الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 5

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 5


[ 1 ]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الخامس مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍. 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - ص ب: 1457 - هاتف: 386868

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أمر عباده بالعدل وهو أولى به من المأمورين، وزجرهم فبين أنه لا يظلم المزجورين، وكلف الخلق بعد استطاعتهم ليكونوا بطاعته في جناته متنعمين، وبمعصيته في نيرانه معذبين، والصلاة على شافع المذنبين، وفخر المرسلين، محمد خاتم النبيين، وعلى وصيه رافع لواء الحمد يوم الدين، والساقي من حوض أخيه شيعته المرحومين، وعلى أوصيائهما الاطهرين، وذريتهما الاكرمين ما أظلت السماوات على الارضين. أما بعد فهذا هو المجلد الثالث من كتاب بحار الانوار المشتمل على أخبار العدل والمعاد، وعلل تكليف العباد، مما ألفه الراجى لرحمة ربه وشفاعة نبيه يوم التناد محمد باقر بن محمد تقي رزقه الله سلوك سبيل الرشاد، وغفر له ولوالديه يوم المعاد.

[ 2 ]

(ابواب العدل). (باب 1) * (نفى الظلم والجور عنه تعالى، وابطال الجبر والتفويض،) * * (واثبات الامر بين الامرين، واثبات الاختيار والاستطاعة) * الايات، آل عمران " 3 " ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد 182. النساء " 4 " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما 40 " وقال ": ولا يظلمون فتيلا 49 " وقال ": ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك 79 " وقال ": ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما 147. الانعام " 6 " ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون * ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون 131 - 132. الاعراف " 7 " إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون * وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آبائنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء 27 - 28. الانفال " 8 " ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد 51. التوبة " 9 " فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 70. يونس " 10 " إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون 44 " وقال تعالى ": قل يا أيها الناس قد جائكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل 108. النحل " 16 " وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * فأصابهم سيئات ما عملوا 33 - 34. الحج " 22 " ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد 10.

[ 3 ]

المؤمنون " 23 " ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون 62. النور " 24 " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم 11. سبا " 34 " قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون 25. فاطره " 35 " ولا تزر وازرة وزر اخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان ذا قربى 18. ص " 38 " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار 28. الزمر " 39 " إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر اخرى 7. المؤمن " 40 " وما الله يريد ظلما للعباد 31 " وقال تعالى ": من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها 40 " وقال تعالى ": اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب 17. السجدة " 41 " من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد 46. الزخرف " 43 " وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين 76. ق " 50 " لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد 28 - 29. الطور " 52 " إنما تجزون ما كنتم تعملون 16 " وقال تعالى ": كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون 19 " وقال سبحانه ": كل امرئ بما كسب رهين 21. النجم " 53 " ولله ما في السموات وما في الارض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى " إلى قوله تعالى ": أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفي * ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للانسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزيه الجزاء الاوفى 31 - 41.

[ 4 ]

الواقعة " 56 " جزاء بما كانوا يعملون 24. تفسير: المبالغة في قوله تعالى: " بظلام " إما غير مقصودة، أو هي لكثرة العبيد أو لبيان أن ما ينسبون إليه تعالى من جبرهم على المعاصي وتعذيبهم عليها غاية الظلم، أو لبيان أنه لو اتصف تعالى به لكان صفة كمال فيجب كماله فيه ; والفتيل: الخيط الذي في شق النواة ; (1) وفي تفسير علي بن إبراهيم: هي القشرة التي على النواة " ص 128 " قوله تعالى: وإن تدع مثقلة إلى حملها أي إن تدع نفس أثقلتها الاوزار لحمل بعض أوزارها لم تجب لحمل شئ منه ولو كان المدعو ذا قرابتها. 1 - لى: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن صباح بن عبد الحميد، وهشام وحفص وغير واحد قالوا: قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: إنا لا نقول جبرا ولا تفويضا (2). " ص 168 " 2 - يد، ن، لى: السناني، عن الاسدي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني، عن الامام علي بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه الرضا علي بن موسى عليهما السلام قال: خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الصادق عليه السلام فاستقبله موسى بن جعفر عليه السلام فقال له: يا غلام ممن المعصية ؟ فقال عليه السلام: لا تخلو من ثلاثة: إما أن تكون من الله عزوجل و ليست منه فلا ينبغي للكريم أن يعذب عبده بما لم يكتسبه، (3) وإما أن تكون من الله عزوجل ومن العبد فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف، وإما أن تكون من العبد وهي منه فإن عاقبه الله فبذنبه وإن عفى عنه فبكرمه وجوده (4) " ص 83 ص 79 ص 246 ". 3 - ب: ابن حكيم، عن البزنطي قال: سألت أبا الحسن عليه السلام قال: فقال لي: اكتب قال الله تعالى: يابن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء، وبنعمتي أديت إلي


(1) مأخوذ من الفتيل، لكونه على هيئته، يضرب به المثل في الشئ الحقير. (2) في المصدر: انا لا اقول جبرا ولا تفويضا. م (3) في اكثر المصادر: بما لا يكتسبه. م (4) سيأتي الحديث مفصلا من الاحتجاج تحت رقم 33.

[ 5 ]

فرائضي، وبقدرتي قويت على معصيتي، خلقتك سميعا بصيرا، أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني لاني لا اسأل عما أفعل وهم يسألون، قد نظمت جميع ما سألت عنه. (1) " ص 151 " 4 - ب: أحمد بن محمد، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا ناجى ربه قال: يا رب قويت على معصيتك بنعمتك. قال: وسمعته يقول في قول الله تبارك وتعالى: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له " فقال: إن القدرية يحتجون بأولها وليس كما يقولون ألا ترى أن الله تبارك وتعالى يقول: " وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له " وقال نوح على نبينا وآله وعليه السلام: ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم. قال: الامر إلى الله يهدي من يشاء. " ص 158 " بيان: اعلم أن لفط القدري يطلق في أخبارنا على الجبري وعلى التفويضي، و


(1) في قرب الاسناد المطبوع: قد نظمت جميع ما تسأل عنه. أقول: أخرجه ثقة الاسلام في كتابه الكافي في باب الجبر والقدر أتم من هذا، واللفط هكذا: محمد بن أبى عبد الله وغيره، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبى نصر قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: إن بعض أصحابنا يقول بالجبر، وبعضهم يقول بالاستطاعة، قال: فقال لى: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم قال علي بن الحسين: قال الله عزوجل: يابن آدم بمشيتي كنت أنت الذى تشاء، وبقوتي أديت إلى فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتى، جعلتك سميعا بصيرا، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذلك أنى أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك منى، وذلك لا اسئل عما أفعل وهم يسئلون، قد نظمت لك كل شئ تريد. انتهى. وأخرجه أيضا في باب المشية والارادة بصورة أخصر من هذا ويأتى بالاسناد تحت رقم 93 ويأتى أيضا تحت رقم 88 بسند آخر مع اختلاف. قوله: بقوتى أديت إلى فرائضي أي بقوتى التى أعطيتك وبتوفيقي الذى وفقتك أديت فرائضي، ولو وكلتك إلى نفسك وخذلتك لا سقطتك نفسك إلى هوية الضلال ; وأدخلتك مداخل السوء والفحشاء، وذلك أنى جعلتك سميعا لاستماع ما نطقت به أنبيائي وأدلة رشادي من شرائعي ومعالم دينى، ووفقتك للاستماع، وجعلتك بصيرا لتبصر آثار صنعى، وآيات توحيدي والوهيتى، فما أصابك من حسنة فمن ناحيتى ومن عندي، ولتوفيقي وقوتى، وما أصابك من سيئة فمن سوء اختيارك، وغواية نفسك، واغتيال سوء سريرتك.

[ 6 ]

المراد في هذا الخبر هو الثاني، وقد أحال كل من الفريقين ما ورد في ذلك على الآخر قال شارح المقاصد: لا خلاف في ذم القدرية، وقد ورد في صحاح الاحاديث: لعن الله القدرية على لسان سبعين نبيا، والمراد بهم القائلون بنفي كون الخير والشر كله بتقدير الله ومشيته سموا بذلك لمبالغتهم في نفيه، وقيل: لاثباتهم للعبد قدرة الايجاد وليس بشئ لان المناسب حينئذ القدري بضم القاف. وقالت المعتزلة: القدرية هم القائلون بأن الخير والشر كله من الله وبتقديره ومشيته لان الشايع نسبة الشخص إلى ما يثبته ويقول به كالجبرية والحنفية والشافعية، لا إلى ما ينفيه، ورد بأنه صح عن النبي صلى الله عليه وآله قوله: " القدرية مجوس أمتي " وقوله: " إذا قامت القيامة نادى مناد: أهل الجمع أين خصماء الله ؟ فتقوم القدرية " ولا خفاء في أن المجوس هم الذين ينسبون الخير إلى الله والشر إلى الشيطان، ويسمونهما " يزدان وأهرمن " وأن من لا يفوض الامور كلها إلى الله تعالى ويفرز بعضها فينسبه إلى نفسه يكون المخاصم لله تعالى، وأيضا من يضيف القدر إلى نفسه ويدعى كونه الفاعل والمقدر أولى باسم القدري ممن يضيفه إلى ربه. انتهى. وقال العلامة رحمه الله في شرحه على التجريد: قال أبو الحسن البصري ومحمود الخوارزمي وجه تشبيهه عليه السلام المجبرة بالمجوس من وجوه: أحدها أن المجوس اختصوا بمقالات سخيفة، واعتقادات واهية معلومة البطلان وكذلك المجبرة. وثانيها أن مذهب المجوس أن الله تعالى يخلق فعله ثم يتبرأ منه كما خلق إبليس ثم انتفى عنه، وكذلك المجبرة قالوا: إنه تعالى يفعل القبايح ثم يتبرأ منه. (1) وثالثها: أن المجوس قالوا: إن نكاح الاخوات والامهات بقضاء الله وقدره و إرادته، ووافقهم المجبرة حيث قالوا: إن نكاح المجوس لاخواتهم وأمهاتهم بقضاء الله وقدره وإرادته. ورابعها: أن المجوس قالوا: إن القادر على الخير لا يقدر على الشر وبالعكس


(1) في شرح التجريد: ثم يتبرأ منها. م

[ 7 ]

والمجبرة قالوا: إن القدرة موجبة للفعل غير متقدمة عليه فالانسان القادر على الخير لا يقدر على ضده وبالعكس انتهى. اقول. سيتضح لك أن كلا منهما ضال، صادق فيما نسب إلى الآخر، وأن الحق غير ما ذهبا إليه، وهو الامر بين الامرين. 5 - ب: بالاسناد المذكور قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا ناجى ربه قال: اللهم يا رب إنما قويت على معاصيك بنعمك. (1) " ص 167 " 6 - فس: قوله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا إلى قوله: " يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا " قال الصادق عليه السلام: إن هذا القول من الله رد على من زعم أن الله تبارك وتعالى يضل العباد، ثم يعذبهم على ضلالتهم " ص 30 " بيان: الظاهر أنه عليه السلام جعل قوله تعالى: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا من جملة قول الذين كفروا على خلاف ما ذهب إليه المفسرون من أنه من كلامه تعالى جوابا لقولهم. (2) 7 - ل: الخليل بن أحمد، عن ابن منيع، عن الحسن بن عرفة، عن علي بن ثابت عن إسماعيل بن أبي إسحاق، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: صنفان من أمتي ليس لهما في الاسلام نصيب: المرجئة، والقدرية. 8 - كنز الكراجكى: عن محمد بن علي بن محمد بن الصخر البصري، عن عمر بن محمد ابن سيف، (3) عن علي بن محمد بن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام مثله. " ص 51 " بيان: قال الكراجكي: ظنت المعتزلة أن الشيعة هم المرجئة لقولهم: إنا نرجو من الله تعالى العفو عن المؤمن إذا ارتكب معصية ومات قبل التوبة، وهذا غلط


(1) أقول: غير خفى أنه والخبر المتقدم تحت رقم 4 قطعتان من الخبر الثالث. (2) ولعل الحديث مربوط بآخر الاية، وهو قوله: وما يضل به إلا الفاسقين الاية. ط (3) في المصدر: يوسف. م

[ 8 ]

منهم في التسمية، لان المرجئة مشتق من الارجاء، وهو التأخير (1) بل هم الذين أخروا الاعمال ولم يعتقدوا من فرائض الايمان. ثم قال: إن المعتزلة لها من الزلات الفظيعة ما يكثر تعداده وقد صنف ابن الراوندي كتاب فضائحهم فأورد فيه جملا من اعتقاداتهم و آراء شيوخهم مما ينافر العقول ويضاد شريعة الرسول وقد وردت الاخبار بذمهم عن أهل البيت عليهم السلام ولعنهم جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فقال: لعن الله المعتزلة أرادت أن توحدت فألحدت ورامت أن ترفع التشبيه فأثبتت. 9 - ل: محمد بن علي بن بشار القزويني، عن المظفر بن أحمد، وعلي بن محمد بن سليمان، عن علي بن جعفر البغدادي، عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي، عن الحسن ابن راشد، عن علي بن سالم، عن أبيه قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: أدنى ما يخرج به الرجل من الايمان أن يجلس إلى غال ويستمع إلى حديثه ويصدقه على قوله، إن أبي حدثني عن أبيه عن جده عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: صنفان من أمتي لا نصيب لهما في الاسلام: الغلاة والقدرية. 10 - عد: اعتقادنا في الاستطاعة ما قاله موسى بن جعفر عليه السلام حين قيل له: أيكون العبد مستطيعا ؟ قال: نعم بعد أربع خصال: أن يكون مخلي السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح، له سبب وارد من الله عزوجل، فإذا تمت هذه فهو مستطيع فقيل له: مثل أي شئ، فقال: يكون الرجل مخلى السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح لا يقدر أن يزني إلا أن يرى امرأة فإذا وجد المرأة فإما أن يعصم فيمتنع كما امتنع يوسف، وإما أن يخلي بينه وبينها فيزني وهو زان ولم يطع الله بإكراه، ولم يعص بغلبة. (2)


(1) قال في الكنز بعد ذلك ص 50: يقال لمن أخر أمرا: أرجأت الامر يا رجل، فأنت مرجئ قال الله: " أرجه وأخاه " أي أخره، وقال تعالى: " وآخرون مرجون لامر الله " أي مؤخرون إلى مشيته، وأما الرجاء فانما يقال: منه رجوت فأنا راج، فيجب أن تكون الشيعة راجية لا المرجئة والمرجئة هم الذين أخروا الاعمال، ولم يعتقدوا من فرائض الايمان، وقد لعنهم النبي فيما وردت به الاخبار. انتهى. ثم ذكر الحديث المتقدم. (2) سيوافيك الحديث مسندا عن الرضا عليه السلام تحت رقم 54.

[ 9 ]

11 - وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون " قال: مستطيعون للاخذ بما امروا به، والترك لما نهوا عنه، وبذلك ابتلوا. (1) 12 - وقال أبو جعفر عليه السلام: في التوراة مكتوب مسطور: يا موسى إني خلقتك واصطفيتك وقويتك، (2) وأمرتك بطاعتي، ونهيتك عن معصيتي، فإن أطعتني أعنتك على طاعتي وإن عصيتني لم أعنك على معصيتي، ولي المنة عليك في طاعتك، ولي الحجة عليك في معصيتك. " ص 72 - 73 " 13 - فس: في رواية أبي الجارود (3) قوله: " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " قال: خلقهم حين خلقهم مؤمنا وكافرا وشقيا وسعيدا، و كذلك يعودون يوم القيامة مهتد وضال، يقول: إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ; وهم القدرية الذين يقولون: لا قدر، ويزعمون أنهم قادرون على الهدى والضلالة، وذلك إليهم إن شاؤوا اهتدوا، وإن شاؤوا ضلوا، وهم مجوس هذه الامة، وكذب أعداء الله المشية والقدرة لله " كما بدأكم تعودون " من خلقه الله شقيا يوم خلقه كذلك يعود إليه، (4) ومن خلقه سعيدا يوم خلقه كذلك يعود إليه سعيدا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الشقي من شقى في بطن امه، والسعيد من سعد في بطن امه. " ص 214 " 14 - ل: الفامي وابن مسرور، عن ابن بطة، عن الصفار، ومحمد بن علي بن محبوب، (5) عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل زعم أن الله عز وجل أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم الله عزوجل في حكمه وهو كافر، ورجل يزعم أن الامر


(1) سيأتي الحديث مسندا عن الصادق عليه السلام تحت رقم 41 و 56. (2) في الاصل: وهديتك وقويتك وفى آخر الحديث: في معصيتك لى. (3) في تفسير القمى بعد ذلك: عن أبي جعفر عليه السلام. م (4) وفيه ايضا: يعود إليه شقيا. م (5) في التوحيد بعد ذلك: ومحمد بن حسين بن عبد العزيز، عن ابن عيسى. م

[ 10 ]

مفوض إليهم فهذا وهن الله في سلطانه فهو كافر، ورجل يقول: إن الله عزوجل كلف العباد ما يطيقون، ولم يكلفهم ما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ. يد: الوراق، عن ابن بطة مثله. 15 - ل: أبي، عن علي، عن أبيه، عن الحسن بن الحسن بن الفارسي، عن سليمان بن جعفر البصري، عن عبد الله بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل لما خلق الجنة خلقها من لبنتين، لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وجعل حيطانها الياقوت، وسقفها الزبرجد، وحصبائها اللؤلؤ، (1) وترابها الزعفران والمسك الازفر، فقال لها: تكلمي، فقالت: لا إله إلا أنت الحي القيوم، قد سعد من يدخلني. فقال عزوجل: بعزتي وعظمتي وجلالي وارتفاعي لا يدخلها مدمن خمر، ولا سكير، ولا قتات (2) وهو النمام، ولا ديوث وهو القلطبان، ولا قلاع وهو الشرطي، ولا زنوق وهو الخنثى، ولا خيوف (3) وهو النباش، ولا عشار، ولا قاطع رحم، ولا قدري. توضيح: السكير بالكسر وتشديد الكاف: الكثير السكر، والفرق بينه وبين المدمن إما بكون المراد بالخمر ما يتخذ من العنب وبالسكير من يسكر من غيره، أو بكون المراد بالمدمن أعم ممن يسكر. وشرط السلطان: نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، والنسبة إليهم شرطي كتركي، ولم أجد اللغويين فسروا الزنوق والخيوف بما فسرا به في الخبر. 16 - ل: أبي وابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، ومحمد العطار، عن الاشعري عن محمد بن الحسين بإسناد له يرفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يدخل الجنة مدمن


(1) في نسخة: وحصاها اللؤلؤ. (2) من القت وهو الكذب، وسمى النمام قتاتا لانه يزور الحديث ويحسنها ويبلغها على جهة الكذب والفساد. (3) في نسخة من الكتاب: ولا خنوف. وفى الخصال المطبوع: ولا خيوق في الموضعين.

[ 11 ]

خمر، ولا سكير، ولا عاق، ولا شديد السواد، ولا ديوث، ولا قلاع وهو الشرطي، ولا زنوق وهو الخنثى، ولا خيوف وهو النباش، ولا عشار، ولا قاطع رحم، ولا قدري. قال الصدوق رحمه الله: يعني بشديد السواد الذي لا يبيض شئ من شعر رأسه، ولا من شعر لحيته مع كبر السن، ويسمى الغربيب. (1) 17 - ن: السناني، عن الاسدي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني، عن إبراهيم ابن أبي محمود قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وتركهم في ظلمات لا يبصرون " فقال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنه متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف، وخلا بينهم وبين اختيارهم. قال: وسألته عن قول الله عزوجل " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " قال: الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم كما قال تعالى: " بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا " قال: وسألته عن الله عزوجل هل يجبر عباده على المعاصي ؟ فقال: بل يخيرهم (2) ويمهلهم حتى يتوبوا، قلت: فهل يكلف عباده ما لا يطيقون ؟ فقال: كيف يفعل ذلك وهو يقول: " وما ربك بظلام للعبيد " ؟ ثم قال عليه السلام: حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد عليهم السلام أنه قال: من زعم أن الله يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئا. " ص 70 " ج: مرسلا عن الحسني مثله. " ص 225 " 18 - ن: تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن يزيد بن عمير ابن معاوية الشامي (3) قال: دخلت على علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو فقلت له: يابن


(1) وزان عفريت. (2) في الاحتجاج: لا بل يخيرهم. م (3) الموجود في العيون: " زيدين بن عمير بن معاوية الشامي " وحكى فيه عن نسخة اخرى " يزيد بن عمير، عن معاوية الشامي ".

[ 12 ]

رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين فما معناه ؟ فقال: من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر ومن زعم أن الله عزوجل فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه عليهم السلام فقد قال بالتفويض فالقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك. فقلت له: يابن رسول الله فما أمر بين أمرين ؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما امروا به وترك ما نهوا عنه. فقلت له: فهل لله عزوجل مشية وإرادة في ذلك ؟ فقال: أما الطاعات فإرادة الله ومشيته فيها الامر بها، والرضا لها، والمعاونة عليها ; وإرادته ومشيته في المعاصي النهي عنها، والسخط لها، والخذلان عليها. قلت: فلله عزوجل فيها القضاء ؟ (1) قال: نعم ما من فعل يفعله العباد من خير وشر إلا ولله فيه قضاء قلت: فما معنى هذا القضاء ؟ قال: الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة. " ص 78 " ج: رواه مرسلا مثله. * 19 - ن: الدقاق، عن محمد بن الحسن الطائي، عن سهل بن زياد، عن علي بن جعفر الكوفي قال: سمعت سيدي علي بن محمد عليهما السلام يقول: حدثني أبي محمد بن علي، عن أبيه الرضا علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه عليهم السلام. وحدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي، عن إسحاق بن جعفر العلوي، عن أبيه، عن سليمان بن محمد القرشي، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام. وحدثنا أبو الحسين محمد بن إبراهيم بن إسحاق الفارسي الغرائمي، عن أحمد بن محمد ابن رميح النسوي، عن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر، عن عبد الوهاب بن عيسى


(1) في العيون المطبوع: فهل عزوجل فيها القضاء ؟.أورده الامام على بن محمد العسكري عليه السلام ملخصا في رسالته إلى أهل الاهواز في معنى الجبر والتفويض، وسيوردها المصنف قدس سره في الباب الاتى. ويأتى عن كتاب الاحتجاج أيضا في الباب الثالث تحت رقم 19 وعن الارشاد تحت رقم 75 وعن النهج تحت رقم 79.

[ 13 ]

المروزي، عن الحسن بن علي بن محمد البلوي، عن محمد بن عبد الله بن نجيح، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن أبيه عليهم السلام. وحدثنا أحمد بن الحسن القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن العباس بن بكار الضبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس قالوا: لما انصرف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من صفين قام إليه شيخ ممن شهد الوقعة معه فقال يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا هذا أبقضاء من الله وقدر ؟ وقال الرضا في روايته عن أبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام: دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أجل يا شيخ فوالله ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله وقدر ; فقال الشيخ عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين، (1) فقال: مهلا يا شيخ لعلك تظن قضاءا حتما وقدرا لازما، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والامر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعد والوعيد، ولم تكن على مسئ لائمة، ولا لمحسن محمدة، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالاحسان من المحسن، تلك مقالة عبدة الاوثان و خصماء الرحمن، وقدرية هذه الامة ومجوسها، يا شيخ إن الله عزوجل كلف تخييرا، ونهى تحذيرا، وأعطى على القليل كثيرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يخلق السماوات والارض وما بينهما باطلا (2) ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، قال: فنهض الشيخ وهو يقول:


(1) الظاهر كما يستفاد من الكافي سقوط جملة من هنا إما من الصدوق أو من النساخ ومن روى الحديث عنه، وهى في الكافي هكذا ; فقال له: مه يا شيخ فوالله لقد عظم الله الاجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفى مقامكم وأنتم مقيمون، وفى منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين، ولا إليه مضطرين. فقال له الشيح: وكيف لم نكن في شئ من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟ فقال له: وتظن أنه كان قضاءا حتما إه‍ وأورد مثله العلامة في شرح التجريد في باب القضاء والقدر باسناده عن الاصبغ مع اختلاف نشير إليه بعد ذلك. وفيه أيضا بعد قوله يا أمير المؤمنين قوله: ما أرى لى من الاجر شيئا. وياتى نحوه أيضا في خبر 19 من الباب الثالث مع زيادة. (2) يوجد في الكافي هنا أيضا زيادة وهى: ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثا.

[ 14 ]

أنت الامام الذى نرجو بطاعته * يوم النجاة من الرحمن غفرانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك عنا فيه إحسانا فليس معذرة في فعل فاحشة * قد كنت راكبها فسقا وعصيانا لا لا ولا قابلا ناهيه أوقعه * فيها عبدت إذا يا قوم شيطانا ولا أحب ولا شاء الفسوق ولا * قتل الولي له ظلما وعدوانا أنى يحب وقد صحت عزيمته ؟ * ذو العرش أعلن ذاك الله إعلانا لم يذكر محمد بن عمر الحافظ في آخر هذا الحديث من الشعر إلا بيتين من أوله. (1) " ص 79 " يد: زاد ابن عباس في حديثه: فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين القضاء والقدر اللذان ساقانا ؟ وما هبطنا واديا وما علونا تلعة إلا بهما ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الامر من الله والحكم، ثم تلا هذه الآية: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ". " ص 390 " بيان: التلعة: ما ارتفع من الارض. قوله: عند الله أحتسب عنائي أي لما لم نكن مستحقين للاجر لكوننا مجبورين فأحتسب أجر مشقتي عند الله لعله يثيبني بلطفه، ويحتمل أن يكون استفهاما على سبيل الانكار، وقال الجزري: الاحتسباب من الحسب كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه لان له حينئذ أن يعتد عمله، والاحتساب في الاعمال الصالحات، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الاجر، وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها. انتهى. قوله عليه السلام: ولكان المذنب أولى بالاحسان أقول: لانه حمله على ما هو قبيح عقلا وشرعا، وصيره بذلك محلا للائمة الناس، فهو أولى بالاحسان لتدارك ذلك وأيضا لما حمل المحسن على ما هو حسن عقلا وشرعا وصار بذلك موردا لمدح الناس


(1) كالكليني في الكافي إلا أنه قال: أوضحت من أمرنا ما كان ملتبسا * جزاك ربك بالاحسان إحسانا.

[ 15 ]

فإن عاقبه وأضر به تداركا لما أحسن إليه كان أولى من جمع الاضرارين على المسئ، وقيل: إنما كان المذنب أولى بالاحسان لانه لا يرضى بالذنب كما يدل عليه جبره عليه، والمحسن أولى بالعقوبة لانه لا يرضى بالاحسان لدلالة الجبر عليه، ومن يرضى بالاحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به. ويحتمل أن يكون هذا متفرعا على ما مر أي إذا بطل الثواب والعقاب والامر والنهي والوعد والوعيد لكان المذنب أولى الخ ; ووجهه أنه لم يبق حينئذ إلا الاحسان والعقوبة الدنيوية، والمذنب في الدنيا متنعم بأنواع اللذات، وليست له مشقة التكاليف الشرعية، والمحسن في التعب والنصب بارتكاب أفعال لا يشتهيها، وترك ما يلتذ بها مقتر عليه لاجتناب المحرمات من الاموال، فحينئذ الاحسان الواقع للمذنب أكثر مما وقع للمحسن، فهو أولى بالاحسان من المحسن، والعقوبة الواقعة على المحسن أكثر مما وقع على المذنب فهو أولى بالعقوبة من المذنب. (1) والقدرية في هذا الخبر اطلقت على الجبرية وقوله: لم يعص على بناء المفعول، وكذا قوله: ولم يطع مكرها - بكسر الراء - وفي الفتح تكلف. وفي الكافي بعد ذلك: ولم يملك مفوضا. إشارة إلى نفي التفويض التام، بحيث لا يقدر على صرفهم عنه، أو بحيث لا يكون لتوفيقه وهدايته مدخل فيه. 20 - يد، ن: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن معلى بن محمد البصري، عن


(1) وذكر وجهين آخرين في كتابه المرآة أيضا، أحدهما أنه لما اقتضى ذات المذنب أن يحسن إليه في الدنيا باحداث اللذات فيه فينبغي أن يكون في الاخرة أيضا كذلك، لعدم تغير الذوات في النشأتين، وإذا اقتضى ذات المحسن المشقة في الدنيا وإيلامه بالتكاليف الشاقة ففى الاخرة أيضا ينبغى أن يكون كذلك. الثاني ما قيل: لعل وجه ذلك أن المذنب بصدور القبائح والسيئات منه متألم منكسر البال، لظنه أنها وقعت منه باختياره وقد كانت بجبر جابر وقهر قاهر فيستحق الاحسان، وأن المحسن لفرحاته بصدور الحسنات عنه وزعمه أنه قد فعلها بالاختيار أولى بالعقوبة من المذنب أقول: لعل قوله: ولكان المحسن أولى إه‍ فيه تصحيف، وصحيحه كما في شرح التجريد في رواية الاصبغ: ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسئ، ولا المسئ أولى بالذم من المحسن. أو كما ياتي في حديث 19 من الباب الثالث: ولا كان المحسن أولى إه‍ ومعناه ظاهر لا يحتاج إلى شئ من التوجيهات المذكورة، لان العبد إذا كان مجبورا على الفعل مسلوبا عنه الاختيار كان المحسن والمسئ كلاهما متساويين في عدم صحة استناد الاحسان والاساءة إليهما فلا يكون أحدهما أولى بالمدح أو الذم من الاخر.

[ 16 ]

الوشاء، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته فقلت: الله فوض الامر إلى العباد ؟ قال: الله أعز من ذلك ; قلت: فأجبرهم على المعاصي ؟ قال: الله أعدل وأحكم من ذلك، ثم قال: قال الله عزوجل: يابن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك. " ص 371 ص 82 " 21 - يد، ن: الطالقاني، عن أحمد بن علي الانصاري، عن الهروي قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام يقول: من قال بالجبر فلا تعطوه من الزكاة، ولا تقبلوا لهم شهادة، (1) إن الله تبارك وتعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يحملها فوق طاقتها، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى. " ص 371 ص 82 " 22 - يد، ن: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن الجعفري، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: ذكر عنده الجبر والتفويض فقال: ألا أعطيكم في هذا أصلا لا تختلفون فيه ولا يخاصمكم عليه أحد إلا كسرتموه ؟ (2) قلنا: إن رأيت ذلك ; فقال: إن الله عزوجل لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته (3) لم يكن الله عنها صادا، ولا منها مانعا، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثم قال عليه السلام: من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه. " ص 370 ص 82 " ج: مرسلا مثله (4) " 225 - 226 " بيان لعل ذكر الائتمار ثانيا للمشاكلة، أو هو بمعنى الهم، أو الفعل من غير مشاورة، كما ذكر في النهاية والقاموس. 23 - يد، مع: حدثنا أبو الحسن محتمل بن سعيد السمرقندي (5) الفقيه بأرض بلخ


(1) في المصدرين: ولا تقبلوا له شهادة. م (2) في التوحيد المطبوع: ولا تخاصمون عليه أحدا إلا كسرتموه. (3) ائتمر الامر وبه: امتثله. أقول: أورد الحديث الكليني في باب القضاء والقدر. (4) الا ان صدر الرواية من قوله: " فقال الا أعطيكم " إلى قوله: " قلنا ان رايت ذلك " غير مذكور في المصدر. م (5) كذا في النسخ ولعله تصحيف " محمد ".

[ 17 ]

قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن الزاهد السمرقندي بإسناد رفعه إلى الصادق عليه السلام أنه سأله رجل فقال له: إن أساس الدين التوحيد والعدل، وعلمه كثير لابد لعاقل منه، فاذكر ما يسهل الوقوف عليه، ويتهيأ حفظه. فقال: أما التوحيد فأن لا تجوز على ربك ما جاز عليك، وأما العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه " ص 83 " 24 - فس: قوله: " وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم " إلى قوله: " سابقين " (1) فهذا رد على المجبرة الذين زعموا أن الافعال لله عزوجل، ولا صنع لهم فيها ولا اكتساب، فرد الله عليهم فقال: فكلا أخذنا بذنبه، ولم يقل: بفعلنا لانه عزوجل أعدل من أن يعذب العبد على فعله الذي يجبره عليه. " ص 496 " 25 - فس: محمد بن أبي عبد الله، عن موسى بن عمران، عن النوفلي، عن السكوني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: وجدت لاهل القدر أسماءا في كتاب الله: " إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر " فهم المجرمون. " ص 657 ". 26 - ج: عن أبي حمزة الثمالي أنه قال: قال أبو جعفر عليه السلام للحسن البصري: إياك أن تقول بالتفويض (2) فإن الله عزوجل لم يفوض الامر إلى خلقه وهنا منه وضعفا، ولا أجبرهم على معاصيه (3) ظلما. الخبر " ص 178 " 27 - يد: الدقاق، عن الاسدي، عن خنيس بن محمد، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن المفضل، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، قال: قلت: ما أمر بين أمرين ؟ قال: مثل ذلك مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته ففعل تلك المعصية فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصيته. " ص 371 " 28 عد: اعتقادنا في الجبر والتفويض قول الصادق عليه السلام: لا جبر ولا تفويض " ص 69 "


(1) العنكبوت: 39. (2) ليست هذه العبارة مروية على استقلالها في المصدر: بل مذكورة في ضمن حديث مفصل. م (3) في نسخة: المعاصي.

[ 18 ]

اقول: وساق الخبر إلى آخر ما رواه المفضل، وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه في شرحه: الجبر هو الحمل على الفعل، والاضطرار إليه بالقسر والغلبة، وحقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن يكون له قدرة على دفعه والامتناع من وجوده فيه، وقد يعبر عما يفعله الانسان بالقدرة التي معه على وجه الاكراه له على التخويف و الالجاء أنه جبر، والاصل فيه ما فعل من غير قدرة على امتناعه منه حسب ما قدمناه، وإذا تحقق القول في الجبر على ما وصفناه كان مذهب الجبر هو قول من يزعم أن الله تعالى خلق في العبد الطاعة من غير أن يكون للعبد قدرة على ضدها والامتناع منها، وخلق فيهم المعصية كذلك، فهم المجبرة حقا، والجبر مذهبهم على التحقيق، والتفويض هو القول برفع الحظر (1) عن الخلق فالافعال والاباحة لهم، مع ما شاؤوا من الاعمال، وهذا قول الزنادقة وأصحاب الاباحات، والواسطة بين هذين القولين أن الله أقدر الخلق على أفعالهم، ومكنهم من أعمالهم، وحد لهم الحدود في ذلك، ورسم لهم الرسوم، و نهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف والوعد والوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الاعمال مجبرا لهم عليها، ولم يفوض إليهم الاعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها، وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بى الجبر والتفويض على ما بيناه. 29 - ج: عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام فقال: أخبرني عن الله عزوجل كيف لم يخلق الخلق كلهم مطيعين موحدين وكان على ذلك قادرا ؟ قال عليه السلام: لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب لان الطاعة إذا ما كانت فعلهم لم تكن جنة ولا نار، ولكن خلق خلقه فأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، واحتج عليهم برسله، وقطع عذرهم بكتبه ليكونوا هم الذين يطيعون ويعصون، ويستوجبون بطاعتهم له الثواب، وبمعصيتهم إياه العقاب. قال: فالعمل الصالح من العبد هو فعله،


(1) الحظر: المنع، وظاهره انه رحمه الله يفسر التفويض بالالحاد مع أن الظاهر ان المراد بالتفويض في الاخبار هو ما قالت به المعتزلة في مقابل الاشاعرة، وهو أن الافعال مخلوقة للانسان، وإن كانت القوى والادوات مخلوقة لله خلافا لما ينسب إلى الاشاعرة أن الجميع مخلوقة لله. ط

[ 19 ]

والعمل الشر من العبد هو فعله ؟ قال: العمل الصالح العبد يفعله والله به أمره، و العمل الشر العبد يفعله والله عنه نهاه ; قال: أليس فعله بالآلة التي ركبها فيه ؟ (1) قال: نعم، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير قدر بها على الشر الذي نهاه عنه. (2) قال: فإلى العبد من الامر شئ ؟ قال: ما نهاه الله عن شئ إلا وقد علم أنه يطيق تركه، ولا أمره بشئ إلا وقد علم أنه يستطيع فعله لانه ليس من صفته الجور والعبث والظلم وتكليف العباد ما لا يطيقون. قال: فمن خلقه الله كافرا يستطيع الايمان وله عليه بتركه الايمان حجة ؟ قال عليه السلام: إن الله خلق خلقه جميعا مسلمين، أمرهم ونهاهم، والكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، ولم يخلق الله العبد حين خلقه كافرا إنه إنما كفر من بعد أن بلغ وقتا لزمته الحجة من الله فعرض عليه الحق فجحده فبإنكاره الحق صار كافرا، قال: فيجوز أن يقدر على العبد الشر ويأمره بالخير وهو لا يستطيع الخير أن يعمله ويعذبه عليه ؟ قال: إنه لا يليق بعدل الله ورأفته أن يقدر على العبد الشر ويريده منه، ثم يأمره بما يعلم أنه لا يستطيع أخذه، والانزاع عما لا يقدر على تركه، ثم يعذبه على تركه أمره الذي علم أنه لا يستطيع أخذه الخبر " ص 186 " عد: اعتقادنا في أفعال العباد أنها مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى ذلك أنه لم يزل الله عالما بمقاديرها. اقول: قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في شرح العقائد عند شرح هذا الكلام الذي ذكره أبو جعفر رحمه الله: قد جاء به حديث غير معمول به، ولا مرضي الاسناد، (3)


(1) وهى قدرته وإرادته ومشيته (2) أي الالة التى جعلها الله في العبد لا يقتضى طرفا من الفعل دون طرفه الاخر حتى يكون العبد مقهورا لها ومجبورا على الفعل بسببها فيستند الفعل إلى الله وينفى عن العبد، بل الالة وهى قدرة العبد وإرادته يقتضى طرفي الفعل من الوجود والعدم، ويمكن أن يستعملها في الخير والشر، فتخصيص طرفي الفعل أو الخير والشر بالوجود من العبد. (3) وهو الحديث الاتى تحت رقم 37 و 38، وفيهما عبد الواحد بن محمد بن عبدوس ولم يرو توثيقه من قدماء أهل الرجال. (*)

[ 20 ]

والاخبار الصحيحة بخلافه وليس نعرف في لغة العرب أن العلم بالشئ هو خلق له، ولو كان ذلك كما قال المخالفون للحق لوجب أن يكون من علم النبي صلى الله عليه وآله فقد خلقه، ومن علم السماء والارض فهو خالق لهما، ومن عرف بنفسه شيئا من صنع الله تعالى وقرره في نفسه أن يكون خالقا له ; وهذا محال لا يذهب وجه الخطأ فيه على بعض رعية الائمة عليهم السلام فضلا عنهم. فأما التقدير فهو الخلق في اللغة لان التقدير لا يكون إلا بالفعل، فأما بالعلم فلا يكون تقديرا، ولا يكون أيضا بالفكر، والله متعال عن خلق الفواحش والقبائح على كل حال. وقد روي عن أبي الحسن الثالث عليه السلام أنه سئل عن أفعال العباد أهي مخلوقة لله تعالى ؟ فقال عليه السلام لو كان خالقا لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه: " إن الله برئ من المشركين " ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم، و كتاب الله تعالى المقدم على الاحاديث والروايات، وإليه يتقاضى في صحيح الاخبار و سقيمها، فما قضى به فهو الحق دون ما سواه، قال الله تعالى: " الذي أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الانسان من طين " فخبر بأن كل شئ خلقه فهو حسن غير قبيح، فلو كانت القبائح من خلقه لما حكم بحسن جميع ما خلق، وقال تعالى: " ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت " فنفى التفاوت عن خلقه، وقد ثبت أن الكفر والكذب متفاوت في نفسه، والمتضاد من الكلام متفاوت فكيف يجوز أن يطلقوا على الله تعالى أنه خالق لافعال العباد وفي أفعال العباد من التفاوت ما ذكرناه ؟ * 30 - ج: مما أجاب به أبو الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام في رسالته إلى أهل الاهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض أن قال: اجتمعت الامة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون لقول النبي صلى الله عليه وآله: لا تجتمع أمتي على ضلالة، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله أن ما اجتمعت عليه الامة ولم يخالف بعضها بعضا هو الحق، فهذا معنى الحديث لا ما تأوله الجاهلون، ولا ما قاله المعاندون من إبطال


سيأتي الحديث مفصلا في الباب الاتى بصورة اخرى عن تحف العقول.

[ 21 ]

حكم الكتاب، واتباع حكم الاحاديث المزورة، (1) والروايات المزخرفة، (2) واتباع الاهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب وتحقيق الآيات الواضحات النيرات ونحن نسأل الله أن يوفقنا للصواب، ويهدينا إلى الرشاد. ثم قال عليه السلام: فإذا شهد الكتاب بتصديق خبر وتحقيقه فانكرته طائفة من الامة وعارضته بحديث من هذه الاحاديث المزورة فصارت بإنكارها ودفعها الكتاب كفارا ضلالا، وأصح خبر ما عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث قال: إني مستخلف فيكم خليفتين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. واللفظة الاخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، و أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، أما إنكم إن تمسكتم بهما لن تضلوا. فلما وجدنا شواهد هذا الحديث نصا في كتاب الله مثل قوله: " إنما وليكم الله ورسوله والذي آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهو راكعون " ثم اتفقت روايات العلماء في ذلك لامير المؤمنين عليه السلام أنه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ذلك له، وأنزل الآية فيه، ثم وجدنا رسول الله صلى الله عليه وآله قد أبانه من أصحابه بهذه اللفظة: من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وقوله صلى الله عليه وآله علي يقضي ديني، وينجز موعدي، وهو خليفتي عليكم بعدي. وقوله صلى الله عليه وآله حيث استخلفه على المدينة فقال: يارسول الله أتخلفني على النساء والصبيان ؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. فعلمنا أن الكتاب شهد بتصديق هذه الاخبار، وتحقيق هذه الشواهد فيلزم الامة الاقرار بها كانت هذه الاخبار موافقة للقرآن، ووافق القرآن هذه الاخبار، فلما وجدنا ذلك موافقا لكتاب الله وجدنا كتاب الله موافقا لهذه الاخبار وعليها دليلا كان الاقتداء بهذه الاخبار فرضا لا يتعداه إلا أهل العناد والفساد.


(1) أي الاحاديث المتزينة بالكذب، أو الاحاديث الكاذبة. (2) أي الروايات المموهة بالكذب.

[ 22 ]

ثم قال عليه السلام: ومرادنا وقصدنا الكلام في الجبر والتفويض وشرحهما وبيانهما، وإنما قدمنا ما قدمنا لكون اتفاق الكتاب والخبر إذا اتفقا دليلا لما أردناه وقوة لما نحن مبينوه من ذلك إن شاء الله، فقال: الجبر والتفويض بقول الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام عندما سئل عن ذلك فقال: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين. وقيل: فماذا يابن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: صحة العقل، وتخلية السرب، والمهلة في الوقت، والزاد من قبل الراحلة، والسبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء فإذا نقص العبد منها خلة (1) كان العمل عنه مطرحا بحسبه، وأنا أضرب لكل باب من هذه الابواب الثلاثة وهي الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين مثلا يقرب المعنى للطالب، ويسهل له البحث من شرحه، ويشهد به القرآن بمحكم آياته وتحقق تصديقه عند ذوي الالباب، وبالله العصمة والتوفيق. ثم قال عليه السلام: فأما الجبر فهو قول من زعم أن الله عزوجل جبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله وكذبه ورد عليه قوله: ولا يظلم ربك أحدا وقوله جل ذكره: ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد " مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله عزوجل وظلمه في عقوبته له، ومن ظلم ربه فقد كذب كتابه، ومن كذب كتابه لزمه الكفر باجتماع الامة. والمثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه، ولا يملك عرضا (2) من عروض الدنيا، ويعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق بحاجة يأتيه بها ولا يملكه ثمن ما يأتيه به، وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور، فأوعد عبده (3) إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق وحاول أخذ الحاجة التي بعثه


(1) بضم الخاء: الخصلة. (2) العرض بفتح العين وسكون الراء: المتاع وكل شئ سوى الدراهم والدنانير، والجمع: العروض. (3) أي فتهدده.

[ 23 ]

المولى للايتان بها وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن، ولا يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه لذلك، وعاقبه على ذلك فإنه كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته، وإن لم يعاقبه كذب نفسه أليس يجب أن لا يعاقبه ؟ والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة، تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا. ثم قال العالم عليه السلام بعد كلام طويل: فأما التفويض الذي أبطله الصادق عليه السلام وخطأ من دان به فهو قول القائل: إن الله تعالى فوض إلى العباد اختيار أمره ونهيه و أهملهم، (1) وفي هذا كلام دقيق (2) لم يذهب إلى غوره ودقته إلا الائمة المهدية عليهم السلام من عترة آل الرسول صلوات الله عليهم، فإنهم قالوا: لو فوض الله أمره إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضا ما اختاره، (3) واستوجبوا به من الثواب، ولم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب (4) إذ كان الاهمال واقعا، وتنصرف هذه المقالة على معنيين: إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحبه، فقد لزمه الوهن، أو يكون جل وتقدس عجز عن تعبدهم بالامر والنهي عن إرادته، ففوض أمره ونهيه إليهم، وأجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بالامر والنهي على إرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر والايمان، ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه، ويعرف له فضل ولايته، ويقف عند أمره ونهيه، وادعى مالك العبد أنه قادر قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده ونهاه، ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب وأوعده على معصيته أليم العقاب فخالف العبد إرادة مالكه، ولم يقف عند أمره ونهيه، فأي أمر أمره به أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى بل كان العبد يتبع إرادة نفسه، وبعثه في بعض حوائجه وفيها الحاجة له، فصار العبد بغير تلك الحاجة


(1) أهمله: تركه ولم يستعمله عمدا أو نسيانا. (2) في المصدر: وهذا الكلام دقيق. م (3) في المصدر: ما اختاروه واستوجبوا به الثواب. م (4) أي لم يكن عليهم فيما اكتسبوا العقاب.

[ 24 ]

خلافا على مولاه وقصد إرادة نفسه، واتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه فإذا هو خلاف ما أمره فقال العبد: اتكلت على تفويضك الامر إلي فاتبعت هواي وإرادتي لان المفوض إليه غير محظور عليه لاستحالة اجتماع التفويض والتحصير. ثم قال عليه السلام: فمن زعم أن الله فوض قبول أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر، وأبطل أمر الله تعالى ونهيه، ثم قال: إن الله خلق الخلق بقدرته وملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الامر والنهي، وقبل منهم اتباع أمره، ورضي بذلك منهم، ونهاهم عن معصيته، وذم من عصاه وعاقبه عليها، ولله الخيرة في الامر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به وينهى عما يكره، ويثيب ويعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه لانه العدل، و منه النصفة والحكومة، بالغ الحجة بالاعذار والانذار، وإليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا صلوات الله عليه وآله، وبعثه بالرسالة إلى خلقه، ولو فوض اختيار أمور، إلى عباده لاجاز لقريش اختيار أمية بن الصلت وأبي مسعود الثقفي إذ كانا عندهم أفضل من محمد لما قالوا: " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " يعنونهما ذلك، فهذا هو القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين عليه السلام حين سأله عباية بن ربعي الاسدي، عن الاستطاعة، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تملكها من دون الله أو مع الله، فسكت عباية بن ربعي، (1) فقال له: قل يا عباية ; قال: وما أقول ؟ قال: إن قلت: تملكها مع الله قتلتك وإن قلت: تملكها من دون الله قتلتك، قال: وما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال: تقول: تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملككها كان ذلك من عطائه، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه، وهو المالك لما ملكك، والمالك لما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حيث يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله ؟ فقال الرجل: وما تأويلها يا أمير المؤمنين ؟ قال: لا حول لنا عن معاصي الله إلا بعصمة الله، ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله، قال: فوثب الرجل وقبل يديه ورجليه.


(1) بالعين المهملة المفتوحة والباء الموحدة.

[ 25 ]

ثم قال عليه السلام: في قوله تعالى: " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين ونبلو أخباركم " وفي قوله: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " وفي قوله: " أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " وفي قوله: " ولقد فتنا سليمان " وفي قوله: إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري " وقول موسى: " إن هي إلا فتنتك " وقوله: " ليبلوكم فيما آتيكم " وقوله: " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم " وقوله: " إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة " وقوله: " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " وقوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " وقوله: " ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض " إن جميعها جاءت في القرآن بمعنى الاختبار. ثم قال عليه السلام: فإن قالوا: ما الحجة في قول الله تعالى: " يهدى من يشاء ويضل من يشاء " وما أشبه ذلك ؟ قلنا: فعلى مجاز هذه الآية يقتضي معنيين: أحدهما أنه إخبار عن كونه تعالى قادرا على هداية من يشاء وضلالة من يشاء، ولو أجبرهم على أحدهما لم يجب لهم ثواب، ولا عليهم عقاب على ما شرحناه، والمعنى الآخر أن الهداية منه: التعريف، كقوله تعالى: " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " وليس كل آية مشتبهة في القرآن كانت الآية حجة على حكم الآيات اللاتي أمر بالاخذ بها وتقليدها وهي قوله: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله " الآية، وقال: " فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم اولو الالباب " وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، ويقرب لنا ولكم الكرامة والزلفى، وهدانا لما هو لنا ولكم خير وأبقى، إنه الفعال لما يريد، الحكيم الجواد المجيد " ص 249 - 252 " 31 - ج: عن داود بن قبيصة (1) قال: سمعت الرضا عليه السلام: يقول: سئل أبي عليه السلام


(1) هكذا في نسخ الكتاب والاحتجاج المطبوع وهو غير مذكور في التراجم، ولكن الظاهر انه تصحيف " دارم بى قبيصة " المترجم في ص 117 من رجال النجاشي بقوله: دارم بن قبيسة بن نهشل ابن مجمع أبو الحسن التميمي الدارمي السائح، روى عن الرضا عليه السلام، وله عنه كتاب الوجوه *

[ 26 ]

هل منع الله عما أمر به ؟ وهل نهى عما أراد ؟ وهل أعان على ما لم يرد ؟ فقال: عليه السلام أما ما سألت: هل منع الله عما أمر به ؟ فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان قد منع إبليس عن السجود لآدم، ولو منع إبليس لعذره (1) ولم يلعنه ; وأما ما سألت: هل نهى عما أراد، فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان حيث نهى آدم عن أكل الشجرة أراد منه أكلها، ولو أراد منه أكلها ما نادى عليه صبيان الكتاتيب (2) " وعصى آدم ربه فغوى " والله تعالى لا يجوز عليه أن يأمر بشئ ويريد غيره ; وأما ما سألت عنه من قولك: هل أعان على ما لم يرد ؟ فلا يجوز ذلك، وجل الله تعالى عن أن يعين على قتل الانبياء و تكذيبهم، وقتل الحسين بن علي والفضلاء من ولده، وكيف يعين على ما لم يرد وقد أعد جهنم لمخالفيه، ولعنهم على تكذيبهم لطاعته، وارتكابهم لمخالفته ; ولو جاز أن يعين على ما لم يرد لكان أعان فرعون على كفره وادعائه أنه رب العالمين !، أفترى أراد الله من فرعون أن يدعي الربوبية ؟ يستتاب قائل هذا فإن تاب من كذبه على الله. وإلا ضربت عنقه. " ص 210 " 32 - ج: وروي عن علي بن محمد العسكري عليه السلام (3) أن أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: إن الله خلق الخلق فعلم ما هم إليه صائرون فأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى الاخذ به، وما نهاهم عنه من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذنه، وما جبر الله أحدا من خلقه على معصيته، بل اختبرهم بالبلوى، كما قال تعالى " ليبلوكم أيكم أحسن عملا ". " ص 210 " قوله عليه السلام: ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذنه أي بتخليته وعلمه.


* والنظائر، وكتاب الناسخ والمنسوخ إ ه‍ وقال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة: يروي عن الرضا عليه السلام قال ابن الغضائري: لا يؤنس بحديثه ولا يوثق به. انتهى. أقول: دارم بفتح الدال وكسر الراء وزان فاعل، وقبيصة كسفينة، ونهشل بفتح النون وسكون الهاء وفتح الشين، ومجمع بالميم المضومة والجيم المفتوحة والميم المشددة المكسورة وزان محدث. (1) عذره يعذره على ما صنع: دفع عنه اللوم والذنب أو قبل عذره. (2) جمع الكتاب - بضم الكاف وتشديد التاء -: موضع التعليم. (3) في المصدر: عن الحسن بن على بن محمد العسكري. م

[ 27 ]

33 - ج: وروى أنه دخل أبو حنيفة المدينة ومعه عبد الله بن مسلم فقال له: يا أبا حنيفة إن ههنا جعفر بن محمد من علماء آل محمد عليهم السلام فاذهب بنا إليه نقتبس منه علما فلما أتيا إذا هما بجماعة من شيعته ينتظرون خروجه أو دخولهم عليه، فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث (1) فقام الناس هيبة له، فالتفت أبو حنيفة فقال: يابن مسلم من هذا ؟ قال هذا موسى ابنه، قال: والله لاجبهنه (2) بين يدي شيعته قال: مه لن تقدر على ذلك، قال: والله لافعلنه (3) ثم التفت إلى موسى عليه السلام فقال: يا غلام أين يضع الغريب حاجته في بلدتكم هذه ؟ قال: يتوارى خلف الجدار، ويتوقى أعين الجار، وشطوط الانهار، ومسقط الثمار، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، فحينئذ يضع حيث شاء، (4) ثم قال: يا غلام ممن المعصية ؟ قال: يا شيخ لا تخلو من ثلاث إما أن تكون من الله وليس من العبد شئ فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله، وإما أن تكون من العبد ومن الله والله أقوى الشريكين فليس للشريك الاكبر أن يأخذ الشريك الاصغر بذنبه، وإما أن تكون من العبد وليس من الله شئ فإن شاء عفى وإن شاء عاقب. قال: فأصابت أبا حنيفة سكتة كأنما القم فوه الحجر، (5) قال: فقلت له ألم أقل لك لا تتعرض لاولاد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ " ص 210 - 211 "


(1) الحدث: الشاب. (2) أي لانكسن رأسه، وفى نسخة: لاهجبنه لعله من (الهجب): السوق والسرعة ; الضرب بالعصا.، وفى الاحتجاج المطبوع: والله اخجله. (3) يعرف من هذا نفسيات إمام السنة ورزانته وعفافه في الحجاج ! هبه لم يكن يرى لسلالة النبوة قداسة وحرمة فبم كان يرى إباحة تخجيل امرء مسلم، وهو يراه غلاما حدثا ؟ لم يكن بينه وبينه عداوة ولا خصام ; كما يعرف تبحر الامام عليه السلام في الاصول والفروع وقوة حجاجه وهو غلام حدث. (4) أقول: أخرج الكليني صدر الحديث من قوله: " يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم " في المجلد الاول من فروع الكافي ص 6 عن على بن ابراهيم رفعه، وفيه زيادة وهو هكذا: فقال: اجتنب أفنية المساجد، وشطوط الانهار، ومساقط الثمار، ومنازل النزال، ولا تستقبل القبلة بغائط ولا بول، وارفع ثوبك، وضع حيث شئت. وأورده الشيخ باسناده عن الكليني في التهذيب ج 1 ص 9. (5) مثل سائر يضرب لمن تكلم فاجيب بمسكتة.

[ 28 ]

وفي ذلك يقول الشاعر هذه الابيات: لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها * إحدى ثلاث معان حين نأتيها إما تفرد بارينا بصنعتها * فيسقط اللوم عنا حين ننشيها أو كان يشركنا فيها فيلحقه * ما سوف يلحقنا من لائم فيها أولم يكن لالهي في جنايتها * ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها فس: وأما الرد على المجبرة الذين قالوا: ليس لنا صنع ونحن مجبرون، يحدث الله لنا الفعل عند الفعل، وإنما الافعال هي منسوبة إلى الناس على المجاز لا على الحقيقة، وتأولوا في ذلك آيات من كتاب الله عزوجل لم يعرفوا معناها، مثل قوله: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " وقوله: " ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا " وغير ذلك من الآيات التي تأويلها على خلاف معانيها، وفيما قالوه إبطال الثواب والعقاب، وإذا قالوا ذلك ثم أقروا بالثواب والعقاب نسبوا الله إلى الجور، وأنه يعذب على غير اكتساب وفعل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا أن يعاقب أحدا على غير فعل وبغير حجة واضحة عليه، والقرآن كله رد عليهم، قال الله تبارك وتعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " فقوله عزوجل: " لها وعليها " هو على الحقيقة لفعلها، وقوله: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " وقوله: " كل نفس بما كسبت رهينة " وقوله: " ذلك بما قدمت أيديكم "، وقوله: " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ": وقوله: " إنا هديناه السبيل " يعني بينا له طريق الخير وطريق الشر " إما شاكرا وإما كفورا " وقوله: " وعادا وثمود. وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين * وقارون وفرعون وهامان ولقد جائهم موسى بالبينات فاستكبروا في الارض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه " فلم يقل: بفعلنا " فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الارض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ومثله كثير. " ص 20 - 21 "

[ 29 ]

أقول: سيأتي مثل هذا الكلام بوجه أبسط في كتاب القرآن في تفسير النعماني فيما رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام. 34 - يد: المفسر بإسناده إلى أبي محمد عليه السلام قال: قال الرضا عليه السلام: ما عرف الله من شبهه بخلقه، ولا وصفه بالعدل من نسب إليه ذنوب عباده (1) الخبر. " ص 34 - 35 " 35 - ن: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان قال: كتبت إلى الرضا عليه السلام أسأله عن أفعال العباد أمخلوقة أم غير مخلوقة ؟ فكتب عليه السلام: أفعال العباد مقدرة في علم الله عزوجل قبل خلق العباد بألفي عام. " ص 78 " 36 - يد، ل، ن: أبو الحسن محمد بن عمرو بن علي البصري، عن علي بن الحسن الميثمي، عن علي بن مهرويه القزويني، عن أبي أحمد الغازي، عن علي بن موسى الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: سمعت أبي علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: الاعمال على ثلاثة أحوال: فرائض، وفضائل، ومعاصي، فأما الفرائض فبأمر الله تعالى وبرضى الله وبقضائه وتقديره ومشيته وعلمه ; وأما الفضائل فليست بأمر الله (2) و لكن برضى الله وبقضاء الله وبقدر الله وبمشية الله وبعلم الله، وأما المعاصي فليست بأمر الله (3) ولكن بقضاء الله وبقدر الله وبمشية الله وبعلمه ثم يعاقب عليها. " يد: 377، ن 81 " يد، ن: قال (4) مصنف هذا الكتاب: المعاصي بقضاء الله معناه بنهي الله، لان حكمه عزوجل فيها على عباده الانتهاء عنها، (5) ومعنى قوله: بقدر الله أي بعلم الله بمبلغها


(1) هذا صريح في انه من قول الرضا عليه السلام، وفى المصدر صريح في انه من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) أي الامر الوجوبى. (3) ولا برضاه، لان الله لا يرضى بالكفر والمعاصي. (4) في التوحيد: قال مصنف هذا الكتاب قضاء الله عزوجل في المعاصي حكمه فيها، ومشيته في المعاصي نهيه عنها، وقدره فيما علمه بمقاديرها ومبالغها. م (5) هذا على أحد معاني القضاء وهو الحكم والالزام كما قال الله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، وقوله: والله يقضى بالحق، أي يحكم. أقول: ويمكن أن يكون بمعنى الفصل والقطع وتحتم الامر، لوقوعه قبال القدر وهو التقدير، وإسناد ذلك إلى الله تعالى بحيث لا يستلزم الجبر إما بواسطة علمه تعالى بحصول ذلك الفعل عند وجود سببه وعلته التامة ومنها إرادة الانسان واختيار فاعله، أو بواسطة جعله الانسان مختارا، وعدم ردعه التكويني وكفه عن الفعل مع قدرته عليه، أو لصحة إسناد الفعل إلى أحد علله الطولية.

[ 30 ]

ومقدارها، ومعنى قوله: بمشية الله فإنه عزوجل شاء أن لا يمنع العاصي إلا بالزجر والقول والنهي والتحذير، دون الجبر والمنع بالقوة، والدفع بالقدرة. " ص 377 - 378 ص 81 " 37 - مع، ن: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان، (1) عن الهروي قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: أفعال العباد مخلوقة، فقلت: يابن رسول الله ما معنى مخلوقة ؟ قال: مقدرة: " مع: 112 " " ن: 175 " 38 - ن: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل، عن الرضا عليه السلام فيما كتب للمأمون: من محض الاسلام أن الله تبارك وتعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأن أفعال العباد مخلوقة لله خلق تقدير لا خلق تكوين، والله خالق كل شئ، ولا نقول بالجبر و التفويض. الخبر: " ص 267 " * 39 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك اختلف الناس في أشياء قد كتبت بها إليك، فإن رأيت جعلت فداك أن تشرح لي جميع ما كتبت إليك، اختلف الناس - جعلت فداك - بالعراق في المعرفة والجحود، فأخبرني - جعلت فداك - أهما مخلوقتان ؟ واختلفوا في القرآن فزعم قوم أن القرآن كلام الله غير مخلوق وقال آخرون: كلام الله مخلوق، وعن الاستطاعة أقبل الفعل أو مع الفعل ؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه ورووا فيه، وعن الله تبارك وتعالى هل يوصف بالصورة وبالتخطيط ؟ فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إلي بالمذهب الصحيح من التوحيد، وعن الحركات أهي مخلوقة أو غير مخلوقة ؟ وعن الايمان ما هو ؟ فكتب صلى الله عليه على يدي عبد الملك بن أعين: سألت عن المعرفة ماهي ؟ فاعلم رحمك الله أن المعرفة من صنع الله عزوجل في القلب مخلوقة، والجحود صنع الله في القلب


(1) لعله حمدان بن سليمان.أقول: أخرج الكليني قطعة من الحديث وهى " وصف الله بالصورة والتخطيط " في باب النهى عن الصفة، وقطعة وهى " الايمان ما هو ؟ " في باب " أن الاسلام قبل الايمان " في كتابه الكافي عن على بن ابراهيم، عن العباس بن معروف، عن ابن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم بن عتيك القصير. فيظهر من هذا اتحاد ابن عتيك مع عبد الرحيم القصير.

[ 31 ]

مخلوق، وليس للعباد فيهما من صنع، ولهم فيهما الاختيار من الاكتساب، فبشهوتهم الايمان اختاروا المعرفة فكانوا بذلك مؤمنين عارفين، وبشهوتهم الكفر اختاروا الجحود فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلالا، وذلك بتوفيق الله لهم، وخذلان من خذله الله، فبالاختيار والاكتساب عاقبهم الله وأثابهم ; وسألت رحمك الله عن القرآن واختلاف الناس قبلكم فإن القرآن كلام الله محدث غير مخلوق، وغير أزلي مع الله تعالى ذكره، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، كان الله عزوجل ولا شئ غير الله معروف ولا مجهول كان عزوجل ولا متكلم ولا مريد ولا متحرك ولا فاعل، عزوجل ربنا، فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه، عزوجل ربنا، والقرآن كلام الله غير مخلوق، فيه خبر من كان قبلكم، وخبر ما يكون بعدكم، (1) انزل من عند الله على محمد رسول الله صلى الله عليه وآله. وسألت رحمك الله عن الاستطاعة للفعل فإن الله عزوجل خلق العبد وجعل له الآلة و الصحة، وهي القوة التي يكون العبد بها متحركا مستطيعا للفعل، ولا متحرك إلا وهو يريد الفعل، وهي صفة مضافة إلى الشهوة التي هي خلق الله عزوجل، مركبة في الانسان فإذا تحركت الشهوة للانسان (2) اشتهى الشئ وأراده، فمن ثم قيل للانسان: مريد، فإذا أراد الفعل وفعل كان مع الاستطاعة والحركة، فمن ثم قيل للعبد: مستطيع متحرك، فإذا كان الانسان ساكنا غير مريد للفعل وكان معه الآلة وهي القوة والصحة اللتان بهما تكون حركات الانسان وفعله كان سكونه لعلة سكون الشهوة فقيل: ساكن، فوصف بالسكون فإذا اشتهى الانسان وتحركت شهوته التي ركبت فيه اشتهى الفعل وتحرك بالقوة المركبة فيه، واستعمل الآلة التي يفعل بها الفعل فيكون الفعل منه عندما تحرك واكتسبه فقيل: فاعل ومتحرك ومكتسب و مستطيع أو لا ترى أن جميع ذلك صفات يوصف بها الانسان ؟ وسألت رحمك الله عن التوحيد وما ذهب إليه من قبلك فتعالى الله الذي ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، تعالى الله عما يصفه الواصفون المشبهون الله تبارك وتعالى بخلقه، المفترون على الله عزوجل، فاعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله عزوجل،


(1) في نسخة: وخبر من يكون بعدكم. (2) في التوحيد المطبوع: في الانسان.

[ 32 ]

فانف عن الله البطلان والتشبيه فلا نفي ولا تشبيه هو الله عزوجل، الثابت، الموجود، تعالى الله عما يصفه الواصفون، ولا تعد القرآن (1) فتضل بعد البيان، وسألت رحمك الله عن الايمان فالايمان هو إقرار باللسان، وعقد بالقلب، وعمل بالاركان، فالايمان بعضه من بعض، (2) وقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤمنا، ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما، فالاسلام قبل الايمان وهو يشارك الايمان، فإذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي، أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عزوجل عنها كان خارجا من الايمان، وساقطا عنه اسم الايمان، وثابتا عليه اسم الاسلام، فإن تاب واستغفر عاد إلى الايمان، (3) ولم يخرجه إلى الكفر والجحود والاستحلال، (4) وإذا قال للحلال: هذا حرام، وللحرام: هذا حلال ودان بذلك فعندها يكون خارجا من الايمان والاسلام إلى الكفر، وكان بمنزلة رجل دخل الحرم ثم دخل الكعبة فأحدث في الكعبة حدثا فأخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه وصار إلى النار. " ص 227 - 230 " قال الصدوق رحمه الله: كان المراد من هذا الحديث ما كان فيه من ذكر القرآن، ومعنى ما فيه أنه غير مخلوق أي غير مكذوب، ولا يعني به أنه غير محدث لانه قد قال: محدث غير مخلوق، وغير أزلي مع الله تعالى ذكره. بيان: قوله: على يدي عبد الملك أي أرسلت الكتاب معه. قوله عليه السلام: إن المعرفة من صنع الله أي أصل المعرفة، أو كمالها من الله تعالى بعد اكتسابهم وتفكرهم فالمفيض للمعارف هو الرب تعالى، وللتفكر والنظر والطلب مدخل فيها، وإنما يثابون ويعاقبون بفعل تلك المبادي وتركها، أو المعنى أن المعرفة ليست إلا من قبله تعالى، إما بإلقائها في قلوبهم، أو ببيان الانبياء والحجج عليهم السلام، وإنما كلف العباد بقبول ذلك


(1) أي لا تتجاوز عما في القرآن. (2) في الكافي هنا زيادة وهى قوله: وهو دار وكذلك الاسلام دار والكفر دار، فقد يكون الخ. (3) في الكافي: إلى دار الايمان. (4) في الكافي: ولا يخرجه إلى الكفر الا الجحود والاستحلال أن يقول للحلال اه‍

[ 33 ]

وإقرارهم به ظاهرا وتخلية النفس قبل ذلك لطلب الحق عن العصبية والعناد، وعما يوجب الحرمان عن الحق من تقليد أهل الفساد، وهذا هو المراد بالاختيار من الاكتساب. ثم بين عليه السلام أن لتوفيق الله وخذلانه أيضا مدخلا في ذلك الاكتساب أيضا كما سيأتي تحقيقه ; ولعل المنع من إطلاق الخلق على القرآن إما للتقية مماشاة مع العامة، أو لكونه موهما لمعنى آخر أطلق الكفار عليه بهذا المعنى فقالوا: إن هذا إلا اختلاق، كما أشار إليه الصدوق رحمه الله. (1) قوله: معروف ولا مجهول أي لم يكن مع الله شئ يعرفه الخلق أو يجهلونه. 40 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن أبي شعيب المحاملي، (2) عن أبي سليمان الجمال، (3) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن شئ من الاستطاعة فقال: ليست الاستطاعة من كلامي ولا من كلام آبائي. " ص 354 - 355 " قال الصدوق رحمه الله: يعني بذلك أنه ليس من كلامي ولا من كلام آبائي أن يقول لله عزوجل: إنه مستطيع كما قال الذين كانوا على عهد عيسى عليه السلام: " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ". بيان: لعل منعه عن إطلاق الاستطاعة فيه تعالى لكونه استفعالا من الطاعة فلا يليق إطلاقه بجنابه تعالى، أو لان الاستطاعة إنما تطلق على القدرة المتفرعة على حصول الآلات والادوات، (4) والله تعالى منزه عن ذلك، وسيأتى تحقيق معنى الخبر.


(1) بل الحق أن الكلام هو اللفظ لا بما انه صوت بل بما أنه دال على المعنى أي المعنى المدلول عليه بما أنه مرتبط بالصوت الذى هو كيف مسموع، وهذا معنى اعتباري لا يتعلق به الجعل وهذا بخلاف الحدوث ; ولتفصيل الكلام محل آخر. ط (2) هو صالح بن خالد الكوفى، من رجال أبى الحسن موسى عليه السلام مولى على بن الحكم بن الزبير الانباري، له كتاب، وثقه النجاشي في باب الكنى من رجاله. (3) لم نجد ذكره في التراجم. وفى المصدر: ابو سلمان. (4) هذا وما ذكره الصدوق رحمه الله من عجيب التأويل. وظاهر الرواية أن المراد بالاستطاعة قول دائر بين الناس وليس إلا ما كان دائرا بين المعتزلة يومئذ من القول بالاستطاعة وهو استناد الفعل إلى قدرة العبد واستطاعته من غير ان يكون لله سبحانه فيه صنع. ويمكن ان يكون اشارة إلى مسألة تحقق الاستطاعة قبل الفعل الذى نفتها الاشاعرة ويكون الخبر واردا على التقية. ط

[ 34 ]

41 - يد: أبى وابن الوليد معا، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسن بن فضال، عن أبي جميلة، (1) عن محمد بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون " قال: وهم مستطيعون، يستطيعون الاخذ بما أمروا به، والترك لما نهوا عنه، وبذلك ابتلوا، قال: وسألته عن رجل مات وترك مائة ألف درهم ولم يحج حتى مات، هل كان يستطيع الحج ؟ قال: نعم إنما استغنى عنه بماله وصحته. " ص 355 - 356 " بيان: ليس " عنه " في بعض النسخ وهو أظهر، ومع وجوده يحتمل أن يكون " عن " بمعنى " اللام " كما قيل في قوله تعالى: " إلا عن موعدة " ويحتمل أن يكون الاستغناء عنه كناية عن الترك، والباء بمعنى " مع " أي تركه مع وجود ماله وصحته. 42 - يد: بهذا الاسناد، عن ابن عيسى، عن علي بن حديد، عن جميل، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل " ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون " قال: صارت أصلابهم كصياصي البقر - يعنى قرونها - " وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون " قال: (2) وهم سالمون، وهم مستطيعون. " ص 356 " 43 - يد: بهذا الاسناد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن محمد بن يحيى الصيرفي عن صباح الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سأله زرارة - وأنا حاضر - فقال: أفرأيت ما افترض الله علينا في كتابه وما نهانا عنه ؟ جعلنا مستطيعين لما افترض علينا، مستطيعين لترك ما نهانا عنه ؟ فقال: نعم. " ص 357 " 44 - يد: بهذا الاسناد، عن ابن عيسى، عن سعيد بن جناح، عن عوف بن عبد الله الازدي، عن عمه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاستطاعة، فقال: وقد فعلوا ؟ فقلت: نعم زعموا أنها لا تكون إلا عند الفعل وإرادة في حال الفعل (3) لا قبله، فقال: أشرك القوم. " ص 360 "


(1) هو المفضل بن صالح الاسدي النخاس ضعيف. (2) في المصدر: قال: وهم مستطيعون. م (3) في التوحيد المطبوع: واردة في حال الفعل.

[ 35 ]

بيان: قوله عليه السلام: وقد فعلوا أي نفوا الاستطاعة أيضا بعد ما نفوا سائر ضروريات الدين ; أو المعنى أنهم فعلوا الفعل باختيارهم فكيف لا يستطيعون. 45 - يد: بهذا الاسناد عن ابن عيسى، عن علي بن عبد الله، عن ابن أبي عمير، عن أبي الحسن الحذاء، (1) عن المعلى بن خنيس قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ما يعنى بقوله عزوجل: " وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون " ؟ قال: وهم مستطيعون. " ص 361 - 362 " 46 - يد: ابن الوليد، عن سعد، عن ابن عيسى، ومحمد بن عبد الحميد، وابن أبي الخطاب جميعا عن البزنطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يكون العبد فاعلا ولا متحركا إلا والاستطاعة معه من الله عزوجل، وإنما وقع التكليف من الله عزوجل بعد الاستطاعة فلا يكون مكلفا للفعل إلا مستطيعا. " ص 262 " 47 - يد: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن أحمد بن الفضل، (2) عن منصور بن عبد الله، (3) عن علي بن عبد الله، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن أبي الحسين، (4) عن سهل المصيصي، (5) عنه عليه السلام مثله. " ص 355 " 48 - يد: أبى، عن سعد، (6) عن ابن بزيع، عن ابن أبي عمير، عمن رواه من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: لا يكون العبد فاعلا إلا وهو مستطيع وقد يكون مستطيعا غير فاعل، ولا يكون فاعلا أبدا حتى يكون معه الاستطاعة. " ص 360 " 49 - يد: أبي وابن الوليد معا، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن عبد الله


(1) لم نعرف اسمه ولا حاله. وفى بعض النسخ: " الخزاعى " بدل " الحذاء ". (2) في التوحيد: أحمد بن الفضل بن المغيرة. أقول: لم نجد له ذكرا في الرجال. (3) في التوحيد: منصور بن عبد الله بن ابراهيم الاصفهانى،. أقول: هو كسابقه. (4) ((: محمد بن أبي الحسين القريضى. أقول هو أيضا كسابقه. (5) ((: سهل (بن خ ل) أبى محمد المصيصى. أقول: هو أيضا كسابقه. (6) ((: أبى، عن سعد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير.

[ 36 ]

عن أحمد بن محمد البرقي، (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: " و سيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون " قال: أكذبهم الله في قولهم: لو استطعنا لخرجنا معكم، وقد كانوا مستطيعين للخروج. " ص 361 " 50 - يد: بهذا الاسناد، عن ابن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة، عن عبد الاعلى بن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام في هذه الآية " لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون " أنهم كانوا يستطيعون للخروج، وقد كان في العلم أنه لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لفعلوا. " ص 361 " 51 - يد: أبى وابن الوليد، عن سعد والحميري، هما عن ابن عيسى، عن الحسن ابن علي بن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أمر العباد إلا بدون سعتهم، فكل شئ أمر الناس بأخذه فهم متسعون له وما لا يتسعون له فهو موضوع عنهم، ولكن الناس لا خير فيهم. " ص 358 " 52 - يد: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، (2) عن عبيد بن زرارة، عن حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاستطاعة فلم يجبني، فدخلت عليه دخلة اخرى فقلت: أصلحك الله إنه قد وقع في قلبي منها شئ لا يخرجه إلا شئ أسمعه منك ; قال: فإنه لا يضرك ما كان في قلبك ; قلت: أصلك الله فإني أقول: إن الله تعالى لم يكلف العباد إلا ما يستطيعون وإلا ما يطيقون، فإنهم لا يصنعون شيئا من ذلك إلا بإرادة الله ومشيته وقضائه وقدره، قال: هذا دين الله الذي أنا عليه و آبائي ; أو كما قال. " ص 357 "


(1) لا يعرف الرجل في أصحاب الصادق عليه السلام. (2) أقول: أخرج الحديث ثقه الاسلام في باب الاستطاعة من كتابه الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن عبيد بن زرارة. والظاهر أنه الصحيح لبعد رواية الحسين بن سعيد عن عبيد بن زرارة بلا واسطة.

[ 37 ]

قال الصدوق رحمه الله: مشية الله وإرادته في الطاعات الامر بها، وفي المعاصي النهي عنها والمنع منها بالزجر والتحذير. 53 - يد: العطار، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن ابن بكير عن حمزة بن حمران قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن لنا كلاما نتكلم به، قال: هاته ; قلت: نقول: إن الله عزوجل أمر ونهى وكتب الآجال والآثار لكل نفس بما قدر لها وأراد وجعل فيهم من الاستطاعة لطاعته ما يعملون به ما أمرهم به وما نهاهم عنه، فإذا تركوا ذلك إلى غيره كانوا محجوجين بما صير فيهم من الاستطاعة والقوة لطاعته، فقال: هذا هو الحق إذا لم تعده إلى غيره. " ص 357 - 358 " 54 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الاستطاعة، فقال: يستطيع العبد بعد أربع خصال: أن يكون مخلى السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح، له سبب وارد من الله عزوجل قال: قلت: جعلت فداك فسرها لي، قال: أن يكون العبد مخلى السرب، صحيح الجسم سليم الجوارح، يريد أن يزني فلا يجد امرأة ثم يجدها، فإما أن يعصم فيمتنع كما امتنع يوسف عليه السلام، أو يخلى بينه وبين إرادته فيزني فيسمى زانيا، ولم يطع الله بإكراه، ولم يعص بغلبة. " ص 358 - 359 " بيان: السبب الوارد من الله هو العصمة أو التخلية. 55 - يد: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز و جل خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه، وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى الاخذ به، وما نهاهم عنه فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون فيه آخذين ولا تاركين إلا باذن الله عزوجل. قال (1) الصدوق رحمه الله: يعني بعلمه. " ص 359 "


(1) ليست في النسخ الثلاثة المبطوعة من التوحيد جملة " قال الصدوق " ولعل العلامة المجلسي استظهر ان جملة " يعنى بعلمه " من الصدوق رحمه الله. م

[ 38 ]

56 - يد: بهذا الاسناد، عن الحسين، عن فضالة، عن أبان، عن حمزة بن محمد الطيار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون " قال: مستطيعون يستطيعون الاخذ بما أمروا به، والترك لما نهوا عنه، وبذلك ابتلوا، ثم قال: ليس شئ مما أمروا به ونهوا عنه إلا ومن الله عزوجل فيه ابتلاء وقضاء. " ص 359 " سن: ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي مثله. (1) " ص 279 " 57 - يد: أبي، عن سعد، (2) عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام ابن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كلف الله العباد كلفة فعل، ولا نهاهم عن شئ حتى جعل لهم الاستطاعة، ثم أمرهم ونهاهم فلا يكون العبد آخذا ولا تاركا إلا باستطاعة متقدمة قبل الامر والنهي، وقبل الاخذ والترك، وقبل القبض والبسط. " ص 362 " 58 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يكون من العبد قبض ولا بسط إلا باستطاعة متقدمة للقبض والبسط. " ص 362 " 59 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن المحاملي، وصفوان بن يحيى معا، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول - وعنده قوم يتناظرون في الافاعيل والحركات - فقال: الاستطاعة قبل الفعل، لم يأمر الله عزوجل بقبض ولا بسط إلا والعبد لذلك مستطيع. " ص 362 - 363 "


(1) وزاد في الماسن بعد قوله عليه السلام: ولذلك ابتلوا: وقال ليس في العبد قبض ولا بسط مما امر الله به أو نهى عنه الا ومن الله فيه ابتلاء وقضاء. م (2) في التوحيد المطبوع: سعد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن سعيد. وهو الصحيح لان سعد لا يروى عن الحسن أو الحسين إلا بواسطة وهى أحمد بن محمد بن عيسى، نص على ذلك الكاظمي في المشتركات، وأما الحسين بن سعيد فهو شريك أخيه الحسن في روايته ومشايخه إلا في زرعة بن محمد وفضالة بن أيوب، فان الحسين يروى عنهما بواسطة أخيه الحسن، فعلى ذلك يصح أن يكون ما في السند الحسين أو الحسن كما في التوحيد المطبوع.

[ 39 ]

60 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن مروك بن عبيد، (1) عن عمر ورجل من أصحابنا، عمن سأل أبا عبد الله عليه السلام فقال له: إن لي أهل بيت قدرية يقولون: نستطيع أن نعمل كذا وكذا، ونستطيع أن لا نعمل ; قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: قل له: هل تستطيع أن لا تذكر ما تكره وأن لا تنسى ما تحب ؟ فإن قال: لا فقد ترك قوله، وإن قال: نعم فلا تكلمه أبدا فقد ادعى الربوبية. " ص 363 " 61 - يد: أبي، عن سعد، عن صالح بن أبي حماد، (2) عن أبي خالد السجستاني، (3) عن علي بن يقطين، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: مر أمير المؤمنين عليه السلام بجماعة بالكوفة وهم يختصمون بالقدر، (4) فقال لمتكلمهم: أبالله تستطيع ؟ أم مع الله ؟ أم من دون الله تستطيع ؟ فلم يدر ما يرد عليه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن زعمت أنك بالله تستطيع فليس إليك (5) من الامر شئ، وإن زعمت أنك مع الله تستطيع فقد زعمت أنك شريك معه في ملكه، وإن زعمت أنك من دون الله تستطيع فقد ادعيت الربوبية من دون الله تعالى ; فقال: يا أمير المؤمنين لا بل بالله أستطيع، فقال: أما إنك لو قلت غير هذا لضربت عنقك. (6) " ص 363 - 364 "


(1) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الواو هو صالح بن عبيد بن زياد أبي حفصة. (2) أبي النخير الرازي، واسم أبى حماد سلمة، قال النجاشي ; وكان أمره ملبسا، يعرف و ينكر، له كتب: منها كتاب خطب أمير المؤمنين عليه السلام وكتاب نوادر. (3) لم نقف على اسمه إلا أن الفاضل المامقانى قال: لا يبعد أن اسمه سالم بن سلمة الكندى السجستاني، ولكني لم أقف على من كناه بأبى خالد. م (4) في نسخة من التوحيد: في القدر. م (5) في المصدر: فليس لك. (6) لا ريب ان اسباب الفعل والالات والقوى كلها من الله ولا خلاف فيه من معتزلي ولا أشعرى ولا إمامى وانما الكلام في أن استطاعة الفعل هل هي قبل الفعل أو معه ؟ الثاني للاشعري وغيره لغيرهم. ثم اختلف في الاستطاعة قبل الفعل هل العبد مستقل بها بحيث يتصرف في الاسباب وآلات الفعل من غير ان يرتبط شئ من تصرفه بالله أم لله فيه صنع بحيث ان القدرة لله مضافة إلى سائر الاسباب وإنما يقدر العبد بتمليك الله إياه شيئا منها ؟ المعتزلة على الاول والمتحصل من أخبار أهلالبيت عليهم السلام هو الثاني، إذا عرفت ذلك ظهر لك ما في تفسير المصنف رحمه الله لمعنى الحديث فقد أوله تأويلا عجيبا مع أن الروايات صريحة في خلافه. ط

[ 40 ]

بيان: لعله أراد عليه السلام بقوله: بالله تستطيع أن الله يجبره على الفعل، فلذا قال: فليس إليك من الامر شئ، ولما نفى المتكلم الثلاثة وقال: بالله أستطيع علم أن مراده أني مستطيع قادر بما ملكني الله من الاسباب والآلات، فلذا لم يرد عليه السلام كلامه و قبل منه، ويحتمل على بعد أن يكون اختار الشق الاول، فقوله عليه السلام: ليس إليك من الامر شئ أي لا تستقل في الفعل بأن تقدر على تحصيل جميع ما يتوقف عليه الفعل، والحاصل أنه لما كان قدريا تفويضيا قال عليه السلام: إن اخترت هذا فقد أقررت ببطلان ما تعتقده من استقلال العبد ولابد لك من اختياره. 62 - ن، يد: تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي، عن الهروي قال: سأل المأمون الرضا عليه السلام عن قوله الله عزوجل: " الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري و كانوا لا يستطيعون سمعا " فقال: إن غطاء العين لا يمنع من الذكر، والذكر لا يرى بالعيون، ولكن الله شبه الكافرين بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام بالعميان لانهم كانوا يستثقلون قول النبي صلى الله عليه وآله فيه، وكانوا لا يستطيعون سمعا، فقال المأمون: فرجت عني فرج الله عنك. " ص 78 ص 364 " 63 - ف: كتب الحسن البصري إلى أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام: أما بعد فإنكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة، والاعلام النيرة الشاهرة، أو كسفينة نوح عليه السلام التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون، كتبت إليك يابن رسول الله عند اختلافنا في القدر، وحيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك عليهم السلام، فإن من علم الله علمكم، وأنتم شهداء على الناس، والله الشاهد عليكم، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم فأجابه الحسن عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم وصل إلي كتابك، ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذا ما أخبرتك، أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره و شره أن الله يعلمه فقد كفر، ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر، إن الله لم يطع مكرها، ولم يعص مغلوبا، ولم يهمل العباد سدى من المملكة، (1) بل هو المالك لما ملكهم، و


(1) أهمله: تركه ولم يستعمله عمدا أو نسيانا. وسدى أي باطلا ومهملا.

[ 41 ]

القادر على ما عليه أقدرهم، بل أمرهم تخييرا، ونهاهم تحذيرا، فإن ائتمروا للطاعة لم يجدوا عنها صادا، وإن انتهوا إلى المعصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل، وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبرا، ولا الزموها كرها، بل من عليهم بأن بصرهم وعرفهم وحذرهم وأمرهم ونهاهم، لا جبلا لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة، ولا جبرا لهم على ما نهاهم عنه، ولله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. والسلام على من اتبع الهدى. " ص 231 " أقول: سيأتي في كتاب الاحتجاجات بسند آخر أبسط من هذا. 64 - سن: علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، والله أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد. " ص 296 " 65 - سن: أبى، عن حماد، عن الحسين بن المختار، عن حمزة بن حمران قال: قلت له: إنا نقول: إن الله لم يكلف العباد إلا ما آتاهم، وكل شئ لا يطيقونه فهو عنهم موضوع، ولا يكون إلا ما شاء الله وقضى وقدر وأراد ; فقال: والله إن هذا لديني ودين آبائي. (1) " ص 296 " 66 - سن: علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كلف الله العباد إلا ما يطيقون، وإنما كلفهم في اليوم والليلة خمس صلوات، وكلفهم من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وكلفهم صيام شهر رمضان في السنة، وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك، وإنما كلفهم دون ما يطيقون ونحو هذا " ص 296 " 67 - سن: أبي، عن العباس بن عامر، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن عبد الرحيم القصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله حفص الاعور - وأنا أسمع -: جعلني الله فداك قول الله: (2) " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " قال: ذلك القوة في المال أو اليسار، قال: فإن كانوا موسرين فهم ممن يستطيع إليه السبيل ؟ قال: نعم، فقال له


(1) تقدم الحديث عن التوحيد تحت رقم 52 وفيه زيادة. (2) في المصدر: فقال جعلني الله فداك ما قول الله. م

[ 42 ]

ابن سيابة: بلغنا عن أبي جعفر عليه السلام أنه كان يقول: يكتب وفد الحاج ; فقطع كلامه فقال: كان أبي يقول: يكتبون في الليلة التي قال الله: " فيها يفرق كل أمر حكيم " قال: فإن لم يكتب في تلك الليلة يستطيع الحج ؟ قال: لا معاذ الله، فتكلم حفص (1) فقال: لست من خصومتكم في شئ، هكذا الامر. " ص 295 - 296 " 68 - ضا: أروي أن رجلا سأل العالم عليه السلام فقال: يا بن رسول الله أليس أنا مستطيع لما كلفت ؟ فقال له عليه السلام: ما الاستطاعة عندك ؟ قال: القوة على العمل، قال له عليه السلام: قد أعطيت القوة إن أعطيت المعونة، قال له الرجل: فما المعونة ؟ قال: التوفيق ; قال: فلم إعطاء التوفيق ؟ قال: لو كنت موفقا كنت عاملا، وقد يكون الكافر أقوى منك ولا يعطى التوفيق فلا يكون عاملا. ثم قال عليه السلام: أخبرني عنك من خلق فيك القوة ؟ قال الرجل: الله تبارك وتعالى، قال العالم: هل تستطيع بتلك القوة دفع الضر عن نفسك وأخذ النفع إليها بغير العون من الله تبارك وتعالى ؟ قال: لا، قال: فلم تنتحل ما لا تقدر عليه ؟ ! ثم قال: أين أنت عن قول العبد الصالح: (2) " وما توفيقي إلا بالله ". 69 - وأروي أن رجلا سأله عن الاستطاعة، فقال: أتستطيع أن تعمل ما لم يكن ؟ قال: لا، قال: أتستطيع أن تنتهي عما يكون ؟ قال: لا، قال: ففيما أنت مستطيع ؟ قال الرجل: لا أدري ! فقال العالم عليه السلام: إن الله عزوجل خلق خلقا فجعل فيهم آلة الفعل، ثم لم يفوض إليهم، فهم مستطيعون للفعل في وقت الفعل مع الفعل. قال له الرجل: فالعباد مجبورون ؟ فقال: لو كانوا مجبورين كانوا معذورين. قال الرجل: ففوض إليهم ؟ قال: لا. قال: فما هو ؟ قال العالم عليه السلام: علم منهم فعلا فجعل فيهم آلة الفعل، فإذا فعلوا كانوا مستطيعين. (3)


(1) في المصدر: حفص بن سالم. م (2) أي شعيب على نبينا وآله وعليه السلام حيث قال: " إن اريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه انيب " هود: 88. (3) أقول: أخرج الكليني قدس الله روحه الحديث في باب الاستطاعة عن كتابه الكافي، عن محمد بن يحيى وعلى بن ابراهيم جميعا، عن أحمد بن محمد، عن على بن الحكم، وعبد الله ابن يزيد جميعا، عن رجل من أهل البصرة، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفيه زيادة على ما في الكتاب فليراجعه. (*)

[ 43 ]

بيان: ما ورد في هذا الخبر من عدم تقدم الاستطاعة على الفعل موافقا لاخبار أوردها الكليني في ذلك يحتمل وجوها: الاول: التقية لموافقته لما ذهب إليه الاشاعرة من أن للعبد قدرة وكسبا، مقارنة للفعل، غير مؤثرة فيه، ولمخالفته لما سبق من الاخبار الكثيرة الدالة على تقدم الاستطاعة وأن من لا يقول به فهو مشرك. الثاني: أن يكون المراد بالاستطاعة في أمثال هذا الخبر الاستقلال بالفعل، بحيث لا يمكن أن يمنعه عنه مانع، ولا يكون هذا إلا في حال الفعل إذ يمكن قبل الفعل أن يزيله الله عن الفعل ولو بإعدامه وإزالة عقله، أو شئ آخر مما يتوقف عليه الفعل. الثالث: أن يكون المعنى أن في حال الفعل يظهر الاستطاعة ويعلم أنه كان مستطيعا قبله، بأن أذن الله له في الفعل، كما ورد أن بعد القضاء لا بداء ; والاول أظهر. جا: علي بن مالك النحوي، عن محمد بن الفضل، عن محمد بن أحمد الكاتب، عن يموت بن المزرع، عن عيسى بن إسماعيل، عن الاصمعي، عن عيسى بن عمر قال: كان ذو الرمة الشاعر (1) يذهب إلى النفي في الافعال، وكان رؤبة بن العجاج (2) إلى الاثبات فيها، فاجتمعا في يوم من أيامهما عند بال بن أبي بردة - وهو والي البصرة - وبلال يعرف ما بينهما من الخلاف، فحضهما على المناظرة فقال رؤبة: والله ما يفحص طائر افحوصا ولا يقرمص سبع قرموصا إلا كان ذلك بقضاء الله وقدره، فقال له ذو الرمة: والله ما أذن الله للذئب أن يأخذ حلوبة عالة عيايل ضرايك، فقال له رؤبة: أفبمشيته أخذها ؟ أم بمشية الله ؟ فقال ذو الرمة: بل بمشيته وإرادته، فقال رؤبة: هذا والله الكذب على الذئب ! فقال ذو الرمة: والله الكذب على الذئب أهون من الكذب على


(1) اسمه غيلان بن عقبة، وكنيته أبو الحارث، أورد ذكره وأخباره ومن أشعاره أبو الفرج في الاغانى ج 16 ص 110 توفى في خلافة هشام بن عبد الملك وله أربعون سنة. (2) واسم العجاج عبد الله بن رؤبة، يتصل نسبه بزيد بن مناة الراجز المشهور من مخضرمي الدولتين ومن اعراب البصرة، سمع أبى هريرة والنسابة البكري، وعداده في التابعين، روى عنه معمر بن المثنى والنضر بن شميل، مات في زمن المنصور سنة 145 قاله ياقوت في ارشاد الاريب ج 4 ص 214.

[ 44 ]

رب الذئب فقال: وأنشدني أبو الحسن علي بن مالك النحوي في أثر هذا الحديث لمحمود الوراق: أعاذل لم آت الذنوب على جهل * ولا أنها من فعل غيري ولا فعلي ولا جرأة مني على الله جئتها * ولا أن جهلي لا يحيط به عقلي ولكن بحسن الظن مني بعفو من * تفرد بالصنع الجميل وبالفضل فإن صدق الظن الذي قد ظننته * ففي فضله ما صدق الظن من مثلي وإن نالني منه العقاب فإنما * أتيت من الانصاف في الحكم والعدل " ص 62 - 63 " أقول: روى السيد المرتضي في الغرر هذ الخبر بسند آخر عن أبي عبدة. بيان: قال الجزري: أفحوص القطاة: موضعها الذي تجثم فيه (1) وتبيض كأنها تفحص عنه التراب أي تكشفه، والفحص: البحث والكشف. وقال: في مناظرة ذي الرمة ورؤبة: ما تقرمص سبع قرموصا إلا بقضاء ; القرموص: حفرة يحفرها الرجل يكتن فيها من البرد، يأوي إليها الصيد، وهى واسعة الجوف ضيقة الرأس، وقرمص وتقرمص: إذا دخلها، وتقرمص السبع: إذا دخلها للاصطياد. وقال: في قصة ذي الرمة ورؤبة: عالة ضرائك الضرائك جمع ضريك، وهو الفقير سئ الحال، وقيل: الهزيل. وقال السيد في الغرر: العيايل جمع عيل، وهو ذو العيال، والضرائك جمع ضريك وهو الفقير. وفي رواية السيد: هذا كذب على الذئب ثان، فالمعنى أنه كذب ثان على الذئب بعدما كذب عليه في قصة يوسف. 70 - كش: حمدويه وابراهيم ابنا نصير، عن العبيدي، عن هشام بن إبراهيم المشرقي قال: قال لي أبو الحسن الخراساني (2): كيف تقولون في الاستطاعة بعد يونس ؟ فذهب فيها مذهب زرارة (3) ومذهب زرارة هو الخطأ ; فقلت: لا ولكنه - بأبي أنت وأمي -


(1) تجثم الطائر أو الحيوان: تلبد بالارض وأقام فيه. (2) في المصدر: أبو الحسن الخراساني عليه السلام. والظاهر انه هو الرضا عليه السلام. م (3) في الكشى المطبوع: تذهب فيها مذهب زرارة ؟.

[ 45 ]

ما يقول زرارة في الاستطاعة، وقول زرارة هم قدر، (1) ونحن منه برآء، وليس من دين آبائك، قال: فبأي شئ تقولون ؟ قلت: بقول أبي عبد الله عليهم السلام وسئل عن قول الله عزوجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " ما استطاعته ؟ قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: صحته وماله، فنحن بقول أبي عبد الله عليه السلام نأخذ، قال: صدق أبو عبد الله عليه السلام هذا هو الحق (2) " ص 96 - 97 ". بيان: قوله: ما يقول زرارة في الاستطاعة وقول زرارة فيمن قدر كذا في بعض النسخ، فلعل المعنى أن زرارة لا يقول بالاستطاعة، بل إنما يقول بها فيمن قدر على الفعل بإذنه وتوفيقه تعالى، ونحن من القول بالاستطاعة المحضة برآء، فكلمة " ما " نافية، ويحتمل أن يكون استفهاما للانكار والتحقير أي أي شئ قول زرارة فنقول به ؟ ثم بين أنه قوله بالاستطاعة فيمن قدر على الفعل، وفي أكثر النسخ " هم قدر " فيحتمل الوجه الثاني، ويكون قدر بضم القاف وتشديد الدال جمع قادر أي يقول: هم قادرون بالاستقلال. وفي بعض النسخ " قذر " بالذال المعجمة، وربما قرأ قوم زرارة، وقد يقرأ هيم قذر، والهيم بالكسر الابل العطاش، وأثر التصحيف والتحريف فيه ظاهر. 71 - كش: محمد بن قولويه، عن محمد بن أبي القاسم ماجيلويه، عن زياد بن أبي الحلال قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن زرارة روى عنك في الاستطاعة شيئا فقبلنا منه وصدقناه وقد أحببت أن أعرضه عليك. فقال: هاته، فقلت: زعم أنه سألك عن قول الله عزوجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " فقلت: من ملك زادا وراحلة ; فقال: كل من ملك زادا وراحلة فهو مستطيع للحج وإن لم يحج ؟ فقلت: نعم. فقال: ليس هكذا سألني ولا هكذا قلت، كذب علي والله، كذب علي والله


(1) في الكشى: ما تقول في الاستطاعة، وقول زرارة فيمن قدر. (2) أقول: حمله الاصحاب وأمثاله مما ورد في ذم زرارة ونظرائه من أجلاء الاصحاب على التقية حفظا لهم وحقنا لدمائهم، ويدل على صحة هذا الحمل ما ورد من الروايات، من الاعتذار عن ذمهم مثل قول الصادق عليه السلام لعبد الله بن زرارة: اقرء منى على والدك السلام، وقل له انى انما أعيبك دفاعا منى عنك، فان الناس والعدو يسارعون إلى كل من قربناه وحمدنا مكانه لادخال اذى فيمن نحبه ونقربه، ويذمونه لمجتنا له، وقربه ودنوه منا. والحديث طويل فليراجعه.

[ 46 ]

لعن الله زرارة ! لعن الله زرارة ! إنما قال لي: من كان له زاد وراحلة فهو مستطيع للحج ؟ قلت: وقد وجب عليه، قال: فمستطيع هو ؟ قلت: لا حتى يؤذن له. قلت: فأخبر زرارة بذلك ؟ قال: نعم. قال زياد: فقدمت الكوفة فلقيت زرارة فأخبرته بما قال أبو عبد الله عليه السلام وسكت عن لعنه، قال: أما إنه قد أعطاني الاستطاعة من حيث لا يعلم، و صاحبكم هذا ليس له بصيرة بكلام الرجال (1) " ص 98 " 72 - كش: محمد بن مسعود، عن محمد بن عيسى، عن حريز، قال: خرجت إلى فارس، وخرج معنا محمد الحلبي إلى مكة، فاتفق قدومنا جميعا إلى حنين، فسألت الحلبي فقلت له: أطرفنا بشئ. (2) قال: نعم جئتك بما تكره، قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في الاستطاعة ؟ فقال: ليس من ديني ولا من دين آبائي، فقلت: الآن ثلج عن صدري والله لا أعود لهم مريضا، ولا أشيع لم جنازة، ولا أعطيهم شيئا من زكاة مالي. قال: فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالسا وقال لي: كيف قلت ؟ فأعدت عليه الكلام، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كان أبي عليه السلام يقول: أولئك قوم حرم الله وجوههم على النار، فقلت: جعلت فداك وكيف قلت لي: ليس من ديني ولا من دين آبائى ؟ قال: إنما أعني بذلك قول زرارة وأشباهه. " ص 100 "


(1) حكى عن ابن طاووس مناقشة في سند هذا الخبر بقوله: الذي يظهر أن الرواية غير متصلة لان محمد بن أبى القاسم كان معاصرا لابي جعفر محمد بن بابويه، ومات محمد بن بابويه سنة احدى وثمانين وثلاثمائة، ومات الصادق عليه السلام سنة مائة وثمان وأربعين، ويبعد أن يكون زياد بن أبى الحلال عاش من زمان الصادق عليه السلام حتى لقى محمد بن أبى القاسم معاصر أبى جعفر محمد بن بابويه، بل ذكر شيخنا في الرجال أن زياد بن أبى الحلال من رجال الباقر عليه السلام ومات الباقر عليه السلام سنة مائة وأربع عشرة، وهذا آكد في كون السند مقطوعا انتهى. أقول: المعروف المتكرر في الاسانيد رواية الصدوق عن محمد بن أبى القاسم بوساطة محمد بن على ماجيلويه أو غيره، ونجد روايته عنه بلا واسطة، ولكن مع ذلك رواية ابن أبى الحلال عنه بعيد جدا ; ويمكن أن يقال: ان المعاصرة أعم من الملاقاة ونقل الرواية عنه. قلت: هذا وان كان حقا إلا أن النجاشي صرح بأن محمد بن أبى القاسم هذا كان صهرا لاحمد بن أبى عبد الله البرقى الذى توفى سنة 274 أو 280 وهذا يبعد ادراك ابن بابويه عصره فتأمل، ومع هذا كله ما قرب ابن طاووس من انقطاع الحديث قوى جدا. (2) اطرف: أتى بالطرفة أي الحديث الجديد المستحسن.

[ 47 ]

بيان: قوله: لا أعود لهم مريضا أي للقائلين بالاستطاعة من الشيعة فعرف عليه السلام أن مراده مطلق القائلين بالاستطاعة، فرد عليه بأن ما نفيته هو ما ينسب إلى زرارة موافقا لمذهب التفويض، بل الحق الامر بين الامرين كما مر، وهذا هو معنى الخبر، لا ما حمله عليه الصدوق رحمه الله سابقا. 73 - يف: روى جماعة من علماء الاسلام، عن نبيهم صلى الله عليه وآله أنه قال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا ; قيل: ومن القدرية يا رسول الله ؟ فقال: قوم يزعمون أن الله سبحانه قدر عليهم المعاصي وعذبهم عليها. " ص 97 - 98 " 74 - وروى صاحب الفائق وغيره من علماء الاسلام، عن محمد بن علي المكي بإسناده قال: إن رجلا قدم على النبي صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أخبرني بأعجب شئ رأيت، قال رأيت قوما ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك ؟ قالوا: قضاء الله تعالى علينا وقدره ; فقال النبي صلى الله عليه وآله: سيكون من أمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أولئك مجوس أمتي " ص 98 " 75 - وروى صاحب الفائق وغيره، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يكون في آخر الزمان قوم يعملون المعاصي، ويقولون: إن الله قد قدرها عليهم، الراد عليهم كشاهر سيفه في سبيل الله. " ص 98 " 76 - كش: محمد بن مسعود، عن عبد الله بن محمد بن خالد، عن الوشاء، عن ابن خداش، (1) عن علي بن إسماعيل، عن ربعي، عن الهيثم بن حفص العطار، عن حمزة ابن حمران قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: يقول زرارة: إن الله عزوجل لم يكلف العباد إلا ما يطيقون، وإنهم لم يعملوا إلا إن يشاء الله ويريد ويقضي، قال: هو والله الحق، ودخل علينا صاحب الزطي، فقال له: يا ميسر ألست على هذا ؟ قال: على أي شئ


(1) بكسر الخاء المعجمة كما في تقريب ابن حجر وضوابط الاسماء للطريحي رحمه الله، واسمه عبد الله بن خداش أبوخداش المهرى، قال النجاشي: ضعيف جدا وفى مذهبه ارتفاع انتهى. وحكى الكشى عن محمد بن مسعود أنه قال: قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن خالد: أبوخداش عبد الله بن خداش المهرى - ومهر محلة بالبصرة - وهو ثقة.

[ 48 ]

أصلحك الله ؟ - أو جعلت فداك - قال: فأعاد هذا القول عليه كما قلت له، ثم قال: هذا والله ديني ودين آبائى (1) " ص 97 - 98 " 77 - كش: علي بن الحسين بن قتيبة، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الوليد بن صبيح قال: مررت في الروضة بالمدينة فإذا إنسان قد جذبني، فالتفت فإذا أنا بزرارة فقال لي: استأذن لي على صاحبك، قال: فخرجت من المسجد ودخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرته الخبر، فضرب بيده على لحيته، ثم قال: لا تأذن له - ثلاثا - فإن زرارة يريدني على القدر على كبر السن، وليس من ديني ولا دين آبائي. " ص 106 - 107 " 78 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: - في قول الله تعالى: " وقالت اليهود يد الله مغلولة " - فقال: كانوا يقولون: قد فرغ من الامر. 79 - يد: علي بن أحمد الاسواري، عن مكي بن أحمد البردعي، عن محمد بن القاسم بن عبد الرحمن، عن محمد بن أشرس، عن بشير بن الحكم، وإبراهيم بن أبي نصر، عن عبد الملك بن هارون، عن غياث بن المجيب، عن الحسن البصري، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: قال: سبق العلم، وجف القلم، وتم القضاء بتحقيق الكتاب وتصديق الرسالة، والسعادة من الله، والشقاوة من الله عزوجل، قال عبد الله بن عمر: إن رسول الله


(1) لم نجد الحديث بهذه الصورة في رجال الكشى، والموجود فيه هكذا: محمد بن مسعود، قال: حدثنى عبد الله بن محمد بن خالد، قال: حدثنى الوشاء، عن ابن خداش، عن على بن إسماعيل، عن ربعى، عن الهيثم بن حفص العطار قال: سمعت حمزة بن حمران يقول: - حين قدم من اليمن - لقيت أبا عبد الله عليه السلام فقلت له: بلغني أنك لعنت عمى زرارة، قال فرفع يده حتى صك بها صدره، ثم قال: لا والله ما قلت، ولكنكم تأتون عنه بالفتيا فأقول: من قال هذا فأنا منه برئ ; قال: قلت: وأحكى لك ما تقول ؟ قال: نعم ; قال: قلت: إن الله عزوجل لم يكلف العباد إلا ما يطيقون إه‍ أقول: قوله: واحكى لك ما تقول لعله تصحيف ما يقول: أو ما نقول.

[ 49 ]

صلى الله عليه وآله كان يروي حديثه عن الله عزوجل، قال: قال الله: يا بن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، وبفضل نعمتي عليك قويت على معصيتي، وبعصمتي وعفوي وعافيتي أديت إلى فرائضي، فأنا أولى بإحسانك منك، وأنت أولى بذنبك مني، فالخير مني إليك بما أوليت بدا، والشر مني إليك ما جنيت جزاء، وبسوء ظنك بي قنطت من رحمتي، فلي الحمد والحجة عليك بالبيان، ولي السبيل عليك بالعصيان، ولك الجزاء الحسنى عندي بالاحسان، لم أدع تحذيرك، ولم أخذل عند عزتك، ولم أكلفك فوق طاقتك، ولم أحملك من الامانة إلا ما قدرت عليه، رضيت منك لنفسي ما رضيت به لنفسك مني. قال عبد الملك: لن أعذبك إلا بما عملت. " 351 - 352 " بيان: قال الجزري: فيه جفت الاقلام، وطويت الصحف، يريد ما كتب في اللوح المحفوظ من المقادير والكائنات والفراغ منها تمثيلا بفراغ الكاتب من كتابته و يبس قلمه انتهى. قوله تعالى: بدأ كفعل أو كفعال أي ابتدأ من غير استحقاق، وفي بعض النسخ يدا أي نعمة. أقول: قول عبد الملك بن هارون في آخر الخبر تفسير للفقرة الاخيرة أي رضيت بسيبك، أو من الامور المتعلقة بك لنفسي، إن أعذبك كما رضيت لنفسك بفعل ما يوجبه فيرجع حاصله إلى أنه لن أعذبك إلا بما عملت. 80 - يد: تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن الهروي قال: سأل المأمون يوما علي بن موسى الرضا عليه السلام فقال له: يابن رسول الله ما معنى قول الله عزوجل " ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إبإذن الله " فقال الرضا عليه السلام: حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام أن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: لو أكرهت يارسول الله من قدرت عليه من الناس على الاسلام لكثر عددنا وقوينا على عدونا ; فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كنت لالقى الله عزوجل ببدعة لم يحدث إلي فيها شيئا وما أنا من

[ 50 ]

المتكلفين. فأنزل الله تبارك وتعالى: يا محمد " ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا " على سبيل الالجاء والاضطرار في الدنيا، كما يومنون عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا ولا مدحا لكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين، ليستحقوا مني الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد، " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " وأما قوله عزوجل: " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله " فليس ذلك على سبيل تحريم الايمان عليها، ولكن على معنى أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله، وإذنه أمره لها بالايمان، ما كانت مكلفة متعبدة وإلجاؤه إياها إلى الايمان عن زوال التكليف والتعبد عنها، فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك " ص 352 - 353 " بيان: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ولو شاء ربك ": (1) معناه الاخبار عن قدرة الله تعالى، وأنه يقدر على أن يكره الخلق على الايمان كما قال: " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " (2) ولذلك قال بعد ذلك: " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " ومعناه أنه لا ينبغي أن تريد إكراههم على الايمان، مع أنك لا تقدر عليه لان الله تعالى يقدر عليه ولا يريده لانه ينافي التكليف ; وقوله تعالى: " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله " معناه أنه لا يمكن أحدا أن يؤمن إلا بإطلاق الله له في الايمان، وتمكينه منه، ودعائه إليه بما خلق فيه من العقل الموجب لذلك ; وقيل: إن إذنه ههنا أمره كما قال: " يا أيها الناس قد جائكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم " (3) وقيل: إن إذنه ههنا علمه، أي لا تؤمن نفس إلا بعلم الله، من قولهم: أذنت لكذا: إذا سمعته وعلمته، وآذنته: أعلمته، فتكون خبرا عن علمه تعالى بجميع الكائنات، ويجوز أن يكون معناه إعلام الله تعالى المكلفين بفضل الايمان وما يدعوهم إلى فعله ويبعثهم عليه.


(1) يونس: 99. (2) الشعراء: 4. (3) النساء: 170.

[ 51 ]

81 - يد: أبي وابن الوليد معا، عن محمد العطار وأحمد بن إدريس، هما عن الاشعري، عن ابن هاشم، عن ابن معبد، عن درست، عن الفضيل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: شاء الله أن أكون مستطيعا لما لم يشأ أن أكون فاعله ; قال: وسمعته يقول: شاء وأراد ولم يحب ولم يرض، شاء أن لا يكون في ملكه شئ إلا بعلمه وأراد مثل ذلك، ولم يحب أن يقال له: ثالث ثلاثة، ولم يرض لعباده الكفر. " ص 353 " 82 - يد: ابن المتوكل، عن السعد آبادى، عن البرقي، عن أبيه، عن يونس، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: إن الله عزوجل أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها، والله أعز من أن يريد أمرا فلا يكون، قال: فسئلا عليهما السلام: هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا: نعم أوسع مما بين السماء والارض. " ص 368 - 369 ". 83 - يد: الوراق، عن سعد عن إسماعيل بن سهل، عن عثمان بن عيسى، عن محمد بن عجلان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: فوض الله الامر إلى العباد ؟ قال: الله أكرم من أن يفوض إليهم ; قلت: فأجبر الله العباد على أفعالهم ؟ فقال: الله أعدل من أن يجبر عبدا على فعل ثم يعذبه عليه. " ص 370 " 84 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه، وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى الاخذ به، وما نهاهم عنه من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذن الله. (1) " ص 368 " 85 - يد: أبي، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن يونس، عن حفص بن قرط، (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول صلى الله عليه وآله: من زعم أن الله تعالى يأمر بالسوء


(1) تقدم مثله عن الامام موسى بن جعفر عليه السلام مع زيادة تحت رقم 32 وأورده الكليني رضى الله عنه في باب الجبر والقدر من الكافي باسناده عن ابراهيم بن عمر اليماني، وفى متنه نقصان. (2) بضم القاف وسكون الراء.(*)

[ 52 ]

والفحشاء فقد كذب على الله ومن زعم أن الخير والشر بغير مشية الله فقد أخرج الله من سلطانه، (1) ومن زعم أن المعاصي بغير قوة الله فقد كذب على الله ومن كذب على الله أدخله الله النار. يعني بالخير والشر الصحة والمرض، وذلك قوله عزوجل: ونبلوكم بالشر والخير فتنة. " ص 368 " 86 - نهج: سئل عليه السلام عن التوحيد والعدل، فقال: التوحيد أن لا تتوهمه والعدل أن لا تتهمه. (2) 87 - يد: ابن الوليد، عن ابن متيل، (3) عن البرقي، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، والله أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد. " ص 369 " 88 - ن، يد الفامي، عن الحميري، عن أبيه، عن ابن هاشم، عن ابن معبد، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: قلت له: يابن رسول الله إن الناس ينسبوننا إلى القول بالتشبيه والجبر. لما روي من الاخبار في ذلك عن آبائك الائمة عليهم السلام، فقال: يابن خالد أخبرني عن الاخبار التي رويت عن آبائي عيلهم السلام في التشبيه والجبر أكثر أم الاخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك ؟ فقلت: بل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك أكثر، قال عليه السلام: فليقولوا: إن رسول الله الله صلى الله عليه وآله كان يقول بالتشبيه والجبر إذا ; قلت له: إنهم يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقل من ذلك شيئا وإنما روي عليه ; قال عليه السلام: فليقولوا في آبائي عليهم السلام:


(1) فان من زعم استقلال الخلق وعدم قدرته تعالى على صرفهم عن أفعالهم وعدم مدخليته سبحانه في أعمالهم بوجه فقد أخرج الله من سلطانه وعزله عن التصرف في ملكه، قاله المصنف في المرآة. أقول: أورده الكليني في الكافي إلى قوله: " أدخله الله النار " والظاهر أن ما بعده من كلام الصدوق. (2) يأتي مصدرا عن الصادق عليه السلام تحت رقم 106. (3) بالميم المفتوحة، والتاء المشددة، قاله الطريحي في الضوابط، وحكى عن ابن داود أنه ضبطه بالميم المضمومة، وتضعيف التاء المفتوحة والياء المثناة من تحت، هو الحسن بن متيل، قال النجاشي: وجه من وجوه أصحابنا، كثير الحديث له كتاب نوادر.

[ 53 ]

إنهم لم يقولوا من ذلك شيئا وإنما روي عليهم. ثم قال عليه السلام: من قال بالتشبيه و الجبر فهو كافر ومشرك ونحن منه برآء في الدنيا والآخرة، يابن خالد إنما وضع الاخبار عنا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغروا عظمة الله، فمن أحبهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبنا ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برنا، ومن برهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردنا، ومن ردهم فقد قبلنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدقهم فقد كذبنا، ومن كذبهم فقد صدقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا، ومن حرمهم فقد أعطانا. يا بن خالد من كان من شيعتنا فلا يتخذن منهم وليا ولا نصيرا. (1) " ص 81 - 82 ص 372 - 373 " 89 - يد: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن اللؤلؤي، عن ابن سنان، عن مهزم (2) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أخبرني عما اختلف فيه من خلفت من موالينا، قال: فقلت: في الجبر والتفويض، قال: فاسألني، قلت أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال: الله أقهر لهم من ذلك، قال: قلت: ففوض إليهم ؟ قال: الله أقدر عليهم من ذلك، قال: قلت: فأي شئ هذا أصلحك الله ؟ قال فقلب يده مرتين أو ثلاثا ثم قال: لو أجبتك فيه لكفرت. " ص 271 - 272 " بيان: قوله عليه السلام: الله أقهر لهم من ذلك لعل المعنى أن جبرهم على المعاصي ثم تعذيبهم عليها هو الظلم، والظلم فعل العاجزين، كما قال سيد الساجدين عليه السلام: إنما يحتاج إلى الظلم الضعيف والله أقهر من ذلك. أو المعنى أنه تعالى لو أراد تعذيبهم ولم يمنعه عدله من ذلك لما احتاج إلى أن يكلفهم ثم يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها، فإن هذا تلبيس يفعله من لا يقدر على التعذيب ابتداءا، وهو أقهر لهم من ذلك، والظاهر أنه تصحيف أرأف أو نحوه ; وإنما امتنع عليه السلام عن بيان الامر بين الامرين


(1) تقدم الخبر في باب نفى التشبيه تحت رقم. (2) بفتح الميم أو كسرها وسكون الهاء وفتح الزاى المعجمة، وهو والد إبراهيم بن مهزم، لم نجد في التراجم ما يفيد وثاقته أو مدحه.

[ 54 ]

لانه كان يعلم أنه لا يدركه عقل السائل فيشك فيه أو يجحده فيكفر. 90 - ضا: سألت العالم عليه السلام: أجبر الله العباد على المعاصي ؟ فقال: الله أعدل من ذلك ; فقلت له: فمفوض إليهم ؟ فقال: هو أعز من ذلك، فقلت له: فصف لنا المنزلة بين المنزلتين، فقال: الجبر هو الكره، فالله تبارك وتعالى لم يكره على معصيته، وإنما الجبر أن يجبر الرجل على ما يكره وعلى ما لا يشتهي، كالرجل يغلب على أن يضرب أو يقطع يده، أو يؤخذ ماله، أو يغصب على حرمته، أو من كانت له قوة ومنعة فقهر، فأما من أتى إلى أمر طائعا محبا له يعطى عليه ما له لينال شهوته فليس ذلك بجبر، إنما الجبر من اكرهه عليه، أو اغضب حتى فعل ما لا يريد ولا يشتهيه، و ذلك أن الله تبارك وتعالى لم يجعل لهم هوى ولا شهوة ولا محبة ولا مشية إلا فيما علم أنه كان منهم، وإنما يجرون في علمه وقضائه وقدره على الذي في علمه وكتابه السابق فيهم قبل خلقهم، والذي علم أنه غير كائن منهم هو الذي لم يجعل لهم فيه شهوة ولا إرادة. 91 - وأروي عن العالم عليه السلام أنه قال: منزلة بين منزلتين في المعاصي وسائر الاشياء، فالله عزوجل الفاعل لها والقاضي والمقدر والمدبر. 92 - وقد أروي أنه قال: لا يكون المؤمن مؤمنا حقا حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. 93 - وأروي عن العالم عليه السلام أنه قال: مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا الله عزوجل بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه. 94 - وروي: لو أراد الله سبحانه أن لا يعصى ما خلق إبليس. 95 - وأروي أن رجلا سأل العالم عليه السلام: أكلف الله العباد ما لا يطيقون ؟ فقال: كلف الله جميع الخلق ما لا يطيقون إن لم يعنهم عليه، فإن أعانهم عليه أطاقوه، قال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " واصبر وما صبرك إلا بالله ". 96 - قلت: ورويت عن العالم عليه السلام أنه قال: القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد، فالروح بغير الجسد لا يتحرك ولا يرى، والجسد بغير الروح صورة لا خراك له

[ 55 ]

فإذا اجتمعا قويا وصلحا وحسنا وملحا، كذلك القدر والعمل، فلو لم يكن القدر واقعا على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق، ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر لم يمض ولم يتم، ولكن باجتماعهما قويا وصلحا ولله فيه العون لعباده الصالحين. ثم تلا هذه الآية: " ولكن الله حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم " الآية، ثم قال عليه السلام: وجدت ابن آدم بين الله وبين الشيطان، فإن أحبه الله تقدست أسماؤه خلصه واستخلصه، (1) وإلا خلا بينه وبين عدوه. 97 - وقيل للعالم عليه السلام: إن بعض أصحابنا يقول بالجبر وبعضهم يقولون بالاستطاعة، قال: فأمر أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عزوجل: يابن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء. وساق إلى آخر ما سيأتي في خبر البزنطي. (2) 98 - شى: عن الحسن (3) بن محمد الجمال، عن بعض أصحابنا قال: بعث عبد الملك ابن مروان إلى عامل المدينة أن وجه إلي محمد بن علي بن الحسين ولا تهيجه ولا تروعه، واقض له حوائجه، وقد كان ورد على عبد الملك رجل من القدرية فحضر جميع من كان بالشام فأعياهم جميعا، فقال: ما لهذا إلا محمد بن علي، فكتب إلى صاحب المدينة أن يحمل محمد بن علي إليه، فأتاه صاحب المدينة بكتابه، فقال أبو جعفر عليه السلام: إني شيخ كبير لا أقوى على الخروج، وهذا جعفر ابني يقوم مقامي فوجهه إليه، فلما قدم على الاموي أزراه لصغره، وكره أن يجمع بينه وبين القدري مخافة أن يغلبه، وتسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدرية، فلما كان من الغد اجتمع الناس بخصومتهما، فقال الاموي لابي عبد الله عليه السلام إنه قد أعيانا أمر هذا القدري، وإنما كتبت إليه لاجمع بينه وبينه، فإنه لم يدع عندنا أحدا إلا خصمه، فقال: إن الله يكفيناه، قال: فلما اجتمعوا قال القدري لابي عبد الله عليه السلام: سل عما شئت فقال له: اقرأ سورة الحمد، قال: فقرأها، وقال الاموي وإنا معه ما في سورة الحمد غلبنا، إنا لله وإنا إليه راجعون قال: فجعل القدري


(1) بتوفيقه وتسديده وتأييده وعدم إيكاله على نفسه، وتوجيه الاسباب له نحو مطلوب الخير وإلا فتركه بحاله، ولم ينصره على عدوه، وهذا معنى التوفيق والخذلان، والهداية والاضلال. (2) الاتى تحت رقم 104. (3) في نسخة: الحسين.

[ 56 ]

يقرأ سورة الحمد حتى بلغ قول الله تبارك وتعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين " فقال له جعفر: قف ; من تستعين ؟ وما حاجتك إلى المؤونة ؟ إن الامر إليك فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين. 99 - شى: عن صفوان بن يحيى، عن أبى الحسن عليه السلام قال: قال الله تبارك و تعالى: ابن آدم: بمشيتي كنت أنت الذي تشاء وتقول، وبقوتي أديت إلي فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذاك أني أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، وذاك أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. 100 - وفي رواية الحسن بن علي الوشاء، عن الرضا عليه السلام: وأنت أولى بسيئاتك مني، عملت المعاصي بقوتي التي جعلت فيك. 101 - شى: عن ابن مسكان، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنك لتسأل من كلام أهل القدر وما هو من ديني ولا دين آبائى، ولا وجدت أحدا من أهل بيتي يقول به. 102 - شى: عن الحسن بن علي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ويح هذه القدرية إنما يقرؤون هذه الآية: " إلا امرأته قدرناها من الغابرين " ويحهم من قدرها إلا الله تبارك وتعالى ؟. 103 - من كتاب مطالب السؤل لمحمد بن طلحة البيهقي، بإسناده عن الشافعي عن يحيى بن سليم، عن الامام جعفر بن محمد، عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، عن الجميع عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال يوما: أعجب ما في الانسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضداد لها من خلافها، فإن سنح له الرجاء ولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته مصيبة قصمه

[ 57 ]

الجزع، (1) وإن وجد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة (2) شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، (3) فكل تقصير به مضر، و كل إفراط له مفسد. فقام إليه رجل ممن شهد وقعة الجمل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر، فقال: بحر عميق فلا تلجه ; فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر ; فقال: بيت مظلم فلا تدخله. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر ; فقال: سر الله فلا تبحث عنه، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر، فقال: لما أبيت فإنه أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض. فقال يا أمير المؤمنين إن فلانا يقول بالاستطاعة وهو حاضر، فقال علي عليه السلام: علي به، فأقاموه فلما رآه قال له: الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله ؟ وإياك أن تقول واحدة منهما فترتد، فقال: وما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال: قل: أملكها بالله الذي أنشأ ملكتها. 104 - ب: ابن حكيم، عن البزنطي قال: قلت للرضا عليه السلام إن أصحابنا بعضهم يقول بالجبر، وبعضهم يقول بالاستطاعة، فقال لي: اكتب قال الله تبارك وتعالى: يا بن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوتي أديت إلي فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعا بصيرا قويا، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذلك أني أولى بحسناتك منك، وأنت ألى بسيئاتك مني، وذلك أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، فقد نظمت لك كل شئ تريد. (4) " ص 155 " يد، ن: أبي وابن الوليد، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي مثله. " ص 349 - 350 ص 83 "


(1) أي هلكه الجزع. (2) أي إن اشتدت عليه الفاقة. (3) كظ الطعام فلانا: ملاه حتى لا يطيق التنفس: وكظ الامر فلانا، غمه وكربه وبهظه ؟، والمناسب للحديث المعنى الثاني. (4) تقدم ذيل الخبر الواقع تحت رقم 3 ما يناسب هذا الخبر فراجعه.

[ 58 ]

105 - أعلام الدين للديلمي: روي أن طاووس اليماني (1) دخل على جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام وكان يعلم أنه يقول بالقدر، فقال له: يا طاووس من أقبل للعذر من الله ممن اعتذر وهو صادق في اعتذاره ؟ فقال له: لا أحد أقبل للعذر منه، فقال له: من أصدق ممن قال: لا أقدر وهو لا يقدر ؟ فقال طاووس: لا أحد أصدق منه، فقال الصادق عليه السلام له: يا طاووس فما بال من هو أقبل للعذر لا يقبل عذر من قال: لا أقدر وهو لا يقدر ؟ فقام طاووس وهو يقول: ليس بيني وبين الحق عداوة، الله أعلم حيث يجعل رسالته، فقد قبلت نصيحتك. 106 - وقال الصادق عليه السلام لهشام بن الحكم: ألا أعطيك جملة في العدل والتوحيد ؟ قال: بلي جعلت فداك، قال: من العدل أن لا تتهمه، ومن التوحيد أن لا تتوهمه. (2) 107 - يف: روى كثير من المسلمين عن الامام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه قال يوما لبعض المجبرة: هل يكون أحد أقبل للعذر الصحيح من الله ؟ فقال: لا، فقال: فما تقول فيمن قال ما أقدر وهو لا يقدر ؟ أيكون معذورا أم لا ؟ فقال المجبر: يكون معذورا، قال له: فإذا كان الله يعلم من عباده أنهم ما قدروا على طاعته وقال لسان حالهم أو مقالهم يوم القيامة: يا رب ما قدرنا على طاعتك لانك منعتنا منها أما يكون قولهم وعذرهم صحيحا على قول المجبرة ؟ فقال: بلى والله فقال: فيجب على قولك أن الله يقبل هذا العذر الصحيح ولا يؤاخذ أحدا أبدا وهذا خلاف قول أهل الملل كلهم. فتاب المجبر من قوله بالجبر في الحال. " ص 95 " 108 - يف: روي أن الحجاج بن يوسف كتب إلى الحسن البصري وإلى عمرو ابن عبيد وإلى واصل بن عطا وإلى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم


(1) هو طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسى، يقال: اسمه ذكوان وطاووس لقب، مات سنة 106 وقيل بعد ذلك، قاله ابن حجر في ص 241 من التقريب ووثقه وقال: فقيه فاضل من الثالثة انتهى. أقول: أورده الشيخ أبو جعفر الطوسي في رجاله في أصحاب السجاد عليه السلام، ويستفاد من بعض الاخبار كونه محبا للامام السجاد عليه السلام، ومن بعض آخر كونه متعنتا ممتحنا للباقر عليه السلام، وسيوافيك ذلك في كتاب الاحتجاجات، والمسلم أن الرجل من العامة وزهادهم. (2) مأخوذ مما تقدم تحت رقم 86 من كلام علي عليه السلام.

[ 59 ]

في القضاء والقدر، فكتب إليه الحسن البصري: إن أحسن ما انتهى إلى ما سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: أتظن أن الذي نهاك دهاك ؟ وإنما دهاك أسفلك وأعلاك، والله برئ من ذاك. وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: لو كان الزور (1) في الاصل محتوما كان المزور في القصاص مظلوما. وكتب إليه واصل بن عطا: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أيدلك على الطريق ويأخذ عليك المضيق ؟. وكتب إليه الشعبي أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: كل ما استغفرت الله منه فهو منك، وكل ما حمدت الله عليه فهو منه. فلما وصلت كتبهم إلى الحجاج ووقف عليها قال: لقد أخذوها من عين صافية. " ص 95 " أقول: روى الكراجكي مثله. وفيه: من وسع عليك الطريق لم يأخذ عليك المضيق وفي القاموس: دهاه: أصابه بداهية، وهي الامر العظيم. " ص 170 " 109 - يف: روي أن رجلا سأل جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن القضاء والقدر فقال: ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله، يقول الله تعالى للعبد: لم عصيت ؟ لم فسقت ؟ لم شربت الخمر ؟ لم زنيت ؟ فهذا فعل العبد ; ولا يقول له: لم مرضت ؟ لم قصرت ؟ لم ابيضضت ؟ لم اسوددت ؟ لانه من فعل الله تعالى. 110 - يف: روي أن الفضل بن سهل سأل الرضا عليه السلام بين يدي المأمون فقال: يا أبا الحسن الخلق مجبورون ؟ فقال: الله أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم، قال: فمطلقون ؟ قال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه. يف: ومن الحكايات ما روي أن بعض أهل العدل وقف على جماعة من المجبرة، فقال لهم: أنا ما أعرف المجادلة والاطالة لكني أسمع في القرآن قوله تعالى: " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " ومفهوم هذا الكلام عند كل عاقل أن الموقد للنار غير الله، وأن المطفئ للنار هو الله، وكيف تقبل العقول أن الكل منه ؟ وأن


(1) في المصدر: لو كان الوزر في الاصل محتوما اه‍. م

[ 60 ]

الموقد للنار هو المطفئ لها ؟ فانقطعوا ولم يردوا جوابا. " ص 97 " ومن الحكايات أن جماعة من اليهود اجتمعوا إلى أبي بحر الخاقاني فقالوا له: ما معناه أنت سلطان عادل منصف، ومن المسلمين في بلدك المجبرة وهم الذين يعولون عليهم في الاقوال والافعال، وهم يشهدون لنا أننا لا نقدر على الاسلام ولا الايمان، فكيف تأخذ الجزية من قوم لا يقدرون على الاسلام ولا الايمان ؟ ! فجمع المجبرة وقال لهم: ما تقولون فيما قد ذكره اليهود من احتجاجهم عليكم ؟ فقالوا: كذا نقول: إنهم لا يقدرون على الاسلام والايمان. فطالبهم بالدليل على قولهم فلم يقدروا عليه فنفاهم. " ص 97 " ومن الحكايات المذكورة في ذلك ما روي عن القاسم بن زياد الدمشقي أنه قال: كنت في حرس عمر بن عبد العزيز فدخل غيلان فقال: يا عمر: إن أهل الشام يزعمون أن المعاصي قضاء الله، وأنك تقول ذلك ; فقال: ويحك يا غيلان ! أو لست تراني أسمي مظالم بني مروان ظلما وأردها أفتراني اسمي قضاء الله ظلما وأرده ؟. " ص 98 " أقول: أورد السيد في الطرائف فصلا مشبعا في الرد على المجبرة تركنا إيراده لئلا يطول الكتاب مع كونه خارجا عن مقصودنا فمن أراد الاطلاع عليه فليراجع إلى الكتاب المذكور ; وقد مر خبر الحسين بن خالد في ذلك في باب نفي التشبيه. (1) 111 - وقال الكراجكي في كنز الفوائد: قال الصادق صلى الله عليه وآله لزرارة بن أعين: يا زرارة أعطيك جملة في القضاء والقدر ؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم. " ص 171 " 112 - وروي عن محمد بن أحمد بن شاذان القمي، عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن أيوب بن نوح، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمسة لا تطفئ نيرانهم، ولا تموت أبدانهم: رجل أشرك، ورجل عق والديه، ورجل سعى بأخيه إلى السلطان فقتله، ورجل قتل نفسا بغير نفس، ورجل أذنب وحمل ذنبه على الله عزوجل. " ص 202 "


(1) وتقدم في هذا الباب أيضا تحت رقم 88

[ 61 ]

فائدة: قال السيد المرتضى قدس الله روحه: إن سأل سائل فقال: بم تدفعون من خالفكم في الاستطاعة وزعم أن المكلف يؤمر بما لا يقدر عليه ولا يستطيعه إذا تعلق بقوله تعالى: " انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " (1) فإن الظاهر من هذه الآية يوجب أنهم غير مستطيعين للامر الذي هم غير فاعلين له، وأن القدرة مع الفعل ; وإذا تعلق بقوله تعالى في قصة موسى: " إنك لن تستطيع معي صبرا " (2) وأنه نفى أن يكون قادرا على الصبر في حال هو فيها غير صابر، وهذا يوجب أن القدرة مع الفعل ; وبقوله تعالى: " ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون " ؟. (3) يقال له: أول ما نقوله: إن المخالف لنا في هذا الباب من الاستطاعة لا يصح له فيه التعلق بالسمع، لان مذهبه لا تسلم معه صحة السمع، ولا يتمكن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلته، وإنما قلنا ذلك لان من جوز تكليف الله تعالى الكافر بالايمان وهو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم بنفي القبائح عن الله عزوجل، وإذا لم يمكنه ذلك فلابد من أن يلزمه تجويز القبائح على الله في أفعاله وأخباره، ولا يأمن من أن يرسل كذابا، وأن يخبرهم بالكذب، تعالى عن ذلك، فالسمع إن كان كلامه قدح في حجته تجويز الكذب عليه، وإن كان كلام رسوله قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذاب، وإنما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه، وليس لهم أن يقولوا: إن أمره تعالى الكافر بالايمان وإن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر فيه من قبل نفسه لانه تشاغل بالكفر فترك الايمان، وإنما كان يبطل تعلقنا بالسمع لو أضفنا ذلك إليه تعالى على وجه يقبح، وذلك لان ما قالوه إذا لم يؤثر في كون ما ذكرناه تكليفا لما لا يطاق لم يؤثر في نفي ما ألزمناه عنهم لانه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب وسائر القبائح وتكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لا يقبح منه، وليس قولهم: إنا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشئ يعتمد، بل يجري مجرى قول من جوز عليه أن يكذب ويكون الكذب منه حسنا، ويدعي مع ذلك صحة معرفة السمع بأن يقول: إنني لم أضف إليه قبيحا فيلزمني إفساد


(1) الاسراء: 48. (2) الكهف: 67. (3) هود: 20.

[ 62 ]

طريقة السمع، فلما كان من ذكرناه لا عذر له في هذا الكلام لم يكن للمخالف في الاستطاعة عذر بمثله. ونعود إلى تأويل الآي: أما قوله: " انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " فليس فيه ذكر للشئ الذي لا يقدرون عليه ولا بيان له، وإنما يصح ما قالوه لو بين لهم أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى أمر معين، فأما إذا لم يذكر ذلك كذلك فلا متعلق لهم. فإن قيل: فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم فيجب أن يكون المراد بقوله: " فلا يستطيعون سبيلا " إلى مفارقة الضلال. قلنا: إنه تعالى كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل منهم، فيجوز أن يريد أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من الامثال، وذلك غير مقدور على الحقيقة ولا مستطاع، والظاهر أن هذا الوجه أولى لانه تعالى حكى عنهم أنهم ضربوا له الامثال، وجعل ضلالهم وأنهم لا يستطيعون السبيل متعلقا بما تقدم ذكره، وظاهر ذلك يوجب رجوع الامرين جميعا إليه، وأنهم ضلوا بضرب المثل، وأنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من المثل، على أنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم ضلوا، وظاهر ذلك الاخبار عن ماضي فعلهم، فإن كان قوله: " فلا يستطيعون سبيلا " يرجع إليه فيجب أن يدل على أنهم لا يقدرون في المستقبل على ترك الماضي، وهذا مما لا يخالف فيه، وليس فيه ما نأباه من أنهم لا يقدرون في المستقبل أو في الحال على مفارقة الضلال والخروج عنه وتعذر تركه، وبعد (1) فإذا لم يكن للآية ظاهر فلم صاروا بأن يحملوا نفي الاستطاعة على أمر كلفوه بأولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلفوه ؟ أو على أنه أراد الاستثقال والخبر عن عظم المشقة عليهم، وقد جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا: إنه لا يستطيعه ولا يقدر عليه ولا يتمكن منه ; ألا ترى أنهم يقولون: فلان لا يستطيع أن يكلم فلانا ولا ينظر إليه وما أشبه ذلك وإنما غرضهم الاستثقال وشدة الكلفة والمشقة.


(1) في الامالى المطبوع: وتعذر تركه بعد مضيه.

[ 63 ]

فإن قيل: فإذا كان لا ظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف فما المراد بها عندكم ؟ قلنا: قد ذكر أبو علي أن المراد أنهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا لانهم ضربوا الامثال ظنا منهم بأن ذلك يبين كذبه، فأخبر تعالى أن ذلك غير مستطاع لان تكذيب صادق وإبطال حق مما لا تتعلق به قدرة ولا تتناوله استطاعة. وقد ذكر أبو هاشم أن المراد بالآية أنهم لاجل ضلالهم بضرب المثل وكفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الذي هو النجاة من العقاب والوصول إلى الثواب، وليس يمكن على هذا أن يقال: كيف لا يستطيعون سبيلا إلى الخير والهدى وهم عندكم قادرون على الايمان والتوبة ؟ ومتى فعلوا ذلك استحقوا الثواب، لان المراد أنهم مع التمسك بالضلال والمقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير وهدى، وإنما يكون لهم سبيل إلى ذلك بأن يفارقوا ما هم عليه، وقد يمكن أيضا في معنى الآية ما تقدم ذكره من أن المراد بنفي الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للايمان، فقد يخبر عمن يستثقل شيئا بأنه لا يستطيعه على ما تقدم ذكره، كذا في كتاب الغرر للسيد رحمه الله. أما قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: " إنك لا تستطيع معي صبرا " فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك في المستقبل، ولا يدل على أنه غير مستطيع للصبر في الحال أن يفعله في الثاني، وقد يجوز أن يخرج في المستقبل من أن يستطيع ما هو في الحال مستطيع له، غير أن الآية تقتضي خلاف ذلك، لانه قد صبر عن المسألة أوقاتا، وإن لم يصبر عنها في جميع الاوقات فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه في جميع الاحوال المستقبلة ؟. على أن المراد بذلك واضح، وأنه تعالى خبر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا يعرف ولا يقف عليه لان مثل ذلك يصعب على النفس، ولهذا يجد أحدنا إذا جرى بين يديه ما ينكره ويستبدعه تنازعه نفسه إلى المسألة عنه والبحث عن حقيقته، ويثقل عليه الكف عن الفحص عن أمره، فلما حدث من صاحب موسى عليه السلام ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك، ويشهد لهذا الوجه قوله تعالى: " وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا " فبين أن العلة في قلة صبره ما ذكرناه دون غيره، ولو كان الامر على ما ظنوا لوجب أن يقول: وكيف تصبر وأنت غير مطيق للصبر ؟.

[ 64 ]

وأما قوله تعالى: " ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون " فلا تعلق لهم بظاهره، لان السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا، لان الادراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى، ولو ثبت أنه معنى على ما يقوله أبو علي لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث اختص القديم تعالى بالقدرة عليه. هذا إن أريد بالسمع الادراك، وإن أريد به نفس الحاسة فهي أيضا غير مقدورة للعباد لان الجواهر وما تختص به الحواس من البينة والمعاني ليصح به الادراك مما ينفرد القديم تعالى بالقدرة عليه (1) فالظاهر لا حجة لهم فيه. فإن قالوا: ولعل المراد بالسمع كونهم سامعين، كأنه نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا. قلنا: هذا خلاف الظاهر، ولو ثبت أن المراد ذلك لحملنا نفي الاستطاعة ههنا على ما تقدم ذكره من الاستثقال وشدة المشقة كما يقول القائل: فلان لا يستطيع أن يراني، ولا يقدر على أن يكلمني، وما أشبه ذلك، وهذا بين لمن تأمله. (2) وقال رضي الله عنه: إن سأل سائل عن قوله تعالى: " قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون " (3) فقال: أليس ظاهر هذا القول يقتضي أنه خالق لاعمال العباد ؟ لان " ما " ههنا بمعنى " الذي " فكأنه قال: خلقكم وخلق أعمالكم. قلنا: قد حمل أهل الحق هذه الآية على أن المراد بقوله: وما تعملون أي وما تعملون فيه من الحجارة والخشب وغيرهما مما كانوا يتخذونه أصناما ويعبدونها، قالوا: وغير منكر أن يريد بقوله: وما تعملون ذلك، كما أنه قد أراد ما ذكرناه بقوله: " أتعبدون ما تنحتون " لانه لم يرد أنكم تعبدون نحتكم الذي هو فعل لكم بل أراد ما تفعلون فيه النحت، كما قال تعالى في عصا موسى عليه السلام: " تلقف ما يأفكون، (4) " وتلقف ما


(1) هكذا في النسخ ولكن الصحيح كما في الامالى المطبوع: لا يصح بها الادراك فانه مما ينفرد به القديم تعالى بالقدرة عليه. (2) يوجد ذلك كله في كتابه الامالى المسمى بالغرر، في ج 4 ص 71 - 74 ويوجد بعده في ص 143 - 146 من هذا المجلد. (3) الصافات: 94 و 95. (4) الاعراف: 117.

[ 65 ]

صنعوا " (1) وإنما أراد أن العصا تلقف الحبال التي أظهروا سحرهم فيها، وهي التي حلتها صنعتهم وإفكهم فقال: " ما صنعوا وما يأفكون " وأراد ما صنعوا فيه، وما يأفكون فيه، ومثله قوله تعالى: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان " (2) وإنما أرادالمعمول فيه دون العمل - وهذا الاستعمال أيضا سائع شائع - لانهم يقولون: هذا الباب عمل النجار ; وفي الخلخال: هذا من عمل الصائغ ; وإن كانت الاجسام التي أشير إليها ليست أعمالا لهم، وإنما عملوا فيها فحسن إجراء هذه العبارة. فإن قيل: كل الذي ذكرتموه وإن استعمل فعلى وجه المجاز والاتساع، لان العمل في الحقيقة لا يجري إلا على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه، وإن استعير في بعض المواضع. قلنا: ليس نسلم لكم أن الاستعمال الذي ذكرناه على سبيل المجاز، بل نقول: هو المفهوم الذي لا يستفاد سواه لان القائل إذا قال: هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلا أنه عمل فيه، وما رأينا أحدا قط يقول في الثوب بدلا من قوله: هذا من عمل فلان: هذا مما حله عمل فلان ; فالاول أولى بأن يكون حقيقة، وليس ينكر أن يكون الاصل في الحقيقة ما ذكروه، ثم انتقل بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه، وصار أخص به ومما لا يستفاد من الكلام سواه كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحد، ولا اعتبار بالمفهوم من الالفاظ إلا بما استقر عليه استعمالها دون ما كانت عليه في الاصل فوجب أن يكون المفهوم. والظاهر من الآية ما ذكرناه على أنا لو سلمنا أن ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه، فمن ذلك (3) أنه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم، والتوبيخ لافعالهم، والازراء على مذاهبهم، فقال " أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون " ومتى لم يكن قوله: " وما تعملون " المراد به تعملون فيه ليصير تقدير الكلام أتعبدون الاصنام التي تنحتونها، والله خلقكم وخلق هذه الاصنام التي تفعلون فيها التخطيط والتصوير لم يكن للكلام معنى ولا مدخل في باب التوبيخ، ويصير على ما يذكره المخالف كأنه


(1) طه: 69 أقول: لقف الشئ: تناوله بسرعة. (2) سبا: 13. (3) في الامالى المطبوع هكذا: منها ما يشهد به ظاهر الاية ويقتضيه ولا يسوغ سواه، ومنها ما تقتضيه الادلة القاطعة الخارجة عن الاية، فمن ذلك أنه تعالى أخرج إه‍

[ 66 ]

قال: أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وخلق عباداتكم فأي وجه للتقريع، وهذا إلى أن يكون عذرا أقرب من أن يكون لوما وتوبيخا لانه إذا خلق عبادتهم للاصنام فأي وجه للومهم عليها. (1) على أن قوله تعالى " والله خلقكم وما تعملون " بعد قوله: " أتعبدون ما تنحتون " إنما خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره تعالى فلابد أن يكون متعلقا بما تقدم من قوله: " أتعبدون ما تنحتون، ومؤثرا في المنع من عبادة غير الله، فلو أفاد قوله: " ما تعملون " نفس العمل الذي هو النحت دون المعمول فيه لكان لا فائدة في الكلام لان القوم لم يكونوا يعبدون النحت، وإنما كانوا يعبدون محله، وأنه كان لاحظ في الكلام للمنع من عبادة الاصنام، وذلك إن حمل قوله تعالى: " ما تعملون " على أعمال اخر ليست نحتهم ولا هي ما عملوا فيه لكان أظهر في باب اللغو والعبث والبعد عن التعلق بما تقدم، فلم يبق إلا أنه أراد أنه خلقكم وما تعملون فيه النحت فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم ؟ ! فإن قيل: لم زعمتم أنه لو كان الامر على ما ذكرناه لم يكن للقول الثاني حظ في باب المنع من عبادة الاصنام ؟ وما تنكرون أن يكون لما ذكرناه وجه في المنع من ذلك، على أن ما ذكرتموه أيضا لو اريد لكان وجها، وهو أن من خلقنا وخلق الافعال فينا لا يكون إ الاله القديم الذي تحق له العبادة، وغير القديم تعالى كما يستحيل أن يخلقنا يستحيل أن يخلق فينا الافعال على الوجه الذي يخلقها القديم عليه فصار لما ذكرناه تأثير. قلنا: معلوم أن الثاني إذا كان كالتعليل للاول والمؤثر في المنع من العبادة فلان يتضمن أنكم مخلوقان وما تعبدونه أولى من أن ينصرف إلى ما ذكرتموة مما لا يقتضي أكثر من خلقهم دون خلق ما عبدوه فإنه لا شئ أدل على المنع من عبادة الاصنام من كونها مخلوقة كما أن عابدها مخلوق، ويشهد بما ذكرناه قوله تعالى في موضع آخر ; " أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون " (2)


(1) اضاف في الامالى المطبوع: وتقريعهم بها. (2) الاعراف: 191 - 192.

[ 67 ]

فاحتج تعالى عليهم في المنع من عبادة الآلهة دونه بأنها مخلوقة لا تخلق شيئا ولا تدفع عن أنفسها ضرا ولاعنهم، وهذا واضح على أنه لو ساوى ما ذكروه ما ذكرناه في التعلق بالاول لم يسغ حمله على ما أدعوه لان فيه عذرا لهم في الفعل الذي عنفوا به وقرعوا من أجله، وقبيح أن يوبخهم بما يعذرهم، ويذمهم بما ينزههم على ما تقدم ; على أنا لا نسلم أن من يفعل أفعال العباد ويخلقها يستحق العبادة لان من جملة أفعالهم القبائح، ومن فعل القبائح لا يكون إلها ولا تحق العبادة له، فخرج ما ذكروه من أن يكون مؤثرا في انفراده بالعبادة ; على أن إضافته العمل إليهم بقوله تعالى: " تعملون " يبطل تأويلهم هذه الآية، لانه لو كان خالقا له لم يكن عملا لهم لان العمل إنما يكون عملا لمن يحدثه ويوجده، فكيف يكون عملا لهم والله خلقه ؟ ! هذه مناقضة لهم، فثبت بهذا أن الظاهر شاهد لنا أيضا ; على أن قوله: " وما تعملون " يقتضي اللاستقبال، وكل فعل لم يوجد فهو معدوم، ومحال أن يقول تعالى: إني خالق للمعدوم. فإن قالوا: اللفظ وإن كان للاستقبال فالمراد به الماضي فكأنه قال: والله خلقكم وما عملتم. قلنا: هذا عدول منكم عن الظاهر الذي أدعيتم أنكم متمسكون به، وليس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولى منا، بل نحن أحق لانا نعدل عنه بدلالة، وأنتم تعدلون بغير حجة. فإن قالوا: فأنتم تعدلون عن هذا الظاهر بعينه على تأويلكم، وتحملون لفظ الاستقبال على لفظ الماضي. قلنا: نحن لا نحتاج في تأويلنا إلى ذلك لانا إذا حملنا قوله: " وما تعملون " على الاصنام المعمول فيها ومعلوم أن الاصنام موجودة قبل عملهم فيها فجاز أن يقول تعالى: " إنى خلقتها " ولا يجوز أن يقول: " إني خلقت ما سيقع من العمل في المستقبل " على أنه لو أراد بذلك أعمالهم لا ما عملوا فيه على ما ادعوه لم يكن في الظاهر حجة على ما يريدون لان الخلق هو التقدير والتدبير، وليس يمتنع في اللغة أن يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا قدره ودبره ألا ترى أنهم يقولون: خلقت الاديم وإن لم يكن الاديم فعلا لمن يقول ذلك فيه ؟ ويكون معنى خلقه لافعال العباد أنه مقدر لها ومعرف لنا مقاديرها ومراتبها، وما به نستحق عليها من الجزاء.

[ 68 ]

(باب 2) * (آخر وهو من الباب الاول) * وفيه رسالة آبى الحسن الثالث صلوات الله عليه في الرد على أهل الجبر والتفويض وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين بوجه أبسط مما مر. * 1 - ف: من علي بن محمد: سلام عليكم وعلى من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته، فإنه ورد علي كتابكم وفهمت ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم وخوضكم في القدر، ومقالة من يقول منكم بالجبر، ومن يقول بالتفويض، وتفرقكم في ذلك وتقاطعكم، وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه وبيانه لكم وفهمت ذلك كله، اعلموا رحمكم الله أنا نظرنا في الآثار وكثرة ما جاءت به الاخبار فوجدناها عند جميع من ينتحل الاسلام (1) ممن يعقل عن الله عزوجل لا تخلو من معنيين ; إما حق فيتبع، وإما باطل فيجتنب، وقد اجتمعت الامة قاطبة لا اختلاف بينهم أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتاب وتحقيقه مصيبون مهتدون، وذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تجتمع أمتي على ضلالة " فأخبر أن جميع ما اجتمعت عليه الامة كلها حق، هذا إذا لم يخالف بعضها بعضا، والقرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه، فإذا شهد القرآن بتصديق خبر وتحقيقه وأنكر الخبر طائفة من الامة لزمهم الاقرار به ضرورة، حين (2) اجتمعت في الاصل على تصديق الكتاب، فإن هي جحدت وأنكرت لزمها الخروج من الملة، فأول خبر يعرف تحقيقه من الكتاب وتصديقه والماس شهادته عليه خبر ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ووجد بموافقة الكتاب وتصديقه، بحيث لا تخالفه أقاويلهم حيث قال: " إنى مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما تمسكتم بهما وأنهما لن يفترقا حتى يردا


أورد شطرا من الحديث عن الاحتجاج في الباب المتقدم تحت رقم 30. (1) أي من ينتسب إليه. (2) في نسخة: حيث. (*)

[ 69 ]

علي الحوض. (1) " فلما وجدنا شواهد هذا الحديث في كتاب الله نصا مثل قوله جل وعز: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " (2) وروت العامة في ذلك أخبارا لامير المؤمنين عليه السلام أنه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ذلك له وأنزل الآية فيه، فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وآله قد أتى بقوله: " من كنت مولاه فعلى مولاه، وبقوله: " أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى، و وجدناه يقول: " علي يقضي ديني وينجز موعدي وهو خليفتي عليكم من بعدي، فالخبر الاول الذي استنبط منه هذه الاخبار خبر صحيح مجمع عليه لا اختلاف فيه عندهم، وهو أيضا موافق للكتاب، فلما شهد الكتاب بتصديق الخبر وهذه الشواهد الاخر لزم على الامة الاقرار بها ضرورة، إذ كانت هذه الاخبار شواهدها من القرآن ناطقة، و وافقت القرآن والقرآن وافقها، ثم وردت حقائق الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله، عن الصادقين عليهم السلام نقلها قوم ثقاة معروفون فصار الاقتداء بهذه الاخبار فرضا واجبا على كل مؤمن ومؤمنة، لا يتعداه إلا أهل العناد، وذلك أن أقاويل آل رسول الله صلى الله عليه وآله متصلة بقول الله، وذلك مثل قوله في محكم كتابه: " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا " ووجدنا نظير هذه الآية قول رسول الله صلى الله عليه وآله: " من آذى عليا فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن ينتقم منه " وكذلك قوله صلى الله عليه وآله: " من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله " ومثل قوله صلى الله عليه وآله في بني وليعة: (3) " لابعثن إليهم رجلا كنفسي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قم يا علي فسر إليهم " وقوله صلى الله عليه وآله يوم خيبر: " لابعثن إليهم غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله عليه " فقضى


(1) سيوافيك الحديث وما يأتي بعدها من الاحاديث الواردة في أمير المؤمنين عليه السلام " بأسنادها المتفقة عليها عند جمهور المسلمين في كتاب الامامة. (2) سيأتي كلام المفسرين من العامة والخاصة حول الاية وغيرها مما نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الامامة. (3) قال الفيروز آبادى في القاموس: بنو وليعة كسفينة: حى من كندة.

[ 70 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله بالفتح قبل التوجيه فاستشرف لكلامه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما كان من الغد دعا عليا عليه السلام فبعثه إليهم فاصطفاه بهذه الصفة (1) وسماه كرارا غير فرار، فسماه الله محبا لله ولرسوله، فأخبر أن الله ورسوله يحبانه. وإنما قدمنا هذا الشرح والبيان دليلا على ما أردنا وقوة لما نحن مبينوه من أمر الجبر والتفويض، والمنزلة بين المنزلتين، وبالله العون والقوة وعليه نتوكل في جميع أمورنا، فإنا نبدأ من ذلك بقول الصادق عليه السلام: " لا جبر ولا تفويض ولكن منزلة بين المنزلتين " وهى صحة الخلقة، و تخلية السرب، والمهلة في الوقت، والزاد مثل الراحلة، والسبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء جمع بها الصادق عليه السلام جوامع الفضل فإذا نقص العبد منها خلة (2) كان العمل عنه مطروحا بحسبه، فأخبر الصادق عليه السلام بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته، ونطق الكتاب بتصديقه، فشهد بذلك محكمات آيات رسوله، لان الرسول صلى الله عليه وآله وآله عليهم السلام لا يعدو شئ من قوله وأقاويلهم حدود القرآن فإذا وردت حقائق الاخبار والتمست شواهدها من التنزيل فوجد لها موافقا وعليها دليلا كان الاقتداء بها فرضا لا يتعداه إلا أهل العناد كما ذكرنا في أول الكتاب، ولما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق عليه السلام من المنزلة بين المنزلتين وإنكاره الجبر والتفويض وجدنا الكتاب قد شهد له وصدق مقالته في هذا وخبر عنه أيضا موافقا لهذا أن الصادق عليه السلام سئل: هل أجبر الله العباد على المعاصي ؟ فقال الصادق عليه السلام: هو أعدل من ذلك، فقيل له: فهل فوض إليهم ؟ فقال عليه السلام: هو أعز وأقهر لهم من ذلك. وروى عنه أنه قال: الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الامر مفوض إليه فقد وهن الله في سلطانه فهو هالك، ورجل يزعم أن الله عزوجل أجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطيقون فقد ظلم الله في حكمه فهو هالك، ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله فهذا


(1) في نسخة: المنقبة. (2) بضم الخاء وفتحها: خصلة.

[ 71 ]

مسلم بالغ، فأخبر عليه السلام أن من تقلد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحق، فقد شرحت الجبر الذى من دان به يلزمه الخطاء، وأن الذى يتقلد التفويض يلزمه الباطل فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما، ثم قال: وأضرب لكل باب من هذه الابواب مثلا يقرب المعنى للطالب ويسهل له البحث عن شرحه، تشهد به محكمات آيات الكتاب، وتحقق تصديقه عند ذوى الالباب وبالله التوفيق والعصمة. فأما الجبر الذى يلزم من دان به الخطاء فهو قول من زعم أن الله عزوجل أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه وكذبه ورد عليه قوله: " ولا يظلم ربك أحدا " وقوله: " ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد " وقوله: " إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون " مع آي كثيرة في ذكر هذا، فمن زعم أنه مجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله، وقد ظلمه في عقوبته، ومن ظلم الله فقد كذب كتابه، ومن كذب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الامة، ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك نفسه، ولا يملك عرضا من عروض الدنيا، ويعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به من حاجته، وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة، وإظهار الحكمة، ونفي الجور، وأوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أنه سيمنعه، وعلم أن المملوك لا يملك ثمنها ولم يملكه ذلك، فلما صار العبد إلى السوق وجاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى لها وجد عليها مانعا يمنع منها إلا بشراء وليس يملك العبد ثمنها فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته، فاغتاظ مولاه من ذلك وعاقبه عليه، أليس يجب في عدله وحكمته أن لا يعاقبه وهو يعلم أن عبده لا يملك عرضا من عروض الدنيا ولم يملكه ثمن حاجته ؟ فإن عاقبه عاقبه ظالما متعديا عليه، مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته، وإن لم يعاقبه كذب نفسه في وعيده إياه حين أوعده بالكذب والظلم اللذين ينفيان العدل والحكمة، تعالى عما يقولون علوا كبيرا، فمن دان بالجبر أو بما يدعو

[ 72 ]

إلى الجبر فقد ظلم الله، ونسبه إلى الجور والعدوان، إذ أوجب على من أجبر العقوبة، ومن زعم أن الله أجبر العباد فقد أوجب على قياس قوله أن الله يدفع عنهم العقوبة، ومن زعم أن الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذب الله في وعيده، حيث يقول: " بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فاولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " وقوله: " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " وقوله: " إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما " مع آي كثيرة في هذا الفن، فمن كذب وعيد الله يلزمه في تكذيبه آية من كتاب الله الكفر، وهو ممن قال الله: " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون " بل نقول: إن الله عز وجل جازى العباد على أعمالهم، ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملكهم إياها فأمرهم ونهاهم، بذلك ونطق كتابه " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون " وقال جل ذكره: " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه " وقال: " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم " فهذه آيات محكمات تنفي الجبر ومن دان به، ومثلها في القرآن كثير، اختصرنا ذلك لئلا يطول الكتاب، وبالله التوفيق. فأما التفويض الذي أبطله الصادق عليه السلام وخطأ من دان به وتقلده فهو قول القائل: إن الله جل ذكره فوض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم، وفي هذا كلام دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودقته، وإلى هذا ذهبت الائمة المهتدية من عترة الرسول عليهم السلام، فإنهم قالوا لو فوض إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضى ما اختاروه، واستوجبوا به الثواب، ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الاهمال واقعا، وتنصرف هذه المقالة على معنيين: إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحب، فقد لزمه الوهن، أو يكون جل وعز عجز عن تعبدهم بالامر والنهي على إرادته، كرهوا أو أحبوا ففوض أمره ونهيه إليهم

[ 73 ]

وأجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بإرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر والايمان، ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه، ويعرف له فضل ولايته، ويقف عند أمره ونهيه، وادعى مالك العبد أنه قاهر عزيز حكيم فأمر عبده ونهاه و وعده على اتباع أمره عظيم الثواب، وأوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه، ولم يقف عند أمره ونهيه، فأى أمر أمره به أو أي نهي نهاه عنه لم يأته على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه، واتباع هواه، ولا يطيق المولى أن يرده إلى اتباع أمره ونهيه والوقوف على إرادته، ففوض اختيار أمره ونهيه إليه ورضي منه بكل ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة المالك، وبعثه في بعض حوائجه وسمى له الحاجة فخالف على مولاه، وقصد لارادة نفسه، واتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به فإذا هو خلاف ما أمره به فقال له: لم أتيتني بخلاف ما أمرتك ؟ فقال العبد: اتكلت على تفويضك الامر إلي فاتبعت هواي وإرادتي لان المفوض إليه غير محظور عليه فاستحال التفويض، أو ليس يجب على هذا السبب إما أن يكون المالك للعبد قادرا يأمر عبده باتباع أمره ونهيه على إرادته لا على إرادة العبد، ويملكه من الطاقة بقدر ما يأمره به وينهاه عنه، فإذا أمره بأمر ونهاه عن نهي عرفه الثواب والعقاب عليهما وحذره ورغبه بصفة ثوابه وعقابه ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملكه من الطاقة لامره ونهيه وترغيبه وترهيبه فيكون عدله وإنصافه شاملا له، وحجته واضحة عليه للاعذار والانذار. فإذا اتبع العبد أمر مولاه جازاه، وإذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه ؟ أو يكون عاجزا غير قادر ففوض أمره إليه أحسن أم أساء أطاع أم عصى عاجز عن عقوبته ورده إلي اتباع أمره، وفي إثبات العجز نفي القدرة والتأله، وإبطال الامر والنهي والثواب والعقاب، ومخالفة الكتاب، إذ يقول: " ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم " وقوله عزوجل: " اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " وقوله: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما اريد منهم من رزق وما اريد أن يطعمون " وقوله: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا " وقوله: " وأطيعو الله وأطيعوا الرسول ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون " فمن زعم أن الله تعالى فوض أمره

[ 74 ]

ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير وشر، وأبطل أمر الله ونهيه، ووعده ووعيده لعلة ما زعم أن الله فوضها إليها لان المفوض إليه يعمل بمشيته، فإن شاء الكفر أو الايمان كان غير مردود عليه ولا محظور فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وأمره ونهيه، وهو من أهل هذه الآية " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون " تعالى الله عما يدين به أهل التفويض علوا كبيرا، لكن نقول: إن الله عز وجل، خلق الخلق بقدرته، وملكهم استطاعة تعبدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد فقبل منهم اتباع أمره ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته وذم من عصاه وعاقبه عليها، ولله الخيرة في الامر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به، وينهى عما يكره و يعاقب عليه، بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه لانه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة، بالغ الحجة بالاعذار والانذار، وإليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده اصطفى محمدا صلى الله عليه وآله وبعثه برسالاته إلى خلقه فقال من قال من كفار قومه حسدا واستكبارا: " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " يعنى بذلك امية بن أبي الصلت وأبا مسعود الثقفي، فأبطل الله اختيارهم ولم يجز لهم آراءهم حيث يقول: " أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون " ولذلك اختار من الامور ما أحب، ونهى عما كره، فمن أطاعه أثابه، ومن عصاه عاقبه، ولو فوض من اختيار أمره إلى عباده لاجاز لقريش اختيار امية ابن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي إذ كانا عندهم أفضل من محمد صلى الله عليه وآله، فلما أدب الله المؤمنين بقوله: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم ولم يقبل منهم إلا اتباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه فمن أطاعه رشد، ومن عصاه ضل وغوى ولزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع أمره واجتناب

[ 75 ]

نهيه، فمن أجل ذلك حرمه ثوابه، وأنزل به عقابه، وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض وبذلك أخبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه عباية بن ربعي الاسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل، فقال له أمير المؤمنين: سألت عن الاستطاعة تملكها من دون الله أو مع الله ؟ فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين: قل يا عباية، قال وما أقول ؟ قال عليه السلام: إن قلت إنك تملكها مع الله قتلتك وإن قلت: تملكها دون الله قتلتك قال عباية: فما أقول يا أمير المؤمنين عليه السلام ؟ قال عليه السلام: تقول: إنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن يملكها إياك كان ذلك من عطائه، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه هو المالك لما ملكك، والقادر على ما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حين يقولون: لاحول ولا قوة إلا بالله ؟ قال عباية: وما تأويلها يا أمير المؤمنين ؟ قال: عليه السلام لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة الله، ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله، قال: فوثب عباية فقبل يديه ورجليه. وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام حين أتاه نجدة يسأله عن معرفة الله قال: يا أمير المؤمنين بماذا عرفت ربك ؟ قال عليه السلام: بالتمييز الذي خولني، (1) والعقل الذي دلني، قال: أفمجبول أنت عليه ؟ قال: لو كنت مجبولا ماكنت محمودا على إحسان، ولا مذموما على إساءة، وكان المحسن أولى باللائمة من المسئ، فعلمت أن الله قائم باق، وما دونه حدث حائل زائل، وليس القديم الباقي كالحدث الزائل. قال نجدة: أجدك أصبحت حكيما يا أمير المؤمنين قال: أصبحت مخيرا فإن أتيت السيئة بمكان الحسنة فأنا المعاقب عليها. وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لرجل سأله بعد انصرافه من الشام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام بقضاء وقدر ؟ قال: نعم يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم واديا إلا بقضاء وقدر من الله، فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين، فقال: مه يا شيخ فإن الله قد عظم أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفى مقامكم وأنتم مقيمون، وفي انصرافكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شئ من اموركم


(1) خوله الشئ: أعطاه إياه متفضلا، أو ملكه إياه.

[ 76 ]

مكرهين، ولا إليه مضطرين، لعلك ظننت أنه قضاء حتم وقدر لازم، ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، ولسقط الوعد والوعيد، ولما ألزمت الاشياء أهلها على الحقائق، ذلك مقالة عبدة الاوثان وأولياء الشياطين (1) إن الله عزوجل أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، ولم يطع مكرها، ولم يعص مغلوبا، ولم يخلق السماوات والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. فقام الشيخ فقبل رأس أمير المؤمنين عليه السلام وأنشأ يقول: أنت الامام الذي نرجو بطاعته * يوم النجاة من الرحمن غفرانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك عنا فيه رضوانا فليس معذرة في فعل فاحشة * عندي لراكبها ظلما وعصيانا فقد دل قول أمير المؤمنين عليه السلام على موافقة الكتاب ونفي الجبر والتفويض اللذين يلزمان من دان بهما وتقلدهما الباطل والكفر وتكذيب الكتاب، ونعوذ بالله من الضلالة والكفر، ولسنا ندين بجبر ولا تفويض، لكنا نقول بمنزلة بين المنزلتين، وهو الامتحان والاختبار بالاستطاعة التي ملكنا الله وتعبدنا بها على ما شهد به الكتاب ودان به الائمة الابرار من آل الرسول صلوات الله عليهم. ومثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجل ملك عبدا وملك مالا كثيرا أحب أن يختبر عبده على علم منه بما يؤول إليه، فملكه من ماله بعض ما أحب، ووقفه على امور عرفها العبد، فأمره أن يصرف ذلك المال فيها ; ونهاه عن أسباب لم يحبها، وتقدم إليه أن يجتنبها، ولا ينفق من ماله فيها، والمال يتصرف في أي الوجهين ; فصرف المال أحدهما في اتباع أمر المولى ورضاه، والآخر صرفه في اتباع نهيه وسخطه، وأسكنه دار اختبار أعلمه أنه غير دائم له السكنى في الدار، وأن له دارا غيرها، وهو مخرجه إليها فيها ثواب وعقاب دائمان، فإن أنفذ العبد المال الذي ملكه مولاه في الوجه الذي أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنه مخرجه إليها، وإن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود،


(1) في المصدر: الشيطان. م

[ 77 ]

وقد حد المولى في ذلك حدا معروفا وهو المسكن الذي أسكنه في الدار الاولى، فإذا بلغ الحد استبدل المولى بالمال وبالعبد على أنه لم يزل مالكا للمال والعبد في الاوقات كلها، إلا أنه وعد أن لا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الاولى إلا أن يستتم (1) سكناه فيها، فوفى له لان من صفات المولى العدل والوفاء والنصفة والحكمة أو ليس يجب إن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب وتفضل عليه بأن استعمله في دار فانية وأثابه على طاعته فيها نعيما دائما في دار باقية دائمة ؟ وإن صرف العبد المال الذي ملكه مولاه أيام سكناه تلك الدار الاولى في الوجه المنهي عنه وخالف أمر مولاه كذلك يجب عليه العقوبة الدائمة التي حذره إياها غير ظالم له لما تقدم إليه وأعلمه وعرفه وأوجب له الوفاء بوعده ووعيده بذلك يوصف القادر القاهر ؟وأما المولى فهو الله عزوجل، وأما العبد فهو ابن آدم المخلوق، والمال قدرة الله الواسعة، ومحنته إظهار الحكمة والقدرة، والدار الفانية هي الدنيا، وبعض المال الذي ملكه مولاه هو الاستطاعة التي ملك ابن آدم، والامور التي أمر الله بصرف المال إليها هو الاستطاعة لاتباع الانبياء والاقرار بما أوردوه عن الله جل وعز، واجتناب الاسباب التي نهى عنها هي طرق إبليس، وأما وعده فالنعيم الدائم وهي الجنة، و أما الدار الفانية فهي الدنيا، وأما الدار فهي الدار الباقية وهي الآخرة، والقول بين الجبر والتفويض هو الاختبار والامتحان والبلوى بالاستطاعة التي ملك العبد، وشرحها في خمسة الامثال التي ذكرها الصادق عليه السلام أنها جمعت جوامع الفضل، وأنا مفسرها بشواهد من القرآن والبيان إن شاء الله، تقسير صحة الخلقة، أما قول الصادق عليه السلام فإن معناه كمال الخلق للانسان بكمال (2) الحواس وثبات العقل والتمييز، وإطلاق اللسان بالنطق، وذلك قول الله: " ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على


(1) في المصدر: إلى ان يستتم. م (2) في المصدر: وكمال الحواس، م

[ 78 ]

كثير ممن خلقنا تفضيلا " فقد أخبر عزوجل عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم والسباع ودواب البحر والطير وكل ذي حركة تدركه حواس بني آدم بتمييز العقل والنطق، وذلك قوله " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم " وقوله " يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك " وفي آيات كثيرة، فأول نعمة الله على الانسان صحة عقله وتفضيله على كثير من خلقه بكمال العقل وتمييز البيان، وذلك أن كل ذي حركة على بسيط الارض هو قائم بنفسه بحواسه مستكمل في ذاته ففضل بني آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواس، فمن أجل النطق ملك الله ابن آدم غيره من الخلق حتى صار آمرا ناهيا، وغيره مسخر له، كما قال الله: " كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم " وقال: " وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها " وقال: " والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس " فمن أجل ذلك دعا الله الانسان إلى اتباع أمره وإلى طاعته بتفضيله إياه باستواء الخلق وكمال النطق والمعرفة، بعد أن ملكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله: " فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعو " وقوله: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " وقوله: " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتيها " وفي آيات كثيرة، فإذا سلب العبد حاسة من حواسه رفع العمل عنه بحاسته كقوله: " ليس على الاعمى حرح ولا على الاعرج حرج " الآية، فقد رفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهاد وجميع الاعمال التي لا يقوم إلا بها، وكذلك أوجب على ذي اليسار الحج والزكاة لما ملكه من استطاعة ذلك، ولم يوجب على الفقير الزكاة والحج، قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " وقوله في الظهار: " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة " إلى قوله: " فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا " كل ذلك دليل على أن الله تبارك وتعالى لم يكلف عباده إلا ما ملكهم استطاعته بقوة العمل به، ونهاهم عن مثل ذلك فهذه صحة الخلقة.

[ 79 ]

وأما قوله: تخلية السرب فهو الذي ليس عليه رقيب يحظر عليه ويمنعه العمل بما أمره الله به وذلك قوله في من استضعف وحظر عليه العمل فلم يجد حيلة ولم يهتد سبيلا (1): " من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا " فأخبر أن المستضعف لم يخل سربه وليس عليه من القول شئ إذا كان مطمئن القلب بالايمان. وأما المهلة في الوقت فهو العمر الذى يمتع به الانسان (2) من حد ما يجب عليه المعرفة إلى أجل الوقت، وذلك من وقت تمييزه وبلوغ الحلم إلى أن يأتيه أجله، فمن مات على طلب الحق ولم يدرك كماله فهو على خير وذلك قوله: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله " الآية، وإن كان لم يعمل بكمال شرائعه لعلة ما لم يمهله في الوقت إلى استتمام أمره، وقد حظر على البالغ ما لم يحظر على الطفل إذا لم يبلغ الحلم في قوله تعالى: " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن " الآية فلم يجعل عليهن حرجا في إبداء الزينة للطفل وكذلك لا تجري عليه الاحكام. وأما قوله: الزاد فمعناه الجدة والبلغة (3) التي يستعين بها العبد على ما أمره الله به، وذلك قوله: " ما على المحسنين من سبيل " الآية ألا ترى أنه قبل عذر من لم يجد ما ينفق، وألزم الحجة كل من أمكنته البلغة، والراحلة للحج والجهاد وأشباه ذلك، كذلك قبل عذر الفقراء وأوجب لهم حقا في مال الاغنياء بقوله: " للفقراء الذين احصروا في سبيل الله " الآية، فأمر بإعفائهم، ولم يكلفهم الاعداد لما لا يستطيعون ولا يملكون. وأما قوله: في السبب المهيج، فهو النية التي هي داعية الانسان إلى جميع الافعال، وحاستها القلب، فمن فعل فعلا وكان بدين لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل


(1) في المصدر: ولا يهتدى سبيلا كما قال الله تعالى " الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ". م (2) في التحف المطبوع: يبلغ به الانسان. (3) الجدة بكسر الجيم وفتح الدال المخففة كعدة: الغنى. البلغة بضم الباء وسكون اللام: ما يكفى من العيش.

[ 80 ]

الله منه عملا إلا بصدق النية، كذلك (1) أخبر عن المنافقين بقوله: " يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون " ثم أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله توبيخا للمؤمنين " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " الآية، فإذا قال الرجل: قولا واعتقد في قوله دعته النية إلى تصديق القول بإظهار الفعل، وإذا لم يعتقد القول لم يتبين حقيقة، وقد أجاز الله صدق النية وإن كان الفعل غير موافق لها لعلة مانع يمنع إظهار الفعل في قوله: " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان " وقوله: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " الآية، فدل القرآن وأخبار الرسول صلى الله عليه وآله أن القلب مالك لجميع الحواس يصحح أفعالها، ولا يبطل ما يصحح القلب شئ، فهذا شرح جميع الخمسة الامثال التي ذكرها الصادق عليه السلام أنها تجمع المنزلة بين المنزلتين، وهما الجبر والتفويض، فإذا اجتمع في الانسان كمال هذه الخمسة الامثال وجب عليه العمل كملا لما أمر الله عزوجل به ورسوله، وإذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطروحا بحسب ذلك. فأما شواهد القرآن على الاختبار والبلوى بالاستطاعة التي تجمع القول بين القولين فكثيرة، ومن ذلك قوله: " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " وقال: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " وقال: " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " وقال في الفتن التي معناها الاختبار: " ولقد فتنا سليمان " الآية، وقال في قصة قوم موسى: " فإنا قد فتنا قومك من بعدك و أضلهم السامري " وقول موسى: " إن هي إلا فتنتك " أي اختبارك، فهذه الآيات يقاس بعضها ببعض ويشهد بعضها لبعض، وأما آيات البلوى بمعنى الاختبار قوله: " ليبلوكم فيما آتاكم " وقوله: " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم " وقوله: " أنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة، وقوله: " خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " وقوله: " وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " وقوله: " ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض " وكل ما في القرآن من بلوى هذه الآيات التي شرح أولها فهي اختبار وأمثالها في القرآن كثيرة، فهي إثبات الاختبار والبلوى إن الله عزوجل لم يخلق الخلق عبثا، ولا أهملهم


(1) في المصدر: ولذلك. م

[ 81 ]

سدى، ولا أظهر حكمته لعبا، بذلك أخبر في قوله: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ". فإن قال قائل: فلم يعلم الله ما يكون من العباد حتى اختبرهم ؟ قلنا: بلى قد علم ما يكون منهم قبل كونه، وذلك قوله: " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " وإنما اختبرهم ليعلمهم عدله ولا يعذبهم إلا بحجة بعد الفعل، وقد أخبر بقوله: " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا " وقوله: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " وقوله: " رسلا مبشرين ومنذرين " فالاختبار من الله بالاستطاعة التي ملكها عبده وهو القول بين الجبر والتفويض بهذا نطق القرآن وجرت الاخبار عن الائمة من آل الرسول. فإن قالوا: ما الحجة في قول الله: " يهدي من يشاء ويضل من يشاء " وما أشبهها ؟ قيل: مجاز هذه الآيات كلها على معنيين: أما أحدهما فإخبار عن قدرته أي أنه قادر على هداية من يشاء وضلال من يشاء، وإذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثواب ولا عليهم عقاب على نحو ما شرحنا في الكتاب، والمعنى الآخر أن الهداية منه تعريفه كقوله: " وأما ثمود فهديناهم " أي عرفناهم " فاستحبوا العمى على الهدى " فلو جبرهم على الهدى لم يقدروا أن يضلوا، وليس كلما وردت آية مشتبهة كانت الآية حجة على محكم الآيات اللواتي أمرنا بالاخذ بها، من ذلك قوله: " منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين قي قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله " الآية، وقال: " فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " أي أحكمه وأشرحه " أولئك الذى هديهم الله وأولئك هم أولو الالباب " وفقنا الله وإياكم من القول والعمل لما يحب ويرضى، وجنبنا وإياكم معاصيه بمنه وفضله، والحمد لله كثيرا كما هو أهله، وصلى الله على محمد وآله الطيبين، وحسبنا الله و نعم الوكيل. " ص 458 - 475 " بيان: قوله تعالى: فقد ظلم الله على بناء التفعيل أي نسبه إلى الظلم. قوله عليه السلام: ومن زعم أن الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب أي عموما بحيث لا يعاقب أحدا منهم كما هو مقتضى الجبر، فلا ينافي سقوط بعضها بالعفو أو الشفاعة. وقوله عليه السلام: ولما لزمت

[ 82 ]

الاشياء أي الخطايا والذنوب، وفي بعض النسخ الاسماء وهو أوفق بما روي عنه عليه السلام في موضع آخر أي لا يصح إطلاق المؤمن والكافر والصالح والطالح وأشباهها على الحقيقة. فذلكة: اعلم أن الذى استفاض عن الائمة عليهم السلام هو نفي الجبر والتفويض، و إثبات الامر بين الامرين، وقد اعترف به بعض المخالفين أيضا، قال إمامهم الرازي: حال هذه المسألة عجيبة فإن الناس كانوا مختلفين فيها أبدا بسبب أن ما يمكن الرجوع فيها إليها متعارضة متدافعة: فمعول الجبرية على أنه لابد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد ; ومعول القدرية على أن العبد لو لم يكن قادرا على فعل لما حسن المدح والذم والامر والنهي، وهما مقدمتان بديهيتان، ثم من الادلة العقلية اعتماد الجبرية على أن تفاصيل أحوال الافعال غير معلومة للعبد، واعتماد القدرية على أن أفعال العباد واقعة على وفق تصورهم ودواعيهم وهما متعارضتان، ومن الالزامات الخطابية أن القدرة على الايجاد صفة كمال لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان، وأن أفعال العباد تكون سفها وعبثا، فلا يليق بالمتعالي عن النقصان، وأما الدلائل السمعية فالقرآن مملو بما يوهم بالامرين وكذا الآثار، فإن أمة من الامم لم تكن خالية من الفرقتين، وكذا الاوضاع والحكايات متدافعة من الجانبين، حتى قيل: إن وضع النرد على الجبر، ووضع الشطرنج على القدر، إلا أن مذهبنا أقوى بسبب أن القدح في قولنا: لا يترجح الممكن إلا بمرجح يوجب انسداد باب إثبات الصانع، ونحن نقول: الحق ما قال بعض أئمة الدين: إنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين، وذلك أن مبنى المبادي القريبة لافعال العبد على قدرته واختياره، والمبادي البعيدة على عجزه واضطراره فالانسان مضطر في صورة مختار كالقلم في يد الكاتب و الوتد في شق الحائط، وفي كلام العقلاء: قال الحائط للوتد: لم تشقني ؟ فقال: سل من يدقني انتهى. وأما معنى الجبر فهو ما ذهبت إليه الاشاعرة من أن الله تعالى أجرى الاعمال على أيدي العباد من غير قدرة مؤثرة لهم فيها، وعذبهم عليها.

[ 83 ]

وأما التفويض فهو ما ذهب إليه المعتزلة من أنه تعالى أوجد العباد وأقدرهم على تلك الافعال، وفوض إليهم الاختيار. فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيتهم وقدرتهم، وليس لله في أفعالهم صنع. وأما الامر بين الامرين فالذي ظهر مما سبق من الاخبار هو أن لهداياته وتوفيقاته تعالى مدخلا في أفعال العباد بحيث لا يصل إلى حد الالجاء والاضطرار كما أن سيدا أمر عبده بشئ يقدر على فعله، وفهمه ذلك، ووعده على فعله شيئا من الثواب، وعلى تركه شيئا من العقاب فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك ولم يزد عليه مع علمه بأنه لا يفعل الفعل بمحض ذلك لم يكن ملوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه، ولا يقول عاقل بأنه أجبره على ترك الفعل، ولو لم يكتف السيد بذلك وزاد في ألطافه، والوعد بإكرامه، والوعيد على تركه، وأكد ذلك ببعث من يحثه على الفعل ويرغبه فيه، ثم فعل بقدرته واختياره ذلك الفعل فلا يقول عاقل بأنه جبره على ذلك الفعل ; وأما فعل ذلك بالنسبة إلى جماعة وتركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم وصفاء طويتهم، أو سوء اختيارهم وقبح سريرتهم، فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه تعالى بأن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها كما يلزم الاولين، ولا عز له تعالى عن ملكه، واستقلال العباد بحيث لا مدخل لله في أفعالهم فيكونون شركاء لله في تدبير عالم الوجود كما يلزم الآخرين، وقد مرت شواهد هذا المعنى في الاخبار ; ويؤيده ما رواه الكليني، عن أبى عبد الله عليه السلام أنه سأله رجل: أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال: لا ; فقال: ففوض إليهم الامر ؟ قال: لا، قال: فماذا ؟ قال: لطف من ربك بين ذلك. (1) ويظهر من (2)


(1) أورده الكليني في باب الجبر والقدر من الكافي باسناده عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن الحسن زعلان، عن أبى طالب القمى، عن رجل، عن أبى عبد الله عليه السلام. (2) ومرجع الخبرين في مؤداهما واحد، وهو الذى يشاهده كل إنسان من نفسه عيانا وهو أنه مع قطع النظر عن سائر الاسباب من الموجبات والموانع يملك اختيار الفعل أو الترك فله أن يفعل وله أن يترك، وأما كونه مالكا للاختيار فانما ملكه إياه ربه سبحانه كما في الاخبار ; ومن أحسن الامثلة لذلك مثال المولى إذا ملك عبده ما يحتاج إليه في حياته من مال يتصرف فيه وزوجة يأنس إليها و دار يسكنها وأثاث ومتاع فان قلنا أن هذا التمليك يبطل ملك المولى كان قولا بالتفويض، وإن قلنا أن ذلك لا يوجب للعبد ملكا والمولى باق على مالكيته كما كان كان قولا بالجبر، وان قلنا ان العبد يملك بذلك والمولى مالك لجميع ما يملكه في عين ملكه وأنه من كمال ملك المولى كان قولا بالامر بين الامرين. ط

[ 84 ]

بعض الاخبار أن المراد بالتفويض المنفي هو كون العبد مستقلا في الفعل لا يقدر الرب تعالى على صرفه عنه، والامر بين الامرين هو أنه جعلهم مختارين في الفعل و الترك مع قدرته على صرفهم عما يختارون، ومنهم من فسر الامر بين الامرين بأن الاسباب القريبة للفعل يرجع إلى قدرة العبد، والاسباب البعيدة كالآلات والاسباب والاعضاء والجوارح والقوى إلى قدرة الرب تعالى، فقد حصل الفعل بمجموع القدرتين ; وفيه أن التفويض بهذا المعنى لم يقل به أحد حتى يرد عليه ; ومنهم من قال: الامر بين الامرين هو كون بعض الاشياء باختيار العبد وهي الافعال التكليفية، وكون بعضها بغير اختياره كالصحة والمرض والنوم واليقظة، والذكر والنسيان وأشباه ذلك، ويرد عليه ما أوردناه على الوجه السابق والله تعالى يعلم وحججه عليهم السلام. وبسط القول في تلك المسألة وإيراد الدلائل والبراهين على ما هو الحق فيها ودفع الشكوك والشبه عنها لا يناسب ما هو المقصود من هذا الكتاب، والله يهدي من يشاء إلى الحق والصواب. (باب 3) * (القضاء والقدر (1) والمشية والارادة وسائر أسباب الفعل) * الايات، البقرة: " 2 " ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد 253. آل عمران " 3 " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا 145. الانعام " 6 " ولو شاء الله ما أشركوا 107 " وقال تعالى ": ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون 137 " وقال تعالى ": سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون * قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين 148 - 149.


(1) مسألة القضاء والقدر من العقائد التى جاءت بها جميع الاديان، وليست خاصة بالمسلمين، ولكثرة استعمال هاتين اللفظتين ظن بعض الناس أن فيهما معنى الا كراه والاجبار وليس كما ظن، وسيوافيك الاخبار والروايات وكلمات الاعلام في ذلك فتعلم أنهما لا ينافيان الاختيار.

[ 85 ]

الاعراف " 7 " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله 187. الانفال " 8 " ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا 42. التوبة " 9 " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولينا وعلى الله فليتوكل المؤمنون 51 " وقال تعالى ": فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون 55. يونس " 10 " ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين * وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون 99 - 100 الاحزاب " 33 " وكان أمر الله مفعولا 37 وقال وكان أمر الله قدرا مقدورا 38. فاطر " 35 " وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير 11. السجدة " 41 " ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم 45. حمعسق " 42 " ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون مالهم من ولي ولا نصير 8 " وقال تعالى ": ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم 21. الزخرف " 43 " وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون 20. القمر " 54 " إنا كل شئ خلقناه بقدر 49 " وقال ": وكل شئ فعلوه في الزبر * وكل صغير وكبير مستطر 52 - 53. الحديد " 57 " ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير 22. الحشر " 59 " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله 5. التغابن " 64 " ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله 11. الطلاق " 65 " يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما 12.

[ 86 ]

المدثر " 74 " كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء 31 " وقال تعالى ": وما يذكرون إلا أن يشاء الله 56. الدهر " 76 " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله 30 " وقال تعالى ": يدخل من يشاء في رحمته 31. كورت " 81 " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين 29. تفسير: ولو شاء الله ما اقتتلوا أي لو شاء أن يجبرهم ويلجئهم على ترك الاقتتال لفعل لكنه مناف للتكليف فلذا وكلهم إلى اختيارهم فاقتتلوا، وإذن الله أمره وتقديره، وقيل: علمه، من أذن بمعنى علم. وقال الطبرسي في قوله تعالى: " فلو شاء لهداكم أجمعين " أي لو شاء لالجأكم إلى الايمان، وهذه المشية تخالف المشية المذكورة في الآية الاولى. لان الله سبحانه أثبت هذه ونفى تلك، فالاولى مشية الاختيار والثانية مشية الالجاء. وقيل: إن المراد به: لو شاء لهداكم إلى نيل الثواب ودخول الجنة ابتداءا من غير تكليف. قوله تعالى: " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا " أي مطلقا لان ما يتوقف عليه الفعل من الاسباب والآلات إنما هو بقدرته تعالى، وهو لا ينافي الاختيار، أو فيما ليس باختيار العبد من دفع البلايا وجلب المنافع، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: " ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ". قوله تعالى: " ليقضي الله أمرا كان مفعولا " أي قدر الله التقاءكم مع المشركين في بدر على غير ميعاد منكم ليقضي أمرا كان كائنا لا محالة، أو من شأنه أن يكون هو إعزاز الدين وأهله، وإذلال الشرك وأهله، ومعنى " ليقضي ": ليفعل، أو ليظهر قضاؤه. قوله تعالى: في الزبر " أي في الكتب التي كتبتها الحفظة، أو في اللوح المحفوظ، " وكل صغير وكبير مستطر " أي وما قدموه من أعمالهم من صغير وكبير مكتوب عليهم، أو كل صغير وكبير من الارزاق والآجال ونحوها مكتوب في اللوح. قوله تعالى: " وما يذكرون إلا أن يشاء الله " أي إلا أن يشاء أن يجبرهم على ذلك بقرينة قوله سابقا: " إنها تذكرة فمن شاء ذكره " وقيل: إلا أن يشاء الله من حيث

[ 87 ]

أمر به ونهى عن تركه فكانت مشيته سابقة أي لا يذكرون إلا والله قد شاء ذلك. 1 - ب: ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله رقى (1) يستشفى بها هل ترد من قدر الله ؟ فقال: إنها من قدر الله. " ص 45 " 2 - ل: الخليل بن أحمد السنجري، عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، عن علي بن حجر، عن شريك، عن منصور بن المعتمر، (2) عن ربعي بن خراش، (3) عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة: حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله بعثني بالحق، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت، وحتى يؤمن بالقدر. 3 - ل: أبو أحمد محمد بن جعفر البندار، عن جعفر بن محمد بن نوح، عن محمد بن عمر، عن يزيد بن زريع، عن بشر بن نمير، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة (4) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة لا ينظر الله إليهم القيامة: عاق، ومنان، ومكذب بالقدر، ومدمن خمر. 4 - ل: حمزة العلوي، عن أحمد الهمداني، عن يحيى بن الحسن بن جعفر، عن


(1) جمع الرقية بالضم: العوذة. (2) قال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة: منصور بن معتمر من أصحاب الباقر عليه السلام تبرى انتهى، وقال ابن حجر في تقريب التهذيب: منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمى، أبوعثاب - بمثلثة تقيلة ثم موحدة - الكوفى، ثقة، ثبت، وكان لا يدلس، من طبقة الاعمش، مات سنة 132. (3) ربعى بالكسر الراء وسكون الباء، والعين المهملة، خراش بالخاء المعجمة المكسورة والراء والسين المعجمة، ضبطه كذلك الميرزا في هامس الوسيط، وحكى ذلك أيضا عن ابن داود، وضبطه ابن حجر في التقريب بكسر المهملة وآخره معجمة وقال: أبو مريم العبسى الكوفى ثقة، عابد، مخضرم، من الثانية، مات سنة مائة، وقيل: غير ذلك انتهى. أقول: وأرخ وفاته في الوسيط و في المحكى عن مختصر الذهبي سنة 101 وحكى عن البرقى وغيره أنه وأخاه مسعود من خواص أمير المؤمينن عليه السلام من مضر. (4) لعله صدى - بالتصغير - ابن عجلان أبو أمامة الباهلى الصحابي المشهور سكن الشام ومات بها سنة 86 وقيل 81.

[ 88 ]

محمد بن ميمون الخزاز، عن عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمتسلط بالجبروت ليذل من أعزه الله ويعز من أذله الله، والمستأثر بفئ المسلمين المستحل له. 5 - ل: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن محمد، عن أبي القاسم الكوفي، عن عبد المؤمن الانصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لعنت سبعة لعنهم الله وكل نبي مجاب قبلي، فقيل: ومن هم يا رسول الله ؟ فقال: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمخالف لسنتي، و المستحل من عترتي ما حرم الله، والمتسلط بالجيرية (1) ليعز من أذل الله ويذل من أعز الله، والمستأثر على المسلمين (2) بفيئهم مستحلا له والمحرم ما أحل الله عز وجل. 6 - ل: محمد بن عمر الحافظ، عن محمد بن الحسين الخثعمي، عن ثابت بن عامر السنجاري ؟ عن عبد الملك بن الوليد، عن عمرو بن عبد الجبار، عن عبد الله بن زياد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: سبعة لعنهم الله وكل نبي مجاب، المغير لكتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمبدل سنة رسول الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله عزوجل، والمتسلط في سلطانه ليعز من أذل الله ويذل من أعز الله، والمستحل لحرم الله، (3) والمتكبر عبادة الله عزوجل. 7 - ل: أبى، عن سعد، عن إبراهيم بن هاشم، عن أبي عبد الله البرقي، عن زكريا ابن عمران، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: لا يكون شئ في السماوات والارض إلا بسبعة: بقضاء، وقدر وإرادة، ومشية، وكتاب، وأجل، وإذن، فمن قال غير هذا فقد كذب على الله، أورد على الله عزوجل.


(1) المتسلط بالجبرية أو بالجبروت أي بالقدرة والسلطة والعظمة. (2) استأثر بالشئ على الغير أي استبد به وخص به نفسه. (3) الحرم بضم الحاء والراء جمع الحرام: ضد الحلال.

[ 89 ]

8 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن موسى عليه السلام سأل ربه أن يجمع بينه وبين آدم عليه السلام فجمع، فقال له موسى: يا أبه ألم يخلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأمرك أن لا تأكل من الشجرة ؟ فلم عصيته ؟ قال: يا موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي في التوراة ؟ قال: بثلاثين سنة، (2) قال: فهو ذلك، قال الصادق عليه السلام: فحج آدم موسى عليه السلام. (3) " ص 36 - 37 " بيان: من أصحابنا من حمل هذا الخبر على التقية، إذ قد ورد ذلك في كتبهم بطرق كثيرة، وقد رواه السيد في الطرائف من طرقهم ورده، ويمكن أن يقال: إن المراد أنه كتب في التوراة أن الله وكل آدم إلى اختياره حتى فعل ما فعل لمصلحة إهباطه إلى الدنيا، وأما كونه قبل خلقه عليه السلام فلان التوراة كتب في الالواح السماوية في ذلك الوقت وإن وجده موسى عليه السلام بعد بعثته " ويحتمل اطلاع روح موسى على ذلك قبل خلق جسد آدم والله يعلم. 9 - ع: أحمد بن محمد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن عباد بن يعقوب، عن عمر بن بشر البزاز قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام: ما يستطيع أهل القدر أن يقولوا ; والله لقد خلق الله آدم للدنيا وأسكنه الجنة ليعصيه فيرده إلى ما خلقه له. " ص 192 - 193 " بيان: قوله: ليعصيه أي عالما بأنه يخليه مع اختياره فيعصيه، فيكون اللام لام العاقبة أي ليخليه فيعصي بذلك مختارا والله يعلم. 10 - مع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن


(1) قد عرفت سابقا عدم ثبوت رواية ابن مسكان عن أبى عبد الله عليه السلام بلا واسطة مما ذكرنا عن النجاشي، فانه قال: إنه روى عن أبى عبد الله عليه السلام وليس بثبت انتهى، ومما نقلنا عن الكشى من أنه لم يسمع عنه عليه السلام إلا حديث من أدرك المشعر فقد أدرك الحج، فعلى هذا فالرواية مرسلة. (2) في المصدر: بثلاثين ألف سنة. (3) أي غلب آدم موسى بالحجة.

[ 90 ]

شعيب، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: شاء وأراد، ولم يحب ولم يرض. قلت: كيف ؟ قال: شاء أن لا يكون شئ إلا بعلمه، وأراد مثل ذلك، ولم يحب أن يقال له: ثالث ثلاثة، ولم يرض لعباده الكفر. 1 - عد: اعتقادنا في الارادة والمشية قول الصادق عليه السلام: شاء الله، وأراد، ولميحب، ولم يرض، شاء أن لا يكون شئ إلا بعلمه، وأراد مثل ذلك، ولم يحب أن يقال له: ثالث ثلاثة، ولم يرض لعباده الكفر. (1) وقال الله عزوجل: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " (2) وقال عزوجل: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " (3) وقال عزوجل: " ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " (4) وقال عزوجل: " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله " (5) كما قال: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا " (6) كما قال: " يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " (7) وقال عزوجل: " ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون " (8) وقال عزوجل " ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا " (9) وقال عزوجل: " ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها " (10) وقال عزوجل: " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء " (11) وقال عزوجل: " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم " (12) وقال الله عزوجل: " يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة " (13) وقال عزوجل: " يريد الله


(1) تقدم مسندا تحت رقم 11 ويأتى بسند آخر تحت رقم 34. (2) القصص: 56. (3) الدهر: 30. (4) يونس: 99. (5) يونس: 100 (6) آل عمران: 145. (7) آل عمران: 154. (8) الانعام: 112. (9) الانعام: 107. (10) الم السجدة: 13. (11) الانعام: 125. (12) النساء: 26. (13) آل عمران: 176.

[ 91 ]

أن يخفف عنكم " (1) وقال: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " (2) وقال عز وجل: " والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما " (3) وقال عزوجل: " وما الله يريد ظلما للعباد ". (4) فهذا اعتقادنا في الارادة والمشية، ومخالفونا يشنعون علينا في ذلك، ويقولون: إنا نقول: إن الله عزوجل أراد المعاصي وأراد قتل الحسين عليه السلام وليس هكذا نقول، ولكنا نقول: إن الله عزوجل أراد أن يكون معصية العاصين خلاف طاعة المطيعين، وأراد أن تكون المعاصي غير منسوبة إليه من جهة الفعل، وأراد أن يكون موصوفا بالعلم بها قبل كونها، ونقول: أراد الله أن يكون قتل الحسين عليه السلام معصية له خلاف الطاعة، ونقول: أراد أن يكون قتله منهيا عنه غير مأمور به، ونقول: أراد الله أن يكون مستقبحا غير مستحسن، ونقول: أراد الله عزوجل أن يكون قتله سخطا لله غير رضاه، ونقول: أراد الله عزوجل أن لا يمنع من قتله بالجبر والقدرة كما منع منه بالنهي، ونقول: أراد الله أن لا يدفع القتل عنه كما دفع الحرق عن إبراهيم عليه السلام، حين قال عزوجل للنار التي القي فيها: " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " (5) ونقول: لم يزل الله عالما بأن الحسين عليه السلام سيقتل ويدرك بقتله سعادة الابد، ويشقى قاتله شقاوة الابد، و نقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. هذا اعتقادنا في الارادة والمشية، دون ما نسب إلينا أهل الخلاف والمشنعون علينا من أهل الالحاد " ص 69 - 71 " أقول: قال الشيخ المفيد نور الله ضريحه: الذي ذكره الشيخ أبو جعفر رحمه الله في هذا الباب لا يتحصل ومعانيه تختلف وتتناقض، والسبب في ذلك أنه عمل على ظواهر الاحاديث المختلفة، ولم يكن ممن يرى النظر فيميز بين الحق والباطل، ويعمل على ما توجب الحجة: ومن عول في مذهبه على الاقاويل المختلفة وتقليد الرواة كانت حاله في الضعف ما وصفناه: والحق في ذلك أن الله تعالى لا يريد إلا ما حسن من الافعال، ولا


(1) النساء: 27. (2) البقرة: 185. (3) النساء: 27. (4) النساء: 31. (5) الانبياء: 69.

[ 92 ]

يشاء إلا الجميل من الاعمال، ولا يريد القبائح، ولا يشاء الفواحش، تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا، قال الله تعالى: " وما الله يريد ظلما للعباد " وقال: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " وقال: " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم " الآية " والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ; يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا " فخبر سبحانه أنه لا يريد لعباده العسر، بل يريد بهم اليسر، وأنه يريد لهم البيان، ولا يريد لهم الضلال، ويريد التخفيف عنهم، ولا يريد التثقيل عليهم، فلو كان سبحانه مريدا لمعاصيهم لنا في ذلك إرادة البيان لهم، أو التخفيف عنهم واليسر لهم، فكتاب الله تعالى شاهد بضد ما ذهب إليه الضالون المفترون على الله الكذب، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فأما ما تعلقوا به من قوله تعالى: " فمن يرد الله أن يهديه " الآية فليس للمجبرة به تعلق ولا فيه حجة، من قبل أن المعنى فيه من أراد الله تعالى أن ينعمه ويثيبه جزاءا على طاعته شرح صدره للاسلام بالالطاف التي يحبوه بها، فييسر له بها استدامة أعمال الطاعات، والهداية في هذا الموضع هي التنعيم، قال الله تعالى - فيما خبر به عن أهل الجنة -: " الحمد لله الذي هدانا لهذا " (1) الآية أي نعمنا به وأثابنا إياه، والضلال في هذه الآية هو العذاب، قال الله تعالى: " إن المجرمين في ضلال وسعر " (2) فسمي العذاب ضلالا والنعيم هداية، والاصل في ذلك أن الضلال هو الهلاك، والهداية هي النجاة، قال الله تعالى - حكاية عن العرب -: " أئذا ضللنا في الارض أئنا لفي خلق جديد " (3) يعنون إذا هلكنا فيها، وكأن المعنى في قوله: " فمن يرد الله أن يهديه " ما قدمناه " ومن يرد أن يضله " ما وصفناه، والمعنى في قوله: " يجعل صدره ضيقا حرجا " يريد سلبه التوفيق عقوبة له على عصيانه، ومنعه الالطاف جزاءا له على إساءته، فشرح الصدر: ثواب الطاعة بالتوفيق، وتضييقه: عقاب المعصية بمنع التوفيق، وليس في هذه الآية على ما بيناه شبهة لاهل الخلاف فيما ادعوه من أن الله تعالى يضل عن الايمان، ويصد


(1) الاعراف: 43. (2) القمر: 47. (3) الم السجدة: 10.

[ 93 ]

عن الاسلام، ويريد الكفر، ويشاء الضلال ; وأما قوله تعالى: " ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا " فالمراد به الاخبار عن قدرته، وأنه لو شاء أن يلجئهم إلى الايمان ويحملهم عليه بالاكراه والاضطرار لكان على ذلك قادرا، لكنه شاء تعالى منهم الايمان على الطوع والاختيار، وآخر الآية يدل على ما ذكرناه وهو قوله: " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " (1) يريد أن الله قادر على إكراههم على الايمان لكنه لا يفعل ذلك، ولو شاءه لتيسر عليه، وكل ما يتعلقون به من أمثال هذه الآية فالقول فيه ما ذكرناه أو نحوه على ما بيناه، وفرار المجبرة من إطلاق القول: بأن الله يريد أن يعصى ويكفر به ويقتل أولياؤه إلى القول بأنه يريد أن يكون ما علم كما علم ويريد أن يكون معاصيه قبائح منهيا عنها وقوع فيما هربوا منه، وتورط فيما كرهوه، (2) وذلك أنه إذا كان ما علم من القبيح كما علم وكان تعالى مريدا لان يكون ما علم من القبيح كما علم فقد أراد القبيح وأراد أن يكون قبيحا، فما معنى فرارهم من شئ إلى نفسه ؟ وهربهم من معنى إلى عينه ؟ ! فكيف يتم لهم ذلك مع أهل العقول ؟ ! وهل قولهم هذا إلا كقول إنسان: أنا لا أسب زيدا لكني أسب أبا عمرو وزيد هو أبو عمرو ؟ وكقول اليهود إذ قالوا سخرية بأنفسهم: نحن لا نكفر بمحمد صلى الله عليه وآله لكنا نكفر بأحمد ؟ ! فهذا رعونة (3) وجهل ممن صار إليه. 12 - ن: أحمد بن إبراهيم بن بكر الخوري، عن إبراهيم بن محمد بن مروان، عن جعفر بن محمد بن زياد، عن أحمد بن عبد الله الجويباري، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل قدر المقادير، و دبر التدابير قبل أن يخلق آدم بألفي عام. " ص 80 " ن: بالاسانيد الثلاثة عنه عليه السلام مثله. صح: عنه عليه السلام مثله. 13 - فس: أبى، عن النوفلي، عن السكوني ؟ عن جعفر، عن أبيه صلوات الله


(1) قد أشرنا قبيل ذلك إلى موضع الاية وإلى مواضع سائر الايات. (2) تورط الرجل: وقع في الورطة أو في أمر مشكل. (3) الرعونة: الحمق والهوج في الكلام.

[ 94 ]

عليهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سبق العلم وجف القلم ومضى القضاء وتم القدر بتحقيق الكتاب، وتصديق الرسل، وبالسعادة من الله لمن آمن واتقى، وبالشقاء لمن كذب وكفر، وبالولاية من الله للمؤمنين، وبالبراءة منه للمشركين. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يقول: يابن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، وبفضل نعمتي عليك قويت على معصيتي، وبقوتي وعصمتي وعافيتي أديت إلي فرائضي، وأنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بذنبك مني، الخير مني إليك بما أوليتك به، (1) والشر مني إليك بما جنيت جزاءا، وبكثير من تسلطي لك انطويت عن طاعتي، وبسوء ظنك بي قنطت من رحمتي، فلي الحمد والحجة عليك بالبيان، ولي السبيل عليك بالعصيان، ولك الجزاء الحسن عندي بالاحسان، لم أدع تحذيرك بي، ولم آخذك عند عزتك، وهو قوله: " ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة " لم أكلفك فوق طاقتك، ولم أحملك من الامانة إلا ما أقررت بها على نفسك، ورضيت لنفسي منك ما رضيت به لنفسك مني. " ص 547 - 548 " 14 - يد: أبي وابن الوليد معا، عن محمد العطار، وأحمد بن إدريس معا، عن الاشعري، عن ابن يزيد، عن علي بن حسان، عن السكوني، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن سعدان، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله. " ص 353 - 354 " بيان: قوله صلى الله عليه وآله: بتحقيق الكتاب أي جنس الكتاب، فالمراد كل كتاب منزل، أو القرآن، أو اللوح. قوله تعالى: بمشيتي كنت أنت الذي تشاء أي شئت أن أجعلك شائيا مختارا، وأردت أن أجعلك مريدا فجعلتك كذلك وفي " يد ": الخير مني بما أوليت بدءا. فيمكن أن يقرأ أوليت على صيغة الخطاب والتكلم. قوله تعالى: وبكثير من تسلطي لك أي من التسلط الذي جعلت لك على الخلق وعلى الامور. وانطوى عن الشئ أي هاجره وجانبه. وفي التوحيد مكان تلك الفقرة: وبإحساني إليك قويت على طاعتي.


(1) في المصدر: الخير منى اليك واصل بما اوليتك.

[ 95 ]

قوله تعالى: ولم آخذك عند عزتك أي لم أعذبك عند غفلتك، بل وعظتك و نبهتك وحذرتك. وقوله: وهو قوله إلى قوله: من دابة ليس في التوحيد ولا يبعد كونه كلام علي بن إبراهيم. 15 - فس: " والذي قدر فهدى " قال: قدر الاشياء في التقدير الاول ثم هدى إليها من يشاء. " ص 721 " 16 - ج: روي أنه سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن القضاء والقدر، فقال: لا تقولوا: وكلهم الله إلى أنفسهم فتوهنوه، ولا تقولوا: جبرهم (1) على المعاصي فتظلموه، ولكن قولوا: الخير بتوفيق الله، والشر بخذلان الله، وكل سابق في علم الله. " ص 110 " 17 - قال الرضا عليه السلام: ثمانية أشياء لا تكون إلا بقضاء الله وقدره: النوم، و اليقظة، والقوة، والضعف، والصحة، والمرض، والموت، والحياة. (2) 18 - وقال النبي صلى الله عليه وآله: يقول الله عزوجل: من لم يرض بقضائي، ولم يشكر لنعمائي، ولم يصبر على بلائي، فليتخذ ربا سوائي. (3) 19 - ج: روي عن علي بن محمد العسكري عليهما السلام في رسالته إلى أهل الاهواز في نفي الجبر والتفويض أنه قال: روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه سأله رجل بعد انصرافه من الشام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام أ بقضاء وقدر ؟ فقال له أمير المؤمنين: نعم يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله وقدره ; فقال الرجل: عند الله أحتسب عنائي والله ما أرى لي من الاجر شيئا. فقال علي عليه السلام: بلى فقد عظم الله لكم الاجر في مسيركم وأنتم ذاهبون، وعلى منصرفكم وأنتم منقلبون، ولم تكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين ؟ (4) فقال الرجل: وكيف لا نكون مضطرين والقضاء والقدر ساقانا وعنهما كان مسيرنا ؟ فقال أمير المؤمنين


(1) في المصدر: اجبرهم. م (2) لم نجده في الاحتجاج. م (3) لم نجده ايضا فيه. م (4) في المصدر: من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين. م (*)

[ 96 ]

عليه السلام: لعلك أردت قضاءا لازما وقدرا حتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب و العقاب، وسقط الوعد والوعيد، والامر من الله والنهي، وما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن أولى بثواب الاحسان من المذنب، ولا المذنب أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة إخوان عبدة الاوثان، وجنود الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور والبهتان، وأهل العمى (1) والطغيان، هم قدرية هذه الامة ومجوسها ; إن الله تعالى أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يرسل الرسل هزلا، ولم ينزل القرآن عبثا، ولم يخلق السماوات والارض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. قال ثم تلا عليهم: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " قال: فنهض الرجل مسرورا وهو يقول: أنت الامام الذي نرجو بطاعته * يوم النشور من الرحمن رضوانا وساق الابيات إلى قوله: أنى يحب وقد صحت عزيمته ؟ * على الذي قال أعلن ذاك إعلانا " ص 109 - 110 " 20 - وروي أن الرجل قال: فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين ؟ قال: الامر بالطاعة، والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية، والمعونة على القربة إليه، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب كل ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره لاعمالنا، أما غير ذلك فلا تظنه فإن الظن له محبط للاعمال، فقال الرجل: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك " ص 109 " 21 - فوائد الكراجكي، عن المفيد، عن محمد بن عمر الحافظ، عن إسحاق بن جعفر العلوي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن سليمان بن محمد القرشي، عن السكوني، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام ; إلى آخر الحبرين " ص 169 - 170 "


(1) في المصدر: واهل الغى. م

[ 97 ]

22 - عد: اعتقادنا في القضاء والقدر قول الصادق عليه السلام لزرارة حين سأله فقال: ما تقول في القضاء والقدر ؟ قال: أقول: إن الله عزوجل إذا جمع العباد يوم القيامة سألهم عما عهد إليهم، ولم يسألهم عما قضى عليهم، (1) والكلام في القدر منهي عنه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لرجل قد سأله عن القدر: فقال: بحر عميق فلا تلجه، ثم سأله ثانية فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، ثم سأله ثالثة فقال: سر الله فلا تتكلفه. (2) " ص 71 " 23 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام في القدر: ألا إن القدر سر من سر الله، (3) وحرز من حرز الله مرفوع في حجاب الله، مطوي عن خلق الله، مختوم بخاتم الله، سابق في علم الله، وضع الله عن العباد علمه، ورفعه فوق شهاداتهم، (4) لانهم لا ينالونه بحقيقة الربانية، ولا بقدرة الصمدانية، ولا بعظمة النورانية، ولا بعزة الوحدانية، لانه بحرز اخر، مواج، خالص لله عزوجل، عمقه ما بين السماء والارض، عرضه ما بين المشرق والمغرب، أسود كالليل الدامس، كثير الحيات والحيتان، تعلو مرة وتسفل أخرى، في قعره شمس تضئ، لا ينبغى أن يطلع عليها إلا الواحد الفرد، فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في حكمه، ونازعه في سلطانه، وكشف عن سره وستره، وباء بغضب من الله، ومأواه جهنم، وبئس المصير. (5) " ص 71 " 24 - وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائط مائل إلى مكان آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله ؟ فقال عليه السلام: أفر من قضاء الله إلى قدر الله. (6) وسئل


(1) سيأتي الحديث مسندا تحت رقم 38 وتقدم مرسلا عن زرارة في الباب السابق تحت رقم 111 نحوه. (2) سيأتي مسندا تحت رقم 35. (3) في المصدر: سر من سر الله وستر من ستر الله. م (4) في المصدر: ورفعه فوق شهاداتهم ومبلغ عقولهم. م (5) أورده مسندا في ص 392 من التوحيد، والسند هكذا: محمد بن موسى المتوكل، عن السعد آبادى، عن البرقى، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن زياد بن المنذر، عن ابن طريف، عن الاصبغ، عن أمير المؤمنين عليه السلام. فليراجعه. (6) انظر الحديث منسدا تحت رقم 41.

[ 98 ]

الصادق عليه السلام عن الرقى هل تدفع من القدر شيئا ؟ فقال: هي من القدر. (1) " ص 71 - 72 " أقول: قال الشيخ المفيد رحمه الله في شرح هذا الكلام: عمل أبو جعفر في هذا الباب على أحاديث شواذ لها وجوه تعرفها العلماء متى صحت وثبت أسنادها، ولم يقل فيه قولا محصلا، وقد كان ينبغي له لما لم يعرف للقضاء معنى أن يهمل الكلام فيه والقضاء معروف في اللغة، وعليه شواهد من القرآن فالقضاء على أربعة أضراب: أحدها الخلق، والثاني الامر، والثالث الاعلام، والرابع القضاء بالحكم: فأما شاهد الاول فقوله تعالى: " فقضيهن سبع سموات " (2) وأما الثاني فقوله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " (3) وأما الثالث فقوله تعالى: " وقضينا إلى بني إسرائيل " (4) وأما الرابع فقوله: " والله يقضي بالحق " (5) يعني يفصل بالحكم بالحق بين الخلق، وقوله: " وقضي بينهم بالحق ". (6) وقد قيل: إن للقضاء معنى خامسا وهو الفراغ من الامر، واستشهد على ذلك بقول يوسف عليه السلام: " قضي الامر الذي فيه تستفتيان " (7) يعني فرغ منه، و هذا يرجع إلى معنى الخلق. وإذا ثبت ما ذكرناه في أوجه القضاء بطل قول المجبرة: أن الله تعالى قضى بالمعصية على خلقه لانه لا يخلو إما أن يكونوا يريدون به أن الله خلق العصيان في خلقه فكان يجب أن يقولوا: قضى في خلقه بالعصيان، ولا يقولوا قضى عليهم لان الخلق فيهم لا عليهم، مع أن الله تعالى قد أكذب من زعم أنه خلق المعاصي بقوله سبحانه: " الذي


(1) تقدم الحديث مسندا تحت رقم 1 عن كتاب قرب الاسناد، وأورده الصدوق في ص 390 من التوحيد باسناد آخر وهو هكذا: الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفى، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن على بن سالم، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرقى أتدفع من القدر شيئا ؟ فقال: هي من القدر، وقال عليه السلام: إن القدرية مجوس هذه الامة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه، وفيهم نزلت هذه الاية: " يوم يسحبون في النار على وجوههم ذو قوامس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر " (2) حم السجدة: 12. (3) اسرى: 23. (4) اسرى: 4. (5) المؤمن: 10. (6) الزمر: 69. (7) يوسف: 41.

[ 99 ]

أحسن كل شئ خلقه " (1) كما مر ; ولا وجه لقولهم: قضى المعاصي على معنى أمر بها لانه تعالى قد أكذب مدعي ذلك بقوله تعالى: " إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون " (2) ولا معنى لقول من زعم أنه قضى بالمعاصي على معنى أنه أعلم الخلق بها إذ كان الخلق لا يعلمون أنهم في المستقبل يطيعون أو يعصون، ولا يحيطون علما بما يكون منهم في المستقبل على التفصيل ; ولا وجه لقولهم: إنه قضى بالذنوب على معنى أنه حكم بها بين العباد لان أحكام الله تعالى حق، والمعاصي منهم، ولا لذلك فائدة وهو لغو باتفاق فبطل قول من زعم أن الله تعالى يقضي بالمعاصي والقبائح. والوجه عندنا في القضاء والقدر بعد الذي بيناه أن الله تعالى في خلقه قضاءا و قدرا وفي أفعالهم أيضا قضاءا وقدرا معلوما، ويكون المراد بذلك أنه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالامر بها، وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها، وفي أنفسهم بالخلق لها، وفيما فعله فيهم بالايجاد له ; والقدر منه سبحانه فيما فعله إيقاعه في حقه وموضعه، وفي أفعال عباده ما قضاه فيها من الامر والنهي والثواب والعقاب لان ذلك كله واقع موقعه و موضوع في مكانه لم يقع عبثا ولم يصنع باطلا. فإذا فسر القضاء في أفعال الله تعالى والقدر بما شرحناه زالت الشبهة منه وثبتت الحجة به ووضح القول فيه لذوي العقول ولم يلحقه فساد ولا اختلال. فأما الاخبار التي رواها في النهي عن الكلام في القضاء، والقدر فهي تحتمل وجهين: أحدهما أن يكون النهي خاصا بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلهم عن الدين ولا يصلحهم إلا الامساك عنه وترك الخوض فيه، ولم يكن النهي عنه عاما لكافة المكلفين وقد يصلح بعض الناس بشئ يفسد به آخرون، ويفسد بعضهم بشئ يصلح به آخرون، فدبر الائمة عليهم السلام أشياعهم في الدين بحسب ما علموه من مصالحهم فيه. والوجه الاخر أن يكون النهي عن الكلام فيهما النهي عن الكلام فيما خلق الله تعالى وعن علله وأسبابه وعما أمر به وتعبد، وعن القول في علل ذلك إذ كان طلب علل الخلق والامر محظورا لان الله تعالى سترها من أكثر خلقه ألا ترى أنه لا يجوز لاحد


(1) الم الجسدة: 7. (2) الاعراف: 28.

[ 100 ]

أن يطلب لخلقه جميع ما خلق عللا مفصلات، فيقول: لم خلق كذا وكذا ؟ حتى يعد المخلوقات كلها ويحصيها، ولا يجوز أن يقول: لم أمر بكذا وتعبد بكذا ونهى عن كذا ؟ إذ تعبده بذلك وأمره لما هو أعلم به من مصالح الخلق، ولم يطلع أحدا من خلقه على تفصيل ما خلق وأمر به وتعبد، وإن كان قد أعلم في الجملة أنه لم يخلق الخلق عبثا، وإنما خلقهم للحكمة والمصلحة، ودل على ذلك بالعقل والسمع، فقال سبحانه: " وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين " (1) وقال: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا " (2) وقال: " إنا كل شئ خلقناه بقدر " (3) يعني بحق، ووضعناه في موضعه، وقال: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " (4) وقال فيما تعبد: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها و لكن يناله التقوى منكم ". (5) وقد يصح أن يكون تعالى خلق حيوانا بعينه لعلمه تعالى بأنه يؤمن عند خلقه كفار، أو يتوب عند ذلك فساق، أو ينتفع به مؤمنون، أو يتعظ به ظالمون، أو ينتفع المخلوق نفسه بذلك، أو يكون عبرة لواحد في الارض أو في السماء، وذلك يغيب عنا، وإن قطعنا في الجملة أن جميع ما صنع الله تعالى إنما صنعه لاغراض حكمية، ولم يصنعه عبثا، وكذلك يجوز أن يكون تعبدنا بالصلاة لانها تقربنا من طاعته وتبعدنا عن معصيته، وتكون العبادة بها لطفا لكافة المتعبدين بها أو لبعضهم. فلما خفيت هذه الوجوه وكانت مستورة عنا ولم يقع دليل عل التفصيل فيها وإن كان العلم بأنها حكمة في الجملة كان النهي عن الكلام في معنى القضاء والقدر إنما هو عن طلب علل لها مفصلة فلم يكن نهيا عن الكلام في معنى القضاء والقدر. هذا إن سلمت الاخبار التي رواها أبو جعفر رحمه الله، فأما إن بطلت أو اختل سندها فقد سقط عنا عهدة الكلام فيها، والحديث الذي رواه عن زرارة حديث صحيح من بين ما روى، والمعنى فيه ظاهر ليس به على العقلاء خفاء، وهو مؤيد للقول بالعدل


(1) الانبياء: 16. (2) المؤمنون: 115. (3) القمر: 49. (4) الذاريات: 56. (5) الحج: 37.

[ 101 ]

ألا ترى إلى ما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام من قوله: إذا حشر الله تعالى الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم (1) وقد نطق القرآن بأن الخلق مسؤولون عن أعمالهم انتهى كلامه رحمه الله. وأقول: من تفكر في الشبه الواردة على اختيار العباد وفروع مسألة الجبر و الاختيار والقضاء والقدر علم سر نهي المعصوم عن التفكر فيها فإنه قل من أمعن النظر فيها ولم يزل قدمه إلا من عصمه الله بفضله. 25 - يد: المفسر بإسناده إلى أبي محمد العسكري عليه السلام قال: قال الرضا عليه السلام - فيما يصف به الرب -: لا يجور في قضيته، الخلق إلى ما علم منقادون، وعلي ما سطر في كتابه ماضون، لا يعملون خلاف ما علم منهم، ولا غيره يريدون. الخبر. (2) 26 - يد: في خبر الفتح بن يزيد، عن أبي الحسن عليه السلام إن الله إرادتين ومشيتين: إرادة حتم، وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت أن الله نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وهو شاء ذلك ؟ ولو لم يشأ لم يأكلا، ولو أكلا لغلبت مشيتهما مشية الله، وأمر إبراهيم بذبح ابنه وشاء أن لا يذبحه، ولو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشية إبراهيم مشية الله عزوجل. " ص 46 - 47 " أقول: أوردنا الخبر بإسناده وتمامه في باب جوامع التوحيد، قال الصدوق رحمه الله بعد إيراد هذا الخبر: إن الله تعالى نهى آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة وقد علم أنهما يأكلان منها لكنه عزوجل شاء أن لا يحول بينهما وبين الاكل منها بالجبر والقدرة، كما منعهما عن الاكل منها بالنهي والزجر، فهذا معنى مشيته فيهما، ولو شاء عزوجل منعهما من الاكل بالجبر ثم أكلا منها لكان مشيتهما قد غلبت مشية الله كما قال العالم، تعالى الله عن العجز علوا كبيرا. بيان: قيل: المراد بالمشية في تلك الاخبار هو العلم، وقيل: هي تهيئة أسباب الفعل بعد إرادة العبد ذلك الفعل، وقيل: ارادة بالعرض يتعلق بفعل العبد، والاصوب


(1) يأتي الحديث مسندا تحت رقم 38 وفيه: إبراهيم بن هاشم وعلى بن معبد. (2) تقدم الحديث بتمامه في باب نفى الجسم والصورة.

[ 102 ]

أنها عبارة عن منع الالطاف والهدايات الصارفة عن الفعل والداعية إليه لضرب من المصلحة، أو عقوبة لما صنع العبد بسوء اختياره كما مر بيانه. (1) 27 - يد: الدقاق، عن الكليني، عن ابن عامر، عن المعلي قال: سئل العالم عليه السلام كيف علم الله ؟ قال: علم وشاء، وأراد وقدر، وقضى وأمضى ; فأمضى ما قضى، و قضى ما قدر، وقدر ما أراد ; فبعلمه كانت المشية، وبمشيته كانت الارادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الامضاء، فالعلم متقدم على المشية، و المشية ثانية، والارادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالامضاء، فلله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء، وفيما أراد لتقدير الاشياء، فإذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء، فالعلم بالمعلوم قبل كونه، والمشية في المشاء قبل عينه، والارادة في المراد قبل قيامه، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عيانا وقياما، (2) والقضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الاجسام المدركات بالحواس، من ذي لون وريح، ووزن وكيل، وما دب ودرج، من إنس وجن، وطير وسباع، وغير ذلك مما يدرك بالحواس، فلله تبارك وتعالى فيه البداء مما لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء، والله يفعل ما يشاء، وبالعلم علم الاشياء قبل كونها، وبالمشية عرف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها، وبالارادة ميز أنفسها في ألوانها وصفاتها وحدودها، وبالتقدير قدر أقواتها (3) وعرف أولها وآخرها، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلهم عليها، و بالامضاء شرح عللها وأبان أمرها ذلك تقدير العزيز العليم. " ص 345 - 346 " بيان: قوله عليه السلام: قبل تفصيلها وتوصيلها أي في لوح المحو والاثبات، أو في الخارج. قوله عليه السلام: فإذا وقع العين المفهوم المدرك أي فصل وميز في اللوح، أو أوجد في الخارج، ولعل تلك الامور عبارة عن اختلاف مراتب تقديرها في لوح المحو و


(1) ما تضمنه الخبر هي الارادة التشريعية، والارادة التكوينية المتعلقة بأفعال العباد من طريق اختيارهم وإرادتهم، والذى ذكره المصنف رحمه الله بقوله: والاصواب الخ من لوازم تعلق الارادة من طريق الاختيار. ط(2) في الكافي: عيانا ووقتا. (3) في المصدر: في ألوانها وصفاتها وبالتقدير قدر اوقاتها. م

[ 103 ]

الاثبات قد جعلها الله من أسباب وجود الشئ وشرائطه لمصالح، وقد مر بيانها في باب البداء، فالمشية كتابة وجود زيد وبعض صفاته مثلا مجملا، والارادة كتابة العزم عليه بتا مع كتابة بعض صفاته أيضا، والتقدير تفصيل بعض صفاته وأحواله لكن مع نوع من الاجمال أيضا، والقضاء تفصيل جميع الاحوال وهو مقارن للامضاء أي الفعل والايجاد، والعلم بجميع تلك الامور أزلي قديم، فقوله: وبالمشية عرف على صيغة التفعيل، وشرح العلل كناية عن الايجاد. وقال بعض الافاضل: الظاهر من السؤال أنه كيف علم الله ؟ أبعلم مستند إلى الحضور العيني في وقته والشهود لموجود عيني ؟ (1) أو في موجود عيني كما في علومنا ؟ أو بعلم مستند إلى الذات سابق على خلق الاشياء ؟ فأجاب عليه السلام بأن العلم سابق على وجود المخلوق بمراتب، فقال: علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى، فالعلم ما به ينكشف الشئ، والمشية ملاحظته بأحوال مرغوب فيها يوجب فينا ميلا دون المشية له سبحانه لتعاليه عن التغير والاتصاف بالصفة الزائدة، والارادة تحريك الاسباب نحوه بحركة نفسانية فينا بخلاف الارادة فيه سبحانه، والقدر التحديد وتعيين الحدود والاوقات، والقضاء هو الايجاب، والامضاء هو الايجاد، فوجود الخلق بعد علمه سبحانه بهذه المراتب ; وقوله: فأمضى ما قضى أي فأوجد ما أوجب، وأوجب ما قدر، وقدر ما أراد، ثم استأنف البيان على وجه أوضح فقال: بعلمه كانت المشية وهي مسبوقة بالعلم، و بمشيته كانت الارادة وهي مسبوقة بالمشية، وبإرادته كان التقدير والتقدير مسبوق بالارادة، وبتقديره كان القضاء والايجاب وهو مسبوق بالتقدير، إذ لا إيجاب إلا للمحدد الموقوف، وبقضائه وإيجابه كان الامضاء والايجاد ; ولله تعالى البداء فيما علم متى شاء فإن الدخول في العلم أول مراتب السلوك إلى الوجود العيني، وله البداء فيما علم متى شاء أن يبدو وفيما أراد، وحرك الاسباب نحو تحريكه متى شاء قبل القضاء والايجاب فإذا وقع القضاء والايجاب متلبسا بالامضاء والايجاد فلا بداء فعلم أن في المعلوم العلم قبل كون المعلوم وحصوله في الاذهان والاعيان، وفي المشاء المشية قبل عينه ووجوده


(1) في بعض النسخ هكذا: أبعلم مستند إلى الحضور العينى في وقته والشهود في وقته بموجود. ؟

[ 104 ]

العيني. وفي أكثر النسخ: المنشأ ولعل المراد به الانشاء قبل الاظهار، كما في آخر الحديث، وفي المراد الارادة قبل قيامه والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها وحضورها العيني في أوقاتها، والقضاء بالامضاء هو المبرم الذي يلزمه وجود المقضي، فبالعلم علم الاشياء قبل كونها، وأصل العلم غير مرتبط بنحو من الحصول للمعلوم ولو في غيره بصورته المتحدده، ولا يوجب نفس العلم والانكشاف بما هو علم وانشكاف للاشياء إنشاءها، وبالمشيه ومعرفتها بصفاتها وحدودها أنشأها إنشاءا قبل الاظهار والادخال في الوجود العيني، وبالارادة وتحريك الاسباب نحو وجودها العيني ميز بعضها عن بعض بتخصيص تحريك الاسباب نحو وجود بعض دون بعض، وبالتقدير قدرها وعين وحدد أقواتها وأوقاتها وآجالها، وبالقضاء وإيجابها بموجباتها أظهر للناس أماكنها، ودلهم عليها بدلائلها، فاهتدوا إلى العلم بوجودها حسب ما يوجبه الموجب بعد العلم بالموجب، وبالامضاء والايجاد أوضح تفصيل عللها وأبان أمرها بأعيانها. 28 - يد: القطان، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن مروان بن مسلم، عن الثمالي، عن ابن طريف، عن الاصبغ قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أوحى الله تعالى إلى داود: يا داود تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد، فإن أسلمت لما أريد أعطيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد " ص 349 " 29 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن العرزمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان لعلي عليه السلام غلام اسمه قنبر، وكان يحب عليا عليه السلام حبا شديدا، فإذا خرج علي عليه السلام خرج على أثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال: يا قنبر مالك ؟ قال: جئت لامشي خلفك فإن الناس كما تراهم يا أمير المومنين فخفت عليك ! قال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الارض ؟ قال: لا بل من أهل الارض، قال: إن أهل الارض لا يستطيعون بي شيئا إلا بإذن الله عزوجل من السماء، فارجع فرجع. " ص 350 " 30 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام

[ 105 ]

قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام جلس إلى حائط مائل يقضي بين الناس، فقال بعضهم: لا تقعد تحت هذا الحائط فإنه معور، (1) فقال أمير المؤمنين: حرس امرء أجله، فلما قام سقط الحائط. قال: وكان أمير المؤمنين عليه السلام يفعل هذا وأشباهه وهذا اليقين. " ج 2 ص 58 " 31 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة، عن سعيد بن قيس الهمداني قال: نظرت يوما في الحرب إلى رجل عليه ثوبان فحركت فرسي فإذا هو أمير المؤمنين عليه السلام فقلت: يا أمير المؤمنين في مثل هذا الموضع ؟ ! فقال: نعم يا سعيد بن قيس، إنه ليس من عبد إلا وله من الله عزوجل حافظ وواقية معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل، أو يقع في بئر فإذا نزل القضاء خليا بينه وبين كل شئ. " ج 2 ص 58 - 59 " بيان: يمكن أن يكون هذه الامور من خصائصهم عليهم السلام، لعلمهم بعدم تضررهم بهذه الامور وبوقت موتهم وسببه، ولذا فر عليه السلام من حائط كما سيأتي، ولم يفر من حائط كما مر، لعلمه بسقوط الاول وعدم سقوط الثاني، ويحتمل أن يكون المقصود من تلك الاخبار عدم المبالغة في الفرار عن البلايا والمصائب، وعدم ترك الواجبات للتوهمات البعيده. (2) ويؤيده ما رواه الصدوق في الخصال عن ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد بن علي الكوفي، ومحمد بن الحسين، عن محمد بن حماد الحارثي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمسة لا يستجاب لهم: أحدهم رجل مر بحائط مائل وهو يقبل إليه ولم يسرع المشي حتى سقط عليه. الخبر.


(1) أي مخوف لا حافظ له. (2) قوله عليه السلام في آخر الرواية الاولى: " وهذا اليقين " الظاهر في المدح والتعظيم ينفى الاحتمال الاول إذ لا فضل لمن لا يتقى مكروها لعلمه يعدم وجوده أو عدم تأثيره، وكذا قوله عليه السلام: حرس امره أجله يدفع الاحتمال الثاني إذ لا يعتد بالتوهمات البعيدة عند العقلاء فلا حاجة إلى دفعه بأن الاجل حارس والذي ينبغى أن يقال: أن اليقين بأن الامر بيد الله لا يدع احتمالا لتأثير مؤثر غيره حتى يتقى آثار المكاره ومع ذلك فالعادة الجارية بين العقلاء من الانسان أن يتقى ما يعد عادة اثرا مكروها ولمن فاز بدرجة اليقين من أولياء الله أن يعمل على طبق يقينه، وأن يجرى على ما يجرى عليه العقلاء فكان عليه السلام يتفنن في سيرته فتارة هكذا وتارة كذلك. ط

[ 106 ]

32 يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن جعفر بن محمد بن عبد الله، عن القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: قيل لعلي عليه السلام: إن رجلا يتكلم في المشية فقال: ادعه لي، فقال: فدعي له، فقال: يا عبد الله خلقك الله لما شاء أو لما شئت ؟ قال: لما شاء، قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت ؟ قال: إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت ؟ قال: إذا شاء، قال: فيدخلك حيث يشاء أو حيث شئت ؟ فقال: حيث يشاء، قال: فقال علي عليه السلام: لو قلت غير هذا لضربت الذي فيه عيناك. " ص 348 " 33 - يد: وبهذا الاسناد قال: دخل على أبي عبد الله عليه السلام أو أبى جعفر عليه السلام رجل من أتباع بني أمية فخفنا عليه، فقلنا له: لو تواريت وقلنا ليس هو ههنا ! قال: بلى ائذنوا له (1) فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله عزوجل عند لسان كل قائل ويد كل باسط، فهذا القائل لا يستطيع أن يقول إلا ما شاء الله، وهذا الباسط لا يستطيع أن يبسط يده إلا بما شاء الله فدخل عليه فسأله عن أشياء آمن بها وذهب. " ص 348 " 34 - يد: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن معبد، عن درست، عن الفضيل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: شاء وأراد ولم يحب ولم يرض، شاء أن لا يكون في ملكه (2) شئ إلا بعلمه وأراد مثل ذلك، ولم يحب أن يقال له: ثالث ثلاثة، ولم يرض لعباده الكفر. " ص 350 " يد: إن الله تبارك وتعالى قد قضى جيمع أعمال العباد وقدرها وجميع ما يكون في العالم من خير وشر، والقضاء قد يكون بمعنى الاعلام كما قال الله عزوجل: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب " (3) يريد أعلمناهم، وكما قال الله عزوجل: " وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين " (4) يريد أخبرناه وأعلمناه، فلا ينكر أن يكون الله عزوجل يقضي أعمال العباد وسائر ما يكون من خير وشر على هذا المعنى لان الله عزوجل عالم بها أجمع، ويصح أن يعلمها عباده ويخبرهم عنها، وقد يكون القدر أيضا في معنى


(1) في المصدر: بل ائذنوا له. م (2) ليست في المصدر كلمة " في ملكه " كما في الكافي " ج 1 ص 151 ". (3) اسرى: 2. (4) الحجر: 66.

[ 107 ]

الكتاب والاخبار كما قال الله عزوجل: " إلا امرأته قدرناها من الغابرين " (1) يعني كتبنا وأخبرنا ; وقال العجاج: واعلم بأن ذا الجلال قد قدر * في الصحف الاولى التي كان سطر وقدر معناه كتب ; وقد يكون القضاء بمعنى الحكم والالزام قال الله عزوجل: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " (2) يريد حكم بذلك وألزمه خلقه، فقد يجوز أن يقال: إن الله عزوجل قد قضى من أعمال العباد على هذا المعنى ما قد ألزمه عباده وحكم به عليهم وهي الفرائض دون غيرها، وقد يجوز أيضا أن يقدر الله عزوجل أعمال العباد بأن يبين مقاديرها وأحوالها من حسن وقبح وفرض وناقلة وغير ذلك، ويفعل من الادلة على ذلك ما يعرف به هذه الاحوال لهذه الافعال فيكون عز وجل مقدرا لها في الحقيقة، وليس يقدرها ليعرف مقدارها ولكن ليبين لغيره ممن لا يعرف ذلك حال ما قدره بتقديره إياه، وهذا أظهر من أن يخفى وأبين من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه ألا ترى أنا قد نرجع إلى أهل المعرفة بالصناعات في تقديرها لنا فلا يمنعهم علمهم بمقاديرها من أن يقدروها لنا ليبينوا لنا مقاديرها ؟ وإنما أنكرنا أن يكون الله عزوجل حكم بها على عباده ومنعهم من الانصراف عنها أو أن يكون فعلها و كونها فأما أن يكون عزوجل خلقها خلق تقدير فلا ننكره. وسمعت بعض أهل العلم يقول: إن القضاء على عشرة أوجه: فأول وجه منها العلم، وهو قول الله عزوجل: " إلا حاجة في نفس يعقوب قضيها " (3) يعني علمها. والثاني: الاعلام وهو قوله عزوجل: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب " (4) وقوله: " وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء " (5) أي أعلمناه. والوجه الثالث: الحكم وهو قوله عزوجل: " ويقضي ربك بالحق " يعني يحكم بالحق. (6)


(1) النمل: 57. (2) اسرى: 23. (3) يوسف: 68. (4) اسرى: 4. (5) الحجر: 66. (6) في المصدر: وهو قوله عزوجل " والله يقضى بالحق " أي يحكم بالحق، والرابع القول وهو قوله عزوجل " وهو يقضى بالحق " أي يقول بالحق. م (*)

[ 108 ]

والرابع: القول وهو قوله عزوجل: " والله يقضي بالحق " (1) أي يقول الحق. والخامس: الحتم وهو قوله عزوجل: " فلما قضينا عليه الموت " (2) يعني حتمنا فهو القضاء الحتم. والسادس: الامر وهو قوله عزوجل: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " (3) يعني أمر ربك. والسابع: الخلق وهو قوله عزوجل: " فقضيهن سبع سموات في يومين " (4) يعني خلقهن. والثامن: الفعل وهو قوله عزوجل: " فاقض ما أنت قاض " (5) أي افعل ما أنت فاعل. والتاسع: الاتمام وهو قوله عزوجل: " فلما قضى موسى الاجل " (6) وقوله عزوجل حكاية عن موسى: " أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل " (7) أي أتممت. والعاشر: الفراغ من الشئ، وهو قوله عزوجل: " قضي الامر الذي فيه تستفتيان " (8) يعني فرغ لكما منه، وقول القائل: " قد قضيت لك حاجتك " يعني فرغت لك منها فيجوز أن يقال: إن الاشياء كلها بقضاء الله وقدره تبارك وتعالى بمعنى أن الله عزوجل قد علمها وعلم مقاديرها، وله عزوجل في جميعها حكم من خير أو شر، فما كان من خير فقد قضاه بمعنى أنه أمر به وحتمه وجعله حقا وعلم مبلغه ومقداره، وما كان من شر فلم يأمر به ولم يرضه، ولكنه عزوجل قد قضاه وقدره بمعنى أنه علمه بمقداره ومبلغه وحكم فيه بحكمه. والفتنة على عشرة أوجه: فوجه منها الضلال.


(1) المؤمن: 20. (2) سبا: 34. (3) اسرى: 23. (4) حم السجدة: 12. (5) طه: 72. (6) القصص: 28. (7) القصص: 28. (8) يوسف: 41.

[ 109 ]

والثانى: الاختبار وهو قوله عزوجل: " وفتناك فتونا " (1) يعني اختبرناك اختبارا، وقوله عزوجل: " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " (2) يعني لا يختبرون. والثالث: الحجة وهو قوله عزوجل: " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ". (3) والرابع: الشرك وهو قوله عزوجل: " والفتنة أشد من القتل " (4) والخامس: الكفر وهو قوله عزوجل: " ألا في الفتنة سقطوا " (5) يعني في الكفر. والسادس: الاحراق بالنار، وهو قوله عزوجل: " إن الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات " (6) الآية يعني أحرقوا. والسابع: العذاب وهو قوله عزوجل: " يوم هم على النار يفتنون " (7) يعني يعذبون، وقوله عزوجل: " ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تكذبون " (8) يعني عذابكم، و قوله عزوجل: " ومن يرد الله فتنته " يعني عذابه " فلن تملك له من الله شيئا ". (9) والثامن القتل وهو قوله عزوجل: " إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " (10) يعني إن خفتم أن يقتلوكم، وقوله عزوجل: " فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم " (11) يعني أن يقتلهم. والتاسع: الصد وهو قوله تعالى: " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك " (12) يعني ليصدونك. والعاشر: شدة المحنة وهو قوله عزوجل: " ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا " (13)


(1) طه: 40 (2) العنكبوت: 29 - 30. (3) الانعام: 23. (4) البقرة: 191. (5) التوبة: 50. (6) المجادلة: 10. (7) الحجر: 13. (8) الحجر: 14. (9) المائدة: 41. (10) النساء: 101. (11) يونس: 83. (12) اسرى: 73. (13) الممتحنة: 5.

[ 110 ]

وقوله عزوجل: " ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين " (1) أي محنة فيفتنوا بذلك، و يقولوا في أنفسهم: لم نقتلهم إلا ودينهم الباطل وديننا الحق فيكون ذلك داعيا لهم إلى النار على ما هم عليه من الكفر والظلم. وقد زاد علي بن إبراهيم بن هاشم على هذه الوجوه العشرة وجها آخر فقال: في الوجوه من الفتنة ما هو المحبة وهو قوله عزوجل: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " (2) أي محبة، والذي عندي في ذلك أن وجوه الفتنة عشرة، وأن الفتنة في هذا الموضع أيضا المحنة بالنون لا المحبة بالباء، وتصديق ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله: " الولد مجهلة مجنبة مبخلة " وقد أخرجت هذا الحديث مسندا في كتاب مقتل الحسين بن علي عليهما السلام. " ص 392 - 397 " بيان: قوله صلى الله عليه وآله: مجعلة أي يحملون آباءهم على الجهل، مجنبة أي يحملونهم على الجبن. مبخلة أي يحملونهم على البخل. أقول: هذه الوجوه من القضاء والفتنة المذكورة في تفسير النعماني فيما رواه عن أمير المؤمنين عليه لسلام وقد أثبتناه بإسناده في كتاب القرآن. 35 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن عبد الملك بن عنترة الشيباني، (3) عن أبيه، عن جده قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، فقال: بحر عميق فلا تلجه. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال: طريق مظلم فلا تسلكه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر قال: سر الله فلا تتكلفه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال: فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما إذا أبيت فإني سائلك: أخبرني أكانت رحمة الله للعباد قبل أعمال العباد أم كانت أعمال العباد قبل رحمة الله ؟ قال: فقال له الرجل: بل كانت رحمة الله للعباد قبل أعمال العباد ; فقال أمير المؤمنين


(1) يونس: 85. (2) التغابن: 15. (3) عنترة بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح التاء والراء المهملة والهاء، والظاهر أنه عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني المترجم في ص 167 من رجال النجاشي بقوله: عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني كوفى، ثقة، عين، روى عن أصحابنا ورووا عنه، ولم يكن متحققا بأمرنا إ ه‍. وأورد ابن حجر ترجمة جده عنترة في التقريب، قال: عنترة بن عبد الرحمن الكوفى ثقة من الثانية، وهم من زعم أن له صحبة، وهو جد عبد الملك بن هارون بن عنترة الكوفي. أقول: حكى عن رجال البرقى أن جد عبد الملك بن هارون بن عنترة يكون صيفي بن فسيل الذى سيره زياد بن أبيه إلى معاوية مع حجر بن عدى وقتله معاوية مع حجر وأصحابه.

[ 111 ]

عليه السلام قوموا فسلموا على أخيكم فقد أسلم، وقد كان كافرا، قال: وانطلق الرجل غير بعيد ثم انصرف إليه فقال له: يا أمير المؤمنين أبا لمشية الاولى نقوم ونقعد ونقبض ونبسط ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: وإنك لبعيد في المشية ؟ ! أما اني سائلك عن ثلاث لا يجعل الله لك في شئ منها مخرجا: أخبرني أخلق الله العباد كما شاء أو كما شاؤوا ؟ فقال: كما شاء، قال: فخلق الله العباد لما شاء أو لما شاؤوا ؟ فقال: لما شاء، قال: يأتونه يوم القيامة كما شاء أو كما شاؤوا ؟ قال: يأتونه كما شاء، قال: قم فليس إليك من المشية شئ. " ص 374 - 375 " بيان: لعل المراد المشية المستقلة التي لا يحتاج معها إلى عون الله وتوفيقه. (1) 36 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة،


(1) كل واحد من احاد الخلق محدود بحدود يتعين بها في وجوده كالطول والعرض واللون وسائر الاوصاف والروابط التى برتبط بغيره بواسطتها ككون الانسان ابن فلان وأخا فلان وأبا فلان وفى زمان كذا ومكان كذا وهكذا. وإذا أمعنت النظر في ذلك وجدت أن جميع أسباب وجود الشئ ذوات دخل في حدود وجوده سائر ما يتعلق بوجوده وانها هي التى يتقدر بها الشئ غير أن كلا من الاسباب أيضا يتقدر بما يتقدمه من المقدرات، ولا محالة تنتهى إليه سبحانه فعنده تعالى حقيقة ما يقتدر به كل شئ ويتحدد به كل أمر. والاشياء إنما ترتبط به تعالى من جهة صفاته الفعلية التى بها ينعم عليها ويقيم صلبها ويدبر أمرها كالرحمة والرزق والهداية والاحياء والحفظ والخلق وغيرها وما يقابلها فلله سبحانه من جهة صفات فعله دخل في كل شئ مخلوق وما يتعلق به من أثر وفعل أذ لا معنى لاثبات صفة فيه تعالى متعلقة بالاشياء وهى لا تتعلق بها. ولذلك فانه عليه السلام سأل الرجل عن تقدم صفة الرحمة على الاعمال، ولا معنى لتقدمها مع عدم ارتباطها بها وتأثيرها فيها فقد نظم الله الوجود بحيث تجرى فيه الرحمة والهداية والمثوبة والمغفرة وكذا ما يقابلها ولا يوجب ذلك بطلان الاختيار في الافعال فان تحقق الاختيار نفسه مقدمة من مقدمات تحقق الامر المقدر إذ لولا الاختيار لم يتحقق طاعة ولا معصية فلم يتحقق ثواب ولا عقاب ولا امر ولا نهى ولا بعث ولا تبليغ. ومن هنا يظهر وجه تمسك الامام عليه السلام بسبق صفة الرحمة على العمل ثم بيانه عليه السلام أن لله مشية في كل شئ وأنها لا تلغو ولا تغلبه مشية العبد فالفعل لا يخطئ مشيته تعالى ولا يوجب ذلك بطلان تأثير مشية العبد فان مشية العبد إحدى مقدمات تحقق ما تعلقت به مشيته تعالى فان شاء الفعل الذى يوجد بمشية العبد فلابد لمشية العبد من التحقق والتأثير فافهم ذلك، وهذه الرواية الشريفة على ارتفاع مكانتها ولطف مضمونها يتضح به جميع ما ورد في الباب من مختلف الروايات، وكذا الايات المختلفة من غير حاجة إلى أخذ بعض وتأويل بعض آخر. ط

[ 112 ]

عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن القضاء والقدر خلقان من خلق الله، والله يزيد في الخلق ما يشاء. " ص 373 " 37 - فس: النضر، عن هشام، وعبيد، عن حمران، عنه عليه السلام مثله. (1) بيان: خلقان من خلق الله بضم الخاء أي صفتان من صفات الله، أو بفتحها، أي هما نوعان من خلق الاشياء وتقديرها في الالواح السماوية، وله البدأ فيها قبل الايجاد، فذلك قوله: يزيد في الخلق ما يشاء ; أو المعنى أنهما مرتبتان من مراتب خلق الاشياء فإنها تتدرج في الخلق إلى أن تظهر في الوجود العيني. 38 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن ابن معبد، عن درست، عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: جعلت فداك ما تقول في القضاء والقدر ؟ قال: أقول: إن الله تعالى إذا جمع العباد يوم القيامة سألهم عما عهد إليهم، ولم يسألهم عما قضى عليهم " ص 373 - 374 " بيان: هذا الخبر يدل على أن القضاء والقدر إنما يكون في غير الامور التكليفية كالمصائب والامراض وأمثالها، فلعل المراد بهما القضاء والقدر الحتميان. (2) 39 - يد: أبي، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام: جعلني الله فداك، أبقدر بصيب الناس ما أصابهم أم بعمل ؟ فقال: إن القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد فالروح بغير جسد لا يحس، والجسد بغير روح صورة لا حراك بها، فإذا اجتمعا قويا وصلحا، كذلك العمل والقدر فلو لم يكن القدر واقعا على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق وكان


(1) ما وجدناه في تفسير القمى. م (2) الرواية تدل على أن التكاليف والاحكام امور اعتبارية غير تكوينية، ومورد القضاء والقدر بالمعنى الدائر هو التكوينيات فأعمال العباد من حيث وجودها الخارجي كسائر الموجودات متعلقات القضاء والقدر، ومن حيث تعلق الامر والنهى والاشتمال على الطاعة والمعصية امور اعتبارية وضعية خارجة عن دائرة القضاء والقدر إلا بالمعنى الاخر الذى بينه أمير المؤمنين عليه السلام للرجل الشامي عند منصرفه من صفين كما في الروايات ومحصله التكليف للمصالح تستدعى ذلك فالقدر في الاعمال ينشأ من المصالح التى تستدعى التكليف الكذائي والقضاء هو الحكم بالوجوب والحرمة مثلا بامر أو نهى. ط

[ 113 ]

القدر شيئا لم يحس، ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر لم يمض ولم يتم، ولكنهما باجتماعهما قويا، ولله فيه العيون (1) لعباده الصالحين. ثم قال: ألا إن من أجور الناس من رأى جوره عدلا وعدل المهتدي جورا، ألا إن للعبد أربعة أعين: عينان يبصر بهما أمر آخرته، وعينان يبصر بهما أمر دنياه، فإذا أراد الله عزوجل بعبد خيرا فتح له العينين اللتين في قلبه فأبصر بهما العيب، وإذا أراد غير ذلك ترك القلب بما فيه. ثم التفت إلى السائل عن القدر فقال: هذا منه هذا منه. " ص 375 - 376 " بيان: أي فتح عيني القلب وتركهما من القدر. 40 - يد: القطان، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن علي بن زياد، عن مروان بن معاوية، عن الاعمش، عن ابن حيان التيمي، (2) عن أبيه - وكان مع علي بن أبي طالب عليه السلام يوم صفين وفيما بعد ذلك - قال بينما علي بن أبي طالب عليه السلام يعبي الكتائب (3) يوم صفين، ومعاوية مستقبله على فرس له يتأكل تحته تأكلا، وعلي عليه السلام على فرس رسول الله صلى الله عليه وآله المرتجز، وبيده حربة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو متقلد سيفه ذا الفقار، فقال رجل من أصحابه: احترس يا أمير المؤمنين فإنا نخشى أن يغتالك هذا الملعون، فقال علي عليه السلام: لئن قلت ذاك إنه غير مأمون على دينه، وإنه لاشقى القاسطين، وألعن الخارجين على الائمة المهتدين، ولكن كفى بالاجل حارسا، ليس أحد من الناس إلا ومعه ملائكة حفظة يحفظونه من أن أن يتردى في بئر (4) أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء، فإذا حان أجله (5) خلوا بينه وبين ما يصيبه، فكذلك أنا إذا حان أجلي انبعث


(1) في المصدر: ولله فيه العون. م (2) لم نجد في كتب التراجم من أصحابنا ترجمته ولا ترجمة أبيه، والظاهر هو يحيى بن سعيد بن حيان، أبو حيان التيمى الكوفي، أورد ترجمته ابن حجر في ص 549 من التقريب قال: ثقة من السادسة مات سنة خمس وأربعين، وأورد ترجمة أبيه في ص 185 قال: سعيد بن حيان التيمى الكوفى والد يحيى، وثقه العجلى، من الثالثة. (3) عبى تعبية الكتائب أي هيأها وجهزها. والكتائب جمع الكتيبة: القطعة من الجيش. (4) أي يحفظونه من أن يسقط في بئر. (5) أي قرب أجله.

[ 114 ]

أشقاها فخضب هذه من هذا - وأشار إلى لحيته ورأسه - عهدا معهودا، ووعدا غير مكذوب. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. " ص 376 " 41 - يد: الوراق وابن مغيرة معا، عن سعد، عن النهدي، عن ابن علوان، عن عمرو بن ثابت، عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله ؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله عزوجل. " ص 377 " بيان: أي أن الفرار أيضا من تقديره تعالى، فلا ينافي كون الاشياء بقضاء الله الفرار من البلايا والسعي في تحصيل ما يجب السعي فيه، فإن كل ذلك داخل في علمه وقضائه، ولا ينافي شئ من ذلك اختيار العبد كما مر، ويحتمل أن يكون المراد بقدر الله هنا حكمه وأمره أي إنما أفر من القضاء بأمره تعالى. 42 - يد: أبي وابن الوليد معا، عن محمد العطار، وأحمد بن إدريس معا، عن الاشعري، عن ابن هاشم، عن ابن معبد، عن ابن أذينة، عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كما أن بادئ النعم من الله عزوجل وقد نحلكموه، وكذلك الشر من أنفسكم وإن جرى به قدره. " ص 376 - 377 " 43 - يد: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن يوسف بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن العرزمي، عن أبيه رفعه إلى من قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والارض بخمسين ألف سنة. " ص 377 " 44 - فس: محمد بن جعفر، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن محمد السياري، عن فلان، (1) عن أبي الحسن عليه السلام قال: إن الله جعل قلوب الائمة موردا لارادته فإذا شاء الله شيئا شاؤوه، وهو قوله: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين ". " ص 714 " 45 - فس: جعفر بن أحمد، عن عبد الله بن موسى، عن ابن البطائني، (2) عن أبيه،


(1) لم نجد ذكره في كتب الرجال، ويوجد في ج 2 ص 86 من فروع الكافي في باب الاسماء والكنى رواية ابن مياح عن فلان حميد، عن أبى عبد الله عليه السلام. (2) هو الحسن بن على بن أبى حمزة سالم البطائني، هو وأبوه من الواقفة، بل أبوه من عمدها ضعفهما أصحابنا، ووردت روايات في ذمهما. وكان على قائد أبى بصير يحيى بن القاسم.

[ 115 ]

عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: قوله تعالى: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين " قال: لان المشية إليه تبارك وتعالى لا إلى الناس. " ص 714 " بيان: لعل المراد أن المشية إنما هي مما خلقها الله في العبد وجعله شائيا فلا يشاؤون إلا بعد أن جعلهم الله بحيث يقدرون على المشية، أو أن المشية المستقلة التي لا يعارضها شئ إنما هي لله تعالى، وأما مشية العباد فهي مشوبة بالعجز يمكن أن يصرفهم الله تعالى عنها إذا شاء، فهم لا يشاؤون إلا بعد أن يهيئ الله لهم أسباب الفعل ولم يصرفهم عن مشيتهم، فالمعنى أن المشية المستقلة إليه تعالى، أو أن أسباب المشية ونفوذها بقدرته تعالى. وفي الاية وجه آخر ذكر في الخبر السابق، وحاصله أن الله تعالى بعد أن أكمل أولياءه وحججه عليهم السلام لا يشاؤون شيئا إلا بعد أن يلهمهم الله تعالى ويلقي المشية في قلوبهم، فهو المتصرف في قلوبهم وأبدانهم والمسدد لهم في جميع أحوالهم فالآية خاصة غير عامة. وقال الطبرسي رحمه الله: فيه أقوال: أحدها أن معناه: وما تشاؤون الاستقامة إلا أن يشاء الله ذلك من قبل حيث خلقكم لها وكلفكم بها، فمشيته تعالى بين يدي مشيتكم. وثانيها: أنه خطاب للكفار والمراد: لا تشاؤون الاسلام إلا أن يشاء الله أن يجبركم عليه ويلجئكم إليه، ولكنه لا يفعل لانه يريد منكم أن تؤمنوا اختيارا لتستحقوا الثواب. وثالثها: أن المراد: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله أن يلطف لكم في الاستقامة. (1)


(1) قال الشيخ في التبيان: أي وليس يشاؤون شيئا من العمل بطاعته وبما يرضاه ويوصلكم إلى ثوابه إلا والله يشاؤه ويريده، لانه يريد من عباده أن يطيعوه، وليس المراد أن يشاء كل ما يشاؤه العبد من المعاصي والمباحات، لان الحكيم لا يجوز أن يريد القبائح ولا المباح، لان ذلك صفة نقص وتعالى الله عن ذلك وقد قال الله تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " و المعصية والكفر من اعظم العسر، فكيف يكون الله تعالى شائيا له ؟ وهل ذلك إلا تناقض ظاهر ؟ انتهى. *

[ 116 ]

46 - فس: قال علي بن إبراهيم: وأما الرد على المعتزلة فإن الرد من القرآن عليهم كثير، وذلك أن المعتزلة قالوا: نحن نخلق أفعالنا وليس لله فيها صنع ولا مشية ولا إرادة ويكون ما شاء إبليس، ولا يكون ما شاء الله، واحتجوا أنهم خالقون بقول الله تعالى: " تبارك الله أحسن الخالقين " فقالوا: في الخلق خالقون غير الله، فلم يعرفوا معنى الخلق وعلى كم وجه هو، فسئل الصادق عليه السلام: أفوض الله إلى العباد أمرا ؟ فقال: الله أجل وأعظم من ذلك، فقيل: فأجبرهم على ذلك ؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على فعل ثم يعذبهم عليه، فقيل له: هل بين هاتين المنزلتين منزلة ؟ قال: نعم ما بين السماء والارض. (1) 47 - وفي حديث آخر قال: سئل هل بين الجبر والقدر منزلة ؟ قال: نعم، فقيل ما هو ؟ فقال: سر من أسرار الله. 48 - وفي حديث آخر قال: هكذا خرج إلينا. (2) 49 - قال: وحدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس قال: قال الرضا عليه السلام: يا يونس لا تقل بقول القدرية فإن القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة، ولا بقول أهل


* أقول: النظر في الاية وسابقتها وهى قوله تعالى: " إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا " ولاحقتها وهى قوله تعالى: " إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدلهم عذابا أليما " يعطى المراد ويفيد المغزى، وهو أن الله تعالى أثبت لهم المشيئة وأثبت أن وقوع مشاهم انما يكون في صورة مشيئته، فلو كان أراد ذلك حقيقة لم يكن لاستناد الظلم إليهم معنى، لانهم كانوا فيما ظلموا كارهين غير مختارين، بل كان استناد ذلك إليه تعالى أقوى وأولى، كما أن الايات أيضا لم تكن لهم تذكرة في مشيئتهم اتخاذ السبيل، بل لم يكن لنسبة الحكمة إلى ذاته أيضا معنى محصل، لان فعل القبائح والظلم واجبار العبد عليهما والعقاب بهما مع ذلك ينافى الحكمة، فالظاهر غير مراد، بل المراد بيان أن لتوفيقه وتأييده أيضا دخلا في أفعالهم، بحيث لو تركهم و أنفسهم ولم يؤيدهم ويسددهم لكانت أنفسهم تدخلونهم مداخل السوء وتخرجونهم عن الصراط السوى وطريق المعروف. (1) تقدم ما في معناه مسندا تحت رقم 82 و 83 في الباب السابق. (2) لعله الخبر الاتى تحت رقم 66.

[ 117 ]

النار، ولا بقول إبليس فإن أهل الجنة قالوا: " الحمد لله الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدينا الله " ولم يقولوا بقول أهل النار، فإن أهل النار قالوا: " ربنا غلبت علينا شقوتنا " وقال إبليس: " رب بما أغويتني " فقلت يا سيدي: والله ما أقول بقولهم ولكني أقول: لا يكون إلا ما شاء الله وقضى وقدر، (1) فقال: ليس هكذا يا يونس ولكن لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى، أتدري ما المشية يا يونس ؟ قلت: لا، قال: هو الذكر الاول: وتدري ما الارادة ؟ قلت: لا ؟ قال العزيمة على ما شاء ; وتدري ما التقدير ؟ قلت: لا، قال: هو وضع الحدود من الآجال والارزاق والبقاء و الفناء ; (2) وتدري ما القضاء ؟ قلت: لا، قال: هو إقامة العين، (3) ولا يكون إلا ما شاء الله في الذكر الاول " ص 21 - 22 " بيان: الظاهر أن المراد بالقدرية هنا من يقول: إن أفعال العباد، ووجودها ليست بقدرة الله وبقدره، بل باستقلال إرادة العبد به واستواء نسبة الارادتين إليه، و صدور أحدهما عنه لا بموجب غير الارادة، كما ذهب إليه بعض المعتزلة. لا يقول بقول أهل الجنة من إسناد هدايتهم إليه سبحانه، ولا بقول أهل النار من إسناد ضلالتهم إلى شقوتهم، ولا بقول إبليس من إسناد الاغواء إليه سبحانه، والفرق بين كلامه عليه السلام وكلام يونس إنها هو في الترتيب، فإن في كلامه عليه السلام التقدير مقدم على القضاء كما هو الواقع، وفي كلام يونس بالعكس، والذكر هو الكتابة مجملا في لوح المحو والاثبات، أو العلم القديم. 50 - ثو: على بن أحمد، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن أبي القاسم، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن موسى البصري، عن سليمان بن عيسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق،


(1) في الكافي عن على بن ابراهيم " إلا ما شاء الله أرادوا وقضى وقدر. م (2) في الكافي: قال هو الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء. (3) في الكافي: قال: والقضاء هو الابرام واقامة العين. أقول: اقامة العين أي اقامته في الاعيان والوجود الخارجي، وهو في أفعاله بمعنى الخلق والايجاد على وفق الحكمة، وفى أفعالنا ترتب الثواب والعقاب عليها على وجه الجزاء. وقال المنصف: اقامة العين أي ايجاده، وفى أفعال العباد اقدار العبد وتمكينه ورفع الموانع عنه انتهى. ويأتى الحديث باسناد آخر مع تفاوت في ألفاظه تحت رقم 69.

[ 118 ]

عن الحارث، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن أرواح القدرية يعرضون على النار غدوا وعشيا حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة عذبوا مع أهل النار بألوان العذاب، فيقولون: يا ربنا عذبتنا خاصة وتعذبنا عامة فيرد عليهم " ذوقوا مس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر ". " ص 204 " بيان: قال الطبرسي رحمه الله: أي خلقنا كل شئ خلقناه مقدرا بمقدار توجبه الحكمة لم نخلقه جزافا، فخلقنا العذاب أيضا على قدر الاستحقاق، وكذلك كل شئ خلقناه في الدنيا والآخرة خلقناه مقدرا بمقدار معلوم. وقيل: معناه خلقنا كل شئ على قدر معلوم، فخلقنا اللسان للكلام، واليد للبطش، والرجل للمشي، والعين للنظر، والاذن للسماع، والمعدة للطعام، ولو زاد أو نقص عما قدرناه لما تم الغرض. وقيل: معناه: جعلنا لكل شئ شكلا يوافقه ويصلح له، كالمرأة للرجل، والاتان للحمار، و ثياب الرجال للرجال، وثياب النساء للنساء. وقيل: خلقنا كل شئ بقدر مقدر وقضاء محتوم في اللوح المحفوظ. 51 - ثو: علي بن أحمد، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن أبي بشر، عن محمد بن عيسى الدامغاني، عن محمد بن خالد البرقي، عن يونس، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أنزل الله هذه الآيات إلا في القدرية: " إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر ". " ص 204 " 52 - ثو: علي بن أحمد، عن محمد بن جعفر، عن مسلمة بن عبد الملك، عن داود ابن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: صنفان من أمتي ليس لهما في الاسلام نصيب: المرجئة، والقدرية. " ص 204 " 53 - ثو: العطار، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الاهوازي، عن صفوان، عن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يحشر المكذبون بقدر الله من قبورهم قد مسخوا قردة وخنازير. " 205 " 54 - ثو: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزلت هذه الآية

[ 119 ]

في القدرية: " ذوقوا مس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر ". " ص 205 ". 55 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في قوله: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " قال: قدره الذي قدره عليه. 56 - وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خيره وشره معه، حيث كان لا يستطيع فراقه حتى يعطى كتابه يوم القيامة بما عمل. بيان: قال الطبرسي رحمه الله: معناه وألزمنا كل إنسان عمله من خير أو شر في عنقه، أي جعلناه كالطوق في عنقه لا يفارقه. وقيل: طائره يمنه وشؤمه وهو ما يتطير به. وقيل: طائره حظه من الخير والشر ; وخص العنق لانه محل الطوق الذي يزين المحسن، والغل الذي يشين المسئ، وقيل: طائره كتابه. وقيل: معناه: جعلنا لكل إنسان دليلا من نفسه لان الطائر يستدل به عندهم على الامور الكائنة، فيكون معناه: كل إنسان دليل نفسه وشاهد عليها، إن كان محسنا فطائره ميمون، وإن أساء فطائره مشوم. (1) 57 - ثو: ابن المتوكل، عن محمد بن جعفر، عن النخعي، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: يجاء بأصحاب البدع يوم القيامة فترى القدرية من بينهم كالشامة البيضاء في الثور الاسود فيقول الله عزوجل: ما أردتم ؟ فيقولون: أردنا وجهك، فيقول: قد أقلتكم عثراتكم وغفرت لكم زلاتكم إلا القدرية فإنهم دخلوا في الشرك من حيث لا يعلمون. " ص 205 "


(1) قال السيد الرضى في مجازات القرآن: وهذه استعارة والمراد بالطائر ههنا - والله أعلم - ما يعمله الانسان من خير وشر، ونفع وضر، وذلك مأخوذ من زجر الطائر على مذهب العرب، لانهم يتبركون بالطائر المعترض من ذات اليمين، ويتشائمون بالطائر المعترض من ذات الشمال، ومعنى ذلك أنه سبحانه يجعل عمل الانسان من الخير والشر كالطوق في عنقه بالزامه اياه والحكم عليه به، وقال بعضهم: معنى ذلك إنا جعلنا لكل انسان دليلا من نفسه على ما بيناه له وهديناه إليه والعرب تقيم العنق والرقبة مقام نفس الانسان وجملته، فنقول: لى في رقبة فلان دم، ولى في رقبته دين أي عنده، وفلان قد أعتق رقبة إذا أعتق عبدا أو أمة، ويقول الداعي في دعائه: اللهم أعتق رقبتي من النار، وليس يريد العتق المخصوص وانما يريد الذات والجملة، وجعل سبحانه الطائر مكان الدليل التى يستدل به على استحقاق الثواب والعقاب على عادة العرب التى ذكرناها في التبرك بالسانح والتشائم بالبارح.

[ 120 ]

بيان: المراد بأصحاب البدع من لم ينته به بدعته إلى الكفر فضلوا من حيث لا يعلمون. 58 - ثو: بهذا الاسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لكل أمة مجوس ومجوس هذه الامة الذين يقولون: لا قدر. " ص 206 " 59 - ثو: بهذا الاسناد قال: دخل مجاهد مولى عبد الله بن عباس على علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ما تقول في كلام أهل القدر ؟ - ومعه جماعة من الناس - فقال أمير المؤمنين عليه السلام: معك أحد منهم أو في البيت أحد منهم ؟ قال: ما تصنع بهم يا أمير المؤمنين ؟ قال: إستتيبهم فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. " ص 205 " 60 - ثو: بالاسناد المتقدم عن السكوني، عن مروان بن شجاع، عن سالم الافطس، عن سعيد بن جبير قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما غلا أحد في القدر إلا خرج من الايمان. (1) " ص 205 " 61 - ثو: ابن المتوكل، عن محمد بن جعفر، عن أحمد بن محمد العاصمي، عن علي بن عاصم، عن محمد بن عبد الرحمن، عن يحيى بن سالم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما الليل بالليل ولا النهار بالنهار أشبه من المرجئة باليهودية، ولا من القدرية بالنصرانية. " ص 205 - 206 " 62 - ير: أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن القضاء والقدر، فقال: هما خلقان من خلق الله والله يزيد في الخلق ما يشاء، و أردت أن أسأله في المشية فنظر إلى فقال: يا جميل لا أجيبك في المشية. (2) 63 - سن: أبى، عن إسماعيل بن إبراهيم، وابن أبي عمير، عن ابن بكير، عن زرارة، عن حمران قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله الله عزوجل: " هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " فقال: كان شيئا ولم يكن مذكورا، قلت: فقوله:


(1) في نسخة: الاسلام. (2) روى الحديث في مختصر بصائر الدرجات " ص 134 " باسناد آخر عن جميل عن زرارة عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام. م

[ 121 ]

" أو لم ير الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا " قال: لم يكن شيئا في كتاب ولا علم. " ج 1 ص 243 " بيان: ولا علم أي علم أحد من المخلوقين، والخلق في هذه الآية يحتمل التقدير والايجاد. قوله عليه السلام: كان شيئا أي مقدرا، كما روى الكليني عن مالك الجهني مكان " شيئا " مقدرا. (1) غير مذكور أي عند الخلق أي غير موجود ليذكر عند الخلق، أو كان مقدرا في اللوح لكن لم يوح أمره إلى أحد من الخلق. 64 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله إذا أراد شيئا قدره، فإذا قدره قضاه، فإذا قضاه أمضاه. " ص 243 - 244 " 65 - سن: أبي، عن فضالة، عن محمد بن عمارة، عن حريز بن عبد الله، أو عبد الله بن مسكان قال: قال أبو جعفر عليه السلام لا يكون شئ في الارض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبعة: بمشية، وإرادة، وقدر، وقضاء، وإذن، وكتاب، وأجل ; فمن زعم أنه يقدر على نقص واحدة منهن فقد كفر. " ص 244 " 66 - سن: النضر، عن هشام، وعبيد بن زرارة، عن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (2) كنت أنا والطيار جالسين فجاء أبو بصير فأفرجنا له فجلس بيني وبين الطيار، فقال: في أي شئ أنتم ؟ فقلنا: كنا في الارادة والمشية والمحبة، فقال أبو بصير: قلت لابي عبد الله عليه السلام: شاء لهم الكفر وأراده ؟ فقال: نعم، قلت: فأحب ذلك ورضيه ؟ فقال: لا، قلت: شاء وأراد ما لم يحب ولم يرض ؟ قال: هكذا خرج إلينا (3) " ص 245 "


(1) أقول: أورده في كتابه الكافي في باب البداء باسناده عن أحمد بن مهران، عن عبد العظيم الحسنى، عن على بن أسباط، عن ابن مسكان، عن مالك الجهنى قال سئلت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: " أو لم ير الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا " قال: فقال: لا مقدرا ولا مكونا، قال: وسئلته عن قوله: " هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " فقال: كان مقدرا غير مذكور. (2) الظاهر أن ضمير " قال " يرجع إلى حمران، وأن لفظة " عن أبي عبد الله عليه السلام " زائدة من النساخ. (3) في المصدر: هكذا اخرج الينا. م

[ 122 ]

67 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المشية محدثة. ص " 245 " 68 - سن: أبي، عن يونس، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت: لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى، (1) قلت: فما معنى شاء ؟ قال: ابتداء الفعل، قلت: فما معنى أراد ؟ قال: الثبوت عليه، قلت: فما معنى قدر ؟ قال: تقدير الشئ من طوله و عرضه، قلت: فما معنى قضى ؟ قال: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له. ص " 244 " بيان: ابتداء الفعل أي أول الكتابة في اللوح، أو أول ما يحصل من جانب الفاعل ويصدر عنه مما يؤدي إلى وجود المعلول. 69 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن إسحاق قال: قال أبو الحسن عليه السلام ليونس مولى علي بن يقطين: يا يونس لا تتكلم بالقدر، قال: إني لا أتكلم بالقدر و لكن أقول: لا يكون إلا ما أراد الله وشاء وقضى وقدر، فقال: ليس هكذا أقول، ولكن أقول: لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى ; ثم قال: أتدري ما المشية ; فقال: لا، فقال: همه بالشئ ; أو تدري ما أراد ؟ قال: لا، قال: إتمامه على المشية، فقال: أو تدري ما قدر ؟ قال: لا، قال: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء. ثم قال: إن الله إذا شاء شيئا أراده، وإذا أراد قدره، وإذا قدره قضاه، وإذا قضاه أمضاه ; يا يونس إن القدرية لم يقولوا بقول الله: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " ولا قالوا بقول أهل الجنة: " الحمد لله الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدينا الله " ولا قالوا بقول أهل النار: " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين " ولا قالوا بقول إبليس: ": رب بما أغويتني " ولا قالوا بقول نوح: " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون " ثم قال: قال الله: يابن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء، وبقوتي أديت إلي فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، وجعلتك سميعا بصيرا قويا، فما أصابك من حسنة فمني، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذلك إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، ثم قال: قد نظمت لك كل شئ تريده. " ص 244 - 245 "


(1) في المصدر: واراد وقضى، فقال: لا يكون الا ما شاء الله واراد وقدر وقضى، قال: قلت اه‍. م

[ 123 ]

70 - ضا: سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن القدر قال: فقيل له: أنبئنا عن القدر يا أمير المؤمنين ; فقال: سر الله فلا تفتشوه. فقيل له الثاني: أنبئنا عن القدر يا أمير المؤمنين، قال: بحر عميق فلا تلحقوه، (1) فقيل له: أنبئنا عن القدر، فقال: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل لها " (2) فقال: يا أمير المؤمنين إنما سألناك عن الاستطاعة التى بها نقوم ونقعد، فقال: استطاعة تملك مع الله أم دون الله ؟ قال: فسكت القوم ولم يحروا جوابا، فقال صلى الله عليه وآله: إن قلتم: إنكم تملكونها مع الله قتلتكم، وإن قلتم: دون الله قتلتكم ! فقالوا: كيف نقول يا أمير المؤمنين ؟ قال: تملكونها بالذي يملكها دونكم (3) فإن امدكم بها كان ذلك من عطائه، وإن سلبها كان ذلك من بلائه، إنما هو المالك لما ملككم، والقادر لما عليه أقدركم، أما تسمعون ما يقول العباد ويسألونه الحول والقوة حيث يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله، فسئل عن تأويلها: فقال: لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بعونه. 71 - قال العالم كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما يسأله عن القدر، وكتب إليه: فاتبع ما شرحت لك في القدر مما افضي إلينا أهل البيت فإنه من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد كفر، ومن حمل المعاصي على الله عزوجل فقد افترى على الله افتراءا عظيما، إن الله تبارك وتعالى لا يطاع بإكراه، ولا يعصى بغلبة، ولا يهمل العباد في الهلكة، لكنه المالك لما ملكهم، والقادر لما عليه أقدرهم، فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن الله صادا عنها مبطئا، وإن ائتمروا بالمعصية


(1) في نسخة: فلا تلجوه. وفى فقه الرضا المطبوع هنا زيادة وهى قوله: فقيل له الثالث: أنبئنا عن القدر يا أمير المؤمنين، فقال: طريق معوج فلا تسلكوه، ثم قيل له الرابع أنبئنا إ ه‍. (2) الاية تدل على سبق وجود الرحمة على إيتائها وافاضتها فان الفتح نوع كشف واظهار يحتاج إلى وجود المكشوف عنه وسبقه على الكشف فتدل على تقدم الرحمة الالهية على أعمال العباد التي تفتح لهم الرحمة فيها وبها، وحينئذ يعود مضمون الكلام إلى ما تقدم في الخبر الذى تحت رقم 35 عن أمير المؤمنين عليه السلام فراجع. ط. (3) في المطبوع هكذا: تملكونها بالذى يملككم بملكها دونكم.

[ 124 ]

فشاء أن يمن عليهم فيحول بينهم وبين ما ائتمروا به فعل، وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها قسرا، ولا كلفهم جبرا، بل بتمكينه إياهم بعد إعذاره وإنذاره لهم واحتجاجه عليهم طوقهم ومكنهم، وجعل لهم السبيل إلى أخذ ما إليه دعاهم، وترك ما عنه نهاهم، جعلهم مستطيعين لاخذ ما أمرهم به من شئ غير آخذيه، ولترك ما نهاهم عنه من شئ غير تاركيه، والحمد لله الذي جعل عباده أقوياء لما أمرهم به، ينالون بتلك القوة وما نهاهم عنه، وجعل العذر لمن يجعل له السبيل، حمدا متقبلا (1) فأنا على ذلك أذهب وبه أقول، والله وأنا وأصحابي أيضا عليه، وله الحمد. 72 - نهج: قال عليه السلام: - وقد سئل عن القدر - طريق مظلم فلا تسلكوه، و بحر عيمق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه. 73 - ضا: سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن مشية الله وإرادته، فقال صلى الله عليه وآله: إن لله مشيتين: مشية حتم، ومشية عزم، وكذلك إن لله إرادتين: إراة حتم، وإرادة عزم، إرادة حتم لا تخطئ، وإرادة عزم تخطئ وتصيب، وله مشيتان: مشية يشاء، ومشية لا يشاء ; ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، معناه أراد من العباد وشاء (2) ولم يرد المعصية وشاء، وكل شئ بقضائه وقدره، والامور تجري ما بينهما، فإذا أخطأ القضاء لم يخطئ القدر، وإذا لم يخط القدر لم يخط القضاء، وإنما الخلق من القضاء إلى القدر (3) وإذا يخطى ومن القدر إلى القضاء ; والقضاء على أربعة أوجه في كتاب الله عزوجل الناطق على لسان سفيره الصادق صلى الله عليه وآله: منها قضاء الخلق وهو قوله تعالى: " فقضيهن سبع سموات في يومين " معناه خلقهن.


(1) إلى هنا أنهى الحديث في فقه الرضا المطبوع وليست فيه جملة " فأنما على ذلك " إلى قوله: " وله الحمد " بل أثبت الجمله عقيب قوله: " وعظم شانه " في الخبر الاتى تحت رقم 74. (2) في فقه الرضا المطبوع: أراد العبادة وشاء. (3) في فقه الرضا المطبوع: فإذا اضطر القضاء لم يخطئ القدر، وإذا لم يخطئ القدر لم يخطئ القضاء، وانما الخلق من القضاء إلى القدر، فإذا أخطأ القدر لم يخطئ القضاء، وانما الخلق من القدر إلى القضاء، وللقضاء أربعة أوجه اه‍.

[ 125 ]

والثاني قضاء الحكم وهو قوله: " وقضى بينهم بالحق " معناه حكم. والثالث قضاء الامر وهو قوله: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " معناه أمر ربك. والرابع قضاء العلم وهو قوله: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين " معناه علمنا من بني إسرائيل، قد شاء الله من عباده المعصية وما أراد وشاء الطاعة وأراد منهم لان المشية مشية الامر ومشية العلم، وإرادته إرادة الرضا وإرادة الامر، أمر بالطاعة ورضي بها، وشاء المعصية يعني علم من عباده المعصية ولم يأمرهم بها، فهذا من عدل الله تبارك وتعالى في عباده جل جلاله وعظم شأنه. أقول: كانت النسخة سقيمة فأوردناه كما وجدناه. قوله عليه السلام: إذا أخطأ القضاء يمكن أن يقرأ بغير همز: والمعنى إذا جاوز أمر من الامور التي شرع في تهيئة أسباب وجوده القضاء ولم يصر مقضيا فلا يتجاوز عن القدر، ولا محالة يدخل في التقدير، وإنما يكون البداء بعد التقدير. وإذا لم يخط من المضاعف بمعنى الكتابة أي إذا لم يكتب شئ في لوح القدر لا يكتب في لوح القضاء إذ هو بعد القدر. وإنما الخلق من القضاء أي إذا لوحظت علل الخلق والايجاد ففي الترتيب الصعودي يتجاوز من القضاء إلى القدر، والتخطي والبداء إنما يكون بعد القدر قبل القضاء، والاظهر أنه كان وإذا أخطأ القدر مكان " وإذا لم يخط القدر " و يكون من الخطأ لا من الخط، فالمعنى أن كل ما يوجد من الامور إما موافق للوح القضاء، إو للوح القدر على سبيل منع الخلو، فإذا وقع البداء في أمر ولم يقع على ما أثبت في القدر يكون موافقا للقضاء، ولعل ظاهر هذا الخبر تقدم القضاء على القدر، ويحتمل أن يكون القضاء في الاولى بمعنى الامر، وفي الثانية بمعنى الحتم فيستقيم ما في الرواية من النفي. 74 - شا: روى الحسن بن أبي الحسن البصري قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعد انصرافه من حرب صفين فقال له: يا أمير المؤمنين خبرني عما كان بيننا و بين هؤلاء القوم من الحرب أكان بقضاء من الله وقدر ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما

[ 126 ]

علوتم تلعة ولا هبطتم واديا إلا ولله فيه قضاء وقدر، فقال الرجل: فعند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين، فقال له: ولم ؟ قال: إذا كان القضاء والقدر ساقانا إلى الع مل فما الثواب لنا على الطاعة، وما وجه العقاب على المعصية ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أو ظننت يارجل أنه قضاء حتم وقدر لازم لا تظن ذلك فإن القول به مقالة عبدة الاوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الامة ومجوسها، إن الله جل جلاله أمر تخييرا ونهى تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يطع مكرها، ولم يعص مغلوبا، ولم يخلق السماوات والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، فقال الرجل فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين ؟ قال: الامر بالطاعة، والنهى عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك السيئة، والمعونة على القربة إليه، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد والترغيب والترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره لاعمالنا، فأما غير ذلك فلا تظنه فإن الظن له محبط للاعمال. فقال الرجل: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك، وأنشأ يقول: أنت الامام الذي نرجو بطاعته إلى آخر البيتين. (1) 75 - الدرة الباهرة: قال الرضا عليه السلام: المشية الاهتمام بالشئ، والارادة إتمام ذلك الشئ. 76 - نهج: قال عليه السلام: - وقد سئل عن القدر - طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه. 77 - وقال عليه السلام: يغلب المقدار على التقدير حتى تكون الآفة في التدبير. بيان: المقدار: القدر. 78 - نهج: من كلامه عليه السلام للشامي لما سأله: أكان مسيره إلى الشام بقضاء من الله وقدره ؟ - بعد كلام طويل مختاره: ويحك لعلك ظننت قضاءا لازما وقدرا حاتما، ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، وأعطى على القليل


(1) تقدم الحديث باسناد متعددة تحت رقم 19 من الباب الاول.

[ 127 ]

كثيرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يرسل الانبياء لعبا، ولم ينزل الكتب للعباد عبثا، ولا خلق السماوات والارض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. 79 - شى: عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيته فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم أن المعاصي عملت بغير قوة الله فقد كذب على الله ومن كذب على الله أدخله الله النار. تتميم: قال العلامة رحمه الله في شرحه على التجريد: يطلق القضاء على الخلق والاتمام قال الله تعالى: " فقضيهن سبع سموات في يومين " (1) أي خلقهن وأتمهن. وعلى الحكم والايجاب كقوله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " (2) أي أوجب والزم. وعلى الاعلام والاخبار كقوله تعالى: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب " (3) أي أعلمناهم وأخبرناهم. ويطلق القدر على الخلق كقوله تعالى: " فقدر فيها أقواتها " (4) والكتابة كقول الشاعر: واعلم بأن ذا الجلال قد قدر * في الصحف الاولى التي كان سطر والبيان كقوله تعالى: " إلا امرأته قدرناها من الغابرين " (5) اي بينا وأخبرنا بذلك، إذا ظهر هذا فنقول للاشعري: ما تعني بقولك: إنه تعالى قضى أعمال العباد وقدرها ؟ إن أردت به الخلق والايجاد فقد بينا بطلانه، وأن الافعال مستندة إلينا، وإن عني به الالزام لم يصح إلا في الواجب خاصة، وإن عني به أنه تعالى بينها و كتبها وعلم أنهم سيفعلونها فهو صحيح، لانه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ وبينه لملائكته، وهذا المعنى الاخير هو المتعين للاجماع على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، ولا يجوز الرضا بالكفر وغيره من القبائح، ولا ينفعهم الاعتذار


(1) فصلت: 12. (2) اسرى: 23. (3) اسرى: 4. (4) فصلت: 11. (5) النمل: 57.

[ 128 ]

بوجوب الرضا به من حيث إنه فعله، وعدم الرضا به من حيث الكسب لبطلان الكسب أولا ; وثانيا نقول: إن كان كون الكفر كسبا بقضائه تعالى وقدره وجب الرضا به من حيث هو كسب، وهو خلاف قولكم وإن لم يكن بقضاء وقدر بطل إسناد الكائنات بأجمعها إلى القضاء والقدر انتهى. وقال شارح المواقف: اعلم أن قضاء الله عند الاشاعرة هو إرادته الازلية المتعلقة بالاشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، وقدره إيجاده إياها على وجه مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها، وأما عند الفلاسفة فالقضاء عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام، وهو المسمى عندهم بالعناية التي هي مبدء لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها والقدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرر في القضاء والمعتزلة ينكرون القضاء والقدر في الافعال الاختيارية الصادرة عن العباد، ويثبتون علمه تعالى بهذه الافعال، ولا يسندون وجودها إلى ذلك العلم، بل إلى اختيار العباد، وقدرتهم انتهى. وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر والدرر: إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالى: " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون " (1) فظاهر هذا الكلام يدل على أن الايمان إنما كان لهم فعله بإذنه وأمره وليس هذا مذهبكم، فإن حمل الاذن ههنا على الارادة اقتضى أن من لم يقع منه الايمان لم يرد الله تعالى منه وهذا أيضا بخلاف قولكم، ثم جعل الرجس الذي هو العذاب على الذين لا يعقلون، ومن كان فاقدا عقله لا يكون مكلفا، فكيف يستحق العذاب ؟ وهذا بالضد من الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أكثر أهل الجنة البله. الجواب يقال له: في قوله: إلا بإذن الله وجوه: منها أن يكون الاذن: الامر، ويكون معنى الكلام أن الايمان لا يقع من أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه ويأمر به، ولا يكون معناه ما ظنه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه، ويجرى هذا مجرى


(6) يونس: 100.

[ 129 ]

ويجري هذا مجرى قوله تعالى: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " (1) ومعلوم أن معنى قوله: " ليس لها " في هذه الآية هو ما ذكرناه، وإن كان الاشبه في الآية التي فيها ذكر الموت أن يكون المراد بالاذن العلم. ومنها أن يكون الاذن هو التوفيق والتيسير والتسهيل، ولا شبهة في أن الله تعالى يوفق لفعل الايمان ويلطف فيه ويسهل السبيل إليه. ومنها أن يكون الاذن: العلم، من قولهم: أنت أذنت لكذا وكذا: إذا سمعته وعلمته، وأذنت فلانا بكذا وكذا: إذا أعلمته، فتكون فائدة الآية الاخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات وأنه مما لا تخفى عليه الخفيات، وقد أنكر بعض من لا بصيرة له أن يكون الاذن - بكسر الالف وتسكين الذال - عبارة عن العلم، وزعم أن الذي هو العلم الاذن - بالتحريك - واستشهد بقول الشاعر: إن همي في سماع وأذن. وليس الامر على ما توهمه هذا المتوهم لان الاذن هو المصدر والاذن هو اسم الفعل ويجري مجرى الحذر في أنه مصدر والحذر - بالتسكين - الاسم ; على أنه لو لم يكن مسموعا إلا الاذن - بالتحريك - لجاز التسكين، مثل مثل ومثل وشبه وشبه ونظائر ذلك كثيرة. ومنها أن يكون الاذن: العلم، ومعناه إعلام الله المكلفين بفضل الايمان وما يدعو إلى فعله، فيكون معنى الآية: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام الله تعالى لها ما يبعثها على الايمان ويدعوها إلى فعله، فأما ظن السائل دخول الارادة في محتمل اللفظ فباطل، لان الاذن لا يحتمل الارادة في اللغة، ولو احتملها أيضا لم يجب ما توهمه لانه إذا قال: إن الايمان لم يقع إلا وأنا مريد له لم ينف أن يكون مريدا لما لم يقع، و ليس في صريح الكلام ولا في دلالته شئ من ذلك. (2)


(1) آل عمران: 145 (2) قال الشيخ قدس سره في التبيان ومعنى قوله: " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله " أنه لا يمكن لاحد أن يؤمن إلا باطلاق الله له في الايمان وتمكينه منه ودعاؤه إليه بما خلق فيه من العقل الموجب لذلك. وقال الحسن وأبو علي الجبائى: إذنه ههنا: أمره، وحقيقة إطلاقه في الفعل بالامر وقد يكون الاذن بالاطلاق في الفعل برفع التبعية. وقيل: معناه: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بعلم الله، وأصل الاذن: الاطلاق في الفعل، فأما الاقدار على الفعل فلا يسمى إذنا فيه، لان النهى ينافى الاطلاق. انتهى.

[ 130 ]

وأما قوله تعالى: " ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون " فلم يعن به الناقصي العقول، وإنما أراد تعالى الذين لم يعقلوا ولم يعلموا ما وجب عليهم علمه من معرفة خالقهم تعالى، والاعتراف بنبوة رسله عليهم السلام، والانقياد إلى طاعتهم، ووصفهم بأنهم لا يعقلون تشبيها، كما قال الله تعالى: " صم بكم عمي " (1) وكما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الامور أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون وفقد العقل. فأما الحديث الذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل فيه: إنه صلى الله عليه وآله لم يرد بالبله ذوي الغفلة والنقص والجنون وإنما أراد البله عن الشر والقبيح وسماهم بلها عن ذلك من حيث لا يستعملونه ولا يعتادونه، لا من حيث فقد العلم به، ووجه تشبيه من هذه حاله بالابله ظاهر. (2) ثم قال رحمه الله: إن سأل سائل عن قوله تعالى - حاكيا عن شعيب عليه السلام -: " قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجينا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا " (3) فقال: أليس هذا تصريحا منه بأن الله تعالى يجوز أن يشاء الكفر والقبيح ؟ لان ملة قومه كانت كفرا وضلالا، وقد أخبر أنه لا يعود فيها إلا أن يشاء الله. الجواب قيل له: في هذه الآية وجوه: أولها أن تكون الملة التي عناها الله تعالى إنما هي العبادات الشرعيات التي كانت قوم شعيب متمسكين بها وهي منسوخة عنهم ولم يعن بها ما يرجع إلى الاعتقادات في الله وصفاته. (4)


(1) البقرة: 18. (2) قال بعد ذلك: فان الابله عن الشئ هو الذى لا يعرض له ولا يقصد إليه فإذا كان المتنزه عن الشر معرضا عنه هاجرا لفعله جاز أن يوصف بالبله للفائدة التى ذكرناها، ويشهد بصحة هذا التأويل قول الشاعر: ولقد لهوت بطفلة ميالة * بلهاء تطلعني على اسرارها أراد بالبلهاء ما ذكرناه ; إلى آخر كلامه. ومن شاء الاطلاع عليه فليراجع ج 1 ص 31 من أماليه. (3) الاعراف: 89. (4) قال بعد ذلك: مما لا يجوز أن تختلف العبادات فيه والشرعيات يجوز فيها اختلاف العبادة من حيث تبعت المصالح والالطاف والمعلوم من أحوال المكلفين، فكأنه قال: ان ملتكم لا نعود فيها مع علمنا بان الله قد نسخها وأزال حكمها الا أن يشاء الله أن يتعبدنا بمثلها فنعود إليها، وتلك *

[ 131 ]

وثانيها أنه أراد أن ذلك لا يكون أبدا من حيث علقه بمشية الله تعالى، لما كان معلوما أنه لا يشاؤه، وكل أمر علق بما لا يكون فقد نفي كونه على أبعد الوجوه، و تجري الآية مجرى قوله تعالى: " ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " وثالثها ما ذكره قطرب من أن في الكلام تقديما وتأخيرا وإن الاستثناء من الكفار وقع لا من شعيب فكأنه تعالى قال - حاكيا عن الكفار -: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا إلا أن يشاء الله أن تعود في ملتنا، ثم قال حاكيا عن شعيب: وما يكون لنا أن نعود فيها على كل حال. ورابعها أن تعود الهاء التي في قوله تعالى: " فيها " إلى القرية لا إلى الملة لان ذكر القرية قد تقدم كما تقدم ذكر الملة، ويكون تلخيص الكلام: إنا سنخرج من قريتكم ولا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الاظهار عليكم والظفر بكم فنعود إليها. وخامسها أن يكون المعنى: إلا أن يشاء الله أن يردكم إلى الحق فنكون جميعا على ملة واحدة غير مختلفة، لانه لما قال تعالى حاكيا عنهم: " أو لتعودن في ملتنا " كان معناه أو لتكونن على ملة واحدة غير مختلفة فحسن أن يقول من بعد: إلا أن يشاء الله أن يجمعكم معنا على ملة واحدة. فإن قيل: الاستثناء بالمشية إنما كان بعد قوله: وما يكون لنا أن نعود فيها فكأنه قال: ليس نعود فيها الا أن يشاء الله فكيف يصح هذا الجواب ؟ قلنا: هو كذلك إلا أنه لما كان معنى أن نعود فيها هو أن تصير ملتنا واحدة غير


* الافعال التى كانوا متمسكين بها مع نسخها عنهم ونهيهم عنها وان كانت ضلالا وكفرا فقد كان يجوز فيما هو مثلها أن يكون ايمانا وهدى، بل فيها أنفسها قد كان يجوز ذلك، وليس تجرى هذه الافعال مجرى الجهل بالله تعالى الذى لا يجوز أن يكون إلا قبيحا، وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: كيف يجوز أن يتعبدهم الله تعالى بتلك الملة مع قوله " قد افترينا على الله كذبا ان عدنا في ملتكم بعد إذ نجينا الله منها " ؟ فيقال له: لم ينف عودهم إليها على كل حال، وانما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيا عنها، والذى علقه بمشية الله تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها ويتعبد بمثلها، والجواب مستقيم لا خلل فيه انتهى. يوجد ذلك ف ج 2 ص 64.

[ 132 ]

مختلفة جاز أن يوقع الاستثناء على المعنى فيقول: إلا أن يشاء الله أن نتفق في الملة بأن ترجعوا أنتم إلى الحق. فإن قيل: وكان الله ما شاء أن ترجع الكفار إلى الحق ؟ قلنا: بلى قد شاء ذلك إلا أنه ما شاء على كل حال، بل من وجه دون وجه، وهو أن يؤمنوا ويصيروا إلى الحق مختارين ليستحقوا الثواب الذي أجرى بالتكليف إليه، ولو شاءه على كل حال لما جاز أن لا يقع منهم. (1) وسادسها أن يكون المعنى: إلا أن يشاء الله أن يمكنكم من إكراهنا ويخلي بينكم وبينه فنعود إلى إظهارها مكرهين، ويقوي هذا الوجه قوله تعالى: " أولو كنا كارهين ". وسابعها أن يكون المعنى: إلا أن يشاء الله أن يتعبدنا بإظهار ملتكم مع الاكراه لان إظهار كلمة الكفر قد يحسن في بعض الاحوال إذا تعبد الله تعالى بإظهاره ; وقوله: " أولو كنا كارهين " يقوي هذا الوجه أيضا. فإن قيل: فكيف يجوز من نبي من أنبياء الله تعالى أن يتعبد بإظهار الكفر و خلاف ما جاء به من الشرع ؟ قلنا: يجوز أن يكون لم يرد بالاستثناء نفسه بل قومه فكأنه قال: وما يكون لي ولا لامتي أ ن نعود فيها إلا يشاء الله أن يتعبد امتي باظهار ملتكم على سبيل الاكراه، وهذا جائز غير ممتنع. وقال طيب الله رمسه: إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون " (2) فقال: كيف يعذبهم بالاموال والاولاد ومعلوم أن لهم فيها سرورا ولذة ؟ وما تأويل


(1) وفيه بعد ذلك زيادة وهى قوله: فكان شعيبا عليه السلام قال: ان ملتنا لا تكون واحدة أبدا الا أن يشاء الله أن يلجئكم إلى الاجتماع معنا على ديننا وموافقتنا في ملتنا، والفائدة في ذلك واضحة، لانه لو اطلق أنا لا نتفق أبدا ولا تصير ملتنا واحدة لتوهم متوهم أن ذلك مما لا يمكن على حال من الاحوال فافاد بتعليقه له بالمشية هذا الوجه، ويجرى قوله تعالى: " الا أن يشاء الله " مجرى قوله تعالى: " ولو شاء ربك لامن من في الارض كلهم جميعا ". ج 2 ص 65. (2) التوبة: 55.

[ 133 ]

قوله: " ماتوا وهم كافرون " فظاهره يقتضي أنه أراد كفرهم من حيث أراد أن تزهق أنفسهم في حال كفرهم لان القائل إذا قال: أريد أن يلقاني فلان وهو لابس ; أو على صفة كذا وكذا فالظاهر أنه أراد كونه على هذه الصفة. قلنا: أما التعذيب بالاموال والاولاد ففيه وجوه: أحدها ما روي عن ابن عباس وقتادة وهو أن يكون في الكلام تقديم وتأخير، ويكون التقدير فلا تعجبك يا محمد ! ولا تعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار و المنافقين وأولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة عقوبة لهم على منعهم حقوقها ; واستشهد على ذلك بقوله تعالى: " اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون " (1) فالمعنى: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. وثانيها أن يكون المعنى: ما جعله للمؤمنين من قتالهم وغنيمة أموالهم وسبي أولادهم واسترقاقهم، وفي ذلك لا محالة إيلام لهم واستخفاف بهم. (2) وثالثها أن يكون المراد بتعذيبهم بذلك كل ما يدخله في الدنيا عليهم من العموم والمصائب بأموالهم وأولادهم التي هي لهؤلاء الكفار والمنافقين عقاب وجزاء، وللمؤمنين محنة وجالبة للنفع والعوض، ويجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر - قبل موته وعند


(1) النمل: 28. (2) قال بعد ذلك: وانما أراد الله تعالى بذلك إعلام نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين أنه لم يرزق الكفار الاموال والاولاد ولم يبقها في أيديهم كرامة لهم ورضى عنهم، بل للمصلحة الداعية إلى ذلك، وأنهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الذى ذكرناه، فلا يجب أن يغبطوا بها ويحسدوا عليها، إذ كانت هذه عاجلتهم، والعقاب الاليم آجلتهم، وهذا جواب أبى على الجبائى وقد طعن عليه بعض من لا تأمل له فقال: كيف يصح هذا التأويل مع أنا نجد كثيرا من الكفار لا تنالهم أيدى المسلمين، ولا يقدرون على غنيمة أموالهم، ونجد أهل الكتاب أيضا خارجين عن هذه الجملة، لمكان الذمة والعهد ؟ وليس هذا الاعتراض بشئ، لانه لا يمتنع أن تختص الاية بالكفار الذين لا ذمة لهم ولا عهد ممن أوجب الله تعالى محاربته، فاما الذين هم بحيث لا تنالهم الايدى، أو هم من القوة على حد لا يتم معه غنيمة أموالهم فلا يقدح الاعتراض بهم في هذا الجواب، لانهم ممن أراد الله أن يسبى ويغنم ويجاهد ويغلب، وان لم يقع ذلك، وليس في ارتفاعه بالتعذر دلالة على أنه غير مراد. انتهى ج 2 ص 153.

[ 134 ]

احتضاره وانقطاع التكليف عنه مع أنه حي - من العذاب الدائم الذي قد أعد له، و إعلامه أنه صائر إليه. ورابعها أن يكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفار من الفرائض والحقوق في أموالهم لان ذلك يؤخذ منهم على كره، وهم إذا أنفقوا فيه أنفقوا بغير نية ولا عزيمة فتصير نققتهم غرامة وعذابا من حيث لا يستحقون عليها أجرا، وفي هذا الوجه نظر. (1)


(1) قال قدس الله روحه: وهذا وجه غير صحيح، لان الوجه في تكليف الكافر اخراج الحقوق من ماله، كالوجه في تكليف المؤمن ذلك، ومحال أن يكون انما كلف اخراج هذه الحقوق على سبيل العذاب والجزاء، لان ذلك لا يقتضى وجوبه عليه، والوجه في تكليف الجميع هذه الامور هو المصلحة واللطف في التكليف، ولا يجرى ذلك مجرى ما قلناه في الجواب الذى قبل هذا من أن المصائب والغموم تكون للمؤمنين محنة وللكافرين عقوبة، لان تلك الامور مما يجوز أن يكون وجه حسنها للعقوبة والمحنة جميعا، ولا يجوز في هذه الفرائض أن يكون لوجوبها على المكلف إلا وجه واحد وهو المصلحة في الدين، فافترق الامران، وليس لهم أن يقولوا: ليس التعذيب في إيجاب الفرائض عليهم، وإنما هو في إخراجهم لاموالهم على سبيل التكره والاستثقلال، وذلك أنه إذا كان الامر على ما ذكروه خرج الامر من أن يكون مرادا لله تعالى، لانه عزوجل ما أراد منهم اخراج المال على هذا الوجه بل على الوجه الذى هو طاعة وقربة، فإذا أخرجوها متكرهين مستثقلين لم يرد ذلك، فكيف يقول: إنما يريد الله ليعذبهم بها ؟ ويجب أن يكون ما يعذبون به شيئا يصح أن يريده الله تعالى. أقول: أورد شيخ الطائفة في التبيان وجوها اخر، أولها ما حكى عن ابن زيد أن المعنى: انما يريد الله ليعذبهم يحفظها والمصائب فيها مع حرمان المنفعة بها. ثانيها: أن مفارقتها وتركها والخروج عنها بالموت صعب عليهم شديد، لانهم يفارقون النعم، لا يدرون إلى ماذا يصيرون بعد الموت، فيكون حينئذ عذابا عليهم، بمعنى أن مفارقتها غم وعذاب ; ومعنى تزهق أنفسهم أي تهلك وتذهب بالموت، يقال: زهق بضاعة فلان أي ذهبت أجمع. وأورد وجوها اخر متقاربة مع ما ذكره السيد رحمه الله وقال بعد ذلك: وليس في الاية ما يدل على ان الله تعالى أراد الكفر على ما يقوله المجبرة، لان قوله: " وهم كافرون " في موضع الحال، كقولك: اريد أن نذمه فهو كافر، وأريد أن نضربه وهو عاص، وأنت لا تريد كفره ولا عصيانه، بل تريد ذمه في حال كفره وعصيانه، وتقدير الاية: انما يريد الله عذابهم وازهاق أنفسهم، أي أي اهلاكها في حال كونهم كافرين. " التبيان ج 1 ص 837 ". (*)

[ 135 ]

ثم اعلم أن جميع الوجوه التي حكيناها في هذه الآية إلا جواب التقديم والتأخير مبنية على أن الحياة الدنيا ظرف للعذاب، وما يحتاج عندنا إلى جميع ما تكلفوه إذا لم نجعل الحياة ظرفا للعذاب، بل جعلناها ظرفا للفعل الواقع بالاموال والاولاد المتعلق بهما، لانا قد علمنا أولا أن قوله: ليعذبهم بها لابد من الانصراف عن ظاهره لان الاموال والاولاد أنفسهما لا تكون عذابا، فالمراد على سائر وجوه التأويل الفعل المتعلق بها والمضاف إليها، سواء كان إنفاقها، أو المصيبة بها والغم عليها، أو إباحة غنيمتها و إخراجها عن أيدي مالكيها، وكان تقدير الآية: إنما يريد الله ليعذبهم بكذا وكذا مما يتعلق بأموالهم وأولادهم ويتصل بها، وإذا صح هذا جاز أن تكون الحياة الدنيا ظرفا لافعالهم القبيحة في أموالهم وأولادهم التي تغضب الله وتسخطه كإنفاقهم الاموال في وجوه المعاصي، وحملهم الاولاد على الكفر، فتقدير الكلام: إنما يريد الله ليعذبهم بفعلهم في أموالهم وأولادهم الواقع ذلك في الحياة الدنيا. وأما قوله تعالى: " وتزهق أنفسهم وهم كافرون " فمعنا تبطل وتخرج أي أنهم يموتون على الكفر، ليس يجب إذا كان مريدا لان تزهق أنفسهم وهم على هذه الحال أن يريد الحال نفسها على ما ظنوه. (1) وقد ذكر في ذلك وجه آخر وهو أن لا يكون قوله: وهم كافرون، حالا لزهوق أنفسهم بل يكون كأنه كلام مستأنف، و التقدير فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم مع ذلك كله كافرون صائرون إلى النار، وتكون الفائدة أنهم مع عذاب الدنيا قد اجتمع عليهم عذاب الآخرة، ويكون معنى تزهق أنفسهم المشقة الشديدة والكلفة الصعبة. أقول: قد مضى بعض الاخبار في معنى القدر والقضاء في باب البداء.


(1) قال: لان الواحد منا قد يامر غيره ويريد منه أن يقاتل أهل البغى وهم محاربون، ولا يقاتلهم وهم منهزمون، ولا يكون مريدا لحرب أهل البغى للمؤمنين وان أراد قتلهم على هذه الحالة، وكذلك قد يقول لغلامه: اريد أن تواظب على المصير إلى في السجن وأنا محبوس، وللطبيب: صرالى ولازمنى وأنا مريض وهو لا يريد المرض ولا الحبس، وان كان قد أراد ما هو متعلق بهاتين الحالتين.

[ 136 ]

(باب 4) * (الاجال) * الايات، آل عمران " 3 " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا 145 " وقال تعالى " يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هيهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم 154. الانعام " 6 " هو الذي خلقكم من طين تم قضى اجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون 3. الاعراف " 7 " ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون 34. يونس " 10 " لكل امة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون 49 الحجر " 15 " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون 4 - 5. النحل " 16 " ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يوخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون 61. مريم " 19 " فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا 84. طه " 20 " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى 129. العنكبوت " 29 " ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون 53. فاطر " 35 " وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير 11. حمعسق " 42 " ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم 14. المنافقين " 63 " ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها 11.

[ 137 ]

نوح " 71 " ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون 4. تفسير: قال الرازي في تفسيره: اختلفوا في تفسير الاذن: الاول: أن يكون الاذن هو الامر، أي يأمر ملك الموت بقبض الارواح، فلا يموت أحد إلا بهذا الامر. الثاني: أن المراد به الامر التكويني كقوله تعالى: " أن نقول له كن فيكون " ولا يقدر على الحياة والموت أحد إلا الله. الثالث: أن يكون الاذن هو التخلية والاطلاق، وترك المنع بالقهر والاجبار وبه فسر قوله تعالى: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " أي بتخليته، فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر. الرابع: أن يكون الاذن بمعنى العلم، ومعناه أن نفسا لا تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه. الخامس: قال ابن عباس: الاذن: هو قضاء الله وقدره، فإنه لا يحدث شئ إلا بمشية الله وإرادته، والآية تدل على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع. انتهى. قوله: لكان لنا من الامر شئ أي من الظفر الذي وعدنا النبي صلى الله عليه وآله، أولو كنا مختارين لما خرجنا باختيارنا. قوله تعالى: " لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " قال الطبرسي رحمه الله: فيه قولان: أحدهما أن معناه: لو لزمتم منازلكم أيها المنافقون والمرتابون لخرج إلى البراز المؤمنون الذين فرض عليهم القتال صابرين محتسبين، فيقتلون ويقتلون ولما تخلفوا بتخلفكم. والثاني: أن معناه: لو كنتم في منازلكم لخرج الذين كتب عليهم القتل أي كتب آجالهم وموتهم وقتلهم في اللوح المحفوظ في ذلك الوقت إلى مصارعهم، وذلك أن ما علم الله كونه فإنه يكون كما علمه لا محالة، وليس في ذلك أن المشركين غير قادرين على

[ 138 ]

ترك القتال من حيث علم الله ذلك منهم وكتبه لانه كما علم أنهم لا يختارون ذلك علم أنهم قادرون، ولو وجب ذلك لوجب أن لا يكون تعالى قادرا على ما علم أنه لا يفعله، و القول بذلك كفر. وقال رحمه الله: في قوله تعالى: " ثم قضى أجلا " أي كتب وقدر أجلا " وأجل مسمى عنده " قيل: فيه أقوال: أحدها أنه يعني بالاجلين: أجل الحياة إلى الموت، وأجل الموت إلى البعث. وروى ابن عباس قال: قضى أجلا من مولده إلى مماته، وأجل مسمى عنده من الممات إلى البعث، لا يعلم أحد ميقاته سواه، فإذا كان الرجل صالحا واصلا لرحمه زاد الله له في أجل الحياة من أجل الممات إلى البعث، وإذا كان غير صالح ولا واصل نقصه الله من أجل الحياة، وزاد في أجل المبعث، قال: وذلك قوله: " وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ". وثانيها أنه الاجل الذي يحيي به أهل الدنيا إلى أن يموتوا، وأجل مسمى عنده يعنى الآخرة لانها أجل ممدود دائم لا آخر له. وثالثها: أن أجلا يعني به أجل من مضى من الخلق، وأجل مسمى عنده يعني به آجال الباقين. ورابعها: أن قوله: " قضى أجلا " عنى به النوم يقبض الروح فيه ثم يرجع عند اليقظة، والاجل المسمى هو أجل الموت ; والاصل في الاجل هو الوقت فأجل الحياة هو الوقت الذي يكون فيه الحياة، وأجل الموت أو القتل هو الوقت الذي يحدث فيه الموت أو القتل، وما يعلم الله تعالى أن المكلف يعيش إليه لو لم يقتل لا يسمى أجلا حقيقة، ويجوز أن يسمى ذلك مجازا ; وما جاء في الاخبار من أن صلة الرحم تزيد في العمر والصدقة تزيد في الاجل وأن الله تعالى زاد في أجل قوم يونس وما أشبه ذلك فلا مانع من ذلك. وقال في قوله تعالى: " ولكل أمة أجل ": أي لكل جماعة و أهل عصر وقت لاستيصالهم. وقيل: المراد بالاجل أجل العمر الذي هو ملة الحياة. قوله: " لا يستأخرن " أي لا يتأخرون ساعة من ذلك الوقت ولا يتقدمون ساعة. وقيل: معناه: لا يبطلون التأخر عن ذلك الوقت للاياس عنه ولا يطلبون التقدم ; ومعنى.

[ 139 ]

جاء أجلهم: قرب أجلهم، كما يقال: جاء الصيف: إذا قارب وقته. قوله تعالى: " ولولا كلمة سبقت من ربك " أي في تأخير العذاب عن قومك وأنه لا يعذبهم وأنت فيهم لقضي بينهم أي لفرغ من عذابهم واستيصالهم، وقيل: معناه لولا حكم سبق من ربك بتأخيرهم إلى وقت انقضاء آجالهم لقضي بينهم قبل انقضاء آجالهم. 1 - فس: أبي، عن النضر، عن الحلبي، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الاجل المقضي هو المحتوم الذي قضاه الله وحتمه، والمسمى هو الذي فيه البداء، يقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير. " ص 181 " فس: " إلا ولها كتاب معلوم " أي أجل مكتوب. " ص 349 " 2 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها قال: إن عند الله كتبا موقوفة يقدم منها ما يشاء ويؤخر فإذا كان ليلة القدر أنزل فيها كل شئ يكون إلى مثلها (1) فذلك قوله: " ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها " إذا أنزله وكتبه كتاب السماوات وهو الذي لا يؤخره. " ص 682 " 3 - شى: عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " قال: الاجل الذي غير مسمى موقوف، يقدم منه ما شاء، ويؤخر منه ما شاء، وأما الاجل المسمى فهو الذي ينزل مما يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها من قابل، فذلك قول الله: " إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ". 4 - ما: وعن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المسمى ما سمي لملك الموت في تلك الليلة وهو الذي قال الله: " إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " والآخر له فيه المشية إن شاء قدمه وإن شاء أخره. 5 - ما: الغضائري، عن التلعكبري، عن محمد بن همام، عن محمد بن علي بن


(1) في المصدر: أنزل الله فيها كل شئ يكون إلى ليلة مثلها. م

[ 140 ]

الحسين الهمداني، عن محمد بن خالد البرقي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تعالى لم يجعل للمؤمن أجلا في الموت، يبقيه ما أحب البقاء فإذا علم من أنه سيأتي بما فيه بوار دينه (1) قبضه إليه تعالى مكرها. 6 - قال محمد بن همام: فذكرت هذا الحديث لاحمد بن علي بن حمزة مولى الطالبيين - وكان راوية للحديث - (2) فحدثني عن الحسين بن أسد الطفاوي، (3) عن محمد بن القاسم عن فضيل بن يسار، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالآجال، ومن يعيش بالاحسان أكثر ممن يعيش بالاعمار. 7 - دعوات الراوندي: قال الصادق عليه السلام: يعيش الناس بإحسانهم أكثر مما يعيشون بأعمارهم، ويموتون بذنوبهم أكثر مما يموتون بآجالهم. 8 - النهج: قال عليه السلام: إن مع كل إنسان ملكين يحفظانه، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإن الاجل جنة (4) حصينة. 9 - شى: عن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " قضى أجلا وأجل مسمى عنده " قال هما أجلان: أجل موقوف يصنع الله ما يشاء وأجل محتوم. 10 - شى: عن حصين، عن أبى عبد الله عليه السلام قي قوله: قضى أجلا وأجل مسمى عنده قال: الاجل الاول هو الذي نبذه إلى الملائكة والرسل والانبياء، والاجل المسمى عنده هو الذي ستره عن الخلائق. بيان: ظاهر بعض الاخبار كون الاجل الاول محتوما والثاني موقوفا، وبعضها بالعكس، ويمكن الجمع بأن المعنى أنه تعالى قضى أجلا أخبر به أنبياءه وحججه عليهم السلام، وأخبر بأنه محتوم فلا يتطرق إليه التغيير، وعنده أجل مسمى أخبر بخلافه غير محتوم، فهو الذي إذا أخبر بذلك المسمى يحصل منه البداء، فلذا قال تعالى:


(1) أي هلاك دينه. أقول: متن الحديث لا يخلو عن غرابة. (2) الراوية: الذى يروى الحديث والتاء فيه للمبالغة. (3) قال الفيروز آبادى في القاموس: الطفاوة بالضم: حى من قيس عيلان. (4) بضم الجيم: السترة، وكل ما وقى من السلاح.

[ 141 ]

" عنده " أي لم يطلع عليه أحدا بعد، وأنما يطلق عليه المسمى لانه بعد الاخبار يكون مسمى فما لم يسم فهو موقوف، ومنه يكون البداء فيما أخبر لا على وجه الحتم، و يحتمل أن يكون المراد بالمسمى ما سمي ووصف بأنه محتوم فالمعنى: قضى أجلا محتوما أي أخبر بكونه محتوما. وأجلا آخر وصف بكونه محتوما عنده ولم يخبر الخلق بكونه محتوما فيظهر منه أنه أخبر بشئ لا على وجه الحتم فهو غير المسمى لا الاجل الذي ذكر أولا، وحاصل الوجهين مع قربهما أن الاجلين كليهما محتومان، أخبر بأحدهما ولم يخبر بالآخر، ويظهر من الآية أجل آخر غير الاجلين وهو الموقوف، ويمكن أن يكون الاجل الاول عاما فيرتكب تكلف في خبر ابن مسكان بأنه قد يكون محتوما، وظاهر أكثر الاخبار أن الاول موقوف والمسمى محتوم. 11 - شى: عن حماد بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام إنه سئل عن قول الله: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب " قال: إن ذلك كتاب يمحو الله فيه ما يشاء ويثبت، فمن ذلك الذي يرد الدعاء القضاء، وذلك الدعاء مكتوب عليه: " الذي يرد به القضاء " حتى إذا صار إلى ام الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئا. بيان: لعل المراد بكونه مكتوبا عليه أن هذا الحكم ثابت له حتى يوافق ما في اللوح من القضاء الحتمي، فإذا وافقه فلا ينفع الدعاء، ويحتمل أن يكون المعنى أن ذلك الدعاء الذي يرد به القضاء من الاسباب المقدرة أيضا فلا ينافي الدعاء القدر والقضاء. 12 - شى: عن الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن المرء ليصل رحمه وما بقي من عمره إلا ثلاث سنين فيمدها الله إلى ثلاث وثلاثين سنة، وإن المرء ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون سنة فيقصرها الله إلى ثلاث سنين أو أدنى. قال الحسين: وكان جعفر عليه السلام يتلو هذه الآية: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب ". 13 - نهج: من كلامه عليه السلام - لما خوف من الغيلة - وإن علي من الله جنة

[ 142 ]

حصينة، فإذا جاء يومي انفرجت عني وأسلمتني فحينئذ لا يطيش السهم ولا يبرأ الكلم. (1) بيان: الغيله: القتل على غفلة ; وطاش السهم: انحرف عن الغرض. 14 - نهج: قال عليه السلام: كفى بالاجل حارسا. تذنيب: أقول: الاخبار الدالة على حقيقة الاجلين وتحقيقهما قد مر في باب البداء من كتاب التوحيد، وقال المحقق الطوسي رحمه الله في التجريد: أجل الحيوان الوقت الذي علم الله بطلان حياته فيه، والمقتول يجوز فيه الامران لولاه، ويجوز أن يكون الاجل لطفا للغير لا للمكلف. وقال العلامة رحمه الله في شرحه: اختلف الناس في المقتول لو لم يقتل فقالت المجبرة إنه كان يموت قطعا وهو قول أبي هذيل العلاف، وقال بعض البغداديين: إنه كان يعيش قطعا، وقال أكثر المحققين: إنه كان يجوز أن يعيش ويجوز أن يموت، ثم اختلفوا فقال قوم منهم: إن كان المعلوم منه البقاء لو لم يقتل له أجلان وقال الجبائيان وأصحابهما وأبو الحسين البصري: إن أجله هو الوقت الذي قتل فيه، ليس له أجل آخر لو لم يقتل فما كان يعيش إليه ليس بأجل له الآن حقيقي بل تقديري، واحتج الموجبون لموته بأنه لولاه لزم خلاف معلوم الله تعالى وهو محال، واحتج الموجبون لحياته بأنه لو مات لكان الذابح غنم غيره محسنا ولما وجب القود لانه لم يفوت حياته. والجواب عن الاول ما تقدم من أن العلم يؤثر في المعلوم، وعن الثاني بمنع الملازمة، إذ لو ماتت الغنم استحق مالها عوضا زائدا على الله تعالى فيذبحه فوته الاعواض الزائدة، والقود من حيث مخالفة الشارع إذ قتله حرام عليه وإن علم موته، ولهذا لو أخبر الصادق بموت زيد لم يجز لاحد قتله. ثم قال رحمه الله: ولا استبعاد في أن يكون أجل الانسان لطفا لغيره من المكلفين، ولا يمكن أن يكون لطفا للمكلف نفسه لان الاجل يطلق على عمره وحياته، ويطلق على أجل موته أما الاول فليس بلطف لانه


(1) بفتح الكاف وسكون اللام أي لا يشفى الجرح.

[ 143 ]

تمكين له من التكليف، واللطف زائد على التمكين، وأما الثاني فهو قطع للتكليف فلا يصح أن يكلف بعده فيكون لطفا له فيما يكلفه من بعد، واللطف لا يصح أن يكون لطفا فيما مضى. انتهى. أقول: لا يخفى ما في قوله رحمه الله: العلم لا يؤثر، فإنه غير مرتبط بالسؤال، بل الجواب هو أنه يلزم خلاف العلم على هذا الفرض على أي حال فإن من علم الله أنه سيقتل إذا مات بغير قتل كان خلاف ما علمه تعالى، وأما علمه بموته على أي حال فليس بمسلم ; وأما قوله: واللطف لا يصح أن يكون لطفا فيما مضى فيمكن منعه بأنه يمكن أن يكون لطفا من حيث علم المكلف بوقوعه فيردعه عن ارتكاب كثير من المحرمات، إلا أن يقال: اللطف هو العلم بوقوع أصل الموت فأما خصوص الاجل المعين فلعدم علمه به غالبا لا يكون لطفا من هذه الجهة أيضا، ويمكن تطبيق كلام المصنف على هذا الوجه من غير تكلف. (باب 5) * (الارزاق والاسعار (1)) * الايات، البقرة " 2 " والله يرزق من يشاء بغير حساب 212. آل عمران " " إن الله يرزق من يشاء بغير حساب 37. هود " 11 " وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها 6. الرعد " 13 " الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر 26. الاسرى " 17 " إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا 30.


(1) الارزاق جمع الرزق، وهو كل ما صح انتفاع الحيوان به بالتغذي أو غيره وليس لاحد منعه منه ; وأما إطلاق الرزق على الممنوع والمحرم فسيأتي الكلام فيه مفصلا من المصنف ; وأما الاسعار فهو جمع السعر بالكسر وهو الذى يقوم عليه الثمن، وهو قد يرخص وقد يغلو، ويأتى الكلام في أنهما مستندان إلى الله مطلقا أو في بعض الاحيان. (*)

[ 144 ]

الحج " 22 " ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين 58. المؤمنين " 23 " وهو خير الرازقين 72. النور " 24 " والله يرزق من يشاء بغير حساب. 38 العنكبوت " 2 " وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم 6 " وقال تعالى ": الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شئ عليم 62. الروم " 30 " أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون 37. سبا " 34 " قل من يرزقكم من السموات والارض قل الله 34 " وقال تعالى ": قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون 36 " وقال تعالى ": قل: إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين 39. الزمر " 39 " أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون 52. حمعسق " 42 " له مقاليد السموات والارض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شئ عليم 12 " وقال تعالى: " ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير 27. الزخرف " 43 " أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا 32. الذاريات " 51 " وفي السماء رزقكم وما توعدون * فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون 22 - 23. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " والله يرزق من يشاء بغير حساب " قيل: فيه أقوال: أحدها أن معناه: يعطيهم الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من كثرته.

[ 145 ]

وثانيها: أنه لا يرزق الناس في الدنيا على مقابلة أعمالهم وإيمانهم وكفرهم، فلا يدل بسط الرزق على الكفار على منزلتهم عند الله، وإن قلنا: إن المراد به في الآخرة فمعناه أن الله لا يثيب المؤمنين في الآخرة على قدر أعمالهم التي سلفت منهم بل يزيدهم تفضلا. وثالثها: أنه يعطيه عطاءا لا يأخذه بذلك أحد، ولا يسأله عنه سائل، ولا يطلب عليه جزاءا ولا مكافاة. ورابعها: أنه يعطيه من العدد الشئ الذي لا يضبط بالحساب ولا يأتي عليه العدد لان ما يقدر عليه غير متناه ولا محصور فهو يعطي الشئ لا من عدد أكثر منه فينقص منه كمن يعطي الالف من الالفين والعشرة من المائة. وخامسها: أن معناه: يعطي أهل الجنة ما لا يتناهى ولا يأتي عليه الحساب. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وفي السماء رزقكم ": أي أسباب رزقكم أو تقديره. وقيل: المراد بالسماء السحاب، وبالرزق المطر لانه سبب الاقوات، " وما توعدون " من الثواب لان الجنة فوق السماء السابعة، أو لان الاعمال وثوابها مكتوبة مقدرة في السماء وقيل: إنه مستأنف خبره: " فورب السماء والارض إنه لحق " وعلى هذا فالضمير " لما " وعلى الاول يحتمل أن يكون له ولما ذكر من أمر الآيات والرزق والوعيد. " مثل ما أنكم تنطقون " أي مثل نطقكم كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي أن لا تشكوا في تحقق ذلك انتهى. وقال الوالد العلامة رحمه الله: يحتمل أن يكون التشبيه من حيث اتصال النطق وفيضان المعاني من المبدء بقدر الحاجة من غير علم بموضعه ومحل وروده فيكون التشبيه أكمل. 1 - ب: ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الرزق لينزل (1) من السماء إلى الارض على عدد قطر المطر إلى كل نفس بما قدر لها، ولكن لله فضول فاسألوا الله من فضله. " ص 55 "


(1) في المصدر: ينزل. م

[ 146 ]

2 - ن: محمد بن القاسم المفسر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن جده، عن الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر عليهم السلام قال: سأل الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام عن بعض أهل مجلسه فقيل: عليل، فقصده عائدا وجلس عند رأسه فوجده دنفا، (1) فقال له: أحسن ظنك بالله، قال: أما ظني بالله فحسن، ولكن غمي لبناتي ما أمرضني غير غمي بهن، فقال الصادق عليه السلام: الذي ترجوه لتضعيف حسناتك ومحو سيئاتك فارجه لاصلاح حال بناتك أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لما جاوزت سدرة المنتهى (2) وبلغت أغصانها وقضبانها رأيت بعض ثمار قضبانها أثداء معلقة يقطر من بعضها اللبن، ومن بعضها العسل، ومن بعضها الدهن، ويخرج عن بعضها شبه دقيق السميذ، وعن بعضها الثياب، (3) وعن بعضها كالنبق (4) فيهوي ذلك كله نحو الارض، فقلت في نفسي: أين مقر هذه الخارجات عن هذه الاثداء ؟ وذلك أنه لم يكن معي جبرئيل لاني كنت جاوزت مرتبته، واختزل دوني، فناداني ربي عزوجل في سري: يا محمد هذه أنبتها من هذا المكان الا رفع لاغذو منها بنات المؤمنين من أمتك وبنيهم فقل لآباء البنات: لا تضيقن صدوركم على فاقتهن فإني كما خلقتهن أرزقهن. " ص 179 - 180 " بيان: السميذ بالذال المعجمة والمهملة الدقيق الابيض ; والاختزال: الانفراد والاقتطاع. 3 - شى: عن إسماعيل بن كثير رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: لما نزلت هذه الآية: " واسألوا الله من فضله ". قال: فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله: ما هذا الفضل ؟ أيكم


(1) بفتح الدال وكسر النون: من لازمه المرض. (2) هي في السماء السابعة، قيل: هي شجرة في أقصى الجنة، إليها ينتهى علم الاولين والاخرين ولا يتعداها. وقيل: شجرة نبق عن يمين العرش، وفى الحديث: سميت سدرة المنتهى لان أعمال أهل الارض تصعد بها الملائكة الحفظة إلى محل السدرة والحفظة الكرام البررة دون السدرة يكتبون ما يرفع إليهم الملائكة من أعمال العباد في الارض فينتهون بها إلى محل السدرة. (3) في المصدر: النبات. م (4) النبق: حمل شجر السدر.

[ 147 ]

يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك ؟ قال: فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: أنا أسأله فسأله عن ذلك الفضل ما هو ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله خلق خلقه وقسم لهم أرزاقهم من حلها وعرض لهم بالحرام فمن انتهك حراما نقص له من الحلال بقدر ما انتهك من الحرام وحوسب به. 4 - نهج: قال عليه السلام: الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك، فلا تحمل هم سنتك على هم يومك، كفاك كل يوم ما فيه فإن تكن السنة من عمرك فإن الله تعالى جده سيؤتيك في كل غد جديد ما قسم لك، وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهم لما ليس لك ولن يسبقك إلى رزقك طالب ولن يغلبك عليه غالب ولن يبطئ عنك ما قد قدر لك ؟. 5 - شى: عن ابن الهذيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله قسم الارزاق بين عباده وأفضل فضلا كبيرا لم يقسمه بين أحد قال الله: " واسألوا الله من فضله ". 6 - شى: عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ليس من نفس إلا وقد فرض الله لها رزقها حلالا يأتيها في عافية، وعرض لها بالحرام من وجه آخر، فإن هي تناولت من الحرام شيئا قاصها به من الحلال الذي فرض الله لها وعند الله سواهما فضل كبير. 7 - شى: عن الحسين بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك إنهم يقولون: إن النوم بعد الفجر مكروه لان الارزاق تقسم في ذلك الوقت فقال: الارزاق موظوفة مقسومة، ولله فضل يقسمه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وذلك قوله: " واسألوا الله من فضله " ثم قال: وذكر الله بعد طلوع الفجر أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الارض. 8 - كا: العدة عن سهل، عن ابن يزيد، عن محمد بن أسلم، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله وكل بالسعر ملكا فلن يغلو من قلة، ولا يرخص من كثرة " ج 1 ف ص 374 " (1)


(1) غلا السعر: ارتفع الثمن وزاد عما جرت به العادة. ورخص: انحط عما جرت به العادة.

[ 148 ]

9 - كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن ابن معروف، عن الحجال، عن بعض أصحابه، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إن الله عزوجل وكل ملكا بالسعر يدبره بأمره. " ج 1 ف ص 374 " 10 - كا: العدة، عن سهل، عن ابن يزيد، عمن ذكره، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إن الله وكل ملكا بالاسعار يدبرها. " ج 1 ف ص 374 " 11 - نهج: وقدر الارزاق فكثرها وقللها، وقسمها على الضيق والسعة، فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها، ثم قرن بسعتها عقابيل فاقتها، ويفرج أفراجها غصص أتراحها، وخلق الآجال فأطالها وقصرها، وقدمها وأخرها، ووصل بالموت أسبابها، وجعله خالجا لاشطانها، وقاطعا لمرائر أقرانها. بيان: العقابيل " بقايا المرض، واحدها عقبول، والاتراح: الغموم، والخلج: الجذب، والشطن: الحبل، والمرائر: الحبال المفتولة على أكثر من طاق، والاقران: الحبال. 12 - عدة: روي عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " قال: هو قول الرجل: لولا فلان لهلكت، ولولا فلان لما أصبت كذا وكذا، ولولا فلان لضاع عيالي ; ألا ترى أنه قد جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه ؟ قلت: فنقول: لولا أن الله من علي بفلان لهلكت، قال: نعم لا بأس بهذا ونحوه. 13 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعدة من أصحابنا ; عن سهل بن زياد عن ابن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع: ألا إن الروح الامين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شئ من الرزق أن تطلبوه بشئ من معصية الله، فإن الله تعالى قسم الارزاق بين خلقه حلالا، ولم يقسمها حراما فمن اتقى الله وصبر أتاه رزقه من حله، ومن هتك حجاب ستر الله عزوجل وأخذه من

[ 149 ]

غير حله قص به من رزقه الحلال وحوسب عليه. " ج 2 ف ص 350 " بيان: أقول: سيأتي أكثر الآيات والاخبار المتعلقة بهذا الباب في كتاب المكاسب والنفث: النفح، والروع بالضم: العقل والقلب، والاجمال في الطلب: ترك المبالغة فيه، (1) أي اتقوا الله في هذا الكد الفاحش، أو المعنى أنكم إذا اتقيتم الله لا تحتاجون إلى هذا الكد والتعب لقوله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " (2) وهتك الستر: تمزيقه وخرقه. ثم الظاهر من هذا الخبر وغيره من الاخبار أن الله تعالى قدر في الصحف السماوية لكل بشر رزقا حلالا بقدر ما يكفيه بحيث إذا لم يرتكب الحرام وطلب من الحلال سبب له ذلك ويسره له، وإذا ارتكب الحرام فبقدر ذلك يمنع مما قدر له. (3)


(1) والاعتدال وعدم الافراط فيه. (2) الطلاق: 3. (3) لا شك أن ما نشاهده من الموجودات أعم من الجماد والنبات والحيوان والانسان لا يكفيها أصل الوجود للبقاء بل تستمد في بقائها بامور اخر خارجة من وجودها اما بضمها إلى أنفسها بالاقتيات و والاغتذاء أو بوجه آخر بالايواء واللبس والتناسل ونحوها. وهذا المعنى في الانسان وسائر أقسام الحيوان أوضح، وهو الرزق الذى عليه يتوقف بقاء أقسام الحيوان من غير فرق في ذلك بينها أصلا، وقد قال تعالى: " وما من دابة في الارض الا على الله رزقها " الاية، فالرزق مما لا يستغنى عنه موجود في بقائه، واذ خلق الله هذه الاشياء لبقاء ما فقد خلق لها رزقا، فاستناد البقاء إليه تعالى يوجب استناد الرزق إليه من غير شك قال تعالى: " فورب السماء والارض انه لحق مثل ما انكم تنطقون " الاية، و كون الرزق بهذا المعنى أمرا تكوينيا غير مربوط بعالم التكليف كالشمس في رائعة النهار فان الحدوث والبقاء ولوازم كل منهما امور تكوينية بلا ريب. ثم ان الانسان لما تعلق التكليف ببعض أفعاله المتعلقة بالارزاق كالاكل والشرب والنكاح واللباس ونحوها، والرزق مما يضطر إليه تكوينا كان لازم ذلك أن لا يتعلق الحرمة والمنع الا بما له مندوحة والا كان تكليفا بما لا يطاق قال تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " الاية، وقال: " ان الله لا يأمر بالفحشاء " الاية، وكان لازم ذلك أن في موارد المحرمات أرزاقا الهية محللة هي المندوحة للعبد وهى الارزاق المنسوبة إليه تعالى بحسب النظر التشريعي دون المحرمات. فتحصل أن الرزق رزقان رزق تكويني وهو كل ما يستمد به موجود في بقائه كيف كان، ورزق تشريعي، وهو الحلال الذى يستمد به الانسان في الحياة دون الحرام فانه ليس برزق منه تعالى ; هذا هو الذى يتحصل من الكتاب والسنة بعد التدبر فيهما. ط

[ 150 ]

قال الشيخ البهائي قدس الله روحه في شرح هذا الحديث: الرزق عند الاشاعرة كل ما انتفع به حي، سواء كان بالتغذي أو بغيره، مباحا كان أو لا، وخصه بعضهم بما تربى به الحيوان من الاغذية والاشربة، وعند المعتزلة هو كل ما صح انتفاع الحيوان به بالتغذي أو غيره، وليس لاحد منعه منه فليس الحرام رزقا عندهم، وقال الاشاعرة في الرد عليهم: لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المغتذي طول عمره بالحرام مرزوقا، وليس كذلك لقوله تعالى: " وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها " (1) وفيه نظر فإن الرزق عند المعتزلة أعم من الغذاء وهم لم يشترطوا الانتفاع بالفعل، فالمغتذي طول عمره بالحرام إنما يرد عليهم لو لم ينتفع مدة عمره بشئ انتفاعا محللا، ولو بشرب الماء والتنفس في الهواء، بل ولا تمكن من الانتفاع بذلك أصلا، وظاهر أن هذا مما لا يوجد، وأيضا فلهم أن يقولوا: لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئا محللا ولا محرما يلزم أن يكون غير مرزوق، فما هو جوابكم فهو جوابنا ; هذا، ولا يخفى أن الاحاديث المنقولة في هذا الباب متخالفة، والمعتزلة تمسكوا بهذا الحديث، وهو صريح في مدعاهم غير قابل لتأويل، والاشاعرة تمسكوا بما رووه عن صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ جاء عمر بن قرة فقال: يارسول الله إن الله كتب علي الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي، فاذن في الغناء من غير فاحشة ; فقال صلى الله عليه وآله: لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة أي عدو الله لقد رزقك الله طيبا فاخترت ما حرم عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد هذه المقالة ضربتك ضربا وجيعا. والمعتزلة يطعنون في سند هذا الحديث تارة ويأولونه على تقدير سلامته أخرى بأن سياق الكلام يقتضي أن يقال: فاخترت ما حرم الله عليك من حرامه مكان ما أحل الله لك من حلاله، وإنما قال صلى الله عليه وآله: من رزقه مكان من حرامه، فأطلق على الحرام اسم الرزق بمشاكلة قوله: فلا أراني أرزق، وقوله صلى الله عليه وآله: لقد رزقك الله، و تمسك المعتزلة أيضا بقوله تعالى: " ومما رزقناهم ينفقون " (2) قال الشيخ في التبيان


(1) هود: 6. (2) البقرة: 3.

[ 151 ]

ما حاصله: أن هذه الآية تدل على أن الحرام ليس رزقا لانه سبحانه مدحهم بالانفاق من الرزق، والانفاق من الحرام لا يوجب المدح، وقد يقال: إن تقديم الظرف يفيد الحصر وهو يقتضي كون المال المنفق على ضربين: ما رزقه الله، وما لم يرزقه وإن المدح إنما هو على الانفاق مما رزقهم وهو الحلال، لا مما سولت لهم أنفسهم من الحرام ولو كان كل ما ينفقونه رزقا من الله سبحانه لم يستقم الحصر فتأمل. انتهى كلامه رفع الله مقامه. أقول: إن كان المراد بقولهم: رزقهم الله الحرام أنه خلقه ومكنهم من التصرف فيه فلا نزاع في أن الله رزقهم بهذا المعنى، وإن كان المعنى أنه المؤثر في أفعالهم وتصرفاتهم في الحرام فهذا إنما يستقيم على أصلهم الذي ثبت بطلانه، وإن كان الرزق بمعنى التمكين وعدم المنع من التصرف فيه بوجه فظاهر أن الحرام ليس برزق بهذا المعنى على مذهب من المذاهب، وإن كان المعنى أنه قدر تصرفهم فيه بأحد المعاني التي مضت في القضاء والقدر، أو خذلهم ولم يصرفهم جبرا عن ذلك فبهذا المعنى يصدق أنه رزقهم الحرام ; وأما ظواهر الآيات والاخبار الواردة في ذلك فلا يريب عاقل في أنها منصرفة إلى الحلال، كما أومأنا إلى معناه سابقا. وأما ألاسعار فقد ذهبت الاشاعرة إلى أنه ليس المسعر إلا الله تعالى، بناءا على أصلهم من أن لا مؤثر في الوجود إلا الله. وأما الامامية والمعتزلة فقد ذهبوا إلى أن الغلاء والرخص قد يكونان بأسباب راجعة إلى الله، وقد يكونان بأسباب ترجع إلى اختيار العباد ; وأما الاخبار الدالة على أنهما من الله فالمعنى أن أكثر أسبابهما راجعة إلى قدرة الله، أو أن الله تعالى لما لم يصرف العباد عما يختارونه من ذلك مع ما يحدث في نفوسهم من كثرة رغباتهم، أو غناهم بحسب المصالح فكأنهما وقعا بإرادته تعالى، كما مر القول فيما وقع من الآيات والاخبار الدالة على أن أفعال العباد بإرادة الله تعالى ومشيته، وهدايته وإضلاله، وتوفيقه وخذلانه ; ويمكن حمل بعض تلك الاخبار على المنع من التسعير والنهي عنه ; بل يلزم الوالي أن لا يجبر الناس على السعر ويتركهم و اختيارهم، فيجري السعر على ما يريد الله تعالى.

[ 152 ]

قال العلامة رحمه الله في شرحه على التجريد: السعر هو تقدير العوض الذي يباع به الشئ، وليس هو الثمن ولا المثمن، وهو ينقسم إلى رخص وغلاء، فالرخص هو السعر المنحط عما جرت به العادة مع اتحاد الوقت والمكان، والغلاء زيادة السعر عما جرت به العادة مع اتحاد الوقت والمكان، وإنما اعتبرنا الزمان والمكان لانه لا يقال: إن الثلج قد رخص سعره في الشتاء عند نزوله لانه ليس أوان سعره، ويجوز أن يقال: رخص في الصيف إذا نقص سعره عما جرت عادته في ذلك الوقت، ولا يقال: رخص سعره في الجبال التي يدوم نزوله فيها لانها ليست مكان بيعه، ويجوز أن يقال: رخص سعره في البلاد التي اعتيد بيعه فيها، واعلم أن كل واحد من الرخص والغلاء قد يكون من قبله تعالى بأن يقلل جنس المتاع المعين، ويكثر رغبة الناس إليه فيحصل الغلاء لمصلحة المكلفين، وقد يكثر جنس ذلك المتاع ويقلل رغبة الناس إليه تفضلا منه وإنعاما، أو لمصلحة دينية فيحصل الرخص، وقد يحصلان من قبلنا بأن يحمل السلطان الناس على بيع جميع تلك السلعة بسعر غال ظلما منه أو لاحتكار الناس، أو لمنع الطريق خوف الظلمة، أو لغير ذلك من الاسباب المستند إلينا فيحصل الغلاء، وقد يحمل السلطان الناس على بيع السلعة برخص ظلما منه، أو يحملهم على بيع ما في أيديهم من جنس ذلك المتاع فيحصل الرخص. (باب 6) * (السعادة والشقاوة والخير والشر وخالقهما ومقدرهما) * الايات، هود " 11 " فمنهم شقي وسعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * " إلى قوله تعالى ": وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها. الآية 105 - 108. المؤمنين " 23 " ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون. قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين 105 - 106. الزمر " 39 " وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم

[ 153 ]

وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين 71. التغابن " 64 " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن 3. تفسير: قال البيضاوي: " فمنهم شقي " وجبت له النار بمقتضى الوعيد " وسعيد " وجبت له الجنة بموجب الوعد. وقال الطبرسي رحمه الله: " غلبت علينا شقوتنا " أي شقاوتنا وهي المضرة اللاحقة في العاقبة، والسعادة: المنفعة اللاحقة في اللاحقة في العاقبة، والمعنى: استعلت علينا سيئاتنا التي أوجبت لنا الشقاوة. وقال الزمخشري: قالوا: بلى أتونا وتلوا علينا، ولكن وجبت علينا كلمة الله بسوء أعمالنا كما قالوا: " غلبت علينا شقوتنا " فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب وهو الكفر والضلال. 1 - لى: أبى، عن علي، عن أبيه، عن صفوان ين يحيى، عن الكناني، عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الشقي من شقي في بطن أمه. الخبر. 2 - ب: محمد بن عيسى، عن القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله قابضا على (1) شيئين في يده، ففتح يده اليمنى ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من الرحمن الرحيم في أهل الجنة بأعدادهم وأحسابهم وأنسابهم مجمل (2) عليهم، لا ينقص منهم أحد، ولا يزاد فيهم أحد. ثم فتح يده اليسرى فقال: بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من الرحمن الرحيم في أهل النار بأعدادهم وأحسابهم وأنسابهم مجمل (3) عليهم إلى يوم القيامة لا ينقص منهم أحد، ولا يزاد فيهم أحد، وقد يسلك بالسعداء طريق الاشقياء حتى يقال: هم منهم، هم هم، ما أشبههم بهم ! ثم يدرك أحدهم سعادته قبل موته ولو بفواق ناقة، وقد يسلك بالاشقياء طريق أهل السعادة حتى يقال: هم منهم، هم هم، ما أشبههم بهم، ثم يدرك أحدهم شقاه ولو قبل موته ولو بفواق ناقة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: العمل بخواتيمه، العمل بخواتيمه، العمل بخواتيمه. (4) " ص 13 "


(1) في المصدر: قابضا شيئين بدون على. (2، 3) في نسخة: يجمل. (4) سيأتي الحديث بألفاظ أخرى تحت رقم 13 و 15.

[ 154 ]

بيان: قال الجزري: في حديث القدر: كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأهل النار أجمل على آخرهم، تقول: أجملت الحساب: إذا جمعت آحاده وكملت أفراده، أي احصوا فلا يزاد فيهم ولا ينقص. وقال الفيروز آبادي: الفواق كغراب: ما بين الحلبتين من الوقت، ويفتح، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع. 3 - ب: ابن عيسى، عن البزنطي قال: سألت الرضا عليه السلام أن يدعو الله لامرأة من أهلنا بها حمل: فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: الدعاء ما لم يمض أربعة أشهر ; فقلت له: إنما لها أقل من هذا فدعا لها، ثم قال: إن النطفة تكون في الرحم ثلاثين يوما، و تكون علقة ثلاثين يوما، وتكون مضغة ثلاثين يوما، وتكون مخلقة وغير مخلقة ثلاثين يوما، وإذا تمت الاربعة أشهر بعث الله تبارك وتعالى إليها ملكين خلاقين يصورانه، و يكتبان رزقه وأجله شقيا أو سعيدا " ص 154 - 155 " بيان: قال البيضاوي في قوله تعالى: " مخلقة وغير مخلقة ": مسواة لا نقص فيها ولا عيب وغير مسواة ; أو تامة وساقطة ; أو مصورة وغير مصورة انتهى. أقول: لعل المراد بالخبر أن في ثلاثين يوما بعد المضغة إما أن يبتدأ في تصويره بخلق عظامه، أو يسقط، أو إما أن يسوى بحيث لا يكون فيه عيب، أو يجعل حيث يكون فيه عيب. ثم اعلم أن هذا الخبر يمكن أن يكون تفسيرا لقوله صلى الله عليه وآله: الشقي من شقي في بطن أمه ; أي يكتب شقاوته، وما يؤول إليه أمره عليه في ذلك الوقت. 4 - ب: بالاسناد قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: جف القلم بحقيقة الكتاب من الله بالسعادة لمن آمن واتقى، والشقاوة من الله تبارك وتعالى لمن كذب و عصى. " ص 156 " 5 - ل: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن وهب بن وهب، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام أنه قال: حقيقة السعادة أن يختم الرجل عمله بالسعادة، وحقيقة الشقاء أن يختم المرء عمله بالشقاء. 6 - ع: المظفر العلوي، عن جعفر بن محمد بن مسعود، عن أبيه، عن علي بن الحسن، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن علي بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين

[ 155 ]

صلوات الله عليه قال: تعتلج النطفتان (1) في الرحم فأيتهما كانت أكثر جاءت تشبهها، فإن كانت نطفة المرأة أكثر جاءت تشبه أخواله، وإن كانت نطفة الرجل أكثر جاءت تشبه أعمامه. وقال: تحول النطفة في الرحم أربعين يوما فمن أراد أن يدعوا الله عزوجل ففي تلك الاربعين قبل أن تخلق، ثم يبعث الله عزوجل ملك الارحام فيأخذها فيصعد بها إلى الله عزوجل فيقف منه ما شاء الله، (2) فيقول: يا إلهي أذكر أم انثى ؟ فيوحي الله عزوجل (3) من ذلك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يقول: إلهي أشقي أم سعيد ؟ فيوحي الله عزوجل (3) من ذلك ما يشاء ويكتب الملك، فيقول: اللهم كم رزقه وما أجله ؟ ثم يكتبه ويكتب كل شئ يصيبه في الدنيا بين عينيه، ثم يرجع به فيرده في الرحم ; فذلك قول الله عزوجل: " ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ". " ص 43 " 7 - ن: المفسر بإسناده إلى أبى محمد عليه السلام قال: قال الرضا عليه السلام: قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله هلك فلان، يعمل من الذنوب كيت وكيت، (4) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله. بل قد نجا ولا يختم الله تعالى عمله إلا بالحسنى، وسيمحو الله عنه السيئات، ويبدلها له حسنات إنه كان مرة يمر في طريق عرض له مؤمن قد انكشف عورته وهو لا يشعر فسترها عليه ولم يخبره بها مخافة أن يخجل، ثم إن ذلك المؤمن عرفه في مهواه فقال له: أجزل الله لك الثواب، (5) وأكرم لك المآب، (6) ولا ناقشك الحساب (7)


(1) اعتلجت الوحش: تضاربت، واعتلج القوم: اقتتلوا واصطرعوا. أقول: فيه ايعاز منه عليه السلام إلى وجود الحيوانات الصغار الحية في النطفة. (2) في المصدر: حيث يشاء الله. م (3) بفتح التاء وقد يكسر: يكنى بها عن الحديث والخبر، وتستعملان بدون الواو أيضا ولا تستعملان الا مكررتين. (4) في نسخة: فيوحى الله عزوجل إليه. (5) أي أكثره وأوسعه. (6) المآب: المرجع والمنقلب. (7) ناقشه الحساب وفى الحساب: استقصى في حسابه.

[ 156 ]

فاستجاب الله له فيه، فهذا العبد لا يختم له إلا بخير بدعاء ذلك المؤمن، فاتصل قول رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الرجل فتاب وأناب وأقبل إلى طاعة الله عزوجل فلم يأت عليه سبعة أيام حتى اغير على سرح المدينة (1) فوجه رسول الله صلى الله عليه وآله في أثرهم (2) جماعة ذلك الرجل أحدهم فاستشهد فيهم. 8 - يد: الدقاق، عن الكليني، عن علي بن محمد، رفعه، عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير قال: كنت بين يدي أبى عبد الله عليه السلام جالسا وقد سأله سائل فقال: جعلت فداك يا بن رسول الله من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: أيها السائل علم الله عزوجل أن لا يقوم أحد من خلقه بحقه فلما علم بذلك وهب لاهل محبته (3) القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، ولم يمنعهم إطاقة القبول منه لان علمه أولى بحقيقة التصديق فوافقوا ما سبق لهم في علمه، و إن قدروا (4) أن يأتوا خلالا ينجيهم عن معصيته وهو معنى شاء ما شاء وهو سر. " ص 365 - 366 " بيان: هذا الخبر مأخوذ من الكافي، وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق وإنه إنما فعل ذلك ليوافق مذهب أهل العدل (5)، وفي الكافي هكذا: أيها السائل حكم الله عزوجل لا يقوم أحد من خلقه بحقه فلما حكم بذلك وهب لاهل محبته القوة على معرفته، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، ووهب لاهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، ومنعهم إطاقة القبول منه فوافقوا ما سبق لهم في علمه، ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه لان علمه أولى بحقيقة التصديق وهو معنى شاء ما شاء وهو سره. قوله عليه السلام: لا يقوم أحد أي تكاليفه تعالى شاقة لا يتيسر الاتيان بها إلا بهدايته


(1) أغار عليهم: هجم وأوقع بهم. سرح المدينة: فنائها. (2) بفتح الهمزة وكسرها: بعدهم. (3) الموجود في التوحيد المطبوع هكذا: وهب لاهل محبته القوة على معرفته، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ماهم أهله، ووهب لاهل المعصية القوة على معصيتهم إ ه‍. فالظاهر أنها كانت ساقطة عن نسخته قدس سره. (4) في نسخة كما في التوحيد المطبوع: ولم يقدروا. (5) هذا البيان ناش عن سقوط سطر من نسخة المؤلف - رحمه الله - والصدوق (ره) أثبت وأضبط.

[ 157 ]

تعالى ; أو كيفية حكم الله وقضائه في غاية الغموض، لا تصل إليها عقول أكثر الخلق. قوله عليه السلام: ومنعهم إطاقة القبول قيل: هو مصدر مضاف إلى الفاعل أي منعوا أنفسهم إطاقة القبول، والظاهر أنه على صيغة الماضي أي منع الله منهم غاية الوسع والطاقة بالالطاف والهدايات التي يستحقها أهل الطاعة بنياتهم الحسنة لا أنه سلبهم القدرة على الفعل والله يعلم. 9 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا " قال: بأعمالهم شقوا. " ص 366 " 10 - يد: محمد بن أحمد العلوي، عن ابن قتيبة، عن الفضل، عن ابن أبي عمير قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله: الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه ; فقال: الشقي من علم الله (1) وهو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال الاشقياء، والسعيد من علم الله وهو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال السعداء. قلت له: فما معنى قوله صلى الله عليه وآله: اعملوا فكل ميسر لما خلق له ؟ فقال: إن الله عزوجل خلق الجن والانس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله عزوجل " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " فيسر كلا لما خلق له، فالويل لمن استحب العمى على الهدى. " ص 366 " 11 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن صفوان، عن ابن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه فمن علمه الله (2) سعيدا لم يبغضه أبدا. وإن عمل شرا أبغض عمله ولم يبغضه، وإن علمه شقيا لم يحبه أبدا، وإن عمل صالحا أحب عمله وأبغضه لما يصير إليه، فإذا أحب الله شيئا لم يبغصه أبدا، وإذا أبغض شيئا لم يحبه أبدا. " 367 " سن: أبي، عن صفوان مثله. ص " 279 "


(1) في المصدر: من علمه الله وكذا في قوله عليه السلام: والسعيد من علم الله. م (2) في المحاسن فمن خلقه الله. م

[ 158 ]

بيان: خلق السعادة والشقاوة أي قدرهما بتقدير التكاليف الموجبة لهما. قوله عليه السلام: فمن علمه الله سعيدا في الكافي: فمن خلقه الله أي قدره بأن علمه كذلك، وأثبت حاله في اللوح أو خلقه حالكونه عالما بأنه سعيد. 12 - يد: ابن الوليد، عن الصفار وسعد معا، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " قال: يحول بينه وبين أن يعلم أن الباطل حق وقد قيل: إن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه بالموت، (1) وقال أبو عبد الله عليه السلام: " إن الله ينقل العبد من الشقاء إلى السعادة، ولا ينقله من السعادة إلى الشقاء. " ص 367 - 368 " 13 - ير: إبراهيم بن هاشم، عن الحسين بن سيف، عن أبيه، عن أبي القاسم، عن محمد بن عبد الله قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس ثم رفع يده اليمنى قابضا على كفه فقال: أتدرون ما في كفي ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: فيها أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة ; ثم رفع يده اليسرى فقال: أيها الناس أتدرون ما في يدي ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم إلى يوم القيامة ; ثم قال: حكم الله وعدل، وحكم الله وعدل، فريق في الجنة وفريق في السعير (2). 14 - سن: أبي، عن النضر، عن الحلبي، عن ابن مسكان، عن ابن حازم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أيحب الله العبد ثم يبغضه ؟ أو يبغضه ثم يحبه ؟ فقال: ما تزال تأتيني بشئ ! فقلت: هذا ديني وبه أخاصم الناس، فإن نهيتني عنه تركته. ثم قلت له: هل أبغض الله محمدا صلى الله عليه وآله على حال من الحالات ؟ فقال: لو أبغضه على حال من الحالات لما ألطف له حتى أخرجه من حال إلى حال فجعله نبيا ; فقلت: ألم تجبني منذ سنين عن الشقاوة والسعادة أنهما كانا قبل أن يخلق الله الخلق ؟ ! قال: بلى وأنا الساعة أقوله ; قلت: فأخبرني عن السعيد هل أبغضه الله على حال من الحالات ؟ فقال: لو أبغضه على حال من


(1) الظاهر أن جملة " وقد قيل ان الله الخ " من كلام الصدوق مدرجة بين الحديثين. (2) تقدم الحديث بألفاظ اخرى تحت رقم 2 ويأتى بعد أيضا.

[ 159 ]

الحالات لما ألطف له حتى يخرجه من حال إلى حال فيجعله سعيدا ; قتل: فأخبرني عن الشقي هل أحبه الله على حال من الحالات ؟ فقال: لو أحبه على حال من الحالات ما تركه شقيا ولاستنقذه من الشقاء إلى السعادة، قلت: فهل يبغض الله العبد ثم يحبه أو يحبه ثم يبغضه ؟ فقال: لا. " ص 279 - 280 15 - سن: النضر، عن يحيى الحلبي، عن معلى أبي عثمان، عن على بن حنظلة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اختصم رجلان بالمدينة: قدري ورجل من أهل مكة فجعلا أبا عبد الله عليه السلام بينهما فأتياه فذكرا كلامهما فقال: إن شئتما أخبرتكما بقول رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقالا: قد شئنا، فقال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: كتاب كبته الله بيمينه - وكلتا يديه يمين - فيه أسماء أهل الجنة بأسمائهم و أسماء آبائهم وعشائرهم ويجمل عليهم (1)، لا يزيد فيهم رجلا ولا ينقص منهم رجلا (2)، وقد يسلك بالسعيد في طريق الاشقياء حتى يقول الناس: كان (3) منهم، ما أشبهه بهم ! بل هو منهم، ثم تداركه السعادة ; وقد يسلك بالشقي طريق السعداء حتى يقول الناس: ما أشبهه بهم ! بل هو منهم، ثم يتداركه الشقاء، من كتبه الله سعيدا ولو لم يبق من الدنيا (4) إلا فواق ناقة ختم الله له بالسعادة. " ص 280 " يد: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن النضر، عن الحلبي، عن معلى أبي عثمان، عن ابن حنظلة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يسلك بالسعيد طريق الاشقياء إلى آخر الخبر. " ص 366 - 367 " 16 - سن ابن فضال، عن مثنى الحناط، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام قال: إن الله خلق قوما لحبنا، وخلق قوما لبغضنا، فلو أن الذين خلقهم


(1) في المصدر: مجمل عليهم، بدون الواو. (2) في المصدر: ولا ينقص منهم احدا أبدا. وكتاب كتبه الله فيه اسماء اهل النار باسمائهم واسماء آبائهم وعشائرهم مجمل عليهم لا يزيد فيهم رجلا ولا ينقص منهم رجلا. م (3) في المصدر: كانه منهم. م (4) في المصدر: من الدنيا شئ. م

[ 160 ]

لحبنا خرجوا من هذا الامر إلى غيره لاعادهم إليه وإن رغمت آنافهم، وخلق قوما لبغضنا فلا يحبوننا أبدا. " ص 280 " 17 - سن: الوشاء، عن مثنى، عن أبى بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله خلق خلقه، فخلق خلقا لحبنا لو أن أحدا خرج من هذا الرأي لرده الله إليه، وإن رغم أنفه، وخلق قوما لبغضنا فلا يحبوننا أبدا. (1) " 280 " 18 - سن: ابن محبوب، وعلي بن الحكم، عن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن مما أوحى الله إلى موسى وأنزل في التوراة: إني أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت الخلق وخلقت الخير وأجريته على يدي من أحب، فطوبى لمن أجريته على يديه، وأنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يدي من أريد فويل لمن أجريته على يديه. " ص 283 " 19 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حكيم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن في بعض ما أنزل الله في كتبه: إني أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت الخير وخلقت الشر فطوبى لمن أجريت على يديه الخير، وويل لمن أجريت على يديه الشر، وويل لمن قال: كيف ذا ؟. وكيف ذا ؟ " 283 " 20 - سن: محمد بن سنان، عن حسين بن أبي عبيد، وعمرو الافرق الخياط، (2) وعبد الله بن مسكان كلهم، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله يقول: أنا الله لا إله إلا أنا، خالق الخير والشر، وهما خلقان من خلقي، فطوبى لمن قدرت له الخير: وويل لمن قدرت له الشر، وويل لمن قال: كيف ذا ؟. " ص 283 "


(1) اتحاده مع ما قبله ظاهر. وليس في المصدر: إليه. (2) أورده الشيخ في كتابه الفهرست واستظهر الميرزا كونه عمرو بن خالد الحناط الافرق المترجم في رجال النجاشي بقوله: عمرو بن خالد الحناط، لقبه الافرق، مولى، ثقة، عين، روى عن أبى عبد الله عليه السلام، له كتاب اه‍ وأما الحسين بن أبى عبيد فلم نظفر بترجمته.

[ 161 ]

21 - سن: الحسن بن علي، (1) عن داود بن سليمان الجمال (2) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وذكر عنده القدر وكلام الاستطاعة - فقال: هذا كلام خبيث، أنا على دين آبائي، لا أرجع عنه، القدر حلوه ومره من الله، والخير والشر كله من الله. " ج 1 ص 283 " 22 - سن: أبو شعيب المحاملي، (3) عن أبي سليمان الحمار، (4) عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شئ من الاستطاعة فقال: يا أبا محمد الخير والشر حلوه ومره وصغيره وكثيره من الله. " ج 1 ص 284 " بيان: المراد بخلق الخير والشر إما تقديرهما كما مر، أو المراد خلق الآلات والاسباب التي بها يتيسر فعل الخير وفعل الشر كما أنه تعالى خلق الخمر، وخلق في الناس القدرة على شربها، أو كناية عن أنهما إنما يحصلان بتوفيقه وخذلانه فكأنه خلقهما ; أو المراد بالخير والشر النعم والبلايا ; أو المراد بخلقهما خلق من يعلم أنه يكون باختياره مختارا للخير، ومختارا للشر، والله يعلم. 23 - سن: البزنطي، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زعم أن الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أن الخير والشر إليه فقد كذب على الله. (5) " ج 1 ص 284 " شى: عن أبي بصير مثله.


(1) في المصدر: الحسين بن على. م (2) في المحاسن المطبوع أيضا (الجمال) وكذا فيما يأتي بعده، والصحيح فيما (الحمار) ونقل عن خط الشهيد ضبطه بالحاء المهملة، والميم المشددة، والراء أخيرا، قال النجاشي في 115 من رجاله: داود بن سليمان، أبو سليمان الحمار، كوفى ثقة، روى عن أبى عبد الله عليه السلام إه‍ أقول: الحديث لا يخلو عن شبهة الارسال، لظهور اتحاده مع الاتى بعده. (3) كنية صالح بن خالد المحاملى. (4) كنية داود بن سليمان المتقدم. (5) الخير موجود مخلوق من غير شك وأما الشر فليس بموجود ولا مخلوق بالاصالة وإنما يتحقق بالعرض وبمقايسة شئ إلى شئ نحوا من المقايسة، والدليل على ذلك قوله تعالى: " والله *

[ 162 ]

(باب 7) * (الهداية والاضلال والتوفيق والخذلان) * الايات، الفاتحة " 1 " إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم 6. البقرة " 2 " إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم 6 - 7 " وقال تعالى ": يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين 26 " وقال تعالى ": فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب 213 - 214 " وقال تعالى ": الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور 257 " وقال ": والله لا يهدي القوم الظالمين 258 " وقال ": والله لا يهدى القوم الكافرين 264. آل عمران " 3 " قل إن الهدى هدى الله 73 " وقال تعالى ": كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين 86. النساء " 4 ": ولهديناهم صراطا مستقيما 68. المائدة " 5 ": ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم 41 " وقال تعالى ": فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم


* خالق كل شئ " الاية وقوله: " الذى أحسن كل شئ خلقه " الاية حيث عد كل شئ خلقا لنفسه ثم عده حسنا غير سئ، وقال تعالى: ما أصابك من سيئة فمن نفسك الاية فعد بعض الاشياء كالبلايا و الامراض سيئات وذكرها بالمساءة، مع أنها من حيث وجودها وخلقها حسنة فليست مساءتها إلا من جملة العرض والمقايسة. فالاشياء أعم من الخيرات والشرور من حيث وجودها وخلقها مستندة إليه تعالى كما ذكر في خبر المحاسن رقم 21 وكذلك مع المقايسة إذا كان الاستناد أعم مما بالذات وبالعرض والشرور من حيث هي شرور لا تستند إليه تعالى بالاصالة كما ذكر في هذا الخبر. ط (*)

[ 163 ]

ببعض ذنوبهم 49 " وقال تعالى ": ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم 54 " وقال تعالى ": إن الله لا يهدي القوم الكافرين 67 " وقال تعالى ": والله لا يهدي القوم الفاسقين 108. الانعام " 6 " ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا 25 " وقال تعالى ": ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين 35 " وقال تعالى ": وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها 123 " وقال تعالى ": من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم 39 " وقال تعالى ": و كذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا 53 " وقال تعالى ": و نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون * ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون * وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون 110 - 113 " وقال تعالى ": فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون 125 " وقال تعالى ": إن الله لا يهدي القوم الظالمين 144 " وقال تعالى ": فلو شاء لهديكم أجمعين 149. الاعراف " 7 " إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون 27 " وقال تعالى ": من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون * ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون 178 - 179 " وقال تعالى ": فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة 30 " وقال تعالى ": سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها

[ 164 ]

غافلين 146 " وقال تعالى ": من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون 186. الانفال " 7 " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى 17 " وقال تعالى ": واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه 24. (1) التوبة " 9 " والله لا يهدى القوم الظالمين 19 " وقال تعالى ": والله لا يهدي القوم الفاسقين 24 " وقال تعالى " وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون 87 " وقال تعالى ": صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون 127. يونس " 10 " والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 25 " وقال تعالى " كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون 33 " وقال تعالى ": ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون * ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون * إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون 42 - 43 " وقال تعالى ": إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الاليم 96 - 97. هود " 11 " وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب 88 " وقال تعالى ": ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين 118 - 119 " وقال تعالى ": ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون 34. (2)


(1) قال الرضى رحمه الله: هذه استعارة على بعض التأويلات المذكورة في هذه الاية، والمعنى: أن الله أقرب إلى العبد من قلبه، فكأنه حائل بينه وبينه من هذا الوجه، أو يكون المعنى أنه قادر على تبديل قلب المرء من حال إلى حال، إذ كان سبحانه موصوفا بأنه مقلب القلوب، والمعنى أنه ينقلها من حال الامن إلى حال الخوف، ومن حال الخوف إلى حال الامن، ومن حال المساءة إلى حال السرور، ومن حال المحبوب إلى حال المكروه. (2) الاغواء: هو الدعاء إلى الغى والضلال، وذلك غير جائز على الله سبحانه لقبحه، وورود أمره بضده، فهو من قبيل الاستعارة، والمراد هنا تخييبه سبحانه لهم من رحمته لكفرهم به، و ذهابهم عن أمره، وخذلانهم عن سبيل الرشاد، ويجوز أن يكون بمعنى الهلاك، كما يجوز أن يكون بمعنى الحكم بالغواية عليهم.

[ 165 ]

الرعد " 13 ": قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب 27 " وقال تعالى ": أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا 31 " وقال تعالى ": ومن يضلل الله فماله من هاد 33. ابراهيم " 14 " فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء 4 وقال تعالى ": يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء 27. النحل " 16 " ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون 93 " وقال تعالى ": وأن الله لا يهدي القوم الكافرين * أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون 107 - 108. الاسرى " 17 " ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه 97 " وقال تعالى ": وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا 16. الكهف " 18 " من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا 17. مريم " 19 " قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا 75 " وقال تعالى ": ويزيد الله الذين اهتدوا هدى 76 " وقال تعالى ": ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا 83. النور " 24 " ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم 21 " وقال تعالى ": ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور 40 " وقال تعالى ": والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 46. الفرقان " 25 " ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا 18. الشعراء " 26 " كذلك سلكناه في قلوب المجرمين * لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم 200 - 201. النمل " 27 " إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون 4. القصص " 28 " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار 41 " وقال تعالى ": إنك لا تهدي

[ 166 ]

من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين 56. الروم " 30 " فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين 29 " وقال سبحانه: كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون 59. التنزيل " 32 " ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها ولكن حق القول مني لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين 13. سبا: " 34 " قال: إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب 50. فاطر " 35 ": أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء 8 " وقال سبحانه " إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور 22. يس " 37 " لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون * إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الاذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون * وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون 7 - 10. الزمر " 39 " إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار 3 " وقال تعالى ": ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فماله من هاد 23 ومن يهد الله فما له من مضل 37 " وقال تعالى ": أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين 57. المؤمن " 40 " ومن يضلل الله فماله من هاد 33 " وقال تعالى ": كذلك يضلل الله من هو مسرف مرتاب 34 " وقال تعالى ": كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار 35 " وقال تعالى ": كذلك يضل الله الكافرين 74. السجدة " 41 " وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في امم قد خلت من قبلهم من الجن والانس إنهم كانوا خاسرين 25. حمعسق " 42 " الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب 13 " وقال تعالى ": ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده 44 " وقال تعالى ": ومن يضلل الله فما له من سبيل 46.

[ 167 ]

الزخرف " 43 " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا 32 " وقال تعالى ": ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين 36 " وقال تعالى ": أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين 40. الجاثية " 45 " أفرأيت من اتخذ إلهه هويه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون 23. محمد " 47 " اولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم 14 " وقال تعالى ": والذين اهتدوا زادهم هدى وآتيهم تقويهم 17 " وقال تعالى ": اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم 23. الصف " 61 " والله لا يهدي القوم الظالمين 7. المنافقين " 63 " فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون 3. الدهر " 76 " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا 3. تفسير: قوله تعالى: " ختم الله على قلوبهم " قال البيضاوي: الختم: الكتم، سمي به الاستيثاق من الشئ بضرب الخاتم عليه لانه كتم له والبلوغ آخره، نظرا إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه. والغشاوة فعالة من غشاه: إذا غطاه، بنيت لما يشتمل على الشئ كالعصابة والعمامة، ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة، وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي، واستقباح الايمانوالطاعات بسبب غيهم وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن النظر الصحيح فيجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحق، وأسماعهم تعاف استماعه فتصير كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لا تجتلي لها الآيات المنصوبة في الآفاق والانفس، كما تجتليها أعين المستبصرين، فتصير كأنها غطي عليها وحيل بينها وبين الابصار، وسماه على الاستعارة ختما وتغشية ; أو مثل قلوبهم ومشاعرهم المؤوفة بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ختما وتغطية. وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى: ": اولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم " (1) وبالاغفال في قوله تعالى:


(1) النحل: 108

[ 168 ]

" ولا تطع من أغفلنا قلبه " (1) وبالاقساء في قوله تعالى " وجعلنا قلوبهم قاسية " (2) وهي من حيث إن الممكنات بأسرها مستندة إلى الله واقعة بقدرته استندت إليه، ومن حيث إنها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله: " بل طبع الله عليها بكفرهم " (3) وقوله تعالى: " ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم " (4) وردت الآية ناعية عليهم (5) شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم، واضطرت المعتزلة فيه فذكروا وجوها من التأويل: الاول: أن القوم لما أعرضوا عن الحق وتمكن ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه. الثاني: أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن الفطن أو قلوب مقدر ختم الله عليها ; ونظيره: سال به الوادي: إذا هلك، وطارت به العنقاء: إذا طالت غيبته. الثالث: أن ذلك في الحقيقة فعل الشيطان، أو الكافر لكن لما كان صدوره عنه بإقداره تعالى إياه أسنده إليه إسناد الفعل إلى السبب. الرابع: أن أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق طريق إلى تحصيل إيمانهم سوى الالجاء والقسر ثم لم يقسرهم إبقاءا على غرض التكليف عبر عن تركه بالختم، فإنه سد لايمانهم، وفيه إشعار على ترامي أمرهم في الغي وتناهي انهماكهم في الضلال والبغي. الخامس: أن يكون حكاية لما كانت الكفرة يقولون مثل: " قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب " (6) تهكما واستهزاءا بهم، كقوله تعالى: " لم يكن الذين كفروا " (7) الآية.


(1) الكهف: 28 (2) المائدة: 13. (3) النساء: 155. (4) المنافقون: 3. (5) نعى عليه شهواته: عابه بها. ونعى عليه ذنوبه: ظهرها وشهرها. (6) حم السجدة: 5 أقول: أكنة جمع الكن، وهو وقاء كل شئ وستره، قال الشيخ الطوسى في التبيان: وانما قالوا: ذلك ليؤيسوا النبي صلى الله عليه وآله من قبولهم دينه، فهو على التمثيل فكأنهم شبهوا قلوبهم بما يكون في غطاء فلا يصل إليه شئ مما وراءه، وفيه تحذير من مثل حالهم في كل من دعى إلى أمر لا يمتنع أن يكون هو الحق، فلا يجوز أن يدفعه بمثل هذا الدفع، " وفى آذاننا وقر " أي ثقل عن استماع هذا القرآن " ومن بيننا وبينك حجاب " قيل: الحجاب: الخلاف الذى يقتضى أن نكون بمعزل عنك، قال الزجاج: معناه: حاجز في النحلة والدين، أي لا نوافقك في مذهب. (7) البينة: 1.

[ 169 ]

السادس: أن ذلك في الآخرة، وإنما أخبر عنه بالماضي لتحققه وتيقن وقوعه ويشهد له قوله تعالى: " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما " (1) السابع: أن المراد بالختم وسم قلوبهم بسمة تعرفها الملائكة فيبغضونهم ويتنفرون عنهم وعلى هذا المنهاج كلامنا وكلامهم فيما يضاف إلى الله تعالى من طبع وإضلال و نحوهما. انتهى. أقول: بعد قيام البرهان على امتناع أن يكلف الحكيم أحدا ثم يمنعه عن الاتيان بما كلفه به ثم يعذبه عليه وشهادة العقل بقبح ذلك وأنه تعالى منزه عنه لابد من الحمل على أحد الوجوه التي ذكرها. وزاد الشيخ الطبرسي رحمه الله على ما ذكر وجهين آخرين: أحدهما ما سيأتي نقلا عن تفسير العسكري عليه السلام وقد مرت الاشارة إليه أيضا وهو أن المراد بالختم العلامة وإذا انتهى الكافر من كفره إلى حالة يعلم الله تعالى أنه لا يؤمن فإنه يعلم على قلبه علامة ; وقيل: هي نكتة سوداء تشاهدها الملائكة فيعلمون بها أنه لا يؤمن بعدها فيذمونه ويدعون عليه كما أنه تعالى يكتب في قلب المؤمن الايمان ويعلم عليه علامة تعلم الملائكة بها أنه مؤمن فيمدحونه ويستغفرون له، فقوله تعالى: " بل طبع الله عليها بكفرهم " يحتمل أمرين: أحدهما أنه طبع الله عليها جزاءا للكفر وعقوبة عليه، والآخر أنه طبع عليها بعلامة كفرهم كما يقال: طبع عليه بالطين، وختم عليه بالشمع. وثانيهما أن المراد بالختم على القلوب أن الله شهد عليها وحكم بأنها لا تقبل الحق كما يقال: أراك أنك تختم على كل ما يقوله فلان أي تشهد به وتصدقه، وقد ختمت عليك بأنك لا تفلح أي شهدت، وذلك استعارة. قوله تعالى: " يضل به كثيرا " قال الطبرسي رحمه الله: فيه وجهان: أحدهما: حكي عن الفراء أنه قال حكاية عمن قال: ما ذا أراد الله بهذا مثلا " أي يضل به قوم ويهدي به قوم، ثم قال الله تعالى: " وما يضل به إلا الفاسقين " فبين تعالى أنه لا يضل إلا فاسقا ضالا، وهذا وجه حسن.


(1) اسرى: 97.

[ 170 ]

والآخر أنه كلامه تعالى ابتداءا وكلاهما محتمل، وإذا كان محمولا على هذا فمعنى قوله: يضل به كثيرا أن الكفار يكذبون به وينكرونه، ويقولون: ليس هو من عند الله فيضلون بسببه، وإذا حصل الضلال بسببه أضيف إليه، وقوله: " ويهدي به كثيرا " يعني الذين آمنوا به وصدقوه، وقالوا: هذا في موضعه، فلما حصلت الهداية بسببه أضيف إليه، فمعنى الاضلال على هذا تشديد الامتحان الذي يكون عنده الضلال فالمعنى أن الله يمتحن بهذه الامثال عباده فيضل بها قوم كثير، ويهدي بها قوم كثير، ومثله قوله: " رب إنهن أضللن كثيرا من الناس (1) أي ضلوا عندها، وهذا مثل قولهم: أفسدت فلانة فلانا وأذهبت عقله، وهي ربما لم تعرفه ولكن لما ذهب عقله وفسد من أجلها أضيف الفساد إليها، وقد يكون الاضلال بمعنى التخلية على وجه العقوبة وترك المنع بالقهر ومنع الالطاف التي تفعل بالمؤمنين جزاءا على إيمانهم، وهذا كما يقال لمن لا يصلح سيفه: أفسدت سيفك ; أريد به أنك لم تحدث فيه الاصلاح في كل وقت بالصقل والاحداد. وقد يكون الاضلال بمعنى التسمية بالضلال والحكم به كما يقال: أضله إذا نسبه إلى الضلال، وأكفره: إذا نسبه إلى الكفر، قال الكميت: وطائفة قد أكفروني بحبكم. وقد يكون الاضلال بمعنى الاهلاك والعذاب والتدمير، ومنه قوله تعالى: " إن المجرمين في ضلال وسعر " (2) ومنه قوله تعالى: " ءإذا ضللنا في الارض " (3) أي هلكنا، وقوله: " والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم " (4) أي لم يبطل فعلى هذا يكون المعنى: أن الله تعالى يهلك ويعذب بالكفر به كثيرا بأن يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسببه فيهلكوا ويهدي إلى الثواب وطريق الجنة بالايمان به كثيرا ; عن أبي على الجبائي قال: ويدل على ذلك قوله: " وما يضل به إلا الفاسقين " لانه لا يخلو من أن يكون أراد العقوبة على التكذيب كما قلناه، أو يكون أراد به التحيير والتشكيك، فإن أراد الحيرة فقد ذكر أنه لا يفعل إلا بالفاسق المتحير الشاك فيجب أن لا تكون الحيرة المتقدمة التي بها صاروا فساقا من فعله إلا إذا وجدت حيرة قبلها أيضا، وهذا يوجب وجود


(1) ابراهيم: 36. (2) القمر: 47. (3) الم السجدة: 10. (4) محمد: 4.

[ 171 ]

ما لا نهاية له من حيرة قبل حيرة لا إلى أول، أو ثبوت إضلال لا إضلال قبله، وإذا كان ذلك من فعله فقد أضل من لم يكن فاسقا وهو خلاف قوله: " وما يضل به إلا الفاسقين " وعلى هذا الوجه فيجوز أن يكون حكم الله عليهم بالكفر وبراءته منهم ولعنته عليهم إهلاكا لهم، ويكون إهلاكه إضلالا، وكل ما في القرآن من الاضلال المنسوب إلى الله تعالى فهو بمعنى ما ذكرناه من الوجوه ولا يجوز أن يضاف إلى الله سبحانه الاضلال الذي أضافه إلى الشيطان وإلى فرعون والسامري بقوله: " ولقد أضل منكم جبلا كثيرا " (1) وقوله: " وأضل فرعون قومه " (2) وقوله: " وأضلهم السامري " (3) وهو أن يكون بمعنى التلبيس والتغليط والتشكيك والايقاع في الفساد والضلال وغير ذلك مما يؤدي إلى التظليم و التجوير إلى ما يذهب إليه المجبرة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإذ قد ذكرنا أقسام الاضلال فلنذكر أقسام الهداية التي هي ضده. اعلم أن الهداية في القرآن تقع على وجوه: أحدها أن تكون بمعنى الدلالة والارشاد يقال: هداه الطريق وللطريق وإلى الطريق إذا دله عليه، وهذا الوجه عام لجميع المكلفين، فإن الله تعالى هدى كل مكلف إلى الحق بأن دله عليه وأرشده إليه لانه كلفه الوصول إليه فلو لم يدله عليه لكان قد كلفه ما لا يطيق ; ويدل عليه قوله تعالى: " ولقد جاءهم من ربهم الهدى " (4) وقوله: " إنا هديناه السبيل " (5) وقوله: " أنزل فيه القرآن هدى " (6) وقوله: " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " (7) وقوله: " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " (8) وقوله: " وهديناه النجدين " (9) وما أشبه ذلك من الآيات. وثانيها أن يكون بمعنى زيادة الالطاف التي بها يثبت على الهدى ; ومنه قوله تعالى: " والذين اهتدوا زادهم هدى ". (10)


(1) يس: 62. (2) طه: 79. (3) طه: 85. (4) النجم: 23. (5) الدهر: 3. (6) البقرة: 185. (7) حم السجدة: 17. (8) الشورى: 52. (9) البلد: 10. (10) محمد: 17.

[ 172 ]

وثالثها أن تكون بمعنى الاثابة: ومنه قوله تعالى: " يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الانهار في جنات النعيم " (1) وقوله تعالى: " والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم " (2) والهداية التي تكون بعد قتلهم هي إثابتهم لا محالة. ورابعها: الحكم بالهداية كقوله تعالى: " ومن يهدي الله فهو المهتد " (3) وهذه الوجوه الثلاثة خاصة بالمؤمنين دون غيرهم لانه تعالى إنما يثيب من يستحق الاثابة وهم المؤمنون، ويزيدهم ألطافا بإيمانهم وطاعتهم، ويحكم لهم بالهداية لذلك أيضا. وخامسها أن تكون الهداية بمعنى جعل الانسان مهتديا، بأن يخلق الهداية فيه كما يجعل الشئ متحركا بخلق الحركة فيه، والله تعالى يفعل العلوم الضرورية في القلوب فذلك هداية منه تعالى، وهذا الوجه أيضا عام لجميع العقلاء كالوجه الاول، فأما الهداية التي كلف الله تعالى العباد فعلها كالايمان به وبأنبيائه وغير ذلك فإنها من فعل العباد، ولذلك يستحقون عليها المدح والثواب، وإن كان الله سبحانه قد أنعم عليهم بدلالتهم على ذلك وإرشادهم إليه ودعاهم إلى فعله وتكليفهم إياه وأمرهم به، فهو من هذا الوجه نعمة منه سبحانه عليهم، ومنة منه واصلة إليهم، وفضل منه وإحسان لديهم، فهو مشكور على ذلك محمود، إذ فعله بتمكينه وألطافه وضروب تسهيلاته و معوناته. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " (4): إن المراد به البيان والدلالة، والصراط المستقيم هو الاسلام ; أو المراد به: يهديهم باللطف فيكون خاصا بمن علم من حاله أنه يصلح به ; أو المراد به: يهديهم إلى طريق الجنة. وقال في قوله تعالى: " متى نصر الله " (5) قيل: هذا استعجال للموعود كما يفعله الممتحن، وإنما قاله الرسول استبطاءا للنصر على جهة التمني. وقيل: إن معناه الدعاء لله بالنصر. وقيل: إنه ذكر كلام الرسول والمؤمنين جملة وتفصيلا: قال المؤمنون متى نصر الله ؟ وقال الرسول: إلا إن نصر الله قريب.


(1) يونس: 9. (2) محمد: 4 و 5. (3) اسرى: 97. (4) النور: 46. (5) البقرة: 214.

[ 173 ]

وقال في قوله تعالى: " يخرجهم من الظلمات إلى النور " (1): أي من ظلمات الضلال والكفر إلى نور الهدى والايمان بأن هداهم إليه ونصب الادلة لهم عليه و رغبهم فيه وفعل بهم من الالطاف ما يقوي دواعيهم إلى فعله. وقال في قوله تعالى " والله لا يهدي القوم الظالمين " (2) أي بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد. وقيل: لا يهديهم إلى المحاجة كما يهدي أنبياءه. وقيل: لا يهديهم بألطافه وتأييده إذا علم أنه لا لطف لهم. وقيل: لا يهديهم إلى الجنة. وقال في قوله تعالى: " كيف يهدي الله قوما ": (3) معناه: كيف يسلك الله بهم سبيل المهتدين بالاثابة لهم والثناء عليهم ؟ أو أنه على طريق التبعيد كما يقال: كيف يهديك إلى الطريق وقد تركته ؟ أي لا طريق يهديهم به إلى الايمان إ من الوجه الذي هداهم به وقد تركوه، أو كيف يهديهم الله إلى طريق الجنة والحال هذه ؟. أقول: الاظهر أن المعنى أنهم حرموا أنفسهم بما اختاروه الالطاف الخاصة من ربهم تعالى. وقال في قوله تعالى: " ومن يرد الله فتنته " (4): قيل: فيه أقوال: أحدها أن المراد بالفتنة العذاب أي من يرد الله عذابه كقوله تعالى: " على النار يفتنون " (5) أي يعذبون وقوله: " ذوقوا فتنتكم " (6) أي عذابكم. وثانيها أن معناه من يرد الله إهلاكه. وثالثها أن المراد به من يرد الله خزيه وفضيحته بإظهار ما ينطوي عليه.


(1) البقرة: 257. (2) البقرة: 258. (3) آل عمران: 86. (4) المائدة: 41 قال الشيخ في التبيان: - بعد نقل الاقوال الثلاثة الاولة - وأصل الفتنة: التخليص من قولهم: فتنت الذهب في النار أي خلصته من الغش والفتنة: الاختبار، ويسمى بذلك لما فيها من تخليص الحال لمن أراد الاضلال، وإنما أراد الحكم عليه بذلك بايراد الحجج ففيه تمييز وتخليص لحالهم من حال غيرهم من المؤمنين، ومن فسره على العذاب فلانهم يحرقون كما يحرق خبث الذهب فهم خبث كلهم، ومن فسره على الفضيحة فلما فيها من الدلالة عليهم التى يتميزون بها من غيرهم. (5) الذاريات: 13. (6) الذاريات: 14.

[ 174 ]

ورابعها أن المراد من يرد الله اختباره بما يبتليه من القيام بحدوده فيدع ذلك ويحرفه. والاصح الاول. " فلن تملك له من الله شيئا " أي فلن تستطيع أن تدفع لاجله من أمر الله الذي هو العذاب أو الفضيحة أو الهلاك شيئا " أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم " معناه: اولئك اليهود لم يرد الله أن يطهر من عقوبات الكفر التي هي الختم والطبع والضيق قلوبهم، كما طهر قلوب المؤمنين منها، بأن كتب في قلوبهم الايمان، وشرح صدروهم للاسلام. وقيل: معناه: لم يرد أن يطهرها من الكفر بالحكم عليها بأنها بريئة منه، ممدوحة بالايمان. قال القاضي: وهذا لا يدل على أنه سبحانه لم يرد منهم الايمان لان ذلك لا يعقل من تطهير القلب إلا على جهة التوسع، ولان قوله: " لم يرد الله أن يطهر قلوبهم " يقتضي نفي كونه مريدا، وليس فيه بيان الوجه الذي لم يرد ذلك عليه، و المراد بذلك أنه لم يرد تطهير قلوبهم مما يلحقها من الغموم بالذم والاستخفاف والعقاب ولذا قال عقيبه: " لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم " ولو كان أراد ما قاله المجبرة لم يجعل ذلك ذما لهم ولا عقبه بالذم، ولا جعله في حكم الجزاء على ما لاجله عاقبهم وأراد ذلك فيهم. أقول: روى النعماني في تفسيره فيما رواه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنهم سألوه عن المتشابه في تفسير الفتنة فقال: منه فتنة الاختبار وهو قوله تعالى: " الم أحسب الناس أن يتكروا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " (1) وقوله لموسى: " وفتناك فتونا ". (2) ومنه فتنة الكفر وهو قوله تعالى: " لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور حتى جاء الحق وظهر أمر الله " (3) وقوله سبحانه في الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك أن يتخلفوا عنه من المنافقين فقال الله تعالى فيهم: " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطو " (4) يعني ائذن لي ولا تكفرني، فقال عزوجل: " ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ". (5)


(1) العنكبوت: 1 و 2. (2) طه: 40. (3) التوبة: 48. (4، 5) التوبة: 49. (*)

[ 175 ]

ومنه فتنة العذاب وهو قوله تعالى: " يوم هم على النار يفتنون " (19 أي يعذبون " ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون " (2) أي ذوقوا عذابكم. ومنه قوله تعالى: " إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا " (3) أي عذبوا المؤمنين. ومنه فتنة المحبة للمال والولد كقوله تعالى: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة ". (4) ومنه فتنة المرض وهو قوله سبحانه: " أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون " (5) أي يمرضون ويقتلون. انتهى. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم " قيل: في معناه أقوال: أحدها معناه: فاعلم يا محمد أنما يريد الله أن يعاقبهم ببعض أجرامهم، وذكر البعض والمراد به الكل، كما يذكر العموم ويراد به الخصوص. والثاني أنه ذكر البعض تغليظا للعقاب، والمراد أنه يكفي أن يؤخذوا ببعض ذنوبهم في إهلاكهم والتدمير عليهم. والثالث أنه أراد تعجيل بعض العقاب مما كان من التمرد في الاجرام لان عذاب الدنيا مختص ببعض الذنوب دون بعض، وعذاب الآخرة يعم. قوله تعالى: " وجعلنا على قلوبهم أكنة " قال الزمخشري: الاكنة على القلوب والوقر في الآذان مثل في نبو قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته، ووجه إسناد الفعل إلى ذاته وهو قوله: " وجعلنا " للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه، أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم: وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب وقال الطبرسي رحمه الله: قال القاضي أبو عاصم العامري: أصح الاقوال فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن في الصلاة جهرا رجاء أن يستمع إلى قراءته إنسان فيتدبر معانيه ويؤمن به فكان المشركون إذا سمعوه آذوه ومنعوه عن الجهر بالقراءة، وكان الله تعالى يلقي عليهم النوم، أو يجعل


(1) الذاريات: 13. (2) الذاريات: 14. (3) البروج: 10. (4) التغابن: 15. (5) التوبة: 126.

[ 176 ]

في قلوبهم أكنة ليقطعهم عن مرادهم، وذلك بعد ما بلغهم ما تقوم به الحجة وتنقطع به المعذرة، وبعدها علم الله تعالى أنهم لا ينتفعون بسماعه ولا يؤمنون به، فشبه إلقاء النوم عليهم بجعل الغطاء على قلوبهم، وبوقر آذانهم لان ذلك كان يمنعهم من التدبر كالوقر والغطاء، وهذا معنى قوله تعالى: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " ويحتمل ذلك وجها آخر وهو أنه تعالى يعاقب هؤلاء الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفقهوا ما يستمعونه ; ويحتمل أيضا أن يكون سمي الكفر الذي في قلوبهم كنا تشبيها ومجازا وإعراضهم عن القرآن وقرا توسعا لان مع الكفر والاعراض لا يحصل الايمان والفهم، كما لا يحصلان مع الكن والوقر، ونسب ذلك إلى نفسه لانه الذي شبه أحدهما بالآخر كما يقول أحدنا لغيره إذا أثنى على إنسان وذكر مناقبه: جعلته فاضلا، وبالضد إذا ذكر مقابحه وفسقه يقول: جعلته فاسقا، (1) وقال الزمخشري في قوله تعالى: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى " أي بأن يأتيهم بآية ملجئة، ولكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة. وقوله تعالى: " ليمكروا فيها " قال الطبرسي رحمه: اللام: لام العاقبة، وقال الزمخشري: معناه خليناهم ليمكروا وما كففناهم عن المكر ; وكذا قال: اللام لام العاقبة في قوله تعالى: " ليقولوا " أي عاملناهم معاملة المختبر ليشكروا أو يصبروا فآل أمرهم إلى هذه العاقبة. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ونقلب افئدتهم وأبصارهم " وجهين:


(1) أوردنا قبلا معنى الاية عن التبيان. ولنذكر هنا ما عن الرضى رحمه الله في كتابه مجازات القرآن قال: وهذه استعارة وليس هناك على الحقيقة شئ مما أشاروا إليه، وإنما أخرجوا هذا الكلام مخرج الدلالة على استثقالهم ما يسمعونه من قوارع القرآن وبواقع البيان فكأنهم من قوة الزهادة فيه وشدة الكراهية له قد وقرت أسماعهم عن فهمه، وأكنت قلوبهم دون علمه، وذلك معروف في عادة الناس أن يقول القائل منهم لمن يشنأ كلامه ويستثقل خطابه: ما أسمح قولك ولا أعى لفظك وإن كان صحيح حاسة السمع، الا أنه حمل الكلام على الاستثقال والمقت، وعلى هذا قول الشاعر: وكلام سيئ قد وقرت * إذنى عنه وما بي من صمم.

[ 177 ]

أحدهما أنه يقلبهما في جهنم على لهب النار وحر الجمر كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا ; والآخر أن المعنى: يقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحيرة التي تغم وتزعج النفس. وقال الزمخشري: " ونقلب أفئدتهم ونذرهم " عطف على لا يؤمنون داخل في حكم وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم، أي نطبع على قلوبهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق، كما كانوا عند نزول آياتنا أولا، لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعا على قلوبهم وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي نخليهم وشأنهم لا نكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه. (1) وقال في قوله تعالى: " إلا أن يشاء الله " أي مشية إكراه واضطرار. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله: " كذلك جعلنا " وجوه: أحدها أن المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين فقد أمرنا من قبلك بمعاداة أعدائهم من الجن والانس. ومتى أمر الله رسوله بمعاداة قوم من المشركين فقد جعلهم أعداءا له. وثانيها: أن معناه حكمنا بأنهم أعداء وأخبرنا بذلك ليعاملوهم معاملة الاعداء في الاحتراز عنهم والاستعداد لدفع شرهم، وهذا كما يقال: جعل القاضي فلانا عدلا وفلانا فاسقا إذا حكم بعدالة هذا وفسق ذاك. وثالثها: أن المراد خلينا بينهم وبين اختيارهم العداوة، لم نمنعهم على ذلك كرها ولا جبرا، لان ذلك يزيل التكليف. ورابعها: أنه سبحانه إنما أضاف ذلك إلى نفسه، لانه سبحانه لما أرسل إليهم الرسل، وأمرهم إلى دعائهم إلى الاسلام والايمان وخلع ما كانوا يعبدونه من الاصنام والاوثان نصبوا عند ذلك العداوة لانبيائه، ومثله قول نوح عليه السلام: " فلم يزدهم دعائي إلا فرارا " وقال: والعامل في قوله: " ولتصغى " قوله: " يوحى " ولا يجوز أن يكون العامل


(1) وهذه استعارة، لان تقليب القلوب والابصار على الحقيقة بازالتها عن مواضعها " إقلاقها عن مناصبها لا يصح، والبنية صحيحة والجملة حية متصرفة، وإنما المراد - والله أعلم - أنا نرميها بالحيرة والمخافة جزاءا على الكفر والضلالة فتكون الافئدة مسترجعة لتعاظم أسباب المخاوف وتكون الابصار منزعجة لتوقع طلوع المكاره. وقد قيل: إن المراد بذلك تقليبهما على مرامض الجمر في نار جهنم وذلك يخرج الكلام عن حيز الاستعارة إلى حيز الحقيقة ; قاله الرضى رضى الله عنه.

[ 178 ]

فيه " جعلنا " لان الله سبحانه لا يجوز أن يريد إصغاء القلوب إلى الكفر ووحي الشياطين، إلا أن نجعلها لام العاقبة. وقال البلخي: اللام في: ولتصغى " لام العاقبة، وما بعده لام الامر الذي يراد به التهديد. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " فمن يرد الله أن يهديه " فيه وجوه: أحدها: أن معناه من يرد الله أن يهديه إلى الثواب وطريق الجنة يشرح صدره في الدنيا للاسلام بأن يثبت عزمه عليه ويقوي دواعيه على التمسك به، وإنما يفعل ذلك لطفا له ومنا عليه، وثوابا على اعتدائه بهدى الله وقبوله إياه ; ومن يرد أن يضله عن ثوابه وكرامته يجعل صدره في كفره ضيقا حرجا عقوبة له على تركه الايمان من غير أن يكون سبحانه مانعا له عن الايمان، بل ربما يكون ذلك داعيا إليه، فإن من ضاق صدره بالشئ كان ذلك داعيا إلى تركه. وثانيها: أن معناه فمن يرد الله أن يثبته على الهدى يشرح صدره من الوجه الذي ذكرناه، جزاءا له على إيمانه واهتدائه، وقد يطلق الهدى ويراد به الاستدامة ; ومن يرد أن يضله أي يخذله ويخلي بينه وبين ما يريده، لاختياره الكفر وتركه الايمان يجعل صدره ضيقا حرجا بأن يمنعه الالطاف التي هو ينشرح لها صدره، لخروجه من قبولها بإقامته على كفره. وثالثها: أن معناه من يرد الله أن يهديه زيادة الهدى التي وعدها المؤمن يشرح صدره لتلك الزيادة لان من حقها أن يزيد المؤمن بصيرة، ومن يرد أن يضله عن تلك الزيادة بمعنى يذهبه عنها من حيث أخرج هو نفسه من أن تصح عليه يجعل صدره ضيقا حرجا لمكان فقد تلك الزيادة، لانها إذا اقتضت في المؤمن ما قلناه أوجب في الكافر ما يضاده، والرجس: العذاب. وقال في قوله تعالى: " إنا جعلنا الشياطين " أي حكمنا بذلك لانهم يتناصرون على الباطل كما قال: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ". وقال في قوله: " ولقد ذرأنا لجهنم " يعني خلقناهم على أن عاقبتهم المصير إلى

[ 179 ]

جهنم بكفرهم وإنكارهم وسوء اختيارهم، ويدل عليه قوله سبحانه: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " وقال الزمخشري: جعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق ولا ينظرون بعيونهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب وإبصار العيون واستماع الآذان وجعلهم لاغراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه وأنهم لا يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار، دلالة على توغلهم في الموجبات، وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " فريقا هدى " أي جماعة حكم لهم بالاهتداء بقبولهم للهدى، أو لطف لهم بما اهتدوا عنده، أو هداهم إلى طريق الثواب " وفريقا حق " أي وجب عليهم الضلالة، إذ لم يقبلوا الهدى، أو حق عليهم الخذلان لانه لم يكن لهم لطف تنشرح لهم صدورهم، أو حق عليهم العذاب أو الهلاك بكفرهم. وقال الزمخشري في قوله تعالى: " ولكن الله قتلهم ": أي إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم لانه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب قي قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع، وما رميت أنت يا محمد إذ رميت ولكن الله رمى، يعني أن الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة لانك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغ أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الاثر العظيم فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وآله، لان صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لان أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله فكأن الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، و كأنها لم توجد من الرسول أصلا. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ثم انصرفوا " أي انصرفوا عن المجلس، وقيل انصرفوا عن الايمان به " صرف الله قلوبهم " عن الفوائد التي يستفيدها المؤمنون والسرور بها، وحرموا الاستبشار بتلك الحال. وقيل: معناه صرف الله قلوبهم عن رحمته وثوابه عقوبة لهم على انصراهم عن الايمان بالقرآن، وعن مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله. وقيل: إنه على وجه الدعاء عليهم أي خذلهم الله باستحقاقهم ذلك، ودعاء الله على عباده وعيد لهم وإخبار بلحاق العذاب بهم.

[ 180 ]

قوله تعالى: " كذلك حقت كلمة ربك " قال الزمخشري: " إنهم لا يؤمنون " بدل من الكلمة أي حق عليهم انتفاء الايمان وعلم الله منهم ذلك، أو حق عليهم كلمة الله أنهم من أهل الخذلان وأن إيمانهم غير كائن، أو أراد بالكلمة العدة بالعذاب. " وأنهم لا بؤمنون " تعليل بمعنى لانهم لا يؤمنون. وقال في قوله تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك أي ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفارا فلا يكون غيره فتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد ; تعالى الله عن ذلك. وقال السيد المرتضى رضي الله عنه: إن سأل سائل فقال: ما عندكم في تأويل قوله تعالى: " ولو شاء ربك " لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " يقال له: أما قوله تعالى: " ولو شاء ربك " فإنما عنى به المشية التي نيضم إليها الالجاء، ولم يعن المشية على سبيل الاختيار، وإنما أراد تعالى أن يخبرنا عن قدرته وأنه ممن لا يغالب ولا يعصى مقهورا، من حيث كان قادرا على الالجاء والاكراه على ما أراده من العباد، فأما لفظة ذلك في الآية فحملها على الرحمة أولى من حملها على الاختلاف لدليل العقل وشهادة اللفظ، فأما دليل العقل فمن حيث علمنا أنه تعالى كره الاختلاف والذهاب عن الدين ونهى عنه وتوعد عليه، فكيف يجوز أن يكون شائيا له ومجريا بخلق العباد إليه ؟ وأما شهادة اللفظ فلان الرحمة أقرب إلى هذه الكناية من الاختلاف، وحمل اللفظ على أقرب المذكورين أولى في لسان العرب، فأما ما طعن به السائل من تذكير الكناية فباطل لان تأنيث الرحمة غير حقيقي، وإذا كني عنها بلفظ التذكير كانت الكناية على المعنى لان معناها هو الفضل والانعام كما قالوا: سرني كلمتك، يريدون سرني كلامك. وقال الله تعالى: " هذا رحمة من ربي " ولم يقل: " هذه " وإنما أراد هذا فضل من ربي، وفي موضع آخر " إن رحمة الله قريب من المحسنين " ولم يقل: قريبة. أقول: ثم استشهد رحمه الله لذلك بكثير من الاشعار تركناها حذرا من الاطناب ثم قال: وقال زياد الاعجم: إن الشجاعة والمروة ضمنا * قبرا بمرو على الطريق الواضح

[ 181 ]

ويروي: أن السماحة والشجاعة ; فقال: " ضمنا " ولم يقل: " ضمنتا " قال الفراء لانه ذهب إلى أن السماحة والشجاعة مصدران، والعرب تقول: قصارة الثوب يعجبني لان تأنيث المصادر يرجع إلى الفعل وهو مذكر، على أن قوله تعالى: " إلا من رحم ربك " كما يدل على الرحمة يدل أيضا على أن يرحم فإذا جعلنا الكناية بلفظة ذلك عن أن يرحم كان التذكير في موضعه لان الفعل مذكر، ويجوز أيضا أن يكون قوله تعالى: " ولذلك خلقهم " كناية عن اجتماعهم على الايمان وكونهم فيه أمة واحدة لا محالة أنه لهذا خلقهم ويطابق هذه الآية قوله تعالى: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " وقد قال قوم في قوله تعالى: " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة " معناه أنه لو شاء أن يدخلهم أجمعين الجنة فيكونوا في وصول جميعهم إلى النعيم أمة واحدة، وأجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى: " ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها " في أنه أراد هداها إلى طريق الجنة، فعلى هذا التأويل يمكن أن ترجع لفظة ذلك إلى إدخالهم أجمعين إلى الجنة لانه تعالى إنما خلقهم للمصير إليها والوصول إلى نعيمها. فأما قوله: " ولا يزالون مختلفين " فمعناه الاختلاف في الدين والذهاب عن الحق فيه بالهوى والشبهات. وذكر أبو مسلم محمد بن بحر في قوله تعالى: " ولا يزالون مختلفين " وجها غريبا وهو أن يكون معناه أن خلف هؤلاء الكافرين يخلف سلفهم في الكفر لانه سواء قولك: خلف بعضهم بعضا وقولك: اختلفوا، كما سواء قولك: قتل بعضهم بعضا، واقتتلوا. ومنه قولهم: لا أفعل كذا ما اختلف العصران والجديدان أي جاء كل واحد منهما بعد الآخر ; فأما الرحمة فليست رقة القلب، لكنها فعل النعم والاحسان ; يدل على ذلك أن من أحسن إلى غيره وأنعم عليه يوصف بأنه رحيم وإن لم تعلم منه رقة قلبه عليه. فإن قيل: إذا كانت الرحمة هي النعمة وعندكم أن نعم الله تعالى شاملة للخلق أجمعين فأي معنى للاستثناء " من رحم " من جملة " المختلفين " إن كانت الرحمة هي النعمة ؟ وكيف يصح اختصاصها بقوم دون قوم وهي عندكم شاملة عامة ؟. قلنا: لا شبهة في أن نعم الله سبحانه شاملة للخلق أجمعين غير أن في نعمه أيضا ما

[ 182 ]

يختص بها بعض العباد، إما لاستحقاق أو لسبب يقتضي الاختصاص، فإذا حملنا قوله: إلا من رحم ربك على النعمة بالثواب فالاختصاص ظاهر لان النعمة به لا تكون إلا مستحقة فمن استحق الثواب بأعماله وصل إلى هذه النعمة، ومن لم يستحقه لم يصل إليها و إن حملنا الرحمة في الآية على النعمة بالتوفيق للايمان واللطف الذي وقع بعده فعل الايمان كانت هذه النعمة أيضا مختصة لانه تعالى إنما لم ينعم على سائر المكلفين بها من حيث لم يكن في معلومه أن لهم توفيقا، وأن في الافعال ما يختارون عنده الايمان فاختصاص هذه النعمة ببعض العباد لا يمنع من شمول نعم آخر لهم كما أن شمول تلك النعم لا يمنع من اختصاص هذه. انتهى كلامه رفع الله مقامه. وقال الزمخشري: ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الاول وتضمنه، يعني و لذلك التمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، وتمت كلمة ربك وهي قوله للملائكة: " لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين " لعلمه بكثرة من يختار الباطل. (1) وقال في قوله تعالى: أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله يعني مشية الالجاء والقسر لهدى الناس جميعا ومعنى " أفلم ييئس ": أفلم يعلم ; قيل: هي لغة قوم من النخع، وقيل: إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه لان اليائس عن الشئ عالم بأنه لا يكون كما استعمل الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمن ذلك، ويدل عليه أن عليا وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرؤوا أفلم يتبين وهو تفسير أفلم ييأس ويجوز أن يتعلق أن لو يشاء بآمنوا أي أو لم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولهداهم. وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر والدرر: قال الله جل من قائل: " وإذا أردنا أن نهلك قرية " الآية، في هذه الآية وجوه من التأويل كلها منها يبطل الشبهة


(1) قال السيد الرضى في تلخيص البيان في قوله تعالى: " وتمت كلمة ربك ": هذه استعارة والمراد ههنا بتمام كلمة الله سبحانه صدق وعيده الذى تقدم الخبر به وتمامه وقوع مخبره مطابقا لخبره.

[ 183 ]

الداخلة على بعض المبطليين فيها حتى عدلوا بتأويلها عن وجهه وصرفوه عن بابه: أولها أن الاهلاك قد يكون حسنا وقد يكون قبيحا فإذا كان مستحقا أو على سبيل الامتحان كان حسنا، وإنما يكون قبيحا إذا كان ظلما فتعلق الارادة لا يقضي تعلقها به على الوجه القبيح، ولا ظاهر الآية يقتضي ذلك، وإذا علمنا بالادلة العقلية تنزه القديم تعالى عن القبائح علمنا أن الارادة لم يتعلق إلا بالاهلاك الحسن. وقوله تعالى: " أمرنا مترفيها " المأمور به محذوف، وليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق، وإن وقع بعده الفسق، ويجري هذا مجرى قول القائل: أمرته فعصى ودعوته فأبى ; والمراد إنني أمرته بالطاعة ودعوته إلى الاجابة والقبول - ويمكن أن يقال على هذا الوجه: ليس موضع الشبهة ما تكلمتم عليه، وإنما موضعها أن يقال: أي معنى لتقدم الارادة فإن كانت متعلقة بإهلاك مستحق بغير الفسق المذكور في الآية فلا معنى لقوله تعالى: " إذا أردنا أمرنا " لان أمره بما يأمر به لا يحسن إرادته للعقاب المستحق بما تقدم من الافعال، وإن كانت الارادة متعلقة بالاهلاك المتسحق بمخالفة الامر المذكور في الآية فهذا هو الذي تأبونه، لانه يقتضي أنه تعالى مريد لاهلاك من لم يستحق العقاب. والجواب عن ذلك أنه تعالى لم يعلق الارادة إلا بالاهلاك المستحق بما تقدم من الذنوب، والذي حسن قوله تعالى: " وإذا أردنا أمرنا " هو أن في تكرر الامر بالطاعة والايمان إعذارا إلى العصاة وإنذارا لهم، وايجابا واثباتا للحجة عليهم حتى يكونوا متى خالفوا وأقاموا على العصيان والطغيان بعد تكرر الوعيد والوعظ والانذار ممن يحق عليه القول وتجب عليه الحجة، ويشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى قبل هذه الآية: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ". والثانى أن يكون قوله تعالى: " أمرنا مترفيها " من صفة القرية وصلتها، ولا يكون جوابا لقوله: " وإذا أردنا " ويكون تقدير الكلام: وإذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، ويكون إذا على هذا الجواب لم يأت له جواب ظاهر في الآية للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه، ونظير هذا قوله تعالى في صفة الجنة:

[ 184 ]

" حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها " إلى قوله: " فنعم أجر العاملين " ولم يأت لاذا جواب في طول الكلام للاستغناء عنه. والثالث أن يكون ذكر الارادة في الآية مجازا واتساعا وتنبيها على المعلوم من حال القوم وعاقبة أمرهم وأنهم متى امروا فسقوا وخالفوا، ويجري ذكر الارادة ههنا مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كل جهة وجاءه الخسران من كل طريق، وقولهم: إذا أراد العليل أن يموت خلط في مأكله وتسرع إلى كل ما تتوق إليه نفسه، ومعلوم أن التاجر لم يرد في الحقيقة شيئا، ولا العليل أيضا لكن لما كان المعلوم من حال هذا الخسران ومن حال ذاك الهلاك حسن هذا الكلام، واستعمل ذكر الارادة لهذا الوجه مجازا، وكلام العرب وحي وإشارات واستعارة و مجازات، ولهذه الحال كان كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة، فإن الكلام متى خلا من الاستعارة وجرى كله على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة بريئا من البلاغة، وكلام الله تعالى أفصح الكلام. الرابع أن تحمل الآية على التقديم والتأخير فيكون تلخيصها: وإذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا واستحقوا العقاب أردنا إهلاكهم، والتقديم والتأخير في الشعر وكلام العرب كثير ; ومما يمكن أن يكون شاهدا بصحة هذا التأويل من القرآن قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم (1) والطهارة إنما تجب قبل القيام إلى الصلاة، وقوله تعالى: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك " (2) وقيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة، لان إقامتها هو الاتيان بجميعها على الكمال، فأما قراءة من قرأ بالتشديد فقال: أمرنا وقراءة من قرأ بالمد والتخفيف فقال: أمرنا فلن يخرج معنى قراءتهما عن الوجوه التي ذكرناها إلا الوجه الاول، فإن معناه لا يليق إلا بأن يكون ما تضمنته الآية هو الامر الذي يستدعي به الفعل انتهى. وقال الطبرسي رحمه الله: وقرأ يعقوب: أمرنا بالمد وهو قراءة علي بن أبي طالب


(1) المائدة: 7. (2) النساء 102.

[ 185 ]

والحسين عليهما السلام وجماعة، وقرأ أمرنا بالتشديد ابن عباس والنهدي وأبو جعفر محمد بن علي عليه السلام بخلاف، وقرأ أمرنا بكسر الميم بوزن عمرنا الحسن ويحيى بن يعمر وارجع الجميع إلى معنى كثرنا كقوله صلى الله عليه وآله: خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة، أي كثيرة النتاج. وقال الزمخشري: وإذا أردنا أي وإذا دنى وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إهلاكهم إلا قليلا أمرناهم ففسقوا أي أمرناهم بالفسق ففعلوا والامر مجاز لان حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون فبقي أن يكون مجازا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك، لتسبب إبلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها بالخير ويتمكنوا من الاحسان والبر كما خلفهم أصحاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشر وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمرهم. وقد فسر بعضهم أمرنا بكثرنا ; وجعل أمرته فأمر من باب فعلته ففعل كثبرته فثبر. وقال: في قوله تعالى: " فليمدد له الرحمن مدا " يعني أمهله وأملى له في العمر، فأخرج على لفظ الامر إيذانا بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل، لتقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة: " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " (1) أو كقوله: " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما " (2) أو " من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا " في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدة حياته. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين " أي خلينا بينهم وبين الشياطين إذا وسوسوا إليهم ودعوهم إلى الضلال حتى أغووهم ولم يخل بينهم بالالجاء ولا بالمنع، وعبر عن ذلك بالارسال على سبيل المجاز والتوسع،


(1) فاطر: 37. (2) آل عمران: 178. (3) قال الشيخ في التبيان: أي يمدهم ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة كما قال: " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " ويجوز أن يكون أراد فليمدد له الرحمن مدا في عذابهم في النار، كما قال: " ونمد له من العذاب مدا ".

[ 186 ]

كما يقال لمن خلى بين الكلب وغيره: أرسل كلبه عليه " تؤزهم أزا " أي تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية، وقيل تغريهم إغراءا بالشئ. وفي قوله تعالى: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته " بأن لطف لكم وأمركم بما تصيرون به أزكياء ما صار منكم أحد زكيا، أو ما طهر احد من وسوسة الشيطان وما صلح، ولكن الله يزكي أي يطهر بلطفه من يشاء، وهو من له لطيف، يفعله سبحانه به ليزكو عنده. وفي قوله تعالى: " ومن لم يجعل الله له نورا أي " نجاة وفرجا، أو نورا في القيامة. وفي قوله سبحانه: " ولكن متعتهم وآباءهم " أي طولت أعمارهم وأعمار آبائهم، وأمددتهم بالاموال والاولاد بعد موت الرسل حتى نسوا الذكر المنزل على الانبياء و تركوه وكانوا قوما هلكى فاسدين وفي قوله: كذلك سلكناه أي القرآن. وفي قوله تعالى: زينا لهم أعمالهم أي أعمالهم التي أمرناهم بها، وقيل: بأن خلقنا فيهم شهوة القبيح ليجتنبوا المشتهى. قوله تعالى: " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار " قال البيضاوي: قيل: بالتسمية كقوله: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " أو بمنع الالطاف الصارفة عنه (1) وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " إنك لا تهدي من أحببت " أي هدايته، أو من أحببته لقرابته، والمراد بالهداية هنا اللطف الذي يختار عنده الايمان، فإنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى. لانه إما أن يكون من فعله خاصة أو بإعلامه، ولا يعلم ما يصلح المرء في دينه إلا الله تعالى، فإن الهداية التي هي الدعوة والبيان قد أضافه سبحانه إليه في قوله: " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " (2) وقيل: إن المراد بالهداية في الآية في الآية الاجبار على الاهتداء أي أنت لا تقدر على ذلك. وقيل: معناه ليس عليك اهتداؤهم وقبولهم الحق.


(1) قال الشيخ: قيل: في معناه قولان: أحدهما إنا عرفنا الناس أنهم كانوا كذلك كما يقال جعله رجل شر بتعريفنا حاله، والثانى إنا حكمنا عليهم بذلك، كما قال: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " والجعل على أربعة أقسام: أحدها بمعنى الاحداث، كقوله: " وجعلنا الليل والنهار آيتين " الثاني بمعنى قلبه من حال إلى حال، كجعل النطفة علقة. الثالث بمعنى الحكم أنه على صفة. الرابع بمعنى اعتقد أنه على حال، كقولهم: جعل فلان فلانا راكبا إذا اعتقد فيه ذلك اه‍. (2) الشورى: 52.

[ 187 ]

وقال في قوله تعالى: " ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها " أي بأن نفعل أمرا من الامور يلجئهم إلى الاقرار بالتوحيد، ولكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف. قال الجبائي ويجوز أن يكون المراد به ولو شئنا لاجبناهم إلى ما سألوا من الرد إلى دار التكليف ليعملوا بالطاعات، ولكن حق القول مني أن أجازيهم بالعقاب ولا أردهم. وقيل: معناه: ولو شئنا لهديناهم إلى الجنة ولكن حق القول مني أي الخير والوعيد لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين أي من كلا الصنفين بكفرهم. وقال في قوله تعالى: " إن الله يسمع من يشاء " أي ينفع بالاسماع من يشاء أي يلطف له ويوفقه " وما أنت بمسمع من في القبور " أي أنك لا تقدر على أن تنفع الكفار بإسماعك إياهم، إذ لم يقبلوا كما لا يسمع من في القبور من الاموات. وقال في قوله تعالى: " لقد حق القول على أكثرهم " أي وجب الوعيد واستحقاق العقاب عليهم فهم لا يؤمنون ويموتون على كفرهم وقد سبق ذلك في علم الله. وقيل: تقديره: لقد سبق القول على أكثرهم أنهم لا يؤمنون، وذلك أنه سبحانه أخبر ملائكته أنهم لا يؤمنون، فحق قوله عليهم: " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الاذقان " يعني أيديهم كنى عنها وإن لم يذكرها لان الاعناق والاغلال يدلان عليهما، واختلف في معنى الآية على وجوه: أحدها أنه سبحانه إنما ذكره ضربا للمثل، وتقديره: مثل هؤلاء المشركين في إعراضهم عما تدعوهم إليه كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه لا يمكنه أن يبسطهما إلى خير، ورجل طامح برأسه لا يبصر موطئي قدميه. وثانيها: أن المعنى كان هذا القرآن أغلالا في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع لاستماعه وتدبره لثقله عليهم، وذلك أنهم لما استكبروا عنه وأنفوا من اتباعه وكان المستكبر رافعا رأسه، لاويا عنقه، شامخا بأنفه، لا ينظر إلى الارض صاروا كأنما غلت أيديهم إلى أعناقهم ; وإنما أضاف ذلك إلى نفسه لان عند تلاوة القرآن عليهم ودعوته إياهم صاروا بهذه الصفة. وثالثها: أن المعني بذلك أناس من قريش هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله فغلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه أبدا.

[ 188 ]

ورابعها: أن المراد به وصف حالهم يوم القيامة فهو مثل قوله: " إذ الاغلال في أعناقهم فهم مقمحون " أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم ورفعت الاغلال أذقانهم و رؤوسهم صعدا فهم مرفوع الرأس برفع الاغلال إياها، والمقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه. " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " (1) هذا على أحد الوجهين تشبيه لهم بمن هذه صفته في إعراضهم عن الايمان وقبول الحق، وذلك عبارة عن خذلان الله إياهم لما كفروا، فكأنه قال: وتركناهم مخذولين فصار ذلك


(1) قال الرضى رحمه الله: وهاتان استعارتان، ومن أوضح الادلة على ذلك أن الكلام كله في أوصاف القوم المذمومين، وهم في أحوال الدنيا دون الاخرة، ألا ترى قوله تعالى بعد ذلك: " سواء عليهم، ءأنذرتهم أم لم تنذرهم فهم لا يؤمنون " وإذا كان الكلام محمولا على أحوال الدنيا دون الاخرة وقد علمنا أن هؤلاء القوم الذين ذهب الكلام إليهم كان الناس يشاهدونهم غير مقمحين بالاغلال ولا مضروبا عليهم بالاسداد علمنا أن الكلام خرج مخرج قوله سبحانه: " ختم الله على قلوبهم " الخ فكان ذلك وصف لما كان عليه الكفار عند سماع القرآن من تنكيس الادقان ولى الاعناق ذهابا عن الرشد، واستكبارا عن الانقياد للحق، وضيق صدورهم بما يرد عليهم من صوادع البيان وقوارع القرآن ; وقد اختلف في معنى الاقماح فقال قوم: هو غض الابصار واستشهدوا بقول بشر بن أبى حازم في ذكر السقيفة: ونحن على جوانبها قعود. نغض الطرف كالابل القماح. وقال قوم: المقمح الرافع رأسه صعدا فكان هؤلاء المذمومين شبهوا على المبالغة في وصف تكارههم للايمان، وتضايق صدورهم لسماع القرآن بقوم عوقبوا فجذبت أعناقهم بالاغلال إلى صدورهم مضمومة إليها أيمانهم ثم رفعت ليكون ذلك أشد لايلامهم وأبلغ في عذابهم. وقيل: إن المقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه، فكأنه جامع بين الصفتين جميعا. وقيل: إن قوله تعالى: " فهى إلى الاذقان " يعنى به أيمانهم المجموعة بالاغلال إلى أعناقهم، فاكتفى بذكر الاعناق من الايمان، لان الاغلال تجمع بين الايمان والاعناق، وذكلك معنى السد المجعول بين أيديهم ومن خلفهم انما هو تشبيه بمن قصر خطوه، واخذت عليه طرقه، ولما كان ما يصيبهم من هذه المشاق المذكورة والاحوال المذمومة انما هو عقيب تلاوة القرآن عليهم، ونفت قوارعه في أسماعهم حسن أن يضيف سبحانه إلى نفسه فيقول: انا جعلناهم على تلك الصفات. وقد قرئ سدا بالفتح وسدا بالضم، وقيل: إن السد بالفتح ما يصنعه الناس، وبالضم: ما يصنعه الله تعالى. وقال بعضهم: المراد بذكر السد ههنا الاخبار عن خذلان الله اياهم وتركه نصرهم ومعونتهم، كما تقول العرب في صفة الضال المتحير: فلان لا ينفذ في طريق يسلكه، ولا يعلم أمامه أم وراءه خير له. وأما قوله سبحانه: " فأغشيناهم فهم لا يبصرون " فهو أيضا في معنى الختم والطبع، وواقع على الوجه الذى يقعان عليه، وقد تقدم ايماؤنا إليه.

[ 189 ]

من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا، وإذا قلنا: أنه وصف حالهم في الآخرة فالكلام على حقيقته، ويكون عبارة عن ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدما ولا متأخرا إذ سد عليهم جوانبهم، وإذا حملناه على صفة القوم الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله فالمراد جعلنا بين أيدي اولئك الكفار منعا ومن خلفهم منعا حتى لم يبصروا النبي صلى الله عيله وآله، وقوله: " فأغشيناهم فهم لا يبصرون " أي أغشيناهم أبصارهم فهم لا يبصرون النبي صلى الله عليه وآله. وقيل: أي فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى. وقيل: فأغشيناهم بالعذاب فهم لا يبصرون في النار، وقيل: معناه أنهم لما انصرفوا عن الايمان والقرآن لزمهم ذلك حتى لا يكادوا يتخلصون منه بوجه كالمغلول والمسدود عليه طرقه. وقال في قوله تعالى: " ومن يضلل الله " أي عن طريق الجنة " فماله من هاد " أي لا يقدر على هدايته أحد، وقيل من ضل عن الله ورحمته فلا هادي له، يقال: أضللت بعيري إذا ضل. وقيل: معناه: من يضلله عن زيادة الهدى والالطاف لان الكافر لا لطف له. وقال في قوله تعالى: " أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين " أي كراهة أن تقول: لو أراد الله هدايتي لكنت ممن يتقي معاصيه. وقيل: إنهم لما لم ينظروا في الادلة واشتغلوا بالدنيا توهموا أن الله لم يهدهم فرد الله عليهم بقوله: " بلى قد جائتك آياتي " الآية. وقال الزمخشري: " وقيضنا له ": وقدرنا لهم، يعني لمشركي مكة " قرناء " أخدانا (1) من الشياطين من جمع قرين كقوله: " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين " (2) فإن قلت: كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم ؟ قلت: معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين، والدليل عليه ومن يعش نقيض. " ما بين أيديهم وما خلفهم " ما تقدم من أعمالهم وما هم عازمون عليها، أوما بين أيديهم


(1) جمع الخدن بكسر الخاء وسكون الدال: الحبيب والصاحب. (2) الزخرف: 36.

[ 190 ]

من أمر الدنيا واتباع الشهوات، وما خلفهم من أمر العاقبة وأن لا بعث ولا حساب، " و حق عليهم القول " يعني كلمة العذاب " في أمم " في جملة أمم " إنهم كانوا خاسرين " تعليل لاستحقاقهم العذاب. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله: " ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ": معناه أن الوجه في اختلاف الرزق بين العباد في الضيق والسعة زيادة على ما فيه من المصلحة أن في ذلك تسخيرا من بعض العباد لبعض بأحواجهم إليه يستخدم بعضهم بعضا فينتفع أحدهم بعمل الآخر له فينتظم بذلك قوام أمر العالم. وقيل: معناه ليملك بعضهم بعضا بمالهم فيتخذونهم عبيدا ومماليك. وقال في قوله تعالى: " ومن يعش عن ذكر الرحمن " أي يعرض عنه " نقيض له شيطانا " أي نخلي بينه وبين الشيطان الذي يغويه فيصير قرينه عوضا عن ذكر الله. وقيل: معناه نقرن به شيطانا في الآخرة يلزمه فيذهب به إلى النار، كما أن المؤمن يقرن به ملك فلا يفارقه حتى يصير به إلى الجنة. وقال السيد المرتضى رضي الله عنه فيما مر في سورة الاعراف من قوله تعالى: " سأصرف عن آياتي " الآية: فيه وجوه: أولها أن يكون تعالى عنى بذلك صرفهم عن ثواب الله النظر في الآيات، وعن العز والكرامة اللذين يستحقهما من أدى الواجب عليه في آيات الله تعالى وأدلته وتمسك بها، والآيات على هذا التأويل يحتمل أن تكون سائر الادلة ويحتمل أن تكون معجزات الانبياء عليهم السلام خاصة، وهذا التأويل يطابقه الظاهر لانه تعالى قال: " ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين " فبين أن صرفهم من الآيات يستحق بتكذيبهم ولا يليق ذلك إلا بما ذكرناه. وثانيها أن يصرفهم عن زيادة المعجزات التي يظهرها على الانبياء بعد قيام الحجة بما تقدم من آياتهم ومعجزاتهم، لانه تعالى إنما يظهر هذا الضرب من المعجزات إذا علم أنه يؤمن عنده من لم يؤمن بما تقدم من الآيات فإذا علم خلاف ذلك لم يظهرها وصرف الذين علم من حالهم أنهم لا يؤمنون بها عنها ; ويكون الصرف على أحد وجهين: إما بأن لا يظهرها جملة، أو بأن يصرفهم عن مشاهدتها ويظهرها بحيث ينتفع بها غيرهم.

[ 191 ]

وثالثها: أن يكون معنى سأصرف عن آياتي أي لا أوتيها من هذه صفته، وإذا صرفهم عنها فقد صرفها عنهم، وكلا اللفظين يفيد معنى واحدا. ورابعها: أن يكون المراد بالآيات العلامات التي يجعلها الله في قلوب المؤمنين، ليدل بها الملائكة على الفرق بين المؤمن والكافر فيفعلوا بكل واحد منها ما يستحقه من التعظيم أو الاستخفاف كما تأول أهل الحق الطبع والختم اللذين ورد بهما القرآن على أن المراد بهما العلامة المميزة بين الكافر والمؤمن، ويكون معنى سأصرفهم عنها أي أعدل بهم عنها وأخص بها المؤمنين المصدقين بآياتي وأنبيائي. وخامسها: أن يريد تعالى: أني أصرف من رام المنع من أداء آياتي وتبليغها، لان من الواجب على الله أن يحول بين من رام ذلك وبينه ولا يمكن منه لانه ينقض الغرض في البعثة. وسادسها: أن يكون الصرف هنا الحكم والتسمية والشهادة، معلوم أن من شهد على غيره بالانصراف عن شئ جاز أن يقال له: صرفه عنه، كما يقال: أكفره و وكذبه وفسقه. وسابعها: أنه تعالى لما علم أن الذين يتكبرون في الارض بغير الحق سينصرفون عن النظر في آياته والايمان بها إذا أظهرها على أيدي رسله جاز أن يقول: سأصرف عن آياتي فيريد سأظهر ما ينصرفون بسوء اختيارهم عنه، ويجري ذلك مجرى قولهم: سأبخل فلانا أي أسأله ما يبخل ببذله، والآيات إما المعجزات أو جمع الادلة. وثامنها: أن يكون الصرف ههنا المنع من إبطال الآيات والحجج والقدح فيها بما يخرجها عن أن تكون أدلة وحججا، فيكون تقدير الكلام: إني بما أؤيده من حججي وأحكمه من آياتي وبيناتي سأصرف المبطلين والمكذبين عن القدح في الآيات والدلالات. وتاسعها: أن الله عز وجل لما وعد موسى عليه السلام وأمته لهلاك عدوهم قال: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق فأراد عزوجل أنه يهلكهم ويصطلمهم ويحتاجهم على طريق العقوبة لهم، بما قد كان منهم من التكذيب بآيات الله

[ 192 ]

تعالى والرد لحججه، وهو تعالى إذا أهلك هؤلاء الجبارين فقد صرفهم عن آياته من حيث اقتطعهم عن مشاهدتها والنظر فيها. وفي قوله تعالى: " يتكبرون في الارض بغير الحق " وجهان: أحدهما أن يكون ذلك على سبيل التأكيد والتغليظ والبيان عن أن التكبر لا يكون إلا بغير الحق. والثاني أن في التكبر ما يكون ممدوحا لان من تكبر وتنزه عن الفواحش و تباعد عن فعلها وتجنب أهلها يكون مستحقا للمدح، وإنما التكبر المذموم هو الواقع على وجه النخوة والبغي والاستطالة على ذوي الضعف، والفخر عليهم والمباهات لهم. ثم المراد بالغفلة في الآية التشبيه لا الحقيقة، ووجه التشبيه أنهم لما أعرضوا عن تأمل آيات الله تعالى والانتفاع بها اشتبهت حالهم حال من كان ساهيا، غافلا عنها كما قال تعالى: " صم بكم عمي " على هذا المعنى: انتهى ملخص كلامه رحمه الله وقد بسط الكلام فيها بما لا مزيد عليه. وقال رضي الله عنه في قوله تعالى: " يخرجهم من الظلمات إلى النور ": أما النور و الظلمة المذكوران في الآية فجائز أن يكون المراد بهما الايمان والكفر، وجائز أيضا أن يراد بهما الجنة والنار، والثواب والعقاب، وقد تصح الكناية عن الثواب والنعيم في الجنة بأنه نور، وعن العقاب في النار بأنه ظلمة، وإذا كان المراد بهما الجنة و النار ساغ إضافة إخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى لانه لا شبهة في أنه جل وعز هو المدخل للمؤمن الجنة، والعادل به عن طريق النار، والظاهر بما ذكرناه أشبه لانه يقتضي أن المؤمن الذي ثبت كونه مؤمنا يخرج من الظلمة إلى النور، فلو حمل على الايمان والكفر لتناقض المعنى، ولصار تقدير الكلام: أنه يخرج المؤمن الذي تقدم كونه مؤمنا من الكفر إلى الايمان، وذلك لا يصح ; على أنا لو حملنا الكلام على الايمان والكفر لصح ولم يكن مقتضيا لما توهموه، ويكون وجه إضافة الاخراج إليه - وإن لم يكن الايمان من فعله - من حيث دل وبين وأرشد ولطف وسهل، وقد علمنا أنه لولا هذه الامور لم يخرج المكلف من الكفر إلى الايمان، فتصح إضافة الاخراج إليه لكون ما عددناه من جهته، وعلى هذا يصح من أحدنا إذا أشار على غيره

[ 193 ]

بدخول بلد من البلدان ورغبه في ذلك وعرفه ما فيه من الصلاح، أو بمجانبة فعل من الافعال أن يقول: أنا أدخلت فلانا البلد الفلاني، وأنا أخرجته من كذا وكذا، ألا ترى أنه تعالى قد أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات إلى الطواغيت، وإن لم يدل ذلك على أن الطاغوت هو الفاعل للكفر للكفار، بل وجه الاضافة ما تقدم لان الشياطين يغوون ويدعون إلى الكفر، ويزينون فعله، فكيف اقتضت الاضافة الاولى أن الايمان من فعل الله في المؤمن، ولم تقتض الاضافة الثانية أن الكفر من فعل الشياطين في الكفار لولا بله المخالفين وغفلتهم ؟ وبعد فلو كان الامر على ما ظنوه لما صار الله وليا للمؤمنين وناصرا لهم على ما اقتضته الآية والايمان من فعله لا من فعلهم، ولما كان خاذلا للكفار ومضيفا لولايتهم إلى الطاغوت والكفر من فعله بهم ; ولم فصل بين الكافر والمؤمن في باب الولاية وهو المتولي لفعل الامرين فيهما ؟ ومثل هذا لا يذهب على أحد ولا يعرض عنه إلا معاند مغالط لنفسه. وقال رضي الله عنه في قوله تعالى: " ربنا لا تزغ قلوبنا " فيه وجوه: أولها أن يكون المراد بالآية: ربنا لا تشدد علينا المحنة في التكليف ولا تشق علينا فيه، فيفضي بنا إلى ضيق قلوبنا بعد الهداية، وليس يمتنع أن يضيفوا ما يقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى المحنة عليهم إليه، كما قال تعالى في السورة: " إنها زادتهم رجسا إلى رجسهم ". (1) فإن قيل كيف يشدد المحنة عليهم ؟ قلنا: بأن يقوى شهواتهم لما في عقولهم (2) ونفورهم عن الواجب عليهم فيكون التكليف عليهم بذلك شاقا، والثواب المستحق عليهم عظيما متضاعفا، وإنما يحسن أن يجعله شاقا تعريضا لهذه المنزلة. وثانيها أن يكون ذلك دعاءا بالتثبيت على الهداية، وإمدادهم بالالطاف التي معها يستمرون على الايمان. فإن قيل: وكيف يكون مزيغا لقلوبهم بأن لا يفعل اللطف ؟ قلنا: من حيث كان المعلوم أنه متى قطع إمدادهم بألطافه وتوفيقاته زاغوا وانصرفوا عن الايمان، ويجري


(1) التوبة: 125. (2) في الامالى المطبوع هكذا: بأن يقوى شهواتهم لما قبحه في عقولهم.

[ 194 ]

هذا مجرى قولهم: اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا معناه لا تخل بيننا وبين من لا يرحمنا فيتسلط علينا، فكأنهم قالوا: لا تخل بيننا وبين نفوسنا وتمنعنا ألطافك فنزيغ ونضل. وثالثها ما ذكره الجبائي وهو أن المعنى لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك، و معنى هذا السؤال أنهم سألوا الله أن يلطف لهم في فعل الايمان حتى يقيموا عليه ولا يتركوه في مستقبل عمرهم فيستحقوا بترك الايمان أن تزيغ قلوبهم عن الثواب وأن يفعل بهم بدلا منه العقاب. ورابعها أن تكون الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب عن اليقين والايمان ولا يقتضي ذلك أنه تعالى سئل ما كان لا يحب أن يفعله، وما لولا المسألة لجاز فعله لانه غير ممتنع أن ندعوه على سبيل الانقطاع إليه والافتقار إلى ما عنده، بأن يفعل ما نعلم أنه لابد من أن يفعله، وبأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعله إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم: " ولا تخزني يوم يبعثون " (1) وكما قال تعالى في تعليمنا ما ندعو به: " قل رب احكم بالحق وربنا الرحمن " (2) وكقوله تعالى: " ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به ". (3) وقال رضي الله عنه في قول نوح عليه السلام: " لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ": ليس في هذه الآية ما يقتضي خلاف مذهبنا لانه تعالى لم يقل: إنه فعل الغواية أو أرادها، وإنما أخبر أن نصح النبي عليه السلام لا ينفع إن كان الله يريد غوايتهم، ووقوع الارادة لذلك، أو جواز وقوعها لا دلالة عليهم في الظاهر، على أن الغواية ههنا الخيبة وحرمان الثواب، ويشهد بصحة ما ذكرناه في هذه اللفظة قول الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما فكأنه قال: إن كان الله يريد أن يخيبكم ويعاقبكم بسوء عملكم وكفركم و يحرمكم ثوابه فليس ينفعكم نصحي ما دمتم مقيمين على ما أنتم عليه، إلا أن تقلعوا وتتوبوا


(1) الشعراء: 87 (2) الانبياء: 112. (3) البقرة: 286.

[ 195 ]

وقد سمى الله تعالى العقاب غيا فقال: " فسوف يلقون غيا " (1) وما قبل هذه الآية يشهد لما ذكرناه، وأن القوم استعجلوا عقاب الله تعالى فقالوا: " يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ولا ينفعكم نصحي " الآية، فأخبر أن نصحه لا ينفع من يريد الله أن ينزل به العذاب، ولا يغني عنه شيئا. وقال جعفر بن حرب: إن الآية تتعلق بأنه كان في قوم نوح طائفة تقول بالجبر فنبههم الله تعالى بهذا القول على فساد مذاهبهم، وقال لهم على طريق الانكار عليهم و التعجب من قولهم: إن كان القول كما تقولون من أن الله يفعل فيكم الكفر والفساد فما ينفعكم نصحي فلا تطلبوا مني نصحا فأنتم على قولكم لا تنتفعون به وهذا جيد. وروي عن الحسن في هذه الآية وجه صالح وهو أنه قال: المعنى فيها: إن كان الله يريد أن يعذبكم فليس ينفعكم نصحي عند نزول العذاب بكم وإن قبلتموه وآمنتم به، لان من حكم الله تعالى أن لا يقبل الايمان عند نزول العذاب، وكل هذا واضح في زوال الشبهة في الآية. أقول: إنما بسطنا الكلام فيما نقلناه عن الافاضل الاعلام في تفسير تلك الآيات من كلام الملك العلام لتحيط خبرا بما ذكره أهل العدل فيها لدفع شبه المخالفين، و سنتلو عليك ما ورد في تأويلها نقلا عن أئمة الدين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ما تتخلص به من شبه المبطلين. 1 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن حماد بن عثمان عن أبي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الاستطاعة وقول الناس، فقال: - وتلا هذه الآية ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم - يا أبا عبيدة الناس مختلفون في إصابة القول وكلهم هالك، قال: قلت: قوله: " إلا من رحم ربك " قال: هم شيعتنا ولرحمة خلقهم (2) وهو قوله: " ولذلك خلقهم " يقول: لطاعة الامام. " ج 1 ص 429 "


(1) مريم: 59. (2) في المصدر: ولرحمته. م

[ 196 ]

عد: اعتقادنا في الفطرة والهداية أن الله عزوجل فطر جميع الخلق على التوحيد وذلك قوله عزوجل: فطرة الله التي فطر الناس عليها. 2 - وقال: الصادق عليه السلام في قول الله عزوجل: " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هديهم حتى يبين لهم ما يتقون " قال: حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه. 3 - وقال في قوله عزوجل: " فألهمها فجورها وتقويها " قال: بين لها ما تأتي وما تترك. (1) 4 - وقال (2) في قوله عزوجل: " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " قال: عرفناه إما آخذا وإما تاركا. 5 - وفي قوله عزوجل: " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " قال: وهم يعرفون. 6 - وسئل (3) عن قوله الله عزوجل: " وهديناه النجدين " قال: نجد الخير ونجد الشر. 7 - وقال عليه السلام: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم. 8 - وقال عليه السلام: إن الله احتج على الناس بما آتاهم وعرفهم. " ص 72 " 9 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، (4) عن أحمد بن إبراهيم عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " وهديناه النجدين " قال: نجد الخير والشر. (5) " ص 59 "


(1) في المصدر: وما تترك من المعاصي. م (2) في المصدر: وقال تعالى: " انا هديناه " الاية. م (3) في المصدر: وسئل عن الصادق عليه السلام. م (4) بفتح الواو وسكون الهاء، ترجمه النجاشي في ص 282 من رجاله وقال: إنه ثقة من أصحابنا، واضح الرواية، قليل التخليط، له كتب إ ه‍. (5) النجد: المكان الغليظ الرفيع، وقوله: " هديناه النجدين " مثل لطريقي الحق والباطل في الاعتقاد، والصدق والكذب في المقال، والجميل والقبيل في الفعال، قال الراغب في المفردات.

[ 197 ]

10 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم وحل العقود. (1) 11 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: " قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم " يقول: أخذ الله منكم الهدى من إله غير الله يأتيكم به. ص 188 - 189 " 12 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم " يقول: وننكس قلوبهم فيكون أسفل قلوبهم أعلاها ونعمي (2) أبصارهم فلا يبصرون الهدى. " ص 201 " 13 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " لهم قلوب لا يفقهون بها " يقول: (3): طبع الله عليها فلا تعقل " ولهم أعين " عليها غطاء عن الهدى " لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها " جعل في آذانهم وقرا فلم يسمعوا الهدى. " ص 231 ". 14 - فس: أحمد بن محمد، عن جعفر بن عبد الله، عن كثير بن عياش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم " يقول: صم عن الهدى، وبكم لا يتكلمون بخير، " في الظلمات " يعني ظلمات الكفر " من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم " وهو رد على قدرية هذه الامة، يحشرهم الله يوم القيامة مع الصائبين والنصارى والمجوس فيقولون: " والله ربنا ما كنا مشركين " يقول الله: " انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون " قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا إن لكل امة مجوسا، ومجوس هذه الامة الذين يقولون: لا قدر، ويزعمون أن المشية والقدرة إليهم ولهم. " ص 186 "


(1) العزائم جمع العزيمة: الارادة المؤكدة. وفسخها نقضها. والعقود جمع العقد بمعنى النية تنعقد على فعل أمر، وبهذا النقض والحل يعرف أن هناك قدرة سامية قاهرة فوق إرادة البشر ومشيئته تحول بين الانسان وإرادته، وهى قدرة الله تعالى، ولولاها لكان الانسان أمضى ما عزم، وفعل ما عقد. (2) في المصدر: ويعمى ابصارهم. م (3) في المصدر: أي طبع الله. م

[ 198 ]

15 - فس: محمد بن عبد الله، عن موسى بن عمران، عن النوفلي، عن السكوني قال، جاء رجل إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد صلوات الله عليه وأنا عنده ؟ فقال: يا بن رسول الله " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون " وقوله: " أمر ربى أن لا تعبدوا إلا إياه " فقال: نعم ليس لله في عباده أمر إلا العدل والاحسان، فالدعاء من الله عام، والهدى خاص، مثل قوله: " يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " ولم يقل: ويهدي جميع من دعاه (1) إلى صراط مستقيم. " ص 364 " 16 - لى: أبي، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان عن نوح بن شعيب، عن ابن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن علقمة بن محمد الحضرمي، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله جل جلاله: عبادي كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم فقير إلا من أغنيته، وكلكم مذنب إلا من عصمته. " ص 61 " 17 - ب: ابن سعد، (2) عن الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك و تعالى إذا أراد بعبد خيرا أخذ بعنقه فأدخله في هذا الامر إدخالا. " ص 17 " 18 - ب: اليقطيني، عن نباتة بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيرا وكل به ملكا فأخذه بعضده فأدخله (3) في هذا الامر. ص 21 - 22 19 - ب: هارون، عن ابن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: كونوا دعاة الناس بأعمالكم، ولا تكونوا دعاة بألسنتكم ; فإن الامر ليس حيث يذهب إليه الناس إنه من اخذ ميثاقه أنه منا فليس بخارج منا ولو ضربنا خيشومه بالسيف، ومن لم يكن منا ثم حبونا (4) له الدنيا لم يحبنا. " ص 37 - 38 "


(1) في المصدر: جميع من دعا. م (2) لم نجد الحديث في المصدر بهذا السند، وفيه: عنه، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام. م (3) في نسخة من المصدر: فيدخله. م (4) الحبوة: العطية.

[ 199 ]

بيان: قوله عليه السلام: ليس حيث يذهب إليه الناس أي أنهم يقدرون علي هداية الناس بالاحتجاج عليهم، ولعل المقصود في تلك الاخبار زجر الشيعة عن المعارضات والمجادلات مع المخالفين بحيث يتضررون بها فإنهم كانوا يبالغون في ذلك ظنا منهم أنهم يقدرون بذلك على هداية الخلق، وليس الغرض منع الناس عن هداية الخلق في مقام يظنون النفع ولم يكن مظنة ضرر فإن ذلك من أعظم الواجبات. 20 - ب: أحمد، عن البزنطي قال: قلت له: قول الله تبارك وتعالى " إن علينا للهدى " قال: الله (1) يهدي من يشاء، ويضل من يشاء ; فقلت له: أصلحك الله إن قوما من أصحابنا يزعمون أن المعرفة مكتسبة، وأنهم إذا نظروا منه (2) وجه النظر أدركوا، فأنكر عليه السلام ذلك وقال: فما لهؤلاء القوم لا يكتسبون الخير لانفسهم ؟ ليس أحد من الناس إلا وهو يحب أن يكون خيرا ممن هو خير منه، هؤلاء بني هاشم موضعهم موضعهم، وقرابتهم قرابتهم، وهم أحق بهذا الامر منكم، أفترون (3) أنهم لا ينظرون لانفسهم وقد عرفتم ولم يعرفوا ؟ ! قال أبو جعفر عليه السلام: لو استطاع الناس لاحبونا. " ص 156 - 157 " 21 - يد، مع: الوراق والسناني، (4) عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب عن ابن بهلول، عن أبيه، عن جعفر بن سليمان البصري، عن الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام عن قول الله عزوجل: " من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا " فقال: إن الله تبارك وتعالى يضل الظالمين يوم القيامة عن دار كرامته ويهدي أهل الايمان والعمل الصالح إلى جنته كما قال عزوجل: " ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء " وقال الله عزوجل: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الانهار في جنات النعيم " قال: فقلت: فقوله: " وما توفيقي إلا بالله " وقوله عزوجل: " إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي


(1) في المصدر: فقلت له قول الله تبارك وتعالى: " ان علينا للهدى " قال: ان الله. م (2) في المصدر: إذا نظروا من وجه النظر. م (3) في المصدر: افترى. م (4) في التوحيد والمعاني: الوراق والسنانى والدقاق قالوا: حدثنا القطان. م

[ 200 ]

ينصركم من بعده " ؟ فقال: إذا فعل العبد ما أمره الله عزوجل به من الطاعة كان فعله وفقا لامر الله عزوجل وسمي العبد به موفقا، وإذا أراد العبد أن يدخل في شئ من معاصي الله فحال الله تبارك وتعالى بينه وبين تلك المعصية فتركها كان تركه لها بتوفيق الله تعالى، ومتى خلي بينه وبين المعصية فلم يحل بينه وبينها حتى يرتكبها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفقه. " ص 245 - 246 ص 11 " 22 - يد، مع، ن: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام (1) عن قول الله عزوجل: " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام " قال: من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنته و دار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون إلى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة لكفره به و عصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيقا حرجا حتى يشك في كفره ويضطرب من اعتقاده قلبه حتى يصير كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون. " ص 224 ص 47 - 48 ص 75 " ج: مرسلا عنه عليه السلام مثله. " ص 224 " 23 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسن بن فضال، عن ثعلبة، عن زرارة، عن عبد الخالق بن عبد ربه، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزوجل: " ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا " فقال: قد يكون ضيقا وله منفذ يسمع منه ويبصر، والحرج هو الملتأم الذي لا منفذ له يسمع به ولا يبصر منه. " ص 47 " 24 - م، ج: بالاسناد إلى أبي محمد عليه السلام قال في قوله تعالى: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ": أي وسمها بسمة (2) يعرفها من يشاء من ملائكته إذا نظروا إليها بأنهم الذين لا يؤمنون، وعلى سمعهم كذلك بسمات وعلى أبصارهم غشاوة، وذلك أنهم لما أعرضوا عن النظر فيما كلفوه وقصروا فيما


(1) في التوحيد والمعاني: سألت ابا الحسن على بن موسى الرضا عليه السلام بنيسابور. م (2) السمة كعدة: العلامة وأثر الكى، والجمع سمات، أي جعل له علامة يعرف بها من يشاء.

[ 201 ]

اريد منهم وجهلوا ما لزمهم الايمان به فصاروا كمن على عينيه غطاء لا يبصر ما أمامه فإن الله عزوجل يتعالى عن العبث والفساد، وعن مطالبة العباد بما منعهم بالقهر منه، فلا يأمرهم بمغالبته ولا بالمصير إلى ما قد صدهم عنه بالقسر عنه، (1) ثم قال: " ولهم عذاب عظيم " يعني في الآخرة العذاب المعد للكافرين، وفي الدنيا أيضا لمن يريد أن يستصلحه بما ينزل به من عذاب الاستصلاح لينبهه لطاعته، ومن عذاب الاصطلام (2) ليصيره إلى عدله وحكمته. قال الطبرسي رحمه الله: وروى أبو محمد العسكري عليه السلام مثل ما قال هو في تأويل هذه الآية من المراد بالختم على قلوب الكفار عن الصادق عليه السلام بزيادة شرح لم نذكره مخافة التطويل لهذا الكتاب. " ص 253 " 25 - ن: تميم القرشي، عن أبيه، عن الانصاري، عن الهروي قال: قال الرضا عليه السلام في قوله عزوجل: " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ": ليس ذلك على سبيل تحريم الايمان عليها، ولكن على معنى أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله وإذنه أمره لها بالايمان ما كانت مكلفة متعبدة، وإلجاؤه إياها إلى الايمان عند زوال التكليف والتعبد عنها. 26 - ن: السناني، عن محمد الاسدي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني، عن إبراهيم بن أبي محمود قال: سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " قال: الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم كما قال تعالى: " بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ". " ص 70 " 27 - فس: قوله: " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله " يعني الحسنات والسيئات، ثم قال في آخر الآية: " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " وقد اشتبه هذا على عدة من العلماء فقالوا: يقول الله: وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن


(1) في المصدر: إلى ما قد صدهم بالقسر عنه. م (2) في المصدر: أو من عذاب الاصطلاح. م

[ 202 ]

تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل كل من عند الله الحسنة والسيئة. ثم قال في آخر الآية: " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " فكيف هذا وما معنى القولين ؟. فالجواب في ذلك من معنى القولين جميعا عن الصادقين عليهم السلام أنهم قالوا: الحسنات في كتاب الله على وجهين، والسيئات على وجهين، فمن الحسنات التي ذكرها الله الصحة والسلامة والامن والسعة في الرزق وقد سماها الله حسنات " وإن تصبهم سيئة " يعني بالسيئة ههنا المرض والخوف والجوع والشدة " يطيروا بموسى ومن معه " أي يتشاءموا به، والوجه الثاني من الحسنات يعني به أفعال العباد وهو قوله: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " ومثله كثير. وكذا السيئات على وجهين فمن السيئات الخوف والجوع والشدة وهو ما ذكرناه في قوله: " وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه " وعقوبات الذنوب قد سماها الله السيئات كقوله تعالى: " جزاء سيئة سيئة مثلها ". والوجه الثاني من السيئات يعني بها أفعال العباد الذين يعاقبون عليها وهو قوله: " ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار " وقوله: " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " يعني ما عملت من ذنوب فعوقبت عليها في الدنيا و الآخرة فمن نفسك بأعمالك لان السارق يقطع، والزاني يجلد ويرجم، والقاتل يقتل فقد سمى الله العلل والخوف والشدة وعقوبات الذنوب كلها سيئات، فقال: " ما أصابك من سيئة فمن نفسك " بأعمالك، قوله: " قل كل من عند الله " يعني الصحة والعافية والسعة والسيئات التي هي عقوبات الذنوب من عند الله. " ص 132 - 133 " بيان: لا يخفى أن الظاهر في الآية الاولى من الحسنة النعمة كالخصب والظفر والامن والفرح، ومن السيئة القحط والهزيمة والجوع والخوف، ويحتمل بعيدا ما ذكره علي بن إبراهيم من عقوبات الذنوب ; وفي الآية الثانية يحتمل أن يكون المراد بالحسنة الطاعة فإنها بتوفيقه تعالى والنعمة فإنها بأنواعها من فضله تعالى، وبالسيئة الذنوب فإنها باختيارنا ; أو عقوباتها فإنها بسبب أفعالنا، ولا ينافي ذلك كونها من الله، إذ تقديرها وإلزامها وإيجابها من الله وفعل ما يوجبها منا، ولعل كلام علي بن إبراهيم ناظر

[ 203 ]

إلى هذا، أو البلايا والمصائب فإنها بسبب ذنوبنا التي نستحقها بها، ولا ينافي أيضا كونها من عند الله إذ أعمالنا أسباب لانزال الله تعالى إياها، فالفاعل هو الله ونحن الاسباب، ومنا البواعث، ويمكن حمل الآية أيضا على الطاعات والمعاصي إذ المعاصي صادرة منا بسلب توفيقه تعالى عنا، فيجوز نسبتها إليه تعالى أيضا مجازا وإن كنا نحن بقبائح أعمالنا باعثين لسلب التوفيق أيضا، ولعله إنما خص بعض الصور بالذكر لظهور البواقي. 28 - يد: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله الفراء، عن محمد بن مسلم، ومحمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما علم رسول الله صلى الله عليه وآله أن جبرئيل عليه السلام من قبل الله عزوجل إلا بالتوفيق. " ص 246 - 247 " 29 - يد، القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن معنى لا حول ولا قوة إلا بالله فقال: معناه لا حول لنا عن معصية الله إلا بعون الله، ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بتوفيق الله عزوجل. " ص 247 " 30 - سن: محمد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السراج، عن ابن مسكان، عن ثابت أبي سعيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا ثابت ما لكم وللناس، كفوا عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى أمركم، فوالله لو أن أهل السماوات وأهل الارضين اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلالته ما استطاعوا أن يهدوه، (1) ولو أن أهل السماوات وأهل الارضين اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هداه ما استطاعوا أن يضلوه، كفوا عن الناس ولا يقل أحدكم: أخي وابن عمي وجاري، فإن الله إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه فلا يسمع معروفا إلا عرفه، ولا منكرا إلا أنكره، ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره. " ص 200 " سن: أبي، عن عبد الله بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن ثابت مثله. " 200 " 31 - سن: عبد الله بن يحيى، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام يا سليمان إن لك قلبا ومسامع، وإن الله إذا أراد أن يهدي عبدا


(1) في نسخة: على أن يهدوه.

[ 204 ]

فتح مسامع قلبه، وإذا أراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه فلا يصلح أبدا ; وهو قول الله عزوجل: " أم على قلوب أقفالها ". " ص 200 " 32 - سن: القاسم بن محمد وفضالة، عن كليب بن معاوية الاسدي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام ما أنتم والناس ؟ إن الله إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء فإذا هو يجول لذلك ويطلبه. " 200 " 33 - سن: فضالة، عن القاسم بن يزيد (1) عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أراد الله بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء فجال القلب يطلب الحق، ثم هو إلى أمركم أسرع من الطير إلى وكره (2) " ص 201 " 34 - سن: أبي، عن فضالة، عن أبي بصير، عن خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن القلب ينقلب من لدن موضعه إلى حنجرته ما لم يصب الحق، فإذا أصاب الحق قر. ثم ضم أصابعه وقرأ هذه الآية: " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ". " ص 202 " شى: عن خيثمة مثله. (3) 35 - سن: حماد بن عيسى، عن ربعي، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تدعوا إلى هذا الامر فإن الله إذا أراد بعبد خيرا أخذ بعنقه فأدخله في هذا الامر. " ص 202 ". سن: يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن جده، عن أبي جعفر عليه السلام مثله. " ص 202 ". 36 - سن: النضر، عن يحيى الحلبي، عن عمران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله إذا أراد بعبد خيرا أخذ بعنقه فأدخله في هذا الامر. " ص 202 "


(1) الموجود في نسخ الكتاب والمحاسن المطبوع: القاسم بن يزيد: والظاهر أنه مصحف القاسم بن بريد. (2) الوكر: عش الطائر وموضعه. (3) بضم الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة وفتح الثاء المثلثة، والميم والهاء.

[ 205 ]

سن: علي بن إسماعيل الميثمي، عن ربعي، عن حذيفة بن منصور عن أبي عبد الله عليه السلام مثله " ص 202 " سن: صفوان، عن العلاء، عن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. " ص 202 " 37 سن: صفوان، عن محمد بن مروان، عن فضيل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ندعو الناس إلى هذا الامر ؟ فقال: لا يا فضيل ; إن الله إذا أراد بعبد خيرا وكل ملكا (1) فأخذ بعنقه فأدخله في هذا الامر طائعا أو كارها. " ص 202 " 38 - سن: ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن معاذ بن كثير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني لا أسئلك إلا عما يعنيني، (2) إن لي أولادا قد أدركوا فأدعوهم إلى شئ من هذا الامر ؟ فقال: لا، إن الانسان إذا خلق علويا أو جعفريا يأخذ الله بناصيته حتى يدخله في هذا الامر. " ص 202 " 39 - سن: صفوان، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبي عليه السلام يقول: إذا أراد الله بعبد خيرا أخذ بعنقه فأدخله في هذا الامر، قال: وأومأ بيده إلى رأسه. " ص 203 " 40 - سن: حماد بن عيسى، عن نباتة بن محمد البصري قال: أدخلني ميسر بن عبد العزيز على أبي عبد الله عليه السلام وفي البيت نحو من أربعين رجلا فجعل ميسر يقول: جعلت فداك هذا فلان بن فلان من أهل بيت كذا وكذا حتى انتهى إلي فقال: إن هذا ليس في أهل بيته أحد يعرف هذا الامر غيره ; فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله إذا أراد بعبد خيرا ولك به ملكا فأخذ بعضده فأدخله في هذا الامر. " ص 203 " 41 - سن: علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: " واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " فقال: يحول بينه وبين أن يعلم أن الباطل حق. " ص 237 " بيان: أي يهديه إلى الحق.


(1) في المصدر: امر ملكا. م (2) أي إلا عما يهمنى.

[ 206 ]

وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في الغرر والدرر: فيه وجوه أولها أن يريد بذلك أنه تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت وهذا حث منه عزوجل على الطاعات والمبادرة لها قبل الفوت. وثانيها أنه يحول بين المرء وقلبه بإزالة عقله وإبطال تميزه وإن كان حيا، وقد يقال لمن فقد عقله وسلب تمييزه: إنه بغير قلب، قال تعالى: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ". (1) وثالثها أن يكون المعنى المبالغة في الاخبار عن قربه من عباده وعلمه بما يبطنون ويخفون وأن الضمائر المكنونة له ظاهرة، والخفايا المستورة لعلمه بادية، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " (2) ونحن نعلم أنه تعالى لم يرد قرب المسافة بل المعنى الذي ذكرناه، وإذا كان جل وعزهو أعلم بما في قلوبنا منا وكان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه ونسهو عنه ونضل عن علمه، وكل ذلك لا يجوز عليه جاز أن يقول أنه يحول بيننا وبين قلوبنا لانه معلوم في الشاهد أن كل شئ يحول بين شيئين فهو أقرب إليهما، (3) والعرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة، فيقول: فلان أقرب إلى قلبي من فلان. ورابعها ما أجاب به بعضهم من أن المؤمنين كانوا يفكرون في كثرة عدوهم وقلة عددهم فيدخل قلوبهم الخوف فأعلمهم تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبد له بالخوف الامن، ويبدل عدوهم بظنهم أنهم قادرون عليهم الجبن والخور. (4) ويمكن في الآية وجه خامس وهو أن يكون المراد أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يدعوه إليه قلبه من القبائح بالامر والنهي والوعد والوعيد انتهى. أقول: يمكن أن تكون الحيلولة بالهدايات والالطاف الخاصة زائدا على


(1) ق: 37. (2) ق: 16 (3) في المصدر بعد ذلك: ولما أراد الله تعالى المبالغة في وصف القرب خاطبنا بما نعرف ونألف ; وإن كان القرب الذى عناه جلت عظمته لم يرد به المسافة اه‍. (4) الخور بالخاء والواو المفتوحتين: الضعف.

[ 207 ]

الامر والنهي، ويحتمل أن يكون مخصوصا بالمقربين الذين يملك الله قلوبهم ويستولى عليها بلطفه ويتصرف فيها بأمره فلا يشاؤون شيئا إلا أن يشاء الله، ولا يريدون إلا ما أراد الله، فهو تعالى في كل آن يفيض على أرواحهم، ويتصرف في آبدانهم، فهم ينظرون بنور الله، ويبطشون بقوة الله، كما قال تعالى فيهم: فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يمشي، وبي يبطش. وقال عزوجل: كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه. وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في كتاب المكارم، وقد مر الكلام في الآية في باب العلم. (1) 42 - شى: عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لبسوا عليهم لبس الله عليهم فإن الله يقول: " وللبسنا عليهم ما يلبسون ". 43 - شى: عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوا للناس، فإنه ما كان الله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد إلى الله ولا تخاصموا الناس بدينكم فإن الخصومة ممرضة للقلب، إن الله قال لنبيه: يا محمد إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، وقال: أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين. ذروا الناس فإن الناس أخذوا من الناس وإنكم أخذتم من رسول الله وعلي ولا سواء، إني سمعت أبي عليه السلام وهو يقول: إن الله إذا كتب إلى عبد أن يدخل في هذا الامر كان أسرع إليه من الطير إلى وكره. 44 - شى: البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: قال الله في قوم نوح: " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم " قال: الامر إلى الله يهدي ويضل. 45 - شى: عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رسول


(1) لا يخفى أن جميع ما ذكر من هذه الوجوه إنما هو للفرار من نسبة فعل القبيح إليه تعالى فان الحيلولة والمكر والامر بالمعصية وبالجملة كل ما هو إضلال بوجه قبيح من الحكيم فلا ينسب إليه تعالى ; إلا أن ظاهر الكتاب أن جميع ذلك منه تعالى فيما نسب إليه من قبيل المجازاة على المعاصي قال تعالى: " وما يضل به إلا الفاسقين " وقال: " فلما زاغوا أزاع الله قلوبهم " ولا يقبح الاضلال وكل ما يرجع إليه إذا كان بعنوان المجازاة كما لا يخفى. ط (*)

[ 208 ]

الله صلى الله عليه وآله كان يدعو أصحابه فمن أراد الله به خيرا سمع وعرف ما يدعوه إليه، ومن أراد به شرا طبع على قلبه فلا يسمع ولا يعقل وهو قوله: " اولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم واولئك هم الغافلون ". 46 - شى: عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها " - مشددة منصوبة - تفسيرها: كثرنا ; وقال: لا قرأتها مخففة. بيان: قال الفيروز آبادي: أمر كفرح أمرا وأمرة، كثر وتم فهو آمر، والامر اشتد، والرجل كثرت ماشيته، وأمره الله وأمره كنصره لغية كثر ماشيته ونسله. 47 - شى: عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها " قال: تفسيرها: أمرنا أكابرها. 48 - تفسير النعماني: بالاسناد الآتي في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: الضلاله على وجوه: فمنه محمود، ومنه مذموم، ومنه ما ليس بمحمود ولا مذموم ومنه ضلال النسيان، فأما الضلال المحمود وهو المنسوب إلى الله تعالى كقوله: " يضل الله من يشاء " هو ضلالهم عن طريق الجنة بفعلهم، والمذموم هو قوله تعالى: " وأضلهم السامري " " وأضل فرعون قومه وما هدى " ومثل ذلك كثير ; وأما الضلال المنسوب إلى الاصنام فقوله في قصة إبراهيم " واجنبني وبني آن نعبد الاصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس " الآية، والاصنام لا يضللن أحدا على الحقيقة، إنما ضل الناس بها وكفروا حين عبدوها من دون الله عزوجل، وأما الضلال الذي هو النسيان فهو قوله تعالى: " أن تضل إحديهما فتذكر إحديهما الاخرى " وقد ذكر الله تعالى الضلال في مواضع من كتابه، فمنهم ما نسبه إلى نبيه على ظاهر اللفظ كقوله سبحانه: " ووجدك ضالا فهدى " معناه وجدناك في قوم لا يعرفون نبوتك فهديناهم بك ; وأما الضلال المنسوب إلى الله تعالى الذي هو ضد الهدى والهدى هو البيان، وهو معنى قوله سبحانه: " أو لم يهد لهم " معناه: أو لم أبين لهم، مثل قوله سبحانه: " فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى أي بينا لهم، وهو قوله تعالى: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هديهم حتى يبين لهم ما يتقون. وأما معنى الهدى فقوله عزوجل: " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد " ومعنى

[ 209 ]

الهادي المبين لما جاء به المنذر من عند الله، وقد احتج قوم من المنافقين على الله تعالى " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " وذلك أن الله تعالى لما أنزل على نبيه " ولكل قوم هاد " قال طائفة من المنافقين " ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا " فأجابهم الله تعالى بقوله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " إلى قوله: " يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين " فهذا معنى الضلال المنسوب إليه تعالى لانه أقام لهم الامام الهادي لما جاء به المنذر فخالفوه وصرفوا عنه، بعد أن أقروا بفرض طاعته، ولما بين لهم ما يأخذون وما يذرون فخالفوه ضلوا. هذا مع علمهم بما قاله النبي صلى الله عليه وآله، وهو قوله: لا تصلوا علي صلاة مبتورة (1) إذا صليتم علي بل صلوا على أهل بيتي ولا تقطعوهم مني فإن كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي. ولما خالفوا الله تعالى ضلوا فأضلوا فحذر الله تعالى الامة من اتباعهم فقال سبحانه: " ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل " والسبيل ههنا الوصي، وقال سبحانه: " ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصيكم به " الآية فخالفوا ما وصيهم الله تعالى به واتبعوا أهواءهم فحرفوا دين الله جلت عظمته وشرائعه، وبدلوا فرائضه وأحكامه وجميع ما أمروا به، كما عدلوا عمن أمروا بطاعته، وأخذ عليهم العهد بموالاته، واضطرهم ذلك استعمال الرأي والقياس فزادهم ذلك حيرة والتباسا. ومنه قوله سبحانه: " وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء " فكان تركهم اتباع الدليل الذي أقام لهم ضلالة لهم فصار ذلك كأنه منسوب إليه تعالى لما خالفوا أمره في اتباع الامام، ثم افترقوا واختلفوا، ولعن بعضهم بعضا واستحل بعضهم دماء بعض، فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تؤفكون. " ص 17 - 20 " 49 - نهج: قال عليه السلام - وقد سئل عن معنى قولهم: لا حول ولا قوة الا بالله -:


(1) أي ناقصة.

[ 210 ]

إنا لا نملك مع الله شيئا ولا نملك إلا ما ملكنا، فمتى ملكنا ما هو أملك به منا كلفنا، ومتى أخذه منا وضع تكليفه عنا. (1) 50 - كنز الكراجكى: قال: قال الصادق عليه السلام: ما كل من نوى شيئا قدر عليه ولا كل من قدر على شئ وفق له، ولا كل من وفق لشئ أصاب له، فإذا اجتمعت النية والفدرة والتوفيق والاصابة فهنالك تمت السعادة. (باب 8) * (التمحيص والاستدراج والابتلاء والاختبار) * الايات، آل عمران " 3 " ولا يحسبن الذى كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين * ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب 178 - 179 " وقال تعالى ": وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين 138 - 142 " وقال تعالى ": وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم 154 " وقال تعالى ": لتبلون في أموالكم وأنفسكم 186. المائدة " 5 " وحسبوا أن لا تكون فتنة 71. الانعام " 6 " وهو الذي جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتيكم 165.


(1) حاصله أن اختيارنا وقوة تعاطينا الافعال والامور إنما هو منه سبحانه، وليس لنا في حد ذاتنا وهوياتنا أمر واختيار دونه، فنحن المالكون لها بالعرض وهو المالك بالذات والحقيقة، فيما أعطانا من القوة على الافعال والاعمال - وهى منه واختيارها بيده وقبضته عليها أشد من قبضتنا عليها - كلفنا وأوجب علينا أشياء، وحرم امورا، ومتى أخذ هذه القوة والمقدرة عنا وضع تكليفه أيضا عنا، فالمغزى أن لافعالنا إسنادا إليه تعالى بما أقدرنا عليها وأمكنه روعنا عنها وأخذ القوة منا، كما أن لها أيضا إسنادا إلينا، بما أوجدناها واخترنا فعلها على تركها، فليس أجبرنا على أعمالنا بحيث لم تصح إسنادها إلينا، ولا فوض أمرها إلينا بحيث لم تكن له مشيئة وأمر فيها.

[ 211 ]

الاعراف " 7 " والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين 182 - 183. الانفال " 8 " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة 25 " وقال تعالى ": واعملوا أنما أموالكم وأولادكم فتنة 28. التوبة " 9 " أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون 16 " وقال الله تعالى ": أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون 126. هود " 11 " ليبلوكم أيكم أحسن عملا 7. الكهف " 18 " إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا 7. طه " 20 " وفتناك فتونا 40 " وقال تعالى ": قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري 85 " إلى قوله ": يا قوم إنما فتنتم به 90 " وقال تعالى ": لنفتنهم فيه 131. الانبياء " 21 " ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون 35 " وقال ": وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين 111. الحج " 22 " ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض 53. الفرقان " 25 " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا 20. النمل " 27 " بل أنتم قوم تفتنون 47. العنكبوت " 29 " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين 2 - 3. الاحزاب " 33 " هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا 11. الصافات 37 " إن هذا لهو البلاء المبين 106. ص " 38 " ولقد فتنا سليمن وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب 34. الزمر " 39 " فإذا مس الانسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون 4. المؤمن " 40 " فلا يغررك تقلبهم في البلاد 4.

[ 212 ]

الدخان " 44 " ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون 17 " وقال تعالى ": وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين 33. محمد " 47 " ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض 4 " وقال تعالى ": ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم 31. القمر " 54 " إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم 27. الممتحنة " 60 " ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا 5. الملك " 67 " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا 3. القلم " 68 " إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين 17 " وقال تعالى ": فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * واملي لهم إن كيدي متين 44 - 45. الجن " 72 " لنفتنهم فيه 17. المدثر " 74 " وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا 31. الطارق " 68 " إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا 15 - 16. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وليعلم الله الذي آمنوا " أي يعلمهم متميزين بالايمان، وإذا كان الله تعالى يعلمهم قبل إظهارهم الايمان كما يعلمهم بعده فإنما يعلم قبل الاظهار أنهم سيتميزون فإذا أظهروه علمهم متميزين، ويكون التغير حاصلا في المعلوم لا في العالم، كما أن أحدنا يعلم الغد قبل مجيئه على معنى أنه سيجئ، فإذا جاء علمه جائيا وعلمه يوما لا غدا وإذا انقضى فإنما يعلمه أمس لا يوما ولا غدا، ويكون التغيير واقعا في المعلوم لا في العالم. وقيل: معناه: وليعلم أولياء الله، وإنما أضاف إلى نفسه تفخيما، وقيل: معناه: وليظهر المعلوم من صبر من يصبر، وجزع من يجزع، وإيمان من يؤمن. وقيل: ليظهر المعلوم من النفاق والاخلاص، ومعناه: ليعلم الله المؤمن من المنافق فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر. " ويتخذ منكم شهداء " أي ليكرم بالشهادة من قتل يوم أحد، أو يتخذ منكم شهودا على الناس بما يكون منهم من العصيان ; وأصل التمحيص التخليص، والمحق: إفناء الشئ حالا بعد حال أي ليبتلي الله الذين آمنوا وليخلصهم

[ 213 ]

من الذنوب أو ينحيهم من الذنوب بالابتلاء، ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء. وقال: " وليبتلي الله ما في صدوركم " أي ليختبر ما فيها بأعمالكم لانه قد علمه عيبا فيعلمه شهادة لان المجازات إنما تقع على ما يعلمه مشاهدة. وقيل: معناه ليعاملكم معاملة المختبرين " وليمحص ما في قلوبكم " أي ليكشفه ويميزه، أو يخلصه من الوساوس، وقال: " لتبلون " أي لتوقع عليكم المحن وتلحقكم الشدائد في أموالكم بذهابها ونقصانها، وفي أنفسكم أيها المؤمنون بالقتل والمصائب. وقال البيضاوي " أم حسبتم " خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال ; أو المنافقين " أن تتركوا " ولم يتبين الخلص منكم وهم الذين جاهدوا من غيرهم، نفي العلم و إرادة نفي المعلوم للمبالغة فإنه كالبرهان عليه من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه " وليجة ": بطانة يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم. وقال: في قوله تعالى: " يفتنون " أي يبتلون بأصناف البليات، أو بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى " وفتناك فتونا " أي اختبرناك اختبارا ; و في قوله تعالى: " فإنا قد فتنا قومك " أي امتحناهم وشددنا عليهم التكليف بما حدث فيهم من أمر العجل، فألزمناهم عند ذلك النظر ليعلموا أنه ليس بإله، فأضاف الضلال إلى السامري والفتنة إلى نفسه. وفي قوله تعالى: " ونبلوكم بالشر والخير " أي نعاملكم معاملة المختبر بالفقر و الغنى، وبالضراء والسراء، وبالشدة والرخاء. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام مرض فعاده إخوانه فقال كيف نجدك يا أمير المؤمنين ؟ قال: بشر، قالوا: ما هذا كلام مثلك ! فقال: إن الله يقول " ونبلوكم باشر والخير فتنة " فالخير: الصحة والغنى، والشر: المرض والفقر " فتنة " أي ابتلاءا واختبارا وشدة تعبد. وقال: في قوله تعالى: " إن أدرى لعله " أي ما اذنتكم به اختبار لكم وشدة تكليف ليظهر صنيعكم، وقيل: هذه الدنيا فتنة لكم ; وقيل: تأخير العذاب محنة و

[ 214 ]

اختبار لكم لترجعوا عما أنتم عليه " ومتاع إلى حين " أي تتمتعون به إلى وقت انقضاء آجالكم. وقال: في قوله تعالى: " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة " أي امتحانا وابتلاءا، وهو افتنان الفقير بالغني، يقول: لو شاء الله لجعلني مثله غنيا، والاعمى بالبصير، والسقيم بالصحيح. وقال: في قوله تعالى: " وهم لا يفتنون " أي أظن الناس أن يقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط، ويقتصر منهم على هذا القدر، ولا يمتحون بما يتبين به حقيقة إيمانهم ؟ هذا لا يكون. وقيل: معنى يفتنون يبتلون في أنفسهم وأموالهم وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام ويكون المعنى: ولا يشدد عليهم التكليف والتعبد ولا يؤمرون ولا ينهون. وقيل: معناه ولا يصابون بشدائد الدنيا ومصائبها أي أنها لا تندفع بقولهم: آمنا. وقال الحسن: معناه أحسبوا أن يتركوا أن يقولوا: لا إله الا الله ولا يختبروا أصدقوا أم كذبوا ؟ يعني أن مجرد الاقرار لا يكفي. والاولى حمله على الجميع، إذ لا تنافي فإن المؤمن يكلف بعد الايمان بالشرايع، ويمتحن في النفس والمال، ويمنى بالشدائد و الهموم والمكاره، فينبغي ان يوطن نفسه على هذه الفتنة ليكون الامر أيسر عليه إذا نزل به. وقال في قوله تعالى: " على علم " أي إنما أوتيته بعملمي وجلدي وحيلتي. أو على خير علمه الله عندي، أو على علم يرضاه عني، فلذلك آتاني ما آتاني من النعم ; ثم قال: ليس الامر على ما يقولون، بل هي فتنة أي بلية واختبار يبتليه الله بها، فيظهر كيف شكره أو صبره في مقابلتها فيجازيه بحسبها. وقيل: معناه: هذه النعمة فتنة، أي عذاب لهم إذا أضافوها إلى أنفسهم، وقيل: معناه: هذه المقالة التي قالوها فتنة لهم لانهم يعاقبون عليها. وقال: في قوله تعالى: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " أي إلى الهلاكة حتى يقعوا فيه بغتة. وقيل: يجوز أن يريد عذابا لآخرة أي نقربهم إليه درجة درجة حتى يقعوا فيه.

[ 215 ]

وقيل: هو من المدرجة وهي الطريق، ودرج: إذا مشى سريعا، أي سنأخذهم من حيث لا يعلمون أي طريق سلكوا ؟ فإن الطريق كلها إلي ومرجع الجميع إلي، ولا يغلبني غالب ولا يسبقني سابق ولا يفوتني هارب. وقيل: إنه من الدرج، أي سنطويهم في الهلاك ونرفعهم عن وجه الارض، يقال طويت فلانا وطويت أمر فلان: إذا تركته وهجرته. وقيل: معناه: كلما جددوا خطيئة جددنا لهم نعمة. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إذا أحدث العبد ذنبا جدد له نعمة فيدع الاستغفار فهو الاستدراج. ولا يصح قول من قال: إن معناه يستدرجهم إلى الكفر و الضلال، لان الآية وردت في الكفار وتضمنت أنه يستدرجهم في المستقبل، فإن السين يختص المستقبل، ولانه جعل الاستدراج جزاءا على كفرهم وعقوبة فلابد أن يريد معنى آخر غير الكفر. (1) وقوله: " واملي لهم " معناه وأمهلهم ولا أعاجلهم بالعقوبة، فإنهم لا يفوتوني ولا يفوتني عذابهم " إن كيدي متين " أي عذابي قوي منيع لا يدفعه دافع، وسماه كيدا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون. وقيل: أراد أن جزاء كيدهم متين، وقال: " إنهم يكيدون كيدا " أي يحتالون في الايقاع بك وبمن معك، ويريدون إطفاء نورك " وأكيد كيدا " أي أريد أمرا آخر عى ضد ما يريدون، وادبر ما ينقض تدابيرهم، فسماه كيدا من حيث يخفى عليهم. (2)


(1) فيه ان الكفر كالايمان ذو مراتب قال تعالى: " ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا " الاية فالمعنى: ان الله يخرجهم من كفر إلى كفر هو أشد منه، وما ذكره في الرواية لا ينافيه. ط (2) النهج: قال عليه السلام: لا يقولن أحدكم: اللهم أعوذ بك من الفتنة، لانه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن، فان الله سبحانه يقول: " واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة " ومعنى ذلك أنه يختبرهم بالاموال والاولاد ليتبين الساخط لرزقه، والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الافعال التى بها يستحق الثواب والعقاب، لان بعضهم يحب الذكور ويكره الاناث، وبعضه يحب تثمير المال ويكره انثلام الحال. قال الرضى: وهذا من غريب ما سمع منه في التفسير.

[ 216 ]

1 - شى: عن الوشاء بإسناد له يرسله إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: والله لتمحصن والله لتميزن، والله لتغربلن حتى لا يبقى منكم إلا الاندر ؟ قلت: وما الاندر قال: البيدر، وهو أن يدخل الرجل قبة (1) الطعام يطين عليه ثم يخرجه، وقد تأكل بعضه فلا يزال ينقيه، ثم يكن عليه يخرجه حتى يفعل ذلك ثلاث مرات حتى يبقى ما لا يضره شئ. بيان: قال الفيروز آبادي: الاندر: البيدر، أو كدس القمح. 2 - شى: عن زرارة، وحمران، ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله: " ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين " قال: لا تسلطهم علينا فتفتنهم بنا. 3 - كش: خلف بن حمار، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن الحسين ابن الحسن قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: إني تركت ابن قياما (2) من أعدى خلق الله لك ; قال: ذلك شر له ؟ قلت ما أعجب ما أسمع منك عجلت فداك ! قال: أعجب من ذلك إبليس، كان في جوار الله عزوجل في القرب منه فأمره فأبى وتعزز وكان من الكافرين، فأملى الله له، والله ما عذب الله بشئ أشد من الاملاء، والله يا حسين ما عذبهم الله بشئ أشد من الاملاء. (3) 4 - يد: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن محمد بن السندي، عن علي ابن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من قبض ولا بسط إلا ولله فيه المن أو الابتلاء. (4) " ص 364 - 365 " 5 - يد: أبي، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن يونس، عن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من قبض ولا بسط إلا والله فيه مشية وقضاء وابتلاء. " ص 365 " سن: أبي عن يونس مثله. " ص 279 "


(1) في نسخة ": بيته. (2) هو الحسين بن قياما الواقفى، كان يجحد أبا الحسن الرضا عليه السلام. (3) الاملاء: الامهال وعدم التعجيل في العقوبة. (4) في نسخة: والابتلاء.

[ 217 ]

بيان: لعل القبض والبسط في الارزاق بالتوسيع والتقتير، وفي النفوس بالسرور والحزن، وفي الابدان بالصحة والالم، وفي الاعمال بتوفيق الاقبال إليه وعدمه، وفي الاخلاق بالتحلية وعدمها، وفي الدعاء بالاجابة له وعدمها، وفي الاحكام بالرخصة في بعضها والنهي عن بعضها. 6 - يد: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن فضالة، عن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال له: ليس شئ فيه قبض أو بسط مما أمر الله به أو نهى عنه إلا وفيه من الله ابتلاء وقضاء. " ص 365 " 7 - سن: ابن فضال، عن عبد الاعلى بن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس للعبد قبض ولا بسط مما أمر الله به أو نهى الله عنه إلا ومن الله فيه ابتلاء. " ص 279 " 8 - سن: محمد بن سنان، عن ابن مسكان، وإسحاق بن عمار معا، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن فيما ناجى الله به موسى عليه السلام أن قال: يا رب هذا السامري صنع العجل الخوار من صنعه ! فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أن تلك فتنتي فلا تفصحن عنها. " ص 284 " بيان: أي لا تظهرنها لاحد فإن عقولهم قاصرة عن فهمها. 9 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن حندب، (1) عن سفيان بن السمط قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكره الاستغفار، وإذا أراد بعبد شرا فأذنب ذنبا أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى بها، وهو قول الله عزوجل: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " بالنعم عند المعاصي. " ج 2 ص 452 " 10 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه


(1) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال بعدها باء موحدة، هو عبد الله بن جندب البجلى الكوفى، عربي ثقة، كان وكيلا لابي إبراهيم وأبى الحسن الرضا عليهما السلام، وكان عابدا، رفيع المنزلة لديهما ; وقال فيه أبو الحسن الرضا عليه السلام: إن عبد الله بن جندب لمن المخبتين.

[ 218 ]

جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن بعض أصحابه قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الاستدراج، قال: هو العبد يذنب الذنب فيملي له ويجدد له عنده النعم فيلهيه عن الاستغفار من الذنوب فهو مستدرج من حيث لا يعلم. " ج 2 ص 452 " 11 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " قال: هو العبد يذنب الذنب فيجدد له النعمة معه تلهيه تلك النعمة عن الاستغفار من ذلك الذنب. " ج 2 ص 452 " 12 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن يعقوب السراج، وعلي بن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر وخطب بخطبة ذكرها يقول فيها: ألا إن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله، والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة، ولتغربلن، غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سباقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا، والله ما كتمت وسمة، ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم. " ج 1 ص 369 " بيان: لبتلبلن أي لتخلطن من تبلبلت الالسن أي اختلطت، أو من البلابل و هي الهموم والاحزان ووسوسة الصدر. ولتغربلن يجوز أن يكون من الغربال الذي يغربل به الدقيق، ويجوز أن يكون من غربلت اللحم أي قطعته فعلى الاول يحتمل معنيين: أحدهما الاختلاط كما أن في غربلة الدقيق يختلط بعضه ببعض ; والثاني أن يريد بذلك أن يستخلص الصالح منكم من الفاسد ويتميز، كما يمتاز الدقيق عند الغربلة من النخالة. قوله عليه السلام: حتى يعود أسفلكم أعلاكم أي يصير عزيزكم ذليلا وذليلكم عزيزا أو صالحكم فاجرا وفاجركم صالحا، ومؤمنكم كافرا وكافركم مؤمنا. وفي النهج: لتساطن سوط القدر حتى يعود. وهو أظهر، يقال: ساط القدر: إذا قلب ما فيها من طعام بالمسوط وأداره ; والمسوط: خشبة يحرك بها ما فيها ليخلط.

[ 219 ]

قوله عليه السلام: وليسبقن سباقون يعني عليه السلام به قوما قصروا في أول الامر في نصرته ثم نصروه في ذلك الوقت، وبالفقرة الثانية قوما سعوا إلى بيعته وبادروا إلى نصرته في أول الامر ثم خذلوه ونكثوا بيعته كطلحة والزبير. قوله عليه السلام: ما كتمت وسمة، وفي بعض النسخ بالشين المعجمة وهو الاظهر، قال الجزري: في حديث علي: والله ما كتمت وشمة، أي كلمة وفي بعض النسخ بالسين المهملة فهو بمعنى العلامة أي ما سترت علامة تدل على سبيل الحق ولكن عميتم عنها، ولا يخفى لطف انضمام الكتم بالوسمة، إذ الكتم بالتحريك نبت يخلط بالوسمة يختضب به. 13 - كا: محمد بن يحيى، والحسن بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن إسماعيل الانباري، عن الحسين بن علي، (1) عن أبي المغرا، (2) عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ويل لطغاة العرب من أمر قد اقترب ! قلت: جعلت فداك كم مع القائم من العرب ؟ قال: نفر يسير ! قلت: والله إن من يصف هذا الامر منهم لكثير قال لابد للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير. " ج 1 ص 369 - 370 " 14 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " ثم قال لي: ما الفتنة ؟ قلت: جعلت فداك الذي عندنا الفتنة في الدين، فقال: يفتنون كما يفتن الذهب، ثم قال: يخلصون كما يخلص الذهب. " ج 1 ص 370 " 15 - كا: محمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سنان، عن محمد بن منصور الصيقل، عن أبيه قال: كنت أنا والحارث بن المغيرة وجماعة من أصحابنا جلوسا وأبو عبد الله عليه السلام يسمع كلامنا فقال لنا في أي شئ أنتم ؟ ! هيهات ! هيهات ! لا والله


(1) في نسخة: الحسن بن على. (2) بكسر الميم، وسكون العين، وفتح الزاى بعدها الالف، وهو المحكى عن إيضاح الاشتباه، وممدودا كما عن الداماد، أو بضم الميم وسكون الغين المعجمة، وفتح الراء المهملة والمد كما عن الخليل وعن الوحيد في تعليقاته.

[ 220 ]

لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تغربلوا ! لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تمحصوا ! لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تميزوا ! لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم إلا بعد أياس ! لا والله ما يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد. " ج 1 ص 370 - 371 " 16 - نهج: أيها الناس إن الله تعالى قد أعاذكم من أن يجور عليكم ولم يعذكم من أن يبتليكم، وقد قال جل من قائل: " إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ". 17 - نهج: قال عليه السلام: كم من مستدرج بالاحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله سبحانه أحدا بمثل الاملاء. 18 - وقال عليه السلام: أيها الناس ليركم الله من النعمة وجلين، كما يراكم من النقمة فرقين، إنه من وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا فقد آمن مخوفا، ومن ضيق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختيارا فقد ضيع مأمولا. أقول: سيأتي الآيات والاخبار في الاملاء والامهال والاستدراج في كتات الايمان والكفر. (باب 9) * (ان المعرفة منه تعالى) * الايات، لقمان " 31 " ولئن سئلتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون 25. الزخرف " 43 " ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن خلقهن العزيز العليم 9. الحجرات " 49 " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هديكم للايمان إن كنتم صادقين 17. الليل " 92 " إن علينا للهدى 12.

[ 221 ]

تفسير: قوله تعالى: " ليقولن الله " إما لكونهم مجبولين مفطورين على الاذعان بذلك إذا رجعوا إلى أنفسهم ولم يتبعوا أسلافهم، أو الخطاب مع كفار قريش فإنهم كانوا معترفين بأن الخالق هو الله، وليس له شريك في الخلق لكنهم كانوا يجعلون الاصنام شريكا له في العبادة. قوله تعالى: " أن هديكم للايمان " أي أراكم السبيل إليه بإرسال الرسل و وإنزال الكتب، أو وفقكم لقبول ما أتت به الرسل والاذعان بها، أو ألهمكم المعرفة كما هو ظاهر الاخبار. 1 - ب: معاوية بن حكيم، عن البزنطي قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام للناس في المعرفة صنع ؟ قال: لا، قلت: لهم عليها ثواب ؟ قال: يتطول عليهم بالثواب كما يتطول عليهم بالمعرفة. " ص 151 " ضا: عن العالم عليه السلام مثله. 2 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن موسى بن جعفر البغدادي عن أبي عبد الله الاصبهاني، عن درست، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع: المعرفة، والجهل، والرضا، والغضب، والنوم، واليقظة. " ج 1 ص 157 " سن: أبي رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام مثله. " ص 10 " 3 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت علي يدي عبد الملك بن أعين فسألته عن المعرفة والجحود أهما مخلوقتان ؟ فكتب عليه السلام: سألت عن المعرفة ما هي فاعلم رحمك الله أن المعرفة من صنع الله عزوجل في القلب مخلوقة، والجحود صنع الله في القلب مخلوق وليس للعباد فيهما من صنع ولهم فيهما الاختيار من الاكتساب، فبشهوتهم الايمان اختاروا المعرفة فكانوا بذلك مؤمنين عارفين، وبشهوتهم الكفر اختاروا الجحود فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلالا وذلك بتوفيق الله لهم، وخذلان من خذله الله، فبالاختيار والاكتساب عاقبهم الله وأثابهم. الخبر. " ص 227 - 228 "

[ 222 ]

4 - سن: أبي، عن النضر، عن الحلبي، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، (1) عن أبي جعفر عليه السلام قال: (2) قال: إني لاعلم أن هذا الحب الذي تحبونا ليس بشئ صنعتموه ولكن الله صنعه. " ص 149 " 5 - سن: ابن فضال، عن علي بن عقبة، وفضل الاسدي، عن عبد الاعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم يكلف الله العباد المعرفة ولم يجعل لهم إليها سبيلا. " ص 198 " 6 - سن: الوشاء، عن أبان الاحمر، عن عثمان، عن الفضل أبي العباس بقباق قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وكتب في قلوبهم الايمان " هل لهم في ذلك صنع ؟ قال: لا. " 199 " 7 - سن: الوشاء، عن أبان الاحمر، عن الحسن بن زياد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الايمان هل للعباد فيه صنع، قال: لا ولا كرامة، بل هو من الله وفضله. " ص 199 " 8 - سن: محمد بن خالد، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن الحر، عن الحسن بن زياد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم " هل للعباد بما حبب صنع ؟ قال: لا ولا كرامة. " ص 199 " 9 - سن: أبي خداش المهدي، (3) عن الهيثم بن حفص، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس على الناس أن يعلموا حتى يكون الله هو المعلم لهم، فإذا أعلمهم (4) فعليهم أن يعلموا. " ص 200 " 10 - سن: عدة عن عباس بن عامر، عن مثنى الحناط، عن أبي بصير قال:


(1) ليس في المصدر " عن ابى بصير " بل روى الحديث ابوالمغرا عن ابى جعفر عليه السلام بلا واسطة م (2) في المصدر عن ابي جعفر عليه السلام قال: انى لاعلم. م (3) يحتمل قويا كون لفظة المهدى مصحف (المهرى) ومهرة محلة بالبصرة، وأبو خداش كنية لعبد الله بن خداش المهرى البصري، الذى ضعفه النجاشي وقال: في مذهبه ارتفاع. وحكى الكشى عن الطيالسي توثيقه. (4) في المصدر: فإذا علمهم. م

[ 223 ]

سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله خلق خلقه فخلق قوما لحبنا لو أن أحدهم خرج من هذا الرأي لرده الله إليه وإن رغم أنفه، وخلق خلقا (1) لبغضنا لا يحبوننا أبدا. " ص 200 " 11 - ما: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: فطرة الله التي فطر الناس عليها قال: التوحيد. " ص 59 " 12 - سن: أبي، عن صفوان قال: قلت لعبد صالح (2): هل في الناس استطاعة يتعاطون بها المعرفة ؟ قال: لا إنما هو تطول من الله. قلت: أفلهم على المعرفة ثواب إذا كان (3) ليس فيهم ما يتعاطونه بمنزلة الركوع والسجود الذي امروا به ففعلوه ؟ قال لا إنما هو تطول من الله عليهم وتطول بالثواب. " ص 281 " 13 - سن: أبي، عن فضالة، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم " قال: كان ذلك معاينة الله (4) فأنساهم المعاينة وأثبت الاقرار في صدورهم، ولولا ذلك ما عرف أحد خالقه ولا رازقه، وهو قول الله: " ولئن سئلتهم من خلقهم ليقولن الله ". " ص 281 " بيان: المعاينة مجاز عن المواجهة بالخطاب أي خلق الكلام قبالة وجههم فنسوا تلك الحالة، وثبتت المعرفة في قلوبهم. (5) ثم اعلم أن أخبار هذا الباب وكثيرا


(1): في المصدر: قوما. م (2) الظاهر: " للعبد الصالح " وهو كناية عن موسى بن جعفر عليه السلام. م (3) في المصدر: كانوا. م (4) في المصدر: معاينة لله. م (5) قد تقدم في أخبار الرؤية وجوامع التوحيد من كتاب التوحيد ما يظهر به معنى هذه المعاينة وهو العلم اليقيني بالله سبحانه من غير وساطة تفكر عقلي وتصور خيالي أو وهمى أو اتصال حسى ومن غير لزوم تجسيم أو تحديد فارجع وتأمل. ولا يخلو موجود ذو شعور بل موجود مخلوق عن هذا العلم فلا حجاب بينه وبين خلقه كما في الروايات. ط

[ 224 ]

من أخبار الابواب السابقة تدل على أن معرفة الله تعالى بل معرفة الرسول والائمة صلوات الله عليهم وسائر العقائد الدينية موهبية وليست بكسبية، ويمكن حملها على كمال معرفته ; أو المراد أنه تعالى احتج عليهم بما أعطاهم من العقول ولا يقدر أحد من الخلق حتى الرسل على هداية أحد وتعريفه ; أو المراد أن المفيض للمعارف هو الرب تعالى، وإنما أمر العباد بالسعي في أن يستعدوا لذلك بالفكر والنظر كما يشير إليه خبر عبد الرحيم ; أو يقال: هي مختصة بمعرفة غير ما يتوقف عليه العلم بصدق الرسل فإن ما سوى ذلك إنما نعرفه بما عرفنا الله على لسان أنبيائه وحججه صلوات الله عليهم ; أو يقال: المراد بها معرفة الاحكام الفرعية لعدم استقلال العقل فيها ; أو المعنى أنها إنما تحصل بتوفيقه تعالى للاكتساب، هذا ما يمكن أن يقال في تأويلها مع بعد أكثرها. (1) والظاهر منها أن العباد إنما يكلفون بالانقياد للحق وترك الاستكبار عن قبوله، فأما المعارف فإنها بأسرها مما يلقيه الله تعالى في قلوب عباده بعد اختيارهم للحق، ثم يكمل ذك يوما فيوما بقدر أعمالهم وطاعاتهم حتى يوصلهم إلى درجة اليقين، وحسبك في ذلك ما وصل إليك من سيرة النبيين وأئمة الدين في تكميل أممهم وأصحابهم، فإنهم لم يحيلوهم على الاكتساب والنظر وتتبع كتب الفلاسفة والاقتباس من علوم الزنادقة، بل إنما دعوهم أولا إلى الاذعان بالتوحيد وسائر العقائد، ثم دعوهم إلى تكميل النفس بالطاعات والرياضات حتى فازوا بأعلى درجات السعادات.


(1) لا يخفى أن الارادة التي هي مناط الاختيار لا تتعلق بشئ الا عن تصور وتصديق سابق اجمالا أو تفصيلا فمن المحال أن يتعلق الارادة باصل المعرفة والعلم فيكون اختياريا من صنع العبد كافعال الجوارح وهذا هو الذى تذكره الروايات. واما تفاصيل العلم والمعرفة فهى كسبية اختيارية بالواسطة بمعنى أن الفكر في المقدمات يجعل الانسان مستعدا لافاضة النتيجة منه تعالى، والعلم مع ذلك ليس فعلا من افعال الانسان، ولتفصيل الكلام محل آخر يرجع إليه. ط

[ 225 ]

(باب 10) * (الطينة والميثاق) * الايات، الاعراف " 7 " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون 172 - 173. الاحزاب " 33 " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم و موسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا * ليسئل الصادقين عن صدقهم و أعد للكافرين عذابا أليما 7 - 8. - 1 سن: أبي، عن صالح بن سهل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك من أي شئ خلق الله طينة المؤمن ؟ قال من طينة الانبياء فلن ينجس أبدا. " ص 133 " 2 - سن: بهذا الاسناد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: المومنؤن من طينة الانبياء ؟ قال: نعم. " ص 133 " 3 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن خالد، عن فضالة، (1) عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنا وشيعتنا خلقنا من طينة من عليين (2) وخلق عدونا من طينة خبال من حمأ مسنون. " ص 92 " بيان: قال الجزري: فيه: من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال يوم القيامة جاء تفسيره في الحديث أن الخبال: عصارة أهل النار، والخبال في الاصل: الفساد. وقال الفيروز آبادي: الخبال كسحاب: النقصان، والهلاك، والعناء، والكل، والعيال والسم القاتل، وصديد أهل النار. وقال: الحمأ محركة: الطين الاسود المنتن. وقال: المسنون: المنتن.


(1) في المصدر: عن فضالة عن على بن ابى طالب ; وعن أبي بصير عن أبي جعفر عليهما السلام. (2) اسم لاعلى الجنان. وقيل: بل ذلك في الحقيقة اسم لسكانها.

[ 226 ]

4 - ما: شيخ الطائفة، عن أبي منصور السكري: عن جده علي بن عمر، عن إسحاق بن مروان القطان، عن أبيه، عن عبيد بن مهران العطار، عن يحيى بن عبد الله ابن الحسن، عن أبيه، وعن جعفر بن محمد عليهما السلام: عن أبيهما، عن جدهما قالا: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في الفردوس لعينا أحلى من الشهد، وألين من الزبد، وأبرد من الثلج وأطيب من المسك، فيها طينة خلقنا الله عزوجل منها وخلق منها شيعتنا، فمن لم يكن من تلك الطينة فليس منا ولا من شيعتنا، وهي الميثاق الذي أخذ الله عزوجل عليه ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. قال عبيد: فذكرت لمحمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام هذا الحديث فقال: صدقك يحيى بن عبد الله ; هكذا أخبرني أبي، عن جدي، عن النبي صلى الله عليه وآله. (1) " ص 194 " 5 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى ; وحدثنا أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله عزوجل لما أخرج ذرية آدم عليه السلام من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق له بالربوبية وبالنبوة (2) لكل نبي كان أول من أخذ عليهم الميثاق بالنبوة نبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، ثم قال الله جل جلاله لآدم عليه السلام: انظر ماذا ترى ؟ قال: فنظر آدم إلى ذريته وهم ذر قد ملؤوا السماء فقال آدم: يا رب ما أكثر ذريتي ! ولامر ما خلقتهم ؟ (3) فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم ؟ فقال الله عزوجل: ليعبدونني ولا يشركون بي شيئا، ويؤمنون برسلي و يتبعونهم، قال آدم عليه السلام: فمالي (4) أرى بعض الذر أعظم من بعض، وبعضهم له نور قليل، وبعضهم ليس له نور ؟ قال الله عزوجل: وكذلك خلقتهم لابلوهم في كل حالاتهم ; قال آدم عليه السلام: يا رب فتأذن لي في الكلام فأتكلم ؟ قال الله جل جلاله: تكلم فإن روحك من روحي وطبيعتك من خلاف كينونتي. قال آدم: يا رب لو كنت خلقتهم


(1) يأتي الحديث عن أمالى الشيخ بسند آخر تحت رقم 28 وفى ذيله تفسير للخبر. (2) في نسخة: وبالنبوية. (3) وفى نسخة: ولاى أمر خلقتهم. (4) في المصدر: قال آدم عليه السلام يا رب فمالى. م

[ 227 ]

على مثال واحد، وقدر واحد، وطبيعة واحدة، وجبلة واحدة، وألوان واحدة، وأعمار واحدة، وأرزاق سواء لم يبغ بعضهم على بعض، ولم يكن بينهم تحاسد ولا تباغض ولا اختلاف في شئ من الاشياء، فقال الله جل جلاله: يا آدم بروحي نطقت، وبضعف طبعك تكلفت مالا علم لك به وأنا الله الخلاق (1) العليم، بعلمي خالفت بين خلقهم، وبمشيتي أمضي فيهم أمري وإلى تدبيري وتقديري هم صائرون، لا تبديل لخلقي وإنما خلقت الجن والانس ليعبدوني، وخلقت الجنة لمن عبدني وأطاعني منهم واتبع رسلي ولا أبالي، وخلقت النار لمن كفر بي وعصاني ولم يتبع رسلي ولا ابالي، وخلقتك وخلقت ذريتك من غير فاقة بي إليك وإليهم، وإنما خلقتك وخلقتهم لابلوك وأبلوهم أيكم أحسن عملا في دار الدنيا في حياتكم وقبل مماتكم، وكذلك خلقت الدنيا والآخرة والحياة والموت والطاعة والمعصية والجنة والنار، وكذلك أردت في تقديري وتدبيري وبعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم وأجسامهم " (2) وألوانهم وأعمارهم وأرزاقهم وطاعتهم ومعصيتهم ; فجعلت منهم السعيد والشقي، والبصير والاعمى، والقصير والطويل، والجميل والذميم، والعالم والجاهل، والغني والفقير، والمطيع والعاصي، والصحيح والسقيم، ومن به الزمانة ومن لا عاهة به ; (3) فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة فيحمدني على عافيته، وينظر الذي به العاهة إلى الصحيح فيدعوني ويسألني أن اعافيه ويصبر على بلائه (4) فأثيبه جزيل عطائي، وينظر الغني إلى الفقير فيحمدني ويشكرني، وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني، وينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني على ما هديته، فلذلك خلقتهم لابلوهم في السراء والضراء وفيما عافيتهم وفيما ابتليتهم وفيما أعطيتهم وفيما أمنعهم (5) وأنا الله الملك القادر، ولي أن امضي جميع ما قدرت على ما دبرت، وإلي أن اغير عن ذلك ما شئت إلى ما شئت فأقدم من


(1) في نسخة: الخالق. (2) في نسخة: وأجسادهم (3) الزمانة: عدم بعض الاعضاء ; تعطيل القوى. العاهة: الافة. (4) في المصدر: على بلائى فاثيبه على جزيل عطائي. م (5) وفى نسخة: وفيما اعافيهم، وفيما ابتليهم، وفيما اعطيهم، وفيما منعتهم.

[ 228 ]

ذلك ما اخرت واؤخر من ذلك ما قدمت، وأنا الله الفعال لما أريد، لا أسأل عما أفعل، وأنا أسأل خلقي عما هم فاعلون. " ص 15 " ختص: هشام بن سالم مثله. بيان: قوله تعالى: من روحي أي من الروح الذي اصطفيته وانتجبته، أي من عالم المجردات أو من عالم القدس، وطبيعتك من عالم الخلق والجسمانيات، أو مما هو معدن الشهوات والجهالات فبطبيعتك وبشريتك سألت ما سألت. والذميم: المذموم، وفي بعض النسخ بالدال المهملة، يقال: رجل دميم أي قصير قبيح. 6 - ع: آبي رحمه اله، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن أحمد السياري، عن محمد بن عبد الله بن مهران الكوفي ؟ عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي إسحاق الليثي قال: قلت لابي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام: يابن رسول الله أخبرني عن المؤمن المستبصر إذا بلغ في المعرفة وكمل هل يزني ؟ قال: اللهم لا، قلت: فيلوط ؟ قال: اللهم لا، قلت: فيسرق ؟ قال: لا، قلت: فيشرب الخمر ؟ قال: لا ; قلت: فيأتي بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش ؟ قال: لا ; قلت: فيذنب ذنبا ؟ قال: نعم وهو مؤمن مذنب مسلم ; قلت: ما معنى مسلم ؟ قال: المسلم بالذنب لا يلزمه ولا يصير عليه، (1) قال فقلت: سبحان الله ما أعجب هذا ! لا يزني ولا يلوط ولا يسرق ولا يشرب الخمر ولا يأتي كبيرة (2) من الكبائر ولا فاحشة ؟ ! فقال: لا عجب من أمر الله، إن الله عزوجل يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ; فمم عجبت يا إبراهيم ؟ سل ولا تستنكف ولا تستحسر (3) فإن هذا العلم لا يتعلمه مستكبر ولا مستحسر ; قلت: يابن رسول الله إني أجد من شيعتكم من يشرب، ويقطع الطريق، ويحيف السبيل، ويزني ويلوط، ويأكل الربا، ويرتكب الفواحش، ويتهاون بالصلاة والصيام والزكاة، ويقطع الرحم. ويأتي الكبائر، فكيف هذا ؟ ولم ذاك ؟ فقال: يا إبراهيم هل يختلج (4) في صدرك شئ غير هذا ؟ قلت: نعم يا بن رسول الله


(1) وفى نسخة: ولا يصر عليه. (2) في المصدر: بكبيرة. م (3) استحسر: تعب وأعيا. وفى نسخة: ولا تستح. وكذا فيما بعده (4) اختلج الشئ في صدره: شغله وتجاذبه.

[ 229 ]

اخرى أعظم من ذلك ; فقال: وما هو يا أبا إسحاق قال: فقلت: يابن رسول الله وأجد من أعدائكم ومناصبيكم من يكثر من الصلاة ومن الصيام، ويخرج الزكاة، ويتابع بين الحج والعمرة، ويحض على الجهاد، ويأثر على البر وعلى صلة الارحام، ويقضي حقوق إخوانه، ويواسيهم من ماله، (1) ويتجنب شرب الخمر والزنا واللواط وسائر الفواحش، فمم ذاك ؟ ولم ذاك ؟ فسره لي يا بن رسول الله وبرهنه وبينه فقد والله كثر فكري وأسهر ليلي وضاق ذرعي ! قال: فتبسم صلوات الله عليه ثم قال: يا إبراهيم خذ إليك بيانا شافيا فيما سألت، وعلما مكنونا من خزائن علم الله وسره، أخبرني يا إبراهيم كيف تجد اعتقادهما ؟ قلت: يابن رسول الله أجد محبيكم وشيعتكم على ما هم فيه مما وصفته من أفعالهم لو اعطي أحدهم مما (2) بين المشرق والمغرب ذهبا وفضة أن يزول عن ولايتكم ومحبتكم إلى موالات غيركم وإلى محبتهم ما زال، ولو ضربت خياشيمه (3) بالسيوف فيكم، ولو قتل فيكم ما ارتدع (4) ولا رجع عن محبتكم وولايتكم ; وأرى الناصب على ما هو عليه مما وصفته من أفعالهم لو أعطي أحدهم ما بين المشرق والمغرب ذهبا وفضة أن يزول عن محبة الطواغيت وموالاتهم إلى موالاتكم ما فعل ولا زال ولو ضربت خياشيمه بالسيوف فيهم، ولو قتل فيهم ما ارتدع ولا رجع، وإذا سمع أحدهم منقبة لكم وفضلا اشمأز من ذلك (5) وتغير لونه، ورئي كراهية ذلك في وجهه، بغضا لكم ومحبة لهم. قال: فتبسم الباقر عليه السلام ثم قال: يا إبراهيم ههنا (6) هلكت العاملة الناصبة، تصلى نارا حامية، تسقى من عين آنية، (7) ومن أجل ذلك قال عزوجل: " وقدمنا إلى


(1) أي يعاونهم من ماله. (2) في نسخة: ما. (3) جمع الخيشوم: أقصى الانف. (4) في نسخة: ما ابتدع. (5) أي انقبض ونفر كراهة منه. (6) في المصدر: من ههنا. م (7) أي بلغ إناه في شدة الحر.

[ 230 ]

ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " (1) ويحك يا إبراهيم أتدري ما السبب والقصة في ذلك ؟ وما الذي قد خفي على الناس منه ؟ قلت: يابن رسول الله فبينه لي واشرحه وبرهنه. قال: يا إبراهيم إن الله تبارك وتعالى لم يزل عالما قديما خلق الاشياء لا من شئ ومن زعم أن الله عزوجل خلق الاشياء من شئ فقد كفر لانه لو كان ذلك الشئ الذي خلق منه الاشياء قديما معه في أزليته وهويته كان ذلك أزليا ; بل خلق الله عزوجل الاشياء كلها لا من شئ، فكان مما خلق الله عزوجل أرضا طيبة، ثم فجر منها ماءا عذبا زلالا، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها، فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام حتى طبقها وعمها، ثم نضب ذلك الماء عنها، (2) وأخذ من صفوة ذلك الطين طينا فجعله طين الائمة عليهم السلام، ثم أخذ ثفل ذلك الطين فخلق منه شيعتنا، ولو ترك طينتكم يا إبراهيم على حاله كما ترك طينتنا لكنتم ونحن شيئا واحدا. قلت: يا بن رسول الله فما فعل بطينتنا ؟ قال: أخبرك يا إبراهيم خلق الله عز وجل بعد ذلك أرضا سبخة (3) خبيثة منتنة، ثم فجر منها ماءا أجاجا، آسنا، مالحا، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت ولم تقبلها فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام حتى طبقها وعمها، ثم نضب ذلك الماء عنها، ثم أخذ من ذلك الطين فخلق منه الطغاة وأئمتهم، ثم مزجه بثفل طينتكم، ولو ترك طينتهم على حاله ولم يمزج بطينتكم لم يشهدوا الشهادتين ولا صلوا ولا صاموا ولا زكوا ولا حجوا ولا أدوا أمانة ولا أشبهوكم في الصور، وليس شئ أكبر على المؤمن من أن يرى صورة عدوه مثل صورته. قلت: يابن رسول الله فما صنع بالطينتين ؟ قال: مزج بينهما بالماء الاول والماء الثاني، ثم عركها عرك الاديم، ثم أخذ من ذلك قبضة فقال: هذه إلى الجنة ولا أبالي وأخذ قبضة أخرى وقال: هذه إلى النار ولا أبالي ; ثم خلط بينهما فوقع من سنخ المؤمن


(1) الهباء: دقاق التراب وما نبت في الهواء، فلا يبدو إلا في أثناء ضوء الشمس في الكوة. (2) أي نزح ماؤه ونشف. (3) أي أرضا ذات نز وملح.

[ 231 ]

وطينته على سنخ الكافر وطينته، ووقع من سنخ الكافر وطينته على سنخ المؤمن وطينته، فما رأيته من شيعتنا من زنا، أو لواط، أو ترك صلاة، أو صيام، أو حج، أو جهاد، أو خيانة، أو كبيرة من هذه الكبائر فهو من طينة الناصب وعنصره الذي قد مزج فيه لان من سنخ الناصب وعنصره وطينته اكتساب المئاثم والفواحش والكبائر ; وما رأيت من الناصب ومواظبته على الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وأبواب البر فهو من طينة المؤمن وسنخه الذي قد مزج فيه لان من سنخ المؤمن وعنصره وطينته اكتساب الحسنات واستعمال الخير واجتناب المئاثم، فإذا عرضت هذه الاعمال كلها على الله عزوجل قال: أنا عدل لا أجور، ومنصف لا أظلم، وحكم لا أحيف ولا أميل ولا أشطط، (1) الحقوا الاعمال السيئة التي اجترحها المؤمن بسنخ الناصب وطينته، وألحقوا الاعمال الحسنة التي اكتسبها الناصب بسنخ المؤمن وطينته ردوها كلها إلى اصلها، فإني أنا الله لا إله إلا أنا، عالم السر وأخفى وأنا المطلع على قلوب عبادي، لا أحيف ولا أظلم ولا ألزم أحدا إلا ما عرفته منه قبل أن أخلقه. ثم قال الباقر عليه السلام: يا إبراهيم أقرأ هذه الآية، قلت: يابن رسول الله أية آية ؟ قال: قوله تعالى: " قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون " هو في الظاهر ما تفهمونه، وهو والله في الباطن هذا بعينه، يا إبراهيم إن للقرآن ظاهرا وباطنا، ومحكما ومتشابها، وناسخا ومنسوخا. ثم قال: أخبرني يا إبراهيم عن الشمس إذا طلعت وبدا شعاعها في البلدان، أهو بائن من القرص ؟ قلت: في حال طلوعه بائن ; قال: أليس إذا غابت الشمس اتصل ذلك الشعاع بالقرص حتى يعود إليه ؟ قلت: نعم، قال: كذلك يعود كل شئ إلى سنخه و جوهره وأصله، فإذا كان يوم القيامة نزع الله عزوجل سنخ الناصب وطينته مع أثقاله وأوزاره من المؤمن فيلحقها كلها بالناصب، وينزع سنخ المؤمن وطينته مع حسناته و أبواب بره واجتهاده من الناصب فيلحقها كلها بالمؤمن. أفترى ههنا (2) ظلما وعدوانا ؟ قلت: لا يابن رسول الله ; قال: هذا والله القضاء الفاصل والحكم القاطع والعدل البين،


(1) الحيف: الجور والظلم. ومال الحاكم في حكمه: جار وظلم. وشطط الرجل: أفرط وتباعد عن الحق. (2) في المصدر: افترى هذا. م

[ 232 ]

لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، هذا - يا إبراهيم - الحق من ربك فلا تكن من الممترين هذا من حكم الملكوت. (1) قلت: يابن رسول الله وما حكم الملكوت ؟ قال: حكم الله وحكم أنبيائه، و قصة الخضر وموسى عليهما السلام حين استصحبه فقال: " إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ". افهم يا إبراهيم واعقل، أنكر موسى على الخضر واستفظع أفعاله (2) حتى قال له الخضر يا موسى ما فعلته عن أمري، إنما فعلته عن أمر الله عزوجل، من هذا - ويحك يا إبراهيم - قرآن يتلى، وأخبار تؤثر عن الله عزوجل، من رد منها حرفا فقد كفر و أشرك ورد على الله عزوجل. قال الليثي: فكأني لم أعقل الآيات - وأنا أقرؤها أربعين سنة - إلا ذلك اليوم، فقلت: يابن رسول الله ما أعجب هذا ! تؤخذ حسنات أعدائكم فترد على شيعتكم، وتؤخذ سيئات محبيكم فترد على مبغضيكم ؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، فالق الحبة، وبارئ النسمة، وفاطر الارض والسماء، ما أخبرتك إلا بالحق: وما أتيتك إلا بالصدق، وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد، وإن ما أخبرتك لموجود في القرآن كله. قلت: هذا بعينه يوجد في القرآن ؟ قال: نعم يوجد في أكثر من ثلاثين موضعا في القرآن، أتحب أن أقرأ ذلك عليك ؟ قلت: بلى يابن رسول الله ; فقال: قال الله عزوجل: " وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم " الآية. أزيدك يا إبراهيم ؟ قلت: بلى يابن رسول الله قال: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون " أتحب أن أزيدك ؟ قلت: بلى يابن رسول الله، قال: " فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا


(1) الملكوت: الملك العظيم. العز والسلطان. والملكوت السماوي هو محل القديسين في السماء. (2) استفظع الامر أي وجده فظيعا، والامر الفظيع: الذى اشتدت شناعته وجاوز المقدار في ذلك.

[ 233 ]

رحيما " يبدل الله سيئات شيعتنا حسنات، ويبدل الله حسنات أعدائنا سيئات ; وجلال الله ووجه الله إن هذا لمن عدله وإنصافه لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه وهو السميع العليم. ألم أبين لك أمر المزاج والطينتين من القرآن ؟ قلت: بلى يابن رسول الله ; قال: اقرأ يا إبراهيم: " الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم (1) إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذا أنشأكم من الارض " يعنى من الارض الطيبة والارض المنتنة " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " يقول: لا يفتخر أحدكم بكثرة صلاته وصيامه وزكاته ونسكه لان الله عزوجل أعلم بمن اتقى منكم، فإن ذلك من قبل اللمم و هو المزاج. (2) أزيدك يا إبراهيم ؟ قلت: بلى يابن رسول الله ; قال: " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله " يعني أئمة الجور دون أئمة الحق " ويحسبون أنهم مهتدون " خذها إليك يا أبا إسحاق، فوالله إنه لمن غرر أحاديثنا وباطن سرائرنا ومكنون خزائنا وانصرف ولا تطلع على سرنا أحدا إلا مؤمنا مستبصرا فإنك إن أذعت سرنا بليت في نفسك ومالك وأهلك وولدك. (3) " ص 201 - 203 " بيان: قال الفيروز آبادي: أثر على الامر كفرح: عزم ; وله: تفرق. وقال: الآسن من الماء: الآجن وقال: عركه: دلكه وحكه. ولعل المراد بالاديم هنا الطعام المأدوم " ثم " في قوله: " ثم أخذ " للترتيب الذكري ولتفصيل ما أجمل سابقا.


(1) اللمم: مقاربة الذنب من غير أن يقع فيه، من قولك: ألممت بكذا: أي نزلت به وقاربته من غير مواقعة، ويعبر به عن الصغيرة، ويأتى أيضا بمعنى جنون خفيف، أو طرف من الجنون يلم بالانسان. (2) أي الافتخار بكثرة الصلاة وغيرها من العبادات من قبل اللمم وهو المزاج، والظاهر أنه عليه السلام أراد باللمم المعنى الثاني الذى ذكرناه ; أو ما قاربه مما يكون لازما للطبع ومسندا إلى المزاج. (3) وختم بهذا الحديث الشريف كتاب علل الشرايع. م

[ 234 ]

ثم أعلم أن هذا الخبر وأمثاله مما يصعب على القلوب فهمه وعلى العقول إدراكه ويمكن أن يكون كناية عما علم الله تعالى وقدره من اختلاط المؤمن والكافر في الدنيا واستيلاء أئمة الجور وأتباعهم على أئمة الحق وأتباعهم، وعلم أن المؤمنين إنما يرتكبون الآثام لاستيلاء أهل الباطل عليهم، وعدم تولي أئمة الحق بسياستهم فيعذرهم بذلك ويعفو عنهم، ويعذب أئمة الجور وأتباعهم بتسببهم لجرائم من خالطهم مع ما يستحقون من جرائم أنفسهم، والله يعلم وحججه صلوات الله عليهم. (1) 7 - فس: علي بن الحسين، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن علي بن أسباط، عن علي بن معمر، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " هذا نذير من النذر الاولى " قال: إن الله تبارك وتعالى ما ذرأ الخلق في الذر الاول فأقامهم صفوفا قدامه بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله فآمن به قوم، وأنكره قوم، (2) فقال الله: " هذا نذير من النذر الاولى " يعني به محمدا صلى الله عليه وآله حيث دعاهم إلى الله عزوجل في الذر الاول. " ص 656 " 8 - فس: علي بن الحسين، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن الحسين بن نعيم الصحاف قال: سألت الصادق عليه السلام عن قوله: " فمنكم كافر ومنكم مؤمن " فقال: عرف الله عزوجل إيمانهم بولايتنا، وكفرهم بتركها يوم أخذ عليهم الميثاق وهم ذر في صلب آدم عليه السلام. " ص 682 " ير: أحمد بن محمد، عن ابن محبوب مثله. (3) " ص 22 " 9 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جابر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في هذه الآية: " وأن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا " يعنى من جرى فيه شئ من شرك الشيطان على الطريقة يعني على الولاية في الاصل عند الاظلة حين أخد الله ميثاق بني آدم (4) " أسقيناهم


(1) استيفاء البحث عن مسألة نقل الاعمال الذى يدل عليه الرواية وما يناظره من النقل والتعويض تعرضنا له في الجزء الثاني من تفسير الميزان وسنستوفي تمام البحث في تفسير سورة الانفال ان شاء الله تعالى. ط (2) في المصدر: قوم آخر. (3) فيه بادنى تغيير: فمنكم مؤمن ومنكم كافر فقال عرف الله والله ايمانهم بولايتنا وكفرهم بها يوم اخذ الله عليهم الميثاق في صلب آدم وهم ذر. هذه تمام الحديث في المصدر. (4) في المصدر: ذرية آدم. م

[ 235 ]

ماء غدقا " يعني لكنا وضعنا أظلتهم في الماء الفرات العذب. " ص 700 - 701 " بيان: قوله عليه السلام: يعني من جرى أي لما كانت لفظة " لو " دالة على عدم تحقق الاستقامة فالمراد بهم من جرى فيهم شرك الشيطان من المنكرين للولاية، وحاصل الخبر أن المراد بالآية أنهم لو كانوا أقروا في عالم الظلال والارواح بالولاية لجعلنا أرواحهم في أجساد مخلوقة من الماء العذب. فمنشأ اختلاف الطينة هو التكليف الاول في عالم الارواح عند الميثاق. 10 - فس: أبي، عن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله خلقنا من أعلا عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه وخلق أبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إلينا وأنها خلقت مما خلقنا منه ; ثم تلا قوله: " كلا إن كتاب الابرار لفي عليين وما أدريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ". " ص 717 " 11 - ع " ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن أبي نهشل عن محمد بن إسماعيل، عن أبيه، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله عزوجل خلقنا. الخبر " ص 50 " سن: أبي، عن أبي نهشل، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي حمزة مثله. " ص 132 " بيان: قد اختلف في تفسير عليين فقيل: هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة. وقيل: السماء السابعة. وقيل: سدرة المنتهى. وقيل: الجنة. وقيل: لوح من زبرجد أخضر، معلق تحت العرش، أعمالهم مكتوبة فيه. وقال الفراء: أي في ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له. والمراد أن كتابة أعمالهم أو ما يكتب من أعمالهم في عليين أي في دفتر (1) أعمالهم أو المراد أن دفتر أعمالهم في تلك الامكنة الشريفة، وعلى الاخير فيه حذف مضاف أي وما أدريك ما كتاب عليين ; والظاهر أن مفاد الخبر أن دفتر أعمالهم موضوع في مكان أخذت منه طينتهم، ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب الروح لانه محل للعلوم ترتسم فيها.


(1): مجموع الصحف المضمومة، والكلمة من الدخيل. (*)

[ 236 ]

12 - فس: أبي، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أول من سبق من الرسل إلى بلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك أنه كان أقرب الخلق إلى الله تبارك وتعالى، وكان بالمكان الذي قال له جبرئيل: - لما اسري به إلى السماء - تقدم يا محمد فقد وطأت موطئا لم تطأه ملك مقرب ولا نبي مرسل. (1) ولولا أن روحه ونفسه كانت من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه، فكان من الله عزوجل كما قال الله: " قاب قوسين أو أدنى " أي بل أدنى (2) فلما خرج الامر من الله وقع إلى أوليائه عليهم السلام فقال الصادق عليه السلام: كان الميثاق مأخوذا عليهم لله بالربوبية، ولرسوله بالنبوة، ولامير المؤمنين والائمة بالامامة، فقال: ألست بربكم، ومحمد نبيكم، وعلي إمامكم، والائمة الهادون أئمتكم ؟ فقالوا: بلى، فقال الله: " شهدنا أن تقولوا يوم القيمة " أي لئلا تقولوا يوم القيامة " إنا كنا عن هذا غافلين " فأول ما أخذ الله عزوجل الميثاق على الانبياء بالربوبية، (1) وهو قوله: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم " فذكر جملة الانبياء، ثم أبرز أفضلهم بالاسامي فقال: " ومنك " يا محمد، فقدم رسول الله صلى الله عليه وآله لانه أفضهلم، " ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم " فهؤلاء الخمسة أفضل الانبياء، ورسول الله صلى الله عليه وآله أفضلهم، ثم أخذ بعد ذلك ميثاق رسول الله على الانبياء له بالايمان به، وعلى أن ينصروا أمير المؤمنين، فقال: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جائكم رسول مصدق لما معكم " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله " لتؤمنن به ولتنصرنه " يعني آمير المؤمنين صلوات الله عليه تخبروا اممكم بخبره وخبر وليه من الائمة. " ص 229 - 230 " 13 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) في المصدر: لم يطأه احد قبلك ملك ولا نبى مرسل. م (2) أراد عليه السلام في هذا التفسير القرب المعنوي لا المكانى، وفسرت الاية بأن الدنو و التدلى كان بينه صلى الله عليه وآله وبين جبرئيل عليه السلام وسياق الايات قبلها وبعدها يؤيده. (3) في المصدر: له بالربوبية. م

[ 237 ]

وعن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " لتؤمنن به ولتنصرنه " قال: ما بعث الله نبيا عن آدم (1) فهلم جرا إلا ويرجع إلى الدنيا فيقاتل وينصر رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين، ثم أخذ أيضا ميثاق الانبياء على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: قل يا محمد " آمنا " بالله وما انزل علينا وما انزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ". " ص 230 " 14 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " قلت: معاينة كان هذا ؟ قال: نعم، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقة، فمنهم من أقر بلسانه في الذر ولم يؤمن بقلبه، فقال الله: " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ". " ص 230 " 15 - أقول: روى الشيخ أحمد بن فهد في المهذب وغيره بإسنادهم عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا معلى يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ الله ميثاق العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، وأن يدينوا برسله وحججه وأوليائه عليهم السلام. الخبر. 16 - فس: أبي، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن ثابت الحداد (3) عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام في خبر طويل: قال الله تبارك وتعالى للملائكة: " إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " قال: وكان ذلك من الله تقدمة في آدم قبل أن يخلقه واحتجاجا منه عليهم، قال: فاغترف ربنا تبارك وتعالى غرفة بيمينه من الماء العذب


(1) في المصدر: من لدن آدم. م (2) قد حكينا سابقا عن الكشى أن عبد الله بن مسكان لم يرو عن أبى عبد الله عليه السلام إلا حديث (من أدرك المشعر فقد أدرك الحج) ففى سائر رواياته عنه عليه السلام ظن إرسال. (3) هو ثابت بن هرمز، أبو المقدام العجلى، والد عمرو بن أبى المقدام، عدة الكشى في التبرية. ولم يثبت توثيقه ولا توثيق ابنه.

[ 238 ]

الفرات - وكلتا يديه يمين - فصلصلها في كفه فجمدت فقال لها: منك أخلق النبيين و المرسلين، وعبادي الصالحين، والائمة المهتدين، والدعاة إلى الجنة وأتباعهم إلى يوم الدين ولا ابالى، ولا اسأل عما أفعل وهم يسألون. ثم اغترف غرفة اخرى من الماء المالح الاجاج فصلصلها في كفه فجمدت ثم قال لها: منك أخلق الجبارين، والفراعنة، والعتاة، وإخوان الشياطين، والدعاة إلى النار إلى يوم القيامة وأشياعهم ولا أبالي، ولا أسأل عما أفعل وهم يسألون. قال: وشرط في ذلك البداء فيهم، ولم يشترط في أصحاب اليمين البداء، ثم خلط المائين جميعا في كفه فصلصلهما ثم كفأهما قدام عرشه وهما سلالة من طين. الخبر " ص 33 - 34 " شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام مثله. ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر مثله. " ص 46 " بيان: قال الجزري: فيه: كلتا يديه يمين أي يديه تبارك وتعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما، لان الشمال ينقص عن اليمين، وإطلاق هذه الاسماء إنما هو على سبيل المجاز والاستعارة، والله منزه من التشبيه والتجسيم انتهى. أقول: لما كانت اليد كناية عن القدرة فيحتمل أن يكون المراد باليمين القدرة على الرحمة والنعمة والفضل، وبالشمال القدرة على العذاب والقهر والابتلاء، فالمعنى: أن عذابه وقهره وإمراضه وإماتته وسائر المصائب والعقوبات لطف ورحمة لاشتمالها على الحكم الخفية والمصالح العامة، وبه يمكن أن يفسر ما ورد في الدعاء: والخير في يديك. والصلصال: الطين الحر خلط بالرمل، فصار يتصلصل إذا جف. وسلالة الشئ: ما انسل منه واستخرج بجذب ونزع. 17 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسن بن فضال، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق ماءا عذبا فخلق منه أهل طاعته، وجعل ماءا مرا فخلق منه أهل معصيته، ثم أمرهما فاختلطا، فلولا ذلك ما ولد المؤمن إلا مؤمنا، ولا الكافر إلا كافرا. " ص 39 "

[ 239 ]

18 - ع: ابن اليد، عن الصفار، عن الحسن بن فضال، عن ابن أبي الخطاب، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن (1) عبد الله بن الجارود، عمن ذكره، عن علي بن الحسين صلوات الله عليه قال: إن الله عزوجل خلق النبيين من طينة عليين قلوبهم وأبدانهم، وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وخلق الكافرين من طينة سجيل قلوبهم وأبدانهم، فخلط بين الطينتين فمن هذا يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن، ومن ههنا يصيب المؤمن السيئة، ويصيب الكافر الحسنة، فقلوب المؤمنين تحن إلى ما خلقوا منه (2) وقلوب الكافرين تحن إلى ما خلقوا منه. " ص 39 " 19 - ع: أحمد بن هارون، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن ابن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن أبي نعيم الهذلي، عن رجل، عن علي بن الحسين عليهما السلام مثله. وفيه: وخلق أبدان المؤمنين وخلق الكفار. وسجين مكان سجيل. (3) " ص 50 " ير: ابن معروف، عن حماد، عن ربعي، عنه عليه السلام مثله. سن: أبي، عن حماد إلى قوله: وخلق أبدانهم من دون ذلك. " ص 132 - 133 " بيان: سجين: موضع فيه كتاب الفجار ودواوينهم، قال أبو عبيد: هو فعيل من السجن كالفسيق من الفسق، وقيل: هو الارض السابعة أو أسفل منها، أوجب في جهنم. والسجيل كسكيت: حجارة من مدر، معرب (سنك گل) والجسين أظهر. 20 - ع: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن أورمة، عن عمرو بن عثمان، عن العبقري، عن عمر بن ثابت، عن أبيه، عن حبة العرني، عن علي عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق آدم عليه السلام من أديم الارض، فمنه السباخ (4) ومنه الملح ومنه الطيب ; فكذلك في ذرية الصالح والطالح. " ص 39 "


(1) بكسر الراء وسكون الباء، وكسر العين، ثم الياء عنونه النجاشي في رجاله " ص 120 " فقال: ربعى ابن عبد الله بن الجارود بن أبى سبرة الهذلى أبو نعيم بصرى ثقة، روى عن أبى عبد الله و أبى الحسن عليهما السلام، وصحب الفضيل بن يسار، وأكثر الاخذ عنه، وكان خصيصا به، له كتاب رواه عدة من أصحابنا إ ه‍. (2) أي تشتاق إلى ما خلقوا منه. (3) في العلل المطبوع: سجين في كلا الروايتين. م (3) السباخ من الارض: ما لم يحرث ولم يعمر.

[ 240 ]

21 - ع: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن أورمة، عن محمد بن سنان، عن معاوية بن شريح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل أجرى ماءا فقال له: كن عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وإن الله عزوجل أجرى ماءا فقال له: كن بحرا مالحا أخلق منك ناري وأهل معصيتي، ثم خلطهما جميعا فمن ثم يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن، ولو لم يخلطهما لم يخرج من هذا إلا مثله، ولا من هذا إلا مثله. " ص 39 " 22 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسن بن فضال، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام - في حديث طويل - يقول في آخره: مهما رأيت من نزق أصحابك وخرقهم فهو مما أصابهم من لطخ أصحاب الشمال، (1) وما رأيت من حسن شيم (2) من خالفهم ووقارهم فهو من لطخ أصحاب اليمين. " ص 39 " 23 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب: عن محمد بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن أول ما خلق الله عزوجل، قال: إن أول ما خلق الله عزوجل ما خلق منه كل شئ، قلت: جعلت فداك وما هو ؟ قال: الماء، قال: إن الله تبارك وتعالى خلق الماء بحرين: أحدهما عذب، الآخر ملح (3) فلما خلقهما نظر إلى العذب فقال: يا بحر فقال: لبيك وسعديك، قال: فيك بركتي ورحمتي، ومنك أخلق أهل طاعتي وجنتي. ثم نظر إلى الآخر فقال: يا بحر فلم يجب فأعاد عليه ثلاث مرات يا بحر فلم يجب ! فقال: عليك لعنتي، ومنك أخلق أهل معصيتي ومن أسكنته ناري، ثم أمرهما أن يمتزجا فامتزجا، قال: فمن ثم يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. " ص 39 " 24 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، وأبي الربيع يرفعانه قال: إن الله عزوجل خلق ماءا فجعله عذبا فجعل منه أهل


(1) النزق: الخفة في كل أمر ; العجلة في جهل وحمق. الخرق: ضعف الرأى ; سوء التصرف ; الجهل والحمق ; ضد الرفق. اللطخ: كل شئ لوث بغير لونه. (2) جمع للشيمة: الخلق والطبيعة. (1) في نسخة: والاخر مالح.

[ 241 ]

طاعته، وخلق ماءا مرا فجعل منه أهل معصيته، ثم أمرهما فاختلطا ولولا ذلك ما ولد المؤمن إلا مؤمنا، ولا الكافر إلا كافرا. " ص 39 " 25 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن ابن أبي العلاء، عن حبيب قال: حدثني الثقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق العباد وهم أظلة قبل الميلاد، فما تعارف من الارواح ائتلف، وما تناكر منها اختلف. " ص 39 " 26 - ع: بهذا الاسناد عن حبيب، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما تقول في الارواح إنها جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ؟ قال: فقلت: إنا نقول ذلك، قال: فإنه كذلك، إن الله عزوجل أخذ من العباد ميثاقهم وهم أظلة قبل الميلاد، وهو قوله عزوجل: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم " إلى آخر الآية، قال: فمن أقر له يومئذ جاءت ألفته ههنا ومن أنكره يومئذ جاء خلافه ههنا. " ص 39 " بيان: جاءت ألفته أي ألفته مع أئمته ومعرفته لهم، أو الفة المؤمنين بعضهم ببعض من جهة اتفاقهم في المذهب ; ويحتمل أن يكون التعارف معرفة الشيعة لائمتهم، و الائتلاف الفة المؤمنين بعضهم ببعض لموافقتهم في المذهب. 27 - ع: أبي، عن سعد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنا عنده فذكرنا رحلا من أصحابنا فقلنا: فيه حدة، (1) فقال: من علامة المؤمن أن تكون فيه حدة، قال: فقلنا له: إن عامة أصحابنا فيهم حدة ; فقال: إن الله تبارك وتعالى في وقت ما ذرأهم أمر أصحاب اليمين - وأنتم هم - أن يدخلوا النار فدخلوها فأصابهم وهج (2) فالحدة من ذلك الوهج، وأمر أصحاب الشمال - وهم مخالفوهم - أن يدخلوا النار فلم يفعلوا فمن ثم لهم سمت ولهم وقار. " ص 40 " 28 - ما: الغضائري ؟ عن علي بن محمد العلوي، عن عبد الله بن محمد، عن الحسين،


(1) الحدة من الانسان: بأسه وما يعتريه من الغضب. (2) الوهج: اتقاد النار.

[ 242 ]

عن أبي عبد الله بن أسباط، عن أحمد بن محمد بن زياد العطار، عن محمد بن مروان الغزال، عن عبيد بن يحيى، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن جده الحسن بن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في الفردوس لعينا أحلى من الشهد، وألين من الزبد، وأبرد من الثلج، وأطيب من المسك، فيها طينة خلقنا الله عزوجل منها، وخلق شيعتنا منها، فمن لم يكن من تلك الطينة فليس منا ولا من شيعتنا، وهي الميثاق الذي أخذ الله عزوجل على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال عبيد: فذكرت لمحمد ابن الحسين (1) هذا الحديث فقال: صدقك يحيى بن عبد الله، هكذا أخبرني أبى، عن جدي، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله. قال عبيد: قلت: أشتهي أن تفسره لنا إن كان عندك تفسير قال: نعم أخبرني أبي، عن جدي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن لله ملكا رأسه تحت العرش، وقدماه في تخوم الارض السابعة السفلى، بين عينيه راحة أحدكم، فإذا أراد الله عزوجل أن يخلق خلقا على ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام أمر ذلك الملك فأخذ من تلك الطينة فرمى بها في النطفة حتى تصير إلى الرحم منها يخلق وهي الميثاق. " ص 57 " 29 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن جعفر بن محمد بن مالك، قال: حدثنا أحمد ابن مدين من ولد مالك بن الحارث الاشتر، عن محمد بن عمار، عن أبيه، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله ومعي رجل من أصحابنا فقلت له: جعلت فداك يابن رسول الله إني لاغتم وأحزن من غير أن أعرف لذلك سببا ; فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن ذلك الحزن و الفرح يصل إليكم منا إذا دخل علينا حزن أو سرور كان ذلك داخلا عليكم، لانا و إياكم من نور الله عزوجل، فجعلنا وطينتنا وطينتكم واحدة، ولو تركت طينتكم كما أخذت لكنا وأنتم سواء، ولكن مزجت طينتكم بطينة أعدائكم، فلولا ذلك ما أذنبتم ذنبا أبدا، قال: قلت: جعلت فداك فتعود طينتنا ونورنا كما بدا ؟ فقال إي والله يا عبد الله أخبرني عن هذا الشعاع الزاجر من القرص إذا طلع، أهو متصل به أو بائن


(1) تقدم الحديث عن الامالى بسند آخر تحت رقم 4 وفيه: فذكرت ذلك لمحمد بن على بن الحسين بن على عليهم السلام. وهو الصحيح.

[ 243 ]

منه ؟ فقلت له: جعلت فداك بل هو بائن منه، فقال: أفليس إذا غابت الشمس وسقط القرص عاد إليه فاتصل به كما بدا منه ؟ فقلت له: نعم، فقال: كذلك والله شيعتنا من نور الله خلقوا وإليه يعودون، والله إنكم لملحقون بنا يوم القيامة، وإنا لنشفع فنشفع (1) ووالله إنكم لتشفعون فتشفعون، وما من رجل منكم إلا وسترفع له نار عن شماله، وجنة عن يمينه، فيدخل أحباءه الجنة، وأعداءه النار. " ص 42 " 30 - ع: الدقاق، عن محمد الاسدي، عن محمد بن إسماعيل رفعه إلى محمد بن سنان، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلقنا من نور مبتدع من نور رسخ ذلك النور في طينة من أعلا عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلق منه أبداننا، وخلق أبدانهم من طينة دون ذلك، فقلوبهم تهوي إلينا، لانها خلقت مما خلقنا منه، ثم قرأ: " كلا إن كتاب الابرار لفي عليين وما أدريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون " وإن الله تبارك وتعالى خلق قلوب أعدائنا من طينة من سجين، وخلق أبدانهم من طينة من دون ذلك وخلق قلوب شيعتهم مما خلق منه أبدانهم فقلوبهم تهوي إليهم، ثم قرأ: " إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدريك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين ". " ص 50 " 31 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله عزوجل خلقنا من عليين، وخلق أرواحنا من فوق ذلك، وخلق أرواح شيعتنا من عليين، وخلق أجسادهم من دون ذلك، فمن أجل ذلك كان القرابة بيننا وبينهم، ومن ثم تحن قلوبهم إلينا. " ص 50 " 32 - ع: آبي، عن سعد، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن فضال، عن ابن بكير عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " قال: ثبتت المعرفة ونسوا الوقت (2) وسيذكرونه يوما، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ولا من رازقه. " ص 50 " شى: عن زرارة مثله.


(1) نشفع على صيغة المجهول من باب التفعيل، أي يقبل شفاعتنا. (2) في نسخة: الموقف.

[ 244 ]

33 - ع: ابن المتوكل، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن بن كثير، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أراد الله عزوجل أن يخلق الخلق خلقهم ونشرهم بين يديه، ثم قال لهم: من ربكم ؟ فأول من نطق رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والائمة صلوات الله عليهم أجمعين فقالوا: أنت ربنا، فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني وعلمي وامنائي في خلقي، وهم المسؤولون. ثم قال لبني آدم: أقروا لله بالربوبية، ولهؤلاء النفر بالطاعة والولاية فقالوا: نعم ربنا أقررنا، فقال الله جل جلاله للملائكة: اشهدوا، فقالت الملائكة شهدنا على أن لا يقولوا غدا إنا كنا عن هذا غافلين، أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ; يا داود الانبياء (1) مؤكدة عليهم في الميثاق. " ص 50 - 51 " بيان: قوله عليه السلام: هم المسؤولون أي يجب على الناس أن يسألوهم عن أمور دينهم أو فيه حذف وإيصال، أي يسأل الناس يوم القيامة عن حبهم وولايتهم. 34 - ع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن بزيع، عن صالح بن عقبة، (2) عن عبد الله بن محمد الجعفي وعقبة جميعا عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب، وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة، وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال ; فقلت: وأي شئ الظلال ؟ فقال: ألم تر إلى ظلك في الشمس شئ وليس بشئ ؟ ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الاقرار بالله، وهو قوله عزوجل: " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " ثم دعوهم إلى الاقرار بالنبيين فأنكر بعض وأقر بعض، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب، وأنكرها من أبغض، وهو قوله عزوجل: " ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل " ثم قال أبو جعفر عليه السلام كان التكذيب ثم. " ص 51 "


(1) في نسخة: ولايتنا. (2) ضبطه الطريحي في الضوابط بضم العين، وسكون القاف، وفتح الباء، واحتمل المامقانى كونه بالفتحات الثلاث.

[ 245 ]

ير: محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي عن أبي جعفر ; وعن عقبة عن أبي جعفر عليه السلام مثله. " ص 22 " شى: عن عبد الله الجعفي مثله. توضيح: قوله عليه السلام: في الظلال أي عالم الارواح بناءا على أنها أجسام لطيفة، ويحتمل أن يكون التشبيه للتجرد أيضا تقريبا إلى الافهام، أو عالم المثال على القول به قبل الانتقال إلى الابدان. قوله عليه السلام: وهو قوله أي هذه المعرفة الفطرية إنما حصل من أخذ تلك الميثاق. 35 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن اليقطيني، عن زياد القندي، عن عبد الله ابن سنان قال: بينا نحن في الطواف إذ مر رجل من آل عمر فأخذ (1) بيده رجل فاستلم الحجر فانتهره وأغلظ له، وقال له: بطل حجك إن الذي تستلمه حجر لا يضر ولا ينفع فقلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك أما سمعت قول العمري لهذا الذي استلم الحجر فأصابه ما أصابه ؟ فقال: وما الذي قال ؟ قلت له: قال: يا عبد الله بطل حجك إنما هو حجر لا يضر ولا ينفع ! فقال أبو عبد الله عليه السلام: كذب، ثم كذب ثم كذب إن للحجر لسانا ذلقا يوم القيامة، يشهد لمن وافاه بالموافاة، ثم قال: إن الله تبارك وتعالى لما خلق السماوات والارض خلق بحرين: بحرا عذبا، وبحرا اجاجا، فخلق تربة آدم من البحر العذب، وشن (2) عليها من البحر الاجاج، ثم جبل آدم فعرك عرك الاديم فتركه ما شاء الله فلما أراد أن ينفخ فيه الروح أقامه شبحا فقبض قبضة من كتفه الايمن فخرجوا كالذر فقال: هؤلاء إلى الجنة ; وقبض قبضة من كتفه الايسر وقال: هؤلاء إلى النار ; فأنطق الله عزوجل أصحاب اليمين وأصحاب اليسار، فقال أهل اليسار: يا رب لما خلقت (3) لنا النار ولم تبين لنا ولم تبعث إلينا رسولا ؟ فقال الله عزوجل لهم: ذلك لعلمي بما أنتم صائرون إليه، وإني سأبتليكم، فأمر الله عزوجل النار فاسعرت، ثم قال لهم: تقحموا


(1) في نسخة: واخذ (2) في المصدر: سن. م (3) في المصدر: لم خلقت. م

[ 246 ]

جميعا في النار فإني أجعلها عليكم بردا وسلاما، فقالوا: يا رب إنما سألناك لاي شئ جعلتها لنا هربا منها، ولو أمرت أصحاب اليمين ما دخلوا ; فأمر الله عزوجل النار فاسعرت ثم قال لاصحاب اليمين: تقحموا جميعا في النار، فتقحموا جميعا فكانت عليهم بردا وسلاما فقال لهم: (1) ألست بربكم ؟ قال أصحاب اليمين: بلى طوعا، وقال أصحاب الشمال بلى كرها ; فأخذ منهم جميعا ميثاقهم، وأشهدهم على أنفسهم ; قال: وكان الحجر في الجنة فأخرجه الله عزوجل فالتقم الميثاق من الخلق كلهم، فذلك قوله عزوجل: " وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها وإليه ترجعون " فلما أسكن الله عزوجل آدم الجنة وعصى أهبط الله عزوجل الحجر وجعله في ركن بيته وأهبط آدم عليه السلام على الصفا فمكث ما شاء الله، ثم رآه في البيت فعرفه وعرف ميثاقه و ذكره فجاء إليه مسرعا فأكب عليه وبكى عليه أربعين صباحا تائبا من خطيئته، ونادما على نقضه ميثاقه ; قال: فمن أجل ذلك أمرتم أن تقولوا إذا استلمتم الحجر: أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة يوم القيامة. " ص 147 " 36 - ع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله ابن محمد الهمداني، عن إسحاق القمي قال: دخلت على أبي جعفر الباقر عليه السلام فقلت له: جعلت فداك أخبرني عن المؤمن يزني ؟ قال: لا، قلت: فيلوط ؟ قال: لا، قلت: فيشرب المسكر ؟ قال: لا، قلت: فيذنب، قال: نعم ؟ قلت: جعلت فداك لا يزني ولا يلوط ولا يرتكب السيئات، فأي شئ ذنبه ؟ فقال: يا إسحاق قال الله تبارك وتعالى: " الذين يجتنبون كبائر الاثم و الفواحش إلا اللمم " وقد يلم المؤمن بالشئ الذي ليس فيه مراد. قلت: جعلت فداك أخبرني عن الناصب لكم يظهر بشئ أبدا ؟ قال: لا. قلت: جعلت فداك فقد أرى المؤمن الموحد الذي يقول بقولي ويدين الله بولايتكم وليس بيني وبينه خلاف يشرب المسكر، ويزني، ويلوط، وآتيه في حاجة واحدة فاصيبه معبس الوجه، كامح اللون، ثقيلا في حاجتى، بطيئا فيها ; وقد أرى


(1) في المصدر: فقال لهم جميعا. م

[ 247 ]

الناصب المخالف لما أنا عليه ويعرفني بذلك فآتيه في حاجة فاصيبه طلق الوجه، حسن البشر، متسرعا في حاجتي، فرحا بها، يحب قضاءها، (1) كثير الصلاة، كثير الصوم، كثير الصدقة، يؤدي الزكاة، ويستودع فيؤدي الامانة !. قال: يا إسحاق ليس تدرون من أين أوتيتم ؟ قلت: لا والله، جعلت فداك إلا أن تخبرني، فقال: يا إسحاق إن الله عزوجل لما كان متفردا بالوحدانية ابتدأ الاشياء لا من شئ، فأجرى الماء العذب على أرض طيبة طاهرة سبعة أيام مع لياليها، ثم نضب الماء عنها فقبض قبضة من صفاوة ذلك الطين، وهي طينتنا أهل البيت، ثم قبض قبضة من أسفل ذلك الطينة، وهي طينة شيعتنا، ثم اصطفانا لنفسه، فلو أن طينة شيعتنا تركت كما تركت طينتنا لما زنى أحد منهم، ولا سرق، ولا لاط، ولا شرب المسكر، ولا اكتسب شيئا مما ذكرت، ولكن الله عزوجل أجرى الماء المالح على أرض ملعونة سبعة أيام وليا لها، ثم نضب الماء عنها ; ثم قبض قبضة، وهي طينة ملعونة من حمأ مسنون، (2) وهي طينة خبال، (3) وهي طينة أعدائنا، فلو أن الله عزوجل ترك طينتهم كما أخذها لم تروهم في خلق الآدميين، ولم يقروا بالشهادتين، ولم يصوموا، ولم يصلوا، ولم يزكوا، ولم يحجوا البيت، ولم تروا أحدا منهم بحسن خلق، ولكن الله تبارك وتعالى جمع الطينتين طينتكم وطينتهم فخلطهما وعركهما عرك الاديم، ومزجهما بالمائين فما رأيت من أخيك من شر لفظ أو زنا، أو شئ مما ذكرت من شرب مسكر أو غيره، فليس من جوهريته ولا من إيمانه، إنما هو بمسحة الناصب اجترح هذه السيئات التي ذكرت ; وما رأيت من الناصب من حسن وجه وحسن خلق، أو صوم، أو صلاة أو حج بيت، أو صدقة، أو معروف فليس من جوهريته، إنما تلك الافاعيل من مسحة الايمان اكتسبها وهو اكتساب مسحة الايمان. قلت: جعلت فداك فإذا كان يوم القيامة فمه ؟ (4) قال لي: يا إسحاق أيجمع الله الخير


(1) كذا في نسخة المصنف لكن الظاهر كما في بعض النسخ: فرحا بما يحب قضاءها. (2) الحمأ: الطين الاسود المتغير، والمسنون: المنتن. وقيل: المصور. والمصبوب المفرغ كأنه افرغ حتى صار صورة. (3): الخيال الفساد، النقصان. (4) في نسخة: قسمه.

[ 248 ]

والشر في موضع واحد ؟ إذا كان يوم القيامة نزع الله عزوجل مسحة الايمان منهم فردها إلى شيعتنا، ونزع مسحة الناصب بجميع ما اكتسبوا من السيئات فردها على أعدائنا، وعاد كل شئ إلى عنصره الاول الذي منه ابتدأ ; أما رأيت الشمس إذا هي بدت ألا ترى لها شعاعا زاجرا متصلا بها أو بائنا منها ؟ قلت: جعلت فداك الشمس إذا هي غربت بدا إليها الشعاع كما بدا منها، ولو كان بائنا منها لما بدا إليها. قال: نعم يا إسحاق كل شئ يعود إلى جوهره الذي منه بدا، قلت: جعلت فداك تؤخذ حسناتهم فترد إلينا ؟ وتؤخذ سيئاتنا فترد إليهم ؟ قال: إى والله الذي لا إله إلا هو ; قلت: جعلت فداك أجدها في كتاب الله عزوجل ؟ قال: نعم يا إسحاق ; قلت: في أي مكان ؟ قال لي: يا إسحاق أما تتلو هذه الآية ؟ " أولئك الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " فلم يبدل الله سيئاتهم حسنات إلا لكم والله يبدل لكم. " ص 167 " ايضاح: قال الجزري: في حديث الافك: وإن كنت ألممت ؟ ؟ بذنب فاستغفري الله أي قاربت. وقيل: اللمم مقاربة المعصية من غير إيقاع فعل. وقيل: هو من اللمم: صغار الذنوب. قوله: يظهر بشئ على البناء للمفعول من أظهره بمعنى أعانه، أي هل يعان بشئ من الخير ؟ ولعله كان (يظفر) أو (يطهر) بالطاء المهملة. وقوله عليه السلام: أتيتم، أي هلكتم، وفي بعض النسخ " أوتيتم " أي أتاكم الذنب. قوله عليه السلام: شعاعا زاجرا أي شديدا يزجر البصر عن النظر. قوله: بدا إليها لعله ضمن معنى الانتهاء. 37 - ير: عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن علي بن سعيد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن الحسين بن زيد، (1) عن جعفر بن محمد، عن جده عليه السلام قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: إن الله بعث جبرئيل إلى الجنة فأتاه بطينة من طينها،


(1) هو الحسين بن زيد بن على بن الحسين عليه السلام، الملقب بذى الدمعة، الذى تبناه ورباه أبو عبد الله عليه السلام، وزوجه بنت الارقط. وفى البصائر المطبوع " على بن معبد " بدل " على بن سعيد " ويؤيد ذلك ما حكى عن جامع الرواة أن الصواب موسى بن جعفر، عن على بن معبد ; دون على بن سعيد. (*)

[ 249 ]

وبعث ملك الموت إلى الارض فجاءه بطينة من طينها ; فجمع الطينتين ثم قسمها نصفين، فجعلنا من خير القسمين، وجعل شيعتنا من طينتنا، فما كان من شيعتنا مما يرغب بهم عنه (1) من الاعمال القبيحة فذاك مما خالطهم من الطينة الخبيثة ومصيرها إلى الجنة، وما كان في عدونا من بر وصلاة وصوم ومن الاعمال الحسنة فذاك لما خالطهم من طينتنا الطيبة ومصيرهم إلى النار. " ص 5 " 38 - ير: عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد، عن مسعود بن يوسف بن كليب، عن الحسن بن حماد، عن فضيل بن الزبير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا فضيل أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنا أهل بيت خلقنا من عليين، وخلق قلوبنا من الذي خلقنا منه، وخلق شيعتنا من أسفل من ذلك، وخلق قلوب شيعتنا منه ; وإن عدونا خلقوا من سجين، وخلق قلوبهم من الذي خلقوا منه، وخلق شيعتهم من أسفل من ذلك، و خلق قلوب شيعتهم من الذي خلقوا منه، (2) فهل يستطيع أحد من أهل عليين أن يكون من أهل سجين ؟ وهل يستطيع أهل سجين أن يكونوا من أهل عليين ؟ !. " ص 5 " 39 - ير: عنه، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن علي بن الحسين عليهما السلام أنه قال: أخذ الله (3) ميثاق شيعتنا معنا على ولايتنا لا يزيدون ولا ينقصون: إن الله خلقنا من طينة عليين وخلق شيعتنا من طينة أسفل من ذلك وخلق عدونا من طينة سجين، وخلق أولياءهم من طينة أسفل من ذلك. " ص 5 " 40 - ير: أحمد بن محمد، عمن رواه، عن أحمد بن عمرو الجبلي، عن إبراهيم بن عمران، عن محمد بن سوقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله خلقنا من طينة عليين، وخلق قلوبنا من طينة فوق عليين، وخلق شيعتنا من طينة أسفل من ذلك، وخلق قلوبهم من طينة عليين، فصارت قلوبهم تحن إلينا لانها منا، وخلق عدونا من طينة سجين، وخلق قلوبهم من طينة أسفل من سجين، وإن الله راد كل طينة إلى معدنها فرادهم إلى عليين، ورادهم إلى سجين.


(1) مما يرغب به عنهم (ظ). (2) في المصدر: مما خلقوا منه. م (2) في المصدر: قد أخذ الله. م

[ 250 ]

ير: أحمد بن محمد، عن الحسن بن موسى، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " إلى آخر الآية، قال: أخرج الله من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر (1) فعرفهم نفسه، ولولا ذلك لن يعرف (2) أحد ربه ثم قال: " ألست بربكم " قالوا بلى، وإن هذا محمد رسولي، (3) وعلي أمير المؤمنين خليفتي وأميني. " ص 20 " 42 - ير: بعض أصحابنا، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن علي بن معمر، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: " هذا نذير من النذر الاولى " قال: يعنى به محمدا صلى الله عليه وآله حيث دعاهم إلى الاقرار بالله في الذر الاول. " ص 23 " 43 - سن: ابن محبوب، (4) عن ابن رئاب، عن بكير قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا وهم ذر يوم أخذ الميثاق على الذر بالاقرار له بالربوبية، ولمحمد بالنبوة، وعرض على محمد صلى الله عليه وآله أمته في الظل (5) وهم أظلة، وخلقهم من الطينة التي خلق منها آدم وخلق أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفى عام، وعرضهم عليه، وعرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ونحن نعرفهم في لحن القول. " ص 24 " ورواه عثمان بن عيسى، عن أبي الجراح، عن أبي الحسن عليه السلام وزاد فيه: وكل قلب يحن إلى بدنه. شى: عن بكير مثله. 44 - سن: أبي، عن القاسم بن محمد، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي جعفر


(1) في المصدر: فخرجوا إلى يوم القيمة كالذر. م (2) في المصدر: لم يعرف. م (3) في المصدر: وان هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أمير المؤمنين (ع). م (4) في المصدر: احمد بن محمد ومحمد بن الحسين جميعا عن ابن محبوب. م (5) في المصدر: في الطين. م

[ 251 ]

عليه السلام قال: لا تخاصموا الناس فإن الناس لو استطاعوا أن يحبونا لاحبونا، إن الله أخذ ميثاق النفس (1) فلا يزيد فيهم أحد أبدا، ولا ينقص منهم أحد أبدا. " ص 136 " 45 - سن: محمد بن علي، عن إسماعيل بن يسار، عن عثمان بن يوسف، عن عبد الله بن كيسان قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك أنا مولاك عبد الله بن كيسان فقال: أما النسب فأعرفه، وأما أنت فلست أعرفك ; قال: قلت: ولدت بالجبل، (2) و نشأت بأرض فارس وأنا أخالط الناس في التجارات وغير ذلك، فأرى الرجل حسن السمت، وحسن الخلق والامانة، ثم افتشه فافتشه عن عداوتكم: وأخالط الرجل وأرى فيه سوء الخلق، وقلة أمانة وزعارة ثم افتشه فافتشه عن ولايتكم، فكيف يكون ذلك ؟ فقال: (3) أما علمت يابن كيسان أن الله تبارك وتعالى أخذ طينة من الجنة، وطينة من النار فخلطهما جميعا، ثم نزع هذه من هذه فما رأيت من أولئك من الامانة وحسن السمت وحسن الخلق فمما مستهم من طينة الجنة وهم يعودون إلى ما خلقوا منه، وما رأيت من هؤلاء من قلة الامانة وسوء الخلق والزعارة فمما مستهم من طينة النار، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه. " ص 136 - 137 " بيان: قوله عليه السلام: فلست أعرفك أي بالتشيع، والزعارة بالتشديد وقد يخفف شراسة الخلق. 46 - سن: أبي، عن عبد الله بن القاسم، عمن حدثه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أرى الرجل من أصحابنا ممن يقول بقولنا خبيث اللسان، خبيث الخلطة، قليل الوفاء بالميعاد، فيغمني غما شديدا ! وأرى الرجل من المخالفين علينا حسن السمت، حسن الهدي، (4) وفيا بالميعاد، فأغتم غما ! (5) فقال: أو تدري لم ذاك ؟ قلت: لا، قال:


(1) هكذا في نسخ من البحار، وفى المحاسن المطبوع (الناس) وفى هامش نسخة المصنف: (الشيعة ظ) بخطه الشريف قدس سره. (2) يطلق بلاد الجبل على مدن بين آذربيجان وعراق العرب، وخوزستان وفارس، وبلاد الديلم. (3) في المصدر: فقال لى. م (4) الهدى: الطريقة ; السيرة. (5) في المصدر: فاغتم لذلك عما شديدا. م

[ 252 ]

إن الله خلق الطينتين فعركهما - وقال بيده هكذا راحتيه جميعا واحدة على الاخرى. ثم فلقهما فقال: هذه إلى الجنة، وهذه إلى النار ولا أبالى، فالذي رأيت من خبث اللسان والبذاء وسوء الخلطة وقلة الوفاء بالميعاد من الرجل الذي هو من أصحابكم، يقول بقولكم فبما التطخ بهذه من الطينة الخبيثة وهو عائد إلى طينته ; والذي رأيت من حسن الهدي وحسن السمت وحسن الخلطة والوفاء بالميعاد من الرجال من المخالفين فبما التطخ به من الطينة. فقلت: (1) فرجت عني فرج الله عنك. " ص 137 - 138 " 47 - سن: يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن جده، عن رجل من أصحابه يقال له: عمران أنه خرج في عمرة زمن الحجاج فقلت له: هل لقيت أبا جعفر عليه السلام قال: نعم، قلت: فما قال لك ؟ قال: قال لي: يا عمران ما خبر الناس ؟ فقلت: تركت الحجاج يشتم أباك على المنبر - أعني علي بن أبي طالب صلوات الله عليه - فقال: أعداء الله يبدهون سبنا ! أما إنهم لو استطاعوا أن يكونوا من شيعتنا لكانوا، ولكنهم لا يستطيعون ; إن الله أخذ ميثاقنا وميثاق شيعتنا ونحن وهم أظلة، فلو جهد الناس أن يزيدوا فيه (2) رجلا أو ينقصوا منه (3) رجلا ما قدروا على ذلك. " ص 135 - 136 " بيان: يبدهون بالباء أي يأتون به بديهة وفجأة بلا روية، وفي بعض النسخ بالنون، يقال: ندهت الابل أي سقتها مجتمعة، والندهة بالضم والفتح: الكثرة من المال. 48 - سن: علي بن الحكم، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لو علم الناس كيف كان ابتداء الخلق لما اختلف إثنان. فقال: إن الله تبارك وتعالى قبل أن يخلق الخلق قال: كن ماءا عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي. وقال: كن ماءا ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي، ثم امرهما فامتزجا، فمن ذلك صار يلد المؤمن كافرا والكافر مؤمنا، ثم أخذ طين آدم من أديم الارض فعركه عركا شديدا فإذا


(1) في المصدر: من الطينة الطيبة فقلت جعلت فداك. م (2) في المصدر: فيهم. م (3) في المصدر: منهم. م

[ 253 ]

هم في الذر يدبون، فقال لاصحاب اليمين: إلى الجنة بسلام، وقال لاصحاب النار: إلى النار ولا أبالي، ثم أمر نارا فأسعرت فقال لاصحاب الشمال: ادخلوها، فهابوها وقال لاصحاب اليمين: ادخلوها، فدخلوها: فقال كوني بردا وسلاما فكانت بردا وسلاما ; فقال أصحاب الشمال: يا رب أقلنا، (1) فقال: قد أقلتكم فادخلوها، فذهبوا فهابوها، فثم ثبتت الطاعة والمعصية، فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء. " ص 282 " بيان: قوله عليه السلام: لما اختلف اثنان أي في مسألة القضاء والقدر، أو لما تنازع اثنان في أمر الدين. 49 - سن: عبد الله بن محمد النهيكي، عن حسان، عن أبيه، عن أبى إسحاق السبيعي، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: كان في بدء خلق الله أن خلق أرضا وطينة وفجر منها ماءها، وأجرى ذلك الماء على الارض سبعة أيام ولياليها، ثم نضب الماء عنها، ثم أخذ من صفوة تلك الطينة وهي طينة الائمة، ثم أخذ قبضة أخرى من أسفل تلك الطينة وهي طينة ذرية الائمة وشيعتهم، فلو تركت طينتكم كما ترك طينتا لكنتم أنتم ونحن شيئا واحدا، قلت: فما صنع بطينتنا ؟ قال: إن الله عزوجل خلق أرضا سبخة، ثم أجرى عليها ماءا أجاجا، أجراها سبعة أيام ولياليها، ثم نضب عنها الماء، ثم أخذ من صفوة تلك الطينة وهي طينة أئمة الكفر فلو تركت طينة عدونا كما أخذها لم يشهدوا الشهادتين: أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ولم يكونوا يحجون البيت، ولا يعتمرون، ولا يؤتون الزكاة، ولا يصدقون، ولا يعملون شيئا من أعمال البر. ثم قال: أخذ الله طينة شيعتنا وطينة عدونا فخلطهما وعركهما عرك الاديم، ثم مزجهما بالماء، ثم جذب هذه من هذه، وقال: هذه في الجنة ولا ابالي، وهذه في النار ولا أبالى، فما رأيت في المؤمن من زعارة وسوء الخلق واكتساب سيئات فمن تلك


(1) أي اصفح عنا.

[ 254 ]

السبخة (1) التي مازجته من الناصب، وما رأيت من حسن خلق الناصب وطلاقة وجهه وحسن بشره وصومه وصلاته فمن تلك السبخة التي أصابته من المؤمن. " ص 282 - 283 " 50 - نهج: من كلام له روى اليمامي، عن أحمد بن قتيبة، عن عبد الله بن يزيد، عن مالك بن دحية قال: كنا عند أمير المؤمنين علي عليه السلام وقد ذكر عنده اختلاف الناس: إنما فرق بينهم مبادي طينتهم، وذلك أنهم كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها، وحزن (2) تربة وسهلها، فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون، فتام الرواء ناقص العقل، وماد القامة (3) قصير الهمة، وزاكي العمل قبيح المنظر، وقريب القعر بعيد السبر، ومعروف الضريبة منكر الجليبة، وتائه القلب متفرق اللب، وطليق اللسان حديد الجنان. بيان: قوله عليه السلام: إنما فرق بينهم قال ابن ميثم: أي تقاربهم في الصور والاخلاق تابع لتقارب طينهم وتقارب مباديه وهي السهل والحزن، والسبخ والعذب ; وتفاوتهم فيها لتفاوت طينهم ومباديه المذكورة. وقال أهل التأويل: الاضافة بمعنى اللام أي المبادي لطينهم، كناية عن الاجزاء العنصرية التي هي مبادي المركبات ذوات الامزجة، والسبخ كناية عن الحار اليابس، والعذب عن الحار الرطب، والسهل عن البارد الرطب والحزن عن البارد اليابس. والفلقة: القطعة والشق من الشئ، والرواء: المنظر الحسن، وقريب القعر أي قصير. بعيد السبر أي داهية يبعد اختبار باطنه يقال: سبرت الرجل أسبره أي اختبرت باطنه وغوره. والضريبة الخلق والطبيعة. والجليبة: ما يجلبه الانسان ويتكلفه أي خلقه حسن يتكلف فعل القبيح، وحمله ابن ميثم على العكس، وقال: متفرق اللب أي يتبع كل ناعق. ثم قال: الخمسة الاول ظاهرهم مخالف لباطنهم، والاخيرتان ليستا على تلك الوتيرة، ذكرتا لتتميم الاقسام. 51 - شى: عن زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أرأيت حين أخذ الله الميثاق


(1) سبخ الارض: مالحها. (2) الحزن بفتح الحاء: الخشن ضد السهل. (3) ماد القامة: طويلها.

[ 255 ]

على الذر في صلب آدم فعرضهم على نفسه كانت معاينة منهم له ؟ (1) قال: نعم يا زرارة وهم ذر بين يديه، (2) وأخذ عليهم بذلك الميثاق بالربوبية له، ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة ثم كفل لهم بالارزاق، وأنساهم رؤيته، وأثبت في قلوبهم معرفته، فلابد من أن يخرج الله إلى الدنيا كل من أخذ عليه الميثاق، فمن جحد ما أخذ عليه الميثاق لمحمد صلى الله عليه وآله لم ينفعه إقراره لربه بالميثاق، ومن لم يجحد ميثاق محمد نفعه الميثاق لربه. 52 - شى: عن عمار بن أبي الاحوص، عن أبي عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك و تعالى خلق في مبتدأ الخلق بحرين: أحدهما عذب فرات، والآخر ملح أجاج، ثم خلق تربة آدم من البحر العذب الفرات ثم أجراه على البحر الاجاج فجعله حمأ مسنونا وهو خلق آدم، ثم قبض قبضة من كتف آدم الايمن فذرأها في صلب آدم، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، ثم قبض قبضة من كتف آدم الايسر فذرأها في صلب آدم، فقال: هؤلاء في النار ولا أبالي ولا أسأل عما أفعل، ولي في هؤلاء البداء بعد، (3) وفي هؤلاء وهؤلاء سيبتلون ; قال أبو عبد الله عليه السلام: فاحتج يومئذ أصحاب الشمال وهم ذر على خالقهم فقالوا: يا ربنا بم أوجبت لنا النار - وأنت الحكم العدل - من قبل أن تحتج علينا، وتبلونا بالرسل، وتعلم طاعتنا لك ومعصيتنا ؟ فقال الله تبارك وتعالى: فأنا أخبركم بالحجة عليكم الآن في الطاعة والمعصية، والاعذار بعد الاخبار. قال أبو عبد الله عليه السلام: فأوحى الله إلى مالك خازن النار: أن مر النار تشهق، ثم تخرج عنقا منها (4) فخرجت لهم، ثم قال الله لهم: ادخلوها طائعين، فقالوا: لا ندخلها طائعين ! ثم قال: ادخلوها طائعين، أو لاعذبنكم بها كارهين، قالوا: إنا هربنا إليك منها، وحاججناك فيها حيث أوجبتها علينا، وصيرتنا من أصحاب الشمال، فكيف ندخلها


(1) أراد من المعاينة الشهود اليقيني والحضور العلمي، لا المشاهدة والرؤية بالعين الجسماني لظهور انتفاء شرائط الرؤية من وجود الباصرة لهم هناك، والجسمية له تعالى. (2) أي متفرق بين يديه أي في الارض، والذر أيضا بمعنى النسل. (3) وفى نسخة: ولى في هؤلاء البلاء بعد. (4) أي قطعة وجماعة منها.

[ 256 ]

طائعين ؟ ولكن أبدا أصحاب اليمين في دخولها، كي تكون قد عدلت فينا وفيهم ; قال أبو عبد الله عليه السلام: فأمر أصحاب اليمين وهم ذر بين يديه فقال: ادخلوا هذه النار طائعين قال: فطفقوا يتبادرون في دخولها فولجوا فيها جميعا فصيرها الله عليهم بردا وسلاما، ثم أخرجهم منها ثم إن الله تبارك وتعالى نادى في أصحاب اليمين وأصحاب الشمال: ألست بربكم ؟ فقال أصحاب اليمين: بلى يا ربنا نحن بريتك وخلقك مقرين طائعين، وقال أصحاب الشمال: بلى يا ربنا نحن بريتك وخلقك كارهين ! وذلك قول الله: " وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها وإليه ترجعون " قال: توحيدهم لله. 53 - شى: عن عثمان بن عيسى، عن بعض أصحابه، عنه قال: إن الله قال لماء: كن عذبا فراتا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وقال لماء: كن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي، فأجرى المائين على الطين، ثم قبض قبضة بهذه - وهي يمين - فخلقهم خلقا كالذر، ثم أشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم وعليكم طاعتي ؟ قالوا: بلى، فقال للنار: كوني نارا، فإذا نار تأجج، وقال لهم قعوا فيها، فمنهم من أسرع، ومنه من أبطأ في السعي، ومنهم من لم يرم مجلسه، فلما وجدوا حرها رجعوا فلم يدخلها منهم أحد، ثم قبض قبضة بهذه فخلقهم خلقا مثل الذر، مثل أولئك، ثم أشهدهم على أنفسهم مثل ما أشهد الآخرين، ثم قال لهم: قعوا في هذه النار، فمنهم من أبطأ، ومنهم من أسرع، ومنهم من مر بطرف العين، فوقعوا فيها كلهم، فقال: أخرجوا منها سالمين، فخرجوا لم يصبهم شئ ; وقال الآخرون: يا ربنا أقلنا نفعل كما فعلوا، قال: قد أقلتكم، فمنهم من أسرع في السعي، ومنهم من أبطأ، ومنهم من لم يرم مجلسه، مثل ما صنعوا في المرة الاولى ; فذلك قوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون. بيان: يقال: رام يريم: إذا برح وزال من مكانه، وأكثر ما يستعمل في النفي. 54 - شى: خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، إنهم ملعونون في الاصل. 55 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام

[ 257 ]

عن قول الله: " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم " إلى آخر الآية: أما قوله: " كما لم يؤمنوا به أول مرة " فإنه حين أخذ عليهم الميثاق. 56 - شى: عن رفاعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " قال: نعم أخذ الله الحجة على جميع خلقه يوم الميثاق هكذا - وقبض يده -. 57 - شى: عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف أجابوا وهم ذر ؟ قال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه - يعني في الميثاق -. بيان: أي تعلقت الارواح بتلك الذر وجعل فيهم العقل وآلة السمع وآلة النطق حتى فهموا الخطاب وأجابوا وهم ذر. (1) 58 - شى: عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزو جل: " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم " إلى " قالوا بلى " قال: كان محمد عليه وآله السلام أول من قال: بلى ; قلت: كانت رؤية معاينة ؟ قال: ثبتت المعرفة في قلوبهم وأنسوا ذلك الميثاق وسيذكرونه بعد، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ولا من يرزقه. 95 - شى: عن زرارة أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " فقال - وأبوه يسمع -: حدثني أبي أن الله تعالى قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم، فصب عليها الماء العذب الفرات، فتركها أربعين صباحا، ثم صب عليها الماء المالح الاجاج فتركها أربعين صباحا، فلما اختمرت الطينة أخذها تبارك وتعالى فعركها عركا شديدا، ثم هكذا - حكى (2) بسط كفيه - فخرجوا كالذر من يمينه وشماله فأمرهم جميعا أن يقعوا في النار، فدخل أصحاب اليمين فصارت عليهم بردا وسلاما، وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها.


(1) ظاهر الرواية لسان الحال، أو أنهم كانوا على خلقة لو تزلوا منزل الدنيا ظهر ذلك منهم في صورة السؤال والجواب، وأما ما ذكره رحمه الله فبعيد عن سياق الخبر ولو صح لكان هو الخلق الدنيوي بعينه. ط (2) حكى العقدة: شدها.

[ 258 ]

بيان: قوله عليه السلام: من يمينه وشماله أي من يمين الملك المأمور بهذا الامر و شماله، أو من يمين العرش وشماله، أو استعار اليمين للجهة التي فيها اليمن والبركة وكذا الشمال بعكس ذلك. 60 - شى: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " ألست بربكم قالوا بلى ": قلت: قالوا بألسنتهم ؟ قال: نعم وقالوا بقلوبهم ; فقلت: وأي شئ كانوا يومئذ ؟ قال: صنع منهم ما اكتفى به. 61 - شى: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم " إلى " أنفسهم " قال: أخرج الله من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذر، فعرفهم نفسه، وأراهم نفسه، ولولا ذلك ما عرف أحد ربه، وذلك قوله: " ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله ". 62 - شى: عن الاصبغ بن نباتة، عن علي عليه السلام قال: أتاه ابن الكواء (1) فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تبارك وتعالى هل كلم أحدا من ولد آدم قبل موسى ؟ فقال علي: قد كلم الله جميع خلقه برهم وفاجرهم وردوا عليه الجواب. فثقل ذلك على ابن الكواء ولم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال له: أو ما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبيه: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " ؟ فقد أسمعكم كلامه، و ردوا عليه الجواب كما تسمع في قول الله - يابن الكواء - " قالوا بلى " فقال لهم: إني أنا الله لا إله إلا أنا، وأنا الرحمن، فاقروا له بالطاعة والربوبية، وميز الرسل والانبياء والاوصياء، وأمر الخلق بطاعتهم، فأقروا بذلك في الميثاق، فقالت الملائكة عند إقرارهم بذلك: شهدنا عليكم يا بني آدم ان تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. 63 - قال أبو بصير: قلت لابي عبد الله عليه السلام أخبرني عن الذر وحيث أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا: بلى، وأسر بعضهم خلاف ما أظهر، قلت: كيف علموا


(1) كشداد، هو عبد الله بن عمرو اليشكرى، خارجي ملعون.

[ 259 ]

القول حيث قيل لهم: ألست بربكم ؟ قال: إن الله جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه. 64 - شى: عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: إن الله خلق الخلق وهي أظلة، فأرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وآله فمنهم من آمن به ومنهم من كذبه، ثم بعثه في الخلق الآخر فآمن به من كان آمن به في الاظلة وجحده من جحد به يومئذ، فقال: ما كانو ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل. 65 - شى: عن أبي بصير، عن أبى عبد الله عليه السلام في قوله: " ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم " إلى " بما كذبوا به من قبل " قال: بعث الله الرسل إلى الخلق وهم في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فمن صدق حينئذ صدق بعد ذلك، ومن كذب حينئذ كذب بعد ذلك. 66 - شى: عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى هبط إلى الارض في ظلل من الملائكة على آدم وهو بواد يقال له: الروحاء وهو واد بين الطائف ومكة، قال: فمسح على ظهر آدم ثم صرخ بذريته وهم ذر، قال: فخرجوا كما يخرج النحل من كورها. فاجتمعوا على شفير الوادي (1) فقال الله لآدم: انظر ماذا ترى فقال آدم: أرى ذرا كثيرا على شفير الوادي، فقال الله: يا آدم هؤلاء ذريتك، أخرجتهم من ظهرك لآخذ عليهم الميثاق لي بالربوبية، ولمحمد بالنبوة، كما آخذه عليهم في السماء ; قال: آدم: يا رب وكيف وسعتهم ظهري ؟ قال الله: يا آدم بلطف صنيعي ونافذ قدرتي ; قال آدم: يا رب فما تريد منهم في الميثاق ؟ قال الله: أن لا يشركوا بي شيئا، قال آدم: فمن أطاعك منهم يا رب فما جزاؤه ؟ قال: اسكنه جنتي ; قال آدم: فمن عصاك فما جزاؤه ؟ قال: أسكنه ناري، قال آدم: يا رب لقد عدلت فيهم، وليعصينك أكثرهم إن لم تعصمهم. بيان: هبط إلى الارض أي هبط ونزل أمره ووحيه مع طوائف كثيرة من الملائكة شبههم بالظلل في وفورهم وكثرتهم وتراكمهم، والظلل جمع الظلة وهي ما أظلك من


(1) الشفير: ناحية كل شئ، ومن الوادي: ناحية من أعلاه.

[ 260 ]

سحاب ونحوه، وهذا مثل قوله تعالى: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " (1) والمسح: كناية عن شمول اللطف والرحمة. 67 - كشف: من كتاب دلائل الحميري، عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فسأله محمد بن صالح الارمني عن قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " قال أبو محمد عليه السلام ثبتت المعرفة ونسوا ذلك الموقف وسيذكرونه، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ولا من رازقه ; قال أبو هاشم: فجعلت أتعجب في نفسي من عظيم ما أعطى الله وليه وجزيل ما حمله، فأقبل أبو محمد علي فقال: الامر أعجب مما عجبت منه يا أبا هاشم و أعظم ! ما ظنك بقوم من عرفهم عرف الله، ومن أنكرهم أنكر الله ؟ فلا مؤمن إلا وهو بهم مصدق وبمعرفتهم موقن. " ص 306 " بيان اعلم ان أخبار هذا الباب من متشابهات الاخبار، ومعضلات الآثار، و لاصحابنا رضي الله عنهم فيها مسالك. منها ما ذهب إليه الاخباريون، وهو أنا نؤمن بها مجملا، ونعترف بالجهل عن حقيقة معناها، وعن أنها من أي جهة صدرت، ونرد علمه إلى الائمة عليهم السلام. ومنها أنها محمولة على التقية لموافقتها لروايات العامة ولما ذهبت إليه الاشاعرة وهم جلهم، ولمخالفتها ظاهرا لما مر من أخبار الاختيار والاستطاعة. ومنها أنها كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون، فإنه تعالى لما خلقهم مع علمه بأحوالهم فكأنه خلقهم من طينات مختلفة، ومنها أنها كناية عن اختلاف استعداداتهم وقابلياتهم، وهذا أمر بين لا يمكن إنكاره، فإنه لا شبهة في أن النبي صلى الله عليه وآله وأبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد والقابلية، وهذا لا يستلزم سقوط التكليف " فإن الله تعالى كلف النبي صلى الله عليه وآله حسب ما أعطاه من الاستعداد لتحصيل الكمالات، وكلف أبا جهل حسب ما أعطاه من ذلك ولم يكلفه ما ليس في وسعه، ولم يجبره على شئ من الشر والفساد.


(1) البقرة: 210.

[ 261 ]

ومنها أنه لما كلف الله تعالى الارواح أولا في الذر وأخذ ميثاقهم فاختاروا الخير والشر باختيارهم في ذلك الوقت، وتفرع اختلاف الطينة على ما اختاروه باختيارهم كما دل عليه بعض الاخبار السابقة فلا فساد في ذلك. ولا يخفى ما فيه وفي كثير من الوجوه السابقة، وترك الخوض في أمثال تلك المسائل الغامضة التي تعجز عقولنا عن الاحاطة بكنهها أولى، لاسيما في تلك المسألة التي نهى أئمتنا عن الخوض فيها، ولنذكر بعض ما ذكره في ذلك علماؤنا رضوان الله عليهم ومخالفوهم. فمنها ما ذكره الشيخ المفيد قدس الله روحه في جواب المسائل السروية حيث سئل: ما قوله - أدام الله تأييده - في معنى الاخبار المروية عن الائمة الهادية عليهم السلام في الاشباح وخلق الله تعالى الارواح قبل خلق آدم عليه السلام بألفي عام، وإخراج الذرية من صلبه على صور الذر، ومعنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله: الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ؟. الجواب: - وبالله التوفيق - أن الاخبار بذكر الاشباح تختلف ألفاظها، وتتباين معانيها، وقد بنت الغلاة عليها أباطيل كثيره، وصنفوا فيها كتبا لغوا فيها، وهزؤوا فيما أثبتوه منه في معانيها، وأضافوا ما حوته الكتب إلى جماعة من شيوخ أهل الحق و تخرصوا البالطل بإضافتها إليهم، من جملتها كتاب سموه كتاب (الاشباح والاظلة) نسبوه في تأليفه إلى محمد بن سنان، ولسنا نعلم صحة ما ذكروه في هذا الباب عنه وإن كان صحيحا فإن ابن سنان قد طعن عليه وهو متهم بالغلو، فإن صدقوا في إضافة هذا الكتاب إليه فهو ضلال لضال عن الحق، وإن كذبوا فقد تحملوا أوزار ذلك، والصحيح من حديث الاشباح الرواية التي جاءت عن الثقاة بأن آدم عليه السلام رأى على العرش أشباحا يلمع نورها، فسأل الله تعالى عنها، فأوحى إليه أنها أشباح رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين، والحسن، والحسين، وفاطمة صلوات الله عليهم ; وأعلمه أنه لولا الاشباح التي رآها ما خلقه ولا خلق سماءا ولا أرضا. والوجه فيما

[ 262 ]

أظهره الله تعالى من الاشباح والصور لآدم أن دله على تعظيمهم وتبجيلهم، (1) وجعل ذلك إجلالا لهم، ومقدمة لما يفترضه من طاعتهم، ودليلا على أن مصالح الدين والدنيا لا تتم إلا بهم ولم يكونوا في تلك الحال صورا مجيبة، ولا أرواحا ناطقة لكنها كانت على مثل صورهم في البشرية، يدل على ما يكونوا عليه في المستقبل في الهيئة، والنور الذي جعله عليهم يدل على نور الدين بهم وضياء الحق بحججهم ; وقد روي أن أسماءهم كانت مكتوبة إذ ذاك على العرش، وأن آدم عليه السلام لما تاب إلى الله عزوجل وناجاه بقبول توبته سأله بحقهم عليه ومحلهم عنده فأجابه، وهذا غير منكر في العقول، ولا مضاد للشرع المنقول، وقد رواه الصالحون الثقاة المأمونون، وسلم لروايته طائفة الحق، ولا طريق إلى انكاره، والله ولي التوفيق. فصل: ومثل ما بشر الله به آدم عليه السلام من تأهيله نبيه صلى الله عليه وآله لما أهله له، و تأهيل أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام لما أهلهم له، وفرض عليه تعظيمهم وإجلالهم كما بشر به في الكتب الاولى من بعثته لنبينا صلى الله عليه وآله فقال في محكم كتابه: " النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التورية والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليه الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون " (2) وقوله تعالى مخبرا عن المسيح عليه السلام: " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " (3) وقوله سبحانه: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جائكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه " (4) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله، فحصلت البشائر به من الانبياء وأممهم قبل إخراجه إلى العالم بالوجود، وإنما أراد جل اسمه بذلك إجلاله وإعظامه، وأن يأخذ العهد له على الانبياء والامم كلها، فلذلك أظهر لآدم عليه السلام صورة شخصه، وأشخاص أهل بيته عليهم السلام، وأثبت أسماءهم له ليخبره بعاقبتهم، وبين له عن محلهم عنده ومنزلتهم لديه، ولم يكونوا


(1) بجله: عظمه وكرمه. (2) الاعراف: 157. (3) الصف: 6. (4) آل عمران: 81.

[ 263 ]

في تلك الحال أحياءا ناطقين ولا ارواحا مكلفين، وإنما كانت أشباحهم دالة عليهم حسب ما ذكرناه. فصل: وقد بشر الله عزوجل بالنبي والائمة عليهم السلام في الكتب الاولى، فقال في بعض كتبه التي أنزلها على أنبيائه عليهم السلام، وأهل الكتب يقرؤونه، واليهود يعرفونه: إنه ناجى إبراهيم الخليل عليه السلام في مناجاته: إنى قد عظمتك وباركت عليك وعلى إسماعيل، وجعلت منه اثنى عشر عظيما، وكبرتهم جدا جدا، وجعلت منهم شعبا عظيما لامة عظيمة ; وأشباه ذلك كثير في كتب الله تعالى الاولى. فصل: فأما الحديث في إخراج الذرية من صلب آدم عليه السلام على صورة الذر فقد جاء الحديث بذلك على اختلاف ألفاظه ومعانيه ; والصحيح أنه أخرج الذرية من ظهره كالذر فملأ بهم الافق، وجعل على بعضهم نورا لا يشوبه ظلمة، وعلى بعضهم ظلمة لا يشوبها نور، وعلى بعضهم نورا وظلمة ; فلما رآهم آدم عليه السلام عجب من كثرتهم وما عليهم من النور والظلمة، فقال: يا رب ما هؤلاء ؟ قال الله عزوجل له: هؤلاء ذريتك - يريد تعريفه كثرتهم، وامتلاء الآفاق بهم، وأن نسله يكون في الكثرة كالذر الذي رآه ليعرفه قدرته، ويبشره بإفضال نسله وكثرتهم - فقال عليه السلام: يا رب مالي أرى على بعضهم نورا لا ظلمة فيه ؟ وعلى بعضهم ظلمة لا يشوبها نور ؟ وعلى بعضهم ظلمة ونورا ؟ فقال تبارك وتعالى: أما الذين عليهم النور منهم بلا ظلمة فهم أصفيائي من ولدك الذي يطيعوني ولا يعصوني في شئ من أمري فأولئك سكان الجنة، وأما الذين عليهم ظلمة ولا يشوبها نور فهم الكفار من ولدك الذين يعصوني ولا يطيعوني، فأما الذين عليهم نور وظلمة فأولئك الذين يطيعوني من ولدك ويعصوني فيخلطون أعمالهم السيئة بأعمال حسنة، فهؤلاء أمرهم إلي، إن شئت عذبتهم فبعد لي وإن شئت عفوت عنهم فبفضلي، فأنبأه الله تعالى بما يكون من ولده، وشبههم بالذر الذي أخرجهم من ظهره، وجعله علامة على كثرة ولده. ويحتمل أن يكون ما أخرجه من ظهره وجعل أجسام ذريته دون أرواحهم، وإنما فعل الله تعالى ذلك ليدل آدم عليه السلام على العاقبة منه، ويظهر له من قدرته وسلطانه وعجائب صنعته، وأعلمه

[ 264 ]

بالكائن قبل كونه، وليزداد آدم عليه السلام يقينا بربه، ويدعوه ذلك إلى التوفر على طاعته، والتمسك بأوامره، والاجتناب لزواجره. فأما الاخبار التي جاءت بأن ذرية آدم عليه السلام استنطقوا في الذر فنطقوا فأخذ عليهم العهد فأقروا فهي من أخبار التناسخية، وقد خلطوا فيها ومزجوا الحق بالباطل، والمعتمد من إخراج الذرية ما ذكرناه دون ما عداه مما استمر القول به على الادلة العقلية والحجج السمعية، وإنما هو تخليط لا يثبت به أثر على ما وصفناه. فصل: فإن تعلق متعلق بقوله تبارك اسمه: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين " (1) فظن ظاهر هذا القول تحقق ما رواه أهل التناسخ والحشوية والعامة في إنطاق الذرية وخطابهم وأنهم كانوا أحياءا ناطقين. فالجواب عنه أن لهذه الآية من المجاز في اللغة كنظائرها مما هو مجاز واستعارة والمعنى فيها أن الله تبارك وتعالى أخذ من كل مكلف يخرج من ظهر آدم وظهور ذريته العهد عله بربوبيته، من حيث أكمل عقله، ودله بآثار الصنعة على حدثه، وأن له محدثا أحدثه لا يشبهه يستحق العبادة منه بنعمه عليه، فذلك هو أخذ العهد منهم، وآثار الصنعة فيهم، والاشهاد لهم على أنفسهم بأن الله تعالى ربهم، وقوله تعالى: " قالوا بلى " يريد به أنهم لم يمتنعوا من لزوم آثار الصنعة فيهم، ودلائل حدثهم اللازمة لهم، وحجة العقل عليهم في إثبات صانعهم، فكأنه سبحانه لما ألزمهم الحجة بعقولهم على حدثهم ووجود محدثهم قال لهم: " ألست بربكم " ؟ فلما لم يقدروا على الامتناع من لزوم دلائل الحدث لهم كانوا كقائلين: " بلى شهدنا " وقوله تعالى: " أن يقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون " ألا ترى أنه احتج عليهم بما لا يقدرون يوم القيامة أن يتأولوا في إنكاره ولا يستطيعون، وقد قال سبحانه: " والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه


(1) الاعراف: 172.

[ 265 ]

العذاب " (1) ولم يرد أن المذكور يسجد كسجود البشر في الصلاة، وإنما أراد به غير ممتنع من فعل الله فهو كالمطيع لله وهو معبر عنه بالساجد، قال الشاعر: بجمع تظل البلق في حجراته. ترى الاكم فيها سجدا للحوافر (2) يريد أن الحوافر تذل الاكم بوطيها عليها وقوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " (3) وهو سبحانه لم يخاطب السماء بكلام ; ولا السماء قالت قولا مسموعا، وإنما أراد أنه عمد إلى السماء فخلقها ولم يتعذر عليه صنعتها، فكأنه لما خلقها قال لها وللارض: ائتيا طوعا أو كرها، فلما تعلقت بقدرته كانتا كالقائل: أتينا طائعين وكمثل قوله تعالى: " يوم نقول لجهنم هل امتلات وتقول هل من مزيد " (4) والله تعالى يجل عن خطاب النار وهي مما لا يعقل ولا يتكلم، وإنما الخبر عن سعتها و أنها لا تضيق بمن يحلها من المعاقبين، وذلك كله على مذهب أهل اللغة وعادتهم في المجاز، ألا ترى إلى قول الشاعر: وقالت له العينان سمعا وطاعة * وأسبلتا (5) كالدر ما لم يثقب والعينان لم تقولا قولا مسموعا، ولكنه أراد منهما البكاء، فكانت كما أراد من غير تعذر عليه. ومثله قول عنترة: فازور من وقع القنا بلبانه * وشكى إلي بعبرة وتحمم (6)


(1) الحج: 18. (2) الاكم جمع الاكمة: التل. والحوافر جمع الحافر، والحافر للدابة بمنزلة القدم للانسان. (3) حم السجدة: 11. (4) ق: 30. (5) أسبلت العين الدمع: أرسلت. (6) الازورار عن الشئ العدول عنه، والقنا جمع قناة وهى الرمح، ووقعها وقوعها والضرب بها، واللبان بالفتح ما جرى عليه اللبن. منه قدس سره.

[ 266 ]

والفرس لا يشتكي قولا، لكنه ظهر منه علامة الخوف والجزع، فسمى ذلك قولا. ومنه قول الآخر: وشكى إلي جملي طول السرى. (1) والجمل لا يتكلم، لكنه لما ظهر منه النصب والوصب لطول السرى عبر عن هذه العلامة بالشكوى التي تكون كالنطق والكلام، ومنه قولهم أيضا: امتلا الحوض وقال قطني (2) * حسبك مني قد ملات بطني. والحوض لم يقل قطني، لكنه لما امتلا بالماء عبر عنه بأنه قال: حسبي، ولذلك أمثال كثيرة في منثور كلام العرب ومنظومه، وهو من الشواهد على ما ذكرناه في تأويل الآية والله تعالى نسأل التوفيق. فصل: فأما الخبر أن الله تعالى خلق الارواح قبل الاجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد، وقد روته العامة كما روته الخاصة، وليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته، وإنما نقله رواته لحسن الظن به، وإن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الارواح في علمه قبل اختراع الاجساد، واخترع الاجساد واخترع لها الارواح فالخلق للارواح قبل الاجساد خلق تقدير في العلم كما قدمناه، وليس بخلق لذواتها كما وصفناه، والخلق لها بالاحدات والاختراع بعد خلق الاشسام، والصور التي تدبرها الارواح، ولولا أن ذلك كذلك لكانت الارواح تقوم بأنفسها، ولا تحتاج إلى آلات يعتملها، ولكنا نعرف ما سلف لنا من الاحوال قبل خلق الاجساد، كما نعلم أحوالنا بعد خلق الاجساد، وهذا محال لا خفاء بفساده. وأما الحديث بأن الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، فالمعنى فيه أن الارواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس وتتخاذل بالعوارض، فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف، وما تناكر منها


(1) بضم السين: سير الليل. (2) أي حسبى.

[ 267 ]

بمباينة في الرأي والهوى اختلف، وهذه موجود حسا ومشاهد، وليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف - كما يذهب إليه الحشوية - كما بيناه من أنه لا علم للانسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم، ولو ذكر بكل شئ ما ذكر ذلك، فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه، والله الموفق للصواب انتهى أقول: طرح ظواهر الآيات والاخبار المستفيضة بأمثال تلك الدلائل الضعيفة والوجوه السخيفة جرأة على الله وعلى أئمة الدين، ولو تأملت فيما يدعوهم إلى ذلك من دلائلهم وما يرد عليها من الاعتراضات الواردة لعرفت أن بأمثالها لا يمكن الاجتراء على طرح خبر واحد، فكيف يمكن طرح تلك الاخبار الكثيرة الموافقة لظاهر الآية الكريمة بها وبأمثالها، وسيأتي الاخبار الدالة على تقدم خلق الارواح على الاجساد في كتاب السماء والعالم، وسنتكلم عليها. ومنها ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في قوله تعالى: " وإذ أخذ ربك " الآية حيث قال: وقد ظن بعض من لا بصيرة له ولا فطنة عنده أن تأويل هذه الآية: أن الله سبحانه استخرج من ظهر آدم عليه السلام جميع ذريته - وهم في خلق الذر - فقررهم بمعرفته، وأشهدهم على أنفسهم، وهذا التأويل مع أن العقل يبطله ويحيله مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه لان الله تعالى قال: " وإذ أخذ ربك من بني آدم " ولم يقل: " من آدم " وقال: من " ظهورهم " ولم يقل: " من ظهوره " وقال: " ذريتهم " ولم يقل: " ذريته " ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة أنهم كانوا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم وأنهم نشؤوا على دينهم وسنتهم، وهذا يقتضي أن الآية لم تتناول ولد آدم عليه السلام لصلبه، وأنها إنما تناولت من كان له آباء مشركون وهذا يدل على اختصاصها ببعض ذرية بني آدم، فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويلهم ; فأما شهادة العقول فمن حيث لا تخلو هذه الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام و خوطبت وقررت من أن تكون كاملة العقول، مستوفية بشروط التكلف، أولا تكون كذلك، فإن كانت بالصفة الاولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال وما قرروا به واستشهدوا عليه، لان العاقل

[ 268 ]

لا ينسى ما جرى هذا المجرى وإن بعد العهد وطال الزمان، ولهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا في بلد من البلدان وهو عاقل كامل فينسى مع بعد العهد جميع تصرفه المتقدم و سائر أحواله. وليس أيضا لتخلل الموت بين الحالين تأثير لانه لو كان تخلل الموت يزيل الذكر لكان تخلل النوم والسكر والجنون والاغماء بين أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم ; لان سائر ما عددناه مما ينفي العلوم يجري مجري الموت في هذا الباب، وليس لهم أن يقولوا: إذا جاز في العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه في حال الطفولية جاز ما ذكرنا، وذلك أنا إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى عليهم وهم كاملوا العقل، ولو كانوا بصفة الاطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه، على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض في الآية، و ذلك أن الله تعالى أخبر بأنه إنما قررهم وأشهدهم لئلا يدعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك، وسقوط الحجة عنهم فيه، فإذا جاز نسيانهم له عاد الامر إلى سقوط الحجة عنهم وزواله. وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العلم وشرائط التكليف قبح خطابهم و تقريرهم وإشهادهم، وصار ذلك عبثا قبيحا يتعالى الله عنه. فإن قيل: قد أبطلتم تأويل مخالفيكم فما تأويلها الصحيح عندكم ؟ قلنا: في الاية وجهان: أحدهما أن يكون تعالى إنما عنى بها جماعة من ذرية بنى آدم خلقهم وبلغهم وأكمل عقولهم وقررهم على ألسن رسله عليهم السلام بمعرفته وما يجب من طاعته، فأقروا بذلك وأشهدهم على أنفسهم به، لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم، وإنما أتي من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظن أن اسم الذرية لا يقع إلا على من لم يكن كلاملا عاقلا، وليس الامر كما ظن لانا نسمي جميع البشر بأنهم ذرية آدم، وإن دخل فيهم العقلاء الكاملون، وقد قال الله تعالى: " ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم و أزواجهم وذرياتهم " ولفظ الصالح لا يطلق إلا على من كان كاملا عاقلا، فإن استبعدوا تأويلنا وحملنا الآية على البالغين المكلفين فهذا جوابهم.

[ 269 ]

الجواب الثاني: أنه تعالى لما خلقهم وركبهم تركيبا يدل على معرفته ويشهد بقدرته ووجوب عبادته وأراهم العبر والآيات والدلائل في غيرهم وفي أنفسهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم، وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته وظهوره فيهم على الوجه الذي أراده الله تعالى، وتعذر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته بمنزلة المقر المعترف، وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ولا منهما جواب. ولا مثله قوله تعالى: " شاهدين على أنفسهم بالكفر " ونحن نعلم أن الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم، وإن ذلك لما ظهر منهم ظهورا لا يتمكنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به. ومثل هذا قولهم: جوارحي تشهد بنعمتك وحالي معترفة بإحسانك. وما روي عن بعض الحكماء من قوله: سل الارض من شق أنهارك ؟ وغرس أشجارك ؟ وجنى ثمارك ؟ فإن لم تجبك جؤارا (1) أجابتك اعتبارا. وهذا باب كبير وله نظائر كثيرة في النظم والنثر، يغني عن ذكر جميعها القدر الذي ذكرناه منها. ومنها ما ذكره الرازي في تفسير تلك الآية حيث قال: في تفسير تلك الآيه قولان مشهوران: الاول وهو مذهب المفسرين وأهل الاثر ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عنها، فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يارسول الله ففيم العمل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما خلق الله آدم


(1) جأر إلى الله: رفع صوته إلى الله.

[ 270 ]

مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة (1) من ذريته إلى يوم القيامة. وقال مقاتل: إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر تتحرك، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه ذرية سود كهيئة الذر ; فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم: " ألست بربكم قالوا بلى " فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ; ثم أعادهم جميعا في صلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء. وقال تعالى فيمن نقض العهد الاول: " وما وجدنا لاكثرهم من عهد " (2) وهذا القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعكرمة، والكلبي. وأما المعتزلة فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذه الوجه واحتجوا على فساد هذا القول بوجوه: الاول: أنه قال: " من بني آدم من ظهورهم " فقوله: " من ظهورهم " بدل من قوله: " بني آدم " فلم يذكر الله أنه أخذ من ظهر آدم شيئا. الثاني: أنه لو كان كذلك لما قال: " من ظهورهم " ولا " من ذريتهم " بل قال: من ظهره وذريته. الثالث: أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وهذا الكلام لا يليق بأولاد آدم لانه عليه السلام ما كان مشركا. الرابع: أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل، فلو أخذ الله الميثاق من أولئك لكانوا عقلاء، ولو كانوا عقلاء واعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذ الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم لان الانسان إذا وقعت له واقعة عظمية مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلا أن ينساها نسيانا كليا لا يتذكر منها


(1) النسمة: الانسان، أو كل دابة فيها روح، والمراد ههنا الاول. (2) الاعراف: 102.

[ 271 ]

شيئا لا بالقليل ولا بالكثير، وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ، فأنا نقول: لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الاجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في أجساد اخرى، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلا فإذا كان اعتقادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل، وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة وجب القول بمقتضاه. الخامس: أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدم عليه السلام عدد عظيم وكثرة كثيرة فالمجموع الحاصل من تلك الذرات تبلغ مبلغا في الحجمية والمقدار وصلب آدم عليه السلام على صغره يبعد أن يتسع لهذا المجموع. السادس: أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن تكون عاقلا فاهما مصنفا للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة، وفتح هذا الباب يقضي إلى التزام الجهالات، وإذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة فكل واحد من تلك الذرات لا يمكن أن يكون فاهما عاقلا إلا إذا حصلت له قدرة من البنية والجثة، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الاشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر فناء الدنيا لا تحويهم عرصة الدنيا، فكيف يمكن أن يقال: إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام ؟. السابع: قالوا: هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا، والاول باطل لانعقاد الاجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب، والمدح والذم، ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لانهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير حجة عليهم في التمسك بالايمان ؟. الثامن: قال الكعبي: إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الاطفال، فلما لم يمكن توجيه التكليف على الطفل فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذر ؟.

[ 272 ]

وأجاب الزجاج عنه وقال: لما لم يبعد أن يؤتي الله النمل العقل كما قال: " قالت نملة يا أيها النمل " (1) وأن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال: " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن " (2) وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول صلى الله عليه وآله، وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا ههنا. التاسع: أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كذلك فإن كان الاول كانوا مكلفين لا محالة، وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال، ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا، فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكيف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر، ولزم التسلسل وهو محال. وأما الثاني وهو أن يقال: إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر، فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم. العاشرة: قوله تعالى: " فلينظر الانسان مم خلق خلق من ماء دافق " (3) ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق، ولا معنى للانسان إلا ذلك الشئ، فحينئذ لا يكون الانسان مخلوقا من الماء الدافق، وذلك رد لنص القرآن. فإن قالوا:: لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق، ثم أزال عقله وفهمه وقدرته، ثم إنه خلقه مرة اخرى في رحم الام، و وأخرجه إلى هذه الحياة ؟ قلنا: هذا باطل، لانه لو كان الامر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقا على سبيل الابتداء، بل كان يجب أن يكون خلقا على سبيل الاعادة، وأجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ، فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل. الحادي عشر هي أن تلك الذرات إما أن يقال: إنه عين هؤلاء الناس أو غيرهم،


(1) النمل: 18. (2) الانبياء: 79. (3) الطارق: 6 (*)

[ 273 ]

والقول الثاني باطل بالاجماع، وفي القول الاول فنقول: إما أن يقال: إنهم بقوا فهماء، عقلاء، قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة، أو ما بقوا كذلك، والاول باطل ببديهة العقل. والثاني يقتضي أن يقال: الانسان حصل له الحياة أربع مرات ; أولها وقت الميثاق، وثانيها في الدنيا، وثالثها في القبر، ورابعها في القيامة، وأنه حصل له الموت ثلاث مرات: موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الاول، وموت في الدنيا، وموت في القبر، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى: " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ". (1) الثاني عشر قوله تعالى: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " (2) فلو كان القول بهذا الذر صحيحا لكان ذلك الذر هو الانسان، لانه هو المكلف المخاطب، المثاب المعاقب، وذلك باطل لان الذر غير مخلوق من النطفة والعلقة والمضغة، ونص الكتاب دليل على أن الانسان مخلوق من النطفة والعلقة والمضغة، وهو قوله: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " وقوله: " قتل الانسان ما أكفره من أي شئ خلقه من نطفة خلقه فقدره " (3) فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف. والقول الثاني في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات أنه أخرج الذر وهم الاولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الاخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الامهات، وجعلها علقة، ثم مضغة، ثم جعلهم بشرا سويا، وخلقا كاملا، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وعجائب خلقه و غرائب صنعه، فبالاشهاد صاروا كأنهم قالوا: بلى وإن لم يكن هناك قول باللسان لذلك نظائر. منها قوله تعالى: " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ". ومنها قوله تعالى: " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ". وقول العرب: قال الجدار للوتد: لم تشقني ؟ قال: سل من يدقني، فإن الذي ورائي ما خلاني ورأيي. وقال الشاعر: امتلا الحوض وقال قطني.


(1) المؤمن: 11. (2) المؤمنون: 12. (3) عبس: 19. (4) فصلت: 11. (5) النحل: 42.

[ 274 ]

فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهورة في الكلام فوجب حمل الكلام عليه، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين، وهذا القول الثاني لا طعن فيه البتة، وبتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافيا لصحة القول الاول، إنما الكلام في أن القول الاول هل يصح أم لا ؟. فإن قال قائل: فما المختار عندكم فيه ؟ قلنا: ههنا مقامان: أحدهما أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذر ؟ والثاني أن بتقدير أن يصح القول به فهل يمكن جعله تفسيرا لالفاظ هذه الآية ؟ أما المقام الاول فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها و قررناها. ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع. أما الوجه الاول من الوجوه العقلية المذكورة وهو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن. قلنا: خالق العلم بحصول الاحوال الماضية هو الله تعالى لان هذه العلوم عقلية ضرورية، والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى، وإذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها. فإن قالوا: فإذا جوزتم هذا فجوزوا أن يقال: إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ، وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الابدان. قلنا: الفرق بين الامرين ظاهر، وذلك لانا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهورا امتنع في مجرى العادة نسيانها أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان وأقل وقت فلم يبعد حصول النسيان، والفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق لان الانسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساها، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساها فظهر الفرق. وأما الوجه الثاني وهو أن يقال: مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في

[ 275 ]

ظهر آدم عليه السلام ! قلنا: عندنا البنية ليست شرطا لحصول الحياة والجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزى قابل للحياة والعقل، فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهرا فردا فلم قلتم: إن ظهر آدم لا يتسع لمجموعها ; إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا: الانسان جوهر فرد وجزء لا يتجزى في البدن على ما هو مذهب بعض القدماء، وأما إذا قلنا: الانسان هو النفس الناطقه وأنه جوهر غير متحيز ولا حال في متحيز فالسؤال زائل. وأما الوجه الثالث وهو قوله: فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت، أو في الحياة الدنيا، فجوابنا أن نقول: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، وأيضا أليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الاعمال وإنطاق الجوارح قالوا: لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الاشياء لطف فكذا ههنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة من تميز السعداء من الاشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف. وقيل أيضا: إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة ; وبقية الوجوه ضعيفة والكلام عليها سهل هين. وأما المقام الثاني وهو أن بتقدير أن يصح القول بأخذ الميثاق من الذر فهل يمكن جعله تفسيرا لالفاظ هذه الاية فنقول: الوجوه الثلاثة المذكورة أولا دافعة لذلك، لان قوله: " أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " فقد بينا أن المراد منه: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ; وأيضا لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم لقال: من ظهره ذريته ولم يقل: " من ظهورهم ذريتهم " أجاب الناصرون لذلك القول بأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه، والطعن في تفسير رسول الله صلى الله عليه وآله غير ممكن، فنقول: ظاهر الآية تدل على أنه تعالى أخرج ذرا من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان، ومن ذلك الفلان فلان آخر، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض، وأما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم فليس في لفظ آية ما يدل على ثبوته، وليس في الآية أيضا ما يدل علي بطلانه، إلا أن الخبر قد دل عليه فثبت

[ 276 ]

إخراج الذرية من ظهور بني آدم في القرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر، وعلى هذا التقدير فلا منافاة بين الامرين ولا مدافعة، فوجب المصير إليهما معا صونا للآية والخبر عن الطعن بقدر الامكان، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام انتهى. ولنكتف بنقل ما نقلناه من عير تعرض لجرح وتعديل، فإن من له بصيرة نافذة إذا أحاط بما نقلنا من الاخبار وكلام من تكلم في ذلك يتضح له طريق الوصول إلى ما هو الحق في ذلك بفضله تعالى. (1) ثم اعلم أنه سيأتي بعض الاخبار المناسبة لهذا الباب في باب علة استلام الحجر من كتاب الحج، وباب خلق الائمة وباب أخذ ميثاقهم عليهم السلام من كتاب الامامة وأبواب أحوال آدم عليه السلام من كتاب النبوة. (باب 11) * (من لا ينجبون من الناس، ومحاسن الخلقة وعيوبها اللتين) * * (تؤثران في الخلق) * 1 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن سعيد بن جناح (2) يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ستة لا ينجبون: السندي، والزنجي، والتركي، و الكردي، والخوزي، ونبك الري. " ج 1 ص 159 " بيان: الخوزي: أهل خوزستان. والنبك: المكان المرتفع (3) ويحتمل أن يكون إضافته إلى الري بيانية ; وفي بعض النسخ بتقديم الباء على النون وهو بالضم أصل الشئ وخالصه.


(1) ما يشتمل عليه أخبار الباب ليس مسألة واحدة بل كل من مسألة نقل الاعمال ومسألة الطينة ومسألة أخذ الميثاق ومنه ميثاق الذر ومسألة بدء الخلقة مسائل مختلفة مرتبطة بالقضاء الكلى وقد خلطها الباحثون من المتكلمين والمفسرين ; وبحثنا عنها في رسالة الافعال ورسالة الانسان قبل الدنيا ونرجو أن يوفقنا الله سبحانه لاستيفاء هذه الابحاث في مواضع تناسبها من تفسير الميزان انشاء الله. ط (2) يحتمل قويا أن يكون الواسطة (مطرف مولى معن) الاتى بعد ذلك، لان سعيد بن جناح يروى عنه، وأن يكون الخبر متحدا مع الحديث الاتى بعده. (3) والاكمة المحددة الرأس، أو التل الصغير.

[ 277 ]

2 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن سهل، عن منصور، (1) عن نصر الكوسج، (2) عن مطرف مولى معن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يدخل حلاوة الايمان قلب سندي، ولا زنجي، ولا خوزي، ولا كردى، ولا بربري، ولا نبك الري، ولا من حملته امه من الزنا. " ج 2 ص 7 " 3 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن الحسين بن زريق، عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا هشام النبط ليس من العرب ولا من العجم، فلا تتخذ منهم وليا ولا نصيرا. فإن لهم اصولا (3) تدعو إلى غير الوفاء. (4) " ص 189 " 4 - ل: ابن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن علي الهمداني (5) رفعه إلى داود بن فرقد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: ثلاثة لا ينجبون: أعور يمين، وأزرق كالفص، ومولد السند. " ج 1 ص 54 " 5 - ل: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن عدة من أصحابنا، عن ابن أسباط، عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما ابتلى الله به شيعتنا فلن يبتليهم بأربع: أن يكونوا لغير رشدة، أو أن يسألوا بأكفهم، (6) أو يؤتوا في أدبارهم، أو أن يكون فيهم أزرق أخضر. " ج 1 ص 107 " 6 - ل: أبي، وابن الوليد، عن محمد العطار، وأحمد بن إدريس، عن الاشعري بإسناده رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: خمسة خلقوا ناريين: الطويل الذاهب، و القصير القمئ، والازرق بخضرة، والزائد، والناقص. " ج 1 ص 138 " بيان: قمأ كجمع وكرم: ذل وصغر، فهو قمئ ذكره الفيروز آباي. 7: ل: أبي، وابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، ومحمد العطار، عن الاشعري، عن


(1) لعله منصور بن العباس أبو الحسين الرازي الضعيف، وإلا فمجهول. (2) لم نجد له ولا لمطرف ذكرا في التراجم. (3) في المصدر: اصواتا م. (4) الحديث مجهول بحسين بن زريق. (5) ضعفه الاصحاب. (6) في نسخة: بكفهم.

[ 278 ]

محمد بن الحسين بإسناد له يرفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا سكير، ولا عاق، ولا شديد السواد، ولا ديوث، ولا قلاع وهو الشرطي، ولا زنوق وهوا لخنثى، ولا خيوف (1) وهو النباش، ولا عشار، ولا قاطع رحم، ولا قدري. قال الصدوق رضي الله عنه: يعنى شديد السواد الذي لا يبيض شئ من شعر رأسه ولا من شعر لحيته مع كبر السن، ويسمى الغربيب. " ج 2 ص 54 " 8 - ل: القطان، وعلي بن أحمد بن موسى، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبي معاوية الضرير، عن الاعمش، عن جعفر بن محمد عليه السلام قال ابن حبيب: وحدثني عبد الله بن محمد بن ناطويه، عن علي بن عبد المؤمن الزعفراني، عن مسلم بن خالد الزنجي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام ; قال ابن حبيب: وحدثني الحسن بن سنان، عن أبيه، عن محمد بن خالد البرقي، عن مسلم بن خالد، عن جعفر بن محمد قالوا كلهم: ثلاثة عشر صنفا - وقال تميم (2): ستة عشر صنفا - من امة جدي صلى الله عليه وآله لا يحبونا ولا يحببونا إلى الناس، ويبغضونا ولا يتولونا، ويخذلونا ويخذلون الناس عنا، فهم أعداؤنا حقا، لهم نار جهنم، ولهم عذاب الحريق. قال: قلت بينهم لي يا أبه وقاك الله شرهم، قال: الزائد في خلقه، فلا ترى أحدا من الناس في خلقه زيادة إلا وجدته لنا مناصبا ولم تجده لنا مواليا ; والناقص الخلق من الرجال، فلا ترى لله عزوجل خلقا ناقص الخلقة إلا وجدت في قلبه علينا غلا ; (3) والاعور باليمين للولادة، فلا ترى لله خلقا ولد أعور اليمين إلا كان لنا محاربا ولاعدائنا مسالما ; والغربيب من الرجال فلا ترى لله عزوجل خقا غربيبا - وهو الذي قد طال عمره فلم ييبض شعره وترى لحيته مثل حنك الغراب - إلا كان علينا مؤلبا ولاعدائنا مكاثرا ; والحلكوك من الرجال، فلا ترى منهم أحدا إلا كان لنا شتاما ولاعدائنا مداحا ;


(1) في نسخة: خنوف. (2) هو ابن بهلول الواقع في الطريق الاول. (3) الغل بكسر الغين وتشديد اللام: الحقد والغش.

[ 279 ]

والاقرع (1) من الرجال فلا ترى رجلا به قرع إلا وجدته همازا، لمازا، مشاءا بالنميمة علينا ; والمفصص (2) بالخضرة من الرجال فلا ترى منهم أحدا - وهم كثيرون - إ وجدته يلقانا بوجه ويستدبرنا بآخر، يبتغي لنا الغوائل ; (3) والمنبوذ من الرجال، فلا تلقى منهم أحدا إلا وجدته لنا عدوا، مضلا، مبينا ; والابرص من الرجال فلا تلقى منهم أحدا إلا وجدته يرصد لنا المراصد ويقعد لنا ولشيعتنا مقعدا ليضلنا بزعمه عن سواء السبيل ; والمجذوم، وهم حصب جهنم هم لها واردون ; والمنكوح فلا ترى منهم أحدا إلا وجدته يتغنى بهجائنا ويؤلب علينا ; وأهل مدينة تدعى (سجستان) هم لنا أهل عداوة ونصب وهم شر الخلق والخليقة، عليهم من العذاب ما على فرعون وهامان و قارون ; وأهل مدينة تدعى (الري) هم أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء أهل بيته، يرون حرب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله جهادا، ومالهم مغنما، ولهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا والآخرة ولهم عذاب مقيم ; وأهل مدينة تدعى (الموصل) وهم شر من على وجه الارض ; وأهل مدينة تسمى (الزوراء) تبنى في أخر الزمان، يستشفون بدمائنا ويتقربون ببغضنا، يوالون في عداوتنا، ويرون حربنا فرضا، وقتالنا حتما. يا بني فاحذر هؤلاء ثم احذرهم، فإنه لا يخلو إثنان منهم بواحد من أهلك إلا هموا بقتله. واللفظ لتميم من أول الحديث إلى آخره. " ج 2 ص 94 - 95 " بيان: قوله عليه السلام: مؤلبا أي يجمع الناس علينا بالعداوة والظلم. والحلكوك بالضم والفتح: الشديد السواد. والمفصص بالخضرة: هو الذي يكون عينه أزرق كالفص، كما مر في الخبر، والفص أيضا حدقة العين، وفي بعض النسخ بالضادين المعجمتين وهو تصحيف. والمنبوذ: ولد الزنا. والزوراء بغداد. ثم اعلم أنه لا يبعد أن يكون


(1) الاقرع: من سقط شعر رأسه. (2) في النسخ المطبوعة ذكر ثلاثة عشر صنفا بخذف قوله: والمفصص بالخضرة إلى قوله: و الابرص، وليس في آخرها جملة ; واللفظ لتميم من اول الحديث إلى آخره. م (3) جمع الغائلة: الداهية. الفساد. المهلكة. الشر.

[ 280 ]

بعض البلاد كالري يكون هذا لبيان حالهم في تلك الازمان لا إلى يوم القيامة، ولعله سقط واحد من الستة عشر من النساخ أو من الرواة. 9 - ن: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا تجد في أربعين أصلع رجل سوء، ولا تجد في كوسجا رجلا صالحا، وأصلع سوء أحب إلي من كوسج صالح. " ص 210 " صح: عنه عليه السلام مثله. بيان: الصلع: انحسار شعر مقدم الرأس. 10 - ع: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن علي الريان، عن الحسين بن محمد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عبد الرحمن بن حماد، عن ذريح المحاربي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله يسأل الله عما سوى الفريضة ؟ قال: لا، قال: فوالذي بعثك بالحق لا تقربت إلى الله بشئ سواها ! قال: ولم ؟ قال: لان الله قبح خلقي ! قال: فأمسك النبي صلى الله عليه وآله ونزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد ربك يقرؤك السلام، ويقول: اقرء عبدي فلانا السلام، وقل له: أما ترضى أن أبعثك غدا في الآمنين ؟ فقال: يارسول الله وقد ذكرني الله عنده ؟ قال: نعم، قال: فوالذي بعثك بالحق لا بقي شئ يتقرب به إلى الله إلا تقربت به. " ص 158 - 159 " 11 - ع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن يحيى، عن حماد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك نرى الخصي من أصحابنا عفيفا له عبادة، ولا نكاد نراه إلا فظا غليظا سفيه الغضب ! فقال: إنما ذلك لانه لا يزني. " ص 200 " بيان: يحتمل أن يكون قوله عليه السلام: إنما ذلك علة لعفته، أو المعنى أن غلظته وفخره وعجبه بترك الزنا ; ويحتمل أن يكون المراد عدم قدرتة على الجماع مطلقا فإن به تندفع المواد الفاسدة وبه يستقيم الطبع والخلق. 12 - ع: بهذا الاسناد عن البرقي رفع الحديث إلى أبى عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الخصي، فقال: لم تسئل عمن لم يلده مؤمن ولا يلد مؤمنا !. " ص 200 "

[ 281 ]

13 - ما: محمد بن علي بن حشيش، عن محمد بن أحمد بن عبد الوهاب، عن محمد بن محمد بن يحيى، عن الحسن بن علي، عن اللؤلؤئي، عن شعبة، عن توبة العنبري، عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عليكم بالوجه الملاح والحدق السود فإن الله يستحيي أن يعذب الوجه المليح بالنار " ص 197 " 14 - ثو: أبي، عن علي، عن أبيه، عن محمد بن عمرو، عن موسى بن إبراهيم، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: سمعته يقول: ما حسن الله خلق عبد ولا خلقه إلا استحيى أن يطعم لحمه يوم القيامة النار. " ص 175 " 15 - ين: بعض أصحابنا، عن حنان بن سدير، عن محمد بن طلحة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: أيما عبد كان له صورة حسنة مع موضع لا يشينه ثم تواضع لله كان من خالصة الله ; قال: قلت: ما موضع لا يشينه ؟ قال: لا يكون ضرب فيه سفاح. بيان: يمكن توجيه تلك الاخبار على قانون أهل العدل بأن الله تعالى خلق من علم أنهم يكونون شرارا باختيارهم بهذه الصفات، وجعلهم من أهل تلك البلاد من غير أن يكون لتلك الاحوال مدخل في أعمالهم ; أو المراد أنهم في درجة ناقصة من الكمال، غير قابلين لمعالي الفضائل والكمالات، من غير أن يكونوا مجبورين على القبائح والسيئات. (باب 12) * (علة عذاب الاستيصال، وحال ولد الزنا، وعلة اختلاف أحوال الخلق) * الايات، الانفال " 8 " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب 25. حمعسق " 42 " ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير 27.

[ 282 ]

الزخرف: " 43 " أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوه الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون * ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون * وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين 32 - 35 تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في الآية الاولى: حذرهم الله من هذه الفتنة، و أمرهم أن يتقوها، وكأنه قال: اتقوا فتنة لا تقربوها فتصيبكم، فإن قوله: " لا تصيبن " نهي مسوق على الامر، ولفظ النهي واقع على الفتنة، وهو في المعنى للمأمورين بالاتقاء، كقوله: " لا تموتن إلا وأنتم مسلمون " (1) واختلف في معنى الفتنة ههنا فقيل: هي العذاب، أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب، والخطاب لاصحاب النبي صلى الله عليه وآله خاصة، وقيل: هي البلية التي يظهر باطن أمر الانسان فيها. عن الحسن قال: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير، قال: وقد قال الزبير: لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها فخالفنا حتى أصابتنا خاصة. وقيل: نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا. عن السدي: وقيل: هي الضلالة وافتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضا. وقيل: هي الهرج الذي يركب الناس فيه بالظلم ويدخل ضرره على كل أحد. ثم اختلف في إصابة هذه الفتنة على قولين: أحدهما أنها جارية على العموم فتصيب الظالم وغير الظالم، أما الظالمون فمعذبون، وأما المؤمنون فممتحنون ممحصون. عن ابن عباس: وروي أنه سئل عنها فقال: أبهموا ما أبهم الله. والثاني أنها تخص الظالم، لان الغرض منع الناس عن الظلم، وتقديره: واتقوا عذابا يصيب الظلمة خاصة، وتقويه قراءة من قرأ " لتصيبن " باللام. وقيل: إن " لا " في قوله: " لا تصيبن " زائدة، ويجوز أن يقال: إن الالف في " لا " لاشباع الفتحة. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ": وأوقعنا


(1) البقرة: 132.

[ 283 ]

بينهم التفاوت في الرزق وغيره " ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم فيحصل بينهم تألف ونظام ينتظم بذلك نظام العالم، لا لكمال في الموسع، ولا لنقص في المقتر " ولولا أن يكون الناس امة واحدة " ولولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه. 1 - ع، ن: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن الهروي، عن الرضا عليه السلام قال: قلت له: لاي علة أغرق الله عزوجل الدنيا كلها في زمن نوح عليه السلام وفيهم الاطفال وفيهم من لا ذنب له ؟ فقال عليه السلام: ما كان فيهم الاطفال، لان الله عزوجل أعقم أصلاب قوم نوح عليه السلام وأرحام نسائهم أربعين عاما، فانقطع نسلهم فغرقوا ولا طفل فيهم، وما كان الله عزوجل ليهلك بعذابه من لا ذنب له، وأما الباقون من قوم نوح عليه السلام فاغرقوا لتكذيبهم لنبي الله نوح عليه السلام، وسائرهم أغرقوا برضاهم بتكذيب المكذبين، ومن غاب من أمر (1) فرضي به كان كمن شهده وأتاه. " ص 22 ص 231 " 2 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير، (2) عن أبيه قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أرأيت نوحا عليه السلام حين دعا على قومه فقال: " رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " ؟ قال عليه السلام: علم أنه لا ينجب من بينهم أحد. قال: قلت: وكيف علم ذلك ؟ قال: أوحى الله إليه " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " فعند هذا دعا عليهم بهذا الدعاء.: ص 22 " 3 - ع: طاهر بن محمد بن يونس، عن محمد بن عثمان الهروي، عن الحسن بن مهاجر، عن هشام بن خالد، عن الحسن بن يحيى، عن صدقة بن عبد الله، عن هشام، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله: عن جبرئيل عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت عن شئ أنا فاعله ما ترددت (3) في قبض نفس المؤمن، يكره


(1) في المصدر: عن امر. م (2) بفتح السين وكسر الدال المهملتين - وزان شريف - هو حنان بن سدير بن حكيم بن صهيب، أبو الفضل الصيرفى، كوفى من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام، واقفى كما في (فهرست)، واختلف الاصحاب في توثيقه وتضعيفه. (3) في نسخة: كترددى.

[ 284 ]

الموت وأكره مساءته ولابد منه ; وما يتقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ; ولا يزال عبدي يبتهل إلي (1) حتى أحبه، ومن أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا و موئلا، (2) إن دعاني أجبته، وإن سأني أعطيته ; وإن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالفقر، ولو أغنيته لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ولو أفقرته لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالسقم، ولو صححت جسمه لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالقسم ولو صححته جسمه لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالصحة ولو أسقمته لافسده ذلك ; إني ادبر عبادي بعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير. " ص 15 - 16 " بيان: قال الشيخ البهائي قدس الله روحه: ما تضمنه هذا الحديث من نسبة التردد إليه سبحانه يحتاج إلى التأويل وفيه وجوه: الاول أن في الكلام إضمارا، والتقدير: لو جاز علي التردد ما ترددت في شئ كترددي في وفات المؤمن. الثاني أنه لما جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقره كالصديق الوفي والخل الصفي، وأن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة كالعدو والحية والعقرب، بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردد ولا تأمل صح أن يعبر بالتردد والتأمل في مساءة الشخص من توقيره واحترامه، وبعد مهما عن إذلاله واحتقاره، فقوله سبحانه: " ما ترددت " المراد به - والله أعلم -: ليس لشئ من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية


(1) أي يدعو ويتضرع. وفى الحديث: الابتهال: تبسط يديك وذراعيك إلى السماء حين ترى أسباب البكاء. وفى حديث آخر: الابتهال: مد يده تلقاء وجهه إلى القبلة، ولا يبتهل حتى تجرى الدمعة وفى حديث آخر: الابتهال: رفع يديك تجاوز بهما رأسك. (2) الموئل: الملجأ والمنجأ.

[ 285 ]

الثالث أنه قد ورد في الحديث من طرق الخاصة والعامة أن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت، ويوحب رغبته في الانتقال إلى دار القرار، فيقل تأذيه به، ويصير راضيا بنزوله، راغبا في حصوله فأشبهت هذه المعاملة من يريد أن يولم حبيبه آلما يتعقبه نفع عظيم فهو يتردد في أنه كيف يوصل ذلك الالم إليه على وجه يقل تأذيه فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسيمة والراحة العظيمة إلى أن يتلقاه بالقبول، ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول. انتهى. أقول: قد أثبتنا الاخبار الدالة على علل اختلاف الخلق في باب الطينة والميثاق. 4 - ع: أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن أحمد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن علي الكوفي، عن محمد بن الفضيل، عن سعد بن عمر الجلاب قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إن الله عزوجل خلق الجنة طاهرة مطهرة فلا يدخلها إلا من طابت ولادته. وقال أبو عبد الله عليه السلام: طوبى لمن كانت امه عفيفة. " ص 188 " 5 - ع: بهذا الاسناد، عن محمد بن أحمد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه رفع الحديث إلى الصادق عليه السلام قال: يقول ولد الزنا: يا رب ما ذنبي ؟ فما كان لي في أمري صنع ! قال: فيناديه مناد فيقول: أنت شر الثلاثة أذنب والداك فتبت عليهما وأنت رجس، ولن يدخل الجنة إلا طاهر. " ص 188 " 6 - ثو: ابن البرقي، عن أبيه، عن جده أحمد، عن أبيه، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا خير في ولد الزنا ولا في بشره ولا في شعره ولا في لحمه ولا في دمه ولا في شئ منه ; يعني ولد الزنا. " ص 254 - 255 " سن: أبي، عن ابن فضال مثله. " ص 108 " 7 - ثو: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو كان أحد من ولد الزنا نجا نجا سائح بني


(1) كنية لسالم بن مكرم.

[ 286 ]

إسرائيل ; فقيل له: وما سائح بني إسرائيل ؟ قال: كان عابدا ; فقيل له: إن ولد الزنا لا يطيب أبدا ولا يقبل الله منه عملا ; قال: فخرج يسيح بين الجبال ويقول ما ذنبي ؟. " ص 255 " سن: في رواية أبي خديجة مثله. (1) " ص 108 - 109 " 8 - ص: الصدوق، عن جعفر بن محمد بن شاذان، عن أبيه، عن الفضل، عن محمد ابن زياد، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال عزيز: (2) يا رب إني نظرت في جميع امورك وإحكامها فعرفت عدلك بعقلي، وبقي باب لم أعرفه: إنك تسخط على أهل البلية فتعمهم بعذابك وفيهم الاطفال ! فأمره الله تعالى أن يخرج إلى البرية وكان الحر شديدا، فرأى شجرة فاستظل بها ونام، فجاءت نملة فقرصته فدلك الارض برجله فقتل من النمل كثيرا، فعرف أنه مثل ضرب، فقيل له: يا عزيز إن القوم إذا استحقوا عذابي قدرت نزوله عند انقضاء آجال الاطفال فماتوا اولئك بآجالهم وهلك هؤلاء بعذابي. بيان: القرص: أخذك لحم إنسان بإصبعك حتى تؤلمه، ولسع البراغيث، والقبض والقطع ; كذا ذكره الفيروز آبادي. أقول: لعله تعالى إنما أراه قصة النمل لبيان أن الحكمة قد تقتضي تعميم البلية والانتقام لرعاية المصالح العامة، وحاصل الجواب إن الله تعالى كما أنه يميت الاطفال متفرقا إما لمصلحتهم أو لمصلحة آبائهم أو لمصلحة النظام الكلي كذلك قد يقدر موتهم جميعا في وقت واحد لبعض تلك المصالح، وليس ذلك على جهة الغضب عليهم، بل هي رحمة لهم لعلمه تعالى بأنهم يصيرون بعد بلوغهم كفارا، أو يعوضهم في الآخرة ويميتهم لردع سائر الخلق عن الاجتراء على مساخط الله، أو غير ذلك ؟ مع أنه ليس


(1) وفى المحاسن: ان كان احد من اولاد الزنا نجا لنجا اه‍ وهذا احسن لمكان " إن " وفاقا لمذاهب العدلية. (2) بتقديم الزاى المعجمة على الراء وزان (رجيل) نبى من أنبياء بنى إسرائيل، وهو الذى قال بنو اسرائيل فيه: (عزيز ابن الله ! !) بعد ما كتب التوراة عن ظهر قلبه. وسيأتى ذكره وقصته في كتاب النبوة.

[ 287 ]

يجب على الله تعالى إبقاء الخلق أبدا، فكل مصلحة تقتضي موتهم في كبرهم يمكن جريانها في موتهم عند صغرهم والله تعالى يعلم. 9 - سن: الحجال، عن حماد بن عثمان، عن معمر بن يحيى، عن أبي خالد الكابلي، أنه سمع علي بن الحسين عليه السلام يقول: لا يدخل الجنة إلا من خلص من آدم. " ص 139 " 10 - سن: القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن ضريس الوابشي، (1) عن سدير قال: قال أبو جعفر عليه السلام: من طهرت ولادته دخل الجنة. " ص 139 " 11 - سن: القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خلق الله الجنة طاهرة مطهرة لا يدخلها إلا من طابت ولادته. " ص 139 " 12 - سن: أبي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن حر، عن أبي بكر (2) قال: كنا عنده ومعنا عبد الله بن عجلان، فقال عبد الله بن عجلان: معنا رجل يعرف ما نعرف ويقال: إنه ولد زناء، فقال: ما تقول ؟ فقلت: إن ذلك ليقال له ; فقال: إن كان ذلك كذلك بني له بيت في النار من صدر، يرد عنه وهج جهنم (3) ويؤتى برزقه. " ص 149 " بيان: من صدر أي يبنى له ذلك في صدر جهنم وأعلاه، والظاهر أنه مصحف (صبر) بالتحريك وهو الجمد. 13 - سن: أبي، عن حمزة بن عبد الله، عن هاشم أبي سعيد الانصاري، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن نوحا حمل في السفينة الكلب والخنزير، ولم يحمل فيها ولد الزنا، وإن الناصب شر من ولد الزنا. " 175 " 14 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان، عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن ولد الزنا يستعمل، إن عمل خيرا جزي به، وإن عمل شرا جزي به. بيان: هذا الخبر موافق لما هو المشهور بين الامامية من أن ولد الزنا كسائر الناس


(1) ضريس وزان " زبير " ولم نجد في التراجم ما يدل على مدحه أو ذمه. (2) لعله عبد الله بن محمد الحضرمي، وضمير " عنده " يرجع إلى الصادق عليه السلام. (3) الوهج: اتقاد النار.

[ 288 ]

مكلف بأصول الدين وفروعه، ويجري عليه أحكام المسلمين مع إظهار الاسلام، ويثاب على الطاعات ويعاقب على المعاصي. ونسب إلى الصدوق والسيد المرتضى وابن إدريس رحمهم الله القول بكفره وإن لم يظهره، وهذا مخالف لاصول أهل العدل إذ لم يفعل باختياره ما يستحق به العقاب فيكون عذابه جورا وظلما، والله ليس بظلام للعبيد، فأما الاخبار الواردة في ذلك فمنهم من حملها على أنه يفعل باختياره ما يكفر بسببه، فلذا حكم عليه بالكفر وأنه لا يدخل الجنة، وأما ظاهرا فلا يحكم بكفره إلا بعد ظهور ذلك منه. أقول: يمكن الجمع بين الاخبار على وجه آخر يوافق قانون العدل بأن يقال: لا يدخل ولد الزنا الجنة، لكن لا يعاقب في النار إلا بعد أن يظهر منه ما يستحقه، ومع فعل الطاعة وعدم ارتكاب ما يحبطه يثاب في النار على ذلك، ولا يلزم على الله أن يثيب الخلق في الجنة، ويدل عليه خبر عبد الله بن عجلان، ولا ينافيه خبر ابن أبي يعفور إذ ليس فيه تصريح بأن جزاءه يكون في الجنة (1) وأما العمومات الدالة على أن من يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله الله الجنة يمكن أن تكون مخصصة بتلك الاخبار، وبالجملة فهذه المسألة مما قد تحير فيه العقول، وارتاب به الفحول، والكف عن الخوض فيها أسلم، ولا نرى فيها شيئا أحسن من أن يقال: الله أعلم. (باب 13) * (الاطفال ومن لم يتم عليهم الحجة في الدنيا) * الايات، الطور " 52 " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ 21 تفسير: قال الطبرسي رحمه الله يعني بالذرية أولادهم الصغار والكبار لان الكبار يتبعون الآباء بإيمان منهم، والصغار يتبعون الآباء بإيمان من الآباء، فالولد يحكم


(1) ويمكن حملها على بيان المبالغة، وبيان أن الناجى منهم قليل، والاكثرون منهم يختارون الغى على الرشاد، والضلال على الهدى، هذا مع غض النظر عما في كثير من أسنادها من الضعف و الجهالة والارسال.

[ 289 ]

له بالاسلام تبعا لوالده والمعنى: أنا نلحق الاولاد بالآباء في الجنة والدرجة من أجل الآباء لتقر عين الآباء باجتماعهم معهم في الجنة كما كانت تقربهم في الدنيا، عن ابن عباس والضحاك وابن زيد، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنهم البالغون الحقوا بدرجة آبائهم وإن قصرت أعمالهم، تكرمة لآبائهم، وإذا قيل: كيف يلحقون بهم في الثواب ولم يستحقوه ؟ فالجواب أنهم يلحقون بهم في الجمع لا في الثواب والمرتبة. وروى زاذان (1) عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، ثم قرأ هذه الآية. وروي عن الصادق عليه السلام قال: أطفال المؤمنين يهدون إلى آبائهم يوم القيامة " وما ألتناهم من عملهم من شئ " أي لم ننقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرياتهم. 1 - فس: قوله: " والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " فإنه حدثني أبي، عن سليمان الديلمي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أطفال شيعتنا من المؤمنين تربيهم فاطمة عليهما السلام، قوله: " ألحقنا بهم ذريتهم " قال: يهدون إلى آبائهم يوم القيامة. " ص 449 " وقال علي بن إبراهيم في قوله: " وما ألتناهم من عملهم من شئ ": أي ما نقصناهم. " 650 " 2 - ل: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن علي بن إسماعيل، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة احتج الله عزوجل على خمسة: على الطفل، والذي مات بين النبيين، والذي أدرك النبي وهو لا يعقل، والابله (2) والمجنون الذي لا يعقل، والاصم والابكم ; فكل واحد منهم يحتج على الله عزوجل ; قال فيبعث الله إليهم رسولا فيؤجج لهم نارا فيقول لهم: ربكم يأمركم


(1) زاذان - بالزاى والذال المعجمتين بينهما ألف وزان (هامان) - أبو عمرة الفارسى عده الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ; وقال العلامة في خاتمة القسم الاول من خلاصته: كنيته. أبو عمر (ابو عمر خ ل). ويوجد ترجمته في ص 161 من تقريب ابن حجر، قال: زاذان أبو عمر الكندى البزاز، ويكنى أبا عبد الله أيضا، صدوق، يرسل، وفيه شيعية، من الثانية، مات سنة 72. (2) هو من ضعف عقله وعجز رأيه.

[ 290 ]

أن تثبوا فيها، فمن وثب فيها كانت عليه بردا وسلاما، ومن عصى سيق إلى النار. " ص 136 " قال الصدوق رضي الله عنه: إن قوما من أصحاب الكلام ينكرون ذلك ويقولون: إنه لا يجوز أن يكون في دار الجزاء تكليف، ودار الجزاء للمؤمنين إنما هي الجنة، و دار الجزاء للكافرين إنما هي النار، وإنما يكون هذا التكليف من الله عزوجل في غير الجنة والنار فلا يكون كلفهم في دار الجزاء ثم يصيرهم إلى الدار التي يستحقونها بطاعتهم أو معصيتهم، فلا وجه لانكار ذلك، ولا قوة إلا بالله. 3 - مع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: هل سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الاطفال ؟ فقال: قد سئل فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين. ثم قال: يا زرارة هل تدري ما قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين ؟ قلت: لا، قال: لله عزوجل فيهم المشية ; إنه إذا كان يوم القيامة أتي بالاطفال، والشيخ الكبير الذي قد أدرك السن (1) ولم يعقل من الكبر والخرف، (2) والذي مات في الفترة بين النبيين، والمجنون، والابله الذي لا يعقل فكل واحد يحتج على الله عزوجل، فيبعث الله تعالى إليهم ملكا من الملائكة ويؤجج نارا فيقول: إن ربكم يأمركم أن تثبوا فيها، فمن وثب فيها كانت عليه بردا وسلاما، ومن عصاه سيق إلى النار. كا: علي، عن أبيه، عن حماد مثله. " ف ج 1 ص 68 " 4 - غط: ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: حقيق على الله أن يدخل الضلال الجنة، فقال زرارة: كيف ذلك جعلت فداك ؟ قال: يموت الناطق ولا ينطق الصامت فيموت المرء بينهما فيدخله الله الجنة. (3) " ص 292 "


(1) في نسخة، قد أدرك النبي. (2) هو الذى فسد عقله من الكبر. (3) لانه لم تبلغه الحجة، ولم يرشد إلى المحجة. والله تعالى يقول: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ".

[ 291 ]

5 - كنز: قوله تعالى: " يطوف عليهم ولدان مخلدون " عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: الولدان أولاد أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات فيثابون عليها، ولا سيئات فيعاقبون عليها فانزلوا هذه المنزلة. 6 - وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن أطفال المشركين، فقال: خدم أهل الجنة على صورة الولدان خلقوا لخدمة أهل الجنة. 7 - يد: الحسين بن يحيى بن ضريس، عن أبيه، عن محمد بن عمارة السكري، عن إبراهيم بن عاصم، عن عبد الله بن هارون الكرخي، عن أحمد بن عبد الله بن يزيد، عن أبيه يزيد بن سلام، عن أبيه سلام بن عبيد الله، عن أخيه عبد الله بن سلام مولى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: أخبرني أيعذب الله عزوجل خلقا بلا حجة ؟ قال: معاذ الله ! قلت: فأولاد المشركين في الجنة أم في النار ؟ فقال: الله تبارك وتعالى أولى بهم إنه إذا كان يوم القيامة - وساق الحديث إلى أن قال -: فيأمر الله عزوجل نارا يقال له: الفلق، أشد شئ في نار جهنم عذابا، فتخرج من مكانها سوداء مظلمة بالسلاسل والاغلال، فيأمرها الله عزوجل أن تنفخ في وجوه الخلائق نفخة، فتنفخ فمن شدة نفختها تنقطع السماء، وتنطمس النجوم، وتجمد البحار، وتزول الجبال، وتظلم الابصار، وتضع الحوامل حملها، وتشيب الولدان من هولها يوم القيامة ; فيأمر الله تعالى أطفال المشركين أن يلقوا أنفسهم في تلك النار ; فمن سبق له في علم الله عزوجل أن يكون سعيدا ألقى نفسه فيها فكانت عليه بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم عليه السلام، ومن سبق له في علم الله تعالى أن يكون شقيا امتنع فلم يلق نفسه في النار فيأمر الله تعالى النار فتلتقطه لتركه أمر الله وامتناعه من الدخول فيها فيكون تبعا لآبائه في جهنم. (1) " ص 399 - 401 " 8 - كا: العدة، عن سهل، عن غير واحد رفعه أنه سئل عن الاطفال فقال: إذا كان يوم القيامة جمعهم الله وأجج نارا (2) وأمرهم أن يطرحوا أنفسهم فيها، فمن كان في


(1) للحديث تتمة ما نقلت بتمامها. م (2) في المصدر: واجج لهم نارا. م

[ 292 ]

علم الله عزوجل أنه سعيد رمى نفسه فيها وكانت عليه بردا وسلامة، (1) ومن كان في علمه أنه شقي امتنع فيأمر الله تعالى بهم إلى النار، فيقولون: يا ربنا تأمر بنا إلى النار ولم يجر علينا القلم ؟ فيقول الجبار: قد أمرتكم مشافهة فلم تطيعوني فكيف لو أرسلت رسلي بالغيب إليكم ؟ " ف ج 1 ص 68 " 9 - وفي حديث آخر أما أطفال المؤمنين فإنهم يلحقون بآبائهم، وأولاد المشركين يلحقون بآبائهم وهو قول الله عزوجل: " بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ". " ف ج 1 ص 68 " 10 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الولدان، فقال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الولدان والاطفال فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين. " ف ج 1 ص 68 " 11 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول: في الاطفال الذين ماتوا قبل أن يبلغوا ؟ فقال: سئل عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم أقبل علي فقال: يا زرارة هل تدري ما عنى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: قلت: لا، فقال: إنما عنى: كفوا عنهم ولا تقولوا فيهم شيئا وردوا علمهم إلى الله. " ف ج 1 ص 68 " 12 - كا: العدة، عن سهل، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " قال: فقال: قصرت الابناء عن عمل الآباء (2) فالحقوا الابناء بالآباء لتقر بذلك أعينهم. " ف ج 1 ص 68 " 13 - يه: عن أبي بكر الحضرمي، عنه عليه السلام مثله. " ص 439 " 14 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه


(1) في المصدر: وسلاما. م (2) في المصدر: على عمل الاباء. م

[ 293 ]

سئل عمن مات في الفترة (1) وعمن لم يدرك الحنث (2) والمعتوه (3) فقال: يحتج الله عليهم يرفع لهم نارا فيقول لهم: ادخلوها، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن أبى قال: ها أنتم قد أمرتكم فعصيتموني. " ف ج 1 ص 68 " 15 - كا: بهذا الاسناد قال: ثلاثة يحتج عليهم: الابكم، والطفل، ومن مات في الفترة، فيرفع لهم نار فيقال لهم: ادخلوها، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن أبى قال تبارك وتعالى: هذا قد أمرتكم فعصيتموني. " ف ج 1 ص 68 " 16 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تزوجوا الحسناء الجميلة العاقرة (4) فإني أباهي بكم الامم يوم القيامة، أو ما علمت أن الولدان تحت عرش الرحمن يستغفرون لآبائهم، يحضنهم إبراهيم، وتربيهم سارة عليهما السلام في جبل من مسك وعنبر وزعفران ؟. 17 - يه: في الصحيح روى أبو زكريا، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا مات طفل من أطفال المؤمنين نادى مناد في ملكوت السماوات والارض: ألا إن فلان بن فلان قد مات، فإن كان مات والداه أو أحدهما أو بعض أهل بيته من المؤمنين دفع إليه يغذوه، وإلا دفع إلى فاطمة عليها السلام تغذوه حتى يقدم أبواه أو أحدهما أو بعض أهل بيته فتدفعه إليه. " ص 439 " 18 - يه: في الصحيح عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى يدفع إلى إبراهيم وسارة أطفال المؤمنين يغذوانهم بشجرة في الجنة لها أخلاف (5) كأخلاف البقر في قصر من الدر، (6) فإذا كان يوم


(1) أي في زمان انقطعاع الرسل وعدم تيسر الوصول إلى الحجة. (2) أي البلوغ والادراك. (3) المعتوه: من نقص عقله. ويقال أيضا: لمن دهش من غير مس جنون. وفى الحديث اريد به المعنى الاول. (4) أي المرءة التى حبس رحمها فلم تلد. (5) جمع (خلف) بكسر الخاء وسكون اللام: حلمة ضرع الناقة. (6) في المصدر: من درة. م

[ 294 ]

القيامة ألبسوا وأطيبوا واهدوا إلى آبائهم، فهم ملوك في الجنة مع آبائهم، وهو قول الله تعالى: " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ". " ص 439 " بيان: يمكن الجمع بين الخبرين بأن بعضهم تربيه فاطمة عليها السلام، وبعضهم إبراهيم وسارة عليهما السلام على اختلاف مراتب آبائهم، أو تدفعه فاطمة عليها السلام إليهما. (1) 19 - وروى الشيخ حسن بن سليمان في كتاب المختصر (2) نقلا من كتاب المعراج للشيخ الصالح أبي محمد الحسن بإسناده عن الصدوق، عن أبيه، عن محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن محمد بن عبد الله بن مهران، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك، عن الباقر عليه السلام قال: لما صعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء وانتهى إلى السماء السابعة ولقى الانبياء عليهم السلام قال: أين أبي إبراهيم عليه السلام ؟ قالوا له: هو مع أطفال شيعة علي ; فدخل الجنة فإذا هو تحت شجرة لها ضروع كضروع البقر، فإذا انفلت الضرع من فم الصبي قام إبراهيم فرد عليه ; قال: فسلم عليه فسأله عن علي عليه السلام فقال: خلفته في أمتي، قال: نعم الخليفة خلفت، أما إن الله فرض على الملائكة طاعته، وهؤلاء أطفال شيعته، سألت الله أن يجعلني القائم عليهم ففعل، وإن الصبي ليجرع الجرعة فيجد طعم ثمار الجنة وأنهارها في تلك الجرعة. 20 - يه: في الصحيح سأل جميل بن دراج أبا عبد الله عليه السلام عن أطفال الانبياء، فقال: ليسوا كأطفال الناس ; وسأله عن إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله: لو بقي كان صديقا نبيا ؟ قال: لو بقى كان على منهاج أبيه صلى الله عليه وآله. " ص 439 " بيان: أي كان مؤمنا موحدا تابعا لابيه لا نبيا. 21 - يه: روى وهب بن وهب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: قال على عليه السلام: أولاد المشركين مع آبائهم في النار، وأولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة. " ص 439 "


(1) ليس في نظام الجنة تزاحم كما هو في الدنيا، والكتاب والسنة ناطقان بذلك فلا منافاة بين تربية فاطمة عليها السلام لاطفال المؤمنين في الجنة وتربية إبراهيم وسارة عليهما السلام لهم حتى يحتاج إلى الجمع بين الروايات. ط (2) أي المختصر من بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله.

[ 295 ]

22 يه: في الصحيح روى جعفر بن بشير، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث ; قال: كفار، والله أعلم بما كانوا عاملين، يدخلون مداخل آبائهم. وقال عليه السلام: يؤجج (1) لهم نارا فيقال لهم: ادخلوها، فإن دخلوها كانت عليهم بردا وسلاما، وإن أبوا قال لهم الله عزوجل: هوذا أنا قد أمرتكم فعصيتموني ; فيأمر الله عزوجل بهم إلى النار. " ص 440 " بيان: قال الصدوق رحمه الله - بعد إيراد تلك الاخبار -: هذه الاخبار متفقة وليست بمختلفة، وأطفال المشركين والكفار مع آبائهم في النار لا تصيبهم من حرها لتكون الحجة أوكد عليهم متى امروا يوم القيامة بدخول نار تؤجج لهم مع ضمان السلامة متى لم يثقوا به ولم يصدقوا وعده في شئ قد شاهدوا مثله. أقول: جمع الصدوق بينهما بحمل ما دل على إطلاق دخولهم النار على نار البرزخ، وقال: لا يصييهم حرها حينئذ، ورأى أن فائدة ذلك توكيد الحجة عليهم في التكليف بدخول نار تؤجج لهم في القيامة. ويمكن أن يقال: لعل الله تعالى يعلم أن كل أولاد الكفار الذين يموتون قبل الحلم لا يدخلون النار يوم القيامة بعد التكليف، فلذا قال: الله أعلم بما كانوا عاملين أي في القيامة بعد التكليف، ولذا جعلهم من أولادهم، ويمكن أيضا أن يحمل قوله عليه السلام: كفار على أنه يجري عليهم في الدنيا أحكام الكفار بالتبعية في النجاسة وعدم التغسيل، والتكفين، والصلاة، والتوارث، وغير ذلك ; ويخص دخولهم النار ودخولهم مداخل آبائهم بمن لم يدخل منهم نار التكليف، والاظهر حملها على التقية لموافقتها لروايات المخالفين وأقوال أكثرهم، قال النووي في شرح صحيح المسلم: اختلف العلماء فيمن مات من أطفال المشركين فمنهم من يقول: هم تبع لآبائهم في النار، ومنهم من يتوقف فيهم، والثالث - وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون - أنهم من أهل الجنة واستدلوا بأشياء: منها حديث إبراهيم الخليل حين رآه النبي صلى الله عليه وآله وحوله أولاد الناس ; قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين ؟ قال: وأولاد المشركين. رواه البخاري في صحيحه.


(1) في المصدر: وقال على عليه السلام تؤجج. الخبر ; والظاهر يؤجج.

[ 296 ]

ومنها قوله تعالى: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " (1) ولا يتوجه على المولود التكليف حتى يبلغ فيلزم الحجة انتهى. وروى الحسين بن مسعود البغوي في شرح السنة بإسناده عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن أطفال المشركين، قال: الله أعلم بما كانوا فاعلين. وقال: هذا حديث متفق على صحته. وروي بإسناد آخر عن صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من يولد يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها جدعاء (2) حتى تكونوا أنتم تجدعونها ؟ قالوا: يارسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير ؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. ثم قال: هذا حديث متفق على صحته. ثم قال في شرح الخبر: قلت: أطفال المشركين لا يحكم لهم بجنة ولا نار، بل أمرهم موكول إلى علم الله فيهم، كما أفتى به الرسول صلى الله عليه وآله، وجملة الامر أن مرجع العباد في المعاد إلى ما سبق لهم في علم الله من السعادة والشقاوة. وقيل: حكم أطفال المؤمنين والمشركين حكم آبائهم وهو المراد بقوله: الله أعلم بما كانوا عاملين، يدل عليه ما روي مفسرا عن عايشة أنها قالت: قلت يارسول الله ذراري المؤمنين ؟ قال: من آبائهم، فقلت: يا رسول الله بلا عمل ؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، قلت: فذراري المشركين ؟ قال: من آبائهم، قلت: بلا عمل ؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. وقال معمر، عن قتادة، عن الحسن: إن سلمان قال: أولاد المشركين خدم أهل الجنة، قال الحسن: أتعجبون ؟ أكرمهم الله وأكرمهم به. انتهى. أقول: فظهر أن تلك الروايات موافقة لما رواه المخالفون في طرقهم، وقد أولها أئمتنا عليهم السلام بما مر في الاخبار السابقة. ثم أعلم أنه لا خلاف بين أصحابنا في أن أطفال المؤمنين يدخلون الجنة، وذهب المتكلمون منا إلى أطفال الكفار لا يدخلون النار


(1) اسرى: 15. (2) أي مقطوغ الاذن وناقص الاعضاء. وفى نسخة ؟ المصنف: من جدعاء.

[ 297 ]

فهم إما يدخلون الجنة، أو يسكنون الاعراف ; وذهب أكثر المحدثين منا إلى ما دلت عليه الاخبار الصحيحة من تكليفهم في القيامة بدخول النار المؤججة لهم ; قال المحقق الطوسي رحمه الله في التجريد: تعذيب غير المكلف قبيح، وكلام نوح عليه السلام مجاز والخدمة ليست عقوبة له، والتبعية في بعض الاحكام جائزة. وقال العلامة قدس الله روحه في شرحه: ذهب بعض الحشوية إلى أن الله تعالى يعذب أطفال المشركين ويلزم الاشاعرة تجويزه، والعدلية كافة على منعه، والدليل عليه أنه قبيح عقلا فلا يصدر منه تعالى، احتجوا بوجوه: الاول قول نوح عليه السلام: " ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " والجواب أنه مجاز والتقدير أنهم يصيرون كذلك لا حال طفوليتهم. الثاني: قالوا: إنا نستخدمه لاجل كفر أبيه فقد فعلنا فيه ألما وعقوبة فلا يكون قبيحا. والجواب: أن الخدمة ليست عقوبة للطفل، وليس كل ألم عقوبة، فإن الفصد والحجامة ألمان وليسا عقوبة، نعم استخدامه عقوبة لابيه وامتحان له يعوض عليه كما يعوض على إمراضه. الثالث: قالوا: إن حكم الطفل يتبع حكم أبيه في الدفن، ومنع التوارث، و الصلاة عليه، ومنع التزويج. والجواب: أن المنكر عقابه لاجل جرم أبيه، وليس بمنكر أن أن يتبع حكم أبيه في بعض الاشياء، إذا لم يجعل له بها ألم وعقوبة، ولا ألم له في منعه من الدفن والتوارث وترك الصلاة عليه.

[ 298 ]

(باب 14) * (من رفع عنه القلم، ونفى الحرج في الدين، وشرائط صحة التكليف) * * (وما يعذر فيه الجاهل وأنه يلزم على الله التعريف) * الايات، البقرة " 2 " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي 256. " وقال تعالى ": لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا 286. الانعام " 6 " قد جائكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ 104. الانعام " 6 " الاعراف " 7 " لا نكلف نفسا إلا وسعها 154، 47. الانفال " 8 " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم 42. التوبة " 9 " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هديهم حتى يبيين لهم ما يتقون 115. النحل " 16 " وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهديكم أجمعين 9. الاسرى " 17 " من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا 15. طه " 20 " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى 134. الحج " 22 " وما جعل عليكم في الدين من حرج 78. النور " 24 " كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم 58 " وقال ": كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم 59.

[ 299 ]

الشعراء " 26 " وما أهلكنا من قرية إلا ولها منذرون * ذكرى وما كنا ظالمين 108 - 109. القصص " 28 " ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين 46 " وقال تعالى ": وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في امها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون 59. الاحزاب " 33 " وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم 5. الطلاق " 65 " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتيها 7. تفسير: " لا إكراه في الدين " قيل: هو منسوخ بآيات الجهاد. وقيل: خاص بأهل الكتاب. وقيل: الاكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا ; ولكن " قد تبين الرشد من الغي " أي تميز الايمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الايمان يوصل إلى السعادة، والكفر يوصل إلى الشقاوة، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الايمان من غير إلجاء وإكراه " إلا وسعها " أي ما يسعه قدرتها، أو ما دون مدى طاقتها، بحيث يتسع فيه طوقها كقوله تعالى: " يريد الله بكم اليسر ". " إن نسينا أو أخطأنا " أي لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ من تفريط وقلة مبالاة، أو يكون سؤالا على سبيل التضرع والاستكانة، وإن كان ما يسأله لازما على الله تعالى، أو المراد بنسينا تركنا، وبأخطأنا أذنبنا. " إصرا " اي عبئا ثقيلا يأصر صاحبه أي يحبسه في مكانه، يريد به التكاليف الشاقة. " مالا طاقة لنا به " أي من البلايا والعقوبة أو ما يثقل علينا تحمله من التكاليف الشاقة، وقد يقول الرجل لامر يصعب عليه: إني لا اطيقه ; أو يكون الدعاء على سبيل التعبد كما مر. " ليهلك من هلك عن بينة " أي ليموت من يموت عن بينة عاينها، يعيش من يعيش عن حجة شاهدها، لئلا يكون له حجة ومعذرة ; أو ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة، على استعارة الهلاك والحياة للكفر والاسلام، المراد بمن

[ 300 ]

هلك ومن حي المشارف للهلاك والحياة، أو من هذا حاله في علم الله وقضائه. " وما كان الله ليضل قوما " أي ليسميهم ضلالا، أو يؤاخذهم مؤاخذتهم ويعذبهم ويضلهم عن سبيل الجنة. قوله تعالى: وعلى الله قصد السبيل أي يجب على الله في عدله بيان الطريق المستقيم " ومنها جائر " أي من السبيل ما هو عادل عن الحق. قوله تعالى: " لولا أن تصيبهم مصيبة " لولا الاولى امتناعية، ولولا الثانية تحضيضية، وجواب الاولى محذوف، أي ما أرسلناك. قوله تعالى: في امها أي في أصلها ومعظمها فإن الاشراف غالبا يسكنون المدن. " إلا ما آتيها " أي إلا بقدر ما أعطاها من الطاقة. 1 - ب: هارون، عن ابن زياد، عن جعفر، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: مما أعطى الله امتي وفضلهم به على سائر الامم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلا نبي، وذلك أن الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبيا قال له اجتهد في دينك ولا حرج عليك. وإن الله تبارك وتعالى أعطى ذلك امتي حيث يقول ; " وما جعل عليكم في الدين من حرج " يقول: من ضيق. الخبر. " ص 41 " 2 - ب: البزاز، عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: لا غلظ على مسلم في شئ. (1) " ص 63 " 3 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن موسى بن بكر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يغمى عليه اليوم و اليومين والثلاثة والاربعة وأكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته ؟ فقال: ألا أخبرك بما يجمع لك هذا وأشباهه، كلما غلب الله عزوجل عليه من أمر فالله أعذر لعبده. وزاد فيه غيره: إن أبا عبد الله عليه السلام قال: وهذا من الابواب التي يفتح كل باب منها ألف باب. " ص 174 " 4 - سن: علي بن الحكم، عن أبان الاحمر، عن حمزة الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: اكتب، وأملى: أن من قولنا: إن الله يحتج على العباد بالذي


(1) كذا في نسخة المصنف بخطه الشريف ; وفى المصدر وكذا في بعض نسخ البحار: " لا غلط " أي ليس فيما لم يعرف وجه الصواب فيه على المسلم مؤاخذة، أو حكم إلزامى.

[ 301 ]

آتاهم وعرفهم، ثم أرسل إليهم رسولا وأنزل عليه الكتاب، وأمر فيه ونهى، أمر فيه بالصلاة والصوم فنام رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصلاة فقال: أنا انيمك وأنا أوقظك، فإذا قمت فصل ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون ليس كما يقولون: إذا نام عنها هلك ; وكذلك الصيام أنا امرضك وأنا أصحك، فإذا شفيتك فاقضه. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: وكذلك إذا نظرت في جميع الاشياء لم تجد أحدا (1) إلا ولله عليه حجة وله فيه المشية، ولا أقول: إنهم ما شاؤوا صنعوا. ثم قال: إن الله يهدي ويضل، وقال: ما امروا إلا بدون سعتهم، وكل شئ امر الناس به فهم يسعون له، وكل شئ لا يسعون له فموضوع عنهم ولكن الناس لا خير فيهم، ثم تلا: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج " فوضع (2) عنهم " ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم " قال: فوضع عنهم لانهم لا يجدون ما ينفقون، وقال: " إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ". " ص 236 - 237 " شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام مثله. 5 - سن: محمد بن علي، عن حكم بن مسكين الثقفي، عن النضر بن قرواش قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنما احتج الله على العباد بما آتاهم وعرفهم. " ص 236 " سن: بعض أصحابنا، عن ابن أسباط، عن حكم بن مسكين مثله. " ص 275 - 276 " 6 - سن: أبي، عن صفوان، عن منصور بن حازم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الناس مأمورون ومنهيون ومن كان له عذر عذره الله. (3) " ص 245 7 - سن: ابن فضال، عن ثعلبة، عن حمزة بن الطيار ; وحدثنا أبي، عن فضالة عن أبان الاحمر، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " ما كان الله ليضل قوما بعد إذ هديهم حتى يبين لهم ما يتقون " قال: حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه، وقال: " فألهمها


(1) في المصدر: في ضيق ولم تجد احدا. م (2) ليست في المصدر جملة " فوضع عنهم " إلى " غفور رحيم ". م (3) أي قبل عذره ورفع عنه اللوم والذنب.

[ 302 ]

فجورها وتقويها " قال: بين لها ما تأتي وما تترك ؟ وقال: " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " قال: عرفناه فإما أخذ وإما ترك. (1) وسألته عن قول الله: " يحول بين المرء وقلبه " قال: يشتهي سمعه وبصره ولسانه ويده وقلبه ; أما إنه هو عسى (2) شئ مما يشتهي فإنه لا يأتيه إلا وقلبه منكر، لا يقبل الذي يأتي، يعرف أن الحق غيره. وعن قوله: " فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " قال: نهاهم عن فعلهم فاستحبوا العمى على الهدى وهم يعرفون. " ص 276 " 8 - سن: ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " إنا هدينا السبيل إما شاكرا وإما كفورا " قال: علمه السبيل فإما آخذ فهو شاكر، وإما تارك فهو كافر. " ص 276 " 9 - سن: ابن يزيد، عن رجل، عن الحكم بن مسكين، عن أيوب بن الحر بياع الهروي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أيوب ما من أحد إلا وقد يرد (3) عليه الحق حتى يصدع، قبله أم تركه، وذلك أن الله يقول في كتابه: " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ". " ص 26 " بيان: الصدع الاظهار والتبيين، وقال البيضاوي في قوله: " فيدمغه " أي فيمحقه وإنما استعار لذلك القذف وهو الرمي البعيد المستلزم لصلابة المرمي، والدمغ الذي هو كسر الدماغ بحيث يشق غشاؤه المؤدي إلى زهوق الروح تصويرا لابطاله، ومبالغة فيه " فإذا هو زاهق " هالك، والزهوق: ذهاب الروح، وذكره لترشيح المجاز. 10 - سن: أبي ؟ عن يونس، عن حماد بن عثمان، عن عبد الاعلى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة ؟ قال: لا ; قلت: فهل كلفوا المعرفة ؟ قال: لا إن على الله البيان، لا يكلف الله العباد إلا وسعها. ولا يكلف نفسا إلا ما آتاها. " ص 276 - 277 "


(1) في نسخة: فأما آخذ وإما تارك. (2) في المصدر: اما انه هو غشى شيئا. (3) في المصدر: برز.

[ 303 ]

11 - سن: عدة من أصحابنا، عن علي بن أسباط، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى ليمن على قوم وما فيهم خير فيحتج الله عليهم فيلزمهم الحجة. " ص 277 " 12 - سن: ابن محبوب، عن سيف بن عميرة، وعبد العزيز العبدي، وعبد الله ابن أبي يعقور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أبى الله أن يعرف باطلا حقا، أبى الله أن يجعل الحق في قلب المؤمن باطلا، لا شك فيه، وأبى الله أن يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقا، لا شك فيه، ولو لم يجعل هذا هكذا ما عرف حق من باطل. " ص 277 " 13 - ل: الحسن بن محمد السكوني، عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن إبراهيم ابن أبي معاوية، عن أبيه، عن الاعمش، عن ابن ظبيان قال، أتي عمر بامرأة مجنونة قد فجرت، فأمر برجمها، فمروا بها على علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: ما هذه ؟ قالوا: مجنونة فجرت فأمر بها عمر أن ترجم ; قال: لا تعجلوا، فأتى عمر فقال له: أما علمت أن القلم رفع عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حيت يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ ؟. " ج 1 ص 46 " 14 - يد، ل: العطار، عن سعد، عن ابن يزيد، عن حماد، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رفع عن امتي تسعة. الخطاء، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة. " ص 364 " " ج 2 ص 44 " بيان: المراد بالرفع في أكثرها رفع المؤاخذة والعقاب، وفي بعضها يحتمل رفع التأثير، وفي بعضها النهي أيضا، فأما اختصاص رفع الخطاء والنسيان بهذه الامة فلعله لكون سائر الامم مؤاخذين بهما إذا كان مباديهما باختيارهم، على أنه يحتمل أن يكون المراد اختصاص المجموع، فلا ينافي اشتراك البعض. وأما ما اكرهوا عليه فلعله كان يلزمهم تحمل المشاق العظيمة فيما اكرهوا عليه، وقد وسع الله على هذه الامة بتوسيع دائرة التقية. وأما ما لا يعلمون فرفع

[ 304 ]

كثير منها ظاهر كالصلاة في الثوب والمكان المغصوبين والثوب النجس، والسجود على الموضع النجس، وجهل الحكم في كثير من المسائل، والجهل بالاحكام التي لم تصل إلينا، ولعل سائر الامم كانوا يؤاخذون بالقضاء والاعادة، واللفظ وإن كان عاما لكنه مختص بالاجماع بالموارد الخاصة. وأما ما لا يطيقون فقد مر بيانه. وأما الطيرة - بكسر الطاء وفتح الياء وسكونها، وهو ما يتشاءم به من الفال الردي - فيمكن أن يكون المراد برفعها النهي عنها، بأن لا تكون منهيا عنها في الامم السالفة، ويحتمل أن يكون المراد تأثيرها، أو حرمة تأثر النفس بها والاعتناء بشأنها، والاخير أظهر، وسيأتي بيانها. وكذا الحسد يحتمل الوجهين الاولين وثالثا وهو عدم حرمة ما لا يظهر من الحسد، وهو أظهر كما ورد في الاخبار ; إلا أن المؤمن لا يظهر الحسد. وأما التفكر في الوسوسة في الخلق ويحتمل أن يكون المعنى التفكر فيما يوسوس الشيطان في القلب في الخالق ومبدئه وكيفية خلقه فإنها معفو عنها ما لم يعتقد خلاف الحق، وما لم ينطق بالكفر الذي يخطر بباله، أو المراد التفكر في خلق الاعمال ومسألة القضاء والقدر ; أو المراد التفكر فيما يوسوس الشيطان في النفس من أحوال المخلوقين وسوء الظن بهم في أعمالهم وأحوالهم، ويؤيد الاخير كثير من الاخبار، وقد فصلنا القول فيه في شرح روضة الكافي. 15 - ين: فضالة، عن سيف بن عميرة، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: وضع عن هذه الامة ستة: الخطاء، والنسيان، وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا عليه. 16 - ين: عن ربعي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله عفى عن امتي ثلاثا: الخطاء، والنسيان، والاستكراه. وقال أبو عبد الله عليه السلام: وفيها رابعة: وما لا يطيقون. 17 - يد: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: وضع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

[ 305 ]

18 - ين: عن أبي الحسن قال: سألته عن الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك ؟ فقال: لا. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وضع عن امتي ما اكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطؤوا. عد: اعتقادنا في التكليف هو أن الله تعالى لم يكلف عباده إلا دون ما يطيقون كما قال الله عزوجل: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " والوسع دون الطاقة. 19 - قال الصادق عليه السلام: والله ما كلف الله العباد إلا دون ما يطيقون لانه كلفهم في كل يوم وليلة خمس صلوات، وكلفهم في السنة صيام ثلاثين يوما، وكلفهم في كل مائتي درهم خمسة دراهم، وكلفهم حجة واحدة، وهم يطيقون أكثر من ذلك. " ص 68 - 69 " 20 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن محمد بن الحسين العلوي، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى، عن عميه علي والحسين ابني موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يوحي الله عزوجل إلى الحفظة الكرام: لا تكتبوا على عبدي المؤمن عند ضجره شيئا. " ص 16 " 21 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قد بصرتم إن أبصرتم، (1) وقد هديتم إن اهتديتم، وأسمعتم إن استمعتم. 22 - وقال عليه السلام: قد أضاء الصبح لذي عينين. (2) 23 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي: بإسناده عن يحيى بن سعيد، عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنه ليس لهالك هلك من يعذره في تعمد ضلالة حسبها هدى، ولا ترك حق حسبه ضلالة. 24 - سن: أبي، عن يونس رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ليس من باطل يقوم بإزاء الحق إلا غلب الحق الباطل، وذلك قوله: " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ". " ص 277 "


(1) أي كشف الله لكم عن الخير والشر وعرفهما لكم ان استعملتم بصركم. وكذا فيما بعده. (2) أي تبين ووضح سبيل الهدى لمن كان له بصيرة في أمر الدنيا وفنائها، وبصيرة في الاخرة وبقائها.

[ 306 ]

25 - سن: النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل قوم يعملون على ريبة من أمرهم، ومشكلة من رأيهم، وزارئ منهم على من سواهم، وقد تبين الحق من ذلك بمقايسة العدل عند ذوي الالباب. " ص 277 " 26 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: في آخر البقرة لما دعوا اجيبوا: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " قال: ما افترض الله عليها " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " وكذا قوله: " لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ". 27 - شى: عن عمرو بن مروان الخزاز قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رفعت عن امتي أربع خصال: ما أخطؤوا، وما نسوا، وما اكرهوا عليه، وما لم يطيقوا ; وذلك في كتاب الله قول الله تبارك وتعالى: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به " وقول الله: " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ". 28 - شى: عن محمد بن حكيم رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته أتستطيع النفس المعرفة ؟ قال: فقال: لا، فقلت: يقول الله: " الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا " قال: هو كقوله: " وما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون " قلت: فعابهم ؟ قال: لم يعبهم بما صنع في قلوبهم، ولكن عابهم بما صنعوا ولو لم يتكلفوا لم يكن عليهم شئ. بيان: أي الغطاء والمنع عن السمع والبصر إنما ترتبت على أعمالهم السيئة، فإنما عاتبهم على أفعالهم التي صارت أسبابا لتلك الحالات ; أو المعنى أن المراد بالغطاء وعدم استطاعة السمع والبصر ما سلطوا على أنفسهم من التعصب والامتناع عن قبول الحق، لا شئ صنعه الله في قلوبهم وسمعهم وبصرهم. 29 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن عطية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنت عنده وسأله رجل عن رجل يجئ منه الشئ على حد الغضب: يؤاخذه الله

[ 307 ]

به ؟ فقال: الله أكرم من أن يستغلق عبده. وفي نسخة أبي الحسن الاول عليه السلام: يستقلق عبده. توضيح: قوله: من أن يستغلق عبده أي يكلفه ويجبره فيما لم يكن له فيه اختيار، قال الفيروز آبادي: استغلقني في بيعته: لم يجعل لي خيارا في رده. قوله: و في نسخة أبي الحسن الاول يستقلق لعله كان الحديث في بعض الاصول مرويا عن أبي الحسن عليه السلام، وفيه كان " يستقلق " بالقاف، من القلق بمعنى الانزعاج والاضطراب، و يرجع إلى الاول بتكلف. تذنيب: قال السيد المرتضى رضي الله عنه: إن سأل سائل عن قوله تعالى: " ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون " (1) كيف نفى استطاعتهم للسمع و الابصار، وأكثرهم كان يسمع باذنه ويرى بعينه ؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها أن يكون المعنى: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون، وبما كانوا يستطيعون الابصار فلا يبصرون عنادا للحق، فاسقطت الباء من الكلام، وذلك جائز، كما جاز في قولهم: لاجزينك بما عملت، ولاجزينك ما عملت ; ولاحدثنك بما عملت، ولاحدثنك ما عملت. والثاني أنهم لاستثقالهم استماع آيات الله وكراهتهم تذكرها وتدبرها وتفهمها جروا مجرى من لا يستطيع السمع كما يقول القائل: ما يستطيع فلان أن ينظر لشدة عداوته إلى فلان، وما يقدر أن يكلمه. ومعنى ما كانوا يبصرون: أن إبصارهم لم يكن نافعا لهم ولا مجديا عليهم مع الاعراض عن تأمل آيات الله تعالى وتدبرها، فلما انتفت عنهم منفعة الابصار جاز أن ينفى عنهم الابصار نفسه. والثالث أن يكون معنى نفي السمع والبصر راجعا إلى آلهتهم لا إليهم، و تقدير الكلام: اولئك وآلهتهم لم يكونوا معجزين في الارض، يضاعف لهم العذاب، ثم قال مخبرا عن الآلهة: ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، وهذا الوجه يروى عن ابن عباس، وفيه أدنى بعد. ويمكن في الآية وجه آخر وهو أن تكون " ما "


(1) هود: 20.

[ 308 ]

في قوله: " ما كانوا يستطيعون السمع " ليست للنفي بل تجري مجرى قولهم: لاواصلنك ما لاح نجم، ويكون المعنى: أن العذاب يضاعف لهم في الآخرة ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، أي أنهم معذبون ما كانوا أحياءا. وقال رحمه الله في تأويل قوله تعالى: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا " (1) قيل: المراد بنسينا تركنا، قال قطرب: معنى النسيان ههنا الترك، كما قال تعالى: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى " (2) أي ترك، ولولا ذلك لم يكن فعله معصية، وكقوله تعالى: " نسوا الله فنسيهم " (3) أي تركوا طاعته فتركهم من ثوابه ورحمته، وقد يقول الرجل لصاحبه: لا تنسني من عطيتك أي لا تتركني منها، وقد يمكن في الآية وجه آخر و هو أن يحمل النسيان على السهو وفقد العلوم، ويكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيناه فيما تقدم من السؤال على سبيل الانقطاع إلى الله والاستغاثة به وإن كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله، ويجري مجرى قوله: ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " وهذا الوجه أيضا يمكن في قوله: " أو أخطأنا " إذا كان الخطاء ما وقع سهوا أو عن غير عمد، فأما على ما يطابق الوجه الاول فقد يجوز أن يريد بالخطاء ما يفعل من المعاصي بالتأويل السيئ، وعن جهل بأنها معاص، لان من قصد شيئا على اعتقاده أنه بصفة فوقع ما هو بخلاف معتقده يقال: قد أخطأ فكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه متعمدين من غير سهو ولا تأويل، ومما أقدموا عليه مخطئين متأولين، ويمكن أيضا أن يريد بأخطأنا ههنا أذنبنا وفعلنا قبيحا، وإن كانوا له متعمدين وبه عالمين، لان جميع معاصينا لله تعالى قد يوصف كلها بأنها خطأ من حيث فارقت الصواب، وإن كان فاعلها متعمدا، وكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه من الواجبات، ومما فعلوه من المقبحات ليشتمل الكلام على جهتي الذنوب، والله أعلم بمراده.


(1) البقرة: 286. (2) طه: 115. (3) التوبه: 67.

[ 309 ]

(باب 15) * (علة خلق العباد وتكليفهم، والعلة التى من اجلها جعل الله في الدنيا) * * (اللذات والالام والمحن) * الايات، الحجر " 15 " وما خلقنا السموات والارض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية 85. الانبياء " 21 " وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين * لو أردنا أن تتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين * بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون 16 - 18. المؤمنين " 23 " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون 115. الفرقان " 25 " قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما 77. الروم " 30 " أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والارض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون 8 " وقال تعالى ": ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون 41. الاحزاب " 33 " إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا 72. ص " 38 " وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا 27. الزمر " 39 " خلق السموات والارض بالحق 5. حمعسق " 42 " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير 30.

[ 310 ]

الدخان " 44 " وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون 38 - 39. الجاثية " 45 " وخلق الله السموات والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون 22. الاحقاف " 46 " ما خلقنا السموات والارض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى 3. الذاريات " 51 " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون * ما اريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون 56 - 57. القيامة " 75 " أيحسب الانسان أن يترك سدى 36. تفسير: قال البيضاوي في قوله تعالى: " وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين ": وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار، وتذكرة لذوي الاعتبار، وتسبيبا لما ينتظم به امور العباد في المعاش والمعاد، فينبغي أن يتشبثوا بها إلى تحصيل الكمال، ولا يغتروا بزخارفها، فإنها سريعة الزوال. " لو أردنا أن نتخذ لهوا " ما يتلهى به ويلعب " لاتخذناه من لدنا " من جهة قدرتنا، أو من عندنا مما يليق بحضرتنا من المجردات لا من الاجسام المرفوعة والاجرام المبسوطة، كعادتكم في رفع السقوف وتزويقها، وتسوية الفروش وتزيينها. وقيل: اللهو: الولد بلغة اليمن. وقيل: الزوجة، والمراد الرد على النصارى. " إن كنا فاعلين " ذلك، ويدل على جوابه الجواب المتقدم. وقيل: " إن " نافية، والجملة كالنتيجة للشرطية " بل نقذف بالحق على الباطل " الذي من عداد اللهو " فيدمغه " فيمحقه " فإذا هو زاهق " هالك انتهى. (1)


(1) قال الرضى رحمه الله: وهذه استعارة لان حقيقة القذف من صفات الاشياء الثقيلة التي يرجم بها، كالحجارة وغيرها، فجعل سبحانه إيراد الحق على الباطل بمنزلة الحجر الثقيل الذى يرض ما صكه ويدمغ ما مسه، ولما بدأ تعالى بذكر قذف الحق على الباطل - وفى الاستعارة حفها وأعطاها واجبها - فقال سبحانه: " فيدمغه " ولم يقل: فيذهبه ويبطله ; لان الدمغ إنما يكون عن وقوع الاشياء الثقال على طريق الغلبة والاستعلاء، فكأن الحق أصاب دماغ الباطل فأهلكه، والدماغ مقتل، ولذلك قال سبحانه من بعد " فإذا هو زاهق " والزاهق: الهالك.

[ 311 ]

قوله تعالى: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا " استدلال على البعث بان لذات هذه الدار الفانية لا تليق بأن تكون مقصودة لخلق هذه العالم مع هذه الالآم والمشاق و المصائب المشاهدة فيها فلو لم يكن لاستحقاق دار اخرى باقية خالية عن المحن والآلام لكان الخلق عبثا ولذا قال بعده: " وأنتم إلينا لا ترجعون ". قوله تعالى: قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم " (1) أي ما يصنع بكم أولا يعتد بكم لولا دعاؤكم إلى الدين، أو لولا عبادتكم، أو لولا دعاؤكم لله عند الشدائد، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. قوله تعالى: " إنا عرضنا الامانة " قيل: هي التكليف بالاوامر والنواهي، و المعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الاجرام العظام وكانت ذا شعور و إدراك " لابين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان " مع ضعف بنيته ورخاوة قوته لا جرم فإن الراعى لها بخير الدارين " إنه كان ظلوما " حيث لم يراع حقها " جهولا " بكنه عاقبتها. وقيل: المراد الطاعة التي تعم الاختيارية والطبيعية، وعرضها: استدعاؤها الذى يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره، وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها. والظلم والجهالة: الخيانة والتقصير. وقيل: إنه تعالى لما خلق هذه الاجرام خلق فيها فهما وقال لها: إني فرضت فريضة ونارا لمن عصاني، فقلن: نحن مسخرات على ما خلقنا لا نحتمل فريضة، ولا نبغي ثوابا ولا عقابا ; ولما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله، وكان ظلوما لنفسه بتحمل ما يشق عليها، جهولا بوخاومة عاقبته وقيل: المراد بالامانة العقل أو التكليف، وبعرضها عليهن اعتبارها بالاضافة إلى استعدادهن، وبإبائهن الاباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد وبحمل الانسان قابليته واستعداده لها، وكونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة


(1) قال الراغب في مفرداته: ما عبأت به أي لم ابال به، وأصله من العبء أي الثقل، كأنه قال: ما أرى له وزنا وقدرا، قال: " قل ما يعبؤ بكم ربى " وقيل: أصله من عبأت الطيب، كانه قيل: ما يبقيكم لولا دعاؤكم.

[ 312 ]

الغضبية والشهوية، (1) وقد ورد في بعض الروايات أن المراد بها الخلافة والمراد بالانسان أبو بكر، وسيأتى شرحها في أبواب الآيات النازلة في أمير المؤمنين عليه السلام. 1 - ع: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيد الله، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن عبد الكريم بن عبيد الله، عن سلمة بن عطا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج الحسين بن علي عليهما السلام على أصحابه فقال: أيها الناس ! إن الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه فقال له رجل: يابن رسول الله بأبي أنت وامي فما معرفة الله ؟ قال: معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته. " ص 14 " قال الصدوق رحمه الله: يعني بذلك أن يعلم أهل كل زمان أن الله هو الذي لا يخليهم في كل زمان من إمام معصوم، فمن عبد ربا لم يقم لهم الحجة فإنما عبد غير الله عزوجل. بيان: يحتمل أن يكون المراد أن معرفة الله تعالى إنما ينفع مع سائر العقائد التي منها معرفة الامام، أو أن معرفة الله إنما يحصل من معرفة الامام، إذ هو السبيل إلى معرفته تعالى.


(1) وقيل: المراد بذلك أهل السماوات والارض والجبال فحذف لفظ الاهل اختصارا له لدلالة الكلام عليه، ولما حذف الاهل أجرى الفعل على لفظ السماوات والارض والجبال فقيل: " فابين أن يحملنها وأشفقن منها " كقوله تعالى: " ونجيناه من القرية التى كانت تعمل الخبائث " أي من أهل القرية، فلما حذف الاهل أجرى الفعل على القرية فقيل: " كانت تعمل الخبائت " ردا على أهل القرية، وهذا موضع حسن، وقال بعضهم: عرض الشئ على الشئ ومعارضته سواء، و المعارضة والمقايسة والموازنة بمعنى واحد، فاخبر الله تعالى عن عظم أمر الامانة وثقلها وأنها إذا قيست بالسماوات والارض والجبال ووزنت بها رجحت عليها، ولم تطق حملها ضعفا عنها، وذلك معنى قوله تعالى: " فابين أن يحملنها وأشفقن منها " ومن كلامهم: (فلان يابى الضيم) إذا كان لا يحتمله فالاباء ههنا هو أن لا يقام بحمل الشئ، والاشفاق في هذا الموضع هو الضعف عن الشئ، ولذلك كنى عن الخوف الذى هو ضعف القلب، فقالوا: (فلان مشفق من كذا) أي خائف منه، يقول تعالى ; فالسماوات والارض والجبال لم تحمل الامانة ضعفا عنها، وحملها الانسان، أي تقلدها وتطوق المئاثم فيها للمعروف من كثرة جهله وظلمه لنفسه. (*)

[ 313 ]

2 - ع: الطالقاني، عن عبد العزيز بن يحيى الجلودي، عن محمد بن زكريا الجوهري، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه قال: سألت الصادق جعفر بن محمد عليه السلام فقلت له: لم خلق الله الخلق ؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثا ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لاظهار قدرته، وليكلفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة، ولا ليدفع بهم مضرة بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيم الابد. " ص 14 - 15 " 3 - ع: أبي، عن الحميري، عن هارون، عن ابن زياد قال: قال رجل لجعفر بن محمد عليه السلام: يا أبا عبد الله إنا خلقنا للعجب ! قال: وما ذاك ؟ الله أنت (1) قال: خلقنا للفناء ؟ فقال: مه يابن أخ ! خلقنا للبقاء، وكيف تفنى جنة لا تبيد ونار لا تخمد ؟ ولكن قل: إنما نتحول من دار إلى دار. " ص 15 " 4 - ع: الحسين بن يحيى بن ضريس البجلي، عن أبيه، عن محمد بن عمارة السكري عن إبراهيم بن عاصم، عن عبد الله بن هارون الكرخي، عن أحمد بن عبد الله بن يزيد بن سلام بن عبد الله (2) مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، عن أبيه عبد الله، عن أبيه يزيد، عن أبيه سلام بن عبد الله أخي عبد الله بن سلام، عن عبد الله بن سلام مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: في صحف موسى بن عمران عليه السلام: يا عبادي إني لم أخلق الخلق لاستكثر بهم من قلة، ولا لآنس بهم من وحشة، ولا لاستعين بهم على شئ عجزت عنه، ولا لجر منفعة ولا لدفع مضرة، ولو أن جميع خلقي من أهل السماوات والارض اجتمعوا على طاعتي و عبادتي لا يفترون عن ذلك ليلا ولا نهارا ما زاد ذلك في ملكي شيئا، سبحاني وتعاليت عن ذلك. " 16 ". 5 - ع: السناني، عن محمد الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن على بن سالم


(1) كذا في المصدر والبحار والظاهر " لله أنت " كان المخاطب خاص وخالص له تعالى ويؤيده الحديث المذكور في هذا الباب عن مسعدة بن زياد قال: قال رجل لجعفر بن محمد عليه السلام: يا أبا عبد الله انا خلقنا للعجب ؟ قال وما ذاك لله أنت ؟. الحديث. م (2) في المصدر: عبيد الله. م

[ 314 ]

عن أبيه، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله عزوجل: " وما خلقت الجن و الانس إلا ليعبدون " قال: خلقهم ليأمرهم بالعبادة، قال: وسألته عن قوله عزوجل " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " قال: خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم. " ص 16 " بيان: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " إلا ليعبدون " أي لم أخلق الجن والانس إلا لعبادتهم إياي فإذا عبدوني استحقوا الثواب. وقيل: إلا لآمرهم وأنهاهم وأطلب منهم العبادة، واللام لام الغرض، والمراد أن الغرض في خلقهم تعريض الثواب، وذلك لا يحصل إلا بأداء العبادات، فصار كأنه سبحانه خلقهم للعبادة، ثم إنه إذا لم يعبده قوم لم يبطل الغرض، ويكون كمن هيأ طعاما لقوم ودعاهم ليأكلوه فحضروا ولم يأكله بعضهم، فإنه لا ينسب إلى السفه ويصح غرضه، فإن الاكل موقوف على اختيار الغير، وكذلك المسألة فإن الله إذا أزاح علل المكلفين من القدرة والآلة والالطاف وأمرهم بعبادته فمن خالف فقد أتى من قبل نفسه لا من قبله سبحانه. وقيل: معناه: إلا ليقروا بالعبودية طوعا وكرها. ثم قال تعالى: " ما أريد منهم من رزق وما اريد أن يطعمون " لنفي إيهام أن يكون ذلك لعائدة نفع تعود إليه تعالى فبين أنه لعائدة النفع على الخلق دونه تعالى لانه غني بنفسه، غير محتاج إلى غيره، وكل الخلق محتاجون إليه. وقيل: معناه: ما أريد أن يرزقوا أحدا من خلقي، وإنما أسند الطعام إلى نفسه لان الخلق كلهم عيال الله، ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. 6 - ع: إبن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن عبد الله بن أحمد النهيكي، عن علي بن الحسن الطاطري، عن درست، عن جميل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما معنى قول الله عزوجل: و " ما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " ؟ فقال: خلقهم للعبادة. (1) " ص 16 " 7 - ع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن الحسن بن فضال، عن ثعلبة، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " وما خلقت


(1) وفى نسخة: خلقتهم للعبادة

[ 315 ]

الجن والانس إلا ليعبدون " قال: خلقهم للعبادة، قلت: خاصة أم عامة ؟ قال: لا بل عامة. " ص 16 " بيان: لما توهم الراوي أن معنى الآية أن الغرض من الخلق حصول نفس العبادة فيلزم تخلف الغرض في الكفار، فلهذا سأل ثانيا أن هذا خاص بالمؤمنين، أو عام لجميع الخلق ؟ فأجاب عليه السلام بأنه عام، إذ الغرض التكليف بالعبادة وقد حصل من الجميع. 8 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري قال: إنما جعلت العاهات في أهل الحاجة لئلا يستتروا ولو جعلت في الاغنياء لسترت. " ص 38 - 39 " 9 - لى: العطار، عن سعد، عن النهدي، عن ابن محبوب، عن سماعة، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: إن العبد إذا كثرت ذنوبه ولم يجد ما يكفرها به ابتلاه الله عزوجل بالحزن في الدنيا ليكفرها، فإن فعل ذلك به وإلا أسقم بدنه ليكفرها به، فإن فعل ذلك به وإلا شدد عليه عند موته ليكفرها به، فإن فعل ذلك به وإلا عذبه في قبره ليلقى الله عزوجل يوم يلقاه وليس شئ يشهد عليه بشئ من ذنوبه. " ص 177 " 10 - ما: الغضائري، عن علي بن محمد العلوي، عن الحسن بن علي بن صالح، عن الكليني، عن علي بن محمد، عن إسحاق بن إسماعيل النيسابوري، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام، عن الحسن بن علي عليهما السلام قال: إن الله عزوجل بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليه بل رحمة منه، لا إله إلا هو، ليميز الخبيث من الطيب، وليبتلي ما في صدوركم، وليمحص ما في قلوبكم، ولتتسابقوا إلى رحمته، ولتتفاضل منازلكم في جنته. إلى آخر ما سيأتي في كتاب الامامة. " ص 56 " 11 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: بعث رسله بما خصهم به من وحيه، وجعلهم حجة له على خلقه، لئلا تجب الحجة لهم يترك الاعذار إليهم فدعاهم بلسان الصدق إلى سبيل الحق، إلا أن الله قد كشف الحق لا أنه جهل

[ 316 ]

ما أخفوه من مصون أسرارهم ومكنون ضمائرهم، ولكن ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فيكون الثواب جزاءا والعقاب بواءا. بيان: قال في النهاية: الجراحات بواء أي سواء في القصاص، ومنه حديث علي عليه السلام: والعقاب بواء ; وأصل البوء: اللزوم. 12 - ل: أبي، عن الحميري، عن هارون، عن ابن زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لولا ثلاث في ابن آدم ما طأطأ رأسه شئ: (1) المرض، والفقر، والموت، وكلهم فيه وإنه معهم لو ثاب. " ج 1 ص 55 " 13 - ج: وروي أنه اتصل بأمير المؤمنين عليه السلام أن قوما من أصحابه خاضوا في التعديل والتجوير، (2) فخرج حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس ! إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة، وأخلاف شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأن يعرفهم مالهم وما عليهم، والتعريف لا يكون إلا بالامر والنهي، والامر والنهي لا يجتمعان إلا بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلا بالترغيب، والوعيد لا يكون إلا بالترهيب، والترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم، والترهيب لا يكون إلا بضد ذلك، ثم خلقهم في داره وأراهم طرفا (3) من اللذات ليستدلوا به على ما ورائهم من اللذات الخالصة التي لا يشوبها ألم، ألا وهي الجنة ; وأراهم طرفا من الآلام ليستدلوا به على ما ورائهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها لذة، ألا وهي النار ; فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطا بمحنها، وسرورها ممزوجا بكدرها وغمومها.


(1) طأطأ الرأس: خفضه، أي لولا ثلاث في ابن آدم ما تواضع ولا خضع، وكان يتكبر و يعجب بنفسه. (2) في المصدر: والتجريح. م (3) الطرف بفتح الطاء والراء: طائفة من الشئ.

[ 317 ]

قيل: فحدث الجاحظ (1) بهذا الحديث فقال: هو جماع الكلام الذي دونه الناس في كتبهم وتحاوروه بينهم. قيل: ثم سمع أبو علي الجبائي (2) بذلك فقال: صدق الجاحظ، هذا ما لا يحتمله الزيادة والنقصان. " ص 109 " 14 - ج: روى هشام بن الحكم أنه سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام: لاي علة خلق الخلق وهو غير محتاج إليهم ولا مضطر إلى خلقهم، ولا يليق به العبث بنا ؟ قال: خلقهم لاظهار حكمته، وإنفاذ علمه، وإمضاء تدبيره ; قال: وكيف لا يقتصر على هذه الدار فيجعلها دار ثوابه ومحبس عقابه ؟ قال: أن هذه دار بلاء، ومتجر الثواب، (3) ومكتسب الرحمة، ملئت آفات وطبقت شهوات ليختبر فيها عباده بالطاعة، فلا يكون دار عمل دار جزاء. الخبر. " ص 184 " 15 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن الحسين العلوي، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر الجواد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: المرض لا أجر فيه، ولكنه لا يدع على العبد ذنبا إلا حطه، وإنما الاجر في القول باللسان، والعمل بالجوارح ; وإن الله بكرمه وفضله يدخل العبد بصدق النية والسريرة الصالحة الجنة. " ص 30 " 16 - ثو: أبي، عن أحمد بن إدريس، ومحمد العطار جميعا، عن الاشعري، عن محمد بن حسان، عن الحسين بن محمد النوفلي، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن علي، عن عيسى ابن عبد الله العمري، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليه السلام: في المرض يصيب الصبي ؟ قال: كفارة لوالديه. " ص 187 "


(1) هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الليثى البصري اللغوى النحوي، كان من غلمان النظام، ومائلا إلى النصب والعثمانية، تثقف في البصرة وبغداد، واطلع على جميع العلوم المعروفة في عصره، نسبت إليه فرقة الجاحظية من المعتزلة، ولد بالبصرة، وتوفى فيها سنة 255 وأصابه الفلج في آخر عمره، له كتب: منها (الحيوان) في سبعة أجزاء، و (البيان والتبيين) و (البخلاء) و (العثمانية) التى نقض عليها أبو جعفر الاسكافي، والشيخ المفيد، والسيد أحمد بن طاووس. (2) هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان، منسوب إلى (جبى) بالضم كورة بخوزستان، أحد أئمة المعتزلة، له مقالات كلامية على مذهب الاعتزال، أخذ الكلام عن أبى يوسف يعقوب بن عبد الله الشحام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره، وعنه أخذ أبو الحسن الاشعري شيخ السنة علم الكلام، ولد سنة 235 وتوفى في شعبان سنة 303. (3) في نسخة المصنف: ومنجز الثواب.

[ 318 ]

17 - شى: عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " قال: خلقهم للعبادة ; قال: قلت وقوله: " لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " ؟ فقال: نزلت هذه بعد تلك. 18 - كشف: من كتاب الدلائل للحميري، عن داود بن أعين قال: تفكرت في قول الله تعالى: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " قلت: خلقوا للعبادة، و يعصون ويعبدون غيره ; والله لاسألن جعفرا عن هذه الآية ; فأتيت الباب فجلست أريد الدخول عليه، إذ رفع صوته فقرأ: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " ثم قرأ: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " فعرفت أنها منسوخة. " ص 337 " بيان: هذا الخبر والخبر السابق يدلان على أن آية " وما خلقت " منسوخة، ولعل المعنى أنه على تقدير تسليم دلالتها على ما يزعمون فهي منسوخة بآيات معارضة لما نزلت بعدها، ويكون المراد بالنسخ البداء، أو التخصيص، أو التبيين. أقول: إقامة البراهين العقلية على حسن التكليف ووقوع الآلام والاحزان و الامراض ووجوب العوض على الله تعالى فيها، والفرق بين الثواب والعوض موكول إلى مظانها من الكتب الكلامية، والتعرض لها خروج عن مقصود الكتاب. (باب 16) * (عموم التكاليف) * الايات، المدثر " 47 " يتسائلون عن المجرمين. ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين 40 - 43. 1 - شى: عن البرقي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام " قال: هي للمؤمنين خاصة. 2 - شى: عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " كتب عليكم القتال، يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام " قال: فقال: هذه كلها تجمع الضلال والمنافقين وكل من أقر بالدعوة الظاهرة.

[ 319 ]

بيان: كون ظاهر الخطاب المصدر بيا أيها الذين آمنوا مختصا بالمؤمنين، أو بهم وبالمنافقين والمخالفين لا ينافي شمول التكاليف بدليل آخر لجميع المكلفين، وقد حقق ذلك في كتب الاصول وكتب الكلام. 3 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: اعلموا أنه لن يرضى عنكم بشئ سخطه على من كان قبلكم، ولن يسخط عليكم بشئ رضيه ممن كان قبلكم، وإنما تسيرون في أثر بين، وتتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم. (باب 17) * (أن الملائكة يكتبون أعمال العباد) * الايات، الانعام " 6 " وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة 61. يونس " 10 " إن رسلنا يكتبون ما تمكرون 21. الرعد " 13 " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله 11. مريم " 19 " كلا سنكتب ما يقول 79. الانبياء " 21 " فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون 94. المؤمنون " 23 " ولدينا كتاب ينطق بالحق (1) وهم لا يظلمون 62. يس " 36 " ونكتب ما قدموا وآثارهم 12. الزخرف " 43 " أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجويهم بلى (2) ورسلنا لديهم يكتبون 80. الجاثية " 45 " كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون * هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون 28 - 29.


(1) قيل: وصف الكتاب بالنطق مبالغة في وصفه باظهار البيان وإعلان البرهان، تشبيها باللسان الناطق في الابانة عن ضميره، والكشف عن مستوره ; وقد يقال الناطق لما يدل على شئ، وعلى هذا قيل لحكيم: ما الناطق الصامت ؟ فقال: الدلائل المخبرة والعبر الواعظة. (2) أي بل نسمع ذلك وندركه ومع ذلك رسلنا لديهم يكتبون. (*)

[ 320 ]

ق " 50 " إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (1) 18 17. القمر " 54 " وكل شئ فعلوه في الزبر * (2) وكل صغير وكبير مستطر 25 - 53. التكوير " 81 " وإذا الصحف نشرت 10. الانفطار " 82 " وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون 10 - 12. الطارق " 86 " إن كل نفس لما عليها حافظ 4. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " ويرسل عليكم حفظة " أي ملائكة يحفظون أعمالكم، ويحصونها عليكم ويكتبونها ; وفي قوله تعالى: " إن رسلنا ": يعني الملائكة الحفظة ; وفي قوله تعالى: " له معقبات ": قيل: إنها الملائكة يتعاقبون، تعقب ملائكة الليل ملائكة النهار وملائكة النهار ملائكة الليل، وهم الحفظة يحفظون على العبد عمله. وقيل: هم أربعة أملاك مجتمعون عند صلاة الفجر، وروي ذلك أيضا عن أئمتنا عليهم السلام ; وقيل: إنهم ملائكة يحفظونه عن المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير. وفي قوله تعالى: " كلا سنكتب ما يقولون ": أي سنأمر الحفظة بإثباته عليه لنجازيه به في الآخرة ; وفي قوله تعالى: " وإنا له كاتبون " أي نأمر ملائكتنا أن يكتبوا ذلك فلا يضيع منه شئ. وقيل: أي ضامنون جزاءه ; وفي قوله تعالى: " ولدينا كتاب ينطق بالحق " يريد صحائف الاعمال ; وفي قوله تعالى: " إذ يتلقى المتلقيان " إذ متعلقة بقوله: " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " أي ونحن أعلم به وأملك له حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان يأخذان منه عمله فيكتبانه كما يكتب المملى عليه " عن اليمين وعن الشمال قعيد " أراد: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر ; والمراد بالقعيد هنا الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم. وقيل: عن اليمين كاتب الحسنات، وعن الشمال كاتب السيئات. وقيل: الحفظة أربعة: ملكان بالنهار، وملكان بالليل، " وما يلفظ من قول " أي ما يتكلم بكلام فيلفظه، أي


(1) الرقيب: الحارس، الحافظ. العتيد: الحاضر المهيا والمعد للزوم الامر. وقيل: القعيد: الرصيد. ويوصف به الواحد والاثنين والجمع. (2) أي مكتوب في الكتب التى كتبتها الحفظة.

[ 321 ]

يرميه من فمه " إلا لديه " حافظ حاضر معه، يعني الملك الموكل به، إما صاحب اليمين، وإما صاحب الشمال، يحفظ عمله، لا يغيب عنه. والهاء في لديه تعود إلى القول أو إلى القائل. وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ أو المسئ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها وإلا كتب واحدة. وفي رواية أخرى إن صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين بعشر أمثالها، وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فإن استغفر الله منها لم يكتب عليه شئ وإن لم يستغفر الله كتبت له سيئة واحدة. وقال في قوله تعالى: " إن عليكم لحافظين " أي من الملائكة يحفظون عليكم ما تعملونه من الطاعات والمعاصي، ثم وصف الحفظة فقال: " كراما " على ربهم " كاتبين " يكتبون أعمال بني آدم يعلمون ما تفعلون من خير وشر فيكتبونه عليكم لا يخفى عليهم من ذلك شئ. وقيل إن الملائكة تعلم ما يفعله العبد إما باضطرار وإما باستدلال. وقيل: معناه: يعلمون ما تفعلون من الظاهر دون الباطن. 1 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمنين إذا قعدا يتحدثان قالت الحفظة بعضها لبعض: اعتزلوا بنا فلعل لهما سرا وقد ستر الله عليهما ; فقلت: أليس الله عزوجل يقول: " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " ؟ فقال: يا إسحاق إن كانت الحفظة لا تسمع فإن عالم السر يسمع ويرى. 2 - كا: علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الرحمن بن سالم، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني بأفضل المواقيت في صلاة الفجر، فقال: مع طلوع الفجر إن الله تعالى يقول: " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " يعني صلاة الفجر تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فإذا صلى العبد الصبح مع (1) طلوع الفجر أثبتت له مرتين، أثبتها ملائكة الليل وملائكة النهار. " ف ج 1 ص 78 "


(1) في نسخة من المصدر: من طلوع الفجر. م

[ 322 ]

3 - نهج: اعلموا عباد الله أن عليكم رصدا من أنفسكم، وعيونا (1) من جوارحكم، وحفاظ صدق يحفظون أعمالكم وعدد أنفاسكم، لا تستركم منهم ظلمة ليل داج، ولا يكنكم (2) منهم باب ذو رتاج. بيان الرصد بالتحريك القوم يرصدون. والرتاج بالكسر: الغلق. 4 - ين: الحسين بن علوان، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن موضع الملكين من الانسان، قال: ههنا واحد، وههنا واحد. يعني عند شدقيه. (3) 5 - ين: ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من أحد إلا ومعه ملكان يكتبان ما يلفظه، ثم يرفعان ذلك إلى ملكين فوقهما فيثبتان ما كان من خير وشر ويلقيان ما سوى ذلك. 6 - ين: حماد، عن حريز، وإبراهيم بن عمر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يكتب الملكان إلا ما نطق به العبد. 7 - ين: حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: لا يكتب الملك إلا ما يسمع قال الله عزوجل: " واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة " قال: لا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس العبد غير الله تعالى. 8 - ين: النضر، عن حسين بن موسى، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن في الهواء ملكا يقال له: إسماعيل على ثلاثمائة ألف ملك، كل واحد منهم على مائة ألف، يحصون أعمال العباد، فإذا كان رأس السنة بعث الله إليهم ملكا يقال له: السجل فانتسخ ذلك منهم، وهو قول الله تبارك وتعالى: " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ".


(1) جمع العين: الجاسوس والديدبان. (2) أي لا يستركم ولا يخفاكم. (3) الشدق بكسر الشين وفتحها وسكون الدال: زاوية الفم من باطن الخدين. ولعله إشاره إلى احاطة الملكين بما يلفظ، وشدة اطلاعهما بما يتكلم.

[ 323 ]

9 - ين: النضر، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: " إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد " قال: هما الملكان. وسألته عن قول الله تبارك وتعالى: " هذا ما لدي عتيد " قال: هو الملك الذي يحفظ عليه عمله. وسألته عن قول الله عزوجل: " قال قرينه ربنا ما أطغيته " قال: هو شيطان. 10 - ج: سأل الزنديق الصادق عليه السلام: ما علة الملائكة الموكلين بعباده يكتبون عليهم ولهم، والله عالم السر وما هو أخفى ؟ قال: استعبدهم بذلك وجعلهم شهودا على خلقه ليكون العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة، وعن معصيته أشد انقباضا، وكم من عبد يهم بمعصية فذكر مكانها فارعوى وكف، فيقول: ربي يراني، و حفظتي بذلك تشهد، (1) وإن الله برأفته ولطفه أيضا وكلهم بعباده يذبون عنهم مردة الشياطين، وهوام الارض، وآفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله إلى أن يجئ أمر الله عزوجل. " ص 191 " 11 - أقول: روي في كتاب قضاء الحقوق وثواب الاعمال ورجال الكشي بأسانيدهم عن إسحاق بن عمار قال: لما كثر مالي أجلست على بابي بوابا يرد عني فقراء الشيعة، فخرجت إلى مكة في تلك السنة فسلمت على أبي عبد الله عليه السلام، فرد علي بوجه قاطب مزور، (2) فقلت له: جعلت فداك ما الذي غير حالي عندك ؟ قال: تغيرك على المؤمنين، فقلت: جعلت فداك والله إني لاعلم أنهم على دين الله ولكن خشيت الشهرة على نفسي، فقال: يا إسحاق أما علمت أن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أنزل الله بين إبهاميهما مائة رحمة، تسعة وتسعين لاشدهما حبا، فإذا اعتنقا غمرتهما الرحمة، فإذا لبثا لا يريدان بذلك إلا وجه الله تعالى قيل لهما: غفر لكما ; فإذا جلسا يتسائلان قالت الحفظة بعضها لبعض: اعتزلوا بنا عنهما فإن لهما سرا وقد ستره الله عليهما ; قال قلت: جعلت فداك فلا تسمع الحفظة قولهما ولا تكتبه وقد قال تعالى: " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " ؟ قال: فنكس رأسه طويلا ثم رفعه وقد فاضت دموعه على لحيته،


(1) في المصدر: وحفظتي على ذلك يشهد. م (2) قطب الرجل. زوى وقبض ما بين عينيه وعبس. وزور عنه: مال.

[ 324 ]

وقال: إن كانت الحفظة لا تسمعه ولا تكتبه فقد سمعه عالم السر وأخفى، يا إسحاق خف الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك، فإن شككت أنه يراك فقد كفرت وإن أيقنت أنه يراك ثم بارزته بالمعصية فقد جعلته أهون الناظرين إليك. (1) 12 - سعد السعود: رواه من كتاب قصص القرآن للهيصم بن محمد النيسابوري قال: دخل عثمان على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أخبرني عن العبد كم معه من ملك ؟ قال: ملك على يمينك (2) على حسناتك، وواحد على الشمال، فإذا عملت حسنة كتب عشرا، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين أكتب ؟ قال: لعله يستغفر ويتوب فإذا قال ثلاثا قال: نعم اكتب، أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله عزوجل !. وما أقل استحياؤه منه ! (3) يقول الله: " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " وملكان بين يديك ومن خلفك يقول الله سبحانه: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه " وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله وضعك وفضحك، وملكان (4) على شفتيك ليس يحفظان إلا الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله، وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على عينيك، فهذه عشرة أملاك على كل آدمي، وملائكة الليل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي، وإبليس بالنهار وولده بالليل، قال الله تعالى: " وإن عليكم لحافظين " الآية. وقال عزوجل: " إذ يتلقي المتلقيان " الآية. ثم قال السيد رحمه الله: واعلم أن الله عزوجل وكل بكل إنسان ملكين يكتبان عليه الخير والشر. ووردت الاخبار بأنه يأتيه ملكان بالنهار وملكان بالليل، وذلك قوله تعالى: " له معقبات " لانهم يتعاقبون ليلا ونهارا، وإن ملكي النهار يأتيانه إذا انفجر الصبح فيكتبان ما يعمله إلى غروب الشمس، فإذا غربت نزل إليه الملكان الموكلان بكتابة الليل، ويصعد الملكان الكاتبان بالنهار بديوانه إلى الله عزوجل فلا يزال ذلك دأبهم إلى


(1) وروى الكليني في باب المصافحة باسناده عن إسحاق بن عمار نحوه. (2) في نسخة: عن يمينك. (3) في نسخة: منا. (4) في نسخة: وملكان مقربان.

[ 325 ]

حضور أجله، فإذا حضر أجله قالا للرجل الصالح: جزاك الله من صاحب عنا خيرا، فكم من عمل صالح أريتناه، وكم من قول حسن أسمعتناه، وكم من مجلس حسن أحضرتناه، فنحن لك اليوم على ما تحبه، وشفعاء إلى ربك ; وإن كان عاصيا قالا له: جزاك الله من صاحب عنا شرا، فلقد كنت تؤذينا، فكم من عمل سيئ أريتناه، وكم من قوى سيئ أسمعتناه، وكم من مجلس سوء أحضرتناه، ونحن لك اليوم على ما تكره. وشهيدان عند ربك. 13 - وفي رواية أنهما إذا إراد النزول صباحا ومساءا نسخ لهما إسرافيل عمل العبد من اللوح المحفوظ فيعطيهما ذلك، فإذا صعدا صباحا ومساءا بديوان العبد قابله إسرافيل بالنسخة التي نسخ لهما حتى يظهر أنه كان كما نسخ لهما. 14 - وعن ابن مسعود أنه قال: الملكان يكتبان أعمال العلانية في ديوان و أعمال السر في ديوان آخر. (1) 15 - كا: العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبى بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن ليهم بالحسنة ولا يعمل بها فتكتب له حسنة، فإن هو عملها كتبت له عشر حسنات ; وإن المؤمن ليهم بالسيئة أن يعملها فلا يعملها فلا تكتب عليه. " ج 2 ص 428 - 429 " 16 - كا: العدة عن البرقي، عن علي بن حفص العوسي، عن على بن السائح، عن عبد الله بن موسى بن جعفر، عن أبيه قال: سألته، عن الملكين: هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يفعله أو الحسنة ؟ فقال: ريح الكنيف وريح الطيب (2) سواء ؟ قلت: لا، قال: إن العبد إذا هم بالحسنة خرج نفسه طيب الريح فقال صاحب اليمين لصاحب الشمال: قم (3) فإنه قد هم بالحسنة، فإذا فعلها كان لسانه قلمه، وريقه مداده، فأثبتها له ; وإذا هم بالسيئة خرج نفسه منتن الريح فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين:


(1) الديوان: مجتمع الصحف. والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، والجمع دواوين ودياوين. (2) بفتح الطاء وتشديد الياء، أو بكسر الطاء، وكان هذين ريحان معنويان يجدهما الملائكة قاله المصنف في المرآت. (3) في نسخة: قف.

[ 326 ]

قف فإنه قد هم بالسيئة، فإذا هو فعلها كان لسانه قلمه، وريقه مداده، فأثبتها عليه. " ج 2 ص 429 " 17 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن فضيل بن عثمان المرادي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربع من كن فيه لم يهلك على الله بعدهن إلا هالك (1): يهم العبد الحسنة فيعملها فإن هو لم يعملها كتب الله له حسنة بحسن نيته، وإن هو عملها كتب الله له عشرا ; ويهم بالسيئة أن يعملها فإن لم يعملها لم يكتب عليه شئ وإن هو عملها أجل سبع ساعات، وقال صاحب الحسنات لصاحب السيئات وهو صاحب الشمال: لا تعجل عسى أن يتبعها بحسنة تمحوها، فإن الله يقول: " إن الحسنات يذهبن السيئات " أو الاستغفار، فإن هو قال: " أستغفر الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، العزيز الحكيم، الغفور الرحيم ذو الجلال والاكرام وأتوب إليه " لم يكتب عليه شئ، وإن مضت سبع ساعات ولم يتبعها بحسنة ولا استغفار (2) قال صاحب الحسنات لصاحب السيئات: اكتب على الشقي المحروم. " ج 2 ص 429 - 430 " 18 - نهج: قال: أمير المؤمنين عليه السلام: فاتقوا الله الذي أنتم بعينه، ونواصيكم بيده، وتقلبكم في قبضته، إن أسررتم علمه، وإن أعلنتم كتبه، وقد وكل بذلك حفظة كراما، لا يسقطون حقا ولا يثبتون باطلا.


(1) قال المصنف في مرآت العقول: اعلم أن الهلاك في قوله: (يهلك) بمعنى الخسران واستحقاق العقاب، وفى قوله: (هالك) بمعنى الضلال والشقاوة الجبلية، وتعديته بكلمة (على) إما بتضمين الورود، أي لم يهلك حين وروده على الله، أو معنى الاجتراء أي مجترئا على الله، أو معنى العلو و الرفعة، كأن من يعصيه تعالى يترفع عليه ويخاصمه. ويحتمل أن يكون (على) بمعنى (في) نحوه قوله تعالى: (على حين غفلة) أي في معرفته وأوامره ونواهيه، أو بمعنى (من) بتضمين معنى الحينية، كما في قوله تعالى: " إذا اكتالوا على الناس يستوفون " أو بمعنى (عن) بتضمين معنى المجاوزة، أو بمعنى (مع) أي حالكونه معه ومع ما هو عليه من اللطف والعناية. أقول: الخصال الاربع: اولها أن يهم بالحسنة من دون عمل، الثانيه أن يعمل بها، الثالث أن يهم بالسيئة من دون عمل والرابعة أن يعمل بها ولكن يتبعها بحسنة تمحوها، أو استغفار قبل مضى سبع ساعات. (2) في المصدر: ولم يتبعها حسنة واستغفار. م

[ 327 ]

19 - يب: محمد بن علي بن محبوب، عن اليقطيني، عن الحسن بن علي، عن إبراهيم ابن عبد الحميد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا أراد قضاء الحاجة وقف على باب المذهب (1) ثم التفت يمينا وشمالا إلى ملكيه فيقول أميطا عني (2) فلكما الله علي أن لا أحدث حدثا حتى أخرج إليكما. 20 - ين: ابن المغيرة، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا هم العبد بسيئة لم تكتب عليه، وإذا هم بحسنة كتبت له. 21 - عد: اعتقادنا أنه ما من عبد إلا وملكان موكلان به يكتبان جميع أعماله، ومن هم بحسنة ولم يعملها كتب له حسنة، فإن عملها كتب له عشر، فإن هم بسيئة لم تكتب حتى يعملها، فإن عملها كتب عليه سيئة واحدة، (3) والملكان يكتبان على العبد كل شئ حتى النفخ في الرماد، قال الله عزوجل: " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ". ومر أمير المؤمنين عليه السلام برجل وهو يتكلم بفضول الكلام فقال: يا هذا ؟ إنك تملي على كاتبيك (4) كتابا إلى ربك فتكلم بما يعنيك ودع ما لا يعنيك. " ص 86 " 22 - وقال عليه السلام: لا يزال الرجل المسلم يكتب محسنا ما دام ساكتا فإذا تكلم كتب إما محسنا أو مسيئا، وموضع المكلين من ابن آدم الشدقان، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكا النهار يكتبان عمل العبد بالنهار، وملكا الليل يكتبان عمل العبد في الليل. " ص 86 " 23 - وروى الصدوق رحمه الله في كتاب فضائل الشيعة: عن أبيه، عن سعد، عن عباد بن سليمان، عن سدير الصيرفي، (5) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخلت عليه وعنده أبو بصير وميسر وعدة من جلسائه، فلما أن أخذت مجلسي أقبل علي بوجهه، وقال:


(1) أي باب الكنيف. (2) أي ابعد أو تنحا عنى. (3) (في المصدر: وان عملها اجل سبع ساعات فان تاب قبلها لم يكتب عليه وان لم يتب كتب عليه سيئة واحدة. م (4) في نسخة: ملائكتك (5) سدير وزان شريف.

[ 328 ]

ياسدير أما إن ولينا ليعبد الله قائما وقاعدا ونائما وحيا وميتا ; قال: قلت جعلت فداك: أما عبادته قائما وقاعدا وحيا فقد عرفنا، فكيف يعبد الله نائما وميتا ؟ قال: إن ولينا ليضع رأسه فيرقد فإذا كان وقت الصلاة وكل به ملكين خلقا في الارض لهم يصعدا إلى السماء ولم يريا ملكوتهما، فيصليان عنده حتى ينتبه فيكتب الله ثواب صلاتهما له، والركعة من صلاتهما تعدل ألف صلاة من صلاة الآدميين ; وإن ولينا ليقبضه الله إليه فيصعد ملكاه إلى السماء فيقولان: يا ربنا عبدك فلان بن فلان انقطع واستوفى أجله، ولانت أعلم منا بذلك، فأذن لنا نعبدك في آفاق سمائك وأطراف أرضك ; قال: فيوحي الله إليهما: أن في سمائي لمن يعبدني وما لي في عبادته من حاجة بل هو أحوج إليها، وأن في أرضي لمن يعبدني حق عبادتي، وما خلقت خلقا أحوج إلي منه فأهبطا إلى قبر وليي ; فيقولان: يا ربنا من هذا يسعد بحبك إياه ; قال: فيوحي الله إليهما: ذلك من أخذ ميثاقه بمحمد عبدي ووصيه وذريتهما بالولاية، اهبطا إلى قبر وليي فلان بن فلان فصليا عنده إلى أن أبعثه في القيامة، قال: فيهبط الملكان فيصليان عند القبر إلى أن يبعثه الله فيكتب ثواب صلاتهما له، والركعة من صلاتهما تعدل ألف صلاة من صلاة الآدميين، قال سدير: جعلت فداك يا بن رسول الله فإذا وليكم نائما وميتا أعبد منه حيا وقائما ؟ قال: فقال: هيهات يا سدير إن ولينا ليؤمن على الله عزوجل يوم القيامة فيجيز أمانه. 24 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن أحمد بن محمد بن إسحاق العلوي العريضي، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر، عن عميه علي والحسين ابني موسى، عن أبيهما موسى بن جعفر، عن آبائه، عن علي عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يوحي الله عز وجل إلى الحفظة الكرام: لا تكتبوا على عبدي المؤمن عند ضجره شيئا. (1) " ص 16 " أقول: الاخبار الدالة على الكاتبين مبثوثة في الابواب السابقة واللاحقة وفيما ذكرناه هنا كفاية. 25 - محاسبة النفس: للسيد علي بن طاووس قدس الله روحه: من أمالي المفيد


(1) نقل هذه الرواية بعينها في باب من رفع عنه القلم تحت رقم 20 عن هذا المصدر م

[ 329 ]

بإسناده إلى علي بن الحسين عليهما السلام قال: إن الملك الموكل على العبد يكتب في صحيفة أعماله، فأملوا بأولها وآخرها خيرا يغفر لكم ما بين ذلك. 26 - ومنه نقلا من كتاب الدعاء لمحمد بن الحسن الصفار بإسناده عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى لمن وجد في صحيفة عمله يوم القيامة تحت كل ذنب: استغفر الله. 27 - ومنه مرسلا عن الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تقطعوا نهاركم بكذا وكذا، وفعلنا كذا وكذا، فإن معكم حفظة يحصون عليكم وعلينا. 28 - ومنه نقلا من تبيان شيخ الطائفة في تفسير قوله تعالى: " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " قال: روي في الخبر أن الاعمال تعرض على النبي صلى الله عليه وآله في كل إثنين وخميس فيعلمها، وكذلك تعرض على الائمة عليهم السلام فيعرفونها وهم المعنيون بقوله: والمؤمنون. 29 - ومنه نقلا من كتاب الازمنة لمحمد بن عمران المرزباني قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصوم الاثنين والخميس، فقيل له: لم ذلك ؟ فقال صلى الله عليه وآله: إن الاعمال ترفع في كل اثنين وخميس، فأحب أن ترفع عملي وأنا صائم. 30 - وبإسناده عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من اثنين ولا خميس إلا ترفع فيه الاعمال إلا عمل المقادير. 31 - ومنه نقلا من كتاب التذييل لمحمد بن النجار بإسناده إلى الصادق عليه السلام قال: إذا كان يوم الخميس عند العصر أهبط الله عزوجل ملائكة من السماء إلى الارض، معها صحائف من فضة، بأيديهم أقلام من ذهب تكتب الصلاة على محمد وآله إلى غروب الشمس. (1) 32 - ومنه نقلا من كتب بعض الاصحاب بإسناده إلى عبد الصمد بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: آخر خميس من الشهر ترفع فيه الاعمال. 33 - ومنه بإسناده إلى شيخ الطائفة، بإسناده إلى عنبسة العابد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: آخر خميس في الشهر ترفع فيه أعمال الشهر.


(1) في نسخة: عند غروب الشمس.

[ 330 ]

34 - ومنه نقلا من كتاب خطب أمير المؤمنين عليه السلام لعبد العزيز الجلودي قال: إن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين عن البيت المعمور والسقف المرفوع، قال: ويلك ذلك الضراح بيت في السماء الرابعة حيال الكعبة من لؤلؤة واحدة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، فيه كتاب أهل الجنة عن يمين الباب يكتبون أعمال أهل الجنة، وفيه كتاب أهل النار عن يسار الباب يكتبون أعمال أهل النار بأقلام سود، فإذا كان وقت العشاء ارتفع الملكان فيسمعون منهما ما عمل الرجل فذلك قوله تعالى: " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ". 35 - ومنه نقلا من كتاب ابن عمر الزاهد صاحب تغلب قال: أخبرني عطاء، عن الصباحي استاد الامامية من الشيعة، عن جعفر بن محمد الصادق، عن آبائه عليهم السلام قالوا: قال أمير أمؤمنين عليه السلام: إن الملكين يجلسان على ناجذي الرجل، يكتبان خيره وشره، ويستمدان من غريه وربما جلسا على الصماغين. فسمعت تغلبا يقول: الاختيار من هذا كله ما قال أمير المؤمنين عليه السلام. قال: الناجدان: النابان، والغران: الشدقان، والصامغان والصماغان - ومن قالهما بالعين فقد صحفهما -: مجتمعا الريق من الجانبين، وهما اللذين يسميهما العامة الصوارين. وقال: سئل عن قول أمير المؤمنين عليه السلام: نظفوا الصماغين فإنهما مقعد الملكين، فقال تغلب: هما الموضع الذي يجتمع فيه الريق من الانسان، وهما الذي يسميه العامة الصوارين. بيان روى في النهاية الخبرين عن أمير المؤمنين عليه السلام وقال: التواجذ: هي التي تبدو عند الضحك، وقال الغران بالضم: الشدقان. وقال: الصماغان: مجتمع الريق في جانبي الشفة. وقيل: هما ملتقي الشدقين، ويقال لهما: الصامغان والصماغان والصواران.

[ 331 ]

(باب 18) الوعد والوعيد والحبط والتكفير الايات البقرة " 2 " ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة واولئك أصحاب النار هم فيها خالدون 217. آل عمران " 3 " إن الله لا يخلف الميعاد 9 " وقال تعالى ": اولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ومالهم من ناصرين 22 " وقال ": إنك لا تخلف الميعاد 194. النساء " 4 " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم 31 " وقال تعالى ": ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به 123. الاعراف " 7 " والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم 147. الانفال " 8 " يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم 29. التوبة " 9 " ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر اولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون 17 " وقال ": اولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة 69. الرعد " 13 " إن الله لا يخلف الميعاد 31. الكهف " 18 " اولئلك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم 105. العنكبوت " 29 " والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم و لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون 7. الروم " 30 " وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون 6 " وقال سبحانه ": فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون 60. الاحزاب " 33 " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا 12 " وقال تعالى ": اولئك لم يؤمنوا بأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا 19.

[ 332 ]

الزمر " 39 " وعد الله لا يخلف الله الميعاد 20 " وقال تعالى ": ليكفر الله عنهم أسوء الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون 35. المؤمن " 40 " إن وعد الله حق 77. محمد " 47 " كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم 2 " وقال تعالى: " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم 9 " وقال ": ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم 28 " وقال ": إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم 32. الفتح " 48 " ويكفر عنهم سيئاتهم 5. الحجرات " 49 " ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون 2. التغابن " 64 " ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته 9. الطلاق " 65 " ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته 5. التحريم " 66 " عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم 8. الزلزال " 99 " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره 7 - 8. تحقيق: اعلم أن المشهور بين متكلمي الامامية بطلان الاحباط والتكفير، بل قالوا باشتراط الثواب والعقاب بالموافاة، بمعنى أن الثواب على الايمان مشروط بأن يعلم الله منه أنه يموت على الايمان ; والعقاب على الكفر والفسوق مشروط بأن يعلم الله أنه لا يسلم ولا يتوب وبذلك أولوا الآيات الدالة على الاحباط والتكفير، وذهبت المعتزلة إلى ثبوت الاحباط والتكفير للآيات والاخبار الدالة عليهما. قال شارح المقاصد: لا خلاف في أن من آمن بعد الكفر والمعاصي فهو من أهل الجنة، بمنزلة من لا معصية له، ومن كفر - نعوذ بالله بعد الايمان والعمل الصالح فهو من أهل النار، بمنزلة من لا حسنة لة ; وإنما الكلام فيمن آمن وعمل صالحا وآخر سيئا كما يشاهد من الناس فعندنا مآله إلى الجنة ولو بعد النار، واستحقاقه للثواب

[ 333 ]

والعقاب بمقتضى الوعد والوعيد ثابت من غير حبوط، والمشهور من مذهب المعتزلة أنه من أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة، فأشكل عليهم الامر في إيمانه وطاعاته، وما يثبت من استحقاقاته، أين طارت ؟ وكيف زالت ؟ فقالوا: بحبوط الطاعات، و مالوا إلى أن السيئات يذهبن الحسنات، حتى ذهبت الجمهور منهم إلى أن الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات. وفساده ظاهر، أما سمعا فللنصوص الدالة على أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا وعمل صالحا، وأما عقلا فللقطع بأنه لا يحسن من الحليم الكريم إبطال ثواب إيمان العبد ومواظبته على الطاعات طول العمر بتناول لقمة من الربا، أو جرعة من الخمر. قالوا: الاحباط مصرح في التنزيل، كقوله تعالى: " ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم، اولئك حبطت أعمالهم، ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " قلنا: لا بالمعنى الذي قصدتم، بل بمعنى أن من عمل عملا استحق به الذم، وكان يمكنه أن يعمله على وجه يستحق به المدح والثواب ; يقال: إنه أحبط عمله كالصدقة مع المن والاذى وبدونها. وأما إحباط الطاعات بالكفر بمعنى أنه لا يثاب عليها البتة فليس من التنازع في شئ ; وحين تنبه أبو علي وأبو هاشم لفساد هذا الرأي رجعا من التمادي بعض الرجوع، فقالا: إن المعاصي إنما يحبط الطاعات إذا اوردت عليها، وإن اوردت الطاعات أحبطت المعاصي، ثم ليس النظر إلى أعداد الطاعات والمعاصي بل إلى مقادير الاوزار والاجور، فرب كبيرة يغلب وزرها أجر طاعات كثيرة، ولا سبيل إلى ضبط ذلك بل هو مفوض إلى علم الله تعالى، ثم افترقا فزعم أبو علي أن الاقل يسقط ولا يسقط من الاكثر شيئا، و يكون سقوط الاقل عقابا إذا كان الساقط ثوابا، وثوابا إذا كان الساقط عقابا، وهذا هو الاحباط المحض. قال أبو هاشم: الاقل يسقط ويسقط من الاكثر ما يقابله، مثلا من له مائة جزء من العقاب واكتسب ألف جزء من الثواب فإنه يسقط منه العقاب ومائة جزء من الثواب بمقابلته، ويبقى له تسعمائة جزء من الثواب، وكذا العكس، وهذا هو القول بالموازنة انتهى كلامه. أقول: الحق أنه لا يمكن إنكار سقوط ثواب الايمان بالكفر اللاحق الذي

[ 334 ]

يموت عليه، وكذا سقوط عقاب الكفر بالايمان اللاحق الذي يموت عليه. وقد دلت الاخبار الكثيرة على أن كثيرا من المعاصي يوجب سقوط ثواب كثير من الطاعات، وأن كثيرا من الطاعات كفاره لكثير من السيئات، والاخبار في ذلك متواترة، وقد دلت الآيات على أن الحسنات يذهبن السيئات، ولم يقم دليل تام على بطلان ذلك، وأما أن ذلك عام في جميع الطاعات والمعاصي فغير معلوم، وأما أن ذلك على سبيل الاحباط والتكفير بعد ثبوت الثواب والعقاب، أو على سبيل الاشتراط بأن الثواب في علمه تعالى على ذلك العمل مشروط بعدم وقوع ذلك الفسق بعده، وأن العقاب على تلك المعصية مشروط بعدم وقوع تلك الطاعة بعدها فلا يثيب، أولا ثواب وعقاب، فلا يهمنا تحقيق ذلك، بل يرجع النزاع في الحقيقة إلى اللفظ، لكن الظاهر من كلام المعتزلة وأكثر الامامية أنهم لا يعتقدون إسقاط الطاعة شيئا من العقاب، أو المعصية شيئا من الثواب سوى الاسلام والارتداد والتوبة، وأما الدلائل التي ذكروها لذلك فلا يخفى وهنها، وليس هذا الكتاب موضع ذكرها. ثم اعلم أنه لا خلاف بين الامامية في عدم خلود أصحاب الكبائر من المؤمنين في النار، وأما أنهم هل يدخلون النار، أو يعذبون في البرزخ والمحشر فقط ؟ فقد اختلف فيه الاخبار وسيأتي تحقيقها. 1 - سن: علي بن محمد القاساني، عمن ذكره، عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من وعده الله على عمل (1) ثوابا فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار. " ص 246 " 2 - كنز الكراجكى: عن المفيد، عن أحمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن محمد بن الحسن الصفار، عن علي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد الاصبهاني، عن سليمان بن خالد المنقري، (2) عن سفيان بن عيينة، عن حميد بن زياد، عن عطاء بن يسار، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: يوقف العبد بين يدي الله تعالى فيقول: قيسوا بين


(1) في المصدر: من وعده على عمل. م (2) نسبة إلى منقر - وزان منبر - أبو بطن من سعد ثم من تميم، وهو منقر بن عبيد بن مقاعس.

[ 335 ]

نعمي عليه وبين عمله، فتستغرق النعم العمل ; فيقولون: قد استغرق النعم العمل، فيقول: هبوا له النعم، وقيسوا بين الخير والشر منه، فإن استوى العملان أذهب الله الشر بالخير، وأدخله الجنة، وإن كان له فضل أعطاه الله بفضله، وإن كان عليه فضل و هو من أهل التقوى ولم يشرك بالله تعالى واتقى الشرك به فهو من أهل المغفرة يغفر الله له برحمته إن شاء، ويتفضل عليه بعفوه. عد: اعتقادنا في الوعد والوعيد هو أن من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه، ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار، إن عذبه فبعدله، وإن عفا عنه فبفضله، و ما الله بظلام للعبيد، وقد قال الله عزوجل: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ". (1) " ص 86 " واعتقادنا في العدل هو أن الله تبارك وتعالى أمرنا بالعدل، وعاملنا بما هو فوقه وهو التفضل، وذلك أنه عزوجل يقول: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون ". (2) " ص 86 - 87 " بيان: قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في شرح القول الاخير: العدل هو الجزاء على العمل بقدر المستحق عليه، والظلم هو منع الحقوق، والله تعالى كريم، جواد، متفضل، رحيم، قد ضمن الجزاء على الاعمال، والعوض على المبتدأ من الآلام، ووعد التفضل بعد ذلك بزيادة من عنده، فقال تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " (3) فخبر أن للمحسن الثواب المستحق وزيادة من عنده، وقال: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " يعني له عشر أمثال ما يستحق عليها " ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون " يريد أنه لا يجازيه بأكثر مما يستحقه. ثم ضمن بعد ذلك العفو، ووعد بالغفران، فقال سبحانه: " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " (4) وقال: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (5) وقال: " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا " (6) والحق الذي للعبد هو ما جعل الله حقا له واقتضاء جود الله وكرمه، وإن


(1) النساء: 48 و 116. (2) الانعام: 160. (3) يونس: 26. (4) الرعد: 6. (5) النساء: 47. (6) يونس: 58.

[ 336 ]

كان لو حاسبه بالعدل لم يكن له عليه بعد النعم التي أسلفها حق، لانه تعالى ابتدأ خلقه بالنعم، وأوجب عليهم بها الشكر، وليس أحد من الخلق يكافئ نعم الله تعالى عليه بعمل، ولا يشكره أحد إلا وهو مقصر بالشكر عن حق النعمة، وقد أجمع أهل القبلة على أن من قال: إني وفيت جميع ما لله علي وكافأت نعمه بالشكر فهو ضال، وأجمعوا على أنهم مقصرون عن حق الشكر، وأن لله عليهم حقوقا لو مد في آعمارهم إلى آخر مدى الزمان لما وفوا الله سبحانه بما له عليهم، فدل ذلك على أنه ما جعله حقا لهم فإنما جعله بفضله وجوده وكرمه، ولان حال العامل الشاكر خلاف حال من لا عمل له في العقول، وذلك أن الشاكر يستحق في العقول الحمد، ومن لا عمل له فليس له في العقول حمد، وإذا ثبت الفصل بين العامل ومن لا عمل له كان ما يجب في العقول من حمده هو الذي يحكم عليه بحقه ويشار إليه بذلك، وإذا أوجبت العقول له مزية على من لا عمل له كان العدل من الله تعالى معاملته بما جعل في العقول له حقا، وقد أمر تعالى بالعدل ونهى عن الجور فقال تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان " (1) الآية انتهى. وقال العلامة رحمه الله في شرحه على التجريد: ذهب جماعة من معتزلة بغداد إلى أن العفو جائز عقلا، غير جائز سمعا، وذهب البصريون إلى جوازه سمعا وهو الحق، واستدل المصنف رحمه الله بوجوه ثلاثة: الاول أن العقاب حق الله تعالى فجاز تركه، والمقدمتان ظاهرتان. الثاني أن العقاب ضرر بالمكلف، ولا ضرر في تركه على مستحقه، وكل ما كان كذلك كان تركه حسنا، أما أنه ضرر بالمكلف فضروري، وأما عدم الضرر في تركه فقطعي، لانه تعالى غني بذاته عن كل شئ، وأما إن ترك مثل هذا حسن فضرورية، وأما السمع فالآيات الدالة على العفو كقوله تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك " فإما أن يكون هذان الحكمان مع التوبة أو بدونها، والاول باطل لان الشرك يغفر من التوبة فتعين الثاني، وأيضا المعصية مع التوبة يجب غفرانها،


(1) النحل: 90.

[ 337 ]

وليس المراد في الآية المعصية التي يجب غفرانها لان الواجب لا يعلق بالمشية، فما كان يحسن قوله: " لمن يشاء " فوجب عود الآية إلى معصية لا يجب غفرانها ; ولقوله تعالى: " إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " و " على " يدل على الحال أو الغرض كما يقال: ضربت زيدا على عصيانه أي لاجل عصيانه، وهو غير مراد هنا قطعا فتعين الاول، والله تعالى قذ نطق في كتابه العزيز بأنه عفو غفور، وأجمع المسلمون عليه، ولا معنى له إلا إسقاط العقاب عن العاصي انتهى. أقول: سيأتي الآيات والاخبار في ذلك. إلى هنا تم الجزء الخامس من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة المزدانة بتعاليق نفيسة قيمة وفوائد جمة ثمينة ; ويحوي هذا الجزء 528 حديثا في 18 بابا. أن العفو جائز عقلا، غير جائز سمعا، وذهب البصريون إلى جوازه سمعا وهو الحق، واستدل المصنف رحمه الله بوجوه ثلاثة: الاول أن العقاب حق الله تعالى فجاز تركه، والمقدمتان ظاهرتان. الثاني أن العقاب ضرر بالمكلف، ولا ضرر في تركه على مستحقه، وكل ما كان كذلك كان تركه حسنا، أما أنه ضرر بالمكلف فضروري، وأما عدم الضرر في تركه فقطعي، لانه تعالى غني بذاته عن كل شئ، وأما إن ترك مثل هذا حسن فضرورية، وأما السمع فالآيات الدالة على العفو كقوله تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك " فإما أن يكون هذان الحكمان مع التوبة أو بدونها، والاول باطل لان الشرك يغفر من التوبة فتعين الثاني، وأيضا المعصية مع التوبة يجب غفرانها،


(1) النحل: 90.

[ 337 ]

وليس المراد في الآية المعصية التي يجب غفرانها لان الواجب لا يعلق بالمشية، فما كان يحسن قوله: " لمن يشاء " فوجب عود الآية إلى معصية لا يجب غفرانها ; ولقوله تعالى: " إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " و " على " يدل على الحال أو الغرض كما يقال: ضربت زيدا على عصيانه أي لاجل عصيانه، وهو غير مراد هنا قطعا فتعين الاول، والله تعالى قذ نطق في كتابه العزيز بأنه عفو غفور، وأجمع المسلمون عليه، ولا معنى له إلا إسقاط العقاب عن العاصي انتهى. أقول: سيأتي الآيات والاخبار في ذلك. إلى هنا تم الجزء الخامس من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة المزدانة بتعاليق نفيسة قيمة وفوائد جمة ثمينة ; ويحوي هذا الجزء 528 حديثا في 18 بابا. والله الموفق للخير والرشاد. ذي حجة الحرام 1376

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية