الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الأربعين- محمد طاهر القمي الشيرازي

كتاب الأربعين

محمد طاهر القمي الشيرازي


[ 1 ]

الأربعين في امامة الأئمة الطاهرين للعلامة المحقق المتكلم محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي النجفي القمي المتوفى سنة (1098) ه‍ ق تحقيق السيد مهدي الرجائي

[ 2 ]

هوية الكتاب: اسم الكتاب: الأربعين في امامة الأئمة الطاهرين المؤلف: الشيخ محمد طاهر القمي الشيرازي المحقق: السيد مهدي الرجائي المطبعة: مطبعة الأمير الطبعة: الاولى تاريخ الطبع: 1418 ه‍ ق عدد الطبع: 1000 نسخة الناشر: المحقق العنوان: قم المقدسة - ص ب 753 - 37185 - تلفون وفاكس 732067 الجمهورية الاسلامية الايرانية

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم القارئ العزيز: بين يديك كتاب جليل في بابه، خطير في موضوعه، دقيق في عرضه، قوي في حجته، يتناول قضية هي من أهم القضايا الدينية في الصميم، وهي قضية الامامة، والتي احتلت المساحة الكبرى من اصول الاعتقاد، وليس هناك قضية دينية اختصت بالأهمية والخطورة كهذه القضية، وذلك لأن الاصول الاعتقادية الاخرى، من التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وما يتفرع عليها، وان وقع الاختلاف فيها بين المسلمين، الا أن الاتفاق على كبرياتها حاصل بينهم. وأما هذه القضية وهي مسألة الامامة، فقد وقع الاختلاف فيها كبرى وصغرى، وكان من نتيجة هذا الاختلاف أن افترق المسلمون الى فرقتين كبيرتين، وانشعب من كل منهما فرق اخرى، وكل فرقة تدعي أنها أصابت الحق فيما ذهبت إليه. الشيعة الامامية: ثم ان هذه الفرق على تعددها واختلاف نظراتها يجمعها الاسمان المتباينان الشيعة والسنة، واسم الشيعة وان كان يشمل عدة فرق، الا أنه انحصر واختص بالشيعة الامامية الاثنى عشرية، وأصبح علما على هذه الطائفة، بحيث أصبح المتبادر من اطلاقه هم دون سواهم ممن تسمى بهذا الاسم، وذلك: أولا: لما ابتنت عليه اصول عقيدتهم من مشايعة أمير المؤمنين وأولاده عليهم السلام ومتابعتهم منذ عهد الرسالة والى يوم الناس هذا. وثانيا: لصراحتهم في ابداء عقيدتهم واظهارها، وان كانت على خلاف ما عليه

[ 4 ]

سائر الناس. وثالثا: لكونهم مستهدفين من قبل خصومهم، وكانوا في الواجهة يقارعون الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، من دون تخاذل في ابداء عقيدتهم، أو تهاون في اقامة حجتهم، مستعذبين كل ما خالهم أو ينالهم من صنوف الأذى والظلم من قبل خصومهم، مستسهلين كل عسير في الثبات على هذا المبدأ الذي ساقتهم إليه الحجج القطعية، عقليها ونقليها، الأمر الذي أدى على ثبات مذهبهم راسخا برغم الهزات العنيفة، والضربات القاسية التي تلقوها من قبل خصومهم عبر التاريخ. الامامة في نظر الشيعة: وقد بحث علماء كل فرقة مسألة الامامة من جميع جوانبها، ووضعت من أجلها آلاف الكتب التي تناولت أدق تفاصيلها، وأدلت كل فرقة بحجتها لتبرهن على صحة مدعاها، وكان للشيعة الامامية النصيب الأوفى، وقد حازت قصب السبق في هذا المضمار، فانها عندهم أصل من اصول الدين. ومنذ اليوم الأول لهذه القضية بادر الشيعة الامامية الى اثبات دعواهم بالحجة والبرهان، وكان سليم بن قيس الهلالي - وهو من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام - هو أول من صنف كتابا يتناول هذه القضية، مبرهنا فيه على أحقية ما تذهب إليه الشيعة الامامية. ناهيك بما أثر عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام حول هذا الأمر، وما حفظه الرواة والمؤرخون من المسلمين، مما هو مستند الشيعة في اثبات أحقية ما ذهبوا إليه. وتوالت المؤلفات والمصنفات جيلا بعد جيل، حتى زخرفت المكتبة الاسلامية بمختلف الكتب على اختلاف أحجامها، وان كانت لم تسلم من محائلات التعتيم والطمس والاخفاء من قبل خصومهم. ومرد ذلك الى أن مذهب الشيعة لم يكن في يوم من أيامه على ارتباط بالسلطنة

[ 5 ]

الحاكمة لتتولي الدعاية له، وان كان الحكم قد وصل في بعض الفترات الى بعض الشيعة، الا أنه لم يكن هؤلاء الحكام يمثلون المذهب، وانما كان المذهب قائما بذاته، مستقلا في آرائه ونظراته، بعكس ما كانت عليه المذاهب الاخرى، مضافا الى صراحتهم في عرض أدلتهم، وشهادة خصومهم على مدعاهم. وخلاصة القول: ان الشيعة الامامية كانت لهم الريادة في اثبات قضية الامامة من خلال ما كتبوا وصنفوا عبر تاريخهم المعطار، وان نظرة عاجلة الى فهارس مصنفات الشيعة تؤكد هذه الحقيقة. شبهة وجوابها: ولعل قائلا يقول: ما بالنا نشغل أفكارنا بأمر قد أكل الدهر عليه وشرب ؟ ومسألة الامامة والخلافة انتهت بنهاية عهدها، فلا حاجة تدعونا الى الكتابة والتحقيق حولها، بل قد يترتب عليه من الاثار السلبية ما يقعدنا عن الاهتمام بقضايانا المعاصرة المهمة، والتي نحن فيها أحوج ما نكون الى الالتفات إليها، مضافا الى أن في ذلك نبشا للماضي، واثارة للنعرات الطائفية، واحداث الشقاق وتعميق هوة الخلاف بين المسلمين. وجوابنا عن ذلك يتلخص في امور، وهي: أولا: أن هذه القضية في الدين من الصميم، وحيث أننا من أتباع هذا الدين العظيم، فلابد من البحث والتحقيق، لنحدد بذلك تكليفنا الشرعي بحسب طاقتنا، ونكون على بصيرة من أمرنا، فان أمامنا معاد وحساب وجنة ونار، فان الحق تعالى يقول: وقفوهم انهم مسئولون. وثانيا: أن القضايا الدينية حية لا تموت، فان شريعة الاسلام هي خاتمة الشرائع الالهية للعباد، ولا معنى للتفاضي والتغافل عن أهم قضية فيه. وثالثا: أن الله تعالى يقول: الحق أحق أن يتبع والبحث عن الحقيقة أمر

[ 6 ]

يفرضه الوجدان والبرهان، وليس على الباحث عن الحق ليتبعه غضاضة، وان أغضب قوما أو أساء آخرين، كما أنه ليس من القضايا ما هو أهم من قضايا الدين ومسائله. ورابعا: أن الباحث العاقل يتبع مؤدي الدليل، ورائده في ذلك الحق، فان به تعرف الرجال، لا أنه يعرف بالرجال، ولا ملزم لتقييد النفس بأغلال العصبية والتقليد، وإذا كان بعض الأوائل قد أخطأ، فما الداعي للسكوت عن أخطائهم، أو الوقوع فيما وقعوا فيه، فان تقييم الأشخاص انما يتم على طبق المعايير الشرعية والعقلية، وإذا كان رائد الجميع هو احقاق الحق، فليس في ذلك اثارة لنعرة طائفية، أو تعميق لهوة الخلاف. وخامسا: أن ظاهر هذه المقولة براق خلاب، قد ينخدع بها البعض، الا أنها في الواقع تنطوي على الدعوة الى اهمال القضايا الدينية الحساسة ذات الأهمية، وقد ينجر ذلك الى التشكيك والانكار. وقد منيت طائفتنا بتشكيك بعض أبنائها ممن لا يمثل الطائفة، وليس رأيه معتمدا فيها، في بعض الاصول المسلمة، استنادا الى نظرات خيالية خالية عن التحقيق العلمي، وتمسكا بشعارات فارغة، الأمر الذي أدى الى احداث الاضطراب في المجتمع المؤمن، واستغلها الخصم للكيد للشيعة الامامية بمختلف الأسالبيب. وصفوة القول: ان هذه الدعوة لا تنسجم مع الاصول الدينية القائمة على الحجة والبرهان. دعوة مخلصة: ومن خلال ما ذكرنا آنفا تتجلى أهمية هذه القضية، وخطورتها، وضرورة تعاهدها بالتأكيد والتأييد، فان في ذلك نصرة للدين، واعزازا للحق، ودفعا للباطل.

[ 7 ]

ولذا نهيب بالغيارى من العلماء والمؤمنين، وذوي الأقلام والتحقيق، وندعوهم بكل اصرار واخلاص الى الالتفات الى ضرورة المواصلة والمتابعة في هذا الموضوع ونظائره من القضايا الدينية - وكل قضايا الدين مهمة - فان المسؤولية ثقيلة، وكلكم مسؤول، وفي ذلك احقاق للحق، ورد على كل من يحاول التشكيك في الحقائق معتمدا على خياله، ومحق للباطل وقد قال الحق تعالى ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم. المؤلف والمؤلف: أما المؤلف، فهو أحد أعلامنا الأبرار الذين صدعوا عن الحق، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، وقد تجلت فيه الصراحة في القول والقوة في الحجة، والسعة في الاطلاع، والدقة في البحث والتحقيق، وسيأتي التعريف به قريبا. وأما المؤلف، فهو هذا الكتاب الماثل بين يديك، قارئ العزيز: وهو أحد الكتب المهمة والذي تناول موضوع الامامة بكل صراحة ووضوح. وبمناسبة الحديث عن هذا الكتاب نشير الى أنه قد تم - بتوفيق الله تعالى وعنايته قبل أقل من عام - اخراج كتاب يعد صنوا لهذا الكتاب، وهو كتاب الأربعين في اثبات امامة أمير المؤمنين عليه السلام للعلامة الفقيه المحدث الشيخ سليمان الماحوزي البحراني قدس سره وكان له الأثر الطيب على نفوس المؤمنين من العلماء وغيرهم، ونحمد الله تعالى على توفيقه ومنه. وهذا الكتاب هو الأخ الثاني لذلك الكتاب، ويتناول نفس الموضوع، وعلى نفس المنهاج، وإذا كان لكل كتاب امتيازاته الخاصة، وقد وقف القراء الكرام على ما امتاز به كتاب الشيخ الماحوزي، فلهذا الكتاب أيضا ما اختص به من الامتيازات.

[ 8 ]

مزايا الكتاب وخصائصه: ويمتاز هذا الكتاب عن غيره من سائر الكتب التي تناولت هذا الموضوع بعدة امور، يمكننا اجمالها فيما يلي: أولا: أشاد بالكتاب وجلالته كل من ذكره أو ذكر المؤلف: فقد قال المحقق الصفائي الخوانساري في كشف الأستار: كتاب الأربعين، وهذا الكتاب من جملة كتب العالم الماهر صاحب المناقب والمفاخر، المولى محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي ثم النجفي ثم القمي، في اثبات امامة أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين عليهم السلام، ذكر فيه أربعين دليلا، وهو كتاب نافع كثير الفوائد، توجد نسخ منه عندي، والحق أنه من طرائف الكتب، وطرز استدلاله على امامة الطاهرين عجيب من متفرداته (1). وقال المحقق الخوانساري في الروضات في حقه: كتاب لطيف جدا، فيه نوادر من الأخبار الطريفة. وقال المحقق التبريزي في مرآت الكتب: وكتابه هذا مشتمل على فاتحة وأربعين دليلا على خلافة أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين عليهم السلام وخاتمة. أما الفاتحة، ففي ذكر النصوص الواردة في كتب أهل السنة، وقريب من نصف الكتاب مختص بذلك، والخاتمة في ذكر بعض اعتقادات الأئمة الأربعة لأهل السنة في الاصول والفروع، والكتاب يقرب من أربعة عشر ألف بيت، وهذا الكتاب ليس كسائر الأربعينيات مما جمع أربعين حديثا، بل هو أربعين دليلا (2). أقول: وهو كما قال المحقق التبريزي أن نصف الكتاب تقريبا يشتمل على فاتحة الكتاب، ولقد أكثر النقل عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي فيما يتعلق


(1) كشف الأستار 2: 241. (2) مرآت الكتب 2: 21.

[ 9 ]

بمسألة اثبات الامامة والخلافة ومسألة السقيفة وغيرها، وكذا ما يتعلق بالفضائل والمناقب لأهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام. وقال المحدث النوري في الفيض القدسي في حقه: ذكر فيه أربعين دليلا، وهو كتاب نافع كثير الفوائد. وقال المحقق الطهراني في الذريعة: الأربعون دليلا في امامة الأئمة الطاهرين عليهم السلام، جمع في الأربعين هذا أربعين دليلا في اثبات الامامة، مبدوة بفاتحة في خصوص الأخبار المروية في كتب المخالفين بطرقهم في امامة أمير المؤمنين عليه السلام، وحصر تلك الأخبار في أنواع، والنوع السادس منها حديث (من كنت مولاه) وتعرض فيه لبعض عقائد العامة في الفروع والاصول، وسماه بالأربعين في امامة الأئمة الطاهرين، رأيته في خزانة كتب العلامة المولى محمد علي الخوانساري في النجف (1) وقال فيه ايضا: وهو من الكتب الكلامية، وان عبر عنه في امل الآمل بكتاب الأربعين في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، الظاهر في أنه من كتب الحديث، لأن فيه أربعين حديثا في الفضائل (2) انتهى. أقول: ما ذكره أخيرا غير صحيح، وذلك أنه غير منحصر بأربعين حديثا حسب، بل يشتمل على مآت الاحاديث في الفضائل والمناقب لأهل البيت عليهم السلام، والكتاب مقصور فقط على نقل أربعين دليلا من الكتاب والسنة والعقل على اثبات امامة أمير المؤمنين وأولاده المعصومين عليهم السلام. وقال المؤلف عن كتابه: جمعت في هذا الكتاب أدلة قاطعة على امامتهم، هن خير البراهين، مفتتحا بالنصوص الواردة في كتب المخالفين على امامة مولانا


(1) الذريعة 1: 419. (2) الذريعة 1: 435.

[ 10 ]

ومولى الأنام أمير المؤمنين عليه السلام، مع الأجوبة الواضحة عن تأويلات المعاندين، وشبهات المخاصمين، ومختتما ببيان عقائد أهل السنة في الفروع واصول الدين. وثانيا: تميز الكتاب بالبيان الواضح، مع أنه يتناول أهم المسائل الكلامية الخلافية. وثالثا: اشتمل الكتاب على التتبع الواسع لكثير من المصادر المختلفة، ولاسيما الكتب السنية، وحاكمها المؤلف محاكمة علمية رصينة، اعتمدت على الحجج القاطعة والبراهين الصريحة، وأثبت التناقضات التي وقع فيها علماء السنة من خلال ما أودعوه كتبهم. ورابعا: رصد الكتاب وبصورة تثير العجب كل ما أودعه ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة في خصوص مسألة الامامة، وما يرتبط بها من الأحداث والاشخاص، وكشف الكتاب عن كثير من مغالطات ابن ابي الحديد، كما سيقف القارئ الكريم على ذلك. وخامسا: تميز الكتاب بالصراحة في ابداء النظر واعلان الحقيقة، مستندا في ذلك الى مختلف المصادر السنية الموثوقة عندهم، وكأن لسان حال المؤلف يقول: هاؤم اقرؤا كتابيه. وسادسا: ربما يلاحظ على الكتاب كثرة الاستطرادات، حتى يخال القارئ ان المؤلف قد خرج عن موضوع البحث ثم يعود، وسيقف القارئ العزيز على ذلك في مباحث الكتاب، ولئن حسب البعض ان ذلك عيبا في التاليف، الا انه يعد من حسنات هذا الكتاب ومميزاته، وذلك لاهمية موضوع الكتاب وخطورته، واقتضاء المقام اشباعه بحثا وتحقيقا من جميع جهاته. واخيرا فهذا الكتاب ثمرة يانعة من ثمرات الولاء لآل محمد عليهم السلام وحري بكل من يقف على هذا الكتاب ان يقرأه كله، ليري ان الشيعة الامامية على بصيرة من امرها في ولائها لاولياء الله، وبرائتها من اعداء الله، مسنندة في كل ما تعتقل الى

[ 11 ]

أقوى الحجج والبراهين. ثبتنا الله جميعا على القول الثابت، وجعلنا من المتمسكين بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، ووفقنا لاتباع الحق وخدمته والدفاع عنه، والحمد لله رب العالمين. هذا ما يتعلق بالكتاب وموضوعه، وأما ما يتعلق بالمؤلف فسنعرض بعضا من أحواله فيما يلي: اسمه ونسبه: هو المولى الجليل الشيخ محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي النجفي القمي. والشيرازي نسبة الى بلدة شيراز، وكان أصل المترجم منها، ولعل ولادته أيضا كانت فيها. والنجفي نسبة الى النجف الأشرف، وكان منشأه ومراحل تحصيله واكتسابه العلوم والمعارف فيها، وله اجازة من بعض الأعلام فيها، كما سيأتي. والقمي نسبة الى بلدة قم المقدسة، وذلك لأنه بعد اتمام مراحل تحصيله في النجف الأشرف انتقل الى قم المقدسة، وصار زعيما ومرجعا فيها، وحظي بمرتبة شيخ الاسلام وامام الجمعة والجماعة فيها، وكان رئيسا مطاعا فيها، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، الى أن قضى نحبه فيها، فهو شيرازي الأصل نجفي المنشأ قمي المدفن. مكانته العلمية والعملية: لقد ذكر الرجاليون المترجم في أكثر المعاجم الرجالية، وأثنوا عليه بجميل الثناء والاطراء، وأذعنوا جميعا بكمالاته الجليلة ومقاماته الرفيعة، وفوزه بالمرتبة العليا من الاخلاص والولاء لاهل البيت عليهم السلام، والذب عن حريمهم، وابطال شبه المخالفين والملحدين من الصوفية وغيرهم، واليك نص عباراتهم:

[ 12 ]

قال العلامة المجلسي قدس سره في البحار: المولى الاجل العالم الورع، مولانا محمد طاهر القمي قدس سره (1). وقال المولى الشيخ محمد الاردبيلي في جامع الرواة بعد ذكر اسمه، مد ظله العالي، الامام العلامة، المحقق المدقق، جليل القدر عظيم المنزلة، دقيق الفطنة، ثقة، ثبت، عين، دين، متصلب في الدين، لا يحصي مناقبه وفضائله، جزاه الله تعالى أفضل جزاء المحسنين (2). وقال المحدث الجليل الحر العاملي في أمل الامل: المولى الاجل... من أعيان الفضلاء المعاصرين، عالم محقق مدقق، ثقة ثقة، فقيه متكلم، محدث جليل القدر، عظيم الشأن (3). وقال المحقق الخوانساري في الروضات: كان فاضلا بارعا، محققا متكلما جليلا، صالحا واعظا متبحرا، من أقرآن سمينا الملجسي، ومشاهير علماء زمانه، شديد التعصب على جماعة الصوفية وفرق الملاحدة، وعلى التاركين لصلاة الجمعة، والمصنفين في المنع عنها، اماما للجمعة والجماعة في محروسة قم المباركة، وشيخنا للاسلام بها، ومطاعا لقاطبة العوام والحكام، نافذ الحكم بين الانام (4). وقال المحدث النوري في خاتمة المستدرك: العالم الجليل النبيل عين الطائفة ووجها... صاحب المؤلفات الرشيقة النافعة (5). وقال أيضا في الفيض القدسي: العالم الماهر صاحب المناقب والمفاخر... عين


(1) بحار الانوار 100: 129. (2) جامع الرواة 2: 133. (3) أمل الامل 2: 277. (4) روضات الجنات 4: 143. (5) المستدرك 3: 409. (*)

[ 13 ]

هذه الطائفة ووجها، صاحب المؤلفات الرشيقة (1). وقال المؤرخ المدرس التبريزي في ريحانة الادب ما هذا لفظه باللغة الفارسية: از مشاهير علماى امامية عهد شاه سليمان صفوي، واز مشايخ اجازهء حر عاملي وملا محمد باقر مجلسي، واز وجوه وأعيان علماى عهد خود مى باشد، كه فقيه متكلم، محقق مدقق، محدث ثقهء صالح، وواعظ متبحر، جليل القدر، وعظيم الشأن. در قم شيخ الاسلام، ونافذ الامر، ومطاع تمامي طبقات بود، نماز جمعه مى خوانده، وبه تاركين آن انكار شدشيد داشت، معاند مذاق فلاسفه وصوفيه بوده، وبين أو وملا خليل قزويني كه نماز جمعه را در زمان غيبت حرام مى دانسته جرياناتي واقع شد. وهمچنين در مسألهء تصوف نيز مكاتباتي بين أو ويكى از علماى نامى وقت بعمل آمد، ورسالة أي در رد صوفيه نوشته، وجمعى از عرفا وعلما را رد كرده است، بلكه گويند كه در چند رسالهء خود سماع، وخرقه پوشي، وپشمينه پوشي، وچله نشيني، وعزلت وانقطاع از مردم، وبه زبان آوردن لفظ طريقت وحقيقت، وقول به عشق حقيقي، ومكاشفات عرفانية، ونظائر اينها را از بدعتهاى مهلكه شمرده است (2). وقال العلامة الاميني في الغدير: أحد الاوحديين المشاركين في العلوم، وفذ من مشايخ الاجازات الذين اتصلت بهم حلقات الاسانيد، ضم الى فقهه المتدفق فلسفة صحيحة عالية، والى حديثه الموثوق به أدبه الجم، وفضله الكثار، الى عظات بالغة ونصايح كافية، وحكم راقية، وشعر كثير يزري بعقود الدرر ومنتثر الدراري، تدفقت المعاجم والثناء الجميل عليه، كان شيخنا المترجم له شيخ الاسلام


(1) الفيض القدسي ص 80. (2) ريحانة الادب 4: 489.

[ 14 ]

وامام الجمعة والجماعة بقم المشرفة الى أن توفي بها (1). وقال المورخ كحالة في معجمه: فقيه، اصولي، محدث، متكلم، ناقد، اعطى امامة الجماعة ومشيخه الاسلام في قم (2). وقد سافر المترجم الى الحج لزيارة بيت اسلام الحرام والمدينة المنورة، وله قضايا عجيبة في خلال سفره، ومباحث متينة في مكة المكرمة. أما ما شاهده في طريق الحج فقد قال في تضاعيف كتابه هذا: ومن عجيب ما شاهدت حين توجهي الى بيت الله الحرام من طريق البحر، أن البحر قد هاج وأشرفت السفينة على الغرق، فاضطرب الملاحون اضطرابا شديدا، وكانوا يصيحون ويدعون ويتوسلون بالائمة الاثني عشر عليهم السلام، مع أنهم كانوا من أهل السنة من المالكية، ولم يذكروا في وقت الطوفان اسم واحد من أئمتهم، فسألت مقدمهم ورئيسهم عن سبب ذلك، فقال: من عادة أهل البحر أنهم يتوسلون عند الطوفات والهيجان بالائمة الاثني عشر، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأما ماظرته في مكة المكرمة فقد قال أيضا في تضاعيف كتابه هذا: قد اتفق لي صحبة في مكة المشرفة مع بعض فضلاء أهل السنة، وكان مفتي الحنفية، وكان يتوهم أني على مذهبه وعقيدته، فجري بيني وبينه مكالمات هذا مضمونها وحاصلها: قلت له: هل يرجي النجاة للشيعة ؟ وهم يقولون: ليس دليل يدل على عدم جواز اتباع غير الائمة، ونحن نعمل بقول جعفر بن محمد الصادق عليه السلام. فأجاب: بأن جعفر بن محمد كان من المجتهدين الكبار ويجوز اتباعه، ولكن ما يدعي الشيعة من المسائل بأنه قول جعفر بن محمد غير ثابت. فقلت له: ان الشيعة يقولون: انا إذا سألنا الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية،


(1) الغدير 11: 320. (2) معجم المؤلفين 10: 101.

[ 15 ]

وقلنا لهم من أين عرفتهم أن ما تعملون به قول هؤلاء المجتهدين ؟ قال كل واحد من هذه الطوائف الاربعة: ان مشايخنا نقلوا عن مشايخهم، وهكذا الى المجتهد الذي نعمل برأيه، فثبت بالنقل المشهور مذهب المجتهد الذي نعمل برأيه، وهكذا نحن علمنا بالنقل المشهور عن مشايخنا طبقة عن طبقة أن ما نعمل به قول جعفر بن محمد عليها السلام. فقال: إذا كان هذا فهم من أهل النجاة. فقلت له: ان الشيعة يلعنون الخلفاء الثلاثة، فهل يكفرون بهذا اللعن أم يفسقون ؟ فقال: العلماء في ذلك مختلفون. فقلت: الشيعة يقولون: انا كما علمنا بالنقل المشهور مذهب الصادق عليه السلام في أحكام العبادات، هكذا علمنا أن مذهبه بغض الخلفاء الثلاثة وعداوتهم. فقال متغيرا: هذا خلاف الاجماع، فصدقته خوفا وتقية، ولم أجترأ أن أقول له: أي اجماع انعقد على ترك بغض الخلفاء الثلاثة ولعنهم. مشايخه وتلامذته: لم تذكر لنا المعاجم الرجالية تفصيل مشايخه وتلامذته، مع أن أرباب التراجم ذكروا أنه قدس سره قضى برهة من عمره الشريف في الحوزة المباركة النجف الاشرف، ثم انتقل منها الى قم المقدسة، وصار علما ورئيسا مطاعا فيها. أما مشايخه العظام، فهو يروي عن شيخين جليلين، وهما: 1 - السيد نور الدين بن السيد علي. قال المترجم في آخر مقدمة كتابه حجة الاسلام في شرح تهذيب الاحكام: قد رويت هذه الكتب الشريفة الرفيعة - أي: الكتب الاربعة - اجازة عن السيد الجليل النبيل الفاضل الكامل العالم، العلامة الفهامة، التقي النقي، الرضي المرضي، السيد نور الدين بن السيد علي عاملهما بفضله، عن أخويه امامي الفضل والتحقيق.

[ 16 ]

أعني: السيد العالم الاوحد شمس الدين محمد بن السيد علي مؤلف المدارك في شرح الشرائع، والفاضل العلامة جمال الدين حسن مصنف كتاب المعالم، ثم عد سلسلة طرقه عنهما الى مؤلفي الكتب الاربعة. 2 - الشيخ محمد بن جابر بن عباس العاملي المشغري النجفي. وهو عالم فاضل، فقيه، محدث رجالي متبحر، من تلامذة الشيخ محمد السبط والميرزا محمد الرجالي، وله مصنفات في الرجال وغيرها، وكان أكثر تلمذ المترجم عليه. قال المترجم نفسه في كتابه المذكور: ورويتها - أي: الكتب الاربعة - اجازة وبعضها قراءة عن الشيخ الفاضل العالم العامل، التقي النقي، محمد بن الشيخ الفاضل التقي جابر بن عباس قدس الله روحهما، عن أبيه، عن الشيخ الجليل عبد النبي بن سعد الجزائري قدس سره، عن شيخه الجليل السيد محمد بن السيد علي، عن والده، عن الشيخ الجليل النبيل الشهيد الثاني زين الدين أعلى الله درجته، عن شيخه المرحوم المبرور علي بن عبدالعالي الميسي. وعن الشيخ محمد بن جابر المذكور، عن السيد الجليل النبيل، الفاضل العالم العامل، شرف الدين علي الفارسي الشولستان، المقيم في المشهد المقدس الغروي رحمه الله، عن شيخه الفاضل التقي السيد فيض الله، عن شيخه الجليل الشيخ حسن بن أبي الحسن الشهيد الثاني، عن الشيخ علي بن عبدالعالي الميسي. وعن الشيخ محمد بن جابر المذكور، عنا لسيد شرف الدين المذكور، عن ميرزا محمد الاسترابادي صاحب الرجال، عن الشيخ ابراهيم بن الشيخ علي بن عبد العالي الميسي، عن والده المذكور. وعن الشيخ محمد المذكور أيضا، عن الشيخ الجليل محمود بن حسام الدين الجزائري اجازة، عن الشيخ الجليل النبيل بهاء الملة والدين محمد العاملي، عن والده الشيخ الجليل الحسين بن عبد الصمد الحارثي، عن الشهيد الثاني، عن الشيخ

[ 17 ]

عبدالعالي الميسي، وهو روي عن الشيوخ المذكورين في السند الاول الى مؤلفي الكتب الاربعة. وأما تلامذته ومن يروي عنه، فهما أيضا شيخان جليلان، وهما: 1 - العلامة محمد باقر المجلسي قدس سره، وله اجازة مبسوطة منه. 2 - الشيخ المحدث الحر العاملي، فقد صرح بروايته عنه في كتاب أمل الامل. ولم نعثر على غيرهما ممن روى عنه، ولعل هناك عدة كثيرة تلمذوا عليه ورووا عنه ولكن أرباب التراجم والمعاجم الرجالية أهملوا ذكرهم اجازته للعلامة المجلسي قدس سرهما: قال العلامة المجلسي قدس سره في اجازات البحار: صورة اجازة كتبها لنا المولى الاجل العالم الورع، مولانا محمد طاهر القمي قدس سره بخطه الشريف: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أوضح لنا السبل الى الاحكام، وجعل الرواية طريقا لاخذها عن هداة الانام، والصلاة والسلام على سيد أنبيائه، وسفرائه المعصومين الكرام. وبعد فان الاخ في الله، الجليل النبيل، العالم العامل، الفاضل الكامل، جامع بحار الانوار، مروج آثار اللائمة الاطهار، أعني: التقي النقي الطاهر، مولانا محمد باقر، عصمه الله تعالى من الكبائر، والصغائر، قد طلب مني اجازة ما صح لي اجازته، مما صنفه ورواه علماؤنا الماضون، وسلفنا الصالحون، من الكتب الاربعة المشهورة التي هي دعائهم الايمان، ومرجع الفقهاء في هذا الزمان، أعني: كتاب الكافي للشيخ ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني، وكتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، وكتابي التهذيب والاستبصار لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، أعلى الله تعالى مقامهم، وأجزل في الجنة اكرامهم، وغير هذه الكتب الامامية.

[ 18 ]

فأجزت له أدام الله اقباله وكثر في العلماء أمثاله، رواية جميع ما رويته عن مشايخي بالقراءة والسماع والاجازة. فأقول: اني أروي الكتب الاربعة وغيرها اجازة عن السيد السند، الفاضل العالم العامل، السيد نور الدين العاملي رحمه الله، عن امامي الفضل والتحقيق، أعني: أخيه السيد العالم الاوحد شمس الدين محمد، وأخيه الفاضل العلامة جمال الدين حسن ولد المحقق الشيخ زين الدين رحمه الله، وهما يرويانها عن شيخهما الجليل والد السيد نور الدين علي بن أبي الحسن، عن الشيخ زين الدين المزبور، عن شيخه الفاضل علي بن عبدالعالي الميسي. عن الشيخ شمس الدين محمد بن المؤذن الجزيني، عن الشيخ ضياء الدين علي بن الشيخ الشهيد محمد بن مكي، عن والده، عن الشيخ فخر الدين محمد بن العلامة جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، عن والده، عن شيخه المحقق نجم الملة والدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد، عن السيد شمس الدين أبي علي فخار بن معد الموسوي، عن الامام أبي الفضل شاذان بن جبرئيل القمي، نزيل مهبط الوحي ودار هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. عن الشيخ عماد الدين محمد بن أبي القاسم الطبري، عن الشيخ أبي علي الحسن بن الشيخ السعيد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، عن والده، عن الشيخ أبي عبد الله المفيد، عنأبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن محمد بن يعقوب الكليني صاحب الكافي. والشيخ المفيد يروي عن محمد بن علي بن الحسن بن بابويه مؤلف من لا يحضره الفقيه، وهو الواسطة بينه وبين الشيخ الطوسي، وقد يكون الواسطة أبا عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري، وقد يكون غيرهما. وكتب هذه الاحرف بيده الفانية المتمسك بما تركه رسول الله صلى الله عليه وآله من الثقلين، محمد طاهر بن محمد حسين، في سابع شهر ذي القعدة الحرام، من شهور السنة.

[ 19 ]

السادسة والثمانين بعد الالف من الهجرة النبوية، والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد وآله، امنا اكتفينا بهذا السند لعلوه، والصلاة على محمد وآله. ولم أعثر على اجازته للحر للعاملي. تأليفه القيمة: للمترجم قدس سره كتب ورسائل قيمة، مشحونة بالتحقيقات والمطالب الرشيقة، وله في جميع العلوم والفنون كتب ورسائل، ولقد خدم بآثاره التشيع وأهله أحسن الخدمة، فجزاه الله عن أهله خير الجزاء، وفيما يلي نذير ما وصل الينا من آثاره وكتبه، وهي: 1 - الاربعين في اثبات امامة أمير المؤمنين، والائمة الطاهرين عليهم اللام وهو هذا الكتاب بين يديك، تقدم الكلام حوله. 2 - اصول فصول التوضيح. 3 - البرهان القاطع. 4 - بهجة الدارين في الجبر والتفويض والامر بين الامرين. 5 - تحفة الابرار في شرح مونس الابرار. 6 - تنبيه الراقدين في المواعظة. 7 - توضيح المشربين وتنقيح المذهبين. 8 - جامع صفوي. 9 - الجامع في اصول الفقه والدين. 10 - حجة الاسلام في شرح تهذيب الاحكام. 11 - حق اليقين في معرفة اصول الدين. 12 - حكمة العارفين في رد شبه المخالفين. 13 - رسالة الاسلامية في ترك السلام عليك أيهما النبي في التشهد.

[ 20 ]

14 - رسالة في الخلل. 15 - رسالة في ذم الدنيا. 16 - رسالة في الرد على الصوفية. 17 - رسالة في الرضاع. 18 - رسالة في الزكاة. 19 - رسالة في السهو والشك. 20 - رسالة في صلاة الاذكار. 21 - رسالة في صلاة الجمعة. 22 - رسالة في صلاة الليل. 23 - رسالة في الفرائض. 24 - رسالة في القراءة الاحسن من قراءات القرآن. 25 - رسالة في معنى الصلاة. 26 - رسالة في موعظة النفس. 27 - سفينة النجاة. 28 - عطية رباني وهدية سليماني شرح لاميته. 29 - فرحة الدارين في تحقيق معنى العدالة. 30 - الفوائد الدينية في الرد على الحكماء والصوفية. 31 - مباحثة النفس. 32 - محبان خدا. 33 - معالجة النفس. 34 - مفتاح العدالة. 35 - المقالات العالية في بيان الفرقة الناجية. 36 - مناسك الحج.

[ 21 ]

37 - منهاج العارفين، شرح رباعياته. 38 - مونس الابرار في فضائل علي عليه السلام. 39 - وسيلة النجاة. هذا ما عثرت عليه من تآليفه وآثاره القيمة، ولعل هناك عدة كتب ورسائل لم نعثر عليها، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لاحياء سائر آثاره واثار علمائنا الابرار، جزاء لجزيل خدماتهم المباركة في احياء الشريعة الغراء فان هؤلاء الاعلام وأمثالهم رهنوا نفوسهم لخدمة المذهب الحق، وتحملوا المصائب والالام في الذب عن شبهات المخالفين والملحدين، وحاموا بجهودهم الطيبة عن حريم أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، فجزاهم الله عن الاسلام وأهله خير جزاء المحسنين. وحشرهم الله تعالى وايانا مع موالينا الائمة الطاهرين المعصومين. أشعار الرائعة: للمترجم قدس سره أشعار ورباعيات كثيرة باللغتين العربية والفارسية، في المواعظ والنصائح ومدائح أهل البيت عليهم السلام، تنبئ عن أدبه وولائه واخلاصه لاهل العصمة والطهارة عليهم السلام، وأنا أذكر هنا نبذة من إشعار، وهي: سلامة القلب نحتني عن الزلل * وشعلة العلم دلتني على العمل طهارة الاصل قادتني الى كرم * كرامتي ثبتت في اللوح في الا زال طهارة الاصل قادتني الى كرم * كرامتي ثبتت في اللوح في الازل قلبي يحب عليا ذا العلى فلذا * أدعو لامي في الابكار والاصل محبة المرتضي نور لصاحبها * يمشي بها آمنا من آفة الزلل

[ 22 ]

لزمت حب علي لافارقه * وداده من جناني قط لم يزل أخو النبي امامي قوله سندي * لقوله تابع ما كان من عملي أطعت حيدرة ذا كل مكرمة * امام كل تقي قاصر الامل صرفت في حب آل المصطفي عمري * من مال عنهم إليه قط لم أمل باب المدينة منجانا وملجأنا * ما انحل مشكلنا الا بحل علي لولا محبة طه للوصي لما * أتي يشاركه في طيب الاكل ولاية المصطفى في خم قد ثبتت * بنص أفضل خلق الله والرسول نص النبي عليه فوق منبره * عليه أشهد أهل الدين والدول قد نص في الدار عند الاقربين على * خلافة المرتضي جدا بلا هزل ان الامامة عهد لم تنل أحدا * سوى المصون من الزلات والخطل أطعت من ثبت في الكون عصمته * وعف كل جهول سيئ العمل

[ 23 ]

قد رد الشمس للمولى أبي حسن * روحي فدا المرتضى ذي المعجز الجلل طوبى له كان بيت الله موله * كمثل موله ما كان للرسول ومن شعره الفارسي قوله از گفته مصطفى امام است سه جار * از روى چه گوئي كه امام است چهار نشناسي اگر سه جار حق را ناچار * خواهى بعذاب ايزدي گشت دو چهار دليل رفعت شأن على اگر خواهى باين كلام دمي گوش خويشتن ميدار چو خواست مادرش از بهر زادنش جائي درون خانهء خاصش بداد جا ستار پس آن مطهره با احترام داخل شد در آن مقام مقدس بزاد مريم وار برون چو خواست كه آيد پس از چهارم روز ندا شنيد كه نامش برو على بگذار فداى نام چنين زاده اي بود جانم * چنين امام گزينيد يا اولي الابصار ومن رباعياته: أي مانده زكعبه محبت مهجورا فتاده زراه مهر صد منزل دور با حب عمر دم مزن از مهر نبى كى جمع توان نمود با ظلمت نور وله:

[ 24 ]

بما رسيده حديث صحيح مصطفوى كه هست بعد پيمبر امام هشت وچهار كسى نكرده زامت بدين حديث عمل بغير پيرو آل وأئمه أطهار وله: أي طالب علم دين زمن گير خبرتا چند دورى در بدر أي خسته جگر خود را برسان بشهر علم أي غافل شو داخل آن شهر وليكن از در وله: نبى چو وارد خم گشت بر سر منبر خليفه كرد على را بگفته جبار نهاد بر سر أو تاج وال من والاه زامتش بگرفت از براى وى اقرار وليك آنكه به بخ بخ نمود تهنيتش بكرد از پى اقرار خويشتن انكار فتاد بر سر حارث زغيب سنگ قضا چو گشت منكر نص غدير آن غدار ومن رباعياته: از دورى راه خويشتن يادى كن آماده زبهر سفرت زادي كن از بى كسى مردن خود ياد آور در ماتم خود نشين وفريادى كن وله: از دورى راه خويشتن كن يادى آماده زبهر سفرت كن زادي در راه طلب چو خفته أي أي غافل بر خيز كه از قافله دور افتادى وله: بر خيز چه خفته أي رفيقان رفتند غافل چه نشسته أي عزيزان رفتند خندان منشين كه جمله ياران عزيز با سوز دل وديده گريان رفتند وله: أي بنده طول امل وحرص وحسد فرداست كه اعضاي تو از هم ريزد اين سر كه زياد نخوت امروز پر است تا چشم زنى بود پر از خاك لحد وله:

[ 25 ]

تا چشم زنى رسيده وقت سفرت فرداست كه در جهان نماند اثرت بر روى زمين خرام وغفلت تا كى از زير زمين مگر نباشد خبرت وله: از وادى معصيت بيا زود گذر كين مرحله راه است بسى خوف وخطر گوئى كه كنم توبه پس از پيريها از مرگ جوانان مگرت نيست خبر وله: سالك هوس عالم بالا نكند پا بند الم زپاى دل وا نكند هر دل كه زياد مرگ معمور شودحقد وحسد وحرص در أو جا نكند وله: خواهى نشود گلشن دل چون بيشه بر كن تو نهال حرص را از ريشه بر پاى درخت امل وحرص وحسد پيوسته زياد مرگ ميزن تيشه ولادته ووفاته: لم أعثر على تاريخ ولادته في كتب الرجال وغيرها. وأما تاريخ وفاته، فقد اتفق أرباب التراجم أنه توفي بقم المقدسة سنة (1098) ودفن خلف مرقد زكريا بن آدم طاب ثراه قريبا. قال في الروضات: وقبره المطهر الطاهر في بقعة الشيوخ المعروفة في مزار قم المباركة، خلف مرقد زكريا بن آدم المأمون على الدين والدنيا بفاصلة قليلة زرته هناك، وتاريخ وفاته مكتوب على لوح له من الحجر في سخن الجدار الأيمن من القبلة، فليلاحظ وليترحم عليه ان شاء الله تعالى.

[ 26 ]

في طريق التحقيق: قوبل هذا الكتاب الشريف على نسختين مخطوطتين، وهما: 1 - نسخة مخطوطة كاملة، بخط النسخ، وكاتبها محمد رضا بن محمد سعيد الشريف، في (1095) في حياة المؤلف، وأصل هذه النسخة محفوظة في خزانة مكتبة المرحوم آية الله العظمى النجفي المرعشي قدس سره برقم (1562) وجعلت رمز النسخة (ن). 2 - نسخة مخطوطة كاملة، بخط النستعليق، وكاتبها محمد الفراهاني، في سنة (1274)، وأصل هذه النسخة محفوظة في خزانة مكتبة الامام الرضا عليه السلام في المشهد المقدس برقم (7120) وجعلت رمز النسخة (ق). ولم آل جهدي في استخراج المصادر من الايات والروايات وغيرها، وعرضها على الاصول المنقولة عنها، والمرجو من الأفاضل الكرام الذين يراجعون الكتاب أن يتفضلوا علينا بما لعلنا وقعنا فيه من الأغلاط والاشتباه، فان الانسان محل الخطأ والنسيان، الا من عصمه الله تعالى. واقدم ثنائي العاطر والشكر الجزيل لزميلنا الفاضل المحقق الشيخ محمد علي المعلم القطيفي حفظه الله تعالى لمراجعته الكتاب وتقويم نصوصه. وأسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا ويسددنا لنشر سائر آثار أسلافنا الطاهرين، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله. السيد مهدي الرجائي 15 / شهر رمضان / 1415 ه‍ ق قم المقدسة. ص ب 753 - 37185

[ 27 ]

الصفحة الاولى من نسخة (ن)

[ 28 ]

الصفحة الأخيرة من نسخة (ن)

[ 29 ]

الصفحة الاولى من نسخة (ق)

[ 30 ]

الصفحة االاولى من اجازة المؤلف بخطه للعلامة المجلسي

[ 31 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا سبيل الحق، بنصب الأدلة والبراهين، وأرشدنا الى طريق ابطال المبطلين، ودلنا على جواد شوارع الدين، وأوردنا مشارع أنهار علم اليقين، وصلى الله على محمد أفضل المرسلين، وآله الأبرار الأخيار الطيبين الطاهرين. أما بعد، فاني لما رأيت أفضل ما يتقرب به الى رب العالمين، بعد معرفة الله ومعرفة نبيه سيد المرسلين، معرفة الأئمة الاثني عشر الأطهار المعصومين، لأن معرفتهم من أعظم اصول الدين. جمعت في هذا الكتاب أدلة قاطعة على امامتهم، هن خير البراهين، مفتتحا بالنصوص الواردة في كتب المخالفين على امامة مولانا ومولى الأنام أمير المؤمنين عليه السلام، مع الأجوبة الواضحة عن تأويلات المعاندين، وشبهات المخاصمين، ومختتما ببيان بعض عقائد أهل السنة في الفروع واصول الدين. ولاشتمال الكتاب على أربعين دليلا على امامة الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين، سميته الأربعين في امامة الأئمة الطاهرين، وأنا عبد عبيدهم محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي ثم النجفي، نزيل قم دار المؤمنين، لعل الله أن يجعله وسيلة أن يدخلني في شفاعتهم يوم الدين، توكلت على الله وفوضت أمري الى رب العالمين. أما الفاتحة، ففي

[ 32 ]

النصوص الواردة في كتب المخالفين على امامة أمير المؤمنين عليه السلام مع الأجوبة عن شبه المعاندين وانما اكتفينا هاهنا بنقل هذا النوع من الأحاديث، لأن ما لم يكن من هذا النوع من مناقبه أكثر من أن تحوي هذا الكتاب، وقد صنف المصنفون فيها مصنفات كثيرة، ومجلدات كبيرة. حتى قال السيد المرتضى قدس سره: اني سمعت شيخا مقدما في الرواية من أصحاب الحديث، يقال له: أبو حفص عمر بن شاهين، يقول: اني جمعت من فضائل علي عليه السلام ألف جزء يعني بها الكراريس (1). ونقل عن ابن عبد البر (2) صاحب كتاب الاستيعاب، أنه ذكر فضائل جليلة له عليه السلام، ثم اعترف بالعجز عن حصرها (3). ونقل عن الخوارزمي في الأربعين، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ان الله تعالى جعل لأخي علي بن أبي طالب فضائل لا تحصى عددها كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرا بها، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولو وافى القيامة بذنوب الثقلين، ومن كتب فضيلة من فضائل علي، لم تزل الملائكة تستغفر (4) له ما بقي من تلك الكتابة رسم، ومن استمع الى فضيلة من فضائله، غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع، ومن نظر الى كتاب من فضائله، غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر (5). ونقل عن ناصر بن أبي المكارم المطرزي الخوارزمي في شرح المقامات، وهو


(1) في (ق): الكرارين. (2) في (ق) عن عبد ربه، وفي (ن): عن ابن ربه. (3) الاستيعاب 3: 51 المطبوع على هامش الاصابة. والطرائف ص 137. (4) في (ق): تستغفرون. (5) المناقب للخوارزمي ص 32 ط قم.

[ 33 ]

من أعيان المخالفين، قال: حدثنا صدر الأئمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي ثم الخوارزمي، ورفع السند الى ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أن الغياض أقلام، والبحر مداد، والجن حساب، والانس كتاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب (1). ونعم ما قال الشاعر الأعجمي: كتاب فضل تورا آب بحر كافى نيست كه تر كنى سر انگشت وصفحه بشمارى ولظهور فضائله، ووفور مناقبه، قد صنف جماعة من أهل السنة في فضائله وفضائل أولاده عليهم السلام عدة مصنفات: صنف ابن جرير كتاب الغدير، وابن شاهين كتاب المناقب، وابن شيبة كتاب أخبار علي وفضائله، والجاحظ كتاب العلوية في فضائل (2) بني هاشم على بني امية، والاصفهاني كتاب منقبة المطهرين، وما انزل في القرآن في أمير المؤمنين، وأبو المحاسن الروياني كتاب الجعفريات، والموفق المكي كتاب الأربعين في فضائل أمير المؤمنين، والشيرازي نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين، والمؤذن كتاب المناقب (3) في فضائل فاطمة، وابن مردويه كتاب رد الشمس في فضائل أمير المؤمنين، وابن حنبل مسند أهل البيت، والنطنزي الخصائص العلوية على سائر البرية، وابن المغازلي كتاب المناقب، والبستي كتاب المراتب، والبصري كتاب الدرجات، والخطيب كتاب الحدائق. قد نسب هذه المصنفات الى هؤلاء المخالفين في كتاب الصراط المستقيم (4).


(1) المناقب للخوارزمي ص 32، والطرائف ص 139 عن شرح المقامات للخوارزمي، والصراط المستقيم 1: 153، والبحار 40: 73 - 75. (2) كذا في الأصل والمصدر، ولعل الصحيح: فضل (3) في الصراط المستقيم: كتاب الأربعين. (4) الصراط المستقيم 1: 153، للعلامة المتكلم الشيخ زين الدين أبي محمد علي بن (*)

[ 34 ]

وقد رأيت عدة مصنفات للمخالفين غير ما ذكر، منها: كتاب فصول المهمة في فضائل الأئمة لبعض المالكية (1)، وكتاب لأخطب (2)، وكتاب لابن طلحة الشافعي (3). كمليحة شهدت لها ضراتها والفضل ما شهدت به الأعداء ولا ريب أن ظهور فضائل أهل البيت عليهم السلام من الأولياء والأعداء، مع وفور الدواعي على اخفائها، ليس الا بتسخير من الله سبحانه معجزة لهم عليهم السلام. واعلم أن ما ورد في هذا الكتاب من أحاديث المخالفين وأخبارهم، فقد أخذتها من صحيح البخاري، ومسلم، وكتاب الفردوس للديلمي، والمصابيح للبغوي، وكتاب شرح نهج البلاغة للشيخ الفاضل ابن أبي الحديد من علماء المعتزلة، وكتاب رجال المشكاة، وكتاب حياة الحيوان لأبي البقاء محمد بن موسى بن عيسى الشافعي، وأحكام الماوردي، وكتاب شرح المواقف، وكتاب شرح المقاصد، وكتاب شرح المختصر للعضدي، وشرح صحيح البخاري، وتاريخ أعثم الكوفي. ومن كتب ثقات أصحابنا وهداة مذهبنا رضوان الله تعالى عليهم، منها: كتاب الشافي، تأليف السيد الجليل، والحبر النبيل، العالم العلامة الفقيه الفهامة، محيي آثار سيد الأنبياء، السيد المرتضى علم الهدى. وكتاب الصراط المستقيم، للشيخ الفاضل الكامل، علي بن محمد بن يونس، ولم أر كتابا جامعا في الامامة مثله، وقد أخذ أحاديثه من كتب كثيرة للخاصة والعامة، منها: كتاب الكشاف للزمخشري، ومنهاج المحدثين للنووي، وبغية الطالبين للكنجي


يونس النباطي، المتوفى سنة (877) ه‍ ق. (1) هو الشيخ علي بن محمد بن أحمد المالكي المكي الشهير بابن الصباغ، المتوفى سنة (855) ه‍ ق. (2) وهو الخطيب الخوارزمي المعروف، صاحب كتاب المناقب ومقتل الحسين. (3) هو صاحب كتاب مطالب السؤول في مناقب آل الرسول.

[ 35 ]

الشافعي، والملل والنحل للشهرستاني، وكتاب القاضي النعماني، وبصائر الانس للكيدري، والاستيعاب ليوسف بن عبد البر، ومطالب السؤول لابن طلحة، وكشف معايب المتصوفة، ومقتضب الأثر لمحمد بن عبد الله بن عياش، ونهج الايمان لابن حبر، وغيرها من الكتب (1). ومنها: كتاب العمدة وعيون الأخبار، تأليف الشيخ الجليل، العالم الفقيه، شمس الدين جمال الاسلام، أبي الحسين يحيى بن الحسن بن علي بن محمد البطريق الأسدي الحلي رحمه الله، وهو كتاب في مناقب مولانا وسيدنا أمير المؤمنين عليه السلام. وقد استخرج أحاديثه من صحيح مسلم والبخاري، ومن كتاب الجمع بينهما للحميدي، ومن كتاب الجمع بين الصحاح الستة: من موطأ مالك بن أنس الأصبحي، وصحيحي مسلم والبخاري، وكتاب السنن لأبي داود السجستاني، وصحيح الترمذي، والنسخة الكبيرة من صحيح النسائي، من جمع أبي الحسن رزين بن معاوية الأندلسي الملقب بامام الحرمين، ومسند أحمد بن حنبل الشيباني، وتفسير القرآن للاستاد أبي اسحاق الثعلبي، ومن مناقب الفقيه الشافعي أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن المغازلي (2). ومنها: كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة، تأليف الشيخ السعيد الفاضل العلامة، بهاء الدين علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي تغمده الله برحمته. ومنها: كتاب الطرائف، تأليف العالم الفاضل الموفق المؤيد المهتدي أبي محمود الذمي (3).


(1) الصراط المستقيم 1: 4 - 5. (2) العمدة لابن بطريق ص 2 - 3. (3) وهو اسم مستعار للعالم الكامل الفاضل صاحب المناقب والفضائل، السيد علي بن طاووس الحسني الحلي، المتوفى سنة (664) وكتاب الطرائف في معرفة المذاهب طبع في سنة (1399) ه‍ ق بتحقيقنا في بلدة قم المقدسة.

[ 36 ]

ومنها: كتاب الالفين، ونهج الحق وكشف الصدق، وكتاب منهاج الكرامة، تأليف الشيخ الجليل، والحبر النبيل، الفاضل العلامة، الكامل الفهامة، جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي قدس الله سره، وغيرها من الكتب. وقد نقلوا هؤلاء الثقات ما رووه مما ذكرناه هاهنا وما لم نذكره من كتب المخالفين، ونعلم قطعا أن ما نقله هؤلاء الثقات عن كتب المخالفين واستخرجوه، حق وصدق، وما كذبوا في النقل وما افتروا، لأنهم مع ثقتهم وأمانتهم وجلالتهم، صنفوا هذه الكتب بين ظهراني المخالفين والمعاندين، وأظهروها في حياتهم، وتتحدثوا بصحة ما نقلوه كل من وقف عليها، ومضى عليها سنون كثيرة. ولم يتهم أحد من المخالف والمؤالف واحدا من هؤلاء المصنفين، بكذب وافتراء في النقل، فعلمنا بمقتضى العادة أن ما نقلوه عن كتب المخالف فهو كما نقلوه، ولا شك ولا ريب فيه. وها أنا ذا أشرع في ذكر الأحاديث المقصودة، وأجعلها أنواعا: النوع الأول ما ورد في كتب المخالف من أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وخليفته وما في معناهما من وجوب اتباعه وفرض طاعته، من الأحاديث المتفرقة: منه: ما في مسند أحمد بن حنبل، باسناده عن أنس - يعني: أنس بن مالك قال: قلنا لسلمان: سل النبي صلى الله عليه وآله من وصيه ؟ فقال له سلمان: يا رسول الله من وصيك ؟ فقال: يا سلمان من وصي موسى ؟ فقال: يوشع بن نون، قال: فقال، وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب (1).


(1) فضائل الصحابة لأحمد 2: 615 ح 1052، والعمدة ص 76 ح 92 عن مسند أحمد بن حنبل وتذكرة الخواص لابن الجوزي ص 47 عن فضائل أحمد، والرياض النضرة لمحب

[ 37 ]

ومنه: ما في تفسير الثعلبي في تفسير قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين (1) في سورة الشعراء باسناده عن البراء، قال: لما نزل وأنذر عشيرتك الأقربين قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب، وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس (2)، وأمر عليا أن يدخل شاة فأدمها، ثم قال لهم: ادنوا بسم الله، فدنى القوم عشرة عشرة، فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن، فجرع منه جرعة، ثم قال لهم: اشربوا بسم الله، فشربوا حتى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل، فسكت النبي صلى الله عليه وآله يومئذ فلم يتكلم. ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك الطعام والشراب، ثم أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بني عبد المطلب اني انا النذير اليكم من الله عز وجل، والبشير لما لم يجئ به أحد، جئتكم بالدنيا والاخرة، فأسلموا وأطيعوا تهتدوا، ومن يؤاخيني ويوازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني ؟ فسكت القوم، وأعاد ذلك ثلاثا، كل ذلك يسكت القوم ويقول علي: أنا، فقال: أنت، فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك، فقد امر عليك (3). ومنه: ما في مسند أحمد بن حنبل أيضا، باسناده، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي عليه السلام، لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين دعا رسول الله صلى الله عليه وآله أربعين رجلا من أهل بيته، ان كان الرجل منهم آكلا ليأكل جذعة، وان كان شاربا فزقا، فقدم إليهم فأكلوا حتى شبعوا، فقال لهم: من يضمن عني ديني


الدين الطبري 2: 279، والطرائف ص 22 عن مسند احمد بن حنبل والبحار 38: 19. (1) الشعراء: 214. (2) العس: القدح العظيم. (3) العمدة ص 76 - 77 عن تفسير الثعلبي المخطوط، والطرائف ص 20 - 21 عنه، واحقاق الحق 4: 62 عنه.

[ 38 ]

ومواعيدي ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في اهلي، فعرض ذلك على اهل بيته، فقال علي عليه السلام: أنا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي يقضي ديني عني وينجز مواعيدي (1). وقد نقل هذا الحديث عن ابن جرير الطبري وابن الأثير الجزري في تاريخهما، بألفاظ تقارب هذه الألفاظ المذكورة (2). ونقل عن كتاب نهاية العقول في دراية الاصول، تأليف فخر الدين عمر الرازي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الدار وقد جمع بني عبد المطلب: أيكم يبايعني ويوازرني يكن أخي ووصيي وخليفتي من بعدي، فبايعه علي (3). وفيه أيضا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي مشيرا إليه، وأخذ بيده رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا خليفتي فيكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا (4). وفيه أيضا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: أنت أخي ووصيي وقاضي ديني وخليفتي من بعدي (5). وفيه أيضا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا خليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا (6). ومنه: ما رواه الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي، من علماء الأربعة المذاهب، فيما أورده في كتابه واستخرجه من تفاسير (7) الاثني عشر، في تفسير قوله تعالى عم


(1) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2: 650 ح 1108، ومسند أحمد بن حنبل 1: 111، والعمدة ص 87 ح 104. (2) تاريخ الطبري 2: 62 ط الأعلمي، وكامل ابن الأثير 2: 62 ط دار الفكر. (3) احقاق الحق 4: 352 عن كتاب نهاية العقول. (4) احقاق الحق 4: 297 عنه. (5) احقاق الحق 4: 339 عنه. (6) احقاق الحق 4: 297 عنه. (7) في (ن): التفاسير.

[ 39 ]

يتسائلون * عن النبأ العظيم * الذي هم فيه مختلفون) * باسناده الى السدي، يرفعه، قال: اقبل صخر بن حرب حتى جلس الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يارسول الله هذا الامر لنا من بعدك ام لمن ؟ قال: يا صخر الامر بعدي لمن هو مني بمنزلة هارون من موسى، فأنزل الله تعالى عم يتسائلون يعني: يسألك أهل مكة عن خلافة علي بن أبي طالب (عن النبأ العظيم * الذين هم فيه مختلفون) منهم المصدق بولايته وخلافته، ومنهم المكذب بهما. ثم قال (كلا) وهو رد عليهم (سيعلمون) سيعرفون خلافته بعدك انها حق يكون (ثم كلا سيعلمون) سيعرفون (1) خلافته وولايته، إذ يسألون عنهما في قبورهم، ولا ميت (2) في شرق ولا غرب، ولا في بر ولا بحر، الا ومنكر ونكير يسألانه عن ولاية أمير المؤمنين بعد الموت، يقولون للميت: من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ومن امامك ؟ (3). ومنه: ما رواه أيضا هذا الرجل في كتابه في تفسير قوله تعالى واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة (4) باسناده، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال: وقعت الخلافة من الله عزوجل في القرآن لثلاثة نفر. ثم ذكر آدم وداود، الى قوله: والخليفة الثالث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، لقول الله تعالى في السورة التي يذكر فيها النور (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) يعني: علي بن أبي طالب عليه السلام (ليستخلفنكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) أدم وداود، الى قوله (ومن كفر بعد ذلك) بولاية علي بن أبي


(1) في (ن): يعرفون. (2) فلا يبقى ميت - خ ل. (3) الطرائف ص 95 ح 133 عن تفسير الشيرازي، واحقاق الحق 3: 485 عنه. (4) البقرة: 30.

[ 40 ]

طالب عليه السلام فاولئك هم الفاسقون (1) يعني: العاصين لله ولرسوله صلى الله عليه وآله (2) وروى أيضا في الكتاب المذكور، باسناده عن أنس بن مالك، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن معنى قوله تعالى وربك يخلق ما يشاء (3) قال: ان الله عزوجل خلق آدم من طين كيف شاء، ثم قال ويختار ان الله اختارني وأهل بيتي على جميع الخلق، فانتجبنا، فجعلني الرسول، وجعل علي بن أبي طالب الوصي، ثم قال ما كان لهم الخيرة يعني: ما جعلت للعباد أن يختاروا، ولكني أختار ما أشاء، فأنا وأهل بيتي صفوة الله وخيرته من خلقه، ثم قال سبحان الله وتعالى عما يشركون يعني: تنزيها لله عما (4) يشركون به كفار مكة، ثم قال وربك يعني: يا محمد يعلم ما تكن صدورهم من بغض المنافقين لك ولأهل بيتك وما يعلنون من الحب لك ولأهل بيتك (5). وفي كتاب الأربعين لامامهم أسعد بن ابراهيم بن الحسين بن علي الأرمني، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا مات علي واخرج من الدنيا، ظهرت في الدنيا خصال لا خير فيها، فقيل: ما هي يا رسول الله ؟ فقال: تقل الأمانة، وتكثر الخيانة، حتى يركب الرجل الفاحشة وأصحابه ينظرون إليه، والله لتضايق الدنيا بعده بنكبة، ألا وان الأرض لا تخل مني ما دام علي حيا، علي في الدنيا عوض مني بعدي، علي كجلدي، علي كلحمي، علي كعظمي، علي كدمي في عروقي، علي أخي ووصيي في أهلي وخليفتي في قومي، ومنجز عداتي، وقاضي ديني (6). نقل هذا الحديث عن


(1) النور: 55. (2) الطرائف ص 95 - 96 عنه، واحقاق الحق 14: 565، وشواهد التنزيل 1: 76. (3) القصص: 67. (4) في الطرائف: يعني الله منزه عما، وفي الاحقاق: يعني تنزها لله عما. (5) الطرائف ص 97 عنه، واحقاق الحق 3: 564 عنه. (6) راجع احقاق الحق 6: 581 - 591.

[ 41 ]

الكتاب المذكور الفاضل القاشي. ومنه: ما في مناقب الفقيه ابن المغازلي الشافعي الواسطي عن زرارة (1) الأنصاري، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما كان ليلة اسري بي الى السماء، إذا قصر أحمر من ياقوت يتلألأ، فأوحي الي في علي: أنه سيد المسلمين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين (2). وفي كتاب الفردوس للديلمي من علماء المخالفين، باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا علي انك سيد المسلمين، ويعسوب الدين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين (3). ومنه أيضا: عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا برزة ان الله رب العالمين، عهد الي عهدا في علي بن أبي طالب، فقال: انه راية الهدى، ومنار الايمان، وامام أوليائي، ونور جميع من أطاعني، يا أبا برزة علي بن أبي طالب أميني غدا في القيامة، وصاحب رايتي في القيامة، بيد علي مفاتيح خزائن رحمة ربي (4). وفي الكتاب المذكور، عن عبد الله بن أسعد (5) بن زرارة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انتهيت ليلة اسري بي الى سدرة المنتهى، فأوحي الي في علي ثلاثة: أنه امام المتقين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين الى جنات النعيم (6)


(1) في المناقب: محمد بن عبد الرحمن بن اسعد بن زرارة. (2) المناقب لابن المغازلي ص 104. (3) المناقب لابن المغازلي ص 65، ولم أعثر عليه في الفردوس المطبوع. (4) رواه في حلية الأولياء ص 66، والمغازلي في المناقب ص 46، والخوارزمي في المناقب ص 240 و 245، ونظم درر السمطين ص 114، ولسان الميزان 6: 237. (5) في النسختين: سعيد، والصحيح ما أثبتناه. (6) رواه الحاكم في المستدرك 3: 137، وأبو نعيم في أخبار اصفهان 2: 229، والخوارزمي في المناقب ص 229، وابن الأثير في اسد الغابة 3: 116، والطبري في ذخائر العقبى ص 70، وفي رياض النضرة 2: 177.

[ 42 ]

ومنه: ما في تفسير الثعلبي عند تفسير قوله تعالى (واسال من ارسلنا من رسلنا) (1) ان النبي صلى الله عليه وسلم ليلة اسري به، جمع الله بينه وبين الانبياء، ثم قال: قل لهم: على ما بعثتم ؟ فقالوا: بعثنا على شهادة ان لا اله الا الله، وعلى الاقرار بنبوتك، والولاية لعلي بن ابي طالب (2). وفي مناقب الفقيه لابن المغازلي في تفسير قوله تعالى والنجم إذا هوى باسناده عن ابن عباس، قال: كنت جالسا مع فتية من بني هاشم عند النبي صلى الله عليه وآله إذ انقض كوكب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من انقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي، فقام فتية من بني هاشم فنظروا، فإذا الكوكب قد انقض في منزل علي بن أبي طالب عليه السلام، قالوا: يا رسول الله لقد غويت في حب علي، فأنزل الله تعالى والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى الى قوله وهو بالافق الأعلى (3). وفي كتاب الفردوس للديلمي من علماء المخالفين، باسناده عن عمار بن ياسر: يا علي ان الله عزوجل زينك بزينة لم يتزين الخلائق بزينة هي أحب إليه منها، وهي زينة الأبرار عند الله الزهد في الدنيا، وجعلت الدنيا لا تنال منك شيئا، ووهب لك حب المساكين، فجعلك لهم اماما، يرضون بك وترضى بهم أتباعا، فطوبى لمن أحبك وصدق فيك الحديث (4). وفي مناقب الخوارزمي، عن ابن مريم، قال: سمعت عمار بن ياسر رضى الله عنه يقول:


(1) الزخرف: 45. (2) الطرائف ص 101 ح 147، واحقاق الحق 3: 145 عن عدة مصادر. (3) المناقب لابن المغازلي ص 310 ح 353، ورواه عن طريق أنس ص 266 ح 313. (4) الفردوس للديلمي 5: 409 ح 8317، ورواه أبو نعيم في حلية الأولياء 1: 71، والطبري في ذخائر العقبى ص 100، وفي الرياض النضرة 2: 228، ونظم درر السمطين ص 102.

[ 43 ]

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا علي ان الله تعالى زينك بزينة لم يزين العباد بزينة هي أحب إليه منها: زهدك فيها، وبغضها اليك، وحبب اليك الفقراء، فرضيت بهم اتباعا، ورضوا بك اماما، فطوبى لمن احبك وصدق بك، الحديث (1). وفي الكتاب المذكور عن ابن عباس في حديث طويل في فضائل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، الى قوله: وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك، فقال علي عليه السلام: أخرج (2) معك ؟ فقال له صلى الله عليه وآله: لا، فبكى علي، فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، الا انه ليس بعدي نبي ؟ لا ينبغي ان اذهب الا وانت خليفتي، قال: وقال له: أنت ولي كل مؤمن من بعدي ومؤمنة، الحديث (3). وفي الكتاب المذكور في حديث طويل، في وصف ركوبه وزينته يوم القيامة، الى قوله: بيده لواء الحمد، وهو ينادي: أشهد أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله، فيقول الخلائق: ما هذا الا نبي مرسل، أو ملك مقرب، أو حامل عرش، فينادي مناد من بطنان العرش: ليس هذا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولا حامل عرش، هذا علي بن أبي طالب وصي رسول رب العالمين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين (4). وفي مناقب الخوارزمي أيضا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الله خلق السماوات والأرض، دعاهن فأجبنه، فعرض عليهن نبوتي وامامة (5) علي بن أبي طالب، فقبلتاهما، ثم خلق الخلق وفوض الينا أمر الدين، فالسعيد من سعد بنا، والشقي من


(1) المناقب للخوارزمي ص 116 ط قم. (2) في " ن " هل اخرج. (3) المناقب للخوارزمي ص 125 (4) المناقب للخوارزمي ص 360، مع اختلاف يسير في الألفاظ. (5) في المناقب: وولاية.

[ 44 ]

شقي بنا، نحن المحلون (1) لحلاله، والمحرمون لحرامه (2). ومنه: ما ذكره ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة، قال: روى ابن ديزيل، قال حدثنا يحيى بن زكريا، قال: حدثنا علي بن القاسم، عن سعيد بن طارق، عن عثمان بن القاسم، عن زيد بن ارقم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الا ادلكم على ما ان تسالمتم (3) عليه لم تهلكوا، ان وليكم الله وامامكم علي بن ابي طالب، فناصحوه وصدقوه فان جبرئيل اخبرني بذلك (4). ثم قال الشارح بعد ذكر الرواية: فان قلت: هذا نص صريح في الامامة، فما الذي تصنع المعتزلة بذلك ؟ قلت: يجوز أن يريد أنه امامهم في الفتوى وأحكام الشريعة (5) لا في الخلافة (6). انظر أيها اللبيب الى تحريفات هؤلاء الزايغين عن طريق الصواب، واشكر على ما هداك رب الأرباب. ومنه: ما في كتاب كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب، تأليف الشيخ الامام الحافظ أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي، باسناده عن أبي برزة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الله عهد الي عهدا في علي، فقلت: يا رب بينه لي، فقال: اسمع، فقلت: سمعت، فقال: ان عليا راية الهدى، وامام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، فبشره بذلك، فجاء علي فبشرته، فقال: يا رسول الله أنا عبد


(1) في (ق): المحللون. (2) المناقب للخوارزمي ص 135. (3) في الشرح: تساءلتم. (4) رواه ابن المغازلي في المناقب ص 245 ح 292. (5) في الشرح: الشرعية. (6) شرح نهج البلاغة 3: 98.

[ 45 ]

الله وفي قبضته، فان يعذبني فبذنوبي، وان يتم لي الذي بشرتني به، فالله أولى بي. قال: فقلت: اللهم اجل قلبه، واجعل ربيعه الايمان، فقال الله عزوجل: قد فعلت به ذلك، ثم انه رفع الي أنه سيخصه من البلاء بشئ لم يخص به أحدا من أصحابي، فقلت: يا رب أخي وصاحبي ؟ فقال: ان هذا شئ قد سبق أنه مبتلى ومبتلى به (1). وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد من علماء الجمهور، ورد هذا الحديث بهذه العبارة: ان الله عهد الي في علي عهدا، فقلت: يا رب بينه لي، قال: اسمع ان عليا راية الهدى، وامام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أحبه فقد أحبني، ومن أطاعه فقد أطاعني، فبشره بذلك، فقلت: قد بشرته يا رب، فقال: أنا عبد الله وفي قبضته، فان يعذبني فبذنوبي لم يظلم شيئا، وان يتم لي ما وعدني فهو أولى، وقد دعوت له فقلت: اللهم اجل قلبه، واجعل ربيعه الايمان بك، قال: قد فعلت ذلك غير أني مختصه بشئ من البلاء لم أختص به أحدا من أوليائي، فقلت: رب أخي وصاحبي، قال: انه سبق في علمي انه لمبتل ومبتلى به. ثم قال: ذكره أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء، عن أبي برزة الأسلمي. ثم رواه باسناد آخر بلفظ آخر عن أنس بن مالك: ان رب العالمين عهد الي في علي عهدا (2)، انه راية الهدى، ومنار الايمان، وامام أوليائي، ونور جميع من أطاعني، ان عليا أميني غدا في القيامة، وصاحب رايتي، بيد علي مفاتيح خزائن رحمة ربي (3).


(1) كفاية الطالب ص 73 ط النجف. (2) في الشرح، عهد في علي الي عهدا. (3) شرح نهج البلاغة 9: 167 - 168. وحلية الأولياء 1: 66.

[ 46 ]

ومنه: ما رواه الفاضل القاشي في كتابه الذي ألفه في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام، نقلا عن كتب المخالفين، عن الحافظ أبي نعيم، من رواية الشعبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مرحبا بسيد العرب وامام المتقين (1). ومنه: ما في كتاب كفاية الطالب، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اوصي من آمن بي وصدقني، بولاية علي بن ابي طالب، من تولاه فقد تولاني، ومن تولاني فقد تولى الله عزوجل (2). ومنه: ما في هذا الكتاب، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يرد علي الحوض راية علي أمير المؤمنين، وامام الغر المحجلين، فأقوم فآخذ بيده، فيبيض وجهه ووجوه أصحابه، فأقول: ما خلفتموني في الثقلين بعدي ؟ فيقولون: تبعنا الأكبر وصدقناه، ووازرنا الأصغر ونصرناه، وقاتلنا معه، فأقول: ردوا رواء مرويين، فيشربون شربة لا يظمأون بعدها أبدا، ووجه امامهم كالشمس الطالعة، ووجوههم كالقمر ليلة البدر أو كأضوء نجم في السماء (3). ومنه: ما رواه الامام الفاضل أبو بكر بن مؤمن الشيرازي في رسالة الاعتقاد، باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله: من أراد منكم النجاة بعدي، والسلامة من الفتن، فليستمسك بعدي بولاية علي بن أبي طالب، فانه الصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، وهو امام كل مسلم بعدي، من اقتدى به في الدنيا ورد علي حوضي، ومن خالفه لم يره ولم يرني، فاختلج دوني واخذ ذات الشمال الى النار (4). وفي رسالته أيضا: عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فرض الله عليكم طاعة علي بعدي،


(1) حلية الأولياء 1: 66. (2) كفاية الطالب ص 74. (3) كفاية الطالب ص 76. (4) احقاق الحق 4: 331، عن رسالة الاعتقاد المخطوط.

[ 47 ]

كما فرض عليكم طاعتي، ونهاكم عن معصيته كما نهاكم عن معصيتي، حبه ايمان، وبغضه كفر، أنا واياه أبوا هذه الامة (1). وفيها: عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ان وصيي وخليفتي وخير من أتركه بعدي، ينجز موعدي، ويقضي ديني، علي بن أبي طالب (2). ومنه: ما في المناقب، عن ابن بريدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لكل نبي وصي ووارث، وان عليا وصيي ووارثي (3). ومنه: ما رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب، والثعلبي في تفسيره، عن أنس بن مالك، قال: اهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله بساط من خندف (4)، فقال لي: يا أنس أبسطه، فبسطته، فقال: ادع الي العشرة، فدعوتهم، فلما دخلوا أمرهم بالجلوس على البساط، ثم دعا عليا فناجاه طويلا، ثم رجع فجلس على البساط، ثم قال: يا ريح احملينا، فحملتنا الريح، فإذا البساط تدف بنا دفا. ثم قال: يا ريح ضعينا، ثم قال: تدرون في أي مكان أنتم ؟ قلنا: لا، قال: هذا موضع أهل الكهف والرقيم، قوموا فسلموا على اخوانكم، قال: فقمنا رجلا رجلا، فسلمنا عليهم، فلم يردوا علينا، فقام علي عليه السلام فقال: السلام عليكم يا معشر الصديقين والشهداء، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: فقلت: وما بالهم ردوا عليك ولم يردوا علينا ؟ فقال: ما بالكم لم تردوا على اخواني ؟ فقالوا: انا معشر الصديقين والشهداء لا نكلم بعد الموت الا نبيا أو وصيا، الحديث (5).


(1) احقاق الحق 7: 216 عنها. (2) احقاق الحق 4: 73 عنها. (3) المناقب لابن المغازلي ص 201 ح 238. (4) في المناقب والطرائف: بهندف. (5) المناقب لابن المغازلي ص 232 ح 280، والطرائف ص 83، والعمدة ص 373 عن المناقب والتفسير.

[ 48 ]

ومنه: ما في مسند أحمد بن حنبل، عن ابن عباس في حديث طويل أتينا بموضع الحاجة منه، قال: وخرج الناس في غزوة تبوك، فقال علي عليه السلام: أخرج معك ؟ قال: فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لا، فبكى علي عليه السلام فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنك ليس بنبي، انه لا ينبغي أن أذهب الا وأنت خليفتي، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت ولي كل مؤمن بعدي ومؤمنة (1). ومنه: ما رواه الحافظ أحمد بن موسى بن مردويه، بسنده عن ام سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله، وكانت ألطف نسائه وأشدهن له حبا، قال: وكان لها مولى يحضنها ورباها، وكان لا يصلي صلاة الا سب عليا وشتمه، فقالت له: يا أبت ما حملك على سب علي ؟ قال: لأنه قتل عثمان وشرك في دمه. قال له: لولا أنك مولاي ربيتي، وأنك عندي بمنزلة والدي، ما حدثتك بسر رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن اجلس حتى احدثك عن علي وما رأيته، قد أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يومي، وانما كان يصيبني في تسعة أيام يوم واحد، فدخل النبي صلى الله عليه وآله وهو متخلل أصابعه في أصابع علي عليه السلام واضعا يده عليه، فقال: يا ام سلمة اخرجي من البيت وأخليه لنا. فخرجت وأقبلا يتناجيان، وأسمع الكلام ولا أدري ما يقولان، حتى إذا قلت: قد انتصف النهار، أقبلت فقلت: السلام عليكم ألج ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا تلجي وارجعي مكانك، ثم تناجيا طويلا، فقام عمود الظهر، فقلت: ذهب يومي وشغله علي، فأقبلت أمشي حتى وقفت على الباب، فقلت: السلام عليكم ألج ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا تلجي، فرجعت فجلست حتى إذا قلت: قد زالت الشمس، الان يخرج الى الصلاة، فيذهب يومي ولم أر يوما قط أطول منه، فأقبلت أمشي حتى وقفت على الباب، فقلت: السلام عليكم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: فلجي.


(1) مسند احمد بن حنبل 4: 437.

[ 49 ]

فدخلت وعلي واضع يده على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وآله قد أدنى فاه من اذن النبي صلى الله عليه وآله، وفم النبي صلى الله عليه وآله على اذن علي يتساران، وعلي يقول: أفأمضي وأفعل ؟ والنبي صلى الله عليه وآله يقول: نعم، فدخلت وعلي معرض وجهه حتى دخلت وخرج، فأخذني النبي صلى الله عليه وآله فأقعدني في حجره، فأصاب مني ما يصيب الرجل من أهله من اللطف والاعتذار. ثم قال: يا ام سلمة لا تلوميني، فان جبرئيل عليه السلام أتاني من الله بما هو كائن بعدي، وأمرني أن اوصي به عليا من بعدي، وكنت جالسا بين جبرئيل وبين علي، جبرئيل عن يميني، وعلى عن شمالي، فأمرني جبرئيل أن آمر عليا ما هو كائن بعدي الى يوم القيامة، فاعذريني ولا تلوميني، ان الله اختار من كل امة نبيا، واختار لكل نبي وصيا، فأنا نبي هذه الامة، وعلي وصيي في عترتي وأهل بيتي وامتي من بعدي. فهذا ما شهدت من علي، الان يا أبة (1) فسبه أو دعه، فأقبل أبوها يناجي الليل والنهار ويقول: اللهم اغفر لي ما جهلت من أمر علي، فان ولي علي وليي، وعدو علي عدوي، وتاب المولى توبة نصوحا، فأقبل فيما بقي من دهره يدعو الله أن يغفر له (2). وفي كتاب مناقب الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، عن سلمان رضى الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله لكل نبي وصي فمن وصيك ؟ فسكت عني، فلما كان بعد رآني، فقال: يا سلمان، فأسرعت إليه، قلت: لبيك، قال: تعلم من وصي موسى ؟ قلت: نعم، يوشع بن نون، قال: لم ؟ قلت: لأنه كان أعلمهم يومئذ، قال: فان وصيي وموضع سري وخير من أترك بعدي ينجز عدتي


(1) في المصادر: يا أبتاه. (2) الطرائف ص 24 - 26 عن مناقب ابن مردويه، واحقاق الحق 4: 76 عنه، ومناقب الخوارزمي ص 89.

[ 50 ]

ويقضي ديني علي بن أبي طالب (1). ومنه: ما في هذا الكتاب، عن سلمان الفارسي، أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وآله يقول: ان أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب (2). ومنه: ما في هذا الكتاب أيضا، عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي صلى الله عليه وآله مرض مرضة، فأتته فاطمة تعوده، فلما رأت ما برسول الله صلى الله عليه وآله من الجهد والضعف، استعبرت فبكت حتى سال الدمع على خديها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة ان لكرامة الله اياك زوجك (3) من أقدمهم سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما، ان الله تعالى اطلع الى أهل الأرض اطلاعة، فاختارني منهم، فبعثني نبيا مرسلا، ثم اطلع اطلاعة، فاختار منهم بعلك، فأوحى الي أن ازوجه اياك وأتخذه وصيا (4). ومنه: ما في هذا الكتاب أيضا مسندا، عن أبي الطفيل، في حديث طويل سيجئ ان شاء الله ذكر تمامه، قال علي عليه السلام لأهل الشورى: انشدكم الله هل تعلمون أن لرسول الله وصيا غيري ؟ قالوا: اللهم لا (5). ومنه: ما في كتاب كفاية الطالب للدارقطني، عن رجاله، عن أبي هارون العبدي، قال: أتيت أبا سعيد الخدري، فقلت له: هل شهدت بدرا ؟ فقال: نعم، فقلت: ألا تحدثني بشئ مما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله في علي وفضله ؟ فقال: بلى اخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله مرض مرضة نقه منها، فدخلت عليه فاطمة عليها السلام تعوده، وانا جالس عن يمين رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما رات ما برسول الله (صلى الله عليه وآله) من


(1) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 113، وكنز العمال 12: 209، وأرجح المطالب ص 24 و 589. (2) احقاق الحق 4: 54 عن مناقب ابن مردويه، والمناقب للخوارزمي ص 112 ط قم. (3) في (ق): زوجتك. (4) المناقب للخوارزمي ص 112 ح 122. (5) المناقب للخوارزمي ص 313 - 315، والمناقب لابن المغازلي ص 112 - 118. (*)

[ 51 ]

الضعف، خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما يبكيك يا فاطمة ؟ قالت: أخشى الضيعة يا رسول الله. فقال: يا فاطمة أما علمت أن الله اطلع الى الأرض اطلاعة، فاختار منها أباك، فبعثه نبيا، ثم اطلع ثانية، فاختار منها بعلك، فأوحى الي فأنكحته واتخذته وصيا، أما علمت أنك لكرامة الله اياك زوجك أعلمهم علما، وأكثرهم حلما، وأقدمهم سلما، فضحكت واستبشرت. فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يزيدها مزيد الخير كله الذي قسمه الله لمحمد وآل محمد، فقال لها: يا فاطمة لعلي ثمانية أضراس يعني مناقب: ايمان بالله، ورسوله، وحكمته، وزوجته، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر. يا فاطمة انا أهل بيت اعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأولين، ولا يدركها أحد من الاخرين غيرنا، نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عم أبيك، ومنا سبطا هذه الامة وهما ابناك، ومنا مهدي الامة الذي يصلي عيسى خلفه، ثم ضرب على منكب الحسين، فقال: من هذا مهدي الامة (1). قال صاحب كشف الغمة: ان هذا الحديث أورده الحافظ أبو نعيم في كتاب الأربعين في أخبار المهدي عليه السلام (2). ونقل عن محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، أن هذا الحديث هكذا أخرجه


(1) البيان في أخبار صاحب الزمان عليه السلام للحافظ الكنجي ص 502. ورواه ابن المغازلي في المناقب ص 101 - 102 ح 144، وابن صباغ المالكي في الفصول المهمة ص 277، والمحب الطبري في ذخائر العقبى ص 44 و 136، والهيتمي في مجمع الزوائد 9: 166، والأمر تسري في أرجح المطالب ص 26. (2) كشف الغمة 2: 468 ط قم.

[ 52 ]

الدارقطني صاحب الجرح والتعديل (1). وفي الصراط المستقيم، أسند الحافظ الدارقطني، من أهل السنة، فيما جمعه من مسند فاطمة، أن العبدي سأل الخدري عما سمع من النبي صلى الله عليه وآله في فضائل علي عليه السلام فقال: دخلت فاطمة على ابيها في مرضه، فبكت، فقال: اطلع الله على الارض اطلاعة، فاختار منها أباك، فبعثه نبيا، وثانية فاختار بعلك، فأوحى الي أن اتخذه وصيا، ثم قال: اعطينا خصالا لم يعطها أحد: نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عم أبيك، وسبطا هذه الامة ابناك، ومنا مهدي هذه الامة الذي يصلي عيسى خلفه، ثم ضرب على منكب الحسين، وقال: من هذا مهدي هذه الامة (2). وفي كتاب كفاية الطالب، عن حذيفة بن اليمان، قال: قالوا: يا رسول الله ألا تستخلف عليا ؟ فقال: ان تولوا عليا تجدوه هاديا مهديا، يسلك بكم الطريق المستقيم. قال: هذا حديث حسن عال (3). ومنه: ما رواه الفقيه الشافعي أبو الحسن بن المغازلي في كتاب المناقب: باسناده عن سلمان، قال: سمعت حبيبي محمدا صلى الله عليه وآله يقول: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عزوجل، يسبح (4) الله ذلك النور ويقدسه قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عام (5)، فلما خلق الله آدم ركب ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شئ واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، ففي النبوة، وفي علي الخلافة (6).


(1) كشف الغمة 2: 482، والبيان في أخبار صاحب الزمان للحافظ الكنجي ص 503. (2) الصراط المستقيم 2: 237 - 238. (3) كفاية الطالب ص 163. (4) في " ن ": فسبح. (5) في الكفاية: بالف عام. (6) المناقب لابن الغازلي ص 88 ح 130، ونحوه في ص 89 ح 131.

[ 53 ]

ومنه: رواه الفقيه المذكور باسناده، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: ان الله عزوجل أنزل قطعة من نور، فأسكنها في صلب ابراهيم، فساقها حتى قسمها جزئين، فجعل جزء في صلب عبد الله، وجزء في صلب أبي طالب، فأخرجني نبيا، وأخرج عليا وصيا (1). ومنه: ما رواه الفقيه المذكور في مناقبه، باسناده عن أبي ذر الغفاري رحمه الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ناصب عليا الخلافة بعدي، فهو كافر وقد حارب الله ورسوله، ومن شك في علي فهو كافر (2). ومنه: ما رواه في الكتاب المذكور، باسناده الى نافع مولى ابن عمر، قال: قلت لابن عمر: من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: ما أنت وذاك لا ام لك، ثم قال: أستغفر الله خيرهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله من كان يحل له ما كان يحل له، ويحرم عليه ما كان يحرم عليه. قلت: من هو ؟ قال: علي، سد أبواب المسجد وترك باب علي، وقال له: لك في هذا المسجد مالي، وعليك فيه ما علي، وأنت وارثي ووصيي، تقضي ديني، وتنجز عداتي، وتقتل على سنتي، كذب من زعم أنه يبغضك ويحبني (3). ومنه: ما في المناقب للفقيه الشافعي، باسناده الى عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا دعوة أبي ابراهيم، قلت (4): يا رسول الله كيف صرت دعوة أبيك ابراهيم ؟ قال: أوحى الله عزوجل الى ابراهيم اني جاعلك للناس اماما (5) فاستخف ابراهيم الفرح: قال: يا رب ومن ذريتي أئمة مثلي ؟ فأوحى


(1) المناقب لابن المغازلي ص 89 ح 132. (2) المناقب لابن المغازلي ص 46 ح 68. (3) المناقب لابن المغازلي الشافعي ص 261 ح 309. (4) في المناقب: قلنا. (5) البقرة.

[ 54 ]

الله: يا ابراهيم اني لا اعطيك عهدا لا أفي به، قال: يا رب ما العهد الذي لا تفي لي به ؟ قال: لا اعطيك لظالم من ذريتك عهدا، قال ابراهيم عندها: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب انهن أضللن كثيرا من الناس (1) قال النبي صلى الله عليه وآله: وانتهت الدعوة الي والى علي، لم يسجد أحدنا (2) لصنم، فاتخذني نبيا، وعليا وصيا (3). ومنه: ما رواه ابن شيرويه الديلمي في كتاب الفردوس في باب الخاء، باسناده عن سلمان الفارسي رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلقت أنا وعلي من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عام (4)، فلما خلق الله آدم ركب ذلك النور في صلبه، فلم نزل في شئ واحد، حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، ففي النبوة وفي علي الخلافة (5). ومنه: ما في شواهد التنزيل للحاكم أبي القاسم الحسكاني، باسناده عن ابن عباس في تأويل قوله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة (6) قال: لما نزلت هذه الاية قال النبي صلى الله عليه وآله من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي، فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء قبلي (7). قال صاحب الصراط المستقيم بعد نقل هذا الحديث عن شواهد التنزيل: وأسنده ابن السراج في كتابه الى ابن مسعود، الى النبي صلى الله عليه وآله حتى قيل له: فكيف


(1) ابراهيم 35 - 36. (2) في المناقب: أحد منا. (3) المناقب لابن المغازلي ص 276 - 277 ح 322. (4) في الفردوس: بأربعة آلاف سنة. (5) فردوس الأخبار 2: 305 ح 2776 ط دار الكتاب العربي بيروت. (6) الانفال: 25. (7) شواهد التنزيل للحسكاني 1: 206 - 207 ط الاعلمي.

[ 55 ]

وليت الظالمين ؟ وقد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: جلبت عقوبة عملي (1)، لأني لم أستأذن امامي كما استأذنه جندب وعمار وسلمان، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه (2). ومنه أيضا: ما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، عن النبي صلى الله عليه وآله: يا علي ان الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إليه منها، هي زينة الأبرار عند الله تعالى: الزهد في الدنيا، جعلك لا ترزأ (3) من الدنيا شيئا، ولا ترزأ الدنيا منك شيئا، ووهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعا، ويرضون بك اماما. ثم قال الشارح: رواه أبو نعيم الحافظ في كتابه المعروف بحلية الأولياء، وزاد فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند: فطوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك (4). وفي شرح ابن أبي الحديد أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله: يا أنس اسكب لي وضوء، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: أول من يدخل عليك من هذا الباب امام المتقين (5)، وسيد المسلمين، ويعسوب الدين (6)، وخاتم الوصيين، وقائد الغر المحجلين. قال أنس: فقلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار، وكتمت دعوتي، فجاء علي عليه السلام، فقال صلى الله عليه وآله: من جاء يا أنس ؟ فقلت: علي، فقام إليه مستبشرا فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق وجهه، فقال علي: يا رسول الله لقد رأيت منك اليوم تصنع بي


(1) في الصراط: حلت عقوبته علي. (2) الصراط المستقيم 2: 27. (3) أي: لا تأخذ. (4) شرح نهج البلاغة 9: 166 - 167، باب ذكر الأحاديث الواردة في فضائل علي عليه السلام. (5) في الحلية: أمير المؤمنين. (6) في النسختين: المؤمنين.

[ 56 ]

شيئا ما صنعته بي من قبل ؟ قال: وما يمنعني وأنت تؤدي عني، وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما اختلفوا فيه. ثم قال ابن أبي الحديد: رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء (1). وفي شرح ابن أبي الحديد أيضا، عن النبي صلى الله عليه وآله: مرحبا بسيد المؤمنين (2)، وامام المتقين: فقيل لعلي: كيف شكرك ؟ فقال: أحمد الله على ما آتاني، وأسأله الشكر على ما أولاني، وأن يزيدني مما أعطاني. ثم قال: ذكره صاحب الحلية أيضا (3). وفي شرحه أيضا: ادعوا لي سيد العرب عليا، فقالت عائشة: ألست سيد العرب ؟ فقال: أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب، فلما جاء أرسل الى الأنصار، فأتوه، فقال لهم: يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما ان تمسكتم به لن تضلوا أبدا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هذا علي، فأحبوه بحبي، وأكرموه بكرامتي، فان جبرئيل أمرني بالذي قلت لكم عن الله عزوجل. ثم قال: رواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء (4). وفيه أيضا: لما أنزل الله إذا جاء نصر الله والفتح بعد انصرافه عليه السلام من غزوة حنين، جعل يكثر من سبحان الله أستغفر الله، ثم قال: يا علي انه قد جاء ما وعدت به جاء الفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وانه ليس أحد أحق منك بمقامي الحديث (5). ومنه: ما رواه ابن المغازلي عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:


(1) شرح نهج البلاغة 9: 169. وحلية الأولياء 1: 63 - 64. (2) في الحلية: بسيد المسلمين. (3) شرح نهج البلاغة 9: 170. وحلية الأولياء 1: 66. (4) شرح نهج البلاغة 9: 170. حلية الأولياء 1: 63. (5) شرح نهج البلاغة 9: 174.

[ 57 ]

يدخل الجنة من امتي سبعون ألفا لا حساب عليهم، ثم التفت الى علي عليه السلام فقال: هم من شيعتك وأنت امامهم (1). ومنه: ما رواه باسناده عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مني مثل رأسي من بدني (2). ومنه: ما رواه أيضا باسناده عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: حدثني النبي صلى الله عليه وآله، قال: أتاني جبرئيل عليه السلام آنفا، فقال: تختموا بالعقيق فانه أول حجر شهد لله بالوحدانية، ولي بالنبوة، ولعلي بالوصية، ولولديه بالامامة، ولشيعته بالجنة (3). وهذا المعنى رواه الموفق الخطيب الخوارزمي بسنده الى سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وآله بهذه العبارة، قال لعلي: يا علي تختم باليمين تكن من المقربين، قال: يا رسول الله وما المقربون ؟ قال: جبرئيل، وميكائيل، واسرافيل، قال: فبم أتختم ؟ قال: بالعقيق الأحمر، فانه أول حجر أقر لله بالوحدانية، ولي بالنبوة، ولك بالوصية، ولولدك بالامامة، ولمحبيك بالجنة، ولشيعة ولدك بالفردوس (4). ومنه: ما رواه أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني جبرئيل بدرنوك من درانيك الجنة، فجلست عليه، فلما صرت بين يدي ربي كلمني وناجاني، فما علمت (5) شيئا الا علمته عليا، فهو باب مدينة علمي، ثم دعاه إليه، فقال: يا علي سلمك سلمي، وحربك حربي، وأنت العلم فيما بيني وبين امتي


(1) المناقب لابن المغازلي ص 293 ح 335. (2) المناقب لابن المغازلي ص 92 ح 135. (3) المناقب لابن المغازلي ص 281 ح 326. (4) المناقب للخوارزمي ص 326 ط قم. (5) في المناقب: فما علمني.

[ 58 ]

من بعدي (1). ومنه: ما في مناقب الخوارزمي باسناده عن المصطفى محمد الأمين سيد الأولين والاخرين صلى الله عليهم أجمعين، أنه قال لعلي بن أبي طالب: يا أبا الحسن كلم الشمس فانها تكلمك، فقال علي عليه السلام: السلام عليك أيها العبد المطيع لله (2)، فقالت الشمس: وعليك السلام يا أمير المؤمنين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين، يا علي أنت وشيعتك في الجنة، يا علي أول من تنشق عنه الأرض محمد ثم أنت، وأول من يحيي محمد ثم أنت، وأول من يكسي محمد ثم أنت، فانكب علي ساجدا وعيناه تذرفان بالدموع، فانكب عليه النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا أخي وحبيبي ارفع رأسك، فقد باهى الله بك أهل سماواته (3). وفي كتاب الخوارزمي أيضا، نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله صبيحة الغار فرحا، فقال: أراك فرحا، قال: كيف لا ؟ وقد قرت عيني بما أكرم الله به أخاك ووصيك وامام امتك علي بن أبي طالب، باهى الله بعبادته البارحة ملائكته وحملة عرشه، فقال: انظروا الى حجتي في أرضي بعد نبيي وقد بذل نفسه وعفر في التراب خده تواضعا لعظمتي، اشهدكم أنه امام خلقي ومولى بريتي (4). ومنه: ما في أربعين الخطيب، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتاني جبرئيل وقد نشر جناحيه فإذا مكتوب: لا اله الا الله، محمد النبي. ومكتوب على الاخر: لا اله الا الله، علي الوصي (5). ومنه: ما في مناقب أخطب خوارزم، عن النبي صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة أمر


(1) المناقب لابن المغازلي ص 50 ح 73. (3) في المناقب: لربه. (3) المناقب للخوارزمي ص 113 - 114 ح 123 ط قم. (4) المناقب للخوارزمي ص 319. (5) المناقب للخوارزمي ص 148 ح 172.

[ 59 ]

الله ملكين يقعدان على الصراط ولا يجوز أحد على الصراط الا ببراءة علي بن أبي طالب، ومن لم يكن معه براءة أمير المؤمنين كبه الله في النار، وهو قوله وقفوهم انهم مسؤولون (1) قيل: وما براءة علي ؟ قال: قول لا اله الا الله، محمد رسول الله علي ولي الله ووصي رسوله (2). ونقل عن أبي محمد الفحام من علماء المخالفين، باسناده عن أنس، قال: ان النبي صلى الله عليه وآله ركب ذات يوم الى جبل كذا (3)، وقال: يا أنس خذ البغلة وانطلق الى موضع كذا تجد عليا جالسا يسبح بالحصى، فاقرأه مني السلام، واحمله على البغلة وأت به الي، قال: فلما ذهبت ووجدت عليا كذلك، فقلت: ان رسول الله يدعوك، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: اجلس، فان هذا موضع قد جلس فيه سبعون نبيا مرسلا، ما جلس فيه من الأنبياء أحد الا وأنا أكرم على الله منه، وقد جلس موضع كل نبي أخ له، ما جلس من الاخوة أحد أكرم على الله منك، قال: فرأيت غمامة بيضاء وقد أظلتهما، فجعلا يأكلان عنقود عنب، وقال: كل يا أخي فهذه هدية من الله الي ثم اليك، ثم شربا، ثم ارتفعت الغمامة، ثم قال: يا أنس والذي خلق ما يشاء لقد أكل من تلك الغمامة ثلاثمائة وثلاثة عشر نبيا وثلاثمائة وثلاثة عشر وصيا ما فيهم نبي أكرم على الله مني، ولا وصي أكرم على الله من علي (4). وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد من علماء الجمهور، عن علي عليه السلام: أنا من رسول الله صلى الله عليه وآله كالعضد من المنكب، وكالذراع من العضد، وكالكف من الذراع، رباني صغيرا، وآخاني كبيرا، ولقد علمتم أني كان لي منه مجلس سر لا


(1) الصافات: 24. (2) احقاق الحق 3: 105، وشواهد التنزيل 2: 107، ولم أعثر على نص الرواية في مناقب الخوارزمي، نعم روى نحوها في ص 320 ح 324. (3) في الصراط: الى موضع كذا. (4) الصراط المستقيم للبياضي 1: 243 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

[ 60 ]

يطلع عليه غيري، وأنه أوصى الي دون أصحابه وأهل بيته، ولأقولن ما لم أقله لأحد قبل هذا اليوم، سألته مرة أن يدعو لي بالمغفرة، فقال: أفعل، ثم قام فصلى، فلما رفع يده في الدعاء (1) استمعت إليه، فإذا هو قائل: اللهم بحق علي عندك اغفر لعلي، فقلت: يا رسول الله ما هذا ؟ فقال: أو أحد أكرم منك عليه، فاستشفعت به إليه (2). وفي كتاب كفاية الطالب، قال أبو علي الكوكبي، عن أبي السري (3)، عن عوانة بن الحكم، عن أبي صالح، قال: ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام عند عائشة، وابن عباس حاضر، فقالت عائشة: كان من أكرم رجالنا على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال ابن عباس: وأي شئ يمنعه عن ذلك ؟ اصطفاه الله لنصرة رسوله، وارتضاه رسول الله لاخوته، واختاره لكريمته، وجعله أبا ذريته ووصيه من بعده. وذكر الخبر صاحب كشف الغمة بتمامه ونحن أخذنا موضع الحاجة منه (4). ومنه: ما في بشائر المصطفى، عن يزيد بن قعنب، قال: كنت جالسا مع العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه، وفريق من بني عبد العزى بازاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد ام أمير المؤمنين عليه السلام، وكانت حاملا به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق، فقالت: يا رب اني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من كتب ورسل، واني مصدقة بكلام جدي ابراهيم الخليل عليه السلام، وانه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى البيت والمولود الذي في بطني الا ما يسرت علي ولادتي. قال يزيد بن قعنب: فرأيت البيت انشق عن ظهره، ودخلت فاطمة فيه،


(1) في الشرح: للدعاء. (2) شرح نهج البلاغة 20: 316، واحقاق الحق 7: 87 عنه. (3) في الكشف، عن أبي السمري. (4) كشف الغمة 1: 377 ط قم.

[ 61 ]

وغابت عن أبصارنا، وعاد الى حاله، فرمنا (1) أن ينفتح لنا قفل الباب، فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك من أمر الله تعالى، ثم خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ثم قالت: اني فضلت على من (2) تقدمني من النساء، لأن آسية بنت مزاحم عبدت الله سرا في موضع لا يحب الله أن يعبد فيه الا اضطرارا، وان مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطبا جنيا، واني دخلت بيت الله الحرام، فأكلت من ثمار الجنة وأرزاقها، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة سميه عليا فهو علي، والله العلي الأعلى يقول: شققت (3) اسمه من اسمي، وأدبته بأدبي، وأوقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق بيتي، ويقدسني، ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه. قالت: فولدت عليا ولرسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثون سنة، فأحبه رسول الله صلى الله عليه وآله حبا شديدا، وقال لها: اجعلي مهده بقرب فراشي، وكان صلى الله عليه وآله يلي أكثر تربيته، وكان يطهر عليا في غسله، ويوجره اللبن عند شربه، ويحرك مهده عند نومه، ويناغيه (4) في وقت يقظته، ويحمله على صدره ورقبته ويقول: هذا أخي، ووليي، وناصري، وصفيي، وذخري، وكهفي، وصهري، ووصيي، وزوج كريمتي، وأميني على وصيتي وخليفتي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحمله دائما، ويطوف به جبال مكة


(1) في الاحقاق: فعزمنا. (2) في (ن وق): على النساء من. (3) في الكشف: اشتققت. (4) المناغاة، تكليمك الصبي بما يهوي من الكلام، والمرأة تناغي الصبي أي: تكلمه بما يعجبه ويسره. لسان العرب.

[ 62 ]

وشعابها وأوديتها وفجاجها، صلى الله على الحامل والمحمول (1). وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي، باسناده عن طلحة بن مصرف، قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى، هل كان النبي صلى الله عليه وآله أوصى ؟ فقال: لا، قلت: فكيف كتب الوصية (2) ؟ أو أمر بالوصية ؟ فقال: أوصى بكتاب الله. قال الحميدي: وفي حديث ابن مهدي (3) زيادة ذكرها أبو مسعود وأبو بكر البرقاني (4)، ولم يخرجها البخاري ولا مسلم فيما عندنا من كتابيهما، وهي: قال هذيل بن شرحيل: أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي حديث وكيع، قلت: فكيف أمر الناس بالوصية ؟ (5). أقول: انكار ابن أبي أوفى بناء على عناده لأهل البيت. ومما يشهد على عناده قوله (أوصى بكتاب الله) من غير ذكر أهل البيت عليهم السلام، مع تواتر الروايات في الوصية بهما جميعا، وهو ممن روى الوصية بهما جميعا. ولا يخفى أن ترك البخاري ومسلم الزيادة التي نقلها الحميدي، أيضا مبني على التعصب وحب التقرب الى السلاطين، ولاظهارهما أمثال هذه التعصبات واخراجهما كثيرا من الروايات المخالفة لاصول مذهب أهل السنة من كتابيهما، عظموهما غاية التعظيم، وحكموا بصحة كتابيهما، وأوجبوا العمل بما فيهما، أعوذ بالله من الغواية، والخروج من طريق الهداية، وسيجئ ان شاء الله في آخر الفاتحة ذكر مثالب هذين الشيخين، وبيان خيانتهما وعنادهما لأهل البيت عليهم السلام. وفي تاريخ أعثم الكوفي من علماء المخالفين وثقاتهم، عدة أخبار تدل على أنه عليه السلام


(1) كشف الغمة 1: 60 عن بشائر المصطفى، واحقاق الحق 5: 56 - 57 عنه. (2) في العمدة: فكيف كتب على الناس الوصية. (3) في (ن): أبي مهدي. (4) في (ن): البرقوني. (5) العمدة لابن بطريق ص 78 - 79 عن الجمع بين الصحيحين، وصحيح البخاري 4: 3.

[ 63 ]

وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، ذكرها في قصة مسيره عليه السلام الى صفين. قال: وأقام علي عليه السلام بالأنبار يومين، فلما كان في اليوم الثالث سار بالناس في برية ملساء، فعطش الناس واحتاجوا الى الماء، قال: وإذا براهب في صومعة، فدنى منه علي عليه السلام وصاح به، وقال: هل تعرف بالقريب منك ماء نشرب منه ؟ فقال: ما أعلم ذلك وان الماء يحمل الينا من قرب فرسخين. قال: فركب علي عليه السلام وأقبل الى موضع من الأرض، فطاف به، ثم أشار الى مكان منه، وقال: احفروا هاهنا، فحفروا قليلا، فاذاهم بصخرة بيضاء كأنها طليت بالذهب، وهي على مثال الرحى لا يقلبها مائة رجل، فقال علي عليه السلام: اقلبوها فالماء من تحتها، فاجتمع الناس عليها فلم يقدروا على قلبها. قال: فنزل علي عليه السلام عن فرسه، ثم دنى من الصخرة وحرك شفتيه بشئ لم يسمع، ثم ضرب بيده الى الصخرة، وقال: بسم الله، ثم حركها ورفعها فرمى بها ناحية، قال: فإذا بعين من الماء لم ير الناس أعذب منها، ولا أصفى ولا أبرد من مائها، فنادى في الناس: أن هلموا الى الماء. قال: فورد الناس ونزلوا فشربوا وسقوا ما معهم من الظهر، وملؤوا أسقيتهم، وحملوا من الماء ما أرادوا، فلما استكفوا حمل علي عليه السلام الصخرة وهو يحرك شفتيه بمثل كلامه الأول، حتى رد الصخرة الى موضعها. ثم سار حتى نزل في المنزل الذي أراد، فإذا ماؤه متغير، فقال علي عليه السلام لأصحابه: امنكم من يعرف مكان الماء الذي شربتم منه ؟ فقالوا: نعم يا امير المؤمنين، قال: فانطلقوا إليه، فان الماء هاهنا عزيز، قال: فانطلق القوم الى ذلك الموضع وطلبوا مكان الصخرة، فلم يقدروا عليه، فانطلقوا الى الراهب فصاحوا به، فأشرف عليهم، فقالوا له: أين هذا الماء الذي بالقرب من ديرك هذا ؟ فقال الراهب: ما بقربي شئ من الماء، فقالوا: بلى وقد شربنا منه، وصاحبنا هو الذي استخرج لنا الماء، قال الراهب: وقد شربتم من ذلك الماء ؟ قالوا: نعم.

[ 64 ]

قال الراهب: فانه والله ما بني هذا الدير الا من ذلك الماء، وأنا في هذه الصومعة منذ كذا سنة ما علمت بهذا الماء، وانها عين يقال لها: عين راحوما (1)، ما أخرجها الا نبي أو وصي نبي، ولقد شرب منها سبعون نبيا وسبعون وصيا. قال: فرجع الناس الى علي عليه السلام فخبروه بذلك، فسكت ولم يقل شيئا. ثم سار حتى نزل بمدينة هيت، ورحل منها حتى نزل بموضع يقال له: الأنظار (2)، فبنى هنالك مسجدا، والمسجد ثابت الى يومنا هذا. قال: ثم انه عبر الفرات، وشق البلاد حتى خرج الى بلاد الجزيرة، ثم سار يريد الرقة حتى نزل بموضع يقال له الشليح (3)، فنزل هناك على شاطئ نهر الشليح. قال: ونظر إليه راهب كان هناك في صومعة، فنزل من الصومعة، وأقبل الى علي، فأسلم على يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين ان عندنا كتابا قد توارثناه عن آبائنا، يذكرون أن عيسى بن مريم كتبه فأعرضه عليك، فقال علي عليه السلام: نعم فهاته. قال: فرجع الراهب الى موضعه، وأقبل بكتاب عتيق قد كاد أن يدرس، فأخذه علي عليه السلام وقبله، ثم دفعه الى الراهب، فقال: اقرأه علي، فقرأه الراهب على علي عليه السلام فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الذي قضى فيما قضى، وسطر فيما سطر، انه باعث في الاميين رسولا يعلمهم الكتاب والحكمة، ويدلهم على سبيل الرشاد، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب (4) في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة سيئة، ولكن يعفو ويصفح، امته الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال، في هبوط الأرض وصعود الجبال، ألسنتهم مذللة بالتسبيح والتقديس والتكبير والتهليل، ينصر الله


(1) في (ن): راحوقا. (2) في (ق): الأنطار، وفي التاريخ: الأقطار. (3) في التاريخ: البليخ. (4) الصخب: محركة شدة الصوت. القاموس.

[ 65 ]

هذا النبي على من ناواه، وإذا توفاه الله اختلف امته من بعده، ثم يلبثون بذلك ما شاء الله. ثم يمر رجل من امته بشاطئ هذا النهر، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقضي بالحق، ولا يرتشي في الحكم، الدنيا أهون عليه من شربة ماء على الظمآن، يخاف الله في السر، وينصح في العلانية، لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن أدرك ذلك النبي فليؤمن به، فمن آمن به كان له رضوان الله والجنة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره، فانه وصي خاتم الأنبياء، والقتل معه شهادة. ثم أقبل هذا الراهب الى علي عليه السلام، وقال: اني مصاحبك لا افارقك أبدا حتى يصيبني ما أصابك، قال: فبكى علي عليه السلام، ثم قال: الحمد لله الذي ذكر عبده في كتاب الأبرار. ثم قال: سار علي عليه السلام وهذا الراهب معه، وكان يتغذى ويتعشى مع علي عليه السلام، حتى صار الى صفين، وقاتل فقتل رحمه الله، فقال علي عليه السلام لأصحابه: اطلبوه، فطلبوه فوجدوه، فصلى عليه واستغفر له، وقال: هذا منا أهل البيت (1). وفيه أيضا حكاية طويلة مشتملة على صنوف الفصاحة والبلاغة، متضمنة لمثالب بني امية عن شيخ من الفصحاء يخاطب فيها عبد الملك بن مروان، فمن جملة ما ذكره في ذم معاوية أنه قال: فعادى النبي صلى الله عليه وآله وقاتل الوصي (2). وفيه أيضا: عن هاشم المرقال صاحب راية أمير المؤمنين عليه السلام في صفين، رجز من جملته هذا: ذاك الوصي بالهدى استقبلا * أول من صدقه وصلى انتهى ما أردنا نقله عن كتاب أعثم.


(1) كتاب الفتوح المعروف بتاريخ ابن عثم الكوفي 2: 555 ط بيروت. (2) تاريخ ابن أعثم الكوفي 2: 563. (*)

[ 66 ]

وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد من علماء الجمهور، قال له عمرو بن الحمق: والله يا أمير المؤمنين اني ما أحببتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك، ولا ارادة مال تؤتينيه، ولا التماس سلطان ترفع ذكري به، ولكني أحببتك بخصال خمس: انك ابن عم رسول الله، ووصيه، وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأسبق الناس الى الاسلام، وأعظم المهاجرين سهما في الجهاد، الى آخر الخبر (1). وفيه أيضا: وروى عثمان بن سعيد، عن عبد الله بن بكير، عن حكيم بن جبير، قال: خطب علي عليه السلام فقال في أثناء خطبته: أنا عبد الله، وأخو رسوله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي الا كذاب، ورثت نبي الرحمة، ونكحت سيدة نساء هذه الامة، وأنا خاتم الوصيين. فقال رجل من عبس (2): من لا يحسن أن يقول مثل هذا، فلم يرجع الى أهله حتى جن وصرع، فسألوهم هل رأيتم به عرضا قبل هذا ؟ قالوا: ما رأينا قبل هذا عرضا (3). قال ابن أبي الحديد في شرحه بعد ذكر كلام أمير المؤمنين عليه السلام بعد قتل عثمان في وصف آل محمد (هم عماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الان رجع الحق الى أهله ونقل الى منتقله): أما الوصية، فلا ريب عندنا أن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، وان خالف في ذلك من هو منسوب عندنا الى العناد، ولسنا نعني بالوصية النص


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 181. (2) عبس: جبل وماء بنجد بديار بني أسد، ومحلة بالكوفة. القاموس. (3) شرح نهج البلاغة 2: 287 - 288. (*)

[ 67 ]

والخلافة، ولكن امور اخرى (1). أقول: بعد الاقرار لا وجه لما ذكره، لأن سنة الله جرت من قبل بأن يكون الأوصياء هم الخلفاء، فكذا وصي نبينا، لقوله تعالى ولا تجد لسنة الله تحويلا (2). وأيضا كيف يجوز على سيد الأنبياء وخاتمهم أن يترك الوصية بالخلافة التي هي أهم الامور مع العلم بعدم مجئ نبي بعده، وكمال احتياج الامة إليه، ويوصي بغير الأهم، خصوصا على مذهب المخالفين، فانهم يعتقدون أن عليا عليه السلام لم يكن وصيا في متروكات النبي صلى الله عليه وآله، بل قال النبي صلى الله عليه وآله: ما تركناه صدقة، ويعتقدون أن المتولي على صدقات النبي صلى الله عليه وآله كان أبو بكر، ففيما كان وصية علي عليه السلام التي كان يباهي بها ؟ والصحابة والتابعون يمدحونه بها، ويعدونها من فضائله في نظمهم ونثرهم ؟ والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم (3). ثم أقول: كونه عليه السلام وصيا لرسول الله صلى الله عليه وآله أمر بين واضح، لا يمكن خفاؤه على اللبيب المنصف المتتبع. وقد نقل عن جماعة من أهل التواريخ: أن المأمون الخليفة جمع أربعين رجلا من علماء أهل المذاهب الأربعة وناظرهم، وأثبت عليهم أن علي بن أبي طالب عليه السلام وصي رسول الله وخليفته، وناظرهم، واثبت عليهم ان علي بن ابي طالب عليه السلام عليا عليه السلام هو المنصوص عليه بالخلافة (4). ونعم ما قال المأمون:


(1) شرح نهج البلاغة 1: 138 - 140. (2) فاطر: 43. (3) البقرة: 213. (4) بحار الأنوار 49: 189 - 208 ح 2 عن عيون أخبار الرضا عليه السلام.

[ 68 ]

الام على شكر الوصي أبي الحسن وذلك عندي من عجائب الزمن خليفة خير الناس والأول الذي أعان رسول الله في السر والعلن ولا يخفى أن التصريح بوصيته عليه السلام وامامته قد وقع عن كثير من الصحابة وغيرهم في أشعارهم، ونحن نقتصر هاهنا ببعض ما أنشدوه روما للاختصار. قال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين: إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا أبو حسن مما نخاف من المحن (1) وصي رسول الله من دون أهله وفارسه قد كان في سالف الزمن (2) وقال خزيمة أيضا مخاطبا لعائشة بنت أبي بكر: أعايش خلي عن علي وعيبه بما ليس فيه انما أنت والده وصي رسول الله من دون أهله وأنت على ما كان من ذلك شاهده (3) وقال عبد الرحمن بن جبل في جملة أبياته: عليا وصي المصطفى ووزيره وأول من صلى لذي العرش واتقى وكان أمير المؤمنين ابن فاطم بكم ان عرى خطب أبر وأرفقا (4) وقال زفر بن الحارث بن حذيفة الأسدي: فحوطوا عليا وانصروه فانه وصي وفي الاسلام أول أول (5) وقال خزيمة (6) أيضا: ما كنت أحسب هذا الأمر منتقلا عن هاشم ثم منها عن أبي حسن


(1) في البحار: الفتن. (2) بحار الأنوار 32: 35 و 38: 273 - 274. (3) شرح نهج البلاغة 1: 146، وبحار الأنوار 38: 23. (4) بحار الأنوار 38: 277. (5) بحار الأنوار 38: 277. (6) في البحار: ومنه قول ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ثم ذكر الأبيات له.

[ 69 ]

أليس أول من صلى لقبلتكم وأعلم الناس بالقرآن (1) والسنن وآخر الناس عهدا بالنبي ومن جبريل عون له في الغسل والكفن ماذا الذي ردكم عنه فنعرفه ها ان بيعتكم من أغبن الغبن (2) وقيل: ان هذه الأبيات نسبه قوم الى عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب. وقال عبادة بن الصلت في أبيات له يوم السقيفة: ما بال الرجال أخروا عليا عن رتبة كان له مرضيا أليس كان دونهم وصيا وقال عتبة (3) بن أبي سفيان بن عبد المطلب: وكان ولي الأمر من بعد أحمد علي وفي كل المواطن صاحبه وصي رسول الله حقا وصهره (4) وأول من صلى ومن لان جانبه (5) وقال قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في صفين: قلت لما بغى العدو علينا حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح البصرة بالأمس والحديث طويل وعلي امامنا وامام لسوانا أتى به التنزيل حين قال النبي من كنت مولاه فهذا مولاه خطب جليل انما قاله النبي على الامة حتم ما فيه قال وقيل (6)


(1) في البحار: بالاثار. (2) بحار الأنوار 38: 293 و 38: 274، وفيهما في آخر البيت: ها ان بيعتكم من أول الفتن. (3) في البحار: عبد الله. (4) في البحار: وجاره. (5) بحار الأنوار 38: 276. (6) بحار الأنوار 37: 150.

[ 70 ]

وقال جرير بن عبد الله البجلي، لما كتب إليه أمير المؤمنينن عليه السلام يدعوه الى البيعة، وهو مقيم بثغر همدان من قبل عثمان بن عفان، في جواب أبيات ابن اخت له يحثه بها على بيعة أمير المؤمنين عليه السلام: فصلى المليك (1) على أحمد رسول المليك تمام النعم وصلى على الطهر من بعده خليفته القائم المدعم عليا عنيت وصي النبي تجالد عنه غواة الامم (2) وكتب رجل من السكون أبياتا الى الأشعث بن قيس - وكان مقيما بثغر آذربايجان من قبل عثمان - يحثه على بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، وكان عليه السلام خائفا منه، فكتب الأشعث بن قيس الى أمير المؤمنين عليه السلام: أتانا الرسول رسول الوصي علي المهذب من هاشم وزير النبي وذو صهره وخير البرية والعالم وقال أيضا: أتانا الرسول رسول الوصي (3) فسر بمقدمه المسلمونا رسول الوصي وصي النبي له الفضل والسبق في المؤمنينا فكم بطل ماجد قد أذاق منية حتف من الكافرينا (4) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ومما رويناه من الشعر المنقول المتضمن كونه عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله: قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ثم ذكر شعره وشعر جماعة هذه أسماؤهم: عبد الرحمن بن جعيل، وأبو


(1) في الشرح والبحار: الاله. (2) بحار الأنوار 38: 24، وشرح نهج البلاغة 1: 147. (3) في البحار والشرح: الأنام. (4) بحار الأنوار 38: 24، وشرح نهج البلاغة 1: 147 - 148.

[ 71 ]

الهيثم بن التيهان، وعمر بن حارثة الأنصاري، ورجل من الأزد، وغلام من بني ضبة، وسعيد بن قيس الهمداني، وزياد بن لبيد الأنصاري، وحجر بن عدي الكندي، وخزيمة بن ثابت الأنصاري وكان بدريا، وابن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعمرو بن احيحة، وزحر (1) بن قيس الجعفي. ثم قال ابن أبي الحديد بعد الفراغ من ذكر أشعار هؤلاء القوم وأراجيزهم المتضمنة لذكر الوصي: هذه الأشعار وأراجيزهم، جمعها (2) أبو مخنف لوط بن يحيى في كتاب وقعة الجمل، وأبو مخنف من المحدثين، وممن يرى صحة الامامة بالاختيار، وليس من الشيعة، ولا معدودا من رجالها. ومما رويناه من أشعار صفين التي تتضمن تسميته عليه السلام بالوصي، ما ذكره نصر بن مزاحم بن يسار المنقري في كتاب صفين، وهو من رجال الحديث، ثم ذكر أشعارا متضمنة لذكر الوصي لجماعة، وهذه أسماؤهم: زحر بن قيس، الأشعث بن قيس، أمير المؤمنين عليه السلام، جرير بن عبد الله البجلي، النعمان بن عجلان الأنصاري، عبد الرحمن (3) بن ذؤيب الأسلمي، المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب، عبد الله بن العباس. ثم قال: والأشعار التي تتضمن هذه اللفظة كثيرة جدا، ثم قال: ولولا خوف الملالة والاضجار لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقا كثيرة. انتهى ما أردنا نقله عن ابن أبي الحديد (4). ثم أقول: قد روي عن أبي الأسود الدؤلي، أنه قال: حدثني من سمع ام أيمن


(1) في النسخ: وزجر. (2) في الشرح: والأراجيز بأجمعها. (3) في النسخ: عبد الله. (4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 143 - 150.

[ 72 ]

رضي الله عنها تقول: سمعت في الليلة التي تلت نهار اليوم الذي بويع فيه أبو بكر، هاتفا يقول ولا أرى شخصه: لقد ضعضع الاسلام فقدان أحمد وأبكى عليه فيكم كل مسلم وأحزنه حزنا تمالوا صحبة الغواة على الهادي الرضي المكرم وصي رسول الله أول مسلم وأعلم من صلى وزكى بدرهم أخي المصطفى دون الذين تأمروا عليه وان بزوه فضل التقدم ونقل عن شيرويه الديلمي، باسناده رواية حاصل بعضها: أن نخلة صاحت باختها حين مر النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام: هذا محمد سيد النبيين، وهذا علي سيد الوصيين، فتبسم النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: يا علي سم نخلة المدينة صيحانيا، فقد صاحت بفضلي وفضلك (1). وأنشد ابن حماد: فتكلم النخل الذي في وسطه بفصاحة فتعجب الثقلان من نخلة قالت هناك لاختها هذان أكرم من مشى هذان هذا ابن عبد الله هذا صنوه هذا علي العالم الرباني قد صاح هذا النخل ينشر فضلهم ولأجل ذلك سمي الصيحاني انتهى ما أردنا نقله مما ورد في أمر الوصية. ثم أقول: كيف يجوز لسيد المرسلين صلى الله عليه وآله أن يترك الوصية ويهمل أمر الامة ؟ مع أنه تعالى أمره بالاقتداء بهدي الأنبياء بقوله فبهداهم اقتده (2) ولا ريب أن الأنبياء كلهم لم يخرجوا من الدنيا من غير وصية وتعيين وصي، فيجب على نبينا تأسيا بالأنبياء أن لا يخرج من غير وصي.


(1) بحار الأنوار 41: 267، والمناقب للخوارزمي ص 312. (2) الأنعام: 90.

[ 73 ]

وكيف يجوز للعقلاء أن يجوزوا على سيد الأنبياء خروجه من الدنيا من غير وصي وخليفة ؟ مع علمهم بأنه صلى الله عليه وآله ما كان يخرج من المدينة الى غزوة الا بعد تعيين خليفة، وما كان يترك قرية ولا سرية من غير أمير، ذلك ظن الذين لا يوقنون وبالاخرة هم لا يؤمنون. وكيف يجوز العاقل أن يخرج سيد البشر من الدنيا بغير وصية ؟ مع أمره الناس وتحريصهم حتى ورد في صحيحي مسلم والبخاري، عن النبي صلى الله عليه وآله: ما حق مسلم أن يبيت الا ووصيته عنده مكتوبة (1). ألم يسمع قول الله عزوجل أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (2) وإذا ثبتت الوصية، ثبت أن عليا عليه السلام هو المخصوص بالوصية دون غيره، لعدم القائل بالفصل. تتمة في الأخبار المتفرقة الدالة على امامة أمير المؤمنين عليه السلام ووجوب اتباعه وفرض طاعته نقل أبو المكارم في الأربعين عن سلمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حق علي على هذه الامة كحق الوالد على ولده (3). وكذا نقل عن الديلمي في الفردوس (4). ونقل عن كتاب الخصائص عن أنس: حق علي على المسلمين كحق الوالد على الولد (5).


(1) صحيح البخاري 3: 185، وصحيح مسلم 3: 1249 - 1250. (2) البقرة: 44. (4) احقاق الحق 6: 488 - 492 عن مصادر كثيرة لأهل السنة. (4) فردوس الأخبار 2: 210 برقم: 2495 ط بيروت. (5) راجع: مناقب ابن المغازلي ص 48 برقم: 70، ولسان الميزان 4: 399، وينابيع المودة ص 123.

[ 74 ]

وفي مفردات أبي القاسم الراغب، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا علي أنا وأنت أبوا هذه الامة، الحديث (1). ودلالة هذه الأخبار على وجوب اتباعه عليه السلام ظاهرة، لأنها صريحة في أن الامة كلها بمنزلة الولد وهو عليه السلام بمنزلة الوالد، ولا ريب أن من حقوق الوالد على الولد أن يتبعه ولا يتقدم عليه، فعلى هذا يلزم أن يكون كل من تقدم عليه من الامة، وكل من قدم غيره عليه، كان عاقا، وقد سمى الله تعالى في كتابه العاق جبارا شقيا (2). ونقل عن ابن مردويه باسناده، عن عقبة بن عامر، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله ظهيرة، فقال لي: ما جاء بك يا جهني في هذا الوقت ؟ قال: قلت: امر عرض لي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما ذاك يا جهني ؟ قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في هؤلاء القوم الذين يقاتلون معك ؟ منهم من يقول: أبو بكر خير هذه الامة من بعدك، ومنهم من يقول: عمر خير هذه الامة من بعدك، فان حدث بك حدث اتبعناه، فقال: اتبعوا من اختاره الله من بعدي، ومن اشتق له من أسمائه، ومن زوجه الله ابنتي من عنده، ومن وكل به ملائكته يقاتلون معه عدوه، قلت: ومن هو يا رسول الله ؟ قال: علي بن أبي طالب (3). وفي مناقب الخوارزمي، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس آدم، فقال: الحمد لله، فأوحى الله: حمدني عبدي، وعزتي وجلالي لولا عبدان اريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك، قال: الهي فيكونان مني ؟ قال: نعم يا آدم، ارفع رأسك وانظر، فرفع رأسه، فإذا مكتوب


(1) مفردات الراغب ص 7 ط طهران. (2) مريم: 32. (3) المناقب لابن مردويه - مخطوط.

[ 75 ]

على العرش: لا اله الا الله، محمد نبي الرحمة، وعلي مقيم الحجة (1)، من عرف حق علي زكى وطاب، ومن أنكر حقه لعن وخاب، أقسمت بعزتي أن أدخل النار من عصاه وان أطاعني، وأدخل الجنة من أطاعه وان عصاني (2). ودلالة هذا الحديث على وجوب اتباعه واضح. وفي كتاب شرف النبي، عن ام سلمة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله عندي، فقعدت إليه فاطمة ليلة ومعها علي، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه اليهما، فقال: أبشر أبشر يا علي أنت وشيعتك في الجنة (3). وفي فردوس الديلمي، مسندا عن علي عليه السلام: يا علي أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي، فان أتاك هؤلاء القوم، فسلموا لك (4) هذا الأمر فاقبله منهم، وان لم يأتوك فلا تأتهم (5). ووجه دلالة هذا الحديث على وجوب اتباعه والاتيان إليه كالكعبة ظاهر. وفيه أيضا مسندا، عن علي عليه السلام: يا علي ان الله عزوجل قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك، فأبشر، فانك الأنزع البطين (6). وعن البراء وابن عباس - واللفظ لابن عباس - عن النبي صلى الله عليه وآله: علي مني مثل رأسي من بدني (7).


(1) في (ن): الجنة. (2) المناقب للخوارزمي ص 318 ط قم. (3) احقاق الحق 7: 306 عن كتاب شرف النبي. (4) في الفردوس: فمكنوا لك. (5) فردوس الأخبار 5: 406 برقم: 8309. (6) احقاق الحق 7: 37 - 38. (7) المناقب لابن المغازلي ص 92 برقم: 135 و 136.

[ 76 ]

وقد روى نحو هذا عمرو بن ميمون عن ابن عباس (1). وفي سنن أبي داود وصحيح الترمذي، عن أبي جنادة، قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: علي مني وانا منه، لايؤدي عني الا انا او علي (2). وروى في الجمع بين الصحاح الستة، عن أبي جنادة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني الا أنا أو علي (3). وفي المصابيح، عن حبشي بن جنادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مني وأنا من علي، لا يؤدي عني الا أنا أو علي (4). وفي مناقب ابن المغازلي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مني وأنا من علي. وقال صلى الله عليه وآله: لا يؤدي عني الا أنا أو علي (5). ودلالة هذه الأحاديث على امامته عليه السلام ظاهرة، لأنا لا نريد بالامامة (6) الا المؤدي عن الرسول القائم مقامه، فحصر التأدية فيه يفيد بطلان امامة غيره. وروي عن ابن عبدوس الهمداني، والخطيب الخوارزمي في كتابيهما، باسنادهما عن سلمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان أخي ووزيري وخير منن أخلفه بعدي علي بن أبي طالب (7). وروى الخطيب في كتاب الأربعين حديثا مرفوعا الى أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة ينادون علي بن أبي طالب بسبعة أسماء: يا


(1) راجع احقاق الحق 5: 235 - 241. (2) صحيح الترمذي ص 5: 594، ومسند أحمد بن حنبل 4: 165، والخصائص ص 20. (3) مسند أحمد بن حنبل 4: 145، وسنن المصطفى لابن ماجة 1: 57. (4) مصابيح السنة ص 202، واحقاق الحق 5: 277 عنه. (5) المناقب لابن المغازلي ص 222 برقم: 268، وص 227 برقم: 272 و 273 و 274. (6) في (ن): بالامام. (7) المناقب للخوارزمي ص 112 ط قم.

[ 77 ]

صديق، يا دال، يا عابد، يا هادي، يا مهدي، يا فتى، يا علي (1). وفي الصراط المستقيم: ان أحمد بن محمد بن سعيد صنف كتابا في أن قوله تعالى انما أنت منذر ولكل قوم هاد (2) نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، وذكرها الحسكاني في شواهد التنزيل (3)، والمرزباني فيما انزل في علي عليه السلام، والثعلبي في تفسيره عن ابن عباس: أنها لما نزلت وضع النبي صلى الله عليه وآله يده على صدره، وقال: أنا المنذر، وأومأ بيده الى منكب علي وقال: أنت الهادي، يهتدي بك المهتدون من بعدي. وذكرها (4) ابن مردويه في المناقب، ورواها الثعلبي عن علي عليه السلام أيضا (5) وعن جابر مسندة، وعن ابن المسيب مسندة (6). ووجه الدلالة على عصمته وامامته عليه السلام ظاهر. وروي عن الفقيه الشافعي مسندا الى عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي (7). وفي كتاب ابراهيم الثقفي باسناده، عن بريدة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله (8) سألت الله يجعلها لعلي ففعل (9).


(1) المناقب للخوارزمي ص 318. (2) الرعد: 7. (3) شواهد التنزيل للحسكاني 1: 293 ط بيروت. (4) في الصراط: وذكره، وكذا بعده: ورواه. (5) احقاق الحق 3: 532 عنه. (6) الصراط المستقيم 1: 271 - 272. (7) المناقب لابن المغازلي ص 229 - 230 برقم: 276. (8) الأنعام: 153.

[ 78 ]

وفي كتاب أخطب خوارزم، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الصراط صراطان: صراط في الدنيا، وصراط في الاخرة. فأما صراط الدنيا، فهو علي بن أبي طالب. وأما صراط الاخرة، فهو جسر جهنم، من عرف صراط الدنيا جاز على صراط الاخرة (10). وقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث، وسيجئ ان شاء الله في الدليل السابع على امامة الاثني عشر بعضها. وروى الفقيه الشافعي في كتاب المناقب مسندا الى جابر، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم بعرفات وعلي تجاهه، إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ادن مني يا علي، خلقت أنا وأنت من شجرة، وأنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلق بغصن منها أدخله الله الجنة (11). وفي الفردوس للديلمي: يا علي ادن مني وضع خمسك في خمسي، خلقت أنا وأنت من شجرة، أنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، من تعلق بغصن منها أدخله الله الجنة (12). وفي الصراط المستقيم نقلا عن صاحب الوسيلة قول النبي صلى الله عليه وآله: نظرت في الاسراء فإذا على ساق العرش الأيمن: محمد رسول الله، أيدته بعلي، ونصرته به. وقال: علي مني بمنزلة رأسي من جسدي. وقال: من أحب أن يحيي حياتي، ويموت موتي، ويتمسك بالقضيب الياقوت الذي خلقه الله، فليتمسك بعلي بن أبي طالب بعدي (13).


(9) الصراط المستقيم 1: 284 عن ابراهيم الثقفي. (10) معاني الأخبار للصدوق ص 32 ح 1. (11) المناقب لابن المغازلي ص 90، برقم: 133. (12) المناقب لابن المغازلي ص 297 برقم: 340، وكفاية الطالب ص 318. (13) الصراط المستقيم 1: 209.

[ 79 ]

وروى الفقيه ابن المغازلي في كتابه، حديثا مسندا الى جابر بن عبد الله، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بعضدي (1) علي وقال: هذا أمير البررة، قاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ثم مد بها صوته، فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب (2). قال صاحب الصراط المستقيم بعد نقل هذا الحديث وحديث آخر في معناه: ورواه الخطيب ويحيى بثلاثة طرق، وابن شاهين بأربعة، والجعابي بخمسة، وابن بطة بستة، والثقفي بسبعة، وأحمد بثمانية، وأخرج صاحب المصابيح وصاحب المستدرك، وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجه البخاري ومسلم (3). وروي عن الواحدي في أسباب نزول القرآن ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا يعني: عليا فان حزب الله يعني: شيعة الله ورسوله ووليه هم الغالبون (4) يعني: هم العالون. وفي كتاب الفردوس للديلمي، عن النبي صلى الله عليه وآله: يا علي أول أربعة يدخلون الجنة، أنا وأنت والحسن والحسين، وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذريتنا، وشيعتنا عن أيماننا وعن شمائلنا (5). وفيه أيضا باسناده، عن النبي صلى الله عليه وآله: يا بريدة ان عليا وليكم بعدي، فأحب عليا فانه يفعل ما يؤمر (6). ونقل عن علي بن مجاهد في تاريخه مسندا، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله عند وفاته


(1) في المناقب: بعضد. (2) المناقب لابن المغازلي ص 80 برقم: 120. (3) الصراط المستقيم 2: 21. (4) المائدة: 56. (5) احقاق الحق 9: 217 - 222 و 18: 405. (6) احقاق الحق 15: 114.

[ 80 ]

لعلي عليه السلام: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى (1). ونقل عن ابن المغازلي عن أنس وغيره، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله، فأتى عليا مقبلا، فقال: أنا وهذا حجة على امتي الى يوم القيامة (2). وروي عن الخطيب في تاريخه أن النبي صلى الله عليه وآله نظر الى علي، فقال: أنا وهذا حجة الله على عباده (3). وفي تفسير الثعلبي بسنده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل علي فيكم - أو قال: في هذه الامة - مثل الكعبة المستورة أو المشهورة، النظر إليها عبادة، والحج إليها فريضة (4). وفيه أيضا باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله: أنا مدينة الجنة وعلي بابها، فمن أراد الجنة فليأتها من بابها (5). ونقل الفاضل القاشي عن أخطب خوارزم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: عليكم بعلي بن أبي طالب، فانه مولاكم فأحبوه، وكبيركم فاتبعوه، وعالمكم فعظموه، وقائدكم الى الجنة فعزروه، فإذ دعاكم فأجيبوه، فإذا أمركم فأطيعوه، أحبوه بحبي، وأكرموه بكرامتي، ما قلت لكم في علي الا ما أمرني ربي جلت عظمته (6). ودلالة كل ما أوردناه هاهنا على وجوب اتباعه عليه السلام، واضحة لا يخفى على الخبير البصير واللبيب الفطن.


(1) راجع احقاق الحق 4: 160 و 5: 232 و 7: 379. (2) المناقب لابن المغازلي ص 45، برقم: 67 وص 197. (3) الصراط المستقيم 2: 75 عن تاريخ الخطيب 2: 88. (4) المناقب لابن المغازلي ص 107 برقم: 149. (5) المناقب لابن المغازلي ص 86 برقم: 127. (6) المناقب للخوارزمي ص 316 ط قم.

[ 81 ]

النوع الثاني فيما ورد من الأحاديث من طرق المخالفين في أن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وقد نقل في كشف الغمة عن الشيخ السعيد رضي الدين علي بن موسى بن الطاووس قدس سره، أنه جمع في ذلك كتابا وسماه كتاب اليقين باختصاص مولانا علي عليه السلام بامرة المؤمنين، ونقل ذلك كتابا وسماه كتاب اليقين باختصاص مولانا علي عليه السلام بما أورده من علماء الجمهور (1). قال قدس سره: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن مردويه، وهو من عظماء علماء الجمهور، وقد رأيت في مدحه من كتاب معجم البلدان لياقوت بن عبد الله الحموي من ترجمة اسكاف ما هذا لفظه: وممن ينسب إليها أبو بكر بن مردويه، ومات باسكاف سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وكان ثقة. وذكر الحافظ أسعد بن عبد القاهر في كتاب رشح الولاء في شرح الدعاء في اسناد الحديث المتضمن لوصف مولانا علي عليه السلام أنه امام المتقين، عن أبي بكر بن مردويه. انه الامام الحافظ النافذ ملك الحفاظ طراز المحدثين أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه وذكر أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي في كتاب المناقب، في الفصل التاسع في فضائل شتى، في جملة اسناده الى أبي بكر أحمد بن مردويه ما هذا لفظه: الامام الحافظ، طراز المحدثين أحمد بن مردويه، وهذا لفظ حديثه من كتاب مناقب مولانا علي عليه السلام، عن ابن عباس رضى الله عنه. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في صحن الدار، وإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة


(1) كشف الغمة 1: 340 ط قم.

[ 82 ]

الكلبي، فدخل علي عليه السلام، فقال، السلام عليك، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال : بخير. قال له دحية: اني لاحبك، وان لك مدحة اؤديها (1) اليك، أنت أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، أنت سيد ولد آدم ما خلا النبيين والمرسلين، لواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزف أنت وشيعتك مع محمد وحزبه الى الجنان زفا، قد أفلح من تولاك، وخسر من تخلاك... محبوا محمد محبوك، ومبغضوا محمد مبغضوك، لن تنالهم شفاعة محمد صلى الله عليه وآله، ادن من رسول الله (2)، فأخذ رأس النبي صلى الله عليه وآله فوضعه في حجره. فانتبه صلى الله عليه وآله فقال: ما هذه الهمهمة ؟ فأخبره الحديث، قال: لم يكن دحية الكلبي، كان جبرئيل عليه السلام، سماك باسم سماك الله به، وهو الذي ألقى محبتك في صدور المؤمنين، ورهبتك في صدور الكافرين (3). وعنه عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أنس اسكب لي وضوء وماء، فتوضأ وصلى، ثم انصرف، وقال: يا أنس أول من يدخل علي اليوم أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وخاتم الوصيين، وامام الغر المحجلين، فجاء علي حتى ضرب الباب، فقال: من هذا يا أنس ؟ قلت: هذا علي، قال: افتح له، فدخل (4). وعن ابن مردويه يرفعه الى بريدة، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نسلم على علي بيا أمير المؤمنين (5). وبالاسناد عن سالم مولى علي، قال: كنت مع علي في أرض له وهو يحرثها حتى


(1) في الكشف والمناقب: أزفها. (2) في المصدرين: ادن مني يا صفوة الله. (3) المناقب للخوارزمي ص 323 ط قم، وكشف الغمة 1: 340 - 341، واليقين للسيد بن طاووس ص 9 - 10 ط النجف. (4) كشف الغمة 1: 342، واليقين للسيد بن طاووس ص 10 ب 2. (5) كشف الغمة 1: 342 عنه، واليقين ص 10 ب 3. (*)

[ 83 ]

جاء أبو بكر وعمر، فقالا: سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقيل: كنتم تقولون في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك ؟ فقال عمر: هو أمرنا (1). ومن مناقب ابن مردويه عن عبد الله، قال: دخل علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده عائشة، فجلس بين يدي رسول الله وبين عائشة، فقالت: ماكان لك مجلس غير فخذي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على ظهرها، فقال: مه لا تؤذيني في أخي، فانه أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين يوم القيامة، يقعد على الصراط فيدخل أولياءه الجنة، ويدخل أعداءه النار (2). ومنه، عن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في بيت ام حبيبة بنت أبي سفيان، فقال: يا ام حبيبة اعتزلينا فانا على حاجة، ثم دعا بوضوء، فأحسن الوضوء، ثم قال له: أول (3) من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيد العرب، وخير الوصيين، وأولى الناس بالناس. قال أنس: فجعلت أقول: اللهم اجعله رجلا من الأنصار، قال: فدخل علي، فجاء يمشي حتى جلس الى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح وجهه بيده، ثم يمسح بها وجه علي بن ابي طالب فقال علي: وماذاك يارسول الله ؟ قال: انك تبلغ رسالتي من بعدي، وتؤدي عني، وتسمع الناس صوتي، وتعلم الناس من كتاب الله ما لا تعلمون (4). ومن المناقب عن أنس، قال: كنت خادما لرسول الله صلى الله عليه وآله، فبينا أنا يوما اوضيه، إذ قال: يدخل رجل وهو أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وأولى الناس


(1) كشف الغمة 1: 342 عنه، واليقين ص 11 ب 4. (2) كشف الغمة 1: 342 عنه، واليقين ص 11 ب 5. (3) في المصدر: ان أول. (4) كشف الغمة 1: 342 عنه، واليقين ص 12 ب 6.

[ 84 ]

بالمؤمنين، وقائد الغر المحجلين، قال: أنس: اللهم اجعله رجلا من الأنصار، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام (1). ومن المناقب أيضا، عن أنس بن مالك، قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الان يدخل سيد المسلمين، وأمير المؤمنين، وخير الوصيين، وأولى الناس بالنبيين، إذ طلع علي بن أبي طالب، فقال صلى الله عليه وآله: اللهم والي والي. قال: فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح العرق من جبهته ووجهه، ويمسح به وجه علي بن أبي طالب، ويمسح العرق من وجه علي ويمسح به وجهه، فقال علي: يا رسول الله نزل في نكير (2) ؟ قال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي، أنت أخي، ووزيري، وخير من أخلف بعدي، تقضي ديني، وتنجز موعدي (3)، وتبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي، وتعلمهم من تأويل القرآن ما لم يعلموا، وتجاهدهم على التأويل كما جاهدتهم على التنزيل (4). ومن المناقب، عن رافع مولى عائشة، قال: كنت غلاما أخدمها، فكنت إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله عندها أكون قريبا اعاطيها، قال: فبينا (5) رسول الله صلى الله عليه وآله عندها ذات يوم، إذ جاء جاء فدق الباب، قال: فخرجت إليه، فإذا جارية معها اناء مغطى، قال: فرجعت الى عائشة فأخبرتها، فقالت: أدخلها، فدخلت، فوضعته بين يدي عائشة، فوضعته عائشة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل يأكل وخرجت الجارية.


(1) كشف الغمة 1: 342 عنه، واليقين ص 12 - 13 ب 7. (2) في المصدر: شئ. (3) في المصدر: وعدي. (4) كشف الغمة 1: 343 عنه، واليقين ص 13 ب 8. (5) في المصدر: فبينما.

[ 85 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليت أمير المؤمنين وسيد المسلمين وامام المتقين عندي يأكل معي، فجاء جاء، فدق الباب، فخرجت إليه فإذا هو علي بن أبي طالب، قال: فرجعت فقلت: هذا علي، فقال النبي: ادخله، فلما دخل قال له النبي صلى الله عليه وآله: مرحبا وأهلا، لقد تمنيتك مرتين، حتى لو أبطأت علي لسألت الله عزوجل أن يأتي بك، اجلس فكل معي (1). ومن المناقب، عن أنس بن مالك، قال: بينا (2) أنا عند النبي صلى الله عليه وآله إذ قال: يطلع الان، فقلت: فداك أبي وامي من ذا ؟ قال: سيد المسلمين، وأمير المؤمنين، وخير الوصيين، وأولى الناس بالنبيين، قال: فطلع علي، ثم قال لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى (3). وعن الحافظ ابن مردويه، عن داود بن أبي عوف، قال: حدثني معاوية بن ثعلبة الليثي، قال: ألا احدثك حديثا (4) لم يختلط ؟ قلت: بلى، قال: مرض أبو ذر، فأوصى الى علي، فقال بعض من يعوده: لو أوصيت الى أمير المؤمنين عمر كان أجمل لوصيتك من علي، فقال: والله لقد أوصيت الى أمير المؤمنين حقا أمير المؤمنين، والله انه للربيع الذي يسكن إليه، ولو قد فارقكم لقد أنكرتم الناس وأنكرتم الأرض، قال: قلت: يا أبا ذر انا لنعلم أن أحبهم الى رسول الله صلى الله عليه وآله احبهم اليك، قال: اجل، قنا: ايهم احب اليك ؟ قال: هذا الشيخ المضطهد المظلوم حقه، يعني: علي بن أبي طالب (5). وعن أبي ذر من طريق آخر من كتاب المناقب، قال معاوية بن ثعلبة الليثي:


(1) كشف الغمة 1: 343 عنه، واليقين ص 14 ب 9. (2) في الكشف: بينما. (3) كشف الغمة 1: 343 عنه، واليقين ص 14 ب 10. (4) في الكشف: بحديث. (5) كشف الغمة 1: 344 عنه، واليقين ص 15 - 16 ب 12.

[ 86 ]

مرض أبو ذر رضى الله عنه مرضا شديدا حتى أشرف على الموت، فأوصى الى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقيل له: لو أوصيت الى عمر بن الخطاب كان أجمل لوصيتك من علي، فقال أبو ذر: أوصيت والله الى أمير المؤمنين حقا حقا، وانه لربى الأرض الذي يسكن إليها ويسكن إليه، ولو قد فارقتموه لأنكرتم الأرض ومن عليها (1). وعن الحافظ ابن مردويه، عن رجاله، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الجنة مشتاقة (2) الى أربعة من امتي، فهبت أن أسأله من هم ؟ فأتيت أبا بكر، فقلت: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: ان الجنة مشتاقة الى أربعة من امتي، فاسأله من هم ؟ فقال: أخاف أن لا أكون منهم، فتعيرني به بنو تيم، فأتيت عمر، فقلت له مثل ذلك، فقال: أخاف أن لا أكون منهم، فتعيرني به بنو عدي، فأتيت عثمان، فقلت له مثل ذلك، فقال: أخاف أن لا أكون منهم، فتعيرني به بنو امية. فأتيت عليا وهو في ناضح (3) له، فقلت له: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: ان الجنة مشتاقة الى أربعة من امتي، فاسأله من هم ؟ فقال: والله لأسألنه، فان كنت منهم حمدت الله عزوجل، وان لم أكن منهم لأسألن الله أن يجعلني منهم وأودهم. فجاء وجئت معه الى النبي صلى الله عليه وآله، فدخلنا على النبي صلى الله عليه وآله ورأسه في حجر دحية الكلبي، فلما رآه دحية قام إليه وسلم عليه، وقال: خذ رأس ابن عمك يا أمير المؤمنين، فأنت أحق به، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله ورأسه في حجر علي عليه السلام، فقال له: يا أبا الحسن ما جئتنا الا في حاجة، قال: بأبي وامي يا رسول الله، دخلت ورأسك في حجر دحية الكلبي، فقام الي وسلم علي، وقال: خذ برأس ابن عمك اليك، فأنت أحق به مني يا أمير المؤمنين، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: فهل عرفته ؟ فقال: هو دحية


(1) كشف الغمة 1: 344 عنه، واليقين ص 17 ب 14. (2) في الكشف: تشتاق، وكذا بعده. (3) الناضح: البعير يستقى عليه، ثم استعمل في كل بعير وان لم يحمل الماء.

[ 87 ]

الكلبي، فقال له: ذاك جبرئيل، فقال له: بأبي وامي يا رسول الله أعلمني أنس أنك قلت: الجنة مشتاقة الى أربعة من امتي، فمن هم ؟ فأومأ إليه بيده، فقال: أنت والله أولهم، أنت والله أولهم ثلاثا، فقال: بأبي وامي فمن الثلاث ؟ فقال له: المقداد، وسلمان، وأبو ذر (1). وعن السيد رضي الدين رحمه الله تعالى: ومما نقلت من تاريخ الخطيب مرفوعا الى ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس في القيامة راكب غيرنا ونحن أربعة، قال: فقام عمه العباس، فقال: فداك أبي وامي أنت ومن ؟ قال: أما أنا، فعلى دابة الله البراق. وأما أخي صالح، فعلى ناقة الله التي عقرت، وعمي حمزة أسد الله وأسد رسوله على ناقتي العضباء، وأخي وابن عمي علي بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنة، مدبجة (2) الظهر، رجلها من زمرد أخضر، مضبب (3) بالذهب الأحمر، رأسها من الكافور الأبيض، وذنبها من العنبر الأشهب، وقوائمها من المسك الأذفر، وعنقها من لؤلؤ عليها قبة من نور، باطنها عفو الله، وظاهرها رحمة الله، بيده لواء الحمد، فلا يمر بملأ من الملائكة الا قالوا: هذا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو حامل عرش رب العالمين. فينادي مناد من لدن العرش - أو قال: من بطنان العرش -: ليس هذا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولا حامل عرش رب العالمين، هذا علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين الى جنات رب العالمين، أفلح من صدقه، وخاب من كذبه، ولو أن عابدا عبد الله بين الركن والمقام ألف عام وألف عام حتى يكون كالشن البالي، ثم لقى الله مبغضا لال محمد أكبه الله على منخريه في


(1) كشف الغمة 1: 345 عنه، واليقين ص 17 - 18 ب 15. (2) أي: مزينة بالديباج وهو الثوب الذي سداه ولحمته حرير. (3) ضبب الشئ بالشئ: ألبسه به.

[ 88 ]

جهنم (1). ومن مناقب موفق بن أحمد الخوارزمي، مرفوعا الى علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما اسري بي الى السماء، ثم من السماء الى سدرة المنتهى، وقفت بين يدي ربي عزوجل، فقال لي: يا محمد، قلت: لبيك وسعديك، قال: قد بلوت خلقي، فأيهم رأيت أطوع لك ؟ قال: قلت: رب عليا، قال: صدقت يا محمد، فهل اتخذت لنفسك خليفة يؤدي عنك ويعلم عبادي من كتابي ما لا يعلمون ؟ قال: قلت: اختر لي، فان خيرتك خيرتي، قال: قد اخترت لك عليا، فاتخذه لنفسك خليفة ووصيا، ونحلته علمي وحلمي، وهو أمير المؤمنين حقا، لم ينلها أحد قبله، وليست لأحد بعده، يا محمد ! علي راية الهدى، وامام من أطاعني، ونور أوليائي، وهي الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، فبشره بذلك يا محمد. فقال النبي صلى الله عليه وآله: قلت: رب قد بشرته، فقال علي: أنا عبد الله وفي قبضته، ان يعاقبني فبذنوبي لم يظلمني شيئا، وان تمم لي وعدي فالله مولاي. قال: أجل واجعل (2) ربيعة الايمان به، قال: قد فعلت ذلك يا محمد، غير أني مختصه بشئ من سبق في علمي أنه مبتلى، لولا علي لم يعرف حزبي ولا أولياء رسلي (3). ومن مناقب الخوارزمي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا علي بن أبي طالب، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو بمنزلة هارون من موسى الا أنه


(1) كشف الغمة 1: 345 - 346، واليقين 18 - 19 ب 16. (2) كذا في الكشف واليقين، وفي " ق ": قال: اجل وقلت: واجعل. وفي المناقب: قال: اجل قال: قلت: يا رب واجعل. (3) المناقب للخوارزمي ص 303 ط قم، وكشف الغمة 1: 346، واليقين ص 23 ب 22.

[ 89 ]

لا نبي بعدي، وقال: يا ام سلمة اشهدي واسمعي، هذا علي أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وعيبة علمي، وبابي الذي اوتي منه، أخي في الدين، وخدني (1) في الاخرة، ومعي في السنام الأعلى (2). ومن مناقب الخوارزمي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته، فغدا عليه علي عليه السلام بالغداة، وكان لا يحب أن يسبقه إليه أحد، فدخل فإذا النبي صلى الله عليه وآله في صحن الدار، وإذا رأسه في حجر دحية الكلبي، فقال: السلام عليكم، كيف أصبح رسول الله ؟ فقال: بخير يا أخا رسول الله. قال: فقال علي عليه السلام: جزاك الله عنا أهل البيت خيرا، قال له دحية: اني احبك، وان لك عندي مدحة أزفها اليك، أنت أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، أنت سيد ولد آدم ما خلا النبيين والمرسلين، لواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزف أنت وشيعتك مع محمد وحزبه الى الجنان زفا، قد أفلح من تولاك، وخسر من تخلاك، محبوا محمد محبوك (3)، ومبغضوا محمد مبغضوك، لن تنالهم شفاعة محمد صلى الله عليه وآله، ادن مني يا صفوة الله، فأخذ رأس النبي صلى الله عليه وآله فوضعه في حجره. فانتبه النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما هذه الهمهمة ؟ فأخبره الحديث، فقال: لم يكن دحية الكلبي، كان جبرئيل سماك باسم سماك الله به، وهو الذي القى محبتك في صدور المؤمنين، وهيبتك في صدور الكافرين (4). وقال صاحب الصراط المستقيم: وأسند السعودي، وعباد الأسدي - وهما من أهل الخلاف - الى بريدة الأسلمي، أن النبي صلى الله عليه وآله أمر أبا بكر وعمر بالسلام على


(1) الخدن بكسر الخاء: الصديق والمحب، ومنه قوله تعالى ولا تتخذوا أخدان. (2) المناقب للخوارزمي ص 142 ح 163، وكشف الغمة 1: 347، واليقين ص 24 ب 23. (3) في الكشف واليقين: محبك، وفي المناقب: بحب محمد أحبوك. (4) المناقب للخوارزمي ص 322 - 323 ح 329، وكشف الغمة 1: 347، واليقين ص 24 - 25 ب 24.

[ 90 ]

علي بامرة المؤمنين، فقالا: وأنت حي، قال: وأنا حي. وفي رواية السبيعي: أن عمر قال: عن أمر الله وأمر رسوله ؟ قال: نعم. وأسند الثقفي الى الكناني، الى المحاربي، الى الثمالي، الى الصادق عليه السلام: أن بريدة قدم من الشام، وقد (1) بويع لأبى بكر، فقال له: أنسيت تسليمنا على علي بامرة المؤمنين واجبة من الله ورسوله ؟ قال: انك غبت وشهدنا وان الله يحدث الأمر بعد الأمر، ولم يكن ليجمع لأهل هذا البيت النبوة والملك. وفي رواية الثقفي والسدي (2)، أن عمر قال: ان النبوة والامامة لا تجتمع في بيت واحد، فقال بريدة: أم يحسدون النانس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (3) فقد جمع لهم ذلك (4). انتهى. وقد ننقل عن كتاب نهاية العقول لدراية الاصول، تصنيف فخر الرازي عمر الرازي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سلموا على علي بامرة المؤمنين (5). أقول مستمدا من الله حسن التوفيق مستهديا برحمته الى سواء الطريق: ان الشيعة مجمعون على أن النبي صلى الله عليه وآله خاطب علي بن أبي طالب عليه السلام بامرة المؤمنين، وسماه به باذن رب العالمين، وما أوردناه هاهنا نقلا عن المخالفين حجة عليهم، وان لا ينفعهم ولا يردهم عن اتباع السلف الماضين. قال علي بن عيسى في كشف الغمة: اني باحثت بعض علمائهم من مدرسي أحمد بن حنبل فأوردت عليه حديثا من مسند امامه، فقال: أحاديث المسند لم يلتزم أحمد فيها الصحة، فلا يكون حجة علي، فأوردت عليه مثل ذلك الحديث من


(1) في المصدر: فرأى قد. (2) في النسخ: السري. (3) النساء: 54. (4) الصراط المستقيم 2: 53 - 54. (5) احقاق الحق 4: 276 عن نهاية العقول.

[ 91 ]

صحيح الترمذي، فطعن في رجل من رجاله، فقلت له: تعذر وأمتنع البحث معكم، فقال: كيف ؟ قلت: لأنكم تطعنون فيما نورده نحن وفيما توردونه أنتم عن مشايخكم وأئمتكم، فكيف يتحقق بيننا بحث ؟ !. ثم أقول: السبب لعدم وصولهم الى الحق مع وضوح الدلائل ووفور البراهين، سبق شبهة التقليد، وظن تحقق الاجماع على تحقق خلافة الثلاثة، وحب اتباع الاباء والامهات وأهل البلد، وحب اتباع الملوك، وحب المناصب الدنيوية المشروطة باتباع الخلفاء الثلاثة، وحب التوسعة وعدم التضييق. وغير خفي على المتتبع أن كثيرا من المحرمات الثابتة عند أهل البيت عليهم السلام محللة عند فقهائهم الأربعة، ولا ريب أن هذه المذكورات تعمي القلوب وتصمها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله: حبك للشئ يعمي ويصم (1): ولا شك أن هؤلاء ان جردوا أنفسهم عن التقليد واتباع الأهواء، ونظروا بعين الانصاف الى دلائلنا، أقروا واعترفوا بالحق، وندموا مما كانوا فيه من الباطل، قائلين: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. تذنيب: لا يخفى أن عمر بن الخطاب لم يرض بغصب الخلافة فقط، بل غصب أيضا الاسم الذي سمى الله به عليا عليه السلام. قال الزعفراني في شرح المصابيح: ان عمر أول من سمي بأمير المؤمنين، وذلك أن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم لما قدما المدينة، فأتيا المسجد، فوجدوا فيه عمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال: والله لقد أصبتما أنه لأمير ونحن المؤمنين، فدخل عمرو على عمر، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال


(1) كنز العمال 16: 115 برقم: 44104.

[ 92 ]

عمر: ما هذا ؟ فقال: أنت الأمير ونحن المؤمنون. وفي شرح صحيح البخاري: أن عمر أول من سمي بأمير المؤمنين، ولكن لم يذكر الحكاية. النوع الثالث فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن عليا مع الحق والحق معه وما في معناه منه: ما نقل عن كتاب شرف النبي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، في حديث طويل يخاطب فيه عليا عليه السلام: وان الحق معك، ليس أحد من الامة يعدلك، وان الحق معك وعلى لسانك وفي قلبك وبين عينيك (1). وسيجئ الحديث بتمامه في النوع الذي يلي هذا النوع. وفي كتاب الفردوس للديلمي، باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله: يا عمار ان رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره، فاسلك مع علي ودع الناس، انه لن يدلك على ردى، ولن يخرجك من الهدى (2). ومنه: ما أخرجه ابن الأثير في جامع الاصول، قال: وأخرجه الترمذي، قال النبي صلى الله عليه وآله: رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار (3). ومنه: ما في كتاب العقد لابن عبد ربه، قال النبي صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه، الى قوله: وأدر الحق معه حيث دار (4). وسيجئ تمام الحديث ان شاء الله في


(1) راجع احقاق الحق 4: 484 - 486. (2) رواه الحمويني في فرائد السمطين 1: 178، والقندوزي في ينابيع المودة ص 128. (3) الصراط المستقيم 1: 298 عن جامع الاصول، وصحيح الترمذي 5: 592 برقم: 3714. (4) راجع احقاق الحق 4: 441، و 6: 290 - 291.

[ 93 ]

النوع الخامس. وفي كتاب أسماء رجال امامهم للحافظ أبي عبد الله محمد بن اسحاق مندة، عن الحسن، عن أبي ليلى الغفاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله: سيكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فانه أول من يراني، وأول من يصاحبني (1) يوم القيامة، وهو معي في السماء الأعلى، وهو الفاروق بين الحق والباطل (2). ومنه: ما رواه الامام أبو المؤيد الخوارزمي في المناقب، عن ابن أبي ليلى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ستكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فانه الفاروق بين الحق والباطل (3). ومنه: ما في المناقب أيضا، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من فارق عليا فارقني، ومن فارقني فارق الله عزوجل (4). ومنه: ما في المناقب أيضا، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية، وانت مع الحق والحق معك، يا عمار إذا رأيت عليا سلك واديا، وسلك الناس واديا غيره، فاسلك مع علي ودع الناس، انه لن يدليك في ردى، ولن يخرجك من الهدى، يا عمار انه من تقلد سيفا أعان به عليا على عدوه، قلده الله تعالى يوم القيامة وشاحا من در، ومن تقلد سيفا أعان به عدو علي، قلده الله تعالى يوم القيامة وشاحا من نار (5).


(1) في (ق): يصافحني. (2) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب 4: 169 ط مصر. (3) المناقب للخوارزمي ص 105 ح 108 ط قم. (4) المناقب للخوارزمي ص 105 ح 109. (5) المناقب للخوارزمي ص 105 ح 110.

[ 94 ]

وفي كتاب الشريعة لأبي بكر محمد بن الحسين (1) الاجري، وهو تلميذ أبي بكر ولد أبي داود السجستاني، في الجزء الثالث (2) منه، باسناده الى علقمة بن قيس والأسود بن يزيد (3)، قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري، فقلنا له: ان الله أكرمك بمحمد صلى الله عليه وآله إذ أوحى الى راحلته، فبركت على بابك، فكان رسول الله ضيفك، فضيلة فضلك الله بها، ثم خرجت تقاتل مع علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: مرحبا بكما وأهلا، اني اقسم لكما بالله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا البيت الذي أنتما فيه. وساق الكلام الى قوله: وقال: يا عمار انه سيكون في امتي بعدي هناة واختلاف، حتى يقتل بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الذي عن يميني - يعني: عليا عليه السلام - وان سلك كلهم واديا وسلك علي واديا، فاسلك وادي علي وخل الناس طرا، يا عمار ان عليا لا يزيلك عن هدى، يا عمار ان طاعة علي منن طاعتي، وطاعتي طاعة الله عزوجل (4). وفي تاريخ الخطيب، وفي صفوة التاريخ للقاضي أبي الحسن الجرجاني، عن رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مع الحق، والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة (5). وفي مناقب ابن مردويه، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله في نفر من المهاجرين، ومر علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: الحق مع


(1) في الطرائف: الحسن. (2) في الطرائف: الثاني. (3) في النسخ: بريد. (4) الطرائف ص 101 - 102، والعمدة لابن بطريق ص 450 - 451، كلاهما عن كتاب الشريعة. (5) تاريخ بغداد للخطيب 14: 321 ط السعادة بمصر.

[ 95 ]

ذا (1). وفيه أيضا: عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الحق مع علي يزول معه حيث ما زال (2). وفيه أيضا: عن أبي ذر، عن ام سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان عليا مع الحق والحق معه، لن يزولا حتى يردا علي الحوض (3). وفيه أيضا: عن ام سلمة، قالت: كان علي على الحق، من اتبعه اتبع الحق، ومن تركه ترك الحق، عهدا معهودا قبل يومه هذا (4). وفيه أيضا: عن عبيد الله بن عبد الله الكندي، كلام طويل في مخاطبة معاوية ابن عباس وسعيدا، ومخاطبتهما اياه، فقال سعد: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي: أنت مع الحق والحق معك، وصدقته ام سلمة، وقالت: في بيتي قاله صلى الله عليه وآله (5). وفيه أيضا عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: الحق مع علي، وعلي مع الحق، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض (6). وفيه أيضا: عن ام سلمة، قالت: علي على الحق، من اتبعه اتبع الحق، ومن تركه ترك الحق، عهد معهود قبل موته (7). وفيه أيضا: عن ام سلمة قالت: والله إن علي بن أبي طالب لعلى الحق قبل اليوم


(1) كشف الغمة 1: 143، عن مناقب ابن مردويه المخطوط. (2) كشف الغمة 1: 143 عنه. (3) كشف الغمة 1: 143 عنه. (4) كشف الغمة 1: 143 - 144 عنه. (5) كشف الغمة 1: 144 عنه (6) كشف الغمة 1: 146 عنه، والطرائف ص 103 ح 150 عنه. (7) كشف الغمة 1: 146 عنه.

[ 96 ]

عهدا معهودا وقضاء مقضيا (1). وفيه أيضا: عن ابن اليسر، عن أبيه، قال: كنا عند عائشة، فقالت: من قتل الخوارج ؟ فقلت: قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام، إلى قوله: فقالت: ما يمنعني أن أقول الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله، سمعته يقول: علي مع الحق والحق معه (2). وفيه أيضا: عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إن الحق معك، والحق على لسانك وفي قلبك وبين عينيك (3). وفيه أيضا: عن رافع أنه دخل على ام سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله، فأخبرها بيوم الجمل، فقالت: إلى أين طار قلبك إذ طارت القلوب مطايرها ؟ قال: كنت يا ام المؤمنين مع علي بن أبي طالب عليه السلام، قالت: أحسنت وأصبت، أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يرد علي على الحوض وأشياعه والحق معهم لا يفارقونه (4). وفيه أيضا: عن أبي موسى الأشعري، قال: أشهد أن الحق مع علي، ولكن مالت الدنيا بأهلها، ولقد سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: يا علي أنت مع الحق والحق بعدي معك (5). وفيه أيضا: عن أبي حيان التيمي، عن أبيه، عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار (6). وفيه أيضا: أن عائشة لما عقر جملها ودخلت دارا بالبصرة، فقال لها أخوها محمد: أنشدك بالله أتذكرين حدثتني عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: الحق لا يزال مع


(1) كشف الغمة 1: 146 عنه. (2) كشف الغمة 1: 146 عنه. (3) كشف الغمة 1: 146 عنه. (4) كشف الغمة 1: 146 عنه. (5) كشف الغمة 1: 147 عنه. (6) كشف الغمة 1: 147 عنه.

[ 97 ]

علي وعلي مع الحق لن يختلفا ولن يفترقا ؟ فقالت: نعم (1). وفيه أيضا: لما اصيب زيد بن صوحان يوم الجمل، أتاه علي عليه السلام وبه رمق، فوقف عليه أمير المؤمنين عليه السلام وهو لما به، فقال: رحمك الله يا زيد فوالله ما عرفتك الا خفيف المؤونة وكثير المعونة، قال: فرفع إليه رأسه، فقال: وأنت فرحمك الله، فوالله ما عرفتك الا بالله عالما، وبآياته عارفا، والله ما قاتلت معك عن جهل، ولكني سمعت حذيفة بن اليمان رضى الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ألا وان الحق معه يتبعه، ألا فميلوا معه (2). وفيه: أيضا: عن ام سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: علي مع القرآن والقرآن معه، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض (3). وفيه أيضا: عن ام سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي مع القرآن والقرآن مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض (4). وبالاسناد: لن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة (5). وفيه أيضا: قال شهر بن حوشب: كنت عند ام سلمة رضي الله عنها، فسلم رجل، فقيل: من أنت ؟ قال: أبو ثابت مولى أبي ذر، قالت: مرحبا بأبي ثابت، ادخل، فدخل فرحبت به وقالت: أين طارت قلبك حين طارت القلوب مطائرها ؟ قال: مع علي بن أبي طالب عليه السلام، قالت: وفقت والذي نفس ام سلمة بيده، لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي


(1) كشف الغمة 1: 147 عنه. (2) كشف الغمة 1: 147 - 148 عنه، والطرائف ص 103 ح 151 عنه. (3) كشف الغمة 1: 148 عنه، والطرائف ص 103 ح 152 عنه. (4) كشف الغمة 1: 148 عنه. (5) كشف الغمة 1: 148 عنه.

[ 98 ]

الحوض، ولقد بعثت ابني عمر وابن أخي عبد الله بن أبي امية، وأمرتهما أن يقاتلا مع علي من قاتله، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرنا أن نقر في حجالنا وفي بيوتنا، لخرجت حتى أقف في صف علي (1). أقول: لا يخفى أن معنى كون علي عليه السلام مع الحق والحق معه، متواتر ودليل على امامته وفرض طاعته، ووجه الدلالة ظاهر، لأن الانسان مأمور باتباع الحق، فإذا كان الحق لم يفارق عليا عليه السلام ولم يزل معه، وجب اتباع علي عليه السلام والائتمام به دون غيره ممن لم يؤمن كونه مع الحق. ولا يخفى على البصير المتتبع أن عليا عليه السلام لم يرض بامامة أبي بكر، وقد اعترف علماء النواصب بأنه عليه السلام لم يبايع أبا بكر ستة أشهر، حتى انتهى الأمر الى الاكراه، وأحضر عمر النار ليحرق الدار وفيها علي وسائر أهل البيت وجماعة من بني هاشم، وسيجئ ان شاء الله تفصيل ما أجملناه، نقلا عن أكابر علمائهم. فلو كان خلافة أبي بكر حقا، لكان علي عليه السلام على الباطل في ترك بيعته وهجرته، والتالي باطل، للحديث المتواتر الدال على عدم مفارقته الحق، فالمقدم مثله. ان قالوا: صارت خلافته حقا بالموافقة أخيرا. قلنا: المخالفة دراية، والموافقة رواية من أحد الطرفين، وسيجئ ان شاء الله تعالى تظلماته المنافية للموافقة. النوع الرابع فيما ورد من طرق المخالف أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي في مسند احمد بن حنبل باسناده، عن مخدوج بن زيد الهذلي، ان رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) كشف الغمة 1: 148 ط قم سنة 1381.

[ 99 ]

آخا بين المسلمين، ثم قال: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي، أما علمت يا علي أنه يوم القيامة يدعى بي، فأقوم عن يمين العرش، فأكسي حلة خضرة من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين على اثر بعض، فيقومون سماطين عن يمين العرش ويكسون حلة من حلل الجنة. ألا واني اخبرك يا علي أن امتي أول الامم، يحاسبون يوم القيامة، ثم أنت أول من يدعى بقرابتك ومنزلتك عندي، ويدفع اليك لوائي وهو لواء الحمد، فتسير بين السماطين آدم عليه السلام وجميع الخلق، يستظلون بظل لوائي، طول سيرته ألف سنة، سنامه ياقوتة حمراء، له ثلاث ذؤائب من نور: ذؤابة في المشرق، وذؤابة في المغرب، والثالثة وسط الدنيا. مكتوب عليه ثلاثة أسطر، الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، والثاني: الحمد لله رب العالمين، والثالث: لا اله الا الله، محمد رسول الله، طول كل سطر ألف سنة، وعرضه سيرة ألف سنة، فتسير باللواء، والحسن عن يمينك، والحسين عن يسارك، حتى تقف بيني وبين ابراهيم في ظل العرش، تكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم ينادي مناد من تحت العرش: نعم الأب أبوك ابراهيم، ونعم الأخ أخوك علي، أبشر يا علي انك تكسى إذا كسيت، وتدعى إذا دعيت، وتحيى إذا حييت (1). وفيه أيضا: باسناده عن عبد الله بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى، في حديث أخذنا منه موضع الحاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا ما ادخرتك الا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي، قال: وما أرث منك يا رسول الله ؟ قال: ما ورثت الأنبياء قبلي، قال: وما ورث الانبياء قبلك ؟ قال: كتاب الله وسنة نبيهم، وانت معي في قصري


(1) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2: 663، والمناقب للخوارزمي ص 140 - 141 ح 159، والمناقب لابن المغازلي ص 42 - 43 ح 65، وكشف الغمة 1: 294 - 295.

[ 100 ]

في الجنة الى آخر الحديث (1). وفيه أيضا: عن زيد بن أبي أوفى في حديث، أخذنا المقصود منه: وأنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي، قال: وما أرث منك يا نبي الله ؟ قال: ما ورثت الأنبياء من قبلي، قال: وما ورثت الأنبياء من قبلك ؟ قال: كتاب الله وسنة نبيهم وأنت معي في قصري في الجنة مع ابنتي فاطمة، وأنت أخي ورفيقي، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله اخوانا على سرر متقابلين (2) المتحابون في الله ينظر بعضهم الى بعض (3). وفيه أيضا: رفعه الى سعيد بن مسيب، قال: حدثنا مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد، قال: دخلت على سعد، فقلت: حديث حدثتك عنك، فحدثنيه حين استخلف النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام على المدينة، قال: فغضب سعد، وقال: من حدثك به ؟ فكرهت أن احدثه أن ابنه حدثنيه، فيغضب عليه، ثم قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله والله حين خرج في غزوة تبوك، استخلف عليا عليه السلام على المدينة، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله ما كنت اوثر أن تخرج في وجه الا وأنا معك، قال: أوما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي (4). وفي الفردوس للديلمي: مسندا عن أبي سعد بن أبي وقاص وأسماء بنت عميس:


(1) فصائل الصحابة لأحمد بن حنبل 1: 525 برقم: 871 و 2: 638 برقم: 1085، ومستدرك الحاكم 3: 14، والمناقب للخوارزمي ص 150 - 152، وتذكرة الخواص ص 28. (2) الحجر: 47. (3) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2: 638 برقم: 1085. (4) مسند أحمد بن حنبل 1: 177، وفضائل الصحابة له 2: 633، والعمدة ص 126 ح 165 عنه، والطرائف ص 51 ح 45 عنه.

[ 101 ]

يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي (1). وفيه أيضا: مسندا عن عمر: يا علي أنت أول المسلمين اسلاما، وأنت أول المؤمنين ايمانا، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى (2). وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي. أخرجه الترمذي ومسلم (3). وفي كتاب شرف النبي، عن أسماء بنت عميس أيضا بهذه العبارة، الا أنه فيه: (ليس نبي بعدي) مكان (لا نبي بعدي) (4). كذا نقله القاشي من أصحابنا. وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي: في مسند سعد بن أبي وقاص، في الحديث الثامن من المتفق عليه، من عدة طرق، وفي صحيح البخاري من الجزء الخامس، أن النبي صلى الله عليه وآله خرج الى تبوك، واستخلف عليا عليه السلام، فقال: أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي (5). ورواه أيضا البخاري في الجزء الرابع، ورواه مسلم في صحيحه في الجزء الرابع، وأسنداه من عدة طرق، وفي بعض روايتهما، أن سعيد بن المسيب قال لسعد بن أبي وقاص: أنت سمعته من النبي صلى الله عليه وآله يقول ذلك لعلي عليه السلام ؟ فوضع اصبعيه في اذنيه


(1) رواه احمد في مسنده 6: 438، والنسائي في الخصائص ص 17، والهيتمي في مجمع الزوائد 9: 109. (2) فردوس الأخبار 5: 406 برقم: 8308 ط دار الكتاب العربي بيروت. (3) صحيح الترمذي 5: 599 برقم: 3731، وصحيح مسلم 4: 1871 ح 1، وراجع مسند أحمد بن حنبل 1: 170 و 173 و 230، و 3: 32 و 56 و 74 و 88 و 94 و 338. (4) راجع: احقاق الحق 5: 180. (5) الطرائف ص 51 - 52 عن الجمع بين الصحيحين، وصحيح البخاري 5: 129.

[ 102 ]

وقال: نعم والا استكتا (1). ورواه أيضا مسلم في صحيحه في الجزء الرابع في أوله، في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام: وقيل للراوي: أنت سمعته يعني من النبي صلى الله عليه وآله ؟ فقال: نعم والا فصمتا (2). ورواه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب، أكثر من عشر طرق (3). ورواه أيضا رزين بن معاوية في الجمع بين الصحاح الست في الجزء الثالث من أجزاء ثلاث الأخير (4). ونقل القاشي من أصحابنا، عن الأربعين لأبي المكارم الحسن الدامغاني، أنه نقل عن نزل السائرين للشيخ شرف الدين الدركزيني، أن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أنت أول المسلمين اسلاما، وأنت أول المؤمنين ايمانا، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى (5). وعن كتاب شرف النبي، عن أسماء بنت عميس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه ليس بعدي نبي (6). وعن كتاب شرف النبي أيضا: لما قدم علي بن أبي طالب عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله حين فرغ من فتح خيبر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي لولا أن يقول فيك طوائف من امتي ما قالت النصارى في المسيح بن مريم، لقلت فيك قولا كريما، لا تمر بملأ الا أخذوا من تراب رجليك وفضل طهورك يستشفون به.


(1) الطرائف ص 52 عنهما، وصحيح مسلم 4: 1870 ح 30، وصحيح البخاري 4: 208. (2) الطرائف ص 52 ح 48 عنه، وصحيح مسلم 2: 19 ط محمد علي صبيح بمصر. (3) المناقب لابن المغازلي ص 27 - 37. (4) الطرائف ص 53 عنه. (5) فردوس الأخبار للديلمي 5: 406 برقم: 8308 (6) احقاق الحق 5: 180. (*)

[ 103 ]

ولكن حسبك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي، فانك تبرأ ذمتي، وتقاتل على سنتي، وانك في الاخرة وصيي، وانك على الحوض خليفتي، فانك أول من يكسي معي، وانك أول داخل في الجنة من امتي، وان شيعتك على منابر من نور، مضيئة وجوههم، أشفع لهم ويكونون غدا جيراني، وان حربك حربي، وسلمك سلمي، وان سرك سري، وعلانيتك علانيتي، ان سريرة صدرك لسريرتي، وان ولدك ولدي، وتنجز عداتي، وان الحق معك وعلى لسانك وفي قلبك وبين عينيك، والايمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وانه لن يرد علي الحوض مبغضك، ولا يغيب محب لك حتى يرد الحوض معي. قال: فخر علي ساجدا، ثم قال: الحمد لله الذي أنعم علي بالاسلام، وعلمني القرآن، وحببني الى خير البرية وخاتم النبيين وسيد المرسلين، احسانا منه وتفضلا (1). وقد نقل بعض ثقات أصحابنا - وهو صاحب الطرائف - أن أبا القاسم علي بن المحسن بن التنوخي، وهو من أعيان رجال المخالفين، صنف كتابا سماه ذكر الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي، وبيان طرقها واختلاف وجوهها (2). وفي الصراط المستقيم: نقلا عن صاحب الوسيلة: لما ولد الحسن عليه السلام، أهبط الله جبرئيل يهنئه ويقول: علي منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم هارون شبر، فقال: لساني عربي، فقال: سمه الحسن (3).


(1) رواه ابن المغازلي في المناقب ص 237 - 239 مع اختلاف يسير في الألفاظ، والخوارزمي في المناقب ص 129. (2) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ص 53، المطبوع بتحقيقنا. (3) الصراط المستقيم 1: 318.

[ 104 ]

وأسند الشيرازي في تفسيره الى السدي، قال صخر بن حرب للنبي صلى الله عليه وآله: هذا الأمر من بعدك لنا أم لمن ؟ فقال: لمن هو مني بمنزلة هارون من موسى، الى آخر الخبر (1). وقد تقدم الخبر بتمامه في النوع الأول. ووجه دلالة هذا الحديث الصحيح الثابت المتواتر بين الخاصة والعامة على امامة أمير المؤمنين عليه السلام ظاهر، لأنه يقتضي حصول جميع منازل هارون لأمير المؤمنين عليه السلام الا ما خصه الاستثناء في الخبر، وما جرى مجرى الاستثناء من العرف. وقد علمنا أن من منازل هارون من موسى عليه السلام هي: الشركة في النبوة، واخوة النسب، والفضل، والمحبة، وفرض الطاعة، والخلافة له في حال غيبته على امته، قال الله تعالى وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي (2) فثبت بالحديث خلافته عليه السلام وفرض طاعته. النوع الخامس فيما ورد في تفسير قوله تعالى انما وليكم ورسوله والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون في تفسير الثعلبي باسناده، عن عباية بن الربعي، قال: بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل ابن عباس رضى الله عنه لا يقول قال رسول الله الا وقال الرجل: قال رسول الله، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت ؟ قال: فكشف العمامة عن وجهه، فقال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الصراط المستقيم 1: 279. (2) الأعراف: 142.

[ 105 ]

بهاتين والا فصمتا، ورايته بهاتين والا فعميتا، وهو يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، أما اني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوما من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئا، فرفع يده الى السماء، فقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا. وكان علي عليه السلام راكعا، فاوما إليه بخنصره اليمنى، فكان يتختم فيها، فاقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبي صلى الله عليه وآله، فلما فرغ من صلاته رفع رأسه الى السماء، وقال: اللهم ان موسى سألك، فقال: رب اشرح لي صدري ب ويسر لي أمري ب واحلل عقدة من لساني ب يفقهوا قولي ب واجعل لي وزيرا من أهلي ب هارون أخي ب اشدد به أزري ب وأشركه في أمري فأنزلت عليه قرآنا ناطقا سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (1) اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي عليا، اشدد به ظهري. قال أبو ذر: فما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله الكلمة حتى نزل عليه جبرئيل عليه السلام من عنده تعالى، فقال: يا محمد اقرأ، فقال: ما أقرأ ؟ قال: اقرأ انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون (2). اعلم أنه قد روى أيضا في اختصاص هذه الاية بعلي أمير المؤمنين عليه السلام، ابن المغازلي الشافعي في مناقبه عدة روايات (3).


(1) القصص: 35. (2) الطرائف ص 47 - 48 عنه، والعمدة ص 120 - 121 ح 158، واحقاق الحق 4: 59 عنه. (3) المناقب لابن المغازلي ص 311 - 314.

[ 106 ]

وروى أيضا هذا المعنى رزين بن معاوية في الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة من الجمع بين الصحاح الستة (1). والسدي، وعتبة، وغالب بن عبد الله، والماوردي، والقشيري، والقزويني، والنيشابوري، والفلكي، وأبو مسلم الاصفهاني، والزمخشري في تفاسيرهم، والواحدي في أسباب نزول القرآن، والسمعاني في فضائل الصحابة، وأبو بكر البيهقي في الشعب، وسليمان بن أحمد في المعجم الأوسط، ومحمد بن الفتال في التنزيل والروضة، وابن أبي رافع، وذكر أن هذين اماميان، وابن عياش، والثقفي، وأبو صالح، ومجاهد، والشعبي، والنطنزي في الخصائص، وابن البيع، وناصح التميمي، والكلبي (2). وقد بلغ هذا الخبر في الظهور والاشتهار كنور الشمس في وسط النهار، ولا يخفى أمره على اولي الأبصار، وقد زين بنظمه الشعراء الأشعار، منهم حسان بن ثابت شاعر النبي سيد الأبرار، ومن أبياته هذان البيتان: فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا فدتك نفوس القوم يا خير راكع وأنزل فيك الله خير ولاية وثبتها في محكمات الشرائع (3) وممن نظم هذه القصة من الشعراء دعبل الخزاعي والعوفي (4). ووجه الدلالة على امامته عليه السلام ظاهر، لأن الولي أحد معانيه الأمير والسلطان، وهو المناسب للمقام، دون غيره من الصديق والمحب والنصير، لأن كلمة (انما) تفيد الحصر، والمعنى الذي يجوز أن يكون منحصرا في علي عليه السلام بعد الله عزوجل


(1) الطرائف ص 48 عنه، والعمدة ص 121 عنه. (2) الصراط المستقيم للبياضي 1: 260 عن جميعهم. (3) الصراط المستقيم 1: 265. (4) راجع: الصراط المستقيم 1: 266.

[ 107 ]

ورسوله صلى الله عليه وآله هو الأول دون الثاني، وهو المستفاد أيضا مما رواه الثعلبي من أن نزول الاية بعد دعاء النبي صلى الله عليه وآله وطلبه من الله عزوجل أن يكون علي عليه السلام وزيره صلى الله عليه وآله. ومما رواه ابن المغازلي باسناده، عن ابن عباس رضى الله عنه، قال: مر سائل بالنبي صلى الله عليه وآله وفي يده خاتم، فقال: من اعطاك هذا الخاتم ؟ قال: ذاك الراكع، وكان علي عليه السلام يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وآله: الحمد لله الذي جعلها في وفي أهل بيتي انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الاية، وكان على خاتمه الذي تصدق به: سبحان من فخري بأني له عبده (1). ووجه دلالة هذه الرواية: أن النبي صلى الله عليه وآله شكر الله تعالى حين سمع باعطاء علي عليه السلام الخاتم، وحمد الله تعالى على نزول الاية فيه وفي أهل بيته، وهذا يناسب المعنى الأول دون الباقي، على ما لا يخفى على المتدبر الفطن. فان قال قائل: ان الاية أتت بذكر الذين آمنوا بلفظ الجمع، وهذا عام في الذين آمنوا، لأن كلا منهم يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، فأي تخصيص حصل لأمير المؤمنين عليه السلام ؟ قلنا: ان الله سبحانه قال: والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ولا نعلم من لدن آدم الى يومنا هذا أن أحدا من المؤمنين تصدق وهو راكع غير أمير المؤمنين علي عليه السلام، فتخصص العام بقوله وهم راكعون وتخصص ايضا بالروايات المتواترة الواردة من طريق الخاصة والعامة الدالة على أن المراد بالاية أمير المؤمنين عليه السلام. على أنه يمكن أن تكون النون في (الذين) للعظمة لا لجمع، قال الله تعالى نحن


(1) المناقب لابن المغازلي ص 312 - 313 برقم: 356.

[ 108 ]

نقص عليك أحسن القصص (1) وغيرها من الايات، وقد ذكر سبحانه في آية المباهلة أيضا بلفظ الجمع بقوله وأنفسنا وأنفسكم (2) لأنه عليه السلام نفس الرسول، لا يشاركه فيه أحد باتفاق الخاصة والعامة، فان آية المباهلة مختصة بأمير المؤمنين عليه السلام بالاجماع. وذكر البخاري أن قوله يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم (3) نزلت في النبي صلى الله عليه وآله حيث أخذ غوثر سيفه حين نام وقد علقه بشجرة وهم به. فنادته الملائكة (4) والمراد جبرئيل، ومثله إذ قالت الملائكة يا مريم (5) وقد جاء الجمع بمعنى المفرد بغير تعظيم، ففي تفسير مقاتل الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله (6) نزلت في ابن أبي سلول، والذين يظاهرون (7) نزلت في أوس بن الصامت. في تفسير الزمخشري، وابن المرتضى وهو من أكابرهم الذين قال لهم الناس ان الناس (8) نزلت في نعيم بن مسعود بالاجماع، وقال: انه قول عكرمة ومجاهد. فان قيل: كيف يمكن أن يكون الخاتم الذي دفعه من الزكاة ؟ مع أنه لا يجوز


(1) يوسف: 3. (2) آل عمران: 61. (3) المائدة: 11. (4) آل عمران: 39. (5) آل عمران: 42. (6) المنافقون: 7. (7) المجادلة: 2. (8) آل عمران: 173.

[ 109 ]

تأخير الزكاة عن وقت وجوبها ولا دفعها في أثناء الصلاة، لأن ذلك ينافيها. قلنا: ان دفع الزكاة لا يجب على الفور، بحيث لا يجوز الدخول في الصلاة الا بعد أدائها، بل ورد جواز التأخير الشهر والشهرين للبسط، سلمنا لكن ذلك في الواجبة لا في المندوبة، فيجوز أن يكون ذلك من الزكاة المندوبة، وأما دفعها في أثناء الصلاة فلا مانع منه، فان المنافي للصلاة هو الفعل الكثير الماحي صورة الصلاة، وما نحن فيه ليس كذلك، لأنه ليس الا مد الخنصر، ويجوز أن يكون الحق تعالى عبر عن صدقته بايتاء الزكاة، تعظيما لشأن صدقته من حيث مساواته للزكاة في الثواب. النوع السادس فيما قال النبي صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه ومن كنت وليه فعلي وليه روى ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه على نهج البلاغة: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله خالد بن الوليد ي سرية، وبعث عليا عليه السلام في سرية اخرى، وكلاهما الى اليمن، وقال: ان اجتمعتما فعلي على الناس، وان افترقتما فكل واحد منكما على جنده، فاجتمعا وأغارا وسبيا، وأخذا أموالا، وقتلا ناسا، وأخذ علي عليه السلام جارية فاختصها لنفسه، فقال خالد لأربعة من المسلمين، منهم بريدة الأسلمي: اسبقوا الى رسول الله صلى الله عليه وآله، فاذكروا له كذا، واذكروا له كذا، لامور عددها على علي عليه السلام. فسبقوا إليه، فجاء واحد من جانبه، فقال: ان عليا فعل كذا، فأعرض عنه، فجاء الاخر من الجانب الاخر، فقال: ان عليا فعل كذا، فأعرض عنه، فجاء بريدة الأسلمي، فقال: يا رسول الله ان عليا فعل كذا فأخذ جارية لنفسه، فغضب صلى الله عليه وآله حتى احمر وجهه، وقال: دعوا لي عليا يكررها، ان عليا مني وانا من علي، وان حظه في الخمس أكثر مما أخذه، وهو ولي كل مؤمن من بعدي. ثم قال ابن أبي الحديد: رواه أبو عبد الله أحمد في غير مرة، ورواه في كتاب

[ 110 ]

فضائل علي عليه السلام، ورواه أكثر المحدثين (1). انتهى كلامه. وفي مناقب الخوارزمي، عن ابن عباس، عن بريدة الأسلمي، قال: غزوت مع علي الى اليمن، فرأيت منه جفوة، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله، فذكرت عليا فتنقصته، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وآله قد تغير، فقال: يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلت: بلى يا رسول الله، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه (2). وفي مسند أحمد بن حنبل عن بريدة، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله في سرية، قال: فلما قدمنا، قال: كيف رأيتم صحابة صاحبكم ؟ قال: شكوته أو شكاه غيري، قال: فرفعت رأسي وكنت رجلا مكبابا، قال: فإذا النبي صلى الله عليه وآله قد احمر وجهه، وهو يقول: من كنت وليه فعلي وليه (3). وفي مسند أحمد بن حنبل، قال عبد الله بن بريدة: حدثني أبي بريدة، قال: أبغضت عليا بغضا لم يبغضه أحدا قط، قال: وأحببت رجلا من قريش لم أحبه الا على بغضه عليا رضى الله عنه، قال: فبعث ذلك الرجل على خيل، فصحبته ما صحبته الا على بغضه عليا رضى الله عنه، قال: فأصبنا سبيا، قال: فكتب الى رسول الله صلى الله عليه وآله: ابعث لنا من يخمسه. قال: فبعث الينا عليا رضى الله عنه، وفي السبي وصيفة هي أفضل السبي، قال: فخمس وقسم، فخرج ورأسه مغطى، فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا ؟ قال: ألم تروا الى الوصيفة التي كانت في السبي، فاني قسمت وخمست، فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، ثم صارت في آل علي ووقعت بها.


(1) شرح نهج البلاغة 9: 170 - 171. (2) المناقب للخوارزمي ص 134 ح 150 ط قم. (3) مسند أحمد بن حنبل 5: 347، وفضائل الصحابة 2: 582 برقم: 989.

[ 111 ]

قال: فكتب الرجل الى النبي صلى الله عليه وآله، فقلت: أبعثني مصدقا، قال: فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدق، قال: فأمسك يدي والكتاب، قال: أتبغض عليا ؟ قال: قلت: نعم، قال: فلا تبغضه وان كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذي نفس محمد بيده لنصيب علي في الخمس أفضل من وصيفة، قال: فما كان من الناس أحد بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله أحب الي من علي عليه السلام، قال عبد الله: فوالذي لا اله غيره ما بيني وبين النبي صلى الله عليه وآله في هذا الحديث غير أبي بريدة (1). وفي المسند المذكور، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله بعثين الى اليمن، على أحدهما علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وعلى الاخر خالد بن الوليد، فقال: إذا التقيتم فعلي على الناس، وان افترقتما فكل واحد منكما على جنده، قال: فلقينا بني زيد (2) من أهل يمن فاقتتلنا، فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرية، فاصطفى علي امرأة من السبي لنفسه. قال بريدة: فكتب معي خالد بن الوليد الى رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره بذلك، فلما أتيت النبي صلى الله عليه وآله دفعت الكتاب فقرء عليه، فرأيت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: يا رسول الله هذا مكان العائذ بك، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه، ففعلت ما أرسلت به، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقع في علي، فانه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي (3). وفي صحيح الترمذي، عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشا واستعمل عليهم علي بن أبي طالب، فمشى في السرية، فأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: إذا لقينا رسول الله


(1) مسند أحمد بن حنبل 5: 350 - 351. (2) في النسخ: بني زبيدة. (3) مسند أحمد بن حنبل 5: 356.

[ 112 ]

اخبرناه بما صنع علي، وكان المسلون إذا رجعوا من سفر بدأوا برسول الله صلى الله عليه وآله فسلموا عليه، ثم انصرفوا الى رحالهم. فلما قدمت السرية سلموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقام أحد الأربعة، فقال: يا رسول الله ألم تر الى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال الثاني، فقال مثل مقالته، فاعرض عنه، ثم قام الثالث فقال مثل مقالتهما، فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله والغضب يعرف في وجهه، فقال: ما تريدون من علي ؟ ما تريدون من علي ؟ ان عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن من بعدي (1). وفي المناقب لابن المغازلي، بسنده عن عمران بن حصين: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما تريدون من علي ؟ ما تريدون من علي ؟ ان عليا مني وهو ولي لكل مؤمن بعدي (2). وفيه أيضا: بسند آخر هم عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي (3). وفي فردوس الديلمي: باسناده عن بريدة: يا بريدة ان عليا وليكم بعدي، فأحب عليا، فانه يفعل ما يؤمر (4). وفيه أيضا: عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله: يا علي أنت ولي كل مؤمن بعدي (5). ونقل القاشي عن الترمذي، عن عمران بن حصين، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ان عليا


(1) صحيح الترمذي 5: 590 - 591 برقم: 3712. (2) المناقب لابن المغازلي ص 224 برقم: 270. (3) المناقب لابن المغازلي ص 230 برقم: 276. (4) راجع: احقاق الحق 4: 140 و 6: 87، مجمع الزوائد 9: 128. (5) راجع: احقاق الحق 4: 136.

[ 113 ]

مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي (1). وعن كتاب نهاية العقول في دراية الاصول لفخر الرازي، قال النبي صلى الله عليه وآله: هذا ولي كل مؤمن ومؤمنة (2). وعن كتاب الاستيعاب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: أنت ولي كل مؤمن ومؤمنة (3). أقول: هذه الاثار الدالة على ولايته وامامته عليه السلام قد وردت في غير يوم الغدير. وأما ما ورد في يوم الغدير، فالذي رواه أصحابنا، فهو خطبة طويلة جدا، مشتملة على تصريحات كثيرة بامامته وخلافته وولايته ووصايته، وتسميته بامرة المؤمنين، وبامامة ذريته الطاهرين المعصومين، فينبغي أن نأتي هاهنا ببعض تلك التصريحات ونكتفي به للاختصار. منها: قوله عليه السلام بعد ما حمد الله وأثنى عليه: بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته (4) الى آخر الاية، معاشر الناس وما قصرت فيما بلغت، ولا قعدت عن تبليغ ما أنزله، وأنا ابين لكم سبب نزول هذه الاية، ان جبرئيل عليه السلام هبط الي مرارا ثلاثا يأمرني عن السلام رب السلام أقوم في هذا المشهد، وأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي من بعدي، الذي محله مني محل هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي، وليكم بعد الله ورسوله، نزل بذلك آية انما وليكم الله وقرأ الاية. ثم قال بعد كلام: فاعلموا معاشر الناس ذلك وافهموه، واعلموا أن الله قد نصبه


(1) صحيح الترمذي 5: 591 برقم: 3712. (2) احقاق الحق 4: 141 عنه. (3) الاستيعاب 3: 28 المطبوع على هامش الاصابة. (4) المائدة: 67.

[ 114 ]

لكم وليا واماما، فرض طاعته على المهاجرين والأنصار وعلى التابعين باحسان، وعلى البادي والحاضر، وعلى العجمي والعربي، وعلى الحر والمملوك، والصغير والكبير، وعلى الأبيض والأسود، وعلى كل موجود، ماض حكمه، وجائز قوله، ونافذ أمره، ملعون من خالفه، مرحوم من صدقه، قد غفر الله لمن سمع وأطاع له. معاشر الناس انه آخر مقام أقوم في هذا المشهد، فاسمعوا وأطيعوا وانقادوا لأمر الله ربكم، فانه هو مولاكم وعلي امامكم، ثم الامامة في ولدي الذين من صلبه الى يوم القيامة (1). انتهى ما أردنا نقله من الخطبة، وسائر عبارات الخطبة في التصريح مثل ما أتينا به. وأما ما رواه المخالف من حكاية الغدير، فمنه: ما في صحيح الترمذي وفي تفسير الثعلبي عن أبي هريرة، قال: من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجة، كتب الله له صيام ستين شهرا، وهو يوم غدير، لما أخذ النبي صلى الله عليه وآله بيد علي ين أبي طالب عليه السلام فقال: الست اولى بالمؤمنين من انفسهم ؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فأنزل الله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم (2). وفي تفسير الثعلبي أيضا، بسنده عن زيد بن أرقم، قال: نشد علي الناس في المسجد: أنشد الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وكنت أنا في من كتم فذهب بصري (3). وبسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وآله نزل بخم، فتنحى الناس عنه، وأمر عليا فجمعهم، فلما اجتمعوا قام فيهم متوسد يد علي بن أبي


(1) بحار الأنوار 37: 206 - 208 عن الاحتجاج. (2) المناقب لابن المغازلي ص 16 عن ابي هريرة نحوه. (3) المناقب لابن المغارزلي ص 23 برقم: 33 عنه.

[ 115 ]

طالب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس انه قد كرهت تخلفكم عني حتى خيل الي أنه ليس شجرة أبغض اليكم من شجرة تليني. ثم قال: ولكن علي بن أبي طالب أنزله الله مني بمنزلتي منه، فرضي الله عنه كما أنا عنه راض، فانه لا يختار على قربي ومحبتي شيئا، ثم رفع بيده، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. قال: فابتدر الناس الى رسول الله صلى الله عليه وآله يبكون ويتضرعون، ويقولون: يا رسول الله ما تنحينا عنك الا كراهية أن نثقل عليك، فنعوذ بالله من سخط رسوله، فرضي عنهم عند ذلك (1). وفيه أيضا: في تفسير قوله تعالى سأل سائل بعذاب واقع بسنده، قال: وسئل سفيان بن عيينة عن قوله عزوجل سأل سائل بعذاب واقع في من نزلت ؟ قال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدث جعفر بن محمد عن آبائه، قال: لما كان رسول الله بغدير خم، نادى في الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في ملأ من أصحابه على ناقة، حتى أتى الأبطح، فنزل عن ناقته، فأناخها وعقلها وأتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد أمرتنا أن نشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله، فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه منك، وأمر تنا أن نصوم شهرا فقبلناه، وأمرتنا أن نحج البيت فقبلناه، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك، ففضلته علينا وقلت من كنت مولاه فعلي مولاه، وهذا شئ منك أم من الله ؟ فقال: والذي لا اله الا هو أنه من أمر الله. فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم ان كان ما يقول محمد


(1) المناقب لابن المغازلي ص 25 - 26 برقم: 37.

[ 116 ]

حقا، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر، فسقط على هامته، فخرج من دبره فقتله، فأنزل الله تعالى (سأل سائل بعذاب واقع ب للكافرين ليس له دافع (1). وفيه أيضا: في تفسير قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) بسنده عن البراء، قال: لما أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بغدير خم، فنادانا الصلاة الجامعة، وكسح للنبي صلى الله عليه وآله تحت شجرتين، فأخذ بيد علي فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى، قال: هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، قال: فلقيه عمر، فقال: هنيئا لك يابن أبي طالب، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة (2). وفيه أيضا: بسنده عن ابن عباس في قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك قال: نزلت في علي بن أبي طالب، أمر النبي صلى الله عليه وآله بأن يبلغ فيه، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه (3). وفيه أيضا رواية اخرى في أن هذه الاية نزلت في علي عليه السلام (4). وفي مناقب الفقيه أبي الحسن المغازلي الواسطي الشافعي بسنده، عن ابن أمرأة زيد بن أرقم، قال: أقبل نبي الله صلى الله عليه وآله من مكة في حجة الوداع، حتى نزل بغدير الجحفة بين مكة والمدينة، فأمر بالدوحات فقم ما تحتهن من شوك، ثم نادى الصلاة


(1) الطرائف ص 152 - 153 ح 235، والعمدة ص 101 ح 135، والغدير 1: 240 جميعهم عن تفسير الثعلبي. (2) العمدة لابن بطريق ص 100 ح 133 عن تفسير الثعلبي. (3) العمدة ص 100 ح 134 عنه. (4) العمدة ص 99 ح 132 عنه.

[ 117 ]

الجامعة، فخرجنا الى رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم شديد الحر، وان منا لمن يضع رداءه على رأسه، وبعضه تحت قدميه من شدة الحر، حتى انتهينا الى رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى بنا الظهر، ثم انصرف الينا، فقال: الحمد لله نحمده، ثم ذكر من تحميده وتوحيده وشهادته، الى قوله: أما بعد، أيها الناس فانه لم يكن لنبي من العمر الا نصف من عمر من قبله، وان عيسى بن مريم لبث في قومه أربعين سنة، وأنا قد أسرعت في العشرين، ألا واني يوشك أن افارقكم، ألا واني مسؤول وأنتم مسؤولون، فهل بلغتكم ؟ فماذا أنتم قائلون ؟ فقام من كل ناحية من القوم مجيب يقولون: نشهد أنك عبد الله ورسوله، وقد بلغت رسالته، وجاهدت في سبيله، فصدعت بأمره، وعبدته حتى أتاك اليقين، جزاك الله عنا خير ما جازى (1) نبيا عن امته. ثم قال عليه السلام بعد كلام طويل له: ألا واني فرطكم وأنتم تبعي، يوشك (2) أن تردوا علي الحوض، فأسألكم حين تأتوني عن ثقلي كيف خلفتموني فيهما ؟ قال: فاعيل علينا ما ندري ما الثقلان حتى قام رجل من المهاجرين، فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله ما الثقلان ؟ قال: الأكبر منهما كتاب الله سبب طرف بيد الله تعالى وطرف بأيدكم، فتمسكوا به ولا تولوا ولا تضلوا، والأصغر منهما عترتي، من استقبل قبلتي وأجاب دعوتي، فلا تقتلوهم ولا تقهروهم، فاني قد سألت لهم اللطيف الخبير فأعطاني، ناصرهما لي ناصر، وخاذلهما لي خاذل، ووليهما لي ولي، وعدوهما لي عدو. ألا وانها لم تهلك امة من قبلكم حتى تدين بأهوائها، وتظاهر على نبوتها، وتقتل من قام بالقسط منها، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فرفعها وقال: من كنت وليه


(1) في المصدر: جزى. (2) في المصدر: توشكون.

[ 118 ]

فعلي وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، قالها ثلاثا، الى آخر الخطبة (1). وفيه أيضا: عن البراء بن عازب، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في شفير ونزلنا في غدير خم، ونودي فينا: الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله تحت شجرتين، فصلى الظهر وأخذ بيد علي عليه السلام فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ أو قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، قال: فلقيه عمر، فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة (2). وفيه أيضا: عن ابن ميمون، قال: حدثنا زيد بن أرقم وأنا أسمع، نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله بواد يقال لها وادي خم، فأمر بالصلاة فصلاها، قال: فخطبنا وظلل لرسول الله صلى الله عليه وآله بثوب على شجرة من الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أو لستم تشهدون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه (3). وفيه أيضا: بسنده عن أبي الطفيل، قال: جمع على الناس في الرحبة، ثم قال: أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام ؟ فقام ثلاثون من الناس، قال أبو نعيم: فقام اناس كثيرة، فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه (4). وفيه أيضا: عن عطية العوفي، قال: رأيت ابن أبي أوفى وهو في دهليز له بعد ما


(1) المناقب لابن المغازلي ص 16 - 18 برقم: 23. (2) رواه ابن بطريق في العمدة ص 100 ح 133 عن تفسير الثعلبي، ولم أعثر عليه في المناقب لابن المغازلي. (3) احقاق الحق 6: 226. (4) احقاق الحق 6: 329 - 331.

[ 119 ]

ذهب بصره، فسألته عن حديث، فقال: انكم يا أهل الكوفة فيكم ما فيكم، فقلت: أصلحك الله اني لست منهم، ليس عليك مني عار، قال: أي حديث ؟ قلت: حديث في علي يوم غدير خم، فقال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله في حجته يوم غدير خم وهو آخذ بعضد علي، فقال: يا أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ فقالوا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فهذا مولاه (1). هذا آخر ما أردنا نقله عن ابن المغازلي، وقد روى في مناقبه اثنا عشر حديثا، وانما اكتفينا بما نقلناه للاختصار. وروى الحافظ الثقة عند المخالف أبو بكر بن مردويه، باسناده الى أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وآله يوم دعا الناس الى غدير خم، أمر بما كان تحت الشجرة من شوك فقم، وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس الى علي، فأخذ بضبعيه، فرفعهما حتى نظر الناس الى بياض ابطي رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم لم يفترقا حتى نزلت هذه الاية اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله أكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضا الرب برسالتي، والولاية لعلي، ثم قال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، فقال حسان بن ثابت: يا رسول الله ائذن لي أن أقول أبياتا، فقال: قل على بركة الله، فقال حسان بن ثابت: يا معشر قريش اسمعوا شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله: يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم فاسمع بالنبي مناديا ألست أنا مولاكم ووليكم فقالوا ولم يبدو هناك التعاميا الهك مولانا وأنت وليناولا تجدن في الخلق للأمر عاصيا


(1) المناقب لابن المغازلي ص 24 برقم: 34.

[ 120 ]

فقال له قم يا علي فانني رضيتك من بعدي اماما وهاديا قال: فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك، فقال: هنيئا لك يا علي بن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. وهذا الحديث الذي رواه أبو بكر بن مردويه، رواه أيضا الشيخ أبو عبد الله محمود (1) بن عمران المرزباني، باسناده في أواخر الجزء الرابع من كتاب سرقات الشعراء، الى الاخر الأبيات لحسان (2). وفي كتاب لابن عبد ربه في الجزء التاسع والعشرين في فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام قال: وقال النبي صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار (3). وفي الجمع بين الصحاح الستة (4) لرزين العبدري في الجزء الثالث عدة روايات في هذا المعنى، وانما يكتفى ببعضها للاختصار. منها: ما رواه عن البراء مثل ما تقدم عن البراء في تفسير الثعلبي (5). ومنها: ما رواه عن صحيح الترمذي، عن حصين بن سمرة، أنه قال لزيد بن أرقم: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا بالجحفة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله ظهرا وهو آخذ بيد علي فقال: أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، الحديث. ومنها: ما رواه عن أبي اسحاق، قال: سمعت سعيد بن وهب، قال: نشد علي


(1) في الطرائف: محمد. (2) الطرائف ص 146 - 147 عن ابن مردويه. (3) الصراط المستقيم 1: 300 عنه. (4) الطرائف ص 153 عنه. (5) العمدة ص 100 ح 133 عنه.

[ 121 ]

الناس، فقام خمسة أو ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كنت مولاه فعلى مولاه (1). وروى ايضا هذا المعنى بسند آخر (2). ومنها: ما رواه بسندين عن بريدة الأسلمي، وقد تقدم نقلهما عن مسند أحمد بن حنبل (3). وفي كتاب الاستيعاب: روى بريدة، وأبو هريرة، وجابر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، كل واحد منهم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وبعضهم لا يزيد على من كنت مولاه فعلي مولاه (4). اعلم أنه ليس في الأخبار خبر أشهر من خبر الغدير، رواه مسلم، والحميدي، ورزين، والثعلبي، وابن مردويه، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده بطرق ثمانية، وابن المغازلي رواه من اثني عشر طريقا، وان محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ أفرد له كتابا وسماه كتاب الولاية، وطرقه خمسا وسبعين طريقا، وان ابن عقدة أفرد له كتابا سماه كتاب الولاية، وطرقه مائة وخمس طرق. وان ابن المغازلي بعد نقل روايات الغدير قال: هذا حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد روى حديث خم نحو مائة نفس منهم العشرة، وهو حديث ثابت لا أعرف له علة، تفرد علي عليه السلام بهذه الفضيلة لم يشركه فيها أحد (5)، كذا نقل عنهم صاحب الصراط المستقيم (6).


(1) مسند أحمد بن حنبل 5: 366. (2) الخصائص للنسائي ص 22، والبداية والنهاية 7: 346، ومجمع الزوائد 9: 104. (3) مسند أحمد بن حنبل 5: 347 و 350 - 351. (4) الاستيعاب 3: 36 المطبوع على هامش الاصابة. (5) المناقب لابن المغازلي ص 27. (6) الصراط المستقيم 1: 300، والطرائف ص 142.

[ 122 ]

ونقل عن ابن كثير الشامي الشافعي في تاريخه الكبير، عند ذكر أحوال محمد بن جرير الطبري الشافعي: اني رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث يوم غدير خم في مجلدين ضخمين، وكتابا جمع فيه طرق حديث الطير. انتهى كلام ابن كثير. ونقل عن الشيخ محمد الجزري من أكابر متأخري أهل السنة رسالة أثبت فيها تواتر هذا الحديث من ثمانين طريقا. وقد نقل هذا الخبر جماعة كثيرة من المخالفين غير ما ذكرناهم، من أهل التفسير والحديث والتاريخ، منهم: محمد بن اسحاق، وأبو نعيم الاصفهاني، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو شاهين المروزي، وأبو بكر الباقلاني، وأبو المعالي الجويني، وأبو سعيد الخركوشي، وأبو المظفر السمعاني، وأبو بكر بن شيبة، وشريك القاضي، والشعبي، والزهري، والجعاني، والد الكاني، والنسائي، والبلاذري، وأبو يعلى الموصلي، من عدة طرق، وابن بطة من ثلاثة وعشرين طريقا، وغيرهم ممن لم نذكره (1). وقد صنف علي بن هلال المهلبي كتاب الغدير، وأحمد بن محمد بن سعيد كتاب من روى خبر غدير خم، ومسعود كتابا في رواة هذا الخبر وطرقها، والرازي صنف كتابا فيه أسماء رواة الخبر على حروف المعجم. وقد نظم مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أمر الغدير في بيت من أبياته: وأوجب لي ولايته عليكم رسول الله يو م غدير خم ونظم أمر الغدير كثير من الشعراء، منهم حسان وقد تقدم ذكر أبياته، ودعبل، وأبو فراس، وقيس بن عبادة الأنصاري، وعمرو بن العاص، والزاهي، والكميت ومن أبياته: ولم أر مثل ذاك اليوم يوما ولم أر مثله حقا اضيعا


(1) راجع فهرست عناوين من روى حديث الغدير الى الطرائف ص 140 - 141.

[ 123 ]

وروي أن ابن الكميت رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: أنشدني قصيدة كانت لأبيك، يعني القصيدة المشتملة على حكاية الغدير، قال: فأنشدته اياها، فلما وصلت الى (ولم أر مثله حقا اضيعا) بكى رسول الله صلى الله عليه وآله بكاء شديدا، قال: صدق أبوك ولم أر مثله حقا اضيعا، ثم انتبه. أقول: هذا الخبر تجاوز حد التواتر، وبلغ الظهور الى غاية لا يمكن أن يشك فيه شاك، أو يكابر فيه مكابر، ولكن المخالفين الذين أخروا من قدمه الله، وقدموا من أخره الله استهانة بأمر الله، لعمى قلوبهم بحب الدنيا، وصممها باتباع الأهواء، يتمسكون في دفع هذا الخبر وغيره من الأخبار الدالة على امامته عليه السلام بوجوه لا وجه لها، نعم هم الغرقى في بحار الهواء، والغريق يتشبث بكل حشيشة، يابسة كانت أو خضراء. فمنها: أن الخبر ورد على سبب خاص، فيتخصص. وليس بشئ، لأنه على تقدير التسليم لا يتخصص العام بالسبب، وهذا من الامور المحققة في الاصول. ومما يدل أيضا على بطلان هذا القول، استدلال أمير المؤمنين عليه السلام بخبر الغدير على استحقاقه الخلافة، واستشهاده من كان حاضرا يومئذ، حتى شهد بعض وأنكر بعض، ولو كان الأمر كما قالوه لأنكر عليه استدلاله واستشهاده بعض معانديه. وأيضا لو كان الأمر كما زعموا، فلم قال امامهم عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، مع أنه كان أعرف بمدلولات الكلام العربي، وبمقاصد النبي صلى الله عليه وآله من أتباعه، ولو كان في الواقع مخطئا في الفهم، فلم أقره النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وسائر الصحابة ؟ وأيضا فلم قصد النعمان بن الحارث الفهري النبي صلى الله عليه وآله وقال ما قال على وجه الانكار والاستكبار، فلو كان في الواقع مخطئا في الفهم لأجابه النبي صلى الله عليه وآله بأنه في أمر خاص، ولم يجبه بأنه في أمر خاص من الله مؤكدا بالقسم. ومنها: أن لفظ المولى والولي مشترك، فقد لا يراد به الأولى والسيد المطاع.

[ 124 ]

وهذا الوجه أيضا ركيك، وما ذكرناه في بيان بطلان الوجه الأول يبطله. ويزيده بيانا: أن معاني المولى عشرة: الأولى، والسيد المطاع، ومالك الرق، والمعتق، وابن العم، والناصر، وضامن الجريرة، والجار، والحليف. وهذه المعاني التسعة ترجع عند الاعتبار الى المعنى الأول وهو الأولى، وهذا هو العماد في معنى المولى، وقد نص أهل العربية بأن المولى يفيد الأولى، ومنهم أبو عبيدة معمر (1) بن المثنى، وهو مقدم في علم العربية غير مطعون عليه في معرفتها، قد ذكر في كتابه المتضمن تفسير غريب القرآن المعروف بالمجاز، في تفسير قوله تعالى في سورة الحديد مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير (2) يريد جل ثناؤه هي أولى بكم، وأنشد بيت لبيد شاهدا له: فغدت كلا الفرخين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها يريد أن الظبية تحيرت، فلم تدر أن خلفها أولى بالمخافة أم أمامها، واستشهد أيضا بقول الأخطل في عبد الملك بن مروان: فأصبحت مولاها من الناس كلهم وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا يريد بقوله هذا أن ابن مروان أولى بسياسة الامة وتدبيرها، وهو أيضا خليفة مطاع الأمر، وليس أبو عبيدة من المائلين الى أمير المؤمنين، بل هو معدود من المعاندين (3). ووافقه أيضا في ذلك ابن قتيبة في تفسيره (4)، وهو أيضا من المخالفين. وقال الفراء في كتاب معاني القرآن، في تفسير هذه الاية: ان الولي والمولى في لغة


(1) في (ن): أبو عبيد منعم. (2) الحديد: 15. (3) العمدة لابن بطريق ص 112 - 113 عن تفسير غريب القرآن، والغدير 1: 345. (4) العمدة ص 113، والغدير 1: 345 نقلا عن كتاب القرطين 2: 164.

[ 125 ]

العرب واحد (1). وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه المعروف بتفسير المشكل في القرآن، في ذكر أقسام المولى: ان المولى والولي الأولى بالشئ، واستشهد على ذلك بالاية المقدم ذكرها وببيت لبيد وغيره من الشعر وهو هذا: كانوا موالي حق يطلبون به فأدركوه وما ملوا ولا لعبوا وروي في الحديث: أيما امرأة تزوجت بغير اذن مولاها فنكاحها باطل (2). والمعلوم أن المراد بمولاها وليها والذي هو أولى الناس بها، والأخطل هو أحد شعراء العرب وممن لا يطعن عليه في معرفة، ولا ميل له الى مذهب الاسلام (3). وقد حكي عن المبرد أنه قال: الولي الذي هو الأحق والأولى، ومثله المولى، فتجعل الثلاث عبارات لمعنى واحد (4). ولا يصح حمل قوله عليه السلام (من كنت مولاه فعلي مولاه) الا على أحد الأولين، كما لا يخفى، إذ لا اشتباه في غير الناصر في أنه لا يمكن أن يكون مرادا. وأما الناصر، فان اريد به مطلق النصرة من اقامة البراهين والحجج، والهداية، وحفظ الشريعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واقامة الحدود، وفصل الدعاوي، وغيرها من الامور الدينية، كما كان شأن النبي صلى الله عليه وآله فيرجع الى المعنيين الأولين. وان اريد به معنى غير ما ذكر، فغير مناسب للمقام، ولا يجوز أن يكون مرادا، لما ذكرنا في بطلان الوجه الأول. ومما يزيد بيانا لبطلان الوجهين، نزوله صلى الله عليه وآله في غير محل النزول وفي غير وقته،


(1) العمدة ص 113 عنه، والغدير 1: 345. (2) عوالي اللالي 1: 306. (3) العمدة ص 113. (4) العمدة ص 113 - 114.

[ 126 ]

بعد نزول قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك الاية، ونداؤه بالاجتماع، وقيامه خطيبا، وتقديمه قول (ألست أولى بكم ؟) و (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟) و (ألست أولى بكل مؤمن ومؤمنة ؟) وهذه قرينة واضحة على أن المراد بالمولى الأولى والسيد المطاع، دون سائر معانيه. ومن القرائن الواضحة أيضا ما أنشده حسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله عليه وآله في ذلك اليوم بعد استئذانه، فقام والنبي صلى الله عليه وآله وجماعة المسلمين يسمعون، فأورد ما أنشده، وقد تقدم أشعاره، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. ومما يدل أيضا على ما ذكرناه، ما تقدم من أن نزول قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم الاية، كا ن في ذلك اليوم، ولا ريب أن اكمال الدين وتمام النعمة لا يتحقق الا بأن يكون المراد بالمولى أحد المعنيين الأولين. ومما يدل أيضا على ما ذكرناه، ما تقدم من أن من صام يوم الغدير، كتب الله له صيام ستين شهرا. ومما يدل أيضا، ما رواه مسلم عن طارق بن شهاب، قال: قالت اليهود لعمر: لو علينا نزلت هذه الاية اليوم أكملت لكم دينكم ونعلم اليوم الذي انزلت فيه لاتخذناه عيدا (1). ووجه الدلالة ظاهر. ومنها: أن عليا لما كان خليفة رابعا، أمكن تنزيل النصوص والأوامر على ذلك، وهذا لا يحتاج الى بيان طائل، بل هو بالاعراض عنه حقيق، لأنه خلاف مفاد النصوص، وكيف يجوز أن ينسب الى أفضل الأنبياء وأكمل العقلاء أن ينص على الخلافة لعلي عليه السلام على سبيل الاطلاق ويريد به الخلافة في وقت خاص وهو زمان قتل ثالث الثلاثة ؟ هذا أمر لا يخفى بطلانه، الا على من أعمى حب الدنيا قلبه.


(1) صحيح مسلم 4: 2312 - 2313 برقم: 3017 كتاب التفسير.

[ 127 ]

وكيف يجوز على سيد الأنبياء وزبدة الأصفياء وهادي العقلاء أن ينص على خلافة علي عليه السلام وامامته ووصايته، من غير أن يشرك معه غيره ويريد أنه الخليفة الرابع، مع عدم المانع لذكر غيره ؟ ذلك ظن الذين لا يوقنون. على أن عليا عليه السلام لو كان اماما رابعا، لما جاز له أن يتخلف عن بيعة أبي بكر، حتى يعود الأمر الى الاكراه والاجبار واحضار النار الى باب بيته، وسيجئ ان شاء الله تعالى بيانه وبيان تظلماته وشكاياته في كثير من مقاماته. وكيف يجوز أن يكون هذا مراد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ومع هذا ينازع علي سيد الزهاد والعباد صلوات الله عليه في الخلافة الخلفاء، ويتمسك بنص الغدير، ويعتزل عنهم وعن بيعتهم، ويظهر عدم الرضا بخلافتهم في خطبه. ومما يدل أيضا على بطلان ما زعموا، أنه صلوات الله عليه وآله ولى اسامة على الثلاثة في مرضه الذي قضى نحبه، وأمرهم بالخروج معه، ولعن من تخلف عن جيش اسامة، وترك عليا عليه السلام عنده في المدينة، وليس هذا الا ليتم له أمر الخلافة، كما لا يخفى على أهل الحدس والفراسة. ومما يدل أيضا على بطلان هذا الاحتمال، أن النبي صلى الله عليه وآله عزل أبا بكر أمر الله تعالى، حين بعثه ليقرأ بعض آيات سورة البراءة في الموسم على المشركين، فبعث بأمر الله عليا عليه السلام ليأخذ السورة في أثناء الطريق منه، ويقرأها في الموسم على المشركين، وقال عليه السلام: لا ينبغي أن يبلغ عني الا رجل من أهل بيتي (1). وفي رواية اخرى: ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني (2). فكيف يجوز العاقل أن يعزل النبي صلى الله عليه وآله الخليفة الأول وينصب مكانه الخليفة الرابع ؟ بل لا يخفى على اللبيب الفطن أن هذا العزل والنصب نص على خلافة


(1) مسند أحمد بن حنبل 3: 283. (2) احقاق الحق 3: 430 عن تفسير الثعلبي.

[ 128 ]

علي عليه السلام وعلى بطلان خلافة أبي بكر، لأن من لا يصلح لتبليغ بعض آيات سورة من الكتاب، كيف يصلح للخلافة المستلزمة لتبليغ جميع الكتاب والأحكام. وحكاية عزل أبي بكر ونصب علي عليه السلام حديث ثابت متواتر، رواه أحمد بن حنبل بعدة أسانيد في مسنده (1)، والبخاري في موضعين من صحيحه في الجزء الأول وفي الجزء الخامس (2)، ورواه الثعلبي في تفسيره (3) ورزين بن معاوية في الجمع بين الصحاح الستة من صحيح أبي داود وصحيح الترمذي (4). ومما يدل أيضا على بطلان هذا الاحتمال، ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده باسناده الى ام سلمة، أنها قالت: والذي أحلف به ان عليا عليه السلام كان أقرب الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله، قالت: فاني كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله غداة يوم قبض، فجاء علي مرارا، قالت ام سلمة: فأظنه كان بعثه في حاجة، قالت: فجاء بعد، قالت: فظننت أن له إليه حاجة، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب، وكنت من أدناهم الى الباب، فأكب عليه علي عليه السلام فجعل يساره ويناجيه، ثم قبض صلى الله عليه وآله يومه ذلك، فكان اقرب الناس به عهدا (5). وما رواه أبو بكر أحمد بن مردويه في كتاب المناقب، باسناده الى علقمة والأسود، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في بيتي لما حضره الموت: ادعوا لي حبيبي، فدعوت له أبا بكر، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم وضع رأسه ثم قال:


(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 150 و 151، وفضائل الصحابة له 2: 562 و 640. (2) صحيح البخاري 1: 78 و 6: 64. (3) العمدة ص 163 ح 252 عنه، والطرائف ص 39 ح 32 عنه، واحقاق الحق 3: 430 عنه. (4) العمدة ص 165 عن الجمع بين الصحاح الستة، والطرائف ص 38 - 39 عنه. (5) راجع: مسند أحمد بن حنبل 6: 300، ومستدرك الحاكم 3: 138 - 139، وذخائر العقبى ص 72.

[ 129 ]

ادعوا لي حبيبي، فقلت: ويلكم ادعوا له علي بن أبي طالب، فوالله ما يريد غيره، فلما رآه فرج الثوب الذي كان عليه، ثم أدخله فيه، فلن يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه (1). وروى أيضا هذا الحديث جماعة من علمائهم، منهم: الطبري في كتاب الولاية، والدارقطني في صحيحه، والسمعاني في الفضائل، وموفق بن أحمد خطيب خوارزم، عن عبد الله بن العباس، وعن أبي سعيد الخدري، وعن عبد الله بن حارث، وعن عائشة. وروى بعضهم في الحديث: أن عمر دخل على النبي صلى الله عليه وآله بعد دخول أبي بكر فلم يلتفت النبي صلى الله عليه وآله وفعل معه من الاعراض عنه كما فعل مع أبي بكر (2). ووجه الدلالة على المقصود: أنه كيف يجوز العاقل أن يترك النبي صلى الله عليه وآله في وقت رحلته عن الدنيا الخليفة الأول، ويعرض عنه ويسار الخليفة الرابع، ويدعوه إليه ويحتضنه ؟ ولا يخفى أن الحديث الثاني دال على أنه صلى الله عليه وآله كان ساخطا على أبي بكر غير راض عنه، وما كان يحب أن يتكلم معه. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، قال سلمان الفارسي رضى الله عنه: دخلت عليه صبيحة يوم قبل اليوم الذي مات فيه، فقال: ألا تسأل عما كابدته الليلة من الألم والسهر أنا وعلي، فقلت: يا رسول الله ألا أسهر الليلة معك بدله ؟ فقال: لا، هو أحق بذلك منك. ونسب ابن أبي الحديد الى كثير من المحدثين نقل قول علي عليه السلام مخاطبا للرسول صلى الله عليه وآله: وفاضت بين نحري وصدري نفسك.


(1) المناقب للخوارزمي ص 68 ح 41 عن ابن مردويه. (2) راجع: ذخائر العقبى ص 72، وكفاية الطالب ص 263، وتاريخ ابن عساكر ترجمة الامام أمير المؤمنين علي عليه السلام 3: 17، ومقتل الحسين للخوارزمي ص 38.

[ 130 ]

وفي رواية اخرى: ففاضت نفسه في يدي، فأمررتها على وجهي (1). ومما يدل أيضا على بطلان ما زعموا، قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه (2) وسيجئ ان شاء الله تعالى أن الشاهد التالي لرسول الله صلى الله عليه وآله هو علي عليه السلام، فلو كان رابع الخلفاء لم يكن تاليا لرسول الله صلى الله عليه وآله. تزييف الاجماع على خلافة أبي بكر ومن وجوههم الركيكة: أن هذه الأحاديث والاثار الدالة على امامة أمير المؤمنين عليه السلام معارضة بالاجماع، وحسن الظن بالصحابة مع كثرتهم، فانهم أجمعوا على خلافة أبي بكر، ولو علموا استحقاق علي عليه السلام لها لما غصبوه مقامه. أقول: لله الحمد، ليس للمخالف ما يدل على حجية الاجماع، فيجوز له أن يتمسك به ويعارض به الأخبار المتواترة الصريحة الدالة (3) على امامة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى ذريته الطاهرين، لأن ما تمسكوا به من الأخبار، مثل (لا تجتمع امتي على الخطأ) (4) و (لم يكن الله ليجمع امتي على خطأ) (5) و (وكونوا مع الجماعة) (6) و (يد الله على الجماعة) (7) أخبار آحاد لا يجوز التمسك بها في الاصول، بل لا يجوز لهم أن يتمسكوا في الفروع أيضا، لأن ما تمسكوا به في حجية خبر الواحد، مدخول منقوض، كما لا يخفى على من تتبع الاصول من


(1) شرح نهج البلاغة 10: 267. (2) هود: 17. (3) في (ق): الدلالة. (4) صحيح الترمذي 4: 405 برقم: 2167، ومسند أحمد بن حنبل 5: 145. (5) سنن ابن ماجة 2: 1303 برقم: 3950. (6) صحيح الترمذي 4: 404 برقم: 2165. (7) صحيح الترمذي 4: 405 برقم: 2166 و 2167.

[ 131 ]

أرباب العقول. وان سلمنا حجيتها، فلا نسلم دلالة هذه الأخبار على حجية أهل كل عصر. فأما الحديث الأول، فلا دلالة فيه، لأنا نقول: هل المراد بلفظ (امتي) جميع الامة غير مختص بعصر دون عصر ؟ كما هو الظاهر من اللفظ، أو المراد بها البعض ؟ فعلى التقدير الأول فلا دلالة فيه على حجية اجماع أهل عصر واحد، وعلى التقدير الثاني يلزم أن يكون اجتماع كل اثنين حجة، وهو باطل بالاتفاق. وان كان المراد بها جماعة مخصوصة، فيحتمل احتمالا ظاهرا أن يكونوا هم أهل البيت، بقرينة شهادة آية التطهير بطهارتهم، ويحتمل أيضا أن يكونوا هم أهل زمن النبي صلى الله عليه و آله، فحملها على جميع أهل عصر تخصيص بلا مخصص. وأما الحديث الثاني، فلا يدل على مقصودهم، وهو عدم اجتماع الامة على الخطأ، لأن مدلول الخبر ان الله لا يجمع الامة على الخطأ، وبين المعنيين بون بعيد. وعدم دلالة الحديث الثالث والرابع على مقصودهم ظاهر، لأنه يحتمل أن يكون المراد بالجماعة الذين يصلون جماعة، كما لا يخفى على من له أدنى بصيرة. وتمسك الشافعي في حجية الاجماع بقوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (1). وقيل في وجه الدلالة: ان الله تعالى توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، كما توعد على مشاقة الرسول التي هي كفر فيحرم، إذ لا يضم مباح الى حرام في الوعيد، وإذا حرم اتباع غير سبيلهم فيجب اتباع سبيلهم، إذ لا مخرج عنهما، والاجماع سبيلهم، فيجب اتباعهم وهو المطلوب. واعترض عليه بوجوه كثيرة، ذكرها العضدي في شرح المختصر، والتفتازاني في


(1) النساء: 115.

[ 132 ]

شرح الشرح، من غير تعرض لجوابها، وهي هذه: انا لا نسلم أن (من) للعموم، ولو سلم فلا نسلم أن اتباع غير سبيل المؤمنين محظور مطلقا، بل بشرط الاقتران بمشاقة الرسول. ولو سلم، فغير سبيل المؤمنين هو سبيل الكافرين وهو الكفر. ولو سلم، فالمؤمنين عام لكل مؤمن، ولو خص في كل عصر، فهو عام في العالم والجاهل، ولو خص بأهل الحل والعقد، فلفظ السبيل مفرد لا عموم له. ولو سلم فيحتمل وجوها من التخصيص، لجواز أن يريد سبيلهم في متابعة الرسول، أو في مناصرته (1)، أو في الاقتداء به فيما صاروا مؤمنين وهو الايمان به، وإذا قام الاحتمال كان غايته الظهور، والتمسك بالظاهر انما يثبت بالاجماع، ولولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة من اتباع الظن، فيكون اثباتا للاجماع بما لا يثبت حجيته الا به، فيصير دورا انتهى. أقول: ويمكن الجواب عن الاية بوجه آخر: بأن المراد بالسبيل الدليل، لمشاركته الطريق في الايصال، فالتجوز فيها أولى من الاتفاق على الحكم، إذ لا مناسبة بينه وبين الطريق، ونقل عن السيد المرتضى أنها تدل على وجوب اتباع من علم ايمانه، لا من يكون باطنه بخلاف ظاهره، وانما يتحقق ذلك في المعصوم. واستدلوا أيضا بقوله تعالى اتبع سبيل من أناب الي (2) وقوله تعالى وكذلك جعناكم امة وسطا (3) وقوله تعالى كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر (4). وذكروا في وجه الدلالة في الاية الاولى: أن الله أوجب اتباع سبيل من أناب


(1) في (ق): مناظرته. (2) لقمان: 15. (3) البقرة: 143. (4) آل عمران: 110.

[ 133 ]

وهم المؤمنون، والكلام في هذه الاية كالكلام في الاية الاولى. ويرد عليها أكثر ما يرد عليها، ومما يختص بهذه الاية أن الانابة حقيقتها في اللغة هي الرجوع، وانما يستعمل في التائب من حيث رجع عن المعصية، فحملها على جميع المؤمنين تجوز. وذكروا في وجه الدلالة في الاية الثانية: أن الوسط العدل، لأن الوسط من كل شئ المعتدل منه، فلو اتفق الامة على خطأ لم تكن عدلا. والجواب عنها من وجوه: الأول: أنه لا يجوز أن يكون المراد بالاية كل واحد من الامة، لأنه معلوم البطلان، فان أكثر الامة غير متصف بالعدالة، فالمراد بها: إما مجموع الامة من حيث المجموع، فليس حينئذ اجماع أهل عصر واحد حجة. وإما المراد بها البعض، فحملها حينئذ على بعض لا تجوز الا بمخصص ومرجح، والراجح حملها على الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله، لما ثبت عصمتهم بآية التطهير، وبحديث اني تارك فيكم الثقلين الحديث (1). والثاني: أن اتصاف الامة بالعدالة لا يقتضي العصمة بحيث يستحيل اتفاقها على الباطل. والثالث: أن العدل هو المتحرز عن الكبائر، فاتصاف الامة بالعدالة لا يقتضي الا عدم اتفاق الامة على الكبائر. وذكروا في وجه الدلالة في الاية الأخيرة: أن اتصاف الامة بالخيرية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقتضي أن لا يتفق الامة على الخطأ. والجواب عنه على نحو الجواب عن الاية السابقة، فاليتدبر. وتمسك العضدي في حجية الاجماع بوجهين عقليين:


(1) سيأتي مصادر حديث الثقلين، وهو حديث متواتر بين الفريقين.

[ 134 ]

الوجه الأول: أنهم أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف للاجماع، فدل (1) على أنه حجة، فان العادة تحكم بأن هذا العدد الكثير من العلماء المحققين لا يجمعون على القطع في شرعي بمجرد تواطئ أو ظن، بل لا يكون قطعهم الا عن قاطع، فوجب الحكم بوجود نص قاطع بلغهم في ذلك، فيكون مقتضاه وهو خطأ المخالف له حقا، وهو يقتضي حقية ما عليه الاجماع، وهو المطلوب. ثم أورد على نفسه نقضا، باتفاق الفلاسفة على قدم العالم، واتفاق اليهود على أن لا نبي بعد موسى، واتفاق النصارى على قتل عيسى. ثم أجاب بأن اجماع الفلاسفة عن نظر عقلي، ويعارض السنة، واشتباه الصحيح بالفاسد فيه كثير. وأما في الشرعيات، فالفرق القاطع والظني بين لا يشتبه على أهل المعرفة والتمييز، واجماع اليهود والنصارى عن الاتباع لاحاد الأوائل لعدم تحقيقهم، والعادة لا تحيله، بخلاف ما ذكرناه. أقول: ما ذكره ضعيف، والنقض وارد عليه ولا مفر له عنه. أما بيان ضعفه، فانا لا نسلم امتناع التواطئ، بل الحق جوازه، فان العقل لا يستبعد أن يكون هذه (2) القاعدة مما وضعه المنافقون الذين أرادوا في العقبة قتل النبي صلى الله عليه وآله، وحالوا بينه وبين أن يكتب للناس وصية يرتفع بها عنهم الضلال، ونسبوه الى الهجر والهذيان، وقالوا: حسبنا كتاب الله، ثم شبهوا على الناس بالشبهات، كآية من يشاقق الله (3) وأمثالها، فتبعهم في القاعدة ضعفاء الصحابة وسفهائهم، وسكت عنهم العلماء واولوا الاراء، طمعا ورغبة وخوفا وتقية. وقد وقع ذكر المنافقين الذين ذكرناهم في صحاحهم ومسانيدهم، ونحن نذكر في


(1) في (ن): فتدل. (2) في (ن): لهذه. (3) النساء: 115.

[ 135 ]

هذا المقام ما وصل الينا من أخبار المنافقين، ليتضح ما قلناه لطالبي الدين. قد ورد في كتاب دلائل النبوة للشيخ أبي بكر أحمد البيهقي، باسناده عن أبي الأسود، عن عروة، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله قافلا من تبوك الى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق، مكر به ناس من أصحابه، فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فاخبر رسول الله صلى الله عليه وآله خبرهم، فقال: من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فانه أوسع لكم. فأخذ النبي صلى الله عليه وآله العقبة، وأخذ الناس بطن الوادي، الا النفر الذين أرادوا المكر به، لما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفة بن يمان وعمار بن ياسر، فمشيا معه مشيا، وأمر عمارا أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة يسوقها. فبيناهم يسيرون إذ سمعوا ركزة القوم من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وأمر حذيفة أن يردهم، فرجع ومعه محجن، فاسستقبل (1) وجوه راحلتهم، فضربها ضربا بالمحجن، وأبصر القوم وهو متلثمون، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة، فظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خلطوا الناس. وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أدركه قال: اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش أنت يا عمار، فأسرعوا، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا حذيفة هل عرفت من هؤلاء الرهط أو الركب أحدا ؟ فقال: عرفت راحلة فلان وفلان وفلان، وكان ظلمة الليل غشيتهم وهم متلثمون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هل علمتم ما شأن الركب وما أرادوا ؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فانهم مكروا ليسيروا معي، حتى إذا أظلمت في العقبة طرحوني منها، قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاءك الناس ؟ فنضرب أعناقهم، قال: أكره أن يتحدث


(1) في (ن): فاستقبله.

[ 136 ]

الناس ويقولوا: ان محمدا قد وضع يده في أصحابه، فسماهم لهم، ثم قال: اكتماهم (1). وفي فردوس الديلمي، باسناده عن عمار، عن النبي صلى الله عليه وآله: يكون في امتي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة، فلا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من نار تظهر من أكتافهم حتى تنجم من صدورهم (2). وفيه أيضا: باسناده عن حذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وآله: يكون في امتي دجالون كذابون سبعة وعشرون، منهم أربعة نسوة، وأنا خاتم النبيين (3). وفي الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري في الجزء الثالث، في تفسير قوله تعالى ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار (4) من صحيح مسلم، عن أبي الطفيل، قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: انشدك الله كم كان أصحاب العقبة ؟ قال له القوم: أخبره إذ سألك، قال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فان كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الدنيا والاخرة (5)، وعذر ثلاثة، قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا علمنا بما أراد القوم، قال حذيفة: وقد كان في حرة فمشى، فقال: ان الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قوما قد سبقوه فلعنهم يومئذ (6). وفي تفسير الثعلبي، في تفسير سورة براءة قوله تعالى يحذر المنافقون أن تنزل


(1) دلائل النبوة 5: 256 - 257. (2) صحيح مسلم 4: 2144. (3) لم أعثر عليه في الفردوس المطبوع. (4) النساء: 145. (5) في صحيح مسلم: في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. (6) صحيح مسلم 4: 2144 ح 11، كتاب صفات المنافقين.

[ 137 ]

عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم (1) قال الثعلبي: قال الحسن: كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة، حفرت قلوب المنافقين. قال ابن كيسان: نزلت هذه الاية في اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة لما رجع من غزوة تبوك، ليفتكوا به إذا علاها، ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنهم، وتنكروا له ليلة مظلمة، فأخبر جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله بما قدروا، وامره ان يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحاهم، فلما نزل قال: يا حذيفة من عرفت من القوم ؟ قال: لم أعرف منهم أحدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فانه فلان وفلان وفلان، حتى عدهم كلهم، فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم من يقتلهم، فقال: أكره أن يقول العرب: لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيناهم الله بالدبيلة، قيا: يا رسول الله ما الدبيلة ؟ قال: شهاب من جهنم يضعه في نباط فؤاد أحدهم، حتى تزهق نفسه، وكذلك كان (2). قال: وقال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وآله الى تبوك، فكان إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة الى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم، فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله ما قالوا شيئا من ذلك، فأنزل الله تعالى يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم وهموا بما لم ينالوا (3). وفي الجزء الخامس من صحيح مسلم في باب صفات المنافقين، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس، قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي، أرأيا


(1) التوبة: 64. (2) بحار الأنوار 21: 196. (3) التوبة: 74.

[ 138 ]

رأيتموه أو شيئا عهده اليكم رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: ما عهد الينا رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا لم يعهده الى الناس كافة، ولكن حذيفة اخبرني عن النبي صلى الله عليه وآله: في اصحابي اثنا عشر منافقا، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم (1). انتهى. وقد أخرج هذا الحديث أيضا الحميدي في الجمع بين الصحيحين، وهو الحديث الأول من افراد مسلم، ورزين العبدري في الجمع بين الصحاح الستة. ولا يخفى أنه يستفاد من كلام عمار، أن اتباعه لأمير المؤمنين عليه السلام دون من نازعه في الخلافة، لم يكن بالرأي ولا بنص مخصوص، بل بما عهده النبي صلى الله عليه وآله الى الناس كافة في الغدير وغيره، وأشار بقوله (ولكن حذيفة أخبرني) الى آخره، الى أن من نازع عليا منافق، فانه لو لم يكن هذا مراده لم يكن جوابه مطابقا للسؤال. ومما يؤيد ما ذكرناه، ما سيجئ من قول النبي صلى الله عليه وآله لعائشة: لقد لقيت من قومك أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (2). ووجه التأييد ظاهر. ومما يؤيد أيضا ما سيجئ من قول حذيفة: انما كان النفاق في عهد النبي صلى الله عليه وآله فاما اليوم هو الكفر بعد الايمان (3). ووجه التأييد ان المستفاد من هذا الكلام، انه لم يكن نفاق الا في زمن النبي صلى الله عليه وآله، ولما توفي النبي صلى الله عليه وآله تبدل النفاق بالكفر. ولا شك أن من حين وفاته لم يقع من الصحابة ما يصلح أن يكون كفرا، الا ايذائهم عليا عليه السلام واخراجهم اياه من الولاية والخلافة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: من نازع عليا في الخلافة فهو كافر (4). وقد أوردناه من طريق المخالف في الفاتحة،


(1) صحيح مسلم 4: 2143 ح 9. (2) صحيح مسلم 3: 1420 ح 111 من كتاب الجهاد والسير. (3) صحيح البخاري 8: 100 كتاب الفتن. (4) راجع مصادر الحديث: احقاق الحق 7: 331.

[ 139 ]

وسيجئ ان شاء الله تعالى في الدليل السادس والعشرين بالنقل المتواتر قوله عليه السلام: حب علي ايمان وبغضه كفر (1). ومما يؤيده أيضا: ما نقله الغزالي في الاحياء، أن عمر قال لحذيفة: هل أنا من المنافقين ؟ ولا يخفى على اللبيب أن عمر لو لم يكن من المنافقين لم يكن لسؤاله وجه، فمراده من السؤال: إما أن يعرف أن النبي صلى الله عليه وآله أظهر نفاقه لحذيفة أو سكت عنه، أو ليعرف أن حذيفة يكتم نفاقه أو يذيعه. وسيجئ ان شاء الله في الدليل الثامن والعشرين عدة قرائن دالة على نفاق عمر وكفره، نقلا من طرق المخالفين ليكون حجة عليهم. وقال النووي في الشرح: أما قوله صلى الله عليه وآله (في أصحابي) فمعناه الذين ينسبون الى صحبتي. وأما الدبيلة، فبدال مهملة ثم باء موحدة مفتوحة، وقد فسرها في الحديث بسراج من نار، ثم قال: وروي (يكفيهم الدبيلة) بحذف الكاف الثانية، وروي (تكفتهم) بتاء مثنناة فوق بعد الفاء من الكفت، وهو الجمع والستر، أي: تجمعهم في قبورهم وتسترهم (2). انتهى. وحديث حذيفة في أهل العقبة أخرجه الحميدي في الجمع بين الصحيحين، في الحديث الأول من افراد مسلم، وفي الحديث الخامس أيضا، وأخرجه العبدري في الجزء الثالث في ثاني كراس من صحيح مسلم، وفي ذلك أن منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط (3). وفي الجزء الثالث من صحيح مسلم، عن عروة بن الزبير، أن عائشة حدثته أنها قالت: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم احد ؟ قال: لقد لقيت من


(1) ينابيع المودة ص 123 و 55 ومشارق الأنوار للحمزاوي ص 122. (2) شرح صحيح مسلم للنووي 17: 125. (3) صحيح مسلم 4: 2143 ح 9 من كتاب صفات المنافقين.

[ 140 ]

قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، الى آخر الحديث (1). وفي الجزء الثامن من صحيح البخاري، باسناده عن حذيفة بن اليمان، قال: ان المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون (2). وفيه أيضا باسناده عن حذيفة، قال: انما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وآله، فأما اليوم هو الكفر بعد الايمان (3). اعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وان لم يصرح لكل أحد بأسماء المنافقين لمصلحة هو أعرف بها، ولكن وضع قواعد لمعرفتهم، ومن تلك القواعد ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله: ان حب علي ايمان وبغضه نفاق (4). وسيجئ في الدليل السادس والعشرين الأخبار الواردة في هذا المعنى. وسنذكر ان شاء الله الأخبار الدالة على بغض خلفائهم الثلاثة لعلي أمير المؤمنين عليه السلام، ليظهر لك أنهم رؤوس المنافقين، وأعداء دين سيد المرسلين، وسيجئ ان شاء الله في الدليل الثامن والعشرين عدة قرائن دالة على نفاقهم. وسيجئ عدة أحاديث نقلا عن صحاحهم بهذا المضمون عن النبي صلى الله عليه وآله: سيجاء برجال من امتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي ؟ فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم (5). ولاشك أن هؤلاء غير المنافقين المذكورين، لأن النبي صلى الله عليه وآله لا يقول للمنافقين أصحابي، ولا يقال في الجواب: لم يزالوا مرتدين، لأنه لا يتصور الارتداد بالنظر


(1) صحيح مسلم 3: 1420 ح 111 من كتاب الجهاد. (2) صحيح البخاري 8: 100، كتاب الفتن. (3) صحيح البخاري 8: 100، باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه. (4) راجع مصادر الحديث: احقاق الحق 7: 213 و 248، و 17: 163 - 165. (5) صحيح البخاري 5: 191 - 192، باب تفسير سورة المائدة.

[ 141 ]

إليهم، فثبت أنهم غير المنافقين، بل هم الصحابة الذين تبعوا المنافقين طمعا في الدنيا ورغبة إليها. ويحتمل أن يكون هذه القاعدة مما وضع في زمن بني امية الضالة المضلة الذين جعلوا سب أمير المؤمنين عليه السلام الذي نطق الكتاب والسنة بفضله، سنة بين الناس، وأحلوا محاربته ومقاتلته، وفائدة هذه القاعدة للمخالفين لأهل البيت عليهم السلام ظاهر، لأن بهذه القاعدة أخرجوا الخلافة عن أيدي الأئمة الطاهرين، وعملوا بخلاف محكمات الكتاب والسنة، متمسكين بأنها مخالفة للاجماع. وان سلمنا امتناع التواطئ، فلا نسلم امتناع أن يكون مستند آحاد الأوائل منهم الاجتهادات الظنية، ثم اشتهر بينهم اشتهارا حسب من تأخر عنهم أنه مجمع عليه. ولا ريب أن جماعة من الصحابة، باعتراف أهل السنة كانوا يتمسكون في الشرعيات بالاجتهادات الظنية، كما زعموا أن أبا بكر وعمر وكثير من الصحابة اجتهدوا في أن يخوضوا في أمر الخلافة وتعيين الخليفة، من غير ورود نص، قبل أن يغسل ويدفن سيد الأولين والاخرين، بغير مشورة باب مدينة العلم صلوات الله عليه، وغيره من أقرباء النبي صلى الله عليه وآله وعلماء الصحابة وزهادها، كسلمان وأبي ذر ومقداد وعمار، وهؤلاء الأربعة اتفق المخالف والمؤالف على مذهبهم والثناء عليهم. وان أبا بكر اجتهد في التخلف عن جيش اسامة، مع أن النبي صلى الله عليه وآله لعن من تخلف عن جيش اسامة، وأبا بكر اجتهد في عزل اسامة عن امارته، وان عمر اجتهد في منع الرسول صلى الله عليه وآله أن يكتب للناس وصية يرتفع بها عن الامة الضلال، ونسب الناطق عن الوحي الى الهجر والهذيان، وان عثمان اجتهد في ضرب عمار، واخراج أبي ذر حبيب الله وحبيب رسوله، وايواء مروان الطريد عدو الله وعدو رسوله، واجتهادات هؤلاء الخلفاء على خلاف الكتاب والسنة كثيرة، سنذكرها ان شاء الله في موضعه.

[ 142 ]

فإذا ظهر بما ذكرناه أن جماعة من الصحابة كانوا يعملون في الشرعيات بالظنون العقلية، بطل جوابه عن النقض باتفاق الفلاسفة على قدم العالم، لأنه إذا جاز اتفاق الفلاسفة على الخطأ مع مراعاتهم القواعد المنطقية الحافظة للأذهان، جاز خطأ أهل السنة العاملين بالاجتهادات الظنية بطريق الأولى. وان سلمنا أنهم لم يعملوا في الشرعيات بالظنون الاجتهادية، فلا نسلم ظهور التمييز بين القاطع وغيره، بل الحق أن مع غلبة الهواء قد يشتبه القاطع بغيره والمحكم بالمتشابه، وحبك للشئ يعمي ويصم، فيمكن أن يشتبه الأمر على جماعة من المتغلبين، ثم يشتهر بحيث يحسب من تأخر عنهم أنه مجمع عليه. ويلزم العضدي في هذا المقام أحد أمرين: إما الاقرار ببطلان دليله، أو الاقرار بأن عائشة وطلحة والزبير ومعاوية وكل من حارب عليا عليه السلام وعثمان في داره، وهم أكثر المهاجرين والأنصار، كانوا مستحقين للعن والبراءة، لأن الاجماع تحقق على امامتهما باعتراف العضدي وغيره من أهل السنة. وعلى قول العضدي النص القاطع على حجية الاجماع في زمن الصحابة كان واضحا متميزا غير مشتبه. فعلى قول العضدي محاربوا علي وعثمان خالفوا النص الجلي، ولا ريب أن مخالف النص الجلي مستحق للعن والبراءة، فلابد له من الاقرار بعدم النص الجلي على حجية الاجماع، وهو ابطال دليله، أو الاقرار باستحقاق أكثر الصحابة اللعن والبراءة، وهو ابطال مذهبه. وأما بيان ضعف جوابه عن النقض باتفاق اليهود والنصارى، فان ما ذكره من أن اجماع اليهود عن الاتباع لاحاد الأوائل، يمكن اجراؤه في اجماع أهل السنة، بأن يقال: ان آحاد أوائلهم أخطأوا، ثم تبعهم المتأخرون لحسن ظنهم بالأوائل، بل جريان هذا الاحتمال في اجماع أهل السنة أظهر من وجوه: أحدها: أن اتباع الهوى في امة نبينا صلى الله عليه وآله أعظم، لأنهم افترقوا ثلاثة وسبعين فرقة، زائدا على افتراق امة موسى وعيسى.

[ 143 ]

وثانيهما: أن اتفاق اليهود على نقل خبر، وهو من المحسوس، وكذا اخبار النصارى عن محسوس، وهو القتل والصلب، بخلاف المجمعين من أهل السنة على تخطئة مخالف الاجماع، فانهم لم يتفقوا على أمر محسوس، ولم يجمعوا على نقل خبر، بل اتفقوا على حكم غير محسوس، ولا ريب أن الاتفاق على غير المحسوس أولى بالخطأ من الاتفاق على المحسوس. وثالثها: أن اليهود والنصارى كلهم متفقون ولا خلاف فيهم، بخلاف امة نبينا، فانهم مختلفون في تخطئة مخالف الاجماع، لأن الشيعة الامامية مع كثرتهم لم يزالوا مخالفين لأهل السنة، لأن الاجماع عندهم ليس دليلا منفردا، بل الدليل عندهم بعد كتاب الله قول المعصومين عليهم السلام، بل أهل السنة أيضا كلهم لم يقولوا بتخطئة مخالف الاجماع، لأن النظام من علمائهم خالفهم، وأحمد الذي أحد أئمتهم نقل عنه العضدي أنه قال: من ادعى الاجماع فهو كاذب، وتأويل العضدي كلام أحمد، بأن مراده بهذا القول استبعاد بوجود الاجماع لا انكار، ظاهر البطلان. وأجاب العضدي عن مخالف الشيعة والنظام والخوارج، بأنهم قليلون من أهل الأهواء، نشأوا بعد اتفاق. وضعف كلامه واضح، لأنه ان سلمنا أن منكري الاجماع قليلون، فلا يضر القلة، لأن الله مدح القلة وذم الكثرة، واثبات كونهم من أهل الأهواء بمخالفة أهل السنة، موقوف على اثبات حجية الاجماع، وبعد لم يثبت. ودعوى أنهم نشأوا بعد اتفاق، مكابرة محض. والوجه الثاني مما تمسك به العضدي على حجية الاجماع، وهذه عبارته: انهم أجمعوا على أنه يقدم على القاطع، وأجمعوا على أن غير القاطع لا يقدم على القاطع، بل القاطع هو المقدم على غيره، فلو كان غير قاطع لزم تعارض الاجماعين، وانه محال. انتهى. أقول: هذا الاستدلال أيضا باطل، لأنه لا نسلم تحقق الاجماع على تقدم الاجماع على القاطع، لأنه قد بينا في الجواب عن الوجه الأول أن الامة في حجية

[ 144 ]

الاجماع مختلفون. ويمكن الجواب عنه بوجه آخر، وهو أن نقول: القاطع من الكتاب والسنة الذي أجمعوا على تقديم الاجماع عليه، هل يجري فيه احتمال النسخ أولا يجري ؟ فعلى الأول ليس بقطعي، لأن مع احتمال النسخ غايته افادة الظن، فلا يفيد اتفاقهم على تقديم الاجماع عليه أن يكون الاجماع قطعيا، ولا يلزم منه تعارض الاجماعين. وعلى الثاني وقوع التعارض محال، لأنه على هذا التقدير يفيد العلم والقطع، فلو كان الاجماع المعارض له أيضا قطعيا مفيدا للعلم، لزم تحقق العلم بالنقيضين، وهو محال. وإذا عرفت ما تلوناه عليك، فاعلم أنا لو سلمنا ثبوت الاجماع في نفسه، فالعلم به محال، لأن العادة قاضية بأنه لا يتفق أن يثبت عن كل واحد من علماء الشرق والغرب، أنه حكم في المسألة الفلانية بالحكم الفلاني، ومن أنصف من نفسه جزم بأنهم لا يعرفون بأعيانهم فضلا عن تفاصيل أحكامهم. هذا، مع جواز خفاء بعضهم عمدا، لئلا يلزم الموافقة، أو المخالفة، أو انقطاعه لطول غيبته فلا يعلم له خبر، أو أسروا في مطمورة أو خمولة فلا يعرف له أثر، أو كذبه في قوله (رأيي في هذه المسألة كذا) والعبرة بالرأي لا باللفظ، وان صدق فيما قال، لكنه لا يمكن السماع منهم في آن واحد، بل في زمان متطاول، فربما يتغير اجتهاد بعض، فيرجع عن ذلك الرأي قبل قول الاخر به، فلا يجتمعون على قول في عصر. وان سلمنا العلم بالاجماع، فنقله الى من يجتمع به ممتنع، لأن الاحاد لا تفيد، إذ لا يجب العمل به في الاجماع، فتعين التواتر، ولا يتصور، إذ يجب فيه استواء الطرفين والواسطة، ومن المحال عادة أن يشاهد أهل التواتر جميع المجتهدين شرقا وغربا، ويسمعوا منهم وينقلوا عنهم الى أهل التواتر (1)، هكذا طبقة بعد طبقة الى


(1) في " ن ": الى التواتر.

[ 145 ]

أن يتصل بنا، بل الحق أن التواتر لا يمكن تحققه في الاجماع، لأن من شرطه أن يكون المخبر عنه محسوسا، والاجماع أمر غير محسوس، لأنه عبارة عن اتفاق آراء المجتهدين، فتحقق التواتر فيه محال. وأجاب العضدي في شرح المختصر عن الدليلين بما هذه عبارته: الجواب عن شبهة المقامين واحد، وهو أنه تشكيك في مصادمة الضرورة، فانه نعلم قطعا تواترا من الصحابة والتابعين، الاجماع على تقديم الدليل القاطع على المظنون، وما ذلك الا بثبوته عنهم وبنقله عنهم وبنقله الينا، فانتقض الدليلان. أقول: هذا الجواب ظاهر البطلان، وما ادعى من التواتر مكابرة محض، وقول من غير دليل، بل الدليل على خلافه ظاهر، والعلم بانتفاء شرائط التواتر على ما بين في الدليلين، وادعاء الضرورة فيما قام البرهان على خلافه سفسطة. فإذا عرفت ما تلوناه عليك، علمت أنه لا يجوز للمخالفين أن يتمسكوا بالاجماع، ويعارضوا به ما تقدم من الأخبار المتواترة الدالة على امامة أمير المؤمنين عليه السلام. وأما عندنا، فالاجماع حجة، ولكن لا لما تمسك به المخالف، بل من حيث دخول قول المعصوم عليه السلام في الأقوال، لأن على مذهبنا لابد في كل زمان من امام حافظ للشريعة، والمخالف يقول بحجية الاجماع من هذه الحيثية، فلا يصح له التمسك بالاجماع أصلا. وان سلمنا امكان تحقق الاجماع، وامكان العلم به وثبوت حجيته، فلا نسلم تحقق الاجماع على خلافة أبي بكر، بل من تتبع كتب المخالفين وسيرهم، جزم وقطع بأن بني هاشم وخواص علي عليه السلام ما تبعوا المتغلبين في الخلافة الا بعد مدة قهرا، وقد تألم وتظلم أمير المؤمنين عليه السلام من الصحابة الغاصبين للخلافة على رؤوس المنابر في عدة مواطن، وسيجئ الاشارة الى بعضه، وسعد بن عبادة لم يبايع الى أن قتل في زمن عمر. ومثل هذا الاجماع لا يكون حجة عند أحد من المسلمين، بل الاجماع

[ 146 ]

الذي اعتبره المخالف وعده حجة هو اتفاق الاراء والاجتماع على سبيل الرضا. ومما يدل على ما ادعيناه من أن اتفاق الامة لم يكن على سبيل الرضا، بل كان على وجه القهر والاجبار، ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه، قال: قيل لابن عباس لما أظهر قوله في العول (1) بعد موت عمر ولم يكن قبل يظهره: هلا قلت هذا وعمر حي ؟ قال: هبته وكان امرء مهيبا (2). واستدعى عمر امرأة ليسألها عن أمر وكانت حاملا، فلشدة هيبته ألقت ما في بطنها، فأجهضت به جنينا ميتا، فاستفتي عمر أكابر الصحابة، فقالوا: لا شئ عليك انما أنت مؤدب، فقال له علي عليه السلام: ان كان راقبوك فقد غشوك، وان كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا، عليك غرة - يعني: عتق رقبة - فرجع عمر والصحابة الى قوله. وعمر هو الذي شيد بيعة أبي بكر، ورقم المخالفين فيها، فكسر سيف الزبير لما جرده، ودفع في صدر المقداد، ووطئ في السقيفة سعد بن عبادة، وقال: اقتلوا سعدا قتل الله سعدا، وحطم أنف الحباب بن المنذر الذي قال يوم السقيفة: أنا جذيلها (3) المحكك وعذيقها المرجب. وتوعد من لجأ الى دار فاطمة عليها السلام من الهاشميين وأخرجهم منها، ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر، ولا قامت له قائمة (4). ويدل أيضا على ما ادعيناه ما رواه أيضا ابن أبي الحديد في شرحه، عن البراء بن عازب، أنه قال: لم أزل لبني هاشم محبا، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله خفت أن تتمالا قريش على اخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول، مع ما نفسي منن الحزن لوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فكنت أتردد الى بني هاشم وهم عند


(1) عول الفريضة وهو: أن تزيد سهامها، فيدخل النقصان على أهل الفرائض. (2) في الشرح: مهابا. (3) الجذيل: تصغير الجذل بالكسر، وهو في الأصل عود ينصب للجربى تحتك به فتستشفى. (4) شرح نهج البلاغة 1: 173 - 174 طبع سنة 1378 ه‍ ق.

[ 147 ]

النبي صلى الله عليه وآله في الحجرة، وأتفقد وجوه قريش. فاني كذلك إذا فقدت أبا بكر وعمر، وإذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، وإذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر، فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محتجزون بالازر الصنعانية، لا يمرون بأحد الا خبطوه وقدموه، فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبى. فأنكرت عقلي، وخرجت أشتد حتى انتهيت الى بني هاشم، والباب مغلق، فضربت عليهم الباب ضربا خفيفا وقلت: قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة، فقال العباس، تربت أيديكم الى آخر الدهر، أما اني قد أمرتكم فعصيتموني، فمكثت اكابد ما في نفسي، ورأيت في الليل المقداد، وسلمان، وأبا ذر، وعبادة بن الصامت، وأبا الهيثم بن التيهان، وحذيفة، وعمارا، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين. وبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فأرسلا الى عبيدة، والى المغيرة بن شعبة، فسألاهما عن الرأي، فقال المغيرة: الرأي أن تلقوا العباس، فتجعلوا له ولولده في هذا الأمر (1) نصيبا ليقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب. فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتى دخلوا على العباس، وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه، وقال: ان الله ابتعث لكم محمدا صلى الله عليه وآله نبيا، وللمؤمنين وليا، فمن الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم، حتى اختار الله له ما عنده، فخلى على الناس امورهم ليختاروا لأنفسهم متفقين غير مختلفين، فاختاروني عليهم واليا، ولامورهم راعيا، فتوليت ذلك، وما أخاف بعون الله وتسديده وهنا ولا حيرة ولا جبنا، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه


(1) في الشرح: هذه الأمرة.

[ 148 ]

انيب. وما أنفك يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامة المسلمين، يتخذكم لجأ فتكونوا حصنه المنيع، وخطبه البديع، فإما دخلتم فيما دخل فيه الناس، أو صرفتموهم عما مالوا إليه، فقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا، ولمن بعدك من عقبك إذ كنت عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وان كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله صلى الله عليه وآله ومكان أهلك، ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم وعلى رسلكم بني هاشم، فان رسول الله صلى الله عليه وآله منا ومنكم. فاعترض كلامه عمر، وخرج الى مذهبه في الخشونة والوعيد، واتيان الأمر من أصعب جهاته، فقال: أي والله واخرى انا لم نأتكم حاجة اليكم، ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم ولعامتهم، ثم سكت. فتكلم العباس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ان الله ابتعث محمدا نبيا كما وصفت، ووليا للمؤمنين، فمن الله به على امته حتى اختار له ما عنده، فخلى الناس على أمرهم ليختاروا لأنفسهم، مصيبين للحق، مائلين عن زيغ الهوى، فان كنت برسول الله صلى الله عليه وآله طلبت فحقنا أخذت، وان كنت بالمؤمنين فنحن منهم، ما تقدمنا في أمركم فرطا، ولا حللنا وسطا، ولا نزحنا شحطا. فان كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين فما وجب، إذ كنا كارهين، وما أبعد قولك انهم طعنوا عليك (1) من قولك انهم مالوا اليك. وأما ما بذلت لنا، فان يكن حقك أعطيتناه فأمسكه عليك، وان يكن حق المؤمنين، فليس لك أن تحكم فيه، وان يكن حقنا لم نرض منك ببعضه دون بعض، وما أقول هذا أروم صرفك عما دخلت فيه، ولكن للحجة نصيبها من البيان.


(1) في (ن): اليك

[ 149 ]

وأما قولك ان رسول الله صلى الله عليه وآله منا ومنكم، فان رسول الله صلى الله عليه وآله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها. وأما قولك يا عمر انك تخاف الناس علينا، فهذا الذي قدمتموه أول ذلك، وبالله المستعان (1). ثم نقل ابن أبي الحديد في موضع آخر من شرحه من تتمة هذا الخبر، ان البراء قال: فكنت اكابد ما نفسي، فلما كان بليل خرجت من المسجد، فلما صرت فيه تذكرت أني كنت أسمع همهمة رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرآن، فامتنعت من بكائي، فخرجت الى الفضاء فضاء بني بياضة وأجد نفرا يتناجون، فلما دنوت منهم سكتوا، فلما رأيتهم سكتوا انصرفت عنهم، فعرفوني وما أعرفهم، فدعوني إليهم، فأتيتهم، فأجد المقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وسلمان الفارسي، وأبا ذر، وحذيفة، وأبا الهيثم بن التيهان، وإذا حذيفة يقول لهم: والله ليكونن ما أخبرتكم به، ما كذبت ولا كذبت، وإذا القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين. ثم قال: ايتوا ابي بن كعب، فقد علم كما علمت، قال: فانطلقا الى ابي، فضربنا عليه الباب، حتى صار خلف الباب، فقال: من أنتم ؟ فكلمه المقداد، فقال: ما حاجتكم ؟ فقال له: افتح عليك بابك، فان الأمر أعظم من أن يجري من وراء حجاب، قال: ما أنا بفاتح بابي، وقد عرفت ما جئتم له، كأنكم أردتم النظر في هذا العقد، فقلنا: نعم، فقال: فيكم حذيفة ؟ فقلنا: نعم، قال: فالقول ما قال، والله ما أفتح علي بابي حتى تجري علي ما هي جارية، ولما يكون بعدها شر منها، والى الله المشتكى (2). وهذا الخبر صريح الدلالة على عدم ورود النص على خلافة أبي بكر، وعلى وقوع البيعة على سبيل القهر والمكر.


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 219 - 221. (2) شرح نهج البلاغة 2: 51 - 52.

[ 150 ]

ويدل أيضا على ما ادعيناه ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في سادس حديث من المتفق عليه من مسند أبي بكر، قال: ومكثت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ستة اشهر، ثم توفيت، قالت عائشة: وكان لعلي وجه بين الناس في حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي. وفي حديث عروة: فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه، ضرع الى مصالحة أبي بكر، فقال رجل للزهري، فلم يبايعه علي ستة أشهر ؟ فقال: لا (1). وقال صاحب الصراط المستقيم في جواب من تمسك من المخالفين على امامة أبي بكر، بكثرة القائلين بامامته وعدم منازعة علي عليه السلام: لا اعتبار بكثرة العوام فانهم كالهوام، بل الاعتبار بالرؤساء واولي الأحلام الذين هم أساطين الاسلام، وقد كانوا في جانب علي عليه السلام. فقد ذكر البخاري حديث البيعة، وفيه خالف عنها علي عليه السلام والزبير ومن معهما، وأخرج مسلم أنه قيل للزهري: لم يبايع علي ستة أشهر ؟ فقال: لا والله ولا واحد من بني هاشم. وقال نظام الدين الشافعي في شرح الطوالع: مالت طائفة الى علي عليه السلام وهم أكثر أكابرهم، وروى تخلفه عنها البلاذري وهو من ثقاتهم، وابن عبد ربه، وعمر بن علية، والطبري، والواقدي (2). انتهى كلامه. وذكر ابن أبي الحديد في شرحه: قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا ابراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، وغضب علي عليه السلام والزبير، فدخلا بيت فاطمة عليها السلام معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة،


(1) راجع: صحيح مسلم 3: 1380. (2) الصراط المستقيم 3: 106 ط طهران.

[ 151 ]

منهم اسيد بن خضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وهما من بني عبد الاشهل، فصاحت فاطمة عليها السلام وناشدتهم الله، فأخذوا بسيفي علي عليه السلام والزبير، فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما، ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا (1). وفي شرحه أيضا، قال: قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن سلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي عليه السلام والزبير وناس من بني هاشم في بيت فاطمة عليها السلام، فجاء عمر إليهم فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن الى البيعة، أو لأحرقن البيت عليكم ؟ فخرج الزبير مصلتا سيفه، فأعتنقه رجل من الأنصار وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر: اضرب به الحجر، قال عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير، ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية اخرى: أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، والمقداد بن الأسود أيضا، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا عليه السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام تبكي وتصيح، فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وانما اجتمعنا لنؤلف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس (2). وذكر الطبري في تاريخه، قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي، فقال: والله لأحرقن عليكم البيت، أو لتخرجن للبيعة، فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف،


(1) شرح نهج البلاغة 2: 50. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 56.

[ 152 ]

فضربه فسقط وسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه (1). وذكر الواقدي أن عمر جاء الى علي عليه السلام في عصابة، فيهم اسيد بن حضير، وسلمة بن أسلم الأشهلي، فقال: اخرجوا أو لنحرقنها عليكم. وذكر ابن خزانة في غرره، قال زيد بن أسلم: كنت ممن حمل الحطب مع عمر الى باب فاطمة عليها السلام حين امتنع علي عليه السلام وأصحابه عن البيعة أن يبايعوا، فقال عمر لفاطمة عليها السلام: اخرجي من البيت والا أحرقته ومن فيه، قال: وفي البيت علي والحسن والحسين عليهم السلام وجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، فقالت فاطمة عليها السلام: تحرق على ولدي ؟ ! فقال: أي والله أو ليخرجن ويبايعن (2). وابن عبد ربه، وهو رجل مغربي من أعيان المخالفين، في الجزء الرابع من كتاب العقد، عند ذكر الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر، قال ما هذا لفظه: فأما علي والعباس والزبير، فقعدوا في بيت فاطمة، حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: ان أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم النار، فلقيته فاطمة، فقالت: يابن الخطاب جئت لتحرق ديارنا ؟ قال: نعم (3). وروي ذلك عن مصنف كتاب أنفاس الجواهر (4). ومما يدل على ما ادعيناه ما نقله ابن أبي الحديد في الجزء السادس من شرحه على نهج البلاغة، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة، في خبر طويل، ونحن نذكر موضع الحاجة، قال بعد كلام من أحوال أهل السقيفة:


(1) تاريخ الطبري 3: 198. (2) الصراط المستقيم 2: 301. (3) العقد الفريد 5: 13، الطبعة الثالثة سنة 1407 ه‍ ق. (4) الصراط المستقيم 2: 301.

[ 153 ]

واجتمعت بنو هاشم الى علي بن أبي طالب ومعهم الزبير، وكان يعد نفسه رجلا من بني هاشم، كان علي عليه السلام يقول: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا. واجتمعت بنو امية الى عثمان بن عفان، واجتمعت بنو زهرة الى سعد وعبد الرحمن، فأقبل عمر إليهم وأبو عبيدة، فقال: مالي أراكم ملتاثين ؟ قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايع له الناس وبايعه الأنصار، فقام عثمان ومن معه، وقام سعد وعبد الرحمن ومن معهم، فبايعوا أبا بكر. وذهب عمر ومعه عصابة الى بيت فاطمة عليها السلام، منهم اسيد بن حضير، وسلمة بن أسلم، فقال لهم: انطلقوا فبايعوا، فأبوا عليه، وخرج إليهم الزبير بسيفه، فقال عمر: عليكم الكلب، فوثب سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده، فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم وعلي يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى انتهوا به الى أبي بكر، فقيل له: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم: لا ابايعكم وأنتم أولى بالبيعة بي (1)، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله، فأعطوكم المقادة، وسلموا اليكم الامارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فأنصفونا ان كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، والا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال عمر: انك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي عليه السلام: احلب يا عمر حلبا لك شطره، أتشدد (2) له اليوم أمره ليرد عليك غدا، لا والله لا أقبل قولك ولا ابايعه، فقال له أبو بكر: فان لم تبايعني لم أكرهك. فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن انك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قريش


(1) في الشرح: لي. (2) في الشرح: اشدد.

[ 154 ]

قومك، ليس لك تجربتهم ومعرفتهم بالامور، ولا أرى أبا بكر الا أقوى على هذا الأمر منك، وأشد احتمالا له واضطلاعا به، فسلم له هذا الأمر وارض به، فانك تعش ويطل عمرك، فأنت بهذا الأمر خليق وبه حقيق، في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك. فقال علي عليه السلام: يا معشر المهاجرين الله الله، لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته الى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان منا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بالسنة، المضطلع بأمر الرعية، والله انه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشر بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم قد بايعوا، وانصرف علي عليه السلام الى منزله ولم يبايع، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع (1). وفي شرح ابن أبي الحديد أيضا، قال: وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثني ابراهيم بن المنذر، قال: حدثنا ابن وهب، عن أبي لهيعة، عن أبي الأسود، قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بعد مشورة، وغضب علي والزبير، فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، فيهم اسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن قريش، وهما من بني عبد الأشهل، فاقتحما الدار، فصاحت فاطمة وناشدتهما الله، فأخذوا سيفيهما فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا. ثم قام أبو بكر فخطب الناس، فاعتذر إليهم وقال: ان بيعتي كانت فلتة وقا الله شرها، وخشيت الفتنة، وأيم الله ما حرصت عليها، ولا سألتها في سر ولا علانية


(1) شرح نهج البلاغة لابن الحديد 6: 11 - 12.

[ 155 ]

قط، ولقد قلدت أمرا عظيما مالي به طاقة (1). وفي شرحه أيضا، قال أبو بكر: حدثنا أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي، قال: حدثنا اسماعيل بن مجالد، عن الشعبي، قال: سأل أبو بكر، فقال: أين الزبير ؟ فقيل: عند علي عليه السلام وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، قم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف ؟ فقال: تبايع عليا، فاخترطه عمر، فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه، ثم دفعه وقال: يا خالد دونكه أمسكه، ثم قال لعلي عليه السلام: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس، فأخذ بيده وقال: قم، فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه. ورأت فاطمة عليها السلام ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لا اكلم عمر حتى ألقى الله (2). ونقل موافقا لما ذكرناه أبو إسحاق بن راهويه، أن عمر قال لفاطمة عليها السلام: ما هذه الجموع التي تجتمع في بيتك ؟ لئن انتهيت والا لأحرقن البيت ومن فيه، ثم قال ابن راهويه: انما كان هذا تغليظا من عمر. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي أيضا، قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، عن رجاله، قال: جاء عمر الى بيت فاطمة عليها السلام، في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن الى البيعة، أو لأحرقن البيت عليكم، فخرج إليه الزبير مصلتا بالسيف، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر، فبدر السيف من يده، فضرب به عمر الحجر فكسره، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقا عنيفا حتى بايعوا أبا بكر.


(1) شرح نهج البلاغة 6: 47، و 2: 50. (2) شرح نهج البلاغة 2: 57.

[ 156 ]

قال أبو زيد: وروى النضر بن شميل، قال: حمل سيف الزبير لما ندر من يده الى أبي بكر وهو على المنبر يخطب، فقال: اضربوا به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: ولقد رأيت الحجر وفيه تلك الضربة والناس يقولون: هذا أثر ضربة سيف الزبير (1). قال أبو بكر: وأخبرني أبو بكر الباهلي، عن اسماعيل بن مجالد، عن الشعبي، قال: قال أبو بكر: يا عمر أين خالد بن الوليد ؟ قال: هو هذا، فقال: انطلقا اليهما - يعني عليا عليه السلام والزبير - فأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر ووقف خالد على الباب من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف ؟ قال: أعددته لابايع عليا. قال: وكان في البيت ناس كثير، منهم المقداد بن الأسود، وجمهور الهاشميين، فاخترط عمر السيف، فضرب به صخرة في البيت فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه، ثم دفعه فأخرجه، وقال: يا خالد دونك هذا، فأمسكه خالد، وكان خارج البيت مع خالد جمع كثير من الناس، أرسلهم أبو بكر ردء لهما. ثم دخل عمر فقال لعلي عليه السلام: قم فبايع، فتلكأ واحتبس، فأخذ بيده وقال: قم، فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، ثم أمسكهما خالد وساقهما عمر ومن معه سوقا غليظا (2)، واجتمع الناس ينظرون، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال، ورأت فاطمة عليها السلام ما صنع عمر، فصرخت وولولت، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن، فخرجت الى باب حجرتها ونادت يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لا اكلم عمر حتى ألقى الله. قال: فلما بايع علي والزبير، وهدأت تلك الفورة، مشى إليها أبو بكر بعد ذلك،


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 48. (2) في الشرح: عنيفا.

[ 157 ]

فشفع لعمر وطلب إليها، فرضيت عنه (1). قال أبو بكر: وحدثني المؤمل بن جعفر، قال: حدثني محمد بن ميمون، قال: حدثني داود بن المبارك، قال: أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، ونحن راجعون من الحج في جماعة، فسألناه عن مسائل، وكنت أحد من سأله، فسألته عن أبي بكر وعمر، فقال: اجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن، فانه سئل عنهما، فقال: كانت امنا صديقة ابنة نبي مرسل، وماتت وهي غضبى على قوم، فنحن غضاب لغضبها. قلت: قد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء الطالبيين من أهل الحجاز، أنشدنيه النقيب جلال الدين عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد العلوي، قال: أنشدني هذا الشاعر لنفسه وذهب عني اسمه: يا أبا الحفص الهوينا وما كنت مليا بذاك لولا الحمام أتموت البتول غضبى ونرضى ما كذا يصنع البنون الكرام يخاطب عمر ويقول: مهلا ورويدا يا عمر، أي: ارفق واتئد ولا تعنف بنا (وما كنت مليا) أي: وما كنت أهلا لئن تخاطب بهذا وتستعطف، ولا كنت قادرا على ولوج بيت فاطمة عليها السلام على ذلك الوجه الذي ولجتها عليه، لولا أن أباها الذي كان بيتها يحترم ويصان لأجله مات، فطمع فيها من لم يكن يطمع، ثم قال: أتموت امنا وهي غضبى ونرضى نحن ؟ ! إذا لسنا بكرام، فان الولد الكريم يرضى لرضى أبيه وامه، ويغضب لغضبهما. ثم قال ابن أبي الحديد: والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وأنها أوصت أن لا يصليا عليها، وذلك عند أصحابنا من الامور المغفورة لهما، وكان الأولى بهما اكرامها، واحترام منزلها، لكنهما خافا الفرقة، وأشفقا من


(1) شرح نهج البلاغة 6: 48 - 49.

[ 158 ]

الفتنة، ففعلا ما هو الأصلح بحسب ظنهما، وكانا من الدين وقوة اليقين بمكان مكين، لاشك في ذلك، والامور الماضية يتعذر الوقوف على عللها وأسبابها ولا يعلم حقائقها (1). أقول: هذا الرجل أصاب في الاقرار بايذاء أبي بكر وعمر لها عليها السلام، وخروجها من الدنيا ساخطة عليهما، وأخطأ خطاء عظيما في الاعتذار. وكيف يجوز العاقل أن يكون اهانة سيدة النساء التي أبان النبي صلى الله عليه وآله عظم شأنها بقوله (فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها) (2) وايذاء سيد الأتقياء وأمير البررة الأصفياء الذي ورد في شأنه (اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) (3) وقوله (حربك حربي وسلمك سلمي) (4) وقوله (يا علي لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا كافر) (5) وقوله (الحق مع علي وعلي مع الحق) (6) وقوله (اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (7) وقوله (مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح) (8) وغيرها من الايات والروايات الدالة على عصمته عليه السلام، من الامور المغفورة لأبي بكر وعمر ؟


(1) شرح نهج البلاغة 6: 49 - 50. (2) مسند أحمد بن حنبل 4: 5، ومستدرك الحاكم 3: 159، والصواعق المحرقة ص 88 وراجع احقاق الحق 10: 187 - 228. (3) تقدم مصادر حديث الغدير المتواتر بين الفريقين. (4) راجع مصادر الحديث الى كتاب احقاق الحق 9: 161 - 174. (5) راجع احقاق الحق 4: 100 و 287، و 5: 43، و 7: 209 و 213 و 216. (6) راجع احقاق الحق 5: 28 و 43 و 623 - 638، و 16: 384 - 397. (7) راجع احقاق الحق 4: 436 - 443، و 9: 309 - 375. (8) راجع احقاق الحق 9: 270 - 293. (*)

[ 159 ]

وهل يجوز من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أن يكون حب أبي بكر وعمر لمصالح الدين أعظم من حب أمير المؤمنين وسيد الزاهدين لها ؟ حتى تحتاج الى الاهانة والتهديد وسوقهما اياه الى البيعة ؟ مع أن البخاري نقل في أواخر صحيحه باسناده عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من راى من اميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فانه من فارق الجماعة شبرا فمات الا مات ميتة جاهلية. وفيه أيضا بسند آخر هذا الحديث (1). العجب كل العجب أن ابن أبي الحديد يعد هاهنا اهانتهما عليا وفاطمة عليهما السلام، من الامور المغفورة، مع أنه قال في الجزء العشرين من شرحه في شرح قوله عليه السلام (يهلك في رجلان: محب مفرط، وباهت مفتر) وقوله (يهلك في اثنان: محب غال، ومبغض قال) قال: خلاصة هذا القول أن الهالك فيه المفرط والمفرط، الى أن قال: وأما المفرط، فمن استنقص به عليه السلام، أو أبغضه، أو حاربه، أو أضمر له غلا. ولهذا كان أصحابنا أصحاب النجاة والخلاص والفوز في هذه المسألة، لأنهم سلكوا طريقة مقتصدة، قالوا: هو أفضل الخلق في الاخرة، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأفضل الخلق في الدنيا، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب، وكل من عاداه أو حاربه أو أبغضه، فانه عدو لله سبحانه، وخالد في النار مع الكفار والمنافقين، الا أن يكون ممن قد ثبت توبته، ومات على توليه وحبه. وأما الأفاضل من المهاجرين والأنصار الذين ولوا الامامة قبله، فلو أنه أنكر امامتهم وغضب عليهم، وسخط فعلهم، فضلا عن أن يشهر عليهم السيف، أو يدعو الى نفسه، لقلنا انهم من الهالكين، كما لو غضب عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: حربك حربي وسلمك سلمي، وانه قال صلى الله عليه وآله: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وقال: لا يحبك الا مؤمن، ولا يبغضك الا


(1) صحيح البخاري 8: 87، كتاب الفتن.

[ 160 ]

منافق. ولكن رأيناه رضي امامتهم، وبايعهم، وصلى خلفهم، وأنكحهم، وأكل من فيئهم، فلم يكن لنا أن نتعدى فعله، ولا نتجاوز ما اشتهر عنه. ألا ترى أنه لما برأ من معاوية برئنا منه، ولما لعنه لعناه، ولما حكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقايا الصحابة، كعمرو بن العاص وعبد الله ابنه وغيرهما، حكمنا أيضا بضلالهم. والحاصل أنا لم نجعل بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله الا رتبة النبوة، وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه (1)، ولم نطعن في أكابر الصحابة الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيه، وعاملناهم بما عاملهم هو عليه السلام به (2). أقول: انظر أيها اللبيب الى هذا الرجل الفاضل كيف ظل خابطا متحيرا، مقيدا بقيد التقليد، لا يجترئ على التبري ممن تقدم على سيد الوصيين، مع هذه المعرفة بحاله عليه السلام، ونقله في شرحه عنه عليه السلام نقلا متجاوزا حد التواتر أنه عليه السلام كان يتظلم ويتألم مرارا في خطبه ومكالماته بعد أن ادعى الخلافة لنفسه، وكره بيعة الثلاثة كراهة شديدة، وهجرهم مدة مديدة، حتى آل الأمر الى احضار النار لاحراق بيته، والجائه الى البيعة، والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم. ومما يدل أيضا على ما ادعيناه ما نقله ابن قتيبة، وهو من أكبر شيوخ القدرية، في المجلد الأول من كتاب السياسة، أن عمر قال لعلي عليه السلام: ان لم تبايع نضرب عنقك، فأتى علي عليه السلام قبر النبي صلى الله عليه وآله باكيا قائلا: يابن ام القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلونني (3). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما نقل عن البلاذري من علماء المخالفين، أن عمر


(1) في الشرح: بينهم. (2) شرح نهج البلاغة 20: 220 - 221. (3) الامامة والسياسة لابن قتيبة 1: 20.

[ 161 ]

لاخراج أهل الدار الى البيعة حصر فاطمة عليها السلام في الباب حتى أسقطت محسنا، وهذه الحكاية عند الشيعة من المشهورات (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما رواه سيدنا الأجل المرتضى في الشافي عن رواة المخالفين من أهل السنة (2). ومنه: ما رواه عن البلاذري الثقة عند العامة، بسنده عن ابن عون (3)، أن أبا بكر أرسل الى علي عليه السلام يريده على البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قبس، فلقيته فاطمة عليها السلام على الباب، فقالت: يابن الخطاب أتراك محرقا على بابي ؟ قال: نعم، الى آخر كلامه (4). ومنه: ما رواه البلاذري أيضا بسنده عن ابن عباس، قال: بعث أبو بكر عمر بن الخطاب الى علي عليه السلام حين قعد عن بيعته، وقال: ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال له علي عليه السلام بعد كلامه له: والله ما حرصك على امارته اليوم الا ليؤمرك غدا، الى آخر كلامه (5). ومنه: ما رواه عن ابراهيم بن سعيد الثقفي، قال: حدثنا أحمد بن عمرو البجلي، قال: حدثنا أحمد بن حبيب العامري، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: والله ما بايع حتى رأى الدخان قد دخل عليه بيته (6). ومنه: ما رواه عن ابراهيم بن عثمان، عن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد البجلي، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن عدي بن حاتم، قال: اني لجالس عند


(1) الصراط المستقيم 3: 12 عنه. (2) الشافي للشريف المرتضى 3: 240 - 245. (3) في الشافي: عن أبي عون. (4) الشافي 3: 241. (5) الشافي 3: 240 - 241. (6) الشافي 3: 241.

[ 162 ]

أبي بكر إذ جئ بعلي عليه السلام، فقال له أبو بكر: بايع، فقال له علي عليه السلام: فان لم أفعل ؟ فقال: أضرب الذي فيه عيناك، فرفع رأسه الى السماء، ثم قال: اللهم اشهد، ثم مد يده (1). ومنه: ما رواه أيضا عن ابراهيم بسنده، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن عدي بن حاتم، قال: ما رحمت أحدا رحمتي عليا حين اتي به ملببا، فقيل له: بايع، قال: فان لم أفعل ؟ قالوا إذا نقتلك، قال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، الى آخر الخبر (2). وعن ابراهيم الثقفي، عن محمد بن أبي عمير، عن أبيه، عن صالح بن أبي الأسود، عن عقبة بن سنان، عن الزهري، قال: ما بايع علي عليه السلام الا بعد ستة أشهر، وما اجترئ عليه الا بعد موت فاطمة عليها السلام (3). ومنه: ما رواه عن ابراهيم بسنده، عن موسى بن عبد الله بن الحسن: أن عليا عليه السلام قال لهم: بايعوا فان هؤلاء خيروني في أن يأخذوا ما ليس لهم، أو اقاتلهم وأفرق أمر المسلمين (4). ومنه: ما رواه عن ابراهيم بسنده، عن موسى بن عبد الله بن الحسن، قال: يا أبت أسلم أن تبايع، وقالوا: ما كنا نبايع حتى يبايع بريدة: لقول النبي صلى الله عليه وآله لبريدة: علي وليكم من بعدي، فقال علي عليه السلام: يا هؤلاء ان هؤلاء خيروني أن يظلموني حقي وأبايعهم، وارتدت الناس حتى بلغت الردة أحدا، فاخترت أن اظلم حقي وان فعلوا ما فعلوا (5).


(1) الشافي 3: 244. (2) الشافي 3: 244. (3) الشافي 3: 242. (4) الشافي 3: 243. (5) الشافي 3: 243 - 244.

[ 163 ]

ومنه: ما رواه عن عبد الله بن جبلة الكناني، عن ذريح المحاربي، عن أبي حمزة الثمالي، عن جعفر بن محمد بن علي، عن آبائه عليهم السلام: أن بريدة كان غائبا بالشام، فقدم وقد بايع الناس أبا بكر، فأتاه في مجلسه، فقال: يا أبا بكر هل نسيت تسليمنا على علي بإمرة المؤمنين واجبة من الله ورسوله ؟ فقال: يا بريدة أنت غبت وشهدنا، وان الله يحدث الأمر بعد الأمر، ولم يكن الله ليجمع لأهل هذا البيت النبوة والخلافة والملك (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه: ما نقله ابن أبي الحديد، عن أبي حيان التوحيدي، عن القاضي أبي حامد، من المراسلة بين أبي بكر وعمر وبين علي عليه السلام، ومن المحاورات والمكالمات الواقعة بينهم، والقصة طويلة، نكتفي منها بموضع الحاجة، قال علي عليه السلام في جواب أبي عبيدة رسول أبي بكر وعمر الى علي عليه السلام، بعد كلام: على أني أعلم أن التظاهر علي واقع، ولي عن الحق الذي سيق الي دافع. ثم قال بعد كلام: وفي النفس كلام لولا سابق قول، وسالف عهد، لشفيت غيظي بخنصري وبنصري، وخضت لجته بأخمصي ومفرقي، ولكني ملجم الى أن ألقى الله تعالى وعنده أحتسب ما نزل بي، الى آخر كلامه (2). وقال علي عليه السلام لعمر: يا أبا حفص والله ما قعدت عن صاحبك جزعا على ما صار إليه، ولا أتيته خائفا منه، الى قوله: ولكني تخلفت اعذارا الى الله، والى من يعلم الأمر الذي جعله لي رسول الله صلى الله عليه وآله، وأتيت وبايعت حفظا للدين، وخوفا من انتشار أمر الله (3). وقال عمر لعلي عليه السلام: وزعمت أن التظاهر عليك واقع، أي تظاهر وقع عليك ؟


(1) الشافي 3: 224 - 225. (2) شرح نهج البلاغة 10: 282. (3) شرح نهج البلاغة 10: 283.

[ 164 ]

وأي حق استؤثر به دونك ؟ لقد علمت ما قالت الأنصار أمس سرا وجهرا، وما تقلبت عليه ظهرا وبطنا، فهل ذكرتك أو أشارت بك، أو طلبت رضاها من عندك، وهؤلاء المهاجرون من الذي قال منهم أنك صاحب هذا الأمر وأومأ اليك أو همهم بك في نفسه ؟ أتظن أن الناس ضلوا من أجلك، أو عادوا كفارا زهدا فيك، أو باعوا الله تعالى بهواهم بغضا لك. ولقد جاءني قوم من الأنصار، فقالوا: ان عليا ينتظر الامامة، ويزعم أنه أولى بها من أبي بكر، فأنكرت عليهم، ورددت القول في نحورهم، حتى قالوا: انه ينتظر الوحي، ويتوكف مناجاة الملك، فقلت: ذلك أمر طواه الله بعد محمد صلى الله عليه وآله. ومن أعجب قولك (لولا سابق قول لشفيت غيظي بخنصري وبنصري) وهل ترك الدين لأحد أن يشفي غيظه بيده ولسانه ؟ الى قوله: وأما ما تزعمه من الأمر الذي جعله رسول الله لك، فتخلفت اعذارا الى الله، والى العارفة به من المسلمين، فلو عرفه المسلمون لجنحوا إليه، وأصفقوا عليه، وما كان الله ليجمعهم على العمى، ولا ليضربهم بالضلال بعد الهدى، ولو كان لرسول الله صلى الله عليه وآله فيك رأي وعليك عزم، ثم بعثه الله، فرأى اجتماع امته على أبي بكر، لما سفه آراءهم، ولا آثرك عليهم، ولا أرضاك بسخطهم، ولأمرك باتباعهم والدخول معهم فيما ارتضوه لدينهم. فقال علي عليه السلام: مهلا، ثم قال بعد كلام: ان أخسر الناس صفقة عند الله من استبطن النفاق، واحتضن الشقاق، وفي الله خلف عن كل فائت، وعوض عن كل ذاهب، وسلوة عن كل حادث، وعليه التوكل في جميع الحوادث، ارجع يا أبا حفص الى مجلسك ناقع القلب، مبرود الغليل، فصيح اللسان، رحب الصدر، متهلل الوجه، فليس وراء ما سمعته مني الا ما يشد الازر، ويجمع الالفة، ويرفع الكلفة ان

[ 165 ]

شاء الله، فانصرف عمر الى مجلسه (1). ومما يدل أيضا على ما قلناه، ما كتبه معاوية الى علي عليه السلام، وما كتبه علي عليه السلام في جوابه، وقد أوردت منهما موضع الحاجة. كتب معاوية: انك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى تبايع. يعير بهذا الكلام عليا عليه السلام بأنه لم يبايع طوعا، ولا رضي ببيعة أبي بكر حتى استكره عليها كالجمل المخشوش إذا لم يعبر على قنطرة أو شبهها، فانه يكره ويخش لعبر كرها. فكتب عليه السلام إليه الجواب عن هذا بما في نهج البلاغة، وهذا لفظه: وقلت اني كنت اقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى ابايع، ولعمرو الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، أو مرتابا بيقينه، وهذه حجتي الى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها (2). وقد نقل كتاب معاوية وجواب علي عليه السلام عمدة علماء المخالفين، أعثم الكوفي في تاريخه بهذه العبارة: كتب معاوية: أما بعد، فان الحسد عشرة أجزاء، تسعة منها فيك، وواحد في سائر الناس، وذلك أنه لم يل (3) امور هذه الامة أحد بعد النبي صلى الله عليه وآله الا وله قد حسدت، وعليه تعديت (4)، وعرفنا ذلك منك في النظر الشزر، وقولك الهجر، وتنفسك الصعداء، وابطائك عن الخلفاء، تقاد الى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره، ثم اني لا أنسى فعلك بعثمان بن عفان على قلة الشرح والبيان، والله الذي لا اله غيره لنطلبن قتلة عثمان في البر والبحر


(1) شرح نهج البلاغة 10: 284 - 285. (2) نهج البلاغة ص 387 - 388، رقم الكتاب: 28. (3) في الفتوح: لم يكن. (4) في الفتوح: قد بغيت.

[ 166 ]

والجبال والرمال حتى نقتلهم أو لنلحقن أرواحنا بالله، والسلام. فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد، فانه أتاني كتابك تذكر فيه حسدي للخلفاء، وابطائي عنهم، والكره لأمرهم، فلست أعتذر من ذلك اليك ولا الى غيرك، وذلك أنه لما قبض النبي صلى الله عليه وآله واختلفت الامة، قالت قريش: منا الأمير، وقالت الأنصار: بل منا الأمير، فقالت قريش: محمد منا ونحن أحق بالأمر منكم، فسلمت الأنصار لقريش الولاية والسلطان، فانما تستحقها قريش بمحمد عليه السلام دون الأنصار، فنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر من غيرنا. الى قوله: وقد كان أبوك أبو سفيان جاءني في الوقت الذي بايع الناس فيه أبا بكر، فقال لي: أنت أحق الناس بهذا الأمر من غيرك، وأنا يدك (1) على من خالفك، وان شئت لأملأن المدينة خيلا ورجلا على ابن أبي قحافة، فلم أقبل ذلك، والله يعلم أن أباك قد فعل ذلك، فكنت أنا الذي أبيت عليه مخافة الفرقة بين أهل الاسلام، فان تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه لي، فقد أصبت رشدك، وان أبيت فها أنا قاصد اليك، والسلام (2). أقول: في هذا الكلام تصريح أيضا بأنه عليه السلام كان كارها لبيعة الخلفاء ولم يكن راضيا بها، وتصريح أيضا بأنه عليه السلام كان يجوز عنده محاربة أبي بكر لولا خوف الفرقة بين المسلمين، وهو دليل صريح على بطلان خلافة أبي بكر وأخويه. ويدل أيضا على ما ادعيناه، ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه: ومن كتاب معاوية المشهور الى علي عليه السلام: وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار، ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر الصديق، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق الا دعوتهم الى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدليت إليهم


(1) في الفتوح: اؤيدك. (2) الفتوح لابن أعثم الكوفي 2: 558 - 559.

[ 167 ]

بابنيك، واستنصرتهم على صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يجبك منهم الا أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنت محقا لأجابوك، ولكنك ادعيت باطلا، وقلت ما لا يعرف، ورمت ما لم يدرك، ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك: لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضت القوم، فما يوم المسلمين منك بواحد، ولا بغيك من الخلفاء بطريف ولا مستبدع (1). ويدل أيضا على ما ادعيناه من عدم رضاء علي عليه السلام بخلافة الخلفاء الثلاثة، خطبته الموسومة بالشقشقية والمقمصة، وهذه مشهورة معروفة بين الخاصة والعامة، والخطبة هذه: والله لقد تقمصها فلان، وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى الي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه. فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها الى فلان بعده، ثم تمثل بقول الاعشى: شتان ما يومي على كورهاويوم حيان أخي جابر فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لاخر بعد وفاته، لشد ما تشطرا ضرعيها، فصيرها والله في حوزة خشناء، يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، ان أشنق لها خرم، وان أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمرو الله بخبط وشماس، وتلون واعتراض. فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة


(1) شرح نهج البلاغة لابن الحديد 2: 47.

[ 168 ]

زعم أني أحدهم، فيالله وللشورى، متى اعترض الريب في مع الأول منهم، حتى صرت أقرن الى هذه النظائر، لكني أسففت إذ سفوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الاخر لصهره، مع هن وهن، الى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو امية يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع، الى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته. فما راعني الا والناس الي كعرف الضبع الي، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت اخرى، وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين بلى والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها. أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز. قالوا: وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه الى هذه الموضع من خطبته، فناوله كتابا، فأقبل ينظر فيه، فلما فرغ من قراءته قال له ابن عباس رحمة الله عليه: يا أمير المؤمنين لو اطردت مقالتك (1) من حيث أفضيت، فقال: هيهات يابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرت، قال ابن عباس: فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد (2).


(1) في النهج: خطبتك. (2) نهج البلاغة ص 48 - 50، رقم الخطبة: 3.

[ 169 ]

قوله (تقمصها) أي: لبسها كالقميص. وقطب الرحى مسمارها الذي عليه تدور. وسدلت الثوب أرخيته. والكشح الخاصرة. وطويت كشحا، أي: أعرضت جانبا. وطفقت أرتئي، أي: جعلت أتفكر. وصال، أي: حمل. ويد حذاء بالمهملة والمعجمة: مقطوعة أو مكسورة. والطخية: الظلمة والهرم: شدة كبر السن. والكدح: السعي. وهاتا اسم الاشارة. وأحجى: أولى بالحجى وهو العقل. والقذى وهو ما يتأذى به العين من غبار ونحوه. والشجى: ما نشب في الحلق من غصة غبن أو عم. والتراث: الميراث. وأدلى بكذا ألقاه. شتان ما يومي، أي: بعد بين يومي. وكور الناقة رحلها. هذا الشاعر كان نديما لحيان يقول: بعد بين يوم ركوبي على رحل الناقة مع التعب والمشقة، وبين يوم مجالستي حيان مع راحة ونعمة. والاقالة: فك البيع ونحوه، والاستقالة طلبه. وشد الأمر صعب وعظم. وتشطرا أي أخذ كل واحد منهما شطرا أي بعضا. والحوزة: الطبيعة. والكلم: الجرح. وعثر إذا أصابت رجله في المشي حجرا ونحوه. والصعبة: الناقة التي لم تذلل. وشنق الناقة بالزمام وأشنق لها إذا أجذبه الى نفسه وهو راكب ليمسكها عن الحركة العنيفة. وحزم أي: شق أنفها. وأسلس لها أي: أرخى. وتقحم في الأمر إذا ألقى نفسه بقوة ومنى الناس أي، ابتلوا. والخبط: الحركة على غير استقامة. والشماس بكسر الشين كثرة نفار الدابة. والتلون: اختلاف الأحوال. والاعتراض هو المشي في عرض الطريق. الشورى مصدر بمعنى المشاورة. وأسف الطائر إذا دنا من الأرض في طيرانه. والصغو والضغن: الحقد، والذي صغا ومال عنه عليه السلام وتخلف عن بيعته لضغنه هو سعد بن أبي وقاص، والذي مال الى عثمان لمصاهرة بينه وبين عثمان هو عبد الرحمن بن عوف زوج اخت عثمان لامه. وهن على وزن أخ، كلمة كناية عن شئ، يريد أن ميله الى عثمان لا بمجرد

[ 170 ]

المصاهرة بل لأشياء اخر. وثالث القوم عثمان. والحضن: الجانب. والنفج كالنفخ. والنثيل الروث. والمعتلف موضع الاعتلاف. والخضم الأكل بجميع الفم، وقيل: المضغ بأقصى الأضراس. والنبتة بكسر النون النبات، فشبه عليه السلام عثمان بالبعير، واستعار وصفه له وهو نفخ جنبيه بكثرة الأكل والشرب، وكذا شبه عليه السلام بني امية بالأبعرة في أكل مال المسلمين. وانتكث انتقض فتله، أي: ما كان يبرمه من الاراء. وأجهز على الجريح قتله وأسرع. وكبا الفرس سقط لوجهه. والبطنة شدة الامتلاء من الطعام. والروع الخلد والذهن، وراعني أفزعني. وانتثال الشئ إذا وقع يتلو بعضه بعضا. والعطاف الرداء، وروي عطفاي، وعطفا الرجل جانباه. والربيض والربيضة: الغنم برعاتها المجتمعة في مرابضها. ومروق السهو خروجه من الرمية. والزبرج بكسر الزاي والراء الزينة. والنسمة: الانسان. والمقارة: اقرار كل واحد صاحبه على الأمر. والكظة: البطنة. والسغب: الجوع. والغارب: أعلى كتف الناقة، والضمير في حبلها وغاربها للخلافة. والعفطة قيل: العطسة من الشاة، وقيل: هي الحبقة أي: الضرطة. والشقشقة: اللحمة التي تخرج من فم البعير عند هياجه، ويقال للخطيب ذو شقشقة إذا كان صاحب ذربة من الكلام. أقول: بعض أهل السنة من قلة التتبع حسب أن شكايات أمير المؤمنين عليه السلام وتظلماته منحصرة في هذه الخطبة، فانكروها ونسبوها الى السيد الثقة الصالح الأمين رضي الدين، ولم يعرفوا أن تظلماته عليه السلام تجاوزت حد التواتر، وصارت من أجلى الضروريات، ولم يعلموا أن هذه الخطبة الشريفة مع كونها في الفصاحة في درجة لا يشبهها كلام بشر من المشهورات. اعلم أن هذه الخطبة ممن رواه من رجال المخالفين الحسن بن عبد الله بن

[ 171 ]

مسعود (1) العسكري في كتاب معاني الأخبار، وتاريخ الفراغ منه قبل تاريخ ميلاد السيد الرضي، لأن تاريخ الفراغ منه احدى وثلاثين وثلاثمائة، وتاريخ الميلاد سنة تسع وخمسين وثلاثمائة (2). وقال الشيخ الفاضل الكامل ثقة الاسلام والمسلمين ميثم بن علي البحراني في شرحه على نهج البلاغة: وقد وجدتها في موضعين، تاريخهما قبل مولد الرضي بمدة، أحدهما أنها مضمنة كتاب الانصاف لأبي جعفر بن قبة تلميذ أبي القاسم الكعبي أحد شيوخ المعتزلة، وكانت وفاته قبل مولد الرضي. الثاني أني وجدتها بنسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، وكان وزير المقتدر بالله، وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة، والذي يغلب على ظني أن تلك النسخة كانت قبل وجود ابن الفرات بمدة. وروي عن مصدق بن شبيب النحوي، قال: لما قرأت هذه الخطبة على شيخي أبي محمد بن الخشاب، ووصلت الى قول ابن عباس (ما أسفت على شئ قط كأسفي على هذا الكلام) قال: لو كنت حاضرا لقلت لابن عباس: وهل ترك ابن عمك في نفسه شيئا لم يقله في هذه الخطبة، فانه ما ترك لا للأولين ولا للاخرين. قال مصدق: وكانت فيه دعابة، فقلت له: يا سيدي فلعلها منحولة إليه، فقال: لا والله اني أعرف أنها من كلامه كما أعرف أنك مصدق، قال فقلت له: ان الناس ينسبونها الى الشريف الرضي، فقال: لا والله ومن أين للرضي هذا الكلام وهذا الاسلوب ؟ فقد رأينا كلامه في نظمه ونثره لا يقرب من هذا الكلام، ولا ينتظم في سلكه، على أني قد رأيت هذه الخطبة بخطوط العلماء الموثوق بنقلهم من قبل أن


(1) في الطرائف: سعيد. (2) الطرائف ص 417 عنه.

[ 172 ]

يخلق أبو الرضي فضلا عنه (1). انتهى كلامه. ثم اعلم أن ابن أبي الحديد بعد ما نقل حكاية مصدق وابن الخشاب، قال: قلت: وقد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي امام البغداديين من المعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبة، أحد متكلمي الامامية، وهو الكتاب المعروف بكتاب الانصاف، وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي، ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي رحمه الله موجودا (2). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه ما ذكره ابن أبي الحديد، قال: وروى الشعبي، عن شريح بن هاني، قال: قال علي عليه السلام: اللهم اني أستعديك على قريش، فانهم قطعوا رحمي، ووضعوا انائي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي. وروى جابر عن أبي الطفيل، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: اللهم اني أستعديك على قريش، فانهم قطعوا رحمي، وغصبوني حقي، وأجمعوا على منازعتي أمرا كنت أولى به (3). وروى جابر الجعفي عن محمد بن علي عليهما السلام، قال: قال لي علي عليه السلام: ما رأيت منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله رخاء، لقد أخافتني قريش صغيرا، وأنصبتني كبيرا، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، فكانت الطامة الكبرى، والله المستعان على ما يصفون (4). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما في كتاب نزهة الأبرار وغيره من كتب أهل السنة، أن عليا عليه السلام قال: اني لم أزل مظلوما في صغري وكبري، فقيل له: قد عرفنا


(1) شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني 1: 252 - 253 ط طهران. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 205 - 206. (3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 104. (4) شرح نهج البلاغة 4: 108.

[ 173 ]

ظلمهم اياك في كبرك، فما كان ظلمهم اياك في صغرك ؟ فقال: ان عقيلا كان في عينه وجع، وكانت الوالدة كلما أرادت أن تذر في عينه وزورا امتنع عليها، وقال: ابدئي بعلي، فكانت الوالدة تذر في عيني وزورا من غير وجع (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما أخرجه ابن قتيبة في كتابه، أن عليا عليه السلام قال للحسن عليه السلام حين نص أبو بكر على عمر: ما زلت مظلوما منذ هلك جدك (2). نقله صاحب الصراط المستقيم عنه (3). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما رواه الشعبي، عن شريح بن هاني قول علي عليه السلام: ان عندي من نبي الله عهدا ليس لي أن اخالفه، ولو خرموا أنفي، فلما بويع لأبي بكر أمسكت يدي، فلما ارتد قوم خشيت ثلم (4) الاسلام، فبايعت لئلا يبيد الاسلام، ورأيت ذلك أعظم من فوت ولاية أيام قلائل، نقله أيضا صاحب الصراط المستقيم (5). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما رواه البلاذري من قول علي عليه السلام لعمر لما بايع أبا بكر: احلب حلبا لك شطره، اشدد له اليوم يرده عليك غدا (6). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، قوله عليه السلام: قمت بالأمر حين فشلوا، وتطلعت حين تقبعوا، ونطقت حين تعتعوا، ومضيت بنور الله حين وقفوا، وكنت أخفضهم صوتا، وأعلاهم فوتا، فظفرت (7) بعنانها، واستبددت برهانها، كالجبل لا تحركه


(1) لم أعثر على كتاب نزهة الأبرار. (2) بحار الأنوار 29: 628 عن الامامة والسياسة لابن قتيبة ص 49. (3) الصراط المستقيم 3: 114. (4) في الصراط: ثلمة. (5) الصراط المستقيم 3: 111. (6) الصراط المستقيم 3: 111 عنه. (7) في النهج: فطرت.

[ 174 ]

القواصف، ولا تزيله العواصف، لم يكن لأحد في مهمز، ولا لقائل في مغمز، الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، رضينا عن قضاه، وسلمنا لله أمره، أتراني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لأنا أول من صدقه، فلا أكون أول من كذب عليه، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري (1). ولا ريب في دلالة هذا الكلام على ذم من تقدم عليه، وعلى أن وجوب طاعة علي عليه السلام سبقت البيعة، ولاشك أن أخذ البيعة منه عليه السلام مع سبق وجوب اطاعته ظلم وكفر. قال ابن أبي الحديد بعد شرح هذا الكلام: فان قيل: فهذا تصريح بمذهب الامامية. قلت: ليس الأمر كذلك، بل هو تصريح بمذهب أصحابنا من البغداديين، لأنهم يزعمون أنه الأفضل والأحق بالامامة، وأنه لولا ما يعلمه الله ورسوله من أن الأصلح للمكلفين تقديم المفضول عليه، لكان من تقدم عليه هالكا، فرسول الله صلى الله عليه وآله أخبره أن الامامة حقه، وأنه أولى بها من الناس أجمعين، وأعلمه أن في تقديم غيره عليه وصبره على التأخر عنها مصلحة للدين راجعة الى المكلفين، وأنه يجب عليه أن يمسك عن طلبها ويغضي عنها لمن هو دون مرتبته، فامتثل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يخرجه تقدم من تقدمه عليه من كونه الأفضل والأولى والأحق. وقد صرح شيخنا أبو القاسم البلخي بهذا، وصرح به تلامذته وقالوا: لو نازع عقيب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسل سيفه، لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه، وحكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه، ولكنه مالك الأمر وصاحب الخلافة إذا طلبها، وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، وإذا أمسك منها وجب علينا


(1) نهج البلاغة ص 80 - 81، رقم الخطبة: 37.

[ 175 ]

القول بعدالة من أغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنه قال: علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار. وقال له غير مرة: حربك حربي وسلمك سلمي. وهذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي وبه أقول (1). انتهى. أقول: ما ذكره هذا الزايغ عن الصواب غير موجه، لأنه إذا سبق وجوب طاعته عليه السلام كيف يجوز أن يؤخذ منه البيعة ؟ ولو كان الأمر كما زعم من أن بيعته كانت مصلحة للدين، لسبق الكل في بيعة أبي بكر، ولما كان يتخلف عنه طرفة عين، ولما كان يبلغ الأمر الى احراق البيت والتهديد والوعيد، ولما كان يتظلم عليه السلام مرار على رؤوس الناس، لأنه عليه السلام أزهد الزهاد، وأعلم العلماء، وأفضل الفضلاء، وأشد الناس حبا لمصالح الدين، والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم. ومما يدل أيضا على ما ادعيناه من عدم وقوع الاجماع، ما نقل السيد الشريف المرتضى، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن عمر بن أبي مسلم، قال: كنا جلوسا عند جعفر بن عمرو بن حريث، فقال: حدثني والدي أن عليا عليه السلام لم يقم مرة على المنبر الا قال في آخر كلامه قبل أن ينزل: ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله (2). وما نقل رحمه الله عن أبي اسحاق ابراهيم بن سعيد الثقفي بسنده، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول على المنبر: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وما في الناس أحد أحق بهذا الأمر مني (3). وما نقل رحمه الله عن ابراهيم الثقفي بسنده، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه،


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 296 - 297. (2) الشافي في الامامة للسيد الشريف المرتضى 3: 223 - 224. (3) الشافي 3: 223.

[ 176 ]

قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه الى يوم الناس هذا (1). وما نقل أيضا عن ابراهيم بسنده، عن المسيب بن نجبة، قال: بينما علي عليه السلام يخطب واعرابي يقول: وامظلمتاه، فقال عليه السلام: ادن، فدنا، فقال: لقد ظلمت عدد المدر والوبر (2). وفي هذا المعنى روى رواية اخرى عن عباد (3). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، كلام له عليه السلام لبعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به ؟ فقال عليه السلام: يا أخا بني أسد انك لقلق الوضين، ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامة الصهر وحق المسألة، وقد استعلمت فاعلم، أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا، والأشدون بالرسول نوطا، فانما كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم الله، والمعود إليه يوم القيامة الى آخر الخطبة (4). الشرح: الوضين بطان القتب، وحزام السرج، ويقال للرجل المضطرب في اموره: انه لقلق الوضين، وذلك أن الوضين إذا قلق اضطرب القتب والهودج والسرج ومن عليه. وترسل في غير سدد، أي: يتكلم في غير قصد وفي غير صواب، والسدد والسداد كالاستقامة والصواب. وذمامة الصهر بالكسر أي: حرمته. قال ابن أبي الحديد بعد شرح هذه الخطبة: وسألت أبا جعفر يحى بن محمد العلوي نقيب البصرة وقت قراءتي عليه عن هذا الكلام، وكان على ما يذهب إليه من


(1) الشافي 3: 223. (2) الشافي 3: 223. (3) الشافي 3: 224. (4) نهج البلاغة ص 231 رقم الكلام: 162.

[ 177 ]

مذاهب العلوية منصفا وافر العقل، فقلت له: من يعني عليه السلام بقوله (كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين) ومن القوم الدين عناهم الأسدي بقوله (كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به ؟) هل المراد يوم السقيفة أو يوم الشورى ؟ فقال: يوم السقيفة. فقلت: ان نفسي لا تسامحني أن أنسب الى الصحابة عصيان الرسول صلى الله عليه وآله ودفع النص، فقال: وأنا فلا تسامحني أيضا نفسي أن أنسب الرسول صلى الله عليه وآله الى اهمال أمر الامامة، وأن يترك الناس فوضى سدى مهملين، وقد كان لا يغيب عن المدينة الا ويؤمر عليها أميرا وهو حي ليس بالبعيد عنها، فكيف لا يؤمر وهو ميت لا يقدر على استدراك ما يحدث. ثم قال: ليس يشك أحد من الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان عاقلا كامل العقل. أما المسلمون، فاعتقادهم فيه معلوم. وأما اليهود والنصارى والفلاسفة، فيزعمون أنه حكيم تام الحكمة، سديد الرأي، أقام ملة، وشرع شريعة، فاستجد ملكا عظيما بعقله وتدبيره. وهذا الرجل العاقل الكامل يعرف طباع العرب وغرائزهم وطلبهم بالثارات والذحول، ولو بعد الأزمان المتطاولة، ويقتل الرجل من القبيلة رجلا من بيت آخر، لا يزال أهل ذلك المقتول وأقاربه يتطلبون القاتل ليقتلوه، حتى يدركوا ثأرهم منه، فان لم يظفروا عليه قتلوا بعض أقاربه وأهله، فان لم يظفروا قتلوا واحدا وجماعة من تلك القبيلة به، وان لم يكونوا رهطه الأدنين، والاسلام لم يحل طبائعهم، ولا غير هذه السجية المركوزة في أخلاقهم والغرائز بحالها. وكيف يتوهم لبيب أن هذا العاقل الكامل وتر العرب، وعلى الخصوص قريشا، وساعده على سفك الدماء، وازهاق الأنفس، وتقلد الضغائن، ابن عمه الأدنى وصهره، وهو يعلم أنه سيموت كما يموت الناس، ويتركه بعده وعنده ابنته، وله منها ابنان يجريان عنده مجرى ابنين من ظهره، حنوا عليهما، ومحبة لهما، ويعدل عنه في

[ 178 ]

الأمر بعده، ولا ينص عليه ولا يستخلفه، فيحقن دمه ودم بنيه وأهله باستخلافه. ألا يعلم هذا العاقل أنه إذا تركه وترك بنيه وأهله سوقة ورعية، فقد عرض دمائهم للاراقة بعده، بل يكون هو عليه السلام الذي قتلهم، وأشاط (1) بدمائهم، لأنهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم، وانما يكونون مضغة للاكل، وفريسة للمفترس، يتخطفهم الناس، وتبلغ فيهم الأغراض، فأما إذا جعل السلطان فيهم والأمر إليهم، فانه يكون قد عصمهم وحقن دمائهم بالرئاسة التي يصولون بها ويرتدع الناس عنهم لأجلها، ومثل هذا معلوم بالتجربة. ألا ترى أن ملك بغداد أو غيرها من البلاد لو قتل الناس ووترهم، وأبقى في نفوسهم الأحقاد العظيمة عليه، ثم أهمل أمر ولده وذريته من بعده، وفسح للناس أن يقيموا ملكا من عرضهم وواحدا منهم، وجعل بنيه سوقة كبعض العامة، لكان بنوه بعده قليلا بقاؤهم، سريعا هلاكهم، ولوثب عليهم الناس ذوو الأحقاد والترات من كل جهة يقتلونهم ويشردونهم كل مشرد، ولو أنه عين ولدا من أولاده للملك، وقام خواصه وخدمه وقومه (2) بأمره بعده، لحقنت دماء أهل بيته، ولم تطل يد أحد من الناس إليهم لناموس الملك، وابهة السلطنة، وقوة الرئاسة، وحرمة الامارة. أفترى ذهب عن رسول الله صلى الله عليه وآله هذا المعنى، أم أحب أن يستأصل أهله وذريته من بعده ؟ وأين موضع الشفقة على فاطمة العزيزة عنده الحبيبة الى قلبه ؟ أتقول: انه أحب أن يجعلها كواحدة من فقراء المدينة تتكفف الناس، وأن يجعل عليا المكرم المعظم عنده، الذي كانت حاله معه معلومة، كأبي هريرة الدوسي، وأنس بن مالك الأنصاري، يحكم الامراء في دمه وعرضه ونفسه وولده، فلا


(1) أشاط بدمائهم: أهدرها، أو عمل على هلاكها. (2) في المصدر: وخوله.

[ 179 ]

يستطيع الامتناع، وعلى رأسه مائة ألف سيف مسلول، تتلظى أكباد أصحابها عليه، ويودون أن يشربوا دمه بأفواههم، ويأكلوا لحمه بأسنانهم، وقد قتل أبناءهم واخوانهم وآباءهم وأعمامهم، والعهد لم يطل، والقروح لم تتقرف (1)، والجروح لم تندمل. فقلت له: لقد أحسنت فيما قلت، الا أن لفظه عليه السلام يدل على أنه لم يكن نص عليه، ألا تراه يقول: ونحن الأعلون نسبا، والأشدون بالرسول نوطا. فجعل الاحتجاج بالنسب وشدة القرب، فلو كان عليه نص لقال عوض ذلك: وأنا المنصوص علي المخطوب باسمي. فقال: انما أتاه من حيث يعلم، لا من حيث يجهل، ألا ترى أنه سأله، فقال: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به ؟ فهو انما سأل عن دفعهم عنه وهو أحق به من جهة اللحمة والعترة، ولم يكن الأسدي يتصور النص ولا يعتقده، ولا يخطر بباله، لأنه لو كان هذا في نفسه لقال له لم دفعك الناس عن هذا المقام وقد نص عليك رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ولم يقل له هذا، وانما قال كلاما عاما لبني هاشم كافة: كيف دفعكم قومكم عن هذا وأنتم أحق به، أي باعتبار الهاشمية والقربى، فأجابه بجواب أعاد قبله المعنى الذي تعلق به الأسدي بعينه تمهيدا للجواب، فقال: انما فعلوا ذلك مع أنا أقرب الى رسول الله صلى الله عليه وآله من غيرنا، لأنهم استأثروا علينا. ولو قال له: أنا المنصوص علي، والمخطوب باسمي في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان قد أجابه، لأنه ما سأله هل أنت منصوص عليك أم لا ؟ ولا هل نص رسول الله صلى الله عليه وآله بالخلافة على أحد أم لا ؟ وانما قال: لم دفعكم قومكم عن الأمر وأنتم أقرب الى ينبوعه ومعدنه منهم ؟ فأجابه جوابا ينطبق على السؤال ويلائمه، وأيضا فلو أخذ يصرح له بالنص ويعرفه تفاصيل باطن الأمر، لنفر عنه واتهمه ولم


(1) تقرف الجرح: طلعت فوقه قشرة، أي: شارف البرء.

[ 180 ]

يقبل قوله، ولم ينجذب الى تصديقه، وكان أولى الامور في حكم السياسة وتدبير الناس أن يجيب بما لا نفرة منه، ولا مطعن عليه فيه (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما نقله ابن أبي الحديد في شرحه، قال: قال المدائني: وكتب الحسن عليه السلام الى معاوية: من عبد الله الحسن أمير المؤمنين الى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فان الله بعث محمدا رحمة للعالمين، فأظهر به الحق، وقمع به الشرك، وأعز به العرب عامة، وشرف به قريشا خاصة، فقال وانه لذكر لك ولقومك (2) فلما توفاه الله تنازعت العرب بعده، فقالت قريش: نحن عشيرته وأولياؤه، فلا تنازعوا سلطانه، فعرفت العرب لقريش ذلك، وجاحدتنا قريش لما عرفت لها العرب، فهيهات ما أنصفتنا قريش الى آخر كلامه عليه السلام (3). قال: وكتب الحسن عليه السلام الى معاوية مع حرب بن عبد الله الأزدي: من الحسن بن علي أمير المؤمنين الى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فاني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو، أما بعد، فان الله جل جلاله بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، ومنة على المؤمنين، وكافة للناس أجمعين، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فبلغ رسالات الله، وقام بأمر الله حتى توفاه الله، غير مقصر ولا وان، بعد أن أظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، وخص به قريشا خاصة، فقال له وانه لذكر لك ولقومك. فلما توفي تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم، وسلمت


(1) شرح نهج البلاغة لابن الحديد 9: 248 - 251. (2) الزخرف: 44. (3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 24.

[ 181 ]

إليهم، ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجت به العرب، فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها، وانهم أخذوا هذه الأمر دون العرب بالانصاف والاحتجاج. فلما صرنا أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وأولياؤه الى محاجتهم، وطلب النصف منهم باعدونا، واستولوا بالاجتماع (1) على ظلمنا، ومراغمتنا، والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو الولي النصير. ولقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا، وان كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين، أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزا يثلمونه، أو يكون لهم بذلك سبب الى ما أرادوا من افساده. فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ولكتابه، والله حسبك، فسترد فتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد. ان عليا عليه السلام لما مضى لسبيله - رحمة الله عليه يوم قبض ويوم من الله عليه بالاسلام ويوم يبعث حيا - ولاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الاخرة مما عنده من كرامته. وانما حملني على الكتاب اليك الاعذار فيما بيني وبين الله عزوجل في أمرك، ولك في ذلك ان فعلته الحظ الجسيم، والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فانك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي، واحقن دماء


(1) في الشرح: بالاجماع.

[ 182 ]

المسلمين، فوالله مالك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وان أنت أبيت الا التمادي في غيك سرت اليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. فكتب معاوية إليه: من عبد الله معاوية أمير المؤمنين الى الحسن بن علي، سلام عليك، فاني أحمد الله الذي لا اله الا هو، أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت به محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله من الفضل، وهو أحق الأولين والاخرين بالفضل كله قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، قد والله بلغ وأدى ونصح وهدى، حتى أنقذ الله به من الهلكة، وأنار به من العمى، وهدى به من الجهالة والضلالة، فجزاه الله بأفضل ما جزا نبيا عن امته، وصلوات الله عليه يوم ولد ويوم بعث ويوم قبض ويوم يبعث حيا. وذكرت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وتنازع المسلمين الأمر بعده، وتغلبهم على أبيك، فصرحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواري رسول الله، وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك، انك امرء عندنا وعند الناس غير الظنين ولا المسئ ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه عن الكلبي، قال: لما أراد علي عليه السلام المسير الى البصرة، قام فخطب الناس، فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله: ان الله لما قبض نبيه استأثرت علينا قريش بالأمر، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثوا عهد بالاسلام، والدين يمخض مخض


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 33 - 35.

[ 183 ]

الوطب، يفسده أدنى وهن، ويعكسه أقل خلف، فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا، ثم انتقلوا الى دار الجزاء، والله ولي تمحيص سيئاتهم، والعفو عن هفواتهم، الخطبة (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه، عن أبي الحسن علي بن محمد المدائني، عن عبد الله بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز اريد العراق في أول امارة علي عليه السلام، فمررت بمكة، فاعتمرت، ثم قدمت المدينة، فدخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إذ نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وخرج علي عليه السلام متقلدا سيفه، فشخصت الابصار نحوه، فحمد الله وصلى على رسوله. ثم قال: أما بعد، فانه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله قلنا: نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا، فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الامرة لغيرنا، وصرنا سوقة، يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل، فبكت الأعين منا لذلك، وخشيت الصدور، وجزعت النفوس، وأيم الله لولا مخافة الفرقة من المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين، لكنا على غير ما كنا لهم عليه، فولى الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرا، ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي فبايعتموني، الخطبة (2). ويدل أيضا على ما قلناه، قوله عليه السلام المذكور في نهج البلاغة: قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن، وأرز (3) المؤمنون، ونطق الضالون المكذبون، نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت الا من أبوابها، فمن


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 308. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 307. (3) أرز يأرز بكسر الراء في المضارع أي انقبض وثبت، وأرزت الحية لاذت بجحرها ورجعت إليه.

[ 184 ]

أتاها من غير أبوابها سمي سارقا (1). ووجه الدلالة: أن المستفاد من كلامه عليه السلام أنه لا يجوز الاتيان الى غيره وأولاده لأخذ العلم والقضايا والأحكام، وأن من تركهم وتولى الثلاثة وأخذ عنهم، فهو بمنزلة السارق. ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، خطبته عليه السلام التي خطب بها بعد مبايعة الناس له، وهي مشهورة رواها أهل التاريخ، وقد نقلها سيدنا المرتضى في الشافي عن الواقدي في كتاب الجمل بهذه العبارة: وقد كانت امور مضت ملتم فيها ميلة كانت عليكم، كنتم عندي فيها غير محمودين، أما والله لو أشاء لقلت، عفا الله عما سلف، سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب، همته بطنه، يا ويله لو قص جناحه، وقطع رأسه لكان خيرا له (2). وقد رواها أيضا ابن عبد ربه في الجزء الرابع من كتاب العقد، وأبو هلال العسكري في كتاب الأوائل بهذا اللفظ: وقد كانت امور ملتم فيها عن الحق ميلا كثيرا، وكنتم فيها غير محمودين، أما أني لو أشاء أن أقول لقت، عفا الله عما سلف، سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب، همته بطنه، ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له (3). وفي المجلد الرابع حديث كتاب كتبه معاوية الى علي بن أبي طالب عليه السلام وجوابه عليه السلام له، وفي جملة الجواب ماهذا لفظه: وذكرت ابطائي عن الخلفاء،


(1) نهج البلاغة ص 215، رقم الخطبة: 154. (2) الشافي 3: 227. (3) العقد الفريد 4: 157، الطبعة الثالثة.

[ 185 ]

فوالله ما أعتذر الى الناس من ذلك (1). ودلالة هذا الجواب على ما ادعيناه ظاهر واضح. ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما نقله ابن أبي الحديد في شرحه، من خطبته التي خطب بها بعد فتح مصر وقتل محمد بن أبي يكر، والخطبة طويلة نذكر منها محل الحاجة، قال: فلما مضى لسبيله صلى الله عليه وآله، تنازع المسلمون الأمر بعده، فوالله ما كان يلقي في روعي، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد صلى الله عليه وآله عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني، فما راعني الا انثيال الناس على أبي بكر واجتماعهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي، ورأيت أني أحق بمقام محمد صلى الله عليه وآله في الناس بمن تولى الأمر من بعده. فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين الله وملة محمد صلى الله عليه وآله، فخشيت ان لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما، يكون المصاب بهما علي أعظم من فوات ولاية اموركم التي انما هي متاع أيام قلائل، ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب، وكما يتقشع السحاب فمشيت عند ذلك الى أبي بكر فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق، فكان كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون. الى قوله: فما كانوا لولاية أحد منهم أشد كراهة لولايتي عليهم، كانوا يسمعون عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله لجاج أبي بكر، وأقول: يا معشر قريش انا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، ما كان فينا من يقرأ القرآن، ويعرف السنة، ويدين بدين الحق، وخشي القوم ان أنا وليت عليهم ألا يكون لهم من الأمر نصيب ما بقوا، فأجمعوا اجماعا واحدا، فصرفوا الولاية الى عثمان، وأخرجوني منه رجاء أن ينالوها ويتداولوها، إذ يئسوا أن ينالوا بها من قبلي.


(1) العقد الفريد 5: 84.

[ 186 ]

ثم قالوا: هلم فبايع والا جاهدناك، فبايعت مستكرها، وصبرت محتسبا، فقال قائلهم: يابن أبي طالب انك على هذا الأمر لحريص، فقلت: أنتم أحرص مني وأبعد، أينا أحرص ؟ أنا الذي طلبت ميراثي وحقي الذي جعلني الله ورسوله أولى به، أم أنتم تضربون وجهي دونه وتحولون بيني وبينه، فبهتوا، والله لا يهدي القوم الظالمين. اللهم اني أستعديك على قريش، فانهم قطعوا رحمي، وأضاعوا اياي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه. ثم قالوا: ألا ان في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه، فاصبر كمدا، ومت أسفا حنقا، فنظرت فإذا ليس معي رافد، ولا ذاب، ولا ناصر، ولا مساعد الا أهل بيتي، فضننت بهم المنية، فأغضيت على القذى، وتجرعت ريقي على الشجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، وآلم للقلب من حز الشفار. حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتوه، ثم جئتموني لتبايعوني، فأبيت عليكم، فأمسكت يدي، فنازعتموني ودافعتموني، وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، وازدحم علي حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، أو أنكم قاتلي، فقلتم بايعنا لا نجد غيرك، ولا نرضى الا بك، بايعنا لا نفترق ولا تختلف كلمتنا، فبايعتكم ودعوت الناس الى بيعتي، فمن بايع طوعا قبلته، ومن أبى لم أكرهه وتركته، فبايعني في من بايعني طلحة والزبير، الى الخطبة (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد أيضا، قال: وروى الزبير بن بكار، قال: روى محمد بن اسحاق أن أبا بكر لما بويع افتخرت تيم بن مرة، قال: وكان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا عليه السلام هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال الفضل بن العباس: يا معشر


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 94 - 97.

[ 187 ]

قريش وخصوصا يا بني تيم، انكم انما أخذتم الخلافة بالنبوة، ونحن أهلها دونكم، ولو طلبنا هذا الأمر الذي نحن أهله لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسدا منهم لنا، وحقدا علينا، وانا لنعلم ان عند صاحبنا عهدا هو ينتهي إليه. وقال بعض ولد أبي لهب بن عبد المطلب: ما كنت أحسب أن الأمر منصرف عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم وأعلم الناس بالقرآن والسنن وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن جبريل عون له في الغسل والكفن ما فيه ما فيهم لا يمترون به وليس في القوم ما فيه من الحسن ماذا الذي ردهم عنه فنعلمه ها ان ذا غبننا من أعظم الغبن (1) ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما أنشده عليه السلام وهو معروف عند المخالف والمؤالف: فان كنت بالشورى ملكت امورهم فليس بهذا والمشيرون غيب وان كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبي وأقرب (2) ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما نقله القاضي الميبدي الشافعي في شرحه للديوان المنسوب الى الحضرة العلية المرتضوية، أن علي بن أحمد الواحدي روى عن أبي هريرة، أن عليا عليه السلام قد أنشد في حضور أبي بكر وعمر وعثمان، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن، وفضل بن عباس، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وأبي ذر ومقداد وسلمان، هذه الأبيات: لقد علم الناس بأن سهمي من الاسلام يفضل كل سهم


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 21. (2) ديوان الامام علي عليه السلام ص 9 ط بيروت.

[ 188 ]

وأحمد النبي أخي وصهري عليه الله صلى ابن عمي واني قائد للناس طرا الى الاسلام من عرب وعجم وقاتل كل صنديد رئيس وجبار من الكفار ضخم وفي القرآن ألزمهم ولائي وأوجب طاعتي فرضا بعزم كما هارون من موسى أخوه كذلك أنا أخوه ذاك اسمي لذاك أقامني لهم اماما وأخبرهم به بغدير خم فما منكم يعادلني بسهمي واسلامي وسابقتي ورحمي فويل ثم ويل ثم ويل لجاحد طاعتي ومريد هضمي وويل للذي يشقي شقاها يريد عداوتي من غير جرم ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما ذكره عمدة المخالفين أعثم الكوفي في تاريخه، وهو أن أبا بكر لما أخذ البيعة من الناس، وفرغ من أمرها، بعث رسولا الى علي عليه السلام ليحضر للبيعة، فحضر عليه السلام وسلم وجلس. فقال بعد كلام مقبلا على المهاجرين: يا هؤلاء انما أخذتم الأمر من الأنصار بالحجة عليهم بالقرابة، لأنكم زعمتم أن محمدا منكم، فأعطوكم المقادة، وسلموا لكم الأمر، وأنا أحتج عليكم بالذي احتججتم على الأنصار، نحن أولى بمحمد صلى الله عليه وآله حيا وميتا: لانا اهل بيته، واقرب الخلق إليه، فان كنتم تخافون الله فانصفونا واعترفوا لنا في هذا الأمر ما عرفته لكم الأنصار. فقال عمر: أيها الرجل لست بمتروك، وتبايع كما بايع غيرك، فقال عليه السلام: إذا أقبل ما تقول يا عمر ؟ ثم قال لأبي عبيدة بعد كلام له: وليس ينبغي لكم أن تخرجوا سلطان محمد صلى الله عليه وآله من داره وقعر بيته الى دوركم وقعور بيتكم، ففي بيوتنا نزل القرآن، ونحن معدن العلم والفقه والسنة، ونحن أعلم بامور الخلق منكم، فلا تتبعوا الهوى، فيكون نصيبكم الأخسر. ثم قال بشير بن سعد الأنصاري ما حاصله: أن يا أبا الحسن ان كنا نسمع منك

[ 189 ]

هذا الكلام قبل بيعة أبي بكر، ما كان يخالفك أحد، ولكن جلست في بيتك ولم تحضر فظن الناس أنك لا تحتاج الى هذا الأمر، ثم قال عليه السلام: وكان يجب علي أترك رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته لم أجنه في حفرته، فأخرج فانازع الناس بخلافته، ثم قال أبو بكر: يا أبا الحسن لو علمت أنك تنازعني في هذا الأمر لما أردته وما طلبته وقد بايع الناس (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما راه ابن أبي الحديد في شرحه، عن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: لما بويع أبو بكر واستقر أمره، ندم قوم من الأنصار على بيعته، ولام بعضهم بعضا، وذكروا علي بن أبي طالب، وهتفوا باسمه، وانه في داره لم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون، وكثر في ذلك الكلام (2). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما رواه أيضا ابن أبي الحديد في شرحه، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال عند دفن سيدة النساء عليها السلام كالمناجي به رسول الله صلى الله عليه وآله عند قبره: السلام عليك يارسول الله، الى قوله: اما حزني فسرمد، واما ليلي فمسهد، الى أن يختار الله دارك التي أنت بها مقيم، وستنبؤك ابنتك بتضافر امتك على هضمها، فأحفها السؤال، واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذكر، والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم، فان أنصرف فلا عن ملالة، وان أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين (3). ووجه دلالته على مظلوميته عليه السلام ظاهر. ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، قوله عليه السلام مع ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه، قال عليه السلام: وقال لي قائل: انك يابن أبي طالب على هذا الأمر لحريص، فقلت: بل


(1) لم أعثر على المنقول من كتاب الفتوح فيه. (2) شرح نهج البلاغة 6: 23. (3) شرح نهج البلاغة 10: 265.

[ 190 ]

أنتم والله أحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب، وانما طلبت حقا لي وأنتم تحولون بيني وبينه ؟ وتضربون وجهي دونه، فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هب كأنه بهت لا يدري ما يجيبني به. اللهم اني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فانهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثم قالوا: ألا ان في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه (1). الشرح: هذا من خطبة يذكر فيها عليه السلام ما جرى يوم الشورى بعد مقتل عمر، والذي قال له (انك على هذا الأمر لحريص) سعد بن أبي وقاص، مع روايته فيه: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. وهذا عجب، فقال لهم: بل أنتم أحرص وأبعد، الكلام المذكور، وقد رواه الناس كافة. وقالت الامامية: هذا الكلام يوم السقيفة، والذي قال له (انك على هذا الأمر لحريص) أبو عبيدة الجراح، والرواية الاولى أظهر وأشهر. وروي (فلما قرعته) بالتخفيف، أي: صدمته بها. وروي (هب لا يدري ما يجيبني) كما تقول: استيقظ وانتبه، كأنه كان غافلا ذاهلا عن الحجة فهب لما ذكرتها. (أستعديك) أي: أطلب أن تعديني عليهم، وأن تنتصف لي منهم. (قطعوا رحمي) لم يرعوا قربه من رسول الله صلى الله عليه وآله. (وصغروا عظيم منزلتي) لم يقفوا مع النصوص الواردة فيه. (وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي) أي: بالأفضلية أنا أحق به منهم، هكذا ينبغي أن يتأول كلامه عليه السلام، وكذلك قوله (انما طلبت حقا لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه).


(1) نهج البلاغة ص 246، رقم الخطبة: 172.

[ 191 ]

قال: ثم قالوا: ألا ان في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه، قال: لم يقتصروا على أخذ حقي ساكتين عن الدعوى، ولكنهم أخذوه وادعوا أن الحق لهم، وأنه يجب علي أن أترك المنازعة فيه، فليتهم أخذوه معترفين بأنه حقي، فكانت المصيبة به أخف وأهون. واعلم أنه قد تواتر الأخبار عنه عليه السلام بنحو من هذا القول، نحو قوله (ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه حتى يوم الناس هذا) وقوله (اللهم أخز قريشا فانها منعتني حقي وغصبتني أمري) وقوله (وجزى قريشا عني الجوازي، فانهم ظلموني حقي واغتصبوا سلطان ابن امي) وقوله وقد سمع صارخا ينادي أنا مظلوم، فقال: هلم فلنصرخ معا، فاني ما زلت مظلوما. وقوله (وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى) وقوله (أرى تراثي نهبا) وقوله (أصغيا بانائنا وحملا الناس على رقابنا) وقوله (ان لنا حقا ان نعطه نأخذه، وان نمنعه نركب أعجاز الابل وان طال السرى) وقوله (ما زلت مستأثرا علي مدفوعا عما أستحقه وأستوجبه). وأصحابنا يحملون ذلك كله على ادعائه الأمر بالأفضلية والأحقية، وهو الحق والصواب، فان حمله على الاستحقاق بالنص تكفير أو تفسيق لوجوه المهاجرين والأنصار، ولكن الامامية والزيدية حملوا هذه الأقوال على ظواهرها، وارتكبوا بها مركبا صعبا. ولعمري ان هذه الألفاظ موهمة مغلبة على الظن ما يقوله القوم، ولكن تصفح الأحوال يبطل ذلك الظن، ويدرأ ذلك الوهم، فوجب أن يجري مجرى الايات المتشابهات الموهمة ما لا يجوز على الباري، فانه لا نعمل بها، ولا نعول على ظواهرها، لأننا لما تصفحنا أدلة العقول، اقتضت العدول عن ظاهر اللفظ، وأن تحمل على التأويلات المذكورة في الكتب. وحدثني يحيى بن سعيد بن علي الحنبلي المعروف بابن عالية، من ساكني قطفتا بالجانب الغربي من بغداد، وأحد الشهود المعدلين بها، قال: كنت حاضرا عند الفخر

[ 192 ]

اسماعيل بن علي الحنبلي الفقيه المعروف بغلام ابن المنى، وكان الفخر اسماعيل هذا مقدم الحنابلة ببغداد في الفقه والخلاف، ويشتغل بشئ في علم المنطق، وكان حلو العبارة، وقد رأيته أنا وحضرت عنده، وسمعت كلامه، وتوفي سنة عشر وستمائة. قال ابن عالية: ونحن عنده نتحدث إذ دخل شخص من الحنابلة، قد كان له دين على بعض أهل الكوفة، فانحدر يطالبه به، واتفق أن حضرت زيارة يوم الغدير، والحنبلي المذكور بالكوفة، وهذه الزيارة هي اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، ويجتمع بمشهد أمير المؤمنين عليه السلام من الخلائق جموع عظيمة تتجاوز حد الاحصاء. قال ابن عالية: فجعل الشيخ الفخر يسائل ذلك الشخص، ما فعلت ؟ ما رأيت ؟ هل وصل مالك اليك ؟ هل بقي لك منه بقية عند غريمك ؟ وذلك الشخص يجاوبه حتى قال له: يا سيدي لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير وما يجري عند قبر علي بن أبي طالب من الفضائح والأقوال الشنيعة، وسب الصحابة جهارا بأصوات مرتفعة من غير مراقبة ولا خيفة. فقال اسماعيل: أي ذنب لهم، والله ما جرأهم على ذلك، ولا فتح لهم هذا الباب الا صاحب ذلك القبر، فقال ذلك الشخص: ومن هو صاحب القبر ؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: يا سيدي هو الذي سن لهم ذلك، وعلمهم اياه وطرقهم إليه ؟ ! قال: نعم والله، قال: يا سيدي فان كان محقا فما لنا نتولى فلانا وفلانا، وان كان مبطلا فما لنا نتولاه، ينبغي أن نبرأ: إما منه، أو منهما. قال ابن عالية: فقام اسماعيل مسرعا، فلبس نعليه، وقال: لعن الله اسماعيل الفاعل ابن الفاعل ان كان يعرف جواب هذه المسألة، ودخل دار حرمه، وقمنا نحن فانصرفنا (1). أقول: ما ذكره هذا الحنبلي هو الحق والصدق، لأنه من الامور الضرورية أن


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 305 - 308.

[ 193 ]

عليا عليه السلام كان يبغض الثلاثة، ويحكم بضلالهم في حياتهم وبعد مماتهم، واتبعه في هذه العقيدة أولاده وشيعتهم وخواصهم الى يومنا هذا، وأنصف ابن أبي الحديد في هذا المقام حيث لم ينكر هذه المقالة، ولم يتعرض لجوابها. حكاية عجيبة تناسب المقام: قال في الصراط المستقيم: سمعنا مذاكرة أن ابن الجوزي قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، فسألته امرأة عما روي أن عليا عليه السلام سار في ليلة الى سلمان فجهزه ورجع، فقال: روي ذلك، قالت: فعثمان تم ثلاثة أيام منبوذا في المزابل وعلي حاضر، قال: نعم، قالت: فقد لزم الخطأ لأحدهما، فقال: ان كنت خرجت من بيتك بغير اذن زوجك فعليك لعنة الله، والا فعليه، فقالت: خرجت عائشة الى حرب علي عليه السلام باذن النبي صلى الله عليه وآله أو لا ؟ فانقطع (1). ومما يدل أيضا على ما ادعينا قوله عليه السلام: انظروا أهل بيت نبيكم، فألزموا سمتهم، واتبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردى، فان لبدوا فالبدوا، وان نهضوا فانهضوا، ولا تستبقوهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا، لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، فما أرى أحدا يشبههم منكم، لقد كانوا يصحبون شعثا غبرا، وقد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفا من العتاب، ورجاء للثواب (2). وقال ابن أبي الحديد في الشرح: السمت: الطريق. ولبد الشئ بالأرض يلبد بالضم لبودا: التصق بها. يراوحون بين جباهم وخدودهم، تارة يسجدون على


(1) الصراط المستقيم 1: 218. (2) نهج البلاغة ص 143، رقم الخطبة: 97.

[ 194 ]

الجباه، وتارة يضعون خدودهم على الأرض بعد الصلاة تذللا وخضوعا. وهملت أعينهم: سالت. ومادوا: تحركوا واضطربوا (1). ووجه الدلالة: أن كلامه عليه السلام صريح في أن التقدم على آل محمد ضلال، والتأخر عنهم وترك اتباعهم هلاك، فثبت بطلان خلافة الثلاثة، لأنهم تقدموا على آل محمد عليهم السلام وتأمروا عليهم. ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، قوله عليه السلام: واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوا ذلك من عند أهله، فانهم عيش العلم، وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين، ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صدق، وصامت ناطق (2). ووجه الدلالة على المدعى: أنه عليه السلام اعتبر في الامام المرشد للعباد صفات لم يكن بالاجماع في الثلاثة، لأن منها عدم مخالفة الدين، وعدم الاختلاف في الدين، ولا شك أن الثلاثة خالفوا واختلفوا. ومما يدل على ما ادعيناه، قوله عليه السلام: اللهم انك تعلم أنه لم يكن الذي كان منافسة في سلطان، ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك، اللهم اني أول من أناب وسمع وأجاب، لم يسبقني الا رسول الله صلى الله عليه وآله بالصلاة، وقد علمتم انه لا ينبغي ان يكون الوالي على الفروج والمغانم والاحكام، وامامة المسلمين البخيل، فيكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا


(1) شرح نهج البلاغة 7: 77. (2) نهج البلاغة ص 205 - 206: رقم الخطبة: 147.

[ 195 ]

الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الامة (1). الشرح: النهمة: الهمة الشديدة بالأمر، قد نهم بكذا بالضم فهو منهوم، أي: مولع به، حريص عليه. الجفاء: الغلظة. قوله (ولا الحائف للدول) أي: الظالم لها والجائر عليها. والدول جمع دولة بالضم، وهي اسم المال المتداول به. وقد قال ابن أبي الحديد في شرحه: وقد روي ولا الخائف للدول بالخاء المعجمة، ونصب الدول، أي: من يخاف دول الأيام وتقلبات الدهر، فيتخذ قوما دون قوم ظهريا (2). ووجه الدلالة: أنه عليه السلام ذكر للامام صفات لم تكن مجتمعة في غيره وغير أولاده المعصومين عليهم السلام بالاجماع، لأن خلفاء المخالفين على ما نذكره كانوا جاهلين جافين معطلين لكثير من السنة. ومما يدل على ما ادعيناه: قوله عليه السلام في نهج البلاغة: إذا قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله، رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السبل، واتكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي امروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص أساسه، فبنوه في غير موضعه، معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمزة، قد ماروا في الحيرة، وذهلوا في السكرة، على سنة من آل فرعون من منقطع الى الدنيا راكن، أو مفارق للدين مباين (3). قال ابن أبي الحديد في الشرح: رجعوا على الأعقاب: تركوا ما كانوا عليه، قال


(1) نهج البلاغة ص 189، رقم الكلام: 131. (2) شرح نهج البلاغة 8: 266 - 267. (3) نهج البلاغة ص 209، رقم الخطبة: 150.

[ 196 ]

سبحانه ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا (1). أقول: بل قوله عليه السلام اشارة الى قوله تعالى أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم (2). ثم قال: وغالتهم السبل: أهلكهم اختلاف الاراء والأهواء، غاله كذا أي: أهلكه، والسبل: الطرق. والولائج: جمع وليجة، وهي البطانة يتخذها الانسان لنفسه، قال سبحانه ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة (3). (ووصلوا غير الرحم) أي: غير رحم الرسول صلى الله عليه وآله، فذكرها عليه السلام ذكرا مطلقا غير مضاف للعلم بها، كما يقول القائل (أهل البيت) فيعلم السامع أنه أراد أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله. (وهجروا السبب) يعني: أهل البيت أيضا، وهذا اشارة الى قول النبي صلى الله عليه وآله: خلفت فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، حبلان ممدودان من السماء الى الأرض، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض. فعبر أمير المؤمنين عليه السلام من أهل البيت بلفظة (السبب) لما كان النبي صلى الله عليه وآله قال (حبلان) والسبب في اللغة: الحبل. وعنى بقوله (امروا بمودته) قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى (4). قوله (ونقلوا البناء عن رص أساسه) الرص مصدر رصصت الشئ أرصه، أي: ألصقت بعضه ببعض، ومنه كأنهم بنيان مرصوص (5) وتراص القوم في الصف، أي: تلاصقوا، فبنوه في غير موضعه، ونقلوا الأمر عن أهله الى غير أهله.


(1) آل عمران: 144. (2) آل عمران: 144. (3) التوبة: 16. (4) الشورى: 23. (5) الصف: 5.

[ 197 ]

ثم ذمهم عليه السلام فقال: (انهم معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة) الغمرة: الضلال والجهل، والضارب فيها: الداخل المعتقد لها. (قد ماروا في الحيرة) مار يمور إذا ذهب وجاء، فكأنهم يسبحون في الحيرة، كما يسبح الانسان في الماء. وذهل فلان بالفتح يذهل (على سنة من آل فرعون) أي: على طريقة، وآل فرعون أتباعه، قال تعالى ادخلوا آل فرعون أشد العذاب (1). (من منقطع الى الدنيا) لاهم له غيرها، راكن: مخلد إليها، قال تعالى ولا تركنوا الى الذين ظلموا (2) أو مفارق للدين: مباين مزايل. فان قلت: أي فرق بين الرجلين ؟ وهل يكون المنقطع الى الدنيا الا مفارقا للدين ؟ قلت: قد يكون في أهل الضلال من هو مفارق للدين مباين، وليس براكن الى الدنيا ولا منقطع إليها، كما نرى كثيرا من أحبار النصارى ورهبانهم. فان قلت: أليس هذا الفصل صريحا في تحقيق مذهب الامامية ؟ قلت: لا بل يحمل (3) على أنه عنى عليه السلام أعداءه الذين حاربوه من قريش وغيرهم من أفناء العرب في أيام صفين، وهم الذين نقلوا البناء، وهجروا السبب، ووصلوا غير الرحم، واتكلوا على الولائج، وغالتهم السبل، ورجعوا على الأعقاب، كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة، وحبيب بن مسلمة، وبسر بن أرطاة، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وحوشب، وذي الكلاع، وشرحبيل بن السمط، وأبي الأعور السلمي، وغيرهم ممن تقدم ذكرنا له في الفصول المتعلقة بصفين وأخبارها، فان هؤلاء نقلوا الامامة


(1) غافر: 46. (2) هود: 113. (3) في الشرح: نحمله.

[ 198 ]

عنه عليه السلام الى معاوية، فنقلوا البناء عن رص أهله الى غير موضعه. فان قلت: لفظ الفصل يشهد بخلاف ما تأولته، لأنه قال عليه السلام: حتى إذا قبض الله رسوله رجع قوم على الأعقاب، فجعل رجوعهم على الأعقاب عقيب قبض الرسول صلى الله عليه وآله وما ذكرته أنت كان بعد قبض الرسول بنيف وعشرين سنة. قلت: ليس يمتنع أن يكون هؤلاء المذكورون رجعوا على الأعقاب لما مات رسول الله صلى الله عليه وآله، وأضمروا في أنفسهم مشاقة أمير المؤمنين عليه السلام وأذاه، وقد كان فيهم من يتحكك به في أيام أبي بكر وعمر وعثمان، ويتعرض له، ولم يكن أحد منهم ولا من غيرهم يقدم على ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يمتنع أيضا أن يريد برجوعهم على الأعقاب ارتدادهم عن الاسلام بالكلية، فان كثيرا من أصحابنا يطعنون في ايمان بعض من ذكرناه، ويعدونهم من المنافقين. وقد كان سيف رسول الله صلى الله عليه وآله يقمعهم ويردعهم عن اظهار ما في أنفسهم من النفاق، فأظهر قوم منهم بعده ما كانوا يضمرونه من ذلك، خصوصا فيما يتعلق بأمير المؤمنين الذي ورد في حقه: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله الا ببغض علي بن أبي طالب، وهو خبر محقق مذكور في الصحاح. فان قلت: يمنعك من هذا التأويل قوله (ونقلوا البناء عن رص أساسه، فجعلوه في غير موضعه) وذلك لأن (إذا) ظرف، والعامل فيها قوله (رجع قوم على الأعقاب) وقد عطف عليه قوله (ونقلوا البناء) فإذا كان الرجوع على الأعقاب واقعا في الظرف المذكور، وهو وقت قبض الرسول، وجب أن يكون نقل البناء الى غير موضعه واقعا في ذلك الوقت أيضا، لأن أحد الفعلين معطوف على الاخر، ولم ينقل أحد وقت قبض الرسول صلى الله عليه وآله البناء الى معاوية عن أمير المؤمنين عليه السلام، وانما نقل عنه شخص آخر، وفي اعطاء العطف حقه اثبات مذهب الامامية صريحا. قلت: إذا كان الرجوع على الأعقاب واقعا في وقت قبض النبي صلى الله عليه وآله، فقد قمنا بما يجب من وجود عامل في الظرف، ولا يجب أن يكون نقل البناء الى غير موضعه

[ 199 ]

واقعا في تلك الحال أيضا، بل يجوز أن يكون واقعا في زمان آخر، إما بأن يكون الواو للاستئناف لا للعطف، أو بأن يكون للعطف في مطلق الحدث، لا في وقوع الحدث في عين ذلك الزمان المخصوص. ثم قال بعد كلام: واعلم أنا نحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام على ما يقتضيه سؤدده الجليل، ومنصبه العظيم، ودينه القويم، من الاغضاء عما سلف ممن سلف، فقد كان صاحبهم بالمعروف برهة من الدهر، فأما أن يكون ما كانوا فيه حقهم أو حقه، فتركه لهم رفعا لنفسه عن المنازعة، أو لما رآه من المصلحة، وعلى كلا التقديرين فالواجب علينا أن نطبق بين أفعاله وأقواله بالنسبة إليهم وبين أولها، فان بعد تأويل من يتأوله من كلامه، فليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد والعدل الايات المتشابهة في القرآن، ولم يمنع بعدها من الخوض في تأويلها محافظة على الاصول المقررة، فكذلك هاهنا (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما في نهج البلاغة من كلامه عليه السلام: زرعوا الفجور، وسقوه الغرور، وحصدوا الثبور، لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الامة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الان إذ رجع الحق الى أهله، ونقل الى منتقله (2). قال ابن أبي الحديد بعد كلام له في الشرح: ثم ذكر عليه السلام أن لهم خصائص حق الولاية، والولاية الامرة. فأما الامامية، فيقولون: أراد نص النبي صلى الله عليه وآله عليه وعلى أولاده، ونحن نقول: لهم خصائص حق ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله على الخلق. ثم قال عليه السلام: وفيهم الوصية والوارثة. أما الوصية على الخلق، فلا ريب عندنا


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 132 - 136. (2) نهج البلاغة ص 47: رقم الخطبة: 2.

[ 200 ]

أن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، وان خالف في ذلك من هو منسوب عندنا الى العناد، ولسنا نعني بالوصية النص والخلافة، ولكن امورا اخرى. وأما الوارثة، فالامامية يحملونها على ميراث المال والخلافة، ونحن نحملها على وراثة العلم. ثم ذكر عليه السلام أن الحق رجع الان الى أهله، وهذا يقتضي أن يكون فيما قبل في غير أهله، ونحن نتأول ذلك على غير ما تذكره الامامية، ونقول: انه عليه السلام كان أولى بالأمر وأحق لا على وجه النص، بل على وجه الأفضلية، فانه أفضل البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأحق باخلافة من جميع المسلمين، لكنه ترك حقه لما علمه من المصلحة، وما تفرس فيه هو والمسلمون من اضطراب الاسلام، وانتشار الكلمة، لحسد العرب له، الى آخر كلامه (1). انظر أيها البصير كيف أعماهم التقليد وأصمهم، لاشك في أنه لا يجوز عاقل له أدنى بصيرة أمثال هذه التأويلات البعيدة، لأن قوله (فيهم خصائص حق الولاية) صريح في أن الامارة كانت مختصة بهم، وكيف يجوز عاقل أن يترك خاتم الأنبياء الوصية بالأهم وهو الخلافة، مع علمه بعدم العود وعدم مجئ نبي بعده، مع كمال احتياج الامة الى الخليفة، ويوصي بغير الأهم. والعجب أن عليا عليه السلام على مذهبهم لم يكن وصيا على متروكات النبي صلى الله عليه وآله ايضا: لانهم اعتقدوا ا ما ترك النبي صلى الله عليه وآله كانت صدقة، والمتولي عليها كان أبا بكر، وزعموا أن النبي صلى الله عليه وآله لم يخبره بأن ما تركه صدقة، فما أدري أنه عليه السلام فيما كان وصيته التي كان يباهي بها، وشعراء الصحابة والتابعين يعدونها من فضائله في نظمهم ونثرهم ؟ وحمل الوراثة على وراثة العلم لا وجه له، لأن وراثة العلم عند المخالفين لا يختص بآل محمد صلى الله عليه وآله، والمفهوم من كلامه عليه السلام اختصاص الوراثة بهم. وقوله (رجع الحق الى أهله) صريح في أن خلفاء المخالفين لم يكونوا من أهل


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 139 - 140. (*)

[ 201 ]

الحق، وكيف يمكن أن يتكلم أمير المؤمنين عليه السلام مع ارتفاع شأنه وعلو مكانه وغاية بلاغته، بهذه العبارات الصريحة فيا قلناه، ويريد به المعنى البعيد الذي لا يخطر ببال أحد، الا من ابتلي بمرض التقليد ذلك ظن الذين لا يوقنون. وقوله (لكنه ترك حقه لما علمه من المصلحة) أقول: المصلحة التي ترك لها حقه حقن دمه ودماء شيعته، لا ما زعمه الشارح، ويشهد بما قلناه تظلماته على المنابر، وما ورد من أن عمر أتى بالنار ليحرق عليهم الدار. ومما يدل أيضا على بطلان قولهم بتحقق الاجماع على خلافة أبي بكر، ما رواه الخاصة والعامة، أن أبا بكر قال على المنبر: أقيلوني لست بخيركم (1). ووجه الدلالة: أنه اقرار منه بعدم استحقاقه للخلافة، فان كان صادقا في اقراره، فلا وجه للاجماع على امامة غير المستحق. وان كان كاذبا، فلا معنى للاجماع على امامة الكاذب. ومما يدل أيضا على عدم الاجماع، ما رواه المخالف والموافق عن عمر أنه قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد الى مثلها فاقتلوه (2). ووجه الدلالة: أن عمر اعترف بأن بيعة أبي بكر كانت فلتة، يعني فجأة عن خطأ لا عن تدبر، ومع هذا أفتى بكونها شرا، وبقتل من عاد الى مثلها، فكيف يجوز تحقق الاجماع على خلافة أبي بكر ؟ مع أن الاجماع على الخطأ محال، فلابد للمخالفين أن يلتزموا أحد أمرين: إما عدم تحقق الاجماع على خلافة أبي بكر، أو جهالة عمر وكذبه وعدم قابليته للخلافة.


(1) راجع: الطرائف ص 402. (2) صحيح البخاري 4: 179، باب رجم الحبلى من الزنا، وسيرة ابن هشام 2: 658، والصراط المستقيم 2: 302. (*)

[ 202 ]

قال علي عليه السلام في أثناء خطبته: لم يكن بيعتكم اياي فلتة (1). وقال ابن أبي الحديد في شرحه: الفلتة الأمر يقع عن غير تدبر، وفي الكلام تعريض ببيعة أبي بكر (2). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما في شرح نهج البلاغة في المجلد التاسع، عن أبي سعد (3)، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: وقع بين عثمان وعلي عليه السلام كلام، فقال عثمان: ما أصنع ان كانت قريش لا تحبكم، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين، كأن وجوههم شنوف الذهب، تصرع أنفهم قبل شفاهم (4). ووجه الدلالة: أن المستفاد من هذا القول أن بيعة قريش الثلاثة لم تكن لمصلحة دينية، بل لم تكن الا بغضا لله ولرسوله ولأمير المؤمنين، ولا ريب في أن مثل هذه البيعة باطل، ولا يخفى أن المستفاد من مدح عثمان الكفرة الفجرة المقتولين بأيدي البررة، أنه كان من المبغضين المنافقين، فبطل خلافته، وهو مستلزم لبطلان خلافة أخويه أيضا، لعدم القول بالفصل. ومما يدل أيضا على بطلان بيعة أبي بكر وأخويه، ما رواه في المصابيح من الصحاح عن حذيفة، قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، قلت: يا رسول الله انا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه ؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر ؟


(1) نهج البلاغة ص 194، رقم الكلام: 136. (2) شرح نهج البلاغة 9: 31. (3) هو أبو سعد زين الكفاة منصور بن الحسين الابي، وزير مجد الدولة رستم بن فخر الدولة بن ركن الدولة بن بابويه، صاحب كتاب نثر الدرر في المحاضرات. (4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 22 - 23.

[ 203 ]

قال: نعم دعاة على أبواب جهنم، الى آخر الحديث (1). ووجه الدلالة ظاهر، لأن الخبير البصير لا يفهم من هذا الكلام الا كون خلافة الخلفاء الثلاثة شرا، وكون خلافة علي عليه السلام خيرا بعد شر، ولكن فيه دخن وهو فتنة الناكثين والقاسطين والمارقين. ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما في صحيح البخاري ومسلم بألفاظهما، عن مالك بن أوس من حكاية ارتفاع علي والعباس الى عمر، والحكاية طويلة، ونحن نأتي هاهنا بموضع الحاجة منها من ألفاظ مسلم، ذكر الراوي الحكاية الى قول عمر لعلي والعباس: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله قال أبو بكر: أنا أولى برسول الله صلى الله عليه وآله، فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما نورث ما تركناه صدقة، فرأيتما ه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم انه لصادق بار أشد تابع للحق. ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وآله وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذبا غادرا خائنا، والله يعلم اني لصادق بار راشد تابع للحق، فوليتها، ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع وأمركما واحد، فقلتما ادفعها الينا، الى آخر الحكاية (2). ووجه الدلالة ظاهر، لأن في الحكاية تصريح بعدم رضاء علي عليه السلام والعباس بخلافة أبي بكر وعمر وبيعتهما، وتصريح باعتقادهما. وقد قال سيدنا المرتضى في الشافي: وقد روى جميع أهل السير أن أمير المؤمنين عليه السلام والعباس لما تنازعا في الميراث، وتخاصما الى عمر، قال عمر: من يعذرني من هذين، ولي أبو بكر فقالا: عق وظلم، والله يعلم انه كان برا تقيا، ثم


(1) صحيح مسلم 3: 1475 برقم: 1847 كتاب الامارة ب 13. (2) صحيح مسلم 3: 1377، كتاب الجهاد ب 15.

[ 204 ]

وليت فقالا: عق وظلم (1). ولينظر العاقل الى هذا الحديث الذي في كتبهم الصحاح، كيف يجوز لأبي بكر أن يقول: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وآله وكذا عمر ؟ مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وقد جعلهما من جملة الرعايا لاسامة بن زيد. وكيف استجاز عمر أن يعبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله (تطلب ميراثك من ابن أخيك) مع أن الله تعالى كان يخاطبه بصفاته، مثل يا أيها النبي يا أيها الرسول يا أيها المزمل يا أيها المدثر وينادي غيره من الأنبياء بأسمائهم، ولم يذكره باسمه الا في أربعة مواطن شهد له فيها بالرسالة لضرورة تخصيصه وتعيينه بالاسم، كقوله وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل (2) وما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين (3) وبرسول يأتي من بعدي اسمه أحمد (4) ومحمد رسول الله والذين معه (5) ثم ان الله تعالى قال لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا (6). ثم عبر عن أمير المؤمنين وسيدة نساء العالمين عليهما السلام مع شرف منزلتهما وعظم شأنهما بقوله (وهذا يطلب ميراث امرأته) وليس هذا الا أثر النفاق، كما لا يخفى على الخبير البصير، والمتصف بهذا الصفات بالاجماع لا يستحق الخلافة لكذبهما واثمهما وغدرهما وخيانتهما.


(1) الشافي 3: 227. (2) آل عمران: 144. (4) الأحزاب: 40. (4) الصف: 6. (5) الفتح: 29. (6) النور: 63.

[ 205 ]

ومما يدل على ما ادعيناه من عدم تحقق الاجماع، ما يدل من الأخبار على عدم رضاء عمر ببيعة أبي بكر اعتقادا ومصلحة للدين، بل لم يكن الداعي له الى حضوره السقيفة الا ليجر الخلافة الى نفسه، فاضطر بعد اليأس منها الى بيعة أبي بكر طمعا في عودها إليه. روى الهيثم بن عدي (1)، عن عبد الله بن عياش الهمداني (2)، عن سعيد بن جبير، قال ذكر أبو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر، فقال رجل: كانا والله شمسي هذه الامة ونوريها، فقال ابن عمر: وما يدريك ؟ قال الرجل: أو ليس قد ائتلفا ؟ قال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون، أشهد أني كنت عند أبي يوما، وقد أمرني أن أحبس الناس عنه، فاستأذن عليه عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال عمر: دويبة سوء، ولهو خير من أبيه، فأوحشني ذلك منه، فقلت: يا أبه عبد الرحمن خير من أبيه ؟ فقال، ومن ليس بخير من أبيه لا ام لك، ائذن لعبد الرحمن. فدخل عليه، فكلمه في الحطيئة الشاعر أن يرضى عنه، وقد كان عمر حبسه في شعر قاله، فقال عمر: ان في الحطيئة أودا (3)، فدعني اقومه بطول حبسه، فألح عليه عبد الرحمن وأبى عمر، فخرج عبد الرحمن، فأقبل علي أبي وقال: أفي غفلة أنت الى يومك هذا عما كان من تقدم احيمق بني تيم علي وظلمه لي ؟ فقلت: لا علم لي بما كان من ذلك، قال: يا بني فما عسيت أن تعلم ؟ فقلت: والله لهو أحب الى الناس من ضياء أبصارهم، قال: ان ذلك لكذلك على رغم أبيك وسخطه، قلت: يا أبه أفلا تجلي عن فعله بموقف في الناس تبين ذلك لهم ؟


(1) الهيثم بن عدي الطائي الكوفي من رواة الأخبار، روى عن هشام بن عروة وعبد الله بن عياش ومجالد، توفي سنة 206. (2) كان راوية للأخبار والاداب، توفي سنة 185. (3) في الشافي: ان الحطيئة لبذئ.

[ 206 ]

قال: وكيف لي بذلك مع ما ذكرت أنه أحب الى الناس من ضياء أبصارهم، اذن يرضخ (1) رأس أبيك بالجندل، قال ابن عمر: ثم تجاسر والله فجسر، فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا في الناس فقال: يا أيها الناس ان بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن دعاكم الى مثلها فاقتلوه (2). وروى الهيثم بن عدي، عن مجالد بن سعيد (3)، قال: غدوت يوما الى الشعبي وأنا اريد أن أسأله عن شئ بلغني عن ابن مسعود أنه كان يقوله، فأتيته وهو في مسجد حيه، وفي المسجد قوم ينتظرونه، فخرج فتعرفت إليه وقلت له: أصلحك الله كان ابن مسعود يقول: ما كنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم الا كان لبعضهم فتنة. قال: نعم كان ابن مسعود يقول ذلك، وكان ابن عباس يقوله أيضا، وكان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهلها، ويصرفها عن غيرهم، فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الأزد، فجلس الينا، فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر ضب (4) على أبي بكر، فقال الأزدي: والله ما رأينا ولا سمعنا برجل قط كان أسلس قيادا لرجل، ولا أقول فيه بالجميل (5) من عمر في أبي بكر. فأقبل علي الشعبي وقال: هذا مما سألت عنه، ثم أقبل على الرجل وقال: يا أخا الأزد فكيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها، أترى عدوا يقول في عدو يريد أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبي بكر، فقال الرجل: سبحان الله


(1) الرضخ: كسر الرأس بالحجر. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 28 - 29، والشافي 4: 127 - 128. (3) مجالد بن سعيد بن عمر الهمداني الكوفي، مات سنة 144. (4) الضب: الحقد والغيظ، وجمعه ضباب. (5) في الشافي: ولا أقوله بالجميل.

[ 207 ]

أنت تقول ذلك يا أبا عمرو ! فقال الشعبي: أنا أقوله، قاله عمر بن الخطاب على رؤوس الأشهاد، فلمه أو دع، فنهض الرجل مغضبا وهو يهمهم في الكلام بشئ لم أفهمه. قال مجالد: فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل الا سينقل عنك هذا الكلام الى الناس ويبثه فيهم، قال: اذن والله لا أحفل به، وشئ لم يحفل به عمر حين قام على رؤوس المهاجرين والأنصار أحفل به أنا ؟ أذيعوه أنتم عني أيضا مابد الكم (1). وروى شريك بن عبد الله النخعي، عن محمد بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن عبد الله بن سلمة، عن أبي موسى الأشعري، قال: حججت مع عمر، فلما نزلنا وعظم الناس خرجت من رحلي اريده، فلقيني المغيرة بن شعبة، فرافقني، ثم قال: أين تريد ؟ فقلت: أمير المؤمنين، فهل لك ؟ قال: نعم، فانطلقنا نريد رحل عمر، فانا لفي طريقنا إذ ذكرنا تولي عمر وقيامه بما هو فيه، وحياطته على الاسلام، ونهوضه بما قبله من ذلك، ثم خرجنا الى ذكر أبي بكر، فقلت للمغيرة: يالك الخير لقد كان أبو بكر مسددا في عمر، لكأنه ينظر الى قيامه من بعده، وجده واجتهاده وعنانه في الاسلام. فقال المغيرة: لقد كان ذلك، وان كان قوم كرهوا ولاية عمر ليزووها عنه، وما كان لهم في ذلك من حظ، فقلت له: لا أبا لك ومن القوم الذين كرهوا ذلك لعمر ؟ فقال المغيرة: لله أنت كأنك لا تعرف هذا الحي من قريش، وما خصوا به من الحسد، والله لو كان هذا الحسد يدرك بحساب لكان لقريش تسعة أعشاره والناس كلهم عشر، فقلت: مه يا مغيرة، فان قريشا بانت بفضلها على الناس. فلم نزل في ذلك حتى انتهينا الى رحل عمر، فلم نجده، فسألنا عنه، فقيل: قد خرج آنفا، فمضينا نقفوا أثره، حتى دخلنا المسجد، فإذا عمر يطوف بالبيت، فطفنا


(1) شرح نهج البلاغة 2: 29 - 30، والشافي 4: 128 - 129.

[ 208 ]

معه، فلما فرغ دخل بيني وبين المغيرة، فتوكأ على المغيرة وقال: من أين جئتما ؟ فقلنا خرجنا نريدك يا أمير المؤمنين، فأتينا رحلك فقيل لنا: خرج الى المسجد، فاتبعناك، فقال: اتبعكما الخير. ثم نظر المغيرة الي وتبسم، فرمقه عمر فقال: مم تبسمت أيها العبد ؟ فقال: من حديث كنت أنا وأبو موسى فيه آنفا في طريقنا اليك، قال: وما ذاك الحديث ؟ فقصصنا عليه الخبر، حتى بلغنا ذكر حسد قريش، وذكر من أراد صرف أبي بكر عن استخلاف عمر، فتنفس الصعداء ثم قال: ثكلتك امك يا مغيرة وما تسعة أعشار الحسد، بل وتسعة أعشار العشر وفي الناس كلهم عشر العشر، بل وقريش شركاؤهم أيضا فيه، وسكت مليا وهو يتهادي بيننا. ثم قال: ألا أخبركما بأحسد قريش كلها ؟ قلنا: بلى يا أمير المؤمنين، قال: وعليكما ثيابكما، قلنا: نعم، قال: وكيف بذلك وأنتما ملبسان ثيابكما، قلنا: يا أمير المؤمنين وما بال الثياب ؟ قال: خوف الاذاعة منها، قلنا له: أتخاف الاذاعة من الثياب أنت وأنت من ملبس الثياب أخوف، وما الثياب أردت ؟ قال: هو ذاك. ثم انطلق، فانطلقنا معه حتى انتهينا الى رحله، فخلى أيدينا من يده، ثم قال: لا تريما (1) ودخل، فقلت للمغيرة: لا أبا لك لقد عثرنا بكلامنا معه وما كنا فيه، وما نراه حبسنا الا ليذاكرنا اياها، قال: فأنا لكذلك إذ أخرج اذنه الينا، فقال: ادخلا، فدخلنا، فوجدناه مستلقيا على برذعة (2) الرحل فلما رآنا تمثل بقول كعب بن زهير. لا تفش سرك الا عند ذي ثقة أولى وأفضل ما استودعت أسرارا صدرا رحيبا وقلبا واسعا قمنا ألا تخاف متى أودعته اظهارا فعلمنا أنه يريد أن نضمن له كتمان حديثه، فقلت أنا له: يا أمير المؤمنين ألزمنا


(1) أي: لا تبرحا. (2) البرذعة بالفتح: الجلس الذي يلقى تحت الرحل.

[ 209 ]

وخصنا وصلنا، قال: بماذا يا أخا الأشعريين ؟ قلت: بافشاء سرك وأن تشركنا في همتك، فنعم المستشاران نحن لك، قال: انكما كذلك، فاسألا عما بدا لكما، ثم قام الى الباب ليغلقه، فإذا الاذن الذي أذن لنا عليه في الحجرة، فقال: امض عنا لا ام لك، فخرج وأغلق الباب خلفه، ثم أقبل علينا فجلس معنا، وقال: سلا تخبرا. قلنا: نريد، أن يخبرنا أمير المؤمنين بأحسد قريش الذي لم تأمن ثيابنا على ذكره لنا ؟ فقال: سألتما عن معضلة وساخبركما، فليكن عندكما في ذمة منيعة وحرز ما بقيت، فإذا مت فشأنكما وما شئتما من اظهار أو كتمان، قلنا: فان لك عندنا ذلك. قال أبو موسى: وأنا أقول في نفسي: ما يريد الا الذين كرهوا استخلاف أبي بكر له كطلحة وغيره، فانهم قالوا لأبي بكر: أتستخلف علينا فظا غليظا، وإذا هو يذهب الى غير ما في نفسي، فعاد الى التنفس، ثم قال: من تريانه ؟ قلنا: والله ما ندري الا ظنا، قال: ومن تظنان ؟ قلنا: عساك تريد القوم الذين أرادوا أبا بكر على صرف هذا الأمر عنك. قال: كلا والله، بل كان أبو بكر أعق، وهو الذي سألتما عنه، كان والله أحسد قريش كلها، ثم أطرق طويلا، فنظر المغيرة الي ونظرت إليه، وأطرقنا مليا لاطراقه، وطال السكوت منا ومنه، حتى ظننا أنه قد ندم على ما بدا منه. ثم قال: والهفاه من ضئيل بني تيم بن مرة، لقد تقدمني ظالما، وخرج الي منها آثما، فقال المغيرة: أما تقدمه عليك يا أمير المؤمنين ظالما فقد عرفناه، كيف خرج اليك منها آثما ؟ قال: ذاك لأنه لم يخرج الي منها الا بعد يأس منها، أما والله لو كنت أطعت يزيد بن الخطاب وأصحابه لم يتلمظ (1) من حلاوتها بشئ أبدا، ولكني قدمت وأخرت، وصعدت وصوبت، ونقضت وأبرمت، فلم أجد الا الاغضاء على ما نشب به منها، والتلهف على نفسي، وأملت انابته ورجوعه، فوالله ما فعل حتى


(1) تلمظ: تتبع بقية الطعام في فمه وأخرج لسانه فمسح به شفتيه.

[ 210 ]

نغر بها بشما (1). قال المغيرة: فما منعك منها يا أمير المؤمنين وقد عرضك لها يوم السقيفة بدعائك إليها، ثم أنت الان تنقم وتتأسف ؟ فقال: ثكلتك امك يا مغيرة، اني كنت أعدك من دهاة العرب، كأنك كنت غائبا عما هناك، ان الرجل ماكرني فماكرته، وألفاني أحذر من قطاة، انه لما رأى شغف الناس به، واقبالهم بوجوههم عليه، أيقن أنه لا يريدون به بدلا، فأحب لما رأى من حرص الناس عليه وميلهم إليه، أن يعلم ما عندي، وهل تنازعني نفسي إليها ؟ وأحب أن يبلوني باطماعي فيها، والتعريض لي بها، وقد علم وعلمت لو قبلت ما عرضه علي لم يجب الناس الى ذلك، فألفاني قائما على أخمصي، مستوفزا حذرا، ولو أجبته الى قبولها لم يسلم الناس الي ذلك، واختبأ ضغنا علي في قلبه، ولم آمن غائلته ولو بعد حين. مع ما بدا لي من كراهة الناس لي، أما سمعت نداءهم من كل ناحية عند عرضها علي: لا نريد سواك يا أبا بكر أنت لها، فرددتها إليه عند ذلك، فلقد رأيته التمع وجهه لذلك سرورا. ولقد عاتبني مرة على كلام بلغه عني، وذلك لما قدم عليه بالأشعث أسيرا، فمن عليه وأطلقه، وزوجه اخته ام فروة، فقلت للأشعث وهو قاعد بين يديه: يا عدو الله أكفرت بعد اسلامك، وارتددت ناكصا على عقبيك، فنظر الي نظرا علمت أنه يريد أن يكلمني بكلام في نفسه، ثم لقيني بعد ذلك في سكك المدينة، فقال لي: أنت صاحب الكلام يابن الخطاب ؟ فقلت: نعم يا عدو الله ولك عندي شر من ذلك، فقال: بئس الجزاء هذا لي منك، قلت: وعلام تريد مني حسن الجزاء ؟ قال: لأنفتي لك من اتباع هذا الرجل، والله ما جرأني على الخلافة عليه الا تقدمه عليك وتخلفك عنها، ولو كنت صاحبها لما رأيت مني خلافا عليك، قلت: لقد كان ذلك فما تأمر


(1) النغر: الامتلاء. والبشم: التخمة.

[ 211 ]

الان ؟ قال: انه ليس بوقت أمر، بل وقت صبر ومضى ومضيت. ولقى الأشعث الزبرقان بن بدر، فذكر له ما جرى بيني وبينه، فنقل ذلك الى أبي بكر، فأرسل الي بعتاب مؤلم، فأرسلت إليه: أما والله لتكفن أو لأقولن كلمة بالغة بي وبك في الناس، تحملها الركبان حيث ساروا، وان شئت استدمنا ما نحن فيه عفوا، فقال: بل نستديمه، وانها لصائرة اليك بعد أيام، فظننت أنه لا يأتي عليه جمعة حتى يردها علي، فتغافل، والله ما ذكرني بعد ذلك حرفا حتى هلك. ولقد مد في أمدها عاضا على نواجذه حتى حضره الموت وآيس منها، فكان منه ما رأيتما، فاكتما ما قلت لكما عن الناس كافة وعن بني هاشم خاصة، وليكن منكما بحيث أمرتكما إذا شئتما على بركة الله، فقمنا ونحن نعجب من قوله، فوالله ما أفشينا سره حتى هلك (1). ووجه دلالة هذه الأخبار على ما ادعينا، أن المستفاد منها أن بيعة عمر لأبي بكر لم يكن مبنيا على دليل شرعي، ولا منوطا برأي واعتقاد، بل حمله على ما فعل حب الرئاسة والرغبة في الحكومة والسياسة، وروى هذه الرواية سيدنا الشريف المرتضى في الشافي، وابن أبي الحديد في شرحه، نقلا عنه وعن الطبري. ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما نقله ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة، قال: ومن كلام له عليه السلام في وقت الشورى: لن يسرع أحد قبلي الى دعوة حق، وصلة رحم، وعائدة كرم، فاسمعوا قولي، وعوا منطقي، عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتضي فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعة لأهل الجهالة (2). الشرح: هذا من جملة كلام قاله عليه السلام لأهل الشورى بعد وفاة عمر، وقد ذكرنا


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 30 - 34، والشافي 4: 129 - 135. (2) نهج البلاغة ص 196، رقم الكلام: 139.

[ 212 ]

من حديث الشورى فيما تقدم ما فيه كفاية، ونحن نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك، وهو من رواية عوانة، عن اسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي في كتاب الشورى ومقتل عثمان، وقد رواه أيضا أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في زيادات كتاب السقيفة. قال: لما طعن عمر جعل الأمر شورى بين ستة نفر: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن مالك، وكان طلحة يومئذ بالشام، وقال عمر: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قبض وهو عن هؤلاء راض، فهم أحق بهذا الأمر من غيرهم، وأوصى صهيب بن سنان مولى عبد الرحمن بن جذعان، ويقال: ان أصله من حي من ربيعة بن نزار يقال لهم: عنزة، فأمره أن يصلي بالناس حتى يرضى هؤلاء القوم رجلا منهم. وكان عمر لا يشك أن هذا الأمر صائر الى أحد الرجلين علي وعثمان، وقال: ان قدم طلحة فهو معهم، والا فلتختر الخمسة واحدا منها. وروى أن عمر قبل موته أخرج سعد بن مالك من أهل الشورى، وقال: الأمر في هؤلاء الأربعة ودعوا سعدا على حاله أميرا بين يدي الامام، ثم قال: ولو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لما تخالجتني فيه الشكوك، فان اجتمع ثلاثة على واحد، فكونوا مع الثلاثة، وان اختلفوا فكونوا مع الجانب الذي فيه عبد الرحمن. وقال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة فوالله لطال ما أعز الله بكم الدين، ونصر بكم الاسلام، اختر من الاسلام خمسين رجلا، فلت بهم هؤلاء القوم في كل يوم مرة، فاستحثوهم حتى يختاروا لأنفسهم وللامة رجلا منهم. ثم جمع قوما من المهاجرين والأنصار، فأعلمهم ما أوصى به، وكتب في وصيته أن يولي سعد بن مالك الكوفة، وأبا موسى الأشعري، لأنه كان عزل سعدا عن سخطة، فأحب أن يطلب ذلك الى من يقوم بالأمر من بعده استرضاء لسعد. قال الشعبي: فحدثني من لا أتهمه من الأنصار - وقال أحمد بن عبد العزيز

[ 213 ]

الجوهري: هو سهل بن سعد الأنصاري - قال: مشيت وراء على بن أبي طالب عليه السلام حيث انصرف من عند عمر، والعباس بن عبد المطلب يمشي في جانبه، فسمعته يقول للعباس: ذهبت منا والله، فقال: كيف علمت ؟ قال: ألا تسمعه يقول: كونوا في الجانب الذي فيه عبد الرحمن، لأنه ابن عمه، وعبد الرحمن نظير عثمان وهو صهره، فإذا اجتمع هؤلاء، فلو أن الرجلين الباقيين كانا معي لم يغنيا عني شيئا، مع أني لست أرجو الا أحدهما، ومع ذلك فقد أحب عمر أن يعلمنا أن لعبد الرحمن عنده فضلا علينا، لعمر الله ما جعل الله ذلك لهم علينا، كما لم يجعله لأولادهم على أولادنا، أما والله لئن عمر لم يمت لأذكرنه ما أتى الينا قديما، ولأعلمته سوء رأيه فينا، وما أتى الينا حديثا، ولئن مات وليموتن ليجتمعن هؤلاء القوم على أن يصرفوا هذا الأمر عنا، ولئن فعلوها وليفعلن ليروني حيث يكرهون، والله ما بي رغبة في السلطان، ولا حب الدنيا، ولكن لاظهار العدل، والقيام بالكتاب والسنة. ثم قال بعد كلام: قال الشعبي: وادخل أهل الشورى دارا، فأقبلوا يتجادلون عليها، وكلهم بها ضنين وعليها حريص: إما لدنيا، وإما لاخرة. فلما طال ذلك قال عبد الرحمن: من رجل منكم يخرج نفسه من هذا الأمر ويختار لهذه الامة رجلا منكم، فاني طيبة نفسي أن أخرج منها وأختار لكم ؟ قالوا، قد رضينا، الا علي بن أبي طالب، فانه اتهمه، وقال: أنظر وأرى، فأقبل أبو طلحة عليه، وقال: يا أبا الحسن ارض برأي عبد الرحمن، كان الأمر لك أو لغيرك، فقال علي عليه السلام: اعطني يا عبد الرحمن موثقا من الله لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى، ولا تميل الى صهر ولا ذي قرابة، ولا تعمل الا لله، ولا تألو هذه الامة أن تختار لها خيرها. قال: فحلف له عبد الرحمن بالله الذي لا اله هو لأجتهدن لنفسي ولكم وللامة ولا أميل الى هوى ولا الى صهر ولا ذي قرابة. قال: فخرج عبد الرحمن، فمكث ثلاثة أيام يشاور الناس، ثم رجع واجتمع الناس، وكثروا على الباب لا يشكون

[ 214 ]

أنه يبايع علي بن أبي طالب، وكان هوى قريش كافة ما عدا بني هاشم في عثمان، وهوى طائفة من الأنصار مع علي عليه السلام، وهوى طائفة اخرى مع عثمان وهي أقل الطائفتين، وطائفة لا يبالون أيهما بويع. قال: فأقبل المقداد بن عمرو والناس مجتمعون، فقال: أيها الناس اسمعوا ما أقول، أنا المقداد بن عمرو، انكم ان بايعتم عليا سمعنا وأطعنا، وان بايعتم عثمان سمعنا وعصينا، فقام عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي فنادى: أيها الناس انكم ان بايعتم عثمان سمعنا وأطعنا، وان بايعتم عليا سمعنا وعصينا، فقال له المقداد: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو كتابه، ومتى كان مثلك يسمع له الصالحون ؟ فقال له عبد الله: يابن الحليف العسيف ومتى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر قريش ؟ فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: أيها الملأ ان أردتم ألا تختلف قريش فيما بينها فبايعوا عثمان، فقال عمار بن ياسر: ان أردتم ألا يختلف المسلون فيما بينهم فبايعوا عليا، ثم أقبل على عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقال: يا فاسق يا بن الفاسق أأنت ممن يستنصحه المسلون أو يستشيرونه في امورهم، وارتفعت الأصوات، ونادى مناد لا يدرى من هو - فقريش تزعم أنه رجل من بني مخزوم، والأنصار تزعم أنه رجل طوال مشرف على الناس - لا يعرفه أحد منهم: يا عبد الرحمن افرغ من أمرك، وامض على ما في نفسك فانه الصواب. قال الشعبي: فأقبل عبد الرحمن على علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: عليك عهد الله وميثاقه، وأشد ما أخذ الله على النبيين من عهد وميثاق، ان بايعتك لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر، فقال علي عليه السلام: طاقتي ومبلغ علمي وجهد رأيي، والناس يسمعون، فأقبل على عثمان فقال له مثل ذلك، فقال: نعم لا أزول عنه ولا أدع شيئا منه. ثم أقبل على علي، فقال له ثلاث مرات ولعثمان ثلاث مرات، في كل ذلك يجيب

[ 215 ]

على عليه السلام مثل ما كان أجاب به، ويجيب عثمان بمثل ما كان أجاب به، فقال: أبسط يدك يا عثمان، فبسط يده فبايعه، وقام القوم فخرجوا وقد بايعوا، الا علي بن أبي طالب عليه السلام فانه لم يبايع. قال: فخرج عثمان على الناس ووجهه متهلل، وخرج علي عليه السلام وهو كاسف البال مظلم، وهو يقول: يابن عوف ليس هذا بأول يوم تظاهرتم علينا، من دفعنا عن حقنا والاستئثار علينا، وانها لسنة علينا، وطريقة تركتموها. فقال المغيرة بن شعبة لعثمان: أما والله لو بويع لغيرك لما بايعناه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: كذبت والله لو بويع غيره لبايعته، وما أنت وذلك يابن الدباغة، والله لو وليها غيره لقلت له مثل ما قلت الان، تقربا إليه وطمعا في الدنيا، فاذهب لا أبا لك، فقال المغيرة: لولا مكان أمير المؤمنين لأسمعتك ما تكره، ومضيا. قال الشعبي: فلما دخل عثمان رحله، دخل إليه بنو امية حتى امتلأت بهم الدار، ثم أغلقوها عليهم، فقال أبو سفيان بن حرب: أعندكم أحد من غيركم ؟ قالوا: لا، قال: يا بني امية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب، ولا حساب، ولا جنة، ولا نار، ولا بعث، ولا قيامة، قال: فانتهره عثمان وساءه بما قال وأمر باخراجه. ثم قال بعد كلام: قال عوانة: فحدثني يزيد بن جرير، عن الشعبي، عن شقيق بن مسلمة، أن علي بن أبي طالب عليه السلام لما انصرف الى رحله، قال لبني أبيه: يا بني عبد المطلب ان قومكم عادوكم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله كعداوتهم النبي صلى الله عليه وآله في حياته، وان يطع قومكم لا تؤمروا أبدا، ووالله لا ينيب هؤلاء الى الحق الا بالسيف. قال: وعبد الله بن عمر بن الخطاب داخل إليهم قد سمع الكلام كله، فدخل فقال: يا أبا الحسن أتريد أن تضرب بعضهم ببعض، فقال: اسكت ويحك فوالله لولا أبوك وما ركب مني قديما وحديثا، ما نازعني ابن عفان ولا ابن عوف، فقام عبد الله فخرج.

[ 216 ]

قال: وأكثر الناس في أمر الهرمزان وعبيد الله بن عمر وقتله اياه، وبلغ عثمان ما قال فيه علي بن أبي طالب عليه السلام، فقام فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس انه كان من قضاء الله أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب أصاب الهرمزان وهو رجل من المسلمين، وليس له وارث الا الله والمسلمون، وأنا امامكم وقد عفوت، أفتعفون عن عبيد الله ابن خليفتكم بالأمس ؟ قالوا: نعم، فعفى عنه، فلما بلغ ذلك عليا عليه السلام تضاحك، وقال: سبحان الله لقد بدأ بها عثمان أيعفو عن حق امرئ ليس بواليه، تالله ان هذا لهو العجب، قالوا: فكان ذلك أول ما بدا من عثمان مما نقم عليه. قال الشعبي: وخرج المقداد من الغد، فلقي عبد الرحمن بن عوف، فأخذ بيده وقال: ان كنت أردت بما صنعت لوجه الله، فأثابك الله ثواب الدنيا والاخرة. وان كنت انما أردت الدنيا، فأكثر الله مالك، فقال عبد الرحمن: اسمع رحمك الله اسمع، قال: لا أسمع والله وجذب يده من يده، ومضى حتى دخل على علي عليه السلام فقال: قم فقاتل حتى نقاتل معك، قال علي عليه السلام: فبمن اقاتل رحمك الله، وأقبل عمار بن ياسر ينادي: يا ناعي الاسلام قم فانعه قد مات عرف وبدا نكر أما والله لو أن لي أعوانا لقاتلتهم، والله لئن قاتلهم واحد لأكونن له ثانيا، فقال علي عليه السلام: يا أبا اليقظان والله لا أجد عليهم أعوانا، ولا احب أن اعرضكم لما لا تطيقون، وبقي علي عليه السلام في داره وعنده نفر من أهل بيته، وليس يدخل إليه أحد مخافة عثمان. قال الشعبي: واجتمع أهل الشورى على أن تكون كلمتهم واحدة على من لم يبايع، فقاموا الى علي عليه السلام فقالوا: قم فبايع عثمان، قال: فان لم أفعل ؟ قالوا: نجاهدك، قال: فمشى الى عثمان حتى بايعه وهو يقول: صدق الله ورسوله، فلما بايع أتاه عبد الرحمن بن عوف، فاعتذر إليه وقال: ان عثمان أعطانا يده ويمينه ولم تفعل

[ 217 ]

أنت، فأحببت أن أتوثق للمسلمين فجعلتها فيه، فقال: ايها عنك، انما آثرته بها لتنالها بعده، دق الله بينكما عطر منشم (1). قال الشعبي: وقدم طلحة من الشام بعد ما بويع عثمان، فقيل له: رد هذا الأمر حتى ترى فيه رأيك، فقال: والله لو بايعتم شركم لرضيت، فكيف وقد بايعتم خيركم، قال: ثم عدا عليه بعد ذلك وصاحبه حتى قتلاه، ثم زعما أنهما يطلبان بدمه. قال الشعبي: فأما ما يذكره الناس من المناشدة، وقول علي عليه السلام لأهل الشورى: أفيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله كذا، فانه لم يكن يوم البيعة، وانما كان بعد ذلك بقليل، دخل علي عليه السلام على عثمان وعنده جماعة من الناس: منهم أهل الشورى، وقد كان بلغه عنهم هنات وقوارص، فقال لهم: أفيكم أفيكم ؟ كل ذلك يقولون: لا، قال: لكني أخبركم عن أنفسكم، أما أنت يا عثمان ففررت يوم حنين، وتوليت يوم التقى الجمعان، وأما أنت يا طلحة فقلت: ان مات محمد لنركضن بين خلاخيل نسائه، كما ركض بين خلاخيل نسائنا، وأما أنت يا عبد الرحمن فصاحب قراريط، وأما أنت يا سعد فتدق عن أن تذكر. قال: ثم خرج، فقال عثمان: أما كان فيكم أحد يرد عليه ؟ قالوا: ما منعك من ذلك وأنت أمير المؤمنين، وتفرقوا. قال عوانة: قال اسماعيل: قال الشعبي: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه جندب بن عبد الله الأزدي، قال: كنت جالسا بالمدينة حيث بويع عثمان، فجئت وجلست الى المقداد بن عمرو، فسمعته يقول: والله ما رأيت مثل ما أتى الى أهل هذا البيت، وكان عبد الرحمن بن عوف جالسا، فقال: وما أنت وذاك يا مقداد ؟ قال المقداد: اني والله أحبهم لحب رسول الله صلى الله عليه وآله، واني لأعجب من قريش


(1) منشم: امرأة عطارة من خزاعة، فتحالف قوم فأدخلوا أيديهم في عطرها على أن يقاتلوا حتى يموتوا، فضرب ذلك مثلا لشدة الأمر.

[ 218 ]

وتطاولهم على الناس بفضل رسول الله صلى الله عليه وآله ثم انتزاعهم سلطانه من أهله، قال عبد الرحمن، أما والله لقد أجهدت نفسي لكم، قال المقداد: أما والله لقد تركت رجلا من الذين يأمرون بالحق وبه يعدلون، أما والله لو أن لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي اياهم ببدر واحد، فقال عبد الرحمن: ثكلتك امك لا يسمعن هذا الكلام الناس، فاني أخاف أن تكون صاحب فتنة وفرقة. قال المقداد: ان من دعا الى الحق وأهله وولاة أمر لا يكون صاحب فتنة، ولكن من أقحم الناس في الباطل، وآثر الهوى على الحق، فذلك صاحب الفتنة والفرقة، قال: فتربد وجه عبد الرحمن، ثم قال: لو أعلم أنك اياي تعني لكان لي ولك شأن، قال المقداد: اياي تهدد يابن ام عبد الرحمن، ثم قام فانصرف. قال جندب بن عبد الله: فاتبعته وقلت له: يا عبد الله أنا من أعوانك، فقال: رحمك الله ان هذا الأمر لا يغني فيه الرجلان ولا الثلاثة، قال: فدخلت من فوري ذلك على علي عليه السلام، فلما جلست إليه، قلت: يا أبا الحسن والله ما أصاب قومك بصرف هذا الأمر عنك، فقال: صبر جميل والله المستعان. فقلت: والله انك لصبور، قال: فان لم أصبر فماذا أصنع ؟ قلت: اني جلست الى المقداد بن عمرو آنفا وعبد الرحمن بن عوف، فقالا كذا وكذا، ثم قام المقداد فاتبعته، فقلت له كذا فقال لي كذا، فقال لي علي عليه السلام: لقد صدق المقداد فما أصنع ؟ فقلت: تقوم في الناس فتدعوهم الى نفسك وتخبرهم أنك أولى بالنبي صلى الله عليه وآله وتسألهم النصر على هؤلاء المظاهرين عليك، فان أجابك عشرة من مائة شددت بهم على الباقين، فان دانوا لك فذاك، والا قاتلتهم وكنت أولى بالعذر، قتلت أو بقيت، وكنت أعلى عند الله حجة. فقال: أترجو يا جندب أن يبايعني من كل عشرة واحد، قلت: أرجو ذلك، قال: لكني لا أرجو ذلك لا والله ولا من المائة واحد، وساخبرك ان الناس انما ينظرون الى قريش، فيقولون: هم قوم محمد وقبيله، وأما قريش بينها فتقول: ان

[ 219 ]

آل محمد يرون لهم على الناس بنبوته فضلا، فيرون أنهم أولياء هذا الأمر دون قريش ودون غيرهم من الناس، وانهم ان ولوه لم يخرج السلطان منهم الى أحد أبدا، ومتى كان في غيرهم تداولته قريش بينها، لا والله لا يدفع الناس الينا هذا الأمر طائعين أبدا. فقلت: جعلت فداك يابن عم رسول الله لقد صدعت قلبي بهذا القول، أفلا أرجع الى المصر، فاوذن الناس بمقالتك، وأدعو الناس اليك ؟ فقال: يا جندب ليس هذا زمان ذلك. قال: فانصرفت الى العراق، فكنت أذكر فضل علي عليه السلام على الناس، فلا أعدم رجلا يقول لي ما أكره، وأحسن ما أسمعه قول من يقول: دع عنك هذا وخذ فيما ينفعك، فأقول: ان هذا مما ينفعني وينفعك، فيقوم عني ويدعني. وزاد أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري: حتى رفع ذلك من قولي الى الوليد بن عقبة أيام ولينا، فبعث الي فحبسني حتى كلم في، فخلي سبيلي. وروى الجوهري، قال: نادى عمار بن ياسر ذلك اليوم: يا معشر المسلمين انا قد كنا وما كنا نستطيع الكلام، قلة وذلة، فأعزنا الله بدينه، وأكرمنا برسوله، فالحمد لله رب العالمين، يا معشر قريش الى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم، تحولونه هاهنا مرة وهاهنا مرة، ما أنا آمن أن ينزعه الله منكم ويضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله. فقال له هاشم بن الوليد بن المغيرة: يابن سمية لقد عدوت طورك، وما عرفت قدرك، ما أنت وما رأت قريش لأنفسها، انك لست في شئ من أمرها وامارتها، فتنح عنها، وتكلمت قريش بأجمعها، فصاحوا بعمار وانتهروه، فقال: الحمد لله رب العالمين، وما زال أعوان الحق أذلاء، ثم قام فانصرف (1).


(1) شرح نهج البلاغة 9: 49 - 58.

[ 220 ]

ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما رواه أبو بكر أحمد بن مردويه في كتابه، وهو من أعيان المخالفين وثقاتهم، ورواه أيضا المسمى عندهم صدر الأئمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي ثم الخوارزمي في كتاب الأربعين، قال: عن الامام الطبراني، حدثنا سعيد الرازي، قال: حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا زافر بن سليمان، قال: حدثنا الحارث بن محمد، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: كنت على الباب يوم الشورى، فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت عليا عليه السلام يقول: بايع الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر وأحق به منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع القوم كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم بايع أبو بكر لعمر وأنا أولى بالأمر منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفارا، ثم وأنتم تريدون أن تبايعوا عثمان، اذن لا أسمع ولا أطيع. وفي رواية اخرى رواها ابن مردويه أيضا، وساق قول علي بن أبي طالب عليه السلام عن مبايعتهم لابي بكر وعمر، كما ذكره في الرواية المتقدمة سواء، الا انه قال في عثمان: ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان، اذن لا أسمع ولا أطيع، ان عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم، لا يعرفون لي فضلا في الصلاح، ولا يعرفونه لي، كأنما نحن فيه شرع سواء، وأيم الله لو أشاء أن أتكلم لتكلمت، ثم لا يستطيع عربهم ولا عجمهم (1) ولا المعاهد منهم ولا المشرك رد خصلة منها. ثم قال: أنشدكم الله أيها الخمسة أمنكم أخو رسول الله صلى الله عليه وآله غيري ؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد له عم مثل عمي حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله غيري ؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزين بالجناحين يطير مع الملائكة في الجنة ؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله سيدة نساء هذه الامة ؟ قالوا: لا.


(1) في الطرائف: عربيكم ولا عجميكم.

[ 221 ]

قال: أمنكم أحد له سبطان مثل ولدي الحسن والحسين سبطي نبي هذه الامة ابني رسول الله صلى الله عليه وآله غيري ؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد قتل مشركي قريش غيري ؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد صلى الى القبلتين قبلي ؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد غسل رسول الله صلى الله عليه وآله غيري ؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد سكن المسجد يمر فيه جنبا غيري ؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد ردت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلى العصر غيري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله حين قرب إليه الطير فأعجبه: اللهم ائتني بأحب خلقك اليك حتى يأكل معي من هذا الطير، فجئت وأنا لا أعلم ما كان من قوله، فدخلت، فقال: والي يا رب والي يا رب غيري ؟ قالوا: لا، قال: أفيكم أحد كان أقتل للمشركين عند كل شديدة تنزل برسول الله صلى الله عليه وآله غيري ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد أعظم غناء عن رسول الله صلى الله عليه وآله مني حين اضطجعت على فراشه ووقيته بنفسي وبذلت مهجتي غيري ؟ قالوا: لا، قال: أفيكم أحد يأخذ الخمس غيري وغير زوجتي فاطمة ؟ قالوا: لا، قال: أفيكم أحد كان له سهم في الخاص وسهم في العام غيري ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد يطهره كتاب الله غيري حتى سد النبي صلى الله عليه وآله أبواب المهاجرين جميعا وفتح بابي حتى قام إليه عماه حمزة والعباس، وقالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا وفتحت باب علي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما أنا فتحت بابه ولا سددت أبوابكم، بل الله فتح بابه وسد أبوابكم ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد تمم الله نوره من السماء حين قال وآت ذا القربى حقه ؟ قالوا: اللهم لا، قال: أفيكم أحد ناجى رسول الله صلى الله عليه وآله ستة عشر مرة غيري حين نزل جبرئيل يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة أعمل بها أحد غيري ؟ قالوا: اللهم لا، قال: أفيكم أحد ولي غمض رسول الله صلى الله عليه وآله غيري ؟ قالوا: لا، قال: أفيكم أحد آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وآله عليه السلام

[ 222 ]

حين وضعه في حفرته غيري ؟ قالوا: لا (1). وفي رواية اخرى عن صدر الأئمة عندهم موفق بن أحمد المكي يرويها عن فخر خوارزم محمود الزمخشري، باسناده الى أبي ذر، زيادة في مناشدة علي بن أبي طالب عليه السلام لأهل الشورى، وهذه لفظها: ناشدتكم الله هل تعلمون معاشر المهاجرين والأنصار أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي، هل تعلمون كان هذا ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن جبرئيل نزل على النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد ان الله تعالى يأمرك أن تحب عليا، وتحب من يحبه، فان الله يحب عليا ويحب من يحب عليا ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لما اسري بي الى السماء السابعة رفعت الى رفارف من نور، ثم رفعت الى حجب من نور، فوعد النبي صلى الله عليه وآله الجبار لا اله الا هو اشياء، فلما رجع من عنده نادى مناد من وراء الحجب: نعم الأب أبوك ابراهيم، ونعم الأخ أخوك علي، فاستوص به، أتعلمون معاشر المهاجرين والأنصار كان هذا ؟ فقال من بينهم أبو محمد يعني عبد الرحمن بن عوف: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله والا فصمتا. قال: هل تعلمون أن أحدا كان يدخل المسجد جنبا غيري ؟ قالوا: اللهم لا، قال: فأنشدكم الله ان أبواب المسجد سدها وترك بابي ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: هل تعلمون أني كنت إذا قاتلت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فهل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين أخذ الحسن والحسين، جعل


(1) الطرائف في معرفة المذاهب للسيد بن طاووس ص 411 - 413، والمناقب للخوارزمي ص 224، والمناقب لابن المغازلي ص 112، وينابيع المودة ص 114.

[ 223 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: هي يا حسن، فقالت فاطمة: ان الحسين أصغر وأضعف ركنا منه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ترضين أن أقول أنا: هي يا حسن، ويقول جبرئيل: هي يا حسين، فهل لأحد منكم مثل هذه المنزلة ؟ نحن الصابرون ليقضي الله في هذه البيعة أمرا كان مفعولا. ثم قال: وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله، والقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، فضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرقه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد في كذبة في قول ولا خطأ في فعل. ولقد قرن الله به من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق (1) المكارم، ومحاسن المعالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لي كل يوم علما من أخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وانا ثالثهما، ارى نور الوحي والرسالة ورائحة النبوة. ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان قد آيس من عبادته، أنت تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، الا أنك لست بنبي لكنك وزير وانك لعلى خير. ولقد كنت معه لما أتاه الملأ من قريش، فقالوا له: يا محمد انك قد ادعيت عظيما لم يدعه آباؤك، ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمرا ان أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول، وان لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: وما تسألون ؟ قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقطع (2) بعروقها وتقف بين


(1) في الطرائف: سبيل. (2) في الطرائف: تنقلع.

[ 224 ]

يديك، فقال صلى الله عليه وآله: ان الله على كل شئ قدير، فان فعل الله ذلك لكم تؤمنون وتشهدون بالحق ؟ قالوا: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: فاني ساريكم ما تطلبون، واني لأعلم أنكم ما تفيؤون الى خير، وان فيكم من يطرح في القليب، ومن يحزب الأحزاب. ثم قال: يا أيتها الشجرة ان كنت تؤمنين بالله واليوم الاخر، وتعلمين أني رسول الله، فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي باذن الله، فوالذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد، وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وألقت بعضها الأعلى على رسول الله صلى الله عليه وآله وبعض أغصانها على منكبي، وكنت عن يمينه صلى الله عليه وآله. فلما نظر القوم الى ذلك، قالوا علوا واستكبارا: فمرها فليأتيك نصفها ويبقى نصفها، فأمرها بذلك، فأقبل إليه نصفها كأعجب اقبال وأشدها دويا، وكادت تلتف برسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا كفرا وعتوا: فمر هذا النصف فليرجع الى نصفه كما كان، فأمره فرجع. فقلت: أنا لا اله الا الله، اني أول مؤمن بك يا رسول الله، وأول من آمن بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله، تصديقا لنبوتك، واجلالا لكلمتك، فقال القوم كلهم: بل ساحر كذاب عجيب السحر حقيق فيه، فهل يصدقك في أمرك الا مثل هذا يعنوني، واني لمن القوم الذين لا يأخذهم في الله لومة لائم سيما الصديقين، وكلامهم كلام الأبرار، عماد الليل، ومنار النهار، متمسكون بحبل الله القرآن، يحبون سنة الله وسنن رسوله، لا يستكبرون، ولا يعلون، ولا يفسدون، قلوبهم في الجنان، وأجسادهم في العمل (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما رواه أبو بكر بن مردويه باسناده، عن أبي ذر


(1) الطرائف ص 413 - 416 عن الخوارزمي.

[ 225 ]

ومقداد وسلمان، قالوا: كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه وآله ما معنا غيرنا، إذ أقبل ثلاثة رهط من المهاجرين البدريين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: تفترق امتي بعدي ثلاث فرق: فرقة أهل حق لا يشوبونه بباطل، مثلهم كمثل الذهب كلما فتنته بالنار ازداد جودة وطيبا، وامامهم هذا لأحد الثلاثة، وهو الذي أمر الله به في كتابه اماما ورحمة. وفرقة أهل باطل لا يشوبونه بحق، مثلهم كمثل خبث الحديد، كلما فتنته بالنار ازداد خبثا، وامامهم هذا لأحد الثلاثة. وفرقة أهل ضلالة مذبذبين بين ذلك، لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء، وامامهم هذا لأحد الثلاثة. قال: فسألته عن أهل الحق وامامهم، فقالوا: هذا علي بن أبي طالب امام المتقين، وأمسك عن الاثنين، فجهدت أن يسميهما فلم يفعل (1). وروى هذا الحديث أيضا أخطب خطباء خوارزم، وأبو الفرج المعافا بن زكريا شيخ البخاري. ووجه الدلالة: أنه يدل على اختلاف الامة بعد النبي صلى الله عليه وآله، وان أهل الحق من كان علي عليه السلام امامه، فبطل ما ادعوه من الاجماع على امامة أئمة الضلالة. ومما يدل أيضا على ما ادعيناه، ما نقله ابن أبي الحديد في شرحه، قال: قال أبو بكر: وحثني علي بن سليمان النوفلي، قال: سمعت ابيا يقول: ذكر سعد بن عبادة يوما عليا بعد يوم السقيفة، فذكر امرا من امره - نسيه أبو الحسن - يوجب ولايته، فقال له ابنه قيس بعد سعد: انت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول هذا في علي بن ابي طالب عليه السلام ثم تطلب الخلافة ويقول اصحابك: منا امير ومنكم امير، لاكلمتك والله من راسي بعدها كلمة ابدا (2). ومما يدل ايضا على ما ادعيناه، ما نقله ابن ابي الحديد في شرحه، قال: قال


(1) اليقين في امرة أمير المؤمنين ص 182 ب 185، وبحار الأنوار 28: 10 ح 16. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 44.

[ 226 ]

أبو بكر: وحدثنا أبو زيد عمر بن شبة باسناد رفعه الى ابن عباس، قال: اني لاماشي عمر في سكة من سكك المدينة يده في يدي، فقال: يابن عباس ما أظن صاحبك الا مظلوما، فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين فاردد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدي، ثم مر يهمهم ساعة، ثم وقف فلحقته، فقال لي: يابن عباس ما أظن القوم منعهم من صاحبك الا أنهم استصغروه، فقلت في نفسي: هذه شر من الاولى، فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة البراءة من أبي بكر (1). وفيه أيضا رواية اخرى في هذا المعنى، قال: قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا محمد بن حاتم، عن رجاله، عن ابن عباس، قال: مر عمر بعلي وأنا معه بفناء داره، فسلم عليه، فقال له علي: أين تريد ؟ الى قوله فقال علي عليه السلام: قم معه، فمشيت الى جانبه، فشبك في أصابعي ومشينا قليلا حتى خلفنا البقيع، قال: يابن عباس أما والله ان صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله الا أنا خفناه على اثنين، قال ابن عباس: فجاء بكلام لم أجد بدا من مسألته عنه، فقلت: ما هما يا أمير المؤمنين ؟ قال: خفناه على حداثة سنه، وحبه بني عبد المطلب (2). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه: ما نقله ابن أبي الحديد من كتاب تاريخ بغداد، أن عمر سأل ابن عباس كيف عليا ؟ قال: يمسح بالدلو ويقرأ القرآن، قال: القي في نفسه شئ من الخلافة يزعم أن النبي صلى الله عليه وآله جعلها له، قلت: نعم، قال: أراد في مرضه أن يصرح باسمه، فمنعت اشفاقا وحيطة على الاسلام، وعلم رسول الله أني علمت ما في


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 45. (2) شرح نهج البلاغة 6: 50 - 51.

[ 227 ]

نفسه فأمسك (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه: ما نقله ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من شرحه، عن الواقدي في كتاب الشورى، عن ابن عباس رحمه الله قال: شهدت عتاب عثمان لعلي عليه السلام، فقال له في بعض ما قاله: نشدتك الله أن تفتح للفرقة بابا، فلعهدي بك وأنت تطيع عتيقا وابن الخطاب طاعتك لرسول الله صلى الله عليه وآله ولست بدون واحد منهما، وأنا أمس بك رحما، وأقرب اليك صهرا، فان كنت تزعم أن هذا الأمر جعله رسول الله صلى الله عليه وآله فقد رأيناك حين توفي نازعت ثم أقررت، فان كانا لم يركبا من الأمر جددا، فكيف أذعنت لهما بالبيعة وبخعت بالطاعة ؟ وان كانا أحسنا فيما وليا، ولم اقصر عنهما في ديني وحسبي وقرابتي، فكن لي كما كنت لهما. فقال علي عليه السلام: أما الفرقة فمعاذ الله أن أفتح لها بابا، واسهل إليها سبيلا، ولكني أنهاك عما ينهاك الله ورسوله عنه، وأهديك الى رشدك. وأما عتيق وابن الخطاب، فان كانا أخذا ما جعله رسول الله صلى الله عليه وآله لي، فأنت أعلم بذلك والمسلمون، ومالي ولهذا الأمر وقد تركته منذ حين. فأما ألا يكون حقي بل المسلون فيه شرع، فقد أصاب السهم الثغرة. وأما أن يكون حقي دونهم، فقد تركته لهم، طبت به نفسا، ونفضت يدي عنه استصلاحا. وأما التسوية بينك وبينهما، فلست كأحدهما انهما وليا هذا الأمر، فظلفا أنفسهما (2) وأهلهما عنه، وعمت فيه وقومك عوم السابح في اللجة، فارجع الى الله أبا عمرو، وانظر هل بقي من عمرك الا كظمء الحمار، فحتى متى والى متى، ألا تنهي سفهاء بني امية عن أعراض المسلمين وأبشارهم وأموالهم، والله لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس، لكان اثمه مشتركا بينه وبينك.


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 12: 20 - 21. (2) أي: كفا أنفسهما.

[ 228 ]

قال ابن عباس، فقال عثمان: لك العتبى، وافعل واعزل من عمالي كل من تكرهه ويكرهه المسلون، ثم افترقا، فصده مروان بن الحكم عن ذلك، وقال: يجترئ عليك الناس، فلا تعزل أحدا منهم (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه: ما نقله في الفاتحة في النوع الثالث، عن أبي ذر، وبعض عبارة الحديث هذه، قال: قلت: يا أبا ذر انا لنعلم أن أحبهم الى رسول الله صلى الله عليه وآله أحبهم اليك، قال: أجل، قلنا: أيهم أحب اليك ؟ قال: هذا الشيخ المضطهد المظلوم حقه، يعني علي بن أبي طالب (2). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه: اتفاق أهل النقل على تخلف سعد بن عبادة وولده عن بيعة أبي بكر وعمر، الى أن قتل أو مات في خلافة عمر. وقد روى أصحابنا عن كتاب جرير الطبري، عن أبي علقمة، قلت لابن عبادة: وقد مال الناس الى بيعة أبي بكر، قال: فقلت: ألا تدخل فيما دخل فيه المسلون ؟ قال: اليك عني، فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا أنا مت يضل الأهواء، ويرجع الناس على أعقابهم، فالحق يومئذ مع علي وكتاب الله بيده، فقلت له: هل سمع هذا الخبر غيرك من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: اناس في قلوبهم أحقاد وضغائن، قلت: بل نازعتك نفسك أن يكون هذا الأمر لك دون كلهم، فحلف أنه لم يهم بها ولم يردها، وانهم لو كانوا بايعوا عليا عليه السلام كان أول من يبايع سعد. ونقل أهل السير أن سعد لم يبايع حتى قتل. قال أهل السنة: بال سعد في جحر فرمته الجن بسهمين فقتل، وسمع قائل ينشد: قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين ولم نخطئ فؤاده


(1) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 9: 15 - 16. (2) احقاق الحق 8: 679 عن مناقب ابن مردويه.

[ 229 ]

وقال المعتبرون من أهل السير: ان خالد بن الوليد قتله حين كان سعد في قرى غثان من الشام، طلبا لرضا عمر، ولفقوا هذا الشعر، ونسبوا قتله الى الجن خوفا من فتنة الأنصار، وقال شاعر الأنصار: يقولون سعد شقت الجن بطنه ألا ربما حققت فعلك بالغدر وما ذنب سعد أنه بال قائما ولكن سعدا لم يبايع أبا بكر وأنشد ابنه قيس: وقالوا دهى سعدا من الجن عارض غدا هالكا منه وذا لكذابها أتغتصب الجن النفوس فمن رأى بعينه ميتا قد عراه اغتصابها ونقل أن عمر لقي خالدا وعاتبه في قتل مالك بن نويرة، فقال: ان كنت قتلته لهنات بيني وبينه، فقد قتلت سعدا لهنات بينكم وبينه، فأعجب عمر قوله وضمه وقبله (1). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه: ما نقله ابن أبي الحديد في شرحه، قال: كان فروة بن عمرو ممن تخلف عن بيعة أبي بكر، وكان ممن جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وقاد فرسين في سبيل الله وكان يتصدق من نخله بالف وسق في كل عام، وكان سيدا، وهو من أصحاب علي عليه السلام وممن شهد معه يوم الجمل (2). وفيه أيضا: خالد بن سعيد بن العاص، هو الذي امتنع من بيعة أبي بكر، قال: لا ابايع الا عليا عليه السلام (3). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه: ما حكاه أبو عمر الزاهد في كتاب اليواقيت، عن رجاله، قالوا: دخل أحمد بن حنبل الى الكوفة، وكان فيها رجل يظهر الامامة،


(1) الصراط المستقيم 3: 109. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 28 - 29. (3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 32.

[ 230 ]

فسأل الرجل عن أحمد: ماله لا يقصدني ؟ فقالوا له: ان أحمد ليس يعتقد ما تظهره، فلا يأتيك الا أن تسكت عن اظهار مقالتك له، قال فقال: لابد من اظهاري له ديني ولغيره، وامتنع أحمد من المجئ إليه. فلما عزم على الخروج من الكوفة قالت له الشيعة: يا أبا عبد الله أتخرج من الكوفة ولم تكتب عن هذا الرجل ؟ فقال: ما أصنع به لو سكت عن اعلانه بذلك كتبت عنه، فقالوا: ما نحب أن يفوتك مثله، فأعطاهم موعدا على أن يتقدموا الى الشيخ أن يكتم ما هو فيه، وجاؤا من فورهم الى المحدث وليس أحمد معهم، فقالوا: ان أحمد عالم بغداد، فان خرج ولم يكتب عنك، فلابد أن يسأله أهل بغداد: لم لم تكتب عن فلان ؟ فتشهر ببغداد وتلعن، وقد جئناك نطلب حاجة، فقال: هي مقضية، فأخذوا منه موعدا، وجاؤا الى أحمد وقالوا: قد كفيناك قم معنا، فقام: فدخلوا على الشيخ، فرحب بأحمد، ورفع مجلسه، وحدثه ما سأل فيه أحمد من الحديث. فلما فرغ أحمد مسح القلم وتهيأ للقيام، قال له الشيخ: يا أبا عبد الله لي اليك حاجة، قال له أحمد: مقضية، قال: ليس أحب أن تخرج من عندي حتى أعلمك مذهبي، فقال أحمد: هاته، فقال له الشيخ: اني أعتقد أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله واني أقول: انه كان خيرهم، وانه كان أفضلهم وأعلمهم، وانه كان الامام بعد النبي صلى الله عليه وآله. قال: فما تم كلامه حتى أجابه أحمد، فقال: يا هذا وما عليك في هذا القول، قد تقدمك في هذا القول أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: جابر، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان، فكاد الشيخ يطير فرحا بقول أحمد، فلما خرجنا شكرنا أحمد ودعوناله (1).


(1) كشف الغمة 1: 160 - 161 عن كتاب اليواقيت.

[ 231 ]

ومما يدل أيضا على ما ادعيناه: ما نقله بعض علمائنا عن ابن قتيبة من علماء المخالفين، أنه نسب ثمانية عشر من الصحابة الى الرفض، وعد منهم سلمان الفارسي. ومما يدل أيضا على ما ادعيناه: ما نقله بعض علمائنا، عن ابن قتيبة من أكابر أهل السنة، أنه ذكر أنه لم يبايع أبا بكر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ثمانية عشر رجلا وكانوا رافضة: علي بن ابي طالب، وابوذر، وسلمان، ومقداد، وعمار، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبو بريدة الأسلمي، وابي بن كعب، وخزيمة ذو الشهادتين، وأبو الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وقيس بن سعد، وعبد الله بن عباس. ومما يدل أيضا على عدم الاجماع: ما نقله ابن أبي الحديد في شرحه في المجلد التاسع، قال: روى أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة، عن محمد بن قيس الأسدي، عن المعروف بن سويد، قال: كنت بالمدينة أيام بويع عثمان، فرأيت رجلا في المسجد جالسا، وهو يصفق باحدى يديه على الاخرى والناس حوله، ويقول: واعجبا من قريش ! واستئثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت، معدن الفضل، ونجوم الأرض، ونور البلاد، وان فيهم لرجلا ما رأيت رجلا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أولى منه بالحق، ولا أقضى بالعدل، ولا آمر بالمعروف، ولا أنهى عن المنكر. فسألت عنه، فقيل: هذا المقداد، فتقدمت إليه وقلت: أصلحك الله من الرجل الذي تذكر ؟ فقال: ابن عم نبيك رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب. قال: فلبثت ما شاء الله، ثم اني لقيت أبا ذر رحمه الله فحدثته ما قال المقداد، فقال: صدق، قلت: فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم ؟ قال: مه لا تقل هذا، اياكم والفرقة والاختلاف (1). ومما يدل أيضا على أن بيعة أبي بكر كانت خطاء وخدعة، قول سلمان


(1) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 9: 21.

[ 232 ]

للمهاجرين والأنصار: كرديد ونكرديد، وقد فسر بالعربية معنى كلامه: أصبتم سنة الأولين وأخطأتم أهل بيت نبيكم. ودلالة هذا الكلام على اعتقاده بكون بيعة أبي بكر خطأ واضح. وما ذكره قاضي القضاة في تفسير كلام سلمان، بأن المراد به أصبتم الحق وأخطأتم المعدن، لأن عادة الفرس أن لا تزيل الملك عن بيت الملك. من ضعيف الكلام وسخيفه، لأن سلمان كان أعرف بالله وأتقى من أن يريد من المسلمين أن يسلكوا سنن الأكاسرة والجبابرة، ويعدلوا عما شرعه لهم نبيهم صلى الله عليه وآله. قال ابن أبي الحديد في شرحه: قال سلمان: كرديد ونكرديد، يفسره الشيعة فيقول: أسلمتم وما أسلمتم. وهذه العبارة التي نقلناها عن سلمان، فهي مشهورة معروفة عنه غير مختص بنقل علمائنا، بل الذي مختص بنقل علمائنا عنه رحمه الله فهي عبارات كثيرة صريحة واضحة دالة على ظلم من تقدم على علي أمير المؤمنين عليه السلام غير قابلة للتأويل بوجه من الوجوه. وذكر ابن أبي الحديد في شرحه، قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن أبي هاشم، قال: حدثنا عمر بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: قال سلمان يومئذ: أصبتم ذا السن منكم، وأخطأتم أهل بيت نبيكم، لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان ولأكلتموها رغدا (1). ونقل صاحب الصراط المستقيم عن سبط بن الجوزي الحنبلي في كتاب الرجال، أن جماعة من الصحابة سألوه لمن الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفا عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتهم وأعرف الناس بالأحكام والسنن


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 49.

[ 233 ]

ما فيهم من صنوف الخير يجمعها وليس في القوم ما فيه من الحسن (1) فانصرفوا عنه الى السقيفة، فلما أخبرها قال: كردن ونيك نكردن. فظهر مما تلوناه أن عليا عليه السلام والعباس وبني هاشم وخيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وسعد وولده وأقربائه، لم يكونوا راضين بخلافة أبي بكر وأخويه، بل ان بايع بعضهم بايع على القهر والاكراه، فلا يننفع رضاء غيرهم وبيعتهم، وان كانوا الأكثرين. وهؤلاء الصحابة ممن أجمع المخالف والموافق على فضلهم والثناء عليهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: يا سلمان أنت منا أهل البيت، وقد آتاك الله العلم الأول والاخر، والكتاب الأول والكتاب الاخر (2). وقال: رواه الديلمي في الفردوس. واستدل صاحب الفتوحات من علماء الحنابلة بهذا الحديث على عصمة سلمان، وهذه عبارته على ما نقل عنه صاحب مجالس المؤمنين: ولما كان رسول الله صلى الله عليه وآله عبدا مخلصا، اي: خالصا قد طهره الله واهل بيته تطهيرا، واذهب عنهم الرجس وكلما يشينهم، فان الرجس هو القذرة عند العرب، على ما حكاه الفراء، قال تعالى انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3) فلا يضاف إليهم الا مطهر، ولابد أن يكون كذلك، فان المضاف إليهم هو الذي لا يشينهم، فما يضيفون لأنفسهم الا من حكم له بالطهارة والتقديس. فهذا شهادة من النبي صلى الله عليه وآله لسلمان الفارسي بالطهارة والحفظ الالهي والعصمة، حيث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: سلمان منا أهل البيت، وشهد الله لهم بالتطهير وذهاب الرجس عنهم، وإذا كان لا يضاف إليهم الا مطهر مقدس، وحصلت له


(1) راجع: الصراط المستقيم 1: 237. (2) اختيار معرفة الرجال 1: 54 و 64. (3) الأحزاب: 33.

[ 234 ]

العناية الالهية بمجرد الاضافة، فما ظنك بأهل البيت في نفوسهم، فهم المطهرون بل عين الطهارة (1) انتهى. فان قيل: قول محيي الدين بعصمة أهل البيت دليل على كونه اماميا ؟ قلنا: الأمر ليس كما توهمت، بل الذي يدل على كون الانسان اماميا هو القول بوجوب العصمة، لا بوجود العصمة، وقد صرح به ابن أبي الحديد في شرحه، وفي كتاب المصابيح في باب جامع المناقب من الصحاح: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأبي بكر مشيرا الى سلمان ورجلين آخرين: لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك (2). وفيه أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله قال واضعا يده على سلمان: لو كان الايمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء (3). وفي رسالة الاعتقاد لأبي بكر بن مؤمن الشيرازي في تفسير قوله تعالى ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (4) عن عبد الله بن عباس من يطع الله يعني: في فرائضه والرسول يعني: في سنته فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين يعني: محمدا صلى الله عليه وآله والصديقين يعني: علي بن أبي طالب عليه السلام وهو أول من صدق الرسول صلى الله عليه وآله والشهداء يعني: علي بن أبي طالب، وجعفر الطيار، وحمزة، وحسنا، وحسينا، وهم سادات الشهداء والصالحين يعني سلمان، وأبا ذر، وصهيب، وبلال، وحباب، وعمار وحسن اولئك رفيقا يعني: في الجنة وكان الله عليما يعني: ان منزل علي وفاطمة والحسن والحسين متحد مع مكان


(1) مجالس المؤمنين للقاضي الشهيد التستري 1: 205. (2) صحيح مسلم 4: 1947 برقم: 2504. (3) صحيح مسلم 4: 1973 ح 231. (4) النساء: 69. (*)

[ 235 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله في الجنة (1). وروى الديلمي في الفردوس عن النبي صلى الله عليه وآله: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم (2). وفي المصابيح في باب جامع المناقب من الحسان، عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر (3). ومن الحسان عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبه عيسى بن مريم عليه السلام (4). وفيه أيضا من الصحاح، عن علقمة، قال: قدمت الشام، فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم يسر لي جليسا، فأتيت قوما فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى جلس الى جنبي، قلت: من هذا ؟ قال: أبو الدرداء، قلت: اني دعوت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فيسرك لي، فقال: من أنت ؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أو ليس عندكم ابن ام عبد صاحب النعلين والوسادة والمطهرة ؟ وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه يعني عمارا ؟ أو ليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره يعني حذيفة ؟ (5). وفي المصابيح أيضا في باب جامع المناقب، في رواية اخرى من الحسان: واهتدوا بهدي عمار (6).


(1) احقاق الحق 3: 542 عن رسالة الاعتقاد. (2) سنن ابن ماجة 1: 55 برقم: 156. (3) سنن الترمذي 5: 628 برقم: 3801. (4) سنن الترمذي 5: 628 برقم: 3802. (5) مسند أحمد بن حنبل 6: 449 - 451. (6) سنن الترمذي 5: 627 برقم: 3799.

[ 236 ]

وفي رواية اخرى من الحسان، عن خيثمة بن أبي سبرة، قال: أتيت المدينة، فسألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا، فيسر لي أبا هريرة، فجلست إليه، فقلت له: اني سألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فوفقت لي، فقال: من أين أنت ؟ قلت: من أهل الكوفة، جئت ألتمس الخير وأطلبه، فقال: أليس فيكم سعد بن مالك، الى قوله: وحذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وآله وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلمان صاحب الكتابين يعني الانجيل والقرآن (1). ومن الحسان عن علي عليه السلام قال: استأذن عمار على النبي صلى الله عليه وآله فقال: اءذنوا له، مرحبا بالطيب المطيب (2). ومن الحسان عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما خير عمار بين أمرينن الا اختار أشدهما (3). ومن الحسان عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الجنة لتشتاق الى ثلاثة: علي، وعمار، وسلمان (4). وفي صحيح الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الله تبارك وتعالى أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم، وهم: علي، والمقداد، وسلمان، وأبو ذر (5). هذا ما أردنا نقله من كتب المخالفين من الاثار الدالة على عدم رضاء على عليه السلام وجماعة من خيار الصحابة وعلماهم بخلافة الثلاثة، وعلى كونهم معذورين في ترك المحاربة. وأما الاثار من طريقنا في هذا المعنى، فكثيرة جدا متجاوزة حد التواتر، ونحن نكتفي هاهنا بقليل منها:


(1) سنن الترمذي 5: 633 برقم: 3811. (2) سنن الترمذي 5: 626 برقم: 3798. (3) سنن الترمذي 5: 627 برقم: 3799. (4) سنن الترمذي 5: 626 برقم: 3797. (5) سنن الترمذي 5: 594 برقم: 3718.

[ 237 ]

روى أصحابنا عن أبان بن عثمان (1)، قال: قلت لمولانا الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: هل كان في أصحاب رسول الله أحد أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: بلى يا أبان كان الذي أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله اثنا عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، منهم: خالد بن سعيد بن العاص وكان من بني امية، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وعمار بن ياسر، وبريدة الأسلمي، وكان من الأنصار: قيس بن سعد بن عبادة، وأبو الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وابى بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري. قال: لما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض: والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال آخرون منهم: والله ان فعلتم هذا أعنتم على أنفسكم، وقال الله تعالى ولا تلقوا بأيدكم الى التهلكة (2) فانطلقوا بنا الى أمير المؤمنين عليه السلام نستشيره ونستطلع رأيه. قال: فانطلق القوم بأجمعهم الى أمير المؤمنين عليه السلام، فقالوا له: يا أمير المؤمنين تركت حقا أنت أحق به منه، ولقد أردنا أن نأتي الرجل وننزله عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فكرهنا أن نحدث شيئا دون مشاورتك، فقم ان الحق معك وأنت أحق به وأولى منه، لأنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي مع الحق والحق مع علي، علي يميل مع الحق كيفما مال. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: وأيم الله لو فعلتم ذلك إذا لما كنتم الا حربا (3)، ولكنتم كالملح في الزاد، وكالكحل في العين، وأيم الله لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين


(1) في الاحتجاج: أبان بن تغلب. (2) البقرة: 195. (3) في (ق): حزبا.

[ 238 ]

سيوفكم مستعدين للحرب والقتل لما أتوني وقيل لي: تبايع والا قتلنا. فلم أجد بدا أن أمنع القوم من نفسي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله أوعد الي قبل وفاته، فقال: يا أبا الحسن ان الامة من بعدي ستغدر بك، وتنقض فيك عهدي، فانك مني بمنزلة هارون من موسى، وان الامة من بعدي بمنزلة هارون ومن اتبعه، وبمنزلة السامري ومن اتبعه، فقلت له: يا رسول الله فما تعهد الي إذا كان ذلك ؟ فقال صلى الله عليه وآله: ان وجدت أعوانا فبادر إليهم وجاهدهم، وان لم تجد أعوانا فكف يدك واحتقن دمك تلحق بي مظلوما. فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله اشتغلت بغسله وتكفينه والفراغ من شأنه، ثم آليت ثلاثا أن لا أرتدي برداء الا للصلاة حتى أجمع القرآن، إذ هو أحق وأولى. ثم أخذت بيد فاطمة وابني الحسن والحسين، فدرت على أهل بدر وأهل السابقة، فأنشدتهم حقي ودعوتهم الى نصرتي، فما أجابني منهم الا أربعة رهط: سلمان، والمقداد، وعمار، وأبو ذر، ولقد راودت في ذلك أهل بيتي، فأبوا علي الا السكوت، لما علموا وغارة في صدور القوم، وبغضهم لله ولرسوله ولأهل بيت نبيه، فانطلقوا بأجمعكم الى الرجل، فاعرفوه ما سمعتم من رسول الله صلى الله عليه وآله ليكون ذلك أوكد للحجة، وأبلغ للعقوبة، وأبعد لهم من رسول الله صلى الله عليه وآله يوم القيامة إذا وردوا عليه. فانطلق القوم بأجمعهم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يوم الجمعة، فلما صعد أبو بكر المنبر، قال المهاجرون للأنصار: قوموا أنتم تكلموا، فقال الأنصار للمهاجرين: بل قوموا أنتم تكلموا، فان الله تعالى أدناكم في كتابه، فقال عزوجل لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار (1) فقال عليه السلام: وأي ذنب كان للنبي صلى الله عليه وآله حتى تاب الله عليه، انما تاب الله على امته. فأول من تكلم من المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص، فقام قائما، فحمد الله


(1) التوبة: 117.

[ 239 ]

وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا معشر قريش قد علمتم وعلم خياركم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لنا ونحن محتوشوه في بني قريظة، وقد قتل علي عدة من رجالهم واولي القوم منهم، فقال: يا معشر قريش اني موصيكم بوصية فاحفظوها، ومودعكم أمرا فلا تضيعوه، ألا وان عليا امامكم من بعدي وخليفتي فيكم، بذلك أوصاني جبرئيل عن ربي تبارك وتعالى، ألا وان لم تحفظوا وصيتي فيه ولم توازروه ولم تنصروه اختلفتم في أحكامكم، واضطرب عليكم أمر دينكم، وولي عليكم أشراركم، بذلك أخبرني جبرئيل عن ربي تبارك وتعالى، ألا وان أهل بيتي هم الوارثون لأمري، القائمون بأمر امتي، اللهم من أطاعني في أهل بيتي وحفظ فيهم وصيتي، فاحشره في زمرتي، ومن عصاني في أهل بيتي، وضيع فيهم وصيتي، اللهم فاحرمهم الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض. فقام إليه عمر بن الخطاب، فقال له: اسكت يا خالد، فلست من أهل المشورة، ولا ممن يعتنى برأيه، فقال له: بل اسكت أنت يابن الخطاب، فانك والله لا تنطق بغير لسانك (1)، وتعتصم بغير أركانك، وانك لجبان في الحروب، لئيم العنصر، مالك في قريش من مفخر، ثم جلس ينكث ثناياه باصبعه. ثم قام سلمان الفارسي رضى الله عنه وقال: يا أبا بكر الى من تسند أمرك إذا نزل بك الأمر ؟ والى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلم ؟ وفي القوم من هو أعلم منك، وأقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله قرابة منك، قدمه رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته، وأعزه الينا قبل وفاته، فتركتم قوله، وتناسيتم وصيته، فعما قليل تنتقل عن دنياك، وتصير الى آخرتك، وقد علمت أن علي بن أبي طالب صاحب هذا الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلو رددت هذا الأمر الى أهله لكان لك في ذلك النجاة من النار، على أنك قد سمعت كما سمعنا، ورأيت كما رأينا، فلم يرد على ما أنت عليه وأنت له فاعل، وقد منحتك


(1) في الاحتجاج: فانك تنطق على لسان غيرك.

[ 240 ]

نصحي، وبذلت لك ما عندي، فان قبلت ذلك وفقت ورشدت، ثم جلس. وقام إليه أبو ذر الغفاري رضى الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم وعلم خياركم أن النبي صلى الله عليه وآله قال لنا: الأمر من بعدي لعلي بن أبي طالب، ثم الأئمة من ولد الحسين، فتركتم قوله، وتناسيتم وصيته، واتبعتم أمر الدنيا الفانية، وتركتم أمر الاخرة الباقية، وكذلك الامم كفرت بعد ايمانها، وجحدت بعد برها، فكفرتم وحاذيتموه حذو القذة بالقذة، ومثل النعل بالنعل، فعما قليل تذوقون وبال أمركم، وما قدمت أيدكم، وما الله بظلام للعبيد، ثم جلس. وقام إليه المقداد رضى الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم وعلم خياركم أن أهل بيت نبيكم أقدم سابقة منكم، وأكثر عناء عن مصاحبتكم نبيكم، فاعطوهم ما جعله الله ورسوله لهم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، ثم جلس. وقام بريدة الأسلمي رضى الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وآله فصلى عليه، ثم قال: يا أبا بكر أنسيت أم تناسيت أم خادعتك نفسك، أما علمت أن النبي صلى الله عليه وآله امرنا بالسلام على اخيه وابن عمه سبع سنين في حياته بامرة المؤم نين، وكان يتهلل وجهه لما يراه من طاعتنا لابن عمه، فلو أعطيتموه الأمر من بعده، فانه لكان لكم في ذلك النجاة، ألا واني سمعت رسول الله والا فصمتا وهو يقول: بينما أنا واقف على الحوض أسقي منه امتي، إذ يؤخذ بطائفة من أصحابي ذات الشمال الى النار فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول جبرئيل عليه السلام: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فتنوا امتك، وظلموا أهل بيت نبيك، فأقول: بعدا بعدا وسحقا سحقا الى النار. ورأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيها الناس هذا أخي ووصيي وخليفتي من بدي، وخير من أخلفه، فوازروه وانصروه ولا تخلفوا عنه، فانه لا يدخلكم في ضلالة، ولا يخرجكم من هدى، ثم جلس. وقام إليه قيس بن سعد بن عبادة، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وآله ثم

[ 241 ]

قال: يا أبا بكر اتق الله ولا تكن أول من ظلم محمدا في أهل بيته، ورد هذا الأمر الى من هو أحق به منك، تحط أو زارك، وتقل ذنوبك، وتلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنك راض، أحب اليك من أن تلقاه وهو عليك ساخط، ثم جلس. وقام إليه خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وآله فصلى عليه، ثم قال: يا ابا بكر الست تعلم ويعلم المهاجرين والانصار ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقبل شهادتي وحدي ولا يريد معي غيري، فقال له مغضبا: نعم أشهد بما تشهد، فقال: معاشر قريش: اشهدوا علي أني أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: هذا علي امامكم بعدي وخليفتي فيكم، فقدموه ولا تتقدموه، فان قدمتموه سلك بكم طرائق الهدى، وان تقدمتموه سلكتم طرائق الضلالة والردى، وهو باب حطة المبتلى به، مثله فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجى، ومن تخلف عنها هوى، ثم جلس. وقام أبو الهيثم بن التيهان، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: يا معاشر قريش اشهدوا علي أني أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد رأيته في هذه الحجرة - يعني: حجرة فاطمة عليها السلام - آخذا بيد علي بن أبي طالب وهو يقول: أيها الناس هذا علي أخي وابن عمي، وكاشف الكرب عن وجهي، ومن اختاره الله تعالى بعلا لابنتي، الشاك في علي كالشاك في الله، والتابع لعلي كالتابع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فاتبعوه يهدكم الى الذي تختلفون فيه من الحق، ثم جلس. وقام إليه سهل بن حنيف، فحمد الله وأثنى إليه، وذكر النبي صلى الله عليه وآله فصلى عليه، ثم قال: يا معاشر قريش اشهدوا علي أني أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد رأيته في هذا المكان، وهو يقول: أيها الناس هذا امامكم بعدي ووصيي في حياتي وبعد وفاتي، وقاضي ديني ومنجز وعدي، وأول من يصافحني على حوضي، فطوبى لمن اتبعه ونصره، والويل لمن تخلف عنه وخذله، ثم جلس. وقام إليه ابي بن كعب، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وآله فصلى عليه،

[ 242 ]

فقال: وما أقول لكم أكثر مما قاله غيري، اني رأيت النبي صلى الله عليه وآله خرج الينا كهيئة المغضب، وهو آخذ بيد علي عليه السلام ثم قال: أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه وامامه وحجة الله عليه، أيها الناس ان الله عزوجل خلق السماوات وخلق لها سكانا وأهلا، وجعل لأهلها حرسا، ألا وان حرس أهل السماوات النجوم، فإذا هلك النجوم هلك من في السماء، أيها الناس ان الله خلق الأرض وجعل لها سكانا وأهلا، وجعل لأهلها حرسا، ألا وان حرس أهل الأرض أهل بيتي، فإذا هلك أهل بيتي هلك من في الأرض، ثم جلس. وقام إليه أبو أيوب الأنصاري، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وآله فصلى عليه، ثم قال يا معشر المهاجرين والأنصار أما سمعتم الله عزوجل يقول: ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (1) وقال تعالى انا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها (2) أفتريدون أيتاما أقرب من أيتام رسول الله صلى الله عليه وآله بالأمس، مات جدهم واليوم غصبتموهم حقهم، ثم خنقت أبا أيوب العبرة لا يستطيع كلاما. وافحم أبو بكر على المنبر، لا يحير كلاما ولا جوابا، فقام إليه عمر وقال: أنزل منها يا لكع إذا كنت لا تقوم بحجة، فلم أقمت نفسك في هذا المقام ؟ ! والله لقد هممت أن أخلعها منك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة، ثم أخذ بيده وانطلق الى منزله، وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله. فلما كان اليوم الثالث جاءهم خالد بن الوليد، فقال: ما جلوسكم ؟ فقد طمعت والله فيه بنو هاشم، وجاءهم سالم ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ ومعه ألف رجل، فخرجوا شاهرين سيوفهم يقدمهم عمر، حتى وقفوا بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير


(1) النساء: 10. (2) الكهف: 29.

[ 243 ]

المؤمنين عليه السلام جالس في نفر من أصحابه، فقال عمر: يا أصحاب علي لئن ذهب رجل يتكلم بالأمس لاخذن الذي فيه عيناه، فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص، فقال: يابن صهاك الحبشية أبأسيافنا تهددونا ؟ أم بجمعكم تفزعونا ؟ والله ان أسيافنا أحد من أسيافكم، وانا لأكثر منكم وان كنا قليلين، فان حجة الله فينا، والله لولا أني أعلم طاعة امامي أولى لي لشهرت سيفي ولجاهدتكم في الله الى أن أبلي عذري، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: اجلس يا خالد، فقد عرف الله مقامك، وشكر لك فعالك، فجلس. وقام سلمان، فقال، الله أكبر الله أكبر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله والا فصمتا، وهو يقول: بينما أخي وابن عمي جالس في مسجدي من أصحابه يثب جماعة من كلاب أهل النار يريدون قتله وقتل من معه، فلست أشك الا أنهم هم. فهم به عمر، فوثب أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ بمجامع ثوبه، ثم جلد به الأرض، وقال: والله يابن صهاك لولا كتاب من الله سبق، وعهد من رسول الله تقدم، لأريتك أينا أقل جندا وأضعف ناصرا، ثم التفت الى أصحابه، فقال لهم: انصرفوا رحمكم الله فوالله لا دخلت هذا المسجد الا كما دخله أخواي موسى وهارون، إذ قال له أصحابه اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون (1) والله لا دخلت الا لزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله أو لقضية أقضيها، فانه لا يجوز لحجة أقامها رسول الله صلى الله عليه وآله أن يترك الناس في حيرة. قال أبان: قال الصادق عليه السلام: فوالله ما دخله الا كما قال عليه السلام (2). ومما يدل أيضا على ما ادعيناه أن عليا عليه السلام كان معذورا في ترك محاربة أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يكن تركه المحاربة لأجل استحقاقهم للخلافة، ما روي أن الناس


(1) المائدة: 24. (2) الاحتجاج للشيخ الطبرسي 1: 186 - 201، وبحار الأنوار 28: 189 - 203.

[ 244 ]

قالوا: ماله ما تنازع أبا بكر وعمر وعثمان، كما نازع طلحة والزبير وعائشة، فخرج مرتديا، ثم نادى بالصلاة جامعة، فلما اجتمع أصحابه قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر الناس بلغني أن قوما قالوا: ماله ما تنازع أبا بكر وعمر وعثمان كما نازع طلحة والزبير وعائشة، وان لي في سبعة أنبياء اسوة: أولهم: نوح عليه السلام، قال الله تعالى مخبرا عنه فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (1) فان قلتم: ما كان مغلوبا فقد كذبتم القرآن، وان كان ذلك كذلك، فالوصي أعذر. والثاني: ابراهيم الخليل خليل الرحمن عليه السلام حيث يقول واعتزلكم وما تدعون من دون الله (2) فان قلتم: انه اعتزلهم من غير مكروه، فقد كفرتم. وان قلتم: رأى المكروه منهم فاعتزلهم، فالوصي أعذر. وابن خالته لوط عليه السلام إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوي الى ركن شديد (3) فان قلتم: انه كانت له بهم قوة، فقد كفرتم. وان قلتم: لم يكن له قوة، فالوصي أعذر. ولي بيوسف اسوة إذ قال: رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه (4) ان قلتم: انه دعي لغير مكروه يسخط الله فقد كفرتم، وان قلتم: انه دعي الى ما يسخط الله عزوجل فاختار السجن، فالوصي أعذر. وموسى بن عمران عليه السلام إذ يقول ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي حكما وجعلني من المرسلين (5) فان قلتم: انه فر منهم من غير خوف، فقد كفرتم. وان قلتم: انه فر منهم خوفا، فالوصي أعذر.


(1) القمر: 10. (2) هود: 80. (3) مريم: 48. (4) يوسف: 33. (5) الشعراء: 21.

[ 245 ]

وهارون عليه السلام إذ قال ابن ام ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين (6) فان قلتم: انهم لن يستضعفوه ولم يشرفوا على قتله، فقد كفرتم. وان قلتم: انهم استضعفوه وأشرفوا على قتله، فالوصي أعذر. ومحمد صلى الله عليه وآله إذ هرب الى الغار، فان قلتم: انه هرب من غير خوف أخافوه، فقد كفرتم. وان قلتم: انهم أخافوه فلم يسعه الا الهرب، فالوصي أعذر، فقال الناس: صدق أمير المؤمنين، وهذا هو الحق والعذر الواضح (1). ومما يدل أيضا زائدا على ما قدمناه من طرق المخالف على أنه عليه السلام كان معذورا في ترك المحاربة، ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة في الحديث التاسع عشر من المتفق عليه من عدة طرق، قالت: ان النبي صلى الله عليه وآله قال لها: يا عائشة لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية - وفي حديث آخر: حديثوا عهد بكفر. وفي رواية: حديثوا عهد بشرك - وأخاف أن تنكر قلوبهم لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما اخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابا شرقيا، وبابا غربيا، فبلغت به أساس ابراهيم (2). وقد تقدم هذا الحديث نقلا عن الفردوس. ووجه الدلالة ظاهر بين لا يحتاج الى البيان. وما رواه ابن أبي الحديد في شرحه في تفسير قوله (يا علي ان القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنون بدينهم على ربهم، ويتمنون رحمته) الى آخره (3).


(6) الأعراف: 150. (1) علل الشرائع ص 148 - 149 ح 7، والاحتجاج 1: 447 - 448. (2) صحيح مسلم 2: 968 - 969، كتاب الحج ب 69. (3) نهج البلاغة ص 220، رقم الكلام: 156.

[ 246 ]

قال: قد روى كثير من المحدثين عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: ان الله قد كتب عليك جهاد المفتونين، ثم ذكر كلاما طويلا، الى قوله فقلت: يا رسول الله لو بينت لي قليلا، فقال: ان امتي ستفتن من بعدي، فتتأول القرآن، وتعمل بالرأي، وتستحل الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع، وتحرف الكتاب عن مواضعه، وتغلب كلمة الضلال، فكن جليس بيتك حتى تقلدها، فإذا قلدتها جاشت عليك الصدور، وقلبت لك الامور، تقاتل حينئذ على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله، الحديث (1). علة عدم مبايعة القوم لعلي عليه السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله أقول: قد تبين بما قدمناه بطلان الاجماع على خلافة أبي بكر، فما بقي في المقام الا التعجب والاستبعاد في اتفاق أكثر الصحابة على بيعة أبي بكر، وترك النص الجلي على خلافة علي عليه السلام المستلزم للنفاق والارتداد. ومما يرفع هذا التعجب ما نقله سيدنا المرتضى رحمه الله عن أبي جعفر بن قبة في كتابه المعروف بالانصاف ما حاصله: ان الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكونوا بأسرهم دافعين للنص وعاملين بخلافه، مع علمهم الضروري به، وانما بادر قوم من الأنصار لما قبض الرسول صلى الله عليه وآله الى طلب الامامة، واختلف كلام رؤسائهم بينهم، واتصلت حالهم بجماعة من المهاجرين، فقصدوا السقيفة عامدين الى ازالة الأمر عن مستحقه والاستبداد به، وكان الداعي لهم الى ذلك والحامل لهم عليه رغبتهم في عاجل الرئاسة، والتمكن من الحل والعقد. وانضاف الى هذا الداعي ما كان في نفس جماعة منهم من الحسد لأمير المؤمنين عليه السلام، لتقدمه واختصاصه بالفضائل الباهرة والمناقب الظاهرة، والعداوة


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 206.

[ 247 ]

له عليه السلام لقتل من قتل من آبائهم، واغتنموا الفرصة حيث رأوا تشاغل بني هاشم بمصيبتهم، وعكوفهم على تجهيز نبيهم صلى الله عليه وآله، فحضروا السقيفة، ونازعوا في الأمر، وقووا على الأنصار، وجرى بينهم ما هو مذكور. فلما رأى الناس فعلهم وهم وجوه الصحابة ومن يحسن الظن بمثله، ويدخل الشبهة بفعله، توهم أكثرهم أنهم لم يلتبسوا بالأمر، ولا أقدموا على ما أقدموا عليه الا لعذر يسوغ لهم ذلك ويجوزه، فدخلت عليهم الشبهة، واستحكمت في نفوسهم، ولم ينعموا النظر في حلها، فمالوا ميلهم، وسلموا لهم، وبقي العارفون بالحق والثابتون عليه غير متمكنين من اظهار ما في نفوسهم، فكلم بعضهم ووقع منهم النزاع ما قد انتابه الرواية، ثم آل الأمر عند الضرورة الى الكف والامساك، واظهار التسليم مع ابطان الاعتقاد للحق، ولم يكن في وسع هؤلاء القوم الا نقل ما سمعوه وعلموه من النص الى اخلافهم ومن يأمنوه على نفوسهم وتواتر به الخبر عنهم، انتهى. أقول: هذه الرواية وان كانت متضمنة لمبادرة الأنصار الى طلب الامامة في السقيفة، ولكن السيد المرتضى في موضع من الشافي قال: ان ما كان من الأنصار من حضور السقيفة وجذب الأمر الى جهتهم لم يكن منهم ابتداء، بل المعروف في الرواية أن النفر من المهاجرين قد اجتمعوا للخوض في باب الامامة، فبلغ الأنصار أن المهاجرين قد اجتمعوا للخوض في باب الامامة، فصاروا الى السقيفة لا للمبالغة والمجاذبة، وانما حضروا للتدبر والمشاورة (1). ثم اعلم أن سيدنا المرتضى نقل عن أبي جعفر بن قبة، بعد ما نقل عنه ما ذكرناه، أن وجه دخول الشبهة عليهم أنهم لما سمعوا الرواية عن الرسول الله صلى الله عليه وآله قول الأئمة من قريش، ظنوا أن ذلك اباحة للاختيار، وان الأخذ بهذا القول العام أولى من الأخذ بالقول الخاص المسموع في يوم الغدير وغيره. انتهى كلام ابن قبة.


(1) الشافي 3: 175.

[ 248 ]

ويحتمل أن يكون وجه الشبهة ما ذكره سيدنا المرتضى، أنه لما وقعت الفتنة، واختلفت الكلمة، ووقع ممن حضر السقيفة من المهاجرين والأنصار ما وقع، للعلل والأسباب التي ذكرنا بعضها، ورأى الناس صنيعهم، اعتقد كثير منهم مع العلم بالنص أن القوم الذين راموا الأمر وعقدوها لأحدهم، لم يفعلوا ذلك الا بعهد من الرسول صلى الله عليه وآله وخاص إليهم، وقول منه تأخر عما علموه من الناس وكان كالناسخ له، وذهب عليهم أنه لو كان في ذلك عهد في النص الظاهر الذي عرفوه، لما جاز أن يكون خاصا، وان النسخ في مثله لا يقع، لأنه موجب للبداء، الى غير هذا من الوجوه المبطلة لهذه الشبهة، الى آخر كلامه. ثم اعلم أن من أسباب اشتباه الأمر على الناس ما وضعوه من أن النبوة والامامة لا يجتمعان في بيت واحد. وقد روى سيدنا المرتضى، عن عبد الله بن جبلة الكناني، عن ذريح المحاربي، عن أبي حمزة الثمالي، عن جعفر بن محمد بن علي عن آبائه عليهم السلام أن بريدة كان غائبا بالشام، فقدم وقد بايع الناس أبا بكر، فأتاه في مجلسه، فقال: يا أبا بكر هل نسيت تسليمنا على علي عليه السلام بامرة المؤمنين واجبة من الله ورسوله ؟ فقال: يا بريدة أنت غبت وشهدنا، وان الله يحدث الأمر بعد الأمر، ولم يكن الله ليجمع لأهل هذا البيت النبوة والخلافة والملك (1). وروى الشيخ الطبرسي من علمائنا في كتاب الاحتجاج، عن سليم بن قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي في حكاية طويلة من ذكر احضار علي عليه السلام، ونذكر هاهنا موضع الحاجة منها، ثم قال علي عليه السلام: يا معاشر المهاجرين والأنصار أسمعتم رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم غدير خم كذا وكذا، وفي غزوة تبوك كذا وكذا ؟ فلم يدع شيئا قاله فيه صلى الله عليه وآله علانية الا ذكره، فقالوا: نعم.


(1) الشافي 3: 224 - 225.

[ 249 ]

فلما أن خاف أبو بكر أن ينصروه بادرهم، فقال: كلما قلت سمعنا بآذاننا، ووعته قلوبنا، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول بعد هذا: انا أهل بيت اصطفانا الله تعالى وأكرمنا واختار لنا الاخرة على الدنيا، وان الله تعالى لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة. فقال علي عليه السلام: أما أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله شهد هذا معك ؟ قال عمر: صدق خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله قد سمعنا هذا منه كما قال، وقال أبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حديفة ومعاذ بن جبل: صدق قد سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لهم: بشروا وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاقدتم عليها في الكعبة، ان قتل الله محمدا أو أماته أن تزيلوا هذا الأمر عنا أهل البيت، الى آخر الحكاية (1). وقد تقدم في هذا المعنى خبر عن قطب الراوندي في شرح نهج البلاغة، وهو: أن عمر لما نص على ستة أنفس استصلحهم للخلافة بعده، قال: ان اختلفوا فالحق في القوم الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فقال العباس لعلي بن أبي طالب عليه السلام: ذهب الأمر منا، لأن عبد الرحمن كانت بينه وبين عثمان مصاهرة وامور، فوجب أنه لا يختار عليه أحدا، فقال علي عليه السلام للعباس: أنا أعلم ذلك ولكن أدخل معهم في الشورى لأن عمر قد استصلحني الان للامامة، وكان من قبل يقول: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ان النبوة والامامة لا يجتمعان في بيت واحد، واني أدخل في ذلك ليظهر أنه كذب نفسه لما روى أولا (2). وقد نقل ابن أبي الحديد في شرحه كلاما طويلا مشتملا على وجوه وجيهة في رفع الاستبعاد والتعجب في ترك الصحابة النص على علي عليه السلام والعمل على خلافه،


(1) الاحتجاج 1: 213 - 214. (2) الصراط المستقيم 3: 119 عنه.

[ 250 ]

عن أبي جعفر يحيى بن أبي زيد، وما نذكره هاهنا مختصر من كلامه، ولم نذكر من كلامه ما كان مخالفا لعقائد الامامية. قال: ان القوم لم يكونوا يذهبون في الخلافة الى أنها من معالم الدين، وأنها جارية مجرى العبادات الشرعية، كالصلاة والصوم، ولكنهم كانوا يجرونها مجرى الامور الدنيوية، مثل تأمير الامراء، وتدبير الحروب، وسياسة الرعية، وما كانوا يتحاشون (1) في أمثال ذلك من مخالفة نصوصه عليه السلام إذا رأوا المصلحة في غيرها. ألا تراه كيف نص على اخراج أبي بكر وعمر في جيش اسامة ولم يخرجا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخالف وهو حي في أمثال ذلك، ألست تعلم أنه نزل في غزاة بدر منزلا على أن يحارب قريشا فيه فخالفته الأنصار، وهو الذي أخذ الفداء من اسارى بدر، فخالفه عمر. وقد كان قال لأبي هريرة: اخرج فناد في الناس من قال: لا اله الا الله مخلصا بها قلبه دخل الجنة، فخرج أبو هريرة فلقي عمر بذلك، فدفعه في صدره حتى وقع على الأرض. وقد أطبقت الصحابة اطباقا واحدا على ترك كثير من النصوص، كاسقاطهم سهم ذوي القربى، واسقاطهم سهم المؤلفة قلوبهم، وهذان الأمران أدخل في باب الدين منهما في باب الدنيا، وقد عملوا بآرائهم امورا لم يكن لها ذكر في الكتاب والسنة، ولقد كان أوصاهم في مرضه، فقال: اخرجوا نصارى نجران من جزيرة العرب، فلم يخرجهم حتى مضى صدر من خلافة عمر، وعملوا في أيام أبي بكر بآرائهم (2) في ذلك، وهم الذين هدموا المسجد بالمدينة، وحولوا المقام بمكة، وعملوا بمقتضى ما يغلب في ظنونهم من المصلحة، ولم يقفوا مع موارد النصوص حتى اقتدى بهم الفقهاء من بعد، فرجح كثير منهم القياس على النص، حتى


(1) في الشرح: يبالون. (2) في الشرح: برأيهم.

[ 251 ]

استحالت الشريعة، وصار أصحاب القياس أصحابا لشريعة جديدة. قال النقيب: وأكثر ما كانوا يعملون بآرائهم فيما يجري مجرى الولايات والتأمير والتدبير، وتقرير قواعد الدولة، وما كانوا يقفون مع نصوص الرسول صلى الله عليه وآله وتدبيراته إذا راوا المصلحة في خلافها. ثم نقل عن النقيب كلاما في بيان رغبة الناس عن علي عليه السلام، الى قوله: فأصفق الكل اصفاقا واحدا على صرف الأمر عنه لغيره، واحتج رؤساؤهم وقالوا: خفنا الفتنة، وعلمنا أن العرب لا تطيعه وتتركه، وتأولوا عند أنفسهم النص ولا ينكر النص، وقالوا: انه النص، ولكن الحاضر يرى مالا يرى الغائب، والنصوص قد تترك لأجل المصلحة الكلية، وأعانهم على ذلك مسارعة الأنصار وادعاؤهم الأمر، واخراجهم سعد بن عبادة من بيته وهو مريض لينصبوه خليفة فيما زعموا، واختلط الناس، وكثر الخبط، وكادت الفتنة أن يضطرم نارها، فوثب رؤساء المهاجرين فبايعوا أبا بكر وكانت فلتة، كما قال قائلهم. وزعموا أنهم أطفؤا بها نائرة الأنصار، فمن سكت من المسلمين وأغضى ولم يتعرض، فقد كفاهم أمر نفسه، ومن قال سرا أو جهرا: ان فلانا قد كان رسول الله صلى الله عليه وآله ذكره، أو نص عليه، أو أشار إليه، أسكتوه في الجواب بأنا بادرنا الى عقد البيعة مخافة الفتنة، واعتذروا عنده: إما بأنه حديث السن، أو تبغضه العرب، لأنه وترها وسفك دماءها، أو لأنه صاحب زهو وتيه، أو كيف تجتمع النبوة والخلافة في مغرس واحد ؟ بل قالوا في العذر ما هو أقوى من هذا وآكد، قالوا: أبو بكر أقوى على هذا الأمر منه، لاسيما وعمر يعضده ويساعده، والعرب تحب أبا بكر ويعجبها لينه ورفقه، وهو شيخ مجرب الامور، لا يحسده أحد، ولا يحقد عليه أحد، ولا يبغضه أحد، وليس بذي شرف في النسب، فيشمخ على الناس بشرفه، ولا بذي قربى من الرسول صلى الله عليه وآله فيدل بقربه.

[ 252 ]

وقالوا: لو نصبنا عليا لارتد الناس عن الاسلام، وعادت الجاهلية كما كانت، فأيما أصلح في الدين ؟ الوقوف على النص المفضي على ارتداد الناس ورجوعهم الى الأصنام والجاهلية، أم العمل بمقتضى الأصلح واستبقاء الاسلام، واستدامة العمل بالدين، وان كان فيه مخالفة النص. قال: وسكت الناس عن الانكار، لأنهم كانوا خرقا (1)، فمنهم من هو مبغض شانئ لعلي عليه السلام، فالذي تم من صرف الأمر عنه هو قرة عينه وبرد فؤاده، ومنهم ذو الدين وصحة اليقين، الا أنه لما رأى كبراء الصحابة قد اتفقوا على صرف الأمر عنه، ظن أنهم انما فعلوا ذلك لنص سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله ينسخ ما كان قد سمعه من النص على أمير المؤمنين عليه السلام، لاسيما ما رواه أبو بكر منن قول النبي صلى الله عليه وآله (الأئمة من قريش) فان كثيرا من الناس توهموا أنه ناسخ للنص الخاص، وأن معنى الخبر أنكم مباحون في نصب امام من قريش من أي بطون قريش كان، فانه يكون اماما. ومنهم فرقة اخرى - وهم الأكثرون - أعراب وجفاة وطغام، وأتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، فهولاء مقلدون لا يسألون ولا ينكرون ولا يبحثون، وهم مع امرائهم ولا يتهمونهم، ولو أسقطوا عنهم الصلاة الواجبة لتركوها، فلذلك امحق النص، وخفي ودرس، وقويت كلمة العاقدين لبيعة أبي بكر، وقواها زيادة على ذلك اشتغال علي وبني هاشم برسول الله صلى الله عليه وآله واغلاقهم بابهم عليهم، وتخليتهم الناس يعملون ما شاؤا وأحبوا، ولكنهم أرادوا استدراك ذلك بعد ما فات، وهيهات الفائت لا رجعة له. وأراد علي عليه السلام بعد ذلك نقض البيعة بعد وقوعها، فلم يتم له ذلك، وكانت العرب لا ترى الغدر، ولا تنقض البيعة، صوابا كان أو خطا، وقالوا: لكنا قد بايعنا، فكيف السبيل الى نقض البيعة بعد وقوعها.


(1) في الشرح: متفرقين.

[ 253 ]

وقال النقيب: ومما جرأ عمر على بيعة أبي بكر، والعدول عن علي عليه السلام، مع ما كان يسمعه من الرسول صلى الله عليه وآله في أمره، أنه كان أنكر مرارا على الرسول صلى الله عليه وآله امورا اعتمدها، فلم ينكر عليه الرسول صلى الله عليه وآله انكاره، بل رجع في كثير منها إليه، وأشار عليه بامور كثيرة، نزل القرآن فيها بموافقته، فأطمعه ذلك في الاقدام في اعتماده على كثير من الامور التي كان يرى فيها المصلحة مما هي على خلاف النص. وذلك نحو انكاره الصلاة على عبد الله بن ابي المنافق، وانكاره فداء اسارى بدر، وانكاره عليه تبرج نسائه للناس، وانكاره قضية الحديبية، وانكاره أمان العباس لأبي سفيان بن حرب، وانكاره أمره عليه السلام بالنداء من قال لا اله الا الله دخل الجنة، وانكاره أمره عليه السلام بذبح النواضح، وانكاره على النساء بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله هيبتهن له دون رسول الله صلى الله عليه وآله الى غير ذلك من امور كثيرة يشتمل عليها كتب الحديث. ولو لم يكن الا انكاره لقوله عليه السلام في مرضه (ايئوني بدواة وكتف أكتب لكم مالا تضلون بعدي) لكفى، وأعجب الأشياء أنه قال ذلك اليوم (حسبنا كتاب الله) فافترق الحاضرون من المسلمين في الدار، بعضهم يقول: القول ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعضهم يقول: القول ما قال عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وقد كثر اللغظ وعلت الأصوات: قوموا عني فما ينبغي لنبي أن يكون عنده هذا التنازع. فمن بلغت قوته وهمته الى هذا كيف ينكر منه أن يبايع أبا بكر لمصلحة رآها، ويعدل عن النص، ومن الذي ينكر عليه ذلك، وهو في القول الذي قاله للرسول صلى الله عليه وآله في وجهه غير خائف من الانكار (1)، ولا أنكر عليه أحد لا رسول الله ولا غيره، وهو أشد من مخالفة النص في الخلافة وأفظع وأشنع. قال النقيب: على أن الرجل ما أهمل أمر نفسه، بل أعد أعذارا وأجوبة، وذلك لأنه قال لقوم عرضوا له بحديث النص: ان رسول الله صلى الله عليه وآله رجع عن ذلك باقامته


(1) في الشرح: الأنصار.

[ 254 ]

أبا بكر في الصلاة مقامه، فأوهمهم أن ذلك جار مجرى النص عليه بالخلافة، وقال في يوم السقيفة: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة ثم أكد ذلك بقوله لأبي بكر وقد عرض عليه البيعة: أنت صاحب رسول الله في المواطن كلها، شدتها ورخائها، رضيك لديننا، أفلا نرضيك لدنيانا. وأرضاه عمرو بن العاص، فروى حديثا افتعله واختلقه على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: سمعته يقول: ان آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء انما وليي الله وصالح المؤمنين، فجعلوا ذلك كالناسخ لقوله عليه السلام (من كنت مولاه فعلي مولاه). قلت للنقيب: أيصح النسخ في مثل هذا ؟ أليس هذا نسخا للشئ قبل تقضي وقت فعله ؟ فقال: سبحان الله من أين تعرف العرب هذا ؟ وأنى لها أن تتصوره ؟ فضلا عن أن تحكم بعدم جوازه، فهل يفهم حذاق الاصوليين هذه المسألة ؟ فضلا عن حمقى العرب، هؤلاء قوم ينخدعون بأدنى شبهة، وهم أصحاب جهل وتقليد لا أصحاب تفضيل ونظر. قال: ثم أكد حسن ظن الناس بهم أنهم طلقوا أنفسهم عن الأموال، فزهدوا في متاع الدنيا وزخرفها، وسلكوا سلوك (1) الرفض لزينتها والرغبة عنها، والقناعة بالطفيف النزر منها، وأكلوا الخشن، ولبسوا الكرابيس، ولما ألقت إليهم الدنيا أفلاذ كبدها، وفروا الأموال على الناس، وقسموها بينهم، ولم يتدنسوا منها بقليل ولا كثير، فمالت إليهم القلوب، وأحبتهم النفوس، وحسنت فيهم الظنون. وقال من كان في نفسه شبهة منهم أو وقفة في أمرهم: لو كان هؤلاء قد خالفوا النص لهوى أنفسهم لكانوا أهل الدنيا، ولظهر عليهم الميل إليها والرغبة فيها، والاستئثار بها، وكيف يجمعون على أنفسهم بين مخالفة النص وترك لذات الدنيا ومآربها، فيخسروا الدنيا والاخرة، وهذا لا يفعله عاقل، والقوم عقلاء ذووا


(1) في الشرح: مسلك.

[ 255 ]

ألباب وآراء صحيحة، فلم يبق عند أحد شك في امورهم، ولا ارتياب بفعلهم، وثبتت العقائد على ولايتهم وتنزيههم، وتصويب أفعالهم، ونسوا لذة الرئاسة، وان أصحاب الهمم العالية لا يلتفتون الى المأكل والمشرب والمنكح، وانما يريدون الرئاسة والحكم ونفوذ الأمر، كما قال الشاعر: وقد رغبت عن لذة المال أنفس وما رغبت عن لذة النهي والأمر قال: والفرق بين الرجلين وبين الثالث، ما اصيب به الثالث، وقتل تلك القتلة، وخلعه الناس وحصروه وضيقوا عليه، بعد أن توالى انكارهم أفعاله، وجبهوه في وجهه وفسقوه، وذلك لأنه استأثر هو وأهله بالأموال، وانغمسوا فيها واستبدوا بها، فكانت طريقته وطريقتهم مخالفة لطريق الأولين، فلم تصبر العرب على ذلك. ولو كان عثمان سلك طريق عمر في الزهد، وجمع الناس، وردع الامراء والولاة عن الأموال، وتجنب استعمال أهل بيته، ووفر أعراض الدنيا وملاذها وشهواتها على الناس، زاهدا فيها، تاركا لها، معرضا عنها، لما ضره شئ قط، ولا أنكر عليه أحد قط، ولو حول الصلاة من الكعبة الى بيت المقدس، بل لو أسقط عن الناس احدى الصلوات الخمس، واقتنع منهم بأربع، وذلك لأن همم الناس مصروفة الى الدنيا والأموال، فإذا وجدوها سكتوا، وإذا فقدوها هاجوا واضطربوا. ألست ترى رسول الله صلى الله عليه وآله كيف قسم غنائم هوازن على المنافقين، وعلى أعدائه الذين يتمنون قتله وموته، وزوال دولته، فلما أعطاهم أحبوه إما كلهم أو أكثرهم، ومن لم يحبه منهم بقلبه جامله وداراه، وكف عن اظهار عداوته، والاجلاب عليه. ولو أن عليا عليه السلام صانع أصحابه بالمال وأعطاه الوجوه والرؤساء، لكان أمره الى الانتظام والاطراد أقرب، ولكنه رفض جانب التدبر الدنيوي، وآثر لزوم الدين، وتمسك بأحكام الشريعة، والملك أمر آخر غير الدين، فاضطرب عليه أصحابه، وهرب كثير منهم الى عدوه.

[ 256 ]

وقد ذكرت في هذا الفصل خلاصة ما حفظته عن النقيب أبي جعفر، ولم يكن امامي المذهب، ولا كان يبرأ من السلف، ولا يرتضى قول المسرفين من الشيعة، ولكنه كلام أجراه على لسانه البحث والجدل بيني وبينه (1). انتهى كلامه. ومما يرتفع به التعجب والاستبعاد في اتفاق أكثر الصحابة على ترك العمل بالنص مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وآله في حياته في زمن الشدة وزمن الرخاء. أما في الشدة، فانهم فارقوه وخذلوه واختاروا أنفسهم عليه في غزوة احد وحنين وخيبر، وقد تضمن الكتاب بعض ذلك ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (2) ونقل أنهم كانوا في تلك الحال نحو عشر آلاف، فلم يتخلف منهم الا أقل من عشرة أنفس، وروي سبع أنفس، وهم: علي بن أبي طالب عليه السلام، والعباس، والفضل بن العباس، وربيعة، وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، واسامة بن زيد، وعبيدة بن ام أيمن. وأما مخالفة أصحابه له في الرخاء والأمن، فقد تضمن الكتاب ذلك وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة (3) ونقل أنهم إذا سمعوا بوصول تجارة تركوا الصلاة معه، ولم يلتفتوا الى حرمة ربهم ولا حرمة نبيهم ولا صلاتهم، وباعوا ذلك كله بمشاهدة تجارتهم، أو طمع في مكسب منها، فكيف يستبعد من هؤلاء أن يخالفوا نبيهم بعد وفاته في طلب الملك والخلافة. وأيضا من مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وآله في حال الرخاء، أنهم خالفوه في مرض موته


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 12: 82 - 90. (2) التوبة: 25. (3) الجمعة: 11.

[ 257 ]

وآخر أيام عمره، حيث أراد منهم أن يأتوه بدواة ولوح ليكتب لهم ما يبعدهم عن الضلالة، فحالوا بينه وبين مراده، ونسبه الثاني من خلفاء المخالف الى الهجر والهذيان، وقال: حسبنا كتاب الله. وروى المخالفون هذه الحكاية في صحاحهم ومسانيدهم، وسيجئ ان شاء الله تفصيل هذه الحكاية مع عدة حكايات في مخالفة أبي بكر وعمر لرسول الله صلى الله عليه وآله. ومما يرفع التعجب في مخالفة أكثر الصحابة لقول النبي صلى الله عليه وآله وتركهم النص الجلي ما رواه المخالفون في صحاحهم، وهذا لفظ مسلم في المجلد الثالث من صحيحه، في حديث عائشة، قالت بعد كلام طويل: فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على المنبر، فاستعذر من عبد الله بن ابي بن سلول، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي الا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه الا خيرا، وما كان يدخل على أهلي الا معي. فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، ان كان من الأوس ضربنا عنقه، وان كان من اخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت، فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته (1) الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمرو الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام اسيد بن خضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمرو الله لنقتلنه، فانك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وآله قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يخفضهم حتى سكتوا وسكت، الخبر (2).


(1) في الصحيح: اجتهلته. (0) صحيح مسلم 4: 2133 - 2134، كتاب التوبة ب 10.

[ 258 ]

أقول: إذا جاز على الأنصار أن يخالفوا نبيهم في حياته لأغراضهم الذميمة، وحميتهم الجاهلية، فكيف لا يجوز عليهم المخالفة بعد مماته ؟ ! ومما يرفع التعجب أيضا، ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين، في مسند أنس بن مالك، في الحديث الحادي والعشرين من المتفق عليه، قال: ان ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين، حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله صلى الله عليه وآله يعطي رجالا من قريش المائة من الابل، فقالوا: يغفر الله لرسوله، فيعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم (1). وقال الحميدي في الحديث المذكور: في حديث هشام بن زيد عن أنس، أن الأنصار قالت: إذا كانت الشدة نحن ندعى لها، وتعطى الغنائم غيرنا (2). قال ابن شهاب عن أنس، فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فعرفهم في حديث ذكره أنه فعل ذلك تألفا لمن أعطاه، ثم يقول في رواية الزهري عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وآله قال للانصار: انكم ستجدون اثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض، قال: أنس، فلم يصبروا (3). انظر أيها اللبيب المنصف في هذه الأحاديث المتفق على صحتها عندهم، وفكر فيما بلغوا إليه من تقبيح ذكر الأنصار من سوء معاملتهم ومصاحبتهم لنبيهم صلى الله عليه وآله في حياته بحضرته، وقلة احترامهم، وترك الموافقة له، لأغراض جاهلية، وأحقاد دنيوية، فما التعجب في مبايعة هؤلاء الأنصار وأمثالهم من المهاجرين بمثل هذه الاراء السقيمة والأغراض الذميمة لأبي بكر في السقيفة، ونبذ عهد نبيهم وراء ظهورهم.


(1) صحيح مسلم 2: 733، كتاب الزكاة ب 46. (2) صحيح مسلم 2: 736. (3) صحيح مسلم 2: 734.

[ 259 ]

ومما يرفع أيضا التعجب في اتفاق أكثر الصحابة على مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وتخلفهم عن أمير المؤمنين عليه السلام انا نلاحظ حال أهل زماننا، فنراهم غافلين جاهلين، مائلين الى الدنيا والى أهلها، راغبين عن الاخرة وأهلها الا قليلا نادرا، فنعلم أن حال أهل كل زمان كحال أهل زماننا (1)، فلا نتعجب حينئذ في ترك أكثر أهل زمن النبي صلى الله عليه وآله بيعة علي سيد العقلاء والزهاد الذي طلق الدنيا ثلاثا، وكان يزهدهم في الدنيا، ويرغبهم الى الاخرة، ويلومهم في حب حبيبتهم الغدارة، ويأمرهم أن يقنعوا بالقليل، وأن لا يطلبوا فوق الكفاف، ويحثهم على ترك العادات والشهوات، ويحذرهم عن التلهي والفاكهات، إذ لا مشابهة بينه عليه السلام وبين هؤلاء من أرباب الجهالات، بل كانوا أشباه أبي بكر وأمثاله، فبايعوه وانقادوا له. وأما القليلون الذين كانوا أشباه علي أمير المؤمنين عليه السلام، كسلمان وأبي ذر ومقداد وعمار، وصلحاء بني هاشم، فبايعوه وأطاعوه، وداروا معه حيث دار، وكانوا مظلومين مغضوبين مقهورين مخذولين، ولكن لم يضرهم خذلان الخاذلين، وكيف يضرهم ؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: لا تزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي (2). ونعم ما قال الخليل بن أحمد النحوي، حين سأله أبو زيد النحوي الأنصاري، قال: سألت الخليل بن أحمد، فقلت: لم هجر الناس عليا عليه السلام وقرباه من رسول الله صلى الله عليه وآله قرباه، وموضعه من المسلمين موضعه، وعناه في الاسلام عناه ؟ فقال: بهر والله نوره أنوارهم، وغلبهم على صفو كل منهل، والناس الى أشكالهم أميل، أما سمعت الأول حيث يقول: وكل شكل بشكله ألف أما ترى الفيل يألف الفيلا


(1) في (ق): حال أهل كل زماننا كذلك. (2) صحيح مسلم 3: 1523 برقم: 1920.

[ 260 ]

ومما يرفع أيضا التعجب في اجتماع أكثر الامة على الباطل، الايات الدالة على مدح القليل وذم الكثير، وهي كثير، منها قوله تعالى لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث (1) وقوله تعالى ولكن أكثر الناس لا يشكرون (2) وقوله تعالى ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (3) وقوله تعالى ولكن أكثر الناس لا يعلمون (4) وقوله تعالى وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله (5) وقوله تعالى في قصة موسى عليه السلام ان هؤلاء لشرذمة قليلون (6). ومما يرفع أيضا هذا التعجب، قوله تعالى أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم (7). ومما يرفع أيضا هذا التعجب، اجتماع الصحابة على قتل عثمان الا قليلا منهم، فنقول للمخالف: ان اجتماع هؤلاء على قتل عثمان كان خطاء أو صوابا ؟ فان كان الأول، فلا تعجب في اتفاق أكثر الصحابة على خلافة أبي بكر. وان كان الثاني، فبطل خلافته، وبطلان خلافته مستلزم لبطلان مذهب المخالف، لا يخفى أن أهل السير من الخاصة والعامة صرحوا باتفاق الصحابة من المهاجر والأنصار على قتل عثمان. وقد قال أعثم الكوفي من علماء المخالفين في تاريخه: ان عثمان كان الناس عليه بين خاذل له ومحرض عليه، ما منهم من نصره بيده ولا نهى عنه، وحصر أربعين يوما


(2) المائدة: 100. (2) البقرة: 243 وغيرها. (3) هود: 17 وغيرها. (4) الأعراف: 187 وغيرها. (6) الأنعام: 116. (6) الشعراء: 54. (7) آل عمران: 144.

[ 261 ]

في جوف داره ليس له جمعة ولا جماعة (1). انتهى. ولا يخفى أنه كان من قاتليه عمار الذي سماه النبي صلى الله عليه وآله الطيب المطيب (2)، وقد روى المخالف عدة روايات في مناقبه. منها: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: يدور الحق مع عمار حيث ما دار. وهذه الرواية من المشهورات، وفي تاريخ أعثم الكوفي، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، من جملة مناظرة صارت بين عمار وعمرو بن العاص في صفين، أنه قال عمرو: فما ترى في قتل عثمان ؟ فقال - يعني عمار -: قد خيرتك كيف قتل عثمان ؟ قال عمرو: لعلي قتله، قال عمار: بل الله قتله، قال عمرو: فهل أنت في من قتله ؟ قال عمار: أنا ممن قتله وأنا اليوم اقاتل مع من قتله لاراد ان قتل الدين فقتل (3). انتهى. أقول: لا يخفى على الخبير البصير المتتبع أن الاتفاق الذي تحقق على قتل عثمان لم يتحقق مثله على خلافة أبي بكر، ومع هذا حكموا بصواب بيعة أبي بكر وعلى خطأ قتل عثمان، فتأمل فان هذا من أعجب الامور. ومما يرفع أيضا هذا التعجب، تخلف بني اسرائيل عن هارون، وعبادتهم العجل في غيبة موسى، مع رجاء عوده إليهم وخوف مؤاخذته اياهم، وفي قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: انت مني بمزلة هارون من موسى الا انه لانبي بعدي (4). اشارة الى تخلف الناس عن علي عليه السلام كما تخلف بنو اسرائيل عن هارون. ومما يرفع أيضا هذا التعجب، اتفاق بني اسرائيل على قتل الأنبياء، حتى نقل أن في يوم واحد قتل مائة واثني عشرة نبيا.


(1) الفتوح 3: 76. (2) سنن الترمذي 5: 626 برقم: 3798. (3) الفتوح لابن أعثم الكوفي 3: 77. (4) راجع مصادر الحديث الى كتاب احقاق الحق 5: 123 - 234 و 16: 1 - 97.

[ 262 ]

ومما يرفع أيضا هذا التعجب، اتفاق أولاد يعقوب عليه السلام مع طهارة مولدهم وتولدهم في الاسلام وتربيتهم في حجر نبي الله، على قتل أخيهم الصغير يوسف الصديق، مع كمال حسنه وجماله، حسدا عليه، فما التعجب في اتفاق أكثر أولاد المشركين الذين قست قلوبهم بعبادة الأصنام، وشرب الخمور، وقتل النفوس، وقطع الرحم، وارتكاب سائر الكبائر الموبقة والعظائم المهلكة، على بيعة أبي بكر حسدا وبغضا، لأن عليا عليه السلام كان قاتلا لابائهم وأبنائهم وقراباتهم، وطمعا في الوصول الى شهواتهم ومراداتهم، كانوا يعرفون أن عليا عليه السلام يحول بينهم وبين ما يريدون من اللذات القبيحة. ومما يرفع أيضا هذا التعجب، اتفاق أهل العقبة على قتل سيد المرسلين، فإذا أمكن اتفاق هؤلاء على مثل هذا الأمر الخطير، لم لا يمكن اتفاقهم على غصب الخلافة ؟ ومما يرفع أيضا هذا التعجب، اتفاق الناكثين والقاسطين والمارقين مع كثرتهم على محاربة خليفة سيد المرسلين، مع ظهور الحجج والبراهين على امامته، وفرض طاعته، ووجوب مودته. ومما يرفع أيضا هذا التعجب، روايات وردت عن النبي صلى الله عليه وآله في بيان حال امته بعده، منها: ما رواه الحميدي في مسند سهل بن سعد، في الحديث الثامن والعشرين من المتفق عليه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا احدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلا يقول ؟ قال: فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يقول: انهم امتي، فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا

[ 263 ]

سحقا لمن بدل بعدي (1). ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين، في الحديث الستين من المتفق عليه، من مسند عبد الله بن عباس، قال: ألا وانه سيجاء برجال من امتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي ؟ فقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم - الى قوله - العزيز الحكيم (2) قال: فيقال لي: انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم (3). ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين، في الحديث السابع والستين بعد المائة من المتفق عليه، من مسند أبي هريرة ومن طرق، فمنها: عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم يخرج رجل بيني وبينهم، فقال: هلموا، قلت: الى أين ؟ قال: الى النار والله، قلت: ما شأنهم ؟ قال: انهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم الا مثل همل النعم (4). وفي أواخر صحيح البخاري في باب ما جاء في قول الله واتقوا فتنة (5) الاية، باسناده عن ابن أبي مليكة، قال: قالت أسماء: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أنا على حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من دوني، فأقول: امتي، فيقال: لا تدري مشوا على القهقرى (6).


(1) صحيح مسلم 4: 1793، كتاب الفضائل ب 9، وصحيح البخاري 7: 208. (2) المائدة: 117 - 118. (3) صحيح مسلم 4: 2194 - 2195، كتاب الجنة ب 14. (4) صحيح البخاري 7: 208. (5) الأنفال: 25. (6) صحيح البخاري 8: 86، كتاب الفتن.

[ 264 ]

وفيه أيضا بسنده عن عبيد الله، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن الي رجال منكم حتى إذا أهويت لاناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك (1). وفيه أيضا هذا المعنى عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، والنعمان بن أبي عياش (2). وفي كتاب الفردوس: يا معشر بني هاشم انه سيصيبكم بعدي جفوة، فاستعينوا عليها بارقاء (3) الناس (4). وفي كتاب المناقب للحافظ ابن مردويه من أعيان المخالفين، باسناده الى ابن عباس، قال: خرجت أنا وعلي عليه السلام والنبي صلى الله عليه وآله في الخبان بالمدينة، فمررنا بحديقة، فقال علي عليه السلام: ما أحسن هذه يا رسول الله، فقال: حديقتك في الجنة أحسن منها، حتى مررنا بسبع حدائق، فقال النبي صلى الله عليه وآله: حدائقك في الجنة أحسن منها، ثم ضرب بيده على لحيته ورأسه وبكى، حتى علا بكاؤه، قيل: ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال: ضغائن في صدور قوم لا يبدو لكم الا بعدي، وقيل: حتى يفقدوني. ورواه ابن مردويه من طريق آخر، وزاد فيه: أن عليا عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وآله: في سلامة من ديني ؟ قال: نعم في سلامة من دينك (5).


(1) صحيح البخاري 8: 87. (2) صحيح البخاري 8: 87، الباب الأول من كتاب الفتن. (4) في الفردوس: بأرزاق. (4) فردوس الأخبار للديلمي 5: 384 برقم: 8236. (5) مستدرك الحاكم 3: 139، وتاريخ بغداد 12: 398، ومناقب الخوارزمي ص 65 ط قم، وفضائل الصحابة 2: 651، وتذكرة الخواص ص 51، وكفاية الطالب ص 72، وذخائر العقبى ص 90، وميزان الاعتدال 2: 331، ومجمع الزوائد 9: 118، ونور الابصار

[ 265 ]

وقد روى هذا الحديث أيضا ابن أبي الحديد في شرحه. وفيه عند تفسير قوله (يا علي ان القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنون بدينهم على ربهم، ويتمنون رحمه) (1) وقد روى كثير من المحدثين عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: ان الله قد كتب عليك جهاد المفتونين، ثم ذكر كلاما طويلا، الى قوله: فقلت: يا رسول الله لو بينت لي قليلا، فقال: ان امتي ستفتن من بعدي، فتتأول القرآن، وتعمل بالرأي، وتستحل الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع، وتحرف الكتاب عن مواضعه، وتغلب كلمة الضلال، فكن جليس بيتك حتى تقلدها، فإذ قلدتها جاشت عليك الصدور وقلبت لك الامور، تقاتل حينئذ على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله الحديث (2). أقول: ان هذا الحديث صريح في أن الضلال غلب على الناس في خلافة الشيخين. وفي صحيح مسلم في المجلد الثالث منه حديث روى عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله، وهذا موضع الحاجة منه: فرفع رأسه الى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون (3). وفي الجمع بين الصحيحين، وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، عن عثمان بن سعيد، عن عبد الله الغنوي، أن عليا عليه السلام خطب بالرحبة، فقال: أيها الناس انكم قد أبيتم الا أن أقولها ورب السماء والأرض، ان من عهد النبي الامي الي: ان الامة ستغدر بك بعدي (4).


للشبلنجي ص 72، وأرجح المطالب ص 663. (1) نهج البلاغة ص 220، رقم الكلام: 156. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 206. (3) صحيح مسلم 4: 1961 برقم: 2531، كتاب الفضائل ب 51. (4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 107.

[ 266 ]

وفي الجمع بين الصحيحين، وفي صحيح البخاري في الجزء الثامن، في باب قول النبي صلى الله عليه وآله: لتتبعن سنن من قبلكم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ امتي ما أخذ القرون قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، فقيل: يا رسول الله كفارس والروم ؟ قال ومن الناس الا اولئك (1). وفي جامع الاصول: أنه كان للمشركين شجرة يسمونها ذات أنواه (2)، يعلقون عليها أسلحتهم، فقال المسلون للنبي صلى الله عليه وآله: اجعل لنا ذات أنواه، فقال: هذا مثل قول قوم موسى عليه السلام اجعل لنا الها كما لهم آلهة والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم. أخرجه الترمذي، وزاد فيه رزين: حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، حتى ان كان فيهم من أتى امه يكون فيكم، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا (3). وأسند أخطب الخوارزمي قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: اتق الضغائن التي لك في صدور من لا يظهرها الا بعد موتي، اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، ثم بكى عليه السلام وقال: أخبرني جبرئيل انهم يظلمونه ويمنعونه حقه، ويقاتلونه ويقتلون ولده، ويظلمونهم بعده، وأخبرني أن ذلك يزول إذا قام قائلهم، وعلت كلمتهم، واجتمعت الامة على محبتهم، وكان الشاني لهم قليلا، الحديث (4). وفي الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادي والعشرين من المتفق عليه من مسند أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا حجر ضب لتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله


(1) صحيح البخاري 8: 151، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. (2) في الجامع: ذات أنواط. (3) جامع الاصول 10: 408 - 409 برقم: 7471. (4) المناقب للخوارزمي ص 65.

[ 267 ]

اليهود والنصارى ؟ قال: فمن ؟ (1). ومما يرفع هذا التعجب ما في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبي يضلون جميعا (2). وما في الكتاب أيضا في الحديث الأول من صحيح البخاري من مسند أنس بن مالك، عن الزهري، قال: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك ؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت الا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت (3). وما في فردوس الديلمي باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله: يا عائشة ان أول من يهلك من الناس قومك هذا الحي من قريش، هم صلب الناس، فإذا هلكوا هلك الناس (4). وما فيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله: يا عائشة لولا قومك حديثو عهد بالكفر لنقضت الكعبة، وجعلت لها بابين شرقيا وغربيا، باب يدخل الناس فيه، وباب يخرجون منه، وبلغت به أساس ابراهيم (5). وما في كتاب جامع العلوم لقدوة الحفاظ أبو عبد الله محمد بن معمر في الحديث الخامس والثلاثين من مسند براء من رواية البخاري، عن زهير، عن علاء بن المسسيب، عن أبيه، قال: قلت للبراء بن عازب: طوبى لك أنت ممن رضي الله عنه


(1) صحيح مسلم 4: 2054، كتاب العلم ب 3، وجامع الاصول 10: 409 برقم: 7472. (2) صحيح البخاري 1: 159، كتاب الأذان برقم: 31. (3) صحيح البخاري 1: 134 كتاب المواقيت برقم: 7. (4) لم أعثر عليه في الفردوس المطبوع. (5) صحيح مسلم 2: 968 - 972.

[ 268 ]

وبايع تحت الشجرة، قال: ابن أخي انك لا تدري ما أحدثنا بعده. وقال في الصراط المستقيم: أسند اسحاق بن ابراهيم الى سلمة، الى محمد بن اسحاق، الى عمرو بن عبيد، الى الحسن، الى العوفي، قال ابي بن كعب: والله ما زالت هذه الامة مكبوبة على وجوهها منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، الحديث. وفي شرح ابن أبي الحديد عن حبيب بن ثعلبة بن يزيد، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: اما ورب السماء والارض ثلاثا انه لعهد النبي الامي الي: لتغدرن بك الامة من بعدي (1). انتهى الكلام في بطلان الوجه الخامس من وجوه المخالفين في معارضة الأحاديث الدالة على امامة أمير المؤمنين عليه السلام، ومن وجوههم التي عارضوا بها ما ذكرناه من النصوص على امامة أمير المؤمنين عليه السلام، ما حسبوه دليلا على خلافة الثلاثة، ونذكرها بعبارة صاحب المواقف. قال فيه بعد ما أورد النصوص على أمير المؤمنين عليه السلام: هذه النصوص معارضة بالنصوص الدالة على امامة أبي بكر، وهي من وجوه: الأول: قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض (2) وأقل الجمع ثلاثة، ووعد الله حق، ولم يوجد الا خلافة خلفاء الأربعة التي وعد الله بها. الثاني: قوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون الى قوم اولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون (3) وليس الداعي محمدا، لقوله تعالى سيقول


(1) شرح نهج البلاغة 6: 45. (2) النور: 55. (3) الفتح: 16.

[ 269 ]

المخلفون) الى قوله (لن تتبعونا) (1) ولا عليا، لانه لم يتفق له قتال لطلب الاسلام ولامن بعده، لأنه عندنا ظلمة وعندهم كفار، فلا يليق بهم قوله فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا فهو أحد الخلفاء الثلاثة، بالفصل. الثالث: لو كانت امامة أبي بكر باطلة لما كان معظما ممدوحا عند الله، لكنه معظم وأفضل الخلق بعده. الرابع: كانت الصحابة وعلي يقولون له: يا خليفة رسول الله، وقد قال تعالى فيهم اولئك هم الصادقون (1). الخامس: لو كانت الامامة حق علي ولم تعنه الامة لكانوا شر الامم، لكنه خير امة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. السادس: قوله عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. وأقل مراتب الأمر الجواز. السابع: قوله عليه السلام: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يصير ملكا عضوضا. الثامن: أنه عليه السلام استخلف أبا بكر في الصلاة وما عزله كما مر، فيبقى بعده اماما فيها، فكذا في غيرها إذ لا قائل بالفصل، ولذلك قال علي عليه السلام: قدمك رسول الله في أمر ديننا أفلا نقدمك في أمر دنيانا (2) انتهى. أقول: أما الجواب عن الأول، فبأن هذا الاستخلاف والتمكين في الدين لم يكونا في أيام النبي صلى الله عليه وآله حين قمع الله أعداءه، وأعلى كلمته، ونشرت رايته، وأظهرت دعوته، وأكمل دينه، ونعوذ بالله أن نقول: ان الله تعالى لم يمكن دينه لنبيه صلى الله عليه وآله في


(2) الفتح: 15. (2) الحجرات: 15، والحشر: 8. (3) المواقف مع شرحه 8: 363 - 365.

[ 270 ]

حياته، وليس التمكين هو كثرة الفتوح والغلبة على البلدان، لأن ذلك يوجب أن دين الله تعالى لم يتمكن الى اليوم، لعلمنا ببقاء ممالك الكفر كثيرة لم يفتحها المسلمون. ولأنه أيضا يوجب أن الدين تمكن في أيام معاوية ومن بعده من بني امية، أكثر من تمكنه في أيام النبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر، لأن بني امية فتحوا بلادا كثيرة لم تفتح في زمن النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء. قال مقاتل: نزلت صد المسلمين عام الحديبية، فقالوا: لو دخلنا مكة آمنين فنزلت، وعنى بالأرض مكة، وبتمكين الدين الاسلام، وبتبديل الخوف من أهل مكة أمنا، هذا قول مقاتل وهو من أكبر شيوخهم. وقال ابن حنبل: ما رأيت أعلم بالتفسير من مقاتل بن سليمان، وقال الشافعي: الناس عيال على مقاتل في التفسير، وعلى زهير في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام. ثم ان المراد بالاستخلاف هاهنا ليس هو الامامة والخلافة، بل المراد فيه قفوهم في أثر من مضى من الفرق، وجعلهم عوضا منهم وخلفا، ومن ذلك قوله تعالى عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفنكم في الأرض فننظر كيف تعملون (1) وقوله وربك الغني ذو الرحمة ان يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء (2). وقال شارح الطوالع: لا يدل الاستخلاف على الرئاسة العامة، بل قد يكون المراد توريثهم بلاد الكفر لجميع المهاجرين، لقوله هو الذي جعلكم خلائف في الأرض (3) ولم يرد بذلك الامامة والتوريث والتمكين والأمن، لا تخصيص للخلفاء بها، فان الله تعالى علق ذلك على الايمان وعمل الصالحات، وهما حاصلان


(1) الأعراف: 129. (2) الأنعام: 133. (3) فاطر: 39.

[ 271 ]

لكثير. ويمكن أن يقال: ان الاية مشروطة بالايمان، فيجب على من ادعى تناولها لأبي بكر وعمر وعثمان أن يبين ايمانهم بغير الاية، وروى ابن جريج عن مجاهد: أن المراد بالاستخلاف استخلاف جميع الامة. وقال سيدنا المرتضى في الشافي بعد الرواية عن ابن جريج: وروى ابن عباس وغيره قريب من ذلك، وقد تأول هذه الاية علماء أهل البيت عليهم السلام وحملوها على وجه معروف، فقالوا: هذا التمكين والاستخلاف وابدال الخوف بالأمن انما يكون عند قيام المهدي عليه السلام. وأسند الشيرازي وأبو عبيدة من أهل المذاهب الأربعة الى ابن مسعود نزولها في خلافة على عليه السلام. والجواب عن الثاني على وجهين: أحدهما: أن ننازع في اقتضائها داعيا يدعو المخلفين غير النبي صلى الله عليه وآله ونبين أن الداعي لهم فيما بعد كان الرسول. والوجه الأخر: أن نسلم أن الداعي غيره، ونبين أنه لم يكن أبا بكر وعمر، على ما ظنه أهل السنة، بل كان أمير المؤمنين عليه السلام. فأما الوجه الأول، فواضح، لأن قوله تعالى سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا ان أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعلمون خبيرا بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون الى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (1) انما أراد به الذين تخلفوا عن الحديبية بشهادة أهل النقل والمفسرين، وقد ادعى سيدنا المرتضى في الشافي اجماع أهل النقل واطباق المفسرين عليه.


(1) الفتح: 11 - 12. (*)

[ 272 ]

ثم قال تعالى سيقول المخلفون إذا انطلقتم الى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون الا قليلا (2). وانما التمس هؤلاء المخلفون بشهادة أهل النقل أن يخرجوا الى غنيمة خيبر، فمنعهم الله تعالى من ذلك، وأمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يقول لهم: لن تتبعونا الى هذه الغزاة، لأن الله تعالى كان حكم من قبل بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، وانه لاحظ فيها لمن لم يشهدها، وهذا هو معنى قوله تعالى يريدون أن يبدلوا كلام الله وقوله كذلكم قال الله من قبل. ثم قال تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون الى قوم اولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون وانما أراد أن الرسول صلى الله عليه وآله سيدعوكم فيما بعد الى قتال قوم اولي بأس شديد، مثل حنين، وتبوك، وثقيف، وهوازن وغيرها، فمن أين يجب أن يكون الداعي لهؤلاء غير النبي صلى الله عليه وآله مع ما ذكرنا من الحروب التي كانت بعد خيبر. وقد نقل سيدنا المرتضى في الشافي عن ابن المسيب، أنه روى عن الضحاك في قوله تعالى ستدعون الى قوم اولي بأس شديد الاية، قال: هم ثقيف، وروى عن هيثم عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: هم هوازن يوم حنين، وروى عن الواقدي عن معمر، عن قتادة، قال: هم هوازن وثقيف (1). وقوله تعالى لن تتبعونا على ما بينا تفسيره لا يدل على أن الداعي غير النبي صلى الله عليه وآله وان سلمنا أن المراد به ما فهمه أهل السنة من الاخبار بعدم اتباع المخلفين بعد الدعوة أبدا، فلا يدل أيضا على مطلوبهم، لأن الاخبار بعدم اتباع المخلفين بعد الدعوة لا ينافي أن يكون الداعي هو النبي صلى الله عليه وآله.


(2) الفتح: 15. (1) الشافي 4: 39.

[ 273 ]

والوجه الثاني: وهو ان نسلم فيه أن الداعي للمخلفين هو غير النبي صلى الله عليه وآله، فنبين أيضا أنه لا يمتنع أن يعني بهذه الاية أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه قد قاتل بعده أهل الجمل وصفين وأهل النهروان، وبشره النبي صلى الله عليه وآله بأنه يقاتلهم. وأما قول صاحب المواقف (ليس الداعي عليا، لأنه لم يتفق لعلي قتال لطلب الاسلام) فجوابه: أن اسلام محاربي أمير المؤمنين عليه السلام ممنوع، لأنهم عندنا كانوا كفارا بوجوه: منها: أن من حاربه كان مستحلا لقتله مظهرا به، ونحن نعلم أن من أظهر استحلال شرب جرعة خمر فهو كافر بالاجماع، واستحلال دم المؤمن فضلا عن أكابرهم وأفاضلهم أعظم من شرب الخمر واستحلاله، فيجب أن يكونوا من هذا الوجه كفارا. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قال له عليه السلام بلا خلاف بين أهل النقل: يا علي حربك حربي وسلمك سلمي (1). ونحن نعلم أنه لا يريد الا التشبيه بينهما في الأحكام، ومن أحكام محاربي النبي صلى الله عليه وآله الكفر بلا خلاف. ومنها: أنه قال له أيضا بلا خلاف: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. وقد ثبت عندنا أن العدواة من الله لا تكون الا من الكفار الذين يعادونه، دون فساق أهل الملة. ومنها: ما اتفق عليه أهل النقل وأخرجه البخاري من قول النبي صلى الله عليه وآله في أهل حرورا: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (2). وأخرج الفراء في مصابيحه قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي وفاطمة والحسنين: أنا حرب


(1) المناقب لابن المغازلي ص 50 برقم: 73. (2) صحيح البخاري 8: 178 كتاب التوحيد.

[ 274 ]

لمن حاربهم (3). وحرب النبي كفر. ان قالوا: لو كانوا كفارا لسباهم أمير المؤمنين عليه السلام. قلنا: معارض بفعل النبي صلى الله عليه وآله بأهل مكة. ان قالوا: لا يعلم بقاء المخلفين الى زمان علي عليه السلام حتى يتم كونهم مدعوين. قلنا: ولا يعلم بقاؤهم الى زمان أبي بكر أيضا، على أن قوله (ستدعون) يحتمل كون الداعي هو الله بايجاب القتال عليهم وذبهم عن أهل دينهم، ولو سلم كون أبي بكر داعيا لم يلزم كونه اماما، لما أخرجه البخاري في صحيحه من قول النبي صلى الله عليه وآله: ان الله ينتصر لهذا الدين بالرجل الفاجر (1). فلعله دعاهم الى حق ولم يكن على حق، والطاعة لله فيه لا لداعيه، وان كان على حق لم يلزم أن يكون رئيسا اماما، إذ يتعين على كل مدعو الى الصواب الاجابة (2)، سواء كان الداعي اماما أم لا، فسقط الاحتجاج. وأما الجواب عن الثالث، فبالمنع من كون أبي بكر معظما ممدوحا عند الله، وكونه أفضل الخلق، وما تمسك به صاحب المواقف وغيره في أفضلية أبي بكر من الايات فلا دلالة لها، ومن الأخبار فلا أصل لها، وسأذكر شبههم بعبارة صاحب المواقف، واجيب عنها بما وفقني الله به. وأما الجواب عن الرابع، فبالمنع من قول علي عليه السلام والصحابة لأبي بكر (يا خليفة رسول الله) وان سلمنا فلا نسلم كونه على سبيل الاختيار، بل الحق أنه ان قاله أحد من غير أهل النفاق وأرباب الطمع قاله خوفا وتقية، كما قال الصلحاء لبني امية وبني مروان وبني العباس: أمير المؤمنين وخليفة الله.


(3) مصابيح السنة 4: 190 برقم: 4817. (1) صحيح البخاري 5: 75. (2) في (ق): الى صواب لاجابة.

[ 275 ]

وأما الجواب عن الخامس، فان هذه الاية لا تتناول جميع الامة، لأن ما اشتملت عليه من الأوصاف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرهما ليس موجودا في جميع الامة. فان قيل: هي متوجهة الى الجميع، كان علمنا بأن أكثرهم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر دافعا لقوله، وان اعترف بتوجهها الى البعض. قيل: فما المانع أن يكون الدافع للنص وهم أكثر الامة ممن لم يتوجه إليه الاية. فان قيل: فأي فضل يكون لهذه الامة على الامم قبلها إذا كان أكثرها قد ضل وخالف النبي صلى الله عليه وآله ويجب أن يكون امة موسى أفضل. قيل له: أما لفظة (خير) فهي عندنا وعندك تنبئ عن الثواب والفضل، وليس يمتنع أن يكون من لم يخالف النص من الامة أكثر ثوابا وأفضل عملا من الامم المتقدمة، ألا ترى أن امتنا بلا خلاف أقل عددا من امم الكفر، على أن قوما من الامة باتفاق أهل النقل ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وطوائف من العرب بزعم أهل السنة رجعوا عن أديانهم حتى قوتلوا على الردة، ولم يكن هذا في امة موسى وعيسى، ولم يوجب ذلك أن يكون امة موسى وعيسى خيرا من امتنا، فظهر أنه لا اعتبار بالردة، بل الاعتبار بالفضل وزيادة الخير على الأعمال، وأيضا أصحاب موسى وعيسى لم يجتمعوا على قتل خليفة نبيهم، وأكثر أصحاب نبينا اتفقوا على قتل عثمان، وهو بزعم النواصب خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، فظهر أنه لا اعتبار بالردة، بل الاعتبار بالفضل وزيادة الثواب. وأما الجواب عن السادس، فان أول ما فيه أنه خبر واحد لا يفيد علما، ومسألة الامامة علمية، ورواية عبد الملك بن اللخمي مطعون فيها بأنه كان فاسقا جريئا على الله بالقتل، وهو قاتل عبد الله بن يقطر رسول الحسين عليه السلام الى مسلم بن عقيل، بعد رمي ابن زياد له، وكان مروانيا يتولى القضاء لبني امية، شديد النصب

[ 276 ]

والانحراف عن أهل بيت النبوة، كذا ذكر في الصراط المستقيم (1). وقال سيدنا المرتضى في الشافي: انه رواية عبد الملك بن عمير، وهو ممن تبع بني امية، وممن تولى القضاء لهم، وكان شديد النصب والانحراف عن أهل البيت، وروي أنه كان يمر على أصحاب الحسين عليه السلام وهم جرحى فيجهز عليهم، فلما عوتب على ذلك قال: انما أردت أن اريحهم (1). ولو كان صحيحا لاحتج به أبو بكر في السقيفة، لأنه أقطع من قوله (الأئمة من قريش) ولتمسك به أبو بكر حين أنكر عليه طلحة في النص على عمر، وأيضا لو كان صحيحا لكان حاجزا عن مخالفة الرجلين وموجبا لموافقتهما في جميع أقوالهما وأفعالهما، وقد رأينا كثيرا من الصحابة خالفهما وأظهروا خلافهما، وعلى مقتضى الخبر خلافهما محظور ممنوع. على أن ذلك لو اقتضى النص بالامامة لوجب أن يكون ما رووا عنه عليه السلام (أنه عليه السلام قال: اهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن ام عبد. ولم يكن في شئ من ذلك نص بامامتهما. وأيضا الأمر بالاقتداء كالمجمل، لأنه لم يبين في أي شئ يقتدى بهما، ولا على أي وجه، ولفظة (بعدي) محتملة ليس فيها دلالة على أن المراد بعد وفاتي دون بعد حال اخرى من أحوالي، ولذا قال بعض أصحابنا: ان سبب هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله كان سالكا طريقا، فسئل عنه وكان الشيخان خلفه، فقال في الجواب: اقتدوا باللذين من بعدي. وهذا وان كان غير مقطوع به، فلفظ الخبر يحتمله كاحتماله لغيره،


(1) الصراط المستقيم 3: 145. (1) الشافي 2: 308.

[ 277 ]

وأين الدلالة على النص (2). وفي رواية (أبا بكر وعمر) بالنصب على النداء، فمعناه: يا أبا بكر وعمر اقتدوا باللذين من بعدي، وهما كتاب الله وعترتي، فانه حث عليهما ونفي الضلال عند التمسك بهما، ورواه أهل المذاهب في الجمع بين الصحاح، وسنن أبي داود، وصحيح مسلم، والترمذي، ورواه ابن عبد ربه، والثعلبي، وابن حنبل، وابن المغازلي، وسيجئ تفصيل هذا الخبر (3). ان قالوا: لفظة (اقتدوا) جمع، فلو كان ذلك نداء لهما لم يصح الجمع فيهما. قلنا: جاز اطلاق الجمع على الاثنين، كما جاز على الواحد، على أنا لا نسلم أنه حال الخطاب لم يكن معهما ثالث وأقله الراوي، وأيضا يجوز أن يكون المراد بالخطاب جميع الامة، ووجه الاختصاص النداء بهما تأكيد الحجة عليهما، لعلمه عليه السلام انهما يليان الامر بعده ظلما. وأما الجواب عن السابع، فان أول ما فيه أنه خبر واحد، ولا يثبت به الخلافة، والثاني أن فيه اختلالا، لأن النبي صلى الله عليه وآله قبض سنة عشر من الهجرة لليلتين بقيتا من صفر، وعلي عليه السلام سنة أربعين من الهجرة لتسع بقين من شهر رمضان، فهذه ستة أشهر وثلاث عشر ليلة زائدة، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله قبض لاثني عشر خلت من ربيع الأول سنة احدى عشرة، فهذه نقيضة ولا يجوز ذلك في اخباراته عليه السلام، ولو فرضنا صحته كانت المدة بكمالها لعلي عليه السلام، وقد نطقت بخلافته دونهم الايات المحكمات والروايات المتواترات. فان قيل: سفينة راوي هذا الحديث وزع الثلاثين على الخلفاء الأربعة.


(2) راجع الشافي 2: 309 - 311. (3) سنن الترمذي 5: 569 برقم: 3662، ومسند أحمد بن حنبل 5: 382 و 385 و 399 402.

[ 278 ]

قلنا: نعم ولكن لم يسنده الى النبي صلى الله عليه وآله، ولو سلم التوزيع لم يدل على الجواز، ويكون النبي صلى الله عليه وآله قد أخبر عن الواقع لا عن الجائز. وأما الجواب عن الثامن، فان خبر الصلاة أولا خبر واحد، ثم ان الأمر بها والاذن فيها وارد من جهة عائشة، وليس بمنكر أن يكون الاذن صدر من جهتها لا من جهة الرسول صلى الله عليه وآله، وقد قال أصحابنا ان قول النبي صلى الله عليه وآله على ما أتت به الرواية لما عرف تقدم أبي بكر في الصلاة وسمع قراءته: انكن كصويحبات يوسف. وخروجه عليه السلام متحاملا من الضعف، معتمدا على أمير المؤمنين عليه السلام والفضل بن العباس الى المسجد، وعزله لأبي بكر عن المقام، واقامة الصلاة بنفسه، يدلان على أن الاذن في الصلاة كان من عائشة لا من الرسول صلى الله عليه وآله. وقد قال بعض المخالفين: ان السبب في قوله عليه السلام (انكن كصويحبات يوسف) أنه عليه السلام لما اوذن بالصلاة، قال: مروا أبا بكر ليصلي بالناس، فقلن له: ان أبا بكر رجل أسيف لا يحتمل قلبه أن يقوم مقامك، فلو أمرت عمر أن يصلي بالناس، فقال عليه السلام عند ذلك: انكن كصويحبات يوسف. وهذا ليس بشئ، لأن النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يكون أمثاله الا وفقا لأغراضه، وقد علمنا أن صويحبات يوسف لم يكن منهن خلاف على يوسف، ولا مراجعة له في شئ أمرهن به، وانما افتتن بأسرهن بحسنه، وأرادت كل واحدة منه مثل ارادة صاحبتها، فأشبهت حالهن حال عائشة في تقديمها أباها للصلاة للتجمل والشرف بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله، ولما يعود بذلك عليها وعلى أبيها من الفخر وجميل الذكر. قال في الصراط المستقيم: قد روى جماعة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: مروا بعض القوم أن يصلي بالناس، فقالت عائشة لبلال: قل لأبي يصلي، وقالت حفصة: مروا أبي يصلي، فأفاق النبي صلى الله عليه وآله فقال: انكن كصويحبات يوسف، وأورده الغزالي في الاحياء. وعن الباقر عليه السلام: انه أخره آخر الصفوف وصلى، ثم قال: ما بال القوم تقدموا

[ 279 ]

بغير أمري حسدا لأهل بيتي، ملأ الله أجوافهم نارا، فعاد بالتوبيخ عليهن، وهو دليل أن الأمر منهن (1). ونقل عن ابن طاووس أنه سأل عيسى بن المستفاد الكاظم عليه السلام عن الصلاة، فقال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله دعا عليا عليه السلام ووضع رأسه في حجره، فأغمي عليه، فحضرت الصلاة فأذن لها، فخرجت عائشة وقالت: يا عمر صل بالناس، فقال: أبوك أولى، قالت: صدقت ولكنه لين وأكره أن يواثبه الناس (2)، فقال: بل يصلي انا أكفيه من يثب عليه، مع أن محمدا مغمى عليه لا ارا يفيق منها، والرجل مشغول به - يعني: عليا - فبادر بالصلاة قبل ان يفيق، فان افاق خفت ان يامر عليا بها، فقد سمعت مناجاته منذ الليله، وفي آخر كلامه الصلاة الصلاة. فخرج أبو بكر ليصلي، فلم يكبر حتى أفاق النبي صلى الله عليه وآله، فخرج متكئا على العباس وعلي عليه السلام، فصلى، ثم حمل الى المنبر، واجتمع أهل المدينة حتى خرجت العواتق، فبين باك وصائح ومسترجع وصارخ، فخطب على جهد، وكان في خطبته: خلفت فيكم كتاب الله، فيه النور والبيان، وخلفت فيكم العلم الأكبر علم الدين ونور الهدى، ألا هو حبل الله فاعتصموا به ولا تتفرقوا عنه، ألا وانه كنز الله اليوم وما بعد اليوم، من أحبه وتولاه اليوم وما بعد اليوم، فقد أوفى بما عاهد عليه الله، ومن عاداه اليوم وما بعد اليوم جاء يوم القيامة أعمى وأصم، لا حجة له عند الله، ألا ومن أم قوما امامة عمياء وفي الامة من هو أعلم منه فقد كفر (3) انتهى. وكيف يأمر النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر بالصلاة، وقد أنفذه في جيش اسامة لما خاف منه ومن جماعته أن يبدلوا أمره.


(1) الصراط المستقيم 3: 133 - 134. (2) في الصراط: القوم. (3) الصراط المستقيم 3: 135.

[ 280 ]

ان قالوا: لم يكن أبو بكر فيه. قلنا: نقل عن الواقدي باسناده عن عروة، قال: كان فيهم أبو بكر، وروي عن عمر بن دينار مثله، وقد اشتهر قول اسامة: أمرني النبي صلى الله عليه وآله على أبي بكر. ولا يعتبر بمن حمل نفسه من المخالفين على أن يدعي أن الرسول صلى الله عليه وآله لما خرج الى المسجد لم يعزل أبا بكر عن الصلاة وأقره في مقامه، لأن هذا من قائله غلط فضيع، من حيث يستحيل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وهو الامام المتبع في سائر الدين متبعا مأموما في حال من الأحوال، وكيف يجوز أن يتقدم على النبي صلى الله عليه وآله غيره في الصلاة ؟ وقد دلت الدلالة على أنه لا يتقدم فيها الا الأفضل على الترتيب المعروف. ومن الدليل على عزل أبي بكر، اختلافهم في أن النبي صلى الله عليه وآله لما صلى بالناس ابتدأ من القرآن من حيث ابتدأ أبو بكر أو من حيث انتهى. ومما يدل أيضا على عدم الاذن في الصلاة أنهم لم يذكروا في رواياتهم أن رسول النبي صلى الله عليه وآله الى أبي بكر للاذن في الصلاة من كان ؟ ويؤيده أيضا ما تضمنته رواياتهم من أن أبا بكر لما أتته الرسالة بالصلاة أشار الى عمر أن يصلي، فان كان عرف أن الرسالة من النبي صلى الله عليه وآله ما جاز له أن يخالفه، ويبعد عن نفسه دليل خلافته. على أنا لا نعلم لو تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه وجها، يكون منه خبر الصلاة شبهة في النص، لأن الصلاة ولاية مخصوصة في حالة مخصوصة لا تعلق لها بالامامة، لأن الامامة تشتمل على ولايات كثيرة من جملتها الصلاة، ثم هي مستمرة في الأوقات كلها، فأي نسبة مع ما ذكرناه بين الأمرين ؟ ولو كان التقدم في الصلاة دليلا على خلافته لاحتج به أبو بكر عند منازعته الأنصار. وسيجئ ان شاء الله رواياتهم المتضمنة لعدم استخلاف النبي صلى الله عليه وآله أحدا المنافية لكون الاذن في التقدم للصلاة استخلافا، وكيف يستلزم التقدم في الصلاة الخلافة ؟ مع جوازه لكل بر وفاجر عند أهل السنة، والخلافة عندهم لا يجوز الا لأهل العدالة.

[ 281 ]

على أنه لو كانت الصلاة دالة على النص، لم يخل من أن يكون دالة من حيث كانت تقديما في الصلاة، أو من حيث اختصاصها بحال المرض، فان دلت من الوجه الاول وجب أن يكون جميع من قدمه الرسول عليه السلام في طول حياته للصلاة أئمة للمسلمين، وقد علمنا أنه عليه السلام قد ولى الصلاة جماعة لا يجب شئ من هذا فيهم، وان دلت من الوجه الثاني، فالمرض لا تأثير له في ايجاب الامامة. ولو دل تقديمه في الصلاة في حال المرض على الامامة لدل التقديم في حال الصحة، ولو كان للمرض تأثير لوجب أن يكون تأميره اسامة بن زيد، وتأكيده أمره في حال المرض، مع أن ولايته يشمل على الصلاة وغيرها موجبا للامامة، لأنه لا خلاف أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول الى أن فاضت نفسه الكريمة صلوات الله عليه: انفذوا جيش اسامة، ويكرر ذلك ويردده. فان قيل: لم تدل الصلاة على الامامة من الوجهين اللذين أفدتموهما، لكن من حيث كان النبي صلى الله عليه وآله مؤتما بأبي بكر في الصلاة ومصليا خلفه. قلنا: قد مضى ما يبطل هذا الظن، فكيف يجعل ما هو مسحيل في نفسه حجة ؟ على أن الرسول صلى الله عليه وآله عند مخالفينا قد صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، ولم يكن ذلك موجبا له الامامة، وخبر صلاة عبد الرحمن بن عوف أثبت عندهم وأظهر من صلاته خلف أبي بكر، لأن الأكثر يعترف بعزله عن الصلاة عند خروجه، وهو رواية البخاري ومسلم، ونقل أيضا عن الواقدي والشاذكوني وعن أبي حنيفة عن ابراهيم النخعي (1). ومما يدل على بطلان ما حسبوه نصا زائدا على ما قدمنا رواياتهم المشهورة الدالة على أن النبي صلى الله عليه وآله توفي من غير استخلاف، نقل البخاري في أواسط صحيحه عن ابن عمر، قال: حضرت أبي حين اصيب، فأثنوا عليه وقالوا: جزاك الله خيرا،


(1) راجع الصراط المستقيم 3: 134.

[ 282 ]

فقال: راغب وراهب، قالوا: أتخلف ؟ فقال: أتحمل أمركم حيا وميتا لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي، فان أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر، وان أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وآله الحديث (1). وفي حديث آخر أيضا عن ابن عمر، قال: ثم قلت له: اني سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وانه لو كان لك راعي ابل أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة ثم رفعه الي، فقال: ان الله عزوجل يحفظ دينه، واني لئن لا استخلف فان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستخلف، وان أستخلف فان أبا بكر قد استخلف، الحديث (2). وفي المصابيح: سئلت عائشة من كان رسول الله صلى الله عليه وآله مستخلفا لو استخلف ؟ قالت: أبو بكر، فقيل: ثم من بعد أبي بكر ؟ قالت: عمر، فقيل: ثم من بعد عمر ؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح (3). ويدل أيضا على عدم الاستخلاف ما ذكره ابن أبي الحديد من علماء الجمهور وغيره من أهل السير، أنه قيل لأبي قحافة يوم ولي الأمر ابنه: قد ولي ابنك الخلافة، فقرأ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء (4) ثم قال: لم ولوه ؟ قالوا: لسنه، قال: فأنا أسن منه (5). ومما يدل أيضا على عدم النص قول أبي بكر: أقيلوني أقيلوني لست بخيركم. لأنه ان كان نص لما كان للاستقالة وجه. وقول عمر: بيعة أبي بكر كانت فلتة، فمن


(1) صحيح البخاري 8: 126 كتاب الأحكام، وصحيح مسلم 3: 1454 برقم: 1823. (2) صحيح مسلم 3: 1355 كتاب الامارة ب 2. (3) مصابيح السنة 4: 178 برقم: 4784. (4) آل عمران: 26. (5) شرح نهج البلاغة 1: 222.

[ 283 ]

عاد الى مثلها فاقتلوه. ووجه الدلالة: أنه لو كان نص لما كانت البيعة فلتة يستحق فاعلها القتل، بل كانت واجبة بفعلها الثواب. ومما يدل أيضا على عدم النص ما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في خبر طويل رواه براء بن عازب، قال: فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتى دخلوا على العباس، وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه وقال: ان الله ابتعث لكم محمدا صلى الله عليه وآله، الى قوله: فخلى على الناس امورهم ليختاروا لأنفسهم متفقين غير مختلفين، فاختاروني عليهم واليا لامورهم راعيا (1). وقد تقدم الخبر بطوله في بحث ابطال الاجماع. ويناسب المقام الاتيان بما ذكره الغزالي وهو حجة الاسلام عندهم، في كتاب سر العالمين، في المقالة الرابعة في ترتيب الخلافة والمملكة، قال: اختلف العلماء في ترتيب الخلافة وتحصيلها لمن آل أمرها إليه، منهم من زعم أنها بالنص، ودليلهم قوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون الى قوم اولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وان تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (2) وقد دعاهم أبو بكر الى الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فأجابوا. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى واذ أسر النبي الى بعض أزواجه حديثا (3) قال في الحديث: ان أبا بكر هو الخليفة من بعدي يا حميراء، وقالت امرأة: إذا فقدناك فالى من نرجع ؟ فأشار الى أبي بكر، ولأنه أم بالمسلمين على بقاء رسول الله صلى الله عليه وآله، والامامة عماد الخلافة.


(1) شرح نهج البلاغة 1: 220. (2) الفتح: 16. (3) التحريم: 3.

[ 284 ]

هذه جملة ما يتعلق به القائلون بالنصوص، ثم تأولوا وقالوا: إذ لو كان علي أول الخلفاء لانسحب عليهم ذيل الفناء، ولم يأتوا بفتوح ولا مناقب، ولا يقدح في كونه رابعا للخلفاء، كما لا يقدح في نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان آخرا. والذين عدلوا عن هذه الطريقة زعموا أن هذا تعلق فاسد جاء على زعمكم وأهويتكم، وقد وقع الميراث في الأحكام والخلافة، مثل داود وسليمان وزكريا ويحيى، قالوا: كان لأزواجه ثمن الخلافة فبهذا تعلقوا. وهذا باطل، إذ لو كان ميراثا لكان العباس أولى. لكن أسفرت الحجة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته في يوم غدير خم باتفاق الجميع، وهو يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مولى، فهذا تسليم ورضا وتحكيم. ثم بعد هذا غلب الهوى بحب الرئاسة، وحمل عمود الخلافة وعقود البنود، وخفقان الهوى، في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول وفتح الأمصار، سقاهم كأس الهوى، فعادوا الى الخلاف الأول، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. ولما مات رسول الله صلى الله عليه وآله قال وقت وفاته: ايتوني بدواة وبياض لا زيل عنكم اشكال لأمر، وأذكر لكم من المستحق لها بعدي ؟ قال عمر: دعوا الرجل فانه ليهجر وقيل ليهذر. فاذن بطل تعلقكم بتأويل النصوص، فعدتم الى الاجماع، وهذا منقوض أيضا، فان العباس وأولاده وعليا عليه السلام وزوجته لم يحضروا حلقة البيعة، وخالفكم أصحاب السقيفة في مبايعة الخزرجي، ودخل محمد بن أبي بكر على أبيه في مرض موته، فقال: يا بني ائت بعمك عمر لأوصي له بالخلافة، فقال: يا أبت أكنت على حق أو باطل ؟ فقال: على حق، فقال: أوص بها لأولادك ان كان حقا أولى فقد مكنتها بك لسواك، ثم خرج الى علي وجرى ما جرى.

[ 285 ]

وقوله على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله (أقيلوني أقيلوني لست بخيركم) أفقاله هزلا أو جدا أو امتحانا ؟ فان كان هزلا، فالخلفاء منزهون عن الهزل. وان قاله جدا، فقد نقض الخلافة. وان قاله امتحانا، فنزعنا ما في صدورهم من غل، فإذا ثبت هذا فقد صارت اجماعا منهم وشورى بينهم (1). تذنيب في ذكر بعض ما يدل على عدم الاعتماد والوثوق بالأحاديث المنقولة في كتب النواصب على خلاف عقائد الامامية اعلم أن رواة أحاديثهم: إما كفار، أو فساق، فلا يجوز الاعتماد عليهم، لقوله تعالى ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا (2) ولقوله ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار (3). وانما قلنا ان رواتهم إما كفار أو فساق، لأنهم مالوا الى الدنيا، ودخلوا لبني امية في ولاياتهم، ورووا لهم ما أحبوا، حتى وصلوا الى حاجتهم، فمنهم من سب عليا وحاربه، ومنهم من اعتزل عن بيعته ورغب في محاربته، ومنهم من خذل الحسين عليه السلام أحد الثقلين، ومنهم من حاربه، ومنهم من حارب عثمان وقاتله، وهم جل المهاجرين والأنصار. ويلزم أهل السنة في أمر عثمان أحد الأمرين: إما أن يقولوا بامامة عثمان، وبفسق من حاربه من المهاجرين والأنصار، وبعدم الوثوق بنقلهم وروايتهم (4)، أو يقولوا


(1) سر العالمين للغزالي ص 20 - 22. (2) الحجرات: 6. (3) هود: 113. (4) في (ق): رواياتهم.

[ 286 ]

ببطلان امامة عثمان وعدم فسق محاربيه. والعجب كل العجب أن النواصب جمعوا بين امامة عثمان، وحسن الثناء على قاتليه، والرواية عنهم والوثوق بهم، وكذا جمعوا بين امامة أمير المؤمنين عليه السلام وبين حب من سبه وحاربه، ورووا عنهم ووثقوا بهم واعتمدوا عليهم. ونقل في الصراط المستقيم عن عبد الله الهروي منهم في كتاب الاعتقاد، الصحابة كلهم عدول ونساءهم، فمن تكلم فيهم بتهمة أو تكذيب فقد توثب على الاسلام بالابطال (1). وعن الغزالي في الأصل التاسع من الاحياء: اعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة (2). فبعد القوم زكوا من أخبر الله تعالى ونبيه بنفاقهم، وقد دلت الكتاب والسنة على وجود المنافقين في صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وروت الشيعة والسنة أن حذيفة كان يعرف المنافقين بتعريف النبي صلى الله عليه وآله، وقد تقدم عدة روايات تدل على أن عند الحوض يرد على النبي صلى الله عليه وآله أقوام من أصحابه ثم يحال بين النبي وبينهم ولا يشفع لهم، وفي هذه الروايات شهادة من النبي صلى الله عليه وآله بضلالة أقوام من صحابته، فكيف يزكى النواصب كل الصحابة ؟ ! على أن النبي صلى الله عليه وآله أمر عليا عليه السلام بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين. وفي الجمع بين الصحيحيحن من المتفق عليه: إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار (3). وهذا دليل على أن القاسطين والناكثين والمارقين كافرون من أهل النار، لأنهم


(1) الطرائف ص 374 عن كتاب الاعتقاد. (2) احياء علوم الدين 1: 93. (3) صحيح مسلم 4: 2214 كتاب الفتن.

[ 287 ]

لو كانوا مسلمين لزم أن يكون قاتلوهم من أتباع علي عليه السلام من أهل النار، وهو خلاف الاجماع. قال الكرماني في شرحه على الصحيح عند رواية مروان: فان قلت: كيف روى مروان ذلك وهو لم يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن بالحديبية ؟ قلت: هو من مراسيل الصحابة، وهو معتبر اتفاقا. انظر أيها اللبيب كيف اتفقوا على العمل بمراسيل أمثال مروان، وهو الذي طرده رسول الله صلى الله عليه وآله مع أبيه الحكم، ولوكالته لعثمان أوقع الفساد بين المسلمين، ولما قتل عثمان لم يبايع عليا عليه السلام والتحق بمعاوية، وفي عدة مقامات حارب أمير المؤمنين عليه السلام الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وقال له صلى الله عليه وآله: حربك حربي (1). وسيجئ الأخبار في هذا المعنى متجاوزا حد التواتر. وقال صلى الله عليه وآله مخبرا عن عصمته وأحقيته: علي مع الحق والحق مع علي (2). وقال صلى الله عليه وآله: اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي (3). وقد روى مسلم في الجزء الرابع من صحيحه، باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله: من خلع يدا من طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية (4). فبمقتضى هذا الحديث مات مروان ميتة جاهلية، فالحكم بصحة أحاديثه وأحاديث أمثاله ليس الا معاندة لأهل البيت عليهم السلام.


(1) راجع احقاق الحق 9: 161 - 174 و 6: 440 - 441. (2) راجع: احقاق الحق 5: 623 - 638 و 16: 384 - 397. (3) راجع: احقاق الحق 4: 436 - 443 و 9: 309 - 375 و 18: 261 - 289. (4) صحيح مسلم 3: 1478 برقم: 1851 كتاب الامارة.

[ 288 ]

والعجب كل العجب أنهم مع الحكم بصحة مراسيل مروان، مع ظهور الأدلة على كفره، طرحوا مسانيد جابر الجعفي لحبه واتباعه لأهل البيت عليهم السلام. نقل مسلم في أوائل صحيحه، أن جابر كان يقول عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبي صلى الله عليه وآله (1). ونقل عن الحميدي أنه قال: حدثنا سفيان، قال: كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر اتهمه الناس في حديثه وتركه بعض الناس، فقيل له: وما أظهر ؟ قال: الايمان بالرجعة (2). تأمل أيها البصير في هؤلاء النواصب وانحرافهم عن أهل البيت عليهم السلام كيف عدوا الايمان بالرجعة أعظم من محاربة أمير المؤمنين عليه السلام، مع أن محاربته عليه السلام على ما بيناه كفر ونفاق، والقول بالرجعة هو المتواتر عن أهل البيت، المطهرين عن الرجس، المعصومين من الاثم عليهم السلام، وموافق لكتاب الله تعالى قال عزوجل ويوم نحشر من كل امة فوجا (3) الاية وقال ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين (4). وأيضا من عجائب هؤلاء النواصب أنهم ذكروا في كتب رجالهم أن عمر بن سعد - هو الذي قاتل الحسين عليه السلام - وهو ثقة. انظر أيها البصير أي ذنب أعظم من قتل سيد شباب أهل الجنة، ومن أين يحصل الوثوق بقول من باع الدين بالدنيا الفانية ؟ ولا يخفى أن هذه الأقوال الشنيعة والعقائد السخيفة نشأت من حب الدنيا، وحب التقرب الى الملوك، وغير خفي على المتتبع أن مذهب ملوك بني امية وبني


(1) صحيح مسلم 1: 20. (2) صحيح مسلم 1: 20. (3) النمل: 83. (4) غافر: 11.

[ 289 ]

العباس كان عداوة أهل البيت عليهم السلام خوفا على دنياهم الدنية. وقد كتب معاوية الى عماله أن اقتلوا شيعة علي وكل من يذكر مناقبه، وأمر الناس بوضع الأحاديث في مناقب شيوخهم الثلاثة ومناقبه، وكان يرسلها الى عماله ويأمرهم بأن يأمروا معلمي الأطفال ليعلموهم اياها، وبأمثال هذه الحيل كان ينشر الأحاديث الموضوعة، وقد كان يعطي على وضع الأحاديث أموالا كثيرة وعطايا جليلة. وسيجئ نقلا عن ابن أبي الحديد من علماء الجمهور، أن معاوية بذل لسمرة بن جندب أربعمائة ألف درهم ليروي قوله تعالى ومن الناس من يعجبك قوله (1) الاية نزلت في علي عليه السلام وقوله ومن الناس من يشري نفسه (2) الاية نزلت في ابن ملجم (3). وقد استمر في بني امية وبني مروان وضع الحديث الى زمن بني العباس، واشتبه الأمر على الناس، ولم يقدروا على الفرق والتمييز بين الصحيح والموضوع الا في قليل ثم انتخب جماعة من مشايخهم من هذه الأحاديث ما أرادوا على وفق اشتهائهم واشتهاء ملوكهم وسموها صحاحا. ويؤيد ما ذكرناه ما ذكر في الصراط المستقيم من معايب البخاري ومسلم، وكتمانهما الأحاديث الصحيحة في مناقب أهل البيت عليهم السلام والأخبار المتضمنة لمعايب أئمتهم الثلاثة. قال: قال ابن البيع في معرفة اصول الحديث، وهذه عبارته: احتج البخاري بأكثر من مائة رجل من المجهولين وصح عند العلماء أنه روى عن ألف ومائتي رجل


(1) البقرة: 204. (2) البقرة: 207. (3) شرح نهج البلاغة 4: 73.

[ 290 ]

من الخوارج الملعونين، ذكر منهم صاحب المصالت جماعة. وقال له ابن حنبل: لم سميت كتابك صحيحا وأكثر رواته خوارج ؟ فقرر مع الغريري سماع كل كراس بدانق، فلهذا لم ترفع روايته الا عن الغريري. وحبسه قاضي بخارا أيام حياته لما قال له: لم رويت عن الخوارج ؟ قال: لأنهم ثقات لا يكذبون (1). ومن حماقته أنه عمم حديث الرضاع في غير المكلفين من الخيل والحمير والبقر والغنم، وأفتى بذلك في بخارا، حتى أخرجه علماء زمانه منها، كذا نقل عن شرح الهداية في فقه الحنفية، وكتاب معدن الحقائق شرح كنز الدقائق من كتب أهل السنة، وكتاب الكافي من كتبهم، وحاصل فتوى البخاري ثبوت الرضاع بين صبيين ارتضعا من ثدي بقرة أو شاة. وانما شاع كتابه مع كمال حماقته وعدم تميزه، لتظاهره بعداوة أهل البيت، فلم يرو خبر الغدير مع بلوغه في الاشتهار الى حد لا يمكن فيه الانكار، وكتم حديث الطائر مع كونه مشهورا في الخاص والعام على مرور الأيام، وجحد آية التطهير مع اجماع المفسرين على نزولها فيهم من غير نكير، الا ما كان من عكرمة الخارجي والكذاب الكلبي وثالثهما البخاري. ولم ينقل من حديث الراية أوله، بل قال: لأعطين الراية غدا رجلا، وترك أوله، أن النبي صلى الله عليه وآله بعث أبا بكر فرجع يؤنب أصحابه ويؤنبونه، ثم عمر فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه، حتى ساء النبي صلى الله عليه وآله فقال: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار، روى ذلك أحمد، والطبري، وابن بطة، والترمذي، وابن ماجة، والثعلبي، وأبو يعلى، والبيهقي، والواحدي. ولم يرو حديث سد الأبواب، وقد رواه ثلاثون رجلا من الصحابة، منهم: سعد


(1) الصراط المستقيم 3: 226.

[ 291 ]

بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن أرقم، وجابر الأنصاري، وحذيفة، والخدري، ومعاذ، وابن عمر، وأبو رافع، وام سلمة، وبريدة، وذكره أبو نعيم في الحلية، وأبو يعلى في المسند، والخطيب في تاريخه، والبلاذري في تاريخه، والترمذي في جامعه، وابن بطة في ابانته، وأحمد في فضائله، والنطنزي في خصائصه، وابن ميمون (1) في املائه، وشعبة في أماليه، والبيهقي في كتابه، والخركوشي في شرف النبي. ولم يذكر ما نقلته رواتهم من قول الأول: أي سماء تظلني الحديث. ولا خبر الكلالة، ولا خطبة الاستقالة، ولا بدايع عثمان، ولا حديث ماء الحوأب (2). ثم نقل عن الشيخ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في الجزء الثاني (3) من كتابه بغية الطالبين: أن البخاري ومسلما كتما أخبارا جمة في فضائل أهل البيت عليهم السلام صحيحة على شرطيهما. 1 - زيد بن أرقم: علي أول من أسلم، أخرجه ابن حنبل في المناقب، والترمذي في الجامع، والجاحظ (4)، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجاه. 2 - أخرج الحاكم في المستدرك قوله عليه السلام: أنا الصديق الأكبر صليت قبل الناس بسبع سنين لا يقولها بعدي الا كاذب، قال: وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. 3 - أخرج في المستدرك قوله عليه السلام: أنا الهادي والنبي المنذر، قال: وهذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه.


(1) في الصراط: وابن ميمونة. (2) الصراط المستقيم 3: 226 - 228. (3) في الصراط: الثامن. (4) في (ن) و (ق): الحافظ.

[ 292 ]

4 - أخرج حديث الفرخ المشوي، وقال: صحيح الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. 5 - أخرج قول النبي صلى الله عليه وآله لسلمان: من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، وقال: صحيح الاسناد على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه. 6 - أخرج قول النبي صلى الله عليه وآله: من أحب أن يحيى حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي، فليتول علي بن أبي طالب، فانه لم يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ظلالة، وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجاه. 7 - أخرج قول النبي صلى الله عليه وآله: أنت وليي في الدنيا والاخرة، وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجاه. 8 - أخرج حديث الغدير، وقال: صحيح الاسناد على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه. 9 - أخرج قول بريدة الأسلمي: تنقصت عليا عند النبي صلى الله عليه وآله فغضب وقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلت: بلى، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، قال: وهذا صحيح الاسناد على شرطيهما ولم يخرجاه. 10 - أخرج الترمذي وأبو حاتم وابن حنبل قول النبي صلى الله عليه وآله: علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي، وأخرجه في المستدرك، وقال: صحيح الاسناد على شرط مسلم ولم يخرجه. 11 - أخرج ابن حنبل حديث سد الأبواب غير باب علي عليه السلام وأخرجه في المستدرك وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجاه. 12 - أخرج الحاكم في المستدرك قول النبي صلى الله عليه وآله: علي سيد العرب، قال: وهو صحيح الاسناد ولم يخرجاه. 13 - عبد الله بن أسعد، قال النبي صلى الله عليه وآله: اوحي الي ثلاثا في علي: انه سيد المسلمين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين، قال في المستدرك: صحيح الاسناد

[ 293 ]

ولم يخرجاه. 14 - روى جماعة، منهم: أبو بكر، والحميدي (1)، وعمرو بن مرة، وابن مسعود، وعمرو بن العاص، والأسدي، وعمران (2) بن الحسين، ومعاذ، وأبو هريرة، وابن الفرات، وعائشة، من طرق عدة قول النبي صلى الله عليه وآله: النظر الى وجه علي عبادة، قال في المستدرك: صحيح الاسناد ولم يخرجاه. 15 - قال النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة: أما ترضين أن الله اطلع الى الأرض، فاختار منها رجلين: أحدهما أبوك، والاخر بعلك، أخرجه في المستدرك، وقال: صحيح الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. 16 - لف النبي صلى الله عليه وآله عليا وزوجته وولديه عند نزول آية التطهير، وقال: هؤلاء أهل بيتي، أخرجه الترمذي والقزويني، والحاكم في المستدرك وقال: أخرجه في المستدرك، وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجه. 17 - أنا مدينة العلم وعلي بابها، أخرجه في المستدرك، وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجاه (3). وهنا أخبار لم يصرح الكنجي بأنهما لم يذكراها، منقولة من كتب القوم أعرضنا عنها، فهذه الأحاديث ان كانت لم تصل الى الشيخين مع شهرتها، فهو دليل قصورهما، فكيف يرجحون كتابيهما ويلهجون بذكرهما على غيرهما ؟ ! وان وصلت اليهما، فتركا روايتها ونقلها، كان ذلك من أكبر أبواب التهمة والانحراف (4) انتهى. أقول: حيث تركا أمثال هذه الروايات الواضحات صدق عليهما ان الذين


(1) في الصراط: والخجندي. (2) في الصراط: وعمر. (3) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 107 - 142. (4) الصراط المستقيم 3: 232 - 234. (*)

[ 294 ]

يكتمون ما أنزلنا من البينات (1) وخرجا بعنادهما عن دائرة الثقات. والعجب كل العجب أنهما تركا كثيرا من معائب أئمتهم، خوفا من اتضاع قدرهم، ولم يتركا ذكر الروايات الموضوعة في معائب الأنبياء. ففي الحديث التاسع والثمانين بعد المائة من المتفق عليه من الجمع بين الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وآله: أن موسى عليه السلام لطم ملك الموت على عينيه، فقلعها لما جاء لقبضه (2). وفي الحديث الحادي عشر منه بعد المائتين: أن ابراهيم عليه السلام لما تطلب الخلق منه الشفاعة يقول: كذبت ثلاث كذبات، اذهبوا الى غيري (3). ونحوه في السابع والعشرين بعد المائتين. ولو أن أحدا نقل عن شيخهم كذبا، لطعنوا في روايته، وسارعوا الى تكذيبه، أفما كان للأنبياء اسوة بالشيخين ؟ ومما يدل على ما قلناه من عدم الاعتماد على رواتهم وفقهائهم، ما ذكره ابن أبي الحديد من علماء الجمهور في شرحه على نهج البلاغة، قال: ذكر شيخنا أبو جعفر الاسكافي أن معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام، تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير. وروى الزهري أن عروة بن الزبير حدثه، قال: حدثتني عائشة، قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة ان هذين يموتان على غير ملتي، أو قال: ديني. وروى عبد الرزاق عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة عن


(1) البقرة: 159. (2) صحيح مسلم 4: 1842. (3) صحيح مسلم 1: 185.

[ 295 ]

عائشة في علي، فسألته عنهما يوما، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما، الله أعلم بهما، اني لأتهمهما في بني هاشم. قال: فأما الحديث الأول، فقد ذكرناه. وأما الحديث الثاني، فهو أن عروة زعم أن عائشة حدثته، قالت: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة ان سرك أن تنظري الى رجلين من أصحاب النار، فانظري الى هذين قد طلعا، فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب. وأما عمرو بن العاص، فروي عنه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مسندا متصلا بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، انما وليي الله وصالح المؤمنين. وأما أبو هريرة، فروي عنه الحديث الذي معناه أن عليا خطب ابنة عدو الله أبي جهل في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأسخطه فخطب على المنبر، وقال: لاها الله لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل، ان فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، فان كان علي يريد ابنة أبي جهل، فليفارق ابنتي وليفعل ما يريد، أو كلاما هذا معناه، والحديث مشهور من رواية الكرابيسي. فقلت: هذا الحديث أيضا مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري. وقد ذكر المرتضى في كتابه المسمى بتنزيه الأنبياء والأئمة: أنه رواية الحسين الكرابيسي، وأنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت عليهم السلام وعداوتهم والمناصبة لهم، فلا تقبل روايته. ثم قال بعد كلام له: ثم نعود الى حكاية كلام شيخنا أبي جعفر الاسكافي، قال أبو جعفر: روى الأعمش، قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء الى مسجد الكوفة، فلما كثر من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مرارا وقال: يا أهل العراق أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار ؟ والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان لكل نبي حرما،

[ 296 ]

وان حرمي المدينة، ما بين عير الى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد أن عليا أحدث فيها أحداثا، فلما بلغ معاوية قوله، أجازه وأكرمه وولاه امارة المدينة. ثم قال بعد كلام له: قال أبو جعفر: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا، غير مرضي الرواية، ضربه عمر بالدرة، وقال له: قد أكثرت من الرواية، وأحسبك أن تكون كاذبا على رسول الله. وروى سفيان الثوري، عن منصور، عن ابراهيم التيمي، قال: كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة الا ما كان من ذكر جنة أو نار. وروى أبو اسامة، عن الأعمش، قال: كان ابراهيم صحيح الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه، فأتيته يوما بأحاديث أبي صالح عن أبي هريرة، فقال: دعني من أبي هريرة، انهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه. وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: ألا ان أكذب الناس - أو قال: أكذب الأحياء - على رسول الله صلى الله عليه وآله أبو هريرة الدوسي. وروى أبو يوسف، قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجئ عن رسول الله صلى الله عليه وآله يخالف قياسنا ما تصنع به ؟ قال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي، قلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر ؟ فقال: ناهيك بهما، فقلت: علي وعثمان، فقال: كذلك، فلما رآني أعد الصحابة، قال: الصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا، ثم عد منهم أبا هريرة، وأنس بن مالك. وروى سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عمر بن عبد الغفار، أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية، كان يجلس بالعشيات بباب كندة، ويجلس الناس إليه، فجاء شاب من أهل الكوفة فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ؟ قال: اللهم نعم، قال: فأشهد بالله أنك قد واليت عدوه وعاديت وليه، ثم

[ 297 ]

قام عنه. ورووا أن أبا هريرة كان يؤاكل الصبيان في الطريق، ويأكل معهم، وكان يخطب وهو أمير المدينة فيقول: الحمد لله الذي جعل الدين قياما، وأبا هريرة اماما، يضحك الناس بذلك، وكان يمشي وهو أمير المدينة في السوق، فإذا انتهى الى من يمشي أمامه ضرب برجليه الأرض، ويقول: الطريق الطريق قد جاء الأمير يعني نفسه. قلت: قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب المعارف في ترجمة أبي هريرة، وقوله فيه حجة، لأنه غير متهم عليه. قال أبو جعفر: وكان المغيرة بن شعبة يلعن عليا لعنا صريحا على منبر الكوفة، وكان بلغه عن علي في أيام عمر أنه قال: لئن وليت لأرجمن المغيرة بأحجار، يعني: واقعة الزنا بالمرأة التي اشهد عليه فيها أبو بكرة، ونكل زياد عن الشهادة، فكان يبغضه لذلك ولغيره من أحوال اجتمعت في نفسه. وقد تظافرت الرواية عن عروة بن الزبير أنه كان يأخذه الرمع عند ذكر علي عليه السلام فيسبه، الخبر. ثم قال: ومن المحدثين من يبغضه ويروي فيه الأحاديث المنكرة، منهم حريز بن عثمان، كان يبغضه وينتقصه ويروي فيه أخبارا، ثم نقل ما يدل على ذمه، ثم ذكر جماعة من المحدثين المبغضين لأمير المؤمنين عليه السلام وذكر مثالبهم وكفرهم والحادهم، منهم مروان وسمرة بن جندب (1). وقال أيضا ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة: قال شيخنا أبو جعفر الاسكافي، ووجدته أيضا في كتاب الغارات لابراهيم بن هلال الثقفي: وقد كان بالكوفة من فقهائها من معاندي عليا عليه السلام ويبغضه مع غلبة التشيع على الكوفة،


(1) شرح نهج البلاغة 4: 63 - 71.

[ 298 ]

فمنهم مرة الهمداني، ثم بين عداوة جماعة منهم، وهم: الاسود، ومسروق بن الأجدع، وشريح، والشعبي، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وأبو عبد الرحمن السلمي القارئ. وقال: كان عبد الله بن عكيم عثمانيا، وكان سهم بن طريف عثمانيا، وكان قيس بن أبي حازم يبغض عليا، وكان سعيد بن المسيب منحرفا عنه، وكان الزهري من المنحرفين عنه، وكان عمر بن ثابت (1) عثمانيا من أعداء علي ومبغضيه، وكان المكحول من المبغضين له عليه السلام، ثم ذكر ما يدل على بغض حماد بن زيد وشبابة بن سوار. ثم قال: وقال شيخنا أبو جعفر الاسكافي: كان أهل البصرة كلهم يبغضونه، وكثير من أهل الكوفة، وكثير من أهل المدينة، وأما أهل مكة فكلهم كانوا يبغضونه قاطبة، وكانت قريش كلها على خلافه، وكان جمهور الخلق مع بني امية، ثم قال: وروى أبو عمر النهدي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: ما بمكة والمدينة عشرون رجلا يحبنا (2). ومما يدل زائدا على ما قدمناه على عدم جواز الاعتماد على فقهائهم والوثوق برواتهم، ما ذكره في الصراط المستقيم من مذامهم ومثالبهم، قال رحمه الله: من فقهاء الجمهور ورواتهم عبد الله بن عمر، قعد عن بيعة على عليه السلام ونصرته، وتمسك بيزيد وبيعته. ففي الحديث الحادي والثمانين من الجمع بين الصحيحين: لما خلع أهل المدينة يزيد، جمع أهله وحشمه وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم


(1) في الشرح: زيد بن ثابت. (2) شرح نهج البلاغة 4: 96 - 104.

[ 299 ]

القيامة، واني لا أعلم أغدر ممن بايع رجلا ثم نصب له القتال (1). وفي الحديث الخامس والخمسين منه: أنه كتب الى عبد الملك بن مروان يبايعه (2). وفي الحديث الخامس والستين بعد المائة من المتفق عليه: لما سمعت عائشة عنه أن الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت: نسي أو أخطأ، انما قال النبي صلى الله عليه وآله في يهودية ماتت أنه يبكى عليها وأنها لتعذب (3). فهذا طعن منها فيه ان كانت صادقة والا ففيها. ومنه: في الحديث الثاني عشر بعد المائة من المتفق عليه، أن ابن عمر قال: اعتمر النبي صلى الله عليه وآله في رجب، فبلغها فقالت: ما اعتمر في رجب وما اعتمر قط يوما عمرة الا وأنا معه (4). فكيف جاز لها أن تقول ذلك، ولعله اعتمر فيه بمكة قبل تزويجها، فهذا طعن في ابن عمر أو فيها. ومنهم: عائشة التي أكثروا الرواية عنها، مع نقلهم في صحاحهم نقضها وما يوجب رد قولها، ففي الحديث الثاني والثمانين من المتفق عليه: كنت ألعب بالبنات وكانت لي صواحب يلعبن معي، فإذا دخل النبي صلى الله عليه وآله امتنعن، فيشير لهن فيلعبن معي. والبنات: اللعب. ونحوه في حديث جرير (5). وقد روت هي في الحديث السادس من المتفق عليه من عدة طرق انكار النبي صلى الله عليه وآله لعمل الصور والأمر بابطالها، فكيف يرضى بجعلها في منزله ؟ وقد رووا


(1) صحيح مسلم 3: 1360 - 1361 كتاب الجهاد ب 4. (2) صحيح البخاري 8: 122، والموطأ 2: 250. (3) صحيح مسلم 2: 643، والموطأ 1: 182. (4) صحيح مسلم 2: 916. (5) صحيح مسلم 4: 1890 - 1891.

[ 300 ]

عنه في صحاحهم أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة ولا تمثال (1). أفكان يؤثر لعب عائشة باللعب على دخول الملائكة بيته الذي اسس على العبادات ونفي المنكرات، وكيف يمتنع النبي صلى الله عليه وآله من دخول الكعبة حتى يجنب عنها الصور، كما ذكره في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع عشر من أفراد البخاري، ويجمع لعائشة النساء يلعبن معها، أو يريد لعبها بلعبتها. وفي الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والعشرين من المتفق عليه، أن عائشة تفرجت على الحبشة، وهم يلعبون في المسجد بالحراب (2). وقد صان النبي صلى الله عليه وآله المسجد عن انشاد الضوال، وقال لا ردها الله اليك ان المساجد لم يبن لهذا (3). ومن ذلك الحديث: ان أباها دخل عليها في أيام منى وعندها جاريتان تدفقان، والنبي صلى الله عليه وآله متغش بثوبه، فنهرها وقال: مزمار الشيطان عند رسول لله، فنهاه النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك (4). فكيف حسن من القوم تصحيح ذلك عن نبيهم الذي هو أكمل العقلاء وأفضل الفضلاء ؟ وكيف جعل النبي صلى الله عليه وآله بيوتا أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه - كما جاء في القرآن - محلا للعب والغناء، وأبو بكر ينهى عن المنكر، فيرده النبي صلى الله عليه وآله عن نهيه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى بل بوحي يوحى، فرد النهي عن المنكر من رب السماء، وكيف ساغ لأبي بكر النهي عن ذلك ؟ وقد كان له برسول الله اسوة حسنة، وهل ذلك الا تقديم بين يدي الله ورسوله. وقد ذكر الحميدي في الحديث الرابع بعد المائة من المتفق عليه عن عائشة من


(1) صحيح مسلم 3: 164 - 166، وصحيح البخاري 7: 64 - 66. (2) صحيح مسلم 2: 609. (3) صحيح مسلم 1: 397. (4) صحيح مسلم 2: 608 - 609، وصحيح البخاري 3: 228.

[ 301 ]

طرق عدة، قالت: سحر النبي صلى الله عليه وآله حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشئ وما فعله (1). فكيف صححوا ذلك وقد صانه الله بألطافه، وقال فسيكفيكهم الله (2) وكان يعلم الناس التحرس من السحر، ولو جاز عليه ذلك التنفيذ، جاز أن ينقص من الشريعة أو يزيد، وفي ذلك اسقاطه أو اسقاط مذهب الاسلام عند أعدائه من الأنام. ومنهم: مقاتل، قال الجزري: كان كذابا باجماع المحدثين، وقال وكيع: كذاب، وقال السعدي: كان حسودا، وقال البخاري: كان مقاتل لا شئ ألبتة، وقال الساجي: كذاب متروك، وقال الرازي: متروك الحديث، وقال النسائي: من الكذابين المعروفين بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، وابن سعيد بالشام. ومنهم: أبو حنيفة، قال الغزالي: أجاز أبو حنيفة وضع الحديث على وفق مذهبه، وقال: اشعار البدن مثلة، وقد روت عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله أشعر بدنة، وقال: لو تزوج انسان امه على عشرة دراهم لم يكن زانيا، ولو لف ذكره بحريرة وأدخله فرج امرأة لم يكن زانيا، ولو غاب عن امرأته عشرين سنة، ثم قدم وبها حبل كان منه. ومنهم: هشام السني، زعم أن شرب النبيذ سنة وتركه مروة، فجعل ترك السنة مروة، وأن الروح التي في عيسى غير مخلوقة، فأراد قاضي الري أن ينكل به فهرب. ومنهم: محمد بن سيرين، كان مؤدبا للحجاج على ولده، وكان يسمعه يلعن عليا فلا ينكر عليه، فلما لعن الناس الحجاج خرج من المسجد، وقال: لا أطيق أسمع شتمه. ومنهم: سفيان الثوري، كان في شرطة هشام بن عبد الملك.


(1) صحيح مسلم 4: 1719، وصحيح البخاري 7: 88. (2) البقرة: 137.

[ 302 ]

ومنهم: الزهري، قال سفيان بن وكيع: انه كان يضع الأحاديث لبني مروان، وكان مع عبد الملك يلعن عليا، روى الشاذكوني أنه قتل غلاما له. ومنهم: سعيد بن المسيب فقيه الحجاز، روى أبو معشر أنه تأبى من حضور جنازة علي بن الحسين عليهما السلام، وهو ابن ناقل هذا الدين، ومحمود عند سائر المسلمين، وقال: صلاة ركعتين أحب الي من حضور علي بن الحسين. ومنهم: خالد الواسطي، روى أن الجنة والنار يخربان. ومنهم: منصور بن المعتمر، وكان شرطيا لهشام بن عبد الملك. ومنهم: سعيد بن جبير، كان على عطاء الخيل في زمن (1) الحجاج، وتخلف عن الحسين عليه السلام. ومنهم: الحسن البصري، خرج مع ابن الأشعث، وتخلف عن الحسين عليه السلام، وخرج في جند الحجاج الى خراسان، وقال في عثمان: قتله الكفار وخذله المنافقون، فنسب جميع المهاجرين والأنصار الى النفاق. ومنهم: مسروق بن الأجذع (2) ومرة الهمدانيان، لم يخرجا مع علي عليه السلام الى صفين، بل أخذا عطاءهما منه وهربا الى قزوين، وكان مسروق يلي الجسر بالبصرة لعبيد الله بن زياد. ومنهم: أبو موسى الأشعري، روي عن حذيفة بن اليمان أنه شهد عليه بالنفاق. ومنهم: المغيرة بن شعبة، شهد عليه ثلاثة بالزنا، فلقن عمر الرابع فتلجلج حتى رفع الحد عنه. ومنهم: أبو هريرة، وضرب عمر بن الخطاب رأسه بالدرة وقال: أراك قد أكثرت الرواية، ولا أحسبك الا كذابا، وقال له: يا عدو الله وعدو الاسلام أخنت


(1) في الصراط: زمرة. (2) في الصراط: الجذع.

[ 303 ]

ماله وغرمه اثني عشر ألف درهم. وقال فيه علي عليه السلام: أكذب رجل على رسول الله هذا الغلام الدوسي. وروى أحمد بن مهدي، عن نعيم، عن أبي حازم، عن أبي صالح، قال: سب أبو هريرة مسلما، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ان فيك لشعبة من الكفر، فسأل النبي صلى الله عليه وآله أن يستغفر له، فلم يعلم أحد أنه استغفر له، وحلف لا يسب مسلما، وكان بعد ذلك يلعن عليا عليه السلام. وفي المعارف: كان يلاعب الصبيان، ويقرعهم برجليه ويؤاكلهم، ويركب الحمار وفي رأسه حلية من ليف، ويقول: الطريق جاء الأمير. وفي نزهة الأبصار، قيل له: يا أبا هريرة، يا سارق الذريرة، هذا الشقي خذل عليا ولحق بمعاوية. وفي ربيع الأبرار: أنه كان يقول: اللهم ارزقني ضرسا طحونا، ومعدة هضوما، ودبرا نثورا. وروى الثوري عن منصور، عن ابراهيم، أنهم كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة الا ما كان من ذكر جنة أو نار. قال صاحب المصالت: وكانت عائشة تكذبه، فقال: اسكتي غيرت فضائل علي. وقال أبو حنيفة: كل الأصحاب آخذ عنهم الحديث ماخلا أنس وأبو هريرة، واعطي اربعمائة ألف درهم على وضع أربعمائة حديث، وقدم العراق مع معاوية، فقال: أشهد أن عليا أحدث في المدينة، وقد قال النبي: من أحدث فيها فعليه لعنة الله. وقال له رحا: شهدت قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي (اللهم وال من والاه وعاد من عداده) ؟ قال: نعم، قال: فبرئ الله منك إذ عاديت وليه وواليت عدوه. وتولى خلافة معاوة بين يدي بسر بن أرطاة. وروى الحميدي في الحديث السادس والثلاثين بعد المائتين، أنه غسل يديه في الوضوء الى ابطيه، فقيل له في ذلك، فروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: تبلغ الحلية من

[ 304 ]

المؤمن حيث يبلغ الوضوءة (1). وهذا تلاعب منه بدين الله، إذ لا يعلم أحد يعمل به من خلق الله، فإذا جعلوا هذا الحديث صحيحا متفقا عليه بين الأئمة الناقلين، فقد خطأوا جميع المسلمين، وسيجئ ان شاء الله عدة مثالب لأبي هريرة. ومنهم: كعب الأحبار، ضربه أبو ذر بمحجنه فشجه وقال: ما خرجت اليهودية من قلبك. وقال ابن أبي الحديد في شرحه: وروى جماعة من أهل السير أن عليا عليه السلام كان يقول: ان كعب الأحبار كذاب، وكان كعب منحرفا عن علي عليه السلام (2). ومنهم: النعمان بن بشر الأنصاري، قال ابن أبي الحديد: انه كان منحرفا عنه عليه السلام وعدوا له (3). ومنهم: ابراهيم النخعي، تخلف عن الحسين عليه السلام وخرج مع الأشعث، وفي جيش عبيد الله بن زياد الى خراسان. ومنهم: أنس بن مالك، ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس عشر بعد المائة من المتفق عليه: أن أنسا سأل النبي صلى الله عليه وآله عن الساعة، فقال: ان اخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة. وفي حديثين آخرين عنه نحو ذلك (4) فكيف يسمع مع قوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل انما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها الا هو (5) الى ربك منتهاها (6) ان الله


(1) صحيح مسلم 1: 219 برقم: 250. (2) شرح نهج البلاغة 4: 77. (3) شرح نهج البلاغة 4: 77. (4) صحيح مسلم 4: 2269 - 2270 كتاب الفتن ب 27. (5) الأعراف: 187. (6) النازعات: 44.

[ 305 ]

عنده علم الساعة (1) مع روايتهم عن نبيهم أنه أخبر بدولة بني امية وبني هاشم والمهدي، وغيرهم مما يقتضي كون القيامة أبعد من أعمار شتى (2). ومنهم: أبو مسعود، وقد روى ابن أبي الحديد أحاديث تدل على ذمه، وقال: كان أبو مسعود الأنصاري منحرفا عنه عليه السلام (3). ومنهم: ابن مسعود، وقد روي عن حذيفة وعمار أنه ممن نخس برسول الله صلى الله عليه وآله ليلة العقبة، وقال ابن ابي الحديد في شرحه: قال نصر: فأجاب عليا عليه السلام الى السير جل الناس الا أن أصحاب عبد الله بن مسعود أتوه وفيهم عبيدة السلماني وأصحابه، فقالوا: انا نخرج معكم ولا نترك عسكركم ونعسكر على حدة، حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام، فمن رأيناه أراد ما لا يحل أو بدا لنا منه بغي كنا عليه. ثم قال: وأتاه آخرون من أصحاب عبد الله بن مسعود منهم ربيع بن الخثيم، وهم يومئذ أربعمائة رجل، فقالوا: يا أمير المؤمنين انا قد شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك، ولا غنا بنا ولا بك ولا بالمسلمين عمن يقاتل العدو، فولنا بعض هذا الثغور نكمن، ثم نقاتل عن أهله، فوجه علي عليه السلام بالربيع بن خثيم على ثغر الري (4). وخذلان هؤلاء عليا عليه السلام دليل على ذم استادهم ابن مسعود. ومنهم: أبو اسحاق السبيعي، خرج الى قتال الحسين عليه السلام. ومنهم: الشعبي، خرج مع ابن الأشعث وتخلف عن الحسين عليه السلام، وأسند الشاذكوني أنه سرق من بيت المال مائة درهم في خفيه، وان شريحا ومسروقا كانوا لا يؤمنون على دعائه.


(1) لقمان: 34. (2) الصراط المستقيم 3: 241 - 252. (3) شرح نهج البلاغة 4: 76. (4) شرح نهج البلاغة 3: 186.

[ 306 ]

وأسند العطار الى بهلول، الى أبي حنيفة، قال: دخلت على الشعبي وبين يديه شطرنج ونبيذ. وروى أبو بكر الكوفي عن المغيرة: أن الشعبي كان يهون عليه أن تقوم الصلاة، وهو يلعب بالشطرنج والنرد. وروى الفضل بن سليمان، عن النضر بن محارب، أنه رأى الشعبي يلعب بالشطرنج، فإذا مر عليه من يعرفه أدخل رأسه في قطيفته. ومنهم: سفيان الثوري، روي أنه قيل له: كيف تروي عن أبي مريم وهو يسكر ؟ فقال، انه لا يكذب في الحديث. ومنهم: خالد الحذاء، روى عنه أبو عاصم النبيل أنه أول من وضع العشور. ومنهم: حماد بن زيد، روي عنه: انا لنرى عليا بمنزلة العجل الذي اتخذه بنو اسرائيل، ثم قال: وقد ذكر علماؤهم وفقهاؤهم أن عامة من تعلق بهم علم الحديث مبتدعة، فقالوا: من قدرية المدينة: محمد بن اسحاق، وعبد الرحمن بن اسحاق، ومحمد بن أبي ذؤيب، وابراهيم الأسلمي، وشريك بن عبد الله، وعطاء بن يسار. ومن أهل مكة: عبد الله بن أبي نجيح، وهشام بن حجير، وابراهيم بن نافع. ومن الشام: مكحول، وثور، وغيلان. ومن البصرة: قتادة، ومعبد، وعون، وسعيد، وعمرو بن عبيد، وهشام، وهمام وعباد بن منصور، وعباد بن أبي ميسرة، والحسن بن واصل، ويزيد الرقاشي، وهارون الأعور، وحماد الابح، وعمر الأبح، وروح، وأبو هليل، وصالح التاجي، والربيع، والسمان، وعبد الواحد، وعتبة، وعثمان، وأبو عبيدة، وعبد الوارث، وسقيف، وأبو قطيف، وعباد بن صهيب، والمنهال، وابن غالب، فهؤلاء رواة حديثهم قد رموهم بالبدعة والضلالة. وممن نسب من أهل الكوفة الى الرفض: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار، وجابر بن عبد الله، والخدري، والبراء، وعمران بن حصين، وحذيفة، وذو الشهادتين، وعبد الله بن جعفر، وابن عباس، وحبشي، وأبو رافع، وأبو جحيفة،

[ 307 ]

وزيد بن أرقم، ومجاهد، وابن المسيب، وسويد، والحارث، وعلقمة، والربيع، واويس القرني، والأشتر، ومحمد بن أبي بكر، وابنه القاسم. فهؤلاء عندهم رافضة، وحديث العراق متعلق بهم، وقد اقتدى بهم جماعة لا تحصى من أكابر أهل العراق، سمى الطبري منهم نحو مائة وخمسين، من أرادهم وقف عليهم في كتابه المسترشد، قال: وجماعة كثيرة لم نذكرهم ونسبوا من أهل الكوفة قوما الى البدعة، منهم: سفيان الثوري، وأبو بكر بن عياش، ويعلى بن عمرو، ويحيى بن اليمان. ومن واسط: عشيم بن بشير، وخالد بن عبد الله، وعباد بن العوام، ومحمد بن يزيد، ومحمد بن الحسن، وجعفر بن أياس، والأصبغ بن بريد، وعمران بن أبي عطاء، وأبو الحكم، ويعلى بن مسلم، وأيوب بن مسكين، وسفيان بن حسين. ومن البصرة: يحيى بن سعيد القطان (1). فصل: وممن كان يطعن على علي عليه السلام من أهل الكوفة: مسروق ومرة الهمدانيان، وعمرو بن شرحبيل (2)، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعبد الله بن عقبة، وهمام النخعي، وسويد بن حازم، وأبو وائل الأسدي، وعبد الله الجهني، وعلي بن عبد الله، وأبو بكر وأبو بردة ابنا أبي موسى الأشعري، وعبد الله الأنصاري، وعامر الشعبي، ويزيد التميمي، ثم عد الطبري جماعة أعرضنا عن ذكرها خوف الاطالة بها. ونسب الى الرفض من أهل البصرة: علي بن جذعان التميمي، وأبو الأسود الدؤلي، وحرب بن أبي الأسود، والجارود الهذلي، وربعي الهذلي، وعبد الله بن يحيى، وأبو يعقوب، وحارثة بن قدامة السعدي، وعمار بن أبي عمار، ويونس بن


(1) الصراط المستقيم 3: 253 - 255. (2) في الصراط: وعمر بن بشر الحنبلي.

[ 308 ]

ابراهيم، وجعفر بن سليمان، ونوح بن قيس الطاخي، وأبو الوليد الجهضمي، وعميرة الضبي. ومن أهل مصر والشام: مشرح بن هاعان، وجبرئيل بن عاهان، وعلي بن رباح، وأبو راشد، وأبو مسلم الخولاني، وأبو يحيى الغساني. ونسب الى الارجاء من أهل مكة: طلق بن حبيب، وعبد العزيز بن أبي رواد، وعبد المجيد. ومن الكوفة: ذر الهمداني، ومسعر الهلالي، وحماد الأشعري، ومالك البجلي، وعمرو الجملي، وأبو جحية، وزهير الجعفي، ومحمد الضرير، وأبو يحيى الحماني، وحماد، وأبو يوسف القاضي، وخالد الطحان، ومحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة. ومن الخوارج: أبو الشعثا، وأبو الوليد. ومن البصرة: محمد بن الاشعث، ومسلم بن بشار، وأبو الحوراء السعدي، والحسن وسعيد ابنا أبي الحسن، وجماعة اخر. فهؤلاء أجلة علمائهم وفقهائهم من أهل الأمصار، لا نعلم أحدا سلم من عيبهم: إما داخل مع بني امية، أو مبتدع، أو قدري، أو رافضي، أو مرجئي، أو مارقي، فكيف يقتدون بمن فيهم يطعنون، وقد اقتدوا في بيعة أبي بكر بمن حل عقدة عثمان وحصره وقتله. ورووا أن أول من بايع أبا بكر عمر، ثم قال: كانت فلتة. فانظر الى هذه المناقضات، تارة يبنون، وتارة يهدمون، ورجالهم الذين أخذوا عنهم دينهم بنقلهم كذابون، وبزعمهم مدلسون، وقد شرحنا طرفا من أحوالهم وطرفا من أقوالهم. وأسند الشاذكوني أن شعبة قال: أخذت من أربعمائة شيخ ثلاثمائة وثمانية وتسعون يدلسون الا رجلين، أبو عون، وعمر بن مرة. وروي أن سفيان الثوري سئل عن ابن المهاجر، فقال: ضعيف، وعن سماك بن حرب، فقال: ضعيف، وعن طارق، فقال: ضعيف، ثم قال: لو سألتموني عن عامة

[ 309 ]

الذين أخذتم عنهم، ما زكيت كذا وكذا منهم (1). انتهى. ومما يرشدك الى معرفة سبب الاختلاف في أقوال الصحابة وأحكامهم، المستلزمة لعدم الوثوق بنقلهم وروايتهم، قول علي عليه السلام في جواب سليم بن قيس حين سأله عن سبب الاختلاف، فقال: اسمع الجواب: في أيدي الناس حق وباطل، وقد كذب على النبي صلى الله عليه وآله في حياته حتى قام خطيبا، وقال: كثرت الكذابة علي، فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار. فرواة الأحاديث أربعة: رجل منافق لا يتأثم أن يكذب، ولو علم الناس ذلك منه لم يصدقوه، ولكن قالوا: صاحب رسول الله ورآه وسمع منه. ورجل سمع من النبي صلى الله عليه وآله ولم يحفظ، فأوهم ولم يتعمد، ولو علموا أنه أوهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم لرفضه. ورجل سمع منه المنسوخ دون الناسخ، ولو علم هو والناس أنه المنسوخ لرفضوه. ورجل لم يكذب عمدا ولا أوهم ولا جهل، بل حفظ ما سمع على جهته، ولم يزد فيه، ولم ينقص منه، ولكن لم يعلم ما عنى الله ورسوله به. وكنت رجلا أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وأدور معه، إذا سألته أجابني، وإذا سكت ابتدأني، فما نزلت آية الا أقرأنيها وكتبتها بخطي، ودعا الله لي أن يفهمني، فما نسيت من كتاب الله ما علمني منذ وضع يده على صدري، وأخبرني أن الله أخبره أنه استجاب له (2). فظهر مما نقلناه عدم الوثوق بقول كل صحابي أو تابعي، كما زعمه أهل السنة، فان رووا رواية لم يكن لها شاهد من كتاب وأحاديث أهل البيت، فالجواب فيه التوقف، فلو وجدناها مخالفة لروايات أهل البيت عليهم السلام، فالجواب حينئذ العمل برواية أهل البيت عليهم السلام، لاجماع أهل الاسلام على عدم نفاقهم وكذبهم، ولشهادة


(1) الصراط المستقيم 3: 256 - 257. (2) الصراط المستقيم 3: 258، ونهج البلاغة ص 325 برقم: 210.

[ 310 ]

الله تعالى بطهارتهم بآية التطهير، ولشهادة الرسول بحقيتهم، وبعدم ضلال من تمسك بهم، بقوله: علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض (1). وبقوله: اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي (2). وبقوله: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك (3). وبقوله: أنا مدينة العلم وعلي بابها (4). وبقوله: أنا وعلي حجة الله على العباد (5). وغيرها من الايات والروايات الدالة على التمسك بهم. والعجب كل العجب أن أهل السنة تركوا أهل بيت نبيهم صلى الله عليه وآله، مع أن الله تعالى أوجب محبتهم على العباد بقوله قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى (6) والرسول صلى الله عليه وآله أوصى فيهم باعتراف أهل السنة، واتبعوا غيرهم في كل عصر، حتى اتفقوا على وجوب اتباع أحد الأربعة: مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، مع أنهم اعترفوا بأن علوم هؤلاء ينتهي الى أهل البيت عليهم السلام. وقد نقل عن شيخهم الكبير المتأخر محمد الجزري في كتابه الذي صنفه باسم سلطان شاهرخ: وثبت عندنا أن كلا من الامام مالك والامام أبي حنيفة صحب الامام أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، حتى روينا عن الامام أبي حنيفة أنه قال: ما رأيت أفقه منه، وقد دخلني منه من الهيبة ما لم يدخلني من المنصور، وصحب جعفر الصادق والده محمد الباقر، وصحب الباقر والده زين العابدين، وصحب زين العابدين والده الحسين الشهيد سيد شباب أهل الجنة، وصحب


(1) راجع: احقاق الحق 5: 623 - 638 و 16: 384 - 397. (2) راجع: احقاق الحق 9: 309 - 375 و 18: 261 - 289. (4) راجع: احقاق الحق 9: 270 - 293 و 18: 311 - 322. (4) راجع: احقاق الحق 4: 376 - 377 و 5: 469 - 501. (5) راجع: احقاق الحق 4: 287 و 5: 43. (6) الشورى: 23.

[ 311 ]

الحسين والده أمير المؤمنين عليا عليهم السلام. وفي كتاب رجال المشكاة: أن جعفر بن محمد من سادات أهل البيت، سمع منه الأعلام نحو: يحيى بن سعيد، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبو حنيفة. فينتهي علم أئمتهم الأربعة الى الصادق عليه السلام، لأن أبا حنيفة ومالكا من تلامذته بلا واسطة، والشافعي من تلامذة مالك، وأحمد بن حنبل من تلامذة الشافعي. وسيجئ ان شاء الله تعالى في الخاتمة معائب هؤلاء الأربعة الدالة على أنهم لم يكونوا صالحين للرئاسة العامة، ونعم ما قال الشاعر: إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا وتعلم أن الناس في نقل أخبار فدع عنك قول الشافعي وأحمد ومالك والمروي عن كعب الأحبار ووال اناسا قولهم وحديثهم روى جدنا عن جبرئيل عن الباري (1) ومما يدل زائدا على ما ذكرناه على عدم الوثوق بقول كل صحابي، وضعف قول أهل السنة (كل صحابي عدل لا يجوز سبهم ولعنهم، وان أحدثوا وأبدعوا وظلموا) وعلى أن ما رووه عنه صلى الله عليه وآله (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وأمثاله ضعيف موضوع، ما أورده ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة، وهو كلام طويل وأنا أورده جميعا هاهنا لعظم منافعه وكثرة فوائده. قال: وقال عليه السلام لعمار بن ياسر رحمه الله وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاما: دعه يا عمار، فانه لم يأخذ من الدين الا ما قاربه من الدنيا، وعلى عمد لبس على نفسه ليجعل الشبهة عاذرا لسقطاته (2). الشرح: أصحابنا غير متفقين على السكوت عن المغيرة، بل أكثر البغداديين يفسقونه، ويقولون فيه ما يقال في الفاسق، ولما جاء عروة بن مسعود الثقفي الى


(1) الصراط المستقيم 3: 207. (2) نهج البلاغة ص 547 برقم: 405. (*)

[ 312 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله عام الحديبية نظر إليه قائما على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله مقلدا سيفه فقال (1): من هذا ؟ قيل: هذا ابن أخيك المغيرة، قال: وأنت هاهنا يا غدر، والله اني الى الان ما غسلت سوأتك. وكان اسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح، ولا انابة ونية جميلة، كان قد صحب قوما في بعض الطرق فاستغفلهم، فقتلهم وأخذ أموالهم، وهرب خوفا أن يلحق فيقتل، أو يؤخذ ما فاز به من أموالهم، فقدم المدينة فأظهر الاسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يرد على أحد اسلامه، أسلم عن علة أو عن اخلاص، فامتنع بالاسلام واعتصم، وحمي جانبه. ذكر حديثه أبو الفرج على بن الحسين الاصفهاني في كتاب الأغاني، قال: كان المغيرة يحدث حديث اسلامه، قال: خرجت مع قوم من بني مالك ونحن على دين الجاهلية الى المقوقس ملك مصر، فدخلنا الاسكندرية، وأهدينا للملك هدايا كانت معنا، فكنت أهون أصحابي عليه، وقبض هدايا القوم، وأمر لهم بجوائز، وفضل بعضهم على بعض، وقصر بي فأعطاني شيئا قليلا لا ذكر له، وخرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم وهم مسرورون، ولم يعرض أحد منهم علي مواساة. فلما خرجوا حملوا معهم خمرا، فكانوا يشربون منها فأشرب معهم، ونفسي تأبى أن تدعني معهم، وقلت: ينصرفون الى الطائف بما أصابوا وما حباهم به الملك، ويخبرون قومي بتقصيره بي وازدرائه اياي، فأجمعت على قتلهم، فقلت: اني أجد صداعا، فوضعوا شرابهم ودعوني، فقلت: رأسي يصدع، ولكن اجلسوا فأسقيكم، فلم ينكروا من أمري شيئا، فجلست أسقيهم وأشرب القدح بعد القدح. فلما دبت الكأس فيهم اشتهوا الشراب، فجعلت اصرف لهم وأترع الكأس،


(1) في الشرح: فقيل.

[ 313 ]

فأهمدتهم الخمر حتى ناموا ما يعقلون، فوثبت إليهم فقتلتهم جميعا، وأخذت جميع ما كان معهم وقدمت المدينة، فوجدت النبي صلى الله عليه وآله بالمسجد وعنده أبو بكر، وكان بي عارفا، فلما رآني قال: ابن أخي عروة ؟ قلت: نعم قد جئت أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحمد لله، فقال أبو بكر: من مصر أقبلت ؟ قلت: نعم، قال: فما فعل المالكيون الذين كانوا معك ؟ قلت: كان بيني وبينهم بعض ما يكون بين العرب، ونحن على دين الشرك، فقتلتهم وأخذت أسلابهم، وجئت بها الى رسول الله صلى الله عليه وآله ليخمسها، فانما هي غنيمة من المشركين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما اسلامك فقد قبلته، ولا نأخذ من أموالهم شيئا ولا نخمسها، لأن هذا غدر، والغدر لا خير فيه، فأخذني ما قرب وما بعد، فقلت: يا رسول الله انما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثم أسلمت حين دخلت اليك الساعة، فقال عليه السلام: الاسلام يجب ما قبله، قال: وكان قتل منهم ثلاثة عشر انسانا، واحتوى على ما معهم، فبلغ ذلك ثقيفا بالطائف فتداعوا للقتال، ثم اصطلحوا على أن حمل عمي عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية. قال: فذلك معنى قول عروة يوم الحديبية: (يا غدر أنا الى الأمس أغسل سوأتك، فلا أستطيع أن أغسلها) فلهذا قال أصحابنا البغداديون: من كان اسلامه على هذا الوجه وكانت خاتمته ما قد تواتر الخبر به، من لعن علي عليه السلام على المنابر الى أن مات على هذا الفعل، وكان المتوسط من عمره الزنا (1) والفجور، واعطاء البطن والفرج سؤالهما، وممالأة الفاسقين، وصرف الوقت الى غير طاعة الله، كيف نتولاه ؟ وأي عذر لنا في الامساك عنه وأن لا نكشف للناس فسقه. وحضرت عند النقيب أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي البصري في سنة احدى عشرة وستمائة ببغداد وعنده جماعة، وأحدهم يقرأ في الأغاني لأبي الفرج، فمر ذكر


(1) في الشرح: الفسق.

[ 314 ]

المغيرة بن شعبة وخاض القوم، فذمه بعضهم، وأثنى عليه بعضهم، وأمسك عنه آخرون. فقال بعض فقهاء الشافعية (1) ممن كان يشتغل بطرف من علم الكلام على رأي الأشعري: الواجب الكف والامساك عن الصحابة وعما شجر بينهم، فقد قال أبو المعالي الجويني: ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك، وقال: اياكم وما شجر بين صحابتي. وقال: دعوا لي أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل احد ذهبا لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. وقال: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. وقال: خيركم القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه ثم الذي يليه. وقد ورد في القرآن الثناء على الصحابة وعلى التابعين، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وقد روي عن الحسن البصري أنه ذكر عنده الجمل وصفين، فقال: تلك دماء طهر الله منها أسيافنا، فلا نلطخ بها ألسنتنا. ثم ان تلك الأحوال قد غابت عنا، وبعدت أخبارها على حقائقها، فلا يليق بنا أن نخوض فيها، ولو كان واحد من هؤلاء قد أخطأ لوجب أن يحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، فمن المروة ان يحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في عائشة زوجته، وفي الزبير ابن عمته، وفي طلحة الذي وقاه بيده. ثم ما الذي ألزمنا وأوجب علينا أن نلعن أحدا من المسلمين أو نبرأ منه ؟ ! وأي ثواب في اللعنة والبراءة ؟ ان الله تعالى لا يقول يوم القيامة للمكلف: لم لم تلعن ؟ بل يقول له: لم لعنت ؟ ولو أن انسانا عاش عمره كله لم يلعن ابليس لم يكن عاصيا ولا آثما، وإذا جعل الانسان عوض اللعنة أستغفر الله كان خيرا له. ثم كيف يجوز للعامة أن تدخل أنفسها في امور الخاصة ؟ واولئك قوم كانوا امراء


(1) في الشرح: الشيعة.

[ 315 ]

هذه الامة وقادتها، ونحن اليوم في طبقة سافلة جدا عنهم، فكيف يحسن بنا التعرض لذكرهم ؟ أليس يقبح من الرعية أن تخوض في دقائق امور الملك وأحواله وشؤونه التي تجري بينه وبين أهله وبني عمه ونسائه وسراريه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله صهرا لمعاوية، واخته ام حبيبة تحته، فالادب ان تحفظ ام حبيبة وهي ام المؤمنين في أخيها. وكيف يجوز أن يلعن من جعل الله تعالى بينه وبين رسوله مودة ؟ أليس المفسرون كلهم قالوا: هذه الاية انزلت في أبي سفيان، وهي قوله تعالى عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة (1) فكان ذلك مصاهرة رسول الله صلى الله عليه وآله أبا سفيان وتزويجه ابنته، على أن جميع ما تنقله الشيعة من الاختلاف بينهم والمشاجرة لم يثبت، وما كان القوم الا كبني ام واحدة، ولم يتكدر باطن أحد منهم على صاحبه قط، ولا وقع بينهم اختلاف ولا نزاع. فقال أبو جعفر رحمه الله: قد كنت منذ أيام علقت بخطي كلاما وجدته لبعض الزيدية في هذا المعنى، نقضا وردا على أبي المعالي الجويني فيما اختاره لنفسه من هذا الرأي، وأنا أخرجه اليكم لأستغني بتأمله عن الحديث على ما قاله هذا الفقيه، فاني أجد ألما يمنعني من الاطالة في الحديث، لاسيما إذا خرج مخرج الجدل ومقاومة الخصوم، ثم أخرج من بين كتبه كراسا قرأناه في ذلك المجلس واستحسنه الحاضرون، وأنا أذكر هاهنا خلاصته: قال: لولا أن الله تعالى أوجب معاداة أعدائه، كما أوجب موالاة أوليائه، وضيق على المسلمين تركها إذا دل العقل عليها، أو صح الخبر عنها بقوله سبحانه لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو


(1) الممتحنة: 7.

[ 316 ]

أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم (1) وبقوله تعالى ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما انزل إليه ما اتخذوهم أولياء (2) وبقوله سبحانه لا تتولوا قوما غضب الله عليهم (3) لاجماع المسلمين على أن الله تعالى فرض عداوة أعدائه، وولاية أوليائه. وعلى أن البغض في الله واجب، والحب في الله واجب، لما تعرضنا لمعاداة أحد من الناس في الدين، ولا البراءة منه، ولكانت عداوتنا للقوم تكلفا، ولو ظننا أن الله عزوجل يعذرنا إذا قلنا: يا رب غاب أمرهم عنا، فلم يكن لخوضنا في أمر قد غاب عنا معنى، لاعتمدنا على هذا العذر وواليناهم، ولكنا نخاف أن يقول سبحانه لنا: ان كان أمرهم قد غاب عن أبصاركم، فلم يغب عن قلوبكم وأسماعكم، قد أتتكم به الأخبار الصحيحة التي بمثلها ألزمتم أنفسكم الاقرار بالنبي صلى الله عليه وآله وموالاة من صدقه، ومعاداة من عصاه وجحده، وامرتم بتدبر القرآن وما جاء به الرسول، فهلا حذرتم من أن تكونوا من أهل هذه الاية القائلين غدا ربنا انا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (4). فأما لفظة اللعن، فقد أمر الله تعالى بها وأوجبها، ألا ترى الى قوله اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (5) فهو اخبار معناه الأمر، كقوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء (6) وقد لعن الله تعالى العاصين بقوله لعن الذين


(1) المائدة: 81. (2) المجادلة: 22. (3) الممتحنة: 13. (4) الأحزاب: 67. (5) البقرة: 159. (6) البقرة: 228.

[ 317 ]

كفروا من بني اسرائيل على لسان داود (1) وقوله ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا (2) وقوله ملعونين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا (3) وقال الله تعالى لابليس وان عليك لعنتي الى يوم الدين (4) وقال ان الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (5). فأما قول من يقول: أي ثواب في اللعن وان الله لا يقول للمكلف: لم لم تلعن ؟ بل قد يقول له: لم لعنت ؟ وانه لو جعل مكان لعن الله فلانا اللهم اغفر لي لكان خيرا له، ولو أن انسانا عاش عمره كله لم يلعن ابليس لم يؤاخذ بذلك. فكلام جاهل لا يدري ما يقول، اللعن طاعة ويستحق عليها الثواب إذا فعلت على وجهها، وهو أن يلعن مستحق اللعن لله وفي الله، لا في العصبية والهوى. ألا ترى أن الشرع قد ورد بها في نفي الولد، ونطق بها القرآن، وهو أن يقول الزوج في الخامسة أن لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين (6) فلو لم يكن الله تعالى يريد أن يتلفظ عباده بهذه اللفظة وأنه قد تعبدهم بها، لما جعلها من معالم الشرع، ولما كررها في كثير من كتابه العزيز، ولما قال في حق القائل وغضب الله عليه ولعنه (7) وليس المراد من قوله (ولعنه) الا الأمر لنا بأن نلعنه، ولو لم يكن المراد بها ذلك لكان لنا أن نلعنه، لأن الله تعالى قد لعنه. أفيلعن الله تعالى انسانا ولا يكون لنا أن نلعنه، هذا ما لا يسوغ في العقل، كما لا


(1) المائدة: 78. (2) الأحزاب: 57. (3) الأحزاب: 61. (4) ص: 78. (5) الأحزاب: 64. (6) النور: 7. (7) النساء: 93.

[ 318 ]

يجوز ان يمدح الله انسانا الا ولنا ان نمدحه، ولا يذمه الا ولنا ان نذمه وقال تعالى هل انبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله (1) وقال ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (2) وقال عزوجل وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا (3). وكيف يقول القائل: ان الله تعالى لا يقول للمكلف: لم لم تلعن ؟ ألا يعلم هذا القائل أن الله تعالى أمر بولاية أوليائه، وأمر بعداوة أعدائه، فكما يسأل عن التولي يسأل عن التبري، ألا ترى أن اليهودي إذا أسلم يطالب بأن يقال له: تلفظ بكلمة الشهادتين، ثم قل برئت من كل دين يخالف دين الاسلام، فلابد من البراءة، لأن بها يتم العمل، ألم يسمع هذا القائل قول الشاعر: تود عدوي ثم تزعم أنني صديقك ان الرأي عنك لعازب فمودة العدو خروج عن ولاية الولي، وإذا بطلت المودة لم يبق الا البراءة، لأنه لا يجوز أن يكون الانسان في درجة متوسطة مع أعداء الله تعالى وعصاته، بألا يودهم ولا يبرأ منهم باجماع المسلمين على نفي هذه الواسطة. وأما قوله (لو جعل عوض اللعنة أستغفر الله لكان خيرا له) فانه لو استغفر من غير أن يلعن، أو يعتقد وجوب اللعن، لما نفعه استغفاره ولا قبل منه، لأنه يكون عاصيا لله تعالى، مخالفا أمره في امساكه عمن أوجب الله تعالى عليه البراءة منه، واظهار البراءة، والمصر على بعض المعاصي لا تقبل توبته واستغفاره عن البعض الاخر. وأما من يعيش عمره ولا يلعن ابليس، فان كان لا يعتقد وجوب لعنه فهو كافر،


(1) المائدة: 60. (2) الأحزاب: 68. (3) المائدة: 64.

[ 319 ]

وان كان يعتقد وجوب لعنه ولا يلعنه فهو مخطئ، على أن الفرق بينه وبين ترك لعنه رؤوس الضلال في هذه الامة، كمعاوية والمغيرة وأمثالهما، أن أحدا من المسلمين لا يورث عند الامساك عن لعن ابليس شبهة في أمر ابليس، والامساك عن لعن هؤلاء وأضرابهم يثير شبهة عند كثير من المسلمين في أمرهم، وتجنب ما يورث الشبهة في الدين واجب، فلهذا لم يكن الامساك عن لعن ابليس نظيرا للامساك عن أمر هؤلاء. قال: ثم يقال للمخالفين: أرأيتم لو قال قائل: قد غاب عنا أمر معاوية والحجاج بن يوسف، فليس ينبغي أن نخوض في قصتيهما ولا أن نلعنهما ونعاديهما ونبرأ منهما، هل كان هذا الا كقولكم: قد غاب عنا أمر معاوية والمغيرة بن شعبة وأضرابهما، فليس لخوضنا في قصتهم معنى. وبعد فكيف أدخلتم أيها العامة والحشوية وأهل الحديث أنفسكم في أمر عثمان وخضتم فيه ؟ وقد غاب عنكم، وبرئتم من قتلته ولعنتموهم، وكيف لم تحفظوا أبا بكر في محمد ابنه ؟ فانكم لعنتموه وفسقتموه، ولا حفظتم عائشة ام المؤمنين في أخيها محمد المذكور، ومنعتمونا أن نخوض وندخل أنفسنا في أمر علي والحسن والحسين ومعاوية الظالم له ولهما، المتغلب على حقه وحقوقهما، وكيف صار لعن ظالم عثمان من السنة عندكم ويلعن ظالم علي والحسن والحسين تكلفا ؟ ! وكيف أدخلتم العامة أنفسها في أمر عائشة ؟ فبرئت ممن نظر إليها ومن القائل لها: يا حميراء، وانما هي حميراء ولعنته بكشفه سترها، ومنعتنا نحن عن الحديث في أمر فاطمة وما جرى لها بعد وفاة أبيها. فان قلتم: ان بيت فاطمة انما دخل، وسترها انما كشف، حفظا لنظام الاسلام، وكيلا ينتشر الأمر ويخرج قوم من المسلمين أعناقهم من ربقة الطاعة ولزوم الجماعة.

[ 320 ]

قيل لكم: وكذلك ستر عائشة انما كشف، وهودجها انما هتك، لأنها نشرت (1) حبل الطاعة، وشقت عصا المسلمين، وأراقت دماء المؤمنين (2) من قبل وصول علي بن أبي طالب عليه السلام الى البصرة، وجرى لها مع عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة ومن كان معهما من المسلمين الصالحين من القتل وسفك الدماء ما تنطق به كتب التواريخ والسير، فإذا جاز دخول بيت فاطمة لأمر لم يقع بعد، جاز كشف ستر عائشة على ما قد وقع وتحقق. فكيف صار هتك ستر عائشة من الكبائر التي يجب معها التخليد في النار، والبراءة من فاعله، ومن أوكد عرى الايمان، وصار كشف بيت فاطمة والدخول عليها منزلها، وجمع حطب ببابها، وتهددها بالتحريق من أوكد عرى الدين، وأثبت دعائم الاسلام، وما أعز الله به المسلمين وأطفأ به نار الفتنة، والحرمتان واحدة، والستران واحد. وما نحب أن نقول لكم: ان حرمة فاطمة أعظم، ومكانها أرفع، وصيانتها لأجل رسول الله صلى الله عليه وآله أولى، فانها بضعة منه، وجزء من لحمه ودمه، وليست كالزوجة الأجنبية التي لا نسب بينها وبين الزوج، وانما هي وصلة مستعارة، وعقد يجري مجرى اجارة المنفعة، وكما يملك رق الأمة بالبيع والشراء. ولهذا قال الفرضيون: أسباب التوارث ثلاثة: سبب، ونسب، وولاء. فالنسب القرابة، والسبب النكاح، والولاء ولاء العتق، فجعلوا النكاح خارجا عن النسب، ولو كانت الزوجة ذات نسب لجعلوا الأقسام الثلاثة قسمين. وكيف تكون عائشة أو غيرها في منزلة فاطمة ؟ ! وقد أجمع المسلمون كلهم من يحبها ومن لا يحبها منهم أنها سيدة نساء العالمين.


(1) أي: قطعت. (2) في الشرح: المسلمين.

[ 321 ]

قال: وكيف يلزمنا اليوم حفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في زوجته، وحفظ ام حبيبة في أخيها، ولم تلزم الصحابة أنفسها حفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل بيته، ولا ألزمت الصحابة أنفسها حفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في صهره وابن عمه عثمان بن عفان، وقد قتلوهم ولعنوهم، ولقد كان كثير من الصحابة يلعن عثمان وهو خليفة، منهم عائشة كانت تقول: اقتلوا نعثلا لعن الله نعثلا، ومنهم عبد الله بن مسعود. وقد لعن معاوية علي بن أبي طالب وابنيه حسنا وحسينا وهم أحياء يرزقون بالعراق، وهو يلعنهم بالشام على المنابر، ويقنت عليهم في الصلوات، وقد لعن أبو بكر وعمر سعد بن عبادة وهو حي، وبرئا منه، وأخرجاه من المدينة الى الشام، ولعن عمر خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة، وما زال اللعن فاشيا في المسلمين إذا عرفوا من الانسان معصية تقتضي اللعن والبراءة. قال: ولو كان هذا أمرا معتبرا، وهو أن يحفظ زيد لأجل عمرو فلا يلعن، لوجب أن تحفظ الصحابة في أولادهم، فلا يلعنوا لأجل آبائهم، فكان يجب أن يحفظ سعد بن أبي وقاص، فلا يلعن ابنه عمر بن سعد قاتل الحسين عليه السلام، وأن يحفظ معاوية، فلا يلعن يزيد صاحب وقعة الحرة وقاتل الحسين عليه السلام ومخيف المسجد الحرام بمكة، وأن يحفظ عمر بن الخطاب في عبيد الله ابنه قاتل الهرمزان، والمحارب عليا عليه السلام في صفين. قال: على أنه لو كان الامساك عن عداوة من عادى الله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من حفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في أصحابه ورعاية عهده وعقده لم نعادهم ولو ضربت رقابنا بالسيوف، ولكن محبة رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه ليست كمحبة الجهال الذين يضع أحدهم محبته لصاحبه موضع العصبية، وانما أوجب رسول الله صلى الله عليه وآله محبة أصحابه لطاعتهم لله، فإذا عصوا الله وتركوا ما أوجب محبتهم، فليس عند رسول الله صلى الله عليه وآله محاباة في ترك لزوم ما كان عليه من محبتهم، ولا تغطرس في العدول عن التمسك بموالاتهم.

[ 322 ]

فلقد كان صلى الله عليه وآله يحب أن يعادي أعداء الله ولو كانوا عترته، كما يحب أن يوالي أولياء الله ولو كانوا أبعد الخلق نسبا منه، والشاهد على ذلك اجماع الامة على أن الله تعالى قد أوجب عداوة من ارتد بعد الاسلام، وعداوة من نافق وان كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي أمر بذلك ودعا إليه، وذلك أنه صلى الله عليه وآله قد أوجب قطع السارق، وضرب القاذف، وجلد البكر إذا زنا، وان كان من المهاجرين أو الأنصار. ألا ترى أنه قال: لو سرقت فاطمة لقطعتها، فهذه ابنته الجارية مجرى نفسه، لم يحابها في دين الله، ولا راقبها في حدود الله، وقد جلد أصحاب الافك، ومنهم مسطح بن أثاثة وكان من أهل بدر. قال: وبعد، فلو كان محل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله محل من لا يعادى إذا عصى الله سبحانه ولا يذكر بالقبيح، بل يجب أن يراقب لأجل اسم الصحبة، ويغضى عن عيوبه وذنوبه، لكان كذلك صاحب موسى عليه السلام المسطور ثناؤه في القرآن لما اتبع هواه، فانسلخ مما اوتي من الايات وغوى، قال سبحانه واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (1) ولكان ينبغي أن يكون محل عبدة العجل من أصحاب موسى عليه السلام هذا المحل، لأن هؤلاء كلهم قد صحبوا رسولا من رسل الله سبحانه. قال: ولو كانت الصحابة عند أنفسها بهذه المنزلة لعلمت ذلك من حال أنفسها، لأنهم أعرف بمحلهم من عوام أهل دهرنا، وإذا قدرت أفعال بعضهم ببعض دلتك على أن القصة كانت على خلاف ما قد سبق الى قلوب الناس اليوم، هذا علي وعمار، وأبو الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت، وجميع من كان مع علي عليه السلام من المهاجرين والأنصار، لم يروا أن يتغافلوا عن طلحة والزبير حتى فعلوا بهما وبمن


(1) الأعراف: 175.

[ 323 ]

معهما ما يفعل بالشراة في عصرنا. وهذا طلحة والزبير وعائشة، ومن كان معهم وفي جانبهم، لم يروا أن يمسكوا عن علي، حتى قصدوا له كما يقصد للمتغلبين في زماننا. وهذا معاوية وعمرو لم يريا عليا بالعين التي يرى بها العامي صديقه وجاره، ولم يقصرا دون ضرب وجهه بالسيف ولعنه ولعن أولاده وكل من كان حيا من أهله وقتل أصحابه، وقد لعنهما هو أيضا في الصلوات المفروضات، ولعن معهما أبا الأعور السلمي، وأبا موسى الأشعري، وكلاهما من الصحابة. وهذا سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، واسامة بن زيد، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن عمر، وحسان بن ثابت، وأنس بن مالك، لم يروا أن يقلدوا عليا عليه السلام في حرب طلحة، ولا طلحة في حرب علي، وطلحة والزبير باجماع المسلمين أفضل من هؤلاء المعدودين، لأنهم زعموا أنهم قد خافوا أن يكون علي عليه السلام قد غلط وزل في حربهما، وخافوا أن يكونا قد غلطا وزلا في حرب علي عليه السلام. وهذا عثمان قد نفى أبا ذر الى الربذة، كما يفعل بأهل الخنا والريب، وهذا عمار وابن مسعود تلقيا عثمان بما تلقياه به لما ظهر لهما بزعمهما منه وما وعظاه لأجله، ثم فعل بهما عثمان ما تناهى اليكم، ثم فعل القوم بعثمان ما قد علمتم وعلم الناس كلهم. وهذا عمر يقول في قصة الزبير بن العوام لما استأذنه في الغزو: ها اني ممسك بباب هذا الشعب أن يتفرق أصحاب محمد في الناس فيضلوهم، وزعم أنه وأبو بكر كانا يقولان: ان عليا والعباس في قصة الميراث زعماهما كاذبين ظالمين فاجرين، وما رأينا عليا عليه السلام والعباس اعتذرا ولا تنصلا، ولا نقل أحد من أصحاب الحديث ذلك، ولا رأينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنكروا عليهما ما حكاه عمر عنهما ونسبه اليهما. ولا أنكروا أيضا على عمر قوله في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله انهم يريدون

[ 324 ]

اضلال الناس ويهمون به، ولا أنكروا على عثمان دوس بطن عمار، ولا كسر ضلع ابن مسعود، ولا على عمار وابن مسعود ما تلقيا به عثمان، كانكار العامة اليوم الخوض في حديث الصحابة، ولا اعتقدت الصحابة في أنفسها ما يعتقده العامة فيها، اللهم الا أن يزعموا أنهم أعرف بحق القوم منهم. وهذا علي وفاطمة عليهما السلام والعباس ما زالوا على كلمة واحدة يكذبون الرواية (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) ويقولون: انها مختلقة. قالوا: وكيف كان النبي صلى الله عليه وآله يعرف هذا الحكم غيرنا ويكتمه عنا ؟ ونحن الورثة، ونحن أولى الناس بأن يؤدى هذا الحكم إليه. وهذا عمر بن الخطاب يشهد لأهل الشورى أنهم النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنهم راض، ثم يأمر بضرب أعناقهم ان أخروا فصل حال الامامة، هذا بعد أن ثلبهم وقال في حقهم ما لو سمعته العامة اليوم من قائل لوضعت ثوبه في عنقه سحبا الى السلطان، ثم شهدت عليه بالرفض واستحلت دمه، فان كان الطعن على بعض الصحابة رفضا، فعمر بن الخطاب أرفض الناس وامام الروافض كلهم. ثم ما شاع واشتهر من قول عمر (كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، فمن عاد الى مثلها فاقتلوه) وهذا طعن في العقد، وقدح في البيعة الأصلية. ثم ما نقل عنه من ذكر أبي بكر في صلاته، وقوله عن عبد الرحمن ابنه (دويبة سوء ولهو خير من أبيه) ثم عمر القائل في سعد بن عبادة، وهو رئيس الأنصار وسيدها: اقتلوا سعدا، قتل الله سعدا، اقتلوه فانه منافق. وقد شتم أبا هريرة، وطعن في روايته، وشتم خالد بن الوليد، وطعن في دينه، وحكم بفسقه وبوجوب قتله، وخون عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، ونسبهما الى سرقة مال الفئ واقتطاعه. وكان سريعا الى المساءة، كثير الجبه والشتم والسب لكل أحد، وقل أن يكون في

[ 325 ]

الصحابة من سلم من معرة لسانه أو يده، ولذلك أبغضوه وملوا أيامه مع كثرة الفتوح فيها، فهلا احترم عمر الصحابة كما تحترمهم العامة: إما أن يكون عمر مخطئا، وإما أن تكون العامة على الخطأ. فان قالوا: عمر ما شتم ولا ضرب ولا أساء الا الى عاص مستحق لذلك. قيل لهم: فكأنا نحن نقول: انا نريد أن نبرئ ونعادي من لا يستحق البراءة والمعاداة، كلا ما قلنا هذا، ولا يقول هذا مسلم ولا عاقل، وانما غرضنا الذي إليه نجري بكلامنا هذا أن نوضح أن الصحابة قوم من الناس لهم ما للناس وعليهم ما عليهم، من أساء منهم ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه، وليس لهم على غيرهم من المسلمين كبير فضل الا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير، بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم، لأنهم شاهدوا الأعلام والمعجزات، فقربت اعتقاداتهم من الضرورة ونحن لم نشاهد ذلك، فكانت عقائدنا محض النظر والفكر، وبعرضية الشبه والشكوك، فمعاصينا أخف لأنا أعذر. ثم نعود الى ما كنا فيه، فنقول: وهذه عائشة ام المؤمنين، خرجت بقميص رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت للناس: هذا قميص رسول الله لم يبل، وعثمان قد أبلى سنته، ثم تقول: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا، ثم لم ترض بذلك حتى قالت: أشهد أن عثمان جيفة على الصراط غدا، فمن الناس من يقول: روت في ذلك خبرا، ومن الناس من يقول: هو موقوف عليها، وبدون هذا لو قاله انسان اليوم يكون عند العامة زنديقا. ثم قد حصر عثمان، حصرته أعيان الصحابة، فما كان أحد ينكر ذلك، ولا يعظمه ولا يسعى في ازالته، وانما أنكروا على من أنكر على المحاصرين له، وهو رجل كما علمتم من وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم من أشرافهم، ثم هو أقرب إليه من أبي بكر وعمر، وهو مع ذلك امام المسلمين، والمختار منهم للخلافة، وللامام حق على رعيته عظيم، فان كان القوم قد أصابوا، فاذن ليست الصحابة في الموضع الذي وضعتها به العامة. وان كانوا ما أصابوا، فهذا هو الذي نقول من أن الخطأ جائز على

[ 326 ]

آحاد الصحابة، كما يجوز على آحادنا اليوم. ولسنا نقدح في الاجماع، ولا ندعي اجماعا حقيقيا على قتل عثمان، وانما نقول: ان كثيرا من المسلمين فعلوا ذلك، والخصم يسلم أن ذلك كان خطأ ومعصية، فقد سلم أن الصحابي يجوز أن يخطئ ويعصي، وهو المطلوب. وهذا المغيرة بن شعبة، وهو من الصحابة، ادعي عليه الزنا، وشهد عليه قوم بذلك، فلم ينكر ذلك عمر، ولا قال هذا محال وباطل، لأن هذا صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله لا يجوز عليه الزنا، وهلا أنكر عمر على الشهود وقال لهم: ويحكم هلا تغافلتم عنه لما رأيتموه يفعل ذلك، فان الله تعالى قد أوجب الامساك عن مساوئ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأوجب الستر عليهم، وهلا تركتموه لرسول الله صلى الله عليه وآله في قوله (دعوا لي أصحابي). ما رأينا عمر الا قد انتصب لسماع الدعوى، واقامة الشهادة، وأقبل يقول للمغيرة: يا مغيرة ذهب ربعك، يا مغيرة ذهب نصفك، يا مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك، حتى اضطرب الرابع، فجلد الثلاثة. وهلا قال المغيرة لعمر: كيف تسمع في قول هؤلاء وليسوا من الصحابة وأنا من الصحابة، ورسول الله صلى الله عليه وآله قد قال (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ما رأينا قال ذلك، بل استسلم لحكم الله تعالى. وهاهنا من هو أمثل من المغيرة وأفضل، قدامة بن مظعون، لما شرب الخمر في أيام عمر، فأقام عليه الحد، وهو رجل من علية الصحابة، ومن أهل بدر، والمشهود لهم بالجنة، فلم يرد عمر الشهادة، ولا درأ عنه الحد لعلة أنه بدري، ولا قال قد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذكر مساوئ الصحابة. وقد ضرب عمر أيضا ابنه حدا فمات، وكان ممن عاصر رسول الله صلى الله عليه وآله ولم تمنعه معاصرته له من اقامة الحد عليه. وهذا علي عليه السلام يقول: ما حدثني أحد بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله الا استحلفته

[ 327 ]

عليه، أليس هذا اتهاما لهم بالكذب، وما استثنى أحدا من المسلمين الا أبا بكر على ما ورد في الخبر، وقد صرح غير مرة بتكذيب أبي هريرة، وقال: لا أحد أكذب من هذا الدوسي على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال أبو بكر في مرضه الذي مات فيه: وددت أني لم أكشف بيت فاطمة ولو كان أغلق على حرب، فندم، والندم لا يكون الا عن ذنب. ثم ينبغي للعاقل أن يفكر في تأخر علي صلى الله عليه وآله عن بيعة أبي بكر ستة أشهر الى أن ماتت فاطمة، فان كان مصيبا فأبوبكر على الخطأ في انتصابه في الخلافة. وان كان أبو بكر مصيبا، فعلي على الخطأ في تأخره عن البيعة وحضور المسجد. ثم قال أبو بكر في مرض موته أيضا للصحابة: فلما استخلفت عليكم خيركم في نفسي - يعني: عمر - فكلكم ورم لذلك أنفه، يريد أن يكون الأمر له، لما رأيتم الدنيا قد جاءت، أما والله لتتخذن ستائر الديباج ونضائد الحرير. أليس هذا طعن في الصحابة، وتصريحا بأنه قد نسبهم الى الحسد لعمر لما نص عليه بالعهد. ولقد قال له طلحة لما ذكر عمر للأمر: ماذا تقول لربك إذا سألك عن عباده، وقد وليت عليهم فظا غليظا ؟ فقال أبو بكر: اجلسوني اجلسوني، بالله تخوفني، إذا سألني قلت: وليت عليهم خير أهلك، ثم شتمه بكلام كثير منقول، فهل قول طلحة الا طعن في عمر ؟ وهل قول أبي بكر الا طعن في طلحة. ثم الذي كان بين ابي بن كعب وعبد الله بن مسعود من السباب، حتى نفى كل واحد منهما الاخر عن أبيه، وكلمة ابي بن كعب مشهورة منقولة (ما زالت هذه الامة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيهم) وقوله (ألا هلك أهل العقيدة، والله ما آسى عليهم وانما آسى على من يضلون من الناس). ثم قول عبد الرحمن بن عوف (ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لي عثمان يا منافق) وقوله (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما وليت عثمان شسع نعلي) وقوله (اللهم ان عثمان قد أبى أن يقيم كتابك فافعل به وافعل).

[ 328 ]

وقال عثمان لعلي عليه السلام في كلام دار بينهما: أبو بكر وعمر خير منك، فقال علي عليه السلام: كذبت أنا خير منك ومنهما، عبدت الله قبلهما وعبدته بعدهما. وروى سفيان بن عيينة، عن عمر بن دينار، قال: كنت عند عروة بن الزبير، فتذاكرنا كم أقام النبي صلى الله عليه وآله بمكة بعد الوحي ؟ فقال عروة: أقام عشرا، فقلت: كان ابن عباس يقول: ثلاث عشرة، فقال: كذب ابن عباس. وقال ابن عباس: المتعة حلال، فقال له جبير بن مطعم: كان عمر ينهى عنها، فقال: عدي نفسه من هاهنا ضللتم، احدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وتحدثني عن عمر. وجاء في الخبر عن علي عليه السلام: لولا ما فعل عمر بن الخطاب في المتعة ما زنا الا شقي، وقيل: ما زنا الا شفى، أي: قليلا. فأما سب بعضهم بعضا، وقدح بعضهم في بعض في المسائل الفقهية، فأكثر من أن يحصى، مثل قول ابن عباس وهو يرد على زيد مذهبه القول في الفرائض: ان شاء - أو قال: من شاء - باهلته، ان الذي أحصى رمل عالج عددا أعدل من أن يجعل في مال نصفا ونصفا وثلثا، هذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث ؟. ومثل قول ابي بن كعب في القرآن: لقد قرأت القرآن وزيد هذا غلام ذو ذؤابتين يلعب بين صبيان اليهود في المكتب. وقال علي عليه السلام في امهات الأولاد وهو على المنبر: كان رأيي ورأي عمر ألا يبعن، وأنا أرى الان بيعهن، فقام إليه عبيدة السلماني فقال: رأيك في الجماعة أحب الينا من رأيك في الفرقة. وكان أبو بكر يرى التسوية في قسم الغنائم، وخالفه عمر وأنكر فعله. وأنكرت عائشة على أبي سلمة بن عبد الرحمن خلافه على ابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل، وقالت: فروج يصقع مع الديكة. وأنكرت الصحابة على ابن عباس قوله في الصرف، وسفهوا رأيه حتى قيل: انه تاب من ذلك عند موته.

[ 329 ]

واختلفوا في حد شارب الخمر حتى خطأ بعضهم بعضا. وروى بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الشؤم في ثلاثة: المرأة، والدار، والفرس. فأنكرت عائشة ذلك وكذبت الراوي، وقالت: انه انما قال عليه السلام ذلك حكاية عن غيره. وروى بعض الصحابة عنه عليه السلام أنه قال: التاجر فاجر. فأنكرت عائشة ذلك وكذبت الراوي وقالت: انما قاله عليه السلام في تاجر دلس. وأنكر قوم من الأنصار رواية أبي بكر (الأئمة من قريش) ونسبوه الى افتعال هذه الكلمة. وكان أبو بكر يقضي بالقضاء، فينقضه عليه أصاغر الصحابة، كبلال وصهيب ونحوهما، وقد روي ذلك في عدة قضايا. وقيل لابن عباس: ان عبد الله بن الزبير يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني اسرائيل، فقال: كذب عدو الله، أخبرني ابي بن كعب، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر كذا، بكلام يدل على أن موسى صاحب الخضر هو موسى بني اسرائيل. وباع معاوية أواني ذهب وفضة بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ينهى عن ذلك، فقال معاوية: أما أنا فلا أرى به بأسا، فقال أبو الدرداء: من عذيري من معاوية، اخبره عن الرسول صلى الله عليه وآله وهو يخبرني عن رأيه، والله لا اساكنك بأرض أبدا. وطعن ابن عباس في أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخلن يده في الاناء حتى يتوضأ. وقال: فما نصنع بالمهراس (1). وقال علي عليه السلام لعمر وقد أفتاه الصحابة في مسألة وأجمعوا عليها: ان كانوا


(1) المهراس: اناء مستطيل منقور يتضأ فيه.

[ 330 ]

راقبوك فقد غشوك، وان كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا. وقال ابن عباس: ألا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الأبن إبنا، ولا يجعل أب الأب أبا. وقالت عائشة: أخبروا زيد بن أرقم أنه قد أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله. وأنكرت الصحابة على أبي موسى قوله: إن النوم لا ينقض الوضوء، ونسبته إلى الغفلة وقلة التحصيل، وكذلك أنكرت على أبي طلحة الأنصاري قوله: ان أكل البرد لا يفطر الصائم، وهزئت به ونسبته الى الجهل. وسمع عمر عبد الله بن مسعود وابي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد، فصعد المنبر وقال: إذا اختلف اثنان من أصحاب الرسول الله صلى الله عليه وآله، فعن أي فتياكم يصدر المسلمون، لا أسمع رجلين يختلفان بعد مقامي هذا الا فعلت وصنعت. وقال جرير بن كليب: رأيت عمر ينهى عن المتعة، وعلي عليه السلام يأمر بها، فقلت: ان بينكما لشرا، فقال علي عليه السلام: ليس بيننا الا الخير، ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين. قال هذا المتكلم: وكيف يصح أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ولا شبهة أن هذا يوجب أن يكون أهل الشام في صفين على هدى، وأن يكون أهل العراق أيضا على هدى، وأن يكون قاتل عمار بن ياسر مهتديا، وقد صح الخبر الصحيح أنه قال له: تقتلك الفئة الباغية، وقال في القرآن: فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ الى أمر الله (1) فدل على أنها موصوفة بالمقام على البغي، مفارقة لأمر الله، ومن يفارق أمر الله لا يكون مهتديا. وكان يجب أن يكون بسر بن أبي أرطاة الذي ذبح ولدي عبيد الله بن عباس الصغيرين مهتديا، لأن بسرا من الصحابة أيضا، وكان يجب أن يكون عمرو بن


(1) الحجرات: 9.

[ 331 ]

العاص ومعاوية اللذان كانا يلعنان عليا عليه السلام أدبار الصلاة وولديه مهتديين، وقد كان في الصحابة من يزني ويشرب الخمر، كأبي محجن الثقفي، ومن يرتد عن الاسلام كطليحة بن خويلد، فيجب أن يكون كل من اقتدى بهؤلاء في أفعالهم مهتديا. قال: وانما هذا من موضوعات متعصبة الأموية، فان لهم من ينصرهم بلسانه، وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف. وكذا القول في الحديث الاخر وهو قوله (القرن الذي أنا فيه) ومما يدل على بطلانه أن القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا، وهو أحد القرون التي ذكرها في النص، وكان ذلك القرن هو الذي قتل فيه الحسين عليه السلام، واوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه والمنتصبون في منصب النبوة الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية، وليزيد بن عاتكة، وللوليد بن يزيد، واريقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون، وسبي الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار، ونقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم، وذلك في خلافة عبد الملك وامرة الحجاج، وإذا تأملت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية شرا كلها لا خير فيها، ولا في رؤسائها وامرائها، والناس برؤساهم وامرائهم، والقرن خمسون سنة، فكيف يصح هذا الخبر ؟. قال: فأما ما ورد في القرآن من قوله لقد رضي الله عن المؤمنين (1) وقوله محمد رسول الله والذين معه (2) وقول النبي صلى الله عليه وآله: ان الله اطلع على أهل بدر. ان كان الخبر صحيحا، فكله مشروط بسلامة العاقبة، ولا يجوز أن يخبر الحكيم مكلفا غير معصوم بأنه لا عقاب عليه، فليفعل ما شاء.


(1) الفتح: 18. (2) الفتح: 19.

[ 332 ]

قال هذا المتكلم: ومن أنصف وتأمل أحوال الصحابة وجدهم مثلنا، يجوز عليهم ما يجوز علينا، ولا فرق بيننا وبينهم الا بالصحبة لا غير، فان لها منزلة وشرفا، لكن لا الى حد يمتنع على كل من رأى الرسول أو صحبه يوما أو شهرا، أو أكثر من ذلك أن يخطئ ويزل، ولو كان هذا صحيحا ما احتاجت عائشة الى نزول براءتها من السماء، بل كان رسول الله صلى الله عليه وآله من أول يوم يعلم كذب أهل الافك، لأنها زوجته، وصحبتها له آكد من صحبة غيرها. وصفوان بن المعطل أيضا كان من الصحابة، فكان ينبغي ألا يضيق صدر رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يحمل ذلك الهم والغم الشديدين اللذين حملهما ويقول: صفوان من الصحابة، وعائشة من الصحابة، والمعصية عليهما ممتنعة. وأمثال هذا كثير، وأكثر من الكثير لمن أراد أن يستقرئ أحوال القوم، وقد كان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك، ويقولون في العصاة منهم مثل هذا القول، وانما اتخذهم العامة أربابا بعد ذلك. قال: ومن الذي يجترئ على القول بأن أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام لا تجوز البراءة من أحد منهم وان أساء وعصى بعد قول الله تعالى للذين شرفوا برؤيته لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بعد قوله قل اني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم (1) وبعد قوله فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد (2) الا من لا فهم له ولا نظر معه ولا تمييز عنده. قال: ومن أحب أن ينظر الى اختلاف الصحابة، وطعن بعضهم في بعض، ورد بعضهم على بعض، وما رد به التابعون عليهم واعترضوا به أقوالهم، واختلاف


(1) الزمر: 65. (2) ص: 26.

[ 333 ]

التابعين أيضا فيما بينهم، وقدح بعضهم على بعض، فلينظر في كتاب النظام. قال الجاحظ: كان النظام أشد الناس انكارا على الرافضة، لطعنهم على الصحابة، حتى إذا ذكر الفتيا وتنقل الصحابة فيها، وقضاياهم بالامور المختلفة، وقول من استعمل الرأي في دين الله، انتظم مطاعن الرافضة وغيرها وزاد عليها، وقال في الصحابة أضعاف قولها. قال: وقال بعض رؤساء المعتزلة: غلط أبي حنيفة في الأحكام عظيم، لأنه أضل خلقا، وغلط حماد أعظم من غلط أبي حنيفة، لأن حمادا أصل أبي حنيفة الذي منه تفرع، وغلط ابراهيم أغلظ وأعظم من غلط حماد، لأنه أصل حماد، وغلط علقمة والأسود أعظم من غلط ابراهيم، لأنهما أصله الذي عليه اعتمد، وغلط ابن مسعود أعظم من غلط هؤلاء جميعا، لأنه أول من بدر الى وضع الأديان برأيه، وهو الذي قال: أقول فيها برأيي، فان يكن صوابا فمن الله، وان يكن خطا فمني. قال: واستأذن أصحاب الحديث على ثمامة بخراسان حيث كان مع الرشيد بن المهدي، فسألوه كتابه الذي صنفه على أبي حنيفة في اجتهاد الرأي، فقال: لست على أبي حنيفة كتبت ذلك الكتاب، وانما كتبته على علقمة والأسود وعبد الله بن مسعود، لأنهم الذين قالوا بالرأي قبل أبي حنيفة. قال: وكان بعض المعتزلة أيضا إذا ذكر ابن عباس استصغره، وقال: صاحب الذؤابة يقول في دين الله برأيه. وذكر الجاحظ في كتابه المعروف بكتاب التوحيد: أن أبا هريرة ليس بثقة في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ولم يكن علي عليه السلام يوثقه في الرواية، بل يتهمه ويقدح فيه، وكذلك عمر وعائشة. وكان الجاحظ يفسق عمر بن عبد العزيز، ويستهزئ به ويكفره، وعمر بن عبد العزيز وان لم يكن من الصحابة، فأكثر العامة يرى له من الفضل ما يراه لواحد من الصحابة.

[ 334 ]

وكيف يجوز أن نحكم حكما جزما أن كل واحد من الصحابة عدل، ومن جملة الصحابة الحكم بن أبي العاص، وكفاك به عدوا ومبغضا لرسول الله صلى الله عليه وآله، ومن الصحابة الوليد بن عقبة الفاسق بنص الكتاب، ومنهم حبيب بن مسلمة الذي فعل ما فعل بالمسلمين في دولة معاوية، وبسر بن أبي أرطاة عدو الله وعدو رسوله. وفي الصحابة كثير من المنافقين لا يعرفهم الناس، وقال كثير من المسلمين: مات رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يعرفه الله سبحانه كل المنافقين بأعيانهم، وانما كان يعرف قوما منهم، ولم يعلم بهم أحدا الا حذيفة فيما زعموا، فكيف يجوز أن نحكم حكما جزما أن كل واحد ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وآله أو رآه أو عاصره عدل مأمون لا يقع منه خطأ ولا معصية ؟ ومن الذي يمكنه أن يتحجر واسعا كهذا التحجر، أو يحكم هذا الحكم ؟ قال: والعجب من الحشوية وأصحاب الحديث إذ يجادلون على معاصي الأنبياء، ويثبتون أنهم عصوا الله تعالى، وينكرون على من ينكر ذلك، ويطعنون فيه، ويقولون: قدري معتزلي، وربما قالوا: ملحد مخالف لنص الكتاب، وقد رأينا منهم الواحد والمائة والألف يجادلون في هذا الباب، فتارة يقولون: ان يوسف قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من المرأة، وتارة يقولون: ان داود قتل أوريا لينكح امرأته، وتارة يقولون: ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان كافرا ضالا قبل النبوة، وربما ذكروا زينب بنت جحش وقصة الفداء يوم بدر. فأما قدحهم في آدم عليه السلام، واثباتهم معصيته، ومناظرتهم من ينكر (1) ذلك، فهو دأبهم وديدنهم، فإذا تكلم واحد في عمرو بن العاص، أو في معاوية وأمثالهما، ونسبهم الى المعصية وفعل القبيح، احمرت وجوههم، وطالت أعناقهم، وتخازرت أعينهم، وقالوا: مبتدع رافضي، يسب الصحابة ويشتم السلف.


(1) في الشرح: يذكر.

[ 335 ]

فان قالوا: انما اتبعنا في ذكر معاصي الأنبياء نصوص الكتاب. قيل لهم: فاتبعوا في البراءة من جميع العصاة نصوص الكتاب، فانه تعالى قال لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله (1) وقال فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ الى أمر الله (2) وقال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم (3). ثم يسألون عن بيعة علي عليه السلام هل هي صحيحة لازمة لكل الناس ؟ فلابد من بلى، فيقال لهم: فإذا خرج على الامام الحق خارج، أليس يجب على المسلمين قتاله حتى يعود الى الطاعة ؟ فهل يكون هذا القتال الا البراءة التي نذكرها، لأنه لا فرق بين الأمرين، وانما برئنا منهم لأنا لسنا في زمانهم، فيمكننا أن نقاتل بأيدينا، فقصارى أمرنا الان أن نبرأ منهم ونلعنهم، وليكون ذلك عوضا من القتال الذي لا سبيل لنا إليه. قال هذا المتكلم: على أن النظام وأصحابه ذهبوا الى أنه لا حجة في الاجماع، وأنه يجوز أن تجتمع الامة على الخطأ والمعصية وعلى الفسق، بل على الردة، وله كتاب موضوع في الاجماع يطعن فيه في أدلة الفقهاء ويقول: انها ألفاظ غير صريحة في كون الاجماع حجة، نحو قوله جعلناكم امة وسطا (4) وقوله كنتم خير امة (5) وقوله ومن يتبع غير سبيل المؤمنين (6). وأما الخبر الذي صورته (لا تجتمع امتي على الخطأ) فخبر واحد، وأمثل دليل


(1) المجادلة: 5. (2) الحجرات: 9. (3) النساء: 59. (4) البقرة: 143. (5) آل عمران: 110. (6) النساء: 115.

[ 336 ]

للفقهاء قولهم: ان الهمم المختلفة والاراء المتباينة، إذا كان أربابها كثيرة عظيمة، فانه يستحيل اجتماعهم على الخطأ، وهذا باطل باليهود والنصارى وغيرهم من فرق الضلال. هذه خلاصة ما كان النقيب أبو جعفر قدس سره علقه بخطه من الجزء الذي أقرأناه (1). انتهى ما أردت بيانه في الفاتحة. فها أنا اشرع في ذكر الأربعين دليلا على امامة الأئمة الاثني عشر الهادية المهدية عليهم السلام، ورأيت المناسب أن أفتتح الأدلة بذكر تاريخ ولادة الأئمة ووفاتهم، وبيان مواضع قبورهم، فاخترت ما ارتجزه السيد الحسيب النسيب ذو المجدين، السيد حسين بن شمس الحسيني رحمه الله: قال أبو هاشم في بيانه ولفظه يخبر عن جنانه الحمد لله على الايمان بالمصطفى والال والقرآن لقد حداني من له أطيع لنظم تاريخ له اذيع فهاك تاريخ النبي المصطفى وآله المطهرين الخلفا فمولد النبي عام الفيل بمكة والحرم الجليل وفاته حادي عشر هجرته بطيبة وهي محل تربته ومولد الوصي أيضا في الحرم بكعبة الله العلي ذي الكرم من بعد عام الفيل في الحساب عشر وعشرين بلا ارتياب وفاته بالهجرة المعروفة عام أربعين قبره بالكوفة ومولد الزكي نجل الزهرة بطيبة ثاني عام الهجرة وقبره بها على يقين نعم وفيها مولد الحسين وعمره ثمان وأربعونا فصح أن الموت في الخمسينا


(1) شرح نهج البلاغة 20: 8 - 34.

[ 337 ]

ومولد الحسين في ربيع لثالث من هجرة الشفيع حادي وستين قضى الشهيد بكربلا تزوره الوفود ومولد السجاد في شعبان ثامن ثلاثين لدى البيان وفاته في الخمس والتسعينا وفي البقيع قبره يقينا وباقر العلم ولد بطيبة وقبره بها بغير ريبة في سابع الخمسين من شهر صفر مولده وفاته الرابع عشر بعد تمام المائة الهجرية وهذه رواية قوية وطيبة ميلاد نجل الباقر ثالث ثمانين سني الهاجر وفاته ثمان وأربعيناو مائة معدودة سنينا وقبره بجانب البقيع مجاورا لجده الشفيع ومولد الكاظم بالأبواء ثامن عشرين على استواء ومائة من قبلها هجرية ثالث ثمانين بها المنية وقبره في جانب الزوراء من أرض بغداد بلا مراء ومولد الرضا سليل الزهرة مدينة الرسول دار الهجرة مولده ثامن وأربعينا ثالث ومائتين الوفاة يقينا معدودة منذ سني الهجرة ثوى بطوس قبره وفخره (1) ومولد الجواد بعد المائة لخامس التسعين في الرواية ميلاده بأفضل البقاع مدينة الرسول خير داع والقبض عشرين ومائتين والقبر في الزورا بغير مين ثم علي هادي الأنام ميلاده مدينة التهامي


(1) وفي الصراط المستقيم مكان هذا البيت كذا: وقبره في سناباد طوساحل بها مقدسا تقديسا

[ 338 ]

ثاني عشر مائتي سنينا وفاته في الرابع الخمسينا والعسكري ميلاده المدينة مدينة المصحوب بالسكينة ثاني ثلاثين ومائتين والقبض ستين ومائتين في سر من رآى مكان القبر كذلك والده عظيم الفخر ومولد المهدي في شعبان خمس وخمسين ومائتان في سر من رآى بدار العسكري ونرجس الام بقول الأكثر تمت تواريخ الهداة الطاهرة مشفوعة بالصلوات الفاخرة نظم الفقير المذنب الحسين راجي عفو الله في الدارين ثم شفاعة النبي الهادي وآله خلاصة العباد (1) الدليل الأول [ لابد في كل زمان من عالم رباني مؤيد من عند الله ] انا نعلم أن الذي جعل الأرض مهادا، والجبال أوتادا، وخلقنا أزواجا، وجعل نومنا سباتا، وجعل الليل لباسا، وجعل النهار معاشا، وبنى فوقنا سبعا شداد، وجعل سراجا وهاجا، وأنزل من المعصرات ماء ثجاجا، لنخرج به حبا ونباتا، وجنات ألفافا، له رضا وسخط وارادة وكراهة، فلابد في كل زمان من عالم رباني مؤيد من عند الله، معبر عن رضاه وسخطه وارادته وكراهته. لا يقال: ان كتاب الله كفى في بيان رضاه وسخطه. لأنا نقول: لا يخفى على اللبيب المنصف أن كتاب الله مشتمل على المجملات والمتشابهات، والناسخ والمنسوخ، ولا يعلم من تأويلها ولا يعرف من تفسيرها الا يسير.


(1) الصراط المستقيم 2: 215 - 217.

[ 339 ]

واختلف المفسرون في تفاسيرهم، وتمسك أهل البدع بمتشابهاته في بدع آرائهم، قال الله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب فيه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة (1 فليس كتاب الله حسبنا، كما زعم الثاني من خلفاء المخالفين وأتباعه. ولا يقال: ان العلم بجميع الأحكام وان لم يكن بدون وجود امام مؤيد، ولكن الظن بجميع الأحكام ممكن بأخبار الاحاد والقياس والاستحسان. لأنا نقول: لا يجوز العمل بالظنون، لقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم (2) وقوله تعالى ان الظن لا يغني من الحق شيئا (3) وقوله تعالى وأن تقولوا على الله مالا تعلمون (4) ولأن العمل بالظن تقديم بين يدي الله ورسوله، وعمل بغير اذن الله تعالى، وقد قال الله تعالى لا تقدموا بين يدي الله ورسوله (5) وقال تعالى آلله أذن لكم أم على الله تفترون (6). ولأن الحكم بمقتضى الظن حكم بغير ما أنزل الله، وقد قال الله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون (7) وأكدها بآية اخرى ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الظالمون (8) وأكدها بآية ثالثة ومن لم يحكم بما أنزل الله


(1) آل عمران: 7. (3) الاسراء: 36. (3) النجم: 28. (4) البقرة: 169. (6) الحجرات: 1. (6) يونس: 59. (7) المائدة: 44. (8) المائدة: 45.

[ 340 ]

فاولئك هم الفاسقون (9) كل ذلك لعلمه تعالى بخروج عباده عن طاعته، وعدم امتثالهم أوامره. وان جوزنا العمل بالظنون، فلا يمكن الاستغناء بها عن الامام المعصوم الحافظ للشريعة، لأن أخبار الاحاد وان أفاد بعضها الظن ولكنها قليلة. وأما القياس، فلا يفيد غالبا الظن، بل التحقيق أنه لا يفيد الظن أصلا، لأن مبنى شرعنا على الفرق بين المتماثلات، كايجاب الغسل بالمني دون البول، وكلاهما خارج من أحد السبيلين، وغسل بول الصبية، ونضح بول الصبي، وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير، وحد القذف بالزنا دون الكفر، وتحريم صوم أول شوال وايجاب صوم آخر شهر رمضان. وعلى الجمع بين المختلفات، كايجاب الوضوء من الأحداث المختلفة، وايجاب الكفارة في الظهار والافطار، وتساوي العمد والخطأ، ووجوب القتل بالزنا والردة، فإذا كان كذلك امتنع حصول الظن من القياس المبني على اشتراك شيئين في الحكم لاشتراكهما في الوصف. ومثله الاستحسان في عدم افادته الظن، وكيف يفيد الظن بالحكم وقد قال تعالى وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم (1) وأجاد من قال ردا على الحنفية والحنبلية العاملين به: من استحسن فقد شرع، يعني: من أثبت حكما بأنه مستحسن عنده من غير دليل من قبل الشارع، فهو الشارع لذلك الحكم، وقد ورد من طرق المخالف عدة أخبار في النهي عن العمل بالرأي والقياس. وقد روى الخطيب في تاريخه، والديلمي في فردوسه، من عدة رجال الى عوف بن مالك، الى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: تفترق امتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة


(1) المائدة: 47. (2) البقرة: 216.

[ 341 ]

على امتي قوم يقيسون الامور برأيهم، ويحرمون الحلال، ويحلون الحرام (2). وفي الفردوس أيضا عن أنس وأبي هريرة، قالا: قال النبي صلى الله عليه وآله: تعمل هذه الامة برهة بكتاب الله، وبرهة بسنة نبيه، ثم تعمل بالرأي، فإذا عملوا به فقد ضلوا وأضلوا (3). وفي ابانة ابن بطة، ومسند الهذلي، عن ابن عباس: اياكم والرأي. وعنه: لو جعل الله الرأي لأحد لجعله لرسوله بل قال وأن احكم بما أنزل الله (1) ولم يقل بما رأيت (2). وروى الجاحظ وغيره في كتاب الفتيا قول أبي بكر: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي. وقول عمر: اياكم وأصحاب الرأي، فانهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا. وقال: اياكم والمكائلة، قالوا: وماهي ؟ قال: المقايسة (3). وقال ابن مسعود: يذهب فقهاؤكم وصلحاؤكم، ويتخذ الناس رؤساء جهالا، يقيسون الامور بآرائهم. وقال الشعبي: ان أخذتم بالقياس أحللتم الحرام وحرمتم الحلال. وقال مسروق: لا اقيس شيئا بشئ، أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها، كل هذا نقل عنهم صاحب الصراط المستقيم (4). وفي كتاب الفردوس للديلمي، باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله: يا علي اياك والرأي، (2) فردوس الأخبار 2: 98 برقم: 2176. (3) فردوس الأخبار 2: 97 برقم: 2174. (1) المائدة: 49. (2) الصراط المستقيم 3: 208. (3) الصراط المستقيم 3: 208. (4) الصراط المستقيم 3: 208.

[ 342 ]

فان الدين من الله والرأي من الناس. وفيه أيضا باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله: يا أبا هريرة ان كنت وزير أمير أو مشير أمير أو داخلا على أمير، فلا تخالفن سنتي ولا سيرتي، فانه من خالف سنتي وسيرتي، جئ به يوم القيامة تأخذه النار من كل مكان ثم يصير الى النار. وان سلمنا حصول الظن من القياس والأستحسان، وجواز العمل بهما وبخبر الواحد، فلا تفئ أيضا بالأحكام، لأن أحكام الله مما لا يعد ولا يحصى، فكيف يكتفى بهذه الامارات المحصورة المحدودة عن الامام المؤيد والعالم المسدد ؟ وقد نقل عن ثاني خلفائهم واشتهر عنه أنه مع كثرة صحبته وطول معاشرته للنبي صلى الله عليه وآله، قال في عدة مواطن اقرارا بالغلط: لولا علي لهلك عمر (1). وقال: كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في الحجال (2)، لما منع المغالاة في الصداق. وقس على ما أقر به من الأغلاط التي لم يقر بها، وقد قطع أول خلفائهم يسار سارق، وأحرق رجلا، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك وقال: لا يعذب بالنار الا رب النار (3) ولم يعرف الكلالة، واضطرب في كثير من الأحكام، وسيجئ ان شاء الله تفصيل بعض أغلاطهم نقلا عن علمائهم. ونقل العضدي في شرح المختصر عن مالك، أحد أئمتهم الأربعة، أنه قد سئل عن أربعين مسألة، فقال اعترافا بالجهل: لا أدري في ست وثلاثين مسألة، وقس عليه سائر أئمتهم ومجتهديهم.


(1) راجع احقاق الحق 8: 182 - 193 و 17: 442 - 444. (2) سنن البيهقي 7: 233، ومجمع الزوائد 4: 283، والطرائف ص 471، والصراط المستقيم 2: 305. (3) الصراط المستقيم 2: 305.

[ 343 ]

فلابد للقرآن من مفسر مؤيد معصوم، عالم بجميع ارادات الله، وهو المعبر عنه بالامام، وغير هذه الأئمة الاثني عشر لم يكن أحد متصفا بهذه الصفة بالاجماع، فثبت أنهم هم الأئمة المفسرون لكتاب الله تعالى، العالمون بجميع مراداته. وحاصل هذا الدليل: أن الامة متعبدة بالشرع، مثل العبادات والعقود والمواريث وأحكام الجنايات، ولا ريب أن تفاصيل ما جاء الشرع في هذه الأقطاب الأربعة لا يعلم ضرورة بأدلة العقل، والقياس والاستحسان ليسا بدليلين على ما ذكرناه، وليس في نصوص الكتاب العزيز والسنة المقطوع بها ما يدل على التفصيل، وكذا الاجماع من حيث أن عدمه ظاهر في أكثر الشريعة، لوجود الاختلاف في مثل قوله تعالى أقيموا الصلاة (1) فنص على الصلاة، ولم ينص في الكتاب ولا في السنة المقطوع بها ما يدل على تفصيلها المختلف فيه بين الامة. وقوله والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (2) واسم اليد يطلق على هذه الجارحة الى المنكب، والى المرفق، والى الزند، والى اصول الأصابع، يقول: كتبت بيدي، أي: بأطراف أصابعه، فبان أن اليد يطلق على كل واحد من هذه الغايات، وقد أمر بقطع يد السارق، فمن أي الغايات يقطع ؟. فيجب أن يكون في الامة معصوم مقطوع بعصمته، مأمون الخطأ والزلل من جهته، لنرجع إليه في المسكوت عنه في الكتاب والسنة، والا كانت الامة متعبدة بمالا يهتدى إليه، وذلك تكليف بما لا يطاق، وهو قبيح محال على الله، ولم يكن غير الأئمة الاثني عشر متصفا بالعصمة والاطلاع بجميع الأحكام بالاجماع، فثبت امامتهم. ان قيل: يلزم تكليف ما لا يطاق على تقدير وجود الامام المعصوم أيضا إذا كان غائبا غير متمكن.


(1) البقرة: 43 و 83 و 110 وغيرها. (2) المائدة: 38.

[ 344 ]

قلنا: ليس الأمر كما توهمت، بل حال الرعية في زمن الغيبة كحال أهل مكة في زمان اقامة النبي صلى الله عليه وآله في المدينة، فأما حال الشيعة كحال المستضعفين الذين لم يكونوا قادرين على الهجرة الى المدينة خوفا. وأما حال المخالفين كحال الذين كانوا قادرين على الهجرة، وكانوا سببا لخروج النبي صلى الله عليه وآله الى المدينة. فأما المستضعفون، فلم يكن الواجب عليهم سوى العمل بما علموا، والتوقف والاحتياط فيما لم يعملوا. وأما القادرون على الهجرة، فكان الواجب عليهم العلم بجميع الأحكام والعمل بها، لأنهم قادرين على الهجرة، واستفادة العلم بالأحكام. وكذا حال المخالفين، لأنهم قادرون على ازالة خوف الامام بتحصيل الاعتقاد الصحيح بالأدلة القاطعة، وترك التقليد الموجب لاستتار الامام. الدليل الثاني [ لابد في كل زمان من امام معصوم مبين لكتاب الله تعالى ] ان الله تعالى مدح كتابه بأن فيه تبيان كل شئ، فعلمنا أنه لابد أن يكون في كل زمان امام مبين مؤيد معصوم، عنده تبيان كل شئ، لأنه لا يجوز على الحكيم أن يترك كتابا فيه ما يحتاج إليه يوم القيامة، ويأمرنا بالتمسك به، ويخبر أن كل قضية تحدث بعد النبي صلى الله عليه وآله الى يوم القيامة تبيانها في كتاب الله بغير مبين مؤيد معصوم. وظاهر أن فوائد الكتاب لم تكن مخصوصة بزمن قليل، وهو زمان النبي صلى الله عليه وآله، لأنه هدى لجميع المتقين، وشفاء ورحمة لجميع المؤمنين. ولا فرق بيننا وبين أهل زمانه صلى الله عليه وآله في أصل التكليف، وهو من ضروريات الدين، وتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله الامر بالعمل بكتاب الله والتمسك به، مع ان اكثره مجملات متشابهات. فعلمنا أنه صلى الله عليه وآله لم يخرج من الدنيا الا بعد تعيين مفسر لكتاب الله، عارف بجميع أحكامه وأسراره، قادر على تبيين متشابهاته، وبالاجماع لم يكن أحد ممن ادعى الامامة عنده تبيان كل شئ غير الأئمة الاثني عشر.

[ 345 ]

فثبت أنهم هم الأئمة الهداة الراشدون، المفسرون لكتاب الله، وقد دلنا النبي صلى الله عليه وآله على المفسر بقوله " اني تارك " (1) الحديث، وبقوله " انا مدينة العلم " (2) الحديث، وبقوله (علي أقضاكم) (1) وقد أشار صاحب الشريعة الى دوام وجوده المفسر مع الكتاب بقوله (ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وسيجئ الحديث. الدليل الثالث [ لابد من امام معصوم لفصل الدعاوى بين الناس واقامة الحدود ] ان الله تعالى جعل من عمدة دينه اقامة الحدود، من القتل والضرب وغيرهما، وفصل الدعاوى بين الناس، وهذا لا يتحقق الا بنصب أمير مطاع عارف عادل غير جائر، معين من قبل الله تعالى، لأن الحكيم العليم لا يجوز أن يكل الامة الى أنفسهم، ولا ينصب لهم أميرا يباشروهم نصب الخلفاء مع بقاء التكليف، وارادته الاجتماع منهم، والائتلاف وترك الافتراق والاختلاف، وكونهم على الحق القويم والصراط المستقيم. مع علمه تعالى بأن الغالب في الناس أهل الجهل والسفه، وحب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة، وهم لا يختارون ولا يريدون الا أمثالهم وأشباههم، ويبغضون أهل الفضل والعلم والتقوى، ولا يحبون أتباعهم واقتفاء آثارهم، ويلزم ثوران الفتنة، بأن يختار كل طائفة اماما، لاختلاف دواعيهم، فيؤول الأمر الى القتل والأسر والنهب، كما وقع ليزيد وابن الزبير والوليد، وأشباههم من بني امية وبني العباس، وفساد هؤلاء الفساق أشهر وأظهر من كفر ابليس.


(1) راجع: احقاق الحق 9: 309 - 375. (2) راجع: احقاق الحق 5: 469 - 501. (3) راجع: احقاق الحق 4: 321 - 323.

[ 346 ]

ومن جملة قبائح امام المخالفين بالبيعة يزيد بن معاوية، أنه قتل أحد سيدي شباب أهل الجنة صلوات الله عليه، بعد ما منعه ومنع حريمه على يد عمر بن سعد من شرب ماء الفرات، وقتل خواصه وجماعة من أهل بيته، والحكاية مشهورة لا تحتاج الى البيان. ومن أفعاله الشنيعة أنه نهب مدينة الرسول صلى الله عليه وآله على يد مسلم بن عقبة نائبه، وسبى أهل المدينة، وأخذ منهم البيعة على أنهم عبيد قن ليزيد بن معاوية، وأباحها ثلاثة أيام، حتى نقل عن جماعة من أهل التاريخ أنه ولد في تلك المدة أربعة آلاف مولود لا يعرف له أب. قال صاحب حياة الحيوان: قال يزيد لمسلم بن عقبة، واجعل طريقك الى المدينة، فان حاربوك فحاربهم فأبحها ثلاثا، ثم فعل ما فعل بأهل المدينة من القتل والاباحة. ومن جملة أعماله الشنيعة أنه أنفذ الحصين بن نمير السكوني لقتال عبد الله بن الزبير بمكة، فرمى الكعبة بالحجارة، وهتك حرمة حرم الله بعد هتك حرمة رسوله، ذكره صاحب حياة الحيوان وغيره من أهل التاريخ، وهذا الملعون الخبيث مع هذه الشناعة سيئة من سيئات أبيه معاوية. ومن فضائح امامهم بالبيعة عبد الملك بن مروان، أنه جعل الحجاج السفاك - الذي تولد مشوها لا دبر له فثقب دبره - حاكما على أهل العراق. قال صاحب حياة الحيوان من علماء الشافعية: انه كان لا يصبر عن سفك الدماء وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء، وارتكاب امور لا يقدر عليها غيره. ونقل عن ابن خلكان والحافظ الذهبي وغيره، احصي من قتله الحجاج صبرا سوى من قتل في حروبه، فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا، وقال: وكذا رواه الترمذي في جامعه: ومات في حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألف مجردات، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد، وعرضت سجونه

[ 347 ]

فوجد فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يجب على أحدهم قطع ولا صلب. وقال الحافظ ابن عساكر: ان سليمان بن عبد الملك أخرج من كان في سجن الحجاج من المظلومين، ويقال: انه أخرج في يوم ثمانين ألفا، ويقال: انه أخرج من سجونه ثلاثمائة ألف. ونقل عن ابن خلكان: لم يكن لسجنه سقف يستر الناس من الشمس في الصيف، ولا من المطر في الشتاء، بل كان مبنيا من الرخام، وكان له غير ذلك من العذاب، وقيل: انه سأل كاتبه يوما، فقال: كم عدة من قتلنا في التهمة ؟ فقال: ثمانون ألفا. ثم قال: روي أنه ركب يوم جمعة، فسمع ضجة، فقال: ما هذا ؟ فقيل: المحبوسون يضجون ويشتكون مما هم فيه من العذاب والجوع، فالتفت الى ناحيتهم وقال: اخسؤوا فيها ولا يتكلمون، فما صلى جمعة بعدها. ومن فضائح امامهم بالبيعة الوليد عليه اللعنة الى يوم الوعيد، انه تفأل يوما بالمصحف فخرج فأله واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (1) فرمى المصحف وأمر أن يجعل هدفا فرماه بالنشاب، وأنشد يقول: تهددني بجبار عنيدفها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشرفقل يا رب مزقني الوليد قال صاحب حياة الحيوان: قال الحافظ ابن عساكر وغيره: انهمك الوليد في شرب الخمر، ورفض الاخرة وراء ظهره، وأقبل على القصف واللهو والتلذذ مع الندماء والمغنيين، وكان يضرب بالعود، ويوقع بالطبل، ويمشي بالدف، قد انتهك محارم الله حتى قيل له الفاسق. يقال: انه واقع جارية وهو سكران، وجاء المؤذنون يؤذنون بالصلاة، فحلف أن لا يصلي بالناس الا هي، فلبست ثيابه وتنكرت وصلت بالناس وهي جنبة


(1) ابراهيم: 15.

[ 348 ]

سكرى. وقيل: انه اصطنع بركة من خمر وإذا طرب ألقى نفسه فيها. وقس على هؤلاء الزنادقة سائر أئمتهم البغاة الظالمين من الأمويين والعباسيين، حشر الله أولياؤهم معهم يوم الدين، وقد بشرهم الله تعالى بقوله يوم ندعو كل اناس بامامهم (1) الحمد لله رب العالمين. ولا ريب أن ما يستلزم مثل هذا الفساد العظيم لا يليق بالحكمة، وكيف يجوز عاقل أن يخرج سيد المرسلين من دار الدنيا بغير تعيين خليفة، ويدع الناس مهملين ضايعين ؟ مع أنه عليه السلام لم يخرج الى غزوة ولم يسافر الى قرية الا ونصب خليفة على المدينة، ولم يدع سرية ولا قرية قط بغير أمير، ولا شك أن احتياج الناس الى الأمير بعد وفاته أشد من احتياجهم في غيبته. فثبت وجوب تعيين الامام على الله تعالى ورسوله، وغير هؤلاء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام لم يكن أحد معينا من قبل الله ورسوله بالاجماع، فثبت أنهم هم الأئمة المعينون للامامة. الدليل الرابع [ دلالة آية الاكمال على تعيين الخليفة والامام ] قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا (2) لأن مقتضى الاية أن النبي صلى الله عليه وآله لم يخرج من الدنيا الا بعد اكمال الدين واتمام النعمة. ولا ريب أن كل قضية تقع الى انقضاء التكليف حكمها من الدين، ولا ريب أن من القضايا ما وقعت في زمنه عليه السلام وتعلمها الناس، ومنها ما لم تقع ولم يرها الناس


(1) الاسراء: 71. (2) المائدة: 3.

[ 349 ]

ولم يسألوا عنه، بل نعلم قطعا على استحالة تحمل الانسان بالقوة البشرية جميع الأحكام. فلابد من امام عالم رباني مؤيد حافظ لجميع أحكام القضايا في كل زمان الى يوم القيامة، لئلا يكون الله كاذبا في اخباره، ولم يكن أحد ممن ادعى الامامة متصفا بما ذكرناه غير الأئمة الاثني عشر، فثبت امامتهم عليهم السلام. الدليل الخامس [ تواتر النص على الائمة الاثني عشر عليهم السلام ] انه تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نص على علي عليه السلام، وعنه على الحسن، وعن الحسن على الحسين، وهكذا الى قائمنا الحجة صلوات الله عليهم، ورواه الشيعة مع كثرتهم في كل زمان وانتشارهم وتفرق بلادهم، والعقل حاكم بعدم الداعي على تواطئهم على مثل هذا الأمر، لانتشار بلادهم، وتباعد أوطانهم، وشوكة عدوهم، وضعف حالهم. الدليل السادس [ اتفاق الامة على عدالة الائمة الاثني عشر وسعة علمهم وقدهم ] ان الامة متفقون على عدالة الأئمة الاثني عشر، وعلو قدرهم وطهارتهم، وقد ثبت بلا شك معرفتهم عليهم السلام لكثير ممن يعتقد امامتهم، ويدين الله تعالى بعصمتهم والنص عليهم، ويشهد بالعجز لهم. وصح اختصاص هؤلاء بهم، وملازمتهم اياهم عليهم السلام ونقلهم العلوم والأحكام عنهم، وحملهم الزكوات والأخماس إليهم، ومن أنكر هذا ودفع كان مكابرا دافعا للعيان، بعيدا عن معرفة أخبارهم. وقد علم كل محصل نظر في الأخبار أن هشام بن الحكم، وأبا بصير، وزرارة بن أعين، وبكير بن أعين، ومحمد بن النعمان مؤمن الطاق الذي يلقبه العامة شيطان

[ 350 ]

الطاق، وبريد بن معاوية، وأمثالهم من أهل العراق والحجاز وخراسان وفارس، وكانوا في وقت جعفر بن محمد عليهما السلام، وهم رؤساء الشيعة في الفقه والأحكام ورواية الحديث، وقد صنفوا الكتب، وجمعوا المسائل والروايات، وأضافوا أكثر ما اعتمدوه من الرواية إليه والى أبيه محمد بن علي عليهما السلام. وكان لكل انسان منهم أتباع وتلامذة في المعنى الذي يتفرد به، وانهم كانوا يرحلون من العراق الى الحجاز، ثم يرجعون ويحكون عنه الأقوال، ويسندون إليه الدلالات، وكانت حالهم في وقت الكاظم والرضا عليهما السلام على هذه الصفة، وكذلك الى أبي محمد العسكري عليه السلام. وإذا كان الأمر على ما ذكرناه، لم تخل الامامية في شهادتها بامامة هؤلاء بالنص: إما أن تكون صادقة محقة في نقل النص عليهم، فقد ثبت المطلوب. وان كانت كاذبة في شهادتها، يلزم أن يكون من سميناهم من أئمة الهدى عليهم السلام ضالين برضاهم بذلك، فاسقين بترك النكير عليهم، مستحقين للبراءة من حيث تولوا الكذابين، مضلين للامة لتقويتهم اياهم، واختصاصهم من بين الفرق كلها، ظالمين في أخذ الزكوات والأخماس عنهم، وهذا باطل، لثبوت طهارتهم وعدالتهم وعلو درجاتهم بالاجماع والاتفاق. الدليل السابع [ تنصيص الرسول صلى الله عليه وآله على ان الخلفاء بعده اثنا عشر ] أخبر النبي صلى الله عليه وآله بأن يكون بعده اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، وفي بعض الأخبار: اثنا عشر أميرا كلهم من قريش. ولا يخفى أن هذه رواية رواها العامة في صحاحهم بعدة طرق، وعدوها من الصحاح، تسخيرا من الله سبحانه، مع بغضهم وعداوتهم للامامية الاثني عشرية، وقد ورد هذا المعنى في كتب المخالف في عدة أحاديث:

[ 351 ]

منها: في صحيح البخاري حديث واحد، وفي صحيح مسلم أحد عشر حديثا، وفي تفسير الثعلبي ثلاثة أحاديث، وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي سبعة أحاديث، وفي الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري حديثان (1). وقد ورد في مسند أحمد بن حنبل في المجلد الثالث من مسند عبد الله بن مسعود عن مسروق بهذه العبارة، قال: كنا مع عبد الله جلوسا في المسجد يقرؤنا، فأتاه رجل فقال: يابن مسعود هل حدثكم نبيكم كم يكون من بعده خليفة ؟ قال: نعم كعدة نقباء بني اسرائيل (2). وقد نقل الشيخ الجليل أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي، عن علماء العامة عدة أحاديث: منها: ما رواه محمد بن عثمان الدهني، وعثمان بن أبي شيبة، وابن سعيد الأشج، وأبو كريب، ومحمد بن عجلان (3)، وعلي بن محمد، وابراهيم بن سعيد باسنادهم عن مسروق، قال: كنا عند ابن مسعود، فقال له رجل: أحدثكم نبيكم كم يكون بعده من الخلفاء ؟ فقال له عبد الله: نعم، وما سألني عنها أحد قبلك، وانك لأحدث القوم سنا، سمعته صلى الله عليه وآله يقول: يكون بعدي من الخلفاء عدة نقباء بني اسرائيل، اثني عشر خليفة كلهم من قريش. وروى هذا الحديث أيضا عن أبي اسامة باسناده عن قيس بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود. كنا جلوسا عند عبد الله يقرؤنا القرآن، فقال له: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم


(1) راجع مصادر هذه الأحاديث الى كتاب احقاق الحق 13: 1 - 48، والطرائف ص 168 - 171، والصراط المستقيم 2: 100. (2) مسند أحمد بن حنبل 1: 406 و 398. (3) في البحار: محمود بن غيلان.

[ 352 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله كم يملك أمر هذه الامة خليفة من بعده ؟ فقال له عبد الله: ما سألني أحد منذ قدمت العراق، وسألنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اثني عشر عدة نقباء بني اسرائيل (1). ومنها: ما رواه عن عبد الله بن امية، باسناده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لن يزال هذا الدين قائما الى اثني عشر من قريش، فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها (2). ومنها: ما رواه عن أبي بكر بن خيثمة، باسناده عن الأسعد (3) بن سعيد الهمداني، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، فقالوا له: ثم يكون ماذا ؟ قال: الهرج (4). ومنها: ما رواه عن سليمان بن أحمد، باسناده عن جابر بن سمرة، وهو قريب في المعنى من الحديث المنقول عنه آنفا (5). ومنها: ما رواه عن سهل بن حماد، باسناده عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يخطب وعمر جالس بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزال أمر امتي صالحا حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش (6). الأصبحي، فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:


(1) بحار الأنوار 36: 233 - 234 ح 16 - 18. (2) بحار الأنوار 36: 267 - 268. (3) في البحار: الأسود. (4) بحار الأنوار 36: 268 ح 88. (5) بحار الأنوار 36: 299 ح 133. (6) بحار الأنوار 36: 299 ح 134.

[ 353 ]

يكون بعدي اثنا عشر خليفة (1). ووجه دلالة هذه الأحاديث الدالة على انحصار الأئمة في الاثني عشر، أن النبي صلى الله عليه وآله قد أخبر بافتراق امته بعده، وأن الناجية منه فرقة واحدة، وقد رواه الخاصة والعامة، ولا نجد في فرق الامة فرقة قالت بانحصار الأئمة في الاثني عشر غير الشيعة الامامية، فعلمنا أنهم هم الفرقة الناجية، وأئمتهم الاثني عشر هم الأئمة المحقة الموعودة. وقد روى السدي من قد ماء المفسرين: أنهم من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله، قال في تفسيره: لما كرهت ساره مكان هاجر أوحى الله الى ابراهيم الخليل عليه السلام، فقال: انطلق باسماعيل وامه حتى تنزله (2) بيتي التهامي، يعني مكة، فاني ناشر ذريته، وجاعلهم ثقلا على من كفر بي، وجاعل منهم نبيا عظيما، ومظهره على الأديان، وجاعل من ذريته اثني عشر عظيما، وجاعلا ذريته عدد نجوم السماء (3). وقد وقع التصريح بأسماء أئمتنا عليهم السلام في عدة أحاديث من أخبار المخالفين. منها: ما رواه المسمى عندهم صدر الأئمة أخطب خوارزم موفق بن أحمد المكي في كتابه، عن أبي سليمان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ليلة اسري بي الى السماء، قال لي الجليل جل جلاله: آمن الرسول بما انزل إليه من ربه فقلت: والمؤمنون قال: صدقت يا محمد من خلفت في امتك ؟ قلت خيرها، قال: علي بن أبي طالب ؟ قلت: نعم يا رب. قال يا محمد اني اطلعت على الأرض اطلاعة، فاخترتك منها، فشققت لك إسما من أسمائي، فلا أذكر في موضع الا ذكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطلعت


(1) بحار الأنوار 36: 300 ح 135. (2) في (ق): أنزله. (3) الطرائف ص 172 عنه، واحقاق الحق 7: 478 عنه، وبحار الانوار 36: 214.

[ 354 ]

الثانية، فاخترت منها عليا، وشققت له إسما من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي، يا محمد اني خلقتك وخلقت عليا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولده من شبح نور من نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين، يا محمد لو أن عبدا من عبادي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي، ثم أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتكم. يا محمد تحب أن تراهم ؟ قلت: نعم يا رب، فقال: التفت عن يمين العرش، فالتفت، فإذا بعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والمهدي، في ضحضاح من نور قيام يصلون، وهو في وسطهم، يعني المهدي، كأنه كوكب دري، وقال: يا محمد هؤلاء الحجج، وهذا الثائر من عترتك، يا محمد بعزتي وجلالي انه الحجة الواجبة لأوليائي، والمنتقم من أعدائي (1). وبالاسناد عن سعيد بن بشير، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أنا واردكم على الحوض، وأنت علي الساقي، والحسن الذائد، والحسين الامر، وعلي بن الحسين القابض (2)، ومحمد بن علي الناشر، وجعفر بن محمد السائق، وموسى بن جعفر محصي المحبين والمبغضين وقامع المنافقين، وعلي بن موسى مزين المؤمنين، ومحمد بن علي منزل أهل الجنة في درجاتهم، وعلي بن محمد خطيب شيعته، ومزوجهم الحور العين، والحسن بن علي سراج أهل الجنة


(1) الطرائف ص 172 - 173 عن الخوارزمي، وينابيع المودة 3: 160 ط بيروت عنه. (2) في الطرائف: الفارط، وفي الصراط: الفارس.

[ 355 ]

يستضيؤون به، والمهدي شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن الا لمن شاء ويرضى (1). ونقل هذا الحديث صاحب الصراط المستقيم، ثم قال: ورواه أيضا الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن شاذان مسندا الى علي عليه السلام، وأسند نحوه الأعمش وسعيد بن قيس، عن النبي صلى الله عليه وآله. وأسند البغوي الى ابن عمر قول النبي صلى الله عليه وآله: يا علي أنا نذير امتي، وأنت هاديها، والحسن قائدها، والحسين سائقها (2)، وعلي بن الحسين جامعها، ومحمد بن علي عارفها، وجعفر بن محمد كاتبها، وموسى بن جعفر محصيها، وعلي بن موسى معبرها ومنجيها، وطارد مبغضيها، ومدني مؤمنيها، ومحمد بن علي قائدها وسائقها، وعلي بن محمد ساترها وعالمها، والحسن بن علي مناديها ومعطيها، والقائم الخلف ناشدها وشاهدها، ان في ذلك لايات للمتوسمين. وأسنده ابن حنبل، عن ابن عمر بأربعة وثلاثين طريقا. انتهى ما ذكره في الصراط المستقيم (3). وبالاسناد عن سلمان المحمدي، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وإذا الحسين بن علي على فخذه، وهو يقبل عينيه ويلثم فاه، ويقول: أنت سيد وابن سيد، وأبو السادة، أنت امام ابن امام أبو الائمة، أنت حجة ابن حجة أبو الحجج، تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم (4). وقد روى هذا الحديث الطبري من علمائنا، عن عماد الدين شفروة الحنفي في كتاب تناقضات أخبار البخاري، وكذا الحديث الأول الذي رواه أخطب عن أبي سليمان.


(1) مقتل الحسين للخوارزمي ص 94، والطرائف ص 174. (2) في الصراط: ساقيها. (3) الصراط المستقيم 2: 150. (4) الصراط المستقيم 2: 119، والطرائف ص 174.

[ 356 ]

وقد قال صاحب المقتضب: من أعجب الروايات في أعداد الأئمة وأسمائهم من طريق المخالفين، ما أسنده عبد الصمد بن مكرم الطشي، الى داود بن كثير الرقي، قال: دخلت على الصادق عليه السلام، فقال: ما أبطأك يا داود ؟ قلت: عرض لي حاجة بالكوفة، قال: ما رأيت بها ؟ قلت: عمك زيدا يدعو الى نفسه، قال: يا سماعة ائتني بتلك الصحيفة، فجاءه فدفعها الي. قال: هذه مما اخرج الينا أهل البيت عليهم السلام يرثه كابر عن كابر من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأتها، فإذا فيها سطران: الأول: لا اله الا الله، محمد رسول الله. والثاني: ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم (1) علي بن ابي طالب، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والخلف منهم الحجة لله. يا داود أتدري أين كان ؟ ومتى كان مكتوبا ؟ قلت: الله أعلم ورسوله وأنتم، فقال: قبل خلق آدم بألفي عام، فأين يتاه بزيد ويذهب به، ان أشد الناس لنا عداوة وحسدا الأقرب الينا فالأقرب (2). ذكر صاحب الطرائف بعد ما أورد بعض ما أوردناه: ورأيت أيضا كتابا تصنيف رجال الأربعة المذاهب، اسم التصنيف (تاريخ أهل البيت من آل رسول الله صلى الله عليه وآله) رواية نصر بن الجهضمي، يتضمن تسمية الاثني عشر من آل محمد صلى الله عليه وآله، قال: ورأيت كتابا آخر من تصانيفهم، وترجمة الكتاب (تاريخ مواليد ووفاة أهل البيت وأين دفنوا) رواية ابن خشاب النحوي الحنبلي، يتضمن تسمية الاثني عشر. وقال: ان محمد بن عبد الله بن عياش صنف كتابا سماه (مقتضب الأثر في امامة


(1) التوبة: 36. (2) الصراط المستقيم 2: 157 - 158. (*)

[ 357 ]

الاثني عشر) وهو نحو من أربعين ورقة، فيها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله في امامة الاثني عشر من قريش بأسمائهم عن رجال الأربعة المذاهب (1). وكذا أخبر عن الكتاب المذكور غير صاحب الطرائف من ثقات العلماء، وانما اقتصرنا على الأحاديث الواردة من طريق المخالف ليكون حجة عليهم. وأما الأحاديث الواردة من طريق الامامية، فهى متجاوزة حد التواتر، وقد روى ثقة الاسلام محمد بن يعقوب في الكافي عدة أحاديث (2)، والصدوق محمد بن علي بن بابويه في كتاب اكمال الدين واتمام النعمة عدة أحاديث (3)، وكذا في كتاب عيون أخبار الرضا (4)، والشيخ العلامة أبو علي الطبرسي في كتاب اعلام الورى أكثر من عشرين حديثا (5)، والصدوق له كتاب في النصوص على الاثني عشر (6). وبعض فضلاء الرواة صنف كتابا مفردا في نقل الصحابة والتابعين النصوص على امامة الأئمة المعصومين الاثني عشر، والمروي عنه في هذا الكتاب من الصحابة من الرجال: عبد الله بن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وعمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وأبو أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأبو أيوب الأنصاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن أسيد، وعمر بن الحسين، وسعد بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وأبو قتادة الأنصاري، وعلي بن ابي طالب عليه السلام،


(1) الطرائف في معرفة المذاهب ص 172 و 175، المطبوع بتحقيقنا سنة 1399 ه‍ ق. (2) اصول الكافي 1: 525 - 534. (3) اكمال الدين ص 256 - 285. (4) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 40 - 68. (5) اعلام الورى ص 362 - 386. (6) لم نعثر على هذا الكتاب، ولم يثبت عندي صحة انتساب هذا الكتاب الى الصدوق، ولعله كتاب كفاية الاثر لابن الخزاز.

[ 358 ]

والحسن والحسين عليهما السلام. ومن النساء: عائشة، وام سلمة، وفاطمة (1). وغير خفي على المتتبع أن لأصحابنا رضوان الله عليهم كتب كثيرة مشتملة على النصوص على امامة الاثني عشر عليهم السلام، فمن رام مشاهدة النصوص مفصلا، فعليه بمراجعة الكتب المشتملة عليه، وكتابنا الموسوم بالمقالات العالية في بيان الفرقة الناجية. ومما يؤيد ما أوردناه من الأخبار ما ورد في السفر الأول من التوراة من البشارة لابراهيم عليه السلام في قبول دعائه في حق اسماعيل، وهذه عبارة التوراة: وليشماعيل شمعيتخا هنيه برختى اوتو وهفريتي اوتو وهربيتي اوتو بماد ماد شينم عاسار نسي ام يوليدون نتبتو لكوي كادول. وهذه ترجمته: وفي اسماعيل سمعت دعاءك ها أنا باركته وأثمرته وكثرته بعظيم عظيم واثني عشر شريفا يولدون منه، وأعطيته لقوم عظيم (2). واعلم أن اللغة العبرية والعربية متقاربان، قوله (وليشماعيل) بمنزلة (ولاسماعيل) و (شمعيتخا) بمنزلة (سمعتك) وخاء في العبرية بمنزلة كاف الخطاب (هنيه) بمنزلة (ها أنا) (برختي) للمتكلم وحده بمنزلة (باركت) (اتوا) ضمير للمغائب و (هفريتي وهربيتي) أيضا للمتكلم وحده. وذكر بعض علماء بني اسرائيل بعد اسلامه في رسالته في بشارات الله وأنبيائه بمجئ نبينا صلى الله عليه وآله: أن العلماء المفسرين للعبرانية اختلفوا في تفسير بماد ماد، فمنهم من فسره بأحمد أحمد، ومنهم من فسره بعظيم عظيم، ومنهم من قال: انه بمعنى جداجدا.


(1) الصراط المستقيم 2: 112. (2) بحار الانوار 36: 214 مع اختلاف يسير في الأصل والترجمة، والصراط المستقيم 2: 238 - 239.

[ 359 ]

(شينم عاسار) بمنزلة اثني عشر (نسي ام) جمع ناسي بمعنى الشريف، وعلامة الجمع في العبرانية الميم ونون (نتبتو) كأنه بمنزلة أتيته (لكوي) بمنزلة القوم (كادول) بمعنى كبير. قال الشيخ الجليل أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي في وجه الدلالة بهذه العبارة: وهذا نص واضح على ساداتنا صلوات الله عليهم، وابانة عن تشريف منزلتهم وعلو قدرهم، لأن رتبة التعظيم والتشريف المخصوصة بهذه العدة المنصوصة غير موجودة الا في ساداتنا من بين جميع ولد اسماعيل، ولا نعلم اثني عشر يدعون ذلك في أنفسهم ولا يدعى لهم سواهم، فان لم يكونوا هم المعنيين بذلك لم يكن للوعد انجاز ولا للبشارة ثمرة، والله متعال أن يخلف وعده أو يبشر خليله عليه السلام بما لا يفعل. ومما يؤيد الأخبار أيضا ما أورده الشيخ الجليل أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي في الاستنصار من حكاية قس بن ساعدة، وكان سبط من أسباط العرب، متقدما حكيما، وواعظا محسنا، وخطيبا لسنا، ذا عمر طويل، ورأي أصيل، قد أدرك العلماء المتقدمين، وشاهد الحواريين، والحكاية طويلة، ولكن لسقم النسخة نحن نقتصر ببعضها. روى الشيخ الجليل المذكور، باسناده عن أبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، باسناده عن الجارود بن المنذر العبدي، وكان نصرانيا فأسلم عام الحديبية، وحسن اسلامه، وكان قارئا للكتب، عالما بتأويلها، بصيرا بالفلسفة والطب. وحاصل الحكاية: أن الجارود أتى في رجال من عبد القيس الى النبي صلى الله عليه وآله، فراعهم منظره عليه السلام، فأحصرهم عن الكلام، فتقدم الجارود إليه وسلم عليه، وأنشد شعرا مشتملا على الثناء على النبي عليه السلام من جملتها هذا البيت: أنبأ الأولون باسمك فينا وبأسماء بعده تتلألأ ثم مضى في حديثه، الى أن قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفيكم من يعرف قس بن

[ 360 ]

ساعدة الأيادي ؟ فقال الجارود: كلنا يا رسول الله نعرفه، ونعت حكمته وعظاته من نظمه ونثره، الى أن قال: كان قس يا رسول الله ينتظر زمانك، ويهتف باسمك وأبيك وامك، وبأسماء لست أحسها معك، ولا أراها في من اتبعك. قال الجارود: فقال لي سلمان الفارسي: أخبرنا، فأنشأت احدثهم ورسول الله مستبشر يسمع والقوم سامعون واعون، فقلت: يا رسول الله لقد شهدت قسا وقد خرج من ناد من أندية أياد الى قوله: الى صحصح ذي قتاد، فوقف رافعا الى السماء وجهه، فدنوت منه، فسمعته يقول: اللهم رب هذه السبعة الأرقعة، والأرضين المربعة، بمحمد والثلاثة المحامدة معه، والعليين الأربعة، وسبطيه النبعة الأرفعة، والسري الألمعة، وسمي الكليم الضرعة، والحسن ذي الرفعة، اولئك النقباء الشفعة، والطريق المهيعة، درسة الانجيل، وحفظة التأويل، على عدد النقباء من بني اسرائيل، محاة الأضاليل، نفاة الأباطيل، الصادقوا القيل، عليهم تقوم الساعة، وبهم تنال الشفاعة، ولهم من الله فرض الطاعة، ثم قال: اللهم لقني مدركهم ولو بعد الاتي من عمري، ثم نقل عنه أبياتا من جملتها: أقسم قس قسما ليس به مكتتما لو عاش ألفي عمر لم يبق منها سأما حتى يلاقي أحمد او النقباء النجباء هم أوصياء أحمد أكرم من تحت السما ذرية من فاطمة أكرم بها من فطما يعمي العباد عنهم وهم جلاء للعمى لست بناس ذكرهم حتى احل الرجما قال الجارود: ثم قلت: يا رسول الله أنبأني نبأك الله بخير ما هذه الأسماء التي لم نشهدها وأشهدنا قس ذكرها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جارود ليلة اسري بي الى السماء أوحى الله عزوجل الي: أن أسأل من أرسلنا من رسلنا على ما بعثوا ؟ فقلت:

[ 361 ]

على ما بعثتم ؟ قالوا: على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما، ثم عرفني الله بعدتهم وبأسمائهم، وذكرهم رسول الله صلى الله عليه وآله للجارود واحدا واحدا الى المهدي صلوات الله عليهم، وقال له، قال ربي تبارك وتعالى: هؤلاء أوليائي، وهذا المنتقم من أعدائي، يعني المهدي عليه السلام. فقال لي سلمان: يا جارود هؤلاء المذكورون في التوراة والانجيل والزبور والفرقان، فانصرفت بقومي وأنا أقول، ثم ذكر أبياتا له مشتملة على مناقبه صلى الله عليه وآله (1). وقد نقل هذه الحكاية علي بن محمد بن يونس في الصراط المستقيم بأدنى تغيير، وقال: أسنده محمد بن لاحق بن سابق من طريق العامة الى الجارود العبدي (2). وقال أيضا في الصراط المستقيم: أن أسند الشيخ العالم أحمد بن عياش أن عبد الملك بن مروان بعث إليه عامله على المغرب، بلغني أن مدينة من صفر بمفازة من الأندلس بناها الجن لسليمان بن داود، وأودعها الكنوز، وأن الاسكندر استعد عاما كاملا للخروج إليها، فاخبر بمواقع دونها لبعد مسافتها وصعوبتها، وأن أحدا لم يهم بها الا قصر عنها. فكتب عبد الملك الى عامله: انك تكثر من الأزواد، فتخرج إليها، ففعل وبلغها، وكتب الى عبد الملك بأمرها، وفي آخر كتابه: رأيت عند سورها كتابة بالعبرية، فقرأتها وأمرت بنسخها، ثم نقل أبياتها، من جملتها هذه الأبيات: حتى إذا ولدت عدنان صاحبها من هاشم كان منها خير مولود وخصه الله بالايات منبعثا الى الخليقة منها البيض والسود له مقاليد أهل الأرض قاطبة والأوصياء له أهل المقاليد


(1) كنر الفوائد للكراجكي 2: 136 - 138، ومقتضب الأثر ص 36 - 37. (2) الصراط المستقيم 2: 239.

[ 362 ]

هم الخلائف اثنا عشرة حجج من بعده أوصياء السادة الصيد حتى يقوم بأمر الله قائمهم من السماء إذا ما باسمه نودي فلما قرأ عبد الملك الكتاب قال للزهري: هل علمت من المنادي باسمه ؟ قال الزهري: اله عن هذا، قال: قل ساءني ذلك أم سرني، قال: هو المهدي من ولد فاطمة (1). ثم اعلم أن المخالفين قد تحيروا في تأويل الأخبار الصحيحة المشتملة على ذكر الخلفاء الاثني عشر. نقل صاحب الصراط المستقيم عن كتاب فصل الخطاب وتاريخ بغداد للشيخ جلال الدين السيوطي، أن المراد بالاثني عشر الثلاثة وأمير المؤمنين والحسن وسبعة من بني امية. ولا ريب أنه كفر وعناد وخروج عن منهج السداد، لأنهم لا يطلقون اسم الخليفة الا على الأربعة، بموجب حديث ملك غضوض، وأيضا أي مسلم يقول بامامة يزيد الخمار، ووليد بن يزيد الزنديق الثاني عشر من خلفاء بني امية، وان لم يراعوا الترتيب، وانتخبوا سبعة من بني امية وبني العباس، فهو أشنع، كما لا يخفى على أهل البصيرة. الدليل الثامن [ حديث الثقلين ] ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله: اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وقد رواها الخاصة والعامة بعبارات مختلفة وأسانيد متعددة (2).


(1) الصراط المستقيم 2: 135 - 136. (2) راجع: احقاق الحق 9: 309 - 375 و 18: 261 - 289.

[ 363 ]

ووجه الدلالة: أن مقتضى الحديث أنه في كل زمان الى يوم القيامة عالم رباني معصوم من عترة الرسول صلى الله عليه وآله، صالح لهداية كل من عاصره من العلماء والعباد والزهاد، بحيث من تمسك به من هؤلاء في الأقوال والأعمال يكون آمنا من الجهل والضلال، ولم نجد فرقة من فرق المسلمين قالت بوجود امام من العترة موصوف بما ذكرناه في كل زمان الى يوم القيامة الا الشيعة الامامية، فعرفنا أنهم هم الفرقة الناجية، وأئمتهم الاثني عشر صلوات الله عليهم هم الأئمة الهادية التي تركهم النبي صلى الله عليه وآله مع الكتاب، ولا يفترقان أبدا الى يوم الحساب. وفي مسند أحمد بن حنبل باسناده عن علي بن ربيعة، قال: لقيت زيد بن أرقم وهو داخل على المختار أو خارج من عنده، فقلت له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: واني تارك فيكم الثقلين ؟ قال: نعم (1). وفيه أيضا باسناده عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: اني قد تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله عزوجل، حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. قال أبو نمير: قال بعض أصحابنا عن الأعمش: قال: انظروا كيف تخلفوني فيهما (2). وفيه أيضا باسناده عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، أو ما بين السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (3).


(1) مسند أحمد بن حنبل 4: 371. (2) مسند أحمد بن حنبل 3: 26، وفضائل الصحابة لأحمد 2: 585 برقم: 990. (3) مسند أحمد بن حنبل 5: 181

[ 364 ]

وفي صحيح مسلم في الجزء الرابع، باسناده عن زيد بن أرقم حديث من جملتها، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد أيها الناس فانما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فاجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله فيه النور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، الخبر (1). وروى هذا الحديث بسندين آخرين مع بعض الزيادات (2). وفي تفسير الثعلبي بسنده عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيها الناس اني قد تركت فيكم الثقلين خليفتين، ان أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (3). وروى الفقيه الشافعي ابن المغازلي في كتابه، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اني اوشك أن ادعى فاجيب، واني قد تركت فيكم الثقلين، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وان اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، انظروا ماذا تخلفوني فيهما (4). والخبر الذي نقلناه عن مسند أحمد بن حنبل رواية عن زيد بن أرقم، رواه


(1) صحيح مسلم 4: 1873 برقم: 2408. (2) صحيح مسلم 4: 1874. (3) العمدة لابن بطريق ص 71 برقم: 87 عن تفسير الثعلبي. (4) المناقب لابن المغازلي ص 235 - 236 برقم: 283.

[ 365 ]

بعينه ابن المغازلي بسند آخر عن زيد بن أرقم (1). والذي نقلناه عن صحيح مسلم، رواه أيضا ابن المغازلي باسناده عن زيد (2). والذي رويناه عن الثعلبي عن عطية العوفي، قد رواه أيضا ابن المغازلي بسند آخر الى أبي سعيد الخدري (3). وفي الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري في الجزء الثالث من أجزاء أربعة من صحيح أبي داود، وهو كتاب السنن، ومن صحيح الترمذي باسناده عن زيد بن أرقم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اني تارك فيكم الثقلين، ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الاخر، وهو كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني في عترتي (4). قال صاحب الصراط المستقيم: وقد روت الفرقة المحقة في مواضع لا تحصى، قول النبي صلى الله عليه وآله: اني تارك فيكم الثقلين: ان أخذتم بهما لن تضلوا، أحدهما أكبر من الاخر، كتاب لله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وروى نحوه ابن حنبل في مسنده من عدة طرق، ومسلم في موضعين من الجزء الرابع من صحيحه، وفي كتاب السنن، وصحيح الترمذي، وابن عبد ربه في كتاب العقد، وابن المغازلي من عدة طرق في كتابه، والثعلبي في تفسيره في سورة آل عمران في قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا (5) ورواه الحميدي في الجمع


(1) المناقب لابن المغازلي ص 234 برقم: 281. (2) المناقب لابن المغازلي ص 236 برقم: 284. (3) المناقب لابن المغازلي ص 235 برقم: 282. (4) الطرائف ص 115 عنه، والعمدة ص 72 عنه، وصحيح الترمذي 5: 622 برقم: 3788. (5) آل عمران: 103.

[ 366 ]

بين الصحيحين من طرق عدة (1). وقال في موضع آخر من كتابه مشيرا الى هذا الحديث، وقد ذكره ابن مردويه من تسعة ومائتين طريقا. وفي كتاب شرف النبي عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته للمسلمين الذين حضروا حين نقل من الضربة، من جملة ما قال: وفيكم من تخلف من نبيكم صلى الله عليه وآله ما ان تمسكتم به لن تضلوا، هم الدعاة، وهم النجاة، وهم اركان الارض، وهم النجوم، بهم يستضاء من شجرة طاب فرعها، وزيتونة طاب أصلها، نبتت في الحرم، وسقيت من كرم من خير مستقر الى خير مستودع من مدارك الى مبارك، صفت من الأقذار والأدناس، ومن قبيح ما أتته شرار الناس، لها فروع طوال لا تنال، حسرت عن صفاتها الألسن، وقصرت عن بلوغها الأعناق، فهم الدعاة، وهم النجاة، وبالناس إليهم حاجة، فاخلفوا رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم بأحسن الخلافة، فقد أخبركم انهما الثقلان، وانهما لن يفترقا، هم والقرآن حتى يردا على الحوض، فألزموهم تهتدوا وترشدوا، ولا تتفرقوا عنهم ولا تتركوهم فتفرقوا وتمزقوا (2). وفيه أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله قال في حجة الوداع: اني امرئ مقبوض، وتارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وان اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا هم والقرآن حتى يردا علي الحوض (3). وروى الحافظ أبو نعيم عن الحسن بن علي عليهما السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ادعوا لي سيد العرب يعني عليا، فقالت عائشة: ألست سيد العرب ؟ فقال: أنا سيد


(1) الصراط المستقيم 2: 32. (2) شرف النبي - مخطوط. (3) شرف النبي - مخطوط.

[ 367 ]

ولد آدم وعلي سيد العرب، فلما أن جاء أرسل الى الأنصار فأتوه، فقال لهم: يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هذا علي فأحبوه بحبي، وأكرموه بكرامتي، فان جبرئيل أمرني بالذي قلت لكم (1). وفي صحيح الترمذي عن جابر، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس اني تارك فيكم الثقلين ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الاخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي (2). أقول: لا ريب في تواتر الروايات الدالة على أن التمسك بأهل البيت منقذ من الضلال، وأن اتباعهم فرض، وقد اعترف المخالفون بها وان لم يعملوا بها. قال العلامة التفتازاني في شرح المقاصد: فان قيل: قال عليه السلام: اني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وأهل بيتي الى آخر الحديث. وقال: اني تارك فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي. ومثل هذا يشعر بفضلهم على العالم وغيره. قلت: نعم، لأتصافهم بالعلم والتقوى مع شرف النسب، ألا ترى أنه عليه السلام قرنهم بكتاب الله في كون التمسك بهم منقذا من الضلال، ولا معنى للتمسك بالكتاب الا الأخذ بما فيه الهداية، وكذا في العترة (3). انتهى. ومما يؤيد هذه الأحاديث ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده، ونقله صاحب المشكاة عن أبي ذر، قال وهو متعلق بباب الكعبة: من عرفني فقد عرفني، ومن لم


(1) حلية الأولياء لأبي نعيم 1: 63. (2) صحيح الترمذي 5: 621 برقم: 3786. (3) شرح المقاصد 5: 302 - 303.

[ 368 ]

يعرفني فأنا جندب بن جنادة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله باذني والا فصمتا يقول: ألا ان مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك (1). وقد روى ابن المغازلي الشافعي الواسطي هذا المعنى في كتاب المناقب بعدة أسانيد مختلفة، روى عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تأخر (2) عنها هلك (3). وعن الأكوع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجى (4). وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق (5). وعن ابن عباس أيضا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجى، ومن تخلف عنها غرق (6). وعن سعيد بن المسيب [ عن أبي ذر ] (7) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركب فيها نجى، ومن تخلف عنها غرق (8). وفي كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل


(1) مستدرك الحاكم 3: 150 و 2: 343، ونظم درر السمطين ص 235، وتاريخ الخلفاء ص 573 ط مصر. (3) في المناقب: تخلف. (3) المناقب لابن المغازلي ص 132 برقم: 173. (4) المناقب لابن المغازلي ص 132 - 133 برقم: 174. (5) المناقب لابن المغازلي ص 133 برقم: 175. (6) المناقب لابن المغازلي ص 134 برقم: 176. (7) الزيادة من المناقب. (8) المناقب لابن المغازلي ص 134 برقم: 177.

[ 369 ]

أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق (1). ومما يؤيدها أيضا ما في كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أهل بيتي فيكم كباب حطة في بني اسرائيل (2). ولا يتوهم معاند أن أهل البيت يشتمل نساءه صلى الله عليه وآله، لأن لفظة (العترة) مانعة عن دخولهن، وكذا كون التمسك بأهل البيت منقذا من الضلالة وسببا للنجاة، لأن التمسك بنساء النبي صلى الله عليه وآله بالاجماع غير منقذ من الضلالة وموجب للنجاة. ومما يؤيد ما أوردناه من الأخبار، ويدل على أن النساء لسن من أهل البيت، ما ورد من الروايات الدالة على طهارة أهل البيت المتضمنة لذكر أعيانهم من طرق المخالفين (3)، من مسند أحمد بن حنبل، عن الأوزاعي، عن شداد بن عمارة، قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليا عليه السلام، فشتموه، فشتمته معهم، فلما قاموا قال لي: لم شتمت هذا الرجل ؟ قلت: رأيت القوم يشتمونه فشتمته، فقال: ألا اخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقلت: بلى. قال: أتيت فاطمة عليها السلام أسألها عن علي عليه السلام، فقالت: توجه الى النبي صلى الله عليه وآله، فجلست أنتظره حتى جاء النبي صلى الله عليه وآله، فجلس ومعه علي وحسن وحسين، آخذا كل واحد منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليا وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا، كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه - أو قال: كساء - ثم تلا هذه الاية انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (4) ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي أحق (5).


(1) احقاق الحق 9: 284 عنه. (2) احقاق الحق 9: 385 عنه. (3) في (ق): المخالف. (4) الأحزاب: 33. (5) مسند أحمد بن حنبل 4: 107، وفضائل الصحابة له 2: 978.

[ 370 ]

وقد روى قريبا من هذا المعنى بسندين آخرين عن أبي الأسقع (1). ومنه أيضا عن عطية الطفاوي، عن أبيه، عن ام سلمة حدثته، قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله في بيتي يوما، إذ قال الخادم: ان عليا وفاطمة في السدة، قالت: فقال لي: قومي فتنحي عن أهل بيتي، قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبا، فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين عليهم السلام وهما صبيان صغيران، قالت: فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق عليا باحدى يديه، وفاطمة باليد الاخرى، وقبل فاطمة وقبل عليا، فأغدق عليهم خميصة سوداء، وقال: اللهم اليك لا الى النار أنا وأهل بيتي، قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله ؟ فقال: وأنت (2). وأيضا عن عطاء بن أبي رياح، قال: حدثني من سمع ام سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله كان في بيتها، فأتته فاطمة عليها السلام ببرمة فيها حريرة (3)، فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي لي زوجك وابنيك، قالت: فجاء علي والحسن والحسين عليهم السلام، فدخلوا وجلسوا يأكلون من تلك الحريرة، وهو وهم على منامة له على دكان تحته كساء خيبري. قالت: وأنا في الحجرة اصلي، فأنزل الله تعالى هذه الاية الكريمة انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا قالت: فأخذ فضل الكساء وكساهم به (4)، ثم أخرج يده فألوى بها الى السماء، وقال: هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت: فأدخلت رأسي من البيت وقلت: وأنا معكم يا رسول الله ؟ قال: انك الى خير انك الى خير (5).


(1) مسند أحمد بن حنبل 4: 107، وفضائل الصحابة له 2: 978. (2) مسند أحمد بن حنبل 6: 296. (3) الحريرة: الحسا من الدسم والدقيق، وقيل: هو الدقيق الذي يطبخ بلبن. اللسان. (4) في المصدر: فغشاهم به. (5) مسند أحمد بن حنبل 6: 292.

[ 371 ]

ومنه أيضا عن شهر بن حوشب، عن ام سلمة: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لفاطمة: ائتني بزوجك وابنيك، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساء فدكيا، قالت: ثم وضع يده عليهم وقال: اللهم ان هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، انك حميد مجيد، قالت ام سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي وقال: انك على خير (1). ومنه أيضا حديث طويل، هذا موضع الحاجة منه، قال ابن عباس رضى الله عنه: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ثوبه، فوضعه على علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وقال: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (2). ومنه أيضا حديث آخر عن ام سلمة، وهذا موضع الحاجة منه، قالت: فجاءت - تعني: فاطمة - تقود ابنيها، كل واحد منهما بيده، وعلي يمشي في اثرها حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأجلسهما في حجره، وجلس علي على يمينه، وجلست فاطمة على يساره، قالت ام سلمة: فاجتذب من تحتي كساء خيبريا كان بساطا لنا على المنامة في المدينة، فلفه رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذ بشماله طرفي الكساء وألوى بيده اليمنى الى ربه عزوجل، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قلت: يا رسول الله ألست من أهلك ؟ قال: بلى، فأدخلني في الكساء، قالت: فدخلت في الكساء بعد ما قضى دعاءه لابن عمه وابنيه وابنته فاطمة عليهم السلام (3). ومن صحيح البخاري في الجزء الرابع، ومن صحيح مسلم أيضا في الجزء الرابع، باسنادهما عن صفية بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وآله غداة وعليه


(1) مسند أحمد بن حنبل 6: 323. (2) مسند أحمد بن حنبل 1: 330. (3) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2: 685 برقم: 1170.

[ 372 ]

مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (1). ومن تفسير الثعلبي بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نزلت هذه الاية في خمسة: في، وفي علي، وفي حسن، وفي حسين، وفاطمة انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (2). ومنه بسنده عن عطاء بن أبي رياح، حدثني من سمع ام سلمة رضي الله عنها، ثم ذكر الحديث كما نقلناه عن ام سلمة من مسند أحمد بن حنبل (3). ومنه أيضا باسناده عن مجمع، قال: دخلت مع امي على عائشة، فسألتها امي عن علي، فقالت: سألتني عن أحب الناس الى رسول الله صلى الله عليه وآله، لقد رأيت عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وآله لفوعا (4) عليهم، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت: قلت: يا رسول الله أنا من أهلك ؟ فقال: تنحي انك الى خير (5). ومنه أيضا باسناده عن اسماعيل بن عبد الله بن جعفر الطيار، عن أبيه، قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله الى الرحمة هابطة من السماء، قال: من يدعو ؟ مرتين قالت زينب: أنا يا رسول الله، فقال: ادعي لي فاطمة وعليا والحسن والحسين، قال: فجعل حسنا عن يمينه، وحسينا عن شماله، وعليا وفاطمة تجاهه، ثم غشاهم كساء


(1) صحيح مسلم 4: 1883 برقم: 2424. (2) تفسير الثعلبي المخطوط ص 139، والعمدة ص 39 ح 2 عنه، والطرائف ص 127 عنه. (3) العمدة ص 39 عنه، والطرائف ص 125 عنه. (4) اللفوع: ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو غيره. وفي (ق): بغلف، وفي الطرائف: يغدف. (5) العمدة ص 40 عنه، والطرائف ص 127 عنه، واحقاق الحق 9: 10 عنه.

[ 373 ]

خيبريا، ثم قال: اللهم ان لكل نبي أهلا، وهؤلاء أهل بيتي، فأنزل الله تعالى انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل بيت ويطهركم تطهيرا فقالت زينب: يا رسول الله ألا أدخل معكم ؟ فقال رسول الله: مكانك، فانك الى خير ان شاء الله (1). ومنه أيضا عن شداد بن عمار، قال: دخلت على واثلة بن الأسقع الى آخر الحديث، وقدمنا تمام الحديث نقلا عن مسند أحمد بن حنبل (2). ومنه أيضا بحذف الاسناد عن أبي الحمراء، قال: أقمت في المدينة تسعة أشهر كيوم واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يجئ كل غداة، فيقوم على باب علي وفاطمة عليهما السلام، فيقول: الصلاة، انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3). ومنه أيضا بحذف الاسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قسم الله الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسما، فذلك قوله تعالى: وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (4) فأنا من خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثا، فجعلني في خيرها ثلثا، وذلك قوله تعالى: فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ب وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة ب والسابقون السابقون (5) فأنا من السابقين، وأنا من خير السابقين. ثم جعل ثلاث قبائل، فجعلني من خيرها قبيلة، فذلك قوله تعالى: شعوبا


(1) العمدة ص 40 عنه، والطرائف ص 127 - 128 عنه، واحقاق الحق 9: 52 عنه. (2) العمدة ص 41 عنه، والطرائف ص 123 عنه، واحقاق الحق 9: 2 عنه. (3) العمدة ص 41 - 42 عنه، والطرائف ص 128 عنه، واحقاق الحق 9: 63 عنه. (4) الواقعة: 27. (5) الواقعة: 8 - 10. (*)

[ 374 ]

وقبائل (1) فأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا، فجعلني في خيرها بيتا، فذلك قوله تعالى: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (2). ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي، قال: الحديث الرابع والستون من المتفق عليه في الصحيحين من البخاري ومسلم، من مسند عائشة، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: خرج النبي صلى الله عليه وآله ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين، فدخل معه، ثم جاءت فاطمة، فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3). ومن الجمع بين الصحاح الستة لرزين بن معاوية العبدري، قال في الجزء الثاني من أجزاء ثلاثة في تفسير سورة الأحزاب من صحيح أبي داود السجستاني، وهو كتاب السنن، في تفسير قوله تعالى: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، قال: وعن عائشة، قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن، فأدخله، ثم جاء الحسين، فأدخله، ثم جاءت فاطمة، فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. وعن ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله: ان هذه الاية نزلت في بيتها: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، قالت: وأنا جالسة عند


(1) الحجرات: 13. (2) العمدة ص 42 عن تفسير الثعلبي. (3) صحيح مسلم 4: 1883 برقم: 2424، والعمدة ص 43 - 44 عن الجمع بين الصحيحين.

[ 375 ]

الباب، فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت، فقال: انك الى خير، انك من أزواج رسول الله، قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فجللهم بكساء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (1). ومن الجزء المذكور في سنن أبي داود وموطأ مالك عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يمر بباب فاطمة، إذا خرج الى صلاة الفجر حين نزلت هذه الآية قريبا من ستة أشهر، يقول: الصلاة يا أهل البيت انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (2). ومن الجزء الثالث من الكتاب أعني جمع رزين في باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام من صحيح أبي داود وهو السنن، عن صفية بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوما وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي عليه السلام، فأدخله، ثم جاء الحسين، فدخل معه، ثم جاءت فاطمة، فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3). وقال صاحب الصراط المستقيم: ذكر ابن مردويه في كتاب المناقب من مائة وثلاثين طريقا: أن العترة علي وفاطمة والحسنان. فثبت بما أوردناه أن العترة هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، دون النساء وغيرهن، وثبت عصمتهم، لثبوت تنزيه الله لهم وإذهاب الرجس عنهم،


(1) العمدة لابن بطريق ص 44 - 45 عن الجمع بين الصحاح الستة. (2) العمدة ص 45 ح 32 عنه، والطرائف ص 128 عنه، ورواه أحمد في مسنده 3: 252 و 259. (3) العمدة ص 45 ح 33 عنه، والطرائف ص 129 عنه.

[ 376 ]

والتطهير والتنزيه عن الأثم وعن كل قبيح، وقد نقل ذلك عن أحمد بن فارس اللغوي في المجمل (1)، وغيره. ومما يؤيد ما قدمناه ما رواه محمود بن عمر الزمخشري باسناده قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: فاطمة بهجة قلبي، وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والأئمة من ولدها امناء ربي، وحبل ممدود بينه وبين خلقي، من اعتصم بهم نجا، ومن تخلف عنهم هوى (2). وما في شرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد، نقلا عن صاحب حلية الأولياء، قال النبي صلى الله عليه وآله: من سره أن يحيي حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فانهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهما وعلما، فويل للمكذبين من امتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي (3). وفي الصراط المستقيم عن ابن جبر في نخبه مسندا عن النبي صلى الله عليه وآله: من سره أن يحيى حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل جنة عدن منزلتي، فليتول علي بن أبي طالب، وليأتم بالأوصياء من ولده، ثم قال: ونحوه ذكر في حلية الأولياء وفضائل أحمد وخصائص النطنزي (4). وما في كتاب شرف النبي عن ابراهيم بن شيبة الأنصاري، قال: جلست الى الأصبغ بن نباته، قال: ألا أقرئك ما أملاه علي بن أبي طالب، فأخرج الي صحيفة، فإذا مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به محمد رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) مجمل اللغة 3: 645. (2) احقاق الحق 9: 199 عن الزمخشري، ورواه الخوارزمي في مقتل الحسين ص 59، ونيابيع المودة ص 82، والصراط المستقيم 2: 32. (3) حلية الأولياء 1: 86. (4) الصراط المستقيم 1: 278.

[ 377 ]

أهل بيته، فان اهل بيته آخذون بحجزة نبيهم، وان شيعتهم ياخذون بحجزهم من النار، فانهم لن يدخلوكم نار ضلالة، ولن يخرجوكم من نور هدى (1). وما في فردوس الديلمي عن النبي صلى الله عليه وآله: يا علي إذا كان يوم القيامة، أخذت بحجزة عز وجل، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذت شيعة ولدك بحجزتهم، فنرى أين يؤمر بنا ؟ (2). وما فيه أيضا مسندا عن النبي صلى الله عليه وآله: يا علي أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وذراربنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا، وشيعتنا عن أيماننا وعن شمائلنا (3). وما رواه أحمد بن حنبل في مسنده باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهب النجوم ذهبوا، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي، ذهب الأرض (4). وفي كتاب شرف النبي بهذه العبارة قال صلى الله عليه وآله: النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب النجوم من السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون (5). وفي بعض الأخبار: فإذا انقرضوا صب الله عليهم العذاب صبا. وما رواه الشافعي ابن المغازلي باسناده الى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم بعرفات، وعلي تجاهه: ادن مني يا علي، خلقت أنا وأنت من شجرة، فأنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلق بغصن


(1) ينابيع المودة ص 273. (2) المناقب للخوارزمي ص 296 برقم: 289 ط قم. (3) كنز العمال 12: 104 - 105 برقم: 34205. (4) ينابيع المودة ص 20 عن أحمد، وذخائر العقبى ص 17 عنه. (5) احقاق الحق 9: 303 عن كتاب شرف النبي.

[ 378 ]

منها أدخله الله الجنة (1). وفي كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا، فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا (2). وما رواه ابراهيم الثقفي في كتابه باسناده عن بريدة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه. وما في تفسير الثعلبي في تفسير قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم قال: قال مسلم بن حنان: سمعت أبا يزيد يقول: صراط محمد وآله ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله سألت أن يجعلها لعلي ففعل. وما رواه محمد بن مؤمن الشيرازي، وهو من أعيان المخالفين، باسناده عن البصري، انه كان يقرأ الحرف هذا صراط مستقيم، قلت للحسن: ما معناه ؟ قال: فيقول: هذا طريق علي بن أبي طالب وذريته. وفي تفسير الثعلبي، وكتاب ابن شاهين، حديث مرفوع الى بريدة في قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم قال: صراط محمد وآله (3). وما نقله صاحب مجالس المؤمنين عن كتاب الصواعق المحرقة، والفاضل القاشي عن كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله: في كل خلف من امتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وان أئمتكم وفدكم الى الله عزوجل، فانظروا من توفدون (4). وما في كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله، أنه وصف آخر الزمان، فقيل: يا رسول الله أي


(1) المناقب لابن المغازلي ص 90 برقم: 133. (2) ذخائر العقبى ص 16 عنه، وينابيع المودة ص 191 و 273. (3) الصراط المستقيم 1: 284، والطرائف ص 96. (4) احقاق الحق 18: 18: 447، واختيار معرفة الرجال 1: 10 ح 5.

[ 379 ]

العمل أفضل في ذلك الزمان ؟ قال: فرس تربطه، وسلاح تعده، وتميل مع أهل بيته حيث مالوا. ومما يؤيدها أيضا ما وردت في أن الامامة لا يكون الى آخر الدهر الا لقريش، روى البخاري ومسلم في صحيحهما باسنادهما عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان (1). ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى وانه لذكر لك ولقومك (2). وذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في المتفق عليه من مسند عبد الله بن عمر، في الحديث التاسع والستين بعد المائة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان (3). وروى الحميدي في عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الناس تبع لقريش (4). ووجه التأييد: أن مدلول ظاهرها أن الامامة ثابتة لقريش الى آخر الدهر، ولا يخلو زمان من الأزمنة من امام منهم، وأهل السنة لا يقولون بوجود الامام القرشي المفترض الطاعة في كل زمان، بل موافقة لما اعتقده الشيعة الامامية، لأنهم اعتقدوا أن كتاب الله وعترة رسوله لا يفترقان، وأنهم مفسرون لكتاب الله، ولا يجوز العمل بمتشابهاته الا بعد تفسيرهم. ومما يؤيدها أيضا ما ورد من الأخبار المتواترة الدالة على وجوب حب أهل البيت وأن بغضهم كفر ونفاق، وما ورد من الأحاديث الدالة على وجوب الصلاة عليهم وسيجئ ان شاء الله تعالى في الدليل السادس والثلاثين ووجه التأييد ظاهر.


(1) صحيح مسلم 3: 1452، وصحيح البخاري 8: 105. (2) الزخرف: 44، الطرائف ص 169 عن تفسير الثعلبي. (3) الطرائف ص 169 ح 257 عن الجمع بين الصحيحين. (4) صحيح مسلم 3: 1451، والطرائف ص 169 ح 258.

[ 380 ]

الدليل التاسع [ ظهور المعجزات من الائمة الاثني عشر ] ان كل واحد من الأئمة الاثني عشر ادعى الامامة، وأظهر على طبق دعواه المعجزة، فثبت أنهم هم الأئمة، وتواتر معجزاتهم لا يخفى على اللبيب المنصف إذا تتبع آثارهم، والكتب المصنفة في بيان أحوالهم، ككتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام للصدوق محمد بن بابويه القمي، وكتاب الارشاد للشيخ الجليل محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد، وكتاب الكافي لثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني، وكتاب اعلام الورى للشيخ الجليل الطبرسي، وكتاب الخرائج والجرائح لقطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي، وغيرها من الكتب المصنفة في هذا الباب، وهي كثيرة. ولظهور معجزاتهم، ووفور آياتهم، غلا فيهم جم غفير، وأخرجوهم من حد الانسانية، وظنوا بهم الالهية. لو أن المرتضى أبدا محله لأضحى الخلق طرا سجدا له كفى في فضل مولانا علي وقوع الشك فيه أنه الله وقد روى المخالفون معجزاتهم مع كمال بعدهم ومجانبتهم، فان رمت الاطلاع عليها، فعليك بتاريخ الشيخ كمال الدين بن طلحة الشافعي، وكتاب الفصول المهمة تأليف الشيخ نور الدين علي بن الصباغ المالكي، وتاريخ ابن الجوزي، وغيرها من الكتب المشتملة على ذكر أهل البيت عليهم السلام. ومن المعجزات المشهورة عند المخالفين لأمير المؤمنين عليه السلام رد الشمس، وقد أخرجه أبو بكر بن فورك في كتاب الفصول عن أسماء بنت عميس، وأخرجه ابن المغازلي من طريقين، والقاضي أبو يعلى في المعتمد، وصاحب كتاب الشافي في بشائر المصطفى، وأخرجه ابن مردويه، والنطنزي، وابن مندة، والجرجاني،

[ 381 ]

والشيرازي، والوراق، والحسكاني، وصنف أبو عبد الله الجعل فيه كتابا وكذا غيره، ونظمه جماعة كثيرة من العلماء والشعراء، كابن أبي الحديد، وقدامة السعدي، والسيد المرتضى، والحميري، والصاحب بن عباد الرازي، وابن حماد، والمفجع، وغيرهم من الشعراء والعلماء (1). ومن معجزاته المشهورة عندهم اخباره عليه السلام عن الغيب، وقد اشتمل على أخباره الغيبية كتبهم، وفي ابن أبي الحديد منها عدة أخبار (2). ومن اخباره عليه السلام خبر بني العباس، وهذه عبارته: ملك بني عباس عسر لا يسر فيه، لو اجتمع عليهم الترك والديلم والسند والهند والبربر والطيلستان على أن يزيلوا لا يمكنهم حتى يشذ عنهم مواليهم وأرباب دولتهم، ويسلط عليهم ملك من الترك، يأتي عليهم من حيث بدأ ملكهم، لا يمر بمدينة الا فتحها، لا يرفع له راية الا نكسها، الويل الويل لمن ناواه، فلا يزال كذلك حتى يظفر، ثم يدفع ظفره الى رجل من عترتي. ومن اخباره المشهورة، أنه قال: يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون ولا ينقصون، ويبايعونكم على الموت، فجاؤا كما قال، ومنهم اويس القرني. ومنها: أنه لما أخبروه بأن الخوارج عبروا الماء، قال: والله لم يعبروا، وانه لمصرعهم. ومنها: اخباره بكيفية قتل أصحابه، وأن من قاتلهم، مثل جويرية بن مسهر، وميثم التمار، وكميل بن زياد، وقنبر وغيرهم، فان أردت الاستقصاء وتفصيل الأخبار، فعليك بتتبع كتب الاثار (3).


(1) الصراط المستقيم 1: 201 - 203. (2) شرح نهج البلاغة 2: 286 - 295. (3) راجع: شرح نهج البلاغة 2: 286 - 295 و 5: 3 - 4 و 7: 47 - 50.

[ 382 ]

ومن روايات المخالفين ما رواه ابن الجوزي من علماء الحنابلة، عن شقيق البلخي، قال: خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومائة، فنزلت القادسية، فإذا شاب حسن الوجه شديد السمرة، عليه ثوب صوف مشتمل بشملة، في رجليه نعلان، وقد جلس منفردا عن الناس، فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية، يريد أن يكون كلا على القافلة (1)، والله لأمضين إليه ولاوبخنه، فدنوت منه. فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم (2) فقلت في نفسي: هذا عبد صالح قد نطق على ما في خاطري، لألحقنه ولأسألنه أن يخالجني (3)، فغاب عن عيني، فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب، ودموعه تتحادر، فقلت: أمضي إليه وأعتذر منه، فأوجز في صلاته، ثم قال: يا شقيق واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (4) فقلت: هذا عبد من الأبدال قد تكلم على سري مرتين، فلما نزلنا بزبالة إذا به قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء، فسقطت الركوة من يده الى البئر، فرفع طرفه الى السماء وقال: أنت ربي إذا ظمأت الى الماء وقوتي إذا أردت الطعام يا سيدي مالي سواها. قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها، فأخذ الركوة وملأها وتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم مال الى كثيب رمل هناك، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويشرب، فقلت: أطعمني من فضل ما رزقك الله وما أنعم به عليك.


(1) في التذكرة: الناس. (2) الحجرات: 12. (3) في التذكرة: يحالني. (4) طه: 82.

[ 383 ]

فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة، فأحسن ظنك بربك، ثم ناولني الركوة، فشربت منها، فإذا سويق وسكر، ما شربت والله ألذ منه، ولا أطيب ريحا منه، فشبعت ورويت وبقيت (1) أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا. ثم لم أره حتى دخلت مكة، فرأيته ليلة الى جانب قبة الميزاب نصف الليل يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما طلع الفجر جلس في مصلاه يسبح، ثم قام الى صلاة الفجر، فطاف بالبيت اسبوعا وخرج فتبعته، فإذا له حاشية (2) وأموال وغلمان، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس يسلمون عليه ويتبركون به، فقلت لبعضهم: من هذا ؟ فقال: موسى بن جعفر، فقلت: قد عجبت أن يكون مثل هذه العجائب الا لمثل هذا السيد (3). الدليل العاشر [ ظهور جلالتهم وشوكتهم عليهم السلام مع كثرة اعدائهم ومخالفيهم ] ان بني امية وبني العباس وأتباعهم من أبناء الدنيا مع كمال شوكتهم، كانوا مصرين على عداوة أئمتنا عليهم السلام، وانتهى الأمر الى حبسهم وقتلهم، وقتل كثير من شيعتهم خوفا على الملك، وكانوا مجتهدين في الوضع من أقدارهم، ومتفحصين ليلا ونهارا عن أسرارهم، وساعين في طلب عثراتهم، ومبالغين في اطفاء نورهم واخفاء آثارهم، ومرغبين الخلق بالعطايا والمبرات في ابطال أمرهم. حتى نقل ابن أبي الحديد من أكابر علماء الجمهور في شرحه على نهج البلاغة: أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف حتى يروي أن هذه الاية ومن الناس من


(1) في التذكرة: وأقمت. (2) في التذكرة: غاشية. (3) تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي ص 348 - 349.

[ 384 ]

يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (1) الاية، نزلت في حق علي عليه السلام، وأن الاية الثانية، أعني قوله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد (2) نزلت في ابن ملجم لعنه الله، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم، فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم، فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف، فقبل (3). ونقل أن أهل الشام لشدة عداوتهم لأهل البيت حرموا أن يقرأ بشئ من قراءة أهل العراق، مع أنهم ممن اتفق الجميع على صحة قراءتهم، حذرا من أن يؤدي ذلك الى ذكر أمير المؤمنين عليه السلام، لانتهائهم في الرواية إليه صلوات الله عليه، وبلغ عداوتهم الى حد كانوا يقتلون من اتهم بولاية أهل البيت عليهم السلام، وهذا أمر ظاهر عند من سمع الأخبار وتتبع الاثار، ومع هذا لم ينسبوا إليهم عليهم السلام أمرا يشينهم في ديانتهم وتتضع به جلالتهم. فلولا أنهم عليهم السلام صادقون في دعواهم الامامة والعصمة والتأييد من الله سبحانه، لما سلم أعراضهم من هتك الكذابة والفساق المصرين على عداوتهم، وهذا أمر ظاهر لا يخفى على من له أدنى معرفة بالعادات. وقد ثبت أنهم عليهم السلام لم يكونوا ممن لا يؤبه بهم، وممن لا يدعو الداعي الى البحث عن أخبارهم بخمولهم وانقطاع آثارهم، بل كانوا في أعلى مرتبة من التعظيم، وفي الدرجة الرفيعة التي يحسدهم عليها الملوك ويتمنونها لأنفسهم، لأن الشيعة مع كثرتها في أكثر البلاد اعتقدت فيهم الامامة التي تشارك النبوة، وادعت عليهم


(1) البقرة: 204 - 205. (2) البقرة: 207. (3) شرح نهج البلاغة 4: 73.

[ 385 ]

الايات والمعجزات والعصمة عن الزلات، حتى أن الغلاة قد اعتقدت فيهم النبوة والالهية، وقد جرت العادة في من حصل له جزء من هذه النباهة ممن لم يكن من أهل العصمة والتأييد أن لا يسلم من ألسنة أعدائه، ونسبتهم اياه الى العيوب القادحة في الديانة والأخلاق. ومما يدل على جلالة قدرهم وعلو شأنهم، ما هو المشهور بين أهل النقل أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة عبد الملك، وطاف البيت، فأراد أن يستلم الحجر فلم يقدر عليه من الزحام، فنصب له منبر، فجلس وأطاف به أهل الشام، فبينا هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين عليهما السلام وعليه ازار ورداء، من أحسن الناس وجها، وأطيبهم رائحة، وبين عينيه سجادة كأنها ركبة بعير، فجعل يطوف بالبيت، فإذا بلغ الى موضع الحجر تنحى الناس عنه حتى يستلمه هيبة له واجلالا، فغاظ ذلك هشاما، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هيبة، فأفرجوا له عن الحجر، فقال هشام: لا أعرفه لئلا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق وكان حاضرا: لكني أعرفه، فقال الشامي: ومن هذا يا أبا فراس ؟ فقال: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا علي رسول الله والده أمست بنور هداه تهتدي الامم إذا رأته قريش قال قائلها الى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمي الى ذروة العز الذي قصرت عن نيلها عرب الاسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضي حياء ويغضى من مهابته فلا يكلم الا حين يبتسم ينشق نور الهدى من نور غرته كالشمس ينجاب عن اشراقها الظلم بكفه خيزران ريحه عبق من كف أروع في عرنينه شمم مشتقة من رسول الله نبعته طابت عناصره والخيم والشيم

[ 386 ]

حمال أثقال أقوام إذ فدحواحلو الشمائل تحلو عنده نعم هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا الله قدمه قدما وشرفه جرى بذاك له في لوحه القلم من جده دان فضل الأنبياء له وفضل امته دانت له الامم عم البرية بالاحسان وانقشعت عنها العماية والاملاق والظلم كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم سهل الخليفة لا تخشى بوادره يزينه خصلتان الخلق والكرم لا يخلف الوعد ميمونا نقيبته رحب الفناء أريب حين يعترم من معشر حبهم دين وبغضهم كفر وقربهم منجى ومعتصم يستدفع السوء والبلوى بحبهم ويستزاد به الاحسان والنعم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم في كل يوم ومختوم به الكلم ان عد أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم ولا يدانيهم قوم وان كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت والاسد اسد الثرى والبأس محتدم يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم خيم كريم وأيد بالندى هضم لا يقبض العسر بسطا من أكفهم سيان ذلك ان أثروا وان عدموا أي الخلائق ليست في رقابهم لأولية هذا أو له نعم من يعرف الله يعرف أولية ذا فالدين من بيت هذا ناله الامم قال: فغضب هشام وأمر بحبس فرزدق، فحبس بعسفان بين مكة والمدينة، فبلغ ذلك علي بن الحسين عليهما السلام، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم، وقال: أعذرنا يا ابا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به، فردها، وقال: يابن رسول الله ما قلت الذي قلت الا غضبا لله ولرسوله، وما كنت لأزرأ عليه شيئا، فردها إليه وقال: بحقي عليك لما قبلتها، فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك، فقبلها، فجعل الفرزدق

[ 387 ]

يهجو هشاما وهو في الحبس، فكان مما هجاه به قوله: أيحبسني بين المدينة والتي إليها قلوب الناس يهوي منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيدوعينا له حولاء باد عيوبها فبعث إليه فأخرجه (1). وقد جرت العادة في من حصل له جزء من هذه النباهة أن لا يسلم من ألسنة أعدائه، ونسبتهم اياه الى بعض العيوب القادحة في الديانة والأخلاق، فعلم أنه سبحانه هو المتولي لحفظ أئمتنا عليهم السلام من ألسنة الناس بلطفه وجميل صنعه خرقا للعادة، ليدل على أنهم حججه على عباده، والسفراء بينه وبين خلقه، والأركان لدينه، والحفظة لشرعه، وهذا واضح لمن تأمل من اولي الألباب. الدليل الحادي عشر [ اقرار جميع ارباب المذاهب بفضلهم وجلالتهم عليهم السلام ] انا نجد من تسخير الله تعالى الولي لهم في التعظيم لمنزلتهم والغدو لهم في الاجلال لمرتبتهم، الهامه سبحانه جميع القلوب، اعلاء شأنهم ورفع مكانهم، على تباين مذاهبهم وآرائهم، واختلاف أهوائهم، فقد علم كل من سمع الأخبار وتتبع الاثار، أن جميع المدعين لاستحقاق أمر الامامة والخلافة كانوا مقرين بفضل هؤلاء الأئمة الاثني عشر، ولم ينكروا فضلهم. فعلمنا أن تعظيمهم اياهم مع ظاهر عداوتهم، واجماعهم على ضد مرادهم من التبجيل والاكرام، تسخير من الله تعالى لهم، ليعلم أنهم أئمة الهدى والحجج على أهل الدنيا. ويؤيد ما ذكرناه ما شاهدنا الطوائف المختلفة، والفرق المتباينة في المذاهب


(1) راجع: حلية الأولياء 3: 139، والأغاني 14: 75 و 19: 40، والبحار 46: 124 - 128.

[ 388 ]

والاراء، قد أجمعوا على تعظيم قبورهم، وفضل مشاهدهم، حتى أنهم يقصدونها من البلاد النائية، ويلمون بها، ويتقربون الى الله سبحانه بزيارتها، ويستنزلون عندها من الله الأرزاق، ويستفتحون الأغلاق، ويطلبون ببركاتها الحاجات، وهذا هو المعجز الخارق للعادة، والا فما الحامل للفرق المختلفة على هذا الاجتماع ؟ ولم يفعلوا بعض ما ذكرناه بمن يعتقدون بامامته وفرض طاعته، وهو في الدين موافق لهم. ألا ترى أن ملوك بني امية وخلفاء بني العباس مع كثرة شيعتهم، وكونهم أضعاف شيعة أئمتنا عليهم السلام، وكون الدنيا لهم وفي أيديهم، وكانوا سلاطين على العالمين والجمهور كانوا يعظمونهم ويخطبون لهم فوق المنابر في شرق الأرض وغربها، ويسمونهم بامرة المؤمنين، لم يلم أحد من شيعتهم وأوليائهم فضلا من أعدائهم بقبورهم، بل لا يعرف أولياؤهم مواضع كثير من قبورهم، مع أن دواعي الدنيا ورغباتها عند هذه الطائفة مفقودة، وعند اولئك موجودة. فمن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي الدنيا، ولا يمكن أيضا أن يكون لتقية، فان التقية هي فيهم لا منهم، فلم يبق الا أن يكون بقهر القاهر الذي يذلل الصعاب، ويسبب الأسباب. ومن عجيب ما شاهدت حين توجهي الى بيت الله الحرام من طريق البحر، أن البحر قد هاج، وأشرفت السفينة على الغرق، فاضطرب الملاحون اضطرابا شديدا، وكانوا يصيحون ويدعون ويتوسلون بالأئمة الاثني عشر، مع أنهم كانوا من أهل السنة من المالكية، ولم يذكروا في وقت الطوفان اسم واحد من أئمتهم، فسألت مقدمهم ورئيسهم عن سبب ذلك، فقال: من عادة أهل البحر أنهم يتوسلون عند الطوفان والهيجان بالأئمة الاثني عشر، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

[ 389 ]

الدليل الثاني عشر على امامتهم [ اجتماع جميع العلوم والفنون عند آل محمد عليهم السلام ] ما ظهر عنهم من العلوم التي تفرقت في فرق العالم، فحصل في كل فرقة فن منها، واجتمعت فنونها وسائر أنواعها في آل محمد عليهم السلام، ألا ترى الى ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في أبواب التوحيد والكلام الباهر المفيد، من الخطب، وعلوم الدين، وأحكام الشريعة، وتفسير القرآن، وغير ذلك، ما زاد على كلام جميع الخطباء والعلماء والفصحاء، حتى أخذ عنه المتكلمون والفقهاء والمفسرون، ونقل عنه أهل العربية اصول الاعراب ومعاني اللغات، وقال في الطب ما استفاد منه الأطباء، وفي الحكمة والوصايا والاداب ما أربى على كلام جميع الحكماء، وفي النجوم وعلم الاثار ما استفاد من جهته جميع أهل الملل والاراء. ثم قد نقلت الطوائف عن عترته الطاهرين مثل ذلك من العلوم، ولم يختلف في فضلهم وعلو درجاتهم (1) في ذلك من أهل العلم اثنان. فقد ظهر عن الباقر والصادق عليهما السلام لما تمكنا من الاظهار، وزالت عنهما التقية التي كانت على سيد العابدين، من الفتاوى في الحلال والحرام وسائر المسائل. وروى الناس عنهما من علوم الكلام، وتفسير القرآن، وقصص الأنبياء، وأخبار العرب وملوك الامم ما سمي أبو جعفر باقر العلم. وقد روى مسلم في أول صحيحه: أن جابر الجعفي روى عن أبي جعفر الباقر سبعين ألف حديث (2). وروى عن الصادق عليه السلام من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف انسان، وصنف


(1) في (ق): درجتهم. (2) صحيح مسلم 1: 20.

[ 390 ]

من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب هي معروفة، رواها أصحابه وأصحاب أبيه من قبله وأصحاب ابنه أبي الحسن موسى عليه السلام، ولم يبق فن من فنون العلم الا وروي عنه عليه السلام فيه أبواب، وكذا سائر أئمتنا، كما لا يخفى على المتتبع لاثار أهل البيت عليهم السلام. ووجه دلالة علمهم عليهم السلام على امامتهم أن من ادعى الامامة من معاصري أئمتنا عليهم السلام لم يكونوا في درجتهم من العلم، ولا في أدنى مرتبتهم، فلا يجوز مع وجودهم اتباع غيرهم، لقبحه عقلا، ولقوله تعالى أفمن يهدي الى الحق أحق أن يتبع أم لا يهدي الا أن يهدى (1) فثبت امامتهم، وبطل امامة من سواهم. الدليل الثالث عشر [ لا تثبت الامامة بالاختيار ] ان الامامة لا تثبت بالاختيار، لأن الاختيار لو كان أمرا شرعيا موافقا لارادة الله تعالى لنص عليه الله ورسوله، وعلى الصفات التي ينبغي أن يكون عليه المختار، لئلا يلزم الاختلاف والتنازع الشديد في وجوب النص وعدمه، وفي اعتبار العصمة وعدمها، حتى لا ينتهي الأمر الى القتل والنهب، وتكفير الناس بعضهم بعضا، وكيف يمكن اهمال مثل هذا من الرؤوف الرحيم، مع عدم اهمال أحكام الخلاء وأمثاله. لا يقال: ربما ورد الأمر بالاختيار والنص عليه ولم ينقل الينا. لأنا نقول: هذا محال عادة، لأن الداعي على نقله عظيم، لأنه موافق لمذهب الملوك والمتغلبين، وهم محتاجون إليه وكانت الدنيا في أيديهم، ونفوس الناس مائلة إليهم، وكانت الرواة في طلب ما يتقربون به إليهم، فلو كان نص على الاختيار


(1) يونس: 35.

[ 391 ]

وصفات المختار لاشتهر. فبطل بما بيناه مذهب أهل السنة، فانهم قالوا بثبوت الامامة باختيار الامة، ولكنهم اختلفوا في كيفية الاختيار، فقال جماعة منهم بأنه إذا عقد خمسة عدول علماء أو واحد منهم، ورضي باقيهم لرجل هو أهل للامامة، ولم يكن في الوقت امام ولا عهد لامام، صار المعقود له اماما، لأن عمر عقد لأبي بكر في السقيفة، ورضي ابن الجراح وسالم مولى حذيفة وبشر بن سعيد واسيد بن خضير، وفي الشورى عقد عبد الرحمن لعثمان، ورضي علي وسعد وطلحة والزبير، ونقل عن الجويني في ارشاده القول بأن الامامة تنعقد برجل واحد (1). وقال صاحب المواقف: وإذا ثبت حصول الامامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أن ذلك لا يفتقر الى الاجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل والسمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف، لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجماع من في المدينة فضلا عن اجماع الامة. وقال جماعة اخرى من أهل السنة: باشتراط الاجماع، ورضا كل من أهل الحل والعقد، فلما بطل بما ذكرناه مذهب أهل السنة القائلين بالاختيار، ثبت حقية مذهب الامامية وامامة أئمتهم الاثني عشر، لأن الموجود في هذا الزمان من المعدودين من الشيعة فرقتان: الزيدية، والاسماعيلية. فأما بطلان مذهب الزيدية، فظاهر، فانهم افترقوا ثلاث فرق: السليمانية، والصالحية، وهما قائلان بامامة الشيخين لرضاء علي بهما، وما ذكرناه في ابطال امامتهما يبطل مذهب هاتين الفرقتين. وأما الجارودية وهي الفرقة الثالثة، فتبرؤا من الثلاثة وطعنوا عليهم، وحكموا


(1) الصراط المستقيم 1: 71.

[ 392 ]

بكفرهم، وهؤلاء لم يشترطوا العصمة، ولا النص الجلي، ولا الاحاطة بجميع الأحكام، بل اكتفوا في تعيين الامام بالدعوة والقيام، وما ذكرناه في اعتبار العصمة والنص والاحاطة بجميع الأحكام يبطل هذا المذهب. وكل ما ذكرناه في بطلان الاختيار وسنذكره أيضا، يبطله، لأن هذا المذهب يرجع الى القول بأن كل فاطمي اختار لنفسه الامامة وقام ودعا الناس فهو امام، واعتقدوا أن نصب الامام واجب على الرعية عقلا، فكلما يبطل اختيار الامة في الامامة يبطل مذهبهم. ويبطل أيضا ما تواتر أن الأئمة اثني عشر، ويمكن ابطال هذا المذهب بأن القيام أعم من الامامة، إذ كم من قائم كاذب، ولو كان القيام شرطا مع أنه لا يجوز ايقاعه الا من الامام، لزم الدور، وهؤلاء الزيدية في الفروع مقلدة لأبي حنيفة المخرب للشريعة الحنفية، وكفى هذا دليلا على بطلان مذهبهم. وأما الاسماعيلية، فمذهبهم واضح البطلان، لسوء عقائدهم، وقبح مذاهبهم، وهؤلاء سموا بالاسماعيلية لانتسابهم الى اسماعيل بن جعفر الصادق عليه السلام، وبالباطنية فلقولهم: كل ظاهر له باطن يكون ذلك الباطن مصدرا، وذلك الظاهر مظهرا له، ولا يكون ظاهر لا باطن له، الا هو مثل السراب، ولا باطن لا ظاهر له الا خيال لا أصل له، ولقبوا بالملاحدة لعدولهم عن ظاهر الشريعة الى بواطنها في بعض الأحوال. ومذهبهم: أن الله تعالى أبدع بتوسط معنى يعبر بكلمة (كن) أو غيرها عالمين: عالم الباطن وهو عالم الأمر، وعالم الغيب وهو يشتمل على العقول والنفوس والأرواح والحقائق كلها، وأقرب ما فيها الى الله هو العقل الأول ثم ما بعده على الترتيب، وعالم الظاهر وهو عالم الخلق وعالم الشهادة، ويشتمل على الأجرام العلوية والسفلية، والأجسام الفلكية والعنصرية، وأعظمها العرش، ثم الكرسي، ثم سائر الأجسام على الترتيب.

[ 393 ]

والعالمان ينزلان من الكمال الى النقصان، ويعودان من النقصان الى الكمال، حتى ينتهي الى الأمر، وهو المعبر عنه ب‍ (كن) وينتظم بذلك سلسلة الوجود الذي مبدأه من الله ومعاده إليه، ثم يقولون: الامام مظهر الأمر، وحجته مظهر العقل الذي يقال له العقل الأول وعقل الكل، والنبي مظهر النفس التي يقال لها نفس الكل، والامام هو الحاكم في عالم الباطن، ولا يصير غيره عالما بالله الا بتعليمه اياه، ولذلك يسمونهم بالتعليمية، والنبي هو الحاكم في عالم الظاهر، ولا تتم الشريعة التي يحتاج الناس إليها الا به، ولا يخلو زمان عن امام: إما ظاهر، وإما مستور، وطريقتهم التأليف بين أقوال الحكماء وأقوال أهل الشرع. وأما تعيين أئمة الاسلام، فقالوا: الامام في عهد رسول صلى الله عليه وآله كان عليا، وبعده كان ابنه الحسن اماما مستودعا، وابنه الحسين اماما مستقرا، ولذلك لم يذهب الامامة في ذرية الحسن، فانتهت بعده الى علي ابنه، ثم الى محمد ابنه، ثم جعفر ابنه، ثم الى اسماعيل ابنه وهو السابع. وقالوا بأن الأئمة في عهد ابن اسماعيل محمد صاروا مستورين، ولذلك سموهم بالسبعية، لوقوفهم على السبعة الظاهرة، ودخل في عهد محمد زمان استتار الأئمة وظهور دعاتهم. ثم ظهر المهدي ببلاد المغرب، وادعى أنه من أولاد اسماعيل، واتصل أولاده ابن بعد ابن الى المستنصر، واختلفوا بعده، فقال بعضهم بامامة نزار ابنه، وبعضهم بامامة المستعلى ابنه الاخر، وبعد نزار استتر أئمة النزاريين، واتصلت امامة المستعليين الى أن انقطع في العاضد، وكان الحسن بن علي بن محمد بن الصباح المستولي على قلعة الموت من دعاة النزاريين، ثم ادعوا بعده أن الحسن الملقب بعلي كان اماما ظاهرا من أولاد نزار، ثم انقرضوا. ولا يخفى على البصير بأدنى تأمل بطلان مذهب هؤلاء الملاحدة المخالفة لدين الاسلام، وأكثر ما دل على بطلان مذهب الزيدية دل على بطلان مذهبهم أيضا. وأما غير هاتين الفرقتين من فرق الشيعة، فكفى في ابطالهم انقراضهم، ولا

[ 394 ]

يحتاج الى تطويل الكلام في ابطال شبههم. فلما ثبت بطلان مذهب أهل السنة ومن سوى الامامية من فرق الشيعة، ثبت حقية الامامية وأئمتهم الاثني عشر، لامتناع اتفاق كل الامة على الباطل وخلاف الحق. الدليل الرابع عشر [ امر الامامة بيد الله تعالى ] قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ليس لك من الأمر شئ (1) وقوله ان الأمر كله لله (2) ووجه الدلالة: أن الاية الاولى تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله مع كمال عقله وعلمه ليس له من الأمر شئ. والثانية تدل على أن الأمر كله كبيره وصغيره لله ومختص به. ولا ريب أن أمر الامامة من أعظم الامور وأهمها، فبمقتضى الايتين لا يجوز أن يباشر النبي صلى الله عليه وآله مع كماله تعيين الامامة من عنده بغير اذن الله، فغير النبي صلى الله عليه وآله بطريق الاولى لا يجوز لهم تعيين الامام. ومما يؤيد الاية ما رواه علي بن محمد بن يونس في الصراط المستقيم، عن جرير الطبري، أن بني كلاب قالوا للنبي صلى الله عليه وآله: نبايعك على أن يكون الأمر لنا بعدك، فقال: الأمر لله ان شاء فيكم، وان شاء في غيركم (3). فبطل بالايتين امامة الأئمة الثلاثة المبنية على الاختيار، فثبت امامة أئمتنا الاثني عشر، لأن من سواهم من أئمة المبتدعين المعدودين من الشيعة قد بطلت بما بيناه سابقا.


(1) آل عمران: 128. (2) آل عمران: 154. (3) الصراط المستقيم 1: 72 - 73.

[ 395 ]

الدليل الخامس عشر { لا يجوز التقدم على الله والرسول والافتراء عليهما } قوله تعالى لا تقدموا بين يدي الله ورسوله (1) وقوله آلله أذن لكم أم على الله تفترون (2). ووجه الدلالة: أن اختيار الامام بغير اذن من الله ورسوله تقديم بين يديهما وافتراء على الله، فبطل امامة أئمة أهل الاختيار حيث اختاروهم بغير اذن من الله ورسوله، وثبت امامة أئمتنا الأطهار حيث لا قائل بالفصل، وانما قلنا ان اختيارهم بغير اذن من الله ورسوله، لأن المخالف ليس له دليل من الكتاب والسنة عليه، وينبغي أن نأتي بذكر أقوال المخالف في الاختيار ليتبين أن قولهم بالاختيار من غير دليل وبرهان. قال الماوردي في أحكامه: وأما أهل الامامة، فالشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة. والثاني: العلم المؤدي الى الاجتهاد في النوازل والأحكام. والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها. والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض. والخامس: صحة الرأي المفضي الى سياسة الرعية وتدبير المصالح. والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية الى حماية البيضة وجهاد العدو. والسابع: النسب، وهو أن يكون من قريش، لورود النص فيه وانعقاد الاجماع


(1) الحجرات: 1. (2) يونس: 59.

[ 396 ]

عليه، ولا اعتبار بتفرد من شذ فجوزها في جميع الناس، لأن أبا بكر احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم لما بايعوا سعد بن عبادة عليها، بقول النبي صلى الله عليه وآله (الائمة من قريش) فانابوا (1) عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا: منا أمير ومنكم أمير، تسليما لروايته، وتصديقا لخبره، ورضوا بقوله (نحن الامراء وأنتم الوزراء) وقال النبي صلى الله عليه وآله: قدموا قريشا ولا تتقدموها. وليس مع هذا النص المسلم شبهة لمنازع فيه، ولا قول لمخالف له. فصل: والامامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل الحل والعقد، والثاني: بعهد الامام من قبل، فأما انعقادها باختيار أهل العقد والحل، فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الامامة، فهم على مذاهب شتى: فقالت طائفة: لا ينعقد الا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد، ليكون الرضا به عاما، والتسليم لامامته اجماعا، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر بها قدوم غائب عنها، وكذلك بويع في الشورى من لم ينتظر ببيعة قدوم غائب. وقالت طائفة اخرى: أقل من تنعقد به الامامة منهم خمسة يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، استدلالا بأمرين: أحدهما: أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها، ثم تابعهم الناس فيها، وهم: عمر بن الخطاب، وعبيدة بن الجراح، واسيد بن خضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة. والثاني: أن عمر جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة. وقال آخرون من علماء الكوفة: ينعقد بثلاثة منهم يتولاها أحدهم برضا الاثنين، ليكونوا حاكما وشاهدين، كما يصح عقد نكاح بولي وشاهدين.


(1) في المصدر: فأقلعوا.

[ 397 ]

وقالت: طائفة اخرى: تنعقد بواحد، لأن العباس قال لعلي رضوان الله عليهما: امدد يدك ابايعك، فيقول الناس: عم رسول الله صلى الله عليه وآله بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان، ولانه حكم وحكم الواحد نافذ (1)، انتهى كلامه. أقول: ما اعترف به من عدم الاجماع على خلافة أبي بكر حق، وقد أشبعنا الكلام في بيانه في الفاتحة، وأما سائر الأقوال في الاختيار، فضعيف جدا، وما حسبوه دليلا عليها، ففي غاية السخافة، كما لا يخفى على الخبير البصير، لأن عمر والأربعة الذين كانوا معه لم يكونوا معصومين، ففعلهم ليس بحجة، وكذا العباس، على أنه يمكن أن يكون غرضه اسكات الخصم والزامه باختيار ما هو حجة عنده، وأما مستند القول بالأكتفاء بالثلاثة والواحد، فقياس، وقد بينا أنه لا يجوز العمل به أصلا في الفروع والاصول. فان قيل: اثبات الخلافة بالبيعة والاختيار لو لم يكن حقا لأنكر على المبايعين الصحابة. قلنا: لا كل الصحابة تركوا الانكار، بل أنكر عليهم جماعة، ثم سكتوا تقية وخوفا، وترك جماعة منهم الانكار لورود الشبهة، وجماعة طمعا في الدنيا ورغبة إليها، وقد أطنبا الكلام في هذا المقام في الفاتحة، وذكرنا ما يرفع التعجب في ترك انكار من ترك. ويمكن الاستدلال بالايتين على وجه آخر، وهو أن الايتين تدلان على بطلان الأجتهاد والرأي، لأن العمل بهما تقديم بين يدي الله ورسوله وعمل بغير اذنهما، وغير الامامية عاملون بالرأي والاجتهاد، فثبت حقية الامامية المنكرين لهما، وأئمتهم الاثني عشر صلوات الله عليهم.


(1) الأحكام السلطانية للماوردي 2: 6 - 7.

[ 398 ]

الدليل السادس عشر قوله تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة (1) ووجه الدلالة: أن هذه الاية تدل على نفي الاختيار عن الامة، فلا يجوز بمقتضى الاية أن يختاروا لأنفسهم، فبطل امامة أئمة المخالفين المبنية على الاختيار، فثبت امامة أئمتنا الاثني عشر. ومما يؤيد الاية ما رواه علي بن محمد بن يونس في الصراط المستقيم، عن الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر، مسندا الى أنس، أن النبي صلى الله عليه وآله قال عند هذه الاية: ان الله اختارني وأهل بيتي على الخلق، فجعلني الرسول، وجعل عليا الوصي (ما كان لهم الخيرة) أي: ما جعلت للعباد أن يختاروا. الدليل السابع عشر قوله تعالى الله يزكي من يشاء (2) أهم يقسمون رحمة ربك (3) نرفع درجات من نشاء (4) ووجه الدلالة: أنها تدل على أن ليس لأحد من الناس قسمة رحمة الرب، ولا رفع الدرجات، ولا شك أن الامامة من رحمة الرب، بل من أعظمها، فليس للامة أن يختاروا لأنفسهم اماما، ويرفعوا بها درجته، فإذا بطل امامة الأئمة المبنية على الاختيار ثبت بانضمام ما بيناه سابقا امامة أئمتنا الاثني عشر.


(1) القصص: 68. (2) النساء: 49. (3) الزخرف: 32. (4) الاتعام: 83.

[ 399 ]

الدليل الثامن عشر قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم (1) ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر المؤمنين باتباع اولي الأمر الذين يكونون من المؤمنين، فيجب على المؤمنين أن لا يطعيوا الا من علموا كونه مؤمنا، وقد اختلفت الامة في ايمان أئمة المخالفين، فلوجود الشك في ايمانهم لا يجوز اطاعتهم، فثبت وجوب اطاعة أئمتنا المعصومين، لعدم الخلاف بين المسلمين في ايمانهم، وما نعني بالامامة الا وجوب الاطاعة. ويمكن الاستدلال بالاية على وجه آخر: وهو أن صاحب الأمر هو الذي ولاه الله، لأنه ليس لغير الله أمر، لقوله تعالى ان الأمر كله لله (2) فمن أعطاه الله الأمر بالنص فهو صاحب الأمر، ومن لم يعطه الأمر بالنص، فليس بصاحب الأمر، ولا يجب اطاعته، وأئمة المخالفين لم يكونوا منصوصين، فلم يكونوا اولي الأمر الواجب اتباعهم، فثبت أن اولي الأمر أئمتنا المعصومين الاثني عشر، ويجب اتباعهم دون غيره. ويمكن الاستدلال أيضا بوجه آخر: وهو أن اولي الأمر الذين أوجب الله تعالى علينا اتباعهم على سبيل الاطلاق كاتباع الله واتباع رسوله، لا يجوز أن يكونوا غير معصومين، لأن غير المعصوم لا يجوز اتباعه على سبيل الاطلاق، بل في حال العصيان يجب مخالفته ونهيه عنه، وأئمة المخالفين لم يكونوا معصومين بالاجماع، فثبت أن المراد باولي الأمر أئمتنا المعصومين الاثني عشر. نقل القاشي عن محمد بن مؤمن الشيرازي في رسالة الاعتقاد، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: ان آية يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي


(1) النساء: 59. (2) آل عمران: 154.

[ 400 ]

الأمر منكم نزلت في شأن علي حين استخلفه الرسول على المدينة (1). الدليل التاسع عشر الايات الدالة على شفقة الله بخلقه وذلك في آيات الرحمة، والعفو، والمغفرة، والتوبة، والنعمة، وفي امور رسوله بنحو ذلك من التلطف، والتغافل عنهم، والارفاق بهم في قوله فاصفح الصفح الجميل (2) فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم (3). فكيف يحسن من الله والرسول مع شدة عنايتهما الاخلال بنصب الامام، مع شدة الناس إليه، مع أن النبي صلى الله عليه وآله من غاية اشفاقه ما كان يسافر عنهم حتى يجعل لهم من ينوبه فيهم وينظر في مصالحهم، وأنه كان إذا أنفذ جيشا أو سرية يقول: ان قتل أميركم فالأمير فلان، وان قتل فلان ففلان الاخر عوضه. ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والخمسين من افراد مسلم، من مسند عبد الله بن عمر، قال: أمر النبي صلى الله عليه وآله في غزوة موته زيد بن حارثة، فقال: ان قتل زيد فجعفر، فان قتل جعفر فعبد الله بن رواحة (4). وكل ذلك فعل النبي صلى الله عليه وآله لئلا يقع بينهم اختلاف، ولئلا ينتشر أمرهم. ان قيل: هذا من باب الخطابة والمسألة العلمية، فلا يستفاد من الخطابة الا الظن. قلنا: لا بل ذلك من باب مفهوم الموافقة، فان الأمر باللين والاستغفار والتواضع هابط في اللطفية عن نصب الامام المعصوم، فيجب بطريق الأولى، فالخطاب الالهي


(1) احقاق الحق 3: 425 عن مناقب الكاشي عن رسالة الاعتقاد. (2) الحجر: 85. (3) آل عمران: 159. (4) الطرائف ص 382 عن الجمع بين الصحيحين. (*)

[ 401 ]

برهاني، لان اثبات الرحمة التامة وارادة المنافع العامة علة نصب الامام، فهذا برهان، لمي فثبت بهذا الدليل بطلان مذهب أهل السنة والزيدية القائلين بعدم وجوب نصب الامام المعصوم على الله والرسول، فثبت حقية مذهبنا وأئمتنا الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين. الدليل العشرون الايات المتضمنة للاستمرار على حق اليقين مثل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله (1) ومثل اصبروا وصابروا (2) وافعلوا الخير (3) والله يحب الصابرين (4) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (5) وقوله لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد (6) وقوله انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا (7). والدوام على ذلك وشبهه مما لم تقض الضرورة به، ولم تهتد العقول الى كسبه، وانما يحصل من النبي صلى الله عليه وآله، ومع فقده فمن الامام عليه السلام، وغير المعصوم يشارك في الحاجة، فثبت وجود الامام المعصوم المستلزم لحقية الأئمة الاثني عشر لما بيناه آنفا.


(1) النساء: 136. (2) آل عمران: 200. (3) الحج: 77. (4) آل عمران: 146. (5) الرعد: 20. (6) ابراهيم: 7. (7) الحجرات: 15. (*)

[ 402 ]

الدليل الحادي والعشرون الايات التي نهى فيها عن المعاصي مثل من يعمل سوء يجز به (1) ومن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته (2) كل امرء بما كسب رهينة (3) فمن افترى على الله الكذب (4) اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تتفرقوا (5) حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم (6) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا (7). فهذه الايات ونحوها لا يوصل الى حقائقها الا المعصوم، إذ الكتاب والسنة مشتملان على المجملات والمتشابهات، وتفويض استخراج ذلك الى الاجتهاد المختلف باختلاف الامارات فيه تعطيل الامور، والتكليف بغير المقدور، والخوف من عدم اصابة الحق. وقد نقل أن رجلا دخل على فخر الرازي في موضعه، فوجده يبكي، فقال: مم بكاؤك ؟ فقال: مسألة حكمت بها من ثلاثين سنة، وضعتها في مصنفاتي، وسارت بها الركبان، والان ظهر لي أنها خطأ، فما يؤمنني أن يكون جميع ما صنفته وألفته كذلك، فهذا خوف امامهم مع سعة فضله وفهمه. فان قيل: يلزم من قولكم بطلان الاجتهاد. قلنا: نعم (8)، هذا قولنا وقول علمائنا المتقدمين، والمتواتر عن أئمتنا المعصومين،


(1) النساء: 123. (2) البقرة: 81. (3) الطور: 21. (4) آل عمران: 94. (5) آل عمران: 103. (6) آل عمران: 152. (7) آل عمران: 105. (8) أي: في الاصول الاعتقادية، وفي مقابل النصوص.

[ 403 ]

وقد تقدم أن حالنا في زمان الغيبة كحال المستضعفين من أهل مكة، وأيضا حالنا كحال المظلومين المحبوسين في سجن الظالمين، وكالأسرى في أيدي المشركين، فالواجب علينا العمل بما نعلم، والتوقف فيما لا نعلم، كالواجب عليهم، وهكذا حكم الله في العباد حال الاضطرار لا حال الاختيار. الدليل الثاني والعشرون قوله تعالى ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين (1) فتعينت عصمة البعض، وهذا البعض لا يجوز أن يكون غير النبي والامام، لقوله تعالى أفمن يهدي الى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي الا أن يهدى (2) ولأن الاحتياج الى عصمة الامام أكثر، فثبت أن هذا البعض هم الأنبياء والأئمة، فإذا ثبت عصمة بعضهم ثبت عصمة الكل، لأنه لا قائل بالفصل، فثبت حقية مذهب الامامية وأئمتهم، لأن غيرهم لم يقولوا بعصمة كل الأنبياء والأئمة عليهم السلام. ويمكن الاستدلال بوجه آخر: وهو أن المستفاد من الاية أنه لا يتبع ابليس الا من كان من الغاوين، ونبينا صلى الله عليه وآله ليس منهم، لقوله تعالى ما ضل صاحبكم وما غوى (3) فثبت عصمته المستلزمة لعصمة كل الأنبياء والأئمة لعدم القول بالفصل، فثبت حقية مذهب الامامية وأئمتهم. ويمكن الاستدلال أيضا بوجه آخر: وهو أن النبي صلى الله عليه وآله لو لم يكن ممن لا سلطان لابليس عليه، يلزم أن يكونوا أكرم عند الله من نبينا صلى الله عليه وآله، لقوله تعالى ان


(1) الحجر: 42 (2) يونس: 35. (3) النجم: 2.

[ 404 ]

أكرمكم عند الله أتقاكم (1) وهو خلاف اجماع المسلمين، فثبت عصمة نبينا صلى الله عليه وآله المستلزمة (2) لعصمة كل الأنبياء والأئمة، فثبت حقية مذهب الامامية وأئمتهم الاثني عشر. الدليل الثالث والعشرون الايات المتضمنة للتقوى مثل قوله تعالى وتزودوا فان خير الزاد التقوى (3) وقوله هدى للمتقين (4) وقوله ان المتقين في جنات (5) ونحو ذلك. ووجه الاستدلال: أن التقوى المحثوث عليها المرغب فيها انما يحصل بامتثال الأوامر واهمال الزواجر، فان لم يكن للتكليف طريقا يؤدي الى العلم بذلك على الاطلاق لزم التكليف بما لا يطاق، والظن لا يكفي، لقوله تعالى ان الظن لا يغني من الحق شيئا (6) فوجب وجود المعصوم ليفيد العلوم.


(1) الحجرات: 13. (2) في (ق): فثبت عصمة نبينا صلى الله عليه وآله لو لم يكن ممن لا سلطان لابليس عليهم يلزم الثاني المستلزمة. (3) البقرة: 197. (4) البقرة: 2. (5) الذاريات: 15. (6) النجم: 28.

[ 405 ]

الدليل الرابع والعشرون الايات المتضمنة للرحمة مثل قوله تعالى اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة (1) ان رحمة الله قريب من المحسنين (2) وأمثالهما. ووجه الاستدلال: أن الرحمة تكون ثبوتها للمحسنين بفعل مأمورات التكاليف وترك منهياتها، فلابد في كل زمان من امام معصوم يستفاد منه طرق الرحمة، لاختلاف المفسرين في الكتاب، واختلاف الرواة في السنة، فثبت امامة الاثني عشر المعصومين، لأن غيرهم من الأئمة لم يكونوا معصومين بالاجماع. الدليل الخامس والعشرون الايات المتضمنة للخوف والوعيد مثل قوله تعالى ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون (3) وقوله ما على المحسنين من سبيل (4) وقوله يعذب من يشاء (5) ومأواهم جهنم (6). ووجه الاستدلال: أن خروج المكلف من خوف الوعيد والسقوط في العذاب الشديد انما يكون باختيار ما يوجب ذلك، وهو غير عالم بما يوجبه، أو يسلبه من تلقاء نفسه، ولا ممن جاز خطأه لجواز معصيته، فلا ملجأ له في زوال الهم القادح الا بهداية من لا يفعل ولا يأمر الا بصالح، وذلك هو الامام المعصوم، فثبت امامة


(1) البقرة: 157. (2) الأعراف: 56. (3) البقرة: 62 و 112 و 262 و 274 و 277 وغيرها. (4) التوبة: 91. (5) البقرة: 73 وغيرها. (6) التوبة: 73. (*)

[ 406 ]

الاثني عشر، لأن غيرهم من الأئمة لم يكونوا معصومين بالاجماع. الدليل السادس والعشرون الايات الناطقة بما يوجب الهلاك مثل قوله تعالى (ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين) (1) (ولا تفسدوا) (2) (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (3). والكتاب والسنة غير كاف في بيان ما يوجب الهلاك، فلابد من وجود معصوم يجزم العبد بصوابه، ولا يخشى اتباعه من غضب الله وعقابه، فثبت امامة أئمتنا الاثني عشر (عليهم السلام) على ما بيناه مرارا. الدليل السابع والعشرون [ الايات الناهية عن التفرق والاختلاف ] قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (4) وقوله سبحانه (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات اولئك لهم عذاب عظيم) (5). ووجه الدلالة: أن الله تعالى كلفنا بترك التفرق والاختلاف، وهو مع عدم الامام المؤيد المعصوم محال، والتكليف بالمحال محال، فلابد في كل زمان من امام معصوم، وأئمة المخالفين لم يكونوا معصومين بالاجماع، فثبت امامة أئمتنا المعصومين (عليهم السلام).


(1) البقرة: 190 والمائدة: 87. (2) الأعراف: 56 و 85. (3) البقرة: 188 وغيرها. (4) آل عمران: 103. (5) آل عمران: 105.

[ 407 ]

الدليل الثامن والعشرون [ الايات الدالة على اتباع الصراط المستقيم ] قوله تعالى (وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه) (1) وقوله (قل انني هداني ربي الى صراط مستقيم) (2) وقوله (اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم) (3) الاية. ووجه الدلالة: أن هذه الايات تدل على أن لله تعالى دينا قيما لا اختلاف فيه، وطريقا مستقيما لا عوج لها، ويجب علينا اتباعه، وهذا لا يمكن الا بنصب امام معصوم حافظ لجميع مسائل الدين، مرشدا الى سبيل اليقين. وعلى مذهب المخالفين للامامية القائلين بأن الامامة بالاختيار ليس لله صراط مستقيم يجب علينا اتباعه، لأن مفسريهم ورواتهم مختلفون في الكتاب والسنة، والدين عندهم ما اقتضى آراء مجتهديهم، فالحلال ما حللوه، والحرام ما حرموه. لأن المخالفين في أحكام الله على قولين: فمنهم من قال: ان الله تعالى ليس له حكم على التعيين، بل الأحكام تابعة لاراء المجتهدين، وكل مجتهد مصيب فيما رآه. ومنهم من قال: ان لله تعالى في كل واقعة حكما معينا، ولكن لم ينصب على أكثر الأحكام أدلة، بل المجتهدين يعمل بالامارات، فان أصاب فله أجران، وان أخطأ فله أجر واحد. وقد ترتب على فتح باب الاجتهاد مفاسد عظيمة، من الحروب، والقتال، ونهب الأموال، وقد أفتى مجتهدوهم خصوصا أبو حنيفة بما هتكوا به حرمة الاسلام وأهله، وسيجئ ان شاء الله في الخاتمة بعض فتاويهم الشنيعة.


(1) الأنعام: 153. (2) الأنعام: 161. (3) الفاتحة: 6 - 7.

[ 408 ]

فثبت حقية الامامية القائلين بأن لله تعالى في كل واقعة حكما معينا معلوما عليه دليل قاطع، وجامع الأحكام كلها أئمة أهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام)، لأن صراط الله على ما ذهبوا إليه مستقيم، واتباعه بالرجوع الى أئمة أهل البيت واجب حيث أمكن. وأما في حال الغيبة، فقد بينا حكم الشيعة فيها، بأنهم كالمستضعفين من أهل مكة، وكالمهاجرين الى الحبشة، يعملون بما يعلمون، ويحتاطون فيما لا يعلمون. وقد أشار مولانا ومقتدانا أمير المؤمنين (عليه السلام) بما رواه في نهج البلاغة الى بطلان الاجتهاد والعمل به، قال (عليه السلام): ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره، فيحكم بخلاف قوله، ثم تجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم، فيصوب آراءهم جميعا، والههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد. أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على اتمامه، أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ؟ أم أنزل الله دينا تاما فقصر الرسول (صلى الله عليه وآله) عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول (ما فرطنا في الكتاب من شئ) وفيه تبيان لكل شئ، وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا، وأنه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وان القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات الا به (1). وقد أوردنا في الدليل الأول نقلا عن كتب المخالفين عدة روايات دالات على حرمة العمل بالرأي.


(1) نهج البلاغة ص 60 - 61 برقم: 18.

[ 409 ]

الدليل التاسع والعشرون ان أئمة المخالف لا يجوز اتباع قولهم وقبول شهادتهم ومن كان كذلك لا يجوز امامته بالاجماع، فبطل امامتهم. أما الدليل على الصغرى، فقوله تعالى (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (1). ووجه الدلالة: أنه يدل على وجوب التبين عند خبر الفاسق، وهو بمعنى من قام به الفسق، فبمقتضى الاية يجب التوقف عند خبر كل من لم يعلم عدالته، وأئمة المخالف لا يعلم عدالتهم، لأن الامة في شأنهم مختلفون، والاجماع الذي ادعوه فقد أبطلناه، وكذا سائر شبههم التي تمسكوا بها، فلا يجوز اتباع قولهم وقبول شهادتهم، فثبت امامة الأئمة الاثني عشر، لعدم القائل بالفصل، ولاجماع الامة على عدالتهم. الدليل الثلاثون [ اختلاف الامة في شأن أئمة المخالفين ] ان الامة مختلفون في شأن أئمة المخالفين، فقال قوم بعدالتهم، وقوم بظلمهم وضلالتهم، فيحتمل أن يكونوا ظالمين، ومن كان كذلك لا يجوز الحكم بامامته، لقوله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين) (2). ووجه الدلالة: أن الظالم بحسب وضع اللغة بمعنى من قام به الظلم، فمن لم يعلم عدم قيام الظلم به لا يجوز الحكم بامامته، فثبت امامة أئمتنا، للاتفاق على عدالتهم، ولعدم القائل بالفصل.


(1) الحجرات: 6. (2) البقرة: 124.

[ 410 ]

الدليل الحادي والثلاثون الايات والروايات الدالة على اشتمال الصحابة على المنافقين وقد كان حذيفة ممن يعرف المنافقين، قال صاحب الصراط المستقيم: وحديث حذيفة في أهل العقبة أخرجه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الأول من افراد مسلم، وفي الحديث الخامس أيضا، وأخرجه العبدري في الجزء الثالث في ثاني كراس من صحيح مسلم، وفي ذلك: ان منهم ثمانية لا يدخلون الجنة الا أن يلج الجمل في سم الخياط (1). وفي الجزء الثالث من صحيح مسلم: أنه (عليه السلام) قال لعائشة: أشد ما لقيت من قومك يوم العقبة (2). ووجه الدلالة: أنه علمنا وجود المنافقين في الصحابة بمقتضى الاية والرواية، وأئمة المخالف ممن اختلف في نفاقهم، وليس في الأدلة ما يشهد ببرأتهم منه، بل القرائن الواضحات على نفاقهم كثيرة، وسنوردها ان شاء الله تعالى في ذكر مثالبهم، وقوله (عليه السلام) لعائشة (أشد ما لقيت من قومك يوم العقبة) قرينة واضحة أيضا، فلا يجوز الحكم بامامتهم، فثبت امامة أئمتنا، لأن الاجماع والكتاب والسنة دلت على طهارتهم، ولأنه لا قائل بالفصل.


(1) صحيح مسلم 4: 2143 برقم: 2779. (2) صحيح مسلم 3: 1420 برقم: 1795 ب 39، والصراط المستقيم 3: 44 - 45.

[ 411 ]

الدليل الثاني والثلاثون قوله تعالى (تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) (1) ووجه الدلالة: أن الايد تدل على حرمة التعاون على كل اثم، والانسان لا يتمكن من ترك التعاون على كل اثم الا بعد العلم بجميع أفراد الاثم، ولا يمكن الا بنصب امام معصوم عالم بجميع المآثم، وأئمة المخالفين لم يكونوا كذلك بالاجماع، فثبت امامة أئمتنا الاثني عشر (عليهم السلام)، لعدم القائل بالفصل. الدليل الثالث والثلاثون الايات التي فيها الحث على الطاعات والأعمال الصالحات ووجه الدلالة: أن الرعية لا يتمكن من العمل بجميع الطاعات والأعمال الصالحات الا بتعليم امام معصوم عالم بجميع وجوه الطاعات والأعمال الصالحة، وأئمة المخالفين لم يكونوا كذلك بالاجماع، فثبت امامة أئمتنا، لعدم القائل بالفصل. الدليل الرابع والثلاثون [ الايات الدالة على عدم وجود الحرج في الدين ] قوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (2) وقوله (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (3). ووجه الدلالة: أن مدلول الايتين أنه تعالى لم يجعل في الدين من حرج ولا عسر،


(1) المائدة: 2. (2) الحج: 78. (3) البقرة: 185.

[ 412 ]

ولا ريب أن التكليف مع عدم تعيين امام معصوم عالم بجميع الأحكام، لو وكلت الرعية الى أنفسهم مع اختلاف آرائهم وأهوائهم ليختاروا لأنفسهم أئمة، حرج عظيم وعسر شديد، فبطل امامة أئمة المخالفين المنعقدة بالبيعة والاختيار، فثبت امامة أئمتنا المعصومين الأطهار، لعدم القائل بالفصل. الدليل الخامس والثلاثون قوله تعالى (وكونوا مع الصادقين) (1) ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمرنا بالكون مع الصادقين، ثم وصفهم في كتابه فقال جل جلاله (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون) (2). فنعت الله الصادقين بتسعة عشر نعتا، ثم هذه النعوت المذكورة لم تكن في غير الأئمة الاثني عشر ممن ادعى الامامة بالاجماع، لأنها معنى العصمة، فثبت أنهم هم الأئمة الصادقون. ويمكن الاستدلال بوجه آخر قريب من هذا الوجه: وهو أن الله تعالى أمرنا بالكون مع الصادقين، ولا يخفى على المتتبع وقوع الاختلاف بين علي (عليه السلام) وعمر وعثمان، وكذا سائر أئمتنا وأئمتهم، وقد علم صدق أئمتنا بالكتاب والسنة والاجماع دون أئمة المخالفين، فثبت امامة أئمتنا ووجوب الكون معهم وبطلان امامة أئمتهم.


(1) التوبة: 119. (2) البقرة: 177.

[ 413 ]

أما الكتاب، فآية التطهير، وأما السنة، فقوله (عليه السلام): اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا أبدا (1). وما في معناه، وما ورد بأن عليا (عليه السلام) الصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، وسيجئ ذكره ان شاء الله تعالى في بيان أفضليته (عليه السلام)، وما ورد بأن عليا (عليه السلام) مع الحق والحق معه، وقد تقدم. وأما الاجماع، فلأن أهل الحل والعقد متفقون على عدالة أئمتنا (عليهم السلام). الدليل السادس والثلاثون [ أفضلية أئمتنا (عليهم السلام) على حميع من ادعي الامامة في حقه ] ان الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) أفضل من كل من ادعى الامامة في أعصارهم، فثبت امامتهم، لأن تقديم المفضول على الفاضل فيما هو فاضل قبيح عقلا وشرعا. أما عقلا، فلأنا نعلم قطعا بالضرورة بأن تقديم تلميذ الفقيه الماهر في الفقه على الفقيه، وتقديم الجبان العاري من التدبير على الشجاع المدبر في الحرب قبيح. وأما نقلا، فقد أشار الله تعالى بقوله: (أفمن يهدي الى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي الا أن يهدى) (2). وأما بيان أفضليتهم (عليهم السلام)، فموقوف على بيان فضائلهم، فنحن نكتفي في بيان فضائلهم بما أقر به الأعداء، بل بعباراتهم، فهذه عبارة ابن أبي الحديد من علماء الجمهور في شرح نهج البلاغة، مشيرا الى أمير المؤمنين (عليه السلام): فأما فضائله (عليه السلام)، فانها قد بلغت من العظم والجلالة والانتشار والاشتهار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها. ثم قال بعد كلام: وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم


(1) فقرة من حديث الثقلين المتواتر وقد رواه أعلام الفريقين في كتبهم كما تقدم. (2) يونس: 35.

[ 414 ]

جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنه استولى بنو امية على سلطان الاسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في اطفاء نوره، والتحريض عليه، ووضع المعائب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، أو يرفع له ذكرا، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك الا رفعة وسموا، وكان كالمسك، كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار ان حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة اخرى. وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهى إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلي حلبتها، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى. وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الألهي، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم، ومن كلامه (عليه السلام) اقتبس، وعنه نقل، واليه انتهى، ومنه ابتدأ. فان المعتزلة - الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر، ومنهم تعلم الناس هذا الفن - تلامذته وأصحابه، لأن كبيرهم واصل بن عطاء، تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه (عليه السلام). وأما الأشعرية، فانهم ينتمون الى أبي الحسن علي بن أبي بشر الأشعري، وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعرية ينتهون بأخرة الى المعتزلة ومعلمهم، وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام). وأما الامامية والزيدية، فانتماؤهم إليه ظاهرة. ومن العلوم: علم تفسير القرآن، وعنه اخذ، ومنه فرع، وإذا رجعت الى كتب التفسير علمت صحة ذلك، لأن أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس، وقد علم الناس

[ 415 ]

حال ابن عباس في ملازمته له، وانقطاعه إليه، وأنه تلميذه وخريجه، وقيل له: أين علمك من علم ابن عمك ؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر الى البحر المحيط. ومن العلوم: علم الطريقة والحقيقة، وأحوال التصوف، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام إليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرح بذلك الشبلي، والجنيد، وسري، وأبو يزيد البسطامي، وأبو محفوظ معروف الكرخي وغيرهم، ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم الى اليوم، وكونهم يسندونها باسناد متصل إليه عليه السلام. ومن العلوم: علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه واصوله، من جملتها: الكلام كله ثلاثة أشياء: اسم، وفعل، وحرف. ومن جملتها تقسيم الكلمة الى معرفة ونكرة. وتقسيم وجوه الاعراب الى الرفع والنصب والجر والجزم، وهذا يكاد يلحق بالمعجزات، لأن القوة البشرية لا تفئ بهذا الحصر، ولا تنهض بهذا الاستنباط. وان رجعت الى الخصائص الخلقية، والفضائل النفسانية والدينية، وجدته ابن جلاها، وطلاع ثناياها. وأما الشجاعة، فانه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله، ومحى اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال الى يوم القيامة، وهو الشجاع الذي ما فر قط، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحدا الا قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الاولى الى الثانية، وفي الحديث: كانت ضرباته وترا. ولما دعا معاوية الى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما، قال عمرو: لقد أنصفك، فقال معاوية: ما غششتني منذ نصحتي الا اليوم، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق، أراك طمعت في امارة الشام بعدي، وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، فأما قتلاه فافتخار

[ 416 ]

رهطهم بأنه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر، قالت اخت عمرو بن عبدود ترثيه: لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبدا ما دمت في الأبد لكن قاتله من لا نظير له * وكان يدعى أبوه بيضة البلد وانتبه يوما معاوية، فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره، فقعد، فقال له عبد الله يداعبه: يا أمير المؤمنين لو شئت أن أفتك بك لفعلت، فقال: لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر، قال: وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف ازاء علي بن أبي طالب، قال: لا جرم انه قتلك وأباك بيسرى يديه، وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها. وجملة الأمر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي، وباسمه ينادي في مشارق الأرض ومغاربها. وأما القوة والأيد، فبه يضرب المثل فيهما، قال ابن قتيبة في المعارف: ما صارع أحدا قط الا صرعه (1). وهو الذي قلع باب خيبر، واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه. وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة وكان عظيما جدا وألقاه الى الأرض، وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها، وأنبط الماء من تحتها. وأما السخاء والجود، فحاله فيه ظاهرة، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده، وفيه انزل (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) (2). وروى المفسرون أنه لم يكن يملك الا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية، فأنزل الله فيه (الذين ينفقون


(1) المعارف ص 90. (2) الانسان: 9 - 10.

[ 417 ]

أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية) (1) وروي عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت (2) يده، ويتصدق بالاجرة، ويشد على بطنه حجرا. وقال الشعبي وقد ذكره عليه السلام: كان أسخى الناس كان على الخلق الذي يحبه الله: السخاء والجود، ما قال لا لسائل قط. وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال له: جئتك من عند أبخل الناس، فقال: ويحك كيف تقول انه أبخل الناس، ولو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفذ تبره قبل تبنه. وهو الذي يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها، وهو الذي قال: يا صفراء ويا بيضاء غري غيري، وهو الذي لم يخلف ميراثا، وكانت الدنيا كلها بيده الا ما كان من الشام. وأما الحلم والصفح، فكان أحلم الناس عن ذنب، وأصفحهم عن مسئ، وقد ظهرت صحة ما قلناه يوم الجمل، حيث ظفر بمروان بن الحكم، وكان أعدى الناس له، وأشدهم بغضا، فصفح عنه. وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد، وخطب يوم البصرة فقال: قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبي طالب، وكان علي عليه السلام يقول: ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت حتى شب عبد الله، فظفر به يوم الجمل، فأخذه أسيرا، فصفح عنه، وقال: اذهب فلا أرينك، لم يزده على ذلك. وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة وكان له عدوا، فأعرض عنه ولم يقل له شيئا. وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ظفر بها أكرمها، وبعث معها الى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس، عممهن بالعمائم، وقلدهن بالسيوف،


(1) البقرة: 274. (2) مجلت يده أي: ثخن جلده وتعجر وظهر فيه ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة.

[ 418 ]

فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به، وتأففت وقالت: هتك ستري برجاله وجنده الذين وكلهم بي، فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن وقلن لها: انما نحن نسوة. وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيف (1)، وشتموه ولعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في أقطار العسكر: ألا لا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز الى عسكر الامام فهو آمن، ولم يأخذ أثقالهم، ولا سبي ذراريهم، ولا غنم شيئا من أموالهم، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل، ولكنه أبى الا الصفح والعفو، وتقيل سنة رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة، فانه عفى والأحقاد لم تبرد، والاساءة لم تنس. ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء، وأحاطوا بشريعة الفرات، وقال رؤساء الشام له: اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا، سألهم علي عليه السلام وأصحابه أن يشرعوا لهم شرب الماء، فقالوا: لا والله ولا قطرة حتى تموتوا ظمأ كما مات عثمان بن عفان، فلما رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع، سقطت منه الرؤوس والأيدي، وملكوا عليهم الماء، فصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم، فقال له أصحابه وشيعته: امنعهم من الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضا بالأيدي، فلا حاجة لك الى الحرب، فقال: لا والله لا اكافؤهم بمثل فعلهم، افسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك.


(1) في الشرح: بالسيوف.

[ 419 ]

فهذه ان نسبتها الى الحلم والصفح، فناهيك بها جمالا وحسنا، وان نسبتها الى الدين والورع، فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله عليه السلام. وأما الجهاد في سبيل الله، فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين، وهل الجهاد لأحد من الناس الا له، وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله، وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى، قتل فيها سبعون من المشركين، قتل علي عليه السلام نصفهم، وقتل المسلون والملائكة النصف الاخر. وإذا رجعت الى مغازي محمد بن عمر الواقدي، وتاريخ الأشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما، علمت صحة ذلك، دع من قتله في غيرها كاحد والخندق وغيرهما، وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه، لأنه من المعلومات الضرورية، كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما. وأما الفصاحة، فهو عليه السلام امام الفصحاء وسيد البلغاء، وفي كلامه قيل: دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق. ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة. وقال عبد الحميد بن يحيى: حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع، ففاضت ثم فاضت. وقال ابن نباته: حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الانفاق الا سعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب. ولما قال ابن أبي محفن لمعاوية: جئتك من عند أعيى الناس، قال له: ويحك كيف يكون أعيى الناس، فوالله ما سن الفصاحة والبلاغة لقريش غيره. ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة، ولا يبارى في البلاغة، وحسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر مما دون له، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب البيان والتبيين وفي غيره من كتبه. وأما سجاحة الأخلاق، وبشر الوجه، وطلاقة المحيا والتبسم، فهو المضروب به

[ 420 ]

المثل فيه، حتى عابه بذلك أعداؤه. قال عمرو بن العاص لأهل الشام: انه ذو دعابة شديدة، وقال علي عليه السلام في ذاك: عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة، واني امرئ تلعابة اعافس وامارس، وعمرو بن العاص انما أخذها من عمر، لقوله له لما عزم على استخلافه: لله أبوك لولا دعابة فيك. الا أن عمر اقتصر عليها، وعمرو زاد فيها وسمجها. قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه: كان فينا كأحدنا، لين جانب، وشدة تواضع، وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه. وقال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن فلقد كان هشا بشا ذا فكاهة، قال قيس: نعم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويتبسم الى أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء، وتعيبه بذلك، أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى، تلك هيبة التقوى، ليس كما يهابك طغام أهل الشام. وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيه وأوليائه الى الان، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الاخر، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك. وأما الزهد في الدنيا، فهو سيد الزهاد، وبدل الأبدال، واليه تشد الرحال، وعنده تنفض الأحلاس، ما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا. قال عبد الله بن أبي رافع: دخلت إليه يوم عيد، فقدم جرابا مختوما، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا، فقدم فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين فكيف تختمه ؟ قال: خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت. وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وليف اخرى، ونعلاه من ليف، وكان يلبس

[ 421 ]

الكرابيس (1) الغليظ، فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة ولم يخطه، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح، فان ترقى عن ذلك فببعض نبات الأرض، فان ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الابل، ولا يأكل اللحم الا قليلا ويقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان. وكان مع ذلك أشد الناس قوة، وأعظمهم يدا، لم ينقص الجوع قوته، ولا يجور الاقلال منته، وهو الذي طلق الدنيا، وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الاسلام الا من الشام، فكان يفرقها ويمزقها، ثم يقول: هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده الى فيه وأما العبادة، فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما، ومنه تعلم الناس صلاة الليل، وملازمة الأوراد، وقيام النافلة، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يمينا وشمالا، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته، وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده. وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه واجلاله، وما يتضمنه من الخضوع لهيبته، والخشوع لعزته، والاستخذاء له، عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص، وفهمت من أي قلب خرجت، وعلى أي لسان جرت. وقيل لعلي بن الحسين عليهما السلام وكان الغاية من العبادة: أين عبادتك من عبادة جدك ؟ قال: عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما قراءة القرآن والاشتغال به، فهو المنظور إليه في هذا الباب، اتفق الكل على


(1) في الشرح: الكرباس.

[ 422 ]

أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يكن غيره يحفظه، ثم هو أول من جمعه، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة، بل يقولون: تشاغل بجمع القرآن، فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن، لأنه لو كان مجموعا في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله لما احتاج الى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته. وإذا رجعت الى كتب القراءة وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه، كأبي عمرو بن العلاء، وعاصم بن أبي النجود وغيرهما، لأنهم يرجعون الى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه وعنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا، مثل كثير مما سبق. وأما الرأي والتدبير، فكان من أسد الناس رأيا، وأصحهم تدبيرا، وهو الذي أشار على عمر لما عزم على أن يتوجه بنفسه الى حرب الروم والفرس بما أشار، وهو الذي أشار على عثمان بامور كان صلاحه فيها، ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث. وانما قال أعداؤه: لا رأي له، لأنه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه، وقد قال عليه السلام: لولا الدين والتقى لكنت أدهى العرب. وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوقفه، سواء كان مطابقا للشرع أم لم يكن. ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، ولا يقف على ضوابط وقيود، يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه، تكون أحواله الدنيوية الى الانتظام أقرب، ومن كان بخلاف ذلك يكون أحواله الدنيائية (1) الى الانتثار أقرب.


(1) في الشرح: الدنيوية.

[ 423 ]

وأما السياسة، فانه كان شديد السياسة، خشنا في ذات الله، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاه اياه، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به، وأحرق قوما بالنار، ونقض دار مصقلة بن هبيرة، ودار جرير بن عبد الله البجلي، وقطع جماعة، وصلب آخرين. ومن جملة سياسته حروبه في أيام خلافته بالجمل وصفين والنهروان، وفي أقل القليل منها مقنع، فان كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر مما فعل عليه السلام في هذه الحروب بيده وأعوانه. فهذه خصائص البشر ومزاياهم، قد أوضحنا أنه فيها الامام المتبع فعله، والرئيس المقتفى أثره. وما أقول في رجل يحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة، وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها، حاملا سيفه، مشمرا لحربه، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها، كان على سيف عضد الدولة ابن بويه وسيف أبيه ركن الدولة صورته، وكان على سيف الب أرسلان وابنه ملكشاه صورته، كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر. وما أقول في رجل أحب كل واحد أن يتكثر به، وود كل أحد أن يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه، حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها: ألا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك، فان أربابها نسبوا أنفسهم إليه، وصنفوا في ذلك كتبا، وجعلوا لذلك اسنادا أنهوه إليه، وقصروه عليه، وسموه سيد الفتيان، وعضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المروي أنه سمع من السماء يوم احد: لا سيف الا ذو الفقار * ولا فتى الا علي وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء، وشيخ قريش، ورئيس مكة، قالوا: قل أن يسود فقير، وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له، وكانت قريش

[ 424 ]

تسميه الشيخ. وفي حديث عفيف الكندي: لما رأى النبي صلى الله عليه وآله يصلي في مبدأ الأمر والدعوة، ومعه غلام وامرأة، قال: فقلت للعباس: أي شئ هذا ؟ قال: هذا ابن أخي يزعم أنه رسول من الله الى الناس، ولم يتبعه على هذا القول (1) الا هذا الغلام وهو ابن أخي أيضا، وهذه المرأة وهي زوجته، قال: فقلت: ما تقولون أنتم ؟ قال: ننتظر ما يفعل الشيخ ؟ قال: يعني أبا طالب. وأبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلى الله عليه وآله صغيرا، وحماه وحاطه كبيرا، ومنعه من مشركي قريش، ولقي لأجله عنتا عظيما، وقاسى بلاء شديدا، وصبر على نصره والقيام بحقه وبأمره. وجاء في الخبر: أنه لما توفي أبو طالب اوحي إليه عليه السلام وقيل له: اخرج منها فقد مات ناصرك. وله مع شرف هذه الابوة، أن ابن عمه محمد سيد الأولين والاخرين، وأخاه جعفر ذو الجناحين الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أشبهت خلقي وخلقي، فمر يحجل فرحا. وزوجته سيدة نساء العالمين، وابنيه سيدا شباب أهل الجنة، فأباؤه آباء رسول الله، وامهاته امهات رسول الله، وهو منوط (2) بلحمه ودمه، لم يفارقه منذ خلق الله آدم الى أن مات عبد المطلب بين الأخوين عبد الله وأبي طالب وامهما واحدة، فكان منهما سيد الناس، هذا الأول وهذا الثاني، وهذا المنذر وهذا الهادي. وما أقول في رجل سبق الناس الى الهدى، وآمن بالله وعبده، وكل من في الأرض يعبد الحجر ويجحد الخالق، لم يسبقه أحد الى التوحيد الا السابق الى كل خير محمد رسول الله صلى الله عليه وآله. ذهب أكثر أهل الحديث الى أنه أول الناس اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وآله، وايمانا به، لم


(1) في الشرح: على قوله. (2) في الشرح: مسوط.

[ 425 ]

يخالفه في ذلك الا الأقلون، وقد قال هو عليه السلام: أنا الصديق الأكبر، وأنا الفاروق الأعظم، أسلمت قبل اسلام الناس، وصليت قبل صلاتهم. ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق وعلمه واضحا، واليه ذهب الواقدي، وابن جرير الطبري، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كتاب الاستيعاب. ولأنا نذكر في مقدمة هذا الكتاب جملا من فضائله عنت بالعرض لا بالقصد، وجب أن نختصر ونقتصر، فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا الى كتاب مفرد يماثل حجم هذا بل يزيد عليه، وبالله التوفيق (2). انتهى كلامه. وقد ذكر امام أهل السنة محمد بن عمر الرازي، وهو من أعظم علماء الأشعرية، في كتاب الأربعين في الفصل الخامس من المسألة التاسعة والثلاثين، في بيان أفضل الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، ويورد عشرين حجة في أن علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. ويقول في الحجة الثالثة منها ما هذا لفظه: الحجة الثالثة: أن علي بن أبي طالب كان أعلم الصحابة، والأعلم أفضل، وانما قلنا ان عليا كان أفضل الصحابة للاجمال والتفصيل. أما الاجمال، فهو أنه لا نزاع أن عليا عليه السلام كان في أصل الخلقة في غاية الذكاء والفطنة والاستعداد للعلم، وكان محمد صلى الله عليه وآله أفضل الفضلاء وأعلم العلماء، وكان علي عليه السلام في غاية الحرص في طلب العلم، وكان محمد صلى الله عليه وآله في غاية الحرص في تربية علي وارشاده الى اكتساب الفضائل، ثم ان عليا عليه السلام نشأ من أول صغره في حجر محمد صلى الله عليه وآله، وفي كبره صار ختنا له، وكان يدخل إليه في كل الأوقات.


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 16 - 30.

[ 426 ]

ومن المعلوم أن التلميذ إذا كان في غاية الذكاء والحرص على التعليم، وكان الاستاذ في غاية الفضل وفي غاية الحرص على التعليم، ثم اتفق لمثل هذا التلميذ أن يتصل بخدمة هذا الاستاذ في زمان الصغر، كان ذلك الاتصال بخدمته حاصلا في كل الأوقات، فانه يبلغ ذلك التلميذ مبلغا عظيما، وهذا بيان اجمالي في أن عليا عليه السلام كان أعلم الصحابة. فأما أبو بكر فانه اتصل بخدمته عليه السلام في زمان الكبر، وأيضا ما يصل الى خدمته في اليوم والليلة الا مرة واحدة زمانا يسيرا، وأما علي عليه السلام فانه اتصل بخدمته عليه السلام في زمان الصغر، وقد قيل: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبير كالنقش في المدر، فثبت بما ذكرنا أن عليا عليه السلام كان أعلم من أبي بكر. وأما التفصيل، فيدل عليه وجوه: الأول: قوله (تعالى وتعيها اذن واعية) (1) نزل في حق علي عليه السلام، وتخصيصه بزيادة الفهم يدل على اختصاصه بمزيد العلم. الثاني: قوله عليه السلام (أقضاكم علي) والقضاء يحتاج الى جميع أنواع العلوم، فلما رجحه على الكل في القضاء، لزم أنه رجحه عليهم في كل العلوم. وأما سائر الصحابة، فقد رجح كل واحد منهم على غيره في علم واحد، كقوله (أفرضكم زيد، وأقرأكم ابي). الثالث: روي أن عمر أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فنبهه علي عليه السلام بقوله تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) (2) مع قوله الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين (3) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فقال عمر: لولا علي لهلك


(1) الحاقة: 12. (2) الأحقاف: 15. (3) البقرة: 233.

[ 427 ]

عمر. وروي أن لمرأة أقرت بالزنا وكانت حاملا، فأمر عمر برجمها، فقال علي عليه السلام: ان كان لك سلطان عليها فما سلطانك على ما في بطنها ؟ فترك عمر رجمها وقال: لولا علي لهلك عمر. فان قيل: لعل عمر أمر برجمها من غير تفحص عن حالها، فظن أنها ليست بحامل، فلما نبهه علي ترك رجمها. قلنا: هذا يقتضي أن عمر ما كان يحتاط في سفك الدماء، وهذا أشر من الأول. وروي أيضا أن عمر قال يوما على المنبر، ألا لا تغالوا في مهور نسائكم، فمن غال في مهر امرأته جعلته في بيت المال، فقامت عجوز فقالت: يا أمير المؤمنين أتمنع عنا ما جعله الله لنا، قال الله تعالى (وان أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) (1) فقال عمر: كلكم أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت. فهذه الوقائع وقعت لغير علي عليه السلام ولم يتفق مثلها لعلي عليه السلام. الرابع: نقل عن علي عليه السلام أنه قال: لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها، لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية نزلت في بحر ولا بر ولا سهل ولا جبل ولا سماء ولا أرض، ولا ليل ولا نهار، الا وأنا أعلم في من تزلت وفي أي شئ نزلت. طعن أبو هاشم في هذا، فقال: التوراة منسوخة فكيف يجوز الحكم بها ؟ الجواب عنه من وجوه: الأول: لعل المراد شرح كمال علمه بتلك الأحكام المنسوخة على التفصيل، وبالأحكام الناسخة لها الواردة في القرآن.


(1) النساء: 20.

[ 428 ]

الثاني: لعل المراد أن قضاة اليهود والنصارى متمكنون من الحكم والقضاء على وفق أديانهم بعد بذل الجزية، فكأن المراد أنه لو جاز للمسلم ذلك لكان هو قادرا عليه. الثالث: لعل المراد أن يستخرج من التوراة والانجيل نصوصا دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وكان ذلك قويا في التمسك بها. الخامس: أنا نتفحص عن أحوال العلوم، وأعظمها علم الاصول، وقد جاء في خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر وأحوال المعاد، ما لم يأت في كلام سائر الصحابة. وأيضا فجميع فرق المتكلمين ينتهي آخر نسبتهم في هذا العلم إليه. أما المعتزلة، فانهم ينسبون أنفسهم إليه. وأما الأشعرية، فكلهم منتسبون الى الأشعري، وكان تلميذا لأبي على الجبائي المعتزلي، وهو منتسب الى أمير المؤمنين. وأما الشيعة، فانتسابهم إليه ظاهر. وأما الخوارج، فهم مع غاية بعدهم عنه كلهم منتسبون الى أكابرهم، واولئك الأكابر كانوا تلامذة علي بن أبي طالب عليه السلام، فثبت أن جمهور المتكلمين من فرق الاسلام كلهم تلامذة علي بن أبي طالب عليه السلام، وأفضل فرق الاسلام (1) الاصوليون، وكان هذا منصبا عظيما في الفضل. ومنها: علم التفسير، وابن عباس رئيس المفسرين، وهو كان تلميذ علي بن أبي طالب عليه السلام. ومنها: علم الفقه، وكان في الدرجة العالية، ولهذا قال عليه السلام (أقضاكم علي) وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: لو كسرت لي الوسادة وجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، على ما نقلنا.


(1) في المصدر: الامة.

[ 429 ]

ومنها: علم الفصاحة، ومعلوم أن أحدا من الفصحاء الذين بعده لم يدركوا درجته، ولا القليل من درجته. ومنها: علم النحو ومعلوم أنه انما ظهر منه وهو الذي أرشد أبا الأسود الدؤلي إليه. ومنها: علم تصفية الباطن، ومعلوم أن نسب جميع الصوفية ينتهي إليه. ومنها: علم الشجاعة وممارسة الأسلحة، ومعلوم أن نسبة هذه العلوم ينتهي إليه. فثبت بما ذكرنا أنه عليه السلام كان استاد العالمين بعد محمد صلى الله عليه وآله في جميع الخصال المرضية، والمقامات الشرعية. وإذا ثبت أنه كان أعلم الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وجب أن يكون أفضل الخلق بعده، لقوله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (1) وقوله تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات) (2). ثم ذكر الرازي المقدم ذكره في آخر الفصل المذكور ما هذا لفظه ومعناه: الحجة العشرون: اعلم أن الفضائل: إما نفسانية، وإما بدنية، وإما خارجية. أما الفضائل النفسانية، فهي محصورة في نوعين: العلمية، والعملية. أما العلمية، فقد دللنا على أن علم علي عليه السلام كان أكثر من علم سائر الصحابة، ومما يقوي ذلك ما روي أنه عليه السلام قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب من العلم فانفتح من كل باب ألف باب. وأما الفضائل النفسانية العملية، فأقسام: منها: الفقه والزهد، وقد كان في الصحابة جمع من الزهاد، كأبي ذر وسلمان وأبي الدرداء، وكلهم كانوا من تلامذة علي عليه السلام. ومنها: الشجاعة، وقد كان في الصحابة جماعة، كأبي دجانة وخالد بن الوليد،


(1) الزمر: 9. (2) المجادلة: 11.

[ 430 ]

وكان شجاعته أكثر نفعا من شجاعة الكل، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم الأحزاب: لضربة علي خير من عبادة الثقلين. قال علي بن أبي طالب عليه السلام: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية ولكن بقوة الهية. ومنها: السخاوة، وقد كان في الصحابة جمع من الأسخياء، وقد بلغ اخلاصه في سخاوته الى أن أعطى ثلاثة أقراص، فأنزل الله تعالى في حقه (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (1). ومنها: حسن الخلق، وقد كان مع غاية شجاعته وبسالته حسن الخلق جدا، وقد بلغ فيه الى حيث نسبه أعداؤه الى الدعابة. ومنها: البعد عن الدنيا، وظاهر أنه كان مع انفتاح أبواب الدنيا عليه لم يظهر التنعم والتلذذ، وكان مع غاية شجاعته إذا شرع في صلاة التهجد، أو شرع في الدعوات والتضرعات الى الله تعالى، بلغ مبلغا لا يوازيه أحد ممن جاء بعده من الزهاد، ولما ضربه ابن ملجم لعنه الله قال: فزت ورب الكعبة. وأما الفضائل البدنية، فمنها: القوة والشدة، وكان فيها عظيم الدرجة، حتى قيل: انه كان يقط الهام قطع الأقلام. ومنها: النسب العالي، ومعلوم أن أشرف الأنساب هو القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو كان أقرب الناس في النسب الى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأما العباس فانه وان كان عم رسول الله صلى الله عليه وآله، الا أن العباس كان أخا لعبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وآله من الأب لا من الام. وأما أبو طالب فانه كان أخا لعبد الله من الأب والام، وأيضا فان عليا عليه السلام كان هاشميا من الأب والام، لأنه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم.


(1) الانسان: 8.

[ 431 ]

ومنها: المصاهرة، ولم يكن لأحد من الخلق مصاهرة مثل ما كانت له. وأما عثمان فهو وان شاركه في كونه ختنا لرسول الله صلى الله عليه وآله الا أن أشرف أولاد الرسول هي فاطمة عليها السلام، ولذلك قال عليه السلام: سيدة نساء العالمين أربع وعد منهن فاطمة، ولم يحصل مثل هذا الشرف للبنتين اللتين هما زوجتا عثمان. ومنها: أنه لم يكن لأحد من الصحابة أولاد يشاركون أولاده في الفضيلة، فالحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة ولداه، ثم انظر الى أولاد الحسن، مثل الحسن المثنى والمثلث وعبد الله بن المثنى والنفس الزكية، والى أولاد الحسين، مثل زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام، فان هؤلاء يعد تفضيلهم وعلو درجتهم كل مسلم. ومما يدل على علو شأنهم أن أفضل المشايخ وأعلاهم درجة أبو يزيد البسطامي، وكان سقاء في دار جعفر الصادق عليه السلام، وأما معروف الكرخي فانه أسلم على يد علي بن موسى الرضا، وكان بواب داره وبقي على هذه الحالة الى آخر عمره، ومعلوم أن أمثال هذه الأولاد لم يتفق لأحد من الصحابة، ولو أخذنا في الشرح والاطناب لطال الكلام (1). وقد نقل الفاضل المؤيد بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي في كشف الغمة، عن أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ العثماني المرواني، رسالتين أنطقه الله فيهما بأفضلية أمير المؤمنين عليه السلام، وهذه مختصر من الرسالة الاولى، قال بعد كلام طويل في أفضلية بني هاشم: وقال عليه السلام فيما أبان به أهل بيته: اني تارك فيكم الخليفتين، أحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي، نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ولو كانوا كغيرهم لما قال عمر


(1) الأربعين للفخر الرازي ص 465 - 468 و 474 - 476، والطرائف للسيد بن طاووس ص 515 - 520.

[ 432 ]

حين طلب مصاهرته (1): اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة الا سببي ونسبي. ثم قال بعد كلام: فأما علي بن أبي طالب عليه السلام، فلو أفردنا لأيامه الشريفة، ومقاماته الكريمة، ومناقبه السنية كلاما، لأفنينا في ذلك الطوامير الطوال، العرق صحيح، والمنشأ كريم، والشأن عظيم، والعمل جسيم، والعلم كثير، والبيان عجيب واللسان خطيب، والصدر رحيب، فأخلاقه وفق أعراقه، وحديثه يشهد لقديمه، وليس التدبير في وصف مثله الا ذكر جميل قدره، واستقصاء جميع حقه، فإذ كان كتابنا لا يحتمل تفسير جميع أمره، ففي هذه الجملة بلاغ لمن أراد معرفة فضله. وأما الحسن والحسين عليهما السلام، فمثلهما مثل الشمس والقمر في المنافع (2) العامة والنعم الشاملة التامة، ولو لم يكونا ابني علي من فاطمة عليهم السلام، ورفعت من وهمك كل رواية وكل سبب توجبه القرابة، لكنت لا تقرن بهما أحدا من جملة أولاد المهاجرين والصحابة، الا أراك فيهما الانصاف من تصديق قول النبي صلى الله عليه وآله: انهما سيدا شباب أهل الجنة، وجميع من هما سادته سادة، والجنة لا تدخل الا بالصدق والصبر، والا بالعلم والحلم، والا بالطهارة والزهد، والا بالعبادة والطاعة الكثيرة والأعمال الشريفة، والاجتهاد والاثرة، والاخلاص في النية، فدل على أن حظهما في الأعمال المرضية والمذاهب الزكية فوق كل حظ. وأما محمد بن الحنفية، فقد أقر الصادر والوارد والحاضر والبادي أنه واحد دهره، ورجل عصره، وكان أتم الناس تماما وكمالا. وأما علي بن الحسين، فالناس على اختلاف مذاهبهم مجتمعون عليه لا يمتري أحد في تدبيره، ولا يشك أحد في تقديمه، ولو كان أهل الحجاز يقولون: لم نر ثلاثة


(1) في الكشف: مصاهرة علي. (2) في الكشف: مثل الشمس والقمر، فمن اعطي ما في الشمس والقمر من المنافع.

[ 433 ]

في الدهر يرجعون الى أب قريب كلهم يسمى عليا وكلهم يصلح للخلافة لتكامل خصال الخير فيهم، يعنون: علي بن الحسين بن علي، وعلي بن عبد الله بن جعفر، وعلي بن عبد الله بن عباس. ثم قال بعد كلام: فأما النجدة فقد علم أصحاب الأخبار وحملة الاثار أنهم لم يسمعوا بمثل نجدة علي وحمزة، ولا بصبر جعفر الطيار، ثم بين أفضلية بني هاشم على غيرهم من حيث الشجاعة، والمروءة، والحلم، والتواضع، وحسن الخلق، والعبادة، وعد من عباد بني هاشم ثلاثة كانوا يصلون في كل يوم ألف ركعة، منهم علي بن الحسين عليهما السلام. ثم قال: وجملة اخرى مما لعلي بن أبي طالب عليه السلام خاصة: الأب أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم، والام فاطمة بنت أسد بن هاشم، والزوجة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله سيدة نساء أهل الجنة، والولد الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، والأخ جعفر الطيار في الجنة، والعم العباس وحمزة سيد الشهداء في الجنة، والعمة صفية بنت عبد المطلب، وابن العم رسول الله صلى الله عليه وآله، وأول هاشمي بين هاشميين كان في الأرض ولد أبي طالب. والأعمال التي يستحق بها الخير أربعة: التقدم في الاسلام، والذب عن الرسول وعن الدين، والفقه في الحلال والحرام، والزهد في الدنيا، وهي مجتمعة في علي بن أبي طالب متفرقة في الصحابة، ثم ذكر كلاما طويلا في بيان شجاعته وبيان أفضلية أولاده من وجوه الى آخر الرسالة (1). وهذه مختصر من الرسالة الاخرى للجاحظ في أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام، قال بعد كلام في بيان وجوب ترك القول بالاراء والأخذ باليقين: وانما الحجة الطاعة لله


(1) كشف الغمة في معرفة الأئمة 1: 29 - 36 ط قم.

[ 434 ]

ولرسوله وما أجمعت عليه الامة من كتاب الله وسنة نبيها، ونحن لم ندرك النبي صلى الله عليه وآله، ولا أحدا من أصحابه الذين اختلفت الامة في أحقهم، فنعلم أيهم أولى ونكون معهم كما قال تعالى (كونوا مع الصادقين (1) ونعلم أيهم على الباطل فنجتنبهم، وكما قال الله تعالى (والله أخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا) (2) حتى أدركنا العلم، فطلبنا معرفة الدين وأهله وأهل الصدق والحق، فوجدنا الناس مختلفين يبرأ بعضهم من بعض، ويجمعهم في حال اختلافهم فريقان: أحدهما: قالوا: ان النبي صلى الله عليه وآله مات ولم يستخلف أحدا وجعل ذلك الى المسلمين يختارونه فاختاروا أبا بكر، والاخرون قالوا: ان النبي صلى الله عليه وآله استخلف عليا فجعله اماما للمسلمين بعده، وادعى كل فريق منهم الحق، فلما رأينا ذلك رفضنا (3) الفريقين لنبحث ونعلم المحق من المبطل. فسألناهم جميعا هل للناس بد من وال يقيم أعيادهم، ويجبي زكواتهم ويفرقها على مستحقيها، ويقضي بينهم ويأخذ لضعيفهم من قويهم ويقيم حدودهم ؟ فقالوا: لابد من ذلك، فقلنا هل لأحد أن يختار أحدا، فيوليه بغير نظر في كتاب الله وسنة نبيه ؟ فقالوا: لا يجوز ذلك الا بالنظر. فسألناهم جميعا عن الاسلام الذي أمر الله به، فقالوا: انه الشهادة والاقرار بما جاء من عند الله، والصلاة والصوم والحج بشرط الاستطاعة، والعمل بالقرآن يحل حلاله ويحرم حرامه، فقبلنا ذلك منهم. ثم سألناهم جميعا هل لله خيرة من خلقه اصطفاهم واختارهم ؟ فقالوا: نعم، فقلنا: ما برهانكم ؟ قالوا: قوله تعالى (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم


(1) التوبة: 119. (2) النحل: 78. (3) في الكشف: وقفنا.

[ 435 ]

الخيرة من أمرهم) (1) فسألناهم من الخيرة ؟ قالوا: هم المتقون، قلنا: ما برهانكم ؟ قالوا: قوله تعالى (ان أكرمكم عند الله أتقاكم) (2) فقلنا: هل لله خيرة من المتقين ؟ قالوا: نعم المجاهدين (3) بدليل قوله (تعالى فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة (4). فقلنا: هل لله خيرة من المجاهدين ؟ قالوا جميعا: نعم السابقون من المهاجرين الى الجهاد، بدليل قوله تعالى (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) (5) الاية، فقبلنا ذلك منهم لاجماعهم عليه، وعلمنا أن خيرة الله من خلقه المجاهدون السابقون الى الجهاد. ثم قلنا: هل لله خيرة منهم ؟ قالوا: نعم، قلنا: من هم ؟ قالوا: أكثرهم عناء في الجهاد وطعنا وضربا وقتلا في سبيل الله، بدليل قوله تعالى (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) (6) وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) (7) فقبلنا ذلك منهم وعلمناه، وعرفنا أن خير الخيرة أكثرهم في الجهاد عناء، وأبذلهم لنفسه في طاعة الله وأقتلهم لعدوه. فسألناهم عن هذين الرجلين علي بن أبي طالب وأبي بكر أيهما كان أكثر عناء في الحرب وأحسن بلاء في سبيل الله ؟ فأجمع الفريقان على أمير المؤمنين علي بن أبي


(1) القصص: 68. (2) الحجرات: 13. (3) في الكشف: المجاهدون بأموالهم. (4) النساء: 95. (5) الحديد: 10. (6) الزلزلة: 7. (7) المزمل: 20.

[ 436 ]

طالب عليه السلام، انه كان أكثر طعنا وضربا، وأشد قتالا وأذب عن دين الله ورسوله صلى الله عليه وآله، فثبت بما ذكرناه من اجماع الفريقين ودلالة الكتاب والسنة أن عليا عليه السلام أفضل. فسألناهم ثانية من خيرته من المتقين ؟ فقالوا: هم الخاشعون بدليل قوله تعالى (وازلفت الجنة للمتقين غير بعيد) الى قوله تعالى (من خشي الرحمن بالغيب (1) وقوله تعالى (اعدت للمتقين) (2) الذين يخشون ربهم) (3). ثم سألناهم جميعا من أعلم الناس ؟ قالوا: أعلمهم بالقول وأهداهم الى الحق، وأحقهم أن يكون متبوعا ولا يكون تابعا، بدليل قوله تعالى (يحكم به ذوا عدل منكم (4) فجعل الحكومة لأهل العدل (5) فقبلنا ذلك منهم. ثم سألناهم عن أعلم الناس بالعدل من هو ؟ قالوا: أدلهم عليه، قلنا: فمن أدل الناس ؟ قالوا: أهداهم الى الحق، وأحقهم أن يكون متبوعا ولا يكون تابعا، بدليل قوله تعالى (أفمن يهدي الى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي الا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون) (6). فدل كتاب الله وسنة نبيه والاجماع أن أفضل الامة بعد نبيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، لأنه إذا كان أكثرهم جهادا كان أتقاهم، وإذا كان أتقاهم كان أخشاهم، وإذا كان أخشاهم كان أعلمهم، وإذا كان أعلمهم كان أدل على العدل،


(1) ق: 31 - 33. (2) آل عمران: 133. (3) الأنبياء: 49. (4) المائدة: 95. (5) في الكشف: الى أهل العدل. (6) يونس: 35.

[ 437 ]

وإذا كان أدل على العدل كان أهدى الامة الى الحق، وإذا كان أهدى كان أولى أن يكون متبوعا وأن يكون حاكما لا تابعا ولا محكوما عليه، ثم ذكر كلاما طويلا في بيان أفضليته عليه السلام من وجه آخر (1). انتهى ما أردنا نقله من عبارات بعض علماء المخالفين. وينبغي أن نختم عباراتهم بكلام لطيف ذكره سيدنا التقي النقي الزكي الفاضل الكامل الألمعي السيد رضي الدين قدس سره في نهج البلاغة في شأنه عليه السلام، في بيان بعض حالاته العجيبة وصفاته الغريبة، وهذه عبارته: ومن عجائبه عليه السلام التي انفرد بها، وأمن المشاركة فيها، أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ، والتذكير والزواجر، إذا تأمله المتأمل، وفكر فيه المتفكر، وخلع من قلبه، أنه كلام مثله ممن عظم قدره، ونفذ أمره، وأحاط بالرقاب ملكه، لم يعرضه الشك في أنه من كلام من لا حظ له في غير الزهادة، ولا شغل له بغير العبادة، وقد قبع في كسر بيت، أو انقطع في سفح جبل، لا يسمع الا حسه، ولا يرى الا نفسه، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه، فيقط الرقاب، ويجدل الأبطال (2). ومما يدل على أن عليا عليه السلام وسائر أهل البيت عليهم السلام أفضل الخليقة، وأكمل البرية، عباراته المنقولة في نهج البلاغة، منها: قوله عليه السلام مشيرا الى آل محمد: هم موضع سره، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائصه (3). ومنها: ما ذكره مشيرا الى من تقدم عليه وغصب حقه: زرعوا الفجور، وسقوه


(1) كشف الغمة 1: 36 - 39. (2) نهج البلاغة ص 35 مقدمة الشريف الرضي. (3) نهج البلاغة: 47 برقم: 2.

[ 438 ]

الغرور، وحصدوا الثبور، لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الامة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الان إذ رجع الحق الى أهله، ونقل الى منتقله (1). ومما يدل أيضا على ما ذكرناه قوله عليه السلام مشيرا الى آل محمد: فيهم كرائم القرآن، وهم كنوز الرحمن، ان نطقوا صدقوا، وان صمتوا لم يسبقوا (2). وغيرها من العبارات الصريحة في الأفضلية. ومما يدل أيضا على أفضليته عليه السلام أنه كان عادلا صالحا تقيا، والخلفاء الثلاثة كانوا ظالمين فاسقين، وسيجئ بيان وجوه ظلمهم وفسوقهم وفجورهم، وبالاجماع العادل الصالح التقي أفضل من الظالم الفاسق الفاجر. ومما يدل على أفضليته عليه السلام ما ورد من طرق المخالف من الأحاديث المتضمنة لأعلميته عليه السلام ووجوب الرجوع إليه في العلم. ذكر الغزالي في الرسالة اللدنية عن علي عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أدخل لسانه في فمي، فانفتح في قلبي ألف باب من العلم، مع كل باب ألف باب (3). وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فسئل عن علي عليه السلام، فقال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فاعطي علي تسعة أجزاء والناس جزء واحد. أورده الثعلبي في تفسيره (4). وأورد الثعلبي أيضا في تفسيره عن عبد الله بن مسعود، قال: ان القرآن نزل على


(1) نهج البلاغة ص 47 برقم: 2. (2) نهج البلاغة ص 215 برقم: 154. (3) الطرائف ص 136 عن الرسالة اللدنية للغزالي. (4) احقاق الحق 5: 517 عن تفسير الثعلبي وغيره.

[ 439 ]

سبعة أحرف: ما منها حرف الا ولها ظهر وبطن، وان علي بن أبي طالب عنده منه علم الظاهر والباطن (1). وعن ابن عباس قال: علي أقضانا، وابي أقرأنا. أخرجه أبو داود والنسائي (2). وعن علي عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها. أخرجه أبو نعيم والبغوي وغيرهما (3). وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا دار الحكمة وعلي بابها. أورده أبو نعيم والبغوي (4). وفي الحلية عن علي عليه السلام قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال صلى الله عليه وآله: قل ربي الله ثم استقم، قال: قلت: ربي الله وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب، فقال، ليهنئك العلم يا أبا الحسن، لقد شربت العلم شربا ونهلته نهلا (5). وفي الأربعين لأبي المكارم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا ميزان العلم، وعلي كفتاه، والحسن والحسين خيوطه، وفاطمة علاقته، والأئمة عموده، يزنون به أعمال المحبين والمبغضين لنا (6). وفيه أيضا عن سلمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أعلم امتي علي بن أبي طالب (7).


(1) احقاق الحق 5: 515 عن تفسير الثعلبي وغيره. (2) صحيح البخاري كتاب التفسير، والمستدرك 3: 305، وذخائر العقبى ص 83، وحلية الأولياء 1: 65. (3) راجع: احقاق الحق 5: 469 - 501. (4) حلية الأولياء 1: 64. (5) حلية الأولياء 1: 65. (6) راجع: احقاق الحق 9: 207 و 256. (7) راجع: احقاق الحق 4: 318 - 320. (*)

[ 440 ]

وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أقضى امتي علي. رواه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح (1). وفي كتاب الاستيعاب عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وآله بهذه العبارة: علي أقضى امتي. وكذلك رواه أبو سعيد الخدري رضى الله عنه (2). وأورد الترمذي عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ان الله أمرني أن ادنيك واعلمك لتعي، فلما انزلت هذه الاية (وتعيها اذن واعية) (3) قال: أنت اذن واعية (4). وروى الترمذي عن أبي البختري، قال: سئل علي عن نفسه، فقال: كنت إذا سألت اعطيت، وإذا سكت ابتدأت، والله ما نزلت آية الا وقد علمت فيم انزلت، وأين انزلت، ان ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا (5). وفي مسند أحمد بن حنبل، والجمع بين الصحاح الستة، عن أنس بن مالك، قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سلوني الا علي بن أبي طالب (6). وكذا في كتاب الاستيعاب (7). وفي صحيح مسلم أن عليا قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب الله، فما من آية الا وأنا أعلم حيث نزلت بحضيض جبل أو سهل أرض،


(1) راجع: احقاق الحق 4: 321 - 323. (2) راجع: احقاق الحق 4: 322. (3) الحاقة: 12. (4) راجع احقاق الحق 3: 148 - 153. (5) سنن الترمذي 5: 595 و 598. (6) ذخائر العقبى ص 83 عن مناقب أحمد، وفضائل الصحابة لأحمد 2: 646 برقم: 1098. (7) الاستيعاب 3: 40.

[ 441 ]

وسلوني عن الفتن، فما من فتنة الا وقد علمت كبشها ومن يقتل فيها، وكان يقول: سلوني عن طرق السماء، فاني أعرف بها من طرق الأرض (1). وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله الى اليمن، فقلت: يا رسول الله أتبعثني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء، فقال: انطلق فان الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، قال: فما شككت في قضاء بين رجلين. أخرجه النسائي والسجستاني (2). وروى في كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله بهذه العبارة: روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث علي بن أبي طالب الى اليمن قاضيا، فقال: يا رسول الله تبعثني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء، فضرب بيده في صدره فقال: اذهب فان الله عزوجل سيهدي قلبك ويثبت لسانك، قال علي: فما شككت بعد ذلك في قضاء بين اثنين (3). وفي كتاب الاستيعاب، عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن، وقال في المجنونة التي أمر برجمها، وفي التي وضعت لستة أشهر، فأراد عمر رجمهما، فقال له عليه السلام: ان الله تعالى يقول (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) الحديث، وقال له: ان الله تعالى رفع القلم عن ثلاث عن المجنون الحديث، فكان عمر يقول: لولا علي لهلك عمر (4). وفيه عن عبد الملك بن سليمان، قال: قلت لعطاء: أكان في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله


(1) ينابيع المودة ص 74، والاصابة 2: 509، والمناقب للخوارزمي ص 94. (2) الخصائس للنسائي ص 11 ط مصر، ومسند أحمد بن حنبل 1: 83 ط مصر. (3) احقاق الحق 8: 37 عن كتاب شرف النبي، وحلية الأولياء 4: 381، وسنن البيهقي 10: 140 و 141. (4) الاستيعاب 3: 39 المطبوع على هامش الاصابة.

[ 442 ]

أعلم من علي ؟ قال لا والله لا أعلمه (1). وفيه قالت عائشة: من أفتاكم بصوم عاشوراء ؟ قالوا: علي، قالت: أما أنه أعلم الناس بالسنة (2). وفيه عن ابن مسعود: ان أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب (3). وفيه عن أبي الطفيل، قال: سمعت (4) عليا يخطب وهو يقول: سلوني فوالله لا تسألوني عن شئ الا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية الا وأنا أعلم متى نزلت وأين نزلت، أبليل أم نهار، أم في سهل أو جبل (5). وفيه أيضا: ان عليا سئل عن سلمان الفارسي، فقال: من لكم مثل لقمان الحكيم: ذاك امرئ منا والينا أهل البيت أدرك العلم الأول والعلم الاخر بحر لا ينزف، قالوا: فأنت يا أمير المؤمنين ؟ قال: كنت إذا سئلت اعطيت، وإذا سكت ابتدأت، وان بين الدفتين علما جما (6). وفي تفسير الثعلبي في تفسير قوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) (7) باسناده قال جابر الجعفي: لما نزلت هذه الاية قال علي: نحن أهل الذكر (8). وفيه أيضا باسناده عن عبد الله بن الحسين، قال: حين نزلت (وتعيها اذن


(1) الاستيعاب 3: 40. (2) الاستيعاب 3: 40. (3) الاستيعاب 3: 39 - 40. (4) في المصدر: شهدت. (5) الاستيعاب 3: 43. (6) الاستيعاب 2: 59 - 60. (7) النحل: 43 والأنبياء: 7. (8) احقاق الحق 3: 482 عنه.

[ 443 ]

واعية) (1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سألت الله عزوجل أن يجعلها اذنك يا علي، قال علي: فما نسيت بعد ذلك وما كان لي أن أنساه (2). وفيه أيضا باسناده عن بريدة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: ان الله عزوجل أمرني أدنيك ولا أقصيك، وأن اعلمك وأن تعي، وحق الله عزوجل أن تعي، قال: ونزلت (وتعيها اذن واعية (3). وفيه أيضا باسناده في تفسير قوله (تعالى ومن عنده علم الكتاب) (4) عن عبد الله بن عطاء، قال: كنت جالسا مع أبي جعفر في المسجد، فرأيت عبد الله بن سلام، فقلت: هذا الذي عنده علم الكتاب، قال: انما ذاك علي بن أبي طالب (5). وفيه أيضا باسناده عن ابن الحنفية (ومن عنده علم الكتاب) قال: هو علي بن أبي طالب (6). وفيه أيضا باسناده عن جابر بن عبد الله، قال: أخذ النبي صلى الله عليه وآله بعضد علي عليه السلام، وقال: هذا امام البررة، وقاتل الكفرة، منصورر من نصره، مخذول من خذله، ثم مد بها صوته فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب (7). وفيه أيضا عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب (8).


(1) الحاقة: 12. (2) احقاق الحق 3: 149 عنه. (3) احقاق الحق 3: 148. (4) الرعد: 43. (5) احقاق الحق 3: 281 عنه. (6) نفس المصدر. (7) احقاق الحق 4: 235 عنه وص 376. (8) احقاق الحق 5: 469 - 482.

[ 444 ]

وفيه أيضا باسناده عن حذيفة، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولا تؤتى البيوت الا من أبوابها (1). وفيه أيضا باسناده عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب (2). وفيه أيضا باسناده عن عبد الله بن عثمان بن عبد الرحمن، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: هذا أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ثم مد صوته فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب (3). وفيه أيضا باسناده عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أنا مدينة العلم وأنت الباب، كذب من زعم أنه يصل المدينة الا من الباب (4). وفيه أيضا باسناده عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أنا مدينة الجنة وعلي بابها، فمن أراد الجنة فليأتها من بابها (5). وفيه أيضا باسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا دار الحكمة وعلي بابها، فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها (6). وفي مناقب ابن المغازلي باسناده عن علقمة، عن عبد الله قال: كنت عند


(1) احقاق الحق 5: 486 عنه. (2) احقاق الحق 5: 469. (3) احقاق الحق 4: 235 و 376. (4) احقاق الحق 5: 486. (5) احقاق الحق 5: 504. (6) احقاق الحق 5: 507 - 508.

[ 445 ]

النبي صلى الله عليه وآله فسئل عن علي عليه السلام، فقال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فاعطي علي تسعة أجزاء والناس جزء واحدا (1). وفيه باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني جبرئيل بدرنوك من درانيك الجنة، فجلست عليه، فلما صرت بين يدي ربي كلمني وناجاني، فما علمت شيئا الا علمته عليا (2)، فهو باب علم مدينة علمي، ثم دعاه إليه فقال: يا علي سلمك سلمي، وحربك حربي، وأنت العلم فيما بيني وبين امتي من بعدي (3). هذا مختصر مما ورد في علمه عليه السلام، وان أردت الاطلاع على خصوصيات علومه، فعليك بتتبع الكتب المصنفة في قضاياه العجيبة، وأحكامه الغريبة، وأجوبته لعلماء اليهود والنصارى وسائر الفرق. وفيه باسناده عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فضل أهل البيت كفضل البنفسج على سائر الأزهار (4). وفيه باسناده عن ابن عباس قال: جاع النبي صلى الله عليه وآله جوعا شديدا، فأتى الى الكعبة فأخذ بأستارها، وقال: اللهم لا تجع محمدا أكثر مما أجعته، قال: فهبط جبرئيل عليه السلام ومعه لوزة، فقال: ان الله تبارك وتعالى يقرأ عليك السلام ويقول لك: فك عنها فإذا فيها ورقة خضراء مكتوب فيها: لا اله الا الله، محمد رسول الله، أيدته بعلي ونصرته به، ما أنصف الله من نفسه من اتهمه في قضائه، واستبطأه في رزقه (5).


(1) المناقب لابن المغازلي ص 287 برقم: 328. (2) في المناقب: فما علمني شيئا الا علمه علي. (3) المناقب لابن المغازلي ص 50 برقم: 73. (4) المناقب لابن المغازلي ص 41 برقم: 63. (5) لم أعثر عليه في المناقب.

[ 446 ]

وفيه باسناده عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام، قال: نادى ملك من السماء يوم احد (1) يقال له رضوان: لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي. وفيه أيضا هذا الحديث بسند آخر (2). وفي حلية الأولياء عن ابن عباس، قال: ان النبي صلى الله عليه وآله عهد الى علي سبعين عهدا لم يعهد الى غيره (3). وفي تفسير الثعلبي باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما خلق الله عزوجل الخلق اختار العرب، فاختار قريشا، واختار بني هاشم من قريش، فأنا خيرة من خيره، ألا فأحبوا قريشا ولا تبغضوها فتهلكوا، ألا كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة ماخلا سببي ونسبي، وان علي بن أبي طالب من سببي ونسبي، فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني. وفيه أيضا باسناده عن اسحاق بن بشر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انما مثل علي بن أبي طالب في هذه الامة كمثل قل هو الله أحد في القرآن (4). وفيه أيضا باسناده عن أنس بن مالك وعن بريدة، قالا: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله والاصار (5) فقام رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله ؟ فقال: بيوت الأنبياء، قال: فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت لبيت علي وفاطمة ؟


(1) في المناقب: يوم بدر. (2) المناقب لابن المغازلي ص 199 برقم: 235 و 236. (3) حلية الأولياء 1: 68. (4) احقاق الحق 5: 619 - 622. (5) النور: 36.

[ 447 ]

قال: نعم من أفضلها (1). وفي تفسير الثعلبي باسناده عن أبي وائل، قال: قرأت في مصحف عبد الله بن مسعود (ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل محمد على العالمين) (2). وفي شرح المصابيح في مناقب علي عليه السلام، قال النبي صلى الله عليه وآله: الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل يس، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي وهو أفضلهم (3). وفي مناقب ابن مردويه، عن أبي ذر الغفاري قال: قلنا للنبي صلى الله عليه وآله: من أحب أصحابك اليك ؟ فان كان أمر كنا معه، وان كان نائبة كنا من دونه، فقال: هذا علي أقدمكم سلما واسلاما (4). وعن البراء بن عازب الأنصاري، أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: أنت مني وأنا منك. الحديث، أخرجه البخاري ومسلم (5). وفي كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله: أشقى الناس عاقر الناقة، والذي يخضب من هذا - مشيرا الى علي - هذه، يعني الذي يضربك على رأسك فيخضب لحيتك من دم رأسك، فضرب على رأسه حين قتل (6). وفي كتاب الاستيعاب، عن عثمان بن صهيب، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: من أشقى الأولين ؟ قال: الذي عقر الناقة، قال فمن أشقى الاخرين ؟ قال:


(1) احقاق الحق 9: 137 عنه. (2) احقاق الحق 3: 537 عنه. (3) المناقب لابن المغازلي ص 246 برقم: 293، وذخائر العقبى ص 59. (4) المناقب لابن مردويه مخطوط. (5) صحيح البخاري 4: 207 و 5: 141 ط الأميرية. (6) احقاق الحق 7: 341 - 360.

[ 448 ]

الذي يضرب على هذا يعني يافوخه، فيخضب هذه يعني لحيته (1). وفي مناقب ابن المغازلي الشافعي باسناده في تفسير قوله تعالى (والذي جاء بالصدق وصدق به) (2) عن مجاهد: الذي جاء بالصدق وصدق به علي بن أبي طالب (3). وفيه باسناده عن جابر، عن أبي جعفر يعني محمد بن علي الباقر عليه السلام في قوله تعالى (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) (4) قال: نحن الناس (5). وفيه في قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (6) قال: رضا محمد صلى الله عليه وآله أن يدخل أهل بيته الجنة (7). وفيه باسناده عن علي بن جعفر، قال: سألت عن قوله عزوجل (كمشكاة فيها مصباح) قال: المشكاة فاطمة، والمصباح الحسن والحسين (الزجاجة كأنها كوكب دري) قال: كانت فاطمة عليها السلام كأنها كوكب دري من نساء العالمين (يوقد من شجرة مباركة) الشجرة المباركة ابراهيم عليه السلام (لا شرقية ولا غربية) لا يهودية ولا نصرانية (يكاد زيتها يضئ) قال: يكاد العلم ينطق منها ولو لم تمسسه نار نور على نور) قال: امام بعد امام (يهدي الله لنوره من يشاء) (8)


(1) الاستيعاب 3: 60. (2) الزمر: 33. (3) المناقب لابن المغازلي ص 269 - 270 برقم: 317. (4) النساء: 54. (5) المناقب لابن المغازلي ص 267 برقم: 314. (6) الضحى: 5. (7) احقاق الحق 9: 139 عنه. (8) النور: 35.

[ 449 ]

قال: يهدي الله لولايتنا من يشاء (1). وفيه بسنده عن سلمة بن كهيل، قال: مر علي بن أبي طالب على رسول الله صلى الله عليه وآله و علي بن أبي طالب، فقالت (2): أنت سيد العرب ؟ فقال: أنا امام المسلمين وسيد المتقين، فإذا سرك أن تنظري الى سيد العرب فانظري الى علي بن أبي طالب (3). وفيه أيضا هذا المعنى بأدنى تغيير بسند آخر (5). وفيه باسناده عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان عليا يزهر في الجنة كما يزهر كوكب الصبح لأهل الدنيا (5). وفيه بسنده عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان ملكي علي بن أبي طالب ليفتخران على سائر الأملاك بكونهما مع علي، لأنهما لم يصعدا الى الله قط منه بشئ يسخطه (6). وفيه أيضا هذا المعنى بسندين آخرين (7). وفيه باسناده عن جابر، قال: انتجى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم الطائف، فطالت مناجاته اياه، فقيل له: لقد طالت مناجاتك اليوم عليا ؟ فقال: ما أنا ناجيته ولكن الله ناجاه (8).


(1) المناقب لابن المغازلي ص 317 برقم: 361. (2) في المناقب: فقلت. (3) المناقب لابن المغازلي ص 213 برقم: 257. (4) المناقب لابن المغازلي ص 214 برقم: 258. (5) المناقب لابن المغازلي ص 140 برقم: 184 و 185. (6) المناقب لابن المغازلي ص 127 برقم: 167. (7) المناقب لابن المغازلي ص 128 برقم: 168 و 169. (8) المناقب لابن المغازلي ص 124 برقم: 162.

[ 450 ]

وقد أورد هذا المعنى بسبع أسانيد اخر (1). وفيه باسناده عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: النظر الى وجه علي عبادة (2). وفيه هذا الحديث بتسعة أسانيد اخر (3). وفيه باسناده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أن أراد أن ينظر الى علم آدم وفقه نوح، فلينظر الى علي بن أبي طالب (4). وفيه باسناده قال: أتى عمر رجلان فسألاه عن طلاق العبد، فانتهى الى حلقة فيها رجل أصلع، فقال: يا أصلع كم طلاق العبد ؟ فقال له باصبعيه: هكذا، وحرك السبابة والتي تليها، فالتفت اليهما فقال: اثنتين، فقال أحدهما: سبحان الله جئناك وأنت أمير المؤمنين فسألناك، فجئت الى رجل والله ما كلمك، قال: ويلك تدري من هذا ؟ قال: هذا علي بن أبي طالب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لو أن السماوات والأرضين وضعتا في كفة ووضع ايمان علي في كفة لرجح ايمان علي (5). وفيه باسناده عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي شيعتنا يخرجون من قبورهم يوم القيامة على ما بهم من العيوب والذنوب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، وقد فرجت عنهم الشدائد، وسهلت لهم الموارد، واعطوا الأمن والأمان، وارتفعت عنهم الأحزان، يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون، شرك نعالهم تتلألأ نورا، على نوق بيض لها أجنحة قد ذللت من غير مهابة ونجبت من غير رياضة، أعناقها من ذهب أحمر، ألين من


(1) المناقب ص 125 - 126. (2) المناقب لابن المغازلي ص 207 برقم: 244. (3) المناقب ص 207 - 211. (4) المناقب لابن المغازلي ص 212 برقم: 256. (5) المناقب لابن المغازلي ص 289 برقم: 330.

[ 451 ]

الحرير، لكرامتهم على الله عزوجل (1). وفيه أيضا باسناده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر وعمر: امضيا الى علي حتى يحدثكما ما كان منه في ليلته وأنا على اثركما، قال أنس: فمضيا ومضيت معهما، فاستأذن أبو بكر وعمر على علي، فخرج اليهما، فقال: يا أبا بكر حدث شئ ؟ قال: لا وما يحدث الا خير، قال لي النبي صلى الله عليه وآله ولعمر: امضيا الى علي يحد ثكما ما كان منه في ليلته، وجاء النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا علي حدثهما ما كان منك في الليل، فقال: أستحيي يا رسول الله، فقال: حدثهما ان الله لا يستحيي من الحق. فقال علي: أردت الماء للطهارة، وأصبحت وخفت أن تفوتني الصلاة، فوجهت الحسن في طريق والحسين في طريق في طلب الماء،، فأبطئا علي فأحزنني ذلك، فرأيت السقف قد انشق ونزل علي منه سطل مغطى بمنديل، فلما صار الى الأرض نحيت عنه المنديل فإذا فيه ماء، فتطهرت للصلاة واغتسلت وصليت، ثم ارتفع السطل والمنديل والتأم السقف. فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما السطل فمن الجنة، وأما الماء فمن نهر الكوثر، وأما المنديل فمن الاستبرق (2)، من مثلك يا علي في ليلتك وجبرئيل يخدمك (3). وفيه باسناده عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش: نعم الأب أبوك ابراهيم، ونعم الأخ أخوك علي (4). وفيه عن ابن عباس رضى الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الكلمات التي تلقاها


(1) المناقب لابن المغازلي ص 296 برقم: 339. (2) في المناقب: استبرق الجنة. (3) المناقب لابن المغازلي ص 95 برقم: 139. (4) المناقب لابن المغازلي ص 67 برقم: 96.

[ 452 ]

آدم من ربه فتاب عليه، قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ألا تبت علي فتاب عليه (1). وفيه باسناده عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لولاك ما عرف المؤمنون بعدي (2). وفيه عن أبي خيثمة (3)، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة ضرب الله لي قبة من ذهب حمراء، وضرب لابراهيم قبة حمراء من ذهب، وضرب لعلي فيما بينهما قبة من ذهب حمراء، فما ظنك بحبيب بين خليلين (4). وفيه أيضا بسند آخر عن ابن أبي خيثمة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة ضرب الله لي عن يمين العرش قبة من ذهب حمراء، وضرب لابراهيم قبة من ذهب حمراء، وضرب لعلي قبة من زبرجدة خضراء، فما ظنك بحبيب بين خليلين (5). وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد من علماء الجمهور: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عزوجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق آدم قسم ذلك فيه وجعله جزئين: جزء أنا، وجزء علي. قال: رواه أحمد في المسند في فضائل علي عليه السلام، وذكره صاحب كتاب الفردوس وزاد فيه: ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب، فكان لي النبوة ولعلي الوصية (6).


(1) المناقب لابن المغازلي ص 63 برقم: 89. (2) المناقب لابن المغازلي ص 70 برقم: 101. (3) في المناقب: عن أبي حثمة. (4) المناقب لابن المغازلي ص 219 برقم: 265. (5) المناقب لابن المغازلي ص 220 برقم: 266. (6) شرح نهج البلاغة 9: 171، وفردوس الأخبار 2: 305، و 3: 332.

[ 453 ]

وفيه أيضا: اعطيت في علي خمسا، هن أحب الي من الدنيا وما فيها، أما واحدة فهو كاب بين يدي الله عزوجل حتى يفرغ من حساب الخلائق، وأما الثانية فلواء الحمد بيده آدم ومن ولد تحته، وأما الثالثة فواقف على عقر حوضي يسقي من عرف من امتي، وأما الرابعة فساتر عورتي ومسلمي الى ربي، وأما الخامسة فاني لست أخشى عليه أن يعود كافرا بعد ايمان، ولا زانيا بعد احصان. قال: رواه أحمد في كتاب الفضائل (1). وفيه أيضا: اخصمك يا علي بالنبوة، فلا نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع لا يجاحد فيها أحد من قريش، أنت أولهم ايمانا بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم بالرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية. قال: رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء (2). وفيه أيضا قالت فاطمة: انك زوجتني فقيرا لا مال له، فقال: زوجتك أقدمهم سلما، وأعظمهم حلما، وأكثرهم علما، ألا تعلمين أن الله اطلع الى الأرض اطلاعة، فاختار منها أباك، ثم اطلع إليها ثانية فاختار منها بعلك. قال: رواه أحمد في المسند (3). وفيه أيضا دعا النبي صلى الله عليه وآله عليا في غزوة الطائف، فانتجاه وأطال نجواه حتى كره قوم من الصحابة، فقال قائل منهم: لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه، فبلغه صلى الله عليه وآله اني ما انتجيته ولكن الله انتجاه. قال: رواه أحمد في المسند (4).


(1) شرح نهج البلاغة 9: 172 - 173. (2) شرح نهج البلاغة 9: 173. (3) شرح نهج البلاغة 9: 174. (4) شرح نهج البلاغة 9: 173.

[ 454 ]

وفيه أيضا: الصديقون ثلاثة: حبيب النجار الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، ومؤمن آل فرعون الذي كان يكتم ايمانه، وعلي بن أبي طالب أفضلهم. رواه أحمد في كتاب فضائل علي عليه السلام (1). وفيه أيضا: والذي نفسي بيده لولا أن تقول طوائف من امتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم، لقلت اليوم فيك مقالا لا تمر بملأ من المسلمين الا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة. قال: ذكره أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند (2). وفيه أيضا: من أراد أن ينظر الى نوح في عزمه، والى آدم في علمه، والى ابراهيم في حلمه، والى موسى في فطنته، والى عيسى في زهده، فلينظر الى علي بن أبي طالب. قال: رواه أحمد بن حنبل في المسند، ورواه أحمد البيهقي في صحيحه (3). وفيه أيضا: من سره أن يحيى حياتي، ويموت ميتتي، ويتمسك بالقضيب من الياقوتة التي خلقها الله تعالى بيده ثم قال لها: كوني فكانت، فليتمسك بولاية علي بن أبي طالب. قال: ذكره أبو نعيم الحافظ في كتاب حلية الأولياء. ورواه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند في كتاب فضائل علي بن أبي طالب، وحكاية لفظ أحمد: من أحب أن يتمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله في جنة عدن بيمينه، فليتمسك بحب علي بن أبي طالب (4). وفيه أيضا قال لوفد ثقيف: لتسلمن أو لأبعثن اليكم رجلا مني - أو قال: عديل نفسي - فليضربن أعناقكم، وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم، قال عمر: فما


(1) شرح نهج البلاغة 9: 172. (2) شرح نهج البلاغة 9: 168. (3) شرح نهج البلاغة 9: 168. (4) شرح نهج البلاغة 9: 168.

[ 455 ]

تمنيت الأمارة الا يومئذ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول: هو هذا، فالتفت فأخذ بيد علي وقال: هو هذا مرتين. رواه أحمد في المسند، ورواه في كتاب فضائل علي عليه السلام أنه قال: لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن اليكم رجلا كنفسي، يمضي فيكم أمري، يقتل المقاتلة، ويسبي الذرية، قال أبو ذر: فما راعني الا برد كف عمر في حجزتي من خلفي يقول: من تراه يعني ؟ فقلت: انه لا يعنيك وانما يعني خاصف النعل بالبيت، وانه قال: هو ذا (1). انتهى ما نقله ابن أبي الحديد في شرحه. وفي الفردوس مسندا عن أبي سعيد: يا علي معك يوم القيامة عصا من عصا الجنة، تذود بها المنافقين عن حوضي (2). وفيه أيضا مسندا عن أبي رافع: يا علي والذي نفسي بيده لولا أن يقول فيك طوائف من امتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت اليوم فيك مقالا لا تمر بأحد من المسلمين الا أخذ التراب من أثر قدميك يطلبون به البركة (3). وفيه أيضا مسندا عن أبي سعيد: يا علي لك سبع خصال لا يحاجك فيهن أحد يوم القيامة: أنت أول المؤمنين بالله ايمانا، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأرأفهم بالرعية، وأقسمهم بالسوية، وأعلمهم بالقضية، وأعظمهم مزية يوم القيامة (4). ومما يدل على أفضليته أن النبي صلى الله عليه وآله اختاره بين كل الصحابة للاخوة، وهذا أمر ثابت لا مرية فيه.


(1) شرح نهج البلاغة 9: 167. (2) فردوس الأخبار 5: 408 برقم: 8314 ط دار الكتاب العربي. (3) مقتل الحسين للخوارزمي ص 45 عن الديلمي. (4) كنز العمال 11: 617 برقم: 32995.

[ 456 ]

قال صاحب الصراط المستقيم: وحديث المؤاخاة له قد اتفق الفريقان على صحته، وقد أورده شارح المصابيح في مناقبه، والترمذي في صحيحه، وابن حنبل في مواضع بطرق مختلفة في مسنده، والبلاذري، والسلامي، والقاضي، وابن بطة بطرق ستة، وفي تفسير القطان، والحسن، ووكيع، وذكره أبو داود في سننه، والثعلبي في تفسيره، وفي الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري (1). ومما يدل على أفضليته عليه السلام ما ورد أنه عليه السلام خير البرية. قال صاحب الصراط المستقيم: أسند الاصفهاني من أعيانهم أن قوله تعالى (اولئك هم خير البرية) (2) نزلت في علي. ونحوه أبو بكر الشيرازي، وابن مردويه من نيف وأربعين طريقا، والخطيب الخوارزمي. وأسند ابن جبير في نخبه الى الزبير وعطية وخوات أنهم رأوا جابرا يدور في سكك المدينة ومجالسها ويقول: قال النبي صلى الله عليه وآله: علي خير البشر، فمن أبى فقد كفر، ومن رضي فقد شكر، معاشر الأنصار أدبوا أولادكم على حب علي، فمن أبى فلينظر في شأن امه. وأسند نحوه الدارمي عن عائشة، وابن مجاهد في الولاية، والديلمي في الفردوس، وأحمد في الفضائل، والأعمش عن أبي وائل، وعن عطية عن عائشة، وابن أبي حازم عن جرير، وروى ابن جبر في نخبه عن أبي وائل، ومعاوية، ووكيع، والأعمش، وشريك ويوسف، أنهم أسندوا الى جابر وحذيفة: على خير البشر، لا يشك فيه الا كافر. قال: وروى عطاء مثله (3).


(1) الصراط المستقيم 2: 25. (2) البينة: 7. (3) الصراط المستقيم 2: 69.

[ 457 ]

ومما يدل أيضا على أفضليته ما في الصراط المستقيم أيضا، نقلا عن صاحب الوسيلة، عن أبي سعيد قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: لك من الثواب ما لو قسم على أهل الأرض لوسعهم. أسنده سالم بن الجعدي بأحد عشر طريقا الى جابر. وفي تاريخ الخطيب: أخرج المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل علي على الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله سنة اثني عشر ومائتين. وأسند في تاريخه أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: من لم يقل ان عليا خير البشر فقد كفر. وأسند فيه قول النبي صلى الله عليه وآله: خير رجالكم علي، وخير شبابكم الحسن والحسين، وخير نسائكم فاطمة. ومسندا الى عقبة قول الجهني للنبي صلى الله عليه وآله: ان قوما يقولون خير هذه الامة أبو بكر، وقوما عثمان، فمن خير الناس بعدك ؟ قال: من اختاره الله، واشتق له اسما من أسمائه، وزوجه ابنتي، ووكل به ملائكة يقاتلون معه، فذكر ذلك لأبي ذر فقال: وأزيدك ما سمعته من النبي صلى الله عليه وآله: فضل علي على هذه الامة كفضل جبرئيل على سائر الملائكة. وفي رواية الهذلي عن الشعبي: أن عليا أقبل على النبي صلى الله عليه وآله، فقال: هذا من الذين يقول الله فيهم (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية). وأسند ابن جبر في نخبه الى الباقر عليه السلام قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية) أنت وشيعتك، وميعادي وميعادكم الحوض، وإذا حشر الناس جئت أنت وشيعتك شباعا مرويين غرا محجلين. وأسند في كتابه الى جابر: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي قالوا: هذا خير البرية. وفي تاريخ البلاذري عن جابر: كان علي خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. قال جابر: علي خير البشر ما كنا نعرف المنافقين الا ببغضهم اياه.

[ 458 ]

وأسند الخوارزمي وابن عبدوس عن سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله: ان أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي علي أمير المومنين. وأسنده الطبراني في المناقب والولاية قول النبي صلى الله عليه وآله في الخوراج: هم شر الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة، وأقربهم الى الله وسيلة. وأسند ابن جبر في نخبه، أن سعد بن أبي وقاص دخل على معاوية، فقال له: مرحبا بمن لا يعرف حقا فيتبعه ولا باطلا فيجتنبه، فقال: أردت اعينك على علي بعد ما سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول لفاطمة: أنت خير الناس أبا وبعلا. وأسند أيضا الى شهر بن حوشب أن عمر لما بدأ بالحسنين في العطاء، قال له ابنه: قدمتهما علي ولي صحبة وهجرة دونهما، فقال: اسكت اسكت لا ام لك، أبوهما والله خير من أبيك، وامهما خير من امك. وقد أسند صاحب المراصد الى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله: خلق الله ذا الفقار، وأمرني أن اعطيه خير أهل الأرض، قلت: يا رب من ذاك ؟ قال: خليفتي في أرضي علي بن أبي طالب، قال: ذو الفقار كان يحدثه حتى أنه هم بكسره، فقال: مه يا أمير المؤمنين فاني مأمور وقد بقي في أجل الشرك تأخير. وحدث اسحاق بن راهويه، عن يحيى بن ادم، أنه قيل لشريك: ما تقول في من مات ولا يعرف أبا بكر ؟ قال: لا شئ عليه، قال: فان هو لا يعرف عليا ؟ قال: في النار، لأن النبي صلى الله عليه وآله أقامه علما يوم الغدير (1). انتهى. وفي فردوس الديلمي مسندا عن النبي صلى الله عليه وآله: يا فاطمة أما ترضين أن الله عزوجل اطلع على أهل الأرض فاختار أباك وزوجك (2). وفيه أيضا مسندا: يا فاطمة زوجتك سيدا في الدنيا وانه في الاخرة لمن


(1) الصراط المستقيم 2: 69 - 70. (2) ينابيع المودة ص 241، ومقتل الحسين للخوارزمي ص 66.

[ 459 ]

الصالحين، يا فاطمة لما أراد الله أن أملكك بعلي أمر الله عزوجل جبرئيل، فقام في السماء الرابعة، فصف الملائكة صفوفا، ثم خطب عليهم، فزوجتك من علي، ثم أمر الله تعالى شجر الجنان، فحملت الحلي والحلل، ثم أمرها فنثرت على الملائكة، فمن أخذ منهم شيئا أكثر مما أخذ غيره افتخر به الى يوم القيامة (1). ومما يدل على أفضليته عليه السلام ما ورد من طريق المخالف من الأحاديث المتواترة المتضمنة لوجوب حبه وحب أهل بيته، وأن حبه ايمان، وبغضه كفر ونفاق، وما في معناه. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: النظر الى وجهك يا علي عبادة، أنت سيد في الدنيا وسيد في الاخرة، من أحبك أحبني، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، الويل لمن أبغضك. رواه أحمد في المسند، قال: وكان ابن عباس يفسره فيقول: ان من ينظر إليه يقول: سبحان ما أعلم هذا الفتى، الحديث (2). وفيه أيضا: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله يوم جمعة، فقال: أيها الناس قدموا قريشا، ولا تقدموها، وتعلموا منها، ولا تعلموها، قوة رجل من قريش تعدل تعدل قوة رجلين من غيرهم، وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم، أيها الناس اوصيكم بحب ذي قرباها، أخي وابن عمي علي بن أبي طالب، لا يحبه الا مؤمن، ولا يبغضه الا منافق، من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني عذ به الله بالنار، قال: رواه أحمد في كتاب فضائل علي عليه السلام (3). وفي كتاب الفردوس للديلمي: لا يبغضك من الرجال الا منافق ومن حملته امه


(1) حلية الأولياء 5: 59، وتاريخ بغداد 4: 128، ومقتل الحسين ص 64 عنه. (2) شرح نهج البلاغة 9: 171. (3) شرح نهج البلاغة 9: 172.

[ 460 ]

وهي حائض، ولا يبغضك من النساء الا السلقلق، وهي التي تحيض من دبرها (1). وفيه أيضا مسندا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: جاءت امرأة الى علي رضى الله عنه، فقالت: اني أبغضك، فقال علي: فأنت إذا سلقلق، قالت: وما السلقلق ؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: لا يبغضك من النساء الا السلقلق، فقلت: يا رسول الله ما السلقلق ؟ قال: التي تحيض من دبرها، قالت: صدق رسول الله أنا والله أحيض من دبري وما علم أبواي (2). وفيه أيضا: يا علي طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك (3). وفيه أيضا: يا علي لو أن امتي أبغضوك لأكبهم الله عزوجل على مناخرهم في النار (4). وفيه أيضا عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه: يا علي لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق (5). وكان علي عليه السلام يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، انه لعهد النبي الامي الي أن لا يحبني الا مؤمن ولا يبغضني الا منافق (6). قال صاحب الصراط المستقيم بعد نقل هذا الحديث عن المفيد في ارشاده: قال مثله في مسند أحمد بن حنبل، ونحوه عن ام سلمة بطريقين، ورواه الحميدي في


(1) احقاق الحق 7: 214، وفردوس الأخبار 5: 410 برقم: 8319. (2) احقاق الحق 7: 220، وفي آخره: ولا يعلم الا أبواي. (3) احقاق الحق 7: 270 - 275. (4) احقاق الحق 7: 182 - 183. (5) احقاق الحق 7: 190 - 194. (6) احقاق الحق 7: 196 - 197.

[ 461 ]

الحديث التاسع من الجمع بين الصحيحين، وفي الجزء الثاني من الجمع بين الصحاح الستة من صحيح أبي داود ومن صحيح البخاري. وأسند ابن حنبل أيضا عن الخدري: ما كنا نعرف منافقي الأنصار الا ببغضهم عليا. وأسند إليه قول النبي صلى الله عليه وآله: من أبغضنا أهل البيت فهو منافق. وأسند الى الزبير: ما كنا نعرف المنافقين الا ببغضهم اياه. وأسند الى عمار قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك. وأسند الى عروة أن رجلا وقع في علي بحضرة عمر، فقال: ان أبغضته آذيت هذا في قبره، يعني النبي صلى الله عليه وآله (1). وفي الفردوس: يا علي طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك (2). وفيه أيضا مسندا عن جابر: يا علي لو أن امتي أبغضوك لأكبهم الله عزوجل على مناخرهم في النار (3). وفيه أيضا مسندا: يا علي ما كنت ابالي من مات من امتي وهو يبغضك مات يهوديا أو نصرانيا (4). وفيه أيضا مسندا عن سلمان رضى الله عنه: يا علي محبك محبي ومبغضك مبغضي (5). وفيه أيضا مسندا عن أبي رافع: يا علي أنت وشيعتك تردون علي الحوض رواء


(1) الصراط المستقيم 2: 50. (2) احقاق الحق 7: 27 - 275 وتقدم آنفا. (3) احقاق الحق 7: 182 - 183. (4) فردوس الأخبار 5: 408 برقم: 8312. (5) فردوس الأخبار 5: 408 برقم: 8313.

[ 462 ]

مرويين مبيضة وجوههم، وان عدوك يردون علي ظماء مقمحين (1). وفيه أيضا عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله: يا علي ان الله عزوجل زوجك فاطمة، وجعل صداقها الأرض، فمن مشى مبغضا لك مشى حراما (2). أسند ابن مردويه الى النبي صلى الله عليه وآله: لو أن عبدا عبد الله ما قام نوح في قومه وكان له مثل احد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله، ومد في عمره حتى حج ألف عام على قدميه، ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوما، ثم لم يوالك يا علي لم يشم رائحة الجنة (3). وفي شرف المصطفى وتاريخ النسوي عن النبي صلى الله عليه وآله: لو أن عبدا عبد الله بين الركن والمقام ألف عام، ثم ألف عام، ثم ألف عام، ولم يكن يحبنا أهل البيت: لأكبه الله على منخره في النار (4). ونقل ابن المغازلي عن مجاهد، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا، فقال جابر: وان أقر بالوحدة والرسالة، فقال عليه السلام: كلمة تحتجزون بها أن لا تسفك دماءهم وأموالهم (5). وفي معجم الطبراني من أهل الخلاف، قالت فاطمة: قال النبي صلى الله عليه وآله: ان الله باهى بكم وغفر لكم عامة، ولعلي خاصة، الى قوله: هذا جبرئيل يخبرني عن رب العالمين أن السعيد كل السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته، والشقي كل الشقي من أبغض عليا في حياته وبعد موته (6).


(1) الصواعق المحرقة ص 66، وينابيع المودة ص 182. (2) فردوس الأخبار 5: 409 برقم: 8316. (3) المناقب للخوارزمي ص 67 - 68 برقم: 40. (4) المناقب للخوارزمي ص 87 ح 77 وفرائد السمطين 1: 331 وكفاية الطالب ص 312. (5) المناقب لابن المغازلي ص 52 برقم: 76. (6) ذخائر العقبى ص 92، والرياض النضرة 2: 214، ومجمع الزوائد 9: 132، وينابيع =

[ 463 ]

وفي فردوس الديلمي عن عمر، قال النبي صلى الله عليه وآله: حب علي براءة من النار (1). قال صاحب الصراط المستقيم بعد نقل هذا الحديث: وذكر ابن جبر في نخبه معنى هذا الحديث وزيادات عليه يؤول إليه بعدة رجال في عدة كتب، منهم عطية، وابن بطة في الابانة من طرق ستة، وام سلمة، وابن ماجة، والترمذي، ومسلم، والبخاري، وأحمد، وابن الربيع، والاصفهاني، وابن شيبة، والعكبري، والحلية، وفضائل السمعاني، وتاريخ بغداد، والألكاني، وابن عقدة، والموصلي، وعبادة بن يعقوب، والثقفي، والهروي، والطبري، ونعم ما قال الخليفة الناصر العباسي: قسما بمكة والحطيم وزمزم * والراقصات وسعيهن الى منى بغض الوصي علامة مكتوبة * تبدو على جبهات أولاد الزنا من لا يوالي في البرية حيدرا * سيان عند الله صلى أو زنا وقول رسول الله فيه مصدق * رواه ابن عباس وزيد وجابر محب علي لا محالة مؤمن * وباغضه والله والله كافر (2) اعلم أن الناصر لدين الله من خلفاء بني العباس كان شيعيا، ومما يدل على تشيعه زائدا على ما نقلناه عنه من هذه الأبيات أبيات اخر له. نقل عن اليافعي في مرآة الجنان، والقاضي صاعد الأندلسي في كتاب طبقات الامم ما حاصله: أنه توفي الملك الأفضل علي بن صلاح الدين يوسف، وكان قد نزل عن ملك مصر والشام وقنع بشمشاط، ولما اخذ منه البلاد كتب الى الخليفة كتابا ضمنه الشكاية من عمه العادل وأخيه العزيز، حيث أخذا منه البلاد ونكثا عهد أبيه، وكتب في أول الكتاب أبياتا له وأحسن فيها:


= المودة ص 213. (1) فردوس الأخبار 2: 226 برقم: 2545. (2) الصراط المستقيم 2: 51 - 52.

[ 464 ]

مولاي ان أبا بكر وصاحبه * فاروق قد أخذا بالسيف حق علي وهو الذي قد ولاه والده * عليهما فاستقام الأمر حين ولى فخالفاه وحلا عقد بيعته * والأمر بينهما والنص فيه جلي فانظر الى حظ هذا الاسم * كيف لقي من الأواخر ما لاقى من الاول ويريد بأبي بكر عمه، وبفاروق أخاه. فأجابه الناصر لدين الله: وافى كتابك يابن يوسف معلنا * بالصدق يخبر أن أصلك طاهر غصبوا عليا حقه إذ لم يكن * بعد النبي له بيثرب ناصر فاصبر فان غدا عليه حسابهم * وابشر فناصرك الامام الناصر وفي كتاب شرف النبي، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الويل لظالمي أهل بيتي، عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار (1). وفيه أيضا عن علي عليه السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حرم الله الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم، ومن سبهم ولعن عليهم لا خلاق لهم في الاخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة (2). وفي مسند أحمد بن حنبل: من أحبك فقد أحبني، وحبيبك حبيبي، وحبيبي


(1) مقتل الحسين للخوارزمي 2: 83، وينابيع المودة ص 261، والمناقب لابن المغازلي ص 66 و 403. (2) ذخائر العقبى ص 20، وينابيع المودة ص 193.

[ 465 ]

حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي (1). وفي مسند أحمد بن حنبل أيضا: يا علي من فارقني فقد فارق الله، ومن فارقك فقد فارقني (2). وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة نقلا عن أبي القاسم البلخي أنه قال: وقد اتفقت الأخبار الصحيحة التي لا ريب فيها عند المحدثين عن النبي صلى الله عليه وآله قال له: لا يبغضك الا منافق، ولا يحبك الا مؤمن. وروى حبة العرني، عن علي عليه السلام، أنه قال: ان الله عز وجل أخذ ميثاق كل مؤمن على حبي، وميثاق كل منافق على بغضي، فلو ضربت وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني، ولو صببت الدنيا على منافق ما أحبني. وروى عبد الكريم بن هلال، عن أسلم المكي، عن أبي الطفيل، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: لو ضربت خياشيم المؤمن بالسيف ما أبغضني، ولو صببت الدنيا على المنافق ذهبا وفضة ما أحبني، ان الله تعالى أخذ ميثاق المؤمنين بحبي، وميثاق المنافقين ببغضي، فلا يبغضني مؤمن، ولا يحبني منافق أبدا. قال شيخنا أبو القاسم البلخي: وقد روى كثير من أرباب الحديث عن جماعة من الصحابة، قالوا: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله الا ببغض علي بن أبي طالب (3) انتهى. وقال في شرحه أيضا، وروى كافة الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: هذا وليي


(1) مستدرك الحاكم 3: 127 - 128، وتذكرة الخواص ص 54، ونظم درر السمطين ص 101، والفصول المهمة ص 110. (2) مستدرك الحاكم 3: 123 و 146، وذخائر العقبى ص 65، والرياض النضرة ص 167، ومجمع الزوائد 9: 135. (3) شرح نهج البلاغة 4: 83.

[ 466 ]

وأنا وليه، عاديت من عاداه، وسالمت من سالمه أو نحو هذا اللفظ (1). وروى محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: عدوك عدوي، وعدوي عدو الله عز وجل (2). وفي كتاب الصراط المستقيم، نقلا عن كتاب الثقفي، قال عليه السلام: لا يبغضك مؤمن، ولا يحبك منافق، ونقلا عن ابانة العكبري، وكتاب ابن عقدة، وفضائل أحمد عن جابر والخدري: كنا نعرف المنافقين على عهد النبي ببغض علي. وفي شرح اللالكاني، عن زيد بن أرقم: كنا نعرفهم ببغض علي وولده (3). وفي فردوس الديلمي عن النبي صلى الله عليه وآله: يا علي حبك حسنة لا تضر معها سيئة، وبغضك سيئة لا ينفع معها حسنة (4). قال في الصراط المستقيم: ذكره الخوارزمي في الأربعين (5). وفي كتاب نهج البلاغة عن علي عليه السلام أنه قال: نحن شجرة النبوة، ومحط الرسا لة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم، ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة (6). وقال صاحب الصراط المستقيم: أسند الشيرازي الى ابن عباس: أن الله يأمر مالكا يوم القيامة باسعار النيران، ورضوان بزخرف الجنان، ويأمر ميكائيل بمد الصراط على جهنم، وجبرئيل بنصب ميزان العدل تحت العرش، وينادي: يا محمد


(1) شرح نهج البلاغه 13: 228. (2) احقاق الحق 4: 49 - 50. (3) الصراط المستقيم 1: 194. (4) فردوس الأخبار 2: 227 برقم: 2547 (5) الصراط المستقيم 1: 196. (6) نهج البلاغة ص 162 برقم: 109.

[ 467 ]

قرب امتك للحساب، ثم يعقد على الصراط سبع قناطر، طول كل قنطرة سبعة عشر ألف فرسخ، على كل قنطرة سبعون ألف ملك قيام، يسألون نساء هذه الامة ورجالها على القنطرة الاولى عن ولاية أمير المؤمنين، وحب أهل بيت محمد، فمن أتى به دخلها كالبرق الخاطب، ومن لا سقط على ام رأسه في قعر جهنم، ولو كان معه من أعمال البر عمل سبعين صديقا (1). وقال ابن اسحاق الشعبي، والأعمش، والاصفهاني، والحسكاني، والنطنزي: أن قوله تعالى: (وقفوهم انهم مسئولون) (2) عن ولاية علي بن أبي طالب، ورواه الديلمي في قافية الواو عن الخدري. وقال صاحب شرح الأخبار: (ولا تموتن الا وأنتم مسلمون) (3) يعني: بولاية علي بن أبي طالب. وفي تفسير الثعلبي: لما صلى محمد بالأنبياء ليلة الأسرى، بعث الله إليه ميكائيل أن يقول للأنبياء: على ما ارسلتم ؟ فقالوا: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب. ونحوه روى أبو نعيم الحافظ. وأسند الشافعي ابن المغازلي من عدة طرق الى النبي صلى الله عليه وآله، قال: لا يمر على الصراط الا من معه كتاب بولاية علي بن أبي طالب. قوله (تعالى وقفوهم انهم مسؤولون) بطريق الحافظ أبي نعيم الى ابن عباس وسلام ومجاهد: مسؤولون عن ولاية علي (4). انتهى. وفي تفسير الثعلبي بسنده عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا


(1) الصراط المستقيم 1: 280. (2) الصافات: 24. (3) آل عمران: 102. (4) الصراط المستقيم 1: 278 - 279 و 292.

[ 468 ]

علي قل: اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة، فأنزل الله عزوجل (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) (1). وهذه الرواية صريحة في أن من لا يحبه ليس بمؤمن. وفيه أيضا باسناده قال النبي صلى الله عليه وآله الى قوله: ألا وان علي بن أبي طالب من سببي ونسبي، فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني (2). وفيه أيضا باسناده عن جرير بن عبيد الله البجلي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله زوار قبره ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة (3). وفيه أيضا في سورة النمل في قوله (تعالى يا أيها الناس علمنا منطق الطير) (4) قال: يقول القنبر في صياحه: اللهم العن مبغض آل محمد عليهم السلام. وفي ربيع الأبرار يروي عن النبي صلى الله عليه وآله: أنه قسيم النار (5). أي قسيم مبغضيه


(1) احقاق الحق 3: 83 عنه. (2) احقاق الحق 6: 401. (3) احقاق الحق 9: 487 عن تفسير الثعلبي. (4) النمل: 16. (5) احقاق الحق 4: 259.

[ 469 ]

النار. فهذه فضيلة اختص بها في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله عن أبي عبد الله (1)، قال: دخلت على ام سلمة، فقالت لي: أيسب رسول الله صلى الله عليه وآله فيكم ؟ فقلت: معاذ الله أو سبحان أو كلمة نحوها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من سب عليا فقد سبني (2). وفي كتاب الشفاء تأليف القاضي أبي الفضل عياض بن موسى، أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبر ما ينال أهل بيته وتقتيلهم وتشريدهم وقتل علي، وان أشقاها الذي يخضب هذه أي: اللحية من رأسه، وانه قسيم الجنة والنار، يدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار (3). وروى الترمذي عن جابر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث من كن فيه فليس مني ولا أنا منه: بغض علي، وبغض أهل بيتي، ومن قال الايمان قول بلا عمل (4). وفي كتاب شرف النبي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحبك كان مؤمنا، ومن أبغضك كان منافقا (5). وفي كتاب صفوة الزلال عن زر بن حبيش، قال: سمعت عليا يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة فتردى بالعظمة، انه لعهد النبي الامي الي أنه لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق (6). وفي مناقب ابن المغازلي الشافعي بسنده عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:


(1) هو أبو عبد الله الجدلي. (2) احقاق الحق 6: 426 عنه، وخصائص النسائي ص 24، ومستدرك الحاكم 3: 121. (3) احقاق الحق 8: 109 - 125. (4) مقتل الحسين عليه السلام 2: 97، واحقاق الحق 6: 438 و 9: 485. (5) احقاق الحق 4: 100 و 287 و 7: 216 و 247. (6) احقاق الحق 7: 195 - 208.

[ 470 ]

ان الله عزوجل خلق خلقا ليس من ولد آدم، ولا من ولد ابليس، يلعنون مبغضي علي بن أبي طالب، قالوا: يا رسول الله من هم ؟ قال: القنابر ينادون في السحر على رؤوس الشجر: ألا لعنة الله على مبغضي علي بن أبي طالب (1). وفيه باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنم، لم يجز عليه الا من معه كتاب ولاية علي بن أبي طالب (2). وفيه باسناده عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: عنوان صحيفة المؤ من حب علي بن أبي طالب (3). وفيه باسناده قال علي بن أبي طالب: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: انك قسيم النار، وانك تقرع باب الجنة وتدخلها بغير حساب (4). وفي مناقب أخطب الخوارزم: لم يقبل الله ايمان عبد الا بولاية علي بن أبي طالب والبراءة من أعدائه (5). وفيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله: من أحب عليا قبل الله تعالى منه صلاته وصيامه وقيامه واستجاب دعاؤه، ألا ومن أحب عليا أعطاه الله بكل عرق في بدنه مدينة في الجنة، ألا ومن أحب عليا آمن من الحساب والميزان والصراط، ألا ومن مات على حب آل محمد فأنا كفيله بالجنة مع الأنبياء، ألا ومن أبغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله (6).


(1) المناقب لابن المغازلي ص 142 برقم: 187. (2) المناقب لابن المغازلي ص 131 و 242. (3) المناقب لابن المغازلي ص 243 برقم: 290. (4) المناقب لابن المغازلي ص 67 برقم: 97. (5) المناقب للخوارزمي ص 33 ح 2. (6) المناقب للخوارزمي ص 72 - 73 برقم: 51.

[ 471 ]

وفيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله: لما خلق الله الجنان الثمانية: جنة دار السلام، وجنة دار المقام، وجنة العالية، وجنة المأوى، وجنة النعيم، وجنة الفردوس، وجنة العدن، نظر إليها نظرة فقال: وعزتي وجلالي لا أدخلنك يوم القيامة الا عبدا يحب علي بن أبي طالب، ثم قال عليه السلام: أرجو لامتي من ذلك ما أرجو لهم بقول لا اله الا الله محمد رسول الله. وفي كتاب المنتهى لعبيد الله القطان والمجتبى للصالحاني، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لما عرج بي الى السماء رأيت على باب الجنة مكتوبا بالذهب: لا اله الا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله، الحسن والحسين صفوة الله، على محبيهم رحمة الله، وعلى مبغضيهم لعنة الله (1). وفي تفسير الثعلبي باسناده عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا أبا عبد الله ألا أنبؤك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنة، والسيئة التي من جاء بها أكبه الله في النار ولم يقبل منه عملا ؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبنا، والسيئة بغضنا (2). وفي كتاب شرف النبي قال صلى الله عليه وآله: يا بني عبد المطلب اني سألت الله تعالى، أن يثبت قائمكم، ويهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم، وأن يجعلكم رحماء نجباء، فلو أن رجلا صفن قدميه ثم صام وصلى، ثم لقى الله تعالى وهو مبغض لأهل البيت دخل النار (3). وفيه عن النبي صلى الله عليه وآله: والله لا تؤمنون حتى تحبوني، والله لا تحبوني حتى أكون عند المؤمن آثر من نفسه، وأهل بيتي آثر عنده من أهل بيته، وولدي أحب إليه من


(1) مقتل الحسين ص 108، وكفاية الطالب ص 274. (2) احقاق الحق 9: 135 عنه. (3) احقاق الحق 9: 492.

[ 472 ]

ولده، وأزواجي أحب إليه من أزواجه (1). وفيه عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من آذاني في أهل بيتي فقد آذي الله، ومن أعان على أذاهم وركن الى أعدائهم، فقد أذن بحرب من الله ورسوله، ولا نصيب له في شفاعتي (2). وفيه، قال صلى الله عليه وآله: لو أن عبدا عبد الله بين الركن والمقام ألف عام ثم ألف عام، ولم يحبنا أهل البيت، أكبه الله على منخريه في النار (3). وفيه عن علي عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حرم الله تعالى الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم، ومن سبهم ولعن عليهم لا خلاق لهم في الاخرة، ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم (4). وفيه عن أبي سعيد التميمي، قال: سمعت الحسين بن علي عليه السلام يقول: من أحبنا لله، نفعه الله بحبنا، ومن أحبنا لغير الله، فان الله لنا، ان حبنا أهل البيت تساقط عن العبد الذنوب كما تساقط الريح الورق من الشجر (5). وفي كتاب شرف النبي، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة أنالهم شفيع يوم القيامة، ولو أتوا بذنوب أهل الأرض: الضارب بسيفه أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في حوائجهم عند ما اضطر إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه (6).


(1) احقاق الحق 9: 393 عنه. (2) احقاق الحق 9: 516، و 18: 456. (3) احقاق الحق 9: 491 عنه. (4) احقاق الحق 9: 435. (5) احقاق الحق 9: 417 عنه. (6) احقاق الحق 9: 482 - 483، ومقتل الحسين عليه السلام 2: 25.

[ 473 ]

وفيه عن علي عليه السلام، قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله: أن أول من يدخل الجنة أنا وفاطمة والحسن والحسين، قلنا: يا رسول الله فمحبونا ؟ قال: فمن ورائكم (1). وفيه عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: قال عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا وفاطمة والحسن والحسين وعلي في حظيرة القدس في قبة بيضاء، وهي قبة المجد (2). وفي تفسير الثعلبي، في تفسير قوله تعالى (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) (3) باسناده عن ابن عباس: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) قال: المودة لال محمد (4). وفي مناقب ابن المغازلي، باسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله فيما أنفقه ومن أين اكتسبه، وعن حب أهل البيت (5). وفي الجمع بين الصحاح الستة لأبي الحسن رزين، باسناده في الجزء الثاني من أجزاء أربعة، في تفسير سورة حم: (قل لا أسئلكم عليه أجرا الا المودة في القربى) (6) قال ابن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وآله وعليهم السلام (7). وباسناده أيضا عن طاووس، أن ابن عباس سئل عن قوله تعالى: (الا المودة في القربى) فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وآله (8).


(1) احقاق الحق 9: 220 عنه. (2) احقاق الحق 9: 195. (3) الشورى: 23. (4) احقاق الحق 9: 130 عنه. (5) المناقب لابن المغازلي ص 120 برقم: 157. (6) الشورى: 23. (7) العمدة لابن بطريق ص 58 ح 59 عنه، والبخاري في صحيحه 6: 129. (8) العمدة ص 58 ح 60 عنه، وصحيح البخاري 6: 129.

[ 474 ]

وفي صحيح البخاري في الجزء الرابع منه، باسناده عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله (تعالى: قل لا أسئلكم عليه أجرا الا المودة في القربى) قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال: علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام (1). وفيه في الجزء السادس في تفسير قوله تعالى (قل لا أسئلكم عليه أجرا الا المودة في القربى) عن ابن عباس، انه سئل عن قوله (الا المودة) قال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلوات الله عليهم (2). وفي صحيح مسلم باسناده في الجزء الخامس في تفسير قوله تعالى (قل لا أسئلكم عليه أجرا الا المودة في القربى)، قال: وسئل ابن عباس عن هذه الاية، فقال ابن جبير: هم قربى آل محمد عليهم السلام (3). وفي تفسير الثعلبي باسناده عن ابن عباس، قال: لما نزلت (قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى) قالوا: يا رسول الله من قرابتك ؟ هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال: علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام (4). وفي تفسير الثعلبي باسناده عن السدي، عن أبي الديلم، قال: لما جئ بعلي بن الحسين عليهما السلام أسيرا فاقيم على درج دمشق، فقام رجل من أهل الشام، فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال علي بن الحسين عليهما السلام: هل قرأت القرآن ؟ قال: نعم، قال: قرأت آل حم ؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم، قال: قرأت (قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى) قال: أأنتم هم ؟


(1) رواه أحمد في فضائل الصحابة 2: 669 ح 1141، والعمدة ص 47. (2) صحيح البخاري 6: 129. (3) العمدة ص 49 ح 40 عنه. (4) العمدة ص 50 ح 43 عنه.

[ 475 ]

قال: نعم (1). وفي مناقب ابن المغازلي باسناده عن السدي في قوله عزوجل (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) قال: المودة في آل رسول الله صلى الله عليه وآله (2). وفي كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، عن رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحبني وأحب هذين - وأشار الى حسن وحسين - وأباهما وامهما، كان معي في درجتي يوم القيامة (3). وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لال محمد أمان من العذاب (4). وفي كتاب سير النبي، قال النبي صلى الله عليه وآله: معرفة آل محمد وأهل بيته براءة من جهنم، ومحبتهم وموالاتهم موجب للجواز على الصراط وأمان من العذاب (5). وفيه أيضا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعباس: أقسم بالله الذي نفسي بيده لا يقر الايمان في قلب أحد الا بحب أهل البيت لله ولرسوله (6). وفي الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح الستة من سنن أبي داود، قال ابن عباس: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه ولما هو أهله، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي (7).


(1) العمدة ص 51 - 52 ح 46 عنه. (2) المناقب لابن المغازلي ص 316 برقم: 360. (3) احقاق الحق 9: 174 - 180. (4) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2: 41، واحقاق الحق 9: 494 - 497. (5) ينابيع المودة ص 263، والصواعق المحرقة ص 23. (6) احقاق الحق 9: 450. (7) الطرائف ص 159 ح 247 عنه، وصحيح الترمذي 5: 622 برقم: 3789.

[ 476 ]

وفيه بسنده عن سنن أبي داود عن علي عليه السلام، وفي مسند امامهم مخلص الدين معمر القرشي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان لله حرمات ثلاث، من حفظهن حفظ الله له أمر دينه ودنياه، ومن لم يحفظهن لم يحفظ له الله شيئا: حرمة الاسلام، وحرمتي، وحرمة أهل بيتي (1). وفي رسالة الاعتقاد لأبي بكر بن مؤمن الشيرازي، عن النبي صلى الله عليه وآله: من أراد التوكل على الله فليحب أهل بيتي، ومن أراد أن ينجو من عذاب القبر فليحب أهل بيتي، ومن أراد دخول الجنة بغير حساب فليحب أهل بيتي، فوالله ما أحبهم أحد الا ربح الدنيا والاخرة، والله ذو الفضل العظيم (2). وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خير هذه الامة من بعدي علي وفاطمة والحسن والحسين، من قال غير هذا فعليه لعنة الله (3). وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حب آل محمد يوما خير من عبادة سنة، ومن مات عليه دخل الجنة (4). وقال الفاضل القاشي: أورد الشيخ شرف الدين الدركزيني، عن علي عليه السلام، أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ بيده حسنا وحسينا، وقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وامهما ومات حنيفا كان معي في درجتي يوم القيامة. قال الفاضل القاشي: أخرجه الأئمة السبعة (5). وفي صحيح الترمذي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي وفاطمة والحسن والحسين: أنا


(1) احقاق الحق 9: 512 - 513. (2) رسالة الاعتقاد ص 296 ط القاهرة، ومقتل الحسين ص 59. (3) احقاق الحق 4: 250 عن رسالة الاعتقاد. (4) احقاق الحق 9: 497 - 498. (5) احقا الحق 9: 174 - 180.

[ 477 ]

حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم (1). وفي تفسير الثعلبي باسناده قال: وروى أبو حاتم، عن أبي هريرة قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله الى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فقال: أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم (2). وفي كتاب صفوة الزلال المعين، عن أبي سعيد قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فاضطجع معهم، فاستسقى الحسين رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام الى الفوح فحلبها فاستسقى الحسن، فقال: يا بني استسقي أخوك قبلك نسقيه ثم نسقيك، قالت فاطمة: كأنه أحبهما اليك يا رسول الله ؟ قال: ما هو بأحبهما الي، اني وأنت وهذا المضطجع في مكان واحد يوم القيامة (3). وهذا الحديث في مسند أحمد بن حنبل، باسناده عن على عليه السلام، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا نائم على المنام، فاستسقى الحسين، الى آخر الحديث مع أدنى تغيير (4). وفي صحيح البخاري في الجزء الرابع، باسناده عن أبي بكرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله على المنبر، والحسن والحسين الى جنبه ينظر اليهما، الى الحسن مرة والى الحسين مرة ويقول: ابني هذا سيد (5). وفيه باسناده عن اسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يأخذ الحسن والحسين


(1) صحيح الترمذي 5: 656 برقم: 3870. (2) احقاق الحق 9: 161 - 164. (3) احقاق الحق 9: 174 و 211 - 217 نحوه. (4) احقاق الحق 9: 212، ومسند أحمد بن حنبل 1: 101 ط مصر. (5) صحيح البخاري 4: 216 باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام.

[ 478 ]

ويقول: اللهم اني احبهما فاحبهما (1). وفيه عن البراء قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول: اللهم اني احبه فاحبه (2). وفي الجزء الرابع من صحيح مسلم، باسناده عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال للحسن: اللهم اني احبه فأحبه وأحبب من يحبه (3). ونقل في هذا الجزء عن أبي هريرة حديثا يشتمل على أنه صلى الله عليه وآله قال للحسن عليه السلام: اللهم اني احبه فأحبه وأحبب من يحبه (4). وفي الجزء أيضا عن البراء بن عازب، قال: رأيت الحسن بن علي على عاتق النبي صلى الله عليه وآله وهو يقول: اللهم اني احبه فأحبه (5). وفي تفسير الثعلبي بسنده في قوله عزوجل (مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان) (6) قال: فاطمة وعلي (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) الحسن والحسين (7). وفيه عن سعيد بن جبير، قال: بينهما برزخ محمد صلى الله عليه وآله (8). وفي الجمع بين الصحاح الستة في باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال للحسن: اللهم اني احبه فأحبه وأحب من


(1) صحيح البخاري 4: 216. (2) صحيح البخاري 4: 217. (3) صحيح مسلم 4: 1882 برقم: 2421. (4) صحيح مسلم 4: 1882 - 1883. (5) صحيح مسلم 4: 1883 برقم: 2422. (6) الرحمن: 19 - 20. (7) احقاق الحق 9: 107 عنه. (8) احقاق الحق 9: 107 عنه.

[ 479 ]

يحبه (1). وفيه بسنده عن البراء بن عازب، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول: اللهم اني احبه فأحبه (2). وفيه بسنده عن سنن أبي داود، عن علي عليه السلام، قال: كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني، وإذا سكت ابتدأني، وأخذ بيد حسن وحسين وقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وامهما ومات متبعا لسنتي، كان معي في الجنة (3). وفيه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله حديث مشتمل على قوله للحسن: اللهم اني احبه فأحبه وأحب من يحبه (4). وفيه عن ام سلمى امرأة من الأنصار، قالت: دخلت على ام سلمة رضي الله عنها وهي تبكي، قلت: ما يبكيك ؟ قالت: رأيت الان رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام وهو يبكي، فقلت: مالك يا رسول الله ؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا (5). وفي صحيح مسلم في أول الجزء الخامس في تفسير قوله تعالى (فما بكت عليهم السماء) (6) باسناده عن السدي: لما قتل الحسين عليه السلام بكت السماء وبكاؤها حمرتها (7). وروى الفاضل القاشي عن أبي بكر بن مؤمن الشيرازي في رسالة الاعتقاد، عن


(1) العمدة لابن بطريق ص 402 - 403 ح 824 عنه. (2) العمدة ص 403 ح 825 عنه. (3) العمدة ص 403 ح 826 و 827 عنه. (4) العمدة ص 403 ح 828 عنه. (5) العمدة ص 404 ح 830 عنه. (6) الدخان: 29. (7) العمدة ص 405 ح 835 عنه.

[ 480 ]

ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله: مثلي ومثل أهل بيتي كصلاة الخمس: أنا صلاة الفجر، وعلي صلاة الظهر، وفاطمة صلاة الوسطى، والحسن والحسين صلاة العشائين. وعن الترمذي عن حذيفة، قال: قلت لامي: دعيني آتي النبي صلى الله عليه وآله وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فصليت معه المغرب، فصلى حتى صلى العشاء: ثم تنفل فسمع صوتي، فقال: حذيفة ؟ قلت: نعم، قال: ما حاجتك ؟ غفر الله لك ولامك، ان هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أها الجنة (1). وفي كتاب الاستيعاب: تواترت الاثار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في الحسن بن علي: هذا ابني سيد وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين. رواه جماعة من الصحابة (2). وفي كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله، عن عمران بن الحصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اني سألت الله ربي أن لا يدخل النار أحدا من أهل بيتي فأعطاني ذلك (3). وفي كتاب المصابيح لأبي محمد الحسين بن مسعود الفراء، باسناده عن يعلى بن مرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحبه، حسين سبط من الأسباط (4). وفي الكتاب باسناده عن اسامة بن زيد حديث يشتمل على قوله للحسن


(1) صحيح الترمذي 5: 619 برقم: 3781. (2) الاستيعاب 1: 370 ط مصر. (3) احقاق الحق 9: 395 عنه. (4) مصابيح السنة 4: 195 برقم: 4833.

[ 481 ]

والحسين عليهما السلام وهما على ركبته: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم اني احبهما واحب من يحبهما (1). وفي الجمع بين الصحاح الستة من صحيح أبي داود وهو السنن، ومن صحيح الترمذي، عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (2). أقول: قد أبان النبي صلى الله عليه وآله سيادة الحسن والحسين عليهما السلام على كافة خلق الله بقوله (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) لأن سادة خلق الله أهل الجنة بلا خلاف، وهم يدخلون الجنة الا شبابا بالاجماع. فان قال قائل ان على ما أصلتموه يجب السيادة على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أبيهما قلنا: قد أخرج النبي صلى الله عليه وآله بالاجماع وقوله (أنا سيد ولد آدم) وأما أبوهما فقد أخرجه قوله عليه السلام (علي خير البشر) وما في معناه من الأخبار، وبقوله عليه السلام (عمومه الا ما أخرجه الدليل. ومما يدل على أفضلية آل محمد ما ورد في الحث على الصلوات على محمد وآل محمد، ففي كتاب شعب الايمان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدعاء محجوب عن الله حتى يصلى على محمد وآل محمد (3). وفي كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله، عن عمرو بن العلاء عن أبيه، قال: قال


(1) مصابيح السنة 4: 194 برقم: 4829. (2) صحيح الترمذي 5: 656، ومستدرك الحاكم 3: 166 - 167، ومصابيح السنة 4: 193. (3) احقاق الحق 9: 627 عنه.

[ 482 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله: كل دعاء محجوب عن السماء حتى يصلى على محمد وآل محمد (1). وفيه عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تصلوا علي الصلاة البتراء، قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله ؟ قال: لا تقولوا اللهم صل على محمد وتمسكوا، بل قولوا: صل على محمد وآل محمد (2). وفيه عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وآله: من أصبح وأمسى فقال: اللهم صل على محمد وآل محمد، وأعط محمدا الدرجة والوسيلة في الجنة، اللهم يا رب محمد صل على محمد وآل محمد، وأجز محمدا عنا ما هو أهله، وابعث سبعين كاتبا ألف صباح بذلك. لم يبق لنبيه عليه حق الا أداه، وغفر له ولوالديه، وحشر مع محمد وآل محمد. وفي مناقب ابن المغازلي الشافعي، باسناده عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى على محمد وعلى آل محمد مائة مرة، قضى الله تعالى له مائة حاجة (3). وفي مسند أحمد بن حنبل، باسناده عن كعب بن عجرة، قيل: يا رسول الله أما السلام عليكم فعرفناه فكيف الصلاة ؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجميد (4). وفيه أيضا باسناده عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه، قال: قلنا: يا رسول الله هذا التسليم فكيف نصلي عليك ؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما


(1) احقاق الحق 9: 626. (2) احقاق الحق 9: 636 - 637. (3) المناقب لابن المغازلي ص 295 برقم: 338. (4) احقاق الحق 9: 524 - 549.

[ 483 ]

صليت على ابراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم (1). وفيه أيضا باسناده حديث آخر في هذا المعنى. وفي الجزء الرابع من صحيح البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا اهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقلت: بلى فاهدها لي، فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟ فان الله قد علمنا كيف نسلم، قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد (2). تذنيب في مختصر من فضائل خديجة ام زوجة أمير المؤمنين وفاطمة بنت رسول الله زوجة أمير المؤمنين، وجعفر الطيار أخي أمير المؤمنين، وأبي طالب أبي أمير المؤمنين أما خديجة، ففي صحيح البخاري باسناده عن علي عليه السلام قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله: خير نسائها خديجة (3). وفيه باسناده عن أبي هريرة، قال: أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء وشراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب (4). ومثله في الجزء الرابع من صحيح مسلم (5)، وفي الجمع بين الصحيحين، وهو


(1) احقاق الحق 9: 565 - 569. (2) صحيح البخاري 4: 146 ط مصر، والطرائف ص 160 - 161. (3) صحيح البخاري 4: 230. (4) صحيح البخاري 4: 231. (5) صحيح مسلم 4: 1887 برقم: 2432.

[ 484 ]

الحديث الرابع والثلاثون بعد المائتين من المتفق عليه من البخاري ومسلم من مسند أبي هريرة، وقد روى مسلم في الجزء المذكور بشارتها ببيت في الجنة عن أبي هريرة وعبد الله بن أبي أوفى وعائشة (1). وقد نقل مسلم عدة أحاديث في غيرة عائشة وحسدها على خديجة، ومن جملة تلك الأحاديث، ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما غرت على امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وآله الا على خديجة، واني لم أدركها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ذبح الشاة يقول: أرسلوا بها الى أصدقاء خديجة، قالت: فأغضبت يوما فقلت: خديجة ؟ قال: اني قد رزقت حبها (2). وفي كتاب المغازي لمحمد بن اسحاق باسناده عن ام رومان، قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله جارة قد أوصته بأن يتعاهدها، فحضر عنده شئ من الماكل، فأمر باعطائها وقال: هذه أمرتني خديجة بأن أتعاهدها، قالت عائشة: وكنت أحسدها لكثرة ذكره لها، فقلت: يا رسول الله لا تزال تذكر خديجة كأن لم يكن على ظهر الأرض غيرها، فقال: قومي، فقامت الى ناحية منه في البيت، فقالت ام رومان: فقلت له: يا رسول الله، لا تؤاخذ عائشة، فانها حديثة سن، فناداها، فقال: يا عائشة، ان خديجة آمنت بي إذ كفر بي قومك، ورزقت منها الولد وحرمتموه (3). أنظر أيها البصير الى جرأتها على الله وعلى رسوله، وحسدها على خديجة على ما أعطاها الله من الكرامة بعد وفاتها، ثم انظر الى عقول محبيها، وعماهم عن عيوبها، ثم اشكر الله على ما هداك.


(1) صحيح مسلم 4: 1888. (2) صحيح مسلم 4: 1888 ح 75. (3) العمدة ص 394 عنه.

[ 485 ]

فضائل فاطمة عليها السلام وأما مناقب فاطمة عليهما السلام، ففي الجزء الرابع عن صحيح البخاري، باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله: فاطمة سيدة نساء أهل الجنة (1). وفيه باسناده عن المسور بن مخرمة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني (2). وفي الجزء الرابع من صحيح مسلم باسناده عن المسور بن مخرمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان فاطمة بضعة مني، يؤذيني من آذاها (3). وفيه باسناده عن زيد المازني: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة (4). وفي الجزء الرابع من صحيح مسلم عدة أحاديث، في بعضها: فانما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها (5). وفي بعضها: ان فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها (6). وفي بعضها: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة (7). وفي تفسير الثعلبي، باسناده، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حسبك من نساء العالمين


(1) صحيح البخاري 4: 219. (2) صحيح البخاري 4: 219. (3) صحيح مسلم 4: 1903 ح 94. (4) صحيح مسلم 2: 1010 برقم: 1390. (5) صحيح مسلم 4: 1903 برقم 2449. (6) صحيح مسلم 4: 1903. (7) صحيح مسلم 4: 1905.

[ 486 ]

أربع، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (1). وفي الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري، في باب مناقب فاطمة من صحيح أبي داود السجستاني، وهو كتاب السنن، باسناده: أن النبي صلى الله عليه وآله سار فاطمة عليها السلام فقال لها: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، أو سيدة نساء هذه الامة، فقلت: فأين مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون ؟ فقال: مريم سيدة نساء عالمها، وآسية سيدة نساء عالمها (2). وفي الجزء الثالث منه عدة أحاديث في بعضها: فاطمة سيدة نساء أهل الجنة. وفي بعضها عن عائشة قالت: ما رأيت أحدا كان يشبه سمتا برسول الله صلى الله عليه وآله من فاطمة. وفي بعضها: حسبك من نساء العالمين أربع الى آخر الحديث كما تقدم (3). وفي مسند أحمد بن حنبل: ان أبا بكر وعمر خطبا الى رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة، فقال: انها صغيرة، فخطبها علي فزوجها منه (4). ومجموع الروايات الواردة في مناقب فاطمة عليها السلام في هذه الكتب المذكورة على ما فصله ابن بطريق في كتاب عمدة الأخبار اثنان وعشرون حديثا، من مسند أحمد بن حنبل حديثان، ومن صحيح البخاري أربعة أحاديث، ومن صحيح مسلم تسعة أحاديث، ومن تفسير الثعلبي حديث واحد، ومن الجمع بين الصحيحين حديث واحد، ومن الجمع بين الصحاح الستة خمسة أحاديث (5).


(1) العمدة ص 387 ح 766 عنه. (2) العمدة ص 388 ح 767 عنه. (3) العمدة ص 388 ح 768 و 771 و 772. (4) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2: 614 ح 1051. (5) العمدة لابن بطريق ص 383 - 391.

[ 487 ]

فمن نظر الى هذه الأحاديث الواردة في مناقب فاطمة عليها السلام مع ما تقدم من الأحاديث الواردة في فضل أهل البيت، والأحاديث المتضمنة لذكر المباهلة، علم قطعا بأن لها عند الله جاها عظيما، وشفاعة مقبولة، وجزم بأن بغضها وغاصب حقها في أعلى درجات الشقاوة، فلعن الله من ظلمها وغصب حقها. [ مناقب جعفر بن أبي طالب عليه السلام ] وأما مناقب جعفر بن أبي طالب وكمالاته عند الشيعة، ففي أعلى المراتب. وأما عند أهل السنة، ففي مناقبه روايات: منها: ما في صحيح البخاري، قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا (1). وفي الجمع بين الصحاح الستة، باسناده من صحيح أبي داود وهو السنن، عن الشعبي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله تلقى جعفر بن أبي طالب، فالتزمه وقبل ما بين عينيه (2). وفيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت جعفرا يطير مع الملائكة في الجنة (3). وفيه عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أكرم من جعفر بن أبي طالب، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكنيه أبا المساكين (4). ومن صحيح أبي داود، عن الشعبي: أن عمر كان إذا سلم على ابن جعفر، قال:


(1) صحيح البخاري 5: 85 باب عمرة القضاء. (2) العمدة ص 409 ح 845 عنه. (3) العمدة ص 409 ح 847 عنه. (4) العمدة ص 409 - 410 ح 849 - 850 عنه. (*)

[ 488 ]

السلام عليك يابن ذي الجناحين (1). وقد ورد في غيرها من الأحاديث في مناقبه تركناها للاختصار. [ مناقب أبي طالب واثبات ايمانه ] وأما أبو طالب، فقد اتفق أهل النقل بأنه كان ناصرا لرسول الله صلى الله عليه آله، وحاميه وحافظه من كيد الأعداء، ولولاه لما ظهر دين الاسلام، ولكنه كان يخفي ايمانه ويتقي ليمكنه نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله، بل كان أبو طالب على رواية من أوصياء عيسى عليه السلام، وقد اجتمعت الامامية على ايمانه، وروايات أهل البيت المطهرين عليهم السلام على فضله وايمانه متظافرة، وفي بعضها: أن ايمانه كان كايمان أصحاب الكهف ومؤمن آل فرعون. ومما يدل على ايمانه من طريق أهل السنة، ما في تفسير الثعلبي في تفسير قوله تعالى (والسابقون السابقون) (2) أنها مخصوصة بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأنه آمن برسول الله صلى الله عليه وآله، وساق الحديث ثم قال في آخر القصة: ويروى أن أبا طالب قال لعلي: أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ قال: يا أبت آمنت بالله ورسوله، وصدقته فيما جاء به، وصليت معه لله تعالى، فقال له: أما ان محمدا لا يدعو الا الى خير فالزمه (3). وفي كتاب أخبار أبي عمرو محمد بن عبد الواحد الزاهد الطبري اللغوي، عن أبي العباس أحمد بن يحيى بن تغلب، عن ابن الأعرابي، ما هذا لفظه: أخبرنا تغلب عن ابن الأعرابي، قال: العور الردي من كل شئ، والوعرة الموضع المخيف الموحش. قال ابن الأعرابي: ومن العور خبر ابن عباس رضى الله عنه، قال: لما نزلت


(1) العمدة ص 410 ح 851 عنه. (2) الواقعة: 10. (3) العمدة لابن البطريق ص 410 - 411 ح 853 عنه.

[ 489 ]

(وأنذر عشيرتك الأقربين) (1) قال علي عليه السلام - وقال ابن عباس رضى الله عنه: وكان النبي يربيه وعبق من سمته وخلقه وكرمه ما أطاق صلى الله عليه وآله - فقال لي: يا علي قد امرت أن أنذر عشيرتي الأقربين، فاصنع لي طعاما، واطبخ لي لحما. قال علي عليه السلام: فعددتهم بني هاشم بحتا فكانوا أربعين، قال: فصنعت الطعام طعاما يكفي لاثنين أو ثلاثة، قال: فقال لي المصطفى صلى الله عليه وآله: هاته، قال: فأخذ شظية من اللحم فشظاها بأسنانه وجعلها في الجفنة، قال: وأعددت لهم عسا من لبن. قال: ومضيت الى القوم: فأعلمتهم أنه قد دعاهم لطعام وشراب، قال: فدخلوا وأكلوا ولم يستتموا نصف الطعام حتى تضلعوا. قال: ولعمري بالواحد منهم يأكل مثل ذلك الطعام وحده، قال: ثم أتيت باللبن، قال: فشربوا حتى تضلعوا، قال: ولعمري بالواحد منهم وحده يشرب مثل ذلك اللبن، قال: وما بلغوا نصف العس. قال: ثم قام، فلما أراد أن يتكلم اعترض عليه أبو لهب لعنه الله، فقال: ألهذا دعوتنا ؟ ثم أتبع كلامه بكلمة، ثم قال: قوموا، فقاموا وانصرفوا كلهم. قال: فلما كان من غد قال لي: يا علي اصنع لي مثل ذلك الطعام والشراب، قال: فصنعته ومضيت إليهم برسالته، قال: فأقبلوا إليه، فلما أكلوا وشربوا قام رسول الله صلى الله عليه وآله ليتكلم، فاعترضه أبو لهب. قال: فقال له أبو طالب رضى الله عنه: اسكت يا أعور ما أنت وهذا ؟ قال: ثم قال أبو طالب: لا يقومن أحد، قال: فحبسوا، ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله: قم يا سيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فانك الصادق المصدق. قال: فقال صلى الله عليه وآله لهم: أرأيتم لو قلت لكم: ان وراء هذه الجبل جيشا يريد أن يغير عليكم أكنتم تصدقونني ؟ قال: فقالوا كلهم: نعم انك لأنت الأمين الصادق.


(1) الشعراء: 214.

[ 490 ]

قال: فقال لهم: فوحدوا الله الجبار واعبدوه وحده بالاخلاص، واخلعوا هذه الأنداد الأنجاس، وأقروا واشهدوا بأني رسول الله اليكم والى الخلق، فاني قد جئتكم بعز الدنيا والاخرة، قال: فقاموا وانصرفوا كلهم وكان الموعظة قد عملت فيهم. هذا آخر لفظ حديث أبي عمرو الزاهد (1). وفي كتاب نهاية الطلب وغاية السؤول في مناقب آل الرسول لابراهيم بن علي بن محمد الدينوري الحنبلي، يرفعه الى الحسن بن علي بن محمد بن عبد الله الأزدي الفقيه، قال: حدثنا محمد بن صالح، قال: حدثني أبي، عن عبد الكريم الجوزي، وقال الحسن بن علي المذكور: وحدثناه أيضا عبد الله بن عمر الرقي، عن عبد الكريم الجوزي، عن طاووس، عن ابن عباس. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة، يقول فيه: ان النبي صلى الله عليه وآله قال للعباس رضى الله عنه: ان الله قد أمرني باظهار أمري، وقد أنبأني واستنبأني فما عندك ؟ فقال له العباس رضى الله عنه: يابن أخي تعلم أن قريشا أشد الناس حسدا لولد أبيك، وان كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطماء والداهية العظمى، ورمينا عن قوس واحدة، فانتسفونا نسفا صلتا، ولكن اقترب بنا الى عمك أبي طالب، فانه كان أكبر أعمامك، فان لا ينصرك لا يخذلك ولا يسلمك. فأتياه، فلما رآهما أبو طالب رضى الله عنه، قال: ان لكما لظنة وخبرا، ما جاء بكما في هذا الوقت ؟ فعرفه العباس رضى الله عنه ما قال له النبي صلى الله عليه وآله وما أجابه العباس رضى الله عنه، فنظر إليه أبو طالب رضى الله عنه وقال: اخرج يابن أخي، فانك الرفيع كعبا، والمنيع حزبا، والأعلى أبا، والله لا يسلقك لسان الا سلقته الألسن حدادا، واجتذبته سيوف حدادا، والله لتذللن لك العرب ذل البهم لصاحبها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب


(1) الطرائف في معرفة المذاهب ص 299 - 300 عنه. (*)

[ 491 ]

جميعا، ولقد قال: ان من صلبي لنبيا لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به. ثم ذكر صفة اظهار نبيهم صلى الله عليه وآله للرسالة عقيب كلام أبي طالب له، وصورة شهادته، وقد صلى وحده وجاءت خديجة فصلت معه، ثم جاء علي عليه السلام فصلى معه (1). وفي كتاب الحنبلي المذكور، باسناده الى محمد بن اسحاق، عن عبد الله بن مغيرة، قال: فقد أبو طالب رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وآله، فظن أن بعض قريش اغتاله فقتله، فبعث الى بني هاشم فقال: يا بني هاشم أظن أن بعض قريش اغتال محمدا فقتله، فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة، وليجلس الى جنب عظيم من عظماء قريش، فإذا قلت ابغي محمدا، قتل كل رجل منكم الرجل الذي الى جانبه. وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله جمع أبي طالب رضى الله عنه وهو في بيت عند الصفا، فأتى أبا طالب وهو في المسجد، فلما رأه أبو طالب رضى الله عنه أخذ بيده، ثم قال: يا معشر قريش فقدت محمدا، فظننت أن بعضكم اغتاله، فأمرت كل فتى من بني هاشم أن يأخذ حديدة ويجلس كل واحد منهم الى عظيم منكم، فإذا قلت ابغي محمدا، قتل كل واحد منهم الرجل الذي الى جانبه، فاكشفوا لي عما في أيديكم يا بني هاشم، فكشف بنو هاشم عما في أيديهم، فنظرت قريش الى ذلك، فعندها هابت قريش رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أنشأ أبو طالب رضى الله عنه يقول شعرا: ألا أبلغ قريشا حيث حلت * وكل سرائر منها غرور فاني والصوالح غاديات * وما تتلو السفافرة الشهور لال محمد راع حفيظ * وود الصدر مني والضمير


(1) الطرائف ص 302 - 303 ح 388 عنه. (*)

[ 492 ]

فلست بقاطع رحمي وولدي * ولو جرت مظالمها الجزور أيأمر جمعهم أبناء فهر * بقتل محمد والأمر زور فلا وأبيك لا ظفرت قريش * ولا لقيت رشادا إذ تشير بني أخي ونوط القلب مني * وأبيض ماؤه غدق كثير ويشرب بعدها الولدان ريا * وأحمد قد تضمنه القبور أيا ابن الأنف أنف بني قصي * كأن جبينك القمر المنير (1) وفي كتاب الحنبلي المذكور صاحب كتاب نهاية الطلب وغاية السؤول، باسناده قال سمعت أبا طالب رضى الله عنه يقول: حدثني محمد ابن أخي وكان والله صدوقا، قال: قلت له: بم بعثت يا محمد ؟ قال: بصلة الأرحام، واقام الصلاة وايتاء الزكاة (2). وفي الكتاب المذكور، باسناده الى عروة بن عمر الثقفي، قال: سمعت أبا طالب رضى الله عنه قال: سمعت ابن أخي الأمين يقول: اشكر ترزق، ولا تكفر فتعذب (3). وفي الكتاب المذكور باسناده الى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن أبا طالب مرض، فعاده النبي صلى الله عليه وآله (4). وفي كتابه أيضا باسناده الى عطاء بن أبي رياح، عن ابن عباس، قال: عارض النبي صلى الله عليه وآله جنازة أبي طالب رضى الله عنه، فقال: وصلتك رحم، وجزاك الله يا عم خيرا (5).


(1) الطرائف ص 303 - 304 ح 389 عنه. (2) الطرائف ص 304 ح 390 عنه. (3) الطرائف ص 304 ح 391 عنه. (4) الطرائف ص 304 ح 392 عنه. (5) الطرائف ص 305 ح 393 عنه.

[ 493 ]

وفيه باسناده الى ثابت البناني، عن اسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قلت: يا رسول الله ما ترجو لأبي طالب ؟ قال: كل خير أرجوه من ربي (1). وفي كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري، قال: أول صلاة صلاها رسول صلى الله عليه وآله جماعة، قال: مر أبو طالب رضى الله عنه ومعه جعفر رضى الله عنه على نبي الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي وعلي عليه السلام يمينه، فقال لجعفر: صل جناح ابن عمك، فتأخر علي وقام معه جعفر، وتقدمهما رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنشد أبو طالب رضى الله عنه يقول شعرا: ان عليا وجعفرا ثقتي * عند اخترام الزمان والكرب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لامي من بينهم وأبي والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب (2) وفي تفسير الثعلبي في تفسير قوله تعالى (والسابقون السابقون) (3) أنها مخصوصة بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وأنه آمن برسول الله صلى الله عليه وآله، وساق الحديث، ثم قال في آخر القصة: ويروى أن أبا طالب قال لعلي عليه السلام: أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ قال: يا أبت آمنت بالله ورسوله وصدقته فيما جاء به، وصليت معه لله تعالى، فقال: أما أن محمدا لا يدعو الا الى خير فالزمه (4). وذكر الثعلبي في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى (وهم ينهون عنه وينأون عنه (5) باسناده عن ابن عباس: أن قريشا اجتمعت الى أبي طالب، وقالوا: يا أبا


(1) الطرائف ص 305 ح 394 عنه. (2) الطرائف ص 305 - 306 ح 396 عنه. (3) الواقعة: 10. (4) العمدة لابن البطريق ص 410 - 411 ح 853 عنه. (5) الأنعام: 26.

[ 494 ]

طالب سلم الينا محمدا، فانه قد أفسد أدياننا وسب آلهتنا لنقتلنه، وهذه أبناؤنا بين يديك تبن بأيهم شئت، ثم دعوا بعمارة بن الوليد وكان مستحسنا، فقال لهم: هل رأيتم ناقة حنت الى غير فصيلها ؟ لا كان ذلك أبدا، ثم نهض عنهم، فدخل على النبي صلى الله عليه وآله فرآه كثيبا وقد علم مقالة قريش، فقال: يا محمد لا تحزن ثم قال: والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتى اوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * ولقد نصحت وكنت قبل أمينا وعرضت دينا لا محالة أنه * من خير أديان البرية دينا قال الثعلبي: وهذا قول مقاتل، والقاسم بن محصرة (1)، وعطاء بن دينلر، واحدى الروايات عن ابن عباس (2). وفي هذه الأشعار تصريح بايمانه، وتصديق الرسول، وأن دينه خير الأديان. وفي كتاب الجمع بين الصحيحين من مسند عبد الله بن عمر في الحديث الحادي عشر من افراد البخاري، قال عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه، قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر الى وجه النبي صلى الله عليه وآله يستسقي وما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للأرامل هو قول أبي طالب رضى الله عنه، وقد أخرجه بالاسناد من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب وذكر البيت، وهي قصيدة معروفة عند أهل النقل وهي هذه: لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل


(1) في الطرائف: محيصرة، وفي العمدة: مخيضرة. (2) الطرائف ص 301 - 302 عنه، والعمدة ص 411 عنه.

[ 495 ]

فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها * وسيفا لمن عادى وزين المحافل وجدت بنفسي دونه وحميته * ودارأت عنه بالذرى والكلاكل وأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا نرضى بدين الأباطل وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتماى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله نبري محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل (1) وفي كتاب نهاية الطلب للحنبلي المذكور، باسناده الى عائشة تذكر صفة سقيا نبينا صلى الله عليه وآله ونزول الغيث، وقالت فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة كالأكليل، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بدت نواجده، ثم قال: لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه، من ينشدنا قوله ؟ فقال أمير المؤمنين: لعلك أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للأرامل أنشد الأبيات الى آخرها (2). ووجه دلالة هذه الأبيات على المقصود ظاهر، أيها اللبيب إذا نظرت بعين الانصاف الى ما ذكرناه، قطعت بأن أبا طالب رضى الله عنه كان من أكبر المؤمنين وأفضل المصدقين، وعرفت أن حقه عظيم على الاسلام والمسلمين. والعجب أن مع كمال ظهور ايمان أبي طالب رضى الله عنه، زعم جماعة من أهل السنة أن


(1) العمدة ص 411 - 412، والطرائف ص 300 - 301. (2) الطرائف ص 305 ح 395 عنه.

[ 496 ]

المراد بقوله تعالى (انك لا تهدي من أحببت) (1) أبو طالب. وقد ذكر أبو المجد بن رشادة الواعظ الواسطي في كتاب أسباب نزول القرآن ما هذا لفظه: قال الحسن بن الفضل (2) في قوله عز وعلا: (انك لا تهدي من أحببت) كيف يقال: انها نزلت في أبي طالب رضى الله عنه ؟ وهذه السورة من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة، وأبو طالب رضى الله عنه مات في عنفوان الاسلام، والنبي صلى الله عليه وآله بمكة، وان هذه الاية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد المناف، وكان النبي صلى الله عليه وآله يحبه ويحب اسلامه الى آخر الحكاية (3). انتهى المقصود من بيان مختصر مما يدل على أفضلية علي بن أبي طالب عليه السلام على سائر الصحابة في نفسه وحسبه ونسبه، فمن نظر في الأحاديث التي نقلناها في الفاتحة وما نقلناه هاهنا، جزم وقطع بأن علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة الزهراء وولديه الحسن والحسين عليهم السلام خير خلق الله بعد رسول الله صلى الله عليه وآله حسبا ونسبا وعلما وفضلا وكمالا. فلا يغرنك قول عمر وابنه، وعثمان وأبو هريرة، والحسن البصري، وعمرو بن عبيد والجاحظ، بأفضلية أبي بكر، لاستنادهم الى هواء أنفسهم وميلهم الى عاجلهم، إذ لم يوجد له فضل في كتاب ربهم وسنة نبيهم، وان وجد فعلى الطريقة النادرة، فلا تعارض أدنى ما لعلي عليه السلام من المزايا. مع أن قولهم معارض بقول المقداد، وسلمان، وأبي ذر، وعمار، وجابر، وحذيفة، وهؤلاء ممن اتفق الامة على عدالتهم، والزبير، وعطاء، ومجاهد، وسلمة، وأبي عبد الله البصري، وسليمان بن جرير الرقي ومن تابعه، وابن التمار ومن تابعه،


(1) القصص: 56. (2) في الطرائف: مفضل. (3) الطرائف ص 306 عنه.

[ 497 ]

وكثير النواء، وسالم بن أبي حفصة، والحكم بن عيينة، وثابت الحداد، بأفضلية علي عليه السلام، وهو اختيار البغداديين كافة، والشيعة بأجمعها، والحجة في اجماعها لدخول المعصوم فيها (1). قال ابن أبي الحديد في الجزء العشرين من شرح نهج البلاغة: والقول بالتفضيل قول قديم، قد قال به كثير من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة: عمار، والمقداد، وأبو ذر، وسلمان، وجابر بن عبد الله، وابي بن كعب، وحذيفة، وبريدة، وأبو أيوب، وسهل بن حنيف، وأبو الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن الثابت، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، والعباس بن المطلب، وبنوه وبنو هاشم كافة وبنو المطلب كافة. وكان الزبير من القائلين به في بدأ الأمر ثم رجع، وكان من بني امية قوم يقولون بذلك، منهم خالد بن سعيد بن العاص، ومنهم عمر بن عبد العزيز. ثم قال: أنا أذكر هاهنا الخبر المروي المشهور عن عمر، وهو من رواية ابن الكلبي، قال: بينا عمر بن عبد العزيز جالسا في مجلسه، إذ دخل حاجبه ومعه امرأة أدماء طويلة، حسنة الجسم والقامة، ورجلان متعلقان بها، ومعهم كتاب من ميمون بن مهران الى عمر، فدفعوا إليه الكتاب، ففضه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، من ميمون بن مهران، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد، فانه ورد علينا أمر ضاقت به الصدور، وعجزت عنه الأوساع (2)، وهربنا بأنفسنا عنه ووكلناه الى عالمه، لقول الله عزوجل (ولو ردوه الى الرسول والى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (3) وهذه المرأة والرجلان أحدهما زوجها والاخر أبوها، وان أباها يا أمير


(1) الصراط المستقيم 2: 71. (2) الأوساع: جمع وسع وهو الطاقة. (3) النساء: 83.

[ 498 ]

المؤمنين زعم أن زوجها حلف بطلاقها أن علي بن أبي طالب خير هذه الامة وأولاها برسول الله صلى الله عليه وآله، وانه يزعم أن ابنته طلقت منه، وأنه لا جوز له في دينه أن يتخذه صهرا، وهو يعلم أنها حرام عليه كامه، وان الزوج يقول له: كذبت وأثمت لقد بر قسمي، وصدقت مقالتي، وانها امرأتي على رغم أنفك وغيظ قلبك، فاجتمعوا الي يختصمون في ذلك. فسألت الرجل عن يمينه، فقال: نعم قد كان ذاك قد حلفت بطلاقها أن عليا خير هذه الامة وأولاها برسول الله صلى الله عليه وآله عرفه من عرفه، وأنكره من أنكره، فليغضب من غضب، وليرض من رضي، وتسامع الناس بذلك، فاجتمعوا له، وان كانت الألسن مجتمعة فالقلوب شتى، وقد علمت يا أمير المؤمنين اختلاف الناس في أهوائهم، وتسرعهم الى ما فيه الفتنة، فأحجمنا عن الحكم لتحكم بما أراك الله، وانهما تعلقا بها وأقسم أبوها أن لا يدعها معه، وأقسم زوجها أن لا يفارقها ولو ضربت عنقه، الا أن يحكم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مخالفته والامتناع منه، فرفعناهم اليك يا أمير المؤمنين، أحسن الله توفيقك وأرشدك، وكتب في أسفل الكتاب: إذا ما المشكلات وردن يوما * فحارت في تأملها العيون وضاق القوم ذرعا عن بناها * فأنت لها أبا حفص أمين لأنك قد حويت العلم طرا * وأحكمت التجارب والشؤون وخلفك الاله على الرعايا * فحظك فيهم الحظ الثمين قال: فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم وبني امية وأفخاذ قريش، ثم قال لأبي المرأة: ما تقول أيها الشيخ ؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا الرجل زوجته ابنتي، وجهزتها إليه بأحسن ما يجهز به مثلها، حتى إذا أملت خيره ورجوت صلاحه حلف بطلاقها كاذبا، ثم أراد الاقامة معها.

[ 499 ]

فقال له عمر: يا شيخ لعله لم يطلق امرأته فكيف حلف ؟ قال الشيخ: سبحان الله ان الذي حلف عليه لأبين حنثا وأوضح كذبا من أن يختلج في صدري منه شك مع سني وعلمي، لأنه زعم أن عليا خير هذه الامة والا فامرأته طالق ثلاثا، فقال للزوج: ما تقول أهكذا حلفت ؟ قال: نعم، فقيل: انه لما قال نعم كاد المجلس يرتج بأهله، وبنو امية ينظرون إليه شزرا، الا أنهم لم ينطقوا بشئ كل ينظر الى وجه عمر. فأكب عمر مليا ينكت الأرض بيده والقوم صامتون ينظرون ما يقوله، ثم رفع رأسه وقال: إذا ولي الحكومة بين قوم * أصاب الحق والتمس السدادا وما خير الامام إذا تعدى * خلاف الحق واجتنب الرشادا ثم قال للقوم: ما تقولون في يمين هذا الرجل ؟ فسكتوا، فقال: سبحان الله قولوا، فقال رجل من بني امية: هذا حكم في فرج ولسنا نجترئ على القول فيه وأنت عالم بالقول مؤتمن لهم وعليهم قل ما عندك، فان القول ما لم يكن يحق باطلا أو يبطل حقا جائز علي في مجلسي. قال: لا أقول شيئا، فالتفت الى رجل من بني هاشم من ولد عقيل بن أبي طالب، فقال له: ما تقول فيما حلف به هذا الرجل يا عقيلي ؟ فاغتنمها فقال: يا أمير المؤمنين ان جعلت قولي حكما أو حكمي جائزا قلت، فان لم يكن ذلك فالسكوت أوسع لي وأبقى للمودة، قال: قل وقولك حكم وحكمك ماض. فلما سمع بنو امية قالوا: ما أنصفتنا يا أمير المؤمنين إذ جعلت الحكم الى غيرنا، ونحن من لحمتك واولي رحمك، فقال عمر: اسكتوا عجزا ولؤما عرضت عليكم آنفا فما انتدبتم له، قالوا: لأنك لم تعطنا ما أعطيت العقيلي، ولا حكمتنا كما حكمته، فقال عمر: ان كان أصاب وأخطأتم وحزم وعجزتم وأبصر وعميتم، فما ذنب عمر لا أبا لكم، أتدرون ما مثلكم ؟ قالوا: لا ندري، قال: لكن العقيلي يدري، ثم قال: ما

[ 500 ]

تقول يا رجل ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين مثلهم كما قال الأول: دعيتم الى أمر فلما عجزتم * تناوله من لا يداخله عجز فلما رأيتم ذاك أبدت نفوسكم * نداما وهل يغني من الحذر الحرز فقال عمر: أحسنت وأصبت فقل ما سألتك عنه، قال: يا أمير المؤمنين بر قسمه ولم تطلق امرأته، قال: وأنى علمت ذلك ؟ قال: نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام وهو عندها في بيتها عائد لها: يا بنية ما علتك ؟ قالت: الوعك يا أبتاه، وكان علي غائبا في بعض حوائج النبي صلى الله عليه وآله فقال لها: أتشتهين شيئا ؟ قالت: نعم أشتهي عنبا وأنا أعلم أنه عزيز وليس وقت عنب، فقال صلى الله عليه وآله: ان الله قادر على أن يجيئنا به. ثم قال: اللهم ائتنا به مع أفضل امتي عندك منزلة، فطرق علي الباب ودخل ومعه مكتل قد ألقى عليه طرف ردائه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما هذا يا علي ؟ قال: عنب التمسته لفاطمة، فقال: الله أكبر الله أكبر، اللهم كما سررتني بأن خصصت عليا بدعوتي، فاجعل فيه شفاء بنيتي، ثم قال: كلي على اسم الله يا بنية، فأكلت، وما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله حتى استقلت وبرأت. فقال عمر: صدقت وبررت، أشهد لقد سمعته ووعيته، يا رجل خذ بيد امرأتك، فان عرض لك أبوها فاهشم أنفه، قال: بني عبد مناف والله ما نجهل ما يعلم غيرنا ولا بنا عمى في ديننا، ولكنا كما قال الأول: تصيدت الدنيا رجالا بفخها * فلم يدركوا خيرا بل استقبحوا الشرا وأعماهم حب الغنى وأصمهم * فلم يدركوا الا الخسارة والوزرا قيل: فكأنما القم بني امية حجرا، ومضى الرجل بامرأته، وكتب عمر الى ميمون بن مهران: سلام عليك، فاني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو، أما بعد فاني قد فهمت كتابك، وورد الرجلان والمرأة، وقد صدق الله يمين الزوج وأبر قسمه، وأثبته

[ 501 ]

على نكاحه، فاستيقن ذلك واعمل عليه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. ثم قال الشارح: فأما من قال بتفضيله عليه السلام على الناس كافة من التابعين فخلق كثير، كاويس القرني، وزيد بن صوحان، وصعصعة أخيه، وجندب الخير، وعبيدة السلماني، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة. ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر الا لمن قال بتفضيله عليه السلام، ولم تكن الامامية ومن نحا نحوها من الطاعنين في امامة السلف مشهورة حينئذ على هذا النحو من الاشتهار، فكان القائلون بالتفضيل هم المسمون بالشيعة، وجميع ما ورد من الاثار والأخبار في فضل الشيعة، وفي أنهم موعودون بالجنة، فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم، ولذلك قال أصحابنا المعتزلة في كتبهم وتصانيفهم: نحن الشيعة حقا، فهذا القول هو أقرب الى السلامة وأشبه بالحق من القولين المقتسمين طرفي الافراط والتفريط ان شاء الله (1). أقول: كلامه هذا نشأ من اتباع الهوى، وحب متابعة الاباء، فانه لا يخفى على البصير الخبير أن الشيعة اسم لكل من تولى بعلي عليه السلام وسائر أهل البيت، وتبرأ من الخلفاء الثلاثة وتابعيهم، لأن شيعة الرجل من تبعه وخالف من خالفه، فمن ترك اتباع علي عليه السلام وادعى الخلافة لا يسمى شيعة له، وكذا من ترك بيعته وبايع غيره اختيارا من غير اكراه، وكذا من أحب اتباع غيره من مخالفيه وغاصبي حقه وان قال بأفضليته. فثبت أنه لا يستحق هذا الاسم الا نحن، لقولنا بانحصار الامامة في علي وأولاده عليهم السلام، على أن المصنفين من علماء المخالف والمؤالف إذا ذكروا الشيعة في مصنفاتهم وقسموها لا يجعلون المعتزلة القائلين بالأفضلية منها.


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20: 221 - 226.

[ 502 ]

ثم أقول: وممن قال بالتفضيل من بني امية معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. قال أبو البقاء الشافعي في كتاب حياة الحيوان: بويع له - يعني: معاوية بن يزيد - بالخلافة يوم موت أبيه، فأقام فيها أربعين يوما، وقيل: أقام فيها خمسة أشهر وأياما وخلع نفسه. وذكر غير واحد أن معاوية بن يزيد، لما خلع نفسه صعد المنبر، فجلس طويلا ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد والثناء، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وآله بأحسن ما يذكر به. ثم قال: أيها الناس ما أنا بالراغب في الائتمار عليكم، ما أكرهه منكم، واني أعلم أنكم تكرهونا أيضا، لأنا بلينابكم وبليتم بنا، الا أن جدي معاوية نازع هذا الأمر من كان بهذا أولى منه ومن غيره، لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله، وعظيم فضله وسابقته، أعظم المهاجرين قدرا، وأشجعهم قلبا، وأكثرهم علما، وأولهم ايمانا، وأشرفهم منزلة، وأقدمهم صحبة، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وصهره وأخوه، زوجه رسول الله صلى الله عليه وآله ابنته، وجعله لها بعلا باختياره لها، وجعلها له زوجة باختيارها له، أبو سبطيه سيدا شباب أهل الجنة وأفضلا هذه الامة بعد الرسول صلى الله عليه وآله، وابنا فاطمة البتول عليها السلام، من الشجرة الطيبة الطاهرة الزكية، فركب جدي منه ما تعلمون، وركبتم منه مالا تجهلون، حتى انتظمت لجدي الامور. فلما جاء القدر المحتوم، واخترمته أيدي المنون، بقي مرتهنا بعمله، فريدا في قبره، ووجد ما قدمت يداه، ورآى ما ارتكبه واعتداه، ثم انتقلت الخلافة الى يزيد أبي، فتقلد أمركم لهواء كان أبوه فيه، لقد كان أبي يزيد بسوء فعله واسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على امة محمد صلى الله عليه وآله، فركب هواء واستحسن خطأه، وأقدم على ما أقدم من جرأته على الله تعالى، وبغيه على من استحل حرمته من

[ 503 ]

أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت مدته، وانقطع أثره، وضاجع عمله، وصار حليف حفرته، رهين خطيئته، وبقيت أوزاره وتبعاته، وحصل على ما قدم وندم حيث لا ينفعه الندم، وشغلنا الحزن له عن الحزن عليه، فليت شعري ماذا قال وما قيل له، فهل عوقب باساءته، وجوزي بعمله، وذلك ظني. ثم اختنقته العبرة، فبكى طويلا وعلا نحيبه، ثم قال: وصرت أنا ثالث القوم، والساخط علي أكثر من الراضي، وما كنت لأتحمل آثامكم، ولا أراني الله تعالى جلت قدرته متقلدا أو زاركم، وألقاه بتبعاتكم، فشأنكم أمركم، فخذوه ومن رضيتم به عليكم فولوه، فقد خلعت بيعتي عن أعناقكم، والسلام. فقال له مروان بن الحكم وكان تحت المنبر: أسنة عمرية يا أبا ليلى، فقال: عد عني أعن ديني تخد عني، فوالله ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها، ائتني برجال مثل رجال عمر، على أنه ما كان خبر جعلها شورى وصرفها عمن لا يشك في عدالته ظلما، والله لئن كانت الخلافة نعيما لقد نال أبي منها مغرما ومأثما، ولئن كانت شرا فحسبه منها ما أصابه. ثم نزل، فدخل عليه أقاربه وامه، فوجدوه يبكي، فقالت له امه: ليتك كنت حيضة ولم أسمع بخبرك، فقال: وددت والله ذلك، ثم قال: ويلي ان لم يرحمني ربي. ثم ان بني امية قالوا لمؤدبه عمر القصوص: أنت علمته هذا ولقنته اياه، وصددته من الخلافة، وزينت له حب علي وأولاده، وحملته على ما وسمنا به من الظلم، وحسنت له البدع حتى نطق بما نطق وقال بما قال، فقال: والله ما فعلته ولكنه مجبول ومطبوع على حب علي رضى الله عنه، فلم يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حيا حتى مات. وتوفي معاوية بن يزيد بعد خلع نفسه بأربعين ليلة، وقيل: تسعين ليلة، وكان عمره ثلاثا وعشرين سنة، وقيل: احدى وعشرين سنة، وقيل: ثمانية عشر سنة، ولم يعقب رحمة الله عليه ورضوانه.

[ 504 ]

هذا بيان أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام، وأما سائر الأئمة فبالاجماع كانوا أفضل من الذين كانوا يدعون الامامة وينازعونهم في الخلافة، فثبت امامة أئمتنا الاثني عشر عليهم السلام. تذنيب في ذكر أدلة المخالفين على أفضلية أبي بكر وهذه عبارة المواقف وشرحه: المقصد الخامس في أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو عندنا وأكثر قدماء المعتزلة أبو بكر، وعند الشيعة وأكثر متأخر المعتزلة علي. لنا وجوه: الأول: قوله (نعالى وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى) (1) قال أكثر المفسرين وقد أعتمد عليه العلماء: انها نزلت في أبي بكر، فهو أتقى، ومن هو أتقى فهو أكرم عند الله، لقوله تعالى (ان أكرمكم عند الله أتقاكم) (2) وهو أي الاكرام عند الله هو الأفضل، فأبوبكر أفضل ممن عداه من الامة، وأيضا فقوله (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) يصرفه عن الحمل على علي، إذ عنده نعمة التربية، فان النبي صلى الله عليه وآله ربى عليا وهي نعمة تجزى، وإذا لم يحمل عليه تعين أبو بكر، للاجماع أن ذلك الأتقى هو أحدهما لا غير. الثاني: قوله عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. عمم الأمر بالاقتداء، فدخل في الخطاب علي، وهو يشعر بالأفضلية، إذ لا يؤمر الأفضل ولا المساوي بالاقتداء سيما عندهم، إذ لا يجوزون امامة المفضول أصلا كما سيأتي. الثالث: قوله عليه السلام لأبي الدرداء: والله ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على رجل أفضل من أبي بكر.


(1) الليل: 17 - 18. (2) الحجرات: 13.

[ 505 ]

الرابع: قوله عليه السلام لأبي بكر وعمر: هما سيدا كهول أهل الجنة ماخلا النبيين والمرسلين. الخامس: قوله عليه السلام: ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يتقدم عليه غيره. السادس: تقديمه في الصلاة مع أنها أفضل العبادات، وقوله (يأبى الله ورسوله الا أبا بكر) وفي معناه قوله (يأبى الله والمسلمون الا أبا بكر) وذلك أن بلالا أذن بالصلاة في أيام مرضه، فقال النبي صلى الله عليه وآله لعبد الله بن زمعة: اخرج وقل لأبي بكر يصلي بالناس، فخرج فلم يجد على الباب الا عمر في جماعة ليس فيهم أبو بكر فقال: يا عمر صل بالناس، فلما كبر وكان رجلا صيتا وسمع عليه السلام صوته قال ذلك ثلاث مرات. السابع: قوله عليه السلام: خير امتي أبو بكر ثم عمر. الثامن: قوله عليه السلام: لو كنت متخذا خليلا دون ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن هو شريكي في ديني وصاحبي الذي أوجبت له صحبتي في الغار وخليفتي في امتي. التاسع: قوله عليه السلام وقد ذكر عنده أبو بكر: وأين مثل أبي بكر، كذبني الناس وصدقني وآمن بي، وزوجني ابنته، وجهزني بماله وواساني بنفسه، وجاهد معي في ساعة الخوف. العاشر: قول علي: خير الناس بعد النبيين أبو بكر ثم عمر ثم الله أعلم. وقوله إذ قيل له: ما توصي ؟ أي: أما توصي وأما تعين من يقوم مقامك بعدك ؟: ما أوصى رسول الله حتى أوصي، ولكن ان أراد الله بالناس خيرا جمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم (1). انتهى. الجواب عن الأول: أن المراد بالاية أبو الدحداح على ما حكاه شارح الطوالع،


(1) شرح المواقف 8: 365 - 367 ط مصر.

[ 506 ]

ورواه الواحدي باسناده الى عكرمة وابن عباس، أنه ابتاع نخلة في دار فقير بأربعين نخلة، وجعلها للفقير بنخلة في الجنة. وأسند الثعلبي الى عطاء أنه أبو الدحداح، ونقل عن بعض المفسرين: أن الأتقى علي بن أبي طالب. وقال شارح الطوالع: ويؤيده (ويطعمون الطعام) الايات، فلا عبرة بقول جماعة من المفسرين وعلماء المخالفين بأنها نزلت في أبي بكر، وان كانوا كثيرين. وقوله (وما لاحد عنده من نعمة تجزى) يصرفه عن علي، إذ عنده نعمة التربية غير موجه، لأنه لابد في الاية من تخصيص، لأنه لا يتصور من لا يكون لأحد عنده من نعمة، فكان المراد: أن ليس لأحد ممن يعطيهم الزكاة والصدقة عنده من نعمة تجزى. فالعموم ليس بمراد. وان سلمنا فلا نسلم أنه ليس على أبي بكر نعمة تجزى، كيف ذلك ؟ وعليه حق والديه وحق النبي في ارشاده الى امور دينه. وقوله (للاجماع أن ذلك الأتقى هو أحدهما) بطل بما نقلناه من الاختلاف بين العلماء والمفسرين وقول جماعة منهم أنه أبو الدحداح، وكيف يقال: ان الاية نزلت في أبي بكر ؟ وقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن الا أنه أنزل عذري (1). ويبعد أن ينزل في أبيها قرآن ولا تعلمه، مع شدة حرصها على رفعة شأنه، كما دل عليه تقديمها له في منصب نبي الله ووليه. وأيضا فلو نزل فيه هذه الاية وغيرها لاحتج بها يوم السقيفة، ولم يحتج بالأئمة من قريش، لخروج علي عليه السلام من شركته. وأيضا لو كان هو المراد بالأتقى، فلم قال أبو بكر على المنبر: أقيلوني أقيلوني لست بخيركم وعلي فيكم ؟ ولم قال عمر: بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها ؟ (2). وأما الأخبار التي تمسك المخالف بها: فالجواب عنها على سبيل الاجمال: أن هذه


(1) صحيح البخاري 6: 42 تفسير سورة الأحقاف. (2) راجع: الصراط المستقيم للبياضي 3: 88 - 90.

[ 507 ]

أخبار آحاد تفرد المخالف بنقلها، وقد بينا في الفاتحة ضعف رواتهم، وأن هذه الأحاديث وضعوها في زمن بني امية، والناس كانوا يتقربون الى ملوكهم بوضع أمثال هذه الأحاديث، وكانوا يتتبعون مناقب أهل البيت ويضعون للخلفاء الثلاثة ومعاوية بازائها. وأما على سبيل التفصيل، فالجواب عن الحديث الأول، فقد ذكرنا في الفاتحة في أواخرها. والجواب عن الحديث الثاني: أنه خبر واحد انفرد المخالف بنقله، ويكذبه قول أبي بكر على المنبر (أقيلوني لست بخيركم وعلي فيكم) ومع هذا غير معدود من الصحاح، فلا يعارض ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله: علي خير البشر من أبى فقد كفر، وخير البرية، وخير الخليقة، وخير من أخلف، وخير الناس، ولا يقاس بالناس. وقد رواه من المخالف جماعة كثيرة، منهم: الاصفهاني، والشيرازي، والديلمي، والخوارزمي، والبلاذري، والطبراني، وابن مردويه، وابن حنبل (1). والجواب عن الحديث الثالث: أنهم قد وضعوه في مقابل ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله (الحسن والحسين سيد شباب أهل الجنة) وقد نقله من المخالف جماعة كثيرة، أخرجه الترمذي في صحيحه مسندا الى الخدري، وأخرجه أيضا مسندا الى حذيفة، وأخرجه ابن خالويه في كتابه، والبخاري في حديث ابن عمر (2). ومن الشيعة من لا حصر لهم. وهذا الحديث الذي تمسكوا به قد انفردوا بنقله، ورواية عمر وهو منحرف عن أهل البيت، وقد وضعوه غفلة عن أن الجنة لا كهول فيها. وقد ظهر بما ذكرناه الجواب عن الحديث الرابع أيضا، ويكذبه أيضا تقديم


(1) راجع: الصراط المستقيم 2: 68 - 70. (2) راجع: احقاق الحق 10: 544 - 595، وتقدم استخراج بعض هذه المصادر فراجع.

[ 508 ]

النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام في امارة السرايا، وقراءة البراءة في الموسم، وتقديم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد واسامة عليه في امارة السرايا، وأيضا لو كان صحيحا لاحتج به أبو بكر يوم السقيفة. وأما الجواب عن الحديث الخامس، فقد تقدم في أواخر الفاتحة. وأما الجواب عن الحديث السادس، فهو عين الجواب عن الحديث الثاني. وأما الجواب عن الحديث السابع، فانه خبر واحد انفرد المخالف بنقله، على أنه ليس للخلة معنى سوى المودة، ولا شك أن هذا المعنى كان حاصلا بينه وبين علي عليه السلام، بدلالة حديث الطير والراية وغيرهما، فعلم أنه موضوع. وقوله (وخليفتي في امتي) يكذبه ما صححوه من الأحاديث الدالة على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يستخلف، وأيضا لو كان حقا لاحتج به يوم السقيفة، ولما احتاج الى الاستدلال بقوله (الأئمة من قريش). والجواب عن الثامن: أنه مع كون المخالف منفردا بنقله مشتمل على امور غير واقعة، لأن أبا بكر لم يكن له مال ليجهز النبي صلى الله عليه وآله به، ولو كان له مال فلم لم يخرج أباه من دناءة العمل ؟ ويتركه ينادي على طعام ابن جذعان باجرة بخس. وأيضا لو جهز النبي صلى الله عليه وآله بماله، فلم لم تنزل له آية كما نزلت لأمير المؤمنين عليه السلام سورة هل أتى باعطائه أقراص الشعير ؟. وأيضا النبي صلى الله عليه وآله قبل الهجرة كان غنيا بمال خديجة، وبعدها كان في ضيافة الأنصار، وأنه كان في أوقات يشد النبي صلى الله عليه وآله حجر المجاعة على بطنه، ويطوي الأيام لا يطعم فيهن طعاما الى أن فتح الله عليه البلدان، وأبو بكر مع سائر المهاجرين كانوا محتاجين الى الأنصار في الدور والمال، فمتى جهزه أبو بكر ؟. وأيضا لو كان أبو بكر غنيا كريما، فلم لم يقدم بين يدي نجواه ؟ وحرم مناجاة النبي صلى الله عليه وآله حين نزلت قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا

[ 509 ]

بين يدي نجواكم صدقة) (1) ولم يعمل بهذه الاية غير علي عليه السلام. نقل أنه عليه السلام قال: كان معي دينار واحد، فبعته بعشرة دراهم، فجعلت أتصدق منها بدرهم بعد درهم، ثم اناجي رسول الله مرة بعد مرة اخرى، حتى تصدقت بالدراهم في عشر مرات، ثم نسخ الله تلك الاية، فقال: (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فان تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة). وقد زعم أهل السنة أن أبا بكر أنفق على النبي صلى الله عليه وآله أربعين ألف درهم، وكيف يصدق العاقل هذا المقال ؟ مع أن أبا بكر لم تسمح نفسه بصدقة درهم لمناجاة الرسول، لقد جاءوا بالافك ظلما وقالوا زورا. والجواب عن التاسع: أن المخالف مختص بنقله، ومع هذا لا يعارض ما وردت من الروايات المشهورة عند المخالف والمتواتر عند الشيعة الدالة على أفضلية علي عليه السلام، وما تواتر عن علي عليه السلام من الشكايات والتظلمات من أبي بكر وعمر وادعاء الأحقية، وما اشتهر من قول أبي بكر (لست بخيركم). والجواب عن العاشر: أنه ام سلمنا صحته، فهو قول لأبي بكر، وقوله ليس بحجة عندنا، مع أنه يلزم أن يكون معاوية الزنديق الذي لعنه النبي صلى الله عليه وآله في عدة مواطن، وسيجئ ان شاء الله ذكر مثالبه، أفضل من الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وسائر الصحابة، لأن الناس اجتمعوا بعد علي عليه السلام على بيعته، أعوذ بالله من الغواية. الدليل السابع والثلاثون [ بطلان امامة أول خلفائهم ] ان أول خلفائهم كان ظالما فاسقا، والظالم والفاسق لا يستحق الخلافة، لقوله


(1) المجادلة: 12.

[ 510 ]

تعالى (لا ينال عهدي الظالمين) (1) ولقوله تعالى (ولا تركنوا الى الذين ظلموا) (2) ولقوله تعالى (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (3) فإذا بطل امامة أبي بكر بطل امامة الاخرين أيضا، فإذا بطل امامة أئمة النواصب ثبت امامة أئمتنا الاثني عشر، لأن سائر المخالفين ليس لهم شبهة قوية في ترويج باطلهم، وقد أبطلنا بحمد الله شبههم الضعيفة. ومن ظلم الأول المنافي لامامته أنه كان مشركا يعبد الأصنام، والشرك أعظم الظلم، ولفظة (الظالمين) عام يشمل جميع من ظلم، سواء تاب بعده أو لم يتب. ومن ظلمه: ارساله خالد بن الوليد الى بني حنيفة، فقتل وسبي ونهب، ونكح امرأة رئيسهم مالك من ليلته بغير عدة، حتى أنكر عمر قتالهم، وحبس ما قسم له من مالهم، فلما صار الأمر له رده عليهم، ورد ما وجد عند غيره. واحتج على قتالهم بمنع زكواتهم، مع أنهم لم يستحلوا منعا حتى يلزم ارتدادهم، وانما قالوا: حضرنا النص من النبي صلى الله عليه وآله بغدير خم على علي عليه السلام، ولا نؤدي صدقاتنا الى أبي بكر، وهب أن الرجال منعوا الصدقات، فما ذنب النساء المسلمات حتى يبعن ويوطأن، وقد أورد الطبري، ومسلم، والبخاري عن القوم الذين كانوا مع خالد، قالوا: أذن مؤذننا ومؤذنهم، وصلينا وصلوا، وتشهدنا وتشهدوا (4). وانما حمل أبا بكر على ذلك ما رواه الشيخ القمي (5) في كتاب الواحدة عن البراء: أن وفد بني تميم أتوا النبي صلى الله عليه وآله، فقال أميرهم مالك بن نويرة: علمني الايمان، فعلمه


(1) البقرة: 124. (2) هود: 113. (3) الحجرات: 6. (4) الصراط المستقيم 2: 279 - 280. (5) في الصراط: العمي، وهو محمد بن جمهور العمي.

[ 511 ]

الشهادتين وأركان الشريعة، ونهاه عن مناهيها، وأمره أن يوالي وصيه من بعده، وأشار الى علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما ذهب قال النبي صلى الله عليه وآله: من أحب أن ينظر الى رجل من أهل الجنة، فلينظر الى هذا الرجل، فلحقه الشيخان وسألاه الاستغفار لهما، فقال: لا غفر الله لكما تدعان صاحب الشفاعة وتسألاني، فغضبا ورجعا، فرأهما النبي صلى الله عليه وآله فتبسم وقال: أفي الحق مبغضة ؟ ! فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله جاء مالك لينظر من قام مقامه، فرآى أبا بكر يخطب، فقال: أخو تيم ؟ قالوا: نعم، قال: فوصي رسول الله الذي أمرني بموالاته ؟ قالوا: الأمر يحدث بهده الأمر، قال: بالله ما حدث شئ ولكنكم خنتم الله ورسوله، ونظر إليه شزرا وتقدم وقال: ما أرقاك هذا المنبر ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله جالس ؟ فأمر قنفذا وخالدا باخراجه، فدفعاه كرها، فركب راحلته وقال: أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر إذا مات بكر قام بكر مقامه * فتلك وبيت الله قاصمة الظهر الى آخر أبياته، فبعث أبو بكر خالدا بجيش لقتله، فجاء فلم يجد فيهم مؤذنا، فقال: ارتددتم عن الاسلام، فقالوا: بل ذهب المؤذن الى امتيار الطعام، فلم يسمع وصافهم الحرب، وكان مالك يعد بألف فارس، فخافه خالد، فنظر مالك الى امرأته وهي تنظر الحرب وتستر وجهها بذراعيها، فقال: ان قتلني أحد فأنت، فوقعت في نفس خالد، فأعطاه الأمان، فاستوثق منه وطرح سلاحه، فأخذه وقتله، وعرس بامرأته من ليلته، وطبخ على رأسه لحم جزور لوليمته. فخرج متمم أخو مالك، فاستعدى أبا بكر على خالد، واستعان بعمر، فقال عمر لأبي بكر، اقتل خالدا بمالك، فقال: ما كنت لأقتل صحابيا بأعرابي في ردة عمياء، قال عمر: لم يرتد بل حمله على ذلك جمال امرأته، فتشاتما، فقال عمر: لو ملكت أمرا لقتلته به، فلما ولي عمر جاءه متمم، وقال: قد وعدتني بقتله، فقال: ما كنت

[ 512 ]

لاغير شيئا فعله صاحب رسول الله (1). ان قالوا قد يعلم من الردة ما يخفى على عمر ؟ قلنا: كيف ذلك ؟ وقد أوصاهم: ان أذنوا وأقاموا كفوا عنهم، وكيف يخفى ذلك والقصة مشهورة ؟ فقد حدث أبو قتادة: أنهم أقاموا الصلاة فلم يلتفت خالد إليهم، وأمر بقتلهم، فحلف لا يسير له تحت لواء، ورجع فأعلم أبا بكر، فقال عمر: قد وجب عليه القصاص. قالوا: ذكر خالد لمالك النبي صلى الله عليه وآله فقال: صاحبكم ؟ فأوهم أنه ليس بصاحب له، فقتله. قلنا: لو كان ذلك كذلك لما خفي على عمر، ولاعتذر أبو بكر الى عمر بذلك. وروى صاحب العقد وصاحب الاغاني عن الرياشى: أن متمما خاطب عبد اللات وخالدا، فقال: نعم القتيل إذ الرماح تنافجت * بين البيوت قتلت باب الأزور أدعوته بالله ثم قتلته * لوهودعاك بذمة لم يغدر فاذهب فلا تنفك حامل لعنة * ما زعزعت ريح غصون العصفر (2) ومن ظلمه: منعه فاطمة قريتين من قرى خيبر، نحلها رسول الله صلى الله عليه وآله بهما، وقد ادعتهما مع عصمتها في آية التطهير، وأورد في مناقبها: فاطمة بضعة مني يريبني مارابها، ومن أغضبها فقد أغضبني، وليس للنبي أن يغضب لغضبها الا وهو حق، والا لجاز أن يغضب لغضب كل مبطل (3). وقد نقل ابن بطريق في كتاب عدة الأخبار من كتب أهل السنة من فضائلها من


(1) الصراط المستقيم 2: 280 - 281. (2) الصراط المستقيم 2: 281 - 282. (3) الصراط المستقيم 2: 282.

[ 513 ]

كونها سيدة نساء العالمين وغيرها من الفضائل اثنين وعشرين حديثا، من مسند أحمد بن حنبل حديثين، وعن صحيح البخاري أربعة أحاديث، وعن صحيح مسلم تسعة أحاديث، وعن تفسير الثعلبي حديثا واحدا، وعن الجمع بين الصحيحين للحميدي حديثا واحدا، وعن الجمع بين الصحاح الستة لرزين بن معاوية العبدري خمسة أحاديث (1). فكيف يجوز العاقل المؤمن أن تدعي سيدة نساء العالمين مع غاية رفعة الشأن بغير الحق ؟ ثم انظر الى الشهود، وقد شهد لها علي المعصوم المطهر بآية التطهير، واني تارك فيكم الثقلين، وما ورد فيه من قول النبي: علي يدور مع الحق حيث دار، وقوله: علي مع الحق والحق مع علي، وقوله: انه الصديق الأكبر (2). وشهدت أيضا مع أمير المؤمنين، المبشرتان بالجنة أسماء بنت عميس وام أيمن، واسمها بركة، وهي حاضنة النبي صلى الله عليه وآله، وقد كانت تخبر بفضائله قبل ظهور حاله. على أن اثباتها بالبينة كان تبرعا منها، لأنها كانت صاحبة اليد، وليس على من له اليد البينة. وقد روى الخدري والسدي ومجاهد: أنه لما نزلت آية (وآت ذالقربى حقه) (3) دفع النبي إليها فدك (4). ثم لما ردت بينتها طلبت ميراثها من أبيها، لقوله تعالى: (يوصيكم الله في


(1) العمدة لابن بطريق ص 383 - 390. (2) تقدم استخراج هذه الأحاديث وراجع: الصراط المستقيم 2: 282. (3) الاسراء: 26. (4) شواهد التنزيل 1: 338، وينابيع المودة ص 119، والطرائف ص 254، والصراط المستقيم 2: 283.

[ 514 ]

أولادكم) (1). وهو محكمة كما قال صاحب التقريب: انها نسخت المواريث المتقدمة. عارضها برواية تفرد بها، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: لا نورث ما تركناه صدقة (2). ولا شك للعاقل في تزويرها، والا فكيف يخفى عن باب مدينة العلم وسائر أهل البيت وعلماء الصحابة ؟ على أنه قد تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله: ان عليا وصيه، فكيف يجوز عاقل أن يخفى النبي الحكم المخالف لكتاب الله عن وصيه، حتى تدعي ابنته بغير الحق، ويشهد لها وصيه ؟ مع أن خبر الواحد إذا لم يكن مشهورا وعارضه القرآن كان مردودا، لقوله عليه السلام: إذا ورد عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه والا فردوه (3). والعجب كل العجب أنها لما قالت لأبي بكر: أنت ورثت رسول الله ؟ قال: لا بل ورثه أهله، فإذا كان لا يورث فأي شئ ورث أهله ؟ وإذا صح هذا بطل ذلك لتناقضهما، وقد أعطى حجرتها من ميراثها وأعطيا بنتيهما ميراثهما، فلما ولي عثمان منعهما وقال: قد شهدتما بعدم ميراثه، ولفقتما مالك بن أوس معكما، فوالله ما أشك بعد هذا أنكما بالباطل شهدتما، فلعنة الله عليكما وعلى من أجاز شهادتكما، فولتا تلعنانه وتقولان: أخذت سلطاننا ومنعتنا مالنا، فقال: وأي سلطان لكما ولأبويكما ؟ وقد أخرج ابن قتيبة قولها في جوابه: ترثك أهلك ولا نرث رسول الله ؟ وأخرج الترمذي أنها قالت: من يرثك ؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فمالي لا أرث أبي. وأخرج البخاري أنها قالت: أترث أباك ولا أرث أبي ؟ أين أنت من قوله تعالى


(1) النساء: 11. (2) الصراط المستقيم 2: 283. (3) الصراط المستقيم 2: 283.

[ 515 ]

(وورث سليمان داود) (1) وقول زكريا (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) (2) وإذا اجمع على أنها أتت بآيتي الميراث في احتجاجها، ودل الدليل على عصمتها، وجب الجزم بحقية قولها. ان قيل: قد يورث غيره من المرسلين، ولا يورث خاتم النبيين ؟ قلنا: هذا خلاف اجماع المسلمين، فان من ورثهم عمهم، ومن منعم عمهم. قالوا: المراد بالايتين ارث العلم والنبوة، إذ لو اريد المال لما اختص سليمان دون زوجات أبيه وباقي وارثيه، وكذا الكلام في يحيى مع أبيه. قلنا: العلم والنبوة تابعان للمصلحة، لا مدخل للنسب والتوارث فيهما، وان سليمان اوتي حكما وعلما في حياة أبيه، فلا مدخل للارث فيه. وذكر سليمان في الارث لا يدل على اختصاصه به، لعدم دلالة التخصيص بالذكر على التخصيص بالحكم، والارث حقيقة في المال، وقصة زكريا تدل عليه حيث طلب ولدا يحجب بني عمه عنه وعن الافساد فيه، لأنهم كانوا فساقا، والتقدير: خفت الموالي أن يعصوا الله بمالي، فذهب بهذا ما يتوهم من نسبة البخل إليه، والعلم والنبوة لا حجب عنهما بحال، لأنه بعث لاذاعة العلم، فكيف يخاف من شئ بعث لأجله ؟ ان قيل: لم لا يكون خوفه من مواليه الفساق أن يرثوا علمه فيفسدون الرعية به ؟ قلنا: هذا العلم ان عني به الصحف، فلا يسمى علما الا مجازا، مع أنه يرجع الى ارث المال، وان عنى به العلم الذي محله القلوب، فهو إما شريعة فانما بعث لنشرها، وبنو عمه من جملة امته، وان عني علم العواقب والحوادث، فهذا لا يجب الاعلام به فلا خوف لأجله. ان قيل: انما سأل الولي خوفا من اندراس العلم.


(1) النمل: 16. (2) مريم: 6.

[ 516 ]

قلنا: قد كان يعلم من حكمة الله أنه لا يندرس العلم لازاحة العلة. ان قيل: خاف انتقاله الى غير ولده. قلنا: هذا خوف دنياوي، وليس هو مما بعثت الأنبياء له، فجهة خوفهم يحمل على المضار الدينية. ثم نرجع ونقول: انه اشترط في الولد كونه رضيا، أي: عاملا بطاعة ربه، مصلحا لماله، والنبي لا يكون الا رضيا، فلا معنى للتقييد بكونه رضيا. ان قلت: يجوز الدعاء بالواقع، مثل (رب احكم بالحق) (1) (واجعلنا مسلمين لك) (2). قلت: كان ذلك تعبدا وانقطاعا إليه تعالى فيما يعود الى الداعي بخلاف هذا، ولهذا لا يحسن رب ابعث نبيا واجعله عاقلا. فان قالوا: روي أنه قال لها: ان كان أبوك يورث، فخصمك الزوجات وعمك، وان كان لا يورث فجميع المسلمين خصمك. قلنا: فما بال المسلمين لم يكونوا خصم جابر، حيث قال له النبي صلى الله عليه وآله: وعدني بكذا، فحثى له من مال البحرين، كما أخرجه البخاري، فأعطاه بمجرد دعواه، وقد منع فاطمة عليها السلام مع عصمتها وبينتها. ان قالوا: فلعله علم صدق جابر. قلنا: من أين له ذلك ؟ مع أن البخاري وغيره روى أنه لا ينبغي للحاكم الحكم بعلمه لموضع التهمة. ان قيل: خبر الواحد يخص عموم آيات الميراث. قلنا: القرائن الواضحات دلت على كذب الخبر، فلا يجوز التخصيص به، وان


(1) الأنبياء: 112. (2) البقرة: 128.

[ 517 ]

سلمنا عدم القرائن، فلا يجوز أيضا التخصيص به، لأن الخبر ظني والكتاب قطعي، والظني لا يعارض القطعي. ان قالوا: لم تنكر الامة عليه، فهو دليل صوابه. قلنا: يد الخلافة لا تطاولها يد. ان قيل: قال عثمان مع كونه خليفة: تطاولت الأيدي إليه، بما لا خفاء فيه. قلنا: عثمان كان ضعيفا في نفسه، مستخفا بقدره، واستأثر بالأموال، فلم يكن له من المحبة ما للشيخين. ان قيل: فانكار نص القرآن أولى من احداث عثمان. قلنا: اشتبه عليهم أن خبر الواحد يخص القرآن، فلم يظهر للرعية الجحدان، على أن أكثرها لا تعرف القرآن ولا الحق بالبرهان، وانما ذلك القليل من أفراد الانسان (1). قال الجاحظ: والعجب أن كل صنف ممن خالفنا في الميراث يرد أحاديث مخالفه مما هو أصح اسنادا من رواية أبي بكر (لا نورث) فإذا صاروا الى ميراث النبي صلى الله عليه وآله خصوا الكتاب بخبر لا يداني بعض ما رووه. قالوا: قال علي عليه السلام: ما حدثني أحد بحديث الا استحلفته، ولقد حدثني أبو بكر وصدق، وفي هذا دليل صدقه في لا نورث. قلنا: هذا كذب عندنا، وقد روته آحادكم، فليس حجة علينا، على أنه لا يلزم من صدق أبي بكر في خبر صدقه في كل خبر حتى يصدق في لا نورث (2). ومما يدلك على عداوة خلفاء المخالفين لرسول الله صلى الله عليه وآله، أنه لما تولى عثمان أقطع فدكا عدو رسول الله صلى الله عليه وآله وطريده مروان لما زوجه ابنته، فكأنه أولى من


(1) الصراط المستقيم 2: 283 - 286. (2) الصراط المستقيم 2: 287.

[ 518 ]

فاطمه عليها السلام وأولادها باقطاعها، وقد قسم عمر خيبر على أزواج النبي صلى الله عليه وآله لأجل ابنته وابنة صاحبه. أخرجه صاحب جامع الاصول من طريقي البخاري ومسلم (1). وقال السيوطي الشافعي في تاريخ الخلفاء: ان فدكا كان بعد ذلك حبوة أبي بكر وعمر، ثم أقطعها مروان. ان قالوا: أبو بكر ما منع كتابيا حقه فكيف بفاطمة لو كان لها حق ؟ قلنا: لم يقع من الشحناء والبغضاء للكتابيين كما وقع لها ولأهلها، وقد ثبتت بآية التطهير عصمتها، وأثنت (هل أتى) على صدق طويتها، وما ورد من قول أبيها في حقها، ودخولها في العترة المأمون ضلالة من تمسك بها. فان كان أبوها بحديث (ما تركناه صدقة) أعلمها، فلا فرية أعظم من ادعاء أموال المسلمين، وذلك يناقض ما تقدم فيها، وان لم يكن عرفها فقد أغراها على الفتنة والسقوط فيها، وفي ذلك وجوب النار له وحاشاه له، لما أخرجه في جامع الاصول عن الترمذي وأبي داود من قوله عليه السلام: ان الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة حتى يحضره الموت، فيضار في الوصية، فيجب له النار. فأي ضرر أعظم من كتم ذلك عن وصيه ووارثه ؟ قالوا: طلبت فدكا تارة بالنحلة، وتارة بالارث، فان وقع ذلك عمدا أو سهوا منها بطل عصمتها. قلنا: لما انكر النحلة عدلت الى الميراث الزاما له بالحجة (2). هذا ما رواه المخالفون في كيفية أمر فدك وأما كيفيته على ما رواه رواتنا، فهي على ما قال صاحب الاستغاثة في مثالب الثلاثة: روى مشايخنا أن أمير المؤمنين


(1) الصراط المستقيم 2: 287. (2) راجع: الصراط المستقيم 2: 288.

[ 519 ]

عليا عليه السلام تقدم الى أبي بكر للشهادة بسبب أمر فدك، فامتنع عليه من قبول شهادته لفاطمة عليها السلام، قال: يا أبا بكر أنشدك الله الا صدقتنا عما نسألك عنه، قال: قل، قال: لو أن رجلين احتكما اليك في شئ هو في يد أحدهما دون الاخر، أكنت تخرجه من يده دون أن يثبت عندك ظلمه ؟ قال: لا، قال: فمن كنت تسأل ؟ قال: البينة للمدعي وأوجب اليمين على من أنكر، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: البينة للمدعي واليمين على من أنكر. فقال له علي صلوات الله عليه: أفتحكم فينا بغير ما تحكم به في المسلمين ؟ قال: وكيف ذاك ؟ قال: لأن الذين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما تركناه صدقة، فهو ممن له في هذه الصدقة نصيب، وأنت قد تجيز شهادة الشريك لشريكه، وتركة رسول الله صلى الله عليه وآله على حكم الاسلام في يد ورثته الى أن تقوم البينة العادلة بأنه لغيره، فعلى من ادعى ذلك علينا اقامة البينة العادلة ممن لا نصيب له فيها يشهد عليه، وعلى ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله اليمين فيما ينكرونه، فمن فعل ذلك فقد خالف نبينا وترك حكم الله تعالى وحكم رسوله، إذ قبلت شهادة الشريك في الصدقة علينا، وطالبتنا باقامة البينة على ما ننكره مما ادعوه علينا، فهل هذا الا ظلم وتحامل. ثم قال: يا أبا بكر أرأيت ان شهد عندك شهود من المسلمين المعدلين عندك على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعا ؟ فقال: كنت والله العظيم اقيم عليها حدود الله ولا يأخذني في الله لومة، قال له علي عليه السلام: إذا والله كنت تخرج من دين الله ودين رسوله، قال: فلم ؟ قال: لأنك تكذب الله وترد قوله (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فقلت أقبل شهادة من يشهد عليها بالرجس، وتترك شهادة الله عزوجل لها بالنفي لمدعيها، فلما لم يجد جوابا قام من

[ 520 ]

المجلس وترك عليا عليه السلام فيه، وانصرف علي عليه السلام عنه (1). ومما يدل على أن أبا بكر كان ظالما في أمر ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه ترك بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسيفه وعمامته عند أمير المؤمنين عليه السلام، فناقض فعله قوله، ولو كان في الواقع ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله صدقة، لما حلت لعلي عليه السلام ولكان الواجب على أبي بكر انتزاعهما من علي عليه السلام. وممن نقل هذا ابن حجر من متأخري علماء أهل السنة في كتابه، قال: ان العباس رافع عليا الى أبي بكر في مطالبته بالميراث عن رسول الله صلى الله عليه وآله، من الدرع والبغلة والسيف والعمامة، وزعم أنه عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه أولى بتركة الرسول من ابن العم، فحكم أبو بكر بها لعلي عليه السلام. ومما يدل على أن عليا عليه السلام الذي لا يفارق الحق ولا يفارقه الحق، كان يعتقد أن أبا بكر وعمر كانا ظالمين، وتقدم في الفاتحة نقلا عن البخاري ومسلم من حكاية ارتفاع علي عليه السلام والعباس الى عمر، قال عمر: فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وآله، قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وآله، فجئتما تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث فما تركناه صدقة، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم انه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وآله، وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذبا غادرا خائنا، والله يعلم اني لصادق بار راشد تابع للحق، فوليتها، ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع وأمر كما واحد، فقلتما ادفعها الينا الى آخر الحكاية (2).


(1) الاستغاثة في بدع الثلاثة ص 12 لأبي القاسم على بن أحمد الكوفي المتوفى سنة 352. (2) صحيح مسلم 3: 1378، وصحيح البخاري 8: 146 - 147.

[ 521 ]

حكاية لطيفة: قال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة: دخلت على علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له: أكانت فاطمة صادقة ؟ قال: نعم، قلت: فلم لا يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة ؟ فتبسم، ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وتذممه (1) وقلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها، لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه، ولم يمكنه الاعتذار والمدافعة (2) بشئ، لأنه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان من غير حاجة الى بينة وشهود، هذا كلام صحيح وان كان أخرجه مخرج الدعابة والهزل (3). انظر أيها اللبيب الى هذين الرجلين كيف أنطقهما الله بالحق، وشهدا بظلم امامهما تسخيرا من الله سبحانه، ولا يخفى أن غصب الشيخين حق فاطمة عليها السلام وايذائهما لها في منع الأرث، واحضار النار لاحراق الدار عليها وعلى من فيها - على ما بيناه في الفاتحة - دليل صريح وبرهان واضح على استحقاقهما اللعن والعذاب. لأنه في البخاري: من أغضبها فقد أغضبني (4)، وفي مسلم: يريبني مارابها ويؤذيني ما آذاها (5) ورووا جميعا أنه عليه السلام قال: ان الله يغضب لغضبها وما في معناها من الأحاديث (6)، وقد تقدم في الدليل السادس والعشرين، وقد قال الله


(1) في الشرح: وحرمته. (2) في الشرح: والموافقة. (3) شرح نهج البلاغة 16: 284. (4) صحيح البخاري 4: 219. (5) صحيح مسلم 4: 1902. (6) راجع: احقاق الحق 10: 116 - 122.

[ 522 ]

تعالى: (ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة) (1). ومما يدل على أنها عليها السلام ماتت وهي غاضبة عليهما، غائظة لهما، ما ذكره البخاري في الجزء الخامس من الصحيح، باسناده عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أرسلت الى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله الله مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، انما يأكل آل محمد من هذا المال، واني والله لا اغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وآله. فأبى أبو بكر أن يدفع لفاطمة منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته، فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر، فلما توفيت، دفنها زوجها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبو بكر، وصلى عليها علي (2). وفي الجزء الثالث من صحيح مسلم من أجزاء ستة، باسناده عن عروة بن الزبير، عن عائشة هذا الخبر بعينه من غير اختلاف (3). وما أسنده عيسى بن مهران الى ابن عباس: أنها أوصت أن لا يعلمهما بدفنها، ولا يصليان عليها، رواه الواقدي وغيره، والويل ثم الويل لمن آذاها وأغضبها وغصب حقها، ومن أحب مبغضها وغاصبي حقها. ثم اعلم أن لظهور صدق فاطمة وكذب أبي بكر، رد جماعة من الخلفاء فدك على أولاد فاطمة عليها السلام ذكر أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل: أن أول من رد فدكا على ورثة فاطمة عليها السلام عمر بن عبد العزيز، وكان معاوية أقطعها لمروان بن الحكم


(1) الأحزاب: 57. (2) صحيح البخاري 5: 177، والطرائف ص 257 - 258. (3) صحيح مسلم 3: 1380، والطرائف ص 258.

[ 523 ]

وعمرو بن عثمان ويزيد بن معاوية، وجعلها بينهم أثلاثا، ثم قبضت من ورثة فاطمة عليها السلام، فردها السفاح عليهم، ثم قبضت فردها عليهم المهدي الخليفة، ثم قبضت، فردها عليهم المأمون. ونقل عن غيره أنها قبضت عنهم، فردها عليهم الواثق، ثم قبضت فردها عليهم المستعين، ثم قبضت، فردها عليهم المعتضد، ثم قبضت، فردها عليهم الراضي (1). ونقل أن المأمون أحضر مائتي رجل من علماء الحجاز والعراق وغيرهم، ويؤكد عليهم في أداء الأمانة واتباع الصدق، ثم أثبت عليهم ظلم أبي بكر، وكتب رسالة تقرأ في الموسم على رؤوس الأشهاد، وجعل فدك والعوالي في يد محمد بن يحيى بن الحسين يعمرها ويستعملها، ويقسم دخلها بين ورثة فاطمة عليها السلام (2). حكاية لطيفة: نقل عن القاضي أحمد الغفاري القزويني في كتاب نكارشان، عند ذكر آل بويه الذين يدعون بالديالمة أيضا: أن معز الدولة بن بويه لما فرغ من تسخير ممالك خوزستان، توجه الى بغداد في شهور سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، فوض المستكفي العباسي زمام مهام الأنام طوعا وكرها الى قبضة اختياره، فأسس أساس العدل والسداد في دار السلام ببغداد، وبالغ في قمع أهل العناد، وأمر في تلك الأيام أن يكتبوا على أبواب مساجد دار السلام هذه الأرقام: لعنة الله على معاوية بن أبي سفيان ومن غصب حق فاطمة عليها السلام فدكا، ومن منع أن يدفن الحسن عليه السلام عند قبر جده صلى الله عليه وآله، ومن نفى أبا ذر الغفاري، ومن أخرج العباس من الشورى. فبادر عوام دار السلام الى اظهار التعصبات، فاستصوب بعض من قصد اطفاء نائرة الفتنه، ابقاء اسم معاوية، وأن يكتب بدل سائر الكلمات: لعن الله الظالمين لال


(1) الطرائف ص 252 - 253. (2) الطرائف ص 248 - 250.

[ 524 ]

محمد. ومن ظلمه: حنثه في يمينه، لأنه تقدم آنفأ عن البخاري ومسلم أنه لما بعثت فاطمة تطلب ارثها وحقها من فدك ومن خمس خيبر، فلم يعطها شيئا، وأقسم لا يغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد غير ذلك وحنث في يمينه، لأنه في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث: أن النبي صلى الله عليه وآله ما كان يعطي بني نوفل وبني عبد شمس من خمس خيبر شيئا، وكان أبو بكر يقسم نحو قسم النبي صلى الله عليه وآله، غير أنه ما كان يعطي قرابة النبي كما كان النبي يعطيهم (1). ومن ظلمه: أنه كان يسمى خليفة رسول الله، وينفذ كتبه بذلك الى البلاد، مع أنه كان خليفة عمر، لأن بيعته صارت سبب خلافته، لأنه لم يكن نص من الرسول صلى الله عليه وآله، وقد قدمنا عدة أخبار عن طرقهم واضحة الدلالة على عدم النص. ومن جملة ما يدل عليه ما رواه الطبري في تاريخه، والبلاذري في أنساب الأشراف، والسمعاني في الفضائل، وأبو عبيدة، أنه قال على المنبر: أقيلوني، فلست بخيركم وعلي فيكم (2). لأنه لو كان منصوصا عليه لم يكن جائزا له أن يستقيل وسبب الاستقالة ما روي عن أبان بن عثمان، عن ابن عباس: أن عليا احتج عليه بمناقبه، فنام فرأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه، فسلم، فأعرض النبي عنه بوجهه، وأمره أن يرد الحق الى أهله، فصعد المنبر، وبدأ في تفسير منامه، فقام الثاني: وقال: ما دهاك ؟ والله لا أقلناك فرد عزمه. ومن ظلمه: تخلفه عن جيش اسامة، مع تكرير النبي صلى الله عليه وآله الأمر بتجهيزة، ولعنه المتخلف عنه.


(1) صحيح البخاري 4: 155، والطرائف ص 260 - 261، والصراط المستقيم 2: 294. (2) الصراط المستقيم 2: 294.

[ 525 ]

فقد أخرج الطبري في المسترشد: أن جماعة من الصحابة كرهوا تأمير اسامة، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك، فخطب وأوصى به، ثم دخل بيته وجاء المسلمون يودعونه ويلحقون باسامة، وفيهم أبو بكر وعمر، والنبي يقول: أنفذوا جيش اسامة، فلما بلغ الجرف، بعثت ام اسامة إليه، وهي ام أيمن، أن النبي يموت، فاضطرب القوم، وامتنعوا عليه، ولم ينفذوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم بايعوا لأبي بكر قبل دفنه، فادعى القوم أن أبا بكر لم يكن في جيش اسامة. فحدث الواقدي عن ابن أبي زياد (1)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان فيهم أبو بكر. وحدث أيضا مثله عن محمد بن عبد الله. وذكره البلاذري في تاريخه، وأبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة، والزهري، وهلال بن عامر، ومحمد بن اسحاق، وجابر عن الباقر، ومحمد بن اسامة عن أبيه. ونقل أنهما كانا في حال خلافتهما يسلمان على اسامة بالأمرة. وفي كتاب العقد: اختصم اسامة وابن عثمان في حائط، فافتخر ابن عثمان، فقال اسامة: أنا أمير على أبيك وصاحبيه، فاياى تفاخر، ولما بعث أبو بكر الى اسامة: أنه خليفة، فقال: أنا ومن معي ما وليناك أمرنا، ولم يعزلني رسول الله عنكما، وأنت وصاحبك بغير اذني رجعتما، وما خفي على النبي موضعكما، وقد ولاني عليكما، ولم يولكما. فهم الأول أن يخلع نفسه، فنهاه الثاني، فرجع اسامة ووقف بباب المسجد، وصاح: يا معشر المسلمين عجبا لرجل استعملني عليه رسول الله فتأمر علي وعزلني. ولو فرض أنهما لم يكونا فيه أليس قد عطلاه بعدم تنفيذه، وعصيا أمر النبي بتنفيذه.


(1) في الصراط: ابن أبي الزناد.

[ 526 ]

وقد نظم حكاية امارة اسامة على الشيخين جماعة من الشعراء، منهم: السيد الحميري والعوني والجزري وابن الحجاج (1). ومن عجيب الامور ما نقل عن أبي هاشم شيخ المعتزلة، أنه قال في كتابه الذي سماه الجامع: فان قيل: أفيجوز أن يخالف النبي صلى الله عليه وآله فيما يأمر به ؟ قيل له: أما ما كان من ذلك من طريق الوحي، فليس يجوز مخالفته على وجه من الوجوه، وأما ما كان من ذلك على طريق الرأي، فسبيله فيه سبيل الامة من أنه لا يجوز أن يخالف في ذلك في حال حياته، فأما بعد وفاته فقد يجوز أن يخالف، يدلك على ذلك أنه قد أمر اسامة أن يخرج بأصحابه في الوجه الذي بعث فيهم، فأقام اسامة عليه، وقال: لم أكن لأسأل عنك الركب، ثم ان أبا بكر استرجع عمر وقد كان في أصحابه، ولو كان ذلك بوحي لم يكن لاسامة أن يقيم ويقول: لم أكن لأسأل عنك الركب، ولا كان لأبي بكر استرجاع عمر انتهى. انظر أيها اللبيب الى هؤلاء القوم كيف يتركون الايات المحكمات ويأولونها بقول اسامة وفعل أبي بكر وعمر، وقال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحي يوحى) (2) وقال الله تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (3) وقال عزوجل (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (4) وغيرها من الايات، فكيف يجوز أن يكون تدبير الجيوش بغير أمر الله تعالى ووحيه وهو يشتمل على سفك الدماء، وتملك الأنفس والأموال وغير ذلك، وان كان خلافه جائزا فكيف لعن المتخلف ؟


(1) الصراط المستقيم 2: 296 - 297. (2) النجم: 3 - 4. (3) الحشر: 7. (4) النساء: 59.

[ 527 ]

ويلزم من قول هذا الرجل المقيد بقيد التقليد جواز مخالفة الرسول صلى الله عليه وآله في حياته أيضا، لأن اسامة قال: لم أكن لأسأل عنك الركب حين حياته، أعوذ بالله من هذه العقيدة. ومما يدل على أن أبا بكر وعمر كانا ممن تخلفا عن جيش اسامة، واستحقا اللعن بالتخلف ما نقله ابن أبي الحديد في الجزء السادس من شرحه، قال: قال أبو بكر: وحدثنا أحمد بن اسحاق بن صالح، عن أحمد بن سائر، عن سعيد بن كثير الأنصاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن، أن رسول الله صلى الله عليه وآله في مرض موته أمر اسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والأنصار، منهم: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وأمره أن يغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وأن يغزو وادي فلسطين. فتثاقل اسامة وتثاقل الجيش بتثاقله، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه يثقل ويخف، ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث، حتى قال له اسامة: بأبي أنت وامي أتأذن لي أن أمكث أياما حتى يشفيك الله تعالى، فقال: اخرج وسر على بركة الله تعالى، فقال: يا رسول الله اني ان خرجت وأنت على هذه الحال، خرجت وفي قلبي قرحة منك، فقال: سر على النصر والعافية، فقال: يا رسول الله اني أكره أن أسأل عنك الركبان، فقال: انفذ لما أمرتك به، ثم اغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقام اسامة فتجهز للخروج. فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله سأل عن اسامة والبعث، فاخبر أنهم يتجهزون، فجعل يقول: أنفذوا بعث اسامة، لعن الله من تخلف عنه ويكرر ذلك، فخرج اسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين، ومن الأنصار اسيد بن حضير وبشر بن سعد وغيرهم من الوجوه، فجاءه رسول ام أيمن يقول له: ادخل فان رسول الله صلى الله عليه وآله يموت، فقام من

[ 528 ]

فوره فدخل المدينة واللواء معه، فجاء به حتى ركزه بباب رسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله قد مات في تلك الساعة. قال: فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان اسامة الى أن ماتا الا بالأمير (1). ومن ظلمه: عزل اسامة الأمير المنصوب من قبل الرسول عن الامارة. ومن ظلمه: منعه عمر عن النفوذ مع الجيش. ومن ظلمه: كشف بيت فاطمة عليها السلام وانفاذه عمر ليحرق بيتها، ويحضر أمير المؤمنين عليه السلام الذي حبه ايمان وبغضه كفر ونفاق للبيعة قهرا من غير اختيار. ومما يدل على ظلمه وعدم لياقته للخلافة قول عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد الى مثلها فاقتلوه (2). ووجه الدلالة: أنه لو كان عادلا قابلا للخلافة لما صح من عمر أن يعد بيعته شرا، ويفتي بقتل من عاد الى مثلها. ومما يدل أيضا على ظلمه: ما اتفق على نقله أهل السير، أنه قال فوق المنبر: ان لي شيطانا يعتريني، فان استقمت فأعينوني، وان زغت فقوموني. وممن نقله الطبري (3). ووجه الدلالة: أن من يكون له شيطانا يعتريه، ويحتاج الى من يقومه ويسدده، لا يصلح للخلافة العامة، ولا ينفك عن الظلم. ومن ظلمه وبدعه: أنه تكلم في الصلاة قبل السلام، وقال: لا يفعلن خالد ما أمرته به، ونقل عن جماعة من فقهاء العامة أنهم احتجوا بذلك وجوزوا التكلم بعد التشهد وقبل التسليم، ولا يخفى أن هذه بدعة مقترنة بالكفر، لما رواه مشايخنا عن


(1) شرح نهج البلاغة 6: 52. (2) صحيح البخاري 4: 179 باب رجم الحبلى، والصراط المستقيم 2: 302. (3) تاريخ الطبري 3: 310، والصراط المستقيم 2: 300.

[ 529 ]

أئمتنا عليهم السلام، فانهم قالوا: ان أبا بكر كان قد أمر خالدا بقتل أمير المؤمنين علي عليه السلام إذا سلم عن صلاة الفجر، فلما قام الى الصلاة ندم على ذلك، وخشي أن يهيج عليه فتنة لا يقوم بها، فقال قبل أن يسلم: لا يفعلن خالدا ما أمرته به. ومما يشهد بصحة هذا الخبر: انا إذا سألنا المخالفين عن سبب كلام أبي بكر قبل السلام، لم يعرفوه وكانوا في الجواب صما وبكما وعميا. ومن ظلمه وبدعه: أنه أوصى عند وفاته أن يدفن عند قبر النبي صلى الله عليه وآله في بيته، لأن ذلك البيت لا يخلو: أن يكون في جملة تركاته الموروثة، أو يكون صدقة، أو يكون استخلفه النبي صلى الله عليه وآله لنفسه خاصة دون ورثته، لا حكم لأحد فيه ولا حق، وعلى كل تقدير يلزم ظلمه. أما على التقدير الأول، فلأن الأمر بالدفن من غير اذن الوارث ظلم، فان ادعى مدع بأنه دفن في حصة عائشة من ميراثها، قلنا: الرسول صلى الله عليه وآله مات عن تسع نساء، والثمن ينقسم بين الكل، فحصتها لا تكون يبلغها مفحص قطاة، مع أنه ما كان مقسوما. وأما على التقدير الثاني، فلأن صدقة الرسول صلى الله عليه وآله ليست لواحد دون الاخر، فليس له أن يقبضه (1) من غير رضاء المسلمين. وعلى التقدير الثالث، فلأنه حينئذ لا يجوز دخول غيره فيه، لاختصاصه به صلى الله عليه وآله و ولقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم) (2) ومن ظلمه وظلم عمر: ما اتفق عليه أهل النقل من فرارهما من الزحف، مثل فرارهما يوم احد، وفرارهما حين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وآله الى بلاد طي التي تسمى غزاة ذات السلاسل، ومثل فرارهما يوم حنين، ومثل فرارهما يوم خيبر، وقد


(1) في (ق): يغصبه. (2) الأحزاب: 53.

[ 530 ]

تقدم الأحاديث الواردة في خيبر الدالة على فرارهما. وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله في تلك الأحاديث بعدم ايمانهما، حيث قال بعد ما أعطى الراية أبا بكر وعمر ورجعا فارين: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار، ولا شك أن أهل البصيرة يفهمون من توصيف البشر باعطاء الراية بهذه الأوصاف، انتفاؤها عمن اعطي الراية قبله، والا لزم أن يكون التوصيف من غير فائدة. ومما يدل على ظلم أبي بكر وعدم لياقته للخلافة: كلماته عند خروجه من الدنيا. قال الغزالي في الاحياء: عن زيد بن أسلم قال: دخل الثاني على الأول وهو يجيل لسانه، وفي موضع آخر يبضبض بلسانه، فقال: هذا الذي أوردني الموارد. وفي ننفيس الكرابيسي، وزهرة البستي، ومواعظ الكرامي: أن أبا بكر قال عند موته: ياليتني كنت طيرا في القفار، آكل من الثمار، وأشرب من الأنهار، وآوي الى الأشجار، ولم اول على الناس، فدخل عليه الثاني فقال: هذا الذي أوردني الموارد (1). وقال في الصراط المستقيم: قد اشتهر أنه قال: ياليتني كنت تبنة في لبنة، أو شعرة في صدر مؤمن. وقال: حدث الحسين بن كثير عن أبيه، قال: دخل محمد بن أبي بكر على أبيه وهو يتلوى (2)، فقال: ما حالك ؟ قال: مظلمة ابن أبي طالب، فلو استحللته لي، فقال لعلي عليه السلام في ذلك، فقال: قل ائت المنبر وأخبر الناس بظلامتي، فبلغه، فقال: ما أراد أن يصلي على أبيك اثنان (3). ونقل هذه الحكاية في كامل البهائي، عن أبي غسان مالك بن اسماعيل مع أدنى


(1) الصراط المستقيم 2: 299. (2) في الصراط: يتلو شيئا. (3) الصراط المستقيم للبياضي 2: 299 - 300.

[ 531 ]

تغيير، ثم نقل أن عليا عليه السلام سأل يوما محمدا: ما قال أبوك عند موته ؟ قال محمد: كان يقرأ هذه الاية (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) (1) وقال عمر: احذر يا بني أن يسمع منك ابن أبي طالب ما قاله أبوك، فيشمت بنا. وفي الصراط المستقيم: قال محمد: كنت عند أبي أنا وعمر وعائشة وأخي، فدعا بالويل ثلاثا وقال: هذا رسول الله يبشرني بالنار، وبيده الصحيفة التي تعاقدنا عليها، فخرجوا دوني، وقالوا: يهجر، فقلت: تهذي، قال: لا والله لعن الله ابن صهاك، فهو الذي صدني عن الذكر بعد إذ جاءني، فما زال يدعو بالثبور حتى غمضته، ثم أوصاني لا أتكلم حذرا من الشماتة (2). وروى الواقدي أنه قال: قد علمت أني داخل النار أو واردها، فليت شعري هل أخرج منها أم لا ؟ (3). وذكر أهل التواريخ أنه قال في مرضه: ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه، وهو توبة عند معاينة العذاب فلا تنفعه، لقوله تعالى (اني تبت الان) (4) وقال: ليتني في ظلة بني ساعدة ضربت يدي على يد أحد الرجلين، فكان هو الأمير وكنت الوزير (5). ووجه دلالته على ظلمه في الخلافة: أنها لو كانت حقا له لما كان يتمنى خلافه.


(1) ق: 19. (2) الصراط المستقيم 2: 300. (3) الصراط المستقيم 2: 296. وأقول: هيهات أن يخرج منها حتى يلج الجمل في سم الخياط. (4) النساء: 18. (5) الصراط المستقيم 2: 301.

[ 532 ]

تذنيب في ذكر نسب أبي بكر وبيان دناءته وخساسته في كتاب مشارق الأنوار نقلا عن كتاب الملل والنحل وعن النسابيين: أن أبا قحافة كان أجيرا لليهود يعلم لهم أولادهم، فاشتهر عنه أنه كان يلوطهم، فطردوه، فاستأجره ابن جذعان ينادي له الأضياف بأعلى صوته، ويوقد النيران، فاتفق ذات ليلة شتوية ذات مطر، قلم تتقد النار في الحطب، فمسحوا الحطب بالسمن، فجمد على الحطب، فكان يقحفه، فبلغ الخبر الى ابن جذعان، فأنف من ذلك فطرده، فسمي من أجل ذلك أبا قحافة لقحفه السمن. وفي كامل البهائي نقلا عن أهل التواريخ: أن أبا قحافة في قريش كان مشهورا باللواط، وكان ينادي فوق سطح ابن جذعان، ويأخذ الاجرة درهما مع ما يفضل في الأواني من الطعام، وكان صيادا، وكان له شريك اسمه سعيد، فنهب ما في دار شريكه ولم يخل له فيها شيئا، فسموه أبا قحافة، يقال: اقتحف اقتحافا، أي: شرب شربا شديدا جميع ما في الاناء من الماء وغيره. وفي كتاب مشارق الأنوار نقلا عن صاحب الملل والنحل والنسابيين: وأما أبا بكر فانه كان لقبه عبد اللات، وكان يخدمها، وكان عاكفا على عبادتها والسجود لها أربعين سنة، وكان خياطا، فأظهر الاسلام، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله، وكان اسمه في الجاهلية عتيقا، لأنه كان قديم الهجرة في خدمة الأصنام، وكان يطليها بالدهن ويطلي بفصيلتها حتى اسود فسمي عتيقا. واسم أبيه عامر بن عمير بن كعب بن سعيد بن تيم اللات، وتيم دعي لمرة فتبناه، وكان اسمه في صغره حبتر، والحبتر لغة القصير الغليظ. وامه سلمى من ذوات الأعلام في مكة، وكانت لها راية في الأبطح، لأن العرب كانوا يأنفون من أن تنازلهم البغايا، فكانوا يبعدونها عن قرب منازلهم، وكان

[ 533 ]

رايتها حمراء تدل على فجورها وعهرها. وقد تعجب منه أبوه يوم بويع للخلافة، وقال له: كيف ارتضتك الناس يا بني مع خمول بيتك، وانحطاط منزلتك، لا بقديم سابقة في فخر، ولا بعلم، ولا بشجاعة، ولا بكرم، ولا بعبادة، مع حضور بني هاشم، الانوف الذين تسبق انافهم الى الماء قبل الشرب، فقال: ارتضوني لكبر سني، فقال: أنا أكبر منك سنا (1). فيا أهل الاسلام فمن كان هذا أصله كيف يرجى صلاحه ويصلح للرئاسة العامة في امور الدين والدنيا. الدليل الثامن والثلاثون [ بطلان امامة ثاني خلفائهم ] ان عمر ثاني خلفائهم كان ظالما فاسقا لا يستحق الخلافة، لقوله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين) (2) ولقوله تعالى (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار) (3) ولقوله تعالى (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (4) فإذا بطل امامة عمر بطل امامة أخويه، وتتمة الدليل على نحو ما ذكرناه في الدليل السابع والثلاثون، ووجوه ظلمه وفسقه كثيرة: منها: أنه أعان أبا بكر على غصب فدك، وقد تقدم تفصيله. ومنها: أنه أوصى أن يدفن في بيت الرسول كما أوصى أخوه أبو بكر. وأيضا قد دل على اثمه وفسقه وغدره، ما قدمناه من حكاية ارتفاع علي


(1) راجع بحار الأنوار 8: 272 - 273 الطبع الحجري. (2) البقرة: 124. (3) هود: 113. (4) الحجرات: 6.

[ 534 ]

والعباس الى عمر، وتخلفه عن جيش اسامة. ومنها: أنه خالف النبي صلى الله عليه وآله عند احتضاره، وحال بينه وبين أن يكتب الوصية، ونسبه الى الهجرة والهذيان. قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين، في الحديث الرابع من المتفق على صحته، من مسند عبد الله بن العباس، قال: لما احتضر النبي صلى الله عليه وآله وفي بيته رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال صلى الله عليه وآله: هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا، فقال عمر بن الخطاب: انه قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله. وفي رواية ابن عمر من غير كتاب الحميدي، قال: ان الرجل ليهجر، وفي كتاب الحميدي: ما شأنه يهجر (1). وفي المجلد الثاني من صحيح مسلم، فقال عمر: ان رسول الله ليهجر (2). قال الحميدي: فاختلف الحاضرون عند النبي صلى الله عليه وآله، فبعضهم يقول: القول ما قاله النبي فقربوا له كتابا يكتب لكم، ومنهم من يقول: القول ما قاله عمر، فلما كثر اللغظ والاختلاف، قال النبي صلى الله عليه وآله: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع. فكان عبد الله بن عباس يبكي حتى ابتل دموعه الحصى ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، فقال راوي الحديث: فقلت: بابن عباس وما يوم الخميس ؟ فذكر عبد الله بن عباس أنه يوم منع رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك الكتاب، وكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين كتابه (3). أقول: لقد صدق ابن عباس، والله لو لبس المسلمون السواد، وأقاموا المآتم، وبلغوا أعظم الحزن لأجل ما فعل عمر بن الخطاب، لكان قليلا. ولو بلغوا عداوة


(1) الطرائف ص 432 عنه. (2) صحيح مسلم 3: 1257 - 1259 كتاب الوصية. (3) الطرائف ص 432 - 433 عنه، وصحيح البخاري 1: 32 باب كتابة العلم.

[ 535 ]

عمر أقصى الغايات لكان يسيرا، لما أدخل عليهم من المصيبات، وما أوقعهم فيه من الضلالة والشبهات، ولا ريب في أنه كان غرضه عليه السلام تأكيد ما قال في حق علي عليه السلام يوم الغدير، فلما أحس عمر بذلك منعه وقال: انه يهجر. والعجب كل العجب من عقول أهل السنة كيف جمعوا بين حب رسول الله صلى الله عليه وآله وحب عمر، ألم يعرفوا أن من كان في قلبه مثقال ذرة من الايمان لا يجترئ أن يشتم رسول الله صلى الله عليه وآله وينسبه الى الهجر والهذيان في وجهه حين مفارقته وخروجه من دار الدنيا، مع عظمته وأمر الله تعالى الخلق بتوقيره وتعظيمه، وبطاعته في أوامره ونواهيه، واخباره بأنه لا ينطق الا بما يوحى إليه. والعجب أن بعض أهل السنة قالوا: انما أراد أن يكتب خلافة أبي بكر، إذ الحديث الذي أسره النبي صلى الله عليه وآله الى حفصة هو أن أبا بكر وأباك يليان أمر امتي من بعدي. قلنا: من أين لكم العلم بهذا المراد ؟ استفدتموه من عزله من برائته ؟ أم من تأخيره عن الصلاة ؟ أم من جعله اسامة أميرا عليه ؟ أم من فراره بالراية حين ولاه ؟ ولو علم عمر النص على أبي بكر لسارع الى فعله لا الى منعه، والأخبار بأنهما يليان ذلك ان صح، فالمراد الولاية ظلما كما أخبر عن ولاية غيرهم ظلما من بني امية وغيرهم. وقد تقدم نقل ابن أبي الحديد عن كتاب تاريخ بغداد: أن عمر سأل ابن عباس: كيف خلفت عليا ؟ قال: يمتح بالدلو، ويقرأ القرآن، قال: القي في نفسه شئ من الخلافة يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله جعله له ؟ قلت: نعم، قال: أراد في مرضه أن يصرح باسمه، فمنعت اشفاقا على الاسلام، وعلم رسول الله صلى الله عليه وآله أني علمت ما في

[ 536 ]

نفسه فأمسك (1). فدل هذا الحديث على امور: الأول: أنه نسب النبي صلى الله عليه وآله الى قلة الاشفاق على الاسلام. والثاني: أنه علم خلافة علي عليه السلام. والثالث: معاندته للنبي صلى الله عليه وآله، وكونه مترقبا لموته ليغصب الحق من أهله، وهذه من أفحش المطاعن وأقبحها. والرابع، أنه لا اجماع في خلافة أبي بكر، لمخالفة علي عليه السلام ومن في جانبه، وقد ورد في أخبارنا أنه حدث على عليه السلام طلحة بأنه لما خرج عمر حدثه النبي صلى الله عليه وآله بما أراد أن يكتب، ومنه انه سيلي الأمر اثنا عشر امام ضلالة، عليهم مثل أوزار الامة الى يوم القيامة، وأوصى إليه بالامامة، وأن يدفعها الى أولاده الى تكملة اثني عشر امام هدى. وقال بعض أهل السنة: انه أشفق على النبي حيث كان مجهودا وكثرت الغوغاء عنده، فقال: فينا كتاب الله يكفينا. قلنا: أولا خالف النبي صلى الله عليه وآله الذي لا ينطق عن الهوى، ولم يتعظ بقوله تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة) (2). وثانيا: أن الغوغاء لم تكن بطلب الكتاب بل بالمخالفة، كما أخرجه البخاري وغيره من قول بني هاشم: قربوا إليه كتابا، وقول عمر ومن معه: لا ندعه يكتب وانه قد هجر. فعندها قال: اخرجوا عني، ولا ريب أن هذا أذى لرسول الله صلى الله عليه وآله وقد قال الله عز وجل (ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله) (3) الاية.


(1) شرح نهج البلاغة 12: 20 - 21. (2) الأحزاب: 36. (3) الأحزاب: 57. الصراط المستقيم 3: 3 - 6.

[ 537 ]

والعجب كل العجب ما نقله ابن حجر العسقلاني في شرح صحيح البخاري عن النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر (حسبنا كتاب الله) من قوة فهمه ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب امورا ربما عجزوا فاستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا ينسد باب الاجتهاد على العلماء. انتهى قوله (1). انظر أيها البصير الى هذا البليد كيف أعماه التقليد حتى جوز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وآله، وهو مخالف للكتاب والسنة والاجماع، وكيف اعتقد أن رأي عمر أصوب من رأي النبي الناطق عن وحي الله، وما شعر بأن مخالفة النبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته ان كان سببا للعقوبة، ففي حال حياته بطريق الأولى، فكأنه قال: ان عمر خالف النبي صلى الله عليه وآله في حال حياته، ورضي بأن يكون معاقبا لئلا يستحق غيره العقوبة. أيها الخبير العاقل انظر الى عقل هذا الجاهل، كيف اعتقد أن عمر المعترف بأن المخدرات أفقه منه والصبيان أعقل منه، أفقه من سيد المرسلين وأكمل الكاملين، نعوذ برب العالمين من نزغات الشياطين. قالوا: ليس في قوله (يهجر) منقصة، لأن المراد بالهجر الخارج عن حد الصحة من حيث الكثرة والقلة، لانغمار قلبه بجهد المرض، وقد سها في صحته فسلم في العصر على ركعتين، كما في خبر ذي اليدين. قلنا: أما ما ذكرتم في تعريف الهجر، فخارج عن اللغة، قال الجوهري: الهجر الهذيان، وروى أبو عبيدة في قوله (ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) (2) أنهم قالوا فيه غير الحق، ألم تر الى المريض إذا هجر قال غير الحق (3) وقال عكرمة


(1) راجع: شرح صحيح البخاري للكرماني 2: 127 - 128. (2) الفرقان: 30. (3) صحاح اللغة 2: 851.

[ 538 ]

ومجاهد نحو ذلك نص عليه الجوهري. وجواز السهو على النبي صلى الله عليه وآله يرفع الثقة بقوله، وحديث ذي اليدين عند علمائنا من الكذب والمين، وكيف يجوز نسبة السهو والهجر إليه ؟ وقد صح أنه صلى الله عليه وآله قال: تنام عيناي ولا ينام قلبي (1). وقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى) (2) الاية (3). والعجب أنهم تمسكوا في خلافة أبي بكر أنه قال في مرض موته: مروا أبا بكر يصلي. ولم ينسبوه الى الهجر، وتمسكوا في خلافة عمر بنص أبي بكر في مرضه ولم يقولوا انه يهجر، ولما أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يجدد النص على علي عليه السلام نسبوه الى الهجر، ونعم ما قال الشاعر: أوصى النبي فقال قائلهم * قد ظل يهجر سيد البشر رووا أبا بكر أصاب ولم * يهجر وقد أوصى الى عمر (4) لا يقال: ان هذا الخبر من الاحاد فلا اعتماد عليه. لأنا نقول: ان هذه حكاية متواترة مجمع عليها، وممن ذكرها مسلم، والبخاري، وأحمد بن حنبل في مسنده، ورواها عبد الرزاق عن الزهري عن ابن عباس، والطبري، والبلاذري، ورووه عن سعيد بن جبير بطريقين، وعن عكرمة بطريقين، وعن جابر الأنصاري (5). ومنها: ما رواه مسلم في المجلد الثاني من صحيحه، باسناده الى سلمان بن ربيعة، قال: قال عمر بن الخطاب: قسم رسول الله قسما، فقلت: والله يا رسول الله لغير


(1) كنز العمال 11: 407 برقم: 31900. (2) النجم: 3. (3) الصراط المستقيم 3: 6 - 7. (4) الصراط المستقيم 3: 7. (5) الصراط المستقيم 3: 7.

[ 539 ]

هؤلاء كان أحق منهم الخبر (1). انظر أيها العاقل الى امامهم الجاهل، كيف يعارض النبي صلى الله عليه وآله العالم بالأسرار، والحكيم الناطق عن الوحي، ثم ما كفاه المعارضة والطعن في قسمته حتى يحلف بالله على ذلك، والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم. ومنها: أنه مع أبي بكر خالفا النبي صلى الله عليه وآله حال صحته، فقد ذكر الموصلي في مسنده، وأبو نعيم في حليته، وابن عبد ربه في عقده، وأبو حاتم في زينته، والشيرازي في التفسير المستخرج من الاثني عشر تفسيرا: أن الصحابة مدحوا رجلا بكثرة العبادة، فدفع النبي صلى الله عليه وآله سيفه الى أبي بكر وأمره بقتله، فرآه يصلي فرجع، فدفعه الى عمر وأمره بقتله، فدخل ورجع، فدفعه الى علي عليه السلام، فدخل فلم يجده، فقال صلى الله عليه وآله: لو قتل لم يقع بين اثنين من امتي اختلاف أبدا، وفي قول آخر: لو قتل لكان أول الفتنة وآخرها، وقد تقدمت الحكاية بتفصيلها في الفاتحة. والعجب من الأول كيف تركه ؟ وقد وصفوا للنبي صلى الله عليه وآله عبادته، وأعجب منه الثاني، أفكانا أعلم من النبي صلى الله عليه وآله بباطنه ؟ وكانت تلك المخالفة سبب هلاك الامة وضلالها. وفي كتاب الصراط المستقيم: ان الرجل المأمور بقتله ذو الثدية رئيس الخوارج (2). وقال العلامة في كشف الحق: قال ابن عباس: والله ما قتل ذلك الرجل الا أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين. ومنها: ما في الحديث التاسع والسبعين بعد المائة من الجمع بين الصحيحين، أنه عليه السلام بعث أبا هريرة بنعليه يبشر بالجنة من شهد لله بالوحدانية متيقنا، فضربه


(1) صحيح مسلم 2: 730 برقم: 1056. (2) الصراط المستقيم 3: 8.

[ 540 ]

عمر ورده، وقال: خفت أن يتكلموا عليها (1). أفتراه أشفق من النبي صلى الله عليه وآله أو من الرب تعالى. ومنها: ما ذكره صاحب العقد الفريد في المجلد الأول: أن عمر عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وشاطره ماله، وعزل الحارث بن وهب وشاطره ماله، وكتب الى عمرو بن العاص: بلغني أنه قد فشت لك فاشية من خيل وابل وبقر وعبيد، فمن أين لك هذا ؟ فكتب: اني اعالج من الزراعة ما لا يعالجه الناس، فشاطره ماله حتى أخذ احدى نعليه، فغضب ابن العاص وقال: قبح الله زمانا عمل فيه ابن العاص لابن الخطاب، والله اني لأعرف الخطاب يحمل على رأسه حزمة من حطب وعلى ابنه مثلها (2). ومنها: أنه وضع الطلاق ثلاثا في مجلس واحد، وقد ذكر الله الطلاق مرتين (3)، واستفاض عن النبي صلى الله عليه وآله: اياكم والمطلقات ثلاثا فانهن ذوات أزواج. وذكر الجاحظ في كتاب النساء: أن رجلا طلق ثلاثا جميعا، فقام عليه السلام غضبان وقال: تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ ! وفي سنن ابن ماجة، وأبي داود، ومسند أحمد، وأبي يعلى، والشافعي، واحياء الغزالي، وكشف الثعلبي: أن ابن عمر طلق ثلاثا حائضا، فأمره النبي صلى الله عليه وآله بمراجعتها وقال: ان اراد طلاقها طلقها للسنة (4). ومنها: أنه آذى عليا عليه السلام وأغضبه وعاداه، وقد تقدم بيان معاداته في الفاتحة،


(1) صحيح مسلم 1: 59 - 61، والطرائف ص 437 - 438 عن الجمع بين الصحيحين، والصراط المستقيم 3: 8 - 9. (2) العقد الفريد 1: 45 - 46، والصراط المستقيم 3: 9. (3) البقرة: 229. (4) الصراط المستقيم 3: 9 - 10.

[ 541 ]

مع أنه تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله قوله (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) وقد تقدم نقله على سبيل التواتر في الفاتحة، وقوله (حب علي ايمان وبغضه كفر ونفاق) وقد تقدم ذكره في الدليل السادس والثلاثين، فثبت أنه كان من المنافقين الذين يعرفهم حذيفة، والمنافق لا يصلح للخلافة (1). ومنها: أنه آذى فاطمة عليها السلام بعد ما غصب حقها باحضار النار ليحرق بيتها على من فيه من علي والحسنين عليهم السلام وغيرهم من بني هاشم. روى البلاذري: واشتهر في الشيعة أنه حصر فاطمة عليها السلام في الباب حتى أسقطت محسنا، مع قول أبيها صلى الله عليه وآله لها: فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني. قال الحميري: ضربت واهتضمت من حقها * واذيعت بعده طعم السلع قطع الله يدي ضاربها * ويد الراضي بذاك المتبع لا عفى الله له عنه ولا * كف عنه هول يوم المطلع ان قيل: يجوز للامام تهديد مخالف الاجماع بذلك وغيره. قلنا: لا خلاف أن ذلك كان قبل مبايعة علي عليه السلام وحينئذ لا اجماع. قالوا: عائشة لم تكن ابنة محمد صلى الله عليه وآله حين عقر جملها حمت المسلمون لحرمة زوجها، فتطايرت الرؤوس والأكف حولها، وما فعل بفاطمة عليها السلام من النكير أعظم من عقر البعير، فكيف له يتحم المسلمون لها ؟ قلنا: أين كانت حمية المسلمون حيث قتل أصحاب عائشة رسول علي عليه السلام بكتاب الله يعظم، كما كما أخرجه ابن مسكويه وابن قتيبه وغيرهما، وثنوا بقتل حكيم مع سائر أصحابه، وثلثوا بنتف لحية ابن حنيف وأجفانه، وهو من شيوخ الأنصار وزهادهم، وقد كانت عائشة وأصحابها أقل من قبيلة عمر وأتباعها، على أن


(1) راجع: الصراط المستقيم 3: 10 - 12.

[ 542 ]

عليا عليه السلام سب ألف شهر على المنابر، ولم يوجد لذلك حمية من البر والفاجر، أما الأول فلعذره، وأما الثاني فلعذره. قالوا: قتاد (1) عمر لسوقي من ملك غسان جبلة، فكيف يتحمل أذية فاطمة عليها السلام ؟ قلنا: فماله يحمل أذاها في بعلها عند قوله له (نضرب عنقك) وقوله لأبي بكر (ألا تأمر فيه بأمرك) كما ذكره ابن قتيبة (2). وفي الاحياء للغزالي: أن عمر هو الذي سد باب الكلام والجدل. وفي تفسير النقاش، وابن بطة، والأنباري: أنه ضرب رجلا اسمه ضبيع حين سأله عن الذاريات والنازعات والمرسلات، وحبسه طويلا، ثم نفاه الى البصرة وكتب لا تجالسوه (3). ومنها: أنه خرق كتاب فاطمة عليها السلام الذي أعطاها أبو بكر، وقال: لا تعطها بغير بينة. أسنده ابراهيم الثقفي الى علي عليه السلام، وذكره المرتضى في الشافي، وقال: وروي من طرق مختلفة. والعجب كل العجب أن عمر يطلب البينة من الصادقة التي طهرها الله بآية التطهير، ويرد سبي اليمن بعد أن شراه المسلمون بقول الأشعري انه أعطاهم عهدا، فمن أين لعمر أن يخرج حقوق المسلمين من أيديهم بغير بينة ؟ ! (4). ومن الروايات الدالة على جهله المستلزمة للظلم والفسق، ما ذكره الحميدي في فصل مفرد في آخر الجمع بين الصحيحين، أنه منع المغالاة في المهور وقال: من


(1) في الصراط: فتأذى. (2) الصراط المستقيم 3: 12 - 14. (3) الصراط المستقيم 3: 15. (4) الصراط المستقيم 3: 21.

[ 543 ]

غالى في مهر ابنته جعلته في بيت المال، بشبهة زواج النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام بخمسمائة، وفي كتاب الله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون) (1) فنبهته امرأة بقوله تعالى (وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) (2) فقال: كل أفقه من عمر حتتى المخدرات. وفي رواية السمعاني: كل أفقه من عمر حتى النسوان. وفي رواية: ألا تعجبوا من امام أخطأ وامرأة أصابت (3). قالوا: طلب الاستحباب في ترك المغالاة. قلنا: المروي أنه حرمه ومنعه حين قالت المرأة: لم تمنعنا ما أحله الله لنا في محكم كتابه. فان قالوا: تواضع في قوله (كل أفقه من عمر). قلنا: لو كان ذلك حقا لكان هو المصيب دونها. ورووا أن عمر مر بصبيان يلعبون، فقال: ما رأينا خيرا منذ فارقناكم، فقال واحد منهم: أتقول هذا وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو الخير كله، فأخذ ترابا فجعله في فيه وقال: كل أعقل من عمر حتى الصبيان. وروى أبو أيوب السجستاني واسماعيل بن علية: حكم عمر بين خصمين، فقال رجل: أصبت، فقال: والله ما يدري زفر أصاب أم أخطأ. وروى عاصم بن سمرة أن غلاما ادعى امومة امرأة، فأنكرته امه، فأمر عمر بحده، فصاح الى علي عليه السلام، فطلب عليه السلام أن يزوجها منه، فأقرت به، فقال: لولا علي لهلك عمر. الأصبغ بن نباتة: اتي عمر بخمسة زنوا، فأمر برجمهم، فخطأهم علي عليه السلام، فقتل


(1) المائدة: 44. (2) النساء: 20. (3) الطرائف ص 471، والصراط المستقيم 3: 15 - 16.

[ 544 ]

واحدا، ورجم ثانيا، وحد ثالثا، وحد الرابع منصفا، وعزر خامسا، فقال المردود: وكيف ذلك ؟ فقال: الأول ذمي زنا بمسلمة، والثاني محصن بكر، والثالث غير محصن بكر، والرابع عبد، والخامس مجنون، فقال زفر: لا عشت في امة لست فيها يا أبا الحسن. واتي برجل قال لامرأته يا زانية، فقالت: أنت أزنى مني، فأمر بجلدهما، فقال علي عليه السلام: بل تجلد هي دونه حدين: احداهما لفريتها، والاخر لاقرارها. وادعى صبي مال أبيه، فزجره عمر وطرده، فصاح الى علي عليه السلام، فاستخرج من قبر أبيه ضلعة فأشمه اياه، فانبعث الدم من أنفه، فقال لعمر: سلم إليه المال، ثم أشمه الحاضرين فلم ينبعث دم، فأعاده إليه فانبعث، فقال: انه أبوه والله ما كذبت ولا كذبت (1). ومنها: ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في فصل منفرد في أواخر الكتاب المذكور، قال: ان عمر أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فذكره علي عليه السلام قول الله تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) (2) مع قوله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) (3) فرجع عمر عن الأمر برجمها (4). ومنها: ما ذكره أحمد بن حنبل في مسنده عن قتادة، عن الحسن البصري: أن عمر بن الخطاب أراد أن يرجم مجنونة، فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مالك ذلك أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يبرأ ويعقل، وعن الطفل حتى يحتلم، فدرأ عمر عنها


(1) الصراط المستقيم 3: 16 - 17. (2) الأحقاف: 15. (3) البقرة: 233. (4) الطرائف ص 472 عنه، وسنن البيهقي 7: 442.

[ 545 ]

الحد (1). وذكر أحمد بن حنبل في مسنده عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن يعني عليا (2). ومنها: ما في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند أبي سعيد الخدري، في الحديث الثامن والعشرون من المتفق عليه، ما معناه: أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثا، فلم يأذن له فانصرف، فقال عمر: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: كنا نؤمر بهذا، قال: لتقيمن على هذا بينة أو لأفعلن، فشهد له أبو سعيد الخدري بذلك عن النبي صلى الله عليه وآله، فقال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ألهاني عنه الصفق في الأسواق (3). انظر أيها الخبير الى امامهم الهادي كيف كان مشغولا بالدنيا، وألهاه الصفق في الأسواق عن التفقه في الدين. ومنها: ما في الكتاب المذكور أيضا في مسند أبي أوفى من افراد مسلم، عن أبي أوفى، قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم العيد، فقلت: اقتربت الساعة (4). وفي هذا الكتاب مسند آخر لأبي أوفى، وحاصله: أن عمر سأل أبا واقد عما قرأ


(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 140. (2) كفاية الطالب ص 95، وذخائر العقبى ص 82، والصواعق المحرقة ص 76، وتذكرة الخواص ص 154، والطرائف ص 473. (3) صحيح مسلم 3: 1696، وصحيح البخاري 7: 130، والطرائف ص 476 عن الجمع بين الصحيحين. (4) الطرائف ص 475 عنه.

[ 546 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله في العيد، فأجابه بما أجاب أبو أوفى (1). انظر أيها اللبيب كيف غفل امام المسلمين عن كيفية الصلاة الشائعة، وتعجب من عقول تابعيه، وهذا كله يبطل ما رووه من قول النبي صلى الله عليه وآله: الحق ينطق على لسان عمر. على أن الحديث لو صح لصدق بفرد واحد، لأنه مهمل في قوة الجزئي (2). ومنها: أنه بلغ له الجهل الى انكار موت النبي صلى الله عليه وآله حتى قال له أبو بكر: (0 انك ميت وانهم ميتون) (3) أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) (4) فقال: الان أيقنت بوفاته وكأني لم أسمعها. ان قيل: كان ذلك سهوا. قلنا: كيف يقع السهو في الامور المحسوسة ؟ وخاصة في احترام خاتم النبوة، ومتى جاز السهو في هذه مع ظهورها جاز في جميع الأحكام، فلا يوثق بها، وغلبة السهو توجب انعزال قاضي الامة فضلا عن امام الامة. وقد روى انكاره لموت النبي صلى الله عليه وآله جميع أهل السير، منهم البخاري، والشعبي، والجرجاني، والطبري، والزمخشري. قال أهل السنة: انما أنكر موته استصلاحا للرعية. قلنا: هذا يبطله قوله (الان تيقنت) وقوله لابن عباس (ما حملني على ذلك الا قوله تعالى (وكذك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (5) فظننت أنه يبقى بعدنا حتى يشهد على آخرنا أعمالنا، فاعترف


(1) صحيح مسلم 2: 607، والطرائف ص 475. (2) الصراط المستقيم 3: 17. (3) الزمر: 30. (4) آل عمران: 154. (5) البقرة: 143. (*)

[ 547 ]

بأنه كان يعتقد ذلك حتى قال في انكاره: لا يموت حتى يقطع أيدي وأرجل، ذكره في الجمع بين الصحيحين (1). وقال ابن أبي الحديد في شرحه: وروى جميع أصحاب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما توفى كان أبو بكر في منزله بالسنج، فقام عمر بن الخطاب فقال: ما مات رسول الله ولا يموت حتى يظهر على الدين كله، وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته، لا أسمع رجلا يقول مات رسول الله الا ضربته بسيفي، فجاء أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: بأبي أنت وامي طبت حيا وميتا، والله لا يذيقك الموتتين أبدا. ثم خرج والناس حول عمر وهو يقول لهم: انه لم يمت ويحلف، قفال: أيها الحالف على رسلك، ثم قال: من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت، وقال الله تعالى (انك ميت وانهم ميتون) وقال (أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) قال عمر: فوالله ما ملكت يقيني حيث سمعتها أن سقطت الى الأرض، وعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد مات. وقد تكلمت الشيعة في هذا الموضع وقالوا: انه بلغ من قلة علمه أنه لم يعلم أن الموت يجوز على رسول الله صلى الله عليه وآله، وانه اسوة الأنبياء في ذلك، وقال لما تلا أبو بكر الايات: أيقنت الان بوفاته كأني لم أسمع هذه الاية. فلو كان يحفظ القرآن أو يتفكر فيه ما قال ذلك، ومن هذه حاله لا يجوز أن يكون اماما (2). انتهى كلامه. أقول: الظاهر أن هذا كان من مكره وحيله، فانه لما حال بين النبي صلى الله عليه وآله وبين أن يكتب ما يرتفع الضلال عن الامة، ونسب الهجر الى النبي صلى الله عليه وآله، خاف من ألسنة الناس وأذيتهم ولؤمهم وأن يكرهوه، فلا يتمشى له أمر الخلافة، أتى بهذا المكر


(1) الصراط المستقيم 3: 18 - 19. (2) شرح نهج البلاغة 2: 40 - 41.

[ 548 ]

وأظهر الجهل بموته، وكذب وافترى ولم يحكم بقوله تعالى (انك ميت) وغيرها من الايات الدالة على موت كل أحد (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون) (1) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الظالمون) (2) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون) (3). ومما يدل على أن عمر كذب متعمدا وحلف كاذبا، ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في سادس عشر حديثا من افراد البخاري، من رواية الزهري، عن أنس: أنه سمع خطبة عمر بن الخطاب في الغد من يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال عمر: أما بعد فاني قلت لكم أمس مقالة، وأنها لم تكن كما قلت، واني والله ما وجدت المقالة التي قلتها لكم في كتاب أنزله الله، ولا في عهد عهده الي رسول الله، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله حتى يدبرنا، قال الراوي: حتى يكون آخرنا (4). انتهى. أقول: الظاهر من هذا الكلام أن حكمه بعدم موت النبي صلى الله عليه وآله لم يكن باذن من الله ورسوله، وقد قال الله تعالى (آالله أذن لكم أم على الله تفترون) (5). وفي الجمع بين الصحيحين من مسند المغيرة بن شعبة، في الحديث الثامن من المتفق عليه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: ان كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار. ومن مسند طلحة بن عبد الله في الحديث الثالث، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) المائدة: 44. (2) المائدة: 45. (3) المائدة: 47. (4) الطرائف ص 453 عنه. (5) يونس: 59.

[ 549 ]

يقول: من كذب علي معتمدا فلتبوء مقعده من النار. ورواه أيضا في مسند سلمة بن الأكوع في الحديث الأول من افراد البخاري، ورواه أيضا في مسند علي بن أبي طالب في الحديث الرابع عشر، ورواه أيضا في مسند أبي سعيد الخدري في الحديث الرابع من افراد مسلم (1). فبمقتضى هذه الأحاديث عمر هو المفتري على الله ورسوله، فهو من أهل النار. ومما يؤكد ما بيناه من جهل عمر وظلمه وفسقه، ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه على نهج البلاغة، قال: وكان عمر يفتي كثيرا بالحكم، ثم ينقضه ويفتي بضده وخلافه، قضى في الجد مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف عن الحكم في هذه المسألة، فقال: من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه. وقال مرة: لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي صلى الله عليه وآله الا ارتجعت ذلك منها، فقالت له امرأة: ما جعل الله لك ذلك انه تعالى قال (وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا واثما مبينا) (2) فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال، ألا تعجبون من امام أخطأ وامرأة أصابت، فاضلت امامكم ففضلته. ومر يوما بشباب من فتيان الأنصار وهو ظمآن، فاستسقاه فجدح له ماء بعسل، فلم يشربه وقال: ان الله يقول (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) (3) فقال له الفتى: يا أمير المؤمنين انها ليست لك ولا لأحد من أهل القبلة، اقرأ ما قبلها (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر.


(1) صحيح مسلم 1: 10، والطرائف ص 454 عن الجمع بين الصحيحين. (2) النساء: 20. (3) الأحقاف: 20.

[ 550 ]

قيل: انه كان يعس بالليل، فسمع صوت رجل وامرأة في بيت، فارتاب، فتسور الحائط، فوجد امرأة ورجلا وعندها زق خمر، فقال: يا عدو الله أكنت ترى أن الله يسترك وأنت على معصية ؟ قال: يا أمير المؤمنين ان كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث، قال الله تعالى (ولا تجسسوا) (1) وقد تجسست، وقال (وآتوا البيوت من أبوابها) (2) وقد تسورت، وقال (وإذا دخلتم بيوتا فسلموا) (3) وما سلمت. وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا محرمهما ومعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج. وهذا الكلام وان كان ظاهره منكرا، فله عندنا مخرج وتأويل، وقد ذكره أصحابنا الفقهاء في كتبهم. وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة، يحسب السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد، ويتوهم من تحكى له أنه قصد بها ما لم يقصده. فمنها: الكلمة التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها، لكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزية ولم يتحفظ منها، وكان الأحسن أن يقول مغمور أو مغلوب بالمرض، وحاشاه أن يعني بها غير ذلك، ولجفاة الأعراب من هذا الفن كثير، سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة القحط: رب العباد مالنا ومالكا * قد كنت تسقينا فما بدالكا أنزل علينا القطر لا أبالكا فقال سليمان: أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد، فأخرجه أحسن مخرج،


(1) الحجرات: 12. (2) البقرة: 189. (3) النور: 61.

[ 551 ]

وعلى نحو هذا حمل كلامه في صلح الحديبية لما قال للنبي صلى الله عليه وآله: ألم تقل لنا ستدخلونها، في ألفاظ نكره حكايتها، حتى شكاه النبي صلى الله عليه وآله الى أبي بكر، وحتى قال له أبو بكر: ألزم بغرزه فوالله انه لرسول الله. وعمر هو الذي غلظ على جبلة بن الأيهم حتى اضطره الى مفارقة دار الهجرة بل مفارقة بلاد الاسلام كلها، وعاد مرتدا داخلا في دين النصرانية، لأجل لطمة لطمها وقال: جبلة بعد ارتداده متندما على ما فعل: تنصرت الأشراف من أجل لطمة * وما كان فيها لو صبرت لها ضرر فياليت امي لم تلدني وليتني * رجعت الى القول الذي قاله عمر انتهى كلامه (1). انظر أيها اللبيب الى هذا الرجل كيف أنطقه الله تعالى بذكر معائب امامه، وسخره في بيان مثالب خليفته، وغرضه من الأقرار أن يزيل عن عمر الكفر والزندقة، ولكن ما ذكره في نظر اللبيب تأكيد لكفره وزندقته. العجب كل العجب من هؤلاء كيف يجمعون بين الاقرار بهذه القبائح لأئمتهم وبين الاقرار بامامتهم، أعاذنا الله تعالى من اتباع الهوى والتقليد، وجنبنا بعصمته من عذابه الشديد. وحكاية الحديبية لغاية قبحها استحى أن يذكرها، فها نحن نذكرها، وقد رواه عبد الله بن عباس، وجابر، وسهل بن حنيف، وأبو وائل، والقاضي عبد الجبار، وأبو مسلم الاصفهاني، ويوسف القزويني، والثعلبي، والطبري، والواقدي، والزهري، والبخاري، وقد ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند المسور بن مخرمة، في حديث الصلح بين سهيل بن عمرو وبين النبي صلى الله عليه وآله.


(1) شرح نهج البلاغة 1: 181 - 183.

[ 552 ]

يقول فيه: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وآله فقلت: ألست نبي الله حقا ؟ قال: بلى، قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي هذه الدنية في ديننا اذن ؟ قال: اني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى، قال: فأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ فقلت: لا، قال: فانك آتيه وتطوف به. قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال: بلى، فقلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى، فقلت: فلم نعطي هذه الدنية في ديننا اذن ؟ قال: أيها الرجل انه رسول الله، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بعروته، فوالله انه على الحق، قلت: أو ليس كان يحدثنا أنه سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: فأخبرك أنه يأتيه العام ؟ قلت: لا، قال: فانك آتيه وتطوف به (1) وزاد الثعلبي عند تفسير سورة الفتح: أن عمر بن الخطاب قال: ما شككت منذ يوم أسلمت الا يومئذ (2). أقول: ولا ريب أن هذه القصة دالة على أن عمر كان شاكا في دينه، ولا شك أن الشك في الدين كفر، وأنظر أيها اللبيب، كيف صحح هؤلاء المخالفون هذه الحكاية ؟ مع أنها صريحة في كفر امامهم، وليس هذا الا تسخيرا من الله عز وجل، ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينه. ويمكن الاستدلال بهذا الحديث على بطلان امامة عمر، بأنه يدل على أنه شك في الدين، والناس بين قائلين، فقائل من المسلمين يقول: انه ما ارتد منذ أسلم، وقائل يقول: انه ارتد بعد اسلامه ولم يعد الى الاسلام، فالقول بأنه ارتد وعاد خلاف


(1) صحيح مسلم 3: 1411. (2) الطرائف ص 440 - 441 عنهما.

[ 553 ]

اجماع المسلمين، وقد شهدوا في روايتهم عنه أنه ارتد، فليزمهم أنه ما عاد عن الارتداد. ومما يؤيد هذا الحديث المتضمن لشك عمر، أنه في غزوة بدر التي قوي بها الاسلام، لم يكن له ولأخيه أبي بكر قتيل ولا جريح. والعجب كل العجب اعتذار أهل السنة بأنهما كانا في عريش مع النبي صلى الله عليه وآله يشاور هما ويستضئ برأيهما، كيف يجوز عاقل أن يحتاج النبي صلى الله عليه وآله مع كمال عقله وصواب رأيه وكونه مستضيئا بنور الوحي الى أبي بكر وعمر. ومما يكذب قولهم في الاعتذار ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين، في الحديث السادس والعشرين من افراد مسلم في مسند أنس بن مالك، قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله شاور حين بلغه اقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، الخبر (1). ولا يخفى أن اعراضه عليه السلام عنهما يدل على أنه عليه السلام لم يكن يستصلحهما للحديث والمشورة. ومما يدل أيضا على أن تركهما المحاربة لم يكن للمشورة، بل كان للنفاق والشك في الدين فرارهما في خيبر وسائر الحروب، على أن استشارة النبي صلى الله عليه وآله لم يكن للاستفادة، بل كان لتأليف القلوب، وليعرف المؤمنين والمنافقين من لحن القول. ومما يؤيد ما قلناه أيضا من كفر عمر، ما قدمناه في الفاتحة من ايذائه عليا عليه السلام، وقد تقدم في الدليل السادس والعشرين، النقل المتواتر الدال على أن حب علي ايمان وبغضه كفر ونفاق. ومما يؤيد ما قلناه أيضا ايذاءه رسول الله صلى الله عليه وآله مرارا، وايذاءه فاطمة، وقال


(1) صحيح مسلم 3: 1403، والطرائف ص 447 عن الجمع بين الصحيحين.

[ 554 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله: يؤذيني ما يؤذيها (1)، وقال الله تعالى: (ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة) (2) ولا يلعن الله تعالى الا الكافر. ومما يؤيد ما قلناه من كفر عمر، ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين، في مسند جابر بن عبد الله الأنصاري، في الحديث الرابع عشر من المتفق على صحته، قال جابر: ان أباه قتل يوم احد شهيدا، فاشتدت الغرماء في طلب حقوقهم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله، فكلمته، فسألتهم أن يقبلوا ثمن حائطي، ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم رسول الله صلى الله عليه وآله حائطي ولم يسكره لهم، ولكن قال: سأغدو عليكم، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل، ودعا في ثمرها بالبركة، فجذذتها، فقضيتهم حقوقهم، وبقي لنا من ثمرها بقية، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبرته بذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمر، وهو جالس: اسمع يا عمر، فقال عمر: ان لا يكون نكن قد علمنا أنك رسول الله، فوالله انك رسول الله (3). ووجه دلالته على أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعتقد أن عمر شاك في نبوته ظاهر. ومما يدل أيضا على شكه وجهله: ما قاله صاحب الكشاف في تفسير (وفاكهة وأبا) (4) وعن أبي بكر، أنه سئل عن الأب، فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به، وعن عمر أنه قرأ هذه الاية، فقال: كل هذا قد عرفنا، فما الأب، ثم رفض عصا كانت بيده، فقال: هذا لعمر الله التكليف، وما عليك يابن ام عمر أن لا تدري ما الأب ؟ (5).


(1) راجع: احقاق الحق 10: 187 - 199 و 209 - 211. (2) الأحزاب: 57. (3) الطرائف ص 446 عنه. (4) عبس 31. (5) الكشاف 4: 220.

[ 555 ]

ووجه الدلالة أن قوله (كل هذا قد عرفنا) بمنزلة قولهم: تجاوزنا وسلمنا كل هذا الكتاب، ونسبة التكليف ورفض العصا شاهد به. ومما يؤيده أيضا ما تقدم في الفاتحة في مقام ذكر المنافقين، ما نقله الغزالي في الاحياء أن عمر قال لحذيفة عارف المنافقين: هل أنا من المنافقين أم لا ؟ (1) وهذا الكلام لا يصدر الا عن الشاك في ايمانه، والمتيقن نفاقه، لأجل أن يتعرف أن حذيفة يكتم عليه أم لا، وقد ذكرنا هناك عدة قرائن دالة على نفاق عمر وأبي بكر. ومما يؤيد ما قلناه أيضا ما سيجئ من كلماته عند الموت. ومن جملة فسوق عمر: انكاره على النبي صلى الله عليه وآله، روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع والثلاثين من مسند عائشة من المتفق على صحته، من حديث عروة عنها، قالت: اعتم رسول الله بالعشاء حتى ناداه عمر للصلاة، فقال: نام الناس والصبيان، فخرج. وفي رواية ابن شهاب: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما كان لكم أن تنزروا رسول الله على الصلاة، وذلك حين صاح عمر بن الخطاب (2). انظر الى شهادات المخالفين في حق امامهم، فتعجب من عقولهم، كيف يجوز العاقل امامة رجل لا يستحيي من الله ورسوله، ولا ينزجر من نواهي الله، قال الله عز وجل في كتابه العزيز: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) (3) وقال تعالى: (ان الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى


(1) الصراط المستقيم 3: 28 عن الاحياء. (2) الطرائف ص 442 عنه، وصحيح مسلم 1: 441. (3) الحجرات: 2.

[ 556 ]

تخرج إليهم لكان خيرا لهم) (1) وقال: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) (2). ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين قام أن يصلي على عبد الله بن أبي سلول بالتماس ابنه، أخذ عمر ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انما خيرني الله، قال (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة) سأزيد على السبعين قال: انه منافق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله (3). وقد روى هذا الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والتسعين (4). تعجبوا أيها المسلمون من جرأة امام المخالفين، وجداله مع سيد المرسلين منبع الحكمة وعلم اليقين، مع اقراره بأن مخدرات الحجال أفقه منه، والصبيان أعقل منه. ومنها: تحريمه متعة النساء بغير أمر الله ورسوله، وقد تواتر عند شيعة أهل البيت حليتها وترتب الثواب الجزيل عليها. وفي الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس، قال: قال أبو نصر: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قام عمر قال: ان الله كان يحل لرسوله ما يشاء بما يشاء، وان القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله وأبتوا نكاح هذه النساء، فان اوتى برجل نكح امرأة الى


(1) الحجرات: 4 - 5 (2) الحجرات: 1 (2) صحيح مسلم 4: 214، كتاب المنافقين. (3) الطرائف ص 443 - 444 عنه.

[ 557 ]

أجل، الا رجمته بالحجار (1). وروى في الجمع بين الصحيحين أيضا هذا الحديث بألفاظه من مسند جابر بن عبد الله، في الحديث الخامس والعشرين من افراد مسلم (2). وفي الجمع بين الصحيحين أيضا بسنده عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن عبد الله بن الزبير قام بمكة، فقال: ان اناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل، فناداه فقال: انك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد امام المتقين - يريد رسول الله صلى الله عليه وآله - فقال له ابن الزبير: فجرت نفسك، فوالله لان فعلتها لأرجمنك بالأحجار (3). وفيه أيضا من مسند جابر بن عبد الله من طريق آخر قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله وأبي بكر، حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث (4). ونقل صاحب الطرائف عن جماعة، عن عبد الرزاق، وهو من أئمة أهل الحديث، عن ابن جريج، وهو من أئمة فقهائهم، ونقلة حديثهم، عن عطاء بن أبي رياح، وهو من سادات فقهاء التابعين، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه: أن معاوية استمتع امرأة بالطائف، فدخلنا على ابن عباس، فذكرنا ذلك له، فقال: نعم، قال: ثم قدم علينا جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه، فذكرنا له المتعة، فقال: استمتعنا على عهد رسول الله وعهد أبي بكر وعهد عمر، حتى إذا كان في خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بإمرأة، فسأله عمر من أشهدت ؟ قال: امي وامها - أو قال أخاها - فقال:


(1) الطرائف ص 457 عنه. (2) صحيح مسلم 2: 885. (3) صحيح مسلم 2: 1026، والطرائف ص 458. (4) صحيح مسلم 2: 1023، والطرائف ص 458.

[ 558 ]

فهلا غيرها أخشى أن يكون ذلك دغالا ونهى عنها يومئذ (1). وروى عبد الرزاق عن ابن جريح أيضا، عن عطاء بن أبي رياح، قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول ما كانت المتعة الا رحمة رحم الله بها امة محمد صلى الله عليه وآله، ولولا أن عمر ينهى عنها ما احتاج الى الزنا الا شقي (2). وفي الجمع بين الصحيحين أيضا في مسند سلمة بن الأكوع في الحديث السادس عشر من المتفق على صحته، عن الحسن بن محمد بن علي، عن سلمة وجابر، قالا: كنا في جيش، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: انه قد اذن لكم أن تستمتعوا، فاستمتعنا، يعني متعة النساء (3). وفيه أيضا هذا الحديث في مسند عمرو بن دينار (4). وفيه هذا في مسند عبد الله بن مسعود، قال: كنا نغزوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي، فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب الى أجل، ثم قرأ عبد الله: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) (5). وفي كتاب الحلية لأبي نعيم، ومسند أحمد بن حنبل، عن عمران بن الحصين واللفظ له، قال: انزلت المتعة في كتاب الله تعالى وعلمناها وفعلناها مع النبي صلى الله عليه وآله، ولم ينزل قرآن بحرمة، ولم ينه منها حتى مات (6).


(1) الطرائف ص 458 - 459. (2) الطرائف ص 459. (3) صحيح مسلم 2: 1022، والطرائف ص 459. (4) نفس المصدر. (5) صحيح مسلم 2: 1022، والطرائف ص 459. (6) راجع: مسند أحمد بن حنبل 1: 52 و 3: 404 - 406، والطرائف ص 459.

[ 559 ]

وفي صحيح الترمذي عن ابن عمر، وقد سأله رجل من أهل الشام عن متعة النساء، فقال: هي حلال، فقال: ان أباك قد نهى عنها، فقال ابن عمر: أرأيت ان كان أبي قد نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وآله يترك السنة وتتبع قول أبي (1). وفي تفسير الثعلبي، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أعطاني عبد الله بن عباس مصحفا، فقال: هذا على قراءة ابي بن كعب، فرأيت في المصحف (فما استمتعتم به منهن الى أجل مسمى) ورواه الثعلبي أيضا عن ابن جبير وأبي نصرة (2). وفي كتاب الأقضية لأبي علي الحسن (3) بن علي بن زيد، وهو من كبار رجال الأربعة المذاهب، أن ستة من الصحابة وستة من التابعين ذكرهم بأسمائهم كانوا يفتون باباحة متعة النساء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعد وفاته. وفي كتاب المجير لمحمد بن حبيب النحوي، أن ستة من الصحابة وستة من التابعين كانوا يفتون باباحة متعة النساء (4). انظر أيها اللبيب الى هذه الأحاديث الصحيحة الدالة على أن خليفتهم عمر حرم ما أحل الله وحكم بغير ما أنزل الله، وقد قال الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون) (5). وما أحسن ما نقل عن بعض الجمهور، أن رجلا كان يفعل المتعة، فقيل له: ممن أخذت حلها ؟ فقال: عن عمر، فقالوا له: كيف ذلك ؟ وعمر هو الذي نهى عنها وعاقب على فعلها، فقال: لقوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنا


(1) الطرائف ص 460 عنه. (2) الطرائف ص 460 عنه. (3) في الطرائف: الحسين. (4) الطرائف ص 460 عنهما. (5) المائدة: 44.

[ 560 ]

احرمهما واعاقب عليهما: متعة الحج، ومتعة النساء. وأنا أقبل روايته في شرعيتهما على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أقبل نهيه من قبل نفسه. ومنها: أنه حرم متعة الحج، روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين، في مسند أبي موسى الأشعري، في الحديث السادس والأربعين من المتفق على صحته، عن ابراهيم بن أبي موسى الأشعري: أن أباه كان يفتي بالمتعة، فقال له: رويدك ببعض فتياك، فانك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين عمر انه أبطلها، فلقيه بعد فسأله فقال عمر: قد علمت أن النبي صلى الله عليه وآله قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحوا في الحج تقطر رؤوسهم (1). وفيه أيضا في الحديث السابع، من مسند علي بن أبي طالب عليه السلام، عن مروان بن الحكم، من رواية علي بن الحسين، عن سعيد بن المسيب، أنه شهد عثمان بين مكة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى ذلك أهل بهما لبيك بعمرة وحجة، فقال عثمان: تراني أنهى وأنت تفعله، قال: ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله لقول أحد (2). وروى أيضا في الجمع بين الصحيحين، من مسند عمران بن الحصين في متعة الحج، قال: انزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى، ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم ينزل قرآن بتحريم ذلك، ولم ينه عنها حتى مات وقال رجل برأيه ما شاء (3). قال البخاري في صحيحه: يقال انه عمر، وقال مسلم في صحيحه في المجلد الثاني من ثلاث مجلدات ما هذا لفظه: يعني انه عمر (4).


(1) صحيح مسلم 2: 896، والطرائف ص 461. (2) صحيح مسلم 2: 897. (3) صحيح مسلم 2: 898 - 890. (4) صحيح البخاري 2: 153، والطرائف ص 461.

[ 561 ]

انظر أيها اللبيب الى المخالفين كيف رضوا بخلافة من كره ما أنزل الله ولم يحكم به، وقد قال الله تعالى في كتابه (وكرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) (1) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون) (2). وكيف يجوز ذو بصيرة ترك العمل بكتاب الله والعمل بالرأي الفاسد وان جوزوا تغيير بعض الأحكام بالرأي، فيلزم تجويز تغيير جميع الأحكام بالرأي، فيصير خليفتهم شارعا لهم، وشرعه يصير ناسخا لشرع النبي صلى الله عليه وآله. ولا يخفى أن أمر النبي صلى الله عليه وآله بمتعة الحج متواتر عند شيعة أهل البيت الذين أمر النبي صلى الله عليه وآله بالتمسك بهم، بل روايات أهل السنة أيضا في هذا الباب متواترة. وقد رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين، في مسند جابر بن عبد الله، في الحديث الخامس والعشرين من المتفق على صحته. ورواه أيضا في الحديث التاسع والثمانين من مسند جابر من افراد مسلم. ورواه فيه أيضا في مسند أبي سعيد الخدري، في الحديث الثالث والثلاثين من افراد مسلم من مسند أسماء بنت عميس. ورواه فيه أيضا من مسند عبد الله بن عمر في الحديث الرابع عشر من المتفق عليه. ورواه أيضا في مسند عبد الله بن عباس في الحديث السادس والثلاثين. ورواه أيضا في مسند عائشة (3). أقول: العجب كل العجب من أهل السنة، انهم تركوا شريعة نبيهم وأخذوا بشريعة عمر، وان رأوا أحدا يعمل بشريعة النبي لا يرضون الا بقتله، ويعيرونه


(1) محمد (ص): 9. (2) المائدة: 44. (3) الطرائف ص 462.

[ 562 ]

بالرفض والبدعة، وما أحسن ما قال بعض العارفين في سبب اشتهار سنن عمر: ان كثيرا من البلاد فتحت في خلافته،، وتلقن أصحاب البلاد سنن عمر من نوابه رغبة ورهبة، كما تلقنوا شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، فنشأ عليها الصغير، ومات عليها الكبير، فأضل عمر نوابه، وأضل نوابه من تبعهم من أهل البلاد، وما أقرب وصفهم مما تضمنه كتاب الله عزوجل (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وماهم بخارجين من النار (1). ومنها: أنه وضع الخراج على السواد. ومنها: أنه أبدع التراويح جماعة في شهر رمضان، وقال: نعمة البدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: كل بدعة ضلالة. وقد امتنع النبي صلى الله عليه وآله من أن يكون اماما في نافلة رمضان، كما أخرجه الحميدي في الجمع بين الصحيحين. وسأل أهل الكوفة عليا عليه السلام أن ينصب لهم اماما يصليها، فزجرهم وعرفهم أن السنة خلافها، فاجتمعوا ونصبوا لأنفسهم اماما، فبعث إليهم الحسن ليردهم عنها، فلما دخل المسجد تبادروا الى الأبواب وصاحوا واعمراه (2). ومنها: ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن عدة طرق، في مسند عبد الله بن عباس، وفي مسند عمار بن ياسر، في الحديث الثاني من المتفق عليه، قال: ان رجلا أتى عمر، فقال: اني أجنبت فلم أجد ماء، فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انما يكفيك


(1) البقرة: 166 - 167، الطرائف ص 478. (2) الصراط المستقيم 3: 26.

[ 563 ]

الصعيد أن تضرب بيديك على الأرض، ثم ترفع (1) ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، فقال عمر: اتق الله يا عمار، فقال: ان شئت لم احدث به، فقال عمر: نوليك ما توليت (2). أقول: هذا الكلام صريح في أن عمر كان يعمل برأيه، ولم يكن يعمل بالكتاب والسنة، فالويل له، ثم الويل لأتباعه. ومنها في كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري: أن أول من أعال الميراث عمر، فقال ابن عباس: لو قدموا من قدمه الله، وهو الذي اهبط من فرض الى فرض، وأخروا من أخره الله، وهو الذي اهبط من فرض الى ما بقي، ما عالت فريضة قط قال الزهري: فقلت: له من أول من أعال ؟ قال: عمر بن الخطاب (3). ومنها: ما نقله صاحب القاموس من علماء السنة، وهذه عبارته: المشركة كمعظمة، ويقال: المشتركة زوج وام وأخوان لام وأخوان لأب وام، حكم فيها عمر، فجعل الثلث للأخوين لام، ولم يجعل للأخوين للأب والام شيئا، فقالوا له: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا فأشركنا بقرابة امنا، فأشرك بينهم، فسميت مشركة ومشتركة وحمارية (4)، انتهى انظر أيها العاقل الى مقدار عقل امامهم وعلمه وحكمه بغير ما أنزل الله. ومنها: أنه أوجب على جميع الخلق امامة أبي بكر، ودعا إليها لا عن وحي من الله، ولا خبر من رسول الله، أتراه كان أعلم منها بمصالح العباد ؟ أو استناباه في


(1) في الصحيحين: ثم تنفخ. (2) صحيح مسلم 1: 280، وصحيح البخاري 1: 87، والطرائف ص 464. (3) الصراط المستقيم 3: 27 عنه. (4) القاموس المحيط 3: 309.

[ 564 ]

نصب أبي بكر اماما على البلاد ؟ (1). ومنها: أنه تجسس على قوم في دارهم، ذكره الطبري، والرازي، والثعلبي، والقزويني، والبصري، وفي محاضرات الراغب، واحياء الغزالي، وقوت القلوب المالكي، فقال أصحاب الدار: أخطأت لقوله تعالى (ولا تجسسوا) (2) ودخلت من غير باب لقوله تعالى (وآتوا البيوت من أبوابها) (3) ودخلت من غير اذن لقوله تعالى (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) (4). قالوا: له أن يجتهد في ازالة المنكر، لأنه بلغه أنهم كانوا على منكر. قلنا: لا يجوز الاجتهاد في محرم بغير علم ولا ظن، ولهذا لما ظهر أنه أخطأ لحقه الخجل. ومنها: أنه كان يعطي عائشة وحفصة كل سنة من بيت المال عشرة آلاف درهم، ومنع أهل البيت خمسهم، بعد ما منع فاطمة عليها السلام ارثها ونحلتها. قالوا: يجوز تفضيل النساء في العطاء. قلنا: لا بسبب خطاء (5). ومنها: أنه ترك حي على خير العمل وقال: خفت أن يتكل الناس عليها وتدع غيرها. وأسند محمد بن منصور الكوفي في كتابه الجامع الى أبي محذورة: أن النبي صلى الله عليه وآله أمره بها، وقال ابن عباس لعمر: ألقيتها من الأذان وبها أذن


(1) الصراط المستقيم 3: 19. (2) الحجرات: 12. (3) البقرة: 189. (4) النور: 27. (5) الصراط المستقيم 3: 20.

[ 565 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله (1). وأبدع التكفير في الصلاة، وهو من فعل اليهود والنصارى، وحذف البسملة منها وزاد آمين فيها، وهي كلمة سريانية يهودية، ووضع في التشهد الأول تسليما، مع أنهم رووا قوله عليه السلام (تحليلها التسليم) ولا خلاف عندهم أن من سلم قبل التشهد عمدا فلا صلاة له (2). ومنها: أنه عطل حد الله لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا، فلقن الرابع وتركها، فحد الثلاثة، فكيف يجوز له صرف الحد عن مستحقه ويوقعه في ثلاثة بهوى نفسه ؟ وكان كلما لقي المغيرة قال: خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء. ان قيل: فعلي عليه السلام لم يحد رجلا أقر بالسرقة، بل أسقطه بحفظه سورة البقرة، فقال له الأشعث بن قيس: أتعطل حد الله ؟ قلنا: قال له: ويحك ان للامام الخيار في المقر أن يعفو، أما الشهود فليس له أن يعفو (3). ومنها: ما أسنده جعفر بن علي الخزاز الى سعيد بن المسيب، ومحمد بن علي البصري، الى أبي سعيد الخدري، أنه كتب الى معاوية عهدا يذم فيه الاسلام، ومحمدا يجعله ساحرا، ويقسم باللات والعزى والأصنام والأوثان، ما جحدها منذ عبدها، ويشكرها أنها هي التي دلت عتيقا على أمته بحيلته، وشهادته بفضائله، وتسرعه الى بيعته، وادعائه أن عليا عليه السلام سلم بخلافته بعد أن جره الى سقيفة بحبل في عنقه وأشاع القول ببيعته. ثم قال: فمن يا معاوية فعل فعلي، واستثار أحقاد أسالفه غيري، وذكر له أنه انما ولاه الشام ليتم له هذا المرام، وذكر ذلك في شعره (معاوي ان القوم ضلت


(1) الصراط المستقيم 3: 20 - 21. (2) الصراط المستقيم 3: 21. (3) الصراط المستقيم 3: 21 - 22.

[ 566 ]

حلومهم) الى آخره، ولما قدم ابن عمر على يزيد منكرا عليه قتل الحسين عليه السلام عليه السلام أوقفه على هذا العهد، فرجع مستبشرا (1). أقول: هذا الرواية الدالة على كفر عمر وان كانت منقولة من طريقنا، ولكن قد قدمنا لها مؤيدات كثيرة من رواياتهم المتواترة. ومما يدل على فسق عمر وبغضه لعلي عليه السلام جعله الخلافة شورى. قال ابن ابي الحديد في شرحه على نهج البلاغة: وصورة هذه الواقعة: أن عمر لما طعنه أبو لؤلؤة، وعلم أنه ميت، استشار في من يوليه الأمر بعده، فاشير عليه بابنه عبد الله، فقال: لاها الله إذا لا يليها رجلان من ولد الخطاب، حسب عمر ما حمل، حسب عمر ما احتقب، لاها الله، لا أتحملها حيا ولا ميتا. ثم قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن هذه الستة من قريش: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم، ثم قال: ان أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر، وان أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم قال: ادعوهم لي، فدعوهم، فدخلوا وهو ملقى على فراشه يجود بنفسه، فنظر إليهم، فقال: أكلكم يطمع في الخلافة بعدي ؟ فوجموا، فقال لهم ثانية، فأجابه الزبير قال: وما الذي يبعدنا منها، وليتها أنت فقمت بها ولسنا دونك في قريش لا في السابقة ولا في القرابة. قال الشيخ أبو عثمان الجاحظ: والله لولا علمه أن عمر يموت في مجلسه ذلك لم يقدم على أن يفوه من هذا الكلام بكلمة، ولا أن يتنفس منه بلفظة. فقال عمر: أفلا اخبركم عن أنفسكم ؟ قالوا: قل فانا لو استعفيناك لم تعفنا،


(1) الصراط المستقيم 3: 25 - 26.

[ 567 ]

فقال: أما أنت يا زبير فوعق لقس (1)، مؤمن الرضا كافر الغضب، يوما انسان ويوما شيطان، ولعلها لو أفضت اليك ظلت تلاطم بالبطحاء على مد من شعير، فان أفضت اليك فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطانا، ومن يكون يوم تغضب اماما، وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الامة وأنت على هذه الصفة. ثم أقبل على طلحة وكان له مغضبا منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر، فقال له: أقول أم أسكت ؟ قال: قل فانك لا تقول من الخير شيئا، قال: أما اني أعرفك منذ اصيبت اصبعك يوم احد وائيا (2) بالذي حدث لك، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله ساخطا عليك للكلمة التي قلتها يوم انزلت آية الحجاب. قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ: الكلمة المذكورة أن طلحة لما انزلت آية الحجاب، قال بمحضر ممن نقل عنه الى رسول الله صلى الله عليه وآله: ما الذي يعنيه حجابهن اليوم وسيموت غدا فننكحهن. قال أبو عثمان أيضا: لو قال قائل لعمر: أنت قلت ان رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن الستة، فكيف تقول الان لطلحة انه مات عليه السلام ساخطا عليك للكلمة التي قلتها، لكان قد رماه بمناقضة (3)، ولكن من الذي يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا، فكيف هذا ! قال: ثم أقبل على سعد بن أبي وقاص، فقال: انما أنت صاحب مقنب (4) من هذه المقانب، تقاتل به، وصاحب قنص وقوس وأسهم، وما زهرة (5) والخلافة


(1) الوعق: الضجر المتبرم. واللقس: من لا يستقيم على وجه. (2) وائيا: غاضبا. (3) في الشرح: بمشاقصه. جمع مشقص وهو نصل السهم إذا كان طويلا. (4) المقنب: جماعة الخيل. (5) زهرة: قبيلة سعد بن أبي وقاص.

[ 568 ]

وامور الناس. ثم أقبل على عبد الرحمن بن عوف، فقال: وأما أنت يا عبد الرحمن، فلو وزن نصف ايمان المسلمين بايمانك لرجح ايمانك به، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك، وما زهرة وهذا الأمر. ثم أقبل على علي عليه السلام فقال: لله أنت لولا دعابة فيك، أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء. ثم أقبل على عثمان فقال: هيها اليك، كأني بك وقد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها اياك، فحملت بني امية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفئ، فسارت اليك عصابة من ذؤبان العرب، فذبحوك على فراشك ذبحا، والله لئن فعلوا لتفعلن، ولئن فعلت ليفعلن، ثم أخذ بناصيته فقال: فإذا كان ذلك فاذكر قولي فانه كائن. ذكر هذا الخبر شيخنا أبو عثمان في كتاب السفيانية، وذكره جماعة في باب فراسة عمر، وذكر أبو عثمان في هذا الكتاب عقيب رواية هذا الخبر قال: وروى معمر بن سليمان التميمي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأهل الشورى: انكم ان تعاونتم وتوازرتم وتناصحتم أكلتموها وأولادكم، وان تحاسدتم وتقاعدتم وتدابرتم وتباغضتم، غلبكم على هذا الأمر معاوية بن أبي سفيان، وكان معاوية حينئذ أمير الشام. ثم رجع بنا الكلام الى تمام قصة الشورى، ثم قال: ادعوا لي أبا طلحة الأنصاري فدعوه له فقال: انظر يا أبا طلحة إذا عدتم من حفرتي، فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم، فخذ هؤلاء النفر بامضاء الأمر وتعجيله، وأجمعهم في بيت وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم، فان اتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه، وان اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب أعناقهما، وان اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة، فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن، فارجع الى ما

[ 569 ]

قد اتفقت عليه، فان أصرت الثلاثة الاخرى على خلافها فاضرب أعناقهم، وان مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر فاضرب أعناق الستة ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم. فلما دفن عمر جمعهم أبو طلحة، ووقف على باب البيت بالسيف في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفهم، ثم تكلم القوم وتنازعوا، فأول ما عمل طلحة أنه أشهدهم على نفسه أنه قد وهب حقه من الشورى لعثمان، وذلك لعلمه أن الناس لا يعدلون به عليا وعثمان، وأن الخلافة لا تخلص له وهذان موجودان، فأراد تقوية أمر عثمان واضعاف جانب علي عليه السلام بهبة أمر لا انتفاع له به ولا تمكن له منه. فقال الزبير في معارضته: وأنا أشهدكم على نفسي أني قد وهبت حقي من الشورى لعلي، وانما فعل ذلك لأنه لما رأى عليا قد ضعف وانخزل بهبة طلحة حقه لعثمان دخلته حمية النسب، لأنه ابن عمة أمير المؤمنين عليه السلام، وهي صفية بنت عبد المطلب، وأبو طالب خاله، وانما مال طلحة الى عثمان لانحرافه عن علي عليه السلام، باعتبار أنه تيمي وابن عم أبي بكر، وقد كان حصل في نفوس بني هاشم من بني تيم حنق شديد لأجل الخلافة، وكذلك صار في صدور بني تيم على بني هاشم، وهذا أمر مركوز في طبيعة البشر، وخصوصا طينة العرب وطباعها، والتجربة الى الان تحقق ذلك، فبقي من الستة أربعة. فقال سعد بن أبي وقاص: وأنا قد وهبت حقي من الشورى لابن عمي عبد الرحمن، وذلك لأنهما من بني زهرة، ولعلم سعد أن الأمر لا يتم له. فلما لم يبق الا الثلاثة، قال عبد الرحمن لعلي وعثمان، أيكما يخرج نفسه من الخلافة، ويكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين ؟ فلم يتكلم منهما أحد، فقال عبد الرحمن: أشهدكم انني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدكما، فأمسكا، فبدأ بعلي عليه السلام فقال: ابايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين

[ 570 ]

أبي بكر وعمر، فقال: بل على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي، فعدل عنه الى عثمان فعرض ذلك عليه، فقال: نعم، فأعاد الى علي عليه السلام فأعاد قوله، ففعل ذلك عبد الرحمن ثلاثا. فلما رأى أن عليا عليه السلام غير راجع عما قاله، وأن عثمان ينعم له بالاجابة، صفق على يد عثمان وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فيقال: ان عليا عليه السلام قال له: والله ما فعلتها الا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه، دق الله بينكما عطر منشم. قيل: ففسد بعد ذلك بين عثمان وعبد الرحمن، فلم يكلم أحدهما صاحبه حتى مات عبد الرحمن (1). انتهى. أقول: لا يخفى أن في هذه الحكاية عدة عجائب: أحدها: أنه قال: ان النبي صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن الستة، ثم قال: ان النبي مات وهو ساخط على طلحة. وثانيها: أنه عاب عليا عليه السلام بالدعابة، وهي من خصال الأنبياء عليهم السلام. وثالثها: أنه أفتى بقتل من خالف منهم ظلما وجورا من غير دليل وبرهان، ومن جملتهم أمير المؤمنين عليه السلام الذي حبه ايمان وبغضه كفر ونفاق، وقال النبي صلى الله عليه وآله مخبرا عنه: علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض (2). ورابعها: أنه رجح الثلاثة التي فيها عبد الرحمن مع علمه بأن عبد الرحمن لا يفارق عثمان للمصاهرة بينهما، فهذا الترجيح في الحقيقة حكم بخلافة عثمان الفاسق، وبقتل أمير المؤمنين وسيد المتقين. وخامسها: أن بني هاشم كانوا يبغضون بني تيم لأجل الخلافة، وهو دليل على عدم الاجماع على خلافة أبي بكر، لأن عدم رضا بني هاشم بخلافة أبي بكر ينافي


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 185 - 188. (2) راجع: احقاق الحق 5: 623 - 638.

[ 571 ]

الاجماع عليها. وسادسها: أن بني تيم كانوا يبغضون بني هاشم، وهذا دليل كفرهم، لأنه تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله: ان حب علي ايمان وبغضه كفر. وقوله: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. ومعلوم من عدم رضاء علي عليه السلام بسنة الشيخين وابائه ثلاث مرات مع كمال اهتمامه بأمر الخلافة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنه عليه السلام كان يعتقد أنهما من أهل البدعة، وسنتهما على خلاف الكتاب. ولا يخفى على الخبير أن عمر بهذه الشورى أوقع الاختلاف بين امة محمد صلى الله عليه وآله، لأنه أوقع طلحة الزبير في طمع الخلافة، ففعلوا ما فعلوا، وأهرقوا من الدماء ما أهرقوا، وجعل عثمان خليفة، وفعل ما فعل، وأحدث ما أحدث حتى قتل فصار ما صار من الفتن واهراق الدماء، وهي باقية الى يوم القيامة، نعم ما قال الشاعر الأعجمي: بد كردن شمر هم زبد كردن اوست * خون شهدا تمام در گردن اوست ونقل ابن عبد ربه في كتاب العقد في المجلد الرابع، أن معاوية قال: لم يشتت بين المسلمين ولا فرق أهواءهم الا الشورى التي جعلها عمر الى الستة، ثم فسر معاوية ذلك في آخر كلامه، فقال ما هذا لفظه: لم يكن من الستة رجل الا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه، وتطلعت الى ذلك أنفسهم، ولو أن عمر استخلف كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف (1). انظر أيها البصير كيف أجرى الله تعالى تخطأة عمر على لسان أوليائه وأعدائه. ومما يدل على ظلمه وفسقه: بعض الكلمات التي نقل عنه في حال حياته وحال


(1) العقد الفريد 5: 33 - 34 ط دار الكتب العلمية بيروت.

[ 572 ]

احتضاره. في الحلية: أن عمر قال: لو نادى مناد من السماء: أنكم داخلون الجنة الا واحدا، لخفت أن أكون هو (1). وفي الفصل الرابع من الجزء الأول من الاحياء ما تقدم آنفا: أن عمر سأل حذيفة هل هو من المنافقين أم لا ؟ (2) وليس هذا السؤال الا لشكه في دينه، أو ليقينه في نفاقه ولكن مراده بالسؤال أن يتعرف أن حذيفة يكتم عليه نفاقه أو يذيعه. وأسند الواقدي الى ابن عباس، أنه دخل عليه حين طعن وقال: مضى النبي وهو عنك راض، فقال: المغرور من غررتموه، أما والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لا فتديت به من هول المطلع (3)، فأين هذا من قول علي عليه السلام: اني للقاء ربي لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر، واني لعلى طريق مستقيم من أمري وبينة من ربي (4). وفي كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند أبي موسى الأشعري، قال: قال أبو عامر بن أبي موسى: قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك ؟ قال: قلت: لا، قال: ان أبي قال لأبيك: يا أبا موسى هل يسرك أن اسلامنا مع رسول الله، وهجرتنا معه، وجهادنا معه، وعملنا كله معه، ويرد لنا كل عمل عملناه بعده، نجونا منه كفافا رأسا برأس، فقال أبوك لأبي: لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله، وصلينا، وصمنا، وعملنا خيرا كثيرا، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وأنا أرجو ذلك، قال أبي: لكن أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك يرد لنا كل شئ عملناه، وبعده نجونا منه كفافا رأسا برأس، فقال: ان أباك والله كان خيرا من أبي (5).


(1) حلية الأولياء 1: 53، والصراط المستقيم 3: 25. (2) الصراط المستقيم 3: 28، عنه. واحياء العلوم للغزالي 1: 124. (3) العقد الفريد 5: 27. (4) الصراط المستقيم 3: 24. (5) الطرائف ص 479 عنه.

[ 573 ]

وفي الحلية: وفي مواعظ الكرامي: أن عمر قال عند احتضاره: ليتني كنت كبشا لأهلي فأكلوا لحمي وفرقوا عظمي ولم أرتكب اثمي (1). وفي الحديث الأول من افراد البخاري من الجمع بين الصحيحين، أن ابن عباس دخل عليه لما طعن وهو يتألم، فقال: جزعي من أجلك وأجل صاحبك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لا فتديت به من عذاب الله قبل أن أراه (2). وفي كامل البهائي عن الواقدي من النواصب، أن عمر حين طعن رفع عثمان رأسه عن التراب، فقال عمر: ويل لي، ويل لي من النار، الان لو كانت لي الدنيا لافتديت بها من النار ولم أرها. هذه روايات المخالفين في ظلم امامهم وكفره ونفاقه، وأما رواياتنا في هذا الباب، فكثير جدا بالغه حد التواتر. ومنها: أن ابن عمر قال لابن ابي: اكتم علي ما أقول ان أبي لما حضرته الوفاة بكى، فقلت: مم ؟ فقال: آت عليا ليحلني وأرد عليه الأمر، فلما جاء قال له ذلك، قال: اجيبك على أن تشهد رجلين من الأنصار ورجلين من المهاجرين أنك وصاحبك ظلمتماني، فحول أبي وجهه، فخرج علي، فقلت: قد أجابك فأعرضت عنه، فقال: يا أحمق أراد أن لا يصلي علي أحد (3). ومنها: الصحيفة التي تعاقد عليها عمر وأبو بكر وسالم الأبكم ومعاذ بن جبل، على أن لا يورثوا أحدا من أهل النبي، ولا يولوهم مقامه. وروي أن عمر أودعها أبا عبيدة، فقال النبي صلى الله عليه وآله له: أصحبت أمين هذه الامة ورواه العامة أيضا، وقال عمر عند موته: ليتني خرجت من الدنيا كفافا لا علي ولا


(1) حلية الاولياء 1: 52، والصراط المستقيم 3: 25. (2) الطرائف ص 479 عنه. (3) راجع: بحار الانوار 8: 204 الطبع الحجري، والصراط المستقيم 3: 24.

[ 574 ]

لي، فقال ابنه: تقول هذا ؟ فقال: دعني، نحن أعلم بما صنعنا أنا وصاحبي وأبو عبيدة ومعاذ (1). ومما يؤيد هذا ما في الصراط المستقيم، قال: أسند سليم، الى معاذ بن جبل: أنه عند وفاته دعا على نفسه بالويل والثبور، قلت: انك تهذي ؟ قال: لا والله، قلت: فلم ذلك ؟ قال: لموالاتي عتيقا وعمر، على أن أزوي خلافة رسول الله عن علي، وقال: وروى مثل ذلك عن عبد الله بن عمر، أن أباه قاله. وروي عن محمد بن أبي بكر أن أباه قال له، وزاد فيه: أن أبا بكر قال: هذا رسول الله ومعه علي بيده الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة، وهو يقول: لقد وفيت بها وتظاهرت على ولي الله أنت وأصحابك، فأبشر بالنار في أسفل السافلين، ثم لعن ابن صهاك، ثم قال: هو الذي صدني عن الذكر بعد إذ جاءني. وروت العامة، أن عمر لما كفن قال علي عليه السلام: وددت أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجى (2). والمراد الصحيفة التي ذكرناها لا صحيفة أعمال عمر كما توهم المخالفون، وكيف يكون ذلك ؟ وقد تقدم أن عليا عليه السلام كان يعتقد أن عمر ظالم آثم غادر، ولم يرض أن يبايعوه بالخلافه، حيث شرطوا أن يعمل بسيرة أبي بكر وعمر. وفي الصراط المستقيم، قال العباس بن الحارث، لما تعاقدوا على الصحيفة نزلت: (ان الذين ارتدوا على أدبارهم) (3) الاية، وقد ذكرها أبو اسحاق في كتابه، وابن حنبل في مسنده، والحافظ في حليته، والزمخشري في فائقه (4).


(1) الصراط المستقيم 3: 154. (2) الصراط المستقيم 3: 153. (3) محمد صلى الله عليه وآله: 25. (4) الصراط المستقيم 3: 153.

[ 575 ]

تذنيب في بيان دناءة عمر وقلة حيائه وسوء مولده ذكر الحنبلي في كتاب نهاية الطلب: ان عمر بن الخطاب كان قبل الاسلام نخاس الحمير (1). وذكر أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب الشهاب: أن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، أبو عمر بن الخطاب، قطعت يده في سرق عكاظ، وتمام عبارته في كتاب الطرائف. وروى ابن عبدربة في كتاب العقد وهو من علماء الجمهور عن عمرو بن العاص أنه قال: قبح الله زمانا عمل فيه عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب، والله اني لأعرف الخطاب يحمل فوق رأسه حزمة من حطب، وعلى ابنه عمر حزمة مثلها، وما مشيا الا في مضرة (2)، وما مشيا في منفعة قط (3). ثم قال: قبح الله قوما هم سادات العرب وملوك الجاهلية، والاسلام تسود عبدهم عليهم. ومن عجائب رواياتهم أن عمر فسى على المنبر، وأخبر به المسلمين، لقلة حيائه وعدم انفعاله، ذكر عبد الله بن مسلم من رواتهم المتعصبين في المجلد الأول من كتاب عيون الأخبار، أن عمر قال على المنبر: ألا اني قد فسوت، وها أنزل لاعيد الوضوء. اعلم أنه لم يسبقه في هذا العمل أحد من الخطباء الا أبو بكر، فانه روى أبو جعفر


(1) الطرائف ص 468 عنه، والصراط المستقيم 3: 28. (2) في العقد: وما منهما الا في نمرة. (3) العقد الفريد 1: 46 ط بيروت.

[ 576 ]

محمد بن عبد الله بن سليمان من أعيان رجالهم، في المجلد الأول، من مسند علي بن أبي طالب عليه السلام أن أحدث أبو بكر على المنبر، فنزل وقدم أبا ذر، فصلى بالناس ركعتين، ولم يلحقه أحد الا معاوية، فانه أورد صاحب كتاب الحاوية أنه أحدث على المنبر وفضحه صعصعة. وفي المجلد الثاني من كتاب العقد، قالت له امرأة من قريش: يا عمر، فوقف فقالت: كنا نعرفك مدة عميرا، ثم صرت عمر، ثم صرت أمير المؤمنين، فاتق الله وانظر في امور الناس (1). وفي البخاري والاحياء: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله: من أبي ؟ قال: حذافة، فسأله آخر: من أبي ؟ قال: سالم، فبرك عمر على ركبتيه وقال بعد كلام: لا تبدين علينا سوءتنا (2). ونقل صاحب كتاب مطالع الأنوار، وهو علي بن عبد النبي الطائي القطيفي، عن كتاب الملل والنحل، قال: كانت صهاك ام عمر أمة لهاشم، وقيل: أمة لعبد المطلب، انتقلت الى هشام بن المغيرة، وكان هشام هذا يتهمها بالمسافحة، فيلبسها سراويل من الجلود ويقفل على تكة السراويل قفلا من حديد، وكانت ترعى له ابلا، فنظر إليها نفيل عبد من عبيد قريش، وراودها عن نفسها ووقع عليها، فطاوعته واعتذرت عليه بالسراويل، فخلا بها في مرعى الابل، وعلقها بشجرة حتى ارتخى لحمها، وجر السراويل قليلا قليلا بعد مشقة، وأقام معها مدة هكذا يفعل ومولاها لا يعلم، فحملت منه الخطاب ووضعته سرا. فلما أدرك البلوغ نظر الى امه صهاك، فأعجبه عجيزتها، فوثب عليها وفجر بها مرارا، فحملت منه ووضعت بنتا، فلما ولدتها خافت من مولاها، فلفتها في ثوب


(1) العقد الفريد 2: 201. (2) الصراط المستقيم 3: 29.

[ 577 ]

وألقتها بين أحشام مكة، فوجدها هشام بن المغيرة، قيل: انه مولاه، وقيل غيره، فحملها الى منزله ورماها عند خدمه، فربتها وسميت حنتمة، فلما بلغت نظر إليها الخطاب، فسافحها فأولدها عمر، فكان الخطاب أباه وجده وخاله، وكانت حنتمة امه واخته وعمته. ونقل صاحب الطرائف عن هشام بن محمد الكلبي من علماء الجمهور، عن كتاب المثالب ما هذا لفظه: كانت صهاك أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف، فوقع عليها نضلة بن هاشم، ثم وقع عليها عبد العزى بن رياح، فجاءت بنفيل جد عمر بن الخطاب (1). انظر أيها اللبيب الى نسبه وحسبه، وتعجب من عقول القائلين بامامته ووجوب متابعته، واشكر الله تعالى على هدايته لك الى اتباع صفوته وخيرته رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته وخيار ذريته تذنيب في سبب اظهاره الاسلام ومهاجرته الى المدينة نقلا عن أهل البيت عليهم السلام انهم قالوا: ان عمر كان معاضدا لأبي جهل في قصد رسول الله صلى الله عليه وآله بالأذى الشديد، وكان عمر يحرص على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم تكن قريش تجد الى ذلك سبيلا، لاستعمال رسول الله صلى الله عليه وآله الصبر على الأذى، وكفه لأصحابه من منابذتهم. قالوا: فلما رأى عمر ذلك واطأ أبا جهل على أن يظهر الاسلام، والدخول في دين الله، ثم يحملهم على المنابذة لتجد قريش الى قتله سبيلا عند وقوع المنابذة.


(1) الطرائف في معرفة المذاهب ص 469 المطبوع سنة 1399 ه‍ ق بتحقيقنا.

[ 578 ]

فصار عمر الى رسول الله صلى الله عليه وآله، فأعلمه الله أنه قد رغب في دينه والدخول فيه، وأظهر الاسلام، ثم قال: يا رسول الله فما بالنا نعبد الله سرا، وقال للذين كانوا أسلموا مع رسول الله صلى الله عليه وآله: أخرجوا حتى نقاتل المشركين، وسل سيفه وقال: من يعرض لنا قتلناه بسيوفنا. وقد رأى أن الرسول سيعينه على ذلك، فإذا رأت قريشا سيفا مسلولا وجدت السبيل الى سل السيوف، فيكون ذلك السبيل الى قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، كان سبيل كل من سل سيفا فقد أوجد عدوه الى سل سيفه أيضا عمدا. فلما فعل عمر ذلك، قال له الرسول صلى الله عليه وآله: يا عمر ان كنت جئت راغبا في الدين بما رضي اخوانك المسلمون من الصبر على الأذى والكف عن المنابذة، فاني لم اومر بشئ من هذا الى أن يقدر الله ما يشاء، وان كنت طالبا غير الدين فلسنا من أصحابك. فلما لم يجد عمر الفرصة مما قصد له، بقي متحيرا مداهنا لقريش، يخاف أن لا يكون للرسول دولة فيهلك معه ان لم يظهر لقريش الرغبة في الدين، ويخاف أيضا أن يكون للرسول دولة من بعد، فلا يكون له من دولته نصيب، فبقي عند ذلك مداهنا للجميع. قال: ومن الدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما حوصر في شعب عبد المطلب مع بني هاشم، لم يتحاصر معه ولا أبو بكر، وأصلحا جميعا على المداهنة والانتظار. وسل سيفه في تلك الحال كان من أعظم الكفر، لأنه كان حيلة منه أراد أن ينقض على رسول الله صلى الله عليه وآله تديبره. والعجب كل العجب أن أهل السنة عدوا من فضائل عمر أنه قال حين أسلم: لا نعبد الله سرا بعد هذا اليوم، ولعمري لو كان يطلعون على ما ذكرناه لجحدوه وكتموه، لكن الله قد أعمى قلوبهم، وختم على سمعهم، كما قال تعالى (أم يحسب

[ 579 ]

أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ان هم الا كالأنعام) (1) الاية. ومما يدل أيضا على أن اسلام عمر وقوله (لا نعبد الله سرا) كان على سبيل المخادعة، أنه لم يكن من أهل الشجاعة، وعظم القدر، ومن الرؤساء المطاعين في قريش والعرب، فلا وجه لمنعه عبادة الله سرا الا ما ذكرناه من المخادعة ونقض ما أبرم الرسول صلى الله عليه وآله. الدليل التاسع والثلاثون [ بطلان امامة ثالث خلفائهم ] ان عثمان الملقب ب‍ (نعثل) الذي هو ثالث خلفاء المخالفين كان ظالما فاسقا، ومن كان كذلك لا يصلح للخلافة بالاجماع، فبطل امامة الأولين أيضا، لعدم القائل بالفصل، فثبت حقية مذهبنا وأئمتنا الاثني عشر، لبطلان سائر الفرق الاسلامية على ما بيناه، وأما كونه ظالما فنحن نبينه. اعلم أن في تسميته بنعثل أقوالا، ففي حديث شريك: أن عائشة وحفصة قالتا له: سماك رسول الله نعثلا تشبيها لك بيهودي. وقال الكلبي: انما قيل نعثلا تشبيها برجل لحياني من أهل مصر، وقيل من خراسان. وقال الواقدي: شبه بذكر الضباع، فانه نعثل لكثرة شعره، وقال: انما شبه بالضبع لأنه إذا صاد صيدا قاربه ثم أكله، وانه اتي بامرأة لتحد، فقاربها ثم أمر برجمها، ويقال النعثل للتيس الكبير العظيم اللحية. قاله الكلبي في كتاب المثالب: كان عفان ممن يلعب به ويتخنث، وكان يضرب بالدف (2). وقد أحدث عثمان امورا:


(1) الفرقان: 44. (2) الصراط المستقيم 3: 30.

[ 580 ]

منها: أنه ولى أمر المسلمين من لا يؤتمن عليه ولا علم به، التفاتا عن حرمة الدين الى حرمة القرابة، فولى الوليد بن عقبة، فظهر منه شرب الخمر والفساد، وفيه نزل (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) (1) قال المفسرون ومنهم الثعلبي والواقدي: المؤمن علي والفاسق الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أخو عثمان لام، وفيه نزل (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (2) وصلى بالناس في أمارته سكرانا، فقال: أزيدكم ؟ قالوا: لا. وولى سعيد بن العاص الكوفة، فقال: انما السواد بستان لقريش تأخذ منه ما شاءت، فمنعوه دخولها، وتكلموا فيه وفي عثمان حتى كادوا يخلعونه فعزله قهرا (3). وأجاب قاضي القضاة بما حاصله: أن عثمان لم يكن عالما بفسق من ولاه. فأجاب سيدنا المرتضى بما حاصله: أن عثمان لم يول هؤلاء النفر الا وحالهم مشهورة في الفسق والفجور، ولم يختلف اثنان في أن شرب الخمر والاستخفاف بالدين كان سنة للوليد بن عقبة، وطريقته القديمة المعروفة. ولذا قال له سعد في رواية الواقدي وقد دخل مروان الكوفة: يا أبا وهب أميرا أم زائرا ؟ فقال: بل أميرا، فقال سعد: أحمقت بعدك أم كيست ؟ قال: ما حمقت ولا كيست ولكن القوم ملكوا فاستأثروا. وفي رواية أبي مخنف: أن وليدا لما دخل الكوفة مر على مجلس عمرو بن زرارة فوقف، فقال عمرو: يا معشر بني أسد بئس ما استقبلنا أخوكم عثمان بن عفان، أمن عدله أن ينزع عنا ابن أبي وقاص الهين اللين السهل القريب، ويبعث بدله أخاه الوليد الأحمق الماجن الفاجر قديما وحديثا. وقالوا: أراد عثمان كرامة أخيه بهوان امة محمد صلى الله عليه وآله.


(1) السجدة: 18. (2) الحجرات: 6. (3) الصراط المستقيم 3: 30.

[ 581 ]

وقال السيد رضى الله عنه بعد ذكره الايتين في جواب قولي قاضي القضاة: ان عثمان لما عرف شرب الوليد جلده الحد ولم يعزله الا بعد أن دافع ومانع، ولو لم يقهره أمير المؤمنين عليه السلام لما عزله ولا مكن من جلده، وقد روى الواقدي أن عثمان لما جاءه الشهود يشهدون على الوليد بشرب الخمر، أوعدهم وهددهم. قال الواقدي: ويقال انه ضرب بعض الشهود أسواطا، فأتوا أمير المؤمنين عليه السلام، فشكوا إليه، فأتى عثمان فقال: عطلت الحدود، وضربت قوما شهدوا على أخيك، الى قوله: وقالوا أقوالا شديدة، وأخذته الألسن من كل جانب، فحينئذ عزله ومكن من اقامة الحد عليه. وقد روى الواقدي: أن الشهود لما شهدوا عليه في وجهه، وأراد عثمان أن يحده، ألبسه جبة خز وأدخله بيتا، فجعل إذا بعث إليه رجلا من قريش ليضربه قال له الوليد: أنشدك الله أن تقطع رحمي وتغضب أمير المؤمنين فيكف، فلما رأى علي عليه السلام أخذ السوط ودخل عليه فجلده به (1). انتهى ما اختصرناه من كلام السيد. وولى عبد الله بن أبي سرح مصر، فتكلموا فيه، فولى محمد بن أبي بكر، وكاتبه أنك تقتل ابن أبي بكر وكل من يرد عليك وتستمر، فلما ظفر بالكتاب كان سبب حصره وقتله. قالوا: فعل ذلك مروان لا عثمان. قلنا: فكان يجب على عثمان تعزيره والتبري منه، فلما لم يفعل دل على خبثه وكذبه وظلمه، ومن هذا حاله لا يصلح لأدنى ولاية، مع اجماع الصحابة على قتله، وترك دفنه ثلاثا لما تحققوا من أحداثه. قالوا: فالحسين جرى له مثل ذلك.


(1) الشافي للشريف المرتضى 4: 251 - 254.

[ 582 ]

قلنا: لا قياس، لاجماع المسلمين على أنه قتل ظلما ولم يحدث حدثا بخلاف عثمان، فقد روى الواقدي أن أهل المدينة منعوا من الصلاة عليه، وحمل ليلا ليدفن فأحسوا به فرجموه بالحجارة، وذكروه بأسوء الذكر، وقد روى الجوزي في زاد المسير أن عثمان من الشجرة الملعونة في القرآن (1). ومنها: أنه آوى الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة. قالوا: ذكر أنه استأذن النبي صلى الله عليه وآله في رده. قلنا: لم ينقل ذلك في كتاب بل المروي خلافه. قال الواقدي من طرق مختلفة وغيره: ان الحكم قدم المدينة بعد الفتح، فطرده النبي صلى الله عليه وآله ولعنه، لتظاهره بعداوته، والوقيعة فيه، والعيب بمشيته، وصار اسم الطريد علما عليه، فكلمه عثمان فيه فأبى عنه، وكلم الشيخين في زمن ولايتهما فيه، فأغلظا القول عليه، وقال له عمر: يخرجه رسول الله وتأمرني أن أدخله ؟ والله لو أدخلته لم آمن من قائل غير عهد رسول الله، فاياك أن تعاودني فيه، فلو كان النبي صلى الله عليه وآله أذن له لاعتذر عثمان اليهما به. ولما لامه علي عليه السلام وعمار وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، قال: انه قرابتي وفي الناس من هو شر منه، قال علي عليه السلام: لا أحد شر منه، قال: لو نال أحد من القدرة ما نلت فكان قرابته لأدخله، فغضب علي عليه السلام وقال: لتأتينا بشر من ذلك ان سلمت وستري غب ما تفعل (2). وذكر قاضي القضاة فيما ذكر، وقد قال الشيخ أبو الحسين الخياط: انه لو لم يكن في رده اذن من رسول الله صلى الله عليه وآله، لجاز أن يكون طريقه الاجتهاد، لأن النفي إذا كان صلاحا في الحال، فلا يمتنع أن يتغير حكمه باختلاف الأوقات، وتغير حال المنفي، وإذا كان لأبي بكر أن يسترد عمر من جيش اسامة للحاجة إليه، وان كان قد أمر


(1) الصراط المستقيم 3: 30 - 31. (2) الصراط المستقيم 3: 31.

[ 583 ]

رسول الله بنفوذه من حيث تغيرت الحال، فغير ممتنع مثله في الحكم. وأجاب سيدنا المرتضى بأن الرسول صلى الله عليه وآله إذا حظر شيئا أو أباحه، لم يكن لأحد أن يجتهد في اباحة المحظور أو حظر المباح، ومن يجوز الاجتهاد في الشريعة لا يقدم على مثل هذا، لأنه انما يجوز عندهم فيما لا نص فيه، ولو سوغنا الاجتهاد في مخالفة ما تناوله النص، لم نأمن من أن يؤدي اجتهاد المجتهد الى تحليل الخمر واسقاط الصلاة بأن يتغير الحال، وهذا هدم للشريعة. وأما استشهاده باسترداد عمر من جيش اسامة، فالكلام في الأمرين واحد (1). وقد روى صاحب كتاب الشفا من الجمهور قول النبي صلى الله عليه وآله: من أحدث في المدينة حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله. وأسنده البخاري في أول الكراس الثاني من الجزء الرابع، وزاد: والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. ومثل هذا أورد الحميدي في الحديث الثامن عشر من الجمع بين الصحيحين، ومثله أيضا في الحديث الثامن والأربعين من افراد مسلم (2). ومنها: أنه آثر أهله بأموال المسلمين، فدفع الى أربعة زوجهم ببناته أربعمائة ألف دينار، والى مروان مائة ألف دينار عند فتح افريقية (3). وفي رواية الكلبي: مائة ألف دينار ومائتا ألف درهم. وفي رواية الواقدي: أعطاه جميع غنائم افريقية (4). قالوا: ربما كان ذلك من ماله. قلنا: روى الواقدي أن عثمان قال: ان أبا بكر وعمر كانا يناولان من هذا المال


(1) الشافي في الامامة 4: 266 و 272. (2) الصراط المستقيم 3: 31 - 32. (3) الصراط المستقيم 3: 32. (4) الشافي 4: 275 - 276.

[ 584 ]

ذوي قرابتهما، واني ناولت منه صلة رحمي. وروى الواقدي أنه قسم مال البصرة بين ولده وأهله بالصحاف. وروى الواقدي أيضا أن ابلا من الصدقة وهبها عثمان للحارث بن الحكم بن أبي العاص. وولى الحكم بن أبي العاص على صدقات قضاعة، فبلغت ثلاثمائة ألف، فوهبها له. وأعطى سعيد بن العاص مائة ألف دينار، فأنكر الناس عليه (1). ونقل سيدنا المرتضى عن أبي مخنف من علماء الجمهور: أن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن امية قدم على عثمان من مكة ومعه ناس، فأمر لعبد الله بثلاثمائة ألف، ولكل واحد من القوم بمائة، وصك بذلك على عبد الله بن الأرقم وكان خازن بيت المال، فاستكثره ورد الصك به، ويقال: انه سأل عثمان أن يكتب عليه بذلك كتابا، فأبى، وامتنع ابن الأرقم أن يدفع المال الى القوم، فقال له عثمان: انما أنت خازن لنا فما حملك على ما فعلت ؟ قال ابن الأرقم: كنت أرى اني خازن المسلمين، وانما خازنك غلامك، والله لا ألي بيت المال أبدا، وجاء بالمفاتيح فعلقها على المنبر، ويقال: بل ألقاها الى عثمان، فدفعها عثمان الى نائل مولاه. وروى الواقدي أن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت مال المسلمين الى عبد الله بن الأرقم في عقيب هذا الفعل ثلاثمائة ألف درهم، فلما دخل عليه بها قال له: مه يا أبا محمد ان أمير المؤمنين أرسل اليك يقول: انا قد شغلناك عن التجارة ولك ذو رحم أهل حاجة ففرق هذا المال فيهم، واستعن به على عيالك، فقال عبد الله بن الأرقم: مالي إليه حاجة، وما عملت لأن يثيبني عثمان، والله ان كان هذا من بيت مال المسلمين ما بلغ قدر عملي على أن اعطى ثلاثمائة ألف درهم، ولئن كان من مال عثمان ما أحب أن أرزأه من ماله شيئا (2).


(1) الصراط المستقيم 3: 32. (2) الشافي 4: 273 - 274.

[ 585 ]

وقسم بيت المال على المقاتلة وغيرهم. قالوا: ذلك بالاجتهاد. قلنا: الله ورسوله أعلم بمصالح العباد، فإذا عينا لبيت المال جهة مخصوصة لم يجز العدول عنها بالاجتهاد (1). قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من شرحه: وروى الزبير بن بكار، عن الزهري، قال: لما اتي عمر بجوهر كسرى، وضع في المسجد، فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر، فقال لخازن بيت المال: ويحك أرحني من هذا واقسمه بين المسلمين، فان نفسي تحدثني أنه سيكون في هذا بلاء وفتنة بين الناس، فقال: يا أمير المؤمنين ان قسمته بين المسلمين لم يسعهم، وليس أحد يشتريه، لأن ثمنه عظيم، ولكن ندعه الى قابل، فعسى الله أن يفتح على المسلمين بمال، فيشتريه منهم من يشتريه، قال: ارفعه فأدخله بيت المال، وقتل عمر وهو بحاله، فأخذه عثمان لما ولى الخلافة فحلى به بناته. ثم قال: قال الزبير: وحدثنا محمد بن حرب قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن اسماعيل بن أبي خالد، قال: جاء رجل الى علي عليه السلام يستشفع به الى عثمان، فقال: حمال الخطايا، لا والله لا أعود إليه أبدا، فآيسه منه (2). تذنيب: قال أهل التواريخ وصاحب الاستيعاب منهم: لما مات خلف ثلاث زوجات، فأصاب كل واحدة منهن ثلاثة وثمانون ألف دينار، فجملة المتروك أضعافها (3). فمن له هذا التكالب على الدنيا، فكيف يمكن انفكاكه عن الغفلة والظلم ؟ وكيف يليق أن يكون اماما للأتقياء ؟ وكيف يصلح لخلافة الأنبياء ؟


(1) الصراط المستقيم 3: 32. (2) شرح نهج البلاغة 9: 16 - 17. (3) الصراط المستقيم 3: 32، والاستيعاب 2: 396.

[ 586 ]

ومنها: ما ذكره عبد الله بن طاهر في كتاب لطائف المعارف أنه كسر ضلع ابن مسعود لما أبى أن يأتيه بمصحفه ليحرقه، ومنعه العطاء، وكان يطعن على عثمان وينكر عليه كثيرا. وفي مسلم والبخاري قيل لابن مسعود: صلى عثمان بمنى أربع ركعات، فاسترجع وقال: صليت مع النبي ومع أبي بكر وعمر ركعتين، ونحوه في مسند أحمد، وفي تاريخ الطبري قال له علي عليه السلام: لقد عهدت نبيك يصلى ركعتين وأبا بكر وعمر فما أدرى ما ترجع إليه، قال: رأي رأيته، وعاده عثمان في مرضه وسأله الاستغفار له، فقال: أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي، وأوصى أن لا يصلي عليه عثمان. ولما مر ابن مسعود من العراق معتمرا، وجد أبا ذر على الطريق ميتا مكفنا فدفنه، فضربه عثمان أربعين سوطا، ذكر ذلك ابن طاهر في لطائف المعارف، وقد كان عثمان نفاه الى الشام، فكان يخطئ معاوية في الأحكام ويتحسر على الاسلام. وكان عثمان الذي نصب معاوية مع علمه عدم استحقاقه، فولاه بغضا لمن جعله الله مولاه، فبعث الى عثمان يشكوه، فبعث إليه أن يحمله إليه مهانا، فحمله على قتب حتى سقط لحم فخذيه. وروى الواقدي أنه لما دخل على عثمان قال له: لا أنعم الله بك عيشا يا جندب، أنت الذي تزعم أنا نقول: يد الله مغلولة، وأن الله فقير ونحن أغنياء ؟ فقال: لو كنتم لا تزعمون ذلك لأنفقتم مال الله على عباده، أشهد لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا بلغ بنوا أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دخلا، فقال للجماعة: هل سمعتم هذا من النبي ؟ فقال علي عليه السلام والحاضرون: سمعناه يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر، فنفاه الى الربذة، وقال لعلي عليه السلام: بفيك التراب، فقال علي عليه السلام: بل بفيك التراب وسيكون، قال جماعة: فلقد رأينا عثمان مقتولا وبفيه التراب.

[ 587 ]

وروى الواقدي أن النبي صلى الله عليه وآله رآه نائما في المسجد، فقال: كيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت: ألحق بالشام، قال: فإذا أخرجوك منها ؟ قلت: أرجع الى المسجد، قال: فإذا أخرجوك منه ؟ قلت: أضرب بسيفي، قال: هل أدلك على خير من ذلك انسق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع، فسمعت وأطعت. فهذه الروايات ترد قول القاضي أنه خرج باختياره (1). ومنها: أنه ضرب عمارا حتى أحدث به فتقا، ولما قتل قال عمار: قتلناه كافرا، وابن مسعود وعمار مع كونهما صدرين عظيمين، كانا لعثمان في حياته وبعد موته مكفرين، وباقي الصحابة لم يدفعوا القتل عنه حيث علموا بموجبه، وترك بغير غسل ولا كفن، ملقى على المزبلة ثلاثا، وأمير المؤمنين عليه السلام الذي هو مع الحق والحق معه لم ينه عن ذلك، فدل على تكفيره، لأن الفاسق لا يجوز التخلف عن دفنه مع مكنته (2)، وكان لعلي عليه السلام المكنة حيث أنه كان في ذلك الوقت بالاجماع خليفة، قال البرقي: ألم يدس بطن عمار بحضرته * ودق للشيخ عبد الله ضلعان وقد نفى جندبا فردا الى بلد * ناء المحلة من أهل وجيران وقد روى أحمد في مسنده عن أنس، أنه لما ماتت رقية بنت النبي صلى الله عليه وآله بضرب زوجها عثمان، لعنه النبي صلى الله عليه وآله خمس مرات، وقال: لا يتبعنا أحد ألم بجاريته البارحة، لأجل أنه كان ألم بجارية رقية، فرجع جماعة وشكى عثمان بطنه ورجع، ولعنه الجماعة حيث حرموا الصلاة عليها بسببه (3). ومنها: أنه لم يحضر بدرا ولا بيعة الرضوان.


(1) الصراط المستقيم 3: 32 - 33. (2) في الصراط: تكفنه. (3) الصراط المستقيم 3: 33 - 34.

[ 588 ]

قالوا: شغله عن بدر مرض زوجته بنت رسول الله صلى الله عليه وآله باذنه، وضرب له بسهم من غنائمها، وكان حكمه حكم حاضرها، ووضع النبي صلى الله عليه وآله في بيعة الرضوان احدى يديه على الاخرى وقال: هذه عن عثمان. قلنا: هذه الاعتذارات خالية من دليل، الا أن يسلمها الخصم، وليس الى ذلك من سبيل. ومنها: أنه هرب يوم احد، ولم يرجع الى ثلاثة أيام، وقد حكم عليه الشيطان كما نطق به القرآن (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان انما استزلهم الشيطان) (1) وقد شرط المخالف شجاعة الامام والمؤالف عصمته، فدل على عدم صلاحه فراره وخطيئته. قالوا: نطق القرآن بالعفو عنه. قلنا: فيه التزام بالذنب منه، على أن العفو قد يراد به أكثره مثل (قرآنا عربيا) (2) فلا يتعين العفو عن عثمان، ولجاز كون العفو في الدنيا عن تعجيل المعاقبة، ولأنه لا يلزم من العفو عن ذنب العفو عن كل ذنب (3). ومنها: أنه كان يستهزئ بالرابع ويتجرئ عليه بالمخالفة له، وفي صحيح مسلم: ولدت امرأة لستة أشهر: فأمر برجمها، فقال له علي عليه السلام (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) (4) وفصاله عامين) (5) فعانده فرجمها (ومن لم يحكم بما أنزل الله


(1) آل عمران: 155. (2) يوسف: 2. (3) الصراط المستقيم 3: 34. (4) الأحقاف: 15. (5) لقمان: 14.

[ 589 ]

فاولئك هم الفاسقون - هم الظالمون - هم الكافرون) (1). في آيات، وقتلها (2) فحق عليها قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجراؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) (3). وفي الجمع بين الصحيحين: أن عثمان نهى عن عمرة التمتع، وفعلها علي عليه السلام فقال: أنا أنهى عنها وتفعلها ؟ فقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله لقول أحد (4). وفيه: أن النبي صلى الله عليه وآله صلى في السفر دائما ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان في صدر خلافته، ثم صلى عثمان أربعا (5). فكيف جاز له تبديل الشريعة ؟ وفي صحيح مسلم: أن رجلا مدح عثمان، فحثى المقداد مع عظم شأنه الحصى في وجهه، لما كبر عليه من مدحه، وأن الذم أولى به، فقال له عثمان: ما شأنك ؟ فروى أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا رأيتم المادحين فأحثوا في وجوههم التراب (6). ومن المعلوم مدح الصحابة بعضهم بعضا، ولم يحث أحد في وجههم ترابا، فلولا بلوغ عثمان الى حد استوجب ذلك لم يفعل بمادحه ذلك، والمقداد من أجلاء الصحابة ولم ينكر أحد عليه، ويكون الخبر الذي ذكره المقداد مخصوصا بمن يستحق الذم، لأن المدح كذب حينئذ، والعقل قاض بقبحه، فمن يمدح الان عثمان ينبغي في الاقتداء بالمقداد في حثو التراب (7).


(1) النساء: 44 و 45 و 47. (2) الطرائف ص 487 عن مسلم، والصراط المستقيم 3: 35 عنه. (3) النساء: 93. (4) صحيح مسلم 2: 897، وصحيح البخاري 2: 151. (5) صحيح مسلم 1: 482 - 483، وصحيح البخاري 2: 34 - 35. (6) صحيح مسلم 4: 2297. (7) الصراط المستقيم 3: 35.

[ 590 ]

ومنها: جرأته على رسول الله صلى الله عليه وآله، فروى الحميدي أن السدي قال: لما توفي أبو سلمة وخنيس بن صداقة، وتزوج النبي زوجتهما حفصة وام سلمة، قال طلحة وعثمان: ينكح محمد نساءنا ولا ننكح نساءه، والله لو مات لأجلنا عليهن بالسهام، وكان طلحة يريد عائشة، وعثمان يريد ام سلمة، فأنزل الله: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) (1) وأنزل: (ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة) (2). ومنها: أن عثمان باع عليا أرضا وأنكره، فقال: حاكمني فيه (3) النبي، فقال: انه ابن عمك ويحابيك، فنزل فيه: (في قلوبهم مرض (4) أي كفر. وفي تفسير الثعلبي قضى النبي عليه ليهودي، فغضب، فنزل فيه: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (5). ومنها: ما ذكره عكرمة، ومجاهد، والسدي، والفراء، والزجاج، والجبائي، وابن عباس، وأبو جعفر عليه السلام، أنه كان يكتب الوحي ويغيره، فكتب موضع (غفور) رحيم (سميع) عليم، وموضع (عزيز) حكيم، فأنزل الله فيه: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) (6) حين ارتد ولحق بمكة وقال ذلك. ورووا أنه كان يخطب، فرفعت عائشة قميص النبي، وقالت: قد أبليت سنته،


(1) الأحزاب: 53. (2) الأحزاب: 57، الطرائف ص 493، والصراط المستقيم 3: 35 - 36. (3) في الصراط: الى. (4) البقرة: 10. (5) النساء: 65، الصراط المستقيم 3: 36. (6) الأنعام: 93.

[ 591 ]

فقال: اسكتي أنت كامرأة نوح وامرأة لوط (1). تذنيب: روى أبو وائل أن عمارا قال: ما كان لعثمان اسم في أفواه الناس الا الكافر حتى ولى معاوية. وروى حذيفة أنه لا يموت رجل يرى أن عثمان قتل مظلوما الا لقي الله يوم القيامة يحمل من الأوزار أكثر مما يحمل أصحاب العجل، وقال: ولينا الأول فطعن في الاسلام طعنة، والثاني فحمل الأوزار، والثالث فخرج منه عريانا، وقد دخل حفرته وهو ظالم لنفسه، وقد اجتمع خمسة وعشرون ألفا لقتله (2). ومنها: ما رواه السدي أنه لما غنم النبي صلى الله عليه وآله بني النضير، وقسم أموالهم، قال عثمان لعلي: ايت النبي صلى الله عليه وآله وسله كذا، فان أعطاك فأنا شريكك، وأنا أسأله فان أعطاني فأنت شريكي، فسأله عثمان أولا فأعطاه، فأبى أن يشرك عليا، فقاضاه الى النبي صلى الله عليه وآله، فأبى، وقال: انه ابن عمه فأخاف أن يقضي له، فنزلت: (وإذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون) الى قوله: (بل اولئك هم الظالمون) (3) فلما بلغه ما أنزل الله جاء الى النبي صلى الله عليه وآله وأقر بالحق لعلي عليه السلام (4). ومنها: ما رواه السدي في تفسير (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) (5) لما اصيب النبي صلى الله عليه وآله باحد، قال عثمان: لألحقن بالشام، فان لي بها صديقا يهوديا فآخذ منه أمانا، اني أخاف أن يدال علينا، وقال طلحة: ان لي بها صديقا نصرانيا


(1) الصراط المستقيم: 3: 36. (2) الصراط المستقيم: 3: 36. (3) النور: 48 - 50. (4) الصراط المستقيم 3: 37، والطرائف ص 493 - 494. (5) المائدة: 51.

[ 592 ]

فآخذ منه أمانا قال السدي: فأراد أحدهما أن يتهود والاخر يتنصر، فاستأذن طلحة النبي صلى الله عليه وآله في المسير الى الشام معتلا أن له بها مالا، فقال: تخذلنا وتخرج وتدعنا ؟ فألح عليه، فغضب علي عليه السلام وقال: ائذن له فوالله لا عز من نصره، ولا ذل من خذله، فنزل: (ويقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم انهم لمعكم حبطت أعمالهم) (1). ومنها: ما في تفسير الثعلبي في قوله: (ان هذان لساحران (2) قال: ان في المصحف لحنا، وستقيمه العرب بألسنتها، فقيل: ألا تغيره ؟ فقال: دعوه فانه لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا (3). وفي كتاب المشكل لابن قتيبة مثله (4). فان كان مراد عثمان أن هذا اللحن من الله، وهو الظاهر من قوله، فهو كفر واضح، وان كان مراده أن اللحن من غيره، فكان الواجب عليه أن يغيره ويقيمه، فلما لم يغيره وترك اللحن بحاله فهو فاسق، وانما توهم ذلك لجهله باللغة فانها لغة كنانة، وقيل: لغة بني الحارث، فانهم يثبتون ألف التثنية في النصب والجر، فيقولون من يشتري الخفان، ومررت بالزيدان (5). ومما يدل على ظلم عثمان بل على عدم ايمانه ما نقله ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من شرحه على نهج البلاغة، عن الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن عباس، قال: قال لي عثمان بعد كلام ذكره: فما لي ولابن عمك وابن خالي ؟ قلت:


(1) المائدة: 53، الصراط المستقيم 3: 37، والطرائف ص 494. (2) طه: 63. (3) الصراط المستقيم 3: 37. (4) الطرائف ص 490 - 491 عنه. (5) الصراط المستقيم 3: 37 - 38.

[ 593 ]

أي بني عمومتي وبني أخوالك ؟ قال: اللهم اغفر أتسأل مسألة الجاهل ؟ قلت: ان بني عمومتي من بني خؤولتك كثير، فأيهم تعني ؟ قال: أعني عليا لا غيره، فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أعلم منه الا خيرا، ولا أعرف له الا حسنا، قال: والله بالحري أن يستردونك ما يظهره لغيرك، ويقبض عنك ما ينبسط به الى سواك. قال: ورمينا بعمار بن ياسر، فسلم، فرددت عليه سلامه، ثم قال: من معك ؟ قلت: أمير المؤمنين عثمان، قال: نعم، وسلم بكنيته، ولم يسلم عليه بالخلافة، فرد عليه، ثم قال عمار: ما الذي كنتم فيه، فقد سمعت ذروا منه ؟ قلت: هو ما سمعت، فقال عمار: رب مظلوم غافل وظالم متجاهل، قال عثمان: أما انك من شنائنا وأتباعهم، وايم الله، ان اليد عليك لمنبسطة، وان السبيل اليك لسهلة، ولولا ايثار العافية، ولم الشعت لزجرتك زجرة تكفي ما مضى، وتمنع ما بقي. فقال عمار: والله ما أعتذر من حبي عليا، وما اليد بمنبسطة، ولا السبيل بسهلة، اني لازم حجة، ومقيم على سنة، وأما ايثارك العافية ولم الشعث، فلازم ذلك، وأما زجري فأمسك عنه، فقد كفاك معلمي تعليمي، فقال عثمان: أما والله انك ما علمت من أعوان الشر الحاضين عليه، الخذلة عند الخير، والمثبطين عنه. فقال عمار: مهلا يا عثمان، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يصفني بغير ذلك، قال عثمان: ومتى ؟ قال: يوم دخلت عليه منصرفه عن الجمعة، وليس عنده غيرك، وقد ألقى ثيابه، وقعد في فضله، فقبلت صدره ونحره وجبهته، فقال: يا عمار، انك لتحبنا وانا لنحبك، وانك لمن الأعوان على الخير المثبطين عن الشر، فقال عثمان: أجل ولكنك غيرت وبدلت، قال: فرفع عمار يده يدعو، وقال: أمن يابن عباس، اللهم من غير فغير به، ثلاث مرات (1).


(1) شرح نهج البلاغة 9: 10 - 11.

[ 594 ]

ووجه الدلالة: أن عمارا الذي يدور الحق معه شهد بظلمه، والمستفاد أيضا من كلامه أن عثمان كان مبغضا لعلي عليه السلام، ومبغضه لاريب في كفره ونفاقه، لما تقدم من الأخبار. ومما يدل على ظلمه بل على عدم ايمانه، ما في تاريخ أعثم، وقد تقدم في بحث الاجماع، وهو أن عمارا حين سأله عمرو بن العاص في صفين عمن قتل عثمان، قال: قتله الله، ونقله أيضا ابن أبي الحديد في حكاية طويلة من أخبار عمار في صفين، ولاشتمال هذه الحكاية على عدة فوائد نذكر هاهنا أكثرها. قال ابن أبي الحديد: قال نصر: فحدثنا عمر بن سعد، قال: فبينا علي عليه السلام واقفا بين جماعة من همدان وحمير وغيرهم من أفناء قحطان، إذ نادى رجل من أهل الشام: من دل على أبي نوح الحميري ؟ فقيل له: قد وجدته فماذا تريد ؟ قال: فحسر عن لثامة فإذا هو ذو الكلاع الحميري، ومعه جماعة من أهله ورهطه، فقال لأبي نوح: سر معي، قال: الى أين ؟ قال: الى أن نخرج عن الصف، قال: وما شأنك قال: ان لي اليك لحاجة، فقال أبو نوح: معاذ الله أن أسير اليك الا في كتيبة، قال ذو الكلاع: بلى فسر فلك ذمة الله وذمة رسوله وذمة ذي الكلاع حتى ترجع الى خيلك، فانما اريد أن أسألك عن أمر فيكم تمارينا فيه. فسار أبو نوح وسار ذو الكلاع، فقال: انما دعوتك احدثك حديثا حدثناه عمرو بن العاص قديما في خلافة عمر بن الخطاب، ثم أذكرناه الان به فأعاده، انه يزعم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يلتقى أهل الشام وأهل العراق، وفي أحد الكتيبين الحق وامام الهدى ومعه عمار بن ياسر. فقال أبو نوح: نعم والله انه لفينا، قال: نشدتك الله أجاد هو على قتالنا ؟ قال: أبو نوح: نعم ورب الكعبة لهو أشد على قتالكم مني، ولوددت أنكم خلق واحد، فذبحته وبدأت بك قبلهم وأنت ابن عمي.

[ 595 ]

قال ذو الكلاع: ويلك علام تمنى ذلك منا ؟ فوالله ما قطعتك فيما بيني وبينك قط، وان رحمك لقريبة، وما يسرني أن أقتلك. قال أبو نوح: ان الله قطع بالاسلام أرحاما قريبة، ووصل به أرحاما متباعدة، واني اقاتلك وأصحابك لأنا على الحق وأنتم على الباطل. قال ذو الكلاع: فهل تستطيع أن تأتي معي صف أهل الشام فأنا لك جار منهم حتى تلقي عمرو بن العاص، فتخبره بحال عمار وجده في قتالنا لعله يكون صلح بين هذين الجندين ؟. قال ابن أبي الحديد: قلت: واعجباه من قوم يعتريهم الشك في أمرهم لمكان عمار، ولا يعتريهم الشك لمكان علي عليه السلام، ويستدلون على أن الحق مع أهل العراق بكون عمار بين أظهرهم، ولا يعبؤون بمكان علي عليه السلام، ويحذرون من قول النبي صلى الله عليه وآله (تقتلك الفئة الباغية) وير تاعون لذلك، ولا يرتاعون لقوله صلى الله عليه وآله (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) ولا لقوله (لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق) وهذا يدلك على أن عليا عليه السلام اجتهدت قريش كلها من مبدأ الأمر في اخمال ذكره، وستر فضائله، وتغطئة خصائصه، حتى محي فضله ومرتبته من صدور الناس كافة الا قليلا منهم. ثم قال: قال نصر: فقال له أبو نوح: انك رجل غادر، وأنت في قوم غدر، وان لم ترد الغدر أغدروك، واني لا أموت أحب الي من أن أدخل مع معاوية، فقال ذو الكلاع: أنا جار لك من ذلك، أن لا تقتل ولا تسلب ولا تكره على بيعته، ولا تحبس عن جندك، وانما هي كلمة تبلغها عمرو بن العاص، لعل الله أن يصلح بذلك بين هذين الجندين، ويضع عنهم الحرب. فقال أبو نوح: اني أخاف غدراتك وغدرات أصحابك، فقال ذو الكلاع: أنا لك بما قلت زعيم، قال أبو نوح، اللهم انك ترى ما أعطاني ذو الكلاع، وأنت تعلم ما في

[ 596 ]

نفسي، فاعصمني واختر لي وانصرني وادفع عني. ثم سار مع ذي الكلاع حتى اتي عمرو بن العاص وهو عند معاوية، وحوله الناس وعبد الله بن عمرو يحرض الناس على الحرب، فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو: يا أبا عبد الله هل لك في رجل ناصح لبيب مشفق، يخبرك عن عمار بن ياسر فلا يكذب ؟ قال: ومن هو ؟ قال: هو ابن عمي هذا وهو من أهل الكوفة. فقال عمرو: أرى عليك سيماء أبي تراب، فقال أبو نوح: علي سيماء محمد وأصحابه، وعليك سيماء أبي جهل وسيماء فرعون، فقام أبو الأعور فسل سيفه وقال: لا أرى هذا الكذاب اللئيم يسبنا بين أظهرنا وعليه سيماء أبي تراب. فقال ذو الكلاع: أقسم بالله لئن بسطت يدك إليه لأحطمن أنفك بالسيف، ابن عمي وجاري عقدت له ذمتي، وجئت به اليكم ليخبركم عما تماريتم فيه. فقال له عمرو بن العاص: يا أبا نوح أذكرك بالله الا ما صدقتنا ولم تكذبنا أفيكم عمار بن ياسر ؟ قال أبو نوح: ما أنا بمخبرك حتى تخبرني لم تسأل عنه ومعنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله عدة غيره وكلهم جاد على قتالكم ؟ فقال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان عمارا تقتله الفئة الباغية، وانه ليس لعمار أن يفارق الحق، ولم تأكل النار من عمار شيئا. فقال أبو نوح: لا اله الا الله والله أكبر، والله انه لفينا جاد على قتالكم، فقال عمرو: والله الذي لا اله الا هو انه لجاد على قتالنا ؟ قال: نعم والله الذي لا اله الا هو، ولقد حدثني يوم الجمل: انا سنظهر على أهل البصرة، ولقد قال لي أمس: انكم لو ضربتمونا حتى تبلغوا بنا سعفات هجر، لعلمنا أنا على الحق وأنكم على الباطل، ولكانت قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال عمرو: فهل تستطيع أن تجمع بيني وبينه ؟ قال: نعم. فركب عمرو بن العاص وابناه، وعتبة بن أبي سفيان، وذو الكلاع، وأبو الأعور

[ 597 ]

السلمي، وحوشب، والوليد بن عقبة، وانطلقوا وسار أبو نوح ومعه شرحبيل بن ذي الكلاع يحميه، حتى انتهى الى أصحابه، فذهب أبو نوح الى عمار، فوجده قاعدا مع أصحاب له، منهم الأشتر، وهاشم، وابنا بديل، وخالد بن معمر، وعبد الله بن حجل، وعبد الله بن العباس، فقال لهم أبو نوح: انه دعاني ذو الكلاع وهو ذو رحم، فقال: أخبرني عن عمار بن ياسر أفيكم هو ؟ قلت: لم تسأل ؟ فقال: أخبر عمرو بن العاص في امرة عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يلتقى أهل الشام وأهل العراق، وعمار مع أهل الحق، وتقتله الفئة الباغية، فقلت: نعم ان عمارا فينا، فسألني أجاد هو على قتالنا ؟ فقلت: نعم والله انه لأجد مني في ذلك، ولوددت أنكم خلق واحد فذبحته وبدأت بك يا ذا الكلاع، فضحك عمار وقال: أيسرك ذلك ؟ قال: نعم. ثم قال أبو نوح: أخبرني الساعة عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية، قال عمار: أقررته بذلك ؟ قال: نعم لقد قررته بذلك فأقر، فقال عمار: صدق وليضرنه ما سمع ولا ينفعه، قال أبو نوح: فانه يريد أن يلقاك، فقال عمار لأصحابه: اركبوا، فركبوا وساروا. قال: فبعث إليهم فارسا من عبد القيس يسمى عوف بن بشر، فذهب حتى إذا كان قريبا منهم نادي: أين عمرو بن العاص ؟ قالوا: هاهنا، فأخبره بمكان عمار وخيله، قال عمرو: قل فليسر الينا، قال عوف: انه يخاف غدارتك وفجراتك، قال عمرو: ما أجرأك علي وأنت على هذه الحال ؟ قال عوف: جرأني عليك بصري فيك وفي أصحابك، وان شئت نابذتك الان على سواء. فقال عمرو: انك لسفيه واني باعث اليك رجلا من أصحابي يوافقك، فقال: ابعث من شئت فلست بالمستوحش، وانك لا تبعث الا شقيا، فرجع عمرو وأنفذ إليه أبا الأعور، فلما توافقا تعارفا، فقال عوف: اني لأعرف الجسد وأنكر القلب،

[ 598 ]

واني لا أراك مؤمنا ولا أراك الا من أهل النار. قال أبو الأعور: يا هذا اعطيت لسانا يكبك الله به على وجهك في النار، قال عوف: كلا والله اني لأتكلم بالحق وتتكلم بالباطل، واني أدعوك الى الهدى، واقاتلك على الضلال، وأفر من النار، وأنت بنعمة الله ضال تنطق بالكذب، وتقاتل على ضلالة، وتشتري العقاب بالمغفرة والضلالة بالهدى، انظر الى وجوهنا ووجوهكم، وسيمانا وسيماكم، واسمع دعوتنا ودعوتكم، فليس أحد منا الا وهو أولى بالحق وبمحمد صلى الله عليه وآله، وأقرب إليه منكم. فقال أبو الأعور: لقد أكثرت الكلام وذهب النهار، ويحك ادع أصحابك وأدعو أصحابي، وليأت أصحابك في قلة ان شاؤوا أو كثرة، فاني أجئ بعدتهم، فسار عمار في اثني عشر فارسا، حتى إذا كانوا بالمنصف سار عمرو بن العاص في اثني عشر فارسا، حتى اختلفت أعناق الخيل خيل عمرو وخيل عمار، ونزل القوم واحتبوا بحمائل سيوفهم، فتشهد عمرو بن العاص. فقال له عمار: اسكت فلقد تركتها وأنا لأحق بها منك، فان شئت كانت خصومة، فيدفع حقنا باطلك، وان شئت كانت خطبة، فنحن أعلم بفصل الخطاب عنك، وان شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينكم وتكفرك قبل القيام، وتشهد بها على نفسك، ولا تستطيع أن تكذبني فيها. فقال عمرو: يا أبا اليقظان ليس لهذا جئت، انما جئت لأني رأيتك أطوع أهل هذا العسكر فيهم، اذكرك الله الا كففت سلاحهم، وحقنت دماءهم، وحرصت على ذلك، فعلام تقاتلوننا أو لسنا نعبد الها واحدا ونصلي الى قبلتكم، وندعو دعوتكم، ونقرأ كتابكم، ونؤمن بنبيكم ؟ فقال عمار: الحمد لله الذي أخرجها من فيك، انها لي ولأصحابي: القبلة، والدين، وعبادة الرحمن، والنبي والكتاب، من دونك ودون أصحابك، الحمد لله

[ 599 ]

الذي قررك لنا بذلك، وجعلك ضالا مضلا أعمى، وساخبرك على ما اقاتلك عليه وأصحابك، ان رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني أن اقاتل الناكثين فقد فعلت، وأمرني أن اقاتل القاسطين وأنتم هم، وأما المارقون فلا أدري أدركهم أم لا، أيها الأبتر ألست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فأنا مولاي الله ورسوله، وعلي عليه السلام مولاي بعدهما. قال عمرو: لم تشتمني يا أبا اليقظان ولست أشتمك ؟ قال: وبم تشتمني ؟ أتستطيع أن تقول: اني عصيت الله ورسوله يوما قط ؟ قال عمرو: ان فيك لمساب سوى ذلك، قال عمار: ان الكريم من أكرمه الله، كنت وضيعا فرفعني الله، ومملوكا فأعتقني الله، وضعيفا فقواني الله، وفقيرا فأغناني الله، فما ترى في قتل عثمان ؟ قال: فتح لكم باب كل سوء، قال عمرو: فعلي قتله، قال عمار: بل الله رب علي قتله وعلي معه، قال عمرو: أفكنت في من قتله ؟ قال: كنت مع من قتله وأنا اليوم اقاتل معهم، قال عمرو: فلم قتلتموه ؟ قال عمار: انه أراد أن يغير ديننا قتلناه، فقال عمرو: ألا تسمعون قد اعترف بقتل امامكم ؟ فقال عمار: قد قالها فرعون قبلك لقومه (ألا تستمعون). فقام أهل الشام ولهم زجل، فركبوا خيولهم ورجعوا، وقام عمار وأصحابه فركبوا خيولهم ورجعوا، وبلغ معاوية ما كان بينهم، فقال: هلكت العرب ان حركتهم خفة العبد الأسود يعني عمارا (1). ثم قال بعد نقل بعض الحكايات، قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد قال: وفي هذا اليوم قتل عمار بن ياسر، اصيب في المعركة، وقد كان نظر الى راية عمرو بن العاص قال: والله انها لراية قد قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشد هن، ثم قال:


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 16 - 22.

[ 600 ]

نحن ضربناكم على تأويله * كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليه أو يرجع الحق الى سبيله ثم استسقى وقد اشتد عطشه، فأتته امرأة طويلة اليدين، ما أدري أعس معها أم اداوة، فيها ضياح من لبن، فقال حين شرب: الجنة تحت الأسنة، اليوم ألقى الأحبة، محمدا وحزبه، والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، ثم حمل وحمل عليه ابن حوى السكسكي وأبو العادية، فأما أبو العادية فطعنه، وأما ابن حوى فاحتز رأسه. وقد كان ذوالكلاع يسمع عمرو بن العاص يقول: ان النبي صلى الله عليه وآله يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغيه، وآخر شربك ضياح من لبن، فقال ذوالكلاع لعمرو: ويحك ما هذا، قال عمرو: انه سيرجع الينا ويفارق أبا تراب، وذلك قبل أن يصاب عمار، فلما اصيب عمار في هذا اليوم اصيب ذوالكلاع، فقال عمرو لمعاوية: والله ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحا، والله لو بقي ذوالكلاع حتى يقتل عمار لمال بعامة قومه الى علي، ولأفسد علينا أمرنا. قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد، قال: كان لا يزال رجل يجئ فيقول لمعاوية وعمرو: أنا قتلت عمارا، فيقول له عمرو: فما سمعته يقول ؟ فيخلط، حتى أقبل ابن حوى، فقال: أنا قتلته، فقال عمرو: فما كان آخر منطقه ؟ قال: سمعته يقول: اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه، فقال: صدقت، أنت صاحبه، أما والله ما ظفرت يداك، ولقد أسخطت ربك. قال نصر: حدثنا عمرو بن شمر، قال: حدثني اسماعيل السدي، عن عبد خير الهمداني، قال: نظرت الى عمار بن ياسر يوما من أيام صفين، قد رمي رمية فأغمي عليه، فلم يصل الظهر ولا العصر ولا المغرب ولا العشاء ولا الفجر، ثم أفاق

[ 601 ]

فقضاهن جميعا، يبدأ بأول شئ فاته، ثم بالتي تليها. قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، عن السدي، عن أبي حريث، قال: أقبل غلام لعمار بن ياسر، اسمه راشد، يحمل إليه يوم قتل بشربة من لبن، فقال عمار: أما اني سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان آخر زادك من الدنيا شربة لبن. قال نصر: وروى عمرو بن شمر عن السدي، أن رجلين بصفين اختصما في سلب عمار وفي قتله، فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: ويحكما اخرجا عني، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما لقريش ولعمار يدعوهم الى الجنه ويدعونه الى النار، قاتله وسالبه في النار. قال السدي: فبلغني أن معاوية قال لما سمع ذلك: انما قتله من أخرجه، يخدع بذلك طغام أهل الشام. قال نصر: وحدثنا عمرو، عن جابر، عن أبي الزبير، قال: اتي حذيفة بن اليمان رهط من جهينة، فقالوا له: يا أبا عبد الله، ان رسول الله صلى الله عليه وآله استجار من أن تصطلم امته، فأجير من ذلك، واستجار من أن يذيق امته بعضها بأس بعض، فمنع من ذلك، فقال حذيفة: اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان ابن سمية لم يخير بين أمرين قط الا اختار أشدهما - يعني عمارا - فألزموا سمته. قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، قال: حمل عمار ذلك اليوم على صف أهل الشام وهو يرتجز: كلا ورب البيت لا أبرح أجي * حتى أموت أو أرى ما أشتهي لا أفتأ الدهر أحامي عن علي * صهر الرسول ذي الأمانات الوفي ينصرنا رب السماوات العلي * ويقطع الهام بحد المشرفي يمنحنا النصر على من يبتغي * ظلما علينا جاهدا ما يأتلي قال: فضرب أهل الشام حتى اضطرهم الى الفرار.

[ 602 ]

قال نصر: وقد كان عبد الله بن سويد الحميري من آل ذي الكلاع، قال لذي الكلاع: ما حديث سمعته من ابن العاص في عمار ؟ فأخبره، فلما قتل عمار خرج عبد الله ليلا يمشي، فأصبح في عسكر علي عليه السلام، وكان عبد الله من عباد أهل زمانه، وكاد أهل الشام أن يضطربوا لولا أن معاوية قال لهم: ان عليا قتل عمارا، لأنه أخرجه الى الفتنة. ثم أرسل معاوية الى عمرو: لقد أفسدت علي أهل الشام، أكل ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله تقوله ؟ فقال عمرو: قلتها ولست أعلم الغيب، ولا أدري أن صفين تكون، قلتها وعمار يومئذ لك ولي، وقد رويت أنت فيه مثل ما رويت، فغضب معاوية وتنمر لعمرو، وعزم على منعه خيره، فقال عمرو لابنه وأصحابه: لا خير في جوار معاوية، ان تجلت هذه الحرب عنه الافارقنه، وكان عمرو حمي الأنف قال: تعاتبني أن قلت شيئا سمعته * وقد قلت لو أنصفتني مثله قبلي الى آخر الأبيات (1). نقل ابن أبي الحديد عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، في كتاب السقيفة، عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما اخرج أبو ذر الى الربذة أمر عثمان، فنودي في الناس أن لا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به، فخرج به، وتحاماه الناس الا علي بن أبي طالب عليه السلام وعقيلا أخاه وحسنا وحسينا عليهما السلام وعمارا، فانهم خرجوا معه يشيعونه. فجعل الحسن عليه السلام يكلم أبا ذر، فقال له مروان: ايها يا حسن ألا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل، فان كنت لا تعلم فاعلم ذلك، فحمل


(1) شرح نهج البلاغة 8: 24 - 27.

[ 603 ]

علي عليه السلام على مروان، فضرب بالسوط بين اذني راحلته وقال: تنح لحاك الله الى النار، فرجع مروان مغضبا الى عثمان، فأخبره الخبر فتلظى على علي عليه السلام، ووقف أبو ذر فودعه القوم، ومعه ذكوان مولى ام هاني بنت أبي طالب. قال ذكوان: فحفظت كلام القوم، وكان حافظا، فقال علي عليه السلام: يا أبا ذر انك غضبت لله ان القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلى، ونفوك الى الفلا، والله لو كانت السماوات والأرض على عبدرتقا، ثم اتقى الله لجعل له منها مخرجا، يا أبا ذر لا يؤنسك الا الحق، ولا يوحشنك الا الباطل، ثم قال لأصحابه: ودعوا عمكم، وقال لعقيل: ودع أخاك. فتكلم عقيل، فقال: ما عسى أن نقول يا أبا ذر وأنت تعلم أنا نحبك، وأنت تحبنا، فاتق الله، فان التقوى نجاة، واصبر فان الصبر كرم، واعلم أن استثقالك الصبر من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس فدع اليأس والجزع. ثم تكلم الحسن عليه السلام، فقال: يا عماه لولا أنه لا ينبغي للمودع أن يسكت، وللمشيع أن ينصرف، لقصر الكلام وان طال الأسف، وقد أتى القوم اليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك صلى الله عليه وآله وهو عنك راض. ثم تكلم الحسين عليه السلام، فقال: يا عماه ان الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى، والله كل يوم هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم الى ما منعتهم، فاسأل الله الصبر والنصر، واستعذبه من الجشع والجزع، فان الصبر من الدين والكرم، وان الجشع لا يقدم رزقا، والجزع لا يؤخر أجلا. ثم تكلم عمار رحمه الله مغضبا، فقال: لا آنس الله من أوحشك، ولا آمن من أخافك، أما والله لو أردت دنياهم لأمنوك، ولو رضيت أعمالهم لأحبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك الا الرضا بالدنيا، والجزع من الموت، ومالوا الى ما سلطان

[ 604 ]

جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والاخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين. فبكى أبو ذر رحمه الله وكان شيخا كبيرا، وقال: رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله، مالي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، اني ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن اجاور أخاه وابن خاله بالمصرين فأفسد الناس عليهما، فسيرني الى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع الا الله، والله ما اريد الا الله صاحبا، وما أخشى مع الله وحشة. ورجع القوم الى المدينة، فجاء علي عليه السلام الى عثمان، فقال له: ما حملك على رد رسولي وتصغير أمري ؟ فقال علي عليه السلام: أما رسولك فأراد أن يرد وجهي فرددته، وأما أمرك فلم اصغره. قال: أما بلغك نهيي عن كلام أبي ذر ؟ قال: أو كلما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه ؟ قال عثمان: أقد مروان من نفسك، قال: مم ذا ؟ قال: من شتمه وجذب راحلته، قال: أما راحلته فراحلتي بها، وأما شتمه اياي فوالله لا يشتمني شتمة الا شتمتك مثلها لا أكذب عليك، فغضب عثمان وقال: لم لا يشتمك كأنك خير منه ؟ قال علي عليه السلام: اي والله ومنك، ثم قام فخرج. ثم قال ابن أبي الحديد بعد اتمام الحكاية: واعلم أن الذي عليه أكثر أرباب السير وعلماء الأخبار والنقل أن عثمان نفى أبا ذر أولا الى الشام، ثم استقدمه الى المدينة لما شكى منه معاوية، ثم نفاه من المدينة الى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام. أصل هذه الواقعة: أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال، واختص زيد بن ثابت بشئ منها، جعل أبو ذر يقول بين الناس في الطرقات والشوارع: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله تعالى

[ 605 ]

(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) (1) فرفع ذلك الى عثمان مرارا وهو ساكت. ثم انه أرسل إليه مولى من مواليه أن انته عما بلغني عنك، فقال أبو ذر: أو ينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى وعيب من ترك أمر لله، فوالله لئن أرضى الله بسخط عثمان أحب الي وخير لي من أسخط الله برضا عثمان. فأغضب عثمان ذلك وأحفظه، فتصابر وتماسك، الى أن قال عثمان يوما والناس حوله: أيجوز للامام أن يأخذ من المال شيئا قرضا فإذا أيسر قضى ؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يابن اليهوديين أتعلمنا ديننا ؟ فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي ألحق بالشام، فأخرجه إليها. فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية يوما ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذر لرسوله: ان كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا أقبلها، وان كانت صلة فلا حاجة لي فيها وردها عليه. ثم بنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذر: يا معاوية ان كانت هذه من مال الله فهي الخيانة، وان كانت من مالك فهي الاسراف، وكان أبو ذر يقول بالشام: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ماهي في كتاب الله ولا سنة نبيه، والله اني لا أرى حقا يطفأ، وباطلا يحيا، وصادقا مكذبا، وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه، فقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية: ان أبا ذر لمفسد عليكم بالشام، فتدارك أهله ان كان لك فيه حاجة. وروى شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب السفيانية، عن جلام بن جندب الغفاري، قال: كنت عاملا لمعاوية على قنسرين والعواصم في خلافة عثمان، فجئت


(1) التوبة: 34.

[ 606 ]

إليه يوما أسأله عن حال عملي إذ سمعت صارخا على باب داره يقول: أتتكم القطار يحمل النار، اللهم العن الامرين بالمعروف التاركين له، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له، فازبأر معاوية وتغير لونه وقال: يا جلام أتعرف الصارخ ؟ فقلت: اللهم لا، قال: من عذيري من جندب ؟ يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت، ثم قال: ادخلوه علي، فجئ بأبي ذر بين قوم يقودونه حتى وقف بين يديه، فقال له معاوية: يا عدو الله وعدو رسوله تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع، أما اني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير اذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك، ولكني أستأذن فيك. قال جلام: وكنت أحب أن أرى أبا ذر، لأنه رجل من قومي، فالتفت إليه فإذا رجل أسمر ضرب من الرجال، خفيف العارضين، في ظهره جنأ. فأقبل على معاوية فقال: ما أنا بعدو الله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله، أظهرتما الاسلام وأبطنتما الكفر، ولقد لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا عليك مرات أن لا تشبع، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا ولي الامة الأعين الواسع البلعوم الذي لا يأكل ولا يشبع، فتأخذ الامة حذرها منه. فقال معاوية: ما أنا ذاك الرجل، قال أبو ذر: بل أنت ذلك الرجل، أخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعته يقول ومررت به: اللهم العنه ولا تشبعه الا بالتراب، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: است معاوية في النار، فضحك وأمر بحبسه، وكتب الى عثمان فيه. فكتب عثمان الى معاوية: أن احمل جندبا الي على أغلظ مركب وأوعره، فوجه به من سار به الليل والنهار، وحمله على شارف (1) ليس عليها الا قتب حتى قدم به


(1) الشارف: الناقة المسنة.

[ 607 ]

المدينة، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد. فلما قدم بعث إليه عثمان: أن ألحق بأي أرض شئت، قال: بمكة، قال: لا، قال: بيت المقدس، قال: لا، قال: بأحد المصرين، قال: لا ولكني مسيرك الى الربذة، فسيره إليها، فلم يزل بها الى أن مات. وفي رواية الواقدي: أن أبا ذر لما دخل على عثمان قال له: لا أنعم الله بقين عينا * نعم ولا لقاه يوما زينا تحية السخط إذا التقينا فقال أبو ذر: ما عرفت اسمي قينا قط. وفي رواية اخرى: لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب، فقال أبو ذر: أنا جندب وسماني رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله، فاخترت اسم رسول الله صلى الله عليه وآله الذي سماني به على اسمي. فقال له عثمان: أنت الذي تزعم أنا نقول: يد الله مغلولة، وان الله فقير ونحن أغنياء ؟ فقال أبو ذر: لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال الله على عباد الله، ولكني أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا، وعباده خولا، ودينه دخلا. فقال عثمان لمن حضر: أسمعتموها من رسول الله ؟ قالوا: لا، قال عثمان: ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول الله ؟ فقال أبو ذر لمن حضر: أما تدرون أني صدقت ؟ قالوا: لا والله ما ندري، فقال عثمان: ادعوا لي عليا، فلما جاء قال عثمان لأبي ذر: اقصص عليه حديثك في بني أبي العاص، فأعاده، فقال عثمان لعلي عليه السلام: أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: لا وقد صدق أبو ذر، فقال: كيف عرفت صدقه ؟ قال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، فقال من حضر: أما هذا فسمعناه كلنا من رسول الله صلى الله عليه وآله.

[ 608 ]

فقال أبو ذر: احدثكم أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله فتتهمونني، ما كنت أظن أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله. وروى الواقدي في خبر آخر باسناده عن صهبان مولى الأسلميين، قال: رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان، فقال له: أنت الذي فعلت وفعلت ؟ فقال أبو ذر: نصحتك فاستغششتني، ونصحت صاحبك فاستغشني، قال عثمان: كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها، قد انغلت (1) الشام علينا. فقال له أبو ذر: اتبع سنة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام، فقال عثمان: مالك وذلك لا ام لك ؟ قال أبو ذر: ما وجدت لي عذرا الا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب: إما أن أضربه، أو أحبسه، أو أقتله، فانه قد فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الاسلام. فتكلم علي عليه السلام وكان حاضرا، فقال: اشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون (فان يك كاذبا فعليه كذبه وان يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ان الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) (2) فأجابه عثمان بجواب غليظ، وأجابه علي عليه السلام بمثله، والجوابان لم يذكرهما ابن أبي الحديد. قال الواقدي: ثم ان عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر أو يكلموه، فمكث كذلك أياما، ثم اتي به فوقف بين يديه، فقال أبو ذر: ويحك يا عثمان أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ورأيت أبا بكر وعمر هل هديك كهديهم ؟ أما انك لتبطش بي بطش جبار. فقال عثمان: اخرج من بلادنا، فقال أبو ذر: ما أبغض الي جوارك فالى أين أخرج ؟ قال: حيث شئت، قال: أخرج الى الشام أرض الجهاد، قال: انما جلبتك


(1) النغل: الافساد بين القوم. (2) غافر: 28.

[ 609 ]

من الشام لما قد أفسدتها أفأردك إليها ؟ قال: أفأخرج الى العراق ؟ قال: لا انك ان تخرج إليها تقدم على قوم اولي شبه وطعن على الأئمة والولاة، قال: أفأخرج الى مصر ؟ قال: لا، قال: فالى أين أخرج ؟ قال: الى البادية، قال أبو ذر: أصير بعد الهجرة أعرابيا ؟ قال: نعم. قال أبو ذر: فأخرج الى بادية نجد ؟ قال عثمان: بل الى الشرق الأبعد أقصى فأقصى، امض على وجهك هذا فلا تعدون الربذة، فخرج إليها. وروى الواقدي أيضا عن مالك بن أبي الرجال، عن موسى بن ميسرة، أن أبا الأسود الدؤلي قال: كنت احب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه الى الربذة، فجئته، فقلت له: ألا تخبرني أخرجت من المدينة طائعا أم أخرجت كرها ؟ فقال: كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم، فأخرجت الى المدينة، فقلت: دار هجرتي وأصحابي، فاخرجت من المدينة الى ما ترى. ثم قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إذ مر بي عليه السلام، فضربني برجله وقال: لا أراك نائما في المسجد، فقلت: بأبي أنت وامي غلبتني عيني فنمت فيه، قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت: إذا ألحق بالشام فانها أرض مقدسة وأرض جهاد، قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منها، قلت: أرجع الى المسجد، قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت: آخذ سيفي فأضربهم به. فقال: ألا أدلك على خير من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع، فسمعت وأطعت، وأنا أسمع وأطيع، والله ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي (1). أقول: الظاهر من آثار عثمان وسائر بني امية أنهم كانوا دهريين منكرين للثواب والعقاب. ومما يشهد به ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه، قال أبو بكر أحمد بن عبد


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 252 - 261.

[ 610 ]

العزيز: ان أبا سفيان قال لما بويع عثمان: كان هذا الأمر في تيم وأنى لتيم هذا الأمر، ثم صار الى عدي فأبعد وأبعد، ثم رجعت الى منازلها واستقر الأمر قراره، فتلقفوها تلقف الكرة. قال أحمد بن عبد العزيز: وحدثني المغيرة بن محمد المهلبي، قال: ذاكرت اسماعيل بن اسحاق القاضي بهذا الحديث، وأن أبا سفيان قال لعثمان: بأبي أنت أنفق ولا تكن كأبي حجر، وتداولوها يا بني امية تداول الولدان الكرة، فوالله ما من جنة ولا نار، وكان الزبير حاضرا، فقال عثمان لأبي سفيان، أعزب، فقال: يا بني أهاهنا أحد ؟ قال الزبير: نعم والله ولا كتمتها عليك. قال فقال اسماعيل: هذا باطل، قلت: وكيف ذلك ؟ قال: ما أنكر هذا من أبي سفيان ولكن أنكر أن يكون سمعه عثمان ولم يضرب عنقه (1). انتهى. أقول: هذا دليل واضح على كفر عثمان، لأنه لو كان مسلما مؤمنا لم يكن يرضى بالتغافل عن أبي سفيان، بل لم يقل له أعزب الا لحضور الزبير، والعقل حاكم بأنه لو لم يكن أبو سفيان عارفا بموافقة عثمان له في الاعتقاد لما اجترأ باظهار كفره، ويشهد به قول أبي سفيان لما سمع من عثمان أعزب تعجبا: يا بني أهاهنا أحد ؟ ومما يدل أيضا على كفره واباحة دمه، ما نقله ابن أبي الحديد في شرحه، عن أمير المؤمنين عليه السلام حين قتل عثمان، قوله: ما سرني ولا أساءني. وقوله حين قيل له ؟ أرضيت بقتل عثمان ؟ قال: لم أرض، فقيل له: أسخطت قتله ؟ فقال: لم أسخط. وقوله، الله قتله وأنا معه. ويدل أيضا على ما ادعيناه، كلامه عليه السلام في خطبته: لو أمرت به لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت ناصرا، غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خير


(1) شرح نهج البلاغة 2: 44 - 45.

[ 611 ]

منه، ومن خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خير مني، وأنا جامع لكم أمره، استأثر الأثرة، وجزعتم فأسألتم الجزع، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع (1). قال ابن أبي الحديد في شرحه: هذا الكلام بظاهره يقتضي أنه ما أمر بقتله ولا نهى عنه، فيكون دمه عنده في حكم الامور المباحة التي لا يؤمر بها ولا ينهى عنها (2). أقول: كفانا معشر الشيعة اباحة دمه، لأن اباحة دمه دليل على بطلان خلافته وبيعته، وعلى أن الشورى العمرية لم يكن صوابا، بل يدل على أن عثمان لم يكن مؤمنا، لأنه عليه السلام كان ناصرا للمؤمنين، فلو كان عثمان مؤمنا لم يكن يخذله. ويدل أيضا على عدم ايمان عثمان وحسن قتله قوله عليه السلام: قد طلع طالع، ولمع لامع، ولاح لائح، واعتدل مائل، واستبدل الله بقوم قوما، وبيوم يوما، وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر، وانما الأئمة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، ولا يدخل الجنة الا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار الا من أنكرهم وأنكروه، الى آخر الخطبة (3). قال ابن أبي الحديد في الشرح: هذه خطبة خطب بها بعد قتل عثمان حين أفضت الخلافة إليه (قد طلع طالع) يعني: عود الخلافة إليه، وكذلك قوله (لمع لامع، ولاح لائح) كل هذا يراد به معنى واحد (واعتدل مائل) اشارة الى ما كانت الامور عليه من الاعوجاج في أواخر أيام عثمان، واستبدل الله بعثمان وشيعته عليا عليه السلام وشيعته، وبأيام ذاك أيام هذا. ثم قال (وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر) وهذا الكلام يدل على أنه قد كان يتربص بعثمان الدوائر، ويترقب حلول الخطوب


(1) نهج البلاغة ص 73 برقم: 30. (2) شرح نهج البلاغة 2: 126. (3) نهج البلاغة ص 212 برقم: 152.

[ 612 ]

بساحته ليلي الخلافة. فان قلت: أليس هو الذي طلق الدنيا، فأين هذا القول من طلاقها ؟ قلت: انه طلق أن ينال منها حظا دنيويا، ولم يطلقها أن ينهى فيها عن المنكرات التي أمره تعالى بالنهي عنها، ويقيم فيها الدين الذي أمره باقامته، ولا سبيل له الى النهي عن المنكرات والأمر بالمعروف الا بولاية الخلافة. فان قلت أيجوز على مذهب المعتزلة أن يقال: انه عليه السلام كان ينتظر قتل عثمان انتظار المجدب المطر ؟ وهل هذا الا محض مذهب الشيعة ؟ قلت: انه عليه السلام لم يقل وانتظرنا قتله، وانما انتظر الغير، فيجوز أن يكون أراد انتظار خلعه وعزله عن الخلافة، فان عليا عليه السلام كان يذهب الى أن عثمان استحق الخلع بأحداثه ولم يستحق القتل، وهذا الكلام إذا حمل على انتظار الخلع كان موافقا لمذهب أصحابنا. فان قلت: أتقول المعتزلة: ان عليا عليه السلام كان يذهب الى فسق عثمان المستوجب لأجله الخلع ؟ قلت: كلا، حاش لله أن تقول المعتزلة ذلك، وانما تقول: ان عليا عليه السلام كان يرى أن عثمان يضعف عن تدبير الخلافة، وأن أهله غلبوا عليه، واستبدوا بالأمر دونه، واستعجزه المسلمون واستسقطوا رأيه، فصار حكمه حكم الامام إذا عمي أو أسره العدو، فانه ينخلع عن الامامة (1). انتهى كلامه. أقول: ما ذكره الشارح في تأويل كلام أمير المؤمنين عليه السلام مع مخالفته لما نقلنا عنه آنفا من أن عثمان كان مباح الدم على رأي أمير المؤمنين عليه السلام غير موجه، لأن كلامه عليه السلام ظاهر في الشماتة، واظهار السرور والشكر، فلو لم يكن عثمان كافرا أو


(1) شرح نهج البلاغة 9: 153 - 154.

[ 613 ]

فاسقا لم يتكلم عليه السلام بمثل هذا الكلام، ويؤيده قوله عليه السلام (قتله الله وأنا معه) وقوله عليه السلام (ما سرني ولا أساءني) وما في معناه لا ينافي ما ذكرناه، لأن قتله من حيث كان مستلزما لحروب الناكثين والقاسطين والمارقين لم يسره سرورا تاما، وان كان في نفسه حسنا موجبا للسرور. على أن قوله عليه السلام (انما الأئمة) يقتضي حصر الأئمة في من يكون معرفته موجبا للجنة، وانكاره موجبا للنار، وهذه الصفات ليست الا صفة المعصومين، ولم يكن صفة عثمان بالاجماع، لأن باجماع أهل السنة جميع قاتلي عثمان من المهاجرين والأنصار عدول، ولم يخرجهم قتل عثمان من العدالة، فلو كان عثمان من الأئمة لكان قتله موجبا للنار، لأن القتل أشد من الانكار. على أن ما ذكره على خلاف ظاهر كلامه عليه السلام من جهة اخرى، وهي أنه عليه السلام وان لم يقل انتظرنا قتله ولكن قوله (انتظرنا الغير) مفيد للمطلوب أيضا، لان الظاهر من اللام في الغير للعهد الخارجي والمعهود هو القتل. وان سلمنا أنه للجنس فالمطلوب أيضا حاصل، لأن الظاهر حينئذ أنه عليه السلام كان منتظرا لماهية الغير، سواء كان في ضمن القتل أو الخلع. انظر أيها البصير بحب آل العباء الى هؤلاء الفضلاء كيف يخبطون خبط العشواء، الحمد لله على ما هدانا ودلنا على المحجة البيضاء. ومما يدل أيضا على كفره ما في الصراط المستقيم، عن أبي وائل، أن عمارا قال: ما كان لعثمان اسم في أفواه الناس الا الكافر حتى ولي معاوية (1). ومما يدل أيضا ما في الصراط المستقيم، وروي عن حذيفة أنه قال: لا يموت رجل يرى أن عثمان قتل مظلوما الا لقى الله يوم القيامة يحمل من الأوزار أكثر


(1) الصراط المستقيم 3: 36.

[ 614 ]

مما يحمل أصحاب العجل (1). ومما يدل أيضا على كفر عثمان منع المهاجرين والأنصار أن يدفن الا بعد ثلاثة أيام بغير غسل وكفن. قال ابن أبي الحديد في شرحه: وروى المدائني في كتاب مقتل عثمان: أن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام، وأن عليا عليه السلام لم يبايعه الناس الا بعد قتل عثمان بخمسة أيام، وأن حكيم بن حزام أحد بني أسد بن عبد العزى وجبير بن مطعم بن الحارث بن نوفل استنجدا بعلي عليه السلام على دفنه، فأقعد طلحة لهم في الطريق ناسا بالحجارة، فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحش كوكب (2) كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما صار هناك رجم سريره وهموا بطرحه، فأرسل علي عليه السلام الى الناس يعزم عليهم فكفوا عنه ليكفوا، فانطلقوا به حتى دفنوه في حش كوكب. وروى الطبري نحو ذلك، الا أنه لم يذكر طلحة بعينه، وزاد فيه بأن معاوية لما ظهر على الناس أمر بذلك الحائط، فهدم حتى أفضى به الى البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل بمقابر المسلمين (3). ومما يدل على ما ذكرناه (4) من كفره ونفاقه: غيبته عن بدر، وبيعة الرضوان، وفراره يوم احد. قال ابن أبي الحديد في شرحه: وقال أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل: استجيبت دعوة علي عليه السلام في عثمان وعبد الرحمن، فما ماتا الا متهاجرين متعاديين،


(1) الصراط المستقيم 3: 36. (2) حش كوكب: موضع عند بقيع الفرقد، اشتراه عثمان وزاده في البقيع. (3) شرح نهج البلاغة 10: 6 - 7. (4) في (ق) ومما يؤيد ما ذكرناه.

[ 615 ]

أرسل عبد الرحمن الى عثمان يعاتبه وقال لرسوله: قل له: لقد وليتك من أمر الناس وان لي لامور ما هي لك، شهدت بدرا وما شهدتها، وشهدت بيعة الرضوان وما شهدتها، ففرت يوم احد وصبرت، فقال عثمان لرسوله: قل له: أما يوم بدر فان رسول الله صلى الله عليه وآله ردني الى ابنته لما بها من المرض، وقد كنت خرجت للذي خرجت له، ولقيته عند منصرفي، فبشرني بأجر مثل اجوركم، وأعطاني سهما مثل سهامكم. وأما بيعة الرضوان، فانه صلى الله عليه وآله بعثني أستأذن قريشا في دخوله مكة، فلما قيل له: اني قتلت بايع المسلمين على الموت لما سمعه عني، وقال: ان كان حيا فأنا ابايع عنه، وصفق باحدى يديه على الاخرى، وقال: يساري خير من يمين عثمان، فيدك أفضل أم يد رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما صبرك يوم احد وفراري، فلقد كان ذلك فأنزل الله تعالى العفو عني في كتابه، فعيرتني بذنب غفره الله لي، ونسيت من ذنوبك ما لا تدري أغفر لك أم لم يغفر (1). أقول: غيبة عثمان عن بدر وعن بيعة الرضوان وفراره يوم احد ثابت باقراره، وأما ادعاه في الاعتذار فلا بينة عليه ولا شاهد. الدليل الأربعون [ ما ورد في مثالب أعداء أهل البيت عليهم السلام ] مما يدل على امامة أئمتنا الاثني عشر، أن عائشة كافرة مستحقة للنار، وهو مستلزم لحقية مذهبنا وحقية أئمتنا الاثني عشر، لأن كل من قال بخلافة الثلاثة اعتقد ايمانها وتعظيمها وتكريمها، وكل من قال بامامة الاثني عشر قال باستحقاقها


(1) شرح نهج البلاغة 1: 196.

[ 616 ]

اللعن والعذاب، فإذا ثبت كونها كذلك ثبت المدعى، لأنه لا قائل بالفصل. وأما الدليل على كونها مستحقة للعن والعذاب، فانها حاربت أمير المؤمنين عليه السلام وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله (حربك جربي) (1) ولا ريب في أن حرب النبي صلى الله عليه وآله كفر. وفي صحيح البخاري في باب ما ينهى من الساب واللعن، باسناده قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (2). وانها عادت عليا أمير المؤمنين عليه السلام وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وانها كانت مبغضة لأمير المؤمنين عليه السلام، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله (ان بغضه نفاق) وقد تقدم الأخبار المتواترة المتفق عليها في هذا المعنى. وأما بغضها لأمير المؤمنين عليه السلام، ففي غاية الظهور. ومما يدل على بغضها قوله عليه السلام مخاطبا لأهل البصرة: فاني حاملكم ان شاء الله على سبيل الجنة، وان كان ذا مشقة شديدة ومذاقة مريرة، وأما فلانة فأدركها رأي النساء وضغن غلا في صدرها كمرجل القين، الى آخر الكلام (3). ثم أقول: تكلم ابن أبي الحديد المعتزلي في بيان ضغنها، وطول الكلام فيها، ثم ادعى توبتها من غير برهان عقلي ودليل نقلي، ومختصر كلامه في بيان أسباب ضغنها نقلا عن استاده أبي يعقوب المعتزلي. ان أول ما بدأ الضغن كان بينها وبين فاطمة عليها السلام، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوجها عقيب موت خديجة فأقامها مقامها، وفاطمة هي ابنته خديجة، ومن المعلوم أن ابنة الرجل إذا ماتت امها وتزوج أبوها امرأة اخرى، كان بين الابنة وبين المرأة


(1) راجع: احقاق الحق 9: 161 - 174. (2) صحيح مسلم 1: 81 برقم: 64. (3) نهج البلاغة ص 218 برقم: 156.

[ 617 ]

كدر وشنئان، وهذا لابد منه، لأن الزوجة تنفس عليها ميل الأب، والبنت تكره ميل أبيها الى امرأة غريبة كالضرة لامها، بل ضرة على الحقيقة. ثم قال بعد كلام: وأكرم رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام اكراما عظيما أكثر مما كان الناس يظنونه، وأكثر من اكرام الرجال لبناتهم حتى خرج بها عن حد حب الاباء للأولاد، فقال بمحضر الخاص والعام مرارا لا مرة واحدة، وفي مقامات مختلفة لا في مقام واحد: انها سيدة نساء العالمين، وانها عديلة مريم بنت عمران، وانها إذ مرت في الموقف نادى مناد من جهة العرش: يا أهل الموقف غضوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله، وهذا من الأخبار الصحيحة وليس من الأخبار المستضعفة. وان انكاحه عليا عليه السلام اياها ما كان الا بعد أن أنكحه الله تعالى اياها في السماء بشهادة الملائكة، وكم قال لا مرة: يؤذيني ما يؤذيها، ويغضبني ما يغضبها، وانها بضعة مني يريبني ما رابها. فكان هذا وأمثاله يوجب زيادة الضغن عند الزوجة حسب زيادة هذا التعظيم والتبجيل، والنفوس البشرية تغيظ على ما هو دون هذا فكيف هذا. ثم حصل عند بعلها ما هو حاصل عندها، أعني: عليا عليه السلام، فان النساء كثيرا ما يحصلن (1) الأحقاد في قلوب الرجال، وكانت تكثر الشكوى من عائشة، وتغشاها نساء المدينة وجيران بيتها، فينقلن إليها كلمات عن عائشة ثم يذهبن الى بيت عائشة فينقلن إليها كلمات عن فاطمة، وكما كانت فاطمة تشكو الى بعلها، كانت عائشة تشكو الى أبيها، لعلمها أن بعلها لا يشكيها على ابنته، فحصل في نفس أبي بكر من ذلك أثر ما، ثم تزايد تقريظ رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام وتقريبه واختصاصه، فأحدث ذلك حسدا له، وغبطة في نفس أبي بكر عنه وهو أبوها، وفي


(1) في الشرح: يجعلن.

[ 618 ]

نفس طلحة وهو ابن عمها، وهي تجلس اليهما وتسمع كلامهما، وهما يجلسان إليها ويحادثانها، فأعدي إليها منهما كما أعدتهما. قال: ولست ابرئ عليا من مثل ذلك، فانه كان ينفس على أبي بكر سكون النبي صلى الله عليه وآله إليه وثناءه عليه، ويحب أن ينفرد هو بهذه المزايا والخصائص دونه ودون الناس أجمعين، ومن انحرف عن انسان انحرف عن أهله وأولاده، فتأكدت البغضة بين هذين الفريقين. ثم قال بعد كلام: ثم كان بينها وبين علي عليه السلام في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله أحوال وأقوال كلها تقتضي تهييج ما في النفوس، ثم قال: ونحو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله سايره - يعنى: عليا عليه السلام - يوما وأطال مناجاته، فجاءت وهي سائرة خلفهما حتى دخلت بينهما وقالت، فيم أنتما ؟ فقد أطلتما، فيقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله غضب ذلك اليوم. فقال: ثم اتفق أن فاطمة عليها السلام ولدت أولادا كثيرة بنين وبنات، ولم تلد هي ولدا، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقيم بني فاطمة مقام بنيه، ويسمى الواحد منهما ابني، ويقول: دعوا لي ابني، ولا تزرموا على ابني، وما فعل ابني. فما ظنك بالزوجة إذا حرمت الولد من البعل ثم رأت البعل يتبنى بني ابنته من غيرها، ويحنو عليهم حنو الوالد المشفق، هل تكون محبة لاولئك البنين ولامهم ولأبيهم أم مبغضة ؟ وهل تود دوام ذلك واستمراره أم زواله وانقضاءه ؟ ثم اتفق أن رسول الله صلى الله عليه وآله سد باب أبيها الى المسجد وفتح باب صهره، ثم بعث أباها ببراءة الى مكة ثم عزله عنها بصهره، فقدح ذلك أيضا في نفسها، وولد لرسول الله صلى الله عليه وآله ابراهيم بن مارية، فأظهر علي عليه السلام بذلك سرورا كثيرا، وكان يتعصب لمارية، ويقوم بأمرها عند رسول الله صلى الله عليه وآله ميلا على غيرها، وجرت لمارية نكبة مناسبة لنكبة عائشة، فبرأها علي عليه السلام وكشف بطلانها، أو كشفه الله تعالى على

[ 619 ]

يده، وكان ذلك كشفا محسا بالبصر، لا يتهيأ للمنافقين أن يقولوا فيه ما قالوه في القرآن المنزل ببراءة عائشة، وكل ذلك مما كان يوغر صدر عائشة عليه، ويؤكد ما في نفسها منه. ثم مات ابراهيم، فأبطنت شماته وان أظهرت كآبة، ووجم علي عليه السلام من ذلك وكذلك فاطمة، وكانا يؤثران ويريدان أن تتميز ما رية عليها بالولد، فلم يقدر لهما ولا لمارية ذلك. وبقيت الامور على ما هي عليه وفي النفوس ما فيها، حتى مرض رسول الله صلى الله عليه وآله المرض الذي توفي فيه، فكانت فاطمة وعلي يريدان أن يمرضاه في بيتهما، وكذلك كان أزواجه كلهن، فمال الى بيت عائشة بمقتضى المحبة القلبية التي كانت لها دون نسائه، وكره أن يزاحم فاطمة وبعلها في بيتهما، فلا يكون عنده من الانبساط لوجودهما ما يكون إذا خلى بنفسه في بيت من يميل إليه بطبعه، وعلم أن المريض يحتاج الى فضل مداراة ونوم ويقظة وانكشاف وخروج حدث، فكانت نفسه الى بيته أسكن منها الى بيت صهره وبنته، فانه إذا تصور حياء هما منه استحيا هو أيضا منهما، وكل أحد يحب أن يخلو بنفسه، ويحتشم الصهر والبنت، ولم يكن له الى غيرها من الزوجات مثل ذلك الميل إليها، فتمرض في بيتها، فغبطت على ذلك. ولم يمرض رسول الله صلى الله عليه وآله منذ قدم المدينة مثل هذا المرض، وانما كان مرضه الشقيقة يوما أو بعض يوم ثم يبرأ، فتطاول هذا المرض، وكان علي عليه السلام لا يشك أن الأمر له، وأنه لا ينازعه فيه أحد من الناس. ثم قال بعد كلام: فلما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله أنفذ جيش اسامة، وجعل فيه أبا بكر وغيره من أعلام المهاجرين والأنصار، فكان علي عليه السلام حينئذ بوصوله الى الأمر - ان حدث برسول الله صلى الله عليه وآله حدث - أوثق، وتغلب على ظنه أن المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكلية، فيأخذه صفوا عفوا وتتم له البيعة، فلا يتهيأ فسخها لو رام ضد منازعته عليها، فكان من عود أبي بكر من جيش اسامة

[ 620 ]

بارسالها إليه، واعلامه بأن رسول الله صلى الله عليه وآله يموت ما كان، ومن حديث الصلاة بالناس ما عرف، فنسب علي عليه السلام عائشة أنها أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمره فليصل بالناس، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله كما روي قال: ليصل بهم أحدهم ولم يعين وكانت صلاة الصبح. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في آخر رمق يتهادي بين علي عليه السلام والفضل بن العباس حتى قام في المحراب، كما ورد في الخبر، ثم دخل فمات ارتفاع الضحى، فجعل يوم صلاته حجة في صرف الأمر إليه، وقال: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يحملوا خروج رسول الله صلى الله عليه وآله الى الصلاة، لصرفه عنها، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن، فبويع على هذه النكتة التي اتهمها علي عليه السلام على أنها ابتدأت منها. وكان علي عليه السلام يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيرا، ويقول: انه لم يقل صلى الله عليه وآله: انكن لصويحبات يوسف، الا انكارا لهذه الحال وغضبا منها، لأنها وحفصة تبادرتا الى تعيين أبويهما، وأنه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب، فلم يجد ذلك، ولا أثر مع قوة الداعي الذي كان يدعوا الى أبي بكر ويمهد له قاعدة الأمر، وتقرر حاله في نفوس الناس ومن اتبعه على ذلك من أعيان المهاجرين والأنصار. ولما ساعد على ذلك من الحظ الفلكي والأمر السمائي، الذي جمع عليه القلوب والأهواء، فكانت هذه الحال عند علي عليه السلام أعظم من كل عظيم، وهي الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى، ولم ينسبها الا الى عائشة وحدها، ولا علق الأمر الواقع الا بها، فدعا عليها في خلواته وبين خواصه، وتظلم الى الله منها، وجرى له في تخلفه عن البيعة ما هو مشهور حتى بايع. وكان يبلغه وفاطمة عليها السلام عنها كل ما يكرهانه منذ مات رسول الله صلى الله عليه وآله الى أن توفيت فاطمة، وهما صابران على مضض ورمض، واستظهرت بولاية أبيها،

[ 621 ]

واستطالت وعظم شأنها، وانخذل علي وفاطمة وقهرا، وأخذت فدك وخرجت فاطمة تجادل في ذلك مرارا فلم تظفر بشئ، وفي كل ذلك تبلغها النساء والداخلات والخارجات عن عائشة كل كلام يسوئها، ويبلغن عائشة عنها وعن بعلها مثل ذلك، الا أنه شتان ما بين الحالين، وبعد ما بين الفريقين، هذه غالبة وهذه مغلوبة، وهذه آمرة وهذه مأمورة، وظهر التشفي والشماتة، ولا شئ أعظم مرارة ومشقة من شماتة العدو. فقلت له رحمه الله: أفتقول أنت: ان عائشة عينت أباها للصلاة ورسول الله صلى الله عليه وآله لم يعينه ؟ فقال: أما أنا، فلا أقول ذلك، ولكن عليا عليه السلام كان يقوله، وتكليفي غير تكليفه، كان حاضرا ولم أكن حاضرا، فأنا محجوج بالأخبار التي اتصلت بي، وهي تتضمن تعيين النبي عليه السلام لأبي بكر في الصلاة، وهو محجوج بما كان قد علمه، أو يغلب على ظنه من الحال التي كان حضرها. قال: ثم ماتت فاطمة عليها السلام، فجاءت نساء رسول الله صلى الله عليه وآله كلهن الى بني هاشم في العزاء الا عائشة، فانها لم تأت وأظهرت مرضا، ونقل الى علي عليه السلام عنها كلام يدل على السرور. ثم بايع علي عليه السلام أباها، فسرت بذلك وأظهرت من الاستبشار بتمام النعمة واستقرار الخلافة، وبطلان منازعة الخصم ما قد نقله الناقلون فأكثروا، واستمرت الامور على هذا مدة خلافة أبيها وخلافة عمر وعثمان، والقلوب تغلي والأحقاد تذيب الحجارة. وكلما طال الزمان على علي عليه السلام تضاعفت همومه وغمومه، وباح بما في نفسه، الى أن قتل عثمان، وقد كانت عائشة أشد الناس عليه تأليبا وتحريضا، فقالت: أبعده الله، لما سمعت قتله، وأملت أن تكون الخلافة في طلحة، فتعود الامرة تيمية كما كانت أولا، فعدل الناس عنه الى علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما سمعت ذلك صرخت

[ 622 ]

واعثماناه، قتل عثمان مظلوما، وثار في الأنفس، حتى تولد من ذلك يوم الجمل وما بعد. ثم قال ابن أبي الحديد: هذه خلاصة كلام الشيخ أبي يعقوب، ولم يتشيع، وكان شديدا في الاعتزال (1). ومما يدل على أنها كانت عدوة لأمير المؤمنين عليه السلام ما رواه سعيد بن المسيب عن وهب: أن فاطمة عليها السلام لما زفت الى علي عليه السلام، قالت نسوة الأنصار، أبوها سيد الناس، فقال النبي صلى الله عليه وآله: وبعلها ذو الشدة والبأس، فلم يذكرن عليا عليه السلام، فقال في ذلك فقلن: منعتنا عائشة، فقال: ما تدع عائشة عداوتنا أهل البيت (2). ومما يدل على ظلمها وعصيانها وكفرها، ما ذكره صاحب الصراط المستقيم، وهذا مختصر من كلامه: فصل في ام الشرور، أكثر اعتقاد القوم على رواياتها، وقد خالفت ربها ونبيها في قوله تعالى (وقرن في بيوتكن) الاية (3) قال ابن عباس: لما علم الله حرب الجمل قال لنساء النبي صلى الله عليه وآله (وقرن في بيوتكن) الاية. وفي أعلام النبوة للماوردي، وفردوس الديلمي، عن ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وآله لنسائه: أيتكن صاحبة الجمل الادبب ؟ تخرج فتفضحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها ويسارها كثير. وفي تاريخ البلاذري، وأربعين الخوارزمي، وفي الفضائل لابن مردويه، قال سالم بن الجعد: ذكر النبي صلى الله عليه وآله خروج بعض نسائه، فضحكت الحميراء، فقال: انظري أن تكون هي، والتفت الى علي عليه السلام وقال: إذا وليت من أمرها شيئا فارفق بها. ان قيل: هذا دليل محبة النبي صلى الله عليه وآله لها مع علمه بمحاربتها، فلم تنته المحاربة لها الى


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 192 - 199. (2) الصراط المستقيم 3: 166 - 167. (3) الأحزاب: 33.

[ 623 ]

تكفيرها كما تزعمون فيها. قلنا: كيف ذلك وقد اجتمعنا واياكم على قوله (يا علي حربك حربي) وحرب النبي صلى الله عليه وآله كفر. وقد نقل ابن البطريق في عمدته عن الجمع بين الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وآله (من سل علينا السيف فليس منا) وقال النبي صلى الله عليه وآله في موضع آخر: علي مني بمنزلة الرأس من الجسد. ولم يرد بقوله (ليس منا) نفي الجنسية ولا القرابة ولا الزوجية، لأن ذلك لا تنفيه المحاربة، فالمراد ليس من ديننا. وأما وصيته له عليه السلام بالارفاق، فانما هو حصون (1) لعرض علي عليه السلام من أهل النفاق. وقد أخرج أبو نعيم في كتاب الفتن وغيره حديث ماء الحوأب. وأخرج صاحب المراصد قول النبي صلى الله عليه وآله لعائشة: أما تستحين أما تحاربين من رضي الله عنه ؟ انه لعهد الي أنه من خرج على علي فهو في النار. وقد رويتم قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام (بغضك سيئة لا ينفع معها حسنة) فحرب الجمل أكان عن حب أو بغض ؟ وفي تاريخ الطبري: روي أنها كانت تركب الجمل وتحمل السلاح وترتجز: شكوت رأسا قد مللت حمله * وقد مللت دهنه وغسله ألا فتى يحمل عنا كله وقطع على خطام جملها أربعمائة يد وهي مسرورة. وروى الواقدي أن عمارا قال لها: كيف رأيت ضرب بنيك عن أديانهم ؟ فقالت: لستم لي ببنين، قال: صدقت امهاتنا من نساء النبي صلى الله عليه وآله ذوات الحجاب المطيعات لله ولرسوله وأنت مخالفة لهما. وقد رويت أن النبي صلى الله عليه وآله لعن المرأة المشبهة للرجال، والرجل المشبهة بالنساء. وفي رواية الشعبي: استشارت ام سلمة في الخروج، فنهتها وقالت: ألا تذكرين


(1) في الصراط: صون.

[ 624 ]

قول النبي صلى الله عليه وآله: لا تذهب الأيام والليالي حتى تنابح كلاب الحوأب على امرأة من نسائي في فئة طاغية فضحكت أنت، فقال: اني لأحسبك هيه، فلما تهيأت للخروج أنشأت ام سلمة تقول شعرا: نصحت ولكن ليس للنصح قابل * ولو قبلت ما عنفتها العواذل إذا عرفت هذا فالقوم ادعوا توبتها ليزيلوا بها جريمتها، وهي رواية من طرقهم، فليس حجة على خصمهم، ومع ذلك فالتوبة رواية والمحاربة دراية، والرواية لا تعارض الدراية، وأين التوبة والنزوع عن بغضها امام العصر ؟ وقد قالت حين بلغها قتله عليه السلام ما ذكره ابن مسكويه وفي تاريخ الطبري: فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر عينا بالاياب المسافر وذكروا أن عليا عليه السلام ندم على ذلك. وهذا زور وبهت، كيف ذلك ؟ وقد أخبره النبي صلى الله عليه وآله أنها تقاتله ظالمة له، وفي صحيح البخاري: الفتنة تخرج من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان، وأشار الى مسكن عائشة. وقد نقل ابن أعثم صاحب الفتوح، أنها كانت قبل ذلك تقول: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا، فلقد أبلى سنة النبي وثيابه لم تبل، ولما قتل قالت: قتل مظلوما وأنا طالبة بدمه، فقال لها عبيد: أول من طمع الناس فيه أنت فقلت: اقتلوا نعثلا فقد فجر، قالت: قلته وقاله الناس، فأنشأ: منك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الامام * وقلت لنا انه قد فجر ونحن أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر قالوا: اذهب الرجس عنها. قلنا: وأي رجس أعظم من محاربة امامها، فهذه أعظم فاحشة، وقد قال تعالى (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة

[ 625 ]

يضاعف لها العذاب ضعفين) (1) وقد أخبر الله تعالى عن امرأتي نوح ولوط أنهما لن يغنيا عنهما من الله شيئا، وكان ذلك تعريضا من الله لعائشة وحفصة في فعلهما، وتنبيها على أنهما لا يتكلان على رسوله، فانه لم يغن عنهما. هذا وقد شكت في نبوته عليه السلام، فذكر الغزالي في الاحياء أنها قالت: انك أنت الذي تزعم أنك نبي ؟ ولم ينقل أحد أنها تيقنت بعد ذلك. وفي الاحياء أيضا: كان بينه وبينها كلام، فأدخل أباها حاكما، فقالت: قل ولا تقل الا حقا، فلطمها أبوها وقال: يا عدوة الله النبي يقول غير الحق ؟ وفي مجمع البيان: لما نزلت (وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي) (2) قالت عائشة: ما أرى الله الا يسارع في هواك، وفي هذا تهمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وعدم الرضا بقضائه. ولقد افترت على نبيها ما رواه الزهري عنها أنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وآله: ان عليا والعباس يموتان على غير ملتي، وقالت: قال صلى الله عليه وآله: ان سرك أن تنظري الى رجلين من أهل النار فانظري اليهما. فقبح الله قوما يروون ذلك في وصي نبيهم، وقد تواترت فيه محبة الله ورسوله، وغيرها من فضائله. وروى سعيد بن المسيب عن وهب، أن فاطمة عليها السلام لما زفت الى علي عليه السلام، قالت نسوة الأنصار: أبوها سيد الناس، فقال النبي صلى الله عليه وآله: قلن وبعلها ذو الشدة والبأس، ولم يذكروا عليا، فقال في ذلك، فقلن منعتنا عائشة، فقال: ما تدع عائشة عداوتنا أهل البيت. وفي الجمع بين الصحيحين من افراد البخاري، أن ابن الزبير أراد أن يحجر عليها، فهذه شهادة منه وممن سمع حديثه ولم ينكره: أنها أتت ما يوجب الحجر كالسفه


(1) الأحزاب: 30. (2) الأحزاب: 50.

[ 626 ]

والجنون (1). انتهى كلامه في عائشة. ومما يدل على كفرها وكفر حفصة: أنهما تظاهرها على رسول الله صلى الله عليه وآله، وشبههما الله بامرأة نوح وامرأة لوط، وهما كافرتان. وقد تضمن ما ذكرناه سورة التحريم. وفي صحيح البخاري في باب قوله (واذ أسر النبي الى بعض أزواجه) (2) باسناده عن عبيد بن حنين، قال: سمعت ابن عباس يقول: أردت أن أسأل عمر، فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فما أتممت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة. وفي باب قوله (ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما) باسناده عن ابن عباس، كنت اريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تضاهرتا، فمكثت سنة لم أجد له موضعا حتى خرجت معه حاجا، فلما كنا بظهران ذهب عمر لحاجته، فقال: أدركني بالوضوء، فأدركته بالأداوة، فجعلت أسكب عليه ورأيت موضعا فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟ فقال ابن عباس: فما أتممت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة (3). فصل. في بيان اختها في الشقاوة حفصة طلقها النبي صلى الله عليه وآله في حديث أنس وخيرة الزجاج، فسأله أبوها عن طلاقها، فقال: انطلق عني أما والله ان قلبك لوعر، وان لسانك لقذر، وان دينك لعور، ثم انك لأضل مضل ذكر، وانك من قوم غدر، أما والله لولا ما أمرني من تألف عباده لأبدين للناس أمركم، أغرب عني، فوالله ما يؤمن أحدكم حتى يكون النبي أحب


(1) الصراط المستقيم 3: 161 - 167. (2) التحريم: 3. (3) صحيح البخاري 6: 70 - 71.

[ 627 ]

إليه من أبيه وامه وولده وماله، فقال: والله أنت أحب الي من نفسي، فأنزل الله (وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون) (1). وفي حديث ابن علوان والديلمي، عن الصادق عليه السلام: في قوله (واذ أسر النبي الى بعض أزواجه حديثا) هي حفصة، قال الصادق عليه السلام: كفرت في قولها (من أنبأك هذا) وقال الله فيها وفي اختها (ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما) أي: زاغت، والزيغ الكفر. وفي رواية: أنه أعلم حفصة أن أباها وأبا بكر يليان الأمر، فأفشت الى عائشة، فأفشت الى أبيها، فأفشى الى صاحبه، فاجتمعا الى أن يستعجلا ذلك يسقينه سما، فلما أخبره الله بفعلهما هم بقتلهما، فحلفا له أنهما لم يفعلا، فنزل (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) (2). وكتبت عائشة الى حفصة: نزل علي بذي قار، ان تقدم نحر، وان تأخر عقر، فجمعت حفصة النساء وضربن المزامير وقلن: ما الخبر ما الخبر، علي في سفر، ان تقدم نحر، وان تأخر عقر، فدخلت ام سلمة وقالت: ان تظاهرا عليه فقد تظاهرتما على أخيه من قبل (3). تذنيب في مثالب معاوية رأس الزنادقة وهو الذي سماه النواصب كاتب الوحي وخال المؤمنين، بغضا لأمير المؤمنين عليه السلام وعديله ونظيره في كفره والزندقة عمرو بن العاص وطلحة والزبير. والدليل على كفر هؤلاء الأربعة في غاية الوضوح، لأن الامة بين قائلين: قائل


(1) يوسف: 106، الصراط المستقيم 3: 168. (2) التحريم: 7. (3) الصراط المستقيم 3: 168 - 169.

[ 628 ]

بكفر هؤلاء، وهم القائلون بامامة أمير المؤمنين عليه السلام من غير فصل وكفر الخلفاء الثلاثة، وقائل بايمان هؤلاء، وهم أكثر القائلين بامامة الخلفاء الثلاثة، فلما أثبتنا بطلان خلافة الثلاثة، ثبت كفر هؤلاء، لعدم القائل بالفصل. على أنه قد تواتر وصح عن النبي صلى الله عليه وآله قوله لعلي عليه السلام: حربك حربي، وحبك ايمان وبغضك كفر ونفاق، وقد أوردنا الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى في الفاتحة وفي الدليل الثامن والثلاثين المشتملة على مثالب عمر، وهؤلاء حاربوا عليا عليه السلام، وأبغضوه فكفروا ونافقوا. وأيضا قد تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه الى آخر الكلام، فهؤلاء من الذين عاداهم الله وخذلهم، والله لا يعادي الا الكافرين والمنافقين. ومما يدل على بغي معاوية وضلالة ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله أن عمارا تقتله الفئة الباغية، وقد قتله أصحاب معاوية وهو من أصحاب علي عليه السلام، وممن روى هذا الخبر الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند أبي سعيد الخدري في الحديث السادس عشر من أفراد البخاري، قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية لا أنالها الله شفاعتي، يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار (1). ونقل عن محمود الخوارزمي في كتاب الفائق في باب سائر معجزات النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله لعمار: ستقتلك الفئة الباغية، فقتله أصحاب معاوية، ثم قال: ولشهرة الحديث ما أنكره معاوية وما رده، بل قال: قتله من جاء به، فقال ابن عباس: فقد قتل رسول الله حمزة لأنه جاء به الى الكفار فقتلوه (2).


(1) صحيح البخاري 1: 115، وصحيح مسلم 4: 2236، والصراط المستقيم 3: 175، والطرائف ص 500 عن الحميدي. (2) الطرائف ص 500 - 501 عنه.

[ 629 ]

قال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغه: ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا يرمى بالزندقة، وقد ذكرنا في نقض السفيانية على شيخنا أبي عثمان الجاحظ، ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه من الالحاد والتعرض لرسول الله صلى الله عليه وآله، وما تظاهر به من الجبر والارجاء، ولو لم يكن شئ من ذلك، لكان في محاربته الامام ما يكفي في فساد حاله، لا سيما على قواعد أصحابنا، وكونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير الى النار والخلود فيها ان لم تكفرها التوبة (1) انتهى. ونقل في شرحه عن حبيب بن أبي ثابت، قال: لما كان قتال صفين، قال رجل لعمار: يا أبا اليقظان ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله: قاتلوا الناس حتى يسلموا، فإذا أسلموا عصموا مني دماءهم وأموالهم ؟ قال: بلى، ولكن والله ما أسلموا، ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا (2). وفيه أيضا: عن منذر الثوري، قال: قال محمد بن الحنفية: لما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله من أعلى الوادي ومن أسفله، وملأ الأودية كتائب - يعني يوم فتح مكة - استسلموا حتى وجدوا أعوانا (3). وفيه عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه، فقال الحسن: فوالله ما فعلوا ولا أفلحوا (4). وفي تاريخ أعثم الكوفي، قال عمار لعمرو بن العاص: وقد أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) شرح نهج البلاغة 1: 340. (2) شرح نهج البلاغة 4: 31. (3) شرح نهج البلاغة 4: 31 - 32. (4) شرح نهج البلاغة 4: 32.

[ 630 ]

أن اقاتل الناكثين وقد فعلت، وأمرني أن اقاتل القاسطين فأنتم هم وأما المارقون، فلا أدري أدركهم أم لا، أيها الأبتر ألست تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، فأنا مولى لله ولرسوله وعلي (1). وفي كتاب حلية الأولياء، ان سعيد بن المسيب سب معاوية برده قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله بأن الولد للفراش وللعاهر الحجر (2). وفي تفسير الثعلبي: أن معاوية صلى بالمدينة، ولم يقرأ البسملة في الفاتحة، رواه عن جماعة، ونحوه في مسند الشافعي (3). قال صاحب المصالت: كان على المنبر يأخذ البيعة ليزيد، فقالت عائشة، هل استدعى الشيوخ لبنيهم البيعة ؟ قال: لا، قالت: فبمن تقتدي ؟ فخجل، وهيأ لها حفرة، فوقعت فيها، فماتت (4). وروي أنه كان يهدد الناس لأخذ البيعة ليزيد، فبلغه عنها كلام، فدخلت بعد عماها راكبة حمارا، فبال وراث على بساطه، فقال: لا طاقة لى بكلام هذه الفاجرة، ثم دبر لها الحافر، وكان عبد الله بن الزبير يعرض به. لقد ذهب الحمار بام عمرو * فلا رجعت ولا رجع الحمار وفي الحديث الثاني من أفراد البخاري من الجمع بين الصحيحين، أنه نازع عمر في الخلافة، وقال: من أراد أن يتكلم في الأمر فليطلع لنا قرنه، فنحن أحق به منه


(1) تاريخ اعثم الكوفي الموسوم بالفتوح 3: 77. (2) الصراط المستقيم 3: 45 عنه. (3) الصراط المستقيم: 3: 45 عنه. (4) الصراط المستقيم 3: 45 عنه.

[ 631 ]

ومن أبيه (1)، فإذا كان لعمر فيها منازعا ولعلي عليه السلام مقاتلا، فقد كفر بخروجه عن اجماع أهل الاسلام. وسيأتي في حرب صفين ما لا يخفى على الناظرين. وذكر الكلبي منهم في المثالب أن معاوية كان لأربعة، لعمارة، ولمسافر، ولأبي سفيان، ولرجل آخر سماه، قال: وكانت امه هند من المغتلمات تحب السود، الى أن قال: وكانت حمامة بعض جداته لها راية بذي المجاز لأجل الزنا، وكان يكتب عن نفسه كاتب الوحي، وقد صح في التاريخ أنه أظهر الاسلام سنة ثمان من الهجرة، وقيل: قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بخمسة أشهر، فكيف يثق النبي صلى الله عليه وآله بكتبه مع قرب عهد اسلامه، ولو سلم ذلك فبدعه تسقط تلك الفضيلة. وقد ذكروا في كتبهم أن أبي سرح كان منهم، فارتد فمات، فدفن، فلم تقبله الأرض (2). وفي الثامن والأربعين بعد المائة من المتفق عليه في الجمع بين الصحيحين، أن رجلا من بني النجار قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب الوحي، فارتد فمات عند أهل الكتاب، فدفن فقذفته الأرض ثلاث مرات، فترك منبوذا على وجهها، وقد ظهر من معاوية من مخالفة الدين ومن قتل الصالحين ما يزيد على أفعال المرتدين. ان قيل: فما بال الأرض لم تقذفه ؟ قلنا: هذا ليس بواجب، فان كثيرا من المرتدين لم تقذفهم الأرض، وكذا قاتلي الحسين عليه السلام وغيرهم، فان العقوبة والفضيحة بما يشاء (3). وفي المجلد الثالث من صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وآله أرسل ابن عباس يدعو له


(1) الصراط المستقيم 3: 46 عنه. (2) الصراط المستقيم 3: 46. (3) الصراط المسقيم 3: 46.

[ 632 ]

معاوية، فدعاه فلم يأته وقال: انه يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه (1). فلو كان عنده من المؤمنين لكان به رؤوفا، كما جاء في قوله تعالى (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (2) وقد نطق الذكر الحكيم بكونه على خلق عظيم، وكان يدعو بهداية قومه من الكافرين، فلولا أنه كان من المنافقين الهابطين عن الكافرين في قوله (ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار) (3) والدعاء انما هو بأمر شديد القوي، لعموم (وما ينطق عن الهوى) (2) فلولا أن أعلمه الله بنفاقه لم يأمر نبيه بدعائه عليه وشقائه. وفي المجلد الثالث من صحيح مسلم: المؤمن يأكل في معا واحد، والكافر في سبعة أمعاء (5). وذكره في الجمع بين الصحيحين في الثاني والتسعين من المتفق عليه. ورووا في كتبهم: لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله، وأكل معاوية أحب إليه من النبي صلى الله عليه وآله، وكان هو مع أقاربه أعداء للنبي صلى الله عليه وآله، ولأقاربه أسلم طمعا في الملك، وقيل: لما سمع من كعب الأحبار وسطيح: كيف لا تؤمن بمحمد وأنت ولي الثارات من أولاده، ففرحت هند بذلك وأسلما. وفي صفوة التاريخ لأبي الحسن الجرجاني، أنه لعن عليا عليه السلام على المنبر وكتب الى عماله بذلك، فلعنوه (6). وروى الأعمش أنه لما قدم الكوفة، قال: ما قاتلتكم على أن لم تصلوا أو لم


(1) صحيح مسلم 4: 2010 كتاب البر والصلة ب 25. (2) التوبة: 128. (3) النساء: 145. (4) النجم: 3. (5) صحيح مسلم 3: 1631 كتاب الأشربة ب 34. (6) الصراط المستقيم 3: 47.

[ 633 ]

تصوموا، فاني أعلم أنكم تفعلون ذلك، بل لأتأمر عليكم، فقال الأعمش: هل رأيتم رجلا أقل حياء منه ؟ قتل سبعين ألفا فيهم عمار، وخزيمة، وحجر، وعمرو بن الحمق، ومحمد بن أبي بكر، والأشتر، واويس، وابن صوحان، وابن التيهان، وعائشة، وأبي حسان، ثم يقول هذا (1). لا يخفى على من تتبع كتب السير والأخبار، أن ما نقلناه من فضائح معاوية الغدار قليل من كثير وقطرات من بحار. فائدة في بيان جواز اللعن على من يستحقه وترتب الثواب عليه اعلم أن اللعن لغة هو الطرد والابعاد عن رحمة الله، وكيف لا يحسن اللعن على من يستحقه ؟ وقد لعن الله تعالى في محكم كتابه على الجاحدين والظالمين والمنافقين، وأشار على متابعته في ذلك بقوله (اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (2) وبقوله اولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (3). وقيل في وجه الدلالة على جواز اللعن: ان الاية وان وقعت في صورة الاخبار، ولكن المراد بها الانشاء والأمر، واستدل على جوازه وحسنه أيضا بأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قد لعن أبا سفيان عند هجوه للنبي صلى الله عليه وآله في بعض أشعاره، فقال صلى الله عليه وآله: اللهم اني لا أحسن الشعر ولا ينبغي لي، اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة. وأنه قد صح عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لعن معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري وأبا الأعور السلمي. فلولا أن اللعن على من يستحقه كان موجبا للثواب لما بادر إليه سيد الأنبياء


(1) الصراط المستقيم 3: 48. (2) البقرة: 159. (3) آل عمران: 87.

[ 634 ]

وسيد الأوصياء وكذا تواتر عن سائر الأئمة المعصومين لعن أعادي الدين، وفعلهم حجة على العالمين، ورغبوا الشيعة في لعن أعداء أهل البيت بأسمائهم، وذكروا للعنهم ثوابا عظيما، كما لا يخفى على من تتبع آثارهم عليهم السلام. وممن جوز اللعن من المخالفين سعد الدين التفتازاني، فانه قال في شرح المقاصد: ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقات، يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حد الظلم والفسق، وكان الباعث عليه الحقد والعناد، والحسد واللداد، وطلب الملك والرئاسات (1)، والميل الى اللذات والشهوات، إذ ليس كل صحابي معصوما، ولا كل من لقى النبي صلى الله عليه وآله بالخير موسوما، الا أن العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا الى أنهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق، صونا لعقائد المسلمين من الزيغ والضلالة في حق كبار الصحابة، سيما المهاجرين منهم، والأنصار المبشرين بالثواب في دار القرار. وأما ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، فمن الظهور بحيث لا مجال للأخفاء ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الاراء، ويكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، وتنهد منه الجبال، وتنشق منه الصخور، ويبقى سوء عمله على كر الشهور ومر الدهور، فلعنة الله على من باشر أو رضي أوسعى، ولعذاب الاخرة أشد وأبقى. فان قيل: فمن علماء المذهب من لا يجوز اللعن على يزيد، مع علمهم بأنه يستحق ما يربو على ذلك ويزيد.


(1) في المصدر: الرياسة.

[ 635 ]

قلنا: تحاميا على أن يرتقى الى الأعلى فالأعلى، كما هو شعار الروافض، على ما يروى في أدعيتهم، ويجري في أنديتهم، فرأى المعتنون بأمر الدين الجام العوام بالكلية طريقا الى الاقتصاد في الاعتقاد، بحيث لا تزل الأقدام عن السواء، ولا تضل الأفهام بالأهواء، والا فمن خفي عليه الجواز والاستحقاق، وكيف لا يقع عليهما الاتفاق ؟ وهذا هو السر فيما نقل عن السلف من المبالغة في مجانبة أهل الضلال، وسد طريق لا يؤمن أن يجر الى الغواية في المآل، مع علمهم بحقيقة الحال وجلية المقال (1). انتهى. أقول: انظر الى هؤلاء كيف يجوزون تحريم ما حلل الله من لعن من يستحق اللعن من غير اذن من الله، وقد قال الله تعالى (آلله أذن لكم أم على الله تفترون) (2) وسخافة عذر التفتازاني من قبل المانعين من اللعن السائغ شرعا لا يخفى عن اللبيب المنصف. ان قيل: هل اللعن على مذهب الامامية واجب متمم للايمان أم مستحب مكمل للايمان ؟ قلنا: على مذهب الامامية بغض أعداء أهل البيت واجب، لأن به يتم حب أهل البيت الذي أمرنا الله به، وجعله أجر الرسالة، وتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وجوبه علينا، فان حبهم وحب أعدائهم لا يجتمعان، ونعم ما قال الشاعر: تود عدوي وتزعم أنني * احبك ان الرأي عنك لعازب وأما اللعن فغير واجب، بل مستحب مكمل للايمان، وتحديث بنعمة الرب، وأي نعمة أعظم من بغض أعداء أهل البيت. ومن أعذار الامامية في سب أعداء أهل البيت، أن أهل السنة يحكمون على قتلة


(1) شرح المقاصد 5: 310 - 311. (2) يونس: 59.

[ 636 ]

عثمان ومحاربي علي عليه السلام من طلحة والزبير وعائشة ومعاوية، الذين قتل في حربهم نحو مائة ألف من المهاجرين والأنصار وتابعيهم، من العلماء والعباد والزهاد، وأن كل ذلك كان منهم بالاجتهاد، وهم غير مؤاخذين بل مثابون، وإذا جاز الاجتهاد في قتال أخي النبي صلى الله عليه وآله ووصيه والخليفة اجماعا، وفي قتلة عثمان والأنصار والمهاجرين والتابعين، جاز الاجتهاد في لعن بعض الصحابة، مع وفور الأحاديث والاثار الدالة على مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وآله وعداوتهم للوصي، بل هو أولى بالجواز، لأن السب الذي جوزه الشيعة انما هو دعاء عليهم، والباري تعالى ان شاء لم يستجبه، وليس مثل سفك دماء المهاجرين والأنصار وتابعيهم. وهذا معاوية مع ما فعل من قتل المؤمنين ونهبهم، سن لعن علي وأهل بيته عليهم السلام، واستمر ذلك في زمن بني امية ثمانين سنة، ولم ينقص ذلك من شأنه عندهم، ولم يخرج من العدالة فضلا من الايمان، فكيف يفسقوا الشيعة بلعن بعض الصحابة ؟ مع ظهور الدليل على استحقاقهم اللعن. وكيف يجوز للمخالف أن يقول بجواز اجتهاد معاوية وأمثاله في قتال علي عليه السلام ولعنه، وقتل المهاجرين والانصار مع عدم الدليل والشبهة وبعدم جواز اجتهاد الشيعة في لعن أعداء أهل البيت، مع وفور الأدلة من الكتاب والسنة المتواترة. ومن العجب أن المتأخرين من المخالفين قد بالغوا في المنع عن لعن أعداء أهل البيت، حتى حكم بعضهم لفرط عصبيتهم وعدم ديانتهم بكفر من سب الشيخين، بعد ما زعموا أن سباب أمير المؤمنين عليه السلام لم يخرج من العدالة والايمان، وحكم بعضهم بأن سب الشيخين كفر وسب الختنين فسق. انظر أيها اللبيب المنصف الى هؤلاء الجهلة كيف حطوا مرتبة أمير المؤمنين عليه السلام ؟ وخالفوا الله ورسوله في قوله صلى الله عليه وآله (يا علي حربك حربي وسلمك سلمي) وفي قوله (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) وفي قوله (يا

[ 637 ]

علي حبك ايمان وبغضك نفاق) وامثالها من الأحاديث المتواترة الثابتة الصحيحة عند المخالف والمؤالف. وينبغي أن نذكر عبارات جماعة من علمائهم القريبين من الانصاف والتحقيق، ليتبين بطلان قول جاهليهم الذين حكموا بكفر الشيعة بلعن الشيخين. نقل عن الغزالي في كتاب المستظهرية، أنه قال بعد جملة من الكلام: فان قيل: لو اعتقد معتقد فسق أبي بكر وعمر وطائفة من الصحابة ولم يعتقد كفرهم فهل يحكمون بكفره ؟ قلت: لا يحكم بكفره وانما يحكم بفسقه وضلالته ومخالفته اجماع الامة، ونحن نعلم أن الله تعالى لم يوجب على من قذف محصنا بالزنا الا ثمانين جلدة، وأن هذا الحكم يشمل كافة الخلق ويعمهم على وتيرة واحدة، وأنه لو قذف قاذف أبا بكر وعمر بالزنا ما زادوا على اقامة حد الله المنصوص عليه في كتابه، ولم يدعوا لأنفسهم التميز بخاصية في الخروج عن مقتضى العموم. فان قيل: فلو صرح مصرح بكفر أبي بكر وعمر، ينبغي أن ينزل منزلة ما لو كفر شخصا آخر من آحاد المسلمين والقضاة والأئمة من بعدهم ؟ قلنا: هكذا نقول، فلا نفارق تكفيرهم تكفير غيرهم من آحاد الأئمة والقضاة، بل أفراد المسلمين المعروفين بالاسلام الا في شيئين: أحدهما: أنه مخالفة الاجماع وخرقه، فان تكفير غيره ربما لا يكون خارجا لاجماع معتد به. الثاني: أنه ورد في حقهم من الوعد بالجنة والثناء عليهم، والحكم بصحة دينهم وثبات يقينهم، وتقدمهم على الخلق، أخبار كثيرة. فقائل ذلك ان بلغه الأخبار ثم اعتقد مع ذلك كفرهم فهو كافر، لا بتكفيره اياهم ولكن بتكذيبه رسول الله صلى الله عليه وآله، فمن كذبه في كلمة من أقاويله فهو كافر بالاجماع، ومهما قطع النظر عن التكذيب في هذه الأخبار وعن خرق الاجماع، نزل تكفيرهم

[ 638 ]

منزلة تكفير القضاة والأئمة وآحاد المسلمين. انتهى. ونقل بعض شارحي الشفاء للقاضي عياض المالكي، أنه قال في شرح فصل بيان فرق المعتقدين غير اعتقاد أهل السنة من المشبهة والمجسمة والمعتزلة والشيعة: انه يفهم من كلام المصنف في هذا المقام أنه لمالك وأصحابه أقوالا بالتكفير والقتل ان لم يقع لهم توبة، وهو مشكل، لأن القول بالتكفير في مثل هذا المقام - أعني: مقام التأويل والاجتهاد - يتعين عنه الابعاد، لأنه أمر عظيم الخطر، مهول في الدين القويم، تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، إذ هو عبارة عن الاخبار عن شخص أن عاقبته في الاخرة العقوبة الدائمة، وأنه في الدنيا مباح الدم والمال لا يمكن من نكاح مسلمة، ولا يجري عليه أحكام الاسلام في حياته وبعد مماته، والخطأ في ترك ألف كافر أهون عند الله تعالى من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم. ثم ان هذه المسائل الاجتهادية التي نحكم فيها هذا الحكم في غاية الدقة والغموض، لكثرة شبهها، واختلاف قرائن أحوالها، وتفاوت دواعيها، والاستقصاء في معرفة الخطأ، مع كثرة صنوف وجوهه، والاطلاع على حقيقة التأويل وشرائطه في الأماكن، ومعرفة الألفاظ المحتملة للتأويل وغير المحتملة تستدعي معرفة طرق أهل لسان العربية في حقائقها ومجازاتها واستعارتها، ومعرفة دقائق علم التوحيد وغوامضه الى غير ذلك، وهذا متعذر جدا. على أن ذلك مع انضمام الأغراض واختلاف التعصبات وتفاوت دواعي الخاصة والعامة في الأزمنة المختلفة الى تلك الفتوى، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار، فان المفتي على شفير جهنم. هذا هو التحقيق في هذا المقام. ثم قال: ولهذا ترددت أقوال الأئمة المحققين في ذلك، فقال الامام أبو القاسم الأنصاري، والقاضي أبو بكر، والاستاذ أبو اسحاق الاسفرائيني: ذكروا أقوالا

[ 639 ]

لأبي الحسن الأشعري في تكفير المتأولين متعارضة، فالظاهر أنه قد تردد في ذلك. وروى عبد الجبار البيهقي الخوارزمي، عن الامام أحمد بن الحسين البيهقي، عن أبي حارة العبدي، عن الامام أبي علي زيد بن أحمد السرخسي، أنه سمعه يقول: لما قرب حضور أجل الامام أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد دعاني وقال: أشهد علي أنني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأنهم يستوون الى معبود واحد. وقال الامام أبو الحسن أيضا في صدر كتاب المقالات: اختلف المسلمون في أشياء كثيرة ضلل فيها بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض، الا أن الاسلام يشملهم ويعمهم، ألا ترى كيف سماهم مسلمين وان كانوا مختلفين. وقال الامام الشافعي: أقبل شهادة من قال بالوعيد والخوارج الا الخطابية، وهم قوم يشهد يعضهم لبعض من غير تفرقة في المذهب، ووافقهم الامام أبو حنيفة في ذلك. وحكى القاضي عن أبي حازم عن المزني، أنه كان يجعل أهل القبلة مع اختلافهم في مذاهبهم مسلمين، وقال: نمنع عن تكفيرهم، لأن المسائل التي اختلفوا فيها لطاف دقاق يدق النظر فيها. وقال امام الحرمين أبو المعالي الجويني في غياث الامم: ان قيل لنا: فعلوا ما يقتضي التكفير وما يوجب التضليل والتبديع، قلنا: هذا طمع عير مطمع، فان هذا بعيد المدرك عزيز المسلك، يشتمل من تيار بحار التوحيد، ولم يحط علما بهيئات الحقائق ولم يحصل من التكفير على وثائق، ولو أوغلت في جميع ما يتعلق بأذيال الكلام في هذا الباب لبلغ مجلدات، ثم لا يبلغ الغايات. وقال الأنصاري في نكت الأدلة: سمعت الاستاذ أبا القاسم القشيري يقول: راجعت الاستاذ أبا بكر بن فورك في هذه المسألة مرارا، فلم يحر جوابا، وقال: حتى أنظر فانه دين.

[ 640 ]

وقال أبو المحاسن الروياني في الحلية: ولا ينبغي أن يصلي خلف المبتدع، فان صلى لا يلزمه الاعادة، لأنا لا نكفر أحدا من أهل المذاهب المختلفة، وقال عليه السلام: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فله مالنا وعليه ما علينا، ولهذا يناكحون ويقرون عليه مع وجوب الاحتياط. فهؤلاء هم العلماء أعضاد الدين، وأعلام الاسلام، تراهم كيف يحترزون من اطلاق التكفير، واياك والاغترار بقول مجازف يوهمك التعصب للدين، وقصده استتباع العوام، واجتذاب الحطام، والأغراض الدنيوية، الى آخر كلامه. وقال صاحب المواقف: المقصد الخامس في أن المخالف للحق من أهل القبلة هل يكفر أم لا ؟ جمهور المتكلمين والفقهاء على أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة. قال الشارح: فان الشيخ أبا الحسن قال في أول كتاب مقالات الاسلاميين: اختلف المسلمون بعد نبيهم صلى الله عليه وآله في أشياء، ضلل بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم عن بعض، فصاروا فرقا متباينين، الا أن الاسلام يجمعهم ويعمهم، فهذا مذهبه وعليه أكثر أصحابنا. وقد نقل عن الشافعي أنه قال: لا أرد شهادة أحد من أهل الأهواء الا الخطابية، فانهم يعتقدون حل الكذب، وحكى الحاكم صاحب المختصر في كتاب المنتقى عن أبي حنيفة، أنه لم يكفر أحدا من أهل القبلة، وروى أبو بكر الرازي مثل ذلك عن الكرخي (1). انتهى. حكاية لطيفة مناسبة: قد اتفق لي صحبة في مكة المشرفة مع بعض فضلاء أهل السنة، وكان مفتي الحنفية، وكان يتوهم أني على مذهبه وعقيدته، فجرى بيني وبينه مكالمات هذا


(1) شرح المواقف 8: 239.

[ 641 ]

مضمونها وحاصلها: قلت له، هل يرجى النجاة للشيعة ؟ وهم يقولون: ليس داليل يدل على عدم جواز اتباع غير الأربعة، ونحن نعمل بقول جعفر بن محمد الصادق عليه السلام. فأجاب: بأن جعفر بن محمد كان من المجتهدين الكبار ويجوز اتباعه، ولكن ما يدعي الشيعة من المسائل بأنه قول جعفر بن محمد غير ثابت. فقلت له: ان الشيعة يقولون: انا إذا سألنا الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية وقلنا لهم: من أين عرفتم أن ما تعملون به قول هؤلاء المجتهدين ؟ قال كل واحد من هذه الطوائف الأربعة: ان مشايخنا نقلوا عن مشايخهم، وهكذا الى المجتهد الذي نعمل برأيه، فثبت بالنقل المشهور مذهب المجتهد الذي نعمل برأيه، وهكذا نحن عملنا بالنقل المشهور عن مشايخنا طبقة عن طبقة أن ما نعمل به قول جعفر بن محمد عليه السلام. فقال: إذا كان هذا فهم من أهل النجاة. فقلت له: ان الشيعة يلعنون الخلفاء الثلاثة، فهل يكفرون بهذا اللعن أم يفسقون ؟ فقال: العلماء في ذلك مختلفون. فقلت: الشيعة يقولون: انا كما علمنا بالنقل المشهور مذهب الصادق عليه السلام في أحكام العبادات، هكذا علمنا أن مذهبه بغض الخلفاء الثلاثة وعداوتهم. فقال متغيرا: هذا خلاف الاجماع، فصدقته خوفا وتقية، ولم أجترأ أن أقول له: أي اجماع انعقد على ترك بغض الخلفاء الثلاثة ولعنهم ؟ وقد ظهر بغض أهل البيت عليهم السلام وعداوتهم للخلفاء ظهور شمس الضحى. خاتمة في أحوال الأئمة الأربعة لأهل السنة وبعض فتاويهم الركيكة وعقائدهم السخيفة اعلم أن أكبر أئمتهم وأعظمهم أبو حنيفة، فقال علماؤهم في كتب الرجال: ان اسمه

[ 642 ]

نعمان وأبوه ثابت، وجده زوطى من أهل كابل، وكان مملوكا لبني تيم الله بن ثعلبة فاعتق، وعدوه من تلاميذ جعفر بن محمد الصادق عليه السلام (1). ونقل أنه دخل على الصادق عليه السلام، فقال: من أنت ؟ قال: مفتي العراق، قال: بم تفتي ؟ قال: بكتاب الله، قال: هل علمت ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ؟ قال: نعم، قال: فقوله تعالى (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (2) أي موضع هي ؟ قال: بين مكة والمدينة، قال (ومن دخله كان آمنا (3) ما هو ؟ قال: البيت الحرام، فأنشد جلساءه وقال: وهل تعلمون عدم الأمن على النفس والمال بين مكة والمدينة وعدم أمن ابن الزبير وابن جبير في البيت ؟ قالوا: نعم، قال أبو حنيفة: ليس لي علم بالكتاب انما أنا صاحب قياس. قال له: أيما أعظم القتل أو الزنا ؟ قال: القتل، قال: فقنع الله فيه بشاهدين ولم يقنع في الزنا الا بأربعة ؟ أيما أفضل الصوم أو الصلاة ؟ قال: الصلاة، قال: فلم أوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة ؟ قال: أيما أقذر المني أو البول ؟ قال: البول، قال: فما بال الله أوجب الغسل منه دون البول ؟ قال: انما أنا صاحب رأي. قال: فما ترى في امرأة انسان وامرأة عبد سافرا عنهما، فسقط البيت عليهما، فماتا وتركتا ولدين لا يدرى أيهما المالك من المملوك ؟ قال: أنا صاحب حدود، قال: فأعور فقأ عين صحيح وأقطع قطع يد رجل كيف حدهما ؟ قال: انما أنا عالم بمباعث الأنبياء، فقال عليه السلام: فقوله سبحانه (لعله يتذكر أو يخشى) (3) أهذا شك من الله ؟ قال: لا علم لي.


(1) تهذيب التهذيب 10: 449. (2) سبأ: 18. (3) آل عمران: 97. (4) طه: 44.

[ 643 ]

فقال عليه السلام: أتعلم أنك تعمل بكتاب الله ولست ممن ورثه، وأنك قياس وأول من قاس ابليس، ولم يبن دين الاسلام على القياس، وأنك صاحب رأي، وخص الله نبية بالرأي في قوله (فاحكم بينهم بما أراك الله) (1) فكان رأيه صوابا ومن دونه خطاء، ومن أنزلت عليه الحدود أولى منك بعلمها، وأعلم منك بمباعث الأنبياء، ولخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك، ولولا أن يقال دخل أبو حنيفة على جعفر ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يسأله عن شئ لما سألتك، فقس ان كنت مقيسا، فقال: والله لا تكلمت به بعدها، فقال عليه السلام: كلا ان حب الرئاسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك (2). انتهى كلامه عليه السلام. ونقل (3) أنه أتاه رجل من الشرق بكتاب سمعه منه، فرجع عنه، فنادى: عام أول أفتاني بهذا، فأهرقت به الدماء وأبحت به النساء، قال أبو حنيفة: هذا رأي رجعت عنه، قال: أفيجوز أن ترى من قابل غيره أيضا ؟ قال: لا أدري، قال: لكني أدري ان من أخذ عنك فهو ضال. قال الغزالي: أجاز أبو حنيفة وضع الحديث على وفق مذهبه. قال يوسف بن أسباط: قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله لأخذ بكثير من أقوالي. قال الحكم بن هشام قلت لأبي حنيفة: ما تقول هو الحق بعينه ؟ قال: ما أدري، ولعله الباطل بعينه.


(1) اقتباس من قوله تعالى انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) النساء: 105. (2) الاحتجاج للطبرسي 2: 267 - 271، وعلل الشرايع ص 89، والبحار 2: 287، والصراط المستقيم 3: 211 - 212. (3) ما نقله هاهنا فهو منقول عن كتاب الصراط المستقيم 3: 213 - 217.

[ 644 ]

وفي تاريخ بغداد، قال شعبة: كف من تراب خير من أبي حنيفة. وقال الشافعي: نظرت في كتب أصحاب أبي حنيفة، فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة خلاف الكتاب والسنة. قال سفيان ومالك وحماد والأوزاعي والشافعي: ما ولد في الاسلام أشأم من أبي حنيفة. قال مالك: فتنة أبي حنيفة أضر على الامة من فتنة ابليس. قال ابن مهدي: ما فتنة على الاسلام بعد الدجال أعظم من رأي أبي حنيفة. قال له الأصمعي: توضأت وقال: وصلاءت، قال: أفسدت الفقه فلا تفسد اللغة. قال له ابن ليلى: أيحل النبيذ والغناء ؟ قال: نعم، قال: أفيسرك أن تكون امك نباذة أو مغنية ؟ في مجالس ابن مهدي: كان أبو حنيفة يشرب مع مساور، فلما تنسك عاب مساورا، فكتب إليه: ان كان فقهك لا يتم * بغير شتمي وانتقاصي فاقعد وقم بي حيث شئت * من الأداني والأقاصي فلطال ما زكيتني و * أنا المقيم على المعاصي أيام تعطيني وتأ * خذ في أباريق الرصاص فأنفذ إليه أبو حنيفة بمال فكف عنه. وقال: يطهر جلد الميتة والكلب بالدباغ. وفي سنن ابن ماجة وأمالي ابن شيبة قول النبي صلى الله عليه وآله: لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب. وقال: لو ماتت فأرة في بئر نزح منها عشرون دلوا، ولو وقع فيها ذنبه نزحت كلها. وقال: ان الاستنجاء من البول والغائط غير واجب.

[ 645 ]

وقال النبي صلى الله عليه وآله: من أدرك ركعة من العصر فقد أدركها، ومن الصبح فقد أدركها وقال أبو حنيفة: يكون العصر مدركا، وللصبح ليس مدركا، فأخذ بنصف الخبر وألقى نصفه. وقال: يملك المسلم الخمر بشراء وكيله الذمي. وقال: يصح ابراء الوكيل بغير اذن الموكل. وقال: لو زرع بيده الأرض المغصوبة فلا اجرة عليه، ولو آجرها فالاجرة له. وقال: لو غير المغصوب عن صفته ملكه. وقال: إذا وجب البيع فلا خيار للمجلس بعده، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار ما لم يفترقا. وجوز أن يجعل الخمر ثمنا للأشياء، وقال: إذا اشترى المسلم عبدا من ذمي بخمر ثم أعتقه، ان العتق جائز وعليه قيمة الخمر، وقال: ثمن الكلب حلال. مع أنهم رووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ثمن الكلب سحت. وقال نضر بن شميل في كتاب الحيل: ثلاثمائة وثلاثون حيلة، قال الشافعي: كلها كفر، منها: من قتل حماته (1) انفسخ نكاح زوجته، ومن حلف ليتزوجن برئ بالعقد على كافرة أو احدى محارمه، ومن حلف ليصومن أو ليصلين، فصام بعض يوم أو سجد سجدة لم يحنث في يمينه. ومن حلف ليطأن زوجته صائمين من غير عذر، يلف حريرة ويطأ ولا يقضي صومه. ومن طلق ثلاثا فأراد زوجها ارجاعها أمرها بالردة، فإذا فعلت نكحها. كم من فرج محصنة عفيفة * أحل حرامه بأبي حنيفة وكم من كل مسألة ظريفة * تجهمها بآراء سخيفة


(1) يريد بالحماة أقارب الزوجة ممن لا يجمع بين نكاحها ونكاح الزوجة.

[ 646 ]

فصير حسنها في الناس قبحا * وصير طيبها فيهم كجيفة وجوز الطلاق قبل النكاح وحديث النبي صلى الله عليه وآله بخلافه. وقال بصحة سائر العقود من المكرهين، وروت عائشة (لا طلاق ولا عتاق في اغلاق) والاغلاق هنا الاكراه والسكر. وقال: لو تزوج وطلق عقيب العقد بلا فصل ولا دخول لحق به الولد لستة أشهر. وقال: لو عقد عليها بمصر وهي ببغداد لحق به الولد. وقال: لو غاب عن زوجته مدة طويلة ولم يفارق أصحابه فجاءت بولد لحقه. وقال: لا قود على من قتل بغير حديد، من خنق ورض رأس وغيره، حتى قيل له في رجل رمي بحجر فقتله، فقال: لو رماه بأبي قبيس لم أقتله به. وقال: الجنايات الموجبة للحدود إذا تقادم عهدها سقطت. وقال: الشارب إذا زال سكره سقط حده. وقال: المثلث الذي لا يسكر حلال، وشربه سنة وتحريمه بدعة. وقال: كان النبي قال: كل سكر حرام، فزاد الميم وقالوا: كل مسكر، قال أبو نواس: أحل العراقي النبيذ وشربه * وقال روينا أنه حرم السكر وقال المعربي: وما قاله الكوفي في الفقه مثلما * تغنا به البصري في صفة الخمر يعني: أبا نواس. وقال: لو سرق بعض الجماعة قطع الجميع، حكاه المفيد في المحاسن، فأسقط الحد مع وجوبه، وأوجبه مع سقوطه. وأسقط النبي صلى الله عليه وآله الزكاة عن الأوقاص والخيل والرقيق والخضراوات والناقص عن خمسة أوسق من

[ 647 ]

الغلات، وأوجبها أبو حنيفة في ذلك كله (1). وفي كتاب مطالع الأنوار: أنه أجاز الوضوء بالنبيذ للصلاة، فيبدأ بغسسل رجليه ورأسه ثم بيديه، ويلبس جلد كلب ميت مدبوغا، ويفرش تحته جلد كلب ميت مدبوغا، ويسجد على عذرة انسان يابسة، ويكبر بالهندية، ويقرأ فاتحة الكتاب بالفارسية، ويقول عوض السورة دو برگ سبز يعني مد هامتان، ثم يركع ولا يرفع رأسه ولا يقيم ظهره، ثم يسجد ويفصل بين السجدتين بمقدار حد السيف، وقبل التسليم يضرط متعمدا، فان صلاته صحيحة، وان ضرط ساهيا بطلت صلاته. ثم قال: وأعظم من هذا قوله: ان نكاح الام وان علت، والبنت وان نزلت، والاخت وبنت الاخت والعمة والخالة، جائز بشرط لف الحريرة. وإذا اشترى الرجل امه واخته وقرابته، جاز له نكاحهن، والأجير إذا استأجره جاز له أن يلوط بلف الخرقة، وقال في المشتري بأنه لا يجوز له ذلك الا بشرط كونه غير محصن، وقال ناظمهم: وجائز نيك الغلام الأمرد * مجوز للرجل المجرد هذا إذا كان وحيدا في السفر * ولم يجد انثى يفئ الى الذكر قال: ومن بدع أبي حنيفة أنه إذا شهد أربعة رجال بالزنا، فان صدقهم سقط عنه، وان كذبهم ثبت الحد عليه. وقال: لو لاط رجل بصبي ولم يوقبه، فلا حد عليه بل يعزر. وقال: لو قتل المسلم التقي العالم كافرا قتل به. وقال: لو قتل الحر عبدا قيمته عشرة دراهم قتل الحر به.


(1) الصراط المستقيم 3: 213 - 217.

[ 648 ]

مذهب الشافعي الثاني: من أئمتهم الشافعي، حكى الربيع في كتابه أنه قال: لا بأس بصلاة الجمعة والعيدين خلف كل أمير وان كان متغلبا، صلى علي بالناس وعثمان محصور - صرح بتغلب علي عليه السلام - والمتغلب على أمر الامة فاسق. وقال: صلى الحسنان خلف مروان وما كانا يعيدان. قال أبو بكر بن عياش: سود الله وجه ابن ادريس. وقال عمار بن زريق: ذكر الشافعي عند الثوري، فقال: غير فقيه ولا مأمون. وقال: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجرائد، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ الكلام، وقال أصحابه المختلفون في المذاهب ثلاثة: نكفر المعتزلة، ونفسق السبابة للسلف، والمخالفون في الفروع لا ولا. وفي الاحياء: أخذ الشافعي من الرشيد ألف دينار دفعة. وفي منية النفس، قال القاضي ابن شهري: كان الشافعي لا يحدث الا وبجانبه غلام أمرد حسن الوجه، فأنشد أصحابه لنفسه: يقولون لا تنظر وتلك بلية * ألا كل ذي عينين لابد ناظر وليس اكتحال العين بالعين ريبة * إذا عف فيما بينهن الضمائر وحكم بطهارة المني، وقال: منه خلقت الأنبياء، ونسي خلقهم من العلقة وهي دم نجس. وقد سمى أثر المني رجس الشيطان في قوله (ويذهب عنكم رجس الشيطان) (1) فأوجب نجاسته والتطهير منه. قال: إذا مس المؤمن فرجه، أو فرج كلب أو خنزير، أو فرج بهيمة أو صغير،


(1) الانفال: 11.

[ 649 ]

أو بدن امرأة أجنبية، انتقض وضوؤه. ونقل الفقيه العراقي الحنفي، أن الشافعي جوز التشهد والتسليم بالفارسية، وجوز بدل فاتحة الكتاب في الصلاة آية طويلة بمقدارها، مع أنهم نقلوا عن النبي صلى الله عليه وآله: كل صلاة لا يقرأ فيها ام الكتاب فهي خداج. وجوز أن يبيع المسلم أهل الحرب السلاح، وكذا جوز مبايعة قاتلي الأنفس، وقاطعي الطريق، ومخيفي السبيل السلاح الذي يتوصلون به الى حتف أهل الاسلام، وحكم بنجاسة الشعر إذا بان من الحي. وسن مسح الرأس ثلاثا، وجوز أكل دود الطعام معه. وقال: كل حيوان طاهر في حياته يطهر جلده إذا مات بدباغة. وقال: لا بأس بالصلاة خلف الخوارج لأنهم متأولون، وخلف الفاسق والمبدع، وأبطل الصلاة في السفينة إذا كان حبلها مشدودا في موضع نجس. وقال: لو تشهد بالفارسية أجزأ، ولم ير النبي صلى الله عليه وآله تلفظ بها في حال فضلا عن أن يؤدي بها فرضا. وقال: لو جمع بين الظهرين في وقت العصر جاز أن يبدأ بالعصر، وجوز الاعتكاف بغير صوم، ولم يعتكف النبي صلى الله عليه وآله الا صائما. وقال: من أفطر في رمضان عمدا لا لعذر قضى ولا كفارة. وقال: من أسلم في بعض يوم ولم يصمه قضاه. وقال: صرف المال الى النكاح أولى من الحج. وقال: للأبوين منع الولد من حج الاسلام. وقال: لو ذبح الهدي ذمي أجزأ. وقال: اللواط وايتاء البهيمة لا يفسد الحج. قال ابن الحجاج: فرعون لم يحكم بهذا ولا * جرت بن سنة هامان وقال: للسلطان أن يقطع شيئا من الشوارع ورحبات الجوامع. وقال: العجم ليسوا أكفاء العرب، ولا العرب لقريش، ولا قريش لبني هاشم.

[ 650 ]

وقال: يجوز نكاح البنت من الزنا. وقال: إذا أبصر النبي صلى الله عليه وآله امرأة وأعجبته وجب على زوجها طلاقها. وفي شرح كشاف المازني: أحل أكل الطين الأبيض مع قول النبي صلى الله عليه وآله: الطين حرام على امتي. قال الخورازمي: دع الطين معتقدا مذهبي * فقد صح لي من حديث النبي من الطين ربي برا آدما * فآكله آكل للأب وأجاز سماع الغنا بالقصب وشبهه، وفي القرآن (اجتنبوا قول الزور) (1). وقال: الجلاد لاعهدة عليه عند جهله بالحال. وقال: إذا تغلب الفسقة على الولاية، فكل من ولوه نفذ حكمه (2). وفي كتاب مطالع الأنوار: أنه أجاز لعب الشطرنج. وقال: لو نسي الصلاة فيه لم يكن عليه اثم. ثم قال: ومن بدعه أنه أباح الرقص والدف والقصب الذي تسميه العامة الشباب، وفضل الدف المسلسل وجعله عبادة، وحكم باستحباب قراءة آخر الجمعة أمام اللعب بالدف. ثم قال: ومن بدعه أنه أباح نكاح الام من الزنا، وكذا العمة والخالة والاخت والبنت، قال الامدي: علومكم وان كثرت هباء * بلا أصل وفضلكم فضول أتعتقدون قاتل آل طه * غدا في الحشر ينجو والقتيل ودينكم القياس فهل بهذا * متى أنصفتم تقضى العقول


(1) الحج: 30. (2) الصراط المستقيم 3: 217 - 220.

[ 651 ]

مذهب مالك الثالث: من أئمتهم الأربعة مالك، وفي كامل المبرد وعقد ابن عبد ربه، كان مالك يذكر عليا وعثمان وطلحة والزبير، ويقول: والله ما اقتتلوا الا على الثريد الأعفر. ودخل محمد بن الحسن على مالك يسمع منه الحديث، فسمع في داره المزمار والأوتار، فأنكر عليه فقال: أنا لا أرى به بأسا. وفي حلية الأولياء وغيرها، عن ابن حنبل، وأبي داود، أن جعفر بن سليمان ضرب مالكا وحلقه وحمله على بعير، وروي أنه كان على رأي الخوارج، فسئل عنهم، قفال: ما أقول في قوم ولونا فعدلوا فينا. وقتل شخص أخاه، فقال أبوه: أنا الوارث وقد عفوت عنه، قال مالك: ليس لك ذلك، وكان الأب إذا سئل يقول: أحدهما قتل صاحبه والاخر قتله مالك. وقال: لو تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على الشك. وعن الشافعي لا يحل لمالك أن يفتي. وقال: سؤر الكلب والخنزير من المايعات مباح، ومن الماء مكروه. وقال: من لم يجد الا ماء ولغ فيه كلب توضأ منه. وقال: لعاب الكلب طاهر. وقال: كره التسمية في الصلاة الا في رمضان، وجعل الاستعاذة بعد القراءة أخذه من ظاهر (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) (1) وجميع أهل المعاني قالوا: معناه إذا أردت أن تقرأ. وجوز هو والشافعي تقدم المأموم على الامام. وقال: لو حلف لا يأكل لحما، فأكل شحما حنث، ولو عكس لم يحنث، وهذا تناقض. وقال: البحري كله حلال ولو طفا. وقال: سائر سباع الطير ذي المخلاب وغيره لا بأس بأكله، وكذا الوحشي


(1) النحل: 98.

[ 652 ]

كله الا الخنزير. وفي كتاب ابن ماجة: نهى النبي صلى الله عليه وآله عن كل ذي ناب أو مخلاب. وفي سننه أيضا: ما تقول يا رسول الله في الثعلب والضبع ؟ فقال: من يأكلهما ؟ قلت: فالذئب، قال: هل يأكل الذئب أحد فيه خير. وقال: لو قال: أنت طالق يوم أموت أو تموتين أو يموت زيد طلقت في الحال. وقال: لو اعتقد الطلاق بقلبه وقع. وقال: لو قال: أنت علي كظهر امي أو ظهر زيد أو ظهر الدابة وقع. وقال: لو قال: كل من أتزوجها فهي طالق فتزوج واحدة طلقت، فلو عاد وتزوجها طلقت أيضا. وقال: أكثر الحمل سبع سنين أو خمس أو أربع. وقال: من قطع ذنب حمار القاضي لزمه كمال قيمته. وقال: للمخنث أن يستعمل، لأنه مالك نفسه (1). وفي كتاب مطالع الأنوار: أنه جوز نيك الغلام، فلو امتنع كان له رده لأنه عيب. ومن بدعه: أنه أباح لحم الكلب وقال: انه أطيب من لحم النعم. وقال: انه يجب علينا إذا توضأنا أن لا نباشر الرافضي برطوبة الوضوء، فيجب علينا الطهارة بمسه. وقال هو والحنفي: ان سرقين البقر نجس لو وقع على ثوب المصلى أو بدنه قطرة بطلت وجسم الباري وقال بالجبر. ومن بدعه: أنه ادعى أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بجنابة، وأنه لم يعلم فأخبرته عائشة، ففركها بيده ولم يقض، نعوذ بالله من هذه العقائد. مذهب ابن حنبل الرابع: ابن حنبل، قال الكشي: هو من أولاد ذي الثدية، جاهل، شديد النصب، يستعمل الحياكة لا يعد من الفقهاء. وهجر الحارث المحاسبي في رده على


(1) الصراط المستقيم 3: 220 - 222.

[ 653 ]

المبتدعة، وقال: ان ترد عليهم فقد حكيت قولهم. وفي قوت القلوب أنه قال: علماء أهل الكلام زنادقة، وقال: لا يفلح صاحب الكلام أبدا. وفي فضائل الصحابة، قال صالح بن أحمد بن حنبل لأبيه: لم لا تلعن يزيد ؟ فقال: ومتى رأيتني لعنت أحدا ؟ فقال: ألا تلعن من لعنه الله في كتابه ؟ قال: أين ؟ قال: في قوله (فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى قلوبهم) (1) فهل قطيعة أعظم من القتل ؟ وفي مسند جعفر قال أحمد: لا يكون الرجل سنيا حتى يبغض عليا ولو قليلا. وفي كتاب منتحل الجدل للغزالي: أفتى أحمد بوجوب قتل رجل قال بخلق القرآن، فروجع فيه فقال: ان رجلا رأى في منامه أن ابليس مر على دار ذلك الرجل، فقيل: لم لا تدخلها ؟ فقال: فيها رجل يقول بخلق القرآن، أغناني عن دخولها، فقام الرجل وقال: لو أفتى ابليس بقتلي في اليقظة قتلتموني ؟ قالوا: لا، قال: في النوم أولى. وقال: لله جوارح من عين ويد وجنب وقدم، وينزل من السماء كل ليلة، وأفعال العباد منه. قال: من زعم أن محمدا وعليا خير البشر فهو كافر. وقال: من لا يرى الترحم على معاوية فهو ضال مبتدع. قال: يجزئ المسح على العمامة، كاسحاق والأوزاعي والثوري. وقال: يجوز مسح الرأس بيد غيره وبآلة ومطر يمر على رأسه. وصنف عبد الله الهروي منهم كتابا في اعتقادهم، وفيه: ان الله عاب الأصنام في قوله (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها) (2) فدل هذا على أن له ذلك.


(1) محمد (ص): 22 - 23. (2) الأعراف: 195.

[ 654 ]

قلنا هذا خروج على وجه الاستعظام لعبادة الأصنام، حيث عدلوا عنه تعالى، مع ظهور آياته الى من لا ينفع من عبده، ولا يضر من جحده، فلا آلة له يدفع بها عن نفسه فهذا موضع العجب والانسلاخ من القرآن في قوله (ليس كمثله شئ) (1). وفي كتاب مطالع الأنوار عن بعض الحنابلة: اسألوني عن كل شئ اجيبكم عنه في ربكم الا اللحية، ثم قال: وقالوا: انه ينزل في كل ليلة جمعة على حمار على سطوح المساجد قد أرخى ذوائبه على كتفيه، ذو بهاء وجمال، فيجعلون كل ليلة جمعة على سطوح مساجدهم طعاما وعلفا لحماره. وقد اشتهر أن رجلا من الحنابلة الزهاد والعباد صعد الى سطح الجامع يرجو أن ينزل ربه بحماره إليه، فاتفق أنه كان على سطح الجامع غلام أجرد أمرد جميل الصورة مليح الوجه قطط الشعر، فلما وقع بصر الحنبلي عليه لم يشك أنه ربه، فوقع على قدميه يقبلهما ويعفر وجهه بين يديه ويقول: سيدي ومولاي وربي وخالقي ارحمني ولا تعذبني، ويشكو ويتضرع، فبهت الغلام وظن أنه يريد منه فعلا قبيحا فصاح الغلام بالحاضرين الذين كانوا فوق السطح، وقال لهم: ان هذا يريد أن يفسق بي على سطح الجامع، فأتى إليه جمع من النفاطين وأوجعوه ضربا، ومضوا به الى الحاكم، ثم ذهبت جماعة من الحنابلة الى الحاكم وأقسموا بالله أن هذا الرجل لا يظن فيه هذا الفعل، وانما ظن أنه ربه وأراد أن يقبل قدميه. انظروا أيها الفرقة الناجية الى هذه المذاهب الأربعة، واشكروا الله على ما أنتم عليه من العقائد الحقة، ونعم ما قال شاعر الشيعة: إذا شئت أن تختر لنفسك مذهبا * وتعلم أن الناس في نقل أخبار


(1) الصراط المستقيم 3: 223 - 224.

[ 655 ]

فدع عنك قول الشافعي ومالك * وأحمد والمروي عن كعب أحبار ووال اناسا قولهم وحديثهم * روى جدنا عن جبرئيل عن الباري قبائح فتاويهم التي أجمع فقاؤهم عليها الأول: أجازوا غسل الرأس بدلا مم مسحه في الوضوء، وأوجبوا غسل الرجلين، فخالفوا نص الكتاب في الموضعين. الثاني: أجازوا مسح الخفين، وقد نطق القرآن بالرجلين. الثالث: استحبوا صلاة الضحى، وقد رووا في كتبهم بدعتها، ففي الجمع بين الصحيحين للحميدي، عن مرزوق العجلي، قال: قلت: أكان عثمان يصلي الضحى ؟ قال: لا، قلت: فعمر ؟ قال: لا، قلت: فأبوبكر ؟ قال: لا، قلت: فالنبي صلى الله عليه وآله ؟ قال: لا أخاله (1). وفيه في مسند عائشة، قالت: ما صلى النبي صلى الله عليه وآله صلاة الضحى (2). وفيه عن ابن عمر: صلاة الضحى بدعة (3). وفي مسند ابن حنبل: أن أبا سعيد وأبا بشير رأيا رجلا يصليها، فعتباه عليها ونهياه عنها (4). وسبب ابتداعها أن معاوية لما بلغه نعي أمير المؤمنين عليه السلام وقت الضحى قام فصلى ست ركعات، ثم أمر بني امية بالأحاديث في فضلها عن النبي صلى الله عليه وآله حتى رووا ان الله كتبها عليه (5).


(1) الطرائف ص 544 عنه. (2) الطرائف ص 544 عنه، وصحيح مسلم 1: 496. (3) الطرائف ص 545 عنه. (4) الطرائف ص 545 عنه. (5) الصراط المستقيم 3: 185.

[ 656 ]

الرابع: خيروا المسافر بين الصوم والفطر، فخالفوا قوله تعالى (فعدة من أيام اخر) (1) وفي الجمع بين الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله أفطر في سفره الى مكة. وفيه أيضا: أنه أفطر في خروجه الى خيبر (2). الخامس: اكتفوا في صلاة الموتى بتكبيرات أربع، وفي الجمع بين الصحيحين عن زيد بن أرقم: كان النبي صلى الله عليه وآله يكبر خمسا، وكبر على سهل بن حنيف خمسا، وقال: انه من أهل بدر ايضاحا أن الخمس للمؤمن، والأربع للمنافق، ووافقنا ابن ليلى، ورثا أبو تمام شيعيا، فقال: وتكبيره خمسا عليه دلائل * وان كان تكبير المضلين أربعا وروى الخطيب والديلمي: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي على الميت خمسا، وأسند الخطيب التاريخي: أن عيسى مولى حذيفة بن اليمان صلى على جنازة فكبر خمسا، ثم التفت وقال: ما وهمت ولا نسيت، ولكن تبعت مولاي حذيفة، فانه كبر خمسا. وفي الفردوس قال عليه السلام: كبرت الملائكة على آدم خمسا، وفي رواية ابن بطة صلى النبي صلى الله عليه وآله على حمزة بخمس تكبيرات، وصححه صاحب المنتظم، وذكره الهمداني في عنوان السنن. وقال العسكري في كتاب الأوائل: من كبر أربعا عمر بن الخطاب، وقد روي أن الله كتب خمس فرائض: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، فجعل للميت من كل فريضة تكبيرة، والعامة تركوا الولاية، فتركوا تكبيرها (3). السادس: أنهم لم يستحبوا الجريدتين، مع أنه ورد في الجمع بين الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله مر بقبرين يعذبان: أحدهما من النميمة، والاخر لعدم التنزه من البول،


(1) البقرة: 184. (2) الطرائف ص 528 - 529، الصراط المستقيم 3: 185. (3) الصراط المستقيم 3: 186 - 187.

[ 657 ]

فشق عسيبا رطبا باثنين وغرس على كل واحد واحد، ثم قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا. وفي حديث سفيان: أنه عليه السلام قال للأنصار: خضروا صاحبكم بجريدتين خضراوين يوضعان من أصل الترقوة الى أصل اليدين (1). ومن جملة تعصبات فقهائهم في غير الحق وعدولهم من السنة الى البدعة: أن ذكر الغزالي والمتوكل (2) وكانا امامين للشافعية، أن تسطيح القبور هو المشروع، لكن لما اتخذه الرافضة شعارا لهم، عدلنا عنه الى التسنيم (3). وذكر الزمخشري في كشافه وهو من أئمة الحنفية، في تفسير قوله تعالى (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) (4) جواز الصلاة بمقتضى هذه الاية على آحاد المسلمين، لكن لما اتخذه الرافضة ذلك في أئمتهم منعناه. وقال مصنف الهداية من الحنفية أيضا: المشروع التختم باليمين، لكن لما اتخذه الرافضة عادة جعلنا التختم في اليسار. وقال الكنجي في كفاية الطالب: ان عليا عليه السلام كان يتختم باليمين. وقال الترمذي والسجستاني وابن حنبل وابن ماجة وأبو يعلى والمحتسب والسلمي والبيهقي، وهو في صحيح مسلم والبخاري: ان النبي صلى الله عليه وآله والعترة والصحابة تختموا في أيمانهم. وعد الجاحظ في كتاب نقوش الخواتيم أن الانبياء من آدم الى النبي صلى الله عليه وآله تختموا في أيمانهم، وخلعه ابن العاص من يمينه ولبسه في شماله وقت التحكيم. وذكر الراغب في المحاضرات: أن أول من تختم في اليسار معاوية، فلبس المخالف في شماله، علامة ضلالته باستمراره على خلع علي عليه السلام من امامته.


(1) الصراط المستقيم 3: 187. (2) في الصراط: والمزني. (3) الصراط المستقيم 3: 206. (4) الأحزاب: 43.

[ 658 ]

وفي التذكرة: قال الشافعي وأحمد والحكم واسحاق: المسح على الخفين أولى من الغسل لما فيه من مخالفة الشيعة. وقال عبد الله المغربي المالكي في كتابه المعلم بفوائد مسلم: ان زيدا كبر على جنازة قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبرها، وهذا المذهب الان متروك، لأنه صار علما على القول بالرفض. فلينظر العاقل الى من يذهب الى ضد الصواب، ويترك ما جاء في السنة والكتاب، ويبدل أحكام الشريعة لأجل العمل بها من الشيعة، وهلا بدلوا الصلاة والصيام وغيرهما من الأحكام لأجل عمل القائلين بعصمة الامام عليه السلام، أما نحن فبحمد الله لم نعتمد الا ما ثبت صحته وصحة روايته، فأخرجناه من سنة نبينا لأجل من يعمل به من غيرنا (1). ومن عقائد المخالفين في اصول الدين: أن الأشاعرة المسمين أنفسهم بأهل السنة والجماعة ذهبوا الى أن القدماء كثيرون مع الله، وهي المعاني التي يثبتونها موجودة في الخارج، كالقدرة والعلم وغير ذلك، ولم يجعلوا الله قادرا لذاته، ولا عالما لذاته، ولا حيا لذاته، ولا مدركا لذاته، بل بمعاني قديمة، يفتقر في هذه الصفات إليها، فجعلوه محتاجا ناقصا في ذاته كاملا بغيره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. واعترض عليهم شيخهم وامامهم فخر الدين الرازي بأن قال: ان النصارى كفروا لأنهم قالوا: ان القدماء ثلاثة، والأشاعرة أثبتوا قدماء تسعة، وذهبوا الى أنه تعالى يرى بالأبصار، مع كونه غير جسم وتنزهه عن المكان والجهة، بل جوزوا رؤية كل موجود من الأعراض وغيرها، حتى جوزوا رؤية الأصوات والطعوم والروائح، وجوزوا رؤية أعمى العين. وذهبوا الى تجويز أن يكون بين أيدينا جبالا شاهقة من الأرض الى السماء مختلفة


(1) الصراط المستقيم 3: 206 - 207.

[ 659 ]

الألوان ولا نشاهدها، وأصوات هائلة لا نسمعها، وعساكر مختلفة متحاربة بأنواع الأسلحة، بحيث تماس أجسامهم بأجسامهم ولا نشاهد صورهم وحركاتهم، ولا نسمع أصواتهم. وذهبوا الى أنه تعالى متكلم أزلا، وكلامه تعالى قديم، والله سبحانه في الأزل قبل أن يخلق مخلوق متكلم بقوله (يا أيها النبي اتق الله) يا أيها الناس اتقوا ربكم) وكذا متكلم في الأزل قبل خلق العالم بجميع القصص والأخبار التي في القرآن. وذهبوا الى تجويز ما لا يطاق، بأن يأمر الله عبدا بما لا يقدر عليه، ثم يعذبه على تركه. وذهبوا الى أن أفعال الله ليست معللة بالأغراض. وقولهم هذا مخالف للكتاب والسنة. ومما يلزمهم في هذا القول افحام الأنبياء، لأن النبي إذا ادعى النبوة وأظهر المعجزة يقال له: لم يبعثك الله لهداية الناس، ولم يظهر المعجزة لتصديقك، لأن أفعال الله ليست معللة بالأغراض، فلا يثبت نبوتك فينقطع النبي، ولا ريب أن هذه الأقوال عين السفسطة. والمعتزلة من المخالفين أيضا لهم آراء سخيفة، ومن آرائهم السخيفة القول بثبوت المعدومات، وهذا القول خلاف البديهة، لأن الثابت بالضرورة لا يكون الا موجودا، وهؤلاء يعتقدون أن جميع الأمصار مع أهلها وحركاتها وسكناتهم وأطعمتهم وأكسيتهم كانت ثابتة متميزة في الأزل قبل وجودها، ثم كساها الله كسوة الوجود. وذهب الحشوية والمجسمة من المخالفين الى أن الله تعالى جسم له طول وعرض وعمق، وأنه يجوز عليه المصافحة، وأن المخلصين من المسلمين يعانقونه. وحكى الكعبي عن بعضهم أنه كان يجوز رؤيته في الدنيا، وأن يزورهم ويزورونه. وحكى أبو القاسم البلخي عن داود الظاهري أنه قال: اعفوني عن الفرج

[ 660 ]

واللحية وتسألوني عما وراء ذلك. وقال: ان معبوده جسم ولحم ودم، وله جوارح ويد ورجل ولسان وعين واذن. وحكي أنه قال: هو أجوف من أعلاه الى صدره مصمت ما سوى ذلك وله شعر قطط، وقالوا: اشتكت عيناه فعاده الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وأنه تفضل عن العرش من كل جانب أربع أصابع. وذهب بعضهم الى أنه تعالى ينزل في كل ليلة الجمعة على شكل أمرد حسن الوجه، راكبا على حمار، حتى أن بعضهم وضع على سطح داره معلفا، وكان يضع كل ليلة جمعة فيه شعيرا وتبنا، لتجويز أن ينزل الله على حماره على ذلك السطح، فيشتغل الحمار بالأكل، ويشتغل الرب بالنداء: هل من تائب، هل من مستغفر يستغفر وأنا أتوب عليه وأغفر له، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وحكي عن بعض التاركين المنقطين من شيوخ الحشوية، أنه اجتاز عليه في بعض الأيام نفاط، ومعه أمرد حسن الصورة، قطط الشعر، على الصفات التي يصفون ربهم بها، فألح الشيخ في النظر إليه، فتوهم فيه النفاط فجاء إليه ليلا، وقال: أيها الشيخ رأيتك تلح بالنظر الى هذا الغلام وقد أتيت به اليك، فان كان لك فيه نية فأنت الحاكم، فرد الشيخ عليه، وقال: انما كررت النظر إليه لأن مذهبي أن الله تعالى ينزل على صورة هذا الغلام فتوهمت أنه تعالى، فقال له النفاط: ما أنا عليه من النفاطية أجود مما أنت عليه من الزهد مع هذه المقالة. وقال الكرامية من المخالفين: ان الله تعالى في جهة الفوق. ومن قبائح مذاهب المخالفين أنهم ذهبوا الى أن الأنبياء والأئمة غير معصومين، وجوزوا عليهم الكذب والسهو والخطأ والنسيان والسرقة، فأي وثوق يبقى بقولهم ؟ وكيف يحصل الانقياد إليهم ؟ ولم يجعلوا الأئمة المحصورين في عدد معين، بل من بويع انعقدت امامته إذا كان مستور الحال، وان كان على غاية من الفسوق

[ 661 ]

والكفر والنفاق، وقد تقدم اختلافهم في عدد المبايعين، واختلافهم في أن القرشية هل هي شرط في الامام أم لا ؟ ولا يخفى أن ما ذكرناه بعض أقاويلهم السخيفة، ومن أراد الاستقصاء فعليه بالكتب المطولة، ولا ريب أن من له أدنى شعور وانصاف إذا نظر الى ما نقلناه من قبائح مذاهب المخالفين لا يختار من المذاهب الا مذهب الامامية، بشرط أن لا يكون قلبه مريضا بمرض التقليد وحب اتباع الاباء والامهات. عقائدهم في الجبر والتفويض ومن قبائح عقائد المخالفين قولهم بالجبر والتفويض. اعلم أن المخالفين: إما قائلون بالجبر، وهم ذاهبون الى أن الفعل والترك بقضاء الله والقدر، وأنه لا مؤثر في الوجود الا الله، وهو مذهب أكثر المخالفين، ولكن طائفة منهم وهم الجهمية لا يفرقون بين حركة المرتعش وغيرها من الحركات. وطائفة منهم فرقوا بين الحركتين، بأنه لا كسب للمرتعش في حركته، وغير المرتعش له كسب في حركاته، وفسروا الكسب بأن للعبد في أفعاله قدرة ضعيفة غير مؤثرة، مع قدرة الله القاهر المؤثرة. ولاريب أن هؤلاء لا ينفعهم اثبات الكسب، ولا يخرجهم من مفاسد الجبر، لأن القدرة الضعيفة التي لا تأثير لها مع قدرة الله القاهرة المؤثرة وجودها كعدمها. وإما قائلون بالتفويض، وهم المعتزلة، وهؤلاء اعتقدوا أن الله تعالى فوض الأمر الى العبد بحيث يفعل ويترك من غير قضاء الله وقدره ومشيئته. وهذا المذهب أيضا خارج عن الصواب ومخالف للسنة والكتاب. والمذهب الذي هو الصواب والحق، ما أشار إليه الصادق المصدق صلوات الله

[ 662 ]

عليه بقوله (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين) (1) وتفسيره: أن العبد يفعل ويترك بقضاء الله وقدره ومشيئته، ولكن لا بقضاء وقدر لازم ومشيئة، بل الفاعل مع القضاء والقدر والمشيئة قادر على الترك، والتارك معها قادر على الفعل. وسخافة القول بالجبر واضحة، بحيث لا يخفى على من لطبعه أدنى استقامة، وكيف يجوز عاقل أن الله الرؤوف الرحيم يجبر العباد على المعاصي، ثم يعذبهم بها، والأشقياء المجبرة ملعونون على ألسنة الأنبياء والأوصياء. ونقل عن كتاب الفائق قول النبي صلى الله عليه وآله: لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيا، قيل: ومن القدرية ؟ قال: قوم يزعمون أن الله قدر المعاصي عليهم وعذبهم عليها (2). وقال في الفائق: وأما المجبرة فان شيوخنا كفروهم (3). وحكى قاضي القضاة عن الشيخ أبي علي أن المجبر كافر، ومن شك في كفره فهو كافر. وروى أبو الحسن، عن محمد بن علي المكي باسناده، أن فارسيا قدم الى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما أعجب ما رأيت ! قال: رأيت قوما ينكحون محارمهم، ثم يقولون قضاء الله وقدره، قال النبي صلى الله عليه وآله: سيكون في امتي مثلهم اولئك مجوس امتي (4). وذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الامم في رواية الأصبغ: أن شيخا سأل عليا عليه السلام بعد انصرافه من صفين: أكان سيرنا الى الشام بقضاء وقدر ؟ قال: نعم، قال: عند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئا، قال: لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما، تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وشهود الزور، وأهل


(1) اصول الكافي 1: 160 ح 13. (2) الطرائف ص 344 عنه. (3) الصراط المستقيم 3: 64. (4) الصراط المستقيم 3: 64.

[ 663 ]

العمى عن الصواب، وهم قدرية هذه الامة ومجوسها، فنهض الشيخ مسرورا (1). وعن الحسن البصري: بعث الله محمدا والعرب قدرية مجبرة، لقوله تعالى فيهم (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) (2) ولقوله (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا) (3). وعنه أيضا: ان من المخالفين قوما يقصرون في أمر دينهم، ويحملونه على القدر، ولو أمرتهم فيه بشئ قالوا: لا نستطيع قد جفت الأقلام وقضي الأمر، ولا يرضون في أمر دنياهم الا بالاجتهاد والحذر، ولو قلت لهم: لا تشقوا نفوسكم ولا تخاطروا في الأسفار بها في طلب رزقكم، ولا تسقوا زروعكم، واتركوا أنعامكم من حراستها، فانه لا يأتيكم الا ما قدر لكم، لأنكروا ذلك ولم يرضوه لأنفسهم، وقد كان ذلك في الدين أولى بهم (7). وقال عدلي لمجبر: تقول بالقدرة إذا ناظرت أحدا، وإذا رجعت الى منزلك فوجدت جاريتك قد كسرت كوزا يساوي فلسا، شتمتها وضربتها وتركت لأجل فلس واحد مذهبك. وقال مجبر لعدلي: خمس بنات لا أخاف على فسادهن غير الله. ورأى مجبر علامة يفجر بجاريته، فضربه، فقال: القضاء ساقنا فرضي. ورأى شيخ باصبهان رجلا يفجر بأهله، فضربها، فقالت: القضاء ساقنا، تركت السنة وأخذت مذهب ابن عباد، فتنبه وألقى السوط واعتذر إليها وأكرمها. وادخل عدلي على محمد بن سليمان، فأمر بضرب عنقه، فضحك، فقال: كيف


(1) الصراط المستقيم 3: 64 عنه. (2) الأعراف: 28. (3) الأنعام: 148. (4) الصراط المستقيم 3: 65.

[ 664 ]

تضحك في هذه الحالة ؟ قال: لو قال رجل: محمد بن سليمان يقضي بالجور ويفعل الظلم ويريد الفساد، فقال آخر: كذبت بل يفعل ضد ذلك، أيهما أحب اليك ؟ قال: الذي يدفع عني وأحسن الثناء علي، قال: فلا ابالي إذا أحسنت الثناء على ربي، فانقطع القدرية وخلى سبيله (1). اعلم أن الشيطان اعترف في القيامة بأنه أضلهم في قوله: (وعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي) (2) وشهد الله عليه بذلك في قوله: (الشيطان سول لهم وأملى لهم) (3) فردوا اعترافه باضلاله وشهادة ربهم بتسويله، وسيعترفون بأفعالهم، كما حكاه القرآن عنهم في قوله: (أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلوانا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم) (4). ولو عرفوا أن الله أضلهم فلمن كانوا يطلبون العذاب واللعن، وقالوا: ربنا أرنا الذين أضلونا من الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنا (5) فان علموا يوم كشف الأسرار وعلم الأشياء بالاضطرار أن الله أضلهم، فلمن يجعلون تحت أقدامهم ؟ ومن أكبر المكابرات أن منهم من ينكر الشرك في القيامة، كما حكاه الله عنهم في قوله: (والله ربنا ما كنا مشركين) (6) فلو علموا أن شركهم منه لكانت اضافته إليه أقطع وأولى من كذبهم على أنفسهم، حتى تعجب الله منهم في قوله: (انظر كيف


(1) الصراط المستقيم 3: 65 - 66. (2) ابراهيم: 22. (3) محمد صلى الله عليه وآله: 25. (4) الأحزاب: 67 - 68. (5) فصلت: 29. (6) الأنعام: 23.

[ 665 ]

كذبوا على أنفسهم) (1) ولو كان هو أضلهم وألجأهم الى انكار الشرك لم يتعجب منهم (2). ولا يخفى أن القول بالجبر خارج عن طور العقل، ومخالف للبديهة، وكيف يجوز عاقل أن يخلق الله في العبد المعصية ثم يعاقبه عليها ؟ ونعم ما قال مولانا وسيدنا موسى بن جعفر عليهما السلام وقد سأله أبو حنيفة وهو صبي حين خرج من عند الصادق عليه السلام فقال: يا غلام ممن المعصية ؟ قال: لا تخلو من ثلاث: إما أن تكون من الله عزوجل وليست منه، فلا ينبغي للكريم أن يعذب عبده بمالا يكتسبه، وإما أن تكون من الله عزوجل ومن العبد، فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف، وإما أن تكون من العبد وهي منه، فان عاقبه فبذنبه، وان عفى عنه فبكرمه وجوده (3). مفاسد القول بالجبر ولا يخفى أن مفاسد القول بالجبر في الدين كثيرة عظيمة ونحن نقتصر على بعضها: منها: أنه لا يصح أن يوصف الله تعالى بأنه غفور رحيم وعفو حليم، لأن الوصف بهذه انما يثبت لو كان الله مسقطا للعقاب الذي استحقه العباد، والعبد لا يستحق العقاب الا إذا فعل المعصية باختياره. ومنها: أنه يلزم نسبة السفه الى الله تعالى، لأنه يأمر الكافر بالايمان ولا يريده منه، وينهاه عن المعصية وقد أرادها منه، وكل عاقل ينسب من يأمر بما لا يريده منه وينهى عما يريده الى السفه، تعالى الله عن ذلك.


(1) الأنعام: 24. (2) الصراط المستقيم 3: 66 - 67. (3) الاحتجاج للطبرسي 2: 332 وتوحيد الصدوق ص 96 والبحار 5: 27 و 78: 323.

[ 666 ]

ومنها: أنه يلزم قبح قوله (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (1) لأنهم نزهوا ابليس والكافر. ومنها: أنه يلزم تكليف مالا يطاق، لأنه يكلف الكافر بالايمان ولا قدرة له عليه، وهو قبيح والسمع قد منع منه قال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) (2). ومنها: أنه يلزم أن لا يكون عندنا فرق بين من أحسن الينا أو أساءنا، ولا يحسن أن نشكر الأول ونذم الثاني. ومنها: أنه يلزم افحام الأنبياء وانقطاع حجتهم، لأن النبي صلى الله عليه وآله إذا قال للكافر: آمن بي لما أظهره الله من المعجزة في يدي، قال له الكافر: إذا جاز أن يخلق الله في الكفر ويعذبني من غير جرم، فلم لا يجوز أن يظهر المعجزة في يدك وأنت كاذب ؟ فينقطع النبي. ويلزم افحام النبي على وجه آخر، بأنه إذا قال للكافر آمن بي وصدقني يقول: قل للذي بعثك يخلق في الايمان، أو القدر المؤثر فيه، حتى أن أتمكن من الايمان واومن بك، والا فكيف تكلفني الايمان ولا قدرة لي عليه، بل خلق في الكفر، وانما لا أتمكن من مقاهرة الله تعالى، فينقطع النبي ولا يتمكن من جوابه. ومن مذاهبهم السخيفة: انكارهم الحسن والقبح العقليين. وحاصل كلامهم: أن الفعل في نفسه لا له حسن ولا قبح، بل هما تابعان للشرع، فما أمر به الشارع فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح. ويلزم على هذا القول تجويز أن يعذب الله تعالى سيد المرسلين على طاعته، ويثيب ابليس على معصيته، فيكون فاعل الطاعة سفيها، لأنه يتعجل بالتعب في


(1) النحل: 98. (2) البقرة: 286.

[ 667 ]

الاجتهاد في العبادة، واخراج ماله في عمارة المساجد والربط والصدقات من غير نفع يحصل له، لأنه قد يعاقبه على ذلك، ولو فعل عوض ذلك ما يتلذذ به ويشتهيه الاجتهاد في العبادة، واخراج ماله في عمارة المساجد والربط والصدقات من غير نفع يحصل له، لأنه قد يعاقبه على ذلك، ولو فعل عوض ذلك ما يتلذذ به ويشتهيه من أنواع المعاصي فقد يثيبه، فباختيار الأول يكون سفيها عند كل عاقل. ومما يلزمهم أيضا في القول: افحام الأنبياء، لأن النبوة لا تثبت الا بالمعجزة وبالعلم بأن المعجزة لا يظهرها الله سبحانه في يد الكاذب، لأن تصديق الكاذب عقلا قبيح، والقبيح عقلا لا يصدر منه تعالى، فعلى قولهم بانكار الحسن والقبح العقليين لا يتأتى تصديق الأنبياء، لأنه كلما أتى بمجزة قلنا له: المعجزة لا تدل على صدقك، لأن العقل لا يستقبح تصديق الكاذب، فربما صدقك الله بالمعجزة وأنت كاذب، فلا يصح الاستدلال على صدق أحد من الأنبياء ولا التدين بشئ من الشرائع. وجاء في آخر نسخة (ن): تم بعون الله وحسن تأييده تعالى حامدا لله مصليا مسلما على نبيه وآله عليهم السلام قد اتفق الفراغ من كتابة هذا الكتاب عصر أوائل يوم السبت السادس عشر في شهر ربيع الثاني من شهور سنة خمس وتسعين بعد الألف من الهجرة النبوية المصطفوية، وأنا المذنب الضعيف ابن محمد سعيد محمد رضا الشريف حامدا لله مصليا على نبيه محمد وآله عليهم السلام. وجاء في آخر نسخة (ق): تم والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، قد فرغ من تسويد هذا الكتاب العبد الحقير المحتاج الى رحمة الله ميرزا محمد الفراهاني يوم التاسع من شهر ذي الحجة الحرام من شهور سنة (1274) ه‍. ق. وتم استنساخ الكتاب تصحيحا وتحقيقا وتعليقا عليه في اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك سنة (1414) ه‍. ق على يد العبد الفقير السيد مهدي الرجائي في بلدة قم المقدسة حرم أهل البيت وعش آل محمد عليهم السلام.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية