنه دين عيسى ابن مريم عليه السلام ومن كان قبله من أنبياء الله ورسله، وهو الذي دان به من مضى من آبائي، وإني أتولاك وأتولى أوليائك، وأبرء من عدوك، وأتولى الائمة من ولدك، وأبرء من عدوهم وممن خالفهم وبرئ منهم وادعى حقهم، وظلمهم من الاولين والآخرين، ثم تناول يده فبايعه، ثم قال له أمير المؤمنين عليه السلام: ناولني كتابك، فناوله إياه، وقال علي عليه السلام لرجل من أصحابه: قم مع الرجل فأحضر ترجمانا يفهم كلامه فلينسخه لك بالعربية، فلما أتاه به قال لابنه الحسن: يا بني ايتني بالكتاب الذي دفعته إليك، يا بني اقرأه، وانظر أنت يا فلان في نسخة هذا الكتاب فإنه خطي بيدي، وإملاء رسول الله صلى الله عليه واله، فقرأه فما خالف حرفا " واحدا " ليس فيه تقديم ولا تأخير، كأنه إملاء رجل واحد على رجلين، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: الحمد لله الذي لو شاء لم تختلف الامة ولم تفترق، والحمد لله الذي لم ينسني، ولم يضع أمري، ولم يخمل ذكري عنده وعند أوليائه، إذ صغر وخمل عنده ذكر أولياء الشيطان وحزبه، ففرح بذلك من حضر من شيعة علي عليه السلام وشكر (2) كثير ممن حوله حتى عرفنا ذلك في وجوههم وألوانهم (3). 58 - وقال السيد ابن طاوس روح الله روحه في كتاب سعد السعود: وجدت في صحف إدريس النبي عليه السلام فيما خاطب الله به إبليس وأنظره إلى يوم الوقت المعلوم، قال: و انتخبت لذلك الوقت عبادا " لي امتحنت قلوبهم للايمان - إلى أن قال -: اولئك أوليائي، اخترت لهم نبيا " مصطفى، وأمينا " مرتضى، فجعلته لهم نبيا " ورسولا "، وجعلتهم له أولياء وأنصارا "، تلك امة اخترتها لنبيي المصطفى، وأميني المرتضى، ثم قال: ونظر آدم إلى


(1) في المصدر: فانى. (2) وشكروا كثيرا خ ل وفي المصدر: وشكر وساء ذلك كثير ممن حوله حتى عرفنا ذلك في وجوههم وألوانهم. (3) كتاب سليم بن قيس: 122 - 125.

[ 240 ]

طائفة من ذريته يتلالا نورهم، قال آدم: ما هؤلاء ؟ قال: هؤلاء الانبياء من ذريتك، قال: يا رب فما بال نور هذا الاخير ساطعا " على نورهم جميعا " ؟ قال: لفضله عليهم جميعا "، قال: ومن هذا النبي يا رب ؟ وما اسمه ؟ قال: هذا محمد نبي ورسولي وأميني ونجيبي ونجيي وخيرتي وصفوتي وخالصتي وحبيبي وخليلي وأكرم خلقي علي، وأحبهم إلي، وآثرهم عندي، وأقربهم مني، وأعرفهم لي، وأرجحهم حلما " وعلما " وإيمانا " ويقينا " وصدقا " وبرا " وعفافا " وعبادة وخشوعا " وورعا " وسلما " وإسلاما "، أخدت له ميثاق حملة عرشي فما دونهم من خلائقي في السماوات والارض بالايمان به، والاقرار بنبوته، فآمن به يا آدم تزدد (1) مني قربة ومنزلة وفضلا " ونورا " ووقارا "، قال: آمنت بالله، ورسوله محمد صلى الله عليه واله، قال الله: قد أوجبت لك يا آدم وقد زدتك فضلا وكرامة، وأنت يا آدم أول الانبياء والرسل، و ابنك محمد خاتم الانبياء والرسل، وأول من تنشق عنه الارض يوم القيامة، وأول من يكسى ويحمل إلى الموقف، وأول شافع، وأول مشفع، وأول قارع لابواب الجنان، وأول من يفتح له، وأول من يدخل الجنة، وقد كنيتك به، فأنت أبو محمد، فقال آدم: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من فضله بهذه الفضائل، وسبقني إلى الجنة، ولا أحسده، ثم ذكرما نقله الراوندي عن التوراة والانجيل، وبسط الكلام فيها، وإنما تركناه مخافة التطويل، ثم قال: رأيت في السورة السابعة عشر من الزبور: داود اسمع ما أقول، و مر سليمان يقول بعدك: إن الارض أورثها محمد وامته، وهم خلافكم، ولا تكون صلاتهم بالطنابير، ولا يقدسون الاوتار، فازدد من تقديسك، وإذا زمرتم (2) بتقديسي فأكثروا البكاء بكل ساعة، وساعة لا تذكرني فيها عدمتها من ساعة. انتهي (3). 59 - أقول: وروى محمد بن مسعود الكازروني بإسناده (4) إلى الاعمش، عن أبي صالح، عن كعب قال: نجد مكتوبا " محمد رسول الله، لافظ ولا غليظ، ولا صخاب بالاسواق،


(1) تزرد خ ل. (2) زمر: غنى بالنفخ في القصب ونحوه. وفي المصدر: زفرتم. (3) سعد السعود: 34 - 36 و 48. (4) ترك المصنف إسناد الحديث للاختصار، وفي المصدر مسند.

[ 241 ]

ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، امته الحامدون، يكبرون الله على كل نجد، ويحمدونه في كل منزل، يتأزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم يناديهم في جو السماء، صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سوآء، لهم بالليل دوي كدوي النحل، مولده بمكة، ومهاجره بطابة، وملكه بالشام (1). أقول: وذكر بشائر كثيرة في كتابه لانطيل الكلام بإيرادها، وفي ما ذكرناه كفاية. 60 - مقتضب الاثر في النص على الاثنى عشر لاحمد بن محمد بن عياش، عن محمد بن لاحق بن سابق الانباري، عن جده سابق بن قرين، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن الشرقي بن قطامي، عن تميم بن وهلة المري، عن الجارود بن المنذر العبدي (2) وكان نصرانيا " فأسلم عام الحديبية وحسن إسلامه، وكان قارئا " للكتب، عالما " بتأويلها على وجه الدهر وسالف العصر، بصيرا " بالفلسفة والطب، ذا رأي أصيل، ووجه جميل، أنشأ يحدثنا في إمارة عمر بن الخطاب قال: وفدت على رسول الله صلى الله عليه واله في رجال من عبد القيس ذوي أحلام وأسنان، فصاحة وبيان، وحجة وبرهان، فلما بصروا به صلى الله عليه واله راعهم منظره ومحضره، وأفحموا عن بيانهم وعن بهم العروآء (3) في أبدانهم، فقال زعيم القوم لي: دونك من أقمت بنا أممه (4)، فما نستطيع كلمة (5)، فاستقدمت دونهم إليه ووقفت بين يديه، وقلت: السلام عليك يا نبي الله، بأبي أنت وامي، ثم أنشأت أقول (شعر):


(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني. قوله: ملكه بالشام لا يخلو عن غرابة، وكعب الاحبار متهم في ذلك. (2) هكذا في الكتاب ومصدره، وفي سيرة ابن هشام: قال ابن اسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجارود بن عمرو بن حنش أخو عبد القيس، قال ابن هشام: الجارود: ابن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس، وكان نصرانيا اه‍ قلت: وقال اليعقوبي في تاريخه: وقدمت عبد القيس ورئيسهم الاشبح العصرى، ثم وفد الجارود بن المعلى. (3) عزلهم العرواء خ ل. وفي المصدر وكنز الكراجكى: اعتراهم العرواء. والعرواء بالضم: مس الحمى. (4) في المصدر: دونك من أقمت بنا أقمه فما نستطيع أن نكلمه. (5) أن نكلمه خ ل.

[ 242 ]

يا نبي الهدى أتتك رجال * قطعت قردد " ا وآلا " فآلا (1) جابت البيد والمهامة حتى * غالها من طوي السري ما غالا قطعت دونك الصحاصح (2) تهوى * لا تعد الكلال فيك كلالا كل دهناء (3) تقصر الطرف عنها * أرقلتها (4) قلاصنا (5) إرقالا وطوتها العتاق تجمح (6) فيها * بكماة مثل النجوم تلالا ثم لما رأتك أحسن مرأى * أفحمت عنك هيبة وجلالا تتقي شر بأس يوم عصيب * هائل أو جل القلوب وهالا ونداء " لمحشر الناس طرا " * وحسابا " لمن تأدى (7) ضلالا نحو نور من الاله وبرهان * وبز (78) ونعمة لن تنالا (9) وأمان منه لدى الحشر والنشر * إذ الخلق لا يطيق السؤالا فلك الحوض والشفاعة والكوثر * والفضل إذ ينص السؤالا فلك الحوض خصك يابن آمنة (10) * الخير إذا ما تلت سجال سجالا (119 أنبأ الاولون باسمك فينا * وباسماء بعده تتتالا (12)


(1) قال الجزرى: في حديث قس بن ساعدة: قطعت مهمها وآلا فالا، الال: السراب، و المهمة: القفر. وقال: قردد: الموضع المرتع من الارض، ويقال للارض المستوية أيضا قردد، ومنه حديث قس والجارود: قطعت قرددا. (2) الصحاصح جمع الصحصح: ما استوى من الارض وكان أجرد. (3) الدهناء: الفلات (4) ارقل المفازة: قطعها. (5) القلاص جمع القلوص، من الابل: الطويلة القوائم. الشابة منها أو الباقية على السير. (6) جمح الفرس: تغلب على راكبه وذهب به لا ينثنى. (7) يأوى خ ل وفي المصدر والكنز: تمادى، وهو الصحيح (8) هكذا في النسخ، والظاهر أنه مصحف: وبركما في المصدر وفي الكنز. (9) أن تنالا خ ل. (10) في المصدر والكنز: خصك الله يابن آمنة الخير. (11) السجال جع السجل: الدلو العظيمة فيها ماء قل أو كثر. (12) في المصدر والكنز: تتلألأ.

[ 243 ]

فأقبل (1) علي رسول الله بصفحة وجهه المبارك شمت منه ضياء " لامعا " ساطعا " كوميض (2) البرق، فقال: يا حارود لقد تأخر بك وبقومك الوعد (3) - وقد كنت وعدته قبل عامي ذلك أن أفد إليه بقومي فلم آته، وآتيته في عام الحديبية - فقلت: يا رسول الله بأبي أنت ما كان إبطائي عنك إلا أن جلة قومي أبطاؤا عن إجابتي حتى ساقها الله إليك لما أراد لها به إليك من الخير، فأما من تأخر (4) فحظه فات منك، فتلك أعظم حوبة (5)، وأكبر عقوبة، ولو كانوا ممن سمع بك أو رآك لما ذهبوا عنك، فإن برهان الحق في مشهدك محتدك (6)، وقد كنت على دين النصرانية قبل أتيتي إليك الاولى، فها أنا تاركه بين يديك، إذ ذلك مما يعظم الاجر، ويمحو المآثم والحوب، ويرضى الرب عن المربوب، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أنا ضامن لك يا جارود، قلت: أعلم يا رسول الله أنك مذ كنت ضمين قمين (7)، قال: فدن الآن بالوحدانية، ودع عنك النصرانية، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، ولقد أسلمت على علم بك ونباء فيك، علمته من قبل، فتبسم صلى الله عليه واله كأنه علم ما أردته من الانباء فيه، فأقبل علي وعلى قومي، فقال: أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الايادي ؟ قلت: يا رسول الله كلنا نعرفه، غير أني من بينهم عارف بخبره، واقف على أثره، كان قس بن ساعدة يا رسول الله سبطا " من أسباط العرب، عمر خمسمأة عام، تقفر منها في البراري خمسة أعمار، يضج بالتسبيح على منهاج المسيح، لا يقره قرار، ولا يكنه جدار، ولا يستمع (8) منه جار، لا يفتر من


(1) في المصدر والكنز: قال: فأقبل. (2) وميض البرق: لمعانه. (3) في المصدر: الموعد. (4) في المصدر: لما أرادها به من الخير لديك، فأما من تأخر عنه. (5) الحوبة: الاثم. (6) المحتد: الاصل. (7) القمين: الخليق الجدير. وفى المصدر: إنك بذلك ضمين قمين. (8) واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: لا يستمتع. قلت: هو كذلك في المصدر.

[ 244 ]

الرهبانية، ويدين الله بالوحدانية، يلبس المسوح (1) ويتحسى في سياحته بيض النعام، ويعتبر بالنور والظلام، يبصر فيتفكر ويفكر فيختبر، يضرب بحكمته الامثال، أدرك رأس الحواريين شمعون، وأدرك لوقا ويوحنا، وفقه منهم (2)، تحوب (3) الدهر، وجانب الكفر، وهو القائل بسوق عكاظ وذى المجاز (4): شرق وغرب، ويابس ورطب، واجاج وعذب، وحب ونبات، وجمع واشتات، وذهاب وممات، وآباء وامهات، وسرور مولود، ورزء مفقود نبأ لارباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله قبل أن يفقد أجله، كلا بل هو الله الواحد، ليس بمولود ولا والد، أمات وأحيا، وخلق الذكر والانثى، وهو رب الآخرة والاولى، ثم أنشد شعر (5) كلمة له: ذكر القلب من جواه اذكار (6) * وليال خلا لهن نهار وشموس تحتها قمر * الليل وكل متابع موار وجبال شوامخ راسيات * وبحار مياههن غزار وصغير وأشمط (7) ورضيع * كلهم في الصعيد يوما " بوار كل هذا هو الدليل على الله * ففيه لنا هدى واعتبار ثم صاح: يا معشر إياد فأين ثمود ؟ وأين عاد ؟ وأين الآباء والاجداد ؟ وأين العليل


(1) المسوح جمع المسح: الكساء من شعر، ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشعا وقهرا للجسد. وتحسى المرق: شربه شيئا بعد شئ. (2) في المصدر: ويوحنا وأمثالهم ففقه كلامهم ونقل منهم. (3) تحوب، اجتنب الاثم. (4) قال اليعقوبي في تاريخه 1: 227: سوق عكاظ بأعلى نجد، يقوم في ذى القعدة، وينزلها قريش وسائر العرب، الا ان أكثرها مضر، وبها كانت مفاخرة العرب وجمالاتهم ومهادناتهم، ثم سوق ذى المجاز، وكانت ترتحل من سوق عكاظ، وسوق ذى المجاز إلى مكة من لحجهم. (5) هكذا في نسخة المصنف، والظاهر أن لفظة (شعر) زائدة، أو هو مصحف: أنشد كلمة له شعرا كما في المصدر. (6) ادكار ليال خ ل وفي المصدر، إدكار، وليال. (7) شمط: خالط بياض رأسه سواد فهو أشمط.

[ 245 ]

والعواد ؟ وأين الطالبون والرواد ؟ كل له (1) معاد، أقسم قس برب العباد، وساطح المهاد، وخالق سبع الشداد، سماوات بلا عماد، ليحشرن على الانفرد، وعلى قرب وبعاد، إذا نفخ في الصور، ونقر في الناقور، وأشرقت الارض بالنور، فقد وعظ الواعظ، وانتبه القايظ (2)، وأبصر اللاحظ، ولفظ اللافظ، فويل لمن صدف عن الحق الاشهر، وكذب بيوم المحشر، والسراج الازهر، في يوم الفصل، وميزان العدل، ثم أنشأ يقول: (شعر (3)): يا ناعي الموت والاموات في جدث * عليهم من بقايا بزهم خرق منهم عرات وموتى في ثيابهم * منها الجديد ومنها الاورق الخلق دعهم فإن لهم يوما " يصاح بهم * كما ينبه من رقداته الصعق حتى يجيئوا بحال غير حالهم * خلق مضوا ثم ماذا بعد ذاك لقوا ثم أقبلت على اصحابه فقلت: على علم به آمنتم قبل مبعثه، كما آمنت به أنا، فنصت إلى رجل منهم وأشارت إليه وقالوا: هذا صاحبه وطالبه على وجه الدهر، وسالف العصر، وليس فينا خير منه، ولا أفضل، فبصرت به أغر أبلج، قد وقذته الحكمة، أعرف ذلك في أسارير (4) وجهه، وإن لم أحط علما " بكنهه، قلت: ومن هو ؟ قالوا: هذا سلمان الفارسي، ذو البرهان العظيم، والشأن القديم، فقال سلمان: عرفته يا أخا عبد القيس من قبل إتيانه، فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه واله وهو يتلالا ويشرق وجهه نورا " وسرورا "، فقلت: يا رسول الله إن قسا " كان ينتظر زمانك، ويتوكف إبانك (5)، ويهتف باسمك وأبيك (6)


(1) كل لهن خ ل. (2) هكذا في الكتاب ومصدره ولعله مصحف: يقظه، واستظهر المصنف في الهامش أنه الياقظ. (3) هكذا في النسخة، والمصدر خال عن قوله: شعر. وهو خبر لمبتداء محذوف أي هذا شعر. (4) الاسارير: الخطوط في الجبهة. محاسن الوجه. (5) توكف الخبر: انتظر ظهوره. إبان الشئ بكسر الهمزة وتشديد الباء: أوله. حينه. (6) في المصدر: وباسم أبيك.

[ 246 ]

وامك، وبأسماء لست اصيبها معك، ولا أراها فيمن اتبعك، قال سلمان: فأخبرنا فأنشأت احدثهم ورسول الله صلى الله عليه واله يسمع والقوم سامعون واعون، قلت: يا رسول الله لقد شهدت قسا " خرج من ناد من أندية إياد، إلى صحيح ذي قتاد، وسمرة وعتاد (1) وهو مشتمل بنجاد، فوقف في أضحيان (2) ليل كالشمس، رافعا " إلي السماء وجهه وإصبعه فدنوت منه فسمعته يقول: أللهم رب هذه السبعة الا رقعة (2)، والارضين الممرعة (4)، وبمحمد والثلاثة المحامدة معه، والعليين الاربعة، وسبطيه التبعة (5) والارفعة الفرعة، والسري اللامعة (6)، وسمي الكليم الضرعة (7) اولئك النقباء الشفعة، والطريق المهيعة، درسة الانجيل، وحفظة التنزيل، على عدد النقباء من بني إسرائيل، محاة الاضاليل، ونفاة الاباطيل، الصادقوا القيل، عليهم تقوم الساعة، وبهم تنال الشفاعة، ولهم من الله فرض الطاعة، ثم قال: اللهم ليتني مدركهم ولو بعد لاي من عمري ومحياي، ثم أنشأ يقول (شعر): (8) متى أنا قبل الموت للحق مدرك * وإن كان لي من بعد هاتيك مهلك وإن غالني الدهر الخؤون بغوله * فقد غال من قبلي ومن وبعد يوشك فلا غرو إني سالك مسلك الاولى * وشيكا ومن ذا للردى ليس يسلك ثم آب يكفكف (9) دمعه، ويرن رنين البكرة (10)، وقد برئت ببراة وهو يقول:


(1) الصحصح تقدم معناه. والقتاد: شجر صلب له شوك كالابر. والسمر: شجر من العضاه، و ليس في العضاه أجود خشبا منه: والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك. والعتاد: ما اعد لامر ما. كل ما هيئ من سلاح ودواب وآلة حرب. القدح الضخم. (2) ليلة إضحيانة واضحية: مضيئة. (3) الا رقعة جمع الرقيع: السماء عموما، أو السماء الاولى في عرف الا قدمين. (4) أمرع المكان: أخصب. (5) النبعة خ ل وفي المصدر: وسبطيه النبعة الا رفعة القرعة. (6) الالمعة خ ل. (7) في المصدر والكنز بعد ذلك: والحسن ذى الرفعة. (8) المصدر خال عن كلمة شعر. (9) كفكف الدمع: مسحه مرة بعد مرة. (10) البكرة والبكرة: آلة مستديرة في وسطها محز يمر عليها حبل لرفع الاثقال.

[ 247 ]

أقسم قس قسما "، ليس به مكتتما (1) * لو عاش ألفي سنة (2)، لم يلق منها سأما حتى يلاقي أحمدا "، والنقباء الحكماء * هم أوصياء أحمد، أكرم من تحت السماء يعمي العباد عنهم وهم جلاء للعمى * ليس (3) بناس ذكرهم حتى احل الرجما (4) ثم قلت: يا رسول الله أنبئني أنبأك الله بخير عن هذه الاسماء التي لم نشهدها و أشهدنا قس ذكرها، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يا جارود ليلة أسري بي إلى السماء أوحى الله عزوجل إلي أن سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا، فقلت: على ما بعثتم ؟ قالوا: على نبوتك، وولاية علي بن أبي طالب والائمة منكما، ثم أوحى إلي أن التفت عن يمين العرش، فالتفت فإذا علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والمهدي، في ضحضاح من نور يصلون، فقال الرب تعالى: هؤلاء الحجج لاوليائي، وهذا المنتقم من أعدائي، قال الجارود: فقال (5) سلمان: يا جارود هؤلاء المذكورون في التوراة والانجيل والزبور كذلك، فانصرفت بقومي وقلت في توجهي إلى قومي (شعر (6)): أتيتك يا بن آمنة الرسولا * لكي بك أهتدي النهج السبيلا فقلت وكان قولك قول حق * وصدق ما بدالك أن تقولا وبصرت العمى من عبد قيس * وكل كان من عمه ضليلا وأنبأناك عن قس الايادي * مقالا فيك ظلت به جديلا وأسماء عمت عنا فآلت * إلى علم وكن بها (7) جهولا (8)


(1) في المصدر: مكتما. (2) في المصدر: والكنز ألفى عمر. (3) في المصدر والكنز: لست. (4) الرجم: القبر. (5) في المصدر والكنز: فقال لى. (6) لفظة (شعر) ليست موجودا في المصدر. (7) في المصدر: وكنت به جهولا. (8) مقتضب الاثر: 37 - 43، وأخرجه أيضا الكراجكى في كنز الفوائد: 256 - 258.

[ 248 ]

بيان: قال الجوهري: العروآء مثال الغلواء: قرة الحمى، ومسها في أول ما تأخذ بالرعدة، وفلان قمين بكذا أي جدير خليق، وفلان يتحوب من كذا، أي يتأثم. و التحوب أيضا " التوجع والتحزن. قوله: قد وقذته الحكمة أي أثرت فيه وبانت فيه آثارها، قال الجوهري: وقذه يقذه وقذا: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت، ويقال: وقذه النعاس: إذا غلبه، وفي النهاية: فيه فيقذه الورع أي يسكنه ويمنعه من انتهاك مالا يحل ولا يحمد، يقال: وقذه الحلم: إذا سكته. أقول: سيأتي الخبر مختصرا " مع شرح بعض أجزائه في باب المعراج. (باب 3) * (تاريخ ولادته صلى الله عليه وآله وما يتعلق بها، وما ظهر) * * (عندها من المعجزات والكرامات والمنامات) * اعلم أنه اتفقت الامامية إلا من شذ منهم على أن ولادته صلى الله عليه واله في سابع عشر شهر ربيع الاول، وذهب أكثر المخالفين إلى أنها كانت في الثاني عشر منه، واختاره الكليني رحمه الله على ما سيأتي إما اختيارا "، أو تقية، وذهب شاذ من المخالفين إلى أنه ولد في شهر رمضان (1)، لانهم اتفقوا على أن بدء الحمل به صلى الله عليه واله كان في عشية عرفة،


(1) ذكر المقريزى في امتاع الاسماع: 3: جماع أقوالهم في ولادته صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمكة في دار عرفت بدار ابن يوسف من شعب بنى هاشم يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من ربيع الاول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: ولد ثالثه، وقيل: في عاشره، وقيل: في ثامنه، وقيل: ولد يوم الاثنين لاثنتى عشرة مضت من رمضان حين طلع الفجر، وقد شذ بذلك الزبير بن بكار، الا انه موافق لقوله: إن امه صلى الله عليه وآله وسلم حملت به أيام التشريق، فيكون حملها مدة تسعة أشهر على العادة الغالبة، وذلك عام الفيل، قيل: بعد قدوم الفيل مكة بخمسين يوما، وقيل، بشهر، وقيل: بأربعين يوما، وقيل: قدم الفيل للنصف من المحرم قبل مولده صلى الله عليه وآله وسلم بشهرين الا أياما، وقيل: ولد بعد الفيل بثمانية و - >

[ 249 ]

أو أوسط أيام التشريق، واشتهر بينهم أن مدة الحمل كانت تسعة أشهر، فيلزم أن تكون الولادة في شهر رمضان، وسيأتي الكلام فيه، وذهب شرذمة منهم إلى أن الولادة كانت في ثامن ربيع الاول، فأما يوم الولادة فالمشهور بين علمائنا ومدلول أخبارنا أنه كان يوم الجمعة، والمشهور بين المخالفين يوم الاثنين، ثم الاشهر بيننا وبينهم أنه صلى الله عليه واله ولد بعد طلوع الفجر، وقيل: عند الزوال، وذكر جماعة من المؤرخين وأرباب السير أنه كان في ساعة الولادة غفر (1) من منازل القمر طالعا "، وكان اليوم موافقا " للعشرين أو للثامن و العشرين أو الغرة من شهر نيسان الرومي، والسابع عشر من دي ماه بحساب الفرس، و كانت في عهد كسرى أنوشيروان بعد مضي اثنين وأربعين من ملكه، وبعد مضي اثنين وثمانين وثمانمأة من وفات إسكندر الرومي، وكان في عام الفيل بعد مضي خمس وخمسين، أو أربعين من الواقعة، وقيل: في يوم الواقعة، وقيل: بعد ثلاثين سنة منها، وقيل: بعد أربعين منها، والاصح أنها كانت في تلك العام. وذكر أبو معشر البلخي (2) من المنجمين أنه كان طالع ولادته صلى الله عليه واله الدرجة العشرون من الجدي، وكان الزحل والمشتري في العقرب، والمريخ في بيته في الحمل، و


< - خمسين يوما، وقيل: بعده بعشر سنين، وقيل: بعده بثلاثين عاما، وقيل: ولد قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وقيل: قبله بأربعين عاما، وقيل: ولديوم الفيل، وقيل: ولد سنة ثلاث وعشرين للفيل. وقيل: ولد في صفر، وقيل: يوم عاشوراء، وقيل: في ربيع الاخر، الراجح أنه ولد عام الفيل في الثانية والاربعين من ملك كسرى أنوشروان، وهى سنة احدى وثمانين وثمانمائة لغلبة الاسكندر بن فيلبس المجدونى على دارا، وهى سنة الف وثلاثمائة وستة عشر لابتداء ملك بخت نصر، ووافق يوم مولده العشرون من نيسان، وولده بالغفر من المنازل وهو مولد الانبياء، ويقال: كان طالعه برج الاسد والقمر فيه. (1) الغفر من منازل القمر قال البيرونى: وتقول العرب: إنه خير المنازل، وقيل: إن مواليد الانبياء قد اتفقت فيه ولا اظن ذلك حقا. (2) قال اليعقوبي 2: 4 وولد على ما قال أصحاب الحساب بقران العقرب، قال ما شاء الله المنجم: كان طالع السنة التى كان فيها القران الذى دل على مولد رسول الله صلى الله عليه وآله الميزان اثنين وعشرين درجة حد الزهرة وبيتها، والمشترى في العقرب ثلاث درجات وثلاثا وعشرين - >

[ 250 ]

الشمس في الحمل في الشرف، والزهرة في الحوت في الشرف، والعطارد أيضا " في الحوت، والقمر في أول الميزان، والرأس في الجوزاء، والذنب في القوس، وكانت في الدار المعروف بدار محمد بن يوسف، وكان للنبي صلى الله عليه واله فوهبه لعقيل بن أبي طالب، فباعه أولاده محمد بن يوسف أخا الحجاج فأدخله في داره، فلما كان زمن هارون أخذته خيزران امه فأخرجته و جعلته مسجدا "، وهو الآن معروف يزار ويصلى فيه، وسنذكر الاخبار والاقوال في تفاصيل تلك الاحوال. 1 - د: في كتاب أسماء حجج الله: ولد صلى الله عليه واله سابع عشرة ليلة من شهر ربيع الاول في عام الفيل، في كتاب الدر الصحيح: أنه ولد صلى الله عليه واله عند طلوع الفجر من يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الاول بعد خمس وخمسين يوما " من هلاك أصحاب الفيل، وقال العامة: يوم الاثنين الثامن أو العاشر من ربيع الاول لسبع بقين من ملك أنوشيروان، و يقال: في ملك هرمز بن أنوشيروان، وذكر الطبري أن مولده صلى الله عليه واله كان لاثنتي وأربعين سنة من ملك أنوشيروان وهو الصحيح، لقوله صلى الله عليه واله: (ولدت في زمن الملك العادل أنوشيروان) ووافق شهر الروم العشرين من سباط (1). في كتاب مواليد الائمة عليهم السلام: ولد النبي صلى الله عليه واله لثلاث عشرة بقيت من شهر ربيع الاول في عام الفيل يوم الجمعة مع الزوال، وروي عند طلوع الفجر قبل المبعث بأربعين


< - دقيقه، وزحل في العقرب ست درجات وثلاثا وعشرين دقيقة راجعا، وهما في الثاني من الطوالع، والشمس في نظير الطالع في الحمل أول دقيقة، والزهرة في الحمل على درجة وست وخمسين دقيقة، وعطارد في الحمل على ثمانى عشرة درجة وست عشرة دقيقة، والقمر وسط السماء في السرطان درجة وعشرين دقيقة، وقال الخوارزمي: ثمانى عشرة درجة وست عشرة وست عشرة دقيقة، والقمر وسط السماء في السرطان درجة وعشرين دقيقة، وقال الخوارزمي: كانت الشمس يوم ولد في الثور درجة والقمر في الاسد على ثمانى عشرة درجة وعشر دقائق، وزحل في العقرب تسع درجات وأربعين دقيقة راجعا، والمشترى في العقرب درجتين وعشر دقائق راجعا، والمريخ في السرطان درجتين وخمسين دقيقة، والزهرة في الثور اثنتى عشرة درجة وعشر دقائق. (1) يقال: سباط وشباط: شهر من الاشهر الشمسية، بين كانون الثاني وأذار، أيامه 29 في السنة الكبيسة و 28 في سواها.

[ 251 ]

سنة، وحملت به امه في أيام التشريق عند الجمرة الوسطى، وكانت في منزل عبد الله بن عبد المطلب، وولدته في شعب أبي طالب في دار محمد بن يوسف في الزاوية القصوى، وقيل: ولد يوم الاثنين آخر النهار ثاني عشر شهر ربيع الاول سنة ثمان وتسعمأة للاسكندر في شعب أبي طالب في ملك أنوشيروان (1) 2 - قل: ذكر محمد بن بابويه رضوان الله عليه في الجزء الرابع من كتاب النبوة حديث (2) أن الحمل بسيدنا رسول الله صلى الله عليه واله كان ليلة الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت (3) من جميدي الآخرة (4). 3 - قل: إن الذين أدركناهم من العلماء كان عملهم على أن ولادته المقدسة صلى الله عليه واله كان يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الاول في عام الفيل عند طلوع فجره (5). 4 - وذكر شيخنا المفيد في كتاب حدائق الرياض: السابع عشر منه مولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه واله عند طلوع الفجر من يوم الجمعة عام الفيل (6)، وقال رحمه الله في كتاب التواريخ الشرعية: نحوه (7). 5 - كا: ولد النبي صلى الله عليه واله لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول في عام الفيل يوم الجمعة مع الزوال، وروي أيضا "، عند طلوع الفجر قبل أن يبعث بأربعين سنة، وحملت به امه في أيام التشريق عند الجمرة الوسطى، وكانت في منزل عبد الله بن عبد المطلب،


(1) العدد: مخطوط. (2) أضاف الحديث إلى ما بعده. (3) قال المصنف في الهامش: الظاهر (مضت) مكان (بقيت ليوافق ما هو المشهور من كون الحمل في أيام التشريق انتهى كلامه قدس الله أسراره، قلت: القول بأن حمله كان في ايام التشريق يوافق القول بولادته في رمضان كما عرفت في كلام المقريزى. (4) الاقبال: 623. (5) الاقبال: 603. (6) حدائق الرياض: مخطوط. (7) مسار الشيعة: 24.

[ 252 ]

وولدته في شعب أبي طالب في دار محمد بن يوسف في الزاوية القصوى عن يسارك وأنت داخل (1)، وقد أخرجت الخيزران (2) ذلك البيت فصيرته مسجدا " يصلي الناس فيه (3). بيان: اعلم أن هاهنا أشكالا مشهورا " أورده الشهيد الثاني رحمه الله وجماعة، وهو أنه يلزم على ما ذكره الكليني رحمه الله من كون الحمل به صلى الله عليه واله في أيام التشريق و ولادته في ربيع الاول أن يكون مدة حمله إما ثلاثة أشهر، أو سنة وثلاثة أشهر، مع أن الاصحاب اتفقوا على أنه لا يكون الحمل أقل من ستة أشهر، ولا أكثر من سنة، ولم يذكر أحد من العلماء أن ذلك من خصائصه، والجواب أن ذلك مبني على النسئ الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وقد نهى الله تعالى عنه، وقال: (إنما النسئ زيادة في الكفر). قال الشيخ الطبرسي رحمه الله في تفسير هذه الآية نقلا عن مجاهد: كان المشركون يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، وكذلك في الشهور حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه واله في العام القابل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة، فقال في خطبته: ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والارض، السنة اثنى عشر شهرا "، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، مضر بين جميدي و شعبان (4)، أراد بذلك أن أشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحجة، وبطل النسئ انتهى (5).


(1) في المصدر: وأنت داخل الدار. (2) قال المصنف في الهامش: الخيزران ام الهادي والرشيد، قال المؤرخون كانت هذه الدار للنبى صلى الله عليه وآله وسلم ووهبها عقيل بن أبى طالب، ثم باعها أولاد عقيل بعد أبيهم محمد بن يوسف وهو أخو الحجاج فاشتهرت بدار محمد بن يوسف، فأدخلها محمد في قصره الذى كانوا يسمونه البيضاء، ثم بعد انقضاء دولة بنى امية حجت خيزران فأفرزتها من القصر وجعلتها مسجدا. (3) الاصول 1: 439. (4) في المصدر: ورجب الذى بين جمادى وشعبان. (5) مجمع البيان 5: 29.

[ 253 ]

إذا عرفت هذا فقيل: إنه على هذا يلزم أن يكون الحج عام مولده صلى الله عليه واله في جميدي الاولى، لانه صلى الله عليه واله توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودورة النسئ أربعة و عشرون سنة ضعف عدد الشهور، فإذا أخذنا من السنة الثانية والستين ورجعنا تصير السنة الخامس عشر ابتداء الدورة، لانه إذا نقص من اثنين وستين ثمانية وأربعون تبقى أربعة عشر، الاثنتان الاخيرتان منها لذي القعدة، واثنتان قبلهما لشوال، وهكذا فتكون الاوليان منها لجميدي الاولى، فكان الحج عام مولد النبي صلى الله عليه واله وهو عام الفيل في جميدي الاولى، فإذا فرض أنه صلى الله عليه واله حملت به امه في الثاني عشر منه، ووضعت في الثاني عشر من ربيع الاول تكون مدة الحمل عشرة أشهر بلا مزيد ولا نقيصة. أقول: ويرد عليه أنه قد أخطأ رحمه الله في حساب الدورة، وجعلها أربعة و عشرين سنة، إذا الدورة على ما ذكر إنما تتم في خمسة وعشرين سنة، إذ في كل سنتين يسقط شهر من شهور السنة باعتبار النسئ، ففي كل خمسة وعشرين سنة تحصل أربعة وعشرون حجة تمام الدورة، وأيضا على ما ذكره يكون مدة الحمل أحد عشر شهرا "، إذ لما كان عام مولده أول حج في جمادي الاولى يكون في عام الحمل الحج في ربيع الثاني، فالصواب أن يقال: كان في عام حمله صلى الله عليه واله الحج في جمادي الاولى، وفي عام مولده في جمادي الثانية، فعلى ما ذكرنا يتم من عام مولده إلى خمسين سنة من عمره صلى الله عليه واله دورتان في الحادية والخمسين، تبتدئ الدورة الثالثة من جمادي الثانية، وتكون لكل شهر حجتان إلى أن ينتهي إلى الحادية والستين والثانية والستين، فيكون الحج فيهما في ذي القعدة، ويكون في حجة الوداع الحج في ذي الحجة، فتكون مدة الحمل عشرة أشهر. فإن قلت: على ما قررت من أن في كل دورة متأخر سنة ففي نصف الدورة تتأخر ستة أشهر، ومن ربيع الاول الذي هو شهر المولد إلى جميدي الثانية التي هي شهر الحج نحو من ثلاثة أشهر، فكيف يستقيم الحساب على ما ذكرت ؟ قلت: تاريخ السنة محسوبة من شهر الولادة، فمن ربيع الاول من سنة الولادة إلى مثله من سنة ثلاث وستين تتم ثنتان وستون، ويكون السابع عشر منه ابتداء سنة الثالث والستين، وفي الشهر لعاشر من تلك السنة أعني ذي الحجة وقع الحج الحادي والستون، وتوفي قبل إتمام

[ 254 ]

تلك السنة على ما ذهبت إليه الشيعة بتسعة عشر يوما "، فصار عمره صلى الله عليه واله ثلاثا " وستين إلا تلك الايام المعدودة، وأما ما رواه في كتاب النبوة فيمكن أن يكون الحمل في أول سنة وقع الحج في جميدي الثانية، ومن سنة الحمل إلى سنة حجة الوداع أربع وستون سنة، وفي الخمسين تمام الدورتين، وتبتدئ الثالثة من جميدي الثانية، ويكون في حجة الوداع، والتي قبلها الحج في ذي الحجة، ولا يخالف شيئا " إلا ما مر عن مجاهد أن حجة الوداع كانت مسبوقة بالحج في ذي القعدة، وقوله غير معتمد في مقابلة الخبر إن ثبت أنه رواه خبرا "، وتكون مدة الحمل على هذا تسعة أشهر إلا يوما "، فيوافق ما هو المشهور في مدة حمله صلى الله عليه واله عند المخالفين. 6 - ص: روي أنه صلى الله عليه واله ولد في السابع عشر من شهر ربيع الاول عام الفيل يوم الاثنين، وقيل: يوم الجمعة، وقال صلى الله عليه واله: (ولدت في زمن الملك العادل) يعني أنوشيروان بن قباد قاتل مزدك والزنادقة (1). 7 - ك، لى: الدقاق، عن ابن ذكريا القطان، عن البرمكي، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت أبا طالب حدث (2) عن عبد المطلب قال: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا " هالتني، فأتيت كاهنة قريش وعلي مطرف خز، وجمتي تضرب منكبي، فلما نظرت إلي عرفت في وجهي التغير فاستوت وأنا يومئذ سيد قومي، فقالت: ما شأن سيد العرب متغير اللون ؟ هل رابه من حدثان الدهر ريب ؟ فقلت لها: بلى إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر، كأن شجرة قد نبتت على ظهري قد نال رأسها السماء، وضربت بأغصانها الشرق والغرب، ورأيت نورا " يزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا، ورأيت العرب والعجم ساجدة لها، وهي كل يوم تزداد عظما " ونورا "، ورأيت رهطا " من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخذهم شاب من أحسن الناس وجها "، وأنظفهم ثيابا "، فيأخذهم ويكسر ظهورهم، ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لا تناول غصنا " من أغصانها، فصاح بي الشاب وقال: مهلا "


(1) قصص الانبياء: مخطوط. (2) في المصدر: يحدث.

[ 255 ]

ليس لك منها نصيب، فقلت: لمن النصيب والشجرة مني ؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين قد تعلقوا بها وسيعود إليها، فانتبهت مذعورا " فزعا " متغير اللون، فرأيت لون الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق والغرب، وينبأ (1) في الناس، فتسري (2) عني غمي، فانظر أبا طالب لعلك تكون أنت، وكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبى صلى الله عليه واله قد خرج، ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الامين (3). توضيح: قال الجزري: المطرف بكسر الميم وفتحها وضمها: الثوب الذي في طرفيه علمان، وقال: الجمة من شعر الرأس: ما سقط على المنكبين، وقال الجوهري: هي بالضم مجتمع شعر الرأس. أقول: لعل ذكر هذا إما لبيان شرافته بأن يكون إرسال الجمة من خواص الشرفاء، أو اضطرابه وارتعاده، والريب: نازلة الدهر. ورابه أمر: رأى منه ما يكره، قوله: وسيعود إليها، يحتمل أن يكون المراد بالذين تعلقوا بها الذين يريدون قلعها، ويكون قوله: وستعود بالتاء، أي ستعود تلك الجماعة بعد منازعتهم ومحاربتهم إلى هذه الشجرة، ويؤمنون بها، فيكون لهم النصيب منها، أو بالياء فيكون المستتر راجعا " إلى الرسول صلى الله عليه واله، والبارز في منها إلى الجماعة، أي سيعود النبي صلى الله عليه واله إليهم بعد إخراجهم له فيؤمنون به، فيكون إشاره إلى فتح مكة، أو يكون المستتر راجعا " إلى الشاب، والبارز إلى الشجرة، أي سيرجع هذا الشاب إلى الشجرة في اليقظة، كما تعلق بها في النوم، و على هذا يحتمل أن يكون المراد بالذين تعلقوا بها أبا طالب وأضرابه ممن لم يذكروا قبل، ويحتمل أن يكون المستتر راجعا " إلي النصيب، والبارز إلي الشجرة، إي يكون له صلى الله عليه واله ثواب إسلامهم، ويحتمل أن يكون ستعود بصيغة الخطاب، أي ستعود يا عبد المطلب إليه صلى الله عليه واله عند ولادته، لكن لا تبلغ ولا تدرك وقت نبوته، قوله: لعلك تكون أنت، أي ذلك الشاب، ويحتمل أن يكون الشاب أمير المؤمنين عليه السلام.


(1) في كمال الدين: يتنبأ، وفيه: فسرى. وفيه: يا ابا طالب. (2) سرى عنه أو عن قلبه: كشف عنه الهم. (3) كمال الدين: 103، الامالى: 158.

[ 256 ]

8 - ك، لى: القطان، عن ابن زكريا القطان، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن سعيد بن مسلم مولى لبني مخزوم، عن سعيد بن أبي صالح، عن أبيه. عن ابن عباس قال: سمعت أبي العباس يحدث قال: ولد لابي عبد المطلب عبد الله، فرأينا في وجهه نورا " يزهر كنور الشمس، فقال أبي: إن لهذا الغلام شأنا " عظيما "، قال: فرأيت في منامي أنه خرج من منخره طائر أبيض، فطار فبلغ المشرق والمغرب، ثم رجع راجعا " حتى سقط على بيت الكعبة فسجدت له قريش كلها، فبينما الناس يتأملونه إذ صار نورا " بين السماء والارض، وامتد حتى بلغ المشرق والمغرب، فلما انتهبت سألت كاهنة بني مخزوم فقالت: يا عباس لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبه ولد يصير أهل المشرق والمغرب تبعا " له، قال أبي: فهمني أمر عبد الله إلى أن تزوج بآمنة، وكانت من أجمل نساء قريش وأتمها خلقا "، فلما مات عبد الله وولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه واله أتيته فرأيت النور بين عينيه يزهر، فحملته وتفرست في وجهه فوجدت منه ريح المسك، وصرت كأني قطعة مسك من شدة ريحي، فحدثتني آمنة وقالت لي: إنه لما أخذني الطلق، واشتد بي الامر سمعت جلبة " وكلاملا " لا يشبه كلام الآدميين، ورأيت علما " من سندس على قضيب من ياقوت قد ضرب بين السماء والارض، ورأيت نورا " يسطع من رأسه حتى بلغ السماء، ورأيت قصور الشامات كأنها شعلة نار نورا "، ورأيت حولي من القطاة أمرا " عظيما قد نشرت (1) أجنحتها حولي، ورأيت شعيرة الاسدية قد مرت وهى تقول: آمنة ما لقيت الكهان والاصنام من ولدك ؟ ورأيت رجلا " شابا من أتم الناس طولا "، و أشدهم بياضا "، وأحسنهم ثيابا " ما ظننته إلا عبد المطلب قد دنا مني فأخذ المولود فتفل في فيه، ومعه طست من ذهب مضروب بالزمرد، ومشط من ذهب، فشق بطنه شقا "، ثم أخرج قلبه فشقه، فأخرج منه نكته سوداء فرمى بها (1) ثم، أخرج صرة من حريرة خضراء ففتحها، فإذا " فيها كالذريرة البيضاء فحشاه، ثم رده إلى ما كان، ومسح على بطنه واستنطقه فنطق


(1) وقد نشرت خ ل وهو الموجود في الامالى. (2) الحديث كما ترى مروى من طرق العامة، متضمن ما يخالف مذهب الامامية، وهو شق القلب وإخراج نكتة سوداء، وقد ورد ذلك في أخبارهم.

[ 257 ]

فلم أفهم ما قال إلا أنه قال: في أمان الله وحفظه وكلائته، قد حشوت قلبك إيمانا " وعلما " و حلما " ويقينا " وعقلا " وشجاعة (1)، أنت خير البشر، طوبى لمن اتبعك، وويل لمن تخلف عنك، ثم أخرج صرة اخرى من حريرة بيضاء ففتحها فإذا " فيها خاتم فضرب على كتفيه (2)، ثم قال: أمرني ربي أن أنفخ فيك من روح القدس فنفخ فيه، وألبسه قميصا "، وقال: هذا أمانك من آفات الدنيا، فهذا ما رأيت يا عباس بعيني، قال العباس: وأنا يومئذ أقرء (3) فكشفت عن ثوبه فإذا " خاتم النبوة بين كتفيه، فلم أزل أكتم شأنه وأنسيت (4) الحديث فلم أذكره إلى يوم إسلامي حتى ذكرني رسول الله صلى الله عليه واله (5). بيان: الجلبة: اختلاط الاصوات. والسندس بالضم: ما رق من الديباج و رفع (6). 9 - لى: ابن البرقي، عن أبيه، عن جده، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله الصادق صلى الله عليه واله قال: كان إبليس لعنه الله يخترق السماوات السبع، فلما ولد عيسى عليه السلام حجب عن ثلاث سماوات، وكان يخترق أربع سماوات، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه واله حجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم، وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه، وقال عمرو بن امية: وكان من أزجر أهل الجاهلية: انظروا هذه النجوم التي يهتدي بها، ويعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان رمي بها فهو هلاك كل شئ، وإن كانت ثبتت ورمي بغيرها فهو أمر حدث، وأصبحت الاصنام كلها صبيحة ولد النبي صلى الله عليه واله ليس منها صنم إلا وهو منكب على وجهه، وارتجس في تلك الليلة أيوان كسرى، وسقطت منه أربعة عشر شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة،


(1) في كمال الدين: وحكما، مكان وعقلا. (2) بين كتفيه خ ل وفي المصدر: فضرب به على كتفيه. (3) وعمى العباس في أواخر عمره. (4) في كمال الدين: نسيت. قلت: حديث النسيان لا يخلو عن غرابة. (5) كمال الدين: 104 و 105، الامالى: 158 و 159. (6) رفع الثوب: خلاف غلظ.

[ 258 ]

وخمدت نيران فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى المؤبذان في تلك الليلة في المنام إبلا " صعابا " تقود خيلا " عرابا " (1)، قد قطعت دجلة، وانسربت في بلادهم، وانقصم طاق الملك كسرى من وسطه، وانخرقت عليه دجلة العوراء، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا "، والملك مخرسا " لا يتكلم يومه ذلك وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة، ولم تبق كاهنة في العرب إلا حجبت عن صاحبها، وعظمت قريش في العرب، وسموا آل الله عزوجل. قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: إنما سموا آل الله لانهم في بيت الله الحرام، وقالت آمنة: إن إبني والله سقط فاتقى الارض بيده، ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج مني نور أضاء له كل شئ، وسمعت في الضوء قائلا " يقول: إنك قد ولدت سيد الناس فسميه محمدا "، وأتي به عبد المطلب لينظر إليه وقد بلغه ما قالت امه، فأخذه فوضعه في حجره ثم قال: الحمد لله الذي أعطاني، هذا الغلام الطيب الاردان، قد ساد في المهد على الغلمان. ثم عوذه بأركان الكعبة، وقال فيه أشعارا "، قال: وصاح إبليس لعنه الله في أبالسته فاجتمعوا إليه، فقالوا: ما الذي أفزعك يا سيدنا ؟ فقال لهم: ويلكم لقد أنكرت السماء والارض منذ الليلة، لقد حدث في الارض حدث عظيم ما حدث مثله منذ رفع عيسى بن مريم عليه السلام، فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث، فافترقوا ثم اجتمعوا إليه فقالوا: ما وجدنا شيئا "، فقال إبليس لعنه الله: أنا لهذا الامر، ثم انغمس في الدنيا فجالها حتى انتهى إلى الحرم فوجد الحرم محفوظا بالملائكة، فذهب ليدخل فصاحوا به، فرجع ثم صار مثل الصر وهو العصفور فدخل من قبل حرى (2)، فقال له جبرئيل: وراك لعنك الله، فقال له: حرف أسألك عنه يا جبرئيل، ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الارض ؟


(1) خيل عراب: كرائم سالمه من الهجنة. (2) في المصدر: حراء، وهو بالكسر والمد وهو الاصح من القصر.

[ 259 ]

فقال له: ولد محمد صلى الله عليه واله، فقال له: هل لي فيه نصيب ؟ قال: لا، قال: ففي امته ؟ قال: نعم، قال: رضيت (1). توضيح: الزجر بالفتح: العيافة وهو نوع من التكهن، تقول: زجرت أنه يكون كذا. والارتجاس: الاضطراب والتزلزل الذي يسمع منه الصوت الشديد. وغاض الماء بالغين والضاد المعجمتين، أي قل ونضب، قال الجزري: ومنه حديث سطيح وغاضت بحيرة ساوة، أي غار ماءها وذهب. والسماوة بالفتح: موضع بين الكوفة والشام، وقال الخليل في العين: هي فلاة بالبادية تتصل بالشام. والمؤبذان بضم الميم وفتح الباء: فقيه الفرس وحاكم المجوس كالمؤبذ ذكره الفيروز آبادى. وقال الجزرى: في حديث سطيح فأرسل كسرى إلى المؤبذان، المؤبذان للمجوس كقاضي القضاة للمسلين، والمؤبذ كالقاضي. وانسرب الثعلب في حجره أي دخل. قوله عليه السلام: وانخرقت عليه دجلة العوراء يظهر مما سيأتي أن كسرى كان سكر (2) بعض الدجلة وبنى عليها بناء، فلعله لذلك وصفوا الدجلة بعد ذلك بالعوراء (3) لانه عور وطم (4) بعضها فانخرقت عليه، وانهدم بنيانه، ورأيت في بعض المواضع بالغين المعجمة من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي العميقة. والاردان جمع الردن بالضم، وهو أصل الكم، ولعله إنما خصها بالطيب لان الرائحة الخبيثة غالبا " تكون فيها لمجاورتها للاباط، قال الشاعر: وعمرة من سروات النساء * تنفح بالمسك أردانها قوله: ثم عوذه بأركان الكعبة، أي مسحه بها، أو دعا له عندها، أو كتب أسمائها وعلقه عليه صلى الله عليه واله وسلم. قال الفيروز آبادى: الصر: طائر كالعصفور أصفر، وقال الجزرى: هو عصفور


(1) الامالى: 171 و 172. (2) سكر النهر: جعل له سدا. (3) في معجم البلدان 4: 167: دجلة العوراء: دجلة البصرة. (4) عارت عين الماء: دفنت فانسدت عيونها، والطم بمعناه.

[ 260 ]

أو طائر في قده، أصفر اللون، وفي بعض النسخ والعصفور، وقال الفيروز آبادى: حرى كعلى: جبل بمكة، معروف فيه الغار، وقال الجوهرى وغيره: إنه بالكسر والمد. 10 - ما: الجعابي (1)، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يوسف الجعفي، عن محمد بن حسان، عن حفص بن راشد الهلالي، عن محمد بن عباد، عن سريع (2) البارقي قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: لما ولد النبي عليه السلام ولد ليلا " فأتى رجل من أهل الكتاب إلى الملا من قريش وهم مجتمعون: هشام بن المغيرة، والوليد بن المغيرة، و عتبة، وشيبة، فقال: أولد فيكم الليلة مولود ؟ قالوا: لا وما ذاك، قال: لقد ولد فيكم الليلة أو بفلسطين مولود اسمه أحمد، به شامة، يكون هلاك أهل الكتاب على يديه، فسألوا فأخبروا فطلبوه، فقالوا: لقد ولد فينا غلام، فقال: قبل أن انبئكم أو بعد ؟ قالوا: قبل، قال: فانطلقوا معي أنظر إليه، فأتوا امه وهو معهم فأخبرتهم كيف سقط، و ما رأت من النور، قال اليهودي: فاخرجيه، فنظر إليه، ونظر إلى الشامة فخر مغشيا " عليه، فأدخلته امه، فلما أفاق قالوا له: ويلك مالك ؟ قال: ذهبت نبوة بني إسرائيل إلى يوم القيامة، هذا والله مبيرهم، ففرحت قريش بذلك، فلما راى فرحهم قال: والله ليسطون بكم سطوة يتحدث بها أهل الشرق وأهل الغرب (3). بيان: فلسطين بكسر الفاء وفتح اللام: الكورة المعروفة ما بين الاردن وديار مصر، وام بلادها بيت المقدس، ولعل ترديده لانه راى علامة ولادة نبي فشك أنه خاتم الانبياء فيكون مولده بمكة أو غيره، فيكون في بيت المقدس، أو لم يكن يتبين له أن مولد خاتم الانبياء مكة، أو فلسطين، والسطو: القهر والبطش، يقال: سطا به وعليه. 11 - ج: عن موسى بن جعفر عليها السلام في خبر اليهودي الذى سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن معجزات الرسول عليه السلام قال: فإن هذا عيسى بن مريم يزعمون أنه تكلم في المهد


(1) فيه وهم فان الشيخ الطوسى لا يروى عن الجعابى بغير واسطة، بل يروى عنه بواسطة المفيد فالصحيح كما في المصدر: محمد بن محمد عن الجعابى. (2) في المصدر: محمد بن عباد بن سريع البارقى، وهو الصحيح، والرجل مذكور في رجال الشيخ في أصحاب الصادق عليه السلام. (2) الامالى: 90.

[ 261 ]

صبيا "، قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه واله سقط من بطن امه واضعا " يده اليسرى على الارض، ورافعا " يده اليمنى إلى السماء، ويحرك شفتيه بالتوحيد، وبدا من فيه نور رأى أهل مكة منه قصور بصرى من الشام وما يليها، والقصور الحمر من أرض اليمن وما يليها، والقصور البيض من إصطخر وما يليها، ولقد أضائت الدنيا ليلة ولد النبي صلى الله عليه واله حتى فزعت الجن والانس والشياطين وقالوا: يحدث (1) في الارض حدث، ولقد رأت الملائكة ليلة ولد تصعد وتنزل، وتسبح وتقدس، وتضطرب النجوم وتتساقط النجوم علامات لميلاده، ولقد هم إبليس بالظعن في السماء لما رأى من الاعاجيب في تلك الليلة، وكان له مقعد في السماء الثالثة، والشياطين يسترقون السمع، فلما رأوا الاعاجيب أرادوا أن يسترقوا السمع، فإذاهم قد حجبوا من السماوات كلها، ورموا بالشهب دلالة لنبوته صلى الله عليه واله (2). بيان: بصرى: بلد بالشام، وإصطخر بالفارس معروف، قوله عليه السلام: ولقد رأت الملائكة، أي الشياطين رأوهم. 12 - لى: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن زياد بن المنذر، عن ليث بن سعد قال: قلت لكعب وهو عند معاوية: كيف تجدون صفة مولد النبي صلى الله عليه واله ؟ وهل تجدون لعترته فضلا " ؟ فالتفت كعب إلى معاوية لينظر كيف هواه، فأجرى الله عزوجل على لسانه فقال: هات يا أبا إسحاق رحمك الله ما عندك، فقال كعب: إني قد قرأت اثنين وسبعين كتابا " كلها انزلت من السماء، وقرأت صحف دانيال كلها، ووجدت في كلها ذكر مولده ومولد عترته، وإن اسمه لمعروف وإنه لم يولد نبي قط فنزلت عليه الملائكة ما خلا عيسى وأحمد صلوات الله عليهما، وما ضرب على آدمية حجب الجنة غير مريم وآمنة ام أحمد صلى الله عليه واله، وما وكلت الملائكة بانثى حملت غير مريم ام المسيح عليه السلام وآمنة ام أحمد صلى الله عليه واله، وكان من علامة حمله أنه لما كانت الليلة التي حملت آمنة به صلى الله عليه واله


(1) في المصدر: حدث. (2) الاحتجاج: 118 و 119. والحديث طويل أخرجه المصنف في كتاب الاحتجاجات، راجع ج: 10: 28 - 49.

[ 262 ]

نادى مناد في السماوات السبع: أبشروا، فقد حمل الليلة بأحمد، وفي الارضين كذلك حتى في البحور، وما بقي يومئذ في الارض دابة تدب ولا طائر يطير إلا علم بمولده، ولقد بني في الجنة ليلة مولده سبعون ألف قصر من ياقوت أحمر، وسبعون ألف قصر من لؤلؤ رطب، فقيل: هذه قصور الولادة، ونجدت (1) الجنان، وقيل لها: اهتزي وتزيني، فإن نبي أوليائك قد ولد، فضحكت الجنه يومئذ فهي ضاحكة إلى يوم القيامة، وبلغني أن حوتا " (2) من حيتان البحر يقال له: طموسا وهو سيد الحيتان له سبعمأة ألف ذنب، يمشي على ظهره سبعمأة ألف ثور الواحد منها أكبر من الدنيا، لكل ثور سبعمأة ألف قرن من زمرد أخضر، لا يشعر بهن، اضطرب فرحا " بمولده، ولو لا أن الله تبارك وتعالى ثبته لجعل عاليها سافلها، ولقد بلغني أن يومئذ ما بقي جبل إلا نادى صاحبه بالبشارة، ويقول: لا إله إلا الله، ولقد خضعت الجبال كلها لابي قبيس كرامة لمحمد صلى الله عليه واله، ولقد قدست الاشجار أربعين يوما " بأنواع أفنانها وثمارها فرحا " بمولده صلى الله عليه واله، ولقد ضرب بين السماء والارض سبعون عمودا " من أنواع الانوار لا يشبه كل واحد صاحبه، وقد بشر آدم عليه السلام بمولده فزيد في حسنه سبعين صنفا " (3)، وكان قد وجد مرارة الموت و كان قد مسه ذلك فسري عنه ذلك، ولقد بلغني أن الكوثر اضطرب في الجنة واهتز فرمى بسبعمائة ألف قصر من قصور الدر والياقوت نثارا " لمولد محمد صلى الله عليه واله، ولقد زم إبليس وكبل والقي في الحصن أربعين يوما "، وغرق عرشه أربعين يوما "، ولقد تنكست الاصنام كلها وصاحت وولولت، ولقد سمعوا صوتا " من الكعبة: يا آل قريش قد جاءكم البشير، جاءكم النذير، معه العز الابد، والربح الاكبر، وهو خاتم الانبياء، ونجد في الكتب أن عترته خير الناس بعده، وأنه لا يزال الناس في أمان من العذاب مادام من عتره في دار الدنيا


(1) أي زينت. (2) هذا من أعاجيب قصص كعب الاحبار وهو من رواة العامة، يقول ذلك ولا يشعر بان ذلك الحوت الذى على ظهره سبعمائة ألف ثور الواحد منها أكبر من الدنيا يحتاج إلى مكان يكون أوسع من الدنيا بأضعاف كثيرة، فكيف يمكن أن يكون في بحر من الدنيا ؟ ! ان قلت: إن مراده أنه في بحر من الجنة، قلت: فما معنى لقوله: جعل عاليها سافلها ؟ !. (3) ضعفا خ ل وهو الموجود في المصدر.

[ 263 ]

خلق يمشي، فقال معاوية: يا أبا إسحاق ومن عترته ؟ قال كعب: ولد فاطمة، فعبس وجهه، وعض على شفييه، وأخذ يعبث بلحيته، فقال كعب: وإنا نجد صفة الفرخين المستشهدين، وهما فرخا فاطمة عليها السلام، يقتلهما شر البرية، قال: فمن يقتلهما ؟ قال: رجل من قريش، فقام معاوية وقال: قوموا إن شئتم فقمنا (1). بيان: التنجيد: التزيين، الافنان: الاغصان، وسري عنه الهم بالتشديد على بناء المفعول أي انكشف، والزم: الشد، والكبل: القيد الضخم، يقال: كبلت الاسير وكبلته. 13 - مع: الدقاق، عن الكليني، عن الحسن بن محمد، عن محمد بن يحيى الفارسي عن أبي حنيفة محمد بن يحيى، عن الوليد بن أبان، عن محمد بن عبد الله بن مسكان، عن أبيه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن فاطمة بنت أسد رحمها الله جاءت إلى أبي طالب رحمه الله تبشره (2) بمولد النبي صلى الله عليه واله فقال لها أبو طالب: اصبري لي سبتا " آتيك بمثله إلا النبوة، وقال: السبت: ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله صلى الله عليه واله وأمير المؤمنين عليه السلام ثلاثون سنة (3). بيان: قال الجوهري والفيروز آبادي: السبت: الدهر. 14 - ك: أحمد بن محمد بن رزمة، عن الحسن بن علي بن نصر، عن علي بن حرب الموصلي، عن يعلى بن عمران، عن ولد جرير (4) بن عبد الله، عن مخزوم بن هاني، عن أبيه وأتت له مأة وخمسون سنة، قال: لما كانت ليلة ولد (5) فيها رسول الله صلى الله عليه واله ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربعة عشر شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك ألف سنة، ورأى المؤبذان إبلا صعابا " تقود خيلا " عرابا " قد قطعت دجلة (6).


(1) الامالى: 357 و 356. (2) مبشرة خ ل. (3) معاني الاخبار: 114. (4) في المصدر: من ولد جرير. (5) في المصدر: الليلة التى ولد. (6) في المصدر: الدجلة.

[ 264 ]

وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى هاله ما رأى فتصير عليها (1) تشجعا "، ثم رأى أن لا يسر ذلك عن وزرائه فلبس تاجه، وجلس على سريره، وجمعهم فأخبرهم بما رأى، فبينا هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النار (2) فازداد غما " إلى غمه، فقال المؤبذان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة، ثم قص عليه رؤياه في الابل والخيل، فقال: أي شئ يكون هذا يا مؤبذان ؟ وكان أعلمهم في أنفسهم، فقال: حادث يكون في ناحية المغرب، فكتب عند ذلك: من كسرى الملك (3) إلى النعمان بن المنذر، أما بعد فتوجه (4) إلي برجل عالم بما اريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن تغلبة (5) الغساني، فلما قدم عليه قال: عندك (6) علم ما اريد أن أسألك عنه ؟ قال: ليسئلني الملك ويخبرني (7)، فإن كان عندي علم منه وإلا أخبرته من يعلمه (8)، فأخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن بمشارف (9) الشارم يقال له: سطيح، قال: فأته فاسئله وأخبرني بما يرد عليك، فخرج عبدالمسيح حتى ورد على سطيح وقد أشرف على الموت فسلم عليه وحياه، فلم يرد عليه سطيح جوابا "، فأنشأ عبدالمسيح يقول: أصم أم يسمع غطريف (10) اليمن * أم فاز (11) فازلم به شأو العنن يا فاصل الخطة أعيت من ومن * وكاشف الكربة في الوجه الغضن


(1) هكذا في النسخة، والصحيح: فتصبر عليها، وفي المصدر: فنصبر عليها وهو مصحف. (2) في المصدر: نار فارس. (3) في المصدر: ملك الملوك. (4) في المصدر: فوجه. (5) نفيلة خ ل وهو الموجود في المصدر. (6) في المصدر: أعندك. (7) في المصدر: أو ليخبرني. (8) بمن يعلمه خ ل وهو الموجود في المصدر. (9) بمشارق خ ل. (10) الغطريف: السيد الحسن. السرى. (11) فاد خ ل.

[ 265 ]

أتاك شيخ الحي من آل سنن (1) * وامه من آل ذئب بن حجن أزرق (2) ضخم الناب صرار الاذن * أبيض فضفاض الرداء والبدن رسول قيل العجم كسرى للوسن * لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن تجوب في (3) الارض علنداة شجن * ترفعني طورا " وتهوي بي دجن حتى أتى عاري الجآجئ والقطن * تلفه في الريح بوغاء الدمن فلما سمع سطيح شعره فتح عينيه فقال: عبدالمسيح على، جميل يسيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح (4)، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الايوان (5)، وخمود النيران، ورؤيا المؤبذان، رأى إبلا صعابا "، تقود خيلا عرابا "، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، وغاض بحيرة ساوة، فقل يا عبدالمسيح: إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، فليس الشام لسطيح شاما "، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه، فنهض عبدالمسيح إلى رحله وهو يقول: شمر فإنك ماضي العزم شمير * لا يفزعنك تفريق وتغيير إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم * فإن ذا الدهر أطوار دهارير وربما كان قد أصخو (6) بمنزلة * تهاب صولهم (7) الاسد المهاصير فيهم أخو الصرح بهرام وإخوته * والهرمزان وسابور وسابور والناس أولاد علات فمن علموا * أن قد أقل فمحقور ومهجور وهم بنو الام إما (8) إن رأوا نشبا " * فذاك بالغيب محفوظ ومنصور


(1) في تاريخ اليعقوبي: من آل يزن. وفي المصدر: من آل ستن. (2) في المصدر: أورق. (3) في المصدر: تجوب في الارض. (4) في تاريخ اليعقوبي: على جمل مشيح، نحو سطيح، حين أشفى على الضريح. (5) في تاريخ اليعقوبي: لهدم الايوان. (6) هكذا في النسخة والمصدر. ولعله مصحف أضحوا، كما في نسختنا المخطوطة من المصدر. (7) في المصدر: صولتهم. (8) لما خ ل.

[ 266 ]

والخير والشر مقرونان في قرن * والخير متبع والشر محذور قال: فلما قدم على كسرى أخبره بما قال سطيح، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا " قد كانت امور، قال: فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى أمارة عثمان، وكان سطيح ولد في سيل العرم فعاش إلى ملك ذي نواس، وذلك أكثر من ثلاثين قرنا "، وكان مسكنه بالبحرين، فتزعم عبد القيس أنه منهم، وتزعم الازد أنه منهم، وأكثر المحدثين قالوا: إنه من الازد، ولا يدرى ممن هو غير أن عقبه يقولون: نحن من الازد (1). ايضاح: قال في النهاية: المشارف: القرى التي تقرب من المدن، وقيل: القرى التي بين بلاد الريف وجزيرة العرب، قيل لها ذلك لانها أشرفت على السواد. والغطريف بالكسر: السيد، وقال الجزري: فاز يفوز فوزا ": مات، وقال: يردى بالدال بمعناه، وقال: ازلم أي ذهب مسرعا "، وأصله ازلام فحذفت الهمزة تخفيفا "، والشأو: السبق والغاية، والعنن: اعتراض، وشأو العنن: اعتراض الموت وسبقه، وقيل: ازلم: قبض، والعنن: الموت، أي عرض له الموت فقبضه، قوله: يا فاصل الخطة، الفاصل: المبين. الحاكم. والخطة بضم الخاء، وتشديد الطآء: الخطب، والامر، والحال، اي يا من يبين ويظهر امورا " أعيت وأعجزت، من ومن، أي جماعة كثيرة، قال في الفائق: أراد أن تلك الخطة لصعوبتها أعجزت من الحكماء والبصراء من جل قدره، فحذفت الصلة، كما حذفت في قولهم: بعد اللتيا والتي، إيذانا " بأن ذلك مما تقصر العبارة عنه لعظمه. وقال الجزري: الوجه الغضن هو الوجه الذي فيه تكسر وتجعد من شدة الهم والكرب الذي نزل به، والازرق: صفة البعير ولونه، وفي بعض الكتب أورق، وهو أيضا " لون، وفي بعضها: أصك أي الذي يصطك قدماه. قوله: ضخم الناب: في بعض الروايات: مهم الناب، قيل: أي تام السن، و قال الجزري: في حديث سطيح أزرق مهم الناب، صرار الاذن، أي حديد الناب، قال الازهري: هكذا روي، وأظنه مهو الناب بالواو، يقال: سيف مهو، أي حديد ماض،


(1) كمال الدين: 112 و 113. وأخرج اليعقوبي مثله مختصرا في التاريخ 2: 4 و 5

[ 267 ]

وأورده الزمخشري ممهي الناب، وقال: الممهي: المحدد، من أمهيت الحديدة إذا حددتها، شبه بعيره بالنمر لزرقة عينيه، وسرعة سيره، وقال: صر أذنه وصررها: سواها، ونصبها، والاصوب كون هذا المصرع بعد ذلك في سياق ذكر البعير كما في سائر الكتب فإنه فيها بعد قوله: والقطن. والفضفاض: الواسع، والبدن: الدرع، قال الجزري: يريد به كثرة العطاء، وقال غيره: كناية عن سعة الصدر، والقيل بالفتح: الملك قوله: للوسن، أي لشأن الرؤيا التى رآها الملك، وفي بعض النسخ (يسري) بدل (كسرى) أي يجري، لا يرهب الرعد، في بعض الروايات لا يرهب الدهر، وتجوب أي تقطع، والعلنداة: الناقة الصلبة القوية، والشجن بالتحريك: الناقة المتداخلة الخلق، كأنها شجرة متشجنة: أي متصلة الاغصان، وفي بعض الروايات: شزن، أي تمشي من نشاطها على جانب، وشزن فلان: إذ نشط، وقيل: الشزن: الذي أعيى من الجفاء، وقيل: الغليظ المرتفع، كأنه مصدر، أي ذات شجن، ويقال: بات فلان على شزن، أي على قلق يتقلب من جنب إلى جنب، وأشزان الخيل: ضروب نشاطها. قوله: ترفعني طورا "، في الفائق والنهاية وغيرهما: ترفعني وجنا "، وتهوي بي وجن. وفي بعض الكتب: وجنآء تهوي من وجن، والوجن والوجن جمع الوجين وهو الارض الغليظة، والوجناء: الناقة الشديدة، أي لم تزل الناقة التي هذه صفتها ترفعني مرة في الارض بهذه الصفة، وتخفضني أخرى، وفي أكثر نسخ الكتاب: دجن بالدال المهملة. والدجنة: الظلمة، ولعله تصحيف. والجآجي جمع الجؤجؤ، وهو الصدر، والقطن بالتحريك: ما بين الوركين، يعني أن السير قد هزلها، وذهب بلحمها، وفي بعض الروايات عالي الجآجي، وهو قريب من العاري، لان العظم إذا عرى عن اللحم يرى مرتفعا " عاليا "، والبوغآء: التراب الناعم، والدمن بكسر الدال وفتح الميم: ما تجمع وتلبد منه، قال الجزري: كأنه من المقلوب، تقديره تلفه الريح في بوغآء الدمن، وتشهد له الرواية الاخرى:

[ 268 ]

تلفه الريح ببوغاء الدمن. وفي الفائق والنهاية وغيرها بعدها: كأنما حثحث من حضني تكن (1). حثحث: أسرع وحث، والحضن: الجانب، وتكن: اسم جبل حجازي، والمعنى أن من كثرة التراب والغبار الذي أصابه في سرعة سيره كأنما أعجل من هذا الموضع الذى اجتمع فيه التراب الكثير. قوله: على جمل يسيح، في سائر الكتب على جمل مشيح، جاء إلى سطيح، والمشيح بضم الميم والحاء المهملة: الجاد المسرع، وقد أوفى أي أشرف، والضريح: القبر، أي قرب أن يدخل القبر. قوله: إذا كثرت التلاوة، أي تلاوة القرآن، والهراوة: العصا، وصاحب الهراوة النبي صلى الله عليه واله لانه كان يأخذ العنزة (2) بيده ويصلي إليها. قوله: فليس الشام لسطيح شاما "، أي لم يبق حينئذ سطيح، أو يتغير أحوال الشام، وفي بعض الروايات بعد قوله على عدد الشرفات: ثم تكون هنات وهنات، أي شدائد وامور عظام، والشمير: الشديد التشمير. قوله: تفريق وتغيير، في بعض الروايات: تشريد وتغرير. قوله: أفرطهم، على صيغة الماضي، أي تركهم وزال عنهم، والاطوار: الحالات. قوله: دهارير، قال الجزري: حكى الهروي عن الازهرى أن الدهارير جمع الدهور، أراد أن الدهر ذو حالتين: من بؤس ونعم، وقال الجوهري: يقال: دهر دهارير، أي شديد، كقولهم: يوم أيوم، وقال الزمخشري: الدهارير: تصاريف الدهر ونوائبه، مشتق من لفظ الدهر، ليس له واحد من لفظه، كعباديد. والمهاصير: جمع المهصار، وهو الشديد الذى يفترس. والصرح: القصر. قوله: أولاد علات، أي من امهات شتى، كناية عن عدم الالفة والمحبة بينهم. قوله: أن قد أقل، أي افتقر وقل ما في يده.


(1) المصرع موجود في المصدر ولكن فيه: من حضنى حصن. (2) العنزة: شبيه العكازة لها زج من أسفلها.

[ 269 ]

قوله: وهم بنو الام، أي يعطف بعضهم على بعض، كما هو شأن أولاد ام واحدة. والنشب بالتحريك: المال والعقار، وكلمة إما زائدة، وفي بعض النسخ لما، وهو أظهر. 15 - ك: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان يرفعه بإسناده قال: لما بلغ عبد الله بن عبد المطلب زوجه عبد المطلب آمنة بنت وهب الزهري، فلما تزوجها (1) حملت برسول الله صلى الله عليه واله، فروي عنها أنها قالت: لما حملت برسول الله صلى الله عليه واله لم أشعر بالحمل ولم يصبني ما يصيب النساء من ثقل الحمل، ورأيت في نومي كأن آتيا " أتاني وقال لي: قد حملت بخير الانام، فلما حان وقت الولادة خف ذلك علي حتى وضعته صلى الله عليه واله، وهو يتقي الارض بيديه (2)، وسمعت قائلا " يقول: وضعت خير البشر، فعوذيه بالواحد الصمد، من شر كل باغ وحاسد، فولدت (3) رسول الله صلى الله عليه واله عام الفيل لاثنتى عشرة ليلة من شهر ربيع الاول يوم الاثنين، فقالت آمنة: لما سقط إلى الارض اتقى الارض بيديه وركبتيه، ورفع رأسه إلى السماء، وخرج مني نور أضاء ما بين السماء والارض، ورميت الشياطين بالنجوم، وحجبوا عن السماء، ورأت قريش الشهب والنجوم تسير في السماء، ففزعوا لذلك وقالوا: هذا قيام الساعة، واجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة فأخبروه بذلك، وكان شيخا " كبيرا " مجربا "، فقال: انظروا إلى هذه النجوم التي يهتدى بها (4) في البر والبحر، فإن كانت قد زالت فهو قيام الساعة، وإن كانت هذه ثابتة فهو لامر قد حدث، وأبصرت الشياطين ذلك فاجتمعوا إلى إبليس فأخبروه بأنهم قد منعوا من السماء، ورموا بالشهب، فقال: اطلبوا، فإن أمرا " قد حدث، فجالوا في الدنيا ورجعوا فقالوا: لم نر شيئا "، فقال: أنا لهذا، فخرق ما بين المشرق والمغرب فانتهى (5) إلى الحرم


(1) في المصدر: فلما تزوج بها. (2) في المصدر: بيده وركبتيه. (3) في المصدر: فولد. وفيه: لاثنتي عشر ليلة مضت. (4) في المصدر: تهتدوا بها. (5) في المصدر: فلما انتهى.

[ 270 ]

فوجد الحرم محفوفا " بالملائكة، فلما أراد أن يدخل صاح به جبرئيل فقال: اخسأ يا ملعون، فجاء من قبل حراء فصار مثل الصر قال: يا جبرئيل ما هذا ؟ قال: هذا نبي قد ولد وهو خير الانبياء، قال: هل لي فيه نصيب ؟ قال: لا، قال: ففي امته ؟ قال: نعم، قال: قد رضيت، قال: وكان بمكة يهودي، يقال له: يوسف، فلما رأى النجوم يقذف بها وتتحرك قال: هذا نبي قد ولد في هذه الليلة، وهو الذي نجده في كتبنا أنه إذا ولد وهو آخر الانبياء رجمت الشياطين، وحجبوا عن السماء، فلما أصبح جاء إلى نادي (1) قريش وقال: يا معشر قريش هل ولد فيكه الليلة مولود ؟ قالوا: لا، قال: أخطأكم (2) والتوراة، ولد إذا " بفلسطين، وهو آخر الانبياء وأفضلهم، فتفرق القوم فلما رجعوا إلى منازلهم أخبر كل رجل أهله بما قال اليهودي، فقالوا: لقد ولد لعبد الله بن عبد المطلب ابن في هذه الليلة، فأخبروا بذلك يوسف اليهودي، فقال: قبل أن أسألكم أو بعده، فقالوا: قبل ذلك، قال: فأعرضوه علي، فمشوا إلى باب آمنة (3) فقالوا: اخرجي ابنك ينظر إليه هذا اليهودي، فأخرجته في قماطه فنظر في عينيه، وكشف عن كتفيه، فرأى شامة سوداء بين كتفيه، عليها شعرات، فلما نظر إليه وقع إلى الارض مغشيا " عليه، فتعجبت منه قريش و ضحكوا (4)، فقال: أتضحكون يا معشر قريش، هذا نبي السيف ليبيرنكم (5)، وقد ذهبت النبوة من بني إسرائيل إلى آخر الابد، وتفرق الناس يتحدثون بما أخبر اليهودي، ونشأ رسول الله صلى الله عليه وآله: اليوم كما ينشأ (6) غيره في الجمعة، وينشأ في الجمعة كما ينشأ (7) غيره في الشهر (8).


(1) النادى: المجلس. (2) أخطأتم خ ل وهو الموجود في المصدر. والمعنى أي صرف عنكم هذا المولود العظيم إلى غيركم. (3) في المصدر: إلى باب بيت آمنة. (4) في المصدر المطبوع: وضحكوا عليه، وفي المخطوط: وضحكوا منه. (5) أي ليهلكنكم، وفي المصدر: ليبترنكم أي ليصيرنكم أبترا، والابتر: المقطوع. من لا عقب له. (6 و 7) في المصدر: ينشؤ، وكلاهما صحيح. (8) كمال الدين: 113 و 114، وأورد اليعقوبي مختصره في تاريخه 2: 5.

[ 271 ]

فس: روي عن آمنة ام النبي صلى الله عليه واله أنها قالت: لما حملت برسول الله صلى الله عليه واله لم أشعر بالحمل. وساق الحديث إلى آخره بأدنى تغيير في اللفظ والترتيب ولم يذكر فيه التاريخ (1). 16 - يج: روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه واله قال إبليس الابالسة: قد أنكرت الليلة الارض، فصاح في الابالسة فاجتمعوا إليه، فقال: اخرجوا فانظروا ما هذا الامر الذي حدث، فذهبوا ثم رجعوا وقالوا: ما وجدنا شيئا "، قال: أنا لها، ثم ضرب بذنبه على قذاله ثم اغتمس في الدنيا حتى انتهى إلى الحرم، فوجده منطبقا " بالملائكة، فذهب ليدخل فصاح به جبرئيل عليه السلام فقال: ورائك، فقال: حرف أسألك عنه إلي فيه نصيب ؟ قال: لا، قال: في امته ؟ قال: نعم، فلما أصبحوا أقبل رجل من أهل الكتاب إلى الملا من قريش قال: أولد فيكم مولود الليلة ؟ قالوا: لا، قال: فولد إذا " بفلسطين غلام اسمه أحمد، به شامة كلون الخز الادكن، فتفرق القوم فبلغهم أنه ولد لعبدالله بن عبد المطلب غلام، قالوا: فطلبناه وقلنا له: إنه ولد فينا غلام، قال: قبل أن قلت لكم أو بعده ؟ قالوا: قبل، قال: فانطلقوا بنا ننظر إليه، فانطلقوا فقالوا لامه: اخرجي ابنك حتى ننظر إليه، قالت: إن ابني والله لقد سقط، فما سقط كما تسقط الصبيان، لقد اتقى الارض بيده، ثم رفع راسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج منه نور حتى نظرت إلى قصور بصرى، وسمعت هاتفا " يقول: قد ولدته سيد هذه الامة، فإذا وضعته فقولي: اعيذه بالواحد * من شر كل حاسد * وكل خلق مارد * يأخذ بالمراصد * في طرق الموارد * من قائم وقاعد وسميه محمدا "، فأخرجته فنظر إليه وإلى الشامة التي بين كتفيه، فخر مغشيا " عليه، فأخذوا الغلام وردوه إلى امه، وقالوا: بارك الله لك فيه، فلما أفاق قالت له: مالك ؟ قال: ذهبت نبوة بني إسرائيل إلى يوم القيامة، هذا والله الغلام الذي يبيرهم، ثم قال لقريش أفرحتم ؟ أما والله ليسطون بكم سطوة يتحدث بها أهل المشرق والمغرب، فكان


(1) تفسير القمى: 349 و 350.

[ 272 ]

أبو سفيان يقول: إنما يسطو بمضر، واتي به عبد المطلب فأخذه ووضعه في حجره فقال: الحمد لله الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الاردان قد ساد في المهد على الغلمان (1). بيان: قال الفيروز آبادي: القذال كسحاب: جماع مؤخر الرأس، ومقعد العذار من الفرس خلف الناصية. وقال: الدكنة بالضم: لون إلى السواد. 17 - قب: أبان بن عثمان رفعه بإسناده قالت آمنة رضي الله عنها: لما قربت ولادة رسول الله صلى الله عليه واله رأيت جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي، فذهب الرعب عني، و اتيت بشربة بيضاء، وكنت عطشى فشربتها، فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طوالا تحدثني، وسمعت كلاما " لا يشبه كلام الآدميين، حتى رأيت كالديباج الابيض، قد ملا بين السماء والارض، وقائل يقول: خذوه من أعز الناس، ورأيت رجالا " وقوفا " في الهواء بأيديهم أباريق، ورأيت مشارق الارض ومغاربها، ورأيت علما " من سندس على قضيب من ياقوتة قد ضرب بين السماء والارض في ظهر الكعبة، فخرج رسول الله صلى الله عليه واله رافعا " إصبعه إلى السماء ورأيت سحابة بيضاء تنزل من السماء حتى غشيته فسمعت نداء ": طوفوا بمحمد شرق الارض وغربها والبحار لتعرفوه باسمه ونعته وصورته، ثم انجلت عنه الغمامة فإذا أنابه في ثوب أبيض من اللبن، وتحته حريرة خضراء، وقد قبض على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب، و قائل يقول: قبض محمد على مفاتيح النصرة والريح (2) والنبوة، ثم أقبلت سحابة اخرى فغيبته عن وجهي أطول من المرة الاولى، وسمعت نداء ": طوفوا بمحمد الشرق والغرب، واعرضوه على روحاني الجن والانس، والطير والسباع، وأعطوه صفاء آدم، ورقة نوح، وخلة إبراهيم، ولسان إسماعيل، وكمال يوسف وبشرى يعقوب، وصوت داود، وزهد يحيى، وكرم عيسى، ثم انكشف عنه فإذا أنابه وبيده حريرة بيضاء قد طويت طيا " شديدا " وقد قبض عليها، وقائل يقول: قد قبض محمد على الدنيا كلها، فلم يبق شئ إلا دخل في قبضته، ثم إن ثلاثة نفر كأن الشمس


(1) لم نجده في الخرائج، وذكرنا آنفا أن الظاهر اختلاف نسخة المطبوعة مع نسخة المصنف. (2) الربح خ ل وكذا في المصدر.

[ 273 ]

تطلع من وجوههم في يد أحدهم إبريق فضة ونافجة (1) مسك، وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء لها أربع جوانب، من كل جانب لؤلؤة بيضاء، وقائل يقول: هذه الدنيا فاقبض عليها يا حبيب الله، فقبض على وسطها، وقائل يقول: قبض الكعبة، وفي يد الثالث حريرة بيضاء مطوية فنشرها. فأخرج منها خاتما " تحار (2) أبصار الناظرين فيه، فغسل بذلك الماء من الابريق سبع مرات، ثم ضرب الخاتم على كتفيه، وتفل في فيه، فاستنطقه فنطق فلم أفهم ما قال إلا أنه قال: في أمان الله وحفظه وكلائته، قد حشوت قلبك إيمانا " و علما " ويقينا " وعقلا " وشجاعة، أنت خير البشر، طوبى لمن اتبعك، وويل لمن تخلف عنك، ثم ادخل بين اجنحتهم ساعة، وكان الفاعل به هذا رضوان، ثم انصرف وجعل يلتفت إليه ويقول: أبشر يا عز الدنيا والآخرة، (3) ورأيت نورا " يسطع من رأسه حتى بلغ السماء، ورأيت قصور الشامات كأنها شعلة نار نورا "، ورأيت حولي من القطا (4) أمرا " عظيما " قد نشرت أجنحتها (5). 18 - قب: المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما ولد رسول الله صلى الله عليه واله فتح لآمنة بياض فارس (6)، وقصور الشام، فجائت فاطمة بنت أسد إلى أبي طالب ضاحكة مستبشرة فأعلمته ما قالته آمنه، فقال لها ابو طالب: وتتعجبين من هذا ؟ إنك تحبلين و وتلدين بوصيه ووزيره (7). 19 - قب: قال عبد المطلب: لما انتصفت تلك الليلة إذا أنا ببيت الله قد اشتمل بجوانبه الاربعة، وخر ساجدا " في مقام إبراهيم، ثم استوى البيت مناديا ": الله أكبر رب محمد المصطفى،


(1) النافجة: وعا المسك. (2) تحار: تحير، حورت العين: اشتد بياض بيضها وسواد سوادها فهى حوراء، وصاحبها أحور. (3) في المصدر: فأبشر بعز الدنيا والاخرة. (4) القطا جمع القطاة: طائر في حجم الحمام. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 20 و 21. (6) المراد: القصور البيض من إصطخر كما تقدم. (7) مناقب آل ابى طالب 1: 23.

[ 274 ]

الآن قد طهرني ربي من أنجاس المشركين، وأرجاس الكافرين، ثم انتقضت الاصنام، وخرت على وجوهها، وإذا أنا بطير الارض حاشرة إليها، وإذا جبال مكة مشرفة عليها، و وإذا " بسحابة بيضاء بإزاء حجرتها فأتيتها وقلت: أنا نائم أو يقظان ؟ قالت: بل يقظان، قلت فأين نور جبهتك ؟ قالت: قد وضعته، وهذه الطير تنازعني أن أدفعه إليها فتحمله إلى أعشاشها (1)، وهذه السحاب تظلني لذلك (2)، قلت: فهاتيه أنظر إليه، قالت: حيل بينك وبينه إلى ثلاثة أيام، فسللت سيفى وقلت: لتخرجنه أو لاقتلنك، قالت: شأنك وإياه، فلما هممت أن ألج البيت بدر (3) إلي من داخل البيت رجل، وقال لي: ارجع وراك، فلا سبيل لاحد من ولد آدم إلى رؤيته أو أن تنقضي زيارة الملائكة، فارتعدت و وخرجت (4). 20 - قب: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه واله القيت الاصنام في الكعبة على وجوهها، فلما أمسى سمع صيحة من السماء: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. وورد أنه أضاء تلك الليلة جميع الدنيا، وضحك كل حجر ومدر وشجر، وسبح كل شئ في السماوات والارض لله عزوجل، وانهزم الشيطان وهو يقول: خير الامم، وخير الخلق، وأكرم العبيد، وأعظم العالم محمد صلى الله عليه واله (5). 21 - قب: من إبانة ابن بطة (6) قال: ولد النبي صلى الله عليه واله مختونا " مسرورا "، فحكي ذلك عند جده عبد المطلب، فقال: ليكونن لابني هذا شأن (7). 22 - قب: قال المأمون للحكيم إيزد خواه ما شاء الله لما صحح عنده إحكاما ": لم


(1) الاعشاش جمع العش بالفتح والضم: موضع الطائر. (2) في المصدر: وهذه السحاب تسألني كذلك. (3) أي أسرع إلى. (4) مناقب آل أبى طالب: 21. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 22 و 23. (6) أي من كتاب إبانة لابن بطة. (7) مناقب آل أبى طالب 1: 23.

[ 275 ]

لا تؤمن بنبينا وأنت بهذا المحل من العلم والكياسة ؟ فقال: كيف اؤمن واصدق كاذبا " و أنا أعلم كذبه، والنبي لا يكذب ؟ فقال المأمون: كيف ؟ قال: قوله: أنا آخر نبي وخاتم الانبياء، ولا يكون بعدي نبى أبدا "، وهو الذي (1) قال في علمي كذب لا محالة، لانه ولد بالطالع الذي لو ولد فيه مولود لابد أن يكو نبيا " (2)، فظهر لي بهذا كذبه، إذ قال: لانبي بعدي، فكيف اؤمن به واصدقه ؟ فخجل المأمون من ذلك، وتحير الفقهاء، فقال متكلم: من هاهنا قلنا: إنه صادق، وإنه خاتم الانبياء لان الحكماء كلهم اجتمعوا على أن نجمه صلى الله عليه واله كان المشتري وعطارد والزهرة والمريخ، ولا يولد بها ولد إلا ويموت من ساعته، وإن عاش فيموت لا محالة، ولا يجاوز يوم السابع، وهو قد عاش وبقي ثلاثا " وستين سنة، فصح أنه آية، وقد أتى من المعجزات الباهرة بما لم يأت بمثله أحد قبله ولا بعده، فأقر إيزدخواه، وأسلم، فسمي ما شاء الله الحكيم، فمن نظر المشتري له العلم والحكمة والفطنة والسياسة والرئاسة، ومن نظر عطارد اللطافة والظرافة والملاحة والفصاحة والحلاوة، ومن نظر الزهرة الصباحة والهشاشة (3) والبشاشة والحسن والطيب والجمال والبهاء والغنج والدلال، ومن نظر المريخ السيف والجلادة والقتال والقهر والغلبة والمحاربة، فجمع الله فيه جميع المدائح. وقال بعض المنجمين: موالد الانبياء السنبلة والميزان، وكان طالع النبي صلى الله عليه واله: الميزان، وقال صلى الله عليه واله: ولدت بالسماك، وفي حساب المنجمين أنه السماك (4) الرامح (5). 23 - قب: حملت به امه في أيام التشريق، عند جمرة العقبة الوسطى، في منزل


(1) في المصدر: وهذا الذى قال. (2) أراد: ولم يظهر دليل على أنه لا يلد مولود بعد بهذا الطالع، فيمكن أن يولد فيكون نبيا "، فكيف يقول بتا ": لانبى بعده ؟. (3) الهشاشة: الارتياح والنشاط. (4) السماك الرامح: نجم نير، ويقال له: الرامح لان أمامه كوكبا صغيرا يقال له: راية السماك ورمحه، بخلاف السماك الاغزل، فانه ليس أمامه شئ. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 94 - 95.

[ 276 ]

عبد الله بن عبد المطلب، وولد بمكة عند طلوع الفجر من يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الاول، بعد خمس وخمسين يوما " من هلاك أصحاب الفيل، وقالت العامة: يوم الاثنين الثاني (1) أو العاشر منه، لسبع بقين من ملك أنوشيروان، ويقال: في ملك هرمز لثمان سنين وثمانية أشهر مضت من ملك عمرو بن هند ملك العرب، ووافق شهر الروم العشرين من شباط في السنة الثانية من ملك هرمز بن أنوشيروان (2)، والاول هو الصحيح لقوله: (ولدت في زمن الملك العادل أنوشيروان). قال الكليني: في شعب أبي طالب، في دار محمد بن يوسف، في الزاوية القصوى عن يسارك، وأنت داخل الدار. وقال الطبري: في بيت من الدار التي تعرف اليوم بدار يوسف (3)، وهو أخو الحجاج ابن يوسف، وكان قد اشتراها من عقيل، وأدخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته خيزران واتخذته مسجدا " يصلى فيه (4). الزهرة، عن أبي عبد الله الطرابلسي: البيت الذي ولد فيه رسول الله في دار محمد بن يوسف (5). 24 نجم: حدثنا (6) ابن حميد، عن سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: كان من حديث كسرى كما حدثني (7) به بعض أصحابي عن وهب بن منبة: كان سكر (8) دجلة


(1) في المصدر: الثامن. (2) في المصدر هنا زيادة هي: وذكر الطبري أن مولده كان لاثنتين وأربعين سنة من ملك أنوشيروان: وهو الصحيح إه‍. (3) هكذا في النسخة وغيرها، وفي المصدر: محمد بن يوسف وهو الصحيح. (4) في المصدر: يصلى فيه الناس. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 118 و 119. (6) اخرج ابن طاوس ذلك عن تاريخ الطبري، فالقائل لقوله: حدثنا هو الطبري. (7) في المصدر: ما حدثنى. (8) في المصدر: إن كسرى كان سكر دجلة العوراء اه‍ وتقدم الكلام في ضبط العوراء عن المصنف.

[ 277 ]

الغورآء، وأنفق عليها من الاموال ما يدرى ما هو، وكان طاق مجلسه قد بنى بنيانا " لم ير مثله، وكان يعلق به تاجه فيجلس فيه إذا جلس للناس، وكان عنده ستون وثلاث مائة رجل من العلماء من بين كاهن وساحر ومنجم، قال: وكان فيهم رجل من العرب يقال له: السائب، يعتاف اعتياف (1) العرب، قلما يخطئ، بعث إليه باذان (2) من اليمن، وكان كسرى إذا حزنه أمر جمع كهانه وسحاره ومنجميه وقال: انظروا في هذا الامر ما هو، فلما أن بعث الله نبيه محمدا " صلى الله عليه واله أصبح كسرى ذات غداة وقد انقضت طاق ملكه من وسطها، وانخرقت عليه دجلة الغوراء (3)، فلما رأى ذلك حزنه، وقال: انقضت طاق ملكي من وسطها من غير ثقل، وانخرقت دجلة الغوراء (شاه بشكست (4)) يقول: الملك انكسر، ثم دعا بكهانه وسحاره ومنجمه ودعا السائب معهم وقال: انقضت طاق ملكي من غير ثقل، وانخرقت دجلة الغوراء (شاه بشكست) انظروا في هذا الامر ما هو، فخرجوا من عنده فنظروا في أمره فاخذ عليهم بأقطار السماء، وأظلمت (5) عليهم الارض، وتسكعوا في علمهم، فلا يمضي لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا يستقيم لمنجم علم نجومه، وبات السائب في ليلة ظل (6) على ربوة من الارض يرمق برقا " نشأ من قبل الحجاز، ثم استطار حتى بلغ المشرق، فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه فإذا " روضة خضراء، فقال فيما يعتاف: لئن صدق (7) ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق، يخصب (8) عنه الارض كأفضل ما أخصبت عن ملك كان قبله، فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض ورأوا ما قد أصابهم ورأى السائب ما قد رأى قال بعضهم لبعض: تعلمون ؟ والله


(1) الاعتياف: عمل العيافة أي زجر الطير، والتشأم أو التفأل بطيرانها. (2) هو باذان بن ساسان، عده المسعودي من ملوك اليمن، راجع مروج الذهب 2: 87. (3) في المصدر والطبري: العوراء. (4) في المصدر: شاه بشكسته. قلت: أي وخرج من الدجلة صوتا فيه: شاه بشكسته. (5) في المصدر: وضاقت. (6) في المصدر: ظل فيها. وفي تاريخ الطبري: ظلماء. (7) في المصدر والطبري: لئن صدق ما أرى. (8) في المصدر: وتاريخ الطبري: تخصب.

[ 278 ]

ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لامر جاء من السماء، وإنه لنبي قد بعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ويكسره، ولئن نفيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم، فأقيموا بينكم أمرا " تقولونه حتى تؤخرونه عنكم إلى أمر ما شاع (1)، فجاؤا إلى كسرى فقالوا له: قد نظرنا في هذا الامر فوجدنا حسابك الذي وضعت به طاق ملكك وسكرت دجلة الغوراء وضعوه على النحوس، فلما اختلف عليهم (2) الليل والنهار وقعت النحوس على مواقعها، فذلك كل وضع عليها (3)، وإنا سنحسب (4) لك حسابا " تضع عليه بنيانك فلا تزول، قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه، فبنى فعمل في دجلة ثمانية أشهر، وأنفق فيها من الاموال ما لا يدرى ما هو حتى إذا فرغ، قال لهم: أجلس على سورها ؟ قالوا: نعم، فأمر البسط (5) والفرش والرياحين فوضعت عليها، وأمر بالمرازبة فجمعوا إليه النقابون، ثم خرج حتى جلس عليها، فبينا هو هنالك إذ انتسفت دجلة بالبنيان من تحته فلم يخرج إلا بآخر رمق، فلما أخرجوه جمع كهانه وسحاره ومنجميه فقتل منهم قريبا " من مائة، وقال: نميتكم (6) وأدنيتكم دون الناس فأجريت عليكم أرزاقي تلعبون بي ؟ قالوا: أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من قبلنا، ولكنا سنحسب حسابا " فنبينه حتى تضعها على الوثاق من السعود، قال: انظروا ما تقولون، قالوا: فإنا نفعل، قال: فاحسبوا، فحسبوا ثم قالوا له: ابنه فبنى وأنفق من الاموال ما لا يدرى ما هو ثمانية أشهر (7)، فلما فرغوا قال: أفأخرج وأقعد (8) عليها ؟ قالوا: نعم، فهاب الجلوس عليها، وركب برذونا " له، وخرج يسير عليها


(1) في المصدر: فاقيموا بينكم أمرا تلقونه فيه حتى تؤخروا أمره إلى آخر ساعة. (2) في المصدر: عليه، وفي تاريخ الطبري: عليهما. أي على الطاق ودجلة. (3) في المصدر: فدك كل ما وضع عليها. وفي تاريخ الطبري: فزال كل ما وضع عليهما. (4) سأحسب خ ل. (5) في الصمدر والطبري: بالبسط. (6) هكذا في النسخة، وفي الصدر: سميكم. قلت: هو مصحف سمنتكم كما في تاريخ الطبري. (7) في المصدر: ثمانية أشهر كذى قبل. وفي تاريخ الطبري: من ذى قبل وبعده: ثم قالوا: قد فرغنا، قال: أفأخرج. (8) أقصد خ ل.

[ 279 ]

فبينا هو يسير إذا انتسفت دجلة بالبنيان فلم يدرك إلا بآخر رمق، فدعاهم فقال: والله لآمرن على آخركم، ولانزعن أكتافكم، ولاطرحنكم تحت أيدي الفيلة، أو لتصدقني ما هذا الامر الذى تلفقون علي ؟ قالوا لا نكذبنك أيها الملك، أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة وانقضت (1) عليك طاق مجلسك من غير ثقل أن ننظر في علمنا (2)، فأظلمت علينا بأقطار السماء (3) فتردد علمنا في أيدينا، فلا يستقيم لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا لمنجم علم نجومه فعرفنا أن هذا الامر حدث من السماء، وأنه قد بعث نبي أو هو مبعوث، فلذلك حيل بيننا وبين علمنا، فخشينا إن نفينا (4) إليك ملكك أن تقتلنا، فكرهنا من الموت ما يكره الناس فعللناك عن أنفسنا بما رأيت، قال: ويحكم فهلا يكون بينتم لي هذا فأرى فيه رأيي ؟ ! قالوا: منعنا من ذلك ما تخوفنا منك، فتركهم ولها " عن دجلة حين غلبته (5). بيان: التسكع: التحير والتمادي في الباطل. والمرازبة: رؤساء الفرس وامراءهم، ويقال: نميته تنمية أي رفعته، ولفق الحديث: زخرفه، ثم الظاهر إن قوله: فلما أن بعث الله نبيه، من سهو الرواة أو الكتاب، وكان مكانه فلما ولد النبي صلى الله عليه واله كما عرفت في الاخبار السابقة، على أنه يحتمل وقوع مثل هذا في الوقتين معا ". 25 - عم: ولد صلى الله عليه واله يوم الجمعة عند طلوع الشمس، السابع عشر من شهر ربيع الاول عام الفيل، وفي رواية العامة ولد صلى الله عليه واله يوم الاثنين، ثم اختلفوا فمن قائل يقول: لليلتين من شهر ربيع الاول، ومن قائل يقول: لعشر ليال خلون منه، وذلك لاربع وثلاثين سنة وثمانية أشهر مضت من ملك كسرى أنوشيروان بن قباد، وهو قاتل مزدك والزنادقة ومبيرهم، وهو الذى عنى رسول الله صلى الله عليه واله على ما يزعمون ولدت في زمان الملك الصالح (6)،


(1) في المصدر وتاريخ الطبري: وانقصمت. (2) في المصدر وتاريخ الطبري: أن ننظر في علمنا لم ذلك، فنظرنا فأظلمت. (3) في تاريخ الطبري: فأظلمت علينا الارض، وأخذ علينا بأقطار السماء فتردد علينا علمنا في أيدينا وفي المصدر: فتردى علمنا وسقط في أيدينا. (4) في المصدرو تاريخ الطبري: إن نعينا. (5) فرج المهموم: 32 - 35. والرواية توجد في الطبري 1: 596 - 598. (6) في المصدر: الملك العادل الصالح.

[ 280 ]

ولثماني سنين وثمانية أشهر من ملك عمرو بن هند ملك العرب، وكنيته أبو القاسم، وروى أنس بن مالك قال: لما ولد إبراهيم بن النبي صلى الله عليه واله من مارية أتاه جبرئيل فقال: السلام عليك أبا إبراهيم، أو يا أبا إبراهيم، ونسبه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي، واسمه زيد بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لوى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وهو قريش بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، روي عنه صلى الله عليه واله أنه قال: إذا بلغ نسبي عدنان فأمسكوا. وروي عن ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه واله: قالت: سمعت النبي صلى الله عليه واله يقول: معد بن عدنان بن ادد بن زيد بن ثرا بن أعراق الثرى، قالت ام سلمة: زيد هميسع، وثرا نبت، وأعراق الثرى، إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، قالت: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه واله: (وعادا " وثمود وأصحاب الرس وقرونا " بين ذلك كثيرا ") لا يعلمهم إلا الله. وذكر الشيخ أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه: عدنان بن أد بن ادد بن يامين بن يشجب بن منحر بن صابوغ بن الهميسع، وفي رواية اخرى: عدنان بن ادد بن زيد بن يقدد بن يقدم بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل عليه السلام (1). وقيل: الاصح (2) الذي اعتمد عليه أكثر النساب وأصحاب التواريخ أن عدنان هو أد بن ادد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام بن تارخ بن ناحور بن ساروع (3) بن ارغوا بن فالع (4) بن عابر - وهو هود عليه السلام - بن شالح بن أرفخشد ابن سام بن نوح بن ملك بن متوشلح بن اخنوخ - ويقال: احنوخ وهو إدريس عليه السلام - ابن يازد (5) بن هلايل (6) بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر عليه السلام (7)، وامه آمنة


(1) ابن ابراهيم عليه السلام خ ل. (2) هو الذى خ ل وهو الموجود في المصدر. (3) ساروغ خ. (4) فالغ خ. (5) في المصدر: يارد. وهو الصحيح كما تقدم. (6) مهلايل خ ل. (7) تقدم الكلام في نسبه صلى الله عليه وآله وفي أجداده وضبطهم هنا وفي كتاب النبوات ولم نكرر الكلام فيه اختصارا.

[ 281 ]

بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب، وأرضعته حتى شب حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن شجنة السعدية، من بني سعد بن بكر بن هوازن، وكانت ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطلب أرضعته أيضا " بلبن ابنها مسروح، وذلك قبل أن تقدم حليمة، وتوفيت ثويبة مسلمة سنة سبع من الهجرة، ومات ابنها قبلها، وكانت قد أرضعت ثويبة قبل حمزة بن عبد المطلب عمه، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابنة حمزة: إنها ابنة أخي من الرضاعة، وكان حمزة أسن من رسول الله صلى الله عليه وآله بأربع سنين، وأما جدته ام أبيه عبد الله فهي فاطمة بنت عمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وام عبد المطلب سلمى بنت عمرة (1) من بني النجار، وام هاشم عاتكة بنت مرة بن هلال من بني سليم، وام قصي وزهرة فاطمة بنت سعد من أزد السراة (2)، وصدع صلى الله عليه وآله بالرسالة (3) يوم السابع والعشرين من رجب، وله يومئذ أربعون سنة، وقبض صلى الله عليه وآله يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشرين من الهجرة (4) وهو ابن ثلاث وستين سنة (5). 26 - نجم: ذكر الزمخشري في ربيع الابرار أنه قال بعض المنجمين: إن مواليد الانبياء السنبلة والميزان، وكان طالع النبي صلى الله عليه وآله الميزان، وقال: صلى الله عليه وآله: ولدت بالسماك، وفي حساب المنجمين أنه السماك الرامح، وكان في ثاني طالعه زحل. فلم يكن له ملك ولا عقار (6). 27 - يل: قال الواقدي: أول ما افتتح به عقيل بن أبي وقاص أن قال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعلنا من نسل إبراهيم، ومن شجرة إسماعيل، ومن غصن نزار، ومن ثمرة عبد مناف، ثم أثنى على الله تعالى ثناء " بليغا "، وقال فيه جميلا "، وأثنى


(1) الصحيح:: عمرو، كما تقدم في أوائل الكتاب. (2) ذكر اليعقوبي في تاريخه 2: 97 - 101 امهاته صلى الله عليه وآله إلى ابراهيم عليه السلام، وذكر العواتك والفواطم اللاتى ولدنه. (3) صدع بالرسالة: تكلم بها جهارا بينها. (4) هكذا في النسخ وهو غريب، والصحيح كما في المصدر: احدى عشر. (5) إعلام الورى: 4 و 5. (6) فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم: 113 و 114.

[ 282 ]

على اللات والعزى، وذكرهم بالجميل، وعقد النكاح، ونظر إلى وهب، وقال: يا أبا الوداح زوجت كريمتك آمنة من ابن سيدنا عبد المطلب على صداق أربعة آلاف درهم بيض هجرية جياد، وخمس مائة مثقال ذهب احمر ؟ قال: نعم، ثم قال: يا عبد الله قبلت هذا الصداق يا أيها السيد الخاطب ؟ قال نعم، ثم دعا لهما بالخير والكرامة، ثم أمر وهب أن تقدم المائدة فقدمت مائدة خضرة فاتي من الطعام الحار والبارد والحلو والحامض فأكلوا وشربوا، قال: ونثر عبد المطلب على ولده قيمة ألف درهم من النثار، وكان متخذا " من مسك بنادق، ومن عنبر ومن سكر ومن كافور، ونثر وهب بقيمة ألف درهم عنبرا "، وفرح الخلق بذلك فرحا " شديدا ". قال الواقدي: فلما فرغوا من ذلك نظر عبد المطلب إلى وهب وقال: ورب السماء إني لا افارق هذا السقف أو اؤلف بين ولدي وحليلته، فقال وهب: بهذه السرعة لا يكون، فقال عبد المطلب: لابد من ذلك، فقام وهب ودخل على امرأته برة وقال لها: اعلمي أن عبد المطلب قد حلف برب السماء أنه لا يفارق هذا السقف أو يؤلف بين ولده عبد الله وبين زوجته آمنة، فقامت المرأة من وقتها ودعت بعشر من المشاطات وأمرتهن أن يأخذن في زينة آمنة، فقعدن حول آمنة، فواحدة منهن تنقش يديها، وواحدة تخضب، وواحدة تسرح ذؤابتها (1)، فلما كان عند غروب الشمس وقد فرغن من زينتها نصبوا سريرا " من الخيزران، وقد فرشوا عليه من ألوان الديباج والوشي (2)، وقعدت الجارية على السرير وعقدن على رأسها تاجا "، وعلى جبينيها إكليلا، وعلى عنقها مخانق الدر والجواهر، وتخوتمت بأنواع الخواتيم، وجاء وهب وقال لعبد المطلب: يا سيدي اقدم على العروس (2)، فقام عبد المطلب إلى العروس وهي كأنها فلقة قمر من حسنها، وتقدم عبد المطلب إلى السرير وقبله وقبل عين العروس، فقال عبد المطلب لولده عبد الله: اجلس يا ولدي معها على السرير وافرح برؤيتها، قال: فرفع عبد الله قدمه وصعد إلى السرير، وقعد إلى جنب العروس، وفرح عبد المطلب، وكان من عبد الله إلى أهله ما يكون من الرجال إلى النساء،


(1) في المصدر زيادة هي: وواحدة تمسها بالماء. (2) الوشى: الثياب المنقوشة. (3) في المصدر: إلى العروس.

[ 283 ]

فواقعها، فحملت بسيد المرسلين وخاتم النبيين، وقام من عندها إلى عند أبيه فنظر إليه أبوه وإذا النور قد فارق من بين عينيه، وبقي عليه من أثر النور كالدرهم الصحيح، وذهب النور إلى ثدي آمنة، فقام عبد المطلب إلى عند آمنة ونظر إلى وجهها فلم يكن النور كما كان في عبد الله بل أنور، فذهب عبد المطلب إلى عند حبيب الراهب فسأله عن ذلك، فقال حبيب: اعلم أن هذا النور هو صاحب النور بعينه، وصار في بطن امه، فقام عبد المطلب وخرج مع الرجل وبقي عبد الله عند أهله إلى أن ذهبت الصفرة من يديه، وذلك أن العرب كانوا إذا دخلوا بأهلهم خضبوا أيديهم بالحناء، ولا يخرجون من عندهم وعلى أيديهم أثر من الحنآء، وبقي عبد الله أربعين يوما "، وخرج ونظر أهل مكة إلى عبد الله والنور قد فارق موضعه، فرجع عبد المطلب من عند حبيب وقد أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله شهر واحد في بطن امه، ونادت الجبال بعضها بعضا "، والاشجار بعضها بعضا " والسماوات بعضها بعضا "، يستبشرون ويقولون: ألا إن محمدا " قد وقع في رحم امه آمنة، وقد أتى عليه شهر ففرح (1) بذلك الجبال والبحار والسماوات والارضون، فورد (2) عليه كتاب من يثرب بموت فاطمة بنت عبد المطلب، وكان في الكتاب أنها ورثت مالا " كثيرا " خطيرا "، فأخرج أسرع ما تقدر عليه، فقال عبد المطلب لولده عبد الله: يا ولدي لابد لك أن تجئ معي إلى المدينة، فسافر مع أبيه ودخلا مدينة يثرب، وقبض عبد المطلب المال، ولما مضى من دخولهما المدينة عشرة أيام اعتل عبد الله علة شديدة، وبقي خمسة عشر يوما "، فلما كان اليوم السادس عشر مات عبد الله، فبكى عليه أبوه عبد المطلب بكاء شديدا "، وشق سقف البيت لاجله في دار فاطمة بنت عبد المطلب، وإذا " بهاتف يهتف ويقول: قد مات من كان في صلبه خاتم النبيين، وأي نفر لا يموت ؟ فقام عبد المطلب: فغسله و كفنه ودفنه في سكة يقال لها: شين، وبنى على قبره قبة عظيمة من جص وآجر، ورجع إلى مكة، واستقبلته رؤساء قريش وبنو هاشم، واتصل الخبر إلى آمنة بوفات زوجها، فبكت ونتفت شعرها، وخدشت وجهها، ومزقت جيبها، ودعت بالنائحات ينحن على


(1) في المصدر: فتفرح. (2) في المصدر: ثم إن الله تعالى أراد قضاه على فاطمة بنت عبد المطلب فورد إه‍.

[ 284 ]

عبد الله، فجاء بعد ذلك عبد المطلب إلى دار آمنة وطيب قلبها، ووهب لها في ذلك الوقت ألف درهم بيض، وتاجين قد اتخذهما عبدمناف لبعض بناته، وقال لها: يا آمنة لا تحزني فإنك عندي جليلة، لاجل من في بطنك ورحمك، فلا تهتك (1) أمرك، فسكتت (2) وطيب قلبها. قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله في بطن امه شهران أمر الله تعالى مناديا " في سماواته وأرضه أن ناد (3) في السماوات والارض والملائكة: أن استغفروا لمحمد صلى الله عليه وآله وامته، كل هذا ببركة النبي صلى الله عليه وآله. قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله في بطن امه ثلاثة أشهر كان أبو قحافة راجعا " من الشام، فلما بلغ قريبا " من مكة وضعت ناقته جمجمتها على الارض ساجدة "، و كان بيد أبي قحافة قضيب فضربها بأوجع ضرب، فلم ترفع رأسها، فقال أبو قحافة: فما أرى ناقة تركت صاحبها، وإذا " بهاتف يهتف ويقول: لا تضرب يا أبا قحافة من لا يطعيك، ألا ترى أن الجبال والبحار والاشجار سوى الادميين سجدوا لله، فقال أبو قحافة: يا هاتف وما السبب في ذلك ؟ قال اعلم أن النبي الامي قد أتى عليه في بطن امه ثلاثة أشهر، قال أبو قحافة: ومتى يكون خروجه ؟ قال: سترى يا أبا قحافة إن شاء الله تعالى، فالويل كل الويل لعبدة الاصنام من سيفه وسيف أصحابه، فقال أبو قحافة: فوقفت ساعة حتى رفعت الناقة رأسها، وجئت إلى عبد المطلب فأخبرته. قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة أشهر كان زاهد على الطريق من الطائف، وكان له صومعة بمكة على مرحلة، قال: فخرج الزاهد وكان اسمه حبيبا، فجاء إلى بعض أصدقائه بمكة، فلما بلغ أرض الموقف، إذا " بصبي قد وضع جبينه على الارض، وقد سجد على جمجمته، قال حبيب: فدنوت منه فأخذته، وإذا " بهاتف يهتف و يقول: خل عنه يا حبيب، ألا ترى إلى الخلائق من البر والبحر والسهل والجبل قد


(1) فلا يهمنك خ ل. (2) في المصدر: فسكنت. (3) أن نادى خ ل وهو الموجود في المصدر.

[ 285 ]

سجدوا لله شكرا " لما أتى على النبي الزكي الرضي المرضي في بطن امه خمسة أشهر (1)، وهذا الصبي قد سجد لله، قال حبيب: فتركت الصبي ودخلت مكة وبينت ذلك لعبد المطلب، وعبد المطلب يقول: اكتم هذا الاسم، فإن لهذا الاسم أعداء، قال: وذهب حبيب إلى صومعته فإذا الصومعة تهتز ولا تستقر، وإذا على محرابه مكتوب وعلى محراب كل راهب: يا أهل البيع والصوامع آمنوا بالله وبرسوله محمد بن عبد الله، فقد آن خروجه، فطوبى ثم طوبى لمن آمن به، والويل كل الويل لمن كفر به، ورد عليه حرفا " مما يأتي به من عند ربه، قال حبيب: فقلت: السمع والطاعة، إني لمؤمن وطائع غير منكر. قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله في بطن امه ستة أشهر خرج أهل المدينة واليمن إلى العيد، وكان رسمهم أنهم يمرون في كل سنة ستة أعياد، وكانوا يذهبون عند شجرة عظيمة يقال لها: ذات أنواط، وهي التي سماها الله تعالى في كتابه (ومناة الثالثة الاخرى) فذهبوا في ذلك وأكلوا وشربوا وفرحوا وتقاربوا من الشجرة، وإذا " بصيحة عظيمة من وسط الشجرة وهو هاتف يقول (2): يا أهل اليمن، ويا أهل اليمامة، ويا أهل البحرين، ويا من عبد الاصنام، ويا من سجد للاوثان، جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، يا قوم قد جاءكم الهلاك، قد جاءكم التلف، قد جاءكم الويل والثبور، قال: ففزعوا من ذلك وانهزموا راجعين إلى منازلهم متحيرين متعجبين من ذلك. قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله في بطن امه سبعة أشهر جاء سواد بن قارب إلى عبد المطلب، وقال له: اعلم با أبا الحارث أني كنت البارحة بين النوم واليقظة، فرأيت أبواب السماء مفتحة، ورأيت الملائكة ينزلون إلى الارض، معهم ألوان الثياب يقولون: زينوا الارض فقد قرب خروج من اسمه محمد، وهو نافلة (3) عبد المطلب رسول الله


(1) هكذا في الكتاب ومصدره، وقال المصنف في هامش الكتاب: الظاهر أنه سقطت قصة الاربعة أشهر أو الخمسة من بين الكلام، وكانت النسخة هكذا. (2) في المصدر: يقول: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله الاية، وقال: يا أهل اليمن إه‍. (3) النافلة: ولد الولد.

[ 286 ]

إلى الارض، وإلى الاسود والاحمر والاصفر، وإلى الصغير والكبير والذكر والانثى، صاحب السيف القاطع، والسهم النافذ، فقلت لبعض الملائكة: من هذا تزعمون ؟ فقال: ويلك (1) هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف، فهذا ما رأيت، فقال له عبد المطلب: اكتم الرؤيا ولا تخبر به أحدا " لننظر ما يكون. قال الواقدي: فلما أتى على النبي صلى الله عليه وآله في بطن امه ثمانية أشهر كان في بحر الهواء حوتة يقال لها: طينوسا (2)، وهي سيدة الحيتان، فتحركت الحيتان، وتحركت الحوتة، واستوت قائمة على ذنبها، وارتفعت وارتقع الامواج عنها، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا ترى إلى ما تفعل طينوسا ولا تطيعنا، وليس لنا بها قوة، قال: فصاح إستحيائيل الملك صيحة عظيمة، وقال لها: قري يا طينوسا ألا تعرفين من تحتك، فقالت طينوسا: يا إستحيائيل أمر ربي يوم خلقني إذا ولد محمد بن عبد الله استغفري له ولامته، والان سمعت الملائكة يبشر بعضهم بعضا " فلذلك قمت وتحركت، فناداها استحيائيل قري واستغفري، فإن محمدا " قد ولد، فلذلك انبطحت (3) في البحر، وأخذت في التسبيح والتهليل والتكبير والثنآء على رب العالمين. قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله في بطن امه تسعة أشهر أوحى الله إلى الملائكة في كل سماء: أن اهبطوا إلى الارض، فهبط عشرة آلاف ملك بيد كل ملك قنديل يشتعل بالنور بلا دهن، مكتوب على كل قنديل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، يقرأه كل عربي كاتب، ووقفوا حول مكة في المفاوز، وإذا " بهاتف يهتف ويقول: هذا نور محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فورد الخبر على عبد المطلب فأمر بكتمانه إلى أن يكون. قال الواقدي: فلما كملت تسعة أشهر لرسول الله صلى الله عليه وآله صار لا يستقر كوكب في السماء إلا من موضع إلى موضع يبشرون بعضهم بعضا " (4)، والناس ينظرون إلى الكواكب


(1) في المصدر: ويحك. (2) لعل هذه الحوتة أيضا من مختلقات الواقدي، كما تقدم أغرب منها عن كعب الاحبار. (3) انبطح الرجل، انطرح على وجهه. (4) لعل المراد أن سكان النجوم يبشر بعضهم بعضا.

[ 287 ]

في السماء مسيرات لا يستقرون، فأقام ذلك ثلاثين يوما ". قال الواقدي: فلما تم لرسول الله صلى الله عليه وآله تسعة أشهر نظرت ام رسول الله صلى الله عليه وآله آمنة إلى امها برة وقالت: يا اماه إني احب أن أدخل البيت فأبكي على زوجي ساعة وأقطر دمعي على شبابه وحسن وجهه، فإذا دخلت البيت وحدي فلا يدخل علي أحد، فقالت لها برة: ادخلي يا آمنة فابكي، فحق لك البكاء، قال: فدخلت آمنة البيت وحدها وقعدت وبكت وبين يديها شمع يشتعل، وبيدها مغزل من آبنوس، وعلى مغزلها فلقة (1) من عقيق أحمر، وآمنة تبكي وتنوح إذا أصابها الطلق، فوثبت إلي الباب لتفتحه فلم ينفتح، فرجعت إلى مكانها، وقالت: واوحدتاه، وأخذها الطلق والنفاس، وما شعرت بشئ حتى انشق السقف، ونزلت من فوق أربع حوريات، وأضاء البيت لنور وجوههن، وقلن لامنة: لا بأس عليك يا جارية إنا جئناك لنخدمك، فلا يهمنك (2) أمرك، وقعدت الحوريات واحدة على يمينها، وواحدة على شمالها، وواحدة بين يديها، وواحدة من ورائها، فهومت عين آمنة وغفت غفوة، قال ابن عباس: ما كان من أمر ام الصبي (3) إلا أنها كانت نائمة عند خروج ولدها من بطنها، فانتبهت ام النبي صلى الله عليه وآله فإذا النبي تحت ذيلها، قد وضع جبينه على الارض ساجدا " لله، ورفع سبابتيه مشيرا " بهما لا إله إلا الله. قال الواقدي: ولد رسول الله صلى الله عليه وآله في ليلة الجمعة قبل طلوع الفجر في شهر ربيع الاول لسبعة عشر (4) منه في سنة تسعة آلاف سنة وتسعمأة وأربعة أشهر وسبعة أيام من وفاة آدم عليه السلام. قال الواقدي: ونظرت امه آمنة إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا هو مكتحل العينين، منقط الجبين والذقن، وأشرق من وجنتي النبي صلى الله عليه وآله نور ساطع في ظلمة الليل، ومر


(1) الفلقة: القطعة. (2) في نسخة من المصدر: فلا يهتمك. (3) في المصدر: أم النبي صلى الله عليه وآله. (4) في المصدر: ليلة سبعة عشر.

[ 288 ]

في سقف البيت، وشق السقف، ورأت آمنة من نور وجهه كل منظر حسن وقصر بالحرم، وسط في تلك الليلة أربعة وعشرون (1) شرفا " من أيوان كسرى، وأخمدت في تلك الليلة نيران فارس، وأبرق في تلك الليلة برق ساطع في كل بيت، وغرفة في الدنيا ممن قد علم الله تعالى وسبق في علمه أنهم يؤمنون بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وآله، ولم يسطع في بقاع الكفر بأمر الله تعالى، وما بقي في مشارق الارض ومغاربها صنم ولا وثن إلا وخرت على وجوهها ساقطة على جباهها خاشعة، وذلك كله إجلالا للنبي صلى الله عليه وآله. قال الواقدي: فلما رأى إبليس لعنه الله تعالى وأخزاه ذلك وضع التراب على رأسه وجمع أولاده وقال لهم: يا أولادي اعلموا أنني ما أصابني منذ خلقت مثل هذه المصيبة، قالوا: وما هذه المصيبة ؟ قال: اعلموا أنه قد ولد في هذه الليلة مولود اسمه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله يبطل عبادة الاوثان، ويمنع السجود للاصنام، ويدعو الناس إلى عبادة الرحمن، قال: فنثروا التراب على رؤوسهم، ودخل إبليس لعنه الله تعالى في البحر الرابع وقعد فيه للمصيبة هو وأولاده مكروبين أربعين يوما ". قال الواقدي: فعند ذلك أخذت الحوريات محمدا " صلى الله عليه وآله ولففنه في منديل رومي، ووضعنه بين يدي آمنة، ورجعن إلى الجنة يبشرون الملائكة في السماوات بمولد النبي صلى الله عليه وآله، ونزل جبرئيل وميكائيل عليهما السلام ودخلا البيت على صورة الادميين وهما شابان، ومع جبرئيل طشت من ذهب، ومع ميكائيل إبريق من عقيق أحمر، فأخذ جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وغسله، وميكائيل يصب الماء عليه فغسلاه، وآمنة في زاوية البيت قاعدة فزعة مبهوتة، فقال لها جبرئيل: يا آمنة لا نغسله من النجاسة، فإنه لم يكن نجسا "، ولكن نغسله من ظلمات بطنك، فلما فرغوا من غسله وكحلوا عينيه ونقطوا جبينيه بورقة كانت معهم مسك وعنبر وكافور مسحوق بعضه ببعض فذروه فوق رأسه صلى الله عليه وآله قالت آمنة: وسمعت جلبة (8) وكلاما " على الباب، فذهب جبرئيل إلى الباب فنظر ورجع إلى البيت وقال: ملائكة سبع سماوات يريدون السلام على النبي صلى الله عليه وآله فاتسع البيت ودخلوا عليه


(1) تقدم قبلا أنه سقط أربعة عشر شرفا. (2) الجلبة: اختلاط الاصوات والصياح.

[ 289 ]

موكب بعد موكب وسلموا عليه، وقالوا: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا محمود، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا حامد. قال الواقدي: فلما دخل (1) من الليل ثلثه أمر الله تعالى جبرئيل عليه السلام أن يحمل من الجنة أربعة أعلام، فحمل جبرئيل الاعلام ونزل إلى الدنيا، ونصب علما " أخضر على جبل قاف مكتوبا " (1) عليه بالبياض سطران: لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، ونصب علما " آخر على جبل أبي قبيس له ذؤابتان مكتوب على واحدة منهما: شهادة أن لا إله إلا الله، وفي الثانية: لادين إلا دين محمد بن عبد الله، ونصب علما " آخر على سطح بيت الله الحرام له ذؤابتان مكتوب على واحدة منهما: طوبى لمن آمن بالله وبمحمد، والويل لمن كفر به ورد عليه حرفا " مما يأتي به من عند ربه، ونصب علما " آخر على ضراح (3) بيت الله المقدس وهو أبيض عليه خطان مكتوبان بالسواد، الاول: لا غالب إلا الله، والثاني: النصر لله ولمحمد صلى الله عليه وآله. قال الواقدي: وذهب إستحيائيل ووقف على ركن جبل أبي قبيس ونادى بأعلى صوته: يا أهل مكة آمنوا بالله ورسوله، والنور الذي أنزلنا، وأمر الله غمامة أن ترفع فوق بيت الله الحرام، وتنثر على البيت الحرام ريش الزعفران والمسك والعنبر، وتمطر على البيت، فلما أصبحوا رأوا ريش الزعفران والمسك والعنبر، وارتفعت الغمامة وأمطرت على البيت، وخرجت الاصنام من بيت الله الحرام، وجاؤا إلى عند الحجر وانكبوا على وجوههم، وجاء جبرئيل بقنديل أحمر له سلسلة من جزع أصفر، وهو يشتعل بلا دهن بقدرة الله تعالى. قال الواقدي: وبرق من وجه النبي صلى الله عليه وآله برق وذهب في الهواء حتى التزق بعنان السماء، وما بقي بمكة دار ولا منظر إلا دخله ذلك النور، ممن سبق في قدر الله تعالى وعلمه أنه يؤمن بالله، وبرسوله محمد صلى الله عليه وآله، وما بقي في تلك الليلة كتاب من التوراة والانجيل والزبور ومما كان فيه اسمه صلى الله عليه وآله أو نعته إلا وقطر تحت اسمه قطرة دم، وقال:


(1) مضى خ ل. (2) في المصدر: مكتوب وهو الصحيح. (3) سطح خ ل، وفي المصدر: صريح. قلت: ولعله مصحف ضريح.

[ 290 ]

لان الله تعالى بعثه بالسيف، وما بقي في تلك الليلة دير ولا صومعة إلا وكتب على محاريبها اسم محمد صلى الله عليه وآله، فبقيت الكتابة إلى الصباح حتى قرء الرهبانية والديرانية (1)، وعلموا أن النبي الامي صلى الله عليه وآله قد ولد. قال الواقدي: فعندها قامت آمنة رضي الله عنها وفتحت الباب، وصاحت صيحة وغشي عليها، ثم دعت بامها برة وأبيها وهب وقالت: ويحكما أين أنتما ؟ فما رأيتما ما جرى علي ؟ إني وضعت ولدي، وكان كذا وكذا، تصف لهما ما رأته، قال: فقام وهب ودعا بغلام وقال: اذهب إلى عبد المطلب وبشره، وأهل مكة على المغاير (2) قد صعدوا والصروح ينظرون إلى العجائب ولا يدرون ما الخبر، وكذلك عبد المطلب قد صعد مع أولاده فما شعروا بشئ حتى قرع الغلام الباب، ودخل على عبد المطلب وقال: يا سيدنا أبشر فإن آمنة قد وضعت ولدا " ذكرا "، فاستبشر بذلك، وقال: قد علمت أن هذه براهين ودلائل لمولودي، فذهب عبد المطلب إلى آمنة مع أولاده ونظروا إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ووجهه كالقمر ليلة البدر يسبح ويكبر في نفسه، فتعجب منه عبد المطلب. قال الواقدي: فأصبح أهل مكة يوم الثاني (3) ونظروا إلى القنديل وإلى السلسلة وإلى ريش الزعفران والعنبر ينزل من الغمامة، وإلى الاصنام وقد خرجن منكبات على وجوههن (4)، وبقى الخلق على ذلك، وجاء إبليس أخزاه الله على صورة شيخ زاهد وقال: يا أهل مكة لا يهمنكم (5) أمر هذا فإنما أخرج الاصنام الليل العفاريت والمردة، وسجدوا لهن، فلا يهمنكم، وأمر إبليس لعنه الله أن تدخل الاصنام إلى جوف بيت الله الحرام ففعلوا ذلك، وإذا " بهاتف يهتف ويقول: جاء الحق وزهق الباطل،، إن الباطل كان زهوقا. قال الواقدي: فأرسل الله تعالى إلى البيت جللا " من الديباج الابيض مكتوب عليها


(1) في العبارة تصحيف، لان الرهبانية طريقة الرهبان، ولعل الصحيح الرهابنة أو الرهبانة. (2) المنابر خ ل، قلت: لم نعرف معنى المغاير، وفي المصدر: وأهل مكة على المنابر قد صعدوا العروج. وعلى أي فالعبارتين لا تخلوان عن اضطراب، ولعل العاطف قبل والصروح زائد. (3) في المصدر: يوم الثاني صبيحة يوم الثلثاء. (4) في المصدر: وينظرون إلى الاصنام وقد خرجوا من مراكزهن منكبات على وجوههن. (5) في المصدر: لا يهتمنكم.

[ 291 ]

بخط أسود: بسم الله الرحمن الرحيم: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا " ومبشرا " ونذيرا " وداعيا " إلى الله بإذنه وسراجا " منيرا. قال الواقدي: فتعجب الناس من ذلك وبقيت الجلل على البيت أربعين يوما "، فذهب رجل من آل إدريس وكان بيده مد سمنا (1) فتمسح بذلك الجلل والتحف به فارتفع الجلل من ليلته، ولو لم يلتحف به لبقي على بيت الله الحرام هذا الديباح إلى يوم القيامة. قال الواقدي: فاجتمع رؤساء بني هاشم وذهبوا إلى حبيب الراهب وقالوا: يا حبيب بين لنا خبر هذا الجلل وإخراج الاصنام من جوف بيت الله الحرام، والكواكب السائرات، والبرق الذى برق في هذه الليلة، والجلبات التي سمعنا مما هي (2)، فقال حبيب: أنتم تعلمون أن ديني ليس دينكم، وأنا أقول الحق، إن شئتم قاقبلوا، وإن شئتم لا تقبلوا، ما هذه العلامات إلا علامات نبي مرسل في زمانكم، ونحن وجدنا في التوراة ذكر وصفه وفي الانجيل نعته، وفي الزبور اسمه، واسمه في الصحف، وهو الذي يبطل عبادة الاوثان والاصنام، ويدعو إلى عبادة الرحمن، ويكون على العلم قاطع السيف، طاعن الرمح (3)، نافذ السهم، تخضع له ملوك الدنيا وجبابرتها، فالويل الويل لاهل الكفر والطغيان، وعبدة الاوثان من سيفه ورمحه وسهمه. فمن آمن به نجا، ومن كفر به هلك، فقام الخلق من عنده مغمومين مكروبين، ورجعوا إلى مكة محزونين. قال الواقدي: وأصبح عبد المطلب اليوم الثاني ودعا بآمنة وقال لها: هاتي ولدي، وقرة عيني، وثمرة فؤادي، فجائت آمنة ومحمد على ساعدها، فقال عبد المطلب: اكتميه يا آمنة ولا تبديه لاحد، فإن قريشا " وبني امية يرصدون في أمره، قالت آمنة: السمع والطاعة، فجاء عبد المطلب ومحمد على ساعده، وأتى به إلى بيت الله الحرام، وأراد أن يمسح بدنه باللات و العزى لتسكن دمدمة (4) قريش وبني هاشم (5)، ودخل عبد المطلب بيت الله الحرام، فلما وضع


(1) يده مدسما خ ل. (2) في المصدر: فماهى. (3) في المصدر: طاعن بالرمح. (4) في المصدر: الدمدمة: الغضب. (5) وبنو هاشم خ ل وهو الموجود في المصدر، أي لتسكن بنو هاشم ولا يظهرون على قريش أمرا يوجب البغض والعداوة.

[ 292 ]

رجله في البيت سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: بسم الله وبالله، وإذا البيت يقول: السلام عليك يا محمد ورحمة الله وبركاته، وإذا بهاتف يهتف ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا "، فتعجب عبد المطلب من صغر سنه وكلامه ومما قال له البيت، فأمر عبد المطلب خزنة البيت أن يكتموا ما سمعوا من البيت ومن محمد صلى الله عليه وآله. قال الواقدي: فتقدم عبد المطلب إلى اللات والعزي وأراد أن يمسح بدن النبي صلى الله عليه وآله باللات والعزى فجذب من ورائه، فالتفت إلى ورائه فلم ير احدا، فتقدم ثانية فجذبه من ورائه جاذب، فنظر إلى ورائه فلم ير أحدا، ثم تقدم ثالثة فجذبه الجاذب جذبة شديدة حتى أقعده على عجزه، وقال: يا أبا الحارث أتمسح بدنا " طاهرا " ببدن نجس ؟ ! قال الواقدي: فعند ذلك وقف عبد المطلب على باب بيت الله الحرام والنبي على ساعده وأنشأ يقول: الحمد لله الذي أعطاني * هذا الغلام طيب الارداني قد ساد في المهد على الغلماني * اعيذه بالبيت ذي الاركاني حتى أراه مبلغ الغشياني (1) * اعيذه من كل ذي شنآني (2) من حاسد ذي طرف العيناني قال: وخرج عبد المطلب متفكرا " مما سمع، ورأى من محمد صلى الله عليه وآله إلى امه، وقد وقعت الدمدمة في قريش وبين (3) بني هاشم بسبب محمد صلى الله عليه وآله. قال الواقدي: فلما كان اليوم الثالث اشترى عبد المطلب مهدا من خيزران أسود، له شبكات من عاج، مرصع بالذهب الاحمر، وله بركتان من فضة بيضاء، ولونه من جزع أصفر، وغشاه بجلال ديباج أبيض، مكوكب بذهب، وبعث إليها من الدر واللؤلؤ الكبار الذي تلعب به الصبيان في المهد بألوان الخرز (4)، وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا انتبه من نومه


(1) في المصدر: مبلغ الغلمانى. (2) الشنآن: البغض والعداوة. وفي المصدر بعد ذلك مصرع هو: حتى يكون بلغة الغشيانى. (3) المصدر خال عن كلمة بين. (4) الخرز: ما ينظم في السلك من الجذع والودع. الحب المثقوب من الزجاج ونحوه. فصوص من حجارة.

[ 293 ]

يسبح الله تعالى بتلك الخرز. قال الواقدي: فلما كان اليوم الرابع جاء سواد بن قارب (1) إلى عبد المطلب، و كان عبد المطلب قاعدا على باب بيت الله الحرام وقد حف به قريش وبنو هاشم، فدنا سواد بن قارب وقال: يا أبا الحارث اعلم أني قد سمعت أنه قد ولد لعبد الله ذكر، وأنهم يقولون فيه: عجائب، فاريد أن أنظر إلى وجهه هنيئة، وكان سواد بن قارب رجلا إذا تكلم سمع منه، وكان رجلا " صدوقا "، فقام عبد المطلب ومعه سواد بن قارب وجاء إلى دار آمنة رضي الله عنها ودخلا جميعا " والنبي صلى الله عليه وآله نائم، فلما دخلا القبة قال عبد المطلب: اسكت يا سواد حتى ينتبه من نومه، فسكت فدخلا قليلا قليلا حتى دخلا القبة، ونظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وآله وهو في مهده نائم، وعليه هيئة الانبياء، فلما كشف الغطاء عن وجهه برق من وجهه برق شق السقف بنوره، والتزق بأعنان (2) السماء، فالقى عبد المطلب وسواد أكمامهما على وجهيهما من شدة الضوء، فعندها انكب سواد على النبي صلى الله عليه وآله وقال لعبد المطلب: اشهدك على نفسي أني آمنت بهذا الغلام، وبما يأتي به من عند ربه، ثم قبل وجنات (3) النبي صلى الله عليه وآله وخرجا جميعا "، ورجع سواد إلى موضعه، وبقي عبد المطلب فرحا " نشيطا. قال محمد بن عمر الواقدي: فلما أتى على النبي صلى الله عليه وآله شهر كان إذا نظر إليه الناظرون توهموا أنه من أبناء سنة لوقارة جسمه، وتمام فهمه، وكانوا يسمعون من مهده التسبيح والتحميد والثنآء على الله تعالى. قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله شهران مات وهب جده أبو أمه آمنة، وجاء عبد المطلب وجماعة من قريش وبني هاشم وغسلوا وهبا وحنطوه وكفنوه ودفنوه على ذيل الصفا (4).


(1) هو سواد بن قارب الازدي الدوسى أو السدوسى، وكان كاهنا في الجاهلية، له صحبة، وكان شاعرا، قاله ابن الاثير في اسد الغابة - 2: 375. (2) في المصدر: في عنان السماء. قلت: عنان السماء: ما ارتفع منها وما بدالك منها إذا نظرتها، وأعنانها: نواصيها وما اعترض من أقطارها. (3) الوجنة: ما ارتفع من الخدين. (4) الفضائل: 15 - 31.

[ 294 ]

بيان: المخانق: جمع المخنقة كمكنسة وهي القلادة. والتهويم: هز الرأس من النعاس. وغفت: نامت. والصرح: القصر وكل بناء عال. 28 - كا: علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق الاحمر، عن أحمد بن الحسين (1)، عن أبي العباس، عن جعفر بن إسماعيل، عن إدريس، عن أبي السائب، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: عق أبو طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم السابع ودعا آل أبى طالب فقالوا: ما هذه ؟ فقال: هذه عقيقة أحمد، قالوا: لاي شئ سميته أحمد ؟ قال: سميته أحمد لمحمدة أهل السماء والارض (2). 29 - كا: علي عن أبيه، عن البزنطي، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما ولد النبي صلى الله عليه وآله جاء رجل من أهل الكتاب إلى ملا من قريش، فيهم هشام ابن المغيرة والوليد بن المغيرة، والعاص بن هشام، وابو وجزة بن أبي عمرو بن امية وعتبة ابن ربيعة، فقال. أولد فيكم مولد الليلة ؟ فقالوا: لا، قال فولد إذا بفلسطين غلام اسمه أحمد، به شامة كلون الخز الادكن، ويكون هلاك أهل الكتاب واليهود على يديه، قد أخطأكم والله يا معشر قريش، فتفرقوا وسألوا فاخبروا أنه ولد لعبدالله بن عبد المطلب غلام، فطلبوا الرجل فلقوه، فقالوا: إنه قد ولد فينا والله غلام، قال: قبل أن أقول لكم أو بعد ما قلت لكم ؟ قالوا: قبل أن تقول لنا، قال: فانطلقوا بنا إليه حتى ننظر إليه، فانطلقوا حتى أتوا امه فقالوا: اخرجي ابنك حتى ننظر إليه، فقالت: إن ابني والله لقد سقط وما سقط كما يسقط الصبيان، لقد اتقى الارض بيديه، ورفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج منه نور حتى نظرت إلى قصور بصري، وسمعت هاتفا " في الجو يقول: لقد ولدتيه سيد الامة، فإذا وضعتيه فقولي: اعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، وسميه محمدا، قال الرجل: فأخرجته فنظر إليه ثم قلبه ونظر إلى الشامة بين كتفيه فخر مغشيا " عليه، فأخذوا الغلام فأدخلوه إلى أمه وقالوا: بارك الله لك فيه، فلما خرجوا أفاق، فقالوا له: مالك ويلك ؟ قال: ذهبت نبوة بني إسرائيل إلى يوم القيامة، هذا والله من يبيرهم، ففرحت قريش


(1) الحسن خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) الفروع: ج 2: ص 91.

[ 295 ]

بذلك، فلما رآهم قد فرحوا قال: فرحتم، أما والله ليسطون بكم سطوة يتحدث بها أهل المشرق والمغرب، وكان أبو سفيان يقول: يسطو بمصره (1). 30 - كا: حميد بن زياد، عن محمد بن أيوب، عن محمد بن زياد، عن أسباط بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان حيث طلقت آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي صلى الله عليه وآله حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب، فلم تزل معها حتى وضعت، فقالت إحداهما للاخرى: هل ترين ما أرى ؟ فقالت: وما ترين ؟ قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب، فبينما هما كذلك إذ دخل عليهما أبو طالب فقال لهما: ما لكما ؟ من أي شئ تعجبان ؟ فاخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت. فقال لها أبو طالب: ألا ابشرك ؟ فقالت: بلى، فقال: أما إنك ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود (2). 31 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن ابن مسعود، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري قال: سمعت إسحاق بن جعفر يقول: سمعت أبي يقول: الاوصياء إذا حملت بهم امهاتهم أصابها فترة شبه الغشية، فأقامت في ذلك يومها ذلك إن كان نهارا "، أو ليلتها إن كان ليلا "، ثم ترى في منامها رجلا يبشرها بغلام عليم حليم فتفرح لذلك، ثم تنتبه من نومها فتسمع من جانبها الايمن في جانب البيت صوتا يقول: حملت بخير، وتصيرين إلى خير، وجئت بجير، أبشري بغلام حليم عليم، وتجد خفة في بدنها، ثم تجد (3) بعد ذلك اتساعا " من جنبيها وبطنها، فإذا كان لتسع من شهورها سمعت في البيت حسا " شديدا "، فإذا كانت الليلة التي تلد فيها ظهر لها في البيت نور تراه لا يراه غيرها


(1) الروضة: 300 و 301، وفي بعض نسخه: يسطو بمضره. قال المصنف في شرح الحديث: قوله: يسطو بمصره، الظاهر أنه قال ذلك على الهزء والانكار، أي كيف يقدر على أن يسطو بمصره، أو كيف يسطو بقومه وعشيرته، ويحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الاذعان في ذلك الوقت، أو كان يقول ذلك بعد خبر الراهب، وفيما رواه قطب الدين الراوندي في الخرائج: فكان أبو سفيان يقول: انما يسطو بمضره، أي بقبيلة مضر، أو بها وبأضرابها من القبائل الخارجة عن مكة. (2) الروضة: 302. (3) في نسخة من المصدر: ثم لم تجد بعد ذلك امتناعا من جنبيها وبطنها.

[ 296 ]

إلا أبوه، فإذا ولدته ولدته قاعدا "، وتفتحت له حتى يخرج متربعا "، ثم (1) يستدير بعد وقوعه إلى الارض، فلا يخطئ القبلة حيث كانت بوجهه، ثم يعطس ثلاثا " يشير بإصبعه بالتحميد، ويقع مسرورا " (2) مختونا "، ورباعيتاه من فوق وأسفل وناباه وضاحكاه، ومن بين يديه مثل سبيكة الذهب نور، ويقيم يومه وليلته تسيل يداه ذهبا (3)، وكذلك الانبياء إذا ولدوا، وإنما الاوصياء أعلاق من الانبياء (4). أقول: سيأتي شرح الخبر مع سائر الاخبار في ذلك في كتاب الامامة. 32 - ن: في خبر الشامي أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام من خلق الله من الانبياء مختونا " ؟ قال: خلق الله عزوجل آدم عليه السلام مختونا "، وولد شيث عليه السلام مختونا "، وإدريس ونوح وسام بن نوح وإبراهيم وداود وسليمان ولوط، وإسماعيل وموسى وعيسى ومحمد، صلوات الله عليهم (5). 33 - د: روي أن قريشا " كانت في جدب شديد، وضيق من الزمان، فلما حملت آمنة بنت وهب برسول الله صلى الله عليه وآله اخضرت لهم الارض، وحملت لهم الاشجار، وأتاهم الوفد من كل مكان، فأخصب أهل مكة خصبا عظيما "، فسميت السنه التي حمل فيها برسول الله صلى الله عليه وآله سنة الفتح والاستيفاء والابتهاج، ولم تبق كاهنة إلا حجبت عن صاحبها (6)،


(1) المصدر خال عن كلمة: ثم. (2) أي مقطوع السرة، من سررت الصبى أسره سرا، إذا قطعت سرره، والسرر بكسر السين وفتحتها لغة بالسر بالضم، وهو ما تقطعه القابلة من سرة الصبى. (3) قال المصنف: والرباعية كثمانية: السن التى بين الثنية والناب وهو بين الرباعية والضاحك، وتقدير الكلام: ومعه رباعيتاه ونابه، وكان نبات خصوص تلك لمزيد مدخليتها في الجمال، وعدم نبات الثنايا لمزيد إضرارها بثدى الام، ويحتمل أن يكون المراد نبات كل الاسنان، والتخصيص بالذكر على المثال، مثل سبيكة الذهب أي نور أصفر وأحمر شبيه بها، وسيلان الذهب عن يديه أيضا كناية عن اضاءتهما ولمعانهما وبريقهما وسطوع النور الاصفر منهما، والاعلاق جمع العلق بالكسر وهو النفيس من كل شئ، أي أشرف أولادهم، أو خلقوا من أشرف أجزائهم وطينتهم، أو هم أشرف شئ اختاروه لامتهم. (4) الاصول 1: 387 و 388. (5) عيون الاخبار: 134. (6) أي صاحبها من الجن.

[ 297 ]

وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة، ولم يبق سرير لملك من الملوك إلا أصبح منكوسا "، والملك مخرسا " لا يتكلم يومه ذلك، وفي كل شهر من الشهور ندآء من السماء أن أبشروا فقد آن لمحمد أن يخرج إلى الارض ميمونا " مباركا " (1). 34 - د: عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعت آبائي يحدثون: كانت لقريش كاهنة يقال لها: جرهمانية، وكان لها ابن من أشد قريش عبادة للاصنام، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله جاءت إليها تابعتها (2)، وقالت لها جرهمانية: حيل بيني وبينك، جاء النور الممدود الذي من دخل في نوره نجا، ومن تخلف عن نوره هلك، أحمد صاحب اللواء الاكبر، والعز الابدي، وابنها يسمع، فلما كانت الليلة الثانية عاد بمثل قوله، ثم مر (3)، فلما كانت الليلة الثالثة عاد بمثل قوله (4) فقالت: ويحك ومن أحمد ؟ قالت: ابن عبد الله بن عبد المطلب يتيم قريش صاحب الغرة الحجلاء، والنور الساطع، فلما تكلمت بهذا الكلام نظرت إلى صنمها يمشي مرة ويعدو مرة، ويقول: ويلي من هذا المولود، هلكت الاصنام، قال: فكانت الجرهمانية تنوح على نفسها بهذا الحديث (5). 35 - د: قيل: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أبو طالب لفاطمة بنت أسد: أي شئ خبرتك به آمنة أنها رأت حين ولدت هذا المولود ؟ قالت: خبرتني أنها لما ولدته خرج معتمدا " على يده اليمنى، رافعا " رأسه إلى السماء، يصعد منه نور في الهواء حتى ملا الافق، فقال لها أبو طالب: استري هذا، ولا تعلمي به أحدا "، أما إنك ستلدين مولودا " يكون وصيه (6). 36 - كا: علي بن محمد، عن عبد الله بن إسحاق العلوى، عن محمد بن زيد الرزامي، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: حججنا مع أبي عبد الله


(1) العدد: مخطوط. (2) أي صاحبها من الجن. (3) واستظهر المصنف في هامش النسخة أن الصحيح: عادت بمثل قولها ثم مرت. (4) واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: عادت بمثل قولها. (5 و 6) العدد: مخطوط. (*)

[ 298 ]

عليه السلام السنة التي ولد فيها ابنه موسى عليه السلام - وساق الحديث إلى أن قال -: وذكرت حميدة أنه سقط من بطنها حين سقط واضعا " يده على الارض، رافعا " رأسه إلى السماء، فأخبرتها أن ذلك أمارة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمارة الوصي عليه السلام من بعده (1)، فقال لي: إنه لما كانت الليلة التي علق (2) فيها بجدي أتى آت جد أبي بكأس فيه شربة أرق من الماء، وألين من الزبد، وأحلى من الشهد، وأبرد من الثلج، وأبيض من اللبن، فسقاه إياه وأمره بالجماع، فقام فجامع فعلق بجدي، ولما أن كانت الليلة التي علق فيها بأبي أتي آت جدي فسقاه كما سقى جد أبي وأمره بمثل الذي أمره، فقام فجامع فعلق بأبي، ولما أن كانت الليلة التي علق فيها بي أتى آت أبي فسقاه بما سقاهم، وأمره بالذي أمرهم به، فقام فجامع فعلق بي، ولما أن كانت الليلة التي علق فيها بابني أتاني آت كما أتاهم ففعل بي كما فعل بهم، فقمت بعلم الله، وإني مسرور بما يهب الله لي فجامعت فعلق بابني هذا المولود، فدونكم، فهو والله صاحبكم من بعدي، وإن نطفة الامام مما أخبرتك، وإذا سكنت النطفة في الرحم أربعة أشهر وانشئ فيها الروح بعث الله تبارك وتعالى ملكا " يقال له: حيوان فكتب على عضده الايمن: (وتمت كلمة ربك صدقا " وعدلا " لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) ولاذا وقع من بطن امه وقع واضعا " يديه على الارض، رافعا " رأسه إلى السماء، فأما وضعه يديه على الارض فإنه يقبض كل علم لله أنزله من السماء إلى الارض، وأما رفعه رأسه إلى السماء فإن مناديا " ينادي به من بطنان العرش من قبل رب العزة من الافق الاعلى باسمه واسم أبيه، يقول: يا فلان بن فلان اثبت تثبت (3)، فلعظيم ما


(1) في المصدر وهنا زيادة هي: فقلت: جعلت فداك وما هذا من أمارة رسول الله صلى الله عليه وآله و أمارة الوصي من بعده، فقال لى اه‍. (2) علقت المرأة وكل انثى بالولد: حبلت. (3) اثبت، أمر من باب نصر، أي كن على علم ويقين وبصيرة، ثابتا على الحق في جميع أقوالك وأفعالك، تثبت، جواب للامر، وهو اما على بناء الفاعل من التفعيل، أي لتثبت غيرك على الحق، أو على بناء المفعول منه، أي يثبتك الله عليها، أو على بناء المفعول من الافعال، أي لتثبت إمامتك بذلك عند الناس، والاثبات أيضا: المعرفة، أي تكن معروفا بالامامة بين الناس. قاله المصنف في مرآت العقول 1: 290.

[ 299 ]

خلقتك، أنت صفوتي من خلقي، وموضع سرى، وعيبة (1) علمي، وأميني على وحيي، وخليفتي في أرضي، لك ولمن تولاك أوجبت رحمتي، ومنحت جناني، وأحللت جواري، ثم وعزتي وجلالي لاصلين (2) من عاداك أشد عذابي، وإن وسعت عليه في دنياى من سعة رزقي، فإذا انقضي الصوت صوت المنادي أجابه هو واضعا " يديه، رافعا " رأسه إلى السماء يقول: (شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة واولوا العلم قائما " بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) قال: فإذا قال ذلك أعطاه الله العلم الاول والعلم الاخر، واستحق زيارة الروح في ليلة القدر (3). 37 - أقول: روى (4) الشيخ أبو الحسن البكري في كتاب الانوار عن أبي عمرو الشيباني وجماعة من أهل الحديث أن السحرة والكهنة والشياطين والمردة والجان قبل مولد (5) رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يظهرون العجائب ويأتون بالغرائب، ويحدثون الناس بما يخفون من السرائر، ويكتمون في الضمائر، وتنطق السحرة والكهنة على ألسنة الجن والشياطين والمردة بما يسترقون من السمع من الملائكة، ولم تحجب السماء عن الشياطين حتى بعث النبي صلى الله عليه وآله. قال البكري: ولقد بلغنا أنه كان بأرض اليمامة كاهنان عظيمان فاقا على أهل زمانهما في الكهانة ويتحدث الناس بهما في كل مكان، وكان أحدهما اسمه ربيعة بن مازن (6) ويعرف بسطيح، وهو أعلم الكهان، والاخر اسمه وشق (7) بن باهلة اليماني، فأما سطيح فإن الله تعالى قد خلقه قطعة لحم بلا عظم ولا عصب سوى جمجمة رأسه، وكان يطوى كما


(1) العيبة: الزنبيل من ادم. ما تجعل فيه الثياب كالصندوق. (2) صلى وأصلى فلانا النار: أدخله إياها وأثواه فيها. (3) الاصول 1: 385 و 386. (4) من هنا أول الجزء السادس من كتاب الانوار على نسختي. (5) مبعث خ ل، وهو الموجود في نسختي. (6) ابن غسان خ ل وهو الموجود في نسختي، وتقدم قبل ذلك نسبه. (7) شق خ ل في جميع المواضع، وهو الصحيح، وقد تقدمنا ذكر نسبه راجعه.

[ 300 ]

يطوى الثوب، وينشر ويجعل على وضمة (1) كما يجعل اللحم على وضمة القصاب، لا ينام من الليل إلا اليسير، يقلب طرفه إلى السماء، وينظر إلى النجوم الزاهرات، والافلاك الدائرات، والبروق اللامعات، ويحمل على وضمه إلى الامصار، ويرفع إلى الملوك في تلك الاعصار (2)، يسألونه عن غوامض الاخبار، وينبئهم بما في قلوبهم من الاسرار، و يخبر بما يحدث في الزمان من العجائب (3)، وهو ملقى على ظهره (4)، شاخص ببصره، لا يتحرك منه غير عينيه ولسانه، وقد لبث دهرا " طويلا على هذه الحالة، فبينا هو كذلك ذات ليلة شاخصا " إلى السماء إذ لاحت له برقة مما يلي مكة ملات الاقطار (5)، ثم رأى الكواكب قد علا منها النيران، فظهر بها دخان، وتصادم بعضها ببعض، واحد بعد واحد (6). حتى غابت في الثرى، فلم يرلها نور ولا ضياء (7)، فلما نظر سطيح إلى ذلك دهش وحار وأيقن بالهلاك والدمار، وقال: كواكب تظهر بالنهار، وبرق يلمع (8) بالانوار، يدل على عجائب وأخبار، وظل يومه ذلك حتى انقضى النهار، فلما أدركه الليل (9) أمر غلمانه أن يحملونه إلى موضع فيه جبل هناك، وكان شامخا " في الجبال (10)، فأمرهم أن يرفعوه عليه، فجعل يقلب طرفه يمينا وشمالا "، فإذا هو بنور ساطع، وضياء لامع، قد علا على الانوار، وأحاط على الاقطار، وملا الافاق، فقال لغلمانه: انزلوني فإن


(1) الوضم: الخشبة الجزاز التى يقطع عليها اللحم. (2) في المصدر: في جميع الاقطار. (3) في المصدر: ويخبر بما يأتي وبما يظهر من الافات وبما يكون، وهو ملقى على ظهره. (4) على وضمه خ ل. (5) في المصدر: مما يلي مكة قد نزلت من عنان السماء، ولمعت بأنور الضياء، وملات الاقطار، ثم رأى الكواكب قد علا نورها بالازهار، ومدح بينها النيران، وتصادم بعضها ببعض فظهر منهما دخان، ثم طوت واحدة في أثر واحدة حتى غابت في الثرى. (6) واحدة بعد واحدة خ ل. (7) نورا ولاضياء خ ل. (8) في المصدر: وبرقة تلمع. (9) في المصدر: وبقى يومه ذلك متفكرا فيما عاينه حتى انقضى النهار، فلما أتى الليل. (10) في المصدر: شامخا عاليا على الجبال.

[ 301 ]

عقلي قد طار، ولبي قد حار، من أجل هذه الانوار، وإني أرى أمرا " جليلا، وقد دنا مني الرحيل، بلا شك عن قليل، قالوا له: وكيف ظهر لك ذلك يا سطيح ؟ قال: يا ويلكم إني رأيت أنوارا " قد نزلت من السماء إلى الارض، وأرى الكواكب قد تساقطت إلى الارض وتهافتت (1)، وإني أظن أن خروج الهاشمي قد دنا، فإن كان الامر كذلك فالسلام على الوطن (2) من أهل الامصار واليمن، إلى آخر الزمن، فحار غلمانه من كلامه، وأنزلوه، وقد أرق (3) تلك الليلة أرقا "، وأصبح قلقا "، لم يتهنأ برقاد، ولم يوطأ له مهاد، كثير الفكر والسهاد (4)، وجمع قومه وعشيرته وقال لهم: إني أرى أمرا " عظيما "، وخطبا " جسيما "، وقد غاب عني خبره، وخفي علي أثره، وسأبعث إلى جميع إخواني من الكهان، فكتب إلى سائر البلدان، وكتب (5) إلى وشق يخبره (6) عن الحال، وبشرح له المقال، فرد عليه الجواب، قد ظهر عندي بعض الذي ذكرت، وسيظهر نور الذي وصفت، غير أني لا علم لي فيه، ولا أعرف شيئا " من دواعيه، فعند ذلك كتب إلى الزرقاء ملكة اليمن، وكانت من أعظم الكهنة والسحرة (7)، قد ملكت قومها بشرها وسحرها، وكان المجاورون لها آمنين في معايشهم، لا يخافون من عدو، ولا يجزعون من احد، وكانت حادة البصر، عظيمة الخطر، تنظر من مسيرة ثلاثة أيام، كما ينظر الانسان الذي بين يديه، وإذ أراد أحد من أعدائها الخروج إلى بلدها تخبر قومها، وتقول: احذروا فقد جاءكم عدوكم من جهة كذا وكذا، فيجدون الامر كما ذكرت. قال أبو الحسن البكري: ولقد بلغني أن أهل اليمامة قتلوا قتيلا من غسان وكان قد قتل منهم رجلا قبل ذلك فبلغ قومه قتله فاجمعوا أن يكبسوا (8) قومها في أربعة آلاف


(1) أي تساقطت. (2) على الوطن وعلى اليمن خ ل ومثله موجود في المصدر، الا أن فيه: واليمن. (3) أرق: ذهب عنه النوم في الليل. (4) الرقاد: النوم. والسهاد: اليقظة والارق. (5) في المصدر: فلما أصبح جمع قومه إه‍. وفيه: وإلى سائر البلدان، فكتب اه‍. (6) يسأله خ ل وهو الموجود في المصدر. (7) في المصدر هنا زيادة هي: عظيمة الشر، بعيدة الخير. (8) أي يهجموا عليهم فجأة.

[ 302 ]

مدرع، وقال لهم سيدهم من غسان: يا ويحكم أتطمعون في الدخول إلى اليمامة وفيها الزرقاء ؟ أما تعلمون أنها تنظر إلى الوافدين، وتعاين، الواردين من البعد ؟ فكيف إذا رأت ركائبكم (1) قد أقبلت فتخبر قومها ويأخذون حذرهم (2) وأنشأ يقول: إني أخاف من الزرقاء وصولتها * إذا رأت جمعكم يسري إلى البلد ترميكم باسود لا قوام لكم * بشرها ثم لا تبقي على أحد كم من جموع أتوها قاصدين لها * فراح جمعهم بالخوف والنكد فقالوا: ما الذي تشير به علينا ؟ قال: رأيت رأيا وأنا أرجو أن يكون فيه الظفر إن ساعدني فيه القدر، قالوا: وما ذلك ؟ قال: إني أقول لكم: انزلوا عن خيلكم، ثم اعمدوا إلى الشجر، فيقطع (3) كل واحد منكم ما يستره ثم تحملونه في أيديكم، ثم تقودون خيلكم، وتسيرون في ظل الشجر، فعسى أن يتغير عليها النظر، قالوا: نعم الرأي ما رأيت، ففعلوا ما قال حتى بقي (4) بينهم وبين اليمامة ثلاثة أيام، جعلوا أمامهم رجلا معه كتف بعير يلوح (5) به، ونعل يخصفه، لينكر عليها (6) النظر، فلما نظرت إليهم الزرقاء وكانت في صومعتها صاحت بأعلا صوتها وقالت: يا أهل اليمامة أقبلوا، فأقبل إليها الناس وقالوا: ما عندك من (7) خبر ؟ قالت: إني رأيت (8) عجبا " عجبيبا "، وأظن أن الملبسة تسير إلينا في ظل الشجر، وهم جمع كثير، يتقدمهم رجل في يده كتف بعير، ومعه


(1) الركائب جمع الركاب: الابل وفي الصمدر بعد أقبلت: ومراكبكم قد أشرفت. (2) الحذر: ما فيه الحذر من السلاح وغيره. (3) في المصدر: اشير عليكم أن تنزلون عن خيلكم، ثم تعمدون إلى الشجر، وتقطعون. (4) في المصدر: قالوا له: الرأى ما رأيت، ثم نزلوا عن خيلهم وفعلوا ما أمرهم سيدهم وجدوا السير، فلما بقى. (5) أي يرفعه ويحركه ليلوح للناظر. (6) في المصدر: ليتغير عليها النظر. (7) في المصدر: يا أهل اليمامة أقبلوا إلى قبل أن تحل بكم الندامة، فأقبلوا إليها يهرعون من جانب ومكان ينسلون، فأخذوا بصومعتها، وقالوا: ما وراءك، وما الذى دهاك ؟ قالت: أني ارى عجبا عجبا اه لو إقلت لعل الصحيح: من كل جانب. (8) أرى خ ل.

[ 303 ]

نعل يخصفه تارة "، وتارة " يلوح بكتف البعير، فلما سمعوا كلامها أعرضوا عنها وقال بعضهم لبعض: إن الزرقاء قد خرفت، وتغير نظرها، فهل رأيتم شجرا " يسير، ورجلا " يلوح بكتف بعير ؟، إن هذا وسواس (1) وجنون قد عارضها، فلما سمعت منهم ذلك أغلقت صومعتها، وكان لا يقدر عليها أحد قط، فلم يلبثوا بعد ذلك إلا قليلا حتى كبسوا اليمامة، وهدموا البنيان، وسبوا النسوان، وقتلوا الرجال، وأخذوا الاموال، ثم ولوا راجعين، فوقع بقومها الندامة، وأعقبتهم الملامة حيث لم يسمعوا منها وخالفوها. ثم إن سطيحا " كتب إليها كتابا " يقول فيه: باسمك اللهم من سطيح، صاحب القول الفصيح (2)، إلى فتاة اليمامة، المنعوتة بالشهامة (3) من سطيح الغساني، الذي ليس له في عصره ثاني، أما بعد فإني كتبت إليك كتابي وأنا في هموم وسكرات، وغموم و خطرات، وقد تعلمين ما الذي يحل بنا من الدمار (4) والهلاك، من خروج التهامي الهاشمي الابطحي العربي المكي المدنى السفاك للدماء، وقد رأيت برقة لمعت، و كواكبا " سطعت (5) وإني أظن أن ذلك من علاماته، ولا شك أنه قرب أوانه، وما كتبت إليك إلا بما أرى عندك من التحصيل، وما في نساء عصرنا لك من مثيل، فإذاورد رسولي إليك وقدم كتابي عليك ردي جوابي بما عندك من الخطاب، وما ترينه من الصواب، فإنه لا يقر لي قرار، لافي الليل ولا في النهار، ولم أقف (6) على هذه الدلائل والاثار والسلام. ثم دعا بغلام له اسمه صبيح، وقال له: سر بهذا الكتاب إلى اليمامة (7)، وأتني


(1) الا وسواس خ ل فعليه فان نافية. (2) في المصدر زيادة هي: والقول النجيح. (3) في المصدر: بالكهانة. (4) في المصدر: من التدمير. (5) سقطت خ ل وفي المصدر: قد تساقطت. وفيه: ولا شك أن أوانه قد أتى، وخروجه قد دنا. (6) حتى أقف خ ل وفي المصدر: قد وقعت علي. (7) في المصدر زيادة هي: وأوصله الزرقاء.

[ 304 ]

بالجواب، فأخذ صبيح الكتاب ومضى به حتى صار بينه وبين اليمامة ثلاثة أيام فرمقته (1) الزرقاء والكتاب في طي عمامته، فصاحت في قومها قد جاءكم راكب قاصد، إلى بلدكم وارد، قد أرسل زمام ناقته، والكتاب (2) في طي عمامته، فجعل القوم يرتقبونه إلى أن وصل بعد ثلاثة أيام، فلما رأتة انحدرت إليه، وفتحت الباب (3)، فدفع إليها الكتاب، فقرأته ثم قالت: خبر قبيح، أتانا به صبيح، من كاهن اليمن سطيح، يسأل عن نور ساطع، وضيآء لامع، ذلك ورب الكعبة من دلائل خراب (4) الاطلال، ويتم (5) الاطفال، فإنه يظهر من عبد مناف، محمد النبي بلا خلاف، قال صبيح: فتعجبت من كلامها، وطلبت الجواب، فكتبت: إلى سطيح يقول: بسم الله من الزرقاء (6) الذي ليس عليها (7) شئ يخفى، إلى سيد غسان، وأفضل الكهان، المعروف بسطيح، صاحب القول الفصيح، أما بعد فإنه ورد كتابك علي، وقدم رسولك لدي، تذكر أمرا " عظيما "، قد هجس بقلبك (8)، واختلج بلبك،، أما نزول الكواكب فكأنك بآيات (9) الهاشمي قد قربت، فإذا قرأت كتابي فأيقظ نفسك، واحذر من الغفلة والتقصير، وبادر إلى التشمير والمسير لنلتقي بمكة، فإني راحلة إليها لاعرف هذا الامر على حقيقته، فلعلنا نتساعد على هذا المولود، فنعمل فيه الحيلة عسى أن نظفر بهلاكه، ونخمد نوره قبل إشراقه، فلما قرء كتابها انتحب وبكى بكاء " شديدا "، ثم قال:


(1) في المصدر: قال: ثم أخذ الكتاب ومضى يجد السير، حتى بقى بينه وبين قصر الزرقاء يومين، رمقته اه‍، قلت: يومين مصحف، يدل عليه بعده. (2) يلوح خ ل. (3) في المصدر: فلما قدم صبيح إلى اليمامة استدل على قصر الزرقاء، فارشده إليه، فلما رأته قريبا منها انحدرت وفتحت له الباب. (4) مخرب خ ل. (5) ميتم خ ل. (6) بسم اله الزرقاء خ ل. (7) عليه خ ل وهو الموجود في المصدر. (8) هجس في صدره: خطر بباله. وفي المصدر: هجم بقلبك. (9) فانك ترى آيات خ ل وهو الموجود في المصدر.

[ 305 ]

لا صبر لا صبر أضحى بعد معرفة (1) * تعذو الجلادة كالمستضعف الوهن إن كان حقا " خروج الهاشمي دنا * فارحل بنفسك لا تبكي على اليمن ثم اجعل القفر أوطانا " تقيم بها * واغد عن الاهل ثم الدار والوطن فالعيش في مهمه (2) من غير ما جزع * أهنأ من العيش في ذل وفي حزن قال: ثم أخذ في اهبة السفر، وخرج من ساعته إلى مكة، وقال لقومه: إني سائر إلى نار قد تأججت، فإن أدركت إخمادها رجعت إليكم، وإن كانت الاخرى فالسلام مني عليكم، فإني لاحق بالشام اقيم بها حتى أموت، فلما وصل مكة أقبل (3) إلى سطيح رجال من قريش، وفيهم أبو جهل وأخوه أبوالبختري وشيبة وعتبة بن أبي معيط والعاص بن وائل، فقالوا: يا سطيح ما قدمت إلا لامر عظيم، ألك حاجة فتقضى ؟ فقال لهم: بورك فيكم، ما لي يديكم حاجة، فقالوا له: تمضي معنا إلى منازلنا ؟ فقال: بل أنزل عند من إليهم قصدت، ونحوهم أردت، وبفنائهم أنخت، وقد علمتم فضلي، وقد جئتكم احدثكم بما كان وما يكون إلهاما " ألهمني الله بالصواب، وأنطقني بالجواب، فأين المتقدمون في العهد ومن لهم السابقة في الحمد والمجد ؟ لقد أردت أفضل قريش من بني عبد مناف، فأنا لهم المبشر بالبشير النذير، والقمر المستنير، فقد قرب ما ذكرته، فأين عبد المطلب وسلالته الاشبال، فعظم ذلك على أبي جهل وتفرقوا (4) عنه يمينا " وشمالا "، واتصل الخبر إلى بني عبد مناف، فجمع أبو طالب إخوته: عبد الله والعباس وحمزة وعبد العزى، وقال لهم: إن هذا القادم عليكم هو كاهن اليمن و


(1) منزلة خ ل. (2) المهمه: المفازة البعيدة. البلد المقفر. (3) في المصدر بعد قوله: أموت: قال: ثم وطأله غلامه راحلته، وسار حتى ادرك مكة، فأتى، به إلى الكعبة، قال: فتسامعت به قريش فأتوا يهرعون إليه من كل جانب ومكان، فلما اجتمعوا حوله زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم وقد ولد، وكانت امه آمنة قد حملت به، قال: فاقبلت إلى سطيح. (4) في المصدر: ونفروا عنه.

[ 306 ]

وسيدها، وكان قديما " ورد على أبيكم وأخبره بمولود يخرج من ظهره، مبارك في عمره، يملك الاقطار، ويدعو إلى عبادة الملك الجبار (1)، فساروا إليه، وقال لهم: انكروه أنسابكم، ولا تعرفن (2) أحسابكم، ثم إن أبا طالب سار في إخوته حتى وردوا إليه، وكان في ظل الكعبة جالسا "، والناس حوله (3)، فلما نظر إليهم فرح بهم، ثم دفع أبو طالب سيفه ورمحه إلى غلامه وقال (4): هذه هدية مني إلى سطيح، فإنه لواجب الحق علينا، ثم انحرف إليه من قبل أن يخبره غلامه، فلما وصل إليه قال: حييت (5) بالكرامة، وخلدت في النعمة، فإنا قد أتيناك زائرين، ولواجب حقك غير منكرين (6)، فقال سطيح: حييتم بالسلام، وأتحفتم بالانعام، فمن أي العرب أنتم ؟ فأراد أبو طالب أن يعلم مقدار علمه، قال: نحن قوم من بني جمح، فقال سطيح: ادن مني أيها الشيخ وضع يدك على وجهي، فإن لي في ذلك حاجة، فدنا منه، ووضع يده على وجهه، فقال سطيح: وعلام الاسرار، المحتجب عن الابصار، الغافر للخطيئة، وكاشف البلية إنك صاحب الذمم الرفيعة، والاخلاق المرضية، والمسلم إلى غلامي الهدية: قناة خطية، وصفيحة (7) هندية، وإنكم لاشرف البرية، وإن لك ولاخيك أشرف الذرية، وإنك ومن أتى معك من سلالة هاشم الاخيار، وإنك لاشك عم نبي المختار، المنعوت في الكتب والاخبار، فلا تكتم نسبك فإني عارف بنسبكم، فتعجب أبو طالب من كلامه وقال له: يا شيخ لقد صدقت في المقال، وأحسنت الخصال فنريد أن تخبرنا بما يكون في زماننا،


(1) في المصدر بعد قوله: الجبار: فأراه قد قدم علينا، فانطلقوا بنا إليه لنأخذ الامر منه على حقيقته، فان يكن صادقا فقد استوجب الاحسان، وان يكن كاذبا رميناه بالهوان، ولكن انكروه أنسابكم، ولا تعرفوه أحسابكم. (2) ولا تعرفوه خ ل. (3) من حوله خ ل. (4) وقال له خ ل. (5) في المصدر: جئت. (6) والواجب علينا إكرامك خ ل. (7) الصفيحة: السيف العريض.

[ 307 ]

وما يجري علينا، فقال سطيح: والدائم الابد، ورافع السماء بلا عمد، الواحد الاحد، الفرد الصمد، ليبعثن من هذا - وأشار إلى عبد الله - عن قريب الامد، نبي يهدي إلى الرشد، يدمر كل صنم، ويهلك كل من لها عبد، لا يرفع سيفه عن أحد، يدعو إلى عبادة الله الاحد، يعينه على ذلك معين، هو ابن عمه له قرين، صاحب صولات عظام، وضربات بالحسام، أبوه لاشك هذا - وأشار بيده إلى أبي طالب - فقالوا له: يا شيخ نحب أن تصف لنا هذا النبي، وتبين لنا نعته، فقال: اسمعوا مني كاملا " صحيحا "، سيظهر منكم عن قليل شخص نبيل، وهو رسول الملك الجليل، وإن لسان سطيح عنه (1) لكليل، وهو رجل لا بالقصير اللاصق، ولا بالطويل الشاهق، حسن القامة، مدور الهامة، بين كتفيه علامة، على رأسه عمامة، تقوم له الدعامة (2)، إلى يوم القيامة، ذلك والله سيد تهامة، يزهر وجهه في الدجى، وإذا تبسم أشرقت الارض بالضيآء، أحسن من مشى، وأكرم من نشأ، حلو الكلام، طلق اللسان، نقي زاهد، خاشع عابد، لا متجبر ولا متكبر، إن نطق أصاب، وإن سئل أجاب، طاهر الميلاد، برئ من الفساد، رحمة على العباد، بالنور محفوف، وبالمؤمنين رؤف، وعلى أصحابه عطوف، اسمه في التوراة والانجيل معروف، يجير الملهوف، وبالكرامة موصوف، اسمه في السماء أحمد، وفي الارض محمد صلى الله عليه وآله. فقال له ابو طالب: يا سطيح هذا الشخص الذي ذكرت أنه يعينه، ويقاربه في حسبه ونسبه انعته لنا كما نعت لنا هذا، فقال: إنه همام، وليث ضرغام، وأسد قمقام، وقائد مقدام، كثير الانتقام، يسقى كأس الحمام، عظيم الجولة، شديد الصولة، كثير الذكر في الملا، يكون لمحمد صلى الله عليه وآله وزيرا "، ويدعى بعد (3) موته أميرا "، اسمه في التوراة برءيا، وفي الانجيل إليا (4)، وعند قومه عليا، ثم أمسك مليا " كأنه قد سلب عقله، وهو متفكر في أمره (5)، والناس ينظرون إليه، ثم التفت إلى أبي طالب وقال:


(1) عن نعته خ ل، وهو الموجود في المصدر. (2) تكون له الزعامة خ ل. (3) قبل خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) اديا خ ل وفي المصدر: اسمه في التوراة: بريا وفي الانجيل: أريا. (5) في فعله خ ل وهو الموجود في المصدر.

[ 308 ]

أيها السيد رد يدك على وجهي ثانية، ففعل أبو طالب، فلما حس (1) سطيح بيد أبي طالب تنفس الصعداء، وأن كمدا " (2) وقال: يا أبا طالب خذ بيد أخيك عبد الله (3) فقد ظهر سعدكما، فأبشرا بعلو مجدكما، فالغصنان من شجرتكما، محمد لاخيك، وعلي لك، فبهت أبو طالب من كلامه، وشاع في قريش ما قاله سطيح، فعند ذلك قال أبو جهل لعنه الله: معاشر الناس من قريش ليس هذه (4) بأول حادثة نزلت بنا من بني هاشم، فقد سمعتم من سطيح من ظهور هذا الرجل الذي يفسد أدياننا، ومن يشاركه من ولد أبي طالب، فبيناهم كذلك إذ جاء أبو طالب ووقف وسط الناس ونادى بأعلى صوته: يا معاشر قريش اصرفوا عن قلوبكم الطيش، (5) ولا تنكروا ما سمعتم، فنحن بالقدمة أولى، وعلى (6) يدنا نبعت زمزم، والله ما سطيح بكاذب، بل إنه (7) في كلامه لصائب، وما نطق بكلمة إلا ظهر برهانها، أليس هو القائل لكم بأنه يطلع عليكم (8) سيف لا يترك منكم أحدا " في بلد اليمن، فلم يكن إلا كرقدة النائم (9)، وإذا قد ظهر ما قال، وعن قليل سيظهر ما ذكر على رغم من يعاديه، ثم إن أبا طالب أمر بسطيح أن يرفع إلى منزله فأكرمه وحباه وقربه، وخلع عليه وكساه، وباتت مكة تموج تلك الليلة، فلما برق الصباح فأول


(1) في المصدر: أحس. (2) أن: صوت لا لم وتأوه. الكمد: الحزن والغم الشديد. (3) وأشار إلى عبد الله خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) في المصدر. معاشر قريش ليس هذا. (5) الطيش: النزق والخفة. ذهاب العقل. (6) في المصدر: فنحن أولى بالقدمة من كعبة الله، ودفع الاذى عن حرم الله، وعلى أيدينا نبعت زمزم. (7) وإنه خ ل. (8) رجل اسمه خ ل وفي المصدر: أليس هو القائل لكم: بين الحرمين لتطأ أرضكم رايات الجيش، فما مضت أيام حتى رأيناها نزلت بنا وعايناها ؟ قالوا: صدقت، قال: أو ليس هو القائل لكم: بين الحرمين يطلع عليكم رجل اسمه سيف لا يترك منهم أحد في بلد اليمن، فلن يكون الا كعطفة حتى رأيتم ذلك، وأورد قومنا الهلاك، وعن قليل سيظهر اه‍. قلت: قوله: فلن يكون وقوله: كعطفة لعله مصحف: فلم يكن وكغفوة النائم. (9) الا كغفوة النائم حتى رأيتم ذلك خ ل.

[ 309 ]

من خرج إلى الابطح أبو جهل، ثم بعث عبيده إلى سادات قريش فقدموا عليه، فلما ارتفع النهار ضاق الابطح من كل جانب، فقام أبو جهل ونادى: يا آل غالب، يا آل طالب، يا ذوي العلا (1) والمراتب، أترضون لانفسكم أن ترموا بالمناكب، كما ذكر أبو طالب ؟ إن هذا من العجائب، لنقل جلاميد الصفا إلى البحر الاقصى أيسر مما ذكر سطيح: أنه سيظهر من بني عبد مناف نبي عن قليل، يرمينا بالبوار والتنكيل (2)، تبا لكم إن كانت أنفسكم بما ذكره راضية، وإلى ما أخبر به واعية (3)، فإن رضيتم بذلك فمن الان عليكم مني السلام، وأنا راحل عنكم خارج عن أرضكم، فمجاورة الترك (4) أحب إلي من المقام عندكم، ثم تركهم ومضى، فضجت المحافل، وبقي الابطح يموج بأهله، فمضوا إليه وقالوا له: يا أبا الحكم أنت السيد فينا (5)، وإن رأينا رأيك، وأمرنا إليك، فقال: إني أرى من الرأي أن تحضروا منزل (6) أبي طالب، وتخاطبوه في قول هذا الكاهن، لئلا يكون سبب العداوة بيننا وبينه، فإما أن يسلم إلينا سطيحا "، أو يخرجه من أرضنا، فإن أبى كان السيف أمضى، والموت أقضى، وأنشد شعرا ": لضرب عنقي بسيفي، يا قوم عمدا " بكفي * وقطع أحجار أرض، إلى قرار بخسف أولى وأهون عندي، من أن ارام بعسف فلما بلغ أبا طالب مقالة أبي جهل جمع إخوته وأقاربه وقال: تجللوا بالسلاح، واستعدوا للكفاح (7)، وقال: إني أرى دماء " قد غلت، وآجالا " قد قربت، ثم سار


(1) هكذا في الكتاب، ولعله مصحف العلاء أو العلى. (2) في المصدر زيادة هي: ويوعدنا بالذل الطويل. (3) داعية خ ل. (4) الشوك خ ل. (5) في المصدر: من المقام في هذه الدار التى يحل لنا فيها الذلة والصغار والقلة، ثم تركهم ومضى إلى منزله، وعزم على الرحيل، قال: فقالوا: يا أبا الحكم ما هذا الذى قد حولت، والحال الذى عزمت ؟ فانت السيد فينا. (6) مجلس خ ل وهو الموجود في المصدر. (7) الكفاح: المواجهة للحرب.

[ 310 ]

حتى قدم الابطح، فشخصت إليهم الابصار، وخرست الالسن، وجلس كل قائم هيبة لابي طالب (1) ثم تحظى القبائل، حتى توسط الناس، ثم رفع صوته وقال: يا سكان زمزم والصفا، وأبي قبيس وحرى، من الثالب لبني عبد المطلب منكم ؟ وإني اذكركم بهذا اليوم العبوس (2)، الذي تقطع فيه الرؤوس، ويكون بأيدينا هذه النفوس، وإني قائل لكم: وحق إله الحرم، وبارئ النسم، أني لاعلم عن قليل ليظهرن المنعوت في التوراة والانجيل الموصوف بالكرم والتفضيل، الذي ليس له في عصره (3) مثيل، ولقد تواترت الاخبار، أنه يبعث في هذه الاعصار، رسول الملك الجبار، المتوج بالانوار، ثم قصد الكعبة وأتى الناس ورائه إلا أبا جهل وحده، وقد حلت به الذلة والصغار، والذل والانكسار، فلما دنا أبو طالب من الكعبة قال: اللهم رب هذه الكعبة اليمانية، والارض المدحية، والجبال المرسيه، إن كان قد سبق في حكمك، وغامض علمك، أن تزيدنا شرفا " فوق شرفنا، وعزا " فوق عزنا بالنبي المشفع الذي بشر به سطيح فأظهر اللهم يا رب تبيانه، وعجل برهانه، واصرف عنا كيد المعاندين، يا أرحم الرحمين. ثم جلس أبو طالب والناس حوله فوثب إليه منبه بن الحجاج وكان جسورا " عليه، فقام وتطاولت الناس تنظر ما يقول له، فنادى برفيع صوته: يا أبا طالب ظهرت عزتك، وأنارت طلعتك، وابتهج شكرك (5) بالكرم السني، والشرف العلي، وقد علمت رؤساؤكم من القبائل وأهل النهى والفضائل، أنكم أهل الشرف الاصيل، وأنت سيد مطاع قاهر،


(1) في المصدر: فعندها خرس كل فصيح، وجلس كل قائم، واستوى كل نائم، هيبة لابي طالب. (2) في المصدر: ومن منكم الثالب، لبنى عبد المطلب ذى المكرمات والمناقب ؟ حتى أجلله الويل والحزن، وأما أنا لا أعرف من امه وأبيه حين أنكره وأحجده، وأنا اذكركم بيوم عبوس. (3) في عصرنا خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) في المصدر: ثم تركهم وهم خمود، كأنهم من أوس وقرود، لم يجرء يرد عليه أحد منهم جوابا، ولا تشافهه خطابا، ثم قصد (5) ذكرك خ ل.

[ 311 ]

ولكن ليس لمثلك أن يسمع ما قاله كاهن، وأنت تعلم أنهم أوعية الشيطان، يأتون بالكذب والبهتان، فلعلك أن تصيره (1) إلينا ولعله يظهر شيئا " مما قاله، فإن النبوة لها دلائل وآثار، لا تخفى على العاقل، فأمر أبو طالب أن يحضر سطيح، فلما وضعوه على الارض نادى سطيح: يا معاشر قريش لقد أكثرتم الاختلاف، وزادت قلوبكم بالارتجاف (2)، بذيتم بألسنتكم على آل عبد مناف، تكذبونه فيما نطق، وتلومونه إذا صدق (3)، وقد أرسلتم إلي تسألوني عن الحال الظاهر، وعن أمر النبي الطاهر، صاحب البرهان، وقاصم الاوثان، ومذل الكهان، وأيم الله ما فرحنا بظهوره، لان الكهانة عند ولادته تزول، ولكني أقول: إذا كان ذلك فلا خير لسطيح في الحياة، وعندها يتمني الوفاة، فإنه قد قرب (4)، فأتوني بامهاتكم ونسائكم لترون العجب العجيب، الذي ليس فيه تكذيب، حتى أوقفكم هذه الساعة، وأعرفكم أيتهن الحامل به، فقالوا له: أتعلم الغيب ؟ قال: لا، ولكن لي صاحب من الجن يخبرني ويسترق السمع، ثم إن القوم افترقوا إلى منازلهم، وأتوا بنسائهم، ولم تبق واحدة من النساء إلا جاؤا بها، فأقبل أبو طالب وقال لاخيه: أمسك زوجك ولا تحضرها، وأمسك هو زوجته فاطمة رضي الله عنها وأقبلت النسوان جمع، فنظر إليهن، ثم قال اعزلوا النساء عن الرجال، ثم أمر النساء أن يتقدمن إليه، فجعل سطيح ينظر إليهن بعينه ولا يتكلم، قالوا له: خرس لسانك، وخاب ظنك، فقال: والله ما خاب ظني، ورفع رأسه وطرفه إلى السماء، وقال: وحق الحرمين لقد تركتم من نسائكم اثنتين، الواحدة منهن الحامل بالمولود الهادي إلى الرشاد محمد، والاخرى ستحمل عن قريب، وتلد غلاما أمينا " يدعى بأمير المؤمنين، وسيد الوصيين، ووارث علوم الانبياء والمرسلين، فلما سمع العرب منه ذلك دهشوا وخابوا، وانطلق أبو طالب إلى منزله وعنده إخوته، وأتى بزوجته فاطمة بنت أسد، وآمنة زوجة أخيه عبد الله، فلما وصلتا بجمع الناس (5) من النساء صاح سطيح بأعلى صوته،


(1) في المصدر تحضره. وفيه: ولعله يظهر شيئا نستدل به على صدقه. (2) في قلوبكم الارتجاف خ ل قلت: بذى عليه: تكلم بالفحش. (3) في المصدر: تكذبوه فيما صدق، وتلومونه فيما نطق. (4) في المصدر: مولده عن قريب يكون. (5) إلى مجمع النساء خ ل.

[ 312 ]

وجعل يبكى ويقول: يا ذوي الشرف، هذه والله الحاملة بالنبي المختار رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما دنت آمنة منه قال لها: ألست حاملة ؟ قالت: نعم، فالتفت عند ذلك إلى قريش، وقال الان شهد قلبي، وثبت لبي، وصدقني صاحباي (1)، هذه سيدة نساء العرب والعجم، وهي الحامل بأفضل الامم، ومبيد كل وثن وصنم، يا ويح العرب منه، قد دنا ظهوره، ولاح نوره، وكأني (2) أرى من يخالفه قتيلا، وفي التراب جديلا (3)، وطوبى لمن صدق منكم بنبوته، وآمن برسالته، ثم طوبى له قد أخذ الارض، ورجعت له بالامن طولها والعرض (4)، ثم التفت إلى فاطمة وصاح صيحة، وشهق شهقة، وخر مغشيا " عليه، فلما أفاق من غشيته انتحب وبكى، وقال بأعلى صوته: هذه والله فاطمة بنت أسد، ام الامام الذي يكسر الاصنام (5)، وهو الامير الذي ليس في عقله طيش، قاتل الشجعان، ومبيد الاقران، الفارس الكمي، والضيغم القوي، المسمى (6) بأمير المؤمنين علي، ابن عم النبي عليهما أفضل الصلاة والسلام، آه ثم آه، كم ترى عيني من بطل مكبوب. وفارس منهوب، فلما سمع قريش كلام سطيح وثبوا عليه بالسيوف ليقتلوه، فمنعهم بنو هاشم وجميع قريش (7)، ونادى أبو جهل لعنه الله: افسحوا لي عن هذا الكاهن، فلابد لنا من قتله حتى نشتفي منه، وإن حلتم دونه لاجعلن لكم الدمار، ولاردنكم البوار (8) فالتفت أبو طالب إليه


(1) صاحبي خ ل م وهو الموجود في المصدر. (2) في المصدر: يا ويح العرب، من شدة قد دنا أو آن ظهور محمد الامين، يدعو إلى دين رب العالمين، وكأني اه‍. (3) هكذا في النسخة، وفي المصدر: جليلا ولعله أظهر، وهو من جلل الشئ، غطاه. وزاد في المصدر: إني أرى أن عزكم يزول، شرفكم يحول، فطوبى اه‍. (4) في المصدر مكان قوله: ثم طوبى (إلى) والعرض: ثم طوبى له فلقد أخذ بالامر الوثيق، ونجا من كل ضيق. (5) في المصدر هنا زيادة هي: ويبيد الاوثان. (6) الموجود في المصدر هكذا: وهو الامين الذى لافى عقله طيش، يخرب أطلالكم، وييتم أطفالكم، سيفه في رؤوسكم مغمود، وشره عنكم غير مردود، قاتل الشجعان، المسمى بعلى. (7) في المصدر: واجتمع قريش. (8) لنعجلن بكم الدمار، ولنوردن عليكم البوار خ ل قلت: والمصدر خال عنه وعما في الصلب.

[ 313 ]

وقال له: ويحك يا أخس العرب وأذلها، إني أراك تحب فراق العشيرة، مثلك من يتكلم بهذا الكلام وأنت أخس اللئام (1) ؟ ثم عاجله بضربة، وحالوا بينه وبينه فلحقه بعض السيف فشجه شجة موضحة (2)، وصار الدم يسيل على وجهه، فنادى أبو جهل: يا آل المحافل، ورؤساء القبائل، أترضون أن تحملوا العار، وترموا بالشنار، اقتلوا سطيحا " وآمنة وفاطمة بنت أسد وبني هاشم جميعا "، واخمدوا نارهم، واطفؤا شرارهم، فحمل قريش بأجمعهم على سطيح، ولم يكن لبني هاشم طاقة، فالتجأت النساء بالكعبة، وثار الغبار، وطار الشرار، وكثرت الزعقات (2)، وارتجت الارض بطولها والعرض. ويروى عن آمنة ام النبي صلى الله عليه وآله قالت: حين رأيت السيوف قد دارت حولي ذهلت في أمري، والقوم يريدون قتلي، فبينا أنا كذلك إذ اضطرب الجنين في بطني، وسمعت شيئا " كالانين، وإذا بالقوم قد صيح بهم صيحة من السماء، وصرخ بهم صارخ من الهواء، فذهلت العقول، وسقطت الرجال والنساء على الوجوه صرعى، كأنهم موتى، قالت آمنة: فرفعت بصري نحو السماء فرأيت أبواب السماء قد فتحت، وإذا أنا بفارس في يده حربة من نار، وهو ينادي ويقول: لا سبيل لكم إلى رسول الملك الجليل، وأنا أخوه جبرئيل، قالت: فعند ذلك سكن قلبي، ورجع إلي جناني، وتحققت دلائل النبوة لولدي محمد صلى الله عليه وآله، ثم انصرفنا إلى منازلنا، وأقبل أبو طالب آخذا بيد أخيه عبد الله، وجلسا بفناء الكعبة يهنئان أنفسهما بما رزقا من الكرامة والنصر، والقوم صرعى، فلبثوا كذلك ثلاث ساعات من النهار، ثم قاموا كأنهم سكارى، ثم تقدم منبه بن الحجاج، ووقف إلى جانب أبي طالب، وقال: إنك لم تزل عاليا " في المراتب ولمن ناواك غالبا " لكن نريد منك أن تصرف عنا سطيحا "، فإن كان ما تكلم به صحيحا " فنحن أولى بأن نعاضده، وأنشأ يقول: أبا طالب إنا إليك عصابة * لنرجوك فارحم من أتى لك راجيا " ونحن فجيران لكم ومعاضد * على كل من أضحى وأمسى معاديا


(1) في المصدر: أخس الانام. (2) أي جرحه جراحة كشف عظم رأسه. (3) الزعقة: الصيحة.

[ 314 ]

أبا طالب حييت بالرشد (1) والحبا * ووقيت ريب الدهر ما دمت باقيا فإن كان رب العرش يرسل منكم * إلينا رسولا وهو للحق هاديا (2) فنحن لنرجو أحمدا " في زماننا * نجالد عنه بالسيوف الاعاديا (3) أبا طالب فاصرف سطيحا " فإنه * أتى منه آت بالاذى والدواهيا ودع عنك حرب الاهل والطف تكرما * ولا تتركن الدم في الارض جاريا فرق أبو طالب رحمة " لقريش، وقال: حبا " وكرامة "، سأصرفه عنكم إذا كرهتموه ولكن سوف تعلمون صحة ما ذكر لكم، ثم أمر بسطيح أن يحضر، فلما حضر قال: أتدري لماذا أحضرتك ؟ فقال: نعم، لقد سألوني (4) الخروج عن مكانهم (5)، والانتزاح عن بلادهم، وأنا عازم (6)، ثم قال: إذا ظهر فيكم البشير النذير فاقرأوه مني السلام الكثير، وقولوا له: إن سطيحا " أخبرنا بخروجك فكذبناه، ومن جوارك طردناه، وستأتيكم مبشرة عندها من العلم أكثر مما عندي، ولا شك أنها قد دخلت بلادكم، وحلت بساحتكم، ثم إن سطيحا " عزم على الخروج، ورفعوه على بعيره، وأحاط به بنو هاشم ليودعوه، فبينما هم كذلك إذ أشرفت راحلة تركض براكبها، والغبار يطير من تحت أخفافها (7) فنظر إليها عمرو بن عامر وقال: يا سادات مكة أتتكم الداهية الدهيآء زرقاء اليمامة بنت مرهل (8)، كاهنة اليمامة، فما استتم كلامه وإذا بها قد صارت في أوساطهم، ونادت بأعلى صوتها:


(1) جللت بالرفد خ ل. (2) داعيا خ ل. (3) المواضيا خ ل. (4) سألتموني خ ل. وفي المصدر: تسألونى الخروج عن مكانكم. (5) مكانكم خ ل. (6) عن بلادكم، وأنا على ما اردتموه عازم خ ل وهو الموجود في المصدر. (7) في المصدر بعده: فتطاول إليها الاعناق، وشخصت إليها الاحداق، فكان أول من أتاها أبو قحافة عمر بن عامر، فلما نظرها عرفها، ونادى يا أهل الابطح وسادات الحرم أتتكم إه‍ قلت: فيه وهم، لان ابا قحافة اسمه عثمان، واسم أبيه عامر، واسم جده عمرو فالصحيح: أبو قحافة بن عامر بن عمرو، أو كلمة أبو قحافة زائدة. (8) مرقل خ ل.

[ 315 ]

يا معاشر قريش حييتم بالاكثار، وعمرت بكم الديار، فإني فارقت أهلي وخرجت من أوطاني، وجعلت قصدي إليكم لاخبركم عن أشياء قد دنت وقربت، وسوف يظهر في دياركم عن قريب العجب العجيب، فإن أذنتم لي بالنزول نزلت، وإن أحببتم الرحيل رحلت، ثم قالت شعرا ": إني لاعلم ما ياتي من العجب * بأرضكم هذه يا معشر العرب لقد دنا وقت مبعوث لامته * محمد المصطفى المنعوت في الكتب فعن قليل سيأتي وقت بعثته * يرمي معانده بالذل والحرب يدعو إلى دين غير اللات مجتهدا " * ولا يقول بأصنام ولا نصب وقد أتيت لاخبركم ببينة * مما رأيت من الانوار والشهب عما قليل ترى النيران مضرمة (1) * ببطن مكة ترمي الجمع باللهب فإن أذنتم وإلا رحت راجعة * وتندمون إذا ما جاء بالعطب وآخر بذباب (2) السيف يعضده * قرن يدانيه في الاحساب والنسب فلما سمع قريش كلامها وشعرها أمروها بالنزول، فنزلت، وقالوا: هل تنطق بما نطق به سطيح أم لا ؟ فقال لها عتبة (3): ما الذي راع سيدة اليمامة ؟ هل لك من حاجة فتقضى ؟ فقالت: إني لست ذات فقر ولا إقلال، ولا محتاجة، إلى رفد ولا مال، بل جئتكم ببشارة ابشركم، وحذر احذركم، وليست البشارة لي، بل هي وبال علي (4)، فقال عتبة: يا زرقاء وما هذا الكلام ؟ أراك توعدين نفسك وإيانا بالبوار والدمار، فقالت: يا أبا الوليد، ومن هو بالمرصاد، ليخرجن من هذا الواد، نبي يدعو إلى الرشاد، وينهى عن


(1) ضارمة خ ل قلت: ضرم النار: اشتعلت. وأضرم النار: أوقدها وأشعلها. وألهبها. (2) ذباب السيف: طرفه الذى يضرب به. (3) في المصدر: قال: فلما سمعوا قولها أمروها بالنزول والجلوس عندهم، ليعلموا ما عندها، ويتحققون علمها، وهل تنطق بمثل ما نطق به سطيح أم لا، فقالوا: أيتها الزرقاء انزلى عندنا بالرحب والسعة، فنزلت عن البعير، وجلست في أوساطهم، فقال لها عتبة بن ربيعة. (4) في المصدر: وبال على وعليكم، وهلاكي وهلاك من كان مثلى.

[ 316 ]

الفساد (1)، نوره في وجهه يتردد، واسمه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، كأني به عن قريب يولد، يساعده على ذلك مساعد، ويعاضده معاضد، يقاربه في الحسب، ويدانيه في النسب، مبيد الاقران، ومجدل الشجعان، أسد ضرغام، وسيف قصام، جسور في الغمرات، هزبر في الفلوات، له ساعد قوي، وقلب جرئ، واسمه أمير المؤمنين علي، ثم قالت: آه ثم آه، من يوم سألقاه، وأعظم (2) مصيبتاه ستكون لي قصة عجيبة، ومصيبة وأي مصيبة، فلو أردت النجاة سارعت إلى إجابته، وتركت ما أنا عليه من مكائدته، ولكن أرى خوض البحار، والعرض على النار أيسر من الذل (3) والصغار، ولا أنا شارية (4) بعزي ذلا "، ولا بعلمي جهلا "، ثم أنشأت تقول: ذوي القبائل والسادات ويحكم * إني أقول مقالا " كالجلاميد لو كنت من هاشم أو عبد مطلب * أو عبد شمس ذوي الفخر الصناديد أو من لوي سراة الناس كلهم * ذوي السماحة والافضال والجود أو من بني نوفل أو من بني أسد * أو من بني زهرة الغر الاماجيد لكنت أول من يحظى (5) بصاحبكم * إذا جرى ماؤه في يابس العود لكن أرى أجلي قد حان مدته * لما دنا مولد يا خير مولود ثم قالت: هيهات، لا جزع مما هو آت (6)، وخالق الشمس والقمر، ومن إليه مصير البشر، لقد صدقكم سطيح الخبر، فلما سمعوا ما قالت حاروا، ثم نظرت إلى أبي طالب وأخيه عبد الله، وكانت عارفة بعبدالله قبل ذلك، لانه كان مسافرا " إلى نحو اليمن قبل أن


(1) في المصدر بعده، ويقتل الاعادي، سفاك الدماء، نوره يتجدد، ونور أعدائه يخمد، نوره في وجهه يتردد. (2) يا أعظم خ ل، وفي المصدر: ومن عظم. (3) في المصدر: ولكن أرى خوض البحار ونقل الاحجار والتلوح على النار أيسير عن الذل. (4) مشترية خ ل. (5) أي أول من ينال منه حظا. (6) دهر يحول، وميت ومقتول خ م.

[ 317 ]

يتزوج بآمنة بنت وهب، وكان نور النبي صلى الله عليه وآله في وجهه، وأن الزرقاء نظرت إليه وقد نزل بقصر من قصور اليمامة، وذهب أبوه عبد المطلب في حاجة وتركه عند متاعه وسيفه عند رأسه، فنزلت الزرقاء مسرعة، وفي يدها كيس من الورق، فوثبت عليه (1) ثم قالت له: يا فتى حياك الله بالسلام، وجللك بالانعام، من أي العرب أنت ؟ فما رأيت أحسن منك وجها "، قال: أنا عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف، سيد الاشراف، ومطعم الاضياف، سادات الحرم، ومن لهم السابقة في القدم، فقالت: فهل لك يا سيدي من فرحتين عاجلتين ؟ قال: وما هما ؟ قالت: تجامعني الساعة، وتأخذ هذه الدراهم، وأبذل لك مأة من الابل محملة تمرا " وبسرا " وسمنا "، فلما استتم كلامها قال: إليك عني، فما أقبح صورتك يا ويلك (2)، أما علمت أنا قوم لا نركب الاثام (3)، اذهبي، وتناول سيفا " كان عنده فانهزمت ورجعت خائبة، فأقبل أبوه فوجده وسيفه مسلول وهو يقول شعرا ": أنرتكب الحرام بغير حل * ونحن ذووا المكارم في الانام إذا ذكر الحرام فنحن قوم * جوارحنا تصان عن الحرام فقال له أبوه: يا ولدي ما جرى (4) عليك بعدي ؟ فأخبره بخبره، ووصف له صفاتها فعرفها، وقال له: يا بني هذه زرقاء اليمامة (5)، قد نظرت إلى النور الذى في وجهك يلوح، فعرفت أنه الشرف الوكيد، والعز الذى لا يبيد، فأرادت أن تسلبه منك، والحمد لله الذي عصمك عنها، ثم رحل به إلى مكة، وزوجه بآمنة بنت وهب، فلما رأته الزرقاء عرفته، وعلمت أنه تزوج، فقالت: ألست صاحبي باليمامة في يوم كذا ؟ قال لها:


(1) فوقفت عنه رأسه خ ل. (2) في المصدر: اليك عنى، فما أشر غرتك، وأقبح طلعتك وخطابك ؟ مالك ولهذا الكلام ؟ أما علمت. (3) في المصدر زيادة هي: ولا نحب الحرام، اذهبي بالذلة والارغام، إنى أظنك من نسل اللئام، فقالت له: يا هذا انى أزيد لك المال النوال (كذا)، وأبذل لك النوال، قال: فلما سمع كلامها وأنها لا تنتهى عماهى عليه قبض على سيفه، وهم أن يضربها به فوثبت هاربة، ورجعت خائبة. (4) وما خ ل، وفي المصدر: فما جرى لك من بعدي ؟ (5) في المصدر: كاهنة اليمامة.

[ 318 ]

نعم، فلا أهلا " بك ولا سهلا "، يا ابنة اللخناء (1)، قالت: أين نور الذى كان في غرتك ؟ قال: في بطن زوجتي آمنة بنت وهب، قالت: لا شك أنها لذلك أهل، ثم نادت برفيع صوتها: يا ذوي العز والمراتب إن الوقت متقارب، وإن الامر لواقع، ما له من دافع، فتفرقوا عني، فقد جاء المساء، وفي الصباح يسمع مني الاخبار، وأوقفكم على حقيقة الاثار، فتفرقوا عنها. قال: فلما مضى من الليل شطره مضت إلى سطيح، وقد خرج من مكة فقالت له: ما ترى ؟ قال: أرى العجب، والوقت قد قرب، وحدثها بما قد جرى من قريش، قالت له: ما تشير به علي ؟ قال لها: أما أنا فقد كبر سني ولولا خيفة العار لامرت من يريحني من الحياة، ولكني سأذهب إلى الشام، واقيم بها حتى يأتيني الحمام، فإنه لا طاقة لي به، فإنه المؤيد المنصور، ومن يعاديه مقهور، قالت: يا سطيح وأين أعوانك ؟ لم لا يساعدونك على هذا الامر، و يعينونك على هلاك آمنة قبل أن يخرج من الاحشاء ؟ قال لها: يا زرقاء وهل يقدر أحد أن يتعرض لامنة، فإن من تعرض لها عاجله التدمير، من اللطيف الخبير، أما أنا وأصحابي فلا نتعرض لها، والان أنصحك، فإياك أن تصلي إلى آمنة، فإن حافظها رب السماوات والارض، فإن لم تقبلي، نصيحتي فدعيني وما أنا عليه، فلعلي (2) أموت الليلة أو غدا "، فلما سمعت مقالته أعرضت عنه، وباتت ليلتها ساهرة، فلما أصبح الصباح أقبلت إلى بني هاشم، وقالت: أنعم الله لكم الصباح، لقد أشرفت بكم المحافل (3)، ووفقتم، إذ ظهر فيكم المنعوت في التوراة والانجيل والزبور والفرقان، فياويل من يعاديه (4)،


(1) بعده في المصدر: قالت: فما فعل النور الذى كان في وجهك، فقال: جزاك الله، ان أبى زوجني بآمنة بنت وهب، وانتقل النور إليها، وانها لذلك أهل، فقالت: صدقت، ولا شك فيما ذكرت، فنادت بأعلى صوتها. (2) في المصدر: فلا نتعرض لهذا الامر، لا ننا لا نقدر عليه، ولا نجد فيه حيلة، والان قد أعلمتك ونصحتك، فاقبلي نصيحتي، فانك لا تصلين إلى آمنة وحافظها ربها، ولا يقدر عليها أحد، فان لم تقبلي نصيحتي فدعيني وما أنا عليه من البلا، وضعف القوى، فلعلي إه‍. (3) البطاح خ ل فقلت: البطاح جمع البطحاء. (4) عائدة خ ل.

[ 319 ]

وطوبى لمن اتبعه (1)، فلم يبق أحد من بني هاشم إلا فرح بما ذكرت الزرقاء، ووعدوها بخير (2)، فقالت لهم: لست محتاجة إلى مال ولا رفاد، ولكن ماجئت من الاقطار إلا لاخبركم بحقيقة الاخبار (3)، فقال أبو طالب: قد وجب حقك علينا، فهل لك من حاجة ؟ قالت: نعم، اريد أن تجمع بيني وبين آمنة حتى أتحقق ما اخبركم به، قال: سمعا " وطاعة "، فجاء بها إلى منزل آمنة، فطرق الباب، فقامت آمنة لفتح الباب فلاح من وجهها نور ساطع، وضيآء لامع فسقطت (4) الزرقاء حسدا "، وأظهرت تجلدا "، فلما دخلت المنزل أتوها بطعام فلم تأكل، وقالت: سوف يكون لمولود كم هذا عجب عجيب، وسوف تسقط الاصنام، وتخمد الازلام، وينزل على عبادها الدمار، ويحل بهم البوار (5)، ثم إنها خرجت من المنزل متفكرة في قتل آمنة، وكيف تعمل الحيلة، وجعلت تتردد إلى سطيح وتطلب منه المساعدة، فلم يلتفت إليها ولا إلى قولها، فأقبلت حتى نزلت على امرأة من الخزرج اسمها تكنا (6)، وكانت ما شطة لامنة، فلما كان في بعض الليالي استيقظت تكنا فرأت عند رأس الزرقاء شخصا " يحدثها، ويقول: كاهنة اليمامة * جاءت بذي تهامة


(1) لمن اتبعه وعاضده خ ل. وفي المصدر: طوبى لمن تبعه وعاضده، والويل لمن خالفه وعانده. (2) في المصدر: بما قالت الزرقاء ووعدها خيرا. (3) في المصدر: فقالت لهم: ما أنا ذات فقر ولا إملاق، وإني لكثير المال، جاهى طويل، ومالى جزيل، وما أزعجني عن الاوطان واتاني إلى هذا المكان الا أبشركم. (4) فتقطعت خ ل وفي المصدر: فقطعت. (5) في المصدر: فلما دخلت المنزل واستقربها الجلوس أتوها بالطعام فأبت أن تأكل، وقال ما آكل زادكم، ولا أخرج من بلادكم حتى أنظر ما يكون من ولدكم، وسترون ما يظهر عند مولده من العجائب، من سقوط الاصنام، وما ينزل بمعاديه من الدمار. (6) هكذا في النسخة. وفي المصدر، وكذا فيما يأتي، والصحيح تكنى، قال الفيروز آبادي: تكنى بالضم: اسم امرأة.

[ 320 ]

ستدرك الندامة * إذا أتاها من له العمامة (1) فلما سمعت الزرقاء ذلك، وثبت قائمة، وقالت له: لقد كنت صاحب الوفاء، فلم حبست نفسك عني هذه المدة، فإني في هموم متواترات، وأهوال وكربات، فقال لها: يا ويلك يا زرقاء لقد نزل بنا أمر عظيم، لقد كنا نصعد إلى السماء السابعة، ونسترق السمع، فلما كان في هذه الايام القليلة طردنا من السماء، وسمعنا مناديا " ينادي في السماوات: إن الله قد أراد أن يظهر المكسر للاصنام، ومظهر عبادة الرحمن، فامتنعوا جملة الشياطين من السماء، وتحدرت علينا ملائكة بأيديهم شهب من نار، فسقطنا كأننا جذوع النخل، وقد جئتك لاحذرك، فلما سمعت كلامه قالت له: انصرف عني، فلابد أن أجتهد غاية المجهود، في قتل هذا المولود، فراح عنها (2) وهو يقول: إني نصحتك بالنصيحة جاهدا " * فخذي لنفسك واسمعي من ناصح لا تطلبي أمرا " عليك وباله * فلقد أتيتك باليقين الواضح هيهات أن تصلى إلى ما تطلبي * من دون ذلك عظم أمر فادح (3) فالله ينصر (4) عبده ورسوله * من شر ساحرة وخطب فاضح عودي إلى أرض اليمامة واحذري * من شر يوم سوف يأتي كادح ثم إنه طار عنها، وتكنا (5) تسمع ما جرى بينهما، وكأنها لم تسمع ما جرى،


(1) الشعر في بعض النسخ هكذا. أمامة جاءت من اليمامة * أزعجها ذوهمة وهامة لما رأت النور على أمامه * ذاك لا ظهار النبي علامة محمد الموصوف بالكرامة * ستدرك الزرقاء به ندامة لهفى على سيدة اليمامة * إذا أتاها صاحب الغمامة وفي بعض النسخ صاحب العلامة. منه رحمه الله. قلت: والاشعار ساقطة عن نسختي من المصدر، وكذا جملة مما بعدها إلى قوله: فقالت: يا اختاه. (2) أي ذهب ورجع عنها. (3) الفادح: الصعب المثقل. (4) يحفظ خ ل. (5) الصحيح: تكنى كما تقدم.

[ 321 ]

فلما أصبحت جلست بين يدي الزرقاء فقالت: ما لي أراك مغمومة ؟ قالت لها: يا اختاه إن الذي نزل بي من الهموم والغموم لخروجي من الاوطان، وذهابي من البلدان، وتشتتي في كل مكان، وتفردي عن الخلان، قالت لها: ولم ذلك ؟ قالت لها: يا ويلك من حامل مولود (1)، يدعو إلى أكرم معبود، يكسر الاصنام، ويذل السحرة والكهان، يخرب الديار، ولا يترك بمكة أحدا " من ذوي الابصار، وأنت تعلمين أن القعود (2) على النار، أيسر من الذل والصغار، فلو وجدت من يساعدني على قتل آمنة بذلت له المنا، وأعطيته الغنا (3)، وعمدت إلى كيس (4) كان معها فأفرغته بين يدي تكنا (5)، وكان مالا " جزيلا "، فلما نظرت تكنا (6) إلى المال لعب بقلبها، وأخذ بعقلها (7)، وقالت لها: يا زرقاء لقد ذكرت أمرا " عظيما "، وخطبا " جسيما "، والوصول إليه بعيد، وإني ماشطة لجملة نساء بني هاشم، ولا يدخل عليهن غيري، ولكن سوف افكر لك فيما ذكرت، وكيف اجسر على ما وصف، والوصول إلى ما ذكرت، قالت الزرقاء: إذا دخلت على آمنة وجلست عندها فاقبضي على ذؤائبها، واضربيها بهذا الخنجر، فإنه مسموم، فإذا اختلط الدم بالسم هلكت، فإذا وقع عليك تهمة، أو وجب عليك دية فأنا أقوم بخلاصك، وأدفع عنك عشر ديات غير الذي دفعته إليك في وقتي هذا، فما أنت قائلة ؟ قالت: إني اجبتك، لكن اريد منك الحيلة بأن تشغلي بني هاشم عني، قالت الزرقاء: إني هذه الساعة (8) آمر عبيدي أن يذبحوا الذبائح، ويعملوا الخمور، ويطرحوها في الجفان، فإذا أكلوا وشربوا من ذلك ظفرت بحاجتك، قالت لها تكنا (9): الان تمت الحيلة، فافعلي ما ذكرت، فصنعت


(1) من حاملة بمولود خ ل، وفي المصدر: من جهة مولود. (2) التلوح خ ل وهو الموجود في المصدر. (3) في المصدر: بذلت له الغنا، وأعطيت المنا. قلت في عبارة الكتاب ومصدره تصحيف، والصحيح: المنى، والغنا اما مصحف الغناء أو الغنى. (4) في المصدر: إلى مزود، قلت: المزود: ما يوضع فيه الزاد. (5 و 6) قد عرفت أن الصحيح: تكنى. (7) أخذ الشيطان بقلبها خ ل وفي المصدر: لما نظرت تكنى إلى المال أخذ لبها وعقلها. (8) اريد هذه الساعة خ ل. (9) قد عرفت ان الصحيح: تكنى.

[ 322 ]

الزرقاء ما ذكرت، وأمرت عبيدها ينادون (1) في شوارع مكة أن (2) يجمعوا الناس، فلم يبق أحد إلا وحضر وليمتها من أهل مكة، فلما أكلوا وشربوا وعلمت أن القوم قد خالط عقولهم الشراب أقبلت إلى تكنا وقالت: قومي إلى حاجتك، فقامت تكنا (3) و جاءت بالخنجر ورشت في جوانبه السم، ودخلت على آمنة فرحبت بها آمنة (4)، و سألتها عن حالها، وقالت: يا تكنا ما عودتيني بالجفاء (5) فقالت: اشتغلت بهمي و حزني، ولولا أياديكم الباسطة علينا لكنا بأقبح حال، ولا أحد أعز علي منك، هلمي (6) يا بنية إلي حتى ازينك، فجائت آمنة وجلست بين يدي تكنا، فلما فرغت من تسريح شعرها عمدت إلى الخنجر وهمت أن تضربها به، فحست تكنا كأن أحدا " قبض (7) على قلبها فغشى على بصرها، وكأن ضاربا " ضرب على يدها فسقط الخنجر من يدها إلى الارض، فصاحت: واحزناه، فالتفتت آمنة إليها وإذا الخنجر قد سقط من يد تكنا، فصاحت آمنة فتبادرت النسوان إليها، وقلن لها: ما دهاك (8) ؟ قالت: يا ويلكن أما ترين ما جرى علي من تكنا، كادت أن تقتلني بهذا الخنجر، فقلن: يا تكنا ما أصابك ؟ ويلك تريدين أن تقتلي آمنة على أي جرم ؟ فقالت: يا ويلكن قد أردت قتل آمنة، و الحمد لله الذي صرف عنها البلاء، فقالت: الحمد لله على السلامة من كيدك يا تكنا، فقالت لها النساء: يا تكنا ما حملك على ذلك ؟ قالت: لا تلوموني (9)، حملني طمع الدنيا الغرور، ثم أخبرتهن بالقصة، وقالت لهن: ويحكن دونكن الزرقاء اقتلنها قبل أن تفوتكن، ثم سقطت ميتة، فصاحت النسوان صيحة عالية، فأقبل بنو هاشم إلى منزل آمنة، فإذا


(1) أن ينادوا خ ل. (2) وأن يجمعوا خ ل. (3) هو وما قبله مصحف، والصحيح: تكنى. (4) في المصدر: فلما رأتها آمنة رحبت بها. (5) في المصدر: وما تعودت منك هذا الجفاء. (6) في المصدر: ولا أجد ما أتقرب إلى بعلك الا بزينتك، لما أعلم به من محبتك، هلمى. (7) كان قد خ ل. (8) أي ما أصابك من داهية ؟. (9) لا تلممنى خ ل.

[ 323 ]

بتكنا (1) ميتة، وقد تجلل نور آمنة، ونظروا إلى الخنجر، وحكوا (2) لهم القصة، فخرج أبو طالب ينادي: أدركوا الزرقاء وقد وصلها الخبر، فخرجت هاربة فتبعها الناس من بني هاشم وغيرهم فلم يدركوها ولم يلحقوها، فسمع أبو جهل ذلك فقال: وددت أنها قتلت آمنة، ولكن حاد عنها أجلها، وأرجوا بسطيح أن يعمل أحسن مما عملت الزرقاء، فلما سمع سطيح بخبر الزرقاء أمر غلمانه أن يحملوه على راحلته، وسافر إلى الشام (3). فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبق صنم إلا سقط (4). وغارت بحيرة ساوة، وفاض وادي سماوة، وخمدت نيران فارس، وارتج إيوان كسرى وهو جالس، ووقع (5) منه أربع عشرة شرفة، فلما أصبح كسرى نظر إلى ذلك وهاله، فدعا (6) بوزرائه وقال لهم: ما هذا الذي حدث في هذه البلاد ؟ فهل عندكم من علم ؟ فقال المؤبذان: أيها الملك العظيم الشأن لقد رأيت إبلا " صعابا " تقودها، خيل عراب، وقد خاضت في الوادي، وانتشرت في البلاد، وماذاك إلا لامر عظيم، فبينما هم كذلك إذا ورد عليهم كتاب بخمود النيران كلها، فزادهم هما " وغما "، ثم أتاه بعد ذلك خبر البحيرة والوادي (7)، فأقبل على المؤبذان فقال: إنا لا نعلم أحدا " من العلماء نسأله (8) عن ذلك، فقال المؤبذان: إنا نكتب إلى النعمان بن المنذر كتابا " لعله يعرف أحدا " يعلم ذلك، فكتب إلى النعمان كتابا " فأرسل إليه رجلا اسمه عبد المسيح، وكان ابن اخت سطيح، فقال له كسرى: هل عندك علم مما أريد أن أسألك عنه ؟ فقال: لا، ولكن لي خال اسمه سطيح، يسكن في مشارف الشام، يعرف خبرك، ويعرف ما تريد، فقال له كسرى: اخرج إليه واسأله عما اريد أن أسألك عنه،


(1) تقدم مكررا أن الصحيح: تكنى وكذا فيما قبلها. (2) وحكين خ ل صح. (3) حتى لحق بها خ. (4) في المصدر: الا وأصبح مكبوبا على وجهه. (5) في المصدر: وانشق ووقع. (6) في المصدر: فهاله ودعا. (7) في المصدر: بحيرة بالوادي. (8) في المصدر: أحدا عالما نسأله.

[ 324 ]

فإن أجاب عد إلي بالجواب، أجزل لك الجائزة والنوال، ثم خرج عبد المسيح إلى أن وصل إلى الشام، فوجد سطيحا " يجود بنفسه، ويعالج سكرات الحمام، فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام، فلما كان بعد ساعة فتح عينيه وقال: جاء عبدالمسيح، على جمل يسيح، من عند كسرى يصيح، بلسان فصيح، مرسولا إلى سطيح، سيد بني غسان، يسأل عن ارتجاع (1) الايوان، وخمود النيران، ورؤيا المؤبذان، كان إبلا " صعابا " تقودها خيل عراب، وقد قطعت الوادي، وانتشرت في البلاد، ذلك والله ما كنا نتوقع من خروج السفاك، ومالك الاملاك، يا عبدالمسيح أقول لك: قولا " صحيحا " (2)، إذا فاض وادي سماوة، وغارت بحيرة ساوة، فليست الشام لسطيح بشام، تظهر الدلالات ويملك منهم ملوك على عدد الشرفات المتساقطات، وكل ما هو آت آت ويكون الراحة لسطيح في الممات، ثم صرخ صرخة ومات، ثم إن عبدالمسيح خرج إلى كسرى فأخبره بما قاله سطيح، فأعطاه وأنعم عليه لما اخبر بأن (3) يملك منهم أربعة عشر ملكا ". قال أبو الحسن البكري: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث، أنه لما تتابعت أشهر آمنة سمعت مناديا " (4) ينادي من السماء: مضى لحبيب الله كذا وكذا، و كان تهتف بآمنة الهواتف في الليل والنهار، وتخبر زوجها عبد الله بذلك، فيقول لها: اكتمي أمرك عن كل أحد (5)، فلما مضى لها ستة أشهر لم تجد ثقلا (6)، ولما كان الشهر


(1) انفجاج خ ل وهو الموجود في المصدر. (2) بقول صحيح خ ل. (3) بانه خ ل. (4) في المصدر: فما من شهر يمضى الا وتسمع مناديا. (5) في بعض النسخ: فلما أتى عليها شهر أتاها آدم عليه السلام فقال لها: بشراك يا آمنة، فقد حملت بسيد الانام، وفي الشهر الثاني أتاها إدريس عليه السلام وقال لها: قد حملت بالنبي النفيس، وفي الشهر الثالث جاءها نوح عليه السلام وقال: قد حملت بصاحب الفتوح، وفي الشهر الرابع جاءها ابراهيم الخليل عليه السلام وقال لها: بشراك بالنبي الجليل، وفي الشهر الخامس جاءها داود عليه السلام وقال لها: بشراك بصاحب المحمود، وفي الشهر السادس جاءها اسماعيل عليه السلام وقال لها: بشراك بصاحب التبجيل، وفي الشهر السابع جاءها سليمان (بن داود ظ) عليهما السلام و قال لها: بشراك بصاحب البرهان، وفي الشهر الثامن جاءها موسى الكليم عليه السلام وقال لها ليهنئك النبي الكريم، وفي الشهر التاسع جاءها المسيح عليه السلام وبشرها بصاحب القول الصحيح واللسان الفصيح، وكان ذلك في شهر ربيع الاول، وقيل: فلما مضى لها ستة أشهر إلى آخر ما في المتن. منه عفى عنه. قلت: نسختي من المصدر خال عنه، وهو لا يخلو عن غرابة، خصوصا مطابقتهم صفاته صلى الله عليه وآله مع أسمائهم سجعا. (6) في المصدر زيادة هي: وكانت كل يوم تزداد حسنا وجمالا وبهجة وكمالا. فلما دخلت في الشهر السابع.

[ 325 ]

السابع دعا عبد المطلب ولده عبد الله وقال: يا بني إنه قرب ولادة آمنة، ونحن نريد أن نعمل وليمة، وليس عندنا شئ، فامض إلى يثرب واشترلنا منها ما يصلح لذلك، فخرج عبد الله من وقته، وسافر حتى وصل إلى يثرب، وطرقته حوادث الزمان فمات (1) بها، ووصل خبره إلى مكة، فعظم عليهم ذلك، وبكى أهل مكة جميعا " عليه، واقيمت المآتم في كل ناحية، وناح عليه أبوه وآمنة وإخوته، وكان مصابا " هائلا " فظيعا "، فلما كان الشهر التاسع أراد الله تعالى خروج النبي صلى الله عليه وآله وهي لم يظهر لها أثر الحمل، ولا ما تعتاده النساء، وكانت تحدث نفسها كيف وضعي، ولم يعلم بي أحد من قومي ؟ وكانت دار آمنة (2) وحدها، فبينما هي كذلك إذ سمعت وجبة (3) عظيمة ففزعت من ذلك، فإذا قد دخل عليها طير أبيض، ومسح بجناحه على بطنها، فزال عنها ما كانت تجده من الخوف، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها نسوان طوال، يفوح منهن رائحة المسك والعنبر، وقد تنقبن بأطمارهن (4)، وكانت من العبقري الاحمر، وبأيديهن أكواب من البلور الابيض، قالت آمنة: فقلن لي: اشربي يا آمنة من هذا الشراب، فلما شربت أضاء نور وجهي، و علاه نور ساطع، وضيآء لامع، وجعلت أقول: من أين دخلن علي هذه النسوة، وكنت قد أغلقت الباب ؟ فجعلت أنظر إليهن ولم أعرفهن ثم قلن: يا آمنة اشربي من هذا الشراب، وابشري بسيد الاولين والاخرين محمد المصطفى صلى الله عليه وآله، وسمعت قائلا يقول: صلى الاله وكل عبد صالح * والطيبون على السراج الواضح المصطفى خير الانام محمد * الطاهر العلم الضيآء اللائح زين الانام المصطفى علم الهدى * الصادق البر التقي الناصح صلى عليه الله ما هب الصبا * وتجاوبت ورق الحمام النائح


(1) قد روى خروجه لغير ذلك كما تقدم في أخبار اخر. (2) وكانت آمنة في دار وحدها خ ل. (3) الوجبة: السقطة مع الهدة أو صوت الساقط. (4) بأرياط لهن خ ل، قلت: الريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ونسجا واحدا. كل ثوب يشبه الملحفة.

[ 326 ]

ثم قمن النسوة وخرجن، فإذا أنا بأثواب من الديباج قد نشرت بين السماء والارض وسمعت قائلا " يقول: خذوه وغيبوه عن أعين الناظرين والحاسدين، فإنه ولي (1) رب العالمين، قالت آمنة: فداخلني الجزع والفزع، وإذا أنا بخفقان (2) أجنحة الملائكة، وإذا بهاتف قد نزل، وسمعت تسبيحا " وتقديسا " وأرياشا " مختلفة (3) هذا ولم يكن في البيت أحد إلا أنا، فبينما أنا أقول في نفسي: أنا نائمة أو يقظانة ؟ إذ لمع نور أضاء لاهل السماء والارض حتى شق سقف البيت، وسمعت تسبيح الملائكة، فبينما أنا متعجبة من ذلك إذ وضعت ولدي محمدا " صلى الله عليه وآله، فلما سقط إلي الارض سجد تلقاء الكعبة رافعا " يديه إلى السماء كالمتضرع إلى ربه، وسمعت من داخل البيت جلبة عظيمة، وقائلا " يقول شعرا ": كم آية من أجله ظهرت فما * تخفى وزادت في الانام ظهورا ورأته آمنة يسبح ساجدا " * عند الولادة للسماء مشيرا قالت آمنة: وسمعت أصواتا " مختلفة، وإذا بسحابة بيضاء قد نزلت على ولدي، فأخذته وغيبته عني، فلم أره فصحت خوفا " على ولدي، وإذا بقائل يقول لي: لا تخافي، و سمعت قائلا " يقول: طوفوا بمحمد مشارق (4) الارض ومغاربها، وبرها، وبحرها، ووعرها (5)، واعرضوه على الجن والانس، ليعرفوا نعته، قالت آمنة: كان ما بين غيبته ورجوعه أسرع من طرفة عين، وإذا هو قد جاؤا به إلي وهو مدرج في ثوب أبيض من صوف (6)، وهو قابض على مفاتيح ثلاثة، ورجل قائم على رأسه وهو يقول: قبض محمد على مفاتيح النصر، و مفاتيح النبوة، ومفاتيح الكعبة، فبينا أنا كذلك وإذا أنا بسحابة اخرى أعظم من الاولى،


(1) في المصدر: حبيب. (2) أي صوت أجنحتها. (3) في المصدر: أرباش مختلفة الالوان، حمر المناقير. (4) على مشارق خ ل. (5) في المصدر: وسهلها وجبلها. (6) وهو مكحل مختون مدهون خ.

[ 327 ]

وسمعت منها تسبيحا " (1) وخفقان أجنحة الملائكة، فنزلت وأخذت ولدي فدمعت عيني، ورجف قلبي، وإذا أنا بقائل يقول: طوفوا بمحمد على مولد النبيين، وأعرضوه على سائر المرسلين، واعطوه صفوة آدم عليه السلام، ورأفة نوح عليه السلام، وحلم إبراهيم عليه السلام، ولسان إسماعيل عليه السلام، وجمال يوسف عليه السلام، وصبر أيوب عليه السلام (2)، وصوت داود عليه السلام، وزهد يحي عليه السلام، وكرم عيسى عليه السلام، وشجاعة موسى عليه السلام، وأعطوه من أخلاق الانبياء، قالت آمنة: ورأيته قابضا " على حريرة بيضاء مطوية طيا " شديدا "، والماء يخرج منها، وقائل يقول: قبض محمد على الدنيا بأسرها، ولم يبق شيئا " إلا وقد دخل في قبضته، قالت: فبينما أنا كذلك وإذا أنا بثلاثة نفر قد دخلوا علي والنور يظهر (3) من وجوههم، يكاد نورهم يخطف الابصار، في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد آخر طست من زبرجد أخضر، فوضع الطست بين يديه وقال له: يا حبيب الله اقبض من حيث شئت، قالت آمنة: فنظرت إلى موضع قبضته، فإذا هو قد قبض على وسطها، قالت: فسمعت قائلا " يقول: قبض محمد على الكعبة وما حولها، ورأيت في يد الثالث حريرة مطوية، وإذا بخاتم من نور يشرق كالشمس، ثم حمل ولدي فناوله صاحب الطست، وصب عليه الاخر من الابريق سبع مرات، ثم ختم بذلك الخاتم بين كتفيه، ثم لفه تحت جناحه، وغيبه عني، وكان ذلك رضوان خازن الجنان، ثم أخرجه وتكلم في اذنه بكلام لا أفهمه، ثم قبله، وقال: أبشر يا محمد فإنك سيد الاولين والاخرين، وأنت الشفيع فيهم يوم الدين، ثم خرجوا و تركوه، ثم رأيت ثلاثة أعلام منصوبة: واحد بالمشرق، وواحد بالمغرب، والثالث على الكعبة (4)، وتلك الاعلام من النور (5) مثل قوس السحاب. قالت آمنة: ثم رأيت بعد ذلك غمامة بيضاء قد نزلت من السماء على ولدي، و غيبته عني ساعة طويلة، فلم أره، فحن عليه قلبي، وقد حيل بيني وبينه، وكأني نائمة مما جرى عليه، فبينا أنا كذلك وإذا بولدي قد ردوه علي، وإذا به مكحول مقمط بقماط


(1) تصهيلا خ ل. وهو الموجود في المصدر. (2) في المصدر: وصبر يعقوب. (3) في المصدر: يزهر. (4) فكشف الله عن بصرى فرأيت ما هناك خ، وهو الموجود في المصدر. (5) قائمة بين السماء والارض خ، وفي المصدر: ورأيت علما من نور قائم بين السماء والارض

[ 328 ]

من حرير الجنة، تفوح منه رائحة المسك الاذفر. قال عبد المطلب: كنت في الساعة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله أطوف بالكعبة، وإذا " بالاصنام قد تساقطت وتناثرت، والصنم الكبير سقط على وجهه، وسمعت قائلا " يقول: الان (1) آمنة قد ولدت رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رأيت ما حل بالاصنام تلجلج لساني، وتحير عقلي، وخفق فؤادي حتى صرت لم أستطع الكلام، فخرجت مسرعا " اريد باب بني شيبة، وإذا الصفا والمروة يركضان بالنور فرحا "، ولم أزل مسرعا " إلى أن قربت من منزل آمنة، وإذا " بغمامة بيضاء قد عمت منزلها، فقربت من الباب وإذا روائح المسك الاذفر والند والعنبر قد عبقت (2) بكل مكان حتى عمتني الرائحة، فدخلت على آمنة وإذا بها قاعدة، وليس عليها أثر النفاس، فقلت: أين مولودك اريد أن أنظر إليه ؟ قالت: قد حيل بيني وبينه، ولقد سمعت مناديا " ينادي: لا تخافي على مولودك، وسيرد عليك بعد ثلاثة أيام (3)، فسل عبد المطلب سيفه وقال اخرجي لي ولدي هذه الساعة وإلا علوتك به، فقالت: إنهم قد دخلوا به هذه الدار، قال عبد المطلب: فهممت بالدخول إلى الدار إذ برزلي شخص من داخل الدار كأنه النخلة السحوق، لم أر أهول منه، وبيده سيف وقال لي: ارجع ليس لك إلى ذلك من سبيل، ولا لغيرك حتى تنقضي زيارة الملائكة، فخرجت خائفا " مما رأيت من الاهوال. قال صاحب الحديث: بلغنا أن الساعة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله طردت الشياطين والمردة هاربين، ومنهم من غمي عليه (4)، ومنهم من مات، وأما سطيح ووشق (5) فماتا في تلك الليلة، وأما زرقاء اليمامة فإنها كانت جالسة مع خدمها وجواريها إذ صرخت


(1) في المصدر: ألا أن. (2) قد أعبقت خ وهو الموجود في المصدر. (3) في المصدر: وقد أتانى آت فقال لى: يا آمنة لا تجزعي ولا تحزني ولا تخرجي هذا المولود إلى ثلاثة أيام. (4) في المصدر: وخرجوا هاربين، ومن الجن من غمى عليه. (5) ذكرنا قبل ذلك ان الصحيح: شق.

[ 329 ]

صرخة عظيمة وغشي عليها، فلما أفاقت أنشأت تقول: أما المحال فقد مضى لسبيله * ومضت كهانة معشر الكهان جاء البشير فكيف لي بهلاكه * هيهات جاء الوحي (1) بالاعلان فلما تمت له ثلاثة أيام دخل عليه جده عبد المطلب فلما نظر إليه قبله، وقال: الحمد لله الذي أخرجك إلينا، حيث وعدنا (2) بقدومك، فبعد هذا اليوم لا ابالي أصابني الموت أم لا، ثم دفعه إلى آمنة فجعل يهش (3) ويضحك لجده وامه، كأنه ابن سنة، قال عبد المطلب: يا آمنة احفظي ولدي هذا، فسوف يكون له شأن عظيم، وأقبل الناس من كل فج عميق يهنؤن عبد المطلب، وجائت جملة النساء إلى آمنة وقلن لها: لم لم ترسلي إلينا ؟ فهنؤنها بالمولود وقد عبقت بهن جمع رائحة المسك، فكان يقول الرجل لزوجته: من أين لك هذا ؟ فتقول: هذا من طيب مولود آمنة، فأقبلت القوابل ليقطعن سرته فوجدنه مقطوع السرة، فقلن لامنة ما كفاك إنك وضعت به حتى قطعت سرته بنفسك ؟ فقالت لهن: والله لم أره إلا على هذه الحالة (4)، فتعجبت القوابل من ذلك، وكانت تأتيها القوابل بعد ذلك وإذا " به مكحولا، مقموطا " (5)، فيتعجبن منه، فلما مضى له من الوضع سبعة أيام أولم عبد المطلب وليمة عظيمة وذبح الاغنام، ونحر الابل، وأكل الناس ثلاثة أيام، ثم التمس له مرضعة تربيه (6) على عادة أهل مكة (7). ايضاح: الاطلال جمع الطلل بالتحريك، وهو ما شخص من آثار الدار. والهمام


(1) الامر خ ل. (2) أوعدنا خ ل. (3) هش: تبسم. وارتاح ونشط. (4) في المصدر: والله ما مسته ولا رأيته إلا كما ترون. (5) في المصدر: مقمطا. (6) في المصدر: وأكل الناس ثلاثة أيام، وما فضل من ذلك الطعام رمى به في البرية فأكلته الوحوش والسباع والطيور، قال: فلما كان بعد ثلاثة ايام التمس له مرضعة تربيه. كمل الجزء السادس والحمد لله رب العالمين. (7) الانوار: مخطوط، ونسخته عندي موجود فيها اختلافات وزوائد، وقد ذكرت بعضها في الذيل.

[ 330 ]

بالضم وتخفيف الميم: الملك العظيم الهمة. والضرغام بالكسر: الاسد. والقمقام بالفتح: السيد. والمقدام بالكسر: الرجل الكثير الاقدام على العدو. والحمام بالكسر: الموت. والمناكب لعله من النكبة بمعنى المصيبة، ويقال: كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس ولاغيره. والكمي: الشجاع. وذباب السيف بالضم: طرفه الذي يضرب به. والقصم: الكسر. والهزبر بكسر الهاء وفتح الزاء: الاسد. والجلاميد جمع الجلمود وهو الصخر. والسراة بالضم جمع سري وهو الشريف. قولها: من يحظى هو على بناء المجهول من الحظوة وهي القدر والمنزلة. وقال الجوهري: لخن السقاء بالكسر أي أنتن، ومنه قولهم: أمة لخنآء، ويقال: اللخنآء: التي لم تختن انتهي. والورق بالضم جمع الاورق، وهو الذي في لونه بياض إلى سواد. وفي القاموس: الند: طيب معروف أو العنبر. والسحوق من النخل: الطويلة، وغمي على المريض واغمي مضمومتين: غشي عليه ثم أفاق. تتمة مفيدة: اعلم أن ظاهر أخبار المولد السعيد أن الشهب لم تكن قبله، وإنما حدثت في هذا الوقت، وهو خلاف المشهور، ويمكن أن تكون كثرتها إنما حدثت عند ذلك، وكانت قبل ذلك نادرة. قال الرازي في تفسير قوله سبحانه: (فمن يستمع الان يجد له شهابا " رصدا ") ما ملخصه: فإن قيل: هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث، لان جميع الفلاسفة تكلموا في أسباب انقضاضها وقد جاء وصفها في شعر الجاهلية، وقد روي عن ابن عباس أيضا " ما يدل على كونها في الجاهلية، فما معنى تخصيصها بمبعثه صلى الله عليه وآله ؟ ثم أجاب بوجهين: الاول أنها ما كانت قبل المبعث، وهذا قول ابن عباس وابي بن كعب وجماعة، وهؤلاء زعموا أن كتب الاوائل قد توالت عليها التحريفات، فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة طعنا " منهم في هذه المعجزة، وكذا الاشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلقة عليهم ومنحولة، والخبر غير ثابت. والثاني وهو الاقرب إلى الصواب أنها كانت موجودة إلا أنها زيدت بعد المبعث،

[ 331 ]

وجعلت أكبر وأقوى انتهى (1). وأقول: يحتمل وجه ثالث وهو أن تكون هذه موجودة قبل الاسلام بمدة، ثم ارتفعت وزالت مدة مديدة، ثم حدثت بعد الولادة أو البعثة، ويؤيده ما روي عن أبي ابن كعب أنه قال: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى عليه السلام حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله، وسيأتي مزيد تحقيق في كتاب السماء والعالم إن شاء الله تعالى. (باب 4) * (منشأه ورضاعه وما ظهر من اعجازه عند ذلك) * * (إلى نبوته صلى الله عليه وآله) * 1 - يج: روي أنه لما ولد النبي صلى الله عليه وآله قدمت حليمة بنت أبي ذؤيب في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعآء بمكة، قالت: فخرجت معهن على أتان ومعي زوجي، ومعنا شارف لنا ما بيض (2) بقطرة من لبن، ومعنا ولد ما نجد في ثديي ما نعلله به وما نام ليلتا جوعا "، فلما قدمنا مكة لم تبق منا امرأة إلا عرض عليها محمد فكرهناه فقلنا: يتيم، وإنما يكرم الظئر (3) الوالد، فكل صواحبي أخذن رضيعا " ولم آخذ شيئا "، فلما لم أجد غيره رجعت إليه فأخذته فأتيت به الرحل (4) فأمسيت وأقبل ثدياي باللبن حتى أرويته وأرويت ولدي أيضا "، وقام زوجي إلى شارفنا تلك يلمسها بيده، فإذا هي حافل، فحلبها وأرواني من لبنها، وروى الغلمان، فقال: يا حليمة لقد أصبنا نسمة مباركة، فبتنا بخير ورجعنا، فركبت أتانى (5) ثم حملت محمدا " معي، فوالذي نفس حليمة بيده لقت طفت بالركب حتى أن النسوة يقلن: يا حليمة امسكي علينا، أهذه أتانك التي خرجت عليها ؟ قلت: نعم، ما شأنها ؟ قلن: حملت غلاما " مباركا "، ويزيدنا الله كل يوم وليلة خيرا "، والبلاد


(1) مفاتيح الغيب 8: 241. (2) ما تبض خ ل ظ. (3) الظئر: المرضعة. (4) الرحل: المنزل والمأوى. (5) الاتان: الحمارة.

[ 332 ]

قحط، والرعاة يسرحون، ثم يريحون، فتروح أغنام بني سعد جياعا "، وتروح غنمي شباعا " بطانا " حفلاء فتحلب وتشرب (1). بيان: الشارف: المسنة من النوق. قوله: ما بيض أي الاناء، قال الجوهري: بيضت الاناء: أي ملاته من الماء، أو اللبن، والاصوب أنه ما تبض بالتاء، ثم الباء التحتانية الموحدة المكسورة، ثم الضاد المشددة، قال الجزري: فيه ما تبض ببلال أي ما يقطر منها لبن، يقال: بض الماء: إذا قطر وسال، وقال الجوهري: ضرع حافل، أي ممتلئ لبنا ". 2 - قب: ذكرت حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث (2) من مضر زوجة الحارث ابن عبد العزى (3) المضري أن البوادي أجدبت، وحملنا الجهد على دخول البلد، فدخلت مكة، ونساء بني سعد قد سبقن إلى مراضعهن، فسألت مرضعا " فدلوني على عبد المطلب، وذكر أن له مولودا " يحتاج إلى مرضع له، فأتيت إليه فقال: يا هذه عندي بني لي يتيم اسمه محمد، فحملته ففتح عينيه لينظر إلي بهما فسطع منهما نور، فشرب من ثديي الايمن ساعة، ولم يرغب في الايسر أصلا "، واستعمل في رضاعه عدلا "، فناصف فيه شريكه، واختار اليمين اليمين، وكان ابني لا يشرب حتى يشرب رسول الله صلى الله عليه وآله، فحملته على الاتان وكانت قد ضعفت عند قدومي مكة فجعلت تبادر سائر الحمر إسراعا " قوة ونشاطا "، واستقبلت الكعبة وسجدت لها ثلاث مرات، وقالت: برئت من مرضي، وسلمت من غثي وعلي سيد المرسلين، وخاتم النبيين وخير الاولين والاخرين، فكان الناس يتعجبون منها ومن سمني وبرئي ودر لبني، فلما انتهينا إلى غار خرج رجل يتلالؤ نوره إلى عنان السماء وسلم عليه، وقال: إن الله تعالى وكلني برعايته، وقابلنا ظبأ وقلن: يا حليمة


(1) ذكره مفصلا أيضا ابن هشام في السيرة 1: 173 - 175. (2) هو عبد الله بن حارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن نصربن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان على ما في سيرة ابن هشام وامتاع الاسماع، وكانت حليمة تكنى ام كبشة على ما في الاخير. (3) هو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصية. إلى آخر ما مر من النسب.

[ 333 ]

لا تعرفين من تربين هو أطيب الطيبين، وأطهر الطاهرين، وما علونا تلعة (1) ولا هبطنا واديا " إلا سلموا عليه، فعرفت (2) البركة والزيادة في معاشنا ورياشنا حتى أثرينا وكثرت مواشينا وأموالنا، ولم يحدث في ثيابه، ولم تبد عورته، ولم يحتج في يوم إلا مرة، وكان مسرورا " مختونا "، وكنت أرى شابا " على فراشه يعد له ثيابه، فربيته خمس سنين ويومين، فقال لي يوما ": أين يذهب إخواني كل يوم ؟ قلت: يرعون غنما " فقال: إنني اليوم اوافقهم (3)، فلما ذهب معهم أخذه ملائكة وعلوه على قلة جبل، وقاموا بغسله وتنظيفه، فأتاني ابني وقال: ادركي محمدا " فإنه قد سلب، فأتيته فإذا هو بنور يسطع في السماء فقبلته فقلت: ما أصابك ؟ قال: لا تحزني إن الله معنا، وقص عليها قصته، فانتشر منه فوح مسك أذفر، وقال الناس: غلبت عليه الشياطين، وهو يقول: ما أصابني شئ، وما علي من بأس، فرآه كاهن وصاح وقال: هذا الذي يقهر الملوك، ويفرق العرب (4). ايضاح: قوله: واختار اليمين، أي صاحب اليمن والبركة، والغث: المهزول، والمراد هنا المصدر، ويقال: أثرى الرجل: إذا كثرت أمواله. 3 - قب: روي عن حليمة أنه جلس محمد وهو ابن ثلاثة أشهر، ولعب مع الصبيان وهو ابن تسعة، وطلب مني أن يسير مع الغنم يرعى وهو ابن عشرة، وناضل (5) الغلمان بالنبل وهو ابن خمسة عشر، وصارع الغلمان وهو ابن ثلاثين، ثم رددته إلى جده. ابن عباس: إنه كان يقرب إلى الصبيان تصبيحهم فيخلسون (6) ويكف، ويصبح الصبيان غمصا " رمصا "، ويصبح صقيلا دهينا "، ونادى شيخ على الكعبة: يا عبد المطلب إن حليمة امرأة عربية، وقد فقدت ابنا " (7) اسمه محمد، فغضب عبد المطلب وكان إذا غضب خاف


(1) التلعة: ما علا من الارض. (2) في المصدر: فعرفنا. (3) في المصدر: ارافقهم. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 23 و 24. (5) ناضلة: باراه في رمى السهام. (6) في المصدر: فيختلسون. (7) في المصدر: ابنها.

[ 334 ]

الناس منه، فنادى: يا بني هاشم، ويا بني غالب اركبوا فقد محمد، وحلف أن لا أنزل حتى أجد محمدا "، أو أقتل ألف أعرابي ومأة قرشي، وكان يطوف حول الكعبة، وينشد أشعارا " منها: يا رب رد راكبي محمدا " * رد إلي واتخذ (1) عندي يدا " يا رب إن محمدا " لن يوجدا * تصبح قريش كلهم مبددا فسمع نداء: إن الله لا يضيع محمدا "، فقال: أين هو ؟ قال: في وادي فلان، تحت شجرة ام غيلان، قال ابن مسعود (2): فأتينا الوادي فرأيناه يأكل الرطب من ام غيلان، وحوله شابان، فلما قربنا منه ذهب الشابان وكانا جبرئيل وميكائيل عليهما السلام، فسألناه من أنت ؟ وماذا تصنع ؟ قال: أنا بن عبد الله بن عبد المطلب، فحمله عبد المطلب على عنقه وطاف به حول الكعبة، وكانت النساء اجتمعن عند آمنة على مصيبته، فلما رآها تمسك بها، وما التفت إلى أحد. وكان عبد المطلب أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رعاته في إبل قد ندت له (3) يجمعها، فلما أبطأ عليه نفذ ورائه في كل طريق وكل شعب، وأخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول: يا رب إن تهلك (4) آلك، إن تفعل فأمر ما بدا لك، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بالابل، فلما رآه أخذه فقبله، فقال: بأبي لاوجهتك بعد هذا في شئ، فإني أخاف أن تغتال فتقتل (5). بيان: قال الجزري: في حديث المولد أنه كان يتيما " في حجر أبي طالب، وكان يقرب إلى الصبيان تصبيحهم فيختلسون ويكف، أي غدائهم، وهو اسم على تفعيل كالترغيب


(1) في نسخة من المصدر: واصطنع. (2) فيه وهم ظاهر، لان ابن مسعود مات في سنة 32 (أو) 33، وكان عمره يوم توفى بضعا وستين سنة، فعليه فكان عمر النبي حين ولد ابن مسعود قريبا من عشرين سنة، فكيف رأى النبي و هو صلى الله عليه وآله كان طفلا ؟. (3) ند البعير: نفر وذهب شاردا. (4) أتهلك ؟. (5) مناقب آل أبى طالب 1: 24. (*)

[ 335 ]

والتنوير، وقال: في حديث ابن عباس كان الصبيان غمصا " رمصا "، ويصبح رسول الله صقيلا دهينا " (1)، يقال: غمصت عينيه مثل رمصت، يقال: غمصت العين ورمصت من الغمص والرمص، وهو البياض الذي يجمع في زوايا الاجفان، فالرمص: الرطب، والغمص: اليابس، والغمص والرمص جمع أغمص وأرمص، وانتصبا على الحال لا على الخبر، لان أصبح تامة وهي بمعنى الدخول في الصباح، قاله الزمخشري. 4 - قب: عن ابن عباس قال: قال أبو طالب لاخيه: يا عباس اخبرك عن محمد أني ضممته فلم افارقه ساعة من ليل أو نهار، فلم أئتمن أحدا " حتى نومته في فراشي، فأمرته أن يخلع ثيابه وينام معي، فرأيت في وجهه الكراهية، فقال: يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي وأدخل فراشي، فقلت له: ولم ذاك ؟ فقال: لا ينبغي لاحد أن ينظر إلى جسدي، فتعجبت من قوله وصرفت بصري عنه حتى دخل فراشه، فإذا دخلت أنا الفراش إذا بيني وبينه ثوب، والله ما أدخلته في فراشي، فأمسه فإذا هو ألين ثوب، ثم شممته كأنه غمس في مسك، وكنت إذا أصبحت فقدت الثوب، فكان هذا دأبي ودأبه، وكنت كثيرا " ما أفتقده في فراشي، فإذا قمت لاطلبه بادرني من فراشي، ها أناذا يا عم فارجع إلى مكانك. وكان النبي صلى الله عليه وآله يأتي زمزم فيشرب منها شربة، فربما عرض عليه أبو طالب الغداء فيقول لا اريده أنا شبعان. وكان أبو طالب إذا أراد أن يعشي أولاده أو يغديهم يقول: كما أنتم حتى يحضر ابني، فيأتي رسول الله فيأكل معهم فيبقى الطعام (2). 5 - قب: القاضي المعتمد في تفسيره قال أبو طالب: لقد كنت كثيرا " ما أسمع منه إذا ذهب من الليل كلاما " يعجبني، وكنا لا نسمي على الطعام ولا على الشراب حتى سمعته يقول: بسم الله الاحد، ثم يأكل، فإذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله كثيرا "،


(1) وحكى عن ابن سعد أنه روى: وكان الصبيان يصبحون رمصا شعثا، ويصبح رسول الله صلى الله عليه وآله دهينا كحيلا. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 25 و 26.

[ 336 ]

فتعجبت منه، وكنت ربما أتيت غفلة فأرى من لدن رأسه نورا " ممدودا " قد بلغ السماء، ثم لم أر منه كذبة قط، ولا جاهلية قط، ولا رأيته يضحك في موضع (1) الضحك، ولا وقف مع صبيان في لعب، ولا التفت إليهم، وكان الوحدة أحب إليه والتواضع. وكان النبي ابن سبع سنين فقالت اليهود: وجدنا في كتبنا أن محمدا " يجنبه ربه من الحرام والشبهات فجربوه، فقدموا إلى أبي طالب دجاجة مسمنة، فكانت قريش يأكلون منها، والرسول تعدل يده عنها، فقالوا: مالك ؟ قال: أراها حراما " يصونني ربي عنها، فقالوا: هي حلال فنلقمك، قال: فافعلوا إن قدرتم، فكانت أيديهم يعدل بها إلى الجهات، فجاؤه بدجاجة اخرى قد أخذوها لجار لهم غائب على أن يؤدوا ثمنها إذا جاء، فتناول منها لقمة فسقطت من يده، فقال عليه السلام: وما أراها إلا من شبهة يصونني ربي عنها، فقالوا: نلقمك منها، فكلما تناولوا منها ثقلت في أيديهم، فقالوا: لهذا شأن عظيم. ولما ظهر أمره صلى الله عليه وآله عاداه أبو جهل، وجمع صبيان بني مخزوم وقال: أنا أميركم، وانعقد صبيان بني هاشم وبني عبد المطلب على النبي وقالوا: أنت الامير، قالت ام علي عليه السلام: وكان في صحن داري شجرة قد يبست وخاست، ولها زمان يابسة، فأتى النبي صلى الله عليه وآله يوما " إلى الشجرة فمسها بكفه فصارت من وقتها وساعتها خضراء، وحملت الرطب، فكنت في كل يوم أجمع له الرطب في دوخلة، فإذا كانت وقت ضاحي النهار يدخل يقول: يا اماه أعطيني ديوان العسكر، وكان يأخذ الدوخلة ثم يخرج ويقسم الرطب على صبيان بني هاشم، فلما كان بعض الايام دخل وقال: يا اماه أعطيني ديوان العسكر، فقلت: يا ولدي اعلم أن النخلة ما اعطتنا اليوم شيئا "، قالت: فوحق نور وجهه لقد رأيته وقد تقدم نحو النخله وتكلم بكلمات وإذا بالنخلة قد أنحنت حتى صار راسها عنده، فأخذ من الرطب ما أراد، ثم عادت النخلة إلى ما كانت، فمن ذلك اليوم قلت: اللهم رب السماء ارزقني ولدا " ذكرا " يكون أخا " لمحمد، ففي تلك الليلة واقعني أبو طالب فحملت بعلي بن أبي طالب فرزقته، فما كان يقرب صنما " ولا يسجد لوثن، كل ذلك ببركة محمد صلى الله عليه وآله (2).


(1) غير موضع خ ل. (2) مناقب آل أبى طالب 1: 26 و 27.

[ 337 ]

بيان: خاست أي لم تثمر، من قولهم: خاس بوعده: إذا أخلفه، أو فسدت من قولهم: خاس الشئ: إذا فسد. والدوخلة: بالتشديد كالزنبيل يعمل من الخوص. والقوصرة: يترك فيها التمر وغيره، وفي الخبر غرابة من جهة أن الحمل بأمير المؤمنين عليه السلام إنما كان بعد ثلاثين من سنه صلى الله عليه وآله، ويظهر منه أنه كان في صباه. 6 - قب: كتاب العروس وتاريخ الطبري إنه أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابنها مسروح أياما "، وتوفيت مسلمة سنة سبع من الهجرة، ومات ابنها قبلها، ثم أرضعته حليمة السعدية فلبث فيهم خمس سنين وكانت أرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة المخزومي، وخرج مع أبي طالب في تجارته وهو ابن تسع سنين، ويقال: ابن اثنتى عشرة سنة، وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة وله خمس وعشرون سنة (1). 7 - كا: محمد بن يحي، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن سعيد بن عبد الله الاعرج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قريشا " في الجاهلية هدموا البيت، فلما أرادوا بنائه حيل بينهم وبينه، والقي في روعهم (2) حتى قال قائل منهم: ليأتي كل رجل منكم بأطيب ماله، ولا تأتوا بمال اكسبتموه من قطيعة رحم، أو حرام، ففعلوا فخلى بينهم وبين بنائه، فبنوه حتى انتهوا إلى موضع الحجر الاسود فتشاجروا فيهم أيهم يضع الحجر الاسود في موضعة، حتى كاد أن يكون بينهم شر، فحكموا (3) أول من يدخل من باب المسجد، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أتاهم أمر بثوب فبسط ثم وضع الحجر في وسطه، ثم أخذت القبائل بجوانب الثوب فرفعوه، ثم تناوله صلى الله عليه وآله فوضعه في موضعه، فخصه الله به (4). 8 - كا: علي بن إبراهيم وغيره بأسانيد مختلفة رفعوه قالوا: إنما هدمت قريش


(1) مناقب آل أبى طالب 1: 119. (2) في المصدر: والقى في روعهم الرعب. قلت: الروع: سواد القلب. وقيل: موضع الفزع منه. (3) أي فوضوا إليه الحكم. (4) الفروع: ج 1 ص 225.

[ 338 ]

الكعبة لان السيل كان يأتيهم من أعلى مكة فيدخلها فانصدعت، وسرق من الكعبة غزال من ذهب رجلاه جوهر (1)، وكان حائطها (2) قصيرا "، وكان ذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله بثلاثين سنة، فأرادت قريش أن يهدموا الكعبة ويبنوها ويزيدوا في عرصتها، ثم أشفقوا من ذلك وخافوا إن وضعوا فيها المعاول أن تنزل عليهم عقوبة، فقال الوليد بن المغيرة: دعوني أبدأ فإن كان لله رضى لم يصبني شئ (3)، وإن كان غير ذلك كففت (4)، فصعد على الكعبة، وحرك منها حجرا "، فخرجت عليه حية، وانكسفت الشمس، فلما رأوا ذلك بكوا و تضرعوا وقالوا: اللهم إنا لا نريد إلا الصلاح، فغابت عنهم الحية فهدموه ونحوا حجارته حوله حتى بلغوا القواعد التي وضعها إبراهيم عليه السلام، فلما أرادوا أن يزيدوا في عرصته وحركوا القواعد التي وضعها إبراهيم عليه السلام أصابتهم زلزلة شديدة وظلمة فكفوا عنه، وكان بنيان إبراهيم عليه السلام الطول ثلاثون ذراعا "، والعرض اثنان وعشرون ذراعا "، والسمك (5) تسعة أذرع، فقالت قريش: نزيد في سمكها، فبنوها فلما بلغ البنآء إلى موضع الحجر الاسود تشاجرت قريش في وضعه، قال (6) كل قبيلة: نحن أولى به، ونحن نضعه، فلما كثر بينهم تراضوا بقضاء من يدخل من باب بني شيبة، فطلع رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: هذا الامين قد جاء فحكموه، فبسط ردائه - وقال بعضهم: كساء طاروني كان له - ووضع الحجر فيه، ثم قال: يأتي من كل ربع من قريش رجل، فكانوا عتبة بن ربيعة من عبد شمس، والاسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى، وأبو حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم، وقيس بن عدي من بني سهم فرفعوه، ووضعه النبي صلى الله عليه وآله في موضعه، وقد كان بعث ملك الروم بسفينة فيها سقوف وآلات وخشب وقوم من الفعلة إلى الحبشة ليبنى له


(1) في المصدر: من جوهر. (2) حائطا خ ل. (3) بشئ خ ل. (4) كففنا خ ل وهو الموجود في المصدر. (5) السمك: أعلى البيت إلى أسفله. القامة من كل شئ. (6) في المصدر: فقال.

[ 339 ]

هناك بيعة فطرحتها الريح إلى ساحل الشريعة فبطحت، فبلغ قريشا " خبرها فخرجوا إلى الساحل فوجدوا ما يصلح للكعبة من خشب وزينة وغير ذلك فابتاعوه وصاروا به إلى إلى مكة، فوافق ذلك ذرع الخشب البنآء (1) ما خلا الحجر، فلما بنوها كسوها الوصائل (2) وهي الاردية (3). بيان: الطاروني: ضرب من الخز. والربع: المحلة، ويحتمل الضم. قوله عليه السلام: فبطحت على بناء المجهول، أي انقلبت، يقال: بطحه، أي ألقاه على وجهه، وقوله: ذرع الخشب بيان لقوله: ذلك، والبناء مفعول وافق، وقوله: ما خلا الحجر، ولعل المراد به الاحجار المنصوبة في ظاهر البيت، أي كان طول الخشب موافقا " لطول بناء البيت إلا بقدر الحجر المنصوب في الجانبين، لئلا تظهر رؤوس الاخشاب من خارج، ويحتمل على بعد أن يقرء الحجر بالكسر، أي لم يكن حجر إسماعيل داخلا في طول الخشب. وقال الجوهري: الوصائل: ثياب مخططة يمانية، وفي بعض النسخ بالدال، أي الثياب المنسوجة. قال في القاموس: الوصد محركة: النسج، والاول أظهر. 9 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ساهم قريشا " في بناء البيت، فصار لرسول الله من باب الكعبة إلى النصف ما بين الركن اليماني إلى الحجر الاسود. وفي رواية اخرى: كان لبني هاشم من الحجر الاسود إلي الركن الشامي (4). بيان: قوله عليه السلام: ما بين الركن اليماني، أي إلى منتصف الضلع الذي بين الركن اليماني والحجر، والرواية الاخرى تنافي ذلك، إذ لو كان المراد جميع بني هاشم فكان ينبغي أن يدخل فيه جميع ما كان للنبي صلى الله عليه وآله مع أنه لا يدخل فيه إلا ما


(1) في المصدر: فوافق ذراع ذلك الخشب البناء. (2) الوصائد خ ل، وهو الموجود في المصدر. (3) الفروع: ج 1 ص 225. (4) الفروع: ج 1 ص 225.

[ 340 ]

كان منه بين الحجر والباب، وإن كان المراد سائر بني هاشم غيره صلى الله عليه وآله فكان ينبغي أن لا يدخل فيه مابين الحجر إلى الباب إلا أن يتكلف بأنهم كانوا أشركوه مع بني هاشم في هذا الضلع، وخصوه من الضلع الاخر بالنصف، فجعل بنو هاشم له صلى الله عليه وآله ما بين الحجر والباب، وفي بعض النسخ بدل الشامي اليماني، والاشكال والتوجيه مشتركان. 10 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على اختها من الرضاعة، وقال: إن عليا " عليه السلام ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله ابنة حمزة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وعمه حمزة عليه السلام قد رضعا (1) من امرأة (2). 11 - كا: محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن علي بن المعلى، عن أخيه محمد، عن درست بن أبي منصور، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما ولد النبي صلى الله عليه وآله مكث أياما " ليس له لبن، فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه، فأنزل الله فيه لبنا " فرضع منه أياما " حتى وقع أبو طالب على حليمة السعدية فدفعه إليها (3). قب: عنه عليه السلام مثله (4). 12 - د: قالت حليمة السعدية: كانت في بني سعد شجرة يابسة ما حملت قط، فنزلنا يوما " عندها ورسول الله صلى الله عليه وآله في حجري فما قمت حتى اخضرت وأثمرت ببركة منه، وما أعلم أني جلست موضعا " قط إلا كان له أثر، إما نبات، وإما خصب، ولقد دخلت على


(1) ارضعا خ ل. (2) الفروع 2: 41 و 42. (3) الاصول 1: 448، والحديث لا تخلو عن غرابة، وفي إسناده جماعة لا يحتج بحديثهم. (4) مناقب آل أبى طالب 1: 23.

[ 341 ]

امرأة من بني سعد يقال لها: أم مسكين وكانت سيئة الحال، فحملته فأدخلته منزلها، فإذا هي قد أخصبت وحسن حالها، فكانت تجئ كل يوم فتقبل رأسه. قالت حليمة: ما نظرت في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو نائم إلا ورأيت عينيه مفتوحتين كأنه يضحك، وكان لا يصيبه حر ولا برد. قالت حليمة: ما تمنيت شيئا " قط في منزلي إلا اعطيته من الغد، ولقد أخذ ذئب عنيزة " لي فتداخلني من ذلك حزن شديد، فرأيت النبي صلى الله عليه وآله رافعا " رأسه إلى السماء، فما شعرت إلا والذئب والعنيزة على ظهره قد ردها علي ما عقر (1) منها شيئا ". قالت حليمة: ما أخرجته قط في شمس إلا وسحابة تظله، ولا في مطر إلا وسحابة تكنه (2) من المطر. قالت حليمة: فما زال من خيمتي نور ممدود بين السماء والارض، ولقد كان الناس بصيبهم الحر والبرد فما أصابني حر ولا برد منذ كان عندي، ولقد هممت يوما " أن أغسل رأسه فجئته وقد غسل رأسه ودهن وطيب، وما غسلت له ثوبا " قط، وكلما هممت بغسل ثوبه سبقت إليه فوجدت عليه ثوبا " غيره جديدا ". قالت: ما كنت أخرج لمحمد ثديي إلا وسمعت له نغمة، ولا شرب قط إلا وسمعته ينطق بشئ، فتعجبت منه حتى إذا نطق وعقد كان يقول: بسم الله رب محمد إذا أكل، و في آخر ما يفرغ من أكله وشربه يقول: الحمد لله رب محمد (3). 13 - يل: قال الواقدي: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة أشهر ماتت امه آمنة رضي الله عنها، فبقي صلى الله عليه وآله بلا أب ولا ام، وهو من أبناء أربعة أشهر، فبقي يتيما " في حجر جده عبد المطلب، فاشتد عليه (4) موت آمنة ليتم محمد صلى الله عليه وآله، ولم يأكل ولم يشرب ثلاثة ايام، فبعث عبد المطلب إلى بنتيه، عاتكة وصفية وقال لهما: خذ محمدا " صلى الله عليه وآله،


(1) عقره: جرحه. (2) أي تستره. (3) العدد: مخطوط. (4) في المصدر: على عبد المطلب.

[ 342 ]

والنبي صلى الله عليه وآله لا يزداد إلا بكاء ولا يسكن، وكانت عاتكة تلعقه (1) عسلا صافيا " مع الثريد، وهو لا يزداد إلا تماديا " في البكاء. قال الواقدي: فضجر عبد المطلب (2) فقال لعاتكة: فلعله يقبل ثدي واحدة منهن ويرضعن ولدي وقرة عيني فبعثت عاتكة بالجواري والعبيد نحو نساء بني هاشم وقريش ودعتهن إلى رضاع النبي صلى الله عليه وآله، فجئن إلى عاتكة واجتمعن عندها في اربعمائة وستين جارية من بنات صناديد قريش (3)، فتقدمت كل واحدة منهن ووضعن ثديهن في فم رسول الله صلى الله عليه وآله فما قبل منهن أحدا "، وبقين متحيرات، وكان عبد المطلب جالسا " فأمر بإخراجهن والنبي صلى الله عليه وآله لا يزداد إلا بكاء وحزنا "، فخرج عبد المطلب مهموما " وقعد عند ستارة (4) الكعبة ورأسه بين ركبتيه، كأنه امرأه ثكلاء، وإذا بعقيل بن أبي وقاص وقد أقبل وهو شيخ قريش وأسنهم، فلما رأى عبد المطلب مغموما " قال له: يا أبا الحارث، ما لي أراك مغموما " ؟ قال: يا سيد قريش إن نافلتي يبكي ولا يسكن شوقا " إلى اللبن من حين ماتت امه، و أنا لا أتهنأ بطعام ولا شراب (5)، وعرضت عليه نساء قريش وبني هاشم فلم يقبل ثدي واحدة منهن (6)، فتحيرت وانقطعت حيلتي، فقال عقيل: يا أبا الحارث إني لاعرف في أربعة وأربعين صنديدا " من صناديد العرب امرأة عاقلة هي أفصح لسانا "، وأصبح وجها "، وأرفع


(1) ألعق ولعق فلانا العسل: جعله يلعقه، أي يؤاكله العسل بأصبعه. (2) في المصدر: فضجر عبد المطلب ولا يتهنأ أن ينظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو في تلك الحال، فقال لابنته عاتكة. (3) في المصدر: صناديد قريش وأصل بنى هاشم، فتقدمت كل واحد منهن ورفعن أكمامهن عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووضعن خلف ثديهن في فم رسول الله اه‍ قلت: الخلف بالكسر: حلمة الضرع. (4) الستار جمع السترة: ما يستر به. وفي المصدر: فخرج عبد المطلب من الدار مهموما مغموما وقر عند الكعبة، وقعد عند ستارها. (5) في المصدر: ولا بشراب محزونا على ولدى محمد. (6) في المصدر زيادة هي: وذلك أنه ما من امرأة إلا وبها عيب، وإن محمدا لا يقبل ثدى من بها عيب، فلهذا امتنع فتحيرت.

[ 343 ]

حسبا " ونسبا "، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن سخنة (1) بن ناصر بن سعد بن بكر بن زهر بن منصور بن عكرمة بن قيس بن غيلان (2) بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ابن اكدد (3) بن يشخب بن يعرب بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن (4)، فقال عبد المطلب: يا سيد قريش لقد نبهتني لامر عظيم وفرجت عني، ثم دعا عبد المطلب بغلام اسمه شمردل وقال له: قم يا غلام واركب ناقتك، واخرج نحو حي بني سعد بن بكر، وادع لي أبا ذؤيب عبد الله بن الحارث العدوي، فذهب الغلام واستوى على ظهر ناقته، وكان حي بني سعد من مكة على ثمانية عشر ميلا في طريق جدة، قال: فذهب الغلام نحو حي بني سعد فلحق بهم وإذا خيمتهم من مسح (5) وخوص، وكذلك خيم الاعراب والبوادي، فدخل شمردل الحي وسأل عن خيمة عبد الله ابن الحارث فأعطوه الاثر، فذهب شمردل إلى الخيمة فإذا بخيمة عظيمة، وإذا على باب الخيمة غلام أسود، فاستأذن شمردل في الدخول (6) فدخل الغلام وقال: أنعم صباحا " يا أبا ذؤيب، قال: فحياه عبد الله، وقال له: ما الخبر يا شمردل ؟ فقال: اعلم يا سيدي إن مولاي أبا الحارث عبد المطلب قد وجهني نحوك، وهو يدعوك، فإن رأيت يا سيدي أن تجيبه فافعل، قال عبد الله: السمع والطاعة، و قام عبد الله من ساعته ودعا بمفتاح الخزانة فأعطي المفتاح. ففتح باب الخزانة، وأخرج منها جوشنه فأفرغها على نفسه، وأخرج بعد ذلك درعا " فاضلا فأفرغه على نفسه فوق جوشنه، واستخرج بيضة عادية فقلبها على رأسه، وتقلد بسيفين، واعتقل رمحا "، ودعا بنجيب فركبه، وجاء نحو عبد المطلب، فلما دخل تقدم شمردل وأخبر عبد المطلب،


(1) هكذا في الاصل ومصدره، وتقدم في كلام ابن هشام والمقريزي: شجنة. (2) هكذا في الاصل، وفي المصدر: غلان، وكلاهما مصحفان، والصحيح عيلان بالعين المهملة راجع نهاية الارب: 369 وغيره. (3) ادد خ ل وهو الصحيح والموجود في المصدر. (4) أخرجنا قبل ذلك نسبه عن السيرة وإمتاع الاسماع، وفيه اختلاف مع هذا. (5) المسح بالكسر: البلاس. الكساء من الشعر. والخوص: ورق النخل. (6) في المصدر: فأستأذن شمردل فأذن له في الدخول.

[ 344 ]

وكان جالسا " مع رؤساء مكة، مثل عتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط، وجماعة من قريش، فلما رأى عبد المطلب عبد الله قام على قدميه واستقبله وعانقه وصافحه وأقعده إلى جنبه، وألزق ركبتيه بركبتيه، ولم يتكلم حتى استراح، ثم قال له عبد المطلب: يا أبا ذؤيب أتدري بما دعوتك ؟ قال: يا سيدى وسيد قريش ورئيس بني هاشم حتى تقول فأسمع منك وأعمل بأحسنه، قال اعلم: يا أبا ذؤيب أن نافلتي محمد بن عبد الله مات أبوه، ولم يبن عليه أثره، ثم ماتت أمه وهو ابن أربعة أشهر، وهو لا يسكن من البكاء عيمة " إلى اللبن، وقد أحضرت عنده (1) أربعمائة وستين جارية من أشرف (2) وأجل بني هاشم، فلم يقبل من واحدة منهن لبنا "، والان سمعنا أن لك بنتا " ذات لبن، فإن رأيت أن تنفذها لترضع ولدي محمدا "، فإن قبل لبنها فقد جاءتك الدنيا بأسرها، وعلي غناك وغنى أهلك وعشيرتك، وإن كان غير ذلك ترى مما رأيت من النساء غيرها فافعل، ففرح عبد الله فرحا " شديدا "، ثم قال: يا أبا الحارث إن لي بنتين، فأيتهما تريد ؟ قال عبد المطلب: اريد أكملهما عقلا، وأكثرهما لبنا "، وأصونهما عرضا "، فقال عبد الله: هاتيك حليمة لم تكن كأخواتها، بل خلقها الله تعالى أكمل عقلا، وأتم فهما "، وأفصح لسانا "، وأثج لبنا "، وأصدق لهجة، وأرحم قلبا " منهن جمع. قال الواقدي: فقال عبد المطلب إني ورب السماء ما اريد، إلا ذلك، فقال عبد الله: السمع والطاعة، فقام من ساعته واستوى على متن جواده وأخذ نحو بني سعد (3) بعد أن أضافه، فلما أن وصل إلى منزله دخل على ابنته حليمة وقال لها: أبشري فقد جاءتك الدنيا بأسرها، فقالت حليمة: ما الخبر ؟ قال عبد الله: أعلمي أن عبد المطلب رئيس قريش وسيد بني هاشم سألني إنفاذك إليه لترضعي ولده، وتبشري بالعطاء الجزيل، ففرحت حليمة بذلك، وقامت من وقتها وساعتها واغتسلت وتطيبت وتبخرت وفرغت من زينتها، فلما ذهب من الليل نصفه قام عبد الله وزين ناقته فركبت عليها حليمة، وركب


(1) في المصدر: وقد عرضت عليه. (2) في المصدر: من أشرف قريش. (3) في المصدر: نحو حى بنى سعد.

[ 345 ]

عبد الله فرسه وكذلك زوجها بكر بن سعد السعدي، وخرجوا من دارهم في داج من الليل، فلما أصبحوا كانوا على باب مكة ودخلوها، وذهبت (1) إلى دار عاتكة، وكانت تلاطف محمدا " وتلعقه العسل والزبد الطري، فلما دخلت الدار وسمع عبد المطلب بمجيئها جاء من ساعته ودخل الدار، ووقف بين يدي حليمة، ففتحت حليمه جيبها وأخرجت ثديها الايسر، وأخذت رسول الله صلى الله عليه وآله فوضعته في حجرها ووضعت ثديها في فمه، والنبي صلى الله عليه وآله ترك ثديها الايسر واضطرب إلى ثديها الايمن، فأخذت حليمة ثديها الايمن من يد النبي صلى الله عليه وآله ووضعت ثديها الايسر في فمه، وذلك أن ثديها الايمن كان جهاما " (2) لم يكن فيه لبن، وخافت حليمة أن النبي صلى الله عليه وآله إذا مص الثدي (3) ولم يجد فيه شيئا " لا يأخذ بعده الايسر، فيأمر عبد المطلب بإخراجها من الدار، فلما ألحت على النبي صلى الله عليه وآله أن يأخذ الايسر والنبي يميل إلى الايمن فصاحت عليه وقالت: يا ولدي مص الايمن حتى تعلم أنه جهام يابس لا شئ فيه، قال: فلما مص النبي الايمن امتلا فانفتح باللبن حتى ملا شدقيه (4) بأمر الله تعالى وببركته، فضجت حليمة وقالت: واعجباه منك يا ولدي، وحق رب السماء ربيت بثدي الايسر اثنى عشر ولدا "، وما ذاقوا من ثديي الايمن شيئا " والان قد انفتح ببركتك، وأخبرت بذلك عبد الله فأمرها بكتمان ذلك، فقال (5) عبد المطلب: تكونين عندي فأمر لك بإفراغ قصر بجنب قصري، واعطيك كل شهر ألف درهم بيض، ودست ثياب رومية، وكل يوم عشرة أمنان خبز حوارى ولحما " مشويا "، قال: فلما سمع أبوها عبد الله ذلك أوحى لها أن لا تقيمي عنده، قالت: يا أبا الحارث لو جعلت لي مال الدنيا ما أقمت عندك ولا تركت الزوج والاولاد، قال عبد المطلب: فإن كان هكذا فأدفع إليك محمدا " على شرطين، قالت: وما الشرطين ؟ قال عبد المطلب: أن تحسني إليه، وتنوميه إلى جنبك، وتدثريه


(1) في المصدر: وذهبت حليمة. (2) أي كان خاليا من اللبن ولم يكن يدر به، والجهام: السحاب لاماء فيه. (3) في المصدر: الثدى الايمن. (4) في المصدر: حتى امتلا شدقيه كفم رأس الزق بأمر الله. (5) في المصدر هنا زيادة هي: فلما شبع النبي صلى الله عليه وآله ترك الخلف من ساعته، فقال.

[ 346 ]

بيمينك، وتوسديه بيسارك، ولا تنبذيه وراء ظهرك، قالت حليمة: وحق رب السماء إني منذ وقع عليه نظري قد ثبت حبه في فؤادي، فلك السمع والطاعة يا أبا الحارث، ثم قال: وأما الشرط الثاني أن تحمليه إلي في كل جمعة حتى أتمتع برؤيته، فإني لا أقدر على مفارقته، قالت: أفعل ذلك إن شاء الله تعالى، فأمر عبد المطلب أن تغسل رأس محمد صلى الله عليه وآله فغسلت رأسه، ولففته في خرق السندس، ثم إن عبد المطلب دفعه إليها وأخذ أربعة آلاف درهم، وقال لها: يا حليمة (1) نمضي إلى بيت الله حتى اسلمه إليك فيه، فحمله على ساعده ودخل وطاف بالنبي صلى الله عليه وآله سبعا " وهو على ساعده ملففا " بخرق السندس، ثم إنه دفعه إليها وأربعة الاف درهم بيض، وأربعين ثوبا " من خواص كسوته، ووهب لها أربع جوار رومية، وحلل سندس، ثم إن عبد الله بن الحارث أتى بالناقة فركبتها حليمة، وأخذت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجرها وشيعه عبد المطلب إلى خارج مكة، ثم أخذت حليمة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جنبها من داخل خمارها، فلما بلغت حليمة حي بني سعد كشفت عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله فأبرق من وجناته نور فارتفع في الهواء طولا وعرضا " إلى أعنان السماء (2). قال الواقدي: فلما رأى الخلق ذلك لم يبق في حي بني سعد صغير ولا كبير ولا شيخ ولا شاب إلا استقبلوا حليمة وهنأوها بما رزقها الله تعالى من الكرامة الكبرى، فذهبت حليمة إلى باب خيمتها وبركت الناقة والنبي صلى الله عليه وآله في حجرها، فما وضعته عند الصغير إلا حمله الكبير، وما وضعته عند الكبير إلا وأخذه الصغير، وذلك كله لمحبة النبي صلى الله عليه وآله. قال الواقدي: فبقي النبي صلى الله عليه وآله عند حليمة ترضعه وكانت تقول: يا ولدي ورب السماء إنك لعندي أعز من ولدي ضمرة وقرة عيني، أترى أعيش حتى أراك كبيرا " كما رأتيك صغيرا " ؟ وكانت تؤثر محمدا " على أولادها جدا "، ولا تفارقه ساعة (3).


(1) في المصدر: تعالى يا حليمة. (2) في المصدر: حتى التزق بأعنان السماء. (3) في المصدر: ولا تفارق محمدا عن عينيها.

[ 347 ]

قال الواقدي: قالت حليمة: والله ما غسلت لمحمد ثوبا " من بول ولا غائط، بل كان إذا جاء وقت حاجته ينقلب من جنب إلى جنب حتى تعلم حليمة بذلك وتأخذه و تخدمه حتى تقضي (1) حاجته، ولا شممت ورب السماء من محمد رائحة النتن قط، بل كان إذا خرج من قبله أو دبره شئ يفوح منه رائحة المسك والكافور، قالت حليمة: فلما أتى على النبي صلى الله عليه وآله تسعة أشهر ما رأيث ما يخرج من دبره (2)، لان الارض كانت تبتلع ما يخرج منه فلهذا لم أره. قال الواقدي: ولما كملت له عشرة أشهر قامت حليمة يوم الخميس وقعدت على باب الخيمة منتظرة لانتباه النبي صلى الله عليه وآله لتزينه وتحمله إلى عند جده عبد المطلب، قال: فلم ينتبه النبي صلى الله عليه وآله وأبطأ الخروج من الخيمة إلى حليمة، فلم يخرج إلا بعد أربع ساعات، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله مغسول الرأس، مسرح الذوائب، وقد زوق جبينه وذقنه، وعليه ألوان الثياب من السندس والاستبرق، فتعجبت حليمة من زينة النبي صلى الله عليه وآله ومن لباسه مما رأت عليه، فقالت: يا ولدي من أين لك هذه الثياب الفاخرة والزينة الكاملة ؟ فقال لها محمد صلى الله عليه وآله: أما الثياب فمن الجنة، وأما الزينة فمن الملائكة (3)، قال: فتعجبت حليمة من ذلك عجبا " شديدا "، ثم حملته إلى جده في يوم الجمعة، فلما نظر إليه عبد المطلب قام إليه واعتنقه، وأخذه إلى حجره، فقال له: يا ولدي من أين لك هذه الثياب الفاخرة والزينة الكاملة ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا جد استخبر ذلك من حليمة، فكلمته حليمة و قالت: ليس ذلك من أفعالنا، فأمر عبد المطلب حليمة أن تكتم ذلك، وأمر لها بألف درهم بيض، وعشرة دسوت (4) ثياب، وجارية رومية، فخرجت حليمة من عنده فرحة مسرورة إلى حيها. قال الواقدي: فلما أتى على النبي خمسة عشر شهرا " كان إذا نظر إليه الناظر يتوهم أنه من أبناء خمس سنين لاتمام وقارة جسمه وملاحة بدنه.


(1) في المصدر: يقضى. (2) في المصدر: ما رايت ما يخرج من دبره نتنا. (3) في المصدر: فمن أفعال الملائكة. (4) دسوت جمع الدست والدست من الثياب: ما يلبسه الانسان من الثياب.

[ 348 ]

قال الواقدي: فلما حملت حليمة النبي صلى الله عليه وآله إلى حيها حين أخذته من عند عبد المطلب وكان لها اثنان وعشرون رأسا " من المواشي فوضعت في تلك السنة كل شاة توأما " ببركة النبي صلى الله عليه وآله، وخرج من عندها ولها ألف وثلاثون رأسا " من الشاغية والراغية. قال الواقدي: وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله إخوة من الرضاعة يخرجون بالنهار إلى الرعاية ويعودون بالليل إلى منازلهم، فرجعوا ذات ليلة مغمومين، فلما دخلوا الدار قالت لهم حليمة: مالي أراكم مغمومين ؟ قالوا: يا امنا إن في هذا اليوم جاء ذئب وأخذ شاتين من شياهنا وذهب بهما، فقالت حليمة: الخلف والخير على الله تعالى، فسمع النبي قولهم، فقال لهم: لا عليكم، فإني أسترجع الشاتين من الذئب بمشية الله تعالى، فقال ضمرة: واعجبا " منك يا أخي قد أخذهما بالامس، فكيف تسترجعهما باليوم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنه صغير في قدرة الله تعالى، فلما أصبحوا قام ضمرة وأخذ رسول الله على كتفه فقال النبي صلى الله عليه وآله: مر بي إلى الموضع الذي أخذ الذئب فيه الشاتين، قال: فذهب برسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك الموضع، فعند ذلك نزل النبي صلى الله عليه وآله عن كتف أخيه ضمرة وسجد سجدة لله تعالى وقال: الهي وسيدي ومولاي تعلم حق حليمة علي، وقد تعدى ذئب على مواشيها، فأسألك أن تلزم الذئب برد المواشى إلي، قال: فما استتم دعائه حتى أوحى الله تعالى إلى الذئب: أن يرد المواشي إلى صاحبها. قال الواقدي: إن الذئب لما ذهب بالشاتين حين أخذهما نادى مناد: يا أيها الذئب احذر الله وبأسه (1) وعقوبته، واحفظ الشاتين اللتين أخذتهما حتى تردهما على خير الانبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وآله، فلما سمع الذئب النداء تحير ودهش، ووكل بهما راعيا " يرعاهما إلى الصباح، فلما حضر النبي عليه السلام ودعا بدعائه قام الذئب وردهما، وقبل قدم النبي صلى الله عليه وآله، وقال: يا محمد اعذرني فإني لم أعلم أنهما لك، فأخذ ضمرة الشاتين، ولم ينقص منهما شئ فقال ضمرة: يا محمد ما أعجب شأنك ؟ وأنفذ أمرك ؟ فبلغ ذلك عبد المطلب فأمرهم بكتمانه فكتموه مخافة أن يحسده قريش (2).


(1) في المصدر: من بأسه. (2) في المصدر: مخافة أن يأخذوه قريش ويعملون في دمه.

[ 349 ]

قال الواقدي: فبقي رسول الله صلى الله عليه وآله سنتين ونظر إلى حليمة وقال لها: مالي لا أرى إخوتي بالنهار وأراهم بالليل ؟ فقالت له: يا سيدي سألتني عن إخوتك وهم يخرجون في النهار إلى الرعاء، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: يا أماه احب أن أخرج معهم إلى الرعاء، وأنظر إلى البر والسهل والجبل، وأنظر إلى الابل كيف تشرب اللبن من امهاتها، وأنظر إلى القطائع (1)، وإلى عجائب الله تعالى في أرضه، وأعتبر من ذلك، وأعرف المنفعة من المضرة، فقالت له حليمة: أفتحب يا ولدي ذلك ؟ قال: نعم، فلما أصبحوا اليوم الثاني قامت حليمة فغسلت رأس محمد صلى الله عليه وآله، وسرحت شعره، ودهنته ومشطته وألبسته ثيابا " فاخرة، وجعلت في رجليه نعلين من حذى (2) مكة، وعمدت إلى سلة وجعلت فيها أطعمة جيدة، وبعثته مع أولادها، وقالت لهم: يا أولادي اوصيكم بسيدي محمد صلى الله عليه وآله أن تحفظوه، وإذا جاع فأطعموه، وإذا عطش فاسقوه، فإذا عي (3) فأقعدوه حتى يستريح، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وعلى يمينه عبد الله بن الحارث، وعن يساره ضمرة، وقرة قدامه، والنبي صلى الله عليه وآله بينهم كالبدر بين النجوم، فما بقي حجر ولا مدر إلا وهم ينادون: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا حامد، السلام عليك يا محمود، السلام عليك يا صاحب القول العدل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، طوبى لمن آمن بك، والويل لمن كفر بك، ورد عليك حرفا " تأتي به من عند ربك، والنبي صلى الله عليه وآله يرد عليهم السلام، وقد تحير الذين معه مما يرون من العجائب، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله أصابه حر الشمس، فأوحى الله تعالى إلى إستحيائيل: أن مد فوق رأس محمد صلى الله عليه وآله سحابة بيضاء، فمدها فأرسلت عزاليها (4) كأفواه القرب، ورش القطر على السهل والجبل، ولم تقطر على رأس


(1) القطائع: طائفة من الغنم والنعم وسواها (2) الحذاء بالمد: النعل. (3) أي عجز عن المشى. وفي المصدر بعد قوله: يستريح: فقبلوا وصيتها أولادها، فقالوا لها: يا امنا إن محمدا صلى الله عليه وآله لا عزنا وهو أخونا، ونفذت معهم عبد الله بن الحارث، ويسارة وزوجها ابن بكير بن سعد، فخرج النبي صلى الله عليه وآله، اه‍ قلت: قوله: ابن بكير تصحيف من الناسخ، والصحيح: بكر بن سعد كما تقدم، وتقدم في الحديث الثاني أن زوجها الحارث بن عبد العزى. (4) قال الجزرى: العزالى جمع العزلاء وهو فم المزادة الاسفل، فشبه اتساع المطر واندفاقه بالذى يخرج من فم المزادة ومنه الحديث: فأرسلت السماء عزاليها. قلت: المزادة: الرواية.

[ 350 ]

محمد صلى الله عليه وآله قطرة، وسالت من ذلك المطر الاودية، وصار الوحل في الارض ما خلا طريق محمد صلى الله عليه وآله، وكان ينزل من تلك السحابة (1) ريش الزعفران، وسنابل المسك، وكان في تلك البرية نخلة يابسة عادية (2) قد يبست أغصانها، وتناثرت أوراقها منذ سنتين، فاستند النبي صلى الله عليه وآله إليها فأورقت وأرطبت وأثمرت وأرسلت ثمارها من ثلاثة أجناس: أخضر، وأحمر، واصفر، وقعد النبي صلى الله عليه وآله هنالك يكلم إخوته ورأى النبي صلى الله عليه وآله روضة خضراء، فقال: يا إخوتي اريد أن أمر بهذه الروضة، وكان وراء الروضة تل كؤود (3)، وعليه أنواع (4) النباتات، فقال: يا إخوتي ما ذلك التل ؟ فقالوا له: يا محمد وراء ذلك التل البراري والمفاوز، فقال النبي صلى الله عليه وآله إني قد اشتهيت أن أنظر إليه، فقال القوم: نحن نمضي معك إليه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله: بل اشتغلوا أنتم بأعمالكم، وأنا أمضي وحدي و أرجع إليكم سريعا " إن شاء الله تعالى، فقالوا جميعا ": مر (5) يا محمد فإن قلوبنا متفكرة بسببك. قال الواقدي: ثم إن النبي صلى الله عليه وآله مر في تلك الروضة وحده ونظر إلى تلك البراري والمفاوز، وهو يعتبر ويتعجب من الروضة حتى بلغ التل، ونظر إلى جبل شاهق في الهواء كالحائط ولا يتهيأ له صعوده لاعتداله وارتفاعه في الهواء، فقال النبي صلى الله عليه وآله في نفسه: إني اريد أن أصعد هذا التل فأنظر إلى ما ورائه من العجائب. قال الواقدي: فأراد النبي صلى الله عليه وآله أن يصعد الجبل فلم يتهيأ له ذلك لاستوائه في الهواء فصاح إستحيائيل في الجبل صيحة أرعشته فاهتز اهتزازا "، وقال له: أيها الجبل ويحك أطع محمدا " صلى الله عليه وآله خير المرسلين، فإنه يريد أن يصعد عليك، ففرح الجبل وتراكم بعضه إلى بعض كما يتراكم الجلد في النار، فصعد النبي صلى الله عليه وآله أعلاه، وكانت تحت


(1) في هامش المصدر: فقد نبت من تلك السحابة ظ. (2) في المصدر: وكانت في تلك البرية شجرة طويلة عايشة عادية. (3) كؤود: صعب شاق المصعد. (4) في المصدر: ألوان. (5) في نسخة من المصدر: سر.

[ 351 ]

هذا الجبل حيات كثيرة من ألوان شتى، وعقارب كالبغال، فلما هم النبي صلى الله عليه وآله بالنزول إلى تحت الجبل صاح الملك استحيائيل صيحة عظيمة، وقال: أيتها الحيات والعقارب غيبوا أنفسكم في جحوركم (1) وتحت صخوركم لا يراكم سيد الاولين والاخرين، فسارع الحيات والعقارب إلى ما أمرهم استحيائيل، وغيبوا أنفسهم في كل جحر وتحت كل حجر، ونزل النبي صلى الله عليه وآله من الجبل فرأى عين ماء بارد أحلى من العسل وألين من الزبد، فقعد النبي صلى الله عليه وآله عند العين، فنزل جبرئيل عليه السلام في ذلك الموضع وميكائيل وإسرافيل ودردائيل، فقال جبرئيل: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا حامد، السلام عليك يا محمود، السلام عليك ياطه: السلام عليك يا أيها المدثر، السلام عليك يا أيها المليح، السلام عليك يا طاب طاب (2)، السلام عليك يا سيد يا سيد، السلام عليك يا فارقليط، السلام عليك يا طس، السلام عليك يا طسم، السلام عليك يا شمس الدنيا، السلام عليك يا قمر الاخرة، السلام عليك يا نور الدنيا والاخرة، السلام عليك يا شمس القيامة، السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا زهرة الملائكة، السلام عليك يا شفيع المذنبين (3)، السلام عليك يا صاحب التاج والهراوة (4)، السلام عليك يا صاحب القرآن والناقة، السلام عليك يا صاحب الحج والزيارة، السلام عليك يا صاحب الركن والمقام، السلام عليك يا صاحب السيف القاطع، السلام عليك يا صاحب الرمح الطاعن، السلام عليك يا صاحب السهم النافذ، السلام عليك يا صاحب المساعي، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا مفتاح الجنة، السلام عليك يا مصباح الدين، السلام عليك يا صاحب الحوض المورود، السلام عليك يا قائد المسلمين، السلام عليك يا مبطل عبادة الاوثان، السلام عليك يا قائد المرسلين، السلام عليك يا مظهر الاسلام، السلام عليك يا يا صاحب قول لا إله إلا الله، محمد رسول الله، طوبى لمن آمن بك، والويل لمن كفر بك، ورد عليك حرفا " مما تأتي به من عند ربك، والنبي صلى الله عليه وآله يرد عليه السلام، فقال لهم: من


(1) الجحور جمع الجحر بالضم فالسكون: مكان تحتفرها السباع والهوام لا نفسها. (2) يا طاب خ ل وهو الموجود في المصدر. (3) في المصدر زيادة هناهى: السلام عليك يا صاحب القضيت والناقة. (4) الهراوة بالكسر: العصا.

[ 352 ]

أنتم ؟ قالوا: نحن عباد الله، وقعدوا حوله، قال: فنظر النبي صلى الله عليه وآله إلى جبرائيل عليه السلام قال: ما اسمك ؟ قال: عبد الله، ونظر إلى إسرافيل وقال له: ما اسمك ؟ قال: اسمي عبد الله، ونظر إلى ميكائيل وقال له: ما اسمك ؟ قال: عبد الجبار، ونظر إلى دردائيل وقال له: ما اسمك ؟ قال: عبد الرحمن، فقال النبي صلى الله عليه وآله كلنا عباد الله، وكان مع جبرئيل طست من ياقوت أحمر، ومع ميكائيل إبريق من ياقوت أخضر وفي الابريق ماء من الجنة، فتقدم جبرئيل عليه السلام ووضع فمه على فم محمد صلى الله عليه وآله إلى أن ذهبت ثلاث ساعات من النهار، ثم قال: يا محمد اعلم وافهم ما بينته لك، قال: نعم إن شاء الله تعالى، وقد ملا جوفه علما " وفهما " وحكما " وبرهانا "، وزاد الله تعالى في نور وجهه سبعة وسبعين ضعفا "، فلم يتهيأ لاحد أن يملا بصره من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له جبرائيل عليه السلام: لا تخف يا محمد، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ومثلي من يخاف ؟ وعزة ربي وجلاله وجوده وكرمه وارتفاعه في علو مكانه لو علمت شيئا " (1) دون جلال عظمته لقلت: لم أعرف ربي قط، قال: ونزل جبرائيل (2) إلى ميكائيل وقال: حق لربنا أن يتخذ مثل هذا حبيبا "، ويجعله سيد ولد آدم، ثم إن جبرائيل عليه السلام ألقى رسول الله صلى الله عليه وآله على قفاه ورفع أثوابه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما تريد تصنع يا أخي جبرائيل ؟ فقال جبرائيل: لا بأس عليك، فأخرج جناحه (3)، وشق بطن النبي صلى الله عليه وآله وأدخل جناحه في بطنه، وخرق قلبه، وشق المقلبة وأظهر نكتة سوداء فأخذها جبرائيل عليه السلام فغسلها، وميكائيل يصب الماء عليه، فنادى مناد من السماء يقول: يا جبرائيل لا تقشر قلب محمد صلى الله عليه وآله فتوجعه، ولكن اغسله بزغبك - والزغب، هو الريش الذي تحت الجناح - فأخذ جبرئيل زغبة وغسل بها قلب محمد صلى الله عليه وآله ثم، رد المقلبة إلى القلب، والقلب إلى الصدر، فقال عبد الله بن العباس: ذات يوم والنبي صلى الله عليه وآله قد بلغ مبلغ الرجال: سألت النبي صلى الله عليه وآله بأي شئ غسل قلبك يا رسول الله ؟ ومن أي شئ ؟ قال: غسل من الشك واليقين (4) لا من الكفر، فإني لم أكن كافرا " قط، لاني كنت مؤمنا " بالله من قبل أن


(1) في هامش المصدر: لو أني اخاف شيئا. (2) في المصدر: جبرئيل، وكذا فيما يأتي (3) في المصدر: جناحه الاخضر. (4) هكذا في الاصل ومصدره، واستظهر المصنف في الهامش أنه مصحف الفتن.

[ 353 ]

أكون في صلب آدم عليه السلام (1) فقال له عمر بن الخطاب: متى نبئت يا رسول الله ؟ قال: يا أبا حفص نبئت وآدم بين الروح والجسد. قال الواقدي: فقال إسرافيل (2) لمحمد صلى الله عليه وآله: ما اسمك يافتى ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف ولي اسم غير هذا، قال إسرافيل: صدقت يا محمد، ولكني امرت بأمر فأفعل، قال النبي صلى الله عليه وآله: افعل ما امرت به، فقام إسرافيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وحل أزار قميصه، وألقاه على قفاه (3)، وأخرج خاتما " كان معه وعليه سطران: الاول لا إله إلا الله، والثاني محمد رسول الله، وذلك خاتم النبوة، فوضع الخاتم بين كتفي النبي صلى الله عليه وآله، فصار الخاتم بين كتفيه كالهلال الطالع بجسمه، واستبان السطران بين كتفيه كالشامة يقرئهما كل عربي كاتب (4)، ثم دنا دردائيل وقال: يا محمد تنام الساعة، فقال له: نعم، فوضع النبي صلى الله عليه وآله رأسه في حجر دردائيل وغفا (5) غفوة فرأى في المنام كأن شجرة نابتة فوق رأسه، وعلى الشجرة أغصان غلاظ مستويات كلها، وعلى كل غصن من أغصانها غصن وغصنان وثلاثة وأربعة أغصان، ورأى عند ساق الشجرة من الحشيش ما لا يتهيأ وصفه، وكانت الشجرة عظيمة غليظة الساق ذاهبة في الهواء، ثابتة الاصل، باسقة الفرع (6)، فنادى مناديا ": يا محمد ! أتدري ما هذه الشجرة ؟ فقال


(1) قصة شق بطنه صلى الله عليه وآله من مرويات العامة التى لم يصححها حديث ولا اعتبار، والخاصة برآء من تلك وأمثالها، وهذا الحديث أيضا كما ترى من أحاديث العامة رواه الواقدي، وهو مشتمل على غرائب اخرى تقدمت قبل وتأتى بعد كقصة الميزان. (2) في المصدر زيادة هي هكذا: قال الواقدي: وأما ما كان من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن جبرئيل قام وصب الماء على أرض قزوين فحصل من ذلك لارض قزوين أمر عظيم، قال: وعرج جبرئيل عليه السلام وميكائيل إلى السماء، فقال اسرافيل إه‍. قلت: فيه غرابة جدا، ولعله لذلك أسقطه المصنف. (3) هكذا في الاصل ومصدره، واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح: على وجهه. (4) في المصدر زيادة هي هكذا: وفرغ إسرافيل من عمله وجاء بين يدى النبي صلى الله عليه و آله وسلم. (5) غفا: نعس. نام نومة خفيفة. (6) بسق النخل: ارتفعت اغصانه وطال.

[ 354 ]

النبي صلى الله عليه وآله: لا يا أخي، قال: اعلم أن هذه الشجرة أنت، والاغصان أهل بيتك، والذي تحتها محبوك ومواليك، فأبشر يا محمد بالنبوة الاثيرة (1)، والرئاسة الخطيرة، ثم إن دردائيل أخرج ميزانا " عظيما " كل كفة منه ما بين السماء والارض، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله ووضعه في كفه، ووضع مأة من أصحابه في كفه فرجح بهم النبي صلى الله عليه وآله، ثم عمد إلى ألف رجل من خواص امته فوضعهم في الكفة الثانية فرجح بهم النبي صلى الله عليه وآله، ثم عمد إلى أربعة آلاف رجل من امته فوضعهم في الكفة فرجح بهم النبي صلى الله عليه وآله، ثم عمد إلى نصف امته فرجح بهم النبي، ثم عمد إلى امته كلهم الانبياء والمرسلين ثم الملائكة كلهم أجمعين ثم الجبال والبحار ثم الرمال ثم الاشجار ثم الامطار ثم جميع ما خلق الله تعالى فوزن بهم النبي صلى الله عليه وآله فلم يعدلوه، ورجح النبي صلى الله عليه وآله بهم، فلهذا قال: خير الخلق محمد صلى الله عليه وآله، لانه رجح بالخلق أجمعين، وهذا كله يراه بين النوم واليقظة، فقال دردائيل: يا محمد طوبى لك، ثم طوبى لك ولامتك، وحسن مآب، والويل كل الويل لمن كفر بك ورد عليك حرفا " مما تأتي به من عند ربك، ثم عرج الملائكة إلى السماء (2). قال الواقدي: فلما طال مكث النبي طلبه في تلك المفاوز إخوته أولاد حليمة، فلم يجدوه فرجعوا إلى حليمة فأعلموها بقصته، فقامت ذاهلة العقل، تصيح في حي بني سعد، فوقعت الصيحة في حي بني سعد أن محمدا " قد افتقد، فقامت حليمة ومزقت أثوابها، وخدشت وجهها، وكشفت شعرها (3) وهي تعدو في البراري والمفاوز والقفار حافية القدم، والشوك يدخل في رجليها، والدم يسيل منهما، وهي تنادي: واولداه، واقرة عيناه، واثمرة فؤاداه، ومعها نساء بني سعد يبكين معها، مكشفات الشعور، مخدشات الوجوه، وحليمة


(1) الائيره: المكرمة. (2) في المصدر هنا زيادة هي: فأتت تلك الشجرة التى رآها في النوم على وصفها، ونشرت أغصانها، وزجت أوراقها، وأرسلت أثمارها بامر الله تعالى، وعليها كل ثمرة من لون، واجتمع صفرة الشمس واختلطت بحمرة الورق، والالوان مختلطة بعضها ببعض. قلت فيه: اضطراب بين، ولعل لذلك أسقطها المصنف. (3) في المصدر: نقشت شعرها، أي نتفتها.

[ 355 ]

تسقط مرة، وتقوم اخرى، وما بقي في الحي شيخ ولا شاب ولا حر ولا عبد إلا يعدوا في البرية في طلب محمد صلى الله عليه وآله وهم يبكون كلهم بقلب محترق، وركب عبد الله بن الحارث وركب معه آل بني سعد، وحلف إن لا وجدت محمدا " صلى الله عليه وآله الساعة وضعت سيفي في آل بني سعد وغطفان، وأقتلهم عن آخرهم، وأطلب بدم محمد صلى الله عليه وآله، وذهبت حليمة على حالتها مع نساء بني سعد نحو مكة ودخلها، وكان عبد المطلب قاعدا " عند أستار الكعبة مع روسآء قريش وبني هاشم، فلما نظر إلى حليمة على تلك الحالة ارتعدت فرائصه وصاح وقال: ما الخبر ؟ فقالت حليمة: اعلم أن محمدا " قد فقدناه منذ أمس، وقد تفرق آل سعد في طلبه، قال: فغشي عليه ساعة، ثم أفاق وقال كلمة لا يخذل قائلها: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال: يا غلام هات فرسي وسيفي وجوشني، فقام عبد المطلب وصعد إلى أعلى الكعبة ونادى: يا آل غالب، يا آل عدنان، يا آل فهر، يا آل نزار، يا آل كنانة، يا آل مضر، يا آل مالك، فاجتمع عليه بطون العرب ورؤوساء بني هاشم وقالوا له: ما الخبر يا سيدنا ؟ فقال لهم عبد المطلب: إن محمدا " صلى الله عليه وآله لا يرى منذ أمس فاركبوا وتسلحوا، فركب ذلك اليوم مع عبد المطلب عشرة آلاف رجل، فبكى الخلق كلهم رحمة لعبد المطلب، وقامت الصيحة والبكاء في كل جانب حتى المخدرات خرجن من الستور مرافقة لعبد المطلب مع القوم إلى حي بني سعد، وسائر الاطراف، وانجذب (1) عبد المطلب نحو حي عبد الله بن الحارث وأصحابه باكين العيون، ممزقين الثياب، فلما نظر عبد الله إلى عبد المطلب رفع صوته بالبكاء وقال: يا أبا الحارث واللات والعزى واثاف (2) ونائلة إن لم أجد محمدا "


(1) انجذب في السير: أسرع أوصار فيه بعيدا ". (2) هكذا في الاصل، وهو مصحف، وفى المطبوع: اساف بالسين وهو الصحيح، واساف ككتاب وسحاب: وصنم وضعها عمرو بن لحى على الصفا، ونائلة على المروة، وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة، وقال اليعقوبي: أول صنم وضع بمكة هبل، قدم به مكة عمرو بن لحى من الشام، ثم وضعوا به اساف ونائلة كل واحد منهما على ركن من أركان البيت، فكان الطائف إذا طاف بدأ باساف فقبله وختم به انتهى وقال ابن إسحاق: وضعوهما على موضع زمزم ينحرون عندهما. واللات مشددة التاء من اللت وهو المزج والخلط، ثم خففت: صنم بالطائف، أحدث من مناة كانت صخرة مربعة، وكان يهودى يلت السويق عندها، قد بنوا أمامها بيتا، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها، وكانت سدنتها وحجابها بنى معتب من ثقيف على ما في السيرة، أو بنى عتاب بن مالك على ما قاله الكلبى. - >

[ 356 ]

وضعت سيفي في حي بني سعد وغطفان وأقتلهم عن آخرهم، قال: فرق قلب عبد المطلب على حي آل سعد وقال: ارجعوا أنتم إلى حيكم إن لم أجد محمدا " الساعة رجعت إلى مكة ولا أدع فيها يهوديا " ولا يهودية، ولا أحدا " ممن أتهمه بمحمد، فأمدهم (1) تحت سيفي مد " طلبا " لدم محمد صلى الله عليه وآله. قال الواقدي: وأقبل من اليمن أبو مسعود الثقفي وورقة بن نوفل وعقيل بن أبي وقاص وجازوا على الطريق الذي فيه محمد صلى الله عليه وآله، وإذا بشجرة نابتة في الوادي، فقال ورقة لابي مسعود: إني سلكت هذا الطريق ثلاثين مرة، وما رأيت قط هاهنا هذه الشجرة، قال عقيل: صدقت، فمروا بنا حتى ننظر ما هي، قال: فذهبوا جميعا " وتركوا الطريق الاول، فلما قربوا من الشجرة رأوا تحت الشجرة غلاما " أمرد ما رأى الراؤون مثله، كأنه قمر، فقال عقيل وورقة: ما هو إلا جني ! فقال أبو مسعود: ما هو إلا من الملائكة وهم يقولون والنبي صلى الله عليه وآله يسمع كلامهم، فاستوى قاعدا " فرأى القوم وراءه، فقال أبو مسعود: من أنت يا غلام ؟ أجني أنت أم إنسي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: بل أنا إنسي، فقال: ما اسمك ؟ قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف، فقال أبو مسعود: أنت نافلة عبد المطلب ؟ قال: نعم، قال: كيف وقعت هاهنا ؟ فقص عليهم القصة من أولها إلى آخرها، فنزل أبو مسعود عن ظهر ناقته وقال له: أتريد أن أمر بك إلى جدك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: نعم، فأخذه على قربوس سرجه ومروا جميعا " حتى بلغوا قريبا " من حي بني سعد، فنظر النبي صلى الله عليه وآله في البرية فرأى جده عبد المطلب وأصحابه لا يرونه، فقالوا: يا محمد إنا لا نراه، وذلك أن نظرته نظرة الانبياء عليهم السلام، فقال لهم: مروا حتى أراكم، فمروا وإذا عبد المطلب مقبل هو وأصحابه، فلما نظر عبد المطلب إلى محمد صلى الله عليه وآله وثب عن فرسه، وأخذ


< - والعزى: صنم من أعظم أصنام العرب، كانت بواد النخلة الشامية يقال له: حراض، بازاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، فبنى عليها بيت وكانوا يسمعون فيه الصوت، وكانت أعظم الاصنام عند قريش وبنى كنانة، كانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح، وكان سدنتها وحجابها بنى شيبان من سليم حلفاء بنى هاشم قاله ابن هشام والكلبي، وقال اليعقوبي: كانت لغطفان. (1) فأقد هم تحت سيفى قدا خ ل.

[ 357 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله إلى سرجه، وقال له: أين كنت يا ولدي ؟ وقد كنت عزمت أن أقتل أهل مكة جميعا "، فقص النبي صلى الله عليه وآله القصة على جده من أولها إلى آخرها، ففرح عبد المطلب فرحا " شديدا "، وخرج من خيله ورجله ودخل مكة، ودفع إلى أبي مسعود خمسين ناقة، و إلى ورقة بن نوفل وعقيل ستين ناقة، قال: وذهبت حليمة إلى عبد المطلب وقالت له: ادفع إلي محمدا " صلى الله عليه وآله، فقال عبد المطلب: يا حليمة إني أحببت أن تكوني معنا بمكة وإلا ما كنت بالذي اسلمه إليك مرة اخرى، فوهب لعبد الله بن الحارث أبيها ألف مثقال ذهب أحمر، و عشرة آلاف درهم بيض، ووهب لبكر بن سعد جملة بغير وزن، ووهب لاخوان النبي صلى الله عليه وآله أولاد حليمة وهما ضمرة وقرة أخواه من الرضاعة مأتي ناقة، وأذن لهم بالرجوع إلى حيهم (1). بيان: اعتقل رمحه أي جعله بين ركابه وساقه. والعيمة: شهوة اللبن. والثج: السيلان. والجهام بالفتح: السحاب لا ماء فيه. والحواري بالضم وتشديد الواو والرآء المفتوحة: ما حور من الطعام أي بيض. والوحي: الاشارة والكلام الخفي. والتزويق: التزيين والتحسين والنقش. والثاغية: الشاة. والراغية: البعير، ولعل المقبلة ما في جوف القلب ولم أجده في كتب اللغة. والاثيرة: المكرمة المختارة. اقول: هذا الخبر وإن لم نعتمد عليه كثيرا " لكونه من طرق المخالفين إنما أوردته لما فيه من الغرائب (2) التي لا تأبى عنها العقول، ولذكره في مؤلفات أصحابنا. 14 - د: عن آمنة بنت أبى سعيد السهمي قالت: امتنع أبو طالب من إتيان اللات


(1) الفضائل: 31 - 52. (2) وإن كنا لا نحتاج في إثبات عظمته إليها بعد ما ملات فضائله الافاق، وطار صيت جلالته في الخافقين، وبعد ما اعترف الموافق والمخالف نبوغه وأنه رجل عالمى نشأ من بين قوم كانوا في أحط مراتب الرقى والمدنية، وجاء بقوانين لا يمكن أن يأتي بها أكبر رجالات الملل المترقية و إن بلغوا أقصى مدارج العلم والفضيلة، وأسس دولة عظيمة في امة ضعيفة كانت فاقدة لجميع شئون الحضارة، متصفة بصفات الجاهلية، مرتطمة في أوحال الفوضى والهمجية، امة ضعيقه تشتمل على قبائل متعادية متباغضة، معتقدة للاوهام والخرافة، لا تعرف شرعة ولا نظاما، وبالجملة فنحن في غنى من أن نسرد فضائله على نحو تنطبق على قانون المعجزة وخارق العادة، كما نرى كاتبى سيرته صلى الله عليه وآله وسلم من القدماء يمشون على تلك الطريقة.

[ 358 ]

والعزى بعد رجوعه من الشام في المرة الاولى حتى وقع بينه وبين قريش كلام كثير، فقال لهم أبو طالب: إنه لا يمكنني أن افارق هذا الغلام ولا مخالفته، وإنه يأبى أن يصير إليهما، ولا يقدر أن يسمع بذكرهما، ويكره أن آتيهما أنا، قالوا: فلا تدعه وأدبه حتى يفعل ويعتاد عبادتهما، فقال أبو طالب: هيهات ما أظنكم تجدونه ولا ترونه يفعل هذا أبدا "، قالوا: ولم ذاك ؟ قال: لاني سمعت بالشام جميع الرهبان يقولون: هلاك الاصنام على يد هذا الغلام، قالوا: فهل رأيت يا أبا طالب منه شيئا " غير هذا الذي تحكيه عن الرهبان ؟ فإنه غير كائن أبدا " أو نهلك جميعا "، قال: نعم، نزلنا تحت شجرة يابسة فاخضرت وأثمرت، فلما ارتحلنا وسرنا نثرت على رأسه جميع ثمرها ونطقت، فما رأيت شجرة قط تنطق قبلها وهي تقول يا أطيب الناس فرعا "، وأزكاهم عودا "، امسح بيديك المباركتين على لابقي خضراء إلى يوم القيامة، قال: فمسح يده عليها فازدادت الضعف نورا " وخضرة، فلما رجعنا للانصراف ومررنا عليها ونزلنا تحتها فإذا كل طير على ظهر الارض له فيها عش (1) وفرخ، ولها بعدد كل صنف من الطير أغصان كأعظم الاشجار على ظهور الارضين، قال: فما بقي طير إلا استقبله يمد جناحه على رأسه، قال: فسمعت صوتا " من فوقها وهي تقول: ببركتك يا سيد النبيين والمرسلين قد صارت هذه الشجرة لنا مأوى، فهذا ما رأيت، فضحكت قريش في وجهه، وهم يقولون: أترى يطمع أبو طالب أن يكون ابن أخيه ملك هذا الزمان (2). 15 - د: عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام قال: لما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله اثنان وعشرون شهرا " من يوم ولادته رمدت عيناه، فقال عبد المطلب لابي طالب: اذهب بابن أخيك إلى عراف الجحفة وكان بها راهب طبيب في صومعته، فحمله غلام له في سفط هندي حتى أتى به الراهب فوضعه تحت الصومعة، ثم ناداه أبو طالب: يا راهب، فأشرف عليه فنظر حول الصومعة إلى نور ساطع، وسمع حفيف أجنحة الملائكة، فقال له: من أنت ؟ قال: أبو طالب بن عبد المطلب، جئتك بابن أخي لتداوي عينه، فقال: وأين هو ؟ قال: في السفط قد غطيته من الشمس، قال: اكشف عنه، فكشف عنه، فإذا هو بنور ساطع


(1) العش: موضع الطائر. (2) العدد: مخطوط، والحديث يتضمن ما لا يخلو عن غرابة، واشكال.

[ 359 ]

في وجهه قد أذعر الراهب، فقال له: غطه فغطاه، ثم أدخل الراهب رأسه في صومعته فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله حقا " حقا، وأنك الذي بشر به في التوراة والانجيل على لسان موسى وعيسى عليهما السلام، فأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسوله، ثم أخرج رأسه و قال: يا بني انطلق به فليس عليه بأس، فقال له أبو طالب: ويلك يا راهب لقد سمعت منك قولا " عظيما "، فقال: يا بني شأن ابن أخيك أعظم مما سمعت مني، وأنت معينه على ذلك ومانعه ممن يريد قتله من قريش، قال: فأتى أبو طالب عبد المطلب فأخبره بذلك، فقال له عبد المطلب: اسكت يا بني لا يسمع هذا الكلام منك أحد، فوالله ما يموت محمد حتى يسود العرب والعجم (1). 61 - د: حدث بكر بن عبد الله الاشجعي، عن آبائه قالوا: خرج سنة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الشام عبد مناف بن كنانة ونوفل بن معاوية بن عروة تجارا " إلى الشام، فلقاهما أبوالمويهب الراهب فقال لهما: من أنتما ؟ قالا: نحن تجار من أهل الحرم من قريش، قال لهما: من أي قريش ؟ فأخبراه، فقال لهما: هل قدم معكما من قريش غيركما ؟ قالا: نعم شاب من بني هاشم اسمه محمد، فقال أبوالمويهب: إياه والله أردت، فقالا: والله ما في قريش أخمل ذكرا " منه، إنما يسمونه يتيم قريش، وهو أجير لامرأة منا يقال لها: خديجة، فما حاجتك إليه ؟ فأخذ يحرك رأسه ويقول: هو هو، فقال لهما: تدلاني عليه، فقالا: تركناه في سوق بصرى، فبينما هم في الكلام إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هو هذا، فخلا به ساعة يناجيه ويكلمه، ثم أخذ يقبل بين عينيه، و أخرج شيئا " من كمه لا ندري ما هو ورسول الله صلى الله عليه وآله يأبى أن يقبله، فلما فارقه قال لنا: تسمعان مني، هذا والله نبي هذا الزمان، سيخرج إلى قريب يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإذا رأيتم ذلك فاتبعوه، ثم قال: هل ولد لعمه أبي طالب ولد يقال له: علي ؟ فقلنا: لا، قال: إما أن يكون قد ولد أو يولد في سنته، وهو أول من يؤمن به، نعرفه، وإنما لنجد صفته عندنا في الوصية كما نجد صفة محمد بالنبوة، وإنه سيد العرب وربانيها وذو قرينها، يعطي السيف حقه، اسمه في الملا الاعلى علي، هو أعلى الخلائق يوم


(1) العدد: مخطوط.

[ 360 ]

القيامة بعد الانبياء ذكرا "، وتسميه الملائكة البطل الازهر المفلح، لا يتوجه إلى وجه إلا أفلح وظفر، والله لهو أعرف بين أصحابه في السماوات من الشمس الطالعة. وحدث العباس، عن أبي طالب قال أبو طالب: يا عباس ألا اخبرك عن محمد صلى الله عليه وآله بما رأيت منه ؟ قلت: بلى، قال: إني ضممته إلي فلم افارقه في ليل ولا نهار، وكنت أنومه في فراشي، وآمره أن يخلع ثيابه وينام معي، فرأيت في وجهه الكراهة، وكره أن يخالفني، فقال: يا عماه اصرف وجهك عني حتى أخلع ثيابي وأدخل فراشي، قلت له: ولم ذلك ؟ قال: لا ينبغي لاحد من الناس أن ينظر إلى جسدي، قال: فتعجبت من ذلك، و صرفت بصري عنه حتى دخل فراشه، فلما دخلت أنا الفراش إذا بيني وبينه ثوب ألين ثوب مسسته قط، ثم شممته فإذا كأنه قد غمس في المسك، فكنت إذا أصبحت افتقدت الثوب فلم أجده، فكان هذا دأبي ودأبه، فجهدت وتعمدت أن أنظر إلى جسده، فو الله ما رأيت له جسدا "، ولقد كنت كثيرا " ما أسمع إذا ذهب من الليل شئ كلاما " يعجبني، وكنت ربما آتيته غفلة فأرى من لدن رأسه نورا " ممدودا " قد بلغ السماء، فهذا ما رأيت يا عباس. قال ليث بن أبي نعيم: حدثني أبي، عن جدي، عن أبي طالب قال: كنا لا نسمي على الطعام ولا على الشراب، ولا ندري ما هو حتى ضممت محمدا " صلى الله عليه وآله إلي، فأول ما سمعته يقول: بسم الله الاحد، ثم يأكل، فإذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله كثيرا "، فتعجبنا منه، وكان يقول: ما رأيت جسد محمد قط، وكان لا يفارقني الليل والنهار، وكان ينام معي في فراشي فأفقده من فراشه، فإذا قمت لاطلبه بادرني من فراشه فيقول: ها أنا يا عم ارجع إلى مكانك، ولقد رأيت ذئبا " يوما قد جائه وشمه وبصبص (1) حوله. ثم ربض (2) بين يديه، ثم انصرف عنه، ولقد دخل ليلا البيت فأضاء ما حوله، ولم أرمنه نجوا (3) قط، ولا رأيته يضحك في غير موضع الضحك، ولا وقف مع صبيان في لعب ولا التفت إليهم، وكانت الوحدة أحب إليه والتواضع، ولقد كنت أرى أحيانا " رجلا أحسن الناس وجها " يجئ حتى


(1) بصبص الذئب. حرك ذنبه. (2) ربض: استناخ وهو أن تلصق الدابة صدره بالارض. (3) النجو: ما يخرج من البطن من ريح أو غائط.

[ 361 ]

يمسح على رأسه ويدعو له ثم يغيب، ولقد رأيت رؤيا " في أمره ما رأيتها قط، رأيته وكأن الدنيا قد سيقت إليه، وجميع الناس يذكرونه، ورأيته وقد رفع فوق الناس كلهم، وهو يدخل في السماء، ولقد غاب عني يوما " فذهبت في طلبه، فإذا أنا به يجئ ومعه رجل لم أر مثله قط، فقلت له: يا بني أليس قد نهيتك أن تفارقني ؟ فقال الرجل: إذا فارقك كنت أنا معه أحفظه، فلم أر منه في كل يوم إلا ما احب حتى شب، وخرج يدعو إلى الدين (1). 17 - سر: من جامع البزنطي عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام (2) يقولان: حج رسول الله صلى الله عليه وآله عشرين حجة مستسرا "، منها عشرة حجج، أو قال: سبعة (3) - الوهم من الراوي - قبل النبوة، وقد كان صلى قبل ذلك وهو ابن أربع سنين، وهو مع أبي طالب في أرض بصرى، وهو موضع كانت قريش تتجر إليه من مكة (4). 18 - نهج: في وصف الرسول صلى الله عليه وآله: ولقد قرن الله به من لدن كان فطيما " أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت معه أتبعه اتباع الفصيل (5) أثر امه، يرفع لي في كل يوم علما " من أخلاقه (6)، و يأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي و الرسالة، وأشم ريح النبوة (7). اقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد: روي أن بعض أصحاب ابي جعفر محمد ابن علي الباقر عليهما السلام سأله عن قول الله تعالى: (إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين


(1) العدد: مخطوط. (2) في المصدر: وأبا عبد الله من بعده. (3) في المصدر: تسعة. (4) السرائر: 469. (5) الفصيل: ولد الناقة. (6) في المصدر: من أخلاقه علما. (7) نهج البلاغة: القسم الاول: 416 و 417.

[ 362 ]

يديه ومن خلفه رصدا ") فقال عليه السلام: يوكل الله تعالى بأنبيآئه ملائكة يحصون أعمالهم، ويؤدون إليهم تبليغهم الرسالة، ووكل بمحمد ملكا " عظيما " منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات، ومكارم الاخلاق، ويصده عن الشر ومساوي الاخلاق، وهو الذى كان يناديه: السلام عليك يا محمد يا رسول الله، وهو شاب لم يبلغ درجة الرسالة بعد، فيظن أن ذلك من الحجر والارض، فيتأمل فلا يرى شيئا ". وروى الطبري في التاريخ عن محمد بن الحنفية، عن أبيه علي عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما هممت بشئ مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما اريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته، قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر (1) بها كما يسمر الشباب، فخرجت اريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا " (2) بالدف والمزامير، فقلت: ما هذا ؟ قالوا: هذا فلان تزوج ابنة فلان، فجلست أنظر إليهم، فضرب الله على اذني، فكنت (3) فما أيقظني إلا مس الشمس، فجئت (4) إلى صاحبي فقال: ما فعلت ؟ فقلت: ما صنعت شيئا " ثم أخبرته الخبر، ثم قلت له ليلة اخرى: مثل ذلك، فقال: افعل، فخرجت فسمعت حين دخلت مكة مثل ما سمعت حين دخلتها تلك الليلة، فجلست أنظر فضرب الله على اذني، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله برسالته. وروى محمد بن حبيب في أماليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أذكر وأنا غلام ابن سبع سنين، وقد بنى ابن جذعان دارا " له بمكة، فجئت مع الغلمان نأخذ التراب والمدر في حجورنا فننقله فملات حجري ترابا "، فانكشفت عورتي فسمعت نداء من فوق رأسي: يا


(1) سمر: لم ينم وتحدث ليلا. (2) العزف: صوت الدف والطنبور والعود وغيرها من آلات الطرب. (3) في المصدر: فنمت. وهو الموجود في تاريخ الطبري أيضا. (4) في المصدر: فرجعت. وفي الطبري فجئت. راجع تاريخ الطبري 2: 34.

[ 363 ]

محمد أرخ إزارك، فجعلت أرفع رأسي فلا أرى شيئا " إلا أني أسمع الصوت، فتماسكت لم ارخه، فكأن إنسانا " ضربني على ظهري فخررت لوجهي وانحل إزاري وسقط (1) التراب إلى الارض، فقمت إلى دار أبي طالب عمي ولم أعد. فأما حديث مجاورته صلى الله عليه وآله بحراء فمشهور، وقد ورد في الكتب الصحاح أنه كان يجاور في حراء من كل سنة شهرا "، وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من حراء كان أول ما يبدؤ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا " أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى جاءت السنة التي أكرمه الله تعالى فيها بالرسالة فجاور في حراء في شهر رمضان ومعه أهله خديجة و على بن أبي طالب وخادم لهم، فجاءه جبرئيل بالرسالة، قال صلى الله عليه وآله: جاءني وأنا نائم بنمط (2) فيه كتاب فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ ؟ ففتني (3) حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) إلى قوله: (علم الانسان ما لم يعلم) فقرأته ثم انصرف عني، فهببت (4) من نومي، وكأنما كتب في قلبي كتاب، وذكر تمام الحديث. وأما حديث إن الاسلام لم يجتمع عليه بيت واحد يومئذ إلا النبي وهو (5) عليهما السلام وخديجة فخبر عفيف الكندي مشهور (6)، وقد ذكرناه من قبل، وأن أبا طالب قال له: أتدري من هذا ؟ قال: لا، قال: هذا محمد (7) بن عبد الله بن عبد المطلب، وهذا ابني علي بن أبي طالب، وهذه المرأة خلفهما خديجة بنت خويلد زوجة محمدا بن أخي، وأيم الله ما أعلم على الارض كلها أحدا " على هذا الذين غير هؤلاء الثلاثة (8).


(1) في المصدر: وانحل ازارى فسترني وسقط. (2) النمط: ضرب من البسط. وعاء كالسفط، والظاهر أن المراد هنا الثاني. (3) في المصدر: فغتنى بالغين أي خنقني. (4) أي فاستيقظت، وفي المصدر: فانتبهت. (5) أي على عليه السلام. (6) هذا الحديث مشهور بين العامة والخاصة، بل متواتر، وعليه أصحابنا الامامية من سالف الزمان إلى الان، وتقدم ذلك وياتى في أحاديث كثيرة في محله. (7) في المصدر: هذا ابن أخى محمد. (8) شرح نهج البلاغة 3: 253 و 254.

[ 364 ]

وقال أيضا ": روى محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة النبوية، ورواه أيضا " محمد ابن جرير الطبري في تاريخه قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية ام رسول الله صلى الله عليه وآله التي أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها ومعها زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمس الرضعاء بمكة في سنة شهباء لم تبق شيئا "، قالت: فخرجت على أتان لنا قمرآء عجفآء، ومعنا شارف لنا ما تبض (1) بقطرة، ولا ننام ليلنا أجمع من بكاء صبينا الذي معنا من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، ولا في شارفنا (2) ما يغذيه، ولكنا نرجوا الغيث والفرج، فخرجت على اتاني تلك ولقد راثت بالركب ضعفا " و عجفا " حتى شق ذلك عليهم، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء (3)، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها محمد فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم، ما عسى أن تصنع امه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة ذهبت معي إلا أخذت رضيعا " غيري، فلما اجتمعنا للانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لاكره أن أرجع من بين صواحبي لم آخذ رضيعا "، والله لاذهبن إلى ذلك اليتيم فلاخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، وعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، فذهبت إليه فأخذته وما يحملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شآء من لبن، فرضع حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، وما كنا ننام قبل ذلك من بكاء صبينا جوعا "، فنام وقام زوجي إلى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا أنها حافل فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا " وشبعا "، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمين (4) والله يا حلمية لقد أخذت نسمة مباركة، فقلت: والله إني لارجو ذلك، ثم خرجنا وركبت أتاني تلك وحملته معي عليها، فو الله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شئ من حميرهم حتى أن صواحبي ليقلن لي:


(1) قال الجزرى: ما تبض ببلال أي ما يقطر منها بلبن، يقال: بض الماء: إذا قطر وسال. (2) الشارف: المسنة من النوق. (3) في المصدر: الرضاع. (4) في المصدر: أتعلمين ؟.

[ 365 ]

ويحك يا بنت أبي ذؤيب اربعي (1) علينا، أليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي، فيقلن: والله إن لها لشأنا "، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا " من أرض العرب أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا ملاء لبنا (2)، فكنا نحتلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى أن الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب، فيفعلون فيروح أغنامهم جياعا " ما تبض بقطرة، وتروح غنمي شباعا لبنا "، فلم نزل نعرف من الله الزيادة والخير به حتى مضت سنتاه وفصلته (3)، فكان يشب شبابا " لا يشبه الغلمان حتى كان غلاما " جفرا فقدمنا به على امه آمنة بنت وهب ونحن أحرص شئ على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلنا لها: لو تركتيه (4) عندنا حتى يغلظ فإنا نخشى عليه وباء مكة، فلم نزل بها حتى ردتة معنا فرجعنا به إلى بلاد بني سعد، فو الله إنه لبعد ما قدمنا بأشهر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشد (5) فقال لي ولابيه: ها هو ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه فهما يسوطانه، قالت: فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فوجدناه قائما " منتقعا " وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه وقلنا: مالك يا بني ؟ قال: جائني رجلان عليهما ثياب بيض فأضحعاني، ثم شقا بطني، فالتمسا فيه شيئا " لا أدري ما هو، قالت: فرجعنا به إلى خبائنا، وقال لي أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد اصيب (6) فألحقيه بأهله (7)، قالت: فاحتملته حتى قدمت به على امه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر (8) وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك ؟ فقلت لها: قد


(1) أي اقيمي وانتظري، ويقال: ربع فلان على فلان: إذا أقام وانتظره. (2) في السيرة: شباعا لبنا. قلت: أي غزيرات اللبن. (3) فصل الصبى عن الرضاع: فطمه. (4) في المصدر: لو تركته. وفي السيرة وتاريخ الطبري: لو تركت بنى عندي. (5) يشتد خ ل. وهو الموجود في السيرة والتاريخ. (6) أي أصابه الجن، أو طرف من الجنون. (7) في السيرة وتاريخ الطبري: فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به. (8) الظئر: المرأة المرضعة.

[ 366 ]

بلغ الله بابني وقضيت الذي علي، وتخوفت عليه الاحداث، وأديته إليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها الخبر، قالت: أفتخوفت عليه الشيطان ؟ قلت: نعم، قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل وإن لابني لشأنا "، أفلا أخبرك خبره ؟ قلت: بلى، قالت: رأيته (1) حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت له قصور بصرى من الشام، ثم حملت به فو الله ما رأيت حملا قط كان أخف ولا أيسر منه، ثم وقع حين ولدته وإنه واضع يديه بالارض، ورافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك، وانطلقي راشدة (2). وروى الطبري في تاريخه عن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يحدث عن نفسه ويذكر ما جرى له وهو طفل في أرض بني سعد بن بكر، قال: لما ولدت استرضعت في بني سعد، فبينا أنا ذات يوم منتبذا من أهلي في بطن واد مع أتراب (3) لي من الصبيان نتقاذف بالجلة إذ أتاني رهط ثلاثة، معهم طست من ذهب مملوة ثلجا "، فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هرابا " حتى انتهوا إلى شفير (4) الوادي، ثم عادوا إلى الرهط فقالوا: ما رابكم إلى هذا الغلام فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا غلام يتيم ليس له أب، فماذا يرد عليكم قتله ؟ وماذا تصيبون من ذلك ؟ ولكن إن كنتم لابد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فاقتلوه مكانه، ودعوا هذا الغلام، فإنه يتيم، فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون لهم جوابا " (5) انطلقوا هرابا " مسرعين إلى الحي يؤذنوهم ويستصرخونهم على القوم، فعمد أحدهم فأضجعني إضجاعا " لطيفا "، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك مسا (6)، ثم أخرج


(1) في المصدر والسيرة والتاريخ: رأيت. (2) شرح نهج البلاغة 3: 252 و 253، السيرة لابن هشام 1: 173 - 177، تاريخ الطبري 1: 573 - 579. (3) أتراب: أصدقاء. أو من ولد معه. (4) شفير الوادي: ناحيته من أعلاه. (5) أحار الجواب: رده. (6) في المصدر: ولم اجد لذلك حسا.

[ 367 ]

أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها (1) ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه: تنح، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي وأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه، ثم أخرج منه مضغة سوداء فرماها، ثم قال بيده: يمنة منه، وكأنه يتناول شيئا " فإذا في يده خاتم من نور تحار أبصار الناظرين دونه، فختم به قلبي، ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا "، ثم قال الثالث لصاحبه: تنح عنه، فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا " لطيفا "، وقال للاول الذي شق بطني: زنه بعشرة من امته، فوزنني بهم فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بامته كلها لرجحهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، وقالوا: يا حبيب (2) لا ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك فبينا أنا كذلك إذا أنا بالحي قد جاؤا بحذافيرهم، وإذا امي وهي ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وتقول: يا ضعيفاه، فانكب علي اولئك الرهط فقبلو رأسي وبين عيني وقالوا: حبذاء أنت من ضعيف، ثم قالت ظئري: يا وحيداه، فانكبوا على وضموني إلى صدورهم وقبلوا راسي وبين عيني ثم قالوا: حبذا أنت من وحيد، وما أنت بوحيد، إن الله وملائكته معك والمؤمنين من أهل الارض، ثم قالت ظئري: يا يتيماه إستضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، فانكبوا علي وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من يتيم، ما أكرمك على الله، لو تعلم ما يراد بك من الخير، قال: فوصل الحي إلى شفير الوادي فلما بصرت بي امي وهي ظئري قالت: يا بنى لا أراك حيا بعد (3)، فجاءت حتى انكبت علي وضمتني إلى صدرها، فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها قد ضمتني إليها وإن يدي لفي يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم، فإذاهم لا يبصرونهم، فيقول بعض القوم: إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن، فانطلقوا به إلى كاهن بني فلان حتى ينظر إليه ويداويه، فقلت: ما


(1) أي بالغ في ذلك وأجاد. (2) في المصدر: يا حبيب الله. (3) في المصدر وتاريخ الطبري ألا أراك حيا بعد.

[ 368 ]

بي شئ مما يذكر، إن نفسي سليمة (1)، وإن فؤادي صحيح ليست بي قلبة، فقال أبى وهو زوج ظئري: ألا ترون كلامه صحيحا " ؟ إني لارجو أن لا يكون على ابني بأس، فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه، فقصوا عليه قصتي، فقال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام فهو أعلم بأمره منكم، فسألني فقصصت عليه أمري وأنا يومئذ ابن خمس سنين، فلما سمع قولي وثب وقال: يا للعرب اقتلوا هذا الغلام، فهو واللات والعزى لئن عاش ليبدلن دينكم، وليخالفن أمركم، وليأتينكم بما لم تسمعوا به قط، فانتزعتني ظئري من حجره، وقالت: لو علمت (2) أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به (3)، ثم احتملوني، فأصبحت وقد صار في جسدي أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك (4). بيان: أقول: رواه الكازروني في المنتقى بأسانيد (5) ولنشرح بعض ألفاظها: الرضعاء جمع رضيع، وقال الجزري: في حديث حليمة في سنة شهباء أي ذات قحط وجدب، وقال: القمراء: الشديدة البياض. قولها: راثت من الريث بمعنى الابطاء، وفي أكثر رواياتهم: ولقد أذمت، قال الجزري: ومنه حديث حليمة فلقد أذمت بالركب، أي حبستهم لانقطاع سيرها، كأنها حملت الناس على ذمها انتهى. والعجف: الهزال. حتى انتهينا ريا أي بلغنا غايته. لقطعت بالركب أي من سرعة سيرها وشدة تقدمها انقطع الركب عنها.


(1) في تاريخ الطبري: ان آرائى صحيحة. (2) في تاريخ الطبري: فاقتصصت عليه أمرى ما بين أوله وآخره، فلما سمع وثب إلى فضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب يا للعرب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه، فواللات والعزى لئن تركتموه وأدرك ليبدلن دينكم، وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم، وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط، فعمدت ظئرى فانتزعتني من حجره، وقالت: لانت أعته وأجن من ابني هذا، فلو علمت. (3) في تاريخ الطبري بعد ذلك: فاطلب لنفسك من يقتلك، فانا غير قاتلي هذا الغلام، ثم احتملوني فأدوني إلى أهلى، فأصبحت مفزعا مما فعل بى، وأصبح أثر الشق إه‍. (4) شرح نهج البلاغة 3: 253، وتايخ الطبري 1: 575 - 577. (5) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني والثالث من القسم الثاني. قلت: ذكرت سابقا أن حديث شق الصدر مما رواه العامة، والامامية لا يقول به، وهذا أيضا كما ترى من مروياتهم.

[ 369 ]

واربعي أي ارفقي بنا، وانتظري بنا. واللبن بمعنى اللبون. وقال الجزري: في حديث حليمة كان يشب في اليوم شباب الصبي في الشهر فبلغ ستا " وهو جفر، استجفر الصبي: إذا قوى على الاكل، وأصله في أولاد المعز إذ بلغ أربعة أشهر وفصل عن امه وأخذ في الرعي، قيل له: جفر، والانثى جفره انتهى. والبهم جمع بهمة وهي أولاد الضأن. والسوط: خلط الشئ بعضه ببعض، والمسواط: ما يساط به القدر ليختلط بعضه ببعض. قوله: منتقعا " أي متغيرا ". والجلة بالفتح: البعر. قوله: ما رابكم (1) أي ما شككم، ومعناه هاهنا: ما دعاكم إلى أخذ هذا. قوله: ماذا يرد عليكم، أي ما ينفعكم ذلك. قوله: فأنعم غسلها، أي بالغ فيه. قوله: ثم قال بيده يمنة، أي أشار بيده، أو مدها إلى جانب يمينه. والقلبة: الداء. 19 - د: كتاب التذكرة ولد صلى الله عليه وآله مختونا " مسرورا "، فأعجب جده عبد المطلب وقال: ليكونن لابني هذا شأن، فكان له أعظم شأن وأرفعه، امه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهير (2) بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، شهد الفجار (3) وهي حرب كانت بين قريش وقيس وهو ابن عشرين سنة، وبنيت الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة فرضيت به قريش في نصب الحجر الاسود، وكان طول الكعبة قبل ذلك تسعة أذرع ولم تكن تسقف فبنتها قريش ثمانية عشر ذراعا " وسقفتها، وكان يدعى في قريش بالصادق الامين، وخرج مع عمه أبي طالب في تجارة إلى الشام وله تسع سنين، وقيل: اثنتى عشر سنة، ونظر إليه بحيرا (4) الراهب فقال: احفظوا به فإنه نبي، وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد وله خمس وعشرون سنة، وتزوجها بعد ذلك بشهرين


(1) في المصدر وتاريخ الطبري: ما إربكم. (2) الصحيح: زهرة كما تقدم. (3) فجار بالكسر بمعنى المفاجرة، وهى حرب وقعت بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان في الشهر الحرام، ولذا سمى حراما، وشهد النبي صلى الله عليه وآله بعض أيامه، أخرجه أعمامه معهم، وكانت للعرب فجارات اخرى منها الفجار الاول وقد حضره النبي صلى الله عليه وآله فكان عمره فيه عشر سنين. وقد ذكر الفجارات وسببها أصحاب السيرة في كتبهم. (4) الصحيح: بحيرى.

[ 370 ]

وأيام، ودفعه جده عبد المطلب إلي الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي زوج حليمة التي أرضعته، وهي بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، واخته أسماء (1)، وهي التي كانت تحضنه، وسبيت يوم حنين، ومات عبد المطلب وله ثمان سنين، وأوصى به إلى أبي طالب، ودخل الشعب مع بني هاشم بعد خمس سنين من مبعثه، وقيل: بعد سبع، لما حصرتهم قريش، وخرج منه سنة تسع من مبعثه، ثم رجع إلى مكة في جوار مطعم بن عدي، ثم كانت بيعة العقبة من الانصار، ثم كان من حديثها أنه خرج في موسم من المواسم يعرض نفسه ويدعو الناس إلى الاسلام، فلقى ستة نفر من الانصار، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعقبة بن عامر بن ناي (2)، وقطنة بن عامر، وعون بن الحارث، ورافع بن مالك، وجابر بن عبد الله، ثم كانت بيعة العقبة الاولى بايعه اثنا عشر رجلا منهم، ثم بيعة العقبة الثانية و كانوا سبعين رجلا، وامرأتين، واختار صلى الله عليه وآله منهم اثنى عشر نقيبا " ليكونوا كفلاء قومه: جابر بن عبد الله، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو بن حزام، وأبو ساعدة سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ورافع بن مالك العجلان، وأبو عبد الاشهل أسيد بن حضير، وأبو الهثيم بن التيهان حليف بني عمرو ابن عوف، وسعد بن خثيمة، فكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الاوس، وأول من بايع منهم البراء بن معرور، ثم تبايع الناس، ثم هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهر مولى أبي بكر وعبد الله بن اريقط، وخلف علي بن أبي طالب آخر ليلة من صفر، وأقام في الغار ثلاثة أيام، ودخوله إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، فنزل بقباء في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهرم (3)، فأقام إلى يوم الجمعة، ودخل المدينة فجمع (4) في بني سالم، فكانت أول جمعة جمعها صلى الله عليه وآله في الاسلام، ويقال:


(1) هكذا في الاصل، والصحيح: الشيماء كما في تاريخ اليعقوبي والسيرة والامتاع وغيرها. (2) في السيرة والامتاع: نابى. وفيهما: قطبة بن عامر وعوف بن الحارث. (3) هكذا في الاصل وفيه تصحيف، والصحيح كلثوم بن الهدم بالدال وهو ابن امرء القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس الانصاري، قاله المقريزى في الامتاع. (4) أي أقامت صلاة الجمعة.

[ 371 ]

إنهم كانوا مائة رجل، ويقال: بل كانوا أربعين، ثم نزل على أبي أيوب الانصاري، فأقام عنده سبعة أيام، ثم بنى المسجد فكان يبنيه بنفسه، ويبني معه المهاجرون والانصار، ثم بنى البيوت، وكان يصلي حين قدم المدينة ركعتين ركعتين، فأمر بإتمام أربع للمقيم وذلك في يوم الثلثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الثاني بعد مقدمه بشهر (1). 20 - أقول: قال أبو الحسن البكري في كتاب الانوار: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذه الاحاديث أنه كان من عادة أهل مكة إذا تم للمولود سبعة (2) أيام التمسوا له مرضعة ترضعه، فذكر الناس لعبد المطلب انظر (3) لابنك مرضعة ترضعه، فتطاولت النساء لرضاعته وتربيته، وكانت آمنة يوما " نائمة إلى جانب ولدها فهتف بها هاتف (4): يا آمنة إن أردت مرضعة لابنك ففي نساء بني سعد امرأة تسمى حليمة بنت أبي ذؤيب، فتطاولت آمنة إلى ذلك، وكان كلما أتتها من النساء تسألهن عن أسمائهن فلم تسمع بذكر حليمة بنت أبي ذؤيب، وكان سبب تحريك حليمة لرضاعة رسول الله صلى الله عليه وآله أن البلاد التي تلي مكة أصابها قحط وجدب إلا مكة، فإنها كانت مخصبة زاهرة ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت العرب تدخل (5) وتنزل بنواحيها من كل مكان، فخرجت حليمة مع نساء من بني سعد (6)، قالت حليمة: كنا نبقي اليوم واليومين لا نقتات فيه (7) بشئ، وكنا قد شاركنا المواشي في مراعيها، فكنت ذات ليلة بين النوم واليقظة وإذا قد أتاني آت ورماني في نهر ماء أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وقال لي: اشربي فشربت،


(1) العدد: مخطوط. (2) في المصدر: ثلاثة أيام يلتمسون له مرضعة تربية. (3) في المصدر: التمس لولدك مرضعة فانت اليوم كافله والمتولي أمره ومن مات منا أبوه فانت له خلف، قال: سأنظر من يصلح له، فتطاولت النسوان إه‍. (4) في المصدر: هاتف يقول: أيتها العالية العظيمة الفاضلة الكريمة، ان اردت ان ترضعي صاحب السكينة ففى نساء بنى سعد حليمة، فتطاولت اه‍. (5) في المصدر: ترحل إليها. (6) في المصدر هنا زيادة هي: يجمعن نبات الارض يقتاتون به. (7) في المصدر: كنا نقيم اليوم واليومين والثلاثة ما نفطر على طعام. (*)

[ 372 ]

ثم ردني إلى مكاني، وقال لي يا حليمة: عليك ببطحاء مكة، فإن لك بها رزقا " واسعا "، وسوف تسعدين ببركة مولود ولد بها، وضرب بيده على صدري، وقال: أدر الله لك اللبن (1)، وجنبك المحق والمحن، قالت حليمة: فانتبهت وأنا لا اطيق حمل ثديي من كثرة اللبن (2)، واكتسيت حسنا " وجمالا "، وأصبحت بحالة غير الحالة الاولى (3)، ففزعت إلي نساء قومي وقلن: يا حليمة قد عجبنا من حالك، فما الذي حل بك ؟ ومن أين لك هذا الحسن والجمال الذي ظهر فيك ؟ قالت: فكتمت أمري عليهن فتركنني وهن أحسد الناس لي، ثم بعد يومين هتف بي هاتف فسمعه بنو سعد عن آخرهم وهو يقول: يا نساء بني سعد نزلت عليكم البركات، وزالت عنكم الترحات (4) برضاعة مولود (5) ولد بمكة، فضله الواحد الاحد، فهنيئا " لمن له قصد، فلما سمعوا ما قاله الهاتف قالوا: إن لهذا المولود شأنا " عظيما "، فرحل بنو سعد عن آخرهم إلى مكة (6)، قالت حليمة: ولم يبق أحد إلا وقد خرج إلى مكة، قالت: وكنا أهل بيت فقر ولم يكن عندنا شئ نحمل عليه، وقد ماتت مواشينا من القحط، وكانت (7) حليمة من أطهر نساء قومها و أعفهن، ولذلك ارتضاها الله تعالى لترضع رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت النساء إذا دخلن على آمنة تسألهن عن أسمائهن، فإذا لم تسمع بذكر حليمة تقول: ولدي يتيم لا أب له ولا مال، فيذهبن عنها، فأقبلت حليمة مع بعلها ودخلت مكة وخلفت بعلها خارج البلد وقالت له: مكانك حتى أدخل مكة، وأسأل عن هذا المولود الذي بشرنا به، فلما دخلت حليمة مكة أرشدها


(1) في المصدر: إذهبي در الله لك اللبن إه‍ قلت: أدر اله اللبن أي أكثره. (2) في المصدر بعد ذلك: وبقيا كأنهما الجرتان العظيمتان يقطر منهما اللبن، وامتلاء جسمي لحما وشحما، وكسبت حسنا إه‍. (3) في المصدر: غير الحالة التى كنت فيها بالامس. (4) الترح: الحزن والهم والفقر. (5) في المصدر: ببركه مولود. (6) في المصدر هنا زيادة هي: طالبين الرزق والفضل لما سمعوا من الهاتف، فمن كان له قوة من القوم حمل زوجته على حمار وفرس. قالت إه‍. (7) في المصدر: قال صاحب الحديث: وكانت.

[ 373 ]

الله تعالى إلى أن دخلت على عبد المطلب وهو جالس بالصفا، وكان له سرير منصوب عند الكعبة يجلس عليه للقضاء بين الناس، فلما أتته قالت له: نعمت صباحا " أيها السيد، فقال لها: من أين أنت أيتها المرأة ؟ قالت: من بني سعد أتينا نطلب رضيعا " نتعيش من اجرته، وقد ارشدت إليك، فقال: نعم عندي ولد لم تلد النساء مثله أبدا "، غير أنه يتيم من أبيه وأنا جده أقوم مقام أبيه، فإن أردت أن ترضعيه دفعته إليك وأعطيتك كفايتك، فلما سمعت ذلك أمسكت عن الكلام، ثم قالت: يا سيد بني عبدمناف لي بعل بظهر مكة وهو مالك أمري وأنا أرجع إليه اشاوره في ذلك، فإن أمرني بأخذه رجعت إليه و أخذته، فقال لها عبد المطلب: شأنك، فوصلت إلى بعلها وقالت له: إني وردت على عبد المطلب فقال: عندي مولود أبوه ميت، وأنا أقوم مقامه، فما تقول ؟ قال: يرجعن نساء بني سعد بالاحسان والاكرام وترجعين أنت بصبي يتيم ؟ وكانت جملة نساء بني سعد قد دخلن مكة، فمنهن من حصل لها رضيع، ومنهن من لم يحصل لها شئ، فقالت حليمة: ترجع نساء بني سعد بالغنائم (1)، وأرجع أنا خائبة ؟ وأسبلت (2) عبرتها، فقال بعلها: ارجعي إلى هذا الطفل اليتيم وخذيه فعسى أن يجعل الله فيه خيرا " كثيرا "، فإن جده مشكور بالاحسان، فرجعت حليمة فوجدته في مكانه الاول فذكرت له قول زوجها، فقام عبد المطلب ومضى بها إلى منزل آمنة وأخبرها بذلك وأعلمها باسمها وقومها، فقالت: هذه التي امرت أن أدفع إليها ولدي، فقالت لها آمنة: أبشري يا حليمة بولدي هذا (3)، فو الله ما أخصبت بلادنا إلا ببركة ولدي هذا، ثم أدخلتها آمنة البيت الذى فيه المصطفى صلى الله عليه وآله، فقالت حليمة: أتوقدين يا آمنة مع ولدك المصباح في النهار ؟ قالت: لا، فو الله من حيث ولد ما أوقدت عنده النار، بل هو يغنيني عن المصباح، فنظرت حليمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ملفوف في ثوب من صوف أبيض، يفوح منه رائحة المسك والعنبر، فوقعت في قلبها محبة محمد صلى الله عليه وآله، وفرحت وسرت به سرورا " عظيما "، وكان نائما " فأشفقت عليه أن توقظه من


(1) في المصدر: بالمراضع. (2) أسبلت عبرتها: أرسلها والعبرة: الدمعة. (3) في المصدر: أبشرى يا حليمة فانك تسعدين بولدى هذا.

[ 374 ]

نومه فأمسكت عنه ساعة، فخشيت أن تبطئ على بعلها فمدت يدها إليه لتوقظه ففتح عينيه وجعل يهش لها (1) ويضحك في وجهها، فخرج من فمه نور فتعجبت حليمة من ذلك، ثم ناولته ثديها اليمنى فرضع، فناولته الاخرى فلم يرضع، وكان ذلك إلهاما " من الله عزوجل، ألهمه العدل والانصاف من صغره، إذ كان لها ابن ترضعه، وكان لا يرضع حتى يرضع أخوه ضمرة، فرجعت حليمة بمحمد صلى الله عليه وآله، فقال لها عبد المطلب: مهلا " يا حليمة حتى نزودك، قالت: حسبي من الزاد هذا المولود، وهو أحب إلي من الذهب والفضة ومن جميع الاطعمة، وأعطاها من المال والزاد والكسوة فوق الطاقة والكفاية، و أعطتها آمنة كذلك، فأخذت عند ذلك آمنة ولدها وقبلته وبكت لفراقه، فربط الله على قلبها (2)، فدفعته إلى حليمة، وقالت: يا حليمة احفظي نور عيني وثمرة فؤادي، ثم خرجت حليمة من بيت آمنة وشيعها عبد المطلب، قالت حليمة: والله ما مررت بحجر ولا مدر إلا ويهنئني بما وصل إلي، فلما أقبلت على بعلها نظر إلى النور يشرق في غرته (3) فتعجب من ذلك، وألقى الله في قلبه الرحمة له، فقال لها: يا حليمة قد فضلنا الله بهذا المولود على سائر العالم، فلا شك أنه من أبناء الملوك، فلما ارتحلت القافلة ركبت حليمة على أتان وجعلت تقول لزوجها: لقد سعدنا بهذا المولود سعادة الدنيا والاخرة. وسمعت آمنة هاتفا " يقول: قفي ساعة حتى نشاهد حسنه * قليلا ونمسي في وصال وفي قرب فأين ذهاب الركب عن ساكن الحمى * وأين رواح الصب (4) عن ساكن الشعب إذا جئت واديه وجئت خيامه * وعاينت بدر الحسن في طيبه (5) قف بي وطف بالمطايا حول حجرة حسنة * وعند (6) طواف العيس يا صاحبي طف بي


(1) هش له: تبسم وارتاح له واشتهاء. (2) أي قواها وصبرها. (3) في المصدر: من غرته. (4) الصب: العاشق وذو الولع الشديد. (5) في وجه خ ل. (6) وبعد خ ل، قلت: العيس: الابل البيض يخالط بياضها سواد خفيف، والعيس أيضا: كرام الابل.

[ 375 ]

فعند مليح اللون مهجتي التي * براها الاسى (1) وجدا " كما عنده قلبي قفي يا حليمة ساعة فلعلني * اناشده إذ كان ذاشخصه (2) قربي إذا طفت يا عيني (3) اليمين (4) تقربا " * إلى الله يوم الحج يا مهجتي طف بي طواف شجي (5) القلب لا شئ مثله * فإن دموعي جاريات من السحب ألا أيها الركب الميمم (6) قاصدا " * إلى ساكن (7) الاحباب هل عندكم حبي قالت حليمة: فصارت الاتان تمر كالريح العاصف، فبينا نحن سائرون إذ مررنا على أربعين راهبا " من نصارى نجران، وإذا بواحد يصف لهم النبي صلى الله عليه وآله (8) ويقول: إنه يظهر في هذا الزمان أو قد ظهر بمكة مولود من صفاته كذا وكذا، يكون (9) على يده خراب دياركم، وقطع آثاركم، وإذا إبليس قد تصور لهم في صورة إنسان وقال لهم: الذي تذكرونه مع هذه المرئة التي مرت بكم، قالت حليمة: فقاموا إليه ونظروا وإذا النور يخرج من وجهه، ثم زعق بهم الشيطان وقال لهم: اقتلوه، فشهروا (10) سيوفهم وقصدوني، فرفع ولدي محمد رأسه إلى السماء شاخصا " فإذا هم بداهية عظيمة كالرعد العاصف نزلت إلى الارض، وفتحت أبواب السماء، ونزلت منها نيران، وإذا " بهاتف يقول: خاب سعي الكهان (11)، قالت حليمة: فعاينت نارا " قد نزلت فخفت على ولدي منها، فنزلت على واديهم فأحرقته ومن فيه عن آخرهم، فخفت وكدت أن أسقط عن الاتان، وكان ذلك


(1) برى السهم والقلم: نحته: برى الشخص: هزله وأضعفه. والاسى: الحزن. (2) في شخصه خ ل. (3) يا عين خ ل. (4) اليمنى خ ل. (5) الشجى: الحزين. المشغول البال. (6) الميمم: الظافر بمطالبه. (7) مسكن خ ل. (8) في المصدر: من نصارى نجران مع حبرهم ويصف لهم مولد النبي صلى الله عليه وآله. (9) في المصدر: فإذا ظهر يكون. (10) شهر وشهر السيف: سله فرفعه. (11) في المصدر زيادة هي: ونزلت نار من عند الجبار على من يبغض المختار.

[ 376 ]

أول ما ظهر من فضائله صلى الله عليه وآله (1). قال صاحب الحديث: إن أول ليلة نزل رسول الله صلى الله عليه وآله بحي بني سعد أخضرت أرضهم، وأثمرت أشجارهم، وكانوا في قحط عظيم، وكانوا يحبونه لذلك محبه عظيمة. وكان إذا مرض منهم مريض يأتون به إليه فيشفى (2)، وكثرت معجزاته، فكان بنو سعد يقولون: يا حليمة لقد أسعدنا الله بولدك هذا، قالت: والله ما غسلت (3) له ثوبا " قط من من نجاسة، وكان له وقت يتوضأ فيه ولا يعود إلا إلى الغداة وكنت أسمع منه الحكمة، فلما كبر وترعرع (4) كان يقول: الحمد لله الذي أخرجني من أفضل نبات، من الشجرة التي خلق منها الانبياء، وكنت أتعجب منه ومن كلامه، وكان يصبح صغيرا "، ويمسي كبيرا " (5)، ويزيد في اليوم مثل ما يزيد غيره في الشهر، ويزيد في الشهر مثل ما يزيد غيره في السنة حتى كبر ونشأ، ولم يكن في زمانه أحسن منه خلقا "، ولا أيسر منه مؤونة، و لقد كنا نجعل القليل من الطعام قدامنا ونجتمع عليه ونأخذ يده ونضعها فيه فنأكل، ويبقى أكثر الطعام، فلما صار ابن سبع سنين قال لامه حليمة: يا امي أين إخوتي ؟ قالت: يا بني إنهم يرعون الغنم التي رزقنا الله إياها ببركتك، قال: يا اماه ما أنصفتني، قالت: كيف ذلك يا ولدي ؟ قال: أكون أنا في الظل وإخوتى في الشمس و الحر الشديد، وأنا أشرب منها اللبن (6) قالت: يا بني أخشى عليك من الحساد، وأخاف أن يطرقك طارق، فيطلبني بك جدك، قال لها: لا تخشى علي يا أماه من شئ، ولكن إذا كان غداة غد أخرج مع إخوتي، فلما رأته وقد عزم على الخروج وهي خائفة عليه


(1) في المصدر: هنا زيادة هي: فوصلت الحى به وأنا مرعوبة من الخوف، فقالت: ان لهذا الغلام ربا عظيما. (2) في المصدر: يأتون به إليه فإذا وضع يده على المريض منهم شفى من ساعته. (3) في المصدر: ولقد كنت معه في كل وقت وحين ما غسلت. (4) ترعرع الصبى: تحرك ونشأ. (5) في المصدر وكنت اتعجب منه ومن عقله ويشب شبابا مسرعا، وكان يمسى صغيرا " ويصبح كبيرا. (6) في المصدر وإخوتى في الحر يرعون أغنامهم وأنا أشرب الماء واللبن وهم في البرد والحر.

[ 377 ]

عمدت إليه وشدته من وسطه، وجعلت في رجليه نعلين، وأخذ بيده عكازا " (1)، وخرج مع إخوته، فلما رأى أهل الحى أتوا مسرعين إلى حليمة، فقالوا لها: كيف يطيب (2) قلبك بخروج هذا البدر وما يصلح له الرعاية ؟ قالت: يا قوم ما الذي تأمرونني به ولقد نهيته فلم ينته، فأسأل الله تعالى أن يصرف عنه السوء، ثم قالت: شعرا ". يا رب بارك في الغلام الفاضل * محمد سليل ذي الافاضل وابلغه في الاعوام غير آفل (3) * حتى يكون سيد (4) المحافل فلما كان (5) وقت العشاء أقبل مع إخوته كأنه البدر الطالع (6)، فقالت له: يا ولدي لقد اشتغلت قلبي بخروجك عني في هذه البرية، قالت حليمة: وكان في الغنم شاة قد ضربها ولدي ضمرة فكسر رجلها، فأقبلت إلى ولدي محمد صلى الله عليه وآله تلوذ به كأنها تشكوا إليه، فمسح عليها بيده، وجعل يتكلم عليها حتى انطلقت مع الاغنام كأنها غزال (7)، وكان كل يوم يظهر منه آيات ومعجزات، وكان إذا قال للغنم (8): سيري سارت، وإذا أمرها بالوقوف وقفت، وهي مطيعة له، فخرج في بعض الايام مع إخوته وقد وصلوا إلى واد عشيب (9)، وكانت الرعاة تهابه لكثرة سباعه (10)، وإذا قد أقبل عليهم أسد وهو يزمجر (11)،


(1) العكاز: عصا ذات زج في أسفلها، يتوكأ عليها الرجل. (2) في المصدر: تطيب. وفيه: وما تصلح. (3) ومشرق الانوار غير آفل خ ل. (4) قاضى خ ل. (5) في المصدر: قال: ثم انه مضى مع اخوته فلما كان إه‍. (6) في المصدر بعد ذلك: يشرق منه نور ساطع، فقالت له: يا ولدى كيف ظل يومك هذا ولقد ظل قلبى مشغولا بك، وأنا أرجو من الله عزوجل أن يقيك شر ما احاذره عليك، قالت: وكان في الغنم إه‍. (7) في المصدر: كأنها غزال مسرعة لم يصبها شئ ابدا. (8) في المصدر: وكانت الغنم مطيعة، له، إذا أمرها بالمسير سارت، وإذا أمرها بالوقوف وقفت، قالت حليمة: وإنه سرح ذات يوم مع إخوته يرعون وقد وصلوا إلى وادى عشب إه‍. قلت: سرح الرجل: خرج في اموره. (9) عشيب خ ل. قلت: عشب وعشيب: ذو العشب. كثير العشب، والعشب: الكلاء الرطب. (10) في المصدر بعد ذلك: قالت حليمة: ثم إن محمدا أمر إخوته أن يدخلوا ذلك الوادي بغنمهم إذ اقبل عليهم أسد عظيم الخلقة، هائل المنظر، فلما طلع على أغنامهم فتح فاه. (11) أي يردد الزئير.

[ 378 ]

هائل الخلقة، فلما وصل إلى الاغنام فتح فاه وهم أن يهجم عليها، فتقدم إليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما نظر إليه الاسد نكس رأسه وولى هاربا " (1)، فعند ذلك تقدم إخوته إليه فقال لهم: ما شأنكم ؟ قالوا: لقد خفنا عليك من هذا الاسد، وأنت ما خفت منه وكنت تكلمه، قال: نعم كنت أقول له: لا تعود بقرب هذا الوادي بعد هذا اليوم، فلما كان بعد ذلك رأت حليمة رؤيا " وانتبهت فزعة مرعوبة، وقالت لبعلها: إن سمعت مني أحمل محمدا " إلى جده، فإني أخشى أن يطرقه طارق، فيعظم مصيبتنا عند جده، ولقد رأيت كأن ولدي محمدا " مع إخوته كما كان يخرج كل يوم إذ أتاه رجلان عظيمان لم أر أعظم منهما، عليهما ثياب من إستبرق، وقصداه، فجاءه واحد منهما بخنجر وشق به جوفه، فانتبهت فزعة مرعوبة، والرأي عندي أن تحمله إلى جده، فقال لها: إن الذي تذكرينه في حق محمد ممتنع، فإنه معصوم من الله تعالى (2)، ولقد رأيت الرهبان والاسد وغيره، قالت: نعم، ولكن لكل شئ آخر ونهاية (3)، فكم كبير مات، وصغير عاش (4)، فقال لها: إن منامك الذي رأيتها أضغاث أحلام، ثم لما أصبح الصباح وأراد محمد صلى الله عليه وآله أن يخرج مع إخوته على العادة قالت: لا تخرج اليوم يا قرة عيني، فاني أحب أن تكون معي هذا اليوم حتى أشبع من النظر إليك، فانك في كل يوم تخرج بكرة ولا تأتي إلا عشية، فقال لها: وكيف ذلك يا اماه وأي شئ خفت علي منه، لا تخافي علي من شئ، فلم يقدر أحد أن يصل إلي بسوء ولا ضر ولا نفع إلا الله ربي، فخرج مع إخوته


(1) في المصدر: نكس رأسه وذبذب بذنبه وولى هاربا. قلت: ذبذب أي حرك. (2) في المصدر: بعد ذلك: لا يقدر أحد يصل إليه بسوء ولا مكروه ولا بأذية، لان له رب يحميه ويكفيه، وأنت رأيت فعل ربه باعدائه نصارى نجران حيث هموا بأذيته أرسل الله عليهم نارا أحرقتهم عن آخرهم، وقد رأيت ليلة غارة فزارة، قال: وكانت فزارة قد كبسوا حى بنى سعد ليلا فلما قربوا من البيوت التى فيها بيت حليمة رجعت الخيل على أعقابها وانكسروا، وغنموهم بنى سعد وقتلوهم عن آخرهم، ورد الله كيدهم في نحورهم قالت: لقد رأيت ذلك كله، إلا أن لكل شئ غاية ونهاية اه‍. قلت: وغنموهم بنى سعد لعله مصحف: وغنم منهم بنو سعد. (3) لكل شئء غاية ودليل ونهاية. (4) في المصدر: فكم صغير مات، وكبير عاش.

[ 379 ]

وهي راعبة عليه، فلما كان وقت القائلة أقبل أولاد حليمة يبكون، فخرجت حليمة تعثر في أذيالها حيث سمعت أولادها يبكون، وحثت التراب (1) على وجهها وشعرها، وشهرت بنفسها، فقالت: ما الذي دهاكم ؟ أخبروني، قالوا: خرجنا نحن وأخونا محمد صلى الله عليه وآله وجلسنا تحت شجرة، وإذا قد أقبل عليه رجلان عظيمان لم نر مثلهما، فلما وصلا إلينا أخذا أخانا " محمدا صلى الله عليه وآله من بيننا، ومضيا به إلى أعلى الجبل فأضجعه واحد منهما، وأخذ سكينا "، وشق بطنه، وأخرج قلبه وأمعائه، ولا شك أنك لا تلحقيه إلا هالكا "، فعند ذلك لطمت خدها، وقالت: هذا تأويل رؤياي البارحة، وا أسفي عليك يا محمداه، واجزعي عليك يا ولداه يا قرة عيني، ثم صرخت في الحي وخرجت وخرج بنو سعد كلهم في أثرها، وخرج زوجها الحارث يجر قناته وبيده حربة، فلما أشرفوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وجدوه جالسا "، والاغنام حوله محيطة به، فتبادر القوم إليه ورفعوه وأتوا به وهم يقولون: كل شئ تلقاه نحن وأولادنا وأموالنا فداك (2)، فجائت إليه حليمة وأخذته وقبلته وهي تبكي بكاء " عظيما "، وكشفت عن بطنه فلم تر أثرا " فيه، ولم تر في أثوابه دما "، فرجعت إلى أولادها وقالت: كيف كذبتم على أخيكم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تلوميهم (3) فإني كنت عندهم إذ أتاني رجلان، وأخذاني وأضجعاني، وأخذ واحد منهما سكينا " فشق بها فؤادي، وأخرج منه نكتة سوداء ورمى بها، وقال لي: هذا حظ الشيطان منك يا محمد، ثم غسلا فؤادي بالماء وأعاداه كما كان، ثم أخرج أحدهما خاتما " يشرق منه النور فختم به فؤادي، ثم مسح على ما شقه فعاد كما كان، ثم قالا (4) لي: يا محمد لو علمت ما لله عليك من السابقة (5) لقرت عيناك، ثم قال أحدهما للاخر: زنه، فوزنني بعشره من امتي


(1) أي صبته على وجهها. (2) في المصدر: كل سوء يلقاك يكون في أولادنا يا محمد. (3) في المصدر: فرجعت إلى أولادها تضربهم بالحجارة وقالت لهم: كيف كذبتم على أخيكم فقال لهم النبي: لا تضربيهم ولا تكذبيهم. (4) ثم قال خ ل. (5) من الشفقة خ.

[ 380 ]

فرجحت بهم، ثم زاد عشرة فرجحت بهم، ثم قال (1): لو وزنته بجميع الامم (2) لرجح بهم، ثم عرجا نحو السماء وأنا أنظر إليهما، فقالت حليمة لبعلها: الرأي أنا نحمل محمدا " إلى جده، فقال: يمنعني من ذلك خبث نفسي من فراقنا (3) له، وإنه أعز عندنا من الاولاد، فلما سمعت كلام بعلها قالت: ما يوصل هذا الصبي إلى جده إلا أنا بنفسي، ثم أقبلت إليه وقالت: يا ولدي إن جدك إليك مشتاق وعمومتك، فهل لك أن تسير إليهم ؟ قال: نعم، فقامت حليمة وشدت على راحلتها وركبت، وأخذت محمدا " قدامها وسارت طالبة مكة، وكان عبد المطلب قد أنفذ إليها أن تحمل ولده إليه، فكانت إذا نزلت في هبوط ضمته إليها، وإذا رأت راكبا " غمته (4) خوفا " عليه إلى أن وصلت حيا " من أحياء العرب، وكان عندهم كاهن وقد سقط حاجباه على عينيه من طول السنين، والناس عاكفون عليه، فلما جازت عليهم غشي عليه، فلما أفاق قال: يا ويلكم بادروا إلى المرأة التي مرت راكبة، وخذوا منها الصبي الذي عندها واقتلوه قبل أن يخرب بلادكم، قالت حليمة: وإذا أنا بالرجال قد أقبلوا إلي، فوقعت عليهم ريح صرعتهم في الحال، فسرت عنهم ولم أحفل بهم (5)، وجعلت أسير حتى بلغت إلى مكة، فوضعت ولدي محمدا " صلى الله عليه وآله عند اناس جلوس، ومضيت عنه ناحية لحاجة، فسمعت وجبة وصوتا " عاليا "، فالتفت إلى ولدي فلم أره، فسألت عنه القوم الذين كانوا جلوسا " قالوا: ما رأيناه، فسألوني عن اسمه، فقلت: محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف، فقلت: وحق الكعبة والمقام لئن لم أجده رميت بنفسي من أعلى هذا الحائط حتى أموت، وسألتهم وأخذت في جد السؤال فلم تعط خبرا "، فأخذت جيبها، ومزقت أثوابها (6)، ولطمت وجهها، وبكت وأكثرت البكاء، وحثت التراب على


(1) ثم قال له صاحبه خ لو وهو الموجود في المصدر. (2) في المصدر: بالامة. (3) في المصدر: ثم أقبلت حليمة على بعلها وقالت له: الراى المبارك أن توصل هذا الغلام إلى جده، فقال لها: دعينى من ذلك، فما تطيب نفسي بمفارقته. (4) غيبته خ ل وهو الموجود في المصدر. (5) أي لم ابال بهم ولا أهتم لهم. (6) في المصدر: فلما سمعت كلامهم وضعت يدها في أطواقها، ومزقت ثيابها.

[ 381 ]

رأسها، وجعلت تقول: واولداه، واقرة عيناه، واثمرة فؤاداه، وا محمداه: فبينا هي كذلك إذ خرج إليها شيخ كبير يتوكأ على عصا، فقال لها: ما قصتك أيتها المرأة ؟ فقالت: فقدت ولدي محمدا "، ولم أدر أين مضى، قال لها: لا تبكين، أنا أدلك على من يعلم أين ذهب، قالت: افعل يا سيدي، فمضى قدامها إلى أن أتى الكعبة، وطاف على صنم يقال له: هبل، وقال: يا هبل أين محمد ؟ فسقط الصنم لما ذكر محمدا "، فخرج الرجل خائفا "، قالت حليمة: فحسست في نفسي أنه قد أخذه آخذ وذهب به إلى جده، فقصدته مسرعة، فلما رآني قال: ما قصتك ؟ قلت: ولدك محمد أتيت به ووضعته على باب مكة أقضي حاجة فرجعت فلم أره، فقال (1): إنى أخشى أن يكون أخذه بعض الكهان، فنادى عبد المطلب: يا آل غالب، وكانوا يتباركون بهذه الكلمة، فلما سمع قريش صوت عبد المطلب أجابوه من كل مكان (2)، فقال لهم: إن حليمة قد أقبلت بولدي محمد، وطرحته على باب الكعبة (3)، ومضت لقضاء حاجة لها وعادت فلم تره، وأنا أخاف عليه أن يغتاله ساحر أو كاهن، فقالوا: نحن معك سربنا أين شئت، إن خضت بحرا " خضناه، وإن ركبت برا " ركبناه، ثم ركبوا وساروا فلم يقفوا له على خبر، فأتى عبد المطلب إلى الكعبة وطاف بها سبعا "، وتعلق بأستارها، ثم دعا وتضرع في دعائه، فسمع هاتفا يقول: يا عبد المطلب لا تخف على ولدك (4)، ولكن اطلبه بوادي دعاية (5) عند شجرة الموز، فمضى عبد المطلب إلى المكان المذكور فوجده قاعدا " تحت الشجرة، وقد تدلت عليه أثمارها (6)، فبادر إليه جده، فأخذه وقبله، وقال له: يا ولدي من أتي بك إلى هذا الموضع ؟ قال: اختطف بى طير (7) أبيض، وحملنى على


(1) في المصدر: ومضيت لا قضى حاجتى فجئت فلم أجده ولا وقفت له على خبر، فقال. (2) في المصدر بعد ذلك: وقالوا: ما الذى نزل بك ؟ فقال. (3) في المصدر فنزلت عند باب الكعبة. (4) في المصدر بعد ذلك: ولا تحزن، فان له ربا لا يضيعه، فقال عبد المطلب: واين اطلبه يا هاتف ؟ قال اطلبه. (5) رعانة خ ل وفي المصدر: دهانة. (6) بأثمارها خ ل. (7) اختطفني طائر خ ل، وهو الموجود في المصدر. (*)

[ 382 ]

جناحه، وأتى بى إلى هاهنا، وقد جعت وعطشت فأكلت من ثمرة هذه الشجرة، وشربت من الماء، وكان الطائر جبرئيل عليه السلام (1). ثم إن (2) حليمة قالت لعبد المطلب: إن ولدك قد صار (3) له عندنا كذا وكذا، قال: يا حليمة لا بأس عليك، إمضي إلى امه وأخبريها بذلك، فإنها أخبرتني يوم ولد أنه سطع منه نور صعد إلى السماء. وذلك قوله (4) تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) الاية. ثم إن عبد المطلب كفل النبي صلى الله عليه وآله إلى (5) أن رمد النبي صلى الله عليه وآله رمدة شديدة وكان بالجحفة طبيب فوطأله جده راحلة وسار به إلى الجحفة، فلما دخل صاح عبد المطلب أيها الطبيب عندي غلام اريد أن تطب عينه، فرفع (6) رأسه وقال له: اكشف لي عن وجهه، فلما كشف عن وجهه سقطت (7) الصومعة، فرفع (8) الراهب رأسه ونادى بالشهادتين والاقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، ثم قال: وما عسى أن أقول فيه لا بأس عليه مما نزل به، ولكن أيها الشيخ اسمع ما أقول لك، إنه سيد العرب، بل سيد الاولين والاخرين، والمشفع فيهم يوم الدين، تنصره الملائكة المقربون، ويأمره الله أن يقاتل من يخالفه، وينصره الله نصرا " عزيزا "، وأشد الناس عليه قومه، فقال عبد المطلب: يا راهب ما تقول ؟ فقال: والذي لا إله إلا هو، لئن أدركت زمانه لانصرنه، فاحفظ ولدك، فرجع بولده (9) إلى مكة


(1) الظاهر أن البكري اخذ ذلك عن مصادر العامة، ويخرج المصنف قريبا عن دلائل النبوة لابي نعيم. (2) في المصدر: قال ابو الحسن البكري: ثم ان حليمة اه‍. (3) قد عرض خ ل وهو الموجود في المصدر. (4) لعل ذلك من كلام البكري، يريد ان الاية اشارة إلى شق صدره وما وقع بعد ذلك فتأمل. (5) في المصدر: إلى حين كبر، قال: ثم ان النبي صلى الله عليه وآله رمد رمدا شديدا. (6) فأخرج خ ل. (7) تزلزلت خ ل وهو الموجود في المصدر. (8) فرد خ ل وهو الموجود في المصدر. (9) بالنبي خ ل وهو الموجود في المصدر.

[ 383 ]

فأقام بها حتى حضرته الوفاة، فأوصى به إلى عمه أبي طالب فكفله أبو طالب، وأقبل به إلى منزله، ودعا بزوجته فاطمة بنت أسد، وكانت شديدة المحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله، شفيقة عليه، فقال لها أبو طالب: اعلمي أن هذا (1) ابن أخي، وهو اعز عندي من نفسي ومالي، و إياك أن يتعرض عليه (2) أحد فيما يريد، فتبسمت فاطمة من قوله، وكانت تؤثره على سائر أولادها، وكان لها عقيل وجعفر، فقالت له: توصيني في ولدي محمد وإنه أحب إلي من نفسي وأولادي، ففرح أبو طالب بذلك، فجعلت تكرمه على جملة أولادها، ولا تجعله يخرج عنها طرفة عين أبدا "، وكان يطعم من يريد فلا يمنع، وقد كان يشب في اليوم ما يشب غيره في السنة وينمو، فتعجب (3) أهل مكة من ذلك وحسنه وجماله، فلما نظر أبو طالب إلى حسنه وجماله قال: شعرا ": نور وجهك الذي فاق في الحسن * على نور شمسنا والهلال أنت والله يا مناي وسؤلي * الذي فاق نوره المتعالي أنت نور الانام من هاشم الغر * فقت كل العلا وكل الكمال وعلو الفخار والمجد أيضا * ولقد فقت أهل كل المعالي (4) ثم بعد ذلك شاع ذكره في البلاد (5)، ثم إنه توجه يوما " إلى نحو الكعبة وأهل مكة حولها، وكان قد عمروا فيها عمارة، وشالوا (6) الحجر الاسود من مكانه، فلما عزموا


(1) في المصدر: إن هذا ولدى محمد هو قرة عينى، وامره في منزلي كأمرى، ونهيه كنهيى فلا يتعرض عليه احد فيما يريده. (2) له خ ل. (3) في المصدر: احب إلى من نفسي ومما طلعت عليه الشمس أو غربت والمال والولد، فعند ذلك فرح ابو طالب بمقالتها، ثم قالت: والله لا قدمنه على سائر اولادي، وجعلت تكرمه، ولا تخليه يغيب عنها طرفة عين، وكان يطعم من يريد، ويضيف من يريد، ولا يمنعه من ذلك مانع، ولا يعارضه معارض فيما يريد، وقد يشب وينمو، وقد تعجب. (4) ولقد ارتقيت أعلى المعالى خ ل. (5) في المصدر: قال الراوى لهذا الحديث: وعلا قدره حتى سموه الصادق الامين، وشاع ذكره في المشرق والمغرب. (6) أي ارتفعوا.

[ 384 ]

أن يردوه إلى مكانه الاول اختلفوا فيمن يرده، فكان كل منهم يقول: أنا أرده، يريد الفخر لنفسه، فقال لهم ابن المغيرة: يا قوم حكموا في أمركم من يدخل من هذا الباب، وأجمعوا على ذلك (1)، وإذا بالنبي صلى الله عليه وآله قد اقبل عليهم، فقالوا: هذا محمد، نعم الصادق الامين، ذو الشرف الاصيل (2)، ثم نادوه فأقبل عليهم، فقالوا: قد حكمناك في أمرنا، من يحمل الحجر الاسود إلى محله ؟ فقال صلى الله عليه وآله: هذه فتنة، ايتوني بثوب (3)، فأتوه به، فقال: ضعوا الحجر فوقه، وارفعوه من كل طرف قبيلة، فرفعوه إلى مكانه، والنبي صلى الله عليه وآله هو الذي وضعه في مكانه (4)، فتعجبت القبائل من فعله. بيان: الزعرق: الصياح والزمجرة: الصوت. قوله: غمته أي غطته (5). 21 - أقول: روى الكاذروني: في المنتقى عن برة قال: أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه وآله ثويبة بلبن ابن لها يقال له: مسروح أياما " قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الاسد المخزومي، وكانت تدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فيكرمها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يبعث إليها بعد الهجرة بكسوة


(1) في المصدر: فقال لهم ابن المغيرة: يا قوم حكموا في أمركم كل الرجل المقبل ليحكم فيما أنتم فيه، فقالوا: الداخل علينا من هذا الباب حكمناه في أمرنا إن كان حرا أو عبدا، ذكرا أو انثى، فنظروا إذا هم بالنبي صلى الله عليه وآله إه‍. قلت: حكمه في الامر: فوض إليه الحكم فيه. وابن المغيرة: هو ابو امية حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو والد أم سلمة وكان اسن القوم. (2) في المصدر زيادة هي: الفاضل العاقل محمد بن عبد الله. (3) في المصدر: فلما دنا منهم رآهم كل واحد منهم يريد لنفسه الشرف والفخار فقال: هذه فتنة فاريد أن اخمدها، قال: يا قوم ايتونى بثوب. (4) في المصدر هنا زيادة هي: وانقطع الشر بينهم، وكان أحدهم المغيرة، والثانى ربيعة، و الثالث حريز بن امية، والرابع الاسود بن عبد العزى، فرجعوا الحجر إلى مكانه، والنبى صلى الله عليه وآله وضعه في موضعه إه‍. قلت: في الاسماء تصحيف، والموجود في تاريخ اليعقوبي: عتبة ابن ربيعة، وفي غيره عبد مناف عتبة بن ربيعة - وأبو زمعة بن الاسود، وأبو حذيفة بن المغيرة، وقيس بن عدى السهمي وفي غيره زمعة مكان أبى زمعة، وفيما تقدم عن الكافي: الاسود بن المطلب من بنى أسد بن عبد العزى. (5) الانوار: مخطوط: ونسخته موجودة عندي، فيها اختلاف وزيادات على نسخة المصنف أوردت بعضها في الذيل.

[ 385 ]

وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر (1). 22 - وأورد الحافظ أبو القاسم الاصبهاني (2) في دلائل النبوة مسندا " عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغي (3) القمر، وتشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال، قال: إني كنت احدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته يسجد تحت الكرسي (4). قوله: وجبته أي سقطته. 23 - وروى عن مجاهد قال: قلت لابن عباس: وقد تنازعت الظئر في رضاع محمد صلى الله عليه وآله ؟ قال: إي والله، وكل نساء الجن، وذلك لما رد إلى آمنة من السماوات نادى الملك في سماء الدنيا: هذا محمد سيد الانبياء، فطوبي لثدي أرضعته، فتنافست الطير والجن، في رضاعه، قال: فنوديت (5) كلها: أن كفوا، فقد أجرى الله ذلك علي أيدي الانس، فخص الله بذلك حليمة (6). 24 - وروي أنه لما مضى على رسول الله صلى الله عليه وآله شهران وهو عند حليمة ترضعه خرج عبد المطلب فأتى إليها فقال لها: ادفعي إلي ابني: فقالت له: جعلني الله فداك يا عبد المطلب دعه عندي فإنه قد الفني، قال: كيف لم تريديه قبل اليوم وتمتسكين به الان ؟ قالت: لانه والله نسمة مباركة، قد بورك لنا في جميع أبداننا وأموالنا، فدعه عندي لا اريد منك عليه شيئا " أبدا "، فتركه عندها، وانصرف عبد المطلب، فمكثت حليمة لا تدخل في الليل إلى بيتها إلا ونظرت إلى الستر قد انفجر ونزل عليه القمر يناغيه، فيقول زوجها: إن لهذا الغلام لشأنا " عظيما "، ليسودن العرب كلها. 25 - وروى حديث حليمة برواية اخرى عن ابن عباس أوردتها أيضا " لفوائد فيها،


(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الاول من القسم الثاني. (2) اسماعيل بن محمد بن الفضل على ما في المصدر. (3) ناغى الصبى: كلمه بما يعجبه ويسره. (4) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الاول من القسم الثاني. (5) أي الطير والجن. (6) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني من القسم الثاني.

[ 386 ]

وهي أنه روي أنه كان من سببها أن الله أجدب البلاد والزمان، فدخل ذلك على عامة الناس، وكانت حليمة تحدث عن زمانها وتقول: كان الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله في جهد شديد، وكنا اهل بيت مجدبين، وكنت امرأة طوافة، أطوف البراري والجبال، ألتمس الحشيش والنبات، فكنت لا أمر على شئ من النبات إلا قلت: الحمد لله الذي أنزل بي هذا الجهد والبلاء، ولما ولد النبي صلى الله عليه وآله خرجت إلى ناحية مكة ولم أكن ذقت شيئا " منذ ثلاثة أيام، وكنت التوي كما تلتوي الحية، وكنت ولدت ليلتي تلك غلاما " فلم أدر أجهد الولادة أشكو أم جهد نفسي، فلما بت ليلتي تلك أتاني رجل في منامي فحملني حتى قذفني في ماء أشد بياضا " من اللبن، وقال: يا حليمة أكثري من شرب هذا الماء ليكثر لبنك، فقد أتاك العز وغناء الدهر، تعرفينني ؟ قلت: لا، قال أنا الحمد لله الذي كنت تحمدينه في سرائك وضرائك، فانطلقي إلى بطحاء مكة، فإن لك فيها رزقا " واسعا "، واكتمي شأنك ولا تخبري أحدا "، ثم ضرب بيده على صدري، فقال: أدر الله لك اللبن، وأكثر لك الرزق، فانتبهت وأنا أجمل نساء بني سعد، لا اطيق أن أسبل (1) ثديي، كأنهما الجر العظيم، يتسيب (2) منهما لبن، وأرى الناس حولي من نساء بني سعد ورجالهم في جهد من العيش، إنما كنا نرى البطون لازقة بالظهور، والالوان شاحبة (3) متغيرة، لا نرى في الجبال الراسيات شيئا "، ولا في الارض شجرا "، وإنما كنا نسمع من كل جانب أنينا " كأنين المرضى، وكادت العرب أن تهلك هزالا " وجوعا "، فلما أصبحت حليمة وإنها لفي جهد من العيش وتغير من الحال، وقد أصبحت اليوم تشبه بنات الملوك، قلن: إ لها شأنا " عظيما "، ثم احدقن بي يسألنني عن قصتي، فكنت لا احير جوابا "، فكتمت شأني لاني بذلك كنت امرت، ولم تبق امرأه في بني سعد ذات زوج إلا وضعت غلاما "، ورأيت الرؤوس المشتعلة بالشيب قد عادت سودا " لبركة مولد رسول الله صلى الله عليه وآله، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتا " ينادي: ألا إن قريشا " قد وضعت العام كل بطونها، وإن الله قد


(1) أسبل الدمع: أرسله. الماء: صبه. (2) هكذا في الاصل، وفي المصدر: يتسبسب وهو الصحيح أي يسيل. (3) شحب لونه: تغير من جوع أو مرض ونحوهما.

[ 387 ]

حرم على نساء العام أن يلدن البنات من أجل مولد في قريش، وشمس النهار، وقمر الليل، فطوبى لثدي أرضعته، ألا فبادرن إليه يا نساء بني سعد، قالت: فنزلنا في جبل و عزمنا على الخروج إلى مكة، فخرج نساء بني سعد على جهد منهن ومخمصة (1)، وخرجت أنا مع بني لي على أتان لي معناق (2) تسمع لها في جوفها خضخضة (3)، قد بدأ عظامها من سوء حالها، وكانت تخفضني طورا "، وترفعني آخر، ومعي زوجي، فكنت في طريقي أسمع العجائب من كل ناحية، لا أمر بشئ إلا استطال إلي فرحا "، وقال لي: طوبى لثديك يا حليمة، انطلقي فإنك ستأتين بالنور الساطع، والهلال البدري، فاكتمي شأنك وكوني من وراء القوم، فقد نزلت بشاراتك، قالت: فكنت أقول لصاحبي: تسمع ما أسمع ؟ فيقول: لا، مالي أراك كالخائفة الوجلة تلتفتين يمنة " ويسرة "، مري أمامك، فقد تقدم نساء بني سعد، وإني أخاف أن يسبقني إلى كل مولود بمكة، قالت: فجعلنا نجد في المسير والاتان كأنها تنزع حوافرها من الظهر نزعا "، فبينا أنا في مسيري إذا أنا برجل في بياض الثلج، وطول النخلة الباسقة، ينادي من الجبل: يا حليمة مري أمامك، فقد أمرني الله عزوجل أن أدفع عنك كل شيطان رجيم، قالت: حتى إذا صرنا على فرسخين من مكة بتنا ليلتنا تلك، فرأيت في منامي كان على رأسي شجرة خضراء، قد ألقت بأغصانها حولي، ورأيت في فروعها شجرة كالنخلة، قد حملت من أنواع الرطب، و كان جميع من خرج معي من نساء بني سعد حولي، فقلن: يا حليمة أنت الملكة علينا، فبينا أنا كذلك إذ سقطت من تلك الشجرة في حجري تمرة فتناولتها ووضعتها في فمي، فوجدت لها حلاوة كحلاوة العسل، فلم أزل أجد طعم ذلك (4) في فمي حتي فارقني رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أصبحت كتمت شأني، قلت: إن قضى الله لي أمرا " فسوف يكون، ثم ارتحلنا حتى نزلنا مكة يوم الاثنين وقد سبقني نساء بني سعد، وكان الصبي الذي معي قد ولدته لا يبكي ولا يتحرك ولا يطلب لبنا "، فكنت أقول لصاحبي: هذا الصبي ميت


(1) المخمصة: خلاء البطن من الطعام. مجاعة تورث خمص البطن وضموره. (2) هكذا في الاصل والمصدر، والمعناق: الدابة السريع السير. طويل العنق. (3) الخضخضة: الحركة. (4) أي في يقظتي بعد.

[ 388 ]

لا محالة، فكنت إذا قلت ذلك يلتفت إلي الصبي فيفتح عينية ويضحك في وجهي، وأنا متعجبة من ذلك، فلما توسطنا مكة قلت: لصاحبي: سل من أعظم الناس قدرا " بمكة، فسأل عن ذلك فقيل له: عبد المطلب بن هاشم، فقلت له: سل من أعظم قريش ممن ولد له في عامه هذا، فقيل لي: آل مخزوم، قالت: فأجلست صاحبي في الرحل وانطلقت إلى بني مخزوم، فإذا أنا بجميع نساء بني سعد قد سبقننى إلى كل مولود بمكة، فبقيت لا أدري ما أقول، وندمت على دخولي مكة، فبينا أنا كذلك إذا بعبد المطلب، وجمته (1) تضرب منكبه، ينادي بنفسه بأعلى صوته: هل بقي من الرضاع أحد، فإن عندي بنيا " لي يتيما " وما عند اليتيم من الخير، إنما يلتمس كرامة الاباء، قالت: فوقفت لعبد المطلب وهو يومئذ كالنخلة طولا، فقلت: أنعم صباحا " أيها الملك المنادي، عندك رضيع ارضعه، فقال هلمي، فدنوت منه، فقال لي: من أين أنت ؟ فقلت: امرأة من بني سعد، فقال لي: إيه إيه (2) كرم وزجر، ثم قال لي: ما اسمك ؟ فقلت: حليمة، فضحك وقال: بخ بخ خلتان حسنتان: سعد وحلم، هاتان خلتان فيها غنى الدهر، ويحك يا حليمة عندي بني لي يتيم اسمه محمد، وقد عرضته على جميع نساء بني سعد فأبين أن يقبلنه، وأنا أرجو أن تسعدي به، قالت: فقلت له: إني منطلقة إلى صاحبي ومشاورته في ذلك، قال لي: إنك لترضعين غير كارهة، قالت: قلت: بالله لارجعن إليك، قالت: فرجعت إلى صاحبي فلما أخبرته الخبر كأن الله قد قذف في قلبه فرحا "، ثم قال لي: يا حليمة بادري إليه لا يسبقك إليه أحد، قالت: وكان معي ابن اخت لي يتيم، قال: هيهات إني أراكم لا تصيبون في سفركم هذا خيرا "، هؤلاء نساء بني سعد يرجعن بالرضاع والشرف، وترجعون أنتم باليتيم، قالت: فأردت والله لارجع (3) إليه، فكأن الله قذف في قلبي إن فارقك محمد لا تفلحين، وأخذتني الحمية وقلت: هؤلاء نساء بني سعد يرجعن بالرضاع والشرف، وأرجع أنا بلا رضاع ؟ والله لاخذنه وإن كان يتيما "، فلعل الله أن يجعل فيه خيرا "، قالت: فرجعت إلى عبد المطلب، فقلت له:


(1) الجمة: من شعرا الرأس ما سقط على المنكبين. (2) إيه: اسم فعل للاستزادة من حديث أو فعل. (3) هكذا في الاصل، والصحيح كما في المصدر: لا أرجع.

[ 389 ]

أيها الملك الكريم هلم الصبي، قال: هل نشطت لاخذه ؟ قالت: قلت: نعم، فخر عبد المطلب ساجدا "، ورفع رأسه إلى السماء وهو يقول: اللهم رب المروة والحطيم، اسعدها بمحمد، ثم مر بين يدي يجر حلته فرحا " حتى دخل بي على آمنة ام رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا أنا بامرأة ما رأيت في الادميين أجمل وجها منها، هلالية بدرية، فلما نظرت إلى ضحكت في وجهي، وقالت: ادخلي يا حليمة، فدخلت الدار فأخذت بيدي، فأدخلتني بيتا " كان فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا أنا به ووجهه كالشمس إذا طلعت في يوم ديجانها (1)، فلما رأيته على هذه الصفة استدر (2) كل عرق في جسدي بالضربان، فناولتني النبي صلى الله عليه وآله، فلما أن وضعته في حجري فتح عينيه لينظر إلى فسطع منهما نور كنور البرق إذا خرج من خلال السحاب فألقمته ثديي الايمن فشرب منه ساعة، ثم حولته إلى الايسر فلم يقبله، و جعل يميل إلى اليمنى - فكان ابن عباس يقول: الهم العدل في رضاعه، علم أن له شريكا "، فناصفه عدلا - وكانت الثدي اليمنى تدر لرسول الله صلى الله عليه وآله، والثدي اليسرى تدر لابني، وكان ابني لا يشرب حتى ينظر إلى محمد صلى الله عليه وآله قد شرب، وكنت كثيرا " ما أسبق إلى مسح شفتيه، فكنت أسبق إلى ذلك فنام في حجري، فجعلت أنظر إلى وجهه، فرأيت عينيه مفتوحتين، وهو كالنائم، فلم أتمالك فرحا "، وأخذتني العجلة بالرجوع إلى صاحبي، فلما أن نظر إليه صاحبي لم يتمالك أن قام وسجد، وقال: يا حليمة ما رأيت في الادميين أجمل وجها " من هذا، قالت: فلما كان في الليل وطاب النوم وهدأت الاصوات انتبهت فإذا به وقد خرج منه نور متلالئ، وإذا أنا برجل قائم عند رأسه عليه ثوب أخضر، فانبهت صاحبي وقلت: ويحك ألا ترى إلى هذا المولود ؟ قالت: فرفع رأسه فلما نظر إليه قال لي يا حليمة اكتمي شأنه، فقد أخذت شجرة " كريمة " لا يذهب رسمها أبدا "، قالت: فأقمنا بمكة سبعة أيام بلياليهن ما من يوم إلا وأنا أدخل على آمنة، فلما عزمنا على الخروج دعتني آمنة فقالت: لا تخرجي من بطحاء مكة حتى تعلميني، فإن لي فيك وصايا اوصيك بها، قالت: فبتنا فلما كان في بعض الليل انتبهت لاقضي حاجة، فإذا برجل عليه ثياب خضر


(1) أي في يوم غيوم مظلم. (2) استدرت العروق: امتلات دما.

[ 390 ]

قاعد عند رأسه يقبل بين عينيه، فانبهت صاحبي رويدا " فقلت: انظر إلى العجب العجيب، قال: اسكتي واكتمي شأنك، فمنذ ولد هذا الغلام قد أصبحت أحبار الدنيا على أقدامها قياما "، لا يهنؤها عيش النهار، ولا نوم الليل، وما رجع أحد من البلاد أغنى منا، فلما أصبحنا من الغد وعزمنا على الخروج ركبت أتاني وحملت بين يدي محمدا " صلى الله عليه وآله، وخرجت معي آمنة تشيعني، فجعلت الاتان تضرب بيدها ورجلها الارض وترفع رأسها إلى السماء فرحة مستبشرة، ثم تحولت بي نحو الكعبة، فسجدت ثلاث سجدات، حتى استوينا مع الركب سبقت الاتان كل دوابهم، فقالت نساء بني سعد: يا بنت أبي ذؤيب أليس هذا أتانك التي كانت تخفضك طورا " وترفعك آخر ؟ فقلت: نعم، فقلن: بالله إن لها لشأنا " عظيما "، فكنت أسمع الاتان تقول: إي والله وإن لي لشأنا "، ثم شأنا "، أحياني الله عزوجل بعد موتي، ورد علي سمني بعد هزالي، ويحكن يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة، أتدرين من حملت ؟ حملت سيد العرب محمدا " رسول الله رب العالمين (1)، هذا ربيع الدنيا وزهرة الاخرة، وأنا أنادي من كل جانب: استغنيت يا حليمة آخر دهرك، فأنت سيدة نساء بني سعد، قالت: فمررت براع يرعى غنما " له، فلما نظرت الغنم إلي جعلن يستقبلن وتعدو إلي كما تعدو سخالها (2)، فسمعت من بينها قائلا يقول: أقر الله عينك يا حليمة، أتدرين ما حملت ؟ هذا محمد رسول رب العالمين، إلى كل ولد آدم من الاولين والاخرين، قالت: فشيعتني امه ساعة وأوصتني فيه بوصايا، ورجعت كالباكية، قالت: وليس كل الذي رأيت في طريقي احسن وصفه، إلا أني لم أنزل منزلا إلا أنبت الله عزوجل فيه عشبا "، وخيرا " كثيرا "، وأشجارا " قد حملت من أنواع الثمر، حتى أتيت به منزل بني سعد، وما نعلم والله أن أرضا " كانت أجدب منها، ولا أقل خيرا "، وكانت لنا غنيمات دبرات (3) مهزولات، فلما صار رسول الله صلى الله عليه وآله في منزلي صارت غنمي تروح شباعا " حافلة، تحمل وتضع وتدر وتحلب، ولا تدر في بني سعد لاحد من الناس غيري، فجمعت بنو سعد رعاتها


(1) في المصدر زيادة بعد ذلك هي: صنوان وغير صنوان. (2) في المصدر: إلى سخولها. قلت: السخال: ولد الشاة. (3) الدبر: المصاب بالدبرة: قرحة الدابة تحدث من الرجل ونحوه.

[ 391 ]

وقالوا لهم: ما بال أغنام حليمة بنت أبي ذؤيب تحمل وتضع وتدر وتحلب، وأغنامنا لا تحمل ولا تضع ولا تأتي بخير ؟ اسرحوا حيث تسرح رعاة بنت أبي ذؤيب حتى تروح غنمكم (1) شباعا " حافلة، قالت: فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والبركة والفضل والخير ببركة النبي صلى الله عليه وآله حتى كنا نتفضل على قومنا، وصاروا يعيشون في أكنافنا، فكنت أرى من يومه (2) عجبا "، ما رأيت له بولا قط، ولا غسلت له وضوءا " قط، طهارة ونظافة، وذلك أني كنت اسبق إلى ذلك، وكان له في كل يوم وقت واحد يتوضأ فيه ولا يعود إلى وقته من الغد، ولم يكن شئ أبغض إليه من أن يرى جسده مكشوفا "، فكنت إذا كشفت عن جسده يصيح حتى أستر عليه، فانتبهت ليلة من الليالي فسمعته يتكلم بكلام لم أسمع كلاما " قط أحسن منه، يقول: (لا إله إلا الله قدوسا " قدوسا "، وقد نامت العيون والرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم) وهو عند أول ما تكلم، فكنت أتعجب من ذلك، وكان يشب شبابا " لا يشبه الغلمان، ولم يبك قط، ولم يسئ خلقه، ولم يتناول بيساره، وكان يتناول بيمينه، فلما بلغ المنطق لم يمس شيئا " إلا قال: (بسم الله) فكنت معه في كل دعة (3) وعيش وسرور، وكنت قد اجتنبت الزوج لا أغتسل منه هيبة " لرسول الله صلى الله عليه وآله، حتى تمت له سنتان كاملتان، وقد ثمر (4) الله لنا الاموال، وأكثر لنا من الخير، فكانت تحمل لنا الاغنام، وتنبت لنا الارض، وقد ألقى الله محبته على كل من رآه، فبينا هو قاعد في حجري إذا مرت (5) به غنيماتي فأقبلت شاة من الغنم حتى سجدت له، وقبلت رأسه، فرجعت إلى صويحباتها، وكان ينزل عليه في كل يوم نور كنور الشمس فيغشاه ثم ينجلي عنه، وكان أخواه من الرضاعة يخرجان فيمران بالغلمان فيلعبان معهم، وإذا رآهم محمد صلى الله عليه وآله اجتنبهم وأخذ بيد أخويه ثم قال لهما: إنا لم نخلق لهذا، فلما


(1) في نسخة الاصل: عنكم والتصويب من نسخة أمين الضرب وغيرها ومن المصدر. (2) في نسخة: من نومه، وفي اخرى: من ثوبه. (3) الدعة: السكينة. الراحة وخفض العيش. (4) أي كثرها الله. (5) في المصدر: إذ مرت.

[ 392 ]

تم له ثلاث سنين قال لي يوما "، يا اماه مالي لا أرى أخوي بالنهار ؟ قلت له: يا بنى إنهما يرعيان غنيمات، قال: فما لي لا أخرج معهما ؟ قلت له: تحب ذلك ؟ قال: نعم، فلما أصبح دهنته وكحلته وعلقت في عنقه خيطا " فيه جزع يمانية، فنزعها ثم قال لي: مهلا يا اماه فإن معي من يحفظني، قالت: ثم دعوت با بني فقلت لهما: اوصيكما بمحمد خيرا "، لا تفارقاه، وليكن نصب أعينكما، قالت: فخرج مع أخويه في الغنم، فبيناهم يترامون بالجلة يعني البعر إذ هبط جبرائيل وميكائيل ومعهما طست من ذهب فيه ماء وثلج فاستخرجاه من الغنم والصبية فأضجعاه وشقا بطنه، وشرحا صدره، فاستخرجا منه نكتة سوداء وغسلاه بذلك الماء والثلج، وحشيا بطنه نورا "، ومسحا عليه فعاد كما كان، قالت: فلما رأى أخواه ذلك أقبل أحدهما اسمه ضمرة يعدو وقد علاه النفس وهو يقول: يا امه أدركي أخي محمدا " وما أراك تدركينه، قالت: فقلت: وما ذاك ؟ قال: أتاه رجلان عليهما ثياب خضر فاستخرجاه من بيننا وبين الغنم فأضجعاه وشقا بطنه، وهما يتوطئانه، قالت: فخرجت أنا وأبوه ونسوة من الحى فإذا أنا به قائما " ينظر إلى السماء، كأن الشمس تطلع من وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، ووالله لكأنما غمس في المسك غمسة، وقال له أبوه: يا بنى مالك ؟ قال: خير يا أبه، أتاني رجلان انقضا على من السماء كما ينقض الطير (1) فأضجعاني وشقا بطني، وحشياه بشئ كان معهما، ما رأيت ألين منه، ولا أطيب ريحا " ومسحا على بطني، فعدت كما كنت، ثم وزناني بعشرة من امتي فرجحتهم، فقال أحدهما: فلو وزنته بامته كلها لرجح، وطارا كذلك حتى دخلا السماء، قالت: فحملناه إلى خيم لنا، فقال الناس: اذهبوا به إلى كاهن حتى ينظر إليه ويداويه، فقال محمد: ما بي شئ مما تذكرون، وإني أرى نفسي سليمة، وفؤادي صحيحا " بحمد الله، فقال الناس: أصابه لمم أو طائف (2) من الجن.


(1) انقض الطير: هوى ليقع. (2) اللمم: طرف من الجنون يلم الانسان أي يقرب منه ويعتريه. والطائف ما يطوف حول الشئ، ومنه استعير الطائف من الجن والخيال والحادثة وغيرها، قال الله تعالى: (إذا مسهم طائف من الشيطان) وهو الذى يدور على الانسان من الشيطان يريد اقتناصه.

[ 393 ]

قالت: فغلبوني على رأيي حتى انطلقت به إلى كاهن، فقصصت قصته، قال: دعيني أن أسمع من الغلام ؟ فإن الغلام أبصر بأمره منكم، تكلم يا غلام، قالت حليمة: فقص ابني محمد صلى الله عليه وآله قصته من أولها إلى آخرها، فوثب الكاهن قائما " على قدميه وضمه إلى صدره ونادى بأعلى صوته: يا آل العرب يا آل العرب، من شر قد اقترب، اقتلوا هذا الغلام و اقتلوني معه، فإنكم إن تركتموه وأدرك مدرك الرجال ليسفهن أحلامكم، وليبدلن أديانكم، وليدعونكم إلى رب لا تعرفونه، ودين تنكرونه، قالت: فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت: أنت أعته (1) وأجن من ابني، ولو علمت أن هذا يكون منك ما أتيتك به، اطلب لنفسك من يقتلك فإنا لا نقتل محمدا "، فاحتملته واتيت به منزلي، فما بقي يومئذ في بني سعد بيت إلا ووجد منه ريح المسك. وكان ينقض عليه كل يوم طيران أبيضان يغيبان في ثيابه ولا يظهران، فلما رأى أبوه ذلك قال لي: يا حليمة إنا لا نأمن على هذا الغلام، وقد خشيت عليه من تباع (2) الكهنة فألحقيه بأهله قبل أن يصيبه عندنا شئ، قالت: فلما عزمت على ذلك سمعت صوتا " في جوف الليل ينادي: ذهب ربيع الخير، وأمان بني سعد، هنيئا " لبطحاء مكة إذا كان مثلك فيها يا محمد، فالان قد أمنت أن تخرب، أو يصيبها بؤس بدخولك إليها يا خير البشر، قالت: فلما أصبحت ركبت أتاني ووضعت النبي صلى الله عليه وآله بين يدي، فلم أكن أقدر افارقه مما كنت انادي يمنة ويسرة حتى انتهيت به إلى الباب الاعظم من أبواب مكة وعليه جماعة مجتمعون، فنزلت لاقضي حاجة وأنزلت النبي صلى الله عليه وآله فغشيتني كالسحابة البيضاء و سمعت وجبة شديدة، ففزعت، وجعلت ألتفت يمنة ويسرة ونظرت فلم أر النبي صلى الله عليه وآله، فصحت: يا معشر قريش الغلام الغلام، قالوا: ومن الغلام ؟ قلت: محمد بن آمنة، قالو: ومن أين كان معك محمد لعلك تحلمين (3) أو منك هذيان ؟ قلت: لا والله ما حلمت وإني لفي يقين من أمري، فجعلت أبكي وانادي: وا محمداه، فبينا أنا كذلك إذا أنا بشيخ كبير فقال لي: أيتها السعدية


(1) عنه: نقص عقله. دهش من غير مس جنون، فهو معتوه. (2) التباع جمع التابع: الجنى. من سار في أثر غيره، أو عمل عمله. (3) حلم: رأى في منامه رؤيا.

[ 394 ]

إن لك لقصة عجيبة، قالت: قلت: إي والله لقصتي عجيبة، محمد بن آمنة أرضعته ثلاثة أحوال (1) لا افارقه ليله ونهاره، فنعشني (2) الله به، وأنضر وجهي (3)، ومن علي، و أفضل ببركته حتى إذا ظننت أني قد بلغت به الغاية أديت إلى امه الامانة لاخرج من عهدي وأمانتي، فاختلس مني اختلاسا " قبل أن يمس قدمه الارض، وإني أحلف بإله إبراهيم لئن لم أجده لارمين بنفسي من حالق (4) الجبل، قالت: وقال لي الشيخ: لا تبكي أيتها السعدية ادخلي على هبل، فتضرعي إليه فلعله يرده عليك فإنه القوي على ذلك العالم بأمره، قالت: فقلت له: أيها الشيخ كأنك لم تشهد ولادة محمد ليلة ولد ما نزل باللات والعزى ؟ فقال لي: أيتها السعدية إني أراك جزعة، فأنا أدخل على هبل وأذكر أمرك له، فقد قطعت أكبادنا ببكائك، ما لاحد من الناس على هذا صبر، قالت: فقعدت مكاني متحيرة، ودخل الشيخ على هبل وعيناه تذرفان بالدموع فسجد له طويلا، وطاف به اسبوعا "، ثم نادى: يا عظيم المن، يا قويا " في الامور، إن منتك على قريش لكثيرة، وهذه السعدية رضيعة محمد تبكي، قد قطع بكائها الانياط (5)، وأبرز العذارى، فإن رأيت أن ترده عليها إن شئت، قالت: فارتج والله الصنم، وتنكس ومشى على رأسه وسمعت منه صوتا " يقول: أيها الشيخ أنت في غرور، مالي ولمحمد، وإنما يكون هلاكنا على يديه، وإن رب محمد لم يكن ليضيعه ويحفظه، أبلغ عبدة الاوثان أن معه الذبح الاكبر، ألا أن يدخلوا في دينه، قالت: فخرج الشيخ فزعا " مرعوبا "، نسمع لسنه قعقعة (6)، ولركبتيه (7) اصطكاكا " يقول (8) لي: يا حليمة ما رأيت من هبل مثل هذا، فاطلبي


(1) الاحوال: السنون. (2) في المصدر: فعيشني الله به. (3) أي صير الله وجهى ناضرا والناضر: من حسن وكان جميلا. (4) الحالق من الجبال: المنيف المرتفع لا نبات فيه كأنه حلق، يقال: جاء من حالق: أي من مكان مشرف. (5) الانياط جمع النياط: عرق غليظ متصل بالقلب يموت صاحبه بقطعه. (6) القعقعة: صريف الاسنان وصوتها. (7) اصطكت ركبتاه: اضطربتا وضربت احداهما الاخرى عند المشى. (8) في المصدر: ولركبتيه اصطكاك، كأنه يقول لى.

[ 395 ]

ابنك، إني أرى لهذا الغلام شأنا " عظيما "، قالت: فقلت لنفسي: كم تكتم من أمره عبد المطلب، أبلغه الخبر قبل أن يأتيه من غيري، قالت: فدخلت على عبد المطلب، فلما نظر إلي قال لي: يا حليمة مالي أراك جزعة باكية، ولا أرى معك محمدا " ؟ قالت: قلت: يا أبا الحارث جئت بمحمد أسر ما كان، فلما صرت على الباب الاعظم من أبواب مكة نزلت لاقضي حاجة فاختلس منى اختلاسا " قبل أن يمس قدمه الارض، فقال لي: اقعدي يا حليمة، قالت: ثم علا الصفا فنادى: يا آل غالب، يعني يا آل قريش، فاجتمع إليه الرجال فقالوا له: قل يا أبا الحارث فقد أجبناك، فقال لهم: إن ابني محمدا " قد فقد، قالوا له: فاركب يا أبا الحارث حتى نركب معك، قالت: فدعا عبد المطلب براحلته فركبها، و ركب الناس معه، فأخذ أعلى مكة وانحدر على أسفلها. فلما أن لم ير شيئا " ترك الناس واتزر بثوب، وارتدى بآخر، وأقبل إلى البيت الحرام فطاف به اسبوعا " وأنشأ يقول: (شعر) يا رب رد راكبي محمدا " * رد إلي واتخذ عندي يدا " أنت الذي جعلته لي عضدا " * يا رب إن محمدا " لم يوجدا فجمع قومي كلهم تبددا " (1) قال: فسمعنا مناديا " ينادي من جو الهواء: معاشر الناس، لا تضجوا، فإن لمحمد ربا " لا يضيعه ولا يخذله، قال عبد المطلب: يا ايها الهاتف من لنابه ؟ وأين هو ؟ قال: بوادي تهامة، فأقبل عبد المطلب راكبا " متسلحا "، فلما صار في بعض الطريق تلقاه ورقة بن نوفل فصارا جميعا " يسيران، فبينما هم كذلك إذا النبي صلى الله عليه وآله تحت شجرة، وقال بعضهم: بينا أبو مسعود الثقفي وعمرو بن نوفل يدوران على رواحلهما إذا هما برسول الله قائما " عند شجرة الطلحة وهي الموز يتناول من ورقها، فقال أبو مسعود لعمرو: شأنك بالغلام، فأقبل إليه عمرو وهو لا يعرفه، فقال له: من أنت يا غلام ؟ فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم، فاحتمله بين يديه على الراحلة حتى أتى به عبد المطلب. قال إسحاق: فحدثني سلمة، عن محمد، عن يزيد، عن ابن عباس أنه قال: لما أن رد الله محمدا " على عبد المطلب تصدق ذلك اليوم على فقراء قريش بألف ناقة كومآء (2)، و


(1) التبدد: التفرق، أي مجمع قومي يصيرون متفرقا ومتبددا. (2) كوماء: الناقة الضخم السنام.

[ 396 ]

خمسين رطلا من ذهب، ثم جهز حليمة بأفضل الجهاز (1). 26 - وروي أنه لما سلمته امه إلى حليمة السعدية لترضعه، وقامت سوق عكاظ، انطلقت به إلى عراف من هذيل يريه الناس صبيانهم، فلما نظر إليه صاح: يا معشر هذيل، يا معشر العرب، فاجتمع الناس من أهل المواسم، فقال: اقتلوا هذا الصبي، فانسلت به حليمة، فجعل الناس يقولون: أي صبي ؟ فيقول: هذا الصبي، فلا يرون شيئا " قد انطلقت به امه، فيقال: ما هو ؟ فيقول: رأيت غلاما " وآلهته ليقتلن أهل دينكم، وليكسرن آلهتكم، وليظهرن أمره عليكم، فطلب بعكاظ فلم يوجد، ورجعت به حليمة إلى منزلها فكانت بعد لا تعرضه لعراف ولا لاحد من الناس. 27 - وروي بإسناد (2) ذكره عن شداد بن أوس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله يحدثنا على باب الحجرات إذ أقبل شيخ من بني عامر هو مدرة قومه وسيدهم، شيخ كبير يتوكأ على عصاه، فمثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ونسبه إلى جده، فقال: يا بن عبد المطلب إني انبئت أنك رسول الله إلى الناس، أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الانبياء عليهم السلام، ألا وإنك تفوهت بعظيم، إنما كانت الانبياء والخلفاء في بيتين من بيوت بني إسرائيل: بيت خلافة، وبيت نبوة، فلا أنت من أهل هذا البيت، ولا من أهل هذا البيت، إنما أنت رجل من العرب، ممن كان يعبد هذه الحجارة والاوثان، فمالك و للنبوة ؟ ولكن لكل قول حقيقة فأتني بحقيقة قولك، وبدؤ شأنك، فأعجب النبي صلى الله عليه وآله مسائلته، ثم قال: يا أخا بني عامر إن للحديث الذي تسأل عنه نبأ فاجلس فسل، فثنى رجله (3)


(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني من القسم الثاني. (2) والاسناد هكذا: أبو عبد الله محمد بن احمد بن تمام بن حسان الصالحي، حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي، حدثنا ابو الفرج يحيى بن محمود بن سعد الثقفى حدثنا ابو على الحسن بن أحمد الحداد، حدثنا الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة، حدثنا رزق الله بن موسى، حدثنا محمد بن يعلى الكوفى، حدثنا عمر بن صبيح، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، عن شداد بن أوس. (3) في المصدر: رجليه.

[ 397 ]

وبرك كما يبرك البعير، فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وآله بالحديث، فقال: يا أخا بني عامر إن حقيقة قولي وبدؤ شأني أني دعوة إبراهيم عليه السلام، وبشرى أخي عيسى بن مريم عليه السلام و وإني كنت بكر امي، وإنها حملتني كأثقل ما تحمل النساء حتى جعلت تشتكي إلى صواحباتها ثقل ما تجد، ثم إن امي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور حتى أضاءت له مشارق الارض ومغاربها، ثم إنها ولدتني، فلما نشأت بغضت إلي الاوثان، وبغض إلي الشعر، وكنت مسترضعا " في بني بكر، فبينا أنا ذات يوم مع أتراب (1) لي من الصبيان في بطن واد وإذا أنا برهط معهم طشت من ذهب ملان ثلجا "، فأخذوني من بين أصحابي، وانطلقوا أصحابي هرابا " حتى إذا انتهوا إلى شفير الوادي أقبلوا على الرهط، فقالوا: ما رابكم إلى هذا الغلام، فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا من غلام ليس له أب ولا ام، فماذا يرد عليكم قتله، وما تصيبون من ذلك ؟ فإن كنتم لابد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فاقتلوه مكانه، ودعوا هذا الغلام، فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون إليهم جوابا " انطلقوا هرابا " مسرعين إلى الحي، يؤذنونهم بي ويستصرخونهم على القوم، فعمد أحدهم فأضجعني على الارض إضجاعا " لطيفا "، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، وأنا أنظر إليه، لا أجد لذلك مسا "، ثم أخرج أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه: تنح، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي فصدعه، فأخرج منه مضغة سوداء فرمى بها، ثم قال بيده: يمنة منه، كأنه تناول شيئا "، فإذا أنا في يده بخاتم نور تحار أبصار الناظرين دونه، فختم به قلبي فامتلاء نورا "، وذلك نور النبوة والحكمة، ثم أعاده إلى مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم، ثم قام الثالث منهم فقال لصاحبه: تنح، فنحاه عني و أمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله عزوجل، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا " لطيفا "، ثم قال للاول الذي شق بطني: زنه بعشرة من امته، فوزنني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بمأة من امته، فوزنني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف من امته فوزنني بهم فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بامته كلها


(1) أي مع من كان على سنى.

[ 398 ]

رجحهم، ثم انكبوا علي فضموني إلى صدورهم فقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا: يا حبيب لم ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عينك فبينا نحن كذلك إذا نحن بالحي قد جاؤا بحذافيرهم، وإذا امي وهى ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وهي تقول: يا ضعيفاه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، فانكبوا علي وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من ضعيف، قالت ظئري: يا وحيداه، فانكبوا علي وقالوا: حبذا أنت من وحيد، وما أنت بوحيد، إن الله عزوجل معك، والملائكة والمؤمنون من أهل الارض، ثم قالت ظئرى: يا يتيماه، فانكبوا علي و قالوا: حبذا أنت من يتيم، ما أكرمك على الله عزوجل، ولو تدري ما يراد بك من الخير، فلما بصرت بي امي وهي ظئري قالت: يا بني لا أراك (1) حيا " بعد ؟ فجائت فأخذتني وضمتني إلى صدرها، وأجلستني في حجرها، فو الذي نفسي بيده إني لفي حجرها، وإن يدي لفي يد بعضهم: فجعلت أتلفت إليهم فظننت أنهم يبصرونهم، فإذاهم لا يبصرونهم، فيقول بعض القوم: قد أصاب هذا الغلام لمم أو طيف (2) من الجن، فاذهبوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه، فقلت: يا هذا ما بي شئ مما تذكرون، إني لارى نفسي سليمة، وفؤادي صحيحا "، ليس بي قلبة، فقال أبي وهو زوج ظئري: ألا ترون إلى كلامه صحيحا " ؟ إني لارجو أن لا يكون با بني بأس، فأتوا بي كاهنهم فقصوا عليه قصتي، فقال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام أمره، فهو أعلم بأمره منكم، فسألني فقصصت عليه أمري من أوله إلى آخره، فوثب إلي وضمني إلى صدره، ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب، مرتين، اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه، فواللات والعزي لئن تركتموه وأدرك ليخالفن أمركم، و ليسفهن عقولكم وعقول آبائكم، وليبدلن دينكم، وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله، فعمدت ظئري فانتزعتني من حجره وقالت: لانت أعته (3) وأجن من ابني هذا، ولو علمت


(1) في المصدر: ألا أراك. (2) الطيف خيال الشئ وصورته المترائى له في المنام أو اليقظة، وقال الجزرى: أي عرض له عارض منهم. (3) تقدم قريبا معناه.

[ 399 ]

أن هذا قولك ما آتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك، فإنا غير قاتل هذا الغلام، ثم احتملوني فأدوني إلى أهلي، وأصبحت معرى (1) مما فعل بي، وأصبح أثر الشق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك، فذاك يا أخا بني عامر حقيقة أمري، وبدؤ نشأتي. فقال العامري: أشهد بالله الذي لا إله غيره أن أمرك حق، فانبئني عن أشياء أسألك عنها، قال: سل عنك، كلمه بلغة عامر، قال: يابن عبد المطلب ماذا يزيد في العلم قال: التعلم، قال: فما يزيد في الشر ؟ قال: التمادي، قال: هل ينفع البر بعد الفجور ؟ قال: نعم التوبة تغسل الحوبة، والحسنات يذهبن السيئات، وإذا ذكر العبد ربه عز وجل في الرخاء أجابه عند البلاء، قال يابن عبد المطلب: وكيف ذاك ؟ قال: لان الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي لا أجمع أبدا " لعبدي أمنين، ولا أجمع عليه أبدا " خوفين، إن هو آمنني في الدنيا خافني يوم أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم، فيدوم له خوفه، وإن هو خافني في الدنيا آمنني يوم أجمع فيه عبادي في حظيرة القدس، فيدوم له أمنه، ولا أمحقه فيمن أمحق، قال: يابن عبد المطلب فإلى ما تدعو ؟ قال: أدعو إلى عبادة الله عزو جل، وحده لا شريك له، وأن تخلع الانداد، وتكفر باللات والعزي، وتقر بما جاء به الله (2) عزوجل من كتاب أو رسول، وتصلي الصلوات الخمس بحقائقهن، وتؤدى زكاة مالك يطهرك الله عزوجل، ويطهر لك مالك، وتصوم شهرا " من السنة، وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلا "، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، وبالجنة والنار، قال: يابن عبد المطلب فإذا فعلت ذلك فمالي ؟ قال: جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى، قال: يابن عبد المطلب فهل مع هذا شئ من الدنيا ؟ فإنه يعجبني الوطأة في العيش، قال: نعم النصر والتمكين في البلاد، فأجاب وأناب.


(1) هكذا في الاصل ومصدره، وفي تاريخ الطبري: مفزعا. (2) في المصدر: جاء من الله.

[ 400 ]

هذا حديث حسن غريب بهذا السياق يعد في إفراد محمد بن يعلى (1). ومدرة القوم: خطيبهم، والمتكلم عنهم. وقوله: فمثل، أي قام، وتفوهت أي تكلمت. وقوله: دعوة إبراهيم هي قول الله عزوجل عن إبراهيم عليه السلام: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) وقوله تعالى: (قال: ومن ذريتي). وقوله: إني كنت بكر امي، أي أول ولد ولدته، وفي نسخة: كنت في بطن امي وقوله: مارابكم أي ما شكككم، ومعناه هاهنا: ما دعاكم إلى أخذ هذا الغلام، وقوله: فماذا يرد عليكم قتله ؟ أي ما ينفعكم ذلك. ولا يحيرون أي لا يرجعون ولا يردون. ويؤذنونهم: يعلمونهم. ويستصرخون أي يستغيثون بهم. وقوله: فأنعم غسلها، أي بالغ فيه. وقوله: فصدعه، أي فشقه. وقوله: ثم قال بيده يمنة منه، أي أشار بيده إلى جانب يمينه. قوله: فإذا أنا في يده بخاتم نور، أي رأيت حينئذ ذلك في يده. وقوله: رجحهم (2)، أي رجح بهم وعليهم. وقوله: لم ترع، أي لا تخف. وجواب قوله: (ولو تدري ما يراد بك) في المرة الاخيرة محذوف، تقديره: لقرت عينك. والقلبة: الداء. واللام في يا للعرب للاستغاثة. وقوله: معرى من العروآء وهي الرعدة. وقوله: سل عنك، وفي رواية اخرى قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يقول للسائلين قبل ذلك: سل عما شئت وعما بدالك، فقال للعامري: سل عنك، لانها لغة بنى عامر، فكلمه بما يعرف. قوله: فأتيني بحقيقة ذلك وفي رواية: فأنبئني. والحوبة: الاثم. و الوطأ: النعمة (3). 28 - كنز الكراجكى: روي عن حليمة السعدية قالت: لما تمت للنبي صلى الله عليه وآله


(1) في المصدر: وكان يلقب بزنبور، وليس بذاك، ولمكحول عن شداد أحاديث غير انها مرسلة. انتهى. قلت: محمد بن يعلى ضعفه ابن حجر في التقريب، وحكى عن ابى حاتم أنه قال: متروك، وقال الخطيب: يتكلم فيه وهو ذاهب توفى سنة 205. (2) في المصدر: فرجحتهم. وهو الصحيح كما تقدم. فعليه فالصحيح في التفسير أي رجحت بهم وعليهم. (3) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثالث من القسم الثاني، قلت: والحديث أيضا موجود في تاريخ الطبري 1: 575، وقد أخرج ابن أبي الحديد مختصره في شرحه على نهج البلاغة كما رواه المصنف قبل ذلك.

[ 401 ]

سنة تكلم بكلام لم أسمع أحسن منه، سمعته يقول: (قدوس قدوس، نامت العيون و الرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم) ولقد ناولتني امرأة كف تمر من صدقة فناولته منه وهو ابن ثلاث سنين فرده علي، وقال: يا امه لا تأكلي الصدقة، فقد عظمت نعمتك، وكثر خيرك، فإني لا آكل الصدقة، قالت: فو الله ما قبلتها بعد ذلك (1). 29 - ثم قال الكاذروني: روي أن شق صدره صلى الله عليه وآله كان في سنة ثلاث من مولده وقيل: في سنة أربع على ما روي عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، عن أصحابه قال: مكث صلى الله عليه وآله عندهم سنتين حتى فطم، وكان ابن أربع سنين فقدموا به على امه زائرين لها به، وأخبرتها حليمة خبره وما رأوا من بركته، فقالت آمنة (2): ارجعي بابني فإني أخاف عليه وباء مكة، فو الله ليكونن له شأن، فرجعت به، ولما بلغ أربع سنين أتاه الملكان فشقا بطنه، ثم نزلت به إلى آمنة وأخبرتها خبره، ثم رجعت به أيضا "، وكان عندها سنة ونحوها (3) لا تدعه يذهب مكانا " بعيدا "، ثم رأت غمامة تظله إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، فأفزعها ذلك أيضا " من أمره، فقدمت به إلى امه لترده وهو ابن خمس سنين، فأضلته في الناس فالتمسته فلم تجده، وذكر نحو ما تقدم (4). وقد روي أن عبد المطلب بعثه صلى الله عليه وآله في حاجة وضاع (5)، وفي الاخبار أن حليمة قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة وقد تزوج بخديجة فشكت إليه جدب البلاد وهلاك الماشية فكلم رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة، فأعطتها أربعين شاة وبعيرا "، وانصرفت إلى أهلها، ثم قدمت عليه صلى الله عليه وآله بعد الاسلام فأسلمت هي وزوجها (6). وروي في الحديث: استأذنت امرأة على النبي صلى الله عليه وآله كانت أرضعته، فلما دخلت


(1) كنز الفوائد: 72 وفيه: ما قبلتها بعد ذلك من أحد من العالمين. (2) تقدم قبلا أن حليمة استدعت ذلك. (3) في المصدر: أو نحوها. (4) في المصدر نحو ما تقدم في الاختلاس منها. (5) في المصدر بعد قوله: وضاع: فقال: اللهم رد راكبي محمدا. القصة كما مرت. (6) زاد في المصدر: وبايعهما.

[ 402 ]

عليه قال: امي امي، وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه (1). وروى عن أبي حازم قال: قدم كاهن مكة ورسول الله ابن خمس سنين، وقد قدمت به ظئره إلى عبد المطلب، وكانت تأتيه به في كل عام، فنظر إليه الكاهن مع عبد المطلب فقال: يا معشر قريش اقتلوا هذا الصبي (2) فإنه يفرقكم ويقتلكم، فهرب به عبد المطلب فلم يزل قريش تخشى من أمره ما كان الكاهن حذرهم من أمره (3). وفي سنة ست من مولده صلى الله عليه وآله ماتت امه كما مر ذكره (4). ولنذكر ما حدث في سنة سبع من مولده صلى الله عليه وآله: روي عن نافع بن حسين (5) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكون مع امه آمنة فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب، وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام، وكان يجلس على فراشه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: دعوا ابني فإنه يؤنس (6) ملكا، وقال قوم: من بني مدلج (7) لعبد المطلب احتفظ به فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه، فقال عبد المطلب لابي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظه (8)، وقال عبد المطلب لام أيمن وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وآله: يا بركة لا تغفلي عن ابني، فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الامة، وكان عبد المطلب لا يأكل الطعام الا قال: علي بابني، فيؤتى به إليه (9)، فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وحياطته. ومما وقع في تلك السنة ما روي أنه أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله رمد شديد فعولج بمكة


(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الرابع من القسم الثاني. (2) في المصدر: هذا الغلام. (3) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الثاني: فيما كان سنة خمس من مولده صلى الله عليه وآله. (4) المصدر: الفصل الثالث فيما كان سنة ست من مولده صلى الله عليه وآله (5) في المصدر: نافع بن جبير ولعله الصحيح. (6) في المصدر: ليؤنس. (7) وكانوا معروفين بعلم القيافة. (8) في المصدر: يحتفظ به. (9) المصدر خال عن لفظة إليه.

[ 403 ]

فلم يغن عنه، فقيل لعبد المطلب: إن في ناحية عكاظ راهبا " يعالج الاعين، فركب إليه فناداه وديره مغلق فلم يجب، فتزلزل به ديره حتى خاف أن يسقط عليه، فخرج مبادرا " فقال: يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الامة، ولو لم أخرج إليك لخر علي ديري فارجع به واحفظه لا يغتاله بعض أهل الكتاب، ثم عالجه وأعطاه ما يعالج به، وألقى الله له المحبة في قلوب قومه وكل من يراه. ومن ذلك خروج عبد المطلب برسول الله صلى الله عليه وآله يستسقون كما روي بإسناد ذكره (1) عن رقيقة بنت صيفي بن هاشم قالت: تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع، وأرمت العظم - ويروى وأرقت وأدقت - فبينا أنا راقدة اللهم أو مهومة ومعي صنوي فإذا أنا بهاتف صيت يصرخ بصوت صحل يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم هذا إبان نجومه، فحي هلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلا " منكم طوالا " عظاما "، أبيض بضا "، أشم العرنين، سهل الخدين، له فخر، يكظم عليه. ويروى: رجلا وسيطا " عظاما " (2) جساما " أوطف الاهداب، ألا فليخلص هو وولده وليدلف إليه من كل بطن رجل، ألا فليشنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، وليطوفوا بالبيت سبعا "، ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته، ألا فليستسق الرجل وليؤمن (3) القوم، ألا فغثتم إذا ما شئتم وعشتم،


(1) والاسناد هكذا: أخبرنا شيخنا بدر الدين أبو محمد عبد الله بن الحسين بن أبى التائب الدمشقي قال: أخبرنا أبو الفضل إسماعيل بن أحمد بن الحسين العراقى، أخبرنا شهده بنت أحمد بن الفرج الا برى الكاتب، أخبرنا طراد بن محمد، أخبرنا على بن محمد بن بشران، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد القرشى، حدثنى زكريا بن يحيى الطائى، حدثنى زخر بن حصن، عن جده حبيب بن منهب قال: قال عمى عروة بن مضرس يحدث عن محزمة بن نفيل عن امه رقيقة بنت صيفي بن هاشم - قلت: زخر مصحف زحر بالحاء المهملة، على ما في تهذيب التهذيب 3: 337، واسد الغابة 5: 454، أو بالجيم كما في لسان الميزان 2: 473، وعلى أي فهو لا يعرف. وحبيب مصحف حميد، على ما في تهذيب التهذيب، والاصابة 4: 296 واسد الغابة، وفي الاخيرين: مخرمة بن نوفل، وأخرج الحديث ابن اثير في اسد الغابة 5: 454 والحلبي في السيرة 1: 131 وابن حجر في الاصابة 4: 296، فعلى أي فالحديث مروى من طرق العامة كغيره مما تقدم ويأتى. (2) العظام والعظام: العظيم. والجسام: العظيم والضخيم. (3) أمن: قال: آمين.

[ 404 ]

قالت: فأصبحت مذعوره قد قف جلدي، ودله عقلي، واقتصصت رؤياي فو الحرمة والحرم إن بقي أبطحي إلا قال: هذا شيبة الحمد، وتتامت عنده قريش، وانقض إليه من كل بطن رجل فشنوا ومسوا واستلموا وطوفوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يدفون حوله ما إن يدرك سعيهم مهله حتى قروا بذروة الجبل، واستكفوا جنابيه، فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمدا " فرفعه على عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب، ثم قال: (اللهم ساد الخلة (1)، وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلم، مسئول غير مبخل، وهذه عبداؤك، وإماؤك، بعذرات حرمك يشكون (2) إليك سنتهم التي أذهبت الخف والظلف (3)، فاسمعن اللهم، وأمطرن علينا غيثا " مريعا " مغدقا " (4)) فما راموا البيت حتى انفجرت السماء بماءها، وكظ الوادي بثجيجه، فسمعت شيخان العرب وجلها: عبد الله بن جدعان وحرب بن امية وشهاب بن المغيرة يقولون لعبد المطلب: هنيئا " لك أبا البطحاء ! وفي ذلك قالت رقيقة: (شعر): بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا * فقد فقدنا الحيا واجلو ذالمطر فجاد بالمآء جوني له سبل * سحا " فعاشت به الانعام والشجر منا " من الله بالميمون طائره * وخير من بشرت يوما " به مضر مبارك الاسم يستسقى الغمام به * ما في الانام له عدل ولا خطر قوله: أقحلت من قحل قحولا: إذ يبس. راقدة أي نائمة. مهمومة يقال: هوم أي هز رأسه من النعاس. صيت فيعل من صات يصوت كالميت من مات. والصحل: الذي في صوته ما يذهب بحدته من بحة وهو مستلذ في السمع. إبان نجومه: وقت


(1) الخلة: الثقبة. (2) في المصدر: يشتكون. (3) الخف للبعير والنعام كالحافر لغيرهما وهو بمنزلة القدم للانسان والظلف: هو لما اجتر من الحيوانات كالبقرة والظبى. وهما كناية عن البعير والبقرة وغيرهما، أي يشتكون سنتهم التى أذهبت أباعرهم وأباقرهم وسائر حيواناتهم. (4) المريع: المخصب الناجع. المغدق فعيل من الغدق: المطر الكبار القطر، يقال: اغدق المطر أي كثر قطره. فهو مغدق.

[ 405 ]

ظهوره، وهو فعلان من آب الشئ: إذا تهيأ. وحي هلا أي ابدأ به واعجل بذكره. والحيا بفتح الحاء مقصورا ": المطر لانه حياة الارض. وطوال مبالغة في طويل، وكذا عظام وجسام، وفعال مبالغة في فعيل، وفعال أبلغ منه، نحو كرام وكرام. والكظم الامساك وترك الابداء، أي إنه من ذوي الحسب والفخر وهو لا يبدي ذلك. والبض بالباء الموحدة المفتوحة، والضاد المعجمة، من البضاضة وهو رقة اللون وصفآء البشرة. والعرنين بالكسر: الانف، وقيل: رأسه. والوسيط: أفضل القوم من الوسط. أوطف الاهداب: طويلها. فليخلص أي فليتميز هو وولده من الناس من قوله تعالى: (خلصوا نجيا). وليدلف إليه وليقبل إليه من الدليف وهو المشي الرويد، والتقدم في رفق. وشن الماء: صبه على رأسه، وقيل: الشن: صب الماء متفرقا ". قوله: لداته على وجهين: أن يكون جمع لدة مصدر ولد نحو عدة وزنة، يعني أن مولده ومواليد من مضى من آبائه كلها موصوف بالطهر والذكاء، وأن يراد أترابه (1)، وذكر الاتراب اسلوب من أساليهم في تثبيت الصفة وتمكينها، لانه إذا جعل من جماعة وأقران ذوي طهارة فذاك أثبت لطهارته وأدل على قدسه. غثتم: مطرتم بكسر الغين، أو بضمه. قف: تقبض (2) واقشعر. و القفة: الرعدة. دله: دهش وتحير. شيبة الحمد: اسم لعبد المطلب عامر، وإنما قيل له: شيبة لشيبة كانت في رأسه حين ولد، وقد مر سبب تسميته بعبد المطلب. تتامت التتام: التوافر. يدفون الدفيف: المر السريع. والمهل بالاسكان: التوءده. استكفوا: أحدقوا من الكفة وهى ما استدار ككفة الميزان. جنابيه أي جانبيه. أيفع: ارتفع. كرب: قرب من الايقاع، ومنه الكروبيون: المقربون من الملائكة. والعبداء والعبدى بالمد والقصر: العبيد. والعذرة: الفناء. وكظيظ الوادي: امتلاؤه. والثجيج: الماء المثجوج، أي المصبوب. والشيخان: جمع شيخ كالضيفان في ضيف. وقيل له: أبو البطحاء لان أهلها عاشوا به و انتعشوا، كما يقال للطعام (3): أبو الاضياف. واجلوذ أي كثر وامتد. جوني: سحاب


(1) فيكون من ألدى إلداء: كثرت لداته أي أترابه. (2) في المصدر: انقبض. (3) المطعام خ ل وهو الموجود في المصدر.

[ 406 ]

أسود، وسبل (1): جار. سحا أي منصبا. والعدل: المثل، وكذلك الخطر. ثم قال: ومن ذلك خروج عبد المطلب لتهنئة سيف بن ذي يزن كما حدثنا إسماعيل بن المظفر بإسناده (2) عن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن قال: لما ظفر جدي سيف على الحبشة وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله بسنتين أتت وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئته، وتذكر ما كان من بلائه وطلبه ثبار قومه. أقول: وساق الحديث مثل ما تقدم برواية الصدوق في باب البشائر. ثم قال: هذا الحديث دال على أن الوفادة إلى ابن ذي يزن كان في سنة ثلاث من مولد رسول الله صلى الله عليه وآله، والاصح أنها كانت سنة سبع، لانه يقول عبد المطلب: توفي أبوه وامه وكفلته أنا وعمه، وام رسول الله صلى الله عليه وآله لم تمت حتى بلغ ست سنين (3). ثم قال: وأما ما كان سنة ثمان من مولده صلى الله عليه وآله فمن ذلك موت عبد المطلب رضي الله عنه، وكان يوصي برسول الله صلى الله عليه وآله عمه أبا طالب، وذلك أن أبا طالب وعبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وآله كانا لام، وكان الزبير من امهما أيضا "، لكن كانت كفالة أبي طالب له بسبب، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وصية عبد المطلب لابي طالب. والثاني: أنهما اقترعا فخرجت القرعة لابي طالب. والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وآله اختاره، ومات عبد المطلب وهو يومئذ ابن ثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مائة وعشرين سنة.


(1) السبل: المطر النازل من السحاب قبل أن يصل إلى الارض. (2) الاسناد هكذا: أخبرنا شيخنا أبو الفضائل اسماعيل بن المظفر بن محمد، أخبرنا علاء الدين المجتبى بن محمد المجتبى الحسينى، أخبرنا أبو موسى محمد بن أبى بكر بن أبى عيسى المدينى، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن محمد التاجر، أخبرنا أبو القاسم بن محمد بن إسحاق، أخبرنا والدى، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا ابراهيم بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ابن عفير بن عبد العزيز ابن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذى يزن يكنى أبا يزن، حدثنا عمى أبو رحى أحمد بن خنبش ابن عبد العزيز، حدثنى محمد بن عبد العزيز حدثنى أبى عبد العزيز بن عفير، حدثنى ابى عفير بن عبد العزيز، حدثنى عبد العزيز بن السفر، حدثنى أبى السفر بن عفير، عن أبيه عفير، عن أبيه زرعة بن سيف بن ذى يزن الحميرى. (3) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الخامس في ما كان سنة سبع من مولده صلى الله عليه وآله وسلم.

[ 407 ]

ومن ذلك كفالة أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وآله، قالوا: لما توفي عبد المطلب قبض أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله إليه، فكان يكون معه، وكان أبو طالب لامال له وكان يحبه حبا " شديدا " لا يحب ولده كذلك، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وقد كان يخصه بالطعام، وإذا أكل عيال أبي طالب (1) جميعا " أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وآله شبعوا، فكان إذا أراد أن يغديهم قال: كما أنتم حتى يحضر ابني، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فيأكل معهم، وكانوا يفضلون من طعامهم، وإذا لم يكن معهم لم يشبعوا، فيقول ابو طالب: إنك لمبارك، وكان الصبيان يصبحون رمضا " شعثا "، ويصبح رسول الله صلى الله عليه وآله دهينا " كحيلا، (2)، وكان أبو طالب يلقى له وسادة يقعد عليها، فجاء النبي صلى الله عليه وآله فقعد عليها، فقال أبو طالب: وآله ربيعة (3) إن ابن أخي ليحس بنعيم. وروي عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز ومعي ابن أخي يعني النبي صلى الله عليه وآله، فأدركني العطش فشكوت إليه، فقلت: يابن أخي قد عطشت، وما قلت له وأنا أرى أن عنده شيئا " إلا " الجزع، قال: فثنى وركه ثم برك، فقال: يا عم أعطشت ؟ قال: قلت: نعم، فأهوى بعقبيه إلى الارض فإذا " بالمآء، فقال: اشرب يا عم، فشربت. ومن ذلك هلاك حاتم الذي يضرب به المثل في الجود والكرم. ومن ذلك موت كسرى أنوشيروان وولاية ابنه هرمز. ومما كان في سنة تسع من مولده صلى الله عليه وآله ما روي في بعض الروايات أن أبا طالب خرج برسول الله صلى الله عليه وآله إلى بصرى وهو ابن تسع سنين. ومما كان سنة عشر من مولده صلى الله عليه وآله الفجار الاول، وهو قتال وقع بعكاظ، وكانت الحرب فيه ثلاثة أيام.


(1) في نسخة الاصل: أبو طالب، والظاهر أنه وهم من الكاتب. (2) الرمص: ما يجتمع في زوايا العين من وسخ أبيض رطب. والغمص: اليابس منه. وشعث الشعر: كان مغبرا متلبدا فصاحبه أشعث والجمع الشعث. ودهن الرأس: طلاه بزيت أو طيب أو نحوهما فهو دهين. وكحل العين: جعل فيها الكحل. يقال: عين كحيل. (3) المصدر خلى عن قوله: واله ربيعة.

[ 408 ]

ومما كان سنة إحدى عشرة من مولده صلى الله عليه وآله ما روي عن ابي بن كعب قال: إن أبا هريرة سأل رسول الله صلى الله عليه وآله ما أول ما رأيت من أمر النبوة ؟ فاستوى جالسا " وقال: لقد سألت يا أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو ؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على خلق قط، فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لاخذهما مسا "، فقال أحدهما لصاحبه: اضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر (1)، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، ففلق أحدهما صدري بلا دم ولا وجع، فقال له: اخرج الغل والحسد، فأخرج شيئا " كرصة العلقة، ثم نبذها فطرحها، ثم قال له: ادخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هز أبهام رجلي فقال: اعدوا (2) بنبيكم، فرجعت بهما أعدوا (3) بهما رأفة على الصغير ورحمة للكبير (4). وأما ما كان سنة اثنتى عشرة من مولده صلى الله عليه وآله إلى ثلاث عشرة منه فخروجه صلى الله عليه وآله مع أبي طالب إلى الشام، روي أنه لما أتت لرسول الله صلى الله عليه وآله اثنتى عشرة سنة وشهران و عشرة أيام ارتحل به أبو طالب للخروج إلى الشام، وذلك أنه لما تهيأ للخروج أضب به رسول الله صلى الله عليه وآله، فرق له أبو طالب، وفي رواية: لما تهيأ أبو طالب للرحيل وأجمع على السير هب (5) له رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ بزمام ناقته، وقال: يا عم إلى من تكلني ؟ لا أب لي، ولا ام، فرق، فقال: والله لاخرجن به معي، ولا يفارقني ولا افارقه أبدا "، فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له


(1) أي من دون حبس وكسر، ويجوز أن يكون القصر بمعنى القهر والغلبة من القسر بالسين فابدل صادا وهما يتبادلان في كثير من الكلام. (2) اغدوا خ ل وهو الموجود في المصدر. ولعل الصحيح: اغد بينكم أي انطلق بين الناس. (3) اغدوا خ ل وهو الموجود في المصدر، ولعل الصحيح: أغدو على صيغة المتكلم أي أنطلق قوله: بهما أي بالرأفة والرحمة. (4) المنتقى في مولود المصطفى: الباب السادس فيما كان من سنة ثمان إلى سنة إحدى عشرة من مولده صلى الله عليه وآله. (5) هب الرجل من النوم: انتبه واستيقظ. هب: نشط وأسرع.

[ 409 ]

وكان ذا علم في النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة راهب يصير إليه علمهم من كتاب فيما يزعمون يتوارثون كابرا " عن كابر. يقال: أضب على ما في نفسه: إذا أخرجه، وأضب: تكلم، ويقال: جاء فلان يضب لسانه أي اشتد حرصه. وروي (1) عن داود بن الحصين قال: لما خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه رسول الله صلى الله عليه وآله في المرة الاولى وهو ابن اثنتى عشرة سنة، فلما نزل الركب بصرى الشام وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له، وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه، فلما نزلوا ببحيرا وكان كثيرا " ما يمرون به لا يكلمهم حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلا " قريبا " من صومعته. قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا، فصنع لهم طعاما " ثم دعاهم، وإنما حمله على دعاءهم أنه رأى حين طلعوا غمامة تظل رسول الله صلى الله عليه وآله من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة، وأخضلت أغصان الشجرة على النبي صلى الله عليه وآله حين استظل تحتها، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فاتي به، فأرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما " يا معشر قريس، وأنا احب أن تحضروه كلكم ولا تخلفون (2) منكم صغيرا " ولا كبيرا "، حرا " ولا عبدا "، فإن هذا شئ تكرموني به، فقال له رجل: إن لك لشأنا " يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما شأنك اليوم ؟ قال: فإنى أحببت أن اكرمكم ولكم حق، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله من بين القوم لحداثة سنه، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا إلى القوم فلم ير الصفة التي يعرفها ويجدها عنده، وجعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم، ويراها متخلفة على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله، قال بحيرا: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي، قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا " في رحالهم، فقال: ادعوه فليحضر طعامي، فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد، مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم: هو والله


(1) والحديث في الصمدر مسند يطول ذكر إسناده. (2) في المصدر: ولا تخلفوا.

[ 410 ]

أوسطنا نسبا "، وهو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب، فقام الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف وقال: والله أن كان بنا للوم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام، والغمامة تسير على رأسه، وجعل بحيرا يلحظه لحظا " شديدا "، وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته، فلما تفرقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحق اللات و العزى إلا أخبرتني عما أسألك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تسألني بالات والعزى، فوالله ما أبغضت شيئا " بغضهما، قال: بالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، قال: سلني عما بدالك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضع الصفة التي عنده، فقبل موضع الخاتم، وقالت قريش: إن لمحمد صلى الله عليه وآله عند هذا الراهب لقدرا "، وجعل أبو طالب لما يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه، قال الراهب لابي طالب: ما هذا الغلام منك ؟ قال أبو طالب: ابني، قال: ما هو ابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا "، قال: فابن أخي، قال: فما فعل أبوه ؟ قال: هلك وامه حبلى به، قال: فما فعلت امه ؟ قال: توفيت قريبا "، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليبلعنه (1) غثا "، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، نجده في كتبنا، وما روينا عن آبائنا، واعلم أني قد أديت إليك النصيحة، فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا "، وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وعرفوا صفته فأرادو أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذاكروه أمره، فنهاهم أشد النهي، وقال لهم: أتجدون صفته ؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيل، فصدقوه وتركوه، ورجع به أبو طالب، فما خرج به سفرا " بعد ذلك خوفا " عليه. وكان في سنة أربع عشرة من مولده صلى الله عليه وآله الفجار الاخر بين هوازن وقريش، وحضره رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي سنة سبع عشرة وثبت العظماء والاشراف بالمدائن فخلعوا هرمز، وسملوا


(1) في المصدر: ليبغنه غبنا. قلت: لعله من بغى الشئ: طلبه، والغبن: المكر والخديعة.

[ 411 ]

عينيه (1) وتركوه. وفي سنة تسع عشرة قتلوا هرمز بعد خلعه، وفيها ولى ابنه برويز وكان يسمى كسرى. وفي سنة ثلاث وعشرين كان هدم الكعبة وبنيانها في قول بعض العلماء (2). وفي سنة خمس وعشرين كان تزويج خديجة رضي الله عنها كما سيأتي شرحه. وفي سنة خمس وثلاثين من مولده صلى الله عليه وآله هدمت قريش الكعبة على الاصح. قال ابن إسحاق: كانت الكعبة رضمة فوق القامة فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وكان نفر من قريش وغيرهم قد سرقوا كنز الكعبة، وكان يكون في بئر في جوف الكعبة فهدموها لذلك وذلك في سنة خمس وثلاثين من مولده صلى الله عليه وآله، وقيل في سبب هدمها: إنه كان الجرف يطل على مكة، وكان السيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع، فخافوا أن ينهدم، وسرق منه حلية وغزال من ذهب كان عليه در وجوهر، ولذلك هدم البيت، ثم إن سفينة أقبلت في البحر من الروم، ورأسهم باقوم وكان بانيا "، فتحطمت السفينة بنواحي جده، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها، وكلموا الرومي باقوم فقدم معهم وقالوا: لو بنينا بيت ربنا، فامروا بالحجارة فجمعت، فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله ينقل معهم وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة وكانوا يضعون ازرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فلبط به ونودي: عورتك، وكان ذلك أول ما نودي، فقال له أبو طالب: يابن اخي اجعل إزارك على رأسك، قال: ما أصابني ما أصابني إلا في التعري، فما رئيت لرسول الله صلى الله عليه وآله عورة. وفي البخاري عن جابر بن عبد الله قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وآله وعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي: إجعل إزراك على رقبتك من الحجارة، فخر إلى الارض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال، إزاري إزاري، فشد عليه إزاره، ثم


(1) سمل عينه: فقأه. (2) المنتقى في مولود المصطفى: الباب السابع فيما كان من سنة اثنتى عشرة إلى سنة ثلاث و عشرين من مولده صلى الله عليه وآله.

[ 412 ]

إنهم أخذوا في بنائها، وميزوا البيت، واقترعوا عليه فوقع لعبد مناف وزهرة ما بين الركن الاسود إلى ركن الحجر وجه البيت، ووقع لبني أسد بن عبد العزى وبني عبدالدار ما بين الحجر إلى ركن الحجر الاخر، ووقع لتيم ما بين ركن الحجر إلى الركن اليماني، ووقع لسهم وجمح وعدي وعامر بن لؤى ما بين الركن اليماني إلى الركن الاسود، فبنوا، فلما انتهوا إلى حيث موضع الركن من البيت قالت كل قبيلة: نحن أحق بوضعه، فاختلفوا حتى خافوا القتال، ثم جعلوا بينهم أول رجل يدخل من باب بني شيبة فيكون هو الذي يضعه، فقالوا: رضينا وسلمنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله أول من دخل من باب بني شيبة، فلما رأوه قالوا: هذا الامين قد رضينا بما قضى بيننا، ثم أخبروه الخبر، فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله ردائه وبسطه في الارض ثم وضع الركن فيه، ثم قال: ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل، وكان في ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة، وكان في الربع الثاني أبو زمعة، وكان في الربع الثالث أبو حذيفة ابن المغيرة، وكان في الربع الرابع قيس بن عدي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليأخذ كل رجل منكم بزاوية من زوايا الثوب، ثم ارفعوه جميعا " فرفعوه، ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله بيده في موضعه ذلك، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي صلى الله عليه وآله حجرا يسد به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا ونحاه، وناول العباس رسول الله صلى الله عليه وآله حجرا " فسد به الركن، فغضب النجدي حين نحي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه ليس يبني معنا في البيت إلا منا، ثم بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، وسقفوا البيت، وبنوه على ستة أعمدة، وأخرجوا الحجر من البيت. وفي هذه السنة ولدت فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيها مات زيد بن عمرو بن نفيل (1). وروي عن عامر بن ربيعة قال: كان زيد بن عمرو بن نفيل يطلب الدين وكره


(1) هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى بن كعب ابن لؤى وهو القائل في قصيدة. أربا واحدا " أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الامور عزلت اللات والعزى جميعا * كذلك يفعل الجلد الصبور وقد تقدم بعض أخباره.

[ 413 ]

النصرانية واليهودية وعبادة الاوثان والحجارة، وأظهر خلاف قومه، واعتزل آلهتهم، وما كان يعبد آباؤهم، ولا يأكل ذبائحهم، فقال لي: يا عامر إني خالفت قومي، واتبعت ملة إبراهيم عليه السلام وما كان يعبده وإسماعيل عليه السلام من بعده، فقال: وكانوا يصلون إلى هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيا " من ولد إسماعيل عليه السلام يبعث، لا أراني أدركه، وأنا اؤمن به واصدقه، وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فاقرأه مني السلام، قال عامر: فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله أسلمت وأخبرته بقول زيد، وأقرأته منه السلام، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وآله السلام وترحم عليه، وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا (1) رضي الله عنه. وأما ما كان سنة ثمان وثلاثين من مولده صلى الله عليه وآله ففي هذه السنة رأى الضوء والنور، وكان يسمع الصوت ولا يدري ما هو. وأما سنة أربعين من مولده صلى الله عليه وآله ففي هذه السنة قتل كسرى برويز النعمان بن المنذر لغضب كان له عليه، قتله قبل المبعث بسبعة أشهر (2). بيان: قوله: ليحس بنعيم، أي يرى ويعلم أن له ملكا " ونعيما ". والهصر: الجذب، والامالة، والكسر، والدفع، والادناء، وعطف شئ رطب، ويقال: هصر ظهره، أي ثناه إلى الركوع. كرصة العلقة أي كعلقة ارتص والتزق بعضها ببعض، أو التزقت بشئ. وهب أي نهض وأسرع. وفي القاموس: الخضل ككتف وصاحب كل ندى يترشف نداه، واخضأل الشجر كاطمأن واخضال كاحمار: كثرت أغصانها. ليبلعنه بالعين المهملة، غثا بالغين المعجمة، والثأ المثلثة أي وإن كان مهزولا، أو بالتاء المثناة من غت الماء: إذا شرب جرعا " بعد جرع من غير إبانة الاناء عن فمه، وفي بعض النسخ ليبلغنه عنتا "، وهو ظاهر. وقال الجزري: الرضمة واحدة الرضم والرضام، وهى دون الهضاب (3)،


(1) أي يجره على الارض. يقال: جاء يسحب ذيله أي يمشى متبخترا. (2) المنتقى في مولود المصطفى: الباب التاسع فيما كان من سنة خمس وثلاثين إلى سنة أربعين من مولده صلى الله عليه وآله. (3) الهضاب جمع الهضبة: الجبل المنبسط على وجه الارض. وقيل: الجبل الطويل الممتنع المنفرد. ما ارتفع من الارض.

[ 414 ]

وقيل: صخور بعضها على بعض. قوله: فلبط به على بناء المجهول، أي صرع وسقط إلى الارض. اقول: إنما أوردت سياق هذه القصص مع عدم الوثوق عليها (1)، لاشتمالها على تعيين أوقات ما أسلفناه في الاخبار المتفرقة، وكونها موضحة لبعض ما ابهم فيها (2). * * * نشكر الباري جل وعلا لما وفقنا من الاشراف على طبع هذا المجلد أعني الجزء الخامس عشر من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة النفيسة. وهو الجزء الاول من المجلد السادس حسب تجزئة المؤلف (قده) وهو مشتمل على 226 حديثا " في أربعة أبواب، والمجهودات الواسعة التي بذلناها في تصحيح هذا الكتاب بمرئى ومنظر من المطالع الكريم ومع ذلك فانا بتأييد من الله لباستعداد بذل المجهود أكثر فأكثر في المجلدات الاتية ومنه التوفيق وعليه التكلان. دار التصحيح والترجمة ج 2 - 1379 ه‍


(1) لانها رويت بأسانيد عامة لم يتبين لنا وثوق رجالها، مع أنها مشتملة على غرائب ونوادر. (2) إلى هنا تم الباب الرابع من تاريخ سيدنا خير المرسلين وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويتلوه الباب الخامس في تزوجه بخديجة رضى الله عنها ونبذة من فضائلها (3) الهضاب جمع الهضبة: الجبل المنبسط على وجه الارض. وقيل: الجبل الطويل الممتنع المنفرد. ما ارتفع من الارض.

[ 414 ]

وقيل: صخور بعضها على بعض. قوله: فلبط به على بناء المجهول، أي صرع وسقط إلى الارض. اقول: إنما أوردت سياق هذه القصص مع عدم الوثوق عليها (1)، لاشتمالها على تعيين أوقات ما أسلفناه في الاخبار المتفرقة، وكونها موضحة لبعض ما ابهم فيها (2). * * * نشكر الباري جل وعلا لما وفقنا من الاشراف على طبع هذا المجلد أعني الجزء الخامس عشر من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة النفيسة. وهو الجزء الاول من المجلد السادس حسب تجزئة المؤلف (قده) وهو مشتمل على 226 حديثا " في أربعة أبواب، والمجهودات الواسعة التي بذلناها في تصحيح هذا الكتاب بمرئى ومنظر من المطالع الكريم ومع ذلك فانا بتأييد من الله لباستعداد بذل المجهود أكثر فأكثر في المجلدات الاتية ومنه التوفيق وعليه التكلان. دار التصحيح والترجمة ج 2 - 1379 ه‍


(1) لانها رويت بأسانيد عامة لم يتبين لنا وثوق رجالها، مع أنها مشتملة على غرائب ونوادر. (2) إلى هنا تم الباب الرابع من تاريخ سيدنا خير المرسلين وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويتلوه الباب الخامس في تزوجه بخديجة رضى الله عنها ونبذة من فضائلها وبعض أحوالها. والحمد لله أولا وآخرا ". خادم العلم والشريعة: عبد الرحيم الربانى الشيرازي عفى عنه وعن والديه. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية