الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 11

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 11


[ 1 ]

بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الحادي عشر مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي اصطفى من عباده رسلا فبعثهم مبشرين ومنذرين، واختار منهم خيرة من خلقه محمدا فجعله سيد المرسلين وخاتم النبيين، فصلوات الله عليه وعلى أهل بيته المنتجبين، وعلى كل من ابتعثه لإقامة شرائع الدين. أما بعد: فهذا هو المجلد الخامس من كتاب بحار الأنوار تأليف الخاطئ الخاسر القاصر عن نيل المفاخر والماثر محمد المدعو بباقر ابن الشيخ العالم الزاهد البارع الرضي محمد الملقب بالتقي غفر الله لهما وحشرهما مع مواليهما. * (كتاب النبوة) * * (باب 1) * * (معنى النبوة وعلة بعثة الانبياء وبيان عددهم وأصنافهم وجمل) * * (أحوالهم وجوامعها صلوات الله عليهم أجمعين) * الايات، البقرة " 2 " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا (1) وما كان من المشركين * قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق (2) فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم 135 - 137. " وقال تعالى ": أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط


(1) الملة: اسم لما شرع الله تعالى على لسان الانبياء، والفرق بينها وبين الدين أنها لا تضاف الا إلى النبي الذى اتى بها، بخلاف الدين فانه يضاف لله وللنبى ولاحاد الامة، والشريعة تضاف إلى الله والى النبي والامة دون الاحاد، والحنف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، وعن الشرك إلى التوحيد، والحنيف: المائل إلى ذلك. (2) الشقاق: المخالفة والمعادات والمباينة، وكونك في شق غير شق صاحبك، يعنى انهم صاروا في غير شق النبي وأوليائه. [ * ]

[ 2 ]

كانوا هودا " أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون 140 " وقال تعالى ": كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا " بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 213. " وقال تعالى ": تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد 253. آل عمران " 3 " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم 33 - 34. " وقال تعالى ": قل آمنا بالله وما انزل علينا وما انزل على إبراهيم وإسماعيل و إسحق ويعقوب والأسباط وما اوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون 84 (1) " وقال تعالى " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا " لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا " أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون * وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري (2) قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون 79 - 82. النساء " 4 " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان


(1) هكذا في النسخ، والاية متأخرة في المصحف الشريف عن الايتين، فتقديمها سهو منه قدس سره أو من النساخ. (2) الاصر: العهد المؤكد الذى يثبط ناقضه عن الثواب والخيرات. [ * ]

[ 3 ]

وآتينا داود زبورا " * ورسلا " قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا " لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما " * رسلا " مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا " حكيما " 163 - 165. الانعام " 6 " ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا " هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا و يحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا " فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم * ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون * اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما " ليسوا بها بكافرين * اولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين 84 - 90. التوبة " 9 " ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم و أصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 70. يوسف " 12 " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين 110. الرعد " 13 " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله 38. ابراهيم " 14 " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم 4 " وقال تعالى ": ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما ارسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب * قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا

[ 4 ]

فأتونا بسلطان مبين * قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون * وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدينا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون * وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد * وأستفتحوا وخاب كل جبار عنيد 9 - 15. الحجر " 15 " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبق من امة أجلها وما يستأخرون 4 - 5 " وقال تعالى ": ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين * وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون 10 - 11. النحل " 16 " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر (1) 43 - 44. الاسراء " 17 " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض 55. الكهف " 18 " وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين 56. مريم " 19 " اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا " وبكيا فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " 58 - 59. الانبياء " 21 " ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون * وما أرسلنا قبلك إلا رجالا " نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * وما جعلناهم جسدا " لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين * ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين 6 - 9. الحج " 22 " وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم


(1) جمع زبر وهو كتاب غليظ الكتابة، وقيل: الزبور كل كتاب صعب الوقوف عليه من الكتب الالهية، وقيل: اسم لكل كتاب لا يتضمن شيئا " من الاحكام الشرعية، ولذا سمى كتاب داود النبي به لانه لا يتضمن شيئا من الاحكام الشرعية. [ * ]

[ 5 ]

وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير * فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد 42 - 45. المؤمنين " 23 " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه امتكم امة واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا " كل حزب بما لديهم فرحون 51 - 53. الفرقان " 25 " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق 20 " وقال تعالى ": ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هرون وزيرا " * فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا " * وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا " أليما " * وعادا " و ثمود وأصحاب الرس وقرونا " بين ذلك كثيرا " * وكلا ضربنا له الامثال وكلا " تبرنا تتبيرا " * ولقد أتوا على القرية التي امطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا " 35 - 40. العنكبوت " 29 " وإن تكذبوا فقد كذبت امم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين 18 " وقال تعالى ": وعادا " وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وما كانوا مستبصرين * وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين * فكلا " أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا " ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 38 - 40. الروم " 30 " أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون 9 - 10. " وقال تعالى ": ولقد أرسلنا من قبلك رسلا " إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا " علينا نصر المؤمنين 47.

[ 6 ]

الاحزاب " 33 " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا " غليظا " 7. الفاطر " 35 " وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الامور 4 " وقال تعالى ": وإن من امة إلا خلا فيها نذير * وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير * ثم أخذت الذين ظلموا فكيف كان نكير 24 - 26. يس " 36 " يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون * ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون 30 - 31. الصافات " 37 " ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين * ولقد أرسلنا فيهم منذرين * فانظر كيف كان عاقبة المنذرين * إلا عباد الله المخلصين 71 - 74 " وقال تعالى ": ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون 171 - 173 " وقال تعالى ": وسلام على المرسلين 181. ص " 38 " كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص 3 " وقال تعالى ": كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد * (1) وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة (2)


(1) قيل في معناه اقوال: أحدها: أنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها. ثانيها: أنه كان يعذب الناس بالاوتاد، وذلك أنه أذا غضب على أحد وتد يديه ورجليه ورأسه على الارض. ثالثها: أن معناه ذو البنيان، والبنيان: الاوتاد. رابعها: ذو الجنود والجموع الكثيرة، بمعنى أنهم يشدون ملكه ويقوون أمره كما يقوى الوتد الشئ. خامسها: انه سمى بذلك لكثرة جيوشه في الارض وكثرة أوتاد خيامهم، فعبر بكثرة الاوتاد عن كثرة الاجناد. قاله الطبرسي في مجمع البيان. وقال السيد الرضى قدس سره: هذا استعارة على بعض الاقوال، ويكون معنى ذى الاوتاد ذا الملك الثابت والامر الواطد والاسباب التى بها السلطان كما يثبت الخباء بأوتاده ويقوم على أعماده، وقد يجوز أن يكون معنى ذى الاوتاد ذا الابنية المشيدة والقواعد الممهدة التى تشبه بالجبال في ارتفاع الرؤوس ورسوخ الاصول، لان الجبال قد تسمى أوتاد الارض، قال الله سبحانه: < < وجعلنا الجبال أوتادا " > >. (2) الايكة: الغيضة وهى الاجمة. مجتمع الشجر في مغيض الماء، نسبوا أصحاب شعيب إليها لانهم كانوا يسكنون غيضة قرب مدين. وقيل: هي اسم بلد. [ * ]

[ 7 ]

اولئك الأحزاب * إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب 12 - 14. المؤمن " 40 " كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل امة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق (1) فأخذتهم فكيف كان عقاب 5 " وقال تعالى ": أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوه وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق * ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب 21 - 22 " وقال تعالى ": إنا لننضر رسلنا والذين آمنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد 51 " وقال تعالى ": ولقد أرسلنا رسلا " من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون 78 " وقال تعالى ": أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا " في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون 82 - 85. حمعسق " 42 " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه 13 " وقال عز وجل ": وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا " فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم 51. ق " 50 " كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس (2) وثمود وعاد وفرعون و


(1) أي ليبطلوا به الحق. (2) الرس: البئر التى لم تبن بالحجارة، وأصحاب الرس هم أصحاب البئر التى رسوا نبيهم فيها. [ * ]

[ 8 ]

إخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع (1) كل كذب الرسل فحق وعيد 12 - 14. النجم " 53 " وأنه أهلك عادا " الأولى * وثمود فما أبقى * وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى * والمؤتفكة أهوى * فغشها ما غشى 50 - 54. الحديد " 57 " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط 25 " وقال تعالى ": ولقد أرسلنا نوحا " وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون * ثم قفينا (2) على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم 26 - 27. المجادلة " 58 " كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز 21. الحاقة " 69 " وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة * فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية 9 - 10. الجن " 72 " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا " * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا " * ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شئ عددا " 26 - 28. البروج " 85 " هل أتك حديث الجنود * فرعون وثمود 17 - 18. الفجر " 89 " ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب 6 - 13. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وقالوا كونوا هودا " ": أي قالت اليهود كونوا هودا "، وقالت النصارى كونوا نصارى " بل ملة إبراهيم " أي بل نتبع دين إبراهيم " والأسباط " أي يوسف (3) وإخوته بنو يعقوب، ولد كل واحد منهم امة من


(1) قال الطبرسي: التبايعة: اسم ملوك اليمن فتبع لقب له، كما يقال: خاقان لملك الترك وقيصر لملك الروم، وتبع الحميرى الذى سار بالجيوش حتى حير الحيرة ثم اتى سمرقند فهدمها ثم بناها، واسمه اسعد أبو كرب. قلت: سيأتي ذكره في محله. (2) من قفوت اثره: إذا اتبعته. أي أتبعنا وأرسلنا. (3) في المصدر: قال قتادة: هم يوسف اه‍. [ * ]

[ 9 ]

الناس، فسموا بالأسباط، وذكروا أسماء الاثني عشر: يوسف، وابن يامين، وروبيل ويهودا، وشمعون، ولاوي، ودون، (1) وقهاب، ويشجر، وتفتالى، وحاد، (2) وأسر. (3) قال كثير من المفسرين: إنهم كانوا أنبياء، والذي يقتضي (4) مذهبنا أنهم لم يكونو أنبياء بأجمعهم لعدم عصمتهم لما فعلوا بيوسف. (5) وقوله: " وما انزل إليهم " لا يدل على أنهم كانوا أنبياء، لان الإنزال يجوز أن يكون على بعضهم، ويحتمل أن يكون مثل قوله: " وما انزل إلينا " وإن كان المنزل على النبي صلى الله عليه وآله خاصة، لكن المسلمين لما كانوا مأمورين بما فيه اضيف الإنزال إليهم. وقد روى العياشي عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: أو كان ولد يعقوب أنبياء ؟ قال: لا، ولكنهم كانوا أسباطا " أولاد الأنبياء، ولم يكونوا فارقوا الدنيا إلا سعداء، تابوا وتذكروا ما صنعوا " لا نفرق بين أحد منهم " أي بأن نؤمن ببعضهم ونكفر ببعض، كما فعله اليهود والنصارى " ونحن له " أي لما تقدم ذكره أو لله " مسلمون " خاضعون بالطاعة، مذعنون بالعبودية " في شقاق " أي في خلاف، وقريب منه ما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: في كفر، وقيل: في منازعة ومحاربة " فسيكفيكهم الله " وعد بالنصر وهو من معجزات نبينا صلى الله عليه وآله. (6) " كان الناس امة واحدة " أي ذوي امة واحدة، أي أهل ملة واحدة، واختلف في أنهم على أي دين كانوا، فقيل: إنهم كانوا على الكفر، فقال الحسن: كانوا كفارا " بين آدم ونوح، وقيل: بعد نوح إلى أن بعث الله إبراهيم والنبيين بعده، وقيل: قبل مبعث كل نبي، وهذا غير صحيح. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون الناس كلهم كفارا " ولا يجوز أن يخلو الأرض من حجة ؟ قلنا: يجوز أن يكون الحق هناك في واحد أو جماعة قليلة لم يمكنهم إظهار


(1) في نسخة: دان (2) في نسخة: جاد. (3) في نسخة: أشر. وفى المصدر هكذا: يوسف وبنيامين وزابالون وروبيل ويهوذا و شمعون ولاوى وقهاب ويشجر ونفتالى وجاد واشر. م (4) في المصدر: والذى يقتضيه. م (5) منقول بالمعنى. م (6) مجمع البيان 1: 216 و 217 و 218 وبعضها منقول بالمعنى. م [ * ]

[ 10 ]

الدين خوفا " وتقية فلم يعتد بهم، وقال آخرون: إنهم كانوا على الحق، فقال ابن عباس كانوا بين آدم ونوح على شريعة من الحق فاختلفوا بعد ذلك، وقيل: هم أهل سفينة نوح عليه السلام، فالتقدير حينئذ: كانوا امة واحدة فاختلفوا وبعث الله النبيين، وقال المجاهد: المراد به آدم كان على الحق إماما " لذريته فبعث الله النبيين في ولده، وروى أصحابنا عن الباقر عليه السلام أنه قال: إنه كانوا قبل نوح امة واحدة على فطرة الله لا مهتدين ولا ضلالا " فبعث الله النبيين، وعلى هذا فالمعنى أنهم كانوا متعبدين بما في عقولهم غير مهتدين إلى نبوة ولا شريعة. (1) " ثم بعث الله النبيين " بالشرائع لما علم أن مصالحهم فيها " مبشرين " لمن أطاعهم بالجنة " ومنذرين " لمن عصاهم بالنار " وأنزل معهم الكتاب " أي مع بعضهم " ليحكم " أي الرب تعالى، أو الكتاب " إلا الذين اوتوه " أي اعطوا العلم بالكتاب " من بعد ما جاءتهم البينات " أي الحجج الواضحة، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: معجزات محمد صلى الله عليه وآله " بغيا " " أي ظلما " وحسدا " " لما اختلفوا فيه " أي للحق الذي اختلف فيه من اختلف " بإذنه " أي بعلمه أو بلطفه. (2) " منهم من كلم الله " وهو موسى عليه السلام أو موسى ومحمد صلى الله عليه وآله " ورفع بعضهم درجات "


(1) وقيل: ان لفظة (كان) يحتمل أن تكون للثبوت دون المضى، والمراد الاخبار عن الناس انهم امة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق لولا أن الله من عليهم بارسال الرسل وانزال الكتب تفضلا منه. وقيل: ان المراد من وحدة الامة ليس وحدة العقيدة والعمل بل المراد أن الله خلق الانسان بطبيعته وفطرته امة واحدة مدنيا بالطبع يرتبط بعضه ببعض في المعاش، ويحتاج في توفية جميع ما يحتاج إليه إلى مشاركة غيره ومعاضدة افراد بنى نوعه، لا يستغنى بعضه عن بعض، وكانوا مع ذلك ينحون في أعمالهم نحو المنافع التى يرونها لازمة لقوام معيشتهم، ولم يمنحوا من قوة الالهام ما يعرف كلا منهم وجه المصلحة في حفظ حق غيره ليتوفر المنفعة بذلك لنفسه، فكان لابد لهم من الاختلاف في امور معاشهم، فأرسل الله من رحمته بهم الرسل مبشرين ومنذرين، يبشرونهم بالخير والسعادة في الدنيا والاخرة إذا لزم كل واحد منهم ما حدد له واكتفى بماله من الحق ولم يعتد على غيره، وينذرونهم بخيبة الامل وحبوط العمل وعذاب الاخرة إذا اتبعوا شهواتهم الحاضرة و لم ينظروا العاقبة. (2) مجمع البيان 2: 306 و 307 مع حذف ونقل بعضها بالمعنى. م [ * ]

[ 11 ]

قال مجاهد: أراد به محمد صلى الله عليه وآله فإنه فضله على أنبيائه بأن بعثه إلى جميع المكلفين من الجن والإنس بأن أعطاه جميع الايات التي أعطاها من قبله من الانبياء، وبأن خصه بالقرآن وهو المعجزة القائمة إلى يوم القيامة، وبأن جعله خاتم النبيين " البينات " أي المعجزات " ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم " أي من بعد الرسل، بأن كان يلجئهم إلى الإيمان، لكنه ينافي التكليف، وقيل: معناه: لو شاء الله ما أمرهم بالقتال " من بعد جاءتهم البينات " من بعد وضوح الحجة، فإن المقصود من بعثة الرسل قد حصل بإيمان من آمن قبل القتال " ولو شاء الله ما اقتتلوا " كرر تأكيدا "، وقيل: الأول مشية الإكراه، والثاني الأمر للمؤمنين بالكف عن قتالهم " ما يريد " أي ما تقتضيه المصلحة. (1) " إن الله اصطفى " أي اختار واجتبى " آدم ونوحا " " لنبوته " وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " أي على عالمي زمانهم، بأن جعل الأنبياء منهم، وقيل: اختار دينهم، وقيل: اختارهم بالتفضيل على غيرهم بالنبوة وغيرها من الامور الجليلة لمصالح الخلق. وقوله: " وآل إبراهيم وآل عمران " قيل: أراد نفسهما، وقيل: آل إبراهيم أولاده، وفيهم من فيهم من الأنبياء، وفيهم نبينا صلى الله عليه وآله، وقيل: هم المتمسكون بدينه، وأما آل عمران فقيل: هم من آل إبراهيم أيضا، فهم موسى وهارون ابنا عمران، وهو عمران بن يصهر بن ماهت (2) ابن لاوي بن يعقوب، وقيل يعني بآل عمران مريم وعيسى وهو عمران بن أشهم (3) بن أمون من ولد سليمان عليه السلام، وهو أبو مريم، وفي قراءة أهل البيت عليهم السلام: " وآل محمد على العالمين " وقالوا أيضا: إن آل إبراهيم هم آل محمد الذينهم أهله، ويجب أن يكون الذين اصطفاهم الله مطهرين معصومين عن القبائح، لأنه سبحانه لا يختار ولا يصطفي إلا من كان كذلك، ويكون ظاهره مثل باطنه في الطهارة والعصمة، فعلى هذا يختص الاصطفاء بمن كان معصوما " من آل إبراهيم وآل عمران سواء كان نبيا " أو إماما "، ويقال: الاصطفاء على وجهين: أحدهما أنه اصطفاه لنفسه، أي جعله خالصا " له يختص به، والثاني أنه


(1) مجمع البيان 2. 359. م (2) الصحيح كما في المصدر وفى العرائس للثعلبي: يصهر بن قاهت. (3) في المصدر: الهشم، وفى العرائس: عمران بن ساهم بن امور بن ميشا، وحكى فيه عن ابن عباس أنه عمران بن ما ثان، وبنو ما ثان رؤوس بنى اسرائيل واحبارهم وملوكهم. [ * ]

[ 12 ]

اصطفاه على غيره، أي اختصه بالتفضيل على غيره، وعلى هذا الوجه معنى الآية، وفيها دلالة على تفضيل الأنبياء على الملائكة " ذرية " أي أولادا " وأعقابا " " بعضها من بعض " أي في التناصر في الدين، أو في التناسل والتوالد، والأخير هو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام لانه قال: الذين اصطفاهم الله بعضهم من نسل بعض. (1) " ما كان لبشر " أي لا يجوز ولا يحل له " أن يؤتيه الله " أي يعطيه " الكتاب والحكم والنبوة " أي العلم والرسالة إلى الخلق " ثم يقول للناس كونوا عبادا " لي من دون الله " أي اعبدوني من دونه، واعبدوني (2) معه، " ربانيين " أي حكماء أتقياء، أو معلمين الناس من علمكم، وقيل: الرباني: العالم (3) بالحلال والحرام والامر " والنهي وما كان وما يكون. (4) " بما كنتم تعلمون الكتاب " قال البيضاوي: أي بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له، فإن فائدة التعليم والتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد والعمل. (5) " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين " قال الطبرسي: روي عن أمير المؤمنين وابن عباس وقتادة أن الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وآله أن يخبروا اممهم بمبعثه و نعته، ويبشروهم به، ويأمروهم بتصديقه. وقال طاوس: أخذ الله الميثاق على الانبياء على الأول والآخر، فأخذ ميثاق الأول لتؤمنن بما جاء به الآخر، وقال الصادق عليه السلام: تقديره: وإذ أخذ الله ميثاق امم النبيين بتصديق نبيها: والعمل بما جاءهم به، وأنهم خالفوه بعد ما جاؤوا وما وفوا به، وتركوا كثيرا " من شريعته، وحرفوا كثيرا " منها " ولتنصرنه " أي بالتصديق والحجة، أو أن الميثاق اخذ على الأنبياء ليأخذوه على


(1) مجمع البيان 2: 433. م (2) في المصدر: أو اعبدوني م (3) منسوب إلى الرب بزيادة الالف والنون للمبالغة، وقيل: هو من الرب بمعنى التربية يربى المتعلمين بصغائر العلوم قبل كبارها، وقيل: الربانى العالم الكامل الراسخ في العلم والدين المستديم عملا بما علم، أو الذى يطلب بعلمه وجه الله، وقيل: هو المتأله العارف بالله. (4) مجمع البيان 2: 466. (5) انوار التنزيل 1: 79. م [ * ]

[ 13 ]

اممهم بتصديق محمد إذا بعث، ويأمرهم بنصره على أعدائه إن أدركوه، وهو المروي عن علي عليه السلام. أقول: سيأتي عن أئمتنا عليهم السلام أن النصرة في الرجعة. وقال في قوله: " وأخذتم على ذلكم إصري ": أي قبلتم على ذلك عهدي، وقيل: معناه: وأخذتم العهد بذلك على اممكم " قالوا " أي قال اممهم. (1) " قال " الله " فاشهدوا بذلك " على اممكم " وأنا معكم من الشاهدين " عليكم وعلى اممكم، عن علي عليه السلام، وقيل: " فاشهدوا " أي فاعلموا ذلك " وأنا معكم " أعلم، وقيل: معناه: ليشهد بعضكم على بعض، وقيل: قال الله للملائكة: اشهدوا عليهم، وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: لم يبعث الله نبيا " آدم ومن بعده إلا أخذ عليه العهد على أن بعث الله محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأن يأخذ العهد بذلك على قومه. (2) " كما أوحينا إلى نوح " قدم نوحا " لأنه أبو البشر، وقيل: لأنه كان أطول الأنبياء عمرا " وكانت معجزته في نفسه، لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما "، لم يسقط له سن، ولم تنقص قوته، ولم يشب شعره، وقيل: لأنه لم يبالغ أحد منهم في الدعوة مثل ما بالغ فيها، ولم يقاس أحد من قومه ما قاساه، وهو أول من عذبت امته بسبب أن ردت دعوته. (3) " ورسلا " أي قصصنا رسلا "، أو أرسلنا رسلا " " قد قصصناهم عليك من قبل " بالوحي في غير القرآن، أو في القرآن " ورسلا " لم نقصصهم عليك " هذا يدل على أن لله رسلا " كثيرا " لم يذكرهم في القرآن. " حجة بعد الرسل " بأن يقولوا: لو أرسلت إلينا رسولا " آمنا بك " وكان الله عزيزا " " أي مقتدرا " على الانتقام ممن يعصيه " حكيما " " فيما أمر به عباده. (4) " ومن ذريته " قال البيضاوي: الضمير لإبراهيم، وقيل: لنوح لأنه أقرب، ولأن يونس ولوطا " ليسا من ذرية إبراهيم، فلو كان لإبراهيم اختص البيان بالمعدودين في تلك


(1) في المصدر: أي قال الانبياء واممهم. م (2) مجمع البيان 2: 468. م (3) مجمع البيان 3: 140. م (4) مجمع البيان 3: 141 - 142. م [ * ]

[ 14 ]

الآية والتي بعدها، والمذكورن في الآية الثالثة عطف على " نوحا " " ومن آبائهم عطف على كلا " أو نوحا "، و " من " للتبعيض، فإن منهم من لم يكن نبيا " ولا مهديا " " ذلك هدى الله " إشارة إلى ما دانوا به " ولو أشركوا " أي هؤلاء الأنبياء مع علو شأنهم فكيف غيرهم. " والحكم ": الحكمة، أو فصل الامر على ما يقتضيه الحق " فإن يكفر بها " أي بهذه الثلاثة " هؤلاء " يعنى قريشا " " فقد وكلنا بها " أي بمراعاتها " قوما " ليسوا بها بكافرين " وهم الأنبياء المذكورون ومتابعوهم، وقيل: هم الانصار، أو أصحاب النبي صلى الله عليه وآله أو كل من آمن به، أو الفرس، وقيل: الملائكة. " فبهديهم اقتده " أي ما توافقوا عليه من التوحيد واصول الدين. (1) " والمؤتفكات " قال الطبرسي: أي المنقلبات، وهي ثلاثة قرى كان فيها قوم لوط " بالبينات " أي بالبراهين والمعجزات. (2) " وجعلنا لهم أزواجا " وذرية " أي نساء وأولادا " أكثر من نسائك وأولادك، وكان لسليمان ثلاث مائة امرأة مهيرة وسبعمائة سرية، ولداود مائة امرأة، عن ابن عباس، أي فلا ينبغي أن يستنكر منك أن تتزوج ويولد لك، وروي أن أبا عبد الله عليه السلام قرأ هذه الآية ثم أومأ إلى صدره وقال: نحن والله ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله. " وما كان لرسول أن يأتي بآية " أي دلالة " إلا بإذن الله " أي إلا بعد أن يأذن الله في ذلك ويطلق له فيه. (3) " إلا بلسان قومه " أي لم يرسل فيما مضى من الأزمان رسولا " إلا بلغة قومه حتى إذا بين لهم فهموا عنه ولا يحتاجون إلى مترجم، وقد أرسل الله نبينا صلى الله عليه وآله إلى الخلق كافة بلسان قومه، قال الحسن: امتن الله على نبيه صلى الله عليه وآله أنه لم يبعث رسولا " إلا إلى قومه، وبعثه خاصة إلى جميع الخلق، وقيل: إن معناه: كما أرسلناك إلى العرب بلغتهم لتبين لهم الدين ثم إنهم يبينونه للناس كذلك أرسلنا كل رسول بلغة قومه ليظهر لهم الدين. (4) " لا يعلمهم إلا الله " أي لا يعلم تفاصيل أحوالهم وعددهم وما فعلوه وفعل بهم من


(1) انوار التنزيل 1: 150. م (2) مجمع البيان 5: 49. (3) مجمع البيان 6: 297. م (4) مجمع البيان 6: 303. م [ * ]

[ 15 ]

العقوبات إلا الله، قال ابن الأنباري: إن الله أهلك امما من العرب وغيرها فانقطعت أخبارهم وعفت آثارهم، فليس يعرفهم أحد إلا الله. وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون، فعلى هذا يكون قوله: " والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله " مبتدء وخبرا " " فردوا أيديهم في أفواههم " أي عضوا على أصابعهم من شدة إلغيظ، أو جعلوا أيديهم في أفواه الأنبياء تكذيبا " لهم، أي أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تسكيتا " لهم، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مومئين بذلك إلى رسل: أن اسكتوا، أو الضميران كلاهما للرسل، أي أخذوا أيدي الرسل فوضعوها على أفواههم ليسكتوا فسكتوا عنهم لما يئسوا منهم، هذا كله إذا حمل معنى الأيدي والأفواه على الحقيقة، و من حملهما على المجاز فقيل: المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج، أي فردوا حججهم في حيث جاءت، (1) لأنها تخرج من الأفواه. أو مثله من الوجوه. (2) " مريب " أي يوقعنا في الريب بكم أنكم تطلبون الرئاسة وتفترون الكذب. " من ذنوبكم " أي بعضها، لأنه لا يغفر الشرك، وقيل: وضع البعض موضع الجميع توسعا "


(1) في نسخة: من حيث جاءت. (2) أضاف السيد الرضى في تلخيص البيان: 95 على هذه الوجوه وجهين آخرين: أحدهما ما نقل عن بعض أن المراد بذلك ضرب من الهزء يفعله المجان والسفهاء إذا ارادوا الاستهزاء ببعض الناس وقصدوا الوضع منه والازراء عليه يجعلون أصابعهم في أفواههم ويتبعون هذا الفعل بأصوات تشبهه وتجانسه، يستدل بها على قصد السخف وتعمد الفحش. ثم قال: وهذا القول عندي بعيد من الصواب. ثانيهما: أن يكون المراد بذلك أن الكفار كانوا إذا بدأ الرسل بكلامهم سددوا بأيديهم أسماعهم دفعة وأفواهم دفعة، اظهارا منهم لقلة الرغبة في سماع كلامهم وجواب مقالهم ليدلوهم بذلك الفعل على أنهم لا يصغون لهم إلى مقال ولا يجيبونهم عن سؤال، إذ قد أبهموا طريقي السماع والجواب وهما الاذان والافواه، وشاهد ذلك قوله سبحانه حاكيا عن نوح عليه السلام ويعنى قومه: < < وانى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا > > فيكون معنى رد أيديهم في أفواههم أن يمسكوا أفواههم بأكفهم كما بفعل المظهر للامتناع من الكلام، ويكون انما ذكر تعالى رد الايدى ههنا وهو يفيد فعل الشئ ثانيا بعد أن فعل أولا لانهم كانوا يكثرون هذا الفعل عند كلام الرسل عليهم السلام، فوصفوا في هذه الاية بما قد سبق لهم مثله وألف منهم فعله اه‍. قلت: ويمكن أن يكون المراد أنهم عضوا على أناملهم تعجبا أو اظهارا " للتعجب مما يدعو إليه الانبياء والرسل. [ * ]

[ 16 ]

" إلى أجل مسمى " أي إلى الوقت الذي ضربه الله لكم أن يميتكم فيه، ولا يؤاخذكم بعاجل العقاب " بسلطان مبين " أي بحجة واضحة، وإنما قالوا ذلك لانهم اعتقدوا أن ما جاءت به الرسل من المعجزات ليست بمعجزة ولا دلالة، وقيل: إنهم طلبوا معجزات مقترحات سوى ما ظهرت فيما بينهم. " ولكن الله يمن " أي ينعم عليهم بالنبوة والمعجزات " وقد هدينا سبلنا " أي عرفنا طريق التوكل، أو هدانا إلى معرفته وتوجيه العبادة إليه " ذلك لمن خاف " أي ذلك الفوز لمن خاف وقوفه للحساب بين يدي " وخاف وعيد " (1) أي عقابي، وإنما قالوا: " أو لتعودن " وهم لم يكونوا على ملتهم قط ؟ إما لانهم توهموا على غير حقيقة أنهم كانوا على ملتهم، وإما لانهم ظنوا بالنشو بينهم أنهم كانوا عليها. " واستفتحوا " أي طلب الرسل الفتح والنصر من الله، وقيل: هو سؤالهم أن يحكم الله بينهم وبين اممهم، لان الفتح الحكم، وقيل: معناه: واستفتح الكفار العذاب " وخاب كل جبار عنيد " أي خسر كل متكبر معاند مجانب للحق دافع له. (2) " وما أهلكنا " أي لم نهلك أهل قرية فيما مضى على وجه العقوبة إلا وكان لهم أجل معلوم مكتوب لابد أن سيبلغونه، فلا يغرن هؤلاء الكفار إمهالي إياهم " ما


(1) قال السيد الرضى قدس سره في تلخيص البيان: قوله: < < ذلك لمن خاف مقامي > > هذه استعارة، لان المقام لا يضاف الا إلى من يجوز عليه القيام، وذلك مستحيل على الله سبحانه، فإذا المراد به يوم القيامة، لان الناس يقومون فيه للحساب وعرض الاعمال على الثواب والعقاب، فقال سبحانه في صفة ذلك اليوم: < < يوم يقوم الناس لرب العالمين > > وانما أضاف تعالى هذا المقام إلى نفسه في هذا الموضع وفى قوله: < < ولمن خاف مقام ربه جنتان > > لان الحكم في ذلك اليوم له خالصا لا يشاركه فيه حكم حاكم ولا يحاده أمر آمر، وقد يجوز أن يكون المقام هنا بمعنى آخر وهو أن العرب تسمى المجامع التى تجتمع فيها لتدارس مفاخرها وتذاكر مآثرها مقامات ومقاوم، فيجوز أن يكون المراد بالمقام هنا الموضع الذى يحصى الله تعالى فيه على بريته محاسن اعمالهم ومقابح أفعالهم لاستحقاق ثوابه وعقابه واستيجاب رحمته وعذابه، وقد يقولون: هذا مقام فلان ومقامته على هذا الوجه وان لم يكن الانسان المذكور في ذلك المكان قائما، بل كان قاعدا أو مضطجعا. (2) مجمع البيان 6: 305 - 308. م [ * ]

[ 17 ]

تسبق من امة " أي لم تكن امة فيما مضى تسبق أجلها فتهلك قبل ذلك، ولا تتأخر عن أجلها (1) " في شيع الأولين: الشيع: الفرق والامم. (2) " إلا رجالا " نوحي إليهم " وذلك أن كفار قريش كانوا ينكرون أن يرسل إليهم بشر مثلهم، فبين سبحانه أنه لا يصلح أن يكون الرسل إلى الناس إلا من يشاهدونه ويخاطبونه ويفهمون عنه، وأنه لا وجه لاقتراحهم إرسال الملك " فسئلوا أهل الذكر " أي أهل العلم بأخبار من مضى من الامم، أو أهل الكتاب، أو أهل القرآن، لأن الذكر القرآن، (3) ويقرب منه ما رواه جابر ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: نحن أهل الذكر. وقد سمى الله رسوله ذكرا " في قوله: " ذكرا " رسولا " " على أحد الوجهين. وقوله: " بالبينات والزبر " العامل فيه قوله: " أرسلنا " والتقدير: وما أرسلنا بالبينات والزبر أي البراهين والكتب إلا رجالا "، وقيل: في الكلام إضمار، والتقدير: أرسلناهم بالبينات. (4) " اولئك " أي الذين تقدم ذكرهم " الذين أنعم الله عليهم " بالنبوة وغيرها " من النبيين من ذريه آدم " إنما فرق سبحانه ذكر نسبهم مع أن كلهم كانوا من ذريه آدم لتبيان مراتبهم في شرف النسب، فكان لإدريس شرف القرب من آدم، وكان إبراهيم من ذرية من حمل مع نوح، وكان إسماعيل وإسحاق ويعقوب من ذرية إبراهيم لما تباعدوا من آدم حصل لهم شرف إبراهيم، وكان موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من ذرية إسرائيل " وممن هدينا " قيل: إنه تم الكلام عند قوله: " وإسرائيل " ثم ابتدأ وقال: " ممن هدينا واجتبينا " من الامم قوم " إذا تتلى عليهم آيات الرحمن " وروي عن علي بن الحسين عليهما السلام أنه قال: نحن عنينا بها. وقيل: بل المراد به الأنبياء الذين تقدم ذكرهم " خروا سجدا " " لله " وبكيا " " أي باكين " فخلف من بعدهم خلف " الخلف: البدل السيئ،


(1) مجمع البيان 6: 329. م (2) مجمع البيان 6: 331. م (3) قد استعمل الذكر بهذا المعنى في مواضع كثيرة من القرآن منها في آل عمران آية 58 و 63 و 69، وسورة الحجر آية 5 و 9 ويس آية 69 وفصلت آية 40 والقمر آية 25 والطلاق آية 10 والقلم آية 51. (4) مجمع البيان 6: 361 - 362. م [ * ]

[ 18 ]

أي بقي بعد النبيين المذكورين قوم سوء من اليهود ومن تبعهم " أضاعوا الصلاة " أي تركوها أو أخروها عن مواقيتها وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام " واتبعوا الشهوات " فيما حرم عليهم " فسوف يلقون غيا " " أي مجازاة الغي، وقيل: أي شرا وخيبة. (1) " ما آمنت قبلهم " أي لم يؤمن قبل هؤلاء الكفار " من " أهل " قرية " جاءتهم الآيات التي طلبوها فأهلكناهم مصرين على الكفر " أفهم يؤمنون " عند مجيئها، هذا إخبار عن حالهم وأن سبيلهم سبيل من تقدم من الامم طلبوا الايات فلم يؤمنوا بها واهلكوا، فهؤلاء أيضا " لو أتاهم ما اقترحوا لم يؤمنوا واستحقوا عذاب الاستيصال، وقد حكم الله في هذه الامة أن لا يعذبهم عذاب الاستيصال (2) فلذلك لم يجبهم في ذلك، وقيل: ما حكم الله سبحانه بهلاك قرية إلا وفي المعلوم أنهم لا يؤمنون، فلذلك لم يأت هؤلاء بالايات المقترحة. " وما جعلناهم جسدا " " الجسد: المجسد الذي فيه الروح ويأكل ويشرب، وقيل ما لا يأكل ولا يشرب " ثم صدقناهم الوعد " أي أنجزنا ما وعدناهم به من النصر والنجاة والظهور على الأعداء، وما وعدناهم به من الثواب " فأنجيناهم ومن نشاء " أي من المؤمنين بهم " وأهلكنا المسرفين " على أنفسهم بتكذيبهم الأنبياء. (3) " فأمليت للكافرين " أي أخرت عقوبتهم وأمهلتهم " ثم أخذتهم " أي بالعذاب " فكيف كان نكير " استفهام للتقرير، أي فكيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب، فأبدلتهم بالنعمة نقمة "، وبالحياة هلاكا " ؟ " فكأين من قرية " أي وكم من قرى " أهلكناها وهي ظالمة " أي وأهلها ظالمون بالتكذيب والكفر " فهي خاوية على عروشها " أي خالية من أهلها، ساقطة على سقوفها " وبئر معطلة " أي وكم من بئر باد أهلها وغار ماؤها، وتعطلت من دلائها " وقصر مشيد " أي وكم من قصر رفيع مجصص تداعى للخراب بهلاك أهله،


(1) مجمع البيان 6: 519. م (2) حكم الله بذلك في قوله: < < وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون > > الانفال: 33. (3) مجمع البيان 7: 39 - 40. م [ * ]

[ 19 ]

واصحاب الآبار ملوك البدو، وأصحاب القصور ملوك الحضر، وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام: كم من بئر معطلة أي عالم لا يرجع إليه ولا ينتفع بعلمه. (1) " كلوا من الطيبات " خطاب للرسل كلهم أمرهم أن يأكلوا من الحلال " وإن هذه امتكم امة واحدة " أي دينكم دين واحد، وقيل: هذه جماعتكم وجماعة من قبلكم واحدة كلكم عباد الله " فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا " أي تفرقوا في دينهم وجعلوه كتبا دانوا بها وكفروا بما سواها، كاليهود كفروا بالإنجيل والقرآن، والنصارى بالقرآن، وقيل: أحدثوا كتبا " يحتجون بها لمذاهبهم " كل حزب بما لديهم فرحون " أي كل فريق بما عندهم من الدين راضون يرون أنهم على الحق. (2) " وزيرا " " أي معينا " على تبليغ الرسالة " فدمرناهم تدميرا " " أي أهلكناهم إهلاكا بأمر فيه اعجوبة " وكلا ضربنا له الأمثال " أي بينا لهم أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا، وقيل: بينا لهم الأحكام في الدين والدنيا " وكلا تبرنا تتبيرا " " أي أهلكنا إهلاكا " على تكذيبهم " ولقد أتوا على القرية التي امطرت " يعني قوم لوط امطروا بالحجارة " أفلم يكونوا يرونها " في أسفارهم إذا مروا بهم فيعتبروا " بل كانوا لا يرجون نشورا " " أي بل رأوها، وإنما لم يعتبروا لأنهم لا يخافون البعث. (3) " وكانوا مستبصرين " أي كانوا عقلاء يمكنهم التمييز بين الحق والباطل بالنظر أو يحسبون أنهم على هدى. " وما كانوا سابقين " أي فائتين الله كما يفوت السابق " حاصبا " أي حجارة، وقيل: ريحا " فيها حصباء وهم قوم لوط، وقيل: هم عاد " ومنهم من أخذته الصيحة " وهم قوم شعيب " ومنهم من خسفنا " وهم قوم قارون. (4) " ومنهم من أغرقنا " قوم نوح، وفرعون وقومه. (5) " وأثاروا الأرض " أي قلبوها وحرثوها لعمارتها " ثم كان عاقبة الذين أساءوا " إلى نفوسهم بالكفر بالله وتكذيب رسله " السوأى " أي الخلة التي تسوء صاحبها إذا أدركها وهي عذاب النار " أن كذبوا "


(1) مجمع البيان 7: 88. م (2) مجمع البيان 7. 109. م (3) مجمع البيان 7: 170 م (4) هكذا في النسخ، والصحيح كما في المصدر: وهو قارون. (5) مجمع البيان 8: 283. م [ * ]

[ 20 ]

أي لتكذيبهم " وكان حقا " علينا نصر المؤمنين " أي دفعنا السوء والعذاب عن المؤمنين، وكان واجبا " علينا نصرهم بإعلاء الحجة ودفع الأعداء عنهم. (1) " وإذا أخذنا " أي واذكر يا محمد حين أخذ الله الميثاق من النبيين خصوصا " بأن يصدق بعضهم بعضا " ويتبع بعضهم بعضا "، وقيل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، وأن يصدق بعضهم بعضا "، وان ينصحوا لقومهم " ومنك ومن نوح " خص هؤلاء بالذكر لأنهم أصحاب الشرائع " وأخذنا منهم ميثاقا " غليظا " أي عهدا " شديدا " على الوفاء بما حملوا من إعباء الرسالة، وقيل: على أن يعلنوا أن محمدا " رسول الله صلى الله عليه وآله ويعلن محمد صلى الله عليه وآله أن لا نبي بعده. (2) " وإلى الله ترجع الامور " فيجازي من كذب رسله، وينصر من كذب من رسله. (3) " وإن من امة " أي وما من امة من الامم الماضية " إلا خلا فيها نذير " أي إلا مضى فيها مخوف يخوفهم، وفي هذا دلالة على أنه لا أحد من المكلفين إلا وقد بعث إليه الرسول وأنه سبحانه أقام الحجة على جميع الامم بالبينات. (4) قال البيضاوي: بالمعجزات الشاهدة على نبوتهم " وبالزبر " كصحف إبراهيم " وبالكتاب المنير " كالتوراة والإنجيل على إرادة التفصيل دون الجمع، ويجوز أن يراد بهما واحد والعطف لتغائر الوصفين " فكيف كان نكير " أي إنكاري بالعقوبة. (5) " يا حسرة " قال الطبرسي: أي ياندامة " على العباد " في الاخرة باستهزائهم بالرسل في الدنيا " أنهم إليهم لا يرجعون " أي ألم يروا أن القرون التي أهلكناهم لا يرجعون إلى الدنيا. (6) " ولقد سبقت كلمتنا " أي سبق الوعد منا " إنهم لهم المنصورون " في الدنيا والاخرة على الأعداء بالقهر والغلبة وبالحجة الظاهرة، وقيل: معناه: سبقت كلمتنا لهم بالسعادة، ثم ابتدأ فقال: " إنهم " أي إن المرسلين " لهم المنصورون " وقيل: عنى بالكلمة قوله: " لأغلبن أنا ورسلي " (7) قال الحسن: المراد بالآية نصرتهم في الحرب فإنه لم يقتل


(1) مجمع البيان 8: 309. م (2) مجمع البيان 8: 339. م (3) مجمع البيان 8: 400. م (4) مجمع البيان 8: 405. (5) أنوار التنزيل 2: 123. (6) مجمع البيان 8: 422 و 423: م (7) المجادلة: 21. [ * ]

[ 21 ]

نبي قط في الحرب، وإن مات نبي أو قتل قبل النصرة فقد أجرى الله تعالى العادة بأن ينصر قومه من بعده، فيكون في نصرة قومه نصرة له. وقال السدي: المراد النصرة بالحجة " وإن جندنا " أي المؤمنين، أو المرسلين " لهم الغالبون " بالقهر أو بالحجة " وسلام على المرسلين " أي سلام وأمان لهم من أن ينصر عليهم أعداؤهم، وقيل: هو خبر ومعناه أمر، أي سلموا عليهم كلهم لا تفرقوا بينهم. (1) " ولات حين مناص " قال البيضاوي: أي ليس الحين حين مناص، زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد " اولئك الأحزاب " يعنى المتحزبين على الرسل الذين جعل الجند المهزوم منهم " فحق عقاب " أي فوجب عليهم عقابي. (2) " والأحزاب من بعدهم " والذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم بعد قوم نوح " وهمت كل امة " من هؤلاء " ليأخذوه " ليتمكنوا من إصابته بما أرادوا من تعذيب وقتل من الأخذ بمعنى الأسر " ليدحضوا به الحق " ليزيلوه به " فكيف كان عقاب " فإنكم تمرون على ديارهم، وهو تقرير فيه تعجيب. (3) " ومنهم من لم نقصص عليك " قال الطبرسي رحمه الله: روي عن علي عليه السلام أنه قال: بعث الله نبيا " أسود لم يقص علينا قصته. واختلف الأخبار في عدد الأنبياء فروي في بعضها أن عددهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا "، وفي بعضها أن عددهم ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من غيرهم " بآية " أي بمعجزة ودلالة. (4) " فإذا جاء أمر الله " قال البيضاوي: أي بالعذاب في الدنيا والاخرة " قضي بالحق " بإنجاء المحق وتعذيب المبطل. (5) " فرحوا بما عندهم " واستحقروا علم الرسل، والمراد بالعلم عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة أو علم الأنبياء، وفرحهم به ضحكهم منه واستهزاؤهم به، ويؤيده " وحاق بهم ما


(1) مجمع البيان 8: 462. م (2) انوار التنزيل 2: 137 و 138. ولم نجد الجملة الاخيرة فيه. م (3) انوار التنزيل 2: 149. م (4) مجمع البيان 8: 533: م (5) انوار التنزيل 2: 156. م [ * ]

[ 22 ]

كانوا به يستهزءون " وقيل: الفرح أيضا " للرسل شكرا " لله على ما اوتو من العلم " بأسنا " أي شدة عذابنا " فلم يك ينفعهم " لامتناع قبوله حينئذ " سنة الله " أي سن الله ذلك سنة ماضية في العباد (1) " شرع لكم من الدين ما وصى " أي شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد صلى الله عليه وآله ومن بينهما من أرباب الشرائع، وهو الأصل المشترك فيما بينهما المفسر بقوله: " أن أقيموا الدين " وهو الإيمان بما يجب تصديقه، والطاعة في أحكام الله " ولا تتفرقوا فيه " ولا تختلفوا في هذا الأصل، أما فروع الشرائع فمختلفة " وما كان لبشر " وما صح له " أن يكلمه الله إلا وحيا " كلاما " خفيا " يدركه بسرعة، لأنه تمثل، (2) ليس في ذاته مركبا " من حروف مقطعة تتوقف على تموجات متعاقبة، وهو ما يعم المشافه به كما روي في حديث المعراج، والمهتف به كما اتفق لموسى في طوى والطور، لكن عطف قوله: " أو من وراء حجاب " عليه يخصه بالأول، وقيل: المراد به الإلهام والإلقاء في الروع، والوحي المنزل به إلى الرسل، (3) فيكون المراد بقوله: " أو يرسل رسولا " فيوحي بإذنه ما يشاء " أو يرسل إليه نبيا " فيبلغ إليه وحيه كما أمره، وعلى الأول المراد بالرسول الملك الموحي إلى الرسول. (4) " وإخوان لوط " أي قومه، لأنهم كانوا أصهاره (5) " فحق وعيد " فوجب وحل عليه وعيدي (6) " عادا " الاولى " القدماء الانهم اولى الامم هلاكا " بعد نوح، وقيل: عاد الاولى قوم هود، وعاد الاخرى إرم " فما أبقى " الفريقين " أظلم وأطغى " أي من الفريقين لأنهم كانوا يؤذونه وينفرون عنه ويضربونه حتى لا يكون به حراك " والمؤتفكة " قرى قوم لوط (7) " أهوى " بعد أن رفعها فقلبها " فغشها ما غشى " فيه تهويل وتعميم لما أصابهم. (8)


(1) انوار التنزيل 2: 382. م (2) كذا في الكتاب، وفى المصدر: لانه تمثيل. م (3) في المصدر: أو الوحى المنزل به على الرسل. م (4) انوار التنزيل 2: 402. م (5) قال الطبرسي: سماهم اخوانه لكونهم من نسبه. م (6) أنوار التنزيل 2: 465. م (7) في المصدر: والقرى التى ائتفكت بأهلها أي انقلبت وهى قرى قوم لوط. م (8) انوار التنزيل 2: 447. م [ * ]

[ 23 ]

" لقد أرسلنا رسلنا " أي الملائكة إلى الأنبياء، أو الأنبياء إلى الامم " بالبينات " بالحجج والمعجزات " وأنزلنا معهم الكتاب " ليبين الحق ويميز صواب العمل " و الميزان " ليسوى به الحقوق ويقام به العدل، كما قال: " ليقوم الناس بالقسط: إنزاله إنزال أسبابه والأمر بإعداده، وقيل: أنزل الميزان إلى نوح، ويجوز أن يراد به العدل ليقام به السياسة ويدفع به الأعداء. " وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب " بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتاب، وقيل: المراد بالكتاب الخط " فمنهم " أي من الذرية أو من المرسل إليهم. (1) " كتب الله " (2) في اللوح " لأغلبن " أي بالحجة. (3) " بالخاطئة " أي الخطاء، أو بالفعلة، أو الأفعال ذات الخطاء " أخذة رابية " (4) زائدة في الشدة زيادة أعمالهم في القبح. (5) " فلا يظهر على غيبه أحدا " قال الطبرسي: أي لا يطلع على الغيب أحدا " من عباده " إلا من ارتضى من رسول " يعني الرسل، فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخبروا بالغيب ليكون آية معجزة لهم، ومعناه: إلا من ارتضاه واختاره للنبوة والرسالة، فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه " فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا " " والرصد: الطريق، أو جمع راصد بمعنى الحافظ، أي يجعل له إلى علم من كان قبله من الأنبياء والسلف وعلم ما يكون بعده طريقا، أو يحفظ الذي يطلع عليه الرسول فيجعل بين يديه وخلفه رصدا من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة، وقيل: رصدا " من بين يدي الرسول ومن خلفه، وهم الحفظة من الملائكة يحرسونه عن شر الأعداء وكيدهم، وقيل: المراد به جبرئيل عليه السلام، أي يجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا " كالحجاب تعظيما " لما يتحمله


(1) انوار التنزيل 2: 212. م (2) قال السيد الرضى قدس سره في التلخيص: المراد بالكتابة ههنا الحكم والقضاء وانما كنى تعالى عن ذلك بالكتابة مبالغة في وصف ذلك الحكم بالثبات، وأن بقاءه كبقاء المكتوبات. (3) انوار التنزيل 2: 215. م (4) قال السيد قدس سره: المراد بالرابية ههنا الغالبة القاهرة من قولهم: ربا الشئ: إذا زاد، والرباء مأخوذ من هذا، فكأن تلك الاخذة كانت قاهرة لهم وغالبة عليهم (5) انوار التنزيل 2: 235 م. [ * ]

[ 24 ]

من الرسالة، كما جرت عادة الملوك بأن يضموا إلى الرسول جماعة من خواصهم تشريفا " له، وهذا كما روي أن سورة الأنعام نزلت ومعها سبعون ألف ملك " ليعلم الرسول أن قد أبلغوا " يعني الملائكة، قال سعيد بن جبير: ما نزل جبرئيل بشئ من الوحي إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة فيعلم الرسول أن قد أبلغ الرسالة على الوجه الذي قد امر به، وقيل: ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات الله، وقيل: ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم كما أبلغ هو إذ كانوا محروسين محفوظين بحفظ الله وقيل: ليعلم الله أن قد أبلغوا، ومعناه: ليظهر المعلوم على ما كان سبحانه عالما " به، وقيل أراد ليبلغوا فجعل بدل ذلك قوله ليعلم إبلاغهم توسعا "، كما يقول الإنسان: ما علم الله ذلك مني أي ما كان ذلك أصلا "، لأنه لو كان لعلم الله " وأحاط بما لديهم " أي أحاط الله علما " بما لدي الأنبياء والخلائق " وأحصى كل شئ عددا " " أي أحصى ما خلق الله وعرف عددهم، لم يفته علم شئ حتى مثاقيل الذر والخردل. (1) " هل أتبك حديث الجنود " أي هل بلغك أخبار الجنود الذين تجندوا على أنبياء الله ؟ وقيل: أراد قد أتاك. (2) " سوط عذاب " أي فجعل سوطه الذي ضربهم به العذاب، أو قسط عذاب كالعذاب بالسوط الذي يعرف مقدار ما عذبوا به، وقيل: أجرى على العذاب اسم السوط مجازا، شبه الله العذاب الذي أحله بهم بانصباب السوط وتواتره على المضروب. (3) 1 - فس: " كان الناس امة واحدة " " قال: قبل نوح على مذهب واحد فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. (4) 2 - فس: " إن الله اصطفى " الآية، لفظ الآية عام ومعناه خاص وإنما فضلهم على عالمي زمانهم. وقال العالم عليه السلام: نزل: " وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين " (5)


(1) مجمع البيان 10. 374. م (2) مجمع البيان 10: 469. م (3) مجمع البيان 10: 487. م (4) تفسير على بن ابراهيم ص 61. م (5) هذه الرواية وأمثالها مما ورد في تحريف القرآن من الاخبار الشواذ التى لا تقاوم ما اجتمع عليه الشيعة الامامية وغيرهم من عدم تحريف القرآن، وأن ما بأيدينا اليوم هو المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله، مع أن جلها مراسيل وضعاف. [ * ]

[ 25 ]

فأسقطوا آل محمد من الكتاب. (1) 3 - فس: " ثم يقول للناس كونوا عبادا " لي " أي أن عيسى عليه السلام لم يقل للناس: إني خلقتكم فكونوا عبادا " لي من دون الله " ولكن " قال لهم: " كونوا ربانيين " أي علماء. قوله: " ولا يأمركم " قال: كان قوم يعبدون الملائكة وقوم من النصارى زعموا أن عيسى رب، واليهود قالوا: عزير ابن الله، فقال الله: " لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ". (2) 4 - فس: " وإذ أخذ الله " الآية، فإن الله أخذ ميثاق نبيه صلى الله عليه وآله على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه، ويخبروا اممهم بخبره، حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما بعث الله نبيا " من لدن آدم فهلم جرا إلا ويرجع إلى الدنيا وينصر أمير المؤمنين عليه السلام وهو قوله: " لتؤمنن به " يعني برسول الله " ولتنصرن أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال لهم في الذر: " ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري " أي عهدي " قالوا أقررنا قال " الله للملائكة " اشهدوا وأنا معكم من الشاهدين " وهذه مع الآية التي في سورة الأحزاب في قوله: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح " والآية التي في سورة الأعراف قوله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " قد كتبت هذه الثلات آيات في ثلاث سور. (2) 5 - فس: " ولو أشركوا " يعنى الأنبياء الذين قد تقدم ذكرهم " فإن يكفر بها هؤلاء " يعني أصحابه وقريشا " والذين أنكروا بيعة أمير المؤمنين عليه السلام " فقد وكلنا بها قوما " (4) يعني شيعة أمير المؤمنين. (5) 6 - فس: " فردوا أيديهم في أفواههم " يعني في أفواه الأنبياء، وحدثني أبي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: من آذى جاره طمعا " في مسكنه ورثه الله داره. وهو قوله: " وقال الذين


(1) تفسير على بن ابراهيم: 90 - 91. م (2) تفسير على بن ابراهيم 96 م. (3) تفسير على بن ابراهيم. م (4) في المصدر: قوما ليسوا بها بكافرين. (5) تفسير على بن ابراهيم: 197. م [ * ]

[ 26 ]

كفروا " إلى قوله: " فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من بعدهم " قوله: " واستفتحوا " أي دعوا " وخاب كل جبار عنيد " أي خسر، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: العنيد: المعرض عن الحق. (1) 7 - فس: " إلا ولها كتاب معلوم " أي أجل مكتوب. (2) 8 - فس: " فخلف من بعدهم خلف " وهو الردئ، والدليل على ذلك قوله: " أضاعوا الصلوة ". (3) 9 - فس: " أفهم يؤمنون " أي كيف يؤمنون ولم يؤمن من كان قبلهم بالآيات حتى هلكوا ؟: فسئلوا أهل الذكر " قال: آل محمد. (4) 10 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن جعفر، عن غياث، (5) عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " وكلا تبرنا تتبيرا " " يعني كسرنا تكسيرا "، قال: هي بالقبطية. (6) 11 - فس: " فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا " " وهم قوم لوط " ومنهم من أخذته الصيحة " وهم قوم شعيب وصالح " ومنهم من خسفنا به الأرض " وهم قوم هود " منهم من أغرقنا " فرعون وأصحابه، ثم قال عزوجل تأكيدا " وردا على المجبرة " وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ". (7) 12 - فس: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك " قال: هذه الواو زيادة في قوله: " ومنك " وإنما هو " منك ومن نوح " فأخذ الله الميثاق لنفسه على الأنبياء، ثم أخذ لنبيه


(1) تفسير على ابراهيم: 344. م (2) تفسير على ابراهيم: 349. م (3) تفسير على ابراهيم: 412. م (4) تفسير على ابراهيم: 426. وفيه: آل محمد هم اهل الذكر. م (5) في الهامش استظهر أن الصحيح حفص بن غياث، وفى المصدر: جعفر بن غياث. (6) تفسير على بن ابراهيم: 466. وفى نسخة: هي بالنبطية. م (7) تفسير على بن ابراهيم 496. م [ * ]

[ 27 ]

على الأنبياء والأئمة عليهم السلام ثم أخذ للأنبياء على رسول الله صلى الله عليه وآله. (1) 13 - فس: " ولات حين مناص " أي ليس هو وقت مفر. (2) 14 فس: " والأحزاب من بعدهم " هم أصحاب الأنبياء الذين تحزبوا " وهمت كل امة برسولهم ليأخذوه " يعني يقتلوه " وجادلوا بالباطل " أي خاصموا " ليدحضوا به الحق " أي يبطلوه ويدفعوه. (3) قوله: " من واق " أي من دافع. (4) 15 - فس: " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحيوة الدنيا " وهو في الرجعة إذا رجع رسول الله والأئمة عليهم السلام، أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: قول الله تبارك وتعالى: " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد " قال: ذاك والله في الرجعة، أما علمت أن أنبياء كثيرة (5) لم ينصروا في الدنيا وقتلوا، والأئمة من بعدهم قتلوا ولم ينصروا في الدنيا، وذلك في الرجعة، وقال على بن إبراهيم: الأشهاد: الأئمة. (6) قوله: " وآثارا في الأرض " يقول: أعمالا في الارض. (7) 16 - فس: " شرع لكم من الدين " مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وآله " أن أقيموا الدين " أي تعلموا الدين يعني التوحيد، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، والسنن والأحكام التي في الكتب، والإقرار بولاية أمير المؤمنين عليه السلام " ولا تتفرقوا فيه " أي لا تختلفوا فيه. (8) قوله: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " " قال: وحي مشافهة ووحي إلهام، وهو الذي يقع في القلب " أو من وراء حجاب " كما كلم الله نبيه صلى الله عليه وآله، وكما كلم الله موسى من النار


(1) تفسير على بن ابراهيم: 516. م (2) تفسير على بن ابراهيم: 561. م (3) تفسير على بن ابراهيم: 582. م (4) تفسير على بن ابراهيم: 342. م (5) في نسخة: اما علمت أن أنبياء الله كثيرة ؟. (6) تفسير على بن ابراهيم: 586. م (7) تفسير على بن ابراهيم: 588. م (8) تفسير على بن ابراهيم: 600. م [ * ]

[ 28 ]

أو يرسل رسولا " فيوحي بإذنه ما يشاء " قال: وحي مشافهة، (1) يعني إلى الناس. (2) بيان: يمكن إرجاع ما ذكره إلى بعض ما مر في كلام المفسرين بأن يكون قوله: ووحي ألهام عطف تفسير لقوله: وحي مشافهة، وقوله آخرا: وحي مشافهة المراد به وحي الملك، فإن النبي يشافه الملك، أو وحي الله إلى الملك، فيكون المشافهة بالمعنى الأول أو المراد وحي النبي إلى الناس فإن سماع الناس الوحي إنما يكون مشافهة من النبي، ويؤيده قوله: يعنى إلى الناس، فعلى هذا يحتمل أن يكون المراد بوحي المشافهة في الأول وحي الملك مشافهة إلى النبي، ولعل هذا أظهر المحتملات، وإرجاع الضمير المستتر في قوله " فيوحي " على التقادير غير خفي على المتأمل. 17 - فس: " والمؤتفكة أهوى " قال: المؤتفكة: البصرة، والدليل على ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام: يا أهل البصرة ويا أهل المؤتفكة - إلى قوله عليه السلام -: ائتفكت (3) بأهلها مرتين، وعلى الله تمام الثالثة وتمام الثالثة في الرجعة. (4) 18 - فس: " والميزان " قال: الميزان: الإمام. (5) عد: اعتقادنا في عدد الأنبياء أنهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي ومائة ألف وصي وأربعة وعشرون ألف وصي، لكل نبي منهم وصي، أوصى إليه بأمر الله تعالى، ونعتقد فيهم أنهم جاؤوا بالحق من عند الحق، وأن قولهم قول الله تعالى، وأمرهم أمر الله تعالى، وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله، وأنهم عليهم السلام لم ينطقوا إلا عن الله تعالى عن وحيه، وأن سادة الأنبياء خمسة الذين عليهم دارت الرحى، وهم أصحاب الشرائع من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمه، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى، ومحمد، وهم اولو العزم صلوات الله عليهم، إن محمدا " سيدهم وأفضلهم، جاء بالحق وصدق المرسلين. (6)


(1) قوله: مشافهة يتعلق بيوحى، والى الناس يتعلق بيرسل، ولعل المعنى: فيرسل رسولا إلى. الناس فيخبر مشافهة باذن الله ما يشاء. (2) تفسير على بن ابراهيم ص 605. م (3) ائتفك البلد باهله: انقلب. (4) تفسير على بن ابراهيم ص 655. م (5) تفسير على بن ابراهيم ص 666. م (6) اعتقادات الصدوق ص 96 - 97. م [ * ]

[ 29 ]

اقول: سيأتي الكلام في تفضيلهم على الملائكة في كتاب السماء والعالم. 19 - مع: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن أحمد بن فضلان عن سليمان بن جعفر المروزي، عن ثابت بن أبي صفية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال أعرابي لرسول الله صلى الله عليه وآله: السلام عليك يا نبئ الله، قال: لست نبئ الله، ولكني نبي الله. النبوة لفظ مأخوذ من النبوة، وهو ما ارتفع من الأرض، فمعنى النبوة الرفعة، ومعنى النبي الرفيع، سمعت ذلك من أبي بشر اللغوي بمدينة السلام. (1) بيان: قال الجزري: فيه: أن رجلا قال له: يا نبئ الله، فقال لا تنبر اسمي (2) فإنما أنا نبي الله. النبي فعيل بمعنى فاعل للمبالغة من النبأ: الخبر، لأنه أنبأ عن الله أي أخبر، ويجوز فيه تحقيق الهمزة وتخفيفه، يقال: نبأ ونبأ وأنبأ، قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول: تنبأ مسيلمة - بالهمز - غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرية والبرية والخابية إلا أهل مكة فإنهم يهمزون هذه الأحرف الثلاثة ولا يهمزون غيرها، ويخالفون العرب في ذلك. قال الجوهري: يقال: نبأت على القوم: إذا طلعت عليهم، ونبأت من أرض إلى أرض إذا خرجت من هذه إلى هذه، قال: وهذا المعنى أراد الأعرابي بقوله: يا نبئ الله، لانه خرج من مكة إلى المدينة، فأنكر عليه الهمز لأنه ليس من لغة قريش، وقيل: إن النبي مشتق من النباوة وهي الشئ المرتفع. وقال الجزري في النبر بالراء المهملة: فيه: قيل له: يا نبئ الله، فقال: إنا معشر قريش لا ننبر، وفي رواية: لا تنبر باسمي، النبر: همز الحروف، ولم تكن قريش تهمز في كلامها. 20 - يد: الدقاق، عن أبي القاسم العلوي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن عن إبراهيم بن هاشم القمي، عن الفقيمي، عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق الذي أتى أبا عبد الله عليه السلام فقال: من أين أثبت أنبياء ورسلا " ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: إنا لما أثبتنا أن


(1) معاني الأخبار ص 39. م (2) أي لا تهمز اسمى، من نبر الحرف: همزه. [ * ]

[ 30 ]

لنا خالقا " صانعا " متعاليا " عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيما " لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ويحاجهم ويحاجوه، فثبت أن له سفراء في خلقه (1) يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أنه له معبرين (2) وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة (3) والدلائل والبراهين والشواهد من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته. (4) ع: حمزة بن محمد العلوي، عن علي، عن أبيه، عن العباس بن عمر الفقيمي مثله. (5) ج: مرسلا " مثله. (6) 21 - ل، لى: بالاسناد إلى دارم، (7) عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: خلق الله عزوجل مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي أنا أكرمهم على الله ولا فخر، وخلق الله عزوجل مائة ألف وصي وأربعة وعشرين ألف وصي فعلي أكرمهم على الله وأفضلهم. قال دارم: وحدثني بذلك عبد الله (8) بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن،


(1) في العلل: فثبت أن له سفراء في خلقه، يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم. (2) في المصدر: أن له معبرين. (3) الحديث في العلل هكذا: ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان ما أتت به الرسل والانبياء من الدلائل والبراهين لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته. (4) توحيد الصدوق: 253. وقد تقدم الايعاز إلى أن للحديث قطعات اخرى وبينا مواضعها في كتاب الاحتجاجات. (5) علل الشرائع: 51. م (6) الاحتجاج: 183 مع اختلاف يسير. م (7) تقدم السند بتمامه في مقدمة الكتاب. راجع ج 1 ص 52. (8) في المصدر: قال الشيخ: وحدثني بهذا الحديث محمد بن أحمد البغدادي الوراق قال: حدثنا على بن محمد مولى الرشيد قال: حدثنى دارم بن قبيصة قال: حدثنى عبد الله اه‍. [ * ]

[ 31 ]

عن أبيه، عن جده، عن زيد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (1) 22 - ما: ابن بسران، (2) عن عثمان بن أحمد بن الدقاق، عن الحسن بن سلام السواق، عن زكريا بن عدي، عن مسلم بن خالد، عن زياد بن سعد، عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل. (3) بيان: لعل المراد هنا عظماء الأنبياء عليهم السلام لئلا ينافي الخبر السابق واللاحق. 23 - شى: عن عبد الله بن سنان قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول الله: " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك " قال: كانوا امة واحدة فبعث الله النبيين ليتخذ عليهم الحجة. بيان: ذكر المفسرون أن المراد بجعلهم امة واحدة جبرهم على الأسلام ليكونوا جميعا " مسلمين، وقوله عليه السلام: " كانوا امة واحدة " لعله إشارة إلى قوله تعالى: " كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين " الآية، وظاهره أن المراد أنهم كانوا جميعا " على الشرك والضلالة، ولو شاء لتركهم كذلك ولكن بعث الله النبيين ليتخذ عليهم الحجة، فأسلم بعضهم فلذا صاروا مختلفين، وإن احتمل أن يكون المراد أنهم كانوا في زمن آدم عليه السلام في بدو التكليف كلهم مؤمنين. ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الاهوازي، عن النضر، عن ابن سنان مثله. (4)


(1) الخصال ج 2: 172 - 173، أمالى الصدوق: 142 - 143 وفى المصدرين: عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام عن النبي ص. م (2) هكذا في نسخ، والصحيح: ابن بشران، وهو أبو الحسين على بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل، راجع ترجمة الطوسى: المقدمة ص 56. (3) امالي الطوسى: 253. م (4) علل الشرائع: 51. م. [ * ]

[ 32 ]

24 - مع، ل: علي بن عبد الله الأسواري، (1) عن أحمد بن محمد بن قيس، عن عمرو بن حفص عن عبد الله بن محمد بن أسد، عن الحسين إبراهيم، عن يحيى بن سعيد البصري، عن ابن جريح، عن عطاء، عن عتبة الليثي، عن أبي ذر رحمه الله قال: قلت: يارسول الله كم النبيون ؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، قلت: كم المرسلون منهم ؟ قال: ثلاث مائة وثلاثة عشر جما " غفيرا "، قلت: من كان أول الأنبياء ؟ قال: آدم، قلت: وكان من الأنبياء مرسلا " قال: نعم، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه. ثم قال: يا أبا ذر أربعة من الأنبياء سريانيون: آدم، وشيث، واخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم، ونوح. وأبعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك محمد صلى الله عليه وآله. وأول نبي من بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى، وستمائة نبي. قلت: يا رسول الله كم أنزل الله تعالى من كتاب ؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب: أنزل الله تعالى على شيث عليه السلام خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشرين صحيفة، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، الخبر. (2) بيان: قال الجزري: في حديث أبي ذر قلت: يارسول الله كم الرسل ؟ قال: ثلاث مائة وخمسة عشر، وفي رواية: ثلاث عشر جم الغفير، هكذا جاءت الرواية، قالوا: والصواب جمعا " غفيرا "، والجماء الغفير وجماء غفيرا " أي مجتمعين كثيرين، ثم قال: وأصل الكلمة من الجموم والجمة، وهو الاجتماع والكثرة. والغفير من الغفر وهو التغطية والستر، فجعلت الكلمتان في موضع الشمول والإحاطة. وقوله صلى الله عليه وآله: (وستمائة نبي) يحتمل أن يكون معطوفا " على عيسى أي ستمائة نبي بعد عيسى، ويمكن أن يكون المراد إنه كان غير موسى وعيسى من أنبياء بني إسرائيل ستمائة نبي، فالمراد عظماؤهم لئلا ينافي الخبر السابق. 25 - مل: أبي وجماعة مشائخي، عن سعد، عن الحسن بن علي الزيتوني و غيره، عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، والحسن بن محبوب، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عليهما السلام قالا:


(1) بفتح الالف ويضم نسبة إلى أسوارية: قرية من قرى اصفهان خرج منها جماعة من العلماء. (2) معاني الاخبار: 95. الخصال ج 2: 104. م [ * ]

[ 33 ]

من أحب أن يصافحه مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي فليزر قبر أبي عبد الله الحسين ابن علي عليه السلام في النصف من شعبان، فإن أرواح النبييين عليهم السلام يستأذنون الله في زيارته فيؤذن لهم، منهم خمسة اولو العزم من الرسل، قلنا: من هم ؟ قال: نوح، وإبراهيم، و موسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم، قلنا له: ما معنى اولو العزم ؟ قال: بعثوا إلى شرق الأرض وغربها، جنها وإنسها. (1) بيان: يدل على أن موسى وعيسى عليهما السلام كانا مبعوثين إلى كافة الخلق، وينافيه بعض الأخبار. (2) 26 - ل: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن محمد بن علي الكوفي، عن البزنطي، عن أبان، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: اولو العزم من الرسل خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم أجمعين. (3) 27 - البرسي في مشارق الأنوار، عن علي بن عاصم الكوفي قال: دخلت على أبي محمد العسكري عليه السلام فقال لي: يا علي انظر إلى ما تحت قدميك فإنك على بساط قد جلس عليه كثير من النبيين والمرسلين والأئمة الراشدين، ثم قال: ادن مني فدنوت منه، فمسح يده على وجهي فصرت بصيرا "، قال: فرأيت في البساط أقداما " وصورا "، فقال: هذا أثر قدم آدم عليه السلام وموضع جلوسه، وهذا أثر هابيل، وهذا أثر شيث، وهذا أثر نوح، وهذا أثر قيدار، (4) وهذا أثر مهلائيل، (5) وهذا أثر يارة، (6) وهذا أثر خنوح (7) وهذا أثر إدريس،


(1) كامل الزيارة: 179 - 180. م (2) راجع الخبر الاتى تحت رقم 28 و 49 و 55. (3) الخصال ج 1: 144. م (4) لعل الصحيح قينان، وهو قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، وفى اثبات الوصية للمسعودي أن اسمه أيضا محوق. راجع تاريخ اليعقوبي 1: 4 والمحبر ص 3. (5) هو ابن قينان. وفى المحبر: مهلاليل، خلافا " لليعقوبي فأثبته: مهلائيل. (6) هكذا في النسخ: وفي تاريخ اليعقوبي 1: 3 والمحبر ص 4: " يرد " وهو يرد بن مهلائيل. (7) في تاريخ اليعقوبي واثبات الوصية: اخنوخ، وفى المحبر احنوخ، وهو اخنوخ بن يرد. ويسمى ادريس أيضا، وفى اثبات الوصية ان اسمه ادريس وهرمس أيضا. وسيأتى ذلك في باب قصة ادريس. [ * ]

[ 34 ]

وهذا أثر متوشلخ (1) وهذا أثر سام، (2) وهذا أثر أرفخشد، (3) وهذا أثر هود، (4) وهذا اثر صالح، وهذا أثر لقمان، وهذا أثر إبراهيم، وهذا أثر لوط، وهذا أثر إسماعيل وهذا أثر إلياس، وهذا أثر إسحاق، وهذا أثر يعقوب، وهذا أثر يوسف، وهذا أثر شعيب وهذا أثر موسى، وهذا أثر يوشع بن نون، وهذا أثر طالوت، وهذا أثر داود، وهذا أثر سليمان، وهذا أثر الخضر، وهذا أثر دانيال، وهذا أثر اليسع، وهذا أثر ذي القرنين الإسكندر، (5) وهذا أثر شابور بن أردشير، (6) وهذا أثر لوي، وهذا أثر كلاب، وهذا أثر قصي، وهذا أثر عدنان، (7) وهذا أثر عبد مناف، وهذا أثر عبد المطلب، وهذا أثر عبد الله (8) وهذا أثر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله (9) وهذا أثر أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا أثر الأوصياء من بعده إلى المهدي عليهم السلام لانه قد وطئ وجلس عليه، ثم قال: انظر إلى الآثار، و أعلم أنها آثار دين الله، وأن الشاك فيهم كالشاك في الله، ومن جحد فيهم كمن جحد الله ثم قال: اخفض طرفك يا علي، فرجعت محجوبا " كما كنت. (10) 28 - ن: الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: إنما سمي اولو العزم اولي العزم لأنهم كانوا اصحاب العزائم والشرائع، وذلك أن كل نبي كان بعد نوح عليه السلام كان على شريعته ومنهاجه وتابعا " لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل، وكل نبي كان في أيام إبراهيم وبعده كان على شريعة إبراهيم ومنهاجه و


(1) هكذا في نسخ من الكتاب والمحبر واثبات الوصية، وفى تاريخ اليعقوبي: " متوشلح " بالحاء، وهو متوشلح بن اخنوخ. (2) هو سام بن نوح، ولعل نوح سقط عن البين. (3) هو ابن سام. (4) في اثبات الوصية: هو هود بن شالخ بن ارفخشد، ويأتى نسبه في بابه. (5) يأتي ذكرهم في أبوابهم. (6) ذكره في عدادهم غريب جدا "، ولعله من اضافة الراوى أو الناسخ. (7) هو عدنان بن ادد بن الهميسع من ولد ابراهيم والترتيب يقتضى ذكره قبلا. (8) سيأتي ذكرهم في باب آباء النبي صلى الله عليه وآله. (9) في نسخة: سيدنا محمد رسول الله ص. (10) مشارق الانوار: 128 - 130. م [ * ]

[ 35 ]

تابعا " لكتابه إلى زمن موسى، وكل نبي كان في زمن موسى وبعده كان على شريعة موسى (1) ومنهاجه وتابعا " لكتابه إلى أيام عيسى وكل نبي كان في أيام عيسى وبعده كان على منهاج عيسى وشريعته وتابعا " لكتابه إلى زمن نبينا محمد صلى الله عليه وآله فهؤلاء الخمسة اولو العزم وهم أفضل الأنبياء والرسل عليهم السلام، وشريعة محمد لا تنسخ إلى يوم القيامة، ولا نبي بعده إلى يوم القيامة، فمن ادعى بعده نبوة أو أتى بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكل من سمع ذلك منه. (2) 29 - ص: في رواية سماعة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام قوله تعالى: " فاصبر كما صبر اولو العزم من الرسل " قال: هم أصحاب الكتب، إن نوحا " جاء بشريعة، وذكر مثل ما مر. (3) بيان: كون هؤلاء الخمسة عليهم السلام أولي العزم هو المروي في أخبارنا المستفيضة، و روى المخالفون أيضا عن ابن عباس وقتادة، وذهب بعضهم إلى أنهم ستة: نوح، وإبراهيم وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وقيل: هم الذين امروا بالجهاد و القتال، وأظهروا المكاشفة، وجاهدوا في الدين، وقيل: هم أربعة: إبراهيم، ونوح، وهود ورابعهم محمد صلى الله عليه وآله ولا عبرة بأقوالهم بعد ورود النصوص المعتبرة عن أهل البيت عليهم السلام. 30 - فس: " فاصبر كما صببر اولو لعزم من الرسل " وهم: نوح، وإبراهيم، و موسى، وعيسى بن مريم عليهم السلام، ومعنى اولو العزم أنهم سبقوا الأنبياء إلى الإقرار بالله وأقروا بكل نبي كان قبلهم وبعدهم، وعزموا على الصبر مع التكذيب لهم والأذى. (4) 31 ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن المفضل بن صالح، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله الله عزوجل: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " " قال: عهد إليه في محمد والأئمة من بعده فترك، ولم يكن له عزم فيهم أنهم هكذا، وإنما سمي اولوا العزم لأنهم عهد إليهم في محمد و الأوصياء من بعده والمهدي وسيرته فأجمع عزمهم أن ذلك كذلك والإقرار به. (5)


(1) في نسخة: على شريعته ومنهاجه. (2) عيون الاخبار: 234 - 235. م (3) قصص الانبياء مخطوط. م (4) تفسير على بن ابراهيم: 624. م (5) علل الشرائع: 52. م [ * ]

[ 36 ]

فس: أبي، عن ابن عيسى مثله. (1) بيان: لعل المراد عدم الاهتمام والعزم التام الذي كان مندوبا " إليه في مثل ذلك. (2) 32 - ل، ن، ع: سأل الشامي (3) أمير المؤمنين عليه السلام عن خمسة من الأنبياء تكلموا بالعربية، فقال: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد صلوات الله عليهم. وسأله من ولد من الأنبياء مختونا ؟ فقال: خلق الله آدم مختونا "، وولد شيث مختونا "، وإدريس ونوح وسام ابن نوح وإبراهيم وداود وسليمان ولوط وإسماعيل وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم. وسأله عن ستة لم يركضوا في رحم، فقال: آدم وحواء وكبش إبراهيم وعصا موسى و ناقة صالح والخفاش الذي عمله عيسى بن مريم وطار بإذن الله عزوجل. وسأله عن ستة. من الأنبياء لهم اسمان فقال: يوشع بن نون وهو ذوالكفل، ويعقوب وهو إسرائيل، والخضر وهو تاليا، ويونس وهو ذوالنون، وعيسى وهو المسيح، ومحمد وهو أحمد صلوات الله عليهم. (4) بيان: كون ذي الكفل هو يوشع عليه السلام خلاف المشهور، ولكنه أحد الأقوال فيه، وسيأتي في باب ذكر أحواله عليه السلام تحقيق ذلك، قال الرازي في تفسير الكبير: قيل: إن ذاالكفل زكريا، وقيل: يوشع، وقيل: إلياس، ثم قالوا: خمسة من الأنبياء عليهم السلام سماهم الله باسمين: إسرائيل ويعقوب، إلياس وذو الكفل، عيسى والمسيح، يونس وذو النون، محمد وأحمد صلى الله عليه وآله انتهى. وقال بعض المؤرخين: إنه حزقيل، وقيل: إنه وصي اليسع بن اخطوب. 33 - ل: ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن اليشكري، عن محمد بن زياد الأزدي عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن سفيان بن أبي ليلى، عن الحسن بن علي عليهما السلام


(1) تفسير على بن ابراهيم: 424 مع اختلاف يسير. م (2) مع ان في الاسناد ضعفا بالمفضل بن صالح. (3) الحديث طويل تقدم مسندا بتمامه في كتاب الاحتجاجات في باب اسئلة الشامي عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) الخصال ج 1: 154 و 156 ولم نجد فيه خبر من ولد من الانبياء مختونا، عيون الاخبار: 135 - 136، علل الشرائع: 198. م [ * ]

[ 37 ]

في حديث طويل (1) أن ملك الروم سأله عن سبعة أشياء خلقها الله عزوجل لم تخرج من رحم، فقال: آدم وحواء وكبش إبراهيم وناقة صالح وحية الجنة والغراب الذي بعثه الله عزوجل يبحث في الأرض وإبليس لعنه الله. (2) فس: الحسين بن عبد الله السكيني، عن أبي سعيد البجلي، عن عبد الملك بن هارون، عن أبي عبد الله، عن آبائه صلوات الله عليهم مثله. (3) 34 - مص: قال الصادق عليه السلام: إن الله عزوجل مكن أنبياءه من خزائن لطفه وكرمه ورحمته، وعلمهم من مخزون علمه، وأفردهم من جميع الخلائق لنفسه، فلا يشبه أخلاقهم وأحوالهم أحد من الخلائق أجمعين، إذ جعلهم وسائل سائر الخلق إليه، وجعل حبهم وطاعتهم سبب رضاه، وخلافهم وإنكارهم سبب سخطه، وأمر كل قوم باتباع ملة رسولهم، ثم أبى أن يقبل طاعة أحد إلا بطاعتهم ومعرفة حقهم وحرمتهم ووقارهم و تعظيمهم وجاههم عند الله، فعظم جميع أنبياء الله، ولا تنزلهم بمنزلة أحد من دونهم، ولا تتصرف بعقلك في مقاماتهم وأحوالهم وأخلاقهم إلا ببيان محكم من عند الله وإجماع أهل البصائر بدلائل تتحقق بها فضائلهم ومراتبهم، وأنى بالوصول إلى حقيقة مالهم عند الله ؟ وإن قابلت أقوالهم وأفعالهم بمن دونهم من الناس أجمعين فقد أسات صحبتهم، وأنكرت معرفتهم، وجهلت خصوصيتهم بالله، وسقطت عن درجة حقيقة الإيمان والمعرفة، فإياك ثم إياك. (4) 35 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن علي، عن عمرو بن أبي المقدام، عن إسحاق بن غالب، (5) عن أبي عبد الله عليه السلام في كلام له يقول فيه:


(1) تقدم الحديث بطوله في كتاب الاحتجاجات في باب مناظرات الحسن والحسين عليهما السلام. (2) الخصال ج 2: 8. م (3) تفسير على بن ابراهيم: 589 مع اختلاف في الالفاظ. م (4) مصباح الشريعة مخطوط. م (5) أخرجه الصدوق في كتابه التوحيد ص 31 أيضا ضمن خطبة لرسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، والاسناد هكذا: محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار وسعد بن عبد الله، جميعا " عن أحمد بن محمد بن عيسى، والهيثم بن أبى مسروق النهدي، ومحمد بن الحسين بن أبى الخطاب، كلهم عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبى المقدام، عن إسحاق بن غالب. [ * ]

[ 38 ]

الحمد لله المحتجب بالنور (1) دون خلقه في الافق الطامح، والعز الشامخ، والملك الباذخ، فوق كل شئ علا، ومن كل شئ دنا، فتجلى لخلقه من غير أن يكون يرى، وهو يرى وهو بالمنظر الأعلى، فأحب الاختصاص بالتوحيد إذا احتجب بنوره، وسما في علوه، و استتر عن خلقه، (2) لتكون له الحجة البالغة، وانبعث فيهم (3) النبيين مبشرين و منذرين ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوا، وعرفوه بربوبيته بعد ما أنكروا، ويوحدوه بالإلهيه بعد ما أضدوه. (4) بيان: المحتجب بالنور أي بكونه نورا "، أي مجردا " لا تدركه الحواس والعقول فليس حجابه إلا تقدسه وكماله. والطامح والشامخ: المرتفع. والباذخ: العالي، والفقرات الثلاث كنايات عن أنه تعالى أرفع من أن يدرك بالحواس والأوهام والعقول. فوق كل شي علا أي قدرة وشرفا ". ومن كل شئ دنا أي لطفا وجودا " ورحمة وتربية. فتجلى أي ظهر لخلقه بإظهار جوده وقدرته وعلمه في كل شئ. والمنظر: الموضع المرتفع الذي ينظر إليه، أي هو بمحل من الرفعة والعلو هو أعلى من أن يدركه أبصار العقول، فأحب واقتضى حكمته البالغة أن يعرفه خلقه بالتوحيد ويخصوه به، ولم يكن ذلك ممكنا " إلا بإرسال الرسل لما قد تمهد من كمال علوه ونهاية سموه وانحطاط درجة المكلفين وجهلهم وعجزهم، فلذا جعل بينه وبين خلقه سفراء يفيض عليهم من جهة كمالهم، ويفيضوا على الخلق من جهة بشريتهم ومجانستهم لهم. وقد أوردنا تحقيق ذلك على وجه أبسط في الفوائد الطريفة. 36 - شى: عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان ما بين نوح من الأتقياء


(1) شبهه تعالى بالشمس حيث لا يكاد يرى لشدة نوره. (2) الحديث في التوحيد هكذا: واستتر عن خلقه، وبعث إليهم الرسل ليكون له الحجة البالغة على خلقه، ويكون رسله إليهم شهداء عليهم، وانبعث فيهم النبيين. وفيه: فيعرفوه بربوبيته بعد ما أنكروا، ويوحدوه بالالهية بعدما عندوا. (3) في نسخة: وابتعث فيهم. (4) علل الشرائع: 51. وفيه: ويوحدوه بالالهية بعد ما عضدوا. وفى نسخة من الكتاب: بعد ما أضدوا. م [ * ]

[ 39 ]

مستخفين، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن، فلم يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء وهو قول الله: " ورسلا " لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما " " يعني لم اسم المستخفين كما سميت المستعلنين من الأنبياء. (1) 37 - ع: الدقاق، عن الاسدي، عن النخعي، عن عمه النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سأله رجل فقال: لأي شئ بعث الله الأنبياء والرسل إلى الناس ؟ فقال: لئلا يكون للناس على الله حجة من بعد الرسل، و لئلا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولتكون حجة الله عليهم، ألا تسمع الله عزو جل يقول حكاية عن خزنة جهنم واحتجاجهم على أهل النار بالأنبياء والرسل: " ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير ". (2) 38 - يه: عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابن حميد، عن ابن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن اسم النبي عليه السلام في صحف إبراهيم الماحي، وفي توراة موسى الحاد ؟ وفي إنجيل عيسى أحمد، وفي الفرقان محمد، قيل: فما تأويل الماحي ؟ فقال: الماحي صورة الأصنام، وماحي الأوثان والأزلام وكل معبود دون الرحمن، قيل: فما تأويل الحاد ؟ قال: يحاد من حاد الله ودينه قريبا " كان أو بعيدا "، قيل: فما تأويل أحمد ؟ قال: حسن ثناء الله عليه في الكتب بما حمد من أفعاله، قيل: فما تأويل محمد ؟ قال: إن الله وملائكته و جميع أنبيائه ورسله وجميع اممهم يحمدونه ويصلون عليه، وإن اسمه المكتوب على العرش محمد رسول الله. الحديث. (3) 39 ع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن غير واحد، عن الحسين بن نعيم الصحاف: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أيكون الرجل مؤمنا " قد ثبت له الإيمان ثم


(1) تفسير العياشي مخطوط. م (2) علل الشرايع: 51. م (3) الفقيه: ج 2 ص 264 (باب الوصية من لدن آدم) والحديث طويل أخرجه المصنف عنه وعن الامالى في المجلد السادس في باب اسمه صلى الله عليه وآله في الكتب الاربعة. [ * ]

[ 40 ]

ينقله الله بعد الإيمان إلى الكفر ؟ قال: إن الله هو العدل، وإنما بعث الرسل ليدعوا الناس إلى الإيمان بالله، ولا يدعوا أحدا " إلى الكفر، قلت: فيكون الرجل كافرا " قد ثبت له الكفر عند الله فينقله الله بعد ذلك من الكفر إلى الايمان ؟ قال: الله عزوجل خلق الناس على الفطرة التي فطرهم الله عليها، لا يعرفون إيمانا " بشريعة، ولا كفرا بجحود، ثم ابتعث الله (1) الرسل إليهم يدعونهم إلى الإيمان بالله حجة لله عليهم، فمنهم من هداه الله ومنهم من لم يهده. (2) * 40 - ع، ن: في علل الفضل، عن الرضا عليه السلام فإن قال: فلم وجب عليهم معرفة الرسل والإقرار بهم والإذعان لهم بالطاعة ؟ قيل: لإنه لما لم يكن في خلقهم وقواهم ما يكملوا (3) لمصالحهم وكان الصانع متعاليا " عن أن يرى وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهرا " لم يكن بد (4) من رسول بينه وبينهم معصوم يؤدي إليهم أمره ونهيه وأدبه ويقفهم (5) على ما يكون به إحراز منافعهم (6) ودفع مضارهم إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه منافعهم ومضارهم، فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته لم يكن لهم في مجئ الرسول منفعة و لاسد حاجة، ولكان يكون إتيانه عبثا " لغير منفعة ولا صلاح، وليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شئ. (7)


(1) في نسخة: ثم بعث الله. (2) علل الشرائع: 51 - 52. مالحديث طويل جدا من ص 248 إلى ص 264 من العيون لما سمع ابن قتيبة النيسابوري هذه العلل من الفضل بن شاذان سأل عنه: اخبرني عن هذه العلل أهى من الاستنباط والاستخراج ومن نتائج العقل أو سمعتها ورويتها ؟ قال: لا اعلل من ذات نفسي بل سمعتها من مولاى ابى الحسن الرضا عليه السلام. م (3) في العلل: لما لم يكتف في خلقهم وقواهم ما يثبتون به لمباشرة الصانع عزوجل حتى يكلمهم ويشافههم. وكان الصانع اه‍. وفى الخصال: ما يكملون به مصالحهم. م (4) في العلل: لم يكن بد لهم. وفى الخصال: لم يكن لهم بد. م (5) في نسخة: يوفقهم. (6) في العلل: اجتلاب منافعهم. (7) علل الشرائع: 95. عيون الاخبار: 249. م [ * ]

[ 41 ]

41 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن البزنطي، عن ثعلبة، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وكان رسولا " نبيا " " ما الرسول وما النبي ؟: النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى المنام ويعاين الملك، قلت: الإمام ما منزلته ؟ قال: يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك، ثم تلا هذه الآية: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث. (1) 42 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار قال: كتب الحسن بن العباس المعروفي إلى الرضا عليه السلام: جعلت فداك أخبرني ما الفرق بين الرسول و النبي والإمام ؟ قال: فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام أن الرسول الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه ويسمع كلامه (2) وينزل عليه الوحي، وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم عليه السلام، والنبي ربما يسمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص. (3) 43 - ير: أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن بن بكير الهجري عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أول وصي كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم، وما من نبي مضى إلا وله وصي، كان عدد جميع الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة و عشرين ألف نبي، خمسة منهم اولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وإن علي بن أبي طالب كان هبة الله لمحمد، ورث علم الأوصياء وعلم من كان قبله، أما إن محمدا " ورث علم من كان قبله من الأنبياء والمرسلين (4) بيان: أي كان بمنزلة هبة الله بالنسبة إلى محمد صلى الله عليه وآله، أو كان عليه السلام هبة وعطية وهبه الله له.


(1) اصول الكافي ج 1: 176. وروى فيه في حديث أن أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام قرآ < < المحدث > > بفتح الدال وتشديده. (2) في نسخة: ويسمع كلماته. (3) اصول الكافي 1: 176. (4) بصائر الدرجات: 33. م [ * ]

[ 42 ]

44 - ص: بالاسناد إلى الصدوق، عن ماجيلويه، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عمن ذكره، عن العلاء، عن الفضيل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لم يبعث الله عزوجل من العرب إلا خمسة أنبياء: هودا "، وصالحا "، وإسماعيل، وشعيبا "، ومحمدا " خاتم النبيين صلى الله عليه وآله. (1) بيان: هذا الخبر وخبر الشامي (2) يدلان على كون إسماعيل من العرب، ويظهر من خبر أبي ذر (3) أنه ليس منهم، وهذان أقوى سندا منه لكون أكثر رجاله من العامة لكن سيأتي خبر آخر عن الفضيل على وفق خبر أبي ذر، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون إسماعيل قد يتكلم بغير العربية أيضا "، أو يكون علم قومه العربية، ولم يكونوا قبل ذلك عارفين بها. والله تعالى يعلم. 45 - ك: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن جرير، عن ابن أبي الديلم قال: قال الصادق عليه السلام: يا عبد الحميد إن لله رسلا " مستعلنين، ورسلا " مستخفين، فإذا سألته بحق المستعلنين فسله بحق المستخفين. (4) ك: أبي وابن الوليد معا "، عن سعد، عن ابن عيسى، وعلي بن إسماعيل، عن محمد بن عمرو بن سعيد، عن الجريري، عن ابن أبي الديلم مثله. (5) 46 - ص: الصدوق بإسناده عن ابن عيسى، عن جماعة، عن العلاء، عن الفضيل عن الصادق عليه السلام قال: لم يبعث الله من العرب إلا أربعة: هودا "، وصالحا "، وشعيبا "، و محمدا " صلوات الله عليهم. (6) 47 - وروي أنهم خمسة وإسماعيل بن إبراهيم منهم، وقال: إن الوحي ينزل من عند الله عزوجل بالعربية، فإذا أتى نبيا " من الأنبياء أتاه بلسان قومه. (7)


(1) قصص الانبياء مخطوط. م (2) وكذا ما يأتي تحت رقم 47 و 48. (3) وكذا ما يأتي تحت رقم 46. (4) كمال الدين: 14. وفيه: فاسأله. كذا في الحديث الذى بعده. م (5) كمال الدين 197. م (6 و 7) قصص الانبياء مخطوط. م [ * ]

[ 43 ]

48 - ختص: روي عن ابن عباس أنه قال: أول المرسلين آدم، وآخرهم محمد صلى الله عليه وآله وعليهم (1) وكانت الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي، الرسل منهم ثلاث مائة، وخمسة منهم اولوا العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم، وخمسة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد صلى الله عليهم. وخمسة سريانيون: آدم، وشيث وإدريس، ونوح، وإبراهيم عليهم السلام وأول أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى. والكتب التي انزلت على الأنبياء عليهم السلام مائة كتاب وأربعة كتب، منها على آدم خمسون صحيفة، وعلى إدريس ثلاثون، وعلى إبراهيم عشرون، وعلى موسى التوراة، وعلى داود الزبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى محمد الفرقان، صلى الله عليهم. (2) * 49 - ك: الطالقاني، عن أحمد بن محمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل عهد إلى آدم عليه السلام أن لا يقرب الشجرة، فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله تبارك وتعالى أن يأكل منها نسي فأكل منها، وهو قول الله تبارك تعالى: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " " فلما أكل آدم من الشجرة اهبط إلى الأرض فولد له هابيل واخته توأم، وولد له قابيل واخته توأم، ثم إن آدم أمر هابيل وقابيل أن يقربا قربانا "، و كان هابيل صاحب غنم، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب هابيل كبشا وقرب قابيل من زرعه ما لم ينق، وكان كبش هابيل من أفضل غنمه وكان زرع قابيل غير منقى، فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، وهو قوله عزوجل: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاخر " الاية، وكان القربان إذا قبل تأكله النار، فعمد قابيل (3) فبنى لها بيتا "، وكان أول من بنى للنار البيوت، وقال:


(1) هكذا في نسخ من الكتاب، ولعل لفظة " وعليهم " زائدة. (2) الاختصاص مخطوط. مرواه الكليني في روضة الكافي باسناده عن على بن ابراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن ابى حمزة، وألفاظه تختلف، ونحن نشير إلى بعض الاختلافات حيث يحتاج فهم الحديث إليها. (3) في الكافي وفى نسخة: فعمد قابيل إلى النار. [ * ]

[ 44 ]

لأعبدن هذه النار حتى تقبل قرباني، ثم إن عدو الله إبليس قال لقابيل: إنه تقبل (1) قربان هابيل ولم يتقبل قربانك، وإن تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك، (2) فقتله قابيل، فلما رجع إلى آدم قال له: يا قابيل أين هابيل ؟ فقال: ما أدري وما بعثتني له راعيا " ! فانطلق آدم فوجد هابيل مقتولا (3) فقال: لعنت من أرض كما قبلت دم هابيل، فبكى آدم على هابيل أربعين ليلة. ثم إن آدم سأل ربه عزوجل أن يهب له ولدا " فولد له غلام فسماه هبة الله، لأن الله عزوجل وهبه له، فأحبه آدم حبا " شديدا "، فلما انقضت نبوة آدم عليه السلام و استكمل أيامه أوحى الله تبارك وتعالى إليه أن يا آدم إنه قد انقضت نبوتك، و استكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم و آثار النبوة في العقب من ذريتك عند ابنك هبة الله، فإني لن أقطع العلم (4) والإيمان و الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار النبوة من العقب من ذريتك إلى يوم القيامة، ولن أدع الأرض إلا وفيها عالم يعرف به ديني وتعرف به طاعتي، فيكون نجاة لمن يولد فيما بينك وبين نوح، وذكر آدم نوحا " وقال: (5) إن الله تبارك وتعالى باعث نبيا " اسمه نوح وإنه يدعو إلى الله فيكذبونه (6) فيقتلهم الله بالطوفان، وكان بين آدم ونوح عشرة آباء كلهم أنبياء الله، (7) وأوصى آدم إلى هبة الله: أن من أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه وليصدق به فإنه ينجو من الغرق.


(1) في الكافي: ثم ان ابليس لعنه الله أتاه - وهو يجرى من ابن آدم مجرى الدم في العروق - فقال له: يا قابيل قد تقبل. (2) في الكافي: وانك ان تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك، ويقولون: نحن أبناء الذى تقبل قربانه، فاقتله كيلا يكون له عقب يفتخرون على عقبك، فقتله. (3) في الكافي: أين هابيل ؟ فقال: اطلبه حيث قربنا القربان، فانطلق آدم فوجد هابيل قتيلا. (4) في نسخة: فانى لم أقطع العلم. (5) في الكافي: وبشر آدم بنوح فقال. (6) في الكافي: فيكذبه فومه فيقتلهم الله. (7) في الكافي: عشرة آباء أنبياء وأوصياء كلهم انبياء الله. [ * ]

[ 45 ]

ثم إن آدم مرض (1) المرضة التي قبض فيها فأرسل إلى هبة الله (2) فقال له: إن لقيت جبرئيل أو من لقيت من الملائكة فاقرأه السلام وقل له: إن أبي يستهديك من ثمار الجنة، ففعل، فقال له جبرئيل: يا هبة الله إن أباك قد قبض، وما نزلت إلا للصلاة عليه فارجع، فرجع فوجد أباه قد قبض، فأراه جبرئيل كيف يغسله فغسله حتى إذا بلغ الصلاة عليه قال هبة الله: يا جبرئيل تقدم فصل على آدم، فقال له: جبرئيل: يا هبة الله إن الله تبارك وتعالى أمرنا أن نسجد لأبيك في الجنة، وليس لنا أن نؤم أحدا من ولده، فتقدم هبة الله فصلى على آدم وجبرئيل عليه السلام خلفه وحزب من الملائكة (3) وكبر عليه ثلاثين تكبيرة، فأمر جبرئيل فرفع من ذلك خمس وعشرون تكبيرة، (4) فالسنة اليوم فينا خمس تكبيرات، وقد كان يكبر على أهل بدر سبع وتسع. (5) ثم إن هبة الله لما دفن آدم أتاه قابيل فقال له: يا هبة الله إني قد رأيت آدم أبي قد خصك من العلم بما لم أخص به، وهو العلم الذي دعا به أخوك هابيل فتقبل قربانه وإنما قتلته لكيلا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي فيقولون: نحن أبناء الذي تقبل قربانه، وأنتم أبناء الذي لم يتقبل قربانه، وإنك إن أظهرت من العلم الذي اختصك به أبوك شيئا " قتلتك كما قتلت أخاك هابيل، فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة حتى بعث نوح عليه السلام وظهرت وصية هبة الله حين نظروا في وصية آدم فوجدوا نوحا " قد بشر (6) به أبوهم آدم عليه السلام فآمنوا به واتبعوه وصدقوه، وقد كان آدم أوصى (7) هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة فيكون يوم عيد لهم، فيتعاهدون بعث نوح في زمانه الذي بعث


(1) في المصدر: لما مرض. م (2) في الكافي: فارسل هبة الله. (3) في الكافي: وجنود الملائكة. (4) هكذا في نسخ من الكتاب، وفى المصدر: خمسة وعشرين، وفى الكافي: فرفع خمسة وعشرين تكبيرة. (5) هكذا في نسخ، وفى المصدر: وسبعا وتسعا، وفى الكافي: تسعا " وسبعا. (6) في الكافي: فوجدوا نوحا عليه السلام نبيا " قد بشر. (7) في الكافي: وصى. [ * ]

[ 46 ]

فيه، (1) وكذلك جرى في وصية كل نبي حتى بعث الله تبارك وتعالى محمدا " صلى الله عليه وآله وإنما عرفوا نوحا " بالعلم الذي عندهم وهو قول الله تعالى: " ولقد أرسلنا نوحا " " إلى آخر الآية، وكان ما بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين ومستعلنين، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء، وهو قول الله تعالى: " ورسلا " قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا " لم نقصصهم عليك " يعني من لم يسمهم من المستخفين كما سمى المستعلنين من الأنبياء. (2) فمكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما "، لم يشاركه في نبوته أحد، ولكنه قدم على قوم مكذبين للأنبياء الذين كانوا بينه وبين آدم، وذلك قوله: " كذبت قوم نوح المرسلين " يعني من كان بينه وبين آدم إلى أن انتهى إلى قوله: " وإن ربك لهو العزيز الرحيم ". ثم إن نوحا " لما انقضت نبوته واستكملت أيامه أوحى الله عزوجل إليه: يا نوح قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك، فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة (3) في العقب من ذريتك عند سام، كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الذين بينك وبين آدم، (4) ولن أدع الأرض إلا ؟ وعليها عالم يعرف به ديني، وتعرف به طاعتي، ويكون نجاة لمن يولد فيما بين قبض النبي إلى خروج النبي الآخر، وليس بعد سام إلا هود، فكان بين نوح وهود من الأنبياء (5) مستخفين ومستعلنين. وقال نوح: إن الله تبارك وتعالى باعث نبيا " يقال له هود، وإنه يدعو قومه إلى الله تبارك وتعالى فيكذبونه، وإن الله عزوجل مهلكهم، فمن أدركه منكم فليؤمن به و ليتبعه، فإن الله عز ذكره ينجيه من عذاب الريح، وأمر نوح ابنه ساما " (سام خ) أن


(1) في الكافي: فيتعاهدون نوحا وزمانه الذى يخرج فيه وكذلك جاء في وصية كل نبى. (2) في الكافي: يعنى لم اسم المستخفين كما سميت المستعلنين من الانبياء. (3) في المصدر: وآثار النبوة. (4) في المصدر: فانى لم اقطعها من بيوتات الانبياء الذى بينك وبين آدم. وفى الكافي فانى لن اقطعها كما لم اقطعها من بيوتات الانبياء التى بينك وبين آدم. (5) في الكافي: وبشر نوح ساما بهود عليه السلام، وكان اه‍. وهو يخلو عن قوله: مستخفين ومستعلنين. [ * ]

[ 47 ]

يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة، ويكون يوم عيد لهم فيتعاهدون فيه بعث هود و زمانه الذي يخرج فيه، فلما بعث الله تبارك وتعالى هودا " نظروا فيما عندهم من العلم و الإيمان وميراث العلم والاسم الأكبر وآثار علم النبوة فوجدوا هودا " نبيا " قد بشرهم به أبوهم نوح، فآمنوا به وصدقوه واتبعوه، فنجوا من عذاب الريح وهو قول الله: " وإلى عاد أخاهم هودا " " وقوله: " كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون " وقال الله عزوجل: " ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب " وقوله: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا " هدينا " لنجعلها في أهل بيته " ونوحا هدينا " من قبل " لنجعلها في أهل بيته، فآمن العقب من ذرية الأنبياء من كان قبل إبراهيم لإبراهيم، وكان بين هود وإبراهيم من الأنبياء عشرة أنبياء (1) وهو قوله عزوجل: " وما قوم لوط منكم ببعيد " وقوله: " فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي سيهدين " وقوله تعالى: " وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم " فجرى بين كل نبي ونبي عشرة آباء (2) وتسعة آباء، وثمانية آباء كلهم أنبياء، وجرى لكل نبي ما جرى لنوح، وكما جرى لآدم وهود وصالح و شعيب وإبراهيم صلوات الله عليهم حتى انتهى إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ثم صارت بعد يوسف في الأسباط إخوته (3) حتى انتهت إلى موسى بن عمران وكان بين يوسف وموسى بن عمران عشرة من الأنبياء، (4) فأرسل الله عزوجل موسى وهارون إلى فرعون وهامان وقارون، ثم أرسل الله الرسل تترى " كلما جاء امة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا " وجعلناهم أحاديث " فكانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم نبيين وثلاثة و أربعة، حتى أنه كان يقتل في اليوم الواحد سبعون نبيا "، ويقوم سوق بقلهم في آخر النهار (5)


(1) الكافي يخلو عن قوله: عشرة. (2) في الكافي. عشرة أنبياء. (3) في نسخة: في أسباط اخوته. (4) الكافي يخلو عن قوله: عشرة. (5) أي كانوا يشتغلون بقتلهم ولا يبالون أن يقوم أسواقهم حتى سوق بقلهم آخر النهار. وفى المصدر: ويقوم في سوق من (في ح) اخر النهار. م [ * ]

[ 48 ]

فلما انزلت التوراة على موسى بن عمران تبشر بمحمد صلى الله عليه وآله (1) وكان بين يوسف وموسى من الأنبياء عشرة، (2) وكان وصي موسى بن عمران يوشع بن نون، وهو فتاه الذي قال فيه عزوجل، (3) فلم تزل الأنبياء تبشر بمحمد صلى الله عليه وآله (4) وذلك قوله: " يجدونه " يعني اليهود والنصارى، يعني صفة محمد واسمه " مكتوبا عندهم في التوارة و الإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر " وهو قول الله تعالى يحكي عن عيسى بن مريم: " ومبشرا " برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " فبشر موسى وعيسى بمحمد صلى الله عليهم أجمعين كما بشرت الأنبياء بعضهم بعضا حتى بلغت محمدا صلى الله عليه وآله، فلما قضى محمد صلى الله عليه وآله نبوته واستكمل أيامه أوحى الله تبارك وتعالى إليه: أن يا محمد قد قضيت نبوتك، واستكملت أيامك، فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر و ميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب عليه السلام، فإني لن أقطع العلم (5) والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة من العقب من ذريتك، كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم، وذلك قوله تعالى: " إن الله اصطفى آدم ونوحا " وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " فإن الله تبارك وتعالى لم يجعل العلم جهلا "، ولم يكل أمره إلى ملك مقرب، (6) ولا إلى نبي مرسل، ولكنه أرسل رسولا " من ملائكته إلى نبيه فقال له كذا وكذا، (7) فأمره بما يحب ونهاه عما ينكر، فقص عليه ما قبله وما بعده بعلم


(1) في نسخة: بشر بمحمد ص. (2) المصدر والكافي يخلو عن قوله: عشرة. (3) في الكافي: وهو فتاة الذي ذكره الله عزوجل في كتابه. قلت: في قوله: " فلما جاوزا قال لفته آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " الكهف: 62. (4) في الكافي تبشر بمحمد ص: حتى بعث الله تبارك وتعالى المسيح عيسى بن مريم فبشر بمحمد ص وذلك قوله. (5) في نسخة: فانى لم اقطع العلم. (6) في الكافي: ولم يكل امره إلى احد من خلقه، لا إلى ملك مقرب. (7) في الكافي: فقال له: قل: كذا وكذا. [ * ]

[ 49 ]

فعلم ذلك العلم (1) أنبياؤه وأصفياؤه من الآباء والإخوان بالذرية (2) التي بعضها من بعض، فذلك قوله: ولقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا " عظيما " " (3) فأما الكتاب فالنبوة، وأما الحكمة فهم الحكماء من الأنبياء والأصفياء من الصفوة، (4) وكل هؤلاء من الذرية التي بعضها من بعض، الذين جعل الله تبارك وتعالى فيهم النبوة (5) وفيهم العاقبة وحفظ الميثاق حتى ينقضي الدنيا، فهم العلماء ولاة الأمر، (6) واستنباط العلم والهداة، فهذا بيان الفضل في الرسل والأنبياء والحكماء وأئمة الهدى والخلفاء الذين هم ولاة أمر الله، وأهل استنباط علم الله، وأهل آثار علم الله عزوجل من الذرية التى بعضها من بعض من الصفوة بعد الأنبياء من الآل والإخوان والذرية من بيوتات الأنبياء، فمن عمل بعلمهم انتهى إلى إبراهيم فجاء بنصرهم، (7) ومن وضع ولاية الله (8) وأهل استنباط علمه في غير أهل الصفوة من بيوتات الأنبياء فقد خالف أمر الله، وجعل الجهال ولاة أمر الله، والمتكلفين بغير هدى، (9) وزعموا أنهم أهل استنباط علم الله، فقد كذبوا على الله وزاغوا عن وصية الله وطاعته، (10) فلم يضعوا فضل الله حيث وضعه الله تبارك وتعالى فضلوا وأضلوا أتباعهم، ولم يكن لهم يوم القيامة حجة، إنما الحجة في آل إبراهيم لقول الله تبارك وتعالى: " ولقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا " عظيما " " (11)


(1) في الكافي: عما يكره، لقص إليهم أمر خلقه بعلم فعلم ذلك العلم وعلم انبياؤه اه‍. (2) في الكافي: والذرية. (3) هكذا في الكتاب والمصدر، وفى المصحف الشريف: < < فقد آتينا > >. ولعله سهو من النساخ. (4) في الكافي زيادة وهى: وأما الملك العظيم فهم الائمة الهداة من الصفوة. (5) في الكافي: والعلماء الذين جعل الله فيهم البقية وفيهم العاقبة وحفظ الميثاق حتى تنقضي الدنيا والعلماء. (6) في المصدر: وولاة الامر. وفى الكافي: ولولاة الامر استنباط العلم وللهداة، فهذا شأن الفضل من الصفوة والرسل اه‍. (7) في المصدر: وانتهى إلى امرهم فجزا (فجرى خ ل فجاء خ ل) بنصرهم. م (8) في الكافي: من الاباء والاخوان والذرية من الانبياء، فمن اعتصم بالفضل انتهى بعلمهم و نجا بنصرتهم، ومن وضع ولاة أمر الله اه‍. (9) في الكافي: والمتكلفين بغير هدى من الله. قلت: أي جعل الذين يتكلفون في امور الناس بغير هدى منسوبا من الله تعالى. (10) في الكافي: ورغبوا عن وصيه وطاعته. (11) قد عرفت ان الاية في المصحف الشريف: " فقد آتينا ". [ * ]

[ 50 ]

فالحجة للأنبياء وأهل بيوتات الأنبياء حتى تقوم الساعة، لأن كتاب الله عزوجل ينطق بذلك، ووصية الله خبرت بذلك (1) في العقب من البيوت التي رفعها الله تبارك وتعالى على الناس فقال: " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " وهي بيوت الأنبياء والرسل الحكماء وأئمة الهدى، فهذا بيان عروة الإيمان التي نجا بها من نجا قبلكم، وبها ينجو من اتبع الهدى قبلكم (2) وقد قال الله تبارك وتعالى في كتابه: (3) " ونوحا " هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا " وكلا " فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم * اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما " ليسوا بها بكافرين " فإنه وكل بالفضل من أهل بيته من الأنبياء (4) والإخوان والذرية، وهو قول الله عزوجل في كتابه: فإن يكفر بها امتك (5) يقول: فقد وكلنا أهل بيتك بالإيمان الذي أرسلتك به فلا يكفرون بها أبدا "، ولا اضيع الإيمان الذي أرسلتك به، وجعلت أهل بيتك بعدك علما عنك وولاة من بعدك، (6) وأهل استنباط علمي الذي ليس فيه كذب ولا إثم ولا وزر (7) ولا بطر ولا رئاء، هذا تبيان (8) ما بينه الله عزوجل من أمر هذه الامة بعد نبيها، إن الله تبارك وتعالى طهر أهل بيت نبيه، وجعل لهم أجر المودة، وأجرى لهم الولاية، وجعلهم أوصياءه وأحباءه وأئمته في


(1) خبره الشئ وبالشئ: اعلمه اياه وانبأه به. والظاهر أنه مصحف جرت كما في المصدر. (2) في الكافي: وبها ينجو من يتبع الائمة. (3) في المصدر: وبها ينجو من اتبع الائمة وقد ذكر الله تعالى في كتابه اه‍. م (4) الكافي خال عن قوله: الانبياء، وفى المصدر: الاباء. (5) تفسير لقوله تعالى له قبل ذلك: < < وان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين > >. (6) في نسخة: وولاة الامر من بعدك، وفى اخرى: وجعلت اهل بيتك بعدك علم امتك وولاة (الامر خ) من بعدك، وفى المصدر: وجعلت أهل بيتك بعدك على امتك ولاة من بعدك. (7) في المصدر وفى الكافي: ولا زور. (8) في المصدر: فهذا تبيان. وفى الكافي: فهذا بيان ما ينتهى إليه أمر هذه الامة. [ * ]

[ 51 ]

امته من بعده، (1) فاعتبروا أيها الناس وتفكروا فيما قلت حيث وضع الله (2) عزوجل ولايته وطاعته ومودته واستنباط علمه وحجته فإياه فتعلموا، (3) وبه فاستمسكوا تنجوا، ويكون لكم به حجة يوم القيامة والفوز، فإنهم صلة بينكم وبين ربكم، ولا تصل الولاية إلى الله عزوجل إلا بهم، فمن فعل (4) ذلك كان حقا " على الله أن يكرمه ولا يعذبه، ومن يأت بغير ما أمره كان حقا " على الله أن يذله ويعذبه. (5) وإن الأنبياء بعثوا خاصة وعامة، فأما نوح فإنه ارسل إلى من في الأرض بنبوة عامة ورسالة عامة، وأما هود فإنه ارسل إلى عاد بنبوة خاصة، وأما صالح فإنه ارسل إلى ثمود قرية واحدة وهي لا تكمل أربعين بيتا " على ساحل البحر صغيرة وأما شعيب فإنه ارسل إلى مدين وهي لا تكمل أربعين بيتا "، وأما إبراهيم نبوته بكونى ويا، وهي (6) قرية من قرى السواد فيها مبدأ أول أمره، ثم هاجر منها، وليست بهجرة قتال، وذلك قوله تعالى: " وقال إني مهاجر إلى ربي سيهدين " فكانت هجرة إبراهيم عليه السلام بغير قتال. وأما إسحاق فكانت نبوته بعد إبراهيم، وأما يعقوب فكانت نبوته في أرض كنعان ثم هبط إلى أرض مصر فتوفي فيها، ثم حمل بعد ذلك جسده حتى دفن بأرض كنعان، والرؤيا التي رأى يوسف الأحد عشر كوكبا " والشمس والقمر له ساجدين، فكانت نبوته في أرض مصر بدؤها، ثم كانت الأسباط اثني عشر بعد يوسف، ثم موسى وهارون إلى فرعون وملائه إلى مصر وحدها، ثم إن الله تعالى أرسل يوشع بن نون إلى بني إسرائيل من بعد موسى، نبوته بدؤها (7) في البرية التي تاه فيها (8) بنو إسرائيل.


(1) في المصدر: فاثبته بعده في امته من بعده. م (2) في المصدر: فاعتبروا ايها الناس فيما قلت وتفكروا حيث وضع الله اه‍. (3) في نسخة وفى الكافي: فاياه فتقبلوه. (4) في نسخة: فمن يقل (يفعل خ) ذلك. م (5) إلى هنا انتهى الحديث في الكافي. (6) لعله مصحف بكوثى ربى، والمصدر خلى عن قوله: " ويا " وهى بالضم فالسكون بلدة بسواد العراق في أرض بابل، تسمى " كوثى ربى " بها مولد ابراهيم الخليل عليه السلام وبها مشهده وبها طرح في النار: راجع معجم البلدان 4: 487. (7) في المصدر: فنبوته بدؤها. (8) أي ضلوا وذهبوا فيها متحيرا ". [ * ]

[ 52 ]

ثم كانت أنبياء كثيرون: منهم من قصه الله عزوجل على محمد صلى الله عليه وآله، ومنهم من لم يقصه عليه. ثم إن الله عزوجل أرسل عيسى بن مريم إلى بني إسرائيل خاصة فكانت نبوته ببيت المقدس، وكان من بعده الحواريون اثني عشر، فلم يزل الإيمان يستسر في بقية أهله (1) منذ رفع الله عيسى عليه السلام، وأرسل الله تبارك وتعالى محمدا " صلى الله عليه وآله إلى الجن و الإنس عامة، وكان خاتم الأنبياء، وكان من بعده الاثني عشر الأوصياء، منهم من أدركنا ومنهم من سبقنا، ومنهم من بقي، فهذا أمر النبوة والرسالة، وكل نبي ارسل إلى بني إسرائيل خاص أو عام له وصي جرت به السنة، وكان الأوصياء الذين بعد محمد صلى الله عليه وآله على سنة أوصياء عيسى، وكان أمير المؤمنين عليه السلام على سنة المسيح، وهذا تبيان السنة وأمثال الأوصياء بعد الأنبياء. (2) شى: عن الثمالي بعض الخبر مع اختصار، (3) ورواه في الكافي، (4) عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمد بن فضيل، عن الثمالي. بيان: قوله: (والاسم الأكبر) أي الاسم الأعظم أو كتب الأنبياء وعلومهم كما فسر به في خبر أورده في الكافي. قوله عليه السلام: (وهو قوله عزوجل: " وما قوم لوط ") لعل المراد الإشارة إلى الآيات الدالة على بعثة إبراهيم عليه السلام ومن آمن به من الأنبياء، لان لوطا " عليه السلام كان بعثة بعد بعثة إبراهيم عليه السلام وكان معاصرا " له لا متقدما " عليه. قوله عليه السلام: (وجرى لكل نبي ما جرى لنوح) أي الوصية والأمر بتعاهدها وكتمانها. قوله عليه السلام: (تترى) أي متواترين واحدا " بعد واحد من الوتر وهو الفرد، والتاء بدل من الواو، والألف للتأنيث، لأن الرسل جماعة " فأتبعنا بعضهم بعضا " " أي في الإهلاك " وجعلناهم أحاديث " أي لم يبق منهم إلا حكايات يسمر بها.


(1) في المصدر: يستتر في بقية أهله. م (2) كمال الدين: 122 - 127. م (3) تفسير العياشي: مخطوط. م (4) أشرنا إلى موضعه قبلا. [ * ]

[ 53 ]

قوله عليه السلام: (ويقوم سوق بقلهم) أي كانوا لا يبالون بذلك بحيث كان يقوم بعد قتل سبعين نبيا " جميع أسواقهم حتى سوق بقلهم إلى آخر النهار. قوله عليه السلام: (حتى بلغت) أي سلسلة الأنبياء أو النبوة أو البشارة. قوله عليه السلام: (قد قضيت) على بناء الخطاب المعلوم، أو الغيبة المجهول. قوله عليه السلام: (وذلك قوله تعالى) أي آل إبراهيم هم آل محمد عليهم السلام، وهم الذرية التي بعضها من بعض قوله عليه السلام: (لم يجعل العلم جهلا ") أي لم يجعل العلم مبنيا " على الجهل، بأن يكون أمر الحجة مجهولا "، أو لم يجعل العلم مخلوطا بالجهل، بل لابد أن يكون العالم عالما بجميع ما يحتاج إليه الخلق. قوله عليه السلام (وفيهم العاقبة) إشارة إلى قوله تعالى " والعاقبة للمتقين " قوله عليه السلام: (فهذا بيان الفضل) وفي الكافي: شأن الفضل، فيمكن أن يقرأ بضم الفاء وتشديد الضاد المفتوحة جمع فاضل. قوله عليه السلام: (والمتكلفين) عطف على الجهال. قوله عليه السلام: (وزاغوا) أي مالوا و انحرفوا. قوله عليه السلام: (فإنه وكل بالفضل) يمكن أن يقرأ " وكل " بالتخفيف، ويكون الباء بمعنى " إلى " والفضل على صيغة الجمع، أي وكل الإيمان والعلم إلى الأفاضل من أهل بيته، وبالتشديد على سبيل القلب، أو بتخفيف الفضل فيكون قوله: من أهل بيته مفعولا " لقوله: وكل، أي وكل جماعة عن أهل بيته بالفضل وهو العلم والإيمان. قوله عليه السلام: (على سنة المسيح) أي بسبب افتراق الامة فيه ثلاث فرق. 50 - ير: ابن يزيد، عن محمد بن الحسين، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الأنبياء على خمسة (1) أنواع: منهم من يسمع الصوت مثل صوت السلسلة فيعلم ما عني به، ومنهم من ينبؤ في منامه مثل يوسف وإبراهيم عليهما السلام، ومنهم من يعاين، ومنهم من ينكت في قلبه ويوقر (2) في اذنه. (3)


(1) استظهر في الهامش أنه أربعة. (2) هكذا في الكتاب والمصدر، ولعله مصحف: ينقر، واستظهره: في هامش الكتاب. (3) بصائر الدرجات: 107. م [ * ]

[ 54 ]

شى: عن زرارة مثله. (1) بيان: لعله كان مكان خمسة أربعة، أو النقر في الاذن هو الخامس. 51 - ير: أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن الأحول قال: سمعت زرارة يسأل أبا جعفر عليه السلام قال: أخبرني عن الرسول والنبي والمحدث: فقال أبو جعفر عليه السلام الرسول الذي يأتيه جبرئيل قبلا " فيراه ويكلمه فهذا الرسول، وأما النبي فإنه يرى في منامه (2) على نحو ما رأى إبراهيم، ونحو ما كان رأى رسول الله من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل من عند الله بالرسالة، وكان محمد صلى الله عليه وآله حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها جبرئيل ويكلمه بها قبلا "، (3) ومن الأنبياء من جمع له النبوة ويرى في منامه، يأتيه الروح فيكلمه ويحدثه من غير أن يكون رآه في اليقظة، وأما المحدث فهو الذي يحدث فيسمع ولا يعاين ولا يرى في منامه. (4) بيان: اعلم أن العلماء اختلفوا في الفرق بين الرسول والنبي فمنهم من قال: لا فرق بينهما، وأما من قال: بالفرق فمنهم من قال: إن الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنما يدعو إلى كتاب من قبله، ومنهم من قال: إن من كان صاحب المعجز وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قبله فهو الرسول، ومن لم يكن مستجمعا " لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول، ومنهم من قال: إن من جاءه الملك ظاهرا " وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول، ومن لم يكن كذلك بل رأى في النوم فهو النبي، كذا ذكره الرازي وغيره وقد ظهر لك من الأخبار فساد ما سوى القول الأخير لما قد ورد من عدد المرسلين والكتب، وكون من نسخ شرعه ليس إلا خمسة،


(1) تفسير العياشي مخطوط. م (2) في نسخة: فانه يؤتى في منامه. (3) أي عيانا ومقابلة. (4) بصائر الدرجات: 107 - 108 ورواه الكليني ايضا في الكافي في باب الفرق بين الرسول والنبى والمحدث باسناده عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن الاحول قال: سألت أبا جعفر عليه السلام. [ * ]

[ 55 ]

فالمعول على هذا الخبر المؤيد بأخبار كثيرة مذكورة في الكافي. (1) 52 - ير: محمد بن هارون، عن أبي يحيى الواسطي، (2) عن هشام بن سالم، ودرست بن أبي منصور الواسطي عنهما عليهما السلام قالا: الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبي منبؤ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاين في اليقظة ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام، مثل ما كان إبراهيم على لوط، ونبي يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك وقد ارسل إلى طائفة قلوا أو كثروا، كما قال الله: (3) " فأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " قال: يزيدون ثلاثين ألفا "، (4) ونبي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل اولي العزم، وقد كان إبراهيم عليه السلام نبيا " وليس بإمام حتى قال: " إني جاعلك للناس إماما " * قال ومن ذريتي " بأنه يكون في ولده كلهم " قال لا ينال عهدي الظالمين " أي من عبد صنما " أو وثنا ". (5) بيان: لعل التشبيه بلوط عليه السلام في محض كون الإمام عليه، فإنه عليه السلام قد عاين الملك وبعث إلى قومه. قوله عليه السلام: (في ولده كلهم) أي في كل صنف وقبيلة منهم، و يحتمل كون " من " في الآية ابتدائية. 53 - ير: الحسن بن علي بن النعمان، عن يحيى بن عمر، عن أبان الأحمر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنا معاشر الأنبياء تنام عيوننا ولا تنام قلوبنا، ونرى من خلفنا كما نرى بين أيدينا. (6) 54 - سن: محمد بن عيسى اليقطيني، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان، عن درست، عن


(1) راجع اصول الكافي باب طبقات الانبياء وباب الفرق بين الرسول والنبى والمحدث. (2) أخرجه الكليني في الاصول من الكافي في باب طبقات الانبياء باسناده عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، عن أبى يحيى الواسطي. (3) في الكافي قلوا أو كثروا كيونس، قال الله ليونس اه‍. (4) زاد في الكافي: وعليه امام. (5) بصائر الدرجات: 108 - 109 وفى الكافي: من عبد صنما أو وثنا لا يكون اماما. (6) بصائر الدرجات: 124. م [ * ]

[ 56 ]

إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال: ما بعث الله نبيا قط إلا عاقلا " وبعض النبيين أرجح من بعض، وما استخلف داود سليمان حتى اختبر عقله، واستخلف داود سليمان وهو ابن ثلاثة عشر سنة، ومكث في ملكه أربعين سنة، وملك ذوالقرنين وهو ابن اثني عشر، ومكث في ملكه ثلاثين سنة. (1) 55 - سن: عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: قول الله: " فاصبر كما صبر اولو العزم من الرسل " فقال: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وعلى جميع أنبياء الله ورسله، قلت: كيف صاروا اولي العزم ؟ قال: لأن نوحا " بعث بكتاب وشريعة، فكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه حتى جاء إبراهيم عليه السلام بالصحف وبعزيمة ترك كتاب نوح لا كفرا " به، فكل نبي جاء بعد إبراهيم جاء بشريعته ومنهاجه وبالصحف حتى جاء موسى بالتوراة وبعزيمة ترك الصحف، فكل نبي جاء بعد موسى أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه حتى جاء المسيح بالإنجيل وبعزيمة ترك شريعة موسى ومنهاجه، (2) فكل نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه حتى جاء محمد صلى الله عليه وآله فجاء بالقرآن وشريعته ومنهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة فهؤلاء اولو العزم من الرسل. (3) 56 - سن: أبي، عن محمد بن سنان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: كيف علمت الرسل أنها رسل ؟ قال: كشف عنها الغطاء، الخبر. 57 - ختص: محمد بن جعفر المؤدب، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن فضال، عن عمر بن أبان، عن بعضهم قال: كان خمسة من الأنبياء سريانيون: آدم وشيث وإدريس ونوح وإبراهيم، وكان لسان آدم العربية، وهو لسان أهل الجنة، فلما عصى ربه أبدله بالجنة ونعيمها الأرض والحرث، وبلسان العربية السريانية، قال: وكان خمسة عبرانيون: إسحاق ويعقوب وموسى وداود وعيسى، وخمسة من العرب: هود وصالح وشعيب وإسماعيل


(1) المحاسن: 193. (2) أي ترك بعض الفروع من شريعته، لأن المسيح عليه السلام كان تابعا " لموسى عليه السلام في الفروع. (3) المحاسن: 269 - 270. م [ * ]

[ 57 ]

ومحمد عليهم السلام، وخمسة بعثوا في زمن واحد: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط، (1) بعث الله إبراهيم وإسحاق إلى الأرض المقدسة، وبعث يعقوب إلى أرض مصر، وإسماعيل إلى أرض جرهم وكانت جرهم حول الكعبة سكنت بعد عماليق، وسموا عماليق لأن أباهم كان عملاق بن لود بن (2) سام بن نوح عليه السلام، وبعث لوط إلى أربع مدائن: سدوم وعامور وصنعا وداروما، وثلاثة من الأنبياء ملوك: يوسف وداود وسليمان، وملك الدنيا مؤمنان وكافران: فالمؤمنان: ذوالقرنين وسليمان عليهما السلام، وأما الكافران فنمرود بن كوش بن كنعان (3) و بخت نصر. (4) 58 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن أبي داود، عن عبد الله بن أبان قال: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام فسألنا: أفيكم أحد عنده علم عمي زيد بن علي ؟ فقال رجل من القوم: أنا عندي علم من علم عمك: كنا عنده ذات ليلة في دار معاوية بن إسحاق الأنصاري إذ قال: انطلقوا بنا نصلي في مسجد السهلة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: وفعل ؟ فقال: لا، جاءه أمر فشغله عن الذهاب، فقال: أما والله لو أعاذ الله (5) به (له خ ل) حولا " لأعاذه، أما علمت أنه موضع بيت إدريس النبي الذي كان يخيط فيه، ومنه سار إبراهيم عليه السلام إلى اليمن بالعمالقة، ومنه سار داود إلى جالوت، وإن فيه لصخرة خضراء فيها مثال كل نبي، ومن تحت تلك الصخرة اخذت طينة كل نبي، وإنه لمناخ الراكب ؟ قيل: من الراكب ؟ قال: الخضر عليه السلام. (6) 59 - يب: أحمد بن محمد، عن يعقوب بن عبد الله، عن إسماعيل بن زيد، عن الكاهلي


(1) هكذا في النسخ، واستظهر المصنف أن الصحيح أربعة. قلت: والظاهر أن الخامسة هو اسماعيل. (2) الصحيح: عملاق بن لاود بن سام. ويقال لعملاق: عمليق ايضا. (3) في تاريخ الطبري: نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح. وفى العرائس: نمرود بن كنعان بن سنجاريب بن كوش بن حام بن نوح. روى الثعلبي في العرائس ذيل الحديث فقال: وفى الحديث: ملل الارض الاربعة اه‍. (4) الاختصاص مخطوط. م (5) في المصدر لو استعاذ الله. م (6) فروع الكافي ج 1: 139. م [ * ]

[ 58 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: مسجد الكوفة صلى فيه سبعون نبيا " وسبعون وصيا " أنا أحدهم. (1) 60 - يب: علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن أبي عبد الرحمن الحذاء، عن أبي اسامة، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: مسجد كوفان صلى فيه ألف نبي وسبعون نبيا "، وفيه عصا موسى، وشجرة يقطين، وخاتم سليمان ومنه فار التنور، ونجرت السفينة، (2) وهي سرة بابل، ومجمع الانبياء. (3) 61 - قل: بالإسناد إلى محمد بن أحمد بن داود القمي بإسناده إلى الحسن بن محبوب، عن الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: من أحب أن يصافحه مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي فليزر الحسين عليه السلام ليلة النصف من شعبان، فإن أرواح النبيين (4) يستأذنون الله في زيارته فيأذن لهم، فطوبى لمن صافحهم وصافحوه، منهم خمسة اولو العزم من المرسلين: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين، قلت: ولم سموا اولي العزم ؟ قال: لأنهم بعثوا إلى شرقها وغربها وجنها وإنسها. (5) 62 - فر: جعفر بن محمد بن سعيد معنعنا عن أبي مريم قال: سمعت أبان بن تغلب قال: سألت جعفر بن محمد عليه السلام عن قول الله تعالى: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات " قال: الرزق الحلال. (6) 63 - ما: ابن عبدون، عن ابن الزبير، عن علي بن فضال، عن العباس بن عامر، عن علي بن معمر، عن رجل من جعفى قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فقال رجل: اللهم إني أسألك رزقا " طيبا "، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: هيهات هيهات هذا قوت الأنبياء،


(1) التهذيب ج 1: 193. م (2) في نسخة: جرت السفينة. قلت: نجرت السفينة أي نحتت وصنعت. (3) التهذيب ج 1: 193. م (4) في المصدر: فان الملائكة وارواح النبيين. م (5) اقبال الاعمال: 710. م (6) تفسير فرات: 101. م [ * ]

[ 59 ]

ولكن سل ربك رزقا " لا يعذبك عليه يوم القيامة، هيهات إن الله يقول: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا " ". (1) 64 - كا: محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزلت التوراة في ست مضت من شهر رمضان، ونزل الإنجيل في اثنتي عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، و نزل الزبور في ليلة ثماني عشرة مضت من شهر رمضان، ونزل القرآن في ليلة القدر. (2) 65 - أقول: في المصباح والإقبال في دعاء ام داود: اللهم صل على هابيل و شيث وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف والأسباط ولوط وشعيب وأيوب وموسى وهارون ويوشع وميشا والخضر وذي القرنين ويونس وإلياس واليسع وذي الكفل وطالوت وداود وسليمان وزكريا وشعيا ويحيى وتورخ ومتى وأرميا وحيقوق ودانيال وعزير وعيسى وشمعون وجرجيس والحواريين والأتباع وخالد و حنظلة ولقمان. (3) 66 - ختص: محمد بن علي، عن أبيه، عن سعد، عن الحسن بن موسى، عن إسماعيل بن مهران، عن علي بن عثمان، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قان: إن الأنبياء وأولاد الأنبياء وأتباع الأنبياء خصوا بثلاث خصال: السقم في الأبدان، وخوف السلطان، و الفقر. (4) 67 - ختص: جماعة من أصحابنا، عن محمد بن جعفر المؤدب، عن عدة من أصحابه عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن الحسن بن زياد، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا صفوان هل تدري كم بعث الله من نبي ؟ قال: قلت: ما أدري قال: بعث الله مائة ألف نبي وأربعة وأربعين ألف نبي ومثلهم أوصياء بصدق الحديث وأداء


(1) امالي ابن الشيخ: 67. م (2) فروع الكافي ج 1: 206. م (3) مصباح المتهجد: 563، الاقبال: 660. (4) الاختصاص مخطوط. م [ * ]

[ 60 ]

الامانة والزهد في الدنيا، وما بعث الله نبيا خيرا من محمد صلى الله عليه وآله، ولا وصيا خيرا من وصيه. (1) 68 - ختص: أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن علي بن مطهر، عن الحسن بن الميثمي، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو ذر: يارسول الله كم بعث الله من نبي ؟ فقال: ثلاث مائة ألف نبي وعشرين ألف نبي، قال: يارسول الله فكم المرسلون ؟ فقال: ثلاث مائة وبضعة عشر، قال: يارسول الله فكم أنزل الله من كتاب ؟ فقال: مائة كتاب وأربعة وعشرين كتابا ": أنزل على إدريس خمسين صحيفة، وهو اخنوخ، وهو أول من خط بالقلم، وأنزل على نوح (2) وأنزل على إبراهيم عشرا، و أنزل التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد صلى الله عليه وآله. (3) 69 - ختص: ابن عيسى، عن ابن معروف، عن ابن المغيرة، عن أبي حفص العبدي عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعته يقول يا علي ما بعث الله نبيا " إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعا " أو كارها ". (4) 70 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة طويلة يذكر فيها آدم عليه السلام: فأهبطه إلى دار البلية، وتناسل الذرية، واصطفى سبحانه من ولده أنبياء، أخذ على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، (5) لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقه واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم (6) الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، (7) ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع


(1) الاختصاص مخطوط. م (2) كذا في النسخ، وتقدم عن ابن عباس ان الله انزل على آدم وادريس وابراهيم وموسى و داود وعيسى ومحمد عليه السلام وعليهم مائة كتاب وأربعة كتب، وعليه فيكون لنوح عشرون كتابا. (3 و 4) الاختصاص مخطوط. م (5) بأن لا يشرعوا للناس الا ما يوحى إليهم. (6) بالجيم أي حولهم عن قصدهم وعن مقتضى فطرتهم وهو الاقرار بربوبيته ووحدانيته، وأصله من الدوران كان الصارف يصرفك تارة هكذا، واخرى هكذا، وفى بعض النسخ بالحاء. (7) أي ليطالبوهم اداء ميثاق فطرته، أي ما تقتضي فطرته أن يصرف ما آتاه الله فيما خلق له، ويشكره فيما أنعم به عليه. [ * ]

[ 61 ]

ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتتابع عليهم، ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة، رسل لا يقصر بهم فلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم، من سابق سمي له من بعده، أو غابر عرفه من قبله، على ذلك نسلت القرون، (1) ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلفت الأبناء إلى أن بعث الله سبحانه محمدا " لأنجاز عدته، وتمام نبوته، إلى آخر الخطبة. (2) بيان: على الوحي أي على أدائه. واجتالتهم أي أدارتهم تارة هكذا وتارة هكذا. وواتر إليهم أي أرسلهم وترا " بعد وتر. والإضاقة في دفائن العقول بتقدير " في " أي العلوم الكامنة في العقول، أو بيانية أي العقول المغمورة في الجهالات. والأوصاب: الأمراض. والأحداث: المصائب. على ذلك نسلت أي درجت ومضت.


(1) أي مضت متتابعة. (2) نهج البلاغة: القسم الاول الخطبة الاولى، وهى طويله يأتي قطعة منها في باب مبعث الرسول صلى الله عليه وآله، وتمامه في باب الخطب. [ * ]

[ 62 ]

* (باب 2) * * (نقش خواتيمهم وأشغالهم وأمزجتهم وأحوالهم في حياتهم و) * * (بعد موتهم صلوات الله عليهم) * 1 - ن، لى: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن علي الكوفي، عن الحسن بن أبي العقبة عن الحسين بن خالد الصيرفي قال: قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام، الرجل يستنجي وخاتمه في إصبعه، ونقشه: " لا إله إلا الله " فقال: أكره ذلك له، فقلت: جعلت فداك أو ليس كان رسول الله صلى الله عليه وآله وكل واحد من آبائك عليهم السلام يفعل ذلك وخاتمة في إصبعه ؟ قال: بلى، ولكن اولئك كانوا (1) يتختمون في اليد اليمنى، فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم، قلت: ما كان نقش خاتم أمير المؤمنين عليه السلام ؟ فقال: ولم لا تسألني عمن كان قبله ؟ قلت: فإني أسألك، قال: كان نقش خاتم آدم: لا إله إلا الله، محمد رسول الله " هبط به معه. وإن نوحا لما ركب السفينة أوحى الله عزوجل إليه، يا نوح إن خفت الغرق فهللني ألفا " ثم سلني النجاة انجك من الغرق ومن آمن معك، قال: فلما استوى نوح و من معه في السفيننة ورفع القلس عصفت الريح عليهم، فلم يأمن نوح الغرق فأعجلته الريح فلم يدرك أن يهلل ألف مرة، فقال بالسريانية: " هلوليا ألفا " ألفا " يا ماريا أتقن " (2) قال: فاستوى القلس، واسمرت السفينة، (3) فقال نوح عليه السلام " إن كلاما " نجاني الله به من الغرق لحقيق أن لا يفارقني، قال: فنقش في خاتمه لا إله إلا الله ألف مرة يا رب أصلحني.


(1) في العيون: ولكن كانوا. م (2) في العيون: ياماريا ياماريا اتقن. م (3) في نسخة وفى العيون: فاستقرت السفينة. م [ * ]

[ 63 ]

قال: وإن إبراهيم عليه السلام لما وضع في كفة المنجنيق غضب جبرئيل عليه السلام فأوحى الله عزوجل إليه: ما يغضبك يا جبرئيل ؟ قال: يا رب خليلك ليس من يعبدك على وجه الأرض غيره سلطت عليه عدوك وعدوه، فأوحى الله إليه عزوجل: اسكت، إنما يعجل العبد الذي يخاف الفوت مثلك، فأما أنا فإنه عبدي آخذه إذا شئت، قال: فطابت نفس جبرئيل عليه السلام فالتفت إلى إبراهيم عليه السلام فقال: هل لك من حاجة ؟ فقال: أما إليك فلا فأهبط الله عزوجل عندها خاتما " (1) فيه ستة أحرف، " لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، فوضت أمري إلى الله " أسندت ظهري إلى الله، حسبي الله " فأوحى الله جل جلاله إليه أن تختم بهذا الخاتم فإني أجعل النار عليك بردا " وسلاما. قال: وكان نقش خاتم موسى عليه السلام حرفين اشتقهما من التوراة " اصبر توجر اصدق تنج " قال: وكان نقش خاتم سليمان عليه السلام: " سبحان من ألجم الجن بكلماته " وكان نقش خاتم عيسى عليه السلام حرفين اشتقهما من الإنجيل: " طوبى لعبد ذكر الله من أجله وويل لعبد نسي الله من أجله " وكان نقش خاتم محمد صلى الله عليه وآله: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " وكان نقش خاتم أمير المؤمنين عليه السلام: " الملك لله " وكان نقش خاتم الحسن عليه السلام " العزة لله " وكان نقش خاتم الحسين عليه السلام " إن الله بالغ أمره " وكان علي بن الحسين عليهما السلام يتختم بخاتم أبيه الحسين عليه السلام، وكان محمد بن علي عليه السلام يتختم بخاتم الحسين عليه السلام، وكان نقش خاتم جعفر بن محمد عليه السلام " الله وليي (2) وعصمتي من خلقه " وكان نقش خاتم أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام " حسبي الله " قال الحسين بن خالد: وبسط أبو الحسن الرضا عليه السلام كفه وخاتم أبيه عليهما السلام في إصبعه حتى أراني النقش (3) 2 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن عبد الله بن أحمد، عن محمد بن علي الصيرفي، عن الحسين بن خالد قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام: ما كان نقش خاتم آدم عليه السلام ؟ فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، هبط به آدم معه من الجنة. و ساق الحديث إلى قوله: بردا " وسلاما ". (4)


(1) في العيون: عنده خاتما. م (2) في العيون: انه وليى. م (3) عيون الاخبار: 217 - 218، امالي الصدوق: 273 - 274. م (4) الخصال ج 10: 162 - 163 مع اختلاف يسير. م [ * ]

[ 64 ]

بيان: قال الفيروز آبادي: القلس: حبل ضخم من ليك أو خوص أو غيرهما من قلوس سفن البحر. وما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه. وغيثان النفس. وقذف الكأس والبحر امتلاء "، انتهى. أقول: الظاهر أن المراد هنا هو الأول، أي تسوية شراع السفينة، وإن احتمل الأخير على بعد. وضمير من أجله في الموضعين راجع إلى العبد، ويحتمل إرجاعه في الأول إلى الله إن قرئ على بناء المعلوم، ولا يخفى بعده. 3 - فس: ياسر، عن أبي الحسن عليه السلام قال: ما بعث الله نبيا " إلا صاحب مرة سوداء صافية. (1) بيان: لما كان صاحب هذه المرة في غاية الحذق والفطانة والحفظ لكن قد يجامعها الخيالات الفاسدة والجبن والغضب والطيش فلذا وصفها عليه السلام بالصافية، أي صافية عن هذه الامور التي تكون في غالب من استولى عليه هذه المرة من الأخلاق الرديئة. 4 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن علي بن محمد الحسني، عن جعفر بن محمد بن عيسى، عن عبيد الله بن علي، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: رؤيا الأنبياء وحي. (2) 5 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عمن ذكره، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " وكلا تبرنا تتبيرا " قال: يعني كسرنا تكسيرا "، قال: وهي بالنبطية. (3) 6 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن محمد بن عطية قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عزوجل أحب لأنبيائه عليهم السلام من الأعمال الحرث والرعي، لئلا يكرهوا شيئا " من قطر السماء. (4) 7 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن فضال، عن مروان بن مسلم، عن عقبة، عن أبي


(1) تفسير على بن ابراهيم: 651. م (2) امالي الطوسى: 215. م (3) معاني الاخبار: 66. م (4) علل الشرائع: 23. م [ * ]

[ 65 ]

عبد الله عليه السلام قال: ما بعث الله نبيا " قط حتى يسترعيه الغنم يعلمه بذلك رعيه الناس. (1) 8 - ع: بالإسناد إلى وهب في قصة زكريا عليه السلام: ثم بعث الله الملائكة فغسلوا زكريا وصلوا عليه ثلاثة أيام من قبل أن يدفن، وكذلك الأنبياء لا يتغيرون ولا يأكلهم التراب، ويصلى عليهم ثلاثه أيام يدفنون. (2) 9 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات " الآيات " والزبر " هو كتب الأنبياء بالنبوة " والكتاب المنير " الحلال والحرام. (3) 10 - ك: أبي، عن أحمد بن إدريس ومحمد العطار معا "، عن الأشعري، عن محمد بن يوسف التميمي، (4) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: عاش آدم أبو البشر تسعمائة (5) وثلاثين سنة، وعاش نوح ألفي سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، وعاش إبراهيم عليه السلام مائة وخمسا " وسبعين سنة، وعاش إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام مائة وعشرين سنة، وعاش إسحاق بن إبراهيم عليه السلام مائة وثمانين سنة، وعاش يعقوب مائة سنة وعشرين سنة، وعاش يوسف مائة وعشرين سنة، وعاش موسى عليه السلام مائة وست وعشرين سنة، وعاش هارون مائة وثلاثين سنة، وعاش داود عليه السلام مائة سنة منها أربعون سنة ملكه، وعاش سليمان بن داود سبعمائة سنة وإثني عشر سنة. (6) 11 - جا: محمد بن محمد بن طاهر الموسوي، عن ابن عقدة، عن يحيى بن زكريا، عن محمد بن سنان، عن أحمد بن سليمان القمي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن كان النبي


(1) علل الشرائع: 23. م (2) علل الشرائع: 38. م (2) تفسير على بن ابراهيم: 116. م (3) لم نظفر بترجمته. (5) في المصدر: سبعمائة وثلاثين سنة وهو مصحف، قال اليعقوبي: وكانت حياة آدم تسعمائة سنة وثلاثين سنة اتفاقا. وأرخه ابى حبيب في المحبر ايضا بذلك، وفى العرائس: ان الله تعالى اكمل لادم الف سنة. (6) كمال الدين: 289. وسيأتى ذكر الخلاف في مدة اعمارهم في باب احوالهم عليهم السلام [ * ]

[ 66 ]

من الأنبياء ليبتلى بالجوع حتى يموت جوعا "، وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالعطش حتى يموت عطشا "، وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالعراء حتى يموت عريانا "، وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالسقم والأمراض حتى تتلفه، وإن كان النبي ليأتي قومه فيقوم فيهم يأمرهم بطاعة الله ويدعوهم إلى توحيد الله، وما معه مبيت ليلة فما يتركونه يفرغ من كلامه ولا يستمعون إليه حتى يقتلوه، وإنما يبتلي الله تبارك وتعالى عباده على قدر منازلهم عنده، (1) 12 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن موسى بن عمر الصيقل، عن محمد بن عيسى، عن السكوني، عن علي بن إسماعيل الميثمي، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما بعث الله عزوجل نبيا " إلا حسن الصوت. (2) 13 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه أو غيره، عن سعد ابن سعد، عن الحسن بن الجهم، عن أبي الحسن عليه السلام قال: من أخلاق الأنبياء التنظف والتطيب وحلق الشعر وكثرة الطروقة. (3) 14 - كا: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عشاء الأنبياء بعد العتمة. (4) 15 - كا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: ما من نبي إلا وقد دعا لأكل الشعير وبارك عليه، وما دخل جوفا " إلا و أخرج كل داء فيه، وهو قوت الأنبياء وطعام الأبرار، أبى الله تعالى أن يجعل قوت أنبيائه إلا شعيرا ". (5)


(1) مجالس المفيد: 24. م (2) اصول الكافي ج 2: 616. م (3) فروع الكافي ج 1: 78. م (4) فروع الكافي ج 2: 162. م (5) فروع الكافي ج 2: 166. م [ * ]

[ 67 ]

16 - كا: علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السويق طعام المرسلين، أو قال: النبيين. (1) 17 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اللحم باللبن مرق الأنبياء عليهم السلام. (2) 18 - كا: علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: كان أحب الأصباغ (3) إلى رسول الله الخل والزيت، وقال: هو طعام الأنبياء. (4) 19 - وبهذا الإسناد قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما افتقر أهل بيت يأتدمون بالخل الزيت وذلك ادم الأنبياء. (5) 20 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد جميعا "، عن القاسم بن عروة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السواك من سنن المرسلين. (6) 21 - كا: محمد، عن أحمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل لم يبعث نبيا " إلا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البر والفاجر. (7) 22 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن زياد بن أبي الحلال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من نبي ولا وصي نبي يبقى في الأرض أكثر من ثلاثة أيام حتى يرفع روحه وعظمه ولحمه وإلى السماء، وإنما يؤتى مواضع آثارهم، و يبلغونهم من بعيد السلام، ويسمعونهم في مواضع آثارهم من قريب. (8)


(1) فروع الكافي ج 2: 166. (2) فروع الكافي ج 2: 169. (3) جمع الصبغ بالكسر: الادام، وهو بالفارسية: خورش. (4 و 5) فروع الكافي ج 2: 172. م (6) فروع الكافي: 218. م (7) اصول الكافي ج 2: 104. م (8) فروع الكافي ج 1: 320. م [ * ]

[ 68 ]

23 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن معمر وعلي بن محمد بن بندار، عن البرقي عن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن عليه السلام قال: نظر أبو جعفر عليه السلام إلى رجل وهو يقول: اللهم إني أسألك من رزقك الحلال، فقال أبو جعفر عليه السلام سألت قوت النبيين، قل: اللهم إني أسألك رزقا " واسعا " طيبا " من رزقك. (1) 24 - كا: علي بن محمد، عن سهل رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله جعل أرزاق أنبيائه في الزرع والضرع لئلا يكرهوا شيئا " من قطر السماء. (2) 25 - ير: أحمد بن محمد، عن أبي عبد الله البرقي يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل جعل اسمه الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا "، فأعطى آدم منها خمسة و عشرين حرفا "، وأعطى نوحا " منها خمسة وعشرين حرفا "، وأعطى منها إبراهيم عليه السلام ثمانية أحرف، (3) وأعطى موسى منها أربعة أحرف، وأعطى عيسى منها حرفين، وكان يحيي بهما الموتى، ويبرئ بهما الإكمه والأبرص، وأعطى محمدا " اثنين وسبعين حرفا "، واحتجب حرفا " لئلا يعلم ما في نفسه ويعلم ما في نفس العباد. (4) 26 - ير: محمد بن عبد الجبار، عن أبي عبد الله البرقي، عن فضالة، عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان مع عيسى بن مريم حرفان يعمل بهما، وكان مع


(1) اصول الكافي ج 2: 552. م (2) فروع الكافي ج 1: 403. (3) قال المحدث الجزائري رحمه الله: أما آدم اعطى من الاسم الاعظم ازيد من ابراهيم، و كذلك اعطى نوح عليه السلام فلا يلزم منه فضلهما وشرفهما على إبراهيم عليه السلام، لان الافضلية لا يلزم ان يكون بكل فرد فرد وشخص شخص من انواع التكامل في التفاضل بين اولى العزم الاربعة الذى يظهر من اشارات الاخبار انه الخليل لامور سيأتي التنبيه عليها في مواضعها. قلت: كما ان اسماء الله الحسنى مظاهر ومجال لنعوت كمالية وصفات جمالية له تعالى فكذلك هذه الحروف وكما ان بعض تلك الاسماء اعظم من غيره لجامعيته وشدة اقتضائه ومنشأيته للاثار فكذلك حال هذه الحروف، فالتفاضل لا يكون بحسب وجدان كثرة افراد الحروف وقلتها، بل يكون بحسب وجدان ما هو الاجمع والابسط والاقوى للاقتضاء والتأثير، فلعل ما اعطاه الله ابراهيم عليه السلام كان من هذه الحروف الجامعة، أو كان إعطاء الازيد غيره لامور خارجة من خصيصة زمانية أو مكانية اوجبت ذلك. (4) بصائر الدرجات: 56. م [ * ]

[ 69 ]

موسى عليه السلام أربعة أحرف، وكان مع إبراهيم ستة أحرف، وكان مع آدم خمسة وعشرون حرفا "، وكان مع نوح ثمانية، وجمع ذلك كله لرسول الله صلى الله عليه وآله، إن اسم الله ثلاثة وسبعون حرفا "، وحجب عنه واحد. (1) 27 - ص: بإسناد عن ابن فضال، عن الرضا عليه السلام قال: لما أشرف نوح على الغرق دعا الله بحقنا فدفع الله عنه الغرق: ولما رمي إبراهيم في النار دعا الله بحقنا فجعل الله النار عليه بردا " وسلاما "، وإن موسى عليه السلام لما ضرب طريقا في البحر دعا الله بحقنا فجعله يبسا "، وإن عيسى عليه السلام لما أراد اليهود قتله دعا الله بحقنا فنجاه من القتل ورفعه إليه. (2) 28 - نى: عن أبان بن تغلب، (3) عن أبي عبد الله عليه السلام في وصف القائم عليه السلام قال: فإذا نشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله هبط لها تسعة آلاف ملك وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكا " وهم الذين كانوا مع نوح في السفينة، والذين كانوا مع إبراهيم حين القي في النار، وهم الذين كانوا مع موسى لما فلق البحر، والذين كانوا مع عيسى لما رفعه الله إليه. الخبر. (4) وفي خبر آخر عنه عليه السلام مثله، وفيه: ثلاثة عشر ألفا " وثلاث مائة وثلاثة عشر ملكا ". (5) 29 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أشد الناس بلاء الأنبياء صلوات الله عليهم ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل. (6)


(1) بصائر الدرجات: 56. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) رواه النعماني باسناده عن احمد بن محمد بن سعيد، عن على بن الحسين التيمى، عن الحسن ومحمد ابني على بن يوسف، عن سعدان بن مسلم، عن ابان بن تغلب. (4) غيبة النعماني: 169، ويأتى تمام الحديث في احوال القائم عليه السلام. (5) غيبة النعماني: 169 وقد رواه النعماني باسناده عن عبد الواحد بن عبد الله بن يونس، عن محمد بن جعفر القرشى، عن ابى جعفر الهمداني، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم الحضرمي، عن عمر بن ابان الكلبى، عن ابان بن تغلب. (6) امالي ابن الشيخ: 58. م [ * ]

[ 70 ]

* (باب 3) * * (علة المعجزة وانه لم خص الله كل نبى بمعجزة خاصة) * 1 - ع، ن: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن أبي عبد الله السياري، (1) عن أبي يعقوب البغدادي (2) قال: قال ابن السكيت (3) لأبي الحسن الرضا عليه السلام: لماذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا وآلة السحر ؟ وبعث عيسى بالطب ؟ وبعث محمدا " صلى الله عليه وآله بالكلام والخطب ؟. فقال له أبو الحسن عليه السلام إن الله تبارك وتعالى لما بعث موسى عليه السلام كان الأغلب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله عزوجل بما لم يكن في وسع القوم مثله، (4) وبما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجة عليهم، وأن الله تبارك وتعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله عزوجل بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيالهم الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم، وإن الله تبارك وتعالى بعث محمدا " في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال: والشعر - فأتاهم من كتاب الله عزوجل ومواعظه وأحكامه ما أبطل (5) به قولهم وأثبت الحجة عليهم، فقال ابن السكيت: تالله ما رأيت مثل اليوم قط، (6) فما


(1) هو احمد بن محمد بن سيار أبو عبد الله الكاتب البصري، تقدم ترجمته في ج 1: 162. (2) هو يزيد بن حماد الانباري السلمى تقدم ترجمته في ج 1 ص 105. (3) هو يعقوب بن إسحاق السكيت ابو يوسف الامامي الثقة الثبت، كان وجيها في علم العربية واللغة، ثقة مصدق لا يطعن عليه، وكان مقدما عند ابى جعفر الثاني وابى الحسن عليهما السلام له كتب كثيرة في اللغة والادب وغيرهما، قتل رحمه الله في سادس شهر رجب سنة 244، قتله المتوكل لاجل تشيعه وقصته مشهور. (4) في العيون: بما لم يكن عند القوم وفى وسعتهم. م (5) في نسخة: بما ابطل به، وفي الاحتجاج: فأتاهم من عند الله من مواعظه واحكامه ما ابطل. (6) في العيون: مثلك اليوم قط. م [ * ]

[ 71 ]

الحجة على الخلق اليوم ؟ فقال عليه السلام: العقل تعرف به الصادق على الله فتصدقه، والكاذب على الله فتكذبه، فقال ابن السكيت: هذا والله الجواب. (1) ج: مرسلا " مثله. (2) 2 - ع: علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبد الله، عن موسى بن عمران، عن عمه، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لأي علة أعطى الله عزوجل أنبياءه ورسله وأعطاكم المعجزة ؟ فقال: ليكون دليلا " على صدق من أتى به، والمعجزة علامة لله لا يعطيها إلا أنبياءه ورسله وحججه ليعرف به صدق الصادق من كذب الكاذب. (3)


(1) علل الشرائع: 52. عيون الاخبار: 234. م (2) الاحتجاج: 237 مع اختلاف. وقال الطبرسي في آخر الحديث: قد ضمن الرضا عليه السلام في كلامه هذا ان العالم لا يخلو في زمان التكليف من صادق من قبل الله يلتجئ إليه المكلف فيما اشتبه عليه من امر الشريعة صاحب دلالة تدل على صدقه عليه تعالى يتوصل المكلف إلى معرفته بالعقل، ولولاه لما عرف الصادق من الكاذب فهو حجة الله على الخلق اولا. قلت: قد اخرج الحديث الكليني ايضا في الكافي في كتاب العقل والجهل. (3) علل الشرائع: 52. م [ * ]

[ 72 ]

* (باب 4) * * (عصمة الانبياء عليهم السلام، وتاويل ما يوهم خطأهم وسهوهم) * عد: اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة صلوات الله عليهم أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا " صغيرا " ولا كبيرا "، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى عنهم العصمة في شئ من أحوالهم فقد جهلهم، واعتقادنا فيهم أنهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل امورهم إلى أواخرها، لا يوصفون في شئ من أحوالهم بنقص ولا جهل. (1) 1 - لى: الهمداني، علي بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد البرمكي، عن أبي الصلت الهروي قال: لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليه السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وسائر أهل المقالات فلم يقم أحد إلا وقد ألزم حجته كأنه قد القم حجرا "، فقام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له: يابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء ؟ قال: بلى، قال: فما تعمل في قول الله عزوجل: " وعصى آدم ربه فغوى " وقوله عزوجل: " وذالنون إذ ذهب مغاضبا " فظن أن لن نقدر عليه " وقوله في يوسف: " ولقد همت به وهم بها " وقوله عزوجل في داود: " وظن داود أنما فتناه " وقوله في نبيه محمد صلى الله عليه وآله: " وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " ؟ فقال مولانا الرضا عليه السلام: ويحك يا علي اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله والفواحش ولا تتأول كتاب الله برأيك، فإن الله عزوجل يقول: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " أما قوله عزوجل في آدم عليه السلام: و " عصى آدم ربه فغوى فإن الله عزوجل خلق آدم حجة في أرضه، وخليفته في بلاده، لم يخلقه للجنة، وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتم مقادير أمر الله عزوجل، فلما اهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عزوجل " إن الله اصطفى آدم ونوحا " وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ".


(1) اعتقادات الصدوق: 99. [ * ]

[ 73 ]

وأما قوله عزوجل: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا " فظن أن لن نقدر عليه " إنما ظن أن الله عزوجل لا يضيق عليه رزقه ألا تسمع قول الله عزوجل: " وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه " ؟ أي ضيق عليه، ولو ظن أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر. وأما قوله عزوجل في يوسف: " ولقد همت به وهم بها " فإنها همت بالمعصية، وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة، وهو قوله: " كذلك لنصرف عنه السوء " يعني القتل " والفحشاء " يعني الزنا. وأما داود فما يقول من قبلكم فيه ؟ فقال علي بن الجهم: يقولون: إن داود كان في محرابه يصلي إذ تصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور، فقطع صلاته وقام ليأخذ الطير فخرج إلى الدار، فخرج في أثره فطار الطير إلى السطح، فصعد في طلبه فسقط الطير في دار اوريا بن حنان، فاطلع داود في أثر الطير فإذا بامرأة اوريا تغتسل، فلما نظر إليها هواها، وكان اوريا قد أخرجه في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن قدم اوريا أمام الحرب، فقدم فظفر اوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب الثانية أن قدمه أمام التابوت، فقتل اوريا رحمه الله، وتزوج داود بامرأته، فضرب الرضا عليه السلام بيده على جبهته وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد نسبتم نبيا " من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير، ثم بالفاحشة، ثم بالقتل ! فقال: يابن رسول الله فما كانت خطيئته ؟ فقال: ويحك إن داود إنما ظن أن ما خلق الله عزوجل خلقا هو أعلم منه، فبعث الله عزوجل إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا: " خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب " فعجل داود عليه السلام على المدعى عليه فقال: " لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه " فلم يسأل المدعي البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول: ما تقول ؟ فكان هذا خطيئة حكمه، لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع قول الله عزوجل يقول: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق " إلى آخر الآية، فقلت: يابن رسول الله فما قصته مع اوريا ؟ فقال الرضا عليه السلام إن المراة

[ 74 ]

في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبدا "، وأول من أباح الله عزوجل له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود، فذلك الذي شق على اوريا. وأما محمد نبيه صلى الله عليه وآله وقول الله عزوجل له: " وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " فإن الله عزوجل عرف نبيه أسماء أزواجه في دار الدنيا، وأسماء أزواجه في الآخرة، وأنهن امهات المؤمنين، وأحد من سمى له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة، فأخفى صلى الله عليه وآله اسمها في نفسه ولم يبد له لكيلا يقول أحد من المنافقين، إنه قال في امرأة في بيت رجل: إنها أحد أزواجه من امهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، قال الله عزوجل: " والله أحق أن تخشاه " في نفسك، وأن الله عزوجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا ترويج حواء من آدم، وزينب من رسول الله صلى الله عليه وآله، وفاطمة من علي عليه السلام، قال: فبكى علي بن الجهم وقال: يابن رسول الله أنا تائب إلى الله عزوجل أن أنطق في أنبياء الله عزوجل بعد يومي هذا إلا بما ذكرته. (1) ن: الهمداني والمكتب والوراق جميعا " عن علي بن إبراهيم إلى آخر الخبر. (2) بيان: قوله عليه السلام: (وكانت المعصية من آدم في الجنة) ظاهره يوهم تجويز الخطيئة عليه على بعض الجهات، إما لأنها كانت في الجنة وإنما تجب عصمتهم في الدنيا، أو لأنها كانت قبل البعثة وإنما تجب عصمتهم بعد النبوة، وكلاهما خلاف ما أجمعت عليه الإمامية رضوان الله عليهم من وجوب عصمتهم على جميع الأحوال، ودلت عليه الأخبار المستفيضة على ما سيأتي في هذا الكتاب وكتاب الإمامة وغيرهما، فيمكن أن يحمل كلامه عليه السلام على أن المراد بالخطيئة ارتكاب المكروه ويكونون بعد البعثة معصومين عن مثلها أيضا "، ويكون ذكر الجنة لبيان كون النهي تنزيهيا وإرشاديا إذ لم تكن دار تكليف حتى يتصور فيها النهي التحريمي. ويحتمل أن يكون إيراد الكلام على هذا النحو لنوع من التقية مما شاة مع العامة لموافقة بعض أقوالهم كما سنشير إليه، أو على سبيل التنزل والاستظهار ردا على من جوز


(1) امالي الصدوق 55 - 57. م (2) عيون الاخبار: 107 - 108. وبينهما اختلافات يسيرة. م [ * ]

[ 75 ]

الذنب مطلقا " عليهم صلوات الله عليهم، وفي تنزيه يونس عليه السلام في العيون زيادة وهي قوله: (إنما ظن بمعنى استيقن أن الله لن يضيق عليه رزقه) ففي تفسير الظن باليقين فائدتان: إحداهما أنه لو لم يستيقن ذلك لما خرج من بين القوم وإن كان مغاضبا " لهم، الثانية أن لا يتوهم فيه نسبة خطاء ومنقصة على هذا التفسير أيضا " بأنه لم يستيقن رزاقيته تعالى لاسيما بالنسبة إلى أوليائه. وأما ظن داود عليه السلام فيحتمل أن يكون عليه السلام ظن أنه أعلم أهل زمانه، وهذا وإن كان صادقا إلا أنه لما كان مصادفا " لنوع من العجب نبهه الله تعالى بإرسال الملكين، وعلى تقدير أن يكون المراد ظن أنه أعلم من السابقين أيضا " فيحتمل أن يكون المراد التجويز والاحتمال بأن يقال: لم يكن ظهر عليه بعد أعلميتهم بالنسبة إليه، أو يخص بعلم المحاكمة، أو يكون ذلك الظن كناية عن نهاية الإعجاب بعلمه، وأما تعجيله عليه السلام في حال الترافع فليس المراد أنه حكم بظلم المدعى عليه قبل البينة، إذ المراد بقوله: " لقد ظلمك " إنه لو كان كما تقول فقد ظلمك، بل كان الأصوب والأولى أن لا يقول ذلك أيضا " إلا بعد وضوح الحكم. 2 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس ومحمد العطار معا "، عن الأشعري رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث لم يعر منها نبي فمن دونه: الطيرة، والحسد، والتفكر في الوسوسة في الخلق. قال الصدوق رحمة الله: معنى الطيرة في هذا الموضع هو أن يتطير منهم قومهم، فأما هم عليهم السلام فلا يتطيرون، وذلك كما قال الله عزوجل عن قوم صالح: " قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله " (1) وكما قال آخرون لأنبيائهم: " إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم " (2) الآية، وأما الحسد في هذا الموضع هو أن يحسدوا، لا أنهم يحسدون غيرهم، وذلك كما قال الله عزوجل: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا " عظيما " " (3) وأما التفكر في الوسوسة في الخلق فهو بلواهم عليهم السلام بأهل الوسوسة لا غير ذلك، وذلك كما حكى الله عن


(1) النمل: 47. (2) يس: 18. (3) النساء: 54. [ * ]

[ 76 ]

الوليد بن المغيرة المخزومي: " إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر " (1) يعني قال للقرآن: " إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر ". (2) بيان: ما ذكره رحمه الله توجيه وجيه، لكن في الكافي وغيره ورد فيه تتمة تأبى عنه، وهي: لكن المؤمن لا يظهر الحسد. ويمكن أن يكون المراد بالحسد أعم من الغبطة، أو يقال: القليل منه مع عدم إظهاره ليس بمعصية. والطيرة: هي التشؤم بالشئ وانفعال النفس بما يراه أو يسمعه مما يتشأم به، ولا دليل على أنه لا يجوز ذلك على الأنبياء، و المراد بالتفكر في الوسوسة في الخلق التفكر فيما يحصل في نفس الإنسان من الوساوس في خالق الأشياء، وكيفية خلقها وخلق أعمال العباد، والتفكر في الحكمة في خلق بعض الشرور في العالم من غير استقرار في النفس وحصول شك بسببها، ويحتمل أن يكون المراد بالخلق المخلوقات وبالتفكر في الوساوس التفكر وحديث النفس بعيوبهم وتفتيش أحوالهم، ويؤيد كلا من الوجهين بعض الأخبار، كما سيأتي في أبواب المكارم، وبعض أفراد هذا الأخير أيضا " على الوجهين لا يستبعد عروضها لهم عليهم السلام. 3 - ن: فيما كتب الرضا عليه السلام (3) للمأمون: من دين الإمامية لا يفرض الله طاعة من يعلم أنه يضلهم ويغويهم، ولا يختار لرسالته ولا يصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر به وبعبادته ويعبد الشيطان دونه. (4) 4 - مع: أبي، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن إبراهيم بن هاشم، عن صالح بن سعيد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل في قصة إبراهيم عليه السلام " قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون " قال: ما فعله كبيرهم، وما كذب إبراهيم عليه السلام، فقلت: وكيف ذاك ؟ قال: إنما قال إبراهيم عليه السلام: " فسئلوهم إن كانوا ينطقون " إن نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا "، فما نطقوا و ما كذب إبراهيم عليه السلام. فقلت قوله عزوجل في يوسف: " أيتها العير إنكم لسارقون "


(1) المدثر: 18 و 19. (2) الخصال ج 1: 44. م (3) تقدم الحديث بتمامه في كتاب الاحتجاجات في ابواب احتجاج الرضا عليه السلام. (4) عيون الاخبار: 267 - 268. م [ * ]

[ 77 ]

قال: إنهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى أنه قال لهم حين قال: (1) " ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك " ولم يقل سرقتم صواع الملك، إنما عنى سرقتم يوسف من أبيه، فقلت قوله: " إني سقيم " ؟ قال: ما كان إبراهيم سقيما وما كذب، إنما عنى سقيما في دينه (2) مرتادا ". وقد روي أنه عنى بقوله: " إني سقيم " أي سأسقم، وكل ميت سقيم، وقد قال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " إنك ميت " أي ستموت. (3) وقد روي أنه عنى: إني سقيم بما يفعل بالحسين بن علي عليه السلام (4) ج: مرسلا " مثله إلى قوله: مرتادا ". (5) بيان: قوله: (وكل ميت سقيم) لعل المراد أنه عند الأشراف على الموت يعرض السقم لا محالة بوجه إما بمرض أو بجرح. 5 - فس: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم: " هذا ربي " لغير الله، هل أشرك في قوله: " هذا ربي " (6) فقال: من قال هذا اليوم فهو مشرك، ولم يكن من إبراهيم شرك، وإنما كان في طلب ربه، وهو من غيره شرك. (7) 6 - فس: " وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه " قال إبراهيم لأبيه: إن لم تعبد الأصنام استغفرت لك، فلما لم يدع الأصنام تبرأ منه. (8) 7 - فس: " فنظر نظرة في النجوم فقال إنى سقيم " فقال أبو عبد الله عليه السلام: والله ما كان سقيما " وما كذب، وإنما عنى سقيما " في دينه مرتادا ". (9)


الظاهر انه مصحف " قالوا ". (2) أي سقيما في دين يظنون انه عليه وهو دينهم، طالبا للحق ودينه. (3) في نسخة: إنك ستموت. (4) معاني الاخبار: 63 - 64. م (5) الاحتجاج: 194 مع اختلاف في الالفاظ. م (6) يأتي توجيه لذلك عن الرضا عليه السلام في الخبر الاتى تحت رقم 10. (7) تفسير على بن ابراهيم: 195. وفيه: فقال: لا بل من قال هذا اليوم اه‍. م (8) تفسير على بن ابراهيم: 282. م (9) تفسير على بن ابراهيم: 557. م [ * ]

[ 78 ]

8 - ن: تميم القرشي، عن أبيه عن حمدان بن سليمان، عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليه السلام فقال له المأمون: يابن رسول الله أليس من قولك إن الأنبياء معصومون ؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول الله عز وجل: " وعصى آدم ربه فغوى " ؟ فقال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى قال لآدم: " اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا " حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة " وأشار لهما إلى شجرة الحنطة " فتكونا من الظالمين " ولم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشجرة، ولا مما كان من جنسها، فلم يقربا تلك الشجرة، وإنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما وقال: " ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة " وإنما نهاكما أن تقربا غيرها، ولم ينهكما عن الأكل منها " إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمها إني لكما لمن الناصحين " ولم يكن آدم وحواء شاهدا " قبل ذلك من يحلف بالله كاذبا " " فدلاهما بغرور " فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوة ولم يكن ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم، (1) فلما اجتباه الله وجعله نبيا " كان معصوما " لا يذنب صغيرة ولا كبيرة، قال الله عزوجل: " وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى " وقال عزوجل " إن الله اصطفى آدم ونوحا " وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " فقال له المأمون: فما معنى قول الله عزوجل: " فلما آتاهما صالحا " جعلا له شركاء فيما آتاهما " ؟ فقال الرضا عليه السلام: إن حوا ولدت لآدم خمسمائة بطن، في كل بطن ذكرا " وانثى، وإن آدم وحواء عاهدا الله عزوجل ودعواه، وقالا: " لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين " فلما آتاهما صالحا " من النسل خلقا " سويا " بريا " من الزمانة والعاهة كان ما آتاهما صنفين: صنفا ذكرانا " وصنفا " إناثا "، فجعل الصنفان لله تعالى ذكره شركاء فيما آتاهما، ولم يشكراه كشكر أبويهما له عزوجل، قال الله عزوجل: " فتعالى الله عما يشركون ". (2) فقال المأمون: أشهد أنك ابن رسول الله حقا "، فأخبرني عن قول الله عزوجل في


(1) راجع بيان المصنف بعد الخبر الأول. (2) ولو كان الضمير راجعا " إلى آدم وحواء لقال: تعالى الله عما يشركان. [ * ]

[ 79 ]

إبراهيم عليه السلام: " فلما جن عليه الليل رأى كوكبا " قال هذا ربي " فقال الرضا عليه السلام: إن إبراهيم عليه السلام وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس، وذلك حين خرج من السرب (1) الذي اخفي فيه، فلما جن عليه الليل فرأى الزهرة فقال: " هذا ربي " على الإنكار والاستخبار " فلما أفل " الكوكب " قال لا احب الآفلين " لان الافول من صفات الحدث لا من صفات القدم (2) " فلما رأى القمر بازغا " قال هذا ربي " على الإنكار والاستخبار " فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين " يقول: لو لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين " فلما " أصبح و " رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر " من الزهرة والقمر على الإنكار والاستخبار لا على الإخبار والإقرار " فلما أفلت " قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر و الشمس: " يا قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين " وإنما أراد إبراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم أن العبادة لا تحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما تحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتج به على قومه بما ألهمه الله عزوجل وآتاه، كما قال عزوجل: " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ". ققال المأمون: لله درك يابن رسول الله، فأخبرني عن قول إبراهيم: " رب أرني كيف تحيي الموتى * قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " قال الرضا عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: أني متخذ من عبادي خليلا " إن سألني إحياء الموتى أجبته، فوقع في نفس إبراهيم عليه السلام: أنه ذلك الخليل، فقال: " رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " على الخلة " قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتينك سعيا " واعلم أن الله عزيز حكيم " فأخذ إبراهيم عليه السلام نسرا " وبطا " وطاووسا " وديكا "، فقطعهن وخلطهن ثم جعل على كل جبل من الجبال التي حوله - وكانت عشرة - منهن جزء، وجعل


(1) السرب بفتح السين والراء: الحفير تحت الارض. (2) في نسخة: من صفات الحديث لا من صفات القديم، وفي المصدر: من صفات المحدث لا من صفات القديم. [ * ]

[ 80 ]

مناقيرهن بين أصابعه، ثم دعاهن بأسمائهن ووضع عنده حبا " وماء، فتطائرت تلك الأجزاء بعضها إلى بعض حتى استوت الأبدان، وجاء كل بدن حتى انضم إلى رقبته ورأسه، فخلى إبراهيم عليه السلام عن مناقيرهن، فطرن ثم وقعن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك الحب، وقلن: يا نبي الله أحييتنا أحياك الله، فقال إبراهيم عليه السلام: بل الله يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير. قال المأمون: بارك الله فيك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزوجل: " فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان " قال الرضا عليه السلام: إن موسى عليه السلام دخل مدينة " من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين المغرب والعشاء " فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوة فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه " فقضى موسى عليه السلام على العدو بحكم الله تعالى ذكره " فوكزه " فمات " قال هذا من عمل الشيطان " يعني الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى عليه السلام من قتله " إنه " يعنى الشيطان " عدو مضل " قال المأمون: فما معنى قول موسى: " رب إنى ظلمت نفسي فاغفر لي " ؟ قال: يقول: إني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة " فاغفر لي " أي استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني " فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال موسى رب بما أنعمت علي " من القوة حتى قتلت رجلا " بوكزة " فلن أكون ظهيرا " للمجرمين " بل اجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى " فأصبح " موسى " في المدينة خائفا " يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه " على آخر " قال له موسى إنك لغوي مبين " قاتلت رجلا " بالأمس وتقاتل هذا اليوم لاؤدبنك، (1) وأراد أن يبطش به " فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما " وهو من شيعته " قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا " بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا " في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ". قال المأمون: جزاك الله خيرا " يا أبا الحسن، فما معنى قول موسى لفرعون: " فعلتها إذا وأنا من الضالين " قال الرضا عليه السلام: إن فرعون قال لموسى لما أتاه: " وفعلت فعلتك


(1) في المصدر: لاوذينك (لاؤدبنك خ ل) م. [ * ]

[ 81 ]

التي فعلت وأنت من الكافرين " لي، قال موسى: " فعلتها إذا وأنا من الضالين " عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك " ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما " وجعلني من المرسلين " وقد قال الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: " ألم يجدك يتيما فآوى " يقول: ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس ؟ " ووجدك ضالا " " يعني عند قومك " فهدى " أي هداهم إلى معرفتك ؟ " ووجدك عائلا " فأغنى " يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجابا ". قال المأمون: بارك الله فيك يابن رسول الله، فما معنى قول الله عزوجل: " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني " الآية، كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا تجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال ؟ فقال الرضا عليه السلام: إن كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم أن الله تعالى أعز (1) من أن يرى بالأبصار، ولكنه لما كلمه الله عزوجل وقربه نجيا " رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عزوجل كلمه وقربه وناجاه فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفا "، ثم اختار منهم سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلا " لميقات ربه، فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل (2) وصعد موسى عليه السلام إلى الطور، وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل و يمين وشمال ووراء وأمام، لأن الله عزوجل أحدثه في الشجرة وجعله منبعثا " منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: " لن نؤمن لك " بأن هذا الذي سمعناه كلام الله " حتى نرى الله جهرة " فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عزوجل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا " فيما ادعيت من مناجات الله إياك ؟ فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو نعرفه حق معرفته، فقال موسى عليه السلام: يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار


(1) في المصدر: منزه (اعز خ ل) عن ان يرى. م (2) سفح الجبل " اصله واسفله. عرضه ومضجعه الذى يسفح أي ينصب فيه الماء. [ * ]

[ 82 ]

ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى عليه السلام: يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جل جلاله إليه: يا موسى سلني ما سألوك فلن اؤاخذك بجهلهم. فعند ذلك قال موسى: " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه " وهو يهوي " فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل " بآية من آياته " جعله دكا " وخر موسى صعقا " * فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك " يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي " وأنا أول المؤمنين " منهم بأنك لا ترى. فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزوجل: " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " فقال الرضا عليه السلام: لقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت، لكنه كان معصوما "، (1) والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه، ولقد حدثني أبي عن أبيه الصادق عليه السلام أنه قال: همت بأن تفعل، وهم بأن لا يفعل، فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزوجل: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا " فظن أن لن نقدر عليه " قال الرضا عليه السلام: ذاك يونس بن متى عليه السلام " ذهب مغاضبا " " لقومه " فظن " بمعنى استيقن " أن لن نقدر عليه " أن لن نضيق عليه رزقه، ومنه قول الله عزوجل: " وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه " أي ضيق وقتر " فنادى في الظلمات " ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت " أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوث، فاستجاب الله له وقال عزوجل: " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ". فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزوجل: " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا " قال الرضا عليه السلام: يقول عزوجل: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا.


(1) تقدم في الخبر الاول عنه عليه السلام: انها همت بالمعصية، وهم يوسف عليه السلام بالقتل إن اجبرته لعظم ما داخله. [ * ]

[ 83 ]

فقال: المأمون: لله درك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عزوجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قال الرضا عليه السلام: لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا " من رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنما "، فلما جاءهم صلى الله عليه وآله بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: " أجعل الآلهة إلها " واحدا " إن هذا لشئ عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشئ يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق " فلما فتح الله عزوجل علي نبيه مكة قال له: يا محمد " إنا فتحنا لك " مكة " فتحا " مبينا " * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا " بظهوره عليهم. فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزوجل: " عفا الله عنك لم أذنت لهم " قال الرضا عليه السلام: هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة، خاطب الله عزوجل بذلك نبيه صلى الله عليه وآله وأراد به امته، فكذلك قوله عزوجل: " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " وقوله عزوجل: " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " " قال: صدقت يابن رسول الله، فأخبرني عن قول الله عزوجل: " و إذ تقول للذي أنهم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " قال الرضا عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قصد دار زيد بن حارثة بن شراجيل الكلبي في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل، فقال لها: سبحان الذي خلقك، وإنما أراد بذلك تنزيه الله تبارك وتعالى عن قول من زعم أن الملائكة بنات الله. فقال الله عزوجل: " أفأصفكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا " إنكم لتقولون قولا " عظيما " " فقال النبي صلى الله عليه وآله لما رآها تغتسل: سبحان الذي خلقك أن يتخذ ولدا " يحتاج إلى هذا التطهير والأغتسال، فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجئ رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله لها: سبحان الذي خلقك، فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، وظن

[ 84 ]

أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: يا رسول الله إن امرأتي في خلقها سوء وإني اريد طلاقها، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " أمسك عليك زوجك واتق الله " وقد كان الله عزوجل عرفه عدد أزواجه، وأن تلك المرأة منهن، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد، وخشي الناس أن يقولوا: إن محمدا " يقول لمولاه: إن امرأتك ستكون لي زوجة فيعيبونه بذلك فأنزل الله عزوجل: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " يعني بالإسلام " وأنعمت عليه " يعني بالعتق " أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " ثم إن زيد بن حارثه طلقها واعتدت منه، فزوجها الله عزوجل من نبيه محمد صلى الله عليه وآله وأنزل بذلك قرآنا فقال عزوجل: " فلما قضى زيد منها وطرا " زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا " وكان أمر الله مفعولا " " ثم علم عزوجل أن المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل: " ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ". فقال المأمون: لقد شفيت صدري يابن رسول الله وأوضحت لي ما كان ملتبسا " علي، فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإسلام خيرا ". قال علي بن محمد بن الجهم: فقال المأمون إلى الصلاة، وأخذ بيد محمد بن جعفر بن محمد وكان حاضر المجلس وتبعتهما، فقال له المأمون: كيف رأيت ابن أخيك ؟ فقال: عالم ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم. فقال المأمون: إن ابن أخيك من أهل بيت النبي الذين قال صلى الله عليه وآله فيهم: (ألا إن أبرار عترتي وأطائب ارومتي (1) أحلم الناس صغارا "، وأعلم الناس كبارا "، لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى، ولا يدخلونكم في باب ضلال) وانصرف الرضا عليه السلام إلى منزله، فلما كان من الغد غدوت عليه وأعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له، فضحك عليه السلام ثم قال: يا بن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فإنه سيغتالني (2) والله ينتقم لي منه.


(1) في المصدر: اطائب ذريتي واطهار ارومتى. م (2) في المصدر: سيقتلني (سيفتالنى خ ل) وفى الاحتجاج: سيغتالني: م. [ * ]

[ 85 ]

قال الصدوق رحمه الله: هذا الحديث عجيب من طريق علي بن محمد بن الجهم مع نصبه وبغضه وعداوته لأهل البيت عليهم السلام. (1) ج: مرسلا مثله. (2) بيان: أقول ما ذكره في خطيئة آدم عليه السلام قريب مما ذكره بعض العامة من أنه تعالى أشار لهما حين نهاهما إلى شجرة واحدة، وكان المراد نوع تلك الشجرة، فوسوس إليهما الشيطان أن المراد كان ذلك الشخص من الشجرة فقبلا ذلك منه، وهذا مثل ما ورد في الخبر السابق في مخالفة الاصول، والتوجيه مشترك، ولعل ذكر هذا الوجه لبيان علة ارتكاب ترك الأولى، لا أن يكون جوابا " مستقلا "، والضمير في قوله: (عن الأكل منها) راجع إلى غيرها، ويحتمل أن يكون راجعا " إلى هذه الشجرة بأن يكون الأستثناء منقطعا "، أي ليست هذه الشجرة منهية، بل هي سبب لكونكما ملكين أو خالدين إذا أكلتما منها، وقال الجوهري: يقال في المدح: لله دره أي عمله. وقال الشيخ الرضي رضي الله عنه: الدر في الأصل ما يدر، أي ينزل من الضرع من اللبن، ومن الغيم من المطر، وهو ههنا كناية عن فعل الممدوح الصادر عنه، وإنما نسب فعله إليه تعالى قصدا للتعجب، وأن الله منشئ العجائب، فكل شئ عظيم يريدون التعجب منه ينسبونه إليه تعالى نحو قولهم: لله أنت، ولله أبوك، فمعنى لله دره، ما أعجب فعله. قوله تعالى: " وظنوا أنهم قد كذبوا " قال الشيخ أمين الدين الطبرسي: قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر " كذبوا " بالتخفيف وهي قراءة علي وزين العابدين ومحمد بن علي و جعفر بن محمد عليهم السلام وزيد بن علي وابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير وعكرمة و الضحاك والأعمش، وقرأ الباقون " كذبوا " بالتشديد وهي قراءة عائشة والحسن وعطاء والزهري وقتادة، ثم قال: والمعنى: إنا أخرنا العقاب عن الامم السالفة المكذبة لرسلنا كما أخرناه عن امتك يا محمد حتى إذا بلغوا إلى حالة يأس الرسل عن إيمانهم، و تحقق يأسهم بإخبار الله تعالى إياهم " وظنوا أنهم قد كذبوا " أي تيقن الرسل أن


(1) عيون الاخبار: 108 - 114. م (2) الاحتجاج: 233 - 237 مع اختلاف بينهما. م [ * ]

[ 86 ]

قومهم قد كذبوهم تكذيبا " عاما " حتى أنه لا يصلح واحد منهم، عن عائشة والحسن و قتادة وأبي علي الجبائي. ومن خفف فمعناه: ظن الامم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله تعالى إياهم، وإهلاك أعدائهم، عن ابن عباس وابن مسعود وابن جبير و مجاهد وابن زيد والضحاك وأبي مسلم. وقيل: يجوز أن يكون الضمير في " ظنوا " راجعا " إلى الرسل أيضا، ويكون معناه: وعلم الرسل أن الذين وعدوهم الإيمان من قومهم أخلفوهم، أو كذبوا فيما أظهروه من الإيمان، وروي أن سعيد بن جبير والضحاك اجتمعا في دعوة، فسئل سعيد بن جبير عن هذه الآية كيف تقرؤها ؟ فقال: " وظنوا أنهم قد كذبوا " بالتخفيف بمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوهم، فقال الضحاك ما رأيت كاليوم قط، لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلا ". وروى ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: كانوا بشرا " فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم أخلفوا، ثم أخلفوا، ثم تلا قوله تعالى: " حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله " الآية، وهذا باطل لا يجوز أن ينسب مثله إلى الأنبياء عليهم السلام انتهى. أقول: ما ذكره عليه السلام غير تلك الوجوه وتوجيهه واضح، ويمكن إرجاعه إلى أول وجهي التخفيف كما روي عن ابن عباس، بأن يقرأ " كذبوا " على المعلوم، فيكون بيانا " لحاصل المعنى، لكنه بعيد. وأما ما ذكره عليه السلام في قوله تعالى: " ليغفر لك الله " فالظاهر أن الغفر فيه بمعنى الستر كما هو معناه في أصل اللغة، وسيأتي الكلام فيه وفي غيره في مواضعها مفصلا " إن شاء الله تعالى، وسيجئ بعض أخبار هذا الباب في ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام، وسيجئ خبر آدم وأنه وهب عمره لداود في خبر الثمالي، ويدل على جواز السهو على بعض الأنبياء عليهم السلام وسنتكلم عليه. 9 - فس: قوله: " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا " فإنه حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وكلهم الله إلى أنفسهم فظنوا أن الشيطان قد تمثل لهم في صورة الملائكة. (1)


(1) تفسير القمى: 335. وفيه: ان الشياطين قد تمثلت. م [ * ]

[ 87 ]

بيان: لعل هذا الخبر محمول على التقية كما عرفت، أو المراد بالظن محض خطور البال، أو المراد أن النصر تأخر عنهم حتى كان مظنة أن يتوهموا ذلك، وإرجاع الضمير المنصوب في " وكلهم " والمرفوع في " فظنوا " إلى الامم بعيد جدا ". (1) 10 - شى: عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال في إبراهيم عليه السلام إذ رأى كوكبا " قال: إنما كان طالبا " لربه ولم يبلغ كفرا " وإنه من فكر من الناس في مثل ذلك فإنه بمنزلته. (2) 11 - شى: عن أبان بن عثمان، عمن ذكره عنهم أنه كان من حديث إبراهيم عليه السلام أنه ولد ولد في زمان نمرود بن كنعان، وكان قد ملك الأرض أربعة: مؤمنان و كافران: سليمان بن داود وذو القرنين، ونمرود بن كنعان وبخت نصر، وإنه قيل لنمرود: إنه يولد العام غلام يكون هلاكك وهلاك دينك وهلاك أصنامك على يديه، وإنه وضع القوابل على النساء وأمر أن لا يولد هذه السنة ذكر إلا قتلوه، وإن إبراهيم عليه السلام حملته امه في ظهرها ولم يحمله في بطنها، وإنه لما وضعته أدخلته سربا " ووضعت عليه غطاء "، إنه كان يشب شبا " لا يشبه الصبيان وكانت تعاهده، فخرج إبراهيم عليه السلام من السرب فرأى الزهرة فلم ير كوكبا " أحسن منها، فقال: " هذا ربي " فلم يلبث أن طلع القمر فلما رآه قال: هذا أعظم " هذا ربي فلما أفل قال لا احب الآفلين " فلما رأى النهار وطلعت الشمس " قال هذا ربي هذا أكبر " مما رأيت " فلما أفلت قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا " مسلما " وما أنا من المشركين ". (3) 12 - شى: عن حجر قال: أرسل العلاء بن سيابة يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم عليه السلام: " هذا ربي " وقال: إنه من قال هذا اليوم فهو عندنا مشرك، قال عليه السلام: لم يكن من إبراهيم شرك إنما كان في طلب ربه، وهو من غيره شرك. (4)


(1) هكذا في المطبوع، وفى النسخة المخطوطة: ويمكن ان يكون ضمير المنصوب في (وكلهم) والمرفوع في (ظنوا) راجعا إلى الامة، والمعنى ان الله وكل الامة إلى انفسهم فظنوا ان إخبار الرسل بمجئ الفتح والنصرة ليس من الله باعلام الملائكة بل من الشيطان. (2 و 3 و 4) مخطوط. م [ * ]

[ 88 ]

13 - شئ: عن محمد بن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله فيما أخبر عن إبراهيم " هذا ربي " قال: لم يبلغ به شيئا " أراد غير الذي قال. (1) بيان: (لم يبلغ به شيئا ") أي كفرا " ولا فسقا "، بل أراد غير الذي كان ظاهر كلامه إما بأنه كان في مقام النظر والتفكر، وإنما قال ذلك على سبيل الفرض ليتفكر في أنه هل يصلح لذلك أم لا، أو قال ذلك على سبيل الإنكار، أو على سبيل الاستفهام (2) وسيأتي تمام القول فيه. 14 - شى: عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما يقول الناس في قول الله: " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه " قلت: يقولون: إبراهيم وعد أباه ليستغفر له، قال: ليس هو هكذا، وإن إبراهيم وعده أن يسلم فاستغفر له، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. (3) 15 - شى: عن أبي إسحاق الهمداني، عن رجل قال: صلى رجل إلى جنبي فاستغفر لأبويه وكانا ماتا في الجاهلية، فقلت: تستغفر لأبويك وقد ماتا في الجاهلية ؟ فقال: قد استغفر إبراهيم لابيه، فلم أدر ما أرد عليه، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله، فأنزل الله " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه " قال: لما مات تبين أنه عدو لله فلم يستغفر له. (4) بيان: قال الشيخ الطبرسي رضي الله عنه: أي لم يكن استغفاره له إلا صادرا " عن موعدة وعدها إياه، واختلف في صاحب هذه الموعدة هل هو إبراهيم أو أبوه، فقيل: إن الموعدة كانت من الأب وعد إبراهيم أنه يؤمن إن يستغفر له فاستغفر له لذلك، فلما تبين له أنه عدو لله ولا يفي بما وعد تبرأ منه وترك الدعاء له، وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أنهم قالوا: إنما تبين عداوته لما مات على كفره. وقيل: إن الموعدة كانت من إبراهيم قال لأبيه: إني لاستغفر لك ما دمت حيا "، وكان يستغفر له مقيدا "


(1) مخطوط. (2) أو على سبيل المناظرة والاحتجاج على الخصم بأن يوافق معهم اولا ويسلم ما يسلمون، ثم يرد عليهم بما فيه إبطال ما كان مسلما عندهم. (3 و 4) مخطوط. م [ * ]

[ 89 ]

بشرط الإيمان، فلما آيس من إيمانه تبرأ منه، وهذا يوافق قراأة الحسن " إلا عن موعدة وعدها أباه " بالباء، ويقويه قوله: " إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ". (1) 16 - شى: عن سلمان بن عبد الله الطلحي (2) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما حال بني يعقوب فهل خرجوا من الإيمان ؟ قال: نعم، قلت له: فما تقول في آدم ؟ قال: دع آدم. (3) بيان: أقول: لما أوردنا بعض الأخبار الدالة على عصمة الأنبياء المتضمنة لتأويل ما يوهم صدور الذنب والخطاء عنهم فلنتكلم عليها جملة إذ تفصيل القول في ذلك يوجب الإطناب يكثر حجم الكتاب: اعلم أن الاختلاف الواقع في هذا الباب بين علماء الفريقين يرجع إلى أقسام أربعة: أحدها ما يقع في باب العقائد. وثانيها ما يقع في التبليغ. وثالثها ما يقع في الأحكام والفتيا. و رابعها في أفعالهم وسيرهم عليهم السلام، وأما الكفر والضلال في الاعتقاد فقد أجمعت الامة على عصمتهم عنهما قبل النبوة وبعدها، غير أن الازارقة (4) من الخوارج جوزوا عليهم الذنب، وكل ذنب عندهم كفر، فلزمهم تجويز الكفر عليهم، بل يحكى عنهم أنهم قالوا: يجوز أن يبعث الله نبيا " علم أنه يكفر بعد نبوته !. وأما النوع الثاني وهو ما يتعلق بالتبليغ فقد اتفقت الامة بل جميع أرباب الملل والشرائع على وجوب عصمتهم عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ عمدا " و سهوا " إلا القاضي أبو بكر (5) فإنه جوز ما كان من ذلك على سبيل النسيان وفلتات


(1) مجمع البيان ج 4: 77. (2) الصحيح سليمان مكبرا "، عده الشيخ في رجاله من اصحاب الصادق عليه السلام، ولكنه مجهول الحال. (3) مخطوط. م (4) الازارقة اصحاب ابى راشد نافع بن الازرق الحروري من رؤوس الخوارج، خرج هو و اصحابه من البصرة إلى الاهواز فغلبوا عليها وعلى كورها وما ورائها من بلدان فارس وكرمان في ايام عبد الله بن زبير وقتلوا عماله بهذه النواحى، له مقالات رائفة اوردها الشهرستاني في الملل والنحل 1: 179. (5) هو القاضى ابو بكر محمد بن الطيب الباقلانى البصري المتكلم على مذهب الاشعري سكن بغداد، وله تصانيف مشهورة، وتوفى في 403، يحكى انه ناظر الشيخ المفيد قدس الله روحه فغلبه المفيد، فقال للشيخ: الك في كل قدر معرفة ؟ فقال الشيخ: نعم ما تمثلت بأدوات ابيك. [ * ]

[ 90 ]

اللسان. وأما النوع الثالث وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطاؤهم فيه عمدا " وسهوا " إلا شرذمة قليلة من العامة. وأما النوع الرابع وهو الذي يقع في أفعالهم فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال: الأول: مذهب أصحابنا الامامية وهو أنه لا يصدر عنهم الذنب لا صغيرة " ولا كبيرة " ولا عمدا " ولا نسيانا " ولا لخطاء في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه، ولم يخالف فيه إلا الصدوق (1) وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد رحمهما الله، فإنهما جوزا الإسهاء لا السهو الذي يكون من الشيطان، وكذا القول في الأئمة الطاهرين عليهم السلام. الثاني: أنه لا يجوز عليهم الكبائر ويجوز عليهم الصغائر إلا الصغائر الخسيسة المنفرة، كسرقة حبة أو لقمة، وكل ما ينسب فاعله إلى الدناءة والضعة، وهذا قول أكثر المعتزلة. الثالث: أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة على جهة العمد، لكن يجوز على جهة التأويل أو السهو، وهو قول أبي علي الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطاء، لكنهم مأخوذون بما يقع منهم سهوا " وإن كان موضوعا " عن اممهم لقوة معرفتهم وعلو رتبتهم وكثرة دلائلهم وإنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم، وهو قول النظام وجعفر بن مبشر ومن تبعهما. الخامس: أنه يجوز عليهم الكبائر والصغائر عمدا " وسهوا " وخطا، وهو قول الحشوية وكثير من أصحاب الحديث من العامة. ثم اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقول: الأول: أنه من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه، وهو مذهب أصحابنا الإمامية.


(1) قال شيخنا الصدوق قدس الله روحه في كتاب من لا يحضره الفقيه: وليس سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسهونا لان سهوه من الله عزوجل، وانما هو إسهاء ليعلم انه بشر مخلوق فلا يتخذ ربا ومعبودا دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى يسهوا، وسهونا عن الشيطان، وليس للشيطان على النبي الله عليه وسلم والائمة صلوات الله عليهم سلطان، انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وعلى من تبعه من الغاوين. [ * ]

[ 91 ]

الثاني: أنه من حين بلوغهم، ولا يجوز عليهم الكفر والكبيرة قبل النبوة، وهو مذهب كثير من المعتزلة. الثالث: أنه وقت النبوة، وأما قبله فيجوز صدور المعصية عنهم، وهو قول أكثر الاشاعرة ومنهم الفخر الرازي وبه قال أبو هذيل وأبو علي الجبائي من المعتزلة. إذا عرفت هذا فاعلم أن العمدة فيما اختاره أصحابنا من تنزيه الأنبياء والأئمة عليهم السلام من كل ذنب ودناءة ومنقصة قبل النبوة وبعدها قول أئمتنا سلام الله عليهم بذلك المعلوم لنا قطعا " بإجماع أصحابنا رضوان الله عليهم، مع تأيده بالنصوص المتظافرة حتى صار ذلك من قبيل الضروريات في مذهب الإمامية. وقد استدل عليه أصحابنا بالدلائل العقلية، وقد أوردنا بعضها في شرح كتاب الحجة، ومن أراد تفصيل القول في ذلك فليراجع إلى كتاب الشافي وتنزيه الأنبياء و غيرهما من كتب أصحابنا، والجواب مجملا " عما استدل به المخطؤون من إطلاق لفظ العصيان والذنب فيما صدر عن آدم عليه السلام هو أنه لما قال الدليل على عصمتهم نحمل هذه الألفاظ على ترك المستحب والأولى، أو فعل المكروه مجازا "، والنكتة فيه كون ترك الأولى ومخالفة الأمر الندبي وارتكاب النهي التنزيهي منهم مما يعظم موقعه لعلو درجتهم وارتفاع شأنهم، ولنذكر بعض ما احتج به المنزهون من الفريقين على سبيل الإجمال، ولهم في ذلك مسالك: الأول: ما أورده السيد المرتضى قدس الله سره في كتاب تنزيه الأنبياء حيث قال: اعلم أن جميع ما ننزه الأنبياء عليهم السلام عنه ونمنع من وقوعه منهم يستند إلى دلالة العلم المعجز إما بنفسه أو بواسطة، وتفسير هذه الجملة أن العلم المعجز إذا كان واقعا " موقع التصديق لمدعي النبوة والرسالة وجاريا " مجرى قوله تعالى له: صدقت في أنك رسولي ومؤد عني فلابد من أن يكون هذا المعجز مانعا " من كذبه على الله تعالى فيما يؤديه، لأنه تعالى لا يجوز أن يصدق الكذاب، لأن تصديق الكذاب قبيح كما أن الكذب قبيح، فأما الكذب في غير ما يؤديه وسائر الكبائر فإنما دل المعجز على نفيها من حيث كان دالا

[ 92 ]

على وجوب اتباع الرسول وتصديقه فيما يؤديه وقبوله منه لأن الغرض في بعثة الأنبياء عليهم السلام وتصديقهم بالاعلام المعجزة هو أن يمتثل بما يأتون به، فما قدح في الامتثال والقبول وأثر فيهما يجب أن يمنع المعجز منه، فلهذا قلنا: إنه يدل على نفي الكذب والكبائر عنهم في غير ما يؤدونه بواسطة، وفي الأول يدل بنفسه. فإن قيل: لم يبق إلا أن يدلوا (1) على أن تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة من القبول والامتثال قلنا: لا شبهة في أن من نجوز عليه كبائر المعاصي ولا نأمن منه الإقدام على الذنوب لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله واستماع وعظه سكونها إلى من نجوز عليه شيئا " من ذلك، وهذا هو معنى قولنا: إن وقوع الكبائر ينفر عن القبول والمرجع فيما ينفر ولا ينفر إلى العادات واعتبار ما يقتضيه، وليس ذلك مما يستخرج بالأدلة والمقائيس، ومن رجع إلى العادة علم ما ذكرناه، وإنه من أقوى ما ينفر عن قبول القول، وإن حظ الكبائر في هذا الباب إن لم يزد عن حظ السخف والمجون والخلاعة (2) لم ينقص منه. فإن قيل: أليس قد جوز كثير من الناس على الأنبياء عليهم السلام الكبائر مع أنهم لم ينفروا عن قبول أقوالهم والعمل بما شرعوه من الشرائع، وهذا ينقض قولكم: إن الكبائر منفرة ؟ قلنا: هذا سؤال من لم يفهم ما أوردناه، لأنا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق وأن لا يقع امتثال الأمر جملة، وإنما أردنا ما فسرناه من أن سكون النفس إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا نجوز ذلك عليه، وإنا مع تجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول، كما أنا مع الأمان من الكبائر نكون أقرب إلى القبول، وقد يقرب من الشئ ما لا يحصل الشئ عنده، كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده. ألا ترى أن عبوس الداعي للناس إلى طعامه وتضجره وتبرمه (3) منفر في العادة


(1) في المصدر: تدلوا. م (2) السخف: رقة العقل ونقصانه. مجن مجونا: مزح وقل حياؤه كانه صلب وجهه، فهو ماجن. خلع خلاعة: انقاد لهواه وتهتك. استخف. (3) التبرم: التضجر والسأمة. [ * ]

[ 93 ]

عن حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يقع مع ما ذكرناه الحضور والتناول، ولا يخرجه من أن يكون منفرا "، وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسمه يقرب من حضور دعوته وتناول طعامه وقد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه، ولا يخرجه من أن يكون مقربا "، فدل على أن المعتبر في باب المنفر والمقرب ما ذكرناه، دون وقوع الفعل المنفر عنه أو ارتفاعه. فإن قيل: فهذا يقتضي أن الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة، فمن أين أنها لا تقع منهم قبل النبوة وقد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب والذم، ولم يبق وجه يقتضي التنفير ؟ قلنا: الطريقة في الأمرين واحدة، لأنا نعلم أن من نجوز عليه الكفر والكبائر في حال من الأحوال وإن تاب منه وخرج من استحقاق العقاب به لا نسكن إلى قبول قوله مثل سكوننا إلى من لا نجوز ذلك عليه في حال من الأحوال ولا على وجه من الوجوه، ولهذا لا يكون حال الواعظ لنا الداعي إلى الله تعالى ونحن نعرفه مقارفا للكبائر مرتكبا لعظيم الذنوب وإن كان قد فارق جميع ذلك وتاب منه عندنا وفي نفوسنا كحال من لم يعهد منه إلا النزاهة والطهارة، ومعلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون و النفور، ولهذا كثيرا " ما يعير الناس من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها وإن وقعت التوبة منها، ويجعلون ذلك عيبا " ونقصا " وقادحا " ومؤثرا "، وليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضا " عن تجويزها في حال النبوة وناقصا " عن رتبته في باب التنفير وجب أن لا يكون فيه شئ من التنفير، لأن الشيئين قد يشتركان في التنفير وإن كان أحدهما أقوى من صاحبه، ألا ترى أن كثير السخف والمجون والاستمرار عليه والانهماك فيه منفر لا محالة، وإن القليل من السخف الذي لا يقع إلا في الأحيان والأوقات المتباعدة منفر أيضا "، وإن فارق الاول في قوة التنفير ولم يخرجه نقصانه في هذا الباب عن الأول من أن يكون منفرا " في نفسه. فإن قيل: فمن أين أن الصغائر لا تجوز على الأنبياء عليهم السلام في حال النبوة وقبلها ؟ قلنا: الطريقة في نفي الصغائر في الحالين هي الطريقة في نفي الكبائر في الحالين عند التأمل لأنا كما نعلم أن من نجوز كونه فاعلا " لكبيرة متقدمة قد تاب منها وأقلع عنها ولم يبق معه شئ من استحقاق عقابها وذمها لا يكون سكوننا إليه سكوننا (1) إلى من لا نجوز ذلك


(1) في المصدر: كسكوننا إلى من لا يجوز عليه ذلك، كذلك نعلم ان من يجوز عليه اه‍. م [ * ]

[ 94 ]

عليه، فكذلك أن من نجوز عليه من الأنبياء عليهم السلام أن يكون مقدما " على القبائح مرتكبا " للمعاصي في حال نبوته أو قبلها وإن وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه سكوننا (1) إلى من نأمن منه كل القبائح ولا نجوز عليه فعل شئ منها. انتهى ما أردنا إيراده من كلامه قدس الله روحه. (2) أقول: لا يخفى عليك أن من جوز صدور الصغائر عن الأنبياء ولو نفى صدور الخسيسة منها يلزمه تجويز أكثر الذنوب وعظائمها عليهم، بل لا فرق كثيرا " بينه وبين من يجوز جميعها، إذ الكبائر على ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله سبع، ورووا عن ابن عمر أنه زاد فيها اثنتين، وعن ابن مسعود أنه زاد على قول ابن عمر ثلاثة، ولا شك أن كثيرا " من عظائم الذنوب التي سوى ما ذكروه ليست من الصغائر الخسيسة كسرقة درهم، و التطفيف بحبة، فيلزمهم تجويز ما لم يكن من الصنفين المذكورين كالاشتغال بأنواع المعازف والملاهي وترك الصلاة وأصناف المعاصي التي تقارفها ملوك الجور على رؤوس الأشهاد وفي الخلوات، فهؤلاء أيضا مخطؤون للأنبياء ولكن في لباس التنزيه، ولا يرتاب عاقل في أن من هذا شأنه لا يصلح لرئاسة الدين والدنيا، وأن النفوس تتنفر عنه، بل لا يجوز أحد أن يكون مثله صالحا " لان يكون واعظا " وهاديا " للخلق في أدنى قرية، فكيف يجوز أن يكون ممن قال تعالى فيهم: " الله يصطفي من الملائكة رسلا " ومن الناس (3) " و إذا ثبت بطلان هذا النوع من التنزيه أمكن التمسك في إثبات ما ذهب إليه أصحابنا من تنزههم صلوات الله عليهم عن كل منقصة ولو على سبيل السهو والنسيان من حين الولادة إلى الوفاة بالاجماع المركب، ولا يضر خروج شاذ من المعروفين من أصحابنا بعد تحقيق الإجماع. الثاني أنه لو صدر عن النبي ذنب لزم اجتماع الضدين وهما وجوب متابعته و مخالفته، أما الأول فللإجماع ولقوله تعالى: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (4) " وإذا ثبت في حق نبينا صلى الله عليه وآله ثبت في حق باقي الأنبياء عليهم السلام، لعدم


(1) في المصدر: كسكوننا. م (2) تنزيه الانبياء 4 - 6. م (3) الحج: 75. (4) آل عمران: 31. [ * ]

[ 95 ]

القائل بالفرق، أما الثاني فلأن متابعة المذنب حرام. الثالث: أنه لو صدر عنه ذنب لوجب منعه وزجره والإنكار عليه لعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه حرام لاستلزام إيذائه المحرم بالإجماع، ولقوله تعالى: " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ". (1) الرابع: أنه لو أقدم على الفسق لزم أن يكون مردود الشهادة لقوله تعالى: " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " (2) وللإجماع على عدم قبول شهادة الفاسق، فيلزم أن يكون أدون حالا " من آحاد الامة، مع أن شهادته تقبل في الدين القويم، وهو شاهد على الكل يوم القيامة، قال الله تعالى: " لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " ". (3) الخامس: أنه يلزم أن يكونوا أقل درجة من عصاة الامة، فإن درجاتهم في غاية الرفعة والجلالة، ونعم الله سبحانه بالاصطفاء على الناس وجعلهم امناء على وحيه وخلفاء في عباده وبلاده وغير ذلك عليهم أتم وأبلغ، فارتكابهم المعاصي والإعراض عن أوامر ربهم ونواهيه للذة فانية أفحش وأشنع من عصيان هؤلاء، ولا يلتزمه عاقل. السادس: أنه يلزم استحقاقه العذاب واللعن واستيجابه التوبيخ واللوم لعموم قوله تعالى: " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا " خالدا " فيها وله عذاب مهين (4) " وقوله تعالى: " ألا لعنة الله على الظالمين (5) " وهو باطل بالضرورة والإجماع. السابع: أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله، فهم لو لم يطيعوا لدخلوا تحت قوله تعالى: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (6) " واللازم باطل بإلاجماع، ولكونه من أعظم المنفرات، فإن كل واعظ لم يعمل بما يعظ الناس به لا يرغب الناس في الاستماع منه وحضور مجلسه ولا يعبؤون بقوله. الثامن: أنه تعالى حكى عن إبليس قوله: " فبعزتك لا غوينهم أجمعين * إلا


(1) الاحزاب: 57 (2) الحجرات: 6. (3) البقرة: 143 (4) النساء: 14. (5) هود: 18. (6) البقرة: 44. [ * ]

[ 96 ]

عبادك منهم المخلصين (1) " فلو عصى نبي لكان ممن أغواه الشيطان ولم يكن من المخلصين، مع أن الأنبياء من المخلصين للإجماع ولأنه تعالى قال: " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب اولي الأيدي والأبصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (2) " وإذا ثبت وجوب العصمة في البعض ثبت في الكل لعدم القائل بالفرق. التاسع: أنه يلزم أن يكون من حزب الشيطان وقال الله تعالى: " ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (3) " ولا يقول به إلا الخاسرون. العاشر: أن الرسول أفضل من الملك لقوله تعالى: " إن الله اصطفى آدم نوحا " و آل إبراهيم وآل عمران على العالمين (4) " وأفضلية البعض يدل على أفضلية الكل للإجماع المركب، ولو صدرت المعصية عنه لأمتنع كونه أفضل لقوله تعالى: " أم نجعل المتقين كالفجار (5) ". الحادي عشر: النبي لو كان غاصبا " لكان من الظالمين، وقد قال الله تعالى: " لا ينال عهدي الظالمين " (6) قال الرازي في تفسيره: المراد بهذا العهد إما عهد النبوة، أو عهد الإمامة، فإن كان المراد عهد النبوة ثبت المطلوب، وإن كان المراد عهد الإمامة فكذلك، لان كل نبي لابد أن يكون إماما يؤتم به ويقتدى به، فالآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنبا ". الثاني عشر: أنه تعالى قال: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا " من المؤمنين " (7) والأنبياء من ذلك الفريق بالاتفاق. وقد ذكروا وجوها " اخر وفيما ذكرناه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأما الجواب عن حجج المخطئة فسنذكر في كل باب ما يناسبه إن شاء الله تعالى.


(1) ص: 82 و 83. (2) ص: 45 - 47. (3) المجادلة: 19. (4) آل عمران: 33. (5) ص: 28. (6) البقرة: 124. (7) سبا: 20. م [ * ]

[ 97 ]

* (أبواب قصص آدم وحواء وأولادهما صلوات الله عليهما) * * (باب 1) * * (فضل آدم وحواء وعلل تسميتهما، وبعض أحوالهما، وبدء خلقهما) * * (وسؤال الملائكة في ذلك) * الايات، البقرة " 2 " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون 30 - 33. النساء " 4 " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا " كثيرا " ونساء الرحمن " 55 " خلق الإنسان من صلصال كالفخار 14. تفسير: " أني جاعل في الأرض خليفة " قال البيضاوي: الخليفة من يخلف غيره و ينوب منابه، والتاء للمبالغة " قالوا أتجعل فيها " تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها " من يفسد فيها " أو يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية، واستكشاف عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد، (1) واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبهتهم، (2) وليس باعتراض على الله ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك، وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله أو تلق من اللوح المحفوظ، أو استنباط عما ركز في عقولهم أن العصمة من خواصهم، أو قياس لأحد الثقلين على الآخر (3) " ونحن


(1) أي غلبت تلك المفاسد. (2) أي يزيل شبهتهم. (3) أو لما عرفوا من حال من كان قبلهم من نوع الانسان على احتمال. [ * ]

[ 98 ]

نسبح بحمدك ونقدس لك " حال مقررة لجهة الإشكال، وكأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره: شهوية وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء، و عقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة، ونظروا إليها مفردة وقالوا: ما الحكمة في استخلافه وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلا " عن استخلافه ؟ وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم بما يتوقع منها سليما " عن معارضة تلك المفاسد، وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل متمرنة على الخير كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف، ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد كالإحاطة بالجزئيات، واستنباط الصناعات، واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى إجمالا " بقوله: " قال إني أعلم ما لا تعلمون " والتسبيح تبعيد الله عن السوء، وكذلك التقديس، و " بحمدك " في موضع الحال، أي متلبسين بحمدك على ما ألهمتنا معرفتك ووفقتنا لتسبيحك " وعلم آدم الأسماء كلها " إما بخلق علم ضروري بها فيه، أو إلقاء في روحه، ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاح ليتسلسل، والاسم: ما يكون علامة " للشئ ودليلا يرفعه إلى الذهن من الألفاظ والصفات والأفعال، واستعماله عرفا في اللفظ الموضوع لمعنى، سواء كان مركبا " أو مفردا مخبرا " عنه أو خبرا " أو رابطة بينهما، واصطلاحا " في المعنى المعروف، والمراد في الآية إما الأول أو الثاني وهو يستلزم الأول، لأن العلم بالألفاظ من حيث الدلالة متوقف على العلم بالمعاني، والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة، وقوى متباينة، مستعد الإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها واصول العلم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها " ثم عرضهم على الملائكة " الضمير للمسميات المدلول عليها ضمنا " فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء " تبكيت لهم (1) وتنبيه على عجزهم عن أمر الخلافة فإن التصرف والتدبير وإقامة المعدلة قبل تحقق المعرفة والوقوف على مراتب الاستعدادات وقدر الحقوق محال، وليس بتكليف ليكون من باب التكليف بالمحال " إن كنتم صادقين " في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة لعصمتكم، أو أن خلقهم واستخلافهم وهذه صفتهم لا يليق


(1) التبكيت: الغلبة بالحجة. التعنيف والتقريع. [ * ]

[ 99 ]

بالحكيم " قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا " اعتراف بالعجز والقصور، وإشعار بأن سؤالهم كان استفسارا " " قال ألم أقل لكم " استحضار لقوله: " أعلم ما لا تعلمون " لكنه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجة عليه، فإنه تعالى لما علم ما خفي عليهم من امور السماوات والأرض وما ظهر لهم من الأحوال الظاهرة والباطنة علم ما لا يعلمون، وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم. وقيل: " ما تبدون " قولهم: " أتجعل فيها " و " ما تكتمون " استيطانهم أنهم أحقاء بالخلافة وأنه تعالى لا يخلق خلقا " أفضل منهم. وقيل: ما أظهروا من الطاعة وأسر منهم إبليس من المعصية. (1) أقول: سيأتي تمام الكلام في تفسير تلك الآيات وسائر الآيات الواردة في ذلك و دفع الشبه الواردة عليها في كتاب السماء والعالم. قوله: " من نفس واحدة " قال الطبرسي رحمه الله. المراد بالنفس هنا آدم " وخلق منها زوجها " ذهب أكثر المفسرين إلى أنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم، ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " خلقت المرأة من ضلع إن أقمتها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها " وروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: أن الله خلق حواء من فضل الطينة التي خلق منها آدم. وفي تفسير علي بن إبراهيم: أنها خلقت من أسفل أضلاعه. (2) " خلق الإنسان من صلصال " قال البيضاوي: الصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة، والفخار: الخزف، وقد خلق الله آدم من تراب جعله طينا " ثم حمأ " مسنونا " (3) ثم صلصالا " (4) فلا يخالف ذلك قوله: " خلقه من تراب " ونحوه. (5) 1 - فس: فقال الله " يا آدم أنبئهم بأسمائهم " فأقبل آدم يخبرهم، فقال الله: " ألم أقل لكم " الآية فجعل آدم حجة عليهم. (6)


(1) انوار التنزيل ج 1: 18 و 19 و 20. م (2) مجمع البيان 2: 204. م (3) أي طين اسود متغير منتن. (4) الصلصال: طين يابس بذلك لانه يصل أي يسمع له صلصلة إذا نقر به. (5) انوار التنزيل ج 2: 204. م (6) تفسير القمى 38. م [ * ]

[ 100 ]

2 - فس: " خلقكم من نفس واحدة " يعني آدم " وخلق منها زوجها " يعني حواء برأها (1) من أسفل أضلاعه. (2) 3 - ج: عن أبي بصير قال: سأل طاوس اليماني أبا جعفر عليه السلام: لم سمي آدم آدم ؟ قال: لأنه رفعت طينته من أديم الأرض السفلى، قال: فلم سميت حواء حواء ؟ قال: لأنها خلقت من ضلع حي، يعني ضلع آدم. (3) 4 - ع: أبي عن الحميري، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما سمي آدم آدم لأنه خلق من أديم الأرض. قال الصدوق رحمه الله: اسم الأرض الرابعة أديم، وخلق آدم منها فلذلك قيل: خلق من أديم الأرض. (4) 5 - ع: الدقاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سميت حواء حواء لأنها خلقت من حي، قال الله عزوجل: " خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ". (5) بيان: اختلف في اشتقاق اسم آدم فقيل: اسم أعجمي لا اشتقاق له كآذر، وقيل: اشتق من الادمة بمعنى السمرة لأنه عليه السلام كان أسمر اللون، وقيل: من الأدمة بالفتح بمعنى الاسوة، وقيل: من أديم الأرض أي وجهها، وقد روي هذا في أخبار العامة أيضا، وقيل: من الإدام بمعنى ما يؤتدم به، وقيل: من الإدم بمعنى الالفة والاتفاق، وما ورد في الخبر هو المتبع. (6) وأما ما ذكره الصدوق رحمه الله من كون الأديم اسما " للأرض الرابعة فلم نجد له أثرا في كتب اللغة، ولعله وصل إليه بذلك خبر. وأما اشتقاق حواء من الحي أو الحيوان لكون الاولى (7) واويا " والآخريان من اليائي يخالف القياس، ويمكن أن يكون مبنيا على قياس لغة آدم عليه السلام، أو يكون مشتقا " من لفظ


(1) أي خلقها. (2) تفسير القمى: 118. م (3) الاحتجاج: 179. م (4) علل الشرائع: 16. م (5) علل الشرائع: 17. م (6) قال الجزرى في النهاية: ادمة الارض: هو لونها وبه سمى آدم عليه السلام. (7) في النسخة المخطوطة: ان يكون الاولى واويا. [ * ]

[ 101 ]

يكون في لغتهم بمعنى الحياة، مع أنه كثيرا " ما يرد الاشتقاق في لغة العرب على خلاف قياسهم فيسمونه سماعيا " وشاذا فليكن هذا منها. 6 - ع: في خبر ابن سلام (1) أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله عن آدم لم سمي آدم ؟ قال: لأنه خلق من طين الأرض وأديمها، قال: فآدم خلق من الطين كله أو من طين واحد ؟ قال: بل من الطين كله، ولو خلق من طين واحد لما عرف الناس بعضهم بعضا، وكانوا على صورة واحدة، قال: فلهم في الدنيا مثل ؟ قال: التراب فيه أبيض وفيه أخضر وفيه أشقر وفيه أغبر وفيه أحمر وفيه أزرق وفيه عذب وفيه ملح وفيه خشن وفيه لين وفيه أصهب، فلذلك صار الناس فيهم لين وفيهم خشن وفيهم أبيض وفيهم أصفر وأحمر وأصهب وأسود على ألوان التراب. قال: فأخبرني عن آدم خلق من حواء أو خلقت حواء من آدم ؟ (2) قال: بل حواء خلقت من آدم، ولو كان آدم خلق من حواء لكان الطلاق بيد النساء، ولم يكن بيد الرجال. قال: فمن كله خلقت أم من بعضه ؟ قال: بل من بعضه، ولو خلقت من كله لجاز القصاص في النساء كما يجوز في الرجال. قال: فمن ظاهره أو باطنه ؟ قال: بل من باطنه، ولو خلقت من ظاهره لانكشفن النساء كما ينكشف الرجال، فلذلك صار النساء مستترات. قال: فمن يمينه أو من شماله ؟ قال: بل من شماله، ولو خلقت من يمينه لكان للانثى كحظ الذكر من الميراث، فلذلك صار للانثى سهم وللذكر سهمان، وشهادة امرأتين مثل شهادة رجل واحد. قال: فمن أين خلقت ؟ قال: من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر. (3) بيان: الإشقر: الشديدة الحمرة. وقال الفيروز آبادي: الصهب محركة: حمرة أو شقرة في الشعر كالصهبة. والأصهب: بعير ليس بشديد البياض، والصيهب كصيقل: الصخرة الصلبة، والموضع الشديد، والأرض المستوية، والحجارة.


(1) والخبر طويل اخرجه مسندا " في كتاب الاحتجاجات في باب احتجاج النبي صلى الله عليه وآله على اليهود في مسائل شتى. (2) في نسخة: ام خلقت حواء من آدم ؟ (3) علل الشرائع: 161. م [ * ]

[ 102 ]

7 - ع: (1) الدقاق، عن الكليني، عن علان رفعه قال: أتى أمير المؤمنين بهودي فقال: لم سمي آدم آدم، وحواء حواء ؟ قال: إنما سمي آدم آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث جبرئيل عليه السلام وأمره أن يأتيه من أديم الأرض بأربع طينات: طينة بيضاء وطينة حمراء، طينة غبراء، وطينة سوداء، وذلك من سهلها و حزنها، ثم أمره أن يأتيه بأربع مياه: ماء عذب، وماء ملح، وماء مر، وماء منتن، ثم أمره أن يفرغ الماء في الطين، وأدمه الله بيده فلم يفضل شئ من الطين يحتاج إلى الماء، ولا من الماء شئ يحتاج إلى الطين، فجعل الماء العذب في حلقه، وجعل الماء المالح في عينيه، و جعل الماء المر في اذنيه، وجعل الماء المنتن في أنفه، وإنما سميت حواء حواء لأنها خلقت من الحيوان. الخبر. (2) بيان: قال الجوهري: الأدم: الالفة والاتفاق، يقال: آدم الله بينهما، أي أصلح وألف، وكذلك أدم الله بينهما، فعل وأفعل بمعنى، انتهى. واليد هنا بمعنى القدرة. 8 - ختص: المعلى بن محمد، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أول من قاس إبليس، فقال: " خلقتني من نار وخلقته من طين " ولو علم إبليس ما جعل الله في آدم لم يفتخر عليه، ثم قال: إن الله عزوجل خلق الملائكة من نور، وخلق الجان من النار، وخلق الجن صنفا من الجان من الريح، وخلق الجن صنفا " من الجن (3) من الماء، وخلق آدم من صفحة الطين، (4) ثم أجرى في آدم النور والنار والريح والماء، فبالنور ابصر وعقل وفهم، وبالنار أكل وشرب، ولولا أن النار في المعدة لم يطحن المعدة الطعام، ولولا أن الريح في جوف ابن آدم تلهب النار المعدة لم تلتهب، ولولا أن الماء في جوف ابن آدم يطفئ حر نار المعدة لأحرقت النار جوف ابن آدم، فجمع الله ذلك في آدم الخمس خصال، وكانت في إبليس خصلة فافتخر بها. (5)


(1) تقدم الخبر بطوله في كتاب الاحتجاجات في باب احتجاج امير المؤمنين عليه السلام على اليهود. (2) علل الشرائع: 12. م (3) استظهر في الهامش ان الصحيح: الجان. (4) الصفحة من الشئ: جانبه ووجهه، وهو يؤيد ما تقدم في معاني آدم انه اشتق من اديم الارض بمعنى وجهها. (5) مخطوط. م [ * ]

[ 103 ]

9 - ع: أبي، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن البزنطي، عن أبان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن القبضة التي قبضها الله عزوجل من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام أرسل إليها جبرئيل عليه السلام أن يقبضها، فقالت الأرض: أعوذ بالله أن تأخذ مني شيئا "، فرجع إلى ربه فقال: يا رب تعوذت بك مني، فأرسل إليها إسرافيل فقالت مثل ذلك، فأرسل إليها ميكائيل فقالت مثل ذلك، فأرسل إليها ملك الموت فتعوذت بالله أن يأخذ منها شيئا "، (1) فقال ملك الموت: وأنا أعوذ بالله أن أرجع إليه حتى أقبض منك، قال، وإنما سمي آدم آدم لأنه خلق من أديم الأرض. (2) 10 - فس: أبي، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن ثابت الحذاء، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر الباقر، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أراد أن يخلق (3) خلقا " بيده وذلك بعدما مضى من الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة، وكان من شأنه خلق آدم كشط (4) عن أطباق السماوات وقال للملائكة: انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من الجن والنسناس، فلما رأوا ما يعملون من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الأرض بغير الحق عظم ذلك عليهم وغضبوا لله وتأسفوا على أهل الأرض ولم يملكوا غضبهم فقالوا: ربنا (5) أنت العزيز القادر الجبار القاهر العظيم الشأن، وهذا خلقك الضعيف الذليل يتقلبون في قبضتك ويعيشون برزقك و يستمتعون بعافيتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام لا تأسف عليهم، (6) ولا تغضب، ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى، وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك، قال: فلما سمع ذلك من الملائكة " قال إني جاعل في الأرض خليفة " يكون حجة " في أرضي


(1) في المصدر: فتعوذت بالله منه ان يستثنى (ياخذ خ ل) منها اه‍. م (2) علل الشرائع: 193. م (3) في العلل: احب ان يخلق. م (4) في العلل: ولما كان من شأن الله ان يخلق آدم عليه السلام للذى اراد من التدبير والتقدير لما هو مكنونه في السماوات والأرض وعلمه لما اراد من ذلك كله كشط اه‍. وكشط الشئ: نزعه و كشف عنه. م (5) في العلل. ولم يملكوا غضبهم ان قالوا: يا رب اه‍. م (6) في نسخة: ولا تأسف عليهم. أي فلا تحزن ولا تلهف. [ * ]

[ 104 ]

على خلقي، فقالت الملائكة: " سبحانك أتجعل فيها من يفسد فيها " كما أفسد بنو الجان (1) ويسفكون الدماء كما سفكت بنو الجان، ويتحاسدون ويتباغضون، فاجعل ذلك الخليفة منا فإنا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدماء " ونسبح بحمدك ونقدس لك " فقال جل وعز: " إني أعلم ما لا تعلمون " إني اريد أن أخلق خلقا " بيدي، وأجعل من ذريته أنبياء ومرسلين، وعبادا " صالحين، وأئمة مهتدين، أجعلهم خلفاء على خلقي في أرضى ينهونهم عن معصيتي، وينذرونهم من عذابي، ويهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم سبيلى، (2) وأجعلهم لي حجة عليهم وعذرا " ونذرا "، وابين النسناس عن أرضي (3) واطهرها منهم، وأنقل مردة الجن العصاة عن بريتي وخلقي وخيرتي، واسكنهم في الهواء وفي أقطار الأرض فلا يجاورون نسل خلقي، وأجعل بين الجن وبين خلقي حجابا " فلا يرى نسل خلقي الجن ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم، فمن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم اسكنهم مساكن العصاة و أوردتهم مواردهم ولا ابالي. قال: فقالت الملائكة: يا ربنا افعل ما شئت " لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " قال: فباعدهم الله من العرش مسيرة خمسمائة عام، قال: فلاذوا بالعرش فأشاروا بالأصابع، فنظر الرب جل جلاله إليهم ونزلت الرحمة فوضع لهم البيت المعمور فقال: طوفوا به، ودعوا العرش فإنه لي رضا. فطافوا به وهو البيت الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا "، فوضع الله البيت المعمور توبة لأهل السماء، ووضع الكعبة توبة لأهل الأرض، فقال الله تبارك وتعالى: " إني خالق بشرا " من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " قال: وكان ذلك من الله تقدمة في آدم قبل أن يخلقه واحتجاجا " منه عليهم، قال: فاغترف ربنا تبارك وتعالى غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات - وكلتا يديه يمين - فصلصلها في كفه حتى جمدت، (4) فقال لها: منك أخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين والأئمة المهتدين


(1) في نسخة: كما افسدت بنو الجان. (2) في نسخة: ويسلكون بهم طريق سبيلى. (3) أي افصل النسناس من ارضى. وفى نسخة: ابير. وفى اخرى والمصدر: ابيد أي اهلكهم. (4) في نسخة: فجمدت. [ * ]

[ 105 ]

والدعاة إلى الجنة وأتباعهم إلى يوم اليقامة (1) ولا ابالي. ولا اسأل عما أفعل وهم يسألون، ثم اغترف غرفة اخرى من الماء المالح الاجاج فصلصلها في كفه فجمدت ثم قال لها: منك أخلق الجبارين والفراعنة والعتاة وإخوان الشياطين والدعاة إلى النار إلى يوم القيامة وأشياعهم ولا ابالي ولا اسأل عما أفعل وهم يسألون، قال: وشرط في ذلك البداء فيهم، ولم يشترط في أصحاب اليمين البداء، (2) ثم خلط المائين جميعا " في كفه فصلصلهما ثم كفأهما قدام عرشه وهما سلالة من طين، ثم أمر الملائكة الأربعة: الشمال والجنوب والصبا والدبور (3) أن يجولوا على هذه السلالة الطين فأبدوها (4) وأنشؤوها ثم أبروها (5) وجزوها وفصلوها وأجروا فيها الطبائع الأربعة: الريح والدم والمرة والبلغم، فجالت الملائكة عليها وهي الشمال والجنوب والصبا والدبور وأجروا فيها الطبائع الأربعة فالريح من الطبائع الأربعة من البدن من ناحية الشمال، والبلغم في الطبائع الأربعة من ناحية الصبا، والمرة في الطبائع الأربعة من ناحية الدبور. والدم في الطبائع الأربعة من ناحية الجنوب، قال: فاستقلت (6) النسمة وكمل البدن، فلزمه من ناحية الريح حب النساء وطول الأمل والحرص، ولزمه من ناحية البلغم حب الطعام والشراب والبر والحلم و الرفق، ولزمه من ناحية المرة الغضب والسفه والشيطنة والتجبر والتمرد والعجلة، ولزمه من ناحية الدم حب النساء (7) واللذات وركوب المحارم والشهوات، قال أبو جعفر عليه السلام: وجدنا هذا في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام. (8) ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي


(1) في نسخة: إلى يوم الدين. (2) تقدم معنى البداء في بابه، راجع. (3) قد اطلق هنا لفظه الملائكة على الشمال وغيره، فانها من ملائكة الله وجنوده، أو اراد الملائكة الموكلين بهذه الجوانب، والاول اظهر. (4) في نسخة: فأبردها. (5) في نسخة: فأبدؤوها. (6) استقل الشئ: حمله ورفعه. (7) في نسخة: حب الفساد. (8) تفسير القمى: 32 - 34. م [ * ]

[ 106 ]

المقدام، عن جابر مثله. (1) وقد أوردناه بلفظه في باب قوام بدن الانسان. 11 - فس: ذكر بعد الخبر المتقدم: فخلق الله آدم فبقي أربعين سنة مصورا "، وكان يمر به (2) إبليس اللعين فيقول: لأمر ما خلقت، فقال العالم عليه السلام فقال إبليس: لئن أمرني الله بالسجود لهذا لعصيته، قال: ثم نفخ فيه فلما بلغت فيه الروح إلى دماغه عطس فقال: الحمد لله، فقال الله له: يرحمك الله، قال الصادق عليه السلام: فسبقت له من الله الرحمة. (3) بيان: سيأتي تمام الخبر في الباب الاتي. ويقال: كشطت الغطاء عن الشئ: أي كشفته عنه. والنسناس: حيوان شبيه بالإنسان (4) يقال: إنه يوجد في بعض بلاد الهند وقال الجوهري: جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة. وأسف: غضب وزنا و معنى. والصلصال قيل: إنه المتغير وقيل: الطين الحر خلط بالرمل، وقيل: الطين اليابس، يصلصل أي يصوت إذا نقر، أو لانه كانت الريح إذا مرت به سمعت له صلصلة وصوت. والحمأ: الطين الأسود. والمسنون: المتغير المنتن. قوله عليه السلام: (وكلتا يديه يمين) قال الجزري: أي أن يديه تبارك وتعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما، لأن الشمال تنقص عن اليمين، وإطلاق هذه الإسماء إنما هو على سبيل المجاز والاستعارة، والله منزه عن التشبه والتجسم انتهى. أقول: يمكن توجيهه بوجوه ثلاثة: الاول: أن يكون المراد باليد القدرة، واليمين كناية عن قدرته على اللطف و الاحسان والرحمة، والشمال كناية عن قدرته على القهر والبلايا والنقمات، والمراد


(1) علل الشرائع 46: وبينهما اختلافات اشرنا إلى بعضها. م (2) في نسخة: وكان مر به إبليس. (3) تفسير القمى: 34. م (4) قال الجزوى في النهاية: في حديث أبى هريرة: ذهب الناس وبقى النسناس. قيل: هم يأجوج ومأجوج، وقيل: خلق على صورة الناس أشبهوهم في شئ وخالفوهم في شئ وليسوا من بنى آدم، ومنه الحديث: ان عادا عصوا رسولهم فمسخهم الله نسناسا لكل زجل منهم يد ورجل من شق واحد ينقرون كما ينقر الطائر ويرعون كما ترعى البهائم. ونونها مكسورة وقد تفتح. قلت: ويمكن أن يكون المراد بهم من كان قبل آدم عليه السلام من الانسان الوحشى الغير المتمدن. [ * ]

[ 107 ]

بكون كل منهما يمينا كون قهره ونقمته وبلائه أيضا " لطفا " وخيرا " ورحمة. والثاني: أن يكون المراد على هذا التأويل أيضا " أن كلا منهما كامل في ذاته لا نقص في شئ منهما. والثالث أن يكون المراد بيمينه يمين الملك الذي أمره بذلك، وبكون كلتا يديه يمينا " مساواة قوة يديه وكمالهما. (1) وسلالة الشئ: ما انسل منه واستخرج بجذب ونزع. قوله عليه السلام: (فأبروها) يمكن أن يكون مهموزا " من برأه الله أي خلقه، وجاء غير المهموز أيضا " بهذا المعنى فيكون مجازا "، أي اجعلوها مستعدة للخلق كما في قوله: انشؤوها، ويحتمل أن يكون من البري بمعنى النحت كناية عن التفريق، أو من التأبير من قولهم: أبر النخل أي أصلحه، والمراد بالريح السوداء، وبالمرة الصفراء أو بالعكس، أو المراد بالريح الروح الحيواني وبالمرة الصفراء والسوداء معا "، إذ تطلق عليهما، وتكرار حب النساء لمدخليتهما معا " فيه، وليس في بعض النسخ الأخير، وفي بعضها " حب الفساد " وهو أصوب، وقد مر بيان الطينة ومعناها في كتاب العدل، وسيأتي توضيح سائر ما يستشكل منه عن قريب إن شاء الله تعالى. 12 - ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام: لم سمي آدم آدم ؟ قال: لأنه خلق من أديم الأرض. (2) 13 - ن، لى: قد مر في خبر الحسين بن خالد، (3) عن الرضا عليه السلام قال: كان نقش خاتم آدم عليه السلام " لا إله إلا الله محمد رسول الله " هبط به معه من الجنة. (4) 14 - نوادر الراوندي: بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أهل الجنة ليست لهم كنى إلا آدم عليه السلام فإنه يكنى بأبي محمد توقيرا " وتعظيما ". (5)


(1) في المطبوع: ويكون كلتا يديه يمينا لمساوات قوة يديه وكمالهما. (2) علل الشرائع: 198. عيون الاخبار: 134. م (3) في الحديث الاول من الباب الثاني. (4) عيون الاخبار: 217. امالي الصدوق: 274 وليس فيه كلمة < < من الجنة > >. (5) النوادر: 9. [ * ]

[ 108 ]

15 - ب: هارون، عن ابن زياد، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام إن روح آدم عليه السلام لما امرت أن تدخل فيه فكرهته فأمرها أن تدخل كرها " وتخرج كرها ". 16 - ع: الدقاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لأي علة خلق الله عزوجل آدم عليه السلام من غير أب وام، وخلق عيسى من غير أب ؟ وخلق سائر الناس من الآباء والامهات فقال: ليعلم الناس تمام قدرته وكمالها، ويعلموا أنه قادر على أن يخلق خلقا " من انثى من غير ذكر، كما هو قادر على أن يخلقه من غير ذكر ولا انثى، وأنه عزوجل فعل ذلك ليعلم أنه على كل شئ قدير. (1) 17 - ع: علي بن حبشي بن قوني، عن حميد بن زياد، عن القاسم بن إسماعيل، عن محمد بن سلمة، عن يحيى بن أبي العلاء الرازي أن رجلا " دخل على أبي عبد الله عليه السلام فقال: جعلت فداك أخبرني عن قول الله عزوجل: " ن والقلم وما يسطرون " وأخبرني عن قول الله عزوجل لإبليس: " فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " وأخبرني عن هذا البيت كيف صار فريضة على الخلق أن يأتوه ؟ قال: فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إليه و قال: ما سألني عن مسألتك أحد قط قبلك، إن الله عزوجل لما قال للملائكة: " إني جاعل في الأرض خليفة " ضجت الملائكة (2) من ذلك وقالوا: يا رب إن كنت لابد جاعلا " في أرضك خليفة فاجعله منا من يعمل في خلقك بطاعتك، فرد عليهم " إني أعلم ما لا تعلمون " فظنت الملائكة أن ذلك سخط من الله عزوجل عليهم، فلاذوا بالعرش يطوفون به، فأمر الله عزوجل لهم ببيت من مرمر سقفه ياقوتة حمراء، وأساطينه الزبرجد، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يدخلونه بعد ذلك إلى يوم الوقت المعلوم، قال: ويوم الوقت المعلوم يوم ينفخ في الصور نفخة واحدة، فيموت إبليس ما بين النفخة الاولى والثانية. وأما (نون) فكان نهرا " في الجنة أشد بياضا " من الثلج وأحلى من العسل، قال الله عزوجل له: كن مدادا "، فكان مدادا "، ثم أخذ شجرة فغرسها بيده - ثم قال: واليد: القوة، وليس


(1) علل الشرائع: 17. م (2) في المصدر: فضجت. م [ * ]

[ 109 ]

بحيث تذهب إليه المشبهة - ثم قال لها: كوني قلما "، ثم قال له: اكتب، فقال: يا رب وما أكتب ؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة، ففعل ذلك، ثم ختم عليه وقال: لا تنطقن إلى يوم الوقت المعلوم. (1) 18 - فس: " خلق الإنسان من عجل " قال: لما أجرى الله الروح من قدميه فبلغت إلى ركبتيه أراد أن يقوم فلم يقدر، فقال الله عزوجل: " خلق الإنسان من عجل ". (2) 19 - ع: الدقاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن عمه النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سميت المرأة مرأة لأنها خلقت من المرء، يعني خلقت حواء من آدم. (3) 20 - ع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل قال: سمي النساء نساء " لأنه لم يكن لآدم أنس غير حواء. (4) بيان: كأنه مبني على القلب أو على الاشتقاق الكبير. 21 - ل: عن أبي لبابة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: خلق الله آدم في يوم الجمعة. أقول: سيجئ الخبر بتمامه في فضائل الجمعة. 22 - ع: الدقاق، عن الأسدي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام أسأله عن علة الغائط ونتنه، قال: إن الله عزوجل خلق آدم عليه السلام وكان جسده طيبا "، وبقي أربعين سنة ملقى تمر به الملائكة فتقول: لأمر ما خلقت وكان إبليس يدخل في فيه، (5) ويخرج من دبره، فلذلك صار ما في جوف آدم عليه السلام منتنا " خبيثا " غير طيب. (6) 23 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن حديد، عن ابن أبى عمير، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام أنه سئل عن ابتداء الطواف، فقال: إن الله تبارك


(1) علل الشرائع: 140. م (2) تفسير القمى: 429. م (3) علل الشرائع: 17. ويأتى عن قريب أنها خلقت من فاضل طينته، وسيأتى بعد الخبر 46 بيان من المصنف حول روايات تدل على انها خلقت من ضلعه الايسر. (4) علل الشرائع: 17. والانس: من تأنس به. (5) في نسخة: يدخل من فيه. (6) علل الشرائع: 101. م [ * ]

[ 110 ]

وتعالى لما أراد خلق آدم عليه السلام قال " للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " فقال ملكان من الملائكة: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " فوقعت الحجب فيما بينهما وبين الله عزوجل، وكان تبارك وتعالى نوره ظاهرا " للملائكة، فلما وقعت الحجب بينه وبينهما علما أنه سخط قولهما، فقالا للملائكة: ما حيلتنا ؟ وما وجه توبتنا ؟ فقالوا: ما نعرف لكما من التوبة إلا أن تلوذا بالعرش، قال: فلاذا بالعرش حتى أنزل الله عزوجل توبتهما ورفعت الحجب فيما بينه وبينهما، وأحب الله تبارك وتعالى أن يعبد بتلك العبادة فخلق الله البيت في الأرض وجعل على العباد الطواف حوله، وخلق البيت المعمور في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. (1) بيان: المراد بنوره تعالى إما الأنوار المخلوقة في عرشه، أو أنوار الأئمة صلوات الله عليهم، أو أنوار معرفته وفيضه وفضله، فالمراد بالحجب على الأخير الحجب المعنوية. 24 - ع، ن: في علل محمد بن سنان قال: كتب الرضا عليه السلام إليه: علة الطواف بالبيت أن الله تبارك وتعالى قال للملائكة: " إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " فردوا على الله تبارك وتعالى هذا الجواب، فعلموا أنهم أذنبوا فندموا فلاذوا بالعرش واستغفروا، فأحب الله عزوجل أن يتعبد بمثل ذلك العباد، فوضع في السماء الرابعة بيتا " بحذاء العرش يسمى الضراح، ثم وضع في السماء الدنيا بيتا " يسمى المعمور بحذاء الضراح، ثم وضع البيت بحذاء البيت المعمور، ثم أمر آدم عليه السلام فطاف به، فتاب الله عليه وجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة. (2) 25 - ع: علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين، عن الحسين بن الوليد، عن حنان بن سدير، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: قلت لأبي: لم صار الطواف سبعة أشواط ؟ قال: لان الله تبارك وتعالى قال للملائكة: " إني جاعل في الأرض خليفة " فردوا على الله تبارك وتعالى " وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " قال الله: " إني أعلم ما لا تعلمون " وكان لا يحجبهم عن نوره، فحجبهم عن نوره سبعة آلاف عام، فلاذوا بالعرش سبعة آلاف سنة، فرحمهم وتاب عليهم وجعل لهم البيت


(1) علل الشرائع: 140. م (2) علل الشرائع: 141، عيون الاخبار: 242. م [ * ]

[ 111 ]

المعمور الذي في السماء الرابعة فجعله مثابة وأمنا " ووضع البيت الحرام تحت البيت المعمور فجعله مثابة للناس وأمنا "، فصار الطواف سبعة أشواط واجبا " على العباد لكل ألف سنة شوطا " واحدا ". (1) بيان: مثابة أي مرجعا "، أو محلا " لحصول الثواب. أقول: سيأتي بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب قوام بدن الإنسان، وقد مر معنى قوله تعالى: " نفخت فيه من روحي " وقول النبي صلى الله عليه وآله: " خلق الله آدم على صورته " في كتاب التوحيد (2) لأنها كانت أنسب بتلك الأبواب، وكذا أوردنا بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب العوالم وما خلق الله قبل آدم عليه السلام. 26 - ل: ابن الوليد عن الصفار، عن ابن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن الحسن ابن ظريف، عن أبي عبد الرحمن، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الآباء ثلاثة: آدم ولد مؤمنا "، والجان ولد كافرا "، وإبليس ولد كافرا "، وليس فيهم نتاج، إنما يبيض ويفرخ، وولده ذكور ليس فيهم إناث. (3) 27 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن إبراهيم بن إسحاق، عن الحسن بن زياد، (4) عن داود الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصرد كان دليل آدم عليه السلام من بلاد سرانديب إلى بلاد جدة شهرا ". الخبر. (5) 28 - ع: بإسناد العلوي، عن أمير المؤمنين عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله سئل كيف صارت الأشجار بعضها مع أحمال وبعضها بغير أحمال ؟ فقال: كلما سبح الله آدم تسبيحة صارت له في الدنيا شجرة مع حمل، وكلما سبحت حواء تسبيحة صارت في الدنيا شجرة من غير حمل. (6) 29 - وسئل مما خلق الله الشعير ؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى أمر آدم عليه السلام أن


(1) علل الشرائع: 141. م (2) تقدم في الباب الثاني من ابواب تأويل الايات راجع ج 3 ص 11 - 15. (3) الخصال ج 1: 73. م (4) في نسخة وفى المصدر: الحسين بن زياد. (5) الخصال ج 1: 159. (6) علل الشرائع: 191. م [ * ]

[ 112 ]

ازرع مما اخترت لنفسك، وجاءه جبرئيل بقبضة من الحنطة، فقبض آدم على قبضة وقبضت حواء على اخرى، فقال آدم لحواء: لا تزرعي أنت، فلم تقبل أمر آدم فكل ما زرع آدم جاء حنطة، وكل من زرعت حواء جاء شعيرا ". (1) 30 - فس: أبي، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن المفضل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " " قال: عهد إليه في محمد صلى الله عليه وآله والأئمة من بعده فترك ولم يكن له عزم فيهم أنهم هكذا، وإنما سموا اولو العزم لأنه عهد إليهم في محمد صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام من بعده (2) والقائم عليه السلام وسيرته، فأجمع عزمهم (3) أن ذلك كذلك والإقرار به. (4) ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم مثله. (5) 31 - فس: أبي، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن بريد العجلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله تبارك وتعالى: " وهو الذي خلق من الماء بشرا " فجعله نسبا " وصهرا " " قال: إن الله تبارك وتعالى خلق آدم من الماء العذب، وخلق زوجته من سنخه، فبرأها من أسفل أضلاعه، (6) فجرى بذلك الضلع بينهما سبب نسب، ثم زوجها إياه فجرى بسبب ذلك بينهما صهر، فذلك قولك: " نسبا " وصهرا " " فالنسب يا أخا بني عجل ما كان من نسب الرجال، والصهر ما كان من سبب النساء. (7) 32 - ص: الصدوق، عن ابن المتوكل وماجيلويه معا عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن عمرو بن عثمان، عن العبقري، عن عمر بن ثابت، عن أبيه، عن حبة العرني، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام من أديم الأرض فمنه السباخ والمالح والطيب، ومن ذريته الصالح والطالح


(1) علل الشرائع: 191 وفى نسخة، فكل ما زرعه آدم جاء حنطة، وكل ما زرعته حواء جاء شعيرا ". (2) في نسخة: والاوصياء من بعده. (3) في نسخة: فأجمعوا عزمهم. (4) تفسير القمى: 424. م (5) علل الشرائع: 52. م (6) راجع بيان المصنف بعد الخبر 46 (7) تفسير القمى: 664. وفيه: بسبب نسب النساء. [ * ]

[ 113 ]

وقال: إن الله تعالى لما خلق آدم ونفخ فيه من روحه نهض ليقوم فقال الله: " وخلق الإنسان عجولا " ". وهذا علامة (1) للملائكة إن من أولاد آدم عليه السلام يكون من يصير بفعله صالحا "، ومنهم من يكون طالحا " بفعله، لا أن من خلق من الطيب لا يقدر على القبيح، ولا أن من خلق من السبخة لا يقدر على الفعل الحسن. (2) بيان: قوله: (وهذا علامة) كلام الراوندي ذكره لتأويل الخبر. 33 - ص: بالإسناد، عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت الملائكة تمر بآدم عليه السلام - أي بصورته - وهو ملقى في الجنة من طين - فتقول: لأمر ما خلقت. (2) 34 - ص: بالإسناد، عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن القبضة التي قبضها الله تعالى من الطين الذي خلق آدم عليه السلام منه أرسل الله إليها جبرئيل أن يأخذ منها إن شاء، فقالت الأرض: أعوذ بالله أن تأخذ مني شيئا "، فرجع فقال: يا رب تعوذت بك، فأرسل الله تعالى إليها إسرافيل وخيره فقالت مثل ذلك فرجع، فأرسل الله إليها ميكائيل وخيره أيضا " فقالت مثل ذلك فرجع، فأرسل الله إليها ملك الموت فأمره على الحتم، فتعوذت بالله أن يأخذ منها فقال ملك الموت: و أنا أعوذ بالله أن أرجع إليه حتى آخذ منك قبضة، وإنما سمي آدم لأنه اخذ من أديم الأرض (4). 35 - وقال: إن الله تعالى خلق آدم من الطين، وخلق حواء من آدم، فهمة الرجال الأرض، وهمة النساء الرجال، وقيل: أديم الأرض: أدنى الأرض الرابعة إلى اعتدال لأنه خلق وسط بين الملائكة والبهائم. (5) 36 - ص: بالإسناد عن الصدوق بإسناده عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: لما بكى آدم عليه السلام على الجنة وكان رأسه في باب من أبواب السماء وكان يتأذى بالشمس فحط من قامته. (6)


(1) أي خلقه من السباخ والمالح والطيب علامة. (2 - 3 - 4 - 5 - 6) قصص الأنبياء مخطوط. م [ * ]

[ 114 ]

37 - وقال: إن آدم عليه السلام لما اهبط من الجنة وأكل من الطعام وجد في بطنه ثقلا "، فشكا ذلك إلى جبرئيل عليه السلام فقال: يا آدم فتنح فنحاه فأحدث وخرج منه الثقل. (1) 38 - ص: بالأسناد عن الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن القاسم بن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أتى آدم هذا البيت ألف أتية على قدمين (2) منها سبعمائة حجة و ثلاثماتة عمرة. (3) 39 - ص: المرتضى بن الداعي، عن جعفر الدوريستي، عن أبيه، عن الصدوق، عن الحسين بن محمد بن سعيد، عن فرات بن إبراهيم، عن الحسن بن الحسين، عن إبراهيم بن الفضل، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن سهل بن سنان، عن أبي جعفر بن محمد الطائفي عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق، عن الواقدي، عن الهذيل، عن مكحول، عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أن خلق الله تعالى آدم وقفه بين يديه فعطس فألهمه الله أن حمده، فقال: يا آدم أحمدتني، فوعزتي وجلالي لولا عبدان اريد أن أخلقهما في آخر الزمان ما خلقتك، قال آدم: يا رب بقدرهم عندك ما اسمهم ؟ (4) فقال تعالى: يا آدم انظر نحو العرش، فإذا بسطرين من نور أول السطر: " لا إله إلا الله محمد نبي الرحمة وعلي مفتاح الجنة " والسطر الثاني: " آليت على نفسي أن أرحم من والاهما واعذب من عاداهما ". (5) 40 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار، عن الفزاري، عن محمد بن عمران، عن اللؤلوئي، عن ابن بزيع، عن ابن ظبيان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اجتمع ولد آدم في بيت فتشاجروا، فقال بعضهم: خير خلق الله أبونا آدم، وقال بعضهم: الملائكة المقربون وقال بعضهم: حملة العرش، إذ دخل عليهم هبة الله فقال بعضهم: لقد جاءكم من يفرج عنكم


(1) قصص الانبياء مخطوط. م (2) في نسخة: على قدميه. م (3) قصص الانبياء مخطوط. م (4) في النسخة المخطوطة: بقدرهما عندك ما اسمهما. ظ (5) قصص الانبياء مخطوط. م [ * ]

[ 115 ]

فسلم ثم جلس فقال: في أي شئ كنتم ؟ فقالوا: كنا نفكر في خير خلق الله فأخبروه، فقال: اصبروا لي قليلا " حتى أرجع إليكم، فأتى أباه فقال: يا أبت إني دخلت على إخوتي وهم يتشاجرون في خير خلق الله فسألوني فلم يكن عندي ما اخبرهم، فقلت: اصبروا حتى أرجع إليكم فقال آدم عليه السلام: يا بني وقفت بين يدي الله جل جلاله فنظرت إلى سطر على وجه العرش مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم محمد وآل محمد خير من برأ الله. (1) 41 - ص: بالإسناد إلى الصدوق عن علي بن عبد الله الأسواري، عن علي بن أحمد عن محمد، عن محمد بن ميمون، عن الحسن، عن ابي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أباكم كان طوالا " كالنخلة السحوق ستين ذراعا ". (2) بيان: قال الجوهري: الطوال بالضم الطويل، فإذا أفرط في الطول قيل: طوال بالتشديد. وقال: السحوق من النخل: الطويلة. انتهى. أقول: هذا الخبر عامي، وعلي تقدير صحته يمكن الجمع بينه وبين ما سيأتي باختلاف الأذرع، وسيظهر لك عند إيراد ذلك الخبر بعض الوجوه، وأما ما قيل: إن ستين ذراعا " صفة للنخلة والتشبيه في أصل الطول لا في مقداره فلا يخفى بعده. 42 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب قال: إن الله تعالى خلق حواء من فضل طينة آدم على صورته، وكان ألقى عليه النعاس وأراه ذلك في منامه، وهي أول رؤيا كانت في الأرض فانتبه وهي جالسة عند رأسه فقال عزوجل: يا آدم ما هذه الجالسة ؟ قال: الرؤيا التي أريتني في منامي، فأنس وحمد الله، فأوحى الله تعالى إلى آدم: أني أجمع لك العلم كله في أربع كلمات: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، و واحدة فيما بينك وبين الناس، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا "، وأما التي لك فاجزيك بعملك أحوج ما تكون إليه، وأما التي فيما بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي فيما بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك. (3) 43 - شى: عن محمد بن عيسى العلوي، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليه السلام


(1 و 2 و 3) قصص الانبياء مخطوط. م [ * ]

[ 116 ]

قال: خلقت حواء من قصيرا جنب آدم - والقصيرا هو الضلع الأصغر - وأبدل الله مكانه لحما ". (1) 44 - وبإسناده عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: خلقت حواء من جنب آدم وهو راقد. (2) 45 - شى: عن أبي علي الواسطي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله خلق آدم من الماء والطين، فهمة آدم في الماء والطين، وإن الله خلق حواء من آدم فهمة النساء في الرجال، فحصنوهن في البيوت. (3) 46 - شى: عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: من أي شئ خلق الله حواء ؟ فقال: أي شئ يقول هذا الخلق ؟ قلت: يقولون: إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم، فقال: كذبوا، كان يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه ؟ فقلت: جعلت فداك يابن رسول الله من أي شئ خلقها ؟ فقال: أخبرني أبي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله: إن الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه - وكلتا يديه يمين - فخلق منها آدم، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء. (4) بيان: فالأخبار السابقة إما محمولة على التقية أو على أنها خلقت من طينة ضلع من أضلاعه (5) وقال بعض أصحاب الأرثما طيق: إن عدد التسعة بمنزلة آدم، فإن للآحاد نسبة الابوة إلى سائر الأعداد، والخمسة بمنزله حواء، فإنها التي يتولد منها، فإن كل عدد فيه خمسة إذا ضرب فيما فيه الخمسة فلابد من وجود الخمسة بنفسها في حال الضرب البتة وقالوا في قوله تعالى: " طه ": إشارة إلى آدم وحواء، وكل من هذين العددين إذا جمع من الواحد إليه على النظم الطبيعي اجتمع ما يساوي عدد الاسم المختص له فإذا جمعنا من الواحد إلى التسعة كان خمسة وأربعين وهو عدد آدم، وإذا جمعنا من الواحد إلى الخمسة كان خمسة عشر وهي عدد حواء، وقد تقرر في الحساب أنه إذا ضرب عدد في عدد يقال لكل من المضروبين ضلعا " وللحاصل مربعا "، وإذا ضربنا الخمسة والتسعة حصل خمسة وأربعون، وهي عدد آدم وضلعاه الخمسة والتسعة، قالوا: وما ورد في لسان الشارع صلى الله عليه وآله


(1 و 2 و 3 و 4) تفسير العياشي مخطوط. م (5) النسخة المخطوطة خلت من قوله: < < وقال بعض > > إلى الخبر الاتى. [ * ]

[ 117 ]

من قوله: خلقت من الضلع الأيسر لآدم إنما ينكشف سره بما ذكرناه، فإن الخمسة هي الضلع الأيسر للخمسة والأربعين والتسعة الضلع الأكبر، والأيسر من اليسر وهو القليل لا من اليسار. 47 - شى: عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام وما علم الملائكة بقولهم: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " لولا أنهم قد كانوا رأوا من يفسد فيها ويسفك الدماء. (1) 48 - م: قوله عزوجل: " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة * قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " قال الإمام: لما قيل لهم: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا " " الآية، قالوا: متى كان هذا ؟ فقال الله عزوجل: " وإذ قال ربك " ابتدائي هذا الخلق أي ما في الأرض جميعا " لكم حين قل ربك للملائكة الذين كانوا في الأرض مع إبليس وقد طردوا عنها الجن بني الجان وحقت العبادة: " إني جاعل في الأرض خليفة " بدلا " منكم، ورافعكم منها، فاشتد ذلك عليهم لأن العبادة عند رجوعهم إلى السماء تكون أثقل عليهم فقالوا ربنا " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " كما فعلته الجن بنو الجان الذين قد طردناهم عن هذه الأرض " ونحن نسبح بحمدك " ننزهك عما لا يليق بك من الصفات " ونقدس لك " نطهر أرضك ممن يعصيك، قال الله تعالى: " إني أعلم ما لا تعلمون " إني أعلم من الصلاح الكائن فيمن أجعلهم بدلا " منكم ما لا تعلمون، وأعلم أيضا " أن فيكم من هو كافر في باطنه ما لا تعلمونه وهو إبليس - لعنه الله - تم قال: " وعلم آدم الأسماء كلها " أسماء أنبياء الله وأسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطييبين من آلهما، وأسماء رجال من خيار شيعتهم وعصاة أعدائهم " ثم عرضهم " عرض محمدا " وعليا " والأئمة " على الملائكة "


(1) تفسير العياشي مخطوط. م [ * ]

[ 118 ]

أي عرض أشباحهم وهم أنوار في الأظلة (1) " فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " أن جميعكم تسبحون وتقدسون، وأن ترككم ههنا أصلح من إيراد من بعدكم، أي فكما لم تعرفوا غيب من في خلالكم فبالحري أن لا تعرفوا الغيب الذي لم يكن كما لا تعرفون أسماء أشخاص ترونها، قالت الملائكة: " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " العليم بكل شئ، الحكيم المصيب في كل فعل، فقال الله تعالى: " يا آدم " أنبئ هؤلاء الملائكة " باسمائهم " أسماء الأنبياء والأئمة عليهم السلام " فلما أنبأهم " عرفوها أخذ عليهم العهد والميثاق (2) بالإيمان بهم والتفضيل لهم، قال الله تعالى عند ذلك: " ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض " سرهما " وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " ما كان يعتقده إبليس من الإباء على آدم إذا مر بطاعته وإهلاكه إن سلط عليه، ومن اعتقادكم أنه لا أحد يأتي بعدكم إلا وأنتم أفضل منه، بل محمد وآله الطيبون أفضل منكم الذين أنبأكم آدم بأسمائهم. بيان: قوله عليه السلام: (ابتدائي هذا الخلق) يدل على أن هذا غير ما خلقه الله في بدء الخلق عند خلق السماء والأرض، وينافيه ظاهرا قوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء " وتوجيهه أنه يمكن أن يكون على هذا المراد بتسوية السماوات تعميرها وتدبيرها وإسكان الملائكة فيها بعد رفعهم عن الأرض وبه يظهر وجه لرفع ما يتوهم من التنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى: " والأرض بعد ذلك دحاها " وسيأتي تحقيقه في كتاب السماء والعالم. 49 - شى: عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: إن الله لما خلق آدم فكان أول ما خلق عيناه، فجعل ينظر إلى جسده كيف يخلق، فلما حانت (3) ولم يتبالغ الخلق في رجليه (4) أراد القيام فلم يقدر، وهو قول الله: " خلق الإنسان عجولا " " وإن الله لما خلق


(1) في نسخة: وهى أنوار في الاظلة. (2) في نسخة: فعرفوها. وفى نسخة: أخذ لهم العهد والميثاق. وفى المصدر: أخذ عليهم لهم العهد والميثاق. (3) حان الشئ: قرب وقته. (4) في نسخة: وإن لم يتبالغ الخلق في رجليه. [ * ]

[ 119 ]

آدم ونفخ فيه لم يلبث أن تناول عنقودا " فأكله. (1) 50 - شى: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما خلق الله آدم نفخ فيه من روحه وثب ليقوم قبل أن يستتم خلقه فسقط، فقال الله عزوجل: " خلق الإنسان عجولا " ". (2) ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام مثله إلا أن فيه: قبل أن تستتم فيه الروح. (3) 51 - شى: عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن إبليس أكان من الملائكة ؟ وهل كان يلي من أمر السماء شيئا " ؟ قال: لم يكن من الملائكة، ولم يكن يلي من السماء شيئا "، كان من الجن وكان مع الملائكة، وكانت الملائكة تراه أنه منها، وكان الله يعلم أنه ليس منها، فلما امر بالسجود كان منه الذي كان. (4) 52 - شى: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أمر الله إبليس بالسجود لآدم مشافهة "، فقال: وعزتك لئن أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنك عبادة ما عبدها خلق من خلقك. (5) 53 - وفي رواية اخرى عن هشام عنه عليه السلام: ولما خلق الله آدم قبل أن ينفخ فيه الروح كان إبليس يمر به فيضربه برجله فيدب فيقول إبليس: لأمر ما خلقت. (6) 54 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي عباد عمران ابن عطية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أبي عليه السلام وأنا في الطواف إذ أقبل رجل سرحب (7) من الرجال - فقلت: وما السرحب (8) أصلحك الله ؟ فقال: الطويل - فقال: السلام عليكم وأدخل رأسه بيني وبين أبي، قال: فالتفت إليه أبي وأنا فرددنا عليه السلام ثم قال: أسألك


(1 و 2) تفسير العياشي: مخطوط. م (3) امالي ابن الشيخ: 58. وفيه: قبل ان يتم فيه الروح. م (4 و 5 و 6) تفسير العياشي مخطوط. م (7) السرحوب: الطويل المتناسب الاعضاء. (8) في المصدر: شرحب من الرجال فقلت وما الشرحب اه‍. قال الفيروز آبادى: الشرحب: الطويل. م [ * ]

[ 120 ]

رحمك الله ؟ فقال له أبي: نقضي طوافنا ثم تسألني، فلما قضى أبي الطواف دخلنا الحجر فصلينا الركعات نم التفت فقال: أين الرجل يا بني ؟ فإذا هو وراءه قد صلى، فقال: ممن الرجل ؟ فقال: من أهل الشام، فقال: ومن أي أهل الشام ؟ فقال: ممن يسكن بيت المقدس، فقال: قرأت الكتابين، قال: نعم، قال: سل عما بدالك، فقال: أسألك عن بدء هذا البيت، وعن قوله: " ن والقلم وما يسطرون " وعن قوله: " والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " فقال: يا أخا أهل الشام اسمع حديثنا ولا تكذب علينا، فإن من كذب علينا في شئ فإنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، (1) ومن كذب على رسول الله فقد كذب على الله، ومن كذب على الله عذبه الله عزوجل، أما بدؤ هذا البيت نإن الله تبارك وتعالى قال للملائكة " إني جاعل في الأرض خليفة " فردت الملائكة على الله عزوجل، فقالت: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " فأعرض عنها فرأت أن ذلك من سخطه فلاذت بعرشه، فأمر الله ملكا " من الملائكة أن يجعل له بيتا في السماء السادسة (2) يسمى الضراح بإزاء عرشه فصيره لاهل السماء يطوفون به، يطوف به سبعون ألف ملك في كل يوم لا يعودون ويستغفرون، فلما أن هبط آدم إلى الدنيا أمره بمرمة هذا البيت وهو بإزاء ذلك، فصيره لآدم وذريته كما صير ذلك لأهل السماء، قال: صدقت يابن رسول الله. (2) 55 - أقول: قال السيد بن طاوس في كتاب سعد السعود: من صحائف إدريس النبي عليه السلام قال في صفة خلق آدم: إن الأرض عرفها الله جل جلاله (4) أنه يخلق منها خلقا "، فمنهم من يطيعه ومن يعصيه، فاقشعرت الأرض واستعطفت الله، وسألته لا يأخذ عنها من يعصيه ويدخل النار، وأن جبرئيل أتاها ليأخذ منها طينة آدم عليه السلام


(1) في نسخة: فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) تقدم في الخبر 23 و 24: أنه في السماء الرابعة. (3) فروع الكافي ج 1: 215 - 216. وتقدم الحديث مشروحا بطريق آخر تحت رقم 16 ولعله أضبط من هذا. (4) في المصدر بعد ذلك: < < ولعله بلسان الحال > > والظاهر انه من كلام السيد ولهذا لم يذكره المصنف. م [ * ]

[ 121 ]

فسألته بعزة الله أن لا يأخذ منها شيئا " حتى تتضرع إلى الله تعالى وتضرعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها، فأمر الله ميكائيل فاقشعرت وتضرعت وسألت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها، فأمر الله إسرافيل بذلك فاقشعرت وسألت وتضرعت فأمره الله بالانصراف عنها، فأمر عزرائيل فاقشعرت وتضرعت فقال: قد أمرني ربي بأمر أنا ماض له، سرك ذاك أم ساءك، فقبض منها كما أمر الله، ثم صعد بها إلى موقفه فقال الله له: كما وليت قبضها من الأرض وهي كارهة كذلك تلي قبض أرواح كل من عليها وكل ما قضيت عليه الموت من اليوم إلى يوم القيامة، فلما كان صباح يوم الأحد الثاني اليوم الثامن من خلق الدنيا فأمر الله ملكا " فعجن طينة آدم فخلط بعضها ببعض، ثم خمرها أربعين سنة، ثم جعلها لازبا "، (1) ثم جعلها حمأ مسنونا أربعين سنة، ثم جعلها صلصالا " (2) كالفخار أربعين سنة، ثم قال للملائكة بعد عشرين ومائة سنة مذ خمر طينة آدم: " إنى خالق بشرا " من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " فقالوا: نعم، فقال في الصحف ما هذا لفظه: فخلق الله آدم على صورته التي صورها في اللوح المحفوظ. يقول علي بن طاوس: فأسقط بعض المسلمين بعض هذا الكلام وقال: (إن الله خلق آدم على صورته) فاعتقد الجسم، فاحتاج المسلمون إلى تأويلات الحديث. وقال في الصحف: ثم جعلها جسدا ملقى على طريق الملائكة التي (الذي خ ل) تصعد فيه إلى السماء أربعين سنه. ثم ذكر تناسل الجن وفسادهم، وهرب إبليس منهم إلى الله وسؤاله أن يكون مع الملائكة وإجابة سؤاله، وما وقع من الجن حتى أمر الله إبليس أن ينزل مع الملائكة لطرد الجن فنزل وطردهم عن الأرض التي أفسدوا فيها، وشرح كيفية خلق الروح في أعضاء آدم واستوائه جالسا "، وأمر الله الملائكة بالسجود فسجدوا له إلا إبليس كان من الجن فلم يسجد له. فعطس آدم فقال الله: يا آدم قل: الحمد لله رب العالمين فقال: الحمد لله رب العالمين، قال الله: رحمك الله، لهذا خلقتك لتوحدني وتعبدني وتحمدني وتؤمن بي، ولا تكفر بي ولا تشرك بي شيئا ". (3) اقول: تمامه في كتاب السماء والعالم.


(1) اللازب: اللاصق أي الطين الملتزج المتماسك الذى يلزم بعضه بعضا. (2) تقدم قريبا معنى الصلصال وغيره. (3) سعد السعود 33 - 34. [ * ]

[ 122 ]

56 - نهج: في صفة خلق آدم: ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت، (1) ولاطها بالبلة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء وفضول، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت، لوقت معدود، وأجل معلوم، (2) ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها، (3) وفكر يتصرف بها، (4) وجوارح يختدمها، وأدوات يقلبها، (5) ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل، والأذواق والمشام والألوان والأجناس معجونا " بطينة الألوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة، من الحر والبرد، البلة والجمود و المساءة والسرور، واستأدى الله سبحانه وتعالى الملائكة وديعته لديهم، (6) وعهد وصيته إليهم في الإذعان بالسجود له، والخنوع لتكرمته، (7) فقال سبحانه وتعالى: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس وقبيله اعترتهم الحمية، وغلبت عليهم الشقوة، وتعززوا بخلقة النار، واستوهنوا خلق الصلصال، فأعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة، واستتماما للبلية، وإنجازا " للعدة، فقال: " إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " ثم أسكن سبحانه آدم دارا " أرغد فيها عيشه (8) وآمن فيها محلته، وحذره إبليس وعداوته، فاغتره عدوه نفاسة عليه بدار المقام، ومرافقة الأبرار، فباع اليقين بشكه، والعزيمة بوهنه، واستبدل بالجدل وجلا "، وبالاغترار ندما "، ثم بسط الله سبحانه له في توبته، ولقاه كلمة رحمته، (9) و


(1) في نسخة: حتى خضلت. (2) في المصدر: وأمد معلوم. (3) أي يتحركها في المعقولات. (4) في نسخة: وفكر يتصرف فيها. (5) الادوات: الالات: وتقليبها: تحريكها وتصرفها في العمل بها فيما احتاج إليه. (6) أي طلب منهم أداءها، والوديعة هي عهده إليهم بقوله: < < إنى خالق بشرا " من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين > >. (7) في نسخة: والخشوع لتكرمته. (8) في نسخة: أرغد فيها عيشته. (9) قال ابن ميثم: قال القفال: أصل التلقى في قوله تعالى: < < فتلقى آدم من ربه كلمات > > و قوله: < < ولقاء كلمة رحمته > > هو التعرض للقادم، وضع موضع الاستقبال للمسئ والجانى ثم وضع موضع القبول والاخذ، قال تعالى: < < وانك لتلقى القرآن > > أي تلقنه، ويقال: تلقينا الحاج أي استقبلناهم، وتلقيت هذه الكلمة من فلان أي اخذتها منه، وإذا كان هذا اصل الكلمة وكان من *. [ * ]

[ 123 ]

وعده المرد إلى جنته، فأهبطه إلى دار البلية، وتناسل الذرية. إلى آخر الخطبة. (1) بيان: الحزن بالفتح: المكان الغليظ الخشن. والسهل ضده. وسن الماء صبه من غير تفريق. وخلصت أي صارت طينة خالصة، وفي بعض النسخ (خضلت) بالخاء المعجمة والضاد المعجمة المكسورة أي ابتلت. ولاطها بالبلة أي جعلها ملتصقا بعضها ببعض بسبب البلة. ولزبت بالفتح أي لصقت كما قال تعالى: " إنا خلقناهم من طين لازب " وجبل بالفتح أي خلق. والأحناء: الأطراف جمع حنو بالكسر. (2) والوصول هي الفصول، والاعتبار مختلف. وأجمدها أي جعلها جامدة. وأصلدها أي صيرها صلبة. وصلصلت أي صارت صلصالا ". واللام في قوله عليه السلام: (لوقت) إما متعلق بجبل، أي خلقها لوقت نفخ الصور، أو ليوم القيامة أو بمحذوف أي كائنة لوقت فينفخ حينئذ روحه فيه، ويحتمل أن يكون الوقت مدة الحياة: والأجل منتهاها، أو يوم القيامة، ومثلت بضم الثاء وفتحها أي قامت منتصبا ". وإنسانا " منصوب بالحالية. ويختدمها أي يستخدمها. وقوله عليه السلام: (معجونا ") صفة لقوله: (إنسانا ") أو حال عنه. وطينة الإنسان خلقته وجبلته: ولعل المراد بالالوان الأنواع. واستأدى وديعته، أي طلب أداءها. والخنوع: الذل والخضوع. والمراد بقوله عليه السلام: " وقبيله " إما ذريته بأن يكون له في السماء نسل وذرية وهو خلاف ظواهر الآثار، أو طائفة خلقها الله في السماء غير الملائكة، أو يكون الاسناد إلى القبيل مجازيا " لرضاهم بعد ذلك بفعله. واعترتهم أي غشيتهم. والشقوة بالكسر: نقيض السعادة. والتعزز التكبر. والنظرة بكسر الظاء: التأخير والإمهال. والبلية: الابتلاء. وإنجاز عدته: إعطاؤه ما وعده من الثواب على عبادته، وقيل: قد وعده الله الإبقاء. وأرغد عيشته أي جعلها رغدا "، والرغد من العيش. الواسع الطيب. والمحلة: مصدر قولك حل بالمكان والإسناد مجازي. واغتره أي طلب غفلته وأتاه على غرة وغفلة منه. و نفست عليه الشئ وبالشئ - بالكسر - نفاسة إذا لم تره له أهلا ". ونفست به - بالكسر أيضا " -


تلقى رجلا فتلاقيا لقى كل واحد منهما صاحبه واضيف بالاجتماع إليهما معا فصلح أن يشتركا في الوصف بذلك فكل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال: تلقى آدم من ربه كلمات أي أخذها ورعاها و استقبلها بالقبول ولقاه الله اياها أي ارسلها إليه وواجهه بها. (1) نهج البلاغة: القسم الاول: 22 - 25. (2) أو كل ما فيه اعوجاج من البدن كالضلع. [ * ]

[ 124 ]

أي بخلت به. والمقام بالضم: الإقامة. وقيل في بيع اليقين بالشك وجوه: الأول: أن معيشة آدم في الجنة كانت على حال يعلمها يقينا "، وما كان يعلم كيف يكون معاشه بعد مفارقتها. الثاني: أن ما أخبره الله من عداوة إبليس بقوله: " إن هذا عدو لك ولزوجك " كان يقينا فباعه بالشك في نصح إبليس إذ قال: " إني لكما لمن الناصحين ". الثالث: أن هذا مثل قديم للعرب لمن عمل عملا " لا ينفعه وترك ما ينبغي له أن يفعله. الرابع: أن كونه في الجنة كان يقينا " فباعه بأن أكل من الشجرة فاهبط إلى دار التكليف التي من شأنها الشك في أن المصير منها إلى الجنة أو إلى النار. وجذل كفرح لفظا " ومعنى، وسيتضح لك ما تضمنته الخطبة في الأبواب الآتية. بسط مقال لرفع شبهة واشكال علم أنه أجمعت الفرقة المحقة وأكثر المخالفين على عصمة الملائكة صلوات الله عليهم أجمعين من صغائر الذنوب وكبائرها، وسيأتي الكلام في ذلك في كتاب السماء والعالم، وطعن فيهم بعض الحشوية بأنهم قالوا: (أتجعل) والاعتراض على الله من أعظم الذنوب وأيضا " نسبوا بني آدم إلى القتل والفساد وهذا غيبة وهي من الكبائر، ومدحوا أنفسهم بقولهم: " ونحن نسبح بحمدك " وهو عجب، وأيضا " قولهم: " لا علم لنا إلا ما علمتنا " اعتذار والعذر دليل الذنب، وأيضا قوله: " إن كنتم صادقين " دل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه، وأيضا قوله: " ألم أقل لكم " يدل على أنهم كانوا مرتابين في علمه تعالى بكل المعلومات، وأيضا " علمهم بالإفساد وسفك الدماء إما بالوحي وهو بعيد وإلا لم يكن لإعادة الكلام فائدة، وإما بالاستنباط والظن وهو منهي عنه. واجيب عن اعتراضهم على الله بأن غرضهم من ذلك السؤال لم يكن هو الإنكار و لا تنبيه الله على شئ لا يعلمه، وإنما المقصود من ذلك امور: منها: أن الإنسان إذا كان قاطعا بحكمة غيره ثم رآه يفعل فعلا " لا يهتدي ذلك الإنسان إلى وجه الحكمة فيه استفهم عن ذلك متعجبا "، فكأنهم قالوا: إعطاء هذا النعم

[ 125 ]

العظام من يفسد ويسفك لا تفعله إلا لوجه دقيق وسر غامض، فما أبلغ حكمتك !. ومنها: أن إبداء الإشكال طلبا " للجواب غير محظور، فكأنه قيل: إلهنا أنت الحكيم الذي لا تفعل السفه البتة، وتمكين السفيه من السفه قبيح من الحكيم، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين ؟ أو أن الخيرات في هذا العالم غالبة على شرورها، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير، فالملائكة نظروا إلى الشرور، فأجابهم الله تعالى بقوله: " إني أعلم مالا تعلمون " أي من الخيرات الكثيرة التي لا يتركها الحكيم لأجل الشرور القليلة. ومنها: أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى، فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه. ومنها: أن قولهم: " أتجعل " مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحا "، ونحو قول موسى: " اتهلكنا بما فعل السفهاء منا " أي لا تهلك، فقال تعالى: " إني أعلم ما لا تعلمون " من صلاحكم وصلاح هؤلاء، فبين أنه اختار لهم السماء ولهؤلاء الأرض ليرضى كل فريق بما اختار الله له. ومنها: أن هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول جرير: (ألستم خير من ركب المطايا) أي أنتم كذلك وإلا لم يكن مدحا ": فكأنهم قالوا: إنك تفعل ذلك و نحن مع هذا نسبح بحمدك، لأنا نعلم في الجملة أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة، فقال تعالى: " إني أعلم ما لا تعلمون " فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل، وأنا أعلم ظاهرهم وما في باطنهم من الأسرار الخفية التي يقتضي اتخاذهم. والجواب عن الغيبة أن من أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال، فلذلك ذكروا الفساد والسفك، مع أن المراد أن مثل تلك الإفعال يصدر عن بعضهم، ومثل هذا لا يعد غيبة، ولو سلم فلا نسلم ذلك في حق من لم يوجد بعد، ولو سلم فيكون غيبة للفساق وهي مجوزة، ولو سلم فلا نسلم أن ذكر مثل ذلك لعلام الغيوب يكون محرما "، لاسيما من الملائكة الذين جماعة منهم مأمورون بتفتيش أحوال الخلائق وإثباتها في الصحف وعرضها على الباري جل اسمه.

[ 126 ]

وعن العجب بأن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقا "، كما قال تعالى: " وأما بنعمة ربك فحدث " على أنهم إنما ذكروه لتتمة تقرير الشبهة. وعن الاعتذار بأنه لا يستلزم الذنب بل قد يكون لترك الأولى. ثم إن العلماء ذكروا في إخبار الملائكة عن الفساد والسفك وجوها. منها: أنهم قالوا ذلك ظنا " لما رأوا من حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض، وهو المروي عن ابن عباس والكلبي، ويؤيده ما رويناه عن تفسير الإمام عليه السلام سابقا، أو أنهم عرفوا خلقته وعلموا أنه مركب من الأركان المتخالفة والإخلاط المتنافية الموجبة للشهوة التي منها الفساد والغضب الذي منه سفك الدماء. ومنها أنهم قالوا ذلك على اليقين، لما يروى عن ابن مسعود وغيره أنه تعالى لما قال للملائكة: " إني جاعل في الأرض خليفة " قالوا ربنا: وما يكون الخليفة ؟ قال: تكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضا "، فعند ذلك قالوا: ربنا أتجعل فيها، أو أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها، ويسفك الدماء، (1) أو أنه لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك، أو لأن معنى الخليفة إذا كان النائب عن الله في الحكم والقضاء، والاحتياج (2) إنما يكون عند التنازع والتظالم، كأن الإخبار عن وجود الخليفة إخبار عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام، وقيل: لما خلق الله النار خافت الملائكة خوفا " شديدا " فقالوا: لم خلقت هذه النار ؟ قال: لمن عصاني من خلقي، ولم يكن يومئذ لله خلق إلا الملائكة، فلما قال: " إني جاعل في الأرض خليفة " عرفوا أن المعصية منهم، وجملة القول في ذلك أنه لما ثبت بالنصوص وإجماع الفرقة المحقة عصمة الملائكة لا بد من تأويل ما يوهم صدور المعصية منهم على نحو ما مر في عصمة الأنبياء عليهم السلام. 57 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده عن ابن محبوب، عن مقاتل بن سليمان (3)


(1) في المطبوع: وأسفكوا الدماء. (2) أي والاحتياج بوجود الخليفة. (3) الحديث ضعيف بمقاتل بن سليمان، والرجل هو مقاتل بن سليمان بن بشير الازدي الخراساني ابو الحسن البلخى المفسر نزيل مرو، يقال له ابن دوال دوز، عدوه أصحابنا في كتبهم الرجالية من البترية ومن العامة، ورماه العامة بالكذب والتجسيم، راجع تقريب ابن حجر ص 505. [ * ]

[ 127 ]

قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: كم كان طول آدم على نبينا وآله وعليه السلام حين هبط به إلى الأرض وكم كانت طول حواء ؟ قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام أن الله عزوجل لما أهبط آدم وزوجته حواء على الأرض كانت رجلاه على ثنية الصفا، (1) ورأسه دون افق السماء وأنه شكا إلى الله ما يصيبه من حر الشمس فصير طوله سبعين ذراعا " بذراعه، وجعل طول حواء خمسة وثلاثين ذراعا " بذراعها. (2) كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب مثله إلى قوله: من حر الشمس، فأوحى الله عزوجل إلى جبرئيل عليه السلام: أن آدم قد شكا " ما يصيبه من حر الشمس، فأغمزه غمزة (3) وصير طوله سبعين ذراعا بذراعه، وأغمز حواء غمزة فصير طولها خمسة و ثلاثين ذراعا " بذراعها. (4) ايضاح: اعلم أن هذا الخبر من مشكلات الأخبار ومعضلات الآثار، والإعضال فيه من وجهين: (5) أحدهما: أن طول القامة كيف يصير سببا للتأذي بحر الشمس ؟ والثاني أن كونه عليه السلام سبعين ذراعا " بذراعه يستلزم عدم استواء خلقته على نبينا وآله وعليه السلام، وأن يتعسر بل يتعذر عليه كثير من الأعمال الضرورية. والجواب عن الأول بوجهين: الأول: أنه يمكن أن يكون للشمس حرارة من غير جهة الانعكاس أيضا "، ويكون قامته طويلة جدا بحيث تتجاوز الطبقة الزمهريرية ويتأذى من تلك الحرارة، ويؤيده ما اشتهر من قصة عوج بن عناق أنه كان يرفع السمك إلى عين الشمس ليشويه بحرارتها. والثاني: أنه لطول قامته كان لا يمكنه الاستظلال ببناء ولا جبل ولا شجر، فكان يتأذى من حرارة الشمس لذلك. وأما الثاني فقد اجيب عنه بوجوه: الأول: ما ذكره بعض الأفاضل أن استواء


(1) أي منعطفه، وهو منحناه ومنعرجه، (2) قصص الانبياء مخطوط. م (3) غمزه: جسه وكبسه بيده أي مسه بيده ولينه. (4) الروضة: 233. م (5) بل من ثلاثة أوجه، والوجه الثالث أن قامته كيف صار قصيرا وما كان غمز جبرئيل. [ * ]

[ 128 ]

الخلقة ليس منحصرا " فيما هو معهود الآن، فإن الله تعالى قادر على خلق الإنسان على هيئات اخر كل منها فيه استواء الخلقة، وذراع آدم على نبينا وآله وعليه السلام يمكن أن يكون قصيرا " مع طول العضد، وجعله ذا مفاصل، أو لينا بحيث يحصل الارتفاق به والحركة كيف شاء. الثاني: ما ذكره أيضا " وهو أن يكون المراد بالسبعين سبعين قدما " أو شبرا "، وترك ذكرهما لشيوعهما، والمراد الأقدام والأشبار المعهودة في ذلك الزمان، فيكون قوله: ذراعا " بدلا " من السبعين، بمعنى أن طوله الآن وهو السبعون بقدر ذراعه قبل ذلك، وفائدته معرفة طوله أولا " فيصير أشد مطابقة للسؤال كما لا يخفى. وأما ما ورد في حواء عليه السلام فالمعنى أنه جعل طولها خمسة وثلاثين قدما " بالأقدام المعهودة، وهي ذراع بذراعها الأول، فيظهر أنها كانت على النصف من آدم. الثالث: ما ذكره أيضا " وهو أن يكون سبعين بضم السين تثنية سبع أي صير طوله بحيث صار سبعي الطول الأول، والسبعان ذراع، فيكون الذراع بدلا " أو مفعولا " بتقدير أعني، وكذا في حواء حعل طولها خمسه بضم الخاء، أي خمس ذلك الطول، وثلثين تثنية ثلث، أي ثلثي الخمس، فصارت خمسا " وثلثي خمس، وحينئذ التفاوت بينهما قليل إن كان الطولان الأولان متساويين، وإلا فقد لا يحصل تفاوت، ويحتمل بعيدا عود ضمير خمسه وثلثيه إلى آدم، والمعنى أنها صارت خمس آدم الأول وثلثيه، فتكون أطول منه، أو بعد القصر فتكون أقصر، وفيه أن الخمس وثلثي الخمس يرجع إلى الثلث، ونسبة التعبير عن الثلث بتلك العبارة إلى أفصح الفصحاء بعيد عن العلماء. الرابع: ما يروى عن شيخنا البهائي قدس الله روحه من أن في الكلام استخداما " بأن يكون المراد بآدم حين إرجاع الضمير إليه آدم ذلك الزمان من أولاده، ولا يخفى بعده عن استعمالات العرب ومحاوراتهم، مع أنه لا يجري في حواء إلا بتكلف ركيك، ولعل الرواية غير صحيحة. الخامس: ما خطر بالبال بأن تكون إضافة الذراع إليهما على التوسعة والمجاز، بأن نسب ذراع صنف آدم عليه السلام إليه، وصنف حواء إليها، أو يكون الضميران راجعين إلى الرجل والمرأة بقرينة المقام.

[ 129 ]

السادس: ما حل ببالي أيضا " وهو أن يكون المراد الذراع الذي وضعه عليه السلام لمساحة الأشياء وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الذراع الذي عمله آدم على نبينا و آله وعليه السلام للرجال غير الذي وضعته حواء للنساء. وثانيهما: أن يكون الذراع واحدا "، لكن نسب في بيان طول كل منهما إليه لقرب المرجع. السابع: ما سمحت به قريحتي أيضا " وإن أتت ببعيد عن الأفهام، وهو أن يكون المعنى، اجعل طول قامته بحيث يكون بعد تناسب الأعضاء طوله الإول سبعين ذراعا " بالذراع الذي حصل له بعد الغمز، فيكون المراد بطوله طوله الأول ونسبة التسيير إليه باعتبار أن كونه سبعين ذراعا " إنما يكون بعد حصول ذلك الذراع، فيكون في الكلام شبه قلب، أي اجعل ذراعه بحيث يصير جزء " من سبعين جزء من قامته قبل الغمز، ومثل هذا قد يكون في المحاورات وليس تكلفه أكثر من بعض الوجوه التي تقدم ذكرها، وبه تظهر النسبة بين القامتين، إذ طول قامة مستوي الخلقة ثلاثة أذرع ونصف تقريبا "، فإذا كان طول قامته الاولى سبعين بذلك الذراع تكون النسبة بينهما نصف العشر، وينطبق الجواب على السؤال، إذ الظاهر منه أن غرض السائل استعلام قامته الاولى، فلعله كان يعرف طول القامة الثانية بما اشتهر بين أهل الكتاب، أو بما روت العامة من ستين ذراعا ". الثامن: أن يكون الباء في قوله: (بذراعه) للملابسة، أي كما قصر من طوله قصر من ذراعه لتناسب أعضائه، وإنما خص بذراعه لأن جميع الأعضاء داخلة في الطول بخلاف الذراع، والمراد حينئذ بالذراع في قوله عليه السلام: سبعين (ذراعا ") إما ذراع من كان في زمن آدم على نبينا وآله وعليه السلام، أو من كان في زمان من صدر عنه الخبر، وهذا وجه قريب. التاسع: أن يكون الضمير في قوله: (بذراعه) راجعا إلى جبرئيل عليه السلام، ولا يخفى بعده وركاكته من وجوه شتى لا سيما بالنظر إلى ما في الكافي. ثم اعلم أن الغمز يمكن أن يكون باندماج الأجزاء وتكاثفها، أو بالزيادة في العرض، أو بتحلل بعض الأجزاء بإذنه تعالى، أو بالجميع، وقد بسطنا الكلام في ذلك في المجلد الآخر من كتاب مرآة العقول.

[ 130 ]

* (باب 2) * * (سجود الملائكة ومعناه ومدة مكثه عليه السلام في الجنة،) * * (وأنها أية جنة كانت، ومعنى تعليمه الاسماء) * الايات، البقرة " 2 " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين 34. الاعرف " 7 " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين * قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين * قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين * قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم و عن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين * قال اخرج منها مذءوما " مدحورا " لمن تبعك منهم لأملان جهنم منكم أجمعين 11 - 18. الحجر " 15 " ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون * والجان خلقناه من قبل من نار السموم * وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا " من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلي يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الأرض ولاغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط علي مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين 26 - 42

[ 131 ]

الاسرى " 17 " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ءأسجد لمن خلقت طينا * قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيمة لأحتنكن ذريته إلا قليلا " * قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا " * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا " 61 - 65. الكهف " 18 " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه 5. ص " 38 " إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا " من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين * قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلي يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين 71 - 85. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة " بعد ذكر ما سيأتي من الخلاف في معنى السجود وحقيقة إبليس وأن المأمورين هل كانوا كل الملائكة أو بعضهم واختار الأول: روي عن ابن عباس أن الملائكة كانت تقاتل الجن فسبي إبليس وكان صغيرا " وكان مع الملائكة فتعبد معها بالأمر بالسجود لآدم فسجدوا وأبى إبليس فلذلك قال الله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " وروى مجاهد وطاوس عنه أيضا " أنه كان إبليس قبل أن يرتكب المعصية ملكا " من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان سكان الأرض من الملائكة يسمون الجن، ولم يكن من الملائكة أشد اجتهادا " وأكثر علما " منه، فلما تكبر على الله وأبى

[ 132 ]

للسجود لآدم وعصاه لعنه وجعله شيطانا وسماه إبليس (1) " وكان من الكافرين " أي كان كافرا " في الأصل، أو كان في علمه تعالى منهم، أو صار منهم. (2) " ولقد خلقناكم ثم صورناكم " أي خلقنا أباكم وصورناه، وقيل: خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره، وقيل: إن الترتيب وقع في الإخبار، أي ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا " ما منعك أن لا تسجد " لا زائدة، أو المعنى: ما دعاك إلى أن لا تسجد ؟ " خلقتني من نار " قال ابن عباس: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، فمن قاس الدين بشئ من رأيه قرنه الله بإبليس، ووجه دخول الشبهة على إبليس أنه ظن أن النار إذا كانت أشرف من الطين لم يجز أن يسجد الأشرف للأدون، وهذا خطأ، (3) لأن ذلك تابع لما يعلم الله سبحانه من مصالح العباد، وقد قيل أيضا ": إن الطين خير من النار، لأنه أكثر منافع للخلق من حيث إن الأرض مستقر الخلق وفيها معائشهم ومنها تخرج أنواع أرزاقهم، والخيرية إنما يراد بها كثرة المنافع " فاهبط " أي انزل وانحدر " منها " أي من السماء، وقيل: من الجنة، وقيل: انزل عما أنت عليه من الدرجة الرفيعة إلى الدرجة الدنية التي هي درجة العاصين " فما يكون لك أن تتكبر " عن أمر الله " فيها " أي الجنة أو في السماء، فإنها ليست بموضع المتكبرين " فاخرج " من المكان الذي أنت فيه، أو المنزلة التي أنت عليها " إنك من الصاغرين " أي من الأذلاء بالمعصية، وهذا الكلام إنما صدر من الله سبحانه على لسان بعض الملائكة، وقيل: إن إبليس رأى معجزة تدله على أن ذلك كلام الله " قال أنظرني " أي أخرني في الأجل " إلى يوم يبعثون " أي من قبورهم للجزاء، قال الكلبي: أراد الخبيث أن لا يذوق الموت في النفخة الاولى، واجيب بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم، وهي النفخة الاولى (4) ليذوق


(1) قال الراغب: الابلاس: الحزن المعترض من شدة اليأس، يقال: أبلس، ومنه اشتق إبليس فيما قيل. (2) مجمع البيان 1: 83. م (3) وأخطأ أيضا حيث ظن أن الفضيلة تكون بواسطة المادة فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، مع أن الفضيلة تكون بما هو منشأ للاثار ومصدر الامور والافعال، وإليه أشار الله تعالى بقوله: (وإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) أضاف الروح إلى نفسه تشريفا وتعظيما له، وإيعازا " إلى أنه الموجب لاستحقاق السجود والتعظيم. (4) أو ظهور المهدى عليه السلام على ما روى. [ * ]

[ 133 ]

الموت بين النفختين وهو أربعون سنة " فبما أغويتني " أي بما خيبتني من رحمتك و جنتك، أو امتحنتني بالسجود لآدم فغويت عنده، أو حكمت بغوايتي، أو أهلكتني بلعنك إياي، ولا يبعد أن يكون إبليس اعتقد أن الله يغوي الخلق ويكون ذلك من جملة ما كان اعتقده من الشر " لأقعدن لهم " أي لأولاد آدم " صراطك المستقيم " أي على طريقك المستوي لأصدهم عنه بالأغواء. " ثم لآتينهم من بين أيديهم " الآية فيه أقوال: أحدها أن المعنى: من قبل دنياهم وآخرتهم، ومن جهة حسناتهم وسيئاتهم، أي ازين لهم الدينا، واشككهم في الآخرة، واثبطهم عن الحسنات، (1) واحبب إليهم السيئات. وثانيها: أن معنى " من بين أيديهم وعن أيمانهم " من حيث يبصرون، و " من خلفهم و عن شمائلهم " من حيث لا يبصرون. وثالثها: ما روي عن أبي جعفر عليه السلام قال: " ثم لآتينهم من بين أيديهم " معناه: اهون عليهم أمر الآخرة " ومن خلفهم " آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم " وعن أيمانهم " افسد عليهم أمر دينهم بتزئين الضلالة وتحسين الشبهة " وعن شمائلهم " بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم " ولا تجد أكثرهم شاكرين " إما أن يكون قال ذلك من جهة الملائكة بإخبار الله إياهم، وإما عن ظن منه كما قال سبحانه: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " (2) فإنه لما استزل آدم ظن أن ذريته أيضا " سيجيبونه لكونهم أضعف منه " مذءوما " " أي مذموما "، أو معيبا "، أو مهانا " لعينا " مدحورا " " أي مطرودا " لأملان جهنم منكم " أي منك ومن ذريتك وكفار بني آدم " أجمعين " (3) " ولقد خلقنا الإنسان " يعني آدم " من صلصال " أي من طين يابس تسمع له عند النقر صلصلة أي صوت، وقيل: طين صلب يخالطه الكثيب، وقيل: منتن " من حمأ " أي


(1) أي أحبسهم وأمنعهم عن الحسنات، يقال: ثبطه المرض وأثبطه: إذا منعه ولم يكد يفارقه. (2) سباء: 20. (3) مجمع البيان 4: 400 - 405. م [ * ]

[ 134 ]

من طين متغير " مسنون " أي مصبوب. كأنه افرغ حتى صار صورة، كما يصب الذهب و الفضة، وقيل: إنه الرطب، وقيل: مصور، عن سيبويه قال: اخذ منه سنة الوجه " والجان " أي إبليس، أو هو أب الجن، وقيل: هم الجن نسل إبليس " من قبل " خلق آدم " من نار السموم " أي من نار لها ريح حارة تقتل، وقيل: نار لا دخان لها والصواعق تكون منها، وقيل: السموم: النار الملتهبة، وأصل آدم كان من تراب وذلك قوله: " خلقه من تراب " ثم جعل التراب طينا "، وذلك قوله: " وخلقته من طين " ثم ترك ذلك الطين حتى تغير واسترخى وذلك قوله: " من حمأ مسنون " ثم ترك حتى جف وذلك قوله: " من صلصال " فهذه الأقوال لا تناقض فيها إذ هي إخبار عن حالاته المختلفة. " بشرا " " يعني آدم وسمي بشرا " لأنه ظاهر الجلد لا يواريه شعر ولا صوف " فإذا سويته " بإكمال خلقه. (1) " ونفخت فيه من روحي " قال البيضاوي: أصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر، ولما كان الروح يتعلق أولا " بالبخار الطيف المنبعث من القلب ويفيض عليه القوة الحيوانية فيسري حاملا " لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعليقه بالبدن نفخا "، وإضافة الروح إلى نفسه للتشريف " فاخرج منها " أي من الجنة أو من السماء، أو زمر الملائكة " فإنك رجيم " مطرود من الخير والكرامة، أو شيطان يرجم بالشهب " وأن عليك اللعنة " هذا الطرد والإبعاد " إلى يوم الدين " فإنه منتهى أمد اللعن، لأنه يناسب أيام التكليف، وقيل: إنما حد اللعن به لانه أبعد غاية تضر بها الناس، أو لأنه يعذب فيه بما ينسي اللعن معه فيصير كالزائل " إلى يوم الوقت المعلوم " المسمى فيه أجلك عند الله أو انقراض الناس كلهم وهو النفخة الاولى، أو يوم القيامة " رب بما أغويتني " الباء للقسم، وما مصدرية، وجوابه " لازينن لهم في الأرض " والمعنى: اقسم بإغوائك إياي لازينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور، وقيل: للسببية، والمعتزلة أولوا الإغواء بالنسبة إلى الغي أو التسبب له بأمره إياه بالسجود، أو بالإضلال عن طريق الجنة، واعتذروا عن إمهال الله تعالى له وهو سبب لزيادة غيه وتسليطه له على بني آدم بأن الله علم منه وممن تبعه أنهم يموتون على الكفر أمهل أو لم يمهل، وإن في إمهاله


(1) مجمع البيان ج 6: 335 - 343. [ * ]

[ 135 ]

تعريضا " لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب. (1) " هذا صراط علي مستقيم " قال الطبرسي فيه وجوه: أحدها: أنه على جهة التهديد له، كما تقول لغيرك: افعل ما شئت وطريقك علي أي لا تفوتني. وثانيها: معناه أن ما تذكره من أمر المخلصين والغاوين طريق ممره علي، أي ممر من سلكه مستقيم لا عدول فيه عني، واجازي كلا من الفريقين بما عمل. وثالثها: هذا دين مستقيم علي بيانه والهداية إليه " ليس لك عليهم سلطان " أي قدرة على إكراههم على المعصية. " إلا من اتبعك " لأنه إذا قبل منه صار عليه سلطان بعدوله عن الهدى إلى ما يدعوه إليه، وقيل: الاستثناء منقطع والمراد: ولكن من اتبعك من الغاوين جعل لك على نفسه سلطانا ". (2) " ءأسجد لمن خلقت طينا " " استفهام إنكار " هذا الذي كرمت " أي فضلته " علي " يعني آدم على نبينا وآله وعليه السلام " لاحتنكن " أي لاغوين " ذريته " وأقودنهم معي إلى المعاصي كما يقاد الدابة بحنكها إذا شد فيه حبل تجر به " إلا قليلا " " وهم المخلصون، وقيل: " لأحتنكنهم " أي لإستولين عليهم، وقيل: لأستأصلنهم بالإغواء من احتناك الجراد الزرع، وهو أن يأكله ويستأصله (3) " واستفزز " الاستفزاز: الازعاج والاستنهاض على خفة وإسراع " بصوتك " أي أضلهم بدعائك ووسوستك، من قولهم: صوت فلان بفلان: إذا دعاه، وهذا تهديد في صورة الإمر، وقيل: بصوتك أي بالغناء والمزامير والملاهي، وقيل: كل صوت يدعى به إلى الفساد فهو من صوت الشياطين " وأجلب عليهم بخيلك ورجلك " الإجلاب: السوق بجلبة وهي شدة الصوت، أي أجمع عليهم ما قدرت عليه من مكائدك وأتباعك و ذريتك وأعوانك، فالباء مزيدة، وكل راكب أو ماش في معصية الله من الانس والجن


(1) أنوار التنزيل: ج 1: 25. (2) مجمع البيان 6: 537 و 538. (3) أضاف الرضى قدس سره في كتابه تلخيص البيان على هذه الوجوه وجوها اخر منها: أن المعنى: لالقين في أحناكهم حلاوة المعاصي حتى يستلذوها ويرغبوا فيها ويطلبوها. ومنها: أن المراد بذلك: لاضيقن عليهم مجارى الانفاس من أحناكهم بابطال الوسوسة لهم وتضاعف الاغواء عليهم، يقال: احتنك فلان فلانا: إذا أخذ مجرى النفس من حنكه، فكان كالشبا في مقتله والشجا في مسعله. واختار من الوجوه الوجه الاول المذكور في المتن. [ * ]

[ 136 ]

فهو من خيل إبليس ورجله، وقيل: هو من أجلب القوم وجلبوا أي صاحوا، أي صح بخيلك ورجلك فاحشرهم عليهم بالإغواء " وشاركهم في الإموال والأولاد " وهو كل مال اصيب من حرام، وكل ولد زنا عن ابن عباس، وقيل: مشاركته في الإموال أنه أمرهم أن يجعلوها سائبة وبحيرة ونحو ذلك، وفي الأولاد أنه هودهم ونصرهم ومجسهم، وقيل: إن المراد بالأولاد تسميتهم عبد شمس وعبد الحارث ونحوهما، وقيل: قتل الموؤودة من أولادهم " وعدهم " ومنهم البقاء (1) وطول الأمل وأنهم لا يبعثون، وكل هذا زجر وتهديد في صورة الأمر " وكفى بربك وكيلا " " أي حافظا " لعباده من الشرك. (2) " كان من الجن " هذا دليل من قال: إنه ليس من الملائكة، وقال الآخرون: أي كان من الذين يستترون عن الأبصار من الجن وهو الستر. (3) " لما خلقت بيدي " أي توليت خلقه بنفسي من غير واسطة، وذكر اليدين لتحقيق الإضافة لخلقه إلى نفسه، وقيل: أي خلقته بقدرتي " أستكبرت أم كنت من العالين " أي أرفعت نفسك فوق قدرك وتعظمت عن امتثال أمري أم كنت من الذين تعلو أقدارهم عن السجود فتعاليت عنه. (4) 1 - م، ج: بالأسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام في خبر طويل يذكر فيه أمر العقبة: إن المنافقين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: أخبرنا عن علي عليه السلام أهو أفضل أم ملائكة الله المقربون ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وهل شرفت ملائكة الله إلا بحبها لمحمد وعلي، وقبولها لولايتهما ؟ إنه لا أحد من محبي علي عليه السلام نظف قلبه من قذر الغش والدغل والغل ونجاسة الذنوب إلا لكان أطهر وأفضل من الملائكة، وهل أمر الله الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا قد وضعوه في نفوسهم أنه لا يصير في الدنيا خلق بعدهم إذا رفعوا عنها (5) إلا وهم - يعنون أنفسهم - أفضل منهم في الدين فضلا "، وأعلم بالله وبدينه علما "، (6)


(1) من منى الرجل الشئ وبالشئ: جعله يتمناه. (2) مجمع البيان ج 2: 425 - 426. م (3) مجمع البيان ج 6: ص 475. (4) مجمع البيان 8: 485. م (5) في نسخة: إذا رفعوهم عنها. (6) في نسخة: وأعلم بالله وبنبيه علما. [ * ]

[ 137 ]

فأراد الله أن يعرفهم أنهم قد أخطؤوا في ظنونهم واعتقاداتهم، فخلق آدم وعلمه الأسماء كلها ثم عرضها عليهم فعجزوا عن معرفتها، فأمر آدم أن ينبئهم بها وعرفهم فضله في العلم عليهم. ثم أخرج من صلب آدم ذرية (1) منهم الأنبياء والرسل والخيار من عباد الله أفضلهم محمد ثم آل محمد، ومن الخيار الفاضلين منهم أصحاب محمد وخيار امة محمد، وعرف الملائكة بذلك أنهم أفضل من الملائكة إذا احتملوا ما حملوه من الأثقال (2) وقاسوا ما هم فيه من تعرض أعوان الشياطين، (3) ومجاهدة النفوس واحتمال أذى ثقل العيال والاجتهاد في طلب الحلال ومعاناة مخاطرة الخوف من الأعداء (4) من لصوص مخوفين، ومن سلاطين جورة قاهرين، وصعوبة في المسالك في المضائق والمضائق والمخاوف والأجزاع والجبال والتلال لتحصيل أقوات الأنفس والعيال من الطيب الحلال، عرفهم الله عزوجل أن خيار المؤمنين يحتملون هذه البلايا ويتخلصون منها، ويتحاربون الشياطين ويهزمونهم (5) ويجاهدون أنفسهم بدفعها عن شهواتها، ويغلبونها مع ما ركب فيه من شهوة الفحولة وحب اللباس والطعام، والعز والرئاسة والفخر والخيلاء، ومقاساة العناء والبلاء من إبليس لعنه الله وعفاريته، و خواطرهم وإغوائهم واستهوائهم، ودفع ما يكيدونه (6) من ألم الصبر على سماع الطعن من أعداء الله، وسماع الملاهي والشتم لأولياء الله، ومع ما يقاسونه في أسفارهم لطلب أقواتهم، والهرب من أعداء دينهم، أو الطلب لما يألمون معاملته (7) من مخالفيهم في دينهم، قال الله عزوجل: يا ملائكتي وأنتم من جميع ذلك بمعزل: لا شهوات الفحولة تزعجكم، (8) ولا


(1) في نسخة: ثم أخرج من صلب آدم ذريته. (2) في نسخة: إذا احتملوا ما حملوا من الاثقال. (3) في الاحتجاج: وقاسوا ما هم فيه بعرض يعرض من أعوان الشياطين. (4) في نسخة: ومعاناة مقامات الخوف من الاعداء. (5) في نسخة: ويحاربون الشياطين ويعرفونهم، وفى النسخة المخطوطة ويحزمونهم بالحاء ولعله - لو لم يكن مصحفا - من حزم الفرس: شد حزامه، والحزام: ما يشد به وسط الدابة. (6) في نسخة وفى الاحتجاج: ما يكابدونه أي ما يقاسونه ويتحملون من المشاق. (7) في نسخة وفى الاحتجاج: لمن يأملون معاملته. وفى نسخة: معاملتهم. (8) زعجه: أقلقه وقلعه من مكانه. [ * ]

[ 138 ]

شهوة الطعام تحفزكم، ولا خوف من أعداء دينكم ودنياكم ينخب في قلوبكم، ولا لابليس في ملكوت سماواتي وأرضي شغل على إغواء ملائكتي الذين قد عصمتهم منهم، يا ملائكتي فمن أطاعني منهم وسلم دينه من هذه الآفات والنكبات فقد احتمل في جنب محبتي ما لم تحتملوا، واكتسب من القربات إلي ما لم تكتسبوا، فلما عرف الله ملائكته فضل خيار امة محمد صلى الله عليه وآله وشيعة علي وخلفائه عليهم السلام عليهم، واحتمالهم في جنب محبة ربهم ما لا يحتمله الملائكة أبان بني آدم الخيار المتقين بالفضل عليهم ثم قال: فلذلك فاسجدوا لآدم (1) لما كان مشتملا " على أنوار هذه الخلائق الأفضلين، ولم يكن سجودهم لآدم، إنما كان آدم قبلة لهم يسجدون نحوه لله عزوجل وكان بذلك معظم " ا مبجلا " له، ولا ينبغي لأحد أن يسجد لاحد من دون الله، يخضع له خضوعه لله، ويعظمه بالسجود له كتعظيمه لله، ولو أمرت أحدا " أن يسجد هكذا لغير الله لأمرت ضعفاء شيعتنا وسائر المكلفين من شيعتنا (2) أن يسجدوا لمن توسط في علوم رسول الله صلى الله عليه وآله، و محض وداد خير خلق الله علي بعد محمد رسول الله، واحتمل المكاره والبلايا في التصريح بإظهار حقوق الله، ولم ينكر علي حقا " ارقبه عليه قد كان جهله أو أغفله. (3) الخبر. بيان: المقاساة: المكابدة وتحمل الشدة في الأمر، والأجزاع جمع الجزع بالكسر وقد يفتح وهو منعطف الوادي ووسطه أو مفتتحه، أو مكان بالوادي لا شجر فيه، وربما كان رملا ". والعفريت: الخبيث المنكر والنافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء. وخفزه أي دفعه من خلفه. والنخب: النزع، ورجل نخب بكسر الخاء أي جبان لا فؤاد له، ذكره الجوهري. وقوله عليه السلام: (ارقبه عليه) أي ارصده له وأنتظر رعايته منه، أو من قولهم: رقبه أي جعل الحبل في رقبته. 2 - ج: في جواب مسائل الزنديق عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سأل أيصلح السجود لغير الله ؟ قال: لا، قال: فكيف أمر الله الملائكة بالسجود ؟ فقال: إن من سجد بأمر الله فقد سجد لله فكان سجوده لله إذ كان عن أمر الله. ثم قال عليه السلام: فأما إبليس فعبد خلقه


(1) في نسخة: فلذلك قال فاسجدوا لادم. (2) في نسخة: وسائر المكلفين من متبعينا. (3) الاحتجاج: 31 - 32. وفيه: < < جهلة أو غفلة > >. م [ * ]

[ 139 ]

ليعبده ويوحده، وقد علم حين خلقه ما هو وإلى ما يصير، فلم يزل يعبده مع ملائكته حتى امتحنه بسجود آدم، فامتنع من ذلك حسدا " وشقاوة غلبت عليه فلعنه عند ذلك، وأخرجه عن صفوف الملائكة، وأنزله إلى الأرض مدحورا "، فصار عدو آدم وولده بذلك السبب، وماله من السلطنة على ولده إلا الوسوسة والدعاء إلى غير السبيل، وقد أقر مع معصيته لربه بربوبيته. (1) 3 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن المتوكل وماجيلويه معا، عن محمد العطار، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سيف، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: سجدت الملائكة لآدم عليه السلام ووضعوا جباههم على الأرض ؟ قال: نعم تكرمة من الله تعالى. (2) 4 - ف: عن أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: إن السجود من الملائكة لآدم لم يكن لآدم وإنما كان ذلك طاعة لله ومحبة منهم لآدم. (3) 5 - ج: عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام أن يهوديا سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن معجزات النبي في مقابلة معجزات الأنبياء، فقال: هذا آدم أسجد الله له ملائكته، فهل فعل بمحمد شيئا " من هذا ؟ فقال علي عليه السلام: لقد كان ذلك، ولكن أسجد الله لآدم ملائكته، فإن سجودهم لم يكن سجود طاعة إنهم عبدوا آدم من دون الله عزوجل، ولكن اعترافا لآدم بالفضيلة، ورحمة من الله له، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، إن الله جل وعلا صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنون بالصلاة عليه، فهذه زيادة له يا يهودي. (4) 6 - ن: الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، عن فرات بن إبراهيم، عن محمد بن أحمد ابن علي الهمداني، عن العباس بن عبد الله البخاري، عن محمد بن القاسم بن إبراهيم، عن أبي الصلت الهروي، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الاحتجاج: 184 - 185. والسؤال عن ابليس واقع قبل السؤال عن السجود. م (2) قصص الانبياء مخطوط. م (3) تحف العقول: 478. م (4) الاحتجاج: 111. م [ * ]

[ 140 ]

إن الله فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك - وساق الحديث إلى أن قال -: ثم إن الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيما " لنا وإكراما " وكان سجودهم لله عزوجل عبودية ولآدم إكراما " وطاعة، لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون ؟ الخبر. (1) تحقيق: اعلم أن المسلمين قد أجمعوا على أن ذلك السجود لم يكن سجود عبادة لأنها لغير الله تعالى توجب الشرك، ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: الأول: أن ذلك السجود كان لله تعالى، وآدم على نبينا وآله وعليه السلام كان قبلة، وهو قول أبي علي الجبائي وأبي القاسم البلخي وجماعة. والثاني: أن السجود في أصل اللغة هو الأنقياد والخضوع، قال الشاعر: ترى الأكم فيها سجدا " للحوافر. أي الجبال الصغار والتلال كانت مذللة لحوافر الخيول، ومنه قوله تعالى: " والنجم والشجر يسجدان (2) " واورد عليه بأن المتبادر من السجود وضع الجهة على الأرض فيجب الحمل عليه ما لم يدل دليل على خلافه، ويؤيده قوله تعالى: " فقعوا له ساجدين " (3) ويدل على صريحا " بعض الأخبار المتقدمة. والثالث: أن السجود كان تعظيما " لآدم على نبينا وآله وعليه السلام وتكرمة له، وهو في الحقيقة عبادة لله تعالى لكونه بأمره، وهو مختار جماعة من المفسرين، وهو الأظهر من مجموع الأخبار التي أوردناها، وإن كان الخبر الأول يؤيد الوجه الأول. (4) ثم اعلم أنه قد ظهر مما أوردنا من الأخبار أن السجود لا يجوز لغير الله ما لم يكن عن أمره، وأن المسجود له لا يكون معبودا " مطلقا "، بل قد يكون السجود تحية لا عبادة وإن يجز إيقاعه إلا بأمره تعالى، وأن أمره سبحانه للملائكة بالسجود لآدم على


(1) عيون الاخبار: 145. م (2) الرحمن: 6. (3) الحجر: 29 وص: 72. (4) بل فيه جمع بين القول الاول والثالث حيث قال عليه السلام: ولم يكن سجودهم لادم، انما كان آدم قبل لهم يسجدون نحوه لله عزوجل وكان بذلك معظما مبجلا له أي لادم. [ * ]

[ 141 ]

نبينا وآله وعليه السلام يدل على أفضليته وتقدمه عليهم، لا كما زعمه الجبائي وغيره من أنه لا يدل على أفضلية آدم عليه السلام. 7 - فس: خلق الله آدم فبقي أربعين سنة مصورا "، وكان يمر به إبليس اللعين (1) فيقول: لأمر ما خلقت، فقال العالم عليه السلام: فقال إبليس لئن أمرني الله بالسجود لهذا لعصيته، (2) قال: ثم نفخ فيه فلما بلغت فيه الروح إلى دماغه عطس فقال: الحمد لله، فقال الله له: يرحمك الله، قال الصادق عليه السلام: فسبقت له من الله الرحمة، ثم قال الله تبارك وتعالى للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا له، فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد، فأبى أن يسجد فقال الله عزوجل: " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " فقال: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " قال الصادق عليه السلام: فأول من قاس إبليس واستكبر، والاستكبار هو أول معصية عصي الله بها، قال: فقال إبليس: يا رب اعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فقال الله: لا حاجة لي إلى عبادتك، إنما اريد أن اعبد من حيث اريد لا من حيث تريد، فأبى ان يسجد فقال الله تبارك وتعالى: " اخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين " قال إبليس: يا رب فكيف وأنت العدل الذي لا تجور فثواب عملي بطل ؟ قال: لا ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت ثوابا " لعملك اعطك، فأول ما سأل البقاء إلى يوم الدين، فقال الله: قد أعطيتك، قال: سلطني على ولد آدم، قال: سلطتك، قال: أجرني فيهم (3) مجرى الدم في العروق، قال: قد أجريتك، قال: لا يولد لهم واحد (4) إلا ولد لي إثنان، و أراهم ولا يروني، وأتصور لهم في كل صورة شئت، فقال: قد أعطيتك، قال: يا رب زدني قال: قد جعلت لك ولذريتك صدورهم أوطانا "، قال: رب حسبي، قال إبليس (5) عند ذلك: " فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ". (6)


(1) في نسخة: وكان مر به إبليس اللعين. (2) في المصدر: لاعصينه. م (3) في نسخة: أجرى فيهم اه‍. (4) في نسخة: لا يولد لهم ولد واحد. (5) في نسخة: فقال إبليس. (6) تفسير القمى: 34 - 35. م [ * ]

[ 142 ]

8 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أعطى الله تبارك وتعالى إبليس ما أعطاء من القوة قال آدم: يا رب سلطت إبليس على ولدي، أجريته فيهم مجرى الدم في العروق، وأعطيته ما أعطيته، فما لي ولولدي ؟ فقال: لك ولولدك السيئة بواحدة والحسنة بعشرة أمثالها، قال: يا رب زدني، قال: التوبة مبسوطة إلى أن تبلغ النفس الحلقوم، قال: يا رب زدني، قال: أغفر ولا ابالي، قال: حسبي. قال: قلت: جعلت فداك بماذا استوجب إبليس من الله أن أعطاه ما أعطاه ؟ فقال: بشئ كان منه شكره الله عليه، قلت: وما كان منه جعلت فداك ؟ قال: ركعتين ركعهما في السماء في أربعة آلاف سنة. (1) 9 - كتاب فضائل الشيعة للصدوق رحمه الله بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: كنا جلوسا " مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل إليه رجل فقال: يارسول الله أخبرني عن قول الله عزوجل لإبليس: " أستكبرت أم كنت من العالين " فمن هم يارسول الله الذين هم أعلى من الملائكة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين، كنا في سرادق العرش نسبح الله وتسبح الملائكة بتسبيحنا قبل أن خلق الله عزوجل آدم بألفي عام، فلما خلق الله عزوجل آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له ولم يأمرنا بالسجود، فسجدت الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس فإنه أبى أن يسجد، فقال الله تبارك وتعالى: " أستكبرت أم كنت من العالين " أي من هؤلاء الخمس المكتوب أسماؤهم في سرادق العرش، الخبر. (2) 10 - ل: أبي وابن الوليد معا "، عن سعد والحميري معا، عن ابن عيسى والبرقي وابن أبي الخطاب جميعا "، عن ابن محبوب، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنما كان لبث آدم وحواء في الجنه حتى اخرجا منها سبع ساعات من أيام الدنيا حتى أهبطهما الله من يومهما ذلك. (3) 11 - ع: بالإسناد إلى وهب قال: لما أسجد الله عزوجل الملائكة لآدم عليه السلام وأبى إبليس أن يسجد قال له ربه عزوجل: " اخرج منها فإنك رجيم * وإن


(1) تفسير القمى: 35. م (2) مخطوط. (3) الخصال ج 2: 33. م [ * ]

[ 143 ]

عليك لعنتي إلى يوم الدين " ثم قال عزوجل لآدم: يا آدم انطلق إلى هؤلاء من الملائكة فقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فسلم عليهم فقالوا: وعليك السلام و رحمة الله بركاته، فلما رجع إلى ربه عزوجل قال له ربه تبارك وتعالى: هذا تحيتك و تحية ذريتك من بعدك فيما بينهم إلى يوم القيامة. (1) 12 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن عثمان، عن الحسن ابن بشار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن جنة آدم، فقال: جنة من جنان الدنيا يطلع عليها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الخلد ما خرج منها أبدا ". (2) 13 - فس: أبي رفعه قال: سئل الصادق عليه السلام عن جنة آدم أمن جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة ؟ فقال: كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبدا ". (3) تبيان: اختلف في جنة آدم عليه السلام هل كانت في الأرض أم في السماء ؟ وعلى الثاني هل هي الجنة التي هي دار الثواب أم غيرها ؟ فذهب أكثر المفسرين وأكثر المعتزلة إلى أنها جنة الخلد، وقال أبو هاشم: هي جنة من جنان السماء غير جنة الخلد، وقال أبو مسلم الإصفهاني وأبو القاسم البلخي وطائفة: هي بستان من بساتين الدنيا في الأرض كما يدل عليه هذان الخبران وإن أمكن اتحادهما. واحتج الأولون بأن الظاهر أن الألف واللام للعهد والمعهود المعلوم بين المسلمين هي جنة الخلد، وبأن المتبادر منها جنة الخلد حتى صار كالعلم لها فوجب الحمل عليها، وجوابهما ظاهر، واحتجت الطائفة الثانية بأن قوله تعالى: " اهبطوا " يدل على الإهباط من السماء إلى الأرض وليست بجنة الخلد كما سيذكر فلزم المطلوب، واجيب بأن الانتقال من أرض إلى اخرى قد يسمى هبوطا "، كما في قوله تعالى: " اهبطوا مصرا " " لكن الظاهر من آخر الآية كون الهبوط من غير الأرض، ويؤيده ما سيأتي في حديث الشامي أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن أكرم واد على وجه الأرض، فقال له: واد يقال له: سرنديب سقط فيه آدم من السماء.


(1) علل الشرائع: 45. م (2) علل الشرائع: 200. م (3) تفسير القمى: 35 - 36. م [ * ]

[ 144 ]

واحتج القائلون بأنها من بساتين الأرض بوجوه: الاول: أنها لو كانت دار الخلد لما خرج آدم منها لقوله: " وما هم منها بمخرجين (1) " الثاني: أن جنة الخلد لا يفنى نعيمها لقوله تعالى: " اكلها دائم وظلها (2) " ولقوله تعالى: " وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها (3) " الآية. واجيب عنهما بأن عدم الخروج إنما يكون إذا استقروا فيها للثواب. وقد ذكروا وجوها اخر ذكروها في التفاسير والكتب الكلامية ولا نطيل الكلام بذكرها، وهذان الخبران وإن كانا يدلان على المذهب الأخير لكن يعارضهما ظواهر بعض الأخبار كقول أمير المؤمنين عليه السلام فيما أوردنا في الباب السابق: " ووعده المرد إلى جنته " وخبر الشامي وغيرهما مما سيأتي، فالجزم بأحد المذاهب لا يخلو من إشكال. والله تعالى يعلم. 14 - ص: بالإسناد إلى الصدوق عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أكان إبليس من الملائكة أم من الجن ؟ قال: كانت الملائكة ترى أنه منها، وكان الله يعلم أنه ليس منها، فلما امر بالسجود كان منه الذي كان. (4) ايضاح: اعلم أن العلماء اختلفوا في أنه هل كان إبليس من الملائكة أم لا، فذهب أكثر المتكلمين لاسيما المعتزلة وكثير من أصحابنا كالشيخ المفيد قدس سره إلى أنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن، قال: وقد جاءت الأخبار به متواترة عن أئمة الهدى سلام الله عليهم وهو مذهب الإمامية، وذهب جماعة من المتكلمين وكثير من فقهاء الجمهور إلى أنه منهم، واختاره شيخ الطائفة رحمه الله في التبيان قال: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام والظاهر في تفاسيرنا، ثم اختلفت الطائفة الاخيرة فقيل: إنه كان خازنا " للجنان، وقيل: كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، (5) وقيل: كان يسوس ما بين السماء


(1) الحجر: 48. (2) الرعد: 35. (3) هود: 108. (4) قصص الانبياء: مخطوط، وأخرجه مفصلا عن العياشي وسيأتى تحت رقم 23. (5) سيأتي ابطال ذلك في الخبر الاتى تحت رقم 23. [ * ]

[ 145 ]

والأرض، والحق ما اختاره المفيد رحمه الله، وسنورد الأخبار في ذلك في كتاب السماء والعالم. 14 - ص: بالإسناد عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام قال: امر إبليس بالسجود لآدم، فقال: يا رب وعزتك إن أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنك عبادة ما عبدك أحد قط مثلها، قال الله جل جلاله: إني احب أن اطاع من حيث اريد. وقال: إن إبليس رن أربع رنات أولهن يوم لعن، ويوم اهبط إلى الأرض، وحيث بعث (1) محمد صلى الله عليه وآله على فترة من الرسل، وحين انزلت ام الكتاب، ونخر نخرتين: حين أكل آدم من الشجرة، وحين اهبط من الجنة. وقال في قوله تعالى: " فبدت لهما سوآتهما " كانت سوآتهما لا ترى فصارت ترى بارزة. وقال: الشجرة التي نهي عنها آدم هي السنبلة. (2) توضيح: الرنة: الصوت، يقال. رنت المرأة ترن رنينا " وأرنت أيضا " أي صاحت. والنخير: صوت بالأنف. 15 - ك: ابن المتوكل، عن الأسدي، عن البرمكي، عن جعفر بن عبد الله، عن الحسن بن سعيد، عن محمد بن زياد، عن أيمن بن محرز، عن الصادق عليه السلام إن الله تبارك و تعالى علم آدم عليه السلام أسماء حجج الله كلها، ثم عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال: " انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " أنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم و تقديسكم من آدم: " قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " قال الله تبارك وتعالى: " يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم " وقفوا على عظيم منزلتهم (3) عند الله تعالى ذكره فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريته، ثم غيبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبتهم وقال لهم: " ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ". وحدثنا بذلك القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام. (4)


(1) في نسخة: ويوم بعث. (2) قصص الانبياء: مخطوط. (3) أي منزلة حجج الله. (4) كمال الدين: 9 - 10. م [ * ]

[ 146 ]

16 - فس: " وعلم آدم الأسماء كلها " قال: أسماء الجبال والبحار والأودية والنبات والحيوان. (1) بيان: قال الشيخ أمين الدين الطبرسي رحمه الله: " وعلم آدم الأسماء " أي علمه معاني الأسماء، إذ الأسماء بلامعان لا فائدة فيها ولاوجه لإشادة (2) الفضيلة بها، وقد نبه الله الملائكة على ما فيها من لطيف الحكمة فأقروا عند ما سئلوا عن ذكرها والإخبار عنها أنه لا علم لهم بها، قال الله تعالى: " يا آدم أنبئهم بأسمائهم " عن قتادة، وقيل: إنه سبحانه علمه جميع الاسماء والصناعات وعمارة الأرضين والأطعمة والأودية واستخراج المعادن و غرس الأشجار ومنافعها وجميع ما يتعلق بعمارة الدين والدنيا، عن ابن عباس ومجاهد و سعيد بن جبير وعن أكثر المتأخرين، وقيل: إنه علمه أسماء الأشياء كلها ما خلق وما لم يخلق بجميع اللغات التي يتكلم بها ولده بعده، عن أبي علي الجبائي وعلي بن عيسى وغيرهما، قالوا: فأخذ عنه ولده اللغات فلما تفرقوا تكلم كل قوم بلسان ألفوه واعتادوه، وتطاول الزمان على ما خالف ذلك فنسوه، ويجوز أن يكونوا عالمين بجميع تلك اللغات إلى زمن نوح على نبينا وآله وعليه السلام، فلما أهلك الله الناس إلا نوحا " ومن تبعه كانوا هم العارفين بتلك اللغات، فلما كثروا وتفرقوا اختار كل قوم منهم لغة تكلموا بها وتركوا ما سواه ونسوه، وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال: الأرضين والجبال والشعاب والأودية، ثم نظر إلى بساط تحته فقال: وهذا البساط مما علمه. وقيل: إنه علمه أسماء الملائكة وأسماء ذريته، عن الربيع، وقيل: إنه علمه ألقاب الاشياء ومعانيها وخواصها، وهو أن الفرس يصلح لماذا، والحمار يصلح لماذا، وهذا أبلغ لأن معاني الأشياء وخواصها لا تتغير بتغير الأزمنة والأوقات، وألقاب الأشياء تتغير على طول الزمان انتهى. (3) أقول: الأظهر الحمل على المعنى الأعم، وما ذكر في خبر ابن محرز بيان لبعض


(1) تفسير القمى: 38. م (2) أشاد بذكره: رفعه بالثناء عليه. وفى المخطوط بالراء، ولعله مصحف. (3) مجمع البيان 1: 76. م [ * ]

[ 147 ]

أفراد المسميات وأشرفها وأرفعها. (1) 17 - سن: الحسن بن علي بن يقطين، عن الحسين بن مياح (2) عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن إبليس قاس نفسه بآدم فقال: " خلقتني من نار وخلقته من طين " فلو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنار كان ذلك أكثر نورا وضياء من النار. (3) 18 - شى: عن أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " وعلم آدم الأسماء كلها " ماذا علمه ؟ قال: الأرضين والجبال والشعاب (4) والأودية، ثم نظر إلى بساط تحته فقال: وهذا البساط مما علمه. (5) 19 - شى: عن الفضل بن عباس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " وعلم آدم الأسماء كلها " ما هي ؟ قال: أسماء الأودية والنبات والشجر والجبال من الأرض. (6) 20 - شى: عن داود بن سرحان العطار قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدعا بالخوان فتغدينا، (7) ثم جاؤوا بالطشت والدست سنانه، (8) فقلت جعلت فداك: قوله: " وعلم آدم الأسماء كلها " الطست والدست سنانه منه ؟ فقال: الفجاج (9) والأودية وأهوى بيده كذا وكذي. (10)


(1) قلت: أما الايات فالظاهر منها أنه علمه نفس الاسماء واللغات، وأن المسميات كانت مشهودة لادم وللملائكة ومعروفة لهم، وأما الاخبار فأكثرها تدل على ذلك، وبعضها تدل على أنه المسميات، فتجمع بينهما اما بالحمل على الاعم كما قال المصنف، أو على تقدير مضاف أي أسماء تلك المسميات. (2) مياح بفتح الميم وتشديد الياء. (3) المحاسن: 211. م (4) الشعاب جمع الشعب: الطريق في الجبل. مسيل الماء في بطن الارض. ما انفرج بين الجبلين. ويمكن أن يكون مصحف (النبات) كما يأتي بعد ذلك، بل يحتمل قويا اتحاد الخبرين وأن الفضل بن عباس مصحف الفضل ابو العباس وهو الفضل بن عبد الملك البقباق الكوفى الثقة من أصحاب أبى عبد الله عليه السلام. (5 و 6 و 10) مخطوط. (7) تغدى: أكل أول النهار. الغداء بالمد: الطعام الذى يؤكل اول النهار وهو خلاف العشاء. (8) هكذا في النسخ، وفى هامشها استظهر أن الصحيح < < ثم جاؤوا بالطشت والدست شويه > > وهكذا فيما يأتي، وعليه فيكون الكلمة فارسية أي جاؤوا بالطشت والاناء الذى يغسل فيه الايدى أو يغسل به وهو الابريق. (9) الفجاج جمع الفج: الطريق الواسع الواضح بين الجبلين. [ * ]

[ 148 ]

21 - شى: عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أن خلق الله آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له. فقالت الملائكة في أنفسها: ما كنا نظن أن الله خلق خلقا أكرم عليه منا. فنحن جيرانه ونحن أقرب خلقه إليه. فقال الله: " ألم أقل لكم إني أعلم ما تبدون وما تكتمون " فيما أبدوا من أمر بني الجان. وكتموا ما في أنفسهم. فلاذت الملائكة الذين قالوا ما قالوا بالعرش. (1) 22 - شى: عن جميل بن دراج قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إبليس أكان من الملائكة أو كان يلي شيئا " من أمر السماء ؟ فقال: لم يكن من الملائكة، وكانت الملائكة ترى أنه منها، وكان الله يعلم أنه ليس منها، ولم يكن يلي شيئا " من أمر السماء ولا كرامة، فأتيت الطيار فأخبرته بما سمعت فأنكر، وقال: كيف لا يكون من الملائكة والله يقول للملائكة: " اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " فدخل عليه الطيار (2) فسأله وأنا عنده فقال له: جعلت فداك قول الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا " في غير مكان في مخاطبة المؤمنين أيدخل في هذه المنافقون ؟ فقال: نعم يدخلون في هذه المنافقون والضلال وكل من أقر بالدعوة الظاهرة. (3) بيان: حاصله أن الله تعالى إنما أدخله في لفظ الملائكة لأنه كان مخلوطا " بهم و كونه ظاهرا " منهم، وإنما وجه الخطاب في الأمر بالسجود إلى هؤلاء الحاضرين وكان من بينهم فشمله الأمر، أو المراد أنه خاطبهم بيا أيها الملائكة مثلا " وكان إبليس أيضا " مأمورا " لكونه ظاهرا " منهم ومظهرا " لصفاتهم، كما أن خطاب يا أيها الذين آمنوا يشمل المنافقين لكونهم ظاهرا " من المؤمنين، وأما ظن الملائكة فيحتمل أن يكون المراد أنهم ظنوا أنه منهم في الطاعة وعدم العصيان، لأنه يبعد أن لا يعلم الملائكة أنه ليس منهم


(1) تفسير العياشي مخطوط. م (2) المشهور بهذا اللقب محمد بن عبد الله، وقد يطلق على ابنه حمزة ايضا ولعله المراد هنا بقرينة، والحديث مذكور في روضة الكافي ص 274 باسناد الكليني، عن أبى على الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن على بن حديد، عن جميل بن دراج. وفيه: وكيف لا يكون من الملائكة والله عزوجل يقول: < < وإذ قلنا للملائكة > >. (3) تفسير العياشي مخطوط. م [ * ]

[ 149 ]

مع أنهم رفعوه إلى السماء وأهلكوا قومه، فيكون من قبيل قولهم عليهم السلام: " سلمان منا أهل البيت " على أنه يحتمل أن يكون الملائكة ظنوا أنه كان ملكا " جعله الله حاكما " على الجان، ويحتمل أن يكون هذا الظن من بعض الملائكة الذين لم يكونوا بين جماعة منهم قتلوا الجان ورفعوا إبليس. 23 - شى: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أول كفر كفر بالله، حيث خلق الله آدم كفر إبليس حيث رد على الله أمره، وأول الحسد (1) حيث حسد ابن آدم أخاه، وأول الحرص حرص آدم، نهي عن الشجرة فأكل منها فأخرجه حرصه من الجنة. (2) 24 - شى: عن بدر بن خليل الأسدي، عن رجل من أهل الشام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أول بقعة عبد الله عليها ظهر الكوفة لما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم سجدوا على ظهر الكوفة. (3) 25 - م: قوله عزوجل: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين " قال الإمام عليه السلام: قال الله تعالى: كان خلق الله لكم ما في الأرض جميعا " إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم في ذلك الوقت خلق لكم، قال عليه السلام: ولما امتحن الحسين عليه السلام ومن معه بالعسكر الذين قتلوه وحملوا رأسه قال لعسكره: أنتم في حل من بيعتي فالحقوا بعشائركم ومواليكم، وقال لأهل بيته: قد جعلتكم في حل من مفارقتي (4) فإنكم لا تطيقونهم لتضاعف أعدادهم وقواهم، وما المقصود غيري فدعوني و القوم. فإن الله عزوجل يعينني ولا يخليني من حسن نظره كعاداته في أسلافنا الطيبين. فأما عسكره ففارقوه، وأما أهله الأدنون من أقربائه فأبوا وقالوا: لا نفارقك ويحزننا ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنا أقرب ما نكون إلى الله إذا كنا


(1) هكذا في النسخ وفى تفسير البرهان ولعل فيه سقطا وصحيحه: وأول الحسد حسد بنى آدم اه‍. (2 و 3) مخطوط. م (4) في نسخة: من مرافقتي. [ * ]

[ 150 ]

معك، فقال لهم: فإن كنتم قد وطنتم أنفسكم على ما وطنت نفسي عليه (1) فاعلموا أن الله إنما يهب المنازل الشريفة لعباده باحتمال المكاره، وأن الله وإن كان خصني مع من مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاء في الدنيا من الكرامات بما يسهل علي معها احتمال المكروهات فإن لكم شطر ذلك من كرامات الله تعالى، واعلموا أن الدنيا حلوها ومرها حلم، (2) والانتباه في الآخرة، والفائز من فاز فيها، والشقي من شقي فيها، أولا احدثكم بأول أمرنا وأمركم معاشر أوليائنا ومحبينا والمتعصبين لنا ليسهل عليكم احتمال ما أنتم له مقرون ؟ قالوا: بلى يابن رسول الله قال: إن الله تعالى لما خلق آدم وسواه وعلمه أسماء كل شئ وعرضهم على الملائكة جعل محمدا " وعليا " وفاطمة والحسن والحسين أشباحا " خمسة في ظهر آدم، وكانت أنوارهم تضئ في الآفاق من السماوات والحجب والجنان والكرسي و العرش، فأمر الله الملائكة بالسجدة لآدم تعظيما " له إنه قد فضله بأن جعله وعاء لتلك الأشباح التي قد عم أنوارها في الآفاق، فسجدوا إلا إبليس أبى أن يتواضع لجلال عظمة الله وأن يتواضع لأنوارنا أهل البيت وقد تواضعت لها الملائكة كلها فاستكبر وترفع و كان بإبائه ذلك وتكبره من الكافرين. قال علي بن الحسين صلوات الله عليهما: حدثني أبي، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال: يا عباد الله: إن آدم لما رأى النور ساطعا " من صلبه إذ كان الله قد نقل أشباحنا (3) من ذروة العرش إلى ظهره رأى النور ولم يتبين الأشباح، فقال: يا رب ما هذه الأنوار ؟ قال الله عزوجل: أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك، و لذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح، فقال آدم: يا رب لو


(1) وطن نفسه على الامر وللامر: هيأها لفعله وحملها عليه. (2) الحلم. ما يراه النائم في نومه. (3) قال الطريحي في مجمع البحرين: في الحديث: خلق الله محمدا وعترته أشباح نور بين يدى الله، قلت: وما الاشباح ؟ قال: ظل النور، أبدان نورانية بل أرواح. فالاشباح جمع الشبح بالتحريك وقد يسكن وهو الشخص. وسئل الشيخ الجليل محمد بن النعمان ما معنى الاشباح ؟ فأجاب: الصحيح من حديث الاشباح الرواية التى جاءت عن الثقات بأن آدم عليه السلام رأى على العرش أشباحا يلمع نورها، فسأل الله تعالى عنها فأوحى الله إليه: أنها أشباح رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام، وأعلمه لولا الاشباح التى رآها ما خلقه الله ولا خلق سماء ولا أرضا، ثم قال: والوجه فيما أظهره الله من الاشباح والصور لادم عليه السلام أن دله على تعظيمهم وتقبيلهم وجعل ذلك اجلالا لهم ومقدمة لما *. [ * ]

[ 151 ]

بينتها لي، فقال الله تعالى: انظر يا آدم إلى ذروة العرش، (1) فنظر آدم - ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم - على ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية، فرأى أشباحنا فقال: ما هذه الأشباح يا رب ؟ فقال الله: يا آدم هذه الأشباح أفضل خلائقي وبرياتي: هذا محمد وأنا الحميد والمحمود في أفعالي شققت له اسما " من اسمي، وهذا علي وأنا العلي العظيم شققت له اسما " من اسمي، وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض فاطم أعدائي عن رحمتي (2) يوم فصل قضائي، وفاطم أوليائي عما يعتريهم ويشينهم فشققت لها اسما " من اسمي، وهذا الحسن وهذا الحسين وأنا المحسن المجمل شققت لها اسما " من اسمي، هؤلاء خيار خليقتي وكرام بريتي، بهم آخذ وبهم اعطي وبهم اعاقب وبهم اثيب، فتوسل إلي بهم يا آدم، وإذا دهتك داهية (3) فاجعلهم إلي شفعاءك، فإني آليت على نفسي قسما " حقا " لا اخيب بهم آملا "، ولا أرد بهم سائلا فلذلك حين نزلت منه الخطيئة (وخ) دعا الله عزوجل بهم فتاب عليه وغفر له. 26 - أقول: قال السيد بن طاوس في سعد السعود: رأيت في صحف إدريس على نبينا وآله وعليه السلام في ذكر سؤال إبليس وجواب الله له قال: رب فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال: لا ولكنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، فإنه يوم قضيت وحتمت أن اطهر الأرض ذلك اليوم من الكفر والشرك والمعاصي، وأنتخب لذلك الوقت عبادا " لي امتحنت قلوبهم للأيمان وحشوتها بالورع والأخلاص واليقين والتقوى والخشوع والصدق والحلم. والصبر والوقار والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عندي يدينون بالحق وبه يعدلون، اولئك


* يعرضه من طاعتهم ودليلا على أن مصالح الدين والدنيا لا تتم إلا بهم، ولم يكونوا في تلك الحال صورا مجسمة ولا أرواحا ناطقة ولكنما كانت على صورهم في البشرية ترل على ما يكونون عليه في المستقبل. ولقد روى أن آدم لما تاب إلى الله وناجاه بقبول توبته سأله بحقهم عليه ومحلهم عنده فأجابه، قال: وهذا غير منكر من القول ولا مضاد للشرع، وقد رواه الثقات الصالحون المأمونون وسلم لروايته طائفة الحق فلا طريق إلى إنكاره انتهى. قلت: والقول بكونهم عليهم السلام أرواحا ناطقة كما وردت عليه أخبار لا يكون أيضا منكرا من القول ولا مضادا للشرع والعقل. (1) ذروة العرش: أعلاه. (2) أي قاطعهم عن رحمتى. (3) أي أصابتك داهية. [ * ]

[ 152 ]

أوليائي حقا "، اخترت لهم نبيا مصطفى، وأمينا " مرتضى، فجعلته لهم نبيا " ورسولا " و جعلتهم له أولياء وأنصارا "، تلك امة اخترتها للنبي المصطفى وأميني المرتضى، ذلك وقت حجبته في علم غيبي، ولابد أنه واقع، ابيدك (1) يومئذ وخيلك ورجلك وجنودك أجمعين، فاذهب فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، ثم قال الله لآدم: قم فانظر إلى هؤلاء الملائكة الذين قبالك، فإنهم من الذين سجدوا لك، فقل: السلام عليكم و رحمة الله وبركاته، فأتاهم فسلم عليهم كما أمره الله، فقالوا: وعليك السلام يا آدم ورحمة الله وبركاته، فقال الله: هذه تحيتك يا آدم وتحية ذريتك فيما بينهم إلى يوم القيامة. ثم ذكر شرح خلق ذرية آدم وشهادة من تكلف منهم بالربوبية والوحدانية لله جل جلاله ثم قال: ونظر آدم إلى طائفة من ذريته يتلألؤ نورهم يسعى، قال آدم: ما هؤلاء ؟ قال: هؤلاء الأنبياء من ذريتك، قال: كم هم يا رب ؟ قال: هم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، المرسلون منهم ثلاثمائة وخمسة عشر نبيا " مرسلا "، قال: يا رب فما بال نور هذا الأخير ساطعا " على نورهم جميعا ؟ قال: لفضله عليهم جميعا "، قال: ومن هذا النبي يا رب ؟ وما اسمه ؟ قال: هذا محمد نبيي ورسولي وأميني ونجيبي ونجيي وخيرتي وصفوتي وخالصتي وحبيبي وخليلي وأكرم خلقي علي، وأحبهم إلي، وآثرهم عندي، وأقربهم مني، وأعرفهم لي، وأرجحهم حلما " وعلما " وإيمانا " ويقينا " وصدقا " وبرا " وعفافا " وعبادة وخشوعا " وورعا " وسلما " وإسلاما "، أخذت له ميثاق حملة عرشي فما دونهم من خلائقي في السماوات والأرض بالإيمان به والأقرار بنبوته فآمن به يا آدم تزد مني قربة ومنزلة وفضلا " ونورا " ووقارا " قال آدم: آمنت بالله وبرسوله محمد، قال الله: قد أوجبت لك يا آدم وقد زدتك فضلا " وكرامة أنت يا آدم أول الأنبياء والمرسلين، وابنك محمد خاتم الأنبياء والرسل، وأول من تنشق الأوض عنه يوم القيامة، وأول من يكسى ويحمل إلى الموقف، وأول شافع وأول مشفع، وأول قارع لأبواب الجنان، وأول من يفتح له، وأول من يدخل الجنة، قد كنيتك به فأنت أبو محمد، فقال آدم: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من فضله بهذه الفضائل وسبقني إلى الجنة ولا أحسده. ثم ذكر مشاهدة آدم لمن أخرج الله جل جلاله من ظهره من جوهر ذريته إلى


(1) أي اهلكك. [ * ]

[ 153 ]

يوم القيامة، واختياره للمطيعين. وإعراضه عليه السلام عن العصاة له سبحانه، وذكر خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام. (1) 27 - فس: " ثم لآتينهم من بين أيديهم " الآية أما بين أيديهم فهو من قبل الآخرة لاخبرنهم أنه لا جنة ولا نار ولا نشور، وأما خلفهم يقول: من قبل دنياهم آمرهم بجمع الأموال وآمرهم أن لا يصلوا في أموالهم رحما " ولا يعطوا منه حقا "، وآمرهم أن لا ينفقوا على ذراريهم، (2) واخوفهم على الضيعة، (3) وأما عن أيمانهم يقول: من قبل دينهم فإن كانوا على ضلالة زينتها لهم، وإن كانوا على الهدى اخرجهم منه، (4) وأما عن شمائلهم يقول: من قبل اللذات والشهوات، يقول الله: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ". قوله: " اخرج منها مذءوما " مدحورا " " فالمذؤم المعيب، والمدحور المقصي أي ملقى في جهنم (5) 28 - فس: " من صلصال " قال: الماء المتصلصل بالطين " من حمأ مسنون " قال: حمأ متغير " والجان " قال: أبو إبليس. (6) 29 - فس: محمد بن أحمد بن ثابت، عن القاسم بن اسماعيل الهاشمي، عن محمد بن سيار، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو أن الله خلق الخلق كلهم بيده لم يحتج في آدم أنه خلقه بيده فيقول: " ما منعك أن لا تسجد لما خلقت بيدي " أفترى الله يبعث الأشياء بيده ! (7) بيان: أفترى الله إنما ذكر ذلك لئلا يحمل اليد على الحقيقة، أو المعنى أنه لو كان خلقه تعالى الأشياء بالجوارح لكان خلق الجميع بها فلا وجه للاختصاص.


(1) سعد السعود: 34 - 36. (2) في المصدر: ذراريهم واخوانهم، واخوفهم اه‍. م (3) في نسخة: واخوفهم الضيقة. أي سوء الحال والفقر. (4) في نسخة: وان كانوا على الهدى جهدت عليهم حتى اخرجهم منه. م (5) تفسير القمى: 212. م (6) تفسير القمى: 351. م (7) تفسير القمى: 573. وفى نسخة: أفترى ينعت الاشياء بيده. [ * ]

[ 154 ]

30 - فس: أبي، عن سعيد بن أبي سعيد، (1) عن إسحاق بن جرير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أي شئ يقول أصحابك في قول إبليس: " خلقتني من نار وخلقته من طين " ؟ قلت: جعلت فداك قد قال ذلك وذكره الله في كتابه، قال: كذب يا إسحاق ما خلقه الله إلا من طين، ثم قال: قال الله: " الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا " فإذا أنتم منه توقدون " خلقه الله من ذلك النار من تلك الشجرة، والشجرة أصلها من طين. (2) 31 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: " إلى يوم الوقت المعلوم " قال: يوم الوقت المعلوم يوم يذبحه رسول الله صلى الله عليه وآله على الصخرة التي في بيت المقدس (3) قال علي بن إبراهيم: فقال الله: " الحق " أي إنك تفعل ذلك، والحق أقوله: " لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ". (4) بيان: قال البيضاوي في قوله تعالى: " فالحق والحق أقول ": أي فاحق الحق وأقوله، وقيل: إن الحق اسم الله، ونصبه بحذف حرف القسم وجوابه " لأملأن " وما بينهما اعتراض، وقرآ عاصم وحمزة برفع الأول على الابتداء، أي الحق يمينى أو قسمي، أو الخبر أي أنا الحق. انتهى. (5) أقول: ما ذكره علي بن إبراهيم يصح على القراءتين فلا تغفل.


(1) الحديث مجهول بسعد بن أبى سعيد. (2 و 4) تفسير القمى: ص 573. م (3) وهو عند ظهور المهدى عليه السلام. (5) انوار التنزيل ج 2: 142. [ * ]

[ 155 ]

* (باب 3) * * (ارتكاب ترك الاولى ومعناه وكيفيته، وكيفية قبول توبته) * * (والكلمات التى تلقاها من ربه) * الايات، البقرة " 2 " وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا " حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا " فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون 35 - 38. الاعراف " 7 " ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما، وقال ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين * فدلهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا " يخصفان عليهما من ورق الجنة وناديهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين * قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون 19 - 25. " وقال تعالى ": يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما 27. طه " 20 " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى * فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وإنك لا تظمؤ فيها ولا تضحى * فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى

[ 156 ]

فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى * قال اهبطا منها جميعا " بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا " 115 - 124. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله " اسكن أنت وزوجك الجنة " أي اتخذاها مسكنا " وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه لما اخرج إبليس من الجنة ولعن بقي آدم وحده فاستوحش إذ ليس معه من يسكن إليه فخلقت حواء ليسكن إليها، وروي أن الله تعالى ألقى على آدم النوم وأخذ منه ضلعا " فخلق منه حواء فاستيقظ آدم فإذا عند رأسه امرأة فسألها من أنت ؟ قالت: امرأة، قال: لم خلقت ؟ قال: لتسكن إلى، فقالت الملائكة: ما اسمها يا آدم ؟ فقال: حواء، قالوا: ولم سميت حواء ؟ قال: لأنها خلقت من حي. فعندها قال الله: " اسكن أنت وزوجك الجنة " وقيل: إنها خلقت قبل أن يسكن آدم الجنة ثم ادخلا معا " الجنة. وفي كتاب النبوة أن الله تعالى خلق آدم من الطين وخلق حواء من آدم فهمة الرجال الماء والطين، وهمة النساء الرجال. قال أهل التحقيق: ليس يمتنع أن يخلق الله حواء من جملة جسد آدم بعد أن لا يكون مما لا يتم الحى حيا " إلا معه، لان ما هذه صفته لا يجوز أن ينقل إلى غيره، أو يخلق منه حي آخر من حيث يؤدي إلى أن لا يمكن إيصال الثواب إلى مستحقه (1) " رغدا " أي كثيرا " واسعا " لا عناء فيه " ولا تقربا هذه الشجرة " أي لا تأكلا منها وهو المروي عن الباقر عليه السلام، وكان هذا نهي تنزيه " فتكونا من الظالمين " يجوز أن يقال لمن يبخس نفسه الثواب (2): إنه ظالم لنفسة " فأزلهما " أي حملهما على الزلة " عنها " أي عن الجنة " فأخرجهما مما كانا فيه " من النعمة والدعة، أو من الجنة، أو من الطاعة، وإنما


(1) ولكن قد عرفت قبل ذلك أن التحقيق أن حواء خلقت من فاضل طينة آدم عليه السلام. (2) أو يترك الراحة ويختار المشقة. [ * ]

[ 157 ]

اخرج من الجنة لا على وجه العقوبة، بل لأن المصلحة قد تغيرت بتناوله من الشجرة فاقتضت الحكمة إهباطه إلى الأرض وابتلاءه والتكليف بالمشقة، وسلبه ما ألبسه من ثياب الجنة لإن إنعامه بذلك كان على وجه التفضل والامتنان، فله أن يمنع ذلك تشديدا " للبلوى والامتحان، كما له أن يفقر بعد الإغناء ويميت بعد الإحياء ويسقم بعد الصحة " وقلنا اهبطوا " الخطاب لآدم وحواء وإبليس وإن كان إبليس وإن كان إبليس قد اخرج قبل ذلك لأنهم قد اجتمعوا في الهبوط وإن كانت أوقاتهم متفرقة، وقيل: أراد آدم وحواء والحية، وقيل: أراد آدم وحواء وذريتهما، وقيل: خاطب الاثنين خطاب الجمع " بعضكم لبعض عدو " يعني آدم وذريته، وإبليس وذريته " مستقر " أي مقر ومقام وثبوت " ومتاع " أي استمتاع " إلى حين " أي إلى الموت أو إلى القيامة " فتلقى " أي قبل وأخذ " من ربه كلمات " وأغنى قوله: " فتلقى " عن أن يقول: فرغب إلى الله بهن، أو سأله بحقهن لأن التلقي يفيد ذلك واختلف في الكلمات فقيل: هي قوله: " ربنا ظلمنا أنفسنا " الآية، وقيل: هي قوله: " اللهم لا إله الا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم " وهو المروي عن الباقر عليه السلام، وقيل، بل هي " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " وقيل - وهي رواية تختص بأهل البيت عليهم السلام -: إن آدم رأى مكتوبا " على العرش أسماء " مكرمة معظمة، فسأل عنها فقيل له: هذه أسماء أجلة الخلق عند الله منزلة، والأسماء: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فتوسل آدم إلى ربه بهم في قبول توبته ورفع منزلته " فتاب عليه " أي تاب آدم فتاب الله عليه، أي قبل توبته، و قيل: أي وفقه للتوبة وهداه إليها " إنه هو التواب " أي كثير القبول للتوبة، وإنما قال: " فتاب عليه " ولم يقل: " عليهما " لأنه اختصر وحذف للايجاز والتغليب. وقال الحسن لم يخلق الله آدم إلا للأرض، (1) ولو لم يعص لاخرجه إلى الأرض على غير تلك الحال. وقال غيره: يجوز أن يكون خلقه للأرض إن عصى، ولغيرها إن لم يعص وهو الأقوى


(1) يدل على ذلك قوله تعالى: < < وإذ قال ربك للملائكة انى جاعل في الارض خليفة > > وعلى الثاني قوله تعالى: < < فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى > >. [ * ]

[ 158 ]

" قلنا اهبطوا " قيل: الهبوط الأول من الجنة إلى السماء، وهذا من السماء إلى الأرض وقيل: إنما كرر للتأكيد، وقيل: لاختلاف الحالين فقد بين بالأول أن الإهباط إنما كان حال عداوة بعضهم لبعض، وبهذا أن الإهباط للابتلاء والتكليف " فإما يأتينكم مني هدى " أي بيان ودلالة، وقيل: أنبياء ورسل، وعلى الأخير يكون الخطاب في " اهبطوا " لآدم وحواء وذريتهما " فمن تبع هداي " أي اقتدى برسلي " فلا خوف عليهم " في القيامة من العقاب " ولا هم يحزنون " على فوات الثواب. (1) " ليبدي لهما " قال البيضاوي: أي ليظهر لهما، واللام للعاقبة أو للغرض، على أنه أراد أيضا بوسوسته أن يسوأهما بانكشاف عورتهما، ولذلك عبر عنها بالسوءة " ما وري عنهما من سوآتهما " أي ما غطي عنهما من عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر " إلا أن تكونا " إلا كراهة أن تكونا " ملكين أو تكونا من الخالدين " الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة، واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء، وجوابه أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كان رغبتهما في أن يحصل لهما أيضا " ما للملائكة من الكمالات الفطرية والاستغناء عن الأطعمة والإشربة، وذلك لا يدل على فضلهم مطلقا " " وقاسمهما " " أي أقسم لهما، وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة، وقيل: أقسم لهما بالقبول، وقيل: أقسما عليه بالله: " إنه لمن الناصحين " وأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة " فدلهما " فنزلهما " فنزلهما إلى الأكل من الشجرة نبه به على أنه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة، فإن التدلية والإدلاء إرسال الشئ من أعلى إلى أسفل " بغرور " بما غرهما به من القسم، فإنها ظنا أن أحدا " لا يحلف بالله كاذبا "، أو متلبسين بغرور. (2) " فلما ذاقا الشجرة " قال الطبرسي: أي ابتدآ بالأكل ونالا منها شيئا " يسيرا " على خوف شديد " بدت لهما سوآتهما " قال الكلبي: فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل منهما سوأة صاحبه فاستحيا " وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة " أي أخذا


(1) مجمع البيان ج 1: 84 - 91. م (2) انوار التنزيل ج 1: 161. م [ * ]

[ 159 ]

يجعلان ورقة على ورقة " ليسترا سوآتهما، وقيل: جعلا يرقعان ويصلان عليهما من ورق الجنة وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب، والخصف أصله الضم والجمع، ومنه خصف النعل " ظلمنا أنفسنا " أي بخسناها الثواب، (1) بترك المندوب إليه، وقيل: ظلمنا أنفسنا بالنزول إلى الأرض ومفارقة العيش الرغد " وإن لم تغفر لنا " أي وإن تستر علينا " وترحمنا " أي ولم تتفضل علينا بنعمتك التي تتم بها ما فوتناه نفوسنا من الثواب " لنكونن من الخاسرين " أي ممن خسر ولم يربح. (2) " كما أخرج أبويكم " نسب الإخراج إليه لما كان بإغوائه " لباسهما " قيل: كان لباسهما الظفر (3) عن ابن عباس، أي كان شبه الظفر وعلى خلقته، وقيل: كان نورا "، عن وهب (4) " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل " أي أمرناه وأوصينا إليه أن لا يقرب الشجرة " فنسي " أي فترك الأمر " ولم نجد له عزما " " ثابتا "، وقيل: فنسي من النسيان " ولم نجد له عزما " على الذنب لانه لم يتعمد " فتشقى " أي فتقع في تعب العمل وكد الاكتساب والنفقة على زوجتك، ولذلك قال: " فتشقى " ولم يقل: " فتشقيا " وقيل: لأن أمرهما في السبب واحد فاستوى حكمهما، وقيل: ليستقيم رؤوس الآي، قال ابن جبير: اهبط على آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويرشح العرق عن جبينه فذلك هو الشقاوة " إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى " أي في الجنة لسعة طعامها وثيابها " وإنك لا تظمؤ فيها ولا تضحى " أي لا تعطش ولا يصيبك حر الشمس فإنه ليس في الجنة شمس وإنما فيها ضياء ونور وظل ممدود " على شجرة الخلد " أي من أكل منها لم يمت " وملك لا يبلى " جديد لا ينفى " وعصى آدم ربه فغوى " أي خالف ما أمره به ربه فخاب من ثوابه " ثم اجتباه ربه " أي اختاره للرسالة " فتاب عليه وهدى " أي قبل توبته وهداه إلى ذكره، أو إلى الكلمات التي تلقاها منه " قال اهبطا " يعني آدم وحواء " فلا يضل " أي في الدنيا " ولا يشقى " أي في الآخرة


(1) أي نقصناها. (2) مجمع البيان ج 4: 407. م (3) في النهاية: كان لباس آدم من ظفر أي شئ يشبه الظفر في بياضه وصفاته وكثافته. (4) مجمع البيان ج 4: 409. م [ * ]

[ 160 ]

" فإن له معيشة ضنكا " أي عيشا " ضيقا " في الدنيا، أو هو عذاب القبر، أو طعام الضريع والزقوم في جهنم. (1) 1 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " فبدت لهما سوآتهما " قال: كانت سوآتهما لا تبدو لهما فبدت، يعني كانت من داخل. (2) 2 - فس: " اهبطوا بعضكم لبعض عدو " يعني آدم وإبليس " إلى حين " يعني إلى القيامة. (3) 3 - فس: " فإن له معيشة ضنكا " " أي ضيقة. (4) 4 - ع، لى: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن علي بن الحسين البرقي، عن عبد الله بن جبلة، عن معاوية بن عمار، عن الحسن بن عبد الله، عن أبيه، عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه عن مسائل فكان فيما سألوه: أخبرني عن الله لأي شئ وقت هذه الصلوات الخمس في خمس مواقيت على امتك في ساعات الليل والنهار ؟ فأجاب عليه السلام إلى أن قال: وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل فيها آدم من الشجرة فأخرجه الله من الجنة، فأمر الله ذريته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة، واختارها لامتي فهي من أحب الصلوات (5) إلى الله عزوجل وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات، وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله فيها على آدم، وكان بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب الله عليه ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة من وقت صلاة العصر إلى العشاء، فصلى آدم ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، ركعة لخطيئة حواء، وركعة لتوبته، فافترض الله عزوجل هذه الثلاث الركعات على امتي.


(1) مجمع البيان 7: 34. م (2) تفسير القمى: 213. وفيه: بدت لهما سوآتهما: وفى نسخة من الكتاب: يعنى كانت داخلة. قلت: الحديث لا يخلو عن غرابة. ويأتى مثله عن العياشي تحت رقم 45. (3) تفسير القمى 213. م (4) تفسير القمى: 424. م (5) في المصدرين: من احب الصلاة. م [ * ]

[ 161 ]

ثم قال: فأخبرني لاي شئ توضؤ هذه الجوارح الأربع وهي أنظف المواضع في الجسد ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: لما أن وسوس الشيطان إلى آدم ودنا آدم من الشجرة ونظر إليها ذهب ماء وجهه، ثم قام وهو أول قدم مشت إلى الخطيئة، ثم تناول بيده ثم مسها فأكل منها فطار الحلي والحلل عن جسده، ثم وضع يده على ام رأسه وبكى، فلما تاب الله عزوجل عليه فرض الله عزوجل عليه وعلى ذريته الوضوء على هذه الجوارح الأربع، وأمره أن يغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة، وأمره بغسل الساعدين إلى المرفقين لما تناول منها، وأمره بمسح الرأس لما وضع يده على رأسه، وأمره بمسح القدمين لما مشى إلى الخطيئة. ثم قال أخبرني لأي شئ فرض الله عزوجل الصوم على امتك بالنهار ثلاثين يوما "، وفرض على الامم أكثر من ذلك ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله إن آدم لما أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوما "، وفرض الله على ذريته ثلاثين يوما " الجوع والعطش، والذي يأكلونه تفضل من الله عزوجل عليهم، وكذلك كان على آدم ففرض الله عزوجل على امتي ذلك، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الآية: " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما " معدودات ". (1) 5 - فس: أبي رفعه قال: سئل الصادق عليه السلام عن جنة آدم، أمن جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة: فقال: كانت من جنان (2) الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج (3) منها أبدا "، قال: فلما أسكنه الله الجنة أتى جهالة إلى الشجرة، (4) لأنه خلق خلقه لا تبقى إلا بالأمر والنهي والغذاء واللباس والأكنان (5) والتناكح، ولا يدرك ما ينفعه مما يضره إلا بالتوقيف، فجاءه إبليس فقال له: إنكما إن أكلتما من هذه الشجرة التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبدا "، وإن لم


(1) علل الشرائع: 120 و 103 و 132: الامالى: 114 - 116. (2) في نسخة: < < جنات > > في المواضع. (3) في المصدر: ما اخرج. م (4) في نسخة: وأم جهالة من الشجرة. (5) الاكنان جمع الكن: البيت. وقاء كل شئ وستره. وفى المصدر: والاكثار والنكاح. [ * ]

[ 162 ]

تأكلا منها أخرجكما الله من الجنة وحلف لهما أنه لهما ناصح، كما قال الله تعالى حكاية عنه: " ما نهكما ربكما عن هذه الشجره إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين " فقبل آدم قوله فأكلا من الشجرة وكان كما حكى الله " بدت لهما سوآتهما " وسقط عنهما ما ألبسهما الله تعالى من لباس الجنة، وأقبلا يستتران من ورق الجنة (1) " وناديهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين " فقالا كما حكى الله عزوجل عنهما: " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " فقال الله لهما: " اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين " قال: إلى يوم القيامة. قوله: " فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين " (2) قال: فهبط آدم على الصفا وإنما سميت الصفا لأن صفوة الله نزل عليها، ونزلت حواء على المروة وإنما سميت المروة لأن المرأة نزلت عليها، فبقي آدم أربعين صباحا " ساجدا " يبكي على الجنة، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا آدم ألم يخلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته ؟ قال: بلى، قال: وأمرك أن لا تأكل من الشجرة فلم عصيته ؟ قال: يا جبرئيل إن إبليس حلف لي بالله إنه لي ناصح، وما ظننت أن خلقا " يخلقه الله يحلف بالله كاذبا ". (3) بيان: قوله عليه السلام: (لأنه خلق) إما تعليل لأنه وكله الله تعالى إلى نفسه حتى قصد الشجرة، أي كان خلق للدنيا لا للجنة، أو لقبول وسوسة الشيطان، أو للمرور جهالة إلى الشجرة حتى وسوس إليه الشيطان. قوله تعالى: " إلا أن تكونا ملكين " قال الشيخ الطبرسي: والمعنى أنه أوهمهما أنهما إذا أكلا من هذه الشجرة تغيرت صورتهما إلى صورة الملك، وأن الله تعالى قد حكم بذلك وبأن لا تبيد حياتهما إذا أكلا منها، وروي عن يحيي بن أبي كثير أنه قرأ (ملكين)


(1) في نسخة: وفى المصدر من بورق الجنة. (2) المصدر خال عن قوله: فازلهما إلى هنا. م (3) تفسير القمى: 35 - 36. م [ * ]

[ 163 ]

بكسر اللام. قال الزجاج: قوله " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " يدل على ملكين، وأحسبه قد قرئ به، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: " إلا أن تكونا ملكين " أنه أوهمهما أن المنهي عن تناول الشجرة الملائكة خاصة والخالدين دونهما، فتكون كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا "، وإنما يريد أن المنهي إنما هو فلان دونك، ذكره المرتضى قدس الله سره وروحه انتهى، (1) والخبر يؤيد الاول. 6 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن موسى سأل ربه أن يجمع بينه وبين آدم عليه السلام فجمع فقال له موسى: يا أبه ألم يخلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأمرك أن لا تأكل من الشجرة فلم عصيته ؟ قال: يا موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي في التوراة ؟ قال: بثلاثين سنة، (2) قال: فهو ذلك، قال الصادق عليه السلام: فحج آدم موسى عليهما السلام. (3) بيان: وجدان الخطيئة قبل الخلق إما في عالم الأرواح بأن يكون روح موسى عليه السلام اطلع على ذلك في اللوح، أو المراد أنه وجد في التوراة أن تقدير خطيئة آدم عليه السلام كان قبل خلقه بثلاثين سنة، ويدل على الأخير ما سيأتي في خبر مسعدة، (4) وقوله عليه السلام: (فحج) أي غلب عليه في الحجة، وهذا يرجع إلى القضاء والقدر، وقد مر تحقيقهما. 7 - فس: روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما اخرج آدم من الجنة نزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا آدم أليس الله خلقك بيده، ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وزوجك حواء أمته، وأسكنك الجنة وأباحها لك ونهاك مشافهة أن لا تأكل من هذه الشجرة فأكلت منها وعصيت الله ؟ فقال آدم عليه السلام: يا جبرئيل إن إبليس حلف لي بالله إنه لي ناصح، فما ظننت أن أحدا " من خلق الله يحلف بالله كاذبا ". (5)


(1) مجمع البيان 4: 406. م (2) في المصدر: بثلاثين الف سنة. م (3) تفسير القمى: 36 - 37. م (4) راجع ما يأتي تحت رقم 43. (5) تفسير القمى: 213: م [ * ]

[ 164 ]

8 - ن: تميم القرشي، عن أبيه، عن حمدان بن سليمان، عن علي بن محمد بن الجهم (1) قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليه السلام فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس من قولك: إن الأنبياء معصومون ؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول الله عزوجل " وعصى آدم ربه فغوى " فقال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى قال لآدم عليه السلام: " اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا " حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة " وأشار لهما إلى شجرة الحنطة " فتكونا من الظالمين " ولم يقل لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة ولا مما كان من جنسها فلم يقربا تلك الشجرة " وإنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما وقال: " ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة " وإنما نهاكما أن تقربا غيرها ولم ينهكما عن الأكل منها " إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين " ولم يكن آدم وحواء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذبا " فدلهما بغرور " فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوة، ولم يكن ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم، فلما اجتباه الله تعالى وجعله نبيا " كان معصوما " لا يذنب صغيرة ولا كبيرة، قال الله عزوجل: " وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى " وقال الله عزوجل: " إن الله اصطفى ونوحا " وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ". (2) 9 - مع، ن: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء ما كانت ؟ فقد اختلف الناس فيها: فمنهم من يروي أنها الحنطة، ومنهم من يروي أنها العنب، ومنهم من يروي أنها شجرة الحسد، فقال: كل ذلك حق. قلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها ؟ فقال: يا أبا الصلت إن شجر الجنة تحمل أنواعا " فكانت شجرة


(1) تقدم الحديث بتفصيله في باب عصمة الانبياء، وبين المصنف هناك أن الانبياء معصومون لا يصدر عنهم كبيرة ولا صغيرة قبل نزول الوحى عليهم وبعده وأن الاحاديث المشعرة بصدور الصغيرة عنهم محمولة على التقية أو غيرها من المحامل، وسيأتى منه: الكلام حول ذلك. (2) عيون الاخبار: 108 - 109. م [ * ]

[ 165 ]

الحنطة وفيها عنب، وليست كشجر الدنيا، وإن آدم عليه السلام لما أكرمه الله تعالى ذكره بإسجاد ملائكته له وبإدخاله الجنة قال في نفسه: هل خلق الله بشرا " أفضل مني ؟ فعلم الله عزوجل ما وقع في نفسه، فناداه: ارفع رأسك يا آدم فانظر إلى ساق عرشي، فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوبا ": " لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجه فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " فقال آدم عليه السلام: يا رب من هؤلاء ؟ فقال عزوجل: من ذريتك وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فاخرجك عن جواري. فنظر إليهم بعيد الحسد وتمنى منزلتهم فتسلط الشيطان عليه حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها. وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة عليها السلام بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم فأخرجهما الله عزو جل عن جنته، وأهبطهما عن جواره إلى الأرض. (1) ص: بالإسناد الصدوق عن ابن عبدوس إلى قوله: (وليست كشجر الدنيا). (2) بيان: اعلم أنهم اختلفوا في الشجرة المنهية فقيل: كانت السنبلة رووه عن ابن عباس، ويدل عليه ما سيأتي ورواية ابن الجهم، وقيل: هي الكرمة رووه عن ابن مسعود والسدي وسيأتي ما يدل عليه، وقيل: هي شجرة الكافور، وقال الشيخ في التبيان: روي عن علي عليه السلام أنه قال: شجرة الكافور، (3) وقيل: هي التينة، وقيل: شجرة العلم: علم الخير والشر، وقيل هي شجرة الخلد التي كانت تأكل منها الملائكة، وهذه الرواية تجمع بين الروايات وأكثر الأقوال، وسيأتي خبر آخر هو أجمع وأصرح في الجمع، والمراد بالحسد الغبطة التي لم تكن تنبغي له عليه السلام، ويؤيده قوله عليه السلام: (وتمنى منزلتهم) 10 - ع: أبي، عن سعد، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمر بن مصعب، عن فرات بن أحنف، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: لولا أن آدم أذنب ما أذنب مؤمن أبدا "، ولولا أن الله عزوجل تاب على آدم ما تاب على مذنب أبدا ". (4)


(1) معاني الاخبار: 42. عيون الاخبار: 170. م (2) مخطوط. م (3) التبيان ج 1: 58. م (4) علل الشرائع: 39. م [ * ]

[ 166 ]

11 - ع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن فضالة، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما هبط آدم من الجنة ظهرت فيه شامة (1) سوداء في وجهه من قرنه إلى قدمه، فطال حزنه وبكاؤه على ما ظهر به، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: ما يبكيك يا آدم ؟ قال: لهذه الشامة التي ظهرت بي، قال: قم فصل فهذا وقت الاولى، (2) فقام فصلى فانحطت الشامة إلى صدره، فجاءه في الصلاة الثانية (3) فقال: يا آدم قم فصل فهذه وقت الصلاة الثانية، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى سرته، فجاء في الصلاة الثالثة (4) فقال: يا آدم قم فصل فهذه وقت الصلاة الثالثة، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى ركبتيه، فجاءه في الصلاة الرابعة فقال: يا آدم قم فصل فهذه وقت الصلاة الرابعة، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى رجليه، فجاءه في الصلاة الخامسة فقال: يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الخامسة، فقام فصلى فخرج منها، فحمد الله وأثني عليه، فقال جبرئيل: يا آدم مثل ولدك في هذه الصلوات كمثلك في هذه الشامة من صلى من ولدك في كل يوم وليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشامة. (5) 12 - ع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمي الأبطح أبطح لأن آدم امر أن ينبطح (6) في بطحاء جمع فتبطح (7) حتى انفجر الصبح، ثم امر أن يصعد جبل جمع وأمر إذا طلعت الشمس أن يعترف بذنبه ففعل ذلك آدم


(1) الشامة: الخال أي بثرة سوداء في البدن حولها شعر. (2) في المصدر: فهذا وقت للصلاة الاولى. م (3) في المصدر: في وقت الصلاة الثانية. م (4) في المصدر: فجاءه وقت الصلاة الثالثة. م (5) علل الشرائع: 120. م (6) انبطح الرجل: انطرح على وجهه. والجمع بالفتح فالسكون قال الجزرى في النهاية: جمع عام للمزدلفة سميت به لان آدم وحواء لما اهبطا اجتمعا بها. قلت: ويأتى في الخبر 15 وجه آخر لتسميته بذلك. (7) في نسخة: فانبطح. [ * ]

[ 167 ]

فأرسل الله عزوجل نارا " من السماء فقبضت قربان آدم صلى الله عليه. (1) 13 - ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام لم صار الميراث للذكر مثل حظ الانثيين ؟ قال: من قبل السنبلة كان عليها ثلاث حبات فبادرت إليها حواء فأكلت منها حبة، وأطعمت آدم حبتين، فمن أجل ذلك ورث الذكر مثل حظ الانثيين. (2) 14 - ع: الدقاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: كيف صار الميراث للذكر مثل حظ الانثيين ؟ فقال: لأن الحبات التي أكلها آدم وحواء في الجنة كانت ثمانية عشر، أكل آدم منها اثني عشر حبة، وأكلت حواء ستا " فلذلك صار الميراث للذكر حظ الانثيين. (3) بيان: يمكن الجمع بينه وبين ما سبق بحمل ما تقدم على أول سنبلة أخذاه، ثم أخذا كذلك حتى صارت ثمانية عشر، أو المراد أنها كانت على كل شعبة منها ثلاث حبات وكانت الشعب ستة. 15 - ع: أبي، عن علي بن سليمان الرازي، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يتوب على آدم عليه السلام أرسل إليه جبرئيل فقال له: السلام عليك يا آدم الصابر على بليته، التائب عن خطيئته، إن الله تبارك و تعالى بعثني إليك لأعلمك المناسك التي يريد أن يتوب عليك بها، وأخذ جبرئيل بيده وانطلق به حتى أتى البيت فنزل عليه غمامة من السماء فقال له جبرئيل عليه السلام: خط برجلك حيث أظلك هذا الغمام، ثم انطلق به حتى أتى به منى فأراه موضع مسجد منى فخطه، وخط الحرم بعد ما خط مكان البيت ثم انطلق به إلى عرفات فأقامه على العرف (4) وقال له: إذا غربت الشمس فاعترف بذنبك سبع مرات، ففعل ذلك آدم ولذلك سمي


(1) علل الشرائع: 153. وذكر الحديث مفصلا تحت رقم 15 باسناد آخر عن عبد الحميد. (2) علل الشرائع: 198. عيون الاخبار: 134. م (3) علل الشرائع: 190. م (4) في نسخة: فأقامه على العرفة. [ * ]

[ 168 ]

المعرف لأن آدم اعترف عليه بذنبه، فجعل ذلك سنة في ولده يعترفون بذنوبهم كما اعترف أبوهم، ويسألون الله عزوجل التوبة كما سألها أبوهم آدم عليه السلام، ثم أمره جبرئيل فأفاض من عرفات فمر على الجبال السبعة، فأمره أن يكبر على كل جبل أربع تكبيرات ففعل ذلك آدم، ثم انتهى به إلى جمع ثلث الليل فجمع فيها بين المغرب وبين صلاة العشاء الآخرة، فلذلك سميت جمعا " لأن آدم جمع فيها بين الصلاتين، فهو وقت العتمة تلك الليل ثلث الليل (1) في ذلك الموضع، ثم أمره أن ينبطح في بطحاء جمع فتبطح حتى انفجر الصبح، ثم أمره أن يصعد على الجبل جبل جمع وأمره إذا طلعت الشمس أن يعترف بذنبه سبع مرات ويسأل الله عزوجل التوبة والمغفرة سبع مرات، ففعل ذلك آدم كما أمره جبرئيل، وإنما جعل اعترافين ليكون سنة في ولده، فمن لم يدرك عرفات وأدرك جمعا " فقد وفي بحجه، فأفاض آدم من جمع إلى منى فبلغ منى ضحى فأمره أن يصلي ركعتين في مسجد منى، ثم أمره أن يقرب إلى الله عزوجل قربانا " ليقبل الله منه ويعلم أن الله قد تاب عليه، ويكون سنة في ولده بالقربان، فقرب آدم عليه السلام قربانا " فقبل الله منه قربانه و أرسل الله عزوجل نارا من السماء فقبضت قربان آدم، فقال له جبرئيل: إن الله تبارك و تعالى قد أحسن إليك إذ علمك المناسك التي تاب عليك بها وقبل قربانك فاحلق رأسك تواضعا " لله عزوجل إذ قبل قربانك، فحلق آدم رأسه تواضعا " لله تبارك وتعالى ثم أخذ جبرئيل بيد آدم فانطلق به إلى البيت فعرض له إبليس عند الجمرة فقال له: يا آدم أين تريد ؟ قال جبرئيل: يا آدم ارمه بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة تكبيرة، ففعل آدم ذلك كما أمره جبرئيل فذهب إبليس، ثم أخذ بيده في اليوم الثاني فانطلق به إلى الجمرة فعرض له إبليس فقال له جبرئيل: ارمه بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة تكبيرة، ففعل آدم ذلك فذهب إبليس، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فقال له: يا آدم أين تريد ؟ فقال له جبرئيل: ارمه بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة تكبيرة، ففعل ذلك آدم فذهب إبليس، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فقال له: يا آدم أين تريد ؟ فقال له جبرئيل: ارمه بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة تكبيرة، ففعل ذلك آدم فذهب


(1) في نسخة: فوقت العتمة تلك الليل ثلث الليل. [ * ]

[ 169 ]

إبليس، ثم فعل ذلك به في اليوم الثالث والرابع فذهب إبليس، فقال له جبرئيل: إنك لن تراه بعد مقامك هذا أبدا "، ثم انطلق به إلى البيت فأمره أن يطوف بالبيت سبع مرات ففعل ذلك آدم، فقال له جبرئيل: إن الله تبارك وتعالى قد غفر لك وقبل توبتك وحلت لك زوجتك. (1) 16 - ص بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن عبد الحميد بن أبي الذيلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هبط آدم عليه السلام على الصفا ولذلك سمي الصفا، لأن المصطفى هبط عليه، قال الله تعالى: " إن الله اصطفى آدم ونوحا " " وهبطت حواء على المروة وإنما سميت المروة لأن المرأة هبطت عليها، وهما جبلان عن يمين الكعبة وشمالها، فاعتزلها آدم حين فرق بينهما فكان يأتيها بالنهار فيتحدث عندها فإذا كان الليل خشي أن تغلبه نفسه فيرجع فمكث بذلك ما شاء الله، ثم أرسل إليه جبرئيل عليه السلام: فقال: السلام عليك يا آدم. وساق الحديث كما مر. (2) بيان: بطحه كمنعه: ألقاه على وجهه فانبطح، ولعل المراد به هنا الاستلقاء، و المراد بالبطحاء أرض المشعر لا الأبطح المشهور وسيأتي الكلام فيه. 17 - ع: عن علي بن الحاتم، عن حميد بن زياد، عن عبيدالله بن أحمد، عن علي بن الحسن الطاهري، عن محمد بن زياد، عن أبي خديجة (3) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: مر بأبي عليه السلام رجل وهو يطوف فضرب بيده على منكبه ثم قال: أسألك عن خصال ثلاث لا يعرفهن غيرك وغير رجل آخر، فسكت عنه حتى فرغ من طوافه، ثم دخل


(1) علل الشرائع: 139 - 140. م (2) مخطوط. م (3) هو سالم بن مكرم بن عبد الله الجمال الكوفى مولى بنى أسد. يقال: كنيته كانت أبا خديجة وكناه أبو عبد الله عليه السلام أبا سلمة، كان من أصحاب الامام الصادق عليه السلام، وكان أولا من أصحاب أبى الخطاب ثم تاب وصلح، وثقه النجاشي في الفهرست والشيخ في احد قوليه، وضعفه في قوله الاخر. [ * ]

[ 170 ]

الحجر فصلى ركعتين وأنا معه فلما فرغ نادى: أين هذا السائل ؟ فجاء وجلس بين يديه فقال له: سل فسأله عن " ن والقلم وما يسطرون " فأجابه، ثم قال: حدثني عن الملائكة حين ردوا على الرب حيث غضب عليهم كيف رضي عنهم، فقال: إن الملائكة طافوا بالعرش سبع سنين يدعونه ويستغفرونه ويسألونه أن يرضى عنهم فرضي عنهم بعد سبع سنين، فقال: صدقت، ثم قال: حدثني، عن رضى الرب عن آدم، فقال: إن آدم انزل فنزل في الهند وسأل ربه عزوجل هذا البيت فأمره أن يأتيه فيطوف به اسبوعا " ويأتي منى وعرفات فيقضي مناسكه كلها، فجاء من الهند وكان موضع قدميه حيث يطأ عليه عمران، وما بين القدم إلى القدم صحارى ليس فيها شئ، ثم جاء إلى البيت فطاف اسبوعا " وأتى مناسكه فقضاها كما أمره الله فقبل الله منه التوبة وغفر له، قال: فجعل طواف آدم لما طافت (1) الملائكة بالعرش سبع سنين، فقال جبرئيل: هنيئا " لك يا آدم قد غفر لك، لقد طفت بهذا البيت قبلك ثبلاث آلاف سنة، فقال آدم: يا رب اغفر لي ولذريتي من بعدي، فقال: نعم من آمن منهم بي وبرسلي. فقال: صدقت ومضى، فقال أبي عليه السلام: هذا جبرئيل أتاكم يعلمكم معالم دينكم. (2) بيان: لعل المراد بالرجل الآخر الصادق عليه السلام، وقوله عليه السلام: (فجعل طواف آدم لما طافت الملائكة) أي كانت العلة في جعل طواف آدم وسيلة لقبول توبته طواف الملائكة قبل ذلك وتوسلهم بذلك إلى قبول التوبة، وفيه إيماء إلى علة عدد السبع أيضا كما سيأتي، ويمكن الجمع بين ما ورد في هذا الخبر من كون قبول توبتهم بعد سبع سنين وما ورد في خبر الثمالي في الباب الأول من سبعة آلاف سنة بحمل هذا على أصل القبول وحمل ذلك على كماله، ثم إن هذا الخبر يدل على أن الملائكة كانوا يظهرون لأئمتنا عليهم السلام وينافيه بعض الأخبار، وسيأتي الجمع بينهما في كتاب الإمامة. 18 - ع: علي بن عبد الله بن أحمد الاسواري، (3) عن مكي بن أحمد بن سعدويه


(1) في المصدر: بما طافت. م (2) علل الشرائع: 140 - 141. م (3) ينسب إلى أسوارية بفتح أوله - ويضم - وسكون ثانيه: قرية من قرى إصبهان، ينسب إليها عدة كثيرة من المحدثين. [ * ]

[ 171 ]

البردعي، (1) عن نوح بن الحسن، عن جميل بن سعد، عن أحمد بن عبد الواحد بن سليمان العسقلاني، عن القاسم بن جميل، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، (2) عن زر بن حبيش قال: سألت ابن مسعود عن أيام البيض ما سببها ؟ وكيف سمعت ؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إن آدم لما عصى ربه عزوجل ناداه مناد من لدن العرش: يا آدم اخرج من جواري فإنه لا يجاورني أحد عصاني، فبكى وبكت الملائكة، فبعث الله عزوجل إليه جبرئيل فأهبطه إلى الأرض مسودا "، (3) فلما رأته الملائكة ضجت و بكت وانتحبت وقالت: يا رب خلقا " خلقته، (4) ونفخت فيه من روحك، وأسجدت له ملائكتك، بذنب واحد حولت بياضه سوادا " ؟ ! فنادى مناد من السماء: صم لربك اليوم فصام فوافق يوم الثالث عشر من الشهر فذهب ثلث السواد، ثم نودي يوم الرابع عشر: أن صم لربك اليوم فصام فذهب ثلث السواد، ثم نودي في يوم خمسة عشر بالصيام فصام وقد ذهب السواد كله، فسميت أيام البيض للذي رد الله عزوجل فيه على آدم من بياضه، ثم نادى مناد من السماء: يا آدم هذه الثلاثة أيام جعلتها لك ولولدك، من صامها في كل شهر فإنما صام الدهر. قال جميل: قال أحمد بن عبد الواحد: وسمعت أحمد بن شيبان البرمكي يقول: وزاد الحميدي في الحديث: فجلس آدم عليه السلام جلسة القرفصاء ورأسه بين ركبتيه كئيبا " حزينا " فبعث تبارك وتعالى جبرئيل فقال: يا آدم مالي أراك كئيبا " حزينا " ؟ فقال: لا أزال كئيبا "


(1) ينسب إلى بردعة بالفتح فالسكون وفتح الدال المهملة ويروى بالمعجمة، بلد في اقصى آذربايجان يقال انه معرب برده دار، ومعناه بالفارسية موضع السبى، ويقال ايضا: انه مدينة أران، وكان أول من أنشأ عمارتها قباذ الملك، ينسب إليه جماعة من المحدثين منهم: مكى بن أحمد بن سعدويه البرذعى أحد المحدثين المكثرين والرجاليين المحصلين. نزل نيسابور سنة 330 فأقام بها ثم خرج إلى ما وراء النهر سنة 350 وكتب بخراسان ما يتحير فيه الانسان كثرة وتوفى بالشاش سنة 354، ترجمه ياقوت في معجم البلدان. (2) بالنون ثم الجيم هو عاصم بن بهدلة الاسدي مولاهم الكوفى ابو بكر المقرى، قال ابن حجر: صدوق له أوهام، حجة في القراءة، مات سنة 128. (3) لعل المراد منه ما تقدم في الخبر 11 من أنه لما هبط ظهرت فيه شامة سوداء في وجهه من قرنه إلى قدمه. (4) في المصدر: هذا خلقته. م [ * ]

[ 172 ]

حزينا " حتى يأتي أمر الله، فقال: إني رسول الله اليك وهو يقرؤك السلام ويقول: يا آدم حياك الله وبياك، قال: أما حياك الله فأعرفه، فما بياك ؟ قال: أضحكك، قال: فسجد آدم فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا رب زدني جمالا "، فأصبح وله لحية سوداء كالحمم فضرب بيده إليها فقال: يا رب ما هذه ؟ فقال: هذه اللحية زينتك بها أنت وذكور ولدك إلى يوم القيامة. (1) بيان: قال الجوهري: القرفصاء: ضرب من القعود ويمد ويقصر، وهو أن يجلس على ركبتيه منكبا " ويلصق بطنه بفخذيه ويتأبط كفيه وهي جلسة الأعراب. وقال الجزري: هي جلسة المحتبي بيديه. وقال: فيه (إن الملائكة قالت لآدم على نبينا وآله وعليه السلام: حياك الله وبياك) معنى حياك أبقاك من الحياة، وقيل: هو من استقبال المحيا وهو الوجه، وقيل: ملكك وفرحك، وقيل: سلام عليك وهو من التحية السلام، وقال: بياك قيل: هو إتباع لحياك، وقيل: معناه: أضحكك، وقيل: أجل لك ما تحب، وقيل: اعتمدك بالملك، وقيل: تعمدك بالتحية، (2) وقيل: أصله بواء مهموزا فخفف وقلب، أي أسكنك منزلا " في الجنة وهيأك له انتهى. والحمم كصرد: الفحم. 19 - مع: أحمد بن الهيثم، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والائمة بعدهم صلوات الله عليهم، فعرضها على السماوات والأرض والجبال فغشيها نورهم، فقال الله تبارك وتعالى للسماوات والأرض والجبال: هؤلاء أحبائي وأوليائي وحججي على خلقي وأئمة بريتي، ما خلقت خلقا " هو أحب إلى منهم، لهم ولمن تولاهم خلقت جنتي، ولمن خالفهم وعاداهم خلقت ناري، فمن ادعى منزلتهم مني ومحلهم من عظمتي عذبته عذابا " لا اعذبه أحد امن العالمين، وجعلته والمشركين (3) في أسفل درك


(1) علل الشرائع: 133. م (2) في النهاية: تغمدك بالتحية. (3) في نسخة: وجعلته من المشركين. [ * ]

[ 173 ]

من ناري، ومن أقر بولايتهم ولم يدع منزلتهم مني ومكانهم من عظمتي جعلته معهم في روضات جناتي، وكان لهم فيها ما يشاؤون عندي وأبحتهم كرامتي، وأحللتهم جواري، و شفعتهم في المذنبين من عبادي وإمائي، فولايتهم أمانة عند خلقي، فأيكم يحملها بأثقالها ويدعيها لنفسه دون خيراتي ؟ فأبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن من ادعاء منزلتها وتمني محلها من عظمة ربها، فلما أسكن الله عزوجل آدم وزوجته الجنة قال لهما: " كلا منها رغدا " حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة " يعني شجرة الحنطة " فتكونا من الظالمين " فنظرا إلى منزلة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة بعدهم فوجداها أشرف منازل أهل الجنة فقالا: يا ربنا لمن هذه المنزلة ؟ فقال الله جل جلاله: ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشي، فرفعا رؤوسهما فوجدا اسم محمد (1) وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام والأئمة (2) صلوات الله عليهم مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبار جل جلاله، فقالا: يا ربنا ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك ! وما أحبهم إليك ! وما أشرفهم لديك ! فقال الله جل جلاله: لولاهم ما خلقتكما، هؤلاء (3) خزنة علمي وامنائي على سري، إياكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد، وتتمنيا منزلتهم عندي، ومحلهم من كرامتي فتدخلا بذلك في نهيي وعصياني " فتكونا من الظالمين " قالا: ربنا ومن الظالمون ؟ قال: المدعون لمنزلتهم بغير حق، قالا: ربنا فأرنا منازل ظالميهم في نارك حتى نراها كما رأينا منزلتهم في جنتك، فأمر الله تبارك وتعالى النار فأبرزت جميع ما فيها من ألوان النكال والعذاب، وقال الله عزوجل: مكان الظالمين لهم المدعين لمنزلتهم في أسفل درك منها كلما أرادوا أن يخرجوا منها اعيدوا فيها وكلما نضجت جلودهم بدلوا سواها ليذوقوا العذاب، يا آدم وياحواء لا تنظرا إلى أنواري (4) وحججي بعين الحسد فاهبطكما عن جواري وأحل بكما هواني " فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين * فدلهما


(1) في نسخة: فوجدا أسماء محمد اه‍. (2) في نسخة: والائمة بعدهم. (3) في المصدر: لهؤلاء. م (4) لا تنظرا إلى أبراري. [ * ]

[ 174 ]

بغرور " وحملهما على تمني منزلتهم فنظرا إليهم بعين الحسد (1) فخذلا حتى أكلا من شجرة الحنطة، فعاد مكان ما أكلا شعيرا "، فأصل الحنطة كلها مما لم يأكلاه، وأصل الشعير كله مما عاد مكان ما أكلاه، فلما أكلا من الشجرة طار الحلي والحلل عن أجسادهما وبقيا عريانين " وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناديهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين * فقالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " قال: اهبطا من جواري فلا يجاورني في جنتي من يعصيني فهبطا موكولين إلى أنفسهما في طلب المعاش، فلما أراد الله عزوجل أن يتوب عليهما جاءهما جبرئيل فقال لهما: إنكما إنما ظلمتما أنفسكما بتمني منزلة من فضل عليكما فجزاؤكما ما قد عوقبتما به من الهبوط من جوار الله عزوجل إلى أرضه، فسلا ربكما بحق الأسماء التي رأيتموها على ساق العرش حتى يتوب عليكما، فقالا: " اللهم إنا نسألك بحق الأكرمين عليك: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة إلا تبت علينا ورحمتنا " فتاب الله عليهما إنه هو التواب الرحيم، فلم تزل أنبياء الله بعد ذلك يحفظون هذه الأمانة ويخبرون بها أوصياءهم والمخلصين من اممهم فيأبون حملها ويشفقون من ادعائها وحملها الإنسان الذي قد عرف، فأصل كل ظلم منه إلى يوم القيامة، وذلك قول الله عزوجل: " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما " جهولا " ". (2) بيان: لا يتوهم أن آدم عليه السلام صار بتمني منزلتهم من الظالمين المدعين لمنزلتهم على الحقيقة حتى يستحق بذلك أليم النكال، فإن في عده من الظالمين في هذا الخبر نوعا " من التجوز، فإن من تشبه بقوم فهو منهم، وتشبهه عليه السلام بهم في التمني ومخالفة الأمر


(1) قد عرفت قبل ذلك أن الانبياء معصومون في جميع أدوار حياتهم، ولا يصدر عنهم صغيرة ولا كبيرة من الذنب، فعليه لابد أن يحمل قوله ذلك على غير ظاهره فيكون المراد من الحسد الغبطة كما يشير إليه قوله بعد ذلك: إنكما إنما ظلمتما انفسكما بتمني منزلة من فضل عليكما، ويأتى في الخبر الاتى أن آدم لما اطلع على منزلتهم فرح بذلك وهو ينافى الحسد لو قلنا بظاهره، أضف إلى ذلك ان اسناد الحديث لضعفه وجهالة بعض رواته لا يقاوم ما برهن عليه في محله من عصمة الانبياء عليهم السلام، وكل ما ورد في قصص الانبياء عليهم السلام مما ينافى ظاهره عصمتهم فسبيله سبيل ذلك. (2) معاني الاخبار: 38 - 39. م [ * ]

[ 175 ]

الندبي لا في ادعاء المنزلة، ويظهر منها أن حمل الأمانة غير حفظها، يرشدك إليه قوله عليه السلام: (فلم تزل أنبياء الله يحفظون هذه الأمانة) إلى قوله: (فيأبون حملها) فالمراد بحملها ادعاؤها بغير حق، قال الزجاج: كل من خان الأمانة فقد حملها، ومن لم يحمل الأمانة فقد أداها، فآدم عليه السلام لم يكن من الحاملين للأمانة على ما ذهب إليه بعض المفسرين وفسروا الإنسان بآدم عليه السلام، والمراد بالإنسان الذي عرف هو أبو بكر كما تدل عليه أخبار كثيرة، وسيأتي تمام القول في ذلك مع الأخبار الواردة فيه في كتاب الإمامة إن شاء الله. 20 - شف: محمد بن علي الكاتب الإصفهاني، عن علي بن إبراهيم القاضي، عن أبيه، عن جده، عن أبي أحمد الجرجاني، عن عبد الله بن محمد الدهقان، عن إسحاق بن إسرائيل، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنه قال لما خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس فألهمه الله: الحمد لله رب العالمين، فقال له ربه: يرحمك ربك، فلما أسجد له الملائكة تداخله العجب فقال: يا رب خلقت خلقا " أحب إليك مني ؟ فلم يجب، ثم قال الثانية فلم يجب، ثم قال الثالثة فلم يجب، ثم قال الله عزوجل له: نعم ولولاهم ما خلقتك، فقال: يا رب فأرنيهم، فأوحى الله عزوجل إلى ملائكة الحجب: أن ارفعوا الحجب. فلما رفعت إذا آدم بخمسة أشباح قدام العرش، فقال: يا رب من هؤلاء ؟ قال: يا آدم هذا محمد نبيي: وهذا علي أمير المؤمنين ابن عم نبيي ووصيه، وهذه فاطمة ابنة نبيي وهذان الحسن والحسين ابنا علي وولدا نبيي. ثم قال: يا آدم هم ولدك ففرح بذلك، فلما اقترف الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين لما غفرت لي فغفر الله له بهذا، فهذا الذي قال الله عزوجل " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه " فلما هبط إلى الأرض صاغ خاتما " فنقش عليه " محمد رسول الله وعلي أمير المؤمنين " ويكنى آدم بأبى محمد. (1) 21 - مع: ماجيلويه، عن عمه، عن البرفي، عن البزنطي، عن أبان، عن ابن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لقد طاف آدم عليه السلام بالبيت مائة عام ما ينظر إلى حواء


(1) لم نجد الرواية فيما عندنا من نسخة المصدر. [ * ]

[ 176 ]

ولقد بكى على الجنة حتى صار على خديه مثل النهرين العجاجين العظيمين من الدموع، ثم أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: حياك الله وبياك فلما أن قال له: حياك الله تبلج وجهه فرحا " وعلم أن الله قد رضي عنه، قال: وبياك فضحك - وبياك: أضحكك - قال: ولقد قام على باب الكعبة ثيابه جلود الإبل والبقر فقال: " اللهم أقلني عثرتي، واغفر لي ذنبي، و أعدني إلى الدار التي أخرجتني منها " فقال الله عزوجل: قد أقلتك عثرتك، وغفرت لك ذنبك، وساعيدك إلى الدار التي أخرجتك منها. (1) بيان: قال الجزري: في حديث الخيل: (إن مرت بنهر عجاج) أي كثير الماء كأنه يعج من كثرته وصوت تدفقه. أقول: لا يخفى أن هذا الخبر مما يدل على أن جنة آدم هي جنة الخلد، و كذا خبر المفضل حيث قال: فنظر إلى منزلة محمد وعلي، (2) إذ الظاهر أنه رأى منازلهم في جنة الخلد إلا أن يقال: كان جنته في الأرض الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين في البرزخ كما تدل عليه الأخبار، والمراد بالعود العود إليها في البرزخ، وكذا المراد برؤية المنازل رؤية منازلهم في تلك الجنة. (3) 22 - مع، ل: حدثنا أبو الحسن علي بن الفضل بن العباس البغدادي قال: قرأت على أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث قلت: حدثكم محمد بن علي بن خلف العطار، قال: حدثنا الحسين بن الأشقر (4) قال: حدثنا عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله عن الكلمات التي تلقى آدم من ربه فتاب عليه قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي فتاب عليه. (5)


(1) معاني الاخبار 78. (2) وكذا خبر الهروي حيث قال في وصف الشجرة: إن شجر الجنة تحمل أنواعا وليست كشجر الدنيا. وكذا أخبار فيها: < < اهبط إلى الارض > > وكذا خبر المفضل الاتى حيث قال: أراجعي انت إلى الجنة ؟. (3) ولا يخفى بعد هذه الوجوه. (4) وفى نسخة: الحسين الاشقر، ولعله هو الحسين بن الحسن الاشقر الفزارى الكوفى المترجم في التقريب ص 111 بقوله: صدوق بهم ويغلو في التشيع من العاشرة مات سنة 208. (5) معاني الاخبار: 420. الخصال ج 1: 146. م [ * ]

[ 177 ]

23 - مع: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن ابن معروف، عن بكر بن محمد، عن أبي سعيد المدائني يرفعه في قول الله عزوجل: " فتلقى آدم من ربه كلمات " قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. (1) ص: مرسلا " مثله. (2) 24 - مع: (3) الدقاق، عن حمزة العلوي، عن الفزاري، عن محمد بن الحسين الزيات، عن الأزدي، عن المفضل، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " ما هذه الكلمات ؟ قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه وهو أنه قال: " يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي " فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيم، فقلت له: يا ابن رسول الله فما يعني عزوجل بقوله: " أتمهن " ؟ قال: يعني أتمهن إلى القائم عليه السلام اثنا عشر إماما " تسعة من ولد الحسين عليه السلام الخبر. (4) بيان: قال البيضاوي في قوله تعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات ": استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها، وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات على أنها استقبلته وبلغته، وهو قوله: " ربنا ظلمنا أنفسنا " الآية، وقيل " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " وعن ابن عباس قال: يا رب ألم تخلقني بيدك ؟ قال: بلى، قال: يا رب ألم تنفخ في الروح من روحك ؟ قال: بلى، قال: ألم تسكني جنتك ؟ قال: بلى، قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة ؟ قال: نعم، انتهى. (5) أقول: المعتمد ما ورد في الأخبار المعتبرة التي أوردتها في هذا الباب، والجمع بينها بالحمل على الجمع بينها وإن كانت العمدة ما دل عليه أكثرها وهو التوسل بأنوار الأئمة عليهم السلام.


(1) معاني الاخبار: 42. (2) مخطوط. (3) رواه الصدوق ايضا في الخصال في أبواب الخمسة بالاسناد. (4) معاني الاخباره: 42. (5) انوار التنزيل ج 1: 21. م [ * ]

[ 178 ]

25 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال إن آدم عليه السلام بقي على الصفا أربعين صباحا " ساجدا " يبكي على الجنة وعلى خروجه من جوار الله عزوجل، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا آدم مالك تبكي ؟ قال: يا جبرئيل مالي لا أبكي وقد أخرجني الله من جواره وأهبطني إلى الدنيا، قال: يا آدم تب إليه، قال: وكيف أتوب ؟ فأنزل الله عليه قبة من نور في موضع البيت فسطع نورها في جبال مكة فهو الحرم، فأمر الله جبرئيل أن يضع عليه الأعلام، قال: قم يا آدم فخرج به يوم التروية، وأمره أن يغتسل ويحرم واخرج من الجنة أول يوم من ذي القعدة، فلما كان يوم الثامن من ذي الحجة اخرجه جبرئيل عليه السلام إلى منى فبات بها، فلما أصبح أخرجه إلى عرفات وقد كان علمه حين أخرجه من مكة الإحرام وأمره بالتلبية، فلما زالت الشمس يوم العرفة قطع التلبية وأمره أن يغتسل، فلما صلى العصر وقفه بعرفات وعلمه الكلمات التي تلقى بها ربه وهو " سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا " وظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا " وظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا " وظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي إنك أنت التواب الرحيم " فبقي إلى أن غابت الشمس رافعا " يديه إلى السماء يتضرع ويبكي إلى الله، فلما غابت الشمس رده إلى المشعر (1) فبات بها، فلما أصبح قام على المشعر الحرام فدعا الله تعالى بكلمات (2) وتاب عليه، ثم أفضى إلى منى، وأمره جبرئيل عليه السلام أن يحلق الشعر الذي عليه فحلقه ثم رده إلى مكة فأتى به عند الجمرة الاولى فعرض إبليس له عندها فقال: يا آدم أين تريد ؟ فأمره جبرئيل أن يرميه بسبع حصيات وأن يكبر مع كل حصاة تكبيرة ففعل، ثم ذهب فعرض له إبليس عند الجمرة الثانية فأمره أن يرميه بسبع حصيات فرمى وكبر مع كل حصاة تكبيرة، ثم مضى به فعرض له


(1) في المصدر: فبقى إلى ان غابت الشمس فرده إلى المشعر اه‍. وليس بين الجملتين شئ. م (2) الظاهر من تنكير كلمات أنها غير ما تقدم من قوله: سبحانك اللهم إه‍ ولعلها ما تقدم في اخبار اخرى من قوله: اللهم إنى أسألك بحق محمد إه‍. ففى الحديث دلالة لما ذكره المصنف قبل ذلك. [ * ]

[ 179 ]

إبليس عند الجمرة الثالثة وأمره أن يرميه بسبع حصيات فرمى وكبر مع كل حصاة تكبيرة فذهب إبليس وقال له جبرئيل عليه السلام: إنك لن تراه بعد هذا (1) أبدا "، فانطلق به إلى البيت الحرام وأمره أن يطوف به سبع مرات ففعل، فقال له: إن الله قد قبل توبتك وحلت لك زوجتك، فقال: فلما قضى آدم حجه لقيته الملائكة بالأبطح فقالوا: يا آدم بر حجك (2) أما إنا قد حججنا قبلك هذا البيت بألفي عام. (3) بيان: لعل المراد بالأربعين ما يقرب منه تجوزا " لئلا ينافي ما بعده. 26 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن الصادق عليه السلام أنه قال في قوله تعالى: " وبدت لهما سوآتهما ": كانت سوآتهما لا ترى فصارت ترى بارزة، وقال: الشجرة التي نهي عنها آدم هي السنبلة. (4) 27 - وفي رواية اخرى عنه عليه السلام أنه قال: إن الشجرة التي نهي عنها آدم هي شجرة العنب. (5) 28 - ص بالاسناد إلى الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمد، عن الباقر عليه السلام قال: إن آدم لما بنى الكعبة وطاف بها فقال: " اللهم إن لكل عامل أجرا "، اللهم وإني قد عملت " فقيل له: سل يا آدم، فقال: " اللهم اغفر لي ذنبي " فقيل له: قد غفر لك يا آدم، فقال: " ولذريتي من بعدي " فقيل له: يا آدم من باء منهم بذنبه ههنا كما بؤت غفرت له. (6) بيان: باء بذنبه: اعترف به. 29 - ص: بالاسناد عن الصدوق، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل ابن صالح، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: إن آدم لما طاف بالبيت فانتهى إلى الملتزم فقال جبرئيل عليه السلام: أقر لربك بذنوبك في هذا المكان، فوقف آدم فقال: يا رب إن لكل


(1) في المصدر: بعد هذا اليوم. م (2) أي قبل حجك. (3) تفسير القمى: 37 - 38. م (4 و 5 و 6) مخطوط. م. [ * ]

[ 180 ]

عامل أجرا ولقد عملت فما أجري ؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا آدم من جاء من ذريتك إلى هذا المكان فأقر فيه بذنوبه غفرت له. (1) 30 - ص: بهذا الإسناد، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أفاض آدم (2) من عرفات تلقته الملائكة عليهم السلام فقالوا له: بر حجك يا آدم، أما أنا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. (3) 31 - ص: إن آدم عليه السلام لما كثر ولده وولد ولده كانوا يتحدثون عنده وهو ساكت، فقالوا: يا أبه مالك لا تتكلم ؟ فقال: يا بني إن الله جل جلاله لما أخرجني من جواره عهد إلي وقال: أقل كلامك ترجع إلى جواري. (4) 32 - ص: بالإسناد عن الصدوق بإسناده، عن إبراهيم بن محرز، عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه الصلاة والسلام قال: إن آدم عليه السلام نزل بالهند فبنى الله تعالى له البيت وأمره أن يأتيه فيطوف به اسبوعا "، (5) فيأتي منى وعرفات ويقضي مناسكه كما أمر الله، ثم خطا من الهند (6) فكان موضع قدميه حيث خطا عمران، وما بين القدم والقدم صحارى ليس فيها شئ، ثم جاء إلى البيت فطاف به اسبوعا " وقضى مناسكه فقضاها كما أمر الله، فقبل الله منه توبته وغفر له، فقال آدم عليه السلام: يا رب ولذريتي من بعدي، فقال: نعم من آمن بي وبرسلي. (7) بيان: المشهور في أخبار أهل البيت عليهم السلام أن نزول آدم عليه السلام كان على الصفا، ونزول حواء على المروة، وهذا الخبر وأمثاله يخالفها، ويمكن حملها على التقية، إذ المشهور بين العامة أن آدم عليه السلام هبط على جبل في سرنديب يقال له: نوذ، (8) وحواء


(1 - 3 - 4 - 7) مخطوط. (2) أفاض القوم من المكان: اندفعوا منه وتفرقوا. (5) أي سبع مرات. (6) خطا يخطو خطوا: فتح ما بين قدميه ومشى. (8) ضبطه ياقوت في معجم البلدان بالفتح ثم السكون وذال معجمة، قال: هو جبل بسرنديب عنده مهبط آدم عليه السلام، وهو أخصب جبل في الارض، ويقال: أمرع من نوذ وأجدب من برهوت. ويأتى في الحديث 57 هنا وفى الحديث 5 و 17 من الباب الاتى ان هبوطه كان بالهند ويأتى ايضا ما يخالفه. [ * ]

[ 181 ]

هبطت في جدة، ويمكن الجمع أيضا بأن يكون هبوطهما على الصفا والمروة بعد دخولهما مكة من قبيل " اهبطوا مصرا " ". 33 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن هاني بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن بطة عن أبيه، عن محمد بن عبد الوهاب، عن أبي الحارث الفهري، عن عبد الله بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن أبي زيد بن أسلم، (1) عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أكل آدم من الشجرة رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلا رحمتني، فأوحى الله إليه: ومن محمد ؟ فقال: تبارك اسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدرا " ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله إليه: يا آدم إنه لآخر النبيين من ذريتك فلولا محمد ما خلقتك. (2) 34 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن ابن علي الخزاز، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال آدم عليه السلام: " يا رب بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي " فأوحى الله تعالى إليه: يا آدم وما علمك بمحمد ؟ فقال: حين خلقتني رفعت رأسي فرأيت في العرش مكتوبا ": محمد رسول الله علي أمير المؤمنين عليه السلام. (3) 35 - ص: بالإسناد إلى الصدوق عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الكلمات التي تلقى بهن آدم ربه فتاب عليه، قال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك إني عملت سوءا " وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت التواب الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا " وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. (4)


(1) هكذا في النسخ، والظاهر أن لفظة " ابى " زائدة، عنونه ابن حجر في التقريب فقال: عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوى ولد في حياة النبي صلى الله عليه وآله واستشهد أبوه باليمامة، وولى امرة مكة ليزيد بن معاوية ومات سنة بضع وستين، وقيل: كان اسمه محمدا " فغيره عمر انتهى وأبو الحارث الفهرى اسمه عبد الله بن مسلم، ذكره ابن حجر في لسان الميزان قال: عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهرى، روى عن اسماعيل بن مسلمة بن قعنب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبرا " باطلا فيه: يا آدم لولا محمد ما خلقتك، رواه البيهقى في دلائل النبوة. (2 و 3 و 4) مخطوط. م [ * ]

[ 182 ]

36 - شى: (1) عن عطاء، عن أبي جعفر عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنما كان لبث آدم وحواء في الجنة حتى خرج منها سبع ساعات من أيام الدنيا حتى أكلا من الشجرة، فأهبطهما الله إلى الارض من يومهما ذلك، قال: فحاج آدم ربه فقال: يا رب أرأيتك قبل أن تخلقني كنت قدرت علي هذا الذنب وكل ما صرت وأنا صائر إليه، أو هذا شئ فعلته أنا من قبل لم تقدره علي، غلبت علي شقوتي (2) فكان ذلك مني وفعلي لا منك ولا من فعلك ؟ قال له: يا آدم أنا خلقتك وعلمتك أني اسكنك وزوجتك الجنة، وبنعمتي وما جعلت فيك من قوتي قويت بجوارحك على معصيتي، ولم تغب عن عيني، ولم يخل علمي من فعلك ولا مما أنت فاعله، قال آدم: يا رب الحجة لك علي، يا رب فحين خلقتني وصورتني ونفخت في من روحي، (3) وأسجدت لك ملائكتي، ونوهت باسمك في سماواتي، وابتدأتك بكرامتي، وأسكنتك جنتي، ولم أفعل ذلك إلا برضى مني عليك (4) أبلوك بذلك من غير أن تكون عملت لي عملا " تستوجب به عندي ما فعلت بك، قال آدم: يا رب الخير منك والشر مني. قال الله: يا آدم أنا الله الكريم، خلقت الخير قبل الشر، وخلقت رحمتي قبل غضبي، وقدمت بكرامتي قبل هواني، وقدمت باحتجاجي قبل عذابي، يا آدم ألم أنهك عن الشجرة ؟ واخبرك أن الشيطان عدو لك و لزوجتك ؟ واحذركما قبل أن تصيرا إلى الجنة، واعلمكما أنكما إن أكلتما من الشجرة كنتما ظالمين لأنفسكما عاصيين لي ؟ يا آدم لا يجاورني في جنتي ظالم عاص لي، قال: فقال: بلى يا رب الحجة لك علينا، ظلمنا أنفسنا وعصينا وإلا تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين، قال: فلما أقرا لربهما بذنبهما وأن الحجة من الله لهما تداركهما رحمة الرحمن الرحيم فتاب عليهما ربهما إنه هو التواب الرحيم. قال الله: يا آدم اهبط أنت وزوجك إلى الأرض، فإذا أصلحتما أصلحتكما، وإن


(1) أخرجه البحراني عن تفسير العياشي في تفسيره البرهان وفيه اختلافات نشير إلى بعضها. (2) في تفسير البرهان: أو هذا شئ فعلته انا من قبل أن تقدره علي غلبتني شقوتى. (3) الصحيح كما في البرهان: ونفخت في من روحك، قال الله تعالى: يا آدم أسجدت لك ملائكتي اه‍. (4) في نسخة: بنعمة منى عليك. [ * ]

[ 183 ]

عملتما لي قويتكما، وإن تعرضتما لرضاي تسارعت إلى رضاكما، وإن خفتما مني آمنتكما من سخطي، قال: فبكيا عند ذلك وقالا: ربنا فأعنا على صلاح أنفسنا وعلى العمل بما يرضيك عنا، قال الله لهما: إذا عملتما سوءا فتوبا إلي منه أتب عليكما وأنا الله التواب الرحيم. قال: فأهبطنا برحمتك إلى أحب البقاع إليك، قال: فأوحى الله إلى جبرئيل: أن أهبطهما إلى البلدة المباركة مكة، قال: فهبط بهما جبرئيل فألقى آدم على الصفا، وألقى حواء على المروة، قال: فلما القيا قاما على أرجلهما ورفعا رؤوسهما إلى السماء وضجا بأصواتهما بالبكاء إلى الله تعالى وخضعا بأعناقهما، قال: فهتف الله بهما: ما يبكيكما بعد رضاي عنكما ؟ قال: فقالا: ربنا أبكتنا خطيئتنا، وهي أخرجتنا عن جوار ربنا، وقد خفي عنا تقديس ملائكتك لك ربنا، وبدت لنا عوراتنا واضطرنا ذنبنا إلى حرث الدنيا ومطعمها ومشربها، ودخلتنا وحشة شديدة لتفريقك بيننا، قال: فرحمهما الرحمن الرحيم عند ذلك وأوحى إلى جبرئيل: أنا الله الرحمن الرحيم، وأني قد رحمت آدم وحواء لما شكيا إلي فاهبط عليهما بخيمة من خيام الجنة، وعزهما (1) عني بفراق الجنة، واجمع بينهما في الخيمة فإني قد رحمتهما لبكائهما ووحشتهما ووحدتهما، وانصب لهما الخيمة على الترعة التي بين جبال مكة، قال: والترعة مكان البيت وقواعده التي رفعتها الملائكة قبل ذلك، فهبط جبرئيل على آدم بالخيمة على مقدار أركان البيت (2) وقواعده فنصبها، قال: وأنزل جبرئيل آدم من الصفا وأنزل حواء من المروة وجمع بينهما في الخيمة، قال: وكان عمود الخيمة قضيب ياقوت أحمر فأضاء نوره وضوؤه جبال مكة وما حولها، قال: وامتد ضوء العمود (3) فجعله الله حرما فهو مواضع الحرم اليوم، كل ناحية من حيث بلغ ضوء العمود فجعله الله حرما لحرمة الخيمة والعمود لأنهما من الجنة، (4) قال: ولذلك جعل الله الحسنات في الحرم مضاعفة والسيئات فيه مضاعفة، قال: ومدت أطناب الخيمة حولها


(1) عزى الرجل: سلاه. (2) في البرهان: على مكان أركان البيت. (3) في البرهان: وكلما امتد ضوء العمود اه‍. (4) في نسخة وفى البرهان: لانهن من الجنة. [ * ]

[ 184 ]

فمنتهى أوتادها ما حول المسجد الحرام، قال: وكانت أوتادها من غصون الجنة، وأطنابها من ظفائر (1) الارجوان، قال. فأوحى الله إلى جبرئيل: اهبط على الخيمة سبعين ألف ملك يحرسونها من مردة الجن، ويؤنسون آدم وحواء، ويطوفون حول الخيمة تعظيما " للبيت والخيمة، قال: فهبطت الملائكة فكانوا بحضرة (2) الخيمة يحرسونها من مردة الشياطين والعتاة، ويطوفون حول أركان البيت والخيمة كل يوم وليلة كما كانوا يطوفون في السماء حول البيت المعمور، قال وأركان البيت الحرام في الأرض حيال البيت المعمور الذي في السماء. قال: ثم إن الله أوحى إلى جبرئيل بعد ذلك: أن اهبط إلى آدم وحواء فنحهما عن مواضع قواعد بيتي فإني اريد أن أهبط في ظلال من ملائكتي إلى أرضي فأرفع أركان بيتي لملائكتي ولخلقي من ولد آدم، قال: فهبط جبرئيل على آدم وحواء فأخرجهما من الخيمة ونحاهما عن ترعة البيت الحرام ونحى الخيمة عن موضع الترعة، قال: ووضع آدم على الصفا، حواء على المروة، ورفع الخيمة إلى السماء، فقال آدم وحواء: يا جبرئيل بسخط من الله حولتنا وفرقت بيننا أم برضى تقديرا " من الله علينا ؟ فقال لهما: لم يكن ذلك سخطا من الله عليكما، ولكن الله لا يسأل عما يفعل، يا آدم: إن السبعين ألف ملك الذين أنزلهم الله إلى الأرض ليؤنسوك ويطوفون حول أركان البيت والخيمة سألوا الله أن يبني لهم مكان الخيمة بيتا " على موضع الترعة المباركة (3) حيال البيت المعمور فيطوفون حوله كما كانوا يطوفون في السماء حول البيت المعمور، فأوحى الله إلي: أن انحيك و حواء وأرفع الخيمة إلى السماء، فقال آدم: رضينا بتقدير الله ونافذ أمره فينا، فكان آدم على الصفا وحواء على المروة، قال: فدخل آدم لفراق حواء وحشة شديدة وحزن قال: فهبط من الصفا يريد المروة شوقا " إلى حواء وليسلم عليها وكان فيما بين الصفا والمروة واد وكان آدم يرى المروة من فوق الصفا، فلما انتهى إلى موضع الوادي غابت عنه المروة فسعى في الوادي حذرا لما لم ير المروة مخافة أن يكون قد ضل عن طريقه، فلما أن جاز الوادي


(1) هكذا في النسخ وفى البرهان ولعله مصحف < < ضفائر > >. راجع بيان المصنف. (2) الحضرة بالتثليث: الجنب. القرب. الفناء. (3) في البرهان: على طول مواضع الترعة المباركة. [ * ]

[ 185 ]

وارتفع عنه نظر إلى المروة فمشى حتى انتهى إلى المروة فصعد عليها فسلم على حواء، ثم أقبلا بوجههما نحو موضع الترعة ينظر ان هل رفع قواعد البيت ويسألان الله أن يردهما إلى مكانهما حتى هبط من المروة فرجع إلى الصفا فقام عليه وأقبل بوجهه نحو موضع الترعة فدعا الله، ثم إنه اشتاق إلى حواء فهبط من الصفا يريد المروة ففعل مثل ما فعله في المرة الاولى، ثم رجع إلى الصفا ففعل عليه مثل ما فعل في المرة الاولى، ثم إنه هبط من الصفا إلى المروة ففعل مثل ما فعل في المرتين الاوليين، (1) ثم رجع إلى الصفا فقام عليه ودعا الله أن يجمع بينه وبين زوجته حواء، قال: فكان ذهاب آدم من الصفا إلى المروة ثلاث مرات ورجوعه ثلاث مرات فذلك ستة أشواط، فلما أن دعيا الله وبكيا إليه وسألاه أن يجمع بينهما استجاب الله لهما من ساعتهما من يومهما ذلك مع زوال الشمس، فأتاه جبرئيل وهو على الصفا واقف يدعو الله مقبلا " بوجهه نحو الترعة فقال له جبرئيل عليه السلام: انزل يا آدم من الصفا فالحق بحواء، فنزل آدم من الصفا إلى المروة ففعل مثل ما فعل في الثلاث المرات حتى انتهى إلى المروة فصعد عليها وأخبر حواء بما أخبره جبرئيل عليه السلام ففرحا بذلك فرحا " شديدا " وحمدا الله وشكراه، فلذلك جرت السنة بالسعي بين الصفا والمروة، ولذلك قال الله: " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ". قال: ثم إن جبرئيل أتاهما فأنزلهما من المروة وأخبرهما أن الجبار تبارك و تعالى قد هبط إلى الأرض فرفع قواعد البيت الحرام بحجر من الصفا، وحجر من المروة وحجر من طور سيناء، وحجر من جبل السلام وهو ظهر الكوفة، فأوحى الله إلى جبرئيل أن ابنه وأتمه، قال: فاقتلع جبرئيل الأحجار الأربعة بأمر الله من مواضعهن بجناحيه فوضعهما حيث أمره الله في أركان البيت على قواعده التي قدرها الجبار ونصب أعلامها، ثم أوحى الله إلى جبرئيل: أن ابنه وأتممه بحجارة من أبي قبيس، واجعل له بابين: باب شرقي، وباب غربي، قال: فأتمه جبرئيل، فلما أن فرغ منه طافت الملائكة حوله،


(1) في البرهان: وأقبل بوجهه نحو موضع الترعة فدعا، ثم انه اشتاق إلى حواء فهبط من الصفا يريد المروة ففعل مثل ما فعل في المرتين الاوليين. ولم يزد على ذلك. [ * ]

[ 186 ]

فلما نظر آدم وحواء إلى الملائكة يطوفون حول البيت انطلقا فطافا بالبيت سبعة أشواط، ثم خرجا يطلبان ما يأكلان وذلك من يومهما الذي هبط بهما فيه. (1) بيان: الترعة بالتاء المثناة من فوق والراء المهملة: الدرجة والروضة في مكان مرتفع، ولعل المراد هنا الدرجة لكون قواعد البيت مرتفعة، وفي بعض النسخ بالنون والزاي المعجمة، أي المكان الخالي عن الأشجار والجبال تشبيها بنزعة الرأس. وظفائر الارجوان في أكثر نسخ الحديث بالظاء، ولعله تصحيف الضاد، قال الجزري: الضفر: النسج، والضفائر: الذوائب المضفورة. والضفير: حبل مفتول من شعر انتهى. والارجوان صبغ أحمر شديد الحمرة وكأنه معرب أرغوان. وهبوطه تعالى كناية عن توجه أمره و اهتمامه بصدور ذلك الأمر (2) كما قال تعالى: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " (3) والظلال: ما أظلك من شئ، وههنا كناية عن كثرة الملائكة واجتماعهم، أي اهبط أمري مع جم غفير من الملائكة. واليوم المذكور في آخر الخبر لعل المراد به اليوم من أيام الآخرة كما مر. وقد سقط فيما عندنا من نسخ العياشي من أول الخبر شئ تركناه كما وجدناه. 37 - شى: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه فتاب عليه وهدى قال: " سبحانك اللهم وبحمدك إني عملت سوءا " وظلمت نفسي فاغفر لي إنك الغفور الرحيم اللهم إنه لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك إني عملت سوءا " وظلمت نفسي واغفر لي إنك أنت خير الغافرين اللهم إنه لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك إني عملت سوءا " وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ". (4) 38 - وقال الحسن بن راشد: إذا استيقظت من منامك فقال الكلمات التي تلقى.


(1 و 4) تفسير العياشي مخطوط. م (2) ولذلك ترى أن جبرئيل يقول لادم - وهو يفسر وحيه تعالى إليه -: أوحى الله إلى أن انحيك وحواء وأرفع الخيمة إلى السماء، فلو كان معنى الهبوط على ظاهره لم يكن احتياج إلى رفعها إلى السماء، وكان فعل جبرئيل ما لم يكن به مأمورا ". (3) البقرة: 210. [ * ]

[ 187 ]

بها آدم من ربه: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبقت رحمتك غضبك، لا إله إلا أنت إني ظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني إنك انت التواب الرحيم الغفور. (1) 39 - شى: عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى عرض على آدم في الميثاق ذريته، فمر به النبي صلى الله عليه وآله وهو متكئ على علي عليه السلام، وفاطمة صلوات الله عليها تتلوهما، والحسن والحسين عليهما السلام يتلوان فاطمة، فقال الله: يا آدم إياك أن تنظر إليه بحسد اهبطك من جواري، فلما أسكنه الله الجنة مثل له النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم فنظر إليهم بحسد ثم عرضت عليه الولاية فأنكرها فرمته الجنة بأوراقها، فلما تاب إلى الله من حسده وأقر بالولاية ودعا بحق الخمسة: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم غفر الله له، وذلك قوله: " فتلقى آدم من ربه كلمات " الآية. (2) 40 - شى: عن محمد بن عيسى بن عبد الله العلوي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال: يا رب أسألك بحق محمد لما تبت علي، قال: وما علمك بمحمد ؟ قال: رأيته في سرادقك الأعظم مكتوبا " وأنا في الجنة. (3) 41 - شى: عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ولا تقربا هذه الشجرة " يعني لا تأكلا منها. (4) 42 - شى: عن موسي بن محمد بن علي، عن أخيه أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: الشجرة التي نهى الله آدم وزوجته أن يأكلا منها شجرة الحسد، عهد إليهما أن لا ينظرا إلى من فضل الله عليه وعلى خلائقه بعين الحسد، ولم يجد الله له عزما ". (5) 43 - شى: عن جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما قال: سألته كيف أخذ الله آدم بالنسيان ؟ فقال: إنه لم ينس وكيف ينسى وهو يذكره ويقول له إبليس: " ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين " (6) بيان: فالنسيان بمعنى الترك كما ورد في اللغة. (7)


(1 - 6) مخطوط. م (7) بل الظاهر أن النسيان هنا بمعناه. ولم نعرف ما أراد قدس سره من ذلك، ولعله أراد أن النسيان في قوله تعالى: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى " بمعنى الترك حتى لا ينافى قوله عليه السلام: إنه لم ينس. [ * ]

[ 188 ]

44 - شى: عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله أن موسى سأل ربه أن يجمع بينه وبين أبيه آدم حيث عرج إلى السماء في أمر الصلاة ففعل، فقال له موسى: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأباح لك جنته، وأسكنك جواره، وكلمك قبلا، ثم نهاك عن شجرة واحدة فلم تصبر عنها حتى اهبطت إلى الأرض بسببها فلم تستطع أن تضبط نفسك عنها حتى أغراك إبليس فأطعته، فأنت الذي أخرجتنا من الجنة بمعصيتك. فقال له آدم: ارفق بأبيك أي بني فيما لقي في أمر هذه الشجرة، (1) يا بني إن عدوي أتاني من وجه المكر والخديعة فحلف لي بالله إنه في مشورته علي إنه لمن الناصحين، وذلك إنه قال لي منتصحا ": إني لشأنك يا آدم لمغموم، قلت: وكيف ؟ قال: قد كنت آنست بك وبقربك مني، وأنت تخرج مما أنت فيه إلى ما ستكرهه، فقلت له: وما الحيلة ؟ فقال: إن الحيلة هوذا هو معك، أفلا أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ؟ فكلا منها أنت و زوجك فتصيرا معي في الجنة أبدا " من الخالدين، وحلف لي بالله كاذبا " إنه لمن الناصحين، ولم أظن يا موسى أن أحدا " يحلف بالله كاذبا " فوثقت بيمينه، فهذا عذري، فأخبرني يا بني هل تجد فيما أنزل الله إليك أن خطيئتي كائنة من قبل أن اخلق ؟ قال له موسى: بدهر طويل. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فحج آدم موسى، (2) قال ذلك ثلاثا ". (3) 45 - شى: عن عبد الله بن سنان قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر: كم لبث آدم وزوجه في الجنة حتى أخرجهما منها خطيئتهما ؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى نفخ في آدم روحه بعد زوال الشمس من يوم الجمعة، ثم برأ زوجته من أسفل أضلاعه، ثم أسجد له ملائكته وأسكنه جنته من يوم ذلك، فوالله ما استقر فيها إلا ست ساعات في يومه ذلك حتى عصى الله فأخرجهما الله منها بعد غروب الشمس، وما باتا فيها وصيرا بفناء الجنة حتى أصبحا فبدت لهما سوآتهما وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكم الشجرة ؟ فاستحيى آدم من ربه وخضع، وقال: ربنا ظلمنا أنفسنا واعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا، قال الله لهما: اهبطا من


(1) في نسخة: فما لقى في أمر هذه الشجرة ؟ (2) راجع ما تقدم من المصنف ذيل الخبر السادس. (3) مخطوط. م [ * ]

[ 189 ]

سماواتي إلى الأرض فإنه لا يجاورني في جنتي عاص ولا في سماواتي، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: إن آدم لما أكل من الشجرة ذكر ما نهاه الله عنها فندم فذهب ليتنحى من الشجرة فأخذت الشجرة برأسه فجرته إليها وقالت له: أفلا كان فرار من قبل أن تأكل مني ؟ (1) بيان: هذا الخبر مصرح بكون جنتهما في السماء. (2) 46 - شى: عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " فبدت لهما سوآتهما " قال: كانت سوآتهما لا تبدو لهما فبدت، يعني كانت من داخل. (3) 47 - م: قوله عزوجل: " وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا " حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا " فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبو بآياتنا اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " قال الإمام عليه السلام: وإن الله عزوجل لما لعن إبليس بإبائه وأكرم الملائكة لسجودها لآدم وطاعتهم لله عزوجل أمر بآدم وحواء إلى الجنة وقال: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا من الجنة رغدا " واسعا " حيث شئتما بلا تعب، ولا تقربا هذه الشجرة، شجرة العلم، شجرة علم محمد وآل محمد، آثرهم الله تعالى به دون سائر خلقه، فقال الله تعالى: " ولا تقربا هذه الشجرة " شجرة العلم فإنها لمحمد وآله خاصة دون غيرهم، لا يتناول منها بأمر الله إلا هم ومنها ما كان يتناوله النبي صلى الله عليه وآله (4) وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين بعد إطعامهم المسكين واليتيم والأسير حتى لم يحسوا بعد بجوع ولا عطش ولا تعب ولا


(1) مخطوط. (2) أقول: الاختلافات الواردة في تلك الاخبار في مدة مكث آدم على نبينا وآله وعليه السلام في الجنة بالسبع والست والخمس ساعات على تقدير صحة الجميع يمكن حملها على اختلاف الاصطلاح فيها من المستوية والمعوجة والعرفية، أو حمل بعضها على التقية. والله يعلم. منه طاب الله ثراه. (3) تفسير العياشي مخطوط. وقد تقدم مثله عن القمى تحت رقم 1. (4) في نسخة: ومنها ما كان تناوله النبي صلى الله عليه وآله. [ * ]

[ 190 ]

نصب، وهي شجرة تميزت من بين أشجار الجنة، إن سائر أشجار الجنة كان كل نوع منها يحمل نوعا " من الثمار والمأكول، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البر والعنب والتين والعناب وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة، فلذلك اختلف الحاكون بذكر الشجرة (1) فقال بعضهم: هي برة، وقال آخرون: هي عنبة، وقال آخرون: هي تينة وقال آخرون: هي عنابة، وقال الله: " ولا تقربا هذه الشجرة " تلتمسان بذلك درجة محمد وآل محمد في فضلهم، فإن الله عزوجل خصهم بهذه الدرجة دون غيرهم، وهي الشجرة التي من تناول منها بإذن الله الهم علم الأولين والآخرين من غير تعلم، ومن تناول منها بغير إذن الله خاب من مراده وعصى ربه " فتكونا من الظالمين " بمعصيتكما والتماسكما درجة قد اوثر بها غيركما إذا رمتما (2) بغير حكم الله، قال الله تعالى: " فأزلهما الشيطان عنها " عن الجنة بوسوسته وخديعته وإيهامه (3) وغروره بأن بدأ بآدم فقال: " ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين " إن تناولتما منها تعلمان الغيب وتقدران على ما يقدر عليه من خصه الله تعالى بالقدرة " أو تكونا من الخالدين " لا تموتان أبدا " " وقاسمهما " حلف لهما " إني لكما لمن الناصحين " وكان إبليس بين لحيي (4) الحية أدخلته الجنة، وكان آدم يظن أن الحية هي التي تخاطبه، ولم يعلم أن إبليس قد اختبأ بين لحييها، فرد آدم على الحية: أيتها الحية هذا من غرور إبليس كيف يخوننا ربنا ؟ أم كيف تعظمين الله بالقسم به وأنت تنسبينه إلى الخيانة وسوء النظر وهو أكرم الأكرمين ؟ أم كيف أروم التوصل إلى ما منعني منه ربي وأتعاطاه (5) بغير حكمة ؟ فلما أيس إبليس من قبول آدم منه عاد ثانية بين لحيي الحية فخاطب حواء من حيث يوهمها أن الحية هي التي تخاطبها وقال: يا حواء أرأيت هذه الشجرة التي كان الله عزوجل حرمها عليكما قد أحلها لكما بعد تحريمها لما عرف من حسن طاعتكما له وتوقيركما إياه ؟ وذلك أن الملائكة الموكلين


(1) في نسخة: فكذلك اختلف الحاكون لذكر الشجرة. (2) رام الشئ: أراده. (3) أوهمه: أوقعه في الوهم. (4) اللحى: عظم الحنك الذى عليه الاسنان،. (5) تعاطى الشئ: تناوله. الامر: قام به أو خاض فيه. [ * ]

[ 191 ]

بالشجرة التي معها الحراب يدفعون عنها سائر حيوانات الجنة لا يدفعونكما عنها إن رمتما فاعلما بذلك (1) أنه قد أحل لك، وابشري بأنك إن تناولتها قبل آدم كنت أنت المسلطة عليه، الآمرة الناهية فوقه. فقالت حواء: سوف اجرب هذا، فرامت الشجرة فأرادت الملائكة أن يدفعوها عنها بحرابها فأوحى الله إليها: إنما تدفعون بحرابكم مالا عقل له يزجر، وأماما جعلته ممكنا " مميزا " مختارا " فكلوه إلى عقله الذي جعلته حجة عليه فإن أطاع استحق ثوابي، وإن عصى وخالف أمري استحق عقابي وجزائي، فتركوها ولم يتعرضوا لها (2) بعد ما هموا بمنعها بحرابهم، فظنت أن الله نهاهم عن منعها لأنه قد أحلها بعد ما حرمها، فقالت: صدقت الحية، وظنت أن المخاطب لها هي الحية، فتناولت منها ولم تنكر من نفسها شيئا "، فقالت لآدم: ألم تعلم أن الشجرة المحرمة علينا قد ابيحت لنا ؟ تناولت منها ولم تمنعي أملاكها، (3) ولم أنكر شيئا " من حالي، فلذلك اغتر آدم (4) وغلط فتناول فأصابهما ما قال الله تعالى في كتابه: " فأزلهما الشيطان عنها " بوسوسته و غروره " فأخرجهما مما كانا فيه " من النعيم. " وقلنا " يا آدم وياحواء ويا أيها الحية ويا إبليس " اهبطوا بعضكم لبعض عدو " آدم وحواء وولدهما عدو للحية وإبليس، والحية وأولادهما أعداؤكم " ولكم في الأرض مستقر " منزل ومقر للمعاش " ومتاع " منفعة " إلى حين " الموت، قال الله تعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات " يقولها فقالها " فتاب " الله " عليه " بها " إنه هو التواب الرحيم " التواب القابل التوبات، الرحيم بالتائبين " قلنا اهبطوا منها جميعا " " كان أمر في الأول أن يهبطا، (5) وفي الثاني أمرهم أن يهبطوا جميعا " لا يتقدم أحدهم الآخر، والهبوط إنما هو هبوط آدم وحواء من الجنة، وهبوط الحية أيضا " منها فإنها كانت من أحسن دوابها، وهبوط إبليس من حواليها فإنه كان محرما " عليه دخول الجنة " فإما يأتينكم مني هدى " يأتيكم وأولادكم من بعدكم مني هدى يا آدم ويا إبليس " فمن تبع هداي


(1) في نسخة: يدفعون عنها سائر حيوان الجنة لا يدفعك عنها إن رمتها فاعلمي بذلك. (2) في نسخة: ولم يعرضوا لها. (3) في نسخة: فلم تمنعني أملاكها. (4) في نسخة: فذلك حين اغتر آدم. (5) في نسخة: أن يهبطوا. [ * ]

[ 192 ]

فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " لا خوف عليهم حين يخاف المخالفون، ولا يحزنون إذا يحزنون، قال: فلما زالت من آدم الخطيئة اعتذر إلى ربه عزوجل وقال: رب تب علي، واقبل معذرتي، وأعدني إلى مرتبتي، وارفع لديك درجتي فلقد تبين نقص الخطيئة وذلها في أعضائي (1) وسائر بدني، قال الله تعالى: يا آدم أما تذكر أمري إياك أن تدعوني (2) بمحمد وآله الطيبين عند شدائدك ودواهيك وفي النوازل تبهظك ؟ قال آدم: يا رب بلى، قال الله عزو جل فبهم وبمحمد وعلي (3) وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم خصوصا " فادعني اجبك إلى ملتمسك، وأزدك فوق مرادك، فقال آدم: يا رب ياإلهي وقد بلغ عندك من محلهم أنك بالتوسل إليك بهم تقبل توبتي وتغفر خطيئتي وأنا الذي أسجدت له ملائكتك، وأبحته جنتك، وزوجته حواء أمتك، وأخدمته كرام ملائكتك، قال الله تعالى: يا آدم إنما أمرت الملائكة بتعظيمك بالسجود لك إذ كنت وعاء لهذه الانوار، ولو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها وأن افطنك لدواعي عدوك إبليس حتى تحترز منها لكنت قد جعلت لك، ولكن المعلوم في سابق علمي يجري موافقا لعلمي، فالآن فادعني بهم (4) لاجيبك، فعند ذلك قال آدم: " اللهم بجاه محمد وآله الطيبين، بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم لما تفضلت بقبول توبتي وغفران زلتي وإعادتي من كرامتك إلى مرتبتي (5) " قال الله عزوجل: قد قبلت توبتك، وأقبلت برضواني عليك، وصرفت آلائي ونعمائي إليك، وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتي، ووفرت نصيبك من رحماتي، فذلك قوله عزوجل: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم " ثم قال الله تعالى للذين أهبطهم من آدم وحواء وإبليس والحية " ولكم في الأرض مستقر " مقام فيها تعيشون، وتحثكم لياليها وأيامها إلى السعي للآخرة، (6) فطوبى


(1) في نسخة: وذلها بأعضائى. (2) في نسخة: بأن تدعوني. (3) في المصدر وفى البرهان قال الله عزوجل: فتوسل بمحمد وعلى إه‍. (4) في نسخة: فالان فبهم فادعني. (5) في نسخة: ؤ إعادتى من كراماتك إلى مرتبتي. (6) في نسخة: إلى السعي في الاخرة، وفى البرهان: إلى الاخرة. [ * ]

[ 193 ]

لمن يروضها لدار البقاء " ومتاع إلى حين " لكم في الأرض منفعة إلى حين موتكم، لأن الله تعالى منها يخرج زروعكم وثماركم وبها ينزهكم وينعمكم، وفيها أيض " ا بالبلايا يمتحنكم، يلذذكم بنعيم الدنيا تارة لتذكروا نعيم الاخرى الخالص مما ينغص نعيم الدنيا و يبطله ويزهد فيه ويصغره ويحقره، ويمتحنكم تارة ببلايا الدنيا التي قد تكون في خلالها الرحمات، وفي تضاعيفها النعم (1) التي تدفع عن المبتلى بها مكاره (2) ليحذركم بذلك عذاب الأبد الذي لا يشوبه عافية، ولا يقع في تضاعفيه راحة ولا رحمة " وقلنا اهبطوا " قد فسر، ثم قال الله عزوجل: " والذين كفروا وكذبوا بآياتنا " الدالات على صدق محمد على ما جاء به من أخبار القرون السالفة (3) وعلى ما أداه إلى عباد الله من ذكر تفضيله لعلي عليه السلام وآله الطيبين خير الفاضلين والفاضلات بعد محمد سيد البريات " اولئك " الدافعون لصدق محمد في أنبائه والمكذبون له في تصديقه لأوليائه (4) علي سيد الأوصياء والمنتجبين من ذريته الطيبين الطاهرين. (5) بيان: تبهظك أي تثقل عليك من قولهم: بهظه الحمل يبهظه بهظا أي أثقله و عجز عنه. قوله عليه السلام: (يروضها) من راض الدابة أي علمها وذللها، ولما شبه عليه السلام الأيام والليالي بالمركب الذي يسرع بنا إلى الأجل نسب إليها الروض ترشيحا، فمن سعى للآخرة فكأنما راض هذه الدابة للتوجه إلى الآخرة وتحصيل سعاداتها. ونغص عيشه: كدره. ثم اعلم أنه اختلف في كيفية وصول إبليس إلى آدم وحواء حتى وسوس إليهما وإبليس كان قد اخرج من الجنة حين أبى السجود وهما في الجنة، فقيل: إن آدم كان يخرج إلى باب الجنة وإبليس لم يكن ممنوعا " من الدنو منه فكان يكلمه، وكان هذا قبل أن يهبط إلى الأرض وبعد أن اخرج من الجنة، وقيل: إنه كلمهما من الأرض بكلام عرفاه وفهماه منه، وقيل: إنه دخل في فقم الحية وخاطبهما من فقمها، والفقم: جانب


(1) في نسخة: وفى تضاعيفها النغمات المحجفة. (2) في نسخة: تدفع عن المبتلى بها مكارهه. وفى اخرى: مكارهها. (3) في نسخة: من أخبار القرون السالفات. (4) في نسخة: والمكذبون له في نصبه لاوليائه. (5) تفسير الامام: 90 - 91. م [ * ]

[ 194 ]

الشدق، قال صاحب الكامل: إن إبليس أراد دخول الجنة فمنعته الخزنة، فأتى كل دابة من دواب الأرض وعرض نفسه عليها أن تحمله حتى يدخل الجنة ليكلم آدم وزوجه فكل الدواب أبى عليه ذلك حتى أتى الحية وقال لها: أمنعك من ابن آدم فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتني، فجعلته ما بين نابين من أنيابها ثم دخلت به وكانت كاسية على أربع قوائم من أحسن دابة خلقها الله تعالى كأنها بختية فأعراها الله تعالى وجعلها تمشي على بطنها انتهى. وقيل: راسلهما بالخطاب، وظاهر القرآن يدل على المشافهة، وهذا الخبر يدل على الثالث. 48 - كا: علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل لما أصاب آدم وزوجته الحنطة (1) أخرجهما من الجنة وأهبطهما إلى الأرض فأهبط آدم على الصفا وأهبطت حواء على المروة، وإنما سمي صفا لأنه شق له من اسم آدم المصطفى، و ذلك لقول الله عزوجل: " إن الله اصطفى آدم ونوحا " " وسميت المروة مروة لأنه شق لها من اسم المرأة، فقال آدم: ما فرق بيني وبينها إلا لأنها لا تحل لي، ولو كانت تحل لي هبطت معي على الصفا، ولكنها حرمت على من أجل ذلك وفرق بيني وبينها، فمكث آدم معتزلا " حواء فكان يأتيها نهارا " فيتحدث عندها على المروة، فإذا كان الليل وخاف أن تغلبه نفسه يرجع إلى الصفا فيبيت عليه، ولم يكن لآدم أنس (2) غيرها، ولذلك سمين النساء من أجل أن حواء كانت أنسا " لآدم، لا يكلمه الله ولا يرسل إليه (3) رسولا "، ثم إن الله عزوجل من عليه بالتوبة وتلقاه بكلمات، فلما تكلم بها تاب الله عليه وبعث إليه جبرئيل عليه السلام فقال: السلام عليك يا آدم التائب من خطيئته، الصابر لبليته إن الله عزوجل أرسلني إليك لأعلمك المناسك التي تطهر بها، فأخذ بيده فانطلق به إلى مكان البيت، و أنزل الله عليه غمامة فأظلت مكان البيت، وكانت الغمامة بحيال البيت المعمور، فقال: يا


(1) في نسخة: لما أصاب آدم وزوجته الخطيئة. (2) الانس بفتح الاوليين: من تأنس به. (3) في نسخة: ولا يرسل له. [ * ]

[ 195 ]

آدم خط برجلك حيث أظلت عليك هذه الغمامة، (1) فإنه سيخرج لك بيتا " (2) من مهاة (3) يكون قبلتك وقبلة عقبك من بعدك، ففعل آدم عليه السلام وأخرج الله له تحت الغمامة بيتا " من مهاة، وأنزل الله الحجر الأسود فكان (4) أشد بياضا من اللبن، وأضوأ من الشمس وإنما اسود لأن المشركين تمسحوا به، فمن نجس المشركين اسود الحجر، وأمره جبرئيل عليه السلام أن يستغفر الله من ذنبه عند جميع المشاعر ويخبره أن الله (5) عزوجل قد غفر له، وأمره أن يحمل حصيات الجمار من المزدلفة، فلما بلغ موضع الجمار تعرض له ابليس فقال له: يا آدم أين تريد ؟ فقال له جبرئيل: لا تكلمه وارمه بسبع حصيات و كبر مع كل حصاة، ففعل آدم حتى فرغ من رمي الجمار، وأمره أن يقرب القربان هو الهدي قبل رمي الجمار، وأمره أن يحلق رأسه تواضعا " لله عزوجل ففعل آدم ذلك، ثم أمره بزيارة البيت وأن يطوف به سبعا "، و (أن خ ل) يسعى بين الصفا والمروة اسبوعا " يبدء بالصفا ويختم بالمروة، ثم يطوف بعد ذلك اسبوعا " بالبيت وهو طواف النساء لا يحل لمحرم أن يباضع حتى يطوف طواف النساء، ففعل آدم، فقال له جبرئيل: إن الله عزوجل قد غفر ذنبك، وقبل توبتك، وأحل لك زوجتك، فانطلق آدم وقد غفر له ذنبه، وقبلت منه توبته وحلت له زوجته. (6) 49 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن جعفر بن محمد بن عبيدالله، عن محمد بن عيسى القمي، عن محمد بن سليمان، (7) عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله:


(1) في نسخة: حيث أظلتك هذه الغمامة. (2) في نسخة: سيخرج لك بيت. (3) قال الطريحي في المجمع: في الحديث: < < موضع البيت مهاة بيضاء > > يعنى درة بيضاء، وفى القاموس: المهاة بالفتح: البلورة وتجمع على مهيات ومهوات، ومنه حديث آدم: ونزل جبرئيل بمهاة من الجنة وحلق رأسه بها. (4) في نسخة: وكان. (5) في نسخة: وأخبره أن الله. (6) فروع الكافي ج 1: 216 - 217. م (7) هو محمد بن سليمان الديلمى ضعفه النجاشي وغيره، والحديث ضعيف به وبغيره، ومع ذلك فيحتمل أن يكون الزائد من باب التفسير دون التحريف، والا فالحديث مخالف لما أجمع عليه الامامية من عدم وقوع تحريف في القرآن. [ * ]

[ 196 ]

ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم فنسي، هكذا والله أنزلت على محمد صلى الله عليه وآله. (1) 50 - كا: محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد، عن العباس بن معروف، عن علي ابن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد قال: حدثني أبو بلال المكي قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام طاف بالبيت ثم صلى فيما بين الباب والحجر الأسود ركعتين، فقلت له: ما رأيت أحدا " منكم صلى في هذا الموضع. فقال: هذا المكان الذي تيب على آدم فيه. (2) 51 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن محمد العلوي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن آدم حيث حج مما حلق رأسه ؟ فقال: نزل عليه جبرئيل عليه السلام بياقوتة من الجنة فأمرها على رأسه فتناثر شعره. (3) 52 - أقول: روى السيد في كتاب سعد السعود أنه رأى في صحف إدريس عليه السلام: أمر الله الملائكة فحملت آدم وزوجته حواء على كرسي من نور وأدخلوهما الجنة فوضعا في وسط الفردوس من ناحية المشرق. (4) ثم ذكر حديث إقامة آدم عليه السلام خمس ساعات من نهار ذلك اليوم في الجنة وأكله من الشجرة. وذكر حديث إخراجه من الجنة وهبوط آدم بأرض الهند على جبل اسمه باسم (5) على واد اسمه نهيل بين الدهنج والمندل بلدي الهند، وهبطت حواء بجدة، ومعاينة الله جل جلاله لهما، (6) ثم قال الله لهما: قد بتما ليلتكما هذه لا يعرف أحدكما مكان صاحبه وأنتما بعيني وحفظي، أنا جامع بينكما في عافية، وإن أفضل أوقات العباد (7) الوقت


(1) لم نجد الرواية فيما عندنا من نسخ المصدر. م (2 و 3) فروع الكافي ج 1: 218. م (4) هذا أيضا مما تدل على أن الجنة التى اخرج منها آدم هي جنة الخلد. (5) في نسخة: بابم، وفى المصدر: وهبوط آدم بأرض الهند على جبل اسمه نهيل بين الذبيح والمندل في بلدي الهند. ولم نجد في المعاجم غير المندل، قال ياقوت في معجم البلدان: مندل بالفتح بلد بالهند منه يجلب العود الفائق الذى يقال له المندلى. وتقدم ذيل الحديث 32 أنه هبط على جبل في سرنديب يقال له نوذ. (6) في المصدر: ومعاتبة الله لهما. (7) في المصدر: وان أفضل أوقات الصلاة للعباد. [ * ]

[ 197 ]

الذي أدخلتك وزوجتك الجنة عند زوال الشمس، فسبحتماني فيها فكتبتها صلاة وسميتها لذلك الاولى، وكانت في أفضل الأيام يوم الجمعة (1) ثم أهبطتكما إلى الأرض وقت العصر فسبحتماني فيها فكتبتها لكما أيضا " صلاة وسميتها لذلك بصلاة العصر، ثم غابت الشمس فصليت لي فيها فسميتها صلاة المغرب، ثم جلست لي حين غاب الشفق فسميتها صلاة العشاء، وقد فرضت عليك وعلى نسلك في كل يوم وليلة خمسين ركعة فيها مائة سجدة، فصلها يا آدم أكتب لك ولمن صلاها من نسلك ألفين وخمسمائة صلاة، وهذا شهر نيسان المبارك فصمه لي، فصام آدم ثلاثة أيام من شهر نيسان. وذكر حديث فطوره وحديث حج آدم عليه السلام إلى الكعبة وما أمره الله به من بناء الكعبة، وسؤال الملائكة أن يشركها معه، وأنه قال: الأمر إلى الله، فشركها الله جل جلاله معه، ثم قال: ونادت الجبال يا آدم اجعل لنا في بناء قواعد بيت الله نصيبا، فقال: مالي فيه من أمر، الأمر إلى رب البيت يشرك فيه من أحب، فأذن الله للجبال بذلك فابتدر (2) كل جبل منها بحجارة منه، وكان أول جبل شق بحجارة منه أبو قبيس لقربه منه، ثم حراء ثم ثور ثم ثبير ثم ورقان ثم حمون ثم صبرار ثم احد ثم طور سيناء ثم طور دينا ثم لبنان ثم جودي، (3) وأمر الله آدم أن يأخذ من كل جبل حجرا " فيضعه في الأساس ففعل. ثم ذكر شرح حج آدم عليه السلام واجتماعه بحواء وقبول توبتهما وحديث هابيل وقابيل وأولاد آدم وأولادهم مائة وعشرين بطنا في سبعمائة سنة من عمره، وحديث وصيته إلى شيث بعد قتل هابيل. (4)


(1) في المصدر: وكانت لى أفضل الايام يوم الجمعة. (2) ابتدر القوم أمرا: بادر بعضهم بعضا إليه أيهم يسبق إليه. (3) أبو قبيس: اسم الجبل المشرف على مكة. حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال. الثور: جبل بمكة فيه الغار الذى اختفى فيه النبي صلى الله عليه وآله. ثبير بالفتح: جبل شامخ يقابل حراء. ورقان بالفتح ثم الكسر: جبل أسود بين العرج والرويثة على يمين المصعد من المدينة إلى مكة. احد: اسم الجبل الذى كانت عنده غزوة احد، وبينه وبين المدينة قرابة ميل في شماليها. سيناء بكسر أوله ويفتح: اسم موضع بالشام يضاف إليه الطور، وهو الجبل الذى كلم الله تعالى عليه موسى بن عمران. لبنان: جبل مطل على حمص يجئ من العرج الذى بين مكة والمدينة حتى يتصل بالشام، وجبلان قرب مكة يقال لهما لبن الاعلى ولبن الاسفل. الجودى: جبل مطل على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل عليه استوت سفينة نوح عليه السلام. (4) سعد السعود 1: 36 - 37. م [ * ]

[ 198 ]

تذنيب: اعلم أن أعظم شبه المخطئة للأنبياء عليهم السلام تمسكوا بها قصة آدم عليه السلام، واستدلوا بما ورد فيها بوجوه: الاول: أنه كان عاصيا " لقوله تعالى: " وعصى آدم ربه " والعاصي لابد أن يكون صاحب كبيرة لقوله تعالى: " ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جنهم " ولأن العاصي اسم ذم فوجب أن لا يتناول إلا صاحب الكبيرة. وأجاب عنه السيد علم الهدى رضي الله عنه (1) بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر من الحكيم تعالى يكون بالواجب وبالندب، وليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا " كما يسمى بذلك تارك الواجب، ولهذا يقولون: أمرت فلانا بكذا وكذا من الخير فعصاني وخالفني وإن لم يكن ما أمر به واجبا ". واعترض عليه بأنه مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة. واجيب بمنع كونه مجازا " فيه، والأظهر أن يقال: على تقدير تسليم كونه مجازا " لابد من أن يصار إليه عند معارضة الإدلة القطعية، بل قد يرتكب المجاز عند معارضة دليل ظني أيضا ". وأجاب المجوزون للذنب عليهم عليهم السلام قبل النبوة بأن آدم عليه السلام لم يكن نبيا " حين صدرت المعصية عنه ثم بعد ذلك صار نبيا " ولا محذور فيه. واجيب أيضا " بأن المعصية كانت عن آدم عليه السلام في الجنة لا في الأرض التي هي دار التكليف فلا يلزم صدور المعصية عنهم عليهم السلام قبل النبوة ولا بعدها في دار التكليف، وقد عرفت مما أوردنا في باب العصمة ضعفهما وعدم استقامتهما على اصول الإمامية، مع أن الأخير لا ينطبق على شئ من المذاهب، وقد ذكرنا ههنا تأويل الخبرين اللذين يوهمانهما، واجيب أيضا بأن معصيته كانت من الصغائر المكفرة دون الكبائر، وهو جواب أكثر المعتزلة وقد عرفت ضعفه. واجيب أيضا " بأنه لما نهي عن الإكل من الشجرة ظن أن النهي عن عين الشجرة لا عن نوعها، وكان الله سبحانه أراد نهيه عن نوعها، ولكنه لم يقل لهما: لا تقربا هذه الشجرة ولا ما كان من جنسها، واللفظة قد يراد بها النوع كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أشار إلى حرير وذهب وقال: " هذان حرامان على رجال امتي " وكان ظنه ذلك لان إبليس حلف لهما بالله كاذبا " إنه لهما الناصحين، ولم يكن شاهد قبل ذلك من يحلف بالله كذلك،


(1) راجع تنزيه الانبياء ص 9 - 14. م [ * ]

[ 199 ]

فأكل من شجرة اخرى من نوعها، وكان ذلك من قبيل الخطاء في الاجتهاد، وليس من كبائر الذنوب التي يستحق بها دخول النار. واعترض عليه بوجوه: أولها: أن اسم الإشارة موضوع للأشخاص، والإشارة به إلى النوع مجاز، فإذا حمل آدم على نبينا وآله وعليه السلام اللفظ على حقيقته فأي خطاء يلحقه ؟ ولماذا اخرج من الجنة ؟ واجيب عنه بأن اللفظ وإن كان موضوعا " للشخص إلا أنه كان قد قرنه بما يدل على أن المراد به النوع. وثانيها: أنه سبحانه لو كلفه على الوجه المذكور من دون قرينة تدل على المراد لزم تكليف ما لا يطاق، ومع القرينة يلزمه الإخلال بالنظر والتقصير في المعرفة ويلزمه الخطاء قصدا "، فلم يفد هذا الجواب إلا تغيير الخطيئة، وكون الخطيئة على تقدير صغيرة أو ارتكابا " لخلاف الأولى وعلى غيره كبيرة تعسف. واجيب بأنه عليه السلام لعله عرف القرينة في وقت الخطاب ثم غفل عنها ونسي لطول المدة أو غيره كما قال تعالى: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي (1) " وهذا مبني على سهوهم وهو منفي عنهم، وقد وردت الأخبار بأن المراد بالنسيان الترك. وثالثها: أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الأجتهاد والعمل بالظن لتمكنهم من العلم، والعمل بالظن مع التمكن من تحصيل العلم غير جائز عقلا " وشرعا ". ويمكن الجواب بأنا لا نسلم أن آدم على نبينا وآله وعليه السلام كان وقت الخطاب نبيا كما يدل عليه الرواية فلا محذور في عمله بالظن حينئذ، فإن تمكنه من العلم واليقين ممنوع، وفيه إشكال ؟ الوجه الثاني أنه تعالى سماه غاويا بقوله: " فغوى " والغي خلاف الرشد لقوله تعالى: " قد تبين الرشد من الغي (2) " والغاوي يكون صاحب كبيرة خصوصا " إذا وقع تأكيدا " للعاصي. وأجاب السيد رحمه الله بأن معنى " غوى " أنه خاب، لأنا نعلم أنه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم، فإذا خالف الأمر ولم يصر إلى ما ندب إليه فقد خاب لا محالة من حيث لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحق بالامتناع ولا شبهة في أن لفظ " غوى " يحتمل الخيبة، قال الشاعر: فمن يلق خيرا " يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما ".


(1) طه: 115: (2) البقرة: 256. [ * ]

[ 200 ]

انتهى. وقال الجوهري: الغي: الضلال والخيبة. وقال: خاب الرجل يخيب خيبة: إذا لم ينل ما طلب، وفي المثل: الهيبة خيبة. وقال الجزري: في حديث موسى وآدم على نبينا وآله وعليهما السلام: (لأغويت الناس) أي خيبتهم. يقال: غوى الرجل: إذا خاب و أغواه غيره، وحينئذ لا يكون قوله تعالى: " فغوى " تأكيدا " للعصيان، بل يكون المعنى: ترك ما امر به ندبا فحرم من الثواب الذي كان يستحقه لو فعله. ويمكن أن يجاب على تقدير كون الغواية بمعنى الضلال وضد الرشاد بأن الرشد هو التوصل بشئ إلى شئ، وسلوك طريقة موصلة إلى المطلوب، فمن ارتكب ما يبعده عن مطلوبه كان ضالا " غاويا "، ولو كان بمخالفة أمر ندبي أو ارتكاب نهي تنزيهي، ولذا يقال لكل من بعد عن الطريق: إنه ضل، ولو سلم أن الغواية لا يستعمل حقيقة إلا فيما زعمه المستدل نقول: لابد من حمله في الآية على ما ذكرناه ولو على سبيل المجاز لدلائل العصمة. واجيب أيضا " بأن " غوى " ههنا بمعنى بشم (1) من كثرة الأكل أي اتخم. وقال السيد رضي الله عنه في جواب المسائل التي وردت عليه من الري: فإن قالوا: ما المانع من أن يريد (وعصى) أي لم يفعل الواجب من الكف عن الشجرة والواجب يستحق بالإخلال به حرمان الثواب كالفعل المندوب إليه فكيف رجحتم ما ذهبتم إليه على ما ذهبنا نحن ؟ قلنا: الترجيح لقولنا ظاهر، إذ الظاهر من قوله تعالى: " عصى فغوى " أن الذي دخلته الفاء جزاء على المعصية، وأنه كل الجزاء المستحق بالمعصية، لأن الظاهر من قول القائل: سرق فقطع، وقذف فجلد ثمانين أن ذلك جميع الجزاء لا بعضه، وكذلك إذا قال القائل: من دخل داري فله درهم حملناه على أن الدرهم جميع جزائه، ولا يستحق بالدخول سواه، ومن لم يفعل الواجب استحق الذم والعقاب وحرمان الثواب، ومن لم يفعل المندوب إليه فهو غير مستحق لشئ كان تركه للندب سببا " فيه إلا حرمان الثواب فقط، وبينا أن من لم يفعل الواجب ليس كذلك، وإذا كان الظاهر يقتضي أن ما دخلته الفاء جميع الجزاء على ذلك السبب لم يلق إلا بما قلناه دون ما ذهبوا إليه وهذا واضح لمن تدبره.


(1) قال الفيروز آبادى في القاموس: غوى الفصيل كرضى ورمى: بشم من اللبن أو منع الرضاع فهزل فكاد يهلك. [ * ]

[ 201 ]

الوجه الثالث: أنه عليه السلام تاب والتائب مذنب، أما أنه تائب فلقوله تعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه " وأما أن التائب مذنب فلان التائب هو النادم على فعل الذنب، والنادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلا للذنب، فإن كذب في ذلك الإخبار فهو مذنب بالكذب، وإن صدق فيه فهو المطلوب. وأجاب عنه السيد رضي الله عنه: بأن التوبة عندنا وعلى اصولها غير موجبة لإسقاط العقاب، وإنما يسقط الله تعالى العقاب عندنا تفضلا "، والذي توجبه التوبة هو استحقاق الثوب، فقبولها على هذا الوجه هو ضمان الثواب عليها، فمعنى قوله: " تاب عليه " أنه ضمن ثوابها، ولابد لمن ذهب إلى أن معصية آدم على نبينا وآله وعليه السلام صغيرة من هذا الوجه، لانه إذا قيل له: كيف تقبل توبته ويغفر له ومعصيته في الأصل وقعت مكفرة لا يستحق عليها شيئا " من العقاب ؟ لم يكن له بد من الرجوع إلى ما ذكرناه، والتوبة قد يحسن أن يقع ممن لم يعهد من نفسه قبيحا " على سبيل الانقطاع إلى الله والرجوع إليه ويكون وجه حسنها في هذا الموضع استحقاق الثواب بها أو كونها لطفا "، كما يحسن أن يقع ممن يقطع على أنه غير مستحق للعقاب، وأن التوبة لا تؤثر في إسقاط شئ يستحقه من العقاب، ولهذا جوزوا التوبة من الصغائر وإن لم تكن مؤثرة في إسقاط ذم ولا عقاب انتهى. ويدل على أن التوبة لا توجب إسقاط العقاب كثير من عبارات الأدعية المأثورة، ثم إنا لو سلمنا أن التوبة مما يوجب إسقاط العقاب نحمل التوبة ههنا على المجاز لما عرفت سابقا ". الوجه الرابع: أنه تعالى سماه ظالما بقوله: " فتكونا من الظالمين " وهو سمى نفسه ظالما في قوله: " ربنا ظلمنا أنفسنا " والظالم ملعون لقوله: " ألا لعنة الله على الظالمين " (1) ومن استحق اللعن فهو صاحب الكبيرة. وأجاب السيد رحمه الله: بأن معنى قولهما: " ربنا ظلمنا أنفسنا " (2) أنا نقصنا أنفسنا وبخسناها ما كنا نستحقه من الثواب فعل ما اريد منا، وحرمنا تلك الفائدة الجليلة من التعظيم، وذلك الثواب وإن لم يكن مستحقا " قبل أن يفعل الطاعة التي يستحق بها فهو في حكم المستحق، فيجوز أن يوصف من فوته نفسه بأنه ظالم لها، كما يوصف بذلك


(1) هود: 18. (2) الكهف: 33 [ * ]

[ 202 ]

من فوت نفسه المنافع المستحقة، وهذا هو معنى قوله تعالى: " فتكونا من الظالمين " انتهى. والظلم في الأصل: وضع الشئ غير موضعه، قال لجوهري: ويقال: من أشبه أباه فما ظلم، وقيل: أصل الظلم انتقاص الحق، قال الله تعالى: " كلتا الجنتين آتت اكلها ولم تظلم منه شيئا " " أي لم تنقص، وقال الجزري: في حديث ابن زمل: (لزموا الطريق فلم يظلموه) أي لم يعدلوا عنه، يقال: أخذ في طريق فما ظلم يمينا " وشمالا "، فظهر أن الوصف بالظلم لا يستلزم ما ادعاه المستدل، إذ لا شك في أن مخالفة أمره سبحانه وضع للشئ في غير موضعه، وموحب لنقص الثواب، وعدول عن الطريق المؤدي إلى المراد، وأما ما استدل به على أن الظالم ملعون فباطل، إذ وقع هذا في موضعين من القرآن: أحدهما في الأعراف " أن لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (1) " وثانيهما في هود، وفيها كما ذكر إلا أن آخر الآية فيها هكذا: " وهم بالآخرة هم كافرون (2) " وعلى أي حال لا يدل على لعن مطلق الظالمين، بل لا يدل على لعن صاحب الكبيرة أيضا " من المسلمين، على أن اللعن أيضا " لا يدل على كون الفعل كبيرة لورود الأخبار بلعن صاحب الصغيرة، بل من ارتكب النهي التنزيهي أيضا، إذ اللعن الطرد والإبعاد عن الرحمة، والبعد عنها يحصل بترك المندوب وفعل المكروه أيضا "، لكن لما غلب استعماله في المشركين والكفار لا يجوز استعماله في صلحاء المؤمنين قطعا "، وفي فساقهم إشكال، والاولى الترك. الوجه الخامس: أنه ارتكب المنهي عنه في قوله تعالى: " ولا تقربا هذه الشجرة " وقوله تعالى: " ألم أنهكما " وارتكاب المنهي عنه كبيرة. والجواب: أن النهي كما يكون للتحريم يكون للتنزيه، ولو ثبت أنه حقيقة في التحريم حملناه على المجاز لدلائل العصمة، على أن شيوع استعماله في التنزيه يمنع من حمله على المعنى الحقيقي بلا قرينة، وأما ما ادعاه من كون ارتكاب المنهي عنه كبيرة مطلقا " فلا يخفى فساده.


(1) الاية 44 و 45. (2) الاية: 18. [ * ]

[ 203 ]

الوجه السادس: أنه اخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإزلاله جزاء " على ما أقدم عليه، وذلك يدل على كونه فاعلا " للكبيرة. واجيب بأن ما ذكر إنما يكون عقوبة إذا كان على سبيل الاستخفاف والإهانة، ولعله كان على وجه المصلحة بأن يكون الله تعالى علم أن المصلحة تقتضي تبقية آدم في الجنة ما لم يتناول من الشجرة، فإذا تناول منها تغيرت المصلحة وصار إخراجه عنها وتكليفه في دار غيرها هو المصلحة، وكذا القول في سلب اللباس. الوجه السابع: أنه لولا مغفرة الله إياه لكان من الخاسرين لقوله: " وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " وذلك يقتضي كونه صاحب كبيرة. والجواب: أن الخسران ضد الربح، ولا شك أن من نقص ثوابه فقد خسر، فالخسران الذي كان يستعيذ منه هو نقص الثواب على تقدير عدم قبول التوبة. وإنما بسطنا الكلام في هذا المقام ونسينا ما عهدنا من العزم على الاختصار التام لأن شبهات المخالفين في هذا الباب قد تعلقت بقلوب الخاص والعام، وعمدة ما تمسكوا به هو خطيئة آدم على نبينا وآله وعليه السلام، وأيضا " ما ذكرنا ههنا أكثره يجري فيما نسبوا إلى سائر الأنبياء لهم التحية والإكرام وعلى نبينا وآله وعليهم صلوات الله الملك العلام.

[ 204 ]

* (باب 4) * * (كيفية نزول آدم عليه السلام من الجنة وحزنه على فراقها) * * (وما جرى بينه وبين ابليس لعنه الله) * 1 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رن إبليس أربع رنات: أولهن يوم لعن، وحين اهبط إلى الأرض، وحين بعث محمد صلى الله عليه وآله على حين فترة من الرسل، وحين انزلت ام الكتاب، ونخر نخرتين: حين أكل آدم من الشجرة، وحين اهبط من الجنة. (1) بيان: رن أي صاح. والنخير: صوت بالأنف. والأول للحزن والثاني لشدة الفرح. 2 - ع: ابن الوليد، عن الحفار، عن ابن معروف، عن محمد بن سهل البحراني يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: البكاؤون خمسة: آدم: ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمد، وعلي بن الحسين عليه السلام، فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية. الخبر. (2) 3 - ع: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أهبط الله آدم إلى الأرض يوم الجمعة. وسيجئ بإسناده في فضائل الجمعة. (3) 4 - ع: أبي وابن الوليد، عن سعد والحميري معا "، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أهبط الله عزوجل آدم عليه السلام من الجنة اهبط معه عشرون ومائة قضيب، منها أربعون ما يؤكل داخلها وخارجها، وأربعون منها ما يؤكل داخلها ويرمى بخارجها، وأربعون منها ما يؤكل خارجها ويرمى بداخلها، وغرارة (4) فيها بذر كل شئ. (5)


(1) الخصال ج 1: 126. م (2 و 3 و 5) لم نجد الروايات فيما عندنا من نسخ المصدر. م (4) الغرارة بالكسر: الجوالق. أي واهبط مع آدم من الجنة جوالق فيه بذر كل شئ. [ * ]

[ 205 ]

بيان: قال الجوهري: الغرارة واحدة الغرائر التي للتبن. 5 - ع، ن: أبي، عن علي بن سليمان الزراري (1) عن ابن أبي الخطاب، عن البزنطي عن الرضا عليه السلام قال: قلت: كيف كان أول الطيب ؟ فقال لي: ما يقول من قبلكم فيه ؟ قلت: يقولون: إن آدم لما هبط بأرض الهند فبكى على الجنة سالت دموعه فصارت عروقا " في الأرض فصارت طيبا "، فقال عليه السلام ليس كما يقولون، ولكن حواء كانت تغلف قرونها من أطراف شجرة الجنة، فلما هبطت إلى الأرض وبليت بالمعصية رأت الحيض فأمرت بالغسل فنقضت قرونها، فبعث الله عزوجل ريحا " طارت به وخفضته فذرت حيث شاء الله عزوجل، فمن ذلك الطيب. (2) بيان: قال الجزري: فيه: (كنت اغلف لحية رسول الله بالغالية) أي الطخها بها وأكثر ما يقال: غلف بها لحيته غلفا "، وغلفها تغليفا ". انتهى. والقرن: القطعة الملتفة من الشعر. 6 - ع: أبي، عن سعد، عن البرفي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمي الصفا صفا لأن المصطفى آدم هبط عليه، فقطع للجبل اسم من اسم آدم على نبينا وآله وعليه السلام، يقول الله عزوجل: " إن الله اصطفى آدم ونوحا " " وهبطت حواء على المروة، وإنما سميت المروة مروة لأن المرأة هبطت عليها، فقطع للجبل اسم من اسم المرأة. (3) 7 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن موسى بن عمر، عن ابن سنان عن أبي سعيد القماط، عن بكير بن أعين قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (4) هل تدرى ما


(1) في نسخة وفى المصدر: الرازي وهو الموافق للخلاصة، والصحيح ما في المتن، ينسب إلى زرارة بن أعين، والرجل هو على بن سليمان بن الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين أبو الحسن الزرارى، قال النجاشي: كان له اتصال بصاحب الامر عليه السلام وخرجت إليه توقيعات، وكانت له منزلة في أصحابنا، وكان ورعا ثقة فقيها لا يطعن عليه في شئ، له كتاب النوادر. (2) علل الشرائع: 167 - 168. عيون الاخبار: 159. م (3) علل الشرائع: 149. م (4) للحديث فيه وفى الكافي صدر وذيل ترك ذكرهما، ولعله يخرجه بتمامه في كتاب الحج. [ * ]

[ 206 ]

كان الحجر ؟ قال: قلت: لا، قال: كان ملكا " عظيما " من عظماء الملائكة عند الله عزوجل، فلما أخذ الله من الملائكة الميثاق كان أول من آمن به وأقر ذلك الملك، فاتخذه الله أمينا " على جميع خلقه فألقمه الميثاق وأودعه عنده، واستعبد الخلق أن يجددوا عنده في كل سنة الإقرار بالميثاق والعهد الذي أخذه الله عليهم، ثم جعله الله مع آدم في الجنة يذكر الميثاق (1) ويجدد عنده الإقرار في كل سنة، فلما عصى آدم فأخرج من الجنة أنساه الله العهد والميثاق الذي أخذ الله عليه وعلى ولده لمحمد ووصيه وجعله باهتا حيرانا، (2) فلما تاب على آدم حول ذلك الملك في صورة درة بيضاء فرماه من الجنة إلى آدم وهو بأرض الهند، (3) فلما رآه أنس إليه وهو لا يعرفه بأكثر من أنه جوهرة، فأنطقه الله عزوجل فقال: يا آدم أتعرفني ؟ قال: لا، قال: أجل استحوذ عليك الشيطان فأنساك ذكر ربك، وتحول إلى الصورة التي كان بها في الجنة مع آدم، فقال لآدم: أين العهد والميثاق ؟ فوثب إليه آدم وذكر الميثاق وبكى وخضع له وقبله وجدد الإقرار بالعهد والميثاق، ثم حول الله عزوجل جوهر الحجر درة بيضاء صافية تضئ فحمله آدم على عاتقه إجلالا " له وتعظيما "، فكان إذا أعيا حمله عنه جبرئيل حتى وافى به مكة، فما زال يأنس به بمكة ويجدد الإقرار له كل يوم وليلة، ثم إن الله عزوجل لما أهبط جبرئيل إلى أرضه وبنى الكعبة (4) هبط إلى ذلك المكان بين الركن والباب (وفي ذلك الموضع تراءى لآدم حين أخذ الميثاق (5)) وفي ذلك الموضع ألقم الملك الميثاق، فلتلك العلة وضع في ذلك الركن، ونحي آدم من مكان البيت إلى الصفا وحواء إلى المروة وجعل الحجر في الركن، فكبر الله


(1) في العلل والكافي: يذكره الميثاق. (2) في الكافي: تائها حيرانا. (3) راجع ما تقدم من المصنف في الباب السابق بعد الخبر 32. (4) الموجود في الكافي هكذا: ثم ان الله لما بنى الكعبة وضع الحجر في ذلك المكان لأنه تبارك وتعالى حين أخذ الميثاق من ولد آدم أخذه في ذلك المكان، وفى ذلك المكان القم الملك الميثاق، ولذلك وضع في ذلك الركن. (5) المصدر خال عن قوله: < < وفى ذلك الوضع > > إلى هنا. م [ * ]

[ 207 ]

وهلله ومجده، (1) فلذلك جرت السنة بالتكبير في استقبال الركن الذي فيه الحجر من الصفا. الخبر. (2) كا: محمد بن يحيى وغيره عن الأشعري مثله. (3) بيان: تراءى أي جبرئيل أو الحجر، فكبر الله أي جبرئيل أو الحجر، ويحتمل آدم عيله السلام. (4) 8 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن علي بن حسان الواسطي، عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اهبط آدم من الجنة على الصفا، وحواء على المروة، قد كان امتشطت في الجنة، فلما صارت في الأرض قالت: ما أرجو من المشط وأنا مسخوط علي، فحلت مشطتها فانتشر من مشطتها العطر الذي كان امتشطت به في الجنة فطارت به الريح فألقت أثره في الهند: فلذلك صار العطر بالهند. (5) 9 - وفي حديث آخر: إنها حلت عقيصتها فأرسل الله عزوجل على ما كان فيها من ذلك الطيب ريحا " فهبت به في المشرق والمغرب. (6) بيان: العقيصة: المنسوجة من شعر الرأس. 10 - ع: بإسناد العلوي عن أمير المؤمنين عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله سئل مما خلق الله عزوجل الكلب ؟ قال: خلقه من بزاق إبليس، قيل: وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال لما أهبط الله عزوجل آدم وحواء إلى الأرض أهبطهما كالفرخين المرتعشين، فعدا إبليس الملعون إلى السباع وكانوا قبل آدم في الأرض فقال لهم: إن طيرين قد وقعا " من السماء لم ير الراؤون أعظم منهما تعالوا فكلوهما، فتعادت السباع معه وجعل إبليس يحثهم ويصيح ويعدهم بقرب المسافة، فوقع من فيه من عجلة كلامه بزاق فخلق الله عزوجل من ذلك البزاق كلبين: أحدهما ذكر، والآخر انثى، فقاما حول آدم وحواء: الكلبة بجدة، و


(1) في الكافي: فلما نظر آدم من الصفا وقد وضع الحجر في الركن كبر الله وهلله ومجده. (2) علل الشرائع: 148 - 149. م (3) فروع الكافي ج 1: 215 واوله وآخره مقطوع. م (4) هو المتعين على ما في الكافي. (5 و 6) علل الشرائع: 167. م [ * ]

[ 208 ]

الكلب بالهند، فلم يتركوا (1) السباع أن يقربوهما، ومن ذلك اليوم الكلب عدو السبع والسبع عدو الكلب. (2) 11 - ع: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام إن الله عزوجل أوحى إلى جبرئيل عليه السلام: أنا الله الرحمن الرحيم، إني قد رحمت آدم وحواء لما اشتكيا إلي ما شكيا فاهبط عليهما بخيمة من خيم الجنة فإني قد رحمتهما لبكائهما ووحشتهما ووحدتهما، فاضرب الخيمة على النزعة (3) بين جبال مكة، قال: والنزعة مكان البيت وقواعده التي رفعتها الملائكة قبل آدم، فهبط جبرئيل على آدم عليه السلام بالخيمة على مقدار أركان البيت وقواعده فنصبها، قال: وأنزل جبرئيل عليه السلام آدم من الصفا وأنزل حواء من المروة وجمع بينهما في الخيمة، قال: وكان عمود الخيمة قضيبا " من ياقوت أحمر فأضاء نوره وضوؤه جبال مكة وما حولها، قال: فامتد ضوء العمود فهو مواضع الحرم اليوم من كل ناحية من حيث بلغ ضوؤه، قال: فجعله الله عزو جل حرما لحرمة الخيمة والعمود لانهما من الجنة، قال: ولذلك جعل الله عزوجل الحسنات في الحرم مضاعفات (4) والسيئات مضاعفة، قال: ومدت أطناب الخيمة حولها فمنتهى أوتادها ما حول المسجد الحرام، قال: وكانت أوتادها صخرا من عقيان الجنة، وأطنابها من ظفائر الارجوان، (5) قال: وأوحى الله عزوجل إلى جبرئيل عليه السلام: اهبط على الخيمة بسبعين ألف ملك يحرسونها من مردة الشيطان، ويؤنسون آدم، ويطوفون حول الخيمة تعظيما " للبيت والخيمة، قال: فهبط بالملائكة فكانوا بحضرة الخيمة يحرسونها من مردة الشيطان ويطوفون حول أركان البيت والخيمة كل يوم وليلة كما كانوا يطوفون في السماء حول البيت


(1) فلم يتركا ظ. (2) علل الشرائع: 169. م (3) في نسخة: الترعة وكذا فيما يأتي راجع ما تقدم من المصنف بعد الخبر 36 من الباب السابق. (4) في نسخة: مضاعفة. (5) راجع ما تقدم من المصنف في الباب السابق بعد الخبر 36. [ * ]

[ 209 ]

المعمور قال: وأركان البيت الحرام في الأرض حيال البيت المعمور الذي في السماء، قال: ثم إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى جبرئيل عليه السلام بعد ذلك: أن اهبط إلى آدم وحواء فنجهما عن موضع قواعد بيتي، وارفع قواعد بيتي لملائكتي ولخلقي من ولد آدم، فهبط جبرئيل عليه السلام على آدم وحواء فأخرجهما من الخيمة ونحاهما عن نزعة (1) البيت ونحى الخيمة عن موضع النزعة، قال: ووضع آدم على الصفا وحواء على المروة، فقال آدم على نبينا وآله وعليه السلام: يا جبرئيل أبسخط من الله تعالى جل ذكره حولتنا وفرقت بيننا، أم برضى تقديرا علينا ؟ فقال لهما: لم يكن بسخط من الله تعالى ذكره عليكما، ولكن الله عزوجل لا يسأل عما يفعل، يا آدم إن السبعين ألف ملك الذين أنزلهم الله عزوجل إلى الأرض ليؤنسوك ويطوفوا حول أركان البيت والخيمة سألوا الله عزوجل أن يبني لهم مكان الخيمة بيتا على مواضع النزعة المباركة حيال البيت المعمور فيطوفون حوله كما كانوا يطوفون في السماء حول البيت المعمور، فأوحى الله تبارك وتعالى إلي: أن انحيك وأرفع الخيمة، فقال آدم عليه السلام: رضينا بتقدير الله عزوجل ونافذ أمره فينا، فرفع قواعد البيت بحجر من الصفا وحجر من المروة وحجر من طور سيناء وحجر من جبل السلام وهو ظهر الكوفة، فأوحى الله عزوجل إلى جبرئيل عليه السلام: أن ابنه وأتمه، فاقتلع جبرئيل عليه السلام الأحجار الأربعة بأمر الله عزوجل من مواضعها بجناحه، فوضعها حيث أمره الله تعالى في أركان البيت على قواعده التي قدرها الجبار جل جلاله، ونصب أعلامها، ثم أوحى الله إلى جبرئيل: ابنه وأتمه من حجارة من أبي قبيس واجعل له بابين: بابا " شرقا "، وبابا غربا "، قال: فأتمه جبرئيل عليه السلام، فلما فرغ طافت الملائكة حوله، فلما نظر آدم و حواء إلى الملائكة يطوفون حول البيت انطلقا فطافا سبعة أشواط ثم خرجا يطلبان ما يأكلان. (2)


(1) في نسخة: " الترعة " وكذا فيما يأتي بعده، وتقدم قبل ذلك من المصنف أن الترعة بالتاء المثناة من فوق والراء المهملة: الدرجة، والروضة في مكان مرتفع، ولعل المراد هنا الدرجة لكون قواعد البيت مرتفعة، وبالنون والزاى المعجمة: المكان الخالى عن الاشجار والجبال تشبيها بنزعة الرأس. (2) علل الشرائع: 146. م [ * ]

[ 210 ]

بيان: قال الجوهري: العقيان من الذهب الخالص، ويقال: هو ما ينبت نباتا "، وليس مما يحصل من الحجارة. 12 - ن، ع: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن أكرم واد على وجه الأرض، فقال له: واد يقال له سرنديب سقط فيه آدم من السماء. (1) 13 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن سهل، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن آدم عليه السلام لما هبط من الجنة اشتهى من ثمارها فأنزل الله تبارك وتعالى عليه قضيبين من عنب فغرسهما، فلما أورقا وأثمرا وبلغا جاء إبليس فحاط عليهما حائطا "، فقال له آدم: مالك يا ملعون ؟ فقال إبليس: إنهما لي، فقال: كذبت، فرضيا بينهما بروح القدس، فلما انتهيا إليه قص عليه آدم قصته، فأخذ روح القدس شيئا " من نار فرمى بها عليهما فالتهبت في أغصانهما حتى ظن آدم أنه لم يبق منهما شئ إلا احترق، وظن إبليس مثل ذلك، قال: فدخلت النار حيث دخلت وقد ذهب منهما ثلثاهما وبقي الثلث، فقال الروح: أما ما ذهب منهما فحظ إبليس لعنه الله، وما بقي فلك يا آدم. (2) 14 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن البزنطي، عن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن آدم عليه السلام لما هبط هبط بالهند ثم رمي إليه بالحجر الأسود، وكان ياقوتة حمراء بفناء العرش، فلما رأى عرفه فأكب عليه و قبله، ثم أقبل به فحمله إلى مكة، فربما أعيا من ثقله فحمله جبرئيل عنه، وكان إذا لم يأته جبرئيل عليه السلام اغتم وحزن، فشكا ذلك إلى جبرئيل فقال: إذا وجدت شيئا " من الحزن فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله. (3) 15 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان، عن أبي جميلة، عن عامر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول


(1) العيون: ص 135 وفيه: " سرانديب " علل الشرائع: 198. (2) علل الشرائع: 163. م (3) مخطوط. م [ * ]

[ 211 ]

الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل حين أهبط آدم عليه السلام من الجنة أمره أن يحرث بيده فيأكل من كدها بعد نعيم الجنة، فجعل يجأر (1) ويبكي على الجنة مائتي سنة، ثم إنه سجد لله سجدة فلم يرفع رأسه ثلاثة أيام ولياليها. (2) 16 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن على بن حسان، عن علي بن عطية، عن بعض من سأل أبا عبد الله عليه السلام من الطيب قال: إن آدم وحواء حين اهبطا من الجنة نزل آدم على الصفا وحواء على المروة، وإن حواء حلت قرنا " (3) من قرون رأسها فهبت به الريح فصار بالهند أكثر الطيب. (4) 17 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب قال: مهبط آدم على جبل في شرقي أرض الهند يقال له باسم، ثم أمره أن يسير إلى مكة فطوى له الأرض فصار على كل مفازة يمر به خطوة ولم يقع قدمه في شئ من الأرض إلا صار عمرانا، وبكى على الجنة مائتي سنة، فعزاه الله بخيمة من خيام الجنة فوضعها له بمكة في موضع الكعبة، وتلك الخيمة من ياقوتة حمراء لها بابان: شرقي وغربي من ذهب منظومان، معلق فيها ثلاث قناديل من تبر الجنة، (5) تلتهب نورا "، ونزل الركن وهو ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة وكان كرسيا " لآدم عليه السلام يجلس عليه، وإن خيمة آدم لم تزل في مكانها حتى قبضه الله تعالى، ثم رفعها الله إليه وبنى بنو آدم في موضعها بيتا من الطين والحجارة ولم يزل معمورا واعتق من الغرق ولم يخربه الماء حتى ابتعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام. (6) 18 - شى: عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن آدم عليه السلام كان له في السماء خليل من الملائكة، فلما هبط آدم من السماء إلى الأرض استوحش الملك وشكا إلى الله تعالى وسأله أن يأذن له فيهبط عليه فأذن له فهبط عليه فوجده قاعدا " في قفرة من الأرض،


(1) جأر إلى الله: رفع صوته بالدعاء. تضرع. (2 و 4 و 6) قصص الانبياء مخطوط. م (3) القرن: ذؤابة المرأة. (5) التبر: ما كان من الذهب غير مضروب أو غير مصوغ أو في تراب معدنه. [ * ]

[ 212 ]

فلما رآه آدم وضع يده على رأسه وصاح صيحة - قال أبو عبد الله عليه السلام يروون أنه أسمع عامة الخلق - فقال له الملك: يا آدم ما أراك إلا قد عصيت ربك وحملت على نفسك مالا تطيق، أتدري ما قال الله لنا فيك فرددنا عليه ؟ قال: لا، قال: قال: " إني جاعل في الأرض خليفة " قلنا: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " فهو خلقك أن تكون في الأرض يستقيم أن تكون في السماء ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: والله عزى بها آدم ثلاثا ". (1) 19 - شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله حين أهبط آدم إلى الأرض أمره أن يحرث بيده فيأكل من كده بعد الجنة ونعيمها، فلبث يجأر ويبكي على الجنة مائتي سنة، ثم إنه سجد لله سجدة فلم يرفع رأسه ثلاثة أيام ولياليها، ثم قال: أي رب ألم تخلقني ؟ فقال الله: قد فعلت، فقال: ألم تنفخ في من روحك ؟ قال: قد فعلت، قال: ألم تسكني جنتك ؟ قال: قد فعلت، قال: ألم تسبق لي رحمتك غضبك ؟ قال الله: قد فعلت، فهل صبرت أو شكرت ؟ قال آدم: " لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم " فرحمه الله بذاك وتاب عليه إنه هو التواب الرحيم. (2) 20 - شى: عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: كان إبليس أول من ناح، وأول من تغنى، وأول من حدا، قال: لما أكل آدم من الشجرة تغنى، قال: فلما اهبط حدا به، فلما استقر على الأرض ناح فأذكره ما في الجنة، فقال آدم: رب هذا الذي جعلت بيني وبينه العداوة لم أقو عليه وأنا في الجنة، وإن لم تعني عليه لم أقو عليه، فقال الله: السيئة بالسيئة والحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة، قال: رب زدني، قال: لا يولد لك ولد إلا جعلت معه ملكا " أو ملكين يحفظانه، قال: رب زدني، قال: التوبة مفروضة في الجسد ما دام فيها الروح، قال: رب زدني، قال: أغفر الذنوب ولا ابالي، قال: حسبي، قال: فقال إبليس: رب هذا الذي كرمت علي وفضلته وإن لم تفضل علي لم أقو عليه، قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك ولدان، قال: رب زدني، قال: تجري منه مجرى الدم في العروق، قال: رب زدني، قال: تتخذ أنت وذريتك في صدورهم مساكن، قال: رب زدني، قال: تعدهم وتمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ". (3)


(1 و 2 و 3) تفسير العياشي مخطوط. [ * ]

[ 213 ]

21 - شى: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما بكى أحد بكاء ثلاثة: آدم، ويوسف، وداود، فقلت: ما بلغ من بكائهم ؟ فقال: أما آدم فبكى حين اخرج من الجنة وكان رأسه في باب من أبواب السماء، فبكى حتى تأذى به أهل السماء فشكوا ذلك إلى الله فحط من قامته، وأما داود فإنه بكى حتى هاج العشب من دموعه، وإن كان ليزفر الزفرة فيحرق ما نبت من دموعه، وأما يوسف فإنه كان يبكي على أبيه يعقوب وهو في السجن فتأذى به أهل السجن فصالحهم على أن يبكي يوما " ويسكت يوما ". (1) 22 - قب: عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كان آدم لما أراد أن يغشى حواء خرج بها من الحرم، ثم كانا يغتسلان ويرجعان إلى الحرم. (2) 23 - ع، ن: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن صفوان بن يحيى قال: سئل أبو الحسن عليه السلام عن الحرم وأعلامه، فقال: إن آدم عليه السلام لما هبط من الجنة هبط على أبي قبيس - والناس يقولون بالهند - فشكا إلى ربه عزوجل الوحشة وأنه لا يسمع ما كان يسمع في الجنة، فأهبط الله عزوجل عليه ياقوتة حمراء فوضعت في موضع البيت فكان يطوف بها آدم عليه السلام وكان يبلغ ضوؤها الأعلام، (3) فعلمت الأعلام (4) على ضوئها، فجعله الله عزوجل حرما. (5) أبي، عن علي، عن أبيه، عنه عليه السلام مثله. (6) ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن إسماعيل بن همام، عنه عليه السلام مثله. (7) بيان: يدل على ما ذكرنا سابقا " من أن أخبار نزولهما بالهند محمولة على التقية، وأما الجمع بين ما ورد في هذا الخبر من نزول الياقوتة وما ورد في الخبرين السابقين من نزول


(1) تفسير العياشي مخطوط. م (2) المناقب 2: ص 258 - 259. م (3) في المصدر: وكان ضوؤها يبلغ موضع الاعلام. وفى الكافي ايضا كذلك. م (4) علم له علامة: جعلها له أمارة يعرفها. (5) علل الشرائع: 146، العيون: 158 وأسنده فيه إلى البزنطى وعطف عليه روايتي اسماعيل وصفوان. م (6 و 7) علل الشرائع: 145، العيون: 158. م [ * ]

[ 214 ]

الخيمة فبأنهما نزلتا متعاقبتين أو مقارنتين، أو تكون الخمية من الياقوت. (1) 24 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن يحيى، عن علي القصير، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن أصل الطيب من أي شئ هو ؟ فقال: أي شئ يقول الناس ؟ (2) قلت: يزعمون أن آدم هبط من الجنة وعلى رأسه إكليل، فقال: قد كان والله أشغل من أن يكون على رأسه إكليل، ثم قال لي: إن حواء امتشطت في الجنة بطيب من طيب الجنة قبل أن يواقعا الخطيئة، فلما هبطت إلى الأرض حلت عقصها (عقيصتها خ ل) فأرسل الله عزوجل على ما كان فيها ريحا " فهبت به في المشرق والمغرب، فأصل الطيب من ذلك. (3) بيان: قال الجوهري: الإكليل: شبه عصابة تزين بالجوهر، ويسمى التاج إكليلا. 25 - كا: علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن ابن علي بن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم عليه السلام طفق يخصف من ورق الجنة، وطار عنه لباسه الذي كان عليه من حال الجنة، فالتقط ورقة فستر بها عورته، فلما هبط عبقت رائحة تلك الورقة بالهند بالنبت فصار في الأرض (4) من سبب تلك الورقة التي عبقت بها رائحة الجنة، فمن هناك الطيب بالهند، لان الورقة هبت عليها ريح الجنوب فأدت رائحتها إلى المغرب، لأنها احتملت رائحة الورقة في الجو، فلما ركدت الريح بالهند عبق (علق خ ل) بأشجارهم ونبتهم


(1) يدل على الاخير حديث وهب من أن الخيمة كانت من ياقوتة حمراء، وتقدم في خبر محمد ابن اسحاق ان عمود الخيمة كان من ياقوت أحمر ويمكن ان يكون الياقوت هو الحجر الاسود كما تقدم في خبر ابان، فالمستفاد من الاخبار ان النازل عليه ثلاثة: الخيمة وهى من ياقوتة حمراء كما في خبر وهب، أو عمود من ياقوتة كما في خبر محمد بن إسحاق، والحجر الاسود، وهو من ياقوت أحمر كما في خبر أبان، أو من درة بيضاء كما في خبر بكير بن أعين، والركن وهو من ياقوتة بيضاء، فالمتعارض حقيقة هو حديث أبان وبكير بن أعين. (2) في المصدر: يقوله الناس. م (3) فروع الكافي 2: 223. م (4) في المصدر: فصار الطيب في الارض. م [ * ]

[ 215 ]

فكان أول بهيمة ارتعت من تلك الورقة ظبي المسك، فمن هناك صار المسك في سرة الظبي، لأنه جرى رائحة النبت في جسده وفي دمه حتى اجتمعت في سرة الظبي. (1) بيان: قال الجوهري: عبق به الطيب بالكسر: أي لزق به. قوله: (إلى المغرب) أي إلى غربي الهند، أو المعنى أن الريح حملت بعضها فأدتها إلى بلاد المغرب أيضا، فلذا قد يحصل بعض الطيب فيها أيضا "، لكن لما ركدت الريح وبقي أكثرها في الهند فهو فيه أكثر، أو أراد أن الريح حملت الرائحة وذهبت إلى المغرب ثم رجعت بها إلى المشرق وركدت به. 26 - كا: بالإسناد المتقدم عن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تعالى لما أهبط آدم عليه السلام (2) أمره بالحرث والزرع، وطرح إليه غرسا " من غروس الجنة فأعطاه النخل والعنب والزيتون والرمان فغرسها لتكون لعقبه وذريته، فأكل هو من ثمارها، فقال له إبليس لعنه الله: يا آدم ما هذا الغرس الذي لم أكن أعرفه في الأرض وقد كنت بها (3) قبلك ؟ ائذن لي آكل منها شيئا "، فأبى أن يطعمه، فجاء (4) عند آخر عمر آدم فقال لحواء: إنه قد أجهدني الجوع والعطش، فقالت له حواء: (5) إن آدم عهد إلي أن لا اطعمك شيئا " من هذا الغرس لأنه من الجنة، ولا ينبغي لك أن تأكل منه، (6) فقال لها: فاعصري في كفي منه شيئا " فأبت عليه، فقال: ذريني أمصه ولا آكله، فأخذت عنقودا " من عنب فأعطته فمصه (7) ولم يأكل منه شيئا " لما كانت حواء قد أكدت عليه، فلما ذهب بعضه جذبته حواء من فيه، فأوحى الله عزوجل إلى آدم عليه السلام: أن العنب قد مصه عدوي وعدوك إبليس لعنه الله، وقد حرمت عليك من عصيرة الخمر ما خالطه نفس


(1) فروع الكافي 2: 223. م (2) في المصدر: لما اهبط آدم من الجنة. م (3) في المصدر: فيها. م (4) في المصدر: فجاء ابليس. م (5) في المصدر: فقالت له حواء فما الذى تريد ؟ قال: اريد ان تذيقني من هذه الثمار فقالت له حواء: ان آدم اه‍. م (6) في المصدر: منها شيئا. (7) مص الشئ: رشفه، أي شربه شربا " رفيقا " مع جذب نفس. [ * ]

[ 216 ]

إبليس فحرمت الخمر لأن عدو الله إبليس مكر بحواء حتى مص العنبة، ولو أكلها لحرمت الكرمة من أولها إلى آخرها وجميع ثمارها (1) وما يخرج منها، ثم إنه قال لحواء: فلو أمصصتني شيئا " من هذا التمر كما أمصصتني من العنب، فأعطته تمرة فمصها، وكانت العنبة والتمر (2) أشد رائحة وأزكى من المسك الأذفر وأحلى من العسل فلما مصهما عدو الله ذهبت رائحتهما واننقصت حلاوتهما. قال أبو عبد الله عليه السلام: ثم إن إبليس الملعون (3) ذهب بعد وفاة آدم عليه السلام فبال في أصل الكرمة والنخلة فجرى الماء في عودهما (4) ببول (5) عدو الله، فمن ثم يختمر العنب والتمر، فحرم الله عزوجل على ذرية آدم كل مسكر، لأن الماء جرى ببول عدو الله في النخل والعنب وصار كل مختمر خمرا " لأن الماء اختمر في النخلة والكرمة من رائحة بول عدو الله إبليس لعنه الله. (6) بيان: وصار كل مختمر أي متغير الريح، قال ابن الأعرابي: سميت الخمر خمرا " لأنها تركت فاختمرت، واختمارها تغير ريحها. انتهى. والحاصل أنه بيان لعلة كون كل خمر منتنا ". 27 - كا محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: العجوة ام التمر (7) وهي التي أنزلها الله تعالى لآدم من الجنة. (8) كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة مثله. (9)


(1) في المصدر: وجميع ثمرها. م (2) في المصدر: العنب والتمرة. م (3) في المصدر ابليس لعنه الله. م. (4) في نسخة: فجرى الماء في عروقهما. (5) في المصدر من بول. م (6) فروع الكافي 2: 189. م (7) في المصدر: هي ام التمر التى. م (8) فروع الكافي 2: 177. م (9) فروع الكافي 2: 177. بزيادة هذه الجملة: وهو قول الله عزوجل: " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على اصولها " قال: يعنى العجوة. م [ * ]

[ 217 ]

28 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: كانت نخلة مريم عليها السلام العجوة، ونزلت في كانون ونزل مع آدم عليه السلام العتيق (1) والعجوة، ومنها تفرق أنواع النخل. (2) 29 - كا: العدة، عن سهل، عن يوسف بن السخت، (3) عن حمدان بن النضر، عن محمد بن عبد الله الصيقل، عن الرضا عليه السلام قال: قال: في خمسة وعشرين من ذي القعدة نشرت الرحمة، ودحيت فيه الأرض، ونصبت فيه الكعبة، وهبط فيه آدم. (4) 30 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن هلال، عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان موضع الكعبة ربوة من الأرض بيضاء تضئ كضوء الشمس والقمر حتى قتل ابنا آدم أحدهما صاحبه فاسودت، فلما نزل آدم رفع الله له الأرض كلها حتى رآها، ثم قال: هذه لك كلها، قال: يا رب ما هذه الأرض البيضاء المنيرة ؟ قال: هي أرضي، (5) وقد جعلت عليك أن تطوف بها كل يوم سبعمائة طواف. (6) 31 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن محبوب، عن الحسن بن عمارة، عن مسمع، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما هبط بآدم إلى الأرض احتاج إلى الطعام والشراب، فشكا ذلك إلى جبرئيل فقال له جبرئيل: يا آدم كن حراثا، قال: فعلمني دعاء قال: قل: اللهم اكفني مؤونة الدنيا وكل هول دون الجنة، وألبسني العافية حتى تهنئني المعيشة. (7)


(1) العتيق: فحل من النخل لا تنفض نخلته. والعجوة التمر المحشى. (2) فروع الكافي 2: 177. م (3) بضم السين واسكان الخاء هو يوسف بن السخت أبو يعقوب البصري بياع الارز، عده الشيخ في رجاله تارة من اصحاب العسكري عليه السلام واخرى ممن لم يرو عنهم، واستثناه القميون من نوادر الحكمة. (4 و 7) لم نجد هما فيما عندنا من نسخة المصدر. م (5) في نسخة: هي في أرضى. وفي المصدر: من أرضى. م (6) فروع الكافي 2: 216. [ * ]

[ 218 ]

* (باب 5) * * (تزويج آدم حواء وكيفية بدء النسل منهما) * * (وقصة قابيل وهابيل وسائر أولادهما) * الايات، المائدة " 5 " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني اريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابا " يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فاواري سوأة أخي فأصبح من النادمين 27 - 31. تفسير: " إذ قربا قربانا " " قال الطبرسي رحمه الله: أي فعلا فعلا يتقرب به إلى الله " فتقبل من أحدهما " قالوا: كانت علامة القبول في ذلك الزمان نارا تأتي فتأكل المتقبل ولا تأكل المردود، وقيل: تأكل المردود، والأول أظهر " قال " أي الذي لم يتقبل منه للذي تقبل منه: " لأقتلنك " فقال له: لم تقتلني ؟ قال: لأنه تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني " قال " الآخر: وما ذنبي ؟ " إنما يتقبل الله من المتقين " (1) قالوا: إن حواء كانت تلد في كل بطن غلاما " وجارية، فولدت أول بطن قابيل بن آدم، وقيل: قابين وتوأمته إقليما، والبطن الثاني هابيل وتوأمته لبوذا (2)، فلما أدركوا جميعا " أمر الله آدم أن ينكح قابيل اخت هابيل، وهابيل اخت قابيل، فرضي هابيل وأبى قابيل لأن اخته كانت أحسنهما، وقال: ما أمر الله بهذا ولكن هذا من رأيك، فأمرهما آدم أن يقربا قربانا "


(1) نقل شيخنا الطبرسي ما قاله ابن عباس استظهارا " عن هذه الآية الكريمة ورد عليه، ولم يذكرهما المصنف، وهو ان ابن عباس قال: اراد انما يتقبل الله ممن كان زاكى القلب ورد عليك لانك لست بزاكى القلب، واستدل بهذا على ان طاعة الفاسق غير مقبولة لكنها تسقط عقاب تركها، قال الطبرسي: وهذا لا يصلح لأن المعنى ان الثواب انما يستحقه من يوقع الطاعة لكونها طاعة فاما إذا فعلها لغير ذلك فلا يستحق عليها ثوابا ولا يمتنع على هذا ان يقع من الفاسق طاعة يوقعها على الوجه الذى يستحق عليه الثواب فيستحقه. انتهى م (2) في تاريخ اليعقوبي: " لوبذا " ويأتى في الخبر الرابع أن اسمه " لوزا ". [ * ]

[ 219 ]

فرضيا بذلك، فغدا هابيل وكان صاحب ماشية فأخذ من خير غنمه زبدا " ولبنا "، وكان قابيل صاحب زرع فأخذ من شر زرعه، ثم صعدا فوضعا القربان على الجبل، فأتت نار فأكلت قربان هابيل، وتجنبت قربان قابيل، وكان آدم غائبا " عنهم بمكة خرج إليها ليزور البيت بأمر ربه، فقال قابيل: لا عشت يا هابيل في الدنيا وقد تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني، وتريد أن يأخذ اختي الحسناء وآخذ اختك القبيحة، فقال له هابيل ما حكاه الله، فشدخه (1) بحجر فقتله، روي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام (2) وغيره من المفسرين " فطوعت له نفسه " أي شجعته نفسه على قتل أخيه، أو زينت له، أو ساعدته نفسه وطاوعته على قتله أخاه. قال مجاهد: لم يدر كيف يقتله حتى ظهر له إبليس في صورة طير فأخذ طيرا " آخر وترك رأسه بين حجرين فشدخه ففعل قابيل مثله " فبعث الله غرابا " " روت العامة عن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: قتل قابيل هابيل وتركه بالعراء (3) لا يدري ما يصنع به، فقصده السباع فحمله في جراب على ظهره حتى أروح وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمى به فتأكله، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، ثم حفر له بمنقاره وبرجله ثم ألقاه في الحفيرة وواراه وقابيل ينظر إليه فدفن أخاه. وعن ابن عباس قال: لما قتل قابيل هابيل أشاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه وأمر الماء و اغبرت الأرض، فقال آدم: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل فأنشأ يقول: تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم * وقل بشاشة الوجه الصبيح. (4)


(1) شدخ الرجل: أصاب مشدخه وهو مقطع العنق. (2) سيبين المصنف أن الرواية وردت تقية موافقة لاقوال العامة، وأن الصحيح انهما تزوجا بغير اختهما، قال اليعقوبي في تاريخه ج 1 ص 2: روى بعضهم أن الله عزوجل أنزل لهابيل حوراء من الجنة فزوجه بها، وأخرج لقابيل جنية فزوجه بها فحسد قابيل أخاه على الحوراء، فقال لهما آدم: قربا قربانا فقرب قابيل من تبن زرعه وقرب هابيل أفضل كبش في غنمه لله، فقبل الله قربان هابيل ولم يقبل قربان قابيل فازداد حسدا " فزين له الشيطان قتل أخيه فشدخه بالحجارة حتى قتل. وصرح المسعودي ايضا بذلك في اثبات الوصية. (3) العراء بالمد: الفضاء لا يستتر فيه بشئ. (4) سيأتي تمام الاشعار في خبر الشامي عن أمير المؤمنين عليه السلام وتقدمت ايضا قبل ذلك في كتاب الاحتجاجات في باب اسئلة الشامي عن امير المؤمنين عليه السلام. [ * ]

[ 220 ]

وقال سالم بن أبي الجعد: لما قتل هابيل عليه السلام مكث آدم سنة حزينا " لا يضحك ثم اتي فقيل: حياك الله وبياك، أي أضحكك، قالوا: ولما مضى من عمر آدم مائة و ثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيثا " وتفسيره هبة الله، يعني أنه خلف من هابيل، وكان وصي آدم وولي عهده، وأما قابيل فقيل له: اذهب طريدا " شريدا " فزعا " مذعورا " لا يأمن من يراه، وذهب إلى عدن من اليمن فأتاه إبليس فقال: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبدها، فانصب أنت أيضا نارا " تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار وهو أول من نصب النار وعبدها، واتخذ أولاده آلات اللهو من اليراع والطنبور والمزامير والعيدان، (1) وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى غرقهم الله أيام نوح بالطوفان وبقي نسل شيث. " سوأة أخيه " أي عورته أو جيفته " فأصبح من النادمين " على قتله، ولكن لم يندم على الوجه الذي يكون توبة، وقيل: من النادمين على حمله لا على قتله، وقيل: على موت أخيه لا على ارتكاب الذنب. (2) 1 - ع: ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس ومحمد العطار معا، عن الأشعري، عن أحمد ابن الحسن بن فضال، عن أحمد بن إبراهيم بن عمار، (3) عن ابن نويه، عن زرارة قال سئل أبو عبد الله عليه السلام كيف بدأ النسل من ذرية آدم عليه السلام فإن عندنا اناسا " يقولون: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم عليه السلام: أن يزوج بناته من بنيه، وأن هذه الخلق كلهم (4) أصله من الإخوة والأخوات: قال أبو عبد الله عليه السلام: سبحان الله، وتعالى عن ذلك علوا " كبيرا "، يقول من يقول هذا: إن الله عزوجل جعل أصل صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورسله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال، وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر الطيب ؟ (5) والله لقد تبينت (6)


(1) اليراع: القصب الذى يزمر به. والعيدان جمع العود: آلة من المعازف يضرب بها. (2) مجمع البيان 3: 172 - 175. م (3) في نسخه: أحمد بن إبراهيم عن عمار. ولم نعرفهما ولا ابن نويه. (4) في نسخة: وان هذا الخلق كله. (5) في نسخة: على الحلال والطاهر الطيب، وفى المصدر: على الحلال والطهر الطاهر الطيب. (6) في نسخة: والله لقد نبئت. [ * ]

[ 221 ]

أن بعض البهائم تنكرت له اخته فلما نزا عليها (1) ونزل كشف له عنها وعلم أنها اخته أخرج غرموله ثم قبض عليه بأسنانه ثم قلعه ثم خر ميتا ". قال زرارة: ثم سئل عليه السلام عن خلق حواء وقيل له: إن اناسا " عندنا يقولون: إن الله عزوجل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى، قال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا " كبيرا " ! يقول من يقول هذا: إن الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه، وجعل (2) لمتكلم من أهل التشنيع سبيلا " إلى الكلام، يقول: إن آدم كان ينكح بعضه بعضا إذا كانت من ضلعه، ما لهؤلاء ؟ حكم الله بيننا وبينهم. ثم قال: إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم من طين أمر الملائكة فسجدوا له وألقى عليه السبات ثم ابتدع له خلقا "، ثم جعلها في موضع النقرة التي بين ركبتيه، (3) وذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل، فأقبلت تتحرك فانبته لتحركها فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه، فلما نظر إليها نظر إلى خلق حسن يشبه صورته غير أنها انثى، فكلمها فكلمته بلغته فقال لها: من أنت ؟ فقالت: خلق خلقني الله كما ترى، فقال آدم عند ذلك: يا رب من هذا الخلق الحسن الذي قد آنسني قربه والنظر إليه ؟ فقال الله: هذه أمتي حواء، أفتحب أن تكون معك فتؤنسك وتحدثك وتأتمر لأمرك ؟ قال: نعم يا رب ولك بذلك الشكر والحمد ما بقيت، فقال تبارك وتعالى: فاخطبها إلي فإنها أمتي (4) وقد تصلح أيضا " للشهوة، وألقى الله عليه الشهوة، وقد علم قبل ذلك المعرفة، (5) فقال: يا رب فإني أخطبها إليك فما رضاك لذلك ؟ قال: رضاي أن تعلمها معالم ديني، فقال: ذلك لك يا رب (6) إن شئت ذلك، فقال عزوجل: قد شئت ذلك وقد زوجتكها فضمها إليك، فقال: أقبلي، فقالت: بل أنت فاقبل إلي، فأمر الله عزوجل لآدم أن يقوم إليها فقام، ولولا ذلك لكن النساء هن يذهبن إلى الرجال حين خطبن على أنفسهن (7)


(1) أي وقع عليها وطئها. (2) في نسخة: " ولا يجعل " أي لم يكن له من القدرة ما لا يجعل. (3) في نسخة: بين وركيه. والنقرة: ثقب في وسط الورك. (4) في المصدر: فانها انثى. م (5) في نسخة: وقد علمه قبل ذلك المعرفة. (6) في نسخة: ذلك لك يا رب على. (7) في نسخة: ولولا ذلك لكانت النساء هن يذهبن إلى الرجال حتى خطبن على انفسهن. [ * ]

[ 222 ]

فهذه قصة حواء صلوات الله عليها. (1) بيان: الغرمول بالضم: الذكر. والسبات كغراب: النوم. اعلم أن المشهور بين العامة مؤرخيهم ومفسريهم أن حواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام ويدل عليه بعض أخبارنا أيضا، ويدل هذا الخبر وغيره من الأخبار على نفي ذلك، فالأخبار الواردة موافقة للعامة إما محمولة على التقية، أو على أنها خلقت من فضلة طينة أضلاعه. قال الرازي في تفسير قوله تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها (2) " المراد من هذا الزوج هو حواء، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان: الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه، واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وآله: إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها. والقول الثاني وهو اختيار أبي مسلم الإصفهاني أن المراد من قوله: " وخلق منها زوجها " أي من جنسها، وهو كقوله تعالى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا " (3) " و كقوله: " إذا بعث فيهم رسولا " منهم (4) " وقوله: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم (5) " قال القاضي: والقول الأول أقوى لكي يصح قوله: " خلقكم من نفس واحدة " إذ لو كان حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة من لابتداء الغاية، فلما كان ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال: " خلقكم من نفس واحدة " وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا " على خلق حواء من التراب، وإذا كان الأمر كذلك فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم عليه السلام، انتهى. (6)


(1) علل الشرائع: 17 - 18. م (2) النساء: 2. (3) النحل: 72. (4) التوبة: 128. (5) آل عمران: 164. (6) مفاتيح الغيب ج 3: 191 - 192. م [ * ]

[ 223 ]

أقول: يمكن أن يقال: المراد بالخلق من نفس واحدة الخلق من أب واحد، كما يقال: بنو تميم كلهم نشؤوا من تميم، ولا ينافيه شركة الام كما لا ينافيه اشتراط سائر الشرائط واشتراك غيرها من العلل ؟ ؟. ثم اعلم أنه يحتمل أن تكون " من " في قوله: " منها " تعليلية أي لأجلها. 2 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن النوفلي، عن علي بن داود اليعقوبي، عن الحسن بن مقاتل، عمن سمع زرارة يقول: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن بدء النسل من آدم على نبينا وآله وعليه السلام كيف كان ؟ وعن بدء النسل من ذرية آدم فإن اناسا " عندنا يقولون: إن الله تعالى أوحى إلى آدم أن يزوج بناته بنيه، وأن هذا الخلق كله أصله من الإخوة والأخوات، فقال أبو عبد الله عليه السلام: تعالى الله عن ذلك علوا " كبيرا " يقول من قال هذا: بأن الله عزوجل خلق صفوة خلقه وأحباءه وأنبياءه ورسله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام، ولم يكن له من القدرة ما بخلقهم من حلال، وقد أخذ ميثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطيب، فوالله لقد تبينت (1) أن بعض البهائم تنكرت له اخته فلما نزا عليها ونزل كشف له عنها، فلما علم أنها اخته أخرج غرموله ثم قبض عليه بأسنانه حتى قطعه فخر ميتا "، وآخر تنكرت له امه ففعل هذا بعينه، فكيف الإنسان في إنسيته وفضله وعلمه ؟ ! غير أن جيلا " من هذا الخلق الذي ترون رغبوا عن علم أهل بيوتات أنبيائهم وأخذوا من حيث لم يؤمروا بأخذه فصاروا إلى ما قد ترون من الضلال والجهل بالعلم، كيف كانت الأشياء الماضية من بدء أن خلق الله ما خلق وما هو كائن أبدا ". ثم قال: ويح هؤلاء أين هم عما لم يختلف فيه فقهاء أهل الحجاز ولا فقهاء أهل العراق أن الله عزوجل أمر القلم فجرى على اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى يوم القيامة قبل خلق آدم بألقي عام، وأن كتب الله كلها فيما جرى فيه القلم في كلها تحريم الإخوة مع ما حرم، وهذا نحن قد نرى منها هذه الكتب الأربعة المشهورة في هذا العالم: التوارة والإنجيل والزبور والقرآن (2) أنزلها الله من اللوح (3) المحفوظ


(1) في نسخة: نبئت. (2) في المصدر: الفرقان. م (3) في نسخة: عن اللوح. [ * ]

[ 224 ]

على رسله صلوات الله عليهم أجمعين، منها التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد صلى الله عليه وآله وعلى النبيين ليس فيها تحليل شئ من ذلك حقا ". أقول: ما أراد من يقول هذا وشبهه إلا تقوية حجج المجوس، فمالهم قتلهم الله ؟ ! ثم أنشأ يحدثنا كيف كان بدء النسل من آدم، وكيف كان بدء النسل من ذريته، فقال: إن آدم عليه السلام ولد له سبعون بطنا " في كل بطن غلام وجارية إلى أن قتل هابيل، فلما قتل قابيل هابيل جزع آدم على هابيل جزعا " قطعه عن إتيان النساء، فبقي لا يستطيع أن يغشى حواء خمسمائة عام، (1) ثم تخلى ما به من الجزع عليه فغشي حواء فوهب الله له شيثا " وحده ليس معه ثاني، واسم شيث هبة الله وهو أول وصي اوصي إليه من الآدميين في الأرض، ثم ولد له من بعد شيث يافث ليس معه ثاني، (2) فلما أدركا وأراد الله عزوجل أن يبلغ بالنسل ما ترون وأن يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرم الله عزوجل من الأخوات على الإخوة أنزل بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنة اسمها بركة فأمر الله عزوجل آدم أن يزوجها من شيث فزوجها منه، ثم نزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنة اسمها منزلة (3) فأمر الله عزوجل آدم أن يزوجها من يافث فزوجها منه فولد لشيث غلام وولد ليافث جارية، فأمر الله عزوجل آدم حين أدركا أن يزوج بنت يافث من ابن شيث، ففعل ذلك فولد الصفوة من النبيين والمرسلين من نسلهما، ومعاذ الله أن ذلك على ما قالوا (4) من الإخوة والأخوات. (5) بيان: قوله عليه السلام: (وإن كتب الله كلها فيما جرى فيه القلم) لعل وجه الاستدلال أن اتفاق تلك الكتب السماوية المعروفة على التحريم مع اختلاف الشرائع دليل على


(1) هكذا في النسخ وهو لا يخلو عن غرابة، ويأتى في الخبر الخامس انه عليه السلام بكى أربعين صباحا وكذلك في الخبر السابع وعشرين، وفى الخبر السابع: أنه بكى أربعين يوما وليلة، فلما جزع عليه شكا ذلك إلى الله فأوحى الله إليه: أنى واهب لك ذكرا. وبه قال المسعودي في اثبات الوصية ص 7. (2) في نسخة: وليس معه ثانى. (3) في نسخة: اسمها نزلة. ويؤيد ذلك ما يأتي في الخبر الثالث أن اسمها نزلة، وصرح بذلك المسعودي في اثبات الوصية ص 9 ويأتى الفاظه بعد ذلك. (4) في المصدر: ومعاذ الله ان يكون على ما قالوا. قلت: وأخرج الحديث في الباب الاتى من كتاب القصص مفصلا. (5) علل الشرائع: 18. م [ * ]

[ 225 ]

أنه مما لا يختلف باختلاف الأزمان والأحوال، ويكون ذكر ثبت جميع الامور في اللوح لبيان ظهور فظاعة هذا القول لاستلزامه أن يكون ثابتا " في اللوح في صحف آدم حرمة ذلك وفي ذكر تقدير خلق أولاد آدم كونهم من الإخوة والأخوات فيلزم إثبات المناقضين فيه، ويحتمل أن يكونوا قائلين بكون ذلك حراما " في جميع الشرائع، ومع ذلك قالوا بهذا ذاهلين عما يلزمهم في ذلك من التناقض لكنه بعيد جدا ". 3 - لى: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مقاتل ابن سليمان، عن الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أوصى آدم إلى شيث وهو هبة الله ابن آدم، وأوصى شيث إلى ابنه شبان (1) وهو ابن نزلة الحوراء التي أنزلها الله على آدم من الجنة فزوجها ابنه شيثا "، الخبر. (2) 4 - ج: عن الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يحدث رجلا " من قريش قال: لما تاب الله على آدم، واقع حواء ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت إلا في الأرض وذلك بعد ما تاب الله عليه، قال: وكان آدم يعظم البيت وما حوله من حرمة البيت، وكان إذا أراد أن يغشى حواء خرج من الحرم وأخرجها معه، فإذا جاز الحرم غشيها في الحل ثم يغتسلان إعظاما منه للحرم، ثم يرجع إلى فناء البيت، قال: فولد لآدم من حواء عشرون ولدا " ذكرا "، عشرون انثى، فولد له في كل بطن ذكر وانثى، فأول بطن ولدت حواء هابيل ومعه جارية يقال لها إقليما، قال: وولدت في البطن الثاني، قابيل ومعه جارية يقال لها لوزا، (3) وكانت لوزا أجمل بنات آدم، قال: فلما أدركوا خاف عليهم آدم الفتنة فدعاهم إليه وقال: اريد أن انكحك يا هابيل لوزا، وانكحك يا قابيل إقليما، قال قابيل: ما أرضى بهذا، أتنكحني اخت هابيل القبيحة وتنكح هابيل اختي الجميلة ؟ قال آدم: فأنا أقرع بينكما فإن خرج سهمك يا قابيل على لوزاء وخرج سهمك يا هابيل على إقليما زوجت كل واحد منكما التي خرج


(1) سماه المسعودي ريسان، قال في اثبات الوصية ص 9: فلما حضرت وفاته أوحى الله إليه أن يستودع التابوت والاسم الاعظم ابنه ريسان بن نزلة وهى الحورية التى اهبطت له من الجنة اسمها نزلة، روى أن اسم ريسان أنوش. (2) امالي الصدوق 242. (3) تقدم عن الطبرسي أن اسمها لبوذا، وعن اليعقوبي أن اسمه لوبذا. [ * ]

[ 226 ]

سهمه عليها، قال: فرضيا بذلك فاقترعا قال: فخرج سهم هابيل على لوزا اخت قابيل و خرج سهم قابيل على إقليما اخت هابيل، قال: فزوجهما على ما خرج لهما من عند الله، قال: ثم حرم الله نكاح الأخوات بعد ذلك. قال: فقال له القرشي: فأولداهما ؟ قال: نعم قال: فقال القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم، قال: فقال علي بن الحسين عليه السلام: إن المجوس إنما فعلوا ذلك بعد التحريم من الله. ثم قال علي بن الحسين عليه السلام: لا تنكر هذا أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له ؟ فكان ذلك شريعة من شرائعهم، ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك. (1) 5 - ب: ابن عيسى، عن البزنطي قال: سألت الرضا عليه السلام عن الناس كيف تناسلوا من (عن خ) آدم عليه السلام ؟ فقال: حملت حواء هابيل واختا " له في بطن، ثم حملت في البطن الثاني قابيل واختا " له في بطن، فزوج هابيل التي مع قابيل وتزوج قابيل التي مع هابيل، ثم حدث التحريم بعد ذلك. (2) بيان: هذان الخبران محمولان على التقية لأشتهار ذلك بين العامة. (3) 6 - كتاب المحتضر للحسن بن سليمان نقلا " من كتاب الشفاء والجلاء بإسناده عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن آدم أبي البشر أكان زوج ابنته من ابنه ؟ فقال: معاذ الله، والله لو فعل ذلك آدم عليه السلام لما رغب عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وما كان آدم إلا على دين رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: وهذا الخلق من ولد من هم ولم يكن إلا آدم وحواء ؟ لأن الله تعالى يقول: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا " كثيرا " ونساء " فأخبرنا أن هذا الخلق من آدم وحواء عليهما السلام فقال عليه السلام: صدق الله وبلغت رسله وأنا على ذلك من الشاهدين، فقلت: ففسر لي يا ابن رسول الله، فقال: إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتا " فسماها عناقا "، فكانت أول من بغى على وجه الأرض فسلط الله عليها ذئبا "


(1) الاحتجاج: 171. م (2) قرب الاسناد: 161. م (3) قلت: وهما لا يخلوان عن اشكال آخر حيث ان الظاهر من كلامهم أن هابيل قتل قبل أن يزوج لوزا، والحديثان يخالف ذلك. [ * ]

[ 227 ]

كالفيل ونسرا كالحمار فقتلاها، ثم ولد له أثر عناق قابيل بن آدم، فلما أدرك قابيل ما يدرك الرجل (1) أظهر الله عزوجل جنية من ولد الجان يقال لها جهانة في صورة إنسية، فلما رآها قابيل ومقها فأوحى الله إلى آدم: أن زوج جهانة من قابيل فزوجها من قابيل، ثم ولد لآدم هابيل فلما أدرك هابيل ما يدرك الرجل (2) أهبط الله إلى آدم حوراء واسمها ترك (3) الحوراء، فلما رآها هابيل ومقها فأوحى الله إلى آدم. أن زوج تركا " (4) من هابيل ففعل ذلك، فكانت ترك (5) الحوراء زوجة هابيل بن آدم، ثم أوحى الله عزوجل إلى آدم: سبق علمي أن لا أترك الأرض من عالم يعرف به ديني وأن اخرج ذلك من ذريتك فانظر إلى اسمي الأعظم وإلى ميراث النبوة وما علمتك من الأسماء كلها وما يحتاج إليه الخلق من الاثرة عني فادفعه إلى هابيل، قال: ففعل ذلك آدم بهابيل فلما علم قابيل ذلك من فعل آدم غضب فأتى آدم فقال له: يا أبه ألست أكبر من أخي و أحق بما فعلت به ؟ فقال آدم: يا بني إنما الأمر بيد الله يؤتيه من يشاء، وإن كنت أكبر ولدي فإن الله خصه بما لم يزل له أهلا "، فإن كنت تعلم أنه خلاف ما قلت ولم تصدقني فقربا قربانا " فأيكما قبل قربانه فهو أولى بالفضل من صاحبه، قال: وكان القربان في ذلك الوقت تنزل نار فتأكله، فخرجا فقربا قربانا " كما ذكر الله في كتابه: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا " فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر " قال: وكان قابيل صاحب زرع فقرب قمحا " نسيا " (6) رديئا "، وكان هابيل صاحب غنم فقرب كبشا سمينا من خيار غنمه، فأكلت النار قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل، فأتاه إبليس لعنه الله فقال: يا قابيل إن هذا الأمر الذي أنت فيه ليس بشئ لأنه إنما أنت وأخوك، فلو ولد لكما ولد وكثر نسلكما افتخر نسله على نسلك بما خصه به أبوك، ولقبول النار قربانه وتركها قربانك، وإنك إن قتلته لم يجد أبوك بدا " من أن يخصك بما دفعه إليه، قال: فوثب قابيل إلى هابيل فقتله.


(1 و 2) في نسخة: ما يدرك الرجال. (3 - 4 و 5) هكذا في المطبوع والمخطوط، والظاهر أنها مصحف " نزل " كما حكاها الجزائري في قصص الانبياء. (6) القمح بالفتح فالسكون: الحنطة. النسى بفتح النون ويكسر فسكون: ما يترك المرتحلون من زوال متاعهم. [ * ]

[ 228 ]

ثم قال إبليس: إن النار التي قبلت القربان هي المعظمة فعظمها، واتخذ لها بيتا "، واجعل لها أهلا "، وأحسن عبادتها والقيام عليها فتقبل قربانك إذا أردت ذلك، قال: ففعل قابيل ذلك، فكان أول من عبد النار واتخذ بيوت النيران، وإن آدم أتى الموضع الذي قتل فيه قابيل أخاه فبكى هناك أربعين صباحا " يلعن تلك الأرض حيث قبلت دم ابنه، وهو الذي فيه قبلة المسجد الجامع بالبصرة، قال: وإن هابيل يوم قتل كانت امرأته ترك (1) الحوراء حبلى فولدت غلاما " فسماه آدم باسم ابنه هابيل، وإن الله عزوجل وهب لآدم بعد هابيل ابنا فسماه شيثا "، ثم قال: ابني هذا هبة الله، فلما أدرك شيث ما يدرك الرجل أهبط الله على آدم حوراء يقال لها ناعمة في صورة إنسية، فلما رآها شيث ومقها فأوحى الله إلى آدم: أن زوج ناعمة من شيث ففعل ذلك آدم فكانت ناعمة الحوراء زوجة شيث فولدت له جارية فسماها آدم حورية، فلما أدركت أوحى الله إلى آدم أن زوج حورية من هابيل بن هابيل ففعل ذلك آدم فهذا الخلق الذي ترى من هذا النسل، وهو قوله تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا " كثيرا " ونساء " وقوله: " وخلق منها زوجها " أي من الطينة التي خلق منها آدم. قال: فلما انقضت نبوة آدم وفنى أجله أوحى الله إليه: قد انقضت نبوتك وفنيت أيامك فانظر إلى اسم الله الأعظم وما علمتك من الأسماء كلها واثرة النبوة وما يحتاج الناس إليه فادفعه إلى شيث، وأمره أن يقبله بكتمان و تقية من أخيه لئلا يقتله كما قتل هابيل فإنه قد سبق في علمي أن لا اخلي الأرض من عالم يعرف به ديني ويكون فيه نجاة لمن تولاه فيما بينه وبين العالم الذي آمره بإظهار ديني، وأخرج ذلك من ذرية شيث وعقبه، فدعا آدم شيثا " وقال: يا بني اخرج وتعرض لجبرئيل أو لمن لقيت من الملائكة وأخبره بوجعي واسأله أن يهدي إلي من فاكهة الجنة قبل أن أموت، وقد كان سبق في علم الله تعالى أن لا يأكل آدم من ثمار الجنة حتى يعود إليها، (2) فخرج شيث فلقي جماعة من الملائكة فأبلغهم ما أمره آدم، فقال: جبرئيل: يا شيث آجرك الله في أبيك فقد قضى نحبه، (3) فاهبطنا لنحضر الصلاة على أبيك، فانصرف


(1) الظاهر انه مصحف " نزل " كما أشرنا. (2) هذا أيضا يدل على أن الجنة التى اخرج منها آدم عليه السلام هي جنة الخلد. (3) قضى فلان نحبه أي مات كانما الموت نذر في عنقه. [ * ]

[ 229 ]

مع الملائكة فوجد أياه قد مات فغسله شيث مع جبرئيل عليه السلام، فلما فرغ شيث من غسله قال لجبرئيل: تقدم فصل على آدم، فقال له جبرئيل: إنا معاشر الملائكة امرنا بالسجود لأبيك، وليس لأحد منا أن يتقدم بين يدي الأوصياء من ذريته. قال: فتقدم شيث فصلى على آدم فكبر عليه ثلاثين تكبيرة بأمر جبرئيل، فأقبل قابيل على شيث فقال له: أين الذي دفعه إليك أبوك مما كان دفعه إلى هابيل ؟ فأنكر ذلك وعلم أنه إن أقر قتله، فلم يزل شيث يخبر العقب من ذريته ويبشرهم ببعثة نوح ويأمرهم بالكتمان، وإن آدم أخبره أن الله بشره بأنه باعث من ذريته نبيا " يقال له نوح يدعو قومه إلى الله فيكذبونه فيهلكهم بالغرق، وكان بين آدم ونوح عشرة آباء. (1) بيان: ومقه كورثه: أحبه. والأثرة بالضم: نقل الحديث وبقية العلم والمكرمة المتوارثة. قوله: نسيا " أي متروكا " فاسدا ". 7 - ج: عن أبان بن تغلب قال: دخل طاوس اليماني إلى الطواف ومعه صاحب له فإذا هو بأبي جعفر عليه السلام يطوف أمامه وهو شاب حدث، فقال طاوس لصاحبه: إن هذا الفتى لعالم، فلما فرغ من طوافه صلى ركعتين ثم جلس فأتاه الناس فقال طاوس لصاحبه: نذهب إلى أبي جعفر عليه السلام نسأله عن مسألة لا أدري عنده فيها شئ، فأتياه فسلما عليه ثم قال له طاوس: يا أبا جعفر هل تعلم أي يوم مات ثلث الناس ؟ فقال: يا أبا عبد الرحمن لم يمت ثلث الناس قط، بل إنما أردت ربع الناس ! قال: وكيف ذلك ؟ قال: كان آدم وحواء وقابيل وهابيل فقتل قابيل هابيل فذلك ربع الناس، قال: صدقت، قال أبو جعفر عليه السلام: هل تدري ما صنع بقابيل ؟ قال: لا، قال: علق بالشمس ينضح (2) بالماء الحار إلى أن تقوم الساعة (3)


(1) ذكرهم المسعودي في اثبات الوصية وذكر أسماءهم هكذا: 1 - شيث 2 - ريسان اسمه أنوش 3 - قينان 4 - آحيلث 5 - غنميشا 6 - ادريس وهو اخنوح وهرمس 7 - يرد 8 - اخنوخ ابن يرد 9 - متوشلخ 10 - لمك وهو ارفخشد. وعدهم اليعقوبي وابن حبيب في المحبر ثمانية فهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليهم السلام. (2) أي يرش بالماء. وفى نسخة ينضج بالماء الحار. (3) الاحتجاج: 177. م [ * ]

[ 230 ]

بيان: لعله كان ماتت اختا قابيل وهابيل قبل شهادة هابيل ولم يحضر قابيل دفنهما أو كان ذكر اختيهما (1) محمولا " على التقية، أو كان هذا الجواب على وفق علم السائل للمصلحة (2) وسيأتي ما يؤيد الأخير. 8 - فس: عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن الثمالي، عن ثوير بن أبي فاختة قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يحدث رجلا " من قريش قال: لما قرب أبناء آدم القربان قرب أحدهما أسمن كبش كان في ضأنه، وقرب الآخر ضغثا " من (3) سنبل فتقبل من صاحب الكبش وهو هابيل، ولم يتقبل من الآخر، فغضب قابيل فقال لهابيل: والله لأقتلنك، فقال هابيل: " إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني اريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوعت له نفسه قتل أخيه " فلم يدر كيف يقتله حتى جاء إبليس فعلمه فقال: ضع رأسه بين حجرين ثم اشدخه، فلما قتله لم يدر ما يصنع به فجاء غرابان فأقبلا يتضاربان حتى اقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، ثم حفر الذي بقي الأرض بمخالبه ودفن فيه صاحبه، قال قابيل: " يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فاواري سوأة أخي فأصبح من النادمين " فحفر له حفيرة ودفن فيها فصارت سنة يدفنون الموتى، فرجع قابيل إلى أبيه فلم ير معه هابيل فقال له آدم: أين تركت ابني قال له قابيل: أرسلتني عليه راعيا " ؟ فقال آدم: انطلق معي إلى مكان القربان وأحس قلب آدم (4) بالذي فعل قابيل، فلما بلغ مكان القربان استبان قتله، فلعن آدم الأرض التي قبلت دم هابيل، وامر آدم أن يلعن قابيل، ونودي قابيل من السماء: لعنت كما قتلت أخاك، ولذلك لا تشرب الأرض الدم، فانصرف آدم فبكى على هابيل أربعين يوما " وليلة، فلما جزع عليه شكا ذلك إلى الله فأوحى الله إليه: إني واهب لك ذكرا " يكون


(1) لعله سقط لفظة (عدم) فكانت العبارة: أو كان عدم ذكر اختيهما. (2) أو أنه سأل عن الناس، وهما كانتا حورية وجنية على ما تقدم في الاخبار. (3) الضغت: ملء اليد من الشئ المختلط، والمراد هنا قبضة من سنبل. (4) في نسخة وفي المصدر: " وأوجس قلب آدم " أي أحس وأضمر. [ * ]

[ 231 ]

خلفا " من هابيل، فولدت حواء غلاما " زكيا " مباركا "، فلما كان يوم السابع أوحى الله إليه: يا آدم إن هذا الغلام هبة مني لك فسمه هبة الله، فسماه آدم هبة الله. (1) تفسير: " ما أنا بباسط " قيل: إن القتل على سبيل المدافعة لم يكن مباحا " في ذلك الوقت، وقيل: إن المعنى: لئن بسطت إلى يدك على سبيل الظلم والابتداء لتقتلني ما أنا بباسط إليك يدي على وجه الظلم والابتداء. وقال السبد المرتضى قدسي سره: المعنى إني لا أبسط يدي إليك للقتل، لأن المدافع إنما يحسن منه المدافعة للظالم طلبا " للتخلص من غير أن يقصد إلى قتله " إني اريد أن تبوء بإثمي وإثمك " أي إثمي لو بسطت إليك يدي، وإثمك ببسطك يدك إلي، أو بإثم قتلي وبإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك، قيل: لم يرد معصية أخيه وشقاوته بل قصده بهذا الكلام إلى أن ذلك إن كان لا محالة واقعا " فاريد أن يكون لك لا لي، فالمقصود بالذات أن لا يكون له لاأن يكون لأخيه، ويجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته و إرادة عقاب العاصي جائزة. (2) وقال الجوهري: الشدخ: كسر الشئ الأجوف، تقول: شدخت رأسه فانشدخ. 9 - فس: أبي، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كنت جالسا معه في المسجد الحرام فإذا طاوس في جانب يحدث أصحابه حتى قال: أتدري أي يوم قتل نصف الناس ؟ فأجابه أبو جعفر عليه السلام فقال: أو ربع الناس يا طاوس، فقال: أو ربع الناس، فقال: أتدري (3) ما صنع بالقاتل ؟ فقلت: إن هذه لمسألة فلما كان من الغد غدوت على أبي جعفر عليه السلام فوجدته قد لبس ثيابه وهو قاعد على الباب ينتظر الغلام أن يسرج له، فاستقبلني بالحديث قبل أن أسأله فقال: إن بالهند - أو من وراء الهند - (4) رجل معقول (5) برجل يلبس المسح (6) موكل به عشرة نفر، كلما مات


(1) تفسير القمى ؟ 153 - 154. م (2) مجمع البيان 3: 184. م (3) في المصدر: تدرى. م (4) الترديد من الراوى. (5) في نسخة: معقود. (6) المسح: البلاس ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفا وقهرا " للجسد. [ * ]

[ 232 ]

رجل منهم أخرج أهل القرية بدله، فالناس يموتون والعشرة لا ينقصون ويستقبلون بوجهه الشمس حين تطلع يديرونه معها حتى تغيب، ثم يصبون عليه في البرد الماء البارد، وفي الحر الماء الحار، قال: فمر عليه (1) رجل من الناس فقال له: من أنت يا عبد الله ؟ فرفع رأسه ونظر إليه ثم قال: (2) إما أن تكون أحمق الناس، وإما أن تكون أعقل الناس إني لقائم ههنا منذ قامت الدنيا ما سألني أحد غيرك من أنت. ثم قال: يزعمون أنه ابن آدم، (3) قال الله عزوجل: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل إنه من قتل نفسا " بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا " " ولفظ الآية خاص من بني إسرائيل ومعناها عام جار في الناس كلهم. (4) 10 - فس: أبي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يارسول الله رأيت أمرا " عظيما "، فقال: وما رأيت ؟ قال: كان لي مريض ونعت له ماء من بئر الأحقاف يستشفى به في برهوت، (5) قال: فتهيأت ومعي قربة وقدح لآخذ من مائها وأصب في القربة إذا شئ (6) قد هبط من جو السماء كهيئة السلسلة وهو يقول: يا هذا اسقني الساعة أموت، فرفعت رأسي ورفعت إليه القدح لاسقيه فإذا رجل في عنقه سلسلة فلما ذهبت انا وله القدح اجتذب حتى علق بالشمس، ثم أقبلت على الماء أغرف إذ أقبل الثانية وهو يقول: العطش العطش يا هذا اسقني الساعة أموت، فرفعت القدح لأسقيه فاجتذب حتى علق بالشمس حتى فعل ذلك الثالثة فشددت قربتي ولم اسقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذاك قابيل بن آدم قتل أخاه وهو قوله عزوجل: " والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلى الماء إلى قوله: " إلا في ضلال " (7)


(1) في المصدر: فمر به. م (2) في المصدر: ثم قال له. م (3) الظاهر بقرينة قوله: " يزعمون " أن الحديث من مرويات العامة وقصاصهم. (4) تفسير القمى: 154 - 155. وفى نسخة: ولفظ الاية خاص في بنى اسرائيل ومعناها العام جاء في الناس كلهم. (5) في المصدر: نستسقي في برهوت. م (6) تفسير القمى: 338. م (7) في المصدر. وإذا بشئ. م [ * ]

[ 233 ]

11 - ع، ل، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن قول الله عزوجل: " يوم يفر المرء من أخيه " فقال عليه السلام: قابيل يفر من هابيل. وسأله عليه السلام عن يوم الأربعاء و التطير منه، فقال عليه السلام: هو آخر أربعاء وهو المحاق، وفيه قتل قابيل هابيل أخاه. (1) 12 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن محبوب، عن حنان بن سدير، عن رجل من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن أشد الناس عذابا " يوم القيامة لسبعة نفر أولهم ابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، واثنان في بني إسرائيل (2) هودا قومهم ونصراهم، وفرعون الذي قال " أنا ربكم الأعلى " واثنان في هذه الامة. (3) بيان: الاثنان من هذه الامة أبو بكر وعمر. 13 - ل: الدقاق، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن نصير بن عبيد، عن نصر بن مزاحم، عن يحيى بن يعلى، عن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: من شر خلق الله خمسة: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه، و فرعون ذو الأوتاد، ورجل من بني إسرائيل ردهم عن دينهم، ورجل من هذه الامة يبايع على كفر عند باب لد. قال: ثم قال: إني لما رأيت معاوية يبايع عند باب لد ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله فلحقت بعلي عليه السلام فكنت معه. (4) بيان: قال الجزري: في حديث الدجال: " فيقتله المسيح بباب اللد " لد موضع بالشام وقيل بفلسطين. 14 - ع، ن، ل: سأل الشامي (5) أمير المؤمنين عليه السلام عن أول من قال الشعر


(1) علل الشرائع: 199، عيون الاخبار، 136، الخصال ج 2: 28. م (2) في نسخة: واثنان من بنى اسرائيل. (3) الخصال ج 2: 4. وفى نسخة: واثنان من هذه الامة. (4) الخصال ج 1: 155. م (5) والحديث طويل ذكره في باب اسئلة الشامي عن أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الاحتجاجات. [ * ]

[ 234 ]

قال آدم، فقال: وما كان شعره ؟ قال: لما انزل إلى الأرض من السماء فرأى تربتها وسعتها وهواها وقتل قابيل هابيل فقال آدم عليه السلام: تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم * وقل بشاشة الوجه المليح (1) فأجابه إبليس: تنح عن البلاد وساكنيها * فبي بالخلد ضاق بك الفسيح (2) وكنت بها وزوجك في قرار * وقلبك من أذى الدنيا مريح فلم تنفك من كيدي ومكري * إلى أن فاتك الثمن الربيح (3) فلولا رحمة الجبار أضحت * بكفك من جنان الخلد ريح (4) تتميم: أقول: زاد المسعودي في مروج الذهب في شعر آدم عليه السلام بعد قوله: وقل شاشة الوجه الصبيح: وبدل أهلها أثلا " وخمطا " * بجنات من الفردوس قيح وجاورنا عدوا ليس ينسى * لعين ما يموت فنستريح ويقتل قاين هابيل ظلما " * فوا أسفا على الوجه المليح فمالي لا أجود بسكب دمعي * وهابيل تضمنه الضريح أرى طول الحياة علي غما " * وما أنا من حياتي مستريح (5) أقول: قوله: قيح إما بالقاف جمع القاحة بمعنى الساحة، أو بالفاء من الفيح بمعنى السعة، وقاين أحد ما قيل في اسم الولد القاتل، وفي أكثر نسخ التفاسير والتواريخ


(1) زاد في العيون: أرى طول الحياة على غما * وما انا من حياتي مستريح ومالى لا أجود بسكب دمع * وهابيل تضمنه الضريح قتل قابيل هابيل أخاه * فواحزنا لقد فقد المليح (2) في العلل: ففى الفردوس، وفى الخصال: ففيها الخلد. (3) في العيون بعد هذا: وبدل اهلها اثلا وخمطا بجنات وابواب اه‍. م (4) علل الشرائع: 197، عيون الاخبار: 134، الخصال ج 1: 98. م (5) مروج الذهب ج 1: 16. م [ * ]

[ 235 ]

بالباء الموحدة، وفي مروج الذهب بالمثناة من تحت، وقيل: قابين بالموحدة ثم المثناة والمشهور قابيل باللام. 15 - ع: الدقاق، عن الكليني، عن علان رفعه (1) قال: سأل يهودي أمير المؤمنين عليه السلام: لم قيل للفرس أجد ؟ ولم قيل للبغل عد ؟ ولم قيل للحمار حر ؟ فقال عليه السلام: إنما قيل للفرس أجد لأن أول من ركب الخيل قابيل يوم قتل أخاه هابيل وأنشأ يقول: اجد اليوم وما * ترك الناس دما " فقيل للفرس أجد لذلك، وإنما قيل للبغل عد لأن أول من ركب البغل آدم عليه السلام، وذلك أنه كان له ابن يقال له معد وكان عشوقا " للدواب، وكان يسوق بآدم عليه السلام، فإذا تقاعس البغل نادى: يا معد سقها، فالقبت (2) البغلة اسم معد، فترك الناس معد وقالوا: عد. وإنما قيل للحمار حر لأن أول من ركب الحمار حواء وذلك أنه كان لها حمارة وكانت تركبها لزيارة قبر ولدها هابيل فكانت تقول في مسيرها: واحراه (3) فإذا قالت هذه الكلمات سارت الحمارة، وإذا أمسكت تقاعست فترك (4) الناس ذلك وقالوا حر. الخبر. (5) بيان: الظاهر أن هذه الكلمات إنما كانت تقال لتلك الدواب عند إرادة زجرها، قال الفيروز آبادي: إجد بكسرتين ساكنة الدال: زجر للإبل، وقال: عدعد زجر للبغل، وقال: الحر زجر للبعير. اقول: لعل الاولى والثالثة كانتا لزجر الدابتين فاستعملتا للإبل، ويحتمل أن تكون من أسامي تلك الدواب فتركت فلذا لم يذكرها اللغويون. وقوله: أجد اليوم إما أمر من الإجادة، أو من أجد بمعنى اجتهد في الأمر، أي أجد السعي، أوجد فيه فإن الناس لا يتركون الدم بل يطلبونه، أو على صيغة التكلم


(1) تقدم الحديث بتمامه في الباب الاول من احتجاجات امير المؤمنين عليه السلام راجعه. (2) في نسخة فألفت. (3) في نسخة: واحرة.. (4) في نسخة: فتبرك. (5) علل الشرائع: 12. م [ * ]

[ 236 ]

بالتشديد فيرجع إلى ما مر، أو بالتخفيف من الوجدان، أي أجد الناس اليوم لا يتركون الدم. قولها: واحراه ندبة على ولدها، وفي بعض النسخ: واحرة خطابا " للحمارة و الأول أظهر. 16 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب وابن عيسى معا "، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، وكرام بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قابيل لما رأى النار قد قبلت قربان هابيل قال له إبليس: إن هابيل كان يعبد تلك النار، فقال قابيل: لا أعبد النار التي عبدها هابيل، ولكن أعبد نارا " أخرى واقرب قربانا " لها فتقبل قرباني، فبنى بيوت النار فقرب ولم يكون له علم بربه عزوجل، ولم يرث منه ولده إلا عبادة النيران. (1) 17 - ع: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن عبد الله بن محمد، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت الوحوش والطير والسباع وكل شئ خلق الله عزوجل مختلطا " بعضه ببعض، فلما قتل ابن آدم أخاه نفرت وفزعت فذهب (2) كل شئ إلى شكله. (3) ص: بالإسناد عن الصدوق مثله. (4) 18 - ع: علي بن حاتم، عن أبي عبد الله بن ثابت، عن عبد الله بن أحمد، عن القاسم ابن عروة، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل أنزل حوراء من الجنة إلى آدم فزوجها أحد ابنيه، وتزوج الآخر الجن (5) فولدتا جميعا "، فما كان من الناس من جمال وحسن خلق فهو من الحوراء، وما كان فيهم من سوء الخلق فمن بنت الجان، وأنكر أن يكون زوج بنيه من بناته. (6)


(1 و 3) علل الشرائع: 13. م (2) في نسخة: وذهب. (4) مخطوط. م (5) في نسخة: وتزوج الاخر إلى الجن. (6) علل الشرائع 45. م [ * ]

[ 237 ]

بيان: لعل وجه الجمع بينه وبين ما سبق إما بالتجوز في الخبر السابق (1) بأن يكون المراد بالحوراء الشبيهة بها في الجمال، أو في هذا الخبر بأن يكون المراد بكونها من الجن كونها شبيهة بهم في الخلق، ويمكن القول بالجمع بينهما في أحد ابنيه، وسيأتي ما يؤيد الأخير. 19 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل حين أمر آدم أن يهبط هبط آدم وزوجته، وهبط إبليس ولا زوجة له، وهبطت الحية ولا زوج لها، فكان أول من يلوط بنفسه إبليس فكانت ذريته من نفسه، وكذلك الحية، وكانت ذرية آدم من زوجته فأخبرهما أنهما عدوان لهما. (2) بيان: يمكن الجمع بينه وبين ما مر منه أنه يبيض ويفرخ بأن يكون لواطه بنفسه سببا " لأن يبيض فيفرخ، أو بأن يكون حصول الولد له على الوجهين. 20 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن علي بن معبد، عن الدهقان، عن درست، عن أبي خالد قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام الناس أكثر أم بنو آدم ؟ فقال: الناس، قيل: وكيف ذلك ؟ قال: لانك إذا قلت " الناس " دخل آدم فيهم، وإذا قلت " بنو آدم " فقد تركت آدم لم تدخله مع بنيه، فلذلك صار الناس أكثر من بني آدم وإدخالك إياه معهم، (3) ولما قلت بنو آدم نقص آدم من الناس. (4) 21 - فس: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس إن أول من بغى على الله عزوجل على وجه الأرض عناق بنت آدم، خلق الله لها عشرين إصبعا " في كل إصبع منها ظفران


(1) وهو الخبر الثاني لان فيه: انزل بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنة اسمها بركة فزوجها من شيث، ثم نزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنة اسمها منزلة فزوحها من يافث وهما متعارضان لو كان بدء نسل البشر من شيث ويافث فقط، وأما لو كان من هابيل وقابيل أو منهما و من شيث ويافث كما تقدم فلا منافاة بينهما، لأنه يحمل هذا الخبر على ما سبق في أخبار ان حورية نزلت لهابيل وجنية لقابيل. (2) علل الشرائع: 183. م (3) واستظهر في هامش الكتاب ان الصحيح: ولادخالك. (4) علل الشرائع: 37 - 38. م [ * ]

[ 238 ]

طويلان كالمنجلين (1) العظيمين، وكان مجلسها في الأرض موضع جريب، فلما بغت بعث الله لها أسدا " كالفيل وذئبا " كالبعير ونسرا " كالحمار وكان ذلك في الخلق الأول فسلطهم الله عليها فقتلوها. (2) بيان: أي كانت جثة تلك السباع هكذا عظيمة في الخلق الأول. (3) 22 - مع: أبي، عن سعد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود يرفع الحديث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فأما الأمانة فهي التي أخذ الله عزوجل على آدم حين زوجه حواء، وأما الكلمات فهن الكلمات التي شرط الله عزوجل بها على آدم أن يعبده ولا يشرك به شيئا " ولا يزني ولا يتخذ من دونه وليا ". (4) 23 - ص: بالإسناد إلى الصدوق عن أبيه، عن سعد، عن ابن أبي عمير، عن البطائني، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن ابن آدم حين قتل أخاه لم يدر كيف يقتله حتى جاء إبليس فعلمه قال: ضع رأسه بين حجرين ثم اشدخه. (5) 24 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ماجيلويه، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن عمر بن عثمان، عن العبقري، عن أسباط، عن رجل حدثه علي بن الحسين صلوات الله عليهما أن طاوسا " قال في مسجد الحرام: أول دم وقع علي الأرض دم هابيل حين قتله قابيل وهو يومئذ قتل ربع الناس، فقال له زين العابدين عليه السلام: ليس كما قال إن أول دم وقع على الأرض دم حواء حين حاضت، يومئذ قتل سدس الناس، كان يومئذ: آدم وحواء وقابيل وهابيل واختاهما بنتين كانتا. ثم قال عليه السلام: هل تدري ما صنع بقابيل ؟ فقال القوم: لا ندري، فقال: وكل الله به ملكين يطلعان به مع الشمس إذا طلعت، ويغربان به مع الشمس إذا غربت، وينضجانه بالماء الحار مع حر الشمس حتى تقوم الساعة. (6)


(1) منجل كمنبر: آلة من حديد عكفاء يقضب به الزرع. (2 و 4) لم نجدهما. م (3) أو كانت جثة عناق أو الجميع كذلك في الخلق الاول. (5 و 6) مخطوط. م [ * ]

[ 239 ]

بيان: يظهر منه أن ما أجاب عليه السلام به سابقا " (1) من تفسير الربع كان على زعم السائل. (2) 25 - ص: بهذا الإسناد عن ابن اورمة، عن الحسن بن علي، عن ابن بكير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن بالمدينة لرجلا " أتى المكان الذي فيه ابن آدم فرآه معقولا " معه عشرة موكلون به، يستقبلون بوجهه الشمس حيثما دارت في الصيف، ويوقدون حوله النار، فإذا كان الشتاء يصبون (3) عليه الماء البارد، وكلما هلك رجل من العشرة أخرج أهل القرية رجلا "، فقال له رجل: يا عبد الله ما قصتك لأي شئ ابتليت بهذا ؟ فقال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني أحد عنها قبلك، إنك أكيس الناس، وإنك لأحمق الناس. (4) 26 - ير: أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام مثله. وفيه: وإنك لأحمق الناس أو أكيس الناس. وزاد في آخره: قال: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: أيعذب في الآخرة، قال: فقال: ويجمع الله عليه عذاب الدينا والآخرة. (5) 27 - بيان: كونه أكيس الناس لأنه سأل عما لم يسأل عنه أحد، وكونه أحمق الناس لانه سأل ذلك رجلا " لم يؤمر ببيانه، وعلى ما في البصائر المراد أن السؤال عن غرائب الأمور قد يكون لغاية الكياسة، وقد يكون لنهاية الحمق. 28 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم معا، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان هابيل راعي الغنم، وكان قابيل حراثا "، فلما بلغا قال لهما آدم عليه السلام: إني احب أن تقربا إلى الله قربانا " لعل الله يتقبل منكما، فانطلق هابيل إلى أفضل كبش في غنمه فقربة التماسا " لوجه الله ومرضاة أبيه، فأما قابيل فإنه قرب


(1) في الخبر السابع. (2) ذكرنا هناك توجيها آخر له. راجع (3) في نسخة: صبوا. (4) مخطوط. (5) بصائر الدرجات: 116. م [ * ]

[ 240 ]

الزوان الذي يبقى في البيدر الذي لا يستطيع البقر أن تدوسه فقرب ضغثا " منه لا يريد به وجه الله تعالى ولا رضى أبيه، فقبل الله قربان هابيل، ورد على قابيل قربانه، فقال إبليس لقابيل: إنه يكون لهذا عقب يفتخرون على عقبك بأن قبل قربان أبيهم، فاقتله حتى لا يكون له عقب، فقتله فبعث الله تعالى جبرئيل فأجنه، (1) فقال قابيل: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب، يعني به مثل هذا الغريب الذي لا أعرفه جاء ودفن أخي ولم أهتد لذلك، ونودي قابيل من السماء: لعنت لما قتلت أخاك، وبكى آدم على هابيل أربعين يوما " وليلة. (2) بيان: قال الجوهري: الزوان: حب يخالط البر انتهى. والخبر يدل على أن الغراب يطلق بمعنى الغريب ولم نظفر عليه فيما عندنا من كتب اللغة. قال الشيخ الطبرسي قدس الله روحه: قالوا كان هابيل أول ميت من الناس، فلذلك لم يدر قابيل كيف يواريه وكيف يدفنه حتى بعث الله غرابين أحدهما حي والآخر ميت، وقيل: كانا حيين فقتل أحدهما صاحبه ثم بحث الأرض ودفنه فيه، ففعل قابيل مثل ذلك، عن ابن عباس وابن عباس وابن مسعود وجماعة، وقيل: معناه: بعث الله غرابا " يبحث التراب على القتيل، فلما رأى قابيل ما أكرم الله به هابيل وأن بعث طيرا " ليواريه وتقبل قربانه قال: يا ويلتى، عن الأصم، وقيل: كان ملكا " في صورة الغراب (3) 29 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام قال: لما أوصى آدم عليه السلام إلى هابيل حسده قابيل فقتله، فوهب الله تعالى لآدم هبة الله، وأمره أن يوصي إليه، وأمره أن يكتم ذلك، قال: فجرت السنة بالكتمان في الوصية، فقال قابيل لهبة الله: قد علمت أن أباك قد أوصى إليك فإن أظهرت ذلك أو نطقت بشئ منه لاقتلنك كما قتلت أخاك. (4) 30 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن


(1) أي دفنه. (2 و 4) قصص الانبياء مخطوط. م (3) مجمع البيان 3: 185. م [ * ]

[ 241 ]

عيسى عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما قرب ابنا آدم عليه السلام القربان فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل دخل قابيل من ذلك حسد شديد وبغى قابيل على هابيل، فلم يزل يرصده ويتبع خلواته حتى خلا به متنحيا " عن آدم عليه السلام فوثب عليه فقتله، وكان من قصتهما ما قد بينه الله في كتابه من المحاورة قبل أن قتله. (1) 31 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن ابن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قابيل أتى هبة الله عليه السلام فقال: إن أبي قد أعطاك العلم الذي كان عنده، وأنا كنت أكبر منك وأحق به منك، ولكن قتلت ابنه فغضب علي فأثرك بذلك العلم علي، وإنك والله إن ذكرت شيئا " مما عندك من العلم الذي ورثك أبوك لتتكبر به علي وتفتخر علي لأقتلنك كما قتلت أخاك، واستخفى هبة الله بما عنده من العلم لينقضي دولة قابيل، ولذلك يسعنا في قومنا التقية، لأن لنا في ابن آدم اسوة، قال: فحدث هبة الله ولده بالميثاق سرا " فجرت والله السنة بالوصية من هبة الله في ولده يتوارثونها عالم بعد عالم، فكانوا يفتحون الوصية كل سنة يوما فيحدثون أن أباهم قد بشرهم بنوح عليه السلام، قال: وإن قابيل لما رأى النار التي قبلت قربان هابيل ظن قابيل أن هابيل كان يعبد تلك النار ولم يكن له علم بربه، فقال قابيل: لا أعبد النار التي عبدها هابيل، ولكن أعبد نارا " واقرب قربانا " لها، فبنى بيوت النيران. (2) 32 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير قال: كان أبو جعفر الباقر عليه الصلاة والسلام جالسا " في الحرم وحوله عصابة من أوليائه إذ أقبل طاوس اليماني في جماعة، فقال: من صاحب الحلقة ؟ قيل: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم الصلاة والسلام، قال: إياه أردت، فوقف بحياله وسلم وجلس ثم قال: أتأذن لي في السؤال ؟ فقال الباقر عليه السلام: قد آذناك فسل، قال: أخبرني بيوم هلك ثلث الناس، فقال: وهمت


(1 و 2) مخطوط. م [ * ]

[ 242 ]

يا شيخ أردت أن تقول ربع الناس (1) وذلك يوم قتل هابيل، كانوا أربعة: قابيل وهابيل و آدم وحواء عليهما السلام فهلك ربعهم، فقال: أصبت ووهمت أنا، فأيهما كان الأب للناس القاتل أو المقتول ؟ قال: لا واحد منهما، بل أبوهم شيث بن آدم عليه السلام. (2) بيان: لعل المراد الناس الموجودون في ذلك الزمان، لئلا ينافي ما مر في خبر ابن أبي الديلم (3) أنه لم يرث منه ولده إلا عبادة النيران بأن تكون أولاده قد انقرضوا في زمن نوح عليه السلام أو قبله، لكن الجمع بين ذلك الخبر والخبر الثاني من الباب لا يخلو من إشكال إلا أن يتجوز في الأولاد، أو يقال: لعله وقع له أيضا " تزويج من جنية أو غيرها، أو يقال: يمكن أن يكون أولاده من الزنا، ويؤيد الأوسط ما مر من كتاب المحتضر وما سيأتي من خبر الحضرمي وخبر سليمان بن خالد. وقال ابن الأثير في الكامل: ثم انقرض ولد قابيل ولم يتركوا عقبا إلا قليلا "، وذرية آدم كلهم جهلت أنسابهم وانقطع نسلهم إلا ما كان من شيث فمنه كان النسل، وأنساب الناس اليوم كلهم إليه دون أبيه آدم عليه السلام. (4) 33 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب قال: لما أراد قابيل أن يقتل أخاه ولم يدر كيف يصنع عمد إبليس إلى طائر فرضح رأسه بحجر (5) فقتله فتعلم قابيل، فساعة قتله ارعش جسده ولم يعلم ما يصنع أقبل غراب يهوي على الحجر الذي دمغ أخاه (6) فجعل يمسح الدم بمنقاره، وأقبل غراب آخر حتى وقع بين يديه فوثب الأول على الثاني فقتله، ثم هز بمنقاره فواراه فتعلم قابيل. (7) 34 - وروي أنه لم يوار سوأة أخيه وانطلق هاربا " حتى أتى واديا من أودية اليمن في شرقي عدن، فكمن فيه زمانا "، وبلغ آدم عليه السلام ما صنع قابيل بهابيل، فأقبل فوجده قتيلا " ثم دفنه، وفيه وفي إبليس نزلت: " ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما


(1) راجع ما تقدم بعد الخبر السابع وذيله. (2 و 7) قصص الانبياء مخطوط. م (3) المتقدم تحت رقم 16. (4) كامل التواريخ ج 1: 23. م (5) أي دق رأسه. وفى نسخة: ورضخ بالخاء المعجمة ومعناهما واحد. (6) دمغه: شجه حتى بلغت الشجة دماغه فهلكه. [ * ]

[ 243 ]

تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " لان قابيل أول من سن القتل، ولا يقتل مقتول إلى يوم القيامة إلا كان فيه له شركة. (1) 35 - وسئل الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: " وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس " قال: هما هما. (2) 36 - ص: بالإسناد إلى وهب (3) قال: إن عوج بن عناق كان جبارا " عدوا لله وللإسلام، وله بسطة في الجسم والخلق، وكان يضرب يده فيأخذ الحوت من أسفل البحر ثم يرفع إلى السماء فيشويه في حر الشمس فيأكله، وكان عمره ثلاثة آلاف و ستمائة سنة. (4) 37 - وروي أنه لما أراد نوح عليه السلام أن يركب السفينة جاء إليه عوج فقال له: احملني معك، فقال نوح: إني لم اومر بذلك، فبلغ الماء إليه وما جاوز ركبتيه، وبقي إلى أيام موسى عليه السلام فقتله موسى عليه السلام. (5) 37 - ير: علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمرو الزيات، عن أبيه، عن ابن مسكان عن سدير الصيرفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إني لأعرف رجلا " من أهل المدينة أخذ قبل انطباق الأرض إلى الفئة التي قال الله تعالى في كتابه: " ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون " لمشاجرة كانت فيما بينهم وأصلح بينهم ورجع ولم يقعد فمر بنطفكم (6) فشرب منها يعني الفرات، ثم مر عليك يا أبا الفضل يقرع عليك بابك، ومر برجل عليه مسوح معقل به عشرة موكلون يستقبل في الصيف عين الشمس ويوقد حوله النيران ويدورون به حذاء الشمس حيث دارت، كلما مات من العشرة واحد أضاف إليه أهل القرية واحدا "، الناس يموتون والعشرة لا ينقصون، فمر به رجل فقال: ما قصتك


(1 و 2 و 4 و 5) مخطوط. (3) هو وهب بن منبه بن كامل اليماني أبو عبد الله الا بناوي الصنعانى الاخباري من رجال العامة وقصاصهم، له كتاب قصص الانبياء جمع فيه من الغث والسمين وما يخالف مذهب الامامية في الانبياء، والعامة وان وثقوه واعتمدوا عليه الا أن اصحابنا لم يعتمدوا على منقولاته واستثناه القميون من رجال نوادر الحكمة. راجع فهرستى النجاشي والشيخ في ترجمة محمد بن احمد بن يحيى الاشعري القمى. (6) النطفة: الماء الصافى قل أو كثر. [ * ]

[ 244 ]

قال له الرجل: إن كنت عالما " فما أعرفك بأمري ؟ ويقال: إنه ابن آدم القاتل. وقال محمد ابن مسلم: وكان الرجل محمد بن على عليه السلام. (1) توضيح: قبل انطباق أي عند انطباق بعض طبقات الأرض وأجزائها على بعض ليسرع السير أو نحو ذلك، أو بذلك السبب. 39 - شى: عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن آدم ولد له أربعة ذكور، فأهبط الله إليهم أربعة من الحور العين، فزوج كل واحد منهم واحدة فتوالدوا، ثم إن الله رفعهن وزوج هؤلاء الأربعة أربعة من الجن فصار النسل فيهم، فما كان من حلم فمن آدم، وما كان من جمال فمن قبل الحور العين، وما كان من قبح أو سوء خلق فمن الجن. (2) 40 - شى: عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: ما يقول الناس في تزويج آدم ولده ؟ قال: قلت: يقولون: إن حواء كانت تلد لآدم في كل بطن غلاما " وجارية فتزوج الغلام الجارية التي من البطن الآخر الثاني، وتزوج الجارية الغلام الذي من البطن الآخر الثاني، حتى توالدوا، فقال أبو جعفر عليه السلام: ليس هذا كذاك، ولكنه لما ولد آدم هبة الله وكبر سأل الله أن يزوجه، فأنزل الله له حوراء من الجنة فزوجها إياه فولد له أربعة بنين، ثم ولد لآدم ابن آخر (2) فلما كبر أمره فتزوج إلى الجان فولد له أربع بنات فتزوج بنو هذا بنات هذا، فما كان من جمال فمن قبل الحوراء، وما كان من حلم فمن قبل آدم، وما كان من خفة فمن قبل الجان، فلما توالدوا صعدت الحوراء إلى السماء. (4) 41 - شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن قابيل بن آدم معلق بقرونه في عين الشمس تدور به حيث دارت في زمهريرها وحميمها إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة صيره الله إلى النار. (5)


(1) بصائر الدرجات: 117. م (2 و 4 و 5) تفسير العياشي مخطوط. (3) تقدم في الخبر الثاني أن اسمه يافث. [ * ]

[ 245 ]

42 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ذكر ابن آدم القاتل قال: فقلت له: ما حاله أم من أهل النار هو ؟ فقال: سبحان الله، ألله أعدل من ذلك أن يجمع عليه عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة. (1) بيان: هذا الخبر مناف لما مر من خبر جابر والأخبار الدالة على سوء حاله في القيامة وعلى كفره، ولظاهر خبر زرارة الذي تقدم حيث قال فيه: " ويجمع الله عليه عذاب الدنيا والآخرة " وإن أمكن أن يكون استفهاما " إنكاريا "، ويمكن أن يأول هذا الخبر بأن المراد أن عذاب الدنيا يصير سببا " لتخفيف عذابه في الآخرة، أو أن عذاب الدنيا لشئ وعذاب الآخرة لشئ آخر، فلا يجتمعان على فعل واحد، بأن يكون عذاب الدنيا للقتل والآخرة للكفر، فالمراد أنه لا يجمعهما الله عليه في القتل. 43 - شى: عن عيسى بن عبد الله العلوي، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: إن ابن آدم الذي قتل أخاه كان القابيل الذي ولد في الجنة. (2) بيان: هذا موافق لما ذكره بعض العامة من كون ولادة قابيل واخته في الجنة، وظاهر بعض الأخبار أنه لم يولد له إلا في الدنيا. 44 - شى: عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك إن الناس يزعمون أن آدم زوج ابنته من ابنه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: قد قال الناس ذلك، ولكن يا سليمان أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لو علمت أن آدم زوج ابنته من ابنه لزوجت زينب من القاسم، وما كنت لارغب عن دين آدم ؟ فقلت: جعلت فداك إنهم يزعمون أن قابيل إنما قتل هابيل لأنهما تغايرا " على اختهما، فقال له: يا سليمان تقول هذا ؟ ! أما تستحيي أن تروي هذا على نبي الله آدم ؟ فقلت: جعلت فداك ففيم قتل قابيل هابيل ؟ فقال: في الوصية. ثم قال لي: يا سليمان إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم إلى هابيل، وكان قابيل أكبر منه، فبلغ ذلك قابيل فغضب، فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية، فأمرهما أن يقربا قربانا " بوحي من الله إليه ففعلا فقبل الله قربان هابيل فحسده قابيل فقتله، فقلت له: جعلت فداك فممن تناسل ولد آدم ؟


(1 و 2) تفسير العياشي مخطوط. م [ * ]

[ 246 ]

هل كانت انثى غير حواء ؟ وهل كان ذكر غير آدم ؟ فقال: يا سليمان إن الله تبارك وتعالى رزق آدم من حواء قابيل، وكان ذكر ولده من بعده هابيل، فلما أدرك قابيل ما يدرك الرجال أظهر الله له جنية وأوحى إلى آدم أن يزوجها قابيل، ففعل ذلك آدم ورضي بها قابيل وقنع، فلما أدرك هابيل ما يدرك الرجال أظهر الله له حوراء وأوحى الله إلى آدم أن يزوجها من هابيل، ففعل ذلك فقتل هابيل والحوراء حامل، فولدت حوراء غلاما " فسماه آدم هبة الله، فأوحى الله إلى آدم: أن ادفع إليه الوصية واسم الله الأعظم، وولدت حواء غلاما فسماه آدم شيث بن آدم، فلما أدرك ما يدرك الرجال أهبط الله له حوراء و أوحى إلى آدم أن يزوجها من شيث بن آدم ففعل، فولدت الحوراء جارية فسماها آدم حورة، فلما أدركت الجارية زوج آدم حورة بنت شيث من هبة الله بن هابيل فنسل آدم منهما، فمات هبة الله بن هابيل فأوحى الله إلى آدم: أن ادفع الوصية واسم الله الأعظم وما أظهرتك عليه من علم النبوة وما علمتك من الأسماء إلى شيث بن آدم، فهذا حديثهم يا سليمان. (1) بيان: لا ينافي كون ولد هابيل مسمى بهبة الله كون شيث ملقبا " بها كما مر. وقال المسعودي في كتاب مروج الذهب: لما قتل هابيل جزع آدم فأوحى الله إليه: أني مخرج منك نوري الذي اريد به السلوك في القنوات الظاهرة والارومات (2) الشريفة واباهي فيه بالأنوار، وأجعله خاتم الأنبياء (3) وأجعل له خيار الأئمة الخلفاء حتى أختم الزمان بمدتهم، وأغص الأرض بدعوتهم، (4) وانيرها بشيعتهم. (5) فشمر وتطهر وقدس وسبح ثم اغش زوجتك على طهارة منها، فإن وديعتي تنتقل منكما إلى الولد الكائن بينكما، فواقع آدم حواء فحملت لوقتها وأشرقت حسنها وتلألأ النور في مخايلها ولمع من محاجرها حتى انتهى حملها ووضعت شيثا "، وكان كأسوى ما يكون (6) من الذكران،


(1) مخطوط. م (2) الارومة: أصل الشجره. (3) في نسخة: خاتم النبيين. (4) أي أمتلئ الارض بدعوتهم. (5) في المصدر: وأنشرها بشيعتهم. م (6) في المصدر: وضعت نسمة كأسر ما يكون اه‍. م [ * ]

[ 247 ]

وأتمهم وقارا "، وأحسنهم صورة "، وأكملهم هيبة، وأعدلهم خلقا "، مجللا " بالنور والهيبة، موشحا " بالجلال والسكينة، فانتقل النور من حواء إليه حتى لمع في أسارير (1) جبينه وسبق (2) في غرة طلعته، فسماه آدم شيثا "، وقيل: إنه إنما سماه هبة الله، حتى إذا ترعرع وأنيع وكمل (3) واستبصر أذاع إليه (4) آدم وصيته، وعرفه بمحل ما استودعه وأعلمه أنه حجة الله بعده، والخليفة في الأرض، والمؤدي حق الله إلى أوصيائه، وأنه ثاني انتقال الذرية الطاهرة والجرثومة الظاهرة، (5) وأن آدم حين أدى الوصية إلى شيث عليه السلام اجتنبها (6) واحتفظ بمكنونها، وأتت وفات آدم وقرب انتقاله فتوفي يوم الجمعة لست خلون من نيسان في الساعة التي كان فيها خلقه، وكان عمر آدم عليه السلام تسع مائة وثلاثين سنة، وكان شيث وصي أبيه على ولده. ويقال: إن آدم مات عن أربعين ألفا " من ولده وولد ولده، فتنازع الناس في قبرة، فمنهم من قال: إن قبره بمنى (7) في مسجد الخيف، و منهم من رأى أنه في كهف في جبل أبي قبيس، وقيل غير ذلك، والله أعلم بحقيقة الأمر، وإن شيثا " حكم في الناس واستشرع في صحف أبيه وما انزل عليه في خاصة من الأسفار والأشراع، وإن شيثا " واقع امرأته فحملت بأنوش فانتقل النور إليها حتى إذا وضعته ساخ النور عليه، (8) فلما بلغ الوصاية أوعز إليه شيث شأن الوديعة وعرفه شأنها وأنها شرفهم، وأوعز إليه أن ينبه ولده على حقيقة هذا الشرف وكبر محله، وأن ينبهوا أولادهم عليه، ويجعل ذلك وصية فيهم منتقلة ما دام النسل، فكانت الوصية جارية تنتقل من قرن إلى قرن إلى أن أدى الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن


(1) الاسارير: خطوط في الجبهة، واحدها السر، والجمع أسرار، وجمع الجمع أسارير، (2) في المصدر: وبسق. م (3) في المصدر: ترعرع ويفع وكهل. ترعرع الصبى: نشأ وشب. وأنيع لعله من ناع الغصن أي مال. أو مصحف < < أينع > > بتقديم الياء من اينع الشجر أي أدرك وطاب وحان قطافه، أو < < يفع > > كما في المصدر أي ترعرع وناهض البلوغ. (4) في المصدر: وعز إليه. م (5) في المصدر: الزاهرة. م (6) في المصدر: احتقبها. وفى نسخة: اختبيها. (7) في المصدر: ان قبره بنى اه‍. م (8) واستظهر في الهامش أن الصحيح: لاح النور عليه. [ * ]

[ 248 ]

أنوش لبث في الأرض يعمرها. وقد قيل والله أعلم: إن شيثا أصل النسل من آدم دون سائر ولده، وقيل غير ذلك. (1) وفي زمن أنوش قتل قاين بن آدم قاتل أخيه هابيل و لمقتله خبر عجيب قد أوردناه في كتاب أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وكانت وفاة أنوش لثلاث خلون من تشرين الأول، (2) فكانت مدته تسعمائة سنة وستين سنة، وكان قد ولد له قينان ولاح النور في وجهه وأخذ عليه العهد فعمر البلاد حتى مات، وكانت مدته تسعمائة سنة وعشرين سنة، وقد قيل: إن موته كان في تموز بعدما ولد له مهلائيل فكانت مدة مهلائيل ثمان مائة سنة، (3) وقد ولد له لود (4) والنور متوارث، والعهد مأخوذ، والحق قائم. ويقال: إن كثيرا " من الملاهي احدثت في زمانه، أحدثها ولد قاين قاتل أخيه، ولولد قاين ولولد لود حروب وأقاصيص قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان، ووقع التحرب بين ولد شيث وبين ولد غيرهم من ولد قاين، فنوع من الهند ممن يقر بآدم ينسبون إلى هذا الشعب من ولد قاين، وأرض هذا النوع بأرض قمار من أرض الهند، إلى بلدهم يضاف العود القماري، فكانت حياة لود تسعمائة واثنين وستين سنة، وكانت وفاته في آذار، وقام بعده ولده اخنوخ وهو إدريس النبي صلى الله عليه وآله والصابئة تزعم أنه هرمس ومعنى هرمس عطارد، وهو الذي أخبر الله في كتابه: إنه رفعه مكانا " عليا "، (5) وقام بعده ابنه متوشلخ بن أخنوخ يعمر البلاد، والنور في جبينه وولد له أولاد، وقد تكلم الناس في كثير من ولده وأن البربر والروس والصقالبة من ولده،


(1) قال اليعقوبي: وتوفى شيث يوم الثلثاء لسبع وعشر من ليلة خلت من آب على ثلاث ساعات من النهار وكانت حياته تسعمائة واثنتا عشرة سنة. (2) زاد اليعقوبي: حين غابت الشمس. (3) قال اليعقوبي: وكانت حياته ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة. (4) هكذا في النسخ والظاهر أنه مصحف يرد. راجع تاريخ اليعقوبي 1: 5. (5) قال اليعقوبي: رفعه الله إليه بعد أن أتت له ثلاثمائة سنة. [ * ]

[ 249 ]

وكانت حياته تسعمائة وستين سنة، ومات في أيلول (1) وقام بعده لمك وكانت في أيامه كوائن واختلاط في النسل وتوفي (2) وكانت حياته تسعمائة وتسع وتسعون سنة (3) بيان: القنوات جمع قناة، وقناة الظهر هي التي تنتظم الفقار. ومخايلها: مواضع الخال منها، أو ما يتخيل فيه الحسن منها. ومحجر العين: ما يبدء من النقاب. * (باب 6) * * (تأويل قوله تعالى: " جعلا له شركاء فيما آتيهما ") * قال الله تعالى في سورة الأعراف: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشها ؟ حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا " لنكونن من الشاكرين * فلما آتيهما صالحا " جعلا له شركاء فيما آتيهما فتعالى الله عما يشركون 189 - 190. تفسير: قال البيضاوي: " من نفس واحدة " هو آدم " وجعل منها " أي من جسدها، أو من جنسها " زوجها " حواء " ليسكن إليها " ليأنس بها " فلما تغشها " أي جامعها " حملت حملا " حفيفا " " خف عليها ولم تلق منه ما تلقى الحوامل غالبا " من الأذى، أو محمولا " خفيفا " هو النطفة فمرت به فاستمرت به، أو قامت وقعدت " فلما أثقلت " صارت ذاثقل بكبر الولد " صالحا " " أي ولدا " سويا " قد صلح بدنه " جعلا له " أي جعل أولادهما شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله تعالى: فتعالى الله عما يشركون ". (4) 1 - فس: أبي: عن ابن محبوب، عن محمد بن النعمان الاأحول، عن بريد العجلي


(1) قال اليعقوبي: توفى متوشلخ في احدى وعشرين من ايلول يوم الخميس، وكانت حياته 960 سنة. (2) قال اليعقوبي: توفى لسبع عشرة ليلة خلت من آذار يوم الاحد على تسع ساعات من النهار، وكانت حياته 777 سنة راجع ما اوردنا من اثبات الوصية ذيل الخبر الخامس (3) مروج الذهب ج 1: 17 - 18 وبين المتن والمصدر اختلافات جزئية اخر لم نرمز إليها. م (4) انوار التنزيل ج 1: 178. م [ * ]

[ 250 ]

عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما علقت حواء من آدم وتحرك ولدها في بطنها قالت لآدم: إن في بطني شئ يتحرك، فقال لها آدم: الذي في بطنك نطفة مني استقرت في رحمك يخلق الله منها خلقا " ليبلونا فيه، فأتاها إبليس فقال لها: كيف أنت ؟ (1) فقالت له: أما إني علقت (2) وفي بطني من آدم ولد قد تحرك، فقال لها إبليس: أما إنك إن نويت أن تسميه عبد الحارث ولدتيه غلاما " وبقي وعاش، وإن لم تنو أن تسميه عبد الحارث مات بعدما تلدينه بستة أيام، فوقع في نفسها مما قال لها شئ، فأخبرت آدم بما قال لها إبليس (3) فقال لها آدم: قد جاءك الخبيث لا تقبلين منه، (4) فإني أرجو أن يبقى لنا ويكون بخلاف ما قال لك، ووقع في نفس آدم مثل ما وقع نفس حواء من مقالة الخبيث، فلما وضعته غلاما " لم يعش إلا ستة أيام حتى مات، فقالت لآدم: قد جاءك الذي قال لنا الحارث فيه، ودخلهما من قول الخبيث ما شككهما، فلم تلبث أن علقت من آدم حملا " آخر فأتاها إبليس فقال لها: كيف أنت ؟ (5) فقالت له: قد ولدت غلاما " ولكنه مات يوم السادس فقال لها الخبيث: أما إنك لو كنت نويت أن تسميه عبد الحارث لعاش وبقي، وإن ما هو في بطنك (6) كبعض ما في بطون هذه الأنعام التي بحضرتكم، إما ناقة، وإما بقرة، وإما ضأن، وإما معز، فدخلها من قول الخبيث ما استمالها إلى تصديقه والركون إلى ما أخبرها للذي كان تقدم إليها في الحمل الأول، فأخبرت بمقالته آدم، فوقع في قلبه من قول الخبيث مثل ما وقع في قلب حواء " فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا " لنكونن من الشاكرين * فلما آتاهما صالحا " أي لم يلد ناقة أو بقرة أو ضأنا " أو معزا " فأتاها الخبيث فقال لها: كيف أنتم ؟ فقالت له: قد أثقلت وقربت ولادتي، فقال: أما إنك ستندمين و ترين من الذي في بطنك ما تكرهين، ويدخل آدم منك ومن ولدك شيئ لو قد ولدتيه ناقة أو بقرة أو ضأنا " أو معزا " فاستمالها إلى طاعته والقبول لقوله، ثم قال لها: اعلمي إن أنت


(1 و 5) في نسخة: كيف انتم. (2) أي قد حبلت. (3) في نسخة: فأخبرت بما قال آدم. (4) في المصدر: فلا تقبلي منه. م (6) في نسخة: وان هذا الذى في بطنك. وفى المصدر: وانما هو الذى في بطنك. [ * ]

[ 251 ]

نويت أن تسميه عبد الحارث وجعلتم لي فيه نصيبا " ولدتيه غلاما " سويا " وعاش وبقي لكم، فقالت: إني قد نويت أن أجعل لك فيه نصيبا "، فقال لها الخبيث: لا تدعين (1) آدم حتى ينوي مثل ما نويت ويجعل لي فيه نصيبا " ويسميه عبد الحارث ؟ فقالت له: نعم، فأقبلت على آدم فأخبرته بمقالة الحارث (2) وبما قال لها، فوقع في قلب آدم من مقالة إبليس ما خافه فركن إلى مقالة إبليس، وقالت حواء لآدم: لئن أنت لم تنو أن تسميه عبد الحارث وتجعل للحارث فيه نصيبا " لم أدعك تقربني ولا تغشاني ولم يكن بيني وبينك مودة، فلما سمع ذلك منها آدم قال لها: أما إنك سبب المعصية الاولى (3) وسيدليك بغرور قد تابعتك وأجبت إلى أن أجعل للحارث فيه نصيبا "، أو أن اسميه عبد الحارث، فأسرا النية بينهما بذلك (4) فلما وضعته سويا " فرحا بذلك وأمنا ما كانا خافا من أن يكون ناقة أو بقرة أو ضأنا " أو معزا " وأملا أن يعيش لهما ويبقى ولا يموت يوم السادس، فلما كان يوم السابع سمياه عبد الحارث. (5) 2 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " فلما آتهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتهما " فقال: هو آدم وحواء، وإنما كان شركهما شرك طاعة، ولم يكن شرك عبادة فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وآله: " هو الذي خلقكم من نفس واحدة " إلى قوله: " فتعالى الله عما يشركون " قال: جعلا للحارث نصيبا " في خلق الله، ولم يكونا أشركا إبليس في عبادة الله. (6)


(1) في المصدر: لا تدعى. م (2) في نسخة: فأخبرته بمقالة الخبيث الحارث. (3) في نسخة: أما انه سبب المعصية الاولى. (4) أن المعروف بيننا قديما وحديثا من مذهب ائمتنا عليهم السلام أنهم كانوا يبالغون في عصمة الانبياء، وينزهونهم عن سمات المعاصي وما ينسب إليهم العامة من اثبات ما يشين ساحتهم من الهفوات والزلات، فبعد ذلك لا يرتاب العارف الواقف بمذهبهم ذلك أن ما روى عنهم من خلاف ذلك - بعد فرض صحة صدوره عنهم - صدر موافقا للقائلين بذلك تقية وحقنا لدماء شيعتهم وتحفظا عن مخالفة الاكثرين. (5) تفسير القمى: 232 - 233. م (6) تفسير القمى: 233 - 234. م [ * ]

[ 252 ]

3 - ن: قد مر في خبر ابن الجهم أنه سأل المأمون الرضا عليه السلام عن معنى قول الله تعالى: " فلما آتهما صالحا " جعلا له شركاء فيها آتهما " فقال الرضا عليه السلام: إن حواء ولدت لآدم خمسمائة بطن في كل بطن ذكرا " وانثى، وإن آدم وحواء عاهدا الله عزو جل ودعواه وقالا: " لئن آتيتنا صالحا " لنكونن من الشاكرين * فلما آتهما صالحا " من النسل خلقا " سويا " بريئا " من الزمانة والعاهة كان (1) ما آتاهما صنفين: صنفا " ذكرانا "، وصنفا " إناثا "، فجعل الصنفان لله تعالى ذكره شركاء فيما آتاهما، ولم يشكراه كشكر أبويهما له عزوجل، قال الله تعالى: " فتعالى الله عما يشركون ". (2) 4 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: " فلما آتهما صالحا " جعلا له شركاء فيما آتهما " قال: هو آدم وحواء، إنه كان شركهما شرك طاعة، وليس شرك عبادة. وفي رواية اخرى: ولم يكن شرك عبادة. (3) تحقيق مقام لرفع ابهام: (4) اعلم أن الخبر الأول لعله صدر على وجه التقية لاشتهار تلك القصة بين المخالفين، وكذا الخبر الثاني والرابع، وإن أمكن توجيههما بوجه والخبر الثالث هو المعول عليه، واختاره أكثر المفسرين من الفريقين. قال: الرازي: المروي عن ابن عباس " هو الذي خلقكم من نفس واحدة " وهي نفس آدم " وخلق منها زوجها " أي حواء خلقها الله من ضلع آدم من غير أذى " فلما تغشها " آدم " حملت حملا " (5) " " فلما أثقلت " أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل وقال: ما هذا يا حواء ؟ إني أخاف أن يكون كلبا " أو بهيمة، وما يدريك من أين يخرج، أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك ؟ فخافت حواء وذكرت ذلك لآدم عليه السلام فلم يزالا من هم (6)


(1) في المصدر: وكان ما آتاهما. م (2) العيون: 109. م (3) مخطوط. م (4) في نسخة: لرفع ايهام. (5) في المصدر: " حملت حملا خفيفا ". م (6) في المصدر: في هم. م [ * ]

[ 253 ]

من ذلك، ثم أتاها وقال: إن سألت الله أن يجعله صالحا " سوى " ا مثلك ويسهل خروجه من بطنك وتسميه (1) عبد الحارث - وكان إبليس في الملائكة الحارث - فذلك قوله: " فلما آتاهما صالحا " جعلا له شركاء فيما آتهما " أي لما آتاهما الله ولدا " سويا " صالحا " جعلا له شريكا "، أي جعل آدم وحواء له شريكا، والمراد به عبد الحارث (2) هذا تمام القصة. واعلم أن هذا التأويل فاسد، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى قال: " فتعالى الله عما يشركون " وذلك يدل على أن الذين أتوا بالشرك جماعة. الثاني: أنه تعالى قال بعده: " أيشركون ما لا يخلق شيئا " وهم يخلقون " وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر. الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: " أتشركون من لا يخلق شيئا " ولم يقل " ما لا يخلق شيئا " " لأن العاقل إنما يذكر بصيغة " من ". الرابع: أن آدم عليه السلام كان من أشد الناس معرفة بإبليس وكان عالما بجميع الإسماء كما قال تعالى: " وعلم آدم الأسماء كلها " فكان لابد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحارث، فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحارث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحارث ؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد. سوى هذا الاسم ؟ !. الخامس: أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح فجاء إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار، فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله: " وعلم آدم الأسماء كلها " وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس كيف لم يتنبه لهذا الغدر ؟ ! وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها ؟ !


(1) في المصدر: تسميه - بدون الواو -. م (2) في المصدر: والمراد به الحارث. م [ * ]

[ 254 ]

السادس: أن بتقدير أن آدم عليه السلام سماه بعبد الحارث فلا يخلو إما أن يقال: إنه جعل هذا اللفط اسم علم له، أو جعله صفة له بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحارث ومخلوق من قبله، فإن كان الأول لم يكن هذا شركا " بالله، لأن أسماء الأعلام والألقاب لا يفيد في المسميات فائدة، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولا بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكا " في الخلق والإيجاد والتكوين، وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم عليه السلام وذلك لا يقوله عاقل، فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على المسلم العاقل أن لا يلتفت إليه. إذا عرفت هذا فنقول: في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمه خالية عن هذه المفاسد: التأويل الأول: ما ذكره القفال فقال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضرب المثل، وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم وقولهم بالشرك، وتقدير هذا الكلام كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانا " يساويه في الإنسانية فلما تغشى الزوج الزوجة وظهر الحمل دعا الزوج والزوجة أنهما إن آتيتنا (1) ولدا " صالحا " سويا " لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك، فلما آتاهما الله ولدا " صالحا " سويا " جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما لأنهم تارة ينسبون هذا الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام، ثم قال: " فتعالى الله عما يشركون " أي تبرأ الله (2) عن ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد. التأويل الثاني: أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله وهم القصي، (3) والمراد من قوله: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجها عربية


(1) في المصدر: دعا الزوج والزوجة ربهما ان اتيتنا اه‍. م (2) في المصدر: تنزه الله. م (3) في المصدر: آل قصى. م [ * ]

[ 255 ]

قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طالبا (1) من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد اللات وجعل الضمير في " يشركون " لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك. التأويل الثالث: أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام وعلى هذا التقدير ففي دفع هذا الأشكال وجوه: الأول أن المشركين كانوا يقولون: إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير والشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء وحكى عنهما أنهما قالا: " لئن آتيتنا صالحا " لنكونن من الشاكرين " أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدا " صالحا " سويا " لاشتغلوا بشكر تلك النعمة، ثم قال: " فلما آتهما صالحا " جعلا له شركاء " فقوله: " جعلا له شركاء " ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد، والتقدير: فلما آتاهما صالحا " جعلا له شركاء فيما آتاهما ؟ ثم قال: " فتعالى الله عما يشركون " أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام ثم يقال لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إساءتك و إيصال الشر إليك، فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر وإلاساءة ؟ ! على سبيل النفي والتبعيد، فكذا ههنا. الوجه الثاني في الجواب أن نقول: إن هذه القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء ولا إشكال في شئ من ألفاظها إلا قوله: " فلما آتهما صالحا " جعلا له شركاء فيما آتهما " فنقول: التقدير: فلما آتاهما ولدا " صالحا " سويا " جعلا له شركاء، أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذا فيما آتاهما أولادهما ونظيره قوله: " واسئل القرية " أي واسأل أهل القرية. فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله: " جعلا له شركاء " ؟ قلنا: لأن ولده قسمان ذكر وانثى فقوله: " جعلا " المراد الذكر والانثى، مرة عبر عنهما


(1) في المصدر: طلبا. م [ * ]

[ 256 ]

بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهم بلفظ الجمع وهو قوله: " فتعالى الله عما يشركون. (1) الوجه الثالث في الجواب: سلمنا أن الضمير في قوله: " جعلا له شركاء فيما آتاهما " عائد إلى آدم وحواء إلا أنه تعالى لما آتاهما ذلك الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفا " على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق، ثم بدا لهما في ذلك فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدينا ومنافعها، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته، وهذا العمل وإن كان منا قربة وطاعة إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلهذا قال الله تعالى: " فتعالى الله عما يشركون " والمراد من هذه الآية ما نقل عنه عليه السلام أنه قال حاكيا " عن الله سبحانه: " أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركته " وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل. الوجه الرابع في التأويل: (2) أن نقول: سلمنا صحة تلك القصة المذكورة إلا أنا نقول: إنهم سموا بعبد الحارث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحارث، وقد سمي المنعم عليه عبيدا للمنعم، يقال في المثل: أنا عبد من تعلمت منه حرفا، فآدم وحواء سميا ذلك الولد تنبيها على أنه إنما سلم عن الآفات ببركة دعائه، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليه السلام معاتبا " في هذا العمل انتهى. (3) وقد ذكر الشيخ الطبرسي رحمه الله في تفسيره (4) والسيد المرتضى قدس الله روحه في كتاب الغرر والدرر (5) وكتاب تنزيه الانبياء (6) وجوها اخر وفيما ذكرناه كفاية.


(1) وهذا التأويل هو الذى تقدم في الخبر الثالث. (2) وهو أبعد الوجوه، فكيف اعتقد آدم عليه السلام أن ابنه سلم من الافة بدعاء ابليس وهو مطرود عن رحمة الله ؟ هذا إن كان المراد بالحارث الشيطان، وان كان غيره فمن هو ؟ وأيضا فكيف لم يدع الله آدم وهو خليفته في الارض، واستدعى من غيره ذلك حتى ابتلى بعتابه تعالى. (3) مفاتيح الغيب ج 4: 341 - 343. (4) ج 4 ص 508 - 510. م (5) ص 137 - 143. م (6) ص 14 - 18. م [ * ]

[ 257 ]

* (باب 7) * * (ما اوحى إلى آدم عليه السلام) * 1 - لى: أبي، عن الكميداني، عن ابن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن عاصم ابن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى آدم عليه السلام يا آدم إني أجمع لك الخير كله في أربع كلمات: واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين الناس، فأما التي لي فتعبدني ولا تشرك بي شيئا "، وأما التي لك فاجازيك بعملك أحوج ما تكون إليه، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي فيما بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك،. (1) 2 - ل: أبي، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن يوسف بن عمران، عن ميثم، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أوحى الله عزوجل إلى آدم عليه السلام: إني سأجمع لك الكلام في أربع كلمات، فقال: يا رب وما هن ؟ قال: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين الناس، فقال: يا رب بينهن لي حتى أعلمهن، فقال: أما التي لي فتعبدني ولا تشرك بي شيئا "، وأما التي لك فاجزيك (2) بعملك أحوج ما تكون إليه، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضاه لنفسك. (3) 3 - اقول: قال السيد في سعد السعود: وجدت في صحف إدريس النبي عليه السلام عند ذكر أحوال آدم على نبينا وآله وعليه السلام ما هذا لفظه: حتى إذا كان الثلث الأخير من الليل ليلة الجمعة لسبع وعشرين خلت من شهر رمضان أنزل الله عليه كتابا " بالسريانية وقطع الحروف في إحدى وعشرين ورقة، وهو أول كتاب أنزل الله في الدنيا، أنزل الله عليه الألسن كلها، فكان فيه ألف ألف لسان لا يفهم فيه أهل لسان عن أهل لسان حرفا " واحدا " بغير تعليم، فيه دلائل الله وفروضه وأحكامه وشرائعه وسننه وحدوده. (4)


(1) امالي الصدوق: 326. م (2) في نسخة: فاجازيك. (3) الخصال ج 1: 116. م (4) سعد السعود: 37. وفيه انزله الله عليه اه‍. م [ * ]

[ 258 ]

* (باب 8) * * (عمر آدم ووفاته ووصيته إلى شيث وقصصه عليه السلام) * 1 - كا: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن عبد الله بن سنان قال: لما قدم أبو عبد الله عليه السلام علي أبي العباس وهو بالحيرة خرج يوما يريد عيسى بن موسى فاستقبله بين الحيرة والكوفة ومعه ابن شبرمة القاضي، فقال: أين يا أبا عبد الله ؟ فقال: أردتك فقال: قصر الله خطوك، قال: فمضى معه، فقال له ابن شبرمة: ما تقول يا أبا عبد الله في شئ سألني عنه الأمير فلم يكن عندي فيه شئ ؟ فقال: وما هو ؟ قال: سألني عن أول كتاب كتب في الأرض، قال نعم إن الله عزوجل عرض على آدم ذريته عرض العين في صور الذر نبيا " فنبيا " وملكا " فملكا " ومؤمنا " فمؤمنا " وكافرا " فكافرا "، فلما انتهى إلى داود عليه السلام قال: من هذا الذي نبأته وكرمته وقصرت عمره ؟ قال: فأوحى الله عزوجل إليه: هذا ابنك داود عمره أربعون سنة، وإني قد كتبت الآجال وقسمت الأرزاق وأنا أمحو ما أشاء واثبت وعندي ام الكتاب، فإن جعلت له شيئا من عمرك ألحقته له، قال: يا رب قد جعلت له من عمري ستين سنة تمام المائة، قال: فقال الله عزوجل لجبرئيل وميكائيل وملك الموت: اكتبوا عليه كتابا فإنه سينسى، قال: فكتبوا عليه كتابا وختموه بأجنحتهم من طينة عليين، قال فلما حضرت آدم عليه السلام الوفاة أتاه ملك الموت فقال آدم: يا ملك الموت ما جاء بك ؟ قال: جئت لأقبض روحك، قال: قد بقي من عمري ستون سنة فقال: إنك جعلتها لابنك داود، قال: ونزل عليه جبرئيل وأخرج له الكتاب، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فمن أجل ذلك إذا اخرج الصك (1) على المديون ذل المديون، فقبض روحه. (2) 2 - ع: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك ابن عطية، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام إن الله عزوجل عرض على


(1) الصك: كتاب الاقرار بالمال أو غير ذلك. (2) فروع الكافي 2: 348. م [ * ]

[ 259 ]

آدم أسماء الانبياء وأعمارهم، قال: فمر بآدم اسم داود النبي عليه السلام فإذا عمره في العالم أربعون سنة، فقال آدم عليه السلام: يا رب ما أقل عمر داود وما أكثر عمري ! يا رب إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة أتثبت له ذلك ؟ قال: نعم يا آدم، قال: فإني قد زدته من عمري ثلاثين سنة فأنفذ ذلك له وأثبتها له عندك واطرحها من عمري، قال أبو جعفر عليه السلام: فأثبت الله عزوجل لداود في عمره ثلاثين سنة وكانت له عند الله مثبتة فذلك قول الله عزوجل: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب " قال: فمحا الله ما كان عنده مثبتا " لآدم وأثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتا "، قال: فمضى عمر آدم عليه السلام فهبط ملك الموت لقبض روحه فقال له آدم: يا ملك الموت إنه قد بقي من عمري ثلاثون سنة، فقال له ملك الموت: يا آدم ألم تجعلها لابنك داود النبي عليه السلام وطرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الأنبياء من ذريتك وعرضت عليك أعمارهم وأنت يومئذ بوادي الدخياء ؟ (1) قال: فقال له آدم عليه السلام: ما أذكر هذا، قال: فقال له ملك الموت: يا آدم لا تجحد، ألم تسأل الله عزوجل أن يثبتها لدواد ويمحوها من عمرك فأثبتها لداود في الزبور ومحاها من عمرك في الذكر ؟ قال آدم عليه السلام: حتى أعلم ذلك. قال أبو جعفر عليه السلام: وكان آدم صادقا " لم يذكر ولم يجحد، فمن ذلك اليوم أمر الله تبارك وتعالى العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى أجل مسمى لنسيان آدم وجحوده ما جعل على نفسه. (2) بيان: هذان الخبران مع اختلافهما مخالفان لما هو المشهور عند متكلمي الإمامية من نفي السهو عنهم عليهم السلام مطلقا، بل أجمعوا عليه، والمخالف كالصدوق رحمه الله حيث جوز الإسهاء معروف كما عرفت ولا يبعد حملهما على التقية (3) لانهم رووه بطرق متعددة:


(1) وفى نسخة من الكتاب والمصدر: الدجناء. وفى اخرى الدحيا، ولعل الكل مصحف دحنا، قال ياقوت في المعجم ج 2 ص 444: دحنا بفتح اوله وسكون ثانيه ونون والفه يروى فيها القصر والمد، وهى أرض خلق الله تعالى منها آدم، قال ابن اسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين انصرف عن الطائف إلى دحنا حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس فقسم الفئ واعتمر ثم رجع إلى المدينة وهى من مخاليف الطائف اه‍ وفى النهاية: وفى رواية ابن عباس: خلق الله آدم من دحناء ومسح ظهره بنعمان السحاب، دحناء اسم أرض، ويروى بالجيم. (2) علل الشرائع: 185. م (3) وأمارات التقية في الخبر الاول لائحة، مع أنهما يتعارضان حيث إن الخبر الاول يدل على ان آدم اعطى من عمره ستين، والثانى ينافيه ويثبت ذلك ثلاثين، هذا لو لم نقل بأن الثاني مصحف. [ * ]

[ 260 ]

3 - يب: أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن خلف بن حماد، عن عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما مات آدم عليه السلام فبلغ إلى الصلاة عليه، قال هبة الله لجبرئيل: تقدم يا رسول الله فصل على نبي الله، فقال جبرئيل عليه السلام: إن الله أمرنا بالسجود لأبيك فلسنا نتقدم أبرار ولده وأنت من أبرهم، فتقدم فكبر عليه خمسا عدة الصلوات التي فرضها الله على امة محمد صلى الله عليه وآله وهي السنة الجارية في ولده إلى يوم القيامة. (1) 4 - كا: العدة، عن ابن أحمد، عن أبي نجران، عن المفضل، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن ما بين الركن والمقام لمشحون من قبور الأنبياء، وإن آدم لفي حرم الله عزوجل. (2) 5 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عبسى والبرقي معا "، عن ابن فضال، عن يونس ابن يعقوب، عن سفيان بن السمط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن آدم عليه السلام اشتكى فاشتهى فاكهة فانطلق هبة الله يطلب له فاكهة فاستقبل جبرئيل فقال له: أين تذهب يا هبة الله، فقال: إن آدم يشتكي وإنه اشتهى فاكهة، قال له: فارجع فإن الله عزوجل قد قبض روحه، قال: فرجع فوجده قد قبضه الله فغسلته الملائكة، ثم وضع وأمر هبة الله أن يتقدم ويصلي عليه، فتقدم فصلى عليه والملائكة خلفه، وأوحى الله عزوجل إليه أن يكبر عليه خمسا "، وأن يسله (3) وأن يسوي قبره، ثم قال: هكذا فاصنعوا بموتاكم. (4) 6 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان بن سماعة، عن عبد الله بن القاسم، عن سماعة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما مات آدم آدم وشمت به (5) إبليس وقابيل فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس وقابيل المعازف والملاهي شماتة بآدم عليه السلام


(1) التهذيب 1: 214. وفيه: فقال هبة الله لجبرئيل. م (2) فروع الكافي 1: 224. وفى صدره: صلى في مسجد الخيف سبعمائة نبي، ان اه‍. م (3) سل الشى من الشئ: انتزعه وأخرجه برفق. (4) الخصال ج 1: 135. م (5) في المصدر: " شمت به " بدون الواو. م [ * ]

[ 261 ]

فكل ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذاك. (1) 7 - يب: سمعت مرسلا " من الشيوخ ومذاكرة ولم يحضرني الآن إسناده أن آدم عليه السلام لما أهبطه الله من جنة المأوى (2) إلى الأرض استوحش فسأل الله تعالى أن يؤنسه بشئ من أشجار الجنة، فأنزل الله تعالى إليه النخلة، فكان يأنس بها في حياته، فلما حضرته الوفاة قال لولده: إني كنت آنس بها في حياتي وأرجو الأنس بها بعد وفاتي، فإذا مت فخذوا منها جريدا " وشقوه بنصفين وضعوهما معي في أكفاني، ففعل ولده ذلك، وفعلته الأنبياء بعده، ثم اندرس ذلك في الجاهلية فأحياه النبي صلى الله عليه وآله وفعله فصارت سنة متبعة. (3) 8 - ل: سيجئ في أخبار فضل يوم الجمعة عن أبي لبابة، عن النبي صلى الله عليه وآله أن آدم عليه السلام توفي يوم الجمعة. (4) 9 - فس: الحسين بن عبد الله السكيني، عن أبي سعيد البجلي، عن عبد الملك بن هارون، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام في خبر طويل (5) أنه عرض ملك الروم على الحسن بن علي عليه السلام صور الأنبياء فعرض عليه صنما " في صفة حسنة، فقال الحسن عليه السلام: هذه صفة شيث بن آدم عليه السلام، وكان أول من بعث وبلغ عمره في الدنيا ألف سنة وأربعين يوما ". (6) بيان: أول من بعث أي بعد آدم عليه السلام أو من ذريته، قال في الكامل: قيل: إن شيثا " كان لم يزل مقيما " بمكة يحج ويعتمر إلى أن مات، وإنه كان قد جمع ما انزل عليه وعلى أبيه آدم من الصحف وعمل بما فيها، وإنه بنى الكعبة بالحجارة والطين، وقيل:


(1) فروع الكافي 2: 200. م (2) هذا الحديث أيضا يدل على أن الجنة التى اخرجت عنه آدم عليه السلام هو جنة الخلد. (3) التهذيب 1: 93. م (4) الخصال 1: 152. م (5) تقدم في كتاب الاحتجاجات في باب احتجاج الحسن بن على عليه السلام. (6) تفسير القمى: 597 وفيه: وبلغ عمره الف سنة واربعين عاما. وسنده يغاير ما في المتن. م [ * ]

[ 262 ]

إنه لما مرض أوصى إلى ابنه أنوش ومات فدفن مع أبويه بغار أبي قيس، وكان مولده لمضي مائتي سنة وخمس وثلاثين سنة من عمر آدم، وقيل غير ذلك، وكانت وفاته وقد أتت له تسعمائة سنة واثنتا عشر سنة. (1) 10 - مع، ل: في خبر أبي ذر، (2) عن النبي صلى الله عليه وآله أن أربعة من الأنبياء سريانيون: آدم وشيث وإدريس ونوح، وأن الله تعالى أنزل على شيث خمسين صحيفة. (3) 11 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن النوفلي، عن علي بن داود اليعقوبي، عن مقاتل بن مقاتل، عمن سمع زرارة يقول: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن بدء النسل من آدم عليه السلام كيف كان ؟ وعن بدء النسل من ذرية آدم - وساق الحديث إلى آخر ما أوردنا في باب تزويج آدم - ثم قال: فلم يلبث آدم عليه السلام بعد ذلك إلا يسيرا " حتى مرض فدعا شيثا " وقال: يا بني إن أجلي قد حضر وأنا مريض، وإن ربي قد أنزل من سلطانه ما قد ترى، وقد عهد إلي فيما قد عهد أن أجعلك وصيي وخازن ما استودعني، وهذا كتاب الوصية تحت رأسي وفيه أثر العلم و اسم الله الأكبر، فإذا أنا مت فخذ الصحيفة وإياك أن يطلع عليها أحد، وأن تنظر فيها إلى قابل في مثل هذا اليوم الذي يصير إليك فيه، وفيها جميع ما تحتاج إليه من امور دينك ودنياك، وكان آدم عليه السلام نزل بالصحيفة التي فيها الوصية من الجنة. ثم قال آدم عليه السلام لشيث: يا بني إني قد اشتهيت ثمرة من ثمار الجنة فاصعد إلى جبل الحديد فانظر من لقيته من الملائكة فاقرأه مني السلام وقل له: إن أبي مريض وهو يستهديكم من ثمار الجنة، قال: فمضى حتى صعد إلى الجبل فإذا هو بجبرئيل في قبائل من الملائكة، فبدأه جبرئيل بالسلام ثم قال: إلى أين يا شيث ؟ فقال له شيث: ومن أنت يا عبد الله ؟ قال: أنا الروح الأمين جبرئيل، فقال: إن أبي مريض وقد أرسلني إليكم وهو يقرؤكم السلام ويستهديكم من ثمار الجنة، فقال له جبرئيل عليه السلام: وعلى


(1) كامل التواريخ 1: 22. وبه قال اليعقوبي وقد تقدم قبل ذلك. (2) تقدم في الباب الاول. (3) معاني الاخبار. 95، الخصال 2: 104. م [ * ]

[ 263 ]

أبيك السلام يا شيث أما إنه قد قبض، وإنما نزلت لشأنه فعظم الله على مصيبتك فيه أجرك، وأحسن على العزاء منه صبرك، وآنس بمكانه منك عظيم وحشتك، ارجع فرجع معهم ومعهم كل ما يصلح به أمر آدم عليه السلام قد جاؤوا به من الجنة، فلما صاروا إلى آدم عليه السلام كان أول ما صنع شيث أن أخذ صحيفة الوصية من تحت رأس آدم عليه السلام فشدها على بطنه فقال جبرئيل عليه السلام: من مثلك يا شيث قد أعطاك الله سرور كرامته وألبسك لباس عافيته ؟ فلعمري لقد خصك الله منه بأمر جليل. ثم إن جبرئيل عليه السلام وشيثا أخذا في غسله وأراه جبرئيل كيف يغسله حتى فرغ، ثم أراه كيف يكفنه ويحنطه حتى فرغ، ثم أراه كيف بحفر له، ثم إن جبرئيل أخذ بيد شيث فأقامه للصلاة عليه كما نقوم اليوم نحن، ثم قال: كبر على أبيك سبعين تكبيرة وعلمه كيف يصنع ثم إن جبرئيل عليه السلام أمر الملائكة أن يصطفوا قياما " خلف شيث كما يصطف اليوم خلف المصلي على الميت، فقال شيث عليه السلام: يا جبرئيل ويستقيم هذا لي وأنت من الله بالمكان الذي أنت ومعك عظماء الملائكة ؟ فقال جبرئيل: يا شيث ألم تعلم أن الله تعالى لما خلق أباك آدم أوقفه بين الملائكة وأمرنا بالسجود له فكان إمامنا ليكون ذلك سنة في ذريته، وقد قبضه اليوم وأنت وصيه ووارث علمه وأنت تقوم مقامه، فكيف نتقدمك وأنت إمامنا ؟ فصلى بهم عليه كما أمره، ثم أراه كيف يدفنه فلما فرغ من دفنه وذهب جبرئيل عليه السلام ومن معه ليصعدوا من حيث جاؤوا بكى شيث ونادى: يا وحشتاه، فقال له جبرئيل: لا وحشة عليك مع الله تعالى يا شيث، بل نحن نازلون عليك بأمر ربك وهو يؤنسك فلا تحزن وأحسن ظنك بربك فإنه بك لطيف وعليك شفيق. ثم صعد جبرئيل ومن معه، وهبط قابيل من الجبل وكان على الجبل هاربا " من أبيه آدم عليه السلام أيام حياته لا يقدر أن ينظر إليه، فلقي شيثا فقال: يا شيث إني إنما قتلت هابيل أخي لأن قربانه تقبل ولم يتقبل قرباني، وخفت أن يصير بالمكان الذي قد صرت أنت اليوم فيه، وقد صرت بحيث أكره وإن تكلمت بشئ مما عهد إليك به أبي لأقتلنك كما قتلت هابيل. قال زرارة: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام بيده إلى فمه فأمسكه يعلمنا، أي هكذا أنا ساكت فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة معشر شيعتنا ! فتمكنوا عدوكم من رقابكم

[ 264 ]

فتكونوا عبيدا " لهم بعد إذ أنتم أربابهم وساداتهم، فإن في التقية منهم لكم ردا عما قد أصبحوا فيه من الفضائح بأعمالهم الخبيثة علانية، وما يرون منكم من تورعكم عن المحارم وتنزهكم عن الأشربة السوء والمعاصي وكثرة الحج والصلاة وترك كلامهم. (1) 12 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن أبي عمير، عن علي ابن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: إن ابن آدم حين قتل أخاه قتل شرهما خيرهما فوهب الله لآدم ولدا " فسماه هبة الله وكان وصيه، فلما حضر آدم عليه السلام وفاته قال: يا هبة الله قال: لبيك، قال: انطلق إلى جبرئيل فقل: إن أبي آدم يقرؤك السلام ويستطعمك من طعام الجنة وقد اشتاق إلى ذلك، فخرج هبة الله فاستقبله جبرئيل فأبلغه ما أرسله به أبوه إليه، فقال له جبرئيل: رحم الله أباك، فرجع هبة الله وقد قبض الله تعالى آدم عليه السلام فخرج به هبة الله و صلى عليه وكبر عليه خمسا " وسبعين تكبيرة، سبعين لآدم وخمسة لأولاده من بعده. (2) بيان: يمكن الجمع بين تلك الأخبار بأنه امر بالتكبير عليه خمسا " وسبعين خمسا وجوبا ليجري في أولاده، وسبعين استحبابا لخصوصه عليه السلام فخبر ابن السمط محمول على ما امر به وجوبا "، وخبر زرارة على ما خص آدم عليه السلام به. 13 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن متيل، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، وكرام بن عمرو، عن عبد الحميد ابن أبي الديلم، عن الصادق عليه السلام قال: أوحى الله إلى آدم عليه السلام أن قابيل عدو الله قتل أخاه، وإني اعقبك منه غلاما " يكون خليفتك ويرث علمك ويكون عالم الأرض وربانيها بعدك، وهو الذي يدعى في الكتب شيثا " وسماه أبا محمد هبة الله، وهو اسمه بالعربية، وكان آدم بشر بنوح عليه السلام وقال: إنه سيأتي نبي من بعدي اسمه نوح فمن بلغه منكم فليسلم له، فإن قومه يهلكون بالغرق إلا من آمن به وصدقه فيما قيل لهم وما امروا به. (3) 14 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما علم آدم عليه السلام بقتل هابيل جزع عليه جزعا " شديدا " فشكا ذلك إلى الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه


(1 و 2 و 3) مخطوط. [ * ]

[ 265 ]

أني واهب لك ذكرا يكون خلفا " من هابيل، فولدته حواء فلما كان يوم السابع سماه آدم عليه السلام شيثا، فأوحى الله تعالى إليه: يا آدم إنما هذا الغلام هبة مني إليك فسمه هبة الله، فسماه آدم به، فلما جاء وقت وفاة آدم عليه السلام أوحى الله تعالى إليه: أني متوفيك فأوص إلى خير ولدك وهو هبتي الذي وهبته لك فأوص إليه وسلم إليه ما علمتك من الأسماء فإني احب أن لا يخلو الأرض من عالم يعلم علمي ويقضي بحكمي، أجعله حجة لي على خلقي، فجمع آدم عليه السلام ولده جميعا " من الرجال والنساء ثم قال لهم: يا ولدي إن الله تعالى أوحى إلي أني متوفيك وأمرني أن اوصي إلى خير ولدي وإنه هبة الله وإن الله اختاره لي ولكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فإنه وصيي وخليفتي عليكم، فقالوا جميعا: نسمع له و نطيع أمره ولا نخالفه، قال: وأمر آدم عليه السلام بتابوت ثم جعل فيه علمه والأسماء والوصية ثم دفعه إلى هبة الله فقال له: انظر إذا أنا مت يا هبة الله فاغسلني وكفني وصل علي وأدخلني حفرتي، وإذا حضرت وفاتك وأحسست بذلك من نفسك فالتمس خير ولدك وأكثرهم لك صحبة وأفضلهم فأوص إليه بما أوصيت به إليك، ولا تدع الأرض بغير عالم منا أهل البيت يا بني إن الله تعالى أهبطني إلى الأرض وجعلني خليفة فيها وحجة له على خلقه، وجعلتك حجة الله في أرضه من بعدي، فلا تخرجن من الدنيا حتى تجعل لله حجة على خلقه ووصيا " من بعدك، وسلم إليه التابوت وما فيه كما سلمت إليك، وأعلمه أنه سيكون من ذريتي رجل نبي اسمه نوح يكون في نبوته الطوفان والغرق فأوص وصيك أن يحتفظ بالتابوت وبما فيه فإذا حضرته وفاته فمره أن يوصي إلى خير ولده وليضع كل وصي وصيته في التابوت وليوص بذلك بعضهم إلى بعض، فمن أدرك منهم نبوة نوح فليركب معه وليحمل التابوت وما فيه إلى فلكه ولا يتخلف عنه واحد، واحذر يا هبة الله وأنتم يا ولدي الملعون قابيل. فلما كان اليوم الذي أخبره الله أنه متوفيه تهيأ آدم عليه السلام للموت وأذعن به فهبط. ملك الموت فقال آدم: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أني عبد الله وخليفته في أرضه ابتدأني بإحسانه، وأسجد لي ملائكته، وعلمني الأسماء كلها، ثم أسكنني جنته ولم يكن جعلها لي دار قرار ولا منزل استيطان، وإنما خلقني لأسكن الأرض للذي أراد من التقدير و التدبير، وقد كان نزل جبرئيل عليه السلام بكفن آدم من الجنة والحنوط والمسحاة معه، قال:

[ 266 ]

ونزل مع جبرئيل سبعون ألف ملك ليحضروا جنازة آدم، فغسله هبة الله وجبرئيل وكفنه و حنطه ثم قال جبرئيل لهبة الله: تقدم فصل على أبيك وكبر عليه خمسا " وسبعين تكبيرة، فحفرت الملائكة ثم أدخلوه حفرته، فقام هبة الله في ولد أبيه بطاعة الله تعالى، فلما حضرته وفاته أوصى إلى ابنه قينان (1) وسلم إليه التابوت، فقام قينان في إخوته وولد أبيه بطاعة الله تعالى وتقدس، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يرد (2) وسلم إليه التابوت وجميع ما فيه، وتقدم إليه في نبوة نوح عليه السلام فلما حضرت وفاة يرد أوصى إلى ابنه اخنوخ وهو إدريس وسلم إليه التابوت وجميع ما فيه والوصية، فقام اخنوخ به فلما قرب أجله أوحى الله تعالى إليه: إني رافعك إلى السماء فأوص إلى ابنك خرقا سيل (3) ففعل، فقام خر قاسيل بوصية اخنوخ، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه نوح عليه السلام وسلم إليه التابوت، فلم يزل التابوت عند نوح حتى حمله معه في سفينته فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه سام وسلم إليه التابوت وجميع ما فيه. (4) شى: عن هشام، عن حبيب مثله مع زيادات أوردناها في باب ذكر الأوصياء من لدن آدم في كتاب الإمامة. (5) 15 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسن بن علي، عن عمر، عن أبان بن عثمان، عن فضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أرسل آدم ابنه إلى جبرئيل عليه السلام فقال: قل له: يقول لك أبي: أطعمني من زيت الزيتون التي في موضع كذا وكذا من الجنة، فلقاه جبرئيل فقال له: ارجع إلى أبيك


(1) الظاهر أن ههنا سقطا أو اختصارا " من النساخ أو الراوى، لان الوصي بعد هبة الله ابنه أنوش، فبعده قينان بن أنوش (2) الصحيح كما في رواية العياشي: فلما حضرت قينان الوفاة أوصى إلى مهلائيل وسلم إليه التابوت وما فيه والوصية فقام مهلائيل بوصية قينان وسار بسيرته، فلما حضرت مهلائيل الوفاة أوصى إلى ابنه يرد. (3) قد صرح اليعقوبي في تاريخه والمسعودي في اثبات الوصية وغيرهما أن وصى اخنوخ ابنه متوشلخ ووصى متوشلخ ابنه لمك وهو ارفخشد، ووصيه ابنه نوح، فعليه وقع هنا أيضا سقط، و لعل خرقا سيل اسم آخر للمك، وسيأتى في كتاب الامامة في باب الاوصياء من لدن آدم رواية فيها ذكر أوصياء آدم بأسامى اخر. (4) قصص الانبياء مخطوط. م (5) تفسير العياشي مخطوط. م [ * ]

[ 267 ]

فقد قبض وامرنا بإجهازه والصلاة عليه، قال: فلما جهزوه قال جبرئيل: تقدم يا هبة الله فصل على أبيك، فتقدم وكبر عليه خمسا " وسبعين تكبيرة، سبعين تفضيلا " لآدم عليه السلام وخمسا " للسنة، قال: وآدم عليه السلام لم يزل يعبد الله بمكة حتى إذا أراد أن يقبضه بعث إليه الملائكة معهم سرير وحنوط وكفن من الجنة، فلما رأت حواء عليها السلام الملائكة ذهبت لتدخل بينه وبينهم، فقال لها آدم: خلي بيني وبين رسل ربي، فقبض فغسلوه بالسدر والماء ثم لحدوا قبره، وقال: هذا سنة ولده من بعده، فكان عمره منذ خلقه الله إلى أن قبضه تسعمائة وستا " وثلاثين سنة، ودفن بمكة وكان بين آدم ونوح عليه السلام ألف وخمسمائة سنة. (1) 16 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قبض آدم عليه السلام وكبر عليه ثلاثين تكبيرة، فرفع خمس وعشرون، بقي السنة علينا خمسا "، وكان رسول الله يكبر على أهل بدر سبعا " وتسعا ". (2) بيان: لعل ذكر الثلاثين في هذا الخبر للتقية، لأنهم رووا ذلك عن ابن عباس كما ذكره صاحب الكامل وغيره. (3) 17 - ص: بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب قال: لما حضر آدم الوفاة أوصى إلى شيث وحفر لآدم في غار في أبي قيس يقال له غار الكنز، فلم يزل آدم عليه السلام في ذلك الغار حتى كان زمن الغرق استخرجه نوح عليه السلام في تابوت وجعله معه في السفينة. (4)


(1 و 2) مخطوط. م (3) كامل التواريخ ج 1: 22. م (4) قصص الانبياء مخطوط. قال اليعقوبي في تاريخه 1: 8 فلما فرغ نوح من عمل السفينة صعد هو وولده إلى مغارة الكنز فاحتملوا جسد آدم فوضعوه في وسط البيت الاعلى من السفينة يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من آذار، ثم ذكر أن ساما وملكيزدق بن لمك بن سام دفنا بمسجد منى عند المنارة، قال ويقول: أهل الكتاب: بالشام في الارض المقدسة انتهى، قلت: المشهور انه دفن في الغرى كما يدل عليه خبر المفضل. وقال المسعودي في اثبات الوصية: دفن بمكة في جبل ابى قبيس ثم ان نوحا " حمل بعد الطوفان عظامه فدفنه في ظاهر الكوفة. [ * ]

[ 268 ]

أقول: سيأتي خبر طويل في كتاب الإمامة في باب اتصال الوصية من لدن آدم عليه السلام. 18 - مل: محمد بن يعقوب، عن أبي علي الأشعري، عمن ذكره، عن محمد بن سنان، وحدثني محمد الحميري، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نوح عليه السلام وهو في السفينة أن يطوف بالبيت اسبوعا " فطاف (1) بالبيت اسبوعا " كما أوحى الله إليه، ثم نزل في الماء إلى ركبتيه فاستخرج تابوتا " فيه عظام آدم عليه السلام فحمل التابوت في جوف السفينة حتى طاف بالبيت ما شاء الله أن يطوف، ثم ورد إلى باب الكوفة في وسط مسجدها ففيها قال الله للأرض: " ابلعي ماءك " فبلعت ماءها من مسجد الكوفة كما بدأ الماء من مسجدها وتفرق الجمع (2) الذي كان مع نوح في السفينة فأخذ نوح التابوت فدفنه في الغري. (3) 19 - مل: أبي، عن أحمد بن إدريس، ومحمد بن يحيى معا " عن الأشعري، عن محمد بن يوسف التميمي، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: عاش آدم أبو البشر تسعمائة وثلاثين سنة. (4) بيان: اعلم أن الناس اختلفوا في عمر آدم عليه السلام فروى العامة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان كتب له ألف سنة فوهب ستين لداود عليه السلام ثم رجع، ورووا عن ابن عباس أنه وهب من الألف أربعين فجحد، فأكمل الله لآدم ألف سنة، ولداود عليه السلام مائة سنة، ورووا مثل ذلك عن جماعة منهم سعيد بن جبير، ورووا أنه قال ابن عباس: كان عمره تسعمائة وستا وثلاثين سنة، وأهل التوراة يزعمون أن عمره تسعمائة وثلاثون سنة، وقال ابن الأثير في الكامل: على رواية أبي هريرة لم يكن كثير اختلاف بين الحديثين وما في التوراة فلعل الله ذكر عمره في التوراة سوى ما وهبه لداود، انتهى. (5)


(1) في المصدر: فطاف كما اوحى الله إليه. م (2) في نسخة: وتفرق الجميع. (3) كامل الزيارة ص 38 - 39. (4) لم نجده فيما عندنا من نسخة المصدر. م (5) كامل التواريخ ج 1: 21. م [ * ]

[ 269 ]

وقال المسعودي: توفي يوم الجمعة لست خلون من نيسان في الساعة التي كان فيها خلقه، وكان عمره تسعمائة وثلاثين سنة، انتهى. (1) وذكر السيد في سعد السعود من صحف إدريس عليه السلام مرضه عشرة أيام بالحمى ووفاته (2) يوم الجمعة لأحدى عشر يوما " خلت من المحرم، ودفنه في غار في جبل أبي قبيس، ووجهه إلى الكعبة، وأن عمره عليه السلام من وقت نفخ فيه الروح إلى وفاته ألف سنة وثلاثين، وأن حواء عليها السلام ما بقيت بعده إلا سنة ثم مرضت خمسة عشر يوما " ثم توفيت ودفنت إلى جنب آدم عليه السلام. ثم قال: ونبأ الله شيثا " وأنزل عليه خمسين صحيفة فيها دلائل الله وفرائضه وأحكامه وسننه وشرائعه وحدوده، فأقام بمكة يتلو تلك الصحف على بني آدم ويعلمها ويعبد الله ويعمر الكعبة فيعتمر في كل شهر ويحج في أوان الحج حتى تم له تسعمائة سنة واثنا عشر سنة فمرض فدعا ابنه أيوس (3) فأوصى به إليه وأمره بتقوى الله، ثم توفي فغسله أيوس ابنه وقينان بن أيوس ومهلائيل بن قينان، فتقدم أيوس فصلى عليه ودفنوه عن يمين آدم في غار أبي قبيس. (4) ثم قال السيد رضي الله عنه: وجدت في السفر الثالث من التوراة أن حياة آدم كانت تسعمائة وثلاثين سنة، وقال محمد بن خالد البرقي رحمه الله: إن عمر آدم عليه السلام كان تسع مائة وستا " وثلاثين سنة ذكر ذلك في كتاب البداء عن الصادق عليه السلام. (5) أقول: يمكن رفع التنافي بين خبري الفضيل والتميمي بأن يكون عليه السلام أسقط النيف في الخبر الأخير بأن يكون الغرض ذكر أصل العقود سوى الكسور، على أنه يحتمل أن يكون الإسقاط من الرواة.


(1) مروج الذهب ج 1: 17. وبه قال اليعقوبي في التاريخ، وقال المسعودي في اثبات الوصية، وكان عمره الف سنة وهب لداود منها سبعين سنة فصار عمره بعد ذلك تسعمائة وثلاثين سنة. (2) في المصدر: وصفة غسله وتكفينه ودفنه. م (3) هكذا في النسخ والصحيح: أنوش كما في المصدر، وكذا الكلام فيما بعده. (4) سعد السعود: 37 - 38. م (5) سعد السعود: 40. وفيه: تسعمائة وست وثلاثون. م [ * ]

[ 270 ]

* (باب 9) * * (قصص ادريس) * الايات، مريم " 19 " واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا " نبيا " * ورفعناه مكانا " عليا " 56 - 57. الأنبياء " 21 " وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين 85 - 86. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " واذكر في الكتاب " أي القرآن " إدريس " هو جد أب نوح عليه السلام، واسمه في التوراة اخنوخ، وقيل: إنه سمي إدريس لكثرة درسه الكتب وهو أول من خط بالقلم، وكان خياطا "، وأول من خاط الثياب، وقيل: إن الله سبحانه علمه النجوم والحساب وعلم الهيئة وكان ذلك معجزة له " إنه كان صديقا " أي كثير التصديق في امور الدين، وقيل: صادقا " مبالغا " في الصدق فيما يخبر عن الله تعالى " نبيا " " أي عليا " رفيع الشأن برسالات الله تعالى " ورفعناه مكانا " عليا " " أي عاليا " رفيعا "، وقيل: إنه رفع إلى السماء السادسة، عن ابن عباس والضحاك، وقال مجاهد: رفع إدريس كما رفع عيسى وهو حي لم يمت، وقال آخرون: إنه قبض روحه بين السماء الرابعة والخامسة، وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل: إن معناه: ورفعناه محله ومرتبته بالرسالة ولم يرد رفعة المكان. (1) 1 - ع: بالإسناد إلى وهب أن إدريس عليه السلام كان رجلا " ضخم البطن، عريض الصدر، قليلا " شعر الجسد، كثيرا " شعر الرأس، وكانت إحدى اذنيه أعظم من الأخرى، وكان دقيق الصدر، دقيق المنطق، قريب الخطاء إذا مشى، وإنما سمي إدريس لكثرة ما كان يدرس من حكم الله عزوجل وسنن الإسلام وهو بين أظهر قومه، ثم إنه فكر في عظمة الله وجلاله فقال: إن لهذه السماوات ولهذه الأرضين ولهذا الخلق العظيم والشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر وهذه الأشياء التي تكون لربا يدبرها ويصلحها بقدرته


(1) مجمع البيان 6: 519. [ * ]

[ 271 ]

فكيف لي بهذا الرب فأعبده حق عبادته، فجلا بطائفة من قومه (1) فجعل يعظهم و يذكرهم ويخوفهم ويدعوهم إلى عبادة خالق هذه الأشياء، فلا يزال يجيبه واحد بعد واحد حتى صاروا سبعة ثم سبعين إلى أن صاروا سبعمائة ثم بلغوا ألفا "، فلما بلغوا ألفا " قال لهم: تعالوا نختر من خيارنا (2) مائة رجل، فاختاروا من خيارهم مائة رجل، واختاروا من المائة سبعين رجلا "، ثم اختاروا من السبعين عشرة، ثم اختاروا من العشرة سبعة، ثم قال لهم: تعالوا فليدع هؤلاء السبعة وليؤمن بقيتنا فلعل هذا الرب جل جلاله يدلنا على عبادته فوضعوا أيديهم على الأرض ودعوا طويلا " فلم يتبين لهم شئ، ثم رفعوا أيديهم إلى السماء فأوحى الله عزوجل إلى إدريس عليه السلام ونبأه ودله على عبادته، ومن آمن معه فلم يزالوا يعبدون الله عزوجل لا يشركون به شيئا " حتى رفع الله عزوجل إدريس إلى السماء و انقرض من تابعه على دينه إلا قليلا "، ثم إنهم اختلفوا بعد ذلك وأحدثوا الأحداث و أبدعوا البدع حتى كان زمان نوح عليه السلام. (3) 2 - ك: أبي وابن الوليد وابن المتوكل جميعا "، عن سعد والحميري ومحمد العطار، عن ابن عيسى وابن هاشم جميعا "، عن ابن محبوب، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن أبي جفعر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: كان بدء نبوة إدريس عليه السلام أنه كان في زمانه ملك جبار (4) وإنه ركب ذات يوم في بعض نزهه فمر بأرض خضرة لعبد مؤمن من الرافضة (5) فأعجبته، فسأل وزراءه: لمن هذه الأرض ؟ قالوا: لعبد من عبد الملك فلان الرافضي، فدعا به فقال له: أمتعني بأرضك هذه، (6) فقال لها: عيالي أحوج إليها منك، قال: فسمني بها


(1) في نسخة: فخلا بطائفة من قومه. (2) في نسخة: تعالوا نختار من خيارنا. (3) علل الشرائع: 21. م (4) قال المسعودي في اثبات الوصية: إنه " بيوراسب ". (5) أي من الذين رفضوا الشرك والمعاصي وتركوا مذهب السلطان، وعبر عليه السلام بذلك لئلا يهتم أصحابه مما ينابزهم العامة بهذا اللقب ويعلموا أن ذلك كان ديدن أهل الدنيا سلفا و خلفا وعادتهم، رواه المسعودي في اثبات الوصية وقال: فقيل: انها لرجل من الرافضة كان لا يتبعه على كفره ويرفضه يسمى رافضيا فدعى به. (6) أي صيرني انتفع وألتذ به. [ * ]

[ 272 ]

أثمن لك، قال: لا أمتعك ولا أسومك دع عنك ذكرها، فغضب الملك عند ذلك وأسف وانصرف إلى أهله وهو مغموم مفكر في أمره، وكانت له امرأة من الإزارقة (1) وكان بها معجبا " يشاورها في الأمر إذا نزل به، فلما استقر في مجلسه بعث إليها ليشاورها في أمر صاحب الأرض فخرجت إليه فرأت في وجهه الغضب، فقالت له: أيها الملك ما الذي دهاك (2) حتى بدا الغضب في وجهك قبل فعلك (3) فأخبرها بخبر الأرض وما كان من قوله لصاحبها ومن قول صاحبها له فقالت: أيها الملك إنما يغتم ويأسف (4) من لا يقدر على التغيير والانتقام وإن كنت تكره أن تقتله بغير حجة فأنا أكفيك أمره واصير أرضه بيدك بحجة لك فيها العذر عند أهل مملكتك، قال: وما هي ؟ قالت: أبعث إليه أقواما من أصحابي أزارقة حتى يأتوك به فيشهدوا عليه عندك إنه قد برئ من دينك فيجوز لك قتله وأخذ أرضه، قال: فافعلي ذلك قال: فكان لها أصحاب من الأزارقة على دينها يرون قتل الرافضة من المؤمنين، فبعثت إلى قوم منهم فأتوهم فأمرتهم أن يشهدوا على فلان الرافضي عند الملك أنه قد برئ من دين الملك فشهدوا عليه أنه قد برئ من دين الملك فقتله واستخلص أرضه، فغضب الله للمؤمن عند ذلك فأوحى الله إلى إدريس عليه السلام أن ائت عبدي هذا الجبار فقل له: أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلما حتى استخلصت أرضه خالصة لك فأحوجت عياله من بعده و أجعتهم ؟ أما وعزتي لانتقمن له منك في الآجل، ولاسلبنك ملكك في العاجل، ولاخربن مدينتك، ولاذلن عزك، ولاطعمن الكلاب لحم امرأتك، فقد غرك يا مبتلى حلمي عنك. فأتاه إدريس عليه السلام برسالة ربه وهو في مجلسه وحوله أصحابه. فقال: أيها الجبار إني رسول الله إليكم (5) وهو يقول لك: أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلما " حتى استخلصت أرضه خالصة لك، وأحوجت عياله من بعده وأجعتهم ؟ أما وعزتي لأنتقمن له منك في الآجل، ولأسلبنك ملكك في العاجل، ولاخربن مدينتك، ولاذلن عزك، ولاطعمن


(1) أي كانت بصفة الازارقة، فكما أن الازارقة يرون غير أهل نحلتهم مشركا ويستحلون دمه وأمواله فكذلك هذه المرأة، والازارقة فرقة من الخوارج. (2) دهى فلانا: أصابه بداهية. والداهية: الامر العظيم. (3) في نسخة: قبل ايقاعك. (4) في المصدر: يغتم ويهتم به (ويأسف خ). م (5) في نسخة: اتى رسول الله إليك. [ * ]

[ 273 ]

الكلاب لحم امرأتك، فقال الجبار: اخرج عني يا إدريس فلن تسبقني بنفسك، ثم أرسل إلى امرأته فأخبرها بما جاء به إدريس فقالت: لا يهولنك رسالة إله إدريس، أنا ارسل إليه من يقتله فتبطل رسالة إلهه وكل ما جاءك به، قال: فافعلي، وكان لإدريس أصحاب من الرافضة مؤمنون يجتمعون إليه في مجلس له فيأنسون به ويأنس بهم، فأخبرهم إدريس بما كان من وحي الله عزوجل إليه ورسالته إلى الجبار وما كان من تبليغ رسالة الله إلى الجبار، فأشفقوا على إدريس وأصحابه وخافوا عليه القتل، وبعثت امرأة الجبار إلى إدريس أربعين رجلا " من الأزارقة ليقتلوه فأتوه في مجلسه الذي كان يجتمع إليه فيه أصحابه فلم يجدوه، فانصرفوا وقد رآهم أصحاب إدريس فحسوا أنهم أتوا إدريس ليقتلوه فتفرقوا في طلبه فلقوا فقالوا له: خذ حذرك يا إدريس فإن الجبار قاتلك، قد بعث اليوم أربعين رجلا " من الأزارقة ليقتلوك فاخرج من هذه القرية، فتنحى إدريس عن القرية من يوم ذلك ومعه نفر من أصحابه، فلما كان في السحر ناجى إدريس ربه فقال: يا رب بعثتني إلى جبار فبلغت رسالتك، وقد توعدني هذا الجبار بالقتل، بل هو قاتلي إن ظفر بي، فأوحى الله إليه أن تنح عنه واخرج من قريته وخلني وإياه، فوعزتي لأنفذن فيه أمري، ولأصدقن قولك فيه وما أرسلتك به إليه. فقال إدريس: يا رب إن لي حاجة، قال الله: سلها تعطها، قال: أسألك أن لا تمطر السماء على أهل هذه القرية وما حولها وما حوت عليه حتى أسألك ذلك، قال الله عزوجل: يا إدريس إذا تخرب القرية ويشتد جهد أهلها ويجوعون، فقال إدريس: وإن خربت و جهدوا وجاعوا، قال الله: فإني قد أعطيتك ما سألت ولن امطر السماء عليهم حتى تسألني ذلك وأنا أحق من وفى بعهده، فأخبر إدريس أصحابه بما سأل الله عزوجل من حبس المطر عنهم وبما أوحى الله إليه ووعده أن لا يمطر السماء عليهم حتى أسأله ذلك، فاخرجوا أيها المؤمنون من هذه القرية إلى غيرها من القرى، فخرجوا منها وعدتهم يومئذ عشرون رجلا فتفرقوا في القرى، وشاع خبر إدريس في القرى بما سأل الله تعالى، وتنحى إدريس إلى كهف في الجبل شاهق فلجأ إليه ووكل الله عزوجل به ملكا " يأتيه بطعامه عند كل مساء وكان يصوم النهار فيأتيه الملك بطعامه عند كل مساء، وسلب الله عزوجل عند ذلك ملك

[ 274 ]

الجبار وقتله وأخرب مدينته وأطعم الكلاب لحم امرأته غضبا " للمؤمن، وظهر في المدينة جبار آخر عاص فمكثوا بذلك بعد خروج إدريس من القرية عشرين سنة لم تمطر السماء قطرة من مائها عليهم، فجهد القوم واشتدت حالهم وصاروا يمتارون الأطعمة (1) من القرى من بعد، فلما جهدوا مشى بعضهم إلى بعض فقالوا: إن الذي نزل بنا مما ترون بسؤال إدريس ربه أن لا يمطر السماء علينا حتى يسأله هو، وقد خفي إدريس عنا ولا علم لنا بموضعه والله أرحم بنا منه، فأجمع أمرهم على أن يتوبوا إلى الله ويدعوه ويفزعوا إليه و يسألوه أن يمطر السماء عليهم وعلى ما حوت قريتهم، فقاموا على الرماد ولبسوا المسوح، وحثوا على رؤوسهم التراب (2) ورجعوا إلى الله عزوجل بالتوبة والاستغفار والبكاء و التضرع إليه، وأوحى الله عزوجل إليه: يا إدريس أهل قريتك (3) قد عجوا إلي بالتوبة والاستغفار والبكاء والتضرع، وأنا الله الرحمن الرحيم أقبل التوبة وأعفو من السيئة وقد رحمتهم، ولم يمنعني إجابتهم إلى ما سألوني من المطر إلا مناظرتك فيما سألتني أن لا امطر السماء عليهم حتى تسألني، فاسألني يا إدريس حتى اغيثهم وامطر السماء عليهم. قال إدريس: اللهم إني لا أسألك ذلك، قال الله عزوجل: ألم تسألني يا إدريس فسلني، (4) قال إدريس: اللهم إني لا أسألك، فأوحى الله عزوجل إلى الملك الذي أمره أن يأتي إدريس بطعامه كل مساء أن احبس عن إدريس طعامه ولا تأته به، فلما امسى إدريس في ليلة ذلك اليوم فلم يؤت بطعامه حزن وجاع فصبر، فلما كان في اليوم الثاني فلم يؤت بطمامه اشتد حزنه وجوعه، فلما كانت الليلة من اليوم الثالث فلم يؤت بطعامه اشتد جهده وجوعه وحزنه وقل صبره فنادى ربه: يا رب حبست عني رزقي من قبل أن تقبض روحي ؟ ! فأوحى الله عزوجل إليه: يا إدريس جزعت أن حبست عنك طعامك ثلاثة أيام ولياليها، ولم تجزع ولم تنكر جوع أهل قريتك وجهدهم منذ عشرين سنة ؟ ! ثم سألتك عن جهدهم


(1) أي يجمعون الاطعمة. (2) حثا التراب: صبه. (3) في المصدر: فأوحى الله عزوجل إلى ادريس ان اهل قريتك اه‍. م (4) في المصدر: الم تسألني يا ادريس فاجبتك إلى ما سألت، وانا اسألك ان لم تسألني فلم لا تجيب مسألتي. قال ادريس اه‍. م [ * ]

[ 275 ]

ورحمتي إياهم أن تسألني أن امطر السماء عليهم فلم تسألني وبخلت عليهم بمسألتك إياي فأذقتك الجوع (1) فقل عند ذلك صبرك وظهر جزعك، فاهبط من موضعك فاطلب المعاش لنفسك فقد وكلتك في طلبه إلى حيلك، فهبط إدريس من موضعه إلى غيره يطلب اكلة من جوع، فلما دخل القرية نظر إلى دخان في بعض منازلها فأقبل نحوه فهجم على عجوز كبيرة وهي ترقق قرصتين لها على مقلاة (2) فقال لها: أيتها المرأه أطعميني فإني مجهود من الجوع، فقالت له: يا عبد الله ما تركت لنا دعوة إدريس فضلا " نطعمه أحدا " - وحلفت أنها ما تملك شيئا " غيره - فاطلب المعاش من غير أهل هذه القرية، قال لها: أطعميني ما امسك به روحي وتحملني به رجلي إلى أن أطلب، قالت: إنهما قرصتان: واحدة لي والإخرى لابني فإن أطعمتك قوتي مت، وإن أطعمتك قوت ابني مات، وما هنا فضل اطعمكاه، فقال لها: إن ابنك صغير يجزيه نصف قرصة فيحيى بها ويجزيني النصف الآخر فأحيى به وفي ذلك بلغة لي وله، فأكلت المرأة قرصها وكسرت القرص الآخر بين إدريس وبين ابنها، فلما رأى ابنها إدريس يأكل من قرصه اضطرب حتى مات، قالت امه: يا عبد الله قتلت علي ابني جزعا " على قوته ؟ ! قال إدريس: فأنا احييه بإذن الله تعالى فلا تجزعي، ثم أخذ إدريس بعضدي الصبي ثم قال: أيتها الروح الخارجة من بدن هذا الغلام بإذن الله ارجعي إلى بدنه بإذن الله وأنا إدريس النبي، فرجعت روح الغلام إليه بإذن الله فلما سمعت المرأة كلام إدريس وقوله: أنا إدريس ونظرت إلى ابنها قد عاش بعد الموت قالت: أشهد أنك إدريس النبي، وخرجت تنادي بأعلى صوتها في القرية: ابشروا بالفرج فقد دخل إدريس قريتكم، ومضى إدريس حتى جلس على موضع مدينة الجبار الأول و هي على تل فاجتمع إليه أناس من أهل قريته فقالوا له: يا إدريس أما رحمتنا في هذه العشرين سنة التي جهدنا فيها ومسنا الجوع والجهد فيها ؟ فادع الله لنا أن يمطر السماء علينا، قال: لا حتى يأتيني جباركم هذا وجميع أهل قريتكم مشاة حفاة فيسألوني ذلك، فبلغ الجبار قوله فبعث إليه أربعين رجلا " يأتوه بإدريس، فأتوه فقالوا له: إن الجبار بعث إليك


(1) في المصدر: فادبتك بالجوع. م (2) المقلاة: وعاء يقلى فيه الطعام. [ * ]

[ 276 ]

لتذهب إليه فدعا عليهم فماتوا، فبلغ الجبار ذلك فبعث إليه خمسمائة رجل ليأتوه به فقالوا له: يا إدريس إن الجبار بعثنا إليك لنذهب بك إليه، فقال لهم إدريس: انظروا إلى مصارع أصحابكم، فقالوا له: يا إدريس قتلتنا بالجوع منذ عشرين سنة ثم تريد أن تدعو علينا بالموت ! أما لك رحمة ؟ فقال: ما أنا بذاهب إليه، ولا أنا بسائل الله أن يمطر السماء عليكم حتى يأتيني جباركم ماشيا " حافيا " وأهل قريتكم، فانطلقوا إلى الجبار فأخبروه بقول إدريس واسألوه أن يمضي معهم وجميع أهل قريتهم إلى إدريس حفاة مشاة، فأتوه حتى وقفوا بين يديه خاضعين له طالبين إليه أن يسأل الله لهم أن يمطر السماء عليهم، فقال لهم إدريس: أما الآن فنعم، فسأل الله تعالى إدريس عند ذلك أن يمطر السماء عليهم و على قريتهم ونواحيها فأظلتهم سحابة من السماء وأرعدت وأبرقت وهطلت (1) عليهم من ساعتهم حتى ظنوا أنها الغرق فما رجعوا إلى منازلهم حتى أهمتهم أنفسهم من الماء. (2) ص: بإسناده إلى الصدوق مثله. (3) بيان: فسمني أي بعني. أثمن لك: اعطيك الثمن. قبل فعلك أي إتيانك بما غضبت له. فلن تسبقني بنفسك هو تهديد بالقتل، أي لا يمكنك الفرار بنفسك والتقدم بحيث لا يمكنني اللحوق بك لإهلاكها، أو لا تغلبني في أمر نفسك بأن تتخلصها مني، ويحتمل أن يكون المراد: لا تغلبني متفردا بنفسك من غير معاون فلم تتعرض لي. حتى أهمتهم أنفسهم أي خوف أنفسهم أوقعهم في الهموم، أو لم يهتمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها. ثم اعلم أن الظاهر أن أمره تعالى إدريس عليه السلام بالدعاء لهم لم يكن على سبيل الحتم والوجوب بل على الندب والاستحباب، وكان غرضه عليه السلام في التأخير وفي طلب القوم أن يأتوه متذللين تنبيههم وزجرهم عن الطغيان والفساد ولئلا يخالفوا ربهم بعد دخوله بينهم، (4) وأن أولياء الله يغضبون لربهم أكثر من سخطه تعالى لنفسه لسعة رحمته وعظم حمله تعالى شأنه.


(1) هطل المطر: نزل متتابعا متفرقا عظيم القطر. (2) كمال الدين: 76 - 78. م (3) مخطوط. م (4) وليكون ذلك تنبيها للملك الجبار وأتباعه ورجوعهم إلى الله مسلمين، ولو كان يدعو قبل أن يسلموا ويتوبوا لكانوا يجبرون الناس على الضلال بعد أن رفهوا. [ * ]

[ 277 ]

3 - فس: أبي عن ابن أبي عمير، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى غضب على ملك من الملائكة فقطع جناحه وألقاه في جزيرة من جزائر البحر، فبقي ما شاء الله في ذلك البحر، فلما بعث الله إدريس عليه السلام جاء ذلك الملك إليه فقال: يا نبي الله ادع الله أن يرضى عني ويرد علي جناحي، (1) قال: نعم، فدعا إدريس ربه فرد الله عليه جناحه ورضي عنه، قال الملك لإدريس: ألك إلي حاجة ؟ قال: نعم، احب أن ترفعني إلى السماء حتى أنظر إلى ملك الموت، فإنه لا تعيش لي مع ذكره، فأخذه الملك إلى جناحه (2) حتى انتهى به إلى السماء الرابعة فإذا ملك الموت جالس يحرك رأسه تعجبا "، فسلم إدريس على ملك الموت وقال له: ما لك تحرك رأسك ؟ قال: إن رب العزة أمرني أن أقبض روحك بين السماء الرابعة والخامسة، فقلت: رب (3) كيف يكون هذه وغلظ السماء الرابعة مسيرة خمسمائة عام، ومن السماء الرابعة إلى السماء الثالثة مسيرة خمسمائة عام (ومن السماء الثالثة إلى الثانية مسيرة خمسمائة عام خ ل) وكل سماء وما بينهما كذلك، فكيف يكون هذا ؟ ! ثم قبض روحه بين السماء الرابعة و الخامسة وهو قوله: " ورفعناه مكانا " عليا " قال: وسمي إدريس لكثرة دراسة الكتب. (4) 4 - مع: معنى إدريس أنه كان يكثر الدرس بحكم الله عزوجل وسنن الإسلام (5) 5 - ل، مع: في خبر أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنزل الله على إدريس ثلاثين صحيفة. (6) 6 - ج: فيما احتج به أمير المؤمنين عليه السلام على يهودي الشام: إن إدريس عليه السلام رفعه الله مكانا " عليا "، واطعم من تحف الجنة بعد وفاته. (7) 7 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن


(1) في نسخة: ويرد لى جناحى. (2) في المصدر: على جناحه. م (3) في المصدر: يا رب. م (4) تفسير القمى: 411 - 412. وفى نسخة: لكثرة دراسته للكتب. (5) معاني الاخبار: 18. م (6) الخصال ج 2: 104، معاني الاخبار: 95. م (7) الاحتجاج: 111. م [ * ]

[ 278 ]

اورمة، عن محمد بن عثمان، عن أبي جميلة، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن ملكا " من الملائكة كانت له منزلة فأهبطه الله من السماء إلى الأرض فأتى إدريس النبي عليه السلام فقال له: اشفع لي عند ربك، فصلى ثلاث ليال لا يفتر وصام أيامها لا يفطر ثم طلب إلى الله في السحر للملك فأذن له في الصعود إلى السماء فقال له الملك: أحب أن اكافيك فاطلب إلي حاجة، فقال: تريني ملك الموت لعلي آنس به فإنه ليس يهنؤني مع ذكره شئ، فبسط جناحيه ثم قال: اركب، فصعد به فطلب ملك الموت في سماء الدنيا فقيل: إنه قد صعد، فاستقبله بين السماء الرابعة والخامسة فقال الملك لملك الموت: ما لي أراك قاطبا " ؟ (1) قال: أتعجب إني كنت تحت ظل العرش حتى امرت أن أقبض روح إدريس بين السماء الرابعة والخامسة، فسمع إدريس ذلك فانتفض من جناح الملك (2) وقبض ملك الموت روحه مكانه، وذلك قوله تعالى: " واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا " نبيا " * ورفعناه مكانا " عليا " ". (3) 8 - ص: بهذا الإسناد عن ابن اورمة، عن عبد الله بن المغيرة، عن محمد بن مروان عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان إدريس النبي عليه السلام يسيح النهار (4) ويصومه ويبيت حيث ما جنه الليل ويأتيه رزقه حيث ما أفطر، وكان يصعد له من العمل الصالح مثل ما يصعد لأهل الأرض كلهم، فسأل ملك الموت ربه في زيادة إدريس عليه السلام وأن يسلم عليه، فأذن له فنزل وأتاه، فقال: إني اريد أن أصحبك فأكون معك، فصحبه وكانا يسيحان النهار ويصومانه فإذا جنهما الليل اتي إدريس فطره فيأكل ويدعو ملك الموت إليه فيقول: لا حاجة لي فيه: ثم يقومان يصليان، وإدريس يصلي ويفتر وينام، وملك الموت يصلي ولا ينام ولا يفتر، فمكثا بذلك أياما " ثم إنهما مرا بقطيع غنم وكرم قد أينع، فقال ملك الموت: هل لك أن تأخذ من ذلك حملا " أو من هذا عناقيد فنفطر عليه ؟ فقال: سبحان الله أدعوك إلى مالي فتأبى فكيف تدعوني إلى مال الغير ! ؟ ثم قال إدريس عليه السلام: قد صحبتني وأحسنت


(1) قطب الرجل: جمع ما بين عينيه وكلح. (2) في نسخة: فانتقض من جناح الملك. (3) مخطوط. م (4) أي يذهب في الارض للعبادة والترهب. [ * ]

[ 279 ]

فيما بيني وبينك من أنت ؟ قال: أنا ملك الموت، قال إدريس: لي إليك حاجة، فقال: وما هي ؟ قال: تصعد بي إلى السماء، فاستأذن ملك الموت ربه في ذلك فأذن له، فحمله على جناحه فصعد به إلى السماء، ثم قال له إدريس عليه السلام: إن لي إليك حاجة اخرى، قال: وما هي ؟ قال: بلغني من الموت شدة فاحب أن تذيقني منه طرفا " فأنظر هو كما بلغني، فاستأذن ربه له فأذن فأخذ بنفسه ساعة ثم خلى عنه، فقال له: كيف رأيت ؟ قال: بلغني عنه شدة وأنه لأشد مما بلغني، ولي إليك حاجة اخرى تريني النار، فاستأذن ملك الموت صاحب النار، ففتح له فلما رآها إدريس عليه السلام سقط مغشيا " عليه، ثم قال: لي إليك حاجة اخرى تريني الجنة، فاستأذن ملك الموت خازن الجنة فدخلها فلما نظر إليها قال: يا ملك الموت ما كنت لأخرج منها، إن الله تعالى يقول: " كل نفس ذائقة الموت " وقد ذقته، ويقول: " وإن منكم إلا واردها " وقد وردتها، ويقول في الجنة: " وما هم بخارجين منها ". (1) بيان: الخبران السابقان أقوى وأصح سندا " كما لا يخفى فالمعول عليهما، وهذا أوفق بروايات العامة. 9 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب بن المنبه قال: إن إدريس كان رجلا " طويلا "، ضخم البطن، عظيم الصدر، قليل الصوت، رقيق المنطق، قريب الخطى إذا مشى - وساق الحديث إلى آخر ما مر في صدر الباب - ثم قال: وأنزل الله على إدريس عليه السلام ثلاثين صحيفة، وهو أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبسها، وكان من كان قبله يلبسون الجلود، وكان كلما خاط سبح الله وهلله وكبره ووحده و مجده، وكان يصعد إلى السماء من عمله في كل يوم مثل أعمال أهل زمانه كلهم، قال: وكانت الملائكة في زمان إدريس عليه السلام يصافحون الناس ويسلمون عليهم ويكلمونهم و يجالسونهم وذلك لصلاح الزمان وأهله، فلم يزل الناس على ذلك حتى كان زمن نوح عليه السلام وقومه ثم انقطع ذلك، وكان من أمره مع ملك الموت ما كان حتى دخل الجنة، فقال له ربه: إن إدريس إنما حاجك فحجك بوحيي وأنا الذي هيأت له تعجيل دخول


(1) مخطوط. م [ * ]

[ 280 ]

الجنة، فإنه كان ينصب نفسه (1) وجسده يتعبهما لي، فكان حقا علي أن اعوضه من ذلك الراحة والطمأنينة، وأن ابوئه بتواضعه لي وبصالح عبادتي من الجنة مقعدا " ومكانا " عليا ". (2) 10 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن الصائغ، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن ابن مهران، عن الصادق عليه السلام قال: إذا دخلت الكوفة فأت مسجد السهلة فضل فيه واسأل الله حاجتك لدينك ودنياك، فإن مسجد السهلة بيت إدريس النبي عليه السلام الذي كان يخيط فيه ويصلي فيه، ومن دعا الله فيه بما أحب قضى له حوائجه ورفعه يوم القيامة مكانا " عليا " إلى درجة إدريس عليه السلام، واجير من مكروه الدنيا ومكائد أعدائه. (3) أقول: قد أوردنا مثله بأسانيد في باب مسجد السهلة، وقال المسعودي: اخنوخ هو إدريس النبي عليه السلام والصابئة تزعم أنه هرمس، ومعنى هرمس عطارد، وهو الذي أخبر الله في كتابه أنه رفعه مكانا " عليا "، وكان عالما " بالنجوم، وكانت حياته في الأرض ثلاثمائة سنة، (4) وقيل: أكثر من ذلك، (5) وهو أول من طرز الطرز (6) وخاط بالابرة، وانزل عليه ثلاثون صحيفة، وكان نزل قبل ذلك على آدم إحدى وعشرون صحيفة ونزل على شيث تسعة وعشرون صحيفة فيها تهليل وتسبيح. (7) وقال الطبرسي رحمه الله والرازي: إنه جد أبي نوح عليه السلام واسمه اخنوخ، وهو أول من خاط الثياب ولبسها، وكانوا يلبسون الجلود. (8) وقال ابن الأثير في الكامل: قام أنوش بن شيث بعد موت أبيه بسياسة الملك وتدبير


(1) أي يتعبه ويزجره، وفى نسخة: كان ينصب نفسه وجسده بتعبهما. (2 و 3) مخطوط. م (4) وبه قال اليعقوبي في تاريخه. (5) ليس في المصدر بين قوله: " مكانا " عليا " " وقوله: " وهو اول " شئ. م (6) في المصدر: من درز الدروز. م (7) مروج الذهب ج 1: 18. وقد فصل ترجمته في اثبات الوصية: ص 11 وقال: وفى أيامه ملك بيوراسب من ولد قابيل ألف سنة، ثم ذكر ما تقدم في الخبر الثاني، وقال: كان منزله مسجد السهلة بظاهر الكوفة، وقال: وكانت سنه في الوقت الذى رفع فيه ثلاث مائة وستا وخمسين سنة. (8) مجمع البيان 6: 519 مفاتيح الغيب 5: 566. م [ * ]

[ 281 ]

من تحت يديه من رعيته مقام أبيه لا يوقف منه على تغيير ولا تبديل، وكان جميع عمر أنوش سبعمائة وخمس سنين، (1) وكان مولده بعد أن مضى من عمر أبيه شيث ستمائة وخمس سنين، هذا قول أهل التوراة. وقال ابن عباس: ولد شيث أنوش ومعه نفرا " كثيرا " وإليه أوصى شيث، ثم ولد لأنوش ابنه قينان بعد مضي تسعين سنة من عمر أنوش، (2) وولد معه نفرا " كثيرا " وإليه الوصية، وولد قينان مهلائيل وولدا " كثيرا " معه، وإليه الوصية، وولد مهلائيل يرد، (3) - وقيل: يارد - ونفرا معه وإليه الوصية، فولد يرد خنوخ وهو إدريس النبي عليه السلام ونفرا " معه وإليه الوصية. (4)


(1) قال اليعقوبي: وتوفى لثلاث خلون من تشرين الاول حين غابت الشمس، وكانت حياته تسعمائة وخمسا وستين سنة انتهى. وقال ابن حبيب في المحبر: وعمر انوش تسعمائة وخمس سنين، و قال ابن الكلبى: وسبعا وخمسين سنة. (2) وبه قال اليعقوبي أيضا في تاريخه، وقال: ومات قينان وكانت حياته تسعمائة سنة و عشرين سنة. (3) قال اليعقوبي: وقد كان قد ولد لمهلائيل يرد بعد أن أتت عليه خمس وستون سنة، ثم توفى مهلائيل لليلتين خلتا من نيسان يوم الاحد على ثلاث ساعات من النهار، وكانت حياته ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة (قلت: في المحبر: مهلاليل) ثم قال: ثم قام بعد مهلائيل يرد، وكان رجلا مؤمنا كامل العمل لله سبحانه والعبادة له كثير الصلاة بالليل والنهار فزاد الله في حياته، وكان قد ولد له اخنوخ بعد أن أتت عليه اثنتان وستون سنة، وفى الاربعين ليرد تم الالف الاول، وفصل ترجمته إلى أن قال: ثم توفى يوم الجمعة لليلة خلت من آذار حين غابت الشمس، وكانت حياته تسعمائة سنة واثنين وستين سنة. ثم قام من بعد يرد اخنوخ بن يرد، فقال بعبادة الله سبحانه، ولما اتت له خمس وستون سنة ولد متوشلح، وكان اخنوخ أول من خط بالقلم وهو إدريس النبي ثم رفعه الله بعد أن أتت له ثلاثمائة سنة. ثم قال من بعده متوشلح بعبادة الله تعالى وطاعته، وكان لما اتت عليه مائة وسبعون وثمانون سنة ولد له لمك، وتوفى متوشلح في احدى وعشرين من أيلول يوم الخميس، وكانت حياته تسعمائة وستين سنة. (قلت: وفى المحبر: تسعا وستين، وقال ابن الكلبى: ألفا ومائة وسبعين انتهى) فقام لمك بعد أبيه بعبادة الله وطاعته، وكان قد ولد له بعد أن أتت عليه مائة واثنتان وثمانون سنة، وتوفى لمك لسبع عشرة ليلة خلت من آذار يوم الاحد على تسع ساعات من النهار، وكانت حياته سبعمائة و سبعا وسبعين سنة. انتهى. وفى اثبات الوصية: اسم لمك ارفخشد. وفصل ترجمتهم اليعقوبي في التاريخ والمسعودي في اثبات الوصية، وفيهما فوائد كثيرة تركناها رعاية لعدم الاكثار والملال فمن شاء فليراجعهما. (4) كامل التواريخ ج 1: 22. م [ * ]

[ 282 ]

ثم قال: والحكماء اليونانيون يسمونه هرمس الحكيم، فعاش يرد بعد مولد إدريس ثمانمائة سنة، وولد له بنون وبنات فكان عمره تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة، وتوفي آدم عليه السلام بعد أن مضى من عمر إدريس ثلاثمائة سنة وثمان وستون. قال: وفي التوراه: أن الله رفع إدريس بعد ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة من عمره، وبعد أن مضى من عمر أبيه خمسمائة سنة وسبع وعشرون سنة، فعاش أبوه بعد ارتفاعه أربعمائة وخمسا " وثلاثين سنة، تمام تسعمائة واثنتين وستين سنة. (1) ثم قال: ولد لخنوخ متوشلخ فعاش بعد ما ولد متوشلخ ثلاثمائة سنة، ثم رفع واستخلفه خنوخ على أمر ولده فعاش تسعمائة سنه وتسع عشرة سنة، (2) ثم مات وأوصى إلى ابنه لمك وهو أبو نوح عليه السلام. (3) وقال السيد ابن طاوس في كتاب سعد السعود: وجدت في صحف إدريس عليه السلام: فكأنك بالموت قد نزل، فاشتد أنينك، وعرق جبينك، وتقلصت شفتاك، وانكسر لسانك، ويبس ريقك، وعلا سواد عينيك بياض، وأزبد فوك، واهتز جميع بدنك، وعالجت غصة الموت وسكرته ومرارته وزعقته، (4) ونوديت فلم تسمع، ثم خرجت نفسك وصرت جيفة بين أهلك، إن فيك لعبرة لغيرك، فاعتبر في معاني الموت، إن الذى نزل نازل بك لا محالة، وكل عمر وإن طال فعن قليل يفنى، (5) لأن كل ما هو آت قريب لوقت معلوم، فاعتبر بالموت يامن يموت، (6) واعلم أيها الإنسان أن أشد الموت ما قبله، والموت أهون مما بعده من شدة أهوال يوم القيامة، ثم ذكر من أحوال الصيحة والفناء ويوم القيامة ومواقف الحساب والجزاء ما يعجز (7) عن سماعه قوة الأقوياء. (8)


(1) كامل التواريخ 1: 24. م (2) في المصدر: تسعمائة سنة وسبع وعشرين سنة. م (3) كامل التواريخ 1: 25. م (4) تقلص: انضم وانزوى. أزبد الفم: أخرج الزبد وقذف به. والزبد: ما يعلو الماء و نحوه من الرغوة. الزعقة: الصيحة. (5) في المصدر: وإن طال العمر فعن قليل يفنى. م (6) في المصدر: بالموت يا ابن آدم. م (7) في المصدر: الحساب والخوف ما يعجز اه‍. م (8) سعد السعود: 38. م [ * ]

[ 283 ]

11 - اقول: ثم نقل السيد عن الصحف ما يخاطب الله نبينا صلى الله عليه وآله يوم القيامة، وسيأتي في باب البشائر من كتاب أحواله صلى الله عليه وآله. ثم قال رحمه الله: وجدت في كتاب مفرد في وقف المشهد المسمى بالطاهر بالكوفة عليه مكتوب سنن إدريس عليه السلام وهو بخط عيسى نقله من السرياني إلى العربي عن إبراهيم ابن هلال الصابئ الكاتب وكان فيه: اعلموا واستيقنوا أن تقوى الله هي الحكمة الكبرى، والنعمة العظمى، والسبب الداعي إلى الخير، والفاتح لأبواب الخير والفهم والعقل، لأن الله لما أحب عباده وهب لهم العقل واختص أنبياءه وأولياءه بروح القدس، فكشفوا لهم عن سرائر الديانة وحقائق الحكمة لينتهوا عن الضلال ويتبعوا الرشاد، ليتقرر في نفوسهم أن الله أعظم من أن تحيط به الأفكار، أو تدركه الأبصار، أو تحصله الأوهام، أو تحده الأحوال وأنه المحيط بكل شئ والمدبر له كما شاء، لا يتعقب أفعاله، ولا تدرك غاياته، ولا يقع عليه تحديد ولا تحصيل ولا مشار ولا اعتبار ولا فطن ولا تفسير ولا تنتهي استطاعة المخلوقين إلى معرفة ذاته ولا علم كنهه. وفي موضع آخر من الكتاب المذكور: ادعوا الله في أكثر أوقاتكم متعاضدين متألهين في دعائكم فإنه إن يعلم منكم التظافر والتوازر يجب دعاءكم ويقض حاجاتكم، ويبلغكم آمالكم، ويفض عطاياه عليكم من خزائنه التي لا تفنى. وفي موضع آخر: إذا دخلتم في الصيام فطهروا نفوسكم من كل دنس ونجس، و صوموا لله بقلوب خالصة صافية منزهة عن الأفكار السيئة والهواجس المنكرة، فإن الله سيحبس القلوب اللطخة والنيات المدخولة (1) ومع صيام أفواهكم من المآكل فلتصم جوارحكم من المآثم، فإن الله لا يرضى منكم أن تصوموا من المطاعم فقط، لكن من المناكير كلها والفواحش بأسرها، وإذا دخلتم في الصلاة فاصرفوا لها خواطركم وأفكاركم، وادعوا الله دعاء طاهرا " متفرغا "، وسلوه مصالحكم ومنافعكم بخضوع وخشوع وطاعة واستكانة، وإذا بركتم (2) وسجدتم فأبعدوا عن نفوسكم أفكار الدنيا وهواجس السوء (3) وأفعال


(1) أي والنيات التى دخلتها الفساد من الرياء والعجب وغيرهما. (2) برك البعير: استناخ وهو أن يلصق صدره بالارض. (3) الهواجس جمع الهاجس: ما وقع في خلدك. [ * ]

[ 284 ]

الشر واعتقاد المكر والمآكل السحت والعدوان والأحقاد واطرحوا بينكم ذلك كله. وقال في موضع آخر: أدوا فرائض صلوات كل يوم وهي ثلاث: الغداة وعددها ثمان سور، وكل سورتين ثلاث سجدات بثلاث تسبيحات، وعند انتصاف النهار خمس سور، وعند غروب الشمس خمس سور بسجودهن، هذه المكتوبة عليكم ومن زاد عليها متنفلا " فله على الله المزيد في الثواب. (1) 12 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن أبي داود، عن عبد الله بن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مسجد السهلة موضع بيت إدريس النبي عليه السلام الذي كان يخيط فيه. (2) 13 - كا: محمد بن يحيى، عن عمرو بن عثمان، عن حسين بن بكر، عن عبد الرحمن بن سعيد عنه عليه السلام مثله. (3)


(1) سعد السعود ص 39 - 40. م (2 و 3) فروع الكافي 1: 139. م [ * ]

[ 285 ]

* (ابواب قصص نوح على نبينا وآله وعليه السلام) * * (باب 1) * * (مدة عمره وولادته ووفاته وعلل تسميته ونقش خاتمه) * * (وجمل أحواله عليه السلام) * 1 - ن، لي: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن علي الكوفي، عن الحسن ابن علي بن أبي العقبة (العقب خ) عن الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السلام قال: إن نوحا " عليه السلام لما ركب السفينة أوحى الله عزوجل إليه: يا نوح إن خفت الغرق فهللني ألفا " ثم سلني النجاة انجك من الغرق ومن آمن معك، قال: فلما استوى نوح ومن معه في السفينة ورفع القلس (1) عصفت الريح عليهم فلم يأمن نوح الغرق فأعجلته الريح فلم يدرك أن يهلل ألف مرة، فقال بالسريانية: " هلوليا ألفا " ألفا " ياماريا أتقن " قال: فاستوى القلس واستمرت السفينة، فقال نوح عليه السلام: إن كلاما " نجاني الله به من الغرق لحقيق أن لا يفارقني، قال: فنقش في خاتمه " لا إله إلا الله - ألف مرة - يا رب أصلحني " الخبر. (2) ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن عبد الله بن أحمد، عن محمد بن علي الصيرفي عن الحسين بن خالد مثله. (3) 2 - لى: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: عاش نوح عليه السلام ألفي سنة وخمسائة سنة، منها ثمانمائة سنة وخمسون سنة قبل أن يبعث، وألف سنة إلا خمسين عاما " وهو في قومه يدعوهم ومائتا عام في عمل السفينة، وخمسمائة عام بعد ما نزل من السفينة ونضب الماء فمصر الأمصار (4)


(1) القلس: حبل للسفينة ضخم. م (2) العيون: 217، امالي الصدوق: 274. م (3) الخصال ج 1: 162. م (4) نضب الماء: غار في الارض. مصروا المكان: جعلوه مصرا ". [ * ]

[ 286 ]

وأسكن ولده البلدان، ثم إن ملك الموت جاءه وهو في الشمس فقال: السلام عليك، فرد عليه نوح عليه السلام وقال له: ما حاجتك (1) يا ملك الموت ؟ فقال: جئت لإقبض روحك، فقال له: تدعني أدخل من الشمس إلى الظل ؟ (2) فقال له: نعم، فتحول نوح عليه السلام ثم قال: يا ملك الموت فكان ما مر بي في الدنيا مثل تحولي من الشمس إلى الظل، فامض لما امرت به، قال: فقبض روحه عليه السلام. (3) ص: بالإسناد إلى الصدوق عن أبيه، عن سعد، عن ابن هاشم، عن علي بن الحكم، عن بعض أصحابنا عنه عليه السلام مثله. (4) ك: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم مثله. (5) أقول: قال الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان: روى علي بن إبراهيم بن هاشم، عن علي ابن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، وذكر مثله. (6) 3 - ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن اسم نوح عليه السلام ما كان ؟ فقال: اسمه السكن، وإنما سمي نوحا " لأنه ناح على قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ". (7) 4 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن علي بن مهزيار، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان اسم نوح عليه السلام عبد الغفار، وإنما سمي نوحا " لأنه كان ينوح على نفسه. (8) فس: مرسلا " مثله. (9) 5 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن سعيد بن


(1) في نسخة: ما جاء بك. (2) في نسخة: تدعني اتحول من الشمس إلى الظل ؟ (3) امالي الصدوق: 306. م (4) مخطوط. م (5) كمال الدين: 288. وفيه: " ما جاءك " " ادخل من الشمس " " ما مر بى من الدنيا ". م (6) مجمع البيان 4: 435. م (7) علل الشرائع: 198، العيون: 135. وفيه: فقال: كان اه‍. م (8) علل الشرائع: 21. م (9) تفسير القمى: 304. م [ * ]

[ 287 ]

جناح، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان اسم نوح عبد الملك، وإنما سمي نوحا " لأنه بكى خمس مائة سنة. (1) 6 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عمن ذكره، عن سعيد ابن جناح، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان اسم نوح عبد الأعلى، وإنما سمي نوحا " لأنه بكى خمسمائة عام. قال الصدوق رحمه الله: الأخبار في اسم نوح كلها متفقة غير مختلفة، تثبت له التسمية بالعبودية وهو عبد الغفار والملك والأعلى. (2) 7 - مع: معنى نوح أنه كان ينوح على نفسه، وبكى خمسمائة عام، ونحى نفسه عما كان فيه قومه من الضلالة. (3) 8 - ص: كان نوحا ابن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ وهو إدريس بن برد (4) بن مهلائيل ابن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليهم السلام. (5) 9 - ص: بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب قال: إن نوحا " على السلام كان نجارا "، وكان إلى الادمة ما هو، دقيق الوجه، في رأسه طول، عظيم العينين، دقيق الساقين، كثيرا لحم الفخذين، ضخم السرة، طويل اللحية، عريضا " طويلا " جسيما "، وكان في غضبه وانتهاره شدة، فبعثه الله وهو ابن ثمانمائة وخمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " يدعوهم إلى الله تعالى، فلا يزدادون إلا طغيانا "، ومضى ثلاثة قرون من قومه، وكان الرجل منهم يأتي بابنه هو صغير فيقفه على رأس نوح عليه السلام فيقول: يا بني إن بقيت بعدي فلا تطيعن هذا المجنون. (6) بيان: إلى الادمة ما هو أي كان مائلا " إلى الادمة وما هو بآدم. 10 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن علي بن أحمد، عن الأسدي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني قال: سمعت علي بن محمد العسكري عليه السلام يقول: عاش نوح عليه السلام


(1 و 2) علل الشرائع: ص 21. م (3) معاني الاخبار: 18. م (4) الصواب: يرد بالياء. (5 و 6) مخطوط. م [ * ]

[ 288 ]

ألفين وخمسمائة سنة، وكان يوما " في السفينة نائما " فهبت ريح فكشفت عورته، فضحك حام ويافث فزجرهما سام ونهاهما عن الضحك، فانتبه نوح عليه السلام وقال لهما: جعل الله عزوجل ذريتكما خولا " (1) لذرية سام إلى يوم القيامة، لأنه بربي وعققتماني، فلا زالت سمة عقوقكما في ذريتكما ظاهرة، وسمة البرفي ذرية سام ظاهرة ما بقيت الدنيا فجميع السودان حيث كانوا من ولد حام، وجميع الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج والصين من يافث حيث كانوا، وجميع البيض سواهم من ولد سام. وأوحى الله تعالى إلى نوح عليه السلام: إني قد جعلت قوسي أمانا " لعبادي وبلادي وموثقا " مني بيني وبين خلقي يأمنون به إلى يوم القيامة من الغرق ومن أوفى بعهده مني ! ففرح نوح عليه السلام وتباشر، وكان القوس فيها وتروسهم، فنزع منها السهم والوتر وجعلت أمانا " من الغرق، وجاء إبليس إلى نوح عليه السلام فقال: إن لك عندي يدا " عظيمة فانتصحني فإني لا أخونك، فتأثم نوح عليه السلام بكلامه ومساءلته، فأوحى الله إليه أن كلمه وسله فإني سانطقه بحجة عليه، فقال نوح عليه السلام: تكلم، فقال إبليس إذا وجدنا ابن آدم شحيحا " أو حريصا " أو حسودا " أو جبارا " أو عجولا " تلقفناه (2) تلقف الكرة فإن اجتمعت لنا هذه الأخلاق سميناه شيطانا " مريدا "، فقال نوح ما اليد العظيمة التي صنعت ؟ قال: إنك دعوت الله على أهل الأرض فألحقتهم في ساعة بالنار فصرت فارغا "، ولو لا دعوتك لشغلت بهم دهرا " طويلا ". (3) 11 - ك: ماجيلويه وابن المتوكل والعطار جميعا " عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو معا، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عاش نوح عليه السلام بعد النزول من السفينة خمسين سنة، ثم أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا نوح إنه قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك فانظر الأسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة التي معك فادفعها إلى ابنك سام فإني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم يعرف به طاعتي، ويكون نجاة فيما بين قبض


(1) الخول بالتحريك: العبيد والاماء. (2) تلقف الشئ: تناوله بسرعة. (3) مخطوط. م [ * ]

[ 289 ]

النبي وبعث النبي الآخر، ولم أكن أترك الناس (1) بغير حجة وداع إلي وهاد إلى سبيلي و عارف بأمري، فإني قد قضيت أن أجعل لكل قوم هاديا " أهدي به السعداء، ويكون حجة على الأشقياء، قال: فدفع نوح عليه السلام الاسم الإكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة إلى ابنه سام، فأما حام ويافث فلم يكن عندهما علم ينتفعان به، قال: وبشرهم نوح بهود عليه السلام وأمرهم باتباعه وأمرهم أن يفتحوا (2) الوصية كل عام فينظروا فيها فيكون ذلك عيدا " لهم كما أمرهم آدم عليه السلام، قال: وطهرت الجبرية في ولد حام (3) ويافث، واستخفى ولد سام بما عندهم من العلم وجرت على سام بعد نوح الدولة لحام ويافث وهو قوله الله عزوجل: " وتركنا عليه في الآخرين " يقول: تركت على نوح دولة الجبارين، ويعزي الله محمد صلى الله عليه وآله بذلك، وولد الحام السند والهند والحبش، وولد السام العرب والعجم، وجرت عليهم الدولة، وكانوا يتوارثون الوصية عالم بعد عالم حتى بعث الله عزوجل هودا ". (4) أقول: ذكر في ص بهذا الإسناد إلى قوله: " كما أمرهم آدم عليه السلام " إلا أن فيه خمسمائة سنة بدل خمسين سنة، وهو الصواب كما يدل عليه ما مر من الأخبار، ورواه في الكافي أيضا " عن محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، وفيه أيضا ": خمسمائة سنة. (5) 12 - ك: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن سعيد بن جناح، عن أيوب بن راشد، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت أعمار قوم نوح ثلاثمائة سنة، ثلاثمائة سنة. (6) 13 - ك: أبي، عن أحمد بن إدريس ومحمد العطار معا " عن الأشعري، عن محمد بن


(1) في نسخة: ولن أكن أترك الأرض. (2) في المصدر: ان يقيموا. م (3) في المصدر: من ولد حام. م (4) كمال الدين: 80 - 81. م (5) الروضة: 285. م (6) كمال الدين: 289. ولم يتكرر فيه " ثلاثمائة سنة ". م [ * ]

[ 290 ]

يوسف، عن الصادق، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: عاش نوح ألفي سنة (1) وأربعمائة و خمسين سنة. (2) بيان: اعلم أن أرباب السير اختلفوا في عمره عليه السلام فقيل كان ألف سنة، وقيل: كان ألفا وأربعمائة وخمسين سنة، وقيل: كان ألفا " وأربعمائة وسبعين سنة، وقيل: ألفا " وثلاثمائة سنة، وأخبارنا المعتبرة تدل على أنه عاش ألفين وخمسمائة سنة (3) وهذا الخبر لا يعتمد عليه لمخالفته لأقوال الفريقين وأخبارهم، ولعله لم يحسب فيه بعض زمن حياته عليه السلام لعلة كالزمان السابق على البعثة، أو رمان عمل السفينة، أو أواخر عمره عليه السلام. * (باب 2) * * (مكارم أخلاقه وما جرى بينه وبين ابليس وأحوال أولاده) * * (وما اوحى إليه وصدر عنه من الحكم والادعية وغيرها) * الايات، الاسراء " 15 " ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا " 3. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " إنه كان عبدا " شكورا " " معناه أن نوحا " كان عبد الله كثير الشكر، وكان إذا لبس ثوبا " أو أكل طعاما " أو شرب ماء شكر الله تعالى وقال: الحمد لله: وقيل: إنه كان يقول في ابتداء الأكل والشرب: بسم الله، وفي انتهائه: الحمد لله. وروي عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام أن نوحا " كان إذا أصبح وأمسى قال: " اللهم إني اشهدك أن ما أصبح أو أمسى بي من نعمة في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر بها علي حتى ترضى وبعد الرضى " فهذا كان شكره. (4)


(1) في هامش المطبوع وفى بعض النسخ: " ألف سنة " فيكون محمولا على التقية لموافقته لبعض مذاهبهم. منه دام ظله العالي. قلت: ولعله الحديث الذى اشار المسعودي إليه في اثبات الوصية بقوله: روى الف وأربعمائة وخمسين سنة. (2) كمال الدين: 289. م (3) قال المسعودي في اثبات الوصية: 17: وقبض وكان فيما روى ألف وأربعمائة وخمسين سنة. وفى خبر آخر: إنه كان سنه حين بعث ثمانمائة وخمسين سنة، ولبث في قومه تسعمائة و خمسين سنة، وعاش بعد خروجه من السفينة خمسمائة سنة فكان عمره ألفى سنة وثلاثمائة سنة: وروى أيضا " انه عاش الفى وثمانمائة سنة. (4) مجمع البيان 6: 396. م [ * ]

[ 291 ]

1 - ن: بالأسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه، عن علي بن الحسين عليهم السلام قال: أخذ الناس ثلاثة من ثلاثة: أخذوا الصبر عن أيوب، والشكر عن نوح، والحسد عن بني يعقوب. (1) 2 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن نوحا " إنما سمي عبدا " شكورا " لإنه كان يقول إذا أصبح وأمسى: اللهم إني أشهد (2) أنه ما أمسى وأصبح بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد والشكر بها علي حتى ترضى إلهنا. (3) 3 - فس: أبي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان نوح إذا أمسى وأصبح يقول: " أمسيت أشهد أنه ما أمسى بي من نعمة في دين أو دنيا فإنها من الله وحده لا شريك له، له الحمد بها علي والشكر كثيرا " " فأنزل الله: " إنه كان عبدا " شكورا " " فهذا كان شكره. (4) 4 - ع: الدقاق، عن الأسدي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني قال: سمعت علي بن محمد العسكري عليهما السلام يقول: عاش نوح عليه السلام ألفين وخمسمائة سنة، وكان يوما " في السفينة نائما " فهبت ريح فشكفت عورته فضحك حام ويافث فزجرهما سام ونهاهما عن الضحك، وكان كلما عطى سام شيئا " تكشفه الريح كشفه حام ويافث، فانتبه نوح عليه السلام فرآهم وهم يضحكون، فقال: ما هذا ؟ فأخبره سام بما كان، فرفع نوح عليه السلام يده إلى السماء يدعو ويقول: " اللهم غير ماء صلب حام حتى لا يولد له إلا السودان، اللهم غير ماء صلب يافث " فغير الله ماء صلبيهما، فجميع السودان حيث كانوا من حام، وجميع الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج والصين من يافث حيث كانوا، وجميع البيض سواهم من سام، وقال نوح عليه السلام لحام ويافث: جعل ذريتكما خولا " لذرية سام إلى يوم القيامة، لأنه


(1) عيون الاخبار: 209. م (2) في نسخة: اشهدك، وفيها: ولك الشكر بها. (3) علل الشرائع: 21. م (4) تفسير القمى 337. وفيه: له الحمد على بها كثيرا والشكر كثيرا ". م [ * ]

[ 292 ]

بربي وعققتماني، فلا زالت سمة عقوقكما لي في ذريتكما ظاهرة، وسمة البربي في ذرية سام ظاهرة ما بقيت الدينا. (1) بيان: خولا " أي خدما " ومماليك. أقول: روى الشيخ الطبرسي رحمه الله هذا الخبر من كتاب النبوة بهذا الإسناد، ثم قال: قال الشيخ أبو جعفر بن بابويه رحمه الله: ذكر يافث في هذا الخبر غريب لم أروه إلا من هذا الطريق، وجميع الأخبار التي رويتها في هذا المعنى فيها ذكر حام وحده، و إنه ضحك لما انكشف عورة أبيه وإن ساما " ويافثا " كانا في ناحية فبلغهما ما صنع فأقبلا و معهما ثوب وهما معرضان وألقيا عليه الثواب وهو نائم، فلما استيقظ أوحى الله عزوجل إليه ما صنع حام فلعن حام ودعا عليه. (2) 5 ع: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن مرار، عن يونس، عن العلاء، عن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبي يقول: إن نوح " ا عليه السلام حين امر بالغرس كان إبليس إلى جانبه، فلما أراد أن يغرس العنب قال: هذه الشجرة لي، فقال له نوح عليه السلام: كذبت، فقال إبليس: فمالي منها ؟ فقال نوح عليه السلام: لك الثلثان، فمن هناك طاب الطلاء على الثلث. (3) 6 - ع: بالإسناد إلى وهب قال: لما خرج نوح عليه السلام من السفينة غرس قضبانا " كانت معه في السفينة من النخل والأعناب وسائر الثمار فأطعمت من ساعتها وكانت معه حبلة العنب (4) وكانت آخر شئ أخرج حبلة العنب فلم يجدها نوح عليه السلام، وكان إبليس قد أخذها فخبأها، فنهض نوح عليه السلام ليدخل السفينة فيلتمسها فقال له الملك الذي معه: اجلس يا نبي الله ستؤتى بها، فجلس نوح عليه السلام فقال له الملك: إن لك فيها شريكا " في عصيرها فأحسن مشاركته، قال: نعم له السبع ولي ستة أسباع، قال له الملك: أحسن


(1) علل الشرائع: 22. م (2) مجمع البيان 4: 435. م (3) علل الشرائع: 163. والطلاء ككساء: ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، وقد يكنى به عن الخمر. (4) حبلة العنب: شجر العنب أو قضبانه. [ * ]

[ 293 ]

فأنت محسن، قال نوح عليه السلام: له السدس ولي خمسة أسداس، قال له الملك: أحسن فأنت محسن، قال نوح عليه السلام: له الخمس ولي الأربعة الأخماس، قال له الملك: أحسن فأنت محسن، قال نوح عليه السلام: له الربع ولي ثلاثة أرباع، قال له الملك: أحسن فأنت محسن، قال: فله النصف ولي النصف ولي التصرف، قال له الملك: أحسن فأنت محسن، قال عليه السلام: لي الثلث وله الثلثان فرضي، فما كان فوق الثلث من طبخها فلإبليس وهو حظه، وما كان من الثلث فما دونه فهو لنوح عليه السلام وهو حظه وذلك الحلال الطيب ليشرب منه. (1) 7 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن محمد بن شاذان، عن أحمد بن عثمان، عن محمد بن محمد بن الحارث، عن صالح بن سعيد، عن عبدالهيثم، عن المسيب، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنه (2) قال: قال إبليس لنوح عليه السلام: لك عندي يد ساعلمك خصالا "، قال نوح: وما يدي عندك ؟ قال: دعوتك على قومك حتى أهلكهم الله جميعا "، فإياك والكبر، وإياك والحرص، وإياك والحسد، فإن الكبر هو الذي حملني على أن تركت السجود لآدم فأكفرني وجعلني شيطانا " رجيما "، وإياك والحرص فإن آدم ابيح له الجنة ونهي عن شجرة واحدة فحمله الحرص على أن أكل منها، وإياك والحسد فإن ابن آدم حسد أخاه فقتله، فقال نوح: فأخبرني متى تكون أقدر على ابن آدم ؟ قال: عند الغضب. (3) 8 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما هبط نوح عليه السلام من السفينة غرس غرسا " فكان فيما غرس النخلة (4) ثم رجع إلى أهله فجاء إبليس لعنه الله فقلعها، ثم إن نوحا " عليه السلام عاد إلى غرسه فوجده على حاله ووجد النخلة قد قلعت ووجد إبليس عندها فأتاه جبرئيل عليه السلام فأخبره أن إبليس لعنه الله قلعها، فقال نوح عليه السلام لإبليس لعنه الله: ما دعاك إلى قلعها فوالله ما غرست غرسا " أحب إلي منها، ووالله لا أدعها حتى أغرسها، وقال إبليس لعنه الله: وأنا والله لا أدعها حتى


(1) علل الشرائع: 163. م (2) اسناد الحديث عامى. (3) مخطوط. م (4) في المصدر: " الجبلة " في الموضعين. م [ * ]

[ 294 ]

أقلعها، فقال له: اجعل لي منها نصيبا "، قال: فجعل له منها الثلث، فأبى أن يرضى فجعل له النصف فأبى أن يرضى وأبى نوح عليه السلام أن يزيده، فقال جبرئيل عليه السلام لنوح: يا رسول الله أحسن فإن منك الأحسان، فعلم نوح عليه السلام أنه قد جعل الله له عليها سلطانا فجعل نوح له الثلثين، فقال أبو جعفر عليه السلام: فإذا أخذت عصيرا " فاطبخه حتى يذهبا الثلثان نصيب الشيطان (1) فكل واشرب حينئذ. (2) 9 - كا: أبو علي الأشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن عثمان بن عيسى، عن سعيد بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن إبليس نازع نوحا " في الكرم فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إن له حقا " فأعطه فأعطاه الثلث فلم يرض إبليس، ثم أعطاه النصف فلم يرض، فطرح جبرئيل نارا " فأحرقت الثلثين وبقي الثلث، فقال: ما أحرقت النار فهو نصيبه، وما بقي فهو لك يا نوح. (3) * (باب 3) * * (بعثته عليه السلام على قومه وقصة الطوفان) * الايات، الاعراف " 7 " لقد أرسلنا نوحا " إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قال الملأ من قومه إنا لنريك في ضلال مبين * قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين * ابلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون * أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون * فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما " عمين 59 - 64. يونس " 10 " واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون * فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وامرت


(1) في المصدر: فذاك نصيب الشيطان. م (2 و 3) فروع الكافي 2: 189. م [ * ]

[ 295 ]

أن أكون من المسلمين * فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين * ثم بعثنا من بعده رسلا " إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين 71 - 74. هود " 11 " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم * فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نريك إلا بشرا " مثلنا وما نريك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين * قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون * ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أريكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا " الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظاليمن * قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين * ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون * أم يقولون افتريه ؟ قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون * واوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * واصنع الفلك بأعيننا ووجينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل * وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ؟ ومرسيها ؟ إن ربي لغفور رحيم * وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من

[ 296 ]

رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين * وقيل يا أرض ابلعي وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا " للقوم الظالمين * ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين * قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى امم ممن معك وامم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم 25 - 48. الانبياء " 21 " ونوحا " إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين 76 - 77. المؤمنون " 23 " ولقد أرسلنا نوحا " إلى قومه فقال يا قوم اعبدو الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون * فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين * إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين * قال رب انصرني بما كذبون * فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلني منزلا " مباركا " وأنت خير المنزلين * إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين 23 - 30. الشعراء " 26 " كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله أطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * فاتقوا الله وأطيعون * قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين * قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين * قال رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحا " ونجني ومن معي من المؤمنين * فأنجيناه ومن

[ 297 ]

معه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم 105 - 132. العنكبوت " 29 " ولقد أرسلنا نوحا " إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " فأخذهم الطوفان وهم ظالمون * فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين 14 - 15. الصافات " 37 " ولقد نادينا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه وأهله من الكرب العظيم * وجعلنا ذريته هم الباقين * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ثم أغرقنا الآخرين 75 - 82. الذاريات " 51 " وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين 46. القمر " 54 " كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر * فدعا ربه أني مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الإرض عيونا " فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر * ولقد تركناها آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر 9 - 17. التحريم " 66 " ضرب الله مثلا " للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا " وقيل ادخلا النار مع الداخلين 10. الحاقة " 69 " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية * لنجعلها لكم تذكرة 11 - 12. نوح " 71 " إنا أرسلنا نوحا " إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم يؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون * قال رب إني دعوت قومي ليلا " ونهارا " * فلم يزدهم دعائي إلا فرارا * وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا * ثم إني دعوتهم جهارا " * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا 2 * يرسل السماء عليكم مدرارا " * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم

[ 298 ]

جنات ويجعل لكم أنهارا " * ما لكم لا ترجون لله وقارا " * وقد خلقكم أطوارا " * ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا " * وجعل القمر فيهن نورا " وجعل الشمس سراجا " * والله أنبتكم من الأرض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم الأرض بساطا " * لتسلكوا منها سبلا " فحاجا * قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا * ومكروا مكرا " كبارا " * وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا " ولا سواعا " ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا كثيرا " ولا تزد الظالمين إلا ضلالا " * مما خطيئاتهم اغرقوا فادخلوا نارا " فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا " * وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا " كفارا " * رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا " 1 - 28. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " لقد أرسلنا نوحا " هو نوح بن ملك (1) ابن متوشلخ بن اخنوخ وهو إدريس عليه السلام وهو أول نبي بعد إدريس عليه السلام. وقيل: إنه كان نجارا " وولد في العام الذي مات فيه آدم عليه السلام قبل موت آدم في الألف الاولى وبعث في الألف الثانية وهو ابن أربعمائة، (2) وقيل: بعث وهو ابن خمسين سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما "، وكان في تلك الألف ثلاثة قرون عايشهم وعمر فيهم وكان يدعوهم ليلا " ونهارا " فلا يزيدهم دعاؤه إلا فرارا "، وكان يضربه قومه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، ثم شكاهم إلى الله تعالى فغرقت له الدنيا وعاش بعده تسعين سنة، (3) وروي أكثر من ذلك أيضا " إني أخاف " إنما لم يقطع لأنه جوز أن يؤمنوا " قال الملأ " أي الجماعة " من قومه " أو الأشراف والرؤساء منهم " إنا لنريك " أي بالقلب أو البصر، أو من الرأي بمعنى الظن " وأعلم من الله " أي من صفاته وتوحيده وعدله وحكمته،


(1) هكذا في الكتاب ومصدره والصحيح " لمك " بتقديم اللام على الميم. (2) قال اليعقوبي: ولما كانت لنوح ثلاثمائة سنة وأربعة وأربعون سنة تم الالف الثاني. وقال المسعودي في اثبات الوصية: روى بين آدم ونوح عشرة ايام، بينهما من السنين الفى سنة ومائتي واثنا وأربعين سنة. (3) قال المسعودي في اثبات الوصية: وعاش بعد خروجه من السفينة خمسمائة سنة. قلت: قد تقدم في الباب الاول ما يوافق القولين، واستصوب المصنف هناك القول الثاني. [ * ]

[ 299 ]

أو من دينه أو من قدرته سلطانه وشدة عقابه " إن جاءكم ذكر " أي بيان أو نبوة رسالة " إنهم كانوا قوما " عمين " عن الحق، أي ذاهبين عنه جاهلين به يقال: رجل عم: إذا كان أعمى القلب ورجل أعمى في البصر. (1) في حديث وهب بن منبه (2) أن نوحا " عليه السلام كان أول نبي نبأه الله بعد إدريس، وكان إلى الادمة ما هو، دقيق الوجه في رأسه طول، عظيم العينين، دقيق الساقين، طويلا " جسيما "، دعا قومه إلى الله حتى انقرضت ثلاثة قرون منهم كل قرن ثلاث مائة سنة يدعوهم سرا " وجهرا " فلا يزدادون إلا طغيانا، ولا يأتي منهم قرن إلا كان أعتى على الله من الذين قبلهم، وكان الرجل منهم يأتي بابنه وهو صغير فيقيمه على رأس نوح فيقول: يا بني إن بقيت بعدي فلا تطيعن هذا المجنون، وكانوا يثورون إلى نوح فيضربونه حتى يسيل مسامعه دما وحتى لا يعقل شيئا مما يصنع به فيحمل فيرمى في بيت أو على باب داره مغشيا " عليه، فأوحى الله تعالى إليه " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " فعندها أقبل على الدعاء عليهم ولم يكن دعا عليهم قبل ذلك، فقال: " رب لا تذر على الأرض " إلى آخر السورة، فأعقم الله أصلاب الرجال وأرحام النساء فلبثوا أربعين سنة لا يولد لهم ولد، وقحطوا في تلك الأربعين سنة حتى هلكت أموالهم وأصابهم الجهد والبلاء، ثم قال لهم نوح: " استغفروا ربكم إنه كان غفارا " " الآيات، فأعذر إليهم وأنذر فلم يزدادوا إلا كفرا "، فلما يئس منهم أقصر عن كلامهم ودعائهم فلم يؤمنوا وقالوا: " لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا " الآية يعنون آلهتهم، حتى غرقهم الله وآلهتهم التي كان يعبدونها، فلما كان بعد خروج نوح من السفينة وعبد الناس الأصنام سموا أصنامهم بأسماء أصنام قوم نوح، فاتخذ أهل اليمن يغوث ويعوق، وأهل دومة الجندل صنما سموه ودا، واتخذت حمير صنما " سمته نسرا ". وهذيل صنما سموه سواعا "، فلم يزل يعبدنها حتى جاء الإسلام. (3)


(1) مجمع البيان 4: 433 - 434. (2) تقدم الحديث في الباب السابق مفصلا. (3) مجمع البيان 4: 435. م [ * ]

[ 300 ]

إن كان كبر عليكم مقامي " أي شق وعظم عليكم إقامتي بين أظهركم " وتذكيري بآيات الله " أي بحججه وبيناته على صحة التوحيد والعدل وبطلان ما تدينون به، وفي الكلام حذف هو قوله: وعزمتم على قتلي وطردي من بين أظهركم " فأجمعوا أمركم وشركاءكم " أي فأعزموا على أمركم مع شركائكم، واتفقوا على أمر واحد من قتلي وطردي، وهذا تهديد في صورة الأمر، وقيل: معناه: اعزموا على أمركم وادعوا شركاءكم فبين عليه السلام أنه لا يرتدع عن دعائهم وعيب آلهتهم مستعينا " بالله عليهم، واثقا " بأنه سبحانه يعصمه منهم، وقيل: أراد بالشركاء الأوثان، وقيل: من شاركهم في دينهم " ثم لا يكن أمركم عليكم غمة " أي غما " وحزنا " بأن تترددوا فيه، وقيل: معناه، ليكن أمركم ظاهرا " مكشوفا "، ولا يكون مغطى مبهما، من غممت الشئ إذا سترتة، وقيل: أي لا تأتوه من غير أن تشاوروا، و من غير أن يجتمع رأيكم عليه لأن من حاول أمرا من غير أن يعلم كيف يتأتى ذلك كان أمره غمة عليه " ثم اقضوا إلي ولا تنظرون " أي انهضوا إلى فاقتلوني إن وجدتم إليه سبيلا " ولا تمهلوني، وقيل: " اقضوا إلي " افعلوا ما تريدون وادخلوا إلي لأنه بمعنى افرغوا من جميع حيلكم، كما يقال: خرجت إليه من العهدة، وقيل: معناه: توجهوا إلي، (1) وهذا كان من معجزات نوح عليه السلام لأنه كان وحيدا " مع نفر يسير وقد أخبر بأنهم لا يقدرون على قتله وعلى أن ينزلوا به سوءا لأن الله ناصره. " فإن توليتم " أي ذهبتم عن الحق ولم تقبلوه " فما سألتكم من أجر " أي لا أطلب منكم أجرا " على ما اؤديه إليكم من الله فيثقل ذلك عليكم، أو لم يضرني لاني لم أطمع في مالكم فيفوتني ذلك بتوليكم عني وإنما يعود الضرر عليكم " وجعلناهم خلائف " أي خلفا " لمن هلك بالغرق، وقيل: إنهم كانوا ثمانين، وقيل: أي جعلناهم رؤساء في الأرض " فانظر " أيها السامع " كيف كان عاقبة المنذرين " أي المخوفين بالله وعذابه. (2) " ما نريك إلا بشرا " مثلنا " ظنا " منهم أن الرسول إنما يكون من غير جنس المرسل إليه، ولم يعلموا أن البعثة من الجنس قد يكون أصلح ومن الشبهة أبعد " بادي الرأي "


(1) وروى عن بعضهم أنه قرأ " ثم افضوا إلى " أي اسرعوا إلى من الفضاء لانه إذا صار إلى الفضاء تمكن من الاسراع وهذا كان من معجزات نوح عليه السلام الخ. م (2) مجمع البيان 5: 123 و 124. م [ * ]

[ 301 ]

أي في ظاهر الأمر والرأي لم يتدبروا ما قلت ولم يتفكروا فيه، وقيل: أي اتبعوك في الظاهر وباطنهم على خلاف ذلك " وما نرى لكم علينا من فضل " لتوهمهم أن الفضل إنما يكون بكثرة المال والشرف في النسب " على بينة من ربي " أي على برهان وحجة تشهد بصحة النبوة وهي المعجزة، أو على يقين وبصيرة من ربوبية ربي وعظمته " وآتاني رحمة " وهي هنا النبوة " فعميت عليكم " أي خفيت عليكم لقلة تدبركم فيها " أنلزمكموها " أي أتريدون أن اكرهكم على المعرفة والجئكم إليها على كره منكم، هذا غير مقدور لي " وما أنا بطارد الذين آمنوا " قيل: إنهم كانوا سألوه طردهم ليؤمنوا له أنفة من أن يكونوا معهم على سواء " إنهم ملاقوا ربهم " فيجازى من ظلمهم وطردهم، أو ملاقوا ثوابه فكيف يكونون أراذل ؟ وكيف يجوز طردهم " من ينصرني من الله " أي يمنعني من عذابه. (1) " ولا أقول لكم عندي خزائن الله " قال البيضاوي: أي خزائن رزقه وفضله حتى جحدتم فضلي " ولا أعلم الغيب " أي ولا أقول: أنا أعلم الغيب حتى تكذبوني استبعادا وحتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب " ولا أقول إني ملك " حتى تقولوا: ما أنت إلا بشر مثلنا " ولا أقول للذين تزدري أعينكم " ولا أقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم " لن يؤتيهم الله خيرا " " فإن ما أعد الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا " إني إذا لمن الظالمين " إن قلت شيئا " من ذلك، والأزدراء افتعال من زرأه: إذا عابه، وإسناده إلى الأعين للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم بما عاينوا من رثاثة حالهم دون تأمل في كمالاتهم " قد جادلتنا " خاصمتنا " فأكثرت جدالنا " فأطلته أو أتيت بأنواعه " فأتنا بما تعدنا " من العذاب " إن كنت من الصادقين " في الدعوى والوعيد فإن مناظرتك لا تؤثر فينا " إنما يأتيكم به الله إن شاء " عاجلا " وآجلا " " وما أنتم بمعجزين " بدفع العذاب أو الهرب منه " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم " شرط ودليل جواب والجملة دليل جواب قوله: " إن كان الله يريد أن يغويكم " وتقرير الكلام: إن كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم ينفعكم نصحي. (2)


(1) مجمع البيان 5: 155 - 158. م (2) انوار التنزيل 1: 219. م [ * ]

[ 302 ]

وقال الطبرسي قدس سره: ذكر في تأويله وجوه: أحدها: إن أراد الله أن يخيبكم من رحمته بأن يحرمكم من ثوابه ويعاقبكم لكفركم به فلا ينفعكم نصحي، وقد سمى الله العقاب غيا " بقوله: " فسوف يلقون غيا " " (1) ولما خيب الله قوم نوح من رحمته وأعلم نوحا بذلك في قوله: " لن يؤمن من قومك " قال لهم: " لا ينفعكم نصحي " مع إيثاركم ما يوجب خيبتكم والعذاب الذي جره إليكم قبيح أفعالكم. وثانيها: أن المعنى: إن كان الله يرد عقوبة إغوائكم الخلق، ومن عادة العرب أن يسمي العقوبة باسم الشئ المعاقب عليه كما في قوله سبحانه: " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (2) وأمثاله. وثالثها: أن معناه: إن كان الله يريد يهلككم فلا ينفعكم نصحي عند نزول العذاب بكم وإن قبلتم قولي وآمنتم لأن الله حكم بأن لا يقبل الإيمان عند نزول العذاب، وقد حكي عن العرب أنهم قالوا: أغويت فلانا " بمعنى أهلكته. ورابعها: أن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله يضل عباده، فقال لهم نوح على وجه. التعجب والإنكار: " أم يقولون افتريه " قيل: يعني بذلك محمدا " صلى الله عليه وآله يقول الكفار: افترى محمد (صلى الله عليه وآله) ما أخبر به من نبأ نوح " فعلي إجرامي " أي عقوبة جرمي " وأنا برئ مما تجرمون " أي لا اؤاخذ بجرمكم. وقيل: يعني به نوحا " عليه السلام. (3) " فلا تبتئس " أي لا تغتم ولا تحزن " بأعيننا " أي بمرأى منا، والتأويل: بحفظنا إياك حفظ الرائي لغيره إذا كان يدفع الضرر عنه، وقيل: بأعين الملائكة الموكلين، وإنما أضاف إلى نفسه إكراما " لهم " ووحينا " أي وعلى ما أوحينا إليك من صفتها وحالها " ولا تخاطبني " أي لا تسألني العفو عن هؤلاء ولا تشفع لهم فإنهم مغرقون عن قريب، وقيل: إنه عنى به امرأته وابنه " ويصنع الفلك " أي وجعل نوح يصنع الفلك كما أمره الله، وقيل: أخذ نوح في صنعة السفينة بيده فجعل ينحتها ويسويها وأعرض عن قومه " كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه " أي كلما اجتاز به جماعة من أشراف قومه يهزءوا من فعله، قيل:


(1) مريم: 59. (2) الشورى: 40. (3) مجمع البيان 5: 157 - 158. م [ * ]

[ 303 ]

إنهم كانوا يقولون له: يا نوح صرت نجارا " بعد النبوة على طريق الاستهزاء، وقيل: إنما كانوا يسخرون من عمل السفينة لأنه كان يعملها في البر على صفة من الطول والعرض ولا ماء هناك يحمل مثلها فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عملة " إن تسخروا منا " أي إن تستجهلونا في هذا الفعل فإنا نستجهلكم عند نزول العذاب بكم كما تستجهلونا، أو نجازيكم على سخريتكم عند الغرق، وأراد به تعذيب الله إياهم " فسوف تعلمون " أينا أحق بالسخرية، أو عاقبة سخريتكم " من يأتيه عذاب يخزيه " ابتداء كلام، و الأظهر أنه متصل بما قبله، أي فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يهينه ويفضحه في الدنيا " ويحل عليه عذاب مقيم " أي دائم في الآخرة، قال الحسن: كان طول السفينة ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وقال قتادة: كان طولها ثلاث مائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا "، وارتفاعها ثلاثين ذراعا "، وبابها في عرضها، وقال ابن عباس: كانت ثلاث طبقات: طبقة للناس، وطبقة للانعام، وطبقة للهوام والوحش، وجعل أسفلها الوحوش والسباع والهوام، وأوسطها للدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، وكانت من خشب الساج. (1) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لما فار التنور وكثر الماء في السكك خشيت ام صبي عليه وكانت تحبه حبا " شديدا " فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء عرجت به حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء عرجت به حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحدا " لرحم ام الصبي. وروى علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أراد الله هلاك قوم نوح عليه السلام عقم أرحام النساء أربعين سنة فلم يولد لهم مولود، فلما فرغ نوح من اتخاذ السفينة أمره الله تعالى أن ينادي بالسريانية أن يجتمع إليه جميع الحيوان، فلم يبق حيوان إلا وقد حضر فأدخل من كل جنس من أحناس الحيوان زوجين ما خلا الفأرة والسنور، وإنهم لما شكوا إليه سرقين الدواب والقذر دعا بالخنزير فمسح جبينه فعطس فسقط من أنفه زوج فأرة فتناسل، فلما كثروا وشكوا إليه منهم


(1) الساج: شجر عظيم صلب الخشب لا تكاد الارض تبليه، تنبت ببلاد الهند. [ * ]

[ 304 ]

دعا عليه السلام بالأسد فمسح جبينه فعطس فسقط من أنفه زوج سنور. وكان الذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا ". وفي حديث آخر: إنهم شكوا إليه العذرة فأمر الفيل فعطس فسقط الخنزير. (1) " حتى إذا أمرنا " أي فذلك حاله وحالهم حتى إذا جاء قضاؤنا بنزول العذاب " وفار التنور " بالماء أي ارتفع الماء بشدة اندفاع " قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين " أي من كل جنس من الحيوان زوجين أي ذكر وانثى " وأهلك " أي واحمل أهلك وولدك " إلا من سبق عليه القول " أي من سبق الوعد بإهلاكه والأخبار بأنه لا يؤمن وهي امرأته الخائنة، واسمها واغلة، وابنه كنعان " ومن آمن " أي واحمل فيها من آمن بالله من غير أهلك " وما آمن معه إلا قليل " أي إلا نفر قليل، وكان فيمن أدخل السفينة بنوه الثلاثة سام وحام ويافث، وثلاث كنائن له، (2) فالعرب والروم وفارس وأصناف العجم ولد سام، والسودان من الحبش والزنج وغيرهم ولد حام، والترك والصين والصقالبة ويأجوج ومأحوج ولد يافث " بسم الله مجراها ومرساها " أي متبركين باسم الله، أو قائلين: بسم الله وقت إجرائها وإرسائها، أي إثباتها وحبسها، وقيل: بسم الله إجراؤها وإرساؤها. وقال الضحاك: كانوا إذا أرادوا أن تجري السفينة قالوا: " بسم الله مجراها " فجرت وإذا أرادوا أن تقف السفينة قالوا: " بسم الله مرساها " فوقفت " في موج كالجبال " دل تشبيهها بالجبال على أن ذلك لم يكن موجا " واحدا " بل كان كثيرا "، وروي عن الحسن أن الماء ارتفع فوق كل شئ وفوق كل جبل ثلاثين ذراعا "، وقال غيره: وخمس عشر ذراعا "، وروى أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام أن نوحا " ركب السفينة في أول يوم من رجب فصام، وأمر من معه أن يصوموا ذلك اليوم " ونادى نوح ابنه " واسمه كنعان، وقيل: يام " وكان في معزل " أي في قطعة من الأرض غير القطعة التي كان نوح فيها حين ناداه، أو كان في ناحية من دين أبيه، وكان نوح عليه السلام يظن أنه مسلم فلذلك دعاه، وقيل: كان في معزل من السفينة " يا بني اركب معنا " قال الحسن: كان ينافق أباه فلذلك دعاه، وقال مسلم: (3)


(1) مجمع البيان 5: 159 و 160. م (2) الكنائن جمع الكن بالفتح وهى امرأة الابن، منه رحمه الله. (3) في المصدر: " ابو مسلم " وهو الصحيح. م [ * ]

[ 305 ]

دعاه بشرط الإيمان " لا عاصم اليوم من أمر الله " أي من عذابه " إلا من رحم " أي رحمه الله بإيمانه، فآمن بالله يرحمك الله " فكان من المغرقين " أي فصار منهم. (1) " وقيل يا أرض ابلعي ماءك " أي قال الله للأرض انشفي ماءك الذي نبعت به العيون واشربي ماءك حتى لا يبقى على وجهك شئ منه، وهذا إخبار عن ذهاب الماء عن وجه الأرض بأوجز مدة فجرى مجرى أن قيل لها فبلعت " وياسماء أقلعي " أي أمسكي عن المطر " وغيض الماء " أي ذهب عن وجه الأرض إلى باطنه، ويقال: إن الأرض ابتلعت جميع مائها وماء السماء لقوله: " وغيض الماء " ويقال: لم تبتلع ماء السماء لقوله: " أبلعي ماءك " وإن ماء السماء صار بخارا وأنهارا وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام " وقضي الأمر " أي وقع هلاك الكفار على التمام، أو الأمر بنجاة نوح ومن معه " واستوت " أي استقرت السفينة " على الجودي " قيل: رست السفينة على الجودي شهرا " " وقيل بعدا " " أي قال الله تعالى ذلك، ومعناه: أبعد الله الظالمين. (2) " إنه ليس من أهلك " روي عن علي بن مهزيار، عن الوشاء، عن الرضا عليه السلام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله قال لنوح: " إنه ليس من أهلك " لأنه كان مخالفا " له وجعل من اتبعه من أهله " إنه عمل غير صالح " قال المرتضى قدس الله روحه: التقدير أنه ذو عمل غير صالح كما في قول الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار، قال: ومن قال: إن المعنى أن سؤالك إياي ما ليس لك به علم غير صالح فإن من امتنع من أن يقع على الأنبياء شئ من القبائح يدفع ذلك، فإذا قيل له: فلم قال: " فلا تسألن ما ليس لك به علم " وكيف قال نوح: " رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم " ؟ قال: لا يمتنع أن يكون نهي عن سؤال ما ليس له به علم وإن لم يقع منه، وأن يعوذ من ذلك وإن لم يوقعه،


(1) مجمع البيان 5: 164. م (2) مجمع البيان 5: 164 - 165. فيه: ابعد الله الظالمين من رحمته. وقد ذكر الطبرسي أن في هذه الاية من بدائع الفصاحة وعجائب البلاغة ما لا يقاربه كلام البشر ولا يدانيه منها و يروى ان كفار قريش ارادوا ان يتعاطوا معارضة القرآن فعكفوا على لباب البر ولحوم الضأن وسلاف الخمر اربعين يوما لتصفو أذهانهم فلما اخذوا فيما ارادوا سمعوا هذه الاية فقال بعضهم لبعض: هذا كلام لا يشبهه شئ من الكلام ولا يشبه كلام المخلوقين وتركوا ما اخذوا فيه وافترقوا. م [ * ]

[ 306 ]

كما نهى الله سبحانه نبيه عن الشرك وإن لم يجز وقوع ذلك منه، وإنما سأل نوح عليه السلام نجاة ابنه بشرط المصلحة لا على سبيل القطع، فلما بين سبحانه له أن المصلحة في غير نجاته لم يكن ذلك خارجا عما تضمنه السؤال، وقوله: " إني أعظك " أي احذرك، والوعظ: الدعاء إلى الحسن والزجر عن القبيح على وجه الترغيب والترهيب " أن تكون من الجاهلين معناه: لا تكن منهم، وقال الجبائي: يعني أعظك لئلا تكون من الجاهلين، ولا شك أن وعظه سبحانه يصرف عن الجهل وينزه عن القبيح " قال رب إني أعوذ بك " معنى العياذ بالله الاعتصام طلبا " للنجاة ومعناه ههنا الخضوع والتذلل لله سبحانه ليوفقه ولا يكله إلى نفسه " وإن لا تغفر لي " إنما قال على سبيل التخشع والاستكانة لله تعالى وإن لم يسبق منه ذنب " قيل " أي قال الله: " يا نوح اهبط " أي انزل من الجبل أو من السفينة " بسلام منا " أي بسلامة منا ونجاة، وقيل: بتحية وتسليم منا عليك " وبركات عليك " أي ونعم دائمة وخيرات نامية ثابتة حالا " بعد حال عليك " وعلى امم ممن معك " أي المؤمنين الذين كانوا معه في السفينة، وقيل: معناه: وعلى امم من ذرية من معك، وقيل: يعني بالامم سائر الحيوان الذين كانوا معه لأن الله تعالى جعل فيها البركة " وامم سنمتعهم " أي يكون من نسلهم امم سنمتعهم في الدنيا بضروب من النعم فيكفرون فنهلكهم " ثم يمسهم بعد ذلك " الهلاك " عذاب " مولم. (1) " إذ نادى من قبل " أي من قبل إبراهيم ولوط " من الكرب العظيم " أي من الغم الذي يصل حره إلى القلب، وهو ما كان يلقاه من الأذى طول تلك المدة " ونصرناه من القوم " أي منعناه منهم بالنصرة، وقيل: " من " بمعنى " على ". (2) " ولقد أرسلنا نوحا " " قيل: إنه سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، عن ابن عباس، وقيل في سبب نوحه: إنه كان يدعو على قومه بالهلاك، وقيل: هو مراجعته ربه في شأن ابنه " أن يتفضل عليكم " بأن يصير متبوعا " وأنتم له تبع " ولو شاء الله " أن لا يعبد سواه لأنزل ملائكة ولم ينزل بشرا " آدميا " ما سمعنا بهذا " الذي يدعونا إليه نوح من التوحيد " فتربصوا به " أي


(1) مجمع البيان 5: 167 - 168. م (2) مجمع البيان 7: 57. م [ * ]

[ 307 ]

انتظروا موته فتستريحوا منه، وقيل فانتظروا إفاقته من جنونه فيرجع عما هو عليه، وقيل: احسبوه مدة ليرجع عن قوله " بما كذبون " أي بتكذيبهم إياي " منزلا مباركا " " أي إنزالا " مباركا " بعد الخروج من السفينة، وقيل: أي مكانا " مباركا " بالماء والشجر، وقيل: المنزل المبارك هو السفينة " وإن كنا لمبتلين " أي وإن كنا مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره، ومتعبدين عبادنا بالاستدلال بتلك الآيات على قدرتنا ومعرفتنا. (1) " المرسلين " لأن من كذب رسولا " واحدا " فقد كذب الجماعة، لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل، وقال أبو جعفر عليه السلام: يعني بالمرسلين نوحا " والأنبياء الذين كانوا بينه وبين آدم " أخوهم " أي في النسب " إن أجري " أي ما ثوابي وجرائي " إلا على رب العالمين " ولا أسألكم عليه أجرا " فتخافوا تلف أموالكم " واتبعك الأرذلون " أي السفلة، أو المساكين، وقيل: يعنون الحاكة والأساكفة " لتكونن من المرجومين " بالحجارة، أو بالشتم " فافتح " أي فاقض بيني وبينهم قضاء بالعذاب " في الفلك المشحون " أي في السفينة المملوءة من الناس وغيرهم من الحيوانات. (2) " فلنعم المجيبون " نحن لنوح في دعائه، أو لكل من دعانا " وجعلنا ذريته هم الباقين " بعد الغرق والناس كلهم بعد نوح من ولد نوح، قال الكلبي: لما خرج نوح من السفينة مات من كان من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم " وتركنا عليه في الآخرين " أي تركنا عليه ذكرا " جميلا " وأثنينا عليه في امة محمد صلى الله عليه وآله وذلك الذكر قوله: " سلام على نوح في العالمين ". (3) " وازدجر " أي وزجر بالشتم والرمي بالقبيح أو بالوعيد " فانتصر " أي فانتقم لي منهم. (4) " ففتحنا أبواب السماء " أي أجرينا الماء من السماء كجريانه إذا فتح عنه بابا كان


(1) مجمع البيان 7: 103 - 104. م (2) مجمع البيان 7: 196. م (3) مجمع البيان 8: 447. (4) مجمع البيان 9: 187. م [ * ]

[ 308 ]

مانعا " له " بماء منهمر " أي منصب انصبابا " شديدا " لا ينقطع " وفجرنا الأرض عيونا " " أي شققنا الأرض بالماء عيونا " حتى جرى الماء على وجه الأرض " فالتقى الماء " أي ماء السماء وماء الأرض، وإنما لم يثن لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير " على أمر قد قدر " فيه هلاك القوم أي قدره الله، وقيل: على أمر قدره الله تعالى وعرف مقداره فلا زيادة فيه ولا نقصان، وقيل: إنه كان قدر ماء السماء مثل قدر ماء الأرض، وقيل: على أمر قدره الله عليهم في اللوح المحفوظ " وحملناه على ذات ألواح " أي على سفينة ذات ألواح مركبة جمع بعضها إلى بعض، وألواحها أخشابها التي منها جمعت " ودسر " أي مسامير شدت بها السفينة، وقيل: هو صدر السفينة يدسر به الماء، وقيل: هي أضلاع السفينة، وقيل: الدسر: طرفاها وأصلها والألواح جانباها " بأعيننا " أي بحفظنا وحراستنا " جزاء لمن كان كفر " أي فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن كان كفر وجحد أمره وهو نوح عليه السلام والتقدير: لمن جحد نبوته وكفر بالله فيه " ولقد تركناها " أي هذه الفعلة " آية " أي علامة يعتبر بها، أو تركنا السفينة ونجاة من فيها وإهلاك الباقين دلالة باهرة على وحدانيته تعالى، وعبرة لمن اتعظ بها، وكانت السفينة باقية حتى رآها أوائل هذه الامة، وقيل في كونها آية: إنها كانت تجري بين ماء السماء وماء الأرض وقد كان غطاها على ما أمر الله تعالى به " فهل من مدكر " أي متذكر يعتبر " فكيف كان عذابي ونذر " هذا استفهام ومعناه التعظيم، أي كيف رأيتم انتقامي منهم وإنذاري إياهم ؟ " ولقد يسرنا القرآن للذكر " أي سهلناه للحفظ والقراءة. (1) " فخانتاهما " قال ابن عباس: كانت امرأة نوح كافرة تقول للناس: إنه مجنون وإذا آمن بنوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وكان أمرأة لوط تدل على أضيافه وكان ذلك خيانتهما لهما، وما بغت امرأة نبي قط وإنما كانت خيانتهما في الدين، وقال السدي: كانت خيانتهما أنهما كانتا كافرتين، وقيل: كانتا منافقتين، وقال الضحاك: خيانتهما النميمة إذا أوحى الله إليهما أفشتاه إلى المشركين " فلم يغنيا عنهما من الله شيئا " " أي فلم يغن نوح ولوط مع نبوتهما عن امرأتيهما من عذاب الله شيئا "، وقيل: أي ويقال لهما يوم القيامة:


(1) مجمع البيان 9: 189. م [ * ]

[ 309 ]

" ادخلا النار مع الداخلين " قيل: إن اسم امرأة نوح واغلة، واسم امرأة لوط واهلة، وقال مقاتل: والغة ووالهة. (1) " لما طغى الماء " أي جاوز الحد حتى غرقت الأرض بمن عليها " حملناكم في الجارية " أي حملنا آباءكم في السفينة " لنجعلها " أي تلك الفعلة. (2) " عذاب أليم " قال البيضاوي: " عذاب الآخرة أو الطوفان " من ذنوبكم " بعضها وهو ما سبق " إلى أجل مسمى " هو أقصى ما قدر لكم بشرط الإيمان والطاعة " فلم يزدهم دعائي " إسناد الزيادة إلى الدعاء على السببية " إلا فرارا " " عن الايمان والطاعة " جعلوا أصابعهم " لئلا يسمعوا الدعوة " واستغشوا ثيابهم " تغطوا بها لئلا يروني " وأصروا " أكبوا على الكفر والمعاصي " ثم إني دعوتهم " إلى قوله: " إسرارا " " أي دعوتهم مرة بعد اخرى على أي وجه أمكننى، و (ثم) لتفاوت الوجوه أو لتراخي بعضها عن بعض " يرسل السماء " أي المظلة أو السحاب " عليكم مدرارا " " أي كثير المدر " جنات " أي بساتين " ما لكم لا ترجون لله وقارا " " لا تأملون له توقيرا "، أي تعظيما " لمن عبده وأطاعه، أو لا تعتقدون له عظمة " وقد خلقكم أطوارا " " أي تارات إذ خلقهم أولا " عناصر، ثم مركبات تغذي الإنسان، ثم أخلاطا "، ثم نطفا " وهكذا، فإنه يدل على أنه يمكنه أن يعيدهم تارة اخرى " والله أنبتكم " أي أنشأكم " ثم يعيدكم " فيها مقبورين " ويخرجكم إخراجا " " بالحشر " فجاجا " " واسعة " واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا " " أي اتبعوا رؤساهم البطرين بأموالهم المغترين بأولادهم بحيث صار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة " ومكروا " عطف على لم يزده والضمير لمن وجمعه للمعنى " مكرا " كبارا " " كبيرا " في الغاية " ولا تذرن ودا " قيل: هي أسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا صوروا تبركا " بهم، فلما طال الزمان عبدوا وقد انتقلت إلى العرب " وقد أضلوا " أي الرؤساء أو الأصنام " ولا تزد الظالمين إلا ضلالا " " عطف على الرب " إنهم عصوني " ولعل المطلوب هو الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم لا في أمر دينهم أو الضياع والهلاك كقوله: " إن المجرمين في ضلال وسعر ".


(1) مجمع البيان 10: 319. م (2) مجمع البيان 10: 345. م [ * ]

[ 310 ]

" مما خطيئاتهم " من أجلها، و (ما) مزيدة للتأكيد والتفخيم " فادخلوا نارا " " المراد عذاب القبر أو عذاب الآخرة " ديارا " " أي أحدا " " ولوالدي " لمك بن متوشلخ، وشمخا بنت أنوش " ولمن دخل بيني " منزلي أو مسجدي أو سفينتي " إلا تبارا " أي هلاكا. (1) 1 - فس: " نبأ نوح " أي خبر نوح " ثم لا يكن أمركم عليكم غمة " أي لا تغتموا " ثم اقضوا إلي " أي ادعوا علي. (2) 2 - فس: " واتبعك الأرذلون " قال: الفقراء. (3) 3 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " وجعلنا ذريته هم الباقين " يقول: الحق والنبوة والكتاب والإيمان في عقبه، وليس كل من في الأرض من بني آدم من ولد نوح، قال الله في كتابه: " احمل فيها من كل زوجين اثنين و أهلك إلا من سبق عليه القول منهم ومن آمن وما آمن معه إلا قليل " وقال أيضا ": " ذرية من حملنا مع نوح ". (4) 4 - فس: " كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما " قال: والله ما عنى بقوله: " فخانتاهما " إلا الفاحشة. (5) 5 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بقي نوح في قومه ثلاث مائة سنة يدعوهم إلى الله فلم يجيبوه، فهم أن يدعو عليهم فوافاه عند طلوع الشمس اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة سماء الدنيا وهم العظماء من الملائكة، فقال لهم نوح: ما أنتم ؟ فقالوا: نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السماء الدنيا وإن غلظ مسيرة سماء الدنيا (6) خمسمائة عام ومن سماء الدنيا إلى الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وخرجنا عند طلوع الشمس ووافيناك في هذا الوقت، فنسألك أن لا تدعو على قومك،


(1) انوار التنزيل ج 2: 238 - 239. م (2) تفسير القمى: 290. م (3) تفسير القمى: 473. م (4) تفسير القمى: 557. م (5) تفسير القمى: 688. م (6) في هامش النسخة: (السماء خ) في المواضع. [ * ]

[ 311 ]

قال نوح: أجلتهم (1) ثلاثمائة سنة، فلما أتى عليهم ستمائة سنة ولم يؤمنوا هم أن يدعو عليهم فوافاه اثنا عشر ألف قبيل من قبائل سماء الثانية فقال نوح: من أنتم ؟ قالوا نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة سماء الثانية، وغلظ سماء الثانية مسيرة خمسمائة عام، ومن سماء الثانية إلى سماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وغلظ سماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، ومن السماء الدنيا إلى الدنيا مسيرة خمسمائة عام، خرجنا عند طلوع الشمس ووافيناك ضحوة، نسألك أن لا تدعو على قومك، فقال نوح: قد أجلتهم (2) ثلاثمائة سنة، فلما أتى عليهم تسعمائة سنة ولم يؤمنوا (3) هم أن يدعو عليهم فأنزل الله عزوجل: " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " فقال نوح: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا " كفارا " " فأمره الله عزوجل أن يغرس النخل فأقبل يغرس النخل فكان قومه (4) يمرون به فيسخرون منه ويستهزؤون به ويقولون: شيخ قد أتى له تسعمائة سنة يغرس النخل، وكانوا يرمونه بالحجارة، فلما أتى لذلك خمسون سنة وبلغ النخل واستحكم أمر بقطعه فسخروا منه، وقالوا: بلغ النخل مبلغه قطعه، إن هذا الشيخ قد خرف وبلغ منه الكبر وهو قوله: " وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون " فأمره الله أن يتخذ (5) السفينة وأمر جبرئيل أن ينزل عليه ويعلمه كيف يتخذها، فقدر طولها في الأرض ألفا " ومائتي ذراع، (6) وعرضها ثمان مائة ذراع، وطولها في السماء ثمانون ذراعا "، (7) فقال: يا رب من يعينني على اتخاذها ؟ فأوحى الله إليه: ناد في قومك: من أعانني عليها ونجر منها شيئا " صار ما ينجره ذهبا " وفضة، فنادى نوح فيهم بذلك فأعانوه عليهم (8) وكانوا يسخرون منه ويقولون: يتخذ سفينة في البر.


(1 و 2) في المصدر: احتملتهم. م (3) في نسخة: فلم يؤمنوا. (4) في نسخة: فكان قوم. (5) في نسخة: إن ينحت. (6) في نسخة: فقدر طولها في الارض ألف ومائتي ذراع. (7) في نسخة: ثمانين. (8) في نسخة: فأعانوه عليها. [ * ]

[ 312 ]

6 - قال: فحدثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أراد الله عزوجل هلاك قوم نوح عقم أرحام النساء أربعين سنة (1) فلم يلد فيهم مولود، فلما فرغ نوح من اتخاذ السفينة أمره الله أن ينادي بالسريانية، لا يبقى بهيمة ولا حيوان إلا حضر، فأدخل من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين في السفينة، وكان الذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا " فقال الله عزوجل: " احمل فيها من كل زوجين اثنين و أهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل " وكان نجر السفينة في مسجد الكوفة، فلما كان في اليوم الذي أراد الله هلاكهم كانت امرأة نوح تخبز في الموضع الذي يعرف بفار التنور (2) في مسجد الكوفة، وقد كان نوح اتخذ لكل ضرب من أجناس الحيوان موضعا " في السفينة، وجمع لهم فيها ما يحتاجون إليه من الغذاء، فصاحت (3) امرأته لما فار التنور فجاء نوح إلى التنور، فوضع عليها طينا " وختمه حتى أدخل جميع الحيوان السفينة، ثم جاء إلى التنور ففض الخاتم ورفع الطين، وانكسفت الشمس، وجاء من السماء ماء منهمر صب بلا قطر، وتفجرت الأرض عيونا "، وهو قوله عزوجل: " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر " قال الله عزوجل: " اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها " يقول: مجراها أي مسيرها، ومرساها أي موقفها، فدارت السفينة ونظر نوح إلى ابنه يقع ويقوم فقال له: " يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين " فقال ابنه كما حكى الله عزوجل: " سآوي إلى جبل يعصمني من الماء " فقال نوح: " لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم " ثم قال نوح: " رب ان ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين " فقال الله: " يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين " فقال نوح كما حكى الله تعالى: " رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين " فكان كما حكى الله: " وحال بينهما الموج فكان من المغرقين " فقال أبو عبد الله عليه السلام: فدارت السفينة وضربتها


(1) في نسخة: أربعين عاما. (2) في نسخة: بنار التنور. (3) في نسخة: وصاحت. [ * ]

[ 313 ]

الأمواج حتى وافت مكة، وطافت بالبيت وغرق جميع الدنيا إلا موضع البيت، وإنما سمي البيت العتيق لأنه اعتق من الغرق، فبقي الماء ينصب من السماء أربعين صباحا "، ومن الأرض العيون حتى ارتفعت السفينة فمسحت السماء، قال: فرفع نوح يده ثم قال: (يارهمان اتقن) وتفسيرها رب أحسن، (1) فأمر الله الأرض أن تبلع ماءها وهو قوله: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي " أي أمسكي " وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي " فبلعت الأرض ماءها فأراد ماء السماء أن يدخل في الأرض فامتنعت الأرض من قبولها وقالت: إنما أمرني الله عزوجل أن أبلع مائي، فبقي ماء السماء على وجه الأرض، واستوت السفينة على جبل الجودي وهو بالموصل جبل عظيم، فبعث الله جبرئيل فساق الماء إلى البحار حول الدنيا، وأنزل الله على نوح: " يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى امم ممن معك وامم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم " فنزل نوح بالموصل من السفينة مع الثمانين وبنوا مدينة الثمانين، وكانت لنوح بنت ركبت معه السفينة فتناسل الناس منها، وذلك قول النبي صلى الله عليه وآله: نوح أحد الأبوين، ثم قال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله " تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ". (2) بيان: قال الشيخ الطبرسي: قدس الله روحه قد قيل في معنى قوله سبحانه: " إنه ليس من أهلك " أقوال: أحدها: أنه كان ابنه لصلبه، والمعنى أنه ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم معك، لأن الله تعالى قد استثنى من أهله الذين وعده أن ينجيهم من أراد إهلاكهم بالغرق فقال: " إلا من سبق عليه القول " عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة، واختاره الجبائي. وثانيها: أن المراد من قوله: " ليس من أهلك " أنه ليس على دينك، فكأن كفره أخرجه عن أن يكون له أحكام أهله، عن جماعة من المفسرين، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وآله: " سلمان


(1) في نسخة من المصدر: احبس، وحكاها في البرهان هكذا: (يادهمان ايقن) وتفسيرها: رب احبس. (2) تفسير القمى: 301 - 304. م [ * ]

[ 314 ]

منا أهل البيت " وإنما أراد: على ديننا، ويؤيد هذا التأويل أن الله سبحانه قال على طريق التعليل: " إنه عمل غير صالح " فبين أنه إنما اخرج عن أحكام أهله لكفره وشر عمله، وروي عن عكرمة أنه قال: كان ابنه، ولكنه كان مخالفا " له في العمل والنية، فمن ثم قيل: إنه ليس من أهلك. وثالثها: أنه لم يكن ابنه على الحقيقة وإنما ولد على فراشه، فقال عليه السلام: إنه ابني على ظاهر الأمر، فأعلمه الله أن الأمر بخلاف الظاهر ونبهه على خيانة امرأته، عن الحسن ومجاهد، وهذا الوجه بعيد من حيث إن فيه منافات للقرآن لأنه تعالى قال: " ونادى نوح ابنه " ولأن الأنبياء يجب أن ينزهوا عن مثل هذه الحال لأنها تعير وتشين، (1) وقد نزه الله أنبياءه عما دون ذلك توقيرا " وتعظيما " عما ينفر من القبول منهم، وروي عن ابن عباس أنه قال: ما زنت أمرأة نبي قط، وكانت الخيانة من امرأة نوح أنها كانت تنسبه إلى الجنون والخيانة ومن امرأة لوط أنها كانت تدله على أضيافه. ورابعها: أنه كان ابن امرأته وكان ربيبه، ويعضده قراءة من قرأ " ابنه " بفتح الهاء أو " ابنها " والمعتمد المعول عليه في تأويل الآية القولان الأولان انتهى. (2) 7 - فس: " وازدجر " أي آذوه وأرادوا رجمه، قوله: " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر " قال: صب بلا قطر " وفجرنا الأرض عيونا " فالتقى الماء " قال: ماء السماء وماء الأرض " على أمر قد قدر * وحملناه " يعني نوحا " على ذات ألواح ودسر " قال: الألواح السفينة، والدسر المسامير، وقيل: الدسر ضرب من الحشيش شد به السفينة (3) " تجري بأعيننا " أي بأمرنا وحفطنا. (4) 8 - فس: " فاستغشوا ثيابهم " قال: استتروا بها " وأصروا واستكبروا استكبارا " " أي عزموا على أن لا يسمعوا شيئا " " ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا " " قال: دعوتهم


(1) عيره: نسبه إلى العار وقبح عليه فعله. وفى نسخة " تعر " من عره: ساءه. عره بشر: لطخه بشر. والتشيين هو النسبة إلى الشين وهو خلاف الزين. (2) مجمع البيان 5: 167. م (3) في المصدر: " تشد ". م (4) تفسير القمى: 657. م [ * ]

[ 315 ]

سرا " وعلانية، وفي رواية أبى الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " لا ترجون لله وقارا " " قال: لا تخافون الله عظمة. (1) وقال علي بن إبراهيم في قوله: " وقد خلقكم أطوارا " ": قال: على اختلاف الأهواء والإرادات والمشيات، وقوله: " والله أنبتكم من الأرض نباتا " أي على الأرض (2) نباتا، قوله: " واتبعوا من لم يزده " قال: تبعوا (3) لأغنياء، قوله: " كبارا " أي كبيرا "، قوله: " ولا تذرن ودا ولا سواعا " " قال: كان قوم مؤمنون قبل نوح فماتوا فحزن عليهم الناس، فجاء إبليس فاتخذ لهم صورهم ليأنسوا بها فأنسوا بها، فلما جاءهم الشتاء أدخلوهم البيوت فمضى ذلك القرن وجاء القرن الآخر فجاءهم إبليس فقال لهم: إن هؤلاء آلهة كانوا آباؤكم يعبدونها، فعبدوهم وضل منهم بشر كثير، فدعا عليهم نوح فأهلكهم الله. وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " سبع سموات طباقا " " يقول: بعضها فوق بعض، قوله " ولا تذرن ودا " الآية قال: كانت ود صنما لكلب، وكانت سواع لهذيل، ويغوث لمراد، ويعوق لهمدان، ونسر لحصين. (4) وقال علي بن إبراهيم في قوله: " ولا تزد الظالمين إلا ضلالا " " قال: هلاكا " وتدميرا ". (5) 9 - فس: أحمد بن محمد بن موسى، عن محمد بن حماد، عن علي بن إسماعيل الميثمي، عن فضيل الرسان، عن صالح بن ميثم قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما كان علم نوح حين دعا على قومه أنهم لا يلدوا إلا فاجرا " كفارا " ؟ فقال أما سمعت قول الله لنوح: " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ". (6) 10 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد


(1) في المصدر: لا تخافون لله عظمة. م (2) في المصدر: أي على وجه الارض. م (3) في المصدر: اتبعوا. م (4) هكذا في النسخ والمصدر: والظاهر انه مصحف حمير، قال الفيروز آبادى: النسر: صنم كان لذى الكلاغ بارض حمير. (5) تفسير القمى: 697. م (6) تفسير القمى: 698. م [ * ]

[ 316 ]

الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا " " إنما هي يعني الولاية من دخل فيها دخل بيوت الأنبياء. (1) 11 - فس: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ولا تزد الظالمين إلا تبارا " " أي خسارا ". (2) 12 - ب: ابن سعد، عن الأزدي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " ونادى نوح ابنه " أي ابنها وهي لغة طي. (3) بيان: لعله عليه السلام قرأ " ابنه " بفتح الهاء، وقد روى العياشي عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام " ونادى نوح ابنه " بنصب الهاء يعني ابن امرأته. وقال الشيخ الطبرسي رحمه الله: وروي عن علي وأبي جعفر محمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام وعروة بن الزبير: " ونادى نوح ابنه " بفتح الهاء فحذف الألف تخفيفا ". وروي عن عكرمة ابنها. (4) وقال الرازي: فيه أقوال: فالأول أنه ابنه في الحقيقة. والثاني أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر والحسن البصري، ويروى أن عليا " قرأ: ونادي نوح ابنها، والضمير لامرأته، وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير ابنه بفتح الهاء يريدان ابنها إلا أنهما اكتفيا بالفتحة عن الألف. والثالث أنه ولد على فراشه لغير رشدة، (5) وهذا قول خبيث يجب صون منصب النبوة عن هذه الفضيحة، انتهى ملخص كلامه. (6) أقول: الأخبار في ذلك مختلفة ويظهر من بعض الاخبار أن روايات النفي محمولة على التقية والله يعلم. 13 - ل: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن


(1) تفسير القمى: 698 وفيه: انما يعنى الولاية من دخل فيها دخل في بيوت الانبياء. م (2) تفسير القمى: 698. وفيه: التبار: الخسار. م (3) قرب الاسناد: 25. م (4) مجمع البيان 5: 160 - 161. م (5) الرشدة بكسر الراء وفتحه: ضد الزنية. (6) مفاتيح الغيب 5: 62. م [ * ]

[ 317 ]

سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن نوحا لما كان أيام الطوفان دعا مياه الأرض فأجابته إلا الماء المر والكبريت. (1) 14 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسن بن علي، عن عمر، عن أبان ابن عثمان، عن العلاء بن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما هبط نوح عليه السلام من السفينة أتاه إبليس فقال له: ما في الأرض رجل أعظم منة علي منك، دعوت الله على هؤلاء الفساق فأرحتني منهم، ألا اعلمك خصلتين ؟ إياك والحسد فهو الذي عمل بي ما عمل، وإياك الحرص فهو الذي عمل بآدم ما عمل. (2) 15 - ن، ع، ل: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن قول الله عزوجل: " يوم يفر المرء من أخيه وامه وأبيه وصاحبته وبنيه " من هم ؟ فقال عليه السلام: قابيل يفر من هابيل، والذي يفر من امه موسى، والذي يفر من أبيه إبراهيم، والذي يفر من صاحبته لوط، والذي يفر من ابنه نوح يفر من ابنه كنعان. (3) بيان: هذا هو المشهور في اسم ابنه عليه السلام: وقيل: اسمه يام. أقول: قد مرت الأخبار في نقش خاتمه عليه السلام فارجع إليها فإنها تتضمن قصة الطوفان. 16 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله قال: إن نوحا عليه السلام لما كان أيام الطوفان دعا المياه كلها فأجابته إلا ماء الكبريت وماء المر فلعنهما. (4) كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سنان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. (5) 17 - محمد بن يحيى، عن حمدان بن سليمان النيسابوري، عن محمد بن يحيى بن


(1) الخصال 1: 28. م (2) الخصال 1: 27. م (3) العيون: 136، علل الشرائع: 198، الخصال ج 1: 154. م (4) فروع الكافي 2: 188. م (5) فروع الكافي 2: 188. م [ * ]

[ 318 ]

زكريا، وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه جميعا "، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي سعيد عقيصا "، عن الحسن والحسين صلوات الله عليهما أنهما قالا: إن الله تبارك وتعالى لما آسفه (1) قوم نوح فتح السماء بماء منهمر، وأوحى إلى الأرض فاستعصت عليه عيون فلعنها وجعلها ملحا " أجاحا ". (2) 18 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان، عن كثير النواء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن نوحا عليه السلام ركب السفينة أول يوم من رجب فأمر من كان معه أن يصوموا ذلك اليوم. الخبر. (3) ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد بن الحسن بن مت الجوهري، عن الأشعري، عن ابن عيسى مثله. (4) 19 - ل: ابن الوليد، عن ابن المهتدي، عن سيف بن المبارك، عن أبيه، عن أبي الحسن عليه السلام مثله. (5) 20 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما دعا نوح عليه السلام ربه عزوجل على قومه أتاه إبليس لعنه الله فقال: يا نوح إن لك عندي يدا اريد أن اكافيك عليها، فقال له نوح عليه السلام: إنه ليبغض إلي أن يكون لك عندي يد فما هي ؟ قال: بلي دعوت الله على قومك فأغرقتهم فلم يبق أحد اغويه فأنا مستريح حتى ينسق قرن آخر واغويهم فقال له نوح عليه السلام: ما الذي تريد أن تكافيني به ؟ قال: اذكرني في ثلاث مواطن فإني أقرب ما أكون إلى العبد إذا كان في إحداهن: اذكرني إذا غضبت، واذكرني إذا حكمت بين اثنين، واذكرني إذا كنت مع امرأة خاليا " ليس معكما " أحد. (6)


(1) آسفه: أغضبه وأحزنه، واطلاقه على الله مجاز ؟. (2) فروع الكافي 2: 188. وفيه فاستصعبت (فاستعصت خ) عليه عيون منها. م (3) الخصال 2: 92 - 93. م (4) لم نجده في المصدر. م (5) الخصال 2: 93. م (6) الخصال 1: 65. م [ * ]

[ 319 ]

21 - ع: بالإسناد إلى وهب قال: أهل الكتابين يقولون: إن إبليس عمر زمان الغرق كله في الجو الأعلى يطير بين السماء والأرض بالذي أعطاه الله تبارك وتعالى من القوة والحيلة، وعمرت جنوده في ذلك الزمان فطفوا فوق الماء، وتحولت الجن أرواحا " تهب فوق الماء، وبذلك توصف خلقتها إنها تهوي هوى الريح، إنما سمي الطوفان طوفانا " لأن الماء طفى فوق كل شئ، فلما هبط نوح من السفينة أوحى الله عزوجل إليه: يا نوح إنني خلقت خلقي لعبادتي، وأمرتهم بطاعتي فقد عصوني (1) وعبدوا غيري واستوجبوا بذلك غضبي فغرقتهم، وإني قد جعلت قوسي (2) أمانا لعبادي وبلادي وموثقا " مني بيني وبين خلقي يأمنون به إلى يوم القيامة من الغرق، ومن أوفى بعهده مني ؟ ففرح نوح عليه السلام بذلك وتباشر، وكانت القوس فيها سهم ووتر فنزع الله عزوجل السهم والوتر من القوس وجعلها أمانا " لعباده وبلاده من الغرق. (3) 22 - ل: ابن موسى، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن عبد الرحيم الجبلي وعبد الله بن الصلت، عن الحسن بن نصر الخزار، عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس فيما سأل اليهودي أمير المؤمنين عليه السلام قال: فما الخمسون ؟ قال: لبث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، قال: فما الثمانون ؟ قال: قرية بالجزيرة يقال لها ثمانون، منها قعد نوح في السفينة واستوت على الجودي وأغرق الله القوم قال: فما التسعون ؟ قال: الفلك المشحون اتخذ نوح عليه السلام فيه تسعين بيتا للبهائم. (4) 23 - ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن سفينة نوح ما كان عرضها وطولها ؟ فقال: كان طولها ثمان مائة ذراع، وعرضها خمسمائة ذراع، وارتفاعها في السماء ثمانين ذراعا ". (5)


(1) في نسخة: وقد عصوني. (2) في نسخة: قوسا. (3) علل الشرائع: 22. م (4) الخصال: 2: 148. م (5) علل الشرائع: 198، العيون: 135. م [ * ]

[ 320 ]

24 - ن: السناني، عن الأسدي، عن أبي الفيض صالح بن أحمد، عن سهل، عن صالح ابن أبي حماد، عن الحسين بن موسى الوشاء، عن الرضا عليه السلام قال: قال لي: كف تقرؤون " قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح " ؟ فقلت: من الناس من يقرء " إنه عمل غير صالح " نفاه عن أبيه، فقال عليه السلام: كلا، لقد كان ابنه، ولكن لما عصى الله عزوجل نفاه عن أبيه. الخبر (1) 25 - ع، ن: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن الهروي، عن الرضا عليه السلام قال: قلت له، لاي علة أغرق الله عزوجل الدنيا كلها في زمن نوح عليه السلام وفيهم الأطفال، وفيهم من لا ذنب له ؟ (2) فقال عليه السلام: ما كان فيهم الأطفال، لأن الله عزوجل أعقم أصلاب قوم نوح عليه السلام وأرحام نسائهم أربعين عاما " فانقطع نسلهم فغرقوا ولا طفل فيهم، وما كان الله عزوجل ليهلك بعذابه من لا ذنب له، وأما الباقون من قوم نوح عليه السلام فاغرقوا لتكذيبهم لنبي الله نوح عليه السلام وسائرهم أغرقوا برضاهم بتكذيب المكذبين، ومن غاب عن أمر (3) فرضي به كان كمن شهده وأتاه. (4) 26 - ع، ن: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن الرضا عليه السلام قال: سمعته يقول: قال أبي قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله عزوجل قال: " يا نوح (5) إنه ليس من أهلك " لأنه كان مخالفا " له وجعل من اتبعه من أهله، قال: وسألني كيف يقرؤون هذه الآية في ابن نوح ؟ فقلت: يقرؤها الناس على وجهين: " إنه عمل غير صالح " و " إنه عمل غير صالح " فقال: كذبوا هو ابنه، ولكن الله عزوجل نفاه عنه حين خالفه في دينه. (6) بيان: ذكر المفسرون فيها قراءتين: فعن الكسائي ويعقوب وسهل (عمل غير صالح) على الفعل ونصب غير، وقرأ الباقون (عمل) اسما مرفوعا منونا و (غير) بالرفع، وعلى الأخير


(1) العيون: 346 وفيه بعد قوله " انه عمل غير صالح " ومنهم من يقرء: " انه عمل غير صالح " فمن قرأ انه عمل غير صالح اه‍. م (2) في النسخة: ومنهم من لا ذنب له. (3) في نسخة: ومن غاب من امر. (4 و 6) علل الشرائع: 22، العيون: 231. م (5) في نسخة: قال لنوح: انه. اه‍ [ * ]

[ 321 ]

فالأكثر على أن الضمير راجع إلى الابن إما على المبالغة أو بتقدير مضاف أي ذو عمل، وقيل: بإرجاع الضمير إلى السؤال، والظاهر أن ما في الخبر هو هاتان القراءتان، لكن كانوا يفسرون القراءة بكونه معمولا " غير صالح أي ولد زنا، فنفى عليه السلام أصل القراءة أو تأويلهم، ويحتمل أن يكون أحدهما (عمل غير صالح) بالإضافة: وإن لم ينقل في القراءات، فنفاه عليه السلام لكونه موضوعا " فاسدا ". 27 - ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين فقال: ما بال الماعزة مرفوغة الذنب (1) بادية الحياء والعورة ؟ فقال: لأن الماعزة عصت نوحا " لما أدخلها السفينة فدفعها فكسر ذنبها، والنعجة مستورة الحياء والعورة، لأن النعجة بادرت بالدخول إلى السفينة فمسح نوح عليه السلام يده على حياها وذنبها فاستوت الإلية. (2) بيان: مرفوعة الذنب في بعض النسخ مفرقعة، قال الفيروز آبادي: الافرنقاع عن الشئ: الانكشاف عنه والتنحي. وقال: الحياء بالمد: الفرج من ذوات الخف والظلف والسباع، وقد يقصر. 28 - ن: ماجيلويه وابن المتوكل والهمداني جميعا "، عن علي بن إبراهيم، عن ياسر الخادم، عن الرضا عليه السلام قال: إن نوحا " قال: " رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين " فقال الله عزوجل: " يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح " فأخرجه الله عزوجل من أن يكون من أهله بمعصيته. (3) 29 - ع: الدقاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النجف كان جبلا " وهو الذي قال ابن نوح: " سآوي إلي جبل يعصمني من الماء " ولم يكن على وجه الارض جبل أعظم منه، فأوحى الله عزوجل إليه يا جبل أيعتصم بك مني ؟ ! فتقطع قطعا " قطعا " إلى بلاد الشام وصار رملا " دقيقا " وصار بعد ذلك بحرا عظيما، وكان يسمى ذلك البحر بحرني ثم جف بعد ذلك فقيل: ني جف فسمي


(1) في نسخة: مفرقعة الذنب. وفى العلل ونسخة من العيون: معرقبة الذنب. (2) علل الشرائع: 199، العيون: 136. واورده بسند آخر في العلل: 168. وفى نسخة: فتسترت بالالية. وقد تقدم الحديث مفصلا، وتمامه في كتاب الاحتجاجات راجع. (3) العيون: 348. م [ * ]

[ 322 ]

بني جف ثم صار بعد ذلك يسمونه نجف لأنه كان أخف على ألسنتهم. (1) 30 - ع: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن الهروي قال: قال الرضا عليه السلام: لما هبط نوح عليه السلام إلى الأرض كان هو وولده ومن تبعه ثمانين نفسا فبنى حيث نزل قرية فسماها قرية الثمانين لأنهم كانوا ثمانين. (2) 31 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان ابن سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أرأيت نوحا " عليه السلام حين دعا على قومه فقال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا " كفارا " " قال عليه السلام: علم أنه لا ينجب من بينهم أحد، قال: قلت: وكيف علم ذلك ؟ قال: أوحى الله إليه " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " فعند هذا دعا عليهم (3) بهذا الدعاء. (4) 32 - ع: بالإسناد إلى وهب قال: لما ركب نوح عليه السلام في السفينة ألقى الله عزوجل السكينة على ما فيها من الدواب والطير والوحش، فلم يكن شئ فيها يضر شيئا "، كانت الشاة تحتك بالذئب، (5) والبقرة تحتك بالأسد، والعصفور يقع على الحية فلا يضر شئ شيئا " ولا يهيجه، ولم يكن فيها ضجر (6) ولا صخب ولا سبة ولا لعن، قد أهمتهم أنفسهم، وأذهب الله عزوجل حمة كل ذي حمة، فلم يزالوا كذلك في السفينة حتى خرجوا منها وكان الفأر قد كثر في السفينة والعذرة، فأوحى الله عزوجل إلى نوح عليه السلام أن يمسح الاسد فمسحه فعطس فخرج من منخريه هران: ذكر وانثى فخف الفأر، ومسح وجه الفيل فعطس فخرج من منخريه خنزيران: ذكر وانثى فخفت العذرة. (7) بيان: الصخب محركة: شدة الصوت. والحمة بالتخفيف: السم. 33 - مع: معنى الطوفان إنه طفى الماء فوق كل شئ. (8)


(1 و 2) علل الشرائع: 22. م (3) في نسخة: فعندها دعا عليهم. (4) علل الشرائع: 169. م (5) احتك بالشئ: حك ودلك نفسه عليه. (6) في نسخة: ولم يكن لها ضجر. (7) علل الشرائع: 169. م (8) معاني الاخبار: 18. م [ * ]

[ 323 ]

34 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دعا نوح عليه السلام قومه علانية فلما سمع عقب هبة الله من نوح تصديق ما في أيديهم من العلم صدقوه، فأما ولد قابيل فإنهم كذبوه وقالوا: " ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين * وقالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون " يعنون عقب هبة الله. (1) 35 - ص: بهذا الإسناد، عن ابن اورمة، عن محمد بن علي الكوفي، عن أحمد بن محمد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: مكث نوح عليه السلام في قومه يدعوهم سرا " وعلانية فلما عتوا وأبوا قال: " رب إني مغلوب فانتصر " فأوحى الله تعالى إليه: أن اصنع الفلك، وأمره بغرس النوى، فمر عليه قومه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد غراسا "، حتى إذا طال وصار طوالا قطعه ونجره فقالوا: قد قعد نجارا "، ثم ألفه فجعله سفينة فمروا عليه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد ملاحا " في أرض فلاة حتى فرغ منها. (2) 36 - ص: بالإسناد عن ابن اورمة، عن مصعب بن يزيد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء نوح عليه السلام إلى الحمار ليدخل السفينة فامتنع عليه، قال: و كان إبليس بين أرجل الحمار فقال: يا شيطان ادخل فدخل الحمار ودخل الشيطان، (3) فقال إبليس: اعلمك خصلتين، فقال نوح عليه السلام: لا حاجة لي في كلامك، فقال إبليس: إياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، وإياك والحسد فإنه أخرجني من الجنة. فأوحى الله إليه: اقبلهما وإن كان ملعونا ". (4) 37 - ص: بالإسناد عن ابن اورمة، عن أبي أحمد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قوم نوح شكوا " إلى نوح عليه السلام الفأر، فأمر الله تعالى الفهد فعطس فطرح السنور فأكل الفأر، وشكوا " إليه العذرة فأمر الله الفيل أن يعطس فسقط الخنزير. (5) 38 - ص: بهذا الإسناد عن ابن اورمة، عن الحسن بن علي، عن داود بن يزيد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ارتفع الماء زمان نوح عليه السلام على كل جبل وعلى


(1 - 2 - 4 - 5) مخطوط. م (3) وقد تقدم ما يخالف ذلك في رواية 21 عن وهب الا انها عامى. [ * ]

[ 324 ]

كل سهل خمسة عشر ذراعا ". (1) بيان: أي لم يكن أقل من ذلك، وإن زاد في بعض المواضع، ويحتمل أن يكون سطح الماء غير مستو كالأرض بإعجازه عليه السلام. 39 - ص: بالإسناد عن ابن اورمة، عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان، عن إبراهيم ابن أبي البلاد، عن غير واحد، عن أحدهما صلوات الله عليهما قال: لما قال الله تعالى: " يا أرض ابلعي ماءك " قالت الأرض: إنما امرت أن أبلع مائي فقط ولم اومر أن أبلع ماء السماء، فبلعت الأرض ماءها، وبقي ماء السماء فصير بحرا " حول السماء وحول الدنيا. والأمر والجواب يكونان مع الملك الموكل بالأرض وبالسماء. (2) بيان: قوله: (والأمر) من كلام الراوندي ذكره لتأويل الخطاب المتوجه ظاهرا " إلى الجمادات، ويحتمل أن يكون على الاستعارة التمثيلية لبيان سرعة نفاذ إرادته وحكمه في كل شئ، ويحتمل أن يكون أمرا " تكوينيا كما في قوله تعالى: " كن فيكون ". 40 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صنعها في ثلاثين سنة ثم أمر أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين الأزواج الثمانية التي خرج بها آدم من الجنة ليكون معيشة لعقب نوح عليه السلام في الأرض، كما عاش عقب آدم عليه السلام فإن الأرض تغرق بما فيها إلا ما كان معه في السفينة. (3) 41 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان، عن أبي حمزة، عن أبي رزين الأسدي، عن علي عليه السلام قال: لما فرغ نوح من السفينة فكان ميعاده عليه السلام فيما بينه وبين ربه تعالى في إهلاك قومه أن يفور التنور ففار، فقالت امرأته له: إن التنور قد فار. فقال إليه فختمه فقام الماء فأدخل من أراد أن يدخل، ثم أتى إلى خاتمه فنزعه وقال تعالى: " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا ". (4) 42 - ص: بهذا الإسناد عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن الحسن بن صالح، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: سمعت أبي عليه السلام يحدث عطا قال: كان طول سفينة نوح


(1 - 4) مخطوط. [ * ]

[ 325 ]

عليه السلام ألفا " ومائتي ذراع، وكان عرضها ثمانمائة ذراع، وعمقها ثمانين ذراعا "، فطافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة سبعة أشواط ثم استوت على الجودي. (1) شى: عن الحسن بن صالح مثله. (2) بيان: قال صاحب الكامل: امر أن يجعل طوله ثمانين ذراعا "، وعرضه خمسين ذراعا " وطوله في السماء ثلاثين ذراعا ". وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعا، وطولها في السماء ثلاثين ذراعا ". (3) وقال الحسن: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع انتهى. (4) وما ورد في الخبر هو المعتمد. (5) 43 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن المغيرة، عن أبيه، عن جده، عن ذريح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تعالى أغرق الأرض كلها يوم نوح عليه السلام إلا البيت فمن يومئذ سمي العتيق لأنه اعتق من الغرق، فقلت له: صعد إلى السماء ؟ فقال: لم يصل الماء إليه وإنما رفع عنه. (6) ع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن الطويل، عن ابن المغيرة، عن ذريح مثله. (7) 44 - ص: بالاسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن


(1 و 6) قصص الانبياء مخطوط. م (2) تفسير العياشي مخطوط. م (3) وبه قال اليعقوبي في تاريخه الا انه قال: بذراع نوح. وقال الثعلبي في العرائس: فجعل طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها ثلاثمائة وثلاثون ذراعا، وطولها في السماء ثلاثة، وثلاثون ذراعا، هذا قول ابن عباس. قلت: ولعل الصحيح: فجعل طولها ثمانمائة ذراع، وانه تصحيف من النساخ. (4) كامل التواريخ 2: 28. م (5) وتقدم في خبر ابن سنان ما يوافق ذلك، ورواه المسعودي في اثبات الوصية الا انه قال وعرضها مائة ذراع والظاهر انه تصحيف، وتقدم في خبر الشامي أن طولها ثمانمائة ذراع و عرضها خمسمائة، وارتفاعها في السماء ثمانين ذراعا. (7) علل الشرائع: 139. م [ * ]

[ 326 ]

محبوب، عن حنان بن سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: آمن بنوح عليه السلام من قومه ثمانية نفر، وكان اسمه عبد الجبار، وإنما سمي نوحا " لأنه كان ينوح على نفسه. (1) 45 - وفي رواية: لأنه بكى خمسمائة سنة وكان اسمه عبد الأعلى. (2) 46 - وفي رواية: عبد الملك، وكان يسمى بهذه الأسماء كلها. (3) 47 - يه: قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: إن الحيض للنساء نجاسة رماهن الله عزو جل بها وقد كن النساء في زمن نوح عليه السلام إنما تحيض المرأة في كل سنة حيضة حتى خرج نسوة من مجانهن (4) وكن سبعمائة امرأة، فانطلقن فلبسن المعصفرات من الثياب وتحلين وتعطرن ثم خرجن فتعرفن (5) في البلاد، فجلسن مع الرجال وشهدن الأعياد معهم، وجلسن في صفوفهم، فرماهن الله عزوجل بالحيض عند ذلك في كل شهر، يعني اولئك النسوة بأعيانهن، فسالت دماؤهن فاخرجن من بين الرجال، فكن يحضن في كل شهر حيضة فشغلهن الله تعالى بالحيض وكسر شهوتهن. قال: وكان غيرهن من النساء اللواتي لم يفعلن مثل ما فعلن يحضن في كل سنة حيضة، قال: فتزوج بنو اللاتي يحضن في كل شهر حيضة بنات اللاتي يحضن في كل سنة حيضة، فامتزج القوم فحضن بنات هؤلاء وهؤلاء في كل شهر حيضة، وكثر أولاد اللاتي بحضن في كل شهر حيضة لاستقامة الحيض، وقل أولاد اللاتي يحضن في السنة حيضة لفساد الدم، قال: فكثر نسل هؤلاء، وقل نسل اولئك. (6) 48 - ك: الطالقاني، عن محمد بن هشام، عن أحمد بن زياد الكوفي، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثمي عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام: لما أظهر الله تبارك وتعالى نبوة نوح عليه السلام وأيقن الشيعة بالفرج اشتدت البلوى وعظمت الفرية إلى أن آل الأمر إلى شدة شديدة نالت الشيعة، والوثوب إلى نوح بالضرب المبرح، (7) حتى مكث عليه السلام في بعض الأوقات مغشيا " عليه ثلاثة أيام يجري الدم من اذنه ثم أفاق وذلك بعد سنة ثلاثمائة من مبعثه، وهو في خلال ذلك يدعوهم


(1 - 3) قصص الانبياء. مخطوط. م (4) جمع المجنة: الموضع الذى يستتر فيه. (5) في نسخة: فتفرقن. (6) من لا يحضره الفقيه: 20. م (7) أي الضرب الشديد. [ * ]

[ 327 ]

ليلا " ونهارا " فيهربون ويدعوهم سرا " فلا يجيبون، ويدعوهم علانية فيولون، فهم بعد ثلاث مائة سنه بالدعاء عليهم، وجلس بعد صلاة الفجر للدعاء فهبط إليه وفد من السماء السابعة وهو ثلاثة أملاك فسلموا عليه، ثم قالوا له: يا نبي الله لنا حاجة، قال: وماهي ؟ قالوا: تؤخر الدعاء على قومك فإنها أول سطوة لله عزوجل في الأرض، قال: قد أخرت الدعاء عليهم ثلاث مائة سنة اخرى، وعاد إليهم فصنع ما كان يصنع ويفعلون ما كانوا يفعلون حتى إذا انقضت ثلاث مائة سنة اخرى ويئس من إيمانهم جلس في وقت ضحى النهار للدعاء فهبط عليه (1) وقد من السماء السادسة فسلموا عليه فقالوا: خرجنا (2) بكرة وجئناك ضحوة، ثم سألوه مثل ما سأله وفد السماء السابعة فأجابهم إلى مثل ما أجاب اولئك إليه، وعاد عليه السلام إلى قوم يدعوهم فلا يزيدهم دعاؤه إلا فرارا " حتى انقضت ثلاثمائة سنة تتمة تسعمائة سنة فصارت إليه الشيعة وشكوا ما ينالهم من العامة والطواغيت وسألوا الدعاء بالفرج، فأجابهم إلى ذلك وصلى ودعا، فهبط عليه جبرئيل عليه السلام فقال له: إن الله تبارك وتعالى قد أجاب دعوتك فقل للشيعة: يأكلوا التمر ويغرسوا النوى ويراعوه (3) حتى يثمر، فإذا أثمر فرجت عنهم، فحمد الله وأثنى عليه وعرفهم ذلك فاستبشروا فأخبرهم نوح بما أوحى الله تعالى إليه ففعلوا ذلك وراعوه حتى أثمر، ثم صاروا بالثمر إلى نوح عليه السلام و سألوه أن ينجز لهم الوعد، فسأل الله عزوجل عن ذلك (4) فأوحى إليه: قل لهم: كلوا هذا التمر واغرسوا النوى فإذا أثمرت فرجت عنكم، فلما ظنوا أن الخلف قد وقع عليهم ارتد منهم الثلث وثبت الثلثان (5) فأكلوا التمر وغرسوا النوى حتى إذا أثمر أتوا به نوحا عليه السلام فأخبروه وسألوه أن ينجز لهم الوعد فسأل الله عزوجل عن ذلك فأوحى إليه: قل لهم: كلوا هذا التمر (6) واغرسوا النوى فارتد الثلث الآخر وبقي الثلث فأكلوا التمر (7)


(1) في المصدر: إليه. م (2) في المصدر: فقالوا نحن وفد من السماء السادسة خرجنا اه‍. م (3) في المصدر: يأكلون التمر ويغرسون النوى ويراعونه. م (4) في نسخة: فسأل الله عزوجل في ذلك. (5) في المصدر: وبقى الثلثان. (76) في المصدر: الثمر. م [ * ]

[ 328 ]

وغرسوا النوى، فلما أثمر أتوا به نوحا " عليه السلام ثم قالوا له: لم يبق منا إلا القليل ونحن نتخوف على انفسنا بتأخر الفرج إن نهلك، فصلى نوح عليه السلام ثم قال: يا رب لم يبق من أصحابي إلا هذه العصابة وإني أخاف عليهم الهلاك إن تؤخر الفرج عنهم، فأوحى الله عزوجل إليه: قد أجبت دعوتك فاصنع الفلك، فكان بين إجابة الدعاء وبين الطوفان خمسون سنة. (1) بيان: قال الجزري: يقال: برح به: إذا شق عليه، ومنه الحديث: ضربا غير مبرح أي غير شاق. 49 - يج: من تاريخ محمد النجار شيخ المحدثين بالمدرسة المستنصرية بإسناد مرفوع إلى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لما أراد الله أن يهلك قوم نوح أوحى إليه، أن شق ألواح الساج فلما شقها لم يدر ما يصنع بها، فهبط جبرئيل فأراه هيئة السفينة ومعه تابوت بها مائة ألف مسمار وتسعة وعشرون ألف مسمار، فسمر بالمسامير كلها السفينة إلى أن بقيت خمسة مسامير فضرب بيده إلى مسمار فأشرق بيده وأضاء كما يضئ الكوكب الدري في افق السماء، فتحير نوح فأنطق الله المسمار بلسان طلق ذلق (2) فقال: أنا على اسم خير الأنبياء محمد بن عبد الله، فهبط جبرئيل عليه السلام فقال له: يا جبرئيل ما هذا المسمار الذي ما رأيت مثله ؟ فقال: هذا باسم سيد الأنبياء محمد بن عبد الله، اسمره (3) على أولها على جانب السفينة الأيمن. ثم ضرب بيده إلى مسمار ثان فأشرق وأنار، فقال نوح: وما هذا السمار ؟ فقال: هذا مسمار أخيه وابن عمه سيد الأوصياء علي بن أبي طالب فاسمره على جانب السفينة الأيسر في أولها، ثم ضرب بيده إلى مسمار ثالث فزهر وأشرق وأنار فقال جبرئيل عليه السلام: هذا مسمار فاطمة فاسمره إلى جانب مسمار أبيها، ثم ضرب بيده إلى مسمار رابع فزهر وأنار، فقال جبرئيل: هذا مسمار الحسن فاسمره إلى جانب مسمار أبيه، ثم ضرب بيده إلى مسمار خامس فزهر وأنار وأظهر النداوة، فقال جبرئيل هذا مسمار الحسين فاسمره إلى جانب مسمار أبيه، فقال نوح: يا جبرئيل ما هذه النداوة ؟


(1) كمال الدين: 79 - 80. م (2) أي بلسان فصيح ذى الحدة. (3) أي شده بالمسمار. [ * ]

[ 329 ]

فقال هذا الدم، فذكر قصة الحسين عليه السلام وما تعمل الامة به، فلعن الله قاتله وظالمه و خاذله. 50 - ير: محمد بن هارون، عن ابن أبي نجران، عن أبي هارون العبدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لبعض غلمانه في شئ جرى: لئن انتهيت وإلا ضربتك ضرب الحمار، قال: جعلت فداك وما ضرب الحمار ؟ قال: إن نوحا " عليه السلام لما أدخل السفينة من كل زوجين اثنين جاء إلى الحمار فأبى يدخل، فأخذ جريدة من نخل فضربه ضربة واحدة وقال له: " عبسا شاطانا " أي ادخل يا شيطان. (1) 51 - ك: محمد بن علي بن حاتم، عن أحمد بن عيسى الوشاء، عن أحمد بن طاهر، عن محمد بن يحيى بن سهل، عن علي بن الحارث، عن سعد بن منصور الجواشني، (2) عن أحمد بن علي البديلي، (3) عن أبيه، عن سدير الصيرفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما استنزل نوح عليه السلام العقوبة على قومه بعث الله عزوجل الروح الأمين عليه السلام بسبعة نوايات فقال: يا نبي الله إن الله تبارك وتعالى يقول لك: إن هولاء خلائقي وعبادي ولست ابيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فإني مثيبك عليه واغرس هذا النوى فإن لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص، فبشر بذلك من تبعك من المؤمنين فلما نبتت الأشجار وتأزرت و تسوقت وتغصنت وأثمرت وزها الثمر عليها بعد زمن طويل استنجز من الله سبحانه العدة، فأمره الله تبارك وتعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار ويعاود الصبر والاجتهاد ويؤكد الحجة على قومه، وأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به فارتد منهم ثلاث مائة رجل وقالوا: لو كان ما يدعيه نوح حقا لما وقع في وعد ربه خلف، ثم إن الله تبارك و تعالى لم يزل يأمره عند كل مرة أن يغرسها تارة بعد اخرى إلى أن غرسها سبع مرات


بصائر الدرجات: 96. م (2) الجواشنة على ما قيل: بطن من الحميديين من هلباء سويد من جذام من القحطانية، كانت مساكنهم الحوف من الشرقية بالديار المصرية. وبطن من لبيد، من سليم بن منصور، من العدنانية، كانت مساكنهم بلاد برقة. (3) بالتصغير نسبة إلى بديل. [ * ]

[ 330 ]

فما زالت تلك الطوائف (1) ترتد منهم طائفة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا "، فأوحى الله عزوجل عند ذلك إليه وقال: الآن اسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرح الحق عن محضه وصفا من الكدر بارتداد من كانت طينته خبيثة، فلو أني أهلكت الكفار وأبقيت من قد ارتد من الطوائف التي كانت آمنت بك لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك واعتصوا بحبل نبوتك بأن أستخلفهم في الأرض وامكن لهم دينهم، وابدل خوفهم بالأمن لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشك من قلوبهم، فكيف يكون الاستخلاف والتمكين وتبدل الخوف بالأمن مني لهم مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا وخبث طينتهم وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق وشبوح الضلالة، (2) فلو أنهم تنسموا مني الملك الذي اوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذا اهلكت أعداؤهم لنشقوا روائح صفاته، ولاستحكمت سرائر نفاقهم، وتأبد خبال ضلالة قلوبهم، وكاشفوا إخوانهم بالعداوة، وحاربوهم على طلب الرئاسة والتفرد بالأمر والنهي، وكيف يكون التمكين في الدين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب كلا، فاصنع الفلك يأعيننا ووحينا. (3) بيان: قال الفيروز آبادي: الأزر: الإحاطة والقوة والضعف ضد، والتقوية. والموازرة أن يقوي الزرع بعضه بعضا فيلتف. والتأزير: التغطية. والتقوية. ونصر مؤزر: بالغ شديد. وقال: سوق الشجر تسويقا ": صار ذا ساق انتهى. فالمراد بقوله عليه السلام: تأزرت: تقوت والتفت. وبقوله: تسوقت قوي ساقها، وبقوله: تغصنت كثرت وقوبت أغصانها، وزهر الثمرة: إحمرارها واصفرارها. قوله عليه السلام: (حين صرح الحق) إما بتخفيف الراء المضمومة أي خلص، أو بالتشديد أي بين. والمحض: الخالص من كل شئ، وعلى التقديرين يضمن معنى الانكشاف أو الكشف. وشبوح الضلالة بالباء الموحدة والحاء المهملة جمع شبح بالتحريك وهو الشخص أو بالسين المهملة والنون بمعنى الظهور، أو بالخاء المعجمة جمع سنخ بالكسر بمعنى الأصل


(1) في نسخة: فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين. (2) في نسخة: سنوح الضلالة. وفى اخرى: شيوخ الضلالة. (3) كمال الدين: 202 - 203. وجملات الرواية مضطربة جدا في نسخ الكتاب والمصدر. م [ * ]

[ 331 ]

أو بمعنى الرسوخ، وفي بعض النسخ " شيوخ " جمع الشيخ، وعلى التقادير لا يخلو من تكلف. وتنسم النسيم (1): تشممه. ونشقه كقرحه: شمه. والخبال: الجنون والفساد، والحاصل أن هذه الفتن لتخليص المؤمنين عن المنافقين وظهور ما كتموه من الشرك والفساد لكي لا يفسدوا في الأرض بعد ظهور دولة الحق باختلاطهم بالمؤمنين. 52 - سن: القاسم الزيات، عن أبان بن عثمان، عن مؤمن بن العلاء، (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما حسر الماء عن عظام الموتى فرأى ذلك نوح عليه السلام فجزع جزعا " شديدا " واغتم لذلك فأوحى الله إليه: أن كل العنب الإسود ليذهب غمك. (3) 53 - شى: عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كانت شريعة نوح عليه السلام أن يعبد الله بالتوحيد والإخلاص وخلع الأنداد وهي الفطرة التي فطر الناس عليها، وأخذ ميثاقه على نوح عليه السلام والنبيين أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا "، وأمره بالصلاة والأمر والنهي والحرام والحلال، ولم يفرض عليه أحكام حدود ولا فرض مواريث فهذه شريعته، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " يدعوهم سرا " وعلانية، فلما أبوا و عتوا قال: رب إني مغلوب فانتصر، فأوحى الله إليه " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " فلذلك قال نوح: " ولا يلدوا إلا فاجرا " كفارا " " وأوحى الله إليه: أن اصنع الفلك. (4) 54 - شى: عن المفضل بن عمر قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام بالكوفة أيام قدم على أبي العباس، فلما انتهينا إلى الكناسة فنظر عن يساره ثم قال: يا مفضل ههنا صلب عمي زيد رحمه الله، ثم مضى حتى أتى طاق الزياتين وهو آخر السراجين فنزل فقال لي: انزل فإن هذا الموضع كان مسجد الكوفة الأول الذي كان خطه آدم عليه السلام وأنا أكره أن أدخله راكبا "، فقلت له: فمن غيره عن خطته ؟ فقال: أما أول ذلك فالطوفان في زمن نوح


(1) ويحتمل أن يكون مصحف تسنم أي ركب الملك وعلاه. (2) الموجود في المصدر: موسى بن العلاء، والظاهر أنه الصحيح. (3) محاسن البرقى: 548. م (4) مخطوط. م [ * ]

[ 332 ]

ثم غيره بعد أصحاب كسرى والنعمان بن منذر، ثم غيره زياد بن أبي سفيان، فقلت له: جعلت فداك وكانت الكوفة ومسجدها في زمن نوح ؟ فقال: نعم يا مفضل وكان منزل نوح وقومه في قرية على متن الفرات (1) مما يلي غربي الكوفة، فقال: وكان نوح رجلا " نجارا " فجعله الله نبيا " وانتجبه، ونوح أول من عمل سفينة تجري على ظهر الماء، وإن نوحا " لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما " يدعوهم إلى الهدى فيهزؤون به ويسخرون منه فلما رأى ذلك منم دعا عليهم فقال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " " إلى قوله: " إلا فاجرا " كفارا " " قال: فأوحى الله إليه يا نوح اصنع الفلك وأوسعها وعجل عملها بأعيننا ووحينا، فعمل نوح سفينته في مسجد الكوفة بيده يأتي بالخشب من بعد حتى فرغ منها. قال مفضل: ثم انقطع حديث أبي عبد الله عليه السلام عند زوال الشمس (2) فقام فصلى الظهر ثم العصر ثم انصرف من المسجد فالتفت عن يساره وأشار بيده إلى موضع دار الداريين وهو في موضع دار ابن حكيم وذلك فرات اليوم، وقال لي: يا مفضل ههنا نصبت أصنام قوم نوح: يغوث ويعوق ونسرا "، ثم مضى حتى ركب دابته، فقلت له: جعلت فداك في كم عمل سفينة نوح (3) حتى فرغ منها ؟ قال: في الدورين، فقلت: وكم الدوران ؟ قال: ثمانون سنة، قلت: فإن العامة تقول عملها في خمسمائة عام، قال: فقال: كلا، كيف والله يقول: " ووحينا ". (4) بيان: يمكن حمل الاختلاف الواقع في زمان عمل السفينة على أنه لم يحسب في بعض الأخبار زمان بعض مقدمات عملها كتحصيل الخشب ونحو ذلك، ثم إن الظاهر من الخبر أنه عليه السلام فسر الوحي هنا بالسرعة كما صرح الجوهري بمجيئه بهذا المعنى، وحمله المفسرون على معناه المشهور، قال الشيخ الطبرسي: معناه: وعلى ما أوحينا إليك من صفتها وحالها، عن أبي مسلم، وقيل: المراد بوحينا: أن اصنعها. (5)


(1) في نسخة: على منزل من الفرات. (2) في نسخة: ثم انقطع حديث أبى عبد الله عليه السلام عند ذلك. (3) في نسخة: في كم عمل سفينته نوح. (4) مخطوط. (5) مجمع البيان 5: 159 [ * ]

[ 333 ]

55 - شى: عن عيسى بن عبد الله العلوي، عن أبيه قال: كانت السفينة مطبقة بطبق وكان معه خرزتان (1) تضئ إحداهما بالنهار ضوء الشمس وتضئ إحداهما بالليل ضوء القمر، وكانوا يعرفون وقت الصلاة، وكان آدم معه في السفينة، فلما خرج من السفينة صير قبره تحت المنارة بمسجد منى. (2) بيان: كون السفينة مطبقة مختلف فيه. (3) والخرزتان رواهما العامة أيضا عن ابن عباس، وأكثر أخبارنا تدل على كون قبره عليه السلام في الغري كما سيأتي في كتاب المزار إن شاء الله. 56 - شى: عن المفضل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أرأيت قول الله: " حتى إذ جاء أمرنا وفار التنور " ما هذا التنور ؟ وأنى كان موضعه ؟ وكيف كان ؟ فقال: كان التنور حيث وصفت لك، فقلت فكان بدو خروج الماء من ذلك التنور ؟ فقال: نعم إن الله أحب أن يرى قوم نوح الآية، ثم إن الله بعد أرسل عليهم مطرا " يفيض فيضا وفاض الفرات أيضا والعيون كلهن فيضا فغرقهم الله وأنجى نوحا " ومن معه في السفينة، فقلت له: فكم لبث نوح عليه السلام ومن معه في السفينة حتى نضب الماء وخرجوا منها ؟ فقال: لبثوا فيها سبعة أيام ولياليها، وطافت بالبيت ثم استوت على الجودي وهو فرات الكوفة، (4) فقلت له: إن مسجد الكوفة لقديم ؟ فقال: نعم وهو مصلى الأنبياء، ولقد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله حيث انطلق به جبرئيل على البراق، فلما انتهى به إلى دار السلام وهو ظهر الكوفة وهو يريد بيت المقدس قال له: يا محمد هذا مسجد أبيك آدم ومصلى الأنبياء فانزل فصل فيه، فنزل رسول الله فصلى ثم انطلق به إلى بيت المقدس فصلى، ثم إن جبرئيل عليه السلام عرج به إلى السماء. (5) بيان: في الكافي: فأين كان موضعه ؟ وكيف كان ؟ فقال: كان التنور في بيت عجوز مؤمنة في دبر قبلة ميمنة المسجد، فقلت له: فإن ذلك موضع زاوية باب الفيل اليوم، فقلت


(1) الخرزة: الثقبة. (2 - 5) مخطوط. م (3) قال اليعقوبي ما حاصله: جعلها ثلاث بيوت سفلا " ووسطا " وعلوا ". فالاسفل للدواب والوحش و السباع، والاوسط للطير، والاعلى لنوح وأهل بيته، ويجعل في الاعلى صهاريج الماء وموضعا " للطعام. (4) استظهر في الهامش أن الصحيح: وهو قرب الكوفة. [ * ]

[ 334 ]

له: فكان بدو خروج الماء إلى آخر الخبر. (1) قال الشيخ الطبرسي رحمه الله: في التنور أقوال: أولها: إنه تنور الخابزة، وأنه تنور كان لآدم على نبينا وآله وعليه السلام، فار الماء عنه علامة لنوح عليه السلام إذ نبع الماء من موضع غير معهود خروجه منه، عن ابن عباس والحسن ومجاهد، ثم اختلف في ذلك فقال قوم: إن التنور كان في دار نوح عليه السلام بعين وردة من أرض الشام، وقال قوم: بل كان في ناحية الكوفة وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام. وثانيهما: أن التنور وجه الأرض، عن ابن عباس وعكرمة والزهري واختاره الزجاج. وثالثها: أن معنى قوله: " وفار التنور " طلع الفجر وظهرت أمارات دخول النهار و تقضي الليل من قولهم: نور الصبح تنويرا "، روي ذلك عن علي عليه السلام. ورابعها: أن التنور أعلى الأرض وأشرفها، والمعنى: نبع الماء من الأمكنة المرتفعة فشبهت بالتنانير لعلوها، عن قتادة. وخامسها: أن فار التنور معناه: اشتد غضب الله عليهم ووقعت نقمته بهم، كما تقول العرب: حمى الوطيس: إذا اشتد الحرب انتهى. (2) أقول: الأظهر هو الوجه الأول لوروده في الأخبار المعتبرة، وما سيأتي من خبر الاعمش لا يصلح لمعارضتها. (3) ثم اعلم أنه اختلف في مدة مكثهم في السفينة، قال الشيخ الطبرسي بعد إيراد هذه الرواية: وفي رواية اخرى أن السفينة استقلت بما فيها فجرت على ظهر الماء مائة وخمسين يوما " بلياليها. ثم قال: وقيل: إن سفينة نوح سارت لعشر مضين من رجب فسارت ستة أشهر حتى طافت الأرض كلها، لا تستقر في موضع حتى أتت الحرم فطافت بموضع الكعبة اسبوعا "، وكان الله سبحانه رفع البيت إلى السماء ثم سارت بهم حتى انتهت إلى الجودي


(1) الروضة: 281. م (2) مجمع البيان 5: 163. م (3) لارساله وعدم توثيق من الخاصة للاعمش. [ * ]

[ 335 ]

وهو جبل بأرض الموصل فاستقرت عليه اليوم العاشر من المحرم انتهى. (1) وذكر صاحب الكامل نحوا مما ذكره أخيرا ". (2) وقال المسعودي: كان ركوبهم في السفينة يوم الجمعة لتسع عشر ليلة خلت من آذار (3) ثم أغرق الله جميع الأرض خمسة أشهر. (4) 57 - شى: عن الحسن بن علي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاءت امرأة نوح إليه وهو يعمل السفينة فقالت له: إن التنور قد خرج منه ماء فقام إليه مسرعا " حتى جعل الطبق عليه فختمه بخاتمه فقام الماء، فلما فرغ نوح من السفينة جاء إلى خاتمه ففضه وكشف الطبق ففار الماء (5) 58 - شى: أبو عبيدة الخزاعي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: مسجد كوفان فيه فار التنور ونجرت السفينة وهو سرة بابل ومجمع الأنبياء. (6) 59 - شى: عن سلمان الفارسي، عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث له في فضل مسجد الكوفة: فيه نجر نوح سفينته، وفيه فار التنور، وبه كان بيت نوح ومسجده. (7) 60 - شى: عن الأعمش يرفعه إلى علي عليه السلام في قوله: " حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور " فقال: أما والله ما هو تنور الخبز. ثم أومأ بيده إلى الشمس فقال: طلوعها. (8) 61 - شى: عن إسماعيل بن جابر الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صنعها في


(1) مجمع البيان 5: 164. م (2) كامل التواريخ ج 1: 29. م (3) قال اليعقوبي: فكان ابتداؤه لسبع عشرة ليلة خلت من أيار إلى ثلاث عشرة ليلة خلت من تشرين الاول، وروى بعضهم أن نوحا " ركب السفينة أول يوم من رجب واستوت على الجودى في المحرم فصار اول الشهور بعده، وأهل الكتاب يخالفون في هذا، ولما استوت على الجودى وهو جبل بناحية الموصل أمر الله تعالى ماء السماء فرجع من حيث جاء وأمر الأرض فبلعت ماءها فاقام نوح يعد وقوف السفينة أربعة أشهر ثم بعث الغراب ليعرف خبر الماء فوجد الجيف طافية على الماء فوقع عليها ولم يرجع، ثم أرسل الحمامة فجاءت بورقة زيتون فعلم أن الماء قد ذهب فخرج لسبع وعشرين من أيار، فكان بين دخوله السفينة وخروجه سنة كاملة وعشرة أيام. (4) مروج الذهب ج 1: 18. م (5 - 8) مخطوط. م [ * ]

[ 336 ]

مائة سنة، ثم أمره أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين الأزواج الثمانية التي خرج بها آدم عليه السلام من الجنة ليكون معيشة " لعقب نوح في الأرض كما عاش عقب آدم فإن الأرض تغرق وما فيها إلا ما كان معه في السفينة، قال: فحمل نوح في السفينة الأزواج الثمانية التي قال الله: " وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين " فكان زوجين من الضأن زوج يربيها الناس ويقومون بأمرها وزوج من الضأن التي تكون في الجبال الوحشية احل لهم صيدها، ومن المعز اثنين زوج يربيها الناس وزوج من الظباء، ومن البقر اثنين زوج يربيه الناس وزوج هو البقر الوحشي، ومن الإبل زوجين وهي البخاتي والعراب وكل طير وحشي أو إنسي ثم غرقت الأرض. (1) بيان: قرأ حفص (من كل) بالتنوين، والباقون أضافوا، وفسرهما المفسرون بالذكر والانثى وقالوا على القراءة الثانية معناه: احمل اثنين من كل زوجين، أي من كل صنف ذكر وصنف انثى، ولا يخفى أن تفسيره عليه السلام ينطبق على القراءتين من غير تكلف. 62 - شى: عن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام: إن نوحا " حمل الكلب في السفينة ولم يحمل ولد الزنا. (2) 63 - شى: عن عبيدالله الحلبي، عنه عليه السلام قال: ينبغي لولد الزنا أن لا تجوز له شهادة ولا يؤم بالناس، لم يحمله نوح في السفينة وقد حمل فيه الكلب والخنزير. (3) 64 - شى: عن حمران عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " وما آمن معه إلا قليل " قال: كانوا ثمانية. (4) بيان: قال الطبرسي رحمه الله: هم ثمانون إنسانا " في قول المكثرين، وقيل: اثنان وسبعون رجلا " وامرأة وبنوه الثلاثة ونساؤهم فهم ثمانية وسبعون نفسا "، وحمل معه جسد آدم عليه السلام، عن مقاتل. وقيل: عشرة أنفس، عن ابن إسحاق. وقيل: ثمانيه أنفس، عن ابن جريح وقتادة، وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام. وقيل: سبعة أنفس، عن الأعمش انتهى (5) وقال: في موضع آخر: روى الشيخ أبو جعفر في كتاب النبوة بإسناده عن حنان بن سدير،


(1 - 4) مخطوط. م (5) مجمع البيان 5: 164. م [ * ]

[ 337 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: آمن مع نوح من قومه ثمانية نفر. (1) 65 - فس: أحمد بن إدريس، عن البزنطي، عن أبان، عن موسى بن أكيل، عن العلاء بن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " ونادى نوح ابنه " فقال: ليس بابنه إنما هو ابنه من زوجته على لغة طي يقولون: لابن المرأة ابنه. (2) 66 - شى: عن موسى بن العلاء بن سيابة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " و نادى نوح ابنه " قال: ليس بابنه، إنما هو ابن امرأته وهو لغة طي، يقولون لابن امرأة ابنه، قال نوح: " رب إني أعوذ بك " إلى " الخاسرين ". (4) 67 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في قول نوح: " يا بني اركب معنا " قال: ليس بابنه، قال: قلت: إن نوحا قال: يا بني، قال: فإن نوحا قال ذلك وهو لا يعلم. (5) 68 - ين: بعض أصحابنا، عن علي بن شجرة، عن بشير النبال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الجبال تطاولت لسفينة نوح عليه السلام وكان الجودي أشد تواضعا فحط الله بها على الجودي. (6) 69 - شى: عن إبراهيم بن أبي العلاء، عن غير واحد، عن أحدهما قال: لما قال الله " يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي " قال الأرض: إنما امرت أن أبلع مائي أنا فقط، ولم اومر أن أبلع ماء السماء، قال: فبلعت الأرض ماءها، وبقي ماء السماء فصير بحرا " حول الدنيا. (7)


(1) مجمع البيان 4: 434. م (2) تفسير القمى: 304. م (3) هكذا في النسخ، والظاهر كما في البرهان وكما تقدم عن القمى انه مصحف موسى، عن العلاء بن سيابة، وهو موسى بن أكيل، وفى البرهان: " أعوذ بك " إلى " أن أكون من الخاسرين " وهو لا يخلو عن تصحيف. (4 و 5 و 7) مخطوط. (6) ين مخطوط. وفى المطبوع: " ير " ولم نجد الرواية فيه. م [ * ]

[ 338 ]

70 - شى: عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " يا أرض ابلعي ماءك " قال: نزلت بلغة الهند: اشربي. (1) 71 - شى: عن أبي بصير، عن أبي الحسن موسى (2) عليه السلام قال: قال: يا أبا محمد إن الله أوحى إلى الجبال أني واضع سفينة نوح على جبل منكن في الطوفان، فتطاولت وشمخت، (3) وتواضع جبل عندكم بالموصل يقال له الجودي فمرت السفينة تدور في الطوفان على الجبال كلها حتى انتهت إلى الجودي فوقعت عليه، فقال نوح: بارات قني بارات قني، قال: قلت: جعلت فداك أي شئ هذا الكلام ؟ فقال: اللهم أصلح اللهم أصلح. (4) 72 - شى: عن أبي بصير، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: كان نوح في السفينة فلبث فيها ما شاء الله، وكانت مأمورة فخلى سبيلها نوح، فأوحى الله إلى الجبال: إني واضع سفينة عبدي نوح على جبل منكم، فتطاولت الجبال وشمخت غير الجودي وهو جبل بالموصل، فضرب جؤجؤ السفينة (5) الجبل، فقال نوح عند ذلك: يا ماريا أتقن، وهو بالعربية: (6) رب أصلح. (7) 73 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم رفعه، عن أبي بصير، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: يا أبا محمد إن نوحا " عليه السلام كان في السفينة وكان فيها ما شاء الله، وكانت السفينة مأمورة فطافت بالبيت وهو طواف النساء، فخلى سبيلها نوح فأوحى الله عز وجل إلى الجبال: إني واضع سفينة نوح عبدي على جبل منكن، فتطاولت وشمخت، و تواضع الجودي وهو جبل عندكم فضربت السفينة بجؤجؤها الجبل، قال: فقال نوح عند ذلك: يا ماري أتقن، وهو بالسريانية: رب أصلح. (8)


(1 و 4 و 7) مخطوط. م (2) في نسخة: عن ابى الحسن الرضا. وفى البرهان هكذا: عن ابن ابى نصر (ابى بصير خ) عن ابن الحسن الرضا عليه السلام قال: قال: يا أبا النصر (يا ابا محمد خ). (3) أي تكبرت وعلت. (5) جؤجؤ السفينة: صدرها. (6) في نسخة: وهو بالعبرانية. (8) لم نجده في المصدر. م [ * ]

[ 339 ]

74 - شى: وروى كثير النواء، عن أبي جعفر عليه السلام يقول: سمع نوح صرير السفينة على الجودي فخاف عليها فأخرج رأسه من كوة كانت فيها فرفع يده وأشار بإصبعه وهو يقول: رهمان أتقن (1) وتأويله: يا رب أحسن. (2) بيان: قال الطبرسي رحمه الله: قال الزجاج: الجودي جبل بناحية آمد، وقال غيره: بقرب جزيرة الموصل، وقال أبو مسلم: الجودي: اسم لكل جبل وأرض صلبة انتهى. (3) اقول: يظهر من بعض الأخبار أنه كان بقرب الكوفة، وربما أشعر بعضها بأنه الغري. ثم روى الطبرسي خبر أبي بصير من كتاب النبوة ثم قال: وفي رواية اخرى: يا رهمان أتقن، وتأويله: يا رب أحسن. (4) 75 - شى: عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما ركب نوح في السفينة قيل: بعدا للقوم الظالمين. (5) 76 - نى: سلامة بن محمد، عن علي بن داود القمي، عن الصفار، عن ابن عيسى عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأل نوح عليه السلام ربه أن ينزل على قومه العذاب فأوحى الله إليه أن يغرس نواة من النخل فإذا بلغت فأثمرت وأكل منها أهلك قومه وأنزل عليهم العذاب، فغرس نوح النواة وأخبر أصحابه بذلك فلما بلغت النخلة وأثمرت واجتنى (6) نوح منها وأكل وأطعم أصحابه قالوا له: يا نبي الله الوعد الذي وعدتنا، فدعا نوح ربه وسأله الوعد الذي وعده، فأوحى إليه أن يعيد الغرس ثانية حتى إذا بلغ النخل وأثمر فأكل منه أنزل عليهم العذاب، فأخبر نوح عليه السلام أصحابه بذلك فصاروا ثلاث فرق فرقة ارتدت، وفرقة نافقت، وفرقة ثبتت مع نوح، ففعل نوح ذلك حتى إذا بلغت النخلة و أثمرت وأكل منها نوح وأطعم أصحابه، قالوا: يا نبي الله الوعد الذي وعدتنا، فدعا نوح ربه


(1) راجع ما حكيناه عن البرهان ذيل الخبر السادس. (2 و 5) تفسير العياشي مخطوط. م (3 و 4) مجمع البيان 5: 165. م (6) اجتنى الثمر: تناوله من شجرته. [ * ]

[ 340 ]

فأوحى إليه أن يغرس غرسه الثالثة فإذا بلغ وأثمر أهلك قومه، فأخبر أصحابه فافترقوا ثلاث فرق: فرقة ارتدت، فرقة نافقت، وفرقة ثبتت معه، حتى فعل نوح ذلك عشر مرات وفعل الله ذلك بأصحابه الذين يبقون معه فيفترقون كل فرقة ثلاث فرق على ذلك فلما كان في العاشرة جاء إليه رجل من أصحابه الخاص والمؤمنون فقالوا: يا نبي الله فعلت بنا ما وعدت أو لم تفعل فأنت صادق نبي مرسل لا نشك فيك ولو فعلت ذلك بنا، قال: فعند ذلك من قولهم أهلكهم الله لقول نوح، وأدخل الخاص معه السفينة، فنجاهم الله تعالى ونجى نوحا " معهم بعد ما صفوا وذهب الكدر منهم. (1) 77 - اقول: روى الشيخ الطبرسي رحمه الله من كتاب النبوة مرفوعا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أن بعث الله نوحا دعا قومه علانية، فلما سمع عقب هبة الله بن آدم تصديق ما في أيديهم من العلم وعرفوا أن العلم الذي في أيديهم هو العلم الذي جاء به نوح صدقوه وسلموا له، فأما ولد قابيل فإنهم كذبوه وقالوا: إن الجن كانوا قبلنا فبعث الله إليهم ملكا "، فلو أراد أن يبعث إلينا لبعث إلينا ملكا " من الملائكة. (2) 78 - يب: أحمد بن محمد، عن يعقوب بن عبد الله، عن إسماعيل بن زيد، عن الكاهلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في ذكر مسجد الكوفة: منه سارت سفينة نوح، وكان فيه نسر ويغوث ويعوق. (3) 79 - كا: محمد بن يحيى، عن بعض أصحابه، عن الوشاء، عن البطائني، عن أبي الحسن عليه السلام قال: إن سفينة نوح كانت مأمورة فطافت بالبيت حيث غرقت الأرض ثم أتت منى في أيامها، ثم رجعت السفينة وكانت مأمورة وطافت بالبيت طواف النساء. (4) أقول: قال السيد ابن طاوس في سعد السعود، وجدت في التوراة المترجم أن


(1) غيبة النعماني: 154 - 155 وتقدم في الخبر 48 أنه فعل ثلاث مرات ووقع الهلاك بعدها، وبه قال المسعودي في اثبات الوصية. (2) مجمع البيان 4: 434 م. (3) التهذيب: 193. م (4) فروع الكافي 1: 223. م [ * ]

[ 341 ]

الطوفان بقي على وجه الأرض مائة وخمسين يوما "، وأن الذين كانوا معه في السفينة من الإنس بنوه الثلاثة: سام وحام ويافث ونساؤهم، وأن جميع أيام حياة نوح تسعمائة وخمسين سنة، (1) وأن حياته بعد الطوفان كانت ثلاث مائة وخمسين سنة. وروى من كتاب القصص لمحمد بن جرير الطبري أن الله تعالى أكرم نوحا " بطاعته العزلة لعبادته، وكان طوله ثلاثمائة وستين ذراعا " بذراع زمانه، وكان لباسه الصوف، ولباس إدريس قبله الشعر، وكان يسكن في الجبال ويأكل من نبات الأرض، فجاءه جبرئيل عليه السلام بالرسالة وقد بلغ عمر نوح أربعمائة سنة وستين سنة، فقال له: ما بالك معتزلا " ؟ قال: لأن قومي لا يعرفون الله فاعتزلت عنهم، فقال له جبرئيل: فجاهدهم، فقال نوح: لا طاقة لي بهم ولو عرفوني لقتلوني، فقال له: فإن اعطيت القوة كنت تجاهدهم ؟ قال: واشوقاه إلى ذلك، فقال له نوح: من أنت ؟ قال: فصاح جبرئيل صيحة واحدة تداعت فأجابته الملائكة بالتلبية ورجت الأرض وقالت: لبيك لبيك يارسول رب العالمين، قال: فبقي نوح مرعوبا " فقال له جبرئيل: أنا صاحب أبويك آدم وإدريس، والرحمن يقرؤك السلام، وقد أتيتك بالبشارة، وهذا ثوب الصبر وثوب اليقين وثوب النصرة وثوب الرسالة والنبوة وآمرك أن تتزوج بعمورة بنت ضمران بن اخنوخ (2) فإنها أول من تؤمن بك، فمضى نوح يوم عاشورا إلى قومه وفي يده عصا بيضاء وكانت العصا تخبره بما يكن به قومه (3) وكان رؤساؤهم سبعين ألف جبار عند أصنامهم في يوم عيدهم، فنادى لا إله إلا الله، آدم المصطفى وإدريس الرفيع وإبراهيم الخليل وموسى الكليم وعيسى المسيح خلق من روح القدس


(1) تقدم الخلاف في ذلك وأن فيه أقوالا " متعددة، وان ذلك كان مدة دعوته قومه، وتقدم عن المسعودي انه عاش بعد خروجه من السفينة خمسمائة سنة، وقال اليعقوبي: ثلاثمائة وستين سنة. (2) قال اليعقوبي: وأوحى الله عزوجل إلى نوح في أيام جده اخنوخ وهو ادريس النبي وقبل أن يرفع الله ادريس، وأمره أن ينذر قومه وينهاهم عن المعاصي التى كانوا يرتكبونها ويحذرهم العذاب، فأقام على عبادة الله تعالى والدعاء لقومه وحبس نفسه على عبادة الله تعالى والدعاء لقومه لا ينكح النساء خمسمائة عام، ثم أوحى الله إليه أن ينكح هيكل بنت ناموسا بن اخنوخ اه‍. (3) كن الشئ: ستره في كنه وغطاه وأخفاه. كن العلم وغيره في نفسه: أسره. [ * ]

[ 342 ]

ومحمد المصطفى آخر الأنبياء هو شهيدي عليكم أني قد بلغت الرسالة، فارتجت الأصنام، وخمدت النيران، وأخذهم الخوف، وقال الجبارون: من هذا ؟ فقال نوح: أنا عبد الله و ابن عبده، بعثني رسولا " إليكم، ورفع صوته بالبكاء، وقال: إني لكم نذير مبين. قال: وسمعت عمورة كلام نوح فآمنت به فعاتبها أبوها وقال: أيؤثر فيك قول نوح في يوم واحد ؟ وأخاف أن يعرف الملك بك فيقتلك، فقالت عمورة: يا أبت أين عقلك وفضلك وحلمك ؟ نوح رجل وحيد ضعيف يصيح فيكم تلك الصيحة فيجري عليكم ما يجري، فتوعدها فلم ينفع، فأشار عليه أهل بيته بحبسها ومنعها الطعام فحبسها وبقيت في الحبس سنة وهم يسمعون كلامها فأخرجها بعد سنة وقد صار عليها نور عظيم وهي في أحسن حال، فتعجبوا من حياتها بغير طعام فسألوها فقالت: إنها استغاثت برب نوح عليه السلام وإن نوحا " عليه السلام كان يحضر عندها بما تحتاج إليه، ثم ذكر تزويجه بها وأنها ولدت له سام بن نوح، لأن الرواية في غير هذا الكتاب تضمنت أنه كان لنوح عليه السلام امرأتان: اسم واحدة رابعا وهي الكافرة فهلكت، وحمل نوح معه في السفينة امرأته المسلمة، وقيل: إن اسم المسلمة هيكل، وقيل ما ذكره الطبري، ويمكن أن يكون عمورة اسمها، وهيكل صفتها بالزهد. (1) 80 - أقول: روى الشيخ أحمد بن فهد في المهذب وغيره بأسانيدهم إلى المعلى بن خنيس، (2) عن الصادق عليه السلام أنه قال: يوم النيروز هو اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح عليه السلام على الجودي. الخبر. 81 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: صلى نبي الله نوح عليه السلام ومن معه ستة أشهر قعودا " لأن السفينة كانت تنكفئ بهم. (3) 82 - دعوات الراوندي: قال: لما ركب نوح عليه السلام في السفينة أبى أن يحمل العقرب معه، فقال: عاهدتك أن لا ألسع أحدا " يقول: سلام على محمد وآل محمد، وعلى نوح في العالمين. (4)


(1) سعد السعود: 40 - 41. م (2) بالتصغير. (3) نوادر الراوندي: 51. م (4) دعوات الراوندي: مخطوط. م [ * ]

[ 343 ]

* (باب 4) * * (قصة هود عليه السلام وقومه عاد) * الايات: الاعراف: " 7 " وإلى عاد أخاهم هودا " قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون * قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنريك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين * قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين * ابلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين * أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة (1) فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون * قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين * فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين 65 - 72. هود " 11 " وإلى عاد أخاهم هودا " قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون * يا قوم لا أسألكم عليه أجرا " إن أجري إلا علي الذي فطرني أفلا تعقلون * ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا " ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين * قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني اشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما ارسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما " غيركم ولا تضرونه شيئا " إن ربي على كل شئ حفيظ * ولما جاء أمرنا نجينا هودا " والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ * وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * واتبعوا في


(1) اتفق المصاحف على كتابة " بصطة " هنا بالصاد، بخلاف ما في سورة البقرة فانها بالسين، واختلف القراء في قراءتها بالسين أو الصاد في الموضعين. [ * ]

[ 344 ]

هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا " كفروا ربهم ألا بعدا " لعاد قوم هود 50 - 60. المؤمنون " 23 " ثم أنشأنا من بعدهم قرنا " آخرين * فأرسلنا فيهم رسولا " منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون * وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه و يشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا " مثلكم إنكم إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم إذ متم وكنتم ترابا " وعظاما " إنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون * إن هي إلا حيوتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا " وما نحن له بمؤمنين * قال رب انصرني بما كذبون * قال عما قليل ليصبحن نادمين * فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا " للقوم الظالمين * ثم أنشأنا من بعدهم قرونا " آخرين * ما تسبق من امة أجلها وما يستأخرون * ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء امة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا " وجعلناهم أحاديث فبعدا " لقوم لا يؤمنون 31 - 44. أقول: على بعض التفاسير تناسب تلك الآيات قصة صالح عليه السلام. الشعراء " 26 " كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا سواء علينا أو عظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا إلا خلق الأولين * وما نحن بمعذبين * فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم 123 - 140. السجدة " 41 " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقه عاد وثمود * إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما ارسلتم به كافرون * فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق و قالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا

[ 345 ]

يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحا " صرصرا " في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحيوة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون 13 - 16. الاحقاف " 46 " واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما العلم عند الله وابلغكم ما ارسلت به ولكني أريكم قوما تجهلون * فلما رأوه عارضا " مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو به ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين * ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا " وأبصارا " وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون 21 - 26. الذاريات " 51 " وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم 41 - 42. القمر " 54 " كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر * إنا أرسلنا عليهم ريحا " صرصرا " في يوم نحس مستمر * تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر 18 - 22. الحاقة " 69 " كذبت ثمود وعاد بالقارعة * فأما ثمود فاهلكوا بالطاغية * و أما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما " فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية 4 - 8. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وإلى عاد ": هو عاد بن عوص بن آدم (1) بن سام بن نوح " أخاهم " يعني في النسب " هودا " " هو هود بن شالح بن (2) أرفخشد بن


(1) هكذا في النسخ. وفى المصدر وتاريخ اليعقوبي: عاد بن عوص بن ارم، وفى العرائس: عاد بن عوض بن ارم. (2) الصحيح كما في المصدر وإثبات الوصية وتاريخ اليعقوبي وغيرها: " شالخ " بالخاء المعجمة. [ * ]

[ 346 ]

سام بن نوح، عن محمد بن إسحاق، وقيل: هود بن عبد الله بن رباح بن حلوث (1) بن عاد بن عوص بن آدم بن سام بن نوح، وكذا هو في كتاب النبوة (2) " في سفاهة " أي جهالة " أمين " أي ثقة مأمون في تبليغ الرسالة فلا أكذب ولا اغير، أو كنت مأمونا " فيكم فكيف تكذبونني ؟ " إذ جعلكم خلفاء " أي جعلكم سكان الأرض " من بعد قوم نوح " وهلاكهم بالعصيان " وزادكم في الخلق بصطة " أي طولا " وقوة، عن ابن عباس، قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعا "، وقيل: كان أقصرهم اثني عشر ذراعا "، وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: كانوا كأنهم النخل الطوال، فكان الرجل منهم ينحو الجبل بيده فيهدم منه قطعة، وقيل: كانوا أطول من غيرهم بمقدار أن يمد الإنسان يده فوق رأسه باسطا " " بما تعدنا " أي من العذاب " إن كنت من الصادقين " في أنك رسول الله إلينا، وفي نزول العذاب بنا لو لم نترك عبادة الاصنام " قد وقع عليكم " أي وجب عليكم وحل بكم لا محالة فهو كالواقع " من ربكم رجس " أي عذاب " وغضب " إرادة عقاب " أتجادلونني " أي تخاصمونني " في أسماء " أي في أصنام صنعتموها " أنتم وآباؤكم " واخترعتم لها أسماء فسميتموها آلهة، وقيل: معناه: تسميتهم لبعضها أنه يسقيهم المطر، والآخر أنه يأتيهم بالرزق، والآخر أنه يشفي المرضى، والآخر أنه يصحبهم في السفر " من سلطان " أي حجة وبرهان " فانتظروا " عذاب الله " وقطعنا " أي استأصلناهم فلم يبق لهم نسل ولا ذرية. (3) وروى أبو حمزة الثمالي، عن سالم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن لله تبارك وتعالى بيت ريح مقفل عليه لو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض ما أرسل على قوم عاد إلا قدر الخاتم. وكان هود و صالح وشعيب وإسماعيل ونبينا صلى الله عليهم يتكلمون بالعربية. (4) " يرسل السماء " أي المطر " عليكم مدرارا " " أي متتابعا " متواترا " دارا "، قيل: إنهم كانوا قد أجدبوا فوعدهم هود أنهم إن تابوا أخصبت بلادهم وأمرعت وهادهم، (5) وأثمرت أشجارهم، وزكت ثمارهم


(1) في المصدر وفيما يأتي عن القصص " الجلوث " بالجيم. (2) وكذا في تاريخ اليعقوبي الا انه قال: الخلود بن عاد، وسيأتى كلامه في ذلك. (3) مجمع البيان 4: 436 - 438. م (4) مجمع البيان 4: 439. م (5) أمرعت أي أخصبت وكثر فيه العشب. والوهاد جمع الوهدة: الارض المنخفضة. الهوة في الارض. [ * ]

[ 347 ]

بنزول الغيث " ويزدكم قوة إلى قوتكم " فسرت القوة ههنا بالمال والولد والشدة، وقيل: قوة في إيمانكم إلى قوة في أبدانكم " ولا تتولوا " عما أدعوكم إليه " مجرمين " أي كافرين " ببينة " أي بحجة ومعجزة " عن قولك " أي بقولك، وإنما نفوا البينة عنادا " وتقليدا " " إن نقول إلا اعتراك " أي لسنا نقول فيك إلا أنه أصابك بعض " آلهتنا بسوء " فخبل عقلك لسبك إياها " فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون " أي فاحتالوا واجتهدوا أنتم وآلهتكم في إنزال مكروه بي ثم لا تمهلوني، وهذا من أعظم الآيات أن يكون الرسول وحده و امته متعاونة عليه فلا يستطيع واحد منهم ضره " إلا هو آخذ بناصيتها " كناية عن القهر والقدرة، لأن من أخذ بناصية غيره فقد قهره وأذله " إن ربي على صراط مستقيم " أي على عدل فيما يعامل به عباده وفي تدبير عباده على طريق مستقيم لا عوج فيه " ويستخلف ربي قوما " غيركم " أي يهلككم ربي بكفركم ويستبدل بكم قوما غيركم يوحدونه " ولا تضرونه " إذا استخلف غيركم، أو لا تضرونه بتوليكم وإعراضكم " شيئا " " ولا ضرر عليه في إهلاككم لأنه لم يخلقكم لحاجة منه إليكم " والذين آمنوا معه " قيل: كانوا أربعة آلاف " برحمة منا " أي بما أريناهم من الهدى إن تعلق بآمنوا، أو بنعمة إن تعلق بأنجينا " من عذاب غليظ " أي عذاب الآخرة أو الدنيا، والغليظ: الثقيل العظيم " واتبعوا " أي بعد إهلاكهم في الدنيا بالإبعاد عن الرحمة، فإن الله أبعدهم من رحمته وتعبد المؤمنين باللعن عليهم. (1) " من بعدهم " أي من بعد قوم نوح " قرنا " آخرين " القرن: أهل العصر، يعني قوم هود، وقيل: ثمود لأنهم اهلكوا بالصيحة " وأترفناهم " أي نعمناهم بضروب الملاذ " عما قليل " أي عن قليل من الزمان، و (ما) مزيدة، أي عند نزول العذاب " فأخذتهم الصيحة " صاح بهم جبرئيل عليه السلام صيحة واحدة ماتوا عن آخرهم " بالحق " باستحقاقهم العقاب " فجعلناهم غثاء " " هو ما جاء به السيل من نبات قد يبس أي فجعلناهم هلكى قد يبسوا كما يبس الغثاء وهمدوا (2) " فبعدا " " أي ألزم الله بعدا من الرحمة " للقوم الظالمين " المشركين " تترى " أي متواترة يتبع بعضها بعضا " " أحاديث " أي يتحدث بهم على طريق المثل في الشر. (3)


(1) مجمع البيان 5: 170 - 171. م (2) همد القوم: ماتوا. همد شجر الارض: بلى وذهب. (3) مجمع البيان 7: 106 - 108. م [ * ]

[ 348 ]

" بكل ريع " أي بكل مكان مرتفع، أو بكل طريق " آية تعبثون " أي بناء لا تحتاجون إليه لسكناكم، وقيل: إنهم كانوا يبنون بالمواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة (1) فيسخروا منهم ويعبثوا بهم، وقيل: إن هذا في بنيان الحمام أنكر هود عليهم اتخاذهم بروجا " للحمام عبثا " وتتخذون مصانع " أي حصونا " وقصورا " مشيدة، وقيل: مأخذ الماء تحت الأرض " لعلكم تخلدون " أي كأنكم تخلدون فيها " وإذا بطشتم " البطش: الأخذ باليد، أي إذا بطشتم بأحد تريدون إنزال عقوبة به عاقبتموه عقوبة من يريد التجبر بارتكاب العظائم، وقيل: أي إذا عاقبتم قتلتم " أمدكم " الإمداد: إتباع الثاني بما قبله شيئا " بعد شئ على انتظام " إن هذا إلا خلق الأولين " أي كذب الأولين الذين ادعوا النبوة، أو هذا الذي نحن عليه مما ذكرت عادة الأولين من قبلنا. (2) " في أيام نحسات " أي نكدات مشومات، (3) وقيل: ذوات غبار وتراب حتى لا يكاد يبصر بعضهم بعضا "، وقيل: باردات، والعرب يسمي البرد نحسا ". (4) " لتأفكنا " أي لتصرفنا " إنما العلم عند الله " إي هو يعلم متى يأتيكم العذاب " عارضا " " أي سحابا " يعرض في ناحية السماء ثم يطبق السماء " مستقبل أوديتهم " قالوا: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياما " فساق الله إليهم سحابة سوداء أخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث " فلما رأوه " استبشروا " وقالوا هذا عارض ممطرنا " فقال هود: " بل هو ما استعجلتم به " من العذاب " تدمر " أي تهلك كل شئ مرت به من الناس والدواب والأموال، واعتزل هود ومن معه في حظيرة لم يصبهم من تلك الريح إلا ما تلين على الجلود وتلتذ به الأنفس وإنما لتمر على عاد بالظعن ما بين السماء والأرض حتى ترى الظعينة كأنها جرادة " فيما إن مكناهم فيه " أي في الذي ما مكناكم فيه من قوة الأبدان وبسطة الأجسام وطول العمر


(1) السابلة: الطريق المسلوكة، المارون عليها. (2) مجمع البيان 7: 198. م (3) النحس: نقيض السعد. الغبار في أقطار السماء. الريح الباردة إذا أوبرت. ويأتى تفسيره بالاول في الخبر الثامن. (4) مجمع البيان 9: 8. وفيه: هذا قول ابى مسلم. م [ * ]

[ 349 ]

وكثرة الأموال، وقيل: معناه: فيم مكناكم فيه، " و (إن) مزيدة، أي من الطاعات والإيمان " وحاق بهم " أي حل بهم. (1) " الريح العقيم " هي التي عقمت عن أن تأتي بخير " كالرميم " أي كالشئ الهالك البالي وهو نبات الأرض إذا يبس وديس، وقيل: هو العظم البالي السحيق. (2) " ونذر " أي وإنذاري إياهم " مستمر " أي دائم الشوم استمر عليهم بنحوسته " سبع ليال وثمانية أيام " حتى أتت عليهم، وقيل: إنه كان في يوم أربعاء في آخر الشهر لا يدور، رواه العياشي بالإسناد عن أبي جعفر عليه السلام " تنزع الناس " أي تقتلع هذه الريح الناس ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم فيصرون " كأنهم أعجاز نخل منقعر " أي أسافل نخل منقلع لأن رؤوسهم سقطت عن أبدانهم، وقيل: معناه: تنزعهم من حفر حفروها ليمتنعوا بها عن الريح، وقيل: تنزع أرواح الناس. (3) " بالقارعة " أي بيوم القيامة " عاتية " عتت على خزانها في شدة الهبوب، وروى الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: ما يخرج من الريح شئ إلا عليها خزان يعلمون قدرها وعددها وكيلها حتى كانت التي ارسلت على عاد فاندفق منها فهم لا يعلمون قدرها (4) غضبا " لله فلذلك سميت عاتية " سخرها عليهم " أي سلطها وأرسلها عليهم " سبع ليال و ثمانية أيام " قال وهب: وهي التي تسميها العرب أيام العجوز ذات برد ورياح شديدة وإنما نسبت إلى العجوز لأن عجوزا " دخلت سربا " فتبعتها الريح فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب في اليوم الثامن " فترى القوم فيها " أي في تلك الأيام و الليالي " صرعى " أي مصروعين هلكى " كأنهم أعجاز نخل خاوية " أي اصول نخل بالية نخرة، وقيل: خالية الأجواف، وقيل: ساقطة " من باقية " أي من نفس باقية، وقيل: من بقاء. (5)


(1) مجمع البيان 9: 90 - 91. م (2) مجمع البيان: 159. م (3) مجمع البيان: 189 - 190. م (4) قد تقدم عن ابى جعفر عليه السلام أنه ما ارسل على قوم عاد الا قدر الخاتم ويأتى عن القمى عنه عليه السلام مثل ذلك، ويأتى وجه تسميتها عاتية. (5) مجمع البيان 10: 343 - 344. م [ * ]

[ 350 ]

1 - ص: هو هود بن عبد الله بن رباح بن جلوث (1) بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح. (2) أقول: كذا ذكره صاحب الكامل أيضا " ثم قال: ومن الناس من يزعم أن هود هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. (3) 2 - فس: " وإلى عاد أخاهم هودا " قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون * يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون " قال: إن عادا " كانت بلادهم في البادية من الشقوق (4) إلى الأجفر أربعة منازل، وكان لهم ذرع ونخل كثير، ولهم أعمار طويلة وأجسام طويلة، فعبدوا الأصنام، وبعث الله إليهم هودا " يدعوهم إلى الإسلام وخلع الأنداد فأبوا ولم يؤمنوا بهود وآذوه، فكف السماء عنهم سبع سنين حتى قحطوا، وكان هود زراعا " وكان يسقي الزرع فجاء قوم إلى بابه يريدونه، فخرجت عليهم امرأته شمطاء عوراء فقالت: من أنتم ؟ فقالوا: نحن من بلاد كذا وكذا، أجدبت بلادنا فجئنا إلى هود نسأله أن يدعو الله لنا حتى تمطر وتخصب بلادنا، فقالت: لو استجيب لهود لدعا لنفسه فقد احترق زرعه لقلة الماء، قالوا: فأين هو ؟ قالت: هو في موضع كذا وكذا، فجاؤوا إليه فقالوا: يا نبي الله قد أجدبت بلادنا ولم نمطر فاسأل الله أن تخصب بلادنا ونمطر، (5) فتهيأ للصلاة وصلى ودعا لهم فقال لهم: ارجعوا فقد امطرتم


(1) قد عرفت قبل ذلك أن اليعقوبي قال: الخلود بدل جلوث، أورد ذلك في ترجمة ناحور بن ساروغ جد ابراهيم عليه السلام، قال: وكان ناحور مكان أبيه، فكثرت عبادة الاصنام في زمانه (إلى ان قال): وكانت حياة ناحور مائة وثماني وأربعين سنة، وكانت جبابرة ذلك العصر عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، وكانوا قد انتشروا في البلاد، وكانت منازلهم بين أعالي حضرموت إلى أودية نجران. فلما عاثوا وعتوا بعث الله تبارك وتعالى هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود ابن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الله والعمل بطاعته واجتناب المحارم فكذبوه فقطع الله عنهم المطر ثلاث سنين اه‍. (2) مخطوط. (3) كامل التواريخ 1. 33 - 34. وفيه: ومن الناس من يزعم انه هود، وهو عابر اه‍. م (4) في نسخة: الشقق. الصحيح الشقوق بضم الشين، قال ياقوت: هو منزل بطريق مكة بعد واقصة من الكوفة وبعدها تلقاء مكة بطان وقبر العبادي وهو لبنى سلامة من بنى اسد، والشقوق ايضا من مياه ضبة بارض اليمامة. (5) في نسخة: وتمطر. [ * ]

[ 351 ]

فأخصبت بلادكم، فقالوا: يا نبي الله إنا رأينا عجبا، قال: وما رأيتم ؟ قالوا: رأينا في منزلك امرأة شمطاء عوراء، قالت لنا: من أنتم ؟ ومن تريدون ؟ قلنا: جئنا إلى نبي الله هود ليدعو الله لنا فنمطر، فقالت: لو كان هود داعيا " لدعا لنفسه فإن زرعه قد احترق، فقال هود: ذاك امرأتي (1) وأنا أدعو الله لها بطول البقاء، فقالوا: فكيف ذلك ؟ قال: لأنه ما خلق الله مؤمنا إلا وله عدو يؤذبه وهي عدوتي، فلئن يكون عدوي ممن أملكه خير من أن يكون عدوي ممن يملكني، فبقي هود في قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن عبادة الأصنام حتى تخصب بلادهم وأنزل الله عليهم (2) المطر وهو قوله عزوجل: " ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا " ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين " فقالوا كما حكى الله عزوجل: " ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين " إلى آخر الآية، فلما لم يؤمنوا أرسل الله عليهم الريح الصرصر يعني الباردة وهو قوله في سورة القمر: " كذبت عاد فكيف كان عذابي و نذر * إنا أرسلنا عليهم ريحا " صرصرا في يوم نحس مستمر " وحكى في سورة الحاقة فقال: " وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما " قال: كان القمر منحوسا " بزحل سبع ليال وثمانية أيام، فحدثني أبي عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الريح العقب تخرج من تحت الأرضين السبع وما خرج منها شئ قط إلا على قوم عاد حين غضب عليهم، فأمر الخزان أن يخرجوا منها مثل سعة الخاتم فعصت على الخزنة فخرج منها مثل مقدار منخر الثور تغيظا منها على قوم عاد، فضج الخزنة إلى الله من ذلك وقالوا: يا ربنا إنها قد عتت (3) علينا ونحن نخاف أن يهلك من لم يعصك من خلقك وعمار بلادك فبعث الله جبرئيل فردها بجناحه وقال لها: اخرجي على ما امرت به، فرجعت وخرجت على ما امرت به فاهلكت قوم عاد ومن كان بحضرتهم. (4)


(1) في المصدر: ذلك اهلي. م (2) في نسخة: وينزل الله عليهم. (3) في المصدر: قد عصت. م (4) تفسير القمى: 305 - 306. م [ * ]

[ 352 ]

بيان: الأجفر موضع بين الخزيمة وفيد. (1) وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " صرصرا " ": أي شديدة الهبوب، عن ابن زيد وقيل: باردة، عن ابن عباس وقتادة، من الصر وهو البرد. (2) وقال في قوله تعالى: " حسوما " ": أي ولاء متتابعة ليست لها فترة، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة، كأنه تتابع عليهم الشر حتى استأصلهم، وقيل: دائمة، عن الكلبي ومقاتل، وقيل: قاطعة قطعتهم قطعا حتى أهلكتهم، عن الخليل، وقيل: مشائيم نكدا قليلة الخير حسمت الخير عن أهلها، عن عطية انتهى. (3) أقول: لعل الخبر مبني على القول الأخير إن كان تفسيرا " لقوله تعالى: " حسوما " كما هو الظاهر. 3 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، (4) عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن لله تعالى رياح رحمة ورياح عذاب، فإن شاء الله أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل، قال: ولن يجعل الرحمة من الريح عذابا "، قال: وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبالا " عليهم إلا من بعد تحولهم من طاعته، قال: وكذلك فعل بقوم يونس لما آمنوا رحمهم الله بعد ما قد كان قدر عليهم العذاب وقضاه، ثم تداركهم برحمته فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم، وذلك لما آمنوا به وتضرعوا إليه، قال: و أما الريح العقيم فإنها ريح عذاب لا تلقح شيئا " من الأرحام ولا شيئا " من النبات، وهي ريح تخرج من تحت الأرضين السبع وما خرجت منها ريح قط إلا على قوم عاد. وساق الحديث إلى آخر ما مر. (5)


(1) الاجفر بضم الفاء. وقال ياقوت: الخزيمية تصغير خزيمة وهو منزل من منازل الحاج بعد الثعلبية من الكوفة وقبل الاجفر. وقال قوم: بينه وبين الثعلبية اثنان وثلاثون ميلا، وقيل: انه بالحاء. وفيد بالفتح ثم السكون: منزل بطريق مكة. (2) مجمع البيان 9: 189 - 190. م (3) مجمع البيان 10: 344. م (4) بفتح الخاء وتشديد الراء وضم الباء. (5) الروضة: 92. م [ * ]

[ 353 ]

4 - فس: " واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف " والأحقاف من بلاد عاد من الشقوق إلى الأجفر وهي أربعة منازل، قال: حدثني أبي قال: أمر المعتصم أن يحفر بالبطاينة بئر، فحفروا ثلاث مائة قامة فلم يظهر الماء فتركه ولم يحفره، فلما ولى المتوكل أمر أن يحفر ذلك البئر أبدا " حتى يبلغ الماء فحفروا حتى وضعوا في كل مائة قامة بكرة حتى انتهوا إلى صخرة فضربوها بالمعول فانكسرت فخرج عليهم منها ريح باردة فمات من كان بقربها، فأخبروا المتوكل بذلك فلم يعلم ما ذاك فقالوا: سل ابن الرضا عن ذلك و هو أبو الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام، فكتب إليه يسأله عن ذلك، فقال أبو الحسن: تلك بلاد الأحقاف وهم قوم عاد الذين أهلكهم الله بالريح الصرصر، ثم حكى الله قول قوم عاد: " قالوا أجئتنا لتأفكنا " أي تزيلنا بكذبك " عما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا " من العذاب " إن كنت من الصادقين " وكان نبيهم هود، وكانت بلادهم كثيرة الخير خصبة فحبس الله عنهم المطر سبع سنين حتى أجدبوا، وذهب خيرهم من بلادهم وكان هود يقول لهم ما حكى الله: " استغفروا ربكم ثم توبوا إليه " إلى قوله: " ولا تتولوا مجرمين " فلم يؤمنوا وعتوا، فأوحى الله إلى هود أنه يأتيهم العذاب في وقت كذا وكذا ريح فيها عذاب أليم، فلما كان ذلك الوقت نظروا إلى سحاب قد أقبلت ففرحوا فقالوا: " هذا عارض ممطرنا " الساعة يمطر، (1) فقال لهم هود عليه السلام: " بل هو ما استعجلتم به " في قوله: " ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " " ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شي بأمر ربها " فلفظه عام ومعناه خاص لأنها تركت أشياء كثيرة لم تدمره، وإنما دمرت ما لهم كله، فكان كما قال الله: " فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم " وكل هذه الأخبار من هلاك الامم تخويف وتحذير لامة محمد صلى الله عليه وآله. وأما قوله: " وقد مكناهم " الآية، أي قد أعطيناهم فكفروا فنزل بهم العذاب فاحذروا أن ينزل بكم ما نزل بهم. (2) 5 - يه: قال علي عليه السلام: الرياح خمسة منها العقيم فنعوذ بالله من شرها. (3)


(1) في المصدر: الساعة نمطر. م (2) تفسير القمى: 622 - 623. م (3) لم نجده. م [ * ]

[ 354 ]

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما خرجت ريح قط إلا بمكيال إلا زمن عاد فإنها عتت على خزانها فخرجت في مثل خرق الابرة فأهلكت قوم عاد. (1) 6 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب وهاشم بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن لله جنودا " من الرياح يعذب بها من يشاء ممن عصاه، ولكل ريح منها ملك موكل بها، فإذا أراد الله أن يعذب قوما " بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكل بذلك النوع من الريح التي يريد أن يعذبهم بها، قال: فيأمر بها الملك فتهيج كما يهيج الأسد المغضب، قال: ولكل ريح منهن اسم، أما تسمع قوله تعالى: " كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر * إنا أرسلنا عليهم ريحا " صرصرا " في يوم نحس مستمر " وقال تعالى: " الريح العقيم " وقال: " ريح فيها عذاب أليم " وقال: " وأصابها إعصار فيه نار فاحترقت " وما ذكر من الرياح التي يعذب الله بها من عصاه، الخبر. (2) 7 - فس: " وإذا بطشتم بطشتم جبارين " قال: تقتلون بالغضب من غير استحقاق. (3) 8 - فس: " إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم " يعني نوحا " وإبراهيم وموسى و عيسى والنبيون " ومن خلفهم " أنت " فقالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة " لم يبعث بشرا " مثلنا. وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: " فأرسلنا عليهم ريحا " صرصرا " " والصرصر: الريح الباردة " في أيام نحسات " أيام مشائيم. (4) 9 - فس: " إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم " وهي التي لا تلقح الشجر ولا تنبت النبات. (5) 10 - فس: " إن أرسلنا عليهم ريحا " صرصرا " " أي باردة. (6)


(1) لم نجده. م (2) الروضة: 91. وللخبر صدر لم يذكره المصنف. م (3) تفسير القمى: 473 - 474. م (4) تفسير القمى: 591. م (5) تفسير القمى: 448. م (6) تفسير القمى: 657. م [ * ]

[ 355 ]

11 - فس: " بريح صرصر " أي باردة " عاتية " قال: خرجت أكثر مما امرت به " حسوما " " قال: كان القمر منحوسا " بزحل سبع ليال وثمانية أيام حتى هلكوا. (1) 12 - ع: بالإسناد عن وهب قال: إن الريح العقيم تحت هذه الأرض التي نحن عليها قد زمت بسبعين ألف زمام من حديد، قد وكل بكل زمام سبعون ألف ملك، فلما سلطها الله عزوجل على عاد استأذنت خزنة الريح ربها عزوجل أن تخرج منها مثل منخري الثور، ولو أذن الله عزوجل لها ما تركت شيئا على ظهر الأرض إلا أحرقته فأوحى الله عزوجل إلى خزنة الريح أن أخرجوا منها مثل ثقب الخاتم فاهلكوا بها، وبها ينسف الله عزوجل الجبال نسفا " والتلال والآكام والمدائن والقصور يوم القيامة، وذلك قوله عزوجل: " ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا " * فيذرها قاعا " صفصفا " * لا ترى فيها عوجا " ولا أمتا " " والقاع: الذي لا نبات فيه. والصفصف: الذي لا عوج فيه: والأمت: المرتفع: وإنما سميت العقيم لأنها تلقحت بالعذاب وتعقمت عن الرحمة كتعقم الرجل إذا كان عقيما " لا يولد له، وطحنت تلك القصور والحصون والمدائن والمصانع حتى عاد ذلك كله رملا " دقيقا " تسفيه الريح، فذلك قوله عزوجل: " ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم " وإنما كثر الرمل في تلك البلاد لأن الريح طحنت تلك البلاد، عصفت (2) عليهم " سبع ليال وثمانية أيام حسوما " فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية " والحسوم: الدائمة، ويقال: المتنابعة الدائمة. وكانت ترفع الرجال والنساء فتهب بهم صعدا " ثم ترمي بهم من الجو فيقعون على رؤوسهم منكبين، (3) تقلع الرجال والنساء من تحت أرجلهم ثم ترفعهم، فذلك قوله عزوجل: " تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر " والنزع: القلع، وكانت الريح تعصف الجبل كما تعصف (4) المساكن فتطحنها ثم تعود رملا " دقيقا "، فمن هناك لا يرى في الرمل جبل، وإنما سميت عاد إرم ذات العماد من أجل أنهم كانوا يسلخون العمد من الجبال فيجعلون طول العمد مثل طول الجبل الذي يسلخونه من أسفله إلى أعلاه


(1) تفسير القمى: 694. م (2) في المصدر: وعصفت. م (3) الظاهر أنه مصحف منكسين كما يأتي في الخبر 15. (4) في نسخة: " تقصف " في الموضعين. [ * ]

[ 356 ]

ثم ينقلون تلك العمد فينصبونها، ثم يبنون القصور عليها فسميت ذات العماد لذلك (1) 13 - ج: روي عن علي بن يقطين أنه قال: أمر أبو جعفر الدوانيقي يقطين أن يحفر بئرا " بقصر العبادي، فلم يزل يقطين في حفرها حتى مات أبو جعفر ولم يستنبط منها الماء، فأخبر المهدي بذلك فقال له: احفر أبدا " حتى تستنبط الماء ولو أنفقت عليها جميع ما في بيت المال، قال: فوجه يقطين أخاه أبا موسى في حفرها، فلم يزل يحفر حتى ثقبوا ثقبا " في أسفل الأرض فخرجت منه الريح، قال: فهالهم ذلك فأخبروا به أبا موسى فقال: انزلوني، قال: وكان رأس البئر أربعين ذراعا " في أربعين ذراع، فاجلس في شق محمل ودلي في البئر، فلما صار في قعرها نظر إلى هول وسمع دوي الريح في أسفل ذلك، فأمرهم أن يوسعوا الخرق فجعلوه شبه الباب العظيم، ثم دلي فيه رجلان في شق محمل فقال: ائتوني بخبر هنا ما هو، قال: فنزلا في شق محمل فمكثا مليا " ثم حركا الحبل فاصعدا، فقال لهما: ما رأيتما ؟ قالا: امرا " عظيما " رجالا " ونساء " وبيوتا " وآنية ومتاعا " كله مسوخ من حجارة فأما الرجال والنساء فعليهم ثيابهم فمن بين قاعد ومضطجع ومتكئ، فلما مسسناهم إذا ثيابهم تتفشى شبه الهباء، ومنازل قائمة، قال: فكتب بذلك أبو موسى إلى المهدي، فكتب المهدي إلى المدينة إلى موسى بن جعفر عليه السلام يسأله أن يقدم عليه، فقدم عليه فأخبره فبكى بكاء شديدا " وقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء بقية قوم عاد غضب الله عليهم فساخت بهم منازلهم، هؤلاء أصحاب الأحقاف، قال: فقال له المهدي: يا أبا الحسن وما الأحقاف ؟ قال: الرمل. (2) بيان: قال الطبرسي قدس سره: الأحقاف جمع حقف وهو الرمل المستطيل العظيم لا يبلغ أن يكون جبلا "، قال المبرد: هو الرمل الكثير المكتنز غير العظيم وفيه اعوجاج، ثم قال: هو واد بين عمان ومهرة (3) عن ابن عباس، وقيل: رمال فيما بين عمان إلى حضرموت


(1) علل الشرائع: 23. م (2) الاحتجاج: 211. م (3) بالتحريك: بلاد تنسب إلى مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، بينه وبين عمان نحو شهر وكذلك بينه وبين حضرموت. وحضرموت بالفتح فالسكون ثم الفتح فالضم: ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة تعرف بالاحقاف وبها قبر هود، وبقربها بئر برهوت. [ * ]

[ 357 ]

عن ابن إسحاق، وقيل: رمال مشرفة على البحر بالشجر (1) من اليمن، عن قتادة، وقيل: أرض خلالها رمال، عن الحسن. (2) 14 - مع: معنى هود إنه هدى إلى ما ضل عنه قومه وبعث ليهديهم من ضلالتهم ومعنى الريح العقيم التي أهلك الله عزوجل بها عادا أنها تلقحت بالعذاب وتعقمت عن الرحمة كتعقم الرجل إذا كان عقيما " لا يولد له، فطحنت تلك القصور والحصون والمدائن والمصانع حتى عاد ذلك كله رملا " دقيقا " تسفيه الريح، ومعنى ذات العماد أوتادا " كانوا يسلخون العمد من الجبال فيجعلون طول العمد مثل طول الجبل الذي يسلخونه من أسفله إلى أعلاه ثم ينقلون تلك العمد فينصبونها، ثم يبنون فوقها القصور، فسميت ذات العماد لذلك. (3) 15 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب قال: كان من أمر عاد أن كل رمل على ظهر الأرض وضعه الله لشئ من البلاد كان مساكن في زمانها وقد كان الرمل قبل ذلك في البلاد ولكن لم يكن كثيرا " حتى كان زمان عاد وإن ذلك الرمل كانت قصورا " مشيدة وحصونا ومدائن ومصانع ومنازل وبساتين، وكانت بلاد عاد أخصب بلاد العرب وأكثرها أنهارا " وجنانا "، فلما غضب الله عليهم وعتوا على الله تعالى وكانوا أصحاب الأوثان يعبدونها من دون الله فأرسل الله عليهم الريح العقيم، وإنما سميت العقيم لأنها تلقحت بالعذاب، وعقمت عن الرحمة، وطحنت تلك القصور والحصون والمدائن والمصانع حتى عاد ذلك كله رملا " دقيقا " تسفيه الريح، وكانت تلك الريح ترفع الرجال والنساء فتهب بهم صعدا ثم ترمي بهم من الجو فيقعون على رؤوسهم منكسين، وكانت عاد ثلاثة عشر قبيلة وكان هود عليه السلام في حسب عاد وثروتها، وكان أشبه ولد آدم بآدم صلوات الله عليهما، وكان رجلا " آدم كثير الشعر حسن الوجه ولم يكن أحد من الناس أشبه بآدم منه إلا ما كان من يوسف بن يعقوب عليه السلام. فلبث هود فيهم زمانا " طويلا " يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك


(1) هكذا في النسخ، والصحيح كما في المصدر ومعجم البلدان " الشحر " بالحاء، وهو بالكسر ثم السكون: صقع على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن، قال الاصمعي: هو بين عدن وعمان. (2) مجمع البيان 9: 89. م (3) معاني الاخبار: 18 وفيه: ان عادا كانوا يسلخون اه‍. م [ * ]

[ 358 ]

بالله تعالى وظلم الناس ويخوفهم بالعذاب، فلجوا (1) وكانوا يسكنون أحقاف الرمال، وإنه لم يكن امة أكثر من عاد ولا أشد منهم بطشا "، فلما رأوا الريح قد أقبلت عليهم قالوا لهود: أتخوفنا بالريح ؟ فجمعوا ذراريهم وأموالهم في شعب من تلك الشعاب، ثم قاموا على باب ذلك الشعب يردون الريح عن أموالهم وأهاليهم، فدخلت الريح من تحت أرجلهم بينهم وبين الأرض حتى قلعتهم فهبت بهم صعدا "، ثم رمت بهم من الجو، ثم رمت بهم الريح في البحر، وسلط الله عليهم الذر فدخلت في مسامعهم، وجاءهم من الذر ما لا يطاق قبل أن يأخذهم الريح، فسيرهم من بلادهم وحال بينهم وبين موادهم حتى أتاهم الله، فقد كان سخر لهم من قطع الجبال والصخور والعمد والقوة على ذلك والعمل به شيئا " لم يسخره لأحد كان قبلهم ولا بعدهم، وإنما سميت ذات العماد من أجل أنهم يسلخون العمد من الجبال فيجعلون طول العمد مثل طول الجبل الذي يسلخونه منه من أسفله إلى أعلاه، ثم ينقلون تلك العمد فينصبونها، ثم يبنون فوقها القصور، وقد كانوا ينصبون تلك العمد أعلاما " في الأرض على قوارع الطريق: وكان كثرتهم بالدهناء ويبرين وعالج (2) إلى اليمن إلى حضرموت. وسئل وهب عن هود أكان أبا اليمن الذي ولدهم ؟ فقال: لا ولكنه أخو اليمن الذي في التوراة تنسب إلى نوح عليه السلام، فلما كانت العصبية بين العرب وفخرت مضر بأبيها إسماعيل ادعت اليمن هودا أبا ليكون لهم أب ووالد من الأنبياء، وليس بأبيهم ولكنه أخوهم، ولحق هود ومن آمن معه بمكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا، وكذلك فعل صالح عليه السلام بعده وقد سلك فج الروحاء (3) سبعون ألف نبي حجاجا " عليهم ثياب الصوف


(1) أي تمادوا في العناد إلى الفعل المزجور عنه. (2) دهناء بالفتح ثم السكون تمد وتقصر من ديار بنى تميم معروفة، وقيل: هي سبعة أجبل من الرمل في عرضها، بين كل جبلين شقيقة، وطولها من حزن ينسوعة إلى رمل يبرين. ويبرين بالفتح فالسكون وكسر الراء قيل: هو رمل لا تدرك أطرافه عن يمين مطلع الشمس من حجر اليمامة. و قيل: يبرين: باعلى بلاد بنى سعد. وقيل فيه غير ذلك راجع معجم البلدان. وعالج بكسر اللام: رملة بالبادية. رمال بين فيد والقريات وهو متصلة بالثعلبية على طريق مكة وهو مسير اربع ليال. وقيل: هو متصل بوبار. (3) الروحاء: موضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلا من المدينة. [ * ]

[ 359 ]

مخطمين إبلهم بحبال الصوف، يلبون الله بتلبية شتى، منهم هود وصالح وإبراهيم وموسى وشعيب ويونس صلوات الله عليهم، وكان هود رجلا " تاجرا ". (1) 16 - ك: أبي وابن الوليد معا عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، و إسماعيل بن جابر وكرام بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما بعث الله تعالى هودا " أسلم له العقب من ولد سام، وأما الآخرون فقالوا: من أشد منا قوة فاهلكوا بالريح العقيم، وأوصاهم هود وبشرهم بصالح عليه السلام. (2) 17 - ص: بإسناد عن ابن اورمة، عن سعيد بن جناح، عن أيوب بن راشد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت أعمار قوم هود عليه السلام أربعمائة سنة، وقد كانوا يعذبون بالقحط ثلاث سنين (3) فلم يرجعوا عما هم عليه، فلما رأوا ذلك بعثوا وفدا " لهم إلى جبال مكة وكانوا لا يعرفون موضع الكعبة، فمضوا واستسقوا فرفعت لهم ثلاث سحابات فقالوا: هذه حفا، يعني التي ليس فيها ماء، وسموا الثانية فاجيا "، واختاروا الثالثة التي فيها العذاب، قال: والريح عصفت عليهم وكان رئيسهم يقال له الخلجان، فقال: ياهود ما ترى الريح إذا أقبلت أقبل معها خلق كأمثال الأباعر معها أعمدة، هم الذين يفعلون بنا الأفاعيل، فقال: اولئك الملائكة، فقال: أترى ربك إن نحن آمنا به أن يديلنا (4) منهم فقال لهم هود عليه السلام: إن الله تعالى لا يديل أهل المعاصي من أهل الطاعة، فقال له الخلجان وكيف لي بالرجال الذين هلكوا ؟ فقال له هود: يبد لك الله بهم من هو خير لك منهم، فقال: لا خير في الحياة بعدهم، فاختار اللحاق بقومه فأهلكه الله تعالى. (5) بيان: كأن قولهم: حفا من الحفو بمعنى المنع. 18 - ص: بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن طريف، عن ابن نباتة قال: خرجنا مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى نخيلة فإذا اناس من اليهود معهم ميت لهم، فقال أمير المؤمنين عليه السلام


(1 و 5) قصص الانبياء مخطوط. (2) كمال الدين: 81. م (3) في المطبوع: ثلاثين سنة. والظاهر انه مصحف، نص على ما في المتن اليعقوبي في تاريخه و المسعودي في اثبات الوصية. (4) أدال الله بنى فلان من عدوهم: جعل الكرة لهم عليه. [ * ]

[ 360 ]

للحسن: انظر ما يقول هؤلاء في هذا القبر، فقال: يقولون: هو هود عليه السلام، فقال: كذبوا أنا أعلم به منهم، هذا قبر يهودا بن يعقوب، ثم قال: من ههنا من مهرة ؟ فقال: شيخ كبير أنا منهم فقال لهم: أين منزلك ؟ فقال: في مهرة على شاطئ البحر، فقال: أين هو من الجبل الذي عليه الصومعة، قال: قريب منه، فقال: ما يقول قومك فيه ؟ فقال: يقولون: قبر ساحر، فقال: كذبوا أنا أعلم به منهم ذلك قبر هود عليه السلام وهذا قبر يهودا. (1) بيان: اختلف في موضع قبره عليه السلام (2) فقيل: إنه بغار بحضرموت، وروى المؤرخون عن أمير المؤمنين عليه السلام أن قبره على تل من رمل أحمر بحضرموت، وقيل: إنه دفن في مكة في الحجر، وسيأتي خبران في كتاب المزار يدلان على أنه عليه السلام دفن قريبا " من أمير المؤمنين عليه السلام في الغري، ويمكن الجمع بحمل هذا الخبر على الموضع الذي دفن فيه أولا " ثم نقل إلى الغري كآدم عليه السلام. 19 - وروى أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد عن الأصبغ بن نباتة في حديث رجل من حضرموت أتى أمير المؤمنين عليه السلام في أيام أبي بكر فأسلم على يده، قال: فسأله أمير المؤمنين عليه السلام يوما " ونحن مجتمعون فقال: أعالم أنت بحضرموت ؟ فقال الرجل: إن جهلتها لم أعلم شيئا "، قال: أفتعرف موضع الأحقاف ؟ قال: كأنك تسأل عن قبر هود النبي عليه السلام ؟ قال: لله درك ما أخطأت، قال: نعم خرجت في عنفوان شبابي في علة من الحي (3) ونحن نريد أن نأتي قبره لبعد صوته فينا (4) وكثرة من يذكره، فسرنا في بلاد الأحقاف أياما " وفينا رجل قد عرف الموضع حتى انتهى بنا ذلك الرجل إلى كهف فدخلنا فامعنا فيه طويلا " (5) فانتهينا إلى حجرين قد اطبق أحدهما فوق الآخر وبينهما خلل


(1) قصص الانبياء مخطوط. م (2) قال المسعودي في اثبات الوصية ص 22: ودفن فيما روى على شاطئ البحر تحت جبل على صومعته، وروى انه صار إلى مكة هو وشيعته بعد أن أهلك الله قومه فاقام بها إلى ان مات. (3) هكذا في نسخ الكتاب، وفى المصدر: " في غلمة من الحى " وفى المعجم: " في اغيلمة من الحى ". (4) في المعجم: لبعد صيته فينا. (5) في المعجم: ومعنا رجل قد عرف الموضع، فانتهينا إلى كثيب أحمر فيه كهوف كثيرة، فمضى الرجل إلى كهف منها فدخلناه فأمعنا فيه طويلا. أمعنا: أي بالغنا في الاستقصاء. [ * ]

[ 361 ]

يدخل منه الرجل النحيف فتحارفت (1) فدخلت فرأيت رجلا " على سرير شديد الأدمة، طويل الوجه، كث اللحية، قد يبس، (2) فإذا مسست شيئا " من جسده أصبته صلبا " لم يتغير، ورأيت عند رأسه كتابا " بالعبرانية فيه مكتوب: أنا هود النبي، آمنت بالله، وأشفقت على عاد بكفيرها، (3) وما كان لأمر الله من مرد. فقال لنا أمير المؤمنين عليه السلام: وكذلك سمعته من أبي القاسم صلى الله عليه وآله. (4) 20 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن زرعة، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا هاجت الرياح فجاءت بالسافي الأبيض والأسود والأصفر فإنه رميم قوم عاد. (5) 21 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن محمد بن هارون، عن معاذ بن المثنى، عن عبد الله بن أسماء، عن جويرية، عن سفيان بن منصور، عن أبي وائل، عن وهب قال: لما تم لهود عليه السلام أربعون سنة أوحى الله تعالى إليه: أن ائت قومك فادعهم إلى عبادتي وتوحيدي فإن أجابوك زدتهم قوة وأموالا "، فبيناهم مجتمعون إذ أتاهم هود فقال: يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، فقالوا: يا هود لقد كنت عندنا ثقة أمينا "، قال: فإني رسول الله إليكم دعوا عبادة الأصنام، فلما سمعوا ذلك منه بطشوا به وخنقوه وتركوه كالميت: فبقي يومه وليلته مغشيا " عليه، فلما أفاق قال: يا رب إني قد عملت وقد ترى ما فعل بي قومي، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: ياهود إن الله تعالى يأمرك أن لا تفتر عن دعائهم وقد وعدك أن يلقي في قلوبهم الرعب فلا يقدرون على ضربك بعدها، فأتاهم هود فقال لهم: قد تجبرتم في الأرض وأكثرتم الفساد، فقالوا: يا هود اترك هذا القول فإنا إن بطشنا بك الثانية نسيت الاولى


(1) في المعجم: يدخل منه الرجل النحيف متجانفا. (2) في المعجم: قد يبس على سريره. (3) في المعجم: أنا هود النبي الذى أسفت على عاد بكفرها. (4) كنز الفوائد: 179، وقد أورد الحديث ياقوت في معجم البلدان في الاحقاف 1: 116 باسناده عن أبى المنذر هشام بن محمد، عن أبى يحيى السجستاني، عن مرة بن عمر الابلى، عن الاصبغ بن نباتة والحديث طويل راجعه. (5) مخطوط. م [ * ]

[ 362 ]

فقال: دعوا هذا وارجعوا إلى الله وتوبوا إليه، فلما رأى القوم ما لبسهم من الرعب علموا انهم لا يقدرون على ضربه الثانية، فاجتمعوا بقوتهم، فصاح بهم هود عليه السلام صيحة فسقطوا لوجوههم، ثم قال هود: يا قوم قد تماديتم في الكفر كما تمادى قوم نوح، وخليق أن أدعو عليكم كما دعا نوح على قومه، فقالوا: يا هود إن آلهة قوم نوح كانوا ضعفاء، وإن آلهتنا أقوياء، وقد رأيت شدة أجسامنا، وكان طول الرجل منهم مائة عشرين ذراعا " بذراعهم، وعرضه ستين ذراعا "، وكان أحدهم يضرب الجبل الصغير فيقطعه، فمكث على هذا يدعوهم سبعمائة وستين سنة، فلما أراد الله تعالى إهلاكهم حقف الأحقاف حتى صارت أعظم من الجبال، فقال لهم هود: يا قوم ألا ترون هذه الرمال كيف تحقفت ؟ إني أخاف أن يكون مأمورة، فاغتم هود عليه السلام لما رأى من تكذيبهم، ونادته الأحقاف: قر يا هود عينا " فإن لعاد منا يوم سوء، فلما سمع هود ذلك قال: يا قوم اتقوا الله واعبدوه، فإن لم تؤمنوا صارت هذه الأحقاف عليكم عذابا " ونقمة، فلما سمعوا ذلك أقبلوا على نقل الأحقاف فلا تزيد إلا كثرة فرجعوا صاغرين، فقال هود: يا رب قد بلغت رسالاتك فلم يزدادوا إلا كفرا "، فأوحى الله إليه: يا هود إني امسك عنهم المطر، فقال هود عليه السلام: يا قوم قد وعدني ربي أن يهلككم، ومر صوته في الجبال وسمع الوحش صوته والسباع والطير فاجتمع كل جنس معها يبكي ويقول: يا هود أتهلكنا مع الهالكين ؟ فدعا هود ربه تعالى في أمرها، فأوحى الله تعالى إليه: أني لا اهلك من لم يعص بذنب من عصاني، تعالى الله علوا " كبيرا ". (1) بيان: قوله: (بذراعهم) أي بذراع أهل زمانهم، وقد سبق بعض الوجوه في أبواب قصص آدم عليه السلام. قوله: (حقف الأحقاف) بالقاف أولا " ثم الفاء ثانيا " أي جعلها أحقافا " بأن جمعها حتى صارت تلولا ". 22 - ع، ن، ل: في أسئلة الشامي (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: أخبرني عن يوم الأربعاء والتطير منه، فقال عليه السلام: آخر أربعاء في الشهر وهو المحاق - وساق الحديث إلى أن قال: - ويوم الأربعاء أرسل الله عزوجل الريح على قوم عاد، ويوم الأربعاء


(1) مخطوط. م (2) تقدم حديث الشامي بتمامه في كتاب الاحتجاجات راجع ج 10: 75 - 82 [ * ]

[ 363 ]

أخذتهم الصيحة. (1) 23 - ن: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن هاشم، عن أحمد بن عامر الطائي عن الرضا عليه السلام قال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر. (2) 24 - ل: محمد بن أحمد البغدادي، عن علي بن محمد بن عنبسة، عن دارم بن قبيصة، عن الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر. (3) 25 - ل: ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن إبراهيم بن إسحاق عن القاسم، عن جده، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام، يوم الأربعاء يوم نحس مستمر. (4) وبإسناد آخر عن محمد بن مسلم عنه عليه السلام مثله. (5) 26 - نوادر الراوندي: بإسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نصرت بالصبا، واهلكت عاد بالدبور. (6) 27 - ك: الدقاق، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم عن أبيه، عن الصادق عليه السلام قال: لما حضرت نوحا " عليه السلام الوفاة دعا الشيعة فقال لهم: اعلموا أنه ستكون بعدي غيبة تظهر فيها الطواغيت، وأن الله عزوجل يفرج عنكم بالقائم من ولدي اسمه هود، له سمت وسكينة ووقار، يشبهني في خلقي وخلقي، وسيهلك الله أعداءكم عند ظهوره بالريح، فلم يزالوا يترقبون هودا " عليه السلام وينتظرون ظهوره حتى طال عليهم الأمد فقست قلوب كثير منهم، فأظهر الله تعالى ذكره نبيه هودا " عنه اليأس منهم وتناهي البلاء بهم، وأهلك الاعداء بالريح العقيم التي وصفها الله تعالى ذكره، فقال:


(1) علل الشرئع: 199، العيون ص 136 - 137، وفيهما: " وتطيرنا " الخصال ج 2: 28. م (2) العيون ص 137، وفى ذيله: من احتجم فيه خيف عليه أن تحضر محاجمه، ومن تنور فبه خيف عليه البرص. م (3) الخصال ج 2: 27. وفيه: آخر الاربعاء اه‍. م (4 و 5) الخصال ج 2: 28. م (6) نوادر الراوندي: ص 9 وفى ذيله: وما هاجت الجنوب الا سقى الله بها غيثا وأسال بها واديا. م [ * ]

[ 364 ]

" ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم " ثم وقعت الغيبة به بعد ذلك إلى أن ظهر صالح عليه السلام. (1) تذنيب: قال الشيخ الطبرسي قدس الله روحه: جملة ما ذكره السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين في قصة هود أن عادا " كانوا ينزلون اليمن وكانت مساكنهم منها بالشجر (2) والأحقاف وهو رمال يقال لها: رمل عالج والدهناء وبيرين (3) ما بين عمان إلى حضرموت، وكان لهم ذرع ونخل، ولهم أعمار طويلة، وأجساد عظيمة، وكانوا أصحاب أصنام يعبدونها، فبعث الله إليهم هودا " نبيا "، وكان من أوسطهم نسبا "، وأفضلهم حسبا "، فدعاهم إلى التوحيد وخلع الأنداد، فأبوا عليه فكذبوه وآذوه فأمسك الله عنهم المطر سبع سنين، وقيل ثلاث سنين حتى قحطوا، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد التجؤوا إلى بيت الله الحرام بمكة مسلمهم وكافرهم، وأهل مكة يومئذ العماليق من ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح. (4) وكان سيد العماليق إذ ذاك بمكه رجلا " يقال له: معاوية بن بكر، وكانت امه من عاد (5) فبعث عاد وفدا إلى مكة ليستسقوا لهم، (6) فنزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا " من الحرم فأكرمهم وأنزلهم وأقاموا عنده شهرا " يشربون الخمر، فلما رأى معاوية طول معاوية طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم شق ذلك عليه وقال: هلك أخوالي وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي أستحيي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه وشكا ذلك إلى قينتيه (7) اللتين كانتا تغنيانهم وهما الجرادتان (8) فقالتا: قل شعرا " نغنيهم به لا يدرون من قاله، فقال معاوية ابن بكر:


(1) كمال الدين: 81. م (2) هكذا في نسخ الكتاب. وفى المصدر: بالشحر بالحاء وهو الصحيح كما قدمناه. (3) هكذا في نسخ الكتاب. وفى المصدر: يبرين بتقديم الياء على الباء وهو الصحيح كما أوعزنا إليه قبل ذلك. (4) قال الفيروز آبادى: عمليق - كقنديل أو قرطاس - ابن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح. (5) في العرائس: اسمها ياهدة بنت الخبيرى رجل من عاد. (6) في العرائس: ثم بعثوا ايضا لقمان بن ضد بن عاد الاكبر. (7) القينة: المغنية. (8) في العرائس: الجراذتان. [ * ]

[ 365 ]

ألا ياقيل ويحك قم فهينم * لعل الله يسقينا غماما " (1) فيسقي أرض عاد إن عادا " * قد أمسوا ما يبينون الكلاما (2) وإن الوحش تأتيهم جهارا " * ولا تخشى لعادي سهاما " وأنتم ههنا فيها اشتهيتم * نهاركم وليلكم التماما (3) فقبح وفدكم من وقد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما فلما غنتهم الجرادتان بهذا قال بعضهم لبعض: إنما بعثكم قوم يتغوثون بكم من هذا البلاء فادخلوا هذا الحرم واستسقوا لهم، فقال رجل (4) منهم قد آمن بهود سرا ": والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم سقيتم فزجروه وخرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، وكان قيل بن عنز رأس وفد عاد فقال: يا إلهنا إن كان هود صادقا " فاسقنا فإنا قد هلكنا، فأنشأ الله سحابا " ثلاثا ": بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك، فاختار السحابة السوداء التي فيها العذاب، فساق الله سبحانه تلك السحابة بما فيها من النقمة إلى عاد، فلما رأوها استبشروا بها وقالوا: " هذا عارض ممطرنا " يقول الله تعالى: " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم " فسخرها الله عليهم سبع ليال و ثمانية أيام حسوما " أي دائمة، فلم تدع من عاد أحدا " إلا هلك، واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذ النفوس. (5)


(1) الهينم: الكلام الخفى. (2) اضاف العرائس هنا: من العطش الشديد فليس نرجو * به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير * فقد أمست نساؤهم عيامى (3) في العرائس: نهاركمو وليلكمو تماما. (4) في العرائس هو مرثد بن سعد بن عفير. (5) مجمع البيان 4: 438 - 439. وذكره الثعلبي مفصلا مع زيادات في العرائس وذكر اليعقوبي في تاريخه خلاصة ذلك وأضاف: ويقال: نجا لقمان بن عاد وعاش حتى عمر عمر سبع نسور. [ * ]

[ 366 ]

* (باب 5) * * (قصة شداد وارم ذات العماد) * الايات، الفجر " 89 " ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد 6 - 8. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: اختلفوا في إرم على أقوال: أحدهما: أنه اسم قبيلة، قال أبو عبيده ة: هما عادان، فالاولى هي إرم وهي التي قال الله تعالى فيهم: " وأنه أهلك عادا " الاولى " وقيل: هو جد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، عن محمد بن إسحاق، وقيل: هو سام بن نوح نسب عاد إليه، عن الكلبي، وقيل: إرم عاد قبيلة من قوم عاد كان فيهم الملك وكانوا بمهرة (1) وكان عاد أباهم. وثانيها: أن إرم اسم بلد، ثم قيل هو دمشق، وقيل: مدينة الإسكندرية، و قيل: هو مدينة بناها شداد بن عاد فلما أتمها وأراد أن يدخلها أهلكه الله بصيحة نزلت من السماء. وثالثها: أنه ليس بقبيلة ولا بلد بل هو لقب لعاد، وكان عاد يعرف به، وروي عن الحسن أنه قرأ " بعاد إرم " على الإضافة، وقال: هو اسم آخر لعاد، وكان له اسمان، ومن جعله بلدا " فالتقدير: بعاد صاحب إرم، وقوله: " ذات العماد " يعني أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج البيت رجعوا إلى منازلهم، وقيل: معناه: ذات الطول والشدة من قولهم: رجل معمد طويل، ورجل طويل العماد أي القامة " التي لم يخلق مثلها " أي مثل تلك القبيلة في الطول والقوة وعظم الأجسام، وهو الذين قالوا: " من أشد منا قوة " وروي أن الرجل منهم كان يأتي بالصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم، وقيل: ذات العماد أي ذات الأبنية العظام المرتفعة: وقال ابن زيد " ذات العماد في إحكام البنيان " التي لم يخلق مثلها " أي مثل أبنيتها في البلاد. (2)


(1) تقدم ضبطه في الباب السابق. (2) مجمع البيان 10: 485 - 486. م [ * ]

[ 367 ]

1 - فس: " ألم تر " ألم تعلم " كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد " كما قال الله للنبي صلى الله عليه وآله " لم يخلق مثلها في البلاد " ثم مات عاد وأهلك الله قومه بالريح الصرصر. (1) 2 - ك: حدثنا محمد بن هارون فيما كتب إلي قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا عبد الله بن أسماء قال: حدثنا جويرية، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل قال: إن رجلا يقال له عبد الله بن قلابة (2) خرج في طلب إبل له قد شردت، فبينا هو في صحارى عدن في تلك الفلوات إذ هو قد وقع على مدينة عليها حصن، حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال، فلما دنا منها ظن أن فيها من يسأله عن إبله فلم ير داخلا " ولا خارجا، فنزل عن ناقته وعقلها وسل سيفه ودخل من باب الحصن، فإذا هو ببابين عظيمين لم ير في الدنيا أعظم (3) منهما ولا أطول، وإذا خشبها من أطيب عود، وعليها نجوم من ياقوت أصفر وياقوت أحمر ضوؤها قد ملأ المكان، فلما رأى ذلك أعجبه ففتح أحد البابين ودخل فإذا هو بمدينة لم ير الراؤون مثلها قط، وإذا هو بقصور كل قصر منها معلق تحته أعمدة من زبرجد وياقوت، وفوق كل قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعلى كل باب من أبواب تلك القصور مصاريع مثل مصاريع باب المدينة من عود طيب قد نضدت عليه اليواقيت، وقد فرشت تلك القصور باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران، فلما رأى ذلك ولم ير هناك أحدا " أفزعه ذلك ونظر إلى الأزقة وإذا في كل زقاق منها أشجار قد أثمرت، تحتها أنهار تجري فقال: هذه الجنة التي وصف الله عزوجل لعباده في الدنيا، فالحمد لله الذي أدخلني الجنة، فحمل من لؤلوئها وبنادقها بنادق المسك والزعفران، ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها ولا من ياقوتها لأنه كان مثبتا " في أبوابها وجدرانها، وكان اللؤلؤ وبنادق المسك


(1) تفسير القمى: 723. م (2) لم يذكره اصحابنا رضوان الله تعالى عليهم في كتب تراجمهم، ولكن من العامة ذكره ابن حجر في لسان الميزان 3: 327. قال: عبد الله بن قلابة صاحب حديث ارم ذات العماد، ذكره الحسينى ومن خطه نقلت وله ترجمة في تاريخ ابن عساكر وقصة عن معاوية وكعب الأحبار انتهى. قلت: كثيرا " ما يخرج شيخنا الصدوق قدس الله سره في كتبه أحاديث كثيرة من كتب العامة مما تتعلق بالاداب والسنن والقصص، ويتسامح في إسناده كما هو المعمول في ذلك والحديث من جملة تلك الاحاديث. (3) في المصدر: بناء أعظم اه‍. م [ * ]

[ 368 ]

والزعفران بمنزلة الرمل (1) في تلك القصور والغرف كلها، فأخذ منها ما أراد وخرج حتى أتى ناقته وركبها، ثم سار يقفو أثره حتى رجع إلى اليمن وأظهر ما كان معه وأعلم الناس أمره، وباع بعض ذلك اللؤلؤ وكان قد اصفار وتغير من طول ما مر عليه من الليالي والأيام، فشاع خبره وبلغ معاوية بن أبي سفيان فأرسل رسولا " إلى صاحب صنعاء وكتب بإشخاصه، فشخص حتى قدم على معاوية فخلا به وسأله عما عاين فقص عليه أمر المدينة وما رأى فيها وعرض عليه ما حمله منها من اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران، فقال: والله ما أعطي سليمان بن داود مثل هذه المدينة، فبعث معاوية إلى كعب الأحبار فدعاه فقال له: يا أبا إسحاق هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية بالذهب والفضة، وعمدها زبرجد و ياقوت، وحصى قصورها وغرفها اللؤلؤ، وأنهارها في الأزقة تجري تحت الأشجار، قال كعب: أما هذه المدينة صاحبها شداد بن عاد الذى بناها، وأما المدينة فهي إرم ذات العماد وهي التي وصفها الله عزوجل في كتابه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله، وذكر أنه لم يخلق مثلها في البلاد، قال معاوية: حدثنا بحديثها، فقال: إن عاد الاولى - وليس بعاد قوم هود - كان له ابنان سمى أحدهما شديدا "، والآخر شدادا "، فهلك عاد وبقيا وملكا وتجبرا وأطاعهما الناس في الشرق والغرب، فمات شديد وبقي شداد فملك وحده لم ينازعه أحد، وكان مولعا " بقراءة الكتب، وكان كلما سمع يذكر الجنة وما فيها من البنيان والياقوت والزبرجد واللؤلؤ رغب أن يفعل مثل ذلك في الدنيا عتوا على الله عزوجل، فجعل على صنعتها مائة رجل تحت كل واحد منهم ألف من الأعوان فقال: انطلقوا إلى أطيب فلاة في الأرض وأوسعها فاعملوا لي فيها مدينة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ، و اصنعوا تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد، وعلى المدينة قصورا "، وعلى القصور غرفا "، وفوق الغرف غرفا "، واغرسوا تحت القصور في أزقتها أصناف الثمار كلها، وأجروا فيها الأنهار حتى تكون تحت أشجارها فإني أرى في الكتاب صفة الجنة وأنا احب أن أجعل مثلها في الدنيا، قالوا له: كيف نقدر على ما وصفت لنا من الجواهر والذهب والفضة حتى يمكننا أن نبني مدنية كما وصفت ؟ قال شداد: ألا تعلمون أن ملك الدنيا


(1) في المصدر: منثورا بمنزلة الرمل. م [ * ]

[ 369 ]

بيدي ؟ قالوا: بلى، قال: فانطلقوا إلى كل معدن من معادن الجواهر والذهب والفضة فوكلوا بها حتى تجمعوا ما تحتاجون إليه، وخذوا جميع ما تجدونه في أيدي الناس من الذهب والفضة، فكتبوا إلى كل ملك في الشرق والغرب فجعلوا يجمعون أنواع الجواهر عشر سنين فبنوا له هذه المدينة في مدة ثلاث مائة سنة، وعمر شداد تسعمائة سنة، فلما أتوه وأخبروه بفراغهم منها قال: فانطلقوا فاجعلوا عليها حصنا "، واجعلوا حول الحصن ألف قصر، عند كل قصر ألف علم، يكون في كل قصر من تلك القصور وزير من وزرائي، فرجعوا وعملوا ذلك كله، ثم أتوه فأخبروه بالفراغ منها كل أمرهم، فأمر الناس بالتجهيز إلى إرم ذات العماد، فأقاموا في جهازهم إليها عشر سنين، ثم سار الملك يريد إرم فلما كان من المدينة على مسيرة يوم وليلة بعث الله عزوجل عليه وعلى جميع من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم، ولا دخل إرم ولا أحد ممن كان معه، فهذه صفة إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وإني لأجد في الكتب أن رجلا " يدخلها ويرى ما فيها ثم يخرج فيحدث الناس يما يرى فلا يصدق، وسيدخلها أهل الدين في آخر الزمان. (1) ص: بالاسناد إلى الصدوق مثله. (2) أقول: روى في مجمع البيان نحوا من ذلك عن وهب بن منبه وذكر في آخره أنه قال: وسيدخلها في زمانك رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال يخرج في تلك الصحاري في طلب إبل له، والرجل عند معاوية، فالتفت إليه كعب وقال: هذا والله ذلك الرجل. (3) 3 - ك: وجدت في كتاب المعمرين أنه حكى عن هشام بن السعد الرحال قال وجدنا بالإسكندرية مكتوب فيه: أنا شداد بن عاد، أنا الذي شيدت العماد (4) التي لم


(1) كمال الدين: 305 - 307. قال المسعودي في مروج الذهب ولنعم ما قال: ان هذا من أكاذيب الندماء ليتقربوا بها عند السلاطين. م (2) مخطوط. م (3) مجمع البيان 10: 486 - 487. ووهب بن منبه من ابناء فارس في اليمن كان عالما بالتواريخ والقصص قارئا لكتب الاولين م (4) في نسخة: شددت العماد. [ * ]

[ 370 ]

يخلق مثلها في البلاد، وجندت الأجناد، وسددت بساعدي الواد، (1) فبنيتهن إذ لا شيب ولا موت، وإذ الحجارة في اللين مثل الطين، وكنزت كنزا " في البحر على اثني عشر منزلا " لن يخرجه أحد حتى تخرجه امة محمد صلى الله عليه وآله. (2) * (باب 6) * * (قصة صالح عليه السلام وقومه) * الايات، الاعراف " 7 " وإلى ثمود أخاهم صالحا " قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم * واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا " وتنحتون الجبال بيوتا " فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين * قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا " مرسل من ربه قالوا إنا بما ارسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون * فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين. (73 - 79) هود " 11 " وإلى ثمود أخاهم صالحا " قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب * قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا " قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب * قل يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير * ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية


(1) في المصدر: وشددت بساعدي الواد. م (2) كمال الدين: 307 - 308. والموجود فيه: لم يخرجه حتى يخرجه قائم آل محمد صلى الله عليه وآله. م [ * ]

[ 371 ]

فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب * فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب * فلما جاء أمرنا نجينا صالحا " والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز * وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمودا " كفروا ربهم ألا بعد الثمود 61 - 68 الحجر " 15 " ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين * وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين * وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا " آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * فلما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون 80 - 84. الشعراء " 26 " كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقو الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتتركون فيما ههنا آمنين * في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا " فارهين * فاتقو الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون * قالوا إنما أنت من المسحرين * ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين * قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم * فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم 141 - 159. النمل " 27 " ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا " أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون * قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون * قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون * وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون * قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون * ومكروا مكرا " ومكرنا مكرا " و هم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون * وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون 45 - 53. [ * ]

[ 372 ]

السجدة " 41 " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى (1) على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون * ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون 17 - 18. الذاريات " 51 " وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين * فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون * فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين 42 - 45. القمر " 54 " كذبت ثمود بالنذر * فقالوا أبشرا " منا واحدا " نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر * ءالقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر * سيعلمون غدا " من الكذاب الأشر * إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فأرتقبهم واصطبر * ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر * فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر * فكيف كان عذابي ونذر * إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر 23 - 32. الحاقة " 69 " كذبت ثمود وعاد بالقارعة * فأما ثمود فاهلكوا بالطاغية 4 - 5. الفجر " 89 " وثمود الذين جابوا (2) الصخر بالواد 9. الشمس " 91 " كذبت ثمود بطغواها * إذا نبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها * فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها 11 - 15. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " بينة من ربكم " أي دلالة معجزة شاهدة على صدقي " هذه ناقة الله لكم " إنه إشارة إلى ناقة بعينها، أضافها إلى الله سبحانه تفضيلا " و تخصيصا " نحو بيت الله، وقيل: إنه أضافها إليه لأنه خلقها بلا واسطة وجعلها دلالة على


(1) قال السيد الرضى رضوان الله تعالى عليه: المراد بالعمى ههنا ظلام البصيرة والمتاه في الغواية، فان ذلك أخف على الإنسان واشد ملائمة للطباع من تحمل مشاق النظر والتلجج في غمار الفكر. (2) أي خرقوا الصخرة واتخذوا فيه بيوتا "، من جاب يجوب جوبا ": إذا خرق. [ * ]

[ 373 ]

توحيده وصدق رسوله لأنها خرجت من صخرة ملساء تمخضت بها (1) كما تتمخض المرأة، ثم انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها، وكان لها شرب يوم تشرب فيه ماء الوادي كله وتسقيهم اللبن بدله، ولهم شرب يوم يخصهم لا تقرب فيه ماءهم، وقيل: إنما أضافها إلى الله لأنه لم يكن لها مالك سواه تعالى، قال الحسن: كانت ناقة من النوق وكان وجه الإعجاز فيها أنها كانت تشرب ماء الوادي كله في يوم " تتخذون من سهولها " السهل: خلاف الجبل، وهو ما ليس فيه مشقة على النفس، أي تبنون في سهولها الدور والقصور، وإنما اتخذوها في السهول ليصيفوا فيها (2) " وتنحتون الجبال بيوتا " " قال ابن عباس: كانوا يبنون القصور بكل موضع وينحتون من الجبال بيوتا " يسكنونها شتاء لتكون مساكنهم في الشتاء أحصن وأدفأ. ويروى أنهم لطول أعمارهم يحتاجون إلى أن ينحتوا بيوتا " في الجبال لأن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم " ولا تعثوا في الأرض مفسدين (3) " أي لا تضطربوا بالفساد في الأرض ولا تبالغوا فيه " للذين استضعفوا " أي للذين استضعفوهم من المؤمنين " لمن آمن منهم " بدل من قوله: " للذين استضعفوا " " فعقروا الناقة " قال الأزهري: العقر عند العرب: قطع عرقوب (4) البعير، ثم جعل النحر عقرا " لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره " وعتوا " أي تجاوزوا الحد في الفساد. (5) وكانت ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، وكانت عاد باليمن. " واستعمركم فيها " أي جعلكم عمار الأرض، أو عمرها لكم مدة أعماركم من العمرى، أو أطال فيها أعماركم، قال الضحاك: وكانت أعمارهم من ألف سنة إلى ثلاث مائة سنة أو أمركم من عماراتها بما تحتاجون إليه من المساكن والزراعات وغرس الأشجار " قد كنت فينا مرجوا " أي كنا نرجو منك الخير، فالآن يئسنا منك بإبداعك ما أبدعت، أو نظنك عونا لنا على ديننا " مريب " موجب للريبة والتهمة " رحمة " أي النبوة " غير تخسير "


(1) تمخضت الحامل: دنا ولادها وأخذها الطلق. (2) أي ليقيموا بها في زمن الصيف. (3) العثو: المبالغة في الفساد أو الكفر أو الكبر. (4) العرقوب: عصب غليظ فوق العقب. (5) مجمع البيان 4: 440 - 441. وفيه: في الفساد والمعصية. م [ * ]

[ 374 ]

أي نسبتي إلى الخسارة، أو بصيرة في خسارتكم، أو إن أجبتكم كنت بمنزلة من يزداد الخسران " فعقروها " أي عقرها بعضهم ورضي البعض وإنما عقرها أحمر ثمود " ومن خزي يومئذ " معطوف على محذوف، أي من العذاب ومن الخزي الذي لزمهم ذلك اليوم. (1) " والحجر ": اسم البلد الذي كان فيه ثمود، وقيل: اسم لواد كانوا يسكنونها " وآتيناهم آياتنا " أي الحجج والمعجزات. (2) " أتتركون فيما ههنا " أي تظنون أنكم تتركون فيما أعطاكم الله من الخير في هذه الدنيا " آمنين " من الموت والعذاب، ثم عدد نعمهم فقال: " في جنات " إلى قوله: " طلعها هضيم " الطلع: الكفر (3) والهضيم: اليافع النضيج، أو الرطب اللين، أو الذي إذا مس تفتت، أو الذي ليس فيه نوى " فارهين " أي حاذقين بنحتها " أمر المسرفين " يعني الرؤساء منهم، وهم تسعة من ثمود الذين عقروا الناقة " من المسحرين " أي أصبت بسحر ففسد عقلك، أو من المخدوعين، وقيل: معناه: أنت مجوف مثلنا لك سحر، أي رئة تأكل وتشرب فلم صرت أولى بالنبوة منا ؟ (4) " فإذا هم فريقان " أي مؤمنون وكافرون " بالسيئة قبل الحسنة " أي بالعذاب قبل الرحمة، أي لم قلتم إن كان ما آتيتنا به حقا " فأتنا بالعذاب ؟ " قالوا اطيرنا " أي تشأ منا بك وبمن معك، وذلك لأنهم قحط عنهم المطر وجاعوا فقالوا: أصابنا هذا من شؤمك " قال طائركم عند الله " أي الشؤم أتاكم من عند الله بكفركم " تفتنون " أي تختبرون بالخير والشر أو تعذبون بسوء أعمالكم، أو تمتحنون بطاعة الله ومعصيته " تسعة رهط " هم أشرافهم وهم الذين سعوا في عقر الناقة، قال ابن عباس: هم قدار بن سالف ومصدع ودهمى ودهيم و دعمى ودعيم وأسلم وقبال وصداق (5) " قالوا تقاسموا بالله " أي احلفوا بالله " لنبيتنه " لنقتلن


(1) مجمع البيان 5: 174 - 175. م (2) مجمع البيان 6: 343. م (3) الكفر بالتحريك: وعاء طلع النخل. وأضاف الرضى قدس سره على ما ذكره من المعنى للهضيم معنى وهو الذى قد ضمن (ضمر ظ) بدخلول بعضه في بعض، فكان بعضه هضم بعضا لفرط تكاثفه وشدة تشابكه. (4) مجمع البيان 7: 199 - 200. م (5) في المصدر: " وصداف " بالفاء، وذكر ابن حبيب في المحبر اسماءهم هكذا: 1 - مصدع بن دهر 2 - قدار بن سالف 3 - هريم 4 - صؤاب 5 - داب 6 - رئاب 7 - دعمى 8 - هرمى 9 - رعين بن عمرو. وذكر الثعلبي في العرائس اسماء اربعة منهم هكذا: 1 - قدار بن سالف 2 - مصدع 3 - هديات ابن مبلع خال قدار 4 - دعر بن غنم بن داعرة أخو مصدع ولم يتعرض اسماء بقيتهم. [ * ]

[ 375 ]

صالحا " وأهله بياتا " ثم لنقولن لوليه " أي لذي رحم صالح إن سألنا عنه: " ما شهدنا مهلك أهله " أي ما قتلناه ولا ندري من قتله " وإنا لصادقون " في هذا القول، وإنهم دخلوا على صالح ليقتلوه فأنزل الله سبحانه الملائكة فرموا كل واحد منهم بحجر حتى قتلوهم وسلم صالح من مكرهم، عن ابن عباس، وقيل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا " ليأتوا صالحا " فهجم عليهم الجبل " خاوية " أي خالية. (1) " صاعقة العذاب الهون " أي ذي الهون وهو الذي يهينهم ويخزيهم، وقد قيل: إن كل عذاب صاعقة لأن من يسمعها يصعق لها. (2) " وفي ثمود " أي آية " إذ قيل لهم تمتعوا " وذلك أنهم لما عقروا الناقة قال لهم صالح: تمتعوا ثلاثة أيام (3) " فأخذتهم الصاعقة " وهي الموت أو العذاب، والصاعقة كل عذاب مهلك. (4) " فارتقبهم " أي انتظر أمر الله فيهم أو ما يصنعون " واصطبر " على ما يصيبك من الأذى " قسمة بينهم " يوم للناقة ويوم لهم " كل شرب محتضر " أي كل نصيب من الماء يحضره أهله " فنادوا صاحبهم " وهو قدار " فتعاطى " أي تناول الناقة بالعقر " صيحة واحدة " يريد صيحة جبرئيل، وقيل: الصيحة العذاب " كهشيم المحتظر " أي فصاروا كهشيم، وهو حطام الشجر المنقطع بالكسر (5) والرض الذي يجمعه صاحب الحظيرة الذي يتخذ لغنمه حظيرة يمنعها من برد الريح، وقيل: أي صاروا كالتراب الذي يتناثر من الحائط وتصيبه الرياح فيتحظر مستديرا ". (6) " بالطاغية " أي اهلكوا بطغيانهم وكفرهم، أو بالصيحة الطاغية وهي التي جاوزت المقدار. (7)


(1) مجمع البيان 7: 226 - 227. م (2) مجمع البيان 9: 9. م (3) في المصدر: ثلاثة ايام وهو قوله تمتعوا حتى حين فعتوا عن امر ربهم. م (4) مجمع البيان 9: 159. م (5) في نسخة: المتقطع بالكسر. م (6) مجمع البيان 9: 191 - 192. م (7) مجمع البيان 10: 343. م [ * ]

[ 376 ]

" جابوا الصخر " أي قطعوها ونقبوها بالوادي الذي كانوا ينزلونه وهو وادي القرى. (1) " بطغويها " أي بطغيانها " إذا انبعث " أي انتدب وقام، والأشقى عاقر الناقة وكان أشقر أزرق قصيرا " ملتزق الخلق، وقد صحت الرواية بالإسناد عن عثمان بن صهيب، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام: من أشقى الأولين ؟ قال: عاقر الناقة، قال: صدقت، فمن أشقى الآخرين ؟ قال: قلت: لا أعلم يارسول الله، قال: الذي يضربك على هذه - وأشار إلى يافوخه -. (2) وعن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب عليه السلام في غزوة العشيرة (3) نائمين في صور (4) من النخل ودقعاء من التراب، فوالله ما أهبنا (5) إلا رسول الله صلى الله عليه وآله يحركنا برجله وقد تتربنا من تلك الدقعاء (6) فقال: ألا احدثكما بأشقى الناس رجلين ؟ قلنا: بلى يارسول الله، قال: أحمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع يده على قرنه - حتى يبل منها هذه - وأخذ بلحيته - " ناقة الله " أي احذروها فلا تعقروها " وسقياها " فلا تزاحموا فيه " فدمدم عليهم " أي فدمر عليهم، أو اطبق عليهم بالعذاب وأهلكهم " فسواها " أي فسوى الدمدمة عليهم وعمهم بها ولم يفلت منها أحدا " و سوى الامة، أي أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها، أو جعل بعضها على مقدار بعض في الاندكاك واللصوق بالأرض، وقيل: سوى أرضهم عليهم " ولا يخاف عقباها " أي لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم، أو لا يخاف الذي عقرها عقباها. (7)


(1) مجمع البيان 10: 487. م (2) هو ملتقى عظم مقدم الرأس ومؤخره. (3) قال اليعقوبي في جملة الغزوات التى لم يكن فيها قتال: وغزاة ذى العشيرة من بطن ينبع وادع بها بنى مدلج وحلفاء لهم من بنى ضمرة وكتب بينهم كتابا، والذى قام بذلك بينهم مخشى ابن عمرو الضميرى انتهى. وقال ابن حبيب في المحبر: وذلك في سنة اثنين لمستهل جمادى الاولى ورجع لثمان بقين من جمادى الاخرة ولم يلق كيدا. (4) بالفتح فالسكون النخل المجتمع الصغار. (5) أهبه من نومه: أيقظه. (6) تترب: تلوث بالتراب. الدقناء: التراب، الارض التى لا نبات بها. (7) مجمع البيان 10: 498 - 499. م [ * ]

[ 377 ]

1 - فس: " هضيم " أي ممتلئ " فارهين " أي حاذقين، ويقرء فرهين أي بطرين (1) " تمتعوا حتى حين " قال: الحين ههنا ثلاثة أيام (2) " فتنة لهم " أي اختبارا " " فنادوا صاحبهم " قدرا " الذي عقر الناقة " كهشيم المحتظر " قال: الحشيش والنبات (3) " كذبت ثمود وعاد بالقارعة " قال: قرعهم العذاب (4) " جابوا الصخر " حفروا الجوبة في الجبال. (5) 2 - ص: هو صالح بن ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح. (6) 3 - شى: عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل كيف كان مهلك قوم صالح ؟ فقال: يا محمد إن صالحا " بعث إلى قومه وهو ابن ست عشر سنة، فلبث فيهم حتى بلغ عشرين ومائة سنة لا يجيبونه إلى خير، قال وكان لهم سبعون صنما يعبدونها من دون الله، فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم إني قد بعثت إليكم وأنا ابن ست عشر سنة وقد بلغت عشرين ومائة سنة وأنا أعرض عليكم أمرين: إن شئتم فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم فيما تسألوني، وإن شئتم سألت آلهتكم فإن أجابتني بالذي أسألها خرجت عنكم فقد شنأتكم وشنأتموني، (7) فقالوا: قد أنصفت يا صالح فاتعدوا اليوم يخرجون فيه، قال: فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم ثم قربوا طعامهم


(1) تفسير القمى: 474. م (2) تفسير القمى: 448. م (3) تفسير القمى: 655. م (4) تفسير القمى: 694. م (5) تفسير القمى: 723 والجوبة: الحفيرة المستديرة الواسعة. (6) مخطوط. وقال اليعقوبي: ولما مضت عاد صار في ديارهم بنو ثمود بن جازر بن ثمود بن ارم بن سام بن نوح، وكانت ملوكهم تنزل الحجر فلما عتوا بعث الله إليهم صالح بن تالح بن صادوق بن هود نبيا " اه‍. وقال الثعلبي: " والى ثمود اخاهم هودا " " هو ثمود بن عامر بن ارم بن سام بن نوح. وصالح هو صالح ابن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. (7) في نسخة وفى الكافي: سئمتكم وسئمتمونى. [ * ]

[ 378 ]

وشرابهم فأكلوا وشربوا، فلما أن فرغوا دعوه فقالوا: يا صالح سل، فدعا صالح كبير أصنامهم فقال: ما اسم هذا ؟ فأخبروه باسمه، فناداه باسمه فلم يجب، فقال صالح: ماله لا يجيب ؟ فقالوا له: ادع غيره، فدعاها كلها بأسمائها فلم يجبه واحد منهم ! فقال: يا قوم قد ترون قد دعوت أصنامكم فلم يجبني واحد منهم فاسألوني حتى أدعو إلهي فيجيبكم الساعة، فأقبلوا على أصنامهم فقالوا لها: ما بالكن لا تجبن صالحا " ؟ فلم تجب، فقالوا: يا صالح تنح عنا ودعنا وأصنامنا قليلا "، قال: فرموا بتلك البسط التي بسطوها، وبتلك الآنية وتمرغوا في التراب (1) وقالوا لها: لئن لم تجبن صالحا " اليوم لنفضحن، ثم دعوه فقالوا: يا صالح تعال فسلها، فعاد فسألها فلم تجبه، فقالوا: إنما أراد صالح أن تجيبه و تكلمه بالجواب، قال: فقال: يا قوم هوذا ترون قد ذهب النهار ولا أرى آلهتكم تجيبني، فاسألوني حتى أدعو إلهي فيجيبكم الساعة، قال: فانتدب له سبعون رجلا " من كبرائهم وعظمائهم والمنظور إليهم منهم فقالوا: يا صالح نحن نسألك، قال: فكل هؤلاء يرضون بكم ؟ قالوا نعم فإن أجابوك هؤلاء أجبناك، قالوا: يا صالح نحن نسألك فإن أجابك ربك اتبعناك وأجبناك وتابعك جميع أهل قريتنا، فقال لهم صالح: سلوني ما شئتم، فقالوا: انطلق بنا إلى هذا الجبل - وجبل قريب منه - حتى نسألك عنده، قال: فانطلق وانطلقوا معه فلما انتهوا إلى الجبل قالوا: يا صالح اسأل ربك أن يخرج لنا الساعة من هذا الجبل ناقة حمراء شقراء وبراء عشراء - وفي رواية محمد بن نصر: حمراء شعراء بين جنبيها ميل - قال: قد سألتموني شيئا " يعظم علي ويهون على ربي، فسأل الله ذلك فانصدع الجبل صدعا " (2) كادت تطير منه العقول لما سمعوا صوته، قال: واضطرب الجبل كما تضطرب المرأة عند المخاض ثم لم يفجأهم (3) إلا ورأسها قد طلع عليهم من ذلك الصدع، فما استتمت رقبتها حتى اجترت ثم خرج سائر جسدها ثم استوت على الأرض قائمة، فلما رأوا ذلك قالوا: يا صالح ما أسرع ما أجابك ربك ! فسله أن يخرج لنا فصيلها، قال: فسأل الله تعالى ذلك فرمت به فدب حولها، فقال: يا قوم أبقي شئ ؟ قالوا: لا انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم


(1) تمرغ في التراب: تقلب. (2) أي انشق الجبل شقا. (3) في نسخة: لم يعجلهم. [ * ]

[ 379 ]

ما رأينا ويؤمنوا بك، قال: فرجعوا فلم يبلغ السبعون الرجل إليهم حتى ارتد منهم أربعة وستون رجلا " وقالوا: سحر، وثبت الستة وقالوا: الحق ما رأينا، قال: فكثر كلام القوم ورجعوا مكذبين إلا الستة ثم ارتاب من الستة واحد فكان فيمن عقرها. وزاد محمد ابن نصر في حديثه: قال سعيد بن يزيد: فأخبرني أنه رأى الجبل الذي خرجت منه بالشام فرأى جنبها قدحك الجبل فأثر جنبها فيه، وجبل آخر بينه وبين هذا ميل. (1) كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن الثمالي مثله. (2) بيان: شنأتكم أي أبغضتكم، وفي بعض النسخ: سئمتكم من السأمة بمعنى الملال. إلى ظهرهم أي خارج بلدهم، ويقال: ندبه لأمر فانتدب له: أي دعاه له فأجاب. والشقراء: الشديدة الحمرة. والوبراء: الكثيرة الوبر. والعشراء: هي التي أتى على حملها عشرة أشهر، وقد تطلق على كل حامل، وأكثر ما يطلق على الأبل والخيل. لم يفجأهم أي لم يظهر لهم شئ من أعضائه فجأة إلا رأسها. 4 - يب: عن أبي مطر قال: لما ضرب ابن ملجم الفاسق لعنه الله أمير المؤمنين عليه السلام قال له الحسن: أقتله ؟ قال: لا ولكن احبسه فإذا مت فاقتلوه، وإذا مت فادفنوني في هذا الظهر في قبر أخوي: هود وصالح. (3) 5 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس إنما يجمع الناس الرضى والسخط وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضى، فقال سبحانه: " فعقروها فأصبحوا نادمين " فما كان إلا أن خارت أرضهم بالخسفة خوار السكة المحماة في الأرض الخوارة. (4) بيان: الخوار: صوت البقر. والسكة: هي التي يحرث بها. والمحماة أقوى صوتا " وأسرع غوصا ".


(1) تفسير العياشي مخطوط. م (2) الروضة ص 185 - 187. م (3) التهذيب 2: 12. م (4) الارض الخوارة: السهلة اللينة. [ * ]

[ 380 ]

6 - ل: العطار، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن عبد الله الأصم، عن عبد الله البطل، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم وهو آخذ بيد علي عليه السلام وهو يقول: يا معشر الأنصار يا معشر بني هاشم يا معشر بني عبد المطلب أنا محمد أنا رسول الله، ألا إني خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي: أنا وعلي وحمزة وجعفر. فقال قائل: يا رسول الله هؤلاء معك ركبان يوم القيامة ؟ فقال: ثكلتك امك إنه لن يركب يومئذ إلا أربعة: أنا وعلي وفاطمة وصالح نبي الله، فأما أنا فعلى البراق، وأما فاطمة ابنتي فعلى ناقتي العضباء، (1) وأما صالح فعلى ناقة الله التي عقرت، وأما علي فعلى ناقة من نوق الجنة، زمامها من ياقوت، عليه حلتان خضراوان، فيقف بين الجنة والنار وقد ألجم الناس العرق يومئذ، فتهب ريح من قبل العرش فتنشف عنهم عرقهم، فتقول الملائكة والأنبياء والصديقون: ما هذا إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، فينادي مناد: ما هذا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكنه علي ابن أبي طالب أخو رسول الله في الدنيا والآخرة. (2) أقول: قد مرت الأخبار في كون صالح عليه السلام من الركبان يوم القيامة في أبواب الحشر، وستجئ في أبواب فضائل أمير المؤمنين أيضا ". 7 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون " يقول: مصدق ومكذب، قال الكافرون منهم: " أتشهدون أن صالحا مرسل من ربه " (3) قال المؤمنون: " إنا بما ارسل به مؤمنون " فقال الكافرون (4) " إنا بالذي آمنتم به كافرون * وقالوا يا صالح ائتنا بآية إن كنت من الصادقين " فجاءهم بناقة فعقروها وكان الذي عقرها أزرق أحمر ولد الزنا،


(1) بالعين المهملة، قال الجزرى في النهاية: كان اسم ناقته عضباء، هو علم لها منقول من قولهم: ناقة العضباء أي مشقوقة الأذن ولم تكن مشقوقة الأذن، وقال بعضهم: كانت مشقوقة الأذن والأول أكثر. وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة العضباء وهى قصيرة اليد. (2) الخصال ج 1: 97 - 98. م (3) في المصدر: قال الكافرون: نشهد ان صالحا غير مرسل. م (4) في المصدر قال الكافرون منهم. م [ * ]

[ 381 ]

وأما قوله: " لم تستعجلون بالسيئه قبل الحسنة " فإنهم سألوه قبل أن تأتيهم الناقة أن يأتيهم بعذاب أليم، (1) فقال: " يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة " يقول: بالعذاب قبل الرحمة. قول: " اطيرنا بك وبمن معك " فإنهم أصابهم جوع شديد فقالوا: هذا من شؤمك وشؤم من معك أصابنا هذا وهي الطيرة (2) " قال إنما طائركم عند الله " يقول خيركم وشركم من عند الله " بل أنتم قوم تفتنون " أي تبتلون. (3) قوله: " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون " كانوا يعملون في الأرض بالمعاصي. قوله: " تقاسموا بالله " أي تحالفوا " لنبيتنه وأهله ثم لنقولن " لنحلفن " لوليه " منهم " ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون " يقول: لنفعلن فأتوا صالحا " ليلا " ليقتلوه وعند صالح ملائكة يحرسونه فلما أتوه قاتلتهم الملائكة في دار صالح رجما " بالحجارة فأصبحوا في داره مقتلين، وأخذت قومه الرجفة (4) فأصبحوا في ديارهم جاثمين. (5) بيان: قال البيضاوي في قوله تعالى: " وإنا لصادقون " ونحلف إنا لصادقون فيما ذكر، لأن الشاهد للشئ غير المباشر له عرفا، أو لأنا ما شهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه ومهلكهم كقولك: ما رأيت ثم رجلا " بل رجلين انتهى. (6) أقول: الظاهر أن المراد بقوله: يقول: لنفعلن أنهم أرادوا بقولهم: " إنا لصادقون " إنا عازمون على هذا الأمر وصادقون في إظهار هذه الإرادة على الحتم، وهذا تأويل آخر غير ما ذكر من الوجهين. قال صاحب الكامل: أوحى الله إلى صالح أن قومك سيعقرون الناقة، فقال لهم: ذلك فقالوا: ما كنا لنفعل، قال: إن لا تعقروها أنتم يوشك أن يولد منكم (7) مولود


(1) في نسخة بعد ذلك: وأرادوا بذلك امتحانهم. (2) في المصدر: هذا القحط وهى الطيرة. م (3) في نسخة: يقول تبتلون. (4) في نسخة: وصبحت قومه الرجفة. (5) تفسير القمى: 481. م (6) انوار التنزيل 2: 78. م (7) في المصدر: فيكم. م [ * ]

[ 382 ]

يعقرها، قالوا: فما علامته فوالله لا نجده إلا قتلناه ؟ قال: إنه غلام أشقر أزرق أصهب (1) أحمر، قال: فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان لأحدهما ابن رغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفوا، فزوج أحدهما ابنته بابن الآخر فولد بينهما المولود، فلما قال لهم صالح: إنما يعقرها مولود فيكم اختاروا قوابل من القرية وجعلوا معهن شرطا " يطوفون في القرية، فإذا وجدوا امرأة تلد نظروا ولدها ما هو، فلما وجدوا ذلك المولود صرخت النسوة وقلن: هذا الذي يريد نبي الله صالح، فأراد الشرط أن يأخذوه فحال جداه بينه وبينهم وقالوا: لو أراد صالح هذا لقتلناه، فكان شر مولود، وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة، فاجتمع تسعة رهط منهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون كانوا قتلوا أولادهم خوفا " من أن يكون عاقر الناقة منهم ثم ندموا فأقسموا ليقتلن صالحا " وأهله، وقالوا: نخرج فنري الناس إننا نريد السفر فنأتي الغار الذي على طريق صالح فنكون فيه، فإذا جاء الليل وخرج صالح إلى مسجده قتلناه ثم رجعنا إلى الغار ثم انصرفنا إلى رحالنا وقلنا: ما شهدنا قتله فيصدقنا قومه، وكان صالح لا ينام (2) معهم، كان يخرج إلى مسجد له يعرف بمسجد صالح فيبيت فيه، فلما دخلوا الغار سقط عليهم صخرة فقتلتهم، فانطلق رجال ممن عرف الحال إلى الغار فرأوهم هلكى فعادوا يصيحون أن صالحا " أمرهم بقتل أولادهم ثم قتلهم، وقيل: إنما كان تقاسم التسعة على قتل صالح بعد عقر الناقة وإنذار صالح إياهم بالعذاب، وذلك أن التسعة الذين عقروا الناقة قالوا: تعالوا فلنقتل صالحا "، فإن كان صادقا " عجلنا قتله، وإن كان كاذبا " ألحقناه بالناقة، فأتوه ليلا في أهله فدفعتهم (3) الملائكة بالحجارة فهلكوا، فأتى أصحابهم فرأوهم هلكى فقالوا لصالح: أنت قتلتهم فأرادوا قتله فمنعهم عشيرته وقالوا: إنه قد وعدكم العذاب فإن كان صادقا " فلا تزيدوا ربكم غضبا "، وإن كان كاذبا " فنحن نسلمه إليكم، فعادوا عنه. فعلى القول الأول يكون التسعة الذين تقاسموا غير الذين عقروا الناقة، والثاني أصح انتهى. (4)


(1) في القاموس: أصهب - محركة -: حمرة أو شقره في الشعر. منه قدس الله روحه. قلت: الصحيح كما في القاموس: الصهب، والظاهر انه تصحيف من النساخ. (2) في المصدر: لا يبيت. م (3) في الصدر: فدمغتهم. م (4) كامل التواريخ 1: 36. م [ * ]

[ 383 ]

8 - فس: قوله: " وإلى ثمود أخاهم صالحا " قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب " إلى قوله: " وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب " فإن الله تبارك وتعالى بعث صالحا " إلى ثمود وهو ابن ست عشر سنة (1) لا يجيبونه إلى خير، وكان لهم سبعون صنما " يعبودنها من دون الله، فلما رأى ذلك منهم قال لهم: يا قوم بعثت إليكم وأنا ابن ست عشر سنة، و قد بلغت عشرين ومائة سنة وأنا أعرض عليكم أمرين: إن شئتم فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم، وإن شئتم سألت آلهتكم فإن أجابتني خرجت عنكم، فقالوا: أنصفت فأمهلنا فأقبلوا يتعبدون ثلاثة أيام ويتمسحون الأصنام (2) ويذبحون لها، وأخرجوها إلى سفح الجبل، وأقبلوا يتضرعون إليها، فلما كان يوم الثالث قال لهم صالح عليه السلام: قد طال هذا الأمر فقالوا له: سل (3) ما شئت، فدنا إلى أكبر صنم لهم فقال له: ما اسمك ؟ فلم يجبه، فقال (لهم خ): ماله لا يجيبني ؟ قالوا له: تنح عنه، فتنحى عنه فأقبلوا إليه يتضرعون و وضعوا على رؤوسهم التراب وضجوا وقالوا: فضحتنا ونكست رؤوسنا، فقال صالح: قد ذهب النهار، فقالوا: سله، فدنا منه فكلمه فلم يجبه، فبكوا وتضرعوا حتى فعلوا ذلك ثلاث مرات فلم يجبه بشئ، فقالوا: إن هذا لا يجيبك، ولكنا نسأل إلهك، فقال لهم: سلوا (4) ما شئتم، فقالوا: سله أن يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء شقراء عشراء، (5) أي حاملة، تضرب منكبيها طرفي الجبلين، وتلقي فصيلها من ساعتها، وتدر لبنها، فقال صالح: إن الذي سألتموني عندي عظيم وعند الله هين، فقام فصلى ركعتين ثم سجد وتضرع إلى الله فما رفع رأسه حتى تصدع الجبل وسمعوا له دويا " شديدا " فزغوا منه وكادوا أن يموتوا منه، فطلع رأس الناقة وهي تجتر، (6) فلما خرجت ألقت فصيلها، ودرت بلبنها


(1) في نسخة: وهو ابن ستة عشر سنة وكذا فيما بعده. قلت: تقدم الحديث مسندا عن العياشي تحت رقم 3 راجعه. (2) في نسخة يتمسحون بالاصنام. (3) في المصدر: " اسأل " في جميع المواضع. م (4) في نسخة: سلوه. (5) في نسخة: شعراء بدل شقراء. (6) اجتر البعير: أعاد الاكل من بطنه فمضغه ثانية. [ * ]

[ 384 ]

فبهتوا، وقالوا: قد علمنا يا صالح إن ربك أعز وأقدر من آلهتنا التي نعبدها، وكان لقريتهم ماء وهي الحجر التي ذكرها الله تعالى في كتابه وهو قوله: " كذب أصحاب الحجر المرسلين " فقال لهم صالح: لهذه الناقة شرب، أي تشرب ماءكم يوما " وتدر لبنها عليكم يوما "، وهو قوله عزوجل: " لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم " فكانت تشرب ماءهم يوما "، وإذا كان من الغد وقفت وسط قريتهم فلا يبقى في القرية أحد إلا حلب منها حاجته، وكان فيهم تسعة من رؤسائهم كما ذكر الله في سورة النمل " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون " فعقروا الناقة ورموها حتى قتلوها وقتلوا الفصيل، فلما عقروا الناقه قالوا لصالح: " ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " قال صالح: " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " ثم قال لهم: وعلامة هلاككم أنه تبيض وجوهكم غدا "، وتحمر بعد غد وتسود يوم الثالث، فلما كان من الغد نظروا إلى وجوههم قد ابيضت مثل القطن، فلما كان يوم الثاني احمرت مثل الدم، فلما كان يوم الثالث اسودت وجوههم، فبعث الله عليهم صيحة وزلزلة فهلكوا، وهو قوله تعالى: " فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين " فما تخلص منهم غير صالح وقوم مستضعفين مؤمنين وهو قوله: " فلما جاء أمرنا نجينا صالحا " والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز * وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمودا " كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ". (1) بيان: قال الله تعالى في سورة الأعراف: " فأخذتهم الرجفة " قال الطبرسي رحمه الله: أي الصيحة، عن مجاهد والسدي، وقيل: الصاعقة، وقيل: الزلزلة اهلكوا بها، عن أبي مسلم، وقيل: كانت صيحة زلزلت به الأرض، وأصل الرجفة: الحركة المزعجة بشدة الزعزعة، قوله تعالى: " جاثمين " أي صرعى ميتين لا حركة بهم، وقيل: كالرماد الجاثم لأنهم احترقوا بها (2) " كأن لم يغنوا فيها " أي كأن لم يكونوا في منازلهم قط لأنقطاع آثارهم


(1) تفسير القمى ص 306 - 308. م (2) مجمع البيان 4: 441. م [ * ]

[ 385 ]

بالهلاك إلا ما بقي من أجسادهم الدالة على الخزي الذي نزل بهم. (1) 9 - ل، ع، ن: سأل الشامي (2) أمير المؤمنين عليه السلام عن ستة لم يركضوا في رحم فقال: آدم وحواء وكبش إبراهيم وعصا موسى وناقة صالح والخفاش الذي عمله عيسى بن مريم فطار بإذن الله عزوجل. (3) 10 - ع: ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن اليشكري، عن محمد بن زياد الأزدي، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن سفيان بن ليلى (4) قال: سأل ملك الروم (5) الحسن بن علي عليه السلام عن سبعة أشياء خلقها الله عزوجل لم تخرج من رحم، فقال: آدم وحواء وكبش إبراهيم وناقة صالح وحية الجنة والغراب الذي بعثه الله عزوجل يبحث في الأرض وإبليس لعنه الله. (6) 11 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن علي بن محمد الخياط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: " كذبت ثمود بالنذر " فقال: هذا لما كذبوا صالحا عليه السلام، وما أهلك الله قوما " قط حتى يبعث إليهم الرسل قبل ذلك فيحتجوا عليهم، فإذا لم يجيبوهم اهلكوا، وقد كان بعث الله صالحا " عليه السلام فدعاهم إلى الله تعالى فلم يجيبوه وعتوا عليه فقالوا: لن نؤمن حتى تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء، وكانت صخرة يعظمونها ويذبحون عندها في رأس كل سنة ويجتمعون عندها، فقالوا له: إن كنت كما تزعم نبيا رسولا " فادع الله يخرج لنا ناقة منها، فأخرجها لهم كما طلبوا منه، وأوحى الله تعالى إلى صالح أن قل لهم: إن الله


(1) مجمع البيان 5: 175. م (2) تقدم الحديث بتمامه مسندا في كتاب الاحتجاجات باب اسئلة الشامي عن أمير المؤمنين عليه السلام راجع ج 10 ص 75 - 83. (3) الخصال ج 1: 156، علل الشرائع: 198، العيون: 135 وفى الاخيرين: وطار. م (4) هكذا في نسخ الكتاب والخصال، ولعل الصحيح سفيان بن ابى ليلى. وفى لسان الميزان: سفيان بن الليل. (5) تقدم الحديث مفصلا عن كتب اخرى في ج 10 ص 132 - 138. (6) لم نجده. م [ * ]

[ 386 ]

جعل لهذه الناقة شرب يوم ولكم شرب يوم، فكانت الناقة إذا شربت يومها شربت الماء كله فيكون شرابهم ذلك اليوم من لبنها فيحلبونها فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومه ذلك، فإذا كان الليل وأصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا هم ذلك اليوم ولا تشرب الناقة، فمكثوا بذلك ما شاء الله حتى عتوا ودبروا في قتلها فبعثوا رجلا " أحمر أشقر أزرق لا يعرف له أب ولد الزنا يقال له قدار ليقتلها، فلما توجهت الناقة إلى الماء ضربها ضربة ثم ضربها اخرى فقتلها، ومر فصيلها حتى صعد إلى جبل فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها، فقال لهم صالح عليه السلام: أعصيتم ربكم إن الله تعالى يقول: إن تبتم قبلت توبتكم، وإن لم ترجعوا بعثت إليكم العذاب في اليوم الثالث، فقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، قال: إنكم تصبحون غدا وجوهكم مصفرة، واليوم الثاني محمرة، واليوم الثالث مسودة، فاصفرت وجوههم فقال بعضهم: يا قوم قد جاءكم ما قال صالح: فقال العتاة: لا نسمع ما يقول صالح ولو هلكنا، وكذلك في اليوم الثاني والثالث، فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل عليه السلام فصرخ صرخة خرقت أسماعهم، وقلقلت قلوبهم، (1) فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم، ثم أرسل عليهم نارا من السماء فأحرقتهم. (2) بيان: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " فأصبحوا في ديارهم جاثمين ": وإنما قال: " فأصبحوا " لأن العذاب أخذهم عند الصباح، وقيل: أتتهم الصيحة ليلا " فأصبحوا على هذه الصفة، والعرب تقول عند الأمر العظيم: واسوء صباحاه. انتهى. (3) أقول: ما ذكر في هذا الخبر من اصفرار وجوههم في اليوم الأول هو الموافق لسائر الأخبار وكلام المفسرين والمؤرخين، والابيضاض الذي ذكره على بن إبراهيم مؤول. 12 - ص: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن ابن أبي عمير، عن الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن صالحا عليه السلام


(1) في نسخة: فلقت قلوبهم أي شقت. (2) مخطوط. م (3) مجمع البيان 5: 175. م [ * ]

[ 387 ]

غاب عن قومه زمانا، وكان يوم غاب كهلا " حسن الجسم، وافر اللحية، ربعة من الرجال، فلما رجع إلى قومه لم يعرفوه، وكانوا على ثلاث طبقات: طبقة جاحدة لا ترجع أبدا "، واخرى شاكة، واخرى على يقين، فبدأ حين رجع بالطبقة الشاكة فقال لهم: أنا صالح، فكذبوه وشتموه وزجروه وقالوا: إن صالحا " كان على غير صورتك وشكلك، ثم أتى إلى الجاحدة فلم يسمعوا منه ونفروا منه أشد النفور، ثم انطلق إلى الطبقة الثالثة وهم أهل اليقين فقال لهم: أنا صالح، فقالوا: أخبرنا خبرا لا نشك أنك صالح، إنا نعلم أن الله تعالى لخالق يحول في أي صورة شاء، (1) وقد اخبرنا وتدارسنا بعلامات صالح عليه السلام إذا جاء، فقال: أنا الذي أتيتكم بالناقة، فقالوا: صدقت وهي التي نتدارس، فما علامتها ؟ قال: لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم، فقالوا: آمنا بالله وبما جئتنا به، قال عند ذلك الذين استكبروا وهم الشكاك والجحاد: إنا بالذي آمنتم به كافرون. قال زيد الشحام: قلت: يا ابن رسول الله هل كان ذلك اليوم عالم ؟ قال: الله أعدل من أن يترك الأرض بلا عالم، فلما ظهر صالح عليه السلام اجتمعوا عليه، وإنما مثل علي والقائم صلوات الله عليهما في هذه الامة مثل صالح عليه السلام. (2) أقول: سيأتي منقولا عن ك في أبواب الغيبة مع زيادات، وفيه: كهلا " مبدح البطن، حسن الجسم، وافر اللحية، خميص البطن، خفيف العارضين، مجتمعا ربعة من الرجال. المبدح لعل المراد به الواسع العظيم ولا ينافيه خميص البطن أي ضامره، إذ المراد به ما تحت البطن حيث يشد المنطقة. والربعة: المتوسط بين الطول والقصر، وغيبته عليه السلام كان بعد هلاك كفار قومه، وكان رجوعه إلى من آمن به ونجا معه من العذاب. 13 - ص: بالإسناد إلى الصدوق، عن أبيه وماجيلويه، عن محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي، عن علي بن العباس، (3) عن جعفر بن محمد البلخي، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن إبراهيم قال: سأل رجل أبا الحسن موسى عليه السلام عن أصحاب الرس الذين


(1) أي يحول صالحا أو الاشياء في أي صورة شاء. (2) قصص الانبياء مخطوط. م (3) في نسخة: عن محمد بن ابى القاسم، عن محمد بن على بن عباس. [ * ]

[ 388 ]

ذكرهم الله من هم ؟ وممن هم ؟ وأي قوم كانوا ؟ فقال: كانا رسين: أما أحدهما فليس الذي ذكره الله في كتابه، كان أهله أهل بدو أصحاب شاء وغنم، فبعث الله تعالى إليهم صالح النبي رسولا " فقتلوه، وبعث إليهم رسولا " آخر فقتلوه، ثم بعث إليهم رسولا " آخر وعضده بولي فقتل الرسول وجاهد الولي حتى أفحمهم، وكانوا يقولون: إلهنا في البحر وكانوا على شفيره، وكان لهم عيد في السنة يخرج حوت عظيم من البحر في ذلك اليوم فيسجدون له، فقال ولي صالح لهم: لا اريد أن تجعلوني ربا، ولكن هل تجيبوني إلى ما دعوتكم إن أطاعني ذلك الحوت ؟ فقالوا: نعم، وأعطوه عهودا ومواثيق، فخرج حوت راكب على أربعة أحوات، فلما نظروا إليه خروا سجدا "، فخرج ولي صالح النبي إليه وقال له: ايتني طوعا " أو كرها بسم الله الكريم، فنزل عن أحواته فقال الولي: ايتني عليهن لئلا يكون من القوم في أمري شك، فأتى الحوت إلى البر يجرها وتجره إلى عند ولي صالح، فكذبوه بعد ذلك فأرسل الله إليهم ريحا " فقذفهم في اليم أي البحر ومواشيهم، فأتى الوحي إلى ولي صالح بموضع ذلك البئر وفيها الذهب والفضة، فانطلق فأخذه ففضه على أصحابه بالسوية على الصغير والكبير. (1) أقول: تمام الخبر في قصة أصحاب الرس. 14 - كا: في الروضة: علي بن محمد، عن علي بن عباس، عن الحسن بن عبد الرحمن عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: " كذبت ثمود بالنذر * فقالوا أبشرا " منا واحدا " نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر * ءالقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر " قال: هذا كان بما كذبوا صالحا "، وما أهلك الله عزوجل قوما حتى يبعث إليهم قبل ذلك الرسل فيحتجوا عليهم، فبعث الله إليهم صالحا " فدعاهم إلى الله فلم يجيبوه وعتوا عليه عتوا وقالوا: لن نؤمن لك حتى تخرج إلينا (2) من هذه الصخرة ناقة عشراء، وكانت الصخرة يعظمونها ويعبدونها ويذبحون عندها في رأس كل سنة ويجتمعون عندها، فقالوا له: إن كنت كما تزعم نبيا " رسولا " فادع لنا إلهك حتى يخرج لنا من هذه الصخرة الصماء ناقة عشراء، فأخرجها الله كما طلبوا


(1) قصص الانبياء مخطوط. م (2) في المصدر: تخرج لنا. م [ * ]

[ 389 ]

منه، ثم أوحى الله تبارك وتعالى إليه: أن يا صالح قل لهم: إن الله قد جعل لهذه الناقة شرب يوم ولكم شرب يوم، فكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت الماء ذلك اليوم فيحلبونها فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك، فإذا كان الليل وأصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم، فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثم إنهم عتوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: اعقروا هذه الناقة واستريحوا منها، لا نرضى أن يكون لنا شرب يوم ولها شرب يوم. ثم قالوا: من الذي يلي قتلها ونجعل له جعلا (1) ما أحب ؟ فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق ولد زنا لا يعرف له أب يقال له قدار، شقي من الأشقياء، مشؤوم عليهم، فجعلوا له جعلا، فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده تركها حتى شربت الماء وأقبلت راجعة فقعد لها في طريقها فضربها بالسيف ضربة فلم تعمل شيئا "، فضربها ضربة اخرى فقتلها، وخرت إلى الأرض على جنبها، و هرب فصيلها حتى صعد على الجبل فرغا " ثلاث مرات إلى السماء، وأقبل قوم صالح فلم يبق أحد إلا شركه في ضربته، واقتسموا لحمها فيما بينهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها، فلما رأى ذلك صالح أقبل إليهم فقال: يا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم ؟ أعصيتم ربكم ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إلى صالح عليه السلام أن قومك قد طغوا وبغوا وقتلوا ناقة بعثتها إليهم حجة عليهم، ولم يكن عليهم فيها ضرر، وكان لهم أعظم (2) المنفعة، فقل لهم: إني مرسل عليكم عذابي إلى ثلاثة أيام، فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم، وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعث عليهم عذابي في اليوم الثالث. فأتاهم صالح عليه السلام فقال لهم: يا قوم إني رسول ربكم إليكم وهو يقول لكم: إن أنتم تبتم و رجعتم واستغفرتم غفرت لكم وتبت عليكم. فلما قال لهم ذلك كانوا أعتى ما كانوا وأخبث وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، قال: يا قوم إنكم تصبحون غدا " ووجوهكم مصفرة، واليوم الثاني وجوهكم محمرة، واليوم الثالث وجوهكم مسودة، فلما أن كان أول يوم أصبحوا ووجوههم مصفرة، فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: قد جاءكم ما


(1) أي أجرا على ما يفعله. (2) في المصدر: لهم منها اعظم اه‍. م [ * ]

[ 390 ]

قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: لا نسمع قوم صالح ولا نقبل قوله وإن كان عظيما "، فلما كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرة فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: يا قوم قد جاءكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: لو اهلكنا جميعا ما سمعنا قول صالح ولا تركنا آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها، ولم يتوبوا ولم يرجعوا، فلما كان اليوم الثالث أصبحوا و وجوههم مسودة يمشي بعضهم لم بعض فقالوا: يا قوم أتاكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح، فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل عليه السلام فصرخ بهم صرخة خرقت تلك الصرخة أسماعهم، وفلقت قلوبهم، وصدعت أكبادهم، وقد كانوا في تلك الثلاثة أيام قد تحنطوا وتكفنوا وعلموا أن العذاب نازل بهم فماتوا أجمعين (1) في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم فلم يبق لهم ثاغية ولا راغية (2) ولا شئ إلا أهلكه الله، فأصبحوا في ديارهم ومضاجهم موتى أجمعين، ثم أرسل الله عليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعين وكانت هذه قصتهم. (3) ايضاح: " كذبت ثمود بالنذر " بالإنذارات أو المواعظ أو الرسل " فقالوا أبشرا " منا " من جنسنا وجملتنا لا فضل له علينا، وانتصابه بفعل يفسره ما بعده، " واحدا " " منفردا لاتبع له، أو من آحادهم دون أشرافهم " نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر " كأنهم عكسوا عليه فرتبوا على اتباعهم إياه ما رتبه على ترك اتباعهم له، وقيل: السعر: الجنون، ومنه ناقة مسعورة " ءالقي الذكر " الكتاب والوحي " عليه من بيننا " وفينا من هو أحق منه بذلك " بل هو كذاب أشر " حمله بطره على الترفع علينا بادعائه، والشرب بالكسر: النصيب من الماء. والاشقر من الناس: من تعلو بياضه حمرة. لا يعرف له أب أي كان ولد زنا، (4) وإنما كان ينسب إلى سالف لأنه كان ولد على فراشه. قال الجوهري: قدار بضم القاف وتخفيف الدال يقال له أحمر ثمود، وعاقر ناقة صالح. انتهى.


(1) في المصدر: اجمعون. م (2) في نسخة: فلم يبق لهم ناعقة ولا راعية. (3) الروضة: 187 - 189. م (4) قال الثعلبي: يزعمون أنه كان لزنية رجل يقال له صفوان ولم يكن لسالف ولكنه قد ولد على فراشه. [ * ]

[ 391 ]

ورغا البعير: صوت وضج. وقال الجوهري: الثغاء: صوت الشاة والمعز وما شاكلها. والثاغية: الشاة. والراغية: البعير. وما بالدار ثاغ ولا راغ أي أحد، وقال: قولهم: ماله ثاغية ولا راغية أي ماله شاة ولا ناقة. وفي بعض النسخ: ناعقة ولا راعية. والنعيق: صوت الراعي بغنمه، أي لم تبق جماعة يتأتى منهم النعيق والرعي، والأول أظهر وهو الموجود في روايات العامة أيضا في تلك القصة. تذنيب: قال الشيخ الطبرسي رحمه الله: فإذا كان يوم الناقة وضعت رأسها في مائهم فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيه، ثم ترفع رأسها فتفحج لهم فيحتلبون ما شاؤوا من لبن، فيشربون ويدخرون حتى يملؤوا أوانيهم كلها. قال الحسن بن محبوب: حدثني رجل من أصحابنا يقال له سعيد بن يزيد قال: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة بين الجبلين ورأيت أثر جنبيها فوجدته ثمانين ذراعا، وكانت تصدر من غير الفج الذي منه وردت، لا تقدر على أن تصدر من حيث ترد، يضيق عنها، فكانوا في سعة ودعة منها، وكانوا يشربون الماء يوم الناقة من الجبال والمغارات فشق ذلك عليهم، وكانت مواشيهم تنفر منها لعظمها فهموا بقتلها، قالوا: وكانت امرأته جميلة، يقال لها: صدوف (1) ذات مال من إبل وبقر وغنم وكانت أشد الناش عداوة لصالح فدعت رجلا " من ثمود يقال له: مصدع بن مهرج وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة، وامرأة اخرى يقال لها: غنيرة (2) دعت قدرا " بن سالف وكان أحمر أزرق قصيرا "، وكان ولد زنا، ولم يكن لسالف الذي يدعى إليه ولكنه ولد على فراشه، وقالت: اعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان قدار عزيزا منيعا في قومه، فانطلق قدار بن سالف ومصدع فاستغويا غواة ثمود فأتبعهما سبعة نفر وأجمعوا على عقر الناقة. قال السدي: ولما ولد قدار وكبر جلس مع اناس يصيبون من الشراب فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم وكان ذلك اليوم شرب الناقة فوجدوا الماء قد شربته الناقة فاشتد ذلك عليهم فقال قدار: هل لكم في أن أعقرها لكم ؟ قالوا: نعم.


(1) قال الثعلبي: يقال لها صدوق بنت المحيا بن مهر وكانت غنية جميلة ذات مواش كثيرة. (2) قال الثعلبي: يقال لها عنيزة بن غنم بن مخلدة وتكنى ام غنم وهى من بنى عبيد بن المهل وكانت امرأة ذؤاب بن عمر وكانت عجوزة مسنة ولها بنات حسان ومال كثير من الأبل والبقر والغنم. [ * ]

[ 392 ]

وقال كعب: كان سبب عقرهم الناقة أن امرأة يقال لها ملكاء كانت قد ملكت ثمودا "، فلما أقبل الناس على صالح وصارت الرئاسة إليه حسدته فقالت لأمرأة يقال لها قطام وكانت معشوقة قدار بن سالف ولا مرأة اخرى يقال لها قبال كانت معشوقة مصدع وكان قدار ومصدع يجتمعان معهما كل ليلة ويشربون الخمر، فقالت لهما ملكاء: إن أتاكما الليلة قدار ومصدع فلا تطيعاهما وقولا لهما: إن الملكة حزينة لأجل الناقة ولأجل صالح فنحن لا نطيعكما حتى تعقرا " الناقة فلما أتياهما قالتا لهما هذه المقالة، فقالا: نحن نكون من وراء عقرها، قال: فانطلق قدار ومصدع وأصحابهما السبعة فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل اخرى، فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت عنيزة وأمرت ابنتها و كانت من أحسن الناس فاسفرت لقدار ثم زمرته (1) فشد على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها، ثم طعن في لبتها فنحرها وخرج أهل البلدة واقتسموا لحمها وطبخوه، فلما رأى الفصيل ما فعل بامه ولى هاربا حتى صعد جبلا " ثم رغا " رغاء تقطع منه قلوب القوم، وأقبل صالح فخرجوا يعتذرون إليه إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا، فقال صالح: انظروا هل تدركون فصيلها ؟ فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه في الجبل فلم يجدوه، وكانوا عقروا الناقة ليلة الأربعاء، فقال لهم صالح: تمتعوا في داركم يعني في محلتكم في الدنيا ثلاثة أيام فإن العذاب نازل بكم، ثم قال: يا قوم إنكم تصبحون غدا ووجوهكم مصفرة، واليوم الثاني تصبحون ووجوهكم محمرة، واليوم الثالث وجوهكم مسودة، فلما كان أول يوم أصبحت وجوههم مصفرة فقالوا: جاءكم ما قال لكم صالح، ولما كان اليوم الثاني احمرت وجوههم واليوم الثالث اسودت وجوههم، فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل فصرخ بهم صرخة خرقت أسماعهم وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادهم، وكانوا قد تحنطوا وتكفنوا و


(1) في حديث على عليه السلام: ألا وإن الشيطان قد زمر حزبه أي حضهم وشجعهم. منه عفى عنه. [ * ]

[ 393 ]

علموا أن العذاب نازل بهم فماتوا أجمعين في طرفة عين كبيرهم وصغيرهم، فلم يبق الله منهم ثاغية ولا راغية شيئا " يتنفس إلا أهلكها، فأصبحوا في ديارهم موتى، ثم أرسل الله عليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعين، فهذه قصتهم. وروى الثعلبي (1) بإسناده مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا علي أتدري من أشقى الأولين ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: عاقر الناقة. قال: أتدري من أشقى الآخرين ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: قاتلك. وفي رواية اخرى: أشقى الآخرين من يخضب هذه من هذه وأشار إلى لحيته ورأسه وروى أبو الزبير، (2) عن جابر بن عبد الله قال: لما مر النبي صلى الله عليه وآله بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم، ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم الذي أصابهم، ثم قال: أما بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية فبعث الله لهم الناقة، و كانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، تشرب ماءهم يوم وردها، وأراهم مرتقى الفصيل حين ارتقى في المغارة، وعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فأهلك الله من تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا " واحدا " يقال له أبو رغال وهو أبو ثقيف كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه، فدفن ودفن معه غصن من ذهب وأراهم قبر أبي رغال، فنزل القوم: فابتدروه بأسيافهم وحثوا عنه فاستخرجوا ذلك الغصن، ثم قنع رسول الله صلى الله عليه وآله وأسرع السير حتى جاز الوادي. (3) توضيح: قال الجوهري: التفحج: هو أن يفرج بين رجليه إذا جلس، وكذلك التفحيج، وقد أفحج الرجل حلوبته: إذا فرج ما بين رجليها ليحلبها. وقال الثعلبي: ثم زمرته يعني حضته على عقر الناقة. وقال الجوهري: السقب: الذكر من ولد الناقة.


(1) رواه الثعلبي في العرائس: 43 باسناده عن محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا وكيع بن الحاج، قال: حدثنا قتيبة ابو عثمان عن أبيه عن الضحاك بن مزاحم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (2) رواه الثعلبي في العرائس: ص 43. وفيه: ولا تشربوا من مائها. ومثل الذى أصابكم. وبحثوا عليه. ثم تقنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثوبه. م (3) مجمع البيان 4: 441 - 443. م [ * ]

[ 394 ]

15 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " كذبت ثمود بطغواها " يقول: الطغيان حملها على التكذيب، قال علي بن إبراهيم في قوله: " أشقها " قال: الذي عقر الناقة. وقوله: " فدمدم عليهم " قال: أخذهم بغتة وغفلة بالليل " ولا يخاف عقباها " قال: من بعد هؤلاء الذين أهلكناهم لا يخافون. (1) بيان: لعله على هذا التأويل قوله: " عقباها " فاعل " لا يخاف " والمراد بالعقبى الامة المتأخرة، أو فاعله الضمير الراجع إلى الأنسان. 16 - ع، ن، ل: في أسئلة الشامي قال: أخبرني عن يوم الأربعاء والتطير منه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هو آخر أربعاء من الشهر - وساق الحديث إلى أن قال -: ويوم الأربعاء قال الله: إنا دمرناهم وقومهم أجمعين، ويوم الأربعاء أخذتهم الصيحة، ويوم الأربعاء عقروا " الناقة. (3) بيان: الظاهر من الخبر أن هذه الصيحة هي التي وقعت على قوم عاد وقوعها بين التدمير والعقر المتعلقين بهم، لكن لا يوافق ما مر من الأخبار الدالة على أن بعد العقر لم يهلكوا أكثر من ثلاثة أيام، (3) فلا يتصور كون العقر والصيحة معا " في الأربعاء، فينبغي حمل الصيحة على ما وقعت على قوم هود، أو على قوم شعيب أو على قوم لوط، ولعل الاوسط أظهر.


(1) تفسير القمى: 727. م (2) علل الشرائع: 199. عيون الاخبار: 136 - 137، الخصال 2: 28. م (3) ظاهر الاخبار المتقدمة أن العذاب نزل بهم بعد مراجعة صالح عليه السلام قومه وأمرهم بالتوبة والاستغفار وفى بعضها أن ذلك كان بعد ما خرجوا يطلبون فصيله في الجبل فلم يجدوه، وليست الاخبار ظاهرة في أن العذاب نزل بهم بعد عقر الناقة بثلاثة أيام من غير فصل حتى تعارض ذلك. [ * ]

[ 395 ]

إلى هنا تم الجزء الحادي عشر من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة النفيسة ويحوي هذا الجزء 519 حديثا في 19 بابا. ويتلوه الجزء الثاني عشر ويبدء من قصص إبراهيم عليه السلام وقد قابلنا هذا المجلد بنسخ مطبوعة ومخطوطة منها: طبعة أمين الضرب المطبوع بطهران سنة 1303. ومنها نسخة مخطوطة مقروءة على العلامة المصنف قدس سره وفي عدة مواضعها سماعه بخطه الشريف والنسخة وإن لم تخلو عن أغلاط إلا إنه جيدة جدا، وهي من أول الكتاب إلى آخر قصص شعيب عليه السلام وقد أتحفنا الفاضل العالم السيد مهدي اللازوردي القمي دام توفيقه وإلى القارئ الصورة الفتوغرافية لصحيفة منها. وكثيرا ما راجعت عند الاختلاف نسخة اخرى لمكتبة سيدنا العلامة الحجة السيد شهاب الدين النجفي المرعشي مد ظله العالي. خادم العلم والدين عبد الرحيم الرباني الشيرازي

[ 396 ]

رموز التعليق وكلمة التقدير كل ما يرمز إليه من التعاليق ب‍ (ط) فهو للعلامة الفذ السيد محمد حسين الطباطبائي وقد علق أدام الله إفاضة بعض الاحاديث من المجلد الاول إلى أوائل المجلد السابع فقط. سيدنا العلامة الحجة السيد شهاب الدين النجفي المرعشي مد ظله العالي. خادم العلم والدين عبد الرحيم الرباني الشيرازي

[ 396 ]

رموز التعليق وكلمة التقدير كل ما يرمز إليه من التعاليق ب‍ (ط) فهو للعلامة الفذ السيد محمد حسين الطباطبائي وقد علق أدام الله إفاضة بعض الاحاديث من المجلد الاول إلى أوائل المجلد السابع فقط. وكل ما يرمز إليه ب‍ (م) فهو للخطيب المصقع المفضال السيد مصطفى الطباطبائي القم وربما عاونه الثقة الالمعي الفاضل السيد السيد كاظم الموسوي وكل ما لم يرمز گليه فهو للمتتتبع البصير الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي وقد بذل غاية جهده في تصحيح الكتاب سندا ومتنا وترجم بعض رجاله وأوضح جدده + وكان حقا علينا وعلى كل مسلم يحمل بين جنبيه ولاء العترة الطاهرة عليهم السلام تقدير هؤلاء الافاضل الكرام والفطاحل الاعلام الذين قاموا بخدمة تبقى عوائده الايام على تعاقب الشهور و الاعوام حيث بذلوا هممهم العالية في تصحيح هذا السفر الكبير الذي ذيقوم بأعباء ثقله إلا امة كبيرة فلله درهم وعلى الله أجرهم. وقد وفقني الله تعالى لتصحيح الكتاب ومقابلته بما صحح قبذ بإشراف قبلا بإشراف اللجنة العلمية وبما وجدناها من نسخ المصنف أو ما أجازها قدس سره الشريف وبذلت في ذلك غاية وسعي وجهدي وقد ساعدني زميلي الفاضل السيد كاظم الموسوي المحترم فجاء الكتاب بحمد الله تعالى خاليا من الغلط إلا نزر زهيد لا يعبأ وفي بالي إن أمهلني الاجل وساعدني لطفه عزوجل أن أكتب عليه فهرسا جامعا بصورة حديثة وقد شرعت الان في مقدماته أسأل الله تعالى أن يوفقني لاتمامه إنه ولي التوفيق يحيى العابدي الزنجانى

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية