الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 3

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 3


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيد الموحدين وفخر العارفين محمد وأهل بيته الطاهرين الغر الميامين. كتاب التوحيد: وهو المجلد الثاني من كتاب بحار الانوار تأليف المذنب الخاطئ الخاسر محمد المدعو بباقر ابن مروج أخبار الائمة الطاهرين ومحيي آثار أهل بيت سيد المرسلين صلى الله عليه وآله أجمعين محمد الملقب بالتقي حشره الله تعالى مع مواليه شفعاء يوم الدين. * (باب 1) * * (ثواب الموحدين والعارفين، وبيان وجوب المعرفة وعلته) * * (وبيان ما هو حق معرفته تعالى) * 1 - يد، لى: حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، عن عبد الله بن حماد الانصاري، عن الحسين بن يحيى ابن الحسين، عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن عكرمة، (1) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق بشيرا لا يعذب الله بالنار موحدا أبدا وإن أهل التوحيد ليشفعون فيشفعون. ثم قال صلى الله عليه وآله: إنه إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى بقوم ساءت أعمالهم في دار الدنيا إلى النار، فيقولون: يا ربنا كيف تدخلنا النار وقد كنا نوحدك في دار الدنيا ؟ وكيف تحرق بالنار ألسنتنا وقد نطقت بتوحيدك في


(1) بكسر العين المهملة وسكون الكاف وكسر الراء المهملة هو مولى ابن عباس يكنى أبا عبد الله كان من علماء العامة، سمع من ابن عباس، مات سنة 105 أو 107 على اختلاف ولم يرد من الاخبار أو علماء الرجال ما يدل على توثيقه.

[ 2 ]

دار الدنيا ؟ وكيف تحرق قلوبنا وقد عقدت على أن لا إله إلا أنت ؟ أم كيف تحرق وجوهنا وقد عفرناها لك في التراب ؟ (1) أم كيف تحرق أيدينا وقد رفعناها بالدعاء إليك ؟ فيقول الله جل جلاله: عبادي ساءت أعمالكم في دار الدنيا فجزاؤكم نار جهنم. فيقولون: يا ربنا عفوك أعظم أم خطيئتنا ؟ فيقول تبارك وتعالى: بل عفوي، فيقولون: رحمتك أوسع أم ذنوبنا ؟ فيقول عزوجل: بل رحمتي، فيقولون: إقرارنا بتوحيدك أعظم أم ذنوبنا ؟ فيقول تعالى. بل إقراركم بتوحيدي أعظم، فيقولون: يا ربنا فليسعنا عفوك ورحمتك التي وسعت كل شئ، فيقول الله جل جلاله: ملائكتي ! وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلي من المقرين بتوحيدي، وأن لا إله غيري: وحق علي أن لا أصلي أهل توحيدي، ادخلوا عبادي الجنة. بيان: قوله: وحق علي الظاهر أنه اسم أي واجب ولازم علي، ويمكن أن يقرأ على صيغة الماضي المعلوم والمجهول، قال الجوهري: قال الكسائي: يقال: حق لك أن تفعل هذا وحققت أن تفعل هذا بمعنى، وحق له أن يفعل كذا وهو حقيق به و محقوق به أي خليق له، وحق الشئ يحق بالكسر أي وجب. وقال: يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاءا كأنك تريد الاحراق قلت: أصليته " بالالف " وصليته تصلية. وقال: صلى فلان النار يصلى صليا احترق 2 - يد، لى: الحسن بن عبد الله بن سعيد، عن محمد بن أحمد بن حمدان القشيري عن أحمد بن عيسى الكلابي، عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، (2) عن أبيه


(1) عفر وجهه بالتراب أي مرغه ودسه فيه. (2) هو صاحب كتاب الجعفريات، المترجم في ص 19 من رجال النجاشي بأنه سكن مصر وولده بها، وله كتب يرويها عن أبيه، عن آبائه، منها: كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب الجنائز، كتاب الطلاق، كتاب النكاح، كتاب الحدود، كتاب الدعاء، كتاب السنن والاداب، كتاب الرؤيا. أخبرنا الحسين بن عبيدالله قال: حدثنا أبو محمد سهل بن أحمد بن سهل، قال: حدثنا أبو على محمد بن محمد الاشعث بن محمد الكوفى بمصر قراءة عليه، قال حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر قال: حدثنا أبى بكتبه انتهى. أقول: ويسمى الجعفريات الاشعثيات أيضا لرواية محمد بن محمد الاشعث ذلك، وللعلامة النوري حول الكتاب و صاحبه كلام في ج 3 من المستدرك ص 290.

[ 3 ]

عن أبيه جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام في قول الله عزوجل: هل جزاء الاحسان إلا الاحسان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله عزوجل قال: ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة. ما: شيخ الطائفة، عن الحسين بن عبيدالله الغضائري، عن الصدوق بالاسناد مثله. ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن إسحاق بن عباس بن إسحاق بن موسى ابن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن أبيه موسى بن جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام مثله. 3 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد بن جعفر العلوي، عن محمد بن علي ابن الحسين بن زيد، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: التوحيد ثمن الجنة. الخبر. 4 - ع، ل: في خبر أسماء النبي وأوصافه صلى الله عليه وآله: وجعل اسمي في التورية احيد فبالتوحيد حرم أجساد امتي على النار. 5 - ثو، يد: ابن الوليد، عن سعد، عن أحمد بن هلال، عن ابن فضال، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من شئ أعظم ثوابا من شهادة أن لا إله إلا الله، لان الله عزوجل لا يعدله شئ ولا يشركه في الامر أحد. بيان: لعل التعليل مبني على أنه إذا لم يعدله تعالى شئ لا يعدل ما يتعلق بالوهيته وكماله ووحدانيته شئ إذ هذه الكلمة الطيبة أدل الاذكار على وجوده و وحدانيته، واتصافه بالكمالات، وتنزهه عن النقائص، ويحتمل أن يكون المراد أنها لما كانت أصدق الاقوال فكانت أعظمها ثوابا. 6 - يد: ابن المتوكل، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن محمد بن سنان، عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى ضمن للمؤمن ضمانا قال: قلت: وما هو ؟ قال: ضمن له إن هو أقر له بالربوبية، ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، ولعلي عليه السلام بالامامة. وأدى ما افترضه عليه أن يسكنه في جواره. قال: قلت: فهذه

[ 4 ]

والله هي الكرامة التي لا يشبهها كرامة الآدميين. قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: اعملوا قليلا تتنعموا كثيرا. 7 - يد: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن زياد الكرخي، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات ولا يشرك بالله شيئا أحسن أو أساء دخل الجنة. يد: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله. 8 - يد: ابن الوليد: عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن البطائني (1)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: هو أهل التقوى و أهل المغفرة قال: قال الله تبارك وتعالى أنا أهل أن اتقى ولا يشرك بي عبدي شيئا، وأنا أهل إن لم يشرك بي عبدي شيئا أن ادخله الجنة. وقال عليه السلام، إن الله تبارك وتعالى أقسم بعزته وجلاله أن لا يعذب أهل توحيده بالنار أبدا. 9 - يد: السناني، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن على بن سالم، (2) عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى حرم أجساد الموحدين على النار. 12 - ثو، يد: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سيف، عن أخيه


(1) بالباء المفتوحة والطاء المهملة المفتوحة والالف ثم الهمزة المكسورة، هو على بن أبى حمزة سالم المترجم في ص 175 من رجال النجاشي بقوله: على بن أبى حمزة، واسم أبى حمزة سالم البطائني أبو الحسن، مولى الانصار، كوفى. وكان قائد أبى بصير يحيى بن القاسم، وله أخ يسمى جعفر بن أبى حمزة، روى عن أبى الحسن موسى وروى عن أبى عبد الله عليهما السلام، ثم وقف، وهو أحد عمد الواقفة، وصنف كتبا عدة، منها: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب التفسير وأكثره عن أبى بصير، كتاب جامع في أبواب الفقه. - ثم ذكر طرقه إلى كتبه - وروى الكشى في ص 255 من كتابه روايات تدل على ذمه جدا. (2) هو البطائني المتقدم.

[ 5 ]

علي، عن أبيه سيف بن عميرة، عن الحجاج بن أرطاة، (1) عن أبي الزبير، (2) عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الموجبتان: من مات يشهد أن لا إله إلا الله [ وحده لا شريك له ] دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا يدخل النار. 11 - ثو، لى، يد: بالاسناد المتقدم عن سيف، عن الحسن بن الصباح، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: كل جبار عنيد من أبى أن يقول: لا إله إلا الله. بيان: إشارة إلى قوله تعالى: وخاب كل جبار عنيد. 12 - يد: أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر الخوزي، عن إبراهيم بن محمد بن مروان الخوزي، عن أحمد بن عبد الله الجويباري - ويقال له: الهروي، والنهرواني، والشيباني - عن الرضا علي بن موسى، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما جزاء من أنعم الله عز وجل عليه بالتوحيد إلا الجنة. (3) 13 - يد: وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أن لا إله إلا الله كلمة عظيمة كريمة على الله عزوجل، من قالها مخلصا استوجب الجنة، ومن قالها كاذبا عصمت ماله ودمه وكان مصيره إلى النار. بيان: قوله عليه السلام: ومن قالها كاذبا أي في الاخبار عن الاذعان لها والتصديق بها. 14 - ن، يد: محمد بن علي بن الشاه، عن محمد بن عبد الله النيسابوري قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عباس الطائي بالبصرة، قال: حدثني أبي في سنة ستين ومأتين قال: حدثني علي بن موسى الرضا عليهما السلام سنة أربع وستين ومائة، قال: حدثني أبي


(1) حكى عن رجال الشيخ انه عده من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام، وعن تقريب أن حجاج بن ارطاة الكوفى القاضى أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطاء والتدليس، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين أي بعد المائة. انتهى. أقول: لم نقف في رجال الخاصة على ما يدل على توثيقه. (2) لم نقف على اسمه وعلى ما يدل على توثيقه، نعم ربما يستفاد مما ورد في ص 27 و 29 من رجال الكشى في ترجمة جابر بن عبد الله كون الرجل إماميا حيث روى عن جابر حديث " على خير البشر، فمن أبى فقد كفر " ويأتى الحديث في محله. (3) تقدم مثله مع صدر تحت الرقم 2.

[ 6 ]

موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب - عليهم السلام - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله جل جلاله، لا إله إلا الله حصني فمن دخله أمن من عذابي. 15 - ن، يد: محمد بن الفضل النيسابوري، عن الحسن بن علي الخزرجي، عن أبي الصلت الهروي (1) قال: كنت مع علي بن موسى الرضا عليهما السلام حين رحل من نيسابور وهو راكب بغلة شهباء فإذا محمد بن رافع، وأحمد بن حرب، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وعدة من أهل العلم قد تعلقوا بلجام بغلته في المربعة فقالوا: بحق آبائك الطاهرين حدثنا بحديث سمعته من أبيك، فأخرج رأسه من العمارية - وعليه مطرف خز ذو وجهين - وقال: حدثني أبي العبد الصالح موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي الصادق جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي أبو جعفر محمد بن علي باقر علم الانبياء، قال: حدثني أبي علي بن الحسين سيد العابدين، قال: حدثني أبي سيد شباب أهل الجنة الحسين، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب - عليهم السلام - قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: قال الله جل جلاله: إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني، ومن جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالاخلاص دخل [ في ] حصني ومن دخل في حصني أمن [ من ] عذابي بيان: قال الجوهري: الشهبة في الالوان: البياض الذي غلب على السواد، و قال: المربع: موضع القوم في الربيع خاصة. أقول: يحتمل أن يكون المراد بالمربعة الموضع المتسع الذي كانوا يخرجون إليه في الربيع للتنزه، أو الموضع الذي كانوا يجتمعون فيه للعب، من قولهم: ربع الحجر: إذا أشاله ورفعه لاظهار القوة، وسمعت جماعة من أفاضل نيسابور أن المربعة اسم للموضع الذي عليه الآن نيسابور، إذ كانت البلدة في زمانه عليه السلام في مكان آخر قريب من هذا الموضع وآثارها الآن معلومة، وكان هذا الموضع من أعمالها وقراها، وإنما كان يسمى بالمربعة لانهم كانوا يقسمونه بالرباع


(1) اسمه عبد السلام بن صالح وهو ثقة عند الخاصة والعامة، ومن عدا الشيخ والعلامة في القسم الثاني من الخلاصة صرحوا بكون الرجل إماميا، ولكن الشيخ في رجاله والعلامة في القسم الثاني قالا: إنه عامى.

[ 7 ]

الاربعة فكانوا يقولون: ربع كذا وربع كذا، وقالوا: هذا الاصطلاح الآن أيضا دائر بيننا معروف في دفاتر السلطان وغيرها. وقال الجوهري: المطرف والمطرف واحد المطارف، وهي أردية من خز مربعة لها أعلام، قال الفراء: وأصله الضم لانه في المعنى مأخوذ من أطرف أي جعل في طرفيه العلمان ولكنهم استثقلوا الضمة فكسروه. 16 - ثو، مع، ن، يد: ابن المتوكل، عن الاسدي، عن محمد بن الحسين الصوفي، عن يوسف بن عقيل، عن إسحاق بن راهويه قال: لما وافى أبو الحسن الرضا عليه السلام نيسابور وأراد أن يخرج منها إلى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا له: يا ابن رسول الله ترحل عنا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك - وكان قد قعد في العمارية - فأطلع رأسه وقال: سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي بن أبي طالب يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليهم السلام - يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سمعت جبرئيل يقول: سمعت الله جل جلاله يقول: لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن عذابي. [ قال ]: فلما مرت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها. قال الصدوق رحمه الله: من شروطها الاقرار للرضا عليه السلام بأنه إمام من قبل الله عزوجل على العباد مفترض الطاعة عليهم. 17 - يد: أبو نصر محمد بن أحمد بن تميم السرخسي، عن محمد بن إدريس الشامي عن إسحاق بن إسرائيل، عن جرير، (1) عن عبد العزيز، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر رحمه الله قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله يمشي وحده ليس معه إنسان فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني فقال: من هذا ؟ قلت: أبو ذر جعلني الله فداك، قال: يا أبا ذر تعال، فمشيت معه ساعة فقال: إن المكثرين هم الاقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه بيمينه وشماله وبين يديه وورائه وعمل فيه خيرا. قال: فمشيت معه ساعة، فقال اجلس ههنا


(1) وفي نسخة: عن حريز.

[ 8 ]

- وأجلسني في قاع حوله حجارة - فقال لي: اجلس حتى أرجع إليك، قال: وانطلق في الحرة حتى لم أره وتوارى عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته عليه السلام وهو مقبل وهو يقول: وإن زنى وإن سرق، قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي الله جعلني الله فداك من تكلمه في جانب الحرة ؟ فإني ما سمعت أحدا يرد عليك شيئا، قال ذاك جبرئيل عرض لي في جانب الحرة فقال: بشر امتك أنه من مات لا يشرك بالله عزوجل شيئا دخل الجنة، قال قلت: يا جبرئيل وإن زنى وإن سرق، قال: نعم وإن شرب الخمر. قال الصدوق رحمه الله: يعني بذلك أنه يوفق للتوبة حتى يدخل الجنة. بيان: قال الجزري: فيه: المكثرون هم المقلون إلا من نفخ فيه يمينه وشماله، أي ضرب يديه فيه بالعطاء، النفخ: الضرب والرمي. أقول: يظهر من الاخبار أن الاخلال بكل ما يجب الاعتقاد به وإنكاره يوجب الخروج عن الاسلام داخل في الشرك، والتوحيد الموجب لدخول الجنة مشروط بعدمه (1) فلا يلزم من ذلك دخول المخالفين الجنة، (2) وأما أصحاب الكبائر من الشيعة فلا استبعاد في عدم دخولهم النار وإن عذبوا في البرزخ وفي القيامة، مع أنه ليس في الخبر أنهم لا يدخلون النار، وقد ورد في بعض الاخبار أن ارتكاب بعض الكبائر وترك بعض الفرائض أيضا داخلان في الشرك، فلا ينبعي الاغترار بتلك الاخبار والاجتراء بها على المعاصي، و على ما عرفت لا حاجة إلى ما تكلفه الصدوق قدس سره. 18 - ما: محمد بن أحمد بن الحسن بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن علي بن بلال، عن محمد بن بشير الدهان، عن محمد بن سماعة قال: سأل بعض أصحابنا الصادق عليه السلام فقال له: أخبرني أي الاعمال أفضل ؟ قال: توحيدك لربك، قال: فما أعظم الذنوب ؟ قال: تشبيهك لخالقك. 19 - يد: أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الانماطي، عن أحمد بن الحسن بن غزوان،


(1) وفي نسخة: والتوحيد مشروط بعدمه. (2) سيأتي في أخبار البرزخ ما يدل على دخول المخالفين الجنة إذا لم يكونوا ناصبين كرواية زيد الكناسى عن الصادق عليه السلام وغيرها. ط

[ 9 ]

عن إبراهيم بن أحمد، عن داود بن عمرو، عن عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بينما رجل مستلقي على ظهره ينظر إلى السماء وإلى النجوم ويقول: والله إن لك لربا هو خالقك اللهم اغفر لي، قال فنظر الله عز وجل إليه فغفر له. قال الصدوق رحمه الله: وقد قال الله عزوجل: أولم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شئ. يعني بذلك أو لم يتفكروا في ملكوت السماوات والارض وفي عجائب صنعها ولم ينظروا في ذلك نظر مستدل معتبر فيعرفوا بما يرون ما أقامه الله عزوجل من السماوات والارض (1) مع عظم أجسامها وثقلها على غير عمد، وتسكينه إياها بغير آلة فيستدلوا بذلك على خالقها ومالكها ومقيمها أنه لا يشبه الاجسام ولا ما يتخذه الكافرون إلها من دون الله عزوجل إذ كانت الاجسام لا تقدر على إقامة الصغير من الاجسام في الهواء بغير عمد وبغير آلة فيعرفوا بذلك خالق السماوات والارض وسائر الاجسام ويعرفوا أنه لا يشبهها ولا تشبهه في قدرة الله وملكه، وأما ملكوت السماوات والارض فهو ملك الله لها واقتداره عليها، وأراد بذلك ألم ينظروا ويتفكروا في السماوات (2) والارض [ في ] خلق الله عزوجل إياهما على ما يشاهدونهما عليه فيعلمون أن الله عزوجل هو مالكها والمقتدر عليها لانهما مملوكة مخلوقة وهي في قدرته وسلطانه وملكه، فجعل نظرهم في السماوات والارض وفي خلق الله لها نظرا في ملكوتها وفي ملك الله لها لان الله عزوجل لا يخلق إلا ما يملكه ويقدر عليه، وعنى بقوله: وما خلق الله من شئ يعني من أصناف خلقه فيستدلوا به على أن الله خالقها وأنه أولى بالالهية من الاجسام المحدثة المخلوقة. 20 - يد: عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن أبي يزيد بن محبوب المزني، عن الحسين ابن عيسى البسطامي، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن خالد الحذاء، عن


(1) وفي نسخة: والارضين. (2) وفي نسخة: في ملكوت السماوات.

[ 10 ]

أبي بشير العنبري، عن حمران، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات و هو يعلم أن الله حق دخل الجنة. 21 - يد: الحسن بن علي بن محمد العطار، عن محمد بن محمود، عن حمران، عن مالك بن إبراهيم، عن حصين، عن الاسود بن هلال، (1) عن معاذ بن جبل قال: كنت ردف (2) النبي صلى الله عليه وآله قال: يا معاذ هل تدري ما حق الله عزوجل على العباد ؟ - يقولها ثلاثا - قال: قلت: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حق الله عزوجل على العباد أن لا يشركوا به شيئا، ثم قال صلى الله عليه وآله: هل تدري ما حق العباد على الله عزوجل إذا فعلوا ذلك ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم. أو قال: أن لا يدخلهم النار. 22 - ن: أبو نصر أحمد بن الحسين، عن أبى القاسم محمد بن عبيدالله، عن أحمد بن محمد ابن إبراهيم بن هاشم، عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر، عن أبيه علي بن محمد النقي، عن آبائه عليهم السلام، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، عن النبي صلى الله عليه وآله، عن جبرئيل سيد الملائكة قال: قال الله سيد السادات عزوجل: إني أنا الله لا إله إلا أنا من أقر لي بالتوحيد دخل حصني ومن دخل حصني أمن عذابي. 23 - ن، ع: في علل الفضل عن الرضا عليه السلام: فإن قال قائل: لم أمر الله الخلق بالاقرار بالله وبرسله وحججه وبما جاء من عند الله عزوجل ؟ قيل لعلل كثيرة، منها: أن من لم يقر بالله عزوجل لم يجتنب معاصيه ولم ينته عن ارتكاب الكبائر، ولم يراقب أحدا فيما يشتهى ويستلذ من الفساد والظلم، فإذا فعل الناس هذه الاشياء وارتكب كل إنسان ما يشتهي ويهواه من غير مراقبة لاحد كان في ذلك فساد الخلق أجمعين، ووثوب بعضهم على بعض، فغصبوا الفروج والاموال، وأباحوا الدماء والنساء، وقتل بعضهم بعضا من غير حق ولا جرم، فيكون في ذلك خراب الدنيا وهلاك الخلق وفساد الحرث والنسل. ومنها: أن الله عزوجل حكيم ولا يكون الحكيم ولا يوصف بالحكمة إلا الذي يحظر الفساد ويأمر بالصلاح، ويزجر عن الظلم، وينهى عن الفواحش، ولا يكون


(1) وفي نسخة. عن الاسود بن بلال. (2) الردف بالكسر: الراكب خلف الراكب كالرديف والمرتدف.

[ 11 ]

حظر الفساد والامر بالصلاح والنهي عن الفواحش إلا بعد الاقرار بالله عزوجل ومعرفة الآمر والناهي، فلو ترك الناس بغير إقرار بالله ولا معرفته لم يثبت أمر بصلاح ولا نهي عن فساد إذ لا آمر ولا ناهي. ومنها: أنا وجدنا الخلق قد يفسدون بامور باطنية (1) مستورة عن الخلق فلولا الاقرار بالله عزوجل وخشيته بالغيب لم يكن أحد إذا خلا بشهوته وإرادته يراقب أحدا في ترك معصية وانتهاك حرمة وارتكاب كبيرة إذا كان فعله ذلك مستورا عن الخلق غير مراقب لاحد، وكان يكون في ذلك هلاك الخلق أجمعين، فلم يكن قوام الخلق وصلاحهم إلا بالاقرار منهم بعليم خبير يعلم السر وأخفى، آمر بالصلاح، ناه عن الفساد ولا تخفى عليه خافية، ليكون في ذلك انزجار لهم عما يخلون به من أنواع الفساد. فإن قال: فلم وجب عليهم الاقرار والمعرفة بأن الله تعالى واحد أحد ؟ قيل: لعلل، منها: أنه لو لم يجب عليهم الاقرار والمعرفة لجاز أن يتوهموا مدبرين أو أكثر من ذلك، وإذا جاز ذلك لم يهتدوا إلى الصانع لهم من غيره لان كل إنسان منهم كان لا يدري لعله إنما يعبد غير الذي خلقه ويطيع غير الذي أمره فلا يكونون على حقيقة من صانعهم وخالقهم، ولا يثبت عندهم أمر آمر، ولا نهي ناه، إذ لا يعرف الآمر بعينه، ولا الناهي من غيره، ومنها: أن لو جاز أن يكون إثنين لم يكن أحد الشريكين أولى بأن يعبد ويطاع من الآخر، وفي إجازة أن يطاع ذلك الشريك إجازة أن لا يطاع الله، وفي أن لا يطاع الله عزوجل الكفر بالله وبجميع كتبه ورسله وإثبات كل باطل وترك كل حق، وتحليل كل حرام وتحريم كل حلال، والدخول في كل معصية، والخروج من كل طاعة، وإباحة كل فساد، وإبطال كل حق، ومنها: أنه لو جاز أن يكون أكثر من واحد لجاز لابليس أن يدعي أنه ذلك الآخر حتى يضاد الله تعالى في جميع حكمه، و يصرف العباد إلى نفسه فيكون في ذلك أعظم الكفر وأشد النفاق. فإن قال: فلم وجب عليهم الاقرار لله بأنه ليس كمثله شئ ؟ قيل: لعلل، منها: أن يكونوا قاصدين نحوه بالعبادة والطاعة دون غيره، غير مشتبه عليهم أمر ربهم و


(1) وفي نسخة: قد يفسدون بامور باطنة.

[ 12 ]

صانعهم ورازقهم. ومنها: أنهم لو لم يعلموا أنه ليس كمثله شئ لم يدروا لعل ربهم وصانعهم هذه الاصنام التي نصبتها لهم آباؤهم، والشمس والقمر والنيران، إذا كان جائزا أن يكون عليهم مشتبهة (1) وكان يكون في ذلك الفساد وترك طاعاته كلها، وارتكاب معاصيه كلها على قدر ما يتناهى إليهم من أخبار هذه الارباب وأمرها ونهيها، ومنها: أنه لو لم يجب عليهم أن يعرفوا أن ليس كمثله شئ لجاز عندهم أن يجري عليه ما يجري على المخلوقين من العجز والجهل والتغير والزوال والفناء والكذب والاعتداء، ومن جازت عليه هذه الاشياء لم يؤمن فناؤه ولم يوثق بعدله ولم يحقق قوله وأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه، وفي ذلك فساد الخلق وإبطال الربوبية. 24 - ثو: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، وابن هاشم، والحسن بن علي الكوفي جميعا، عن الحسين بن سيف، عن أبيه، عن أبي حازم المديني، عن سهل بن سعد الانصاري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قول الله عزوجل: وما كنت بجانب الطور إذ ناديناه. قال كتب الله عزوجل كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورق آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى يا امة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا أنا وأن محمدا عبدي ورسولي أدخلته الجنة برحمتي. 25 - سن: الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي الحسن السواق، عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا أبان إذا قدمت الكوفة فارو هذا الحديث: من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا وجبت له الجنة. قال: قلت له: إنه يأتيني كل صنف من الاصناف فأروي لهم هذا الحديث ؟ قال: نعم يا أبان إنه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الاولين والآخرين فيسلب منهم لا إله إلا الله إلا من كان على هذا الامر. سن: ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبان بن تغلب مثله. 26 - سن: صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن الصباح الحذاء، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من شهد أن لا إلا


(1) في نسخة: مشبها.

[ 13 ]

إلا الله فليدخل الجنة، قال: قلت: فعلى م تخاصم الناس إذا كان من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة ؟ فقال: إنه إذا كان يوم القيامة نسوها. 27 - صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله عز و جل: لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي. 28 - ضا: نروي أن رجلا أتى أبا جعفر عليه السلام فسأله عن الحديث الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال أبو جعفر عليه السلام: الخبر حق، فولى الرجل مدبرا فلما خرج أمر برده ثم قال: يا هذا إن للاإله إلا الله شروطا ألا وإني من شروطها. 29 - غو: قال النبي صلى الله عليه وآله: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق. (1) 30 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن عيسى بن محمد، عن القاسم بن إسماعيل عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن معتب مولى أبي عبد الله عليه السلام، عنه، عن أبيه عليهما السلام (2) قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هل للجنة من ثمن ؟ قال: نعم، قال: ما ثمنها ؟ قال: لا إله إلا الله، يقولها العبد مخلصا بها، قال: وما إخلاصها ؟ قال: العمل بما بعثت به في حقه وحب أهل بيتي، قال: فداك أبي وأمي وإن حب أهل البيت لمن حقها ؟ قال إن حبهم لاعظم حقها. 31 - كنز الكراجكى: روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن الله رفع درجة اللسان فأنطقه بتوحيده من بين الجوارح. 32 - ضا: إن أول ما افترض الله على عباده وأوجب على خلقه معرفة الوحدانية قال الله تبارك وتعالى: وما قدروا الله حق قدره. يقول: ما عرفوا الله حق معرفته. 33 - ونروي عن بعض العلماء عليهم السلام أنه قال في تفسير هذه الآية: هل جزاء الاحسان إلا الاحسان، ما جزاء من أنعم الله عليه بالمعرفة إلا الجنة. (3)


(1) تقدم الحديث مسندا عن التوحيد تحت الرقم 17. (2) في الامالى المطبوع. عن جابر بن عبد الله الانصاري. (3) تقدم الحديث مسندا عن التوحيد والامالي تحت الرقم 2.

[ 14 ]

34 - وأروي أن المعرفة التصديق والتسليم والاخلاص في السر والعلانية. وأروي أن حق المعرفة أن تطيع ولا تعصي وتشكر ولا تكفر 35 - مص: قال الصادق عليه السلام: العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع الله، لوسها قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقا إليه، والعارف أمين ودائع الله وكنز أسراره ومعدن نوره، ودليل رحمته على خلقه، ومطية علومه، وميزان فضله وعدله، قد غني عن الخلق والمراد والدنيا فلا مونس له سوى الله، ولا نطق ولا إشارة ولا نفس إلا بالله ولله ومن الله ومع الله، فهو في رياض قدسه متردد، ومن لطائف فضله إليه متزود، والمعرفة أصل فرعه الايمان. 36 - جع: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه واله قال: ما رأس العلم ؟ قال: معرفة الله حق معرفته. قال: وما حق معرفته ؟ قال: أن تعرفه بلا مثال ولا شبه، وتعرفه إلها واحدا خالقا قادرا أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، لا كفو له ولا مثل له، فذاك معرفة الله حق معرفته. 37 - جع: قال النبي صلى الله عليه واله: أفضلكم إيمانا أفضلكم معرفة. 38 - أقول: روى الصدوق رحمه الله في كتاب صفات الشيعة عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن ابن أبي عمير رفعه إلى أحدهم عليهم السلام أنه قال: بعضكم أكثر صلاة من بعض، وبعضكم أكثر حجا من بعض، وبعضكم أكثر صدقة من بعض، و بعضكم أكثر صياما من بعض، وأفضلكم أفضلكم معرفة. 39 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن الليث بن محمد العنبري، عن أحمد بن عبد الصمد، عن خاله أبي الصلت الهروي قال: كنت مع الرضا عليه السلام لما دخل نيسابور وهو راكب بغلة شهباء، وقد خرج علماء نيسابور في استقباله، فلما صار إلى المربعة تعلقوا بلجام بغلته وقالوا: يا ابن رسول الله حدثنا بحق آبائك الطاهرين حديثا عن آبائك صلوات الله عليهم أجمعين، فأخرج رأسه من الهودج وعليه مطرف خز فقال: حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين سيد شباب أهل الجنة، عن أمير المؤمنين - عليهم السلام - عن رسول الله صلى الله عليه واله قال: أخبرني جبرئيل الروح الامين، عن الله تقدست أسماؤه وجل وجهه قال: إني

[ 15 ]

أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، عبادي فاعبدوني وليعلم من لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله مخلصا بها أنه قد دخل حصني ومن دخل حصني أمن عذابي. قالوا: يا ابن رسول الله وما إخلاص الشهادة لله ؟ قال: طاعة الله ورسوله وولاية أهل بيته عليهم السلام. * (باب 2) * * (علة احتجاب الله عزوجل عن خلقه) * 1 - ع: الحسين بن أحمد، عن أبيه، عن محمد بن بندار، عن محمد بن علي، عن محمد بن عبد الله الخراساني - خادم الرضا عليه السلام - (1) قال: قال بعض الزنادقة لابي الحسن عليه السلام: لم احتجب الله ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إن الحجاب عن الخلق لكثرة ذنوبهم (2) فأما هو فلا يخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار، قال: فلم لا تدركه حاسة البصر ؟ قال: للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الابصار، ثم هو أجل من أن تدركه الابصار أو يحيط به وهم أو يضبطه عقل، قال: فحده لي قال: إنه لا يحد، قال: لم ؟ قال: لان كل محدود متناه إلى حد فإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود ولا متزائد ولا متجز ولا متوهم. 2 - ع: علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين، عن الحسين بن الوليد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام: لاي علة حجب الله عزوجل الخلق عن نفسه ؟ قال: لان الله تبارك وتعالى بناهم بنية على الجهل فلو أنهم كانوا ينظرون إلى الله عزوجل لما كانوا بالذين يهابونه ولا يعظمونه، نظير ذلك أحدكم إذا نظر إلى بيت الله الحرام أول مرة عظمه فإذا أتت عليه أيام و هو يراه لا يكاد أن ينظر إليه إذا مر به ولا يعظمه ذلك التعظيم. بيان: لعل المراد بالنظر الالطاف الخاصة التي تستلزم غاية العرفان والوصول


(1) لم نجد له ذكرا في كتب الرجال. (2) لعل السؤال كان عن احتجابه تعالى عن القلوب، أو حمل عليه السلام السؤال على ذلك، وربما يؤيد الاول سؤاله ثانيا بقوله: فلم لا تدركه حاسة البصر ؟. (*)

[ 16 ]

أي لو كانت مبذولة لعامة الناس لكانت لعدم استحقاقهم ذلك مورثا لتهاونهم بربهم أو النظر إلى آثار عظمته التي لا تظهر إلا للانبياء والاوصياء عليهم السلام كنزول الملائكة و عروجهم ومواقفهم ومنازلهم والعرش والكرسي واللوح والقلم وغيرها، على أنه يحتمل أن يكون دليلا آخر مع التنزل عن استحالة إدراكه بالبصر على وفق الافهام العامية. * (باب 3) * * (اثبات الصانع والاستدلال بعجائب صنعه على وجوده) * * (وعلمه وقدرته وسائر صفاته) * الايات، البقرة: الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون 22 " وقال تعالى ": إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون 164 يونس: إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والارض لآيات لقوم يتقون 6 " وقال ": قل انظروا ماذا في السموات والارض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون 101 الرعد: الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يدبر الامر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون * وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * وفي الارض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون 2 - 4 ابراهيم: الله الذي خلق السموات والارض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهار *

[ 17 ]

وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتيكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار 32 - 34 الحجر: ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين * وحفظناها من كل شيطان رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين * والارض مددناها و ألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون * وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين * وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم * وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين * وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون 16 - 23 النحل: خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين * والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * و تحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس إن ربكم لرؤوف رحيم * والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون 4 - 8 " وقال تعالى ": هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والاعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون * وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في الارض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون * وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون * وعلامات وبالنجم هم يهتدون 10 - 16 " وقال تعالى ": والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الارض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون * وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين * ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون * وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل

[ 18 ]

الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون * والله خلقكم ثم يتوفيكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير 65 - 70 " وقال تعالى ": والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون 72 " وقال تعالى ": والله أخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون * ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون * والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين * والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون 78 - 81. الاسرى: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا 12 " وقال تعالى ": ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما * وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجيكم إلى البر أعرضتم وكان الانسان كفورا 66، 67 طه: الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لاولي النهى * منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى 53 - 55 الانبياء: أولم ير الذين كفروا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون * وجعلنا في الارض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون * وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون * وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون 30 - 33

[ 19 ]

المؤمنون: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض وإنا على ذهاب به لقادرون * فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون * وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين * وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون * و عليها وعلى الفلك تحملون 18 - 22 " وقال تعالى ": وهو الذي ذرأكم في الارض وإليه تحشرون * وهو الذي يحيى ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون 79، 80 " وقال تعالى ": قل لمن الارض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون 84 - 89 النور: ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون * ولله ملك السموات والارض وإلى الله المصير * ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنابرقه يذهب بالابصار * يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لاولى الابصار * والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشى على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ قدير 41 - 45 الفرقان: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا * وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا * وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا * لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا 45 - 49 " وقال تعالى ": وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح اجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا * وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا و كان ربك قديرا 53، 54 " وقال تعالى ": تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل

[ 20 ]

فيها سراجا وقمرا منيرا * وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا 61، 62 الشعراء: أو لم يروا إلى الارض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين 7، 8 القصص: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون * ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون 71 - 73 العنكبوت: خلق الله السموات والارض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين 44 " وقال تعالى ": ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الارض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون 63 " وقال تعالى ": فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجيهم إلى البر إذا هم يشركون 65 الروم: ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون * ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين * ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون * ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الارض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * ومن آياته أن تقوم السماء والارض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذا أنتم تخرجون * وله من في السموات والارض كل له قانتون 20 - 26 " وقال عزوجل ": ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون 46 " وقال تعالى ": الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون * وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين *

[ 21 ]

فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الارض بعد موتها إن ذلك لمحيى الموتى وهو على كل شئ قدير 48 - 50 " وقال تعالى ": ألله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير 54 لقمان: خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم * هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين 10، 11 " وقال تعالى ": ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير * ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير * ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور 29 - 32 التنزيل: أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون 27 فاطر: الحمد لله فاطر السموات والارض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير * ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم 1، 2 " وقال تعالى ": والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا 11 " وقال تعالى ": ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء 27، 28 يس: وآية لهم الارض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما

[ 22 ]

عملته أيديهم أفلا يشكرون * سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون * وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون * و الشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون * وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون * وخلقنا لهم من مثله ما يركبون * وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون * إلا رحمة منا و متاعا إلى حين 33 - 44 " وقال تعالى ": أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون 71 - 73 " وقال سبحانه ": أولم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين 77 الصافات: فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب 11 الزمر: خلق السموات والارض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ألا هو العزيز الغفار * خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون 5، 6 " وقال تعالى ": ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلككم ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لاولي الالباب 21 المؤمن: هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب 13 " وقال تعالى ": الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون * ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون * كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون * الله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين * هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين

[ 23 ]

له الدين الحمد لله رب العالمين * قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وامرت أن اسلم لرب العالمين * هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون * هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون 61 - 68 " وقال عزوجل ": الله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون * ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون 79 - 81 السجدة: قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضيهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم 9 - 12 " وقال تعالى ": سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد * ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط 53، 54 حمعسق: فاطر السموات والارض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الانعام أزواجا يذرؤكم فيه 11 " وقال تعالى ": ومن آياته خلق السموات والارض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير 29 " وقال سبحانه ": ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام * إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير * ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص 32 - 35 الزخرف: ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن خلقهن العزيز العليم * الذي جعل لكم الارض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون * والذي نزل

[ 24 ]

من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون * والذي خلق الازواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون 9 - 14 الجاثية: إن في السموات والارض لآيات للمؤمنين * وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون * واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الارض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون 3 - 5 " وقال تعالى ": الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون 12، 13 " وقال سبحانه ": وقالوا ما هي إلا حيوتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون 24 الذاريات: وفي الارض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون 20، 21 " وقال جل وعلا ": والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والارض فرشناها فنعم الماهدون * ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون 47 - 49 الطور: أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون * أم خلقوا السموات والارض بل لا يوقنون 35، 36 الرحمن: الرحمن علم القرآن خلق الانسان 3 " إلى آخر الآيات " الواقعة: نحن خلقناكم فلولا تصدقون * أفرأيتم ما تمنون * ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون * أفرأيتم ما تحرثون * ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون * إنا لمغرمون * بل نحن محرومون * أفرأيتم الماء الذي تشربون * ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه اجاجا فلولا تشكرون * أفرأيتم النار التي تورون * ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة

[ 25 ]

ومتاعا للمقوين * فسبح باسم ربك العظيم 57 - 74 الطلاق: الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما 12 الملك: الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسير * ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين 3 - 5 " وقال تعالى ": أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير 19 " وقال سبحانه ": أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور 21 " وقال تعالى ": قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار و الافئدة قليلا ما تشكرون * قل هو الذي ذرأكم في الارض وإليه تحشرون 23، 24 " وقال سبحانه ": قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين * قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين 29، 30 المرسلات: ألم نخلقكم من ماء مهين * فجعلناه في قرار مكين * إلى قدر معلوم * فقدرنا فنعم القادرون * ويل يومئذ للمكذبين * ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا * وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا * ويل يومئذ للمكذبين 20، 28 النبأ: ألم نجعل الارض مهادا * والجبال أوتادا * وخلقناكم أزواجا * و جعلنا نومكم سباتا * وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا * وبنينا فوقكم سبعا شدادا * وجعلنا سراجا وهاجا * وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا * لنخرج به حبا ونباتا * وجنات ألفافا 6 - 16 النازعات: ءأنتم أشد خلقا أم السماء بنيها * رفع سمكها فسويها * وأغطش ليلها وأخرج ضحيها * والارض بعد ذلك دحيها * أخرج منها ماءها ومرعيها * و الجبال أرسيها * متاعا لكم ولانعامكم 27 - 34 عبس: فلينظر الانسان إلى طعامه * إنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الارض

[ 26 ]

شقا * فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا لكم ولانعامكم 25 - 32 الغاشية: أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الارض كيف سطحت 17 - 20 1 - ج: عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ولو فكروا في عظيم القدرة، وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة والابصار مدخولة، (1) أفلا ينظرون إلى صغير ما خلق ؟ كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر وسوى له العظم والبشر، انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها، وضنت على رزقها، (2) تنقل الحبة إلى جحرها وتعدها في مستقرها، تجمع في حرها لبردها وفي ورودها لصدورها (3) مكفول برزقها، مرزوقة بوفقها، لا يغفلها المنان ولا يحرمها الديان ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس، لو فكرت في مجاري أكلها، وفي علوها وسفلها، وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها واذنها لقضيت من خلقها عجبا ولقيت من وصفها تعبا، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلتك الدلالة إلا على أن فاطر النملة هو فاطر النحلة لدقيق تفصيل كل شئ وغامض اختلاف كل حي، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلا سواء، كذلك السماء والهواء والريح والماء، فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار، وتفجر هذه البحار وكثرة هذه الجبال، وطول هذه القلال، وتفرق هذه اللغات والالسن المختلفات، فالويل لمن أنكر المقدر، وجحد المدبر، زعموا أنهم كالنبات مالهم زارع، ولا لاختلاف صورهم صانع، لم يلجأوا إلى حجة فيما ادعوا، ولا تحقيق لما وعوا، وهل يكون بناء من غير بان


(1) وفي نسخة: والبصائر مدخولة. (2) وفي نسخة من الكتاب والاحتجاج المطبوع: كيف صبت على زرقها. (3) وفي نسخة: لصدرها.

[ 27 ]

أو جناية من غير جان ؟ ! وإن شئت قلت: في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين، وأسرج لها حدقتين قمراوين، وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس القوي، ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض، ترهبها الزراع في زرعهم ولا يستطيعون ذبها ولو أجلبوا بجمعهم، حتى ترد الحرث في نزواتها، وتقضي منه شهواتها، وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة، فتبارك الذي يسجد له من في السماوات والارض طوعا وكرها، ويعفر له خدا ووجها، ويلقي بالطاعة إليه سلما وضعفا، و يعطي له القياد رهبة وخوفا، فالطير مسخرة لامره، أحصى عدد الريش منها والنفس، وأرسى قوائهما على الندى واليبس، قدر أقواتها، وأحصى أجناسها، فهذا غراب، وهذا عقاب وهذا حمام، وهذا نعام، دعا كل طائر باسمه، وكفل له برزقه، وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها، وعدد قسمها فبل الارض بعد جفوفها، وأخرج نبتها بعد جدوبها. ايضاح: مدخولة أي معيوبة من الدخل - بالتحريك - وهو العيب والغش والفساد وفلق أي شق. والبشر: ظاهر جلد الانسان. ولا بمستدرك الفكر إما مصدر ميمي أي بإدراك الفكر، أو اسم مفعول من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف (1) أي بإدراك الفكر الذي يدركه الانسان بغايه سعيه، أو اسم مكان والباء بمعنى في أي في محل إدراكه، والغرض المبالغة في صغرها بحيث لا يمكن إدراك تفاصيل أعضائه لا بالنظر ولا بالفكر. كيف دبت أي مشت. وضنت بالضاد المعجمة والنون أي بخلت، وفي بعض النسخ: صببت بالصاد المهملة والباء الموحدة على بناء المجهول، إما على القلب أي صب عليها الرزق، أو كناية عن هجومها واجتماعها على رزقها بإلهامه تعالى فكأنها صبت على الرزق، ويمكن أن يقرأ على بناء المعلوم من الصبابة وهي حرارة الشوق. لصدرها الصدر - بالتحريك - رجوع المسافر من مقصده، والشاربة من الورد أي تجمع في أيام التمكن من الحركة لايام العجز عنها، فإنها تخفى في شدة الشتاء لعجزها عن البرد. والمنان: هو كثير المن والعطاء. والديان: القهار والقاضى والحاكم والسائس و


(1) في بعض النسخ: إلى الموصوف الخاص، والمراد بالفكر الذى يدركه الانسان بغاية سعيه.

[ 28 ]

المجازي. والصفا - مقصورا - جمع الصفاة وهي الحجر الصلد الضخم الذي لا ينبت. و الجامس: اليابس الجامد، قال الخليل في كتاب العين: جمس الماء: جمد، وصخرة جامسة لزمت مكانا. انتهى. والضمير في علوها وسفلها إما راجع إلى المجاري، أو إلي النملة أي ارتفاع أجزاء بدنها وانخفاضها على وجه تقتضيه الحكمة. وقال الجوهري: الشراسيف: مقاط الاضلاع وهي اطرافها التي تشرف على البطن ويقال: الشرسوف: غضروف معلق بكل ضلع، مثل غضروف الكتف. لقضيت من خلقها عجبا القضاء بمعنى الاداء أي لاديت عجبا، ويحتمل أن يكون بمعنى الموت أي لقضيت نحبك من شدة تعجبك، و يكون عجبا مفعولا لاجله. ولو ضربت أي سرت، كما قال تعالى: إذا ضربتم في الارض. غاياته أي غايات فكرك. إلا سواء أي في دقة الصنعة وغموض الخلقة، أو في الدلالة على الفاطر وكمال قدرته وعلمه. والقلال بالكسر جمع قلة بالضم، وهي أعلى الجبل. زعموا أنهم كالنبات أي كما زعموا في النبات، أو كنبات لا زارع له حيث لا ينسب إلى الزارع وإن نسب إلى ربه تعالى. لما وعوا أي جمعوا وحفظوا. وأسرج لها حدقتين أي جعلهما مضيئتين كالسراج، ويقال: حدقة قمراء أي منيرة، كما يقال: ليلة قمراء أي نيرة بضوء القمر. بهما تقرض بكسر الراء أي تقطع. والمنجل - كمنبر -: حديدة يقضب بها الزرع، شبهت بها يداها. والذب: الدفع والمنع. في نزواتها أي وثباتها. وخلقها كله الواو حالية. سلما بالكسر وبالتحريك أي استسلاما وانقيادا. وأرسى أي أثبت أي جعل لها رجلين يمكنها الاستقرار بهما على الاراضي اليابسة والندية. والهطل: تتابع المطر. والديم بكسر الدال وفتح الياء جمع الديمه بالكسر، وهي المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق. والجذوب: قلة النبات والزرع. 2 - ج: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى. قال: فمن لم يدله خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار ودوران الفلك بالشمس والقمر والآيات العجيبات على أن وراء ذلك أمرا هو أعظم منه فهو في الآخرة أعمى. قال: فهو عما لم يعاين أعمى وأضل سبيلا. بيان: لعل المراد على هذا التفسير: فهو في أمر الآخرة التي لم ير آثارها أشد عمى وضلالة.

[ 29 ]

3 - ج: روي عن هشام بن الحكم أنه قال: كان من سؤال الزنديق الذي أتى أبا عبد الله عليه السلام قال: ما الدليل على صانع العالم ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: وجود الافاعيل التى دلت على أن صانعها صنعها، ألا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أن له بانيا وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده. قال: وما هو ؟ قال: هو شئ بخلاف الاشياء، أرجع بقولي: شئ إلى إثباته وأنه شئ بحقيقة الشيئية، غير أنه لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يجس، ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الاوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا يغيره الزمان. قال السائل: فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا، قال أبو عبد الله عليه السلام: لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد منا مرتفعا (1) فإنا لم نكلف أن نعتقد غير موهوم، لكنا نقول: كل موهوم بالحواس مدرك بها تحده الحواس ممثلا فهو مخلوق، ولابد من إثبات صانع الاشياء خارجا من الجهتين المذمومتين: إحديهما النفى إذا كان النفي هو الابطال والعدم، والجهة الثانية التشبيه بصفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف، فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار منهم إليه أنهم مصنوعون، و أن صانعهم غيرهم وليس مثلهم، إذا كان مثلهم شبيها بهم (2) في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا، وتنقلهم من صغر إلى كبر، وسواد إلى بياض، وقوة إلى ضعف وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيره لثباتها ووجودها. قال السائل: فأنت قد حددته إذا ثبتت وجوده، قال أبو عبد الله عليه السلام: لم احدده ولكن اثبته، إذ لم يكن بين الاثبات والنفي منزلة. قال السائل: فقوله: الرحمن على على العرش استوى ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: بذلك وصف نفسه وكذلك هو مستول على العرش، بائن من خلقه من غير أن يكون العرش حاملا له، ولا أن العرش محل له، لكنا نقول: هو حامل للعرش وممسك للعرش، ونقول في ذلك: ما قال: وسع كرسيه السموات والارض. فثبتنا من العرش والكرسي ما ثبته، ونفينا أن يكون العرش والكرسي


(1) وفي نسخة: لكان التوحيد عنا مرتفعا. (2) وفي نسخة: إذ كان مثلهم شبيها لهم.

[ 30 ]

حاويا له وأن يكون عزوجل محتاجا إلى مكان إو إلى شئ مما خلق، بل خلقه محتاجون إليه. قال السائل: فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها نحو الارض ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواء ولكنه عزوجل أمر أولياءه وعباده برفع أيديهم إلى السماء نحو العرش لانه جعله معدن الرزق فثبتنا ما ثبته القرآن والاخبار عن الرسول صلى الله عليه وآله حين قال: ارفعوا أيديكم إلى الله عزوجل، وهذا تجمع عليه فرق الامة كلها. يد: الدقاق، عن أبي القاسم العلوي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن إبراهيم بن هاشم القمي، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن الحكم مثله مع زيادة اثبتناها في باب احتجاج الصادق عليه السلام على الزنادقة. بيان: قوله عليه السلام: وأنه شئ بحقيقة الشيئية المراد بالشيئية إما الوجود، أو معنى مساوق له، وعلى التقديرين فالمراد إما بيان عينية الوجود، أو قطع طمع السائل عن تعقل كنهه تعالى بل بأنه شئ وأنه بخلاف الاشياء. والجس - بالجيم -: المس. قوله: فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا أي يلزم مما ذكرت أنه لا تدركه الاوهام أن كل ما يحصل في الوهم يكون مخلوقا، فأجاب عليه السلام بما حاصله أن مرادنا أنه تعالى لا يدرك كنه حقيقته العقول والاوهام، ولا يتمثل أيضا في الحواس، إذ هو مستلزم للتشبيه بالمخلوقين، ولو كان كما توهمت من أنه لا يمكن تصوره تعالى بوجه من الوجوه لكان تكليفنا بالتصديق بوجوده وتوحيده وسائر صفاته تكليفا بالمحال، إذ لا يمكن التصديق بثبوت شئ لشئ بدون تصور ذلك الشئ، فهذا القول مستلزم لنفي وجوده وسائر صفاته عنه تعالى، بل لابد. في التوحيد من إخراجه عن حد النفي والتعطيل وعن حد التشبيه بالمخلوقين، ثم استدل عليه السلام بتركيبهم وحدوثهم وتغير أحوالهم وتبدل أوضاعهم على احتياجهم إلى صانع منزه عن جميع ذلك، غير مشابه لهم في الصفات الامكانية، وإلا لكان هو أيضا مفتقرا إلى صانع لاشتراك علة الافتقار. قوله: فقد حددته إذا ثبتت وجوده أي إثبات الوجود له يوجب التحديد، إما

[ 31 ]

بناء على توهم أن كل موجود لابد أن يكون محدودا بحدود جسمانية أو بحدود عقلانية، أو باعتبار التحدد بصفة هو الوجود، أو باعتبار كونه محكوما عليه فيكون موجودا في الذهن محاطا به. فأجاب عليه السلام بأنه لا يلزم أن يكون كل موجود جسما أو جسمانيا حتى يكون محدودا بحدود جسمانية، ولا أن يكون مركبا حتى يكون محدودا بحدود عقلانية أو لا يلزم كون حقيقته حاصلة في الذهن أو محدودة بصفة فإن الحكم لا يستدعي حصول الحقيقة في الذهن، والوجود ليس من الصفات الموجودة المغايرة التي تحد بها الاشياء. 4 - ج: عن هشام بن الحكم قال: دخل ابن أبي العوجاء على الصادق عليه السلام فقال له الصادق: يا ابن أبي العوجاء أمصنوع أنت أم غير مصنوع ؟ قال: لست بمصنوع، فقال له الصادق عليه السلام: فلو كنت مصنوعا كيف كنت تكون ؟ فلم يحر ابن أبي العوجاء جوابا وقام وخرج. يد: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام مثله. بيان: لما كان التصديق بوجود الصانع تعالى ضروريا نبهه عليه السلام بأن العقل يحكم بديهة بالفرق بين المصنوع وغيره، وفيك جميع صفات المصنوعين فكيف لم تكن مصنوعا ؟. (1) 5 - ج: دخل أبو شاكر الديصاني وهو زنديق (2) على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: يا جعفر بن محمد دلني على معبودي، فقال أبو عبد الله عليه السلام: اجلس - فإذا غلام صغير في كفه بيضة يلعب بها - فقال أبو عبد الله عليه السلام: ناولنى يا غلام البيضة، فناوله إياها، فقال


(1) لا يخفى أن الرواية غير مسوقة للتنبيه على ما ذكره، بل إلزام له بالترجيح بلا مرجح فان اختياره عدم المصنوعية مع جواز مصنوعيته قول بلا دليل. ط (2) الزنديق بالكسر من الثنوية أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالاخرة والربوبية أو من يبطن الكفر ويظهر الايمان، أو هو معرب زن دين أي دين المرأة، قاله في القاموس. وفي المصباح: المشهور على ألسنة الناس أن الزنديق هو الذى لا يتمسك بشريعة ويقول بدوام الدهر والعرب تعبر عن هذا بقولهم: ملحد، أي طاعن في الاديان. انتهى. ونقل عن مفاتيح العلوم: أن الزنادقة هم المانوية وكانت المزدكية يسمون بذلك. أقول: والظاهر أن الزنديق معرب لزند دين، والزند اسم لكتاب المجوس جاء زردشت الذى يزعم المجوس أنه نبى، أو معرب زندي أي المنسوب إلى زند فاخذ كلمة واحدة وزيد عليه القاف وله نظائر.

[ 32 ]

أبو عبد الله عليه السلام: يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها لم يخرج (1) منها خارج مصلح فيخبر عن إصلاحها، ولم يدخل (2) فيها داخل مفسد فيخبر عن إفسادها لا يدرى للذكر خلقت أم للانثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى لها مدبرا ؟ قال: فأطرق مليا ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأنك إمام وحجة من الله على خلقه، وأنا تائب مما كنت فيه. 6 - يد: ابن المتوكل: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن أبي إسحاق الخفاف، عن عدة من أصحابنا أن عبد الله الديصاني أتى باب أبي عبد الله عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له، فلما قعد قال له: يا جعفر بن محمد دلني على معبودي، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: ما اسمك ؟ فخرج عنه ولم يخبره باسمه، فقال له أصحابه: كيف لم تخبره باسمك ؟ قال: لو كنت قلت له: عبد الله كان يقول: من هذا الذي أنت له عبد ؟ فقالوا له: عد إليه فقل: يدلك على معبودك ولا يسألك عن اسمك، فرجع إليه فقال له: يا جعفر دلني على معبودي ولا تسألني عن اسمي، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: اجلس وإذا غلام صغير إلى آخر الخبر. بيان: قد أوردنا الخبر بتمامه في باب القدرة. وتقرير استدلاله عليه السلام أن ما في البيضة من الاحكام والاتقان والاشتمال على ما به صلاحها وعدم اختلاط ما فيها من الجسمين السيالين - والحال أنه ليس فيها حافظ لها من الاجسام فيخرج مخبرا عن صلاحها، ولا يدخلها جسماني من خارج فيفسدها، وهي تنفلق عن مثل ألوان الطواويس - يدل على أن له مبدء غير جسم ولا جسماني، ولا يخفى لطف نسبة الاصلاح إلى ما يخرج منها، والافساد إلى ما يدخل فيها، لان هذا شأن أهل الحصن الحافظين له وحال الداخل فيه بالقهر والغلبة.


(1) في الاحتجاج المطبوع: لا يخرج. (2) في الاحتجاج المطبوع: ولا تدخل.

[ 33 ]

7 - ج: عن عيسى بن يونس قال: كان ابن أبي العوجاء (1) من تلامذة الحسن البصري فانحرف عن التوحيد فقيل له: تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة، قال: إن صاحبي كان مخلطا يقول: طورا بالقدر وطورا بالجبر فما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه، فقدم مكة تمردا وإنكارا على من يحج، وكان يكره العلماء مجالسته ومساءلته لخبث لسانه وفساد ضميره، فأتى أبا عبد الله عليه السلام فجلس إليه في جماعة من نظرائه فقال: يا أبا عبد الله إن المجالس بالامانات، ولابد لكل من به سعال أن يسعل أفتأذن لي في الكلام ؟ فقال الصادق عليه السلام: تكلم بما شئت، فقال: إلى كم تدوسون هذا البيدر، (2) وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله كهرولة البعير إذا نفر ؟ إن من فكر في هذا وقدر علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنك رأس هذا الامر وسنامه، وأبوك اسه ونظامه. فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق ولم يستعذ به، وصار الشيطان وليه، يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره، وهذا بيت استعبد الله به عباده ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته، وجعله محل أنبيائه، وقبلة للمصلين له، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال، ومجتمع العظمة والجلال، خلقه الله قبل دحو الارض بألفي عام، فأحق من اطيع فيما أمر وانتهي عما نهى عنه وزجر، الله المنشئ للارواح والصور. فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت الله (3) فأحلت على غائب. فقال أبو عبد الله عليه السلام: ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، وإليه أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم، ويعلم أسرارهم.


(1) عده السيد المرتضى رحمه الله في كتابه الامالى ممن كان يتستر باظهار الاسلام ويحقن باظهار شعائره والدخول في جملة أهله دمه وماله، وكان في الباطن زنديقا ملحدا، وكافرا مشركا، وقال: حكى ان عبد الكريم بن أبى العوجاء قال - لما قبض عليه محمد بن سليمان وهو والى الكوفة من قبل المنصور، وأحضره للقتل، وأيقن بمفارقة الحياة -: لان قتلتموني لقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة. (2) البيدر: الموضع الذى يجمع فيه الحصيد ويداس ويدق. (3) في الامالى: ذكرت يا أبا عبد الله

[ 34 ]

فقال ابن أبي العوجاء: فهو في كل مكان أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الارض ؟ وإذا كان في الارض كيف يكون في السماء ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأما الله العظيم الشأن الملك الديان فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان. لى: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن أبي أحمد محمد بن زياد الازدي، عن الفضل بن يونس مثله. ع: الهمداني والمكتب والوراق جميعا، عن علي، عن أبيه، عن الفضل مثله. 8 - يد: الدقاق، عن حمزة بن القاسم العلوي، عن البرمكي، عن داود بن عبد الله، عن عمرو بن محمد، عن عيسى بن يونس مثله، وزاد في آخره: والذي بعثه بالايات المحكمة والبراهين الواضحة، وأيده بنصره، واختاره لتبليغ رسالته صدقنا قوله: بأن ربه بعثه وكلمه. فقام عنه ابن أبي العوجاء وقال لاصحابه: من ألقاني في بحر هذا ؟. وفي رواية ابن الوليد: من ألقاني في بحر هذا، سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة فألقيتموني على جمرة. قالوا: ما كنت في مجلسه إلا حقيرا، قال: إنه ابن من حلق رؤوس من ترون. بيان: الطوب بالضم: الآجر. وطعام وخيم: غير موافق، واستوخمه أي لم يستمرأه. ولم يستعذبه أي لم يدرك عذوبته. وحاصل ما ذكره عليه السلام: أنه تعالى إنما استعبدهم بذلك ليختبرهم في إطاعتهم له، والاختبار فيما خفي وجه الحكمة فيه على أكثر العقول أكثر، مع أن لخصوص هذا المكان الشريف مزايا وشرائف لكونه محل الانبياء وقبلة المصلين وسابقا في الخلق على جميع الارض، وقد أشار عليه السلام بقوله: فهو شعبة مع الفقرات التي بعدها إلى ما جعل الله فيه من الكمالات المعنوية والاسرار الخفية حيث جعله محلا لقربه ورضوانه، ومهبطا لرحماته وغفرانه، وما أفاض عليه من أنوار جبروته، وأخفى فيه من أسرار ملكوته. والاستواء: الاعتدال. والوريد: هو العرق الذي في صفحة العنق وبقطعه تزول الحياة، ففي التشبيه به دون سائر الاعضاء إشعار بكيفية قربه بأن قربه قرب بالعلية والتأثير، وفيما بعدها من الفقر إشارة إلى جهة اخرى من قربه وهي

[ 35 ]

الاحاطة العلمية. والخمرة بالضم: حصيرة صغيرة من السعف أي طلبت منكم أن تطلبوا لي خصما ألعب به كالخمرة فألقيتموني على جمرة ملتهبة. 9 - ج: وروي أن الصادق عليه السلام قال لابن أبي العوجاء: إن يكن الامر كما تقول - وليس كما تقول - نجونا ونجوت، وإن يكن الامر كما نقول نجونا وهلكت. 10 - ن، م، ج: وبالاسناد، عن أبي محمد عليه السلام أنه قال في تفسسير قوله تعالى: الذي جعل لكم الارض فراشا. الآية: جعلها ملائمة لطبائعكم، موافقة لاجسادكم، لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم، (1) ولا شديدة النتن فتعطبكم، (2) ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم (3) وأبنيتكم ودفن موتاكم، ولكنه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به وتتماسكون، وتتماسك عليها أبدانكم (4)، وجعل فيها من اللين منا تنقاد به لحرثكم (5) وقبوركم وكثير من منافعكم، فلذلك جعل الارض فراشا لكم، ثم قال: والسماء بناء يعني سقفا من فوقكم محفوظا يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم. ثم قال: وأنزل من السماء ماء يعني المطر ينزله من علا ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم، (6) ثم فرقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلا لتنشفه أرضكم، (7) ولم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة فتفسد أرضكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم. ثم قال: فأخرج به من الثمرات رزقا لكم يعني مما يخرجه من الارض رزقا لكم. فلا تجعلوا لله أندادا أي أشباها وأمثالا من الاصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شئ وأنتم تعلمون أنها لا تقدر على شئ من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم.


(1) جمع الهامة وهى الرأس. (2) أي فتهلككم. (3) في العيون: دوركم. (4) في العيون: وبنيانكم. (5) في العيون: لدوركم. (6) جمع الوهدة وهى الارض المنخفضة. والهوة في الارض. (7) نشف الماء في الارض: ذهب وجرى وسال. (*)

[ 36 ]

بيان: الهضاب جمع الهضبة وهي الجبل المنبسط على الارض، أو جبل خلق من صخرة واحدة. والرذاذ كسحاب: المطر الضعيف، أو الساكن الدائم الصغار القطر، والوابل: المطر الشديد الضخم القطر. والهطل: المطر الضعيف الدائم، وتتابع المطر المتفرق العظيم القطر. والطلل: المطر الضعيف، أو أخف المطر وأضعفه، أو الندى، أو فوقه ودون المطر. كل ذلك ذكرها الفيروز آبادي. 11 - يد، لى، ن: العطار، عن سعد، عن ابن هاشم، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام أنه دخل عليه رجل فقال له: يا ابن رسول الله ما الدليل على حدوث العالم ؟ فقال: أنت لم تكن ثم كنت، وقد علمت أنك لم تكون نفسك ولا كونك من هو مثلك. ج: مرسلا مثله. 12 - يد، ن: ماجيلويه، عن عمه، عن أبي سمينة محمد بن علي الكوفي الصيرفي، (1) عن محمد بن عبد الله الخراساني خادم الرضا عليه السلام (2) قال: دخل رجل من الزنادقة على الرضا عليه السلام وعنده جماعة فقال له أبو الحسن عليه السلام: أرأيت إن كان القول قولكم - وليس هو كما تقولون - ألسنا وإياكم شرعا سواء، ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا ؟ فسكت. فقال أبو الحسن عليه السلام: إن يكن القول قولنا - وهو ما نقول - (3) ألستم قد هلكتم ونجونا ؟ قال: رحمك الله فأوجدني كيف هو وأين هو ؟ قال: ويلك إن الذى ذهبت إليه غلط هو أين الاين وكان ولا أين، وهو كيف الكيف وكان ولا كيف، فلا يعرف بكيفوفية ولا بأينونية ولا بحاسة ولا يقاس بشئ، قال الرجل: فإذن


(1) هو محمد بن على بن ابراهيم بن موسى أبو جعفر القرشى مولاهم الصيرفى، هكذا عنونه النجاشي في ص 234 من رجاله وقال: ابن اخت خلاد المقرى، وهو خلاد بن عيسى، وكان يلقب محمد بن على أبا سمينة، ضعيف جدا، فاسد الاعتقاد، لا يعتمد في شئ، وكان ورد قم وقد اشتهر بالكذب بالكوفة ونزل على احمد بن محمد بن عيسى مدة، ثم تشهر بالغلو فخفي، وأخرجه أحمد بن محمد بن عيسى عن قم وله قصة الخ (2) غير معلوم حاله. (3) وفي نسخة: وهو قولنا وكما نقول.

[ 37 ]

أنه لا شئ إذا لم يدرك بحاسة من الحواس، فقال أبو الحسن عليه السلام: ويلك لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا، وأنه شئ بخلاف الاشياء. قال الرجل: فأخبرني متى كان ؟ قال أبو الحسن عليه السلام: أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان. قال الرجل: فما الدليل عليه ؟ قال أبو الحسن عليه السلام: إني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول، ودفع المكاره عنه، وجر المنفعة إليه علمت أن لهذا البنيان بانيا فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السحاب، وتصريف الرياح، ومجرى الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات علمت أن لهذا مقدرا و منشئا قال الرجل: فلم احتجب ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إن الحجاب على الخلق (1) لكثرة ذنوبهم فأما هو فلا تخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار، قال: فلم لا تدركه حاسة البصر ؟ قال: للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الابصار منهم ومن غيرهم، ثم هو أجل من أن يدركه بصر، أو يحيط به وهم، أو يضبطه عقل. قال: فحده لي، فقال: لاحد له، قال: ولم ؟ قال: لان كل محدود متناه إلى حد، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود ولا متزائد ولا متناقص، ولا متجزى ولا متوهم، قال الرجل: فأخبرني عن قولكم: إنه لطيف وسميع وبصير وعليم وحكيم، (2) أيكون السميع إلا بالاذن، والبصير إلا بالعين، واللطيف إلا بعمل اليدين، والحكيم إلا بالصنعة ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إن اللطيف منا على حد اتخاذ الصنعة، أو ما رأيت الرجل يتخذ شيئا فيلطف في اتخاذه فيقال: ما ألطف فلانا ! فكيف لا يقال للخالق الجليل: لطيف إذ خلق خلقا لطيفا وجليلا وركب في الحيوان منه أرواحها، وخلق كل جنس متبائنا من جنسه في الصورة ولا يشبه بعضه بعضا ؟ فكل له لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته، ثم نظرنا إلى الاشجار وحملها أطائبها المأكولة منها وغير المأكولة فقلنا عند


(1) في نسخة من التوحيد: ان الاحتحاب عن الخلق. (2) في التوحيد: لطيف سميع. بترك العاطف في الجميع.

[ 38 ]

ذلك: إن خالقنا لطيف، لا كلطف خلقه في صنعتهم، وقلنا: إنه سميع لانه لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثرى، من الذرة إلى أكبر منها، في برها وبحرها، ولا تشتبه عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك: إنه سميع لا باذن، وقلنا: إنه بصير لا ببصر لانه يرى أثر الذرة السحماء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجنة، ويرى مضارها ومنافعها وأثر سفادها (1) وفراخها ونسلها فقلنا عند ذلك: إنه بصير لا كبصر خلقه، قال: فما برح حتى أسلم. وفيه كلام غير هذا. ج: رواه مرسلا عن محمد بن عبد الله الخراساني إلى آخر الخبر. بيان: أوجدني أي أفدني كيفيته ومكانه، وأظفرني بمطلبي الذي هو العلم بهما. هو أين الاين أي جعل الاين أينا بناا على مجعولية الماهيات، أو أوجد حقيقة الاين وكذا الكيف. والكيفوفية والاينونية الاتصاف بالكيف والاين. قوله: فإذن أنه لا شئ هذا السائل لما كان وهمه غالبا على عقله زعم أن الموجود ما يمكن إحساسه فنفى الوجود عنه تعالى بناا على أنه عليه السلام نفى عنه أن يحس فأجاب عليه السلام بأنك جعلت تعاليه عن أن يدرك بالحواس دليلا على عدمه، ونحن إذا عرفناه بتعاليه عن أن يدرك بالحواس أيقنا أنه ربنا بخلاف شئ من الاشياء، إذا المحسوسية تستلزم امورا كل منها مناف للربوبية على ما برهن عليه في محله. قوله: فأخبرني متى كان الظاهر أنه سأل عن ابتداء كونه ووجوده، ويحتمل أن يكون السؤال عن أصل زمان وجوده تعالى، فعلى الاول حاصل جوابه عليه السلام أن ابتداء الزمان إنما يكون لحادث كان معدوما ثم صار موجودا وهو تعالى يستحيل عليه العدم، وعلى الثاني فالمراد أن الكائن في الزمان إنما يكون فيه بتغير وتبدل في ذاته وصفاته لان الزمان نسبة المتغير إلى المتغير فيكون بحال في زمان لا يكون كذلك في زمان آخر، وهو متعال عن التغير في الذات والصفات. قوله: فلم احتجب توهم السائل أن احتجابه تعالى عبارة عن كونه وراء حجاب، فأجاب عليه السلام بأنا غير محجوبين عنه لاحاطة علمه بنا، وكنه ذاته وصفاته محجوبة عنا لعجزنا وقصورنا عن إدراكه بأن يكون المراد بالذنوب الحجب الظلمانية الامكانية، ويحتمل أن يكون


(1) السفاد: الجماع.

[ 39 ]

المراد أن عدم ظهوره تعالى على عامة الخلق كظهوره على أوليائه لغاية المعرفة إنما هو لذنوبهم التي حالت بينهم وبين تلك المعرفة، وإلا فهو تعالى قد تجلى لاوليائه فظهر لهم ظهورا فوق الاحساس، والجواب عن الاحساس ظاهر، إذ الفرق بينه وبين خلقه وهو كونه غير جسم ولا جسماني ولا حاصلا في جهة ومكان هو الذى صار سببا لعدم إمكان رؤيته. قوله: فحده يحتمل أن يكون المراد التحديد بالحدود الجسمانية، فحاصل جوابه عليه السلام أن الحد نهاية لشئ ذي مقدار يمكن أن ينتهي إلى نهاية اخرى بعد تلك النهاية فيزيد مقداره، ومثل هذا يمكن نقصانه لكون المقادير قابلة للانقسام فيكون ذا أجزاء فيكون محتاجا إلى أجزائه فيكون ممكنا فلا يكون صانعا بل يكون مصنوعا، أو احتمال النقص ينافي الكمال الذي يحكم الوجدان باتصاف الصانع به. والسحماء: السوداء. والدجنة بكسر الجيم أي المتغيمة المظلمة. وسيأتي تفسير آخر الخبر في باب معاني الاسماء. قوله: وفيه كلام غير هذا أي قيل: إنه لم يسلم، أو في الخبر تتمة تركناها. 13 - لى: أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم قال: دخل أبو شاكر الديصاني على أبي عبد الله الصادق عليه السلام فقال له: إنك أحد النجوم الزواهر، وكان آباؤك بدورا بواهر، وامهاتك عقيلات عباهر، وعنصرك من أكرم العناصر، وإذا ذكر العلماء فبك تثنى الخناصر فخبرني أيها البحر الخضم الزاخر، ما الدليل على حدث العالم ؟ فقال الصادق عليه السلام: يستدل عليه بأقرب الاشياء، قال: وما هو ؟ قال: فدعى الصادق عليه السلام بيضة فوضعها على راحته ثم قال: هذا حصن ملموم، داخله غرقئ رقيق، تطيف به فضة سائلة وذهبة مائعة، ثم تنفلق عن مثل الطاووس أدخلها شئ ؟ قال: لا، قال: فهذا الدليل على حدث العالم، قال: أخبرت فأوجزت، وقلت فأحسنت، وقد علمت أنا لا نقبل إلا ما أدركناه بأبصارنا، أو سمعناه بآذاننا، أو لمسناه بأكفنا، أو شممناه بمناخرنا، أو ذقناه بأفواهنا، أو تصور في القلوب بيانا واستنبطنه الروايات إيقانا، فقال الصادق عليه السلام: ذكرت الحواس الخمس وهي لا تنفع شيئا بغير دليل كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح.

[ 40 ]

يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن منصور، عن هشام بن الحكم مثله. بيان: قال الجوهري: العقيلة: كريمة الحي، والدرة: عقيلة البحر. وقال الفيروز آبادي: العبهر: الممتلي الجسيم والعظيم الناعم الطويل من كل شئ كالعباهر فيهما وبهاء الجامعة للحسن والجسم والخلق. انتهى. والعنصر: الاصل. قوله ؟ فبك تثنى الخناصر أي أنت تعد أولا قبلهم لكونك أفضل وأشهر منهم، وإنما يبده في العد بالخنصر. والثني: العطف. والخضم بكسر الخاء وفتح الضاد المشددة (1) الكثير العطاء. وقال الجوهري: زخرالولذي: إذا امتد جدا وارتفع، يقال: بحر زاخر. وقال: كتيبة ملمومة: مضمومة بعضها إلى بعض. وقال: الغرقئ: قشر البيض التي تحت القيض، و القيض: ما تفلق من قشور البيض. قوله عليه السلام: وهي لا تنفع شيئا بغير دليل أي هي عاجزة تتوقف إدراكها على شرائط فكيف تنفي ما لم تدركه بحسك ؟ (2) كما أن البصر لا يبصر الاشياء بغير مصباح، ويحتمل أن يكون المراد بالدليل العقل أي لا تنفع الحواس بدون دلالة العقل فهو كالسراج لاحساس الحواس، وأنت قد عزلت العقل وحكمه واقتصرت على حكم الحواس. 14 - م، ن: محمد بن القاسم المفسر، عن يوسف بن محمد بن زياد، وعلي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي، عن أبيه علي بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه الرضا على بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد ابن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام - في قول الله عزوجل: هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوي إلى السماء فسويهن سبع سموات وهو بكل شئ عليم - قال -: هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا لتعتبروا به وتتوصلوا به إلى رضوانه، وتتوقوا به من عذاب نيرانه، ثم استوى إلى السماء أخذ في خلقها وإتقانها، فسويهن سبع سماوات وهو بكل شئ


(1) في الصحاح: الخضم بوزن الهجف. (2) بل المراد أن الحواس إنما لها الادراك التصورى وأما التصديق والحكم فللعقل. ط

[ 41 ]

عليم، ولعلمه بكل شئ علم المصالح فخلق لكم كل ما في الارض لمصالحكم يا بني آدم. 15 - ن: الطالقاني، عن ابن عقدة، (1) عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت له: لم خلق الله عزوجل الخلق على أنواع شتى، ولم يخلقهم نوعا واحدا ؟ فقال: لئلا يقع في الاوهام أنه عاجز فلا تقع صورة في وهم ملحد إلا وقد خلق الله عزوجل عليها خلقا، ولا يقول قائل: هل يقدر الله عزوجل على أن يخلق على صورة كذا وكذا إلا وجد ذلك في خلقه تبارك وتعالى فيعلم بالنظر إلى أنواع خلقه أنه على كل شئ قدير. 16 - م، مع: محمد بن القاسم المفسر، عن يوسف بن محمد بن زياد، وعلي بن محمد بن سيار - وكانا من الشيعة الامامية - عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام في قول الله عزوجل: بسم الله الرحمن الرحيم فقال: الله هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من كل من دونه وتقطع الاسباب من جميع من سواه، تقول: بسم الله أي أستعين على اموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة إلا له، المغيث إذا استغيث، والمجيب إذا دعي، وهو ما قال رجل للصادق عليه السلام: يا ابن رسول الله دلني على الله ما هو ؟ فقد أكثر علي المجادلون وحيروني، فقال له: يا عبد الله هل ركبت سفينة قط ؟ قال: نعم، قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك ؟ قال: نعم، قال: فهل تعلق قلبك هنالك أن شيئا من الاشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك ؟ قال: نعم، قال الصادق عليه السلام: فذلك الشئ هو الله القادر على الانجاء حيث لا منجي، وعلي الاغاثة حيث لا مغيث. بيان: قال الفيروز آبادي: أله إليه كفرح: فزع ولاذ، وألهه: أجاره وآمنه.


(1) بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الدال، هو أحمد بن محمد بن سعيد السبيعى الهمداني الحافظ، المكنى بأبى العباس، ترجمه العامة والخاصة في كتب تراجمهم، وبالغوا في إكباره والثناء عليه، قال النجاشي في ص 68 من رجاله: أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن زياد بن عبد الله بن زياد بن عجلان، مولى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس السبيعى الهمداني، هذا رجل جليل في أصحاب الحديث، مشهور بالحفظ، والحكايات تختلف عنه في الحفظ وعظمه، وكان كوفيا زيديا جاروديا على ذلك مات. الخ.

[ 42 ]

17 - ل: الفامي وابن مسرور، عن محمد بن جعفر بن بطة، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه عليه السلام أن رجلا قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا أمير المؤمنين بما عرفت ربك ؟ قال: بفسخ العزم، (1) ونقض الهمم، لما أن هممت حال بيني وبين همي، وعزمت فخالف القضاء عزمي، فعلمت أن المدبر غيري قال: فبماذا شكرت نعماءه ؟ قال: نظرت إلى بلاء قد صرفه عني وأبلى به غيري فعلمت أنه قد أنعم علي فشكرته، قال: فبماذا أحببت لقاءه ؟ قال: لما رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه علمت أن الذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاءه. يد: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام مثله. 18 - يد: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن محمد بن علي الكوفي، عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي هاشم، عن أحمد بن محسن الميثمي قال: كنت عند أبي منصور المتطبب فقال: أخبرني رجل من أصحابي قال: كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبد الله بن المقفع (2) في المسجد الحرام فقال ابن المقفع: ترون هذا الخلق ؟ - وأومى بيده إلى موضع الطواف - ما منهم أحد أوجب له اسم الانسانية (3) إلا ذلك الشيخ الجالس - يعني جعفر ابن محمد عليهما السلام - فأما الباقون فرعاع وبهائم، فقال له ابن أبي العوجاء وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء ؟ قال: لاني رأيت عنده ما لم أر عندهم، فقال ابن أبي العوجاء: ما بد من اختبار ما قلت فيه منه، فقال له ابن المقفع: لا تفعل فإني أخاف أن


(1) وفي نسخة: بفسخ العزائم. (2) قيل: إن اسمه " روز به " قبل الاسلام وعبد الله بعد الاسلام، والمقفع اسمه المبارك، ولقب بالمقفع لان الحجاج بن يوسف ضربه ضربا فتقفعت يده - ورجل متقفع اليدين أي متشنجهما - و قيل: هو المقفع بكسر العين، لعمله القفعة - بفتح القاف وسكون الفاء - والقفعة: شئ يشبه الزنبيل بلا عروة وتعمل من خوص ليست بالكبيرة. ذكر السيد المرتضى في ج 1 ص 89 من أماليه ابن المقفع من جملة الزنادقة والملاحدة الذين يبطنون الكفر ويظهرون الاسلام. (3) في نسخة وجب له اسم الانسانية.

[ 43 ]

يفسد عليك ما في يدك، فقال: ليس ذا رأيك ولكنك تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إياه المحل الذي وصفت، فقال ابن المقفع: أما إذا توهمت علي هذا فقم إليه وتحفظ ما استطعت من الزلل، ولا تثن عنانك إلى استرسال يسلمك إلى عقال، وسمه مالك أو عليك، قال: فقام ابن أبي العوجاء وبقيت وابن المقفع فرجع إلينا وقال: يا ابن المقفع ما هذا ببشر، وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهرا ويتروح إذا شاء باطنا فهو هذا، فقال له: وكيف ذاك ؟ قال: جلست إليه فلما لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال: إن يكن الامر على ما يقول هؤلاء وهو على ما يقولون - يعني أهل الطواف - فقد سلموا وعطبتم، وإن يكن الامر كما تقولون - وليس كما تقولون - فقد استويتم وهم، فقلت له: يرحمك الله وأي شئ نقول ؟ وأي شئ يقولون ؟ ما قولي وقولهم إلا واحدا، فقال: كيف يكون قولك وقولهم واحدا وهم يقولون: إن لهم معادا وثوابا وعقابا، ويدينون بأن للسماء إلها، وأنها عمران، وأنتم تزعمون أن السماء خراب ليس فيها أحد. قال: فاغتنمتها منه فقلت له: ما منعه إن كان الامر كما تقول أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتى لا يختلف منهم اثنان، ولما احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل ؟ ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الايمان به. فقال لي: ويلك وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك ؟ نشؤك ولم تكن، وكبرك بعد صغرك، وقوتك بعد ضعفك، وضعفك بعد قوتك، وسقمك بعد صحتك، وصحتك بعد سقمك، ورضاك بعد غضبك، وغضبك بعد رضاك وحزنك بعد فرحك، وفرحك بعد حزنك، وحبك بعد بغضك، وبغضك بعد حبك، وعزمك بعد إبائك، وإباؤك بعد عزمك، وشهوتك بعد كراهتك، وكراهتك بعد شهوتك، ورغبتك بعد رهبتك، ورهبتك بعد رغبتك، ورجاؤك بعد يأسك، ويأسك بعد رجائك، وخاطرك بما لم يكن في وهمك، وعزوب ما أنت معتقده من ذهنك. ومازال يعد علي قدرته التي في نفسي التي لا أدفعها حتى ظننت أنه سيظهر فيما بيني وبينه. بيان: قال الجزري: رعاع الناس أي غوغاؤهم وسقاطهم وأخلاطهم، الواحد: رعاعة. قوله: ولا تثن، من الثني وهو العطف والميل أي لا ترخ عنانك إليه بأن تميل إلى الرفق والاسترسال والتساهل فتقبل منه بعض ما يلقي إليك. فيسلمك من التسليم أو

[ 44 ]

الاسلام. إلى عقال أي يعقلك بتلك المقدمات التي تسلمت منه بحيث لا يبقى لك مفر كالبعير المعقول. قوله: وسمه مالك أو عليك، نقل عن الشيخ البهائي قدس الله روحه أنه من السوم، من سام البائع السلعة يسوم سوما، إذا عرضها على المشتري وسامها المشتري بمعنى استامها، والضمير راجع إلى الشيخ على طريق الحذف والايصال، والموصول مفعوله. ويروى عن الفاضل التستري نور ضريحه أنه كان يقرأ " سمه " بضم السين وفتح الميم المشددة، أمرا من سم الامر يسمه إذا سبره ونظر إلى غوره، والضمير راجع إلى ما يجري بينهما، والموصول بدل عنه، وقيل: هو من سممت سمك. أي قصدت قصدك، والهاء للسكت أي اقصد مالك وما عليك. والاظهر أنه من وسم يسم سمة بمعني الكي (1) والضمير راجع إلى ما يريد أن يتكلم به أي اجعل على ما تريد أن تتكلم به علامة لتعلم أي شئ لك وأي شئ عليك، فالموصول بدل من الضمير. قوله عليه السلام: وهو على ما يقولون اعترض عليه السلام الجملة الحالية بين الشرط والجزاء للاشارة إلى ما هو الحق، ولئلا يتوهم أنه عليه السلام في شك من ذلك. والعطب: الهلاك. قوله عليه السلام: ليس فيها أحد أي لها أو عليها أو بالظرفية المجازية لجريان حكمه وحصول تقديره تعالى فيها، وحاصل استدلاله عليه السلام: أنك لما وجدت في نفسك آثار القدرة التي ليست من مقدوراتك ضرورة علمت أن لها بارئا قادرا، وكيف يكون غائبا عن الشخص من لا يخلو الشخص ساعة عن آثار كثيرة يصل منه إليه. 19 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن سعيد بن جناح، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما خلق الله خلقا أصغر من البعوض والجرجس أصغر من البعوض، والذي يسمونه الولغ أصغر من الجرجس، وما في الفيل شئ إلا وفيه مثله، وفضل على الفيل بالجناحين. (2)


(1) بل الاظهر أنه أمر من التسمية كناية عن تعيين ما هو مقبول عنده من المقدمات وما ليس بمقبول. (2) وبالرجلين، وخرطوم الفيل المصمت، وخرطومه مجوف نافذ للجوف، فإذا طعن به جسد الانسان استقى الدم وقذف به إلى جوفه فهو كالبلعوم والحلقوم ولذلك اشتد عضها، وقويت على خرق الجلود الغلاظ، ومما ألهمه الله تعالى أنه إذا جلس على عضو من أعضاء الانسان لا يزال يتوخى *

[ 45 ]

بيان: قال الفيروز آبادي: الجرجس بالكسر: البعوض الصغار. انتهى. فالمراد أن الجرجس أصغر من سائر أصناف البعوض ليوافق أول الكلام وكلام أهل اللغة، على أنه يحتمل أن يكون الحصر في الاول إضافيا كما أن الظاهر أنه لابد من تخصيصه بالطيور إذ قد يحس من الحيوانات ما هو أصغر من البعوض إلا أن يقال: يمكن أن يكون للبعوض أنواع صغار لا يكون شئ من الحيوانات أصغر منها. والولغ هنا بالغين المعجمة وفي الكافي بالمهملة، وهما غير مذكورين فيما عندنا من كتب اللغة، والظاهر أنه أيضا صنف من البعوض، والغرض بيان كمال قدرته تعالى فإن القدرة في خلق الاشياء الصغار أكثر وأظهر منها في الكبار كما هو المعروف بين الصناع من المخلوقين (1) فتبارك الله أحسن الخالقين. 20 - يد: الدقاق، عن الكليني بإسناده رفع الحديث: أن ابن أبي العوجاء حين كلمه أبو عبد الله عليه السلام عاد إليه في اليوم الثاني فجلس وهو ساكت لا ينطق، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كأنك جئت تعيد بعض ما كنا فيه ؟ فقال: أردت ذاك يا ابن رسول الله، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما أعجب هذا تنكر الله وتشهد أني ابن رسول الله ! فقال: العادة


* بخرطومه المسام التى يخرج منها العرق، لانها أرق بشرة من جلد الانسان فإذا وجدها وضع خرطومه فيها، وفيه من الشره أن يمص الدم إلى أن ينشق ويموت، أو إلى أن يعجز عن الطيران فيكون ذلك سبب هلاكه، ومن عجيب أمره أنه ربما قتل البعير وغيره من ذوات الاربع فيبقى طريحا في الصحراء فتجتمع السباع حوله، والطير التى تأكل الجيف، فمن أكل منها شيئا مات لوقته. قال وهب بن منبه لما أرسل الله تعالى البعوض على النمرود اجتمع منه في عسكره ما لا يحصى عددا فلما عاين النمرود ذلك انفرد عن جيشه ودخل بيته، وأغلق الابواب وأرخى الستور ونام على قفاه مفكرا، فدخلت بعوضة في أنفه وصعدت إلى دماغه فعذب بها أربعين يوما، حتى أنه كان يضرب برأسه الارض وكان أعز الناس عنده من يضرب رأسه ثم سقطت منه كالفرخ وهى تقول: كذلك يسلط الله رسله على من يشاء من عباده، ثم هلك حينئذ. وقد أودع الله في مقدم دماغها قوة الحفظ، وفي وسطه قوة الفكر وفي مؤخره قوة الذكر، وخلق لها حاسة البصر، وحاسة اللمس، وحاسة الشم، وخلق لها منفذا للغذاء، ومخرجا للفضلة، وخلق لها جوفا وأمعاءا وعظاما، فسبحان من قدر فهدى، ولم يخلق شيئا من المخلوقات سدى. قاله الدميري في كتابه حياة الحيوان. (1) هذا بحسب الدقة واللطف وكانه عليه السلام في هذا المقام، وأما بحسب القدرة فالامر بالعكس من جهة توفيق الذرات وتوديع القوى العظيمة الهائلة، قال تعالى: لخلق السموات والارض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون. المؤمن: 57. ط

[ 46 ]

تحملني على ذلك، فقال له العالم عليه السلام: فما يمنعك من الكلام ؟ قال: إجلالا لك (1) ومهابة ما ينطق لساني بين يديك فإني شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين فما تداخلني هيبة قط مثل ما تداخلني من هيبتك. قال: يكون ذلك ولكن أفتح عليك بسؤال و أقبل عليه، فقال له: أمصنوع أنت أو غير مصنوع ؟ فقال عبد الكريم بن أبي العوجاء: بل أنا غير مصنوع، فقال له العالم عليه السلام: فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون ؟ فبقي عبد الكريم مليا لا يحير جوابا، وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول: طويل عريض عميق قصير متحرك ساكن، كل ذلك صفة خلقه، (2) فقال له العالم عليه السلام: فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الامور، فقال له عبد الكريم: سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: هبك علمت أنك لم تسأل فيما مضى فما علمك أنك لا تسأل فيما بعد ؟ على أنك يا عبد الكريم نقضت قولك لانك تزعم أن الاشياء من الاول سواء، فكيف قدمت وأخرت ؟ ثم: قال: يا عبد الكريم أزيدك وضوحا، أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر فقال لك قائل: هل في الكيس دينار ؟ فنفيت كون الدينار في الكيس، فقال لك قائل: صف لي الدينار وكنت غير عالم بصفته هل كان لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس وأنت لا تعلم ؟ قال: لا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فالعالم أكبر وأطول وأعرض من الكيس فلعل في العالم صنعة من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة، فانقطع عبد الكريم وأجاب إلى الاسلام بعض أصحابه وبقي معه بعض، فعاد في اليوم الثالث فقال: اقلب السؤال ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: اسأل عما شئت، فقال: ما الدليل على حدث الاجسام ؟ فقال: إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وإذا ضم إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الاولى، ولو كان قديما ما زال ولا حال، لان الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه في الازل دخوله في القدم، ولن تجتمع صفة الازل والحدوث، والقدم والعدم


(1) في نسخة: إجلال لك. (2) وفي نسخة: كل ذلك صنعة خلقه.

[ 47 ]

في شئ واحد، (1) فقال عبد الكريم: هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت على حدوثها فلو بقيت الاشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدثها ؟ فقال العالم عليه السلام: إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه و وضعنا عالما آخر كان لا شئ أدل على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره، ولكن أجبتك (2) من حيث قدرت أن تلزمنا ونقول (3): إن الاشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ما ضم شئ (4) إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم كما بان في تغييره دخوله في الحدث (5) ليس لك وراءه شئ يا عبد الكريم، فانقطع وخزى. فلما أن كان من العام القابل التقى معه في الحرم فقال له بعض شيعته: إن ابن أبي العوجاء قد أسلم، فقال العالم عليه السلام: هو أعمى من ذلك لا يسلم، فلما بصر بالعالم قال: سيدي ومولاي، فقال له العالم: ما جاء بك إلى هذا الموضع ؟ فقال: عادة الجسد، وسنة البلد. ولنبصر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة، فقال له العالم: أنت بعد على عتوك وضلالك يا عبد الكريم، فذهب يتكلم فقال له: لا جدال في الحج، ونفض رداءه من يده وقال: إن يكن الامر كما تقول - وليس كما تقول - نجونا ونجوت، وإن يكن الامر كما نقول - وهو كما نقول - نجونا وهلكت، فأقبل عبد الكريم على من معه فقال: وجدت في قلبي حرارة فردوني، فردوه ومات، لا رحمه الله. ج: روى مرسلا بعض الخبر. تنوير: لا يحير جوابا بالمهملة أي لا يقدر عليه. والولوع بالشئ: الحرص عليه والمبالغة في تناوله. قوله: كل ذلك صفة خلقه أي خلق الخالق والصانع، ويمكن أن يقرأ بالتاء أي صفة المخلوقية، والحاصل أنه لما سأل الامام عليه السلام عنه أنك لو كنت مصنوعا هل كنت على غير تلك الاحوال والصفات التي أنت عليها الآن أم لا أقبل يتفكر


(1) في التوحيد المطبوع: ولن يجتمع صفة الازل والعدم في شئ واحد. (2) وفي نسخة: اجيبك. (3) وفي نسخة: فنقول. (4) وفي نسخة: ما ضم شئ منه إلى شئ منه. (5) وفي نسخة: كما أن في تغييره دخوله في الحدث.

[ 48 ]

في ذلك، فتنبه أن صفاته كلها صفات المخلوقين، وكانت معاندته مانعة عن الاذعان بالصانع تعالى فبقى متحيرا، فقال عليه السلام: إذا رجعت إلى نفسك ووجدت في نفسك صفة المخلوقين فلم لا تذعن بالصانع ؟ فاعترف بالعجز عن الجواب، وقال: سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ولا يسألني أحد بعدك. قوله عليه السلام: هبك أي افرض نفسك أنك علمت ما مضى وسلمنا ذلك لك، قال الفيروز آبادي: هبني فعلت أي احسبني فعلت وأعددني، كلمة للامر فقط. وحاصل جوابه عليه السلام: أو لا أنك بنيت امورك كلها على الظن والوهم لانك تقطع بأنك لا تسأل بعد ذلك عن مثلها مع أنه لا سبيل لك إلى القطع به. وأما قوله عليه السلام: على أنك يا عبد الكريم نقضت قولك يحتمل وجوها: الاول: أن يكون المراد أن نفيك للصانع مبني على أنك تزعم أن لا علية بين الاشياء ونسبة الوجود والعدم إليها على السواء، والاستدلال على الاشياء الغير المحسوسة إنما يكون بالعلية والمعلولية، فكيف حكمت بعدم حصول الشئ في المستقبل ؟ فيكون المراد بالتقدم والتأخر العلية والمعلولية أو ما يساوقهما. الثاني: أن يكون مبنيا على ما لعلهم كانوا قائلين به، وربما أمكن إلزامهم بذلك، بناءا على نفي الصانع من أن الاشياء متساوية غير متفاوته في الكمال والنقص، فالمراد: أنك كيف حكمت بتفضيلي على غيري ؟ وهو مناف للمقدمة المذكورة، فالمراد بالتقدم والتأخر ما هو بحسب الشرف. الثالث: أن يكون مبنيا على ما ينسب إلى أكثر الملاحدة من القول بالكمون والبروز أي مع قولك بكون كل حقيقة حاصلة في كل شئ كيف يمكنك الحكم بتقدم بعض الاشياء على بعض في الفضل والشرف. قوله عليه السلام وفي ذلك زوال وانتقال، حاصل استدلاله عليه السلام إما راجع إلى دليل المتكلمين من أن عدم الانفكاك عن الحوادث يستلزم الحدوث، أو إلى أنه لا يخلو إما أن يكون يعض تلك الاحوال الزائلة المتغيرة قديما أم لا بل يكون كلها حوادث وكل منهما محال: أما الاول فلما تقرر عند الحكماء من أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، و أما الثاني فللزوم التسلسل بناءا على جريان دلائل إبطاله في الامور المتعاقبة، ويمكن

[ 49 ]

أن يكون مبنيا على ما يظهر من الاخبار الكثيرة من أن كل قديم يكون واجبا بالذات ولا يكون المعلول إلا حادثا، ووجوب الوجود ينافي التغير، ولا يكون الواجب محلا للحوادث كما برهن عليه، ثم قال ابن أبي العوجاء: لو فرضنا بقاء الاشياء على صغرها لم يمكنك الاستدلال على حدوثها بالتغير، فأجاب عليه السلام أولا على سبيل الجدل بأن كلامنا كان في هذا العالم الذي نشاهد فيه التغيرات، فلو فرضت رفع هذا العالم ووضع عالم آخر مكانه لا يعتريه التغير فزوال هذا العالم دل على كونه حادثا، وإلا لما زال، وحدوث العالم الثاني أظهر. ثم قال: ولكن اجيبك من حيث قدرت - بتشديد الدال - أي فرضت لان تلزمنا، أو بالتخفيف أي زعمت أنك تقدر أن تلزمنا، وهو بأن تفرض في الاول مكان هذا العالم عالما لا يكون فيه التغير، فنقول: يحكم العقل بأن الاجسام يجوز عليها ضم شئ إليها وقطع شئ منها. وجواز التغير عليه يكفي لحدوثها بنحو ما مر من التقرير. 21 - يد: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام فقيل له: بم عرفت ربك ؟ قال: بفسخ العزم ونقض الهم، عزمت ففسخ عزمي، وهممت فنقض همي. 22 - يد: المكتب، عن الاسدي، عن البرمكي، عن محمد بن عبد الرحمن الخزاز، عن سليمان بن جعفر، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم قال: حضرت محمد بن النعمان الاحول فقام إليه رجل فقال له: بم عرفت ربك ؟ قال: بتوفيقه وإرشاده وتعريفه و هدايته، قال: فخرجت من عنده فلقيت هشام بن الحكم فقلت له: ما أقول لمن يسألني فيقول لي: بم عرفت ربك ؟ فقال: إن سأل سائل فقال: بم عرفت ربك ؟ قلت: عرفت الله جل جلاله بنفسي، لانها أقرب الاشياء إلي، وذلك أني أجدها أبعاضا مجتمعة، وأجزاءا مؤتلفة، ظاهرة التركيب، متينة الصنعة، مبنية على ضروب من التخطيط و التصوير، زائدة من بعد نقصان، وناقصة من بعد زيادة، قد انشئ لها حواس مختلفة، وجوارح متبائنة، من بصر وسمع وشام وذائق ولامس، مجبولة على الضعف والنقص والمهانة، لا تدرك واحدة منها مدرك صاحبتها، ولا تقوى على ذلك عاجزة عن اجتلاب

[ 50 ]

المنافع إليها، ودفع المضار عنها، واستحال في العقول وجود تأليف لا مؤلف له، وثبات صورة لا مصور لها، فعلمت أن لها خالقا خلقها، ومصورا صورها، مخالفا لها في جميع جهاتها، (1) قال الله جل جلاله: وفي أنفسكم أفلا تبصرون. 23 - يد: الدقاق، عن الاسدي، عن الحسين بن المأمون القرشي، (2) عن عمر بن عبد العزيز، (3) عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو شاكر الديصاني: إن لي مسألة تستأذن لي على صاحبك فإني قد سألت عنها جماعة من العلماء فما أجابوني بجواب مشبع، فقلت: هل لك أن تخبرني بها فلعل عندي جوابا ترتضيه ؟ فقال: إني احب أن ألقي بها أبا عبد الله عليه السلام، فاستأذنت له فدخل فقال له: أتأذن لي في السؤال ؟ فقال له: سل عما بدا لك، فقال له: ما الدليل على أن لك صانعا ؟ فقال: وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين: إما أن أكون صنعتها أنا، فلا أخلو من أحد معنيين، إما أن أكون صنعتها وكانت موجودة أو صنعتها وكانت معدومة، فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها، وإن كانت معدومة فإنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئا، فقد ثبت المعنى الثالث أن لي صانعا وهو الله رب العالمين، فقام وما أجاب جوابا. بيان: هذا برهان متين مبني على توقف التأثير والايجاد على وجود الموجد والمؤثر، والضرورة الوجدانية حاكمة بحقيتها، ولا مجال للعقل في إنكارها. 24 - يد: أبي وابن الوليد معا، عن أحمد بن إدريس، ومحمد العطار، عن الاشعري، عن سهل، عن محمد بن الحسين، عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم قال: دخل ابن أبي العوجاء على أبي عبد الله عليه السلام: فقال: أليس تزعم أن الله خالق كل شئ ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: بلى، فقال له: أنا أخلق، فقال له: كيف تخلق ؟ قال: احدث في الموضع ثم ألبث عنه فيصير دوابا، فأكون أنا الذي خلقتها، فقال أبو عبد الله


(1) وفي نسخة: مخالفا لها في جميع صفاتها. (2) لم نقف على ترجمته. (3) لعله هو أبو حفص الملقب بزحل الذى ترجمه النجاشي في رجاله ص 202 قال: عربي بصرى مخلط، له كتاب.

[ 51 ]

عليه السلام: أليس خالق الشئ يعرف كم خلقه ؟ قال له: بلى، قال: فتعرف الذكر منها من الانثى وتعرف كم عمرها ؟ فسكت. 25 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن محمد بن حماد، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن عبد الرحمن، عن يونس بن يعقوب قال: قال لي علي بن منصور: (1) قال لي هشام بن الحكم: كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله عليه السلام فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه بها، فقيل له: هو بمكة فخرج الزنديق إلى مكة ونحن مع أبي عبد الله عليه السلام فقاربنا الزنديق - ونحن مع أبي عبد الله عليه السلام - في الطواف فضرب كتفه كتف أبي عبد الله عليه السلام، فقال له جعفر عليه السلام: ما اسمك ؟ قال: اسمي عبد الملك، قال: فما كنيتك ؟ قال: أبو عبد الله، قال: فمن الملك الذي أنت له عبد، أمن ملوك السماء أم من ملوك الارض ؟ وأخبرني عن ابنك، أعبد إله السماء أم عبد إله الارض ؟ فسكت، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: قل ما شئت تخصم. قال هشام بن الحكم: قلت للزنديق: أما ترد عليه ؟ فقبح قولي، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إذا فرغت من الطواف فأتنا، فلما فرغ أبو عبد الله عليه السلام أتاه الزنديق فقعد بين يديه ونحن مجتمعون عنده، فقال للزنديق: أتعلم أن للارض تحت وفوق ؟ قال: نعم، قال: فدخلت تحتها ؟ قال: لا، قال: فما يدريك بما تحتها ؟ قال: لا أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شئ، قال أبو عبد الله عليه السلام: فالظن عجز ما لم تستيقن، قال أبو عبد الله عليه السلام: فصعدت إلى السماء ؟ قال: لا، قال: فتدري ما فيها ؟ قال: لا، قال: فعجبا لك لم تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم تنزل تحت الارض، ولم تصعد إلى السماء، ولم تجز هنالك فتعرف ما خلقهن وأنت جاحد ما فيهن وهل يجحد العاقل ما لا يعرف ؟ فقال الزنديق: ما كلمني بهذا أحد غيرك، قال أبو عبد الله عليه السلام: فأنت في شك من ذلك فلعل هو، أو لعل ليس هو، قال الزنديق: ولعل ذاك: فقال أبو عبد الله عليه السلام: أيها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم، فلا حجة للجاهل، يا أخا أهل مصر تفهم عني فإنا لا نشك في الله أبدا، أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان


(1) أورده النجاشي في ص 176 من رجاله، قال: على بن منصور أبو الحسن كوفى، سكن بغداد، متكلم، من أصحاب هشام، له كتب: منها كتاب التدبير في التوحيد والامامة.

[ 52 ]

ليس لهما مكان إلا مكانهما فإن كانا يقدران على أن يذهبا ولا يرجعان فلم يرجعان ؟ وإن لم يكونا مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا والنهار ليلا ؟ اضطرا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما، والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر منهما، قال الزنديق: صدقت. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أخا أهل مصر الذي تذهبون إليه وتظنونه بالوهم فإن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم ؟ وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم ؟ القوم مضطرون يا أخا أهل مصر، السماء مرفوعة، والارض موضوعة، لم لا تسقط السماء على الارض ؟ ولم لا تنحدر الارض فوق طباقها فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما ؟ فقال الزنديق: أمسكهما والله ربهما وسيدهما، فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله عليه السلام. فقال له حمران بن أعين: جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يديك فقد آمنت الكفار على يدي أبيك. فقال المؤمن الذي آمن على يدي أبي عبد الله عليه السلام: اجعلني من تلامذتك. فقال أبو عبد الله عليه السلام لهشام بن الحكم: خذه إليك فعلمه. فعلمه هشام فكان معلم أهل مصر وأهل الشام، وحسنت طهارته حتى رضي بها أبو عبداللله عليه السلام. ج: عن هشام بن الحكم مثله. ايضاح: قوله عليه السلام: فمن الملك لعله عليه السلام سلك أولا في الاحتجاج عليه مسلك الجدل، لبنائه على الامر المشهور عند الناس أن الاسم مطابق لمعناه، ويحتمل أن يكون على سبيل المطائبة والمزاح لبيان عجزه عن فهم الواضحات، ورد الجواب عن أمثال تلك المطائبات، أو يكون منبها على ما ارتكز في العقول من الاذعان بوجود الصانع وإن أنكروه ظاهرا لكفرهم وعنادهم، ثم ابتدأ عليه السلام بإزالة إنكار الخصم و إخراجه منه إلى الشك لتستعد نفسه لقبول الحق، فأزال إنكاره بأنه غير عالم بما تحت الارض وليس له سبيل إلى الجزم بأن ليس تحتها شئ، ثم زاده بيانا بأن السماء التي لم يصعدها كيف يكون له الجزم والمعرفة بما فيها وما ليس فيها ؟ وكذا المشرق والمغرب، فلما عرف قبح إنكاره وتنزل عنه وأقر بالشك بقوله: ولعل ذاك، أخذ عليه السلام في هدايته و قال: ليس للشاك دليل وللجاهل حجة، فليس لك إلا طلب الدليل فاستمع وتفهم فإنا لا نشك فيه أبدا، والمراد بولوج الشمس والقمر غروبهما، أو دخولهما بالحركات

[ 53 ]

الخاصة في بروجهما، وبولوج الليل والنهار دخول تمام كل منهما في الاخر، أو دخول بعض من كل منهما في الاخر بحسب الفصول. وحاصل الاستدلال أن لهذه الحركات انضباطا واتساقا واختلافا وتركبا فالانضباط يدل على عدم كونها إرادية كما هو المشاهد من أحوال ذوي الارادات من الممكنات، والاختلاف يدل على عدم كونها طبيعية، فإن الطبيعة العادمة للشعور لا تختلف مقتضياتها كما نشاهد من حركات العناصر، كما قالوا: إن الطبيعة الواحدة لا تقتضي التوجه إلى جهة والانصراف عنه، ويمكن أن يقال: حاصل الدليل راجع إلى ما يحكم به الوجدان، من أن مثل تلك الافعال المحكمة المتقنة الجارية على قانون الحكمة لا يصدر عن الدهر والطبائع العادمة للشعور والارادة، وإلى هذا يرحع قوله عليه السلام: إن كان الدهر يذهب بهم أي الدهر العديم الشعور كيف يصدر عنه الذهاب الموافق للحكمة ولا يصدر عنه بدله الرجوع ؟ أو المراد أنه لم يقتضي طبعه ذهاب شئ ولا يقتضي رده وبالعكس، بناءا على أن مقتضيات الطبائع تابعة لتأثير الفاعل القادر القاهر، ويمكن أن يكون المراد بالذهاب بهم إعدامهم، وبردهم إيجادهم، والمراد بالدهر الطبيعة، كما هو ظاهر كلام أكثر الدهرية، أي نسبة الوجود والعدم إلى الطبائع الامكانية على السواء، فإن كان الشئ يوجد بطبعه فلم لا يعدم: فترجح أحدهما ترجح بلا مرجح يحكم العقل باستحالته. ويجري جميع تلك الاحتمالات في قوله عليه السلام: السماء مرفوعة إلى آخر كلامه عليه السلام. وقوله عليه السلام: لم لا تسقط السماء على الارض أي لا تتحرك بالحركة المستقيمة حتى تقع على الارض. وقوله: ولم لا تنحدر الارض ؟ أي تتحرك إلى جهة التحت حتى تقع على أطباق السماء، أو المراد الحركة الدورية فيغرق الناس في الماء، فيكون ضمير طباقها راجعا إلى الارض وطباق الارض: أعلاها أي تنحدر الارض بحيث تصير فوق ما علا منها الان. قوله عليه السلام. فلا يتماسكان أي في صورة السقوط والانحدار، أو المراد فظهر أنه لا يمكنهما التمسك بأنفسهما بل لابد من ماسك يمسكهما. أقول: تفصيل القول في شرح تلك الاخبار الغامضة يقتضي مقاما آخر، وإنما نشير في هذا الكتاب إلى ما لعله يتبصر به اولوا الاذهان الثاقبة من اولي الالباب،

[ 54 ]

وسنبسط الكلام فيها في كتاب مرآة العقول إن شاء الله تعالى. 26 - م: قال الامام عليه السلام: لما توعد (1) رسول الله صلى الله عليه واله اليهود والنواصب في جحد النبوة والخلافة، قال مردة اليهود وعتاة النواصب (2): من هذا الذي ينصر محمدا وعليا على أعدائهما ؟ فأنزل الله عزوجل: " إن في خلق السموات والارض " بلا عمد من تحتها، ولا علاقة من فوقها، تحبسها من الوقوع عليكم، وأنتم يا أيها العباد والاماء اسرائي وفي قبضي، الارض من تحتكم لا منجا لكم منها إن هربتم، والسماء من فوقكم ولا محيص لكم عنها إن ذهبتم، فإن شئت أهلكتكم بهذه، وإن شئت أهلكتكم بتلك، ثم ما في السماوات من الشمس المنيرة في نهاركم لتنتشروا في معايشكم، ومن القمر المضيئ لكم في ليلكم لتبصروا في ظلماته وإلجاؤكم بالاستراحة بالظلمة إلى ترك مواصلة الكد الذي ينهك (3) أبدانكم " واختلاف الليل والنهار " المتتابعين الكادين عليكم بالعجائب التي يحدثها ربكم في عالمه من إسعاد وإشقاء، وإعزاز وإذلال، وإغناء وإفقار، وصيف وشتاء، وخريف وربيع، وخصب وقحط، وخوف وأمن. " والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس " التي جعلها الله مطاياكم لا تهدأ (4) ليلا ولا نهارا، ولا تقتضيكم علفا ولا ماءا، وكفاكم بالرياح مؤونة تسيرها بقواكم التي كانت لا تقوم بها لو ركدت عنها الرياح لتمام مصالحكم ومنافعكم وبلوغ الحوائج لانفسكم " وما أنزل الله من السماء من ماء " وابلا وهطلا ورذاذا (5) لا ينزل عليكم دفعة واحدة فيغركم ويهلك معايشكم لكنه ينزل متفرقا من علا حتى تعم الاوهاد والتلال والتلاع، (6) " فأحيا به الارض بعد موتها " فيخرج نباتها وثمارها وحبوبها " وبث فيها


(1) أي هدد. (2) العتاة. جمع للعاتى وهو المستكبر ومن جاوز الحد. (3) أي يدنف ويضنى.. (4) المطايا جمع للمطية وهى الدابة التى تركب. ولا تهدأ أي لا تسكن. (5) الوابل: المطر الشديد. الهطل - بفتح الهاء -: المطر الضعيف الدائم. وتتابع المطر المتفرق العظيم القطر. الرذاد كسحاب: المطر الضعيف، أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار، أو هو بعد الطل. (6) جمع للتلعة: ما ارتفع من الارض وما انهبط منها، من الاضداد. ولعل المراد في الخبر المعنى الثاني.

[ 55 ]

من كل دابة " منها ما هو لاكلكم ومعايشكم، ومنها سباع ضارية حافظة عليكم لانعامكم لئلا تشذ عليكم خوفا من افتراسها لها، " وتصريف الرياح " المربية لحبوبكم، المبلغة لثماركم، النافية لركد الهواء والاقتار عنكم، " والسحاب المسخر بين السماء والارض " يحمل أمطارها، ويجري بإذن الله ويصبها من حيث يؤمر " لآيات " دلائل واضحات " لقوم يعقلون " يتفكرون بعقولهم أن من هذه العجائب من آثار قدرته قادر على نصرة محمد وعلي وآلهما عليهم السلام على من يشاء. بيان: الكادين من الكد بمعنى الشدة والالحاح في الطلب كناية عن عدم تخلفهما والباء في قوله عليه السلام: بالعجائب بمعنى مع. وقوله: والاقتار كأنه جمع القترة بمعنى الغبرة أي يذهب الاغبرة والابخرة المجتمعة في الهواء الموجبة لكثافتها وتعفنها. والضمير في قوله: أمطارها إما راجع إلى الارض، أو إلى السحاب للجمعية. 27 - جع: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن إثبات الصانع، فقال: البعرة تدل على البعير، والروثه تدل على الحمير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة كيف لا يدلان على اللطيف الخبير ؟. 28 - وقال عليه السلام: بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول تعتقد معرفته، وبالتفكر تثبت حجته، معروف بالدلالات، مشهور بالبينات. 29 - جع: سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما الدليل على إثبات الصانع ؟ قال: ثلاثة أشياء: تحويل الحال، وضعف الاركان، ونقض الهمة. أقول: سيأتي ما يناسب هذا الباب في أبواب الاحتجاجات، وأبواب المواعظ و الخطب والحكم إن شاء الله تعالى. ولنذكر بعد ذلك توحيد المفضل بن عمر، ورسالة الاهليلجة المرويتين عن الصادق عليه السلام لاشتمالهما على دلائل وبراهين على إثبات الصانع تعالى، ولا يضر ارسالهما لاشتهار انتسابهما إلى المفضل، وقد شهد بذلك السيد ابن طاووس وغيره. (1) ولا ضعف محمد بن سنان والمفضل لانه في محل المنع بل يظهر من الاخبار


(1) قال ابن طاووس في ص 9 من كتابه كشف المحجة: وانظر كتاب المفضل بن عمر الذى أملاه عليه مولانا الصادق عليه السلام فيما خلق الله جل جلاله من الاثار، وانظر كتاب الاهليلجة وما فيه من *

[ 56 ]

الكثيرة علو قدرهما وجلالتهما، مع أن متن الخبرين شاهدا صدق على صحتهما، (1). وأيضا هما يشتملان على براهين لا تتوقف إفادتها العلم على صحة الخبر.


* الاعتبار، فان الاعتناء بقول سابق الانبياء والاوصياء والاولياء عليهم أفضل السلام موافق لفطرة العقول والاحلام. وقال في ص 78 من كتابه الامان من أخطار الاسفار والازمان: ويصحب معه كتاب الاهليلجة وهو كتاب مناظرة مولانا الصادق عليه السلام الهندي في معرفة الله جل جلاله بطريق غريبة عجيبة ضرورية، حتى أقر الهندي بالالهية والوحدانية، ويصحب معه كتاب المفضل بن عمر الذى رواه عن الصادق عليه السلام في معرفة وجوه الحكمة في إنشاء العالم السفلى وأسراره، فانه عجيب في معناه. أقول: وعد النجاشي من كتبه كتاب الفكر كتاب في بدء الخلق والحث على الاعتبار وصية المفضل، وذكر طريقه إليه هكذا: أخبرني أبو عبد الله بن شاذان، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه، عن عمران بن موسى، عن ابراهيم بن هاشم، عن محمد بن سنان، عن المفضل. انتهى. ولعل المراد منه هو كتاب توحيده هذا. (1) أما متن الخبر الاول المشتهر بتوحيد المفضل فهو مطابق لجل الاخبار المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام المطابقة لمعارف الكتاب العزيز وما يشتمل عليه من الادلة براهين تامة لا غبار عليها. وأما خبر الاهليلجة فمحصل ما فيه إثبات جحية حكم العقل وعدم كفاية الحواس في الاحكام، واثبات وجود الصانع من طريق السببية، وإثبات وحدته من طريق اتصال التدبير وهذا لا شك فيه من جهة العقل ولا من جهة مطابقته لسائر النقل، غير أنه مشتمل على تفاصيل لا شاهد عليها من النقل و العقل بل الامر بالعكس، كاشتماله على كون علوم الهيئة وأحكام النجوم مستندا إلى الوحى، وكذا كون علم الطب والقرابادين مستندين إلى الوحى مستدلا بأن إنسانا واحدا لا يقدر على هذا التتبع العظيم والتجارب الوسيع. مع أن ذلك مستند إلى أرصاد كثيرة ومحاسبات علمية وتجاربات ممتدة من امم مختلفة في أعصار وقرون طويلة تراكمت حتى تكونت في صورة فن أنتجه مجموع تلك المجاهدات العظيمة، والدليل عليه أن النهضة الاخيرة سبكت علمي الهيئة والطب في قالب جديد أوسع من قالبهما القديم بما لا يقدر من الوسعة، ولا مستند له الا الارصاد والتجارب والمحاسبات العلمية، وكذا ما هو مثلهما في الوسعة كالكيميا والطبيعيات وعلم النبات والحيوان وغير ذلك، نعم من الممكن استناد أصلهما إلى الوحى وبيان النبي. ومما يشتمل عليه الخبر كون البحار باقية على حال واحدة دائما من غير زيادة ونقيصة مع أن التغيرات الكلية فيها مما هو اليوم من الواضحات. على أن الكتاب والسنة يساعدانه أيضا. والذى أظنه - والله أعلم - أن أصل الخبر مما صدر عنه عليه السلام لكنه لم يخل عن تصرف المتصرفين فزادوا ونقصوا بما أخرجه عن استقامته الاصلية، ويشهد على ذلك النسخ المختلفة العجيبة التى سينقلها المصغف رحمه الله فان النسخ يمكن أن تختلف بالكلمة والكلمتين والجلمة والجملتين لسهو من الراوى في ضبطه أو من الكاتب في استنساخه، وأما بنحو الورقة والورقتين وخمسين سطرا ومائة سطر فمن المستبعد جدا، الا أن يستند إلى تصرف عمدي، ومما يشهد على ذلك أيضا الاندماج وعسر البيان الذى يشاهد في أوائل الخبر وأواسطه. والله أعلم. ط

[ 57 ]

* (باب 4) * * (الخبر المتشهر بتوحيد المفضل بن عمر) * روى محمد بن سنان قال: حدثنا المفضل بن عمر قال: كنت ذات يوم بعد العصر جالسا في الروضة بين القبر والمنبر، وأنا مفكر فيما خص الله به سيدنا محمدا صلى الله عليه وآله من الشرف والفضائل، وما منحه وأعطاه وشرفه به وحباه (1) مما لا يعرفه الجمهور من الامة، وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته وخطر مرتبته، (2) فإني لكذلك إذ أقبل ابن أبي العوجاء فجلس بحيث أسمع كلامه فلما استقر به المجلس إذا رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه فتكلم ابن أبي العوجاء فقال: لقد بلغ صاحب هذا القبر العز بكماله، وحاز الشرف بجميع خصاله، ونال الحظوة في كل أحواله، فقال له صاحبه: إنه كان فيلسوفا ادعى المرتبة العظمى والمنزلة الكبرى، وأتى على ذلك بمعجزات بهرت العقول، وضلت فيها الاحلام، وغاصت الالباب على طلب علمها في بحار الفكر فرجعت خاسئات وهي حسير، فلما استجاب لدعوته العقلاء والفصحاء والخطباء دخل الناس في دينه أفواجا فقرن اسمه باسم ناموسه، فصار يهتف به على رؤوس الصوامع في جميع البلدان، والمواضع التي انتهت إليها دعوته، وعلت بها كلمته، وظهرت فيها حجته برا وبحرا وسهلا وجبلا في كل يوم وليلة خمس مرات، مرددا في الاذان والاقامة ليتجدد في كل ساعة ذكره، لئلا يخمل أمره. فقال ابن أبي العوجاء: دع ذكر محمد - صلى الله عليه وآله - فقد تحير فيه عقلي، وضل في أمره فكري، وحدثنا في ذكر الاصل الذي يمشى به. ثم ذكر ابتداء الاشياء وزعم أن ذلك بإهمال لا صنعة فيه ولا تقدير، ولا صانع له ولا مدبر، بل الاشياء تتكون من ذاتها بلا مدبر، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال. بيان: الحوز: الجمع وكل من ضم إلى نفسه شيئا فقد حازه. والحظوة بالضم والكسر والحاء المهملة والظاء المعجمة: المكانة والمنزلة. والفيلسوف: العالم. وخسأ


(1) أي أعطاه. (2) الخطر: الشرف وارتفاع القدر والمرتبة.

[ 58 ]

البصر أي كل. والناموس: صاحب السر المطلع على أمرك، أو صاحب سر الخير، و جبرئيل عليه السلام، والحاذق ومن يلطف مدخله، ذكرها الفيروز آبادي، ومراده هنا الرب تعالى شأنه. وخمل ذكره: خفي. والخامل: الساقط الذي لا نباهة له. وقوله: الذي يمشى به أي يذهب إلى دين محمد - صلى الله عليه وآله - وغيره بسببه، أو يهتدى به كقوله تعالى: نورا يمشي به في الناس. (1) وفي بعض النسخ " يسمى " إما بالتشديد أي يذكر اسمه، أو بالتخفيف أي يرتفع الناس به ويدعون الانتساب إليه. قال المفضل: فلم أملك نفسي غضبا وغيظا وحنقا (2) فقلت: يا عدو الله ألحدت في دين الله، وأنكرت الباري جل قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، وصورك في أتم صورة، ونقلك في أحوالك حتى بلغ بك إلى حيث انتهيت، فلو تفكرت في نفسك و صدقك لطيف حسك لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة، وشواهده - جل وتقدس - في خلقك واضحة، وبراهينه لك لائحة. فقال: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلمناك، فإن ثبت لك حجة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا، ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت، فما أفحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا، وإنه للحليم الرزين العاقل الرصين، لا يعتريه (3) خرق ولا طيش ولا نزق، ويسمع كلامنا ويصغي إلينا ويستعرف حجتنا حتى استفرغنا ما عندنا وظننا أنا قد قطعناه أدحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير يلزمنا به الحجة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردا، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه. بيان: وصدقك بالتخفيف أي قال لك صدقا. لطيف حسك أي حسك اللطيف أي لم يلتبس على حسك غرائب صنع الله فيك لمعاندتك للحق، وفي بعض النسخ حسنك فالمراد بصدق الحسن ظهور ما أخفى الله فيه منه على الناظر، وعلى الوجهين يمكن أن يقرأ صدقك بالتشديد بتكلف لا يخفى على المتأمل. والرزين: الوقور، والرصين بالصاد


(1) الانعام: 122. (2) الحنق: شدة الاغتياظ. (3) أي لا يصيبه.

[ 59 ]

المهملة: الحكم الثابت. والخرق بالضم: ضد الرفق. والنزق: الطيش والخفة عند الغضب. وقوله: استفرغنا لعله من الافراغ بمعنى الصب، قال الفيروز آبادي: استفرغ مجهوده: بذل طاقته، والادحاض: الابطال. قال المفضل: فخرجت من المسجد محزونا مفكرا فيما بلي به الاسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها، (1) فدخلت على مولاي صلوات الله عليه فرآني منكسرا، فقال: مالك ؟ فأخبرته بما سمعت من الدهريين (2) وبما رددت عليهما، فقال: لالقين إليك من حكمة الباري - جل وعلا وتقدس اسمه - في خلق العالم والسباع والبهائم و الطير والهوام، وكل ذي روح من الانعام، والنبات والشجرة المثمرة وغير ذات الثمر والحبوب والبقول المأكول من ذلك وغير المأكول ما يعتبر به المعتبرون، ويسكن إلى معرفته المؤمنون، ويتحير فيه الملحدون فبكر علي غدا. قال المفضل: فانصرفت من عنده فرحا مسرورا وطالت علي تلك الليلة انتظارا لما وعدني به، فلما أصبحت غدوت فاستوذن لي فدخلت وقمت بين يديه، فأمرني بالجلوس فجلست، ثم نهض إلى حجرة كان يخلو فيها، فنهضت بنهوضه فقال: اتبعني فتبعته فدخل ودخلت خلفه، فجلس وجلست بين يديه، فقال: يا مفضل: كأني بك وقد طالت عليك هذه الليلة انتظارا لما وعدتك ؟ فقلت: أجل يا مولاي، فقال: يا مفضل إن الله كان ولا شئ قبله، وهو باق ولا نهاية له، فله الحمد على ما ألهمنا، وله الشكر على ما منحنا، وقد خصنا من العلوم بأعلاها ومن المعالي بأسناها، واصطفانا على جميع الخلق بعلمه، وجعلنا مهيمنين عليهم بحكمه، فقلت: يا مولاي أتأذن لي أن أكتب ما تشرحه ؟ - وكنت أعددت معي ما أكتب فيه - فقال لي: افعل. بيان: أسناها أي أرفعها أو أضوأها. والمهيمن: الامين والمؤتمن والشاهد. يا مفضل إن الشكاك جهلوا الاسباب والمعاني في الخلقة، وقصرت أفهامهم عن تأمل الصواب والحكمة، فيما ذرأ (3) الباري جل قدسه وبرأ (4) من صنوف خلقه في


(1) العصابة: الجماعة من الرجال. (2) الدهرى: الملحد القائل: بأن العالم موجود أزلا وأبدا، لا صانع له. (3) أي خلق. (4) أي خلقه من العدم.

[ 60 ]

البر والبحر، والسهل والوعر (1) فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود، حتى أنكروا خلق الاشياء، وأدعوا أن كونها بالاهمال لا صنعة فيها ولا تقدير، ولا حكمة من مدبر ولا صانع، تعالى الله عما يصفون، وقاتلهم الله أنى يؤفكون. فهم في ضلالهم وعماهم وتحيرهم بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء وأحسنه، وفرشت بأحسن الفرش وأفخره، واعد فيها ضروب الاطعمة والاشربة و الملابس والمآرب (2) التي يحتاج إليها لا يستغنى عنها، ووضع كل شئ من ذلك موضعه على صواب من التقدير وحكمة من التدبير فجعلوا يترددون فيها يمينا وشمالا ويطوفون بيوتها إدبارا وإقبالا، محجوبة أبصارهم عنها، لا يبصرون بنية الدار (3) وما اعد فيها، وربما عثر بعضهم بالشئ الذي قد وضع موضعه واعد للحاجة إليه، و هو جاهل بالمعنى فيه ولما اعد ولماذا جعل كذلك فتذمر وتسخط وذم الدار وبانيها فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة، (4) فإنهم لما غربت (5) أذهانهم عن معرفة الاسباب والعلل في الاشياء صاروا يجولون في هذا العالم حيارى، ولا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته وحسن صنعته وصواب تهيئته، و ربما وقف بعضهم على الشئ لجهل سببه والارب فيه فيسرع إلى ذمه ووصفه بالاحالة والخطأ، كالذي أقدمت عليه المانوية الكفرة، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة وأشباههم من أهل الضلال، المعللين أنفسهم بالمحال، فيحق على من أنعم الله عليه بمعرفته وهداه لدينه، ووفقه لتأمل التدبير في صنعة الخلائق، والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التعبير بالدلالة القائمة الدالة على صانعها، أن يكثر حمد الله مولاه على ذلك، ويرغب إليه في الثبات عليه والزيادة منه فإنه جل اسمه يقول: لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.


(1) وعر الارض: صلب وصعب السير فيه، ضد السهل. (2) المآرب: الحوائج. (3) وفي نسخة: هيئة الدار. (4) وفي نسخة: إثبات الصنعة. (5) في نسخة عزبت، وفي نسخة اخرى: غبت، وفي ثالثة: وعرت.

[ 61 ]

بيان: قاتلهم الله أي قتلهم، أو لعنهم. أنى يؤفكون كيف يصرفون عن الحق ؟ وقال الجوهري: ظل يتذمر على فلان إذا تنكر له وأوعده. انتهى. وغربت بمعنى غابت. والارب بالفتح والكسر: الحاجة. ووصفه بالاحالة أي بأنه يستحيل أن يكون له خالق مدبر أو يستحيل أن يكون من فعله تعالى. والمانوية فرقة من الثنوية أصحاب ماني الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، وأحدث دينا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح - على نبينا وآله وعليه السلام - ولا يقول بنبوة موسى - على نبينا وآله وعليه السلام - وزعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، وهؤلاء ينسبون الخيرات إلى النور، والشرور إلى الظلمة، وينسبون خلق السباع والموذيات والعقارب والحيات إلى الظلمة، فأشار عليه السلام إلى فساد وهمهم بأن هذا لجهلهم بمصالح هذه السباع والعقارب والحيات التي يزعمون أنها من الشرور التي لا يليق بالحكيم خلقها. قوله عليه السلام: المعللين أي الشاغلين أنفسهم عن طاعة ربهم بامور يحكم العقل السليم باستحالته، قال الفيروز آبادي: علله بطعام وغيره تعليلا: شغله به. يا مفضل: أول العبر والادلة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فإنك إذا تأملت العالم بفكرك وميزته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والارض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكل شئ فيها لشأنه معد، والانسان كالمملك ذلك البيت، والمخول جميع ما فيه، وضروب النبات مهيأة لمأربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة، ونظام وملائمة، وأن الخالق له واحد وهو الذي ألفه ونظمه بعضا إلى بعض، جل قدسه، وتعالى جده، وكرم وجهه، ولا إله غيره، تعالى عما يقول الجاحدون، وجل وعظم عما ينتحله الملحدون. بيان: قال الفيروز آبادي: نضد متاعه ينضده: جعل بعضه فوق بعض فهو منضود انتهى. والتخويل: الاعطاء والتمليك. قوله عليه السلام: وإن الخالق له واحد

[ 62 ]

أقول: أشار عليه السلام بذلك إلى أقوى براهين التوحيد، (1) وهو أن ايتلاف أجزاء العالم واحتياج بعضها إلى بعض وانتظام بعضها ببعض، يدل على وحدة مدبرها كما أن ارتباط أجزاء الشخص بعضها ببعض وانتظام بعض أعضائه مع بعض يدل على وحدة مدبره. وقد قيل في تطبيق العالم الكبير على العالم الصغير لطائف لا يسع المقام ذكرها، وربما يستدل عليه أيضا بما قد تقرر من أن المتلازمين إما أن يكون أحدهما علة للآخر، أو هما معلولا علة ثالثة، وسيأتي الكلام فيه في باب التوحيد. نبتدئ يا مفضل بذكر خلق الانسان فاعتبر به، فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم، وهو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء ولا دفع أذى، ولا استجلاب منفعة ولا دفع منصرة، فإنه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذوا الماء النبات فلا يزال ذلك غذاؤه حتى إذا كمل خلقه واستحكم بدنه، وقوي أديمه على مباشرة الهواء، وبصره على ملاقات الضياء هاج الطلق بامه فأزعجه أشد إزعاج، وأعنفه حتى يولد، وإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم امه إلى ثدييها فانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشد موافقة للمولود من الدم فيوافيه في وقت حاجته إليه فحين يولد قد تلمظ وحرك شفتيه طلبا للرضاع فهو يجد ثديي امه كالاداوتين المعلقتين لحاجته إليه، فلا يزال يغتذي باللبن مادام رطب البدن، رقيق الامعاء، لين الاعضاء، حتى إذا تحرك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتد ويقوي بدنه طلعت له الطواحن من الاسنان والاضراس، ليمضغ به الطعام فيلين عليه، ويسهل له إساغته فلا يزال كذلك حتى يدرك فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر وعز الرجل الذي يخرج به من حد الصبا وشبه النساء، وإن كانت انثى يبقى وجهها نقيا من الشعر، لتبقى لها البهجة والنضارة التي تحرك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه.


(1) الذى وصف عليه السلام به هذا الدليل هو أنه أول الادلة أي أقرب الادلة منا إذا أردنا التفهم بالاستدلال، وأما كونه أقواها كما ذكره رحمه الله فلعل هناك ما هو أقوى منه وإن كان أبعد من أفهامنا كما بين في محله. ط

[ 63 ]

بيان: الاديم: الجلد. والطلق: وجع الولادة. ويقال: أزعجه أي قلعه عن مكانه ويقال: تلمظ إذا أخرج لسانه فمسح به شفتيه، وتلمظت الحية إذا أخرجت لسانها كتلمظت الاكل. والاداوة بالكسر: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. والطواحن: الاضراس، ويطلق الاضراس غالبا على المآخير، والاسنان على المقاديم كما هو الظاهر هنا، وإن لم يفرق اللغويون بينهما، والمراد بالطواحن هنا جميع الاسنان. والاساغة: الاكل والشرب بسهولة. اعتبر يا مفضل فيما يدبر به الانسان في هذه الاحوال المختلفة، هل ترى يمكن أن يكون بالاهمال ؟ أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم ألم يكن سيذوي ويجف كما يجف النبات إذا فقد الماء ؟ ولو لم يزعجه المخاض (1) عند استحكامه ألم يكن سيبقى في الرحم كالموؤود في الارض ؟ ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته ألم يكن سيموت جوعا، أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه ؟ ولو لم تطلع عليه الاسنان في وقتها ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته، أو يقيمه على الرضاع فلا يشد بدنه ولا يصلح لعمل ؟ ثم كان تشتغل امه بنفسه عن تربية غيره من الاولاد، ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء فلا ترى له جلالة ولا وقارا ؟. فقال المفضل: فقلت: يا مولاي فقد رأيت من يبقى على حالته ولا ينبت الشعر في وجهه وإن بلغ حال الكبر، فقال: ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد، فمن هذا الذي يرصده حتى يوافيه بكل شي من هذه المآرب إلا الذي أنشأه خلقا بعد أن لم يكن، ثم توكل له بمصلحته بعد أن كان فإن كان الاهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطأ والمحال لانهما ضدا الاهمال، وهذا فظيع (2) من القول وجهل من قائله، لان الاهمال لا يأتي بالصواب، والتضاد لا يأتي بالنظام، تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا، ولو كان المولود يولد فهما عاقلا لانكر العالم عند ولادته ولبقي حيران تائه العقل (3) إذا رأى ما لم يعرف وورد عليه


(1) المخاض: وجع الولادة وهو الطلق. (2) فظع الامر: اشتدت شناعته وجاوز المقدار في ذلك. (3) أي ضايع العقل.

[ 64 ]

ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم، واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد إلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع في تعلم الكلام وقبول الادب كما يسرع الذي يسبى صغيرا غير عاقل، ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا، معصبا بالخرق، مسجى في المهد لانه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد، ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج إلى الدنيا غبيا غافلا عما فيه أهله فليقى الاشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة، ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا وشيئا بعد شئ، وحالا بعد حال، حتى يألف الاشياء ويتمرن (1) ويستمر عليها، فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطراب إلى المعاش بعقله وحيلته وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية، وفي هذا أيضا وجوه آخر فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الاولاد، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة، وما يوجب التربية للآباء على الابناء من المكلفات (2) بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم، ثم كان الاولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم لان الاولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم (3) فيتفرقون عنهم حين يولدون فلا يعرف الرجل أباه وامه، ولا يمتنع من نكاح امه واخته وذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهن، وأقل ما في ذلك من القباحة - بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع - لو خرج المولود من بطن امه وهو يعقل أن يرى منها مالا يحل له ولا يحسن به أن يراه. أفلا ترى كيف اقيم كل شئ من الخلقة على غاية الصواب، وخلا من الخطأ دقيقه وجليله ؟ بيان: أفرأيت أي أخبرني، قال الزمخشري: لما كانت مشاهدة الاشياء ورؤيتها طريقا إلى الاحاطة بها علما وصحة الخبر عنها استعملوا أرأيت بمعنى أخبر. انتهى. و يقال: ذوى العود أي يبس. والموؤود الذي دفن في الارض حيا كما كان المشركون


(1) أي يتعود ويتدرب. (2) وفي نسخة: من المكافاة. (3) أي حفظهم وتعهدهم.

[ 65 ]

يفعلون في الجاهلية ببناتهم. قوله عليه السلام: أو يقيمه أي عدم طلوع الاسنان. قوله عليه السلام: ذلك بما قدمت أيديهم، يحتمل أن يكون هذا لتعذيب الآباء وإن كان الاولاد يوجرون لقباحة منظرهم، أو للاولاد لما كان في علمه تعالى صدوره عنهم باختيارهم. ويرصده أي يرقبه. قوله عليه السلام: فإن كان الاهمال أي إذا لم يكن الاشياء منوطة بأسبابها، ولم ترتبط الامور بعللها، فكما جاز أن يحصل هذا الترتيب والنظام التام بلا سبب فجاز أن يصير التدبير في الامور سببا لاختلالها، وهذا خلاف ما يحكم به عقول كافة الخلق لما نرى من سعيهم في تدبير الامور وذمهم من يأتي بها على غير تأمل وروية، ويحتمل أن يكون المراد أن الوجدان يحكم بتضاد آثار الامور المتضادة، وربما أمكن إقامة البرهان عليه أيضا، فإذا أتى الاهمال بالصواب يجب أن يأتي ضده وهو التدبير بالخطأ وهذا أفظع وأشنع، والمراد بالمحال الامر الباطل الذي لم يأت على وجهه الذي ينبغي أن يكون عليه، قال الفيروز آبادي: المحال من الكلام بالضم: ما عدل عن وجهه. انتهى. والتيه: الضلال والحيرة. والغضاضة بالفتح: الذلة والمنقصة. وقوله عليه السلام: معصبا أي مشدودا. والتسجية: التغطية بثوب يمد عليه. والغبي على فعيل: قليل الفطنة. والاعتبار من العبرة، وذكر في مقابلة السهو والغفلة. وقوله: ما قدر وما يوجب كلاهما معطوفان على موضع. وقوله: من المكلفات بيان لما يوجب أي لذهب التكاليف المتعلقة بالاولاد بأن يبروا آباءهم ويعطفوا عليهم عند حاحة الآباء إلى تربيتهم، وإعانتهم لكبرهم و ضعفهم، جزاءا لما قاسوا من الشدائد في تربيتهم. قوله: أن يرى خبر لقوله: أقل ما في ذلك. اعرف يا مفضل ما للاطفال في البكاء من المنفعة، واعلم أن في أدمغة الاطفال رطوبة إن بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثا جليلة، وعللا عظيمة من ذهاب البصر وغيره فالبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم، فيعقبهم ذلك الصحة في أبدانهم، والسلامة في أبصارهم، أفليس قد جاز أن يكون الطفل ينتفع بالبكاء، ووالداه لا يعرفان ذلك، فهما دائبان ليسكتاه ويتوخيان في الامور مرضاته لئلا يبكي، وهما لا يعلمان أن البكاء أصلح له وأجمل عاقبة، فهكذا يجوز أن يكون في كثير من الاشياء منافع لا يعرفها القائلون

[ 66 ]

بالاهمال، ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشئ أنه لا منفعة فيه من أجل أنهم لا يعرفونه ولا يعلمون السبب فيه فإن كل مالا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون، (1) وكثير مما يقصر عنه علم المخلوقين محيط به علم الخالق جل قدسه وعلت كلمته، فأما ما يسيل من أفواه الاطفال من الريق ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في أبدانهم لاحدثت عليهم الامور العظيمة، كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة فأخرجته إلى حد البله (2) والجنون والتخليط، (3) إلى غير ذلك من الامراض المختلفة كالفالج واللقوة (4) وما أشبههما، فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من أفواهم في صغرهم لمالهم في ذلك من الصحة في كبرهم، فتفضل على خلقه بما جهلوه، ونظر لهم بما لم يعرفوه، ولو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك عن التمادي في معصيته، فسبحانه ما أجل نعمته وأسبغها على المستحقين وغيرهم من خلقه، وتعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا. بيان: الدؤب: الجد والتعب. والتوخي: التحري والقصد. وقوله عليه السلام: كل ما لا يعرفه أي مما لا يقصر عنه علم المخلوقين. ويقال: أبطل أي جاء بالباطل. انظر الآن يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر والانثى جميعا على ما يشاكل ذلك، فجعل للذكر آلة ناشزة (5) تمتد حتى تصل النطفة إلى الرحم إذ كان محتاجا إلى أن يقذف ماءه في غيره، وخلق للانثى وعاءا قعر ليشتمل على المائين جميعا، ويحتمل الولد ويتسع له ويصونه حتى يستحكم، أليس ذلك من تدبير حكيم لطيف ؟ سبحانه وتعالى عما يشركون. بيان: المشاكلة: المشابهة والمناسبة، واسم الاشارة راجع إلى ما مضى من التدبير في الخلق، ويحتمل إرجاعه إلى الجماع.


(1) وفي نسخة: يعرفه العارفون. (2) أي ضعف العقل وعجز الرأى. (3) أي اضطراب العقل واختلاله. (4) اللقوة: علة ينجذب لها شق الوجه إلى جهة غير طبيعية، فيخرج النفخة والبزقة من جانب واحد، ولا يحسن التقاء الشفتين، ولا ينطبق احدى العينين. (5) أي رافعة. وفى نسخة ناشرة.

[ 67 ]

فكريا مفضل في أعضاء البدن أجمع وتدبير كل منها للارب، فاليدان للعلاج، والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص، (1) والمنافذ لتنفيذ الفضول، (2) والاوعية لحملها، والفرج لاقامة النسل، وكذلك جميع الاعضاء إذا تأملتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شئ منها قد قدر لشئ على صواب وحكمة. قال المفضل: فقلت: يا مولاي إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة، فقال: سلهم عن هذه الطبيعة، أهي شئ له علم وقدرة على مثل هذه الافعال، أم ليست كذلك ؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق ؟ فإن هذه صنعته، وإن زعموا أنها تفعل هذه الافعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب و الحكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم، وأن الذي سموه طبيعة هو سنة في خلقه الجارية على ما أجراها عليه. ايضاح: قوله عليه السلام: فما يمنعهم ؟ لعل المراد أنهم إذا قالوا بذلك فقد أثبتوا الصانع فلم يسمونه بالطبيعة وهي ليست بذات علم وإرادة وقدرة ؟. قوله عليه السلام: علم أن هذا الفعل أي ظاهر بطلان هذا الزعم، والذي صار سببا لذهولهم أن الله تعالى أجرى عادته بأن يخلق الاشياء بأسبابها فذهبوا إلى استقلال تلك الاسباب في ذلك، وبعبارة أخرى أن سنة الله وعادته قد جرت لحكم كثيرة أن تكون الاشياء بحسب بادئ النظر مستندة إلى غيره تعالى، ثم يعلم بعد الاعتبار والتفكر أن الكل مستند إلى قدرته و تأثيره تعالى، وإنما هذه الاشياء وسائل وشرائط لذلك، فلذا تحيروا في الصانع تعالى، فالضمير المنصوب في قوله: أجراها راجع إلى السنة، وضمير " عليه " راجع إلى الموصول. فكريا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير، فإن الطعام يصير


(1) التخليص: التصفية والتمييز عن غيره، وذلك لان الكبد يحيل الكيلوس إلى الخلط، و يصفى الاخلاط كل واحد عن الاخر، وينفذها إلى البدن، كلها في مجارى مهيأة له. (2) أي لاخراج الفضول.

[ 68 ]

إلى المعدة فتطبخه، وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق واشجة بينها قد جعلت كالمصفى للغذاء، لكيلا يصل إلى الكبد منه شئ فينكأها، وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثم إن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما، وينفذ إلى البدن كله في مجاري مهيأة لذلك، بمنزلة المجاري التي تهيؤ للماء حتى يطرد في الارض كلها، و ينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفائض قد اعدت لذلك، فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة، فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن، و وضع هذه الاعضاء منه مواضعها، وإعداد هذه الاوعية فيه لتحمل تلك الفضول، لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه، فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير، وله الحمد كما هو أهله ومستحقه. قال المفضل: فقلت: صف نشؤ (1) الابدان ونموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام والكمال. فقال عليه السلام: أول ذلك تصوير الجنين في الرحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد، ويدبره حتى يخرج سويا مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الاحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللحم والشحم والمخ والعصب والعروق والغضاريف، فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمي بجميع أعضائه وهو ثابت على شكل وهيئة لا تتزايد ولا تنقص إلى أن يبلغ أشده إن مد في عمره أو يستوفي مدته قبل ذلك، هل هذا إلا من لطيف التدبير والحكمة ؟. يا مفضل انظر إلى ما خص به الانسان في خلقه تشريفا وتفضيلا على البهائم، فإنه خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا، ليستقبل الاشياء بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوبا على وجهه كذات الاربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الاعمال.


(1) بالنون المفتوحة والشين الساكنة ثم الهمزة. أو بالنون والشين المضمومتين والواو الساكنة ثم الهمزة.

[ 69 ]

بيان: قال الفيروز آبادي: وشجت العروق والاغصان: اشتبكت. وقال: نكأ القرحة كمنع: قشرها قبل أن تبرأ فنديت. انتهى. والمفائض في بعض النسخ بالفاء أي مجاري من فاض الماء، وفي بعضها بالغين من غاض الماء غيضا، أي نضب (1) وذهب في الارض والمغيض: المكان الذي يغيض فيه. و " إلى " في قوله: إلى ما في تركيب بمعنى " مع ". وقال الفيروز آبادي: الغضروف: كل عظم رخو يؤكل، وهو مارن الانف، (2) وبعض الكتف، ورؤوس الاضلاع، ورهابة الصدر، وداخل فوق الاذن. انتهى. وقوله: تتزايد ولا تنقص أي النسبة بين الاعضاء. وبلوغ الاشد وهو القوة أن يكتهل ويستوفي السن الذي يستحكم فيها قوته وعقله وتميزه. انظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس التي خص بها الانسان في خلقه وشرف بها على غيره، كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الاشياء، ولم تجعل في الاعضاء التي تحتهن كاليدبن والرجلين فتعرضها الآفات، و تصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعللها ويؤثر فيها وينقص منها، ولا في الاعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها واطلاعها نحو الاشياء، فلما لم يكن لها في شئ من هذه الاعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس، وهو بمنزلة الصومعة لها، فجعل الحواس خمسا تلقي خمسا لكي لا يفوتها شئ من المحسوسات، فخلق البصر ليدرك الالوان فلو كانت الالوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن منفعة فيها، وخلق السمع ليدرك الاصوات فلو كانت الاصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب (3) وكذلك سائر الحواس، ثم هذا يرجع متكافئا، فلو كان بصر ولم يكن ألوان لما كان للبصر معنى، ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسمع موضع، فانظر كيف قدر بعضها يلقي بعضا فجعل لكل حاسة محسوسا يعمل فيه، ولكل محسوس حاسة تدركه، و مع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات، لا يتم الحواس إلا بها، كمثل الضياء والهواء فإنه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون،


(1) أي جرى وسال. غار في الارض. (2) أي طرف الانف، أوما لان من طرفه (3) الارب: الحاجة.

[ 70 ]

ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت، فهل يخفى على من صح نظره وأعمل فكره أن مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقي بعضا وتهيئة أشياء آخربها تتم الحواس لا يكون إلا بعمد وتقدير من لطيف خبير ؟. بيان: قوله عليه السلام: بعضها يلقي بعضا حال أو صفة بتأويل أو تقدير. فكريا مفضل فيمن عدم البصر من الناس وما يناله من الخلل في اموره، فإنه لا يعرف موضع قدمه، ولا يبصر ما بين يديه، فلا يفرق بين الالوان، وبين المنظر الحسن والقبيح، ولا يرى حفرة إن هجم عليها (1) ولا عدوا إن أهوى إليه بسيف، ولا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة حتى أنه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى، وكذلك من عدم السمع يختل في امور كثيرة فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويعدم لذة الاصوات واللحون بالشجية المطربة، ويعظم المؤونة على الناس في محاورته، حتى يتبر موابه (2) ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم، حتى يكون كالغائب وهو شاهد، أو كالميت وهو حي، فأما من عدم العقل فإنه يلحق بمنزلة البهائم بل يجهل كثيرا مما يهتدي إليه البهائم، أفلا ترى كيف صارت الجوارح والعقل وسائر الخلال (3) التي بها صلاح الانسان والتي لو فقد منها شيئا لعظم ما يناله في ذلك من الخلل يوافي خلقة على التمام حتى لا يفقد شيئا منها، فلم كان كذلك إلا لانه خلق بعلم وتقدير ؟. (4) بيان: روح المخاطبة بالفتح أي راحتها ولذتها. والشجو: الحزن. ولا يتوهم جواز الاستدلال به على عدم حرمة الغناء مطلقا لاحتمال أن يكون المراد الافراد المحللة منها كما ذكرها الاصحاب، وسيأتي ذكرها في بابه، أو يكون فائدة إدراك تلك اللذة عظم الثواب في تركها لوجهه تعالى. وقوله عليه السلام: يوافي خلقة، خبر صارت. قال المفضل: فقلت: فلم صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله في


(1) أي انتهى إليها بغتة على غفلة منه. (2) أي حتى يملوا ويضجروا به. (3) جمع الخلة وهى الخصلة. (4) وفى نسخة: إلا لانه خلق بعلم وبقدر. (*)

[ 71 ]

ذلك مثل ما وصفته يا مولاي: قال عليه السلام: ذلك للتأديب والموعظة لمن يحل ذلك به ولغيره بسببه، كما قد يؤدب الملوك الناس للتنكيل (1) والموعظة فلا ينكر ذلك عليهم بل يحمد من رأيهم ويصوب من تدبيرهم، ثم للذين ينزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت إن شكروا وأنابوا ما يستصغرون معه ما ينالهم منها، حتى أنهم لو خيروا بعد الموت لاختاروا أن يردوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب. فكريا مفضل في الاعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا، وما في ذلك من الحكمة والتقدير، والصواب في التدبير، فالرأس مما خلق فردا ولم يكن للانسان صلاح في أن يكون أكثر من واحد، ألا ترى أنه لو اضيف إلى رأس الانسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة إليه، لان الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد، ثم كان الانسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان فإن تكلم من أحدهما كان الآخر معطلا لا إرب فيه ولا حاجة إليه، وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج إليه، وإن تكلم بأحدهما بغير الذي تكلم به من الآخر لم يدر السامع بأي ذلك يأخذ، و أشباه هذا من الاخلاط، واليدان مما خلق أزواجا ولم يكن للانسان خير في أن يكون له يد واحدة لان ذلك كان يخل به فيما يحتاج إلى معالجته من الاشياء ألا ترى أن النجار والبناء لو شلت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته، وإن تكلف ذلك لم يحكمه ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت له يدان يتعاونان على العمل. أطل الفكر يا مفضل في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الانسان، فالحنجرة كالانبوبة (2) لخروج الصوت، واللسان والشفتان والاسنان لصياغة الحروف والنغم، ألا ترى أن من سقطت أسنانه لم يقم السين، ومن سقطت شفته لم يصحح الفاء، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء، وأشبه شئ بذلك المزمار الاعظم، فالحنجرة يشبه قصبة المزمار والرية يشبه الزق الذي ينفخ فيه لتدخل الريح، والعضلات التي تقبض على الرية ليخرج الصوت كالاصابع التي تقبض على الزق حتى تجري الريح في المزمار، والشفتان


(1) نكل به: صنع به صنيعا يحذر غيره ويجعله عبرة له (2) وزان ارجوزة: ما بين العقدتين من القصب.

[ 72 ]

والاسنان التي تصوغ الصوت حروفا ونغما كالاصابع التي يختلف في فم المزمار فتصوغ صفيره ألحانا، غير أنه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف فإن المزمار بالحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت. قد أنبأتك بما في الاعضاء من الغناء في صنعة الكلام وإقامة الحروف، وفيها مع الذي ذكرت لك مآرب اخرى، فالحنجرة ليسلك فيها هذا النسيم إلى الرية فتروح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي لو احتبس (1) شيئا يسيرا لهلك الانسان، و باللسان تذاق الطعوم فيميز بينها ويعرف كل واحد منها حلوها من مرها، وحامضها من مزها، ومالحها من عذبها، وطيبها من خبيثها، وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام والشراب، والاسنان تمضغ الطعام حتى تلين ويسهل إساغته، وهي مع ذلك كالسند للشفتين تمسكهما وتدعمهما من داخل الفم، (2) واعتبر ذلك بأنك ترى من سقطت أسنانه مسترخى الشفة ومضطربها، وبالشفتين يترشف الشراب (3) حتى يكون الذي يصل إلى الجوف منه بقصد وقدر لا يثج ثجا فيغص به الشارب أو ينكا في الجوف، ثم هما بعد ذلك كالباب المطبق على الفم يفتحهما الانسان إذا شاء، ويطبقهما إذا شاء، ففيما وصفنا من هذا بيان أن كل واحد من هذه الاعضاء يتصرف وينقسم إلى وجوه من المنافع، كما تتصرف الاداة الواحدة في أعمال شتى، وذلك كالفاس (4) يستعمل في النجارة (5) والحفر وغيرهما من الاعمال، ولو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لف بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الاعراض وتمسكه فلا يضطرب، ولرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما يفته هد الصدمة والصكة (6) التي ربما وقعت في الرأس، ثم قد جللت الجمجمة بالشعر حتى صار بمنزلة الفر وللرأس (7) يستره من شدة الحر


(1) وفى نسخة: لو حبس. (2) دعم الشئ: أسنده لئلا يميل. (3) رشف الماء أي بالغ في مصه. (4) الفاس: آلة لقطع الخشب وغيره. (5) وزان الكتابة: حرفة النجار. (6) الصكة: الضرب الشديد أو اللطم. (7) الفرو: شئ كالجبة يبطن من جلود بعض الحيوانات كالارانب والسمور.

[ 73 ]

والبرد، فمن حصن الدماغ هذا التحصين إلا الذي خلقه وجعله ينبوع الحس والمستحق للحيطة والصيانة بعلو منزلته من البدن وارتفاع درجته وخطر مرتبته ؟. بيان: المز: بين الحلو والحامض. والثج: السيلان. والغصص: أن يقف بالشئ في الحلق فلم يك يسيغه. والجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ. والبيضة: هي التي توضع على الرأس في الحرب. والفت: الكسر. وهد البناء: كسره وضعضعه، و هدته المصيبة أي أوهنت ركنه. والحيطة بالكسر: الحياطة والرعاية. تأمل يا مفضل الجفن على العين، كيف جعل كالغشاء، والاشفار كالاشراج، و أولجها في هذا الغار، وأظلها بالحجاب وما عليه من الشعر. بيان: الجفن: غطاء العين من أعلا وأسفل. والاشفار: هي حروف الاجفان التي عليها الشعر. والاشراج: العرى. وكأنه عليه السلام شبه الاشفار بالعرى والخيط المشدود بها، فإن بهما ترفع الاستار وتسدل عند الحاجة إليهما، أو بالعرى التي تكون في العيبة من الادم (1) وغيره، يكون فيها خيط إذا شدت به يكون ما في العيبة محفوظا مستورا، وكلاهما مناسب، والاول أنسب بالغشاء. قال الجزري: في حديث الاحنف: فأدخلت ثياب صوني العيبة فأشرجتها. يقال: اشرجت العيبة وشرجتها: إذا شددتها بالشرج وهي العرى. انتهى. وأولجها يعني أدخلها. يا مفضل من غيب الفؤاد في جوف الصدر، وكساه المدرعة التي هي غشاؤه، وحصنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب لئلا يصل إليه ما ينكؤه ؟ من جعل في الحلق منفذين ؟ أحدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم المتصل بالرية، والآخر منفذ الغذاء وهو المرئ المتصل بالمعدة الموصل الغذاء إليها، وجعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن يصل إلى الرية فيقتل، من جعل الرية مروحة الفؤاد ؟ لا تفتر ولا تخل لكيلا تتحيز الحرارة في الفؤاد فتؤدي إلى التلف. من جعل لمنافذ البول والغائط أشراجا تضبطهما ؟ لئلا يجريا جريانا دائما فيفسد على الانسان عيشه فكم عسى أن يحصي المحصي من هذا ؟ بل الذي لا يحصى منه ولا يعلمه الناس أكثر، من جعل المعدة عصبانية شديدة وقدرها


(1) العيبة الزنبيل من ادم. ما تجعل فيه الثياب كالصندوق. الادم: الجلود المدبوغة.

[ 74 ]

لهضم الطعام الغليظ ؟ ومن جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفوا للطيف من الغذء ولتهضم وتعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلا الله القادر ؟ أترى الاهمال يأتي بشئ من ذلك ؟ (1) كلا، بل هو تدبير من مدبر حكيم، قادر عليم بالاشياء قبل خلقه إياها، لا يعجزه شئ وهو اللطيف الخبير. تبيان: الجوانح: الاضلاع التى مما يلي الصدر. وقوله عليه السلام: لا تخل من الاخلال بالشئ بمعنى تركه. وقوله تتحيز إما من الحيز أي تسكن، أو من قولهم: تحيزت الحية: أي تلوت. فكريا مفضل لم صار المخ الرقيق محصنا في أنابيب العظام ؟ هل ذلك إلا ليحفظه ويصونه ؟ لم صار الدم السائل محصورا في العروق بمنزلة الماء في الظروف إلا لتضبطه فلا يفيض ؟ لم صارت الاظفار على أطراف الاصابع إلا وقاية لها ومعونة على العمل ؟ لم صار داخل الاذن ملتويا كهيئة الكوكب (2) إلا ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي إلى السمع وليتكسر حمة الريح فلا ينكأ في السمع ؟ لم حمل الانسان على فخذيه وإليتيه هذا اللحم إلا ليقيه من الارض فلا يتألم من الجلوس عليهما، كما يألم من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الارض حائل يقيه صلابتها ؟ من جعل الانسان ذكرا وانثى إلا من خلقه متناسلا ؟ ومن خلقه متناسلا إلا من خلقه مؤملا ؟ ومن خلقه مؤملا ومن أعطاه آلات العمل إلا من خلقه عاملا ؟ ومن خلقه عاملا إلا من جعله محتاجا ؟ ومن جعله محتاجا إلا من ضربه بالحاجة ؟ ومن ضربه بالحاجة إلا من توكل بتقويمه ؟ من خصه بالفهم إلا من أوجب له الجزاء ؟ ومن وهب له الحيلة إلا من ملكه الحول ؟ ومن ملكه الحول إلا من ألزمه الحجة ؟ من يكفيه ما لا تبلغه حيلته إلا من لم يبلغ مدى شكره ؟ فكر وتدبر ما وصفته، هل تجد الاهمال على هذا النظام والترتيب ؟ تبارك الله عما يصفون.


(1) في نسخة: أترى من الاهمال يأتي بشئ من ذلك. (2) أقول: في بعض النسخ " اللولب " مكان الكوكب وهو آلة من خشب أو حديد ذات محور، ذي دوائر ناتئة، وهو الذكر، أو داخلة وهو الانثى.

[ 75 ]

بيان: الكوكب: المحبس. واطرد الشئ تبع بعضه بعضا وجرى. وقال الجوهري: حمة الحر معظمه. وقوله عليه السلام: إلا من خلقه مؤملا إشارة إلى أن الامل والرجاء في البقاء هو السبب لتحصيل النسل، ولذا جعل الانسان ذا أمل لبقاء نوعه. قوله عليه السلام: إلا من ضربه بالحاجة أي سبب له أسباب الاحتجاج وخلقه بحيث يحتاج. قوله عليه السلام: إلا من توكل بتقويمه أي تكفل برفع حاجته وتقويم أوده. والحول: القوة. أصف لك الآن يا مفضل الفؤاد، اعلم أن فيه ثقبا موجهة نحو الثقب التي في الرية تروح عن الفؤاد، حتى لو اختلفت تلك الثقب وتزايل بعضها عن بعض لما وصل الروح إلى الفؤاد ولهلك الانسان، أفيستجيز ذو فكر وروية أن يزعم أن مثل هذا يكون بالاهمال ولا يجد شاهدا من نفسه ينزعه عن هذا القول ؟ لو رأيت فردا من مصراعين فيه كلوب أكنت تتوهم أنه جعل كذلك بلا معنى ؟ بل كنت تعلم ضرورة أنه مصنوع يلقي فردا آخر فتبرزه ليكون في اجتماعهما ضرب من المصلحة، وهكذا تجد الذكر من الحيوان كأنه فرد من زوج مهيأ (1) من فرد انثى فيلتقيان لما فيه من دوام النسل وبقائه، فتبا وخيبة وتعسا لمنتحلي الفلسفة، كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتى أنكروا التدبير والعمد فيها ؟ لو كان فرج الرجل مسترخيا كيف كان يصل إلى قعر الرحم حتى يفرغ النطفة فيه ؟ ولو كان منعظا أبدا كيف كان الرجل يتقلب في الفراش أو يمشي بين الناس وشئ شاخص أمامه ؟ ثم يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في كل وقت من الرجال والنساء جميعا، فقدر الله جل اسمه أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كل وقت، ولا يكون على الرجال منه مؤونة، بل جعل فيه القوة على الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك لما قدر أن يكون فيه دوام النسل وبقاؤه. توضيح: قال الجوهري: وزعته أزعه وزعا: كففته (2). انتهى. والكلوب بالتشديد: حديدة معوجة الرأس، وفي بعض النسخ " كلون " وهو فارسي. قوله عليه السلام مهيأة في بعض النسخ بالياء فلفظة " من " تعليلية، وفي بعضها بالنون فمن تعليلية أو


(1) وفي نسخة: كأنه فرد من زوج مهنأ. (2) لم نجد في كلامه عليه السلام لفظة وزعته.

[ 76 ]

ابتدائية أي إنما يتم عيشه بانثى، وعلى التقديرين يحتمل أن يكون بمعنى " مع " إن جوز استعماله فيه. وقال الجوهري: تبا لفلان، تنصبه على المصدر باضمار فعل أي ألزمه الله هلاكا وخسرانا. وقال: التعس: الهلاك، يقال: تعسا لفلان أي ألزمه الله هلاكا. اعتبر الآن يا مفضل بعظيم النعمة على الانسان في مطعمه ومشربه وتسهيل خروج الاذى، أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع فيها ؟ (1) فكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من الانسان في أستر موضع منه، فلم يجعله بارزا من خلفه، ولا ناشرا من بين يديه، بل هو مغيب في موضع غامض من البدن، مستور محجوب يلتقي عليه الفخذان، وتحجبه الاليتان بما عليهما من اللحم فيواريانه فإذا احتاج الانسان إلى الخلاء وجلس تلك الجلسة ألفى ذلك المنفذ منه منصبا مهيئا لانحدار الثفل، فتبارك الله من تظاهرت آلاؤه ولا تحصى نعماؤه. بيان: ألفى أي وجد. وقوله عليه السلام: منصبا إما من الانصباب، كناية عن التدلي أو من باب التفعيل من النصب قال الفيروز آبادي: نصب الشئ وضعه ورفعه ضد، كنصبه فانتصب وتنصب. فكر يا مفضل في هذه الطواحن التي جعلت للانسان فبعضها حداد لقطع الطعام وقرضه، وبعضها عراض لمضغه ورضه (2) فلم ينقص واحد من الصفتين إذ كان محتاجا إليهما جميعا. تأمل واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والاظفار فإنهما لما كانا مما يطول ويكثر حتى يحتاج إلى تخفيفه أولا فأولا جعلا عديمي الحس لئلا يولم الانسان الاخذ منهما، ولو كان قص الشعر وتقليم الاظفار مما يوجد له مس من ذلك لكان الانسان من ذلك بين مكروهين: إما أن يدع كل واحد منهما حتى يطول فيثقل عليه، وإما أن يخففه بوجع وألم يتألم منه.


(1) وفي نسخة: في أستر موضع منها. (2) رضه: دقه وجرشه.

[ 77 ]

قال المفضل: فقلت فلم لم يجعل ذلك خلقة لا تزيد فيحتاج الانسان إلى النقصان منه ؟ فقال عليه السلام: إن لله تبارك اسمه في ذلك على العبد نعما لا يعرفها فيحمد عليها، اعلم أن آلام البدن وأدواءه تخرج بخروج الشعر في مسامه، (1) وبخروج الاظفار من أناملها، ولذلك أمر الانسان بالنورة وحلق الرأس وقص الاظفار في كل اسبوع ليسرع الشعر والاظفار في النبات، فتخرج الآلام والادواء بخروجها، وإذا طالا تحيرا وقل خروجهما فاحتبست الآلام والادواء في البدن فأحدثت عللا وأوجاعا، ومنع مع ذلك الشعر من المواضع التي يضر بالانسان ويحدث عليه الفساد والضرر، لو نبت الشعر في العين ألم يكن سيعمى البصر ؟ ولو نبت في الفم ألم يكن سيغص على الانسان طعامه و شرابه ؟ ولو نبت في باطن الكف ألم يكن سيعوقه عن صحة اللمس وبعض الاعمال ؟ فلو نبت في فرج المرأة أو على ذكر الرجل ألم يكن سيفسد عليهما لذة الجماع ؟ فانظر كيف تنكب الشعر هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة، ثم ليس هذا في الانسان فقط بل تجده في البهائم والسباع وسائر المتناسلات فإنك ترى أجسامهن مجللة بالشعر وترى هذه المواضع خالية منه لهذا السبب بعينه، فتأمل الخلقة كيف تتحرز وجوه الخطأ والمضرة، وتأتي بالصواب والمنفعة، إن المنانية (2) وأشباههم حين اجتهدوا في عيب الخلقة والعمد عابوا الشعر النابت على الركب والابطين (3) ولم يعلموا أن ذلك من رطوبة تنصب إلى هذه المواضع فينبت فيها الشعر، كما ينبت العشب في مستنقع المياه، أفلا ترى إلى هذه المواضع أستر وأهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها ؟ ثم إن هذه تعد (4) مما يحمل الانسان من مؤونة هذا البدن وتكاليفه لما له في ذلك من المصلحة فإن اهتمامه بتنظيف بدنه وأخذ ما يعلوه من الشعر مما يكسر به شرته، ويكف عاديته، ويشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الاشر والبطالة. تأمل الريق وما فيه من المنفعة فإنه جعل يجري جريانا دائما إلى الفم ليبل الحلق واللهوات فلا يجف،


(1) المسامة: ثقبة ومنافذ كمنابت الشعر. (2) وفي نسخة: المانوية. (3) الابطين: باطن الكتفين. (4) وفي نسخة بعد.

[ 78 ]

فإن هذه المواضع لو جعلت كذلك كان فيه هلاك الانسان، ثم كان لا يستطيع أن يسيغ طعاما إذا لم يكن في الفم بلة تنفذه، تشهد بذلك المشاهدة. وأعلم أن الرطوبة مطية الغذاء. وقد تجري من هذه البلة إلى موضع آخر من المرة فيكون في ذلك صلاح تام للانسان، ولو يبست المرة لهلك الانسان، ولقد قال قوم من جهلة المتكلمين وضعفة المتفلسفين بقلة التميز وقصور العلم: لو كان بطن الانسان كهيئة القباء يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه ألم يكن أصلح من أن يكون مصمتا محجوبا عن البصر واليد، لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة كمثل النظر إلى البول وحس العرق وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبهة حتى ربما كان ذلك سببا للموت. فلو علم هؤلاء الجهلة أن هذا لو كان هكذا كان أول ما فيه أنه كان يسقط عن الانسان الوجل من الامراض والموت، وكان يستشعر البقاء ويغتر بالسلامة فيخرجه ذلك إلى العتو والاشر، ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشح وتتحلب فيفسد على الانسان مقعده ومرقده وثياب بذلته وزينته، بل كان يفسد عليه عيشه، ثم إن المعدة والكبد والفؤاد إنما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية التي جعلها الله محتبسة في الجوف، فلو كان في البطن فرج ينفتح حتى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه لوصل برد الهواء إلى الجوف فمازج الحرارة الغريزية وبطل عمل الاحشاء فكان في ذلك هلاك الانسان. أفلا ترى أن كل ما تذهب إليه الاوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ وخطل ؟. ايضاح: الركب بالتحريك منبت العانة. ومستنقع الماء بالفتح: مجتمعه. وشرة الشباب بالكسر: حرصه ونشاطه. والعادية: الظلم والشر. والاشر بالتحريك: البطر وشدة الفرح. واللهوات جمع لهات وهي اللحمة في سقف أقصى الفم. وقوله عليه السلام: من المرة بيان لموضع آخر. وعتا عتوا: استكبر وجاوز الحد. ويقال: تحلب العرق أي سال. والخطل: المنطق الفاسد المضطرب. فكريا مفضل في الافعال التي جعلت في الانسان من الطعم والنوم والجماع وما دبر فيها فإنه جعل لكل واحد منها في الطباع نفسه محرك يقتضيه ويستحث به

[ 79 ]

فالجوع يقتضي الطعم الذي به حياة البدن وقوامه، والكرى تقتضي النوم الذي فيه راحة البدن وإجمام قواه، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه، ولو كان الانسان إنما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة بدنه إليه ولم يجد من طباعه شيئا يضطره إلى ذلك كان خليقا أن يتوانى عنه أحيانا بالتثقل والكسل حتى ينحل بدنه فيهلك، كما يحتاج الواحد إلى الدواء بشئ مما يصلح ببدنه فيدافع به حتى يؤديه ذلك إلى المرض والموت، وكذلك لو كان إنما يصير إلى النوم بالتفكر في حاجته إلى راحة البدن وإجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدمغه حتى ينهك بدنه، ولو كان إنما يتحرك للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه حتى يقل النسل أو ينقطع، فإن من الناس من لا يرغب في الولد ولا يحفل به، فانظر كيف جعل لكل واحد من هذه الافعال التي بها قوام الانسان وصلاحه محرك من نفس الطبع يحركه لذلك ويحدوه عليه (1) واعلم أن في الانسان قوى أربعا: قوة جاذبة تقبل الغذاء وتورده على المعدة، وقوة ممسكة تحبس الطعام حتى تفعل فيه الطبيعة فعلها، وقوة هاضمة وهي التي تطبخه (2) وتستخرج صفوه وتبثه في البدن، وقوة دافعة تدفعه وتحدر الثفل الفاضل بعد أخذ الهاضمة حاجتها، تفكر في تقدير هذه القوى الاربعة التي في البدن وأفعالها وتقديرها للحاجة إليها والارب فيها، وما في ذلك من التدبير والحكمة، و لولا الجاذبة كيف يتحرك الانسان لطلب الغذاء التي بها قوام البدن ؟ ولولا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في الجوف حتى تهضمه المعدة ؟ ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ حتى يخلص منه الصفو الذي يغذوا البدن ويسد خلله ؟ ولولا الدافعة كيف كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج أولا فأولا ؟ أفلا ترى كيف وكل الله سبحانه بلطيف صنعه وحسن تقديره هذه القوى بالبدن والقيام بما فيه صلاحه ؟ وسأمثل لك في ذلك مثالا: إن البدن بمنزلة دار الملك، وله فيها حشم وصبية وقوام موكلون بالدار، فواحد لاقضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم، وآخر لقبض ما يرد وخزنه إلى أن يعالج


(1) أي يبعثه ويسوقه إليه. (2) وفي نسخة: وهى التى تطحنه.

[ 80 ]

ويهيأ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه، وآخر لتنظيف ما في الدار من الاقذار و إخراجه منها، فالملك في هذا هو الخلاق الحكيم ملك العالمين، والدار هي البدن، والحشم هي الاعضاء، والقوام هي هذه القوي الاربع، ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الاربع وأفعالها بعد الذي وصفت فضلا وتزدادا، وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الاطباء، ولا قولنا فيه كقولهم، لانهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطب وتصحيح الابدان، وذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغي، كالذي أوضحته بالوصف الشافي والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها. تبيان: الطعم بالضم الاكل. والكرى: السهر. والجمام بالفتح: الراحة، يقال: جم الفرس جما وجماما إذا ذهب إعياؤه. والشبق بالتحريك: شدة شهوة الجماع. وتوانى في حاجته أي قصر. ولا يحفل به أي لا يبالي به. وتحدر الثفل كتنصر أي ترسل. وقوله عليه السلام: ولولا الجاذبة يدل على أن لها مدخلا في شهوة الطعام. قوله عليه السلام: خلله كأنه بالضم جمع الخلة وهي الحاجة، أو بالكسر أي الخلال والفرج التي حصلت في البدن بتحلل الرطوبات. قوله عليه السلام: ولعلك ترى يحتمل أن يكون الغرض دفع توهم السائل كون ذكر التمثيل بعد ذكر القوى ومنافعها على الوجه الذي ذكره الاطباء و اكتفوا به إطنابا وتكرارا، وحاصله أن الاطباء إنما ذكروها على ما يحتاجون إليه في صناعتهم من ذكر أفعال تلك القوى وسبب تعطلها، ولذا لم يحتاجوا إلى ذكر ما أوردنا من التمثيل، ونحن إنما ذكرنا هذا التمثيل لتتضح دلالتها على صانعها ومدبرها، إذ هذه مقصودنا من ذكرها. ويحتمل أن يكون الغرض رفع توهم أن ذكره هذه القوى بعد كونها مذكورة في كتب الاطباء فضل لا حاجة إليه بأن الغرض مختلف في بياننا و بيانهم، وبذلك يختلف التقرير أيضا فلذا ذكرنا ههنا بهذا التقرير الشافي، فالضمير في قوله: وصفت على بناء المجهول راجع إلى القوى، والعائد مخذوف، أي وصفت به لكنه بعيد. تأمل يا مفضل هذه القوى التي في النفس وموقعها من الانسان، أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك، أفرأيت لو نقص الانسان من هذه الخلال الحفظ

[ 81 ]

وحده كيف كانت تكون حاله ؟ وكم من خلل كان يدخل عليه في اموره ومعاشه وتجاربه إذا لم يحفظ ما له وعليه، وما أخذه وما أعطى، وما رأى وما سمع، وما قال وما قيل له، ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساء به، وما نفعه مما ضره، ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه ما لا يحصى، ولا يحفظ علما ولو درسه عمره، ولا يعتقد دينا، ولا ينتفع بتجربة، ولا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى، بل كان حقيقا أن ينسلخ من الانسانية أصلا فانظر إلى النعمة على الانسان في هذه الخلال، وكيف موقع الواحدة منها دون الجميع ؟ وأعظم من النعمة على الانسان في الحفظ النعمة في النسيان، فإنه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة، ولا انقضت له حسرة، ولا مات له حقد، ولا استمتع بشئ من متاع الدنيا مع تذكر الآفات، ولا رجا غفلة من سلطان، ولا فترة من حاسد، أفلا ترى كيف جعل في الانسان الحفظ والنسيان، وهما مختلفان متضادان، وجعل له في كل منهما ضرب من المصلحة ؟ وما عسى أن يقول الذين قسموا الاشياء بين خالقين متضادين في هذه الاشياء المتضادة المتبائنة وقد تراها تجتمع على ما فيه الصلاح والمنفعة ؟. بيان: دون الجميع أي فضلا عن الجميع. ويقال: سلا عنه أي نسيه. وقد مضى منا ما يمكن أن يستعمل في فهم آخر الكلام في موضعين فتذكر. انظر يا مفضل إلى ما خص به الانسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق، الجليل قدره، العظيم غناؤه، أعني الحياء فلولاه لم يقر ضيف، ولم يوف بالعدات، ولم تقض الحوائج، ولم يتحر الجميل، (1) ولم يتنكب القبيح في شئ من الاشياء، حتى أن كثيرا من الامور المفترضة أيضا إنما يفعل للحياء، فإن من الناس من لولا الحياء لم يرع حق والديه، ولم يصل ذا رحم، ولم يؤد أمانة، ولم يعف عن فاحشة (2) أفلا ترى كيف وفي للانسان جميع الخلال التي فيها صلاحه وتمام أمره ؟. بيان: إقراء الضيف: ضيافتهم وإكرامهم. والتنكب: التجنب. ووفي على بناء المجهول من التوفية وهي إعطاء الشئ وافيا.


(1) تحرى: طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن: أو طلب أحرى الامرين أي أولاهما. (2) أي لم يكف ولم يمتنع عن فاحشة.

[ 82 ]

تأمل يا مفضل ما أنعم الله تقدست أسماؤه به على الانسان من هذا النطق الذي يعبر به عما في ضميره، وما يخطر بقلبه، ونتيجة فكره، وبه يفهم عن غيره ما في نفسه، ولولا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة التي لا تخبر عن نفسها بشئ، ولا تفهم عن مخبر شيئا، وكذلك الكتابة التى بها تقيد أخبار الماضين للباقين، وأخبار الباقين للآتين، وبها تخلد الكتب في العلوم والآداب وغيرها، وبها يحفظ الانسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحساب، ولولاه لانقطع أخبار بعض الازمنة عن بعض، وأخبار الغائبين عن اوطانهم، ودرست العلوم، (1) وضاعت الآداب، وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في امورهم ومعاملاتهم، وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم، وما روي لهم مما لا يسعهم جهله، ولعلك تظن أنها مما يخلص إليه بالحيلة والفطنة، وليست مما اعطيه الانسان من خلقه وطباعه، وكذلك الكلام إنما هو شئ يصطلح عليه. الناس فيجرى بينهم، ولهذا صار يختلف في الامم المختلفة بألسن مختلفة، وكذلك الكتابة ككتابة العربي والسرياني والعبراني والرومي وغيرها من سائر الكتابة التي هي متفرقة في الامم، إنما اصطلحوا عليها كما اصطلحوا على الكلام، فيقال لمن ادعى ذلك: إن الانسان وان كان له في الامرين جميعا فعل أو حيلة فإن الشئ الذي يبلغ به ذلك الفعل والحيلة عطية وهبة من الله عزوجل في خلقه (2) فإنه لو لم يكن له لسان مهيؤ للكلام وذهن يهتدي به للامور لم يكن ليتكلم أبدا، ولو لم يكن له كف مهياة وأصابع للكتابة لم يكن ليكتب أبدا، واعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة، فأصل ذلك فطرة الباري عزوجل وما تفضل به على خلقه، فمن شكر اثيب ومن كفر فإن الله غني عن العالمين. بيان: كلامه ههنا مشعر بأن واضع اللغات البسر فتدبر. (3) ذكر يا مفضل (4) فيما اعطي الانسان علمه وما منع فإنه اعطي علم جميع ما فيه


(1) أي ذهب أثرها وانمحى. (2) وفي نسخة: في خلقته. (3) وأهم منه دلالته على كون الاوضاع تعينية لا تعيينية، وكذا إشعاره بأن هذه وأمثالها اصطلاحات واعتبارات تضطر إليها البشر. ط (4) وفي نسخة فكر يا مفضل.

[ 83 ]

صلاح دينه ودنياه، فمما فيه صلاح دينه معرفة الخالق تبارك وتعالى بالدلائل والشواهد القائمة في الخلق، ومعرفة الواجب عليه من العدل على الناس كافة وبر الوالدين، وأداء الامانة، ومواساة أهل الخلة، وأشباه ذلك مما قد توجد معرفته والاقرار والاعتراف به في الطبع والفطرة من كل امة موافقة أو مخالفة، وكذلك اعطي علم ما فيه صلاح دنياه كالزراعة والغراس، (1) واستخراج الارضين، واقتناء الاغنام والانعام، واستنباط المياه، (2) ومعرفة العقاقير (3) التي يستشفى بها من ضروب الاسقام، والمعادن التي يستخرج منها أنواع الجواهر، وركوب السفن والغوص في البحر، وضروب الحيل في صيد الوحش والطير والحيتان، والتصرف في الصناعات، ووجوه المتاجر والمكاسب، و غير ذلك مما يطول شرحه ويكثر تعداده مما فيه صلاح أمره في هذه الدار، فاعطي علم ما يصلح به دينه ودنياه، ومنع ما سوى ذلك مما ليس في شأنه ولا طاقته أن يعلم، كعلم الغيب وما هو كائن وبعض ما قد كان أيضا كعلم ما فوق السماء وما تحت الارض وما في لجج البحار (4) وأقطار العالم (5) وما في قلوب الناس وما في الارحام وأشباه هذا مما حجب على الناس علمه، وقد ادعت طائفة من الناس هذه الامور فأبطل دعواهم ما بين من خطائهم (6) فيما يقضون عليه ويحكمون به فيما ادعوا علمه، فانظر كيف اعطي الانسان علم جميع ما يحتاج إليه لدينه ودنياه، وحجب عنه ما سوى ذلك ليعرف قدره ونقصه، وكلا الامرين فيهما صلاحه. تأمل الآن يا مفضل ما ستر عن الانسان علمه من مدة حياته فإنه لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع ترقب الموت وتوقعه لوقت قد عرفه،


(1) الغراس جمع المغروس: ما يغرس من الشجر. (2) أي استخرجها. (3) جمع للعقار: ما يتداوى به من النبات، الدواء مطلقا. (4) اللجج جمع اللجة: معظم الماء. (5) أي جهاتها الاربع. (6) وفي نسخة: ما يبين من خطائهم.

[ 84 ]

بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر، على أن الذي يدخل على الانسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال لان من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس وإن كان طويل العمر، ثم عرف ذلك وثق بالبقاء (1) وانهمك في اللذات والمعاصي وعمل، على أنه يبلغ من ذلك شهوته ثم يتوب في آخر عمره، وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله. ألا ترى لو أن عبدا لك عمل على أنه يسخطك سنة ويرضيك يوما أو شهرا لم تقبل ذلك منه، ولم يحل عندك محل العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك ونصحك في كل الامور وفي كل الاوقات عى تصرف الحالات. (2) فإن قلت: أو ليس قد يقيم الانسان على المعصية حينا ثم يتوب فتقبل توبته ؟ قلنا: إن ذلك شئ يكون من الانسان لغلبة الشهوات وتركه مخالفتها من غير أن يقدرها في نفسه ويبني عليه أمره فيصفح الله عنه ويتفضل عليه بالمغفرة، فأما من قدر أمره على أن يعصي ما بدا له ثم يتوب آخر ذلك فإنما يحاول خديعة من لا يخادع بأن يتسلف التلذذ في العاجل ويعد ويمني نفسه التوبة في الآجل، ولانه لا يفي بما يعد من ذلك فان النزوع من الترفه والتلذذ (3) ومعاناة التوبة ولاسيما عند الكبر وضعف البدن أمر صعب، ولا يؤمن على الانسان مع مدافعته بالتوبة أن يرهقه الموت فيخرج من الدنيا غير تائب، كما قد يكون على الواحد دين إلى أجل وقد يقدر على قضائه فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل الاجل وقد نفد المال فيبقى الدين قائما عليه، فكان خير الاشياء للانسان أن يستر عنه مبلغ عمره فيكون طول عمره يترقب الموت فيترك المعاصي ويؤثر العمل الصالح. فإن قلت: وها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته وصار يترقب الموت في كل ساعة يقارف (4) الفواحش وينتهك المحارم، قلنا: إن وجه التدبير في هذا الباب هو الذي جرى


(1) كذا في النسخ والظاهر: ثم لو عرف ذلك وثق بالبقاء. (2) وفي نسخة: على تصرف الآيات. (3) أي الكف من التنعم والتلذذ. (4) أي يكتسب.

[ 85 ]

عليه الامر فيه، فإن كان الانسان مع ذلك لا يرعوي (1) ولا ينصرف عن المساوي فإنما ذلك من مرحه (2) ومن قساوة قلبه لا من خطأ في التدبير، كما أن الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به فإن كان المريض مخالفا لقول الطبيب لا يعمل بما يأمره ولا ينتهي عما ينهاه عنه لم ينتفع بصفته ولم يكن الاساءة في ذلك للطبيب بل للمريض حيث لم يقبل منه، ولئن كان الانسان مع ترقبه للموت كل ساعة لا يمتنع عن المعاصي فإنه لو وثق بطول البقاء كان أحرى بأن يخرج إلى الكبائر الفظيعة، فترقب الموت على كل حال خير له من الثقة بالبقاء، ثم إن ترقب الموت وإن كان صنف من الناس يلهون عنه ولا يتعظون به فقد يتعظ به صنف آخر منهم، وينزعون عن المعاصي ويؤثرون العمل الصالح، ويجودون بالاموال والعقائل النفيسة في الصدقة على الفقراء والمساكين، فلم يكن من العدل أن يحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لتضييع اولئك حظهم منها. بيان: انهمك الرجل في الامر أي جد ولج. والتسلف: الاقتراض، كأنه يجري معاملة مع ربه بأن يتصرف في اللذات عاجلا، ويبعد ربه عوضها التوبة ليؤدي إليه آجلا. وفي بعض النسخ: يستسلف، وهو طلب بيع الشئ سلفا. والمعاناة: مقاساة العناء والمشقة. ويرهقه أي يغشاه ويلحقه. وانتهاك المحارم: المبالغة في خرقها وإتيانها. والارعواء: الكف عن الشئ، وقيل: الندم على الشئ و الانصراف عنه وتركه. والمرح: شدة الفرح. وقال الفيروز آبادي: العقيلة من كل شئ: أكرمه، وكريمة الابل. وقال: العقال ككتاب: زكاة عام من الابل. فكر يا مفضل في الاحلام كيف دبر الامر فيها فمزج صادقها بكاذبها فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء، ولو كانت كلها تكذب لم يكن فيها منفعة بل كانت فضلا لا معنى له، فصارت تصدق أحيانا فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي لها، أو مضرة يتحذر منها، (3) وتكذب كثيرا لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد.


(1) أي لا يكف. (2) مرح الرجل: اشتد فرحه ونشاطه حتى جاوز القدر، وتبختر واختال. (3) وفي نسخة: يتحرز منها.

[ 86 ]

فكر في هذه الاشياء التي تراها موجودة معدة في العالم من مأربهم، فالتراب للبناء، والحديد للصناعات، والخشب للسفن وغيرها، والحجارة للارحاء (1) وغيرها، والنحاس للاواني، والذهب والفضة للمعاملة، والجوهر للذخيرة، والحبوب للغذاء، والثمار للتفكه، واللحم للمأكل، والطيب للتلذذ، والادوية للتصحيح، والدواب للحمولة، والحطب للتوقد، والرماد للكلس، والرمل للارض، وكم عسى أن يحصي المحصي من هذا وشبهه، أرأيت لو أن داخلا دخل دارا فنظر إلى خزائن مملوة من كل ما يحتاج إليه الناس ورأى كل ما فيها مجموعا معدا لاسباب معروفة لكان يتوهم أن مثل هذا يكون بالاهمال ومن غير عمد ؟ فكيف يستجيز قائل أن يقول هذا في العالم وما اعد فيه من هذه الاشياء. بيان: التفكه: التنعم. الكلس بالكسر: الصاروج. قوله عليه السلام: للارض أي لفرشها. اعتبر يا مفضل بأشياء خلقت لمأرب الانسان وما فيها من التدبير فإنه خلق له الحب لطعامه، وكلف طحنه وعجنه وخبزه، وخلق له الوبر (2) لكسوته فكلف ندفه وغزله ونسجه، وخلق له الشجر فكلف غرسها وسقيها والقيام عليها، وخلقت له العقاقير لادويته فكلف لقطها وخلطها وصنعها، وكذلك تجد سائر الاشياء على هذا المثال، فانظر كيف كفي الخلقة التي لم يكن عنده فيها حيلة وترك عليه في كل شئ من الاشياء موضع عمل وحركة لما له في ذلك من الصلاح، لانه لو كفي هذا كله حتى لا يكون له في الاشياء موضع شغل وعمل لما حملته الارض أشرا وبطرا، ولبلغ به كذلك إلى أن يتعاطي امورا فيها تلف نفسه، ولو كفي الناس كل ما يحتاجون إليه لما تهنؤوا بالعيش ولا وجدوا له لذة، ألا ترى لو أن امرءا نزل بقوم فأقام حينا بلغ جميع ما يحتاج إليه من مطعم و مشرب وخدمة لتبرم (3) بالفراغ ونازعته نفسه إلى التشاغل بشئ ؟ فكيف لو كان طول


(1) جمع للرحى وهى الطاحون. (2) الوبر للابل والارانب ونحوها كالصوف للغنم. (3) أي لتضجر.

[ 87 ]

عمره مكفيا لا يحتاج إلى شئ ؟ وكان من صواب التدبير في هذه الاشياء التي خلقت للانسان أن جعل له فيها موضع شغل لكيلا تبرمه البطالة ولتكفه عن تعاطي ما لا يناله ولا خير فيه إن ناله. واعلم يا مفضل أن رأس معاش الانسان وحياته الخبز والماء، فانظر كيف دبر الامر فيهما، فإن حاجة الانسان إلي الماء أشد من حاجته إلى الخبز، وذلك أن صبره على الجوع أكثر من صبره على العطش، والذي يحتاج إليه من الماء أكثر مما يحتاج إليه من الخبز، لانه يحتاج إليه لشربه ووضوئه وغسله وغسل ثيابه وسقي أنعامه وزرعه، فجعل الماء مبذولا لا يشترى لتسقط عن الانسان المؤونة في طلبه وتكلفه، وجعل الخبز متعذرا لا ينال إلا بالحيلة والحركة ليكون للانسان في ذلك شغل يكفه عما يخرجه إليه الفراغ من الاشر والعبث، ألا ترى أن الصبي يدفع إلى المؤدب وهو طفل لم يكمل ذاته للتعليم كل ذلك ليشتغل عن اللعب والعبث اللذين ربما جنيا عليه وعلى أهله المكروه العظيم، وهكذا الانسان لو خلا من الشغل لخرج من الاشر والعبث والبطر إلى ما يعظم ضرره عليه وعلى من قرب منه، واعتبر ذلك بمن نشأ في الجدة ورفاهية العيش والترفه والكفاية وما يخرجه ذلك إليه. اعتبر لم لا يتشابه الناس واحد بالآخر كما يتشابه الوحوش والطير وغير ذلك ؟ (1) فإنك ترى السرب من الظباء والقطا (2) تتشابه حتى لا يفرق بين واحد منها وبين الاخرى، وترى الناس مختلفة صورهم وخلقهم حتى لا يكاد إثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة، والعلة في ذلك أن الناس محتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحلاهم لما يجري بينهم من المعاملات وليس يجري بين البهائم مثل ذلك فيحتاج إلى معرفة كل واحد منها بعينه وحليته، ألا ترى أن التشابه في الطير والوحش لا يضرهما شيئا، وليس كذلك الانسان فإنه ربما تشابه التوأمان تشابها شديدا فتعظم المؤونة على الناس في معاملتهما


(1) المراد بالتشابه التشابه العرفي كما يدل عليه بيانه الاتى، وأما التشابه الحقيقي فليس منه أثر لا في الانسان ولا في غيره وقد قام عليه البرهان وساعده التجارب العلمي. ط (2) السرب - بكسر السين وسكون الراء -: القطيع من الظباء والطير وغيرها. والقطا جمع للقطاة: طائر في حجم الحمام.

[ 88 ]

حتى يعطى أحدهما بالآخر ويؤخذ أحدهما بذنب الآخر، وقد يحدث مثل هذا في تشابه الاشياء فضلا عن تشابه الصورة، فمن لطف لعباده بهذه الدقائق التي لا تكاد تخطر بالبال حتى وقف بها على الصواب إلا من وسعت رحمته كل شئ ؟ لو رأيت تمثال الانسان مصورا على حائط فقال لك قائل: إن هذا ظهر ههنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع أكنت تقبل ذلك ؟ بل كنت تستهزئ به فكيف تنكر هذا في تمثال مصور جماد ولا تنكر في الانسان الحي الناطق ؟ لم صارت أبدان الحيوان وهي تغتذي أبدا لا تنمي، بل تنتهي إلى غاية من النمو ثم تقف ولا تتجاوزها لولا التدبير في ذلك ؟ فإن من تدبير الحكيم فيها أن يكون أبدان كل صنف منها على مقدار معلوم غير متفاوت في الكبير والصغير، (1) وصارت تنمي حتى تصل إلى غايتها ثم يقف ثم لا يزيد والغذاء مع ذلك دائم لا ينقطع، ولو كانت تنمي نموا دائما لعظمت أبدانها واشتبهت مقاديرها حتى لا يكون لشئ منها حد يعرف، لم صارت أجسام الانس خاصة تثقل عن الحركة والمشي ويجفو عن الصناعات اللطيفة إلا لتعظيم المؤونة فيما يحتاج إليه الناس للملبس والمضجع والتكفين وغير ذلك، لو كان الانسان لا يصيبه ألم ولا وجع بم كان يرتدع عن الفواحش ويتواضع لله ويتعطف على الناس ؟ أما ترى الانسان إذا عرض له وجع خضع واستكان ورغب إلى ربه في العافية وبسط يديه بالصدقة ؟ ولو كان لا يألم من الضرب بم كان السلطان يعاقب الدعار (2) ويذل العصاة المردة ؟ وبم كان الصبيان يتعلمون العلوم والصناعات ؟ وبم كان العبيد يذلون لاربابهم ويذعنون لطاعتهم ؟ أفليس هذا توبيخ لابن أبي العوجاء وذويه اللذين جحدوا التدبير، والمانوية الذين أنكروا الالم والوجع، لو لم يولد من الحيوان إلا ذكر (3) فقط أو اناث فقط ألم يكن النسل منقطعا، وباد مع ذلك أجناس الحيوان ؟ فصار بعض الاولاد يأتي ذكورا و بعضها يأتي اناثا ليدوم التناسل ولا ينقطع. لم صار الرجل والمرأة إذا أدركا نبتت لهما العانة ثم نبتت اللحية للرجل وتخلفت عن المرأة لولا التدبير في ذلك ؟ فإنه لما جعل الله تبارك


(1) وفي نسخة: في الكبر والصغر. (2) وفي نسخة: الدغار. (3) وفي نسخة: ذكورا.

[ 89 ]

وتعالى الرجل قيما ورقيبا على المرأة وجعل المرأة عرسا وخولا للرجل أعطى الرجل اللحية لما له من العزة والجلالة والهيبة، ومنعها المرأة لتبقى لها نضارة الوجه والبهجة التي تشاكل المفاكهة والمضاجعة، أفلا ترى الخلقة كيف يأتي بالصواب في الاشياء و تتخلل مواضع الخطأ فتعطي وتمنع على قدر الارب والمصلحة بتدبير الحكيم عزوجل ؟. بيان: جنى الذنب عليه يجنيه جناية: جره إليه. والجدة بالتخفيف: الغناء. قوله عليه السلام: في تشابه الاشياء أي قد يشبه مال شخص بمال شخص آخر كثوب أو نعل أو دينار أو درهم فيصير سببا للاشتباه والتشاجر والتنازع، فضلا عن تشابه الصورة فإنه أعظم فسادا، والمراد أن الناس كثيرا ما يشتبه عليهم أمر رجلين لتشابه لباسهما ومركوبهما وغير ذلك فيؤخذ أحدهما بالآخر فكيف مع تشابه الصورة ؟. قوله عليه السلام: واشتبهت مقاديرها أي لم يعرف غاية ما ينتهي إليه مقداره فيشتبه الامر عليه فيما يريد أن يهيئه لنفسه من دار ودابة وثياب وزوجة. قوله عليه السلام: ويجفو أي يبعد ويجتنب ولا يداوم على الصناعات اللطيفة، أي التي فيها دقة ولطافة، قال الجزري: وفي الحديث: اقرؤوا القرآن ولا تجفوا عنه. أي تعاهدوه وتبعدوا عن تلاوته. انتهى. والحاصل أن الله تعالى جعل الانسان بحيث تثقل عن الحركة والمشي قبل سائر الحيوانات وتكل عن الاعمال الدقيقة لتعظم عليه مؤونة تحصيل ما يحتاج إليه فلا يبطر ولا يطغى أو ليكون لهذه الاعمال أجر فيصير سببا لمعايش أقوام يزاولونها. والدعار في بعض النسخ بالمهملة من الدعر محركة الفساد والفسق والخبث، وفي بعضها بالمعجمة من الدغرة وهي أخذ الشئ اختلاسا. والعرس بالكسر: امرأة الرجل. والخول محركة ما أعطاك الله من النعم والعبيد والاماء. والمفاكهة: الممازحة والمضاحكة. قوله عليه السلام: وتخلل مواضع الخطأ يحتمل أن تكون الجملة حالية أي تأتي بالصواب مع أنها تدخل مواضع هي مظنة الخطأ، من قولهم: تخللت القوم أي دخلت خلالهم ويحتمل أن يكون المراد بالتخلل التخلف أو الخروج من خلالها لكن تطبيقهما على المعاني اللغوية يحتاج إلى تكلف. قال المفضل: ثم حان وقت الزوال فقام مولاي إلى الصلاة وقال: بكر إلى غدا

[ 90 ]

إن شاء الله، فانصرفت من عنده مسرورا بما عرفته، مبتهجا بما اوتيته، حامدا لله على ما أنعم به علي، شاكرا لانعمه على ما منحني بما عرفنيه مولاي وتفضل به علي، فبت في ليلتي مسرورا بما منحنيه، محبورا بما علمنيه. تم المجلس الاول ويتلوه المجلس الثاني من كتاب الادلة على الخلق والتدبير والرد على القائلين بالاهمال ومنكري العمد برواية المفضل عن الصادق صلوات الله عليه وعلى آبائه. قال المفضل: فلما كان اليوم الثاني بكرت إلى مولاي فاستوذن لي فدخلت فأمرني بالجلوس فجلست، فقال: الحمد لله مدير الادوار (1) ومعيد الاكوار طبقا عن طبق و عالما بعد عالم ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، عدلا منه تقدست أسماؤه وجلت آلاؤه، لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون يشهد بذلك قوله جل قدسه: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، في نظائر لها في كتابه الذي فيه تبيان كل شئ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولذلك قال سيدنا محمد صلوات الله عليه وآله إنما هي أعمالكم ترد إليكم. ثم أطرق هنيئة ثم قال: يا مفضل الخلق حيارى عمهون سكارى في طغيانهم يترددون، وبشياطينهم وطواغيتهم يقتدون، بصراء عمي لا يبصرون، نطقاء بكم لا يعقلون، سمعاء صم لا يسمعون، رضوا بالدون وحسبوا أنهم مهتدون، حادوا عن مدرجة الاكياس، ورتعوا في مرعى الارجاس الانجاس، كأنهم من مفاجاة الموت آمنون وعن المجازات مزحزحون، يا ويلهم ما أشقاهم وأطول غناءهم وأشد بلاءهم يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله. قال المفضل: فبكيت لما سمعت منه، فقال: لا تبك تخلصت إذ قبلت، ونجوت إذ عرفت، ثم قال: أبتدئ لك بذكر الحيوان ليتضح لك من أمره ما وضح لك من غيره. فكر في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها على ما هي عليه، فلا هي صلاب كالحجارة ولو كانت كذلك لا تنثني ولا تتصرف في الاعمال، ولا هي على غاية اللين والرخاوة فكانت


(1) وفي نسخة: الحمد لله مدبر الادوار.

[ 91 ]

لا تتحامل ولا تستقل بأنفسها، فجعلت من لحم رخو تنثني، تتداخله عظام صلاب، يمسكه عصب وعروق تشده ويضم بعضه إلى بعض، وغلفت (1) فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كله، ومن أشباه ذلك هذه التماثيل التي تعمل من العيدان (2) وتلف بالخرق وتشد بالخيوط ويطلى فوق ذلك بالصمغ (3) فيكون العيدان بمنزلة العظام، والخرق بمنزلة اللحم، والخيوط بمنزلة العصب والعروق، والطلا بمنزلة الجلد، فإن جاز أن يكون الحيوان المتحرك حدث بالاهمال من غير صانع جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميتة، فإن كان هذا غير جائز في التماثيل فبالحري أن لا يحوز في الحيوان. وفكر بعد هذا في أجساد الانعام فإنها حين خلقت على أبدان الانس من اللحم والعظم والعصب اعطيت أيضا السمع والبصر ليبلغ الانسان حاجته، فإنها لو كانت عميا صما لما انتفع بها الانسان، ولا تصرفت في شئ من مآربه، ثم منعت الذهن و العقل لتذل للانسان فلا تمتنع عليه إذا كدها الكد الشديد وحملها الحمل الثقيل. فإن قال قائل: إنه قد يكون للانسان عبيد من الانس يذلون ويذعنون بالكد الشديد وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن، فيقال في جواب ذلك: إن هذا الصنف من الناس قليل، فأما أكثر الناس فلا يذعنون بما تذعن به الدواب من الحمل والطحن وما أشبه ذلك، ولا يغرون بما يحتاج إليه منه، (5) ثم لو كان الناس يزاولون مثل هذه الاعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن سائر الاعمال، لانه كان يحتاج مكان الجمل الواحد والبغل الواحد إلى عدة أناسي فكان هذا العمل يستفرغ الناس حتى لا يكون فيهم عنه فضل لشئ من الصناعات، مع ما يلحقهم من التعب الفادح في أبدانهم، والضيق والكد في معاشهم. ايضاح: مدير الادوار لعل فيه مضافا محذوفا أي ذوي الادوار، أو الاسناد مجازي


(1) وفي نسخة: وعليت فوق ذلك. (2) جمع العود وهى الخشب. (3) أي يلطخ فوق ذلك بالصمغ. (4) وفي نسخة: فانها لو كانت عما صما. (5) وفي نسخة: ولا يعزون بما يحتاج إليه منه.

[ 92 ]

وفي بعض النسخ بالباء الموحدة وهو أظهر. والاكوار جمع كور بالفتح، وهو الجماعة الكثيرة من الابل والقطيع من الغنم، ويقال: كل دور كور. والمراد إما استيناف قرن بعد قرن وزمان بعد زمان، أو إعادة أهل الاكوار والادورا جميعا في القيامة، والاول أظهر. وقال الجزري: قيل للقرن طبق لانهم طبق للارض ثم ينقرضون فيأتي طبق آخر. قوله عليه السلام: في نظائر أي قالها في ضمن نظائر لها أو مع نظائرها. قوله صلى الله عليه واله: إنما هي أي المثوبات والعقوبات أعمالكم أي جزاؤها والعمه التحير والتردد. والحيد: الميل. والمدرجة: المذهب والمسلك. وزحزحه: أبعده. والانثناء: الانعطاف والميل. قوله عليه السلام: ولا يغرون في بعض النسخ بالغين المعجمة والراء المهملة على بناء المفعول من قولهم: أغريت الكلب بالصيد، أي لا يؤثر فيهم الاغراء، والتحريص على جميع الاعمال التي يحتاج إليها الخلق من ذلك العمل الذي تأتي به الدواب، وفي بعضها بالعين المهملة والزاي المعجمة من عزى من باب تعب أي صبر على ما نابه، والاول أظهر. والفادح من قولهم: فدحه الدين أثقله. ثم اعلم أنه ينبغي حمل السؤال على أنه كان يمكن أن يكتفي بخلق الحيوانات لان بعضهم ينقادون ويطيعون بعضا فالجواب منطبق من غير تكلف. فكريا مفضل في هذه الاصناف الثلاثة من الحيوان وفي خلقها على ما هي عليه بما فيه صلاح كل واحد منها، فالانس لما قدروا أن يكونوا ذوي ذهن وفطنة وعلاج لمثل هذه الصناعات من البناء والتجارة والصياغة (1) وغير ذلك خلقت لهم أكف كبار ذوات أصابع غلاظ، ليتمكنوا من القبض على الاشياء وأوكدها هذه الصناعات، وآكلات اللحم لما قدر أن يكون معايشها من الصيد خلقت لهم أكف لطاف مدمجة (2) ذوات براثن ومخاليب تصلح لاخذ الصيد، ولا تصلح للصناعات، وآكلات النبات لما قدر أن يكونوا لا ذات صنعة ولا ذات صيد خلقت لبعضها أظلاف (3) تقيها خشونة الارض


(1) وفى نسخة: والخياطة. (2) وفى نسخة: اكف لطاف مذبحة. (3) جمع الظلف - بكسر الظاء وسكون اللام - وهو لما اجتر من الحيوانات كالبقرة والظبى بمنزلة الحافر للفرس.

[ 93 ]

إذا حاول طلب الرعي، ولبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الارض ليتهيأ للركوب والحمولة، تأمل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان حين خلقت ذوات أسنان حداد، (1) وبراثن شداد، وأشداق وأفواه واسعة، فإنه لما قدر أن يكون طعمها اللحم خلقت خلقة تشاكل ذلك واعينت بسلاح وأدوات تصلح للصيد وكذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير ومخاليب مهيأة لفعلها، ولو كانت الوحوش ذوات مخالب كانت قد اعطيت مالا يحتاج إليه لانها لا تصيد ولا تأكل اللحم، ولو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه أعني السلاح الذي به تصيد وتتعيش، أفلا ترى كيف اعطي كل واحد من الصنفين ما يشاكل صنفه وطبقته بل ما فيه بقاؤه وصلاحه. انظر الآن إلى ذوات الاربع كيف تراها تتبع اماتها مستقلة بأنفسها لا تحتاج إلى الحمل والتربية كما تحتاج أولاد الانس، فمن أجل أنه ليس عند امهاتها ما عند امهات البشر من الرفق والعلم بالتربية والقوة عليها بالاكف والاصابع المهيأة لذلك اعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها، وكذلك ترى كثيرا من الطير كمثل الدجاج و الدراج والقبج (2) تدرج وتلقط حين ينقاب عنها البيض. فأما ما كان منها ضعيفا لا نهوض فيه كمثل فراخ الحمام واليمام والحمر فقد جعل في الامهات فضل عطف عليها فصارت تمج الطعام في أفواهها بعدما توعيه حواصلها فلا تزال تغذوها حتى تستقل بأنفسها ولذلك لم ترزق الحمام فراخا كثيرة مثل ما ترزق الدجاج لتقوى الام على تربية فراخها فلا تفسد ولا تموت فكل اعطي بقسط من تدبير الحكيم اللطيف الخبير. انظر إلى قوائم الحيوان كيف تأتي أزواجا لتتهيأ للمشي، ولو كانت أفرادا لم تصلح لذلك لان الماشي ينقل قوائمه (3) ويعتمد على بعض، فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على واحدة، وذو الاربع ينقل اثنين ويعتمد على اثنين، وذلك من خلاف لان ذا الاربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر


(1) وفى نسخة: حيث جعلت ذوات أسنان. (2) بالقاف والباء المفتوحتين: طائر يشبه الحجل. (3) كذا في النسخ والظاهر أن الصحيح: ينقل بعض قوائمه.

[ 94 ]

لما يثبت على الارض كما لا يثبت السرير وما أشبهه فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره، وينقل الاخريين أيضا من خلاف فيثبت على الارض ولا يسقط إذا مشى. أما ترى الحمار كيف يذل للطحن والحمولة وهو يرى الفرس مودعا منعما، والبعير لا يطيقه عدة رجال لو استعصى، كيف كان ينقاد للصبي ؟ والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ويحرث به ؟ والفرس الكريم يركب السيوف والاسنة بالمواتاة لفارسه، والقطيع من الغنم يرعاه رجل واحد ولو تفرقت الغنم فأخذ كل واحد منها في ناحية لم يلحقها، وكذلك جميع الاصناف مسخرة للانسان فبم كانت كذلك ؟ إلا بأنها عدمت العقل والروية فإنها لو كانت تعقل وتروى في الامور (1) كانت خليقة أن تلتوي على الانسان في كثير من مآربه، حتى يمتنع الجمل على قائده، والثور على صاحبه، وتتفرق الغنم عن راعيها، وأشباه هذا من الامور، و كذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل وروية فتوازرت على الناس كانت خليقة أن تجتاحهم (2) فمن كان يقوم للاسد والذئاب والنمورة والدببة لو تعاونت وتظاهرت على الناس ؟ أفلا ترى كيف حجر ذلك عليها وصارت مكان ما كان يخاف من إقدامها ونكايتها تهاب مساكن الناس وتحجم عنها ثم لا تظهر ولا تنشر لطلب قوتها إلا بالليل ؟ فهي مع صولتها كالخائف للانس بل مقموعة ممنوعة منهم، ولولا ذلك لساورتهم في مساكنهم وضيعت عليهم (3) ثم جعل في الكلب من بين هذه السباع عطف على مالكه ومحاماة عنه و حفاظ له فهو ينتقل على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل صاحبه، وذب الدغار عنه (4) ويبلغ من محبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته وماله، ويألفه غاية الالف حتى يصبر معه على الجوع والجفوة فلم طبع الكلب على هذا


(1) أي نظر في الامور وتفكر فيها. (2) أي تستأصلهم وتهلكهم. (3) وفي نسخة: وضيقت عليهم. (4) وفي نسخة: وذب الذعار عنه.

[ 95 ]

الالف إلا ليكون حارسا للانسان، له عين بأنياب ومخالب ونباح هائل ليذعر منه السارق ويتجنب المواضع التي يحميها ويخفرها. بيان: وأوكدها أي أوكد الاشياء وأحوجها إلى هذا النوع من الخلق هذه الصناعات ويحتمل إرجاع الضمير إلى جنس البشر فيكون فعلا أي ألزمها أو ألهمها هذه الصناعات ولا يبعد إرجاعه إلى الاكف أيضا. قوله عليه السلام: مدمجة أي انضم بعضها إلى بعض. قال الجوهري: دمج الشئ دموجا إذا دخل في الشئ واستحكم فيه، وأدمجت الشئ إذا لففته في ثوب، وفي بعض النسخ: مدبحة بالباء والحاء المهملة، ولعل المراد معوجة من قولهم: دبح تدبيحا أي بسط ظهره وطأطأ رأسه، وهو تصحيف. والبراثن من السباع والطير بمنزلة الاصابع من الانسان. والمخلب: ظفر البرثن. والململم بفتح اللامين: المجتمع المدور المصموم. والاخمص من باطن القدم مالا يصيب الارض. و الشدق: جانب الفم. والطعم بالضم: الطعام. والامات جمع الام، وقيل: إنما تستعمل في البهائم، وأما في الناس فيقال: امهات. ويقال: قاب الطير بيضته فلقها فانقابت. واليمام حمام الوحش. والحمر بضم الحاء وفتح الميم طائر وقد يشدد الميم. ويقال: مج الرجل الطعام من فيه: إذا رمى به. والمودع من الخيل بفتح الدال: المستريح. ونير الفدان بالكسر: الخشبة المعترضة في عنق الثورين، قوله عليه السلام: يركب السيوف أي يستقبلها بجرأة كأنه يركبها أو بمعنى يرتكب مواجهتها. والمواتاة: الموافقة. والدببة كعنبة جمع الدب. ويقال: أحجم القوم عنه أي نكصوا وتأخروا وتهيبوا أخذه. وساوره: واثبه. ويقال: حاميت عنه أي منعت منه. والعين بالفتح: الغلظ في الجسم والخشونة. والخفر: المنع. يا مفضل تأمل وجه الدابة كيف هو، فإنك ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطا أو تتردى في حفرة، وترى الفم مشقوقا شقا في أسفل الخطم، ولو شق كمكان الفم من الانسان في مقدم الذقن لما استطاع أن يتناول به شيئا من الارض ألا ترى أن الانسان لا يتناول الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له على سائر الآكلات ؟ فلما لم يكن للدابة يد تتناول بها العلف جعل خطمها مشقوقا من أسفله

[ 96 ]

لتقبض به على العلف ثم تقضمه، واعينت بالجحفلة تتناول بها ما قرب وما بعد. اعتبر بذنبها والمنفعة لها فيه فإنه بمنزلة الطبق على الدبر والحيأ جميعا يواريهما ويسترهما، ومن منافعها فيه أن ما بين الدبر ومراقي البطن منها وضر يجتمع عليه الذباب والبعوض فجعل لها الذنب كالمذبة تذب بها عن ذلك الموضع، ومنها أن الدابة تستريح إلى تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة فإنه لما كان قيامها على الاربع بأسرها وشغلت المقدمتان بحمل البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة، وفيه منافع اخرى يقصر عنها الوهم يعرف موقعها في وقت الحاجة إليها فمن ذلك أن الدابة ترتطم في الوحل (1) فلا يكون شئ أعون على نهوضها من الاخذ بذنبها، وفي شعر الذنب منافع للناس كثيرة يستعملونها في مأربهم، ثم جعل ظهرها مسطحا مبطوحا على قوائم أربع ليتمكن من ركوبها، وجعل حياها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضربها، ولو كان أسفل البطن كمكان الفرج من المرأة لم يتمكن الفحل منها، ألا ترى أنه لا يستطيع بأن يأتيها كفاحا كما يأتي الرجل المرأة. تأمل مشفر الفيل وما فيه من لطيف التدبير فإنه يقوم مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما (2) إلى جوفه، ولولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا من الارض لانه ليست له رقبة يمدها كسائر الانعام، فلما عدم العنق اعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسدله (3) فيتناول به حاجته، فمن ذا الذي عوضه مكان العضو الذي عدمه ما يقوم مقامه إلا الرؤوف بخلقه ؟ وكيف يكون هذا بالاهمال كما قالت الظلمة ؟ فإن قال قائل: فما باله لم يخلق ذا عنق كسائر الانعام ؟ قيل له: إن رأس الفيل واذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل، ولو كان ذلك على عنق عظيمة لهدها وأوهنها فجعل رأسه ملصقا بجسمه لكيلا ينال منه ما وصفنا، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به غذاءه فصار مع عدمه العنق مستوفيا ما فيه بلوغ حاجته. انظر الآن كيف جعل حيا الانثى من الفيلة في أسفل بطنها فإذا هاجت للضراب


(1) أي تسقط في الوحل. (2) الازداد: البلع. (3) أي ليرسله ويرخيه.

[ 97 ]

ارتفع وبرز حتى يتمكن الفحل من ضربها، فاعتبر كيف جعل حيا الانثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الانعام ثم جعلت فيه هذه الخلة ليتهيأ للامر الذي فيه قوام النسل ودوامه. فكر في خلق الزرافة واختلاف أعضائها وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان، فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق جمل، وأظلافها أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر، وزعم ناس من الجهال بالله عزوجل أن نتاجها من فحول شتى ! قالوا: وسبب ذلك أن أصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة وينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتى، وهذا جهل من قائله وقلة معرفته بالبارئ جل قدسه، وليس كل صنف من الحيوان يلقح كل صنف، فلا الفرس يلقح الجمل، ولا الجمل يلقح البقر، وإنما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله ويقرب من خلقه كما يلقح الفرس الحمارة فيخرج بينهما البغل، ويلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السمع، على أنه ليس يكون في الذي يخرج من بينهما عضو من كل واحد منهما كما في الزرافة عضو من الفرس، وعضو من الجمل، وأظلاف من البقرة، بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما كالذي تراه في البغل، فإنك ترى رأسه واذنيه وكفله وذنبه وحوافره وسطا بين هذه الاعضاء من الفرس والحمار، وشحيجه كالممتزج من صهيل الفرس ونهيق الحمار، فهذا دليل على أنه ليست الزرافة من لقاح أصناف شتى من الحيوان كما زعم الجاهلون، بل هي خلق عجيب من خلق الله للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شئ، وليعلم أنه خالق أصناف الحيوان كلها، يجمع بين ما يشاء من أعضائها في أيها شاء ويفرق ما شاء منها في أيها شاء، ويزيد في الخلقة ما شاء، وينقص منها ما شاء، دلالة على قدرته على الاشياء، وأنه لا يعجزه شئ أراده جل وتعالى، فأما طول عنقها والمنفعة لها في ذلك فإن منشأها ومرعاها في غياطل ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء فهي تحتاج إلى طول العنق لتناول بفيها أطراف تلك الاشجار فتتقوت من ثمارها. تأمل خلق القرد وشبهه بالانسان في كثير من أعضائه أعني الرأس والوجه و المنكبين والصدر، وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الانسان، وخص من ذلك بالذهن

[ 98 ]

والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يومي إليه، ويحكي كثيرا مما يرى الانسان يفعله حتى أنه يقرب من خلق الانسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه أن يكون عبرة للانسان في نفسه فيعلم أنه من طينة البهائم وسنخها إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب، وأنه لولا فضيلة فضله الله بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم، على أن في جسم القرد فضولا اخرى يفرق بينه وبين الانسان كالخطم والذنب المسدل والشعر المجلل للجسم كله، وهذا لم يكن مانعا للقرد أن يلحق بالانسان لو اعطي مثل ذهن الانسان وعقله ونطقه، والفصل الفاصل بينه وبين الانسان بالصحة هو النقص في العقل والذهن والنطق. بيان: شخص البصر: ارتفع، وشخص الرجل بصره: إذا فتح عينيه. والخطم بالفتح من كل طائر منقاره ومن كل دابة مقدم أنفه وفمه. وقضم كسمع: أكل بأطراف أسنانه. والجحفلة بمنزلة الشفة للبغال والحمير والخيل، وهي بتقديم الجيم على الحاء المهملة. والطبق محركه: غطاء كل شئ. والحيأ: الفرج. والمراد بمراقي البطن ما ارتفع منه من وسطه أو قرب منه. والوضر: الدرن. والمذبة بكسر الميم: ما يذب به الذباب. وبطحه: ألقاه على وجهه. وكفحته كفحا وكفاحا: إذا استقبلته. والمشفر من البعير كالجحفلة من الفرس. وقال الجوهري: الزرافة والزرافة بفتح الزاي وضمها مخففة الفاء: دابة يقال لها بالفارسية: اشتر گاو پلنگ. وقال الفيروز آبادي: السمع بكسر السين وسكون الميم: ولد الذئب من الضبع لا يموت حتف أنفه كالحية، وعدوه أسرع من الطير، ووثبته تزيد على ثلاثين ذراعا. وقال: شحيج البغل والحمار: صوته والغياطل: جمع الغيطل وهو الشجر الكثير الملتف. قوله عليه السلام: أن يكون أي خلق كذلك لان يكون عبرة للانسان. والسنخ بالكسر: الاصل. قوله: بالصحة هو النقص في العقل أي الفصل الصحيح الذي يصلح واقعا أن يكون فاصلا. وفي أكثر النسخ: " وهو " وعلى هذا لا يبعد أن تكون تصحيف القحة أي قلة الحياء. انظر يا مفضل إلى لطف الله جل اسمه بالبهائم كيف كسيت أجسامهم هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف ليقيها من البرد وكثرة الآفات، وألبست قوائمها الاظلاف و

[ 99 ]

الحوافر والاخفاف ليقيها من الحفا، إذ كانت لا أيدي لها ولا أكف ولا أصابع مهيأة للغزل والذ ؟ ج فكفوا بأن جعل كسوتهم في خلقتهم باقية عليهم ما بقوا لا يحتاجون إلى تجديدها والاستبدال بها، فأما الانسان فإنه ذو حيلة وكف مهيأة للعمل فهو ينسج و يغزل ويتخذ لنفسه الكسوة، ويستبدل بها حالا بعد حال، وله في ذلك صلاح من جهات، من ذلك: أنه يشتغل بصنعة اللباس عن العبث وما يخرجه إليه الكفاية، ومنها: أنه يستريح إلى خلع كسوته إذا شاء، ولبسها إذا شاء، ومنها: أن يتخذ لنفسه من الكسوة ضروبا لها جمال وروعة فيتلذذ بلبسها وتبديلها. وكذلك يتخذ بالرفق من الصنعة ضروبا من الخفاف والنعال يقي بها قدميه، وفي ذلك معايش لمن يعمله من الناس ومكاسب يكون فيها معاشهم، ومنها أقواتهم وأقوات عيالهم، فصار الشعر والوبر والصوف يقوم للبهائم مقام الكسوة والاظلاف والحوافر، والاخفاف مقام الحذاء. بيان: قال الجوهري: قال الكسائي: رجل حاف بين الحفوة والحفاء بالمد، و هو الذي يمشي بلا خف ولا نعل، وقال: وأما الذي حفي من كثرة المشي أي رقت قدمه أو حافره فإنه حف بين الحفا مقصورا، وأحفاه غيره. انتهى. قوله عليه السلام: و روعة من قولهم: راعني الشئ: أعجبني. فكريا مفضل في خلقة عجيبة جعلت في البهائم، فإنهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم، وإلا فأين جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها لا يرى منها شئ ؟ وليست قليلة فتخفى لقلتها، بل لو قال قائل: إنها أكثر من الناس لصدق، فاعتبر ذلك بما تراه في الصحاري والجبال من أسراب الظبا والمها والحمير والوعول والايائل وغير ذلك من الوحوش، وأصناف السباع من الاسد والضباع والذئاب والنمور وغيرها، وضروب الهوام والحشرات ودواب الارض، وكذلك أسراب الطير من الغربان (1) و القطا (2) والاوز (3) والكراكي (4) والحمام وسباع الطير جميعا وكلها لا يرى منها شئ إذا


(1) جمع الغراب. (2) جمع القطاة: طائر في حجم الحمام. (3) جمع الاوزة: طائر مائى يقال له: الوزة أيضا. (4) جمع الكركي: طائر كبير أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب، قليل اللحم، يأوى إلى الماء أحيانا.

[ 100 ]

ماتت إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع فإذا أحسوا بالموت كمنوا (1) في مواضع خفية فيموتون فيها، ولولا ذلك لامتلات الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء، ويحدث الامراض والوباء، فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس وعملوه بالتمثيل الاول الذي مثل لهم كيف جعل طبعا وادكارا في البهائم وغيرها ليسلم الناس من معرة ما يحدث عليهم من الامراض والفساد. توضيح: السرب - بالكسر - والسربة: القطيع من الظباء والقطا والخيل ونحوها والجمع أسراب. والمهاة: البقرة الوحشية والجمع مها. والوعل - بالفتح وككتف -: تيس الجبل والجمع: وعال ووعول. والايل بضم الهمزة وكسرها وفتح الياء المشددة وكسيد: الذكر من الاوعال، ويقال: هو الذي يسمى بالفارسية: " گوزن " والجمع أيائيل. والقانص: الصائد. وخلص إليه: وصل. والمراد بالتمثيل ما ذكره الله تعالى في قصة قابيل. والمعرة: الاذى. فكر يا مفضل في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفا من الله عزوجل لهم، لئلا يخلو من نعمه جل وعز أحد من خلقه لا بعقل وروية فإن الايل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع من شرب الماء خوفا من أن يدب السم في جسمه فيقتله، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا، فيعج عجيجا عاليا ولا يشرب منه ولو شرب لمات من ساعته، فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة من تحمل الظماء الغالب خوفا من المضرة في الشرب، وذلك مما لا يكاد الانسان العاقل المميز يضبطه من نفسه، والثعلب إذا أعوزه الطعم تماوت ونفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها فأخذها، فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه الحيلة إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذا وشبهه ؟ فإنه لما كان الثعلب يضعف عن كثير مما يقوى عليه السباع من مساورة الصيد اعين بالدهاء (2) والفطنة والاحتيال لمعاشه، والدلفين يلتمس صيد الطير فيكون حيلته في ذلك أن يأخد السمك فيقتله و


(1) أي تواروا واختفوا. (2) الدهاء جودة الرأى والحذق، المكر والاحتيال.

[ 101 ]

يشرحه (1) حتى يطفوا على الماء، يكمن تحته ويثور الماء الذي عليه حتى لا يتبين شخصه، فإذا وقع الطير على السمك الطافي وثب إليها فاصطادها، فانظر إلى هذه الحيلة كيف جعلت طبعا في هذه البهيمة لبعض المصلحة ؟. قال المفضل: فقلت: خبرني يا مولاي عن التنين والسحاب، فقال عليه السلام: إن السحاب كالموكل به يختطفه حيثما ثقفه، كما يختطف حجر المقناطيس الحديد، فهو لا يطلع رأسه في الارض خوفا من السحاب ولا يخرج إلا في القيظ مرة إذا صحت السماء فلم يكن فيه نكتة من غيمة، قلت: فلم وكل السحاب بالتنين يرصده ويختطفه إذا وجده ؟ قال: ليدفع عن الناس مضرته. بيان: قوله: لا بعقل وروية، لعل المراد أن هذه الامور من محض لطفه تعالى حيث يلهمهم ذلك لا بعقل وروية، وفي أكثر النسخ: لا يعقل ومروته، وهو تصحيف و المراد معلوم. والجهد: الطاقة والمشقة أي أصابته مشقة عظيمة من العطش. و العجيج: الصياح ورفع الصوت. وأعوزه الشئ أي احتاج إليه. والتماوت: إظهار الموت حيلة. والمساورة: هي الوثوب على وجه الصيد. وقال الفيروز آبادي: الدلفين بالضم دابة بحرية تنجي الغريق (2) وقوله عليه السلام: يثور الماء أي يهيجه ويحركه. والتنين: حية عظيمة معروفة. وثقفه أي وجده. والقيظ: صميم الصيف من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل. والصحو: ذهاب الغيم. قال المفضل: فقلت: قد وصفت لي يا مولاي من أمر البهائم ما فيه معتبر لمن اعتبر فصف لي الذرة (3) والنمل والطير، فقال عليه السلام: يا مفضل تأمل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة هل تجد فيها نقصا عما فيه صلاحها ؟


(1) أي يقطعه. (2) وقيل: هو خنزير البحر، وهو دابة تنجي الغريق، وهو كثير بأواخر نيل مصر من جهة البحر الملح، لانه يقذف به البحر إلى النيل، وصفته كصفة الزق المنفوخ، وله رأس صغير جدا، وليس في دواب البحر ماله رئة سواه، فذلك يسمع منه النفخ والنفس، وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الاسباب في نجاته، لانه لا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه، ولا يؤذى أحدا، ومن طبعه الانس بالانسان وخاصة بالصبيان. (3) الذرة: النحلة الصغيرة الحمراء.

[ 102 ]

فمن أين هذا التقدير والصواب في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق و كبيره ؟. انظر إلى النمل واحتشادها في جمع القوت وإعداده، فإنك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحب إلى زبيتها بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره، بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ما ليس للناس مثله، أما تريهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل ؟ ثم يعمدون إلى الحب فيقطعونه قطعا لكيلا ينبت فيفسد عليهم (1) فإن أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجف، ثم لا يتخذ النمل الزبية إلا في نشر من الارض كي لا يفيض السيل فيغرقها (2) فكل هذا منه بلا عقل ولا روية بل خقلة خلق عليها لمصلحة لطفا من الله عزوجل. انظر إلى هذا الذي يقال له: الليث، وتسميه العامة أسد الذباب، وما اعطي من الحيلة والرفق في معاشه، فإنك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه تركه مليا حتى كأنه موات لا حراك به، فإذا رأى الذباب قد اطمأن وغفل عنه دب دبيبا دقيقا (3) حتى يكون منه بحيث يناله وثبه ثم يثب عليه فيأخذه فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله مخافة أن ينجو منه فلا يزال قابضا عليه حتى يحس بأنه قد ضعف واسترخى ثم يقبل عليه فيفترسه ويحيى بذلك منه، فأما العنكبوت فإنه ينسج ذلك النسج فيتخذه شركا ومصيدة للذباب ثم يكمن في جوفه فإذا نشب فيه الذباب (4) أجال عليه يلدغه ساعة بعد ساعة فيعيش بذلك منه فكذلك يحكى صيد الكلاب والفهود، وهكذا يحكى صيد الاشراك والحبائل.


(1) ويقطع الكسفرة ويقسمها أرباعا، لما الهم من أن كل نصف منها ينبت. (2) قال الدميري: يحفر قريته بقوائمه وهى ست، فإذا حفرها جعل فيها تعاريج، لئلا يجرى إليها ماء المطر، وربما اتخذ قرية فوق قرية بسبب ذلك، وانما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلل، ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت الارض، وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقة، يملؤها حبوبا وذخائر للشتاء. (3) وفى نسخة: دب دبيبا رقيقا. (4) أي وقع فيه.

[ 103 ]

فانظر إلى هذه الدويبة الضعيفة كيف جعل في طبعها ما لا يبلغه الانسان إلا بالحيلة واستعمال آلات فيها، فلا تزدر بالشئ إذا كانت العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك فإن المعنى النفيس قد يمثل بالشئ الحقير فلا يضع منه ذلك كما لا يضع من الدينار وهو من ذهب أن يوزن بمثقال من حديد. بيان: الاحتشاد: الاجتماع. والزبية بالضم: الحفرة. والنشر بالفتح وبالتحريك: المكان المرتفع. وقال الجوهري: الليث: الاسد وضرب من العناكب يصطاد الذباب بالوثب: انتهى. والموات بالفتح: ما لا روح فيه. ويقال: ما به حراك كسحاب أي حركة. والشرك بالتحريك: حبالة الصائد. ويقال: أحال عليه بالسوط يضربه أي أقبل. قوله عليه السلام: فكذلك أي كفعل الليث. وقوله: هكذا أي كالعنكبوت. والازدراء: الاحتقار. قوله عليه السلام: فلا يضع منه أي لا ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشئ الحقير، قال الفيروز آبادي: وضع عنه: حط من قدره. تأمل يا مفضل جسم الطائر وخلقته فإنه حين قدر أن يكون طائرا في الجو خفف جسمه وادمج خلقه، فاقتصر به من القوائم الاربع على اثنتين، ومن الاصابع الخمس على أربع، ومن منفذين للزبل والبول على واحد يجمعهما، ثم خلق ذا جؤجؤ محدد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه، كما جعل السفينة بهذه الهيئة لتشق الماء وتنفذ فيه، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران، وكسي كله الريش ليداخله الهواء فيقله، ولما قدر أن يكون طعمه الحب واللحم يبلعه بلعا بلا مضغ نقص من خلقه الاسنان، وخلق له منقار صلب جاس يتناول به طعمه فلا ينسجح من لقط الحب، ولا يتقصف من نهش اللحم، ولما عدم الاسنان وصار يزدرد الحب (1) صحيحا واللحم غريضا اعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغني به عن المضغ، واعتبر ذلك بأن عجم العنب وغيره يخرج من أجواف الانس صحيحا، ويطحن في أجواف الطير لا يرى له أثر، ثم جعل مما يبيض بيضا ولا يلد ولادة لكيلا يثقل عن الطيران فإنه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم لاثقلته وعاقته عن النهوض


(1) أي يبتلعه ويسرع.

[ 104 ]

والطيران فجعل كل شئ من خلقه مشاكلا للامر الذي قدر أن يكون عليه ثم صار الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه اسبوعا، وبعضها اسبوعين، وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة ثم يقبل عليه فيزقه الريح لتتسع حوصلته للغذاء ثم يربيه ويغذيه بما يعيش به فمن كلفه أن يلقط الطعم ويسخرجه بعد أن يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه ؟ ولاي معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذي روية ولا تفكر ؟ ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العز والرفد (1) وبقاء الذكر ؟ فهذا هو فعل (2) يشهد بأنه معطوف على فراخه، لعله لا يعرفها ولا يفكر فيها وهي دوام النسل وبقاؤه لطفا من الله تعالى ذكره. انظر إلى الدجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ وليس لها بيض مجتمع ولا وكر (3) موطى بل تنبعث وتنتفخ وتقوقى وتمتنع من الطعم حتى يجمع لها البيض فتحضنه وتفرخ فلم كان ذلك منها إلا لاقامة النسل ؟ ومن أخذها بإقامة النسل ولا روية ولا تفكر لولا أنها مجبولة على ذلك ؟. اعتبر بخلق البيضة وما فيها من المح الاصفر الخاثر، والماء الابيض الرقيق، فبعضه لينتشر منه الفرخ، وبعضه ليغذي به، (4) إلى أن تنقاب عنه البيضة، وما في ذلك من التدبير فإنه لو كان نشؤ الفرخ في تلك القشرة المستحصنة التى لا مساغ لشئ إليها لجعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفي به إلى وقت خروجه منها، كمن يحبس في حبس حصين لا يوصل إلى من فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إلى وقت خروجه منه. فكر في حوصلة الطائر وما قدر له، فإن مسلك الطعم إلى القانصة (5) ضيق لا ينفذ فيه الطعام إلا قليلا قليلا، فلو كان الطائر لا يلقط حبة ثانية حتى تصل الاولى إلى القانصة لطال عليه، ومتى كان يستوفي طعمه ؟ فإنما يختلسه اختلاسا لشدة الحذر،


(1) الرفد: النصيب، المعاونة. (2) وفى نسخة: فهذا من فعله يشهد بأنه معطوف على فراخه. (3) الوكر - بفتح الواو وسكون الكاف -: عش الطائر. (4) وفي نسخة: ليغتذى به. (5) القانصة للطير: كالمعدة للانسان.

[ 105 ]

فجعلت الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه ليوعي فيها ما أدرك من الطعم بسرعة ثم تنفذه إلى القانصة على مهل، وفى الحوصلة أيضا خلة اخرى، فإن من الطائر ما يحتاج إلى أن يزق فراخه فيكون رده للطعم من قرب أسهل عليه. توضيح: أقله أي حمله ورفعه. وجسا كدعا: صلب ويبس. ويقال: سحجت جلده فانسحج أي قشرته فانقشر. والتقصف: التكسر. والغريض الطري، أي غير مطبوخ. والعجم بالتحريك: النوى وحضن الطائر بيضته يحضنه: إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه. وزق الطائر فرخه يزقه أي أطعمه بفيه. وتقوقى أي تصيح. والمح بضم الميم والحاء المهملة: صفرة البيض، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة: وقال الاصمعي: اخثرت الزبد ؟ تركته خاثرا، وذلك إذا لم تذبه: وتنقاب أي تنفلق. قال المفضل: فقلت يا مولاي إن قوما من المعطلة يزعمون أن اختلاف الالوان والاشكال في الطير إنما يكون من قبل امتزاج الاخلاط واختلاف مقاديرها بالمرج و الاهمال. فقال: يا مفضل هذا الوشي الذي تراه في الطواويس والدراج والتدارج (1) على استواء ومقابلة كنحو ما يخط بالاقلام كيف يأتي به الامتراج المهمل على شكل واحد لا يختلف ؟ ولو كان بالاهمال لعدم الاستواء ولكان مختلفا. تأمل ريش الطير كيف هو ؟ فإنك تراه منسوجا كنسج الثوب من سلوك دقاق قد الف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط والشعرة إلى الشعرة، ثم ترى ذلك النسج إذا مددته ينفتح قليلا ولا ينشق لتداخله الريح فيقل الطائر إذا طار، وترى في وسط الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عليه الذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابته، وهو القصبة التي هو في وسط الريشة، وهو مع ذلك أجوف ليخف على الطائر ولا يعوقه عن الطيران.


(1) قال الدميري: التدرج كحبرج: طائر كالدراج يغرد في البساتين بأصوات طيبة، يسمن عند صفاء الهواء وهبوب الشمال، ويهزل عند كدورته وهبوب الجنوب، يتخذ داره في التراب اللين، ويضع البيض فيها لئلا يتعرض للافات. وقال ابن زهر: هو طائر مليح يكون بأرض خراسان وغيرها من بلاد فارس.

[ 106 ]

بيان: المرج بالتحريك: الفساد والاضطراب والاختلاط. وفي بعض النسخ بالزاي المعجمة والاول أظهر والوشي: نقش الثوب ويكون من كل لون. والسلوك: جمع السلك وهو جمع السلكة - بالكسر -: الخط يخاط بها. هل رأيت يا مفضل هذا الطائر الطويل الساقين ؟ وعرفت ماله من المنفعة في طول ساقيه: فإنه أكثر ذلك في ضحضاح من الماء فتراه بساقين طويلين كأنه ربيئة فوق مرقب وهو يتأمل ما يدب في الماء فإذا رأى شيئا مما يتقوت به خطا خطوات رقيقا (1) حتى يتناوله، ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء فيثور و يذعر منه فيتفرق عنه فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه مطلبه. تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر فإنك تجد كل طائر طويل الساقين طويل العنق وذلك ليتمكن من تناول طعمه من الارض ولو كان طويل الساقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الارض، وربما اعين مع طول العنق (2) بطول المناقير ليزداد الامر عليه سهولة له وإمكانا أفلا ترى أنك لا تفتش شيئا من الخلقة إ ؟ وجدته على غاية الصواب والحكمة ؟. توضيح: ماء ضحضاح أي قريب القعر. والربيئة بالهمز: العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل. أو شرف. والمرقب: الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب. والذعر: الخوف. انظر إلى العصافير كيف تطلب أكلها بالنهار فهي لا تفقده ؟ ولا هي تجده مجموعا معدا بل تناله بالحركة والطلب، وكذلك الخلق كله فسبحان من قدر الرزق كيف قوته ؟ (3) فلم يجعل مما لا يقدر عليه إذ جعل للخلق حاجة إليه ولم يجعله مبذولا وينال بالهوينا إذ كان لا صلاح في ذلك فإنه لو كان يوجد مجموعا معدا كانت البهائم تتقلب عليه ولا تنقلع حتى تبشم فتهلك، وكان الناس أيضا يصيرون بالفراغ إلى غاية الاشر والبطر حتى يكثر الفساد ويظهر الفواحش.


(1) وفي نسخة: خطوات رقيقات. (2) وفي نسخة: اعين على طول العنق. (3) وفي نسخة: كيف قدره.

[ 107 ]

أعلمت ما طعم هذه الاصناف من الطير التي لا تخرج إلا بالليل كمثل البوم والهام (1) والخفاش ؟ قلت: لا يا مولاي، قال: إن معاشها من ضروب تنتشر في هذا الجو من البعوض والفراش وأشباه الجراد واليعاسيب، وذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا يخلو منها موضع واعتبر ذلك بأنك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار اجتمع عليه من هذا شئ كثير فمن أين يأتي ذلك كله إلا من القرب ؟. فإن قال قائل: أنه يأتي من الصحاري والبراري: قيل له: كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد ؟ وكيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه ؟ مع أن هذه عيانا تتهافت على السراج (2) من قرب فيدل ذلك على أنها منتشرة في كل موضع من الجو، فهذه الاصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتتقوت بها. فانظر كيف وجه الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلا بالليل من هذه الضروب المنتشرة في الجو، واعرف مع ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة التي عسى أن يظن ظان أنها فضل لا معنى له، خلق الخفاش خلقة عجيبة بين خلقة الطير وذوات الاربع أقرب، وذلك أنه ذو اذنين ناشزتين وأسنان ووبر (3) وهو يلد ولادا ويرضع ويبول ويمشي إذا مشى على أربع، وكل هذا خلاف صفة الطير، ثم هو أيضا مما يخرج بالليل ويتقوت مما يسري في الجو من الفراش وما أشبهه، وقد قال قائلون: إنه لا طعم للخفاش، وإن غذاءه من النسيم وحده، وذلك يفسد ويبطل من جهتين: إحديهما خروج ما يخرج منه من الثفل والبول فإن هذا لا يكون من غير طعم، والاخرى أنه ذو أسنان ولو كان لا يطعم شيئا لم يكن للاسنان فيه معنى، وليس في الخلقة شئ لا معنى له، وأما المآرب فيه فمعروفة


(1) جمع الهامة: نوع من البوم الصغير، تألف القبور والاماكن الخربة، وتنظر من كل مكان أينما درت أدارت رأسها. وتسمى أيضا الصدى. (2) أي تساقط عليه وتتابع. (3) أضاف الدميري له خصيصتين، وقال: يحيض ويطهر، ويضحك كما يضحك الانسان.

[ 108 ]

حتى أن زبله يدخل في بعض الاعمال، (1) ومن أعظم الارب فيه خلقته العجيبة الدالة على قدرة الخالق جل شأنه، وتصرفها فيما شاء كيف شاء لضرب من المصلحة. فأما الطائر الصغير الذي يقال له: " ابن تمرة " فقد عشش في بعض الاوقات في بعض الشجر فنظر إلى حية عظيمة قد أقبلت نحو عشه فاغرة فاها لتبلعه فبينما هو يتقلب ويضطرب في طلب حيلة منها إذا وجد حسكة فحملها فألقاها في فم الحية، فلم تزل الحية تلتوي وتتقلب حتى ماتت. أفرأيت لو لم اخبرك بذلك كان يخطر ببالك أو ببال غيرك أنه يكون من حسكة مثل هذه المنفعة العظيمة أو يكون من طائر صغير أو كبير مثل هذه الحيلة ؟ اعتبر بهذا وكثير من الاشياء تكون فيها منافع لا تعرف إلا بحادث يحدث به أو خبر يسمع به. انظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل، وتهيئة البيوت المسدسة وما ترى في ذلك اجتماعه من دقائق الفطنة (2) فانك إذا تأملت العمل رأيته عجيبا لطيفا، وإذا رأيت المعمول وجدته عظيما شريفا موقعه من الناس، وإذا رجعت إلى الفاعل ألفيته غبيا جاهلا بنفسه فضلا عما سوى ذلك، ففي هذا أوضح الدلالة على أن الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس للنحل بل هي للذي طبعه عليها وسخره فيها لمصلحة الناس. انظر إلى هذا الجراد ما أضعفه وأقواه فإنك إذا تأملت خلقه رأيته كأضعف الاشياء، وإن دلفت عساكره نحو بلد من البلدان لم يستطع أحد أن يحميه منه. ألا ترى أن ملكا من ملوك الارض لو جمع خيله ورجله ليحمي بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك ؟ أفليس من الدلائل على قدرة الخالق أن يبعث أضعف خلقه إلى أقوى خلقه فلا يستطيع دفعه ؟ انظر إليه كيف ينساب على وجه الارض مثل السيل فيغشي السهل و الجبل والبدو والحضر، حتى يستر نور الشمس بكثرته فلو كان هذا مما يصنع بالايدي


(1) قد ذكر الدميري لاجزائه خواصا كثيرة: منها ان طبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق ويغمر فيه مرارا حتى يتهرى ويصفى ذلك الدهن عنه، ويدهن به صاحب النقرس والفالج القديم والارتعاش، والتورم في الجسد فانه ينفعه ذلك ويبرئه، ومنها ان زبله إذا طلى به على القوابى قلعها. وغير ذلك من الفوائد. (2) وفي نسخة وما ترى في اجتماعه من دقائق الفطنة.

[ 109 ]

متى كان يجتمع منه هذه الكثرة، وفي كم من سنة كان يرتفع فاستدل بذلك على القدرة التي لا يؤودها شئ ويكثر عليها. تأمل خلق السمك ومشاكلته للامر الذي قدر أن يكون عليه فإنه خلق غير ذي قوائم لانه لا يحتاج إلى المشي إذا كان مسكنه الماء، وخلق غير ذي رية لانه لا يستطيع أن يتنفس وهو منغمس في اللجة، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاح بالمجاذيف من جانبي السفينة، وكسي جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل الدروع والجواشن لتقيه من الآفات فاعين بفضل حسن في الشم لان بصره ضعيف والماء يحجبه، فصار يشم الطعم من البعد البعيد فينتجعه، وإلا فكيف يعلم به وبموضعه ؟ واعلم أن من فيه إلى صماخيه منافذ فهو يعب الماء بفيه (1) ويرسله من صماخيه (2) فتروح إلى ذلك كما يتروح غيره من الحيوان إلى تنسم هذا النسيم. فكر الآن في كثرة نسله وما خص به من ذلك فإنك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة، والعلة في ذلك أن يتسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان فإن أكثرها يأكل السمك حتى أن السباع أيضا في حافات الآجام عاكفة على الماء أيضا كي ترصد السمك فإذا مر بها خطفته فلما كانت السباع تأكل السمك والطير يأكل السمك والناس يأكلون السمك والسمك يأكل السمك كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة. فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك، ودواب الماء والاصداف، والاصناف التي لا تحصى ولا تعرف منافعها إلا الشئ بعد الشئ يدركه الناس بأسباب تحدث، مثل القرمز فإنه إنما عرف الناس صبغه بأن كلبة تجول على شاطئ البحر فوجدت شيئا من الصنف الذي يسمى الحلزون فأكلته فاختضب خطمها بدمه فنظر الناس إلى حسنه فاتخذوه صبغا، وأشباه هذا مما يقف الناس عليه حالا بعد حال وزمانا بعد زمان.


(1) أي شربه أو كرعه بلا تنفس. (2) الصمخ: خرق الاذن الباطن الماضي إلى الرأس.

[ 110 ]

قال المفضل: حان وقت الزوال فقام مولاي عليه السلام إلى الصلاة، وقال: بكر إلي غدا إن شاء الله تعالى فانصرفت وقد تضاعف سروري بما عرفنيه، مبتهجا بما منحنيه، حامدا لله على ما آتانيه فبت ليلتي مسرورا مبتهجا. بيان: البشم محركة: التخمة والسأمة. بشم كفرح وأبشمه الطعام. والفراش هي التي تقع في السراج. واليعسوب. أمير النحل وطائر أصغر من الجرادة أو أعظم. وقوله عليه السلام: ناشزتين بالمعجمة أي مرتفعتين، وفي بعض النسخ بالمهملة أي مبسوطتين. والسرى: السير بالليل. وقال الفيروز آبادي: والتمرة كقبرة وابن تمرة طائر أصغر من العصفور. انتهى. (1) وفغر فاه أي فتحه. والحسك محركة: نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم. قوله عليه السلام: غبيا جاهلا أي ليس له عقل يتصرف في سائر الاشياء على نحو تصرفه في ذلك الامر المخصوص فظهر أن خصوص هذا الامر إلهام من مدبر حكيم، أو خلقة وطبيعة جبله عليها، ليصدر عنه خصوص هذا الامر لما فيه من المصلحة مع كونه غافلا عن المصلحة أيضا، ولعل هذا يؤيد ما يقال: إن الحيوانات العجم غير مدركة للكليات (2) ويقال: دلفت الكتيبة في الحرب أي تقدمت، ويقال: دلفناهم، فالعساكر تحتمل الرفع والنصب. والرجل بالفتح جمع راجل: خلاف الفارس. وانساب: جرى ومشى مسرعا. ولا يؤودها أي لا يثقلها. ولجة الماء: معظمه. والمجذاف: ما تجري به السفينة. وانتجع: طلب الكلا في موضعه. وحافات الآجام: جوانبها. وعكف على الشئ: أقبل عليه مواظبا. وقال الفيروز آبادي: القرمز: صبغ أرمني يكون من عصارة دود في آجامهم. وقال: الحلزون - محركة - دابة تكون في الرمث أي بعض مراعي الابل، ويظهر من كلامه عليه السلام اتحادهما، ويحتمل أن يكون المراد أن من صبغ الحلزون تفطنوا بإعمال القرمز للصبغ لتشابههما. تم المجلس الثاني.


(1) قال الدميري: التمر: طائر نحو الاوز في منقاره طول، وعنقه أطول من عنق الاوز. وفى المنجد: التم: طائر ماء شبيه بالاوز أطول منه عنقا. أقول: الظاهر أنه غلط وصحيحه كما في القاموس وغيره: التمر بالراء. (2) فيه مالا يخفى فان إدراك الكليات غير الفكر الذى بمعنى الانتقال من النتيجة إلى المقدمات ومنها إلى النتيجة، وكذا هو غير قوة الفكر، والذى يلوح منه نفى قوة الفكر كالانسان وأما أصل الفكر وادراك الكليات فلا. ط

[ 111 ]

المجلس الثالث: قال المفضل: فلما كان اليوم الثالث بكرت إلى مولاي فاستوذن لي فدخلت فأذن لي بالجلوس فجلست، فقال عليه السلام: الحمد لله الذي اصطفانا ولم يصطف علينا، اصطفانا بعلمه، وأيدنا بحلمه، من شذ عنا (1) فالنار مأواه، ومن تفيأ بظل دوحتنا فالجنة مثواه، قد شرحت لك يا مفضل خلق الانسان وما دبر به و تنقله في أحواله وما فيه من الاعتبار، وشرحت لك أمر الحيوان، وأنا أبتدئ الآن بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم والفلك والليل والنهار والحر والبرد والرياح والجواهر الاربعة: الارض والماء والهواء والنار، والمطر والصخر والجبال والطين و الحجارة والمعادن والنبات والنخل والشجر وما في ذلك من الادلة والعبر. فكر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير فإن هذا اللون أشد الالوان موافقة للبصر وتقوية حتى أن من صفات الاطباء لمن أصابه شئ أضر ببصره إدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد، (2) وقد وصف الحذاق منهم لمن كل بصره الاطلاع في إجانة (3) خضراء مملوة ماءا، فانظر كيف جعل الله جل وتعالى أديم السماء بهذا اللون الاخضر إلى السواد ليمسك الابصار المنقلبة عليه فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها له فصار هذا الذي أدركه الناس بالفكر والروية والتجارب يوجد مفروغا منه في الخلقة حكمة بالغة ليعتبر بها المعتبرون، ويفكر فيها الملحدون، قاتلهم الله أنى يؤفكون. بيان: اصطفانا بعلمه أي اختارنا وفضلنا على الخلق بأن أعطانا من علمه ما لم يعط أحدا. وأيدنا بحلمه أي قوانا على تبليغ الرسالة بما حلانا به من حلمه لنصبر على ما يلقانا من أذي الناس وتكذيبهم. والدوحة: الشجرة العظيمة. والصخر: الحجر العظام. وأديم السماء: وجهها، كما يطلق بأديم الارض على وجهها، ويمكن أن يكون عليه السلام شبهها بالاديم. وقوله عليه السلام: حكمة بالغة بالرفع خبر مبتدء محذوف، أو بالنصب بالحالية أو بكونه مفعولا لاجله.


(1) أي تحزب وانفرد عنا. (2) إدمان النظر: إدامته. (3) الاجانة: إناء تغسل فيه الثياب.

[ 112 ]

فكر يا مفضل في طلوع الشمس وغروبها لاقامة دولتي النهار والليل فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فلم يكن الناس يسعون في معايشهم ويتصرفون في امورهم والدنيا مظلمة عليهم، ولم يكونوا يتهنؤون بالعيش مع فقدهم لذة النور وروحه، والارب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الاطناب في ذكره والزيادة في شرحه بل تأمل المنفعة في غروبها، فلولا غروبها لم يكن للناس هدء ولا قرار مع عظم حاجتهم إلى الهدء والراحة لسكون أبدانهم وجموم حواسهم وانبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الاعضاء ثم كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم فإن كثيرا من الناس لولا جثوم هذا الليل لظلمته عليهم لم يكن لهم هدء ولا قرار حرصا على الكسب والجمع والادخار ثم كانت الارض تستحمي بدوام الشمس بضيائها وتحمي كل ما عليها من حيوان ونبات فقدرها الله بحكمته وتدبيره تطلع وقتا وتغرب وقتا بمنزلة سراج يرفع لاهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدؤوا ويقروا فصار النور والظلمة مع تضادهما منقادين متظاهرين على بما فيه صلاح العالم وقوامه. ثم فكر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لاقامة هذه الازمنة الاربعة من السنة وما في ذلك من التدبير والمصلحة، ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات فيتولد فيهما مواد الثمار، ويستكثف الهواء فينشأ منه السحاب والمطر، وتشد أبدان الحيوان وتقوي، وفي الربيع تتحرك وتظهر المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات، وتنور الاشجار، ويهيج الحيوان للسفاد، وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار، وتتحلل فضول الابدان، ويجف وجه الارض فتهيأ للبناء والاعمال، وفي الخريف يصفو الهواء، ويرتفع الامراض، ويصح الابدان ويمتد الليل فيمكن فيه بعض الاعمال لطوله، و يطيب الهواء فيه إلى مصالح اخرى لو تقصيت لذكرها لطال فيها الكلام. فكر الآن في تنقل الشمس في البروج الاثنى عشر لاقامة دور السنة، وما في ذلك من التدبير فهو الدور الذي تصح به الازمنة الاربعة من السنة: الشتاء، والربيع، والصيف، والخريف، ويستوفيها على التمام، وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك

[ 113 ]

الغلات والثمار، وتنتهي إلى غاياتها، ثم تعود فيستأنف النشوء والنمو، ألا ترى أن السنة مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل فبالسنة وأخواتها يكال الزمان من لدن خلق الله تعالى العالم إلى كل وقت وعصر من غابر الايام، وبها يحسب الناس الاعمال (1) والاوقات الموقتة للديون والاجارات والمعاملات وغير ذلك من امورهم، وبمسير الشمس يكمل السنة ويقوم حساب الزمان على الصحة. انظر إلى شروقها على العالم كيف دبر أن يكون فإنها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقف لا تعدوه لما وصل شعاعها ومنفعتها إلى كثير من الجهات لان الجبال و الجدران كانت تحجبها عنها فجعلت تطلع في أول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار فلا يبقى موضع من المواضع إلا أخذ بقسطه من المنفعة (2) منها، والارب التي قدرت له، ولو تخلفت مقدار عام أو بعض عام كيف كان يكون حالهم ؟ بل كيف كان يكون لهم مع ذلك بقاء ؟ أفلا يرى الناس كيف هذه الامور الجليلة (3) التي لم تكن عندهم فيها حيلة ؟ فصار تجري على مجاريها لا تعتل ولا تتخلف عن مواقيتها لصلاح العالم وما فيه بقاؤه. استدل بالقمر ففيه دلالة جليلة تستعملها العامة في معرفة الشهور، ولا يقوم عليه حساب السنة، لان دوره لا يستوفي الازمنة الاربعة ونشوء الاثمار وتصرمها، ولذلك صارت شهور القمر وسنوه تتخلف عن شهور الشمس وسنيها، وصار الشهر من شهور القمر ينتقل فيكون مرة بالشتاء ومرة بالصيف. فكر في إنارته في ظلمة الليل والارب في ذلك فإنه مع الحاجة إلى الظلمة لهدء الحيوان وبرد الهواء على النبات لم يكن صلاح في أن يكون الليل ظلمة داجية لا ضياء فيها فلا يمكن فيه شئ من العمل، لانه ربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في تقصي الاعمال بالنهار (4) أو لشدة الحر وإفراطه فيعمل في ضوء القمر أعمالا


(1) وفى نسخة: وبها يحسب الناس الاعمار. (2) أي بحصته ونصيبه من المنفعة. (3) وفي نسخة: كيف كان يكون للناس هذه الامور الجليلة. (4) وفي نسخة: في تقضى بعض الاعمال بالنهار.

[ 114 ]

شتى كحرث الارض، وضرب اللبن، وقطع الخشب، وما أشبه ذلك فجعل ضوء القمر معونة للناس على معايشهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وانسا للسائرين، وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض، ونقص مع ذلك من نور الشمس وضيائها لكيلا تنبسط الناس في العمل انبساطهم بالنهار، ويمتنعوا من الهدء والقرار فيهلكهم ذلك وفي تصرف القمر خاصة في مهله (1) ومحاقه وزيادته ونقصانه وكسوفه من التنبيه على قدرة الله خالقه المصرف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر به المعتبرون. ايضاح: الدولة بالفتح والضم: انقلاب الزمان، ودالت الايام: دارت، والله يداولها بين الناس. وهدأ كمنع هدءا وهدوءا: سكن. ويقال: نكيت في العدو نكاية إذا قتلت فيهم وجرحت. وجثم الانسان والطائر والنعام، يجثم جثما وجثوما: لزم مكانه لم يبرح، والمراد جثومهم في الليل. والتظاهر: التعاون. ونور الشجر أي أخرج نوره. وحدم النار: شدة احتراقها. والتقصي: بلوغ أقصى الشئ ونهايته. والغابر الباقي والماضي، والمراد هنا الثاني. وبزغت الشمس بزوغا: شرقت، أو البزوغ ابتداء الطلوع. وقال الجوهري: اعتل عليه واعتله: إذا اعتاقه عن أمر. انتهى. وليلة داجية أي مظلمة. فكر يا مفضل في النجوم واختلاف مسيرها فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك ولا تسير إلا مجتمعة، وبعضها مطلقة تنتقل في البروج وتفترق في مسيرها فكل واحد منها يسير سيرين مختلفين: أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب، والآخر خاص لنفسه نحو المشرق، كالنملة التي تدور على الرحى فالرحى تدور ذات اليمين والنملة تدور ذات الشمال والنملة في تلك تتحرك حركتين مختلفتين: إحديهما بنفسها فتتوجه أمامها، والاخرى مستكرهة مع الرحى تجذبها إلى خلفها، فاسئل الزاعمين أن النجوم صارت على ما هي عليه بالاهمال من غير عمد ولا صانع لها ما منعها أن تكون كلها راتبة ؟ أو تكون كلها منتقلة ؟ فإن الاهمال معنى واحد فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن وتقدير ؟ ففي هذا بيان أن مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد وتدبير وحكمة وتقدير، وليس بإهمال كما تزعم المعطلة.


(1) وفى نسخة: خاصة في تهلله.

[ 115 ]

فإن قال قائل: ولم صار بعض النجوم راتبا وبعضها منتقلا ؟ قلنا: إنها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي يستدل بها من تنقل المنتقلة ومسيرها في كل برج من البروج، كما قد يستدل على أشياء مما يحدث في العالم بتنقل الشمس والنجوم في منازلها، ولو كانت كلها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يوقف عليه لانه إنما يوقف بمسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج الراتبة كما يستدل على سير السائر على الارض بالمنازل التي يجتاز عليها، ولو كان تنقلها بحال واحدة لاختلط نظامها وبطلت المآرب فيها، ولساغ لقائل أن يقول: إن كينونتها (1) على حال واحدة توجب عليها الاهمال من الجهة التي وصفنا ففي اختلاف سيرها وتصرفها وما في ذلك من المآرب والمصلحة أبين دليل على العمد والتدبير فيها. فكر في هذه النجوم التي تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها كمثل الثريا والجوزاء والشعريين وسهيل فإنها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم تكن لواحد فيها على حياله دلالات يعرفها الناس ويهتدون بها لبعض امورهم كمعرفتهم الآن بما يكون من طلوع الثور والجوزاء إذا طلعت، واحتجابها إذا احتجبت فصار ظهور كل واحد واحتجابه في وقت غير وقت الآخر لينتفع الناس بما يدل عليه كل واحد منها على حدته، وكما جعلت الثريا وأشباهها تظهر حينا وتحجب حينا لضرب من المصلحة كذلك جعلت بنات النعش ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة فإنها بمنزلة الاعلام التي يهتدي بها الناس في البر والبحر للطرق المجهولة، وذلك أنها لا تغيب ولا تتوارى، فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاؤوا وصار الامران جميعا على اختلافهما موجهين نحو الارب والمصلحة، وفيهما مآرب اخرى: علامات ودلالات على أوقات كثيرة من الاعمال كالزراعة والغراس والسفر في البر والبحر، وأشياء مما يحدث في الازمنة من الامطار والرياح والحر والبرد، وبها يهتدى السائرون في ظلمة الليل لقطع القفار (2)


(1) في نسخة: ان كينونيتها (2) جمع القفر: الخلاء من الارض، لا ماء فيه ولا ناس ولا كلاء.

[ 116 ]

الموحشة، واللجج الهائلة، مع ما في ترددها في كبد السماء (1) مقبلة ومدبرة ومشرفة ومغربة من العبر فإنها تسير أسرع السير وأحثه. أرأيت لو كانت الشمس والقمر والنجوم بالقرب منا حتى يتبين لنا سرعة سيرها بكنه ما هي عليه ألم تكن ستخطف الابصار بوهجها وشعاعها ؟ (2) كالذي يحدث أحيانا من البروق إذا توالت واضطرمت في الجو، وكذلك أيضا لو أن اناسا كانوا في قبة مكللة بمصابيح تدور حولهم دورانا حثيثا لحارت أبصارهم (3) حتى يخروا لوجوههم فانظر كيف قدر أن يكون مسيرها في البعد البعيد لكيلا تضر في الابصار وتنكأ فيها، وبأسرع السرعة لكيلا تتخلف عن مقدار الحاجة في مسيرها، وجعل فيها جزء يسير من الضوء ليسد مسد الاضواء إذا لم يكن قمر، ويمكن فيه الحركة إذا حدثت ضرورة كما قد يحدث الحادث على المرء فيحتاج إلى التجافي في جوف الليل، وإن لم يكن شئ من الضوء يهتدي به لم يستطع أن يبرح مكانه فتأمل اللطف والحكمة في هذا التقدير حين جعل للظلمة دولة ومدة لحاجة إليها، وجعل خلالها شئ من الضوء للمأرب التي وصفنا. فكر في هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه تدور على العالم في هذا الدوران الدائم بهذا التقدير والوزن لما في اختلاف الليل والنهار، وهذه الازمان الاربعة المتوالية على الارض، وما عليها من أصناف الحيوان والنبات من ضروب المصلحة كالذي بينت وشخصت (4) لك آنفا، وهل يخفى على ذي لب أن هذا تقدير مقدر، وصواب وحكمة من مقدر حكيم ؟. فإن قال قائل: إن هذا شئ اتفق أن يكون هكذا فما منعه أن يقول مثل هذا في دولاب تراه يدور ويسقي حديقة فيها شجر ونبات ؟ فترى كل شئ من آلته مقدرا بعضه يلقى بعضا على ما فيه صلاح تلك الحديقة وما فيها، وبم كان يثبت هذا القول لو قاله ؟ و ما ترى الناس كانوا قائلين له لو سمعوه منه، أفينكر أن يقول في دولاب خشب (5)


(1) أي وسط السماء. (2) أي ستذهب بها بتوقدها. (3) حارت العين: اشتد بياض بياضها وسواد سوادها (4) وفي نسخة: كالذى بينت ولخصت لك آنفا. (5) وفي نسخة: في دولاب خسيس.

[ 117 ]

مصنوع بحيلة قصيرة لمصلحة قطعة من الارض: إنه كان بلا صانع ومقدر، ويقدر أن يقول في هذا الدولاب الاعظم المخلوق بحكمة يقصر عنها أذهان البشر لصلاح جميع الارض وما عليها: إنه شئ اتفق أن يكون بلا صنعة ولا تدبير، لو اعتل هذا الفلك كما تعتل الآلات التي تتخذ للصناعات وغيرها أي شئ كان عند الناس من الحيلة في إصلاحه ؟. بيان: قوله عليه السلام: لا تفارق مراكزها لعل المراد أنه ليس لها حركة بينة ظاهرة كما في السيارات، أو لا تختلف نسب بعضها إلى بعض بالقرب والبعد بأن تكون الجملة التالية مفسرة لها، ويحتمل أن يكون المراد بمراكزها البروج التي تنسب إليها على ما هو المصطلح بين العرب من اعتبار محاذات تلك الاشكال في الانتقال إلى البروج وإن انتقلت عن مواضعها، وعليه ينبغي أن يحمل قوله عليه السلام: وبعضها مطلقة تنتقل في البروج، أو على ما ذكرنا سابقا من كون انتقالها في البروج ظاهرة بينة يعرفه كل أحد، والاول أظهر كما سيظهر من كلامه عليه السلام قوله: فإن الاهمال معنى واحد يحتمل أن يكون المراد أن الطبيعة أو الدهر الذين يجعلونهما أصحاب الاهمال مؤثرين كل منهما أمر واحد غير ذي شعور وإرادة، ولا يمكن صدور الامرين المختلفين عن مثل ذلك كما مر، أو المراد أن العقل يحكم أن مثل هذين الامرين المتسقين الجاريين على قانون الحكمة لا يكون إلا من حكيم راعى فيهما دقائق الحكم، أو المراد أن الاهمال أي عدم الحاجة إلى العلة وترجيح الامر الممكن من غير مرجح كما تزعمون أمر واحد حاصل فيهما، فلم صارت إحديهما راتبة ؟ والاخرى منتقلة ؟ ولم يعكس الامر ؟ والاول أظهر (1) كما لا يخفى. قوله عليه السلام ؟: لبطلت الدلالات ظاهره كون الاوضاع النجومية علامات للحوادث قوله عليه السلام: في البروج الراتبة يدل ظاهرا على ما أشرنا إليه من أنه عليه السلام راعى في انتقال البروج محاذات نفس الاشكال، وإن أمكن أن يكون المراد بيان حكمة بطؤ الحركة ليصلح كون تلك الاشكال علامات للبروج ولو بقربها منها لكنه بعيد. قوله عليه السلام: والشعريين قال الجوهري: الشعرى: الكوكب الذي يطلع


(1) وظاهر الخبر المعنى الاخير.

[ 118 ]

بعد الجوزاء وطلوعه في شدة الحر وهما الشعريان والشعرى العبور التي في الجوزاء، والشعرى: القميصاء التي في الذراع تزعم العرب أنهما اختا سهيل، انتهى. والقفار جمع قفر، وهو الخلا من الارض. وخطف البرق البصر: ذهب به. ووهج النار - بالتسكين -: توقدها. وقوله. حثيثا أي مسرعا. وتجافى أي لم يلزم مكانه. وبرح مكانه: زال عنه. فكر يا مفضل في مقادير النهار والليل كيف وقعت على ما فيه صلاح هذا الخلق فصار منتهى كل واحد منهما إذا امتد إلى خمس عشرة ساعة لا يجاوز ذلك، أفرأيت لو كان النهار يكون مقداره مائة ساعة أو مائتي ساعة ألم يكن في ذلك بوار (1) كل ما في الارض من حيوان ونبات ؟. أما الحيوان فكان لا يهدأ ولا يقر طول المدة، ولا البهائم كانت تمسك عن الرعي لودام لها ضوء النهار، ولا الانسان كان يفتر عن العمل والحركة، وكان ذلك سيهلكها أجمع ويؤديها إلى التلف، وأما النبات فكان يطول عليه حر النهار ووهج الشمس حتى يجف ويحترق، وكذلك الليل لو امتد مقدار هذه المدة كان يعوق أصناف الحيوان عن الحركة والتصرف في طلب المعاش حتى تموت جوعا، وتخمد الحرارة الطبيعية من النبات حتى يعفن ويفسد، كالذي تراه يحدث على النبات إذا كان في موضع لا تطلع عليه الشمس. اعتبر بهذه الحر والبرد كيف يتعاوران العالم ويتصرفان هذا التصرف من الزيادة والنقصان والاعتدال لاقامة هذه الازمنة الاربعة من السنة وما فيهما من المصالح ثم هما بعد دباغ الابدان التي عليها بقاؤها وفيها صلاحها فإنه لو لا الحر والبرد وتداولهما الابدان لفسدت وأخوت وانتكثت. فكر في دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسل فإنك ترى أحدهما ينقص شيئا بعد شئ، والآخر يزيد مثل ذلك حتى ينتهي كل واحد منهما منتهاه في الزيادة والنقصان، ولو كان دخول إحديهما على الاخرى مفاجاة لاضر ذلك بالابدان وأسقمها كما أن أحدكم لو خرج من حمام حار إلى موضع البرودة لضره ذلك وأسقم


(1) البوار: الهلاك والكساد.

[ 119 ]

بدنه فلم جعل الله عزوجل هذا الترسل في الحر والبرد إلا للسلامة من ضرر المفاجاة ؟ ولم جرى الامر على ما فيه السلامة من ضر المفاجاة لولا التدبير في ذلك ؟ فإن زعم زاعم أن هذا الترسل في دخول الحر والبرد إنما يكون لابطاء مسير الشمس في الارتفاع والانحطاط سئل عن العلة في إبطاء مسير الشمس في ارتفاعها وانحطاطها، فإن اعتل في الابطاء ببعد ما بين المشرقين سئل عن العلة في ذلك فلا تزال هذه المسألة ترقى معه إلى حيث رقى من هذا القول حتى استقر على العمد والتدبير، لولا الحر لما كانت الثمار الجاسية المرة تنضج فتلين وتعذب حتى يتفكه بها رطبة ويابسة، ولولا البرد لما كان الزرع يفرخ هكذا، ويريع الريع الكثير الذي يتسع للقوت وما يرد في الارض للبذر أفلا ترى ما في الحر والبرد من عظيم الغناء والمنفعة وكلاهما مع غنائه والمنفعة فيه يولم الابدان ويمضها، وفي ذلك عبرة لمن فكر، ودلالة على أنه من تدبير الحكيم في مصلحة العالم وما فيه. بيان: قوله عليه السلام: لا يجاوز ذلك أي في معظم المعمورة. وقال الفيروز آبادي: خوت الدار: تهدمت، والنجوم خيا: أمحلت فلم تمطر كأخوت. وقال: المنتكث: المهزول. وقال: الترسل: الرفق والتؤدة. انتهى. قوله عليه السلام: ببعد ما بين المشرقين أي المشرق والمغرب، كناية عن عظم الدائرة التي يقطع عليها البروج أو مشرق الصيف والشتاء، والاول أظهر. قوله عليه السلام: الجاسية أي الصلبة. ويتفكه بها أي يتمتع بها. والريع: النماء والزيادة. وقال الجوهري: أمضني الجرح إمضاضا: إذا أوجعك، وفيه لغة اخرى: مضني الجرح، ولم يعرفها الاصمعي. وانبهك يا مفضل على الريح وما فيها ألست ترى ركودها إذا ركدت كيف يحدث الكرب الذي يكاد أن يأتي على النفوس، ويحرض الاصحاء وينهك المرضى، ويفسد الثمار، ويعفن البقول، ويعقب الوباء في الابدان، والآفة في الغلات ؟ ففي هذا بيان أن هبوب الريح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق. وانبئك عن الهواء بخلة اخرى فإن الصوت أثر يؤثره اصطكاك الاجسام في الهواء، والهواء يؤديه إلى المسامع، والناس يتكلمون في حوائجهم ومعاملاتهم طول

[ 120 ]

نهارهم وبعض ليلهم، فلو كان أثر هذا الكلام يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب في القرطاس لامتلا العالم منه، فكان يكربهم ويفدحهم، وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال به إلى أكثر مما يحتاج إليه في تجديد القراطيس لان ما يلقى من الكلام أكثر مما يكتب فجعل الخلاق الحكيم جل قدسه هذا الهواء قرطاسا خفيا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم ثم يمحى فيعود جديدا نقيا، ويحمل ما حمل أبدا بلا انقطاع، وحسبك بهذا النسيم المسمى " هواء " عبرة وما فيه من المصالح فانه حياة هذه الابدان والممسك لها من داخل بما تستنشق منه، ومن خارج بما تباشر من روحه، وفيه تطرد هذه الاصوات فيؤدي بها من البعد البعيد، وهو الحامل لهذه الاراييح ينقلها من موضع إلى موضع. ألا ترى كيف تأتيك الرائحة من حيث تهب الريح فكذلك الصوت، وهو القابل لهذا الحر والبرد اللذين يتعاقبان على العالم لصلاحه، (1) ومنه هذه الريح الهابة فالريح تروح عن الاجسام وتزجي السحاب من موضع إلى موضع ليعم نفعه حتى يستكثف فيمطر، وتفضه حتى يستخف فيتفشي، وتلقح الشجر، وتسير السفن، وترخي الاطعمة (2) وتبرد الماء، وتشب النار، وتجفف الاشياء الندية، وبالجملة أنه تحيي كلما في الارض فلولا الريح لذوى النبات (3) ومات الحيوان وحمت الاشياء وفسدت. توضيح: ركود الريح: سكونها. والحرض: فساد البدن. ويقال: نهكته الحمى أي أضنته وهزلته. وقوله عليه السلام: والهواء يؤديه يدل على ما هو المنصور من تكيف الهواء بكيفية الصوت على ما فصل في محله. ويقال: كربه الامر أي شق عليه وفدحه الدين أي أثقله. وريثما فعل كذا أي قدر ما فعله. ويبلغ إما على بناء المجرد فالعالم فاعله أو على التفعيل فالهواء فاعله والروح بالفتح: الراحة ونسيم الريح. واطرد الشئ: تبع بعضه بعضا وجرى. والاراييح جمع للريح. وتزجي السحاب - على بناء الافعال -


(1) وفي نسخة اللذين: يعقبان على العالم لصلاحه. (2) أي صيرها رخوا أي متسما. (3) ذوى النبات: ذبل ونشف ماؤه.

[ 121 ]

أي تسوقه. وتفضه أي تفرقه. والتفشي: الانتشار. وترخي الاطعمة - على التفعيل أو الافعال - أي تصيرها رخوة لطيفة. وتشب النار أي توقدها. فكر يا مفضل فيما خلق الله عزوجل عليه هذه الجواهر الاربعة ليتسع ما يحتاج إليه منها، فمن ذلك سعة هذه الارض وامتدادها فلولا ذلك كيف كانت تتسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم، والعقاقير العظيمة، والمعادن الجسمة غناؤها، ولعل من ينكر هذه الفلوات الخاوية والقفار الموحشة فيقول: ما المنفعة فيها ؟ فهي مأوى هذه الوحوش ومحالها ومرعاها ثم فيها بعد متنفس ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم، فكم بيداء وكم فدفد حالت قصورا وجنانا بانتقال الناس إليها وحلولهم فيها، ولولا سعة الارض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصار ضيق لا يجد مندوحة عن وطنه إذا حزبه أمر يضطره إلى الانتقال عنه. ثم فكر في خلق هذه الارض على ما هي عليه حين خلقت راتبة راكنة فتكون موطنا مستقرا للاشياء فيتمكن الناس من السعي عليها في مأربهم، والجلوس عليها لراحتهم، والنوم لهدئهم، والاتقان لاعمالهم فإنها لو كانت رجراجة متكفئة لم يكونوا يستطيعون أن يتقنوا البناء والتجارة والصناعة وما أشبه ذلك، بل كانوا لا يتهنؤون بالعيش والارض ترتج من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل على قلة مكثها حتى يصيروا إلى ترك منازلهم والهرب عنها. فان قال قائل: فلم صارت هذه الارض تزلزل ؟ قيل له: إن الزلزلة وما أشبهها موعظة وترهيب يرهب بها الناس ليرعووا وينزعوا عن المعاصي، وكذلك ما ينزل بهم من البلاء في أبدانهم وأموالهم يجرى في التدبير على ما فيه صلاحهم واستقامتهم، ويدخر لهم إن صلحوا من الثواب والعوض في الآخرة ما لا يعدله شئ من امور الدنيا، وربما عجل ذلك في الدنيا إذا كان ذلك في الدنيا صلاحا للخاصة والعامة. ثم إن الارض في طباعها الذي طبعها الله عليه باردة يابسة وكذلك الحجارة و إنما الفرق بينها وبين الحجارة فضل يبس في الحجارة، أفرأيت لو أن اليبس أفرط على الارض قليلا حتى تكون حجرا صلدا أكانت تنبت هذا النبات الذي به حياة الحيوان ؟

[ 122 ]

وكان يمكن بها حرث أو بناء ؟ أفلا ترى كيف تنصب (1) من يبس الحجارة وجعلت على ما هي عليه من اللين والرخاوة ولتهيأ للاعتماد ؟. ومن تدبير الحكيم جل وعلا في خلقة الارض أن مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب فلم جعل الله عزوجل كذلك إلا لينحدر المياه على وجه الارض فتسقيها و ترويها ؟ ثم تفيض آخر ذلك إلى البحر فكأنما يرفع أحد جانبي السطح (2) ويخفض الآخر لينحدر الماء عنه ولا يقوم عليه كذلك جعل مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب لهذه العلة بعينها، ولولا ذلك لبقي الماء متحيرا على وجه الارض فكان يمنع الناس من إعمالها (3) ويقطع الطرق والمسالك، ثم الماء لولا كثرته وتدفقه في العيون والاودية و الانهار لضاق عما يحتاج الناس إليه لشربهم وشرب أنعامهم ومواشيهم، وسقي زروعهم وأشجارهم وأصناف غلاتهم، وشرب ما يرده من الوحوش والطير والسباع وتتقلب فيه الحيتان ودواب الماء، وفيه منافع آخر أنت بها عارف وعن عظم موقعها غافل فإنه سوى الامر الجليل المعروف من غنائه في إحياء جميع ما على الارض من الحيوان والنبات يمزج بالاشربة فتلين وتطيب لشاربها، وبه تنظف الابدان والامتعة من الدرن الذي يغشاها، وبه يبل التراب فيصلح للاعتمال (4) وبه يكف عادية النار إذا اضطرمت وأشرف الناس على المكروه، وبه يسيغ الغصان ما غص به، وبه يستحم المتعب الكال فيجد الراحة من أوصابه، إلى أشباه هذا من المآرب التي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها. فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار وقلت: ما الارب فيه ؟ فاعلم أنه مكتنف ومضطرب ما لا يحصى: من أصناف السمك ودواب البحر، ومعدن اللؤلؤ والياقوت والعنبر، وأصناف شتى تستخرج من البحر، وفي سواحله منابت العود واليلنجوج، وضروب من الطيب والعقاقير، ثم هو بعد مركب الناس ومحمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق، ومن العراق


(1) وفي نسخة: نقصت. (2) كذا في النسخ والظاهر: فكما يرفع أحد جانبى السطح. (3) وفي نسخة: فكان يمنع الناس من اعتمالها. (4) وفي نسخة: فيصلح للاعمال.

[ 123 ]

إلى العراق (1) فإن هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلا على الظهر لبارت (2) وبقيت في بلدانها وأيدي أهلها لان أجر حملها كان يجاوز أثمانها فلا يتعرض أحد لحملها، وكان يجتمع في ذلك أمران: أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها، والآخر انقطاع معاش من يحملها ويتعيش بفضلها، وهكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق (3) هذا الانام من الدخان والبخار التي يتحير فيه، ويعجز عما يحول إلى السحاب والضباب أولا اولا وقد تقدم من صفته ما فيه كفاية. والنار أيضا كذلك فإنها لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه، ولم يكن بد من ظهورها في الاحايين لغنائها في كثير من المصالح فجعلت كالمخزونة في الاخشاب، (4) تلتمس عند الحاجة إليها، وتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها لئلا تخبو، (5) فلا هي تمسك بالمادة والحطب فتعظم المؤونة في ذلك، ولا هي تظهر مبثوثة فتحرق كل ما هي فيه بل هي على تهيئة وتقدير اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها والسلامة من ضررها. ثم فيه خلة اخرى وهي أنها مما خص به الانسان دون جميع الحيوان لما له فيها من المصلحة فإنه لو فقد النار لعظم ما يدخل عليه من الضرر في معاشه فأما البهائم فلا تستعمل النار ولا تستمتع بها، ولما قدر الله عزوجل أن يكون هذا هكذا خلق للانسان كفا وأصابع مهيأة لقدح النار واستعمالها، ولم يعط البهائم مثل ذلك لكنها اعينت بالصبر على الجفاء والخلل في المعاش لكيلا ينالها في فقد النار ما ينال الانسان. وانبئك من منافع النار على خلقة صغيرة عظيم موقعها، وهي هذا المصباح الذي يتخذه الناس فيقضون به حوائجهم ما شاؤوا من ليلهم، ولولا هذه الخلة لكان الناس تصرف أعمارهم بمنزلة من في القبور، فمن كان يستطيع أن يكتب أو يحفظ أو ينسج


(1) وفي نسخة: إلى الصين. (2) بارت أي كسدت. (3) خنق: شد على حلقه حتى يموت. واختنق مطاوع خنق. (4) وفي نسخة في الاجسام. (5) أي لئلا تخمد وتطفأ.

[ 124 ]

في ظلمة الليل ؟ وكيف كانت حال من عرض له وجع في وقت من أوقات الليل فاحتاج أن يعالج ضمادا، أو سفوفا أو شيئا يستشفي به ؟ (1) فأما منافعها في نضج الاطعمة ودفاء الابدان وتجفيف أشياء وتحليل أشياء وأشباه ذلك فأكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى. تبيان: العقاقير: اصول الادوية. والغناء بالفتح: المنفعة. والخاوية: الخالية. والفدفد: الفلاة، والمكان الصلب الغليظ والمرتفع، والارض المستوية. والفسحة بالضم: السعة. ويقال: لي عن هذا الامر مندوحة ومنتدح أي سعة. وحزبه أمر أي أصابه. والراتبة. الثابتة. والراكنة: الساكنة. وهدأ هدءا وهدوءا: سكن. وقوله عليه السلام: رجراجة أي متزلزلة متحركة. والتكفئ: الانقلاب والتمايل والتحرك. والارتجاج الاضطراب. والارعواء: الرجوع عن الجهل والكف عن القبيح والصلد - ويكسر -: الصلب الاملس. قوله عليه السلام: كيف تنصب كذا في أكثر النسخ، والنصب يكون بمعنى الرفع والوضع، ولعل المراد هنا الثاني، والظاهر أنه تصحيف نقصت أو نحوه. قوله عليه السلام: إن مهب الشمال أرفع أي بعد ما خرجت الارض من الكروية الحقيقية صار ما يلي الشمال منها في أكثر المعمورة أرفع مما يلي الجنوب، ولذا ترى أكثر الانهار كدجلة والفرات وغيرهما تجري من الشمال إلى الجنوب، ولما كان الماء الساكن في جوف الارض تابعا للارض في ارتفاعه وانخفاضه فلذا صارت العيون المتفجرة تجري هكذا من الشمال إلى الجنوب حتى تجري على وجه الارض، ولذا حكموا بفوقية الشمال على الجنوب في حكم اجتماع البئر والبالوعة، وإذا تأملت فيما ذكرنا يظهر لك ما بينه عليه السلام من الحكم في ذلك، وأنه لا ينافي كروية الارض. والتدفق: التصبب. قوله عليه السلام: فإنه سوى الامر الجليل الضمير راجع إلى الماء وهو إسم إن ويمزج خبره أي للماء سوى النقع الجليل المعروف - وهو كونه سببا لحياة كل شئ - منافع اخرى، منها: أنه يمزج مع الاشربة. وقال الجوهري: الحميم: الماء الحار، وقد استحممت إذا اغتسلت به، ثم صار كل اغتسال


(1) الضماد بالكسر أن يخلط الادوية بمائع ويلين ويوضع على العضو، وأصل الضمد الشد من باب ضرب، يقال: ضمد رأسه وجرحه: إذا شده بالضماد، وهى خرقة يشد بها العضو المؤوف ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره وان لم يشد. والسفوف بفتح السين: الادوية المسحوقة اليابسة التى تطرح في الضماد.

[ 125 ]

استحماما بأي ماء كان. انتهى. والوصب محركة: المرض. والمكتنف بفتح النون من الكنف بمعنى الحفظ والاحاطة، واكتنفه أي أحاط به، ويظهر منه أن نوعا من الياقوت يتكون في البحر، وقيل: اطلق على المرجان مجازا، ويحتمل أن يكون المراد ما يستخرج منه بالغوص وإن لم يتكون فيه. واليلنجوج: عود البخور. ومن العراق أي البصرة. وإلى العراق أي الكوفة أو بالعكس. قوله عليه السلام: ويعجز أي لولا كثرة الهواء لعجز الهواء عما يستحيل الهواء إليه من السحاب والضباب التى تتكون من الهواء. أولا أولا أي تدريجا أي كان الهواء لا يفي بذلك أو لا يتسع لذلك. الضباب بالفتح: ندى كالغيم أو سحاب رقيق كالدخان. والاحايين جمع أحيان، وهو جمع حين بمعنى الدهر والزمان. قوله عليه السلام: فلا هي تمسك بالمادة والحطب أي دائما بحيث إذا انطفأت لم يمكن إعادتها. والمادة: الزيادة المتصلة، والمراد هنا الدهن ومثله. ودفاء الابدان بالكسر: دفع البرد عنها. فكر يا مفضل في الصحو (1) والمطر كيف يعتقبان على هذا العالم لما فيه صلاحه، ولودام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده ألا ترى أن الامطار إذا توالت عفنت البقول والخضر، واسترخت أبدان الحيوان، وخصر الهواء فأحدث ضروبا من الامراض، وفسدت الطرق والمسالك، وأن الصحو إذا دام جفت الارض، واحترق النبات، وغيض ماء العيون والاودية فأضر ذلك بالناس، وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضروبا اخرى من الامراض فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب اعتدل الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الآخر (2) فصلحت الاشياء واستقامت. فإن قال قائل: ولم لا يكون في شئ من ذلك مضرة ألبتة ؟ قيل له: ليمض ذلك الانسان (3) ويولمه بعض الالم فيرعوي عن المعاصي، فكما أن الانسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الادوية المرة البشعة ليقوم طباعه ويصلح ما فسد منه كذلك إذا طعى وأشر


(1) صحا يصحو صحوا وصحي يصحى صحا اليوم: صفا ولم يكن فيه غيم. (2) أي ضرر الاخر. (3) وفى نسخة: يمض ذلك الانسان.

[ 126 ]

احتاج إلى ما يعضه ويولمه ليرعوي ويقصر عن مساويه ويثبته على ما فيه حظه ورشده، ولو أن ملكا من الملوك قسم في أهل مملكته قناطير من ذهب وفضة ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت ؟ فأين هذا من مطرة رواء ؟ (1) إذ يعمر به البلاد ويزيد في الغلات أكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الارض كلها. أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها وأعظم النعمة على الناس فيها وهم عنها ساهون ! وربما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها فيذمر (2) ويسخط إيثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه جهلا بمحمود العاقبة وقلة معرفة لعظيم الغناء والمنفعة فيها. تأمل نزوله على الارض والتدبير في ذلك، فإنه جعل ينحدر عليها من علو ليتفشي ما غلظ وارتفع منها فيرويه، ولو كان إنما يأتيها من بعض نواحيها لما علا على المواضع المشرفة منها و يقل ما يزرع في الارض. ألا ترى أن الذي يزرع سيحا (3) أقل من ذلك فالامطار هي التي تطبق الارض، وربما تزرع هذه البراري الواسعة وسفوح الجبال وذراها (4) فتغل الغلة الكثيرة، (5) وبها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤونة سياق الماء من موضع إلى موضع، وما يجري في ذلك بينهم من التشاجر والتظالم حتى يستأثر بالماء ذووا العزة والقوة ويحرمه الضعفاء. ثم إنه حين قدر أن ينحدر على الارض انحدارا جعل ذلك قطرا شبيها بالرش ليغور في قطر الارض فيرويها، ولو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الارض فلا يغور فيها ثم كان يحطم الزرع القائمة إذا اندفق عليها فصار ينزل نزولا رقيقا (6) فينبت الحب المزروع، ويحيي الارض والزرع القائم، وفي نزوله أيضا مصالح اخرى فإنه يلين الابدان، ويجلو كدر الهواء فيرتفع الوباء الحادث من ذلك، ويغسل ما يسقط على


(1) على زنة " حياء ": الماء الكثير المشبع. (2) في بعض النسخ " يتذمر ويسخط إيثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه جميلا محمود العاقبة وقلة معرفته لعظيم الغناء والمنفعة فيها. " (3) السيح: الماء الجارى على وجه الارض. (4) سفح الجيل: أصله وأسفله. عرضه ومضطجعه الذى ينصب الماء. وذرو الجبل: أعلاه. (5) وفي نسخة: فتقل الغلة الكثيرة. (6) وفي نسخة: فصار ينزل نزولا رفيقا.

[ 127 ]

الشجر والزرع من الداء المسمى باليرقان، (1) إلى اشباه هذا من المنافع. فإن قال قائل: أو ليس قد يكون منه في بعض السنين الضرر العظيم الكثير لشدة ما يقع منه أو برد يكون فيه تحطم الغلات وبخورة يحدثها في الهواء فيولد كثيرا من الامراض في الابدان والآفات في الغلات ؟ قيل: بلى قد يكون ذلك الفرط لما فيه من صلاح الانسان وكفه عن ركوب المعاصي والتمادي فيها فيكون المنفعة فيما يصلح له من دينه أرجح مما عسى أن يرزأ في ماله. بيان: يعتقبان أي يأتي كل منهما عقيب صاحبه. وخصر الهواء بكسر الصاد المهملة، يقال: خصر يومنا أي اشتد برده، وماء خاصر: بارد، وفي أكثر النسخ بالحاء المهملة و السين من حسر أي كل، وهو لا يستقيم إلا بتكلف وتجوز، وفي بعضها بالخاء المعجمة والثاء المثلثة من قولهم: خثر اللبن خثرا إذا غلظ. والبشع: الكريه الطعم الذي يأخذ بالحلق. والقنطار: معيار، ويروى أنه ألف ومائتا أوقية، ويقال: هو مائة وعشرون رطلا، ويقال: هو ملء مسك الثور ذهبا. قوله عليه السلام: ويذهب له به الصوت، أي يملا صيت كرمه وجوده الآفاق. والذمر: الملامة والتهدد. قوله: ليتفشي التفشي: الاتساع، والاظهر " ليغشي " بالغين المعجمة كما في بعض النسخ. والحطم: الكسر. والاندفاق: الانصباب. واليرقان: آفة للزرع. وقوله: مما عسى أن يرزأ من الرزء: المصيبة. انظر يا مفضل إلى هذه الجبال المركومة (2) من الطين والحجارة التي يحسبها الغافلون فضلا لا حاجة إليها، والمنافع فيها كثيرة: فمن ذلك أن يسقط عليها الثلوج فيبقى في قلالها لمن يحتاج إليه، ويذوب ما ذاب منه فتجري منه العيون الغزيرة التي تجتمع منها الانهار العظام، وينبت فيها ضروب من النبات والعقاقير التي لا ينبت مثلها في السهل، ويكون فيها كهوف ومقايل للوحوش من السباع العادية ويتخذ منها الحصون


(1) اليرقان: آفة للزرع أو دود يسطو على الزرع. (2) المركومة: المجتمعة من الطين والحجارة بعضها فوق بعض.

[ 128 ]

والقلاع المنيعة للتحرز من الاعداء، وينحت منها الحجارة للبناء والارحاء، (1) ويوجد فيها معادن لضروب من الجواهر، وفيها خلال اخرى لا يعرفها إلا المقدر في سابق علمه. تفسير: المقايل في بعض النسخ بالقاف، وكأنه من القيلولة، وفي بعضها بالغين، ولعله من الغيل: الشجر الملتف. وفي بعض كتب اللغة: المغالة: العش. وفي بعض النسخ معاقل جمع المعقل وهو الملجأ. فكر يا مفضل في هذه المعادن وما يخرج منها من الجواهر المختلفة مثل الجص و الكلس والجبس (2) والزرانيخ، والمرتك، والقونيا (3) والزيبق، والنحاس، والرصاص، والفضة، والذهب، والزبرجد، والياقوت، والزمرد، وضروب الحجارة، وكذلك ما يخرج منها من القار، والموميا، والكبريت، والنفط، وغير ذلك مما يستعمله الناس في مأربهم، فهل يخفى على ذي عقل بأن هذه كلها ذخائر ذخرت للانسان في هذه الارض ليستخرجها فيستعملها عند الحاجة إليها ؟ ثم قصرت حيلة الناس عما حاولو من صنعتها على حرصهم واجتهادهم في ذلك فإنهم لو ظفروا بما حاولوا من هذا العلم كان لا محالة سيظهر ويستفيض في العالم حتى تكثر الذهب والفضة ويسقطا عند الناس فلا يكون لهما قيمة ويبطل الانتفاع بهما في الشرى والبيع والمعاملات، ولا كان يجيئ السلطان الاموال، ولا يدخرهما أحد للاعقاب، وقد اعطي الناس مع هذا صنعة الشبه من النحاس والزجاج من الرمل، والفضة من الرصاص، والذهب من الفضة، وأشباه ذلك مما لا مضرة فيه. فانظر كيف اعطوا إرادتهم فيما لا ضرر فيه، ومنعوا ذلك فيما كان ضارا لهم لو نالوه، ومن أوغل في المعادن انتهى إلى واد عظيم يجري منصلتا بماء غزير، لا يدرك غوره ولا حيلة في عبوره ومن ورائه أمثال الجبال من الفضة. تفكر الآن في هذا من تدبير الخالق الحكيم فإنه أراد جل ثناؤه أن يرى العباد


(1) أي الطواحين. (2) أي حجر الجص. (3) في نسخة: القونبا. وفي اخرى: التوتيا.

[ 129 ]

قدرته وسعة خزائنه، ليعلموا أنه لو شاء أن يمنحهم كالجبال من الفضة لفعل، لكن لا صلاح لهم في ذلك، لانه لو كان فيكون فيها كما ذكرنا سقوط هذا الجوهر عند الناس وقلة انتفاعهم به، واعتبر ذلك بأنه قد يظهر الشئ الطريف مما يحدثه الناس من الاواني و الامتعة فما دام عزيزا قليلا فهو نفيس جليل آخذ الثمن فإذا فشا وكثر في أيدي الناس سقط عندهم وخست قيمته، ونفاسة الاشياء من عزتها. بيان: الكلس بالكسر: الصاروج. والجبس بالكسر الجص. وفي أكثر النسخ الجبسين ولم أجده فيما عندنا من كتب اللغة لكن في كتب الطب كما في أكثر النسخ. والمرتك كمقعد: المرداسنج. والقونيا بالباء الموحدة أو الياء المثناة من تحت، ولم أجدهما في كتب اللغة، لكن في القاموس: القونة: القطعة من الحديد أو الصفر يرقع بها الاناء، وفي بعض النسخ: والتوتيا، وفي كتب اللغة أنه حجر يكتحل به. (1) والقار: القير. وجبى الخراج جباية: جمعه. والايغال: المبالغة في الدخول والذهاب. وانصلت: مضى وسبق. فكر يا مفضل: في هذا النبات وما فيه من ضروب المآرب، فالثمار للغذاء، و الاتبان للعلف، والحطب للوقود، والخشب لكل شئ من أنواع النجارة وغيرها، و اللحاء والورق والاصول والعروق والصموغ لضروب من المنافع. أرأيت لو كنا نجد الثمار التي نغتذي بها مجموعة على وجه الارض ولم تكن تنبت على هذه الاغصان الحاملة لها كم كان يدخل علينا من الخلل في معاشنا وإن كان الغذاء موجودا فإن المنافع بالخشب والحطب والاتبان وسائر ما عددناه كثيرة، عظيم قدرها، جليل موقعها، هذا مع ما في النبات من التلذذ بحسن منظره ونضارته التي لا يعد لها شئ من مناظر العالم وملاهيه. بيان: لحاء الشجرة بالكسر: قشرها. فكر يا مفضل: في هذا الريع الذي جعل في الزرع فصارت الحبة الواحدة تخلف


(1) نقل في كتب الطب عن الشيخ أنه قال: أصل التوتيا دخان يرتفع حيث يخلص النحاس من الحجارة التى تخالطه والانك الذى يخالطه، وربما صعد الاقليميا فكان مصعده توتيا جيدا ورسوبه قليميا.

[ 130 ]

مائة حبة وأكثر وأقل، وكان يجوز أن يكون الحبة تأتي بمثلها فلم صارت تريع هذا الريع إلا ليكون في الغلة متسع لما يرد في الارض من البذر، وما يتقوت الزراع إلى إدراك زرعها المستقبل ؟. ألا ترى أن الملك لو أراد عمارة بلد من البلدان كان السبيل في ذلك أن يعطي أهله ما يبذرونه في أرضهم، وما يقوتهم إلى إدراك زرعهم فانظر كيف تجد هذا المثال قد تقدم في تدبير الحكيم فصار الزرع يريع هذا الريع ليفي بما يحتاج إليه للقوت والزراعة، و كذلك الشجر والنبت والنخل يريع الريع الكثير فإنك ترى الاصل الواحد حوله من فراخه أمرا عظيما، فلم كان كذلك إلا ليكون فيه ما يقطعه الناس ويستعملونه في مأربهم وما يرد فيغرس في الارض ؟ ولو كان الاصل منه يبقى منفردا لا يفرخ ولا يريع لما أمكن أن يقطع منه شئ لعمل ولا لغرس، ثم كان إن أصابته آفة انقطع أصله فلم يكن منه خلف. تأمل نبات هذه الحبوب من العدس والماش والباقلا وما أشبه ذلك فإنها تخرج في أوعية مثل الخرائط لتصونها وتحجبها من الآفات إلى أن تشد وتستحكم كما قد تكون المشيمة على الجنين لهذا المعنى بعينه، فأما البر وما أشبهه فإنه يخرج مدرجا في قشور صلاب على رؤوسها مثال الاسنة من السنبل ليمنع الطير منه ليتوفر على الزراع. فإن قال قائل: أو ليس قد ينال الطير من البر والحبوب ؟ قيل له: بلى على هذا قدر الامر فيها لان الطير خلق من خلق الله وقد جعل الله تبارك وتعالى له فيما تخرج الارض حظا، ولكن حضنت الحبوب بهذه الحجب لئلا يتمكن الطير منها كل التمكن فيعبث فيها ويفسد الفساد الفاحش فإن الطير لو صادف الحب بارزا ليس عليه شئ يحول دونه لاكب عليه حتى ينسفه أصلا فكان يعرض من ذلك أن يبشم الطير فيموت، ويخرج الزراع من زرعه صفرا فجعلت عليه هذه الوقايات لتصونه فينال الطائر منه شيئا يسيرا يتقوت به، ويبقى أكثره للانسان فإنه أولى به إذ كان هو الذي كدح فيه وشقي به، وكان الذي يحتاج إليه أكثر مما يحتاج إليه الطير. تأمل الحكمة في خلق الشجر وأصناف النبات فإنها لما كانت تحتاج إلى الغذاء

[ 131 ]

الدائم كحاجة الحيوان ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان ولا حركة تنبعث بها لتناول الغذاء جعلت أصولها مركوزة في الارض لتنزع منها الغذاء فتؤديه إلى الاغصان وما عليها من الورق والثمر فصارت الارض كالام المربية لها، وصارت اصولها التي هي كالافواه ملتقمة للارض (1) لتنزع منها الغذاء كما يرضع أصناف الحيوان امهاتها. ألا ترى إلى عمد الفساطيط والخيم كيف تمد بالاطناب من كل جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط ولا تميل فهكذا تجد النبات كله له عروق منتشرة في الارض ممتدة إلى كل جانب لتمسكه وتقيمه، ولولا ذلك كيف كان يثبت هذا النخل الطوال والدوح العظام في الريح العاصف، فانظر إلى حكمة الخلقة كيف سبقت حكمة الصناعة فصارت الحيلة التي تستعملها الصناع في ثبات الفساطيط والخيم متقدمة في خلق الشجر لان خلق الشجر قبل صنعة الفساطيط والخيم ألا ترى عمدها وعيدانها من الشجر ؟ فالصناعة مأخوذة من الخلقة. بيان: ينسفه بالكسر أي يقلعه. وبشم الحيوان بشما من باب تعب: اتخم من كثرة الاكل. والكدح: العمل والسعي. والشقا: الشدة والعسر شقى كرضى. والدوح بفتح الدال وسكون الواو جمع الدوحة، وهي الشجرة العظيمة. تأمل يا مفضل خلق الورق فإنك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أجمع فمنها غلاظ ممتدة في طولها وعرضها، ومنها دقاق تتخلل الغلاظ منسوجة نسجا دقيقا معجما لو كان مما يصنع بالايدي كصنعة البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة في عام كامل، ولاحتيج إلى آلات وحركة وعلاج وكلام فصار يأتي منه في أيام قلائل من الربيع ما يملا الجبال والسهل وبقاع الارض كلها بلا حركة ولا كلام إلا بالارادة النافذة في كل شئ والامر المطاع. واعرف مع ذلك العلة في تلك العروق الدقاق فإنها جعلت تتخلل الورقة بأسرها لتسقيها وتوصل الماء إليها بمنزلة العروق المبثوثة في البدن لتوصل الغذاء إلى كل جزء منها وفي الغلاظ منها معنى آخر فإنها تمسك الورقة بصلابتها ومتانتها لئلا


(1) التقم الطعام، ابتلعه أو في مهلة.

[ 132 ]

تنهتك وتتمزق فترى الورقة شبيهة بورقة معمولة بالصنعة من خرق قد جعلت فيها عيدان ممدودة في طولها وعرضها لتتماسك فلا تضطرب فالصناعة تحكي الخلقة وإن كانت لا تدركها على الحقيقة. فكر في هذا العجم والنوى والعلة فيه فإنه جعل في جوف الثمرة ليقوم مقام الغرس إن عاق دون الغرس عائق، كما يحرز الشئ النفيس الذي تعظم الحاجة إليه في مواضع آخر، فإن حدث على الذي في بعض المواضع منه حادث وجد في موضع آخر، ثم بعد يمسك بصلابته رخاوة الثمار ورقتها، ولولا ذلك لتشدخت وتفسخت وأسرع إليه الفساد، وبعضه يؤكل ويستخرج دهنه فيستعمل منه ضروب من المصالح، وقد تبين لك موضع الارب في العجم والنوى. فكر الآن في هذا الذي تجده فوق النواة من الرطبة وفوق العجم من العنبة فما العلة فيه ؟ ولماذا يخرج في هذه الهيئة ؟ وقد كان يمكن أن يكون مكان ذلك ما ليس فيه مأكل كمثل ما يكون في السرو والدلب وما أشبه ذلك، فلم صار يخرج فوقه هذه المطاعم اللذيذة إلا ليستمتع بها الانسان ؟. فكر في ضروب من التدبير في الشجر فإنك تراه يموت في كل سنة موتة، فيحتبس الحرارة الغريزية في عوده ويتولد فيه مواد الثمار ثم تحيى وتنتشر فتأتيك بهذه الفواكه نوعا بعد نوع كما تقدم إليك أنواع الاطبخة (1) التي تعالج بالايدي واحدا بعد واحد، فترى الاغصان في الشجر تتلقاك ثمارها حتى كأنها تناولكها عن يد، وترى الرياحين تلقاك في أفنانها كأنها تجيئك بأنفسها، فلمن هذا التقدير إلا لمقدر حكيم ؟ وما العلة فيه إلا تفكية الانسان بهذه الثمار والانوار ؟ (2) والعجب من اناس جعلوا مكان الشكر على النعمة جحود المنعم بها !. اعتبر بخلق الرمانة وما ترى فيها من أثر العمد والتدبير فإنك ترى فيها كأمثال التلال من شحم مركوم في نواحيها، وحبا مرصوفا رصفا كنحو ما ينضد بالايدي (3)


(1) وفي نسخة: كما تقدم إليك أنواع الاخبصة. (2) وفي نسخة: تفكه الانسان بهذه الثمار والانوار. (3) أي كنحو ما يضم بعضه إلى بعض متسقا بالايدي.

[ 133 ]

وترى الحب مقسوما أقساما، وكل قسم منها ملفوفا بلفائف من حجب منسوجة أعجب النسج وألطفه، وقشره يضم ذلك كله، فمن التدبير في هذه الصنعة أنه لم يكن يجوز أن يكون حشو الرمانة من الحب وحده، وذلك أن الحب لا يمد بعضه بعضا فجعل ذلك الشحم خلال الحب ليمده بالغذاء، ألا ترى أن اصول الحب مركوزة في ذلك الشحم ؟ ثم لف بتلك اللفائف لتضمه وتمسكه فلا يضطرب، وغشي فوق ذلك بالقشرة المستحصفة ليصونه ويحصنه من الآفات، فهذا قليل من كثير وهي وصف الرمانة وفيه أكثر من هذا لمن أراد الاطناب والتذرع في الكلام، ولكن فيما ذكرت لك كفاية في الدلالة والاعتبار. بيان: قوله عليه السلام: معجما لعل المراد شدة ارتباطها قال الفيروز آبادي: باب معجم كمكرم: مقفل. انتهى. ويحتمل أن يكون كناية عن خفائها كقوله صلى الله عليه وآله: صلاة النهار عجماء. وقوله عليه السلام: إن عاق دون الغرس أي غرس الاغصان عائق تغرس النوى بدلها. والشدخ: الكسر والغمز، والمشدخ هو بسر يغمز وييبس للشتاء. والدلب بالضم: الصنار (1) قوله عليه السلام: فيحتبس الحرارة الغريزية يدل على أن الحرارة الغريزية لا يختص بالحيوان، بل يوجد في النبات أيضا كما صرح به جماعة من المحققين. ويقال: رصفت الحجارة في البناء رصفا أي ضممت بعضها إلى بعض. واستحصف: استحكم. والتذرع: كثرة الكلام والافراط فيه. فكر يا مفضل في حمل اليقطين الضعيف مثل هذه الثمار الثقيلة من الدباء والقثاء والبطيخ، وما في ذلك من التدبير والحكمة فإنه حين قدر أن يحتمل مثل هذه الثمار جعل نباته منبسطا على الارض، ولو كان ينتصب قائما كما ينتصب الزرع والشجر لما استطاع أن يحمل مثل هذه الثمار الثقيلة، ولينقصف قبل إدراكها وانتهائها إلى غايتها. فانظر كيف صار يمتد على وجه الارض ليلقى عليها ثمارها فتحملها عنه فترى الاصل من القرع والبطيخ مفترشا للارض، ثماره مبثوثة عليها وحواليه كأنه هرة ممتدة وقد اكتنفتها أجراؤها لترضع منها.


(1) الصنار معرب چنار.

[ 134 ]

وانظر كيف صارت الاصناف توافي في الوقت المشاكل لها من حمارة الصيف، ووقدة الحر فتلقاها النفوس بانشراح وتشوق إليها، ولو كانت توافي في الشتاء لوافقت من الناس كراهة لها واقشعرارا منها مع ما يكون فيها من المضرة للابدان. ألا ترى أنه ربما أدرك شئ من الخيار في الشتاء فيمتنع الناس من أكله إلا الشره الذي لا يمتنع من أكل ما يضره وليستوخم مغبته. توضيح: قال الفيروز آبادي: اليقطين: ما لا ساق له من النبات ونحوه. والقصف: الكسر. وقال الجوهري: الجر والجرو والجرو: ولد الكلب والسباع، والجمع أجر، وأصله أجر وعلى أفعل، وجراء، وجمع الجراء أجرية، والجرو والجروة الصغير من القثاء. انتهى. والحمارة بتخفيف الميم وتشديد الراء وقد يخفف في الشعر: شدة الحر. وفي الاساس: مالي أراك تشرح إلى كل رتبة، وهو إظهار الرغبة إليها، وفيه: هو شره العين يطمع في كل ما يراه يرمي نفسه عليه ويتمناه. انتهى. واستوخمه: لم يجده مريئا موافقا. والمغبة: العاقبة. فكريا مفضل في النخل فإنه لما صار فيه اناث يحتاج إلى التلقيح (1) جعلت فيه ذكورة للقاح من غير غراس فصار الذكر من النخل بمنزلة الذكر من الحيوان الذي يلقح الاناث لتحمل وهو لا يحمل. تأمل خلقة الجذع (2) كيف هو فإنك تراه كالمنسوج نسجا من غير خيوط ممدودة كالسدى واخرى معه معترضة كاللحمة (3) كنحو ما ينسج بالايدي، وذلك ليشتد و يصلب ولا ينقصف من حمل القنوان (4) الثقلية، وهز الرياح العواصب إذا صار نخلة، و ليتهيأ للسقوف والجسور وغير ذلك مما يتخذ منه إذا صار جذعا، وكذلك ترى الخشب مثل النسج فإنك ترى بعضه مداخلا بعضا طولا وعرضا كتداخل أجزاء اللحم، وفيه


(1) التلقيح في النخل: وضع طلع الذكور في الاناث. (2) الجذع: ساق النخلة. (3) السدى من الثوب: ما مد من خيوطه وهو خلاف اللحمة. واللحمة ما نسج عرضا وهو خلاف سداه. (4) القنوان جمع القنا والقنى والقنو - بكسر القاف وضمها -: العذق وهو من النخل كالعنقود من العنب.

[ 135 ]

مع ذلك متانة ليصلح لما يتخذ منه من الآلات فإنه لو كان مستحصفا (1) كالحجارة لم يمكن أن يستعمل في السقوف وغير ذك مما يستعمل فيه الخشبة كالابواب والاسرة والتوابيت وما أشبه ذلك. ومن جسيم المصالح في الخشب أنه يطفو على الماء فكل الناس يعرف هذا منه وليس كلهم يعرف جلالة الامر فيه، فلولا هذه الخلة كيف كانت هذه السفن والاظراف تحمل أمثال الجبال من الحمولة، وأنى كان ينال الناس هذا الوفق (2) وخفة المؤونة في حمل التجارات من بلد إلى بلد ؟ وكانت تعظم المؤونة عليهم في حملها حتى يلقى كثير مما يحتاج إليه في بعض البلدان مفقودا أصلا أو عسرا وجوده. فكر في هذه العقاقير وما خص بها كل واحد منها من العمل في بعض الادواء فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة مثل الشيطرج، (3) وهذا ينزف المرة السوداء مثل الافتيمون، (4) وهذا ينفي الرياح مثل السكبينج، وهذا يحلل الاورام وأشباه هذا من أفعالها فمن جعل هذه القوى فيها إلا من خلقها للمنفعة ؟ ومن فطن الناس بها إلا من جعل هذا فيها ؟ ومتى كان يوقف على هذا منها بالعرض والاتفاق كما قال قائلون ؟ وهب الانسان فطن لهذه الاشياء بذهنه ولطيف رويته وتجاربه فالبهائم كيف فطنت لها ؟ حتى صار بعض السباع يتداوى من جراحه إن أصابته ببعض العقاقير فيبرأ، وبعض الطير يحتقن من الحصر يصيبه بماء البحر فيسلم، وأشباه هذا كثير. ولعلك تشكك في هذا النبات النابت في الصحاري والبراري حيث لا انس ولا أنيس فتظن أنه فضل لا حاجة إليه وليس كذلك بل هو طعم لهذه الوحوش، وحبه علف للطير، وعوده و أفنانه حطب فيستعمله الناس، وفيه بعد أشياء تعالج به الابدان، واخرى تدبغ به الجلود واخرى تصبغ به الامتعة، وأشباه هذا من المصالح. ألست تعلم أن أخس النبات وأحقره


(1) أي مستحكما، والحصيف: كل محكم لا خلل فيه. (2) في نسخة: هذا الرفق. (3) وفي كتب الطب أنه يزيل الطحال أكلا وضمادا أيضا، وتعليقه على الاذن الوجعة يسكن وجعها. (4) وله منافع اخرى معدودة في كتب الطب كاسهاله البلغم والصفراء، ونفعه من الصرع والتشنج الامثلائى، والنفخ واصحاب السرطان والجرب وغير ذلك، كما أن للسكبينج منافع اخرى مبينة في محله.

[ 136 ]

هذا البردي (1) وما أشبهها، ففيها مع هذا من ضروب المنافع فقد يتخذ من البردي القراطيس التي يحتاج إليها الملوك والسوقة، والحصر التي يستعملها كل صنف من الناس، وليعمل منه الغلف التي يوقى بها الاواني، ويجعل حشوا بين الظروف في الاسفاط (2) لكيلا تعيب وتنكسر، وأشباه هذا من المنافع فاعتبر بما ترى من ضروب المآرب في صغير الخلق وكبيره وبماله قيمة ومالا قيمة له، وأخس من هذا وأحقره الزبل والعذرة التي اجتمعت فيها الخساسة والنجاسة معا، وموقعها من الزروع والبقول والخضر أجمع الموقع الذي لا يعد له شئ حتى أن كل شئ من الخضر لا يصلح ولا يزكو إلا بالزبل والسماد الذي يستقذره الناس و يكرهون الدنو منه، واعلم أنه ليس منزلة الشئ على حسب قيمته، بل هما قيمتان مختلفتان بسوقين، وربما كان الخسيس في سوق المكتسب نفيسا في سوق العلم فلا تستصغر العبرة في الشئ لصغر قيمته، فلو فطنوا طالبوا الكيميا لما في العذرة لاشتروها بأنفس الاثمان وغالوا بها. قال المفضل: وحان وقت الزوال فقام مولاي إلى الصلاة وقال: بكر إلي غدا إن شاء الله، فانصرفت وقد تضاعف سروري بما عرفنيه مبتهجا بما آتانيه، حامدا لله على ما منحنيه فبت ليلتي مسرورا. بيان: قوله عليه السلام: ليصلح بيان لما يتحصل مما مر لا للمتانة فقط. والنزف: النزح: قوله عليه السلام: هب الانسان أي سلمنا أنه كذلك. والحصر بالضم: اعتقال البطن. والسوقة بالضم: الرعية للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. والغلف بضمة وبضمتين وكركع: جمع غلاف. والزبل بالكسر: السرقين. وقال الفيروز آبادي: السماد: السرقين برماد وقال الجزري: هو ما يطرح في اصول الزرع والخضر من العذرة والزبل ليجود نباته. أقول: يدل ظاهرا على جواز استعمال العذرات النجسة في ذلك وربما يستدل به على تطهير الاستحالة.


(1) البردى: نبت رخو ينبت في ديار المصر كثيرا، يمضغ أصله كقصب السكر ويتخذ منه القرطاس وقيل: له ورق كخوص النخل، فارسيه نوخ. (2) جمع السفط: وعاء كالقفة أو الجوالق.

[ 137 ]

المجلس الرابع: قال المفضل: فلما كان اليوم الرابع بكرت إلى مولاى فاستوذن لي فأمرني بالجلوس فجلست، فقال عليه السلام: منا التحميد والتسبيح والتعظيم والتقديس للاسم الاقدم، والنور الاعظم العلي العلام، ذي الجلال والاكرام، ومنشئ الانام، ومفتي العوالم والدهور، وصاحب السر المستور والغيب المحظور، والاسم المخزون والعلم المكنون، وصلواته وبركاته على مبلغ وحيه، ومؤدي رسالته، الذي ابتعثه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، فعليه وعلى آله من بارئه الصلوات الطيبات والتحيات الزاكيات الناميات، وعليه وعليهم السلام والرحمة والبركات في الماضين والغابرين أبد الآبدين ودهر الداهرين وهم أهله ومستحقه. قد شرحت لك يا مفضل من الادلة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد في الانسان والحيوان والنبات والشجر وغير ذلك ما فيه عبرة لمن اعتبر، وأنا أشرح لك الآن الآفات الحادثة في بعض الازمان التي اتخذها اناس من الجهال ذريعة إلى جحود الخالق والخلق والعمد والتدبير، وما أنكرت المعطلة والمنانية (1) من المكاره والمصائب وما أنكروه من الموت والفناء، وما قاله أصحاب الطبائع، ومن زعم أن كون الاشياء بالعرض والاتفاق ليتسع ذلك القول في الرد عليهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون ؟. اتخذ اناس من الجهال هذه الآفات الحادثة في بعض الازمان كمثل الوباء و اليرقان (2) والبرد والجراد ذريعة إلى جحود الخلق والتدبير والخالق، فيقال في جواب ذلك: إنه إن لم يكن خالق ومدبر فلم لا يكون ما هو أكثر من هذا وأفظع ؟ فمن ذلك أن يسقط السماء على الارض، وتهوي الارض فتذهب سفلا، وتتخلف الشمس عن الطلوع أصلا، وتجف الانهار والعيون حتى لا يوجد ماء للشفة، وتركد الريح حتى


(1) الظاهر: المانوية. (2) اليرقان: مرض معروف يصيب الناس ويسبب اصفرار الجلد، وآفة للزرع، أودود يسطو على الزرع. ولعل المراد المعنى الثاني لذكره قبل ذلك.

[ 138 ]

تحم الاشياء وتفسد، ويفيض ماء البحر على الارض فيغرقها. ثم هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء والجراد وما أشبه ذلك ما بالها لا تدوم وتمتد حتى تجتاح كل ما في العالم ؟ بل تحدث في الاحايين، ثم لا تلبث أن ترفع ؟ أفلا ترى أن العالم يصان ويحفظ من تلك الاحداث الجليلة التي لو حدث عليه شئ منها كان فيه بواره، ويلذع (1) أحيانا بهذه الآفات اليسيرة لتأديب الناس وتقويمهم، ثم لا تدوم هذه الآفات بل تكشف عنهم عند القنوط منهم فتكون وقوعها بهم موعظة وكشفها عنهم رحمة. وقد أنكرت المعطلة ما أنكرت المنانية (2) من المكاره والمصائب التي تصيب الناس، فكلاهما يقول: إن كان للعالم خالق رؤوف رحيم فلم يحدث فيه هذه الامور المكروهة ؟ والقائل بهذا القول يذهب به إلى أنه ينبغي أن يكون عيش الانسان في هذه الدنيا صافيا من كل كدر، ولو كان هكذا كان الانسان سيخرج من الاشر والعتو إلى ما لا يصلح في دين ودنيا كالذي ترى كثيرا من المترفين ومن نشأ في الجدة والامن يخرجون إليه حتى أن أحدهم ينسى أنه بشر أو أنه مربوب أو أن ضررا يمسه، أو أن مكروها ينزل به، أو أنه يجب عليه أن يرحم ضعيفا أو يواسي فقيرا. أو يرثي لمبتلى (3) أو يتحنن على ضعيف، أو يتعطف على مكروب، فإذا عضته المكاره ووجد مضضها اتعظ وأبصر كثيرا مما كان جهله وغفل عنه، ورجع إلى كثير مما كان يجب عليه، و المنكرون لهذه الامور الموذية بمنزلة الصبيان الذين يذمون الادوية المرة البشعة، ويتسخطون من المنع من الاطعمة الضارة، ويتكرهون الادب والعمل، ويحبون أن يتفرغوا للهو والبطالة، وينالوا كل مطعم ومشرب، ولا يعرفون ما تؤديهم إليه البطالة من سوء النشوء والعادة وما تعقبهم الاطعمة اللذيذه الضارة من الادواء والاسقام، وما لهم في الادب من الصلاح، وفي الادوية من المنفعة وإن شاب ذلك بعض الكراهة. فإن قالوا: ولم لم يكن الانسان معصوما من المساوي حتى لا يحتاج إلى أن


(1) يلذع بالذال المعجمة والعين المهملة: يوجع ويولم. وفى بعض النسخ يلدغ بالدال المهملة والغين المعجمة أي يلسع. (2) كذا في النسخ والظاهر: المانوية. (3) أي يرق ويرحم له.

[ 139 ]

يلذعه بهذه المكاره ؟ قيل: إذا كان يكون غير محمود على حسنة يأتيها ولا مستحق للثواب عليها. فإن قالوا: وما كان يضره أن لا يكون محمودا على الحسنات مستحقا للثواب بعد أن يصير إلى غاية النعيم واللذة ؟ قيل لهم: اعرضوا على امرء صحيح الجسم والعقل أن يجلس منعما ويكفى كل ما يحتاج إليه بلا سعي ولا استحقاق، فانظر هل تقبل نفسه ذلك ؟ بل ستجدونه بالقليل مما يناله بالسعي والحركة أشد اغتباطا وسرورا منه بالكثير مما يناله بغير الاستحقاق، وكذلك نعيم الآخرة أيضا يكمل لاهله بأن ينالوه بالسعي فيه والاستحقاق له فالنعمة على الانسان في هذا الباب مضاعفة، بأن اعد له الثواب الجزيل على سعيه في هذه الدنيا، وجعل له السبيل إلى أن ينال بسعي واستحقاق فيكمل له السرور والاغتباط بما يناله منه. فإن قالوا: أو ليس قد يكون من الناس من يركن إلى ما نال من خير وإن كان لا يستحقه: فما الحجة في منع من رضي أن ينال نعيم الآخرة على هذه الجملة ؟ (1) قيل لهم: إن هذا باب لو صح للناس لخرجوا إلى غاية الكلب والضراوة على الفواحش و انتهاك المحارم، فمن كان يكف نفسه عن فاحشة أو يتحمل المشقة في باب من أبواب البر لو وثق بأنه صائر إلى النعيم لا محالة ؟ أو من كان يأمن على نفسه وأهله وماله من الناس لو لم يخافوا الحساب والعقاب ؟ فكان ضرر هذا الباب سينال الناس في هذه الدنيا قبل الآخرة، فيكون في ذلك تعطيل العدل والحكمة معا، وموضع للطعن على التدبير بخلاف الصواب ووضع الامور غير مواضعها. وقد يتعلق هؤلاء بالآفات التي تصيب الناس فتعم البر والفاجر، أو يبتلي بها البر ويسلم الفاجر منها، فقالوا: كيف يجوز هذا في تدبير الحكيم وما الحجة فيه ؟ فيقال لهم: إن هذه الآفات وإن كانت تنال الصالح والطالح جميعا، فإن الله جعل ذلك صلاحا للصنفين كليهما: أما الصالحون فإن الذي يصيبهم من هذا يردهم (2) نعم ربهم عندهم في سالف


(1) وفي نسخة: على هذه الخلة. (2) كذا في النسخ والظاهر: يذكرهم.

[ 140 ]

أيامهم فيحدوهم ذلك على الشكر والصبر، وأما الطالحون فإن مثل هذا إذا نالهم كسر شرتهم، وردعهم عن المعاصي والفواحش، وكذلك يجعل لمن سلم منهم من الصنفين صلاحا في ذلك: أما الابرار فإنهم يغتبطون بما هم عليه من البر والصلاح ويزدادون فيه رغبة وبصيرة. وأما الفجار فإنهم يعرفون رأفة ربهم (1) وتطوله عليهم بالسلامة من غير استحقاقهم (2) فيحضهم ذلك على الرأفة بالناس والصفح عمن أساء إليهم. ولعل قائلا يقول: إن هذه الآفات التي تصيب الناس في أموالهم، فما قولك فيما يبتلون به في أبدانهم فيكون فيه تلفهم، كمثل الحرق والغرق والسيل والخسف ؟ فيقال لهم: إن الله جعل في هذا أيضا صلاحا للصنفين جميعا: أما الابرار فلما لهم في مفارقة هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها والنجاة من مكارهها، وأما الفجار فلما لهم في ذلك من تمحيص أوزارهم وحبسهم عن الازدياد منها. وجملة القول أن الخالق تعالى ذكره بحكمته وقدرته قد يصرف هذه الامور كلها إلى الخيرة والمنفعة فكما أنه إذا قطعت الريح شجرة أو قطعت نخلة أخذها الصانع الرفيق واستعملها في ضروب من المنافع فكذلك يفعل المدبر الحكيم في الآفات التي تنزل بالناس في أبدانهم وأموالهم فيصيرها جميعا إلى الخيرة والمنفعة. فإن قال: ولم يحدث على الناس ؟ قيل له: لكيلا يركنوا إلى المعاصي من طول السلامة فيبالغ الفاجر في ركوب المعاصي، ويفتر الصالح عن الاجتهاد في البر، فإن هذين الامرين جميعا يغلبان على الناس في حال الخفض (3) والدعة، (4) وهذه الحوادث التي تحدث عليهم تردعهم (5) وتنبههم على ما فيه رشدهم، فلو أخلوا منهما لغلوا في الطغيان والمعصية كما على الناس في أول الزمان حتى وجب عليهم البوار بالطوفان وتطهير الارض منهم.


(1) وفي نسخة: فانهم يعرفون رحمة ربهم. (2) وفي نسخة: من غير استحقاق. (3) خفض العيش: سهل وكان هنيئا. (4) الراحة وخفض العيش. (5) وفي نسخة: وهذه الحوادث التى تحدث عليهم تروعهم.

[ 141 ]

ومما ينتقده الجاحدون للعمد والتقدير الموت والفناء فإنهم يذهبون إلى أنه ينبغي أن يكون الناس مخلدين في هذه الدنيا، مبرئين من الآفات. فينبغي أن يساق هذا الامر إلى غايته فينظر ما محصوله. أفرأيت لو كان كل من دخل العالم ويدخله يبقون ولا يموت أحد منهم ألم تكن الارض تضيق بهم حتى تعوزهم المساكن والمزارع والمعاش ؟ فإنهم والموت يفنيهم أولا أولا يتنافسون في المساكن والمزارع حتى ينشب بينهم في ذلك الحروب ويسفك فيهم الدماء، فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون ولا يموتون ؟ وكان يغلب عليهم الحرص والشره وقساوة القلوب، فلو وثقوا بأنهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشئ ينال، ولا أفرج لاحد عن شئ يسأله، ولا سلا عن شئ مما يحدث عليه، ثم كانوا يملون الحياة وكل شئ من امور الدنيا كما قد يمل الحياة من طال عمره حتى يتمنى الموت والراحة من الدنيا. فإن قالوا: إنه كان ينبغي أن يرفع عنهم المكاره والاوصاب حتى لا يتمنوا الموت ولا يشتاقوا إليه، فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتو والاشر الحامل لهم على ما فيه فساد الدين والدنيا. وإن قالوا: إنه كان ينبغي أن لا يتوالدوا كيلا تضيق عنهم المساكن والمعاش قيل لهم: إذا كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم والاستمتاع بنعم الله ومواهبه في الدارين جميعا إذا لم يدخل العالم إلا قرن واحد لا يتوالدون ولا يتناسلون. فإن قالوا: كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق إلى انقضاء العالم. يقال لهم: رجع الامر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن والمعاش عنهم ثم لو كانوا لا يتوالدون ولا يتناسلون لذهب موضع الانس بالقرابات وذوي الارحام والانتصار بهم عند الشدائد، وموضع تربية الاولاد والسرور بهم. ففي هذا دليل على أن كلما تذهب إليه الاوهام سوى ما جرى به التدبير خطأ وسفاه من الرأي والقول. ولعل طاعنا يطعن على التدبير من جهة اخرى فيقول: كيف يكون ههنا تدبير ونحن نرى الناس في هذه الدنيا من عزبز ؟ فالقوي يظلم ويغصب، والضعيف يظلم ويسأم الخسف، والصالح فقير مبتلى، والفاسق معافى موسع عليه، ومن ركب فاحشة أو انتهك محرما لم يعاجل بالعقوبة، فلو كان في العالم تدبير لجرت الامور على

[ 142 ]

القياس القائم، فكان الصالح هو المرزوق، والطالح هو المحروم، وكان القوى يمنع من ظلم الضعيف، والمتهتك للمحارم يعاجل بالعقوبة، فيقال في جواب ذلك: ان هذا لو كان هكذا لذهب موضع الاحسان الذى فضل به الانسان على غيره من الخلق، و حمل النفس على البر والعمل الصالح احتسابا للثواب وثقة بما وعد الله منه، ولصار الناس بمنزلة الدواب التى تساس (1) بالعصا والعلف، ويلمع لها بكل واحد منهما ساعة فساعة فتستقيم على ذلك، ولم يكن أحد يعمل على يقين بثواب أو عقاب حتى كان هذا يخرجهم عن حد الانسية إلى حد البهائم، ثم لا يعرف ما غاب، ولا يعمل إلا على الحاضر، وكان يحدث من هذا أيضا أن يكون الصالح إنما يعمل الصالحات للرزق والسعة في هذه الدنيا، ويكون الممتنع من الظلم والفواحش انما يعف عن ذلك لترقب عقوبة تنزل به من ساعته حتى يكون أفعال الناس كلها تجري على الحاضر لا يشوبها شئ من اليقين بما عند الله، ولا يستحقون ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها، مع أن هذه الامور التي ذكرها الطاعن من الغنى والفقر والعافية والبلاء ليست بجارية على خلاف قياسه، بل قد تجري على ذلك أحيانا، والامر المفهوم، فقد ترى كثيرا من الصالحين يرزقون المال لضروب من التدبير، وكيلا يسبق إلى قلوب الناس أن الكفار هم المرزوقون، والابرار هم المحرومون، فيؤثرون الفسق على الصلاح، وترى كثيرا من الفساق يعاجلون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم وعظم ضررهم على الناس وعلى أنفسهم، كما عوجل فرعون بالغرق، وبخت نصر بالتيه، وبلبيس بالقتل، وإن امهل بعض الاشرار بالعقوبة واخر بعض الاخيار بالثواب إلى الدار الآخرة لاسباب تخفى على العباد لم يكن هذا مما يبطل التدبير، فإن مثل هذا قد يكون من ملوك الارض ولا يبطل تدبيرهم، بل يكون تأخيرهم ما أخروه أو تعجيلهم ما عجلوه داخلا في صواب الرأي والتدبير، وإذا كانت الشواهد تشهد وقياسهم يوجب أن للاشياء خالقا حكيما قادرا فما يمنعه أن يدبر خلقه فإنه لا يصح في قياسهم أن يكون الصانع يهمل صنعته إلا بإحدى ثلاث خلال: إما عجز، وإما جهل، وإما شرارة، وكل هذه محال في صنعته عزوجل


(1) ساس الدوب أي قام عليها وراضها.

[ 143 ]

وتعالى ذكره وذلك أن العاجز لا يستطيع أن يأتي بهذه الخلائق الجليلة العجيبة، والجاهل لا يهتدي لما فيها من الصواب والحكمة، والشرير لا يتطاول لخلقها وإنشائها وإذا كان هذا هكذا وجب أن يكون الخالق لهذه الخلائق يدبرها لا محالة وإن كان لا تدرك كنه ذلك التدبير ومخارجه فإن كثيرا من تدبير الملوك لا تفهمه العامة ولا تعرف أسبابه لانها لا تعرف دخلة أمر الملوك وأسرارهم فإذا عرف سببه وجد قائما على الصواب و الشاهد المحنة. ولو شككت في بعض الادوية والاطعمة فيتبين لك من جهتين أو ثلاث أنه حار أو بارد ألم تكن ستقضي عليه بذلك وتنفي الشك فيه عن نفسك ؟ فما بال هؤلاء الجهلة لا يقضون على العالم بالخالق والتدبير مع هذه الشواهد الكثيرة ؟ وأكثر منها ما لا يحصى كثرة، لو كان نصف العالم وما فيه مشكلا صوابه لما كان من حزم الرأي وسمت الادب أن يقضى على العالم بالاهمال لانه كان في النصف الآخر وما يظهر فيه من الصواب والاتقان ما يردع الوهم عن التسرع إلى هذه القضية فكيف وكل ما كان فيه إذا فتش وجد على غاية الصواب حتى لا يخطر بالبال شئ إلا وجد ما عليه الخلقة أصح وأصوب منه ؟. بيان قوله عليه السلام: للاسم الاقدم لعل المراد بالاسم المسمى، (1) أو المراد الاسم الذي أظهره وأثبته في اللوح قبل سائر الاسماء، أو المراد الاسم الذي يخص الذات فهو أسبق الاسماء في الاعتبار وأشرفها كما يظهر من الآثار. قوله: والغيب المحظور أي الممنوع عن غيره تعالى إلا من ارتضاه لذلك. قوله: بالعرض قال الفيروز آبادي: عرض الشئ: ظهر، والعرض: أن يموت الانسان من غير علة. والاجتياح: الاستيصال. قوله عليه السلام: ويلذع يقال: لذعته النار أي أحرقته، ولذعه بلسانه أي أوجعه بكلام،


(1) المراد بالاسم هو المسمى لكن لا كما ذكره رحمه الله وأراد بالمسمى الذات بل كما تدل عليه الاخبار الاتية في أبواب الاسماء الحسنى تحكى عن المصداق المناسب لها ونفس المصداق اسم للذات عزت أسماؤه وأن الاسماء الملفوظة في الحقيقة أسماء الاسماء، لكنه رحمه الله عد هذه الاخبار من المتشابهات ولذلك تكلف في أمثال هذه الموارد بما تكلف، وأما المعنيان الاخران فواضح الفساد كيف والامام عليه السلام يوصف هذا الاسم بقوله: ذى الجلال والاكرام.... بعد عطف قوله: والنور الاعظم عليه، فتأمل فيه. ط

[ 144 ]

وفي بعض النسخ بإهمال الاول وإعجام الثاني من لدغ العقرب. ويقال: رثيت لفلان أي رققت له. والمضض محركة: وجع المصيبة. قوله عليه السلام: إذا كان يكون غير محمود يمكن أن يقرأ إذا بالتنوين وبدونها، وعلى الثاني يكون خبر كان محذوفا أي إذا كان الانسان كذلك. ثم اعلم أنه ينبغي أن تحمل العصمة المأخوذة في السؤال على غير المعنى المشهور الذي سيأتي تحقيقه في باب عصمة الائمة عليهم السلام بل المراد العصمة بمعنى الالجاء الذي لم يبق معه اختيار، ولذا فرع عليه السلام عليه عدم استحقاق الثواب، وإلا فالعصمة التي اتصفت بها الانبياء والائمة عليهم السلام لا ينافي ذلك كما سنحققه في مقامه إن شاء الله تعالى. ويمكن أن يقال - على تقدير أن يكون المراد هذا المعنى أيضا - بأنه إذا صار هذا عاما في جميع البشر لا يتأتى في بعض المواد التي لا تستحق ذلك من نفوس الاشرار والفجار إلا بالالجاء الرافع للاستحقاق. قوله عليه السلام: إلى غاية الكلب والضراوة قال الجوهري: دفعت عنك كلب فلان أي شره وأذاه، والكلب أيضا شبيه بالجنون. وقال: ضرى الكلب بالصيد ضراوة أي تعود. أقول: لما كان السؤال مبنيا على فرض العصمة ظاهرا فتصحيح هذا الجواب في غاية الاشكال وخطر بالبال وجوه: الاول: أن لا يكون السؤال مبنيا على فرض العصمة بل يكون المراد أنه لما ذكرت أن العصمة تنافي الاستحقاق فنقول: لم لم يبذل لهم الثواب على أي حال بأن يكلفهم العمل ليستحقوا الثواب إن أرادوا استحقاقه وإلا أعطاهم من غير استحقاق ؟ إذ كثير من الناس يطلبون النعيم بغير استحقاق فلا يكون عليهم في الدنيا والآخرة سخط على المخالفة، وعلى هذا الجواب ظاهر الانطباق على السؤال كما لا يخفي. الثاني: أن يكون السؤال مبنيا على فرض العصمة في بعضهم وهم الذين يطلبون الثواب ولا يريدون استحقاقه كما هو ظاهر السياق، ويكون حاصل الجواب أنه لو كان المجبور على الخيرات مثابا فمقتضى العدل أن يكون غير المجبور الطالب للخير والاستحقاق غير معاقب على حال وإلا لكان له الحجة على ربه بأنك لم تعصمني كما عصمت غيري، ومنعت عني اللطف بالبلايا والصوارف عن المعاصي في الدنيا ثم تعذبني على المعاصي،

[ 145 ]

فعلى هذا فلو علم غبر المعصومين ذلك لدعتهم الدواعي النفسانية إلى غاية الفساد، وهذا وجه وجيه لكن يحتاج إلى طي بعض المقدمات. الثالث: أن يكون السؤال مبنيا على ذلك الفرض أيضا لكن يكون الجواب مبنيا على أنه قد يستلزم المحال نقيضه، إذ الكلام في هذا النوع من الخلق المسمى بالانسان الذي اقتضت الحكمة أن يكون قد ركبت فيه أنواع الشهوات والدواعي فلو فرضته على غير تلك الحالة لكان من قبيل فرض الشئ إنسانا وملكا وهما لا يجتمعان، فعلى هذا يلزمه أيضا لفرض كونه إنسانا أن يدعوه عدم خوف العقاب والفراغ إلى الاشر والبطر وأنواع المعاصي، وحاصله يرجع إلى تغيير الجواب الاول إلى جواب آخر لا يرد عليه السؤال على غاية اللطف والدقة. والردع: الكف والمنع. وقوله: يغتبطون على البناء للفاعل من الاغتباط وهو حسن الحال بحيث يتمني غيره حاله. والحض: الحث والتحريص. وتمحيص الاوزار: تنقيصها أو إزالتها. قوله عليه السلام: فإن قال: ولم يحدث على الناس ؟ أقول: لما كان آخر الكلام موهما لان هذه الامور بعد حدوثها يصيرها الله تعالى إلى الحكمة والصلاح سأل: ثانيا ما السبب في أصل الحدوث حتى يحتاج إلى أن يجعله الله صلاحا ؟ ويحتمل أن يكون مراده أنا علمنا أن في وجودها صلاحا فهل في عدمها فساد ؟ والجواب على التقديرين ظاهر. وقال الفيروز آبادي: عوز الشئ كفرح: لم يوجد، وأعوزه الشئ. احتاج إليه، والدهر أحوجه. وقال: تناشبوا: تضاموا وتعلق بعضهم ببعض، ونشبه الامر كلزم زنة ومعنى. وقال: افرجوا عن الطريق والقتيل: انكشفوا، وعن المكان: تركوه. انتهى. والمراد هنا عدم التخلية بين أحد وبين ما يريده. قوله عليه السلام: ولا سلا عن شئ أي لا ينسى ويتسلى عن شئ من المصائب إذ بتذكر الموت تزول شدة المحن، من قولهم: سلا عن الشئ أي نسيه. وقال الجوهري: بزه يبزه بزا: سلبه، وفي المثل من عزبز أي من غلب أخذ السلب. وقال: سامه خسفا وخسفا بالضم أي أولاه ذلا. وقال الفيروز آبادي: لمع بيده: أشار. وقال تفاقم الامر: عظم. قوله عليه السلام: وبخت نصر بالتيه أقول: لعله إشارة إلى ما ذكره جماعة من المؤرخين أن ملكا من الملائكة لطم بخت نصر لطمة

[ 146 ]

ومسخه وصار في الوحش في صورة أسد وهو مع ذلك يعقل ما يفعله الانسان، ثم رده الله تعالى إلى صورة الانس وأعاد إليه ملكه فلما عاد إلى ملكه أراد قتل دانيال فقتله الله على يد واحد من غلمانه، (1) وقيل في سبب قتله: إن الله أرسل عليه بعوضة فدخلت في منخره وصعدت إلى رأسه فكان لا يقر ولا يسكن حتى يدق رأسه فمات من ذلك. وبلبيس غير معروف عند المؤرخين. والتطاول هنا مبالغة في الطول بمعنى الفضل والاحسان. ودخلة الرجل مثلثة: نيته ومذهبه وجمع أمره وبطانته. قوله عليه السلام: والشاهد المحنة أي بالشاهد يمكن امتحان الغائب. واعلم يا مفضل إن اسم هذا العالم بلسان اليونانية الجاري المعروف عندهم " قوسموس " (2) وتفسيره " الزينة " وكذلك سمته الفلاسفة ومن ادعى الحكمة أفكانوا يسمونه بهذا الاسم إلا لما رأوا فيه من التقدير والنظام ؟ فلم يرضوا أن يسموه تقديرا ونظاما حتى سموه زينة ليخبروا أنه مع ما هو عليه من الصواب والاتقان على غاية الحسن والبهاء. أعجب يا مفضل من قوم لا يقضون صناعة الطب بالخطأ وهم يرون الطبيب يخطئ، ويقضون على العالم بالاهمال ولا يرون شيئا منه مهملا. بل أعجب من أخلاق من ادعى الحكمة حتى جهلوا مواضعها في الخلق فأرسلوا ألسنتهم بالذم للخالق جل وعلا. بل العجب من المخذول " ماني " حين ادعى علم الاسرار وعمي عن دلائل الحكمة في الخلق حتى نسبه إلى الخطأ ونسب خالقه إلى الجهل تبارك الحليم الكريم. وأعجب منهم جميعا المعطلة الذين راموا أن يدرك بالحس ما لا يدرك بالعقل فلما أعوزهم (3) ذلك خرجوا إلى الجحود والتكذيب فقالوا: ولم لا يدرك بالعقل ؟ قيل: لانه فوق مرتبة العقل كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته فإنك لو رأيت حجرا يرتفع في الهواء علمت أن راميا رمى به فليس هذا العلم من قبل البصر بل من قبل العقل لان العقل هو الذي يميزه فيعلم أن الحجر لا يذهب علوا من تلقاء نفسه، أفلا ترى كيف وقف البصر


(1) سنشير ان شاء الله إلى ما في هذا النقل من الاختلاط والوهن. (2) وفي نسخة: فرسموس. (3) أعوزه أي أعجزه وصعب عليه نيله.

[ 147 ]

على حده فلم يتجاوزه ؟ فكذلك يقف العقل على حده من معرفة الخالق فلا يعدوه ولكن يعقله بعقل أقر أن فيه نفسا ولم يعاينها ولم يدركها بحاسة من الحواس، وعلى حسب هذا أيضا نقول: إن العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الاقرار ولا يعرفه بما يوجب له الاحاطة بصفته. فإن قالوا: فكيف يكلف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به ؟ قيل لهم: إنما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه، وهو أن يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه، ولم يكلفوا الاحاطة بصفته كما أن الملك لا يكلف رعيته أن يعلموا أطويل هو أم قصير، أبيض هو أم أسمر (1) وإنما يكلفهم الاذعان بسلطانه والانتهاء إلى أمره، ألا ترى أن رجلا لو أتى باب الملك فقال: أعرض علي نفسك حتى أتقصي معرفتك (2) وإلا لم أسمع لك كان قد أحل نفسه العقوبة، فكذا القائل: إنه لا يقر بالخالق سبحانه حتى يحيط بكنهه متعرض لسخطه. فإن قالوا: أو ليس قد نصفه فنقول: هو العزيز الحكيم الجواد الكريم ؟ قيل لهم: كل هذه صفات إقرار، وليست صفات إحاطة، فإنا نعلم أنه حكيم ولا نعلم بكنه ذلك منه، (3) وكذلك قدير وجواد وسائر صفاته كما قد نرى السماء ولا ندري ما جوهرها، ونرى البحر ولا ندري أين منتهاه، بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له لان الامثال كلها تقصر عنه ولكنها تقود العقل إلى معرفته. فإن قالوا: ولم يختلف فيه ؟ قيل لهم: لقصر الاوهام عن مدى عظمته (4) وتعديها أقدارها في طلب معرفته، وإنها تروم الاحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه، فمن ذلك هذه الشمس التي تراها تطلع على العالم ولا يوقف على حقيقة أمرها، ولذلك كثرت الاقاويل فيها واختلفت الفلاسفة المذكورون في وصفها فقال بعضهم: هو فلك أجوف مملو نارا، له فم يجيش بهذا الوهج والشعاع، وقال آخرون: هو سحابة، وقال آخرون: هو جسم زجاجي يقبل نارية في العالم ويرسل عليه شعاعها، وقال آخرون: هو صفو


(1) السمرة: لون بين السواد والبياض. (2) تقصى واستقصى المسألة: بلغ النهاية في البحث عنها. (3) وفي نسخة: ولا نحيط بكنه ذلك منه. (4) المدى: الغاية والمنتهى.

[ 148 ]

لطيف ينعقد من ماء البحر، وقال آخرون: هو أجزاء كثيرة مجتمعة من النار، وقال آخرون: هو من جوهر خامس سوى الجواهر الاربع. ثم اختلفوا في شكلها فقال بعضهم: هي بمنزلة صفيحة عريضة، وقال آخرون: هي كالكرة المدحرجة. وكذلك اختلفوا في مقدارها فزعم بعضهم أنها مثل الارض سواد، وقال آخرون: بل هي أقل من ذلك، وقال آخرون: هي أعظم من الجزيرة العظيمة. وقال أصحاب الهندسة: هي أضعاف الارض مائة وسبعون مرة. ففي اختلاف هذه الاقاويل منهم في الشمس دليل على أنهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها، وإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر و يدركها الحس قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها فكيف ما لطف عن الحس واستتر عن الوهم ؟. فإن قالوا: ولم استتر ؟ قيل لهم: لم يستتر بحيلة يخلص إليها كمن يحتجب عن الناس بالابواب والستور، وإنما معنى قولنا: استتر أنه لطف عن مدى ما تبلغه الاوهام، كما لطفت النفس وهي خلق من خلقه وارتفعت عن إدراكها بالنظر. فإن قالوا: ولم لطف ؟ - وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - كان ذلك خطأ من القول لانه لا يليق بالذي هو خالق كل شئ إلا أن يكون مبائنا لكل شئ، متعاليا عن كل شئ، سبحانه وتعالى. فإن قالوا: كيف يعقل أن يكون مبائنا لكل شئ متعاليا ؟ قيل لهم: الحق الذي تطلب معرفته من الاشياء هو أربعة أوجه: فأولها أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود والثاني أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره. والثالث أن يعرف كيف هو وما صفته ؟ والرابع أن يعلم لماذا هو ولاية علة ؟ فليس من هذه الوجوه شئ يمكن المخلوق. أن يعرفه من الخالق حق معرفته غير أنه موجود فقط. فإذا قلنا: كيف وما هو ؟ فممتنع علم كنهه و كمال المعرفة به، وأما لماذا هو فساقط في صفة الخالق لانه جل ثناؤه علة كل شئ و ليس شئ بعلة له، ثم ليس علم الانسان بأنه موجود يوجب له أن يعلم ما هو كما أن علمه بوجود النفس لا يوجب أن يعلم ما هي وكيف هي، وكذلك الامور الروحانية اللطيفة.

[ 149 ]

فإن قالوا: فأنتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفا حتى كأنه غير معلوم ! قيل لهم: هو كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه والاحاطة به، وهو من جهة اخرى أقرب من كل قريب إذا استدل عليه بالدلائل الشافية فهو من جهة كالواضح لا يخفى على أحد، وهو من جهة كالغامض لا يدركه أحد، وكذلك العقل أيضا ظاهر بشواهد ومستور بذاته. فأما أصحاب الطبائع فقالوا: إن الطبيعة لا تفعل شيئا لغير معنى ولا تتجاوز عما فيه تمام الشئ في طبيعته، وزعموا أن الحكمة تشهد بذلك. (1) فقيل لهم: فمن أعطى الطبيعة هذه الحكمة والوقوف على حدود الاشياء بلا مجاوزة لها، وهذا قد تعجز عنه العقول بعد طول التجارب ؟ فإن أوجبوا للطبيعة الحكمة والقدرة على مثل هذه الافعال فقد أقروا بما أنكروا لان هذه هي صفات الخالق، وإن أنكروا أن يكون هذا للطبيعة فهذا وجه الخلق يهتف بأن الفعل لخالق الحكيم. وقد كان من القدماء طائفة أنكروا العمد والتدبير في الاشياء وزعموا أن كونها بالعرض والاتفاق، وكان مما احتجوا به هذه الآفات التي تلد غير مجرى العرف والعادة كالانسان يولد ناقصا أو زائدا إصبعا، أو يكون المولود مشوها (2) مبدل الخلق، فجعلوا هذا دليلا على أن كون الاشياء ليس بعمد وتقدير، بل بالعرض كيف ما اتفق أن يكون. وقد كان أرسطاطا ليس رد عليهم فقال: إن الذي يكون بالعرض والاتفاق إنما هو شئ يأتي في الفرط مرة لاعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها، وليس بمنزلة الامور الطبيعية الجارية على شكل واحد جريا دائما متتابعا. وأنت يا مفضل ترى أصناف الحيوان أن يجري أكثر ذلك على مثال ومنهاج واحد كالانسان يولد وله يدان ورجلان وخمس أصابع كما عليه الجمهور من الناس، فأما ما يولد على خلاف ذلك فإنه لعلة تكون في الرحم أو في المادة التي ينشأ منها الجنين، كما يعرض في الصناعات حين يتعمد الصانع الصواب في صنعته فيعوق دون ذلك (3)


(1) وفي نسخة: وزعموا أن المحنة تشهد بذلك. (2) أي مقبحا. (3) عاقه يعوقه عن كذا: صرفه وثبطه وأخره عنه. والعائق: كل ما عاقك وشغلك.

[ 150 ]

عائق في الاداة أو في الآلة التي يعمل فيها الشئ، فقد يحدث مثل في أولاد الحيوان للاسباب التي وصفنا فيأتي الولد زائدا أو ناقصا أو مشوها ويسلم أكثرها فيأتي سويا لا علة فيه، فكما أن الذي يحدث في بعض الاعمال الاعراض (1) لعلة فيه لا توجب عليها جميعا الاهمال وعدم الصانع كذلك ما يحدث على بعض الافعال الطبيعية لعائق يدخل عليها لا يوجب أن يكون جميعها بالعرض والاتفاق، فقول من قال في الاشياء: إن كونها بالعرض والاتفاق من قبل أن شيئا منها يأتي على خلاف الطبيعة يعرض له خطأ و خطل. فإن قالوا: ولم صار مثل هذا يحدث في الاشياء ؟ قيل لهم: ليعلم أنه ليس كون الاشياء باضطرار من الطبيعة، ولا يمكن أن يكون سواه كما قال قائلون، بل هو تقدير وعمد من خالق حكيم، إذ جعل الطبيعة تجري أكثر ذلك على مجرى ومنهاج معروف، ويزول أحيانا عن ذلك لاعراض تعرض لها فيستدل بذلك على أنها مصرفة مدبرة فقيرة إلى إبداء الخالق وقدرته في بلوغ غايتها وإتمام عملها تبارك الله أحسن الخالقين. يا مفضل خذ ما آتيتك واحفظ ما منحتك، وكن لربك من الشاكرين ولآلائه من الحامدين، ولاوليائه من المطيعين، فقد شرحت لك من الادلة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد قليلا من كثير، وجزءا من كل فتدبره وفكر فيه واعتبر به. فقلت: بمعونتك يا مولاي أقوى على ذلك وأبلغه إن شاء الله، فوضع يده على صدري فقال: احفظ بمشية الله ولا تنس إن شاء الله. فخررت مغشيا علي فلما أفقت قال: كيف ترى نفسك يا مفضل ؟ فقلت: قد استغنيت بمعونة مولاي وتأييده عن الكتاب الذي كتبته، وصار ذلك بين يدي كأنما أقرأه من كفي، ولمولاي الحمد والشكر كما هو أهله ومستحقه. فقال: يا مفضل فرغ قلبك واجمع إليك ذهنك وعقلك وطمأنينتك فسألقي إليك من علم ملكوت السماوات والارض، وما خلق الله بينهما، وفيهما من عجائب خلقه و أصناف الملائكة وصفوفهم ومقاماتهم ومراتبهم إلى سدرة المنتهى، وسائر الخلق من


(1) وفي نسخة: فكما إن الذي يحدث في بعض الاعمال للاعراض.

[ 151 ]

الجن والانس إلى الارض السابعة السفلى وما تحت الثرى حتى يكون ما وعيته جزءا من أجزاء، انصرف إذا شئت مصاحبا مكلوءا (1) فأنت منا بالمكان الرفيع، وموضعك من قلوب المؤمنين موضع الماء من الصدى، ولا تسألن عما وعدتك حتى احدث لك منه ذكرا. قال المفضل: فانصرفت من عند مولاي بما لم ينصرف أحد بمثله. بيان: جاش البحر والقدر وغيرهما يجيش جيشا: غلا. قوله عليه السلام: قال: أصحاب الهندسة أقول: المشهور بين متأخريهم أن جرم الشمس مائة وستة وستون مثلا وربع و ثمن لجرم الارض، وما ذكره عليه السلام لعله كان مذهب قدمائهم مع أنه قريب من المشهور، والاختلاف بين قدمائهم ومتأخريهم في أمثال ذلك كثير. قوله عليه السلام: الحق الذي أي الامور الحقة الثابتة التي تطلب معرفتها من بين الاشياء. وفي بعض النسخ لحق أي ما يحق وينبغي أن تطلب معرفته من أحوال الاشياء هو أربعة أوجه. وقال الجوهري: قولهم لقيته في الفرط بعد الفرط أي الحين بعد الحين. والصدى بالفتح: العطش. ثم اعلم أن بعض تلك الفقرات تؤمي إلى تجرد النفس، والله يعلم وحججه صلوات الله عليهم أجمعين.


(1) أي محفوظا. (2) بل إلى وجود امور اخرى غير النفس مجردة كما يشعر به قوله: وكذلك الامور الروحانية اللطيفة ومنه يظهر أن وصف شئ بأنه روحاني أو لطيف في الاخبار يشعر بتجرده. ط

[ 152 ]

* (باب 5) * الخبر المروى عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالاهليلجة حدثني محرز بن سعيد النحوي بدمشق قال: حدثني محمد بن أبي مسهر (1) بالرملة، عن أبيه، عن جده قال: كتب المفضل بن عمر الجعفي إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يعلمه أن أقواما ظهروا من أهل هذه الملة يجحدون الربوبية، ويجادلون على ذلك، ويسأله أن يرد عليهم قولهم، ويحتج عليهم فيما ادعوا بحسب ما احتج به على غيرهم. فكتب أبو عبد الله عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد وفقنا الله وإياك لطاعته، وأوجب لنا بذلك رضوانه برحمته، وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملتنا، وذلك من قوم من أهل الالحاد بالربوبية قد كثرت عدتهم واشتدت خصومتهم، وتسأل أن أصنع للرد عليهم والنقض لما في أيديهم كتابا على نحو ما رددت على غيرهم من أهل البدع والاختلاف، ونحن نحمد الله على النعم السابغة والحجج البالغة والبلاء المحمود عند الخاصة والعامة فكان من نعمه العظام وآلائه الجسام التي أنعم بها تقريره قلوبهم بربوبيته، وأخذه ميثاقهم بمعرفته، وإنزاله عليهم كتابا فيه شفاء لما في الصدور من أمراض الخواطر ومشتبهات الامور، ولم يدع لهم ولا لشئ من خلقه حاجة إلى من سواه، واستغنى عنهم، وكان الله غنيا حميدا. ولعمري ما اتي الجهال من قبل ربهم وأنهم ليرون الدلالات الواضحات و العلامات البينات في خلقهم، وما يعاينون من ملكوت السماوات والارض والصنع العجيب المتقن الدال على الصانع، ولكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي، وسهلوا لها سبيل الشهوات، فغلبت الاهواء على قلوبهم، واستحوذ الشيطان بظلمهم عليهم، وكذلك يطبع الله على قلوب المعتدين. والعجب من مخلوق يزعم أن الله يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله، وتأليف يبطل حجته (2)


(1) وفى نسخة: محمد بن أبى مشتهر. (2) وفى نسخة: وتاليف يبطل جحوده.

[ 153 ]

ولعمري لو تفكروا في هذه الامور العظام لعاينوا من أمر التركيب البين، ولطف التدبير الظاهر، ووجود الاشياء مخلوقة بعد أن لم تكن، ثم تحولها من طبيعة إلى طبيعة، وصنيعة بعد صنيعة، ما يدلهم ذلك على الصانع فإنه لا يخلو شئ منها من أن يكون فيه أثر تدبير وتركيب يدل على أن له خالقا مدبرا، وتأليف بتدبير يهدي إلى واحد حكيم. وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتابا كنت نازعت فيه بعض أهل الاديان من أهل الانكار، وذلك أنه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند، وكان لا يزال ينازعني في رأيه، ويجادلني على ضلالته، فبينا هو يوما يدق إهليلجة ليخلطها دواءا احتجت (1) إليه من أدويته، إذ عرض له شئ من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه من ادعائه أن الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تنبت واخرى تسقط، نفس تولد واخرى تتلف، وزعم أن انتحالي المعرفة لله تعالى دعوى لا بينة لي عليها، ولا حجة لي فيها، وأن ذلك أمر أخذه الآخر عن الاول، والاصغر عن الاكبر، وأن الاشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة والظاهرة إنما تعرف بالحواس الخمس: نظر العين، وسمع الاذن، وشم الانف، وذوق الفم، ولمس الجوارح، ثم قاد (2) منطقه على الاصل الذي وضعه فقال: لم يقع شئ من حواسي على خالق يؤدي إلى قلبي، إنكار الله تعالى. ثم قال: أخبرني بم تحتج في معرفة ربك الذي تصف قدرته وربوبيته، و إنما يعرف القلب الاشياء كلها بالدلالات الخمس التي وصفت لك ؟ قلت: بالعقل الذي في قلبي، والدليل الذي أحتج به في معرفته. قال: فأنى يكون ما تقول وأنت تعرف أن القلب لا يعرف شيئا بغير الحواس الخمس ؟ فهل عاينت ربك ببصر، أو سمعت صوته بأذن، أو شممتة بنسيم، أو ذقته بفم، أو مسسة بيد فأدى ذلك المعرفة إلى قلبك ؟ قلت: أرأيت إذ أنكرت الله وجحدته (3)


(1) وفى نسخة: احتاج. (2) قاد الدابة: مشى أمامها آخذا بقيادها. (3) وفى نسخة: إذا أنكرت الله وجحدته.

[ 154 ]

- لانك زعمت أنك لا تحسه بحواسك التي تعرف بها الاشياء - وأقررت أنا به هل بد من أن يكون أحدنا صادقا والآخر كاذبا ؟ قال: لا. قلت: أرأيت إن كان القول قولك فهل يخاف علي شئ مما اخوفك به من عقاب الله ؟ قال: لا. قلت: أفرأيت إن كان كما أقول والحق في يدي ألست قد أخذت فيما كنت احاذر من عقاب الخالق بالثقة وأنك قد وقعت بجحودك وإنكارك في الهلكة ؟ قال: بلى. قلت: فأينا أولى بالحزم وأقرب من النجاة ؟ قال: أنت، إلا أنك من أمرك على ادعاء وشبهة، وأنا على يقين وثقة، لاني لا أرى حواسي الخمس أدركته، وما لم تدركه حواسي فليس عندي بموجود. قلت: إنه لما عجزت حواسك عن إدراك الله أنكرته، وأنا لما عجزت حواسي عن إدراك الله تعالى صدقت به. قال: وكيف ذلك ؟ قلت: لان كل شئ جرى فيه أثر تركيب لجسم، أو وقع عليه بصر للون فما أدركته الابصار ونالته الحواس فهو غير الله سبحانه لانه لا يسبه الخلق، وأن هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال، وكل شئ أشبه التغيير والزوال فهو مثله، وليس المخلوق كالخالق ولا المحدث كالمحدث. شرح: قوله عليه السلام: والبلاء المحمود عند الخاصة والعامة أي النعمة التي يحمدها ويقر بها الخاص والعام لنا وهو العلم، أو النعم التي شملت الخاص والعام كما سيفصله عليه السلام بعد ذلك. قوله عليه السلام: ما اتي الجهال أي ما أتاهم الضرر والهلاك إلا من قبلهم. قال الفيروز آبادي: أتى كعنى أشرف عليه العدو. وقال الجزري: في حديث أبي هريرة: في العدوي إني قلت أتيت. أي دهيت وتغير عليك حسك فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحا. قوله عليه السلام: استحوذ الشيطان أي غلب واستولى. قوله عليه السلام: و صنيعة أي احسان، ويحتمل أن يراد بها هنا الخلقة المصنوعة. قوله عليه السلام: لجسم بفتح اللام أي ألبتة هو جسم. وكذا قوله: للون. ويدل على أن التركيب الخارجي إنما يكون في الجسم وأن المبصر بالذات هو اللون. قوله عليه السلام: أشبه التغيير أي المتغير، أو ذا التغيير بتقدير مضاف.

[ 155 ]

متن: قال: إن هذا لقول، ولكني لمنكر ما لم تدركه حواسي فتؤديه إلى قلبى، فلما اعتصم بهذه المقالة ولزم هذه الحجة قلت: أما إذ أبيت إلا أن تعتصم بالجهالة، وتجعل المحاجزة حجة فقد دخلت في مثل ما عبت وامتثلت ما كرهت، حيث قلت: إني اخترت الدعوى لنفسي لان كل شئ لم تدركه حواسي عندي بلا شئ. قال: وكيف ذلك ؟ قلت: لانك نقمت على الادعاء ودخلت فيه فادعيت أمرا لم تحط به خبرا ولم تقله علما فكيف استجزت لنفسك الدعوى في إنكارك الله، ودفعك أعلام النبوة والحجة الواضحة وعبتها علي ؟ أخبرني هل أحطت بالجهات كلها وبلغت منتهاها ؟ قال: لا. قلت: فهل رقيت إلى السماء التي ترى ؟ أو انحدرت إلى الارض السفلى فجلت في أقطارها ؟ (1) أو هل خضت في غمرات البحور (2) واخترقت نواحي الهواء فيما فوق السماء وتحتها إلى الارض وما أسفل منها فوجدت ذلك خلاء من مدبر حكيم عالم بصير ؟ قال: لا. قلت: فما يدريك لعل الذي أنكره قلبك هو في بعض ما لم تدركه حواسك ولم يحط به علمك. قال: لا أدري لعل في بعض ما ذكرت مدبرا، وما أدري لعله ليس في شئ من ذلك شئ ! قلت: أما إذ خرجت من حد الانكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة. قال: فإنما دخل علي الشك لسؤالك إياي عما لم يحط به علمي، ولكن من أين يدخل علي اليقين بما لم تدركه حواسي ؟ قلت: من قبل إهليلجتك هذه. قال: ذاك إذا أثبت للحجة، لانها من آداب الطب الذي اذعن بمعرفته (3) قلت: إنما أردت آن آتيك به من قبلها لانها أقرب الاشياء إليك، ولو كان شئ أقرب إليك منها لاتيتك من قبله، (4) لان في كل شئ أثر تركيب وحكمة، وشاهدا يدل على


(1) وفى نسخة: فدرت في أقطارها. (2) وفى نسخة: هل غصت في غمرات البحور. (3) وفى نسخة: لانها من أداة الطب الذى أدعى معرفته. (4) وفى نسخة: لانبأتك من قبله.

[ 156 ]

الصنعة الدالة على من صنعها ولم تكن شيئا، ويهلكها حتى لا تكون شيئا. قلت: فأخبرني هل ترى هذه إهليلجة ؟ قال: نعم. قلت: أفترى غيب ما في جوفها ؟ قال: لا قلت: أفتشهد أنها مشتملة على نواة ولا تراها ؟ قال: ما يدريني لعل ليس فيها شئ. قلت: أفترى أن خلف هذا القشر من هذه الاهليلجة غائب لم تره من لحم أو ذي لون ؟ قال: ما أدري لعل ما ثم غير ذي لون ولا لحم. قلت: أفتقر أن هذه الاهليلجة التي تسميها الناس بالهند موجودة ؟ لاجتماع أهل الاختلاف من الامم على ذكرها. قال: ما أدري لعل ما اجتمعوا عليه من ذلك باطل ! قلت: أفتقر أن الاهليلجة في أرض تنبت ؟ قال: تلك الارض وهذه واحدة وقد رأيتها. قلت: أفما تشهد بحضور هذه الاهليلجة على وجود ما غاب من أشباهها ؟ قال: ما أدري لعله ليس في الدنيا إهليلجة غيرها. فلما اعتصم بالجهالة قلت: أخبرني عن هذه الاهليلجة أتقر أنها خرجت من شجرة، أو تقول: إنها هكذا وجدت ؟ قال: لا بل من شجرة خرجت. قلت: فهل أدركت حواسك الخمس ما غاب عنك من تلك الشجرة ؟ قال: لا. قلت: فما أراك إلا قد أقررت بوجود شجرة لم تدركها حواسك. قال: أجل ولكني أقول: إن الاهليلجة والاشياء المختلفة (1) شئ لم تزل تدرك، فهل عندك في هذا شئ ترد به قولي ؟ قلت: نعم أخبرني عن هذه الاهليلجة هل كنت عاينت شجرتها وعرفتها قبل أن تكون هذه الاهليلجة فيها ؟ قال: نعم. قلت: فهل كنت تعاين هذه الاهليلجة ؟ قال: لا. قلت: أفما تعلم أنك كنت عاينت الشجرة وليس فيها الاهليلجه، ثم عدت إليها فوجدت فيها الاهليلجة أفما تعلم أنه قد حدث فيها ما لم تكن ؟ قال ما أستطيع أن أنكر ذلك ولكني أقول: إنها كانت فيها متفرقة. قلت: فأخبرني هل رأيت تلك الاهليلجة التي تنبت منها شجرة هذه الاهليلجة قبل أن تغرس ؟ قال: نعم. قلت: فهل يحتمل عقلك أن الشجرة التي تبلغ أصلها وعروقها وفروعها ولحاؤها وكل ثمرة جنيت، (2) وورقة سقطت ألف ألف رطل كانت كامنة في هذه الاهليلجة ؟ قال: ما


(1) وفى نسخة: والاشياء المؤتلفة. (2) جنى الثمر: تناوله من شجرته.

[ 157 ]

يحتمل هذا العقل ولا يقبله القلب. قلت: أقررت أنها حدثت في الشجرة ؟ قال: نعم و لكني لا أعرف أنها مصنوعة فهل تقدر أن تقررني بذلك ؟ قلت: نعم أرأيت أني إن أريتك تدبيرا أتقر أن له مدبرا، وتصويرا أن له مصورا ؟. قال: لابد من ذلك. قلت: ألست تعلم أن هذه الاهليلجة لحم ركب على عظم فوضع في جوف متصل (1) بغصن مركب على ساق يقوم على أصل فيقوى بعروق من تحتها على جرم متصل بعض ببعض ؟ قال: بلى. قلت: ألست تعلم أن هذه الاهليلجة مصورة بتقدير وتخطيط، وتأليف و تركيب وتفصيل متداخل بتأليف شئ في بعض شئ، به طبق بعد طبق وجسم على جسم ولون مع لون، أبيض في صفرة، ولين على شديد، (2) في طبائع متفرقة، وطرائق مختلفة، وأجزاء مؤتلفة مع لحاء تسقيها، وعروق يجري فيها الماء، وورق يسترها وتقيها من الشمس أن تحرقها، ومن البرد أن يهلكها، والريح أن تذبلها ؟ (3) قال: أفليس لو كان الورق مطبقا عليها كان خيرا لها ؟ قلت: الله أحسن تقديرا لو كان كما تقول لم يصل إليها ريح يروحها، ولا برد يشددها، ولعفنت عند ذلك، ولو لم يصل إليها حر الشمس لما نضجت، ولكن شمس مرة وريح مرة وبرد مرة قدر الله ذلك بقوة لطيفة ودبره بحكمة بالغة. قال: حسبي من التصوير فسر لي التدبير الذى زعمت أنك ترينه. قلت: أرأيت الاهليلجة قبل أن تعقد إذ هي في قمعها ماء بغير نواة ولا لحم ولا قشر ولا لون ولا طعم ولا شدة ؟ قال: نعم. قلت: أرأيت لو لم يرفق الخالق ذلك الماء الضعيف الذي هو مثل الخردلة في القلة والذلة ولم يقوه بقوته ويصوره بحكمته ويقدره بقدرته هل كان ذلك الماء يزيد على أن يكون في قمعه غير مجموع بجسم وقمع وتفصيل ؟ فإن زاد زاد ماءا متراكبا غير مصور ولا مخطط ولا مدبر بزيادة أجزاء ولا تأليف أطباق. قال: قد أريتني من تصوير شجرتها وتأليف خلقتها وحمل ثمرتها وزيادة أجزائها وتفصيل تركيبها أوضح


(1) وفى نسخة: موضوع على جرم متصل. (2) في نسخة: ولين مع لين ولين على شدة. (3) ذبل النبات: قل ماؤه وذهبت نضارته.

[ 158 ]

الدلالات، وأظهر البينة على معرفة الصانع، ولقد صدقت بان الاشياء مصنوعة، و لكني لا أدري لعل الاهليلجة والاشياء صنعت أنفسها ؟ قلت: أو لست تعلم أن خالق الاشياء والاهليلجة حكيم عالم بما عاينت من قوة تدبيره ؟ قال: بلى. قلت: فهل ينبغي للذي هو كذلك أن يكون حدثا ؟ قال: لا. قلت: أفلست قد رأيت الاهليلجة حين حدثت وعاينتها بعد أن لم تكن شيئا ثم هلكت كأن لم تكن شيئا ؟ قال: بلى، وإنما أعطيتك أن الاهليلجة حدثت ولم أعطك أن الصانع لا يكون حادثا لا يخلق نفسه. قلت: ألم تعطني أن الحكيم الخالق لا يكون حدثا، وزعمت أن الاهليلجة حدثت ؟ فقد أعطيتني أن الاهليلجة مصنوعة، فهو عزوجل صانع الاهليلجة، وإن رجعت إلى أن تقول: إن الاهليلجة صنعت نفسها ودبرت خلقها فما زدت أن أقررت بما أنكرت، ووصفت صانعا مدبرا أصبت صفته، ولكنك لم تعرفه فسميته بغير اسمه قال: كيف ذلك ؟ قلت: لانك أقررت بوجود حكيم لطيف مدبر، فلما سألتك من هو ؟ قلت: الاهليلجة. قد أقررت بالله سبحانه، ولكنك سميته بغير اسمه، ولو عقلت وفكرت لعلمت أن الاهليلجة أنقص قوة من أن تخلق نفسها، وأضعف حيلة من أن تدبر خلقها. قال: هل عندك غير هذا ؟ قلت: نعم، أخبرني عن هذه الاهليلجه التي زعمت أنها صنعت نفسها ودبرت أمرها كيف صنعت نفسها صغيرة الخلقة، صغيرة القدرة، ناقصة القوة، لا تمتنع أن تكسر وتعصر وتؤكل ؟ وكيف صنعت نفسها مفضولة مأكولة مرة قبيحة المنظر لا بهاء لها ولا ماء ؟ قال: لانها لم تقو إلا على ما صنعت نفسها أو لم تصنع إلا ما هويت. قلت: أما إذ أبيت إلا التمادي في الباطل فأعلمني متى خلقت نفسها و دبرت خلقها قبل أن تكون أو بعد أن كانت ؟ فإن زعمت أن الاهليلجة خلقت نفسها بعد ما كانت فإن هذا لمن أبين المحال ! كيف تكون موجودة مصنوعة ثم تصنع نفسها مرة اخرى ؟ فيصير كلامك إلى أنها مصنوعة مرتين، ولان قلت: إنها خلقت نفسها ودبرت خلقها قبل أن تكون إن هذا من أوضح الباطل وأبين الكذب ! لانها قبل أن تكون ليس بشئ فكيف يخلق لا شئ شيئا ؟ وكيف تعيب قولي: إن شيئا يصنع لا شيئا، ولا تعيب قولك: إن لا شئ يصنع لا شيئا ؟ فانظر أي القولين أولى بالحق ؟ قال:

[ 159 ]

قولك. قلت: فما يمنعك منه ؟ قال: قد قبلته واستبان لي حقه وصدقه بأن الاشياء المختلفة والاهليلجة لم يصنعن أنفسهن، ولم يدبرن خلقهن، ولكنه تعرض لي أن الشجرة هي التي صنعت الاهليلجة لانها خرجت منها. قلت: فمن صنع الشجرة: قال: الاهليلجة الاخرى ! قلت: اجعل لكلامك غاية أنتهي إليها فإما أن تقول: هو الله سبحانه فيقبل منك، وإما أن تقول: الاهليلجة فنسألك. قال: سل. قلت: أخبرني عن الاهليلجة هل تنبت منها الشجرة إلا بعدما ماتت وبليت وبادت ؟ قال: لا. قلت: إن الشجرة بقيت بعد هلاك الاهليلجة مائة سنة، فمن كان يحميها ويزيد فيها، ويدبر خلقها ويربيها، وينبت ورقها ؟ مالك بد من أن تقول: هو الذي خلقها، ولان قلت: الاهليلجة وهي حية قبل أن تهلك وتبلى وتصير ترابا، وقد ربت الشجرة وهي ميتة أن هذا القول مختلف. قال: لا أقول: ذلك. قلت أفتقر بأن الله خلق الخلق أم قد بقي في نفسك شئ من ذلك ؟ قال: إني من ذلك على حد وقوف ما أتخلص إلى أمر ينفذ لي فيه الامر. قلت: أما إذ أبيت إلا الجهالة وزعمت أن الاشياء لا يدرك إلا بالحواس فإني اخبرك أنه ليس للحواس دلالة على الاشياء، ولا فيها معرفة إلا بالقلب، فإنه دليلها ومعرفها الاشياء التي تدعي أن القلب لا يعرفها إلا بها. شرح: قوله عليه السلام: وامتثلت قال الفيروز آبادي: امتثل طريقته: تبعها فلم يعدها. قوله: نقمت علي أي عبت وكرهت. قوله: من لحم قال الفيروز آبادي: لحم كل شئ لبه. قوله تلك الارض أي أشار إلى الارض، وقال اقر بوجود هذه الارض التي أرى، والاهليلجة الواحدة التي في يدي. قوله: كانت فيها متفرقة لعله اختار مذهب إنكسار غورس ومن تبعه من الدهرية القائلين بالكمون والبروز، وأن كل شئ كامن، ويؤمي إليه جوابه. قوله عليه السلام: في قمعها قال الفيروز آبادي: القمع محركة: بثرة تخرج في اصول الاشفار، وقال القمع بالفتح والكسر وكعنب: ما التزق بأسفل التمرة والبسرة ونحوهما انتهى. وعلى التقديرين استعير لما يبدو من الاهليلجة ابتداءا في شجرها من القشرة الرقيقة الصغيرة التي فيها ماء، والاول أبلغ. قوله عليه السلام: غير مجموع بجسم أي هل كان يزيد بغير أن يضم. إليه جسم آخر من خارج، أو قمع آخر مثله، أو بغير قمعه

[ 160 ]

أي قلعه وتفصيله أي تفريقه ليدخل فيه شئ أو يضم إلى شئ. قوله عليه السلام: فإن زاد أي فإن سلم أنه كان يمكن أن يزيد بطبيعته بغير ما ذكر كانت زيادته ماءا متراكبا بعضه فوق بعض فقط كما كان أولا لا بتخطيط وتصوير وتدبير وتأليف إذ يحكم العقل بديهة أن مثل تلك الافاعيل المختلفة المنطبقة على قانون الحكمة لا تصدر عن طبيعة عادمة للشعور و الارادة. قوله عليه السلام: فهل ينبغي إشارة إلى ما يحكم به الوجدان من أن من كان على هذا المبلغ من العلم والحكمة والتدبير لا يكون ممكنا محدثا محتاجا في العلم وسائر الامور إلى غيره، إلا أن يفيض عليه من العالم بالذات، وهو إقرار بالصانع. قوله: ولم أعطك. غفل الهندي عما كان يلزم من اعترافيه. قوله عليه السلام: وإن رجعت أي إن قلت: إن الصانع القديم الحكيم هو طبيعة الاهليلجة صنعت هذا الشخص منها فقد أقررت بالصانع و سميته الطبيعة، إذ هي غير حكيم ولا ذات إرادة فقد أقررت بالصانع وأخطأت في التسمية، أو المراد أنك بعد الاعتراف بالخالق الحكيم القديم لو قلت: إنه هذه الاهليلجة فقد أقررت بما أنكرت أي نقضت قولك الاول، وقلت بالنقيضين، ولا محمل لتصحيحه إلا أن تقول: سميت ما أقررت به بهذا الاسم، وهذا لا يضرنا بعدما تيسر لنا من إقرارك، ويحتمل أن يكون هذا كلاما على سبيل الاستظهار في المجادلة أي إن تنزلنا عما أقررت به من قدم الحكيم وحدوث الاهليلجة يكفينا إقرارك بكون الخالق حكيما، إذ معلوم أنها ليست كذلك، فقد سميت الصانع الحكيم بهذا الاسم. قوله عليه السلام: مفضولة إذ ظاهر أن كثيرا من المخلوقات أفضل وأشرف منها. قوله عليه السلام: هو الذي خلقها أي لابد أن يكون مربيها هو خالقها، فإن قلت: إن الخالق والمربي واحد وهي الاهليلجة خلقت عند كونها حية، وربت بعد موتها فالقول مختلف إذ خلقها تدريجي، وعند خلق أي مقدار من الشجرة لابد من انقلاب بعضها شجرة فلم تكن الاهليلجة باقية بعد تمام خلق ذلك المقدار، والخلق والتربية ممزوجان لا يصلح القول بكونها حية عند أحدهما ميتة عند الآخر، ويحتمل أن يكون المراد أن القول بأن الخالق والمربى واحد و القول بأن الاهليلجة بعد موتها ربت متنافيان، لان موتها عبارة عن استحالتها بشئ آخر، فالمربي شئ آخر سوى إلا هليلجة. وفي بعض النسخ: وقد رأيت الشجرة. قوله:

[ 161 ]

ما أتخلص أي ما أصل إلى أمر يجري فيه أمرى أي حكمي، ويمكني أن أحكم بصحته. ثم لما علم عليه السلام أن سبب توقفه اقتصاره على حكم الحواس بين عليه السلام أن الحواس داخلة تحت حكم العقل، ولابد من الرجوع إلى العقل في معرفة الاشياء. متن: فقال: أما إذ نطقت بهذا فما أقبل منك إلا بالتخليص والتفحص منه بأيضاح وبيان وحجة وبرهان. قلت: فأول ما أبدأ به أنك تعلم أنه ربما ذهب الحواس، أو بعضها ودبر القلب الاشياء التي فيها المضرة والمنفعة من الامور العلانية والخفية فأمر بها ونهى فنفذ فيها أمره وصح فيها قضاؤه. قال: إنك تقول في هذا قولا يشبه الحجة، ولكني احب أن توضحه لي غير هذا الايضاح. قلت: ألست تعلم أن القلب يبقى بعد ذهاب الحواس ؟ قال: نعم ولكن يبقى بغير دليل على الاشياء التي تدل عليها الحواس. قلت: أفلست تعلم أن الطفل تضعه امه مضغة ليس تدله الحواس على شئ يسمع ولا يبصر ولا يذاق ولا يلمس ولا يشم ؟ قال: بلى. قلت: فأية الحواس دلته علي طلب اللبن إذا جاع، والضحك بعد البكاء إذا روى من اللبن ؟ وأي حواس سباع الطير ولاقط الحب منها دلها على أن تلقي بين أفراخها اللحم والحب فتهوى سباعها إلى اللحم، والآخرون إلى الحب ؟ وأخبرني عن فراخ طير الماء ألست تعلم أن فراخ طير الماء إذا طرحت فيه سبحت، وإذا طرحت فيه فراخ طير البر غرقت والحواس واحدة، فكيف انتفع بالحواس طير الماء وأعانته على السباحة ولم تنتفع طير البر في الماء بحواسها ؟ وما بال طير البر إذا غمستها في الماء ساعة ماتت وإذا أمسكت طير الماء عن الماء ساعة ماتت ؟ فلا أرى الحواس في هذا إلا منكسرة عليك، ولا ينبغي ذلك أن يكون إلا من مدبر حكيم جعل للماء خلقا وللبر خلقا. أم أخبرني ما بال الذرة التي لا تعاين الماء قط تطرح في الماء فتسبح، وتلقى الانسان ابن خمسين سنة من أقوى الرجال وأعقلهم لم يتعلم السباحة فيغرق ؟ كيف لم يدله عقله ولبه وتجاربه وبصره بالاشياء مع اجتماع حواسه وصحتها أن يدرك ذلك بحواسه كما أدركته الذرة إن كان ذلك إنما يدرك بالحواس ؟ أفليس ينبغي لك أن تعلم أن القلب الذي هو معدن العقل في الصبي الذي وصفت وغيره مما سمعت من الحيوان

[ 162 ]

هو الذي يهيج الصبي إلى طلب الرضاع، والطير اللاقط على لقط الحب، والسباع على ابتلاع اللحم ؟. قال: لست أجد القلب يعلم شيئا إلا بالحواس ! قلت: أما إذ أبيت إلا النزوع إلى الحواس فإنا لنقبل نزوعك إليها بعد رفضك لها، ونجيبك في الحواس حتى يتقرر عندك أنها لا تعرف من سائر الاشياء إلا الظاهر مما هو دون الرب الاعلى سبحانه و تعالى، فأما ما يخفى ولا يظهر فليست تعرفه، وذلك أن خالق الحواس جعل لها قلبا احتج به على العباد، وجعل للحواس الدلالات على الظاهر الذي يستدل بها على الخالق سبحانه، فنظرت العين إلى خلق متصل بعضه ببعض فدلت القلب على ما عاينت، وتفكر القلب حين دلته العين على ما عاينت من ملكوت السماء وارتفاعها في الهواء بغير عمد يرى، ولا دعائم تمسكها لا تؤخر مرة فتنكشط، ولا تقدم اخرى فتزول، ولا تهبط مرة فتدنو، ولا ترتفع اخرى فتنأى، (1) لا تتغير لطول الامد ولا تخلق (2) لاختلاف الليالي والايام، ولا تتداعى منها ناحية، ولا ينهار منها طرف، مع ما عاينت من النجوم الجارية السبعة المختلفة بمسيرها لدوران الفلك، وتنقلها في البروج يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة، منها السريع، ومنها البطيئ، ومنها المعتدل السير، ثم رجوعها واستقامتها، وأخذها عرضا وطولا، وخنوسها عند الشمس وهي مشرقة وظهورها إذا غربت، وجري الشمس والقمر في البروج دائبين لا يتغيران في أزمنتهما وأوقاتهما يعرف ذلك من يعرف بحساب موضوع وأمر معلوم بحكمة يعرف ذووا الالباب أنها ليست من حكمة الانس، ولا تفتيش الاوهام، ولا تقليب التفكر، فعرف القلب حين دلته العين على ما عاينت أن لذلك الخلق والتدبير والامر العجيب صانعا يمسك السماء المنطبقة أن تهوى إلى الارض وأن الذي جعل الشمس والنجوم فيها خالق السماء، ثم نظرت العين إلى ما استقلها من الارض فدلت القلب على ما عا ينت فعرف القلب بعقله أن ممسك الارض الممتدة (1) أن تزول أو تهوى في الهواء - وهو يرى الريشة يرمى بها فتسقط مكانها وهي في الخفة على


(1) أي فتبعد. وفى نسخة: فتنأى فلا ترى. (2) أي لا تبلى ولا ترث. (3) وفى نسخة: أن ممسك الارض الممهدة.

[ 163 ]

ما هي عليه - هو الذى يمسك السماء التي فوقها، وأنه لولا ذلك لخسفت بما عليها من ثقلها وثقل الجبال والانام والاشجار والبحور والرمال، فعرف القلب بدلالة العين أن مدبر الارض هو مدبر السماء. ثم سمعت الاذن صوت الرياح الشديدة العاصفة والمينة الطيبة، وعاينت العين ما يقلع من عظام الشجر ويهدم من وثيق البنيان، وتسفى (1) من ثقال الرمال، تخلى منها ناحية وتصبها في اخرى، بلا سائق تبصره العين، ولا تسمعه الاذن، ولا يدرك بشئ من الحواس، وليست مجسدة تلمس ولا محدودة تعاين، فلم تزد العين والاذن وسائر الحواس على أن دلت القلب أن لها صانعا، وذلك أن القلب يفكر بالعقل الذي فيه، فيعرف أن الريح لم تتحرك من تلقائها وأنها لو كانت هي المتحركة لم تكفف عن التحرك، ولم تهدم طائفة وتعفي اخرى، (2) ولم تقلع شجرة وتدع اخرى إلى جنبها، ولم تصب أرضا وتنصرف عن اخرى فلما تفكر القلب في أمر الريح علم أن لها محركا هو الذي يسوقها حيث يشاء، ويسكنها إذا شاء، ويصيب بها من يشاء، و يصرفها عمن يشاء، فلما نظر القلب إلى ذلك وجدها متصلة بالسماء، وما فيها من الآيات فعرف أن المدبر القادر على أن يمسك الارض والسماء هو خالق الريح ومحركها إذا شاء، وممسكها كيف شاء، ومسلطها على من يشاء. وكذلك دلت العين والاذن القلب على هذه الزلزلة، وعرف ذلك بغيرهما من حواسه حين حركته فلما دل الحواس على تحريك هذا الخلق العظيم من الارض في غلظها وثقلها، وطولها وعرضها، وما عليها من ثقل الجبال والمياه والانام وغير ذلك، وإنما تتحرك في ناحية ولم تتحرك في ناحية اخرى (3) وهي ملتحمة جسدا واحدا، وخلقا متصلا بلا فصل ولا وصل، تهدم ناحية وتخسف بها وتسلم اخرى، فعندها عرف القلب أن محرك ما حرك منها هو ممسك ما امسك منها، وهو محرك الريح وممسكها، وهو مدبر السماء والارض وما بينهما، وأن الارض لو كانت هي المزلزلة لنفسها لما تزلزلت ولما تحركت، ولكنه الذي دبرها وخلقها حرك منها ما شاء. ثم نظرت العين إلى العظيم من الآيات من السحاب


(1) سفت وأسفت الريح التراب: ذرته أو حملته. (2) عفت الريح المنزل: درسته ومحته. ويمكن أن يكون من أعفى إعفاءا أي تركه. (3) وفى نسخة: وإنها تحرك ناحية وتمسك عن اخرى.

[ 164 ]

المسخر بين السماء والارض بمنزلة الدخان لا جسد له يلمس بشئ من الارض و الجبال، يتخلل الشجرة فلا يحرك منها شيئا، ولا يهصر منها غصنا، ولا يعلق منها بشئ يعترض الركبان فيحول بعضهم من بعض من ظلمته وكثافته، ويحتمل من ثقل الماء و كثرته ما لا يقدر على صفته، مع ما فيه من الصواعق الصادعة، والبروق اللامعة، والرعد والثلج والبرد والجليد ما لا تبلغ الاوهام صفته ولا تهتدي القلوب إلى كنه عجائبه، فيخرج مستقلا في الهواء يجتمع بعد تفرقه (1) ويلتحم بعد تزايله، تفرقه الرياح (2) من الجهات كلها إلى حيث تسوقه بإذن الله ربها، يسفل مرة ويعلو اخرى، متمسك بما فيه من الماء الكثير الذي إذا أزجاه (3) صارت منه البحور، يمر على الاراضي الكثيرة والبلدان المتنائية لا تنقص منه نقطة، (4) حتى ينتهي إلى ما لا يحصى من الفراسخ فيرسل ما فيه قطرة بعد قطرة، وسيلا بعد سيل، متتابع على رسله حتى ينقع البرك (5) وتمتلي الفجاج، و تعتلي الاودية بالسيول كأمثال الجبال غاصة بسيولها، مصمخة الآذان لدويها و هديرها (6) فتحي بها الارض الميتة، فتصبح مخضرة بعد أن كانت مغبرة، ومعشبة بعد أن كانت مجدبة، قد كسيت ألوانا من نبات عشب ناضرة زاهرة مزينة معاشا للناس الانعام، فإذا أفرغ الغمام ماءه أقلع وتفرق وذهب حيث لا يعاين ولا يدرى أين توارى، فادت العين ذلك إلى القلب فعرف القلب أن ذلك السحاب لو كان بغير مدبر وكان ما وصفت من تلقاء نفسه ما احتمل نصف ذلك من الثقل من الماء، وإن كان هو الذي يرسله لما احتمله ألفي فرسخ أو أكثر، ولارسله فيما هو أقرب من ذلك، ولما أرسله قطرة بعد قطرة، بل كان يرسله إرسالا فكان يهدم البنيان ويفسد النبات، ولما جاز إلى بلد و


(1) وفى نسخة: ينفجر بعد تمسكه. (2) وفى نسخة: تصفقه الرياح. (3) ازجاه أي دفعه برفق. (4) وفى نسخة: لا تقطر منه قطرة. (5) بكسر الباء وفتح الراء جمع بركة: مستنقع الماء، الحوض. (6) وفى نسخة: ومصمة الاذان لدويها وهديرها.

[ 165 ]

ترك آخر دونه، فعرف القلب بالاعلام المنيرة الواضحة أن مدبر الامور واحد، وأنه لو كان اثنين أو ثلاثة لكان في طول هذه الازمنة والابد والدهر اختلاف في التدبير وتناقض في الامور، ولتأخر بعض وتقدم بعض، ولكان تسفل بعض ما قد علا، ولعلا بعض ما قد سفل، ولطلع شئ وغاب فتأخر عن وقته أو تقدم ما قبله فعرف القلب بذلك أن مدبر الاشياء ما غاب منها وما ظهر هو الله الاول، خالق السماء وممسكها، وفارش الارض وداحيها، وصانع ما بين ذلك مما عددنا وغير ذلك مما لم يحص. وكذلك عاينت العين اختلاف الليل والنهار دائبين جديدين لا يبليان في طول كرهما، ولا يتغيران لكثرة اختلافهما، ولا ينقصان عن حالهما، النهار في نوره وضيائه، والليل في سواده وظلمته، يلج أحدهما في الآخر حتى ينتهي كل واحد منهما إلى غاية محدودة معروفة في الطول والقصر على مرتبة واحدة ومجرى واحد، مع سكون من يسكن في الليل، وانتشار من ينتشر في الليل، وانتشار من ينتشر في النهار، وسكون من يسكن في النهار، ثم الحر والبرد وحلول أحدهما بعقب الآخر حتى يكون الحر بردا، والبرد حرا في وقته وإبانه، فكل هذا مما يستدل به القلب على الرب سبحانه وتعالى، فعرف القلب بعقله أن من دبر هذه الاشياء هو الواحد العزيز الحكيم الذي لم يزل ولا يزال، وأنه لو كان في السماوات والارضين آلهة معه سبحانه لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولفسد كل واحد منهم على صاحبه. وكذلك سمعت الاذن ما أنزل المدبر من الكتب تصديقا لما أدركته القلوب بعقولها، وتوفيق الله إياها، وما قاله من عرفه كنه معرفته بلا ولد ولا صاحبة ولا شريك فأدت الاذن ما سمعت من اللسان بمقالة الانبياء إلى القلب. شرح: قوله عليه السلام: ربما ذهب الحواس إما بالنوم كما سيأتي أو بآفة فإن العقل لا محالة يدله على أن يشير إلى بعض ما يصلحه، ويطلب ما يقيمه بأي وجه كان، على أن ذهاب الحواس الخمس لا ينافي بقاء النطق. قوله عليه السلام: إلا النزوع إلى الحواس أي الاشتياق إليها، والحاصل أنا نوافقك ونستدل لك بما تدل عليه الحواس، وإن كنت رفضتها وتركيتها وسلمت فيما مضى كونها معزولة عن بعض الاشياء فنقول: إن حكم

[ 166 ]

العقل بوجود الصانع إنما هو من جهة ما دلته الحواس عليه مما نشاهده من آثار صنعه تعالى. قوله عليه السلام: فتنكشط الانكشاط: الانكشاف. وقوله تعالى: وإذا السماء كشطت (1) أي قلعت كما يقلع السقف، ولعل المراد بالتأخر تأخر ما يحاذي رؤوسنا بحيث يرى ما وراءه، وبالتقدم أن يتحرك جميعها حركة أينية حتى يخرج من بينها، ويحتمل أن يكون المراد فيهما معا إما الاول أو الثاني، ويكون التعبير عن أحدهما بالانكشاط وعن الآخر بالزوال لمحض تفنن العبارة، وعلى التقادير المراد بالزوال الزوال عنا وعن محاذاتنا. قوله عليه السلام: ولا يتداعى قال الجوهري: تداعت الحيطان للخراب أي تهادمت. وقال: انهار أي انهدم قوله عليه السلام: ثم رجوعها إشارة إلى ما يعرض للمتحيرة من الرجعة والاستقامة والاقامة. وقوله عليه السلام: وأخذها عرضا وطولا إشارة إلى كونها تارة عن جنوب المعدل، وتارة عن شمالها، وكون بعضها تارة عن جنوب منطقة البروج وتارة عن شمالها، وإلى حركة المائل في السفليين وعرض الوراب والانحراف و الاستواء فيهما، (2) وإلى ميل الذروة والحضيض في المتحيرة. وخنوسها: غيبتها و استتارها تحت شعاع الشمس. قوله عليه السلام: المنطبقة أي المحيطة بجميع الخلق، وفي بعض النسخ المظلة. واستقلها أي حملها ورفعها. قوله عليه السلام: متصلة بالسماء أي داخلة في ذلك النظام شبيهة بها فيه. قوله عليه السلام: يلمس بشئ لعل المراد الاصطكاك الذي يحصل منه صوت، وفي بعض النسخ كشئ، ويحتمل أن يكون تصحيف يشبه بشئ. وقال الفيروز آبادي: الهصر: الجذب. والامالة. والكسر. والدفع. والادناء. وعطف شئ رطب كغصن ونحوه وكسره من غير بينونة. وقال: الجليد: ما يسقط على الارض من الندى فيجمد. انتهى. وقوله عليه السلام: أزجاه أي دفعه. والرسل بالكسر: التأني والرفق. وينقع بالياء على المعلوم أو بالتاء على المجهول. والبرك كعنب جمع بركة وهي معروفة. والفجاج بالضم: الطريق الواسع بين جبلين، وبالكسر جمع الفج بمعناه. والاعتلاء: الارتفاع. وقوله عليه السلام: غاصة أي ممتلئة. والمصمخة لعلها مشتقة من الصماخ أي


(1) التكوير: 11. (2) في نسخة: وعرض الوراب والانحراف والالتواء فيهما.

[ 167 ]

تؤدى الصماخ، والاظهر مصممة. قوله عليه السلام: من نبات بالاضافة على أن يكون مصدرا، أو بالتنوين ليكون عشب بدل بعض له. والاقلاع عن الامر: الكف عنه. و الكر: الرجوع. قوله عليه السلام: مع سكون من يسكن في الليل أي جعل في معظم المعمورة طول كل منهما وقصره على حد محدود لا يتجاوزه لئلا تفوت مصلحة كل منهما من السكون في الليل والانتشار في النهار، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أصل الحكمة في حصول الليل والنهار. قوله عليه السلام: وانتشار من ينتشر في الليل كالخفاش والبعوضة وسائر ما ينتشر في الليل من الهوام، وكالخائف والمسافر الذي تصلحه حركة الليل. قوله: إذا لذهب أي لو كان معه آلهة كما يقولون لذهب كل إله منهم بما خلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، ووقع بينهم التجاذب والتغالب كما هو حال ملوك الدنيا إذ يستحيل كونهما واجبين كاملين وهذا شأن الناقص، ويحتمل أن يكون الغرض نفي الآلهة الناقصة الممكنة التي جعلوها شريكا للواجب تعالى شأنه، وسيأتي الكلام فيه في باب التوحيد. وفي بعض النسخ هكذا: " ولعلا بعضهم على بعض، ولافسد كل واحد منهم على صاحبه، وكذلك سمعت الاذن ما أنزل الله من كتبه على ألسن أنبيائه تصديقا لما أدركته العقول بتوفيق الله إياها وعونه لها إذا أرادت ما عنده أنه الاول لا شبيه له، ولا مثل له، ولا ضد له، ولا تحيط به العيون، ولا تدركه الاوهام كيف هو لانه لا كيف له وإنما الكيف للمكيف المخلوق المحدود المحدث غير أنا نوقن أنه معروف بخلقه موجود بصنعه فتبارك الله وتعالى اسمه لا شريك له فعرف القلب بعقله أنه لو كان معه شريك كان ضعيفا ناقصا، ولو كان ناقصا ما خلق الانسان ولاختلفت التدابير وانتقضت الامور، مع النقص الذي يوصف به الارباب المتفردون والشركاء المتعانتون. قال: قد أتيتني ". متن: فقال: قد أتيتني من أبواب لطيفة بما لم يأتني به أحد غيرك إلا أنه لا يمنعني من ترك ما في يدي إلا الايضاح والحجة القويه بما وصفت لي وفسرت. قلت: أما إذا حجبت عن الجواب (1) واختلف منك المقال فسيأتيك من الدلالة من قبل نفسك خاصة ما يستبين لك أن الحواس لا تعرف شيئا إلا بالقلب، فهل رأيت في المنام أنك تأكل


(1) في نسخة: أما إذ حجبت عن الجواب

[ 168 ]

وتشرب حتى وصلت لذة ذلك إلى قلبك ؟ قال: نعم. قلت: فهل رأيت أنك تضحك وتبكي وتجول في البلدان التي لم ترها والتي قد رأيتها حتى تعلم معالم ما رأيت منها ؟ قال: نعم مالا احصي. قلت: هل رأيت أحدا من أقاربك من أخ أو أب أو ذي رحم قد مات قبل ذلك حتى تعلمه وتعرفه كمعرفتك إياه قبل أن يموت ؟ قال: أكثر من الكثير. قلت: فأخبرني أي حواسك أدرك هذه الاشياء في منامك حتى دلت قلبك على معاينة الموتى وكلامهم، وأكل طعامهم، والجولان في البلدان، والضحك والبكاء وغير ذلك ؟ قال: ما أقدر أن أقول لك أي حواسي أدرك ذلك أو شيئا منه، وكيف تدرك وهي بمنزلة الميت لا تسمع ولا تبصر ؟ قلت: فأخبرني حيث استيقظت ألست قد ذكرت الذي رأيت في منامك تحفظه وتقصه بعد يقظتك على إخوانك لا تنسى منه حرفا ؟ قال: إنه كما تقول وربما رأيت الشئ في منامي ثم لا أمسي حتى أراه في يقظتي كما رأيته في منامي. قلت: فأخبرني أي حواسك قررت علم ذلك في قلبك حتى ذكرته بعد ما استيقظت ؟ قال: إن هذا الامر ما دخلت فيه الحواس. قلت: أفليس ينبغي لك أن تعلم حيث بطلت الحواس في هذا أن الذي عاين تلك الاشياء وحفظها في منامك قلبك الذي جعل الله فيه العقل الذي احتج به على العباد ؟ قال: إن الذي رأيت في منامي ليس بشئ إنما هو بمنزلة السراب الذي يعاينه صاحبه وينظر إليه لا يشك فيه أنه ماء فإذا انتهى إلى مكانه لم يجده شيئا فما رأيت في منامي فبهذه المنزلة !. قلت: كيف شبهت السراب بما رأيت في منامك من أكلك الطعام الحلو والحامض، وما رأيت من الفرح والحزن ؟ قال: لان السراب حيث انتهيت إلى موضعه صار لا شئ، وكذلك صار ما رأيت في منامي حين انتبهت ! قلت: فأخبرني إن أتيتك بأمر وجدت لذته في منامك وخفق لذلك قلبك ألست تعلم أن الامر على ما وصفت لك ؟ قال: بلى. قلت: فأخبرني هل احتلمت قط حتى قضيت في امرأة نهمتك (1) عرفتها أم لم تعرفها ؟ قال: بلى مالا احصيه. قلت: ألست وجدت لذلك لذة على قدر لذتك في يقظتك فتنتبه وقد أنزلت الشهوة حتى تخرج منك بقدر ما تخرج منك في اليقظة، هذا كسر لحجتك في السراب. قال: ما يرى المحتلم في منامه شيئا إلا ما كانت


(1) قضى منه نهمته أي شهوته.

[ 169 ]

حواسه دلت عليه في اليقظة. قلت: ما زدت على أن قويت مقالتي، وزعمت أن القلب يعقل الاشياء ويعرفها بعد ذهاب الحواس وموتها فكيف أنكرت أن القلب يعرف الاشياء وهو يقظان مجتمعة له حواسه، وما الذي عرفه إياها بعد موت الحواس وهو لا يسمع ولا يبصر ؟ ولكنت حقيقا أن لا تنكر له المعرفة وحواسه حية مجتمعة إذا أقررت أنه ينظر إلى الامرأة بعد ذهاب حواسه حتى نكحها وأصاب لذته منها، فينبغي لمن يعقل حيث وصف القلب بما وصفه به من معرفته بالاشياء والحواس ذاهبة أن يعرف أن القلب مدبر الحواس ومالكها ورائسها (1) والقاضي عليها، فإنه ما جهل الانسان من شئ فما يجهل أن اليد لا تقدر على العين أن تقلعها، ولا على اللسان أن تقطعه، وأنه ليس يقدر شئ من الحواس أن يفعل بشئ من الجسد شيئا بغير إذن القلب ودلالته و تدبيره لان الله تبارك وتعالى جعل القلب مدبرا للجسد، به يسمع وبه يبصر وهو القاضي والامير عليه، لا يتقدم الجسد إن هو تأخر، ولا يتأخر إن هو تقدم، وبه سمعت الحواس وأبصرت، إن أمرها ائتمرت، وإن نهاها انتهت، وبه ينزل الفرح والحزن، وبه ينزل الالم، إن فسد شئ من الحواس بقي على حاله، وإن فسد القلب ذهب جميعا حتى لا يسمع ولا يبصر. قال: لقد كنت أظنك لا تتخلص من هذه المسألة وقد جئت بشئ لا أقدر على رده قلت: وأنا اعطيك تصاديق ما أنبأتك به وما رأيت في منامك في مجلسك الساعة. قال: افعل فإني قد تحيرت في هذه المسألة. قلت: أخبرني هل تحدث نفسك من تجارة أو صناعة أو بناء أو تقدير شئ وتأمر به إذا أحكمت تقديره في ظنك ؟ نعم. قلت: فهل أشركت قلبك في ذلك الفكر شيئا من حواسك ؟ قال: لا. قلت: أفلا تعلم أن الذي أخبرك به قلبك حق ؟ قال: اليقين هو، فزدني ما يذهب الشك عني ويزيل الشبه من قلبي. شرح: خفق القلب: اضطرابه. والنهمة: بلوغ الهمة في الشئ، والنهم بالتحريك إفراط الشهوة في الطعام. أقول: قد عرفت أن القلب يطلق في مصطلح الاخبار على النفس الناطقة، ولما كان السائل منكرا لادراك ما سوى الحواس الظاهرة نبهه عليه السلام على خطائه بمدركات الحواس الباطنة التي هي آلات النفس.


(1) الرائس: الوالى، في مقابلة الرؤوس للمستولي عليه.

[ 170 ]

أقول: ذكر السيد ابن طاووس قدس الله روحه في كتاب النجوم من هذه الرسالة جملة ليست فيما عندنا من النسخ فلنذكرها: " قلت: أخبرني هل يعرف أهل بلادك علم النجوم ؟ قال: إنك لغافل عن علم أهل بلادي بالنجوم ! قلت: وما بلغ من علمهم بها ؟ فقال: إنا نخبرك عن علمهم بخصلتين تكتفي بهما عما سواهما. قلت: فأخبرني ولا تخبرني إلا بحق. قال بديني لا اخبرك إلا بحق وبما عاينت. قلت: هات. قال: أما إحدى الخصلتين فإن ملوك الهند لا يتخذون إلا الخصيان. قلت: و لم ذاك ؟ قال: لان لكل رجل منهم منجما حاسبا فإذا أصبح أتى باب الملك فقاس الشمس وحسب فأخبره بما يحدث في يومه ذلك، وما حدث في ليلته التي كان فيها، فإن كانت امرأة من نسائه قارفت شيئا يكرهه أخبره، فقال: فلان قارف كذا وكذا مع فلانة، ويحدث في هذا اليوم كذا وكذا. قلت: فأخبرني عن الخصلة الاخرى. قال: قوم بالهند بمنزلة الخناقين عندكم يقتلون الناس بلا سلاح ولا خنق ويأخذون أموالهم. قلت: وكيف يكون هذا ؟ قال. يخرجون مع الرفقة والتجار بقدر ما فيها من الرجالة فيمشون معهم أياما ليس معهم سلاح، ويحدثون الرجال ويحسبون حساب كل رجل من التجار فإذا عرف أجمعهم موضع النفس من صاحبه وكزكل واحد منهم صاحبه الذي حسب به في ذلك الموضع فيقع جميع التجار موتى ! قلت: إن هذا أرفع من الباب الاول إن كان ما تقول حقا ! قال: أحلف لك بديني إنه حق ولربما رأيت ببلاد الهند قد اخذ بعضهم وامر بقتله. قلت: فأخبرني كيف كان هذا حتى اطلعوا عليه ؟ قال: بحساب النجوم. قلت: فما سمعت كهذا علما قط، وما أشك أن واضعه الحكيم العليم، فأخبرني من وضع هذا العلم الدقيق الذي لا يدرك بالحواس ولا بالعقول ولا بالفكر ؟ قال: حساب النجوم وضعته الحكماء وتوارثه الناس ". (1)


(1) إلى هنا انتهى ما يختص به كتاب النجوم، ويشترك سائر النسخ من قوله: فإذا سألت الرجل منهم....

[ 171 ]

متن: قلت: أخبرني هل يعلم أهل بلادك علم النجوم ؟ قال: إنك لغافل عن علم أهل بلادي بالنجوم فليس أحد أعلم بذلك منهم. قلت: أخبرني كيف وقع علمهم بالنجوم وهي مما لا يدرك بالحواس ولا بالفكر ؟ قال: حساب وضعته الحكماء وتوارثته الناس فإذا سألت الرجل منهم عن شئ قاس الشمس ونظر في منازل الشمس والقمر وما للطالع من النحوس، وما للباطن من السعود، ثم يحسب ولا يخطئ، ويحمل إليه المولود فيحسب له ويخبر بكل علامة فيه بغير معاينة وما هو مصيبه إلى يوم يموت. قلت: كيف دخل الحساب في مواليد الناس ؟ قال: لان جميع الناس إنما يولدون بهذه النجوم، ولولا ذلك لم يستقم هذا الحساب فمن ثم لا يخطئ إذا علم الساعة واليوم والشهر والسنة التي يولد فيها المولود. قلت: لقد توصفت علما عجيبا (1) ليس في علم الدنيا أدق منه ولا أعظم إن كان حقا كما ذكرت، يعرف به المولود الصبي وما فيه من العلامات ومنتهى أجله وما يصيبه في حياته، أو ليس هذا حسابا تولد به جميع أهل الدنيا من كان من الناس ؟ قال: لا أشك فيه. قلت: فتعال ننظر بعقولنا كيف علم الناس هذا العلم وهل يستقيم أن يكون لبعض الناس إذا كان جميع الناس يولدون بهذه النجوم، وكيف عرفها بسعودها ونحوسها، وساعاتها وأوقاتها، ودقائقها ودرجهاتها، وبطيئها وسريعها، ومواضعها من السماء، ومواضعها تحت الارض، ودلالتها على غامض هذه الاشياء التي وصفت في السماء وما تحت الارض، فقد عرفت أن بعض هذه البروج في السماء، وبعضها تحت الارض، و كذلك النجوم السبعة منها تحت الارض ومنها في السماء فما يقبل عقلي أن مخلوقا من أهل الارض قدر على هذا. قال: وما أنكرت من هذا ؟ قلت: إنك زعمت أن جميع أهل الارض إنما يتوالدون بهذه النجوم، فأرى الحكيم الذي وضع هذا الحساب بزعمك من بعض أهل الدنيا، ولا شك إن كنت صادقا أنه ولد ببعض هذه النجوم والساعات و الحساب الذي كان قبله، إلا أن تزعم أن ذلك الحكيم لم يولد بهذه النجوم كما ولد سائر الناس. قال: وهل هذا الحكيم إلا كسائر الناس ؟ قلت: أفليس ينبغي أن يدلك عقلك على أنها قد خلقت قبل هذا الحكيم الذي زعمت انه وضع هذا الحساب، وقد زعمت أنه ولد ببعض هذه النجوم ؟ قال: بلى.


(1) وفي نسخة: لقد وصفت علما عجيبا.

[ 172 ]

قلت: فكيف اهتدى لوضع هذه النجوم ؟ وهل هذا العلم إلا من معلم كان قبلهما وهو الذي أسس هذا الحساب الذي زعمت أنه أساس المولود، والاساس أقدم من المولود، والحكيم الذي زعمت أنه وضع هذا إنما يتبع أمر معلم هو أقدم منه، وهو الذي خلقه مولودا ببعض هذا النجوم، وهو الذي أسس هذه البروج التي ولد بها غيره من الناس فواضع الاساس ينبغي أن يكون أقدم منها، هب إن هذا الحكيم عمر مذ كانت الدنيا عشرة أضعاف، هل كان نظره في هذه النجوم إلا كنظرك إليها معلقة في السماء أو تراه كان قادرا على الدنو منها وهي في السماء حتى يعرف منازلها و مجاريها، نحوسها وسعودها، ودقائقها، وبأيتها تكسف الشمس والقمر، وبأيتها يولد كل مولود، وأيها السعد وأيها النحس، وأيها البطيئ وأيها السريع، ثم يعرف بعد ذلك سعود ساعات النهار ونحوسها، وأيها السعد وأيها النحس، وكم ساعة يمكث كل نجم منها تحت الارض، وفي أي ساعة تغيب، وأي ساعة تطلع، وكم ساعة يمكث طالعا، وفي أي ساعة تغيب، وكم استقام لرجل حكيم كما زعمت من أهل الدنيا أن يعلم علم السماء مما لا يدرك بالحواس، ولا يقع عليه الفكر، ولا يخطر على الاوهام وكيف اهتدى أن يقيس الشمس حتى يعرف في أي برج، وفي أي برج القمر، وفي أي برج من السماء هذه السبعة السعود والنحوس وما الطالع منها وما الباطن ؟ وهي معلقة في السماء وهو من أهل الارض لا يراها إذا توارت بضوء الشمس إلا أن تزعم أن هذا الحكيم الذي وضع هذا العلم قد رقى إلى السماء، وأنا أشهد أن هذا العالم لم يقدر على هذا العلم إلا بمن في السماء، لان هذا ليس من علم أهل الارض. قال: ما بلغني أن أحدا من أهل الارض رقى إلى السماء. قلت: فلعل هذا الحكيم فعل ذلك ولم يبلغك ؟ قال: ولو بلغني ما كنت مصدقا. قلت: فأنا أقول قولك، هبه رقى إلى السماء هل كان له بد من أن يجري مع كل برج من هذه البروج، ونجم من هذه النجوم من حيث يطلع إلى حيث يغيب، ثم يعود إلى الآخر حتى يفعل مثل ذلك حتى يأتي على آخرها ؟ فإن منها ما يقطع السماء في ثلاثين سنة، ومنها ما يقطع دون ذلك، وهل كان له بد من أن يجول في أقطار السماء حتى يعرف مطالع السعود منها والنحوس،

[ 173 ]

والبطيئ والسريع، حتى يحصي ذلك ؟ أو هبه قدر على ذلك حتى فرغ مما في السماء هل كان يستقيم له حساب ما في السماء حتى يحكم حساب ما في الارض وما تحتها و أن يعرف ذلك مثل ما قد عاين في السماء ؟ لان مجاريها تحت الارض على غير مجاريها في السماء، فلم يكن يقدر على أحكام حسابها ودقائقها وساعاتها إلا بمعرفة ما غاب عنه تحت الارض منها، لانه ينبغي أن يعرف أي ساعة من الليل يطلع طالعها، وكم يمكث تحت الارض، وأية ساعة من النهار يغيب غائبها لانه لا يعاينها، ولا ما طلع منها ولا ما غاب، ولابد من أن يكون العالم بها واحدا وإلا لم ينتفع بالحساب إلا تزعم أن ذلك الحكيم قد دخل في ظلمات الارضين والبحار فسار مع النجوم والشمس والقمر في مجاريها على قدر ما سار في السماء حتى علم الغيب منها، وعلم ما تحت الارض على قدر ما عاين منها في السماء. قال: وهل أريتني أجبتك إلى أن أحدا من أهل الارض رقى إلى السماء وقدر على ذلك حتى أقول: إنه دخل في ظلمات الارضين والبحور ؟ قلت: فكيف وقع هذا العلم الذي زعمت أن الحكماء من الناس وضعوه وأن الناس كلهم مولدون به وكيف عرفوا ذلك الحساب وهو أقدم منهم ؟. أقول: في نسخة السيد ابن طاووس هنها زيادة: " قال: أرأيت إن قلت لك: إن البروج لم تزل وهي التي خلقت أنفسها على هذا الحساب ما الذي ترد علي ؟ (1) قلت: أسألك كيف يكون بعضها سعدا وبعضها نحسا، وبعضها مضيئا وبعضها مظلما، وبعضها صغيرا وبعضها كبيرا ؟. قال: كذلك أرادت أن تكون بمنزلة الناس، فإن بعضهم جميل، وبعضهم قبيح، وبعضهم قصير، وبعضهم طويل، وبعضهم أبيض، وبعضهم أسود، وبعضهم صالح، وبعضهم طالح. قلت: فالعجب منك إني اراودك منذ اليوم على أن تقر بصانع فلم تجبني إلى ذلك حتى كان الآن أقررت بأن القردة والخنازير خلقن أنفسهن !. قال: لقد بهتني بما لم يسمع الناس مني ! قلت: أفمنكر أنت لذلك ؟ قال:


(1) في نسخة: ما الذى يرد على.

[ 174 ]

أشد إنكار. قلت: فمن خلق القردة والخنازير إن كان الناس والنجوم خلقن أنفسهن ؟ فلابد من أن تقول: إنهن من خلق الناس، أو خلقن أنفسهن، أفتقول: إنها من خلق الناس ؟ قال: لا. قلت: فلابد من أن يكون لها خالق أو هي خلقت أنفسها، فإن قلت: إنها من خلق الناس أقررت أن لها خالقا، فإن قلت: لابد أن يكون لها خالق فقد صدقت وما أعرفنا به، ولئن قلت: إنهن خلقن أنفسهن فقد أعطيتني فوق ما طلبت منك من الاقرار بصانع. ثم قلت: فأخبرني بعضهن قبل بعض خلقن أنفسهن أم كان ذلك في يوم واحد ؟ فإن قلت: بعضهن قبل بعض فأخبرني السماوات وما فيهن والنجوم قبل الارض والانس والذر خلقن أم بعد ذلك ؟ فإن قلت: إن الارض قبل أفلا ترى قولك: إن الاشياء لم تزل قد بطل حيث كانت السماء بعد الارض ؟. قال: بلى ولكن أقول: معا جميعا خلقن. قلت: أفلا ترى أنك قد أقررت أنها لم تكن شيئا قبل أن خلقن، وقد أذهبت حجتك في الازلية ؟ قال: إني لعلى حد وقوف، ما أدري ما اجيبك فيه لاني أعلم أن الصانع إنما سمي صانعا لصناعته، والصناعة غير الصانع، والصانع غير الصناعة لانه يقال للرجل: الباني لصناعته البناء، والبناء غير الباني والباني غير البناء، وكذلك الحارث غير الحرث والحرث غير الحارث. قلت: فأخبرني عن قولك: إن الناس خلقوا أنفسهم فبكمالهم خلقوها أرواحهم وأجسادهم وصورهم وأنفاسهم أم خلق بعض ذلك غيرهم ؟ قال: بكمالهم لم يخلق ذلك ولا شيئا منهم غيرهم. قلت: فأخبرني الحياة أحب إليهم أم الموت ؟ قال: أو تشك أنه لا شئ أحب إليهم من الحياة، ولا أبغض إليهم من الموت ؟ قلت فأخبرني من خلق الموت الذي يخرج أنفسهم التي زعمت أنهم خلقوها ؟ فإنك لا تنكر أن الموت غير الحياة، وأنه هو الذي يذهب بالحياة. فإن قلت: إن الذي خلق الموت غيرهم، فإن الذي خلق الموت هو الذي خلق الحياة، ولئن قلت: هم الذين خلقوا الموت لانفسهم إن هذا لمحال من القول ! وكيف خلقوا لانفسهم ما يكرهون إن كانوا كما زعمت خلقوا أنفسهم ؟ هذا ما يستنكر من ضلالك أن تزعم أن الناس قدروا على خلق أنفسهم بكمالهم وأن الحياة أحب إليهم من الموت وخلقوا ما يكرهون لانفسهم !.

[ 175 ]

قال: ما أجد واحدا من القولين ينقاد لي ولقد قطعته علي قبل الغاية التي كنت اريدها. قلت: دعني فإن من الدخول في أبواب الجهالات مالا ينقاد من الكلام، و إنما أسألك عن معلم هذا الحساب الذي علم أهل الارض علم هذه النجوم المعلقة في السماء. " اقول: رجعنا إلى ما في النسخ المشهورة: قال: ما أجد يستقيم أن أقول: إن أحدا من أهل الارض وضع علم هذه النجوم المعلقة في السماء. قلت: فلابد لك أن تقول: إنما علمه حكيم عليم بأمر السماء والارض ومدبرهما. قال: إن قلت هذا فقد أقررت لك بإلهك الذي تزعم أنه في السماء. قلت: أما أنك فقد أعطيتني أن حساب هذه النجوم حق، وأن جميع الناس ولدوا بها. قال: الشك في غير هذا. قلت: وكذلك أعطيتني أن أحدا من أهل الارض لم يقدر على أن يغيب مع هذه النجوم والشمس والقمر في المغرب حتى يعرف مجاريها ويطلع معها إلى المشرق. قال: الطلوع إلى السماء دون هذا. قلت: فلا أراك تجد بدا من أن تزعم أن المعلم لهذا من السماء. قال: لئن قلت أن ليس لهذا الحساب معلم لقد قلت إذا غير الحق، ولئن زعمت أن أحدا من أهل الارض علم ما في السماء وما تحت الارض لقد أبطلت لان أهل الارض لا يقدرون على علم ما وصفت لك من حال هذه النجوم والبروج بالمعاينة والدنو منها (1) فلا يقدرون عليه لان علم أهل الدنيا لا يكون عندنا إلا بالحواس، وما يدرك علم هذه النجوم التي وصفت بالحواس لانها معلقة في السماء وما زادت الحواس على النظر إليها حيث تطلع وحيث تغيب، فأما حسابها ودقائقها ونحوسها وسعودها وبطيئها وسريعها وخنوسها ورجوعها فأنى تدرك بالحواس أو يهتدى إليها بالقياس ؟. قلت: فأخبرني لو كنت متعلما مستوصفا لهذا الحساب من أهل الارض أحب إليك أن تستوصفه وتتعلمه، أم من أهل السماء ؟ قال: من أهل السماء، إذ كانت النجوم معلقة فيها حيث لا يعلمها أهل الارض.


(1) وفي نسخة: فاما الدنو.

[ 176 ]

قلت: فافهم وأدق النظر وناصح نفسك ألست تعلم أنه حيث كان جميع أهل الدنيا إنما يولدون بهذه النجوم على ما وصفت في النحوس والسعود أنهن كن قبل الناس ؟ قال: ما أمتنع أن أقول هذا. قلت: أفليس ينبغي لك أن تعلم أن قولك: إن الناس لم يزالوا ولا يزالون قد انكسر عليك (1) حيث كانت النجوم قبل الناس، فالناس حدث بعدها، و لئن كانت النجوم خلقت قبل الناس ما تجد بدا من أن تزعم أن الارض خلقت قبلهم. قال: ولم تزعم أن الارض خلقت قبلهم ؟ قلت: ألست تعلم أنها لو لم تكن الارض جعل الله لخلقه فراشا ومهادا ما استقام الناس ولا غيرهم من الانام، ولا قدروا أن يكونوا في الهواء إلا أن يكون لهم أجنحة ؟ قال: وماذا يغني عنهم الاجنحة إذا لم تكن لهم معيشة ؟ قلت: ففي شك أنت من أن الناس حدث بعد الارض والبروج ؟ قال: لا ولكن على اليقين من ذلك. قلت: آتيك أيضا بما تبصره. قال: ذلك أنفى (2) للشك عني. قلت: ألست تعلم أن الذي تدور عليه هذه النجوم والشمس والقمر هذا الفلك ؟ قال: بلى. قلت: أفليس قد كان أساسا لهذه النجوم ؟ قال: بلى. قلت: فما أرى هذه النجوم التي زعمت أنها مواليد الناس إلا وقد وضعت بعد هذا الفلك لانه به تدور البروج وتسفل مرة وتصعد اخرى. قال: قد جئت بأمر واضح لا يشكل على ذي عقل أن الفلك الذي تدور به النجوم هو أساسها الذي وضع لها لانها إنما جرت به. قلت: أقررت أن خالق النجوم التي يولد بها الناس سعودهم ونحوسهم هو خالق الارض لانه لو لم يكن خلقها لم يكن ذرء. قال: ما أجد بدا من إجابتك إلى ذلك. قلت: أفليس ينبغي لك أن يدلك عقلك على أنه لا يقدر على خلق السماء إلا الذي خلق الارض والذرء والشمس والقمر والنجوم، وأنه لولا السماء وما فيها لهلك ذرء الارض. شرح: أن يكون لبعض الناس أي هذا العلم. اعلم أن كلامه واحتجاجه عليه السلام


(1) وفي نسخة: قد أنكر عليك. (2) وفي نسخة: قال: ذلك أنقى للشك عنى.

[ 177 ]

مبني على أحد أمرين: الاول ما يحكم به الوجدان من أن العلم بدقائق حركات هذه الكواكب وخواص آثارها والمناسبة بينها وبين ما هي علامة لحدوثها لا يتأتى إلا لخالقها الذي جعلها كذلك، أو من ينتهي علمه إليه، ومعلوم أن ما هو الحق من هذه العلوم إنما وصل إلى الخلق من الانبياء كما اعترفوا به، ولما لم يحيطوا بجميع ذلك وضاع عنهم بعض ما استفادوا من الانبياء عليهم السلام أيضا فلذا ترى الرياضيين يتحيرون في بعض الحركات التي لا تستقيم على اصولهم، ويسمونها ما لا ينحل، وترى المنجمين يخطؤون في كثير من أحكامهم لذلك. ثم ذكر عليه السلام على سبيل التنزل أنه لو سلمنا أنه يمكن أن يتيسر ذلك لمخلوق من البشر فلا يتأتى ذلك إلا لمن كان معها في حركاتها و يعاشرها مدة طويلة ليعلم كيفية حركاتها وجرب بكثرة المعاشرة خواصها وآثارها. والثاني: أن يكون المراد أنك إذا اعترفت أن كل الخلق يولدون بهذه النجوم فلا يكون أحد منهم علة لها ولآثارها لتقدمها عليهم، ولا شك في أنه لابد من حكيم عالم بجميع الامور قادر عليها، أسس ذلك الاساس وبنى عليها تلك الآثار والاحكام التي أمكن للخلق بها استعلام ما لم يأت من الامور، فقد أقررت بالصانع فهو أول عالم بهذا العلم لا الحكيم الذي تزعم أنه يولد بتلك النجوم. (1) ويحتمل أن يكون المقصود من الكلام الاشارة إلى كلا الدليلين كما لا يخفى بعد التأمل. قوله عليه السلام: مواضعها من السماء أي عند كونها فوق الارض، ومواضعها تحت الارض أي بعد غروبها واستتارها عنا بالارض. قوله عليه السلام: إلا بمن في السماء أي بمن أحاط علمه وقدرته وحكمه بالسماء وما فيها. قوله عليه السلام: فأنا أقول قولك أي أنا أعتقد ما قلت من أن الحكماء الذين تزعمهم عالمين به لم يرقوا إلى السماء، أو أعتقد أنه لا يمكنهم أن يرقوا إلى السماء بأنفسهم بدون تعلق إرادة الرب تعالى به، ومع ذلك فإن سلمناه فلا يكفي محض الصعود للاحاطة بذلك. قوله عليه السلام: مع كل برج أي فيه أو بالحركة السريعة. قوله عليه السلام: في ثلاثين سنة وهو زحل، وهو أبطأ السيارات، وإنما لم يتعرض عليه السلام للثوابت مع


(1) وبعبارة اخرى إنك بعد ما اعترفت بأن جميع الناس يولدون بهذه النجوم ولم يمكن أن يولد أحد من أهل الارض الا بهذه النجوم لانها علته، فقد اعترفت بأن واضع هذه النجوم غير أهل الدنيا لانهم معلولون لها، وهذا تسليم واذعان منك بالصانع تعالى.

[ 178 ]

كونها أبطأ لان مبنى أحكامهم على السيارات. قوله عليه السلام: لان مجاريها تحت الارض لما ذكر عليه السلام سابقا سيره مع الكواكب من الطلوع إلى الغروب أشار عليه السلام ههنا إلى أنه لا يكفي ذلك للعلم بجميع الحركات حتى يسير معها بعد الغروب فيحاذي ما تحت الارض من البحار والمواضع المظلمة بالبخارات، أو يسير مع سائر الكواكب عند كون الشمس فوق الارض حتى يحاذي ما تحتها الظلمة، ثم بين عليه السلام الحاجة إلى ذلك بأنه لا تكفي الاحاطة ببعض مسيرها للعلم بحركاتها لان حركاتها الخاصة عندهم مختلفة بالنسبة إلى مركز العالم بسبب التداوير والافلاك الخارجة المراكز وغيرها، فتارة تسرع وتارة تبطئ فلا تتأتى مقايسة بعض حركاتها ببعض. قوله عليه السلام: كيف يكون بعضها سعدا أي يرجع قولك إلى أنها مع صفاتها وجدت من غير صانع فكيف صار بعضها هكذا وبعضها هكذا، فترجح هذه الاحوال الممكنة و حصولها من غير علة مما يحكم العقل باستحالته، أو المراد أنها لو كانت خالقة لانفسها لكان كل منها يختار لنفسه أفضل الاحوال وأشرفها فكان جميعها على حالة واحدة هي أفضل الاحوال، وهذا أظهر. ثم لما لم يفهم السائل ذلك غير الكلام وصرفه إلى ما هو أوضح. وقوله عليه السلام: قد أقررت أنها لم تكن شيئا إما مبني على أن الصنع والخلق لا يتعلقان إلا بالحادث، أو على ما كان ظاهر كلام السائل أن لوجودها مبدءا، ثم إن السائل لما تفطن بفساد كون الشئ صانعا لنفسه رجع وأقر بأن العقل يحكم بديهة بأن المصنوع غير الصانع، والباني غير البناء، وما ذكره عليه السلام من أن خالق الحياة والموت لابد أن يكون واحدا مما يحكم به الوجدان مع أن الظاهر من خالق الحياة من يكون مستقلا فيه، والموت ليس إلا رفع الحياة، فلو كان مستندا إلى غيره لم يكن خالق الحياة مستقلا فيه. قوله عليه السلام: دون هذا أي أنا انكر الصعود إلى السماء الذي هو أسهل مما ذكرت فكيف اقر به، أو المراد أن الصعود إلى السماء أسهل علي من الاقرار بما ذكرت. قوله عليه السلام: إنهن كن قبل الناس أي بالعلية والسببية كما ظن السائل، أو بالزمان أي تقدمها على كل شخص، أو على الجميع بناءا على لزوم التقدم على كل

[ 179 ]

من الاشخاص التقدم على الجميع كما قيل، أو على أنه عليه السلام كان يعلم أن السائل كان قائلا بذلك فذكره عليه السلام إلزاما عليه كما اعترف به، وعلى الاول يكون المراد بقوله: لم يزالوا ولا يزالون عدم استنادهم إلى علة، وعلى الثاني فالمراد إما قدم مادتهم أو صورهم أيضا بناءا على القول بالكمون، وعلى الثالث فالمراد قدم نوعهم. قوله عليه السلام: بعد هذا الفلك أي هي محتاجة إلى الفلك، والفلك متقدمة عليها بالعلية فلا يصح كون النجوم علة لها للزوم الدور. قوله عليه السلام: لم يكن ذرء أي مذروء ومخلوق من الانس. ثم اعلم أن حاصل استدلاله على ما ظهر لهذا القاصر هو أنه عليه السلام - لما قرر السائل سالفا على أن النجوم ليست خالقة لانفسها، وآنفا على أنها ليست مخلوقة للناس وغيرها مما يحدث بزعمه بتأثيرها لتأخرها عنها، وعلى أن الارض أيضا متقدمة على ما عليها من الخلق فلا تكون مخلوقة لما عليها، وعلى أن الفلك لتقدمه على النجوم المتقدمة على الناس لا يجوز كونه مخلوقا لشئ منها - استدل عليه السلام ههنا على أنه لابد أن يكون خالق السماء والارض وما في السماء من الشمس والقمر والنجوم وما على الارض من الخلق واحدا. أما اتحاد خالق الارض والنجوم فيمكن تقريره بوجهين: الاول: أن الناس محتاجون إلى الارض كما عرفت، وظاهر أنها من أعظم مصالحهم فالوجدان الصحيح يحكم بأن من خلق شيئا يعد له ما يصلحه، ويهيئ له ما سيحتاج إليه فظهر أنه لابد أن يكون خالق الناس وخالق الارض واحدا، والناس بزعمك مخلوقون للنجوم ولزمك القول بوجود خالق للنجوم، فلابد من القول بكون الارض منسوبة إلى خالق النجوم إما بلا واسطة أو بواسطة النجوم أو غيرها فثبت المطلوب. الثاني: أنا نرى التلازم بين الناس والارض لحكم العقل بأن كلا منهما يرتفع عند ارتفاع الآخر إذ الظاهر أن غاية خلق الارض هو الانسان ونحوه وهم محتاجون في امورهم إليها، وقد تقرر أن المتلازمين إما أن يكون أحدهما علة للآخر، أو كل منهما معلول علة ثالثة، ولا يجوز أن يكون الناس عللا للارض لما عرفت، ولا معلولة

[ 180 ]

لها لانتسابها عندك إلى النجوم فلابد من أن يكونا معلولي علة واحدة. وبأحد هذين التقريرين يثبت اتحاد خالق السماء وخالق هذه الامور السابقة لاحتياج ما على الارض من الخلق إلى السماء وما فيها من النجوم، وإليه أشار عليه السلام بقوله: وإنه لولا السماء و ما فيها لهلك ذرء الارض. هذا ما أحاط به نظري العاثر، وسيأتي في تضاعيف كلامه عليه السلام توضيح ما قلناه، والتصريح ببعض ما قررناه، والله يعلم وحججه عليهم السلام حقائق كلامهم ودقائق مرامهم، ثم لا يتوهم متوهم من كلامه عليه السلام أن للنجوم تأثيرا فإنه ظاهر أنه عليه السلام إنما ذكرها إلزاما عليه، ومماشاة معه لاتمام الحجة عليه (1) بل لا يمكن الاستدلال على سعودها ونحوسها وكونها علامات للكائنات أيضا بهذا الوجه لكن ظاهره أن لها سعادة ونحوسة وأنها علامات، وسيأتي القول في ذلك مفصلا في كتاب السماء والعالم. متن: قال: أشهد أن الخالق واحد من غير شك لانك قد أتيتني بحجة ظهرت لعقلي وانقطعت بها حجتي، وما أرى يستقيم أن يكون واضع هذا الحساب ومعلم هذه النجوم واحدا من أهل الارض لانها في السماء، ولا مع ذلك يعرف ما تحت الارض منها إلا معلم ما في السماء منها، ولكن لست أدرى كيف سقط أهل الارض على هذا العلم الذي هو في السماء حتى اتفق حسابهم على ما رأيت من الدقة والصواب فإني لو لم أعرف من هذا الحساب ما أعرفه لانكرته ولاخبرتك أنه باطل في بدء الامر فكان أهون علي. قلت: فأعطني موثقا إن أنا أعطيتك من قبل هذه الاهليلجة التي في يدك وما تدعي من الطب الذي هو صناعتك وصناعة آبائك حتى يتصل الاهليلجة وما يشبهها من الادوية بالسماء لتذعنن بالحق، ولتنصفن من نفسك. قال: ذلك لك. قلت: هل كان الناس على حال وهم لا يعرفون الطب ومنافعه من هذه الاهليلجة وأشباهها ؟ قال: نعم. قلت: فمن أين اهتدوا له ؟ قال: بالتجربة وطول المقايسة. قلت: فكيف خطر


(1) ما ذكره رحمه الله بمعنى التأثير بنحو الاستقلال حق، وأما أصل التأثير بمعنى وجود رابطة السببية والمسببية بين هذه الاشياء فهو مما بنى عليه كلامه عليه السلام من أوله إلى آخره كما هو ظاهر. ط

[ 181 ]

على أوهامهم حتى هموا بتجربته ؟ وكيف ظنوا أنه مصلحة للاجساد وهم لا يرون فيه إلا المضرة ؟ أو كيف عزموا على طلب ما لا يعرفون مما لا تدلهم عليه الحواس ؟ قال: بالتجارب. قلت: أخبرني عن واضع هذا الطب وواصف هذه العقاقير المتفرقة بين المشرق والمغرب، هل كان بد من أن يكون الذي وضع ذلك ودل على هذه العقاقير رجل حكيم من بعض أهل هذه البلدان ؟. قال: لابد أن يكون كذلك، وأن يكون رجلا حكيما وضع ذلك وجمع عليه الحكماء فنظروا في ذلك وفكروا فيه بعقولهم. قلت: كأنك تريد الانصاف من نفسك والوفاء بما أعطيت من ميثاقك فأعلمني كيف عرف الحكيم ذلك ؟ وهبه قد عرف بما في بلاده من الدواء، والزعفران الذي بأرض فارس، أتراه اتبع جميع نبات الارض فذاقه شجرة شجرة حتى ظهر على جميع ذلك ؟ وهل يدلك عقلك على أن رجالا حكماء قدروا على أن يتبعوا جميع بلاد فارس ونباتها شجرة شجرة حتى عرفوا ذلك بحواسهم، وظهروا على تلك الشجرة التي يكون فيها خلط بعض هذه الادوية التي لم تدرك حواسهم شيئا منها ؟ وهبه أصاب تلك الشجرة بعد بحثه عنها وتتبعه جميع شجر فارس ونباتها، كيف عرف أنه لا يكون دواء حتى يضم إليه الاهليلج من الهند، والمصطكي من الروم، والمسك من التبت، والدارصيني من الصين، وخصي بيدستر من الترك، والافيون من مصر، والصبر من اليمن، (1) والبورق من أرمينة، (2) وغير ذلك من أخلاط الادوية التي تكون في أطراف الارض ؟ وكيف عرف أن بعض تلك الادوية وهي عقاقير مختلفة يكون المنفعة باجتماعها ولا يكون منفعتها في الحالات بغير اجتماع ؟ أم كيف اهتدى لمنابت هذه الادوية وهي ألوان مختلفة وعقاقير متبائنة في بلدان متفرقة ؟ فمنها عروق، ومنها لحاء (3) ومنها ورق، ومنها ثمر، ومنها عصير، ومنها مائع، ومنها صمغ، ومنها دهن، ومنها


(1) الصبروزان كتف: عصارة شجرمر. (2) البورق بالفتح معرب بوره: شئ يتكون مثل الملح في شطوط الانهار والمياه. (3) اللحاء: قشر العود أو الشجر. (*)

[ 182 ]

ما يعصر ويطبخ، ومنها ما يعصر ولا يطبخ، مما سمي بلغات شتى لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا يصير دواءا إلا باجتماعها، ومنها مرائر السباع والدواب البرية والبحرية، وأهل هذه البلدان مع ذلك متعادون مختلفون متفرقون باللغات، متغالبون بالمناصبة، (1) و متحاربون بالقتل والسبي أفترى ذلك الحكيم تتبع هذه البلدان حتى عرف كل لغة وطاف كل وجه، وتتبع هذه العقاقير مشرقا ومغربا آمنا صحيحا لا يخاف ولا يمرض، سليما لا يعطب، حيا لا يموت، هاديا لا يضل، قاصدا لا يجوز (2) حافظا لا ينسى، نشيطا لا يمل، حتى عرف وقت أزمنتها، ومواضع منابتها مع اختلاطها واختلاف صفاتها وتباين ألوانها وتفرق أسمائها، ثم وضع مثالها على شبهها وصفتها، ثم وصف كل شجرة بنباتها وورقها وثمرها وريحها وطعمها ؟ أم هل كان لهذا الحكيم بد من أن يتبع جميع أشجار الدنيا وبقولها وعروقها شجرة شجرة، وورقة ورقة، شيئا شيئا ؟ فهبه وقع على الشجرة التي أراد فكيف دلته حواسه على أنها تصلح لدواء، والشجر مختلف منه الحلو والحامض والمر والمالح. وإن قلت: يستوصف في هذه البلدان ويعمل بالسؤال، فأنى يسأل عما لم يعاين ولم يدركه بحواسه ؟ أم كيف يهتدي إلى من يسأله عن تلك الشجرة وهو يكلمه بغير لسانه وبغير لغته والاشياء كثيرة ؟ فهبه فعل كيف عرف منافعها ومضارها، وتسكينها و تهييجها، وباردها وحارها، وحلوها ومرارتها وحرافتها، (3) ولينها وشديدها (4) ؟ فلئن قلت: بالظن إن ذلك مما لا يدرك ولا يعرف بالطبائع والحواس، ولئن قلت: بالتجربة والشرب لقد كان ينبغي له أن يموت في أول ما شرب وجرب تلك الادوية بجهالته بها وقلة معرفته بمنافعها ومضارها وأكثرها السم القاتل. ولئن قلت: بل طاف في كل بلد، وأقام في كل امة يتعلم لغاتهم ويجرب بهم أدويتهم تقتل الاول فالاول منهم ما كان لتبلغ معرفته الدواء الواحد إلا بعد قتل قوم كثير، فما كان أهل تلك البلدان


(1) في نسخة: متقلبون بالمناصبة. (2) في نسخة: قاصدا لا يجوز. (3) الحرافة: طعم يلذع اللسان بحرارته. (4) في نسخة: ولينها ويابسها.

[ 183 ]

الذين قتل منهم من قتل بتجربته بالذين ينقادونه بالقتل ولا يدعونه أن يجاورهم، و هبه تركوه وسلموا لامره ولم ينهوه كيف قوي على خلطها، وعرف قدرها ووزنها و أخذ مثاقيلها وقرط قراريطها ؟ وهبه تتبع هذا كله، وأكثره سم قاتل، إن زيد على قدرها قتل، وإن نقص عن قدرها بطل، وهبه تتبع هذا كله وجال مشارق الارض و مغاربها، وطال عمره فيها تتبعه شجرة شجرة وبقعة بقعة كيف كان له تتبع ما لم يدخل في ذلك من مرارة الطير والسباع ودواب البحر ؟ هل كان بد حيث زعمت أن ذلك الحكيم تتبع عقاقير الدنيا شجرة شجرة وثمرة ثمرة حتى جمعها كلها فمنها مالا يصلح ولا يكون دواءا إلا بالمرار ؟ هل كان بد من أن يتبع جميع طير الدنيا وسباعها ودوابها دابة دابة وطائرا طائرا يقتلها ويجرب مرارتها، كما بحث عن تلك العقاقير على ما زعمت بالتجارب ؟ ولو كان ذلك فكيف بقيت الدواب وتناسلت وليست بمنزلة الشجرة إذا قطعت شجرة نبتت اخرى ؟ وهبه أتى على طير الدنيا كيف يصنع بما في البحر من الدواب التي كان ينبغي أن يتبعها بحرا بحرا ودابة دابة حتى أحاط به كما أحاط بجميع عقاقير الدنيا التي بحث عنها حتى عرفها وطلب ذلك في غمرات الماء ؟ فإنك مهما جهلت شيئا من هذا فإنك لا تجهل أن دواب البحر كلها تحت الماء فهل يدل العقل والحواس على أن هذا يدرك بالبحث والتجارب ؟. قال: لقد ضيقت علي المذاهب، فما أدري ما اجيبك به ! قلت: فإني آتيك بغير ذلك مما هو أوضح وأبين مما اقتصصت عليك، ألست تعلم أن هذه العقاقير التي منها الادوية والمرار من الطير والسباع لا يكون دواءا إلا بعد الاجتماع ؟ قال. هو كذلك. قلت: فأخبرني كيف حواس هذا الحكيم وضعت هذه الادوية مثاقيلها وقراريطها ؟ فإنك من أعلم الناس بذلك لان صناعتك الطب، وأنت تدخل في الدواء الواحد من اللون الواحد زنة أربع مائة مثقال، ومن الآخر مثاقيل وقراريط فما فوق ذلك ودونه حتى يجيئ بقدر واحد معلوم إذا سقيت منه صاحب البطنة بمقدار عقد بطنه، وإن سقيت صاحب القولنج أكثر من ذلك استطلق بطنه وألان (1) فكيف أدركت حواسه على هذا ؟


(1) استطلق البطن: مشى. وألان أي جعله لبنا

[ 184 ]

أم كيف عرفت حواسه أن الذي يسقى لوجع الرأس لا ينحدر إلى الرجلين، والانحدار أهون عليه من الصعود ؟ والذي يسقى لوجع القدمين لا يصعد إلى الرأس، وهو إلى الرأس عند السلوك أقرب منه ؟ وكذلك كل دواء يسقي صاحبه لكل عضو لا يأخذ إلا طريقه في العروق التي تسقى له، وكل ذلك يصير إلى المعدة ومنها يتفرق ؟ أم كيف لا يسفل منه ما صعد ولا يصعد منه ما انحدر ؟ أم كيف عرفت الحواس هذا حتى علم أن الذي ينبغي للاذن لا ينفع العين وما ينتفع به العين لا يغني من وجع الاذن، وكذلك جميع الاعضاء يصير كل داء منها إلى ذلك الدواء (1) الذي ينبغي له بعينه ؟ فكيف أدركت العقول والحكمة والحواس هذا وهو غائب في الجوف، والعروق في اللحم، وفوقه الجلد لا يدرك بسمع ولا ببصر ولا بشم ولا بلمس ولا بذوق ؟. قال: لقد جئت بما أعرفه (2) إلا أننا نقول: إن الحكيم الذي وضع هذه الادوية وأخلاصها كان إذا سقى أحدا شيئا من هذه الادوية فمات شق بطنه وتتبع عروقه ونظر مجاري تلك الادوية وأتى المواضع التي تلك الادوية فيها. قلت: فأخبرني ألست تعلم أن الدواء كله إذا وقع في العروق اختلط بالدم فصار شيئا واحدا ؟ قال: بلى. قلت: أما تعلم أن الانسان إذا خرجت نفسه برد دمه وجمد ؟ قال: بلى. قلت: فكيف عرف ذلك الحكيم دواءه الذي سقاه للمريض بعد ما صار غليظا عبيطا ليس بأمشاج يستدل عليه بلون فيه غير لون الدم ؟ قال: لقد حملتني على مطية صعبة ما حملت على مثلها قط، ولقد جئت بأشياء لا أقدر على ردها. شرح: قوله عليه السلام: خلط بعض هذه الادوية الخلط بالكسر: ما يخلط بالشئ أي ما يدخل في بعض هذه الادوية المركبة. قوله عليه السلام: ثم وضع مثالها على شبهها أي ضم كلما وجد من كل نوع إلى مثله لانه يشبهه ويوافقه في الصفة أو ترك الاشياء التي تشبه ما يريده، وإن كانت موافقة له في الصفات فإن كثيرا من العقاقير تشتبه بغيرها لاتفاقهما في كثير من الصفات. قوله عليه السلام: فكيف بقيت لعل المفروض أن ذلك كان


(1) في نسخة: يصير كل دواء منها إلى ذلك الداء. (2) في نسخة: لقد جئت بما أعرف.

[ 185 ]

في مبادي خلق العالم لقدم ذلك العلم فيلزم من التجارب الكثيرة فناء الحيوانات لقلتها في تلك الازمنة. قوله عليه السلام: ليس بأمشاج أي أشياء مختلطة متمايزة. أقول: كلامه عليه السلام يدل على أن خواص الادوية وأجناسها ومنافعها ومناسبتها للامراض إنما وصل إلى الخلق بإخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولم يصل الخلق إليها بعقولهم وتجاربهم. متن: قلت: فأخبرني من أين علم العباد ما وصفت من هذه الادوية التي فيها المنافع لهم حتى خلطوها وتتبعوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرقة، وعرفوا مواضعها ومعادنها في الاماكن المتبائنة، وما يصلح من عروقها وزنتها من مثاقيلها وقراريطها، وما يدخلها من الحجارة ومرار السباع وغير ذلك ؟ قال: قد أعييت عن إجابتك (1) لغموض مسائلك وإلجائك إياي إلى أمر لا يدرك علمه بالحواس، ولا بالتشبيه والقياس، ولابد أن يكون وضع هذه الادوية واضع، لانها لم تضع هي أنفسها، ولا اجتمعت حتى جمعها غيرها بعد معرفته إياها، فأخبرني كيف علم العباد هذه الادوية التي فيها المنافع حتى خلطوها وطلبوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرقة ؟. قلت: إني ضارب لك مثلا وناصب لك دليلا تعرف به واضع هذه الادوية والدال على هذه العقاقير المختلفة وباني الجسد وواضع العروق التي ياخذ فيها الدواء إلى الداء. قال: فإن قلت ذلك لم أجد بدا من الانقياد إلى ذلك. قلت: فأخبرني عن رجل أنشأ حديقة عظيمة، وبنى عليها حائطا وثيقا، ثم غرس فيها الاشجار والاثمار والرياحين والبقول، وتعاهد سقيها وتربيتها، ووقاها ما يضرها، حتى لا يخفى عليه موضع كل صنف منها فإذا أدركت أشجارها وأينعت أثمارها (2) واهتزت بقولها دفعت إليه (3) فسألته أن يطعمك لونا من الثمار والبقول سميته له أتراه كان قادرا على


(1) أي قد اعجزت عن إجابتك. (2) اينع الثمر: أدرك وطاب وحان قطافه. وفي بعض النسخ: ايفع أثمارها. فهو من أيفع الغلام: ترعرع وناهز البلوغ. (3) في نسخة: ذهبت إليه.

[ 186 ]

أن ينطلق قاصدا مستمرا لا يرجع، ولا يهوي إلي شئ يمر به من الشجرة والبقول حتى يأتي الشجرة التي سألته أن يأتيك بثمرها، والبقلة التي طلبتها حيث كانت من أدنى الحديقة أو أقصاها فيأتيك بها ؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت لو قال لك صاحب الحديقة حيث سألته الثمرة: ادخل الحديقة فخذ حاجتك فإني لا أقدر على ذلك، هل كنت تقدر أن تنطلق قاصدا لا تأخد يمينا ولا شمالا حتى تنتهي إلى الشجرة فتجتني منها ؟ قال: و كيف أقدر على ذلك ولا علم لي في أي مواضع الحديقة هي ؟ قلت: أفليس تعلم أنك لم تكن لتصيبها دون أن تهجم عليها بتعسف وجولان في جميع الحديقة حتى تستدل عليها ببعض حواسك بعد ما تتصفح فيها من الشجرة شجرة شجرة وثمرة ثمرة حتى تسقط على الشجرة التي تطلب ببعض حواسك إن تأتيها، وإن لم ترها انصرفت ؟. قال: وكيف أقدر على ذلك ولم اعاين مغرسها حيث غرست، ولا منبتها حيث نبتت، ولا ثمرتها حيث طلعت. قلت: فإنه ينبغي لك أن يدلك عقلك حيث عجزت حواسك عن إدراك ذلك إن الذي غرس هذا البستان العظيم فيما بين المشرق والمغرب وغرس فيه هذه الاشجار والبقول هو الذي دل الحكيم الذي زعمت أنه وضع الطب على تلك العقاقير ومواضعها في المشرق والمغرب، وكذلك ينبغي لك أن تستدل بعقلك على أنه هو الذي سماها وسمى بلدتها وعرف مواضعها كمعرفة صاحب الحديقة الذي سألته الثمرة، وكذلك لا يستقيم ولا ينبغي أن يكون الغارس والدال عليها إلا الدال على منافعها ومضارها وقراريطها ومثاقيلها. قال: إن هذا لكما تقول. قلت: أفرأيت لو كان خالق الجسد وما فيه من العصب واللحم والامعاء والعروق التي يأخذ فيها الادوية إلى الرأس وإلى القدمين وإلى ما سوى ذلك غير خالق الحديقة وغارس العقاقير، هل كان يعرف زنتها ومثاقيلها وقراريطها وما يصلح لكل داء منها، وما كان يأخذ في كل عرق ؟. قال: وكيف يعرف ذلك أو يقدر عليه وهذا لا يدرك بالحواس، ما ينبغي أن يعرف هذا إلا الذي غرس الحديقة وعرف كل شجرة وبقلة وما فيها من المنافع والمضار قلت: أفليس كذلك ينبغي أن يكون الخالق واحدا ؟ لانه لو كان إثنين أحدهما خالق

[ 187 ]

الدواء والآخر خالق الجسد والداء لم يهتد غارس العقاقير لايصال دوائه إلى الداء الذي بالجسد مما لا علم له به، ولا اهتدى خالق الجسد إلى علم ما يصلح ذلك الداء من تلك العقاقير، فلما كان خالق الداء والدواء واحدا أمضى الدواء في العروق التي برأ وصور إلى الداء الذي عرف ووضع فعلم مزاجها من حرها وبردها ولينها وشديدها وما يدخل في كل دواء منه من القراريط والمثاقيل، وما يصعد إلى الرأس وما يهبط إلى القدمين منها وما يتفرق منه فيما سوى ذلك. قال: لا أشك في هذا لانه لو كان خالق الجسد غير خالق العقاقير لم يهتد واحد منهما إلى ما وصفت. قلت: فإن الذي دل الحكيم الذي وصفت أنه أول من خلط هذه الادوية ودل عى عقاقيرها المتفرقة فيما بين المشرق والمغرب، ووضع هذا الطب على ما وصفت لك هو صاحب الحديقة فيما بين المشرق والمغرب، وهو باني الجسد، وهو دل الحكيم بوحي منه على صفة كل شجرة وبلدها، وما يصلح منها من العروق والثمار والدهن والورق والخشب واللحاء، وكذلك دله على أوزانها من مثاقيلها و قراريطها وما يصلح لكل داء منها، وكذلك هو خالق السباع والطير والدواب التي في مرارها المنافع مما يدخل في تلك الادوية فإنه لو كان غير خالقها لم يدر ما ينتفع به من مرارها وما يضر وما يدخل منها في العقاقير، فلما كان الخالق سبحانه وتعالى واحدا دل على ما فيه من المنافع منها فسماه باسمه حتى عرف وترك مالا منفعة فيه منها، فمن ثم علم الحكيم أي السباع والدواب والطير فيه المنافع، وأيها لا منفعة فيه، ولولا أن خالق هذه الاشياء دله عليها ما اهتدى بها. قال: إن هذا لكما تقول وقد بطلت الحواس والتجارب عند هذه الصفات. قلت أما إذا صحت نفسك فتعال ننظر بعقولنا ونستدل بحواسنا، هل كان يستقيم لخالق هذه الحديقة وغارس هذه الاشجار وخالق هذه الدواب والطير والناس الذي خلق هذه الاشياء لمنافعهم أن يخلق هذا الخلق ويغرس هذا الغرس في أرض غيره مما إذا شاء منعه ذلك ؟. قال: ما ينبغي أن تكون الارض التي خلقت فيها الحديقة العظيمة وغرست فيه

[ 188 ]

الاشجار إلا لخالق هذا الخلق وملك يده. قلت: فقد أرى الارض أيضا لصاحب الحديقة لاتصال هذه الاشياء بعضها ببعض. قال: ما في هذا شك. قلت: فأخبرني وناصح نفسك ألست تعلم أن هذه الحديقة وما فيها من الخلقة العظيمة من الانس والدواب والطير و الشجر والعقاقير والثمار وغيرها لا يصلحها إلا شربها وريها من الماء الذي لا حياة لشئ إلا به ؟ قال: بلى. قلت: أفترى الحديقة وما فيها من الذرء خالقها واحد. وخالق الماء غيره يحبسه عن هذه الحديقة إذا شاء ويرسله إذا شاء فيفسد على خالق الحديقة ؟. قال: ما ينبغي أن يكون خالق هذه الحديقة وذارء هذا الذرء الكثير وغارس هذه الاشجار إلا المدبر الاول وما ينبغي أن يكون ذلك الماء لغيره، وإن اليقين عندي لهو أن الذي يجري هذه المياه من أرضه وجباله لغارس هذه الحديقة وما فيها من الخليقة لانه لو كان الماء لغير صاحب الحديقة لهلك الحديقة وما فيها، ولكنه خالق الماء قبل الغرس والذرء وبه استقامت الاشياء وصلحت. قلت: أفرأيت لو لم يكن لهذه المياه المنفجرة في الحديقة مغيض (1) لما يفضل من شربها يحبسه عن الحديقة أن يفيض عليها أليس كان يهلك ما فيها من الخلق على حسب ما كانوا يهلكون لو لم يكن لها ماء ؟ قال: بلى ولكني لا أدري لعل هذا البحر ليس له حابس وأنه شئ لم يزل. قلت: أما أنت فقد أعطيتني أنه لولا البحر ومغيض المياه إليه لهلكت الحديقة. قال: أجل. قلت: فإني اخبرك عن ذلك بما تستيقن بأن خالق البحر هو خالق الحديقة ما فيها من الخليقة، وأنه جعله مغيضا لمياه الحديقة مع ما جعل فيه من المنافع للناس. قال: فاجعلني من ذلك على يقين كما جعلتني من غيره. قلت: ألست تعلم أن فضول ماء الدنيا يصير في البحر ؟ قال: بلى. قلت: فهل رأيته زائدا قط في كثرة الماء وتتابع الامطار على الحد الذي لم يزل عليه ؟ أو هل رأيته ناقصا في قلة المياه وشدة الحر وشدة القحط ؟ قال: لا. قلت: أفليس ينبغي أن يدلك عقلك على أن خالقه وخالق الحديقة وما فيها من الخليقة واحد، وأنه هو الذي وضع له حدا لا يجاوزه لكثرة الماء ولا لقلته، وأن مما يستدل على ما أقول أنه يقبل بالامواج أمثال الجبال يشرف على


(1) المغيض: مجتمع الماء ومدخله في الارض وفي نسخة: المفيض بالفاء وكذا فيما يأتي بعده. (*)

[ 189 ]

السهل والجبل فلو لم تقبض أمواجه ولم تحبس في المواضع التي امرت بالاحتباس فيها لا طبقت على الدنيا حتى إذا انتهت على تلك المواضع التي لم تزل تنتهي إليها ذلت أمواجه وخضع أشرافه. قال: إن ذلك لكما وصفت ولقد عاينت منه كل الذي ذكرت، ولقد أتيتني ببرهان ودلالات ما أقدر على إنكارها ولا جحودها لبيانها. قلت: وغير ذلك سأتيك به مما تعرف اتصال الخلق بعضه ببعض، وأن ذلك من مدبر حكيم عالم قدير، ألست تعلم أن عامة الحديقة ليس شربها من الانهار والعيون وأن أعظم ما ينبت فيها من العقاقير والبقول التي في الحديقة ومعاش ما فيها من الدواب والوحش والطير من البراري التي لا عيون لها ولا أنهار إنما يسقيه السحاب ؟ قال: بلى. قلت: أفليس ينبغي أن يدلك عقلك وما أدركت بالحواس التي زعمت أن الاشياء لا تعرف إلا بها أنه لو كان السحاب الذي يحتمل من المياه إلى البلدان والمواضع التي لا تنالها ماء العيون والانهار وفيها العقاقير والبقول والشجر والانام لغير صاحب الحديقة لامسكه عن الحديقة إذا شاء. ولكان خالق الحديقة من بقاء خليقته التي ذرأ وبرأ على غرور ووجل، خائفا على خليقته أن يحبس صاحب المطر الماء الذي لا حياة للخليقة إلا به ؟. قال: إن الذي جئت به لواضح متصل بعضه ببعض، وما ينبغي أن يكون الذي خلق هذه الحديقة وهذه الارض، وجعل فيها الخليقة وخلق لها هذا المغيض، وأنبت فيها هذه الثمار المختلفة إلا خالق السماء والسحاب، يرسل منها ما شاء من الماء إذا شاء أن يسقي الحديقة ويحيي ما في الحديقة من الخليقة والاشجار والدواب والبقول وغير ذلك، إلا أني احب أن تأتيني بحجة أزداد بها يقينا وأخرج بها من الشك. قلت: فإني آتيك بها إن شاء الله من قبل أهليلجتك واتصالها بالحديقة، وما فيها من الاشياء المتصلة بأسباب السماء لتعلم أن ذلك بتدبير عليم حكيم. قال: وكيف تأتيني بما يذهب عني الشك من قبل الاهليلجة ؟ قلت: فيما اريك فيها من إتقان الصنع، وأثر التركيب المؤلف، واتصال ما بين عروقها إلى فروعها، واحتياج بعض ذلك إلى بعض حتى يتصل بالسماء. قال: إن أريتني ذلك لم أشك. قلت: ألست

[ 190 ]

تعلم أن الاهليلجة نابتة في الارض وأن عروقها مؤلفة إلى أصل، وأن الاصل متعلق بساق متصل بالغصون، والغصون متصلة بالفروع، والفروع منظومة بالاكمام والورق، وملبس ذلك كله الورق، ويتصل جميعه بظل يقيه حر الزمان وبرده ؟. قال: أما الاهليلجة فقد تبين لي اتصال لحائها وما بين عروقها وبين ورقها ومنبتها من الارض، فأشهد أن خالقها واحد لا يشركه في خلقها غيره لاتقان الصنع واتصال الخلق وايتلاف التدبير وإحكام التقدير. قلت: إن أريتك التدبير مؤتلفا بالحكمة والاتقان معتدلا بالصنعة، محتاجا بعضه إلى بعض، متصلا بالارض التي خرجت منه الاهليلجة في الحالات كلها أتقر بخالق ذلك ؟ قال: إذن لا أشك في الوحدانية. قلت: فافهم وافقه ما أصف لك: ألست تعلم أن الارض متصلة بإهليلجتك وإهليلجتك متصلة بالتراب، والتراب متصل بالحر والبرد، والحر والبرد متصلان بالهواء والهواء متصل بالريح، والريح متصلة بالسحاب، والسحاب متصل بالمطر، والمطر متصل بالازمة، والازمنة متصلة بالشمس والقمر، والشمس والقمر متصلتان بدوران الفلك، والفلك متصل بما بين السماء والارض صنعة ظاهرة، وحكمة بالغة، وتأليف متقن، وتدبير محكم، متصل كل هذا ما بين السماء والارض، لا يقوم بعضه إلا ببعض، ولا يتأخر واحد منهما عن وقته، ولو تأخر عن وقته لهلك جميع من في الارض من الانام والنباتات ؟ قال: إن هذه لهي العلامات البينات، والدلالات الواضحات التي يجري معها أثر التدبير، بإتقان الخلق والتأليف مع إتقان الصنع، لكني لست أدري لعل ما تركت غير متصل بما ذكرت. قلت: وما تركت ؟ قال: الناس. قلت: ألست تعلم أن هذا كله متصل بالناس، سخره لها المدبر الذي أعلمتك أنه إن تأخر شئ مما عددت عليك هلكت الخليقة، وباد جميع ما في الحديقة، وذهبت الاهليلجة التي تزعم أن فيها منافع الناس ؟. قال: فهل تقدر أن تفسر لي هذا الباب على ما لخصت لي غيره ؟ قلت: نعم ابين لك ذلك من قبل إهليلجتك، حتى تشهد أن ذلك كله مسخر لبني آدم. قال: وكيف ذلك ؟ قلت: خلق الله السماء سقفا مرفوعا، ولولا ذلك اغتم خلقه لقربها، وأحرقتهم

[ 191 ]

الشمس لدنوها، وخلق لهم شهبا ونجوما يهتدى بها في ظلمات البر والبحر لمنافع الناس، ونجوما يعرف بها أصل الحساب، فيها الدلالات على إبطال الحواس، ووجود معلمها الذي علمها عباده، مما لا يدرك علمها بالعقول فضلا عن الحواس، ولا يقع عليها الاوهام ولا يبلغها العقول إلا به لانه العزيز الجبار الذي دبرها وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، يسبحان (1) في فلك يدور بهما دائبين، (2) يطلعهما تارة ويؤفلهما اخرى، فبنى عليه الايام والشهور والسنين التي هي من سبب الشتاء والصيف والربيع والخريف، أزمنة مختلفة الاعمال، أصلها اختلاف الليل والنهار اللذين لو كان واحد منهما سرمدا على العباد لما قامت لهم معايش أبدا، فجعل مدبر هذه الاشياء وخالقها النهار مبصرا والليل سكنا، وأهبط فيهما الحر والبرد متبائنين لو دام واحد منهما بغير صاحبه ما نبتت شجرة ولا طلعت ثمرة، ولهلكت الخليقة لان ذلك متصل بالريح المصرفة في الجهات الاربع، باردة تبرد أنفاسهم، وحارة تلقح أجسادهم وتدفع الاذى عن أبدانهم ومعايشهم، ورطوبة ترطب طبائعهم، ويبوسة تنشف رطوباتهم وبها يأتلف المفترق وبها يتفرق الغمام المطبق حتى ينبسط في السماء كيف يشاء مدبره فيجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله بقدر معلوم لمعاش مفهوم، وأرزاق مقسومة وآجال مكتوبة، ولو احتبس عن أزمنته ووقته هلكت الخليقة ويبست الحديقة، فأنزل الله المطر في أيامه ووقته إلى الارض التي خلقها لبني آدم، وجعلها فرشا ومهادا، وحبسها أن تزول بهم، وجعل الجبال لها أوتادا، وجعل فيها ينابيع تجري في الارض بما تنبت فيها لا تقوم الحديقة والخليقة إلا بها، ولا يصلحون إلا عليها مع البحار التي يركبونها، ويستخرجون منها حلية يلبسونها ولحما طريا وغيره يأكلونه، فعلم أن إله البر والبحر والسماء والارض وما بينهما واحد حي قيوم مدبر حكيم، وأنه لو كان غيره لاختلفت الاشياء. وكذلك السماء نظير الارض التي أخرج الله منها حبا وعنبا وقضبا، وزيتونا


(1) سبح في الماء وبالماء: عام وانبسط فيه. ويستعار لمر النجوم وجرى الفرس وما شاكل. (2) أي مستمرين.

[ 192 ]

ونخلا، وحدائق غلبا، وفاكهة وأبا، بتدبير مؤلف مبين، بتصوير الزهرة والثمرة حياة لبني آدم، ومعاشا يقوم به أجسادهم، وتعيش بها أنعامهم التي جعل الله في أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين، والانتفاع بها والبلاغ على ظهورها معاشا لهم لا يحيون إلا به، وصلاحا لا يقومون إلا عليه، وكذلك ما جهلت من الاشياء فلا تجهل أن جميع ما في الارض شيئان: شئ يولد، وشئ ينبت، أحدهما آكل، والآخر مأكول، ومما يدلك عقلك أنه خالقهم ما ترى من خلق الانسان وتهيئة جسده لشهوة الطعام، والمعدة لتطحن المأكول، ومجاري العروق لصفوة الطعام، وهيأ لها الامعاء، ولو كان خالق المأكول غيره لما خلق الاجساد مشتهية للمأكول وليس له قدرة عليه. قال: لقد وصفت صفة أعلم أنها من مدبر حكيم لطيف قدير عليم، قد آمنت وصدقت أن الخالق واحد سبحانه وبحمده، غير أني أشك في هذه السمائم القاتلة أن يكون هو الذي خلقها لانها ضارة غير نافعة، قلت: أليس قد صار عندك أنها من غير خلق الله ؟ قال: نعم لان الخلق عبيده ولم يكن ليخلق ما يضرهم. قلت: سابصرك من هذا شيئا تعرفه ولا انبئك إلا من قبل إهليلجتك هذه وعلمك بالطب، قال: هات. قلت: هل تعرف شيئا من النبت ليس فيه مضرة للخلق ؟ قال: نعم. قلت: ما هو ؟ قال: هذه الاطعمة. قلت: أليس هذا الطعام الذي وصفت يغير ألوانهم، ويهيج أوجاعهم حتى يكون منها الجذام والبرص والسلال (1) والماء الاصفر، وغير ذلك من الاوجاع ؟ قال: هو كذلك ؟ قلت: أما هذا الباب فقد انكسر عليه. قال: أجل. قلت: هل تعرف شيئا من النبت ليس فيه منفعة ؟ قال: نعم. قلت: أليس يدخل في الادوية التي يدفع بها الاوجاع من الجذام والبرص والسلال وغير ذلك، ويدفع الداء ويذهب السقم مما أنت أعلم به لطول معالجتك قال: إنه كذلك. قلت: فأخبرني أي الادوية عندكم أعظم في السمائم القاتلة ؟ أليس الترياق ؟


(1) السل بالكسر في اللغة الهزال، وفي الطب القديم قرحة في الرية، وانما سمى المرض به لان من لوازمه هزال البدن، ولان الحمى الدقية لازمة لهذه القرحة.

[ 193 ]

قال: نعم هو رأسها وأول ما يفرغ إليه عند نهش الحيات (1) ولسع الهوام وشرب السمائم. قلت: أليس تعلم أنه لابد للادوية المرتفعة والادوية المحرقة في أخلاط الترياق إلا أن تطبخ بالافاعي القاتلة ؟ قال: نعم هو كذلك ولا يكون الترياق المنتفع به الدافع للسمائم القاتلة إلا بذلك، ولقد انكسر علي هذا الباب، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه خالق السمائم القاتلة والهوام العادية، وجميع النبت والاشجار، وغارسها ومنبتها، وبارئ الاجساد، وسائق الرياح، ومسخر السحاب، وأنه خالق الادواء التي تهيج بالانسان كالسمائم القاتلة التي تجري في أعضائه وعظامه، ومستقر الاداء وما يصلحها من الدواء، العارف بالروح ومجرى الدم و أقسامه في العروق واتصاله بالعصب والاعضاء والعصب والجسد، وأنه عارف بما يصلحه من الحر والبرد، عالم بكل عضو بما فيه، وأنه هو الذي وضع هذه النجوم وحسابها والعالم بها، والدال على نحوسها وسعودها وما يكون من المواليد، وأن التدبير واحد لم يختلف متصل فيما بين السماء والارض وما فيها، فبين لي كيف قلت، هو الاول والآخر وهو اللطيف الخبير وأشباه ذلك ؟ قلت: هو الاول بلا كيف، وهو الآخر بلا نهاية، ليس له مثل، خلق الخلق والاشياء لا من شئ ولا كيف بلا علاج ولا معاناة ولا فكر ولا كيف، كما أنه لا كيف له، وإنما الكيف بكيفية المخلوق لانه الاول لا بدء له ولا شبه ولا مثل ولا ضد ولا ند، لا يدرك ببصر ولا يحس بلمس، ولا يعرف إلا بخلقه تبارك وتعالى. قال: فصف لي قوته. قلت: إنما سمي ربنا جل جلاله قويا للخلق العظيم القوي الذي خلق مثل الارض وما عليها من جبالها وبحارها ورمالها وأشجارها وما عليها من الخلق المتحرك من الانس ومن الحيوان، وتصريف الرياح والسحاب المسخر المثقل بالماء الكثير، والشمس والقمر وعظمهما وعظم نورهما الذي لا تدركه الابصار بلوغا ولا منتها، والنجوم الحارية، ودوران الفلك، وغلظ السماء، وعظم الخلق العظيم


(1) نهش الحية: تناوله بفمه ليعضه فيؤثر فيه ولا يجرحه.

[ 194 ]

والسماء المسقفة فوقنا راكدة في الهواء، وما دونها من الارض المبسوطة، وما عليها من الخلق الثقيل، وهي راكدة لا تتحرك، غير أنه ربما حرك فيها ناحية، والناحية الاخرى ثابتة، وربما خسف منها ناحية والناحية الاخرى قائمة، يرينا قدرته ويدلنا بفعله على معرفته، فلهذا سمي قويا لا لقوة البطش المعروفة من الخلق، ولو كانت قوته تشبه قوة الخلق لوقع عليه التشبيه، وكان محتملا للزيادة، وما احتمل الزيادة كان ناقصا وما كان ناقصا لم يكن تاما، وما لم يكن تاما كان عاجزا ضعيفا، والله عزوجل لا يشبه بشئ، وإنما قلنا: إنه قوي للخلق القوي، وكذلك قولنا، العظيم والكبير، ولا يشبه بهذه الاسماء الله تبارك وتعالى. قال: أفرايت قوله: سميع بصير عالم ؟ قلت: إنما يسمى تبارك وتعالى بهذه الاسماء لانه لا يخفى عليه شئ مما لا تدركه الابصار من شخص صغير أو كبير، أو دقيق أو جليل، ولا نصفه بصيرا بلحظ عين كالمخلوق، وإنما سمي سميعا لانه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، يسمع النجوى، ودبيب النمل على الصفا، (1) وخفقان الطير في الهواء (2) لا تخفى عليه خافية ولا شئ مما أدركته الاسماع والابصار وما لا تدركه الاسماع والابصار، ماجل من ذلك وما دق، وما صغر وما كبر، ولم نقل سميعا بصيرا كالسمع المعقول من الخلق، وكذلك إنما سمي عليما لانه لا يجهل شيئا من الاشياء، لا تخفى عليه خافية في الارض ولا في السماء، علم ما يكون وما لا يكون، وما لو كان كيف يكون، ولم نصف عليما بمعنى غريزة يعلم بها، كما أن للخلق غريزة يعلمون بها، فهذا ما أراد من قوله: عليم، فعز من جل عن الصفات، ومن نزه نفسه عن أفعال خلقه فهذا هو المعنى، ولولا ذلك ما فصل بينه وبين خلقه فسبحانه وتقدست أسماؤه قال: إن هذا لكما تقول ولقد علمت أنما غرضي أن أسأل عن رد الجواب فيه عند مصرف يسنح عني، فأخبرني لعلي احكمه فيكون الحجة قد انشرحت للمتعنت المخالف، أو السائل المرتاب، أو الطالب المرتاد، مع ما فيه لاهل الموافقة من الازدياد. فأخبرني عن قوله: لطيف، وقد عرفت أنه للفعل، ولكن قد رجوت أن تشرح لي ذلك بوصفك. قلت: إنما


(1) الصفا: الحجر الصلد الضخم. (2) خفق الطير: ضرب بجناحيه.

[ 195 ]

سميناه لطيفا للخلق اللطيف، ولعلمه بالشئ اللطيف مما خلق من البعوض والذرة، (1) ومما هو أصغر منهما لا يكاد تدركه الابصار والعقول، لصغر خلقه من عينه وسمعه و صورته، لا يعرف من ذلك لصغره الذكر من الانثى، ولا الحديث المولود من القديم الوالد، (2) فلما رأينا لطف ذلك في صغره وموضع العقل فيه والشهوة للفساد (3) والهرب من الموت، والحدب على نسله من ولده، ومعرفة بعضها بعضا، وما كان منها في لجج البحار، وأعنان السماء، والمفاوز والقفار، وما هو معنا في منزلنا، ويفهم بعضهم بعضا من منطقهم، وما يفهم من أولادها، ونقلها الطعام إليها والماء، علمنا أن خالقها لطيف وأنه لطيف بخلق اللطيف، (4) كما سميناه قويا بخلق القوي. قال: إن الذي جئت به لواضح، فكيف جاز للخلق أن يتسموا بأسماء الله تعالى ؟ قلت: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه أباح للناس الاسماء ووهبها لهم، وقد قال القائل من الناس للواحد: واحد، ويقول لله: واحد، ويقول: قوي والله تعالى قوي، ويقول: صانع والله صانع، ويقول: رازق والله رازق، ويقول: سميع بصير والله سميع بصير، وما أشبه ذلك، فمن قال للانسان: واحد فهذا له اسم وله شبيه، والله واحد وهو له اسم ولا شئ له شبيه وليس المعنى واحدا، وأما الاسماء فهي دلالتنا على المسمى لانا قد نرى الانسان واحدا وإنما نخبر واحدا إذا كان مفردا فعلم أن الانسان في نفسه ليس بواحد في المعنى لان أعضاءه مختلفة وأجزاءه ليست سواءا، ولحمه غير دمه، وعظمه غير عصبه، وشعره غير ظفره، وسواده غير بياضه، وكذلك سائر الخلق والانسان واحد في


(1) الذر: صغار النمل. (2) هذا تنبيه منه عليه السلام على وجود الحيوانات الحية والميكروبات المخفية عن الانظار و العقول، قبل وجود المكبرات واختراع الميكروسكوب والمنظار بقرون، وغير خفى أن العلم بذلك في أحد عشر قرنا قبل زماننا لم يك يحصل إلا لذوى النفوس الكاملة والانظار الثاقبة، الذين خصهم الله من بريته بفضله، وأيدهم بحكمته، وانتجبهم لولايته من بين خلقه، وعلمهم مالا يعلم غيرهم من عبيده. (3) وفي نسخة: والشهوة للبقاء. (4) وفي نسخة: لطيف يخلق اللطيف.

[ 196 ]

الاسم، وليس بواحد في الاسم والمعنى والخلق، فإذا قيل لله فهو الواحد الذي لا واحد غيره لانه لا اختلاف فيه، وهو تبارك وتعالى سميع وبصير وقوي وعزيز وحكيم وعليم فتعالى الله أحسن الخالقين. قال: فأخبرني عن قوله: رؤوف رحيم، وعن رضاه ومحبته وغضبه وسخطه. قلت: إن الرحمة وما يحدث لنا منها شفقة ومنها جود، وإن رحمة الله ثوابه لخلقه، والرحمة من العباد شيئان: أحدهما يحدث في القلب الرأفة والرقة لما يرى بالمرحوم من الضر والحاجة وضروب البلاء، والآخر ما يحدث منا من بعد الرأفة واللطف على المرحوم والرحمة منا ما نزل به، وقد يقول القائل: انظر إلى رحمة فلان وإنما يريد الفعل الذي حدث عن الرقة التي في قلب فلان، وإنما يضاف إلى الله عزوجل من فعل ما حدث عنا من هذه الاشياء، وأما المعنى الذي هو في القلب فهو منفي عن الله كما وصف عن نفسه فهو رحيم لا رحمة رقة، وأما الغضب فهو منا إذا غضبنا تغيرت طبائعنا وترتعد أحيانا مفاصلنا و حالت ألواننا، ثم نجيئ من بعد ذلك بالعقوبات فسمي غضبا، فهذا كلام الناس المعروف، والغضب شيئان: أحدهما في القلب، وأما المعنى الذي هو في القلب فهو منفي عن الله جل جلاله، وكذلك رضاه وسخطه ورحمته على هذه الصفة عزوجل لا شبيه له ولا مثل لي شئ من الاشياء. قال: فأخبرني عن إرادته. قلت: إن الارادة من العباد الضمير وما يبدو بعد ذلك من الفعل، وأما من الله عزوجل فالارادة للفعل إحداثه إنما يقول له: كن فيكون بلا تعب ولا كيف. قال: قد بلغت حسبك فهذه كافية لمن عقل، والحمد لله رب العالمين، الذي هدانا من الضلال، وعصمنا من أن نشبهه بشئ من خلقه، وأن نشك في عظمته وقدرته ولطيف صنعه وجبروته، جل عن الاشباه والاضداد، وتكبر عن الشركاء والانداد شرح: قوله عليه السلام: دفعت إليه على بناء المجهول أي دفعتك الحاجة والضرورة إليه، وفي الاساس: دفع فلان إلى فلان: انتهى إليه. قوله عليه السلام: مغيض هو بفتح الميم و كسر الغين المعجمة: موضع يجري إليه الماء ويغيب أو يجتمع فيه، وفي الثاني مصدر ميمي

[ 197 ]

قوله عليه السلام: في الجهات الاربع أي الشمال والجنوب والصبا والدبور، ويحتمل أن يكون المراد المتغيرة بسبب الصفات الاربعة التي فسرها عليه السلام. قوله عليه السلام: تلقح أجسادهم أي تنميها، مستعارا من لقاح الشجر، كما قال تعالى: وأرسلنا الرياح لواقح. وفي أكثر النسخ بالفاء وهو بمعنى الاحراق، فيكون كناية عن نضجها. والودق: المطر. قوله: وقضبا يعني الرطبة، سميت بمصدر قضبه إذا قطعه لانها تقضب مرة بعد اخرى. وحدائق غلبا أي عظاما، وصفت به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، أو لانها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب. وأبا: مرعى، من أب إذا أم لانه يؤم وينتجع، أو من أب لكذا: إذا تهيأ له لانه متهيأ للرعي، وفاكهة يابسة تؤب للشتاء. وقال الجوهري: الاثاث: متاع البيت قال الفراء: لا واحد له، وقال أبو زيد: الاثاث: المال أجمع، الابل والغنم والعبيد والمتاع، الواحدة: أثاثة. انتهى. ومتاعا أي شيئا ينتفع به. إلى حين إلى أن تقضوا منه أوطاركم أو إلى أن يبلى ويفنى أو إلى أن تموتوا. قوله عليه السلام: والانتفاع عطف على أصوافها، أو في أصوافها. قوله عليه السلام: ومستقر اسم مكان معطوف على الادواء. قوله عليه السلام: هو الاول بلا كيف أي كان أزليا من غير اتصاف بكيفية، أو من غير أن تعرف كيفية أوليته بمقارنة زمان قديم بل بلا زمان. قوله عليه السلام: لا من شئ ولا كيف أي لا من مادة ولا من شبه ومثال وتصور وخيال تمثل فيه كيفية الخلق ثم خلق على مثال ذلك كما في المخلوقين. قوله عليه السلام ثانيا: ولا كيف أي ليس لخلقه وإيجاده كيفية كما في المخلوقين من حركة ومزاولة عمل فكما أنه لا كيف لذاته لا كيف لايجاده، وإذا وصف خلقه وإيجاده بالكيف فهو يرجع إلى كيفية مخلوقة فإذا قيل: كيف خلق الاشياء فالمعنى الصحيح له كيف مخلوقاته لا أنه كيف كان فعله و إيجاده، وإليه أشار عليه السلام بقوله: وإنما الكيف بكيفية المخلوق، ثم علل ذلك بأن هذه صفات المحدثين، وهو الاول لا بدء له ولا شبه فكيف يتصف بها. قوله عليه السلام: الذي خلق خبر مبتداء محذوف أي هو الذي. وقوله عليه السلام: وتصريف الرياح عطف على الخلق العظيم ويحتمل العطف على قوله: مثل الارض. قوله عليه السلام: بلوغا ولا منتهى لعل المراد أنه لا يبلغ الابصار إليهما، ولا إلى منتهى نورهما، أو منتهى جسمهما.

[ 198 ]

قوله عليه السلام: وعظم الخلق العظيم أي السماء أو ما عليها من الملائكة. قوله: ولا يشبه بهذه الاسماء على بناء المجهول من باب التفعيل أي لا يصير إطلاق هذه الاسماء عليه سببا لان يظن أنه شبيه بخلقه. قوله: إنما غرضي أي غرضي من السؤال أن تجيب عما يعرض لي من إشكال يصرفني عن الحق، يسنح ويظهر عني، وفي بعض النسخ عن رد الجواب فيه عند متعرف غبي. أي إني قد آمنت وأيقنت، وإنما المقصود من السؤال أن أقدر على أن اجيب عن سؤال متعرف غبي جاهل أحمق لاهديه إلى الحق، وهو أظهر. والحدب: العطف والشفقة، ولعل المراد بما في أعنان السماء ما يطير في الهواء. وقد مر تفسير بعض الفقرات وسيأتي تفسير بعضها. * (باب 6) * * (التوحيد ونفى الشريك ومعنى الواحد والاحد والصمد) * * (وتفسير سورة التوحيد) * الايات، البقرة: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم 163 " وقال تعالى ": ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا (1) يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله 165 " وقال سبحانه ": الله لا إله إلا هو الحي القيوم 255 " وقال تعالى ": لله ما في السموات وما في الارض 284 آل عمران: وما من إله إلا الله 62 " وقال تعالى ": قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم (2) ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون 65 (3)


(1) أي من الاصنام أو الرؤساء أو الاعم. يحبونهم أو يعظمونهم ويصفونهم كتعظيمه تعالى والميل إلى طاعته. قوله: أشد حبا لله أي لا تنقطع محبتهم لله، بخلاف محبة الانداد فانها لاغراض فاسدة تزول بأدنى سبب. منه رحمه الله. (2) أي لا يختلف فيها الرسل والكتب. منه رحمه الله. (3) أي الزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، واعترفوا بانكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل. منه رحمه الله.

[ 199 ]

النساء: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما 48 " وقال تعالى ": ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا * إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا 117 " وقال ": ولله ما في السموات وما في الارض وكفى بالله وكيلا 132 انعام: قل أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله أو أتيكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون 40، 41 " وقال تعالى ": قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله 56 الاعراف: مالكم من إله غيره " في مواضع " 59، 65، 73 يونس: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون 66 " وقال تعالى ": قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أ عبد الله الذي يتوفيكم وامرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين * ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين 104 - 106 هود: ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير 2 يوسف: ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ 38 " وقال ": يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون 39، 40 " وقال ": وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون 106 الرعد: له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال * ولله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال * قل من رب السموات والارض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لانفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الاعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه

[ 200 ]

فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار 14 - 16 " وقال: قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب 30 " وقال ": أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبؤنه بما لا يعلم في الارض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل 33 " وقال ": قل إنما امرت أن أ عبد الله ولا اشرك به إليه أدعوا وإليه مآب 36 ابراهيم: وليعلموا أنما هو إله واحد 52 النحل: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون * خلق السموات والارض بالحق تعالى عما يشركون 2، 3 " وقال تعالى ": وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون * وله ما في السموات والارض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون * وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون * ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون * ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون * ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون * ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون 51 - 57 الاسراء: لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا * وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه 22، 32 " وقال تعالى ": ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا 39 " وقال تعالى ": قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا * سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا 42، 43 " وقال تعالى ": قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * اولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا 56، 57 الكهف: فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا 14، 15 " وقال تعالى ": لكنا هو الله ربي ولا اشرك

[ 201 ]

بربي أحدا 38 " وقال تعالى ": ويقول يا ليتني لم اشرك بربي أحدا 42 " وقال تعالى ": أفحسب (1) الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء 102 " وقال تعالى ": قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه (2) فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا 110 مريم: واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا 81، 82 الانبياء: وله من في السموات والارض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون * أم اتخذوا آلهة من الارض هم ينشرون * (3) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون * لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون * أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون * وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون 19 - 25 " وقال تعالى ": وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون 36 " وقال تعالى ": قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون * أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصبحون (4) 42 - 43 " وقال تعالى ": إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون * لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون * إن الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها مبعدون 98 - 101 " وقال تعالى ": قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون 108


(1) مفعول الثاني " لحسب " مقدر أي نافعهم أولا اعذبهم، أوسد " أن يتخذوا " مسد المفعولين. منه رحمه الله. (2) أي يأمل حسن لقائه يخاف سوء لقائه. منه رحمه الله. (3) قوله: هم ينشرون أي الموتى، وهم وإن لم يقروا بذلك لكن يلزم ذلك من ادعائهم كونها آلهة. منه رحمه الله. (4) أي من عذابه، وقوله: لا يستطيعون استينافي لابطال ما اعتقدوه. ولا هم منا يصحبون أي لا يجأرون من عذابنا ولا يصحبهم منا نصر. منه رحمه الله.

[ 202 ]

الحج: حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق 31 " وقال ": ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظامين من نصير 71 المؤمنون: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون * عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون 91 - 92 " وقال عزوجل ": فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم * ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون 116 - 117 الفرقان: واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا 3 الشعراء: فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين 213 النمل: الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم 26 " وقال تعالى ": قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفئ آلله خير أما يشركون * أمن خلق السموات والارض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرهاء إله مع الله بل هم قوم يعدلون * (1) أمن جعل الارض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي (2) وجعل بين البحرين حاجزاءإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون * أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارضء إله مع الله قليلا ما تذكرون * أمن يهديكم (3) في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمتهءإله مع الله تعالى الله عما يشركون * أمن يبدؤ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والارضءإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين 59 - 64 القصص: ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون * قال الذين


(1) أي يعدلون عن الحق. منه رحمه الله. (2) أي جبالا ثابتة. والبحران: العذب والمالح وبحرا فارس والروم. منه رحمه الله. (3) أي بالنجوم وعلامات الارض. بين يدى رحمته أي المطر من السماء والارض أي باسبابها. منه رحمه الله.

[ 203 ]

حق عليهم القول (1) ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون * (2) وقيل ادعوا شركائكم فدعوهم فلم يستحيبوا لهم ورأو العذاب لو أنهم كانوا يهتدون 62، 64 " وقال تعالى ": ولا تكونن من المشركين * ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون 87، 88 العنكبوت: وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فانبئكم بما كنتم تعملون 8 " وقال عزوجل ": مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون * إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم * وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون 41 - 43 الروم: ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم (3) وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون * وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون * ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون * أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون 31 - 35 " وقال تعالى ": الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما يشركون 40 لقمان: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم 13 " وقال ": وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما 15 سبا: قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا


(1) أي حق عليهم الوعيد بالعذاب من الجن والشياطين والذين أغووا الخلق من الانس. ربنا هؤلاء الذين أغوينا يعنون اتباعهم. ما كانوا إيانا يعبدون أي لم يكونوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون الشياطين الذين زيفوا عبادتنا، أو لم يعبدونا باستحقاق. منه رحمه الله. (2) أي بحيلة لدفع العذاب أو إلى الحق، وقيل: " لو " للتمني أي تمنوا أنهم كانوا مهتدين. منه رحمه الله. (3) أي الشياطين حيث أطاعوهم، وقيل: كانوا يتمثلون ويتخيلون أنهم الملائكة فيعبدونهم. منه رحمه الله.

[ 204 ]

في الارض ومالهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير 22 " وقال تعالى ": قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم 27 " وقال سبحانه ": ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون 40 - 41 فاطر: يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والارض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون 3 " وقال سبحانه ": وما يستوي البحران هذا عذب فرات (1) سائغ شرابه وهذا ملح اجاج ومن كل تأكلون لحما طريا و تستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى (2) ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم (3) ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير 12 - 14 " وقال تعالى ": قل أرأيتم شركائكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الارض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا 40 يس: واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون * لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون 74، 75 والصافات: والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * (4)


(1) قيل: الفرات هو الذى ينكسر به العطش، والسائغ: الذى يسهل انحداره، والاجاج: الذى يحرق بملوحته. والمراد بالحلية اللئالى. مواخر أي تشق الماء بجريها. منه رحمه الله. (2) الاجل المسمى مدة دوره أي منتهاه، أو يوم القيامة. القطمير لفافة النواة. منه رحمه الله. (3) أي على فرض المحال ما استجابوا لكم لعدم قدرتهم على الانفاع، أو لتبريهم منكم مما تدعون لهم. منه رحمه الله. (4) اقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية، الزاجرين لاجرام العلوية والسفلية بالتدبير المأمور فيها، أو الناس عن المعاصي والشياطين عن التعرض لهم، التالين آيات الله تعالى وأسراره على أنبيائه وأصفيائه. أو بطوائف العلماء الصافين في العبادات، الزاجرين عن الكفر والمعاصي، التالين آيات الله وشرائعه، أو بنفوس الغزات الصافين في الجهاد، الزاجرين الخيل أو العدو، و التالين ذكر الله لا يشغلهم عنه مجاهدة الاعداء. منه قدس سره.

[ 205 ]

إن إلهكم لواحد * رب السموات والارض وما بينهما ورب المشارق 1 - 5 ص: وما من إله إلا الله الواحد القهار * رب السموات والارض وما بينهما العزيز الغفار 65، 66 الزمر: ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون 6 " وقال تعالى ": وإذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار 8 " وقال تعالى ": قل الله أعبد مخلصا له ديني * فاعبدوا ما شئتم من دونه 14، 15 " وقال سبحانه ": ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون 29 " وقال تعالى ": قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون * ولقد اوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين 64 - 66 المؤمن: ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا 12 " وقال ": والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ إن الله هو السميع البصير 20 " وقال تعالى ": ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجوة وتدعونني إلى النار * تدعونني لاكفر بالله واشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار 41، 42 " وقال تعالى ": ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون 62 " إلى قوله تعالى ": هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين 65 " إلى قوله تعالى ": فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين 84 السجدة: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين 6 " إلى قوله تعالى ": قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين 9 " وقال تعالى ": إذ جائتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله 14 " وقال تعالى ": ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد * وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا مالهم من محيص 47، 48 " وقال تعالى ": ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا

[ 206 ]

تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون * فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون 37، 38 حمعسق: أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شئ قدير 9 " وقال تعالى ": كبر على المشركين ما تدعوهم إليه 13 الزخرف: وإذ قال إبراهيم لابيه وقومه إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين 26، 27 " وقال تعالى ": وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون 45 " وقال تعالى ": ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا ءآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون 57، 58 الجاثية: ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم 10 محمد: فاعلم أنه لا إله إلا الله 19 ق: الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد 26 الذاريات: ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين 51 الطور: أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون 43 الممتحنة: قد كانت لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤ منكم ومما تعبدون من دون الله 4 الجن: قل إنما أدعوا ربي ولا اشرك به أحدا 20 المزمل: رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا 9 التوحيد: قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد. 1 - يد، ل: الطالقاني، عن محمد بن سعيد بن يحيى، عن إبراهيم بن الهيثم البلدي، عن أبيه، عن المعافى بن عمران، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح بن هاني، عن أبيه قال: إن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أتقول: إن الله واحد ؟ قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين

[ 207 ]

من تقسم القلب ؟ (1) فقال أمير المؤمنين عليه السلام: دعوه فإن الذي يريده الاعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال: يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على الله عزوجل، ووجهان يثبتان فيه، فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد يقصد به باب الاعداد فهذا ما لا يجوز، لان ما لا ثاني له لا يدخل في باب الاعداد أما ترى أنه كفر من قال إنه ثالث ثلاثة، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لانه تشبيه وجل ربنا وتعالى عن ذلك. وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الاشياء شبه كذلك ربنا، وقول القائل: إنه عزوجل أحدي المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عزوجل. مع: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن نصر بن عبد الوهاب بن عطاء بن واصل السنجري، عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة الشعراني العماري - من ولد عمار بن ياسر - عن أبي محمد عبيد الله بن يحيى بن عبد الباقي الآذني، عن أبي المقدام بن شريح ابن هاني، عن أبيه مثله. بيان: التقسم: التفرق، والمعنى الاول المنفي هو الوحدة العددية بمعنى أن يكون له ثان من نوعه، والثاني أن يكون المراد به صنفا من نوع، فإن النوع يطلق في اللغة على الصنف، وكذا الجنس على النوع، فإذا قيل لرومي مثلا: هذا واحد من الناس بهذا المعنى يكون المعنى أن صنف هذا صنف من أصناف الناس، أو هذا من صنف من أصنافهم، ويحتمل أن يكون المراد بالاول الذي له ثان في الالهية، وبالثاني الواحد من نوع داخل تحت جنس فالمراد أنه يريد به أي بالناس أنه نوع لهذا الشخص، ويكون ذكر الجنس لبيان أن النوع يستلزم الجنس غالبا فيلزم التركيب من الاجزاء العقلية. والمعنيان المثبتان: الاول منهما إشارة إلى نفي الشريك، والثاني منهما إلى نفي التركيب. وقوله: في وجود أي في الخارج.


(1) تقسم الشئ: فرقه. تقسمته الهموم أي وزعت خواطره.

[ 208 ]

2 - يد، مع: أبي، عن محمد العطهار، عن ابن عيسى، عن أبي هاشم الجعفري (1) قال: سألت أبا جعفر الثاني عليه السلام ما معنى الواحد ؟ قال: المجتمع عليه بجميع الالسن بالوحدانية. سن: أبي، عن دواد بن القاسم مثله. 3 - ج: عن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: قل هو الله أحد ما معنى الاحد ؟ قال: المجمع عليه بالوحدانية أما سمعته يقول: ولئن سألتهم من خلق السموات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله، بعد ذلك له شريك و صاحبة ؟. بيان: قوله عليه السلام: بعد ذلك استفهام على الانكار أي كيف يكون له شريك و صاحبة بعد إجماع القول على خلافه ؟. 4 - يد: ابن عصام والدقاق معا، عن الكليني، عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن جميعا، عن سهل، عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت أبا جعفر الثاني عليه السلام ما معنى الواحد ؟ قال: الذي اجتماع الالسن عليه بالتوحيد كما قال الله عزوجل. ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله. (2)


(1) هو داود بن القاسم بن اسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب رحمه الله، كان جليل القدر عظيم المنزلة عند الائمة عليهم السلام، وثقه النجاشي، وقد شاهد جماعة من الائمة، منهم الرضا، والجواد، والهادي والعسكري، وصاحب الامر عليهم السلام، وروى عنهم، وله أخبار ومسائل، وله شعر جيد فيهم، وكان مقدما عند السلطان، وله كتاب روى عنه أحمد بن أبى عبد الله. وعده ابن طاووس " على ما حكى " في ربيع الشيعة من سفراء الصاحب عليه السلام والابواب المعروفين الذين لا تختلف الاثنا عشرية فيهم. (2) الظاهر من مضامين الاحاديث الثلاثة أنها متحدة، وأن أبا هاشم الجعفري سئل مرة واحدة عن موضوع واحد، والاختلاف الذى يترائى فيها جاء من قبل الرواة بعد النقل بالمعنى ونقلها بالتفصيل والاجمال. كما أن الظاهر من الحديث الثاني الذى نقل فيها ألفاظ السائل بتمامها أن المسئول عنه هو معنى الاحد الواقع في سورة الاخلاص - بل هو صريح في ذلك - لا المعنى الواحد كما في الحديث الاول والثالث المنقولين بالمعنى ؟ وحاصل السؤال استفهام معنى الاحد، وكانه أراد فهم الفرق بينه وبين معنى الواحد، فأجابه عليه السلام بأن الاحد هو الذى لا يرى ذوى الالسن والعقول له شريك في وحدته، واجتمعوا باتصافه بالوحدانية دون غيره، ثم استشهد عليه السلام لكونه تعالى كذلك بالاية وأن طوائف الناس بأجمعها مذعنة باتصافه بأنه خالق السماوات والارض وأنه إلههما دون غيره. والحاصل كل ما يراه الناس بطوائفه وأصنافه أنه واحد في ذاته أو في صفاته ولم يروا في ذلك له شبيه ونظير فهو المسمى بالاحد، بخلاف الواحد فانه يحتمله وغيره والاول يسمى بالفارسية " يكتا " والثانى " يك " والاول لا يقع في مراتب الاعداد بخلاف الثلانى.

[ 209 ]

بيان: يحتمل تلك الاخبار وجوها: الاول: أن يكون عليه السلام أحال معنى الواحد على ما هو المعروف بين الناس وأعرض عنه، واستدل عليه بما جبل عليه جميع العقول من الاذعان بتوحيده. الثاني: أن يكون المراد به أن معنى الواحد هو الذي أقر به كل ذي عقل إذا صرف عنه الاغراض النفسانية. الثالث: أن يكون هذا اللفظ بحسب الشرع موضوعا لهذا المعنى مأخوذا فيه إجماع الالسن. (1) ثم الظاهر أن يكون الآية احتجاجا على مشركي قريش حيث كانوا يقرون بأن الخالق لجميع المخلوقات هو الله تعالى، ومع ذلك كانوا يعبدون الاصنام ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويحتمل أن يكون المراد أن غرائز الخلق كلها مجبولة على الاذعان بتوحيده فإذا رجعوا إلى أنفسهم وتركوا العصبية والعناد يرون أنفسهم مذعنة بذلك، وينبه على ذلك أنهم عند اضطرارهم في المهالك والمخاوف لا يلجؤون إلا إليه كما نبه تعالى عليه في مواضع من القرآن المجيد، والاول أظهر فإن للتوحيد ثلاثة معان: الاول توحيد واجب الوجود، والثاني توحيد صانع العالم ومدبر النظام، و الثالث توحيد الاله وهو المستحق للعبادة، وكان مشركوا القريش مخالفين في المعنى الثالث. 5 - ج: عن هشام بن الحكم أنه سأل الزنديق الصادق عليهم السلام عن قول من زعم أن الله لم يزل معه طينة موذية فلم يستطع التفصي (2) منها إلا بامتزاجه بها ودخوله فيها فمن تلك الطينة خلق الاشياء. قال: سبحان الله وتعالى ما أعجز إلها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة ! إن كانت الطينة حية أزلية فكانا إلهين قديمين فامتزجا


(1) اما المعنيان الاولان فهما بحسب الدقة واحد وهو الذى جبل عليه العقول ولا تأثير للشهرة العرفية في هذه المعاني، واما الثالث فاحتمال فاسد من اصله لا يحمل عليه الاخبار إذ لا معنى لدعوة القرآن إلى الحقيقة الشرعية من غير بيان ولا إشارة إلغازا وتعمية. ظ (2) التفصى: التخلص.

[ 210 ]

ودبرا العالم من أنفسهما، فإن كان ذلك كذلك فمن أين جاء الموت والفناء، وإن كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الازلي القديم والميت لا يجيئ منه حي. (1) هذه مقالة الديصانية أشد الزنادقة قولا وأهملهم مثلا، نظروا في كتب قد صنفتها أوائلهم، وحبروها (2) لهم بألفاظ مرخزفة من غير أصل ثابت، ولا حجة توجب إثبات ما ادعوا، كل ذلك خلافا على الله وعلى رسله، وتكذيبا بما جاؤوا به عن الله. فأما من زعم أن الابدان ظلمة والارواح نور وأن النور لا يعمل الشر والظلمة لا تعمل الخير فلا يجب عليهم أن يلوموا أحدا على معصية، ولا ركوب حرمة، ولا إتيان فاحشة، وأن ذلك على الظلمة غير مستنكر لان ذلك فعلها، ولا له أن يدعو ربا، ولا يتضرع إليه، لان النور رب، والرب لا يتضرع إلى نفسه، ولا يستعيذ بغيره، ولا لاحد من أهل هذه المقالة أن يقول: أحسنت وأسأت، لان الاساءة من فعل الظلمة وذلك فعلها، والاحسان من النور، ولا يقول النور لنفسه: أحسنت يا محسن، وليس هناك ثالث، فكانت الظلمة على قياس قولهم أحكم فعلا وأتقن تدبيرا وأعز أركانا من النور لان الابدان محكمة فمن صور هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة، وكل شئ يرى ظاهرا من الظهر والاشجار والثمار والطير والدواب يجب أن يكون إلها ثم حبست النور في حبسها والدولة لها، وما ادعوا بأن العاقبة سوف تكون للنور فدعوى، وينبغي على قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل لانه أسير، وليس له سلطان فلا فعل له ولا تدبير، وإن كان له مع الظلمة تدبير فما هو بأسير بل هو مطلق عزيز فإن لم يكن كذلك وكان أسير الظلمة فإنه يظهر في هذا العالم إحسان وخير مع فساد وشر، فهذا يدل على أن الظلمة تحسن الخير وتفعله كما تحسن الشر وتفعله، فإن قالوا: محال ذلك فلا نور يثبت ولا ظلمة، وبطلت دعواهم ويرجع الامر إلى أن الله واحد وما سواه باطل فهذه مقالة " ماني " الزنديق وأصحابه. وأما من قال: النور والظلمة بينهما حكم فلا بد من أن يكون أكبر الثلاثة


(1) وفى نسخة: والميت لا يحيى منه حى. (2) أي زينوها وحسنوها بألفاظ أباطيل مموهة.

[ 211 ]

الحكم، لانه لا يحتاج إلى الحاكم إلا مغلوب، أو جاهل، أو مظلوم، وهذه مقالة المدقونية (1) والحكاية عنهم تطول. قال: فما قصة ماني ؟ قال: متفحص أخذ بعض المجوسية فشابها ببعض النصرانية، (2) فأخطأ الملتين ولم يصب مذهبا واحدا منهما، وزعم أن العالم دبر من إلهين: نور وظلمة، وأن النور في حصار من الظلمة على ما حكينا منه فكذبته النصارى وقبلته المجوس. الخبر. (3) توضيح وتحقيق: اعلم أنه عليه السلام أشار في هذا الخبر إلى إبطال مذاهب ثلاث فرق من الثنوية ولنحقق أصل مذاهبهم ليتضح ما أفاده عليه السلام في الرد عليهم. الاول: مذهب الديصانية وهم أصحاب ديصان، وهم أثبتوا أصلين: نورا و ظلاما، فالنور يفعل الخير قصدا واختيارا، والظلام يفعل الشر طبعا واضطرارا، فما كان من خير ونفع وطيب وحسن فمن النور، وما كان من شر وضر ونتن وقبح فمن الظلام، وزعموا أن النور حي عالم قادر حساس دراك، ومنه تكون الحركة والحياة، والظلام ميت جاهل عاجز جماد موات، لا فعل لها ولا تمييز، وزعموا أن الشر يقع منه طباعا، وزعموا أن النور جنس واحد، وكذلك الظلام جنس واحد، وأن إدراك النور إدراك متفق، وأن سمعه وبصره هو حواسه، وإنما قيل: سميع بصير لاختلاف التركيب لا لانهما في نفسهما شيئان مختلفان. وزعموا أن اللون هو الطعم وهو الرائحة وهو المجسة (4) وأنما وجده لونا لان الظلمة خالطته ضربا من المخالطة، ووجده طعما لانها خالطته بخلاف ذلك الضرب، وكذلك يقول في لون الظلمة وطعمها ورائحتها ومجستها، وزعموا أن النور بياض كله، وأن الظلمة سواد كلها، وزعموا أن النور لم يزل يلقي الظلمة بأسفل صفيحة منه، وأن الظلمة لم تزل تلقاه بأعلى صفيحة منها.


(1) وفى نسخة: وهذه مقالة المرقوبية. (2) أي زادها ببعض النصرانية. (3) قال الفيروز آبادي: مجوس كصبور رجل صغير الاذنين وضع ذينا ودعا إليه، معرب " ميج كوش ". (4) المجس والمجسة: موضع اللمس.

[ 212 ]

واختلفوا في المزاج والخلاص فزعم بعضهم أن النور دخل الظلمة، والظلمة تلقاه بخشونة وغلظ فتأذى بها، وأحب أن يرققها ويلينها ثم يتخلص منها، وليس ذلك لاختلاف جسمها، ولكن كما أن المنشار جنسه حديد وصفيحته لينة وأسنانه خشنة فاللين في النور والخشونة في الظلمة وهما جنس واحد، فيلطف النور بلينه حتى يدخل فيما بين تلك الفرج فما أمكنه إلا بتلك الخشونة، فلا يتصور الوصول إلى كمال ووجود إلا بلين وخشونة. وقال بعضهم: بل الظلام لما احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفيحته ودرجه فاجتهد النور حتى يتخلص منه ويدفعها عن نفسه اعتمد عليه فلجج فيه وذلك بمنزلة الانسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد لجوجا فيه، فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلص منه والتفرد بعالمه. وقال بعضهم: إن النور إنما دخل الظلام اختيارا ليصلحها ويستخرج منه أجزاء صالحة لعالمه، فما دخل تشبث به زمانا فصار يفعل الجور والقبيح اضطرار لا اختيارا، ولو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلا الخير المحض والحسن البحت، (1) وفرق بين الفعل الضروري وبين الفعل الاختياري. الثاني: مذهب المانوية أصحاب ماني الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، وذلك بعد عيسى عليه السلام أخذ دينا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح عليه السلام، ولا يقول بنبوة موسى عليه السلام. حكى محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين: أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شئ لا من الاصل قديما، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين، سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان، والخير والشر متحاذيان تحاذي الشخص والظل، والنور جوهره حسن فاضل كريم صاف نقي طيب الريح حسن المنظر، ونفسه خيرة كريمة حليمة نافعة عالمة، وفعله الخير والصلاح والنفع والسرور والترتيب


(1) البحت: الصرف الخالص. (*)

[ 213 ]

والنظام والاتفاق، وجهته فوق، وأكثرهم على أنه مرتفع من ناحية الشمال. وزعم بعضهم أنه بجنب الظلمة وأجناسه خمسة: أربعة منها أبدان، والخامسة روحها: فالابدان النار والريح والنور والماء، وروحها النسيم، وهي تتحرك في هذه الابدان، وصفاته حسنة خيرة طاهرة زكية. وقال بعضهم: كون النور لم يزل على مثال هذا العالم له أرض وجو، وأرض النور لم تزل لطيفة على غير صورة هذه الارض بل على صورة جرم الشمس، وشعاعها كشعاع الشمس، ورائحتها طيبة أطيب رائحة، وألوانها ألوان قوس قزح. وقال بعضهم: ولا شئ إلا الجسم، والاجسام على ثلاثة أنواع: أرض النور، وهي خمسة. وهناك جسم آخر ألطف منه وهو الجو وهو نفس النور، وجسم آخر ألطف منه وهو النسيم وهو روح النور. قال: ولم يزل يولد ملائكة وآلهة أولياء ليس على سبيل المناكحة بل كما يتولد الحكمة من الحكيم، والنطق الطيب من الناطق. وملك ذلك العالم هو روحه، ويجمع عالمه الخير والحمد والنور. وأما الظلمة فجوهرها قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر، و نفسها شريرة لئيمة سفيهة ضارة جاهلة، وفعلها الشر والفساد، والضرر والغم و التشويش والاختلاف، وجهتها تحت، وأكثرهم على أنها منحطة من جانب الجنوب. وزعم بعضهم: أنها بجنب النور، وأجناسها خمسة: أربعة منها أبدان والخامسة روحها، فالابدان هي الحريق والظلمة والسموم والضباب، وروحها الدخان، وهو يتحرك في هذه الابدان، وأما صفاتها فهى خبيثة شريرة نجسة دنسة. وقال بعضهم: كون الظلمة لم يزل على مثال هذا العالم له أرض وجو، فأرض الظلمة لم تزل كثيفة على غير صورة هذه الارض بل هي أكثف وأصلب، ورائحتها كريهة أنتن الروائح وألوانها السواد. وقال بعضهم: ولا شئ إلا الجسم، والاجسام على ثلاثة أنواع: أرض الظلمة، وجسم آخر أظلم منه وهو الدخان، وجسم آخر أظلم منه وهو السموم، وقال: ولم يزل تولد الظلمة شياطين وعفاريت لا على سبيل المناكحة بل كما يتولد الحشرات من

[ 214 ]

العفونات القذرة، قال: وملك ذلك العالم هو روحه، ويجمع عالمه الشر والذميمة و الظلمة. ثم اختلفت المانوية في المزاج وسببه، والخلاص وسببه، قال بعضهم إن النور والظلام امتزجا بالخبط والاتفاق لا بالقصد والاختيار، وقال أكثرهم: إن سبب الامتزاج أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل فنظرت الروح فرأت الابدان على ممازجة النور، فأجابتها لاسراعها إلى الشر، فلما رأى ذلك ملك النور وجه إليها ملكا من ملائكته في خمسة أجزاء من أجناسها الخمسة، فاختلطت الخمسة النورية بالخمس الظلامية، فخالط الدخان النسيم، وإنما الحياة والروح في هذا العالم من النسيم، والهلاك والآفات من الدخان، وخالط الحريق النار، والنور الظلمة، والسموم الريح، والضباب الماء. فما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور، وما فيه من مضرة وشر وفساد فمن أجناس الظلمة، فلما رأى ملك النور هذه الامتزاج أمر ملكا من ملائكته فخلق هذا العالم على هذه الهيئة ليخلص أجناس النور من أجناس الظلمة، وإنما سارت الشمس والنجوم والقمر لاستصفاء أجزاء النور من أجزاء الظلمة. هذا ما ذكر الشهرستاني من تحقيق مذهبهم مع خرافات آخر نقلها عنهم. وقال ابن أبي الحديد: قالت المانوية: إن النور لا نهاية له من جهة فوق وأما من جهة تحت فله نهاية، والظلمة لا نهاية لها من جهة أسفل وأما من جهة فوق فلها نهاية، وكان النور والظلمة هكذا قبل خلق العالم وبينهما فرجة، وإن بعض أجزاء النور اقتحم تلك الفرجة لينظر إلى الظلمة فأشرقت الظلمة فأقبل عالم كثير من النور فجاءت الظلمة ليستخلص المأمورين من تلك الاجزاء، (1) وطاعت الحرب واختلط كثير من أجزاء النور بكثير من أجزاء الظلمة، فاقتضى حكمة نور الانوار وهو الباري سبحانه عندهم أن عمل الارض من لحوم القتلى، والجبال من عظامهم، والبحار من صديدهم (2) ودمائهم، والسماء من جلودهم، وخلق الشمس والقمر وسيرهما لاستصفاء ما في العالم


(1) وفى نسخة: ليتخلص المأمورين من تلك الاجزاء. (2) الصديد: القيح المختلط بالدم.

[ 215 ]

من أجزاء النور المختلطة بأجزاء الظلمة، وجعل حول العالم خندقا خارج الفلك الاعلى يطرح فيه الظلام المستصفى، فهو لا يزال يزيد ويتضاعف ويكثر في ذلك الخندق وهو ظلام صرف قد استصفى نوره. وأما النور المستخلص فيلحق بعد الاستصفاء بعالم الانوار فلا تزال الافلاك متحركة والعالم مستمرا إلى أن يتم استصقاء النور الممتزج، وحينئذ يبقى من النور الممتزج شئ منعقد باطل لا تقدر النيران على استصفائه، فعند ذلك تسقط الاجسام العالية - وهي الافلاك - على الاجسام السافلة - وهي الارضون - وتفور نار تضطرم في تلك الاسافل وهي المسماة بجهنم، ويكون الاضطرام مقدار ألف وأربعمائة سنة، فتحلل بتلك النار تلك الاجزاء المنعقدة من النور المتتزجة بأجزاء الظلمة التي عجز الشمس والقمر عن استصفائها فيرتفع إلى عالم الانوار ويبطل حينئذ، ويعود النور كله إلى حاله الاولى قبل الامتزاج وكذلك الظلمة. الثالث: المرقوبية أثبتوا أصلين متضادين: أحدهما النور، والثاني الظلمة، و أثبتوا أصلا ثالثا هو المعدل الجامع وهو سبب المزاج، فإن المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع، وقالوا: الجامع دون النور في الرتبة، وفوق الظلمة وحصل من الاجتماع والامتزاج هذا العالم. ومنهم من يقول: الامتزاج إنما يحصل بين الظلمة والمعدل إذ هو قريب منها فامتزج به ليتطيب به ويلتذ ملاذه فبعث النور إلى العالم الممتزج روحا مسيحية وهو روح الله وابنه تحننا على المعدل السليم الواقع في شبكة الظلام الرجيم حتى يخلصه من حبائل الشياطين، فمن اتبعه فلم يلامس النساء ولم يقرب الزهومات أفلت ونجا، ومن خالفه خسر وهلك. قالوا: وإنما أثبتنا المعدل لان النور الذي هو الله تعالى لا تجوز عليه مخالطة الشيطان، فإن الضدين يتنافران طبعا، ويتمانعان ذاتا ونفسا فكيف يجوز اجتماعهما وامتزاجهما ؟ فلابد من معدل تكون منزلته دون النور وفوق الظلام فيقع المزاج معه. كذا ذكره الشهرستاني. وقال ابن أبي الحديد: قول المجوس هو أن الغرض من خلق العالم أن يتحصن

[ 216 ]

الخالق جل اسمه من العدو (1) وأن يجعل العالم شبكة له ليوقع العدو فيه، ويجعله في ربط ووثاق. والعدو عندهم هو الشيطان وبعضهم يعتقد قدمه وبعضهم حدوثه. قال قوم منهم: إن الباري عزوجل استوحش ففكر فكرة ردية فتولد منها الشيطان. وقال آخرون: بل شك شكا رديا فتولد الشيطان من شكه. وقال آخرون: بل تولد من عفونة ردية قديمة. وزعموا أن الشيطان حارب الباري سبحانه، وكان في الظلمة لم يزل بعيدا عن سلطان الباري سبحانه فلم يزل يزحف حتى رأى النور فوثب وثبة عظيمة فصار في سلطان الله تعالى في النور، وأدخل معه البلايا والشرور فبنى الله سبحانه هذه الافلاك والارض والعناصر شبكة له، وهو فيها محبوس لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه الاول والظلمة فهو أبدا يضطرب ويرمي الآفات على خلق الله سبحانه فمن أحياه الله رماه الشيطان بالموت، ومن أصحه رماه الشيطان بالسقم، ومن سره رماه الشيطان بالحزن والكأبة فلا يزال كذلك. وكل يوم ينتقص سلطانه وقوته لان الله تعالى يحتال له كل يوم ويضعفه إلى أن تذهب قوته كلها، ويخمد ويصير جمادا جامدا هوائيا، و يجمع الله تعالى أهل الاديان فيعذبهم بقدر ما يطهرهم ويصفيهم من طاعة الشيطان، ويغسلهم من الادناس ثم يدخلهم الجنة وهي لا أكل فيها ولا شرب ولا تمتع، ولكنها موضع لذة وسرور. أقول: لما عرفت هذه المذاهب السخيفة المزخرفة التي يغنى تقريرها عن التعرض لابطالها: وتزييفها فلنرجع إلى توضيح الخبر. فنقول: يظهر من كلامه عليه السلام أن الديصانية قالوا: بقدم الطينة أي الظلمة، وبحدوث الامتزاج، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما نسبه الشهرستاني إلى الزروانية حيث قال: زعم بعضهم أنه كان لم يزل مع الله شئ ردي إما فكرة ردية، وإما عفونة ردية، وذلك هو مصدر الشيطان، وزعموا أن الدنيا كانت سليمة من الشرور والآفات، وكان أهلها في خير محض ونعيم خالص فلما حدث " أهرمن " حدثت الشرور والآفات والفتن، (2) وكان بمعزل من السماء فاحتال حتى خرق السماء وصعد.


(1) وفي نسخة: أن ينحصر الخالق جل اسمه من العدو. (2) وفى نسخة: والافات والمحن.

[ 217 ]

ثم إنه استدل عليه السلام على إبطال مذهبهم بوجهين: الاول أن قولكم: إنه تعالى كان لم يزل متأذيا من تلك الطينة ولم يستطع التفصي منها يستلزم عجزه تعالى، والعجز نقص يحكم العقل ببراءة صانع مثل هذا النظام عنه، وأيضا يوجب الاحتياج إلى من يرفع ويدفع ذلك عنه، وهو ينافي وجوب الوجود الذي قام البرهان على اتصاف الصانع تعالى به. والثاني: أنه لا يخلو إما أن تكون تلك الطينة الازلية حية عالمة قادرة، فيكون كل منهما إلها واجبا بالذات، لما قد ثبت بالعقل والنقل أن الممكن لا يكون قديما فإذا حصل العالم من امتزاجهما فلا يجوز على شئ من أجزاء العالم الموت والفناء إذ انتفاء المركب إنما يكون بانتفاء أحد أجزائه والجزآن هنا قديمان. ويحتمل أن يكون هذا إلزاما عليهم حيث أثبتوا الظلمة وجعلوها ميتة جاهلة عاجزة جمادا لينسبوا إليها الموت والفناء، زعما منهم أن مثل هذه الامور لا يصدر عن النور الحي العالم القادر، وإما أن تكون ميتة أي عادمة للقدرة والعلم والارادة، وهذا محال إذ القدم يستلزم وجوب الوجود، وهو يستلزم الاتصاف بالعلم والقدرة وسائر الكمالات، وإليه أشار عليه السلام بقوله فلا بقاء للميت مع الازلي القديم. ثم أبطل عليه السلام ذلك بوجه آخر، و هو أنهم ينسبون خلق الموذيات كالحيات والعقارب والسباع إلى الظلمة، ولو كانت ميتة لا يجوز نسبة خلقها إليها إذ العقل يحكم بديهة أنه يجب أن يكون الصانع أشرف من المصنوع من جميع الجهات وكيف يفيض الحياة والعلم والقدرة ممن لم يكن له حظ منها. وأما المانوية فيظهر من كلامه عليه السلام في تقرير مذهبهم غير ما مر من نقل الناقلين لمذهبهم ولا عبرة بنقلهم، فإنهم كثيرا ما ينسبون أشياء إلى جماعة من الشيعة وغيرهم مما قد نعلم خلافها، مع أنه يحتمل أن يكون كلامهم مرموزا، وعلم عليه السلام أن مرادهم بالنور الروح، وبالظلمة الجسد، والنور هو الرب تعالى. ويؤيده أنه كان الملعون نصرانيا ومذهب النصارى في المسيح عليه السلام قريب من ذلك، ويحتمل أن يكون ما ذكره عليه السلام مذهبا لجماعة من قدمائهم، ثم غيروه إلى ما نقل عنهم، وكون النور أسيرا

[ 218 ]

للظلمة يحتمل أن يكون كناية عن عدم استقلاله في التدبير ومعارضة أهرمن له في كثير مما يريده. وقد استدل عليه السلام على بطلان مذهبهم بوجوه: الاول: أن لا يكون الناس قادرين على ترك الشرور والمساوي والمعاصي لانها من فعل الجسد الذي هو الظلمة، ولا يتأتى منه الخير، ولا يستحق أحد الملازمة على الشر، لكونه مجبورا عليه، وقد نراهم يلومون الناس على الشرور والمساوي، فهذا دليل على بطلان مذهبهم. الثاني: أنهم يستحسنون التضرع إلى الرب تعالى وعبادته والاستعانة به، و أمثال تلك الاعمال فعل الروح الذي هو الرب بزعمهم فكيف يعبد نفسه ويستعين بنفسه ويتضرع إليها ؟ وإن قالوا: إنه يتضرع إلى الظلمة فكيف يليق بالرب أن يستعيذ بغيره ؟. الثالث: أنه يلزم أن لا يجوز أن يقول أحد لاحد: أحسنت ولا أسأت، وهذا باطل اتفاقا وبديهة، وأما بيان الملازمة فلان الحاكم بذلك إما النور أو الظلمة، إذ المفروض أنه لا شئ غيرهما. وكلاهما باطلان: أما الاول فلان الظاهر من هذا الكلام المغايرة بين المادح والممدوح والمفروض اتحادهما، ويحتمل أن يكون هذا منبها على ما يحكم به العقل بديهة من المغايرة بين الاشخاص، مع أنهم يقولون: بأن أرواح جميع الخلق شخص واحد هو النور وهو الرب تعالى، وهذا قريب من الوحدة التي قالت به الصوفية. وأما الثاني فلان الظلمة فعلها الاساءة وتعدها حسنة، فكيف تحكم بقبحها ؟. ويمكن تقرير الملازمة بوجه آخر بأن يقال: ظاهر أن التحسين والتشنيع من فعل النور، ولا يتصور منه شئ منهما لان المخاطب في " أسأت " هو الظلمة وهو مجبور على فعل القبيح بزعمهم فلا يستحق اللوم، وهو المراد بقوله: وذلك فعلها، والمخاطب في " أحسنت " هو النور لان الحسن فعله فيتحد المادح والممدوح. الرابع: أنهم يحكمون بأن النور هو الرب تعالى، ويجب على هذا أن يكون أقوى وأحكم وأتقن من الظلمة التي هي مخلوقة، ويلزمهم بمقتضى أقوالهم الفاسدة

[ 219 ]

عكس ذلك لان الابدان عندهم من فعل الظلمة، ولا نحكم بقدرة الرب وعلمه وحكمته إلا بما نشاهد من تلك الابدان المختلفة، والاشجار والثمار، والطيور والدواب، ولا نشاهد مما يقولون من الارواح شيئا، فيلزمهم على قياس ذلك أن تكون الظلمة إلها قادرا حكيما عليما. فقوله عليه السلام: من صور مبتداء، وقوله: يجب أن يكون إلها خبره. وقوله: كل شئ معطوف على قوله: هذا الخلق. الخامس: قولهم: بأن النور في حبس الظلمة ينافي القول بربوبيته لان كونه محبوسا يستلزم عجزه ونقصه، وكل منهما ينافي الربوبية كما مر، وما ادعوا من أنه في القيامة يغلب النور عليها فمع أنه لا ينفع في دفع الفساد فهو دعوى من غير حجة. وأيضا يلزمهم أن لا يكون للنور فعل لانه أسير. وإن قالوا: بأن له أيضا فعلا من الخلق والتدبير فليس بأسير لان العقل يحكم بأن الخالق المدبر لابد من أن يكون عزيزا منيعا قادرا قاهرا على كل من سواه فلما ثبت على قياس قولهم أنه أسير فيلزمهم بما قررنا أن يكون ما في العالم من الاحسان والخير أيضا من فعل الظلمة، فإن حكموا باستحالة ذلك أي كون الخير من الظلمة فقد بطل أصل كلامهم، وهو الحكم بتوزيع الخلق، وثبت ما قلناه: من أن الرب تعالى واحد لا يشاركه ولا يضاده في ملكه أحد. وأما مذهب المرقوبية فقد بين عليه السلام بطلانه بأن القول بالحكم ينافي القول بربوبية النور، لان الحكم يكون قاهرا والنور مقهورا، وبديهة العقل حاكمة ببطلان كون الرب مقهورا. وأيضا يلزم أن يكون الحكم اعلم بالحكمة من النور الذي حكمتم أنه رب، والضرورة قاضية بأن الرب الخالق لمثل هذا الخلق المدبر لهذا النظام لا يكون جاهلا. هذا جملة القول في هذا الخبر على ما ناله فهمي القاصر، وبسط القول فيه يحتاج إلى كتاب مفرد معمول لذلك. والله الموفق لكل خير. 6 - فس: ثم رد على الثنوية الذين قالوا بإلهين فقال تعالى: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض. قال: لو كان إلهين كما زعمتم لكانا يخلقان، فيخلق هذا ولا يخلق هذا، ويريد هذا ولا يريد هذا، ولطلب كل واحد منهما الغلبة، وإذا أراد أحدهما خلق إنسان وأراد الآخر

[ 220 ]

خلق بهيمة فيكون إنسانا وبهيمة في حالة واحدة وهذا غير موجود، فلما بطل هذا ثبت التدبير، والصنع لواحد، ودل أيضا التدبير وثباته وقوام بعضه ببعض على أن الصانع واحد جل جلاله، وذلك قوله: ما اتخذ الله من ولد الآية، ثم قال أنفا: سبحان الله عما تصفون. بيان: أنفا بالتحريك أي استنكافا وتنزها. 7 - يد، مع: أبي، عن سعد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن الربيع بن محمد قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام - وسئل عن الصمد - فقال: الصمد الذي لا جوف له. 8 - يد، مع: الدقاق، عن الكليني، عن علان، عن سهل، عن محمد بن وليد - و لقبه شباب الصيرفي - عن داود بن القاسم الجعفري قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك ما الصمد ؟ قال: السيد المصمود إليه (1) في القليل والكثير. 9 - يد: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن الميثمي، عن صفوان بن يحيى، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: انسب لنا ربك فلبث ثلاثا لا يجيبهم، ثم نزلت هذه السورة إلى آخرها فقلت: ما الصمد ؟ فقال: الذي ليس بمجوف. 10 - يد: أبي، عن سعد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن الحسن بن أبي السري، عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شئ من التوحيد، فقال: إن الله تباركت أسماؤه التي يدعا بها، وتعالى في علو كنهه، واحد توحد بالتوحيد في علو توحيده، (2) ثم أجراه على خلقه فهو واحد صمد قدوس، يعبده كل شئ، ويصمد إليه كل شئ، ووسع كل شئ علما. ايضاح: واحد خبر " إن " والجملتان معترضتان أي تطهرت أسماؤه عن النقائص أو كثرت صفات جلاله وعظمته، أو ثبت ولا يعتريها التغير، وكلمة " في " في قوله: في علو كنهه تعليلية. وقوله عليه السلام: توحد بالتوحيد أي لم يكن في الازل أحد يوحده


(1) صمد إليه: قصده. (2) وفى نسخة: في علو توحده.

[ 221 ]

فهو كان يوحد نفسه فكان متفردا بالوجود، متوحدا بتوحيد نفسه، ثم بعد الخلق عرفهم نفسه، وأمرهم أن يوحدوه، أو المراد أن توحده لا يشبه توحد غيره، فهو متفرد بالتوحيد، (1) أو كان قبل الخلق كذلك، وأجرى سائر أنواع التوحيد على خلقه، إذ الوحدة تساوق الوجود أو تستلزمه لكن وحداتهم مشوبة بأنواع الكثرة. 11 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن علي بن سيف بن عميرة، عن محمد بن عبيد قال: دخلت على الرضا عليه السلام فقال لي: قل للعباسي (2) يكف عن الكلام في التوحيد وغيره، ويكلم الناس بما يعرفون، ويكف عما ينكرون، وإذا سألوك عن التوحيد فقل - كما قال الله عزوجل -: قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد * وإذا سألوك عن الكيفية فقل - كما قال الله عزوجل -: ليس كمثله شئ، وإذا سألوك عن السمع فقل - كما قال الله عزوجل -: هو السميع العليم، كلم الناس بما يعرفون. 12 - يد: حدثنا أبو محمد جعفر بن علي بن أحمد الفقيه القمي ثم الايلاقي رضي الله عنه، قال حدثنا أبو سعيد عبدان بن الفضل، قال: حدثني أبو الحسن محمد بن يعقوب بن محمد بن يوسف بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بمدينة خجندة، قال: حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن شجاع الفرغاني، قال حدثني أبو محمد الحسن بن حماد القبري بمصر، قال: حدثني إسماعيل بن عبد الجليل البرقي، عن أبي البختري وهب بن وهب القرشي، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي الباقر عليهما السلام في قول الله عزوجل: قل هو الله أحد، قال: " قل " أي أظهر ما أوحينا إليك و نبأناك به بتأليف الحروف التي قرأناها لك، ليهتدي بها من ألقى السمع وهو شهيد، و " هو " إسم مشاور مكنى إلى غائب، فالهاء تنبيه عن معنى ثابت، والواو إشارة إلى الغائب عن الحواس كما أن قولك: " هذا " إشارة إلى الشاهد عند الحواس، وذلك أن


(1) وفى نسخة: فهو متفرد بالتوحد. (2) العباسي لقب جمع كثير مشترك بين الثقة والضعيف منهم إبراهيم بن هاشم، وهشام بن ابراهيم الراشدي الهمداني، وهشام بن إبراهيم البغدادي المشرقي وغيرهم، والظاهر من الوحيد البهبهانى أن الواقع في الحديث هو المشرقي، وأنه ثقة

[ 222 ]

الكفار نبهوا عن آلهتهم بحرف إشارة الشاهد المدرك، فقالوا: هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالابصار فأشر أنت يا محمد إلى إلهك الذي تدعو إليه حتى نراه وندركه ولا نأله فيه، فأنزل الله تبارك وتعالى: قل هو الله أحد. فالهاء تثبيت للثابت والواو إشارة إلى الغائب عن درك الابصار ولمس الحواس، والله تعالى عن ذلك (1) بل هو مدرك الابصار ومبدع الحواس. حدثني أبي، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: رأيت الخضر عليه السلام في المنام قبل: بدر بليلة، فقلت له: علمني شيئا أنصر به على الاعداء، فقال: قل: يا هو يا من لا هو إلا هو. فلما أصبحت قصصتها على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لي يا علي علمت الاسم الاعظم، وكان على لساني يوم بدر، وأن أمير المؤمنين عليه السلام قرأ قل هو الله أحد (2) فلما فرغ قال: يا هو يا من لا هو إلا هو اغفر لي وانصرني على القوم الكافرين. وكان علي عليه السلام يقول ذلك يوم صفين وهو يطارد، (3) فقال له عمار بن ياسر: يا أمير المؤمنين ما هذه الكنايات ؟ قال: اسم الله الاعظم، وعماد التوحيد لله لا إله إلا هو، ثم قرأ: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وأواخر الحشر، ثم نزل فصلى أربع ركعات قبل الزوال. قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله معناه المعبود الذي يأله فيه الخلق، (4) ويؤله إليه، والله هو المستور عن درك الابصار، المحجوب عن الاوهام والخطرات. قال الباقر عليه السلام: الله معناه المعبود الذي أله الخلق عن درك مائيته والاحاطة بكيفيته، ويقول العرب: أله الرجل: إذا تحير في الشئ فلم يحط به علما، ووله: إذا فزع إلى شئ مما يحذره ويخافه، فالاله هو المستور عن حواس الخلق. قال الباقر عليه السلام: الاحد الفرد المتفرد، والاحد والواحد بمعنى واحد (5) وهو


(1) وفى نسخة: وأنه تعالى عن ذلك. (2) وفى نسخة: قرأ يوم بدر قل هو الله أحد. (3) طارد الاقران: حمل بعضهم على بعض. (4) وفى نسخة: تأله فيه الخلق. (5) لعل المراد أن الاحد والواحد الذان يتصف بهما الله تعالى معناهما واحد، لا مطلقهما حيث يستعمل. أو أن الواحد الذى يستعمل غير باب الاعداد والاجناس مترادف مع الواحد في المعنى. كما تقدم تفصيل ذلك في الحديث الاول فتأمل.

[ 223 ]

المتفرد الذي لا نظير له، والتوحيد الاقرار بالوحدة وهو الانفراد، والواحد المتبائن الذي لا ينبعث من شئ ولا يتحد بشئ، ومن ثم قالوا: إن بناء العدد من الواحد، وليس الواحد من العدد، لان العدد لا يقع على الواحد بل يقع على الاثنين، فمعنى قوله: الله أحد أي المعبود الذي يأله الخلق عن إدراكه والاحاطة بكيفيته فرد بإلهيته، متعال عن صفات خلقه. قال الباقر عليه السلام: وحدثني أبي زين العابدين، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام أنه قال: الصمد: الذي لا جوف له. والصمد: الذي قد انتهى سودده. والصمد: الذي لا يأكل ولا يشرب. والصمد: الذي لا ينام. والصمد: الدائم الذي لم يزل ولا يزال. قال الباقر عليه السلام: كان محمد بن الحنفية رضي الله عنه يقول: الصمد القائم بنفسه الغني عن غيره. وقال غيره: الصمد: المتعالي عن الكون والفساد، والصمد: الذي لا يوصف بالتغاير. قال الباقر عليه السلام: الصمد السيد المطاع الذي ليس فوقه آمر وناه. قال: وسئل علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام عن الصمد فقال: الصمد: الذي لا شريك له، ولا يؤوده حفظ شئ (1)، ولا يعزب عنه شئ. (2) 13 - قال وهب بن وهب القرشي: قال زيد بن علي عليه السلام: الصمد الذي إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، والصمد الذي أبدع الاشياء فخلقها أضدادا وأشكالا و أزواجا، وتفرد بالوحدة بلا ضد ولا شكل ولا مثل ولا ند. 14 - قال وهب بن وهب القرشي: وحدثني الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه الباقر، عن أبيه عليهم السلام أن أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن علي عليهما السلام يسألونه عن الصمد، فكتب إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تتكلموا فيه بغير علم، فقد سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار، وأنه سبحانه قد فسر الصمد (3) فقال: الله أحد الله الصمد،


(1) أي لا يضنكه ولا يثقل عليه حفظ شئ. (2) أي لا يغيب ولا يخفى عنه شئ. (3) وفى نسخة. وأن الله سبحانه قد فسر الصمد.

[ 224 ]

ثم فسره فقال: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. لم يلد لم يخرج منه شئ كثيف كالولد وسائر الاشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين، ولا شئ لطيف كالنفس، ولا يتشعب منه البداوات، (1) كالسنة والنوم، والخطرة والهم، والحزن والبهجة، والضحك والبكاء، والخوف والرجاء، والرغبة والسأمة، والجوع والشبع، تعالى أن يخرج منه شئ، وأن يتولد منه شئ كثيف أو لطيف. ولم يولد لم يتولد من شئ، ولم يخرج منه شئ كما تخرج الاشياء الكثيفة من عناصرها كالشئ من الشئ، والدابة من الدابة، والنبات من الارض، والماء من الينابيع، والثمار من الاشجار، ولا كما تخرج الاشياء اللطيفة من مراكزها، كالبصر من العين، والسمع من الاذن، والشم من الانف، والذوق من الفم، والكلام من اللسان، والمعرفة والتمييز من القلب، وكالنار من الحجر. لا بل هو الله الصمد الذي لا من شئ ولا في شئ ولا على شئ، مبدع الاشياء وخالقها، ومنشئ الاشياء بقدرته، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته، ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه، فذلكم الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، ولم يكن له كفوا أحد. 15 - قال وهب بن وهب القرشي: سمعت الصادق عليه السلام يقول: قدم وفد من فلسطين (2) على الباقر عليه السلام فسألوه عن مسائل فأجابهم، ثم سألوه عن الصمد فقال: تفسيره فيه الصمد خمسة أحرف، فالالف دليل على إنيته، وهو قوله عزوجل: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وذلك تنبيه وإشارة إلى الغائب عن درك الحواس، واللام دليل على إلهيته بأنه هو الله، والالف واللام مدغمان لا يظهران على اللسان ولا يقعان في السمع، ويظهران في الكتابة دليلان على أن إلهيته لطيفة خافية لا يدرك بالحواس، ولا يقع في لسان واصف، ولا اذن سامع لان تفسير الاله هو الذي أله الخلق عن درك مائيته وكيفيته بحس أو بوهم، لا بل هو مبدع الاوهام وخالق الحواس، وإنما يظهر ذلك عند الكتابة فهو دليل على أن الله سبحانه أظهر ربوبيته في إبداع الخلق، وتركيب أرواحهم اللطيفة


(1) البداوات: الاراء المختلفة. ولعله أراد به الحالات المختلفة، وفى بعض النسخ: البدوات: (2) الوفد بفتح الواو وسكون الفاء: قوم يجتمعون فيردون البلاد.

[ 225 ]

في أجسادهم الكثيفة، فإذا نظر عبد إلى نفسه لم ير روحه، كما أن لام الصمد لا تتبين ولا تدخل في حاسة من حواسه الخمس، فإذا نظر إلى الكتابة ظهر له ما خفي ولطف، فمتى تفكر العبد في مائية الباري وكيفيته أله فيه وتحير ولم تحط فكرته بشئ يتصور له، لانه عزوجل خالق الصور، فإذا نظر إلى خلقه ثبت له أنه عزوجل خالقهم، ومركب أرواحهم في أجسادهم، وأما الصاد فدليل على أنه عزوجل صادق، وقوله صدق و كلامه صدق، ودعا عباده إلى اتباع الصدق بالصدق، ووعد بالصدق دار الصدق، وأما الميم فدليل على ملكه، وأنه الملك الحق، لم يزل ولا يزال ولا يزول ملكه، وأما الدال فدليل على دوام ملكه، وأنه عزوجل دائم تعالى عن الكون والزوال، بل هو الله عز وجل مكون الكائنات الذي كان بتكوينه كل كائن. ثم قال عليه السلام: لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله عزوجل حملة لنشرت التوحيد والاسلام والايمان والدين والشرائع من الصمد، وكيف لي بذلك ولم يجد جدي أمير المؤمنين عليه السلام حملة لعلمه حتى كان يتنفس الصعداء (1) ويقول على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني فإن بين الجوانح مني علما جما، هاه هاه، ألا لا أجد من يحمله، ألا وإني عليكم من الله الحجة البالغة، فلا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور. ثم قال الباقر عليه السلام: الحمد لله الذي من علينا ووفقنا لعبادته الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وجنبنا عبادة الاوثان، حمدا سرمدا و شكرا واصبا. وقوله عزوجل: لم يلد ولم يولد يقول الله عزوجل: لم يلد فيكون له ولد يرثه ملكه، ولم يولد فيكون له والد يشركه في ربوبيته وملكه، ولم يكن له كفوا أحد فيعازه في سلطانه. (2) بيان: روي في معاني الاخبار ما يتعلق بتأويل الصمد من هذا الخبر بهذا الاسناد. ثم اعلم أن تحقيق معنى " هو " بهذا الوجه غير معروف، ولا يبعد أن يكون في أصل الوضع


(1) الصعداء: التنفس الطويل من هم أو تعب. (2) وفى نسخة: فيعاونه في سلطانه.

[ 226 ]

كذلك. وقوله: ولا نأله صيغة المتكلم من أله بمعنى تحير. واختلف في لفظ الجلالة فالمشهور أنه عربي مشتق، إما من أله بمعنى عبد، أو من أله: إذا تحير، إذ العقول تتحير في معرفته، أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه، لان القلوب تطمئن بذكره، والارواح تسكن إلى معرفته، أو من أله: إذا فزع من أمر نزل عليه، وألهه غيره: أجاره، إذ العابد يفزع إليه وهو يجيره، أو من أله الفصيل: إذا ولع بامه، إذ العباد يولعون بالتضرع إليه في الشدائد، أو من وله: إذا تحير وتخبط عقله، وكان أصله ولاه فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها، أو من لاه مصدر لاه يليه ليها ولاها: إذا احتجب و ارتفع لانه تعالى محجوب عن إدراك الابصار، ومرتفع على كل شئ وعما لا يليق به، وقيل: إنه غير مشتق وهو علم للذات المخصوصة وضع لها ابتداءا. وقيل: أصله " لاها " بالسريانية فعرب بحذف الالف الاخيرة وإدخال اللام عليه. وقال الرازي: ذكروا في الفرق بين الواحد والاحد وجوها، أحدها: أن الواحد يدخل في العدد والاحد لا يدخل فيه. وثانيها: أنك إذا قلت: فلان لا يقاومه واحد جاز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان بخلاف الاحد. وثالثها: أن الواحد يستعمل في الاثبات والاحد في النفي. انتهى. وقوله عليه السلام: ومن ثم لبيان أن الواحد الحقيقي هو الذي لا يكون فيه شئ من أنحاء التعدد لان الوحدة تقابل العدد. ثم اعلم أنهم اختلفوا في معنى الصمد، فقيل: إنه فعل بمعنى المفعول من صمد إليه: إذا قصده، وهو السيد المقصود إليه في الحوائج. وروت العامة عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ما الصمد ؟ قال صلى الله عليه وآله: هو السيد الذي يصمد إليه في الحوائج. وقيل: إن الصمد هو الذي لا جوف له، وقال ابن قتيبة: الدال فيه مبدلة من التاء وهو الصمت، (1) وقال بعض اللغويين: الصمد: هو الاملس من الحجر لا يقبل الغبار ولا يدخله ولا يخرج منه شئ.


(1) قال الشيخ قدس سره في كتابه التبيان: ومن قال: الصمد بمعنى المصمت فقد جهل الله، لان المصمت هو المتضاغط الاجزاء، وهذا تشبيه وكفر بالله تعالى.

[ 227 ]

فعلى الاول عبارة عن وجوب الوجود والاستغناء المطلق واحتياج كل شئ في جميع اموره إليه أي الذي يكون عنده ما يحتاج إليه كل شئ، ويكون رفع حاجة الكل إليه، ولم يفقد في ذاته شيئا مما يحتاج إليه الكل، وإليه يتوجه كل شئ بالعبادة و الخضوع، وهو المستحق لذلك، وإليه يؤمي خبر الجعفري. وأما على الثاني فهو مجاز عن أنه تعالى أحدي الذات أحدي المعنى ليست له أجزاء ليكون بين الاجزاء جوف، ولا صفات زائدة فيكون بينها وبين الذات جوف، أو عن أنه الكامل بالذات ليس فيه جهة استعداد وإمكان ولا خلو له عما يليق به، فلا يكون له جوف يصلح أن يدخله ما ليس له في ذاته فيستكمل به، فالجوف كناية عن الخلو عما لا يصح اتصافه به. وأما على الثالث فيكون كناية عن عدم الانفعال والتأثر عن الغير، وكونه محلا للحوادث كما سيأتي في جواب من سأل الصادق عليه السلام عن رضا الله وسخطه، فقال: ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، وذلك أن الرضا دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال لان المخلوق أجوف، معتمل، مركب، للاشياء فيه مدخل، وخالقنا لا مدخل للاشياء فيه لانه واحد وأحدي الذات وأحدي المعنى، وهذا الخبر يؤيد بعض المعاني السابقة أيضا. وقد نقل بعض المفسرين عن الصحابة والتابعين والائمة واللغويين قريبا من عشرين معنى، (1) ويمكن إدخال جميعها فيما ذكرنا من المعنى الاول لانه لاشتماله على


(1) تقدمت جملة من المعاني المروية عن الائمة عليهم السلام في الخبر 13 و 14. وأما ما نقل من المعنى عن غيرهم فقد نقل عن سعيد بن جبير أن المعنى: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وعن قتادة: هو الباقي بعد فناء خلقه. وعن ربيع: هو الذى لا يعتريه الافات. وعن مقاتل بن حيان: هو الذى لا عيب فيه. وعن الاصم: هو الخالق للاشياء. وعن السدى: هو المقصود في الرغائب، المستغاث به عند المصائب. وعن الحسين بن الفضل البجلى: هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. وعن ابى بن كعب: هو الذى لا يموت ولا يورث وله ميراث السماوات والارض وعن يمان وأبى مالك: هو الذى لا ينام ولا يسهو. وعن ابن كيسان: هو الذى لا يوصف بصفة أحد. وعن أبى بكر الوراق: انه الذى آيس الخلائق من الاطلاع على كيفيته. وعن غيرهم: انه السيد المعظم، و انه العالم بجميع المعلومات، وانه الحليم، وانه الفرد الماجد لا يقضى في امر دونه، وانه الذى لا تدركه الابصار، وانه المنزه عن قبول النقصانات والزيادات، وعن ان يكون موردا للتغيرات والتبدلات، وعن احاطة الازمنة والامكنة والانات والجهات. وسياتى في الحديث 20 و 21 معنى آخر.

[ 228 ]

الوجوب الذاتي يدل على جميع السلوب، ولدلالته على كونه مبدءا للكل يدل على اتصافه بجميع الصفات الكمالية، وبهذا الوجه يمكن الجمع بين الاخبار المختلفة الواردة في هذا المعنى. وقوله عليه السلام: لا يوصف بالتغاير أي بالصفات الموجودة المغايرة للذات، ويحتمل على بعد أن يكون مأخوذا من الغيرة كناية عن أنه ليس له ضد ولا ند، وفيما رواه الطبرسي رحمه الله: لا يوصف بالنظائر. والبدوات بالفتحات: ما يبدو ويسنح ويظهر من الحوادث والحالات المتغيرة والآراء المتبدلة، يقال: بدا أي ظهر، وبدا له في الامر: نشأ له فيه رأي، وهو في ذو بدوات. والانية: التحقق والوجود. والصعداء بضم الصاد و فتح العين: تنفس طويل. والجوانح: الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر. والواصب: الدائم والثابت. والمعازة: المغالبه. 16 - يد: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن هاشم، عن ابن بزيع، عن يونس، عن الحسن بن السري، عن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن الله عزوجل - تباركت أسماؤه وتعالى في علو كنهه - أحد توحد بالتوحيد في توحده، ثم أجراه على خلقه، فهو أحد صمد ملك قدوس يعبده كل شئ ويصمد إليه، وفوق الذي عسينا أن نبلغ، ربنا وسع كل شئ علما. سن: اليقطيني، عن يونس، عن الحسن بن السري مثله. 17 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن الحلبي وزرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أحد صمد، ليس له جوف، وإنما الروح خلق من خلقه نصر وتأييد وقوة يجعله الله في قلوب الرسل والمؤمنين. 18 - يد: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل بن شاذان قال: سأل رجل من الثنوية أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام - وأنا حاضر - فقال له: إني أقول: إن صانع العالم اثنان، فما الدليل على أنه واحد ؟ فقال: قولك: إنه اثنان دليل على أنه واحد لانك لم تدع الثاني إلا بعد إثباتك الواحد، فالواحد مجمع عليه، وأكثر من واحد مختلف فيه.

[ 229 ]

قال الصدوق رحمه الله: الدليل على أن الصانع واحد لا أكثر من ذلك أنهما لو كانا اثنين لم يخل الامر فيهما من أن يكون كل واحد منهما قادرا على منع صاحبه مما يريد أو غير قادر، فإن كانا كذلك فقد جاز عليهما المنع، ومن جاز عليه ذلك فمحدث، كما أن المصنوع محدث، وإن لم يكونا قادرين لزمهما العجز والنقص، وهما من دلالات الحدث، فصح أن القديم واحد. ودليل آخر: وهو أن كل واحد منهما لا يخلو من أن يكون قادرا على أن يكتم الآخر شيئا، فإن كان كذلك فالذي جاز الكتمان عليه حادث، وإن لم يكن قادرا فهو عاجز، والعاجز حادث بما بيناه. (1) وهذا الكلام يحتج به في إبطال قديمين صفة كل واحد منهما صفة القديم الذي أثبتناه. فأما ما ذهب إليه ماني وابن ديصان من خرافاتهما في الامتزاج، ودانت به المجوس من حماقاتها في أهرمن ففاسد بما به يفسد قدم الاجسام، ولدخولهما في تلك الجملة اقتصرت على الكلام فيهما ولم أفرد كلا منهما بما يسئل عنه منه. 19 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ما الدليل على أن الله واحد ؟ قال: اتصال التدبير وتمام الصنع، كما قال عزوجل: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. بيان: إما إشارة إلى برهان التمانع أو إلى التلازم، وسيأتي بعض تقريراتهما 20 - ف: عن داود بن القاسم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الصمد، فقال: الذي لا سرة له. قلت: فإنهم يقولون: إنه الذي لا جوف له، فقال: كل ذي جوف له سرة. بيان: الغرض أنه ليس فيه تعالى صفات البشر وسائر الحيوانات، وهو أحد أجزاء معنى الصمد كما عرفت وهو لا يستلزم كونه تعالى جسما مصمتا.


(1) الحجتان مدخولتان لان عموم القدرة في الواجب لا يستلزم تعلقها بكل امر، فمن الجائز ان يكون المنع المفروض والكتمان المفروض محالين لا تتعلق بهما القدرة، فلا يلزمه نقص الواجب وحدوثه. ط

[ 230 ]

21 - جع: سئل ابن الحنفية عن الصمد. فقال: قال علي عليه السلام: تأويل الصمد لا اسم ولا جسم، ولا مثل ولا شبه، ولا صورة ولا تمثال، ولا حد ولا حدود، ولا موضع ولا مكان، ولا كيف ولا أين، ولا هنا ولا ثمة، ولا ملا ولا خلا، ولا قيام ولا قعود، ولا سكون ولا حركة، ولا ظلماني ولا نوراني، ولا روحاني ولا نفساني، ولا يخلو منه موضع لا يسعه موضع، ولا على لون، ولا على خطر قلب، ولا على شم رائحة، منفي عنه هذه الاشياء. 22 - ج: عن هشام بن الحكم أنه قال: من سؤال الزنديق عن الصادق عليه السلام أن قال: لم لا يجوز أن يكون صانع العالم أكثر من واحد ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يخلو قولك: إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويا والاخر ضعيفا، فإن كانا قويين فلم لا يدفع كل واحد منهما صاحبه ويتفرد بالربوبية ؟ (1) وإن زعمت أن أحدهما قوي والاخر ضعيف ثبت أنه واحد - كما نقول - للعجر الظاهر في الثاني، وإن قلت: إنهما اثنان لم يخل من أن يكونا متفقين من كل جهة، أو مفترقين من كل جهة، فلما رأينا الخلق منتظما، والفلك جاريا، (2) واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر، دل صحة الامر والتدبير وايتلاف الامر على أن المدبر واحد. يد: الدقاق، عن أبي القاسم العلوي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن إبراهيم بن هاشم القمي، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن الحكم مثله، وزاد فيه: ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فلابد من فرجة بينهما حتى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما فليزمك ثلاثة، وإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين حتى يكون بينهم فرجتان فيكونوا خمسة، ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة. كا: علي، عن أبيه مثله. بيان: ولنشر ههنا إلى بعض براهين التوحيد على وجه الاختصار، ثم لنذكر ما يمكن أن يقال في حل هذا الخبر الذي هو من غوامض الاخبار.


(1) وفى نسخة: ويتفرد بالتدبير. (2) وقى نسخة بعد قوله: والفلك جاريا: والتدبير واحدا.

[ 231 ]

فأما البراهين: فالاول أنه لما ثبت كون الوجود عين حقيقة الواجب فلو تعدد لكان امتياز كل منهما عن الاخر بأمر خارج عن الذات فيكونان محتاجين في تشخصهما إلى أمر خارج، وكل محتاج ممكن. والثانى: أنه لو تعدد الواجب لذاته فإما أن يكون امتياز كل منهما عن الاخر بذاته فيكون مفهوم واجب الوجود محمولا عليهما بالحمل العرضي، والعارض معلول للمعروض فيرجع إلى كون كل منهما علة لوجوب وجوده وقد ثبت بطلانه. وإما أن يكون ذلك الامتياز بالامر الزائد على ذاتهما وهو أفحش، فإنه إما أن يكون معلولا لماهيتهما أو لغيرهما، وعلى الاول إن اتحد ماهيتهما كان التعين مشتركا وهذا خلف، وإن تعددت الماهية كان كل منهما شيئا عرض له وجوب الوجود أعني الوجود المتأكد للواجب، وقد تبين بدلائل عينية الوجود بطلانه، وعلى الثاني يلزم الاحتياج إلى الغير والامكان، وبالجملة لو كان الواجب متعددا لكان نسبة الوجوب إليهما نسبة العوارض فكان ممكنا لا واجبا. الثالث: أنه لو كان لله سبحانه شريك لكان لمجموع الواجبين وجود غير وجود الاحاد، سواء كان ذلك الوجود عين مجموع الوجودين، أو أمرا زائدا عليه، ولكان هذا الوجود محتاجا إلى وجود الاجزاء، والمحتاج إلى الغير ممكن محتاج إلى مؤثر و المؤثر في الشئ يجب أن يكون مؤثرا في واحد من أجزائه، وإلا لم يكن مؤثرا في ذلك الشئ، وقد ادعوا الضرورة فيه، ولا يمكن التأثير فيما نحن فيه في شئ من الاجزاء لكون كل من الجزئين واجبا، فالشريك يستلزم التأثير فيما لا يمكن التأثير فيه، أو إمكان ما فرض وجوبه إلى غير ذلك من المفاسد. الرابع: برهان التمانع وأظهر تقريراته أن وجوب الوجود يستلزم القدرة و القوة على جميع الممكنات قوة كاملة بحيث يقدر على إيجاده ودفع ما يضاده مطلقا، وعدم القدرة على هذا الوجه نقص، والنقص عليه تعالى محال ضرورة بدليل إجماع العقلاء عليه، ومن المحال عادة إجماعهم على نظري، ولئن لم يكن ضروريا فنظري ظاهر متسق الطريق، واضح الدليل، واستحالة إجماعهم على نظري لا يكون كذلك أظهر، فنقول

[ 232 ]

حينئذ: لو كان في الوجود واجبان لكانا قويين، وقوتهما يستلزم عدم قوتهما لان قوة كل منهما على هذا الوجه يستلزم وقته على دفع الاخر عن إرادة ضد ما يريده نفسه من الممكنات، والمدفوع غير قوي بهذا المعنى الذي زعمنا أنه لازم لسلب النقص. فإن قلت: هذا إنما يتم لو كان إرادة كل مهما للممكن بشرط إرادة الاخر لضده ممكنا وبالعكس، وليس كذلك بل إرادة كل منهما له بشرط إرادة الاخر لضده ممتنع، ونظير ذلك أن إرادة الواجب للممكن بشرط وجود ضده محال، ولا يلزم منه نقص. قلت: امتناع الارادة بشرط إرادة الاخر هو الامتناع بالغير، وامتناعه بالغير تحقق النقص والعجز - تعالى عن ذلك - وأما امتناع إرادة الشئ بشرط وجود ضده فمن باب امتناع إرادة المحال الذاتي، وإن كان امتناع الارادة امتناعا بالغير، ومثله غير ملزوم للنقص بخلاف ما نحن فيه فإن المراد ممتنع بالغير. فإن قلت: وجود الشئ كما يمتنع بشرط ضده ونقيضه كذلك يمتنع بشرط ملزوم ضده ونقيضه، والاول امتناع بالذات، والثاني امتناع بالغير، وكما أن إرادة الاول منه تعالى محالى ولا نقص فيه، كذلك إرادة الثاني، وظاهر أن إرادة إيجاد الممكن بشرط إرادة الاخر له من قبل الثاني فينبغي أن لا يكون فيه نقص. قلت: فرق بين الامرين فإن وجود الممكن إذا قيد واشترط بملزوم نقيضه كان ممتنعا ولو بالغير ولم يتعلق به إرادة ضرورة، وأما إذا لم يقيد الوجود به بل اطلق فغير ممتنع فيمكن تعلق الارادة به ولو في زمان وجود ملزوم النقيض بأن يدفع الملزوم، وإن لم يندفع هو من قبل نفسه أو من دافع آخر، بخلاف إرادة الاخر له فإنه لو لم يندفع من قبل نفسه ولم يدفعه دافع آخر لم يتعلق به الارادة ضرورة فهو مدفوع، وإلا فالاخر مدفوع فصار حاصل الفرق حينئذ أن الصانع تعالى قادر على إيجاد أحد الضدين في زمان الضد الاخر بدون حاجة إلى واسطة غير مستندة إليه تعالى، وهو أي الحاجة إلى الواسطة المستندة إلى الفاعل لا ينافي الاستقلال والقدرة كما لا ينافي الاحتياج إلى الواسطة المستندة إلى الذات الوجوب الذاتي بخلاف ما نحن فيه فإنه احتياج إلى واسطة غير مستندة إلى الذات.

[ 233 ]

لا يقال: لعل انتفاء إرادة الاخر واجب بنفسه، ولا نسلم منافاة توسط الواجب بالذات بين الفاعل وفعله، لاستقلاله واستلزامه النقص. لانا نقول: الاول بين البطلان فإن تحقق إرادة الاخر وانتفاعها ممكن في نفسه لكنه ينتفي فيما نحن فيه من قبل ذي الارادة لو انتفى فيكون واسطة ممكنة غير صادرة عن الفاعل ولا مستندة إليه، وأما الثاني فربما تدعى البداهة في استلزامه النقص وهو غير بعيد وبهذا التقرير يندفع كثير من الشكوك والشبه. الخامس: تقرير آخر لبرهان التمانع ذكره المحقق الدواني، وهو أنه لا يخلو أن يكون قدرة كل واحد منهما وإرادته كافية في وجود العالم، أو لا شئ منهما كاف، أو أحدهما كاف فقط، وعلى الاول يلزم اجتماع المؤثرين التامين على معلول واحد، وعلى الثاني يلزم عجزهما لانهما لا يمكن لهما التأثير إلا باشتراك الاخر، وعلى الثالث لا يكون الاخر خالقا فلا يكون إلها، أفمن يخلق كمن لا يخلق ؟. لا يقال: إنما يلزم العجز إذا انتفت القدرة على الايجاد بالاستقلال أما إذا كان كل منهما قادرا على الايجاد بالاستقلال ولكن اتفقا على الايجاد بالاشتراك فلا يلزم العجز كما أن القادرين على حمل خشبة بالانفراد قد يشتركان في حملها، وذلك لا يستلزم عجزهما لان إرادتهما تعلقت بالاشتراك، وإنما يلزم العجز لو أرادا الاستقلال ولم يحصل. لانا نقول: تعلق إرادة كل منهما إن كان كافيا لزم المحذور الاول، وإن لم يكن كافيا لزم المحذور الثاني، والملازمتان بينتان لا تقبلان المنع، وما أوردتم من المثال في سند المنع لا يصلح للسندية إذ في هذه الصورة ينقص ميل كل واحد منهما من الميل الذي يستقل في الحمل قدر ما يتم الميل الصادر من الاخر حتى تنقل الخشبة بمجموع الميلين، وليس كل واحد منهما بهذا القدر من الميل فاعلا مستقلا، وفي مبحثنا هذا ليس المؤثر إلا تعلق القدرة والارادة، ولا يتصور الزيادة والنقصان في شئ منهما السادس: أن كل من جاء من الانبياء وأصحاب الكتب المنزلة إنما ادعى الاستناد إلى واحد أسند إليه الاخر، ولو كان في الوجود واجبان لكان يخبر مخبر من قبله بوجوده وحكمه، واحتمال أن يكون في الوجود واجب لا يرسل إلى هذا العالم أو لا يؤثر ولا

[ 234 ]

يدبر أيضا فيه مع تدبيره ووجود خبره في عالم آخر أو عدمه مما لا يذهب إليه وهم واهم، فإن الوجوب يقتضي العلم والقدرة وغيرهما من الصفات، ومع هذه الصفات الكمالية يمتنع عدم الاعلام ونشر الاثار بحيث يبلغ إلينا وجود، وأما ما زعمت الثنوية من الاله الثاني فليس بهذه المثابة. ومما يرسل ويحكم فيهم وإن قالوا بوجود الواجب الاخر فقد نفوا لازمه فهو باطل بحكم العقل. وقد أثبتنا في كتاب الروضه فيما أوصى به أمير المؤمنين ابنه الحسن صلوات الله عليهما ما يؤمي إلى هذا الدليل، حيث قال عليه السلام: واعلم أنه لو كان لربك شريك لاتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت صفته وفعاله، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضاده في ذلك أحد ولا يحاجه، وأنه خالق كل شئ. السابع: الادلة السمعية من الكتاب والسنة وهي أكثر من أن تحصى، وقد مر بعضها، ولا محذور في التمسك بالادلة السمعية في باب التوحيد، وهذه هي المعتمد عليها عندي. وبسط الكلام في تلك الادلة وما سواها مما لم نشر إليها موكول إلى مظانها، ولنرجع إلى حل الخبر وشرحه، وقد قيل فيه وجوه: الاول: أن المراد بالقوي القوي على فعل الكل بالارادة مع إرادة استبداده به، والمراد بالضعيف الذي لا يقوى على فعل الكل، ولا يستبد به ولا يقاوم القوي، فان كانا قويين فلم لا يدفع كل منهما صاحبه ويتفرد به، أي يلزم من قوتهما انفراد كل بالتدبير، ويلزم منه عدم وقوع الفعل، وإن زعمت أنه أحدهما قوي والاخر ضعيف ثبت أنه واحد أي المبدأ للعالم واحد لعجز الضعيف عن المقاومة والتأثير، وثبت احتياج الضعيف إلى العلة الموجدة لان القوي أقوى وجودا من الضعيف، وضعف الوجود لا يتصور إلا بجواز خلو الماهية عن الوجود، ويلزم منه الاحتياج إلى المبدأ المبائن الموجود له. وإن قلت: إنهما اثنان أي المبدأ اثنان، وهذا هو الشق الثاني، أي كونهما ضعيفين بأن يقدر ويقوى كل منهما على بعض، أو يفعل بعضا دون بعض بالارادة، وإن كان يقدر على الكل وفي هذا الشق لا يخلو من أن يكونا متفقين أي في الحقيقة من كل جهة، ويلزم من هذا عدم الامتياز بالتعين للزوم المغايرة بين الحقيقة والتعينين المختلفين، واستحالة

[ 235 ]

استنادهما إلى الحقيقة، واستحالة استنادهما إلى الغير فيكون لهما مبدء، أو مختلفين مفترقين من كل جهة وذلك معلوم الانتفاء فإنا لما رأينا الخلق منتظما، والفلك جاريا، والتدبير واحدا، والليل والنهار والمشس والقمر دل صحة الامر والتدبير وايتلاف الامر على أن المدبر واحد لا اثنان مختلفان من كل جهة، ثم ذلك المدبر الواحد لا يجوز أن يكون واحدا بجهة من حيث الحقيقة مختلفا بجهة اخرى فيكون المدبر اثنين، ويلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما لان لهما وحدة فلا يتمايزان إلا بمميز فاصل بينهما حتى يكونا اثنين، لامتناع الاثنينية بلا مميز بينهما، وعبر عن الفاصل المميز بالفرجة حيث إن الفاصل بين الاجسام يعبر عنه بالفرجة، واولئك الزنادقة لم يكونوا يدركون غير المحسوسات تنبيها على أنكم لا تستحقون أن تخاطبوا إلا بما يليق استعماله في المحسوسات، وذلك المميز لابد أن يكون وجوديا داخلا في حقيقة أحدهما، إذ لا يجوز التعدد مع الاتفاق في تمام الحقيقة كما ذكرنا، ولا يجوز أن يكون ذلك المميز ذا حقيقة يصح انفكاكها عن الوجود وخلوها عنه ولو عقلا، وإلا لكان معلولا محتاجا إلى المبدأ فلا يكون مبدءا ولا داخلا فيه، فيكون المميز الفاصل بينهما قديما موجودا بذاته كالمتفق فيه فيكن الواحد المشتمل على المميز الوجودي اثنين لا واحدا، ويكون الاثنان اللذان ادعيتهما ثلاثة، فإن قلت به وادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين من تحقق المميز بين الثلاثة، ولابد من مميزين وجوديين حتى تكون بين الثلاثة فرجتان ولابد من كونهما قديمين كما مر فيكونوا خمسة، وهكذا، ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة، أي يتناهى الكلام في التعدد إلى القول بما لا نهاية له في الكثرة، أو يبلغ عدده إلى كثرة غير متناهية، أو المراد أنه يلزمك أن يتناهى المعدود المنتهي ضرورة بمعروض ما ينتهي إليه العدد أي الواحد إلى كثير لا نهاية له في الكثرة فيكون عددا بلا واحد وكثرة بلا وحدة، وعلى هذا يكون الكلام برهانيا لا يحتاج إلى ضميمة، وعلى الاولين يصير بضم ما ذكرناه من ثالث الاحتمالات برهانيا. الثاني: أن يكون إشارة إلى ثلاثة براهين، وتقرير الاول - بعد ما تقرر أن ما لا يكون قويا على إيجاد أي ممكن كان لا يكون واجبا بالذات - أن يقال: لا يصح أن يكون الواجب بالذات اثنين، وإلا كان كل منهما قويا على إيجاد أي ممكن كان،

[ 236 ]

وكل ممكن بحيث يكون استناده إلى أي منهما كافيا في تصحح خروجه من القوة إلى الفعل، وحينئذ لم يكن محيص إما من لزوم استناد كل معلول شخصي إلى علتين مستبدتين بالافاضة وذلك محال، أو من لزوم الترجح بلا مرجح وهو فطري الاستحالة، أو من كون أحدهما غير واجب بالذات وهو خلاف المفروض، وهذا البرهان يتم عند قوله عليه السلام: للعجز الظاهر في الثاني. وقوله عليه السلام: وإن قلت إلى قوله: على أن المدبر واحد إشارة إلى برهان ثان، وهو أحد الوجوه البرهانية في قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، وتلخيص تقريره أن التلازم بين أجزاء النظام الجملي المنتظم المتسق كما بين السماء والارض مثلا على ما قد أحقته القوانين الحكمية لا يستتب إلا بالاستناد إلى فاعل واحد يصنع الجميع بحكمته وقدرته إذ التلازم بين شيئين لا يتصحح إلا بعلية أحدهما للاخر، أو بمعلوليتهما لعلة واحدة موجبة، فلو تعدد اختل الامر وفسد النظام. وتقرير الثالث هو أنك لو ادعيت اثنين كان لا محالة بينهما انفصال في الوجود، وافتراق في الهوية، ويكون هناك موجود ثالث هو المركب من مجموع الاثنين، وهو المراد بالفرجة، لانه منفصل الذات والهوية، وهذا المركب لتركبه عن الواجبات بالذات المستغنيات عن الجاعل موجود لا من تلقاء الصانع إذ افتقار المركب إلى الجاعل بحسب افتقار أجزائه فإذا لم تفتقر أجزاؤه لم يفتقر هو بالضرورة فإذن قد لزمك أن يكون هذا الموجود الثالث أيضا قديما فيلزمك ثلاثة وقد ادعيت اثنين وهكذا، ويرد عليه مع بعد إطلاق الفرجة بهذا المعنى أنه يلزم في الفرض الثاني سبعة لا خمسة. الثالث: أن يكون إشارة إلى حجتين: إحديهما عامية مشهورية، والاخرى خاصية برهانية: أما الاولى فقوله: لا يخلو قولك إلى قوله: في الثاني ومعناه أنه لو فرض قديمان فلا يخلو أن يكون كلاهما قويين أو كلاهما ضعيفين أو أحدهما قويا والاخر ضعيفا، والثلاثة بأسرها باطلة أما الاول فلانه إذا كانا قويين وكل منهما في غاية القوة من غير ضعف وعجز كما هو المفروض - والقورة يقتضي الغلبة والقهر على كل شئ سواه - فما السبب المانع لان يدفع كل واحد منهما صاحبه حتى يتفرد بالتدبير والقهر على

[ 237 ]

غيره ؟ إذ اقتضاء الغلبة والاستعلاء مركوزة في كل ذي قوة على قدر قوته والمفروض أن كلا منهما في غاية القوة. وأما فساد الشق الثاني فهو ظاهر عند جمهور الناس، لما حكموا بالفطرة من أن الضعف ينافي الالهية، ولظهوره لم يذكره عليه السلام. وأيضا يعلم فساده بفساد الشق الثالث، وهو قوله: وإن زعمت أن أحدهما قوي والاخر ضعيف ثبت أنه أي الاله واحد - كما نحن نقول - للعجز الظاهر في المفروض ثانيا لان الضعف منشأ العجز، والعاجز لا يكون إلها بل مخلوقا محتاجا لانه محتاج إلى من يعطيه القوة والكمال والخيرية. وأما الحجة البرهانية فأشار إليها بقوله: " وإن قلت: إنهما اثنان " وبيانه أنه لو فرض موجودان قديمان فإما أن يتفقا من كل جهة، أو يختلفا من كل جهة، أو يتفقا بجهة ويختلفا باخرى والكل محال: أما بطلان الاول فلان الاثنينية لا تتحقق إلا بامتياز أحد الاثنين عن صاحبه ولو بوجه من الوجوه، وأما بطلان الثاني فلما نبه عليه بقوله: فلما رأينا الخلق منتظما، وتقريره أن العالم كله كشخص واحد كثير الاجزاء والاعضاء مثل الانسان، فإنا نجد أجزاء العالم مع اختلاف طبائعها الخاصة وتباين صفاتها وأفعالها المخصوصة يرتبط بعضها ببعض، ويفتقر بعضها إلى بعض، وكل منها يعين بطبعه صاحبه، وهكذا نشاهد الاجرام العالية وما ارتكز فيها من الكواكب النيرة في حركاتها الدورية وأضوائها الواقعة منها نافعة للسفليات، محصلة لامزجة المركبات التي يتوقف عليها صور الانواع ونفوسها، وحياة الكائنات ونشوء الحيوان والنبات، فإذا تحقق ما ذكرنا من وحدة العالم لوحدة النظام واتصال التدبير دل على أن إلهه واحد، وإليه أشار بقوله: دل صحة الامر والتدبير وائتلاف الامر على أن المدبر واحد. وأما بطلان الشق الثالث - وهو أنهما متفقان من وجه ومختلفان من وجه آخر - فبأن يقال - كما أشار إليه عليه السلام بقوله: " ثم يلزمك " -: إنه لابد فيهما من شئ يمتاز به أحدهما عن صاحبه وصاحبه عنه، وذلك الشئ يجب أن يوكن أمرا وجوديا يوجد في أحدهما ولم يوجد في الاخر، أو أمران وجوديان يختص كل منهما بواحد فقط، وأما كون الفارق المميز لكل منهما عن صاحبه أمرا عدميا بهو ممنع بالضرورة إذ الاعدام

[ 238 ]

بما هي أعدام لا تمايز بينها ولا تمييز بها، فإذا فرض قديمان فلا أقل من وجود أمر ثالث يوجد لاحدهما، ويسلب عن الاخر، وهو المراد بالفرجة إذ به يحصل الانفراج أي الافتراق بينهما لوجوده في أحدهما وعدمه في الاخر، وهو أيضا لا محالة قديم موجود معهما، وإلا لم يكونا اثنين قديمين فليزم أن يكون القدماء ثلاثة وقد فرض اثنان وهذا خلف، ثم يلزم من فرض كونهم ثلاثة أن يكونوا خمسة، وهكذا إلى أن يبلغ عددهم إلى ما لا نهاية له وهو محال. أقول: الاظهر على هذا التقرير أن تحمل الوحدة في قوله عليه السلام: على أن المدبر واحد على الاعم من الوحدة النوعية والشخصية، ولو حملت على الشخصية يمكن أن يستخرج منه ثلاث حجج بهذا التقرير ولا يخفى توجيهها. الرابع: أن يكون إشارة إلى ثلاث حجج لكن على وجه آخر، وتقرير الاول أنه لو كان اثنين فإما أن يكونا قويين أي مستقلين بالقدرة على كل ممكن في نفسه سواء كان موافقا للمصلحة أو مخالفا، وهو إنما يتصور بكونهما قديمين، وإما أن يكونا ضعيفين أي غير مستقلين بالقدرة على ممكن ما في نفسه، وإما أن يكون أحدهما قويا والاخر ضعيفا، والاول محال لاشتماله على التناقض، لان كون كل منهما قويا بهذا المعنى يستلزم أن يكون قويا على دفع الاخر عن أن يصدر عنه مراد الاول بعينه أو مثله أو ضده في محله لان عدم المنافي شرط في صدور كل ممكن، وعدم القوة على الشرط ينافي القوة على المشروط ولا شك أن المدفوع كذلك ضعيف مسخر، فقوة كل منهما في فعل صدر عنه يستلزم دفعه الاخر فيه وضعف ذلك الاخر، وفي فعل تركه حتى فعل الاخر ضده يستلزم تمكينه الاخر في فعله، وهذا تفرد بالتدبير، فالاستفهام في لم لا يدفع إنكاري أي معلوم ضرورة أنه يدفع كل منهما الاخر ويتفرد بالتدبير، وبطلان الشق الثالث لكونه مستلزما لعجز أحدهما أي ضعفه، وعدم كونه ممن ينتهي إليه شئ من تدبير العالم يستلزم بطلان الشق الثاني بطريق أولى. وتقرير الثاني هو أنه لو كان المدبر اثنين فنسبة معلول معلول إليهما إما متساوية من جميع الوجوه بأن لا يكون في واحد منهما ولا في كل منهما ما يختص به ويرجح صدوره عنه على صدوره عن الاخر من الداعي والمصلحة

[ 239 ]

ونحوهما وإما غير متساوية من جميع الوجوه وكلاهما باطل. أما الاول فلانه إما أن يكون ترك كل منهما لذلك المعلول مستلزما لفعل الاخر إياه لحكمة كل منهما أم لا، فعلى الاول إحداث أحدهما ذلك المعلول يستلزم الترجيح بلا مرجح، لان إحداث كل منهما ذلك المعلول ليس أولى بوجه من تركه إياه وإحداث الاخر إياه، وعلى الثاني إما أن يكون ترك التارك له مع تجويزه الترك على الاخر قبيحا وخلاف الحكمة أم لا، والاول يستلزم النقص، والثاني يستلزم عدم إمكان رعاية المصالح التي لا تحصى في خل العالم، لانه اتفاقي حينئذ، ومعلوم بديهة أن الاتفاقي لا يكون منتظما في أمر سهل، كصدور مثل قصيدة من قصائد البلغاء المشهورين عمن لم يمارس البلاغة، وإن كان يمكن أن يصدر عنه اتفاقا مصراع بليغ، أو مصراعان فضلا عما نحن فيه. وأما بطلان الثاني فلانه يستلزم أن يكون مختلفة من جميع الوجوه بأن لا يكون أحدهما قادرا عليه أصلا لان اختلاف نسبة قادرين إلى معلول واحد شخصي إنما يتصور فيما يمكن أن يكون صدوره عن أحدهما أصلح وأنفع من صدوره عن الاخر، وهذا إنما يتصور فيما كان نفع فعله راجعا إليه كالعباد، وأما إذا كان القادران بريئين من الانتفاع كما فيما نحن فيه فلا يتصور ذلك فيه بديهة، وينبه عليه أن الغني المطلق إنما يفعل ما هو الخير في نفسه من غير أن يكون له فيه نفع سواء كان لغيره فيه نفع كما في ثواب المطيع أو لم يكن، ومثاله عقاب الكافر إن يكن للمطيعين فيه نفع. وتقرير الثالث أنه إن كان المدبر اثنين فنسبة معلول معلول إليهما إما متساوية من جميع الوجوه أولا وكلاهما باطل، أما الاول فلان صدور بعض المعلولات عن أحدهما وبعض آخر منها عن الاخر منهما حينئذ يحتاج إلى ثالث هو الفرجة بينهما أي ما يميز ويعين كل معلول معلول لواحد معين منهما حتى يكون المدبر ان اثنين لامتناع الترجيح من جهة الفاعلين لا مرجح أي بلا داع أصلا كما هو المفروض فليزم خلاف الفراض، و هو أن يكون المدبر ثلاثة ثم ننقل الكلام إلى الثلاثة وهكذا إلى ما لا نهاية له في الكثرة ويلزم التسلسل، وإنما لم يكتف عليه السلام بعد نقل الكلام إلى الثلاثة بالاحتياج إلى فرجة

[ 240 ]

واحدة للتميزين حتى يكون المجموع أربعة لا خمسة، وإن كان المطلوب وهو لزوم التسلسل حاصلا به أيضا لان هناك ثلاثة تمييزات، وتخصيص واحد منهما بمميز كما هو المفروض واشتراك اثنين منهما بواحد مع اتحاد النسبة تحكم. وأما بطلان الثاني فلما مر في بيان بطلان الشق الثاني من الدليل الثاني. أقول: لا يخفى بعد هذا التقرير عن الافهام واحتياجه إلى تقدير كثير من المقدمات في الكلام. الخامس: أن يكون الاول إشارة إلى برهان التمانع بأحد تقريراته المشهورة والثاني إلى التلازم كما مر، والثالث يكون إلزاما على المجسمة المشركة القائلين بإلهين مجسمين متباعدين في المكان كما هو الظاهر من كلام المجوس لعنهم الله، ويكون الفرجة محمولة على معناها المتبادر من جسم يملا البعد بينهما لبطلان الخلا أو سطح فاصل بينهما لتحقق الاثينية. هذا ما قيل أو يمكن أن يقال في حل هذا الخبر الذي تحيرت فيه الافهام والفكر، ولم نتعرض لبسط الكلام في كل وجه، ولا لايراد ما يرد على كل منهما من الاشكالات والاعتراضات احترازا عن الاسهاب والاطناب والله الموفق للصواب. 23 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن عباد بن سليمان، عن سعد بن سعد قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن التوحيد، فقال: هو الذي أنتم عليه. 24 - يد: أبي، عن سعد، عن إبراهيم بن هاشم، ويعقوب بن يزيد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته وهو يقول - في قوله عزوجل: " وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها " قال: هو توحيدهم لله عزوجل. 25 - يد: الاشناني، عن ابن مهرويه، عن الفراء، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: التوحيد نصف الدين، واستنزلوا الرزق بالصدقة. قال الصدوق في كتاب التوحيد بعد نقل خبر الاعرابي: سمعت من أثق بدينه ومعرفته باللغة والكلام يقول: إن قول القائل: واحد واثنان وثلاثة إلى آخره إنما وضع في أصل اللغة للابانة عن كمية ما يقال عليه لا لان له مسمى يتسمى به بعينه، أو لان

[ 241 ]

له معنى سوى ما يتعلمه الانسان لمعرفة الحساب، ويدور عليه عقد الاصابع عند ضبط الآحاد والعشرات والمئات والالوف، ولذلك متى أراد مريد أن يخبر غيره عن كميته شئ بعينه سماه باسمه الاخص، ثم قرن لفظة الواحد، به وعلقه عليه يدل به على كميته لا على ما عدا ذلك من أوصافه، ومن أجله يقول القائل: درهم واحد، وإنما يعني به أنه درهم فقط، وقد يكون الدرهم درهما بالوزن ودرهما بالضرب فإذا أراد المخبر أن يخبر عن وزنه قال: درهم واحد بالوزن، وإذا أراد أن يخبر عن عدده أو ضربه قال: درهم واحد بالعدد، ودرهم واحد بالضرب. وعلى هذا الاصل يقول القائل: هو رجل واحد، وقد يكون الرجل واحدا بمعنى أنه إنسان وليس بإنسانين، ورجل ليس برجلين، وشخص ليس بشخصين، ويكون واحدا في الفضل، واحدا في العلم، واحدا في السخاء، واحدا في الشجاعة، فإذا أراد القائل أن يخبر عن كميته قال: هو رجل واحد فدل ذلك من قوله على أنه رجل وليس هو برجلين، وإذا أراد أن يخبر عن فضله قال: هذا واحد عصره، فدل ذلك على أنه لا ثاني له في الفضل، وإذا أراد أن يدل على علمه قال: إنه واحد في علمه، فلو دل قوله: واحد بمجرده على الفضل والعلم كما دل بمجرده على الكمية لكان كل من اطلق عليه لفظة واحد أراد فاضلا لا ثاني له في فضله، وعالما لا ثاني له في علمه، وجوادا لا ثاني له في جوده، فلما لم يكن كذلك صح (1) أنه بمجرده لا يدل إلا على كمية الشئ دون غيره، وإلا لم يكن لما اضيف إليه من قول القائل: واحد عصره ودهره فائدة، ولا كان لتقييده بالعلم والشجاعة معنى لانه كان يدل بغير تلك الزيادة وبغير ذلك التقييد على غاية الفضل وغاية العلم والشجاعة، فلما احتيج معه إلى زيادة لفظ واحتيج إلى التقييد بشئ صح ما قلناه. فقد تقرر أن لفظة القائل واحد إذا قيل على الشئ دل بمجرده على كمية في اسمه الاخص، ويدل ما يقترن به على فضل المقول عليه وعلى كماله وعلى توحده بفضله وعلمه وجوده، وتبين أن الدرهم الواحد قد يكون درهما واحدا بالوزن، ودرهما واحدا بالعدد، ودرهما واحدا بالضرب، وقد يكون بالوزن درهمين، وبالضرب درهما واحدا، ويكون بالدوانيق ستة دوانيق، وبالفلوس


(1) في نسخة: فلما لم يكن كذلك وضح.

[ 242 ]

ستين فلسا، ويكون بالاجزاء كثيرا، وكذلك يكون العبد عبدا واحدا ولا يكون عبدين بوجه، ويكون شخصا واحدا ولا يكون شخصين بوجه، ويكون أجزاءا كثيرة وأبعاضا كثيرة، وكل بعض من أبعاضه يكون جواهر كثيرة متحدة اتحد بعضها ببعض وتركب بعضها مع بعض، ولا يكون العبد واحدا وإن كان كل واحد منه في نفسه إنما هو عبد واحد، وإنما لم يكن العبد واحدا لانه ما من عبد إلا وله مثل في الوجود أو في المقدور، وإنما صح أن يكون للعبد مثل لانه لم يتوحد بأوصافه التي من أجلها صار عبدا مملوكا، ووجب لذلك أن يكون الله عزوجل متوحدا بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى ليكون إلها واحدا فلا يكون له مثل ويكون واحدا لا شريك له ولا إله غيره، فالله تبارك وتعالى إله واحد لا إله إلا هو، وقديم واحد لا قديم إلا هو، وموجود واحد ليس بحال ولا محل، ولا موجود كذلك إلا هو، وشئ واحد لا يجانسه ولا يشاكله شئ ولا يشبهه شئ، ولا شئ كذلك إلا هو، فهو كذلك موجود غير منقسم في الوجود ولا في الوهم، وشئ لا يشبه شئ بوجه، وإله لا إله غيره بوجه، وصار قولنا: يا واحد يا أحد في الشريعة اسما خاصا له دون غيره، لا يسمى به إلا هو عزوجل، كما أن قولنا: الله اسم لا يسمى به غيره. وفصل آخر في ذلك وهو أن الشئ قد يعد مع ما جانسه وشاكله وماثله، يقال: هذا رجل، وهذان رجلان، وثلاثة رجال. وهذا عبد، وهذا سواد، وهذان عبدان، و هذان سوادان. ولا يجوز على هذا الاصل أن يقال: هذان إلهان إذ لا إله إلا إله واحد، فالله لا يعد على هذا الوجه، ولا يدخل في العدد من هذا الوجه بوجه. وقد يعد الشئ مع مالا يجانسه ولا يشاكله، يقال: هذا بياض، وهذان بياض وسواد، وهذا محدث، و هذان محدثان، وهذان ليسا بمحدثين ولا بمخلوقين. بل أحدهما قديم والآخر محدث، وأحدهما رب والآخر مربوب، فعلى هذا الوجه يصح دخوله في العدد، وعلى هذا النحو قال الله تبارك وتعالى: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا " الاية. وكما أن قولنا: فلان إنما هو رجل واحد لا يدل على فضله بمجرده كذلك قولنا: فلان ثاني فلان لا يدل بمجرده إلا على كونه، وإنما يدل على فضله متى قيل: إنه ثانيه في الفضل، أو في الكمال، أو العلم.


(1) المجادلة: 7.

[ 243 ]

فأما توحيد الله تعالى ذكره فهو توحيده بصفاته العلى (1) وأسمائه الحسنى، و لذلك كان إلها واحدا لا شريك له ولا شبيه، والموحد هو من أقر به على ما هو عليه عز وجل من أوصافه العلى وأسمائه الحسنى على بصيرة منه ومعرفة وإيقان وإخلاص، و إذا كان ذلك كذلك فمن لم يعرف الله عزوجل متوحدا بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى ولم يقر بتوحيده بأوصافه العلى فهو غير موحد، وربما قال جاهل من الناس: إن من وحد الله وأقر أنه واحد فهو موحد وإن لم يصفه بصفاته التي توحد بها، لان من وحد الشئ فهو موحد في أصل اللغة فيقال له: أنكرنا ذلك لان من زعم أن ربه إله واحد وشئ واحد ثم أثبت معه موصوفا آخر بصفاته التي توحد بها فهو عند جميع الامة وسائر أهل الملل ثنوي غير موحد، ومشرك مشبه غير مسلم، وإن زعم أن ربه إله واحد، وشئ واحد، وموجود واحد، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الله تبارك و تعالى متوحدا بصفاته التي تفرد بالالهية من أجلها، وتوحد بالوحدانية لتوحده بها ليستحيل أن يكون إله آخر، ويكون الله واحدا والاله واحدا لا شريك له ولا شبيه لانه إن لم يتوحد بها كان له شريك وشبيه كما أن العبد لما لم يتوحد بأوصافه التي من أجلها كان عبدا كان له شبيه، ولم يكن العبد واحدا وإن كان كل واحد منا عبدا واحدا، وإذا كان كذلك فمن عرفه متوحدا بصفاته، وأقر بما عرفه، واعتقد ذلك كان موحدا وبتوحيد ربه عارفا، والاوصاف التى توحد الله تعالى بها وتوحد بربوبيته لتفرده بها في الاوصاف التي يقتضي كل واحد منها أن لا يكون الموصوف بها إلا واحدا لا يشاركه فيه غيره ولا يوصف به إلا هو، وتلك الاوصاف هي كوصفنا له بأنه موجود واحد لا يصح أن يكون حالا في شئ، ولا يجوز أن يحله شئ، ولا يجوز عليه العدم والفناء والزوال، مستحق للوصف بذلك بأنه أول الاولين، وآخر الآخرين، قادر يفعل ما يشاء، لا يجوز عليه ضعف ولا عجز، مستحق للوصف بذلك بأنه أقدر القادرين، وأقهر القاهرين، عالم لا يخفى عليه شئ، ولا يغرب عنه شئ، لا يجوز عليه جهل ولا سهو، ولا شك ولا نسيان، مستحق للوصف بذلك بأنه أعلم العالمين، حي لا يجوز عليه موت ولا نوم،


(1) في نسخة: فهو توحده بصفاته العلى.

[ 244 ]

ولا ترجع إليه منفعة، ولا تناله مضرة، مستحق للوصف بذلك بأنه أبقى الباقين، وأكمل الكاملين، فاعل لا يشغله شئ عن شئ، ولا يعجزه شئ، ولا يفوته شئ، مستحق للوصف بذلك بأنه إله الاولين والآخرين، وأحسن الخالقين، وأسرع الحاسبين، غني لا يكون له قلة، مستغن لا يكون له حاجة، عدل لا تلحقه مذمة، ولا ترجع إليه منقصة، حكيم لا يقع منه سفاهة، رحيم لا يكون له رقة ويكون في رحمته سعة، حليم لا يلحقه موجدة، (1) ولا يقع منه عجلة، مستحق للوصف بذلك بأنه أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، وذلك لان أول الاولين لا يكون إلا واحدا، وكذلك أقدر القادرين، وأعلم العالمين، وأحكم الحاكمين، وأحسن الخالقين، وكل ما جاء على هذا الوزن، فصح بذلك ما قلناه، وبالله التوفيق ومنه العصمة والتسديد. * (باب 7) * * (عبادة الاصنام والكواكب والاشجار والنيرين وعلة حدوثها) * * (وعقاب من عبدها أو قرب إليها قربانا) * الايات، الانعام: قل أندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا 71 الاعراف: أيشركون مالا يخلق شيئا وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون * إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركائكم ثم كيدون فلا تنظرون * إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين * والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون 191 - 198 يونس: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قال أتنبؤن الله بما لا يعلم في السموات ولا في الارض سبحانه وتعالى عما يشركون 18


(1) الموجدة بفتح الميم وسكون الواو: الغضب.

[ 245 ]

" وقال تعالى ": قل هل من شركائكم من يبدؤ الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون * قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون 34، 35 هود:: فلاتك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل و إنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص 109 النحل: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون 17 " وقال تعالى ": والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون * إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون 20 - 22 " وقال تعالى ": والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمت الله يجحدون 71 " وقال تعالى ": ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والارض شيئا ولا يستطيعون * فلا تضربوا لله الامثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون * ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على موليه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وعلى صراط مستقيم 73 - 76 مريم: يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا 42 الحج: يدعوا من دون الله مالا يضره ومالا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد * يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير 12، 13 " وقال تعالى ": يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لم يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز 73، 74 الفرقان: وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا *

[ 246 ]

أرأيت من اتخذ إلهه هويه أفأنت تكون عليه وكيلا 41 - 43 " وقال الله تعالى ": ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا 55 الشعراء: واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آبائنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الاقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * " إلى قوله تعالى ": وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون * من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون * فكبكبوا فيها هم والغاون * وجنود إبليس أجمعون * قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين * وما أضلنا إلا المجرمون * فمالنا من شافعين * ولا صديق حميم * فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين 69 - 102 النمل: وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون * ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والارض ويعلم ما تخفون وما تعلنون * الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم 24، 26 العنكبوت: إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون 17 " إلى قوله تعالى ": وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأويكم النار ومالكم من ناصرين 17 - 25 الروم: ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون * ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين " إلى قوله تعالى ": ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخفيتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون 12 - 28 يس: ءأتخذ من دون آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين 23، 24

[ 247 ]

الصافات: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون 35، 36 " وقال تعالى ": أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين " إلى قوله ": أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون 86 - 96 " وقال تعالى ": أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائكم الاولين 125، 126 ص: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب * وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشئ يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق 5 - 7 الزمر: فا عبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون 2، 3 " وقال عزوجل ": ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون 38 " وقال تعالى ": أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والارض ثم إليه ترجعون * وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون 43 - 45 المؤمن: قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جائني البينات من ربي وامرت أن اسلم لرب العالمين 66 " إلى قوله تعالى " إذ الاغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في الحميم ثم في النار يسجرون * ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين 71 - 74 السجدة: لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون 37 حمعسق: والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم 6 الزخرف: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم

[ 248 ]

يعلمون * ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون 86، 87 الجاثية: أفرأيت من اتخذ إلهه هويه 23 الاحقاف: قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الارض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين * ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيمة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين 4 - 6 " وقال تعالى ": ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " إلى قوله تعالى ": فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون 21 - 28 النجم: أفرأيتم اللات والعزى * ومنوة الثالثة الاخرى * ألكم الذكر وله الانثى * تلك إذا قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان 19 - 23 الجحد: قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون " إلى آخر السورة ". أقول: سيأتي الآيات الكثيرة في ذلك في كتاب النبوة وكتاب الاحتجاج وكتاب المعاد. 1 - فس: قوله: " وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا " قال: كان قوم مؤمنون قبل نوح عليه السلام فماتوا فحزن عليهم الناس فجاء إبليس فاتخذ لهم صورهم ليأنسوا بها فأنسوا بها، فلما جاءهم الشتاء أدخلوهم البيوت فمضى ذلك القرن وجاء القرن الآخر فجائهم إبليس فقال لهم: إن هؤلاء آلهة كانوا آباؤكم يعبدونها فعبدوهم وضل منهم بشر كثير، فدعا عليهم نوح فأهلكهم الله. 2 - فس: " ولا تذرن ود اولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا " قال: كانت ود صنما لكلب، (1) وكانت سواع لهذيل، (2) ويغوث لمراد، (3) وكانت يعوق لهمدان، وكانت


(1) بدومة الجندل. (2) كانت لهم برهاط من أرض ينبع - وينبع عرض من أعراض المدينة - وكان سدنتها بنو لحيان. (3) ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبا.

[ 249 ]

نسر لحصين. (1) 3 - ب: هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه أن عليا صلوات الله عليه سئل عن أساف ونائلة وعبادة قريش لهما، فقال: نعم كانا شابين صبيحين، وكان بأحدهما تأنيث، وكانا يطوفان بالبيت فصادفا من البيت خلوة فأراد أحدهما صاحبه ففعل فمسخهما الله حجرين فقالت قريش: لولا أن الله تبارك وتعالى رضي أن يعبدا معه ما حولهما عن حالهما. (2) 4 - ع: في أسؤلة الشامي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سئل عن أول من كفر وأنشأ الكفر فقال عليه السلام: إبليس لعنه الله. 5 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب وابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، وكرام بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قابيل لما رأى النار قد قبلت قربان هابيل قال له إبليس: إن هابيل كان يعبد تلك النار، فقال قابيل: لا أعبد النار التي عبدها هابيل، ولكن أعبد نارا اخرى، واقرب قربانا لها فتقبل قرباني، فبنى بيوت النار فقرب، ولم يكن له علم بربه عزوجل، ولم يرث منه ولده إلا عبادة النيران. ص: بالاسناد إلى الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب عن ابن سنان مثله. 6 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن النعمان، عن بريد العجلي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنما سمي العود خلافا لان إبليس عمل صورة سواع على خلاف صورة ود فسمي العود خلافا. وهذا في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. بيان: إنما سمي العود أي الشجرة المعهودة خلافا، لان إبليس عمل سواعا منها على خلاف ود فلذلك سميت بها.


(1) كذا في النسخ ولكن الصحيح " لحمير " عبدوه بارض يقال لها: بلخع، وكان لحمير أيضا بيت بصنعاء يقال له: رئام، يعظمونه ويتقربون عنده بالذبائح. وفى القاموس النسر: صنم كان لذى الكلاع بأرض حمير. (2) الحديث موضوع وهو قصة تاريخية خرافية ط.

[ 250 ]

7 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن حماد بن عيسى، عن حريز، (1) عن جعفر بن محمد عليه السلام في قول الله عزوجل: وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ود اولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا، قال: كانوا يعبدون الله عزوجل فماتوا فضج قومهم وشق ذلك عليهم، فجاءهم إبليس لعنه الله فقال لهم: أتخذ لكم أصناما على صورهم فتنظرون إليهم وتأنسون بهم وتعبدون الله، فأعد لهم أصناما على مثالهم فكانوا يعبدون الله عزوجل، وينظرون إلى تلك الاصنام، فلما جاءهم الشتاء والامطار أدخلوا الاصنام البيوت فلم يزالوا يعبدون الله عزوجل حتى هلك ذلك القرن ونشأ أولادهم، فقالوا: إن آباءنا كانوا يعبدون هؤلاء، فعبدوهم من دون الله عزوجل، فذلك قول الله تبارك و تعالى: " ولا تذرن ود اولا سواعا " الآية. 8 - ص: بالاسناد عن الصدوق رحمه الله، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن الاحول، عن بريد بن معاوية قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في مسجد النبي صلى الله عليه وآله: إن إبليس اللعين هو أول من صور صورة على مثال آدم عليه السلام ليفتن به الناس، ويضلهم من عبادة الله تعالى، وكان ود في ولد قابيل وكان خليفة قابيل على ولده وعلى من بحضرتهم في سفح الجبل يعظمونه ويسودونه، فلما أن مات ود جزع عليه إخوته وخلف عليهم إبنا يقال له: " سواع " فلم يغن غناء أبيه منهم فأتاهم ابليس في صورة شيخ فقال: قد بلغني ما أصبتم به من موت ود عظيمكم، فهل لكم في أن اصور لكم على مثال ود صورة تستريحون إليها وتأنسون بها ؟ قالوا: افعل. فعمد الخبيث إلى الآنك (2) فأذابه حتى صار مثل الماء، ثم صور لهم صورة مثال ود في بيته فتدافعوا على الصورة يلثمونها ويضعون خدودهم عليها ويسجدون لها، وأحب سواع أن يكون التعظيم والسجود له، فوثب على صورة ود فحكها حتى لم يدع منها


(1) لا يخلو الحديث عن احتمال ارسال، لان الكشى روى عن إبن مسعود: عن محمد ابن نصير، عن محمد بن قيس، عن يونس قال: لم يسمع حريز بن عبد الله من أبي عبد الله عليه السلام إلا حديثا أو حديثين. انتهى. مع أنا نرى عنه أحاديث كثيرة. (2) الانك بالمد وضم النون: الا سرب أو أبيضه أو أسوده أو خالصه.

[ 251 ]

شيئا، وهموا بقتل سواع، فوعظهم وقال: أنا أقوم لكم بما كان يقوم به ود، وأنا ابنه، فإن قتلتموني لم يكن لكم رئيس، فمالوا إلى سواع بالطاعة والتعظيم فلم يلبث سواع أن مات، وخلف إبنا يقال له: " يغوث " فجزعوا على سواع فأتاهم إبليس وقال: أنا الذي صورت لكم صورة ود، فهل لكم أن أجعل لكم مثال سواع على وجه لا يستطيع أحد أن يغيره ؟ قالوا: فافعل، فعمد إلى عود فنجره ونصبه لهم في منزل سواع، وإنا سمي ذلك العود خلافا، لان إبليس عمل صورة سواع على خلاف صورة ود، قال: فسجدوا له وعظموه، وقالوا ليغوث: ما نأمنك على هذا الصنم أن تكيده كما كاد أبوك مثال ود، فوضعوا على البيت حراسا وحجابا، ثم كانوا يأتون الصنم في يوم واحد، ويعظمونه أشد ما كانوا يعظمون سواعا، فلما رأي ذلك يغوث قتل الحرسة والحجاب ليلا، وجعل الصنم رميما، فلما بلغهم ذلك أقبلوا ليقتلوه فتوارى منهم إلى أن طلبوه ورأسوه وعظموه ثم مات وخلف إبنا يقال له: يعوق فأتاهم إبليس فقال: قد بلغني موت يغوث، وأنا جاعل لكم مثاله في شئ لا يقدر أحد أن يغيره قالوا: فافعل، فعمد الخبيث إلى حجر أبيض فنقره بالحديد حتى صور لهم مثال يغوث فعظموه أشد مما مضى، وبنوا عليه بيتا من حجر، وتبايعوا أن لا يفتحوا باب ذلك البيت إلا في رأس كل سنة، وسميت البيعة يومئذ لانهم تبايعوا وتعاقدوا عليه، فاشتد ذلك على يعوق فعمد إلى ريطة وخلق فألقاها في الحائر، ثم رماها بالنار ليلا فأصبح القوم وقد احترق البيت والصنم والحرس وأرفض الصنم ملقى فجزعوا وهموا بقتل يعوق فقال لهم: إن قتلتم رئيسكم فسدت اموركم، فكفوا فلم يلبث أن مات يعوق وخلف إبنا يقال له: نسر، فأتاهم إبليس فقال: بلغني موت عظيمكم فأنا جاعل لكم مثال يعوق في شئ لا يبلى فقالوا: افعل فعمد إلى الذهب وأوقد عليه النار حتى صار كالماء، وعمل مثالا من الطين على صورة يعوق ثم أفرغ الذهب فيه، ثم نصبه لهم في ديرهم واشتد ذلك على نسر، ولم يقدر على دخول تلك الدير فانحاز عنهم في فرقة قليلة من إخوته يعبدون نسرا، والآخرون يعبدون الصنم حتى مات نسر، وظهرت نبوة إدريس فبلغه حال القوم وأنهم يعبدون جسما على مثال يعوق، وأن نسرا كان يعبد من دون الله، فسار إليهم بمن معه حتى نزل مدينة

[ 252 ]

نسروهم فيها فهزمهم، (1) وقتل من قتل، وهرب من هرب فتفرقوا في البلاد، وأمر بالصنم فحمل وألقى في البحر، فاتخذت كل فرقة منهم صنما، وسموها بأسمائها فلم يزالوا بعد ذلك قرنا بعد قرن لا يعرفون إلا تلك الاسماء ثم ظهرت نبوة نوح عليه السلام (2) فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وترك ما كانوا يعبدون من الاصنام، فقال بعضهم: لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا. بيان: ارفضاض الشئ: تفرقه، وترفض: تكسر. وانحاز عنه: عدل. 9 - ثو: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن منذر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر أن سلمان قال: إن رجلا دخل الجنة في ذباب وآخر دخل النار في ذباب. فقيل له: وكيف ذلك يا أبا عبد الله ؟ قال: مرا على قوم في عيد لهم، وقد وضعوا أصناما لهم لا يجوز بهم أحد حتى يقرب إلى أصنامهم قربانا قل أم كثر، فقالوا لهما، لا تجوزا حتى تقربا كما يقرب كل من مر، فقال أحدهما: ما معي شئ اقربه، وأخذ أحدهما ذبابا فقربه، ولم يقرب الآخر، فقال: لا اقرب إلى غير الله عزوجل شيئا فقتلوه فدخل الجنة، ودخل الآخر النار. 10 - شى: عن الزهري قال: أتى رجل أبا عبد الله عليه السلام فسأله عن شئ فلم يجبه، فقال له الرجل: فإن كنت ابن أبيك فإنك من أبناء عبدة الاصنام، فقال له: كذبت إن الله أمر إبراهيم أن ينزل إسماعيل بمكة ففعل، فقال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الاصنام. فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنما قط، ولكن العرب عبدة الاصنام، وقالت بنو إسماعيل: هؤلاء شفعاؤنا عند الله فكفرت ولم تعبد الاصنام. بيان: لعل المراد أنهم أقروا بوحدانية الصانع، وإن أشركوا من جهة العبادة والسجود لها، فنفى عليه السلام عنهم أعظم أنواع الشرك وهو الشرك في الربوبية وقد مرت الاشارة إلى الفرق بينهما في الباب السابق. (3)


(1) وفى نسخة: فهزموهم. (2) وفى نسخة: فظهرت نبوة نوح عليه السلام. (3) والرواية مع ذلك لا تخلو عن شئ، فان توحيد الصانع بهذا المعنى أساس الثنوية، واتخاذ الاصنام آلهة وعبادتها ليس الا القول بكونهم شفعاء. ط

[ 253 ]

11 - كا: محمد بن يحيى، عن بعض أصحابه، عن العباس بن عامر، عن أحمد بن رزق الغمشاني، عن عبد الرحمن بن الاشل بياع الانماط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت قريش تلطخ الاصنام التي كانت حول الكعبة بالمسك والعنبر، وكان يغوث قبالة الباب، وكان يعوق عن يمين الكعبة، وكان نسرا عن يسارها، وكانوا إذا دخلوا خروا سجدا ليغوث، ولا ينحنون (1) ثم يستديرون بحيالهم إلى يعوق، ثم يستديرون بحيالهم إلى نسر، ثم يلبون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. قال: فبعث الله ذبابا أخضر له أربعة أجنحة، فلم يبق من ذلك المسك والعنبر شيئا إلا أكله، وأنزل الله عزوجل: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. 12 - فس: قال علي بن إبراهيم في قوله: " أفرأيت من اتخذ إلهه هويه " قال: نزلت في قريش وذلك أنه ضاق عليهم المعاش فخرجوا من مكة وتفرقوا، وكان الرجل إذا رأى شجرة حسنة، أو حجرا حسنا هواه فعبده، وكانوا ينحرون لها النعم، ويلطخونها بالدم ويسمونها سعد صخرة، وكان إذا أصابهم داء في إبلهم وأغنامهم جاؤوا إلى الصخرة فيتمسحون بها الغنم والابل، فجاء رجل من العرب بإبل له يريد أن يتمسح بالصخرة إبله ويبارك عليها، فنفرت إبله وتفرقت، فقال الرجل شعرا: أتيت إلى سعد ليجمع شملنا * فشتتنا سعد فما نحن من سعد وما سعد إلا صخرة مسودة * من الارض لا تهدي لغي ولا رشد ومر به رجل من العرب والثعلب يبول عليه فقال شعرا: أرب يبول الثعلبان برأسه ؟ * لقد ذل من بالت عليه الثعالب !


(1) وفى نسخة: ولا يحيون.

[ 254 ]

* (باب 8) * * (نفى الولد والصاحبة) * الايات، النساء: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله. ورسله ولا تقولوا ثلثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الارض وكفى بالله وكيلا * لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون 171، 172 المائدة: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وامه ومن في الارض جميعا ولله ملك السموات والارض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير * وقالت اليهود والنصارى نحن أبناؤ الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والارض وما بينهما وإليه المصير 17، 18 أقول: سيأتي كثير من الآيات المتعلقة بعيسى عليه السلام في كتاب النبوة، وكثير منها في أبواب الاحتجاجات. التوبة: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أني يؤفكون * اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما امروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون 30 - 31 يونس: قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الارض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون 68 الاسرى: أفأصفيكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما 40 الكهف: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا * مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا 4، 5

[ 255 ]

مريم: ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون 35 " وقال تعالى ": وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من في السموات والارض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا 88 - 94 الانبياء: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين 26 - 29 الصافات: فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون * أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون * ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون * أصطفى البنات على البنين * مالكم كيف تحكمون، أفلا تذكرون * أم لكم سلطان مبين * فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين * وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون * سبحان الله عما يصفون * إلا عباد الله المخلصين * فإنكم وما تعبدون، ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم * وما منا إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون 149 - 166 الزمر: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار 4 الزخرف: وجعلوا له من عباده جزءا إن الانسان لكفور مبين * أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفيكم بالبنين * وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثل ظل وجهه مسودا وهو كظيم * أو من ينشؤ في الحلية وهو في الخصام غير مبين * وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون * وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون * أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون * بل قالوا إنا وجدنا آبائنا على امة وإنا على آثارهم مهتدون 15 - 22

[ 256 ]

" وقال تعالى ": قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين * سبحان رب السموات والارض رب العرش عما يصفون 81، 82 الطور: أم له البنات ولكم البنون 39 النجم: ألكم الذكر وله الانثى * تلك إذا قسمة ضيزى 21، 22 " وقال تعالى ": إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى * ومالهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا 27، 28 الجن: وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا 3 1 - فس: جعفر بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: قوله تعالى: " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا " قال: هذا حيث قالت قريش: إن لله ولدا، وإن الملائكة إناث، فقال الله تبارك وتعالى ردا عليهم: " لقد جئتم شيئا إدا " أي عظيما " تكاد السموات يتفطرن منه " مما قالوا: أن دعوا للرحمن ولدا، فقال الله تبارك وتعالى: " وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السموات والارض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا " واحدا واحدا. 2 - يد: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن اليقطيني، عن سليمان بن رشيد، عن أبيه، عن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الحمد لله الذي لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك. 3 - فس: قوله: قل إن كان للرحمن ولدا فأنا أول العابدين، يعني أول الآنفين له أن يكون له ولد. (1) بيان: هذا أحد الوجوه في تأويل هذه الآية. قال الجوهري: قال أبو زيد: العبد بالتحريك: الغضب والانف، والاسم العبدة مثل الانفة، وقد عبد أي أنف. وقال أبو عمرو: قوله تعالى: فأنا أول العابدين من الانف والغضب انتهى. وثانيها أن يكون من قبيل


(1) أنف من العار: ترفع وتنزه عنه. كرهه. وفي الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنا أول العابدين أي الجاحدين.

[ 257 ]

تعليق المحال بالمحال أي ليس له ولد، إذ لو كان له ولد لكنت أول العابدين له، فإن النبي يكون أعلم بالله وبما يصح له ومالا يصح، وأولى بتعظيم ما يجب تعظيمه، ومن حق تعظيم الوالد تعظيم ولده. وثالثها: أن المعنى: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله، الموحدين له، المنكرين لقولكم. ورابعها: أن " إن " بمعنى " ما " للنفي، والمعنى: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين لله المقرين بذلك. أقول: سيأتي ما يتضمن نفي الصاحبة والولد في باب جوامع التوحيد، وسنذكر احتجاج النبي صلى الله عليه وآله على القائلين بالولد في المجلد الرابع. * (باب 9) * * (النهى عن التفكر في ذات الله تعالى، والخوض في مسائل التوحيد) * * (واطلاق القول بأنه شئ) * الايات، الزمر: وما قدروا الله حق قدره 67 1 - شى: عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رجلا قال لامير المؤمنين عليه السلام: هل تصف ربنا نزداد له حبا وبه معرفة ؟ فغضب وخطب الناس، فقال فيما قال: عليك يا عبد الله بما دلك عليه القرآن من صفته، وتقدسك فيه الرسول من معرفته فائتم به واستضئ بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة اوتيتها فخذ ما اوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ولا في سنة الرسول وأئمة الهداة أثره فكل علمه إلى الله ولا تقدر عليه عظمة الله (1) واعلم يا عبد الله أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب، إقرارا بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تنال ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا.


(1) وفى نسخة: ولا تقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين.

[ 258 ]

بيان: الاقتحام: الهجوم والدخول مغالبة. والسدد جمع السدة وهي الباب المغلق وفيه إشكال لدلالته على أن الراسخين في العلم في الآية غير معطوف على المستثنى، كما دلت عليه الاخبار الكثيرة، وسيأتي القول في كتاب الامامة، (1) إلا أن يقال: إن هذا إلزام على من يفسر الآية كذلك، أو يقال: بالجمع بين التفسيرين على وجهين مختلفين، وسيأتي تمام القول في ذلك في محله إن شاء الله تعالى. 2 - ج: روي عن هشام أنه سأل الزنديق عن الصادق عليه السلام: أن الله تعالى ما هو ؟ فقال عليه السلام: هو شئ بخلاف الاشياء، (2) أرجع بقولي: شئ إلى أنه شئ بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة، ولا يحس ولا يجس، (3) ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الاوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا تغيره الازمان. الخبر. بيان: اعلم أن الشئ مسا وللموجود إذا اخذ الوجود أعم من الذهني والخارجي، والمخلوط بالوجود من حيث الخلط شئ، وشيئيته كونه ماهية قابلة له، وقيل: إن الوجود عين الشيئية. فإذا عرفت هذا فالمراد بقوله: بحقيقة الشيئية أي بالشيئية الحقة الثابتة له في حد ذاته لانه تعالى هو الذي يحق أن يقال له: شئ أو موجود، لكون وجوده بذاته ممتنع الانفكاك عنه، وغيره تعالى في معرض العدم والفناء، وليس وجودهم إلا من غيرهم، أو المراد أنه يجب معرفته بمحض أنه شئ، لا أن يثبت له حقيقة معلومة مفهومة يتصدى لمعرفتها فإنه يمتنع معرفة كنه ذاته وصفاته، وقيل: إنه إشارة إلى أن الوجود عين ذاته تعالى.


(1) قد بينا في تفسير " الميزان " انه هو المتيقن في الاية، وتكلمنا في الاخبار الكثيرة التى يشير إليها. ط (2) أي هو موجود يخالف سائر الموجودات، فإن سائر الموجودات لها وجود وماهية زائدة على وجودها، ولكن الله تعالى حقيقته صرف الوجود، وعين الوجود، وله حقيقة الشيئية وهى الوجود. ثم بين عليه السلام وجه اختلافه تعالى مع سائر الاشياء بقوله: غير أنه لا جسم الخ. ولعله عليه السلام أشار بقوله: هو شئ بخلاف الاشياء إلى أنه لا يعرف أحد حقيقة ذاته وصفاته، وإنما يعرف بمفهوم سلبى وهو أنه موجود مغاير لخلقه في الذات والصفات، مثل الامكان والحدوث والجسمية وغيرها. (3) بالجيم إما من جسه بيده أي مسه بيده ليتعرفه، أو بعينه أي أحد النظر إليه ليتبينه، وإما من جس الاخبار والامور أي بحث وتفحص عنها.

[ 259 ]

3 - لى: أبي، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد ابن حمران، عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا زياد إياك والخصومات، فإنها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها، وعسى أن يتكلم الرجل بالشئ لا يغفر له، يا زياد إنه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به، (1) وطلبوا علم ما كفوه، (2) حتى انتهى بهم الكلام إلى الله عزوجل فتحيروا، فإن كان الرجل ليدعى من بين يديه فيجيب من خلفه، أو يدعى من خلفه فيجيب من بين يديه. سن: أبي، عن ابن أبي عمير مثله. 4 - لى: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن أبي اليسع، (3) عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إياكم والتفكر في الله، فإن التفكر في الله لا يزيد إلا تيها (4) إن الله عزوجل لا تدركه الابصار ولا يوصف بمقدار. 5 - ن: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن بندار، عن محمد بن علي الكوفي، عن محمد ابن عبد الله الخراساني - خادم الرضا عليه السلام - قال: قال بعض الزنادقة لابي الحسن عليه السلام: هل يقال لله: أنه شئ ؟ فقال: نعم، وقد سمى نفسه بذلك في كتابه فقال: " قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم " فهو شئ ليس كمثله شئ. 6 - فس: قوله: " وأن إلى ربك المنتهى " حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا انتهى الكلام إلى الله فامسكوا، وتكلموا فيما دون العرش ولا تكلموا فيما فوق العرش، فإن قوما تكلموا فيما فوق العرش فتاهت عقولهم حتى


(1) أي علم ما كلفوا به، وهو العلم بما أمر الله به ونهاه عنه، والعلم بمحبوباته ومبغوضاته. (2) أي علم ما كفاهم الله مؤونته - ان كان من الكفاية - أو علم ما صرفه الله عنهم - ان كان من الكف - والمراد التفحص عما كانت أفهام البشر عن دركه قاصرة، كالكلام في العرش وما فوقه، والكلام في كنه الذات والصفات. (3) الظاهر هو عيسى بن السرى أبو اليسع الكرخي البغدادي، وثقه النجاشي وغيره، روى عن أبى عبد الله عليه السلام، له كتاب. (4) أي تحيرا وضلالا. (*)

[ 260 ]

كان الرجل ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه، وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه بيان: التكلم فيما فوق العرش كناية عن التفكر في كنه ذاته وصفاته تعالى، فالمراد اما الفوقية المعنوية، أو بناءا على زعمهم حيث قالوا: بالجسم والصورة، ويحتمل على بعد أن يكون المراد التفكر في الخلا البحت بعد انتهاء الابعاد. 7 - شى: عن ربعي، عمن ذكره، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " قال: الكلام في الله والجدال في القرآن " فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " قال: منهم القصاص. بيان: القصاص علماء المخالفين فإنهم كرواة القصص والاكاذيب فيما يبنون عليه علومهم، وهم يخوضون في تفاسير الآيات وتحقيق صفات الذات بالظنون والاوهام لانحرافهم عن أهل البيت عليهم السلام. 8 - يد، مع: أبي، عن علي، عن أبيه، عن العباس بن عمرو الفقيمي (1) عن هشام ابن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال للزنديق - حين سأله عن الله ما هو ؟ -: قال هو شئ بخلاف الاشياء، أرجع بقولي: شئ إلى إثبات معنى، وإنه شئ بحقيقة الشيئية، غير أنه لا جسم ولا صورة. 9 - يد، مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن عيسى، عمن ذكره، رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام أنه سئل أيجوز أن يقال: إن الله عزوجل شئ ؟ قال: نعم تخرجه من الحدين: حد التعطيل، وحد التشبيه. ج: مرسلا مثله. بيان: حد التعطيل هو عدم إثبات الوجود والصفات الكمالية والفعلية و الاضافية له تعالى، وحد التشبيه الحكم بالاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات وعوارض الممكنات. 10 - يد: العطار، عن أبيه، عن سهل قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام - سنة خمس


(1) نسبة إلى فقيم - وزان هذيل - بطن من دارم وهم بنو فقيم من جرير بن دارم، وأما النسبة إلى فقيم كنانة " فقمى " كعربي، نص على ذلك في القاموس وغيره.

[ 261 ]

وخمسين ومائتين -: قد اختلف يا سيدي أصحابنا في التوحيد، منهم من يقول: هو جسم، ومنهم من يقول: هو صورة، فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه فعلت متطولا على عبدك. فوقع بخطه - عليه السلام -: سألت عن التوحيد وهذا عنكم معزول، الله تعالى واحد، أحد، صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد،. خالق وليس بمخلوق، يخلق تبارك وتعالى ما يشاء من الاجسام وغير ذلك، ويصور ما يشاء، وليس بمصور، جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، وتعالى عن أن يكون له شبه، هو لا غيره، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير. بيان: وهذا عنكم معزول أي لا يجب عليكم التفكر في الذات والصفات بل عليكم التصديق بما وصف تعالى به نفسه. 11 - سر: السياري (1) قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: ليس العبادة كثرة الصوم والصلاة، إنما العبادة في التفكر في الله. بيان: أي التفكر في قدرته وعظمته بالتفكر في عظمة خلقه، كما فسر به في الاخبار الاخر، أو بالتفكر فيما جاء عن الله وحججه عليهم السلام في ذلك. 12 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام بمسائل، فيها: أخبرني عن الله عزوجل هل يوصف بالصورة وبالتخطيط، فإن رأيت - جعلني الله فداك - أن تكتب إلي بالمذهب الصحيح من التوحيد. فكتب صلى الله عليه على يدي عبد الملك بن أعين: سألت رحمك الله عن التوحيد وما ذهب فيه من قبلك، فتعالى الله الذي ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير، تعالى الله عما يصفه الواصفون المشبهون الله تبارك وتعالى بخلقه، المفترون على الله. واعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله عزوجل، فأنف


(1) هو أحمد بن محمد بن سيار أبو عبد الله الكاتب، بصرى، كان من كتاب آل طاهر في زمن أبي عبد الله عليه السلام، ضعيف الحديث، فاسد المذهب. نص على ذلك النجاشي.

[ 262 ]

عن الله البطلان والتشبيه، فلا نفي ولا تشبيه، هو الله الثابت الموجود، تعالى الله عما يصفه الواصفون، ولا تعد القرآن فتضل بعد البيان. بيان: على يدي عبد الملك أي كان هو الرسول والحامل للكتاب والجواب. 13 - ضا: إياك والخصومة فإنها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها، (1) وعسى أن يتكلم بشئ لا يغفر له. (2) 14 - ونروي أنه كان فيما مضى قوم انتهى بهم الكلام إلى الله عزوجل فتحيروا، فإن كان الرجل ليدعى من بين يديه فيجيب من خلفه. (3) 15 - وأروي: تكلموا فيما دون العرش فإن قوما تكلموا في الله عزوجل فتاهوا. 16 - وأروي عن العالم عليه السلام - وسألته عن شئ من الصفات - فقال: لا تتجاوز مما في القرآن. 17 - وأروي أنه قرئ بين يدي العالم عليه السلام قوله: " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " فقال: إنما عنى أبصار القلوب وهي الاوهام، فقال: لا تدرك الاوهام كيفيته وهو يدرك كل وهم، وأما عيون البشر فلا تلحقه، لانه لا يحد فلا يوصف، هذا ما نحن عليه كلنا. 18 - يد: الدقاق، عن الاسدي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن صالح، عن الحسين بن سعيد قال: سئل أبو جعفر الثاني عليه السلام يجوز أن يقال لله: إنه شئ ؟ فقال: نعم، تخرجه من الحدين: حد التعطيل وحد التشبيه. (4) 19 - يد: ابن مسرور، عن ابن بطة، عن عدة من أصحابه، عن اليقطيني قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: ما تقول: إذا قيل لك: أخبرني عن الله عزوجل، أشئ هو أم لا شئ هو ؟ قال: فقلت له: قد أثبت عزوجل نفسه شيئا حيث يقول: " قل أي شئ أكبر


(1) أي تهلك صاحبها وتضلها. (2) تقدم الحديث مسندا تحت رقم 3. (3) الظاهر أنه قطعة من الحديث السادس. (4) الظاهر اتحاده مع ما تقدم تحت رقم 9.

[ 263 ]

شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم " فأقول: إنه شئ لا كالاشياء، إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله ونفيه. قال لي: صدقت وأصبت. ثم قال الرضا عليه السلام: للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه، فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز لان الله تبارك وتعالى لا يشبهه شئ، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه. شى: عن هشام المشرقي، عنه عليه السلام مثله. وزاد في آخره وهو كما وصف نفسه أحد صمد نور. 20 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكلما وقع عليه اسم شئ ما خلا الله عزوجل فهو مخلوق، والله خالق كل شئ، تبارك الذي ليس كمثله شئ. يد: حمزة بن محمد العلوي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن عطية، عن أبي جعفر عليه السلام مثله إلى قوله: خالق كل شئ. يد: ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي المعزا رفعه عن أبي جعفر عليه السلام مثله إلى قوله: فهو مخلوق ما خلا الله عزوجل. ايضاح: الخلو بكسر الخاء وسكون اللام: الخالي. وقوله عليه السلام: خلو من خلقه أي من صفات خلقه أو من مخلوقاته، فيدل على نفي الصفات الموجودة الزائدة لانها لابد أن تكون مخلوقة لله تعالى بانضمام المقدمتين الاخيرتين المبنيتين على التوحيد، واتصافه بمخلوقه مستحيل لما تقرر من أن الشئ لا يكون فاعلا وقابلا لشئ واحد، ويدل أيضا على بطلان ما ذهب إليه جماعة من كونه تعالى معروضا لماهيات الممكنات. وقوله عليه السلام: وخلقه خلو منه أي من صفاته، أو المراد أنه لا يحل في شئ بوجه من الوجوه، فينفي كونه عارضا لشئ أو حالا فيه أو متمكنا فيه إذ ما من شئ إلا وهو مخلوق له بحكم المقدمتين الاخيرتين. 21 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن

[ 264 ]

النضر، عن ابن حميد رفعه قال: سئل علي بن الحسين عليه السلام عن التوحيد فقال: إن الله تعالى علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى: " قل هو الله أحد الله الصمد " والآيات من سورة الحديد إلى قوله: " وهو عليم بذات الصدور " فمن رام ما وراء ذلك فقد هلك. بيان: ظاهره المنع عن التفكر والخوض في مسائل التوحيد والوقوف مع النصوص، وقيل: المراد أنه تعالى بين لهم صفاته ليتفكروا فيها، ولا يخفى بعده. 22 - سن: أبي، عن صفوان، وابن أبي عمير معا، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا سليمان إن الله يقول: " وأن إلى ربك المنتهى " فإذا انتهى الكلام إلى الله فامسكوا. 23 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن يحيى، عن عبد الرحيم القصير قال: سألب أبا عبد الله عليه السلام عن شئ من الصفة فقال: فرفع يديه إلى السماء ثم قال: تعالى الله الجبار، إنه من تعاطى ماثم هلك. يقولها مرتين. بيان: تعالى الله الجبار أي عن أن يكون له جسم أو صورة أو يوصف بصفة زائدة على ذاته، وأن يكون لصفاته الحقيقية بيان حقيقي، من تعاطى أي تناول بيان ماثم من صفاته الحقيقية هلك وضل ضلالا بعيدا. 24 - سن: بعض أصحابنا، عن حسين بن مياح، (1) عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من نظر في الله كيف هو هلك. 25 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب بن الخزاز، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا محمد إن الناس لا يزال لهم المنطق حتى يتكلموا في الله، فإذا سمعتم ذلك فقولوا: لا إله إلا الله الواحد الذي ليس كمثله الشئ.


(1) قال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة: الحسين بن مياح - بالياء المنقطة تحتها نقطتين المشددة بعد الميم، والحاء غير المعجمة بعد الالف - المدائني، روى عن أبيه، قال ابن الغضائري: إنه ضعيف غال انتهى. وقال النجاشي في ترجمة أبيه: مياح المدائني ضعيف جدا له كتاب يعرف برسالة مياح، وطريقها أضعف منها وهو محمد بن سنان.

[ 265 ]

بيان: أي إذا سمعتم الكلام في الله فاقتصروا على التوحيد ونفي الشريك منبها على أنه لا يجوز الكلام فيه، وتبيين معرفته إلا بسلب التشابه والتشارك بينه وبين غيره، إو إذا أجرو الكلام في الجسم والصورة فقولوا ذلك تنزيها له عما يقولون. 26 - سن: ابن فضال، عن ثعلبة، عن الحسن الصيقل، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: تكلموا فيما دون العرش، ولا تكلموا فيما فوق العرش، فإن قوما تكلموا في الله فتاهوا، حتى كان الرجل ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه، 27 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن حفص اخي مرازم، عن الفضل بن يحيى قال: سأل أبي أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن شئ من الصفة، فقال: لا تجاوز عما في القرآن. 28 - سن: أبو أيوب المدني، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن ملكا كان في مجلسه فتناول الرب تبارك وتعالى ففقد فما يدرى أين هو. بيان: أي فقد من مكانه سخطا من الله عليه، أو تحير وسار في الارض فلم يعرف له خبر. وقيل: هو على المعلوم أي ففقد ما كان يعرف وكان لا يدري في أي مكان هو من الحيرة، ولا يخفى ما فيه. 29 - سن: محمد بن عيسى، عمن ذكره رفعه قال: سئل أبو جعفر عليه السلام أيجوز أن يقال لله: أنه موجود ؟ قال: نعم تخرجه من الحدين: حد الابطال وحد التشبيه. 30 - م: لقد مر أمير المؤمنين عليه السلام على قوم من أخلاط المسلمين، ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، وهم قعود في بعض المساجد في أول يوم من شعبان، وإذا هم يخوضون في أمر القدر وغيره مما اختلف الناس فيه، قد ارتفعت أصواتهم واشتد فيه جدالهم، فوقف عليهم وسلم فردوا عليه ووسعوا له، وقاموا إليه يسألونه القعود إليهم، فلم يحفل بهم، (1) ثم قال لهم - وناداهم -: يا معاشر المتكلمين ألم تعلموا أن لله عبادا قد أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم ؟ وأنهم هم الفصحاء البلغاء الالباء، (2) العالمون بالله وأيامه


(1) أي فلم يبال بهم ولم يهتم لهم. (2) الالباء جمع اللبيب: العاقل.

[ 266 ]

ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انكسرت ألسنتهم، وانقطعت أفئدتهم، وطاشت عقولهم، وتاهت حلومهم، إعزازا لله وإعظاما وإجلالا، فإذا أفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالاعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وأنهم برآء من المقصرين والمفرطين ألا إنهم لا يرضون الله بالقليل، ولا يستكثرون لله الكثير، ولا يدلون عليه بالاعمال، فهم إذا رأيتهم مهيمون مروعون، خائفون، مشفقون، وجلون، فأين أنتم منهم يا معشر المبتدعين ألم تعلموا أن أعلم الناس بالضرر أسكتهم عنه، وأن أجهل الناس بالضرر أنطقهم فيه ؟. بيان: لا يدلون من قولهم: أدل عليه أي أوثق بمحبته فأفرط عليه. والهيام: الجنون من العشق. 31 - كش: علي بن محمد، عن محمد بن موسى الهمداني، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن غيره، عن جعفر بن محمد بن حكيم الخثعمي قال: اجتمع ابن سالم، وهشام بن الحكم، وجميل بن دراج، وعبد الرحمن بن الحجاج، ومحمد بن حمران، وسعيد بن غزوان، ونحو من خمسة عشر من أصحابنا فسألوا هشام بن الحكم أن يناظر هشام بن سالم فيما اختلفوا فيه من التوحيد، وصفة الله عزوجل، وعن غير ذلك، لينظروا أيهم أقوى حجة، فرضي هشام بن سالم أن يتكلم عند محمد بن أبي عمير، ورضي هشام بن الحكم أن يتكلم عند محمد بن هشام فتكالما وساقا ما جرى بينهما، وقال: قال عبد الرحمن بن الحجاج لهشام بن الحكم: كفرت والله بالله العظيم وألحدث فيه، ويحك ما قدرت أن تشبه بكلام ربك إلا العود يضرب به. قال جعفر بن محمد بن حكيم فكتب إلى أبي الحسن موسى عليه السلام يحكى له مخاطبتهم وكلامهم، ويسأله أن يعلمهم ما القول الذي ينبغي أن يدين الله به من صفة الجبار فأجابه في عرض كتابه: فهمت رحمك الله، واعلم رحمك الله أن الله أجل وأعلى وأعظم من أن يبلغ كنه صفته، فصفوه بما وصف به نفسه وكفوا عما سوى ذلك. 32 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن اليقطيني، عن ابن أبي نجران قال: سألت أبا جعفر الثاني عليه السلام عن التوحيد فقلت: أتوهم شيئا ؟ فقال: نعم غير معقول ولا محدود، فما وقع وهمك عليه من شئ فهو خلافه، لا يشبهه شئ ولا تدركه الاوهام، كيف تدركه الاوهام وهو خلاف ما يعقل وخلاف ما يتصور في الاوهام ؟ إنما يتوهم شئ غير معقول ولا محدود.

[ 267 ]

بيان: اعلم أن من المفهومات مفهومات عامة شاملة لا يخرج منها شئ من الاشياء لا ذهنا ولا عينا كمفهوم الشئ والموجود والمخبر عنه، وهذه معان اعتبارية يعتبرها العقل لكل شئ، إذا تقرر هذا فاعلم: أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى مجرد التعطيل، و منعوا من إطلاق الشئ والموجود وأشباههما عليه، محتجين بأنه لو كان شيئا شارك الاشياء في مفهوم الشيئية وكذا الموجود وغيره. وذهب إلى مثل هذا بعض معاصرينا فحكم بعدم اشتراك مفهوم من المفهومات بين الواجب والممكن، وبأنه لا يمكن تعقل ذاته وصفاته تعالى بوجه من الوجوه، وبكذب جميع الاحكام الايجابية عليه تعالى. و يرد قولهم الاخبار السالفة، وبناء غلطهم على عدم الفرق بين مفهوم الامر وما صدق عليه، وبين الحمل الذاتي والحمل العرضي، وبين المفهومات الاعتبارية والحقائق الموجودة. فأجاب عليه السلام بأن ذاته تعالى وإن لم يكن معقولا لغيره ولا محدودا بحد إلا أنه مما يصدق عليه مفهوم شئ، لكن كل ما يتصور من الاشياء فهو بخلافه لان كل ما يقع في الاوهام والعقول فصورها إلا دراكية كيفيات نفسانية، وأعراض قائمة بالذهن، و معانيها مهيات كلية قابلة للاشتراك والانقسام فهو بخلاف الاشياء. (1) * (باب 10) * * (أدنى ما يجزى من المعرفة في التوحيد، وانه لا يعرف الله الا به) * 1 - يد، ن: ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن مختار بن محمد بن مختار الهمداني، عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن أدنى المعرفة فقال: الاقرار بأنه لا إله غيره، ولا شبه له ولا نظير له، وأنه قديم مثبت، موجود غير فقيد، وأنه ليس كمثله شئ.


(1) اعلم أن هذا الخبر وما يساوقه في البيان من اخبار التوحيد من غرر الاخبار الواردة عن معادن العلم والحكمة - عليهم السلام - وما ذكره المصنف في هذا البيان وما يشابهه من البيانات متألفة من مقدمات كلامية أو فلسفية عامية غير وافية لا يضاح تمام المراد منها وإن لم تكن أجنبية عنها بالكلية، ولبيان لب المراد منها مقام آخر. ط

[ 268 ]

بيان: قوله عليه السلام: موجود إما من الوجود أو من الوجدان أي معلوم. وكذا قوله: غير فقيد أي غير مفقود زائل الوجود، أولا يفقده الطالب. وقيل: أي غير مطلوب عند الغيبة حيث لا غيبة له. 2 - يد، ن: الدقاق، عن محمد الاسدي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن زياد، عن عبد العزيز بن المهتدي قال: سألت الرضا عليه السلام عن التوحيد، فقال: كل من قرأ قل هو الله أحد وآمن بها فقد عرف التوحيد. قلت: كيف يقرأها ؟ قال: كما يقرأها الناس. وزاد فيه: كذلك الله ربي، كذلك الله ربي، كذلك الله ربي. 3 - يد: الدقاق والوراق معا، عن الصوفي، عن الروياني، عن عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فلما بصر بي قال لي: مرحبا بك يا أبا القاسم أنت ولينا حقا. قال: فقلت له: يا ابن رسول الله إني اريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيا ثبتت عليه حتى ألقى الله عزوجل. فقال: هاتها أبا القاسم. فقلت: إني أقول: إن الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شئ، خارج من الحدين: حد الابطال، وحد التشبيه، وأنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسم الاجسام، ومصور الصور، وخالق الاعراض والجواهر، ورب كل شئ ومالكه وجاعله ومحدثه، وإن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين فلا نبي بعده إلى يوم القيامة، وأقول: إن الامام والخليفة وولي الامر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى ابن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم أنت يا مولاي. فقال عليه السلام: ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده ؟ قال: فقلت: وكيف ذلك يا مولاي ؟ قال: لانه لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. قال: فقلت: أقررت وأقول: إن وليهم ولي الله، وعدوهم عدو الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، وأقول: إن المعراج حق، والمسائلة في القبر حق، وإن

[ 269 ]

الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والميزان الحق، وإن الساعة آتية لا ريب فيها وإن الله يبعث من في القبور، وأقول: إن الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فقال علي بن محمد عليه السلام: يا أبا القاسم هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. 4 - يد: ماجيلويه، عن عمه، عن محمد بن علي القرشي، عن محمد بن سنان، عن محمد بن يعلى الكوفي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله علمني من غرائب العلم. قال: ما صنعت في رأس العلم حتى تسأل عن غرائبه ؟ قال الرجل: ما رأس العلم يا رسول الله ؟ قال: معرفة الله حق معرفته. قال الاعرابي: وما معرفة الله حق معرفته ؟ قال: تعرفه بلا مثل ولا شبه ولا ند، وأنه واحد أحد ظاهر باطن أول آخر، لا كفو له ولا نظير، فذلك حق معرفته. بيان: الند بالكسر: المثل. 5 - يد: أبي وابن الوليد معا، عن محمد بن العطار، وأحمد بن إدريس معا، عن الاشعري، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن علي الطاحن، عن طاهر بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إلى الطبيب - يعني أبا الحسن عليه السلام - ما الذي لا يجتزى في معرفة الخالق جل جلاله بدونه ؟ فكتب عليه السلام: ليس كمثله شئ، لم يزل سميعا وعليما وبصيرا، وهو الفعال لما يريد. (1)


(1) رواه الكليني في الكافي في باب أدنى المعرفة عن على بن محمد، عن سهل بن زياد، عن طاهر بن حاتم في حال استقامته. اقول: قوله: في حال استقامته إشارة إلى تغير حاله، لانه كان مستقيما ثم تغير وأظهر القول بالغلو، نص على ذلك الشيخ في الفهرست حيث قال: طاهر بن حاتم بن ماهويه كان مستقيما ثم تغير وأظهر القول بالغلو، وله روايات، أخبرنا برواياته حال استقامته جماعة عن محمد بن على بن الحسين، عن أبيه، ومحمد بن الحسن، عن عبد الله بن جعفر الحميرى، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن طاهر بن حاتم في حال استقامته. انتهى. وقال النجاشي: طاهر بن حاتم بن ماهويه القزويني أخو فارس بن حاتم كان صحيحا ثم خلط عليه الخ.

[ 270 ]

بيان: المشهور أن الكاف زائدة، وقيل: أي ليس مثل مثله شئ فيدل على نفي مثله بالكناية التي هي أبلغ، لانه مع وجود المثل يكون هو مثل مثله، أو المعنى، أنه ليس ما يشبه أن يكون مثلا له فكيف مثله حقيقة. 6 - يد: الدقاق، عن الكليني، عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إني ناظرت قوما فقلت لهم: إن الله أكرم وأجل من أن يعرف بخلقه، بل العباد يعرفون بالله (1). فقال: رحمك الله. 7 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن الفضل بن السكن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، واولي الامر بالمعروف والعدل والاحسان. (2) 8 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن بعض أصحابنا، عن علي بن عقبة رفعه قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام بم عرفت ربك، فقال: بما عرفني نفسه. قيل:


(1) على صيغة المعلوم أي العباد يعرفون الله بالله، أي يعرفون الله بتوفيقه وهدايته، أو بما وصف نفسه وعرفهم من الصفات اللائقة بجماله وجلاله، أو يكون الاشارة إلى البرهان المسمى ببرهان الصديقين الذى هو أشرف البراهين وأسدها، وهو الاستدلال به تعالى عليه، والاستشهاد بذاته تعالى على صفاته، وبصفاته على أفعاله " أولم يكف بربك أنه على كل شئ قدير ". ولعله إليه أشار الامام زين العابدين عليه السلام بقوله: بك عرفتك وأنت دللتني عليك، ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدر ما أنت. وبقوله: يا غفار بنورك اهتدينا. وتأتى هذه الاحتمالات في قوله: اعرفوا الله بالله. أو على صيغة المجهول ويكون المراد - على ما قيل - أنه تعالى لا يعرف حق المعرفة إلى خلقه والاستدلال بهم عليه، بل الخلق يعرفون بنور ربهم، كما تعرف الذرات بنور الشمس دون العكس، وليس نور الله في آفاق النفوس بأقل من نور الشمس في آفاق السماء، قال عز من قائل: " وأشرقت الارض بنور ربها " فضوؤه قاطع لرين أرباب الضمائر، ونوره ساطع في أبصار أصحاب البصائر. (2) رواه الكليني في الكافي - في باب أنه لا يعرف إلا به - عن على بن محمد، عمن ذكره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن حمران، عن الفضل بن السكن، عن أبى عبد الله عليه السلام. وقال في ذيله: يعنى ان الله خلق الاشخاص والانوار والجواهر والاعيان. إلى آخر ما يأتي ذيل الخبر الاتى من الصدوق، وظاهره أن المعنى من الكليني لا من الامام عليه السلام.

[ 271 ]

وكيف عرفك نفسه ؟ فقال: لا تشبهه صورة، (1) ولا يحس بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كل شئ ولا يقال شئ فوقه، أمام كل شئ ولا يقال له، أمام، داخل في الاشياء لا كشئ في شي داخل، وخارج من الاشياء لا كشئ من شئ خارج، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره، ولكل شئ مبدأ. (2) سن: بعض أصحابنا، عن صالح بن عقبة، عن قيس بن سمعان، عن أبي ربيحة - مولى رسول الله صلى الله عليه وآله - (3) رفعه قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام وذكر مثله. بيان: قريب من حيث إحاطة علمه وقدرته بالكل. في بعده أي مع بعده عن الكل من حيث المبائنة في الذات والصفات فظهر أن قربه ليس بالمكان، بعيد عن إحاطة العقول والاوهام والافهام به من قربه حفظا وتربية ولطفا ورحمة، وقد مر أنه يحتمل أن يكون إشارة إلى أن جهة قربه أي بالعلية واحتياج الكل إليه هي جهة بعده عن مشابهة مخلوقاته إذ الخالق لا يشابه المخلوق، وكذا العكس. فوق كل شئ أي بالقدرة والقهر والغلبة، و بالكمال والاتصاف بالصفات الحسنة، ولا يقال: شئ فوقه في الامرين، وفيه إشعار بأنه ليس المراد به الفوقية بحسب المكان وإلا لامكن أن يكون شئ فوقه. أمام كل شئ أي علة كل شئ ومقدم عليها، ويحتاج إليه كل موجود، ويتضرع إليه ويعبده كل مكلف، أو كل شئ متوجه نحوه في الاستكمال، والتشبه به في صفاته الكمالية، و


(1) وفى نسخة: لا يشبه صورة. (2) وفى نسخة: ولكل شئ مبتدء. (3) هكذا في البحار والمحاسن المطبوعين. والصحيح - كما في الكافي -: على بن عقبة بن قيس بن سمعان بن أبى ربيحة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله. فالسند مصحف بتبديل " ابن " " بعن " في موضعين وتبديل " على " " بصالح ". وضبط عقبة بضم العين المهملة، وسكون القاف، وفتح الباء ثم الهاء. واختلف في ضبط ربيحة. قال الفاضل المامقانى في رجاله: ربيحة بالراء المهملة المضمومة، والباء الموحدة المفتوحة، والمثناة الساكنة، والحاء المهملة المفتوحة، والهاء. وفى بعض النسخ: زنحة بالزاى والنون والحاء المهملة، وعن بعض كتب الرجال: بريحة بالباء الموحدة ثم الراء المهملة، وقيل: إن نسخ الكافي في كتاب التوحيد: أبو بريحة بالباء الموحدة المضمومة، والراء المفتوحة و الياء المثناة من تحت بعدها حاء مهملة، وكذا ضبطه في الايضاح وقال: كذا وجدناها معربة في كتاب البرقى. انتهى.

[ 272 ]

الكلام في قوله: ولا يقال له: أمام كما مر. داخل في الاشياء أي لا يخلو شئ من الاشياء ولا جزء من الاجزاء عن تصرفه وحضوره العلمي وإفاضة فيضه وجوده عليه، لا كدخول الجزء في الكل، ولا كدخول العارص في المعروض، ولا كدخول المتمكن في المكان. خارج من الاشياء بتعالي ذاته عن ملابستها ومقارنتها والاتصاف بصفتها والايتلاف منها، لا كخروج شئ من شئ بالبعد المكاني أو المحلي. وقوله: ولكل شئ مبدء أي علة في ذواتها وصفاتها كالتعليل لما سبق. 9 - يد: محمد بن إبراهيم بن إسحاق الفارسي، عن أحمد بن محمد بن سعيد النسوي، عن أحمد بن محمد بن عبد الله الصغدي - بمرو - (1) عن محمد بن يعقوب بن الحكم العسكري، و أخيه معاذ بن يعقوب، عن محمد بن سنان الحنظلي، عن عبد الله بن عاصم، عن عبد الرحمن ابن قيس، عن ابن هاشم الرماني، عن زاذان، (2) عن سلمان الفارسي رضي الله عنه في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى، وما سأل عنه أبا بكر فلم يجبه، ثم ارشد إلى أمير المؤمنين علي بن أبيطالب عليه السلام فسأله عن مسائل فأجابه عنها، وكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عرفت الله بمحمد، أم عرفت محمدا بالله ؟ فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: ما عرفت الله عزوجل بمحمد - صلى الله عليه وآله - ولكن عرفت محمدا بالله عزوجل، حين خلقه وأحدث فيه الحدود من طول وعرض فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال وإلهام منه وإرادة، كما ألهم الملائكة طاعته وعرفهم نفسه بلا شبه ولا كيف. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. وحدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق رحمه الله قال: سمعت محمد بن يعقوب يقول: معنى قوله: اعرفوا الله بالله يعني أن الله عزوجل خلق الاشخاص والالوان و الجواهر والاعيان، فالاعيان: الابدان، والجواهر: الارواح، وهو عزوجل لا يشبه


(1) قال الفيروز آبادى: صغد بالضم: موضع بسمرقند، موضع ببخارا. (2) بالزاى المعجمة والالف والذال المعجمة والالف والنون، عده الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وقال: يكنى أبا عمرة الفارسى. وعده العلامة في خاتمة القسم الاول من الخلاصة من خواص أمير المؤمنين عليه السلام من مضر، ولكن كناه بأبى عمرو الفارسى.

[ 273 ]

جسما ولا روحا، وليس لاحد في خلق الروح الحساس الدراك أثر ولا سبب، هو المتفرد بخلق الارواح والاجسام، فمن نفى عنه الشبهين: شبه الابدان وشبه الارواح فقد عرف الله بالله، ومن شبهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله. أقول: قال الصدوق رحمه الله في كتاب التوحيد: القول الصواب في هذا الباب هو أن يقال: عرفنا الله بالله، (1) لانا إن عرفناه بعقولنا فهو عزوجل واهبها، وإن عرفناه عزوجل بأنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام فهو عزوجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم حججا، وان عرفناه بأنفسنا فهو عزوجل محدثنا فبه عرفناه، وقد قال الصادق عليه السلام: لولا الله ما عرفناه، ولولا نحن ما عرف الله. ومعناه: لولا الحجج ما عرف الله حق معرفته، و ولولا الله ما عرف الحجج. وقد سمعت بعض أهل الكلام يقول: لو أن رجلا ولد في فلاة من الارض ولم ير أحدا يهديه ويرشده حتى كبر وعقل ونظر إلى السماء والارض لدله ذلك على أن لهما صانعا ومحدثا. فقلت: إن هذا شئ لم يكن، وهو إخبار بما لم يكن ان لو كان كيف كان يكون، ولو كان ذلك لكان لا يكون ذلك الرجل إلا حجة الله - تعالى ذكره - على نفسه كما في الانبياء عليهم السلام، منهم من بعث إلى نفسه، ومنهم من بعث إلى أهله وولده، ومنهم من بعث إلى أهل محلته، ومنهم من بعث إلى أهل بلده، ومنهم من بعث إلى الناس كافة. وأما استدلال إبراهيم الخليل عليه السلام بنظره إلى الزهرة، ثم إلى القمر، ثم إلى الشمس، وقوله - فلما أفلت -: يا قوم إني برئ مما تشركون فإنه عليه السلام كان نبيا ملهما مبعوثا مرسلا، وكان جميع قوله إلى آخره بإلهام الله عزوجل إياه، وذلك قوله عزوجل: " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " وليس كل أحد كإبراهيم عليه السلام، ولو استغني في معرفة التوحيد بالنظر عن تعليم الله عزوجل وتعريفه لما أنزل الله عزوجل ما أنزل من قوله: فاعلم أنه لا إله إلا الله، ومن قوله: قل هو الله أحد إلى آخره، ومن قوله: بديع السموات و الارض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة، إلى قوله: وهو اللطيف الخبير، وآخر الحشر وغيرها من آيات التوحيد.


(1) سيجيئ حق معنى معرفة الله بالله في رواية عبد الاعلى على نحو الاشارة، وأما ما ذكره رحمه الله زعما منه أن المعرفة مستندة إلى الله وليست بمكتسبة فبمعزل عن مراد الرواية. ط

[ 274 ]

تبيين وتحقيق: اعلم أن هذه الاخبار لا سيما خبر ابن السكن تحتمل وجوها: الاول: أن يكون المراد بالمعرف به ما يعرف الشئ به بأنه هو هو فمعنى اعرفوا الله بالله: اعرفوه بأنه هو الله مسلوبا عنه جميع ما يعرف به الخلق من الجواهر والاعراض ومشابهته شئ منها، وهذا هو الذي ذكره الكليني رحمه الله، وعلى هذا فمعنى قوله: والرسول بالرسالة: معرفة الرسول بأنه ارسل بهذه الشريعة وهذه الاحكام، وهذا الدين، وهذا الكتاب، ومعرفة كل من اولي الامر بأنه الآمر بالمعروف، والعالم العامل به، و بالعدل أي لزوم الطريقة الوسطى في كل شئ، والاحسان أي الشفقة على خلق الله و التفضل عليهم ودفع الظلم عنهم. أو المعنى: اعرفوا الله بالله أي بما يناسب الوهيته من التنزيه والتقديس، والرسول بما يناسب رسالته من العصمة والفضل والكمال، واولي الامر بما يناسب درجتهم العالية التي هي الرئاسة العامة للدنيا والدين، وبما يحكم العقل به من اتصاف صاحب تلك الدرجة القصوى به من العلم والعصمة والفضل والمزية على من سواه، ويحتمل أن يكون الغرض عدم الخوض في معرفته تعالى ورسوله وحججه بالعقول الناقصة فينتهي إلى نسبة ما لا يليق به تعالى إليه، وإلى الغلو في أمر الرسول و الائمة صلوات الله عليهم. وعلى هذا يحتمل وجهين: الاول أن يكون المراد: اعرفوا الله بعقولكم بمحض أنه خالق إله، والرسول بأنه رسول أرسله الله إلى الخلق، واولي الامر بأنه المحتاج إليه لاقامة المعروف والعدل والاحسان، ثم عولوا في صفاته تعالى وصفات حججه عليهم السلام على ما بينوا ووصفوا لكم من ذلك ولا تخوضوا فيها بعقولكم والثاني أن يكون المعنى: اعرفوا الله بما وصف لكم في كتابه وعلى لسان نبيه، والرسول بما أوضح لكم من وصفه في رسالته إليكم، والامام بما بين لكم من المعروف والعدل والاحسان كيف اتصف بتلك الاوصاف والاخلاق الحسنة. ويحتمل الاخيرين وجها ثالثا، وهو أن يكون المراد لا تعرفوا الرسول بما يخرج به عن الرسالة إلى درجة الالوهية، وكذا الامام. الثاني: أن يكون المراد بما يعرف به ما يعرف باستعانته من قوى النفس العاقلة و المدركة وما يكون بمنزلتها ويقوم مقامها، فمعنى اعرفوا الله بالله: اعرفوه بنور الله المشرق

[ 275 ]

على القلوب بالتوسل إليه والتقرب به، فإن العقول إليه لا تهتدي إليه إلا بأنوار فيضه تعالى واعرفوا الرسول بتكميله إياكم برسالته، وبمتابعته فيما يؤدي إليكم من طاعة ربكم فإنها توجب الروابط المعنوية بينكم وبينه، وعلى قدر ذلك يتيسر لكم من معرفته، وكذا معرفة اولي الامر إنما تحصل بمتابعتهم في المعروف والعدل والاحسان و باستكمال العقل بها. الثالث: أن يكون المراد ما يعرف بها من الادلة والحجج، فمعنى اعرفوا الله بالله أنه إنما تتأتى معرفته لكم بالتفكر فيما أظهر لكم من آثار صنعه وقدرته وحكمته بتوفيقه وهدايته، لا بما ارسل به الرسول من الآيات والمعجزات فإن معرفتها إنما تحصل بعد معرفته تعالى، واعرفوا الرسول بالرسالة أي بما ارسل به من المعجزات والدلائل أو بالشريعة المستقيمة التي بعث بها، فإنها لانطباقها على قانون العدل والحكمة يحكم العقل بحقية من ارسل بها، واعرفوا اولي الامر بعلمهم بالمعروف، وإقامة العدل و الاحسان، وإتيانهم بها على وجهها، وهذا أقرب الوجوه، ويؤيده خبر سلمان وكذا خبر ابن حازم، إذ الظاهر أن المراد به أن وجوده تعالى أظهر الاشياء، وبه ظهر كل شئ، وقد أظهر الآيات للخلق على وجوده وعلمه وقدرته، وأظهر المعجزات حتى علم بذلك حقية حججه عليهم السلام، فالعباد معروفون به، ولا يحتاج في معرفة وجوده إلى بيان أحد من خلقه. ويمكن أن يقرأ " يعرفون " على بناء المعلوم أيضا. وأما ما ذكره الصدوق رحمه الله فيرجع إلى أن المعنى أن جميع ما يعرف الله به ينتهي إليه سبحانه. ويرد عليه أنه على هذا تكون معرفة الرسول واولي الامر أيضا بالله فما الفرق بينهما وبين معرفة الله في ذلك ؟ وأيضا لا يلائمه قوله: اعرفوا الله بالله، إلا أن يقال: الفرق باعتبار أصناف المعرفة، فالمعرفة بالرسالة صنف من المعرفة بالله، والمعرفة بالمعروف صنف آخر منها، ومعرفة الله فيها أصناف لا اختصاص لها بصنف، والمراد باعرفوا الله بالله: حصلوا معرفة الله التي تحصل بالله، هكذا حققه بعض الافاضل. ثم إن في كلامه تشويشا وتناقضا، ولعل مراده أخيرا نفي معرفة صفاته الكمالية حق معرفتها بدون إرسال الرسل ونصب الحجج إلا أن التصديق بوجوده تعالى يتوقف على ذلك وإن كان بعض كلماته يدل عليه.

[ 276 ]

* (باب 11) * * (الدين الحنيف والفطرة وصبغة الله والتعريف في الميثاق) * الايات، البقرة: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون 138 الروم: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون 30 1 - مع: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل: " حنفاء لله غير مشركين به " فقلت: ما الحنيفية ؟ قال: هي الفطرة. (1) بيان: أي الملة الحنيفية هي التوحيد الذي فطر الله الخلق عليه، ويؤمي إليه قوله تعالى: " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " واختلف في معنى ذلك الفطرة فقيل: المعنى أنه خلقهم على نوع من الجبلة والطبع المتهيأ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من الآفات، وتقليد الآباء والامهات. وقيل: كلهم مفطورون على معرفة الله والاقرار به فلا تجد أحدا إلا وهو يقر بأن الله تعالى صانع له، وإن سماه بغير اسمه أو عبد معه غيره. وقيل: المعنى أنه خلقهم لها لانه خلق كل الخلق لان يوحدوه ويعبدوه. قال الجزري: فيه: خلقت عبادي حنفاء أي طاهري الاعضاء من المعاصي لا أنه خلقهم كلهم مسلمين، لقوله تعالى: " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ". وقيل: أراد أنه خلقهم حنفاء مؤمنين لما أخذ عليهم الميثاق: " ألست بربكم قالوا بلى " فلا يوجد أحد إلا وهو مقر بأن له ربا وإن أشرك به، والحنفاء جمع


(1) الظاهر أنه متحد مع الحديث الاتى تحت الرقم 11 و 12.

[ 277 ]

حنيف، وهو المائل إلى الاسلام الثابت عليه، والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم، وأصل الحنف: الميل. انتهى. أقول: الذي يظهر من الاخبار هو أن الله تعالى قرر عقول الخلق على التوحيد والاقرار بالصانع في بدء الخلق عند الميثاق، فقلوب جميع الخلق مذعنة بذلك وإن جحدوه معاندة. وسيأتي تمام الكلام في ذلك في كتاب العدل إن شاء الله تعالى. 2 - فس: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن جعفر بن بشير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: فأقم وجهك للدين حنيفا قال: الولاية. 3 - فس: الحسن بن علي بن زكريا، عن الهيثم بن عبد الله الرماني، عن علي ابن موسى الرضا صلوات الله عليه، عن أبيه، عن جده محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام في قوله: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: هو لا إله إلا الله، محمد رسول الله - صلى الله عليه وآله - علي أمير المؤمنين - عليه السلام - إلى ههنا التوحيد. 4 - يد أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن علاء بن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " فطرة لله التي فطر الناس عليها " قال: التوحيد. 5 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: التوحيد. 6 - يد: بالاسناد عن ابن هاشم، وابن يزيد معا، عن ابن فضال، عن ابن بكير (1) عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: فطرهم على التوحيد. (2) يد: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.


(1) في التوحيد المطبوع: بكير عن زرارة، والظاهر أنه غير صحيح. (2) الظاهر اتحاده مع ما يأتي تحت رقم 8 و 10 و 13.

[ 278 ]

سن: ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة مثله. 7 - يد: ابن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " ما تلك الفطرة ؟ قال: هي الاسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، فقال: ألست بربكم وفيهم المؤمن والكافر. 8 - يد: أبي، عن سعد، عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: فطرهم جميعا على التوحيد. 9 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن علي بن حسان، (1) عن الحسن بن يونس، (2) عن عبد الرحمن بن كثير، (3) عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: التوحيد، ومحمد رسول الله، وعلي أمير المؤمنين. ير: أحمد بن موسى، عن الخشاب، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير مثله. 10 - يد: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابيه، عن ابن المغيرة، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أصلحك الله قول الله عزوجل في كتابه " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفته أنه ربهم. قلت: وخاطبوه ؟ قال: فطأطأ رأسه ثم قال: لولا ذلك لم يعلموا من ربهم ولا من رازقهم.


(1) هو على بن حسان الواسطي كما في التوحيد المطبوع، وسيأتى الحديث عنه عن عبد الرحمن بن كثير تحت رقم 19. وستأتى ترجمته ههنا. (2) عده الشيخ في رجاله من اصحاب الصادق عليه السلام وظاهره كونه إماميا. (3) مولى عباس بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس، كان ضعيفا، غمز أصحابنا عليه، وقالوا: كان يضع الحديث، له كتاب فضائل سورة إنا أنزلناه، وكتاب صلح الحسن عليه السلام. وكتاب فدك، وكتاب الاظلة كتاب فاسد مختلط، قاله النجاشي. واستظهر الوحيد البهبهانى وثاقته من رواية الثقاة كتبه وايراد المشايخ رواياته في كتب الاخبار واعتناؤهم بها فتأمل.

[ 279 ]

11 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم، وابن أبي الخطاب، وابن يزيد جميعا عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " حنفاء لله غير مشركين به " وعن الحنيفية، فقال: هي الفطرة التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، قال: فطرهم الله على المعرفة. قال زرارة: وسألته عن قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم " الآية قال: أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر فعرفهم وأراهم صنعه و لولا ذلك لم يعرف أحد ربه. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مولود يولد على الفطرة، يعني على المعرفة بأن الله عزوجل خالقه، فذلك قوله: " ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله ". 12 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام من قول الله: " حنفاء لله غير مشركين به " ما الحنيفية ؟ قال: هي الفطرة التي فطر الناس عليها، فطر الله الخلق على معرفته (1) 13 - سن: أبي، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: فطرهم على معرفته أنه ربهم، ولولا ذلك لم يعلموا - إذا سئلوا - من ربهم ولا من رازقهم. (2) 14 - سن: المحسن بن أحمد، (3) عن أبان الاحمر، (4) عن أبي جعفر الاحول، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: عروة الله الوثقى: التوحيد، والصبغة: الاسلام.


(1) الظاهر اتحاده مع صدر الحديث المتقدم. (2) الظاهر اتحاد ذلك مع ما تقدم تحت رقم 6 و 8 و 10. (3) محسن بفتح السين المشددة كما في المحكى من الايضاح، وبكسرها كما في المحكى عن تاج العروس هو محسن بن أحمد البجلى يكنى أبا محمد، أورده الشيخ في رجاله في أصحاب الرضا عليه السلام، و قال النجاشي: محسن بن أحمد القيسي من موالى قيس عيلان، روى عن الرضا عليه السلام، أخبرنا محمد بن محمد قال: حدثنا أحمد بن محمد الزرارى، عن على بن الحسن السعد آبادى، عن أحمد بن محمد ابن خالد، عن محسن بن أحمد بكتابه. انتهى. وظاهرهما كون الرجل إماميا. (4) هو أبان بن عثمان الاحمر البجلى أبو عبد الله، عده الكشى من الذين اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم.

[ 280 ]

بيان: قال البيضاوي في قوله تعالى: صبغة الله: أي صبغنا الله صبغته وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فإنها حلية الانسان، كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو هدانا هدايته وأرشدنا حجته، أو طهر قلوبنا بالايمان تطهيره. وسماه صبغة لانه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل قلوبهم تداخل الصبغ الثوب، أو للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه العمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه تحقق نصرانيتهم. (1) 15 - مع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن فضالة، عن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " قال: هي الاسلام. 16 - سن: ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " قال: ثبتت المعرفة في قلوبهم، ونسوا الموقف، وسيذكرونه يوما، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ولا من رازقه. 17 - سن: البزنطي، عن رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " قال: نعم لله الحجة على جميع خلقه أخذهم يوم أخذ الميثاق هكذا - وقبض يده -. 18 - شف: من كتاب القاضي القزويني، عن هارون بن موسى التلعكبري عن محمد بن سهل، عن الحميري، عن ابن يزيد، عن علي بن حسان، (3) عن عبد الرحمن بن


(1) قال الشيخ الطوسى في كتابه التبيان - بعد ذكر ذلك المعنى من الفراء -: وقال قتادة: اليهود تصبغ أبناءها يهودا، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى. فهذا غير المعنى الاول، وانما معناه أنهم يلقنون أولادهم اليهودية والنصرانية فيصبغونهم بذلك لما يشربون قلوبهم منه، فقيل: صبغة الله التى أمر بها ورضيها يعنى الشريعة لا صبغتكم. وقال الجبائي: سمى الدين صبغة لانه هيئة تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة وغير ذلك من الاثار الجميلة التى هي كالصبغة. (2) هو على بن حسان بن كثير الهاشمي مولى عباس بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس ابن أخى عبد الرحمن بن كثير، قال النجاشي: ضعيف جدا، ذكره بعض أصحابنا في الغلاة، فاسد الاعتقاد له كتاب تفسير الباطن تخليط كله. انتهى. وحكى عن ابن الغضائري أنه لا يروى إلا عن عمه. أقول: الظاهر اتحاد الحديث مع ما تقدم في الباب تحت الرقم 10 وتقدم ترجمة عبد الرحمن ههنا.

[ 281 ]

كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله الله عزوجل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: هي التوحيد، وأن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وآله - وأن عليا أمير المؤمنين - عليه السلام -. 19 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر وحمران، عن أبي عبد الله عليهما السلام قال: الصبغة الاسلام. 20 - شى: عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " قال: الصبغة معرفة أمير المؤمنين عليه السلام بالولاية في الميثاق. 21 - شى: عن الوليد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحنيفية هي الاسلام. 22 - غو: قال النبي صلى الله عليه وآله: كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه. (1) بيان: قال السيد المرتضى رحمه الله في كتاب الغرر والدرر - بعد نقل بعض التأويلات عن المخالفين في هذا الخبر -: والصحيح في تأويله أن قوله: يولد على الفطرة يحتمل أمرين: أحدهما أن تكون الفطرة ههنا الدين، ويكون " على " بمعني اللام فكأنه قال: كل مولود يولد للدين ومن أجل الدين، لان الله تعالى لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلفين إلا ليعبده فينتفع بعبادته، يشهد بذلك قوله تعالى: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " والدليل على أن " على " يقوم مقام اللام ما حكاه يعقوب بن السكيت عن أبي يزيد عن العرب أنهم يقولون: صف علي كذا وكذا حتى أعرفه، بمعنى صف لي، ويقولون: ما أغبطك علي يريدون ما أغبطك لي، والعرب تقيم بعض الصفات مقام بعض، وإنما ساغ أن يريد بالفطرة التي هي الخلقة في اللغة الدين من حيث كان هو المقصود بها، وقد يجرى على الشئ اسم ماله به هذا الضرب من التعلق والاختصاص، وعلى هذا يتأول قوله تعالى: " وأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها " أراد دين الله


(1) رواه السيد المرتضى في أول الجزء الرابع من أماليه مرسلا عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله. ورواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن عن الاسود بن سريع واللفظ هكذا: كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه الخ قاله السيوطي في ج 2 ص 94 من الجامع الصغير.

[ 282 ]

الذي خلق الخلق له، وقوله تعالى: " لا تبديل لخلق الله " أراد به أن ما خلق الله العباد له من العبادة والطاعه ليس مما يتغير ويختلف حتى يخلق قوما للطاعة وآخرين للمعصية ويجوز أن يريد بذلك الامر وإن كان ظاهره ظاهر الخبر، فكأنه قال: لا تبدلوا ما خلقكم الله له من الدين والطاعة بأن تعصوا وتخالفوا والوجه الآخر في تأويل قوله عليه السلام: الفطرة أن يكون المراد به الخلقة، و تكون لفظة " على " على ظاهرها لم يرد بها غيره، ويكون المعنى: كل مولود يولد على الخلقة الدالة على وحدانية الله تعالى وعبادته والايمان به، لانه عزوجل قد صور الخلق وخلقهم على وجه يقتضي النظر فيه معرفته والايمان به، وإن لم ينظروا و يعرفوا، فكأنه عليه السلام قال: كل مخلوق ومولود فهو يدل بخلقته وصورته على عبادة الله تعالى وإن عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصرانيا، وهذا الوجه أيضا يحتمله قوله تعالى: فطرة الله التي فطر الناس عليها. وإذا ثبت ما ذكرناه في معنى الفطرة فقوله عليه الصلاة والسلام: حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه يحتمل وجهين: أحدهما أن من كان يهوديا أو نصرانيا ممن خلقته لعبادتي وديني فإنما جعله أبواه كذلك، أو من جرى مجراهما ممن أوقع له الشبهة وقلده الضلال عن الدين، وإنما خص الابوين لان الاولاد في الاكثر ينشأون على مذاهب آبائهم ويألفون أديانهم ونحلهم، ويكون الغرض بالكلام تنزيه الله تعالى عن ضلال العباد وكفرهم، وأنه إنما خلقهم للايمان فصدهم عنه آباؤهم، أو من جرى مجراهم. والوجه الآخر: أن يكون معنى يهودانه وينصرانه أي يلحقانه بأحكامهما، لان أطفال أهل الذمة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم فكأنه عليه السلام قال: لا تتوهموا من حيث لحقت أحكام اليهود والنصارى أطفالهم أنهم خلقوا لدينهم بل لم يخلقوا إلا للايمان والدين الصحيح، لكن آباؤهم هم الذين أدخلوهم في أحكامهم، وعبر عن إدخالهم في أحكامهم بقوله: يهودانه وينصرانه.

[ 283 ]

* (باب 12) * * (اثبات قدمه تعالى وامتناع الزوال عليه) * 1 - لى: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن البزنطي، (1) عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: جاء حبر من الاحبار إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين متى كان ربك ؟ فقال له: ثكلتك امك ومتى لم يكن حتى يقال: متى كان، ربي قبل القبل بلا قبل، ويكون بعد البعد بلا بعد، ولا غاية ولا منتهى لغايته، انقطعت الغايات عنه فهو منتهى كل غاية. ج: مرسلا بزيادة قوله: فقال: يا أمير المؤمنين أفنبي أنت ؟ فقال: ويلك إنما أنا عبد من عبيد محمد صلى الله عليه وآله. يد: بالاسناد المتقدم مع تلك الزيادة. وقال الصدوق بعده: يعنى بذلك عبد طاعة لا غير ذلك. بيان: لما كان " متى كان " سؤالا عن الزمان المخصوص من بين الازمنة لوجوده، ولا يصح فيما لا اختصاص لزمان به أجابه عليه السلام بقوله: متى لم يكن حتى يقال متى كان، ونبه على بطلان الاختصاص الذي اخذ في السؤال، ثم بين عليه السلام سرمديته، فقال: كان ربي قبل القبل أي هو قبل كل ما هو قبل شئ ولا قبل بالنسبة إليه، وبعد كل ما هو بعد شئ ولا شئ بعده، أو هو قبل الموصوف بالقبلية والبعدية لذاته أي الزمان وبعده بلا زمان إذ هو مبدأ كل شئ وغاية له، والغاية: نهاية الامتداد، وقد يطلق على نفس الامتداد، والمعنى: أنه لا غاية لوجوده وسائر كمالاته أزلا وأبدا، ولعل المراد بها ثانيا نفس الامتداد أي ليس لما يتوهم له من الامتداد نهاية.


(1) في بعض نسخ الكافي: عن أبى إبراهيم، عن أبى الحسن الموصلي. ولعله كان بدلا عن أبى الحسن، لان المكرر في أسناد الكافي رواية البزنطي عن أبى الحسن الموصلي بدون واسطة، ولم نعرف لابي الحسن هذا إسما، واحتمال كونه كنية لعبد العزيز بن عبد الله بن يونس الموصلي لا يلائم رواية التلعكبرى عنه، وسماعه منه في سنة ست وعشرين وثلاثمائة، مع كون الرجل راويا عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 284 ]

ويحتمل أن يكون المراد بها أولا أيضا الامتداد فيكون مجرورا أي بلا امتداد زماني، ويحتمل أن يكون المراد بها ثانيا أيضا النهاية، أي كل ما توهمت أنه غاية له فهو موجود بعده، ولا ينتهي إليه وجوده فكل غاية أي امتداد أو نهاية ينقطع عنه لوجوده تعالى قبله وبعده فهو منتهى كل غاية أي بعدها. أو هو علة لها وإليه ينتهي وجودها، فكيف تكون غاية له ؟ ويحتمل أن يكون المراد بالغايات نهايات أفكار العارفين فإنها منقطعه عنه لا تصل إليه، وبكونه منتهى كل غاية أنه منتهى رغبات الخلائق و حاجاتهم، ويمكن أن يحمل الغاية في الاخيرتين على العلة الغائية أيضا، والله يعلم. 2 - مع: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن محمد بن حكيم، عن ميمون البان (1) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام - وقد سئل عن قوله عزوجل: " هو الاول والآخر " - فقال: الاول لا عن أول قبله ولا عن بدء سبقه، وآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفات المخلوقين، ولكن قديم أول آخر، لم يزل ولا يزال بلا بدء ولا نهاية، لا يقع عليه الحدوث، ولا يحول من حال إلى حال، خالق كل شئ. بيان: لا عن أول قبله أي لا مبتدء عن أول يكون قبله زمانا ولا عن بدء على وزن فعل، أو بدئ على وزن فعيل أي مبتدأ سبقه رتبة بالعلية وقوله: لا عن نهاية أي لا معها مجازا. ويحتمل أن تكون " عن " تعليلية أي ليست آخريته بسبب أن له نهاية بعد نهاية غيره. وقوله: لا يقع عليه الحدوث ناظر إلى الاول. وقوله عليه السلام: ولا يحول من حال إلى حال ناظر إلى الآخر أي آخريته بأنه أبدي بجميع صفاته لا يعتريه تغير في شئ من ذلك. وسيأتي تحقيقه في باب الاسماء 3 - ج: سأل نافع بن الازرق أبا جعفر عليه السلام قال: أخبرني عن الله عزوجل متى كان ؟ فقال له: ويلك أخبرني أنت متى لم يكن حتى اخبرك متى كان، (2) سبحان من


(1) بالباء الموحدة والالف والنون المخففة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب السجاد والصادقين عليهم السلام، وظاهره كونه اماميا الا أنه مجهول. (2) لان ما يصح أن يسئل عن وجوده " بمتى " يصح أن يسئل عن عدمه أيضا بذلك، فما لا يصح أن يسئل عن عدمه بمتى، لا يصح أن يسئل عن وجوده أيضا بذلك. والله تبارك وتعالى حيث لم يكن زمانيا - بل يكون وجوده أزليا غير مسبوق بالعدم وأبديا غير ملحوق به - فلا يصح أن يسئل عن وجوده أو عدمه بمتى.

[ 285 ]

لم يزل ولا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. يد: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن الثمالي مثله. فس: أبي، عن ابن محبوب، عن الثمالي، عن أبي الربيع مثله. 4 - يد: أبي، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن حرث، (1) عن أبي بصير قال: أخرج أبو عبد الله عليه السلام حقا (2) فأخرج منه ورقة فإذا فيها: سبحان الواحد الذي لا إله غيره، (3) القديم المبدئ الذي لا بدء له، الدائم الذي لا نفاد له، الحي الذي لا يموت، الخالق ما يرى ومالا يرى، العالم كل شئ بغير تعليم، ذلك الله الذي لا شريك له. 5 - يد: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن مهزيار قال: كتب أبو جعفر عليه السلام إلى رجل بخطه - وقرأته - في دعاء كتب به أن يقول: يا ذا الذي كان قبل كل شئ، ثم خلق كل شئ، ثم يبقى ويفنى كل شئ، وياذا الذي ليس في السماوات العلى ولا في الارضين السفلى ولا فوقهن ولا بينهن ولا تحتهن إله يعبد غيره. 6 - يد: محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المذكر، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن علي بن سلمة اللبقي، (4) عن إسماعيل بن يحيى، عن عبد الله بن عبد الله بن طلحة، عن سعد بن سنان، (5) عن الضحاك، عن النزال بن سبرة قال: جاء يهودي إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين متى كان ربنا ؟ قال: فقال له علي عليه السلام: إنما يقال: متى كان لشئ لم يكن فكان، وربنا هو كائن بلا كينونة كائن، كان بلا كيف يكون، كان لم


(1) لم نجد له ذكرا في كتب التراجم. (2) في القاموس الحقه - بالضم -: وعاء من خشب. (3) وفى نسخة: فإذا فيها سبحان الله الواحد الذى لا اله غيره. (4) في التوحيد المطبوع: على بن سلمة الليفى. (5) الاسناد في التوحيد المطبوع هكذا: إسماعيل بن يحيى بن عبد الله، عن عبد الله بن طلحة بن هجيم قال: حدثنا ابن (أبو) سنان (أبو سفيان) الشيباني سعيد بن سنان الخ أقول: رجال الحديث كلها من العامة. (*)

[ 286 ]

يزل بلا لم يزل وبلا كيف يكون تبارك وتعالى ليس له قبل هو قبل القبل بلا قبل وبلا غاية ولا منتهى غاية ولا غاية إليها غاية انقطعت الغايات عنه فهو غاية كل غاية. بيان: بلا كينونة كائن أي كان ولم يحدث حادث بعدا ولا على نحو حدوث الحوادث قال الفيروز آبادي: الكون: الحدث كالكينونة. قوله: بلا كيف يكون أي صفة موجودة زائدة، ولعل الوصف بقوله: يكون للاشعار بأنه إذا كان له كيف يكون حادثا لا محالة. قوله عليه السلام: بلا لم يزل أي بلا زمان قديم موحود يسمى بلم يزل ليكون معه قديما ثانيا. وقوله عليه السلام ثانيا: بلا كيف يكون تأكيد لما سبق، ويحتمل أن يكون الاول لنفي الكيفيات الجسمانية أو الحادثة، والثاني لنفي الصفات الحقيقية الزائدة أو القديمة، ويحتمل أن يكون المراد بالاخير أنه ليس لوجوده في الازل واتصافه بها كيف، فيكون إشارة إلى نفي معلولية الوجود أو زيادته. وفي الكافي بسند آخر: كيف يكون له قبل. وهو أظهر كما سيأتي أيضا. قوله عليه السلام: بلا غاية أي امتداد وزمان موجود. ولا منتهى غاية أي في الازل. ولا غاية أي منتهى ينتهي إليها غاية أي امتداد في لا يزال. 7 - يد: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن سهل، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن محمد بن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رأس الجالوت لليهود: إن المسلمين يزعمون أن عليا من أجدل الناس وأعلمهم، اذهبوا بنا إليه لعلي أسأله عن مسألة اخطئه فيها. فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين إني اريد أن أسألك عن مسألة. قال: سل عما شئت. قال: يا أمير المؤمنين متى كان ربنا ؟ قال: يا يهودى إنما يقال " متى كان " لمن لم يكن فكان، هو كائن بلا كينونة كائن، كان بلا كيف، (1) يا يهودي كيف يكون له قبل وهو قبل القبل ؟ بلا غاية ولا منتهى غاية، ولا غاية إليها غاية، انقطعت الغايات عنه فهو غاية كل غاية. أشهد أن دينك الحق وأنه ما خالفه باطل. أقول: قد أثبتنا خبر محمد بن عبد الله الخراساني في باب إثبات الصانع، وسيأتي كثير من الاخبار في باب نفي الزمان والمكان، وسائر الابواب مشحونة بما يناسب الباب من الاخبار.


(1) في الكافي: بلى يا يهودى ثم بلى يا يهودى كيف يكون الخ.

[ 287 ]

* (باب 13) * * (نفى الجسم والصورة والتشبيه والحلول والاتحاد) * * (وأنه لا يدرك بالحواس والاوهام، والعقول والافهام) * الايات: الانعام " 91 " والحج " 74 " والزمر " 67 ": ما قدروا الله حق قدره حمعسق: ليس كمثله شئ وهو السميع البصير 11 1 - ما: محمد بن أحمد بن شاذان القمي، عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن سعد، عن محمد بن عيسى، عن علي بن بلال، (1) عن محمد بن بشير الدهان، (2) عن محمد بن سماعة قال: سأل بعض أصحابنا الصادق عليه السلام فقال له: أخبرني أي الاعمال أفضل ؟ قال: توحيدك لربك، قال: فما أعظم الذنوب ؟ قال: تشبيهك لخالقك. 2 - نص: علي بن الحسين، عن هارون بن موسى، عن محمد بن همام، عن الحميري، عن عمر بن علي العبدي، عن داود بن كثير الرقي، عن يونس بن ظبيان قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليه السلام فقلت: يا ابن رسول الله إني دخلت على مالك (3) وأصحابه فسمعت بعضهم يقول: إن لله وجها كالوجوه وبعضهم يقول: له يدان ! واحتجوا لذلك بقول الله تبارك وتعالى: " بيدي استكبرت " وبعضهم يقول: هو كالشاب من أبناء ثلاثين سنة ! فما عندك في هذا يا ابن رسول الله ؟ قال: - وكان متكئا فاستوى جالسا - وقال: اللهم عفوك عفوك. ثم قال: يا يونس من زعم أن لله وجها كالوجوه فقد أشرك، ومن زعم أن لله جوارح كجوارح المخلوقين فهو كافر بالله فلا تقبلوا شهادته ولا تأكلوا


(1) البغدادي الثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام. (2) لم نجده في التراجم بهذا العنوان. (3) أحد الائمة الاربعة للعامة، حكى عن ابن النديم في فهرسه أنه قال: مالك بن أنس بن أبى عامر من حمير، وعداده في بنى تميم بن مرة من قريش، وحمل به ثلاثين سنين ! وكان شديد البياض إلى الشفرة، طويلا عظيم الهامة اصلع الرأس، يلبس الثياب العدنية الجياد ويكثر حلق شاربه ولا يغير شيبه، وكان يأتي المسجد ويشهد الصلوات ويعود المرضى ويقضى الحقوق، ثم ترك الجلوس في المسجد وكان يصلى في منزله وترك اتباع الجنائز فكان يعاتب على ذلك، وكان يقول: ليس يقدر كل أحد يقول عذره، وكان فقيه الحجاز وسيدها في وقته، توفى سنة تسع وسبعين ومائه، وهو ابن خمس وثمانين ودفن بالبقيع.

[ 288 ]

ذبيحته، تعالى الله عما يصفه المشبهون بصفة المخلوقين، فوجه الله أنبياؤه وأولياؤه (1) وقوله: " خلقت بيدي استكبرت " اليد: القدرة، كقوله: وأيدكم بنصره، فمن زعم أن الله في شئ، أو على شئ، أو يحول من شئ إلى شئ، أو يخلو منه شئ، أو يشتغل به شئ فقد وصفه بصفة المخلوقين، والله خالق كل شئ لا يقاس بالقياس، ولا يشبه بالناس، لا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، قريب في بعده، بعيد في قربه ذلك الله ربنا لا إله غيره، فمن أراد الله وأحبه بهذه الصفة فهو من الموحدين، ومن أحبه بغير هذه الصفة فالله منه برئ ونحن منه برآء. 3 - لى: محمد بن محمد بن عاصم، عن الكليني، عن علان، (2) عن محمد بن الفرج الرخجي (3) قال: كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام أسأله عما قال هشام بن الحكم في الجسم، وهشام بن سالم في الصورة. فكتب عليه السلام: دع عنك حيرة الحيران واستعذ بالله من الشيطان، ليس القول ما قال الهشامان. يد: الدقاق، عن الكليني، عن علي بن محمد رفعه عن الرخجي مثله. بيان: لا ريب في جلالة قدر الهشامين وبراءتهما عن هذين القولين، وقد بالغ السيد المرتضى قدس الله روحه في براءة ساحتهما عما نسب إليهما في كتاب الشافي، مستدلا عليها بدلائل شافية، ولعل المخالفين نسبوا إليهما هذين القولين معاندة كما - نسبوا المذاهب الشنيعة إلى زرارة وغيره من أكابر المحدثين، أو لعدم فهم كلامهما، فقد قيل: إنهما قالا بجسم لا كالاجسام، وبصورة لا كالصور، فلعل مرادهما بالجسم الحقيقة القائمة بالذات، وبالصورة الماهية، وإن أخطئا في إطلاق هذين اللفظين عليه تعالى.


(1) لان العباد يتوجهون بهم إلى الله تعالى والله تعالى يخاطب العباد ويواجههم بهم عليهم السلام. (2) الظاهر أنه هو على بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني، استاد محمد بن يعقوب الكليني وخاله. قال النجاشي: يكنى أبا الحسن ثقة، عين. أقول: علان بالعين المهملة المفتوحة ثم اللام المشددة. وحكى عن الشهيد الثاني رحمه الله في تعليقته على الخلاصة أن علان مخفف اللام. (3) بالراء المهملة المضمومة والخاء المعجمة المفتوحة والجيم والياء نسبة إما إلى " رخج " كورة و مدينة من نواحى كابل، وقد يشدد الخاء، أو إلى الرخجة أو الرخجية بتشديد الخاء فيهما، قرية على نحو فراسخ من بكلواذى.

[ 289 ]

قال المحقق الدواني: المشبهة منهم من قال: إنه جسم حقيقة، ثم افترقوا فقال بعضهم: إنه مركب من لحم ودم. وقال بعضهم: هو نور متلالئ كالسبيكة البيضاء، طوله سبعة أشبار بشبر نفسه. ومنهم من قال: إنه على صورة إنسان، فمنهم من يقول: إنه شاب أمرد جعد قطط، (1) ومنهم من قال: إنه شيخ أشمط الرأس واللحية، (2) ومنهم من قال: هو في جهة الفوق مماس للصفحة العليا من العرش، ويجوز عليه الحركة والانتقال وتبدل الجهات، وتئط العرش تحته أطيط الرجل الجديد تحت الراكب الثقيل، وهو يفضل عن العرش بقدر أربع أصابع، ومنهم من قال: هو محاذ للعرش غير مماس له، وبعده عنه بمسافة متناهية، وقيل: بمسافة غير متناهية، ولم يستنكف هذا القائل عن جعل غير المتناهي محصورا بين حاصرين، ومنهم من تستر بالكفة (3) فقال: هو جسم لا كالاجسام وله حيز لا كالاحياز، ونسبته إلى حيزه ليس كنسبة الاجسام إلى أحيازها، وهكذا ينفي جميع خواص الجسم عنه حتى لا يبقى إلا اسم الجسم، وهؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية انتهى. وقال الشهرستاني: حكى الكعبي عن هشام بن الحكم أنه قال: هو جسم ذو أبعاض، له قدر من الاقدار، ولكن لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا تشبهه، ونقل عنه أنه قال: هو سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة، وأنه يتحرك وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان، وقال: هو متناه بالذات غير متناه بالقدر !. وحكى عنه أبو عيسى الوراق أنه قال: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شئ من العرش ولا يفضل عنه شئ. وقال هشام بن سالم: إنه تعالى على صورة إنسان، أعلاه مجوف، وأسفله مصمت، وهو نور ساطع يتلالا، وله حواس خمس ويد ورجل وأنف واذن وعين وفم وله وفرة سوداء، (4) وهو نور أسود لكنه ليس بلحم ولا دم.


(1) الجعد من الشعر: خلاف الاسترسال. وقط الشعر: كان قصيرا جعدا فهو قطط. (2) شمط شمطا: خالط بياض رأسه سواد فهو [ أشمط ]. (3) الكفة - بضم الكاف - حاشية الشئ، وكفة القميص ما استدار حول الذيل. وفى نسخة: " البلفكة " ولم نجد له معنى. (4) الوفرة: ما سال من الشعر على الاذنين.

[ 290 ]

ثم قال: وغلا هشام بن الحكم في حق علي عليه السلام حتى قال: إنه إله واجب الطاعة وهذا هشام بن الحكم صاحب غور في الاصول، لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة فان الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، ودون ما يظهره من التشبيه، وذلك أنه ألزم العلاف فقال: إنك تقول: إن الباري تعالى عالم بعلم وعلمه ذاته فيشارك المحدثات في أنه عالم بعلم ويباينها في أن علمه ذاته فيكون عالما لا كالعالمين، فلم لا تقول: هو جسم لا كالاجسام ؟ وصورة لا كالصور، وله قدر لا كالاقدار، إلى غير ذلك. انتهى. أقول: فظهر أن نسبة هذين القولين إليهما إما لتخطئة رواة الشيعة وعلمائهم لبيان سفاهة آرائهم، أو أنهم لما ألزموهم في الاحتجاج أشياء إسكاتا لهم نسبوها إليهم، والائمة عليهم السلام لم ينفوها عنهم إما للتبري عنهم إبقاءا عليهم، أو لمصالح اخر. ويمكن أن يحمل هذا الخبر على أن المراد: ليس هذا القول الذي تقول ما قال الهشامان بل قولهما مباين لذلك. ويحتمل أن يكون هذان مذهبهما قبل الرجوع إلى الائمة عليهم السلام والاخذ بقولهم، فقد قيل: إن هشام بن الحكم كان قبل أن يلقي الصادق عليه السلام على رأي جهم بن صفوان، فلما تبعه عليه السلام تاب ورجع إلى الحق، ويؤيده ما ذكره الكراجكي في كنز الفوائد في الرد على القائلين بالجسم بمعنييه حيث قال: وأما موالاتنا هشاما رحمه الله فهي لما شاع عنه واستفاض من تركه للقول بالجسم الذي كان ينصره، ورجوعه عنه، وإقراره بخطائه فيه وتوبته منه، وذلك حين قصد الامام جعفر بن محمد عليهما السلام إلى المدينة فحجبه، وقيل له: إنه أمرنا أن لا نوصلك إليه ما دمت قائلا بالجسم، فقال: والله ما قلت به إلا لاني ظننت أنه وفاق لقول إمامي، فأما إذا أنكره علي فإنني تائب إلى الله منه، فأوصله الامام عليه السلام إليه ودعا له بخير وحفظ. 4 - عن الصادق عليه السلام أنه قال لهشام: إن الله تعالى لا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ، وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه. 5 - وروي عنه أيضا أنه قال: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير، لا يحد ولا يحس، ولا يدركه الابصار، ولا يحيط به شئ، ولا هو جسم ولا صورة ولا بذي تخطيط ولا تحديد.

[ 291 ]

6 - شى: عن جابر الجعفي قال: قال محمد بن علي عليهما السلام: يا جابر ما أعظم فرية أهل الشام على الله، يزعمون أن الله تبارك وتعالى حيث صعد إلى السماء وضع قدمه على صخرة بيت المقدس، ولقد وضع عبد من عباد الله قدمه على حجر فأمرنا الله تبارك وتعالى أن نتخذها مصلى، يا جابر إن الله تبارك وتعالى لا نظير له ولا شبيه، تعالى عن صفة الواصفين، وجل عن أوهام المتوهمين، واحتجب عن عين الناظرين، ولا يزول مع الزائلين، ولا يأفل مع الآفلين، ليس كمثله شئ وهو السميع العليم. 7 - شى: عن هشام المشرقي، (1) عن أبي الحسن الخراساني، قال: إن الله - كما وصف نفسه - أحد صمد نور، ثم قال: بل يداه مبسوطتان. فقلت له: أفله يدان هكذا ؟ - وأشرت بيدي إلى يده - فقال: لو كان هكذا كان مخلوقا. 8 - ج: في سؤال الزنديق برواية هشام، عن الصادق عليه السلام، لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يجس، ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الاوهام ولا تنقصه الدهور، ولا تغيره الازمان. الخبر. 9 - ج: قال الرضا عليه السلام: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: قال الله جل جلاله: ما آمن بي من فسر برأيه كلامي، وما عرفني من شبهني بخلقي، ولا على ديني من استعمل القياس في ديني يد، ن، لى: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن الريان بن الصلت، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله جل جلاله مثله. 10 - يد، لى: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن الصقر بن دلف (2) قال: سألت أبا الحسن علي بن محمد عليهما السلام عن التوحيد وقلت له: إني أقول بقول هشام بن الحكم، فغضب عليه السلام ثم قال: مالكم ولقول هشام ؟ إنه ليس منا من زعم أن الله


(1) ضبطه الاكثر بالقاف وجزم المحقق الداماد أنه بالفاء. (2) الموجود في التوحيد المطبوع والبحار: الصقر بن دلف، والموجود في التراجم: الصقر ابن أبى دلف. وضبط الصقر بالصاد المهملة المفتوحة والقاف الساكنة، ودلف بالدال المهملة واللام المفتوحتين والفاء.

[ 292 ]

جسم، ونحن منه برآء في الدنيا والآخرة، يا ابن دلف إن الجسم محدث، والله محدثه و مجسمه. 11 - كش: علي بن محمد، عن محمد بن أحمد، عن ابن يزيد، عن الحسين بن بشار، عن يونس بن بهمن (1) قال: قال لي يونس: اكتب إلى أبي الحسن عليه السلام فاسأله عن آدم هل فيه من جوهرية الله شئ ! قال: فكتبت إليه، فأجاب: هذه المسألة مسألة رجل على غير السنة. فقلت ليونس، فقال: لا يسمع ذا أصحابنا فيبرؤون منك، قال: قلت ليونس: يتبرؤون مني أو منك ؟. 12 - كش: طاهر بن عيسى، (2) عن جعفر بن أحمد، عن الشجاعي، (3) عن ابن يزيد، عن الحسين بن بشار، عن الوشاء، عن يونس بن بهمن قال: قال يونس بن عبد الرحمن: كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام سألته عن آدم هل كان فيه من جوهرية الرب شئ ؟ فكتب إلي جواب كتابي: ليس صاحب هذه المسألة على شئ من السنة، زنديق. بيان: الكلام في يونس وما نسب إليه أيضا كما مر في الهشامين. وقال الشهرستاني: إنه زعم أن الملائكة تحمل العرش والعرش يحمل الرب وهو من مشبهة الشيعة انتهى. 13 - لى: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن علي بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك اصلي خلف من يقول بالجسم، ومن يقول: بقول يونس - يعني ابن عبد الرحمن - ؟ فكتب عليه السلام لا تصلوا خلفهم ولا تعطوهم من الزكاة وابرؤوا منهم، برأ الله منهم.


(1) بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفتح الميم بعدها نون. حكى عن الغضائري أنه قال يونس بن بهمن غال خطابي كوفى يضع الحديث روى عن أبى عبد الله عليه السلام. (2) أورده الشيخ في رجاله في باب من لم يرو عنهم عليهم السلام قال: طاهر بن عيسى الوراق يكنى أبا محمد من أهل كش، صاحب كتب، روى عنه الكشى، وروى هو عن جعفر بن أحمد الخزاعى، عن محمد بن الحسين بن أبى الخطاب. انتهى. أقول: ليس في كتب التراجم ما يلحق الرجل وراويه جعفر بن أحمد الخزاعى بالموثقين. (3) قال التفرشى في نقد الرجال: اسمه على بن الشجاع كما يظهر من الكشى، ويحتمل أن يطلق على الحسن بن الطيب أيضا، ويظهر من النجاشي - عند ترجمة محمد بن إبراهيم بن جعفر - أنه يطلق على محمد بن على أيضا. انتهى.

[ 293 ]

14 - لى: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبي هاشم الجعفري قال: سمعت علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: إلهي بدت قدرتك ولم تبد هيئته فجهلوك. و به قدروك والتقدير على غير ما وصفوك، وإني برئ يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك، ليس كمثلك شئ، إلهي ولن يدركوك، وظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك، وفي خلقك يا إلهي مندوحة أن يتناولوك، بل سووك بخلقك فمن ثم لم يعرفوك، واتخذوا بعض آياتك ربا فبذلك وصفوك، تعاليت ربي عما به المشبهون نعتوك. بيان: وبه أي وبالجهل. قوله: والتقدير على غير ما به وصفوك أي التقدير بما قدروا به من المقادير الجسمانية ينافي ما وصفوك به من الربوبية، ويحتمل أن يكون المراد بالتقدير مطلق التوصيف أي ينبغي ويجب توصيفك على غير ما وصفوك به من الجسم والصورة. والمندوحة: السعة أي في التفكر في خلقك والاستدلال به على عظمتك و تقدسك عن صفات المخلوقين مندوحة عن أن يتفكروا في ذاتك فينسبوا إليك ما لا يليق بجنابك. أو المعنى: أن التفكر في الخلق يكفي في أن لا ينسبوا إليك هذه الاشياء. يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن بعض أصحابنا (1) قال: مر أبو الحسن الرضا عليه السلام بقبر من قبور أهل بيته فوضع يده عليه، ثم قال: إلهي بدت قدرتك. وذكر نحوه. 15 - شا: جاءت الرواية أن علي بن الحسين عليه السلام كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم، إذ سمع قوما يشبهون الله بخلقه ففزع لذلك وارتاع له ونهض حتى أتى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فوقف عنده ودفع صوته يناجي ربه، فقال: في مناجاته له: إلهي بدت قدرتك ولم تبد هيئته فجهلوك وقدروك بالتقدير على غير ما به أنت شبهوك. إلى آخر ما مر. 16 - ن: ابن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن الصقر بن دلف، (2) عن ياسر


(1) لعله هو أبو هاشم الجعفري، والظاهر اتحاد الخبر مع ما تقدم. (2) قد مر ذيل الخبر العاشر أن الموجود في التراجم الصقر بن أبى دلف.

[ 294 ]

الخادم قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: ما شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر. 17 - يد: الدقاق، عن الكليني، عن علان، عن سهل، عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى الرجل - يعني أبا الحسن عليه السلام -: أن من قبلنا من مواليك قد اختلفوا في التوحيد فمنهم من يقول: جسم، ومنهم من يقول: صورة، فكتب عليه السلام بخطه: سبحان من لا يحد ولا يوصف، ليس كمثله شئ وهو السميع العليم أو قال: البصير. 18 - يد، ن: الفامي - في مسجد الكوفة - عن محمد الحميري، عن أبيه، عن إبراهيم ابن هاشم، عن علي بن معبد، (1) عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: قلت له: يا ابن رسول الله إن الناس ينسبونا إلى القول بالتشبيه والجبر لما روي من الاخبار في ذلك عن آبائك الائمة عليهم السلام، فقال: يا ابن خالد أخبرني عن الاخبار التي رويت عن آبائي الائمة عليهم السلام في التشبيه والجبر أكثر أم الاخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك ؟ فقلت: بل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك أكثر قال: فليقولوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول في التشبيه والجبر إذا. فقلت له: إنهم يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقل من ذلك شيئا وإنما روي عليه. قال: فليقولوا في آبائي الائمة عليهم السلام: إنهم لم يقولوا من ذلك شيئا وإنما روي عليهم. ثم قال عليه السلام: من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك، ونحن منه برآء في الدنيا والآخرة، يا ابن خالد إنما وضع الاخبار عنا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغروا عظمة الله تعالى، فمن أحبهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبنا، ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برنا، ومن برهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردنا، ومن ردهم فقد قبلنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدقهم فقد كذبنا، ومن كذبهم فقد صدقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا، ومن حرمهم فقد أعطانا. يا ابن خالد من كان من شيعتنا فلا يتخذن منهم وليا ولا نصيرا.


(1) وزان مسكن أو منبر.

[ 295 ]

ج: عن الحسين بن خالد عنه عليه السلام مثله. 19 - ج: الحسن بن عبد الرحمن الحماني قال: قلت لابي إبراهيم عليه السلام: إن هشام بن الحكم زعم أن الله تعالى جسم ليس كمثله شئ، عالم سميع بصير، قادر متكلم ناطق، والكلام والقدرة والعلم يجري مجرى واحد ليس شئ منها مخلوقا. فقال: قاتله الله أما علم أن الجسم محدود والكلام غير المتكلم ؟ معاذ الله وأبرأ إلى الله من هذا القول، لا جسم ولا صورة ولا تحديد، وكل شئ سواه مخلوق، وإنما تكون الاشياء بإرادته ومشيئته من غير كلام ولا تردد في نفس ولا نطق بلسان. يد: الدقاق، عن محمد الاسدي، عن البرمكي، عن علي بن العباس، عن الحسين بن عبد الرحمن الحماني مثله. (3) بيان: قوله: ليس كمثله شئ يومي إلى أنه لم يقل بالجسمية الحقيقية، بل أطلق عليه لفظ الجسم ونفى عنه صفات الاجسام، ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يشبهه شئ من الاجسام بل هو نوع مباين لسائر أنواع الاجسام، فعلى الاول نفى عليه السلام إطلاق هذا اللفظ عليه تعالى بأن الجسم إنما يطلق على الحقيقة التي يلزمها التقدير والتحديد فكيف يطلق عليه تعالى ؟. وقوله: يجري مجرى واحد إشارة إلى عينية الصفات وكون الذات قائمة مقامها فنفى عليه السلام كون الكلام كذلك، ثم نبه على بطلان ما يوهم كلامه من كون الكلام من أسباب وجود الاشياء، فلفظة " كن " في الآية الكريمة كناية عن تسخيره للاشياء وانفيادها له، من غير توقف على التكلم بها. ثم نفى عليه السلام كون الارادة على نحو إرادة المخلوقين من خطور بال، أو تردد في نفس. ويحتمل أن يكون المقصود بما نسب إلى هشام كون الصفات كلها مع زيادتها مشتركة في عدم الحدوث والمخلوقية، فنفاه عليه السلام بإثبات المغايرة أولا ثم بيان أن كل شئ سواه مخلوق، والاول أظهر، ولفظة " تكون " يمكن أن تقرأ على المعلوم وعلى المجهول من باب التفعيل. 20 - ج: عن يعقوب بن جعفر، عن أبي إبراهيم عليه السلام أنه قال: لا أقول: إنه قائم فازيله عن مكان، ولا أحده بمكان يكون فيه، ولا أحده أن يتحرك في شئ من


(1) الموجود في التوحيد المطبوع: الحسن بن الحسين بن عبد الله.

[ 296 ]

الاركان والجوارح، ولا أحده بلفظ شق فم، ولكن كما قال عزوجل: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، بمشيئته من غير تردد في نفس، صمدا فردا لم يحتج إلى شريك يدبر له ملكه، ولا يفتح له أبواب علمه. بيان: فازيله عن مكانه أي فأقول: إنه يجوز أن يزول ويتحرك من مكان إلى آخر فيلزم مع كونه تعالى جسما محتاجا تبدل الاحوال عليه. أو المعنى: أن القيام نسبة إلى المكان يخلو بعض المكان عن بعض القائم عنه، وشغل بعضه ببعضه، مع أن نسبته تعالى إلى جميع الامكنة على السواء ولا يشتغل به مكان. وقوله: في شئ من الاركان أي بشئ من الاعضاء والجوارح، ويحتمل أن يكون " في " بمعناه ويكون المراد بها الحركة الكمية. وقوله عليه السلام: بلفط شق فم أي بكلمة تخرج من فلقة الفم عند تكلمه بها. 21 - فس: محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن العباس، عن جعفر بن محمد، عن الحسن بن اسيد، (1) عن يعقوب بن جعفر قال: سمعت موسى بن جعفر صلوات الله عليه يقول: إن الله تبارك وتعالى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وآله أنه لا إله إلا هو الحي القيوم، ويسمى بهذه الاسماء (2) الرحمن الرحيم العزيز الجبار العلي العظيم، فتاهت هنالك عقولهم، واستخفت حلومهم، فضربوا له الامثال، وجعلوا له أندادا، وشبهوه بالامثال، ومثلوه أشباها، وجعلوه يزول ويحول، فتاهوا في بحر عميق لا يدرون ما غوره ولا يدركون كمية بعده. (3) 22 - ب: ابن عيسى، عن البزنطي قال: قلت له: جعلت فداك هم يقولون في الصفة فقال لي - هو ابتداءا -: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري به أوقفه جبرئيل عليه السلام موقفا لم يطأه أحد قط فمضى النبي صلى الله عليه وآله فأراه الله من نور عظمته ما أحب. فوقفته على


(1) أقول: الصحيح كما في نسخة من " فس " الحسن بن أسد، وفى نسخة اخرى منه الحسين بن اسيد، ولعل كلمة " اسيد " تصحيف لاسد، أورد الشيخ في رجاله الحسن بن اسد البصري في أصحاب الرضا عليه السلام، والحسين بن أسد في أصحاب الجواد والهادي عليهما السلام، وحكى عن ابن الغضائري تضعيف الحسن، واحتمل الميرزا وغيره اتحادهما. (2) وفى نسخة: وسمى بهذه الاسماء. (3) وفى نسخة: ولا يدركون كنه بعده.

[ 297 ]

التشبيه فقال: سبحان الله ! دع ذا لا ينفتح عليك منه أمر عظيم. بيان: فقال لي هو ابتداءا أي من غير أن أذكر ما وصفوه من التشبيه، فوقفته على التشبيه أي فذكرت له ما يقولون في التشبيه فأجابه عليه السلام بتنزيهه تعالى عن ذلك، ونهاه عن القول بذلك، والتفكر فيه لئلا ينفتح عليه من ذلك أمر عظيم هو الكفر والخروج عن الدين. 23 - يد: المفسر بإسناده إلى أبي محمد العسكري، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قام رجل إلى الرضا عليه السلام قال له: يا ابن رسول الله صف لنا ربك فإن من قبلنا قد اختلفوا علينا. فقال الرضا عليه السلام: إنه من يصف ربه بالقياس لا يزال الدهر في الالتباس، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاع، ضالا عن السبيل، قائلا غير الجميل، أعرفه بما عرف به نفسه من غير روية، وأصفه بما وصف به نفسه من غير صورة، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه، (1) ومتدان في بعده لا بنظير، لا يمثل بخليقته، ولا يجوز في قضيته، الخلق إلى ما علم منقادون، وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماضون لا يعملون خلاف ما علم منهم ولا غيره يريدون، فهو قريب غير ملتزق، وبعيد غير متقص، يحقق ولا يمثل، ويوحد ولا يبعض، يعرف بالآيات ويثبت بالعلامات فلا إله غيره الكبير المتعال. ثم قال عليه السلام - بعد كلام آخر تكلم به -: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده عن أبيه عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما عرف الله من شبهه بخلقه، ولا وصفه بالعدل من نسب إليه ذنوب عباده. بيان: الظعن: السير، والتقصي: البعد وبلوغ الغاية. يحقق على المجهول أي يثبت وجوده. ولا يمثل أي لا يوجد كنهه في الذهن. 24 - ضه: روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال له رجل: أين المعبود ؟ فقال عليه السلام: لا يقال له: أين لانه أين الاينية، ولا يقال له: كيف لانه كيف الكيفية ولا يقال له: ما هو لانه خلق الماهية، سبحانه من عظيم تاهت الفطن في تيار أمواج عظمته، (2)


(1) في نسخة: معروف بغير شبيه، وفى اخرى: معروف بغير تنبيه. (2) التيار: موج البحر الهائج.

[ 298 ]

وحصرت الالباب عند ذكر أزليته، وتحيرت العقول في أفلاك ملكوته. 25 - وروي عنه أيضا - عليه السلام - أنه قال: اتقوا أن تمثلوا بالرب الذي لا مثل له أو تشبهوه من خلقه، أو تلقوا عليه الاوهام، أو تعملوا فيه الفكر، وتضربوا له الامثال، أو تنعتوه بنعوت المخلوقين فإن لمن فعل ذلك نارا. 26 - يد: الدقاق، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير، عن عبد الله بن جرير العبدي، عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه كان يقول: الحمد لله الذي لا يحس ولا يجس ولا يمس، ولا يدرك بالحواس الخمس، ولا يقع عليه الوهم، ولا تصفه الالسن، فكل شئ حسته الحواس، أو جسته الجواس، (1) أو لمسته الايدي فهو مخلوق، والله هو العلي حيث ما يبتغي يوجد، والحمد لله الذي كان قبل أن يكون، كان لم يوجد لوصفه كان، (2) بل كان أزلا كان كائنا، (3) لم يكونه مكون جل ثناؤه، بل كون الاشياء قبل كونها فكانت كما كونها، علم ما كان وما هو كائن، كان إذ لم يكن شئ، ولم ينطق فيه ناطق، فكان إذ لا كان. بيان: نفي كان إما لاشعاره بالحدوث كما مر، أو لعدم كونه زمانيا بناءا على أن الزمان يخص المتغيرات. ويدل الخبر على حدوث العالم. 27 - يد: الدقاق، عن الاسدي، عن محمد بن جعفر البغدادي، عن سهل، عن أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام أنه قال: إلهي تاهت أوهام المتوهمين وقصر طرف الطارفين وتلاشت أوصاف الواصفين، واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنك، أو الوقوع بالبلوغ إلى علوك، فأنت الذي لا تتناهى، ولم يقع عليك عيون بإشارة ولا عبارة، هيهات ثم هيهات يا أولي يا وحداني يا فرداني، شمخت في العلو بعز الكبر، وارتفعت من وراء كل غورة ونهاية بجبروت الفخر. بيان: أو الوقوع أي عليك، ويحتمل تعلق قوله: بالبلوغ بالوقوع بأن تكون


(1) جس الاخبار والامور: بحث عنها، الجواس: هي الحواس الخمس. (2) وفى نسخة: كان لا يوجد لوصفه كان. (3) وفى نسخة: بل كان اولا كان كائنا.

[ 299 ]

الباء ظرفية، ويحتمل أيضا تنازع الوقوع والبلوغ في قوله: إلى علوك. فأنت الذي لا تتناهى أي ليس لمعرفتك ومعرفة صفاتك حدود تنتهي إليها، أو لعلمك وقدرتك و رحمتك وغيرها نهاية تفف عندها. والمراد بالعيون الجواسيس، أو بالفتح بمعنى حديد البصر إن ساعده الاستعمال، وإذا حمل على العيون - جمع العين بمعنى الباصرة - فإسناد العبارة إليها مجازي، ويحتمل أن تكون العبارة متعلقة بقوله. لا تتناهي على اللف و النشر غير المرتب. وشمخ: علا وطال. والغور: القعر من كل شئ أي ارتفعت عن أن يدرك كنه ذاتك وصفاتك بالوصول إلى غور الافكار ونهايتها بسبب جبروت وعظمة ذاتية توجب الفخر. 28 - يد: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن داود بن القاسم قال: سمعت علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن وصفه بالمكان فهو كافر، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كاذب. ثم تلا هذه الآية: " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله واولئك هم الكاذبون ". 29 - يد: الفامي، عن محمد الحميرى، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن أنكر قدرته فهو كافر. 30 - يد: الفامي، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن ابن أبي عمير، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، إن الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ، وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه. قال الصدوق رحمه الله: الدليل على أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من خلقه من جهة من الجهات: أنه لا جهة لشئ من أفعاله إلا محدثة، ولا جهة محدثة إلا وهي تدل على حدوث من هي له، فلو كان الله جل ثناؤه يشبه شيئا منها لدلت على حدوثه من حيث دلت على حدوث من هي له، إذ المتماثلان في العقول يقتضيان حكما واحدا من حيث تماثلا منها، وقد قام الدليل على أن الله عزوجل قديم، ومحال أن يكون قديما من جهة حادثا من اخرى. ومن الدليل على أن الله تبارك وتعالى قديم: أنه لو كان حادثا لوجب

[ 300 ]

أن يكون له محدث لان الفعل لا يكون إلا بفاعل، ولكان القول في محدثه كالقول فيه، وفي هذا وجود حادث قبل حادث لا إلى أول، وهو محال، فيصح أنه لابد من صانع قديم، وإذا كان ذلك كذلك فالذي يوجب قدم ذلك الصانع ويدل عليه يوجب قدم صانعنا ويدل عليه. 31 - يد: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن إبراهيم ابن الحكم بن ظهير، (1) عن عبد الله بن جوين العبدي، (2) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان يقول: الحمد لله الذي لا يحس ولا يجس ولا يمس، ولا يدرك بالحواس الخمس، ولا يقع عليه الوهم، ولا تصفه الالسن، وكل شئ حسته الحواس أو لمسته الايدي فهو مخلوق، الحمد لله الذي كان إذ لم يكن شئ غيره، وكون الاشياء فكانت كما كونها، وعلم ما كان وما هو كائن. 32 - يد: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن القاسم، (3) عن جده، عن يعقوب ابن جعفر قال: سمعت أبا إبراهيم موسى بن جعفر عليه السلام - وهو يكلم راهبا من النصارى - فقال له في بعض ما ناظره: إن الله تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يحد بيد، أو رجل أو حركة، أو سكون، أو يوصف بطول، أو قصر، أو تبلغه الاوهام، أو تحيط بصفته العقول، أنزل مواعظه ووعده ووعيده، أمر بلا شفة ولا لسان، ولكن كما شاء أن يقول: كن فكان خيرا كما أراد في اللوح. 33 - يد: حمزة بن محمد العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن محمد بن حكيم قال: وصفت لابي الحسن عليه السلام قول هشام الجواليقي وما يقول في الشاب الموفق، ووصفت له قول هشام بن الحكم فقال: إن الله عزوجل لا يشبهه شئ. (4)


(1) ظهير وزان زبير، أورد النجاشي ترجمته في ص 11 من رجاله، قال: ابراهيم بن الحكم ابن ظهير الفزارى، أبو إسحاق صاحب التفسير عن السدى، له كتب منها كتاب الملاحم وكتاب الخطب الخ. أقول: ظاهره كون الرجل اماميا. (2) في نسخة من التوحيد " جون " بدلا عن " جوين ". وتقدم الحديث باسناد آخر تحت رقم 26، وفيه: عبد الله بن جرير العبدى. والرجل ليس مذكورا في كتب رجالنا. (3) هو قاسم بن يحيى وجده الحسن بن راشد. (4) يأتي الحديث باسناد آخر مفصلا تحت رقم 37.

[ 301 ]

بيان: الموفق: هو الذي أعضاؤه موافقة لحسن الخلقة، أو المستوي من قولهم: أوفقت الابل: إذا اصطفت واستوت. وقيل: إنه تصحيف الريق أي ذا البهجة والبهاء وقيل: هو تصحيف الموقف - بتقديم القاف - بمعنى المزين، فإن الوقف سوار من عاج، ووقفت يديها بالحناء نقطتها، ويحتمل أن يكون تصحيف المونق. (1) 34 - يد: ابن الوليد، عن الصفار، عن سهل، عن حمزة بن محمد قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن الجسم والصورة فكتب عليه السلام: سبحان من ليس كمثله شئ لا جسم ولا صورة. يد: العطار، عن أبيه، عن سهل، عن بعض أصحابه مثله. يد: العطار، عن أبيه، عن سهل، عن حمزة بن محمد إلى قوله: شئ. أقول: رواه الكراجكي عن الحسين بن عبيد الله الواسطي، عن التلعكبري، عن الكليني، عن محمد بن الحسن، عن سهل. 35 - يد: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن علي بن أبي حمزة (2) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أن الله عزوجل جسم صمدي نوري، معرفته ضرورة، يمن بها على من يشاء من خلقه. فقال عليه السلام: سبحان من لا يعلم كيف هو إلا هو، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، (3) لا يحد ولا يحس ولا يجس ولا يمس، ولا يدركه الحواس، ولا يحيط به شئ لا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد. بيان: معرفته ضرورة أي تقذف في القلب من غير اكتساب، أو تحصل بالروية تعالى الله عن ذلك. وقد يأول كلامه بأن مراده بالجسم الحقيقة العينية القائمة بذاتها لا بغيرها، وبالصمدي مالا يكون خاليا في ذاته عن شئ فيستعد أن يدخل هو فيه، أو مشتملا على شئ يصح عليه خروجه عنه، وبالنوري ما يكون صافيا عن ظلم المواد و قابلياتها بل عن الماهية المغائرة للوجود وقابلياتها له.


(1) المونق: الحسن المعجب. (2) هو البطائني الواقفى الضعيف، وقد ورد أحاديث كثير في ذمه (3) وفى نسخة: وهو السميع العليم.

[ 302 ]

36 - يد: الدقاق، عن محمد الاسدي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، و الحسين بن علي، عن صالح بن أبي حماد، (1) عن بكر بن صالح، (2) عن الحسين بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، عن محمد بن زياد قال: سمعت يونس بن ظبيان (3) يقول: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: إن هشام بن الحكم يقول قولا عظيما إلا أني أختصر لك منه أحرفا، يزعم أن الله جسم لان الاشياء شيئان، جسم، وفعل الجسم، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل. فقال أبو عبد الله عليه السلام: ويله ! أما علم أن الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهية، فإذا احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان، وإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقا. قال: قلت: فما أقول ؟ قال عليه السلام: لا جسم ولا صورة، وهو مجسم الاجسام، ومصور الصور لم يتجزأ ولم يتناه ولم يتزايد ولم يتناقص، لو كان كما يقول لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق، ولا بين المنشئ والمنشأ، لكن هو المنشئ، فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه، إذ كان لا يشبهه شئ، ولا يشبه هو شيئا. ايضاح: استدل عليه السلام على نفي جسميته تعالى بأنه لو كان جسما لكان محدودا بحدود متناهيا إليها، لاستحالة لا تناهي الابعاد، وكل محتمل للحد قابل للانقسام بأجزاء متشاركة في الاسم والحد، فله حقيقة كلية غير متشخصة بذاتها ولا موجودة بذاتها


(1) قال النجاشي في ص 140 من رجاله: صالح بن أبى حماد أبو الخير الرازي، واسم أبى الخير زاذويه، لقى أبا الحسن العسكري عليه السلام وكان أمره ملبسا، يعرف وينكر الخ اقول: و حكى عن ابن الغضائري تضعيفه. (2) ضعفه النجاشي وابن الغضائري والعلامة وغيرهم. (3) قال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة: يونس ظبيان - بالظاء المعجمة المفتوحة، والباء المنقطة تحتها نقطة، قبل الياء والنون أخيرا - قال أبو عمرو الكشى: قال الفضل بن شاذان في بعض كتبه: الكذابون المشهورون: أبو الخطاب، ويونس بن ظبيان، ويزيد الصائغ، ومحمد بن سنان، وأبو سمينة أشهرهم، وقال النجاشي: انه مولى، ضعيف جدا، لا يلتفت إلى ما رواه، كل كتبه تخليط، قال ابن الغضائري: يونس بن ظبيان كوفى غال كذاب وضاع للحديث، روى عن أبى عبد الله عليه السلام، فانا لا أعتمد على روايته لقول هؤلاء المشايخ العظماء فيه.

[ 303 ]

أو هو مركب من أجزاء حال كل واحد منها ما ذكر فيكون مخلوقا، أو بأن كل قابل للحد والنهاية قابل للزيادة والنقصان لا يتأبى عنهما في حد ذاته، وإن استقر على حد معين فإنما استقر عليه من جهة جاعل. ثم استدل عليه السلام بوجه آخر وهو ما يحكم به الوجدان من كون الموجد أعلى شأنا وأرفع قدرا من الموجد، وعدم المشابهة والمشاركة بينهما، وإلا فكيف يحتاج أحدهما إلى العلة دون الآخر ؟ وكيف صار هذا موجدا لهذا بدون العكس ؟ ويحتمل أن يكون المراد عدم المشاركة والمشابهة فيما يوجب الاحتياج إلى العلة فيحتاج إلى علة اخرى. قوله: فرق بصيغة المصدر أي الفرق حاصل بينه وبين من صوره، ويمكن أن يقرأ على الماضي المعلوم. 37 - يد: علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن جده أحمد، عن البزنطي، عن محمد بن حكيم قال: وصفت لابي إبراهيم عليه السلام قول هشام الجواليقي، وحكيت له قول هشام بن الحكم: إنه جسم فقال: إن الله لا يشبهه شئ، أي فحش أو خناء أعظم من قول من يصف خالق الاشياء بجسم، أو صورة، أو بخلقة، أو بتحديد وأعضاء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. بيان: الخناء: الفحش في القول، ويحتمل أن يكون الترديد من الراوي. 38 - يد: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن سهل، عن محمد بن علي القاساني قال: كتبت إليه عليه السلام: أن من قبلنا قد اختلفوا في التوحيد، قال: فكتب عليه السلام: سبحان من لا يحد ولا يوصف ولا يشبهه شئ، وليس كمثله شئ وهو السميع البصير. 39 - يد: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن عمران بن موسى، عن الحسن بن جريش الرازي، عن بعض أصحابنا، عن الطيب - يعني علي بن محمد - وعن أبي جعفر عليهما السلام أنهما قالا: من قال بالجسم فلا تعطوه من الزكاة ولا تصلوا وراءه. 40 - نص: أبو المفضل الشيباني، عن أحمد بن مطوق بن سوار، عن المغيرة بن محمد بن المهلب، عن عبد الغفار بن كثير، عن إبراهيم بن حميد، عن أبي هاشم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال. قدم يهودي على رسول الله صلى الله عليه وآله - يقال له: نعثل - فقال: يا محمد إني سائلك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين، فإن أنت أجبتني عنها أسلمت على يدك

[ 304 ]

قال: سل يا أبا عمارة. فقال: يا محمد صف لي ربك، فقال عليه السلام: إن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وكيف يوصف الخالق الذي يعجز الحواس أن تدركه، و الاوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والابصار عن الاحاطة به، جل عما يصفه الواصفون، نأى في قربه، وقرب في نأيه كيف الكيفية فلا يقال له: كيف، وأين الاين فلا يقال له: أين، هو منقطع الكيفوفية والاينونية، فهو الاحد الصمد كما وصف نفسه والواصفون لا يبلغون نعته، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. قال: صدقت يا محمد أخبرني عن قولك: إنه واحد لا شبيه له، أليس الله واحد والانسان واحد ؟ فوحدانيته اشبهت وحدانية الانسان. فقال عليه السلام: الله واحد و وأحدي المعنى، والانسان واحد ثنوي المعنى، جسم وعرض، وبدن وروح، فإنما التشبيه في المعاني لا غير، قال: صدقت يا محمد. 41 - يد: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن محمد بن عيسى، عن هشام بن إبراهيم العباسي قال: قلت له - يعني أبا الحسن عليه السلام -: جعلت فداك أمرني بعض مواليك أن أسألك عن مسألة، قال: ومن هو ؟ قلت: الحسن بن سهل قال: وفي أي شئ المسألة ؟ قلت: في التوحيد، قال: وأي شئ من التوحيد ؟ قال: يسألك عن الله جسم أو لا جسم ؟ فقال لي: إن للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب. إثبات بتشبيه، ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهب الاثبات بتشبيه لا يجوز، ومذهب النفي لا يجوز، والطريق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبيه 42 - يد: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن يعقوب السراج قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن بعض أصحابنا يزعم أن لله صورة مثل الانسان وقال آخر إنه في صورة أمرد جعد قطط ! فخر أبو عبد الله عليه السلام ساجدا ثم رفع رأسه فقال: سبحان الله الذي ليس كمثله شئ، ولا تدركه الابصار، ولا يحيط به علم، لم يلد لان الولد يشبه أباه، ولم يولد فيشبه من كان قبله، ولم يكن له من خلقه كفوا أحد، تعالى عن صفة من سواه علوا كبيرا. بيان: الجعد: ضد السبط، قال الجزري في صفة شعره عليه السلام: ليس بالسبط

[ 305 ]

ولا الجعد القطط، السبط من الشعر: المنبسط المسترسل، والقطط، الشديدة الجعودة. 43 - كش: محمد بن مسعود، عن علي بن محمد القمي، عن البرقي، عن محمد بن موسى ابن عيسى، (1) عن اسكيب بن أحمد الكيساني، (2) عن عبد الملك بن هشام الخياط (3) قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام أسألك جعلني الله فداك ؟ قال: سل يا جبلي، عما ذا تسألني ؟ فقلت: جعلت فداك زعم هشام بن سالم أن لله عزوجل صورة، وأن آدم خلق على مثال الرب، فيصف هذا ويصف هذا - وأومأت إلى جانبي وشعر رأسي - وزعم يونس مولى آل يقطين وهشام بن الحكم أن الله شئ لا كالاشياء، وأن الاشياء بائنة منه، وأنه بائن من الاشياء، وزعما أن إثبات الشئ أن يقال: جسم، فهو جسم لا كالاجسام، شئ لا كالاشياء، ثابت موجود غير مفقود ولا معدوم، خارج عن الحدين: حد الابطال، وحد التشبيه، فبأي القولين أقول ؟ قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: أراد هذا الاثبات، و هذا شبه ربه تعالى بمخلوق، تعالى الله الذي ليس له شبه ولا مثل ولا عدل ولا نظير، ولا هو بصفة المخلوقين، لا تقل بمثل ما قال هشام بن سالم، وقل بما قال مولى آل يقطين وصاحبه. قال: فقلت: يعطى الزكاة من خالف هشاما في التوحيد ؟ فقال برأسه: لا. بيان: أراد هذا الاثبات أي يونس وهشام بن الحكم، ولعله عليه السلام إنما صوب قولهما في المعنى لا في إطلاق لفظ الجسم عليه تعالى، ويظهر مما زعما " من أن إثبات الشئ أن يقال جسم " أن مرادهم بالجسم أعم من المعنى المصطلح كما مر.


(1) الظاهر هو أبو جعفر السمان الهمداني الذى قال النجاشي في حقه: ضعفه القميون بالغلو وكان ابن الوليد يقول: إنه كان يضع الحديث والله أعلم. أقول: حكى عن ابن الغضائري أيضا تضعيفه وأنه يروى عن الضعفاء، ويجوز أن يخرج شاهدا، تكلم القميون فيه بالرد. واستثنوا من نوادر الحكمة ما رواه. (2) لم نجد له ذكرا في التراجم، والموجود في الكشى: اسكيب بن عبدك الكيساني. (3) لم نجد له ذكرا في التراجم، نعم قال صاحب تنقيح المقال: عبد الملك بن هشام الحناط. الجبلى روى عنه الكشى مسندا عنه عن أبى الحسن الرضا عليه السلام رواية تأتى في هشام بن سالم يظهر منها كونه من الشيعة المتدينين، بل يستشم من مجموع الرواية كونه مورد لطف الرضا عليه السلام فلاحظ وتدبر. انتهى. أقول: وأنت ترى أن الرواية خالية عما ذكره رحمه الله.

[ 306 ]

44 - يد: ماجيلويه، عن عمه، عن محمد بن علي الصيرفي، عن علي بن حماد، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لا يقدر قدرته ولا يقدر العباد على صفته، ولا يبلغون كنه علمه، ولا مبلغ عظمته، وليس شئ غيره، وهو نور ليس فيه ظلمة، وصدق ليس فيه كذب، وعدل ليس فيه جور، وحق ليس فيه باطل، كذلك لم يزل ولا يزال أبد الآبدين، وكذلك كان إذ لم تكن أرض ولا سماء، ولا ليل ولا نهار، ولا شمس ولا قمر، ولا نجوم ولا سحاب، ولا مطر ولا رياح، ثم إن الله تبارك و تعالى أحب أن يخلق خلقا يعظمون عظمته، ويكبرون كبرياءه، ويجلون جلاله، فقال: كونا ظلين، فكانا كما قال الله تبارك وتعالى. قال الصدوق رحمه الله: معنى قوله: هو نور أي هو منير وهاد، ومعنى قوله: كونا ظلين الروح المقدس والملك المقرب، والمراد به أن الله كان ولا شئ معه فأراد أن يخلق أنبياءه وحججه وشهداءه فخلق قبلهم الروح المقدس، وهو الذي يؤيد الله عز وجل به أنبياءه وشهداءه وحججه صلوات الله عليهم، وهو الذي يحرسهم به من كيد لشيطان ووسواسه، ويسددهم ويوفقهم ويمدهم بالخواطر الصادقة، ثم خلق الروح الامين الذي نزل على أنبيائه بالوحي منه عزوجل وقال لهما: كونا ظلين ظليلين لانبيائي ورسلي وحججي وشهدائي، فكانا كما قال الله عزوجل ظلين ظليلين لانبيائه و رسله وحججه وشهدائه، يعينهم بهما، وينصرهم على أيديهما، ويحرسهم بهما، وعلى هذا المعنى قيل للسلطان العادل: إنه ظل الله في أرضه لعباده، يأوى إليه المظلوم، ويأمن به الخائف الوجل، ويأمن به السبل، وينتصر به الضعيف من القوي، (1) وهذا هو سلطان الله وحجته التي لا تخلو الارض منه إلى أن تقوم الساعة. (2)


(1) وفى نسخة: وينتصف به الضعيف من القوى. (2) ما ذكره الصدوق رحمه الله وما أورده المصنف في البيان لا ينطبق شئ منهما على فقرات الرواية، والذى يظهر من الروايات الواردة في هذا اللسان أن المراد بقوله: ليس شئ غيره: انه الشئ بحقيقة الشيئية والوجود كما يؤيده الفقرات التاليات. والمراد بالظلين: العالمين العلوى والسفلى وهو المعنى المناسب لقوله: ليس شئ غيره. ط

[ 307 ]

بيان: قوله عليه السلام: وليس شئ غيره أي كذلك، أو كان كذلك حين لا شئ غيره، ويحتمل اتصاله بما بعده أي هو متصف بتلك الاوصاف المذكورة بعد ذلك لا شئ غيره. وقوله عليه السلام: كونا ظلين يحتمل أن يكون إشارة إلى خلق أرواح الثقلين، فإن الظلال تطلق على عالم الارواح في الاخبار كما سيأتي، أو إلى الملائكة وأرواح البشر، إو إلى نور محمد وعلي صلوات الله عليهما، أو نور محمد ونور أهل بيته عليهم السلام، ويؤيده ما سيأتي في باب بدء خلق أرواح الائمة عليهم السلام عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان الله ولا شئ غيره، فأول ما ابتدأ من خلق خلقه أن خلق محمدا وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه، حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان، ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر الخبر. وعن صفوان، عن الصادق عليه السلام قال: لما خلق الله السماوات والارضين استوى على العرش فأمر نورين من نوره فطافا حول العرش سبعين مرة، فقال عزوجل، هذان نوران لي مطيعان، فخلق الله من ذلك النور محمدا وعليا والاصفياء من ولده عليهم السلام. وعن الثمالي قال: دخلت حبابة الوالبية (1) على أبي جعفر عليه السلام فقالت: أخبرني يا ابن رسول الله أي شئ كنتم في الاظلة ؟ فقال عليه السلام: كنا نورا بين يدي الله قبل خلق خلقه. الخبر. ويحتمل أن يكون المراد بهما مادتي السماء والارض. 45 - فس: أبي، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: قال لي: يا أحمد ما الخلاف بينكم وبين أصحاب هشام بن الحكم في التوحيد ؟ فقلت: جعلت فداك قلنا نحن بالصورة للحديث الذي روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله رأي ربه في صورة شاب ! فقال هشام ابن الحكم بالنفي بالجسم. فقال: يا أحمد إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري به إلى السماء وبلغ عند سدرة المنتهى خرق له في الحجب مثل سم الابرة فرأى من نور العظمة ما شاء الله أن يرى، وأردتم أنتم التشبيه، دع هذا يا أحمد لا ينفتح عليك منه أمر عظيم. بيان: بالنفي أي نفي الصورة مع القول بالجسم، والمراد بالحجب أما الحجب المعنوية وبالرؤية الرؤية القلبية، أو الحجب الصورية، فالمراد بنور العظمة آثار عظمته برؤية عجائب خلقه.


(1) الحبابة بفتح الحاء وتخفيف الباء.

[ 308 ]

46 - سن: محمد بن عيسى، عن أبي هاشم الجعفري قال: أخبرني الاشعث بن حاتم أنه سأل الرضا عليه السلام عن شئ من التوحيد فقال: ألا تقرأ القرآن ؟ قلت: نعم، قال: اقرأ: لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار. فقرأت فقال: وما الابصار ؟ قلت: أبصار العين قال: لا إنما عنى الاوهام، لا تدرك الاوهام كيفيته وهو يدرك كل فهم. سن: محمد بن عيسى، عن أبي هاشم، عن أبي جعفر عليه السلام نحوه، إلا أنه قال: الابصار ههنا أوهام العباد، والاوهام أكثر من الابصار، وهو يدرك الاوهام ولا تدركه الاوهام. بيان: كون الاوهام أكثر لان البصر في الشخص متحد، وله واهمة ومتفكرة و متخيلة وعاقلة، وكثيرا ما يسلب عن الشخص البصر وتكون له تلك القوى، ويحتمل أن يكون المراد بها أكثرية مدركاتها فإنها تدرك مالا يدركه البصر أيضا. 47 - شى: عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: سمعته يقول: لا يوصف الله بمحكم وحيه، عظم ربنا من الصفة، وكيف يوصف من لا يحد، وهو يدرك الابصار ولا تدركه الابصار وهو اللطيف الخبير. بيان: أي دل محكم الآيات على أنه لا يوصف كقوله تعالى: " ليس كمثله شئ " وقوله: " لا تدركه الابصار ". أقول: قد مر كثير من الاخبار المناسبة لهذا الباب في باب إثبات الصانع، و باب النهي عن التفكر، وسيأتي بعضها في باب جوامع التوحيد، وباب احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على النصارى، وباب الرؤية.

[ 309 ]

* (باب 14) * * (نفى الزمان والمكان والحركة والانتقال عنه تعالى) * * (وتأويل الايات والاخبار في ذلك) * 1 - لى: السناني، عن الاسدي، عن النخعي، عن عمه النوفلي، عن علي بن سالم عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة و السكون والانتقال، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. 2 - شا، ج: روي أن بعض أحبار اليهود جاء إلى أبي بكر فقال له: أنت خليفة رسول الله على الامة ؟ (1) فقال: نعم، فقال: إنا نجد في التورية أن خلفاء الانبياء أعلم اممهم، فخبرني عن الله أين هو ؟ في السماء هو أم في الارض ؟ فقال له أبو بكر: في السماء على العرش، قال اليهودي: فأرى الارض خالية منه، فأراه على هذا القول في مكان دون مكان ! فقال له أبو بكر: هذا كلام الزنادقة، اعزب عني وإلا قتلتك، فولى الرجل متعجبا يستهزئ بالاسلام، فاستقبله أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا يهودي قد عرفت ما سألت عنه وما اجبت به وإنا نقول: إن الله عزوجل أين الاين فلا أين له، وجل من أن يحويه مكان، وهو في كل مكان بغير مماسة ولا مجاورة، يحيط علما بما فيها، ولا يخلو شئ من تدبيره تعالى، وإني مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم، يصدق بما ذكرته لك فإن عرفته أتؤمن به ؟ قال اليهودي: نعم، قال: ألستم تجدون في بعض كتبكم أن موسى بن عمران كان ذات يوم جالسا. إذ جاءه ملك من المشرق فقال له: من أين جئت ؟ قال: من عند الله عزوجل، ثم جاءه ملك من المغرب فقال له: من أين جئت ؟ قال: من عند الله عزوجل، ثم جاءه ملك آخر، فقال له: من أين جئت ؟ قال: قد جئتك من السماء السابعة من عند الله عزوجل، وجاءه ملك آخر فقال: من أين جئت ؟ قال: قد جئتك من الارض السابعة السفلى من عند الله عزوجل، فقال موسى عليه السلام: سبحان


(1) في نسخة: أنت خليفة رسول الله هذه الامة.

[ 310 ]

من لا يخلو منه مكان ولا يكون إلى مكان أقرب من مكان، فقال اليهودي: أشهد أن هذا هو الحق المبين، وأنك أحق بمقام نبيك ممن استولى عليه. بيان: عزب عنه يعزب ويعزب أي بعد وغاب، وفسر عليه السلام قوله: وهو في كل مكان بما ذكره بعده ليظهر أن المراد به الاحاطة بالعلم والتدبير. 3 - شا، ج: روى الشعبي أنه سمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلا يقول: والذي احتجب بسبع طباق، فعلاه بالدرة، (1) ثم قال له: يا ويلك إن الله أجل من أن يحتجب عن شئ، أو يحتجب عنه شئ سبحان الذي لا يحويه مكان، ولا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء، فقال الرجل: أفاكفر عن يميني يا أمير المؤمنين ؟ قال: لا لم تحلف بالله فيلزمك الكفارة (2) وإنما حلفت بغيره. 4 - ج: في جواب اسؤلة الزنديق المنكر للقرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: معنى قوله: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك " فإنما خاطب نبينا صلى الله عليه واله هل ينتظر المنافقون والمشركون إلا أن تأتيهم الملائكة فيعاينوهم، أو يأتي ربك، أو يأتي بعض آيات ربك ؟ يعني بذلك أمر ربك، والآية هي العذاب في دار الدنيا كما عذب الامم السالفة، والقرون الخالية، وقال: " أو لم يروا أنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها " يعني بذلك ما يهلك من القرون فسماه إتيانا، و قوله: " الرحمن على العرش استوى " يعني استوى تدبيره وعلا أمره، وقوله: " وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله " وقوله: " وهو معكم أينما كنتم " وقوله: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم " فإنما أراد بذلك استيلاء امنائه بالقدرة التي ركبها فيهم على جميع خلقه، وأن فعلهم فعله. الخبر. يد: في هذا الخبر: وقال في آية اخرى: " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " يعني أرسل عليهم عذابا، وكذلك إتيانه بنيانهم، وقال الله عزوجل: " فأتى الله بنيانهم من القواعد " فإتيانه بنيانهم من القواعد إرسال العذاب.


(1) الدرة بكسر الدال وتشديد الراء: السوط. (2) في شا: فيلزمك الكفارة كفارة الحنث.

[ 311 ]

تبيان: قال البيضاوي: هل ينظرون أي ما ينتظرون يعني أهل مكة وهم ما كانوا منتظرين لذلك ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظرين. إلا أن تأتيهم الملائكة ملائكة الموت أو العذاب. أو يأتي ربك أي أمره بالعذاب، أو كل آية يعني آيات القيامة والهلاك الكلي لقوله: " أو يأتي بعض آيات ربك " يعني أشراط الساعة. (1) أقول: لعله عليه السلام فسر إتيان الرب بالقيامة، وإتيان أمره تعالى بقيامها، وإتيان بعض الآيات بنزول العذاب في الدنيا، وإتيان الملائكة بظهورهم عند الموت، أو الاعم منه ومن غيره. وقال الطبرسي رحمه الله أولم يروا أنا نأتي الارض أي نقصدها. ننقصها من أطرافها اختلف في معناه على أقوال: أحدها: أولم ير هؤلاء الكفار أنا ننقص أطراف الارض بإماتة أهلها. وثانيها: ننقصها بذهاب علمائها وفقهائها وخيار أهلها. وثالثها: أن المراد نقصد الارض ننقصها من أطرافها بالفتوح على المسلمين منها فننقص من أهل الكفر ونزيد في المسلمين، يعني ما دخل في الاسلام من بلاد الشرك. ورابعها: أن معناه أولم يروا ما يحدث في الدنيا من الخراب بعد العمارة، والموت بعد الحياة، والنقصان بعد الزيادة انتهى. وأما ما ذكره عليه السلام أخيرا في الخبر الاول فالظاهر تعلقه بالثلاثة الاخيرة، فالمراد بالاولى نفوذ أمره تعالى في السماء والارض، وخلقه الملائكة والحجج فيهما، وإنفاذهم أمره تعالى فيهما، وبالثانية كون الملائكة والحجج معهم شاهدين عليهم، وكذا الثالثة. 5 - ج: عن يعقوب بن جعفر الجعفري، عن أبي إبراهيم موسى عليه السلام قال: ذكر عنده قوم زعموا أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا، فقال: إن الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب، ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج إلى شئ بل يحتاج إليه، وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم، أما قول الواصفين: إنه ينزل تبارك وتعالى عن ذلك فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكل متحرك محتاج إلى من يحركه أو يتحرك به فمن ظن بالله الظنون


(1) أشراط الساعة: علائمها.

[ 312 ]

فقد هلك وأهلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد من نقص أو زيادة، أو تحريك أو تحرك، أو زوال أو استنزال، أو نهوض أو قعود فإن الله عزوجل عن صفة الواصفين و نعت الناعتين وتوهم المتوهمين. يد: الدقاق: عن الاسدي، عن البرمكي، عن علي بن عياش، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر الجعفري مثله. وزاد في آخره: وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. بيان: إنما منظره أي نظره وعلمه وإحاطته، بأن يكون مصدرا ميميا، أو ما ينظر إليه في القرب والبعد منه سواء في أي لا يختلف اطلاعه على الاشياء بالقرب والبعد لان القرب والبعد إنما يجريان في المكاني بالنسبة إلى المكان، وهو سبحانه متعال عن المكان. والطول: الفضل والانعام. قوله: فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أي النزول المكاني إنما يتصور في المتحيز، وكل متحيز موصوف بالتقدر، وكل متقدر متصف بالنقص عما هو أزيد منه، وبالزيادة على ما هو أنقص منه، أو يكون في نفسه قابلا للزيادة والنقصان، والوجوب الذاتي ينافي ذلك، لاستلزامه التجزي والانقسام المستلزمين للامكان، وأيضا كل متحرك محتاج إلى من يحركه أو يتحرك به لان المتحرك إما جسم أو متعلق بالجسم، والجسم المتحرك لابد له من محرك لانه ليس يتحرك بجسميته، والمتعلق بالجسم لابد له في تحركه من جسم يتحرك به، وهو سبحانه منزه عن الاحتياج إلى المتحرك، وعن التغير بمغير، وعن التعلق بجسم يتحرك به، ويحتمل أن يكون المراد بالاول الحركة القسرية، وبالثاني ما يشمل الا راية والطبيعية، بأن يكون المراد بقوله: من يتحرك به ما يتحرك به من طبيعة أو نفس. وقوله: من أن تقفوا من وقف يقف أي أن تقوموا في الوصف له وتوصيفه على حد فتحدونه بنقص أو زيادة، ويحتمل أن يكون من قفا يقفو أي أن تتبعوا له في البحث عن صفاته تتبعا على حد تحدونه بنقص أو زيادة. وقوله: حين تقوم أي إلى التهجد أو إلى الخيرات أو إلى الامور كلها، وتقلبك في الساجدين أي ترددك وحركاتك فيما بين المصلين بالقيام والعقود والركوع والسجود.

[ 313 ]

6 - ج: عن يعقوب بن جعفر الجعفري قال سأل رجل - يقال له: يا عبد الغفار السلمي - أبا إبراهيم موسى بن جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: " ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى " فقال: أرى ههنا خروجا من حجب وتدليا إلى الارض، وأرى محمدا صلى الله عليه وآله رأى ربه بقلبه ونسب إلى بصره وكيف هذا ؟ فقال أبو إبراهيم عليه السلام: دنى فتدلى، فإنه لم يدل عن موضع، ولم يتدل ببدن. فقال عبد الغفار: أصفه بما وصف به نفسه حيث قال: دنى فتدلى فلم يتدل عن مجلسه إلا قد زال عنه، ولولا ذلك لم يصف بذلك نفسه. فقال أبو إبراهيم عليه السلام: إن هذه لغة في قريش إذا أراد الرجل منهم أن يقول: " قد سمعت " يقول: قد تدليت، وإنما التدلي: الفهم. بيان: التدلي: القرب، والنزول من علو، والامتداد إلى جهة السفل، ويكون من التدلل بمعنى الغنج، وما ذكره عليه السلام أن المراد به الفهم فهو على المجاز لان من يريد فهم شئ يتدلي إلى القائل ليسمعه ويفهمه. ثم اعلم أنه قد اختلف في تفسير هذه الآية على وجوه: الاول: أن تكون الضمائر راجعة إلى جبرئيل عليه السلام، فالمعنى: وهو أي جبرئيل بالافق الاعلى " افق السماء " ثم دنى من النبي صلى الله عليه وآله قتدلى أي تعلق به، وهو تمثيل لعروجه بالرسول صلى الله عليه وآله، أو تدلى من الافق الاعلى فدنى الرسول، فيكون إشعارا بأنه عرج به غير منفصل عن محله وتقريرا لشدة قوته، وقيل: المعنى: قرب فاشتد قربه، فكان البعد بينهما قاب قوسين أي قدرهما أو أدنى، والمقصود تمثيل ملكة الاتصال و تحقيق استماعه لما اوحي إليه بنفي البعد الملبس. الثاني: أن تكون الضمائر راجعة إلى محمد صلى الله عليه وآله أي ثم دنى محمد من الخلق والامة، وصار كواحد منهم فتدلى إليهم بالقول اللين والدعاء الرفيق فالحاصل أنه صلى الله عليه وآله استوى وكمل فدنى من الخلق بعد علوه وتدلى إليهم وبلغ الرسالة. الثالث: أن تكون الضمائر راجعة إلى الله تعالى، فيكون دنوه كناية عن رفع مكانته، وتدليه عن جذبه بشراشره إلى جناب القدس، والحاصل أنه مؤول بالدنو المعنوي، والتقرب والمعرفة واللطف، على ما يؤول حديث " من تقرب إلي شبرا تقربت

[ 314 ]

إليه ذراعا " وقيل: الدنو منه صلى الله عليه وآله، وهو كناية عن عظم قدره حيث انتهى إلى حيث لم ينته إليه أحد، والتدلي منه تعالى كناية من غاية لطفه ورحمته. 7 - لى، يد، ن: الدقاق، عن الصوفي، عن الروياني، عن عبد العظيم الحسني، عن إبراهيم بن أبى محمود قال: قلت للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ أنه قال: إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا. فقال عليه السلام: لعن الله المحرفين للكلم عن مواضعه، والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كذلك إنما قال صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى ينزل ملكا إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الاخير، وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادي: هل من سائل فاعطيه ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستعغفر فأغفر له ؟ يا طالب الخير أقبل، يا طالب الشر أقصر، فلا يزال ينادي بهذا إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء. (1) حدثني بذلك أبي، عن جدي، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. ج: مرسلا مثله. بيان: الظاهر أن مراده عليه السلام تحريفهم لفظ الخبر، ويحتمل أن يكون المراد تحريفهم معناه بأن يكون المراد بنزوله تعالى إنزال ملائكته مجازا. ع: السناني والدقاق والمكتب والوراق، عن الاسدي مثله. 8 - لى: السناني، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن ثابت بن دينار قال: سألت زين العابدين علي بن الحسين بن علي، بن أبي طالب عليهم السلام عن الله جل جلاله هل يوصف بمكان ؟ فقال: تعالى الله عن ذلك. قلت: فلم أسرى نبيه محمد صلى الله عليه وآله إلى السماء ؟ قال: ليريه ملكوت السماء وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه. قلت: فقول الله عزوجل " ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى " قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله دنى من حجب النور فرأى ملكوت السماوات، ثم تدلى صلى الله عليه وآله فنظر من تحته إلى ملكوت الارض حتى ظن أنه في القرب من الارض كقاب قوسين أو أدنى.


(1) الملكوت: الملك العظيم، العز والسلطان. والملكوت السماوي: هو محل القديسين في السماء.

[ 315 ]

9 - فس: أبي، عن حماد، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرب تبارك وتعالى ينزل كل ليلة جمعة إلى سماء الدنيا من أول الليل، وفي كل ليلة في الثلث الاخير، وأمامه ملك ينادي: هل من تائب يتاب عليه ؟ هل من مستغفر فيغفر له ؟ هل من سائل فيعطى سؤله ؟ اللهم أعط كل منفق خلفا (1) وكل ممسك تلفا، فإذا طلع الفجر عاد الرب إلى عرشه فيقسم الارزاق بين العباد. ثم قال للفضيل بن يسار: يا فضيل نصيبك من ذلك وهو قول الله: " وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه " إلى قوله: " أكثرهم بهم مؤمنون ". بيان: نزوله تعالى كناية عن تنزله عن عرش العظمة والجلال، وأنه مع غنائه عنهم من جميع الوجوه يخاطبهم بما يخاطب به من يحتاج إلى غيره تلطفا وتكرما، و عوده إلى عرشه من توجهه تعالى إلى شؤون آخر يفعله الملوك إذا تمكنوا على عرشهم. قوله عليه السلام: نصيبك أي خذ نصيبك من هذا الخير ولا تغفل عنه. 10 - ع: المكتب والوراق والهمداني، عن علي، عن أبيه، عن يحيى بن ابي عمران، وصالح بن السندي، عن يونس بن عبد الرحمن قال: قلت لابي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: لاي علة عرج الله بنبيه صلى الله عليه وآله إلى السماء، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وخاطبه وناجاه هناك والله لا يوصف بمكان ؟ فقال عليه السلام: إن الله لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنه عزوجل أراد أن يشرف به ملائكته وسكان سماواته ويكرمهم بمشاهدته، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقوله المشبهون، سبحان الله وتعالى عما يصفون. يد: علي بن الحسين بن الصلت، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن عمه عبد الله ابن الصلت، عن يونس مثله. 11 - ع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك بن عيينة (2) عن حبيب السجستاني قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله عزوجل: " ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى " فقال لي: يا حبيب لا تقرأ هكذا


(1) الخلف: البدل والعوض. (2) لم نجد له ذكرا في التراجم.

[ 316 ]

اقرأ: ثم دنى فتدانا فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إلى عبده يعني رسول الله صلى الله عليه وآله ما أوحى، يا حبيب إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما فتح مكة أتعب نفسه في عبادة الله عزوجل والشكر لنعمه في الطواف بالبيت وكان علي عليه السلام معه فلما غشيهم الليل انطلقا إلى الصفا والمروة يريدان السعي، قال: فلما هبطا من الصفا إلى المروة وصارا في الوادي دون العلم الذي رأيت غشيهما من السماء نور فأضاءت لهما جبال مكة، وخسأت أبصارهما، (1) قال: ففزعا لذلك فزعا شديدا، قال: فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى ارتفع من الوادي، وتبعه علي عليه السلام فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إلى السماء فإذا هو برمانتين على رأسه، قال: فتناولهما رسول الله صلى الله عليه وآله فأوحى الله عزوجل إلى محمد: يا محمد إنها من قطف الجنة فلا يأكل منها إلا أنت ووصيك علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله إحديهما، وأكل علي عليه السلام الاخرى ثم أوحى الله عزوجل إلى محمد صلى الله عليه وآله ما أوحى. قال أبو جعفر عليه السلام: يا حبيب " ولقد رآه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى " يعني عندها وافا به جبرئيل حين صعد إلى السماء، قال: فلما انتهى إلى محل السدرة وقف جبرئيل دونها وقال: يا محمد إن هذا موقفي الذي وضعني الله عزوجل فيه، ولن أقدر على أن أتقدمه، ولكن امض أنت أمامك إلى السدرة، فوقف عندها، قال: فتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى السدرة وتخلف جبرئيل عليه السلام، قال أبو جعفر عليه السلام: إنما سميت سدرة المنتهى لان أعمال أهل الارض تصعد بها الملائكة الحفظة إلى محل السدرة، و الحفظة الكرام البررة دون السدرة يكتبون ما ترفع إليهم الملائكة من أعمال العباد في الارض، قال: فينتهون بها إلى محل السدرة، قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله فرأى أغصانها تحت العرش وحوله، قال: فتجلى لمحمد صلى الله عليه وآله نور الجبار عزوجل، فلما غشي محمدا صلى الله عليه وآله النور شخص ببصره، وارتعدت فرائصه، قال: فشد الله عزوجل لمحمد قلبه و قوى له بصره حتى رأى من آيات ربه ما رأى، وذلك قول الله عزوجل: " ولقد رآه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى " قال يعني الموافاة، قال: فرأي محمد صلى الله عليه وآله ما رأى ببصره من آيات ربه الكبرى، يعني أكبر الآيات. قال أبو جعفر عليه السلام: وإن غلظ السدرة بمسيرة مائة عام من أيام الدنيا، وإن


(1) خسا البصر: كل وأعيا.

[ 317 ]

الورقة منها تغطي أهل الدنيا، وإن لله عزوجل ملائكة وكلهم بنبات الارض من الشجر والنخل فليس من شجرة ولا نخلة إلا ومعها من الله عزوجل ملك يحفظها وما كان فيها ولولا أن معها من يمنعها لاكلها السباع وهوام الارض إذا كان فيها ثمرها، قال: و إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يضرب أحد من المسلمين خلاه تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت لمكان الملائكة الموكلين بها، قال: ولذلك يكون الشجر والنخل إنسا إذا كان فيه حمله، (1) لان الملائكة تحضره. إيضاح: القطف بالكسر: اسم للثمار المقطوعة من اصولها. وشخوص البصر: فتحه بحيث لا يطرف. والفريصة: ودج العنق واللحمة بين الجنب والكتف لا تزال ترعد. 12 - فس: قوله: وهو بالافق الاعلى يعني رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم دني يعني رسول الله صلى الله عليه وآله من ربه عزوجل فتدلى، قال: إنما انزلت " ثم دنى فتدانا فكان قاب قوسين " قال: كان من الله كما بين مقبض القوس إلى رأس السية أو أدنى، (2) قال: بل أدنى من ذلك، فأوحى إلى عبده ما أوحى، قال: وحي المشافهة. تبيين: قال الجوهري تقول: بينهما قاب قوس: وقيب قوس، وقاد قوس، وقيد قوس أي قدر قوس، والقاب ما بين المقبض والسية، ولكل قوس قابان. وقال بعضهم في قوله تعالى: " فكان قاب قوسين " أراد قابي قوس فغلبه. 13 - ل: في مسائل اليهودي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال له: فربك يحمل أو يحمل ؟ قال: إن ربي عزوجل يحمل كل شئ بقدرته، ولا يحمله شئ. قال: فكيف قوله عزوجل: " ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية " ؟ قال: يا يهودي ألم تعلم أن لله ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى، فكل شئ على الثرى، والثرى على القدرة، والقدرة تحمل كل شئ. الخبر. 14 - يد، ن: تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن الهروي قال: سأل المأمون أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وهو الذي خلق السموات والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا "


(1) وفى نسخة: ولذلك يكون للشجر والنخل انسا إذا كان فيه حمله. (2) سية القوس بكسر السين: ما عطف من طرفيها.

[ 318 ]

فقال: إن الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل الخلق السماوات والارض، وكانت الملائكة تستدل بأنفسها وبالعرش والماء على الله عزوجل، ثم جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فتعلم أنه على كل شئ قدير، ثم رفع العرش بقدرته ونقله، وجعله فوق السماوات السبع، ثم خلق السماوات والارض في ستة أيام وهو مستول على عرشه، وكان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه عزوجل خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شئ فيستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره مرة بعد مرة، ولم يخلق الله العرش لحاجة به إليه لانه عني عن العرش وعن جميع ما خلق، لا يوصف بالكون على العرش لانه ليس بجسم، تعالى عن صفة خلقه علوا كبيرا. 15 - يد، مع، ن: المعاذي، عن أحمد الهمداني، (1) عن علي بن فضال، (2) عن أبيه قال: سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " فقال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان يحل فيه فيحجب عنه فيه عباده، ولكنه يعني أنهم عن ثواب ربهم محجوبون. قال: وسألته عن قوله الله عزوجل " وجاء ربك والملك صفا صفا " فقال: إن الله عزوجل لا يوصف بالمجيئ والذهاب، تعالى عن الانتقال، إنما يعني بذلك وجاء أمر ربك والملك صفا صفا.


(1) هو أحمد بن محمد بن سعيد السبيعى الهمداني الحافظ، المكنى بأبى العباس، المعروف بابن عقدة، كان كوفيا زيديا جاروديا ثقة، تقدم ترجمته مفصلا. (2) هو على بن الحسن بن على بن فضال بن عمر بن أيمن مولى عكرمة بن ربعى الفياض أبو الحسن كان فقيه أصحابنا بالكوفة، ووجههم وثقتهم وعارفهم بالحديث والمسموع قوله فيه، سمع منه شيئا كثيرا ولم يعثر له زلة فيه ولا ما يشينه، وقل ما روى عن ضعيف، وكان فطحيا، ولم يرو عن أبيه شيئا، وقال: كنت اقابله - وسنى ثمان عشرة سنة - بكتبه، ولا أفهم إذ ذاك الروايات، ولا أستحل أن أرويها عنه، وروى عن أخويه عن أبيهما، وذكر أحمد بن الحسين رحمه الله أنه رأى نسخة أخرجها أبو جعفر بن بابويه، وقال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن اسحاق الطالقاني، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا على بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن الرضا عليه السلام، ولا يعرف الكوفيون هذه النسخة، ولا رويت من غير هذا الطريق. قاله النجاشي وعد له كتبا كثيرة.

[ 319 ]

قال: وسألته عن قول الله عزوجل: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " قال: يقول: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام، وهكذا نزلت. قال: وسألته عن قول الله عزوجل: " سخر الله منهم " وعن قول الله: " يستهزئ بهم " وعن قوله تعالى: " ومكروا ومكر الله " وعن قول الله عزوجل: " يخادعون الله وهو خادعهم ". فقال: إن الله عزوجل لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكنه عز وجل يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ج: مرسلا عنه عليه السلام. بيان: قال الزمخشري في الآية الاولى: كونهم محجوبين عنه، تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم لانه لا يؤذون على الملوك إلا للمكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا المهانون عندهم. وقال الرازي في الآية الثانية: اعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله محال لان كل ما كان كذلك كان جسما، والجسم مستحيل أن يكون أزليا، فلا بد فيه من التأويل، وهو أن هذا من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه: ثم ذلك المضاف ما هو ؟ فيه وجوه: أحدهما: وجاء أمر ربك للمحاسبة والمجازات. وثانيها: وجاء قهر ربك كما يقال: جاءتنا بنو امية أي قهرهم. وثالثها: وجاء جلائل آيات ربك، لان هذا يكون يوم القيامة، وفي ذلك اليوم تظهر العظام وجلائل الآيات، فجعل مجيئها مجيئا له تفخيما لشأن تلك الآيات. ورابعها: وجاء ظهوره، وذلك لان معرفة الله تصير ذلك اليوم ضرورية فصار ذلك كظهوره وتجليه للخلق، فقال: وجاء ربك أي زالت الشبه و ارتفعت الشكوك. وخامسها: أن هذا تمثيل لظهور آيات الله وتبيين آثار قهره وسلطانه مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا ظهر بنفسه فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة والسياسة مالا يظهر بحضور عساكره كلها. وسادسها: أن الرب المربي فلعل ملكا هو أعظم الملائكة هو مرب للنبي صلى الله عليه وآله جدا، فكان هو المراد من قوله: وجاء ربك. وقال الطبرسي رحمه الله في الآية الثالثة: أي هل ينتظر هؤلاء المكذبون بآيات الله

[ 320 ]

إلا أن يأتيهم أمر الله أي عذاب الله، وما توعدهم به على معصيته في ستر من السحاب، و قيل: قطع من السحاب، وهذا كما يقال: قتل الامير فلانا وضربه وأعطاه، وإن لم يتول شيئا من ذلك بنفسه، بل فعل بأمره فاسند إليه لامره به. وقيل: معناه ما ينتظرون إلا أن تأتيهم جلائل آيات الله، غير أنه ذكر نفسه تفخيما للآيات كما يقال: دخل الامير البلد ويراد بذلك جنده، وإنما ذكر الغمام ليكون أهول، فإن الاهوال تشبه بظلل الغمام كما قال سبحانه: " وإذا غشيهم موج كالظلل " وقال الزجاج: معناه: يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، كما قال: " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " أي أتاهم بخذلانه إياهم، والاقوال متقاربة. وقد يقال: أتى وجاء فيما لا يجوز عليه المجيئ والذهاب، يقال: أتاني وعيد فلان، وجاءني كلام فلان، وأتاني حديثه، ولا يراد به الاتيان الحقيقي، ثم قال: وقرأ أبو جعفر الملائكة بالجر، قال: وقيل: معنى الآية: إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام أي بجلائل آياته وبالملائكة. انتهى أقول: على قرائته عليه السلام لا يحتاج إلى شئ من هذه التأويلات. 16 - ج: عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في جواب اليهودي الذي سأل عن معجزات الرسول صلى الله عليه وآله: إنه اسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقل من ثلث ليلة، حتى انتهى إلى ساق العرش فدنا بالعلم فتدلى، فدلى له من الجنة رفرف أخضر وغشى النور بصره فرأى عظمة ربه بفؤاده ولم يرها بعينه فكان كقاب قوسين بينها وبينه أو أدنى. الخبر. بيان: الضمير في قوله: بينها راجع إلى الجنة، ورجوعه إلى العظمة بعيد. 17 - يد، ع: ابن عصام، عن الكليني، عن علي بن محمد بن سليمان، عن إسماعيل ابن إبراهيم، عن جعفر بن محمد التميمي، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي قال: سألت أبي سيد العابدين عليه السلام فقلت له: يا أبة أخبرني عن جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله لما عرج به إلى السماء وأمره ربه عزوجل بخمسين صلاة كيف لم يسأله التخفيف عن امته حتى قال له موسى بن عمران عليه السلام: ارجع إلى ربك

[ 321 ]

فاسأل التخفيف، (1) فإن امتك لا تطيق ذلك ؟ فقال يا بني: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان لا يقترح (2) على ربه عزوجل ولا يراجعه في شئ يأمره به، فلما سأله موسى عليه السلام ذلك فكان شفيعا لامته إليه لم يجز له رد شفاعة أخيه موسى فرجع إلى ربه فسأله التخفيف إلى أن ردها إلى خمس صلوات. قال: قلت له: يا أبة فلم لا يرجع إلى ربه عزوجل (3) ويسأله التخفيف عن خمس صلوات وقد سأله موسى عليه السلام أن يرجع إلى ربه ويسأله التخفيف ؟ فقال يا بني أراد صلى الله عليه وآله أن يحصل لامته التخفيف مع أجر خمسين صلاة يقول الله عزوجل: " من جاء بالحسنة فله عشرا أمثالها " ألا ترى أنه صلى الله عليه وآله لما هبط إلى الارض نزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام ويقول: إنها خمسة بخمسين، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد. قال: فقلت له: يا أبة أليس الله تعالى ذكره لا يوصف بمكان ؟ قال: تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قلت: فما معنى قول موسى عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله: ارجع إلى ربك ؟ فقال: معناه معنى قول إبراهيم عليه السلام: إني ذاهب إلى ربي سيهدين، ومعنى قول موسى عليه السلام: و عجلت إليك رب لترضى، ومعنى قوله عزوجل، " ففروا إلى الله " يعني حجوا إلى بيت الله، يا بني إن الكعبة بيت الله تعالى، فمن حج بيت الله فقد قصد إلى الله، والمساجد بيوت الله فمن سعى إليها فقد سعى إلى الله وقصد إليه، والمصلي مادام في صلاته فهو واقف بين يدي الله جل جلاله، وأهل موقف عرفات هم وقوف بين يدي الله عزوجل، وإن لله تبارك و تعالى بقاعا في سماواته فمن عرج به إلى بقعة منها فقد عرج به إليه، ألا تسمع الله عز وجل يقول: " تعرج الملائكة والروح إليه " وبقول في قصة عيسى عليه السلام: " بل رفعه الله إليه " ويقول عزوجل: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ". بيان: الغرض من ذكر هذه الاستشهادات بيان شيوع تلك الاستعمالات و التجوزات في لسان أهل الشرع والعرف.


(1) وفى نسخة: فاسأله التخفيف. (2) اقترح عليه كذا أو بكذا: تحكم وسأله اياه بالعنف ومن غير روية. (3) وفى نسخة: فلم لم يرجع إلى ربه عزوجل.

[ 322 ]

18 - يد: ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي المغرا رفعه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تعالى خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، و كل ما وقع عليه اسم شئ فهو مخلوق ما خلا الله عزوجل. يد: حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن علي بن عطية، عن خثيمة، عن أبي جعفر عليه السلام، وابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله بزيادة. 19 - يد: حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزوجل: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا " فقال: هو واحد أحدي الذات، بائن من خلقه، وبذاك وصف نفسه، وهو بكل شئ محيط بالاشراف والاحاطة والقدرة، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر بالاحاطة والعلم لا بالذات لان الاماكن محدودة تحويها حدود أربعة فإذا كان بالذات لزمه الحواية. بيان: ما يكون من نجوى ثلاثة أي ما يقع من تناجي ثلاثة، ويجوز أن يقدر مضاف، أو يؤول نجوى بمتناجين، ويجعل ثلاثة صفة لها. إلا وهو رابعهم أي إلا الله يجعلهم أربعة من حيث إنه يشاركهم في الاطلاع عليها. ولا خمسة أي ولا نجوى خمسة، وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة، أو لان الله وتر يحب الوتر، والثلاثة أول الاوتار، أو لان التشاور لابد له من اثنين يكونان كالمتنازعين وثالث يتوسط بينهما. ثم اعلم أنه لما كان القدام والخلف واليمين والشمال غير متميزة إلا بالاعتبار عد الجميع حدين والفوق والتحت حدين فصارت أربعة، والمعنى: أنه ليست إحاطته سبحانه بالذات لان الاماكن محدودة فإذا كانت إحاطته بالذات بأن كانت بالدخول في الامكنة لزم كونه محاطا بالمكان كالمتمكن، وإن كانت بالانطباق على المكان لزم كونه محيطا بالمتمكن كالمكان.

[ 323 ]

20 - يد: العطار، عن سعد، عن ابن يزيد، عن الحسن بن علي الخزاز، عن مثنى الحناط، عن أبي جعفر - أظنه محمد بن النعمان - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وهو الله في السماوات وفي الارض " قال: كذلك هو في كل مكان. قلت: بذاته ؟ قال: ويحك إن الاماكن أقدار، فإذا قلت: في مكان بذاته لزمك أن تقول في أقدار وغير ذلك، ولكن هو بائن من خلقه، محيط بما خلق علما وقدرة وإحاطة وسلطانا، وليس علمه بما في الارض باقل مما في السماء، لا يبعد منه شئ، والاشياء له سواء علما وقدرة وسلطانا وملكا وإحاطة. تفسير: قال البيضاوي: " وهو الله " الضمير لله، والله خبره، في السماوات وفي الارض متعلق باسم الله، والمعنى: هو المستحق للعبادة فيهما لا غير كقوله: " هو الذي في السماء إله وفي الارض إله " أو بقوله: " يعلم سركم وجهركم " والجملة خبر ثان أو هي الخبر، والله بدل، ويكفي لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما، كقولك: رميت الصيد في الحرم - إذا كنت خارجه والصيد فيه - أو ظرف مستقر وقع خبرا بمعنى أنه تعالى لكمال علمه بما فيهما كأنه فيهما. ويعلم سركم وجهركم بيان وتقرير له. 21 - يد: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم قال: قال أبو شاكر الديصاني، إن في القرآن آية هي قوة لنا. قلت: وما هي ؟ فقال: " وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله " فلم أدر بما اجيبه، فحججت فخبرت أبا عبد الله عليه السلام فقال: هذا كلام زنديق خبيث، إذا رجعت إليه فقل له: ما اسمك بالكوفة ؟ فإنه يقول: فلان، فقل: ما اسمك بالبصرة ؟ فانه يقول: فلان، فقل كذلك الله ربنا في السماء إله وفي الارض إله، وفي البحار إله، وفي كل مكان إله. قال: فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته فقال: هذه نقلت من الحجاز. بيان: لعل هذا الديصاني لما كان قائلا بإلهين: نور ملكه السماء، وظلمة ملكها الارض، أول الآية بما يوافق مذهبه بأن جعل قوله: وفي الارض إله جملة تامة معطوفة على مجموع الجملة السابقة أي وفي الارض إله آخر، ويظهر من بعض الاخبار أنه كان

[ 324 ]

من الدهريين فيمكن أن يكون استدلاله بما يوهم ظاهر الآية (1) من كونه بنفسه حاصلا في السماء والارض فيوافق ما ذهبوا إليه من كون المبدء الطبيعة فإنها حاصلة في الاجرام السماوية والاجسام الارضية معا، فأجاب عليه السلام بأن المراد أنه تعالى مسمى بهذا الاسم في السماء وفي الارض، والاكثرون على أن الظرف متعلق بالاله، لانه بمعنى المعبود، أو مضمن معناه كقولك: هو حاتم في البلد. 22 - يد: القطان والدقاق معا، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن محمد بن عبيد الله، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن بن أسود، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله صديقان يهوديان قد آمنا بموسى رسول الله وأتيا محمدا صلى الله عليه وآله وسمعا منه، وقد كانا قرءا التورية وصحف إبراهيم عليه السلام، وعلما علم الكتب الاولى فلما قبض الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وآله أقبلا يسألان عن صاحب الامر بعده وقالا: إنه لم يمت نبي قط إلا وله خليفة يقوم بالامر في امته من بعده، قريب القرابة إليه من أهل بيته، عظيم القدر، (2) جليل الشأن. فقال أحدهما لصاحبه: هل تعرف صاحب الامر من بعد هذا النبي ؟ قال الآخر: لا أعلمه إلا بالصفة التي أجدها في التورية هو الاصلع (3) المصفر فإنه كان أقرب القوم من رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما دخلا المدينة وسألا عن الخليفة ارشد إلى أبي بكر، فلما نظرا إليه قالا: ليس هذا صاحبنا، ثم قالا له: ما قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: إني رجل من عشيرته، وهو زوج ابنتي عائشة قالا: هل غير هذا ؟ قال: لا، قالا: ليست هذه بقرابة فأخبرنا أين ربك ؟ قال: فوق سبع سماوات ! قالا: هل غير هذا ؟ قالا: لا. قالا: دلنا على من هو أعلم منك، فإنك أنت لست بالرجل الذي نجد في التورية أنه وصي هذا النبي وخليفته. قال: فتغيظ من قولهما، وهم بهما، (4) ثم أرشدهما إلى عمر، وذلك أنه عرف من عمر أنهما إن


(1) أو يكون استدلاله بظاهرها على وقوع التناقض في القرآن فيكون صادرا من غير حكيم فيكون فيها قوة له من إنكاره الصانع وبطلان الشرائع. (2) وفى نسخة: عظيم الخطر. (3) الاصلع: من سقط شعر مقدم رأسه. (4) أي عزم على قتلهما.

[ 325 ]

استقبلاه بشئ بطش بهما، (1) فلما أتياه قالا: ما قرابتك من هذا النبي، قال: أنا من عشيرته، وهو زوج ابنتي حفصة. قالا: هل غير هذا ؟ قال: لا. قالا: ليست هذه بقرابة وليست هذه الصفة التي نجدها في التورية، ثم قالا له: فأين ربك ؟ قال: فوق سبع سماوات ! قالا: هل غير هذا ؟ قال: لا. قالا: دلنا على من هو أعلم منك فأرشدهما إلى علي عليه السلام فلما جاءاه فنظرا إليه قال أحدهما لصاحبه: إنه الرجل الذي صفته في التورية، إنه وصي هذا النبي، وخليفته وزوج ابنته، وأبو السبطين والقائم بالحق من بعده. ثم قالا لعلي عليه السلام: أيها الرجل ما قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: هو أخي وأنا وارثه ووصيه، وأول من آمن به، وأنا زوج ابنته. قالا: هذه القرابة الفاخرة والمنزلة القريبة، وهذه الصفة التي نجدها في التورية فأين ربك عزوجل ؟. قال لهما علي عليه السلام: إن شئتما أنبأتكما بالذي كان على عهد نبيكما موسى عليه السلام، وإن شئتما أبنأتكما بالذي كان على عهد نبينا محمد صلى الله عليه وآله. قالا: أنبئنا بالذي كان على عهد نبينا موسى عليه السلام. قال علي عليه السلام: أقبل أربعة أملاك: ملك من المشرق، وملك من المغرب، وملك من السماء، وملك من الارض، فقال صاحب المشرق لصاحب المغرب: من أين أقبلت ؟ قال: أقبلت من عند ربي، وقال صاحب المغرب لصاحب المشرق: من أين أقبلت ؟ قال: أقبلت من عند ربي، وقال النازل من السماء للخارج من الارض: من أين أقبلت ؟ قال: أقبلت من عند ربي، وقال الخارج من الارض للنازل من السماء: من أين أقبلت ؟ قال: أقبلت من عند ربي فهذا ما كان على عهد نبيكما موسى عليه السلام. وأما ما كان على عهد نبينا فذلك قوله في محكم كتابه: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ". الآية.


(1) أي فتك بهما وأخذهما بصولة وشدة.

[ 326 ]

قال اليهوديان: فما منع صاحبيك أن يكونا جعلاك في موضعك الذي أنت أهله ؟ فوا الذي أنزل التورية على موسى إنك لانت الخليفة حقا، نجد صفتك في كتبنا ونقرؤه في كنائسنا، وإنك لانت أحق بهذا الامر وأولى به ممن قد غلبك عليه. فقال علي عليه السلام: قدما وأخرا وحسابهما على الله عزوجل يوقفان ويسألان. 23 - يد: العطار، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سيعد، عن القاسم ابن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: جاء رجل إلى أبي جعفر عليه السلام فقال له: يا أبا جعفر أخبرني عن ربك متى كان ؟ فقال: ويلك إنما يقال لشئ لم يكن فكان: " متى كان " إن ربي تبارك وتعالى كان لم يزل حيا بلا كيف، ولم يكن له كان، ولا كان لكونه كيف، ولا كان له أين، ولا كان في شئ، ولا كان على شئ، ولا ابتدع لكانه مكانا. (1) الخبر. 24 - يد: وروي أنه سئل أمير المؤمنين عليه السلام: أين كان ربنا قبل أن يخلق سماءا وأرضا ؟ فقال عليه السلام: " أين " سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان. 25 - يد: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن أبان، عن ابن اورمة، (2) عن ابن محبوب، عن صالح بن حمزة، عن أبان، عن أسد، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زعم أن الله في شئ أو من شئ أو على شئ فقد أشرك، لو كان عز وجل على شئ لكان محمولا، (3) ولو كان في شئ لكان محصورا، ولو كان من شئ لكان محدثا. (4)


(1) كذا فيما عندنا من النسخ، وفى التوحيد المطبوع: ولا ابتدع لكونه مكانا. وفي نسخة اخرى منه: ولا ابتدع لمكانه مكانا. (2) بضم الهمزة وإسكان الواو وفتح الراء المهملة، كذا في الخلاصة. وأورد النجاشي وغيره ترجمته في كتبهم، قال النجاشي في ص 231 من رجاله: محمد بن اورمة أبو جعفر القمى ذكره القميون وغمزوا عليه ورموه بالغلو، حتى دس عليه، من يفتك به فوجدوه يصلى من أول الليل إلى آخره فتوقفوا عنه، وحكى جماعة من شيوخ القميين، عن ابن الوليد أنه قال: محمد بن اورمة طعن عليه بالغلو، فكل ما كان في كتبه مما وجد في كتاب الحسين بن سعيد وغيره فقل به، وما تفرد به فلا تعتمده، وقال بعض أصحابنا: إنه رأى توقيعات أبى الحسن الثالث عليه السلام إلى أهل قم في معنى محمد بن اورمة وبراءته مما قذف به، وكتبه صحاح إلا كتابا ينسب إليه ترجمته تفسير الباطن فانه مختلط. (3) ولازمه جسميته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. (4) يأتي الحديث بطريق آخر عن المفضل تحت الرقم 39.

[ 327 ]

بيان: لكان محمولا أي محتاجا إلى ما يحمله. قوله عليه السلام: محصورا أي عاجزا ممنوعا عن الخروج عن المكان، أو محصورا بذلك الشئ ومحويا به فيكون له انقطاع و انتهاء فيكون ذا حدود وأجزاء. 26 - يد: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن حماد بن عمرو، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كذب من زعم أن الله عزوجل في شئ، أو من شئ، أو على شئ. قال الصدوق رحمه الله: الدليل على أن الله عزوجل لا في مكان أن الاماكن كلها حادثة، وقد قام الدليل على أن الله عزوجل قديم سابق للاماكن، وليس يجوز أن يحتاج الغني القديم إلى ما كان غنيا عنه، ولا أن يتغير عما لم يزل موجودا عليه، فصح اليوم أنه لا في مكان كما أنه لم يزل كذلك، وتصديق ذلك ما حدثنا به القطان، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن سليمان المروزي، عن سليمان بن مهران قال: قلت لجعفر بن محمد عليهما السلام هل يجوز أن نقول: إن الله عز وجل في مكان ؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك إنه لو كان في مكان لكان محدثا لان الكائن في مكان محتاج إلى المكان، والاحتياج من صفات الحدث، لا من صفات القديم. 27 - يد: الدقاق، عن الاسدي، عن البرمكي، عن علي بن عباس، عن الحسن ابن راشد، عن يعقوب بن جعفر الجعفري، عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال: إن الله تبارك وتعالى كان لم يزل بلا زمان ولا مكان، وهو الآن كما كان، لا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان، ولا يحل في مكان، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلا هو الكبير المتعال. (1)


(1) من غرر الاحاديث، وكون الخلق حجابا بأنفسهم نظير قول الرضا عليه السلام في خطبته الاتية تحت رقم 3 من باب جوامع التوحيد: " حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها غيرها " الخطبة. معناه استحالة المعاينة بالاحاطة إذ لا يمكن ذلك إلا بارتفاع الحجاب ومع ارتفاع الحجاب الذى هو نفس الخلق لا يبقى موضوع الخلق هذا. وهذا الكلام إذا انضم إلى قول أمير المؤمنين *

[ 328 ]

بيان: قوله: غير خلقه أي ليس الحجاب بينه وبين خلقه إلا عجز المخلوق عن الاحاطة به. وقوله: محجوب إما نعت لحجاب، أو خبر مبتدء محذوف، فعلى الاول فهو إما بمعنى حاجب إذ كثيرا ما يجيئ صيغة المفعول بمعنى الفاعل كما قيل في قوله تعالى: " حجابا مستورا " أو بمعناه ويكون المراد أنه ليس له تعالى حجاب مستور، بل حجابه ظاهر وهو تجرده وتقدسه وعلوه عن أن يصل إليه عقل أو وهم، ويحتمل على هذا أن يكون المراد بالحجاب الحجة الذي أقامه بينه وبين خلقه فهو ظاهر غير مخفي، ويحتمل أيضا أن يكون المراد به أنه لم يحتجب بحجاب مخفي فكيف الظاهر. وأما على الثاني فالظرف متعلق بقوله: محجوب أي هو محجوب بغير حجاب، وههنا احتمال ثالث و هو أن يكون محجوب مضاف إليه بتقدير اللام، وإجراء الاحتمالات في الفقرة الثانية ظاهر، وهي إما تأكيد للاولى أو الاولى إشارة إلى الاحتجاب عن الحواس والثانية إلى الاستتار عن العقول والافهام. 28 - يد: محمد بن إبراهيم بن إسحاق الفارسي، عن أحمد بن محمد النشوي، عن أحمد ابن محمد الصفدي، عن محمد بن يعقوب العسكري وأخيه معاذ معا، عن محمد بن سنان الحنظلي عن عبد الله بن عاصم، عن عبد الرحمن بن قيس، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان الفارسي في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها ثم ارشد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فسأله عنها فأجابه، فكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن وجه الرب تبارك وتعالى، فدعا علي عليه السلام بنار وحطب فأضرمه فلما اشتعلت قال علي عليه السلام: أين وجه هذه النار ؟ قال النصراني: هي وجه من جميع حدودها. قال علي عليه السلام هذه النار مدبرة مصنوعة لا تعرف وجهها، وخالقها لا يشبهها ؟ ولله المشرق والمغرب


* عليه السلام في خطبته الاتية تحت رقم 34 من باب جوامع التوحيد: " حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه غير خلقه " الخطبة أفاد أن العباد لو انصرفوا عن الاشتغال بأنفسهم واتباع هواهم وتوجهوا إلى ربهم لاشرقت عليهم أنوار العظمة الالهيته، وهذا هو الذى يعبر عنه برؤية القلب كما مر في عدة من الاخبار في باب نفى الرؤية. ط

[ 329 ]

فأينما تولوا فثم وجه الله، لا يخفى على ربنا خافية. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. 29 - يد: الاشناني، عن علي بن مهرويه، عن داود بن سليمان، عن الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن موسى بن عمران لما ناجى ربه قال: يا رب أبعيد أنت مني فاناديك، أم قريب فاناجيك، فأوحى الله جل جلاله إليه: أنا جليس من ذكرني. فقال موسى: يا رب إني أكون في حال اجلك أن أذكرك فيها. فقال: يا موسى اذكرني على كل حال. 30 - يد: محمد بن إبراهيم الفارسي، عن أبي سعيد الرمحي، عن محمد بن عيسى الواسطي، عن محمد بن زكريا المكي قال: أخبرني مليف - مولى جعفر بن محمد - قال: حدثنى سيدي جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: كان الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام (1) يصلي فمر بين يديه رجل فنهاه بعض جلسائه فلما انصرف من صلاته قال له: لم نهيت الرجل ؟ قال: يا ابن رسول الله حظر فيما بينك وبين المحراب. فقال: ويحك إن الله عزوجل أقرب إلي من أن يحظر فيما بيني وبينه أحد. 31 - يد: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن الحسين بن اشكيب، (2) عن هارون بن عقبة، عن أسد بن سعيد، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قال الباقر عليه السلام: يا جابر ما أعظم فرية أهل الشام على الله عزوجل، يزعمون أن الله تبارك وتعالى حيث صعد إلى السماء وضع قدمه على صخرة بيت المقدس، ولقد وضع عبد من عباد الله قدمه على حجر (3) فأمرنا الله تبارك وتعالى أن نتخذه مصلى، يا جابر إن الله تبارك و تعالى لا نظير له ولا شبيه، تعالى عن صفة الواصفين، وجل من أوهام المتوهمين، و احتجب عن أعين الناظرين، لا يزول مع الزائلين، ولا يأفل مع الآفلين، ليس كمثله شئ، وهو السميع العليم.


(1) وفى نسخة: كان الحسين بن على بن أبى طالب عليهما السلام. (2) بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة أو السين المهملة، والكاف والياء المثناة من تحت والباء الموحدة. (3) وفى نسخة: على صخرة.

[ 330 ]

32 - يد: الدقاق، عن الاسدي، عن البرمكي، عن علي بن عياش، عن الحسن ابن راشد، عن يعقوب بن جعفر، عن أبي إبراهيم عليه السلام أنه قال: لا أقول: إنه قائم فازيله عن مكانه، ولا أحده بمكان يكون فيه، ولا أحده أن يتحرك في شئ من الاركان والجوارح، ولا أحده بلفظ شق فم، ولكن كما قال تبارك وتعالى: كن فيكون بمشيئته، من غير تردد في نفس، فرد صمد لم يحتج إلى شريك يكون له في ملكه، ولا يفتح له أبواب علمه. ج: عن يعقوب مثله. 33 - يد: السناني، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان، ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. 34 - يد: محمد بن إبراهيم بن إسحاق العزائمي، عن أحمد بن محمد بن رميح، (1) عن عبد العزيز بن إسحاق، عن جعفر بن محمد الحسني، عن محمد بن علي بن خلف، عن بشر ابن الحسن، عن عبد القدوس، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الاعور، عن علي ابن أبي طالب عليه السلام أنه دخل السوق فإذا هو برجل موليه ظهره يقول: لا والذي احتجب بالسبع، فضرب علي عليه السلام ظهره ثم قال: من الذي احتجب بالسبع ؟ قال: الله يا أمير المؤمنين، قال: أخطأت ثكلتك امك، إن الله عزوجل ليس بينه وبين خلقه حجاب لانه معهم أينما كانوا. قال: ما كفارة ما قلت يا أمير المؤمنين ؟ قال: أن تعلم أن الله معك حيث كنت، قال: اطعم المساكين ؟ قال: لا إنما حلفت بغير ربك. 35 - يد: الدقاق، عن أبي القاسم العلوي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن عن إبراهيم بن هاشم القمي، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن الحكم - في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد الله عليه السلام - قال: سأله عن قوله: " الرحمن على العرش استوى "


(1) في نسخة من التوحيد: عن احمد بن محمد بن وضيح.

[ 331 ]

قال أبو عبد الله عليه السلام: بذلك وصف نفسه، وكذلك هو مستول على العرش بائن من خلقه من غير أن يكون العرش حاملا له، ولا أن يكون العرش حاويا له، ولا أن العرش محتاز له، ولكنا نقول: هو حامل العرش، وممسك العرش، ونقول من ذلك ما قال: " وسع كرسيه السموات والارض " فثبتنا من العرش والكرسي ما ثبته، ونفينا أن يكون العرش أو الكرسي حاويا له، وأن يكون عزوجل محتاجا إلى مكان أو إلى شئ مما خلق، بل خلقه محتاجون إليه. قال السائل: فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها نحو الارض: قال أبو عبد الله عليه السلام: ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواء، ولكنه عز و جل أمر أولياءه وعباده برفع أيديهم إلى السماء نحو العرش لانه جعله معدن الرزق فثبتنا ما ثبته القرآن والاخبار عن الرسول صلى الله عليه وآله حين قال: ارفعوا أيديكم إلى الله عزوجل. وهذا يجمع عليه فرق الامة كلها. قال السائل: فتقول: إنه ينزل إلى السماء الدنيا ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: نقول ذلك، لان الروايات قد صحت به والاخبار. قال السائل: وإذا نزل أليس قد حال عن العرش وحوله عن العرش انتقال ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: ليس ذلك على ما يوجد من المخلوق الذي ينتقل باختلاف الحال عليه والملالة والسأمة وناقل ينقله ويحوله من حال إلى حال، بل هو تبارك وتعالى لا يحدث عليه الحال، ولا يجري عليه الحدوث، فلا يكون نزوله كنزول المخلوق الذي متى تنحى عن مكان خلا منه المكان الاول ولكنه ينزل إلى سماء الدنيا بغير معاناة ولا حركة فيكون هو كما في السماء السابعة على العرش كذلك هو في سماء الدنيا إنما يكشف عن عظمته، ويري أولياءه نفسه حيث شاء، ويكشف ما شاء من قدرته، ومنظره في القرب والبعد سواء. ثم قال: قال مصنف هذا الكتاب: قوله عليه السلام: إنه على العرش إنه ليس بمعنى التمكن فيه، ولكنه بمعنى التعالي عليه بالقدرة يقال: فلان على خير واستعانة على عمل كذا وكذا، ليس بمعنى التمكن فيه والاستقرار عليه، ولكن ذلك بمعنى التمكن منه والقدرة عليه، وقوله في النزول ليس بمعنى الانتقال وقطع المسافة، ولكنه على معنى

[ 332 ]

إنزال الامر منه إلى سماء الدنيا لان العرش هو المكان الذي ينتهى إليه بأعمال العباد من السدرة المنتهى إليه، وقد يجعل الله عزوجل السماء الدنيا في الثلث الاخير من الليل وفي ليالي الجمعة مسافة الاعمال في ارتفاعها أقرب منها في سائر الاوقات إلى العرش. وقوله: يري أولياءه نفسه فإنه يعني بإظهار بدائع فطرته، فقد جرت العادة بأن يقال للسلطان إذا أظهر قوة وقدرة وخيلا ورجلا: قد أظهر نفسه، وعلى ذلك دل الكلام ومجاز اللفظ. أقول: من قوله قال السائل إلى آخر كلامه لم يكن في أكثر النسخ وليس في الاحتجاج أيضا. 36 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، وابن هاشم، عن الحسن بن علي، عن داود بن علي اليعقوبي، (1) عن بعض أصحابنا، عن عبد الاعلى - مولى آل سام - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله يهودي يقال له: سبحت (2) فقال له: يا محمد جئت أسألك عن ربك فإن أجبتني عما أسألك عنه وإلا رجعت. فقال له: سل عما شئت. فقال: أين ربك ؟ فقال: هو في كل مكان، (3) وليس هو في شئ من المكان بمحدود. قال: فكيف هو ؟ فقال: وكيف أصف ربي بالكيف والكيف مخلوق ؟ والله لا يوصف بخلقه. قال: فمن يعلم أنك نبي ؟ قال: فما بقي حوله حجر ولا مدر ولا غير ذلك إلا تكلم بلسان عربي مبين: يا شيخ إنه رسول الله. (4)


(1) بالياء المثناة كما هو المحكى عن الايضاح أو بالباء الموحدة نسبة إلى بعقوبا قرية من قرى البغداد على ما حكى عن الشهيد الثاني رحمه الله، وهو داود بن على الهاشمي المترجم في ص 115 من رجال النجاشي بقوله: داود بن على اليعقوبي الهاشمي أبو على بن داود، روى عن أبى الحسن موسى عليه السلام، وقيل: روى عن الرضا عليه السلام، له كتاب يرويه جماعة، منهم عيسى بن عبد الله العمرى. (2) اختلفت النسخ في ضبطه ففى بعضها " سبحت " با الباء الموحدة ثم الحاء المهملة، وفى بعض آخر بالباء والخاء المعجمة، وفى البحار المطبوع شجت " شبخت خ ل " وضبط بضم السين والباء و سكون الحاء المهملة، وبضم السين وسكون الباء وفتح الحاء، وبضم السين وسكون الباء وضم الخاء المعجمة، وعلى أي حال كان رجلا من ملوك فارس، وكان ذربا، كما يأتي في حديث آخر. (3) في حديث آخر له: فقال: هو في كل مكان موجود بآياته. (4) وفى نسخة: يا سبحت إنه رسول الله.

[ 333 ]

فقال سبحت: بالله ما رأيت كاليوم أبين ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله صلى الله عليه وآله. 37 - ص: الصدوق، عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق: عن أحمد بن محمد بن رميح، عن أحمد بن جعفر، عن أحمد بن علي، عن محمد بن علي الخزاعي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم مثله. ير: إبراهيم بن هاشم، عن الحسن بن علي مثله. 38 - يد: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كذب من زعم أن الله عزوجل من شئ، أو في شئ، أو علي شئ. 39 - يد: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زعم أن الله عزوجل من شئ أو في شئ فقد أشرك. ثم قال: من زعم أن الله من شئ فقد جعله محدثا، ومن زعم أنه في شئ فقد زعم أنه محصور، ومن زعم أنه على شئ فقد جعله محمولا. (1) 40 - يد: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن ابن حميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زعم أن الله عزوجل من شئ، أو في شئ، أو على شئ فقد كفر. قلت: فسر لي. قال: أعني بالحواية من الشئ له، أو بإمساك له، أو من شئ سبقه. 41 - وفي رواية اخرى قال: من زعم أن الله من شئ فقد جعله محدثا، ومن زعم أنه في شئ فقد جعله محصورا، ومن زعم أنه على شئ فقد جعله محمولا. بيان: قوله: بالحواية من الشئ له تفسير لقوله: في شئ، وقوله: أو بإمساك له تفسير لقوله: على شئ، وقوله: أو من شئ سبقه تفسير لقوله: من شئ. 42 - يد: الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن أحمد بن محمد بن عبد الله الصغدي، عن محمد بن يعقوب العسكري وأخيه معاذ معا، عن محمد بن سنان الحنظلي، عن عبد الله بن


(1) تقدم الحديث عن المفضل بطريق آخر تحت الرقم 25.

[ 334 ]

عاصم، عن عبد الرحمن بن قيس، عن أبي الهاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان الفارسي في حديث طويل يذكر في قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى بعد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها، ثم ارشد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فسأله فأجابه فكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن الرب أين هو وأين كان ؟ قال علي صلى الله عليه وآله: لا يوصف الرب جل جلاله بمكان، وهو كما كان، وكان كما هو، لم يكن في مكان، ولم يزل من مكان إلى مكان، ولا أحاط به مكان، بل كان لم يزل بلا حد ولا كيف. قال: صدقت، فأخبرني عن الرب أفي الدنيا هو أو في الآخرة ؟ قال علي عليه السلام: لم يزل ربنا قبل الدنيا هو مدبر الدنيا، وعالم بالآخرة، فأما أن يحيط به الدنيا والآخرة فلا، ولكن يعلم ما في الدنيا والآخرة. قال: صدقت يرحمك الله. ثم قال: أخبرني عن ربك أيحمل أو يحمل ؟ فقال علي عليه السلام: إن ربنا جل جلاله يحمل ولا يحمل. قال النصراني: وكيف ذلك ونحن نجد في الانجيل: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ؟ فقال علي عليه السلام: إن الملائكة تحمل العرش وليس العرش كما تظن كهيئة السرير، ولكنه شئ محدود مخلوق مدبر، وربك عزوجل مالكه لا أنه عليه ككون الشئ على الشئ، وأمر الملائكة بحمله فهم يحملون العرش بما أقدرهم عليه. قال النصراني: صدقت رحمك الله. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. 45 - يد: الدقاق، عن الاسدي، عن البرمكي، عن جذعان بن نصر، عن سهل، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن بن كثير، عن داود الرقي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله عزوجل: " وكان عرشه على الماء " فقال لي: ما يقولون ؟ قلت: يقولون: إن العرش كان على الماء والرب فوقه. فقال: فقد كذبوا، من زعم هذا فقد صير الله محمولا، ووصفه بصفة المخلوقين، وألزمه أن الشئ الذي يحمله أقوى منه. قلت: بين لي جعلت فداك. فقال: إن الله عزوجل حمل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جن أو إنس أو شمس أو قمر، فلما أن أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم: من ربكم ؟ فكان أول من نطق رسول الله وأمير المؤمنين والائمة عليهم السلام فقالوا: أنت ربنا فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة، هؤلاء حملة علمي وديني وامنائي في خلقي، و

[ 335 ]

هو المسؤولون، ثم قيل لبني آدم: أقروا لله بالربوبية، ولهؤلاء النفر بالطاعة. فقالوا: ربنا أقررنا. فقال للملائكة اشهدوا. فقالت الملائكة: شهدنا على أن لا يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين، أو يقولوا: إنما أشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون. يا داود ولايتنا مؤكدة عليهم في الميثاق. قال الصدوق رحمه الله في التوحيد: إن المشبهة تتعلق بقوله عزوجل: " إن ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار " ولا حجة لها في ذلك لانه عزوجل عنى بقوله: استوى على العرش أي ثم نقل العرش إلى فوق السماوات وهو مستولى عليه ومالك له، فقوله عزوجل: " ثم " إنما هو لدفع العرش إلى مكانه الذي هو فيه، ونقله للاستواء، ولا يجوز أن يكون معنى قوله: استوى " استولى " لان الاستيلاء لله تعالى (1) على الملك وعلى الاشياء ليس هو بأمر حادث، بل كان لم يزل مالكا لكل شئ ومستوليا على كل شئ، وإنما ذكر عزوجل الاستواء بعد قوله: " ثم " وهو يعني الرفع مجازا، وهو كقوله: " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين " فذكر " نعلم " مع قوله: " حتى " وهو عزوجل يعني: حتى يجاهد المجاهدون ونحن نعلم ذلك، لان حتى لا يقع إلا على فعل حادث وعلم الله عزوجل بالاشياء لا يكون حادثا، وكذلك ذكر قوله عزوجل: " استوى على العرش " بعد قوله " ثم " وهو يعني بذلك: ثم رفع العرش لاستيلائه عليه، ولم يعن بذلك الجلوس واعتدال البدن، لان الله لا يجوز أن يكون جسما ولا ذا بدن، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (2)


(1) قى نسخة: لان استيلاء الله تعالى. (2) قال السيد الرضى قدس الله روحه في كتابه تلخيص البيان بعد قوله تعالى: " ثم استوى على العرش ": وهذه استعارة، لان حقيقة الاستواء إنما توصف بها الاجسام التى تعلو وتهبط وتميل وتعتدل والمراد بالاستواء ههنا الاستيلاء بالقدرة والسلطان، لا بحلول القرار والمكان، كما يقال: استوى فلان الملك على سرير ملكه بمعنى استولى على تدبير الملك، وملك معقد الامر والنهى، ويحسن صفته بذلك وإن لم يكن له في الحقيقة سرير يقعد عليه، ولا مكان عال يشار إليه، وإنما المراد نفاذ أمره في مملكته، واستيلاء سلطانه على رعيته. فان قيل: فالله سبحانه مستول على كل شئ بقهره وغلبته ونفاذ أمره وقدرته، فما معنى اختصاص *

[ 336 ]

43 - سن: أبي، عمن ذكره قال: اجتمعت اليهود إلى رأس الجالوت، فقالوا: إن هذا الرجل عالم - يعنون به علي بن أبي طالب عليه السلام - فانطلق بنا إليه لنسأله فأتوه فقيل له: هو في القصر، فانتظروه حتى خرج، فقال له رأس الجالوت: يا أمير المؤمنين جئنا نسألك. قال: سل يا يهودي عما بدا لك، قال. أسألك عن ربنا متى كان ؟ فقال: كان بلا كينونة، كان بلا كيف، كان لم يزل بلا كم وبلا كيف، كان ليس له قبل، هو قبل القبل بلا قبل، ولا غاية ولا منتهى غاية، ولا غاية إليها، انقطعت عنه الغايات، فهو غاية كل غاية قال: فقال رأس الجالوت لليهود: امضوا بنا (1) فهذا أعلم مما يقال فيه. (2) بيان: ولا غاية إليها أي ينتهي إليها. 44 - سن: القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي الحسن موسى عليه السلام - وسئل عن معنى قول الله: " على العرش استوى " - فقال: استولى على ما دق وجل. ج: عن الحسن مثله. 45 - يد، مع: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب عن مقاتل بن سليمان قال: سألت جعفر بن محمد عليه السلام عن قول الله عزوجل: " الرحمن على العرش استوى " قال: استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ. 46 - فس: محمد بن أبي عبد الله، عن سهل، عن ابن محبوب، عن محمد بن مارد أن أبا عبد الله عليه السلام سئل عن معنى قول الله عزوجل: " الرحمن على العرش استوى " فقال استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ. يد: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن سهل، مثله.


* العرش بالذكر ههنا ؟ قيل: كما ثبت أنه تعالى رب لكل شئ، وقد قال في صفة نفسه: " رب العرش العظيم " وقال: " رب العرش الكريم ". فان قيل: فما معنى قولنا: عرش الله إن لم يرد بذلك كونه عليه ؟ قيل: كما يقال: بيت الله وان لم يرد كونه فيه، والعرش تطوف به الملائكة تعبدا، كما أن البيت في الارض تطوف به الخلائق تعبدا. (2) وفى نسخة: مروا بنا. (2) وفى الرواية دلالة على كونه تعالى هو المطلوب المطلق لكل شئ.

[ 337 ]

يد: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن سهل، عن الخشاب رفعه عن ابي عبد الله عليه السلام مثله. 47 - يد: أبي، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن ابن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " الرحمن على العرش استوى " فقال: استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ لم يبعد منه بعيد ولم يقرب منه قريب، استوى من كل شئ. بيان: اعلم أن الاستواء يطلق على معان: الاول: الاستقرار والتمكن على الشئ الثاني: قصد الشئ والاقبال إليه. الثالث: الاستيلاء على الشئ. قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق الرابع: الاعتدال يقال: سويت الشئ فاستوى. الخامس: المساواة في النسبة. فأما المعنى الاول فيستحيل على الله تعالى لما ثبت بالبراهين العقلية والنقلية من استحالة كونه تعالى مكانيا، فمن المفسرين من حمل الاستواء في هذه الآية على الثاني أي أقبل على خلقه وقصد إلى ذلك، وقد رووا أنه سئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن هذه الآية فقال: الاستواء: الاقبال على الشئ، ونحو هذا قال الفراء والزجاج في قوله عزوجل: " ثم استوى إلى السماء ". والاكثرون منهم حملوها على الثالث أي استولى عليه وملكه و دبره، قال الزمخشري: لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا استوى فلان على السرير، يريدون ملكه، وإن لم يقعد على السرير ألبتة. وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك، لانه أصرح و أقوى في الدلالة من أن يقال: فلان ملك، ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة بمعنى أنه جواد أو بخيل، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت، حتى أن من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأسا وهو جواد قيل فيه: يده مبسوطة، لانه لا فرق عندهم بينه وبين قولهم: " جواد " انتهى. ويحتمل أن يكون المراد المعنى الرابع بأن يكون كناية عن نفي النقص عنه تعالى من جميع الوجوه فيكون قوله تعالى: على العرش

[ 338 ]

حالية، وسيأتي توجيهه ولكنه بعيد. وأما المعنى الخامس فهو الظاهر مما مر من الاخبار. فاعلم أن العرش قد يطلق على الجسم العظيم الذي أحاط بسائر الجسمانيات، وقد يطلق على جميع المخلوقات، وقد يطلق على العلم أيضا كما وردت به الاخبار الكثيرة، (1) وسيأتي تحقيقه في كتاب السماء والعالم. فإذا عرفت هذا فإما أن يكون عليه السلام فسر العرش بمجموع الاشياء، وضمن الاستواء ما يتعدي بعلى، كالاستيلاء والاستعلاء والاشراف، فالمعنى: استوت نسبته إلى كل شئ حال كونه مستوليا عليها، أو فسره بالعلم ويكون متعلق الاستواء مقدرا أي تساوت نسبته من كل شئ حال كونه متمكنا على عرش العلم، فيكون إشارة إلى بيان نسبته تعالى وإنها بالعلم والاحاطة، أو المراد بالعرش عرش العظمة والجلال والقدرة كما فسر بها أيضا في بعض الاخبار أي استوى من كل شئ مع كونه في غاية العظمة ومتمكنا على عرش التقدس والجلالة، والحاصل أن علو قدره ليس مانعا من دنوه بالحفظ و التربية والاحاطة وكذا العكس، وعلى التقادير فقوله: استوى خبر، وقوله: على العرش حال، ويحتمل أن يكونا خبرين على بعض التقادير، ولا يبعد على الاحتمال الاول جعل قوله: على العرش متعلقا بالاستواء بأن تكون كلمة على بمعنى إلى، ويحتمل على تقدير حمل العرش على العلم أن يكون قوله: على العرش خبرا، وقوله: استوى حالا من العرش لكنه بعيد. وعلى التقادير يمكن أن يقال: إن النكتة في إيراد الرحمن بيان أن رحمانيته توجب استواء نسبته إيجادا وحفظا وتربية وعلما إلى الجميع بخلاف الرحيمية فإنها تقتضي إفاضة الهدايات الخاصة على المؤمنين فقط، وكذا كثير من أسمائه الحسنى تخص جماعة كما سيأتي تحقيقها. ويؤيد بعض الوجوه التي ذكرنا ما ذكره الصدوق رحمه الله في كتاب العقائد حيث قال: اعتقادنا في العرش أنه جملة جميع الخلق، والعرش


(1) قال الشيخ الطوسى قدس سره في كتابه التبيان ذيل قوله تعالى: " ثم استوى على العرش " في سورة يونس: قيل: إن العرش المذكور ههنا هو السماوات والارض، لانهن من بنائه، والعرش: البناء، ومنه قوله: " يعرشون " أي يبنون، وأما العرش المعظم الذى تعبد الله الملائكة بالحفوف به والاعظام له وعناه بقوله: " الذين يحملون العرش ومن حوله " فهو غير هذا.

[ 339 ]

في وجه آخر هو العلم، وسئل عن الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل الرحمن على العرش استوى فقال: استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ انتهى. وإنما بسطنا الكلام في هذا المقام لصعوبة فهم تلك الاخبار على أكثر الافهام. اقول: قد مرت الاخبار المناسبة لهذا الباب في باب إثبات الصانع، وباب نفي الجسم والصورة، وسيأتي في باب احتجاج أمير المؤمنين صلوات الله عليه على النصارى، وباب العرش والكرسي، وباب جوامع التوحيد. إلى هنا تم الجزء الثالث من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة المزدانة بتعاليق نفيسة قيمة وفوائد جمة ثمينة، ويساوي هذا المجلد مع 104 صفحة من ثاني أجزاء الطبع رحمانيته توجب استواء نسبته إيجادا وحفظا وتربية وعلما إلى الجميع بخلاف الرحيمية فإنها تقتضي إفاضة الهدايات الخاصة على المؤمنين فقط، وكذا كثير من أسمائه الحسنى تخص جماعة كما سيأتي تحقيقها. ويؤيد بعض الوجوه التي ذكرنا ما ذكره الصدوق رحمه الله في كتاب العقائد حيث قال: اعتقادنا في العرش أنه جملة جميع الخلق، والعرش


(1) قال الشيخ الطوسى قدس سره في كتابه التبيان ذيل قوله تعالى: " ثم استوى على العرش " في سورة يونس: قيل: إن العرش المذكور ههنا هو السماوات والارض، لانهن من بنائه، والعرش: البناء، ومنه قوله: " يعرشون " أي يبنون، وأما العرش المعظم الذى تعبد الله الملائكة بالحفوف به والاعظام له وعناه بقوله: " الذين يحملون العرش ومن حوله " فهو غير هذا.

[ 339 ]

في وجه آخر هو العلم، وسئل عن الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل الرحمن على العرش استوى فقال: استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ انتهى. وإنما بسطنا الكلام في هذا المقام لصعوبة فهم تلك الاخبار على أكثر الافهام. اقول: قد مرت الاخبار المناسبة لهذا الباب في باب إثبات الصانع، وباب نفي الجسم والصورة، وسيأتي في باب احتجاج أمير المؤمنين صلوات الله عليه على النصارى، وباب العرش والكرسي، وباب جوامع التوحيد. إلى هنا تم الجزء الثالث من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة المزدانة بتعاليق نفيسة قيمة وفوائد جمة ثمينة، ويساوي هذا المجلد مع 104 صفحة من ثاني أجزاء الطبع الكمپاني ويحوي 276 حديثا في 14 بابا والله الموفق للخير والرشاد جمادي الثانية 1376 ه‍.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية