الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الصوارم المهرقة- الشهيد نور الله التستري

الصوارم المهرقة

الشهيد نور الله التستري


[ 1 ]

الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة تأليف السيد السند السيد القاضى نور الله التسترى الشهيد في سنه 1019 ه‍. ق قدس سره وطاب ثراه عنى بتصحيحه السيد جلال الدين المحدث تهران چاپخانه نهضت

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما حجر عنا حجارة ابن حجر وصير نار صواعقه رمادا بلا اثر فبهت الذي كفر وكانه التقم الحجر والشكر على ما ايدنا بصوارم حجج قاطعة حاكمة فيما شجر واعلمنا على الحق الذي لا يزدجر ولو ساقونا الى سعفات هجر ثم الصلوة على سيد الوبر والمدر الذي سبح كفه الحصى واستلمه الحجر وعلى اثنتى عشرة عينا باشارتهم الى الحجر قد نبع الماء منه وانفجر وشهد بامامتهم البيت والركن والحجر. وبعد فإن الشيخ الجاهل الجامد الحامل للزجاج الكامل في نقص الفطرة وسوء المزاج أبو المدر ابن حجر الثاني الذي نشا في حجر رخام الانحراف وبرام الاعوجاج وراج بمشاركته اسم الحافظ العسقلاني بعض الرواج قد اظهر في مقام ايراد الشبهة والاحتجاج غاية الحماقة واللجاج فلم يميز العذب الفرات الملح الاجاج ولا ضوء الصبح عن المظلم الداج ورام رمى بالحجر مع كون بيته من الزجاج بل حاول بيد قاصرة اقتباس قبس الاحتجاج وقدم داحضة في ميادين الحجاج

[ 3 ]

معارضة المقتبسين عن مشكوة النبوة والولاية بالطبع الوهاج ومبارزة رجال المنايا واسود الهياج المتدرعين بسوابغ ولاء ادلاء المنهاج المؤيدين بصوارم كأنها لذى الفقار نتاج مطفئة بحدة ماءها الاجاج حر صواعق كل متمجس اجاج فبادر الى تسويد كتاب يستهزء به الالباب لبيان حقية خلافة أبي فصيل وابن الخطاب ومع احتوائه على المصادرة وسوء المكابرة وانطوائه على الاحاديث الموضوعة والاثار المصنوعة والايرادات الباردة والاعتراضات الجامدة سماه بالصواعق المحرقة لمحا الى انه يحرق قلوب الشيعة ويخرق صدور تلك الفرقة الناجية الرفيعة وسيكشف ضوء ما قابلناه به من الصوارم المهرقة انه لا يحرق الا لحيته ولا يخرق إلا اليته والله يحق الحق ويهدى السبيل. قال: احرقه الله بنار صواعقه في خطبة كتابه المذموم الحمد لله الذي خص نبيه محمدا باصحاب كالنجوم واوجب على الكافة تعظيمهم واعتقاد حقية ما كانوا من حقايق المعارف والعلوم. اقول: اشار بقوله اصحاب كالنجوم الى ما رووا من قوله صلى الله عليه وآله اصحابي كالنجوم فبايهم اقتديتم اهتديتم وفيه بحث سندا ومتنا أما اولا فلما قال بعض الفضلاء اولاد الشافعي في شرح كتاب الشفاء للقاضى عياض المالكى ان حديث اصحابي كالنجوم اخرجه الدار قطني في الفضايل وابن عبد في العلم من طريقه من حديث جابر وقال هذا اسناد لا يقوم به حجة لأن في طريقه الحارث بن غضين وهو مجهول ورواه عبد بن حميد في مسنده من رواية عبد الرحيم بن زيد عن ابيه عن المسيب عن عمر قال البزار منكر لا يصح ورواه ابن عدى في الكامل

[ 4 ]

من رواية حمزة بن أبي حمزة النصيبى عن نافع عن عمر بلفظ بايهم اخذتم بدل قوله اقتديتم واسناده ضعيف لاجل حمزة لانه متهم بالكذب ورواه البيهقى في المدخل من حديث ابن عباس وقال متنه مشهور واسانيده ضعيفة لم يثبت في هذا الباب اسناد وقال ابن حزم انه مكذوب موضوع باطل وقال الحافظ زين الدين العراقى وكان ينبغى للمصنف ان لا يذكر هذا الحديث بصيغة الجزم لما عرفت حاله عند علماء الفن انتهى كلام شارح الشفاء وهو كاف شاف في الرد على أهل الشقاء وأما ثانيا فلان المخاطبين في متن الحديث بلفظ اقتديتم واهتديتم ان كانوا هم الصحابة أو الصحابة مع غيرهم فلا يستقيم إذ لا مساغ للفصيح ان يقول لاصحابه اولهم مع غيرهم اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم وهو ظاهر وان كانوا غير الصحابة فهو خلاف الظاهر إذ الظاهر ان كل من خاطبة النبي صلى الله عليه وآله بهذا الخطاب المتبادر منه الخطاب الشفاهى كان بمراى منه صلى الله عليه وآله فكان صحابيا ولو سلم ذلك لكان الظاهر اخبار راويه بان الرسول صلى الله عليه وآله قال لجميع من اسلم غير الصحابة اصحابي كالنجوم الخ ولما لم يكن في روايتكم شيئ من هذا التخصيص بطل ادعاؤكم في ذلك وايضا يلزم على هذا التقدير ان كل من اقتدى بقول بعض الجهال بل الفساق من الصحابة أو المنافقين منهم وترك العمل بقول بعض العلماء الصالحين منهم مهتديا ويلزم ان يكون المقتدى بقتلة عثمان والذي تقاعد عن نصرته تابعا للحق مهتديا وان يكون المقتدى بعايشة وطلحة والزبير الذين بغوا وخرجوا على على عليه السلام وقاتلوه مهتديا وان يكون المقتول من

[ 5 ]

الطرفين في الجنة ولو ان رجلا اقتدى بمعوية في صفين فحارب معه الى نصف النهار ثم عاد في نصفه فحارب مع على عليه السلام الى آخر النهار لكان في الحالين جميعا مهتديا تابعا للحق والتوالي باسرها باطلة ضرورة واتفاقا والذي يسد باب كون عموم الصحابة كالنجوم ما قال الفاضل التفتازانى في شرح المقاصد من ان ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على السنة الثقات يدل بظاهره على ان بعضهم قد حاد عن طريق الحق وبلغ حد الظلم والفسق وكان الباعث عليه الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك و الرياسات والميل الى اللذات والشهوات إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقى النبي بالخير موسوما إلا ان العلماء لحسن ظنهم باصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر والها محامل وتاويلات بها يليق وذهبوا الى انهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق صونا لعقائد المسلمين من الزيغ والضلالة في حق كبار الصحابة سيما المهاجرين منهم والانصار المبشرين بالثواب في دار القرار انتهى ويتوجه على ما ذكره آخرا من تعليل ذكر العلماء المحامل والتاويلات لما وقع بين الصحابة بحسن ظنهم فيه ان بعد العلم بوقوع ما وقع بينهم لا وجه لحسن الظن بالكل إلا التعصب فيهم وأما من زعموه كبار الصحابة وعنوا به الثلثة فهم اول من اسس اساس الظلم والعدوان بغصب الخلافة عن اهل البيت والاقدام بكيت وكيت وإنما صاروا كبارا بغصبهم الخلافة وحكومتهم على الناس بالجلافة ولهذا قال بعض علماء العامة كل زينته الخلافة إلا على بن أبي طالب عليه السلام وروى هذا الشيخ الجامد في الفصل الثالث في ثناء الصحابة والسلف على على عليه السلام

[ 6 ]

انه لما دخل على عليه السلام الكوفة دخل عليه حكيم من العرب فقال والله يا أمير المؤمنين لقد زينت الخلافة وما زينتك ورفعتها وما رفعتك وهى كانت احوج اليك منك إليها انتهى وأما ما ذكره من البشارة لهم بالثواب في دار القرار فإن اشار به الى حديث بشارة العشرة فهو موضوع لا يصح إلا في واحد منهم عليه السلم كما سيئاتي بيانه وان اشار به الى غيره من الاحاديث فلعل بعد ظهور صحته يكون بشارة الثواب فيه مشروطا بشروطه كما روى عن مولانا الرضا عليه السلم انه لما سئل عن صحة رواية قوله صلى الله عليه وآله " من قال لا اله إلا الله وجبت له الجنة " فقال نعم بشروطها وانا من شروطها أي من جملة شروطها الاعتقاد بامامتي ووجوب طاعتي والحاصل انه لا يتحتم بمجرد الصحابية الحكم بالايمان والعدالة وحسن الظن فيهم واستيهالهم للاقتداء بهم والاستهداء منهم وذلك لانه لا ريب في ان الصحابي من لقى النبي صلى الله عليه وآله مؤمنا به وموته على الاسلام وان الايمان والعدالة مكسبان وليسا طبيعين جبليين فالصحابي كغيره في انه لا يثبت ايمانه إلا بحجة لكن قد جازف اهل السنة كل المجازفة فحكموا بعدالة كل الصحابة من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس وقد كان فيهم المقهورون على الاسلام والداخلون على غير بصيرة والشكاك كما وقع من فلتات السنتهم كثيرا وكان فيهم شاربوا الخمر وقاتلوا النفس وسارقوا الرداء وغيرها من المناكير بل كان فيهم المنافقون كما اخبر به الباري جل ثناؤه ورواه البخاري في صحيحه وغيره في غيره وكانوا في عهده صلى الله عليه و آله ساكنين في مدينته يصحبونه ويجلسون في مجلسه ويخاطبهم ويخاطبونه و يدعون بالصحابة ولم يكونوا بالنفاق معروفين ولا متميزين ظاهرا قال الله سبحانه

[ 7 ]

" ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول بل كان فيهم من يبتغى له الغوائل ويتربص به الدوائر ويمكر ويسعى في هدم امره كما ذكره أبو بكر أحمد البيهقى في كتاب دلائل النبوة حيث اخبرنا أبو عبد الله الحافظ وذكر الاسناد مرفوعا الى أبي الاسود عن عروة قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك الى المدينة حتى إذا كان ببعض الطريق مكر به ناس من اصحابه فاتمروا ان يطرحوه من عقبة في الطريق وارادوا ان يسلكوه معه فاخبر رسول الله صلى الله عليه وآله خبرهم فقال من شاء منكم ان ياخذ بطن الوادي فانه اوسع لكم فاخذ النبي صلى الله عليه وآله العقبة واخذ الناس بطن الوادي إلا النفر الذين ارادوا المكر به فاستعدوا وتلثموا وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفه بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه وأمر عمارا ان ياخذ بزمام الناقة وأمر حذيفة ان يسوقها فبينا هم يسيرون إذ سمعوا ذكرة القوم من ورائهم قد غشوهم فغضب رسول الله وأمر حذيفة ان يردهم فرجعوا متلثمين فرعبهم الله حين ابصروا حذيفة وظنوا ان مكرهم قد ظهر واسرعوا حتى خالطوا الناس واقبل حذيفة حتى ادرك رسول الله صلى الله عليه وآله فلما ادركه قال له اضرب الراحلة يا حذيفة وامش أنت يا عمار فاسرعوا وخرجوا من العقبة ينتظرون فقال النبي صلى الله عليه وآله يا حذيفة هل عرفت من هؤلاء الرهط والركب احدا ؟ فقال حذيفة عرفت راحلة فلان وفلان وكانت ظلمة الليل غشيتهم وهم ملتثمون فقال صلى الله عليه وآله هل علمتما ما شان الركب وما ارادوا ؟ قالا لا يا رسول الله (ص) قال فانهم مكروا ليسيروا معى حتى إذا اظلمت لي العقبة طرحوني منها قالا افلا تامر بهم يا رسول الله إذا جاءك

[ 8 ]

الناس فنضرب اعناقهم قال اكره ان يتحدث الناس ويقولون ان محمدا قد وضع يده في اصحابه فسماهم لهما ثم قال اكتماهم وفي كتاب ابان بن عثمان قال الاعمش و كانوا اثنى عشر سبعة من قريش وعلى تقدير ثبوت الايمان والعدالة يمكن زوالهما كما في بلعم صاحب موسى عليه السلم حيث قال سبحانه وتعالى " واتل نبا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد الى الأرض واتبع هويه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا باياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون " وكان بعلم اوتى علم بعض كتب الله وقيل يعرف اسم الله الاعظم ثم كفر بايات الله وكما وقع من الطامة الكبرى في سبعين الفا من بني اسرائيل واولاد الانبياء الذين كانوا في دين موسى عليه السلم فارتدوا في حيوته بمجرد غيبته عنهم مدة قليله الى الطور واستضعفوا وصيه هرون النبي ع وكادوا يقتلونه ويدفعونه باليد والرجل و اقتدوا بالسامري في عبادة العجل وإذا كان هذا حال هؤلاء النجباء من اولاد الانبياء الذين لم يدنسهم سبق الشرك والكفر في حيوة نبيهم ووجود نبى آخر ووصيه فيهم فما ظنك بحال جماعة مضى اكثر عمرهم في الكفر والجاهلية بعد وفات نبيهم مع انه لم يكن يحصل لهؤلاء عن ذلك العجل الحنيد جاه أو مال عتيد وكان لمن وافق أبا بكر في غصب خلافة نبينا الحميد من طمع الجاه والمال ما ليس عليه مزيد فعقدوا لواء السلطنة بسيفهم خالد بن الوليد وسدوا لسان أبي سفيان بتفويض ولاية الشام الى ولده يزيد ودفعوا فتنة زبير بما اراد واريد وفوضوا غيرهم كمغيرة وأبا عبيدة حكومة صنعاء وزبيد الى غير ذلك مما يطول به النشيد وإذا كان كذلك

[ 9 ]

فلابد من تتبع احوالهم واقوالهم في حيوة النبي صلى الله عليه وآله وبعد موته ليعلم من مات منهم على الايمان والعدالة ومن مات ميتة جاهلية مثل أبي بكر الذى ادعى الامامة ونص الكتاب والحديث المتواتر ودليل العقل ناطق بانه حق على عليه السلام ومنع فاطمة عليها السلام رثها وكتاب الله ناطق بان لها الارث وقتاله لبنى حنيف الملتزمين للدين الحنيف الى غير ذلك مما يخالف الشرع الشريف وعمر الذي ادعى ما ادعاه وقال للنبى صلى الله عليه وآله في مرض موته من الهجر و الهذيان ما قال وفعل ما فعل من منع كتابته ص ما يصون الامة عن الضلالة واقدامه بتخريق الكتاب الذي كتبه أبو بكر لفاطمة عليها السلم في اخذها لفدك وقوله متعتان كانتا على عهد رسول الله حلالين وانا انهى عنهما واعاقب عليهما واحداثه بدعة الجماعة في التراويح وتفضيل العرب على العجم في العطايا، الى غير ذلك من الطوام التى لا تحملها المطايا، وعثمان الذي ولى امور المسلمين وولى عليهم من لا يصلح لها مع ظهور فسقه وفساد حاله ودعائه حكم بن العاص طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وايوائه واعطائه المال العظيم من بيت مال المسلمين رعاية لقرابته واعراضا عن الدين وهتكا لحرمة سيد المرسلين وايذائه لابي ذر وعمار بن ياسر وابن مسعود وغيرهم من اكابر الصحابة الذين كانوا اسود الغابة وغيرها مما هو بهذه المثابة ومعوية الطليق الباغى الفاسق الذي مال عن على وسم الحسن عليهما السلم وغير سنة النبي صلى الله عليه وآله في كثير من الاحكام حتى انه كان يلبس الحرير فقال له ابن عباس رض: ان النبي صلى الله عليه وآله قال " انه محرم على رجال امتى " فقال هوانا: لا ارى به باسا فقال ابن عباس: من عذيري من معوية ابن

[ 10 ]

أبي سفيان انا اقول له قال رسول الله وهو يقول انا لا ارى به باسا الى غير ذلك من المناكير والاباطيل الصادرة عنهم التي لا يحتملها مقام المقال ويضيق عن ذكرها المجال وروى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رايتهم رفعوا الى واختلجوا دوني فلاقولن اي اصيحابي اصيحابي فليقالن انك لا تدرى ما احدثوا بعدك انتهى ومثله مذكور في صحيح البخاري الذي هو اصح كتب الاحاديث عندهم في تفسير قوله تعالى: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم الاية قال النووي شرح مسلم " اما اختلجوا فمعناه اقتطعوا وأما اصحابي فقد وقع في الروايات مصغرا مكررا وفي بعض النسخ اصحابي مكبرا مكررا وقال القاضى هذا دليل لصحة تأويل من تأول انهم اهل الردة ولهذا قال فيهم سحقا سحقا ولا يقول في مذنبي الامة بل يشفع لهم ويهتم لامرهم قال وقيل هؤلاء صنفان احدهما عصاة مرتدون عن الاستقامة لا عن الاسلام وهؤلاء مبدلون الاعمال الصالحة بالسيئة والثانى مرتدون الى الكفر حقيقة ناكصون على اعقابهم واسم التبديل يشمل الصنفين انتهى. واقول: بل المراد بالمرتدين المحدثون في دين الله الغاصبون للخلافة والاكلون لمال فدك ظلما وجورا على فاطمة عليها السلم ولهذا قال فيهم في بعض الروايات سحقا سحقا فافهم وإذا كان الحال بهذا المنوال من الاختلال ووقع الارتداد من الصحابة فلا يجوز الحكم بالايمان والعدالة لاحد منهم إلا إذا تحقق اتصافه بهما وموته عليهما ولا يعلم ذلك إلا بتتبع الاحوال واستقراء الاثار الدالة على بقاء الايمان والعدالة أو الزوال قال الفاضل التفتازانى في التلويح ان الجزم بالعدالة يختص بمن

[ 11 ]

اشتهر بطول الصحبة على طريق التتبع والاخذ عن النبي صلى الله عليه وآله والباقون كسائر الناس فيهم عدول وغير عدول " وقال الفقيه الاسنوى الشافعي " ان المراد من قول العلماء " الصحابة باسرهم عدول مطلقا " ان مجرد الصحبة شاهد التعديل مغن عن البحث عنهم فإن ظهر عن أحد منهم ما يفضى الى التفسيق فليس بعدل كسارق رداء صفوان ومن ثبت زناؤه ولذا غير بعضهم عبارتهم بان قال: انهم عدول إلا من تحققنا قيام المانع فيه وليس المراد من كونهم عدولا انه يلزم اتصافهم بذلك ويستحيل خلافه فإن هذا معنى العصمة المختصة بالانبياء عليهم السلام انتهى كلامه (1). ومن العجب انه زاد بعضهم في المجازقة والمخارفة فحكم بانهم كلهم كانوا مجتهدين وهذا مما يقطع من له ادنى عقل بفساده لانه كان فيهم الاعراب ومن اسلم قبل موت النبي صلى الله عليه وآله بيسير والاميون الذين يجهلون اكثر قواعد الاحكام وشرائع الدين فضلا عن الخوض فيه بالاستدلال كيف والاجتهاد ملكة لا تحصل إلا بعد فحص كثير وممارسة تامة بغير خلاف، وامكان حصول التفقه والاجتهاد لهم لا يمنعه إلا انه لا يقتضى الحكم بذلك لانه خلاف العلم العادى والذي الجأهم الى هذا القول البارد السمج الناشئ عن العصبية ما قد تحققوه من وقوع الاختلاف والفتن بينهم وانه كان يفسق ويكفر بعضهم بعضا ويضرب بعضهم رقاب بعض، فحاولوا ان يجعلوا لهم طريقا الى التخلص كما جوزوا الايتمام بكل بر وفاجر ليروجوا أمر الفساق الجهال من خلفائهم وائمتهم. وأما ثالثا فلما ذكر شارح الشفاء ايضا من ان للقائل بالمذهب المختار من ان


اعلم أن للقاضي (ره) كلاما نفيسا وتحقيقا شافيا يشتمل على تعريف الصحابي وعلى كيفية الحكم بايمانه وعدالته وعدمهما وعلى تقسيمه بحسب الرد والقبول ذكره في المجلس الثالث من كتابه المجالس فإن أردته فارجع إليه.

[ 12 ]

قول الصحابي ليس حجه مطلقا ان يقول الحديث وكان عاما في اشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم الاقتداء بهم في كل ما يقتدى فيه وعند ذلك فيمكن حمله على الاقتداء بهم فيما يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله وليس الحمل على غيره باولى من الحمل عليه انتهى ويؤيد وجوب ارتكاب التخصيص فيه ان هذا الشيخ الجامد المتولد من الحجر استحسن ان يكون المراد بأهل البيت الذين هم امان في الحديث الذي اسبقنا نقله من علمائهم معللا بانهم الذين يهتدى بهم كالنجوم ولا ريب ان استحسان التخصيص المذكور في ذلك الحديث يوجب استحسان مثله في هذا الحديث بطريق اولى وما ذكره من التعليل يقتضى وجوب التأويل بذلك كما لا يخفى ولنعم ما قال بعض الفضلاء رحمه الله تعالى: * (شعر) * * (صحابه گر چه ايشان كالنجومند * ولى بعضى كواكب نحس شومند) * وإذا بطل الحمل على العموم بطل استدلالهم بذلك على استيهال الصحابة الثلاثة وامثالهم للاقتداء بهم ووضع الخلافة فيهم والاستهداء منهم فوجب تنزيله على اصحابه صلى الله عليه وآله من أهل بيته عليهم السلام لدلالة الاية والرواية والاتفاق على عدالتهم وطهارتهم بل على علو عصمتهم فوجب الاعتصام بحبلهم المتين والاهتداء بهداهم المبين 2 - قال: فانى سئلت قديما في تأليف كتاب يبين حقية خلافة الصديق وامارة ابن الخطاب فاجبت الى ذلك مسارعة في خدمة هذا الجناب، ثم سئلت في اقرائه لكثرة الشيعة والرفضة ونحوهما الان بمكة المشرفة اشرف بلاد الاسلام فاجبت الى

[ 13 ]

ذلك رجاء لهداية بعض من زل به قدمه عن واضح المسالك. اقول: ايها الشيخ الجامد، لعمرك ما زدت بذلك الا ابراز زلة قدمك واظهار جهلك المركب على الشيعة بحيث يضحكون على تأليفك هذا لما اشرنا إليه من ابتنائه على مجرد المصادرة وسوء المكابرة الذين اخذتهما بارث التعصب من الاشاعرة.... لكن قد عمى منكم القلب والبصر والمسمار لا يؤثر في الحجر ثم ان اراد بالرفضة الغلاة من الشيعة الذين قالوا بالوهية على عليه السلم أو نبوته فهم كانوا جماعة قليلة قد حكم ساير طوايف الشيعة ايضا بكفرهم بل بنجاستهم العينية وقد انقرضوا قبل خمسمأته من زماننا هذا وان اراد به الشيعة الامامية الذين هم عيون طوائف الشيعة المدار عليهم الطاعنين في خلافة المشايخ الثلاثة فليس في تلقبهم بهذا الاجل ما ذكر شناعة كما يشعر به سياق كلام هذا الشيخ الجاهل واصحابه لأن مآل هذا الرفض يرجع عند التحقيق الى رفض الباطل وهو اعتقاد صحه خلافة المشايخ الثلاثة وإنما الشناعة في اصل تلقب مخالفيهم باهل السنة والجماعة فإن هذا القب قد وضع في زمان معوية وارادوا بالسنة سنة معوية من سب على عليه السلم على المنابر ونحوه من الكفر والبدعة وبالجماعة جماعته يشعر به ما سيذكره هذا الجامد في باب خلافة الحسن عليه السلم حيث قال " وكان نزول الحسن عن الخلافة في ربيع الاخر سنة احدى واربعين فسمى هذا العام عام الجماعة لاجتماع الامة على خليفة واحدة انتهى ثم لما ظهر دولة بني العباس ومعاداتهم لبنى امية واتباعهم خافوا عن الحمل على ذلك وقالوا مرادنا بالسنة سنة النبي وبالجماعة جماعة اصحابه فقد ظهر انهم في الحقيقة أهل السنة والجماعة

[ 14 ]

لا أهل سنة النبي وجماعته ولنعم ما قال صاحب الكشاف فيهم: * (شعر) * لجماعة سموا هواهم سنة * وجماعة حمر لعمري موكفة قد شبهوه بخلقه فتخوفوا * شنع الورى فتستروا بالبلكفة (1) 3 - قال: المقدمة الاولى، اعلم ان الحامل الداعي على التاليف في ذلك، وان كنت قاصرا عن حقائق ما هنالك، ما اخرجه الخطيب البغدادي في الجامع وغيره انه صلى الله عليه


(1) ذكرهما الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال رب ارني انظر إليك، قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا فلما افاق، قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين " وهي الاية الثانية والاربعون بعد المائة من سورة الاعراف يعير بهما القائلين بالرؤية وعبارته قبل البيتين هكذا (ص 350 ج 1 المطبوع بمصر سنة 1307) " ثم تعجب من المتسمين بالاسلام، المتسمين بأهل السنة والجماعة، كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا ؟ ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات اشياخهم والقول ما قال بعض العدلية فيهم لجماعة سموا الخ " وانت خبير بان صريح عبارته انهما من انشائات بعض العدلية ويمكن أن يقال إن هذا التعبير خوفا من متعصبي العامة وجهالهم ولذا قال محب الدين الافندي في كتاب تنزيل الايات على الشواهد من الابيات المطبوع في ذيل الجزء الثاني من الكشاف (ص 88) بعد نقل البيتين " البيتان للزمخشري عند قوله تعالى: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل إلى آخر الاية موكفة من الا كاف وهو البردعة والبلكفة قولك بلا كيف يقرر مذهبه في نفي الرؤية ويقدح في أهل السنة والجماعة الذين يصدقون بأن رؤية الله تعالى حق ويقولون نرى ربنا يوم

[ 15 ]

وآله قال " إذا ظهرت الفتن (أو قال البدع) وسب اصحابي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا " اقول اعترافه بالقصور عن حقائق هذه المسألة حق كما سيظهر وليس فيه هضم نفس كما قد يتوهمه بعض اوليائه وما ذكره من الحديث فلا يصلح حاملا باعثا على تأليفه هذا، لجواز ان يكون المراد من البدع ما ابدعه خلفائه الثلاثة في دين رب العالمين كما اشرنا إليه سابقا وسياتى لاحقا والمراد بمن سب من الاصحاب هم مولانا أمير


القيامة بلا كيف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته " وكان الشافعي رضي الله عنه يتمسك في اثبات الرؤية بقوله تعالى " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " قال لما حجب الكفار بالسخط دل على أن الاولياء يرونه في الرضا وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رؤية العباد ربهم يوم القيامة فقال منهم من ينظر إلى ربه في السنة مرة ومنهم من ينظر إلى ربه في الشهر مرة ومنهم من ينظر إلى ربه في الجمعة مرة ومنهم من ينظر إلى ربه بكرة وعشية رزقنا الله تعالى رؤيته في الاخرة كما رزقنا في الدنيا بكرمه معرفته ولقد عورض ما أنشده وأنشأه من الهذيان بأبيات ذكرها السكوني في التمييز وهي * سميت جهلا صدر أمة أحمد * وذوى البصائر بالحمير المؤكفة * ورميتهم عن نبعة سميتها * رمى الوليد غدا يمزق مصحفه * وزعمت أن قد شبهوه بخلقه * وتخوفوا وتستروا بالبلكفة * نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى * فهوى الهوى بك في المهاوى المتلفة * * وجب الخسار عليك فانظر منصفا * في آية الاعراف فهي المنصفة * أترى الكريم أتى بجهل ما أتى ؟ * وأتوا شيوخك ما أتوا عن معرفه ؟ *

[ 16 ]

المؤمنين عليه السلام ومن تابعه من المهاجرين والانصار فإن معوية ومن بعده من فراعنة بني امية سبوهم على منابرهم ثمانين سنة كما هو المشهور المذكور على السنة الجمهور. 4 - قال: والطبراني " من وقر صاحب بدعة فقد اعان على هدم الاسلام ". اقول: هذا حجة عليه لا له حيث وقر في كتابه هذا جماعة هم اول من ابدعوا في دين الاسلام بل حجة على الصحابة الذين وقروا الثلاثة ومكنوهم من غصب الخلافة واحداث فنون البدع والكثافة. 5 - قال: وسيتلى عليك ما تعلم منه علما قطعيا ان الرافضة والشيعة ونحوهما من اكابر أهل البدعة.


ويؤيد كونهما للزمخشري ما هو مشهور منه ومذكور في ترجمته حتى ترجمته المطبوعة في آخر الكشاف أيضا (ص 573 ج 2) من قوله: * إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به * واكتمه كتمانه لي أسلم * * فإن حنفيا قلت قالوا بأنني * أبيح الطلا وهو الشراب المحرم * * وإن مالكيا قلت قالوا بأنني * أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم * * وإن شافعيا قلت قالوا بأننى * أبيح نكاح البنت والبنت تحرم * * وإن حنبليا قلت قالوا بأنني * ثقيل حلولي بغيض مجسم * * وإن قلت من أهل الحديث وحزبه * يقولون تيس ليس يدري ويفهم * * تعجبت من هذا الزمان وأهله * فما أحد من ألسن الناس يسلم * * وأخرني دهري وقدم معشرا * على أنهم لا يعلمون وأعلم * * ومذ أفلح الجهال أيقنت أنني * أنا الميم والايام أفلح أعلم *

[ 17 ]

اقول: لعمرك، هذا العلم إنما حصل لك من فرط تقليدك للاباء والامهات ونموك في عداوة اهل الحق من شيعة الائمة الهداة، وإلا فالاستدلال على ذلك بما نسجته من الطامات والاحاديث الموضوعات، التي وضعها امثالك لنصرة المذهب، لا يصير حجة على الخصم ولا يورث ظنا ضعيفا فضلا عن العلم القطعي ولو سلم انها من اكابر أهل البدعة فاكبرهم اكابر خلفائك الثلاث وسينجلي لك ان ما ذكرته مكابرة ان شاء الله تعالى. 6 - قال: واخرج المحاملى والطبراني والحاكم عن عويمر بن ساعد انه صلى الله عليه وآله " قال ان الله اختارني واختار لي اصحابا فجعل لي منهم وزراء وانصارا واصهارا فمن حفظني فيهم حفظه الله ومن آذانى فيهم آذاه الله. اقول: لو صح هذا الحديث فالمراد بالوزراء فيه على عليه السلام والجمع للتعظيم كما قاله المفسرون فيما نزل في شانه ع من قوله تعالى " والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون " إذ لم يتعدد وزيره صلى الله عليه وآله كما هو الاصل بل كان واحدا هو على عليه السلم عند الشيعة ولو سلم ان المراد غيره فهو من الانصار لما سيذكر هذا الرجل في الفصل الاول من الباب الاول رواية عن أحمد ما يدل على حصر الوزارة في الانصار وعلى هذا يكون لفظ الانصار في هذا الحديث بمنزلة عطف تفسير للوزراء فافهم وكذا الكلام في الاصهار لظهور ان الاصهار على تقدير تسليم كون عثمان صهرا للنبى ص ايضا لا يبلغ مرتبة الجمعية بالاتفاق

[ 18 ]

7 - قال: واخرج هو يعنى أبا ذر الهروي والذهبي عن ابن عباس مرفوعا " يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الاسلام فاقتلوهم فانهم مشركون. اقول: بعد منع صحة السند قد مر ان الكلام في هذا المبحث في كل عصر إنما كان مع الشيعة الامامية دون من لا يعبا بهم من الغلاة، ومن الظاهر الذي لا يخفى على كل أحد ان الامامية لا يقولون بتعدد الالهة ولا بالوهية أحد من الائمة المعصومين عليهم السلام حتى يكونوا مشركين فلو صح الحديث كان المراد من الرفضة المذكورة فيه الغلاة من الشيعة الذين يفرطون في حب على عليه السلام الى ان يعتقدوا الربوبية فيه كما يدل عليه الحديث الذى سيذكره بعد ذلك بقوله: واخرج الدار قطني عن على كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وآله " سيأتي من بعدى قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة فإن ادركتهم فاقتلهم فانهم مشركون، قال قلت يا رسول الله ما العلامة فيهم ؟ قال يفرطونك بما ليس فيك ويطعنون على السلف " انتهى بل المراد بالرفضة كلما وقع في آثار السلف هم الغلاة وجعله شاملا للشيعة الامامية تعنت من مخالفيهم وأما قوله " ويطعنون على السلف " فمن اضافات الخلف فهو خلف باطل كما لا يخفى. 8 - قال: الطبراني عن ابن عباس رضى الله عنه " من سب اصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ". اقول: الظاهر ان المراد سب جميع الاصحاب بحيث يدخل فيه المقبول

[ 19 ]

منهم والمردود على ان يكون الاضافة في اصحابي للاستغراق ولا كلام في ان ساب الجميع ملعون بل الظاهر ان المراد كون السب لاجل الصحابية لا لاجل استحقاق ذلك الصحابي لذلك وهذا يرجع الى عداوة النبي صلى الله عليه وآله ولا ريب في ان عداوة النبي صلى الله عليه وآله يوجب اللعن وايضا المراد من السب الشتم والقذف دون للعن الذي ربما يرتكبه الشيعة بالنسبة الى بعض المردودين من الصحابة ولا خفاء في ان الشتم لا يحل بالنسبة الى كافر ذمى فضلا عن مسلم أو من ظاهره الاسلام وأما اللعن فهو دعاء من المظلوم أو من وليه على الظالم وليس بممنوع شرعا بل قد يستحب كما صرح به الفاضل النيشابوري في تفسيره ويدل عليه اللعن الجارى في الشرع بين المتلاعنين المسلمين بل الصحابيين بنص الكتاب وقوله صلى الله عليه وآله " لعن الله المحلل والمحلل له " مع جواز التحليل بنص الكتاب ايضا غاية الامر انهما ليسا بحسنين في شرع التكرم كما لا يخفى تدبر. 9 - قال: الطبراني والحاكم عن جعدة عن هبيرة نقلا (يعنى عن النبي) " خير الناس قرنى الذي انا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والاخرون اراذل " ومسلم عن أبي هريرة " خير امتى القرن الذى بعثت فيه ثم الذين يلونهم الحديث ". اقول: بعد الاغماض عما في السند لا دلالة لهذين الحديثين وامثالهما مما تركنا ذكره على ما قصده هذا الرجل من خيرية جميع الناس الموجودين في قرن النبي ص حتى بعض الصحابة الذين حكم عليهم الشيعة بكونهم اشرارا فإن قولنا قريش

[ 20 ]

افصح العرب واكرمهم مثلا لا يقتضى لغة وعرفا يكون كل واحد من آحاده كذلك لظهور وجود الاحاد المتصفة باضداد ذلك من العى واللؤم فيهم بل قد اطبقوا على ان طائفة تيم قوم أبي بكر قاطبة من اراذل قريش وقد نقلوا النص على ذلك عن ابى سفيان وغيره عند البيعة على أبي بكر على ان هذا الحديث معارض بما رواه هذا الجامد في اواخر كتابه عند بيان وقوع الخلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الامة حيث قال ذهب أبو عمر بن عبد البر الى انه يوجد فيمن ياتي بعد الصحابة من هو افضل من بعض الصحابة واحتج على ذلك بخبر عمر قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وآله قال: اتدرون أي خلق افضل ايمانا ؟ قلنا الملائكة قال وحق لهم بل غير هم قلنا الانبياء قال وحق لهم بل غير هم ثم قال صلى الله عليه وآله افضل الخلق ايمانا قوم في اصلاب الرجال يؤمنون بى ولم يرونى فهم افضل الخلق ايمانا " وبحديث " مثل امتى مثل المطر لا يدرى آخره خير ام اوله " وبخبر " ليدركن المسيح اقواما انهم لمثلكم أو خير ثلاثا " الحديث وقال صاحب الاستغاثة في بدع الثلاثة: ان مضمون هذا الحديث مخالف لحقائق النظر، خارج عن العدل والحكمة، وذلك لانه ان كان خيريتهم وفضلهم من جهة تقدم خلقهم في الازمنة المتقدمة لما بعدها فقد زعموا ان امة محمد صلى الله عليه وآله افضل من من الامم التى مضت قبلها، وان محمدا ص افضل من الانبياء عليهم السلام الذين


(1) وهو الشريف أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي العلوي المتوفى في سنة 352 المترجم حاله والمبين اعتبار كتابه هذا في كتب التراجم والاخبار.

[ 21 ]

تقدموه قبل عصره وكان الواجب على طرد هذه العلة ان يكون كل امة افضل من التي تأتى بعدها فلما اوجبوا آخر الامم افضل ممن تقدمهم وآخر الانبياء افضل ممن تقدمه كان لا معنى لهذا الخبر في تفضيل القرن الاول على القرن الثاني من هذه الامة، بل يجب في النظر والتميز وما يلزم من احوال ما نقل الينا من سيرة من تقدم عصرنا هذا ان يكون من تأخر افضل ممن تقدم منهم وذلك أنا وجدنا القرن الذي كان في عصر الرسول والقرن الذى كان بعده والقرن الثالث ممن كان في في عصر الفراعنة والطواغيت من ملوك بني امية الذين كانوا يقتلون أهل بيت الرسول، ويسبون أمير المؤمنين عليه السلام ويلعنونه على المنابر، وأهل عصرهم من فقهائهم وحكامهم الى غير ذلك منهم فهم على ذلك متبعون وبافعالهم مقتدون وبامامتهم قائلون ولهم على ذلك معينون بوجوه المعونة من حامل سلاح الى حاكم الى خطيب الى تاجر الى غير ذلك من صنوف الامة واسباب المعونة ولسنا نجد في عصرنا هذا من كثر من ذلك شيئا بل نجد الغالب على أهل عصرنا هذا الرغبة عن ذلك والذم لفاعله والتنزه عن كثير منه إلا من لا يظهر بمذهبه بينهم فيجب ان يكونوا في حق النظر افضل من أهل ذلك العصر الذي كانت هذه صفتهم قال: فإن قالوا ان أهل عصر الرسول لاجل مشاهدتهم له ومجاهدتهم معه افضل وكذلك سبيل من شاهدهم من بعد الرسول من التابعين ونقلوا الينا العلوم والاخبار عنهم ومنهم قيل لهم اليس كل من تقدم خلقته في ذلك العصر فهو فعل الله فلا حمد للمتقدم في تقدم خلقه ولا صنع له في ذلك ولا فعل يحمد إليه ولا يذم منه فلابد من نعم فيقال لهم افتقولون ان الله تعالى يحمد العباد على افعاله ويذمهم عليها ؟ فإن قالوا ذلك جهلوا

[ 22 ]

عند كل ذى فهم وكفى بالجهل لصاحبه خزيا وان قالوا لهم فإذا كان كذلك وجب في حق النظر ان يكون من شاهد الرسول وراى دلائل المعجزات والعلامات وظهر له البرهان واسفر له البيان بقول يشهد فيه القرآن لا عذر له في تقصير عن حق ولا دخول في باطل فإن الحجة بذلك الزم وعليه اوجب وكان من اشكل عليه منهم شيئى في تفسير آية وتحقيق معنى في كتاب الله أو سنته يرجع في ذلك الى الرسول فاثبت الحق منه واليقين ونفى عنه الشك والزيغ فمن قصد بعد هذا الحال الى خلاف الواجب كان حقيقا على ان لا يقبل له عذرا ولا يقيل له عثرة واما من كان في عصرنا هذا الذي قد اختلف فيه الاقاويل وتضادت المذاهب وتشتت الاراء وتباينت الاهواء وضلت المعارف ونقصت البصائر وعدمت التحقيقات إذ ليس من يرجع إليه بزعم أهل يرتكب من أهل هذا العصر مائة ذنب اعذر ممن ارتكب في ذلك العصر ذنبا واحدا أو قلت أن من استبصر في هذا العصر في دينه فشغل نفسه لمعرفة بصيرته حتى عرف من ذلك ما نجا به بتوفيق الله فيما سعى له من الطلب افضل من عشره مستبصرين كانوا في ذلك العصر لقلت حقا ولكان صدقا وإذا كان الحال على ما وصفت فيجب ان يكون مستبصرنا افضل من مستبصرهم إذ كان البرهان قد قطع عذرهم والبيان قد ازاح عللهم بقرعه لاسماعهم صباحا ومساء ومشاهدتهم اياه بابصارهم من غير تكلف في طلبه وذلك كله معدوم في عصرنا بل نشاهد من الجهل ونباشر من وجوه الباطل ما يضل فيه ذهن الحكيم ويطيش فيه قلب العليم ويذهل معه

[ 23 ]

عقولهم ويزول معه افهامهم حتى يسعى الساعي منا الدهر الطويل يقطع المسافة ويجول البلدان الشاسعة يتذلل للرجال ويخضع لكل صاحب نوال أما ان يهلك ولم يدرك البغية وأما ان يمن الله عليه بالبصيرة بعد جهد جهيد وعناء شديد وتعب كديد مع تقية المستبصرين وخوف العارفين من اظهار ذلك للظالمين وكشفه للراغبين فاى ظلم ام اي جور ابين من ظلم تفضيل اولئك فيما ارتكبوه دونهم ؟، أو كم بين من استبصر في دينه تبصرة يزول معه كل شك ويثبت معه كل يقين من بيان النبي المرسل وبرهان الكتاب المنزل وبين من يستبصر في دينه باخبار متضادة واقاويل مختلفة وبيان غير شاف وبرهان غير كاف حتى يسعى ويطلب ويميز وينظر ويعتبر ويختبر يسهر ليله وظما نهاره وتعب بدنه وتصاغر نفسه وتذلل قدره، هل هذا الاجور من قائله وظلم ظاهر من موجبه ؟ حقيق على الله ان يوجب لمستبصري هذا العصر بما وصفنا من احوالهم اضعاف ما يوجب لمستبصري أهل ذلك العصر ولا يبعد الله إلا من ظلم وقال بما لا يعلم وان قالوا ان الله عز وجل قد قال في كتابه السابقون السابقون اولئك المقربون قيل لهم قد قال الله عز وجل وصدق الله والامر في ذلك بين واضح والحكمة فيه مستقيمة وذلك ان السباق لا يجوز في الحكمة ان يقع في الايمان إلا بين أهل العصر الحاضرين المشاهدين لندب الداعي لهم الى السباق ومحال في الحكمة وفي العدل ان يسابق الله بين قوم خلقهم ومكنهم من احوال الاجابة وبين قوم لم يخلقهم هذا ظاهر الفساد بعيد من الرشاد بين المحال فظيع من المقال لكنه عز وجل سابق بين الحاضرين من أهل عصر الرسول ولعمري ان من سبق منهم الى الايمان افضل واجل

[ 24 ]

واقرب منزلة واعلى درجة ممن لحق من تقدمه فلا ينكر هذا ذو فهم ولكن المنكر قول من زعم ان الله سابق بين من خلق وبين من لم يخلق فمن قال ان الصحابة قد سبقونا بالايمان ويريد بذلك تقدمهم في عصرهم وتاخر عصرنا من عصرهم فيما قدم الله خلقهم واخر خلقنا فذلك كلام صحيح وقول فصيح كما ان من تقدم ايضا من الامم في الاعصار التي كانت قبل الصحابة كانوا متقدمين على الصحابة باعصارهم سابقا من آمن منهم على مؤمنى الصحابة وتقدم خلقهم عليهم ليس في ذلك فضل لهم على من جاء بعدهم ومن قال ان الصحابة سبقونا بالايمان بمعنى التسابق بيننا وبينهم الى الايمان فكان لهم بسبقهم ذلك الفضل علينا لاجل تأخرنا عنهم كان ذلك قولا محالا شنيعا لان تأخرنا عن عصرهم من فعل الله لا من فعلنا والله لا يذمنا على افعاله ولو كان لاهل عصر الصحابة علينا فضل في ايمانهم بتقدمهم علينا في الاعصار والخلق لوجب على هذه القضية ان يكون ايمان من تقدمهم الامم السالفة افضل من ايمانهم بتقدمهم عليهم في الاعصار فلما كانوا يمنعون ذلك ويوجبون الفضل لامة محمد صلى الله عليه وآله على من تقدمهم من الامة كان ايجابهم تفاضل اوائل هذه الامة على اواخرها فاسدا وهذا ما لا نطلقه نحن ايضا في مذهبنا لكنا نقول ان أهل كل عصر يتفاضلون بينهم ومن سبق منهم الى الايمان فهو افضل ممن تأخر عنه فلحق بالسابق من أهل عصره ولسنا نفضل أهل عصر الرسول على من جاء بعدهم في الاعصار المتأخرة كما لا نفضل أهل الاعصار المتأخرة على من تقدمهم لكنا نفاضل بين أهل كل عصر بعضهم على بعض بما وصفنا من السبق الى الايمان دون ان يكونوا فاضلين على من تقدمهم ولا على من تأخر عنهم فهذا ما تعلق به أهل الغفلة

[ 25 ]

والضلالة، وظهر بحمد الله ما فيه من الوضع والجهالة. 10 - قال: وكفى فخرا لهم ان الله تبارك وتعالى شهد لهم بانهم خير الناس حيث قال تعالى " كنتم خير امة اخرجت للناس " فانهم اول داخل في هذا الخطاب وكذلك شهد رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله في الحديث المتفق على صحته " خير القرون قرنى " ولا مقام اعظم من مقام قوم ارتضاهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله ونصرته قال تعالى " محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم الاية وقال تعالى: والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه " فتأمل ذلك فانك تنجو من قبيح ما اختلقته الرافضة عليهم مما هم بريئون منه كما سيأتي بسط ذلك وايضاحه فالحذر الحذر من اعتقاد ادنى شائبة من شوائب البغض فيهم معاذ الله لم يختر الله لاكمل انبيائه إلا اكمل من عداهم من بقية الامم كما اعلمنا ذلك بقوله " كنتم خير امة اخرجت للناس " ومما يرشدك الى ان ما نسبوه إليهم كذب مختلق عليهم، انهم لم ينقلوا شيئا منه باسناد عرفت رجاله ولا عدلت نقلته وإنما هو من افكهم وحمقهم وجهلهم وافترائهم على الله سبحانه فاياك ان تدع الصحيح وتتبع السقيم ميلا الى الهوى والعصبية ويتلى عليك عن على وعن اكابر أهل بيته من تعظيم الصحابة سيما الشيخان وعثمان وبقية العشرة المبشرين بالجنة ما فيه مقنع لمن الهم رشده وكيف يسوغ لمن هو من العترة النبوية أو من المتمسكين بحبلهم ان يعدل عما تواتر عن امامهم على من قوله " ان خير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر " وزعم الرافضة ان ذلك تقية سيتكرر عليك رده وبيان بطلانه وان ذلك ادى بعض الرافضة الى ان كفر عليا قال لانه اعان الكفار

[ 26 ]

على كفرهم فقاتلهم الله ما احمقهم واجهلهم. اقول: فيه نظر من وجوه أما اولا فلانه لا دلالة في الاية على ما قصده من خيرية الصحابة المبحوث فيهم كما عرفته ذلك عند ما تكلمنا على دلالة حديث خير القرون قرنى الحديث وعلى ذلك فما ذكره من كون المشايخ الثلاثة اول داخل في هذا الخطاب اول البحث كما لا يخفى وأما قوله " وكذلك شهد رسول الله الخ " فقد عرفت ايضا هنالك كذب دلالته على الشهادة بما قصده والله يشهد ان المنافقين لكاذبون. وأما ثانيا فلان قوله ولا مقام اعظم من مقام قوم ارتضاهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله الخ " مردود بان الله تعالى ما ارتضاهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله بل ابتلى نبيه صلى الله عليه وآله بصحبتهم زيادة في ثوابه وتحصيلا لرفع درجاته ولغيرهما من المصالح والحكم على ان صحبة النبي صلى الله عليه وآله إنما ينفع كريم الاصل شريف الذات وأما الخسيس الدنى فانما يزيده فساد الحال والمال كما قال شاعر الشيعة. * (شعر) * دون شود از قرب بزرگان خراب * جيفه دهد بوى بد از آفتاب وقال شاعر أهل السنة: * (شعر) * هر كرا ببهبود نبود * ديدن روى نبى سود نبود وأما الاية المذكورة فصريحة في ارادة غيرهم لمكان وصف الاشداء على الكفار

[ 27 ]

والثلاثة كان مدارهم على الفرار وولى الادبار كما حقق في كتب الاحاديث والاخبار وأما قوله تعالى " والسابقون الاولون من المهاجرين " فقد بينا ايضا في ضمن الحديث المذكور سابقا عدم دلالته على مدعاه على انا لا نسلم كون المشايخ الثلاثة من السابقين الاولين فإن السابقين الاولين من المهاجرين هم الذين هاجروا الهجرة الاولى وهي الهجرة الى رسول الله صلى الله عليه وآله في حصاره بمكة حين حاصرت قريش بني هاشم مع رسول الله صلى الله عليه وآله في شعب عبد المطلب اربع سنين والامة مجتمعة على ان أبا بكر وعمر لم يكونا معهم في ذلك الموطن بل لا نسلم كون اولهم من المهاجرين مطلقا كما سيأتي بيانه في الموضع اللائق به انشاء الله تعالى وأما ثالثا فلان ما اختلقه من نسبة الاختلاق الى الشيعة فهم برآء منه لان الشيعة عن آخرهم اجل مكانا وفضلا عن اعمال المصادرة والاحتجاج على خصامهم بما رووه من طرق أهل البيت عليهم السلام كما فعل هذا في كتابه هذا من الاحتجاج على الشيعة بالاحاديث المروية من طريق أهل نحلته، المتسمين باهل السنة بل الشيعة التزموا ان يحتجوا بما في كتب أهل السنة عليهم لعلمهم بانه ادعى الى تلقيه بالقبول، وأوفق رأى الجميع متى رجعوا الى الاصول وان ذلك اتم في الورود وقيام الحجة بشهادة الخصم أو كدوان تعددت الشهود، فمن اين جاء الافتراء و الاختلاق لو لا انه ليس للناصب في الاخرة من خلاق. وأما رابعا فلان ما ذكره من ان الله تعالى لم يختر لاكمل انبيائه إلا اكمل من عداهم من بقية الامم نقول في جوابه نعم لم يختر له الا الاكمل لكن الشان في اثبات أن الثلاثة معدودة في الاكمل والشيعة من وراء المنع باسانيد معتبرة متفق عليها

[ 28 ]

مروية من طرق أهل البيت عليهم السلام وطرق أهل السنة. وأما خامسا فلان قوله " ومما يرشدك الخ " ليس فيه رشاد ولا ارشاد ولا ادرى ما ارى من تكرر نسبة اختلاقه الى الشيعة لم ذكره مبهما بانهم لم ينقلوا شيئا منه باسناد عرف رجاله وعدلت نقلته إذ كان لابد من ذكر ذلك حتى ننظر في صحة نسبته وفسادها وإلا فالابهام والاجمال دليل الافك والانحلال على انا نقول انه ان اراد ان الشيعة نقلوا ما نقلوا في قدح المشايخ الثلاثة باسناد لم يعرف أهل السنة حال الرجال المذكورة فيه ولم يحكموا بعدالة رجاله فهذا غير واقع بل هم لم ينقلوا شيئا الزاما لاهل السنة إلا من كتبهم المعتبرة نعم إذا تنبهوا حينئذ بما في المنقول من كتبهم من الدلالة على الطعن والقدح في اسلافهم احتالوا في رده تارة بضعف الراوى، وتارة بالتأويل البعيد الطويل الذي يرفع الامان عن فهم الكلام وكفى بذلك الزاما وخزيا وان اراد ان الشيعة لم يبحثوا عن حال رجال اسناد ذلك المنقول وعدالتهم فذلك لا يهمهم ولا يقدح في احتجاجهم على أهل السنة بل يكفى فيه كون ذلك مسطورا في الكتب المعتبرة لاهل السنة كصحاحهم الست ومسند ابن حنبل ونحوه من كتب المناقب التي الفها اكابرهم ومشاهيرهم. وأما سادسا فلان ما ذكره من بطلان زعم الرافضة ان ما يتلى عن على عليه السلام وعن اكابر أهل بيته من تعظيم الصحابة المبحوث فيهم واقع تقية مدخول بان نسبة الشيعة الى القول بكون ذلك على اطلاقه واقعا على سبيل التقية كاذبة بل ربما يقدحون في بعض الرجال المذكورة في سند ما نقله أهل السنة عنهم عليهم السلام في مدح من علم عدم استحقاقه للمدح بدلائل اخرى وحمل البعض على التقية

[ 29 ]

فليس بباطل سيما إذا قامت القرينة الحالية والمقالية على اعمال ذلك وأي قراين و اسباب وامارات اظهر مما روى عنه عليه السلام يوم الاكراه على البيعة مخاطبا للرسول صلى الله عليه وآله في ضريحه " يا ابن ام ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بى الاعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين " ويردد ذلك ويكرره ومما روى عنه في الشكاية عن غصبهم للخلافة عنه وتقمصهم اياها ما هو مصرح به في الخطبة الشقشقية المشهورة المذكورة في نهج البلاغة وفي قوله عليه السلام ايضا " اللهم اني استعديك على قريش فانهم قد قطعوا رحمى وكفاوا انائي، واجمعوا على منازعتي حقا كنت اولى به من غيرى وقالوا إلا ان في الحق ان تأخذه وفي الحق ان تمنعه فاصبر مغموما أو مت متاسفا فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتى فضننت بهم عن المنية، فاغضيت على القذى وجرعت ريقي على الشجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم وآلم للقلب من حز الشفار الى غير ذلك من الكلمات التي تواتر معناها على ان هذا الكلام إنما يحتاج إليه في دفع الشبهة متى لم نبن كلامنا على صحة النص على أمير المؤمنين عليه السلام ومتى بنينا الكلام في اسباب الخوف والتقية وترك النزاع والانكار على صحة النص ظهر الامر ظهورا يدفع الشبهة عن اصله لانه إذا كان هو عليه السلام المنصوص عليه بالامامة و المشار إليه بينهم بالخلافة ثم رآهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله تنازعوا الامر بينهم تنازع من لم يسمعوا فيه نصا ولا اعطوا فيه عهدا ثم صاروا الى احدى الجهتين بطريق الاختيار وصمموا على ان ذلك هو الواجب الذي لا يعدل عنه ولا حق سواه علم عليه السلام ان ذلك مويس من نزوعهم ورجوعهم ومخيف من ناحيتهم

[ 30 ]

وانهم إذا استجازوا اطراح عهد الرسول صلى الله عليه وآله فهم بان يطرحوا انكار ذاعرة (كذا كان) عليهم ويعرضوا عن وعظه وتذكيره اولى واحرى بل ذلك يورث الجزم بان النكير عليهم ودفعهم عما اختاروه قد كان مؤديا الى غاية المكروه ونهاية المحذور وبعبارة اخرى انما يسوغ ان يقال ذلك إذا لم يكن هناك امارة تقتضي الخوف وتدعو الى سوء الظن وإذا فرضنا ان القوم كانوا على احوال السلامة متظاهرين متمسكين باوامر الرسول صلى الله عليه وآله جارين على سنته وطريقته ولا يكون لسوء الظن عليهم مجال ولا للخوف من جهتهم طريق واما إذا فرضنا انهم دفعوا النص الظاهر وخالفوه وعملوا بخلاف مقتضاه فالامر ح منعكس منقلب وحسن الظن لا وجه له وسوء الظن هو الواجب ولا ينبغى للمخالفين لنا في هذه المسألة ان يجمعوا بين المتضادات ويفرضوا ان القوم دفعوا النص وخالفوا موجبه وهم مع ذلك على احوال السلامة المعهودة منهم التي تقتضي من الظنون بهم احسنها واجملها وأما اصل شرعية التقية فلا اعلم من محققى اهل السنة من ينكر ذلك وقد فصلنا الكلام في كتابنا الموسوم بمصائب النواصب ولنقتصر هيهنا بما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير عند تفسير قوله تعالى " لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا ان تتقوا منهم الاية " حيث قال: " التقية إنما تجوز فيما يتعلق باظهار الموالاة والمعاداة وقد تجوز ايضا فيما يتعلق باظهار الدين وأما ما يرجع ضرره الى الغير كالقتل والزنا وغصب الاموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز البتة وقال التقية جائزة لصون النفس وهل هي جائزة لصون المال يحتمل ان يحكم

[ 31 ]

فيها بالجواز لقوله عليه السلام " حرمة مال المسلم كحرمة دمه " ولقوله عليه السلام " من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة الى المال شديدة والماء إذا بيع بالعين سقط فرض الوضوء وجاز الاقتصار على التيمم دفعا لذلك القدر من نقصان المال فكيف لا يجوز هيهنا والله اعلم. ثم قال: قال مجاهد: هذا الحكم كان ثابتا قبل دولة الاسلام لاجل ضعف المؤمنين فاما بعد قوة دولة الاسلام فلا ثم قال: وروى عن الحسن ان التقية جائزة للمؤمنين الى يوم القيمة وهذا القول احسن لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان ويزيد ذلك وضوحا ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند عايشة من المتفق عليه وذكره شارح الوقاية من الحنفية في كتاب الحج وهو ان النبي صلى الله عليه وآله قال لعايشة لولا ان لقومك عهدا بالجاهلية وفي رواية عهد حديث بالكفر واخاف ان ينكر قلوبهم لامرت بالبيت فهدم فادخلت فيه ما اخرج منه والزقته بالارض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به اساس إبراهيم الحديث " وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله مع علو شانه وسطوع برهانه كان يتقى القوم الذين هم اعيان الصحابة من سوء تواطوءهم في هدم الكعبة واصلاح بنائها فما ظنك بعده بشان على عليهم السلام ومن عداه من أهل البيت الذين قتلوا آباء هؤلاء واعمامهم واقاربهم كما فصل في الاحاديث الاخر فتدبر وأما سابعا فلان ما ذكره من ان بعض الرافضة كفر عليا لاجل اعمال التقية مدفوع بانا لا نعلم هذا البعض ولا عبرة بكلام المجاهيل سيما إذا كان دليلهم المذكور على ذلك من اوهن الاباطيل. 11 -: قال المقدمة الثانية، اعلم ايضا ان الصحابة اجمعوا على ان نصب

[ 32 ]

الامام بعد انقراض زمن النبوة واجب بل جعلوه اهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله صلى الله عليه وآله واختلافهم في التعيين لا يقدح في الاجماع المذكور ولتلك الاهمية لما توفى رسول الله صلى الله عليه وآله قام أبو بكر خطيبا كما سيأتي فقال ايها الناس من كان يعبد محمدا ص فإن محمدا ص قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت لابد لهذا الامر ممن يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم فقالوا صدقت ننظر فيه ثم ذلك الوجوب عندنا معشر أهل السنة والجماعة وعند اكثر المعتزلة بالسمع أي من جهة التواتر والاجماع المذكور وقال كثير بالعقل ووجه ذلك الوجوب انه صلى الله عليه وآله أمر باقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وحفظ بيضة الاسلام وهي لا تتم الا بالامام وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورا فهو واجب ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى ودفع مضار لا تستقصى وكل ما كان كذلك يكون واجبا أما الصغرى على ما في شرح المقاصد فتكاد تلحق بالضروريات بل بالمشاهدات بشهادة ما نراه من الفتن والفساد وانفصام امور العباد بمجرد موت الامام وان لم يكن على ما ينبغى من الصلاح والسداد واما الكبرى فبالاجماع عندنا وبالضرورة عند من قال بالوجوب عقلا من المعتزلة كابى الحسين والجاحظ والخياط والكعبي انتهى. اقول: فيه بحث من وجوه أما اولا فانه ان اراد انعقاد الاجماع على ان نصب الامام واجب على الامة فبطلانه ظاهر لظهور الخلاف من الامامية والمعتزلة كما لا يخفى وايضا وجوب نصبه على الامة يقتضى انهم إذا لم يتفقوا لم يحصل انعقاد الامامة

[ 33 ]

بل يجب اعادة النظر مرة بعد اخرى وقد لا يثمر شيئ من ذلك اتفاقهم لاختلاف الاراء غالبا وهو يبطل تعليقها على راى الامة والالزم تعذر نصب الامام أو جواز عمل كل فريق برايه فيكون منصوب كل فريق اماما عليهم خاصة هذا خلف. وأما ثانيا فلان من اشتغل بذلك عن دفن رسول الله صلى الله عليه وآله كان جائرا جاهلا زنديقا لا عالما عادلا ولا صديقا فلا يستلزم ذلك مطلوبهم والشيعة يستدلون بفعلهم الشنيع هذا على عصيانهم بل على عدم ايمانهم واختيارهم الدنيا على الاخرة وذلك لانهم يذكرون حديثا وهوان " من صلى على مغفور غفر له ذنوبه " فلو كانوا مصدقين بما جاء به النبي ص لما اعرضوا عن هذه السعادة الكبرى والمغفرة العظمى مع ان المصلحة والمشورة في امور الدين والدنيا ما تفوت بيوم أو يومين فلو كان لهم ايمان ومروة لصبروا لدفنه والصلوة عليه والتعزية لاهل البيت عليهم السلام وادخالهم في المشورة إذ كان النزاع معهم والحاصل انهم إنما اشتغلوا بامر الخلافة لانهم اغتنموا الفرصة بغيبة على عليه السلام واصحابه واشتغالهم بتجهيز النبي صلى الله عليه وآله وتدفينه وعلموا انه لو حضر على عليه السلام مجلس اشتغالهم بامر الخلافة لفات الامر منهم وإلا فلم يكن في تأخير ذلك عن تجهيز النبي مظنة فوته وعدم استدراكه بل لو صبروا واشتغلوا مع على عليه السلام وسائر بني هاشم بدفن النبي صلى الله عليه وآله ومصابهم به والحزن له والصلوة عليه المرغب فيها لكان أولى لاجتماع الناس حينئذ اكثر مما كان قبل دفنه وليت شعرى كيف صار واجبا فوريا ؟ مع انه حين اراد النبي صلى الله عليه وآله ان يكتب في مرض موته كتابا في هذا الباب منع منه عمر وقال: حسبنا كتاب الله كما ذكره

[ 34 ]

هذا الجامد فيما سيجيئى وايضا كيف اوجبوا المسارعة الى انعقاد الامامة حفظا للدين عن الشين، ولم يسارعوا لاجل الدين، ايام أحد وبدر وخيبر وحنين بل هربوا فيها راجعين بخفى حنين (1)، ذاهلين عن وضع ارجلهم في كل اين، وقد فروا من الزحف يوم الاحزاب وعمرو بن عبدود يناديهم ويطلبهم بالاسامي والالقاب، فصمتوا وخمدوا جميعهم عن الجواب، ولم يقم إليه أحد من شهودهم، بل ظلوا ماكثين


(1) تلميح الى المثل المعروف بين العرب من قولهم " رجع يخفى حنين " قال الميداني بعد ذكره (ص 255 من مجمع الامثال المطبوع بايران وص 171 من المطبوع بمصر): قال أبو عبيد: اصله أن حنين كان اسكافا من أهل الحيرة فسامه اعرابي بخفين فاختلفا حتى اغضبه فأراد غيظ الاعرابي فلما ارتحل الاعرابي أخذ حنين أحد خفيه فطرحه في الطريق ثم القى الاخر في موضع آخر فلما مر الاعرابي بأحدهما قال ما أشبه هذا الخف بخف حنين ولو كان معه آخر لاخذته ومضى فلما انتهى الى الاخر ندم على تركه الاول وقد كمن له حنين فلما مضى الاعرابي في طلب الاول عمد حنين إلى راحلته وما عليها فذهب بها وأقبل الاعرابي وليس معه إلا الخفان فقال له قومه ماذا جئت به من سفرك ؟ قال جئتكم بخفى حنين فذهبت مثلا (يضرب عند اليأس عن الحاجة والرجوع بالخيبية) وقال ابن السكيت: حنين كان رجلا شديدا ادعى إلى أسد بن هاشم بن عبد مناف فانى عبد المطلب وعليه خفان أحمران فقال يا عم أنا ابن أسد بن هاشم فقال عبد المطلب لا وثياب ابن هاشم ما أعرف شمائل هاشم فيك فارجع فرجع فقالوا رجع حنين بخفيه فصار مثلا.

[ 35 ]

ناكثين لسابق عهودهم وكذلك ما اظهروا يوم مرحب (1) لا مرحبا لهم، ما للرجال من عزيمة، بل انهزموا اقبح هزيمة، فلما لم يظهر منهم المسابقة والمسارعة في تلك المشاهد لنصرة الدين علم ان مسابقتهم يوم السقيفة انما كانت لنيل الرياسة طلبا للجاه


(1) يريد بيوم مرحب يوم خيبر ومرحب اسم بطل معروف من يهود خيبر ويومه معروف ومشهور عند أهل الاخبار والسير وقصة فزار أبي بكر وعمر في هذه الغزوة مذكورة في كتب الخاصة والعامة (كمسند أحمد بن حنبل وغيره) واعترف به كل مخالف وموافق، وعدو وصديق، قال الفاضل المعاصر الدكتور محمد حسين هيكل في تاريخه المسمى بحيوة محمد ص عند ذكره وقائع هذه الغزوة (ص 375 س 24 من الطبعة الثانية): " وتتابعت الايام، فبعث الرسول أبا بكر براية الى حصن ناعم كي يفتحه، فقاتل ورجع ولم يكن الحصن قد فتح. وبعث الرسول عمر بن الخطاب في الغداة، فكان حظه حظ أبي بكر. فدعا الرسول إليه في الغداة علي بن أبي طالب ثم قال له: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك. ومضى على بالراية، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود فطاح ترسه، فتناول على بابا كان عند الحصن فتترس به، فلم يزل في يده و هو يقاتل حتى فتح الحصن ". وقد أجاد ابن أبي الحديد المعتزلي البغدادي في بائيته المعروفة (وهي احدى العلويات السبعة). وما أنس لا أنس اللذين تقدما * وفرهما والفر قد علما حوب وللراية العظمى وقد ذهبا بها * ملابس ذل فوقها وجلابيب

[ 36 ]

وحبا للدنيا وحسدا لال محمد عليهم السلام وذلك موجب لخروجهم بالكلية عن دين الاسلام ولله در القائل.


يشلهما من آل موسى شمر دل * طويل نجاد السيف أجيد يعبوب يمج منونا سيفه وسنانه * ويلهب نارا غمده والانانيب أحضر هما أم حضر أخرج خاضب * وذانهما أم ناعم الخد مخضوب عذرتكما أن الحمام لمبغض * وأن بقاء النفس للنفس محبوب ليكره طعم الموت والموت طالب * فكيف يلذ الموت والموت مطلوب دعا قصب العلياء يملكها أمرء * بغير أفاعيل الدناءة مقضوب يرى أن طول الحرب والبؤس راحة * وإن دوام السلم والخفض تعذيب فلله عينا من رآه مبارزا * وللحرب كأس بالمنية مقطوب وقد صدر عن خاتم النبيين ص بعد هذا الفتح المبين، حديث في حق أمير المؤمنين ع يشتمل على فضائل جمة ومناقب جليلة منها قوله ص " لولا أن تقول فيك طائفة من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولا لاتمر بملاء إلا أخذوا من تراب رجليك " الخ وهو مشهور بين الخاصة والعامة واليه يشير شاعر الشيعة (وهو السيد على الواعظ القاينى ره المترجم حاله في مجالس المؤمنين للمصنف ره) بقوله في قصيدة مطولة فارسية مذكورة في المجالس المذكور: * بو العجب قومي كه منكر ميشوند از فضل أو * * زان خبر كايشان روايت روز خيبر كرده اند *

[ 37 ]

* (شعر) * وعلى الخلافة سابقوك وما * سبقوك في أحد ولا بدر (1) وأما ثالثا فلان ما نسبه من الخطبة الى ابى بكر مع ركاكته من اوضح الموضوعات أما الاول فلظهور سوء الادب فخطابه للناس بقوله " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات " وهل كان هناك من يعبد محمدا صلى الله عليه وآله وكان يعتقد انه صلى الله عليه وآله لا يموت ؟ اللهم إلا ان يقال قال ذلك ردا على ما روى من ان عمر قال في ذلك اليوم لمصلحة زورها في نفسه " والله ما مات محمد وسيعود ويقطع ايدى رجال وارجلهم بما قالوا انه مات " لكن المشهور عندهم انه رد عليه أبو بكر هناك من ساعته ورجع هو الى قول أبي بكر فلم يبق حاجة الى تكرار الرد عليه في خطبته البليغة هذه وأما الثاني فلانه كيف يصح ما فيها من دعاء الناس الى اجالة آراءهم في ذلك وطلب الناس المهلة عنه للنظر فيه مع ما شحنوا به كتبهم


(1) يناسب ذلك ما روى من أن الصادق عليه السلام مر بدار عرس سمع منها صوت الدف ومغنية تغنى وتقول: أبا حسن سيدي أنت أنت * وصى المهيمن لو أنصفوكا وأنت جعلت قريشا عبيدا * ولولا حسامك كانوا ملوكا وأنت المقدم في النائبات * فعند الخلافة لم أخروكا فقال عليه السلام بشروها بالجنة فلما سمعت الجارية المغنية ذلك القت الدف وتابت الى الله تعالى ولما كان مناسبا لهذا المقام ذكرناه هيهنا.

[ 38 ]

من ان بيعتهم لابي بكر في سقيفة بني ساعدة انما وقعت فلتة وبغتة حتى رووا عن عمر ما سيذكره هذا الشيخ فيما سيأتي من ان بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها عن المسلمين فمن عاد الى مثلها فاقتلوه. وأما رابعا فلان مبادرة القوم الى تصديق أبي بكر في ايجابه النظر في ذلك يجوز ان يكون لاعتقادهم ارادة التفحص عن امام منصوب من الله تعالى لا لاختيار امام من عند انفسهم ثم لما ظهر عليهم خلافه واتضح آثار العدوان سكتوا فغاية الامر انعقاد الاجماع السكوتي عن جماعة في ذلك ووهنه ظاهر. واما خامسا فلان الوجوب المشار إليه بقوله " وذلك الوجوب عندنا " اعم من الوجوب على الله أو على الامة فلا يصح اطلاق ذلك الوجوب عندنا معشر أهل السنة والجماعة وعند اكثر المعتزلة بالسمع لأن ما ذهب إليه أهل السنة هو الوجوب السمعى على الامة لا الوجوب على الله ايضا فالصواب ان يقال ان ذلك الوجوب الاعم عندنا وعند اكثر المعتزلة على الامة بالسمع الخ. وأما سادسا فلان ما ذكره من ان اكثر المعتزلة على الوجوب سمعا كذب صريح يشهد به عبارة الشرح الجديد للتجريد حيث قال " اختلفوا في نصب الامام بعد انقراض زمان النبوة هل يجب ام لا ؟ وعلى تقدير وجوبه على الله ام علينا ؟ عقلا ام سمعا فذهب أهل السنة الى انه واجب علينا سمعا وقالت المعتزلة والزيدية بل عقلا وذهبت الامامية الى انه واجب على الله تعالى عقلا انتهى. وأما سابعا فلان قوله وقال كثير بالعقل ان اراد به الوجوب العقلي على الامة يلزم اهمال ذكر القول بوجوبه على الله تعالى عقلا وان اراد به وجوبه على الله تعالى

[ 39 ]

عقلا يلزم اهمال ذكر القول بوجوبه على الامة عقلا فيختل كلامه تحرير محل النزاع كما لا يخفى. وأما ثامنا فلان القول بكون الوجوب في ذلك سمعيا غير مسموع لان الوجوب السمعى منحصر في الكتاب والسنة والاجماع والكل مفقود هيهنا باعتراف الخصم ومنهم صاحب المواقف حيث " قال وإذا ثبت حصول الامامة بالاختيار والبيعة فاعلم ان ذلك الحصول لا يفتقر الى الاجماع من جميع أهل الحل والعقد إذ لم يقم عليه أي على هذا الافتقار دليل من العقل والسمع بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف في ثبوت الامامة ووجوب اتباع الامام على أهل الاسلام وذلك لعلمنا بان الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا في عقد الامامة بذلك المذكور من الواحد والاثنين كعقد عمر لابي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان ولم يشترطوا في عقدها اجتماع من في المدينة من أهل الحل والعقد فضلا اجماع الامة من علماء الانصار ومجتهدي جميع اقطارها هذا ولم ينكر عليهم أحد وعليه أي على الاكتفاء بالواحد والاثنين في عقد الامامة انطوت الاعصار بعدهم الى وقتنا هذا " انتهى وقد علم من كلامه هذا انهم جعلوا عمل الغاصب للخلافة حجة فيها على الامة لظهور ان النزاع إنما هو فيهم وفي عدم استحقاقهم لذلك وإلا فما الدليل العقلي والنقلى من الكتاب والسنة على ان مجرد البيعة بل مجرد بيعة الواحد والاثنين حجة ؟ ومن اين ثبت لعمر امامة أبي بكر حتى بايعه ؟ وكيف علم أبو بكر انه امام حتى ادعى ذلك ولعل هذا اول ما اباح على أهل السنة كهذا الشيخ الجاهل في كتابه هذا ارتكاب المصادرة وسوء المكابرة فما بقى لهم في المسألة إلا الاعتماد على حسن الظن

[ 40 ]

بمن قام الف دليل على سوء افعاله وركاكة اقواله كما سيتضح انشاء الله تعالى والملخص ان نصب الامام واجب على الله تعالى عقلا كما برهن عليه في موضعه مفصلا وقد ابان عن ذلك النبي صلى الله عليه وآله ونص على من كان اهلا للامامة في يوم الغدير وغيره من المواقف والازمان وحيث كان هذا الايجاب عند أهل البيت عليهم السلام وسائر بني هاشم واتباعهم شائعا ذائعا بحيث لم يظنوا صدور الخلاف لاحد من الاصحاب لم يشتغلوا به عن دفن رسول الله صلى الله عليه وآله كما سيعترف به هذا الشيخ الجاهل في اوائل الفصل الاول من الباب الاول وإنما اشتغل به من الاصحاب من قصد غصب منصب الامامة وعادى عليا طلبا لثارات الجاهلية فاغتنموا الفرصة باشتغال بني هاشم بتجهيز النبي صلى الله عليه وآله وجلوس على عليه السلام للمصيبة فسارعوا الى تقرير ولى الامر ولبسوا الامر على الناس بايهام ان قعود على عليه السلام في قعر بيته إنما كان لتركه الخلافة واعراضه عنها فانخدع الناس بذلك وضم إليه اختلاف الانصار فيما بينهم فلم يصبروا ان يفرغ بنو هاشم من مصاب رسول الله صلى الله عليه وآله فيستقر الامر مقره فبايعوا أبا بكر بحضوره وعقدوا البيعة الفلتة الفاسدة لابي بكر بعد اعمال وجوه اخرى من التلبيس وتطميع الناس واستمالتهم بتفويض امارة البلاد ونحوها فظهر ان قول هذا الشيخ حيث اشتغلوا به عن دفن رسول صلى الله عليه وآله على عمومه في محل المنع فتأمل وأما تاسعا فلان ما ذكره اولا في وجه الوجوب على الامة سمعا غير متجه لانه لا يقتضى كون نصب الامام واجبا سمعيا على الامة كما ادعاه لظهور ان أمر النبي صلى الله عليه وآله باقامة الحدود وسد الثغور ونحوهما على آحاد الامة ليس

[ 41 ]

على ان يفعلها كل أحد منهم باستقلال بل بامر الامام كما يرشد إليه قوله وهي لا تتم إلا بالامام فهذا الامر راجع الى بيان ما يجب على معاونة الامام في الامور المذكورة لا الى وجوب اصل الامامة فالواجب المطلق في الامر بما ذكر هو الوجوب المتعلق باطاعة الامة لا الوجوب المتعلق بنصب الامام ولا يلزم من سمعية الاول سمعية الثاني على ان لقائل ان يمنع قولهم ان ما لا يتم الواجب به وكان مقدورا للمكلف كان واجبا " وإنما تصدق هذه المقدمة لو امتنع تكليف ما لا يطاق وهو غير ممتنع عندهم فلم يتم هذا الدليل للاشاعرة وايضا الذي يقوم عليه الدليل هو وجوب مقدمة الواجب بمعنى كونه مما لابد منه في تحقق ما هي مقدمة له لا الوجوب الشرعي الذى قصدوه في هذا المقام وتحقيق ذلك يطلب من كتب الاصول لاصحابنا ايدهم الله تعالى. وأما عاشرا فلان ما ذكره ثانيا بقوله " ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى و دفع مضار تستقصى الخ " مردود بان الضرر المظنون أما دينى وهو تقريب المكلفين وتبعيدهم وذلك لا يحصل إلا من امام مؤيد من عند الله بالايات والبينات عارف بجزئيات التكاليف العقلية والشرعية مما لا يعرفها إلا الراسخون ولا يرضى بحكمه الا المتقون، بخلاف من نصبته الرعية على وفق آرائهم، ومقتضى شهواتهم، حيث جوزوا ترجيح المرجوح وتفضيل المفضول واستاثروا اتباع الظالم الجاهل الذي لا يعرف شيئا من ضروريات الدين كما ينبغى، بل لا يهتدى بضروريات العقل ايضا لينالوا بوسيلته مراداتهم الجاهية والمالية وأما دينوى كالهرج والمرج والفتن ولا نزاع لنا في حصوله في الجملة من نصب رئيس يختاره طائفة من الناس بينهم لئلا يختل

[ 42 ]

أمر معاشهم إلا ان نصبه ربما يؤدى الى المفاسد الدينية كاتباع العلماء القاصرين لرايه واعتقاده وتاليفهم كتبا على طبق مرضاته ووضعهم احاديث كذلك فاستمر بينهم كابرا عن كابر حتى شاع في وقته كما وقع في زمان بني امية وبني العباس فقالوا بعد مدة انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مهتدون. 12 - قال: المقدمة الثالثة الامامة تثبت أما بنص من الامام على استخلاف واحد من اهلها وأما بعقدها من اهل احل والعقد لمن عقدت له من اهلها كما سيأتي بيان ذلك في الابواب وأما بغير ذلك كما هو مبين في محله واعلم انه يجوز نصب المفضول مع وجود من هو افضل لاجماع العلماء بعد الخلفاء الراشدين على امامة بعض من قريش مع وجود افضل منه فيهم ولأن عمر جعل الخلافة بين ستة من العشرة منهم عثمان وعلى وهما افضل اهل زمانهما فلو تعين الافضل لعين عثمان فدل عدم تعيينه أنه يجوز نصب غير عثمان وعلى مع وجودهما والمعنى في ذلك ان غير الافضل قد يكون اقدر منه على القيام بمصالح الدين واعرف بتدبير الملك واوفق لانتظام حال الرعية واوثق في اندفاع الفتنة انتهى. اقول: اولا التحقيق ان الامامة لا تثبت إلا بنص من النبي صلى الله عليه وآله أو من الامام المنصوص على امامته وأما القسمان الاخران اللذان ذكرهما هذا الشيخ الجامد فقد اشرنا الى بطلانهما اجمالا وسياتى الكلام فيهما تفصيلا ان شاء الله تعالى وثانيا انه ان اراد بدعوى اجماع العلماء على امامة المفضول مع وجود الفاضل اجماع جميع العلماء فالمنع عليه ظاهر كيف وسائر ائمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم هذا الى هذا الزمان على طرف الخلاف وان

[ 43 ]

اراد اجماع علماء أهل السنة فهو مصادرة ظاهرة لا تقوم حجة على الخصم الشيعي كما لا يخفى وتفصيل الكلام وتحقيق المرام انه قد دل العقل والنقل على انه يجب ان يكون الامام اكمل وافضل في جميع اوصاف المحامد كالعلم والزهد والكرم والشجاعة والعفة وغير ذلك من الصفات الحميدة والاخلاق المرضية وبالجملة يجب ان يكون اشرفهم نسبا واعلاهم قدرا واكملهم خلقا وخلقا كما وجب ذلك في النبي بالنسبة الى امته وهذا الحكم متفق عليه من اكثر العقلاء إلا ان اهل السنة خالفوا في اكثره كالاعلمية والاشجعية والاشرفية لأن أبا بكر لم يكن كذلك مع ان عمر وابا عبيدة نصباه اماما وكذا عمر لم يكن كذلك وقد نصبه أبو بكر اماما ولم يفطنوا بان هذا الاختيار السوء قد وقع مواضعة ومخادعة من القوم حرصا على الخلافة وعداوة لامام الكافة كما يكشف عنه قول طلحة حين كتب أبو بكر وصيته لعمر بالولاية والخلافة بعده حيث قال مخاطبا لعمر " وليته امس وولاك اليوم " الى غير ذلك من المكائد والحيل والخدع التي استعملوها في غصب الخلافة عن اهلها وكذلك فريق من المعتزلة منهم عبد الحميد بن ابي الحديد المدائني قالو ابجواز تقديم المفضول على الفاضل لمصلحة ما وقالوا ان عليا عليه السلام افضل من أبي بكر لكن جاز تقديم أبي بكر عليه لمصلحة وهذا القول غير مقبول إذ يقبح من اللطيف الخبير ان يقدم المفضول المحتاج الى التكميل على الفاضل الكامل عقلا ونقلا كما في النبوة و منشا شبهتهم في هذا التجويز ان النبي صلى الله عليه وآله قدم عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر وكذا قدم اسامة بن زيد عليهما مع انهما افضل من كل منهما و الجواب بعد تسليم افضليتهما والاغماض عن ان هذه الافضلية إنما توهم لهما بعد

[ 44 ]

غصبهما للخلافة انهما إنما قدما عليهما في أمر الحرب فقط، وقد كانا اعلم منهما فيه قطعا كما دل عليه الاخيار والاثار هذا ان جعلنا التقديم والتاخير منوطا باختيار الله تعالى وأما ان جعلناه منوطا باختيار الامة كما هو مذهب الجمهور فهو ايضا غير مقبول لانه يقبح في العقول ايضا ان يجعل المفضول المبتدى في الفقه مقدما على ابن عباس رضى الله عنه وذلك بين عند كل عاقل والمخالف فيه مكابر. ومن العجائب ان ابن أبي الحديد المعتزلي خالف هيهنا مقتضى ما اجمع عليه من القول بالحسن والقبح العقليين ونسب هذا التقديم الذي ذهب إليه الى الله عز وجل فقال في خطبة شرحه لنهج البلاغة " وقدم المفضول على الفاضل لمصلحة اقتضاها التكليف " وهذا في غاية ما يكون من السخف، لانه نسب ما هو قبيح عقلا الى الله عز وجل، مع انه عدلى المذهب، فقد خالف مذهبه، ولهذا حمل الشكايات الواردة من على عليه السلام عن الصحابة، والتظلم منهم في الخطبة الموسومة بالشقشقية و غيرها على ذلك ولا يخفى ان الحمل على ذلك مما لا وجه له سوى التحامل على على عليه السلام لأن هذا التقديم ان كان من الله تعالى، لم يصح من على عليه السلام الشكاية مطلقا لانها حينئذ تكون ردا على الله، والرد عليه على حد الكفر وان كان من الخلق فان كان هذا التقديم لمصلحة المكلفين وعلم بها جميع الخلق غير على عليه السلام فقد نسبه عليه السلام الى الجهل بما عرفه عامة الخلق وان كان لا لمصلحة كان تقديما بمجرد التشهى فلم يكن الشكاية على الوجه الذي توهمه فلا وجه لحملها عليه هذا والعقل والنقل كما اشرنا إليه دال على قبح ذلك أما العقل فظاهر وأما النقل فلان القرآن نص على انكار ذلك حيث قال تعالى " افمن يهدى الى الحق

[ 45 ]

احق ان يتبع امن لا يهدى الا ان يهدى فما لكم كيف تحكمون " وقال تعالى " هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولوا الالباب " ثم اقول يمكن ان يستدل على عدم جواز تفضيل المفضول بقول أبي بكر " اقيلوني فانى لست بخيركم وعلى فيكم " فاحفظ هذا فانه بذلك حقيق وثالثا ان ما ذكره من التعليل العليل بقوله ولان عمر جعل الخلافه الخ " قد مر ما فيه مع ابتنائه على مجرد حسن الظن الذى لا يغنى من الحق شيئا ورابعا ان قوله " والمعنى في ذلك ان غير الافضل قد يكون اقدر منه الخ فيه انه ان عنى بالاقدر المذكور فيه انه لا يعرف مصالح الدين لكنه اقدر على اقامتها فهذا لا يسمن ولا يغنى من جوع لأن اقامة مصالح الدين فرع العلم وهو ظاهر وان عنى به انه اقدر باقامتها مع العلم من غير احتياج واستناد الى استعلامها عن غير فهو خلاف المفروض لأن مثل هذا الشخص ليس بمفضول في العلم بل اقل الامر ان يكون مساويا لغيره وأما مجرد معرفة تدبير الملك وانتظام حال الرعية فلا يجدى في الدين لان ذلك التدبير والانتظام يجب ان يكون على الوجه الشرعي الخالى عن شوائب الجور والظلم الذي لا يحصل إلا ممن اتصف بالعلم والعفة والزهد والشجاعة بل بالعصمة كما سنحققه دون الوجه العرفي السياسي الحاصل من معاوية الباغى وجروه يزيد والوليد الجبار العنيد الذي استهدف المصحف المجيد والحجاج الظالم الفاتك الشديد واللص المتغلب الدوانيقي ونحوهم من كل شيطان مريد فانهم كانوا يدفعون الفتنة الموهومة على الملك والرعية وعلى خصوص سلطنتهم وجاههم بقتل كل متهم وصلب كل عدو مظنون واحراق بيوتهم وبيوت اقوامهم وجيرانهم وضرب اعناقهم الى غير ذلك من العذاب والنكال بلا ثبوت ذنب

[ 46 ]

منهم شرعا نعم ظلم الشيخين كان مختصا باهل البيت عليهم السلم وشيعتهم ولهذا استقام لهم الامر بمعونة غيرهم من اعداء أهل البيت بخلاف عثمان فانه لما عم ظلمه وظلم عماله على البلاد والعباد اختل امره وآل الى قتله على رؤس الاشهاد وبالجملة ان حفظ الحوزة على الوجه المشتمل على الانتظام الظاهرى ودفع الهرج والمرج و رفع تطاول بعض الاحاد قد يترتب على وجود الخلفاء المجازية والملوك الجائرة بل بوجود الشحنة والعسس بل ربما يحصل هذا القسم من الانتظام بهم دون غيرهم من الخلفاء الحقيقية فانهم بموجب سياساتهم العرفية المذكورة ونحوها ربما يدفعون تطاول آحاد الناس على غيرهم الرعية بوجه لا يتيسر لغيرهم من الخلفاء الامجاد لكنهم انفسهم واولياء دولتهم يعملون مع ضعفاء العباد ما يشاؤن من الجور والفساد ولو وقع خلل في احكام الدين القويم واعوجاج في اركان الطريق المستقيم عجزوا عن الاصلاح والتقويم كما اشار إليه عبد الله بن الحر في جملة قوله * (شعر (1)) * تبيت النشاوى من امية نوما * وبالطف قتلى ما ينام حميمها وما ضيع (2) الاسلام إلا قبيلة (3) * تأمر نوكاها ودام نعيمها (4) واضحت (5) قناة الدين في كف ظالم * إذا اعوج منها جانب لا يقيمها


(1) نقل ابن شهرآشوب ره هذه الابيات في كتاب المناقب من دون تسمية لقائلها (صفحة 232 من ج 2 من النسخة المطبوعة في سنة 1317 القمرية الهجرية ونقلها المجلسي ره عن المناقب في البحار (ص 256 من ج 10 من الطبعة المطبوعة بنفقة أمين الضرب ره) (2) المناقب والبحار (قتل). (3) المناقب والبحار (عصابة). (4) المناقب والبحار (نام زعيمها) (5) المناقب والبحار (فاضحت).

[ 47 ]

وليتأمل ذو الرأى السديد ان فيما وقع في ايام من صحح أهل السنة سلطنته بل خلافته كيزيد عليه من اللعنة ما يربو ويزيد من قتل الحسين عليه السلام وشيعته حفظ حوزة الاسلام أو في قتله لاهل المدينة الطيبة وافتضاض الف بكر من اولاد الصحابة والتابعين الكرام رعاية نظام الانام أو في رمى المناجيق على الكعبة وتخريب بيت الله الحرام عمارة لما اختل من النظام أو دعوة لمن دخلها الى دار السلام هذا مع انا لا نسلم ان الثلاثة كانوا اعرف بحفظ الحوزة ونظم حال الرعية ولو كانوا كذلك لما أمر النبي عليهما عمرو بن العاص مرة وزيد بن حارثة مرة وزيد بن اسامة تارة اخرى وقد اشتهر ان اكثر ما استعمله عمر من تدبير فتح العجم ونشر الاسلام في بلادهم إنما كان باشارة على عليه السلام وانه كتب صفحه من قبيل الجفر والتكسيرا وجب عقدها على راية أهل الاسلام انتكاس راية العجم وقد ذكر بعض الجمهور على ما في كتاب الشافي ان مقاتلة أبي بكر لاصحاب مسيلمة الكذاب وامثالهم المشهورين بين أهل السنة باهل الردة إنما كان باشارة على عليه السلام نعم كان عليه السلام محترزا عن استعمال الغدر والمكيدة والحيلة والخديعة التى يعد العرب مستعملها من الدهاة وكانوا يصفون معاوية بذلك ويقولون إنما وقع الاختلال في عسكر على عليه السلام لان معاوية كان صاحب الدهاء دونه ولما سمع عليه السلام ذلك قال " لولا الدين (1) لكنت من ادهى العرب " فتدبر


(1) نقل السيد الرضي (ره) في نهج البلاغة ما يحقق هذا المرام بهذه العبارة (ومن كلام له عليه السلام: والله ما معوية بادهى منى ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله

[ 48 ]

13 - قال: واشتراط العصمة في الامام وكونه هاشميا وظهور معجزة على يده يعلم بها صدقه من خرافات نحو الشيعة وجهالاتهم لما سيأتي بيانه وايضاحه من حقية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان مع انتفاء ذلك فيهم ومن جهالاتهم ايضا قولهم ان غير المعصوم يسمى ظالما فيتناوله قوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين وليس


ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة) وقال ابن أبي الحديد في شرحه كلاما مفصلا منه هذا) اعلم أن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة إلا إذا كان يعمل برأيه وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره وتوطيد قاعدته سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه فبعيد ان ينتظم أمره أو يستوثق حاله و أمير المؤمنين كان مقيدا بقيود الشريعة مدفوعا الى اتباعها ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقا فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن لم يلتزم بذلك ولسنا بهذا القول زارين على عمر بن الخطاب ولا ناسبين إليه ما هو منزه عنه لكنه كان مجتهدا يعمل بالقياس وألاستحسان والمصالح المرسلة ويرى تخصيص عمومات النص بالاراء وبالاستنباط من أصول يقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص ويكيد خصه ويأمر امرائه بالكيد والحيلة ويؤدب بالدرة والسوط من يتغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقون به التأديب كل ذلك بقوة اجتهاده وما يؤديه إليه نظره ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يرى ذلك وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعداها إلى الاجتهاد والا قيسته ويطبق أمور الدنيا على أمور الدين ويسوق الكل مساقا واحدا ولا يضع ولا يرفع إلا بالكتاب والنص فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة وكان عمر مع ذلك شديد الغلظة والسياسة وكان علي عليه السلام كثير الحلم والصفح والتجاوز فازدادت خلافة ذلك قوة وخلافة هذا لينا ولم يمن عمر بما منى به علي عليه السلام من فتنة عثمان الخ) وهو كلام نافع طويل الذيل جدا ينبغي أن يلاحظ ويراجع فمن أراده فليطلبه من هناك (وهو أواخر الجزء العاشر من شرح النهج لصاحب الكلام).

[ 49 ]

كما زعموا إذ الظالم لغة من يضع الشئ في غير محله وشرعا العاصى وغير المعصوم قد يكون محفوظا فلا يصدر عنه ذنب أو يصدر عنه ويتوب منه حالا توبة نصوحا فالاية لا تتناوله وإنما تتناول العاصى على ان العهد في الاية كما يحتمل ان يكون المراد به الامامة العظمى يحتمل ايضا ان يكون المراد به النبوة أو الامامة في الدين أو نحوهما مراتب الكمال وهذه الجهالة منهم إنما اخترعوها ليبنوا عليها بطلان خلافة غير على كرم الله وجهه وسيأتى ما يرد عليهم ويبين عنادهم وجهلهم وضلالهم نعوذ بالله من الفتن والمحن انتهى. اقول يتوجه عليه: اولا ان الامامية الذين ينبغى ان يكون وجه الكلام معهم إنما اشترطوا العصمة دون الهاشمية وان اتفق كون الائمة المعصومين من بني هاشم ودون اظهار المعجزة وان صدر عنهم ذلك حسبما ذكره مؤلف شواهد النبوة وغيره وثانيا ان اثبات حقية خلافة أبي بكر وعمر مع انتفاء العصمة فيهم إنما يوجب خرافة من اشترط العصمة في الامامة لو لم يثبت ذلك ببرهان من العقل والنقل وإلا فغاية الامر تعارض الاثباتين فجاز ان يكون الخرافة والجهل في هذا الشيخ الخرف والجهلاء من أهل نحلته على ان لنا بحمد الله تعالى على ذلك دلائل عقلية ونقلية لا يخفى وقعها على اولى الطبائع الزكية أما النقلية فما ذكره هذا الشيخ الجامد بعيد ذلك من قوله تعالى " لا ينال عهدي الظالمين " وسنوضح دلالته على المقصود بحيث لا يبقى للخصم مجال الانكار والجحود وقوله تعالى " كونوا مع الصادقين " و

[ 50 ]

غير المعصوم لا يعلم صدقه فلا يجب الكون معه فيجب الكون مع المعصوم وهم ائمة أهل البيت عليهم السلام كما نطق به آية التطهير على ما اوضحناه في شرح كشف الحق ونهج الصدق وأما العقلية فلان الامام قائم مقام النبي صلى الله عليه وآله وله الولاية العامة في الدين والدنيا وساد مسده فكما انه شرط في النبي اتفاقا فكذا في الامام الزاما وبالجملة ان الادلة الدالة على عصمة النبي صلى الله عليه وآله دالة على عصمة الامام عليه السلام وهي انتفاء فائدة بعثة النبي صلى الله عليه وآله لو لم يكن معصوما لظهور انتفاء فائدة نصب الامام ايضا على تقدير عدم عصمته وللزوم التسلسل لو لم يكن الامام معصوما وقد شبهوا هذا بدليل وجوب انتهاء سلسلة الممكنات على الواجب لئلا يلزم التسلسل ولأن الامر باتباعه امر مطلق فلو وقع منه معصية لزم ان يكون الله آمرا لنا بفعل المعصية وهو قبيح عقلا لا يفعله الحكيم تعالى لما ثبت من الادلة الدالة على امتناع القبائح منه تعالى ولانه لو فعل المنكر فإن لم يعترض عليه لزم سقوط النهى عن المنكر وان انكر عليه لزم سقوط محله عن القلوب فلا يحصل فائدة نصبه ولأن الامام حافظ للشرع بمعنى انه مؤيد له منفذ لاحكامه بين الناس جميعا وكل من كان حافظا للشرع بهذا الوجه لابد من عصمته أما الصغرى فلاعتبار عموم الرياسة في الدينا والدين في الامامة كما سبق وأما الكبرى فلان كان حافظا للشرع بالوجه المذكور لا بد ان يكون آمنا عند الناس من تغيير شئ من احكامه بالزيادة والنقصان وإلا لم يحصل الوثوق بقوله وفعله فلا يتابعه العباد فيهما فيختل الرياسة العامة وتنتفي فائدة الامامة لا يقال ان هذا الدليل يقتضى ان يكون العصمة شرطا في المجهتد ايضا لانه حافظ للشرع فلابد ان يكون معصوما ليؤمن

[ 51 ]

من الزيادة والنقصان وكذا الكلام في الدليل المذكور قبله لانه لو فعل المعصية سقط من القلوب وانتفت فائدة الاجتهاد أو سقط حكم الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وكلاهما باطل لكنها ليست بشرط اتفاقا لانا نقول المجتهد ليس حافظا للشرع بين جميع الناس بل مظهر له على من قلده فلا يجب فيه ان يكون آمنا من الزيادة والنقصان على سبيل القطع بل يكفى حسن الظن بصدقه بعد ثبوت الاجتهاد ولذلك شرط العدالة فيه وبالجملة مرتبة الاجتهاد لكونها دون مرتبة الامامة تحصل باستجماع شرائطها المشهورة المسطورة في كتب الاصول ويكفى في وجوب العمل بقول المجتهد حسن الظن بصدقه المتفرع على ثبوت عدالته بعد حصول شرائط الاجتهاد كما تقرر في محله بخلاف مرتبة الامامة فانها رياسة عامة بحسب الدين والدنيا ومن البين انها لا تحصل لشخص إلا بعد ان يكون آمنا من الزيادة والنقصان في احكام الشرع وإلا لاختلت تلك الرياسة العامة وانتفت فائدة الامامة كما لا يخفى على من له طبع سليم وعقل مستقيم ولا يبعد ان يقال ايضا ان كلا من جواز الاجتهاد وجواز تقليد المجتهد في ايام غيبة الامام من باب الرخصة في اكل لحم الميتة عند الخمصة لئلا يتعطل الاحكام الشرعية وإنما الجائز بحسب اصل الشرع هو الاجتهاد في زمن حضور النبي أو الامام عند كونه في ناحية بعيدة عنهما يمكنه استعلام ما استبهم من الاحكام بالكتابة اليهما ونحوها إذ مع حضور النبي والامام المعصومين في الاحوال والاقوال يرجع المجتهدون اليهما في مواضع الاشتباه والاشكال وباعلام كل منهما يحصل التفصى عن الخطاء والضلال فلا يحتاج الى اعتبار عصمة المجتهد مع حضور النبي صلى الله عليه وآله

[ 52 ]

والامام الذي يمكن الرجوع إليه في تحقيق الاحكام والكشف عن مسائل الحلال والحرام فإن قيل عمدة ما ذكرتم معشر الامامية في عصمة الانبياء والائمة ان تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض من بعثة الانبياء ونصب الامام اعني قبول اقوالهم و امتثال اوامرهم ونواهيهم فبينوا لنا وجه القدح إذ قد طال الكلام في هذه المسألة بين الفريقين قلت لاشك ان من يجوز عليه الكبائر والمعاصي فإن النفس لا تسكن ولا تطمئن الى قبول قوله مثل ما تطمئن الى قول من لا يجوز عليه شئ من ذلك جزما قال الشريف المرتضى رضى عنه هذا معنى قولنا ان وقوع الكبائر والمعاصي منفر عن القبول والامتثال والمرجع فيهما الى العادات وليس ذلك مما يستخرج بالدليل ومن رجع الى العادة علم صدق ما ذكرناه فإن الكبائر في باب التنفير لا تنحط عن المهاجاة التي تدل على خسة صاحبها وعن المجون والسخافة ولا خلاف في انها ممتنعة منهم فإن قيل اوليس قد جوز كثير من الناس الكبائر على الانبياء والائمة ومع ذلك لم ينفروا عن قبول اقوالهم وامتثال أوامرهم وهذا يناقض قولكم ان الكبائر منفرة قلنا هذا كلام من لم يعرف معنى التنفير إذ لم نرد به ارتفاع التصديق والامتثال رأسا بل ما ذكرناه من عدم سكون النفس وحصول الاطمينان ولا يشك عاقل في ان النفس حال عدم تجويز الكبائر اقرب منها الى ذلك عند تجويزها وقد يبعد الامر عند الشئ ولا يرتفع كما يقرب من الشئ ولا يقع عنده الا ترى ان عبوس الداعي الى طعامه وتضجره منفر في العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه وقد يقع مع ما ذكرناه الحضور والتناول ولا يخرجه من ان يكون منفرا وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسمه يقرب من الحضور والتناول وقد يرتفع عنده ذلك لا يقال هذا يقتضى ان لا يقع الكبائر عنهم حال النبوة

[ 53 ]

والامامة وأما قبلها فلا لزوال حكمها بالتوبة المسقطة للعقاب والذم ولم يبق وجه يقتضى التنفير لانا نقول انا لم نجعل المانع عن ذلك استحقاق العقاب والذم فقط بل ولزوم التنفير ايضا وذلك حاصل بعد التوبة ولهذا نجد ذلك من حال الواعظ الداعي الى الله وقد عهد منه الاقدام على كبائر الذنوب وان تاب عنها بخلاف من لم يعهد منه ذلك والضرورة فارقة بين الرجلين فيما يقتضى القبول والنفور و كثيرا ما نشاهد ان الناس يعيرون من عهد منه القبائح المتقدمة وان حصلت منه التوبة والنزاهة ويجعلونها نقصا وعيبا وقدحا غاية ما في الباب ان الكبائر بعد التوبة اقل تنفيرا منها قبل التوبة ولا يخرج بذلك عن كونها منفرة ان قلت فلم قلتم ان الصغائر لا تجوز عليهم مطلقا ولا تنفير فيها قلت بل التنفير حاصل فيها ايضا عند التأمل لان اطمينان النفس وسكونها إنما هو مع الامن عن ذلك لا مع تجويزها والفرق بأن الصغاير لا توجب عقابا وذما ساقط لأن المعتبر التنفير كما ذكرنا مرارا الا ترى ان كثيرا من المباحات منفرة ولا ذم ولا عقاب فيها وكيف لا يكون ذلك موجبا للتنفير مع أن الخصم حكم على بعض الاجتهادات البعيدة من الشاهدة بكونه منفرا للعوام مع تصريحهم بان المجتهد المخطئ مثاب قال أبو المعالى الجوينى في رسالته المعمولة في بيان حقية مذهب الشافعي قد اتفق للشافعي اصل مقطوع ببطلانه على وجه اجمعت الامة شارقة وغاربة ارضا فارضا طولا وعرضا على بطلان ذلك الاصل وهو انه لم يجوز نسخ السنة بالكتاب ولم يجوز نسخ الكتاب بالسنة وهذا من امحل المحالات والعامي إذا سمع هذا يستنفر طبعه وينزوى عن تقليده والاقتداء به الجواب قلنا هذا الاصل غير مقطوع ببطلانه فانه انما لم يجوز نسخ السنة المتواترة بالكتاب

[ 54 ]

لأن الله تعالى الى آخره وتقرير الكلام على هذا التفصيل والتنقيح من نفائس المباحث فاحفظه فانه بذلك حقيق وثالثا ان احدا من الشيعة سيما من الامامية لم يقل بأن غير المعصوم يكون ظالما كيف وغير المعصوم قد يكون عادلا في جميع ايام عمره كما ذكره نعم قد استدلوا بالاية التي ذكرها على عدم صلاحية المشايخ الثلاثة للامامة بما حاصله انهم كانوا كفارا في الاصل وإنما اسلموا بعد تماديهم في الكفر والضلالة والكافر ظالم بقوله تعالى " والكافرون هم الظالمون " والظالم لا يصلح للامامة لأن إبراهيم على نبينا وعليه السلام حين طلب الامامة لذريته وقال " ومن ذريتي " قال الله تعالى في جوابه لا " ينال عهدي الظالمين " يعنى ان الامامة لا تصل منى ومن جانبى الى أحد من الموصوفين بالظلم واورد عليه الفاضل القوشچى شرحه على التجريد بأن غاية ما يدل عليه الاية ان الظالم في حال الظلم لا ينال عهد الامامة ولا يلزم من ظلم الثلاثة وكفرهم قبل الخلافة ان لا ينالوها حال اسلامهم وعدم اتصافهم بالظلم وفيه نظر ظاهر لأن لفظه من في قوله ومن ذريتي تبعيضية كما هو الظاهر و صرح به المفسرون وحينئذ نقول ان سؤال إبراهيم عليه السلام الامامة لذريته الظالمين أما ان كان لبعض ذريته المسلمين العادلين في تمام عمرهم أو لذريته الظالمين في تمام عمرهم أو لذريته المسلمين العادلين في بعض ايام عمرهم الظالمين في بعضه الاخر لكن يكون مقصوده عليه السلام نيلهم لذلك حال اسلامهم وعدالتهم أو الاعم من هذا القسم والقسم الاول فعلى الاول يلزم عدم مطابقة الجواب للسؤال وعلى الثاني يلزم طلب الخليل ذلك المنصب الجليل للكافر والظالم حال الكفر والتضليل وهذا مما لا يصدر عن ادنى عاقل بل جاهل من رعية وعن الثالث والرابع يحصل

[ 55 ]

المطلوب وهو ان الامامة مما لا ينالها من كان كافرا ظالما في الجملة وفي بعض ايام عمره فظهر ان الخرافة والجهالة إنما صدرت عن هذا الشيخ الخرف المبهوت الذي ينسج عليه امورا واهية كنسج العنكبوت فمقصود الامامية عنه يفوت ورابعا ان ما ذكره في العلاوة مردود بأن اكثر المفسرين من أهل السنة ايضا حملوا العهد على الامامة وهو الظاهر ايضا من سوق الاية ومدار الاستدلال في النقلياث على هذا ما لم يقم دليل آخر على خلافه يستدعى العدول عنه واقامة الحجة على شطر من علماء مذهبكم كاف لنا في الالزام بل يلزم الباقين التفصى عن مقتضاها لقوله عليه السلام " الكفر ملة واحده " على انه يلزم من اشتراط العصمة والعدالة في النبي صلى الله عليه وآله في جميع ايام عمره اشتراطه في الامام بطريق اولى لعدم تأييد الامام بالوحى العاصم عن الخطاء وخامسا ان ما نسبه الى الامامية من اختراع اشتراط العصمة في الائمة معارض بمثله فإن لهم ان يقولوا ان أهل السنة إنما اخترعوا نفى اشتراط عصمة الائمة حفظا لحال مشايخهم الثلاثة الفاقدين للعصمة وبناء لصحة خلافتهم والله ولى العصمة 14 - الباب الاول في بيان كيفية خلافة الصديق والاستدلال على حقيقتها بالادلة النقلية والعقلية وما يتبع ذلك وفيه فصول الفصل الاول في بيان كيفيتها روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما الذين هما اصح الكتب بعد القرآن باجماع من يعتد به أن عمر خطب الناس مراجعة من الحج فقال في خطبته

[ 56 ]

قد بلغني أن فلانا منكم يقول لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرء ان يقول ان بيعة أبي بكر كانت فلتة إلا وانها كذلك إلا ان الله وقى شرها وليس فيكم اليوم من يقطع إليه الاعناق مثل أبي بكر وانه كان من خيرنا حين توفى رسول الله صلى الله عليه وآله ان عليا والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة وتخلفت الانصار عنا باجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون الى أبي بكر فقلت له أبا بكر انطلق بنا الى اخواننا من الانصار فانطلقنا نؤمهم ان نقصدهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذى صنع القوم قالا اين تريدون يا معشر المهاجرين فقلت والله لناتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا فقالوا سعد بن عبادة فقلت ما له قالوا وجع فلما جلسنا قام خطيبهم فاثنى على الله بما هو اهله وقال أما بعد فنحن انصار الله وكتيبة الاسلام وانتم يا معاشر المهاجرين رهط منا وقد رفت رافة منكم أي ذب قوم منكم بالاستعلاء والترفع علينا تريدون أي تخزنونا من اصلها وتخضنونا من الامراى تنحونا عنه و تستبدون به دوننا فلما سكت اردت ان اتكلم وقد كنت زورت مقالة اعجبتني اردت ان اقولها بين يدى أبي بكر وقد كنت ادارى منه بعض الحد وهو كان احلم منى واوقر فقال أبو بكر على رسلك فكرهت ان اغضبه وكان اعلم منى والله ما ترك من كلمة اعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهة وافضل حتى سكت فقال أما بعد فما ذكرتم من خير فانتم اهله ولم تعرف العرب هذا الامر إلا لهذا الحى من قريش هم اوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين واخذ بيدى ويد أبي عبيدة بن الجراح فلم اكره ما قال غيرها وكان والله ان اقدم فيضرب عنقي لا يقربني

[ 57 ]

ذلك من اثم احب الى من ان اتامر على قوم فيهم أبو بكر فقال قائل من الانصار اي جذيلها المحكك وغديقها المرحب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش وكثر اللفظ وارتفعت الاصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الانصار أما والله ما وجدنا فيما حضرنا امرا هو اوفق من مبايعة أبي بكر وخشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعة ان يحدثوا بعدنا بيعة فاما ان نبايعهم على ما نرضى وأما ان نخالفهم فيكون فساد انتهى اقول يتوجه عليه انه ان اراد اجماع من يعتد به من أهل السنة على صحة ما في الكتابين فهو مصادرة لا يتمشى مع من هو طرف البحث من الشيعة وان اراد اجماع من يعتد به من الشيعة على صحة ما فيهما فبطلانه ظاهر لأن البخاري ومسلما واضرابهما وضاعون كذابون عند الشيعة بل حكموا بحماقة البخاري وقصور فهمه عن التمييز بين الصحيح والضعيف لامور شتى منها ما صرح به بعض الجمهور من ان البخاري حدث عن المتهم في دينه كعباد بن يعقوب الرواجى واحتج بحديث من اشتهر عنه النصب والبغض لعلى عليه السلم كمحمد بن زياد الابهانى وحريز بن عثمان الرحبى واتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديث ابي معوية وعبيد الله بن موسى وقد اشتهر عنهما الغلو ومنها ما ذكره فقهاء الحنفية في بحث الرضاع من كافيهم وكفايتهم من بلادته وقصور ادراكه عن فهم معاني الاخبار والفتوى بما يضحك منه الصبيان حتى اجمع علماء بخارا على اخراجه منها وطرده باسوء حال ومن هذا حاله كيف يعتمد على نقله وكيف يقال ان كتابه اصح الكتب بعد كتاب الله تعالى على ان الكرماني شارح البخاري قد روى في اوائل شرحه ما يدل على ان صحيح البخاري لم يتم في ايام حيوته بل كان كثيرا من مواضعه مبيضا وكان على حواشيه ملحقات وعلى اوساطه

[ 58 ]

قطعات استصعبوا الاهتداء الى مواضع ربطها وإنما رتبه عدة من تلامذته البخاريين على حسب ما وصل إليه فهمهم ومن البين انه لو بقى البخاري بعد ذلك مدة لجاز ان يرجع عن الحكم بصحة بعض ما اودع فيه وتصرف فيه بالزيادة والنقصان فكيف يعتمد بمثل هذا الابتر الواهي الذي قد لعب به جماعة من نواصب بخارا وفساقها في تحقيق الكلام الالهى سيما الاوامر والنواهي وكذا الكلام في مسلم كما فصلناه في شرح كتاب كشف الحق ونهج الصدق ولو سلم صحة نقلهما ذلك عن عمر فالكلام مع عمر وانه هو الذي عقد البيعة لابي بكر ظلما وجورا على أهل البيت عليهم السلم ولعلمه بان أبا بكر يجعل الخلافة فيه بعده قال طلحة وليته امس وولاك اليوم فكيف يسمع كلامه في كيفية خلافة أبي بكر مع ما اشتمل عليه من الاكاذيب الظاهرة وناهيك في ذلك ما قال ابن أبي الحديد المعتزلي من مصححى خلافة الثلاثة ان عمر هو الذي وطأ الامر لابي بكر وقام فيه حتى وقع في صدر المقداد وكسر سيف الزبير وكان قد اشهر سيفه عليهم ولهذا ان أبا بكر لما صعد المنبر قام اثنى عشر رجلا ستة من المهاجرين وستة من الانصار فانكروا على أبي بكر في فعله وقيامه مقام رسول الله صلى الله عليه وآله ورووا احاديث في حق على " ع " ووجوب خلافته لما سمعوا من النص عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله حتى ان أبا بكر افحم على المنبر ولم يرد جوابا فقام عمر وقال يالكع إذا كنت لا تستطيع ان ترد جوابا فلم اقمت نفسك هذا المقام وانزله من المنبر وجاءوا في الاسبوع الثاني ومع معاذ بن جبل مائة رجل ومع خالد بن الوليد كذلك شاهرى سيوفهم حتى دخلوا المسجد وعلى عليه السلم جالس في نفر من اصحابه فقال عمر والله يا اصحاب على لئن ذهب رجل منكم يتكلم بالذى تكلم به امس لنأخذن الذي فيه عيناه فقام سلمان الفارسى وقال سمعت رسول الله " ص " قال بينما حبيبي وقرة عينى جالس

[ 59 ]

في مسجدي إذ وثب عليه طائفة من كلاب أهل النار يريد قتله ولا شك انكم هم فاومى إليه عمر بالسيف فجذبه على حتى جلد به الأرض وقال يا ابن صهاك الحبشية اباسيافكم تهددوننا وبجمعكم تكاثروننا والله لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم لاريتكم اينا اقل عددا واضعف ناصرا وقال لاصحابه تفرقوا انتهى فاحسن تأمله وهل هذا إلا مصادرة 15 قال: وفي رواية ان أبا بكر احتج الانصار بخبر الائمة من قريش وهو حديث صحيح ورد من طرق نحو اربعين صحابيا اقول الحديث صحيح ويؤيده قوله عليه السلم في صحاح الاحاديث ان الاسلام لا يزال عزيزا ما مضى فيهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش لكن المراد من الخليفة الاول القرشى على " ع " إلا انهم لما اوقعوا في القلوب انه عليه السلم تقاعد من تصدى الخلافة كما ذكرناه سابقا موهوما ذلك بجواز العدول الى قرشي آخر فتدبر 16 قال: واخرج النسائي وأبو يعلى والحاكم وصححه عن ابن مسعود رض انه قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله قالت الانصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر بن الخطاب فقال يا معشر الانصار الستم تعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أمر أبا بكر ان يؤم الناس وايكم تطيب نفسه ان يتقدم أبا بكر فقال الانصار نعوذ بالله ان نتقدم أبا بكر انتهى اقول اولا ان رواية الحاكم لهذا الحديث عن ابن مسعود كاذبة بل هي مما رواه الحسن البصري عن عائشة وقال انه نص خفى على امامة أبي بكر والحسن البصري ممن قدح فيه الشيعة والشافعي حيث نقل عنه ابن المعالى الجوينى انه قال فيه كلام وأما عائشة

[ 60 ]

فمع ظهور عداوتها لامير المؤمنين عليه السلام وكذبها عند الشيعة كما سيجئ بيانها متهمة في خصوص هذه الرواية لما فيها من جر نفع لها ولابيها وبالجملة الشيعة لا تسلم ان النبي صلى الله عليه وآله أمر بذلك وإنما امرت به عائشة فقالت للمؤذن مر أبا بكر فليصل بالناس فظن ان النبي صلى الله عليه وآله امرها بذلك ولما تفطن النبي صلى الله عليه وآله بذلك خرج متكئا على على عليه السلام وفضل بن العباس ونحى أبا بكر عن المحراب وصلى مع الناس والانصار اعلم من ان يصدقوا بهذا الحديث الواهي الذي لا دلالة له على مطلوب اولياء أبي بكر باحدى الدلالات كما سنوضحه وقد صرح بذلك ابن أبي الحديد المعتزلي في قصيدته الكبيرة المشهورة حيث قال في مدح علي عليه السلام تعريضا بابى بكر شعر ولا كان معزولا غداة براءة * ولا في صلوة ام فيها مؤخرا وأهل السنة يوافقون خروج النبي صلى الله عليه وآله على الوجه المذكور لكن يقولون انه صلى خلف أبي بكر وقد صرح بذلك الشارح الجديد للتجريد حيث قال واستخلفه في الصلوة في مرضه وصلى خلفه انتهى وفيه ان النبي صلى الله عليه وآله لو عجز عن الصلوة فكيف خرج وصلى خلفه ولو لم يعجز فلم استخلفه اللهم إلا ان يقال للدلالة على خلافته كما توهمه بعضهم وفساد هذه الدلالة ظاهر جدا لأن الامامة الصغرى بمعزل عن الامامة الكبرى بدليل انها تجوز خلف قريش وغيرهم اتفاقا والامامة الكبرى لا تصح في غير قريش على قول اهل السنة بل عندهم انه يجوز الصلوة خلف كل مفضول بل كل بر وفاجر فكيف تقاس الامامة الكبرى على امامة الصلوة ومما ضحك به السيد الشريف الجرجاني على لحيتهم انه قال في شرحه للمواقف وأما ما رواه البخاري باسناده الى

[ 61 ]

عروة عن أبيه عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وآله أمر أبا بكر ان يصلى بالناس في مرضه فكان يصلى بهم قال عروة فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله في نفسه خفة فخرج الى المحراب فكان أبو بكر يصلى بصلوة رسول الله صلى الله عليه وآله والناس يصلون بصلوة أبي بكر أي بتكبيرة فهو إنما كان في وقت آخر انتهى وفيه ما فيه فتأمل على ان الاستخلاف لا يقتضى الدوام إذ الفعل لا دلالة له على التكرار والدوام ان ثبت خلافته بالفعل وان ثبت بالقول فكذا كيف وقد جرت العادة بالتبقية مدة الغيبة والانعزال عند مجئ المستخلف وايضا ذلك معارض بانه صلى الله عليه وآله استخلف عليا عليه السلم في غزوة تبوك في المدينة وما عزله وإذا كان خليفة على المدينة كان خليفة في سائر وظائف الامامة لانه لا قائل بالفصل والترجيح معنا لأن الاستخلاف على المدينة اقرب الى الامامة الكبرى لانه متضمن لامور الدين والدنيا بخلاف الاستخلاف في الصلوة وهو ظاهر 17 قال: واخرج ابن سعد والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدرى انهم لما اجتمعوا بالسقيفة بدار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قام خطباء الانصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا استعمل الرجل منكم يقرن معه رجلا منا فنرى ان يلى هذا الامر رجلان منا ومنكم فتتابعت خطباؤهم على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال اتعلمون ان رسول صلى الله عليه وآله كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين ونحن كنا انصاره ثم اخذ بيد أبي بكر فقال هذا صاحبكم فبايعه عمر ثم بايعه المهاجرون والانصار وصعد أبو بكر المنبر ونظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فدعا به فجاء فقال فلت ابن عمة رسول صلى الله عليه وحواريه اردت ان تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله

[ 62 ]

عليه وسلم فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا به فجاء فقال قلت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وختنه على بنته اردت ان تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه فقام فبايعه انتهى اقول: بعد الاغماض عن عدم صلاحية الحديث للاحتجاج به على الخصم كما مر ان قول زيد ان النبي صلى الله عليه وآله كان من المهاجرين باطل لأن المهاجر الشرعي من هاجر الى الرسول صلى الله عليه وآله والانصار انصاره فلا معنى لوصف الرسول (ع) بالمهاجر ولا وصف أبي بكر به لانه لم يهاجر الى النبي صلى الله عليه وآله بل كان معه في الفرار من مكة الى مدينة ولو سلم كون المجئ مع رسول الله صلى الله عليه وآله هجرة إليه في الجملة فلا نسلم تحقق باقى شرائط الهجرة الشرعية في أبي بكر كالايمان والعدالة فانهما شرط في تحقق الهجرة والنصرة الشرعيتين ولو لم يشترط ذلك لزم ان يكون المؤلفة القلوب الذين هاجروا إليه من بلادهم لنصرته مهاجرين وانصارا شرعية وبطلانه ظاهر وقد روى مؤلف المشكوة في اوائل كتاب الايمان ما يؤيد هذا المعنى حيث قال عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه الحديث ولو سلم فاى ملازمة بين كون رسول الله صلى الله عليه وآله من المهاجرين وكون خليفته ايضا من المهاجرين مع انه معارض بدعوى ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان من بنى هاشم فكان خليفته من بني هاشم وبان رسول صلى الله عليه وآله من اولاد عبد المطلب فكان خليفة منهم بل هذان اقيس من قياس زيد وكيف نجعل هذا الكلام الواهي من زيد بن ثابت أو من الواضع عليه حجة ثابتة على الخصم وبذلك يستدل على وضع الباقي وانه لا يصلحه طبيب ولاراق.

[ 63 ]

18 قال: وروى ابن اسحق عن الزهري عن انس انه لما بويع يوم السقيفة جلس من الغد على المنبر فقام عمر فتكلم قبله فحمد الله واثنى عليه ثم قال ان الله قد جمع امركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر البيعة العامة بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبو بكر فحمد الله واثنى عليه ثم قال أما بعد ايها الناس فانى قد وليتكم ولست بخيركم فإن احسنت فأعينوني وان اسأت فقوموني الخ. اقول حديث الزهري وانس عند الشيعة مستحدث موضوع وقد ذكر الزندويسى الحنفي في كتاب الروضة ان أبا حنيفة طعن في انس وذكر أبو المعالى الجوينى الشافعي ايضا في رسالتة المعمولة في بيان احقية مذهب الشافعي ان أبا حنيفه طعن في انس ولم يعمل بحديثه وحديث ابن عمر وأبي هريرة واضرابهم قط فالشيعة في ذلك اعذر ثم لا يخفى ان الامام الذي احتمل صدور الاسائة عن نفسه واحتياجه فيها الى تقويم غيره له لا يصلح للامامة الكبرى عند من لم يكابر عقله وحمل ذلك على هضم النفس تعسف صريح كما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى عن قريب. 19 قال: واخرج أحمد ان أبا بكر لما خطب بهم يوم السقيفة لم يترك شيئا انزل في الانصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله في شأنهم إلا ذكره وقال لقد علمتم ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار واديا لسلكت وادى الانصار ولقد علمت يا سعد ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الامر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم لفاجرهم فقال له سعد صدقت نحن الوزراء وانتم الامراء ويؤخذ منه ضعف ما حكاه ابن عبد البر ان سعدا ابى ان يبايع أبا بكر حتى لقى الله تع انتهى.

[ 64 ]

اقول: بعد تسليم صحة ما اخرجه أحمد لا دلالة فيه على بيعة سعد رضى الله عنه لابي بكر بل الظاهر من كلامه ان كلا من قريش والانصار صنف على حياله من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله لا طاعة لاحدهما على الاخر كما لا طاعة لاحدهما على الاخر كما لا طاعة لامراء السلطان على وزرائه وبالعكس واين هذا من الدلالة على البيعة بل الذي ذكره أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وآله في شأن الانصار يدل على ان بيعة أبي بكر إذا لم يسلكه سعد مع كونه سيد الانصار وسلك غيره يكون باطلا و بهذا يظهر ان حكم هذا الشيخ الجاهل بضعف ما حكاه ابن عبد البر ضعيف بل اجوف معتل. 20 قال: وفي رواية لابن سعد عن أبي بكر انه قال في خطبة أما بعد فانى وليت هذا الامر وانا له كاره ووالله لوددت ان بعضكم كفانيه إلا وانكم ان كلفتموني ان اعمل فيكم بمثل ما عمل رسول الله صلى الله عليه وآله لم اقم به كان رسول صلى الله عليه وآله عبدا اكرمه الله بالوحى وعصمه به إلا وإنما انا بشر ولست بخير من احدكم فراعوني فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني زغت فقوموني واعلموا ان لي شيطانا يعترينى فإذا رأيتموني عصيت فاجتنبوني انتهى اقول: لو كان كارها للخلافة لما سارع مع عمر الى سقيفة بني ساعدة لاستجلابها ولما رضى بانتزاعها عن اهلها وهو على عليه السلم ولما اغمض عن وقوع اصحابه على صدر المقداد وكسرهم سيف الزبير عند قولهم نحن لا نرضى بخلافة أبي بكر ولصبروا على فراغ أهل البيت عن دفن النبي صلى الله عليه وآله لأن النص أو الظاهر كان فيهم واما اظهاره لوداده ان يكفيه غيره فهو اكذب من الاول وكان صادقا في ذلك لما ارتكبه من اول الامر ولسلمه الى من علمه متعينا له أو طرحه حتى يلتقطه

[ 65 ]

الراغبون المشتاقون له كعمر وطلحة والزبير وعثمان وسعد بن أبي وقاص وامثالهم مع ان قوله لست بخير من احدكم يدل دلالة واضحة على اعترافه بمفضوليته عن الكل فلا يصلح للامامة والجواب بان هذا إنما وقع على سبيل التواضع كقول النبي صلى الله عليه وآله لا تفضلوني على يونس بن متى وانه لا خلاف في انه صلى الله عليه وآله افضل الانبياء من يونس ومن هو اعظم منه كابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلم وما ذلك إلا كرم وتواضع منه عليه افضل الصلوة والسلام مدفوع بان قياس ذلك على نهى النبي صلى الله عليه وآله قياس مع الفارق إذ الانشاء لا يحتمل الصدق والكذب بخلاف الاخبار ولهذا قالت الامامية كثرهم الله تعالى لا يخلو قول أبي بكر من أحد قسمين أما ان يكون صدقا أو كذبا فعلى الاول لا يصلح للامامة لكونه مفضولا وعلى الثاني لذلك الكذب فالتواضع ههنا لا ينفع المجيب كما لا يخفى على اللبيب وايضا ما تضمنه آخر كلامه من التماس التقويم عن رعيته والاعتراف بان له شيطانا يعتريه دليل واضح على عدم صلوحه للامامة فالحديث حجة على الشيخ الجاهل لا له. 21 - قال: واخرج الحاكم ان أبا قحافة لما سمع بولاية ابنه قال هل رضى بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة قالو نعم قال لا واضع لما رفعت ولا رافع لما وضعت انتهى. اقول: في هذا الحديث شهادة من أبي قحافة على ان ابنه أبا بكر كان قبل الخلافة وضيعا مهينا وانه لم يكن صالحا للخلافة وهذه شهادة لا يعتريها جرح كما لا يخفى فالحديث حجة على الناصبة ولعمري انه مع ظهور دلالته على ما ذكرناه كيف لم يتنبه له هذا الشيخ واورده زعما منه انه من دلائل فضيلة أبي بكر فتأمل فإن الفكر فيه طويل.

[ 66 ]

22 - قال الفصل الثاني في بيان انعقاد الاجماع على ولايته قد علم مما قدمناه ان الصحابة رضوان الله عليهم اجمعوا على ذلك وان ما حكى عن تخلف سعد بن عبادة عن البيعة مردود ومما يصرح بذلك ايضا ما اخرجه الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو الله سئ و قد رأى الصحابة جميعا ان يستخلف أبو بكر فانظر الى ما صح عن ابن مسعود وهو من اكابر الصحابة وفقهائهم ومتقدميهم من حكاية الاجماع من الصحابة جميعا على خلافة أبي بكر ولذلك كان هو الاحق بالخلافة عند جميع أهل السنة والجماعة في كل عصر منا الى الصحابة وكذلك كان هو احق بالخلافة عند جميع المعتزلة واكثر الفرق واجماعهم على خلافته قاض باجماعهم على انه أهل لها مع انه من الظهور بحيث لا يخفى فلا يقال انها واقعة يحتمل انها لم تبلغ بعضهم ولو بلغت الكل لربما اظهر بعضهم خلافا على ان هذا إنما يتوهم ان لو لم يصح عن بعض الصحابة المشاهدين لذلك الامر من اوله الى آخره حكاية الاجماع وأما بعد ان صح عن مثل ابن مسعود حكاية اجماعهم كلهم فلا يتوهم ذلك اصلا سيما وعلى ع ممن حكى الاجماع في ذلك ايضا كما سيأتي عنه انه لما قدم البصرة سئل عن مسيره هل هو باشارة من النبي صلى الله عليه وآله فذكر مبايعته هو وبقية الصحابة لابي بكر وانه لم يختلف منهم اثنان انتهى. اقول: قد دمرنا على ما قدمه من دعوى الاجماع وبينا بما نقلناه من كلام صاحب المواقف الناطق بانهم لم يشترطوا في عقد البيعة لابي بكر اجتماع من في المدينة من أهل الحل والعقد أن رده على ما حكى من تخلف سعد بن عبادة مردود بان المتخلف ابدا كان سعد واولاده وخواص اصحابه والى ستة اشهر على عليه السلام وسائر وسائر بني هاشم ومواليهم كما سيجئ واما حكم الحاكم بصحة نقل الاجماع عن ابن مسعود فلا حكم

[ 67 ]

له عندنا وكذا حكم الوسائط التي بينه وبين ابن مسعود من الوضاعين لنصرة مذهب أهل السنة كامامهم نعيم بن حماد الخزاعى كما ذكره عبد العظيم المنذرى الشافعي في خاتمة كتاب الترغيب والترهيب على ان ما روى الحاكم عن ابن مسعود رضى الله عنه انما هو مجرد ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سئ وأما قوله وقد رأى الصحابة جميعا ان يستخلف أبو بكر الخ فقد اكتفى ذلك المستدل بذلك القدر من كلام ابن مسعود على صحة خلافة أبي بكر لزعمه انه مما رآه الصحابة قاطبة فلا يلزم منه تصحيح ابن مسعود لانعقاد الاجماع على خلافة أبي بكر وايضا ان اراد بالمسلمين الكل فلا نسلم اطباق آراء الكل على خلافة أبي بكر وان اراد البعض فقد رآى كل في صاحبه حسنا مثل ما رآه الشيعة في على وغيرهم في غيره فمن اين ثبت بذلك الخلافة التى رآها الكل ان قيل يلزم من ذلك تخطئة اصحاب محمد صلى الله عليه وآله من المهاجرين والانصار قلت اللازم تخطئة بعضهم كما عرفت ولا استبعاد فيه لوقوع اشد من ذلك في اصحاب موسى من بني اسرائيل حيث استضعفوا وصيه هرون وكادوا يقتلونه فارتدوا وتابعوا السامري في عبادة العجل وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه و آله انه قال يقع في امتى كل ما وقع في الامم السابقة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ولو سلم فالامامة عندهم ليست بنص من الله ولا سنة من النبي صلى الله عليه وآله فاجتماع بعضهم عليه لا يسمى اجماعا عند الكل بل غايته ان يكون كعدولهم عن اكل المن والسلوى الى اكل الفوم والبصل واما ما رواه من اجماع أهل السنة في سائر الاعصار على احقية أبي بكر بالخلافة فلا رواج له في سوق الخصم وكذا اجماع المعتزلة على ذلك على ان المعتزلة لم يقولوا بالاحقية بل هم مجتمعون على احقية على عليه السلام من سائر الصحابة بذلك لكنهم صححو اخلافة المفضول عنه عليه السلام لتجويزهم تفضيل المفضول

[ 68 ]

كما مر بيانه مع دفعه سابقا وأما قوله فلا يقال انها واقعة يحتمل انها لم تبلغ بعضهم الخ فمدفوع بما نقلناه سابقا عن صاحب المواقف من عدم انعقاد الاجماع على خلافة أبي بكر في اوائل الامر بل مطلقا وأما دعوى حصول الاجماع عن الباقي بعد طول الازمنة فهو من قبيل الرجم بالغيب والرمى في الظلام ولو كان المدعى ابن مسعود واين علم ابن مسعود اتمام الاجماع على ذلك من علماء الانصار ومجتهدي اقطارها مع حكم جماعة من العلماء كالنظام وفخر الدين الرازي في المعالم على عدم امكان العلم بذلك كما حقق في الاصول وايضا اشترط الاكثر ان لا يتخلف أحد من المجمعين الى انقراض الكل كما ذكر في الاصول ايضا ولا ريب ان العلم بهذا اشد امتناعا من الاول وايضا قد اختلفوا في ان الاجماع هل هو بنفسه حجة أو لابد فيه من سند هو الدليل والحجة حقيقة والسند الذي لهم في ذلك ما مر من قياس استحقاق امامة الصلوة الموضوعة على أبي بكر على استحقاق الامامة الكبرى وقد عرفت ما فيه ان اثبات شرعية القياس دونه خرط القتاد ولهم فيه ايضا خلاف واختلاف وعلماء أهل البيت عليهم السلام والظاهرية ينكرون حجيته ولهم على ذلك ادلة عقلية ونقلية لا يسع المقام ذكرها ولغيرهم ايضا في شروطه اختلاف كثير وعلى تقدير ثبوته الملحق بالمحال إنما يكون في موضع يتحقق هناك علة في الاصل يستوى فيها الفرع مع الاصل ولا ظهور للعلة ههنا بل الفرق ظاهر بجواز الصلوة عندهم خلف كل فاسق فاجر ولأن أمر امامة الصلوة أمر واحد لا يحتاج فيه الى علم كثير أو شجاعة وتدبير وغيرها والامامة الكبرى خلافة وحكومة في جميع امور الدين والدنيا ويحتاج فيها الى العلوم والشرائط الكثيرة التي لم يوجد واحد منها في أبي بكر فلا يصح قياس هذا على ذاك على ان الاصل غير ثابت عند الشيعة كما قررناه سابقا وأما ما رواه عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك فآثار الوضع عليه لائحة إذ لا معنى لان يجاب

[ 69 ]

عند السؤال عنه عليه السلام من كون مسيرة باشارة من النبي صلى الله عليه وآله بذكر مبايعته هو وبقية الاصحاب لابي بكر فتدبر. 23 - قال: وايضا فالامة اجتمعت على حقية امامة أحد الثلاثة أبي بكر وعلى والعباس ثم انهما لم ينازعاه بل بايعاه فتم بذلك الاجماع له على امامته دونهما إذ لو لم يكن على الحق لنازعاه كما نازع على معوية مع قوة شوكة معوية عدة وعددا على شوكة أبي بكر فإذا لم يبال على بها ونازعه فكانت منازعته لابي بكر اولى واحرى فحيث لم ينازعه دل على اعترافه بحقية خلافته ولقد سأله العباس في ان يبايعه فلم يقبل ولو علم نصا عليه لقبل سيما ومعه الزبير مع شجاعته وبنو هاشم وغيرهم ومر ان الانصار كرهوا بيعة أبي بكر وقالوا منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر بخبر الائمة من قريش فانقادوا له واطاعوه وعلى ع اقوى منهم شوكة وعددا وشجاعة فلو كان معه نص لكان احرى بالمنازعة واحق بالاجابة انتهى. اقول: ما ذكره اولا من دليل اجماع الامة على حقية خلافة الثلاثة ساقط جدا لانه ادعى فيه عدم نزاع أمير المؤمنين عليه السلام وقد فصلنا سابقا انه عليه السلام نازع ولم يبايع ابا بكر الى ستة اشهر وطلب عن انس من الصحابة الشهادة على نصبه عليه السلام يوم الغدير فلم يشهد عنادا فدعا عليه السلام حتى صار مبروصا وكذا لم يشهد زيد بن ارقم فصار بدعائه عليه السلام اعمى ونزاع سلمان وأبي ذر ومقداد وعمار وخالد بن سعيد الاموى ومالك بن نويرة الحنفي وغيرهم واحتجاجهم على أبي بكر في ذلك مشهور وفي كتب المتقدمين من الجمهور مسطور وأما ترك النزاع آخرا والبيعة لابي بكر بعد ستة اشهر فلا يدل على صحة خلافته لأن المعتبر في باب الامامة إنما هو الرضا والتسليم دون الصفقه باليد الا ترى ان من نأى عن محل الامام

[ 70 ]

وبلده يعد مبايعا له من حيث رضى وسلم وانقادو ان لم يضرب بيده وإنما يراد الصفقة ليكون امارة الرضا فإذا ظهر ما هو اولى منها لم يعتبر بها ولم يحتج إليها فلما وقع الاتفاق على تأخير أمير المؤمنين عليه السلام عن البيعة يجب ان يكون محمولا على التأخر عن اظهار الرضا والتسليم دون الصفقة باليد ولو كان راضيا بالامر ومسلما للعقد لم يعتبر بصفقته ولا عوتب على تأخره ولا قيل في ذلك ما قيل وجرى ما جرى ومن صواب الجواب ما روى انه لما اتصل بعلى بن ابى طالب عليه السلام ان الناس قالوا ما باله لم ينازع أبا بكر و عمر كما نازع طلحة والزبير وعائشة قال ان لى بسبعة من الانبياء اسوة اولهم نوح عليه السلام قال الله تعالى مخبرا عنه " رب انى مغلوب فانتصر " فإن قلتم انه ما كان مغلوبا فقد كذبتم القرآن وان كان كذلك فعلى اعذر والثانى إبراهيم (ع) وهو خليل الرحمن حيث يقول " واعتزلكم وما تدعون من دون الله " فإن قلتم انه اعتزلهم من غير مكروه فقد كفرتم وان قلتم انه رأى المكروه فاعتزلهم فالوصى اعذر وابن خالته لوط عليه السلام إذ قال لقومه " لو ان لي بكم قوة أو آوى الى ركن شديد " فإن قلتم كان له بهم قوة فقد كذبتم القرآن وان قلتم انه ما كان له بهم قوة فالوصى اعذر ويوسف عليه السلام إذ يقول " رب السجن احب الى مما يدعونني إليه " فإن قلتم انه دعى الى غير مكروه يسخط الله فقد كفرتم وان قلتم انه دعى الى ما يسخط الله تعالى فاختار السجن فالوصى اعذر وموسى بن عمران عليه السلام إذ يقول " فررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربى حكما وجعلني من المرسلين " فإن قلتم انه فر منهم من غير خوف فقد كفرتم وان قلتم فر منهم خوفا فالوصى اعذر و هرون عليه السلام إذ يقول " يا ابن ام ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بى الاعداء " فإن قلتم انهم ما استضعفوه كفرتم وان قلتم انهم استضعفوه واشرفوا على قتله فالوصى اعذر ومحمد صلى الله عليه وآله حيث هرب الى الغار فإن قلتم انه هرب من غير خوف اخافوه فقد كفرتم وان

[ 71 ]

قلتم انهم اخافوه فلم يسعه إلا الهرب فالوصى اعذر فقام إليه باجمعهم وقالوا يا أمير المؤمنين قد علمنا ان القول قولك ونحن المذنبون التائبون وقد عذرك الله تعالى انتهى ومما يعارض دعويهم الاجماع الطوعى على امامة أبي بكر الاجماع على امامة معوية باتفاق الناس بعد تسليم الحسن عليه السلام الامر له فكانوا باسرهم مظهرين للرضا بامامته وتنفيذ احكامه وكافين عن النكير عليه حتى سمى ذلك العام عام الجماعة وكلما يدعى ههنا من انكار باطن وخوف وتقية وعدم الطوع والرضا يمكن ان يدعى بعينه فيما تقدم وكذا يعارض ايضا بالاجماع على قتل عثمان وخلعه فإن الناس كانوا بين قاتل وخاذل وكاف عن النكير وهذه امارات الرضا عندكم ويدل على ما ذكرنا ما سيذكره هذا الشيخ الجامد من انه لما توفيت فاطمة استنكر على عليه السلام وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الاشهر وادل من ذلك عبارة صحيح البخاري حيث قال لما توفيت فاطمة عليها السلام تولت وجوه الناس عن على عليه السلام فضرع الى بيعة أبي بكر فإن لفظ ضرع صريح الالجاء والاكراه فافهم ويرشد إليه ايضا احتجاج على عليه السلام يوم الشورى بما ذكره هذا الشيخ ايضا في هذا الكتاب وكذا الاشعار المنسوبة إليه في ديوانه الشريف الذي جمعه بعض الجمهور والملخص ان الدعوى لا يثبت الا بالدليل أو بقبول الخصم والخصم وهم الشيعة ينكرون امامة أبي بكر ولا دليل عقليا ولا نقليا لهم غير الاجماع المذكور وقد عرفت بطلانه آنفا فتكون امامتهم باطلة واما ما زعم من ان نزاعه عليه السلام مع أبي بكر كان اولى من نزاعه مع معاوية فساقط جدا بل الامر بالعكس بطريق اولى فإن الفرق بين النزاع مع الشيوخ الثلاثة التي زعم القوم كونهم مستأهلين للخلافة الحقيقية الالهية وكونهم من السابقين الاولين من المهاجرين الصديقين وبين النزاع مع معاوية الطليق الذي لم يدرك الاسلام في زمن

[ 72 ]

النبي صلى الله عليه وآله إلا ستة اشهر وكانت امامته بالسلطنة والملك والغلبة فرق ما بين الفرق والقدم ومع قطع النظر عن علو شأنه في نظر قريش وانه من حيث ارادتهم دفع على عليه السلام عن مقامه به ودنو كعب معاوية في نظرهم كان المسلمون حديثى عهد بالجاهلية في زمان أبي بكر واخويه ولم يكونوا راسخين في الاسلام بل كانوا مستعدين للارتداد وافناء الاسلام عن اصله بادنى سبب واقل فتنة بخلاف الزمان الذي وصل فيه الخلافة الى على عليه السلم كما لا يخفى وايضا من البين ان ما حصل له في اول خلافته من اجماع اكثر المهاجرين وسائر الانصار واعراب البوادى والقفار عليه كان وافيا في نظر العقل لدفع معاوية وعزله وازالة بدعه وتجبره على المسلمين ومخالفته لدين سيد المرسلين لكن عائشة وطلحة والزبير فرقوا جمعيته عليه السلام بالخروج والبغى عليه عند ذلك وجرأوا معاوية ايضا على منازعته والخروج عليه بل كاتبوه والتمسوا منه خروجه من الشام معاونة لهم غاية الامر انه أخر الخروج تأنفا عن لزوم متابعتهم ثم خرج مستقلا الى حرب على عليه السلام في صفين وكان آثار غلبة على عليه السلام في طول ايام ذلك الحرب ظاهرة حتى عجز اصحاب معاوية ورفعوا المصاحف على رؤس رماحهم صلحا وشفاعة لكن جماعة من رؤساء عسكر أمير المؤمنين عليه السلام كاشعث بن قيس وعبد الله بن وهب الراسبى وامثالهما الذين استمالهم معاوية مكرا وخدعة مرقوا عن الدين فقلبوا الامر والجأوه عليه السلام الى قبول الحكمين ومع ذلك حيث لم يتم أمر الحكمين اغتنم معاوية فرصة الهرب الى الشام ورجع أمير المؤمنين عليه السلام الى حرب الخوارج المارقين كما فصل في كتب السير والتواريخ وأما ما ذكره من سؤال العباس مبايعته له عليه السلام وعدم قبوله عليه السلام لذلك ففيه ان الوجه فيه انه عليه السلام كان يعرف باطن الامر وكلام العباس كان على الظاهر ولا يمتنع ان يغلب في ظنه

[ 73 ]

ما لا يغلب على ظن العباس فلا يكون في امثاله دلالة على صواب ما جرى من العقد لابي بكر وانما يدل على ان ما بذله له العباس من البيعة لم يكن عنده صوابا وبالجملة لما راى العباس ان القوم شرعوا الامامة من جهة الاختيار واوهموا انه الطريق الى الامامة اراد ان يحتج عليهم بمثل حجتهم ويسلك في امامة أمير المؤمنين عليه السلام مسلكهم على سبيل الاستظهار عليهم والازالة لشبهتهم ولما علم عليه السلام ان العباس ليس ممن يصلح معاضدا معارضا في هذا الامر توقف عن قبوله ويؤيد هذا ما روى عنه عليه السلام انه قال في تلك الايام لو كان حمزة وجعفر حيين لما طمع في هذا الامر أحد ولكني قد ابتليت بجلفين جافين عباس وعقيل وأما ما ذكره من ان الانصار كرهوا بيعة أبي بكر الخ فاقول نعم لكن الشيخين واتباعهما من قريش اوقعوا في اوهام الانصار وغيرهم ان قعود على عليه السلام في بيته لتجهيز النبي صلى الله عليه وآله ترك عنه عليه السلام للخلافة المتعينة له عن النبي صلى الله عليه وآله فلهذا اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وارادوا عقد الامارة لواحد منهم على انفسهم لانتظام امورهم ولم يظهر لهم خلاف ما توهموه اولا إلا بعد ما غلب عليهم صناديد قريش واخذوا منهم البيعة الفاسدة لابي بكر فلتة كما مر فلم يسعهم نقضها بعد ذلك والرجوع الى على عليه السلام ظاهرا إلا من شذ منهم كسعد بن عبادة واولاده رضى الله عنهم وتفصيل ذلك مذكور في كتاب الفتوح وروضة الصفا فخذ ما صفا وأما قوله " فدفعهم أبو بكر بخبر الائمة من قريش " فالظاهر انه مما وضعوه واوقعوا في اوهام الانصار انه حديث النبي صلى الله عليه وآله لان عمر قد ناقض ذلك فيما بعد وقال حين اظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شورى لو كان سالم مولى حذيفة حيا ما يحابى فيه شك وسالم عبد لامرأة من الانصار وهي اعتقته وحازت ميراثه وأما قوله وعلى اقوى منهم شوكة

[ 74 ]

وعددا فمن اوضح الاكاذيب كما سمعت آنفا كيف وقد اجمع جميع طوائف قريش الذين كانوا يبغضون عليا عليه السلام للثارات الجاهلية على خلافة أبى بكر كما صرح به عليه السلام فيما نقلناه سابقا من قوله في بعض شكاياته " اللهم انى استعديك على قريش فانهم قطعوا رحمى وكفأوا انائي واجمعوا على منازعتي حقا كنت اولى به من غيرى " فكيف لا يكون عليه السلام عنهم في خوف وحذر مع ان اصحابه من بني هاشم وغيرهم كانوا بالنسبة إليه مبغضين كما نقل عن النبي (ص) في اوائل الخاتمة التي عقدها لبيان ما اخبر به مما حصل على آله من البلاء والقتل من قوله صلى الله عليه وآله " ان أهل بيتى سيلقون بعدى من امتى قتلا وتشريدا وان اشد اقوام لنا بغضا بنو امية وبنو المغيرة وبنو المخزوم فهولاء الطالبون لثاراتهم عنه عليه السلام اتفقوا على منع على عليه السلام عن الخلافة وهجموا على استخلاف أبي بكر رغما له عليه السلام ولهذا ذكر ايضا في الفتوح وغيره ان في حرب صفين كان من قريش مع على عليه السلام خمسة نفر وهم محمد بن أبي بكر ربيبه عليه السلام وجعد بن هبيرة المخزومى بن اخته عليه السلام وأبو الربيع بن أبي العاص بن ربيعة الذي كان ابوه أبو العاص سلفه ومحمد بن أبي حذيفة عتبة ابن اخت معاوية بن أبي سفيان وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص رضى الله عنهم وكان مع معاوية ثلاث عشر قبيلة من قريش مع اهلهم وعيالهم ولا يخفى على الفطن اللبيب ان اجماعهم و اجتماعهم على باطل معاوية في الاواخر دليل على جواز اجماعهم على باطل أبي بكر واخويه في الاوائل وتوضيح المقال والكشف عن سريرة الحال ما رواه بعض السلف عن حذيفة رضى الله عنه انه قال حدثني بريدة الاسلمي انه لما قمنا من مكاننا في غدير خم نريد مضاربنا سمعت رجلا يقول لصاحبه ما رأيت اليوم ما فعل بابن عمه ؟ لو قدر ان يصيره نبيا بعده لفعل فقال له صاحبه اسكت لو فقدنا محمدا صلى الله عليه وآله لم نر

[ 75 ]

من هذا شيئا ثم لما رحل النبي صلى الله عليه وآله عن غدير خم ورأى ان أبا بكر وعمر وأبا عبيدة يتناجون في انكار تلك الخطبة في شأن على عليه السلام أمر مناديا ينادى الا لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس يتناجون وارتحل عليه السلام فلما نزل منزلا آخر اتى سالم مولى أبي حذيفة أبا بكر وعمر وأبا عبيدة فوجدهم يسار بعضهم بعضا فوقف عليهم وقال اليس رسول الله صلى الله عليه وآله نهى ان يجتمع ثلاثة نفر على سر ؟ والله لئن لم تخبروني بما انتم عليه لاتين رسول صلى الله عليه وآله ولاعرفنه ذلك منكم فقال أبو بكر يا سالم عليك عهد الله وميثاقه ان نحن اخبرناك بما نحن فيه فإن احببت ان تدخل معنا دخلت وان ابيت كتمت علينا فقال سالم ذلك لكم على فاعطاهم عهد الله وميثاقه انه ان لم يدخل معهم يكتمه عليهم قالوا اجتمعنا على ان نتعاقد اليوم على ان نمنع محمدا مما افترضه علينا من ولاية على بن أبي طالب عليه السلام فقال لهم سالم انا والله به اولى من يخالفكم على ذلك الامر والله ما طلعت شمس على أهل بيت ابغض الى من بنى هاشم ولا في بني هاشم ابغض الى من على عليه السلام فاصنعوا ما بدا لكم فانى واحد منكم فتعاقدوا في وقتهم ذلك ثم تفرقوا قال حذيفة ثم انهم اتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهم ما كنتم يومكم هذا تتناجون فيه قالوا يا رسول الله ما التقينا غير وقتنا هذا فنظر إليهم مغضبا ثم قال وما الله بغافل عما تعملون ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرحيل حتى دخل المدينة واجتمع القوم بها وكتبوا صحيفة على حسب ما تعاقدوا عليه من التنكب عما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله في استخلاف على عليه السلام وان الامر لابي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ثم بعده لعمر بن الخطاب ثم بعده للحى من أحد الرجلين أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة واشهدوا على ذلك اربعة وثلاثين رجلا اربعة عشر رجلا اصحاب العقبة وعشرين

[ 76 ]

رجلا غيرهم وهم سعيد بن العاص الاموى واسامة بن زيد والوليد بن أبي ربيعة و سعيد بن زيد بن نفيل وأبو سفيان بن حرب وسفيان بن امية وأبو حذيفة بن عتبة و معاذ بن جبل وبشير بن أبي سعيد الانصاري وسهل بن عمر وحكيم بن حزام الاسدي وصهيب بن سنان الرومي والعباس بن مرداس السلمى وأبو مطيع بن اسد العبدى وقعد ابن عمر وسالم مولى أبي حذيفة وسعيد بن مالك وخالد بن عرفطة ومروان بن الحكم والاشعث بن قيس قال حذيفة حدثتني اسماء بنت عميس زوجة أبي بكر ان القوم اجتمعوا في دار أبي بكر فتوامروا في ذلك واسماء تسمع جميع كلامهم فامروا سعيد بن العاص ان يكتب على اتفاق منهم بسم الله الرحمن الرحيم من المهاجرين والانصار الذين مدحهم الله في كتابه على لسان نبيه اتفقوا جميعا بعد ان اجتهدوا آرائهم وكتبوا هذه الصحيفة نصرا منهم للاسلام وليقتدى بهم من جاء بعدهم أما بعد فإن الله بمنه وكرمه بعث محمدا رسولا الى الناس كافة بدينه الذي ارتضاه لعباده فادى ما أمر به حتى إذا اكمل الدين وبين الفرائض والسنن وعين الحلال والحرام فقبضه إليه مكر ما من غير ان يستخلف من بعده احدا فجعل الاختيار الى المسلمين ليختاروا لانفسهم من وثقوا برأيه ودينه وان للمسلمين في رسول الله اسوة حسنة في ترك الاستخلاف فانه عليه السلام لم يستخلف على الناس اصلا لئلا يجرى ذلك في اهل ملة واحدة فيكون ارثا لهم دون سائر المسلمين ولئلا يكون دولة بين الاغنياء منهم ولئلا يقول الذي يستخلفه ان هذا الامر باق في عقبه من ولد الى ولد الى يوم القيمة والذي يجب على المسلمين عند مضى كل خليفة ان يجمعوا أهل الصلاح وذوى الرأى منهم

[ 77 ]

ليشاوروا في امورهم فمن رأوه مستحقا للخلافة بدينه وفضله ولوه امورهم وجعلوه القيم عليهم لانه لا يخفى على أهل كل زمان من يصلح منهم للخلافة فإن ادعى احد ان رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف رجلا بعينه بحيث نصبه للناس باسمه ونسبه كان كاذبا في دعواه واتى بخلاف ما يعرفه اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وخالف اجماع المسلمين وان ادعى مدع ان خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة لاهل بيته فقد ابطل واحال وخالف قول رسول الله صلى الله عليه وآله " نحن معاشر الانبياء لا نورث فما تركناه صدقة " وان ادعى مدع ان الخلافة لا تصلح إلا لرجل واحد من جميع الناس وانها مقصورة فيه وان قال قائل ان الخلافة تتلو النبوة فقد كذب لانه صلى الله عليه وآله قال اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم و ان ادعى مدع انه يستحق بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله فليس ذلك له لأن الله تعالى قال ان اكرمكم عند الله اتقيكم فمن رضى بما اجتمع عليه اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقد هدى وعمل بالصواب ومن كره ذلك وخالف امرهم فقد عاند جماعة المسلمين فليقاتلوه فإن في ذلك صلاح الامة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قال الاجتماع لامتي رحمة والفرقة عذاب ولا تجتمع امتى على ضلال ابدا وان المسلمين يد واحدة على من سواهم وانه لا يخرج من جماعة المسلمين إلا مفارق معاند لهم مظاهر عليهم فقد اباح الله ورسوله دمه واحل قتله وكتب سعيد بن العاص باتفاق من اثبت اسمه وشهادته آخر هذه الصحيفة في المحرم سنة عشر من الهجرة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وسلم ثم دفعت الصحيفة الى ابى عبيدة بن الجراح فوجه بها الى مكة فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة الى ان ولى عمر بن الخطاب

[ 78 ]

فاخرجها وهي التي تمناها أمير المؤمنين عليه السلام لما توفى عمر فوقف به وهو مسجى بثوبه وقال ما احب ان القى الله تعالى إلا بصحيفة هذا المسجى قال حذيفة فلما فرغوا من ذلك اتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في المسجد فجلسوا معه فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله الى أبي عبيدة وقال بخ بخ لك يا با عبيدة من مثلك وقد اصبحت امين قوم من هذه الامة على باطلهم ثم قرأ " فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما يكسبون " ولقد اصبح نفر من اصحابي ما هم في فعلهم دون مشركي قريش لما كتبوا صحيفتهم وعلقوها في الكعبة ولولا ان الله امرني بالاعراض عنهم لامر هو بالغه لقدمتهم وضربت اعناقهم قال حذيفة فوالله لقد رأيت هؤلاء النفر قد استقبلتهم الرعدة فلم يملك أحد منهم نفسه ولم يخف على كل من حضر مع رسول الله صلى الله عليه وآله من المهاجرين والانصار ان رسول الله صلى الله عليه وآله يذمهم انتهى ومما ينبغى ان ينبه عليه ان ابا عبيدة هو الذي جادل وخاصم مع على عليه السلام في أمر الخلافة عند احضارهم له عندهم بعد بيعة السقيفة لياخذوا منه البيعة ايضا كما هو المذكور المشهور في التواريخ المعتبرة من كتب أهل السنة والجماعة ولهذا قال شاعر اهل البيت عليهم السلام مشيرا الى الخائن أبي عبيدة الذي سماه القوم امينا شعر غلط الامين فجازها عن حيدر * والله ما كان الامين امينا وقد ذهب ذلك على السيد الشريف الجرجاني في شرح المواقف فزعم ان هذا البيت من شعر الغلاة وان المراد من الامين جبرئيل عليه السلام وان ضمير جازها راجع الى النبوة فافهم والذي يزيد ايضا حالما بيناه وتثبيتا لما نقلناه انه قد ترشح عن بعضهم

[ 79 ]

عند مراجعة النبي صلى الله عليه وآله عن الغدير انكار كون ذلك العهد وحيا من الله تعالى كما صرح به الثعلبي من رؤساء مفسريهم حيث قال لما كان رسول الله بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فاخذ بيد على عليه السلام فقال من كنت مولاه فعلى مولاه فشاع وطار في البلاد وبلغ ذلك الحارث بن نعمان الفهرى القرشى فاتى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى اتى الابطح فنزل عن ناقته فاناخها وعقلها واتى النبي صلى الله عليه وآله وهو في ملاء من اصحابه فقال يا محمد امرتنا عن الله ان نشهد ان لا اله إلا الله وانك رسول الله فقبلناه منك وامرتنا ان نصلى خمس صلوات فقبلناه منك وامرتنا ان نصوم شهرا فقبلناه منك وامرتنا ان نزكي اموالنا فقبلناه منك وامرتنا ان نحج البيت فقبلناه منك ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعى ابن عمك ففضلته علينا وقلت من كنت مولاه فعلى مولاه هذا شئ منك ام من الله فقال النبي صلى الله عليه وآله والذي لا اله إلا هو انه من الله فولى الحارث بن نعمان الفهرى يريد راحلته وهو يقول اللهم ان كان ما يقول محمد حقا فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب اليم فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله وانزل الله تعالى " سال سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذى المعارج " وقد روى هذه الرواية النقاش من علماء الجمهور في تفسيره ايضا وذكرها بعض الشافعية في كتابه الموسوم بالفصول المهمة في مناقب الائمة فتأمل وانصف واستقم كما امرت ولا تتبع الهوى فانه سبيل من غوى و أما ما ذكره من انه عليه السلام كان اقوى شجاعة فنقول نعم لكن بمعنى انه اشجع من آحاد شجعان الدنيا لا عن جميع الناس مجتمعا ومزدحما عليه وإلا لزم انثلام عصمة النبي صلى الله عليه وآله في عدم قتل الكفار في اول الامر ثم في عام الحديبية حيث صالح معهم و اعطاهم الذمة كما زعمه عمر مع حضور من معه من على عليه السلام وخلق كثير من الصحابة حتى أبى بكر الاشجع كما يتناقض هذا الشيخ المكابر بدعواه له فيما سيأتي والجواب

[ 80 ]

الجواب بل كان توقف على (ع) عن الحرب مع هؤلاء المتظاهرين بالاسلام اظهر في الصواب كما لا يخفى على اولى الالباب 24 - قال: ولا يقدح في حكاية الاجماع تأخر على والزبير والعباس و طلحة مدة لامور منها انهم رأوا ان الامر تم بمن تيسر حضوره حينئذ من أهل الحل والعقد ومنها انهم لما جاؤا وبايعوا اعتذروا كما مر عن الاولين من طرق بانهم اخزوا عن المشورة مع ان لهم فيها حقا لا للقدح في خلافة الصديق هذا مع الاحتياج في هذا الامر لخطره الى المشورة التامة ولهذا مر عن عمر بسند صحيح ان تلك البيعة كانت فلتة لكن وقى الله شرها انتهى. اقول: اولا ان عدم القدح مقدوح كيف والاجماع اتفاق جميع أهل الحل والعقد فإذا تخلف البعض لا ينعقد الاجماع وثانيا ان ما ذكره في وجه عدم القدح اولا من انهم رأوا ان الامر تم بمن تيسر حضوره من اهل الحل والعقد غير متجه بل هو رأى فاسد لا دليل عليه من العقل والنقل وثالثا ان ما ذكره من انهم لما جاؤا وبايعوا اعتذروا الخ مردود بما مر من ان بيعتهم في ثانى الحال لم يكن عن طيب النفس والرضا والتسليم و على تقدير التسليم يلزم ان يكون خلافته قبل ذلك واقعة على غير سبيل وكفى به منقصة وأما ما ذكره كذبا وافتراء من اعتذارهم بانهم اخروا عن المشورة مع ان لهم فيها حقا مدخول بان المشورة لم تقع في بيعة أبي بكر اصلا كما يذكره هذا الشيخ الجاهل متصلا بذلك من قوله وعن عمر بسند صحيح ان تلك البيعة كانت فلتة فكيف يتوقعون هم ادخالهم في المشورة دون سائر المهاجرين والانصار حتى يعتذروا للتأخير بذلك العذر الواهي بل لا معنى لتأخرهم عن المشورة اصلا ولا لكونهم فيها حقا قطع.

[ 81 ]

25 - قال: لكن جمع بعضهم بين الخبر المار عن عائشة الدال على تأخر بيعة على عليه السلام الى موت فاطمة وبين الخبر الذى مر عن أبي سعيد من ان عليا والزبير بايعا من اول الامر بان عليا بايع اولا ثم انقطع عن أبي بكر لما وقع بينه وبين فاطمة ما وقع في مخلفة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم بعد موتها بايعه مبايعة اخرى فتوهم من ذلك بعض من لا يعرف باطن الامر ان تخلفه إنما هو لعدم رضاه ببيعته فاطلق ذلك من اطلق ومن ثم اظهر على مبايعته لابي بكر ثانيا بعد موتها على المنبر لازالة هذه الشبهة انتهى اقول: سيفرق هذا الجمع ما سيذكره قبيل الفصل الخامس حيث قال: ان أبا بكر ارسل إليهم بعد ذلك يعنى الى على والعباس والزبير والمقداد فجاؤا فقال للصحابة هذا على ولا بيعة لي على عنقه وهو بالخيار في امره إلا فانكم بالخيار جميعا في بيعتكم اياى فإن رأيتم لها غيرى فانا اول من بايعه الخ وايضا لا وجه لتجديد البيعة الواقعة على رؤس الاشهاد لاجل انقطاع المبايع وعزلته في بيته لبعض الاغراض من غير اظهاره لمن بايعه ليخلعه وينكر عليه وإلا لوجب تجديد بيعة كل من سافر عن أبي بكر مثلا بعد البيعة الى مدة ثم رجع إليه وهل هذا إلا اضحوكة يتلهى بها الصبيان كما ان فساد تقييد ذلك التجديد بوقوعه على المنبر مما يكاد يبصره العميان. 26 - قال: وحكى النووي باسانيد صحيحة عن سفيان الثوري ان من قال ان عليا كان احق بالولاية فقد خطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين وما اراه يرفع له عمل الى السماء انتهى. اقول: النووي عندنا احقر من نواة الحشف البالى والثوري عجل جسد له خوار عالى وتخطئة أبي بكر وعمر واتباعهما مما وافق فيه السماوات والأرض فلا يبالى بها

[ 82 ]

الشيعة يوم العرض بل يرون ذلك من ارفع اعمال الفرض وقد سبق منا زيادة كلام يتعلق بما في هذه التخطئة فيما كتبناه على اوائل الفصل الثاني فتذكر. 27 - قال: الفصل الثالث في النصوص السمعية الدالة على خلافته من القرآن والسنة. أما النصوص القرآنية فمنها قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم " اخرج البيهقى عن الحسن البصري انه قال: هو والله أبو بكر لما ارتدت العرب جاهدهم هو واصحابه حتى ردهم الى الاسلام انتهى اقول: ليس أحد ممن حاربهم أبو بكر باصحابه من أهل الردة كما ذكره ابن حزم في مسألة احكام المرتدين من كتابه الموسوم بالمجلى حيث قال ان المتسمين باهل الردة قسمان قسم لم يؤمن قط كاصحاب مسيلمة وسجاح فهؤلاء حربيون لم يسلموا قط لا يختلف أحد في انه يقبل توبتهم واسلامهم والثانى قوم اسلموا ولم يكفروا بعد اسلامهم لكن منعوا الزكوة من ان يدفعوها الى أبي بكر فعلى هذا قوتلوا ولم يختلف الحنفيون والشافعيون في ان هؤلاء ليس لهم حكم المرتد اصلا وهم قد خالفوا فعل أبي بكر فيهم ولا نسميهم أهل الردة ودليل ما قلناه شعر الحطيئة المشهور الذي يقول فيه: شعر * اطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيالهفا ما بال دين أبي بكر * * ايورثها بكر إذا مات بعده * فتلك لعمر الله قاصمة الظهر * * واين التي طالبتم فمنعتم * لك التمر أو احلى لدى من التمر * * فياليتني دودان رحلى وناقتي * عشية نجد بالرماح أبو بكر *

[ 83 ]

(انتهى) بل قد ذكر صاحب الفتوح عند ذكر بني حنيف وبني كندة ان منشأ مخالفة طوائف العرب الذين منعوا أبا بكر في ايام خلافته من الزكوة حتى سماهم باهل الردة وقاتلهم عليه إنما كان اعتقادهم حقية خلافة أهل البيت عليهم السلام وقد جهم في خلافة أبي بكر فقد روى بعض المتقدمين انه لما بويع لابي بكر دخل مالك بن نويرة سيد بنى حنيف رضى الله عنه المدينة لينظر من قام بالامر بعد النبي صلى الله عليه وآله وكان يوم الجمعة فلما دخل المسجد وصعد أبو بكر ليخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فلما نظر إليه قال هذا اخو تيم ؟ قالوا نعم قال فما فعل وصى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي امرني رسول الله صلى الله عليه وآله باتباعه وموالاته فقال له المغيرة بن شعبة انك غبت وشهدنا والامر يحدث بعد الامر فقال مالك بالله ما حدث شئ ولكنكم خنتم الله في رسوله ثم تقدم الى أبي بكر وقال يا أبا بكر لم رقيت منبر رسول الله صلى الله عليه وآله ووصى رسول الله جالس فقال أبو بكر اخرجوا الاعرابي البوال على عقبيه من المسجد فقام إليه عمر وخالد وقنفذ فلم يزالوا يلكزونه في ظهره حتى اخرجوه من المسجد كرها بعد اهانة وضرب فركب مالك راحلته وهو يقول: شعر * اطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر * * إذا مات بكر قام بكر مقامه * فتلك وبيت الله قاصمة الظهر * * فلو قام بالامر الوصي عليهم * اقمنا ولو كان القيام على الجمر * * قال الراوى فلما توطأ الامر لابي بكر بعث خالد بن الوليد في جيش وقال علمت ما قال ابن نويرة في المسجد على رؤس الاشهاد وما انشده من شعره ولسنا نأمن من ان ينفتق علينا منه فتق لا يلتام والرأى ان تخدعه وتقتله وتقتل كل من يبارزك دونه وتسبى

[ 84 ]

حريمهم اتهاما لهم بانهم قد ارتدوا ومنعوا الزكوة فسار خالد وجرى من فعله ما اشتهر من الغلبة والغدر، الذي يضيق باستماعه الصدر على أنه روى عن الباقر عليه السلام وابن عباس و عمار رضى الله عنهما أن هذه الاية قد وردت في شأن الناكثين من اصحاب الجمل الذين جاهدهم على عليه السلام بل الظاهر ان المراد من الاية ما هو أعم من ذلك بأن يكون خطابا لكافة المؤمنين في حياة الرسول صلى الله عليه وآله واعلاما منه تعالى ان منهم من يرتد بعد وفاته بالتساهل على وصيته وانكارهم للنص عليه وذلك هو ما يقوله جمهور اصحابنا من ان دافعي النص كفرة والارتداد هو قطع الاسلام بما يوجب الكفر فيكون ذلك شاملا لاصحاب الجمل وغيرهم وهو قول على عليه السلام يوم الجمل " ما قوتل أهل هذه الاية حتى اليوم " ذلك حق وصدق فإن منكري امامته من المتقدمين لم يقع بينه وبينهم قتال بل اول قتال وقع له بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله هو حرب الجمل ولذلك قال ما قال ومهما امكن حمل الكلام على عمومه كان اولى ويدل على ان الارتداد بانكار النص والقيام على مخالفة امير المؤمنين عليه السلام ذكر اوصافه عليه السلام في متن الاية بقوله " يحبهم ويحبونه " فهو كقوله صلى الله عليه وآله له يوم الخيبر " لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه ورسوله كرارا غير فرار " فإن الوصف بمحبته لله ومحبة الله له وصف مجمع عليه في على عليه السلام مختلف فيه في أبي بكر ثم قال تعالى " اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين " ومعلوم بلا خلاف حالة امير المؤمنين عليه السلام في التخاشع والتواضع عند غضبه وايذائه ما رأى قط طائشا ولا مستطيرا في حال من الاحوال ومعلوم حال أبي بكر و عمر في هذا الباب أما الاول فلانه اعترف طوعا بان له شيطانا يعتريه عند غضبه وأما الثاني فكان معروفا بالحدة والعجلة مشهورا بالفظاظة والغلظة وأما النصرة على الكفار فانما تكون بقتالهم وجهادهم والانتصاف منهم وهذه حال لم يسبق أمير المؤمنين عليه السلام

[ 85 ]

إليها سابق ولا لحقه فيها لاحق ثم قال تعالى " يجاهدون في سبيل الله " وهذا وصف أمير المؤمنين عليه السلام مستحق له بالاجماع وهو منتف عن أبي بكر وصاحبه بالاجماع لانه لا قتيل لهما في الاسلام ولا جهاد بين يدى الرسول صلى الله عليه وآله وكذا قوله تعالى " ولا يخافون لومة لائم " فإن الخوف من لومة اللائم إنما كان يتوهم في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين الذين كان اكثرهم من اصحاب سيد الانام ومتظاهرين بالاسلام وأما قتال من زعموا انه ارتد من العرب في زمان أبي بكر فلم يكن فيه توهم لوم اللائم حتى يوصف فاعله بعدم خوفه من ذلك وبهذا التفسير والتقرير سقط استدلاله بالاية على خلافة أبي بكر وهو ظاهر جدا ويزيده سقوطا ان فخر الدين الرازي قال عند تفسير هذه الاية " ان هذه الاية من ادل الدلائل على فساد مذهب الامامية لأن الذين اتفقوا على امامة أبي بكر لو كانوا انكروا نصا جليا على امامة على عليه السلام لكان كلهم مرتدين ولجاء الله بقوم يحاربهم ويردهم الى الحق ولما لم يكن الامر كذلك بل الامر بالضد فإن الشيعة مقهورون ابدا حصل الجزم بعدم النص " واجاب عنه العلامة النيشابوري الشافعي في تفسيره بقوله " ولناصر مذهب الشيعة ان يقول ما يدريك انه تعالى لا يجئ بقوم يحاربهم ولعل المراد بخروج المهدى هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الاوائل هي محاربة الاوائل " ثم قال خوفا وتقية " ان هذا الجواب انما ذكرته بطريق المنع لا لاجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع انتهى وفي عذره هذا ايضا اشارات لا تخفى على اولى النهى. واذ عرفت مما ذكرناه وما لم نذكره من القرائن والاثار في شأن القوم الذين وصفهم الله تعالى بالصفة التي اشتق منها اسم نبيه فدعاه بنبيه فقد اطلعت على حقيقة النسبة التي بين النبي والولى وظهر لك ان انكار الامامة كانكار النبوة وانكار النبوة كانكار الوهية الله تعالى فعلم ان معرفة الامام والاعتراف بحقه شرط الايمان رغما لانف من يتأنف عن ذلك

[ 86 ]

ولولا ذلك لم يحكم الله سبحانه وتعالى على منكر بالارتداد إذ محصل معنى الاية وعيد لمن انكرها وارتد بذلك عن دين الاسلام قوم يعرفون صاحبها ويعترفون بحقه يحبهم الله ويحبونه لمحبتهم اياه والقيام بمودته والبرائة من اعدائه اللهم اجعلنا من زمرة الذين انعمت عليهم بمحبة احبائك والبرائة عن اعدائك انك على شئ قدير وبالاجابة والتفضل حقيق جدير وأما الرواية في ذلك عن الحسن البصري فقد مر انه ضعيف فلا يفيد برهانه القسمى ونحن نعارضه باضعاف ذلك القسم على خلافه فليضحك قليلا وليبك كثيرا. 27 - قال: قال النووي في تهذيبه واستدل اصحابنا على عظيم علم الصديق بقوله في الحديث الثابت في الصحيحين " والله لاقاتلن من فرق بين الصلوة والزكوة والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه الى رسول الله صلى الله عليه وآله لقاتلتهم على منعه " واستدل الشيخ أبو اسحق بهذا وغيره في طبقاته على ان ابا بكر اعلم الصحابة لانهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو ثم ظهر لهم بمباحثته لهم ان قوله هو الصواب فرجعوا إليه انتهى. اقول: قد بينا سابقا نقلا عن ابن حزم ان من منع أبا بكر عن اداء الزكوة إليه لم يكونوا مرتدين حقيقة اتفاقا وانهم لم يمنعوا الزكوة مستحلين في الدين بل منعوه عن ابى بكر لاعتقادهم عدم استحقاقه للخلافة كما مر فحكمه بقتالهم يكون جهلا لا علما و بالجملة ان اراد بذلك العلم العلم الذى كان يستدعيه انتظام خلافته وحصول مصلحته بالانتقام منهم فهو مسلم لكن لا يجدى نفعا وان اراد العلم المطابق لحكم الله تعالى ورسوله فهو ممنوع كيف وقد روى صاحب الفتوح ما سيعترف به هذا الشيخ الجامد عند تقرير

[ 87 ]

الشبهة الخامسة من ان عمر انكر على ذلك وخاطب خالد بن الوليد الذي ارتكب ذلك بقوله " يا عدو الله " واراد ان يقتص منه بقتله لمالك بن نويرة سيد بني حنيف فنصحه أبو بكر و قال له لا تلم خالدا فانه سيف الله وإنما فعل ما فعل بأمرى وكان المصلحة فيه فلم يتكلم عمر في ذلك مدة خلافة أبي بكر حتى وصلت الخلافة إليه فهرب عنه خالد الى الشام وجمع عمر من بقى من قوم مالك واخذ ما كان من نسائهم وذراريهم عند المسلمين وسلمهم إليهم فإن كان حكم أبي بكر علما كان منع عمر جهلا وان كان بالعكس فالعكس فليختر اوليائهما من هذين ما شاؤوا ويدل على ما ذكرناه من انهم لم يجحدوا اصل الزكوة لانه لا يعقل من مالك واصحابه ذلك مع القيام على الصلوة فانهما جميعا في قرن واحد لأن العلم الضرورى حاصل للكل بانهما من دينه عليه السلام وشريعته على حد واحد وهل نسبة مالك الى الردة مع ما ذكرناه الاقدح في الاصول ونقض في الدين من ان الزكوة معلومة ضرورة من دينه عليه السلام وقد روى جميع أهل النقل ان أبي بكر وصى الجيش الذين انفذهم بان يؤذنوا ويقيموا فإن اذن القوم باذانهم واقاموا كفوا عنهم فإن لم يفعلوا اعادوا عليهم فجعل امارة الاسلام والبرائة من الردة الاذان والاقامة وقصة مالك معروفة عند من تأملها من النقل لانه كان على صدقات قومه واليا من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله فلما بلغته وفاة النبي صلى الله عليه وآله امسك عن اخذ الصدقات من قومه وقال لهم تر بصوابها حتى يقوم قائم بعد النبي صلى الله عليه وآله وننظر ما يكون من أمر وقد صرح بذلك في بعض اشعاره المشهورة المذكورة في كتاب الكافي وغيره وروى بعضهم انه اخذ الصدقات وفرقها على فقراء قومه والله اعلم واذ قد علم بما قررناه ان ما ذكره هذا الشيخ الجامد من تصويب جميع الصحابة بقتالهم كذب صريح ارتكبه ترويجا لحال أبي بكر وسدا لباب الطعن القديم المشهور في ذلك عليه

[ 88 ]

ومن اين يثبت العلم لمن لم يعلم من القرآن الذي عرضوه على رسول الله صلى الله عليه وآله مرارا معنى الاب والكلالة وغيرهما مما فصل في كتب الجمهور هذا وسيجئ منافى ذكر هذا الرجل للشبهة الثانية من شبه الشيعة ما يزيد المطلوب وضوحا فلا تغفل. 29 - قال: ومن الايات الدالة على خلافته ايضا " قل للمخلفين من الاعراب ستدعون الى قوم اولى باس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله اجرا حسنا وان تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا اليما " فإن قلت يمكن ان يراد بالداعى في الاية النبي صلى الله عليه وآله أو على عليه السلام قلت لا يمكن ذلك مع قوله تعالى " قل لن تتبعونا " ومن ثم لم يدعو الى محاربة في حياته صلى الله عليه وآله اجماعا كما مر وأما على عليه السلام فلم يتفق له في خلافته قتال لطلب الاسلام بل لطلب الامامة ورعاية حقوقها وأما من بعده فهم عندنا ظلمة وعندهم كفار فتعين ان ذلك الداعي الذي يجب باتباعه الاجر الحسن وبعصيانه العذاب أحد الخلفاء الثلاثة وحينئذ فيلزم عليه خلافة أبي بكر على كل تقدير لأن حقية خلافة الاخرين فرع عن حقية خلافته إذ هما فرعاها الناشئان عنها المترتبان عليها انتهى اقول: قد علم مما قدمنا في تقرير الاية السابقة ان هذه الاية ايضا إنما تنطبق على على عليه السلام في قتاله الطوائف الثلاثة ولو سلم ان مفاد هذه الاية ما فهمه هذا الشيخ الجامد فغاية ما يلزم منه ترتب الثواب على فعل المأمور به في الاية والعقاب على تركه من حيث انه كان اطاعة أو مخالفة لله تعالى ولا يلزم منه ترتبها على مجرد اطاعة الداعي المذكور في الاية أو على مجرد مخالفته من حيث انه اطاعته أو مخالفته حتى يلزم منه فضيلة الداعي وكون اطاعته مثلا من حيث انه اطاعته مستلزما للثواب

[ 89 ]

والعقاب وكيف يلزم ما ذكر وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله " ان الله تعالى ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " وأما ما ذكره من انه لم يتفق لعلى عليه السلام في خلافته قتال لطلب الاسلام بل لطلب الامامة ورعاية حقوقها فبطلانه واضح لأن طلب الامامة طلب الاسلام لأن الامامة عندنا من اصول دين الاسلام كما يدل عليه وجوه من الادلة منها الحديث المشهور المتفق عليه من قوله صلى الله عليه وآله " من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميته جاهلية " لظهور ان الجاهل لشئ من الفروع لا يكون ميتته كذلك قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: قد تعلق أبو على الجبائى من المعتزلة على عدم كون المراد من الاية من حاربهم أمير المؤمنين عليه السلام من اهل الجمل وأهل صفين وأهل النهر بقوله تعالى فيها " أو يسلمون " وانهم كانوا مسلمين واول ما فيه انهم غير مسلمين عنده وعند اصحابه لأن الكبائر تخرج عن الاسلام عندهم كما تخرج عن الايمان إذ كان الايمان هو الاسلام على مذهبهم ثم مذهبنا في محاربي أمير المؤمنين عليه السلام معروف لانهم عندنا كانوا كفارا لوجوه منها ان من حاربه كان مستحلا لقتله مظهرا انه في ارتكابه على حق ونحن نعلم ان من اظهر استحلال شرب جرعة خمر فهو كافر بالاجماع واستحلال دم المؤمن فضلا عن افاضلهم و اكابرهم اعظم من شرب الخمر واستحلاله فيجب ان يكونوا من هذا الوجه كفارا ومنها انه صلى الله عليه وآله قال له عليه السلام بلا خلاف بين أهل النقل " حربك يا على حربى وسلمك سلمى " ونحن نعلم انه لم يرد الا التشبيه بينهما في الاحكام ومن احكام محاربي النبي صلى الله عليه وآله الكفر بلا خلاف ومنها انه صلى الله عليه وآله قال له بلا خلاف ايضا " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " وقد ثبت عندنا ان العداوة من الله لا تكون إلا للكفار الذين يعادونه دون فساق الملة انتهى فلا يلزم اسلام هؤلاء قطعا ولا ما زعمه من خلافة أبي بكر وأما تعليله لذلك بان حقية خلافة الاخيرين

[ 90 ]

فرع خلافتهما الى آخره فالخلف فيه ظاهر لانا لا نسلم اصل خلافة أبي بكر فضلا عن كونه اصلا بالنسبة الى خلافة على عليه السلام وهل هذا إلا مصادرة ظاهرة. 30 - قال: ومن تلك الايات ايضا قوله تعالى: " وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لا يشركون بى شيئا " قال ابن كثير هذه الاية منطبقة على خلافة الصديق انتهى. اقول: لا انطباق له بما قصده اصلا إذ لم يتحقق الى يومنا هذا تبديل الخوف بالامن في اكثر الاقطار ولا انتفاء الشرك بالكلية كما يدل عليه قوله تعالى " لا يشركون بى شيئا " وانما تنطبق الاية على خلافة المهدى المنتظر عليه السلام لما دل الحديث المتواتر المتفق عليه في شأنه من انه عند ظهوره يملا الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. 31 - قال: ومنها قوله تعالى " للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله اولئك هم الصادقون " وجه الدلالة ان الله سماهم صادقين ومن شهد الله سبحانه بالصدق لا يكذب فلزم ان ما اطبقوا عليه من قولهم لابي بكر يا خليفة رسول الله صادقون فيه فحينئذ كانت الاية ناصة على خلافته انتهى. اقول: فيه نظر ظاهر لانه قد وصف الله تعالى بالصدق من تكاملت له الشرائط المذكورة فمنها ما هو مشاهد كالهجرة والاخراج من الديار والاموال ومنها ما هو باطن لا يعلمه الا الله تعالى وهو ابتغاء الفضل والرضوان من الله ونصرة الله ورسوله ولا ريب ان الاعتبار في

[ 91 ]

ذلك ليس بما يظهر بل بالبواطن والنيات ولا نسلم ان المهاجرين الذين اطبقوا على خلافة أبي بكر كانوا ممن تكاملت لهم الشرائط حتى يلزم ان يكونوا متصفين بالصدق فيجب على الخصوم ان يثبتوا اجتماع هذه الصفات في كل من هاجر واخرج من دياره وامواله ولا يثبت ذلك إلا بدليل من خارج ووجوده ابعد من وجود العنقاء ونقول بوجه آخر ان اراد ان الاية تدل على صدق المجموع من امة محمد صلى الله عليه وآله كما استدل به صاحب الشرح المسمى بالتحقيق في اصول الحنفية فهب ان يكون كذلك لكن هذا في الحقيقة يرجع الى الاستدلال بالاجماع الذى اثبتوا حجيته بهذه الامة لا بالاية وقد مر ان الاجماع غير ثابت في حق خلافة أبي بكر وان اراد به صدق بعضهم فلا يفيد إلا إذا ثبت ان ذلك البعض قالو لابي بكر خليفة رسول الله ودون اثباته خرط القتاد على ان القول بذلك إنما يجدى لو قصد القائل به الخلافة الحقيقية الالهية أما لو قصد به المعنى اللغوى وهو مجئ واحد خلف آخر فلا يثبت مطلوبهم كما لا يخفى. 32 - قال: ومنها قوله تعالى " اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين انعمت عليهم " قال الفخر الرازي: هذه الاية تدل على امامة أبي بكر لانا ذكرنا ان تقدير الاية اهدنا صراط الذين انعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية اخرى ان الذين انعم عليهم من هم بقوله تعالى " اولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين " ولا شك ان راس الصديقين ورئيسهم أبو بكر فكان معنى الاية ان الله تعالى أمر ان نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر ظالما لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الاية على امامة أبي بكر انتهى. اقول: تسمية أبي بكر بالصديق إنما كان من عند اوليائه الكذابين الذين صدقوه لاغراض لا تخفى على اولى النهى وقصدوا بهذه التسمية ترويج امره لا من عند الله

[ 92 ]

تعالى وعند النبي صلى الله عليه وآله فكونه داخلا في الاية غير مسلم ولو ثبت ما زعمه من كون أبي بكر رأس الصديقين ورئيسهم لكفى ذلك في اثبات خلافته ولا حاجة معه الى انضمام الاية إليه كما لا يخفى. 33 - قال: وأما النصوص الواردة عنه المصرحة بخلافته والمشيرة إليها فكثيرة جدا. اقول - ان كان مرجع الضمير في عنه هو أبا بكر كما هو الظاهر فتوجه التهمة والمصادرة إليه ظاهر، وان كان المرجع هو النبي صلى الله عليه وآله فجميع ما روى في شأنه عنه صلى الله عليه وآله موضوعات عندنا لا تنهض ايضا حجة علينا خصوصا وقد ساعدنا في ذلك امام محدثي أهل السنة وافضل متأخريهم الشيخ مجد الدين الفيروز آبادى صاحب القاموس في كتابه المشهور الموسوم بسفر السعادة حيث قال: ان ما ورد في فضائل أبي بكر فهى من المفتريات التى يشهد بديهة العقل بكذبها انتهى فتدبر. 34 - قال: الاول اخرج الشيخان عن جبير بن مطعم قال: اتت أمراة الى النبي صلى الله عليه وآله فأمرها ان ترجع إليه فقالت أرأيت ان جئت ولم اجدك كأنها تقول الموت قال " ان لم تجديني فأتى أبا بكر " واخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال جائت امرأة الى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله شيئا فقال لها تعودين فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وآله ان عدت فلم اجدك تعرض بالموت فقال ان جئت فلم تجديني فأتى أبا بكر. فانه الخليفة من بعدى. اقول: لا نسلم صحة الحديث كسائر ما رووه في مدحه ولو سلم جاز حمل الخليفة على المعنى اللغوى كما مر إذ لم يتبين في الحديث ان أمر النبي صلى الله عليه وآله برجوع السائل إليه اولا والى أبي بكر ثانيا كان في أمر دينى يتعلق بالخليفة الشرعية فجاز ان

[ 93 ]

يكون في أمر دنيوى لا اختصاص له بالخلفاء الحقيقية. 35 - قال الثاني: اخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول " يكون خلفي اثنا عشر خليفة أبو بكر لا يلبث إلا قليلا " قال الائمة: صدر هذا الحديث مجمع على صحته وارد من عدة طرق اخرجه الشيخان وغير هما فمن تلك الطرق " لا يزال هذا الامر عزيزا ينصرون على من ناوا هم الى اثنى عشر خليفة كلهم من قريش " رواه عبد الله بن أحمد بسند صحيح ومنها " لا يزال هذا الامر صالحا " ومنها " لا يزال هذا الامر ماضيا " رواه أحمد ومنها " لا يزال أمر الناس ماضيا ماوليهم اثنا عشر رجلا " ومنها " ان هذا الامر لا ينقضى حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة " ومنها " لا يزال الاسلام عزيزا منيعا الى اثنى عشر خليفة " رواها مسلم ومنها للبنرار " لا يزال امر امتى قائما حتى يمضى اثنا عشر خليفة كلهم من قريش " زاد أبو داود فلما رجع الى منزله اتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا قال: ثم يكون الهرج " ومنها لابي داود " لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم يجتمع عليه الامة " وعن ابن مسعود بسند حسن انه سئل " كم يملك هذه الامة من خليفة ؟ فقال: سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اثنى عشر كعدة نقباء بني اسرائيل " قال القاضى عياض: لعل المراد بالاثنى عشر في هذه الاحاديث و ما شابهها انهم يكونون في مدة عزة الخلافة وقوة الاسلام واستقامة اموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس الى ان اضطرب أمر بنى امية ووقعت بينهم الفتنة في زمن الوليد بن يزيد فاتصلت تلك الفتن بينهم الى ان قامت الدولة العباسية فأستأصلوا امرهم. قال شيخ الاسلام في فتح الباري: كلام القاضى هذا احسن ما قيل في هذا الحديث وارجحه لتأييده بقوله في بعض طرقه الصحيحة كلهم يجتمع عليه الناس والمراد باجتماعهم انقيادهم لبيعته والذي اجتمعوا عليه هم الخلفاء الثلاثة ثم على الى ان وقع أمر

[ 94 ]

الحكمين في صفين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة ثم اجتمعوا عليه عند صلح الحسن ثم على ولده يزيد ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك ثم لما مات يزيد اختلفوا الى ان اجتمعوا على عبد الملك بعد قتل ابن الزبير ثم على اولاده الاربعة، الوليد، فسليمان، فيزيد، فهشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثانى عشر الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمعوا عليه لما مات عمه هشام فولى نحو اربع سنين ثم قاموا عليه فقتلوه و انتشرت الفتن وتغيرت الاحوال من يومئذ ولم يتفق ان يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك لوقوع الفتن بين من بقى من بني امية ولخروج المغرب الاقصى عن العباسيين بتغلب المروانيين على الاندلس الى ان تسموا بالخلافة وانفطر الامر الى ان لم يبق في الخلافة إلا الاسم بعد ان كان يخطب لعبد الملك في جميع اقطار الأرض شرقا وغربا يمينا وشمالا مما غلب عليه المسلمون ولا يتولى أحد في بلد امارة في شئ إلا بامر الخليفة وقيل: المراد وجود اثنى عشر خليفة في جميع مدة الاسلام الى يوم القيامة يعملون بالحق وان لم يتولوا ويؤيده قول أبي الجلد كلهم يعمل بالهدى ودين الحق منهم رجلان من أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله فعليه المراد بالهرج الفتن الكبار كالدجال وما بعده وبالاثنى عشر الخلفاء الاربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز: وقيل يحتمل ان يضم إليهم المهدى العباسي لانه في العباسيين كعمر بن عبد العزيز في الامويين والطاهر العباسي ايضا لما اوتيه من العدل ويبقى الاثنان المنتظران احدهما المهدى لانه من أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله وحمل بعض المحدثين الحديث السابق على من يأتي بعد المهدى لرواية " ثم يلى الامر بعده اثنا عشر رجلا ستة من ولد الحسن وخمسة من ولد الحسين عليهما السلام وآخر من غيرهم لكن سيأتي في الكلام على الاية الثانية عشرة من فضائل أهل البيت ان هذه الرواية واهية جدا فلا يعول عليها انتهى

[ 95 ]

اقول: قد استدل اصحابنا الامامية رضوان الله عليهم بالصحاح من هذه الاحاديث على حقية خلافة الائمة الاثنى عشر عليهم السلام إذ لا قائل بانحصار الائمة في هذا العدد سوى الامامية فإن الامامة والخلافة على ما دل عليه دليل العقل والنقل ان يكون الشخص المتصف بها معصوما منصوصا من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله فلا يقدح في ذلك عدم جريان احكام بعض الائمة عليهم السلام في الظاهر ولهذا قال عليه السلام مشيرا الى الحسنين عليهما السلام " ابناى هذان امامان قاما أو قعدا " وبالجملة لا يقدح في مرادنا كونهم عليهم السلام منعوا الخلافة والمنصب الذي اختارهم الله له واستبد غيرهم به إذ لم يقدح في نبوة الانبياء عليهم السلام تكذيب من كذبهم ولا وقع الشك فيهم لانحراف من انحرف عنهم ولا شوه وجوه محاسنهم تقبيح من قبحها ولا نقص شرفهم خلاف من عاندهم ونصب لهم العداوة وجاهرهم بالعصيان وقال على عليه السلام " وما على المؤمن من غضاضة في ان يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه " وقال عمار بن ياسر رضى الله عنه " والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا انا على الحق وانهم على الباطل " وهذا واضح لمن تأمله قال السيد الفاضل رضى الدين على بن طاوس رضى الله عنه في كتاب ربيع الشيعة: وإذا كانت الفرقة المخالفة قد نقلت احاديث النص على عدد الائمة الاثنى عشر عليهم السلام كما نقلته الشيعة الامامية ولم تنكر ما تضمنه الخبر فهو ادل دليل على ان الله تعالى سخرهم لروايته اقامة لحجته واعلاء لكلمته وما هذا الامر إلا كالخارق للعادة، والخارج عن الامور المعتادة، لا يقدر عليه إلا الله سبحانه الذي يذلل الصعب، ويقلب القلب، ويسهل العسير، وهو على كل شئ قدير. وأما استدلال هذا الشيخ الجامد بها على خلافة الثلاثة وعلى والحسن وبعض من بعدهم من بني امية وبني العباس ففيه نظر من وجوه اما اولا فلمنع صحة الحديث الاول سيما واول راويه عبد الله بن عمر الذي لم يعمل بحديثه أبو حنيفة قط كما مر سابقا بشهادة

[ 96 ]

أبي المعالى الجوينى الشافعي والذي لم يعرف من غاية الجهل كيفية طلاق امراته والذي قعد عن بيعة امير المؤمنين على عليه السلام ثم جاء بعد ذلك الى الحجاج فطرقه ليلا وقال هات يدك ابايعك لامير المؤمنين عبد الملك فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول " من مات وليس عليه بيعة امام فموتته جاهلية " فانكر عليه الحجاج ذلك مع كفره وعتوه وقال له: بالامس تقعد عن بيعة على بن أبي طالب عليه السلام وأنت اليوم تأتيني تسئلنى البيعة من عبد الملك بن مروان، يدى عنك مشتغلة لكن هذه رجلى. وقد روى الحميدى في الجمع بين الصحيحين من تلزمه بيعة يزيد بن معاوية ما يتعجب منه العاقل فمن ذلك في المتفق عليه من الحديث الحادى والثمانين عن نافع قال لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده وقال: انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول " لكل غادر لواء يوم القيمة " وانا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله وانى لا اعلم غدرا اعظم من ان يبايع رجل على بيعة الله ورسوله ثم ينصب له القتال وانى لا اعلم رجلا منكم خلعه ولا بايع في هذا الامر إلا وانه الفيصل بينى وبينه هذا لفظه افما كان على بن أبي طالب وولده عليهم السلام أو أحد من بني هاشم يجرون مجرى يزيد في ان يبايعه ان هذا من الطرايف.. وأما ثانيا فلان ما في روايته عن أبي داود من وصف الاثنى عشر بكون كلهم مجتمعا عليه الامة مخل في مطلوبه لأن احدا من الخلفاء الثلاثة بل الاربعة لم يجتمع عليه الامة اجتماعا حقيقيا شرعيا بل تخلف عن كل واحد جماعة وإنما ثبت خلافتهم عند أهل السنة ببيعة الواحد والاثنين كما مر وان اراد بذلك الاجتماع اللغوى فعلى تقدير تحقفه في بعضهم فهو لا يصلح امارة على الخلافة الحقيقية حتى يليق من النبي صلى الله عليه وآله ان يجعل ذلك امارة عليه وبهذا يضعف كلام قاضيهم وشيخ اسلامهم كما يظهر عند التأمل. وأما ما ذكره شيخ اسلامهم من ان المراد باجماعهم انقيادهم لبيعته فهو اصطلاح

[ 97 ]

جديد منه في رسم الاجماع ومع ذلك لا يؤدى الى طائل على ان حصول الانقياد الباطني في ذلك للثلاثة واضرابهم غير مسلم كما مر. وأما ثالثا فلانه يلزم على تأويل قاضيهم ان يكون معاوية الباغى، وجروه الخمير الغاوى، داخلا في الخلفاء الذين يكون الاسلام بهم عزيزا وممن افتخر النبي صلى الله عليه وآله بوجودهم بعده وفساد ذلك ظاهر جدا هذا مع اعتراف محققى الجمهور بان معاوية وجروه لم يكونا من الخلفاء بل كانا من ملوك الاسلام وكذا الكلام في ابن الزبير فقد قال ابن عبد البر الشافعي في كتاب الاستيعاب: " انه كانت فيه خلال لا تصلح معها للخلافة لانه كان بخيلا ضيق العطن، سيئ الخلق، حسودا كثير الخلاف، اخرج محمد بن الحنفية ونفى عبد الله بن العباس الى الطائف " وقال على بن أبي طالب كرم الله وجهه: " ما زال الزبير يعد منا أهل البيت حتى نشأ عبد الله،. انتهى " ومع ظهور بغيه وفساده لم يلحقه الندامة على ذلك اصلا وكان مصرا على عداوة أهل البيت عليهم السلام حتى ذكر في كتاب كشف الغمة وغيره " انه في ايام امارته كان يخطب ولا يصلى على النبي صلى الله عليه وآله فقيل له في ذلك فقال: ان له اهيل سوء إذا ذكرته اشروا وشمخوا بانوفهم " وايضا يلزم خلو الازمنة الفاصلة بين الخليفتين الصالحين المنتجبين لهم من بني امية وما بعد تمام الاثنى عشر منهم عن الخليفة والامام فيلزم عليهم ان يكون الاحكام المنوطة على آراء الخلفاء خصوصا عند الشافعي معطلة في تلك الازمنة الخالية وهو كما ترى. وأما رابعا فلان قوله " لم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك " مدخول بان الحسين عليه السلام اماما معصوما ولطفا عظيما من الحق سبحانه الى الخلق وهم اختاروا النار، باطفاء نوره في هوى يزيد الخمار كما ان زكريا ويحيى كانا لطفين من الله تعالى الى الخلق واختار الخلق في قتلهما الضلالة على الهدى " اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت

[ 98 ]

تجارتهم وما كانوا مهتدين " ولقد اتضح بما قررناه بقاء هذه الاحاديث صريحة في ان خلفاء النبي صلى الله عليه وآله ونقباءهم الائمة الاثنا عشر من أهل البيت عليهم السلام كما اشرنا إليه سابقا و ان كل ما نقله هذا الشيخ الابرد من التأويلات الباردة لا يوجب برد الخاطر ولقد انصف حيث شهد بما ذكرنا المولى فصيح الدين الدشتبياضى الذي كان استاد الامير علي شير المشهور في رسالته الموسومة بالجام البغاة والزام الغلاة حيث قال: وقد اشكل على مفهوم الحديث الصحيح الذى رواه مسلم وهو قوله صلى الله عليه وآله " ان هذا الامر لا ينقضى حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش " وفي رواية " لا يزال الاسلام عزيزا الى اثنى عشر خليفة كلهم من قريش " قال في شرح المشارق والمصابيح " يريد بهذا الامر الخلافة وأما العدد فقيل: ينبغى ان يحمل على العادلين منهم فانهم إذا كانوا على سنة الرسول صلى الله عليه وآله وطريقته يكونون خلفاء وإلا فلا ويلزم ان يكون على الولاء هذا ما قالوه لكن لامتنع فيه والله اعلم بما هو المراد منه " انتهى كلام الفصيح، وكفى بهم نصح النصيح، لمن سلك الاعوجاج الفضيح ومما ينبغى ان ينبه عليه ان قوله " ولكن لامتنع فيه " قد وقع على سبيل رعاية الادب لاصحابه وإلا فبطلانه ظاهر جدا كما عرفت والحاصل انه ان اعتبر خلافة اثنى عشر على الولاء يلزم ان يكون معاوية الباغى، وجروه الغاوى والوليد الزنديق المرتد المريد، المستهدف للمصحف المجيد، وامثالهم من الخلفاء و الائمة الذين يكون بهم الاسلام عزيزا وهذا مما لا يتفوه به مسلم وايضا يلزم ان تكون الاحكام المنوطة على آراء خلفاء الدين خصوصا على مذهب الشافعي معطلة بعد انقضاء هؤلاء الاثنى عشر الى يوم الدين وان لم يعتبر ذلك واعتبر انتخاب العادلين منهم فمع لزوم خطائهم في بعض الانتخاب يلزم خلو الازمنة الفاصلة بين الخليفتين العادلين منهم عن

[ 99 ]

الخليفة والامام مع ما يلزم ذلك من تعطيل الاحكام كما مر فتدبر. 36 - قال: الثالث اخرج أحمد والترمذي وحسنه ابن ماجة والحاكم و صححه: عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اقتدوا بالذين من بعد أبي بكر وعمر انتهى. اقول يتوجه عليه القدح من وجوه أما اولا فلان في اسناده خللا لانه يعزى الى عبد الملك بن عمر عن ربعى بن خداش ثم يرفعونه منهما تارة الى حذيفة اليماني، وتارة الى حفصة بنت عمر، فاما عبد الملك فهو من أهل الشام، واحلاف محاربي أمير المؤمنين عليه السلام، ومن المشهورين بالنصب والعداوة له، ولم يزل يتقرب الى بني امية بتوليد الاخبار الكاذبة في أبي بكر وعمر، والطعن على أمير المؤمنين عليه السلام حتى قلدوه القضاء وكان يقبل فيه الرشى ويحكم بالجور والعدوان، وكان متظاهرا بالفجور والعبث بالنساء، وله مع كلثم بنت سريع حيث قاضى بينها وبين اخيها الوليد بن سريع قصة مشهورة مذكورة في كتب الجمهور نقلها صاحب كتاب الانوار من اصحابنا، طويناها على غرها لضيق المقام ثم ان ربعى بن خداش عند اصحاب الحديث من المعدودين في جملة الروافض المتهمين على أبي بكر وعمر فاضافته إليه مع ما وصفناه ظاهر البطلان وأما روايته عن حفصة بنت عمر فهى من اظهر البراهين على فساده ووجوب سقوطه في الاحتجاج لأن حفصة متهمة فيما روته من فضل ابيها وصاحبه لعداوتها لامير المؤمنين عليه السلام وتظاهرها ببغضه لهوى اختها عائشة ولما تضمنه من جر النفع إليها والى ابيها. وأما ثانيا فلانه ان اريد به تخصيص الاقتداء بهما من كل وجه فيلزم نفى امامة

[ 100 ]

على عليه السلام وعثمان والاقتداء بهما ومنافاته لما رووه من حديث " اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم " وان اريد به الاقتداء بهما في الجملة فجاز ان يكون المراد الاقتداء بهما في بعض الامور بل يكون قضية في واقعة فلا يجب استحقاقهما للامامة. وأما ثالثا فلانه قد ظهر اختلاف كثير بين أبي بكر وعمر فيلزم ان يكون الناس مامورين بالعمل بالمختلفين وذلك لا يليق بحال النبي صلى الله عليه وآله. وأما رابعا فلانه لو صح هذا الحديث بالمعنى الذي فهموه منه لكان نصا على امامتهما، ولما وقعت المنازعة بين الصحابة في تعيين الامام بعد النبي صلى الله عليه وآله وقد وقعت، فمال بعضهم الى على عليه السلام، وبعضهم الى أبي بكر، وقالت الانصار: منا امير ومنكم أمير، ولما احتاج أبو بكر في مدافعة الانصار الى الاحتجاج عليهم بعشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وقومه، وما شاكل ذلك فكان يقول: يا معشر الانصار قد امركم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيركم بالاقتداء بنا في جميع الامور فليس لكم مخالفة امره عليه السلام ونحن نعلم قطعا انه مع وجود مثل هذه الحجة لا يتمسك بغيرها فلما لم يذكرها علمنا انه موضوع. وأما خامسا فلتطرق تهمة التحريف في راويه ولعله صلى الله عليه وآله قال اقتدوا بالذين من بعدى أبا بكر وعمر " على ان يكونا مامورين بالاقتداء واللذان بعد النبي صلى الله عليه وآله كتاب الله وعترته كما ذكر في الخبر المشهور المتفق عليه و هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم " انى مخلف فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى ابدا كتاب الله وعترتي أهل بيتى " هذا وقال شيخنا الاجل ابن بابويه القمى رحمه الله في كتاب عيون اخبار الرضا " انهم لم يرووا ان النبي صلوات الله عليه قال اقتدوا بالذين من بعدى أبي بكر وعمر وإنما رووا أبا بكر وعمر ومنهم من روى أبو بكر وعمر فلو كانت

[ 101 ]

الرواية صحيحة لكان معنى قوله بالنصب اقتدوا بالذين من بعدى كتاب الله والعترة يا أبا بكر وعمر ومعنى قوله بالرفع اقتدوا أبو بكر وعمر بالذين من بعدى من كتاب الله والعترة (انتهى) لا يقال على هذا التقدير يكونان داخلين تحت مطلق الامر في قوله صلى الله عليه وآله اقتدوا فما الفائدة في افرادهما لانا نقول الفائدة ما علمه صلى الله عليه وآله وسلم من شدة خلافهما في ذلك وقد نطق القرآن بافراد ما دخل تحت مطلق العموم كقوله تعالى " فاكهة ونخل ورمان " وقوله تعالى " واذ اخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك و من نوح " فانه ليس يمتنع ان يؤتى في الامر بلفظ الجمع ثم يتبعه بالاشارة الى اثنين على التخصيص بوجهين: احدهما التأكيد كما ذكرناه والثانى ان يكون العبارة عن الاثنين بمعنى الجمع اتساعا لتبيينه به عن الواحد وليس فيه من معاني الجمع شئ كما قال سبحانه " هذان خصمان اختصموا " وقال " هل اتيكم نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب (الى قوله) خصمان " وإذا كان الامر كذلك فقد سقط ما تعلقت به الناصبة من الحديث ولم يبق لهم فيه شبهة كما لا يخفى. 37 - قال: الرابع، اخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ان الله تبارك وتعالى خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله فبكى أبو بكر وقال بل نفديك بآبائنا وامهاتنا فعجبنا لبكائه ان يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر اعلمنا فقال رسول صلى الله عليه وسلم ان من آمن الناس على في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخدت أبا بكر خليلا ولكن اخوة الاسلام ومودته، لا يبقين باب الاسد إلا باب أبي بكر " وفي لفظ لهما " لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " وفي آخر للبخاري " ليس في الناس أحد

[ 102 ]

آمن على في نفسه وماله من أبي بكر بن ابى قحافة،. ولو كنت متخذا خليلا لاتخدت أبا بكر خليلا ولكن خلة الاسلام افضل،. سدوا عنى كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر " وفي آخر لابن عدى " سدوا هذه الابواب الشارعة في المسجد إلا باب ابى بكر " وطرقه كثيرة قال العلماء: في هذه الاحاديث اشارة الى خلافة الصديق، لأن الخليفة يحتاج الى القرب من المسجد لشدة احتياج الناس الى ملازمته له للصلوة بهم وغيرها انتهى. اقول: اولا لا يخفى ما في الحديث الاول من ركاكة بعض فصوله، وعدم الارتباط بينها، الدالين على كونه موضوعا غير صادر عن الفصيح فضلا عن افصح العرب عليه السلام ومما يلحق بذلك ما فيه من تعجب القوم عن بكاء أبي بكر إذ لا عجب في بكاء المؤمن السامع لوجود عبد خيره الله تعالى بين الدنيا والاخرة فيبكى لعدم ظن نفسه من ذلك القبيل إلا ان يكون تعجبهم لاستبعادهم ايمانه ولين قلبه عند ذكر الله تعالى، وذكر الصالحين المختارين. وثانيا انه معارض بما في مسند أحمد بن حنبل من عدة طرق " ان النبي صلى الله عليه وآله أمر بسد الابواب إلا باب على بن أبي طالب عليه السلام، فتكلم الناس فخطب رسول الله صلى الله عليه وآله، فحمد الله واثنى عليه ثم قال: أما بعد فانى امرت بسد هذه الابواب غير باب على عليه السلام (1) فقال فيه قائلكم و، الله ما غلقت شيئا ولا فتحته ولكن امرت بشئ فاتبعته " انتهى، وقد نقل هذا الشيخ الجاهل هذه الرواية فيما سيذكره من فضائل على عليه السلام عن أحمد، وايضا عن زيد بن ارقم، ثم ذكر في دفع المعارضة ما لا يجرى عليه القلم، وأما حديث خوخة أبي بكر فلا يصلح لان يكون موازيا في الدلالة


(1) ما أحسن قول من قال بالفارسية مشيرا إلى هذه المنقبة الجليلة. گشايش از در ديگر مجو بغير علي * كه باب غير على را بكل بر آوردند

[ 103 ]

على الفضل لفتح الباب وهذا ظاهر من تفسير الجوهرى الخوخة بالكوة في جدار يوازى الصفة انتهى مع ان هذا ايضا معارض بما رواه ابن الاثير في النهاية حيث قال قال: عليه الصلوة والسلام في حديث آخر: إلا خوخة على انتهى مع ان حديثى الباب والخوخة المرويين في شان أبي بكر ليسا بمتفق عليهما فلا يصلحان للاحتجاج بهما على الخصم بل الخصم يقول ان اولياء أبي بكر لما تفطنوا بان روايتهم لذينك الحديثين في شان على عليه السلام ازراء لجلالة قدر أبي بكر عندهم وضعوا هذين في مقابلهما ترويجا لشانه، وبالجملة نحن إنما نحتج برواية من لم يعتقد كون على عليه السلام افضل الصحابة على الاطلاق فإن اتيتم من فضائل الثلاثة برواية ممن لم يعتقد افضليتهم قد تمت المعارضة وإلا فلا. وثالثا فلان ما تضمنه الحديث الحادث الاول من قوله: كنت متخذا خليلا الى آخره مع انه ليس بمتفق عليه بدلالة كلمة لو على انه لم يقع فكيف يقابل بما روى اتفاقا من اتخاذه صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام اخا والاخوة افضل من الخلة مع ان في رواية ابن مردويه الحافظ انه قال صلى الله عليه وآله في شان على عليه السلام بحرف التحقيق وصيغة الجزم " ان خليلي ووزيرى وخليفتي وخير من اتركه، بعدى يقضى دينى وينجز موعدى على بن طالب عليه السلام، فلا يعارض ما روى في شان ابى بكر ما روى في شان على عليه السلام " واين المخيل من المحقق المجزوم به. ورابعا فلان قوله " الخليفة يحتاج الى القرب من المسجد " غير مسلم وقوله " لشدة احتياج الناس الى ملازمته للصلوة بهم " إنما يدل على احتياج الناس الى القرب دونه والحاصل ان شدة احتياج الناس الى صلوة أبي بكر بهم في المسجد لا يقتضى قربة الى المسجد كما لا يقتضى قرب الناس الى المسجد وانما يقتضى مسافة وزمانا يمكن له ولهم الوصول

[ 104 ]

الى الصلوة فيه عادة فهو والناس في القرب والبعد سواء. 38 - قال: الخامس، اخرج الحاكم وصححه عن انس قال: بعثنى بنوا المصطلق الى رسول الله صلى الله عليه وآله ان اساله الى من ندفع صدقاتنا بعدك فاتيته فسألته فقال الى أبي بكر " ومن لازم دفع الصدقة إليه كونه خليفة إذ هو المتولي قبض الصدقات انتهى. اقول: لو صح الحديث مع كون اول راويه انس الذي مر ما فيه من القوادح فانما يدل على مقصود اولياء أبي بكر ان لو كان المراد بدفع الصدقة إليه بعد النبي صلى الله عليه وآله الدفع غلى وجه التولية ومن الجائز ان يكون المراد الدفع إليه على وجه كونه مصرفا فإن أبا بكر بعد بذل امواله في سبيل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله كما زعمه اهل السنة صار فقيرا صعلوكا لم يبق له شئ حتى روى هذا الشيخ الجامد في اواخر ما سيذكر من الفصل الرابع فيما ورد من كلام العرب والصحابة وغيرهم في فضل أبي بكر انه كان يعمل في السوق ولما بويع اصبح وعلى ساعده ابراد وهو ذاهب الى السوق فقال له عمر، اين تريد ؟ قال السوق، قال: تصنع ماذا وقد وليت امر المسلمين ؟ قال فمن اين اطعم عيالي ؟ قال انطلق يقرض لك أبو عبيدة الى آخره واخرج البخاري " ان بنته اسماء كانت تنقل النوى من ارض الزبير الذي اقطعه رسول الله صلى الله عليه وآله على راسها " وهي من منى على ثلثى فرسخ وغاية الامر ان يستبعد ذلك لظن ان صدقات ذلك القوم ربما كان شيئا كثيرا زيد على استحقاق أبي بكر واهله وليس بشئ لأن أبا بكر وفقراء اهله ايضا كانوا جمعا كثيرا وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله ان خير الصدقة ما ابقت غنى ان قيل ان دفع الصدقة الى المصرف بغير اذن

[ 105 ]

الامام غير جائز قلت: هذا لم يعلم مدين دين النبي صلى الله عليه وآله على اصل الخصم إذ ليس هناك امام منصوب منصوص من الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وآله فمن اين علم وجوب الدفع إليه وعدم جوازه الى غيره ولهذا دفعوا بنو حنيف صدقات قومهم الى فقراءهم كما مر. 39 - قال: السادس اخرج مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعى لى اباك واخاك حتى اكتب كتابا فانى اخاف ان يتمنى متمن ويقول قائل: انا اولى ويأبى الله والمؤمنون إلا ابا بكر انتهى. اقول: فيه بحث أما اولا فلظهور تهمة عائشة في مثل هذه الرواية من حيث جرها بذلك نفعا وشرفا لها ولابيها، ومن حيث ظهور عداوتها لعلى عليه السلام، كما يدل عليه تصفح اخبارهم وتتبع آثارهم، منها ما اخرجه البخاري في صحيحه من قول عائشة " ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج في مرضه ويده اليمنى على كتف رجل، واليسرى على كتف ابن عباس " وقول ابن عباس " اتعرف من الرجل الذي لم تسمه ؟ قال:، لا قال: هو على بن أبي طالب (عليه السلام) واخرج ايضا في قضية الافك قول عائشة " أما اسامة فقال بما يعلم من نفسه ومن براءة اهله: الزم اهلك، وأما على (عليه السلام) فقال: النساء كثيرة ولن يضيق الله عليك وسل الجارية تصدقك الحديث " وكذا اخرج قول العثماني لاخر " ابلغك ان عليا كان فيمن رمى به عائشة بالافك " وقال ابن قتيبة في كتاب السياسة والامامة " لما قال طلحة لعائشة قد بويع على ع فقال: ما لعلى يتولى على رقابنا ؟ لا ادخل المدينة ولعلى فيها سلطان ورجعت " قال ولما اتى عائشة خبر أهل الشام انهم ردوا بيعة على عليه السلام، وابوا ان يبايعوه امرت فعمل لها هودج من حديد وجعل فيها موضع لعينها ثم خرجت ومعها طلحة والزبير و

[ 106 ]

عبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة انتهى وكيف ينكر عناد عائشة مع على عليه السلام وقد اخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وحذرها عن ذلك كما سيذكره هذا الشيخ الكذوب الناسي في الباب الثامن في خلافة على عليه السلام في ذيل ما قدمه هناك من قصة قتل عثمان حيث قال " وقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم بواقعة الجمل وصفين و قتال عائشة وطلحة والزبير عليا كما اخرجه الحاكم وصححه البيهقى عن ام سلمة قالت ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج امهات المؤننين فضحكت عائشة فقال: انظري حميراء ان لا تكوني انت واخرج البزار وأبو نعيم عن ابن عباس مرفوعا ايتكن صاحبة الجمل الاحمر ؟ تخرج حتى ينبحها كلاب الحوأب يقتل حولها قتلى كثيرة ثم تنجو بعد ما كادت " (انتهى) وروى انه لما وصلت الى الحوأب ونبحها كلابه تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وآله فحاضت حيضة للرجوع ثم منعها عنادها وبغضها لعلى عليه السلام فعادوا لما نهوا عنه. وأما ثانيا فلان الحديث بعد فرض صحته التى تلحق بفرض المحال لو كان مفاده ما فهموه لكان نصا على خلافة أبي بكر،. مع انه لم يتمسك به عند منازعته مع الانصار ولا بعده ولا " عطر بعد عروس (1) فدل على انه من موضوعات عائشة أو مفتريات غيرها من اوليائه وسيورد علينا هذا الشيخ الجامد المتحجر مثل هذا البحث فيما سيأتي حيث يقول " واحتمال ان ثم نصا غير ما زعموه يعلمه على أو أحد من المهاجرين والانصار باطل وإلا لاورده العالم به يوم السقيفة حين تكلموا في الخلافة أو فيما بعده لوجوب ايراده حينئذ " (انتهى). وأما ثالثا فلان هذا الجامد سينكر في حديث الغدير كون الاولى بمعنى الولى والامام مع ان مبنى استدلاله ههنا عليه كما لا يخفى.


(1) مثل معروف،. يضرب لمن لا يؤخر عنه نفيس، أو في ذم اذخار الشئ عوقت الحاجة (أقرب الموارد)

[ 107 ]

وأما رابعا فلانه يجوز ان يكون قوله " يابى " من جملة مقول قول القائل أي يقول قائل يابى الله والمؤمنون إلا أبا بكر وبهذا القول تقع فتنة بين المسلمين وحينئذ لا دلالة للحديث على ان النبي صلى الله عليه وآله اخبر عن اباء الله تعالى لخلافة غير أبي بكر كما فهموه فلا حجة على الشيعة اصلا. 40 - قال: السابع، اخرج الشيخان عن أبي موسى الاشعري قال: مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس. قال العلماء: في هذا الحديث اوضح دلالة على ان الصديق افضل الصحابة على الاطلاق، واحقهم بالخلافة واولاهم بالامامة، وقد استدل الصحابة انفسهم بهذا على انه احق بالخلافة، منهم عمر ومر كلامه في فصل المبايعة ومنهم على (عليه السلام) فقد اخرج ابن عساكر عنه " لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضى الله عنه ان يصلى بالناس وانى لشاهد وما انا بغائب وما بى مرض فرضينا لدنيانا، ما رضيه النبي صلى الله عليه وسلم لديننا. ووجه ما تقرر من ان الامر بتقديمه للصلوة كما ذكر فيه الاشارة أو التصريح باحقيته بالخلافة ان القصد الذاتي من نصب الامام العالم اقامة شعائر الدين على الوجه المأمور به من اداء الواجبات وترك المحرمات، واحياء السنن، واماتة البدع، وأما الامور الدنيوية وتدبيرها كاستيفاء الاموال من وجوهها وايصالها لمستحقيها ودفع الظلم ونحو ذلك فليس مقصودا بالذات بل ليتفرغ الناس لامور دينهم إذ لا يتم تفرغهم له إلا إذا انتظمت امور معاشهم بنحو الامن على الانفس والاموال ووصول كل ذى حق الى حقه فلذلك رضى النبي صلى الله عليه وسلم لامر الدين وهو الامامة العظمى أبا بكر بتقديمه للامامة في الصلوة كما ذكرنا ومن ثمة اجمعوا على ذلك كما مر. اقول: هذا الحديث المروى عن أبي موسى الاشعري مقيم الفتنة ومضل

[ 108 ]

الامة، الذي اخبر النبي صلى الله عليه وآله انه امام الفرقة المرتدة ونحوه من الاحاديث سندهم القاصر لاجماعهم الناقص على خلافة أبي بكر كما صرح به ههنا ايضا بقوله " ومن ثمة اجمعوا على ذلك كما مر " وقد مر منا ايضا انه لا يصلح ذلك سندا لاجماعهم، وان قياس امامة الصلوة على الامامة العظمى قياس مع الفارق من وجوه عديدة، وحاشا عن على عليه السلام باب مدينة العلم بل عن اقل عبيده المقتبسين من مشكوة انوار علومه ان يستدلوا بذلك القياس، الذى يضحك منه اول من قاس. وتمسكهم باستدلال عمر على ذلك مع ظهور فساده إنما هو من قبيل استشهاد ابن آوى بذنبه وأما ما ذكره من " ان الامر بتقديمه للصلوة كما ذكر فيه الاشارة أو التصريح باحقيته بالخلافة " فهو مخالف لاتفاق متقدميهم على فقدان النص في شان الكل وأما ما ذكره من " ان القصد الذاتي من نصب الامام اقامة شعائر الدين " فمردود بانه ان اراد به ان المقصود الذاتي في نصب الامام ذلك، والامور الدنيوية تبع له فهب ان يكون كذلك لكن لا يفيد ذلك مطلوبه وانما يفيده لو لم يكن مقصودا بالذات في الدين وهذا غير لازم من ذاك وكيف لا تكون الامور الدنيوية كاقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وحماية بيضة الاسلام و نحوها من الامور المتعلقة بحفظ النظام وانفاذ المعروف وازالة المنكر واصلاح المعاش والمعاد مقصودا اصليا في الدين ؟ وان اراد به ان المقصود الاصلى الدين من نصب الامام ذلك وما عداه مقصود بالتبع فغير مسلم بل الكل مقصود بالذات من الدين كما اوضحناه وتقريره المذكور لا يفى باثبات خلافة كما لا يخفى. 41 - قال: واخرج أحمد عن سفينة واخرجه ايضا عن اصحاب السنن و صححه ابن حبان وغيره قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك.

[ 109 ]

اقول: هذا الحديث بعد تسليم صحته معارض بما نقله صاحب تفسير المدارك من الحديث المشتمل على السؤال عن الحق وعد النبي صلى الله عليه وآله لاقسامه الى ان عطف على الاقسام السابقة بقوله " والخلافة إذا انتهت الى على عليه السلام " وكذا معارض بما سبق من الاخبار المشتملة على خلافة اثنى عشر واما ما ذكره بعيد ذلك في دفع المعارضة هذا الشيخ المبهوت، فهو اوهن من نسج العنكبوت. قال: الفصل الرابع في بيان ان النبي صلى الله عليه و سلم هل نص عل خلافة ابى بكر ؟ اعلم انهم اختلفوا في ذلك، ومن تأمل الاحاديث التى قدمناها علم من اكثرها انه نص عليها نصبا ظاهرا وعلى ذلك جماعة من المحدثين وهو الحق،. وقال جمهور اهل السنة رضوان الله عليهم والمعتزلة والخوارج: لم ينص على احد. اقول: قد امتثلنا وتأملنا الاحاديث الحادثة التي قدمها ودمرنا عليها بأنها بعد تسليم صحتها لا دلالة لها على مقصوده وبالجملة ان الاحاديث التي زعم دلالتها على التنصيص في شان ابى بكر إنما هي من مفتريات شرذمة قليلة من حشوية اهل الحديث المبيحين للكذب نصرة للمذهب وهم بعد وضع تلك الاحاديث قالوا بوجود النص في ابى بكر وهذا لا ينافى انكار جمهور اهل السنة والمعتزلة بوجود النص فيه في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع قطع النظر عن جرأتهم على تخطئة جمهور اهل السنة في انكار وجود النص بل على خرق اجماعهم على الانكار كما ذكره النووي في شرح صحيح مسلم " نقول لو كان هناك نص لكان أبو بكر اعلم به، ولقال اطيعونى مستدلا به، ولما قال الانصار: منا امير ومنكم امير، ولما توقف على عليه السلام في البيعة الى ستة اشهر، ولما قال أبو بكر: وددت انى سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن

[ 110 ]

هذا الامر وكنا لا ننازعه اهله، ولما قال العباس لعلى عليه السلام امدد يدك ابايعك حتى يقول الناس بايع عم رسول الله صلى الله عليه وآله ابن عمه، ولم يختلف فيك اثنان، ولما قال أبو سفيان يا بنى عبد مناف ارضيتم ان يلى عليكم تيم ؟ والله لاملئن الوادي خيلا ورجلا، ولما سل الزبير بن العوام سيفه قائلا: انا لا ارضى بخلافة ابى بكر، ولما قال عمر لابي عبيدة: ابسط يدك ابايعك، ولما قال أبو بكر: بايعوا عمر أو ابا عبيدة " الى غير ذلك مما هو مذكور في صحاح احاديثهم ومعتبرات سيرهم وتواريخهم ثم لا يخفى ان دلالة ما ذكره آخرا من الاحاديث التى لم نذكرها تحرزا عن تضييع الوقت على عدم التنصيص ظاهرة وما ارتكبه لدفع التعارض من التأويلات الباردة، والتوجيهات الكاسدة، مما لا يروج على ذى بصيرة ناقذة. 42 - قال: فلزم من ذلك بطلان ما نقله الشيعة وغيرهم من الاكاذيب و سودوا به اوراقهم من نحو خبر " انت الخليفة بعدى " وخبر " سلموا على على بامرة المؤمنين " وغير ذلك مما ياتي إذ لا وجود لما نقلوه فضلا عن اشتهاره كيف وما نقلوه لم يبلغ مبلغ الاحاد المطعون فيها إذ لم يصل علمه لائمة الحديث المسابرين على التنقيب عنه كما اتصل كثير مما ضعفوه وكيف يجوز في العادة ان ينفرد هؤلاء بعلم صحة تلك الاحاديث ؟ الى آخر ما ذكر. اقول: الشيعة يدعون التواتر المعنوي في بعض ما حكم هذا الشيخ الجاهل بعدم وجوده وساعدهم فيها جمع كثير من نقاد محدثي اهل السنة كالحاكم، وابن جرير الطبري، وابن الاثير الجزرى وكفى به حجة وايضا من شرائط حصول العلم التواترى لسامع الخبر ان لا يكون السامع ممن سبق الى اعتقاد نفى مخبره بشبهة أو تقليد والف بالباطل واكثر اهل السنة اشد تورطا من الكفرة في تقليد الاباء واقتداء آثارهم فكيف

[ 111 ]

ما شهد به فخر الدين الرازي في تفسير الفاتحة من سعى بني امية في محو آثار أهل البيت عليهم السلام وما اخرجه الجزرى في جامع الاصول في الفصل الثالث في التلبية بعرفة ومزدلفة عن سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عباس بعرفات فقال: مالي لا اسمع الناس يلبون ؟ قلت يخافون من معاوية فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال لبيك اللهم لبيك فانهم قد تركوا السنة على بغض على عليه السلام وذوى القربى. وما رواه هذا الجامد في ذيل الفصل الاتى المتضمن للاحاديث الواردة في بغض أهل البيت كفاطمة وولديها حيث قال عند ذكر الاثار المترتبة على قتل الحسين عليه السلام: وحكى عن الزهري انه قدم الشام يريد الغزو، فدخل على عبد الملك بن مروان فاخبره انه يوم قتل حسين بن على عليه السلام لم يرفع حجر من بيت المقدس إلا وتحته دم،. ثم قال له: لم يبق من يعرف هذا غيرى وغيرك فلا تخبر به، قال فما اخبرت به إلا بعده انتهى وأما ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة مع اقراره بصحة: خلافة أبي ابى وعمر بقوله: وما اقول في رجل اقر له اعداءه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان

[ 112 ]

فضائله، فقد علمت انه استولى بنو امية على بلدان الاسلام في شرق الأرض وغربها واجتهدوا بكل حيلة في اطفاء نوره والتخويف عليه ووضع المعائب والمثالب ولعنوه على جميع المنابر وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكرا حتى حظروا ان يسمى أحد باسمه فما زاده ذلك الا رفعة وسموا، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء الناران حجبت عنه عين واحدة ادركته عيون كثيرة. انتهى ولا يخفى ان مراده بقوله " ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله " انه لم يمكن ذلك لجميع الاعداء كما يدل عليه قوله آخرا " ان حجبت عنه عين واحدة ادركته عيون كثيرة " وقال صاحب الفتوح في فتح من اول كتابه " ان ههنا اخبارا اخر لم نذكرها لئلا يجعلها الشيعة متمسكا لهم " وكم مثل هذه في بطون كتبهم... فتأمل وانصف. 43 - قال: نعم روى آحادا خبر (أنت منى بمنزلة هرون من موسى) وخبر (من كنت مولاه فعلى مولاه) وسياتى الجواب عنهما واضحا مبسوطا، وانه لا دلالة لواحد منهما على خلافة على لا نصا ولا اشارة وإلالزم نسبة جميع الصحابة الى الخطاء وهو باطل لعصمتهم من ان يجتمعوا على ضلالة فاجماعهم على خلاف ما زعمه اولئك المبتدعة الجهال قاطع بان ما توهموه من هذين الحديثين غير مراد ان لو فرض احتمالهما لما قالوه فكيف وهمالا يحتملانه كما ياتي فظهر ان ما سودوا به اوراقهم من تلك الاحاديث لا يدل لما زعموه واحتمال ان ثم نصا غير ما زعموه يعلم على عليه السلام أو أحد من لمهاجرين أو الانصار باطل ايضا وإلا لاورده العالم به يوم السقيفة حين تكلموا في الخلافة أو فيما بعده لوجوب ايراده حينئذ وقولهم " ترك على عليه السلام يراده مع علمه به للتقية باطل " إذ لا خوف يتوهمه من له ادنى مسكة واحاطة بعلم احوالهم في مجرد ذكره

[ 113 ]

لهم ومنازعته في الامامة به كيف وقد نازع من هو اضعف منه واقل شوكة ومنعة من غير ان يقيم دليلا على ما يقوله ومع ذلك فلم يؤذ بكلمة فضلا عن ان يقتل فبان بطلان هذه التقية المشومة عليهم سيما وعلى عليه السلام قد علم بواقعة الحباب وبعدم ايذائه بقول أو بفعل مع ان دعواه لا دليل عليها ومع ضعفه وضعف قومه بالنسبة لعلى (عليه السلام) وقومه وايضا فيمتنع عادة من مثلهم انه يذكره لهم ولا يرجعون إليه كيف وهم اطوع لله واعمل بالوقوف عند حدوده وابعد عن اتباع حظوظ النفس لعصمتهم السابقة وللخبر الصحيح " خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم " وايضا ففيهم العشرة المبشرون بالجنة ومنهم أبو عبيدة امين هذه الامة كما صح من طرق فلا يتوهم فيهم وهم بهذه الاوصاف الجليلة انهم يتركون العمل بما يرويه لهم من يقبل روايته بلا دليل ارجح يعولون عليه انتهى. اقول: شهرة الحديث الاول وبلوغه حد التواتر، لا ينكره غير المعاند المكابر، وأما الحديث الثاني فقد اثبت محمد بن جرير الطبري وابن الاثير الجزرى في رسالته الموسومة باسنى المطالب تواتره من طرق كثيرة وأما ما استدل به ههنا على عدم دلالة الحديثين على خلافة على عليه السلام بقوله " وإلا لزم نسبة جميع الصحابة الى الخطاء " الى آخره " فالخطاء فيه ظاهر كيف ودلالة الحديثين ليست مما ينبغى باستلزامهما لبعض المحذورات نعم ربما يستدل (1) المعنى المفاد من اللفظ الدال على الملزوم غير مراد واين (2) لزوم ما ذكره من نسبة جميع الصحابة الى الخطاء إذ قد سبق (3) أبي بكر باعتراف المحققين من أهل السنة فاللازم إنما هو نسبة جماعة من الصحابة لاجل غصب الخلافة من أهل البيت عليهم السلام الى الخطاء وبطلانه


(1) و (2) و (3) هذه الموارد كذا كانت في النسختين اللتين عندي.

[ 114 ]

غير مسلم بل هو دال على المطلوب وبما قررناه ظهر ضعف ما فرع على ما سرد بقوله " فاجماعهم،. الى آخره " من انه " فظهر ان ما سودوا به " فاتضح ان ما سود به هذا الشيخ الجامد بياض اوراق كتابه سود به وجهه عند المحصلين. وأما قوله " احتمال ان ثم نصا غير ما زعموه،. الى آخره " ففيه ان (1) لا محتمل كما يدل عليه مسند ابن حنبل ومناقب الخوارزمي ومناقب ابن المغازلى وغير ذلك وأما استدلاله على بطلان هذا الاحتمال بقوله " وإلا لاورده العالم به يوم السقيفة الى آخره " فباطل لأن عليا عليه السلام وسائر بني هاشم ومواليهم وتابعيهم من المهاجرين استدلوا به فيها وأما الانصار فقد مر ان أبا بكر وأبا عبيدة وسالما مولى حذيفة اوقعوا في قلوب الانصار وغيرهم ممن سمع النص في شان على عليه السلام وشبهوا الامر على الناس وعلى الانصار فيه انه عليه السلام ترك الخلافة وقعد في قعر بيته حزنا على النبي صلى الله عليه وآله فلهذا لم يورده أحد من الطائفتين وأما من عداهما من قريش كبنى امية وبني مخزوم وبني مغيرة فاعانوهم على خذلان على عليه السلام باخذ حقه منه انتقاما لثارات الجاهلية كما مر وأما استبعاده ترك على عليه السلام لايراد النص تقية فقد مر ما فيه ايضا من البيعة لابي بكر في السقيفة وطلبوا عنه عليه السلام البيعة قد احتج عليهم بالنص ولم يلتفتوا وجواز التقية كانت موجودة هناك ولا باس ان نوضح ذلك ههنا ونقول: لا يخفى على من تتبع كتب الجمهور في الاحاديث والسير عدم تساوى متابعيه وانصاره عليه السلام في ايام خلافته ومحاربته الناكثين والقاسطين والمارقين وفقدانه لذلك في ايام خلافة الثلاثة واختياره للسكوت عن طلب حقه حينئذ والمنازعة والمقاتلة معهم فقد نقل عن أمير المؤمنين ان ذات يوم من ايام واقعة الصفين ركب مع عسكر كثير ولما نظر الى كثرتهم قال لاصحابه: كنت انتظر هذه الكثرة ولها لزمت الصبر. وقد روى


(1) هنا بياض بمقدار ثلاث كلمات في النسختين اللتين عندي.

[ 115 ]

من طريق الجمهور ايضا انه قال حين افضى الامر إليه وقد سألوه ع بما نقضى يا أمير المؤمنين ؟ فقال ع اقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة واحدة أو اموت كما مات اصحابي فدل على انه قد اخر القضاء بمذهبه في كثير من الاحكام خوف الاختلاف عليه وانتظر الاجتماع من أهل الخلاف أو وجود المصلحة ويؤيد ذلك ما ذكره هذا الشيخ الجاهل في مواضع متعددة من كتابه هذا مما يشعر بعداوة الناس وحسدهم لعلى عليه السلام واظهارهم لذلك في حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعد وفاته منها ما ذكره في اثناء الباب التالى لهذا الباب من " ان بني تميم بني تيم (ظاهرا) وبني عدى كانوا اعداء بني هاشم في الجاهلية " ومنها ما ذكره في آخر الفصل الثالث في ثناء الصحابة " ان ما نفر الناس عن على الا انه لا يبالى باحد " وفي موضع آخر عن السلفي في الطيوريات من " ان عليا عليه السلام كان كثير الاعداء " ومنها ما ذكره في الفصل الاول من الباب العاشر في فضائل أهل البيت عليهم السلام عند ذكره الاية السادسة وهو قوله تعالى: " ام يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " حيث روى عن الباقر عليه السلام انه قال في هذه الاية " نحن الناس والله " ومنها ما ذكره في دلائل الاية العاشرة وهو " ان عليا عليه السلام شكى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسد الناس اياه " ومنها ما ذكره في هذا الباب ايضا في (1) المقصد الثاني من مقاصد الاية الرابعة عشرة وهو قوله " قل لا اسئلكم عليه اجرا إلا المودة في القربى " حيث قال: وصح ان العباس شكى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلقون من قريش من تعبيسهم في وجوههم وقطعهم حديثهم عند لقائهم فغضب صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا حتى احمر وجهه ودر عرق بين عينيه وقال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الايمان حتى يحبكم الله ورسوله. وفي رواية صحيحة ايضا قال: ما بال


(1) هنا بياض بمقدار نصف سطر في احدى النسختين اللتين عندي

[ 116 ]

اقوام فإذا راوا الرجل من أهل بيتى قطعوا حديثهم، والله لا يدخل قلب رجل الايمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم منى " ومنها ما ذكره في هذا المقصد ايضا " انهم رغبوا بريدة على اسقاط على عليه السلام عن عين النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال " وكذلك وقع لبريدة انه كان مع على عليه السلام في اليمن فقدم مغاضبا عليه فاراد شكايته بجارية اخذها من الخمس فقيل: له اخبره ليسقط على من عينه ص ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع من وراء الباب فخرج مغضبا فقال: ما بال اقوام يتنقصون عليا من نقص عليا فقد نقصني ومن فارق عليا فقد فارقني، ان عليا منى وانا منه، خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم، وانا افضل من إبراهيم، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. يا بريدة اما علمت ان لعلى اكثر من الجارية التى اخذ " (الحديث) فليتأمل الناظر المنصف ان الصحابة الذين رغبوا بريدة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما تمنوا ان يسقط على عليه السلام عن عينه صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا جالسين من وراء باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحيث يسمعه هو صلى الله عليه وآله واصحابه الملازمون له أو جماعة من اجلاف الاعراب (1) والبرارى ذلك اليوم على ذلك الجناب لعله (2) هذا الشيخ ايضا في خاتمة كتابه من وجه المصلحة (3) لقتله عثمان وتسليمهم الى معاوية يجرى في (4) كما لا يخفى على من تأمل في ذلك الوجه فتوجه وتامل وأما استبعاده (5) لزعمه انه نازع بعد ذلك من هو اقل شوكة ففيه انه (6) نازع من هو اقل شوكة منه عليه السلام كالناكثين والقاسطين والمارقين (7) ان اراد من هو اقل شوكة من أبي بكر وعمر فكذلك ولعل قائلا يقول: كان في قصده


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) في كل واحد من هذه المواضع بياض في كلتا النسختين اللتين عندي.

[ 117 ]

ان يقول انه عليه السلام نازع بعد ذلك من هو اكثر شوكة من الثلاثة وحينئذ يتوجه منع اكثرية شوكة من نازع على عليه السلام معهم ولو سلم فشوكة على عليه السلام عند وصول الخلافة إليه باجتماع عظماء المهاجرين كان اكثر ممن نازعه فلا يفيد كون شوكة طرف نزاعه اكثر واما ما ذكره من " انه يمتنع عادة ان يذكر النص لهم ولا يرجعون إليه،. " الى آخره " ففيه ان العادة في ذلك غير منضبطة لظهور ان الشيطان وحب الدنيا قد تدعو الى العادة السيئة وأما ما اردف به العادة من حسن الظن بهم فقد عرفت ما فيه من السوء ثم في استعماله العصمة ههنا في شان الثلاثة مريدا به الحفظ عن الكبائر كما مر اصطلاحهم عليه سابقا مع تبادر العصمة الحقيقية منه الى الافهام تلبيسا وتدليسا للعوام إلا من عصمه الله فتدبر. وأما استدلاله بخبر " خير القرون قرنى " فقد مر عدم دلالته على خيرية الصحابة المبحوث فيهم وانه لا يلزم من خيرية أهل قرن وعصر خيرية كل أحد من آحاد اهله وإلا لزم خيرية وليد بن عقبة الذي نزلت الاية على فسقه عندما بعثه النبي صلى الله عليه وآله الى اخذ صدقات بني المصطلق (1) الصحابة ومن سرق منهم الى غير ذلك كما (2) الثلاثة من هذا القبيل لو لا مجرد حسن ظن (3) ان العشرة المبشرة كانوا في (4) العشرة وهو سعيد بن نفيل وهو في ذلك (5) جمله من تضمنه الخبر شبهة وطريق الى التهمة على انا نعلم (6) ان يعلم مكلفا يجوز ان يقع منه القبيح والحسن وليس بمعصوم من الذنوب (7) الجنة لان ذلك تغرية بالقبيح ومما يبين بطلان هذا الخبر (8) ولا احتج به له في مواطن وقع فيها الى الاحتجاج (9) ايضا لما حوصر وطولب بخلع نفسه وهموا بقتله وقد رأيناه (1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) هذه الموارد في النسختين اللتين عندي كانت كذا.

[ 118 ]

احتج باشياء تجرى مجرى الفضائل والمناقب وذكر القطع له بالجنة أو ما في معناه لو كان معه لاحتج به وذكروه، وفي عدول الجماعة عن ذكره دلالة واضحة على بطلانه (1) لو كان من خالف كتاب الله وغير سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وحارب مع على عليه السلام مرة بعد اخرى وغير ذلك مما قدمنا من قبائح اكثر العشرة داخلا في الجنة لجاز ان يقال: ان فرعون وهامان في الجنة ايضا وأما توصيفه أبا عبيدة بكونه امين الامة فجوابه انه: ما وصفه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وإنما وصفه بذلك أبو بكر وعمر لاعانته اياهما في غصب الخلافة عن اهل البيت عليهم السلام واتفاقه مع الانصار وارتكابه لبيعة أبي بكر بعد عمر وعدوله عن على عليه السلام (2) مع هذا الوصف عن النار، ولنعم ما قيل في بعض الاشعار: شعر * غلط الامين فجازها عن حيدر * والله ما كان الامين امينا * 44 - قال: الفصل الخامس في ذكر شبه الشيعة والرافضة ونحوهما وبيان بطلانها باوضح الادلة واظهرها. الاولى - زعموا انه صلى الله عليه وسلم لم يول أبا بكر عملا يقيم فيه قوانين الشرع والسياسة فدل ذلك على انه لا يحسنهما وإذا لم يحسنهما لم تصح امامته لأن من شرط الامام ان يكون شجاعا والجواب عن ذلك بطلان ما زعموه من انه صلى الله عليه وسلم لم يوله عملا ففى البخاري عن سلمة بن الاكوع " غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرة علينا أبو بكر ومرة علينا اسامة وولاه صلى الله عليه وسلم الحج بالناس سنة تسع. وما زعموه من انه لا يحسن ذلك


(1) و (2) كذا في النسختين اللتين عندي في الموضعين.

[ 119 ]

باطل ايضا كيف وعلى كرم الله وجهه معترف بانه اشجع الصحابة فقد اخرج البزار في مسنده عن على عليه السلام انه قال " اخبروني من اشجع الناس ؟ قالوا: أنت. قال: أما انى ما بارزت احدا إلا انتصفت منه، ولكن اخبروني باشجع الناس ؟ قالوا لا نعلم، فمن ؟ قال: أبو بكر انه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فقلنا من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لئلا يهوى إليه احد من المشركين. فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على راس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوى إليه أحد الا اهوى إليه فهذا اشجع الناس انتهى. اقول: الحجة التى سماها الشيخ المحجوج المبهوت شبهة قطعية وجوابه عنه ضعيف لما يلوح على ما تشبث به من حديث البخاري وصحيحه من آثار الوضع أما اولا فلما مر من القدح في البخاري وصحيحه. واما ثانيا فلانه لا وجه لما ذكر فيه من عد سلمة تسع غزوات مع غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويكتفى بذكر من كان عليها في مرتين منها وبالجملة مرة اسامة مشهورة فليبين اوليائه ان مرة أبي بكر في أي بعث كانت ؟ واظن ان بيانه اصعب من خرط القتاد لو لم يرتكبوا وضعا آخر. وأما ما ذكره من دعوى ولاية أبي بكر للحج فسياتى ما فيه في الشبهة الثانية فانتظر. وأما ما ذكره من اعتراف على عليه السلام بان أبا بكر اشجع منه فهو من اغرب المحال، واكذب المقال، الذى تكاد تنشق منه الجبال، وفي الفاظه من المجمجة التى لا تصدر عن الفصيح ما لا يخفى على من جاوز قليلا عن حد الاطفال،. واغرب من الكل انه جعل اختياره لكونه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العريش شجاعة مع ظهور ان ذلك كان تسترا عن المبارزة خوفا وجبنا كما صرح به ابن أبي الحديد المعتزلي. في بعض قصائده المشهورة وبالجملة الوجه في احتباس أبي بكر في العريش معروف لانه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعهد منه الجبن والهلع لما ظهر في مقام

[ 120 ]

بعد مقام كما اشار إليه ابن أبي الحديد ايضا في قوله: شعر * وليس بنكر في حنين فراره * ففى أحد قد فر خوفا وخيبرا * فلو تركه يختلط بالمحاربين لم يامن ان يظهر من جبنه وخوره ما يكون سببا للهزيمة، وطريقا الى استظهار المشركين فاجلسه معه ليكفى هذه المؤنة ويكفى في هذا الوجه ان يكون ما ذكرناه جائزا فتدبر. 45 - قال: وقال بعضهم: ومن الدليل على انه اشجع من على (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام) اخبره النبي صلى الله عليه وسلم بقتله على يد ابن ملجم فكان إذا لقى ابن ملجم يقول له متى تخضب هذه من هذه ؟ وكان يقول: انه قاتلي كما ياتي في اواخر ترجمته فحينئذ كان إذا دخل في الحرب ولاقى الخصم يعلم انه لا قدرة له على قتله فهو معه كانه نائم على فراش وأما أبو بكر فلم يخبر بقاتله وكان إذا دخل الحرب لا يدرى هل يقتل أو لا فمن يدخل الى الحرب وهو لا يدرى ذلك يقاسى من الكر والفر، والجزع والفزع بما يقاسى بخلاف من يدخلها كانه نائم على فراشه انتهى. اقول: من اين علم هذا القائل الذي صوبه الشيخ المخطئ ان عليا عليه السلام علم ذلك باخبار النبي صلى الله عليه وآله في اول امره لا بالهام أو نور فراسة أو قرائن تظهر على صفحات وجه ابن ملجم عليه اللعنة وفلتات لسانه عند وجوده عليه اللعنة في ايام خلافته عليه السلام في الكوفة مع ان هذا الشيخ الكذوب الناسي لم ينسب ذلك عندما سيذكر في ترجمته عليه السلام الى اخبار النبي صلى الله عليه وآله ولو سلم انه صلى الله عليه وآله اخبره عليه السلام بقتله على يد ابن ملجم عليه اللعنة لكن لم يدله عليه بعينه حتى يعرض عنه في الحروب ويتعرض لغيره ولو سلم انه دله عليه بعينه فالغالب

[ 121 ]

ان يكون المحارب ملثما دارعا مستورا في الحديد والبيضة بحيث لا يعرفه اصحابه حينئذ إلا ان يتكلم معهم فكيف امكن الاحتراز عنه ولو سلم انه دله عليه بعينه ولم يمكن ستره في السلاح عند الحرب فابتلاء المحارب ليس بمجرد ان يصير مقتولا بل اصابة السهام والنصال اعضاءه ربما كان اصعب من الموت حتى ربما يتمنى المصاب به الموت بدلا عن اصابة الجرح بل قد يقطع يده أو يداه، بل رجله أو رجلاه أو يمثل به ويترك على ذلك الحال السوء فكيف يكون دخول أمير المؤمنين عليه السلام في الحرب بمجرد علمه بعدم قتله بيد غير ابن ملجم عليه اللعنة مثل من نام على فراشه وإنما النائم على فراش الجبن من كان يتستر دائما في العريش، ولم يصبه في حروب النبي صلى الله عليه وآله وسلم شوك من الحشيش، وهو خليفة أهل السنة وشجاعهم على ان ما ذكره معارض بان النبي صلى الله عليه وآله كما اخبر عليا عليه السلام بذلك اخبر أبا بكر وعمر بما هو اتم من ذلك في ضمن ما ذكره هذا الشيخ الجاهل في كتابه هذا وبزعمه من النصوص الواردة المصرحة بخلافة أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وآله ففى بعضها " انه أي أبا بكر الخليفة بعدى " وفي بعضها " اقتدوا بالذين من بعدى أبو بكر وعمر " وفي بعضها " اقتدوا بالذين من بعدى أبا بكر وعمر " الى غير ذلك مما في معناها. 46 - قال: ومن باهر شجاعته ما وقع له من قتال أهل الردة فقد اخرج الاسماعيلي عن عمر انه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب وقالوا لا نصلى ولا نزكي، فاتيت ابا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله تالف الناس فارفق بهم فانهم بمنزلة الوحش فقال رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك جبارا في الجاهلية خوارا في الاسلام بماذا شئت اتالفهم ؟ بشعر مفتعل أو بسحر مفترى هيهات، هيهات، مضى النبي صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحى والله لاجاهدنهم ما استمسك

[ 122 ]

السيف في يدى وان منعوني عقالا: قال عمر فوجدته في ذلك امضى منى واصرم وادب الناس على امور هانت على كثير من مؤنتهم حين وليتهم " فعلم بما تقرر عظم شجاعته ولقد كان عنده صلى الله عليه وسلم وكذلك الصحابة من العلم بشجاعته وثباته في الامر ما اوجب لهم تقديمه للامامة العظمى إذ هذان الوصفان هما الاهمان في أمر الامامة لا سيما في ذلك الوقت المحتاج فيه الى قتال أهل الردة وغيرهم. اقول: يتوجه عليه اولا انه لا دلالة لما ذكره على شجاعة أبي بكر لأن الشجاعة إنما تعرف في الشخص بمبارزته بنفسه الى الابطال ومصادفة الرماح ومصافحة السفاح والا يتستر بالعريش ولا يهرب براية رسول الله صلى الله عليه وآله كالاماء ولا يذهب فيها عريضته كما قاله سيد الانبياء وإنما ثبت في فتوحه صلى الله عليه وآله وسلم وقتال من اتهمهم أبو بكر بالردة الشجاعة لمباشرتها بانفسهم لا بغيرهم وتوضيح ذلك ان الشجاعة لا تعرف بالحس لصاحبها فقط ولا بادعائها وإنما هي شئ في الطبع يمده الاكتساب والطريق إليها أحد امرين أما الخبر منها من جهة علام الغيوب فيعلم خلقه حال الشجاع وأما ان يظهر منه افعال يعلم بها حاله كمبارزة الاقران ومقاومة الشجعان، ومنازلة الابطال، والصبر عند اللقاء وترك الفرار عند تحقق القتال، ولا يعلم ذلك ايضا باول وهلة ولا بفعل واحد حتى يتكرر ذلك على حد يتميز به صاحبه ممن حصل له ذلك على وجه الاتفاق أو على سبيل الهوج والجهل بالتدبير وإذا كان الخبر عن الله تعالى بشجاعة أبي بكر معدوما وكان النقل الدال على الشجاعة غير موجود فكيف يجوز لعاقل ان يدعى له الشجاعة بقول قاله ليس له دلالة على شئ من ذلك عند اهل النظر لاسيما ودلائل جبنه وخوفه وضعفه اظهر من ان يحتاج فيها الى التأمل وذلك انه لم يبارز قط قرنا ولا قادم قط بطلا ولا سفك

[ 123 ]

بيده دما وقد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله مشاهده وكان لكل واحد من الصحابة اثر في الجهاد إلا له وفر في المشاهد الثلاثة كما ذكرنا سابقا واسلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها مع ما كتب الله عليه من الجهاد فكيف يجتمع دلائل الجبن ودلائل الشجاعة لرجل واحد في وقت واحد لولا ان العصبية تميل بالعبد الى الهوى على ان الانسان قد يغضب فيقول لو شاء منى هذا السلطان هذا الامر ما قبلته وان في جوارنا لشيخا ضعيف الجسم ظاهر الجبن يصلى بنا في مسجدنا فما يحدث امر يضجره وينكره إلا قال والله لاصيرن الى هذا ولاجاهدن فيه ولو اجتمعت على فيه عساكر وجه الارض بل اقول الظاهر ان أبا بكر قال هذا القول عند غضبه بمخالفة القوم خلاف بين ذوى العقول ان الغضبان ربما يعتريه عند غضبه من هيجان الطباع ما يفسد عليه رأيه حتى يقدم من القول ما لا يفى به عند سكون نفسه ويعمل من الاعمال ما يندم عليه عند زوال الغضب عنه فلا يكون في وقوع ذلك منه دليل على شجاعته وقد صرح بذلك في خطبته المشهورة عند اصحابه المذكورة سابقا في كتاب هذا الشيخ الجاهل ويجعلونها من مفاخره حيث يقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا وليس احد من الامة يطالبه بضربة سوط فما فوقها وكان صلى الله عليه وسلم معصوما من الخطاء تأتيه ملائكة بالوحى فلا تكلفوني ما كنتم تكلفونه فإن لي شيطانا يعترينى عند غضبى، فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني على ان مغلوبية من سماهم باهل الردة عن عساكر أهل المدينة من المهاجرين والانصار ومن يحق بهما كان امرا ظاهرا لا يحتاج الى زيادة تكلف من رئيسهم ومع هذا لم يقسم أبو بكر بالله تعالى ان يقاتل اهل الردة بنفسه وإنما اقسم بان يقاتلهم بانفاذ جيش من المهاجرين والانصار ولهذا انفذ إليهم خالدا مع جماعة من الفريقين وليس في يمينه بالله سبحانه

[ 124 ]

خالدا واصحابه الى حربهم دليل على شجاعته في نفسه لا يخفى بل هو في ذلك الابراق والارعاد الشديد، وبعث خالد بن الوليد نظير من لا يقدر على شئ بنفسه ويحكم به على غيره فيستهزء عليه ويقال ان مثله كمثل من يقول لغيره بالفارسية " بگير وببند وبدست من پهلوانش ده " فليضحك اولياؤه عليه قليلا وليبكوا كثيرا ولقد انطق الله تعالى الشيخ الجاهل بالحق فاعترف بان وصفى الشجاعة والثبات هما الاهمان في أمر الامامة فافهم. وبما قررناه يتضح للناظر دفع سائر سرده في اثبات شجاعة أبي بكر فلا حاجة لنا الى التعرض لها وتضييع الوقت به فتأمل. 47 - قال: الشبهة الثانية زعموا ايضا انه صلى الله عليه وسلم لما ولاه قرائة براءة على الناس بمكة عزله وولى عليا فدل ذلك على عدم اهليته وجوابها بطلان ما زعموا هنا ايضا وإنما اتبعه عليا عليه السلام لقرائة براءة لأن عادة العرب في اخذ العهد ونبذه ان يتولاه الرجل أو واحد من بني عمه ولذلك لم يعزل أبا بكر عن امرة الحج بل ابقاه اميرا وعليا مأمورا له في ما عدا القراءة على ان عليا لم ينفرد بالاذان بذلك ففى صحيح البخاري ان ابا هريرة قال بعثنى أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى ان لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان قال احمد بن عبد الرحمن ثم اردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبي طالب عليه السلام فأمره ان يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فاذن معنا على يوم النحر في أهل منى ببراءة ان لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فتأمله تجد عليا إنما اذن مع مؤذنى أبي بكر انتهى. اقول: دعوى ولاية أبي بكر للحج بالناس كذب صريح وإنما ادى إليه ايصال آيات البراءة الى الكفار في ايام الحج فلم يتم لانه صلى الله عليه وآله قد عزله قبل وصوله بعلى عليه السلام كما هو المشهور في كتب الجمهور ورواية جامع الاصول ومسند أحمد بن حنبل وغيرهما صريحة في رجوع أبي بكر عن الطريق وغاية ما اجاب

[ 125 ]

به الجاحظ عن ذلك واعتمد عليه أهل السنة ما ذكره هذا الشيخ الجاهل المقلد من بناء عزل أبي بكر على رعاية عادة العرب في عقد الحلف وحل العقد واقول في الرد عليه انه لو كان انفاد على عليه السلام لاجل ما تعارف بين العرب في العهود كما زعموه واخترعوه لما خفى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم اولا ومعاذ الله ان يجرى النبي صلى الله عليه وآله سنته واحكامه على عادات الجاهلية وقد بين ذلك عليه السلام لما رجع إليه أبو بكر فسأله عن السبب في اخذ السورة منه فقال اوحى الى ان لا يؤدى عنى إلا انا أو رجل منى ولم يذكر الجاحظ الاضافة التى افتراها هذا الشيخ الكذوب فبقى ان السر في ذلك التنبيه على لياقة على عليه السلام للاداء عند الله تعالى دون ابى - بكر كما يدعيه الشيعة ومن لم يره الله سبحانه اهلا لاداء آيات قليلة الى أهل قريته وهم اهله واقاربه جدير ان لا يكون اهلا لادنى ولاية فضلا عن الامامة والرياسة العامة وهو ظاهر، لا ينكره إلا جاهل أو مكابر. والحاصل ان بين العزل والولاية فرقا عظيما وبونا بعيدا على من رزق الحجى وفي المثل السائر " العزل طلاق الرجال " فإن كانت ولايته من النبي صلى الله عليه وآله بحسن اختياره فعزله من الله تعالى بحسن اختياره لأن فعله تعالى على باطن الاحوال وفعل النبي صلى الله عليه وآله على ظاهرها فلا وجه في انفاد الرجل اولا واخذها منه ثانيا الا ما ذكرنا من التنبيه على الفضل والتنويه بالاسم والتعلية للذكر لمن ارتضى لتاديتها وعكس ذلك فيمن عزل وايضا لولا ان الحكمة في ابلاغ على عليه السلام ما اشرنا إليه من مدخلية خصوص حضوره في انتظام الحج وكف المشركين لباسه وخوفه عن تعرض المسلمين ونحو ذلك من الحكم لارسل رسول الله صلى الله عليه وآله عمه العباس أو اخاه عقيلا أو جعفرا مع كونهم اكبر سنا منه أو غيرهم من بني هاشم وقد روى انه عليه السلام قد قتل جماعة من

[ 126 ]

أهل مكة ولم يخرج اكثر صناديدهم من بيوتهم خوفا منه وفي حديث عن الباقر عليه السلام انه لما قام علي عليه السلام ايام التشريق ينادى ذمة الله ورسوله بريئة ممن كل مشرك فسيحوا في الارض اربعة اشهر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت بعد اليوم عريان قام خداش وسعيد اخوا عمرو بن عبدود فقالا وما تبرأنا على اربعة اشهر بل برئنا منك ومن ابن عمك ليس بيننا وبين ابن عمك إلا السيف وان شئت بدانا بك فقال عليه السلام هلموا ثم قال: واعلموا انكم غير معجزى الله الاية ولو سلم ان ولاية الحج لم تنسخ لكان الكلام باقيا لانه إذ كان ما ولى مع تطاول الزمان إلا هذه الولاية ثم سلب شطرها الافخم الاعظم منها فليس ذلك الا تنبيها على ما ذكرناه وأما ما ذكره " من قوله بل ابقاه اميرا وعليا مامورا " فهو كسائر كلماته مجرد دعوى لا يعجز احد عن الاتيان بما يضادها وأما ما استدل به على عدم انفراد على عليه السلام بالاذان من حديث البخاري فلا دلالة له على ذلك لأن أبا هريرة لم يكن عبدا ولا خادما ولا اجيرا لابي بكر وإنما كان فقيرا من أهل الصفة قد صار رفيقا له في تلك السنة لاداء الحج فلو سلم انه بنفسه لم يعاون مؤذنى على عليه السلام فغاية الامر ان ابا بكر اشار إليه بذلك تالفا له عليه السلام وأما ما نقله عن أبي هريرة من انه قال: فاذن معنا على يوم النحر الى آخره فمكذوب بانه لما اعترف سابقا بان النبي صلى الله عليه وآله ولى عليا عليه السلام في اداء البراءة والاذان بها رعاية لعادة العرب فكان هو الاصل والعمدة في ذلك فكيف يتاتى لابي هريرة ان يعكس الامر ويجعل نفسه مع أبي بكر اصلا ويقول اذن معنا على عليه السلام مع ان كذب أبي هريرة في احاديثه مما ملأ الخافقين وقد دلت احاديث أهل السنة على ان التهمة له بالكذب كانت معلومة بين الصحابة فمن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس والستين بعد المائة

[ 127 ]

في المتفق عليه في مسند أبي هريرة عن أبي رزين قال خرج الينا أبو هريرة فضرب يده على جبهته وقال انكم تحدثون على انى اكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر ومن ذلك ما رواه الحميدى ايضا في الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمر في الحديث الرابع والعشرين بعد المائة من المتفق عليه ان رسول صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب الا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية فقيل لابن عمر ان أبا هريرة يقول أو كلب زرع فقال ابن عمر ان لابي هريرة زرعا ومن ذلك ما فيه ايضا من الحديث الستين بعد المائة من المتفق عليه في مسند ابى هريرة يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من تبع جنازة فله قيراط من الاجر فقال ابن عمر لقد اكثر علينا أبو هريرة وروى ياقوت الحموى الشافعي عند ذكر احوال البحرين واهله انه اتفق لابي هريرة مع عمر بن الخطاب واقعة شهد فيها عليه بانه عدو الله وعدو المسلمين وحكم عليه بالخيانة واوجب عليه عشرة الف دينار الزمه بها بعد ولايته البحرين ولهذه التهمة لم يعمل أبو حنيفة باحاديثه قط كما ذكر أبو المعالى الجوينى امام الشافعية في رسالته المعمولة في بيان احقية مذهب الشافعي والزندويسى الحنفي في الباب الثالث والمائة من كتابه الموسوم بالروضة هذا مع ما علم ان أبا هريرة فارق على بن أبي طالب عليه السلام وبني هاشم وظهر من عداوته لهم وانضمامه الى معاوية ما لا يحتاج الى روايته لظهوره في التواريخ والسير وعند علماء الاسلام فتأمل. 48 - قال: الثالثة زعموا ان النبي صلى الله عليه وسلم لما ولاه الصلوة ايام مرضه عزله عنها وجوابها ان ذلك من قبائح كذبهم وافترائهم فقبحهم الله وخذلهم كيف وقد قدمنا في سابع الاحاديث الدالة على خلافته من الاحاديث الصحيحة المتواترة ما هو صريح في بقائه اماما يصلى بالناس الى ان توفى رسول الله صلى الله عليه

[ 128 ]

وسلم وفي البخاري عن انس قال ان المسلمين بينما هم في صلوة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلى لهم لم يفجاهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف الصلوة ثم تبسم يضحك فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف وظن ان رسول الله صلى عليه وسلم يريد ان يخرج الى الصلوة قال انس وهم المسلمون ان يفتنوا في صلوتهم فرحا بالنبي صلى الله عليه وسلم فاشار إليهم بيده ان اتموا صلوتكم ثم دخل الحجرة وارخى الستر ثم قبض الضحى من ذلك اليوم فتأمل عظيم افترائهم وحمقهم على ان صلوته بالناس خلافة عنه صلى الله عليه وسلم متفق عليها مجمع منا ومنهم على وقوعها فمن ادعى انعزاله عنها فعليه البيان. (انتهى) اقول: ما ذكره من ان الشيعة قالوا ان النبي صلى الله عليه واله ولاه الصلوة ايام مرضه كذب قبيح وافتراء صريح عليهم فانهم لم ليقولوا بذلك بل قالوا ان عائشة بنته اشارت إليه بذلك فلما احس النبي صلى الله عليه وآله ذلك خرج الى المسجد مسارعا معتمدا على أمير المؤمنين عليه السلام وفضل بن عباس رضى الله عنه حتى نحى أبا بكر عن المحراب وصلى بنفسه مع الناس وبهذا يظهر فساد ما ذكره في العلاوة ايضا من اتفاق الشيعة معهم في صلوته خلافة عن النبي صلى الله عليه وآله فليس عليهم اثبات عزله لانه فرع اثبات توليته ودون اثباته خرط القتاد وأما ما نقله من الاحاديث فقد نبهنا سابقا على ما نعتقده في شان امثالها مع معارضة حديث البخاري المنقول في شرح المواقف لها وان اتيان هذا الشيخ الجاهل بمثلها في مرتبة المصادرة وتكرار ذلك منه دليل على وقاحته وحماقته كمالا يخفى. 43 - قال: الرابعة زعموا انه احرق من قال انا مسلم وقطع يد السارق

[ 129 ]

اليسرى وتوقف في ميراث الجدة حتى روى له ان لها السدس وان ذلك قادح في خلافته وجوابها بطلان زعمهم قدح ذلك في خلافته وبيانه ان ذلك لا يقدح إلا إذا ثبت انه ليس فيه اهلية للاجتهاد وليس كذلك بل هو من اكابر المجتهدين بل هو اعلم الصحابة على الاطلاق للادلة الواضحة على ذلك منها ما اخرجه البخاري وغيره ان عمر في صلح الحديبية سال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الصلح وقال علام نعطى الدنية في ديننا ؟ فاجابه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب الى أبي بكر فسأله عما سال عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ان يعلم بجواب النبي صلى الله عليه وسلم فاجابه بمثل ذلك سواء بسواء ومنها ما اخرجه أبو القاسم البغوي وأبو بكر الشافعي في فوائده وابن عساكر عن عائشة قالت: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم اشراب النفاق أي رفع راسه وارتدت العرب وانحازت الانصار فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بابى لهاضها أي فتتها فما اختلفوا في لفظة الاطار أبي بعبائها وفصلها قالوا اين ندفن رسول الله ص فما وجدنا عند أحد في ذلك علما فقال: أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبى يقبض الا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه واختلفوا في ميراثه فما وجدنا عند أحد في ذلك علما فقال: أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انا معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة. قال بعضهم وهذا اول اختلاف وقع بين الصحابة فقال بعضهم ندفنه بمكة مولده ومنشأه وبعضهم بمسجده وبعضهم بالبقيع وبعضهم ببيت المقدس مدفن الانبياء حتى اخبرهم أبو بكر بما عنده من العلم. قال ابن زنجويه: وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والانصار ورجعوا إليه فيها. ومر آنفا خبر " اتانى جبرئيل فقال: ان الله يامرك ان تستشير ابا بكر " وخبر " ان الله يكره يخطأ أبو بكر " سنده صحيح وخبر

[ 130 ]

" لا ينبغى لقوم فيهم أبو بكر ان يؤمهم غيره " ومر اول الفصل الثالث خبر " انه وعمر كانا يفتيان الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم " وعن تهذيب النووي ان اصحابنا استدلوا على عظيم علمه بقوله: لاقاتلن من فرق من بين الصلوة والزكوة الى آخره وان الشيخ ابا اسحق استدل به على انه اعلم الصحابة لانهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو ثم ظهر لهم بمباحثته لهم ان قوله هو الصواب. اقول: عدم القدح في ابى بكر على تقدير ثبوت اهليته للاجتهاد مقدوح من وجوه: أما اولا فلانه لا يجوز الاجتهاد على الامام إذ بالاجتهاد لم يحصل الجزم بان ما يقوله من عند الله تعالى. وأما ثانيا فلان المجتهد قد يخطى فحيئنذ يجوز على الامام الخطاء وذلك ينافى الامامة لاشتراط العصمة فيها كما برهنا عليه سابقا. وأما ثالثا فلانا قد اشرنا فيما مضى الى ان من شرائط الامامة العلم بجميع احكام الدين، وان ذلك شرط واجب وإلا لانتفى فائدة نصبه بعين ما ذكرناه في اشتراط العصمة بل العصمة تستلزم هذا العلم فمن ظهر منه نقصان في هذا العلم لا يجوز ان يكون اماما وقد ظهر عن أبي بكر في مسائل كثيرة الاعتراف على نفسه بانه لا يعرف الحكم وقد بين صحابنا رضوان الله عليهم الفرق بين الامير والحاكم وبين الامام من حيث كانت ولاية الامام عامة وولاية من عداه خاصة وبينوا ان الحاكم والامير يجب ان يكونا عالمين بالحكم في جميع ما اسند اليهما وان لا يذهب عليهما شئ من ذلك إلا انه لما كانت ولايتهما خاصة لم يجب ان يكونا عالمين بجميع احكام الدين والامام بخلاف ذلك لان ولايته عامة كنبوة النبي صلى الله عليه وآله ومن كمال النقص واللؤم ان يقوم أحد مقام النبي صلى الله عليه وآله ولا يعلم المسائل الضرورية التى يحتاج إليها الناس.

[ 131 ]

وأما رابعا فلانه يتوجه عليه معارضة بالمثل من انه لا يثبت اجتهاد أبي بكر إلا إذا ثبت ان ما صدر عنه من امثال الاحكام المذكورة القادحة ضرورة في كل انسان عاقل له نصيب من معرفة الاحكام الشرعية يمكن ان يصدر ممن له اهلية الاجتهاد واذ كان اثبات ذلك محالا أو ملحقا بالتشكيك في الضروريات كان ذلك قادحا في خلافته وأما اول ما ذكره من الادلة التي زعم وضوح دلالتها على اهلية أبي بكر للاجتهاد فمدخول بان جواب ابى بكر عن ذلك من غير ان يعلم جواب النبي صلى الله عليه وآله قبله غير مسلم وان كان ذلك الجواب مما يظهر للعاقل المشاهد بخصوصيات تلك الواقعة بادنى تأمل فغاية ما يلزم من ذلك قصور فهم عمر لاكمال عقل أبي بكر وأما الثاني منها فمردود بان الاختلاف في موضع الدفن غير واقع كيف وقد صح اتفاقا انه مع اصحابه قد اشتغلوا بالخلافة عن دفن النبي صلى الله عليه وآله بل النبي صلى الله عليه وآله اوصى بذلك الى أهل بيته في ايام حياته كما نقله غير هذا الراوى الغاوى ولو سلم فلا اجتهاد في نقل خبر وصية النبي صلى الله عليه وآله بشئ كدفنه فيما نحن فيه كمالا يسمى ايصال بعض خدمة السلطان وصيته الى بعض العساكر أو امره الى بعض الرعية اجتهادا إذ ليس في مثله استنباط الفرع من الاصل الذي هو حاصل معنى الاجتهاد شرعا بل ليس فيه اجتهاد لغوى ايضا كمالا يخفى مع ان قول ابى بكر " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبى،. الى آخره " دعوى لا برهان له بها سوى دعوى سماعه لذلك وهو كما ترى وأما ما ذكره من وقوع الاختلاف في ميراثه فغير واقع ايضا غاية الامر انه لما اخذ فدك عن فاطمة عليها السلام وادعت النحلة فيها ثم الميراث تنزلا افترى بكر لدفع دعواها عليها السلام ذلك فقالت لها: اترث اباك ولا ارث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا.. اللهم الا ان يقال: اراد بالاجتهاد الاجتهاد اللغوى في دفعها عليها السلام عن حقها بتكلف الكذب والحيل فإن

[ 132 ]

هذا مسلم عند الشيعة ثم لا يخفى ما في عبارته من البعد عن كلام المحصلين فانه ذكر اولا الخلاف في موضع دفن النبي صلى الله عليه وآله ثم الخلاف في ميراثه صلوات الله وسلامه عليه وآله ثم قال متصلا بهذا: قال بعضهم وهذا اول اختلاف وقع بين الصحابة فقال بعضهم ندفنه بمكة الى آخره وأما ما ذكره من خبر نزول جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله بامر الله تعالى له ان يستشير أبا بكر ففيه انه على فرض صحته فانما كان لتاليف قلبه وإلا فالنبى صلى الله عليه وآله إنما كان يعمل بالوحى الالهى كما نطق به القرآن الكريم وكان غنيا عن مشاورتهم وتعليمهم كما لا يخفى على من عرف علو شان النبي صلى الله عليه وآله كما هو حقه لكن أهل السنة حيث جعلوا النبي صلى الله عليه وآله مع أبي بكر الجاهل كفرسي رهان فقد حرموا عن حق معرفته وقد يقال إنما كان يستشير اصحابه ليستخرج بذلك دخائلهم وضمائرهم ويطلع على حسن نياتهم وفسادها فلا فضل في هذه المشاورة وعلى هذا فقس سائر موضوعاته. 50 - قال: لا يقال بل (على عليه السلام) اعلم منه للخبر الاتى في فضائله " انا مدينة العلم وعلى بابها " لانا نقول سيأتي ان ذلك الحديث مطعون فيه وعلى تسليم صحته أو حسنه فابو بكر محرابها ورواية " من اراد العلم فليات الباب " لا تقتضي الاعلمية فقد يكون غير الاعلم يقصد لما عنده من زيادة الايضاح والتفرغ للناس بخلاف الاعلم على ان تلك الرواية معارضة بخبر الفردوس " انا مدينة العلم، وأبو بكر اساسها، وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلى بابها " فهذه صريحة في ان أبا بكر اعلمهم وحينئذ فالامر بقصد الباب انما هو لنحو ما قلناه لا لزيادة شرفه على ما قبله لما هو معلوم ضرورة ان كلا من الاساس والحيطان والسقف اعلى من الباب وشذ بعضهم فأجاب بان معنى " وعلى

[ 133 ]

بابها " أي من علو على حد قراءة هذا صراط على مستقيم برفع على وتنوينه كما قرا به يعقوب انتهى. اقول: يتوجه عليه ان طعنه على الحديث مطعون بانه يكفى في كونه حجة عليه وعلى اصحابه رواية الترمذي من محدثي اصحابه ذلك في صحيحه ورواية البغوي ما في معناه من قوله صلى الله عليه وآله " انا دار الحكمة وعلى بابها " لكن قد سبق ان مدار أهل السنة على انه إذا احتجت الشيعة عليهم من احاديث صحاحهم بما يقدح في اصل من اصولهم يطعنون فيه على قدر حيلتهم ولا يستحيون عن الناس ولا عن سلفهم وهذا كما ترى على انا قد اسبقنا ان الانصاف اعتماد الطرفين على ما اتفق بينهما من الاحاديث وهذا الحديث كذلك فضلا عن صحته فلا يجدى القدح فيه عنادا وهربا عن قبول الالزام وأما ما قاله من قوله " فابو بكر محرابها " فمع ظهور عدم اتجاهه دليل على جراته على الوضع لأن هذا ليس بمذكور فيما سيذكره من حديث الفردوس ولا في غيره وأما ما ذكره من ان رواية " من اراد العلم فليات الباب " لا تقتضي الاعلمية الى آخره ففساده ظاهر لظهور ان المراد بالباب في هذا الخبر وما في معناه الكناية عن الحافظ للشئ الذي لا يشذ عنه شئ ولا يخرج إلا منه ولا يدخل إلا به وإذا ثبت انه عليه السلام الحافظ لعلوم النبي صلى الله عليه وآله. وحكمه ثبت احاطته لما عند غير الاعلم ايضا من زيادة الايضاح والبيان وثبت الامر بالتوصل به الى العلم والحكمة فوجب اتباعه والاخذ عنه وهذا حقيقة معنى الامام كما لا يخفى على ذوى الافهام وأما ما زعمه من كون ذلك الحديث معارضا بخبر رواه الجهنمي صاحب كتاب الفردوس من باب تسمية الشئ باسم ضده فأثار الوضع عليه لائحة أما اولا فلان المدينة لا يكون لها سقف وإنما السقف للبيوت والدور وحاشا كلام الفصيح فضلا عن الافصح من الاشتمال على مثل

[ 134 ]

هذا السخف الصريح وأما ثانيا فلان راويه عن النبي صلى الله عليه وآله هو أبو هريرة المرمى بالكذب، المتهم بالوضع وأما ثالثا فلان الكلام ليس في العلو والانخفاض والثبات وعدمه بل في الاتيان لاخذ العلم من صاحب المدينة ولا مدخل لاساس المدينة وحيطانها وسقفها في ذلك بل لو كان اساسها من الرمل والتراب وحيطانها وسقفها من السعف والاشواك لامكن ذلك وايضا الحديث إنما روى على كون لفظ على فيه اسما علما لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام لا على كونه فعيلا بمعنى الفاعل باقيا عليه فلو جاز التأويل العليل تمحله شاذ منهم لجاز ان يكون المراد بعلى في قوله تعالى " صراط على مستقيم " اسم مولانا امير المؤمنين ع بان يكون مضافا إليه الصراط ولعل هذا اصعب على الناصبة من اصل الحديث ولعمري ان جراتهم على وضع امثال هذه الكلمات المشتملة على التمحلات الظاهرة لا توجب الا زياده شناعتهم واشاعة عداوتهم لاهل البيت عليهم السلام. 51 - قال: فثبت بجميع ما قررناه انه من اكابر المجتهدين بل اكبرهم على الاطلاق وإذا ثبت انه مجتهد فلا عتب عليه في التحريق لأن ذلك الرجل كان زنديقا وفي قبول توبته خلاف وأما النهى عن التحريق فيحتمل انه لم يبلغه، ويحتمل انه بلغه وتاوله على غير نحو الزنديق، وكم من ادلة تبلغ المجتهدين ويؤولونها لما قام عندهم، لا ينكره ذلك إلا جاهل بالشريعة وحامليها وأما قطعه يسار السارق فيحتمل انه خطا من الجلاد، ويحتمل انه لسرقة ثانية ومن اين علم انها للسرقة الاولى، وانه قال للجلاد اقطع يساره، وعلى التنزل فالاية شاملة لما فعله، فيحتمل انه كان يرى بقاءها على اطلاقها وان قطعه صلى الله عليه وسلم اليمنى في الاولى ليس على التحتم بل الامام مخير في ذلك وعلى فرض اجماع في المسألة فيحتمل انهم اجمعوا على ذلك بعده

[ 135 ]

وأما توقفه في مسألة الجدة الى ان بلغه الخبر فينبغي سياق حديثه فإن فيه ابلغ ارد على المعترضين اخرج اصحاب السنن الاربعة ومالك عن قبيصة قال: جاءت الجدة الى ابى بكر الصديق تسأله ميراثها فقال مالك في كتاب الله وما علمت لك في سنة نبى الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا فارجعي حتى اسال الناس فسال الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم اعطاها السدس فقال أبو بكر هل معك غيرك فقام محمد بن مسلم فقال مثل ما قال المغيرة فانفذه لها أبو بكر فتأمل هذا السياق تجده قاضيا بالكمال الاسنى لابي بكر فانه نظر اولا في القرآن وفي محفوظاته من السنة فلم يجد لها شيئا ثم استشار المسلمين ليستخرج ما عندهم من شئ حفظوه فاخرج له المغيرة وابن مسلم ما حفظاه فقضى به وطلبه انضمام آخر الى المغيرة احتياط فقط إذ الرواية لا يشترط فيها تعدد على انه غير بدع من المجتهدان يبحث عن مدارك الاحكام. اقول: قد عرفت بما قررناه من بطلان جميع ما قرره نفى ذلك الثبوت، وانه اوهن من نسج العنكبوت، وأما ما ذكره من ان " النهى عن التحريق فيحتمل انه لم يبلغه " فهو مخالف لما ادعاه سابقا من كمال علم أبي بكر وأما احتماله على نحو غير الزنديق من غير قرينة ظاهرة مقتضية لذلك التأويل الممقوت، فهو من قبيل تأويلات ملاحدة الموت، ولو جاز امثال هذا التأويل العليل لارتفع الامان عن دلالة القرآن المبين، وسنن سيد المرسلين، وخرجا عن كونهما دليلا للمحقين، حجة على المبطلين وأما قوله " ان قطعه يسار السارق فيحتمل انه خطاء من الجلاد " فوجه الخطاء فيه ظاهر فإن قطع يد ذلك السارق لم يكن في خلاء بحيث يكون الجلاد منفردا بل كان في ملاء مشاهد القوم من الصحابة وغيرهم فإذا كان من غلط الجلاد فلم

[ 136 ]

لم يفهمه أحد من الحاضرين والعقل يحكم باستحالة تواطؤ الجميع على الغلط فمغلط الجلاد غالط وأما قوله " فمن اين علم انها للسرقة الاولى، وانه قال للجلاد اقطع يساره " ففيه ان من قدح في أبي بكر بتلك الرواية إنما قدح لوجدانه اياها في كتب الحديث والسير مشتملة على تلك الخصوصيات فعلم ان قوله " من اين علم " نفخ من غير ضرام، على ان هذه التخطئة قد توجهت من الصحابة المعاصرين الشاهدين لحكمه الفاسد فلو كانت للسرقة الاولى لما نسبوه الى الخطاء لا يقال: يحتمل ان يكون ذلك لعدم علمهم انه في المرتبة الثانية لانا نقول لو كان كذلك لاعلمهم بذلك وسلم عن التخطئة وأما قوله " وعلى التنزل فالاية شاملة لما فعله، الى آخره " فنازل جدا لأن الشمول قد خص بفعل النبي صلى الله عليه وآله على رؤس الاشهاد فالغفلة عن ذلك لا تليق بحال من قام مقامه ص وكذا الكلام في قوله " ان قطع النبي صلى الله عليه وسلم اليمنى في الاولى ليس على التحتم " لما تقرر في الاصول ان فعل النبي صلى الله عليه وآله ما لم يعلم وجهه محمول على الوجوب وأما قوله " وعلى فرض اجماع في المسألة " فمدخول بظهور قطعية هذا الاجماع ظهورا لا ينكره إلا هذا الشيخ الفارض الذي فرض على نفسه اصلاح معايب أبي بكر بكل حيلة ووسيلة على انه لو جاز انعقاد هذا الاجماع بعد فعل أبي بكر لجاز ان يقال في الاجماع الذي ادعاه هذا الشيخ مرارا في خلافة أبي بكر إنما انعقد بعد غصبه الخلافة كما وقع نظيره لمعاوية ولعله لا يرضى بذلك فتأمل. واما ما اعترف به من توقف أبي بكر في مسألة الجدة والسؤال فيها عن الناس فهو كاف في ظهور نقصه وقصوره واين دنو من لم يقف على المسألة حتى سال من علو من قال مستويا على عرش التحقيق " سلونى عما دون العرش، وسلوني قبل ان تفقدوني " وأما قوله " فانه نظر اولا في القرآن ومحفوظاته،. الى آخره " ففيه نظر ظاهر لانه لو كان دأبه في الاحكام

[ 137 ]

الشرعية رعاية الاحتياط بالتأمل والتوقف والمشاورة فلم لم يتامل في أمر الخلافة الى فراغ أهل البيت عليهم السلام وسائر بني هاشم من دفن النبي صلى الله عليه وآله حتى يشاورهم ؟ بل سارع في ذلك واخذ البيعة الفاسدة عن الناس فلتة كما افصح عنه عمر بقوله " كانت بيعة بكر فلتة وقى الله شرها عن المسلمين " وقد مر. واما ما ذكره آخرا من ان " طلبه انضمام آخر الى المغيرة احتياط فقط " فهو مع انه لا يقدح في مقصودنا ليس بمتعين ان يكون منظورا لابي بكر لجواز ان يكون منظوره في اعتقاده لفسق المغيرة فقد روى الجمهور مستفيضا انه شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب ولقن الرابع وهو زياد بن أبيه حتى تلجلج في الشهادة فدفع عنه الحد هذا ومع ذلك فهو راوي شطر من احاديث القوم فلا تغفل عنه. 52 - قال: الخامسة زعموا ان عمر ذمه والمذموم من مثل عمر لا يصلح للخلافة وجوابها ان هذا من كذبهم وافتراءهم ايضا ولم يقع من عمر ذم له قط وانما الواقع منه في حقه غاية الثناء عليه واعتقاد انه اكمل الصحابة علما ورايا وشجاعة كما يعلم مما قدمناه عنه في قصة المبايعة وغيرها،. على ان امامة عمر إنما هي بعهد أبي بكر إليه فلو قدح فيه لكان قادحا في نفسه وامامته. وأما انكاره على ابى بكر كونه لم يقتل خالد بن الوليد لقتله مالك بن نويرة وهو مسلم ولتزوجه امراته من ليلته ودخل بها فلا يستلزم ذما له ولا الحاق نقص به لأن ذلك هو من انكار بعض المجتهدين على بعض في الفروع الاجتهادية وهذا كان شأن السلف وكانوا لا يرون فيه نقصا وانما يرونه غاية الكمال،. على ان الحق عدم قتل خالد لان مالكا ارتد ورد على قومه صدقاتهم لما بلغه وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل أهل الردة وقد اعترف اخو مالك لعمر بذلك وتزوجه امراته لعله لانقضاء عدتها بالوضع عقب موته، أو يحتمل انها

[ 138 ]

كانت محبوسة عنده بعد انقضاء عدتها عن الازواج على عادة الجاهلية وعلى كل حال فخالد اتقى لله من ان يظن به مثل هذه الرذالة التي لا تصدر من ادنى المؤمنين فكيف بسيف الله المسلول على اعدائه،. فالحق ما فعله أبو بكر لا ما اعترض به عليه عمر رضى الله عنهما ويؤيد ذلك ان عمر لما افضت الخلافة إليه لم يتعرض لخالد ولم يعاتبه في هذا الامر قط فعلم انه ظهر له حقية ما فعله أبو بكر انتهى. اقول: ما اتى به من التكذيب والانكار مكابرة على الشائع الذائع الذى ضاقت الدنيا من امتلائه رو مالا صلاح ما افسده الدهر من حال خلفائه " وهل يصلح العطار ما افسد الدهر ". واما ما ذكره في العلاوة من المقدمة القائلة بان " امامة عمر إنما هي بعهد أبي بكر إليه،. الى آخره " ففيه انا نعلم ان المقدمة المذكورة تقتضي كف عمر عن القدح فيه لكن الله تعالى قد انساه تلك المقدمة في بعض الاحيان واجري الحق على لسانه بذكر بعض القوادح التي نقلها الثقات من ارباب السير والتواريخ ليكون حجة لاهل الحق على أهل الباطل. وأما ما ذكره من ان " انكاره على ابى بكر في عدم قتله خالد بن الوليد لقتله مالك بن نويرة لا يستلزم ذما له،. الى آخره " فمدخول بان الذم كل الذم إنما هو في اهماله اجراء حكم الشرع في شان خالد لكن لما كان صدور الذم عليه من مثل عمر اشد عند اوليائه من المتسمين باهل السنة خصه الشيعة بالذكر فقوله " لا يستلزم ذما له " كما ترى. وأما ما ذكره من اجتهاده في ذلك فهو من قبيل اجتهاد أبي جهل وامثاله في مقاتلة النبي صلى الله عليه وآله، واجتهاد معاوية في محاربة أمير المؤمنين عليه السلام،. والقائل بمثل ذلك لا يليق بالجواب، ولا يستحق الخطاب، وأما ما ذكره في العلاوة الثانية من " ان الحق ان مالكا ارتد ورد على قومه،. الى آخره " فقد عرفت بطلانه بما نقلناه سابقا من كلام ابن حزم وغيره عند الكلام على

[ 139 ]

ما عقده هذا الشيخ المكابر من الفصل الثالث في النصوص السمعية التي زعم دلالتها على خلافة أبي بكر فتذكر واعطفه الى هذا الموضع عسى ان يزيدك وضوحا في تحقيق المرام. وأما ما احتمله من تزوج خالد لامرأة مالك بعد انقضاء عدتها بالوضع عقب موته فمردود بان عدة امراة المسلم لا تنقضي بما ذكره، نعم استبراء الاماء المسبية من الكفار يتحقق بمثل ذلك وقد بينا ان مالكا لم يرتد قطعا وأما احتمال " انها كانت محبوسة عنده،. الى آخره " فمع ابتنائه ايضا على ارتداد مالك مردود كسابقه بانه كيف يليق بشان عمر مع ما رووا فيه " انه لو كان نبى بعد نبينا صلى الله عليه وآله لكان هو عمر " ان ينكر على أبي بكر ذلك الانكار المنقول، ويحرضه على قتل خالد سيف الله المسلول، من غير علم بحال القاتل والمقتول، ولعمري انه لو قيل لانسان: اسخف واجتهد. ما قدر على اكثر مما اتى به هذا الشيخ من الهذيان والهذر،. ومن بلغ الى هذه المرتبة من المكابرة، فقد كفى مؤنة خصمه في المناظرة. وأما ما ذكره من ان " خالدا اتقى لله من ان يظن به مثل هذه الرذالة،. الى آخره " فهو مجرد حسن ظن لا يغنى من الحق شيئا ولو سلم فاول من يرد عليه هذا الاعتراض هو عمر حيث ساء الظن بخالد وهم بقتله و واما تسمية خالد بسيف الله فوقعت من أبي بكر لاعانته له في غصب الخلافة اولا وقتل مالك الذى اوقع الخلل في خلافته ثانيا فانكشف المعمى، وظهر انه لا كرامة في ذلك الاسم والمسمى. وأما قوله " فالحق ما فعله أبو بكر لا ما اعترض عليه " ففيه ان هذا اعتراف منه ببطلان عمر في ذلك الاعتراض وهو يكفى للقدح فيهما لانهما كالحلقة المفرغة في غصب الخلافة والبدع التى احدثاها في الدين عن فرط الجلافة. وأما ما ذكره من التأييد فوهنه ظاهر مما قدمناه في الكلام المتعلق بالفصل الثالث ايضا من انه لما افضت الخلافة الى عمر هرب خالد الى الشام واسترجع عمر بقية ما كان في ايدى

[ 140 ]

الناس من اسارى بني حنيف من النساء والذراري وسلمهم الى ازواجهم وآبائهم من بقية سيف ابى بكر تدبر. 53 - قال: السادسة زعموا ان قول عمر " ان بيعة أبي بكر كانت فلتة لكن وقى الله شرها فمن عاد الى مثلها فاقتلوه " قادح في حقيتها وجوابها ان هذه من غباواتهم وجهالاتهم، إذ لا دلالة في ذلك لما زعموه لأن معناه ان الاقدام على مثل ذلك من غير مشورة الغير وحصول الاتفاق منه مظنة الفتنة فلا يقدمن أحد على ذلك على انى اقدمت عليه فسلمت على خلاف العادة ببركة صحة النية وخوف الفتنة لو حصل توان في هذا الامر كما مر مبسوطا في فصل المبايعة انتهى. اقول: حاصل احتجاج الشيعة بذلك ان ضمير " شرها " في قول عمر راجع الى البيعة فيلزم / توصيف بيعة أبي بكر بالشر وهذا ازراء بجلالة قدره عندهم وكذا في لفظ الفلتة استحقار لها ففى ما ذكره عمر غاية المذمة إذ لا مذمة فوق الوصف بالشر ولقد انطقه الله بالحق حيث اعترف في بيان المعنى بعدم حصول الاتفاق على خلافة أبي بكر وبهذا ظهر ان الغبى الجاهل هل هو هذا الشيخ المتحجر أو الشيعة ؟ وقد مر منا ايضا مفصلا في الفصل الذي ذكره ما هو الفيصل فتذكر. 54 قال: السابعة زعموا انه ظالم لفاطمة عليها السلام بمنعه اياها من مخلف ابيها وانه لا دليل له في الخبر الذي رواه " نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة " لأن فيه احتجاجا بخبر الواحد مع معارضته لاية المواريث وفيه ما هو مشهور عند الاصوليين. وزعموا ايضا ان فاطمة عليها السلام معصومة بنص " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " وخبر " فاطمة بضعة منى " وهو معصوم فتكون معصومة وحينئذ فيلزم صدق دعواها الارث وجوابها أما عن

[ 141 ]

الاول فهو لم يحكم بخبر الواحد الذي هو محل الخلاف وإنما حكم بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنده قطعي فساوى آية المواريث في قطعية المتن. وأما حمله على ما فهمه منه فلانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرقها إليه عنه بقرينة الحال فصار عنده دليلا قطعيا مخصصا لعموم تلك الايات. وأما عن الثاني فمن أهل البيت ازواجه على ما ياتي في فضائل أهل البيت عليهم السلام ولسن بمعصومات اتفاقا فكذلك بقية أهل البيت. وأما " بضعة منى " فمجاز قطعا فلم يستلزم عصمتها وايضا فلا يلزم مساواة البعض للجملة في جميع الاحكام بل الظاهر ان المراد انها كبضعة منى فيما يرجع للحنو والشفقة. ودعواها انه صلى الله عليه وسلم نحلها فدكا لم تات عليها إلا بعلى وام ايمن فلم يكمل نصاب البينة على ان في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء وعدم حكمه بشاهد ويمين أما لعله لكونه ممن لا يراه ككثيرين من العلماء أو انها لم تطلب الحلف مع من شهد لها وزعمهم ان الحسن والحسين وام كلثوم شهدوا لها باطل على ان شهادة الفرع والصغير غير مقبولة وسياتى عن الامام زيد بن على بن الحسين رضى الله عنهم انه صوب ما فعله أبو بكر وقال: لو كنت مكانه لحكمت بمثل ما حكم به. وعن اخيه الباقر (عليه السلام) انه قيل: له اظلمكم الشيخان من حقكم شيئا ؟ فقال: لا ومنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقنا ما يزن حبة خردلة. واخرج الدارقطني انه سئل ما كان يعمل على في سهم ذوى القربى ؟ قال: عمل فيه بما عمل أبو بكر وعمر، كان يكره ان يخالفهما. وأما عذر فاطمة في طلبها مع روايته لها الحديث فيحتمل انه لكونها رات ان خبر الواحد لا يخصص القرآن كما قيل به فاتضح عذره في المنع وعذرها في الطلب فلا يشكل عليك ذلك وتامله فانه مهم.

[ 142 ]

اقول: فيه نظر من وجوه أما اولا فلانه يتوجه على جوابه عن الاول ان الخبر الذي رواه أبو بكر في ذلك اولى بان يكون محل الخلاف لانه متهم في روايته بعداوته لاهل البيت عليهم السلام وجر النفع لنفسه لما روى الشيخ جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء من ان فدكا كان بعد ذلك حبوة أبي بكر وعمر ثم اقتطعها مروان وان عمر بن عبد العزيز قد رد فدكا الى بني هاشم وروى انه ردها الى اولاد فاطمة رضى الله عنها انتهى وفى هذا دلالة على اتهام ابى بكر عند عمر بن عبد العزيز ايضا كما وقع التصريح به في الروايات الاخر على ان تخصيص الكتاب بغير الحديث المتواتر والمشهور مما خالف فيه جمع كثير فمنهم أبو حنيفة كما ذكر في شروح منهاج البيضاوى وايضا المنصف المتأمل يجزم بانه لا وجه لأن يكون مثل هذا الخبر موجودا ولم يسمعه غير أبي بكر حتى نساء النبي صلى الله عليه وآله وعلى وفاطمة عليهما السلام مع انهم كانوا مداومين في ملازمة النبي ص وبالجملة كيف يبين رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الحكم بغير ذريته ويخفيه عمن يرثه ولا يوصى إليهم بذلك حتى يقعوا في ادعاء الباطل والتماس الحرام على انه صلوات الله وسلامه عليه كان مامورا خصوصا في محكم الكتاب بانذار عشيرته الاقربين وقد اخرج في جامع الاصول حديث شهر بن حوشب عن الترمذي وأبي داود " ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ان الرجل والمراة ليعملان بطاعة الله تعالى ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فيجب لهما النار " فاى ضرر اعظم من ان يكون النبي صلى الله عليه وآله كتم ذلك عن وصيه وورثته واودعه اجنبيا لا فائدة له فيه ظاهرا وحاشاه من ذلك إذ هو رحيم رؤف بالاباعد،. فضلا عن الاقارب. لا يقال كفى تعريفا واعلاما بذلك الخبر الذي ذكره

[ 143 ]

النبي صلى الله عليه وآله لابي بكر من كبار اصحابه لانا نقول: الكفاية ممنوعة لأن أبا بكر إنما غلب على فاطمة عليها السلام بذلك الخبر من حيث انه صار خليفة وقاضيا وادعى ان علمه قد حصل بذلك من الخبر المذكور وعلم القاضى كاف في اجراء الحكم ومن البين انه لو لم يتفق سوء اختيار القوم على خلافة أبي بكر بل كان الخليفة غيره لما كان لذلك الخبر الواحد حجية عنده في اثبات كون تركة النبي صلى الله عليه وآله صدقة أما عند الخليفة على تقدير كونه غير أبي بكر فلان شهادة الواحد مردودة فضلا عن روايته في مقام الشهادة وأما عند المدعية اعني فاطمة عليها السلام فلما ظهر من انها قد انكرت ذلك وغضبت على أبى بكر في حكمه بما ذكر ولا مجال لأن يقال: ان النبي صلى الله عليه وسلم لما عين أبا بكر للخلافة لم يحتج الى اظهار ذلك لغيره لأن هذا خلاف ما عليه جمهور أهل السنة من عدم النص والتعيين لاحد كما مر،. على انه يجوز ان يكون الحديث الذي تفرد به أبو بكر من قبيل " الغرانيق العلى " الذي جوز أهل السنة القاء الشيطان له على لسان النبي صلى الله عليه وآله وكيف يستبعد القاء مثل ذلك له مع ما روى سابقا عن أبي بكر من انه قال: " ان لي شيطانا يعترينى،. الى آخره " وأما قوله " وإنما حكم بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم " ففيه ان دعوى سماعه منه غير مسموع لما سمعت من اتهامه سابقا وأما قوله " وهو عنده قطعي " فمردود بقول شاعرنا " ومن انتم حتى يكون لكم عند " وأما ما ذكره من قوله " وأما حمله على ما فهمه منه فلانتفاء الاحتمالات،. الى آخره " ففيه ان ذلك وهم لا فهم، وانتفاء الاحتمالات غير ثابت لاحتمال ان يكون قوله " صدقة في الحديث الحادث تميزا، ويكون معنى الحديث ان ما تركناه على وجه الصدقة لا يورثه أحد وقد وهم الراوى وهو أبو بكر في ذلك لاحتمال ان النبي صلى الله عليه وآله قد وقف

[ 144 ]

على لفظ صدقة فظنه أبو بكر موقوفا على الرفع بالخبرية لا على النصب بكونه تميزا والتميز إنما هو شان اهل الاستبصار، لا كل قاصر يكثر منه العثار. ولعل هذا الشيخ المعاند اراد بقرنية الحال الذي علم بها أبو بكر انتفاء الاحتمالات الاخر في ذلك الحديث قرنية حال أبي وعمر في ارادتهما الظلم على أهل البيت عليهم السلام وهذا مسلم لا شك فيه. وأما ثانيا فلانه يتوجه على ما ذكره في الجواب عن الثاني " ان من أهل البيت ازواجه على ما ياتي في فضائل أهل البيت الى آخره " انا قد راجعنا الى ما ذكره هناك فلم نجد فيه إلا ما يجديه من ذكره احاديث موضوعة " واقاويل من أهل السنة مصنوعة زعم معارضتها لما ذكره ايضا من الاحاديث الصحيحة اتفاقا الدالة على خروج الازواج فلنضرب عن نقلها ههنا صفحا، ولنذكر من الاحتجاج الدافع للعناد واللجاج ما يدمر ايضا على ما اتى به ثمة عن غاية الاعوجاج فنقول: قد اتفق المفسرون من الشيعة والسنة على ذلك وهذا الاتفاق حجة متحققة بموافقة بعض المفسرين من أهل السنة مع الشيعة فضلا عن اكثرهم كما اعترف به هذا الشيخ الجامد في اوائل الفصل العاشر من كتابه هذا لظهور ان ما ذهب إليه بعض من طائفة حجة على الكل سيما إذا وافقهم فيه غيرهم وايضا قد انعقد الاجماع على ذلك قبل ظهور المخالف من اتباع بني امية المعادين لاهل البيت عليهم السلام والمخالف الحادث لا يقدح خلافه في انعقاد الاجماع السابق وايضا والذي يدل على ذلك ان من روى خلاف ذلك من المفسرين كانوا متاخرين عن قدماء المفسرين والمحدثين كالثعلبي، وأحمد بن حنبل، والظاهر منشا وهم المتأخرين ذكر آية التطهير متصلا بما قبله من الاية التي وقع فيها النداء على نساء النبي صلى الله عليه وآله والخطاب معهن. وفيه ان رعاية هذه المقارنة والمناسبة إنما تجب إذا

[ 145 ]

لم يمنع عنها مانع ومن البين ان تذكير ضمير " عنكم " ويطهركم " وبعض الدلائل والقرائن الاخر الخارجة مانع عن ذلك منها ما روى هذا الشيخ في كتابه هذا من " انه عليه السلام لما نزلت آية المباهلة جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وجللهم بكساء فدكى فقال: هؤلاء أهل بيتى فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " ومنها ما رواه ايضا في الباب الحادى عشر حيث قال " في مسلم عن زيد بن ارقم انه ص قال: اذكركم الله في أهل بيتى قلنا لزيد: من أهل بيته نسائه ؟ قال: لا ايم الله، ان المراة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع الى ابيها وقومها،. أهل بيته اهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده " (انتهى) وهو مذكور في جامع الاصول ايضا ولا يخفى انه يفهم من قول زيد ان اطلاق أهل البيت ليس على الحقيقة اللغوية بل على الحقيقة الشرعية ويمكن ان يكون مراده ان الذي يليق ان يراد في امثال الحديث المذكور من اهل البيت اهله وعصبته الذين لا يزول نسبتهم عنه اصلا دون الازواج وعلى التقديرين فهو مؤيد لمطلوبنا وذكر سيد المحدثين جمال الملة والدين عطاء الله الحسينى في كتاب تحفة الاحباء خمسة احاديث اثنان منها وهما المسند ان الى ام سلمة رضى الله عنها نص صريح في الباب لأن احدهما وهو الذي نقله في جامع الترمذي وذكر ان الحاكم حكم بصحته قد اشتمل على انه لما قال النبي صلى الله عليه وآله عند ادخال على وفاطمة وسبطيه في العباء ما قال، قالت ام سلمة رضى الله عنها: يا رسول الله الست من أهل بيتك ؟. قال انك على خير أو الى خير. والاخر وهو الحديث الذى نقله عن كتاب المصابيح في بيان شان النزول لابي العباس احمد بن الحسن المفسر الضرير الاسفراينى قد تضمن انه عليه السلام لما ادخل عليا وفاطمة وسبطيه في العباء قال: اللهم هؤلاء أهل بيتى واطهار عترتي واطايب ارومتى من لحمى ودمى، اليك لا الى النار اذهب عنهم الرجس وطهرهم

[ 146 ]

تطهيرا، وكرر هذا الدعاء ثلاثا قالت ام سلمة رضى الله عنها قلت: يا رسول الله (صلعم) وانا معهم. قال: انك الى خير وأنت من خير ازواجى. ثم قال السيد قدس سره فقد تحقق من هذه الاحاديث ان الاية انما نزلت في شان الخمسة المذكورين عليهم السلام ولهذا لهم يقال آل العباء ولله در من قال من أهل الكمال: * على الله في كل الامور توكلي * وبالخمس اصحاب العباء توسلي * * محمد المبعوث حقا وبنته * وسبطيه ثم المقتدى المرتضى على * ان قيل: ما ذكر من الاحاديث معارضة بما روى ان ام سلمة قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله: الست من أهل البيت ؟ فقال بلى ان شاء الله قلنا لا نسلم صحة سندها ولو سلم نقول: انها في هذه الرواية في معرض التهمة بجر نفع لنفسها فلا يسمع قولها وحدها ولو سلم نقول: ان كونها من أهل البيت قد علق فيها بمشية الله تعالى فلا تكون من أهل البيت جزما مع انها لو كانت منهن لما سألته لانها من اهل اللسان والترجيح معنا بعد التعارض وهو ظاهر. وايضا اهل بيت الرجل في العرف هم قرابته من عترته لا ازواجه بدليل سبق الفهم الى ذلك وهو السابق الى فهم اهل كل عصر والمتداول في اشعارهم واخبارهم فما احد يذكر أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله في شعر أو غيره إلا وهو يريد من ذكرناه لا ازواجه ولعل مناقشة الجمهور في هذا المقام إنما نشات من حملهم البيت في الاية والحديث على البيت المبنى من الطين والخشب المشتمل على الحجرات التي كان يسكنها النبي صلى الله عليه وآله مع اهل بيته وازواجه إذ لو اريد بالبيت ذلك لاحتمل فهمه من الاية والرواية لكن الظاهر ان المراد باهل البيت على طبق قولهم أهل الله وأهل القرآن أهل بيت النبوة ولا ريب ان هذا منوط بحصول كمال الاهلية والاستعداد المستعقب للتنصيص والتعيين من الله ورسوله على المتصف به ولهذا احتاجت ام سلمة رضى الله عنها الى السؤال عن

[ 147 ]

اهليتها للدخول فيهم كما مر. وفوق ما ذكرناه كلام وهو انه لا يبعد ان يكون اختلاف اسلوب آية التطهير لما قبلها على طريق الالتفات من الازواج الى النبي واهل بيته عليهم السلام على معنى ان تأديب الازواج وترغيبهن الى الصلاح والسداد من توابع اذهاب الرجس والدنس عن أهل البيت عليهم السلام فحاصل نظم الاية على هذا ان الله تعالى رغب ازواج النبي صلى الله عليه وآله الى العفة والصلاح بانه إنما اراد في الازل ان يجعلكم معصومين يا اهل البيت واللائق ان يكون المنسوب الى المعصوم عفيفا صالحا كما قال " والطيبات للطيبين " على انه قد وقع اختلاف كثير في ترتيب المصاحف حتى اصطلح الناس على مصحف واحد والاختلاف إنما هو في الترتيب البته لأن القرآن متواتر كما لا يخفى. ثم اقول: يمكن ان يستدل على خروج الازواج بان الارادة المدلول عليها في الاية بقوله تعالى " يريد الله " أما ان تكون ارادة محضة لم يتبعها الفعل أو ارادة وقع الفعل عندها والاول باطل لان ذلك لا تخصيص فيه باهل البيت بل هو عام في جميع المكلفين ولا مدح في الارادة المجردة واجتمعت الامة على ان الاية فيها تفضيل لاهل البيت وابانة لهم عن سواهم فثبت الوجه الثاني وفي ثبوته ما يقتضى عصمة من عنى بالاية وان شيئا من القبائح لا يجوز ان يقع منهم ولا شك في عدم القطع بعصمة الازواج والاية موجبة للعصمة فثبت انها فيمن عداهن من آل العباء لبطلان تعلقها بغيرهم وأما ما ذكره ههنا من ان " بضعة منى " مجاز فهب ان يكون كذلك لكنه يجب حمل المجاز على المعنى الاقرب الى المعنى الحقيقي كما تقرر في الاصول وهو ههنا ترتب الاحكام التى تترتب على النبي صلى الله عليه وآله ومنها العصمة والطهارة. ولو اغمضنا عن ذلك نقول: ان الاستدلال على عصمتها عليها السلام إنما وقع من الشيعة بمجموع الحديث وتقريره ان النبي صلى الله

[ 148 ]

عليه وآله قال في حقها عليها السلام: " فاطمة بضعة منى، من آذاها فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله " وفي رواية " من اغضبها فقد اغضبني " وفي رواية " يريبنى ما رابها " وامثالها كثيرة فلو فرض عدم عصمتها لجاز عليها صدور معصية موجبة للحد أو التعزير عليها ولا ريب في ايذاءها حينئذ بذلك وهو منهى عنه لما عرفت من ان ايذاءها ايذاء الله تعالى ورسوله فلو لم تكن معصومة لزم جواز ايذاءها بالحد والتعزير فلزم ان يكون ايذاءها عليها السلام منهيا عنه وجائزا هذا خلف فسقط جميع ما نسجه في نفى دلالة الحديث على عصمتها عليها السلام وبعبارة اخرى نقول: لا شك ان هذه الاحاديث جاءت في باب مناقبها وفضلها عليها السلام ومن وما من الفاظ العموم كما تقرر في الاصول فلو كانت تغضب وتتاذى بالباطل كما احتمله الناصبة في مقام التأويل لما جاز من النبي صلى الله عليه وآله ان يغضب لها ولو امكن صدور الباطل منها لما ساغ من النبي ص اطلاق لفظ الغضب بل كان يجب ان يقيده وعلى هذا لم يبق لها مزية على غيرها إذ يجب عليه ان يغضب لكل مسلم بل ولكل كتابي إذا اغضب بغير حق فلم يبق إلا ان غضبها مطلقا يغضبه ص وذلك دليل على عصمتها عليها السلام وانها لا يصدر عنها غضب إلا وهو حق وكذلك القول في حق بعلها عليه السلام لأن النبي صلى الله عليه وآله دعا له على القطع في قوله: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله " ومثله اخبار النبي صلى الله عليه وآله على القطع وهو قوله " يدور الحق معه حيثما دار " وقوله " على مع الحق،. والحق مع على " وقوله " من اقتدى بعلى، فقد اهتدى " كما ذكره فخر الدين الرازي في تفسير الفاتحة وكذلك آية التطهير تدل على عصمة أهل البيت جميعهم كما اوضحناها سابقا. وأما ما ذكره من " ان دعواها انه نحلها فدكا لم تات عليها إلا بعلى وام ايمن فلم يكمل نصاب البينة،. الا آخره " فمدخول بان الحكم

[ 149 ]

بالشاهد واليمين قد دل عليه الخبر وليس نسخا لمقتضى الاية كما توهم أما اولا فلان الاية دلت على الحكم بالشاهدين أو الشاهد والمراتين وان شهادتهما حجة وليس فيها ما يدل على امتناع الحكم بحجة اخرى إلا بالنظر الى المفهوم ولا حجة فيه فرفع الحكم الذى دل عليه المفهوم ليس بنسخ فجاز الحكم بما دل عليه الخبر. وأما ثانيا فلان قوله تعالى " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامراتان " تخيير بين استشهاد رجلين أو رجل وامراتين والحكم بالشاهد واليمين زيادة في التخيير وهي ليست نسخا. ومن قال ان الحكم بالشاهد واليمين نسخ لهذه الاية يلزمه ان يكون الوضوء بالنبيذ نسخا لقوله تعالى " فلم تجدوا ماء فتيمموا " وقد علم بهذا ان الحكم بقصور شهادة الرجل والمراة عن نصاب الشهادة شئ توهمه بعض الجمهور من مفهوم الاية أو اختلقوه تعمدا لهدم ما هو الحق في المسألة مع ان اكثر الجمهور يقول بموافقتنا من تكميل البينة باليمين بل قال شارح الينا بيع: ان ثبوت المال بشاهد ويمين مذهب الخلفاء الاربعة فمذهب أبي بكر حجة عليه في قضية فاطمة عليها السلام وعلى تقدير وقوع الاختلاف في المسألة هل يكون وجه لوقوع قرعة راى أبي بكر على الطرف الذي اوجب تضييع حق أهل البيت عليهم السلام واخذ ضياعهم وعقارهم، الاقصد اضرارهم، والاهتمام في فقرهم وافتقارهم، وتفريق مواليهم وانصارهم، كيف لا و " هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا.. وايضا يعارض ذلك ما رواه البخاري من حديث جابر " ان أبا بكر لما جاءه مال البحرين صبه على نطع وقال: من له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين من له عليه ص عدة ؟ فقال جابر: وعدني رسول الله بكذا وكذا فحثا له أبو بكر حثوات في حجره فكيف استجاز اعطاء مال المسلمين ههنا من غير بينة ولم يجوز اعطاء حق

[ 150 ]

فاطمة عليها السلام مع البينة مع انه لم يقل أحد انه عرف صدق جابر لانه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وايضا فقد رووا في صحاحهم كالبخاري " انه لا ينبغى للحاكم ان يحكم بعلمه لموضع التهمة " وأي تهمة اوضح مما قررناه من معاداة القوم لعلى وفاطمة عليهما السلام ويدل عليه تصفح اخبارهم وتتبع آثارهم. ثم اقول: حاصل كلام الشيعة في هذا المقام ان فدكا كانت مما انحله النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام وصرفه إليها في ايام حياته ويوم مات ابوها رسول الله صلى الله عليه وآله كان ذلك في يدها وتصرفها عليها السلام ولما تقمص أبو بكر بالخلافة ارسل الى فدك واخرج وكيل فاطمة عليها السلام وغصبه منها فنازعته في ذلك ولما طلب منها عليها السلام البينة على النحلة قال له على عليه السلام: حكمت فينا بخلاف ما حكم الله ورسوله في جميع المسلمين فانك طلبت البينة من فاطمة على شئ هو في يدها وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله " البينة على المدعى واليمين على من انكر " وأما شهادة على عليه السلام وام ايمن رضى الله عنها فانما وقعت على وجه التبرع وعلى جهة الاستظهار. واما ما ذكره في العلاوة من " ان في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء " فاقول فيه: انه لو سلم الخلاف فهل لاختيار أبي بكر الطرف للمخالف لدعوى فاطمة عليها السلام سوى ما ذكرناه من الضرر والاضرار ؟ على انا قد بينا عصمة فاطمة عليها السلام بالاية والرواية والمدعى إنما افتقر الى الشهود إذا ارتفع العصمة عنه و (حيث) جاز ادعاه باطلا استظهر بالشهود على قوله لئلا يطمع كثير. من الناس في اموال غيرهم وجحد الحقوق الواجبة عليهم واذ كانت العصمة مغنية عن الشهادة وجب القطع على قول فاطمة عليها السلام وعلى ظلم مانعها وطالب البينة عليها ويشهد على صحة ما ذكرناه ان النبي صلى الله عليه وآله استشهد على قوله في بيعه لناقة الاعرابي فشهد له خزيمة بن ثابت فقال له

[ 151 ]

النبي صلى الله عليه وآله من اين علمت يا خزيمة ان هذه الناقة لي اشهدت ابتياعى لها ؟ فقال لا ولكني علمت انها لك من حيث علمت صدقك وعصمتك فاجاز النبي صلى الله عليه وآله شهادته بشهادة رجلين وحكم بقوله: فلو لا ان العصمة دليل الصدق ويغنى عن الشهادة لما صوب النبي صلى الله عليه وآله شهادة خزيمة على ما لم يره ولم يحضره باستدلاله عليه بدليل صدقه وعصمته وبمثل هذا قال مالك بن انس على ما نقل عنه ابن حزم من انه إذا هلكت الوديعة وادعى من اودعت عنده ردها الى المودع فلا يمين عليه إذا كان ثقة. وإذا وجب قبول قول فاطمة عليها السلام بدلائل صدقها وعصمتها واستغنت عن الشهود لها ثبت ان الذى منعها حقها واوجب عليها الشهود على صحة قولها قد جار في حكمه وظلم في فعله وآذى الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه واله بايذاء فاطمة عليها السلام وقد قال الله تعالى " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة واعد لهم عذابا مهينا " وأما ما ذكره من " ان زعمهم ان الحسن والحسين شهدا باطل " فمجرد دعوى لا يعجز أحد عن الحكم ببطلانها وما ذكره من " ان شهادة الفرع والصغير باطلة " مردود بانه كيف خفى على أمير المؤمنين عليه السلام باب مدينة العلم ان شهادتهما غير مقبولة للفرعية أو للصغر ؟ ولو كان عالما كيف اقامهما شاهدين على ان عدم شهادة الفرع إنما ذهب إليه مستندا بعمل أبي بكر فلا حجة وفيه. وبعد اللتيا والتي نقول اين ذهب شرع الاحسان والتكرم... ولم لم يعامل أبو بكر مع فاطمة عليها السلام في فدك ما عامل النبي صلى الله عليه وآله مع زينب في التماسه عن المسلمين في ايام عسرتهم ان يردوا إليها المال العظيم الذي بعثته لفداء زوجها أبي العاص حيث اسر يوم بدر كما فصل ابن أبي الحديد الكلام في ذلك في شرح نهج البلاغة وبالجملة لو استنزل أبو بكر المسلمين عن فدك واستوهبه عنهم كما استوهب رسول الله صلى الله

[ 152 ]

عليه وآله المسلمين عن فداء أبي العاص بان قال: هذه بنت نبيكم صلى الله عليه وآله تطلب هذه النخلات افتطيبون عنها نفسا ؟ اكانوا منعوها ذلك ؟ وحيث لم يتاسوا بالنبي صلى الله عليه وآله في شرع الاحسان والتكرم فلا اقل من ان يستحقوا اللعنة بمعنى البعد عن مرتبة الابرار. ان قلت: يتوجه على ما ذكره ابن ابى الحديد انما نمنع امكان استيهاب أبي بكر فدكا من المسلمين على قياس ما امكن للنبى صلى الله عليه واله استيهاب ما بعثته زينب لاجل فداء أبي العاص لأن المال الذى بعثته كان مشتركا بين جمع محصور من المسلمين وهم غزاة يوم بدر فامكن الاستيهاب منهم بخلاف فدك فانه كان صدقة مشتركة بين سائر المسلمين الغير المحصورين قلت: لو سلم كثرة المشاركين في فدك فنقول: من البين انها على تقدير كونها صدقة لم تكن صدقة واجبة محرمة على أهل البيت عليهم السلام بل إنما كانت الصدقة المستحبة المباحة عليهم ايضا والصدقة المستحبة مما يجوز للامام تخصيصها ببعض كما روى من سيرة الثلاثة سيما عثمان من انه اعطى الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله صلى الله عليه وآله ثلث مال افريقية وقيل ثلاثين الفا فلو كان أبو بكر في مقام التكرم مع أهل بيت سيد الانام، عليه وآله الصلوة والسلام، لخص فدكا بفاطمة عليها السلام ولما جوز ايذاءها المستعقب للطعن والملام، الى يوم القيام. والذي يدل على استحباب تلك الصدقة ان من جملة تركة النبي صلى الله عليه وآله السيف والدرع والعمامة والبغلة فلو كانت تركة النبي صلى الله عليه وآله صدقة واجبة لكان كل ذلك داخلا في التركة معدودا من الصدقة الواجبة حراما على أمير المؤمنين فكيف جاز لهم ترك ذلك عنده ؟ وكيف استحل أمير المؤمنين عليه السلام التصرف في ذلك مع علمه بانه مما حرمه الله عليه.. وايضا يدل عليه ما رواه هذا الجامد في كتابه هذا من ان العباس رافع عليا الى أبي بكر في مطالبته بالميراث

[ 153 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله من الدرع والبغلة والسيف والعمامة وزعم انه عم رسول الله صلى الله عليه وآله وانه اولى بتركة الرسول ص من ابن العم فحكم أبو بكر بها لعلى عليه السلام. وكذا يدل عليه ما مر روايته عن جلال الدين السيوطي الشافعي في تاريخ الخلفاء من ان فدكا كان بعد ذلك حبوة أبي بكر وعمر ثم اقتطعها مروان وان عمر بن عبد العزيز قد رد فدكا الى بني هاشم، وروى: الى اولاد فاطمة انتهى وأنت خبير بان جعل أبي بكر وعمر فدكا حبوة لانفسهما دون سائر المسلمين كما رواه السيوطي يدل على انهما لو ارادا اعطاءها لفاطمة عليها السلام لما نازعهما أحد من المسلمين، ولما توجه اليهما حرج في الدنيا والدين، لكن غلبتهم العصبية، وملكتهم الحمية الجاهلية " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " وأما ما نقله عن مولانا زين العابدين عليه السلام (1) فظاهر انه افتراء مع ان احتمال وقوعه تقية قائم ويدل عليه انه عليه السلام قد سلك


(1) بما كانت كلتا النسختين اللتين عندي من الكتاب الحاضر " الصوارم المهرقة في رد الصواعق المحرقة " ملحونتين مشوشتين كنت في غالب الموارد أصحح متن الصواعق، المدرج في تضاعيف الصوارم، عن نسخة الصواعق المطبوعة بمصر سنة 1312 بمطبعة أحمد البابي الحلبي وجاريا على عادتي هذه، صححت العبارة المنقولة عن الصواعق في ص 140 - 141 من الكتاب الحاضر عن نسخة الصواعق المطبوعة المشار إليها، فلما وصلت إلى هذا الموضع من الكتاب اتضح الى أن عبارة نسخة الصواعق التي كانت عند القاضي قدس سره كانت مغايرة لعبارة النسخة المطبوعة فأجاب ره عن كلام ابن حجر بما يلائم النسخة الملحونة التي كانت عنده من الصواعق فصار الامر سبب ظهور عدم التلائم هنا بين كلام ابن حجر وجواب القاضي عنه في موضعين: الاول في هذه العبارة: " وسيأتي عن الامام زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم " ففي نسخة الصواعق المطبوعة ص 22 س 1 - 2 هذه العبارة مكتوبة هكذا: " وسيأتي عن الامام زيد بن الحسن بن علي بن الحسين رضي الله عنهم " وهذه العبارة كانت في نسخة القاضي بناء على ما نقلها

[ 154 ]

في هذا المقال، مسلك الابهام والاجمال، حيث قال: " لو كنت مكانه لحكمت بمثل ما حكم به، ولم يقل كنت خليفة أو اماما فما ذكره عليه السلام بمنزلة ان يقول أحد: لو كنت في مكان الشيطان، وما هو فيه من الطغيان، لفعلت مثل ما يفعله من الشرور والعصيان، وحينئذ ليس في كلامه عليه السلام ما يدل على تصويب حكم أبي بكر، وكذا الكلام فيما رواه عن الباقر عليه السلام لانه وقع السؤال فيه عن ظلم الشيخين ولم يقل عليه السلام في مقام الجواب انهما " ما ظلمانا " بل قال " ما ظلمنا " والظاهر انه يكون الضمير المستتر في " ظلمنا " راجعا الى ما هو الاقرب اعني " منزل الفرقان " وهو حق لا ريب فيه،. هذا ان قرئ لفظ " ظلمنا " بصيغة الماضي المعلوم وان قرئ بصيغة المجهول فجاز حمل ضمير الجمع فيه على نفسه ع ومن معه من اولاده واصحابه ومن البين ان أبا بكر وعمر لم يظلماه عليه السلام حقه وإنما ظلما حق جدته وجده عليهما السلام ونظير هذه الروايات ما اشتهر من


في صوارمه مكتوبة هذا: " وسيأتي عن الامام زين العابدين علي بن الحسين ع " أعني أنه كانت مكتوبة مكان " زيد بن علي بن الحسين " على ما هو الصواب. هذه الكلمات: " زين العابدين بن الحسين " وهذا وهم كما ستعرف وجواب القاضي ره في النسخة الحاضرة إلى آخره مبنى على ما كان في نسخته أعنى " زين العابدين " مكان " زيد " ونلفت نظر القارئ أيضا الى نكتة أخرى وهي أن في عبارة النسخة المطبوعة من الصواعق هنا غلطا فاحشا حيث أنه عبر عن زيد بن علي بن الحسين الامام المشهور للزيدية المعروف بزيد الشهيد بزيد بن الحسن بن علي بن الحسين أعنى أنه أقحم بين اسم زيد واسم أبيه علي بن الحسين عليهما السلام كلمتي " ابن الحسن " وهذا غلط فاحش واضح ويكشف عن ذلك تعبير ابن حجر بعيد ذلك (حتى في هذه النسخة المطبوعة أيضا) عن أخي زيد بالباقر بهذه العبارة " وعن أخيه الباقر " ويعني به محمدا الباقر اخا زيدا بني علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام والقاضي قدس سره غفل عن ذلك لانه ره أيضا نقل هذه العبارة أعنى قوله " وعن أخيه الباقر " كما مر حرفا بحرف. والثاني من الموضعين المشار اليهما عبارة " ظلمانا " الواقعة في الحديث المنقول عن

[ 155 ]

أنه سال رجل من المخالفين عن مولانا جعفر الصادق عليه السلام وقال: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله ما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فقال عليه السلام: هما امامان عادلان قاسطان كانا على الحق وماتا عليه فرحمة الله عليهما يوم القيامة. فلما انصرف الناس قال له رجل من الخواص: يا بن رسول الله لقد تعجبت مما قلت في حق ابى بكر وعمر فقال عليه السلام نعم هما اماما أهل النار كما قال تعالى " وجعلناهم ائمة يدعون الى النار " واما القاسطان فقد قال تعالى " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا " وأما العادلان فلعدولهما عن الحق كقوله تعالى: " والذين كفروا بربهم يعدلون " والمراد من الحق الذى كانا مستوليين عليه هو أمير المؤمنين عليه السلام حيث آذياه وغصبا حقه عنه والمراد من موتهما على الحق انهما ماتا على عداوته ع من غير ندامة على ذلك والمراد من رحمة الله رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله فانه كان رحمة للعالمين وسيكون


الامام الباقر عليه السلام على زعم ابن حجر وذلك أنها مكتوبة في النسخة المطبوعة المشار إليها هكذا " ظلمانا " بصيغة التثنية " انظر ص 22 س 6 " والحال أنها كانت في كلتا النسختين اللتين عندي من الصوارم مكتوبة هكذا " ظلمنا " بلا الف التثنية فصححناها عن الصواعق لان سياق الكلام مقتض لكون العبارة " ظلمانا " بصيغة التثنية لا بدون الف التثنية لان السؤال فيه عن فعل الاثنين لا الواحد (انظر ص 22 س 6 من الصواعق وص 141 س - 16 من الصوارم) وبالجملة صححت العبارة عن الصواعق غافلا عن أن عبارة النسخة التي كانت عند المؤلف قدس سره على خلاف ذلك فلما وصلنا إلى هذا الموضع وجدنا العبارة هنا كما كانت هناك ملحونة والجواب أيضا موافقا للعبارة الملحونة فاتضحت لي حقيقة الحال فوجب اظهار ما وقع من الامر تبرئة لذمة المؤلف رضوان الله عليه وصونا لكلامه عن نسبة التهافت إليه فان جوابه مبنى على ما كان عليه لفظ الحديث في نسخته فلا يتوجه عليه اعتراض عدم تطابق الجواب مع كلام ابن حجر كما يترائى من العبارة. عصمنا الله من الخطاء والخطل والهفوة والزلل بحق محمد وآله عليه وعليهم السلام

[ 156 ]

مغضبا عليهما خصما لهما منتقما منهما يوم الدين. وأما ما ذكره مما اخرجه الدارقطني فهو اوهن من القطن المنفوش، لجواز انه عليه السلام اراد بقوله " وكان يكره ان يخالفهما " انه كان يكره ذلك لكراهة من كان هناك من اوليائهما المستصوبين لاعمالهما وقد مر انه عليه السلام لم يكن يقدر على تغيير كثير من بدعهما لاجل ذلك واما ما ذكره من " ان فاطمة عليها السلام إنما طلبت الميراث مع الرواية المذكورة لاحتمال انها رات الخبر الواحد لا يخصص القرآن كما قيل به " ففيه انه لا مساغ لهذا الاحتمال لانها عليها السلام حكمت ببطلان هذا الحديث عن اصله ونسبته الى الفرية كما مر ولو كان ذلك لاجل ما ذكره هذا الشيخ الجاهل لناظرته في ذلك ولم تخاطبه بما ساءه ولم تهجره مدة حيوتها الى حين وفاتها ولم توص عليا عليه السلام بان تدفن ليلا حتى لا يصلى عليها أبو بكر فالاشكال باق بحاله تأمله فانه من اهم المهمات ولو سلم بناء ما قالته فاطمة عليها السلام على انها رات ان الخبر الواحد لا يخصص القرآن فهو راى قوى لا يمكن لابي بكر واوليائه اتمام الكلام في ابطاله ولو عضوا بالنواجذ لأن الخبر الواحد إذا كان مخالفا لكتاب الله تعالى يكون مردودا لقوله صلعم في الحديث المتفق عليه بين الفريقين " إذا روى عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاقبلوه، وإلا فردوه " قيل ان قيل: لو صح هذا الخبر لما خص الكتاب بالخبر المتواتر ايضا واللازم باطل. قلنا: المراد بالحديث الواجب عرضه على الكتاب هو ما لم يقطع بانه حديثه صلعم كما دل عليه سياق الكلام والمتواتر ليس كذلك كما لا يخفى. 55 - قال: وتامل ايضا ان أبا بكر منع ازواج النبي صلى الله عليه وسلم من ثمنهن ايضا فلم يخص المنع بفاطمة والعباس ولو كان مداره على محاباة لكان اولى من حاباه

[ 157 ]

ولده فلما لم يحاب عائشة ولم يعطها شيئا علمنا على الحق المر الذي لا يخشى فيه لومة لائم انتهى اقول: تأملنا فوجدنا ان تركة النبي صلى الله عليه وآله ما عدا فدك على فرض كونها ميراثا لا نحلة لم تكن شيئا يعتد به ولم يكن منها الى كل من النساء الى ما هو اقل من القليل كما لا يخفى على العالم باخباره واحواله صلعم ولما احتال أبو بكر في اخذ فدك عن فاطمة عليها السلام بالحديث المذكور لم يعط بنته عائشة وسائر الازواج من ثمن ميراث النبي صلى الله عليه وآله تحرزا عن تطرق التناقض في قوله وفعله وبالجملة لم يكن في ايصاله الثمن القليل من تركة النبي صلى الله عليه وآله إلى عائشة محبة بالنسبة إليها سيما وامكن له تلافيها عن حبوة فدك باضعاف ذلك فاحسن تأمله. 56 - قال: لا يقال: (1) اقر أبو بكر امهات المؤمنين في حجرهن وكان يتعين صرفها للفقراء كما فعل في فدك وكيف استجاز هو وعمر ان يدفنا معه صلعم مع قوله تعالى " لا تدخلوا بيوت النبي إلا ان يؤذن لكم " ولم دفع لعلى عليه السلام بغله ص وسيفه وهو لا يحل له الصدقة ولم كان أبو بكر وعمر يعطيان عائشة في كل سنة عشرة آلاف درهم فهل هذا إلا محاباة ؟ إذ هو فاضل عن نفقتها المرتبة في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فدك وغيره لانا نقول: الجواب عن الاول ان الحجر ملكهن أو اختصاصهن بدليل " وقرن في بيوتكن " أو يحتمل انه قسمها بينهن في حياته فلم يجز اخراجهن منها كما لم يخرج فاطمة من حجرتها أو انه راى الصلاح في اقرارها بايديهن كيد فاطمة في حجرتها ولانهن ولانهن في حكم المعتدات للبقاء تحريمهن ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عيالي فهو صدقة فاستثناء نفقتهن صريح فيما قلناه وعن الثاني انه


(1) هذه العبارة إلى آخرها اعني من قوله: " لا يقال " إلى قوله: " كبقية الصحابة " ليست في النسخة المطبوعة من الصواعق في هذا الموضع والحال أن موضعها هنا كما ترى فكأنها سقطت سهوا أو أسقطوها عمدا إذ من البعيد جدا أن تذكر في غير هذا الموضع منه فتأمل حتى تجد سره إن شاء الله تعالى

[ 158 ]

كان حجرة عائشة ملكها واختصاصها ولم يدفنا فيها إلا باذنها ولهذا استاذنها عمر في ذلك ثم اوصى ان تستأذن بعد موته خوفا انها لم تأذن اولا إلا حياء منه وايضا فالراي في الحجر كما كان له صلعم في حياته يكون لخليفته بعده فيحتمل انهما ارادا ذلك لمصلحة راياها أو انه اذن لهما في حياته أو اشار إليه كما في قضية بئر اريس ووضع احجار مسجد قبا وغيرهما وقد اشار إليه ايضا بكونهما اقرب الناس مكانا له ص واكثر ملازمة وقد اوصى الحسن رضى الله عنه ان يدفن معهم فمنعه من ذلك مروان وغيره فما اجابوا عنه كان جوابنا وعن الثالث انه لم يدفع ذلك لعلى ميراثا ولا صدقة لما مر بل بطريق الوصية منه صلعم على ما ورد وعلى فرض عدم الوصية فيحتمل انه دفعهما إليه عارية أو نحوها ليستعين بهما في الجهاد ولتميزه على غيره بالشجاعة العظمى اوثر بذلك وعن الرابع ان بر امهات المؤمنين واجب على كل احد والامام بذلك اولى على انه إنما يتوجه ان لو خصا عائشة وحفصة بذلك بل اعطياه لكل منهن وعلى ان عليا رضى الله عنه كان يفعله فإن توجه اليهما به عتب توجه إليه وعلى ان عليا رضى الله عنه لم يكن معتقدا انه صلعم يورث وان الشيخين ظلماه، وانه لما ولى صار مخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الارضين وغيرها بيده لم يغير شيا مما فعلاه، ولم يقسم لبنى العباس ولا لامهات المؤمنين منها شيئا، ولا لاولاده من فاطمة رضى الله عنها نصيبهم مما ورثتة، فدل ذلك دلالة قطعية على ان اعتقاده موافق لاعتقادهما كبقية الصحابة انتهى. اقول: جميع ما ذكره في الجواب، خارج عن الصواب اما ما ذكره في الجواب عن الاول فلانا نقول كيف لم يقم احتمال ملكية فدك في حق فاطمة عليها السلام عند ادعائها للنخلة كما سبق وقام ههنا على وجه لم يقع حاجة الى الفحص عنه اصلا ؟ مع ان احتمال ملكية الازواج لبيوتهن مما ابطله انشاد ابن عباس رضى الله عنه على عائشة حين

[ 159 ]

مجيئها راكبة على بغلة لمنع ان يطاف بجنازة الحسن عليه السلام في حجرة النبي صلى الله عليه وآله. تجملت، تبغلت، وان عشت، تفيلت لك التسع، من الثمن، وللكل، تملكت (1) وأما ما ذكره في قوله من احتمال الاختصاص، فليس فيه رجاء الخلاص لانه ان اراد به الاختصاص التمليكى فهو الاحتمال الاول وان اراد به الاختصاص الارتباطي بالسكنى فيه ونحوها فلا يفيد. وقوله تعالى " وقرن في بيوتكن " لا يدل على الاختصاص التمليكى وإلا لزم ان كل من قال لزوجاته مثلا: قرن في بيوتكن. ان يكون ذلك صيغة تمليك لهن ولم يقل به أحد بل ذهب بعض الفقهاء الى ان الزوجة لا ترث من بيت الزوج لادلة مذكورة في كتب الفقه وكذا ما ذكره من احتمال التقسيم سقيم لانه ان اراد به ما هو على وجه التمليك فيرجع الى الاحتمال الاول ايضا وان اراد به ما لم يكن على ذلك الوجه فلا يفيد اصلا. وأما ما ذكره من " انهن في حكم المعتدات لبقاء تحريمهن " ففيه ان بقاء المعتدات في بيوت الا زوج انما يجب في عدة الطلاق الرجعى


(1) في المناقب لابن شهر آشوب ص 175 ج 2 من النسخة المطبوعة بايران سنة 1317 عند ذكر وفاة الحسن عليه السلام " قال ابن عباس فاقبلت عائشة في أربعين راكبا على بغل مرحل وهي تقول: مالي ولكم ؟ تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أحب فقال ابن عباس بعد كلام " جملت وبغلت ولو عشت لفيلت " الصقر البصري ويوم الحسن الهادي على بغلك أسرعت * ومايست ومانعت وخاصمت وقاتلت وفي بيت رسول الله بالظلم تحكمت * هل الزوجة أولى بالموارث من البنت لك التسع، من الثمن، فبالكل، تحكمت * تجملت، تبغلت، ولو عشت، تفيلت

[ 160 ]

دون عدة الوفاة ونحوها فإن المعتدة الغير الرجعية لا تستحق عندنا وعند فقهاء أهل السنة سكنى ولا نفقة وايضا لا نسلم ان ما في حكم الشئ حكمه حكم ذلك الشئ بل الحكم بذلك تحكم على ان اكثر علمائنا ذهبوا الى ان الزوجة إذا لم يكن لها ولد من الزوج المتوفى لا ترث عن رقبة الأرض شيئا ويعطى حصتها من قيمة الالات والابنية والشجر وذهب بعضهم الى انها إنما تمنع من الدور والمساكن وقيل ترث من قيمة الأرض لا من العين وعلى التقادير الثلاثة يدخل بيت المتوفى من حين موته في ملك من عداتلك الزوجة من الوراث فاعتدادها فيها يكون غير جائز عندنا بدون اذن الوارث وأما ما استدل على كونهن في حكم المعتدات بقوله صلعم " ما تركت بعد نفقة نسائى الى آخره " ففيه ان النفقة والمؤنة لا تشمل البيت كما لا يخفى فلا دلالة له على مدعاه اصلا. وأما ما اجاب به عن الثاني من " انه كان حجرة عائشة ملكها واختصاصها ولم يدفنا فيها إلا باذنها الى آخره " فمدفوع بما مر من عدم ثبوت الملكية وعدم جدوى الاختصاص، فاذنها لا يجدى لها ولا لهما الخلاص. ومما يناسب هذا المقام ما حكاه بعض مشايخنا من ان فضال بن الحسين الكوفى من اصحابنا مر بابى حنيفة وهو في جمع كثير يملى عليهم شيئا من فقهه وحديثه فقال لصاحب كان معه والله لا ابرح أو اخجل ابا حنيفة فقال صاحبه ان أبا حنيفة قد علمت حاله وظهرت حجته قال مه، هل رايت حجة علت على مؤمن ؟ ثم دنا منه فسلم عليه فرد القوم السلام باجمعهم فقال: يا ابا حنيفة رحمك الله ان لي اخا يقول ان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله على بن ابى طالب وانا اقول ان أبا بكر خير الناس وبعده عمر فما تقول أنت رحمك الله ؟ فاطرق مليا ثم رفع راسه وقال كفى بمكانهما من رسول الله صلى الله عليه وآله كرما وفخرا اما علمت انهما ضجيعاه في قبره ؟ فاى حجة لك اوضح من هذه ؟ فقال: له فضال انى قد قلت ذلك لاخى قال والله

[ 161 ]

لئن كان الموضع لرسول الله صلعم دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق، وان كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه وآله فقد اساءا وما احسنا إذ رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما، فاطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال لم يكن له ولا لهما خاصة ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما فقال فضال قد قلت له ذلك فقال أنت تعلم ان النبي صلعم مات عن تسع حشايا ونظرنا فإذا لكل واحدة منهن في تسع الثمن ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر فكيف يستحق الرجلان اكثر من ذلك وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة بنته تمنع التراث ؟ فقال أبو حنيفة يا قوم نحوه عنى فوالله انه رافضي خبيث انتهى. وانما نقلناها ليظهر للناظر انه لعدم اصل صحيح لهم في ذلك يهتدون به الى الحق لم تزل تدق رؤسهم على الجدار فيجيبون عما يرد عليهم فيه على وجه الرمى في الظلام بالاجوبة المتناقضة الواهية. وأما ما ذكره فيه بقوله " وايضا فالراي في الحجر كما كان له صلعم في حياته يكون لخليفته بعده " فمردود بان خلافته لم تثبت فانتفى الاعتبار برايه سيما الراى المردود بينما ذكره من الاحتمالات السخيفة الباردة وانا لله وانا إليه راجعون إذا صارت الشرائع تشرع بمثل هذا الراى. وأما ما زعمه من النقض بوصية الحسن عليه السلام ان يدفن معهم فجوابنا عنه ظاهر لانه عليه السلام ما اوصى الا بطوف جنازته حول قبر النبي صلعم تجديدا للعهد به فزعمت عائشة عند حمل جنازته ع الى الروضة المتبركة النبوية، على مشرفها الصلوة والسلام والتحية، انهم يريدون دفنه عنده ص فركبت على البغلة مع مروان وجماعة من اتباعه للمدافعة حتى جرى بينها وبين ابن العباس رضي الله عنه ما نقلناه سابقا وآل الامر الى ان رموا جنازة الحسن عليه السلام بالسهام، ووصل النصال الى بدنه الشريف عليه السلام، ومما ينبغي التنبيه عليه ان المراد

[ 162 ]

من لفظ غيره في قوله " فمنعه من ذلك مروان وغيره " عائشة فاضمرها تبعا ومروان اصلا حفظا لحال عائشة بالاصلاح الكاذب فتدبر. واما ما أجاب به عن الثالث بانه " لم يدفع ذلك لعلي عليه السلام ميراثا ولا صدقة لما مر بل بطريق الوصية منه ص " فمدفوع بأن المروي ان النزاع بينهما انما كان على وجه طلب الميراث فانه لو كان هناك وصية لما اتجه النزاع منهما بخلاف الارث فانه لما كان في أولوية العم من الاب فقط كالعباس من ابن العم من الاب والام معا كعلي عليه السلام خلاف اتجه نزاع على وعباس ظاهرا والرجوع الى أبي بكر وايقاعهما لابي بكر في ورطة حكمه ما يناقض حكمه سابقا بأن الانبياء لا يورثون حيث حكم ههنا باولوية على من العباس لما ذكر في فقه الفرائض من أن المتقرب بالسببين اولى من المتقرب بسبب واحد وما يقال: ان أولوية علي عليه السلام بالسيف والدرع والبغلة انما كانت لكونه اشجع واقوى نصرة لدين الاسلام بها انما يتم في السيف والدرع دون والبغلة ولو سلم فلا اقل من ان يصلح العباس للدراعة التي كانت من جملة المتنازع فيها ايضا. ثم من اين سمع أبو بكر وصية النبي صلى الله عليه وآله فيها ولم يسمعه علي عليه السلام والعباس رضي الله عنه ئهل هذا إلا ترويج المدعى بالظن والتخمين ؟ واما احتمال العارية فهو عار عن المعقول، وما ذكره في توجيهه ليس بوجيه واما قوله " ولتميزه بالشجاعة العظمى، الى آخره " فهو مناف لما تكلفه سابقا من اثبات اشجعية ابي بكر فتذكر. واما ما أجاب به عن الرابع من " ان بر امهات المؤمنين واجب " فلا بر فيه. ومن العجب ان بر امهات المؤمنين واجب وبر فاطمة البتول، وفلذة كبد الرسول، في قضية فدك لم يكن واجبا... وهل هذا القول مع ذلك الفعل الى عناد وبغض لسيد الابرار و آله الطاهرين الاخيار. واما ما ذكره في العلاوة الاولى من " انه لم يخص عائشة وحفصة بذلك، الى آخره " ففيه انه وان لم يخصهما في اصل العطية لكن خصهما بالزيادة وإنما

[ 163 ]

اعطى غيرهما قليلا تقليلا لملامة الناس اياه. واما ما ذكره في العلاوة الثانية من " ان عليا ع كان يفعله الى اخره " ففيه ما مر من ان الخلافة ما وصلت إليه عليه السلام إلا بالاسم دون المعنى،. وقد كان عليه السلام معارضا منازعا منغصا طول ايام ولايته وكيف يامن في ولايته الخلاف على المتقدمين عليه وجل من بايعه وجمهورهم شيعة اعدائه ومن يرى انهم مضوا على اعدل الامور وافضلها وان غاية امر من بعدهم ان يتبع آثارهم ويقتفى طرائقهم. وما العجب من ترك أمير المؤمنين عليه السلام ما ترك من اظهاره بعض مذاهبه التي كان الجمهور يخالفه فيها وانما العجب من اظهاره شيئا من ذلك مع ما كان عليه من اشراف الفتنة وخوف الفرقة وقد كان عليه السلام يجهر في كل مقام لقومه بما عليه من فقد التمكن وتقاعد الانصار وتخاذل الاعوان بما ان ذكر لطال به الكلام وهو عليه السلام القائل وقد استاذنه قضاته فقالوا: بماذا نقضى يا امير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام لهم: اقضوا بما كنتم تقضون حتى تكون الناس جماعة أو اموت كما مات اصحابي يعنى عليه السلام من تقدم موته من اصحابه والمخلصين من شيعته الذين قبضهم الله تعالى وهم على احوال التقية والتمسك باطنا بما اوجب الله تعالى عليهم التمسك به وهذا واضح فيما قصدناه. وأما ما ذكره في العلاوة الثالثة من " ان عليا رضى الله عنه لم يكن معتقدا انه يورث وان الشيخين ظلماه " فيعارضه مرافعته عليه السلام مع العباس الى أبي بكر في طلب ميراث النبي صلى الله عليه واله كما رواه هذا الشيخ الناسي في كتابه هذا وما رواه مسلم في صحيحه من انه " قال عمر للعباس وعلى: فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وآله قال أبو بكر: انا ولى رسول الله صلعم فجئتما انت تطلب ميراثك من ابن اخيك، ويطلب هذا ميراث امراته من ابيها، فقال: أبو بكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركناه صدقة فرايتماه كاذبا آثما غادرا خائنا والله يعلم

[ 164 ]

انه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفى أبو بكر فقلت: انا ولى رسول صلى الله عليه وسلم وولى أبي بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا والله يعلم انى لصادق بار تابع للحق فوليتهما، ثم جئت أنت وهذا وانتما جميع وامركما واحد فقلتما ادفعاها الينا الى اخره " وهو صريح في اعتراف عمر باعتقادهما بارث النبي صلى الله عليه وآله وعدم اعتقادهما بخلافة عمر بل بخلافة أبي بكر ايضا لتوقفها عليها ثم في هذا الحديث من سوء الادب بالنسبة الى النبي صلى الله عليه وآله والعباس ما لا يخفى على المتأمل وقد اوضحناه في شرحنا على كتاب نهج الحق (1) فارجع إليه، وفيه ايضا شهادة علي عليه السلام والعباس في أبي بكر وعمر بالكذب والاثم والغدر والخيانة واستمرار قولهما الى خلافة عمر وعدم تغيرهما عن شهادتهما وقولهما، والناصبة يكذبون جميع ذلك ويقولون انهما رضيا بخلافة ابى بكر وعمر وان كل ما يذكر عنهم من الخلاف والشقاق فانه من تشنيعات الشيعة واعجب ما في هذا قول الترمذي وقوله ان عليا والعباس كانا يطلبان القسمة لانهما يعلمان ان فدكا والعوالى صدقة ونسى قول عمر للعباس تطلب ميراثك في ابن اخيك، ويطلب هذا ميراثه من امراته فتدبر. واما ما ذكره من " انه عليه السلام لم يغير شيئا مما فعلاه،. الى آخره " فقد مر الوجه فيه قبيل ذلك من اعماله للتقية فيه وقد قال اصحابنا في وجه تركه عليه السلام فدكا لما ولى الناس وجوها منها رعاية التقية لما مر من انه عليه السلام لما راى اعتقاد الجمهور بحسن سيرة الشيخين وانهما كانا على الحق لم يتمكن من الاقدام على ما يدل على فساد امامتهما لما في ذلك من الشهادة بالظلم والجور منهما، وانهما كانا غير مستحقين لمقامهما، وكيف يتمكن من نقض احكامهم وتغيير سننهم واظهار خلافهم على الجماعة التى يظنون انهم كانوا مصيبين في جميع ما فعلوه وتركوه وان امامته مبنية على امامتهم فان فسدت فسدت امامته وقد روى انه


(1) يريد به كتابه المعروف الموسوم باحقاق الحق في نقض ابطال الباطل إذ هو اسم شرحه لنهج الحق للعلامة ره

[ 165 ]

عليه السلام نهاهم عن الجماعة في صلوة التراويح التى ابدعها عمر فامتنعوا ورفعوا اصواتهم قائلين " واعمراه، واعمراه " حتى تركهم في خوضهم يلعبون ومنها ما رواه شيخنا الاجل ابن بابويه رضوان الله عليه في اوائل كتاب العلل مرفوعا الى الصادق عليه السلام قال سألته لاى علة ترك على عليه السلام فدكا لما ولى الناس ؟ قال للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله لما فتح مكة وقد باع عقيل بن أبي طالب داره فقيل له: يا رسول الله الا ترجع الى دارك ؟ فقال هل ترك عقيل لنا دارا.. انا أهل بيت لا نسترجع شيئا اخذ منا ظلما فكذلك لم يسترجع فدكا لما ولى. ومنها ما رواه باسناده الى موسى بن جعفر عليهما السلام قال سألته لم لم يسترجع أمير المؤمنين عليه السلام فدكا لما ولى الناس ؟ فقال لانا اهل بيت لا ياخذ حقوقنا ممن ظلمنا إلا الله تعالى، ونحن اولياء المؤمنين نحكم لهم وناخذ حقوقهم ممن ظلمهم. فدل ما ذكرناه دلالة قطعية على ما يرغم انف هذا الشيخ الجاهل وانوف اصحابه والحمد لله سبحانه. 57 - قال: تنبيه: لا يعارض قوله صلى الله عليه وسلم " نحن معاشر الانبياء لا نورث " قوله تعالى " وورث سليمان داود " لأن المراد ليس وراثة المال بل النبوة والملك ونحوهما بدليل اختصاص سليمان بالارث مع ان له تسعة عشر اخا فلو كان المراد المال لم يختص به سليمان وسياق " علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ " قاض بما ذكرناه، ووراثة العلم قد وقعت في آيات منها قوله تعالى " ثم اورثنا الكتاب فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب " وقوله تعالى " فهب لى من لدنك وليا يرثنى " لأن المراد فيها ذلك ايضا بدليل " فانى خفت الموالى من ورائي " أي ان يضيعوا العلم والدين وبدليل " من آل يعقوب " وهم اولاد الانبياء على ان زكرياء لم يحك أحد انه كان له مال حتى يطلب ولدا يرثه ولو سلم فمقام النبي صلى الله عليه وسلم يابى طلب ذلك إذ القصد

[ 166 ]

بالولد احياء ذكر الاب والدعاء له وتكثير سواد الامة فمن طلبه لغير ذلك كان ملوما مذموما سيما ان قصد به حرمان عصبته من ارثه لو لم يوجد له ولد انتهى. اقول: ما ذكره من قبيل التنبيه ممن لا يتنبه اما اولا فلان الارث حقيقة في ارث المال لغة وشرعا فاطلاقه على غيره يكون مجازا لا يصار إليه إلا بدليل، وما ذكره هذا الشيخ الجامد من الدليل عليل، إذ لو اراد باختصاص سليمان بالارث الاختصاص الذكرى، فهو لا ينفى ارث غيره من اخوته وان اراد به الاختصاص الحصرى، فالاية خالية عنه وابعد من ذلك دعواه دلالة سياق " علمنا واوتينا " على ذلك وأما ما ذكره من الايات التي زعم دلالتها على وراثة العلم فمدفوع اجمالا بما ذكرناه من ان استعمال الوراثة في العلم مجاز بدليل ان الارث انتقال أمر من محل الى آخر وقد استدل اهل السنة على بطلان قول النصارى بانتقال العلم والحياة الى عيسى عليه السلام بان المستقل بالانتقال لا يكون إلا الذات دون الاعراض والصفات صرح بذلك الفاضل التفتازانى في شرح العقائد وغيره في غيره وايضا لو كان العلم والنبوة مما يورث لم يكن على وجه الأرض إلا الانبياء والعلماء إذ الميراث لا يجوز ان يكون لواحد من الورثة دون الاخر فاول خلق الله كان نبيا هو آدم عليه السلام فلو ورث ولده نبوته وعلمه لوجب ان يكون جميع ولد آدم انبياء وعلماء وكذلك اولاد اولاده الى يوم القيامة ويلزم ايضا قائل هذا ان يحكم بان ورثة محمد صلى الله عليه وآله قد ورثوا نبوته فهم الانبياء فلا يجوز تقديم ابي بكر عليهم وان صححنا خلافته كما ذكروه في انكار تجويز تقدم المهدى على عيسى عليهما السلام والعجب من الناصبة انهم لا يثبتون على طريقة واحدة لانهم إذا قال لهم الامامية ينبغى ان يكون

[ 167 ]

الخلافة لعلى عليه السلام لئلا يخرج سلطان محمد صلى الله عليه وآله من داره وقعر بيته قالوا هذه سنة هرقلية لا يجتمع النبوة والامامة في بيت واحد وههنا يثبتون مذهبهم الهرقلى ويقولون ان النبي يتولد منه النبي ويرث منه النبوة وأما تفصيلا فلانه ان اريد بالكتاب في الاية الاولى الكاغذ مع ما فيه من النقوش وما يشتمل عليه من الجلد فهو مال يورث حقيقة وان اراد به الالفاظ والمعاني فهى اعراض لا تنتقل كما مر فلا يورث. واما الاية الثانية فلانه لا مجال لحمل الاية على ارث النبوة لأن الموالى في قول زكريا عليه السلام في " خفت الموالى من ورائي " هم الذين يرثون المال بالضرورة ولا يرثون النبوة بالاجماع ولأن الموالى التي يخاف منهم ما كانوا صالحين للنبوة لانهم كانوا اشرارا فلا يجعلهم الله انبياء فالمراد بقوله " خفت الموالى، الى آخره " خفت تضييع الموالى مالى وانفاقهم اياه في معصية الله عز وجل ولانهم لو كانوا قائلين بها لما كان معنى للخوف من وصول ارث النبوة إليهم وطلب غيرهم لأن نبى الله عالم بان الله تعالى لا يعطى النبوة إلا لمن يكون اهلا لها وما ذكره هذا الشيخ الجاهل من " ان معنى: خفت الموالى من ورائي. انى خفت ان يضيعوا العلم والدين " فلا معنى له لانه يمكن تضييع الموالى لعلم زكريا ودينه مع وجود الوارث المرضى كما ضيع الفرقة الهالكة من امة نبينا صلى الله عليه وآله علمه ودينه، ونبذوا الكتاب واهملوا قرينه، وبالجملة لا اختصاص للعلم والدين بالولد الوارث كما يقتضى سياق الاية طلب زكريا عليه السلام له بل هو يشمل جميع امته عليه السلام فيمكن لغير الولد المرضى تضييع ذلك وكذا حفظ العلم والدين لا يخص الولد بل ربما يحصل ذلك لغيره من المرضيين فلو اراد زكريا عليه السلام طلب من يحفظ العلم والدين عن التحريف ونحوه لقال: ابعث من يحفظ دينى فانى خفت

[ 168 ]

الموالى (الاية) بخلاف المال فانه يخص ارثه بالولد عند وجوده دون الموالى من بني العم فإذا وصل الى الولد المرضى حصل الامن من فساد الموالى السوء له واما ما ذكره من " انه لم يحك احد انه كان لزكريا مال حتى يطلب ولدا يرثه " ففيه ان من حمل الارث على حقيقة من ارث المال حكى ذلك مع ان عدم الحكاية لا يقتضى حكاية العدم فافهم وأما ما ذكره من " ان مقام النبي صلى الله عليه وسلم يابى طلب ذلك،. الى آخره " فيرد عليه انا قد ذكرنا ان الموالى كانوا مفسدين اشرارا خاف عليه السلام صرفهم لماله في معصية الله عز وجل فليس في طلب الوارث المرضى لدفع هذه المفسدة ما ذكره هذا الشيخ المفسد من مفسدة قصد حرمان العصبة ولا غيرها فهو في حكمه بان من طلب الولد لغير ذلك كان ملوما مذموما ملوم مذموم مدحور، على مر الدهور. 58 - قال: الثامنة زعموا ان النبي صلى الله عليه وسلم نص على الخلافة لعلى اجمالا قالوا: لانا نعلم قطعا وجود نص جلى وان لم يبلغنا لأن عادته صلعم في حياته قاضية باستخلاف على على المدينة عند غيبته عنها حتى لا يتركهم فوضى أي متساوين لا رئيس لهم فإذا لم يخل بذلك في حياته فبعد وفاته اولى وجوابها مر مبسوطا في الفصل الرابع بادلته ومنه إنما ترك ذلك لعلمه بان الصحابة يقومون به ويبادرون إليه لعصمتهم عن الخطاء اللازم لتركهم له ومن ثم لم ينص على كثير من الاحكام بل وكلها الى آراء مجتهديهم على انا نقول: انتفاء النص الجلى معلوم قطعا وإلا لم يمكن ستره عادة إذ هو مما تتوفر الدواعى على نقله. وايضا لو وجد نص لعلى لمنع به غيره كما منع أبو بكر مع انه اضعف من على (رضى الله عنه) عندهم الانصار بخبر " الائمة من قريش " فاطاعوه مع كونه خبر واحد وتركوا الامامة وادعائها لاجله فكيف حينئذ يتصور وجود نص جلى يقيني لعلى وهو بين قوم لا يعصون خبر الواحد في أمر الامامة وهم من الصلابة في الدين بالمحل الاعلى

[ 169 ]

بشهادة بذلهم الانفس والاموال، ومهاجرتهم الاهل والوطن وقتلهم الاولاد والاباء في نصرة الدين، ثم لا يحتج على عليهم بذلك النص الجلى بل ولا قال أحد منهم عند طول النزاع في أمر الامامة ما لكم تتنازعون فيها والنص الجلى قد عين فلانا لها ؟ فان زعم زاعم ان عليا قال لهم ذلك فلم يطيعوه كان جاهلا ضالا مفتريا منكرا للضروريات فلا يلتفت إليه وأما الخبر الاتى في فضائل على رضى الله عنه انه قام فحمد الله واثنى عليه ثم قال: انشد الله من شهد يوم غدير خم إلا قام ولا يقوم رجل يقول نبئت أو بلغني الا رجل سمعت اذناه ووعاه قلبه فقام سبعة عشر صحابيا وفي رواية ثلاثون فقال: هاتوا ما سمعتم فذكروا الحديث الاتى ومن جملته " من كنت مولاه فعلى مولاه " فقال صدقتم وانا على ذلك من الشاهدين فانما قال ذلك على بعد ان آلت إليه الخلافة لقول أبي الطفيل راويه كما ثبت عند أحمد والبزار جمع على الناس بالرحبة يعنى بالعراق ثم قال لهم: انشد الله من شهد يوم غدير خم الى آخر ما مر فاراد به حثهم على التمسك به والنصرة له حينئذ انتهى. اقول: لا يخفى ان الشيعة صرحوا بان النبي صلى الله عليه وآله نص على خلافة على بن ابى طالب عليه السلام نصا جليا مفصلا خاليا عن الابهام والاجمال وإنما ذكروا هذا التقرير الاجمالي بطريق الفرض تدرجا بذلك الى اثبات النص التفصيلي آخرا على الخصم فإن النص الاجمالي مما لا يبادر الخصم الى انكاره من اول الامر لادعاء بعضهم النص الخفى على خلافة ابي بكر فقد تسامحوا في اول الامر الى ان يتبين جلية الحال ويثبت وجود النص التفصيلي في المال كما قال شاعرنا: صد پايه پست كرده ام آهنگ قول خويش * تا بو كه اين سخن بمذاق تو در شود وامثال ذلك في كلام الحكماء كثيرة كما ذكره العلامة الدوانى في حواشيه القديمة على التجريد. وأما ما ذكره من سبق جوابه عن ذلك مبسوطا فقد عرفت رده منا

[ 170 ]

مفصلا مشروحا. وأما ما ذكره في الجواب بقوله " ومنه انه انما ترك ذلك لعلمه بان الصحابة يقومون به الى آخره " ففيه ان النبي صلى الله عليه واله قد بين كثيرا من الامور التي هي دون أمر الامامة بمراتب بل لا نسبة بينها وبينه مع علمه بان اصحابه بل كل من يقوم بالمعروف يقوم به فظهر ان ما ذكره لا يصلح وجها للترك اصلا وبالجملة لا يدانى شئ من الاحكام الفرعية عظم أمر الامامة التي هي رياسة عامة في امور الدين والدنيا نيابة عن النبي صلى الله عليه وآله وقد صرح القاضى البيضاوى في بحث الاخبار من منهاج الاصول بانها من اعظم اصول الدين وهو عندنا كذلك فلا وجه لقياس تركه على ترك بعض الاحكام الفرعية. وأما قوله " لو وجد نص لعلى لمنع به غيره " ففيه ما مر مرارا من انه عليه السلام منع به بعد فراغه عن دفن النبي صلى الله عليه وآله لكن لم ينفع بعد خراب البصرة بسبق بيعة قريش على أبي بكر واتفاقهم في ذلك الغدر والمكر. وأما ما ذكره من منع أبي بكر الانصار بخبر " الائمة من قريش " فانما اتفق لما اوقعوا في اوهامهم من ان الفرد الكامل المنصوص عليه بالخلافة من قريش قد تقاعد عنها وقعد في قعر بيته حزنا على النبي صلى الله عليه وآله أو لغيره من الاغراض. وأما ما ذكره من " انه لم يقل أحد منهم عند طول النزاع في امر الامامة ما لكم تتنازعون فيها والنص الجلى قد عين فلانا لها ؟ " فمردود بان قريشا كتموا ذلك حسدا وعداوة لعلى عليه السلام. وأما الانصار فللتوهم المذكور،. ثم ان اراد بطول النزاع طول النزاع يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله والبيعة على أبي بكر فيه فلتة فلا طول فيه وان اراد طول النزاع المطوى في قلوب اهل البيت بعد تقرر البيعة على أبي بكر فقد مر ان عليا عليه السلام وجماعة من الصحابة نازعوا في ذلك ولم ينجع لسوء اتفاق معاندي قريش على ابى بكر فقالوا " لا عطر بعد عروس " وبالجملة الحديث الاتى الذى ذكره هذا الغافل صريح في تحقق النزاع فضلا عن

[ 171 ]

غيره مما شاع وذاع فظهر فساد تفريعه على ما قرره من الجهالات والتمويهات بقوله: " فإن زعم زاعم " الى آخره. وأما ما ذكره في تأويل الخبر الاتى الصريح في دعوى على عليه السلام نصبه للخلافة يوم الغدير من " انه انما قال ذلك بعد ان آلت إليه الخلافة فاراد به حثهم على التمسك به والنصرة له حينئذ " فمردود بانه على تقدير كون ذلك النص موجودا يثبت به خلافة على عليه السلام ويقوم حجة على الخصم سواء احتج به على ابى بكر عند غصبه للخلافة أو سكت عنه تقية الى ان آلت إليه الخلافة وارادته عليه السلام من ذكر ذلك الحديث على المجتمعين عليه في ايام خلافته حثهم على التمسك به والنصرة له لا يقدح في كونه نصا على خلافته وهو ظاهر. 59 - قال: التاسعة زعموا وجود نص على الخلافة لعلى تفضيلا وهو قوله تعالى " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض " وهي تعم الخلافة وعلى من اولى الارحام دون ابى بكر وجوابها منع عموم الاية بل هي مطلقة فلا تكون نصا في الخلافة وفرق ظاهر بين المطلق والعام إذ عموم الاول بدلى والثانى شمولي انتهى. اقول: لو سلم عدم عموم اولى الارحام بحسب الصيغة فهو عام بحسب المدلول بقرينة السياق والسباق ودلالة قوله " بعضهم " فكأنه تعالى قال: وجميع اولى الارحام بعضهم اولى ببعض لظهور ركاكة ان يقال بعض اولى الارحام بعضهم اولى ببعض وايضا قد انعقد الاجماع على عدم تخصيص الاولوية ببعض دون بعض وايضا لو لم يكن المراد به العموم لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ لم يتبين ان ذلك البعض الذي هو اولى بالبعض من ذوى الارحام بدلا أي بعض كان نعم ؟ لقائل ان يقول في بادى النظر ان العباس رضى الله عنه كان اقرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من على عليه السلام ويجاب اولا بان الله سبحانه لم يذكر الاقرب الى النبي صلى الله عليه وآله دون ان علقه بوصف فقال: " النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امهاتهم واولوا

[ 172 ]

الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين " فشرط الاولى بالنبي الايمان والمهاجرة ولم يكن العباس من المهاجرين بالاتفاق. وثانيا ان أمير المؤمنين عليه السلام كان اقرب الى رسول الله صلى الله عليه واله واولى بمقامه ان ثبت ان المقام موروث وذلك ان عليا عليه السلام كان ابن عم النبي صلى الله عليه وآله لابيه وامه والعباس عمه لابيه خاصة ومن تقرب بسببين كان اقرب ممن تقرب بسبب واحد كما ذكر في فقه الفرائض ولهذا حكم أبو بكر في الدرع والسيف والبغلة وغيرها من ميراث النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام دون العباس كما نقله هذا الشيخ الجامد سابقا فتدبر 60 - قال: العاشرة زعموا ان من النص التفصيلي المصرح بخلافة على قوله تعالى " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا،. الاية " قالوا والولى أما الاحق والاولى بالتصرف كولى الصبى وأما المحب والناصر وليس له في اللغة معنى ثالث والناصر غير مراد لعموم النصرة لكل المؤمنين بنص قوله تعالى " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض " فلم يصح الحصر بانما في المؤمنين الموصوفين بما في الاية فتعين انه في الاية المتصرف وهو الامام وقد اجمع اهل التفسير على ان المراد بالذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون. على إذ سبب نزولها انه سئل وهو راكع فاعطى خاتمه واجمعوا ان غيره كابى بكر غير مراد فتعين انه المراد في الاية فكانت نصا في امامته وجوابها منع جميع ما قالوه إذ هو حزر وتخمين من غير اقامة دليل يدل له بل الولى فيها بمعنى الناصر ويلزم على ما زعموه ان عليا اولى بالتصرف حال حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شبهة في بطلانه وزعمهم الاجماع على ارادة على دون ابي بكر كذب قبيح لأن ابا بكر داخل في جملة الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة الى آخره لتكرر صيغة

[ 173 ]

الجمع فيه فكيف يحمل على الواحد ونزولها في حق على (عليه السلام) لا ينافى شمولها لغيره ممن يجوز اشتراكه معه في تلك الصيغة وكذلك زعمهم الاجماع على نزولها في على (عليه السلام) باطل ايضا فقد قال الحسن وناهيك به جلالة وامامة انها عامة في سائر المؤمنين ويوافقه ان الباقر سئل عمن نزلت فيه هذه الاية اهو على ؟ فقال على من المؤمنين ولبعض المفسرين ان: قوله تعالى (ان الذين آمنوا) ابن سلام واصحابه ولبعض آخر منهم قول انه عبادة لما تبرا من خلفائه من اليهود وقال عكرمة وناهيك به حفظا لعلوم مولاه ترجمان القران عبد الله بن عباس رضى الله عنهما انها نزلت في ابى بكر فبطل ما زعموه وايضا فحمل الولى على ما زعموه لا يناسب ما قبلها وهو " لا تتخذوا اليهود،. الى آخره " إذ الولى فيها بمعنى الناصر جزما ولا ما بعدها وهو " ومن يتولى الله ورسوله،. الى آخره " إذ التولى هنا بمعنى النصرة فوجب حمل ما بينهما عليها ايضا لتتلائم اجزاء الكلام انتهى. اقول: جميع منوعه مكابرات مردودة والدلائل على ثبوت مقدمات استدلالنا بالاية الكريمة موجودة أما الدليل على ان المراد بالولي الاولى بالتصرف دون المعاني الاخر فلان حصر الولاية في المؤمنين الموصوفين في الاية بايتاء الزكوة حال الركوع يدل على عدم ارادة النصرة ونحوها وإلا لزم بمقتضى الحصر ان يكون من شرط الولى المؤمن مطلقا ايتاء الزكوة حال الركوع وفساده ظاهر والحاصل انه ان اريد بالولي الناصر وبالذين آمنوا جماعة من المؤمنين الذين يمكن اتصافهم بالنصرة فيستقيم الحصر حينئذ لكن لا يستقيم الوصف بايتاء الزكوة حال الركوع وان اريد به الناصر وبالذين آمنوا على عليه السلام يبطل الحصر وان اريد به الاولى بالتصرف وبهم على عليه السلام يستقيم الحصر والوصف معا لأن كون ايتاء الزكوة حال الركوع

[ 174 ]

من شان الامام الاولى بالتصرف في احكام المؤمنين غير مستبعد بل روى انه قد وقع هذه الكرامة عن باقى الائمة المعصومين عليهم السلام وايضا العطف دال على تشريك الله تعالى ورسوله ووليه في اختصاص النصرة بهم والاخفاء في ان نصرة الله ورسوله للمؤمنين مشتملة على التصرف في امورهم على ما ينبغى فكذلك نصرة من اريد بالذين آمنوا غاية الامر ان التصرف في امورهم مفهوم مشكك يختلف بالاولية والاولوية والاشدية بل حقق ان جميع المعاني العشرة التي ذكروها للولى مرجعها الى الاولى بالتصرف كما سنبينه فيما سيورده من حديث الغدير فما نسبه الى الشيعة في تقرير كلامهم من انهم قالوا ليس له معنى ثالث مرية بلا مرية. واما ما اورده من " انه يلزم على ما زعموه ان عليا اولى بالتصرف في حال حياة النبي صلى الله عليه وسلم الى آخره " فمردود بانا نلتزمه ولا نسلم بطلانه لانه لا مانع عن ثبوت الولاية له عليه السلام في الحال بل الظاهر ان المراد اثباتهما على سبيل الدوام بدلالة اسمية الجملة وكون الولى صفة مشبهة وهما دالتان على الدوام والثبات ويؤيد ذلك استخلاف النبي صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام في المدينة في غزوة تبوك وعدم عزله الى زمان الوفاة فيعم الازمان والامور للاجماع على عدم الفصل ويؤيده ايضا حديث المنزلة على ما سيجئ لدلالته على ولايته ع في زمان حياة النبي صلى الله عليه وآله ومماته كما سيجئ تحقيقه ان شاء الله تعالى واما الدليل على ثبوت الاجماع على ان المراد من ضمائر الجمع في الاية على عليه السلام وان الجمع للتعظيم كما وقع في كثير من الايات والاخبار فهو نقل جماعة من علماء أهل السنة كالفاضل التفتازانى والفاضل القوشجى اتفاق المفسرين على ذلك والاجماع المنقول بخبر الواحد حجة. واما استبعاد الاجماع على ارادة على عليه السلام دون أبي بكر مستندا بان أبا بكر داخل في " جملة الذين آمنوا،. الى آخره " فلا يخفى ما فيه لأن دخول أبي بكر أو غيره من المؤمنين بحسب عموم اللفظ لو سلم لا ينافى وقوع

[ 175 ]

الاجماع على ارادة على عليه السلام فقط واين الارادة من الدلالة... وأما ما ذكره من " ان نزولها في على لا ينافى شمولها لغيره ممن يجوز،. الى آخره " ففيه ان من منع شمول الاية لغير على عليه السلام لم يستند فيه بمجرد نزولها في شان على ع بل ضم مع ذلك كون الاوصاف المذكورة فيها قد انحصر بالاتفاق في واحد هو على عليه السلام دون غيره على انه قد قرر العلامة الحلى قدس سره الاستدلال بالاية على وجه لا يتوجه إليه شئ من ذلك فقال: " ان لفظة انما تفيد الحصر بالنقل عن أهل اللغة والولى يطلق على الناصر ونحوه والمتصرف ولا معنى للاول ههنا لان هذه الاية متخصصة ببعض الناس والنصرة عامة لقوله تعالى " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض " إذا ثبت هذا فنقول: ان المراد بالذين آمنوا ههنا بعض المؤمنين لأن الله تعالى وصفهم بايتاء الزكوة حال ركوعهم وليس هذا الوصف ثابتا لكل المؤمنين وايضا لو كان المراد كل المؤمنين لكان الولى والمولى عليه واحدا وذلك باطل وإذا ثبت ان المراد بعض المؤمنين كان ذلك البعض عليا عليه السلام لأن الامة اجمعوا على ان المراد اما بعض المؤمنين فهو على عليه السلام واما جميع المؤمنين فيدخل على عليه السلام فيهم وقد بينا ان المراد هو البعض فلو كان غير على عليه السلام كان ذلك خارجا للاجماع المركب ولاتفاق المفسرين على ان المراد بذلك هو على عليه السلام " (انتهى) واما ابطاله للاجماع على نزول الاية في على عليه السلام بمخالفة قول الباقر عليه السلام وشذوذ من المفسرين لذلك فبطلانه ظاهر ومن عجيب تمحلاتهم انهم لم يكتفوا بان ينسبوا الكذب في ذلك الى عكرمة ومن شاكلوه حتى نسبوه الى مولانا الباقر عليه السلام لزعمهم ان الشيعة إذا سمعوا النسبة الى مولاهم الباقر عليه السلام يذهلون عن القدح فيمن رواه عنه من الجمهور، فيصححونها ويجعلونها حجة على انفسهم مر الدهور، على

[ 176 ]

ان اتفاق اكثر المفسرين من أهل السنة يكفى احتجاجا بسبب ما ذكرنا سابقا من ان ما يصير حجة على واحد منهم فهو حجة على الاخرين لأن ما يليق ان يعتبر لذى الانصاف هو ما اتفق عليه الفريقان فتذكر وتامل. وأما ما ذكره من ان حمل الولى على ما زعموه لا يناسب ما قبلها الى آخره " فمدخول بان الولاية بمعنى الامامة والتصرف في الامور اعم من الولاية بمعنى النصرة في الجملة فنفى الولاية بمعنى الامامة مفيد لنفى الولاية المنفية عن اليهود والنصارى في الاية الاولى على اتم وجه لأن نفى العام نفى الخاص مع الزائد فهو اتم في النفى فيكون المناسبة حاصلة. وأما ما بعد الاية فلا دلالة له على مقصودهم إلا إذا حمل حزب الله على معنى انصار الله كما تمحله بعضهم وهو كما ترى على ان كثيرا من آيات القرآن قد ياتي واولها في شئ وآخرها في غيره ووسطها في معنى آخر وليس طريق الاتفاق في المعنى من محسنات الكلام ولو سلم فانما يرد على خليفتكم عثمان الذي رتب القرآن على غير وجهه فتدبر. 61 - قال: الحادية عشرة زعموا ان من النص التفصيلي المصرح بخلافة على عليه السلام قوله يوم غدير خم موضع بالجحفة مرجعه من حجة الوداع بعد ان جمع الصحابة وكرر عليهم " الست اولى بكم من انفسكم " ثلاثا وهم يجيبون بالتصديق والاعتراف ثم رفع يد على عليه السلام وقال " من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واحب من احبه، وابغض من ابغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وادر الحق معه حيثما دار " قالوا: فمعنى المولى الاولى أي فلعلي عليهم من الولاء ما له صلى الله عليه وسلم عليهم منه بدليل قوله " الست اولى بكم " لا الناصر وإلا لما احتاج الى جمعهم كذلك مع الدعاء له لأن ذلك يعرفه كل أحد. قالوا: ولا يكون هذا الدعاء الا لامام معصوم مفترض الطاعة قالوا فهذا نص صريح صحيح على خلافته انتهى وجواب هذه الشبهة التي هي اقوى شبههم يحتاج

[ 177 ]

الى مقدمة وهي بيان الحديث ومخرجيه وبيان انه حديث صحيح لا مرية فيه وقد اخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد وطرقه كثيرة جدا ومن ثم رواه ستة عشر صحابيا وفي رواية لاحمد انه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعلى لما نوزع ايام خلافته كما مر وسياتى وكثير من اسانيده صحاح وحسان ولا التفات لمن قدح في صحته ولا لمن رده بان عليا كان باليمن لثبوت رجوعه منها وادراكه الحج مع النبي ص وقول بعضهم " ان زيادة اللهم وال من والاه،. الى آخره موضوعة " مردود فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيرا منها وبالجملة فما زعموه مردود من وجوه نتلوها عليك وان طالت لمسيس الحاجة إليها فاحذر ان تسامها وتغفل عن تأملها احدها ان فرق الشيعة اتفقوا على اعتبار التواتر فيما يستدل به على الامامة وقد علم نفيه لما مر من الخلاف في صحة هذا الحديث بل الطاعنون في صحته جماعة من ائمة الحديث وعدوله المرجوع إليهم فيه كابى داود السجستاني وأبي حاتم الرازي وغيرهما فهذا الحديث مع كونه آحادا مختلف في صحته فكيف ساغ لهم ان يخالفوا ما اتفقوا عليه من اشتراط التواتر في احاديث الامامة ويحتجون بذلك ؟ ما هذا إلا تناقض قبيح وتحكم لا يعتضد بشئ من اسباب الترجيح انتهى. اقول: من البين انه لا يعتبر في تواتر الخبر والاحتجاج بتواتره كونه متواترا عند جميع الناس كما زعمه هذا الشيخ الخناس بل يعتبر كونه متواترا في الجملة وإلا فيشكل بالكتاب العزيز فانه ليس بمتواتر عند الكل ومن جميع الطرق اتفاقا فلا يلزم مناقضة الشيعة لانفسهم في استدلالهم بذلك لاثبات الامامة فانهم يدعون تواتره من طرقهم ومن بعض طرق أهل السنة فقد ذكر الشيخ عماد الدين ابن كبير الشامي الشافعي في تاريخه عند ذكر احوال محمد بن جرير الطبري الشافعي انى رايت كتابا

[ 178 ]

جمع فيه احاديث غدير خم في مجلدين ضخمين وكتابا جمع فيه طرق حديث الطير ونقل عن أبي المعالى الجوينى انه كان يتعجب ويقول شاهدت مجلدا ببغداد في يد صحاف فيه روايات هذا الخبر مكتوبا عليه المجلدة الثامنة والعشرون من طرق " من كنت مولاه فعلى مولاه " ويتلوه المجلدة التاسعة والعشرون ورواه ابن عقدة من الزيدية في مائة وخمس طرق واثبت الشيخ ابن الجزرى الشافعي في رسالته الموسومة باسنى المطالب في مناقب على بن أبي طالب تواتر هذا الحديث من طرق كثيرة ونسب منكره الى الجهل والعصبية وبالجملة قد بلغ هذا الخبر في التواتر والاشتهار الى حد لا يوازى به خبر من الاخبار، وتلقته محققوا الامة بالقبول والاعتبار، فلا يرده إلا معاند جاحد أو من لا اطلاع له على كتب الاحاديث والاثار، فاتضح بطلان ما مهده من المقدمة وما بناه عليها من الوجه الذي لا يبيض وجهه عند الاخيار، ثم اقول: ان في روايته لحديث الغدير خصوصا من طريق استدل به الشيعة اهمالا واخلالا لا يخفى لان مضمون الحديث على الوجه المتفق عليه بين الطريق المنقول لقدماء العامة وبعض طرق اصحابنا هو انه لما نزل حين رجوع النبي ص عن حجة الوداع قوله تعالى " ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك،. الاية " نزل النبي صلى الله عليه وآله بغدير خم وقت الظهر الذي لم يكن نزول المسافر فيه متعارضا في يوم شديد الحر حتى ان الرجل كان يضع رداءه تحت قدميه من شدة الحر فامر النبي صلى الله عليه وآله بجمع الرحال وصعد عليها خطيبا بالناس ذاكرا في خطبته: ان الله تعالى انزل عليه " بلغ ما انزل اليك من ربك الاية " لدنو لقاء ربه وانه يبلغ ما امره الله بتبليغه وتوعده ان لم يبلغه ووعده بالعصمة من الناس ثم اخذ بيد على عليه السلام وقال في جملة كلامه: الست اولى بكم من انفسكم قالوا: بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر

[ 179 ]

من نصره، واخذل من خذله، وادر الحق معه كيف دار " فلم ينصرف الناس حتى نزل قوله تعالى " اليوم اكملت لكم دينكم، واتممت عليكم نعمتي " فقال النبي صلى الله عليه وآله: الحمد لله على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الله تعالى برسالتى وبولاية على بعدى. ولا يخفى على من له شائبة من الانصاف ان مخاطبة الله تعالى للنبى صلى الله عليه وآله في آخر عمره ووداعه للدنيا بعد تبليغه الاسلام والصلوة والزكوة والصوم والحج والجهاد وغيرها من احكام الدين بقوله " وان لم تفعل فما بلغت رسالته " ونزول النبي صلى الله عليه وآله في زمان ومكان لا يتعارف فيهما النزول وصعوده على منبر من الرحال وقوله في حق أمير المؤمنين عليه السلام " من كنت مولاه فعلى مولاه " ودعاءه له على الوجه المذكور ليس الا لامر عظيم الشان جليل القدر كنصبه للامامة لا لمجرد اظهار محبته ونصرته ونظائرهما سيما مع قوله " الست اولى بكم من انفسكم " ومع وقوع هذه الصورة بعد نزول الاية السابقة ونزول الاية اللاحقة بعدها لا بد ان يكون المراد من المولى المتولي المتصرف في امور المسلمين لا الناصر والمحب ولا غيرهما من معاني المولى التى سيذكرها هذا الشيخ الجاهل تقليدا لاصحابه في تجويز حمل الحديث عليها فكان المعنى على ما اوضحناه ان عليا عليه السلام هو الاولى بالتصرف في حقوق الناس والتدبير لامورهم بعدى ولا معنى للامامة إلا هذا فتأمل. 60 - قال: ثانيها لا نسلم ان معنى الولى بل ما ذكروه بل معناه الناصر لانه مشترك بين معان كالمعتق والعتيق والمتصرف في الامر والناصر والمحبوب وهو حقيقة في كل منها وتعيين بعض المعاني المشترك من غير دليل يقتضيه تحكم لا يعتد به وتعميمه في مفاهيمه كلها لا يسوغ لانه كان مشتركا لفظيا بان تعدد وضعه بحسب تعدد معانيه كان فيه خلاف والذي عليه جمهور الاصوليين وعلماء البيان واقتضاه استعمالات الفصحاء للمشترك انه

[ 180 ]

لا يعم جميع معانيه على انا لو قلنا بتعميمه على القول الاخر أو بناء على انه مشترك معنوى بان وضع وضعا واحدا للقدر المشترك وهو القرب المعنوي من المولى بفتح فسكون لصدقه لكل مما مر فلا يتاتى تعميمه هنا لامتناع ارادة كل من المعتق والعتيق فتعين ارادة البعض ونحن وهم متفقون على صحة ارادة الحب بالكسر وعلى رضى الله عنه سيدنا وحبيبنا على ان كون المولى بمعنى الامام لم يعهد لغة ولا شرعا أما الثاني فواضح وأما الاول فلان احدا من ائمة العربية لم يذكر ان مفعلا ياتي بمعنى افعل وقوله تعالى ماويكم النار هي مولاكم أي مقركم أو ناصرتكم مبالغة في نفى النصرة كقولهم الجوع زاد من لا زاد له. وايضا فالاستعمال يمنع من ان مفعلا بمعنى افعل إذ يقال هو اولى من كذا دون مولى من كذا واولى الرجلين دون مولاهما وحينئذ فانما جعلنا من معانيه المتصرف في الامور نظرا للرواية الاتية " من كنت وليه " فالغرض من التنصيص على موالاته اجتناب بغضة لان التنصيص عليه اوفى بمزيد شرفه وصدره بالست اولى بكم من انفسكم ثلاثا ليكون ابعث على قبولهم وكذا بالدعاء لاجل ذلك ايضا ويرشد لما ذكرناه حثه صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة على اهل بيته عموما وعلى على خصوصا ويرشد إليه ايضا ما ابتدء به هذا الحديث ولفظه عند الطبراني وغيره بسند صحيح انه صلى الله عليه وسلم خطب بغدير خم تحت شجرات فقال: ايها الناس انه قد نبانى اللطيف الخبير انه لم يعمر نبى إلا نصف عمر الذي يليه من قبله وانى لاظن انى يوشك ان ادعى فاجيب وانى مسئول وانكم مسئولون فماذا انتم قائلون ؟ قالوا نشهد انك قد بلغت وجهدت ونصحت فجزاك الله خيرا فقال اليس تشهدون ان لا اله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله وان جنته حق وان ناره حق وان الموت حق وان البعث حق بعد الموت وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور ؟ قالوا بلى، نشهد بذلك قال: اللهم

[ 181 ]

اشهد ثم قال: يا ايها الناس ان الله مولاى وانا مولى المؤمنين وانا اولى بهم من انفسهم فمن كنت مولاه فهذا مولاه يعنى عليا اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه. ثم قال: يا ايها الناس انى فرطكم وانكم واردون على الحوض حوض اعرض مما بين بصرى الى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضة وانى سائلكم حين تردون على عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما الثقل الاكبر كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله وطرفه بايديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا وعترتي أهل بيتى فانه قد نبانى اللطيف الخبير انهما لن ينقضيا حتى يردا على الحوض وايضا فسبب ذلك كما نقله الحافظ شمس الدين الجزرى عن ابن اسحق ان عليا تكلم فيه بعض من كان معه في اليمن فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم حجه خطبها تنبيها على قدره وردا على من تكلم فيه كبريدة كما في البخاري انه كان يبغضه وسبب ذلك ما صححه الذهبي انه خرج معه الى اليمن فراى منه جفوه فنقصه للنبى صلى الله عليه وسلم فجعل يتغير وجهه ويقول يا بريدة الست اولى بالمؤمنين من انفسهم ؟ قال بلى يا رسول الله قال: من كنت مولاه فعلى مولاه وأما رواية ابن بريدة عنه لا تقع يا بريدة في على فإن عليا منى وانا منه وهو وليكم بعدى ففى سندها الاصلح وهو وان وثقه ابن معين لكن ضعفه غيره على انه شيعي وعلى تقدير الصحة فيحتمل انه رواه بالمعنى بحسب عقيدته وعلى فرض انه رواه بلفظه فيتعين تأويله على ولاية خاصة نظير قوله ص اقضاكم على على انه وان لم يحتمل التأويل فالاجماع على حقية ولاية أبي بكر وفرعيها قاض بالقطع بحقيتها لابي بكر وبطلانها لعلى لأن مفاد الاجماع قطعي ومفاد خبر الواحد ظنى ولا تعارض بين ظنى وقطعي بل يعمل بالقطعي ويلغى الظنى على ان الظنى لا عبرة به فيها عند الشيعة كما مر انتهى.

[ 182 ]

اقول: امتناع ارادة المعتق والمعتق والحليف والجار ههنا ظاهر لا يحتاج الى بيان وقد مر في آية تصدق الخاتم الدليل الدال على امتناع اراده الناصر وكذا المحب اللازم له ههنا ايضا خصوصا بملاحظة ما هنا من خصوصية الزمان والمكان وان النبي صلى الله عليه وآله لم ينزل في الحر الشديد ووسط النهار في مكان وزمان لم يكن نزول المسافر فيهما معهودا الا لابلاغ أمر عظيم كما يدل عليه ايضا التأكيدات المذكورة في الاية والحديث الوارد في شان نزولها وكيف يجوز ان يجمع صلى الله عليه وآله الجمع العظيم في مثل تلك الحال وخطب على المنبر المعمول من الرحال ليعلم الناس من قرينة ما يعلمونه صلى الله عليه وآله واوضح القرائن المقالية على امتناع حمل لفظ المولى على غير الاولى انه لا يجوز ان يرد من الحكيم تقرير بلفظ مقصور على معنى مخصوص ثم يعطف عليه بلفظ محتمل إلا ومراده المخصوص الذي ذكره وقرره دون ما عداه نزيده بيانا وايضاحا انه لو قال أحد الستم تعرفون دارى التي في موضع كذا ثم وصفها وذكر حدودها فإذا قالوا بلى قال فاشهدوا ان دارى وقف على المساكين وكانت له دور كثيرة لم يجز ان يحمل قوله في الدار التى وقفها الا على انها الدار التي قررهم على معرفتها ووصفها وكذا لو قال لهم الستم تعرفون عبدى فلانا الفولى فإذا قالوا بلى قال لهم فاشهدوا ان عبدى حر لوجه الله تعالى وكان له عبيد سواه لم يجز ان يقال انه اراد الا عتق من قررهم على معرفته دون غيره من عبيده وان اشترك جميعهم في اسم العبودية وإذا كان الامر على ما ذكرناه ثبت ان مراد النبي صلى الله عليه وآله بقوله من كنت مولاه فعلى مولاه انه اولى به وهو المعنى الاول الذي قدم ذكره وقرره بقوله الست اولى بكل مؤمن ومؤمنة من انفسهم ولم يجز ان يصرف الى غيره من سائر اقسام ما يحتمله وذلك يوجب ان عليا عليه السلام اولى بكل مؤمن من نفسه بما

[ 183 ]

ثبت انه ص مولاهم من الحديث ومن قوله تعالى النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم فقد ظهر ان الحديث خصوصا مع انضمام نزول الايتين المحفوفتين به كما تضمنه ما ذكرناه سابقا من بعض الطرق المتفق عليها برهان قاطع على امامة مولانا أمير المؤمنين وأما ما استند به على كونه بمعنى الناصر من قوله " لانه مشترك بين معاني،. الى آخره " فهو دليل عليه لا له لظهور انه إذا كان مشتركا لفظيا لا يجوز حمله على خصوص الناصر ايضا من غير دليل. وأما ما ذكره من " ان تعيين بعض معاني المشترك من غير دليل تحكم " فمدفوع بما سمعت منا سابقا من انا لا نسلم انه مشترك لفظي بين المعاني المذكورة كيف وهو خلاف الاصل كما تقرر في الاصول بل هو موضوع لمعنى واحد هو الاولى والمعاني العشرة اقسام له حاصلة حقيقة باضافتها إليه أما الناصر فلانه اختص بالنصرة فصار بها اولى من غيره. وأما ابن العم فلانه إنما سمى مولى لانه يعقل عن ابن عمه ويحوز ميراثه فكان بذلك اولى من غيره وأما الجار فلانه اولى بالملاصقة من البعيد واولى بالشفعة في العقار من غيره. وأما الحليف فلانه اولى بنصرة حليفه ممن لا حلف بينه وبينه. واما المعتق فلانه اولى بنصرة معتقه من غيره. وأما المعتق فلانه اولى بميراثه ممن لا يعتقه وأما مالك الرق فلانه اولى بتدبير عبده من غيره. واما ضامن الجريرة فلانه الزم نفسه ما يلزم المعتق فكان بذلك اولى ممن لم. يضمن وأما السيد المطاع فلانه اولى بالطاعة فاندفع ما اورد من انتقاض التعميم في المعاني المذكورة بامتناع ارادة كل من المعتق والمعتق وذلك لانا إنما ادعينا تعميم الاولى لا تعميم الاولى بالتصرف كما زعمه وقد عرفت ان تعميم الاولى يتاتى في كل من تلك الاقسام بوجه فتوجه. وأما ما ذكره في العلاوة من " ان كون المولى بمعنى الامام لم يعهد لغة " فايراد على مقدمة لم يذكرها الشيعة في استدلالهم

[ 184 ]

لانهم لم يقولوا ان المولى وضع لمعنى الامام ابتداء بل قالوا انه وضع لمعنى الاولى بالتصرف والاولى بالتصرف لا يكون إلا النبي أو الامام كما ان الانسان موضوع للحيوان الناطق وهو صادق على زيد وعمرو وبكر وغيرهم من الافراد لا انه موضوع لكل منها على انه قد ساعدنا الشارح الجديد للتجريد على كون ذلك معهودا حيث قال: ان استعمال المولى بمعنى المتولي والمالك للامر والاولى بالتصرف شائع في كلام العرب منقول عن ائمة اللغة والمراد انه اسم لهذا المعنى لا صفة بمنزلة الاولى ليعترض بانه ليس من صيغة اسم التفصيل وانه لا يستعمل استعماله وينبغى ان يكون المراد في الحديث هذا المعنى ليطابق صدر الحديث اعني قوله " الست اولى بكم من انفسكم " انتهى كلامه وبه يندفع ايضا الاعتراض الاخر الذي يذكره الشيخ الجاهل بعيد ذلك فلا تغفل وأما قوله " فالغرض من التنصيص على موالاته اجتناب بغضه،. الى آخره " فمشتمل على تمويهات لصرف الحديث عما هو صريح في الدلالة عليه من اولوية التصرف لما مر من ظهور ان الاولى بالتصرف في امور الناس من انفسهم بعد النبي صلى الله عليه وآله ليس الا الامام وما نقله عن الطبراني إنما يرشد الى ما ذكرناه عند الرشيد. وأما ما نقله عن الجزري في سبب الخطبة التي نقلها الطبراني فمردود بما اسبقناه من الطرق المتفق عليها للحديث الناطق بان السبب في ذلك إنما كان نزول الوحى الى النبي صلى الله عليه وآله باظهار فضائل على عليه السلام ومناقبه وولايته ووجوب طاعته على الخلق ومدخول بان الانكار على بريدة والاعتراض عليه في شكاية على عليه السلام قد وقع عنه ص قبل ذلك وعند مراجعته مع على عليه السلام من اليمن كما نقله هذا الشيخ الناسي في فضائل على عليه السلام من كتابه هذا حيث قال وكذلك وقع لبريدة انه كان مع على في اليمن فقدم مغضبا عليه فاراد شكايته بجارية اخذها من الخمس فقيل له اخبره ليسقط على من عينه ورسول الله

[ 185 ]

صلى الله عليه وآله يسمع من وراء الباب فخرج مغضبا فقال ما بال اقوام ينقصون عليا من نقص عليا فقد نقصني ومن فارق عليا فقد فارقني ان عليا منى وانا منه خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم وانا افضل من إبراهيم ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم يا بريدة اما علمت ان لعلى اكثر من الجارية التى اخذ،. الحديث وإذا وقع فيه الاعتراض من النبي صلى الله عليه وآله على بريدة عند شكايته بل على كل من توقع منه صدور مثل ما صدر عن بريدة وذكر فيه فضائل على عليه السلام والحث على متابعته والنهى عن مفارقته الى غير ذلك لم يبق معه حاجة الى تكرار ذلك عن قريب في غدير خم على الوجه الذى وصفناه. وأما ما صححه عن الذهبي ذهب الله بنوره من انه صلى الله عليه وآله قال عند شكوة بريدة عن على عليه السلام عنده صلى الله عليه وآله " الست اولى بالمؤمنين من انفسهم قال بلى يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم من كنت مولاه فعلى مولاه " فهو ايضا دليل على امامته عليه السلام لأن شكوته انما كان لاجل جارية اخذها على عليه السلام من خمس الغنائم لنفسه كما مر قبيل ذلك نقلا عن هذا الجامد فقوله ص في جواب ذلك من كنت مولاه فعلى مولاه صريح في حكمه صلى الله عليه وآله على مساواة على عليه السلام له في اولوية التصرف وينادى على ارادة هذا المعنى باعلى صوت ما نقله من رواية ابن بريدة كما لا يخفى. واما طعنه فيها " بان في طريقها الاصلح فليس بغريب " فان طعن كل صالح أو اصلح روى شيئا من فضائل على عليه السلام عادة مستمرة لهم سيما إذا استشموا منها ما يوجب القدح في بعض مطالبهم وان صححها مثل ابن معين منهم وبالجملة من قبائح عادات القوم وفضائح وقاحاتهم انهم إذا وجدوا آية نازلة في فضائل اهل البيت ومناقبهم أو حديثا كذلك قد استدل به الشيعة على افضليتهم واحقيتهم فمع انهم رووه ايضا قبل ذلك في كتبهم يردونه حينئذ تارة باحداث مخالف، وتارة بضعف الراوى، وتارة

[ 186 ]

بالتخصيص، وتارة بالتعميم، وتارة بالتأويل، كأنهم مفوضون في وضع الدين، موكلون في تشريع الشرائع لسيد المرسلين، ولم يسمعوا كلام رب العالمين حيث قال " قتل الخراصون، الذين هم في غمرة ساهون، والذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " فما اقل حياءهم واكثر اعتداءهم.. فاى خير في سلفهم ؟ وأي جميل يترقب من خلفهم ؟ لا يرحمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم. وأما ما ذكره من " انه على فرض انه رواه بلفضه فيتعين تأويله على الاية خاصة،. الى آخره " ففيه ان دعوى تعين ذلك تحكم بحت لا دليل عليه سوى حفظ حال أبي بكر واخويه وكذا الكلام في قوله صلى الله عليه وآله " اقضاكم على " وأما ما ذكره من الاجماع على حقية ولاية أبي بكر فقد مر مرارا الكلام فيه وانه لم يثبت اصلا وبعد الاغماض عنه ليس كل اجماع قطعيا بل الاكثر من الاجماعات ظنى فاثبات قطعية الاجماع على ابى بكر اصعب من خرط القتاد. وأما ما ذكره من " ان مفاد الخبر الواحد ظنى لا عبرة به فيها عند الشيعة في الامامة كما مر " فهب انه كذلك لكن ما نحن فيه من خبر الغدير متواتر عند الشيعة وكثير من أهل السنة كما سبق بيانه. 61 - قال: ثالثها، سلمنا انه اولى لكن لا نسلم ان المراد انه الاولى بالامامة بل بالاتباع والقرب منه فهو كقوله تعالى " ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه " ولا قاطع بل ولا ظاهر على نفى هذا الاحتمال بل هو الواقع إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر وناهيك بهما من الحديث فانهما لما سمعاه قالا له امسيت يا ابن ابى طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة اخرجه الدارقطني واخرج ايضا انه قيل لعمر انك تصنع بعلى شيئا لا تصنعه باحد من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال انه مولاى انتهى. اقول: هذا المنع ساقط جدا لأن ارادة الاولى باتباع النبي صلى الله عليه وآله

[ 187 ]

والقرب منه في هذه الاية مما يابى عنه تقييد الاولى فيها بالانفس وذلك لانه لا معنى للاولوية من الناس بنفس الناس إلا الاولوية في التصرف فقياس ما نحن فيه على قوله تعالى " ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه " قياس مع الفارق وهو باطل اتفاقا واما ما ترقى عنه بقوله " بل هو الواقع إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر،. الى آخره " فهو بالاضراب والاعراض عنه اولى إذ الظاهر ان هذا الفهم إنما وقع من اوليائهما نيابة عنهما بعد خراب البصرة كما وقع اثباتهم لشجاعة أبي بكر بنيابة خالد بن الوليد له كما ذكره هذا الشيخ الجامد سابقا وإلا فالمتواتر المشهور عند الجمهور المذكور في مسند أحمد بن حنبل مرفوعا بسنده الى البراء بن عازب انه قال عمر في ذلك اليوم تهنئة له عليه السلام على الولاية " بخ بخ لك يا ابن أبي طالب اصبحت مولاى ومولى كل مؤمن ومؤمنة " ويؤيده ما نقل هذا الشيخ المبهوت بعيد ذلك من اخراج بعضهم انه قال عمر " ان عليا مولاى " فتدبر على ان فيما رواه عن أبي بكر وعمر من " انهما قالا له امسيت، الى آخره " دليل على علو شانه وسمو مكانه بالنسبه الى جميع المؤمنين والمؤمنات وهذا ايضا دليل على امامته ان لم يتشبث الناصبي السمج المهزول، بجواز تفضيل المفضول، الذي قد سبق انه من اسخف الفضول، الشاهد على قائله بانه عن الراى لمعزول. 62 - قال: رابعها، سلمنا انه اولى بالامامة فالمراد المال وإلا كان هو الامام مع وجوده صلى الله عليه وسلم ولا تعرض فيه لوقت المال فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له فلا ينافى حينئذ تقديم الثلاثة عليه لانعقاد الاجماع حتى من على عليه كما مر وللاخبار السابقة المصرحة بامامة ابى بكر وايضا فلا يلزم من افضلية على على معتقدهم بطلان تولية غيره لما مر من ان أهل السنة اجمعوا على صحة امامة المفضول مع وجود الفاضل بدليل

[ 188 ]

اجماعهم على صحة خلافة عثمان واختلافهم في افضليته على على وان كان اكثرهم على ان عثمان افضل منه كما ياتي وقد صح عن سفيان الثوري انه قال من زعم ان عليا كان احق بالولاية من الشيخين فقد خطاهما والمهاجرين والانصار وما اراه يرفع له عمل مع هذا الى السماء نقل ذلك النووي عنه كما مر انتهى. اقول: مآل هذا المقال يرجع الى التيتال (1) إذ قد اثبتنا فيما ذكر سابقا من آية التصدق بالخاتم صحة كون على عليه السلام اماما مع وجود النبي صلى الله عليه وآله فتذكر وأما ما ذكره من " انه حيث لم يقع التعرض لوقت المال فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له " فتحكم ظاهر لان المفهوم من المال على تقدير كون مراد النبي صلى الله عليه وآله ذلك كونه ع اولى بالتصرف بعد النبي ص بلا فصل وكفى هذا في بناء الشيعة كلامهم عليه ولا يخفى ان هذا التمحل منهم نظير ما تمحلوه في تأويل قوله صلى الله عليه وآله في شان على ع " أنت الخليفة من بعدى " حيث قالوا لا يدل على البعدية بلا فصل فإن هذا ايضا خروج عن الظاهر بلا ضرورة سوى التعصب لابي بكر كيف وقولهم فلان صار سلطانا بعد فلان وفلان بعد فلان لا يفهم منه إلا البعدية من غير فصل فمن اين جاء العدول عن ذلك فيما نحن فيه وأما ما اتى به من تكرار دعوى انعقاد الاجماع على أبي بكر والاشارة الى الاخبار التى زعم صراحتها في امامة أبي بكر فقد مر بيان بطلانها بوجه لم يبق للناظر فيها مجال العناد وأما ما ذكره " من اجماع أهل السنة على صحة امامة المفضول مع وجود الفاضل " ففيه ما مر مرارا من ان اجماع أهل السنة لا يصير حجة على الشيعة بل هو عندهم اوهن من بيت العنكبوت على انا قد بينا سابقا ان العقل والعرف حاكمان بقبح ذلك ومن اضحوكاتهم الاستدلال على صحة اجماعهم هذا باجماعهم على صحة خلافة عثمان وانى لهم اثبات


1 - كذا في الاصلين الذين عندي ولم نهتد لفهم المراد منه.

[ 189 ]

صحة خلافة عثمان حتى يجعل ذلك دليلا على صحة اجماع آخر وأما ما كرر نقله عن سفيان الثوري فقد مر ما في الاستدلال به من المصادرة والبيان الدوري وظهور فساد ذلك باول النظر الفوري. 63 - قال خامسها، كيف يكون ذلك نصا على امامته ولم يحتج به هو ولا العباس رضى الله عنهما ولا غيرهما وقت الحاجة إليه وانما احتج به على في خلافته كما مر في الجواب عن الثامنة من الشبه فسكوته عن الاحتجاج به الى ايام خلافته قاض على من عنده ادنى فهم وعقل بانه علم منه انه لا نص فيه على خلافته عقب وفاه النبي صلعم على ان عليا نفسه صرح بانه صلى الله عليه وسلم لم ينص عليه ولا على غيره كما سيأتي عنه وفي البخاري وغيره حديث خروج على والعباس من عند النبي صلى الله عليه وسلم بطوله وهو صريح فيما ذكر من انه ص لم ينص عند موته على أحد وكل عاقل يجزم بان حديث " من كنت مولاه فعلى مولاه " ليس نصا في امامة على وإلا لم يحتج هو والعباس الى مراجعته ص المذكورة في حديث البخاري ولما قال العباس فإن كان هذا الامر فينا علمناه مع قرب العهد جدا بيوم الغدير إذ بينهما نحو الشهرين وتجويز النسيان على سائر الصحابة السامعين بخبر يوم الغدير مع قرب العهد وهم من هم في الحفظ والذكاء والفطنة وعدم التفريط والغفلة فيما سمعوه منه صلعم محال عادى يجزم العاقل بادنى بديهة بانه لم يقع منهم نسيان ولا تفريط وبانهم حال بيعتهم لابي بكر كانوا متذكرين لذلك الحديث عالمين به وبمعناه على انه ص خطب بعد يوم الغدير واعلن بحق أبي بكر للحديث الثالث بعد المائة التى في فضائله فانظره ثم وسياتى في الاية الرابعة في فضائل أهل البيت احاديث انه ص في مرض موته انما حث على مودتهم ومحبتهم واتباعهم وفي بعضها: آخر ما تكلم به النبي ص " اخلفونى في اهل بيتى " فتلك وصيته بهم وشتان ما بينها وبين مقام الخلافة وزعم الشيعة والرافضة

[ 190 ]

بان الصحابة علموا هذا النص ولم ينقادوا له عنادا ومكابرة بالباطل كما مر وقولهم " إنما تركها على تقية " كذب وافتراء ايضا لما تلوناه عليك مبسوطا فيما مر ومنه انه كان في منعة من قومه من كثرتهم وشجاعتهم ولذا احتج أبو بكر رضى الله عنه على الانصار لما قالوا " منا أمير ومنكم أمير " بخبر " الائمة من قريش " فكيف سلموا له هذا الاستدلال ؟ ولاى شئ لم يقولوا له ورد النص على امامة على ؟ فكيف تحتج بمثل هذا العموم.. وقد اخرج البهيقى عن أبي حنيفة رضى الله عنه انه قال اصل عقيدة الشيعة تضليل الصحابة رضوان الله عليهم انتهى وانما نبه رحمه الله على الشيعة لانهم اقل فحشا في عقائدهم من الرافضة وذلك لأن الرافضة يقولون بتكفير الصحابة لانهم عاندوا بترك النص على على بل زاد أبو كامل من رؤسهم فكفر عليا زاعما انه اعان الكفار على كفرهم وايدهم على كتمان النصوص وعلى ستر ما لا يتم الدين الا به أي لانه لم يرو عنه قط انه احتج بالنص على امامته بل تواتر عنه ان افضل الامة أبو بكر وعمر وقبل من عمر ادخاله اياه في الشورى وقد اتخذ الملحدون كلام هؤلاء السفلة الكذبة ذريعة لطعنهم في الدين والقرآن وقد تصدى بعض الائمة للرد على الملحدين المحتجين بكلام الرافضة ومن جملة ما قاله اولئك الملحدون: وكيف يقول الله تعالى " كنتم خير امة اخرجت للناس " وقد ارتدوا بعد وفاة نبيهم إلا نحو ستة انفس منهم لامتناعهم من تقديم أبي بكر على على الموصى به. فانظر الى حجة هذا الملحد تجدها عين حجة الرافضة قاتلهم الله انى يؤفكون، بل هم اشد ضررا على الدين من اليهود والنصارى وسائر فرق الضلال كما صرح به على رضى الله عنه بقوله " تفترق هذه الامة على ثلاث وسبعين فرقة شرها من ينتحل حبنا ويفارق امرنا " ووجهه ما اشتملوا عليه من افترائهم من قبائح البدع وغايات العناد والكذب حتى تسلطت الملاحدة بسبب ذلك على الطعن في الدين وائمة المسلمين بل قال القاضى أبو بكر الباقلانى ان فيما ذهبت إليه الرافضة مما ذكر ابطالا للاسلام راسا لانه إذا امكن

[ 191 ]

اجتماعهم على الكتم للنصوص امكن فيهم نقل الكذب والتواطؤ عليه لغرض فليمكن ان سائر ما نقلوه من الاحاديث زور ويمكن ان القرآن عورض بما هو افصح منه كما تدعيه اليهود والنصارى فكتمه الصحابة وكذا ما نقله سائر الامم عن جميع الرسل يجوز الكذب فيه والزور والبهتان لانهم إذا ادعوا ذلك في هذه الامة التي هي خير امة اخرجت للناس فادعاءهم اياه في باقى الامم احرى واولى فتأمل هذه المفاسد التي ترتبت على ما اصله هؤلاء وقد اخرج البيهقى عن الشافعي رضى الله عنه " ما من أهل الاهواء اشد بالزور من الرافضة وكان إذا ذكرهم عابهم اشد العيب " انتهى. اقول: لا يخفى انه عليه السلام احتج بذلك في اثناء خلافة أبي بكر وخلافة عمر ويوم الشورى وإنما لم يحتج به في اول خلافة ابى بكر لانه قد احتج به فاطمة عليها السلام فيه كما رواه الجزرى في كتاب اسنى المطالب قال هكذا اخرجه الحافظ الكبير أبو موسى المدنى في كتابه المسلسل بالاسماء مسلسلا من وجهين ولانه علم علما ضروريا اتفاقهم على انكاره حسدا وعنادا له عليه السلام فعدل الى الاحتجاج بغيره مما كان الزاميا لهم وقال انا احتج عليكم بما جعلتموه انتم حجة على الانصار فانصفوا ان من ذا الذي هو اقرب الى الرسول ع ؟ وايضا تعيين الطريق ليس من داب المحصلين على ان ذكره عليه السلام للحجة الثانية الصريحة في الدلالة على المقصود بعد مضى زمان لا يقدح في كونها حجة قبل ذلك ايضا وهو ظاهر غاية الامر ان يكون سكوته عليه السلام في بعض المراتب للتقية والخوف على النفس تارة وللدين اخرى وما نقل عنه من التظلم صريح فيما ذكرناه. وأما ما ذكره من تصريح على ع نفسه بعدم النص عليه فهو فرية بلا مرية وكذا ما نقله عن البخاري فاستدلالهم بامثال ذلك بعد تسليم دلالتها على مطلوبهم مصادرة ظاهرة كما مر مرارا وأما ما ذكره من ان " تجويز النسيان على سائر الصحابة السامعين

[ 192 ]

لخبر يوم الغدير غير جائز " فمدخول بان ما جوزه الشيعة هو التناسى لا النسيان فافهم. ثم انهم إنما جوزوا ذلك على جمع من الصحابة الذين تواطؤا على غصب الخلافة عن على عليه السلام لا على الجميع كما زعمه وبالجملة قد افترق الناس يوم السقيفة فمنهم من طلب الخلافة لنفسه أو قريبه، وهؤلاء لم يظهروا النص لذلك، ومنهم من ترك ذكره خوفا، ومنهم من تركه حسدا، ومنهم من تركه لعدم علمه، ولدخول الشبهة ومنهم من ذكره وهم الاقلون كمقداد وسلمان وعمار وأبي ذر فلم يعتدوا بهم. وأما ما ذكره من " انه صلعم خطب بعد يوم الغدير واعلن بحق أبي بكر " فبطلانه ظاهر إذ لا يتم إلا بعد اثبات حق لابي بكر ثم اثبات صحة النقل ودون اثباتهما خرط القتاد. وأما ما ذكره من " انه سيأتي احاديث تدل على انه صلعم إنما حث في مرض موته على مودتهم ومحبتهم " ففيه انه لا ارتباط بما نحن فيه من حديث الغدير ولو اغمضنا عن ذلك فنقول ان حثه صلى الله عليه وآله في مرضه على مودتهم لا ينفى حثه فيه على خلافة على ع كما دل عليه ما روى متفقا " من امره صلعم باحضار الدواة والبياض ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده " وأما الحصر الذي اتى به في ذلك بكلمة إنما فما احسن في مقابلة قول بعض الظرفاء: * حصرك يا من حوت محاسنه * غرائبا ما روين في عصر * * اضعف من حجة النواصب في * ان امام الهدى أبو بكر * ولو سلم انه ص نص في ذلك الوقت على ذلك فقط فهو لا ينفى نصه على ما يدل على امامة على ع قبله كيوم الغدير. وأما ما نسبه الى الشيعة من العناد والمكابرة في اعتقادهم كتمان طائفة من الصحابة النص على على عليه السلام ففيه انه لا مكابرة ولا استبعاد في ذلك فانه قد ثبت مخالفة بعض القوم لرسول الله ص في حال حياته كما نقلوه في صحاحهم من حديث ابن عباس رضى الله عنه و " قوله ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب (الكتاب) ولنعم ما قال الشاعر:

[ 193 ]

تالله ما جهل الاقوام موضعها * لكنهم ستروا وجه الذي علموا وأما ما نقله عن أبي حنيفة " من ان اصل عقيدة الشيعة تضليل الصحابة " فإن اراد به تضليل الصحابة الذين خالفوا عليا وغصبوا الخلافة منه بلا محاربة معه كالمشايخ الثلاثة ومن تبعهم في ذلك فهو صحيح لكن لا يستدعى ذلك ان يكون القول بالتكفير بالنسبة الى غيرهم من الصحابة زائدا حادثا لا اصل له كما يشعر به عبارته، وان اراد به الاعم ممن ظهر منه مجرد المخالفة وممن حاربه كطلحة والزبير ومعاوية واتباعهم فغير صحيح لأن الشيعة عن آخرهم قائلون بان مخالفى على عليه السلام فسقة ومحاربيه كفرة كما قاله المحقق الطوسى طيب الله مشهده في كتاب التجريد فالفرق بين الشيعة والرافضة في ذلك كما ترى لأن الكل اتباع لامير المؤمنين عليه السلام وتاركون للاعتقاد الباطل وايهام الناصبة من لقب الرفض انهم تركوا اعتقاد الحق تعنت وعداوة منهم للشيعة فلا يلتفت إليه كما مر نعم القول بتكفير جميع الصحابة باطل اتفاقا ولم يوجد من الشيعة من يعتقد ذلك الى الان كما لا يخفى. وأما ما ذكره من ان أبا كامل من الشيعة كفر عليا ايضا فهو شئ قد سبقه إليه صاحب المواقف وتفرد له عند تعداده لفرق الشيعة حيث قال " وأبو كامل يكفر الصحابة بترك بيعة على ويكفر عليا بترك طلب الحق " انتهى كلامه ولا يخفى ان هذه فرية على الكاملية من الشيعة لأن نسبة تكفير على عليه السلام إليهم كما هو مخالف لمفهوم تلقبهم بالشيعة مخالف ايضا لكلام من تقدمه من الائمة المعتبرين المعتنين بتحقيق هذا الشان كمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل فانه مع تقدمه في هذا الفن لم ينسب القول بتكفير على عليه السلام الى الكاملية بل قال انهم طعنوا عليه بتركه لطلب حقه وشتان بين مفهوم الطعن و مفهوم التكفير ولهذا قد يقع كثيرا الاعتراض والعتاب من الخادم بالنسبة الى مخدومه بل من المحب الى محبوبه كما روى انه لما سلم الحسن بن على عليه السلام الخلافة الى

[ 194 ]

معاوية جاء إليه قيس بن سعد بن عبادة من خلص شيعته واخص اصحابه وخاطبه وعاتبه بقوله يا مذل المؤمنين فاخذ عليه السلام بيده ملاطفة وقرره عنده حتى سكن وجعه الحاصل من ذلك لشدة المحبة ونهاية الغبطة في شان امامه ومولاه وامثال ذلك وأما ما ذكره " من زعم ابى كامل ان عليا عليه السلام ايدهم على كتمان النصوص وعلى ستر ما لا يتم الدين إلا به " فهو من كامل افترائه عليه لمخالفته مع ما نقلناه سابقا عن امامة صاحب المواقف من انه كفر عليا بترك طلب الحق ولعل مراد أبي كامل بترك طلب الحق ترك طلبه بالسيف لا باظهار الحجة كيف وقد اجمع الشيعة قاطبة على صدور احتجاج على عليه السلام على القوم مرارا كما مر مرارا وهذا كما يطعن الزيدية على امامة من بعد الحسين من الائمة الاثنى عشر عليهم السلام بعدم خروجهم بالسيف ثم لا يخفى ما في تفسير قوله الذي نسبه الى ابى كامل بقوله ثانيا أي لانه لم يرو عنه قط انه احتج بالنص الى آخره من التمحل الواهي الذي يضحك منه الغبى والداهى. وأما ما ذكره من انه قد اتخذ الملحدون كلام الشيعة ذريعة لطعنهم في الدين والقرآن ففيه انه لا اختصاص لكلام الشيعة بذلك فقد اتخذ الملاحدة كثيرا من القرآن والحديث ذريعة الى ذلك كما نقلها المفسرون مع ابطالها وقد قال تعالى في شان القرآن " يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا " فلا لوم على الشيعة ان ضل بعض الملاحدة بكلامهم من غير فهم معناه والذهول عن مقتضاه وأما ما نسبه الى الشيعه " من القول بارتداد جميع الصحابة بعد وفاة نبيهم إلا ستة انفس " فعلى تقدير صحة نسبته إليهم لا يخالف مدلول ما ذكره من قوله تعالى " كنتم خير امة اخرجت للناس " لأن الخيرية الماضية المدلول عليها بقوله " كنتم " لا تنافى الارتداد اللاحق الذي يدل عليه حديث الحوض المذكور في جامعى البخاري ومسلم والشيعة إنما ينسبون الارتداد الى الصحابة الذين نكثوا عهد النبي عليه السلام وآله باتفاقهم على غصب الخلافة ومخالفة أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله ومع هذا

[ 195 ]

يقولون برجوع اكثر المخالفين منهم الى على عليه السلام بعد ارتفاع الشبهة وايضاح المحجة ولهذا تراهم يذكرون في كتب رجال احاديثهم من الصحابة الذين رجعوا الى على عليه السلام ما يزيد على ثلثمائة انفس وكيف يستبعد وقوع ذلك مع ما نطق به القرآن الكريم وتواتر بتفاصيله الاحاديث والاخبار من ارتداد سبعين الف نفر من بنى اسرائيل من امة موسى عليه السلام في حال حياته وغيبته عنهم الى الطور مع وجود وصيه هرون النبي عليه السلام فيهم وقد ورد في الحديث المتفق عليه انه قال نبينا صلعم " سيقع في امتى ما وقع في امة موسى حذو النعل بالنعل والقذة بالقذه حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " وقد سبق منا في اوائل هذا التعليق ما يتعلق بذلك فتذكر. وأما ما نقله عن القاضى الباقلانى من " انه إذا امكن اجتماعهم على الكتم للنصوص امكن منهم نقل الكذب والتواطؤ لغرض فليمكن ان سائر ما نقلوه من الاحاديث زور ويمكن ان القرآن عورض بما هو افصح منه كما تدعيه اليهود فكتمه الصحابة،. الى آخره " فلا يخفى ان هذه الشبهة مما ذكره القاضى الباقلانى بين يدى شيخنا الاجل المفيد قدس سره واجاب عنه قدس سره بما حاصله انه لا يلزم من تجويز نقل بعض الكذب وتواطؤهم عليه لغرض تجويز تواطئهم على الكذب في سائر ما نقلوه للعلم القطعي لنا ولكل من تتبع الاحاديث والاخبار بكذب هذه الكلية دون تلك الجزئية ولو كان نسبة الكذب الى الكل حقا لما كان العلم ببطلانه شاملا لجميع الامة ولو فرض انه لم يكن لاحد من العقلاء السامعين للاخبار علم ببطلان ذلك لاحتجنا في بيان فساد ذلك الى ايراد دليل على حدة لكن لما كان ذلك الغرض ملحقا بالمحال اغنانا الاستدلال بغيره وكذا الكلام في احتمال معارضة القرآن بما هو افصح منه وادعاء اليهود بجواز ذلك تعنت منهم كما لا يخفى وايضا لم لا يلتزمون في تجويز اخفاء الصحابة للنص على على عليه السلام وكتمانهم

[ 196 ]

اياه ما التزموه في مواضع اخرى مثل النص على رجم الزانى وموضع قطع السارق ووصفه الطهارة والصلوة وحدودها والصوم والزكوة والحج وغيرها من الاحكام التى وقع الاختلاف فيها مع ان تحقيق الحق والعلم به لا يحصل إلا بضرب من الاستدلال بل قد وقع النزاع من المعتزلة وغيرهم من أهل الملل والملاحدة في انشقاق القمر مع ان القاضى قائل بانه كان في حياة النبي صلى الله عليه وآله مشهورا وعلى السنة أهل عصره مذكورا ولا يمكن ان يدعى في ذلك على المخالف العلم الاضطراري بل الاعتماد في بيان غلطهم إنما هو على نوع الاستدلال وتفصيل ما جرى من هذه المناظزة بين شيخنا قدس سره والقاضى المذكور مسطور في ترجمته قدس سره من كتابنا الموسوم بمجالس المؤمنين ثم لا يخفى ان كلامه في هذا المقام مضطرب جدا فتارة ذكر عنادا ما يدل على ان الشيعة هم الرفضة وتارة ان الشيعة غير الرفضة وان الرفضة هم الغلاة وتارة ان الرفضة هم الخوارج ولا يلزمنا دفع ما اورده قاضيهم على الخوارج أو الغلاة فان كلا منهما عندنا ملحق بالكفار فتدبر 64 - قال: سادسها ما المانع من قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته السابقة يوم الغدير هذا الخليفة بعدى فعدوله الى ما سبق من قوله من كنت مولاه الى آخره ظاهر في عدم ارادة ذلك بل ورد بسند رواته مقبولون كما قاله الذهبي وله طرق عن على رضى الله عنه قال قيل له يا رسول الله من يؤم بعدك فقال ان تؤمروا أبا بكر تجدوه امينا زاهدا في الدنيا راغبا في الاخرة وان تؤمروا عمر تجدوه قويا امينا لا يخاف في الله لومة لائم وان تؤمروا عليا ولا اراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا ياخذ بكم الطريق المستقيم و رواه البزار بسند رجاله ثقات ايضا كما قال البيهقى فهو يدل على ان أمر الامامة موكول الى من يؤمره المسلمون بالبيعة وعلى عدم النص بها لعلى وقد اخرج جمع كالبزار بسند حسن والامام أحمد وغيرهما بسند قوى كما قاله الذهبي عن على رضى الله عنه انهم

[ 197 ]

لما قالوا استخلف علينا قال لا ولكن اترككم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم واخرج البزار ايضا ورجاله رجال الصحيح " ما استخلف رسول الله فاستخلف عليكم " واخرجه الدارقطني ايضا وفي بعض طرقه زيادة " دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله استخلف علينا قال لا ان يعلم الله فيكم خيرا يول عليكم خيركم، قال على كرم الله وجهه فعلم الله فينا خيرا فولى علينا أبا بكر " فقد ثبت بذلك انه صرح بان النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف واخرج الدارقطني عن ابى حنيفة انه لما قدم المدينة سال أبا جعفر الباقر عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما فقال له أبو حنيفة انهم يقولون عندنا بالعراق انك تتبرا منهما فقال معاذ الله كذبوا ورب الكعبة ثم ذكر لابي حنيفة تزويج على بنته ام كلثوم بنت فاطمة من عمر وانه لو لم يكن لها اهلا ما زوجه اياها فقال له أبو حنيفة لو كتبت إليهم فقال لا يطيعوني بالكتب وتزويجه اياها يقطع ببطلان ما زعمه الرافضة وإلا لكان قد تعاطى تزويج بنته من كافر على زعمهم الفاسد. اقول: ما ذكره اولا من " انه ما المانع للنبى صلى الله عليه وسلم في خطبته السابقة من التصريح بقوله هذا الخليفة بعدى " مردود بجريان مثله في حق الباري سبحانه فلينازع مع الله تعالى في انه لم فعل ما يوجب حيرة المؤمنين وقال على سبيل الاطلاق والاجمال اقيموا الصلوة من غير تصريح بعدد الفريضة وعدد السنة ولا بتعيين الوقت ولم ينزل آيه لبيان عدد ركعاتها وكيفية ادائها في السفر والحضر بل قال مبهما اقيموا الصلوة ليتحير امة محمد صلى الله عليه وآله ثم قال: بذلك الاسلوب وآتوا الزكوة من غير تعيين النصاب فاوقع الاختلاف بين الفقهاء واحوجهم في استنباط فروعها الى الراى والاجتهاد فادى ذلك الى تحقق ثلث وسبعين فرقة وقولا في امة محمد صلى الله عليه وآله وكذا الكلام في باقى اركان الشريعة فإذا جاز مثل هذا الاجمال والابهام فيما ذكر لئلا يكون بعثة محمد صلى الله عليه وآله عبثا ويحصل بعده الفرق بين الجاهل والعالم فلو عدل النبي صلى الله

[ 198 ]

عليه وآله أو الباري سبحانه في تعيين الامام عن التصريح بالخلافة والامامة الى التصريح بما يراد فهما من اولوية التصرف كان جائزا بطريق اولى لأن مسألة الامامة عندنا عقلية لما ارتكز في عقل العقلاء من انه يجب بعد النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وجود امام لا يجوز عليه الخطاء للادلة التى كشف كتاب التجريد عنها الغطاء فتدبر. وأما ما نقله عن الذهبي الناصبي ذهب الله بنوره فاول ما فيه انه لم يرض بمجرد الكذب حتى رفعه الى على عليه السلام على ان في المنقول من قوله " وان تؤمروا عليا ولا اراكم فاعلين " دلالة صريحة على علمه صلى الله عليه وآله بان القوم ينحرفون بعد وفاته عن على عليه السلام ولا يرضون بامامته ويؤيد ذلك ما رواه ابن المغازلى الشافعي في كتاب المناقب باسناده قال: " قال رسول صلى الله عليه وآله لعلى بن أبي طالب عليه السلام: ان الامة سيغدر بك " وما رواه موسى بن مردويه الحافظ من الجمهور باسناده الى ابن عباس قال " خرجت انا والنبى صلى الله عليه وآله فراينا حديقة فقال على عليه السلام: ما احسن هذه يا رسول الله... فقال حديقتك في الجنة احسن منها ثم مررنا بحديقة فقال: على عليه السلام ما احسن هذه يا رسول الله " صلى الله عليه وآله " قال حتى مررنا بسبع حدايق فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام حدائقك في الجنة احسن منها ثم ضرب على راسه ولحيته وبكى حتى علا بكاؤه فقال على عليه السلام: ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني ". وما رواه هذا الشيخ الجامد في الباب الثاني فيما جاء عن اكابر أهل البيت في الثناء على الشيخين مما يدل على ان بنى تميم وبني عدى كانا اعداء بني هاشم في الجاهلية وما ذكر في اول الخاتمة عقدها لبيان ما اخبر به صلى الله عليه وآله مما حصل على آله من البلاء والقتل من قوله صلى الله عليه وآله " ان أهل بيتى سيلقون بعدى من امتى قتلا وتشريدا وان اشد قوم لنا بغضا بنو امية وبنو المغيرة وبنو

[ 199 ]

مخزوم وفي رواية ان أهل بيتى سيلقون بعدى بلاء وتشريدا وتطريدا وما ذكره في اواخر ذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام من انه صح عن العباس شكايته الى رسول الله صلى الله عليه وآله ما يلقون من قريش من تعبيسهم وجوههم وقطعهم حديثهم عند لقائهم فغضب صلى الله عليه وآله غضبا شديدا حتى احمر وجهه ودر عرق بين عينيه الى آخره وغير ذلك من الاخبار والاثار وقد روى خواجه ملا الاصفهانى الشافعي انه لم يكن بطن من بطون قريش الا وكان لهم على أمير المؤمنين عليه السلام دعوى دم اراقه في سبيل الله والضغائن كان في صدورهم انتهى. واما ما رواه عن البزار والدارقطني والذهبي من الروايات الدالة على عدم استخلاف النبي صلى الله عليه وآله لاحد فهى موضوعات لا يثبت إلا اعمال المصادرة والاحتيال بالحيل الفاجرة. واما ما نقله عن الدارقطني عن أبي حنيفة فهو اجمال ما فصله الدميري الشافعي في كتاب حياة الحيوان وغيره في غيره وقد ذكر الدميري ما يدل على ان مولانا الباقر عليه السلام كان يمتنع عن ملاقات أبي حنيفة معه ولم يكن ياذنه للدخول في مجلسه الشريف حتى احتال أبو حنيفة ذات يوم وادخل نفسه بين جماعة من شيعة الكوفة المأذونين عنه ع فدخل معهم على الامام عليه السلام وساله بما ساله واجاب عنه عليه السلام بما ذكر ههنا من قوله لا يطيعوني بالكتب فقال أبو حنيفة: كيف يسعهم مخالفتك وأنت ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال له: كيف تتعجب عن مخالفتهم لي في ذلك مع كونهم غائبين عنى مسيرة شهرين وأنت قد خالفت امرى بمحضرى وتلقاء وجهى حيث دخلت بيتى بغير اذنى، وجلست على فراشي بغير اذنى وابتدات بالسؤال بغير اذنى، ثم خرج خائبا خاسرا. وأما ما ذكره من " انه عليه السلام ذكر لابي حنيفة تزويج على عليه السلام بنته، الى آخره " فرواية الدميري خالية عنه مع ان ذلك انما وقع تقية كما تدل عليه زائدا على ما روى من طريقنا ما روى صاحب

[ 200 ]

الاستيعاب من علماء الجمهور عند ذكر ام كلثوم " ان عمر بن الخطاب خطب الى على عليه السلام ابنته ام كلثوم فذكر له صغرها فقيل له ردك فعاوده فقال: على عليه السلام ابعث بها اليك فإن رضيت فهى امراتك فارسل بها فكشف عن الية ساقها فقالت: لو لا انك امير المؤمنين للطمت عينك " انتهى. وما روى هذا الشيخ الناسي فيما سيجئ من كتابه هذا من ان عليا عليه السلام لما ابى عن انكاح ابنته لعمر واستعذر بصغرها لم يكن يقبل منه ذلك العذر حتى الجاه الى ان يريها اياه فارسلها إليه فلما رآها عمر اخذ بها وضمها إليه وقبلها ثم اعتذر عن جانب عمر فيما فعله من الضم والتقبيل قبل وقوع العقد و التحليل بانها. لصغرها لم تبلغ حدا تشتهى حتى يحرم ذلك ولو لا صغرها لما بعث بها ابوها انتهى وانى لاقسم بالله على ان الف ضربة على جسده عليه السلام واضعافه على جسد اولاده اهون عليه من ان يرسل ابنتها الكريمة الى رجل اجنبي قبل عقدها اياه ليريها فيأخذها ذلك الرجل ويضمها إليه ويقبلها ويكشف عن ساقها وهل يرضى بذلك من له ادنى غيرة من آحاد المسلمين لو لا علمه بان الامتناع عن ذلك يؤدى الى الوقوع فيما هو اعظم ضررا من هذا ومن هلاك نفسه واولاده ايضا وهو خوف ثوران الفتنة بين المسلمين وارتداد الخلق وافناء الدين فسلم عليه السلام وصبر واحتسب كما امره رسول الله صلى الله عليه وآله فانزل ابنته في ذلك منزلة آسية امراة فرعون إذ الله يصف قولها " رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجنى من فرعون وعمله ونجنى من القوم الظالمين " ولعمري ان الذي كان قد ارتكبه فرعون في بني اسرائيل من قتل اولادهم واستباحة حريمهم في طلب موسى وما ادعاه لنفسه من الربوبية اعظم من تغلبه على آسية امراته وتزويجه وهى امراة مؤمنه من أهل الجنة بشهادة الله تعالى بذلك وكذلك سبيل الرجل مع ام كلثوم كسبيل فرعون مع آسية لأن الذي ادعاه لنفسه ولصاحبه من الامامة ظلما وتعديا وخلافا على الله ورسوله بدفع الامام الذى ندبه الله ورسوله لها واستيلائه على امور المسلمين

[ 201 ]

على امور المسلمين فالحكم في اموالهم وفروجهم ودمائهم بخلاف احكام الله واحكام رسوله اعظم عند الله من اغتصابه لالف فرج من نساء مؤمنات دون فرج واحد كيف ومن البين ان اغتصاب الفرج المذكور والخبر فيه بعض من فروع غصبهم لمنصب الامامة وبيعتهم لابي بكر فلتة لظهور انهم لو تركوا الامامة لعلى عليه السلام وصار مستقلا فيها لم يجترئوا على تكليفه بانكاح ابنته اياهم ولم يقدروا على غصب فدك وغيرهما من المفاسد المشهورة كبغي الناكثين والقاسطين وخروج المارقين وسم الحسن وقتل الحسين عليهما السلام كما اشار إليه دعبل بن على الخزاعى في قصيدته التائية المشهورة حيث قال: وما سهلت تلك المذاهب فيهم * على الناس الا بيعة الفلتات فكيف لا يكون غصب الامامة مع كونه مفوتا لنظام الكل اعظم من فوات واحد من المصالح الجزئية وبالجملة عناية الانبياء الاوصياء بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس كما صرح به الفاضل النيشابوري الشافعي عند تفسير قوله تعالى في سورة يونس على نبينا وآله وعليه السلام ربنا ولا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين حيث قال " لما قدموا التضرع الى الله في ان يصون دينهم عن الفساد اتبعوه سؤال عصمة انفسهم فقالوا نجنا الاية وفي ذلك دليل على ان عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح انفسهم وهكذا يجب ان يكون عقيدة كل مسلم موفق انتهى " وأما ما ذكره آخرا من " لزوم تعاطى تزويج بنته من كافر " فمردود بانه ان اراد لزوم تزويجها ممن هو كافر في الظاهر فبطلان اللازم ممنوع والسند ما سيأتي، وان اراد من الكافر الحقيقي فهو مسلم وليس بناء الحكم الشرعي عليه ولنذكر لتوضيح ذلك ما افاده السيد المرتضى رضى الله عنه في كتاب تنزيه الانبياء حيث قال: " فاما انكاحه عليه السلام فقد ذكرنا في كتاب الشافعي الجواب عن هذا الباب مشروحا وبينا انه عليه السلام ما اجاب عمر الى انكاح بنته إلا بعد توعد وتهدد ومراجعة ومنازعة

[ 202 ]

وكلام طويل ماثور اشفق معه من سوء الحال وظهور ما لا يزال يخفيه منها وان العباس رضى الله عنه لما راى ان الامر يفضى الى الوحشة ووقوع الفتنة ساله عليه السلام رد امرها عليه ففعل وزوجها منه وما يجرى على هذا الوجه معلوم انه على غير اختيار ولا ايثار و بينا في الكتاب الذي ذكرناه انه لا يمتنع ان يبيح الشرع ان يناكح بالاكراه ممن لا يجوز مناكحته مع الاختيار ولا سيما إذا كان المنكح مظهرا للاسلام والتمسك بسائر الشريعة وبينا ان العقل لا يمتنع من مناكحة انواع الكفار على سائر كفرهم وإنما المرجع فيما يحل من ذلك أو يحرم الى الشريعة وفعل أمير المؤمنين عليه السلام اقوى حجة من احكام الشرع وبينا الجواب عن الزامهم لنا بانه لو اكره على نكاح اليهود والنصارى لكان يجوز ذلك وفرقنا بين الامرين بان قلنا ان كان السؤال عما في العقل فلا فرق بين الامرين وان كان عما في الشرع فالاجماع يحظر ان ينكح اليهودي على كل حال وما اجمعوا على حظر نكاح من ظاهره الاسلام وهو على نوع من القبح يكفر به إذا اضطررنا الى ذلك واكرهنا عليه فإذا قالوا فما الفرق بين كفر اليهود وكفر من ذكرتم قلنا لهم أي فرق بين كفر اليهودية في جواز نكاحها عندكم وكفر الوثنية انتهى وهو كاف شاف ان شاء الله وههنا تفاصيل مذكورة في كتابنا الموسوم بمصائب النواصب فليرجع إليه من اراد والله الموفق للسداد. 65 - قال: سابعها قولهم: هذا الدعاء وهو قوله صلى الله عليه وسلم " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " لا يكون الا لامام معصوم دعوى لا دليل عليها إذ يجوز الدعاء بذلك لادنى المؤمنين فضلا عن اخصائهم شرعا وعقلا فلا يستلزم كونه اماما معصوما واخرج أبو ذر الهروي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " عمر معى وانا مع عمر، والحق بعدى مع عمر حيث كان " ولا قيل بدلالته على امامة عمر عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ولا

[ 203 ]

على عصمته ثم ان ارادوا بالعصمة ما ثبت للانبياء قطعا فباطل أو الحفظ فهذا يجوز لدون على من المؤمنين ودعواهم وجوب عصمة الامام مبنى على تحكيمهم العقل وهو ما بني عليه باطل لامور بينها القاضى أبو بكر الباقلانى في كتابه في الامامة اتم بيان واوفى تحرير. اقول: لا يخفى على من له ادنى معرفة باساليب الكلام ومقتضيات الحال والمقام ان هذا الدعاء لا يليق الا بمن كان له اولياء ويحتاج الى النصرة ويحذر من الخذل ولا يكون ذلك إلا سلطان أو امام نعم لا يستلزم ذلك الدعاء كون الامام معصوما لكن التقييد بالمعصوم ههنا إنما هو من اضافات هذا الشيخ المخطئ ولا يستدعى دعوى اختصاص الدعاء المذكور بالامام اتصافه بالعصمة وان كان الامام عند الشيعة يجب ان يكون متصفا بالعصمة في الواقع فافهم. وأما ما اخرجه أبو ذر الهروي الخارجي فاللائح عليه وضعه في مقابل ما روى في شان على عليه السلام في الحديث المتفق عليه المشهور وهو " على مع الحق والحق مع على، يدور الحق معه كيفما دار " فلظهور وضعه لم يلتفتوا الى دلالته على امامة عمر. وأما ما ذكره من " الترديد في عصمة الامام " فمردود بانا قد بينا سابقا ان الامامة نيابة عن النبي في امور الدين والدنيا فيعتبر فيها ما اعتبر في النبوة بل الامام احوج الى ذلك لأن النبي مؤيد بالوحى بخلاف الامام وقد ذكرنا هناك من الحجج العقلية والنقلية ما يفيد القطع فما زعمه هذا الباطل من البطلان باطل قطعا وكذا ما زعمه من بناء دعوى وجوب عصمة الامام على تحكيم العقل فإن ما قدمناه من الادلة براهين عقلية قطعية لا ابتناء لشئ منها على تحكيم العقل في الحسن والقبح على ان تحكيم العقل فيهما مع موافقة جمهور المعتزلة والماتريدية الحنفية فيه قد اقيمت عليه براهين عقلية لا يمكن لمن تفرد بالخلاف فيه من الاشاعرة الفاجرة القدح فيها ولو عضوا بالحجر وقد فصلنا الكلام في ذلك في شرحنا لكتاب كشف

[ 204 ]

الحق فليرجع إليه من اراد الحق والله يحق الحق ويبطل الباطل ببينات آياته. 66 - قال: ثامنها انهم اشترطوا في الامام ان يكون افضل الامة وقد ثبت بشهادة على الواجب العصمة عندهم ان افضلها أبو بكر ثم عمر رضى الله عنهما فوجبت صحة امامتهما كما انعقد عليه الاجماع السابق انتهى. اقول: قد قدمنا سابقا بيان بطلان ما ذكره ههنا من انعقاد الاجماع السابق ووقوع الشهادة اللاحق ولنحمد الله تعالى على سلامتنا من عظيم ما ابتلوا به من المجاهرة بالباطل، ومعارضة الحق بالكلام الغث العاطل. 67 - قال: الشبهة الثانية عشرة زعموا ان من النص التفصيلي على امامة على قوله صلى الله عليه وسلم له لما خرج الى تبوك واستخلف على المدينة " أنت منى بمنزلة هرون من موسى إلا انه لا نبى بعدى " قالوا ففيه دليل على ان جميع المنازل الثابتة لهرون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلى من النبي صلى الله عليه وسلم والا لما صح الاستثناء، ومما ثبت لهرون من موسى استحقاقه الخلافة عنه لو عاش بعده إذ كان خليفته في حياته فلو لم يخلفه بعد مماته لو عاش بعده لكان لنقص فيه وهو غير جائز على الانبياء وايضا فمن جملة منازله منه انه كان شريكا له في الرسالة ومن لازم ذلك وجوب الطاعة لو بقى بعده فوجب ثبوت ذلك لعلى إلا ان الشركة في الرسالة ممتنعة في حق على فوجب ان يبقى مفترض الطاعة على الامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عملا بالدليل باقصى ما يمكن وجوابها ان الحديث ان كان غير صحيح كما يقوله الامدي فظاهر وان كان صحيحا كما يقوله ائمة الحديث والمعول في ذلك ليس إلا عليهم كيف وهو في الصحيحين فهو من قبيل الاحاد وهم لا يرونه حجة في الامامة وعلى التنزل فلا عموم له في المنازل بل المراد ما دل عليه ظاهر الحديث ان عليا خليفة عن النبي صلى الله عليه وسلم مدة غيبته بتبوك

[ 205 ]

كما كان هرون خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة وقوله " اخلفنى في قومي " لا عموم له حتى يقتضى الخلافة عنه في كل زمن حياته وزمن موته بل المتبادر منه ما مر انه خليفة مدة غيبته فقط وحينئذ فعدم شموله لما بعد وفاة موسى عليه السلام إنما هو لقصور اللفظ عنه لا لعزله كما لو صرح باستخلافه في زمن معين ولو سلمنا تناوله لما بعد الموت وان عدم بقاء خلافته بعده عزل له لم يستلزم نقصا يلحقه بل إنما يستلزم كمالا له أي كمال لانه يصير بعده مستقلا بالرسالة والتصرف من الله تعالى وذلك اعلى من كونه خليفة وشريكا في الرسالة سلمنا ان الحديث يعم المنازل كلها لكنه عام مخصوص إذ من منازل هرون كونه اخا نبيا والعام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة على الخلاف فيه ثم نفاذ أمر هرون بعد وفاة موسى عليه السلام لو فرض انما هو للنبوة لا للخلافة عنه وقد نفيت النبوة هنا لاستحالة كون على نبيا فيلزم نفى مسببه الذي هو افتراض الطاعة ونفاذ الامر فعلم مما تقرر انه ليس المراد من الحديث مع كونه آحادا لا يقاوم الاجماع إلا اثبات بعض المنازل الكائنة لهرون من موسى وسياق الحديث وسببه يبينان ذلك البعض لما مر انه إنما قاله لعلى حين استخلفه فقال على كما في الصحيح اتخلفنى في النساء والصبيان ؟ كانه استنقص تركه وراءه فقال له: الا ترضى ان تكون منى بمنزلة هرون من موسى يعنى حيث استخلفه عند توجهه الى الطور إذ قال له " اخلفنى في قومي واصلح " وايضا فاستخلافه على المدينة لا يستلزم اولويته بالخلافة بعده من كل معاصريه افتراضا ولا ندبا بل كونه اهلا لها في الجملة وبه نقول وقد استخلف صلى الله عليه وسلم في مرار اخرى غير على كابن ام مكتوم ولم يلزم فيه بسبب ذلك انه اولى بالخلافة بعده انتهى. اقول: يظهر من تفرد الامدي من بين جميع المتسمين باهل السنة ومحدثيهم بنفى صحة الحديث انه لما ظهر عليه قوة دلالة هذا الحديث على امامة على عليه السلام

[ 206 ]

التجا الى القدح في صحته كما هو داب قومه وانما لم يوافقه غيره من المتأخرين في ذلك لما راوه من غاية الشناعة في انكار صحة ما ملا به المتقدمون كتبهم ولعمري لو تفطن متقدموهم لذلك لاخفوه ولم يكثروا من ذكره كما هو عادتهم في جحد الحق والشهادة بالباطل كما يشهد به مؤلفاتهم إذ كل ما ندعيه فيه شواهد من كتبهم. نصوص ائمتهم مما لا يقدرون على انكاره في خيار كتبهم عن خيار مصنفيهم وقد اوضحنا ذلك في هذا التعليق بعون ولى التوفيق ولتوجه الشناعة ترى المتأخرين منهم قد عدلوا عن القدح في صحة سنده الى القدح في دلالة متنه بالتأويل والتخصيص الذي هو اشنع من الاول كما اتى به هذا الشيخ الجاهل ولا يخفى انه يظهر مما فعله الامدي انه لا يبالى بما في الصحيحين ولا يعتقد صحة ما فيهما من الاحاديث كلا أو بعضا فاحفظ هذا. وأما ما ذكره من " ان الشيعة لا يرون اخبار الاحاد حجة في الامامة " فهب ان يكون كذلك لكنهم جعلوا الاحتجاج بها الزاميا لاهل السنة فلا يلزم ان يكون جميع دلائلهم على هذا المطلب تحقيقيا. وأما ما ذكره بعده التنزل فهو انزل مما تنزل منه لأن ما اتى به فيه من انكار العموم منع للمقدمة المستدل عليها حيث استدل الخصم على العموم بما نقله من قولهم وإلا لما صح الاستثناء فافهم. وقوله " بل المراد الى آخره " مردود بان الكلام في الدلالة لا في الارادة وانى له اثبات المراد وكيف يبقى بعد ظهور دلالة اللفظ على عموم المنازل دلالة ظاهرة للفظ الحديث على ما ذكره من التخصيص المخالف للاصل والظاهر. وأما ما ذكره من " ان قول موسى عليه السلام: اخلفنى في قومي لا عموم له الى آخره " ففيه انه ان لم يكن له عموم بحسب الصيغة لكنه يفيد العموم بحسب العرف كما في قولنا " اللهم وفقنا لما تحب وترضى " فكما ان العرف يفهم ههنا العموم لا طلب التوفيق في وقت دون وقت فكذا فيما نحن فيه يفهم ان المطلوب الخلافة الثابتة مدة حياة الخليفة لا الخلافة المستعقبة للعزل ولأن الغرض من ذلك الاستخلاف رعاية مصالح الرعية

[ 207 ]

وذلك بعد الموت اهم إذ رعايتها وقت الغلبة ممكنة للمستخلف وأما بعد الموت فغير ممكنة وبالجملة لا خفاء في كون ذلك ظاهرا في العموم وبناء الدليل على الظاهر والعدول عنه من غير ضرورة غير جائز وأما تخصيص الخلافة بوقت معين فمن الظاهر انه خلاف الظاهر فكيف يدعى كونه متبادرا. وأما ما ذكره من " ان عدم الشمول لما بعد الوفاة إنما هو لقصور اللفظ " فانما نشأ عن قصور فهمه والى فاللفظ قد خيط على قد المعنى سواء بسواء كما عرفت. وأما ما ذكره من " ان عزل هرون عن الخلافة بعد موسى عليه السلام كمال له لانه يوجب استقلاله في الرسالة وان ذلك اعلى من كونه خليفة له وشريكا في رسالته " فمدخول بانه لو سلم انه كان شريكا له في النبوة والرسالة فلا يلزم استقلاله فيها بعد وفاة موسى عليه السلام إذ الشركة لا تقتضي استقلال التصرف في حصة الشريك بعد وفاته لجواز ضم آخر إليه بدله على انه إذا كان هرون شريكا لموسى في النبوة غير مستقل فيه كما هو صريح عبارته فيلزم منه ان يكون موسى عليه السلام ايضا كذلك ولم يقل أحد بانهما عليهما السلام كانا نبيا واحدا مستقلا وهو ظاهر وايضا لو صح ذلك لما تميز عن هرون بكونه من اولى العزم دونه، ولما نسب نزول التوراة إليه وحده، ولما نسب بنو اسرائيل الى كونهم امته وحده، فظهر ان المراد بقوله " اشركه في امرى " المشاركة في دعوة فرعون ونحوه من الامور وكذا المراد باستخلافه بهرون كونه خليفة فيما يختص بموسى عليه السلام من احكام نبوته بل الظاهر انه لا معنى لعدم الاستقلال في النبوة سواء كان النبي مبعوثا على نفسه أو على غيره ايضا فتأمل. وأما ما ذكره من " ان العام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة " فضعيف جدا لان المحققين من ائمة الاصول على كونه حجة في الباقي والمخالف شاذ لا يعتد به لكن هذا الشيخ الجاهل قلب الامر في نسبة القوة والضعف الى المذهبين ترويجا لما هو في صدده ههنا وإلا فقد تراه في غيره من

[ 208 ]

المطالب على خلاف ذلك كما يشهد به كتب اصحابه من الشافعية في الاصول. وأما ما ذكره من " ان نفاذ امر هرون بعد وفاة موسى لو فرض انما هو للنبوة لا للخلافة " مجرد دعوى لا دليل عليه اصلا ولم لا يجوز ان يكون بالامرين معا ففى لوازم نبوة نفسه بها وفي اجراء احكام نبوة موسى عليه السلام بالخلافة عنه ويؤيد هذا ما روى محمد الشهرستاني الاشعري عند بيان احوال اليهود من كتاب الملل والنحل حيث قال " ان الامر كان مشتركا بين موسى وبين اخيه هرون عليهما السلام إذ قال " اشركه في امرى " فكان هو الوصي فلما مات هرون في حياته انتقلت الوصاية الى يوشع وديعة ليوصلها الى شبير وشبر قرارا وذلك لأن الوصية والامامة بعضها مستقر وبعضها مستودع " انتهى وهو نص في ان المراد بالمنزلة في حديث المنزلة هو الوصاية والخلافة. وأما ما ذكره بقوله " فعلم بما تقرر انه ليس المراد،. الى آخره " فهو مردود بما علمت من عدم تقرر ما ذكره بل كان ذلك كالرقم على الماء والنقش على الهواء. واما ما ذكره من " ان الحديث مع كونه آحادا لا يقاوم الاجماع " ففيه ما قد بينا سابقا من بطلان انعقاد الاجماع على خلافة أبي بكر وانه لغاية وهنه ربما يقاومه ما هو اوهن من بيت العنكبوت فضلا عن الخبر الواصل الى حد التواتر في الصحة والثبوت. وأما ما استدل به على مطلوبه من دلالة السياق بمعونة الدليل المنفصل من موضوعات البخاري ومعونة تفسيره للاية بما شاء فلا يخفى وهنه ونحن نبرا الى الله تعالى من هذا التفسير البارد الفاسد الذي هو أما زلة عالم فاضل أو افتراء كاذب فاسق ونحمده تعالى على السلامة من ذلك. وأما ما ذكره آخرا من " ان وايضا فاستخلافه على المدينة لا يستلزم،. الى آخره " فمقدوح بان الاجماع من الامة حاصل على ان هؤلاء لا حظ لهم بعد الرسول صلى الله عليه وآله في امامة ولا فرض طاعة وذلك دليل ظاهر على ثبوت عزلهم وايضا الفرق ظاهر لانه صلى الله عليه وآله عزل ابن ام مكتوم بتولية على عليه

[ 209 ]

السلام ولم يعزل عند ما عرف انه آخر غزواته ولو عرف ان غيره يقوم مقامه في الحروب وكشف الكروب لاستخلفه في جميع غزواته ولو عرف صلى الله عليه وآله بوقوع قتال في تبوك ما تركه في المدينة كما قال ابن الجوزى حين قيل له: هل جرى في تبوك قتال ؟ قال: قعدت الحرب الشجاع فمن يقاتل ؟ ولو لم يكن في هذه المنقبة الشريفة إلا عزل الغير وتوليته لكفاه شرفا ونبلا واصحابنا كثرهم الله لم يستدلوا بمجرد الاستخلاف بجميع الامور للاجماع على هذا وعدم القائل بالفرق وهذا اقوى من استدلالهم بامامة أبي بكر في الصلوة على تقدير صدقها كما لا يخفى على انا لو اغمضنا عن دلالة الحديث على الخلافة نصا فنقول لا يشك عاقل ان منزلة هرون من موسى اعظم من منزلة غيره من اصحاب موسى عليه السلام فكذا منزلة على ع يكون اعظم واقوى من منزلة غيره من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله فيكون اولى بالامامة من غيره بعده ومما يؤيد ذلك ما اخرجه صاحب جامع الاصول في صحيح النسائي عن على عليه السلام قال: كانت لي منزلة من رسول الله صلى الله عليه وآله لم تكن لاحد من الخلائق انتهى وههنا زيادة تدقيق وتحقيق وشحنا بها شرحنا لكتاب كشف الحق ونهج الصدق فليطالع ثمة. 68 - قال: الشبهة الثالثة عشرة زعموا ايضا ان من النصوص التفصيلية الدالة على خلافة على قوله صلى الله عليه وسلم لعلى " أنت اخى ووصيي، وخليفتي وقاضي دينى " أي بكسر الدال وقوله " أنت سيد المسلمين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين " وقوله صلى الله عليه وسلم " سلموا على على بامرة الناس " وجوابها مر مبسوطا قبيل الفصل الخامس ومنه ان هذه الاحاديث كذب باطلة موضوعة مفتراة عليه ص الا لعنة الله على الكاذبين. ولم يقل أحد من ائمة الحديث ان شيئا من هذه الاكاذيب بلغ مبلغ الاحاد المطعون فيها بل كلهم مجتمعون على انها محض كذب وافتراء فان زعم

[ 210 ]

هؤلاء الجهلة الكذبة على الله ورسوله وعلى ائمة الاسلام ومصابيح الظلام ان هذه الاحاديث صحت عندهم قلنا لهم هذا محال في العادة إذ كيف تتفردون بعلم صحة تلك مع انكم لم تتصفوا قط برواية ولا صحبة محدث ويجهل ذلك مهرة الحديث وسباقه الذين افنوا اعمارهم في الاسفار البعيدة لتحصيله وبذلوا جهدهم في طلبه وفي السعي الى كل من ظنوا عنده شيئا منه حتى جمعوا الاحاديث ونقبوا، عنها وعلموا صحيحها من سقيمها ودونوها في كتبهم على غاية من الاستيعاب ونهاية من التحرير وكيف والاحاديث الموضوعة جاوزت مئات الالوف وهم مع ذلك يعرفون واضع كل حديث منها وسبب وضعه الحامل لواضعه على الكذب والافتراء على نبيه صلى الله عليه وسلم ومن عجيب امر هؤلاء الجهلة انا إذا استدللنا عليهم بالاحاديث الصحيحة الدالة صريحا على خلافة أبي بكر كخبر " اقتدوا بالذين من بعدى " وغيره من الاخبار الناصة على خلافته التى قدمتها مستوفاة في الفصل الثالث قالوا هذا خبر واحد فلا يغنى فيما يطلب فيه اليقين وإذا ارادوا ان يستدلوا على ما زعموه من النص على خلافة على اتوا أما باخبار لا تدل بزعمهم كخبر " من كنت مولاه " وخبر " انت منى بمنزلة هرون من موسى " مع انها آحاد وأما باخبار باطلة كاذبة متيقنة البطلان واضحة الوضع والبهتان لا تصل الى درجة الاحاديث الضعيفة التي هي ادنى مراتب الاحاد فتأمل في هذا التناقض الصريح والجهل القبيح لكنهم لفرط جهلهم وعنادهم وميلهم عن الحق يزعمون التواتر فيما يوافق مذهبهم الفاسد وان اجمع أهل الحديث والاثر على انه كذب موضوع مختلق ويزعمون فيما يخالف مذهبهم انه آحاد وان اتفق اولئك على صحته وتواتر روايته تحكما وعنادا وزيغا عن الحق فقاتلهم الله ما اجهلهم واحمقهم انتهى. اقول: اما الحديث الاول فهو مذكور في مسند أحمد بن حنبل من عدة طرق بالفاظ متقاربة وكذا رواه الثعالبي في تفسيره وابن المغازلى في كتاب المناقب

[ 211 ]

بادنى تغيير فنسبة الشيعة في رواية ذلك الى الافتراء والارتياب، كما اتى به هذا الشيخ المعاند في الجواب إنما نشا من غاية العجز والاضطراب. وأما الحديث الثاني والثالث فقد مر انهما من المتواترات في الطبقة الاولى كافة، وإنما انقطع تواتره في اواخر تلك الطبقة سيما بنى امية واتباعهم، المنحرفين عن النصوص عليه، المانعين لظهور نقلها على الكافة فصار الخوف منهم موجبا لكتمان جمهور الطبقة الثانية الموجودين في حاق زمان ملكهم بذلك وبقى بين الشيعة بحاله مستسرين في نقله طائفة بعد طائفة ان قيل: كيف يجوز على العدد الكثير وعلى من يتواتر به الاخبار من جماعة اهل السنة ان يكتموا خبرا يحتاج إليه الامة اشد حاجة وهو في الامر العظيم الخطير الشريف الرفيع وقد توعدوا على كتمانه ووعدوا على اذعانه لبعض ما ذكرتم من الاسباب الفاسدة والاغراض الكاسدة ولو جاز هذا عليهم لجاز عليهم تعمد الكذب فيما شاهدوا وعاينوا، وما الفرق بين الكتمان والكذب ؟ قلنا: انا لا نجيز وقوع الكتمان من العدد الكثير الا بعد ان يتغير حالهم ويحتال عليهم محتال في ادخال شبهة عليهم يزيلهم بها عن دينهم فإذا تغيرت الحال وعملت الشبهة وزال القوم عن الدين امكن ان يعرضوا عما قد سمعوه وعاينوه فإذا اعرضوا امكن وقوع الكتمان على الايام وتطاولها وما يعرض فيها من غلبة سلطان جائر يقصد الذين يدينون دين الحق فيقتلهم ويشردهم ويخوفهم حتى يسكت العلماء ويتخذ الناس رؤساء جهالا فساقا كمعاوية ويزيد، عليهم من اللعن ما يربو ويزيد، فيضلون ويضلون والدليل على صحة ما ادعيناه انا وجدنا من امة موسى عليه السلام ما تغيرت حالهم وتمكنت الشبهة في قلوبهم اعرضوا عما كانوا سمعوه ووعوه من قول موسى عليه السلام وارتد الذي لا مثل له ولم يلتفتوا مع ما في عقولهم من ان الصانع لا نسبة لصنعه الى صنعة السامري الى ما كان يذكرهم به هرون ع وهموا بقتله وقالوا " لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى " هذا

[ 212 ]

عند ما قال لهم هرون " يا قوم انما فتنتم به وان ربكم الرحمن فاتبعوني، واطيعوا امرى " وبين وقوع الكتمان على هذه الجهة وبين وقوع الكذب فرق واضح وهو ان الكتمان إذا وقع على هذه الجهة وقع شبهة يمكن معها ان يتوهم القوم انهم على صواب ما والكذب لا يمكن وقوعه من هذه الجهة الا ترى انه يمكن للمحتالين من الرؤساء ان يقولوا للقوم الذين سمعوا خبرا ان معنى هذا الكلام وغرض المخاطب لكم به لم يكن ما سبق الى قلوبكم وقد غلطتم واخطاتم ونحن اعلم بمراده ومقصوده وان انتم لا تقبلوا منا افسدتم الاسلام فعند ذلك يتمكن الشيطان وينجوا الذين سبقت لهم من الله الحسنى وليس يمكن للرؤساء ان يقولوا لهم تعالوا حتى نتخرص خبرا نصنعه ونذيعه لانهم إذا قالوا ذلك كشفوا عما يخفيه صدورهم وظهر امرهم للعامة وتبين نفاقهم فصح بما قررنا ان الكتمان يجوز وقوعه على وجه لا يجوز وقوع الكذب عليه وبالجملة يجوز ان يكون السبب في انقطاع تواتر الخبر أو كتمانه دخول الشبهة لهم في نسخه بما رووه من قوله صلى الله عليه وآله " الائمة من قريش " أو ان يكون لترك عمل الصحابة بالنص ترجيحا لرايهم كما وقع عن عمر حيث قال " متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا انهى عنهما واعاقب عليهما " وكما قال أبو حنيفة في مقابل نص النبي صلى الله عليه وسلم على مشروعية القرعة في بعض المشتبهات ومشروعية اشعار الهدى في الحج " ان القرعة قمار والاشعار مثلة " أو لطمعهم في ترك النقل التقرب الى ملوك بني امية ومن قبلهم ومن بعدهم من الملوك الذين سلكوا مسلكهم في بغض أهل البيت عليهم السلام أو كما قاله النيشابوري الشافعي في تفسير سورة طه من ان الدليل قد يكون في غاية الظهور ومع ذلك يخفى على اعقل الناس كما خفى على آدم عليه السلام عداوة ابليس وانه تعرض لسخط الله في شانه حين امتنع من سجوده فكيف قبل وسوسته لولا كتاب من الله سبق

[ 213 ]

انتهى إذ يعلم من هذا ان مجرد ظهور ادلة الشيعة على الامامة ونحوها من مطالبهم في نفس الامر لا يوجب عدم خفائها على أهل السنة وكذا بالعكس وبعبارة اخرى لا وجه لان يقال لو كان الامر كما عليه الشيعة لما جاز على خلق كثير من علماء أهل السنة مثلا ان لا يتفطنوا بمدلول ذلك الدليل ولا يهتدوا به الى الحق ولنعم ما قال عارف الشيراز: شعر زاهد ار راه برندى نبرد معذور است * عشق كاريست كه موقوف هدايت باشد فلابد لكل من الفريقين من الفحص عن ادلة الاخر بل المباحثة والمناظرة معه حتى يتقرر له الدليل ويتضح عليه السبيل وكل من رام الحق بدون ذلك فهو في تضليل ولعله كما قال النيشابوري قد سبق كتاب من الله في ان لا ينال أهل السنة مدلول دليل اهل الحق على اثبات الحق فتأمل هذا وقد مر ان من شرط حصول العلم التواترى لسامع الخبر ان لا يكون السامع ممن سبق الى اعتقاده نفى مخبره بشبهة أو تقليد فمتى كان السامع كذلك لا يحصل له العلم لمخبر الخبر المتواتر. لا يقال: فعلى هذا الشرط يجب ان لا يحصل لمن سبق الى اعتقاده نفى مكة العلم بوجودها لانا نقول مادة النقض غير متحققة إذ لا داعى ههنا الى سبق اعتقاد النفى فلا يطرء فيه شبهة. وأما ما ذكره من " انه كيف ينفرد الشيعة بعلم صحة تلك مع انهم لم يتصفوا قط برواية ولا صحبة محدث ويجهل ذلك مهرة الحديث الى آخره " ففيه انه ان اراد انهم لم يتصفوا برواية وصحبة لمحدث من أهل السنة فعلى تقدير تسليمه وجهه ظاهر لحصول المعاندة بينهم على وجه يتقى الشيعة منهم، وان اراد روايتهم من اكابر شيعتهم وصحبتهم مع المحدثين منهم انفسهم فلهم بحمد الله تعالى اكابر فضلاء، محدثون علماء، وقد دونوا في الحديث النبوى والامامي من نفائس الكتب ما يزيد على الاصول الستة لاهل السنة فمن تلك الكتب الجامع المسمى

[ 214 ]

بالكافي لمحمد بن يعقوب الكليني الرازي وكتابا التهذيب والاستبصار للشيخ أبي جعفر الطوسى وكتابا مدينة العلم ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه وغير ذلك لكن أهل السنة لا يلتفتون الى تفاصيل احاديث الشيعة ومؤلفاتهم الكلامية والاصولية والفروعية حذرا من ان يظهر عليهم ويلزمهم ترك تقليد الاسلاف لا يرحمهم الله ولا يزكيهم. وايضا فالشيعة وان لم يتصفوا برواية وصحبة محدث من أهل السنة فقد اتصفوا برواية أهل السنة منهم وصحبتهم اياهم كما يرشد إليه ما صرحوا به من ان سبعة من مشايخ البخاري كانوا من محدثي الشيعة منهم عبيد الله بن موسى موابى معاوية كما مر وذكر الذهبي في اول كتابه الموسوم بميزان الاعتدال في احوال الرجال ابان بن تغلب رحمه الله وقال انه شيعي صلب لكنه لما كان صدوقا فصدقه لنا وبدعته له وقد وثقه احمد بن حنبل وابن معين وقال ابن عدى: " انه كان غاليا في التشيع " ثم قال " فإن قيل كيف يحكم بثقة المبتدع مع ان العدالة التى هي ضد البدعة ماخوذ في تعريف الثقة قلنا الغلو في التشيع والتشيع بلا غلو كان كثيرا في التابعين مع انهم كانوا متحلين بحلية التدين والورع والصدق فلو ردت احاديثهم مع كثرتها لضاع كثير من الاثار النبوية وهذه مفسدة ظاهرة " انتهى ومن محدثي الشيعة الذين قد روى عنه جماعه من محدثي أهل السنة الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد السبيعى الهمداني الكوفى الملقب بابن عقدة وقد ذكره الذهبي في ميزانه واليافعي وابن كثير الشامي في تاريخهما وقالوا " أبو العباس كوفى شيعي وهو احد من اركان الحديث والحفاظ الكبار وكان قد سمع احاديث كثيرة وسافر في طلب الحديث اسفارا عديدة واستفاد من خلق كثير واستمع منه الطبراني والدارقطني والجعامى وابن عدى وابن مظفر وابن شاهين وكان آية من آيات الله تعالى في الحفظ حتى قال الدارقطني: ان اهل بغداد اجمعوا على انه

[ 215 ]

لم يظهر من زمان ابن مسعود الى زمان ابن عقدة من يكون ابلغ منه في حفظ الحديث " وايضا قال الدارقطني " سمعت منه انه قال قد ضبطت ثلثمائة الف حديث من احاديث أهل البيت وبني هاشم وحفظت مائة الف حديث باسانيدها " ونقل الذهبي عن عبد الغنى بن سعيد انه قال " سمعت عن الدارقطني انه قال ان ابن عقدة يعلم ما عند الناس ولا يعلم الناس ما عنده " وقال الثلاثة " ان ابن عقدة كان يقعد في جامع البراثا من كوفة ويذكر مثالب الشيخين عند الناس فلهذا تركوا بعض احاديثه والا فلا كلام في صدقه " انتهى وأما ما ذكره من " ان محدثي أهل السنة دونوا الاحاديث في كتبهم على غاية من الاستيعاب " فهو كذب صريح ظاهر على اصحابه ايضا لانهم صرحوا بان كتاب البخاري مشتمل على اربعة آلاف حديث بعد اسقاط المكررات وقد نقل عنه انه كان يحفظ مائة الف حديث وقس على هذا مسلما وغيره جمعا وحفظا مع تداخل اكثر احاديث جوامعهم وقال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم " ان البخاري ومسلما لم يلتزما استيعاب الصحيح بل صحح عنهما تصريحهما بانهما لم يستوعباه وانهما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله لا انه يحصر جميع مسائله هذا مع ما سمعت منا سابقا من القدح التفصيلي في الكتابين فتذكر. واعجب من جميع ما ذكر تعجبه من الشيعة في نفيهم لصحة شطر من احاديث أهل السنة كيف ودعوى صحة تلك الاحاديث اول المسألة ومصادرة على المطلوب كما مر مرارا خصوصا في دعوى صحة خبر " اقتدوا بالذين من بعدى " ولقد احسن حيث حذف ذكر أبي بكر وعمر ههنا فافهم. وأما ما ذكره من " ان الشيعة يقولون في مقابلة استدلال أهل السنة بتلك الاحاديث انها اخبار آحاد،. الى آخره " فهو افتراء عليهم بل هم لا يسلمون صحتها من اول الامر. وأما استدلالهم بالخبر الواحد الثابت عند أهل السنة المذكور في بعض

[ 216 ]

كتبهم عليهم فانما وقع الزاما كما مر مرارا ولا تناقض في ذلك وإنما التناقض عند ابن حجر البليد المتحجر الذي لم يفهم بجمود طبعه معنى التناقض كما لم يفهم بطلان المصادرة التي شحن بها كتابه هذا فتأمل. 69 - قال: الرابعة عشرة زعموا انه لو كان اهلا للخلافة لما قال لهم " اقيلوني اقيلوني " لأن الانسان لا يستقيل من الشئ إلا إذا لم يكن اهلا له وجوابها منع الحصر فيما عللوا به فهو من مفترياتهم وكم وقع للسلف والخلف التورع عن امورهم لها اهل وزيادة بل لا تكمل حقيقة الورع والزهد إلا بالاعراض عما تأهل له المعرض وأما مع عدم التأهل فالاعراض واجب لا زهد ثم سببه هنا انه اما خشى من وقوع عجز مامنه عن استيفاء الامور على وجهها الذي يليق بكماله له أو انه قصد بذلك استبانة ما عندهم وانه هل فيهم من يود عزله فابرز ذلك كذلك فرآهم جميعهم لا يودون ذلك أو انه خشى من لعنته صلى الله عليه وسلم لامام قوم وهم له كارهون فاستعلم انه هل فيهم احد يكرهه أو لا والحاصل ان زعمهم ان ذلك يدل على عدم الاهلية غاية في الجهالة والغباوة والحمق فلا ترفع بذلك راسا انتهى. اقول: الرواية المشهورة انها قال أبو بكر عند امتناع على عليه السلام عن بيعته وادعاء الخلافة لنفسه محتجا عليه بما احتج هو به على الانصار وغيرهم " اقيلوني اقيلوني فانى لست بخيركم وعلى فيكم " ولا ريب ان شيئا من الوجوه التي تكلف ابداءها في تأويل هذه الاقالة مما لا يتمشى ولا يصلح جوابا بعد ان يكون وجه اقالته ما ذكرناه وعبارته ما نقلناه وان ارتكب متكلف ارجاع بعض وجوهه الى ما ذكره الشارح الجديد للتجريد من انه قصد بما ذكره التواضع وهضم النفس فيتوجه عليه اولا ما ذكرناه عند الكلام على رواية ذكرها في اواخر الفصل الاول من الباب الاول

[ 217 ]

وثانيا ان هضم النفس في أمر الدين غير موجه كيف ولا يبقى حينئذ وثوق بكلامه لعدم العلم بقصده بل نقول لا يعقل ممن اعطاه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله الامامة والخلافة في امور المسلمين بحسب الدين والدنيا ان يقول لهم دعوا قبولي للامامة لانى لست بخيركم وغيري خير منى موجود فيكم لأن ذلك يصير كذبا على الله ورسوله وثالثا ان القول المذكور إنما وقع منه عند انكار على عليه السلام لامامته وتعريض الناس عليه بعدم لياقته بذلك مع وجود على عليه السلام كما مر فلو كان غرضه هضم النفس لما خص الخيرية بعلى عليه السلام بل قال اقيلوني فان كل واحد منكم خير منى كما قال عمر " كل الناس افقه من عمر حتى المخدرات في البيوت " مع ان هذا ايضا في الحقيقة اعتراف بالواقع فافهم. 70 - قال: الشبهة الخامسة عشرة زعموا ايضا ان عليا إنما سكت عن النزاع في أمر الخلافة لأن النبي صلى الله عليه وسلم اوصاه ان لا يوقع بعده فتنة ولا يسل سيفا وجوابها ان هذا افتراء وكذب وحمق و جهالة مع عظيم الغباوة عما يترتب عليه إذ كيف يعقل مع هذا الذي زعموه انه جعله اماما واليا على الامة بعده ومنعه من سل السيف على من امتنع من قبول الحق ولو كان ما زعموه صحيحا لما سل على السيف في حرب صفين وغيرها ولما قاتل بنفسه واهل بيته وشيعته وجالد وبارز الالوف منهم وحده اعاذ الله من مخالفة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وايضا فكيف يتعقلون انه صلى الله عليه وسلم يوصيه بعدم سل السيف على من يزعمون فيهم انهم يجاهرون باقبح انواع الكفر مع ما اوجبه الله من جهاد مثلهم. قال بعض ائمة أهل البيت النبوى والعترة الطاهرة وقد تأملت كلماتهم فرايت قوما اعمى الهوى بصائرهم فلم يبالوا بما ترتب على مقالاتهم من المفاسد الا ترى الى قولهم " ان عمر قاد عليا بحمائل سيفه، وحصر فاطمة

[ 218 ]

فهابت فاسقطت ولدا اسمه المحسن " فقصدوا بهذه الفرية القبيحة، والغباوة التي اورثتهم العار والبوار والفضيحة، ايغار الصدور على عمر رضى الله عنه ولم يبالوا بما يترتب على ذلك من نسبة على رضى الله عنه الى الذل والعجز والخور بل ونسبة جميع بني هاشم وهم أهل النخوة والنجدة والانفة الى ذلك العار اللاحق بهم الذي لا اقبح منه عليهم انتهى. اقول: الاحمق الجاهل الغبى هو معدن التحجر والجمود، أبو جلمود اخو سمهود، ابن حجر الذي يحرف الكلم كملاعين اليهود، ويفترى على خصمه بما هو برئ منه عند اعدل الشهود، ثم يعترض عليه استجلابا لقلوب عوام مذهبه المردود، فان الذى نقله الشيعة هو وصية النبي صلى الله عليه وآله الى على عليه السلام بان لا يسل سيفا على الثلاثة لا مطلقا كما موه به وقد بينا وجه الحكمة في ذلك سابقا بالفرق الظاهر بين زمان الثلاثة وبين زمان الناكثين والقاسطين والمارقين. واما ما ذكره من " انه كيف يعقل مع جعله اماما منعه من سل السيف على من امتنع من قبول الحق " وما كرره به بعيد ذلك بقوله " وايضا فكيف يتعقلون انه صلعم يوصيه بعدم سل السيف،. الى آخره " فمعارض بارسال الله تعالى موسى وهرون عليهما السلام الى فرعون الطاغى عليه اللعنة ووصية لهما بان " قولا له قولا لينا " وبعدم سل النبي صلى الله عليه وآله السيف على كفار قريش مع وجود عميه الناصرين له ابى طالب وحمزة وسائر بني هاشم وتحصنه معهم بشعب أبي طالب مدة طويلة ثم فراره بعد وفاة أبي طالب الى الغار ومنه الى المدينة وبعدم محاربته لمن صده من قريش في الحديبية عند توجهه الى الحج بل صالح معهم بكتابة عهد معهم قد تضمن شرائط منها ان من لحق محمدا صلى الله عليه وآله واصحابه من قريش فإن محمدا يرده إليهم ومن رجع من اصحاب محمد الى قريش بمكة فإن قريشا لا ترده الى محمد ولما كتبوا في كتابة العهد " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما

[ 219 ]

قاضى عليه محمد رسول الله قالوا انا لا نعرف الا له الرحمن الرحيم ولم نقر برسالتك فالزموه ان يمحو ذلك ويكتب بدله باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله،. الى آخره " ثم رجع صلى الله عليه وآله الى المدينة بلا حج حتى اعترض عمر على النبي صلى الله عليه وآله بانك لم تعطى هذه الدنية ؟ مع انه صلعم كان اشجع الناس اتفاقا وكان معه على عليه السلام وأبو بكر الذي كان اشجع الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله في زعم هذا الجامد واصحابه الجوامد وعمر الذي ايد الله به الدين، على زعم المفترين، فما هو جوابه عن هذا فهو جوابنا عن ذلك بطريق اولى للفرق الظاهر بين الكف عن قتال المتظاهرين بالاسلام والكف عن قتال المشركين والمصالحة معهم بما سماه عمر دنية وايضا يمكن المعارضة بما ذكره هذا الجامد في اثناء الخاتمة المتضمنة لبيان اعتقاد اهل السنة في الصحابة من ان امتناع على عليه السلام عن تسليم قتلة عثمان الى معاوية ومن معه من بني امية ان ظن ان تسليمهم إليهم على الفور مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر على يؤدى الى الاضطراب وتزلزل امر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الاسلام سيما وفى بدايتها لم يستحكم الامر فيها فراى على رضى الله عنه ان تأخير تسليمهم اصوب الى ان ترتسخ قدمه في الخلافة ويتحقق التمكن من الامور فيها على وجهها ويتم له انتظام شملها واتفاق كلمة المسلمين ثم بعد يلتقطهم واحدا فواحدا ويسلمهم إليه بل يتاتى المعارضة بما فوق ما ذكرناه فإن الله تعالى قد امهل فرعون الطاغى الكافر اعواما واحقابا خائضا في كفره وطغيانه فافهم. وقد ذكرنا سابقا ما اعتذر أمير المؤمنين عليه السلام عن ذلك بان له في صبره على طغيان قومه وكفه عن قتالهم اسوة بسبعة من الانبياء عليهم السلام فتذكر. وأما ما نسبه الى بعض ائمة أهل البيت، فهو من مفتريات نفسه الميتة. وأما ما ذكره من من " انهم قالوا ان عمر قاد عليا بحمائل سيفه " فهو مما رواه حشوية

[ 220 ]

أهل السنة واشار إليه معاوية فيما كتبه الى على عليه السلام ويقول فيه " انك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى تبايع " يعيره ويؤنبه انه لم يبايع طوعا ولا رضى ببيعة أبي بكر بل استكره عليها خاضعا ذليلا كالجمل إذا لم يعبر على قنطرة وشبهها فانه يكره ويخش بالرماح وغيرها ليعبر كرها فكتب إليه على عليه السلام في الجواب عن هذا ما هذا لفظه كما في نهج البلاغة " قلت انى كنت اقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى ابايع ولعمر الله لقد اردت ان تذم فمدحت وان تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة في ان يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه أو مرتابا بيقينه وهذه حجتى الى غيرك قصدها ولكني اطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها " انتهى وأما ما ذكره " من حصر عمر لفاطمة عليها السلام " فهو مما نقله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني الاشعري في كتاب الملل والنحل عن النظام المعتزلي المشارك مع جمهور أهل السنة في تصحيح خلافة أبي بكر فلعل الشيعة احتجوا بذلك الزاما على اهل العناد والانكار، فاندفع العار والبوار عن الائمة الاطهار، وإنما العار والشنار على من فر في مبارزة آحاد الكفار، وولى الدبر في خيبر وأحد وحنين بلا مبالاة عن لحوق العار، وخوف عن دخول النار. 71 - قال: خاتمة قال شيخ الاسلام مجتهد عصره التقى السبكى كنت بالجامع الاموى ظهر يوم الاثنين سادس عشر جمادى الاولى سنة خمس وخمسين وسبعمائة فاحضر الى شخص شق صفوف المسلمين في الجامع وهم يصلون الظهر ولم يصل وهو يقول " لعن الله من ظلم آل محمد " وقد تكرر منه ذلك فسألته من هو ؟ فقال أبو بكر، قلت أبو بكر الصديق ؟ قال أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد فأمرت بسجنه وجعل غل في عنقه ثم اخذه القاضى المالكى فضربه وهو مصر على ذلك وزاد فقال ان فلانا عدو الله

[ 221 ]

شهد عليه عندي بذلك شاهدان وقال انه مات على غير الحق وانه ظلم فاطمة ميراثها وانه يعنى أبا بكر كذب على النبي صلى الله عليه وسلم في منعه ميراثها وكرر عليه المالكى الضرب يوم الاثنين المذكور ويوم الاربعاء الذي يليه وهو مصر على ذلك ثم احضروه يوم الخميس بدار العدل وشهد عليه في وجهه فلم ينكر ولم يقر ولكن صار كلما سئل يقول ان كنت قلت فقد علم الله تعالى فكرر السؤال عليه مرات وهو يقول هذا الجواب ثم اعيد عليه فلم يبد واقعا ثم قيل له تب فقال تبت من ذنوبي وكرر عليه الاستتابة وهو لا يزيد في الجواب على ذلك فطال البحث في المجلس على كفره وعدم قبول توبته فحكم نائب القاضى بقتله فقتل وسهل عندي قتله ما ذكرته من هذا الاستدلال فهو الذي انشرح صدري لكفره بسبه وبقتله لعدم توبته وهو منزع لم اجد غيرى سبقني إليه إلا ما سيأتي من كلام النووي وضعفه واطال السبكى الكلام في ذلك وها انا اذكر حاصل ما قاله مع الزيادة عليه مما يتعلق بهذه المسألة وتوابعها منبها على ما ازيده باى ونحوها فاقول: ادعى بعض الناس ان هذا الرجل الرافضى قتل بغير حق وشنع السبكى في الرد على مدعى ذلك بحسب ما ظهر له ورآه مذهبا وإلا فمذهبنا كما ستعلمه انه لا يكفر بذلك فقال كذب من قال انه قتل بغير حق بل قتل بحق لانه كافر مصر على كفره وانما قلنا انه كافر لامور احدها قوله صلعم في الحديث الصحيح " من رمى رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك ان كان كما قال وإلا رجعت عليه " ونحن نتحقق ان أبا بكر مؤمن وليس عدو الله ويرجع على هذا القائل ما قاله بمقتضى نص هذا الحديث للحكم بكفره وان لم يعتقد الكفر كما يكفر ملقى المصحف بقذر وان لم يعتقد الكفر وقد حمل مالك هذا الحديث على الخوارج والذين كفروا اعلام الامة فما استنبطته من هذا الحديث موافق لما نص عليه مالك أي فهو موافق لقواعد مالك لا لقواعد الشافعي على

[ 222 ]

انه ستعلم مما ياتي عن المالكية المعتمد عندهم في ذلك وهذا الحديث وان كان خبرا واحدا إلا ان خبر الواحد يعمل به في الحكم بالتكفير وان كان جحده لا يكفر به إذ لا يكفر جاحد الظنى بل القطعي وقول النووي " ان حمل مالك لهذا الحديث على الخوارج ضعيف لان المذهب الصحيح عدم تكفيرهم " فيه نظر وإنما يتجه ضعفه ان لم يصدر منهم سبب مكفر غير الخروج والقتال ونحوهما أما مع التكفير لمن تحقق ايمانه فمن اين للنووي ذلك انتهى ويجاب بان نص الشافعي رضى الله عنه وهو قوله اقبل شهادة أهل البدع والاهواء الا الخطابية صريح فيما قاله النووي مع ان المعنى يساعده وايضا فتصريح ائمتنا في الخوارج بانهم لا يكفرون وان كفرونا لانه بتأويل فلهم شبهة غير قطعية البطلان صريح فيما قاله النووي ويؤيده قول الاصوليين انما لم يكفر الشيعة والخوارج لكونهم كفروا اعلام الصحابة المستلزم لتكذيبه صلى الله عليه وسلم في قطعه لهم بالجنة لأن اولئك المكفرين لم يعلموا قطعا تزكية من كفروه على الاطلاق الى مماته وانما يتجه كفرهم ان لو علموا ذلك لانهم حينذ يكونون مكذبين له صلعم وبهذا يعلم ان جميع ما ياتي عن السبكى إنما هو اختيار له مبنى على غير قواعد الشافعية وهو قوله جواب الاصوليين المذكور إنما نظروا فيه الى عدم الكفر لانه لا يستلزم تكذيبه صلعم ولم ينظروا لما قلناه ان الحديث السابق دال على كفره وقد قال امام الحرمين وغيره: يكفر نحو الساجد لصنم وان لم يكذب بقلبه ولا يلزم على ذلك كفر كل من قال لمسلم يا كافر لأن محل ذلك في المقطوع بايمانهم كالعشرة المبشرين بالجنة وعبد الله بن سلام ونحوهم بخلاف غيرهم لانه صلعم اشار الى اعتبار الباطن بقوله " ان كان كما قال والا رجعت عليه " نعم يلحق عندي وان لم يذكر ذلك متكلم ولا فقيه بمن ورد النص فيهم من اجتمعت الامة على صلاحه وامامته كابن المسيب والحسن وابن سيرين ومالك والشافعي فإن قلت: الكفر

[ 223 ]

جحد الربوبية أو الرسالة وهذا المقتول مؤمن بالله ورسوله وآله وكثير من صحابته فكيف يكفر ؟ قلت: التكفير حكم شرعى سببه جحد ذلك أو قول أو فعل حكم الشارع بانه كفرو ان لم يكن جحدا وهذا منه وهذا احسن الادلة في المسألة وينضم إليه خبر الحلية " من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب " والخبر الصحيح " لعن المؤمن كقتله " وأبو بكر اكبر الاولياء والمؤمنين وهذا هو المأخذ الذي ظهر لي في قتل هذا الرافضى وان كنت لم اتقلده لا فتوى ولا حكما وانضم الى احتجاجى بالحديث السابق ما اشتملت عليه افعال هذا الرافضى من اظهاره ذلك في الملاء واصراره واعلانه البدعة واهلها وغمصه السنة واهلها وهذا المجموع في غاية الشناعة وقد يحصل بمجموع امور حكم لا يحصل بكل واحد منها وهذا معنى قول مالك " تحدث للناس احكام بقدر ما يحدث لهم من الفجور " ولسنا نقول بتغيير الاحكام بتغير الزمان بل باختلاف الصورة الحادثة وهذا نهاية ما انشرح صدري له بقتل هذا الرجل وأما السب وحده ففيه ما قدمته وما سأذكره وايذائه صلعم أمر عظيم الا انه ينبغى ضابط (1) فيه وإلا فالمعاصي كلها تؤذيه ولم اجد في كلام أحد من العلماء ان سب الصحابي يوجب القتل الا ما ياتي من اطلاق الكفر من بعض اصحابنا واصحاب أبي حنيفة ولم يصرحوا بالقتل وقد قال ابن المنذر " لا اعلم احدا يوجب القتل بمن سب من بعد النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. اقول: قد تورط هذا الشيخ الجاهل المتعصب الجامد في خاتمته هذه التى تشهد عليه بسوء خاتمته في ورطة لا نجاة له منها ابدا واكثر فيها من الخرافات والترهات التى نسى اولها آخرها يغتر الجاهل فيظن انه اتى بشئ غامض دقيق من اختراعاتهم


(1) - قال فيما بعد " والضابط إن كل شتم قصد به أذى النبي صلى الله عليه وسلم كما من عبد الله بن أبي كفر والا فلا كما وقع من مسطح في قصة الافك " انتهى الضابط (كذا كان في الحاشية منه ره)

[ 224 ]

مع ان جميع ما اتى به هذا الحجر اللامنحوت، وشيخه السبكى المبهوت، ابعد ثبوتا من حقية الجبت والطاغوت، واوهن ثباتا من نسخ العنكبوت، فنقول: اولا ان نظر هذا الرجل فيما وقع عن بعض الصحابة المرضيين عندهم ثم عنهم من سب رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام اولى من نظرهم في حال من سب بعض الصحابة الذين وقع النزاع في كونهم مرضيين وذلك لأن اول من سب رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذى توفى فيه صلوات الله عليه وآله هو عمر بن الخطاب، خليفة...... حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ايتونى بدواة وكتف لاكتب كتابا لن تضلوا بعده ابدا، فقال عمر: ان الرجل ليهجر، حسبنا كتاب الله فاعرض النبي صلى الله عليه وآله مغضبا، ثم وقع التشاجر بين الصحابة فقال بعضهم: القول ما قاله عمر، وقال آخرون: القول ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فامر النبي صلى الله عليه وآله بالانصراف عنه حيث آذوه بذلك السقط من الكلام وبالصياح عنده فسال بعضهم من الكتابة ففتح عينيه صلوات الله عليه وآله وقال بعدما سمعت... " ثم سب معاوية وبنو امية أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام على المنابر ثمانين سنة وكذا سب أمير المؤمنين عليه السلام معاوية وعمرو بن العاص وامثاله ممن كانوا مع معاوية ثم قتل الصحابة اعظم كثيرا من سبهم وقد قتل يزيد بن معاوية الحسين عليه السلام ونهب حريمه مع اظهار النبي صلى الله عليه وآله محبته له واشتهار امره وامر اخيه عليهما السلام وجعل الله تعالى مودتهم اجر الرسالة التي هي اعظم الالطاف الربانية على العبيد فان بسببها يحصل الثواب الدائم والخلاص عن العقاب السرمد،. ثم سب أهل السنة والجماعة النبي صلى الله عليه وآله حيث نسبوا إليه الكفر لانه صلى يوما صلوة الصبح وقرأ فيها سورة النجم الى ان وصل الى قوله تعالى " ومناة الثالثة الاخرى " وقالوا

[ 225 ]

فقرأ بعد ذلك " تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى " وهذا عين الكفر وأي سب اعظم من نسبة الكفر الى من قال الله تعالى فيه " وما ينطق عن الهوى، ان هو إلا وحى يوحى " ونسبوا آبائه الى الكفر وأي سب اعظم من ان يقال للشخص يا بن الكافر بل سبوا الله تعالى حيث اسندوا جميع الموجودات من الحسن والقبيح إليه تعالى فجميع شر في العالم أو ظلم أو غير ذلك فهو صادر منه تعالى الله عن ذلك وإذا سب الانسان غيره فقال أنت كافر كان معناه انك اوجدت الكفر وفعلته فباى شئ يسب الله تعالى باعظم من ذلك وثانيا ان ذلك الشخص الذي ذكر هذا الشيخ الجامد انه شق صفوف الجماعة وقال في شان أبي بكر ما قال قد استدل على استحقاقه لما قال فيه " من انه ظلم فاطمة عليها السلام في ميراثها الى آخره " وقد اشرنا الى اثبات مقدماته فيما مر فلو فرض ان شيئا من مقدماته كان نظريا في نظرهم يجب عليهم مطالبته باثباتها والدليل عليها فلو عجز عن ذلك عومل معه بما شاء وامن الضرر والضرار لا بان يعدلوا عن ذلك تعصبا وحيفا ويكلف بالتوبة مما لا ذنب فيه، ويقتل بفتوى الفقيه المتعصب السفية المتشبث بالاحاديث الموضوعة والاقاويل المضطربة المخترعة لهم جرأة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله. وأما قوله " وهم يصلون الظهر ولم يصل الى آخره " ففيه انه لا حرج في عدم صلوته معهم كما يوهمه كلامه لجواز انه تأسي في ذلك بمثل ما نقله قاضى خان الحنفي من عمل اكابر التابعين في زمان بني امية بمثله حيث قال في كتابه الكبير الشهير " روى عن إبراهيم النخعي وابراهيم بن مهاجر انهما كانا يتكلمان عند وقت الخطبة فقيل لابراهيم النخعي في ذلك فقال انى صليت الظهر في دارى ثم رحت الى الجمعة تقية فلذلك تأويلان احدهما ان الناس في ذلك الزمان كانوا فريقين فريق منهم لا يصلى الجمعة لانه كان لا يرى السلطان الجائر سلطانا وسلطانهم يومئذ كان

[ 226 ]

جائرا فانما كانوا لا يصلون الجمعة لاجل ذلك،. وكان فريق منهم ترك الجمعة لأن السلطان يؤخر الجمعة عن وقتها في ذلك الزمان ويصلون الظهر في دارهم ثم يصلون الجمعة مع الامام ويجعلونها سبحة " انتهى وبالجملة يجوز ان يعتقد ذلك الشخص عدم كون امام تلك الصلوة مرضيا ولا يقول بما اشتهر بين أهل السنة من جواز الصلوة خلف كل بر وفاجر كما هو مذهب الفرقة الناجية ايدهم الله تعالى بنصره. وأما قوله " وسهل عندي قتله،. الى آخره " فالوجه فيه ظاهر بسهولة من قول شاعر أهل البيت: شعر * وما سهلت تلك المذاهب فيهم * على الناس الا بيعة الفلتات * وأما ما اتى به من الاستدلال الذى انشرح به صدر جاهليته فالظاهر انه اشار به الى قوله " احدها قوله صلى الله عليه وسلم،. الى آخره " ودلالته على ما زعمه من كفر ذلك الشخص ممنوعة لأن ضمير رجعت في قوله " والا رجعت عليه " غير راجع الى الكفر وهو ظاهر فهو اما راجع الى نتيجة ذلك القول من المقت والخزى كما هو الظاهر من سوق امثال هذا الكلام أو راجع الى العداوة المفهومة من قوله عدو الله لكن عداوة الله تعالى شاملة للكافر والفاجر فعلى التقديرين لا يلزم منه الحكم بالكفر بل الحاكم بذلك كافر لجراته على تأويل كلام النبي صلى الله عليه وآله تأويل الجاهلين. وأما التشبيه بالمصنف فلا يصدر الا عمن نبذه وراء ظهره بل القاه فيما ذكره وذلك فرع اثبات ان أبا بكر آمن بالمصحف فضلا عن ان يكون له قدر عند الله تعالى ودون اثبات ذلك خرط القتاد كما عرفته مرارا وحققته اطوارا. وأما ما ذكره من " ان خبر الواحد يعمل به في الحكم بالتكفير " فمجرد دعوى لا دليل عليه سوى تقرير وجوب الحد والتعزير على من طعن أبا بكر بالتكفير، وأما تضعيف قول النووي

[ 227 ]

" في عدم تكفيره للخوارج مطلقا ولو بسبب آخر غير الخروج " فقوى لكن إذا كان ذلك السبب مما وقع الاتفاق على صلوحه للسببية من الامة وتحقق مثل هذا السبب في الطاعن على ابى بكر الذي اختلف الامة من غير الخوارج على كفره أو فسقه غير مسلم كما عرفت. وأما ما نقله عن السبكى من قوله " ان الاصوليين لم ينظروا لما قلناه ان الحديث السابق دال على كفره " فمردود بما اريناكه من عدم دلالته على ذلك قطعا. وأما ما نقله عن امام الحرمين من " انه يكفر نحو الساجد لصنم " فلا يجدى فيما نحن فيه لأن المخالف يدعى ان الطعن في أبي بكر ليس في مرتبة الطعن في ساجد الصنم فكيف يصح تنظير تكفير أبي بكر بنحو السجود للصنم. وأما قوله " نعم يلحق عندي بمن ورد النص فيهم من اجتمعت الامة على صلاحه وامامته كابن المسيب،. الى اخره " فنعم الالحاق لكن ليس أحد ممن سماهم هاهنا على الصلاح، أما ابن المسيب فلانه كان ناصبيا قد اشتهر عنه الرغبة عن الصلوة على جنازة مولانا زين العابدين عليه السلام فقيل له الا تصلى على هذا الرجل الصالح من أهل البيت الصالح ؟ فقال صلوة ركعتين من احب الى من الصلوة على الرجل الصالح من أهل البيت الصالح. وروى عن مالك انه كان خارجيا اباضيا. وأما الحسن البصري فمع قطع النظر عن القوادح المروية فيه عن طريقة أهل البيت عليهم السلام قد سبق الرواية عن الشافعي انه قال " فيه كلام " وأما ابن سيرين فقد كان مرائيا مصانعا وقد قال صاحب جامع الاصول في آخر الجامع في ذكر الرجال عمران بن حطان البيدوى الخارجي وذكر انه روى عنه محمد بن سيرين " ولا اعتداد بمن يروى عن خارجي يكفر عليا عليه السلام ". واما مالك والشافعي فقد طعن فيهما اصحاب أبي حنيفة وابن حزم الظاهرى وغيرهما واصحاب الشافعي كامام الحرمين والغزالي وغيرهم طعنوا في أبي حنيفة ومالك بل قال ابن الجوزى في المنتظم " اتفق

[ 228 ]

الكل على الطعن في أبي حنيفة، وكذلك تعرض البخاري في صحيحه لابي حنيفة وذلك لرده الاحاديث الصحيحة الصريحة كقوله " القرعة عندي قمار، والاشعار مثلة " وهذا كما ترى خلاف ما رواه سائر المسلمين عن النبي صلى الله عليه وآله. واما ما ذكره من " ان التكفير حكم شرعى سببه جحد ذلك أو قول أو فعل حكم الشارع بانه كفر " فمسلم لكن لا نسلم ما ذكره من ان سب أبي بكر من هذا القبيل والسند واضح مما اسبقناه مرارا وكذا الكلام في خبر الحلية فانا نقول بموجبه لكن لا نسلم تحلى ابى بكر بمدلوله وكونه من الاولياء فضلا عن كونه اكبرهم وقس على هذا باقى كلماته بل سائر وجوهه الخمسة الاتية فلنضرب عنه صفحا تحرزا عن تضييع الوقت بازيد من ذلك ونقول قد ذهب الشيخ الاشعري والغزالي والامدي وفخر الدين الرازي وصاحب المواقف وصاحب المكاتيب المشهورة وامثالهم من اكابر اهل السنة الى عدم تكفير من سب الشيخين من الشيعة والرافضة ولنذكر ما ذكره الغزالي في كتاب المستظهرى وصاحب المكاتيب قطب الدين الانصاري الشافعي في مكاتيبه لأن تحصيلهما ربما يتعسر أو يتعذر على سائر الناظرين - قال الغزالي (1) بعد جملة من الكلام في تحقيق هذا المرام " فإن قيل: فلو اعتقد معتقد فسق أبي بكر وعمر وطائفة من الصحابة ولم يعتقد كفرهم فهل تحكمون بكفره ؟ قلت لا نحكم بكفره وانما نحكم بفسقه وضلالته ومخالفته لاجماع الامة ونحن نعلم ان الله تعالى لم يوجب على من قذف محصنا بالزنا الا ثمانين جلدة وان هذا الحكم يشمل كافة الخلق ويعمهم على وتيرة واحدة، وانه لو قذف قاذف أبا بكر وعمر بالزنا، ما زادوا على اقامة حد الله


(1) قال الرازي في نهاية العقول: " لا يجوز تكفير الشيعة على السب لاعتقادهم كفر من يسبونه " منه نور الله مرقده (كذا كان في حاشية الموضع)

[ 229 ]

المنصوص عليه في كتابه ولم يدعوا لانفسهم التميز بخاصية في الخروج عن مقتضى العموم. فإن قيل: فلو صرح مصرح بكفر أبي بكر وعمر ينبغى ان ينزل منزلة ما لو كفر شخصا آخر من آحاد المسلمين والقضاة والائمة من بعدهم ؟ قلنا هكذا نقول فلا يفارق تكفيرهم تكفير آحاد الائمة والقضاة بل افراد المسلمين المعروفين بالاسلام إلا في شيئين احدهما مخالفة الاجماع وخرقه فإن تكفير غيره ربما لا يكون خارقا لاجماع معتمد به الثاني انه ورد في حقهم من الوعد بالجنة والثناء عليهم والحكم بصحة دينهم وثبات يقينهم وتقدمهم على الخلق اخبار كثيرة فقائل ذلك ان بلغه الاخبار ثم اعتقد مع ذلك كفرهم فهو كافر لا بتكفيره اياهم ولكن بتكذيبه رسول الله صلى الله عليه وآله فمن كذبه في كلمة من اقاويله فهو كافر بالاجماع،. ومهما قطع النظر عن التكذيب في هذه الاخبار وعن خرق الاجماع نزل تكفيرهم منزلة تكفير القضاة والائمة وآحاد المسلمين " انتهى. كلامه قال صاحب المكاتيب بعد نقل كلام الغزالي هذا في مكاتيبه: " اگر كسى گويد كه امام غزالي فرموده كه كسى كه اخبار در تزكيه ايشان وارد است باو رسيده باشد ومع هذا تكفير ايشان كند كافر است وكريمه " إذ يقول لصاحبه لا تحزن " بهمه كس رسيده چه قرآن متواتر الجميع است. جواب آنستكه قرآن متواتر الجميع نيست نسبت با همه كس، چه كسى هست كه غير سوره فاتحه نخوانده وايضا آنكس كه آيه مذكوره باورسيده باشد على سبيل التواتر شايد كه اين كه آن صاحب مذكور در آيه أبو بكر است بر سبيل قطع نداند چه اين كه ورود آيه مذكوره در شان أبو بكر است از قبيل سايرشان نزول آياتست كه در تفاسير واحاديث مذكور است واز اخبار آحاد است وايضا شايد كه آنكس بر آن باشد كه مراد از صاحب صاحب لغويست يعنى كسى كه باوى همراه بود در غار واز

[ 230 ]

اين صاحبيت اصطلاحي كه كلام در آنست لازم نميايد پس اگر كسى انكار صحابيت أو بنابر اين شبهات كند چگونه اورا تكفير توان كرد ؟ بلى اگر انكار صحابيت ابى بكر لذاته كفر باشد كفر أو لازم آيد ليكن از سخن امام غزالي معلوم شد كه آن لذاته كفر نيست براى استلزام تكذيب رسول الله صلعم كفر است وچون كسى آيه مذكوره بوى نرسيده باشد يا اعتقاد اينكه منزول فيه أبو بكر است نداشته باشد از انكار أو صحابيت ابي بكر را تكذيب بقرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم لازم نميايد چه دلالت آيه مذكوره بر معنى مذكور نه چنان دلالتي قطعي ضروريست كه اگر كسى انكار كند ظاهر حال اين باشد كه أو مضمر انكار قرآنست وادعاى اين تأويل بهانه ايست كه براى خود ساخته. اگر كسى سؤال كند كه گير كه نظر بآيه چنين است چه ميگوئى در خرق اجماع كه اكثر علماء بر آن رفته اند كه صاحب آن كافر است قال القاضى عياض في الشفاء " فاما من انكر الاجماع المجرد الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع فاكثر المتكلمين والفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا بتكفير كل من خالف الاجماع الصحيح الجامع لشروط الاجماع المتفق عليه عموما وحجتهم قوله تعالى: ومن يشاقق الرسول بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم، الاية،. قوله صلعم: من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام " جواب گويم اگر چه مذهب غزالي در اين مسألة نه مذهب جمهور است وخرق اجماع نزد أو كفر نيست چنانكه در نقل مذكور شد أما ما استناد بمذهب أو ميجوئيم ومى گوئيم كه اجماعي كه خرق آن كفر است اجماعا اجماعيست كه در امور دين باشد از عقائد اصليه واحكام عمليه مانند حرمت خمر كه اگر كسى انكار آن كند در اين انكار رفع حكميست از احكام دين چه ثمره اين انكار آنست كه شرب خمر

[ 231 ]

نمايند ودر اين خرم دينست أما اجماعي كه نه امرى چنين باشد بانكار آن شخص كافر نمى شود مثلا مجمع عليه است كه اين كعبه كه امروز بر آن طواف مى كنند بنا كرده حجاج است اگر كسى اين را انكار كند أو را تكفير نكنيم چه بانكار اين هيچ حكمي از احكام دين اختلال نمى يابد خواهى بناى حجاج باش خواهى بناى ديگرى واجماعي كه بر صحابيت است از اين قبيل است چه اگر كسى صحابيت كسى از صحابه را انكار كند با آنكه بتمام احكام دين اصولا وفروعا معترف باشد وبمضمون آن تمسك نمايد لازم نيايد از اين خرم چيزى از دين الا اينقدر هست كه اين در نفس خود باطل است چه معرفت صحابه نه از آن قبيل است كه بنفسها از اركان اسلام است همچون ايمان بخداى وملائكه وكتب ورسل چنانكه در كلام غزالي گذشت وطوائف مبتدعه كه در شان بعضى از صحابه نبايست گويند از خوارج وروافض هيچ از اصول وفروع دين بدان سبب از دست نگذاشته اند وآنچه از اصول وفروع دين در آن بر خلاف رفته اند از براى قصور نظر است كه داشته اند واجتهاد باطل، نه از سبب آن نابايست گوئى آن ايشان را لازم شده. اگر كسى سؤال كند كه كسى اگر نابايست در شان ابي بكر وعمر گويد بمجرد اين همه مستحق تعزير باشدو بس چنانچه در سخن غزالي گذشت كأن كه دل باينقدر خشنود نميشود ودوست ميدارد كه باين استحقاق تكفير درست شود. جواب آنست كه مقصود ما از سخن آنست كه خوارج وشيعه كافر نباشند چه اهل علم تكفير ايشان نكرده اند ايشانرا مبتدع وضال شمرده اند وهمه ايشان نابايست مى گويند وعامل عمر بن عبد العزيز از كوفه بوى نوشت كه شخصي سب عمر بن الخطاب كرده اگر رخصت فرمائى اورا قتل كنم در جواب نوشت كه جايز نيست كه كسى را كه سب

[ 232 ]

عمر كند قتل كنند الا وقتى كه سب پيغمبر كرده باشد اما سخنى گويم كه روشنى چشم تو وهر مؤمنى باشد وآن اينست كه حكم اين عصر وعصر سابق در اين باب تفاوت دارد وحكم خارجي وشيعي كه شبهه بر أو مستولى شده يا بتشبيه در عقائد كه أو را با آباء دست داده نابايست مى گويد وحكم ديگرى يكسان نيست چه امروز ابي بكر وعمر در نفوس بنوعي نشسته كه كسى كه تهجم بر سب وقدح در ايشان كند كه نه از طوائف خوارج وروافض باشد اين نشانه خلاعت اوست از دين چه ايشان ودين امروز كالمتلازمين اند فيما يعرف الناس واين حكم از ابي بكر وعمر بمثل شافعي وابى حنيفه نيز متعدى گردد در مرتبه بل بهمه ائمه دين وعلماى متقين كه چون كسى نبايست در باره ايشان گويد بنوعي كه خلاعت از آن معلوم شود كافر است چه نشانه عداوت دين است چه عالم فيما يعرف هو به صاحب دين است پس كسى كه أو را دشمن دارد دين را دشمن ميدارد والاچه مرگ دارد " انتهى. ويزيد ذلك وضوحا ما ذكره بعض فضلاء أهل السنة في شرحه للشفاء المذكور حيث قال في شرح فصل عقده مصنف الشفاء لبيان حكم الفرق المعتقدين غير اعتقاد أهل السنة من المشبهة والمجسمة والمعتزلة والشيعة وغيرهم " انه يفهم من كلام المصنف في هذا المقام ان لمالك واصحابه اقوالا بالتكفير والقتل ان لم يقع لهم توبة وهو مشكل لأن القول بالتكفير في مثل هذا المقام اعني مقام " التأويل والاجتهاد يتعين عنه الابعاد لانه امر عظيم الخطر مهول في الدين القويم، تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، إذ هو عبارة عن الاخبار عن شخص ان عاقبته في الاخرة هو العقوبة الدائمة وانه في الدنيا مباح الدم والمال لا يمكن من نكاح مسلمة ولا يجرى عليه احكام الاسلام في حياته وبعد مماته والخطاء في ترك الف كافر اهون عند الله من الخطاء في سفك محجمة

[ 233 ]

من دم مسلم ثم ان هذه المسائل الاجتهادية التى يحكم فيها هذا الحكم في غاية الدقة والغموض لكثرة شبهها واختلاف قرائن احوالها وتفاوت دواعيها والاستقصاء في معرفة الخطاء مع كثرة صنوف وجوهه والاطلاع على حقيقة. التأويل وشرائطه في الاماكن ومعرفة الالفاظ المحتملة للتأويل وغير المحتملة يستدعى معرفة طرق اهل اللغة العربية في حقائقها ومجازاتها واستعاراتها ومعرفة دقائق علم التوحيد وغوامضه الى غير ذلك وهذا متعذر جدا،. على ان ذلك مع انضمام الاغراض واختلاف التعصبات و تفاوت دواعى الخاصة والعامة في الازمنة المختلفة الى تلك الفتوى وقال عليه افضل الصلوة والسلام " اجراكم على الفتوى اجراكم على النار فإن المفتى على شفير جهنم " هذا هو التحقيق في هذا المقام لا سيما الفتوى في مثل هذا المقام ولهذا تردد اقوال الائمة المحققين في ذلك فقال الامام أبو القاسم الانصاري والقاضى أبو بكر والاستاد أبو اسحق الاسفراينى " ذكروا اقوالا لابي الحسن الاشعري في تكفير المتأولين متعارضة فالظاهر انه قد تردد في ذلك " وروى عبد الجبار البيهقى الخوارى عن الامام احمد بن الحسين البيهقى عن أبي حارة العبدوى عن الامام أبي على زيد بن أحمد السرخسى " انه سمعه يقول: لما قرب حضور اجل الامام أبي الحسن الاشعري في دارى ببغداد دعاني وقال اشهد على اننى لا اكفر احدا من أهل القبلة لانهم يستوون الى معبود واحد " وقال الامام أبو الحسن الاشعري ايضا في صدر كتاب المقالات: " اختلف المسلمون في اشياء كثيرة ضلل فيها بعضهم بعضا وتبرا بعضهم من بعض إلا ان الاسلام يشملهم ويعمهم الا ترى كيف سماهم مسلمين وان كانوا مختلفين " وقال الامام الشافعي: " اقبل شهادة من قال بالوعيد والخوارج إلا الخطابية وهم قوم يشهد بعضهم لبعض من غير تفرقة في المذهب " ووافقه الامام أبو حنيفة في ذلك وحكى القاضى عن أبي حازم عن المزني " انه

[ 234 ]

كان يجعل أهل القبلة مع اختلافهم في مذاهبهم مسلمين، وقال: نمتنع عن تكفيرهم لأن المسائل التى اختلفوا فيها لطاف ودقاق يدق النظر فيها " وقال امام الحرمين في كتاب غياث الامم " ان قيل لنا فعلوا ما يقتضى التكفير وما يوجب التضليل والتبديع، قلنا هذا طمع في غير مطمع فإن هذا بعيد المدرك، عزيز المسلك، شمل من تيار بحار التوحيد، ومن لم يحط علما بماهيات الحقائق، لم يحصل من التكفير على وثائق، ولو اوغلت في جميع ما يتعلق باذيال الكلام في هذا الباب لبلغ مجلدات ثم لا يبلغ الغايات " وقال الانصاري في نكت الادلة " سمعت الاستاد أبا القاسم القشيرى يقول: راجعت الاستاد أبا بكر بن فورك في هذه المسألة مرارا ولم يحر جوابا وقال حتى انظر فانه دين " وقال القاضى أبو المحاسن الرويانى في الحلية " ولا ينبغى ان يصلى خلف المبتدع فإن صلى لا يلزمه الاعادة لانا لا نكفر احدا من اهل المذاهب المختلفة " وقال عليه الصلوة والسلام " من صلى صلوتنا واستقبل قبلتنا واكل ذبحيتنا فله ما لنا وعليه ما علينا " ولهذا يناكحون ويقرون عليه مع وجوب الاحتياط فهؤلاء هم العلماء اعضاد الدين واعلام الاسلام تراهم كيف يحترزون من اطلاق التكفير فبهداهم اقتده،. واياك والاغترار بقول مجازف يوهمك التعصب للدين وقصده استتباع العوام واجتذاب الحطام والاغراض الدنيوية وهلاك الاعمال النفسية ومن خادع بالتمويه مولاه فقد باع دينه بدنياه وخسر اولاه وعقباه وليعلم الانسان ان الدنيا زجاج ذو تلاويح وسراج في مدرك الريح والاخرة ملك ابدى وبقاء سرمدي عند جوار الحق في مقعد صدق فانظر أي الفريقين احق بالامن. " 72 قال: الباب الثاني فيما جاء عن اكابر أهل السنة من مزيد الثناء على الشيخين ليعلم برأتهما مما يقول الشيعة والرافضة من عجائب الكذب والافتراء وليعلم بطلان ما زعموه من ان عليا انما فعل * ما مر عنه تقية ومداراة وخوفا وغير ذلك من قبائحهم *

[ 235 ]

اخرج الدارقطني عن عبد الله الملقب بالمحض لقب به لانه اول من جمع ولادة الحسن والحسين رضى الله عنهم وكان شيخ بني هاشم ورئيسهم وولده كان يلقب بالنفس الزكية وكان من ائمة الدين بويع بالخلافة زمن الامام مالك بن انس بالمدينة فارسل المنصور جيشا فقتلوه " انه سئل اتمسح على الخفين ؟ فقال امسح فقد مسح عمر فقال له السائل: إنما اسئلك أنت تمسح ؟ قال ذلك اعجز لك اخبرك عن عمر وتسالنى عن رايى فعمر خير منى وملا الأرض مثلى،. فقيل له هذا تقية فقال نحن بين القبر والمنبر اللهم هذا قولى في السر والعلانية فلا تسمع قول أحد بعدى ". ثم قال من هذا الذي يزعم ان عليا كان مقهورا ؟ وان النبي امره بامر فلم ينفذه ؟ فكفى بهذا ازراء ومنقصة له " واخرج الدارقطني ايضا عن ولده الملقب بالنفس الزكية انه قال لما سئل عن الشيخين " لهما عندي افضل من على " واخرج عن محمد الباقر انه قال: " اجمع بنو فاطمة رضى الله عنهم على ان يقولوا في الشيخين احسن ما يكون من القول " واخرج ايضا عن جعفر الصادق عن ابيه محمد الباقر " ان رجلا جاء الى أبيه زين العابدين على بن الحسين رضى الله عنهم فقال اخبرني عن أبي بكر فقال عن الصديق ؟ فقال وتسميه الصديق، فقال ثكلتك امك قد سماه صديقا رسول الله صلعم والمهاجرون والانصار ومن لم يسمه صديقا فلا صدق الله عز وجل قوله في الدنيا والاخرة اذهب فاحب ابا بكر وعمر رضى الله عنهما " واخرج ايضا عن عروة عن عبد الله " سالت أبا جعفر الباقر عن حلية السيف قال لا باس به قد حلى أبو بكر الصديق رضى الله عنه سيفه قال: قلت تقول الصديق ؟ قال نعم الصديق نعم الصديق نعم الصديق فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا وفي الاخرة " انتهى. اقول: ما نقله في هذا الباب من اكابر أهل البيت، لاحياء الميت، واضاءة سراجه

[ 236 ]

الفاقد للزيت، أما فرية ناشئة من العصبية، أو صادرة عنهم على سبيل التقية، كما سنوضحه بعون خالق البرية والظاهر ان هذا الشيخ الجاهل واصحابه الوضاعين لنصرة المذهب زعموا انهم إذا وضعوا خبرا ينتهى اسناده الى مولانا الباقر والصادق عليهما السلام أو الى عبد الله المحض وولده النفس الزكية رضى الله عنهما يغتر الشيعة بمجرد ذلك ويحكمون بانه محض الصدق والصواب، ويعتقدون تزكية رجال اسناده ولو كانوا من ذوى الاذناب، فيقعون في مضيق الافحام، ويحصل لهم فضيح الالزام، وهذه غباوة لا تخفى على الورى، وحماقة لا تصدر إلا عن الكرى، اطرق كرى اطرق كرى، ان النعامة في القرى. وها انا ابين ما في اكثر رواياته من اعمال التقية وجل ما زعمه من الدلائل القطعية واضرب صفحا عن التعرض للبقية تحرزا عن تكثير السواد، وتضييع الوقت والمداد، في توضيح الواضح من الفساد، فاقول: أما ما رواه عن عبد الله فبعد تسليم صحة سندها يتوجه عليه ان في عبارة متنها قرائن واضحة على ان السائل كان من أهل السنة وان المسئول عنه تكلم معه تقية: أما اولا فلان السائل سال عن فعل عبد الله رضى الله عنه في المسح على الخفين وعدمه وهو قد اجابه بجواب غير مطابق لذلك السؤال فقال ان عمر كان يفعل حتى اعترض عليه ذلك حتى اعترض عليه السائل بان جوابك غير مطابق لسؤالي ثم احتال رضى الله عنه في التخلص عنه بان قال له " ان ذلك اعجز لك " ففى قوله رضى الله عنه هذا دليل. على ان السائل كان من أهل السنة إذ لو كان من شيعته وشيعة آبائه عليهم السلام لكان فعل عبد من عبيدهم اعجز له من فعل عمر واخويه فضلا عنه رضى الله عنه. وأما ثانيا فلانه لولا ما ذكرناه لكان الظاهر من حاله ان يستند بما علمه في المسألة من فعل جده صلى الله عليه وآله أو آبائه عليهم السلام وحيث لم يستند بفعل أحد

[ 237 ]

منهم عليهم السلام علم انهم لم يكونوا ماسحين على الخفين وانه رضى الله عنه لم يكن فاعلا لما لم يفعله جده وآبائه الطاهرون عليهم السلام. وأما ثالثا فلان قول السائل له ثانيا " هذا تقية " صريح في انه رضى الله عنه كان في معرض تهمة اعماله للتقية ومن البين ان المسئول عنه إذا علم ان سؤال السائل إنما صدر على وجه الامتحان وانه عند السائل متهم بالرفض واخفاء ما يعتقده خوفا وتقية عن السائل لابد له ان يسلك في جوابه مسلك التقية حذرا عن الوقوع في التهلكة. وأما رابعا فلان قوله رضى الله عنه " هذا قولى في السر والعلانية،. الى آخره " يحتمل ان يكون المشار إليه فيه بهذا التقية أي القول بالتقية قولى ففى كلام هذا ايضا اعمال التقية كما لا يخفى وكذا الكلام في قوله " من هذا الذي يزعم ان عليا كان مقهورا ؟ " فإن هذا الكلام مع صراحته في الوضع لقلة ارتباطه بكلام السائل انما يدل على انكار زعم مقهوريته عليه السلام دائما ومن كل أحد ولا يمكن ان يكون مراده انكار زعم مقهوريته في الجملة والاول لا يفيد مطلوب الخصم والثانى اعني انكار زعم مقهوريته في الجملة يكاد ان يكون كفرا فكيف يكون مقصودا من كلامه رضى الله عنه ؟ وكذا الحال ايضا في قوله رضى الله عنه " وان النبي صلى الله عليه وآله امره بامر فلم ينفذه،. الى آخره " لان انفاذ الامر بالمعروف والنهى عن المنكر مشروط بشروط مذكورة في محلها وحينئذ يظهر انه رضى الله عنه لم يرد ان من امره النبي صلى الله عليه وآله لا بد له من انفاذه مطلقا وان منع عنه مانع شرعى بل المراد وجوب انفاذه مع رفع الموانع ونحن معشر الامامية نقول ان النبي صلى الله عليه وآله امر عليا عليه السلام بان يتولى امامة المسلمين بعده لكن اوصاه ان لا يتنابذن الثلاثة عند ظهور المخالفة

[ 238 ]

منهم بل يصبر على اذاهم ويتوقف عن محاربتهم تقية كما مر فظهر ان كل ما تكلم به عبد الله رضى الله عنه إنما كان كلمات مجملة مبهمة ناشئة عن الخوف والتقية ولا دلالة لشئ منها على ما قصده الخصم دلالة صريحة كما زعمه الجاهل. وأما ما رواه عن النفس الزكية فبعد تسليم تزكية من بعده من رجاله لا يرحمهم الله ولا يزكيهم وجه اعمال التقية فيه ظاهر لأن قوله " لهما " كما يحتمل ان يكون اللام فيه لام التأكيد على ما اغتر به الراوى يحتمل ان يكون لام الجر بان يكون المعنى ان لابي بكر وعمر عندي من هو افضل من على عليه السلام ويكون المراد بالافضل نبينا صلى الله عليه وآله ووجه تخصيصهما باعتقاد وجود من هو افضل من على عليه السلام هو دلالة آية المباهلة على المساواة بين النبي صلى الله عليه وآله وبينه عليه السلام كما صرح به المحقق الطوسى رحمه الله في التجريد وحاصله ان الله تعالى قال في آية المباهلة حكاية عن النبي صلى الله عليه وآله " وانفسنا وانفسكم " واجمع المفسرون على ان المراد بالنفس ههنا على عليه السلام والاتحاد محال فلم يبق إلا المساواة في الصفات الفاضلة النفسية فيكون مساويا له في الفضل. لا يقال: كيف يتحقق المساواة في جميع صفات النفس ومنها النبوة التي لم تحصل لعلى عليه السلام، فيجوز ان يكون النبي المتصف بهذه الصفة الكاملة العالية اعني النبوة اعظم منزلة عند الله تعالى من غير المتصف بها لانا نقول: ان اراد بالنبوة بعث انسان على الوجه المخصوص فظاهر ان ذلك ليس من صفات النفس وان اراد به الصفة الكاملة النفسية التي ينبعث منه البعث المذكور فلا يمتنع ان يكون تلك الصفة حاصلة لعلى عليه السلام غاية الامر ان خصوصية خاتمية نبينا صلى الله عليه وآله منعت عن بعثه على الوجه المخصوص كما روى الجمهور من ان النبي صلى الله عليه وآله قال في شان عمر " لو كان بعدى نبى لكان عمر " وبالجملة انه عليه السلام كان مستجمعا للصفات الصالحة لترتب النبوة عليها

[ 239 ]

عند الله تعالى لكن خاتمية نبينا صلى الله عليه وآله منع عن بعث على عليه السلام واطلاق الاسم عليه شرعا ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني الرازي رحمة الله عليه في الجامع الكافي في باب " ان الائمة هم اركان الارض عليهم السلام " باسناده الى أبي جعفر عليه السلام الى ان قال: " وقال أمير المؤمنين عليه السلام انا قسيم الله بين الجنة والنار لا يدخلهما داخل إلا على حد قسمي، وانا الفاروق الاكبر، وانا الامام لمن بعدى، والمؤدى عمن كان قبلى، لا يتعدى منى الى أحد إلا أحمد صلى الله عليه وآله، وانى واياه لعلى سبيل واحد إلا انه هو المدعو باسمه " أي الرسالة والنبوة الى آخره،. الحديث هذا وايراد الالفاظ المحتملة لا يستبعد من العامل بالتقية كما مر لظهور ان هذا المقام انسب باعمال التقية والالغاز من الافصاح والابراز. وأما ما رواه عن مولانا الباقر عليه السلام ففيه ان ما اخبر به عليه السلام من اجماع بني فاطمة رضى الله عنهم على ما ذكر إنما كان خوفا وتقية عن بني امية التابعين لهما أو عن جماعة اخرى من اتباعهما الذين كانوا في ذلك الزمان إذا سمعوا سب الشيخين من لسان أحد الشيعة بادروا في مقابله بسب على عليه السلام ويؤيد هذا ما روى عن الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " حيث قال عليه السلام: " لا تسبوهم فانهم يسبون عليكم " وايضا عدوله عليه السلام عن ان يقول اجمع المسلمون أو نحوه الى قوله " اجمع بنو فاطمة " يدل على انه انما ذكر هذا الكلام لدفع ضرر متوجه إليهم من اتهامهم بعدم كونهم قائلين في الشيخين احسن ما يكون من القول ولو لا ما ذكرناه لكان اقل ما يناسب مقام التأكيد ان يقول اجمع بنو هاشم حتى يشمل سائر ذرية. على عليه السلام ممن لا يكون فاطميا وغيرهم من آل عباس وعقيل وجعفر ونظائرهم وايضا: نحن نعلم علما قطعيا انعقاد الاجماع من بني فاطمة عليها السلام

[ 240 ]

على ان لا يقولوا في أحد من آحاد المسلمين الا احسن ما يكون من القول فاى وجه لتخصيصه عليه السلام ذلك بالشيخين من بين جميع المسلمين ثم من بين جميع الاصحاب ثم من بين الخلفاء الاربعة لو لا قيام تهمة في شانهم وعروض خوف وتقية لهم من نسبتهم الى القدح في الشيخين والوقوع فيهما،. على انا نقول: لا ريب في ان احسن القول في شان الشيخين ما استحقاه من المطاعن المتواترة المتداولة على السنة الشيعة وغيرهم كما ان احسن القول في حق الشيطان لعنه والاستعاذة منه فالرواية المذكورة لنا لا علينا. وأما ما رواه عن مولانا الصادق عليه السلام ايضا من التعبير عن أبي بكر بالصديق والمبالغة فيه فمدخول بان الرجل السائل عنه عليه السلام ان كان من أهل السنة فوجه التقية ظاهر وان كان من الشيعة فالظاهر انه قد حضر هناك غيره من المخالفين أو عرف عليه السلام من حاله انه إذا سمع فساد حال ابى بكر من لسانه عليه السلام لا يطيق السكوت بعد ذلك فيطعن فيه فيقع في الضرر فشدد عليه السلام عليه صونا له عن الوقوع في التهلكة وهذا كما روى ان مولانا الكاظم عليه السلام كتب بعض الايام الى على بن يقطين رحمه الله من خلص شيعته وكان من وزراء هارون العباسي " ان اغسل الرجلين في الوضوء بدل المسح " وشدد عليه في ذلك فجرى على رحمه الله على ذلك اياما بمجرد امتثال امره عليه السلام مع علمه بان وجوب غسل الرجلين من اصول مذهب اهل البيت عليهم السلام وقد اتفق في اثناء ذلك سعاية بعضهم له رحمه الله الى هارون بنسبة الى كونه من خلص شيعة الكاظم عليه السلام ومن المتدينين بدين الامامية فامر هارون باحضاره ذات يوم واشغله امتحانا له في بعض بيوت دار الخلافة بامر من الامور طول اليوم وكان ينظر إليه من كوة ذلك البيت سرا حتى رآه انه توضأ عند دخول وقت صلوة الظهر وغسل رجليه فاعتذر إليه واكرمه واساء الى من سعى فيه ولما انقضى هذا الامتحان ارسل عليه السلام إليه

[ 241 ]

كتابا مشتملا على امره بالمسح واظهار ان الامر السابق انما كان لعلمه عليه السلام بما يبتلى به من الامتحان في الوضوء ان قلت: انه عليه السلام أما كاذب في قوله " قد سماه صديقا رسول الله صلى الله عليه وآله " وهو لا يليق بعصمته وطهارته، وأما صادق وكفى به فضلا لابي بكر. قلت جاز ان يكون ذلك تهكما على من زعم ان تلك الشبهة قد وقعت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وان يكون بناء على قوله صلى الله عليه وآله " من ابتلى ببليتين فليختر ايسرهما " ومضمون المقدمة المقدمة مذكور في الكتب الكلامية القائلة ان ارتكاب اقل القبيحين للتخلص واجب فتدبر. وأما ما رواه من خبر حلية السيف، فبعد الاغماض عما في رجال سنده من الزيف، يتوجه ان ذكر الصديق فيه أما من اضافات الراوى تعظيما له كما قد يضيف الراوى المتأخر لفظ " عليه السلام، ورضى الله عنه " مع فقد انه في عبارة الراوى المتقدم أو لاجل تحصيل التميز للمخاطب من غير تصديق بمضمونه أو للاستهزاء كما في قوله تعالى " ذق انك انت العزيز الكريم " أو للتقية عن السائل. وأما قوله عليه السلام " قد حلى أبو بكر سيفه " فليس المقصود من الاستدلال عدم الباس بفعل ابي بكر من حيث انه فعله بل بعمله ذلك زمن النبي صلى الله عليه وآله وبمحضر فيه وتقرير النبي صلى الله عليه وآله اياه فالحجة في تقرير النبي صلى الله عليه وآله لا في مجرد فعل ابى بكر وهو ظاهر. 73 - قال: واخرج ايضا عن جعفر الصادق رضى الله عنه انه قال: ما ارجوا من شفاعة على شيئا إلا وانا ارجو من شفاعة أبي بكر مثله ولقد ولدنى مرتين انتهى. اقول: يدل على كذب هذا الخبر ان صاحب الشفاعة العظمى هو جده صلى الله عليه وآله فلا يليق به عليه السلام نسيان شفاعة جده صلى الله عليه وآله واظهار

[ 242 ]

رجاء شفاعة غيره سيما أبو بكر الذي لا شافع له ولا حميم يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من اتى الله بقلب سليم، اللهم إلا ان قصد به مجرد التقية فافهم. واما قوله عليه السلام " ولقد ولدنى مرتين " فبيان للواقع لا للافتخار به كيف وقد مر الاتفاق على ان قوم ابى بكر ارذل طوائف قريش وقد وقع التصريح به من أبي سفيان كما مر وقال على عليه السلام في شان محمد بن أبي بكر " انه ولد نجيب من أهل بيت سوء " فتدبر. 74 - قال: واخرج ايضا عن زيد بن على انه قال لمن يتبراء منهما: اعلم والله ان البراءة من الشيخين البراءة من على فتقدم أو تأخر. وزيد هذا كان اماما جليلا استشهد في صفر سنة احدى وعشرين ومائة ولما صلب عريانا جاءت العنكبوت ونسجت على عورته حتى حفظت عن رؤية الناس فانه استمر مصلوبا مدة طويلة وكان قد خرج وتابعه خلق من الكوفة وحضر إليه كثير من الشيعة فقالوا له ابرا عن الشيخين ونحن نبايعك فابى، فقالوا انا نرفضك فقال اذهبوا فانتم الرافضة فمن حينئذ سموا الرافضة وسميت شيعته بالزيدية انتهى. اقول: بعد تسليم صحة السند اراد رضى الله عنه بقوله البراءة من على ان عليا عليه السلام امر شيعته بالتقية والاحتراز عن الطعن في أبي بكر وعمر فمن تبرا عنهما تبرأ عن على عليه السلام لمخالفة امره. وأما ما ذكره من " ان الشيعة التي حضروا إليه قالوا له ابرا عن الشيخين،. الى آخره " فكذب محض لأن الشيعة لو لم يعلموا علما قطعيا بان زيدا رضى الله عنه على ما عليه آبائه عليهم السلام من فساد حال الشيخين لما حضروا إليه من اول الامر ولما اغتروا باظهار تبريه لهما ايضا لتجويزهم اعماله للتورية حينئذ وإنما توهم المخالف ذلك من حال زيد رضى الله عنه ومقاله من قول بعضهم لزيد عند اضطراره

[ 243 ]

الى الحرب مع قلة الانصار " اين أبو بكر وعمر ؟ " يعنى لو كانا خليفة في هذا الزمان لما اضطر زيد الى ذلك فقال رضى الله عنه هما اقاماني هذا المقام فتوهم بعض من سمع ذلك ان مراده رضى الله عنه ان عدم التبرى عنهما صار سبب فقد انصاره من الشيعة وليس كذلك بل كان مراده ان غصبهما الخلافة عن آبائه عليهم السلام وحملهما الناس على رقاب آل محمد صلى الله عليه وآله اوجب اذلال زيد وسائر اولادهم رضى الله عنهم وجراة من غصب الخلافة بعدهما من بنى امية على سفك دمائهم واقامتهم مقام فنائهم وإلا فانما تركه الشيعة بعد اطلاعهم على عدم رضى امام زمانهم مولانا الصادق عليه السلام بخروج زيد وانه منعه عن ذلك واخبره بانه لو خرج قتل فكان خروجهم معه معصية وغاية ما يلزم من تسمية هؤلاء الطائفة بالرافضة رفضهم لنصرة زيد لا لنصرة الحق كما زعمه أهل الباطل. 75 - قال: واخرج الحافظ عمر ابن شبة ان زيدا هذا الامام الجليل قيل له: ان ابا بكر انتزع من فاطمة فدك فقال انه كان رحيما فكان يكره ان يغير شيئا ترك رسول الله صلعم فاتته فاطمة رضى الله عنها فقالت له ان رسول الله صلعم اعطاني فدك فقال هل لك بينة فشهد لها على وام ايمن فقال لها فبرجل وامراة تستحقيها ؟ ثم قال زيد والله لو رجع الامر فيها الى، لقضيت بقضاء أبي بكر رضى الله عنه انتهى. اقول لا يخفى ما في هذا الخبر من التناقض الدال على تلاعب زيد رضى الله عنه مع السائل تقية لانه إذا كان أبو بكر لم يغير شيئا تركه رسول الله صلى الله عليه وآله فقد كان فدك شيئا تركه رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام كما مر ويدل عليه قولها ههنا " اعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله فدك " فكان يجب عليه ان لا يغيره ولا يخرجه عن يدها عليه السلام وقوله قال لها هل لك " بينة تذكر

[ 244 ]

لجوزه في الحكم بطلب البينة عنها عليها السلام لما مر من ان فدك كان مالا في يد فاطمة عليها السلام والبينة على المدعى واليمين على من انكر. وكذا في قوله " فبرجل وامراة تستحقيها ؟ " تذكر لظلمه عليها في عدم اكتفاءه في الشهادة على ذلك كما سبق بيانه فدلالة كلامه على الذم هو الظاهر كما لا يخفى. وأما قوله رضى الله عنه " لو رجع الامر فيها الى، لقضيت بقضاء ابى بكر " فليس اول قارورة كسرت في الاسلام لأن عليا عليه السلام قضى في ذلك عند رجوع الامر إليه بما قضى أبو بكر لما مر من ان تصرفه في فدك كان يستلزم الطعن في عمل الشيخين وانه عليه السلام لم يكن قادرا على تغير بدعهم والطعن على احكامهم فكلامه. رضى الله عنه دليل على وجوب اعمال التقية عليه بموافقة ابى بكر في القضاء عند رجوع الامر إليه كما فعله آباءه عليهم السلام فتدبر. 76 - قال: واخرج ايضا ابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قلت لمحمد بن الحنفية رضى الله عنه هل كان أبو بكر اول القوم اسلاما، قال لا ؟ قلت: فبمن علا أبو بكر ؟ قال لانه كان افضل اسلاما حين اسلم حتى لحق بربه انتهى. اقول لا ذكر في كتب رجال الامامية لسالم المذكور اصلا لا في المقبولين ولا في المردودين فهو من المجهولين عندهم نعم هو مذكور في التقريب لابن حجر العسقلاني الشافعي حيث قال: " سالم بن ابي الجعد رافع الغطفانى الاشجعى مولاهم الكوفى ثقة كان يرسل كثيرا " وقال عند ذكر الكنى: " انه صدوق تكلم فيه الازدي بغير حجة " انتهى والظاهر انه إنما حكم بصدقه لاجل اختراعه مثل هذه الروايات والازدى المسكين غفل عن هذه الدقيقة وإلا لما تكلم فيه ولو بحجة فافهم. ثم الظاهر ان مراد السائل سؤاله عن وجه علو ابى بكر في ارض الخلافة، واستعلائه على عرش الامامة

[ 245 ]

وقوله رضى الله عنه " لانه كان افضل اسلاما حين اسلم " لا يصلح وجها له إلا تهكما واستهزاء لأن غاية ما يدل عليه افضلية اسلام أبي بكر حين اسلامه على ما بعده من الاحيان وليس في ذلك دلالة على فضيلة يستحق بها الخلافة بل يدل على سوء عاقبته بمخالفته رسول صلى الله عليه وآله في ذلك ونحوه بعد حين فتأمل. 77 - قال: واخرج الدارقطني عن سالم بن أبي حفصة وهو شيعي لكنه ثقة قال: سالت أبا جعفر محمد بن على وجعفر بن محمد عن الشيخين فقالا: يا سالم تولهما وابرا من عدوهما فانهما كانا امامى هدى انتهى. اقول: وثاقة سالم هذا غير مسلمة بل هو معتل اجوف غير سالم عن القدح، لانه كان زيديا بتريا سمى هو واصحابه بذلك من قول زيد رضى الله عنه لهم " بتركم الله " على ما فصل في كتب رجال اصحابنا الامامية ايدهم الله تعالى وقد لعنه مولانا الصادق عليه السلام وكذبه وكفره وقس على هذا سائر الاخبار المنقولة عنه لعنه الله. 78 قال: واخرج عنه ايضا قال دخلت على ابى جعفر وفي رواية على جعفر بن محمد فقال واراه قال ذلك من اجلى: اللهم انى اتولى أبا بكر وعمر واحبهما، اللهم ان كان في نفسي غير هذا فلا نالتنى شفاعة محمد صلعم يوم القيامة انتهى. اقول: الظاهر ان ضمير ذلك في قول سالم الراوى " واراه قال ذلك لاجلي " اشارة الى ما ذكره بعد ذلك من قول الامام عليه السلام " اللهم انى اتولى أبا بكر،. الى آخره " فقوله " قال ذلك من اجلى " أي لاجل خاطري صريح في انه فهم منه عليه السلام اعمال التقية معه في ذلك فكيف يستدل به الشيخ الجاهل الذاهل على مطلوبه ثم الاولى بهم نسبة هذا الخبر الموضوع لهم الى أبي جعفر عليه السلام دون جعفر عليه السلام لانه لا يوافق الحديث المنقول عنه سابقا الذى ترك فيه رجاء شفاعة النبي صلى الله

[ 246 ]

عليه وآله الى رجاء شفاعة أبي بكر بل الموافق له ان يقول " اللهم ان كان في نفسي غير هذا فلا نالتنى شفاعة أبي بكر " فافهم. 79 - قال: واخرج عن جعفر ايضا انه قيل له: ان فلانا يزعم انك تتبرا من أبي بكر وعمر فقال برء الله من فلان انى لارجو ان ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر " ولقد مرضت فاوصيت الى خالي عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر رضى الله عنهم انتهى. اقول: هذا ايضا كسابقه مما ذكره عليه السلام لاجل خاطر سالم لعنه الله تقية منه وضحك به على لحيته ولا دلالة في قوله عليه السلام " نفعني الله بقرابتي من أبي بكر " على النفع الدينى ولا حصوله وحصول النفع الدنيوي منه نفسه إذ يكفى في صدق ذلك صدور هذا النفع من اولاده الصالحين كما يرشد إليه قوله عليه السلام " ولقد مرضت فاوصيت،. الى آخره " تدبر. 80 - قال: واخرج هو ايضا والحافظ عمر بن شبة عن كثير قلت لابي جعفر محمد بن على: اخبرني اظلمكم أبو بكر وعمر من حقكم شيئا ؟ فقال ومنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقنا ما يزن حبة خردلة. قال قلت افاتولاهما جعلني الله فداك ؟ قال نعم يا كثير تولهما في الدنيا والاخرة انتهى. اقول: ان اراد بكثير ما هو بالتصغير وهو الشاعر المشهور من مادحي اهل البيت فقد وصفه اليافعي بانه كان شيعيا غاليا قائلا بالرجعة فكيف يجرى بينه وبين مولاه ما ذكره من الكلمات وهو يبقى على خلاف ما امره مولاه وهل الغلو في التشيع إلا تناول الشيخين بالوقيعة والتبرى عنهما ؟ أو اراد الكثير بصيغة التكبير فلا اعتناء بالغير، ولا خير في كثير.

[ 247 ]

81 - قال: واخرج ايضا عن الشافعي رضى الله عنه عن جعفر بن ابى طالب قال: ولينا أبو بكر خير خليفة وارحمه لنا واحناه علينا. وفي رواية، فما ولينا احد من الناس مثله. وفي رواية، فما رأينا قط خيرا منه. انتهى. اقول: - قد اتفق الجمهور من ارباب السير والتواريخ على ان جعفر بن أبي طالب رضى الله عنهما استشهد في غزوة موتة في سنة ثمان من الهجرة في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف اخبر لغيره عن حسن ولاية أبي بكر وخلافته ومتى راى ذلك ؟ اللهم إلا ان يقال انه لما روى انه رضى الله عنه طار عند الشهادة الى الجنة فربما نزل بعده الى اسلاف الشافعي في بعض الاحيان واخبره بذلك هذا وإذا كان هذا حال الشافعي امامهم في الوضع والجهل المذموم، فكيف يكون حال المأموم. 82 - قال: واخرج ايضا عن أبي جعفر الباقر انه قيل له ان فلانا حدثني ان على بن الحسين قال هذه الاية " ونزعنا ما في صدورهم من غل " نزلت في أبي بكر وعمر و على قال والله انها لفيهم انزلت، ففى من انزلت إلا فيهم ؟ قيل فاى غل هو ؟ قال غل الجاهلية ان بني تيم وبني عدى وبني هاشم كان بينهم شئ في الجاهلية فلما اسلم هؤلاء القوم تحابوا فاخذ أبو بكر الخاصرة فجعل على يسخن يده ويكمد بها خاصرة أبي بكر فنزلت هذه الاية فيهم وفي رواية له عنه ايضا قلت لابي جعفر وسالته عن أبي بكر وعمر فقال ومن شك فيهما فقد شك في السنة انتهى. اقول: لا يخفى ان سوق الاية يدل على ان الضمير في صدورهم راجع الى الجمع المدلول عليه قبل ذلك بقوله " والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا الا وسعها اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون " واما كون المنزول فيهم مجموع أبي بكر وعمر وعلى فغير مسلم عندنا وكون ذلك مرويا عن الباقر عليه السلام ممنوع موضوع عليه وإنما الرواية الصحيحة ما في مسند أحمد بن حنبل من انها نزلت في على عليه السلام

[ 248 ]

وايضا ان اريد ان مفاد الاية نزع بعض اقسام الغل عن صدورهم فلا يفيدكم وان اريد نزع مطلق الغل فغير مسلم كيف والمذكور في ضمن هذا الخبر ان المراد نزع الغل والعداوة التي كانت بينهم في الجاهلية فيجوز ان يكون في صدور الشيخين غل الحسد مع على عليه السلام على ما آتاه الله من فضله كما ذكره هذا الشيخ الناسي عند ذكر الاية في فضائل أهل البيت عليهم السلام وصرح بمثله في مواضع اخرى قد اشرنا إليها آنفا فتذكر. وايضا ينافى كون المنزول فيهم من ذكر ظاهر ما سيذكر بعد ذلك رواية عن محمد بن حاطب من انه سال عليا عليه السلام في من قتل عثمان وكان متكئا فقال يا ابن حاطب والله انى لارجو ان اكون انا وهو كما قال الله تعالى " ونزعنا ما في صدورهم من غل " فانه لو كان على عليه السلام من جملة المنزول فيهم لكان دخوله في الاية محققا عنده لامر جواله اللهم إلا ان يقال ان رجاءه لذلك انما كان باعتبار ضمه لعثمان معه أو يقال ان الضمير الغائب اعني هو في قوله " انا وهو " ليس راجعا الى عثمان بل هو راجع الى من قتل عثمان وهو محمد بن أبي بكر مع بعض اصحابه وحينئذ يكون المراد بالغل المنزوع عداوة الاسلام لا عداوة عثمان ضرورة ان عداوة عثمان عند أهل البيت عليهم السلام من كمال الاسلام وشرائط الايمان كما روى " انه قال رجل لعلى عليه السلام: احبك واتولى عثمان فقال له الان أنت اعور، فاما ان تعمى وأما ان تبصر " على ان الظاهر من توسيط قوله تعالى " ونزعنا ما في صدورهم من غل " بين قوله " اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون " وبين قوله " تجرى من تحتهم الانهار " ان كلا من نزع الغل من صدورهم وجريان الانهار من تحتهم مما يتصفون به في الجنة لا في ارض الحجاز وقد صرح بذلك ايضا صاحب الكشاف حيث قال " أي من كان في قلبه غل من اخيه في الدنيا نزع منه فسلمت قلوبهم فطهرت ولم يكن الا التواد والتعاطف

[ 249 ]

وعن على كرم الله وجهه لارجو ان اكون وعثمان وطلحة والزبير منهم " انتهى فمع توجه ما اريناكه من اقسام الاختلال على ذلك الاستدلال كيف يعقل اسناده الى الامام المؤيد المعصوم عليه السلام بل يمنع عن اسناده إليه عليه السلام ايضا قوله " ففيمن نزلت إلا فيهم ؟ " فانه يدل على انه لم يكن في طوائف الاصحاب وآحادهم من يصلح نزول الاية المذكورة فيهم مع ان نظير هذه الاية قد ورد في شان الاوس والخزرج من الانصار الذين كان بينهم في الجاهلية من الغل والاغتيال، ما لا يخفى على متتبع الاحوال، فهذه العبارة التى لا يرضى بها الفصيح تدل ايضا على انه موضوع عليه السلام. وأما ما نسبه في الرواية الاخرى إليه عليه السلام من انه قال " من شك في أبي بكر وعمر فقد شك في السنة " فلا نشك في صدقه لأن السنة التى نسب أهل السنة انفسهم إليها إنما هي سنة أبي بكر وعمر بل سنة معاوية في سبه عليا عليه السلام لا سنة النبي صلى الله عليه وآله كما اوضحناه في موضعه فيكون متفرعا على يقين صحة خلافتهما ولا ريب ان الشك في الاصل موجب للشك في الفرع، فتدبر. 83 - قال: واخرج عن أبي جعفر ايضا عن أبيه على بن الحسين رضى الله عنهم انه قال لجماعة خاضوا في أبي بكر وعمر ثم في عثمان،. الا تخبروني انتم المهاجرون الاولون اخرجوا من ديارهم واموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله اولئك هم الصادقون ؟ قالوا لا، قال فانتم الذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا، ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون ؟ قالوا لا، قال اما انتم فقد برئتم ان تكونوا في احد هذين الفريقين وانا اشهد انكم لستم من الذين قال الله عز وجل فيهم: " والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا

[ 250 ]

ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤف رحيم انتهى. اقول: ان ما نقله عنه عليه السلام إنما يدل على ان المخاطبين لم يكونوا من الفريقين المذكورين في الايتين ولا دلالة له على ان الثلاثة كانوا داخلين فيهما وبالجملة هذا كلام مجمل مبهم مستعمل في مقام التقية واجماله اقوى قرينة على ذلك فلا ينتهض حجة علينا اصلا ودعوى ان دخولهم في الايتين قد علم من خارج غير مسموعة، يرشد إليه وجوب خروج أبي بكر عن عموم الفقراء في الاية الاولى لانه كان عند اوليائه غنيا ذا يسار كثير المال، واسع الحال، كما صرحوا به وليس لهم ان يتأولوا الفقر في الاية بالفقر عند الهجرة مدعيا انه تصدق قبل ذلك بجميع ماله كما تكلفه بعضهم لانهم مطالبون باثبات ذلك وقد نفيناه عن اصله في كتابنا الموسوم بمصائب النواصب، بوجوه لا يخفى وقعها على المتأمل الراسب، وأما الاية الثانية فقد نزلت في شان الانصار وهو الظاهر من قوله تعالى " يحبون من هاجر إليهم " فتدبر. 84 قال: واخرج ايضا عن الحسين بن محمد بن الحنفية انه قال يا أهل الكوفة اتقوا الله عز وجل ولا تقولوا لابي بكر وعمر ما ليسا باهل له ان أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان مع رسول الله صلعم في الغار ثانى اثنين وان عمر اعز الله به الدين انتهى اقول: الحسين هذا ليس عنه ذكر في كتب الرجال منا ولا في كتاب التقريب الذى هو اشمل كتب أهل السنة للرجال على انه يمكن ان يكون مراده بقوله " اتقوا الله " الامر بالتقية كما فسر قوله تعالى " ان اكرمكم عند الله اتقاكم " بان المراد اعملكم بالتقية فسقط الاستدلال وبالجملة ما روى عنه كلام مجمل مبهم لا يصدر مثله الا في مقام التقية اما لفظ " اتقوا " فلما عرفت. وأما قوله " ولا تقولوا لابي بكر وعمر ما ليسا باهل له " فلما مر من ان ما يستاهله

[ 251 ]

الشيخان عند أهل البيت وشيعتهم هو الذم دون المدح، فهذا الخبر لنا لا علينا. ولا ينافى هذا الحمل ما استدل به رضى الله عنه بعد ذلك مما يوهم اعتقاده فيهما اتصافهما بالفضل والكمال لان هذا مجرد وهم، لا يذهب إليه من له ادنى فهم. وأما ما ذكره رضى الله عنه من صحبة الغار، فلما سنبينه في موضعه اللائق من انه لا يوجب لابي بكر إلا العار والشنار. واما قوله " ان عمر اعز الله به الدين " فلانه في الحقيقة اشارة الى فجوره وتذكر لقوله صلى الله عليه وآله " ان الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " والملخص انه قد جرت عادة الائمة عليهم السلام واكابر شيعتهم في مقام عروض الخوف والتقية ان يضحكوا على لحية الخصام، بالقاء مثل هذه الكلمات الجامعة البالغة في درجات الايهام والابهام الذي لا يطلع على حقائقها الا ذوو الافهام. 75 - قال: واخرج ايضا عن جندب الاسدي ان محمد بن عبد الله بن الحسن رضى الله عنه اتاه قوم من اهل الكوفة والجزيرة فسألوه عن أبي بكر وعمر فالتفت الى فقال انظر الى اهل بلادك يسالونى عن أبي بكر وعمر ؟ لهما عندي افضل من على انتهى. اقول: يتوجه عليه بعد تسليم صحة سنده والاغماض عن جهالة جندب هذا الذي لم يذكر في كتب رجال الامامية ولا في كتاب التقريب الذي هو اجمع للرجال من كتب أهل السنة ان حضور المخالفين اعني اهل الكوفة من الشيعة الخالصة وأهل الجزيرة الظاهر منها جزيرة الموصل المشهور اهلها سيما الاكراد منهم بالنصب والغلو في موالاة يزيد بن معاوية دليل على اعماله رضى الله عنه للتقية في محاورتهم وايضا في اسلوب كلامه ركاكة تبعد صدوره عن البليغ بلا ضرورة فإن السؤال عن أبي بكر وعمر لا يوجب التعجب والاضطراب الذى يشعر به قوله " انظر الى اهل بلادك،. الى آخره " وايضا مطلق السؤال عنهما لا يوجب اظهار تفضيلهما على على عليه السلام على انه قد مر ان اللام قد تكون للجر وقد تكون لمجرد التأكيد وقوله " لهما " محتمل لهما وإذا

[ 252 ]

قام الاحتمال بطل الاستدلال. 86 - قال: واخرج ايضا عن فضيل بن مرزوق انه قال قلت لعمر بن على بن الحسين بن على رضى الله عنهم افيكم امام تفترض طاعته تعرفون ذلك له، من لم يعرف ذلك له فمات ميتة جاهلية ؟ فقال لا والله ما ذاك فينا، من قال هذا فهو كاذب. فقلت انهم يقولون ان هذه المنزلة كانت لعلى، ان رسول الله صلعم اوصى إليه ثم كانت للحسن، ان عليا اوصى إليه ثم كانت للحسين بن على ان الحسن اوصى إليه ثم كانت لعلى بن الحسين ان الحسين اوصى إليه ثم كانت لمحمد بن على أي الباقر اخى عمر المذكور، ان على بن الحسين اوصى إليه فقال عمر بن على بن الحسين فوالله ما اوصى أبي بحرفين اثنين فقاتلهم الله لو ان رجلا اوصى في ماله وولده وما يترك بعده ويلهم ما هذا من الدين والله ما هؤلاء الا متأكلين بنا انتهى اقول: لقائل ان يقول ان تسمية هذا السيد بعمر انما وقعت تقية فكيف يتوقع منه خلاف اعمال التقية مع من خالفه في الاعتقاد وايضا يجوز ان يكون ذلك الانكار منه حسدا على اخيه الباقر واخفاء لامامته وافتراض طاعته كما وقع مثل ذلك لمحمد بن الحنفية رضى الله عنه مع مولانا زين العابدين عليه السلام فانه لما طال نزاع محمد رضى الله عنه في الامامة دعاه على عليه السلام الى حكومة الحجر الاسود بينهما ولما حضرا عنده حكم بامامة على عليه السلام وتفصيل هذه القصة مذكورة في كتاب شواهد النبوة لعبد الرحمن الجامى النقشبندى فليطالع ثمة وايضا القسم المذكور بقوله " فوالله ما اوصى ابي بحرفين اثنين " يدل على كذب عمر أو كذب الخبر عنه وكونه عن فضلات اخبار فضيل الذي ليس له ذكر في كتب الرجال للامامية وان نسبه صاحب التقريب من اهل السنة الى التشيع كيف والوصية سنة مؤكدة عند الموت وطريقة مسلوكة للنبى وآله العظام، واصحابه الكرام، فكيف اهمل ذلك زين العابدين عليه السلام.

[ 253 ]

87 - قال: واخرج ايضا عنه انه (1) سئل عنهما فقال ابرا ممن ذكرهما إلا بخير فقيل له لعلك تقول ذلك تقية فقال انا إذا من المشركين ولا نالتنى شفاعة محمد صلعم انتهى اقول يدل على كذب هذا الخبر ما نسب إليه عليه السلام من قوله " انا إذا من المشركين " لأن التقية اخفاء الحق واظهار غيره خوفا عن المخالفين والمؤدى الى الشرك هو النفاق الداعي الى ابطان الباطل واظهار الحق خوفا فكيف يصح منه عليه السلام ان يستدل على نفى اعماله للتقية بانه مستلزم للشرك اللهم الا ان يحمل على ان مراده عليه السلام هو " انى لو لم اعمل بالتقية التى هو دينى ودين آبائى لكنت من المشركين،. الى آخره " كما يدل عليه اشعار العبارة بكونه عليه السلام متهما عند السائل فافهم. 88 - قال: واخرج عنه ايضا انه قال ان الخبثاء من أهل العراق يزعمون انا نقع في ابى بكر وعمر وهما والداى أي لأن امه ام فروة بنت القاسم الفقيه بن محمد بن أبي بكر وامها اسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ومن ثم سبق قوله " ولدنى أبو بكر مرتين " انتهى. اقول: حاشا عن الامام الصادق عليه السلام ان يستدل من غير ضرورة تقية على عدم وقوعه في ابى بكر وعمر بانهما والدى لظهور ان عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب كانا والدى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مع انه صلوات الله عليه وآله كان عند أهل السنة بريئا عنهما ممنوعا من الاستغفار لهما فلا وجه لذلك إلا مجاراة السائل


(1) الضمير يرجع إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام لتقدم ذكره في خبر نقله صاحب الصواعق (ص 33 من النسخة المطبوعة) وتركه المؤلف ره وهو قوله " وأخرج أيضا عن عبد الجبار الهمداني أن جعفر الصادق أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من المدينة فقال انكم إن شاء الله من صالحي أهل مصركم فأبلغوهم عني من زعم أني امام مفترض الطاعة فأنا منه برئ ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر فأنا منه برئ ".

[ 254 ]

الزائغ الضليل، ودفع غائلة شره بالمموه من الدليل، على انه لم يظهر من تقريره كيفية كون عمر احد والديه فيكون ذلك كلاما مختلا لا يليق بجناب الامام عليه السلام، كما لا يخفى على اولى الافهام. 89 - قال: واخرج ايضا عن أبي جعفر الباقر قال: من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة انتهى. اقول: قد ذكر سابقا نظير هذا الحديث عن ابى جعفر الباقر عليه السلام وهو قوله " من شك في أبي بكر وعمر فقد شك في السنة " وقد ذكرنا عدم دلالته على مقصود القوم فتذكر. 90 - قال: فهذه اقاويل المعتبرين من اهل البيت رواها عنهم الائمة الحفاظ الذين عليهم المعول في معرفة الاحاديث والاثار، وتمييز صحيحها من سقيمها باسانيدهم المتصلة، فكيف يسع المتمسك بحبل اهل البيت ويزعم حبهم ان يعدل عما قالوه من تعظيم أبي بكر وعمر واعتقاد حقية خلافتهما وما كانا عليه وصرحوا بتكذيب من نقل عنهم خلافه ومع ذلك يرى ان ينسب إليهم ما تبرءوا منه وراوه ذما في حقهم حتى قال زين العابدين على بن الحسين رضى الله عنهما: ايها الناس احبونا حب الاسلام فوالله ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا وفى رواية حتى نقصتمونا الى الناس أي بسبب ما نسبوه إليهم مما هم برآء منهم فلعن الله من كذب على هؤلاء الائمة ورماهم بالزور والبهتان انتهى. اقول: قد اوضحنا بعون هادى السبيل، ان بعض ما نقله من الاقاويل، عن سادات أهل البيت الجليل، قد تقولوها عليهم وكذبوا في نسبتها إليهم لنصرة المذهب الذليل، و ان البقية صريحة في اعمال التقية ودفع شر اهل الاضلال والتضليل. واما مدحه لحفاظ قومه بما مدحهم به فهو مصادرة على المطلوب، ومجاهرة بتصديق الكذوب، وكيف يصير

[ 255 ]

تعويلهم على هؤلاء المتهمين بالوضع عند الخصم كما مر حجة عليه أو يوجب اقباله على خبرهم والركون إليه وحاشا ان يعدل المتمسك بحبل اهل البيت عليهم السلام عما يظن انه مما قالوه وان ينسب إليهم ما تبراوا عنه واستقالوه بل القضية منعكسة لذى الالباب كما اوضحناه في كل ما نسب في هذا الباب. وأما ما نقله عن مولانا زين العابدين عليه السلام فلا دلالة له على مقصوده فان ائمتنا عليهم السلام لم يزل كانوا يوصون شيعتهم بالتقية والتحرز عن الوقوع في تهلكة المخالفين من الاموية وغيرهم من اولى العصبية الجاهلية لكن ربما ضاق صدر بعض الشيعة سيما عوامهم عن كتمان ولاءهم وغلا قدره بالتبرى عن اعدائهم فاورث ذلك لهم في نظر الجمهور عارا وادى الى بغض الناصبة لهم سرا وجهارا حتى لعنوهم على منابر بني امية اعواما واعصارا فلنعم ما قال الكاذب الملعون " لعن الله من كذب على هؤلاء الائمة ورماهم بالزور والبهتان ". 91 - قال: الباب الثالث في بيان افضلية أبي بكر على سائر هذه الامة، ثم عمر ثم عثمان، ثم على، وفي ذكر فضائل أبي بكر الواردة فيه وحده أو مع عمر أو مع الثلاثة أو مع غيرهم وفيه فصول، الفصل الاول: في افضليتهم على هذا الترتيب وفي تصريح على رضى الله عنه بافضلية الشيخين على سائر الامة وفي بطلان ما زعمه الرافضة والشيعة من ان ذلك قهر وتقية. اعلم ان الذي اطبق عليه عظماء الملة وعلماء الامة ان افضل هذه الامة أبو بكر الصديق ثم عمر ثم اختلفوا فالاكثرون ومنهم الشافعي وأحمد وهو المشهور عن مالك ان الافضل بعدهما عثمان ثم على وجزم الكوفيون ومنهم سفيان الثوري بتفضيل على على عثمان وقيل بالوقف عن التفاضل بينهما وهو رواية عن مالك فقد حكى أبو عبد الله المارزى عن المدونة ان مالكا سئل أي الناس افضل بعد نبيهم ؟ فقال أبو بكر ثم عمر ثم قال أو في ذلك شك ؟ فقيل له وعلى وعثمان فقال ما ادركت احدا ام من اقتدى به يفضل احدهما على الاخر

[ 256 ]

انتهى وقوله رضى الله عنه " أو في ذلك شك ؟ " يؤيد ما ياتي عن الاشعري ان تفضيل أبي بكر ثم عمر على بقية الامة قطعي وتوقفه هذا رجع عنه وقد حكى القاضى عياض عنه انه رجع عن التوقف الى تفضيل عثمان قال القرطبى " وهو الاصح ان شاء الله تعالى " ومال الى التوقف امام الحرمين فقال " و تعارض الظنون في عثمان وعلى " ونقله ابن عبد الله عن جماعة من السلف من أهل السنة منهم مالك ويحيى القطان ويحيى بن معين قال ابن معين ومن قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعرف لعلى سابقته وفضله فهو صاحب سنة ولا شك ان من اقتصر على عثمان ولم يعرف لعلى فضله فهو مذموم وزعم ابن عبد البر ان حديث الاقتصار على الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان مخالف لقول اهل السنة ان عليا افضل الناس بعد الثلاثة مردود بانه ما يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن فضله عدم تفضيله واما حكاية أبي منصور البغدادي الاجماع على افضلية عثمان على على فمدخولة وان نقل ذلك عنه بعض الحفاظ وسكت عليه لما بيناه من الخلاف ثم الذي مال إليه أبو الحسن الاشعري امام أهل السنة ان تفضيل ابى بكر على من بعده قطعي وخالفه القاضى أبو بكر الباقلانى فقال انه ظنى واختاره امام الحرمين في الارشاد وبه جزم صاحب المفهم في شرح مسلم ويؤيده قول ابن عبد البر في الاستيعاب. ذكر عبد الرزاق عن معمر قال: لو ان رجلا قال عمر افضل من أبي بكر ما عنفته وكذلك لو قال: على عندي افضل من أبي بكر وعمر لم اعنفه إذا ذكر فضل الشيخين واحبهما واثنى عليهما بما هما اهله فذكرت ذلك لوكيع فاعجبه واشتهاه انتهى وليس ملحظ عدم تعنيف قائل ذلك إلا ان التفضيل المذكور ظنى لا قطعي ويوئده ايضا ما حكاه الخطابى عن بعض مشايخه انه كان يقول أبو بكر خير وعلى افضل لكن قال بعضهم هذا تهافت من القول لانه لا معنى للخيرية الا الافضلية فإن اريد خيرية أبي بكر من بعض الوجوه وافضلية على من وجه آخر لم يكن ذلك من محل الخلاف ولم يكن الامر في ذلك خاصا بابى بكر

[ 257 ]

وعلى بل أبو بكر وأبو عبيدة مثلا يقال فيهما ذلك لأن الامانة التى في أبي عبيدة وخصه بها صلعم لم يخص أبا بكر بمثلها فكان خيرا من أبي بكر من هذا الوجه والحاصل ان المفضول قد توجد فيه مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل فإن اراد شيخ الخطابى ذلك وان ابا بكر افضل مطلقا إلا ان عليا وجدت فيه مزايا لم توجد في أبي بكر فكلامه صحيح وإلا فكلامه في غاية التهافت خلافا لمن انتصر له ووجهه بما لا يجدى بل لا يفهم فان قلت ينافى ما قدمته من الاجماع على افضلية أبي بكر قول ابن عبد البر ان السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلى وقوله ايضا قبل ذلك روى عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدرى وزيد بن ارقم ان عليا اول من اسلم وفضله هؤلاء على غيره قلت: اما ما حكاه اولا من ان السلف اختلفوا في تفضيلهما فهو شئ غريب انفرد به عن غيره ممن هو اجل منه حفظا واطلاعا فلا يعول عليه فكيف والحاكى لاجماع الصحابة والتابعين على تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على سائر الصحابة جماعة من اكابر الائمة منهم الشافعي رضى الله عنه كما حكاه عنه البيهقى وغيره وان من اختلف منهم إنما اختلف في على وعثمان وعلى التنزل في انه حفظ ما لم يحفظ غيره فيجاب عنه بان الائمة انما اعرضوا عن هذه المقالة لشذوذها ذهابا الى ان شذوذ المخالف لا يقدح فيه أو راوا انها حادثة بعد انعقاد الاجماع فكانت في حيز الطرح والرد، على ان المفهوم من كلام ابن عبد البر ان الاجماع استقر على تفضيل الشيخين على الحسنين. واما ما وقع في طبقات ابن السبكى الكبرى عن بعض المتأخرين تفضيل الحسنين من انهما بضعة فلا ينافى ذلك لما قدمناه ان المفضول قد توجد فيه مزية لا توجد في الفاضل على ان هذا تفضيل لا يرجع الى كثرة الثواب بل لمزيد شرف ففى ذات اولاده صلعم من الشرف ما ليس في ذات الشيخين ولكنهما اكثر ثوابا واعظم نفعا للاسلام والمسلمين واخشى لله تعالى واتقى ممن عداهما من اولاده صلعم فضلا

[ 258 ]

عن غيرهم. وأما ما حكاه اعني عبد البر ثانيا عن اولئك الجماعة فلا يقتضى انهم قائلون بافضلية على على أبي بكر مطلقا بل أما من حيث تقدمه عليه اسلاما بناء على القول بذلك أو مرادهم بتفضيل على على غيره ما عدا الشيخين وعثمان لقيام الادلة الصريحة على افضلية هؤلاء عليه فإن قلت: ما مستند اجماعهم على ذلك ؟ قلت: الاجماع حجة على كل أحد وان لم يعرف مستنده لأن الله عصم هذه الامة من ان تجتمع على ضلالة ويدل لذلك بل يصرح به قوله تعالى " ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيرا " وقد اجمعوا ايضا على استحقاقهم الخلافة على هذا الترتيب لكن هذا قطعي كما مر بادلته مبسوطا. فإن قلت: أما بين عثمان وعلى فواضح للخلاف فيه كما تقدم واما بين أبي بكر ثم عمر ثم غيرهما فهو وان اجمعوا عليه إلا ان في كون الاجماع حجة قطعية خلافا فالذي عليه الاكثرون انه حجة قطعية مطلقا فيقدم على الادلة كلها ولا يعارضه دليل اصلا ويكفر أو يبدع ويضلل مخالفه وقال الامام الرازي والامدي انه ظنى مطلقا والحق في ذلك التفصيل فما اتفق عليه المعتبرون حجة قطعية وما اختلفوا فيه كالاجماع السكوتي والاجماع الذي يرد مخالفه فهو ظنى وقد علمت مما قررته لك ان هذا الاجماع له مخالف نادر فهو وان لم يعتد به في الاجماع على ما فيه من الخلاف في محله لكنه يورث انحطاطه عن الاجماع الذي لا مخالف له فالاول ظنى وهذا قطعي وبهذا يترجح ما قاله الاشعري من ان الاجماع هنا ظنى لانه اللائق بما قررناه من ان الحق عند الاصوليين التفصيل المذكور وكان الاشعري من الاكثرين القائلين بانه قطعي مطلقا ومما يؤكد انه ظنى ان المجمعين انفسهم لم يقطعوا بالافضلية المذكورة وإنما ظنوها فقط كما هو المفهوم من عبارات الائمة واشاراتهم وسبب ذلك ان المسألة اجتهادية ومن مستندها ان هؤلاء الاربعة اختارهم الله بخلافة نبيه صلعم واقامة دينه فكان

[ 259 ]

الظاهر ان منزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة وايضا ورد في أبي بكر وغيره كعلى نصوص متعارضة ياتي بسطها في الفضائل وهي لا تفيد القطع لانها باسرها آحاد وظنية الدلالة مع كونها متعارضة ايضا وليس الاختصاص بكثرة اسباب الثواب موجبا للزيادة المستلزمة للافضلية قطعا بل ظنا لانه تفضل من الله تعالى فله ان لا يثيب المطيع ويثيب غيره وثبوت الامامة وان كان قطعيا لا يفيد القطع بالافضلية بل غايته الظن كيف ولا قاطع على بطلان امامة المفضول مع وجود الفاضل لكننا وجدنا السلف فضلوهم وحسن ظننا بهم قاض بانهم لو لم يطلعوا على دليل في ذلك لاطبقوا عليه فلزمنا اتباعهم فيه وتفويض ما هو الحق فيه الى الله تعالى قال الامدي وقد يراد بالتفضيل اختصاص أحد الشخصين عن الاخر أما باصل فضيلة لا وجود لها في الاخر كالعالم والجاهل وأما بزيادة فيها ككونه اعلم مثلا وذلك ايضا غير مقطوع به فيما بين الصحابة إذ ما من فضيلة تبين اختصاصها بواحد منهم الا ويمكن بيان مشاركة غيره له فيها وبتقدير عدم المشاركة فقد يمكن اختصاص الاخر بفضيلة اخرى ولا سبيل الى الترجيح بكثرة الفضائل لاحتمال ان يكون الفضيلة الواحدة ارجح من فضائل كثيرة اما لزيادة شرفها في نفسها أو لزيادة كميتها فلا جزم بالافضلية لهذا المعنى ايضا وايضا فحقيقة الفضل ما هو فضل عند الله وذلك لا يطلع عليه إلا بالوحى وقد ورد الثناء عليهم ولا يتحقق ادراك حقيقة ذلك الفضل عند عدم دليل قطعي متنا وسندا إلا للمشاهدين لزمن الوحى واحواله صلعم معهم لظهور القرائن الدالة على التفضيل حينئذ بخلاف من لم يشهد ذلك نعم وصل الينا سمعيات اكدت عندنا الظن بذلك التفضيل على ذلك الترتيب لافادتها له صريحا أو استنباطا وسيأتى مبسوطا في الفضائل ويؤيد ما مر انه لا يلزم من الاجماع على الاحقية بالخلافة الاجماع على الافضلية ان أهل السنة اجمعوا على ان عثمان احق بالخلافة

[ 260 ]

من على مع اختلافهم في ان ايهما افضل وقد التبس هذا المقام على البعض من لا فطنة عنده فظن ان من قال من الاصوليين ان افضلية أبي بكر ثبتت بالظن لا بالقطع يدل على ان خلافته كذلك وليس كما زعم على انهم كما صرحوا بذلك صرحوا معه بان خلافته قطعية فكيف حينئذ يتأتى ما ظنه ذلك البعض هذا ولك ان تقول ان افضلية أبي بكر ثبتت بالقطع حتى عند غير الاشعري ايضا على معتقد الشيعة والرافضة وذلك لانه ورد عن على وهو معصوم عندهم والمعصوم لا يجوز عليه الكذب ان أبا بكر وعمر افضلا الامة قال الذهبي وقد تواتر ذلك عنه في خلافته وكرسي مملكته وبين الجم الغفير من شيعته ثم بسط الاسانيد الصحيحة في ذلك قال: ويقال " رواه عن على نيف وثمانون نفسا وعد منهم جماعة ثم قال فقبح الله الرافضة ما اجهلهم " انتهى ومما يعضد ذلك ما في البخاري عنه انه قال خير الناس بعد النبي صلعم أبو بكر ثم عمر ثم رجل آخر فقال ابنه محمد بن الحنفية ثم أنت ؟ فقال إنما انا رجل من المسلمين وصحح الذهبي وغيره طرقا اخرى عن على بذلك وفي بعضها الا وانه بلغني ان رجالا يفضلونى عليهما فمن وجدته فضلني عليهما فهو مفتر، عليه ما على المفترى. انتهى. اقول: سنبين بعون الملك الوهاب لاولى الالباب، ان ما ذكره هذا الشيخ الجامد الممرور المرتاب في هذا الباب، من تفضيل أبي بكر والاجماع عليه من بقية الاحزاب،. وعبدة الازلام والانصاب، وبطلان ما زعمه الشيعة ومالوا إليه وتصريح على بافضلية الشيخين عليه اماني كاذبة وخيالات غير صائبة بل هي من اضغاث الاحلام أو مما زينه لهم الشيطان من الوساوس والاوهام فمن اغتر بها من الطلبة الممرورين كان حقه معاناة دماغه بما يعانى به سكان المارستان ونحن لم نشتغل بايضاح فسادها والافصاح عن فضيحة مفادها إلا لتحذير القاصرين من الناظرين وصونهم عن الوقوع في ورطات الخاسرين فنقول..

[ 261 ]

يتوجه على ما اطال فيه الكلام، بما يدل على انسلاخه عن فطرة اولى الاحلام، وجوه من الكلام، وضروب من الطعن والملام. أما اولا فلما مر من ان الكلام في مطلق الاجماع خصوصا في دعوى انعقاده على خلافة ابي بكر وافضليته طويل، وانه لاهل السنة في تحقيقه فزع وعويل، ولنقرر حاصله ها هنا بعبارة اخرى، هي اضبط واحرى، وهو انهم اجمعوا على ان لا دليل لهم في المقامين سوى الاجماع وقد عرفوا الاجماع في كتبهم كالمحصول للرازي والمنهاج للبيضاوي والمختصر لابن الحاجب وغيرها بانه اتفاق جميع اهل الحل والعقد يعنى المجتهدين على أمر من الامور في وقت واحد وقد بحثوا فيه من وجوه اكثرها مذكور شرح المختصر للقاضى عضد الايجى فقالوا: هل الاجماع امر ممكن أو محال ؟ وعلى تقدير الامكان هل هو متحقق أو لا ؟ وعلى تقدير التحقق هل يمكن العلم به ام لا ؟ وعلى تقدير العلم هل يمكن اثباته بالنقل ام لا ؟ وعلى تقدير الاثبات هل يصير حجة ودليلا ام لا ؟ (1) وعلى تقدير صيرورته حجة إذا لم ينته ثبوته الى حد التواتر هل يصير حجة ام لا ؟ وقد وقع الخلاف من علماء أهل السنة في كل من هذه المراتب فيجب اثبات كل من ما وقع أحد طرفي الترديد في هذه المراتب حتى يثبت خلافة ابى بكر وافضليته وليت شعرى ان من لم يكن قائلا بشئ من ذلك كيف يدعى حقيقة امامة ابي بكر وافضليته قطعا أو ظنا ثم بعد ذلك يوجد خلاف آخر وهو انه هل يشترط في حجية الاجماع ان لا يبقى من الجماعة التي اجمعوا الى ظهور المخالف وان لا يخالفهم أحد الى موت


(1) وقال النووي في باب نكاح المتعة من شرحة لصحيح مسلم " اختلف الاصوليون في أن الاجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف وبصير المسلة مجمعا عليها أولا والاصح عند أصحابنا أزلا يرفعه بل يدوم الخلاف ولا يصير المسألة بعد ذلك مجمعا عليها أبدا وبه قال القاضي أبو بكر الباقلاني " كذا منه ره في الحاشية.

[ 262 ]

الجميع ام لا ؟ وايضا قد اختلفوا في ان الاجماع بمجرده حجة أو يحتاج الى سند هو الدليل والحجة حقيقة ؟ ومن البين انه لا سند لاهل السنة في ذلك سوى ما نسجوه من القياس الفاسد وهو ما مر سابقا من ان النبي صلى الله عليه وآله قد اذن في مرض موته لابي بكر ان يكون امام الناس في صلاتهم وإذا جعله النبي صلى الله عليه وآله اماما في أمر الدين ورضى به فتقديمه لامر الدنيا وهو أمر الخلافة يكون ارضى له بطريق اولى فقد قاسوا أمر الخلافة بالامامة في الصلوة وحسبوه سندا للاجماع ولا يخفى فساد ذلك عند من له ادنى معرفة بالاصول لأن اثبات حجية القياس ايضا مما استشكله الناس، واختلفوا في شروطه واقسامه اختلافا يهدمه من الاساس، وعلماء أهل البيت عليهم السلام ينكرون حجيته ولهم ادلة عقلية ونقلية على ذلك مذكورة في محلها وعلى تقدير ثبوته الذي دونه خرط القتاد إنما يعتبر فيما إذا كان في الاصل علة يساوى الفرع فيها الاصل وفيما نحن فيه من امر الخلافة وامامة الصلوة العلة ليست بظاهرة بل الفرق ظاهر لأن امامة الصلوة امر واحد جزئي لا يعتبر فيها العلم الكثير، ولا الشجاعة والتدبير ونحوها اتفاقا ولا العدالة عند أهل السنة لجواز الصلوة خلف كل بر وفاجر عندهم وأما أمر الخلافة فهو سلطنة وحكومة في جميع امور الدين والدنيا وتحتاج الى علوم وشرائط كثيرة لم يوجو واحد منها في أبي بكر فكيف يقاس هذا بذلك وقول جمهورهم ان امامة الصلوة من امور الدين والخلافة من امور الدنيا كما مر مردود بان الفاضل القوشجى في شرحه للتجريد وغيره من محققى أهل السنة في غيره قد عرفوا الامامة بانها رياسة عامة في امر الدين والدنيا نيابة عن النبي صلعم وذلك كذلك على ان الاصل ههنا ليس بثابت لأن الشيعة ينكرون اذن النبي صلى الله عليه وآله لابي بكر في امامة الصلوة ويقولون ان النبي صلى الله عليه وآله قال قالوا للناس صلوا وقالت عائشة بنت

[ 263 ]

أبي بكر لبلال قل لهم ان النبي صلى الله عليه وآله امر ان يكون أبو بكر اماما في الصلوة فشرعوا في الصلوة خلفه ولما اطلع النبي صلى الله عليه وآله على ذلك بادر الى القيام فوضع احدى يديه على منكب العباس واخرى على مكتب على عليه السلام أو فضل وخرج الى الجماعة ونحى أبو بكر عن المحراب وصلى بنفسه المقدسة مع الناس حتى لا يصير ذلك مؤديا الى الفتنة التي وقعت آخرا بدونه ايضا وقد مر بعض الاحاديث الصحيحة عند اهل السنة الدالة على تولى النبي صلى الله عليه وآله لامامة الصلوة حينئذ بنفسه فتذكر، وايضا لو سلمنا وجود القياس الصحيح فلا ريب في ان الامامة انما هي من الاصول ولهذا يذكر في الكتب المصنفة فيه فكيف يمكن اثباتها بالقياس الفقهى الذي لا يكون إلا في الفروع ؟ وأما ما ذكره صاحب المواقف من ان مسألة الامامة ليست من الاصول ومجمج فيه العلامة الدوانى بانه بالفروع اشبه فمعارض بما ذكره القاضى البيضاوى في مبحث الاخبار من كتاب المنهاج وجمع من شارحي كلامه ان الامامة من اعظم مسائل اصول الدين التي مخالفتها توجب الكفر والبدعة وبما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين وغيره في غيره من ان النبي صلعم قال " من مات ولم يعرف امام زمانه فقد مات ميتة جاهلية " فانه صريح في ان الامامة من الاصول ضرورة ان الجاهل بشئ من الفروع وان كان واجبا لا يكون ميتته ميتة جاهلية ولا يقدح ذلك في اسلامه وايضا قد صرحوا بان الامامة صنو مرتبة النبوة وان حقوق النبوة من حماية بيضة الاسلام وحفظ الشرع ونصب الاولوية والاعلام في جهاد الكفار والبغاة والانتصاف للمظلوم وانفاذ المعروف وازالة المنكر الى غير ذلك من توابع منصب النبوة ثابتة للامامة لانها خلافة ونيابة عنها وبالجملة لو لم تكن مسألة الامامة مثل مسألة النبوة في كونها من اصول الدين، وكان يكفى فيها كما في سائر الفروع ظن المجتهدين أو تقليدهم

[ 264 ]

للزم ان لا يجوز تخطئة المجتهد الذى ظن ان ابا بكر ليس بامام وكذا تخطئة المقلد والحال انهم إذا سمعوا من يقول: انى اعتقد ان امير المؤمنين عليه السلام خليفة للنبى صلى الله عليه وآله بغير فصل بسبب الظن الذى قادني إليه أو بواسطة تقليد المجتهد الفلاني يخطئونه بل يكفرونه ويقتلونه وايضا لو لم تكن من المسائل الاصلية بل كانت من المقدمات الفرعية فلا ينبغى النزاع فيها مع احد كسائر الاحكام الفرعية التي يجوز الخلاف فيها من غير توجه قدح وانكار فقد علم مما فصلناه ان لا دليل لهم الى امامة أبي بكر سوى الاجماع وقد عرفت حاله وكيفية استدلالهم به في هذا المقام مع ما توجه إليه من النقض والابرام وبعد تسليم الكل نقول: من البين انه لم يقع اجماع جميع مجتهدي الامة في وقت واحد في المدينة الطيبة على امامة أبي بكر كما اعترف به صاحب المواقف وغيره من الجمهور كيف وقد تخلف سعد بن عبادة واولاده عن بيعة أبي بكر ولم يكن لاحد من أهل البيت عليهم السلام وسائر بني هاشم وموافقيهم في تجهيز النبي صلى الله عليه وآله خبر عن اجتماعهم لذلك يوم السقيفة فضلا عن دخولهم فيه ولهذا ترى صاحب المواقف انه بعد ارتكاب شطر من التعسفات والتمحلات التزم خرق اجماع القوم والتجأ الى القول بان الواحد والاثنين من أهل الحل والعقد كاف في ثبوت الامامة ووجوب اتباع الامام على أهل الاسلام متشبثا بعلمه بان الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا في عقد الامامة بذلك كعقد عمر لابي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان ولم يشترطوا في عقدها اجتماع من في المدينة من أهل الحل والعقد فضلا عن اجتماع الامة من علماء، امصار الاسلام ومجتهدي اقطارها انتهى ولا يخفى ما فيه من الخبط الخارج عن الضبط. أما اولا فلانه قد ذكر سابقا ان الدليل على الامامة أما النص أو الاجماع والنص

[ 265 ]

لم يوجد في حق أحد والاجماع لم ينعقد إلا على امامة أبي بكر فيكون هو الامام بالاجماع ويظهر من كلامه هذا ان الامامة تثبت بالبيعة، وان امامة ابى بكر قد ثبتت ببيعة عمر فقط لا بالاجماع، وانه لا دليل على وجوب الاجماع في ثبوت الامامة، وهذا كله خبط وتناقض واضطراب. وأما ثانيا فلانه لا دليل من العقل والنقل على كفاية بيعة واحد واثنين في ثبوت الامامة وكيف يكون كذلك وقد تقرر في كتب الاصول ان قول المجتهد العادل وكذا فعله ليس بحجة بل صرحوا بان قول الخلفاء الاربعة بل قول اهل المدينة باسرهم ليس بحجة في المسائل الفرعية التي يكفى فيها الظن فكيف يكون فعل مثل عمر وحده أو مع اثنين غيره حجة فيما هو محل النزاع العظيم، وبمرتبة نبوة النبي الكريم. وأما ثالثا فلانه من اين ثبت امامة أبي بكر لعمر ؟ حتى بايعه ومن اين علم أبو بكر انه امام حتى ادعى الامامة لنفسه. وأما رابعا فلانه بعد ما عرفت ان الامامة لا تثبت بالبيعة كيف يمكن ان يقال انها قد ثبتت عند الصحابة بالبيعة، وعندنا باجماعهم، ومع الاغماض عن هذا كيف يمكن اثبات انعقاد الاجماع عليه بعد ما سمعت من الاختلافات الواقعة في الاجماع والايرادات الواردة عليه مع ان النزاع الكلى ليس إلا في ذلك لما مر من ان الشيعة ينكرونه مطلقا ويقولون ان أهل البيت عليهم السلام وسائر الهاشميين لم يرضوا بذلك وجماعة من اكابر الصحابة كانوا متفقين معهم كسلمان وأبي ذر ومقداد وعمار رضى الله عنهم فيجب على العاقل الذي يتقى من الله ان يتامل كلام الطرفين في هذه المسألة الضرورية، ويطرح قلادة التقليد عن رقبة العصبية الجاهلية، ويجتهد في طلب الحق بمزيد الجد والاخلاص

[ 266 ]

والارتياض، حتى يفيض العلم به عليه من جناب الوهاب الفياض. وأما ثانيا فلانا لا نسلم ان يكون من عظماء الملة وعلماء الامة من خرج عن اجماعهم عظماء أهل البيت عليهم السلام وعلماء الاصحاب رضى الله عنهم كسلمان ومقداد وأبي ذر وغيرهم كما سيرويه هذا الشيخ المبهوت عن ابن عبد البر، واف لاجماع خرج عنه أهل البيت، ومن اشتعل سراج تحقيقهم من ذلك الزيت. وأما ثالثا فلان ما ذكره من الاختلافات الكثيرة الواقعة بين اهل السنة في تفضيل بعض الخلفاء على بعض وترجيح بعضهم على بعض فلا يؤدى الى طائل ولا يرجع الى حاصل، وهم يضحكون على هذه الترجيحات المستندة الى الروايات والاقوال المذكورة فيما بين اهل السنة بل هم ربما يرتفعون عن التلفظ بتفضيل على على أبي بكر ويرون ذلك ازراء لجلالة قدر على عليه السلام وغزارة فضله إذ لا نسبة لابي بكر إليه في الفضل اصلا فتفضيله عليه السلام عليه يكون كقولنا " السيف امضى من العصا، والتبر اعلى من الحصا " كما قال الفاضل الشاعر. شعر يقولون لي فضل عليا عليهم * ولست اقول التبر اعلى من الحصا إذا انا فضلت الامام عليهم * اكن بالذى فضلته متنقصا الم تر ان السيف تزرى بحده * مقالة هذا السيف امضى من العصا وعلى هذا يحمل لو صح ما سيجئ روايتهم عنه عليهم السلام من انه قال " من فضلني على أبي بكر جلدته جلد المفترى " كما سنوضحه عن قريب ان شاء الله تعالى فعلى ما ذكرناه يكون زيادتهم تعمد تفضيل عثمان المهان المرتاب، في اسماع شيعة مولانا أبي تراب، كصرير الباب، وطنين الذباب.

[ 267 ]

وأما رابعا فلان ما حكاه القاضى عياض عن الاشعري من " انه رجع عن التوقف الى تفضيل عثمان " فهو من الالزاميات التي لا خلاص للشيعة عنها لكن يخدشه انه لم ينقل عن الاشعري ذلك غيره ولعله اظهر التوقف في مرض موته ولم يحضره سوى القاضى أو بعض مشايخه فلهذا لم يشتهر ولا بعد في هذا الاحتمال لانهم كثيرا ما ينقضون بمثله إذا احتج عليهم الشيعة ببعض اقوال الصحابة أو علماء أهل السنة فليضحكوا قليلا و ليبكوا كثيرا. وأما خامسا فلان ما نقله عن ابن معين من " ان من قال أبو بكر وعمر و عثمان وعلى وعرف لعلى سابقته وفضله فهو صاحب سنة " مخالف لما ذكره شيخ اهل السنة القاضى ابن خلكان في تاريخه من قوله " والحق ان محبة على بن أبي طالب لا تجتمع مع التسنن " انتهى ويؤيد هذا ان الجاهل نفسه نسب ما سيذكره من قول ابن عبد البر ان حديث الاقتصار على الثلاثة مخالف لقول أهل السنة ان عليا افضل الناس بعد الثلاثة الى الزعم فقال " زعم ابن عبد البر،. الى آخره " فافهم. وأما سادسا فلانه لا طائل فيما ذكره من الاختلاف في قطعية هذا الاجماع لما عرفت ان اصله غير ثابت قطعا فكيف يثبت وصفه بالقطع، اللهم إلا على مشاكلة بعض المثبتين للمحال المجوزين لركوب زيد المعدوم، على الفرس المعدوم، وعلى راسه قلنسوة معدومة، الى غير ذلك من الخرافات. وأما سابعا فلان ما ذكره " من انه ليس ملحظ عدم تعنيف عبد الرزاق بما ذكره إلا ان التفضيل المذكور ظنى " فيه تحكم وتعنيف ظاهرا ذا لظاهر من عبارته انه اعتقد فضل على عليه السلام عليهم ويدل عليه ما روى ياقوت الحموى الشافعي عند ذكر بلدة صنعاء من كتابه الموسوم بمعجم البلدان وغيره من المحدثين في غيره من نسبة

[ 268 ]

عبد الرزاق لعمر في بعض احاديثه الى الحماقة واساءة الادب بالنسبة الى رسول الله صلى الله عليه وآله، فافهم. وأما ثامنا فلان نسبة ما ذكره شيخ الخطابى من قوله " أبو بكر خير وعلى افضل " الى التهافت إنما نشات من الخرافة والتباهت لظهور ان التهافت انما يلزم لو اريد بلفظ خير صيغة التفضيل بمعنى الزائد في الخيرية وأما إذا حمل على ظاهره من كونه مخفف خير بالتشديد صيغة مبالغة أي كثير النفع والفائدة كما يقال " الوجود خير محض، وان الخير من الله والشر من العبد " فلا يلزم التهافت اصلا وغاية ما يلزم من ذلك ان لا يكون ذلك الشيخ سنيا ولا شيعيا أو كان شيعيا وارتكب اعمال التقية بايراد اللفظ المحتمل، فتأمل. وأما تاسعا فلان ما ذكره من ان ما حكاه ابن عبد البر من اختلاف السلف في تفضيله شئ غريب مردود بانه لا غرابة فيه عند من سلم طبعه عن مرارة العصبية لكن هذا الشيخ المتعصب الجامد الناصبي لا يطيق سماع فضيلة على عليه السلام فضلا عن افضليته لما جبل عليه من العصبية الجاهلية أو لسبق عروض الشبهة التى القت في نفسه الغبية كما سبق له ولاصحابه الشبهة المانعة لهم عن قبول النصوص الجلية المتواترة في شان الحضرة العلية المرتضوية وإلا فعبد البرابر واعظم عندهم من ان لا يعولوا على نقله. لو لا ان صدر منه ذنب نقل الحكاية المذكورة وبهذا تنزل عن نفى التعويل عليه آخرا، فافهم وأما عاشرا فلان ما اجاب به ثانيا عن ذلك بان " الائمة إنما اعرضوا عن هذه المقالة لشذوذها " فمردود بان الحكم بشذوذ هؤلاء المذكورين في حكاية ابن عبد البر من اكابر الصحابة شاذ لم يجترء عليه أحد غيره من أهل العصبية نعم هؤلاء قليلون بالنسبة الى سائر المتفقين من قريش وغيرها على غصب الخلافة من على عليه السلام والقلة محمودة

[ 269 ]

لا مذمومة كما زعمه الجمهور الشاكرون لكثرتهم، المفتخرون بوفرتهم فإن زعمهم هذا مخالف لصريح القرآن كقوله تعالى " وقليل من عبادي الشكور، وقليل ما هم، وما آمن معه الا قليل، وكم من فئة قليلة وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين، وان كثيرا من الناس لفاسقون ولا خير في كثير " وامثال ذلك كثير وقال بعض الحكماء " جل جناب الحق ان يكون شريعة لكل وارد، وان يطلع عليه إلا واحد بعد واحد " وقال العارف الشاعر شعر خليلي خطار الفيافي الى الحمى * كثير وأما الواصلون قليل ؟ فقول الشيخ الجامد الناصبي ان هؤلاء من اكابر الصحابة شاذ قليلون كقول فرعون اللعين " ان هؤلاء لشرذمة قليلون " وكذلك اتباع اكثر الانبياء والمحققين من امتهم كانوا قليلين كما لا يخفى على من نظر في قصص الانبياء وكتب التواريخ والانباء. وأما الحادى عشر فلان ما ذكره في العلاوة من " ان المفهوم من كلام ابن عبد البر ان الاجماع استقر على تفضيل الشيخين ان اراد به انفهامه من كلامه المنقول ههنا فهو وهم لا فهم كما لا يخفى، وان اراد به غيره فهو حوالة على المحال واعمال للاحتيال. وأما الثاني عشر فلان ما ذكره من " ان المراد مما وقع في الطبقات من تفضيل الحسنين ينافى بظاهره لتفضيل الشيخين لان التفضيل حقيقة في طبيعة الفضل لا في بعض وجوعه كما حقق في موضعه فالعدول عنه مجاز لا يصار إليه من غير ضرورة ولا ضرورة داعية إليه سوى ما وقع لهذا الشيخ المبهوت، الذي تكلف اثبات تفضيل الشيخين بنسج العنكبوت. واما الثالث عشر فلان ما ذكره في العلاوة من " ان هذا التفضيل لا يرجع الى كثرة الثواب بل لمزيد الشرف " غير مسلم كيف وإذا كان مجرد التزويج مورثا لاكساب

[ 270 ]

الثواب، كما جاء به الشرع المستطاب، فكيف لا يكون التزويج ببضعة الرسول صلى الله عليه وآله موجبا له وأي ثواب قد حصل لابي بكر يفوق ثواب عوام المسلمين حتى يلزمنا اعتباره وموازنته في هذا الباب ؟ لولا الدعوى المستندة الى مجرد حسن الظن والمجازفة البالغة حد النصاب. واما الرابع عشر فلان قوله " الاجماع حجة على كل أحد وان لم نعرف مستنده " غير مسلم عند من اشترط العلم بالمستند كما مر. وأما الخامس عشر فلان استدلاله على ذلك بقوله " ان الله عصم هذه الامة من ان تجتمع على ضلالة " استدلال في الحقيقة على ما روى عنه صلى الله عليه وآله من قوله " لا تجتمع امتى على الضلالة " وهو لو صح إنما يدل على حجية الاجماع بعد تحققه لا على عدم اشتراط العلم بمستنده كما قصده على ان النظام رد عليه بانه خبر واحد والمسألة علمية ولم يجب الرازي عنه عند ذكره اياه في المعالم وقال بعض الفضلاء ان صدر الخبر مجزوم بالنهي بمعنى لا تجتمعوا امتى على حذف حرف النداء وهذا اولى وإلا لزم كذب الخبر عند أهل السنة فإن نصب الامام واجب شرعا عندهم على الناس واجتمعوا على تركه الان فإن قلت: قوله صلى الله عليه واله " لا تجتمع امتى على ضلالة " معناه اختيارا لا قهرا قلت: يحتمل ان يكون اجتماعهم على امامة بكر كذلك على تقديره فلا فرج للجامد الناصب في ذلك. وأما السادس عشر فلانه يرد على استدلاله بالاية ايضا انه لا ينفى الاشتراط مع ان النظام اورد على اصل دلالته على حجية الاجماع اولا بان هذا الدليل انما يتم لو ثبت ان متابعة الغير عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير وذلك باطل والا لزم ان يقال ان المسلمين اتباع اليهود في قولهم " لا اله إلا الله " بل المتابعة عبارة عن

[ 271 ]

الاتيان بمثل فعل الغير لاجل انه فعل ذلك الغير فاما لو اتى بمثل فعل الغير لا لاجل انه فعل ذلك الغير بل لان الدليل ساقه إليه فلم يكن متبعا للغير إذا ثبت هذا القول حصل بين متابعة سبيل المؤمنين وبين متابعة غير سبيل المؤمنين واسطة وهى ان لا يتبع احدا بل يتوقف الى وقت ظهور دليل وإذا حصلت هذه الواسطة لم يلزم من تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين وجوب اتباع سبيل المؤمنين فسقط الاستدلال وثانيا بأن لفظ السبيل لفظ مفرد غير محلى بالالف واللام فلا يفيد العموم بل يكفى في العمل به تنزيله على صورة واحدة فنحن نحمله على السبيل الذي به صاروا مؤمنين وهو الايمان فلم قلتم ان متابعتهم في سائر الامور واجبة انتهى وقد نقله الرازي في المعالم ولم يتحصل الجواب فإن كان عند الشيخ ابن حجر شئ فليات وإلا فليعض على حجر هذا وفي الثاني من ايرادي النظام تأمل لأن السبيل وان كان مفردا الى انه مضاف الى الجمع المحلى باللام فالاولى في الرد على الاستدلال ان يقال ان النهى يحتمل ان يكون عن المجموع المركب من مشاققة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، فتأمل. وأما السابع عشر فلان ما ذكره من تقديم الحجة القطعية على الادلة كلها حتى على النص القرآني محل تأمل. واما الثامن عشر فلان ما ذكره من " ان الحق التفصيل " باطل وقوله " فما اتفق عليه المعتبرون حجة قطعية " ان اراد به المعتبرين من أهل السنة عند طائفة اخرى منهم فهو مصادرة لا اعتبار بها وان اراد المعتبرين من الامة عند من عداهم من جميع معتبرى الامة فمسلم ولكن اجماع الناصب خال عن هذا الاعتبار، فاعتبروا يا اولى الابصار.

[ 272 ]

وأما التاسع عشر فلان قوله " ومن مستندها ان هؤلاء الاربعة اختارهم الله تعالى لخلافة نبيه واقامة دينه،. الى آخره " استناد على ما ينقض من الجدار ووقوف على شفا جرف هار، لأن اختيار الله تعالى لخلافة الثلاثة منهم إنما يسلم على سبيل الحكم الكونى دون التكليفى الشرعي والاختيار بهذا المعنى مشترك بين خلافتهم وسلطنة فرعون ونمرود وشداد، واستيلائهم على العباد فلا يفيد فيما هو بصدده من كون منزلتهم عند الله بحسب ترتيبهم في الخلافة ولو صح ذلك لزم ان يكون منزلة يزيد، الخمير الفاسق العنيد، و عمر بن عبد العزيز الممدوح الرشيد، مثلا بحسب ترتيبهم ايضا في امارة المؤمنين و ان يكون كل منهما ممن اختاره الله تعالى لتولية امور المؤمنين واقامة الدين واللازمان باطلان ضرورة واتفاقا. واما العشرون فلان قوله " وليس الاختصاص بكثرة اسباب الثواب موجبا للزيادة المستلزمة للافضلية قطعا بل ظنا،. الى آخره " جواب سؤال مقدر ذكره الفاضل القوشجى في شرحه للتجريد فانه بعد ذكر ما قرره المصنف طيب الله مشهده من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام قال " لا كلام في عموم مناقبه ووفور فضائله واتصافه بالكمالات، واختصاصه بالكرامات، إلا انه لا يدل على الافضلية بمعنى زيادة الثواب والكرامة عند الله " انتهى ولا يخفى على من له ادنى عقل وتمييز ان الكرامة والثواب الذي هو عوض عن العبادة على وجه التعظيم ليس غير الفضائل والكمالات التي اعترف بانها اكثر تحققا في على عليه السلام وبعضها كان مخصوصا به فلا معنى لان يكون لغيره عزة وكرامة وثواب اكثر وعلى تقدير التسليم نقول كيف يتصور من العاقل ان يذهب الى عدم اولوية من يكون متصفا بهذه الصفات الكاملة بمجرد احتمال ان يكون غيره افضل في الواقع إذ من الظاهر ان العاقل يقول ان الان في نظرنا هذا الشخص افضل واحق واليق بالامامة الى ان يثبت

[ 273 ]

في غيره ضرورة انه لا معنى لأن يقال ان اخذ العلم مثلا ممن لا يكون علمه معلوما اولى واحسن ممن يكون ذلك معلوما منه ولهذا لا يتفوهون في اختيار ابي بكرر بانه جاز ان يكون اكثر ثوابا من على عليه السلام بل يقولون جزافا انه كان اعرف بحفظ الحوزة وقانون الرياسة من على عليه السلام وهذا ظاهر جدا عند العقل وقد ورد في النقل من القرآن والحديث ايضا كقوله تعالى " افمن يهدى الى الحق احق ان يتبع امن لا يهدى إلا ان يهدى فمالكم كيف تحكمون " يعنى هل الذي يكون صاحب هداية وعلم بالحق احق واولى بان يهتدى به الخلق ويقتبس الحق من انوار هدايته وعلمه أو الذي لا هداية له ولا علم له إلا ان يتعلم العلم والهداية عن غيره فكيف تحكمون انتم في هذا ايها العقلاء ؟ يعنى من المعلوم ان العقل يحكم بان الاول احق واولى بمتابعة الخلق له واقتدائهم به وخلافه مكابرة وعناد لا يخفى على اولى النهى والعاقل من يزكى نفسه عن شوائب التقليد ولا يقول ان العلماء والمشايخ السلف وآباءنا ذهبوا الى كذا وظننا بهم انهم لم يخطئوا لأن الخطاء والغلط جائز على من عدا الانبياء المرسلين والائمة الطاهرين مع قيام احتمال اعمال التقية، والافتتان بالشيطان والدنيا الدنية، الا ترى ان سلاطين زماننا متصفون بكمال الظلم والجور والناس بل العلماء منهم يترددون إليهم ويختارون ملازمتهم واطاعتهم ولو منعهم رجل صالح عن متابعة ذلك الظالم وتعظيمه ودعاءه يعرضون عنه ويذمونه ولو ان ذلك الظالم امرهم باهانة ذلك الصالح أو قتله لاهانوه أو قتلوه بلا توقف وهذا واضح جدا وله قرائن كثيرة لا يسعها المقام وبالجملة يجب على من حاول معرفة العقائد اليقينية، والعلم بالمقاصد الدينية، ان يكون حين يقصد الاستدلال على العقائد التي إنما خلق لاكتسابها باليقين، وبدون ذلك يستحيل ان ينخرط في سلك اصحاب اليقين، واخبار المؤمنين، كالعقل الهيولانى لا يركن اصلا الى ذهاب أبيه وامه أو معلمه أو سلطانه أو معشوقه مذهبا

[ 274 ]

ويجعل كل مداره على مقتضى الدليل الذي يصححه العقل السليم، والطبع المستقيم، ولا يجعل لغيره مدخلا فيه ولا يحسبن ذلك هينا فإن النفس الامارة غاوية، تريد ان تلقيه في الهاوية فتدلس عليه ان الاعتقاد الحاصل معظمه من الامور المذكورة إنما هو في الدليل المحض والبرهان البحت وقل من سلم من ذلك التدليس، السانح من النفس الخسيس، فاجعل ايها السامع سريرتك مثل ميزان عدل أي صير نسبتها الى الاعتقاد الذي تدعوك نفسك إليه تدليسا والى نقيضه واحدة، لتسلم من مكائدها التي من جملتها انه يخوفك مما لا اصل له كخوفك من الميت، اللهم اكفنا شرور انفسنا وسيآت اعمالنا، ووفقنا للعلم والعمل بما تحبه وترضاه انك قريب مجيب. واما الحادى والعشرون - فلان قوله " ثبوت الامامة وان كان قطعيا لا يفيد القطع بالافضلية " مردود بان وجوب افضلية الامام عن رعيته في العلم والشجاعة والعدل ونحوها قد سبق منا اثباته سابقا بما يفيد القطع فنفيه بمجرد قوله " لا يفيد " لا يفيد. وأما قوله " كيف ولا قاطع على بطلان امامة المفضول مع وجود الفاضل " فمدخول بان القاطع الادلة العقلية المفيدة للقطع بثبوت الحسن والقبح العقليين كما سبق الاشارة إليه اجمالا وفصلنا الكلام فيه في شرحنا على كتاب كشف الحق وبعض رسائلنا المعمولة في خصوص هذه المسألة. وأما الثاني والعشرون - فلان السلف الذي وجد منهم التفضيل على الترتيب الوجودى الصوري نقطع بانسلاخهم عن الفطرة الانسانية وانهم ممن لا يرحمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم، بالتزام التقليد الذميم الذي رد الله عليه في كتابه الكريم، معاتبا للكفار في قولهم " انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مقتدون " ولنعم ما قال الشاعر الفاضل المولى فضولي البغدادي رحمه الله

[ 275 ]

شعر * از رتبه صوري خلافت مقصود * جز عرض كمال اسد الله نبود * * گر گشت رقم سه صفر پيش از الفى * پيداست كه رتبه كدامين افزود * وأما ما ذكره من " ان حسن ظننا بهم قاض بانهم لو لم يطلعوا على دليل في ذلك لما اطبقوا عليه " مدفوع بما قدمناه من ان هذا من قبيل " ان بعض الظن، وانه لم ينشا إلا من ضيق العطن، فتفطن. وأما الثالث والعشرون. فلان ما نقله عن الامدي مستدلا على ان اعلمية بعض الصحابة عن بعض غير مقطوع به بقوله " إذ ما من فضيلة بين اختصاصها بواحد منهم الا ويمكن بيان مشاركة غيره له فيها " فيه نظر ظاهر إذ بعد ما فرض اختصاص فضيلة بواحد منهم كيف يمكن مشاركة غيره فيها ولو سلم فنقول ادعاء هذا الاختصاص مع كونه ظاهر الفساد وناشئا عن العناد مردود بما سبق منه قبيل ذلك في ضمن جواب سؤال مقدر حيث قال " وليس الاختصاص بكثرة اسباب الثواب موجبا للزيادة المستلزمة للافضلية قطعا بل ظنا،. الى آخره " اللهم إلا ان يراد الاشتراك في اصل انواع تلك الفضائل لكن على نحو ان يدعى اشتراك الصبى القارى لصرف الزنجانى ونحوه مع معلمه المتبحر في العلوم العقلية والنقلية أو من علم الابيض من القار، وقتل نحو الهرة والفار، وقلع باب قفص الاطيار، مع من علم ما دون العرش المجيد، وقتل ابن عبدود البطل المريد، وقلع باب خيبر بيد التأييد، وفي هذا من الشناعة ما ليس عليها مزيد. وأما قوله " ولا سبيل الى الترجيح بكثرة الفضائل " فغير مسلم وإنما يكون كذلك لو لم يكن ذلك الكثير من امهات الفضائل والقليل من فروعها المنحطة بان يكون المتصف بالكثرة مثلا عالما بما دون العرش من البرية، وها بالالوف من الدراهم الكسروية،

[ 276 ]

وقاتل صنوف من ابطال الجاهلية، وصاحب تقوى محفوف بالعصمة الازلية، والموصوف بالقله عالما بخياطة ركيكة، معطيا بفلس من الصفر، قاتلا لطير غير ذى ظفر، حاملا لتقوى مسبوق بالفسق أو الكفر، وما نحن فيه من فضائل على عليه السلام وأبي بكر الخياط المعلم للصبيان كذلك كما لا يخفى وايضا قد روى اخطب خوارزم " من اراد ان ينظر الى آدم في علمه، والى نوح في فهمه، والى يحيى زكريا في زهده، والى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر الى على بن أبي طالب " وفي رواية البيهقى " من اراد ان ينظر الى آدم في علمه، والى نوح في حلمه، والى ابراهيم في خلته، والى موسى في هيبته، والى عيسى في عبادته، فلينظر الى على بن أبي طالب " والجامع لمثل هذه الصفات الفاضلة المتفرقة في جماعة من الانبياء لا يمكن ان يكون في غيره صفة فاضلة راجحة على تلك الفضائل بل مساواته عليه السلام لكل واحد من هؤلاء الانبياء عليهم السلام في صفة هي اخص صفات كماله يوجب ان يكون بمجموع تلك الصفات افضل من كل واحد منهم فضلا عن ابى بكر...،... العبارى عن الملكات الفاضلة مطلقا. وأما الرابع والعشرون - فلان ما ذكره " من انه التبس هذا المقام على بعض من لا فطنة له فظن،. الى آخره القضية فيه منعكسة إذ لا يلتبس على من له ادنى مسكة ان من لا يجوز امامة المفضول مع وجود الفاضل ويبنى صحة الخلافة على ظهور مزيد الفضل لا محيص له عن القول باستلزام الظن في الافضلية الظن في الخلافة ومجرد تصريح بعضهم بان خلافة أبي بكر قطعية لا يقدح في الاستلزام كما لا يخفى على من له شائبة من الشعور فقد ظهر ان الالتباس انما وقع لابن حجر وان رميه لغيره بعدم الفطنة إنما نشا من سهم فطانته الابتر، وقوس طبيعته الفاقد للوتر. وأما الخامس والعشرون - فلان قوله " ولك ان تقول ان افضلية أبي بكر ثبتت

[ 277 ]

بالقطع حتى عند الاشعري ايضا بناء على معتقد الشيعة والرافضة وذلك لانه ورد من على عليه السلام،. الى آخره " مردود بان ما زعم وروده عن على عليه السلام إنما نقله رواة اهل السنة فلا يعتقد الشيعة شيئا من ذلك وحينئذ لو بنى الاشعري على ذلك لكان بناء على الهواء، ورقما على الماء، وايضا الخبر الواحد سواء اعتقده الشيعة ام لا إنما يفيد الظن ومن اين علم ان دعوى تواتر ذلك عن على عليه السلام كما ادعاه الذهبي ذهب الله بنوره مما يصير حجة على الاشعري ؟ مع تصريح الجمهور في كتب اصول الحديث بان الخبر المتواتر قليل جدا. واما السادس والعشرون - فلان ما رواه عن البخاري من حديث الخير فلا خير فيه إذ مع ما سمعت من اعتقاد الشيعة في روايات أهل السنة سيما البخاري يجوز ان يكون لفظ الخير فيها محمولا على مخفف خير بالتشديد كما مر وغاية الامر فيه اعمال اللفظ المشترك رعاية للتقية فتدبر. وأما السابع والعشرون - فلان قوله " وفي بعضها الا وانه بلغني ان رجالا يفضلونى عليهما فمن وجدته فضلني عليهما فهو مفتر، عليه ما على المفترى " قريب مما رواه متصلا بهذا عن الدارقطني عن على عليه السلام ايضا من انه " لا اجد احدا فضلني على أبي بكر وعمر الا جلدته حد المفترى " وما رواه في الفصل الثاني الاتى عن على عليه السلام ايضا حيث قال " انه لا يفضلني احد على أبي بكر إلا جلدته حد المفترى " وقد اشرنا سابقا الى الجواب عنها والحاصل انا نقول بمضمونها وانها لنا لا علينا لأن تفضيل على عليه السلام على ابى بكر وعمر متضمن لثبوت اصل الفضل لهما وهو افتراء بلا امتراء بل القول بان عليا عليه السلام افضل من ابي بكر وعمر يجرى مجرى ان يقال ان فلانا افقه من الحمار، واعلم من الجدار، وقد نسب الى المأمون العباسي انه اجاب عن ذلك ايضا

[ 278 ]

بانكم رويتم عن امامكم أبي بكر انه قال " وليتكم ولست بخيركم " فاى الرجلين اصدق ؟ أبو بكر على نفسه، أو على على ابى بكر.. وايضا لا بد وان يكون في قوله هذا صادقا أو كاذبا فإن كان صادقا كان الواجب عليه خلع نفسه عن الامامة لأن كلامه سيما مع تتمته المروية متفقا بقوله " وعلى فيكم " يدل دلالة ظاهرة على عدم تفضيل المفضول كما اشرنا إليه آنفا وان كان غير صادق فلا يليق ان يلى امور المسلمين ويقوم باحكامهم ويقيم حدودهم كذاب كما لا يخفى. 92 - قال: وفي رواية صحيحة انه قال على لعمر وهو مسجى " صلى الله عليك ودعا له " انتهى. اقول بعد منع صحة الرواية لعل تلك الصلوة وقعت عنه عليه السلام عند ما سجى عمر بثوب الكفن ووضع في بيت النبي صلى الله عليه واله مترصدين لدفنه في جواره صلى الله عليه واله وعلى عليه السلام إنما صلى على النبي صلى الله عليه وآله لمشاهدته لمرقده حينئذ فاشتبه الامر على الناس، وعلى تقدير تسليم وقوع تلك الصلوة قبل كفن عمر واخراجه الى بيت النبي صلى الله عليه وآله فيجوز ان يكون عليه السلام قد استحضر النبي صلى الله عليه وآله في ذهنه ذلك الوقت فصلى عليه بصيغة الخطاب كما في قوله تعالى " اياك نعبد واياك نستعين " فوقع الاشتباه. واما الدعاء فلعله كان عليه سرا لا جهرا أو كان جهرا ولكن باعماله عليه السلام الالفاظ الايهامية كما سبق من قول الصادق عند ذكر أبي بكر وعمر " انهما كانا امامين عادلين قاسطين كانا على الحق وماتا على الحق فرحمة الله عليهما يوم القيامة " فتذكر. 93 - قال: واخرج الحافظ أبو ذر الهروي من طرق متنوعة والدارقطني وغيرهما عن ابى جحيفة ايضا " دخلت على على في بيته فقلت: يا خير الناس بعد رسول

[ 279 ]

الله صلعم فقال مهلا يا أبا جحيفة الا اخبرك بخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر ويحك يا أبا جحيفة لا يجتمع حبى وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن " واخباره بكونهما خير الامة ثبتت عنه من رواية ابنه محمد بن الحنفية وجاء عنه من طرق كثيرة بحيث يجزم من تتبعها بصدور هذا القول من على والرافضة ونحوهم لما لم يمكنهم انكار صدور هذا القول منه لظهوره عنه بحيث لا ينكره الا جاهل بالاثار أو مباهت قالوا إنما قال على ذلك تقية ومر ان ذلك كذب وافتراء وسياتى ايضا واحسن ما يقال في هذا المحل " الا لعنة الله على الكاذبين ". اقول: لا يلزم من كون أبي جحيفة صحابيا صاحبا لعلى عليه السلام كما ذكره علماء الرجال من الطرفين ان يكون كل ما نقل عنه صحيحا لجواز ان يكون الخلل فيمن نقل عنه من أهل السنة الذين جرت عادتهم على وضع الخبر على سادات أهل البيت عليهم السلام وعلماء شيعتهم نصرة لضعف مذاهبهم وآراءهم الجاهلية ولو سلم يجوز ان يكون المراد من لفظ الخير في الخبر الخير المخفف من المشدد ومع ذلك يكون واقعا تقية وأما ما نسب إليه عليه السلام من قوله " لا يجتمع بغضى وحب أبي بكر وعمر في قلب مؤمن " فصريح في اعمال التقية لأن نفى هذا الاجتماع يمكن ان يكون بحب المجموع وببغض المجموع وبعدم شئ من بغض على وحب أبي بكر وعمر ويتحقق هذا بحب على عليه السلام وبغضهما كما هو وظيفة المؤمن. واما ما ذكره " من انه لم يمكن للشيعة انكار صدور هذا القول عن على عليه السلام " فمكابرة على الواقع لانهم كما اشرنا إليه منعوا اولا صحة الخبر ثم تنزلوا الى احتمال صدوره على وجه ولقد تكلمنا فيما مر على ما مر وسياتى ان شاء الله على ما سيأتي فتذكر وانتظر ولقد صدق في احسنية ان يقال في هذا المحل " الا لعنة الله على الكاذبين بل هو احسن

[ 280 ]

ما يقال في عقيب كل حديث ذكره في هذا الباب، بل هو احسن ما ذكره في هذا الكتاب، كما لا يخفى على اولى الالباب. 94 - قال: واخرج الدارقطني ان أبا جحيفة كان يرى ان عليا افضل الامة فسمع اقواما يخالفونه فحزن حزنا شديدا فقال له على بعد ان اخذ بيده وادخله بيته ما احزنك يا أبا جحيفة ؟ فذكر له الخبر. فقال الا اخبرك بخير الامة خيرها أبو بكر ثم عمر قال أبو جحيفة فاعطيت الله عهدا ان لا اكتم هذا الحديث بعد ان شافهني به على ما بقيت وقول الشيعة والرافضة ونحوهما إنما ذكر على ذلك تقية كذب وافتراء على الله إذ كيف يتوهم ذلك من له ادنى عقل أو فهم مع ذكره له في الخلاء في مدة خلافته لانه قاله على منبر الكوفة وهو لم يدخلها إلا بعد فراغه من حرب اهل البصرة وذلك اقوى ما كان امرا وانفذ حكما وذلك بعد مدة مديدة من موت أبي بكر وعمر قال بعض ائمة أهل البيت النبوى بعد ان ذكر ذلك فكيف يتعقل وقوع مثل هذه التقية المشومة التى افسدوا بها عقائد اكثر أهل البيت النبوى لاظهارهم كمال المحبة والتعظيم فمالوا الى تقليدهم حتى قال بعضهم اغر الاشياء في الدنيا شريف سنى فلقد عظمت مصيبة أهل البيت بهؤلاء وعظم عليهم اولا وآخرا انتهى وما احسن ما ابطل به الباقر هذه التقية المشومة لما سئل عن الشيخين فقال انى اتولاهما فقيل له. انهم يزعمون ان ذلك تقية فقال إنما يخاف الاحياء ولا يخاف الاموات فعل الله بهشام بن عبد الملك كذا وكذا اخرجه الدارقطني وغيره فانظر ما ابين هذا الاحتجاج واوضحه من مثل هذا الامام العظيم المجمع على جلالته وفضله بل اولئك الاشقياء يدعون فيه العصمة فيكون ما قاله واجب الصدق ومع ذلك فقد صرح لهم ببطلان تلك التقية المشومة عليهم واستدل لهم على ذلك بان اتقاء الشيخين بعد موتهما لا وجه له إذ لا سطوة

[ 281 ]

لهما حينئذ ثم بين لهم بدعائه على هشام الذي هو والى زمنه وشوكته قائمة انه إذا لم يتقه مع انه يخاف ويخشى لسطوته وملكه وقوته وقهره فكيف مع ذلك يتقى الاموات الذين لا شوكة لهم ولا سطوة وأما إذا كان هذا حال الباقر فما ظنك بعلى الذي لا نسبة بينه وبين الباقر في اقدامه وقوته وشجاعته وشدة باسه وكثرة عدته وعدده وانه لا يخاف في الله لومة لائم ومع ذلك فقد صح عنه بل تواتر مدح الشيخين والثناء عليهما وانهما خير الامة ومر ايضا الاثر الصحيح عن مالك عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر ان عليا وقف على عمر وهو مسجى بثوبه وقال ما سبق فما احوج عليا ان يقول ذلك تقية وما احوج الباقر ان يرويه لابنه الصادق تقية وما احوج الصادق ان يرويه لمالك تقية فتأمل كيف يسع العاقل ان يترك مثل هذا الاسناد الصحيح ويحمله على التقية لشئ لم يصح وهو من جهالاتهم وغباواتهم وكذبهم وحمقهم وما احسن ما سلكه بعض الشيعة المنصفين كعبد الرزاق فانه قال " افضل الشيخين بتفضيل على اياهما على نفسه والا لما فضلتهما كفى بى وزرا ان احبه ثم اخالفه " ومما يكذبهم في دعوى تلك التقية المشومة عليهم ما اخرجه الدارقطني " ان أبا سفيان بن حرب رضى الله عنه قال لعلى باعلى صوته لما بايع الناس أبا بكر يا على غلبكم على هذا الامر اذل بيت في قريش اما والله لاملانها عليه خيلا ورجلا ان شئت فقال على رضى الله عنه يا عدو الاسلام واهله فما اضر ذلك للاسلام واهله " فعلم بطلان ما زعموه وافتروه من ان عليا إنما بايع تقية وقهرا ولو كان لما زعموه ادنى صحة لنقل واشتهر عن على إذ لا داعى لكتمه بل اخرج الدارقطني وروى معناه من طرق كثيرة عن على انه قال " والذى فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد الى رسول الله صلعم عهدا لجاهدت عليه ولو لم اجد إلا ردائي ولم اترك ابن ابى قحافة يصعد درجة واحدة من منبر رسول الله صلعم ولكنه صلعم راى موضعي وموضعه

[ 282 ]

فقال له قم وصل بالناس وتركني فرضينا به لدنيانا كما رضى به رسول الله صلى الله عليه واله لديننا " ومر لذلك مزيد بيان في خامس الاجوبة عن خبر " من كنت مولاه فعلى مولاه " وفي الباب الثاني وفي غيرهما فراجع ذلك كله فانه مهم. ومما يلزم من المفاسد والمساوي والقبائح العظيمة على ما زعموه من نسبة على الى التقية انه كان جبانا ذليلا مقهورا اعاذه الله من ذلك وحروبه للبغاة لما صارت الخلافة له ومباشرته ذلك بنفسه ومبارزته للالوف من الامور المستفيضة التي تقطع بكذب ما نسبه إليه اولئك الحمقى والغلاة إذ كانت الشوكة من البغاة قوية جدا ولا شك ان بنى امية كانوا اعظم قبائل قريش شوكة وكثرة جاهلية واسلاما وقد كان أبو سفيان بن حرب هو قائد المشركين يوم أحد ويوم الاحزاب وغيرهما وقد قال لعلى لما بويع أبو بكر ما مر آنفا فرد عليه ذلك الرد الفاحش وايضا فبنو تيم ثم بنو عدى قوما الشيخين من اضعف قبائل قريش فسكوت على لهما مع انه كما ذكر وقيامه بالسيف على المخالفين لما انعقدت البيعة له مع قوة شكيمتهم اوضح دليل على انه كان دائرا مع الحق حيث دار وانه من الشجاعة بالمحل الاسنى وانه لو كان معه وصية من رسول الله صلى الله عليه وآله في امر القيام على الناس لانفذ وصية رسول الله صلعم ولو كان السيف على راسه مصلتا، لا يرتاب في ذلك الا من اعتقد فيه رضى الله عنه ما هو منه برئ. ومما يلزمهم ايضا على التقية المشومة عليهم انه رضى الله عنه لا يعتمد على قوله قط لانه حيث لم يزل في اضطراب من امره فكل ما قاله يحتمل انه خالف فيه الحق خوفا وتقية ذكره حجة الاسلام أبو حامد الغزالي وقال غيره بل يلزمهم ما هو اشنع من ذلك واقبح كقولهم ان النبي صلعم لم يعين الامامة الا لعلى فمنع من ذلك فقال مروا أبا بكر تقية فيتطرق احتمال ذلك الى كل ما جاء عن رسول الله صلعم ولا يفيد حينئذ اثبات العصمة شيئا وايضا فقد اسنفاض عن على رضى الله عنه انه كان

[ 283 ]

لا يبالى باحد حتى انه قيل للشافعي رضى الله عنه ما نفر الناس عن على الا انه كان لا يبالى باحد فقال الشافعي انه كان زاهدا والزاهد لا يبالى بالدنيا واهلها، وكان عالما والعالم لا يبالى باحد، وكان شجاعا والشجاع لا يبالى باحد وكان شريفا والشريف لا يبالى باحد اخرجه البيهقى وعلى تقدير انه قال ذلك تقية فقد انتفى مقتضيها بولايته وقد مر عنه من مدح الشيخين فيها وفي الخلوة وعلى منبر الخلافة مع غاية القوة والمنعة ما تلى عليك قريبا فلا تغفل عنه انتهى. اقول: يتوجه على ما رتبه تجحيرا على مذهبه من سقاطات المدر والحصا مدافع لا يحصى منها ان أبا جحيفة الذي اعتمد على روايته لم يكن من رجال الشيعة قطعا كما مرت الاشارة إليه سابقا وتوهم تشيعه من قوله " كان يرى ان عليا افضل الامة وانه حزن من استماع خلافه حزنا شديدا " لا يجدى نفعا لأن اظهار ذلك اولا يجوز ان يكون احتيالا منه تحصيلا لالتفات بعض عوام الشيعة الى تصديق ما يذكره بعد ذلك من افضلية ابي بكر رواية عن على عليه السلام وحيث لم يكن أبو جحيفة من زمرة شيعة على عليه السلام فالتقية منه متجه سواء كان في الخلاء أو في الملاء وحينئذ كيف يستبعد من له ادنى عقل وفهم انه لا مجال لتوهم التقية في هذا المقام، لولا عروض الخرافة والجمود التام، ثم الظاهر ان قوله " وفي خلافته " عطف على قوله " في الخلاء " وحينئذ لا يرتبط به قوله لانه " قال في منبر الكوفة الى آخره " لركاكة الاستدلال به على ما ذكر ولمنافاته ما ذكره اولا من انه عليه السلام ادخله بيته وقال له ذلك الخبر الا ان يكون قبل قوله " لانه " واو عطف قد سقط من قلم الناسخ وحينئذ لا يوجد في الكلام ما يصلح لعطفه عليه الا على تأويل بعيد ومع ذلك يصير حينئذ مأل هذا الدليل العليل متحدا مع ما ذكره قبله من ان عليا عليه السلام قال ذلك لابي جحيفة في خلافته وعلى أي تقدير فاظهار على عليه السلام ذلك في ايام

[ 284 ]

خلافته على منبر الكوفة لو صح لا ينافى التقية لما مر من ان اكثر العساكر الذى كانوا معه عليه السلام كانوا معتقدين لحسن سيرة الشيخين وحقية خلافتهم، محافظين على شانهما، ذابين عن حريم.... كما يدل عليه ما سيذكره هذا الجامد المعاند من من رواية أبي ذر الهروي والدارقطني المشتملة على اعتراض بعض من سمع سب الشيخين عن جماعة على عليه السلام بانهم لولا يرون انك تضمر ما اعلنوه ما اجتراوا على ذلك،. الى آخره " ولئن كان عليه السلام في ايام اظهاره لذلك فارغا من حرب أهل البصرة فقد كان من وراءه كيد عائشة الغازية المجاهدة في سبيل الله وغيرها من بقية السيف كعبد الله بن الزبير ومروان وغيرهم من القاصدين لثوران الفتنة وتحريض معاوية على الخروج عليه عليه السلام حتى خرج في قريب من تلك الايام ومنها ان ما نقله من بعض ائمة أهل البيت من انكار اعمالهم للتقية يتوجه عليه انه على تقدير وجود ذلك البعض الذي لم يسمه وتسليم صحة النقل عنه يمكن ان يكون ذلك منه تقية في تقية ووصفه للتقية بالمشومة لو صح ايضا فلعله اراد به كونه شوما على الاعداء كما قيل في الفارسية. شعر بر دوست مباركست وبر دشمن شوم وكيف لا يكون كذلك مع انه وسيلة لخلاص الاحباء عن تهلكة الاعداء وضحكهم على لحية هؤلاء. وأما ما نقله عنه ثانيا من قوله " حتى قال بعضهم اغر الاشياء في الدنيا شريف سنى " فوهنه ظاهر لظهور ان الشيعة كما يشعر به لقبهم هذا تابعون لاهل البيت عليهم السلام مقتبسون من مشكاة ولايتهم لا صنع لهم في تقرير عقائد ساداتهم كما يرشد إليه حال سادات المدينة المشرفة وشرفاء مكة المعظمة واخذ العقائد عن

[ 285 ]

اب عن جد الى الائمة المعصومين عليهم السلام من غير التفات الى غيرهم كما علم بتتبع احوالهم فما نقله عن لسان بعض الائمة موضوع عليه قطعا. ومنها ان قوله " وما احسن ما ابطل به الباقر هذه التقية المشومة،. الى آخره " يتوجه عليه بعد تسليم صحة النقل انه لا حسن فيه للناقل لظهور انه كلام مجمل مبهم يليق صدوره بشان الواقع في مقام التقية وقد اشرنا ايضا الى ان سطوة اولياء الشيخين، والمعتقدين لبراءة سيرتهم عن الشين، كانت تقوم مقام سطوتهما واكثر. واما ما نقل عن دعاءه عليه السلام على هشام، فلا يجدى فيما له من المرام، لأن كثيرا من ملوك بني امية لم يكونوا قادرين على مؤاخذة الاشراف بمجرد صدور انكار منهم بالنسبة إليهم وإنما كانوا يجعلون القدح في الشيخين أو تهمة القدح فيهما وسيلة الى المؤاخذة بالقتل والحبس ونحوهما ويؤيد هذا ما جرى في بعض ايام الحج من تنحى المسلمين عن طريق مولانا زين العابدين عليه السلام هيبته منه ليسهل له استلام الحجر مع عدم تيسر ذلك لهشام، وانتظاره التام لدفع الازدحام وجراة فرزدق الشاعر في انشاده حينئذ على هشام ما تضمن مدح زين العابدين عليه السلام وذم هشام وهذه القصة مع القصيدة مشهورة مذكورة على السنة الانام على وجه سيذكرها هذا الشيخ في فضائل أهل البيت عليهم السلام. ومنها ان ما ذكره بقوله " فما احوج عليا ان يقول ذلك تقية الى آخره " مردود بما سبق مرارا من وجوه متعددة ذكرنا فيها ما احوجه عليه السلام الى ذلك وحاصله ما روى اصحابنا ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما اوصى عليا عليه السلام لما احتاج إليه في وقت وفاته عرفه جميع ما يجرى عليه من بعد من أمر واحد بعد واحد من المستولين فقال له على عليه السلام على ما تأمروني ان اصنع فقال تصبر وتحتسب الى ان يعود الناس اليك طوعا فحينئذ تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ولا تنابذن احدا من الثلاثة فتلقى بيدك الى التهلكة ويرتد الناس من النفاق الى الشقاق فكان على عليه السلام

[ 286 ]

حافظا لوصية رسول الله صلعم اتقاء في ذلك على المسلمين المستضعفين يرجع الناس الى الجاهلية الاولى وتثور القبائل مرتدين بالفتنة في طلب ثارات الجاهلية الى غير ذلك من المصالح الخفية والجلية. ومنها ان قوله " وما احسن ما سلكه بعض الشيعة المنصفين كعبد الرزاق فانه قال افضل الشيخين، الى آخره " مدخول بمنع كون عبد الرزاق من علماء الشيعة بل يظهر من كلام ياقوت الحموى في معجمه انه من محدثي أهل السنة والجماعة وشيخ مشايخ حديثهم وغاية الامر انه كان يقدح في عثمان لكن كان يعتقد صحة خلافة الشيخين ويفضلهما لزعمه الباطل ان عليا عليه السلام فضلهما على نفسه وانه في ذلك قد اطاع عليا عليه السلام وحينئذ فقوله وبوله سواء. ومنها قوله " ومما يكذبهم في دعوى تلك التقية المشومة ما اخرجه الدارقطني من ان أبا سفيان، الى آخره " مدفوع بان ما احرجه الدارقطني مما يصدق دعوانا، كيف وهو متضمن لما ذكرناه سابقا من ان عليا عليه السلام انما كان يحترز في عدم النزاع مع الثلاثة عن مخالفة وصية سيد الانام صلوات الله عليه وآله واثارة فتنة تؤدى الى افناء دين الاسلام ولهذا اغلظ على أبي سفيان في الكلام ونسبه الى العداوة مع الاشارة الى ان خلافة أبي بكر لا تضر بالاسلام وان اثارة ما قصده من الفتنة تضر فيه وتؤدى الى افناء الاسلام واهله بالتمام (1) فظهر حقية ما قاله من ان عليا عليه السلام إنما بائع أبا بكر قهرا وتقية والله


(1) والمروي من طريق الشيعة وبعض طرق أهل السنة أن أبا سفيان جاء إلى باب رسول الله صلعم فقال: شعر بني هاشم لا يطمع الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدى وما الامر الا فيكم أو عليكم * وليس لها الا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها كف حازم * فانك بالامر الذي ترتجى ملى

[ 287 ]

يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المنافقون. ومنهما ان قوله " بل اخرج الدارقطني وروى معناه عن طرق كثيرة عن على انه قال: والذى فلق الحبة وبرا النسمة الى رسول الله صلى الله عليه وآله عهدا لجاهدت عليه الى آخره " مقدوح بعدم تسليم صحته مع ان اكثر ما ذكر فيه موافق لما اسبقناه من ان النبي صلى الله عليه وآله عهد الى امير المؤمنين عليه السلام ان لا ينازع مع احد من الثلاثة ولا يسل السيف عند غصبهم الخلافة وحاصل الكلام المذكور انه لو عهد النبي صلى الله عليه وآله الى عهدا بان اجاهدهم لاجل الخلافة لجاهدتهم ولكنه عهد الى بالصبر والسكوت فامتثلت وصيته وحفظت عهده الى ان مضوا لسبيلهم كما صرح به عليه السلام في الخطبة المشهورة الموسومة بالشقشقية ايضا. واما قوله عليه السلام " لكنه صلعم رأى موضعي وموضعه " فيحتمل ان يكون من قبيل رؤية على عليه السلام موضع اراقة دم الحسين في ارض كربلاء قبل وقوع الواقعة وبالجملة يمكن ان يكون اخبارا عن رؤية ما جرى به حكم المشية التكليفية التابعة في الكون لاختيار المكلفين ولو بالاختيار السوء لا بحكم المشية الارادية المساوقة للحكم الشرعي كما صرح به صاحب الاحباب من الصوفية الشافعية التفضلية حيث قال: فإن قلت فعلى هذا قد بين رسول الله صلى الله عليه وآله للخلافة ترتيبا فكيف خصصتها بعلى عليه السلام ؟ * (الهامش) * ثم نادى بأعلى صوته: يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، أرضيتم أن يلى عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل أما والله لئن شئتم لاملانها عليهم خيلا ورجلا فناداه أمير المؤمنين عليه السلام: ارجع أبا سفيان فوالله ما تريد الله بما تقول، وما زلت تكيد الاسلام وأهله ونحن مشاغيل برسول الله وعلى كل امرء ما اكتسب، وهو ولي ما احتقب. ذكره ابن طاوس رضي الله عنه في ربيع الشيعة منه نور الله مرقده (كذا في حاشية هذا الموضع من احدى النسختين اللتين عندي).

[ 288 ]

قلت: إنما جاء الترتيب في اخباره عما يقع من حكم الهى لا في اثباته صلعم اياها حكما شرعيا فربما كان الحكم: ثابتا لكن يتاخر وقوعه الى اجل أو لا يقع البتة فاخبر رسول الله صلعم عن ترتيب وقوعها حكما الهيا لا عن ثبوت ترتيبها حكما شرعيا انتهى وأما تتمة الخبر من قصة أبي بكر بالصلوة مع الناس من انكر الموضوعات عند الشيعة كما مر بيانه وتأييده باحدى الروايتين في ذلك للبخاري ويدل على كونه كذبا موضوعا اشتماله على ما لا يتكلم به عاقل فضلا عن امام معصوم مؤيد مطالع للوح المحفوظ كعلى عليه السلام وهو القياس الفاسد الذي نبهنا على فساده فيما مر وقد تقدم لذلك في رد خامس اجوبة هذا الجامد عن خبر " من كنت مولاه فعلى مولاه " ما لا مزيد عليه فتبنه وتذكر. ومنها ان ما ذكره من نسبه استلزام نسبة على عليه السلام الى التقية دليلا على الجبن يستلزم ان يكون سيد الانبياء جبانا ذليلا مقهورا ايضا بل يستلزم ان يكون اجبن واذل واشد مقهورية اعاذه الله من ذلك وذلك للاجماع على ان النبي صلعم لم يكن اقل شجاعة وقوة من على عليه السلام (1) وهو مع كون


(1) بل هو صلى الله عليه وآله كان أشجع وأقوى منه عليه السلام فانه صلى الله عليه وآله صالح معهم في رد من جاء منهم الينا دون من ذهب منا إليهم ولما كتب علي عليه السلام كتاب العهد وصدره بقوله بسم الله الرحمن الرحيم قال سهل بن عمرو عليه ما عليه أما باسم الله فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم فوافقهم النبي صلى الله عليه وآله في ترك كتابة البسملة وكتب باسمك اللهم ولما كتب قوله " هذا ما كاتب محمد رسول الله " قالوا نحن لا نعتقد رسالتك فاكتب محمد بن عبد الله فوافقهم فيه وترك كتابة رسول الله قال النووي في شرح صحيح مسلم " وإنما وافقهم في هذه الامور للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح " وقال قبل ذلك بورقات، عند أوائل باب صلح الحديبية: للامام أن يعقد الصلح على ما رأه مصلحة للمسلمين وإن كان ذلك لا يظهر لبعض الناس في بادى الرأي إلى آخر ما قال منه رحمه الله (كذا في حاشية هذا الموضع من احدى النسختين اللتين عندي)

[ 289 ]

أمير المؤمنين عليه السلام، وأبي بكر الاشجع منه، وعمر المقدام، بزعم هذا الجامد وغيرهم من بنى هاشم في ملازمته لم يقاتل مع كفار قريش واختار المهاجرة من مكة الى المدينة الطيبة وبعد امتداد المدة وتهيأ القوة والشوكة لما توجه الى مكة للحج وصد عليه كفار قريش في الحديبية صالح معهم صلحا سماه عمر اعطاء الدنية ورجع من الحديبية الى المدينة كما مر ولا ريب ان كل ما يوجه به كف النبي صلعم وأمير المؤمنين عليه السلام وسائر الصحابة والمهاجرين والانصار عن قتال هؤلاء الكفار فهو يصلح وجها لكف أمير المؤمنين عليه السلام عن منازعة الغاصبين للخلافة بطريق اولى ضرورة ان حقية كفار قريش غير متصورة اصلا بخلاف الغاصبين المتظاهرين بالاسلام فتدبر. وأما حربه عليه السلام للبغاة فقد بينا الفرق الظاهر بينهم وبين الثلاثة الغاصبين للخلافة مرارا فتذكر. ومنها ان قوله " وايضا فبنو تيم ثم بنو عدى قوما الشيخين من اضعف قبائل قريش فسكوت على لهما،. الى آخره " مدفوع بانا لو سلمنا ان قومهما كان اضعف قبائل قريش فكفى في تقويتهم وجود مثل عمر الذي روى الجمهور ان النبي صلى الله عليه وآله كان يدعو في بدء الاسلام ويقول اللهم قونى بابى جهل أو بعمر بن الخطاب ولو سلم ضعفهما في نفسهما ايضا لكن اكثر ما عداهما من قبائل قريش كبنى امية وبني مخزوم وبني المغيرة كانوا يبغضون عليا عليه السلام لاجل هلاك آباءهم، واخوانهم، واولادهم، بيده عليه السلام في غزوات النبي صلى الله عليه وآله حتى روى انه لم يكن بيت من قريش الا ولهم عليه دعوى دم اراقة في سبيل الله كما ذكره الاصفهانى الشافعي في جرحه على كتاب كشف الحق وقد ذكر الشيخ الجامد في مواضع من كتابه هذا ما يدل على بغض القوم وحسدهم له فيما آتاه الله من فضله خصوصا بنو امية وبنو المغيرة وبنو مخزوم الذين كانوا من اعاظم طوائف قريش فقد روى هذا الشيخ الجامد فيما ذكره

[ 290 ]

في اول الخاتمة التي عقدها لبيان ما اخبر به النبي ص مما حصل على آله من البلاء والقتل من قوله " ان أهل بيتى سيلقون بعدى من امتى قتلا وتشريدا وان اشد اقوام لنا بغضا بنو امية وبنو المغيرة وبنو مخزوم " انتهى ولهذا ابتداوا بعقد الرايات لعكرمة بن أبي جهل وعمومته الحارث بن هشام وغيرهم من بني مخزوم على بلاد اليمن وسموا خالد بن الوليد المخزومى الفاسق الذي قال فيه النبي صلعم " اللهم انى ابرا اليك مما فعل خالد " سيف الله وسلطوه على مشتهياته من فروج المسلمين ودمائهم واموالهم وسموا عبيدة بن الجراح المجروح امين الامة وجعلوه مشيرا لهم وارضوا أبا سفيان بتفويض امارة الشام ولده يزيد ووجهوا اسامة مع من كان في جيشه من الذين خافوا فتنتهم مظهرين له ابقاءه على امارته ليسكت عن مخالفتهم حتى إذا انتهى الى نواحى الشام عزلوه واستعملوا مكانه يزيد بن أبي سفيان فما كان بين خروج اسامة ورجوعه الى المدينة إلا نحو من اربعين يوما فلما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح يا معشر المسلمين عجبا لرجل استعملني عليه رسول الله صلعم فتأمر على وعزلني هذا والسر في ان بنى مخزوم وبني امية وغيرهم من صناديد قريش لم يتصدوا لغصب الخلافة بانفسهم وإنما حملوا أبا بكر على ذلك لعدم سابقتهم في الاسلام وسرعة توجه التهمة إليهم بمعاداة على عليه السلام وأهل بيته بل بمعاداة الانصار ايضا فحملوا أبا بكر على اكتاف الناس رغما لعلى عليه السلام ولهم فافهم وبالجملة ان غصب الخلافة لم يكن بمجرد اتفاق بنى تيم وبنى عدى كما زعمه بل باتفاق جميع طوائف قريش على ذلك كما مر مرارا وبه تحقق الفرق بين خلافة الثلاثة وزمان الناكثين والقاسطين والمارقين كما اوضحنا تارة بعد اخرى. وأما ما ذكره من " ان سكوت على لتيم وعدى اولا وقيامه بالسيف على آخرين آخرا دليل على انه كان مع الحق حيث دار " فالجواب عنه ان ذاك كذلك لكن لا لاجل ما توهمه من اعتقاد على عليه السلام

[ 291 ]

على حقية خلافة الاولين بل لاجل ما مر من ان السكوت في الاول لم يكن اختياريا له والقيام بالسيف ثانيا كان باختيار منه. وأما قوله " وانه لو كان معه وصية من رسول الله صلى الله عليه وآله في أمر القيام على الناس لانفذ،. الى آخره " فمدخول بما قد مر ايضا من انه كان عنده عليه السلام عهدان من رسول الله صلى الله عليه واله احدهما ان ولاية عهد الخلافة حق له بعده والثانى ان لا ينازع فيها احدا من الثلاثة المستولين بعده صلى الله عليه وآله للمصالح التى فصلنا فيها الكلام آنفا فتأمل. ومنها ان قوله " ومما يلزمهم ايضا على هذه التقية المشومة انه رضى الله عنه لا يعتمد على قوله قط،. الى آخره " ان اراد به لزوم عدم اعتماد المخالفين الذين كان يتقى هو عليه السلام منهم فهو غير مجد له وغير مضر لنا وان اراد عدم اعتماد اولاده الطاهرين وشيعته واصحابه المخلصين الذين عرفوا اصوله المرضية وضبطوا القرائن القائمة في مواضع اعماله للتقية فهو ممنوع إذ عندهم قواعد وعلامات وقرائن وامارات قد اشرنا الى بعضها سابقا بها يميزون بين مواضع اعماله عليه السلام للتقية وبين غيرها على وجه لا يبقى شائبة الريب لهم وبهذا التقرير ايضا يندفع ما ادعى لزومه بعيد ذلك كما لا يخفى. ومنها ان قوله " وعلى تقدير انه قال ذلك تقية فقد انتفى مقتضيها بولايته،. الى آخره " ممنوع بما مر مرارا من انه لما كان اعتقاد جمهور من في زمان ولايته حسن سيرة الشيخين وانهما كانا على الحق فلم يتمكن عليه السلام من الاقدام على ما يدل على فساد امامتهما وانهما كانا غير مستحقين لمقامها وكيف يتمكن من ذلك واظهار خلافهم على الجماعة التي يظنون انهم كانوا خلفاء رسول الله حقا وان خلافته عليه السلام مبنية على خلافتم فان فسدت فسدت خلافته وكيف يامن في خلافته الخلاف عليهم وكل من بايعه وجمهورهم عبدة هؤلاء وكانوا يرون انهم مضوا على اعدل الامور وافضلها وان غاية أمر من بعدهم

[ 292 ]

كعلى عليه السلام ان يتبع آثارهم ويقتفى طرائقهم فتأمل وانصف. 95 - قال: واخرج أبو ذر الهروي والدارقطني من طرق ان بعضهم مر بنفر يسبون الشيخين فاخبر عليا وقال لولا انهم يرون انك تضمر ما اعلنوا ما اجتراوا على ذلك فقال على اعوذ بالله رحمهم (1) الله ثم نهض واخذ بيد ذلك المخبر وادخله المسجد فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهى بيضاء فجعلت دموعه تتحادر على لحيته وجعل ينظر البقاع حتى اجتمع الناس ثم خطب خطبة بليغة من جملتها " ما بال اقوام يذكرون اخوى رسول الله صلعم ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وابوى المسلمين وانا برئ مما يذكرون، وعليه معاقب، صحبا رسول الله صلى الله عليه وآله بالجد والوفاء والجد في أمر الله تعالى يامران وينهيان ويقضيان ويعاقبان لا يرى رسول الله صلى الله عليه وآله كرايهما رايا ولا يحب كحبهما حبا لما يرى من عزمهما في أمر الله فقبض وهو عنهما راض والمسلمون راضون فما تجاوزا في امرهما وسيرتهما راى رسول الله صلى الله عليه وآله وامره في حياته وبعد موته فقبضا على ذلك رحمهم الله تعالى فوالذي فلق الحبة وبرا النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقى مارق، وحبهما قربة وبغضهما مروق ثم ذكر أمر النبي صلعم لابي بكر بالصلوة وهو يرى مكان على ثم ذكر ايضا انه بايع أبا بكر ثم ذكر استخلاف أبي بكر لعمر ثم قال الا ولا يبلغني عن أحد انه يبغضهما إلا جلدته حد المفترى، وفي رواية ما اجتراوا على ذلك أي سب الشيخين الا وهم يرون انك موافق لهم منهم عبد الله بن سبا وكان اول من اظهر ذلك لهما فقال على معاذ الله ان اضمر لهما ذلك لعن الله من اضمر لهما الا الحسن الجميل وستري ذلك ان شاء الله ثم ارسل الى ابن سبا فسيره الى المدائن وقال لا تساكنى في بلدة ابدا قال الائمة وكان ابن سبا هذا يهوديا فاظهر الاسلام وكان


(1) هذه الكلمة في النسخة المطبوعة من الصواعق بصيغة التثنية بخلاف نسخة المصنف كما يعلم من هنا ومن الجواب أيضا كما سيجئ

[ 293 ]

كبير طائفة من الروافض وهم الذين اخرجهم على رضى الله عنه لما ادعوا فيه الالهية. اقول: يعلم من هذا الخبر وكثير من امثاله المذكورة في هذا الكتاب بعد تسليم صحتها انه عليه السلام كان في زمانه متهما باعمال التقية في شان الشيخين ويظهر منه ان تجويز التقية والحكم بشرعيتها ليس من مخترعات الشيعة كما قد يتوهم وأي تقية اظهر من انه عليه السلام قال في ضمن جوابه لسؤال ذلك البعض قوله " رحمهم الله " بضمير الجمع الظاهر في كونه راجعا الى تلك النفر السابين المذكورين في الخبر غاية الامر انه عليه السلام ذكر اولا قوله " اعوذ بالله " ليوقع في وهم ذلك البعض انه عليه السلام يستعيذ من سب الشيخين فيذهل بعد ذلك عن ظهور ارجاع الضمير الاتى في قوله " رحمهم الله " الى تلك النفر السابين ويزعم بقرينة الاستعاذة المطلقة المبهمة ان ضمير الجمع راجع الى الشيخين من اجل توهمه ان تلك الاستعاذة المطلقة منصرفة الى الاستعاذة من سبهما وان الاتيان بضمير الجمع دون التثنية للتعظيم واما باقى الاوصاف المذكور لهما من الوزارة والسيادة وابوة المسلمين مع ان الاخير منها غصب لما خص به رسول الله صلى الله عليه وآله من كونه أبا للمسلمين كازواجه بكونهن امهاتهم مسوقة تهكما على طبق ما يصفهما به اوليائهما كقوله تعالى ذق انك أنت العزيز الكريم وقول ابن منير الطرابلسي الشيعي الامامي رحمه الله مهددا لشريف زمانه الذى اوقف مملوكه المسمى بتتر عنده في جملة ابيات مضحكة منها قوله: ليس الشريف الموسوي * أبو الرضا ابن ابي مضر * ابدى الجحود ولم يرد على مملوكي تتر * واليت آل امية * الطهر الميامين الغرر * واقول ام المؤمنين عقوقها احدى الكبر * الى آخره فليضحك قليلا وليبك كثيرا. وأما الرواية الاخرى التي ذكرها آخرا فبعد تسليم صحتها يتوجه عليه ان غاية ما يدل عليه هو استعاذة على

[ 294 ]

عليه السلام عن سب الشيخين والسب مما يستعيذ منه الشيعة ايضا ولا يجوز ونه بالنسبة الى الكافر فضلا عن المسلم والمنافق وانما الذى جوزوه هو اللعن على من يستحقه كما مر وفرق ما بينهما بين. وأما قوله عليه السلام " لعن الله من اظهر لهما إلا الحسن الجميل " فلا دليل فيه على عدم استحقاق الشيخين عنده للعن المتنازع فيه لان مراده بالحسن الجميل ما هو اللائق بهما عند الله وان كان طعنا أو لعنا ضرورة ان الحسن الجميل بحال الجبت والطاغوت وفرعون ونمرود ليس الا مثل ذلك،. ثم لا يخفى ان قوله " ثم ارسل الى ابن سبا فسيره الى المدائن،. الى آخره " يدل على انه إنما سيره لاجل سبه أبا بكر وعمر وقوله بعيد ذلك " انه اخرجه مع طائفة لما ادعوا فيه الالهية " يدل على ان التسيير والاخراج لاجل ادعائهم الالوهية فيه عليه السلام فهما متناقضان وهذا من اجل آيات الوضع في الخبر فتدبر. 96 - قال: واخرج الدارقطني من طرق ان عليا بلغه ان رجلا يعيب أبا بكر وعمر فاحضره وعرض له بعيبهما لعله يعترف ففطن فقال له أما والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق ان لو سمعت منك الذي بلغني أو الذي نبئت عنك أو الذى ثبت عليك ببينة لافعلن بك كذا وكذا إذا تقرر ذلك فاللائق باهل البيت النبوى اتباع سلفهم في ذلك والاعراض عما يوشيه إليه الرافضة وغلاة الشيعة من قبيح الجهل والغباوة والعناد فالحذر الحذر عما يلقونه إليهم من ان كل من اعتقد تفضيل أبي بكر على على كان كافرا لأن مرادهم بذلك ان يقرروا عندهم تكفير الامة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ائمة الدين وعلماء الشريعة وعوامهم وانه لا مؤمن غيرهم وهذا مؤد الى هدم قواعد الشريعة من اصلها والغاء العمل بكتب السنة وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته وأهل بيته إذ الراوى لجميع آثارهم واخبارهم

[ 295 ]

وللاحاديث باسرها بل والناقل للقرآن في كل عصر من عصر النبي صلى الله عليه وسلم والى هلم هم الصحابة والتابعون وعلماء الدين إذ ليس لنحو الرافضة رواية ولا دراية يدرون بها فروع الشريعة وإنما غاية امرهم ان يقع في خلال بعض الاسانيد من هو رافضي أو نحوه والكلام في قبوله معروف عند ائمة الاثر ونقاد السنة فإذا قدحوا فيهم قدحوا في القرآن والسنة وابطلوا الشريعة رأسا وصار الامر كما في زمن الجاهلية الجهلاء وكيف يسع العاقل ان يعتقد كفر السواد الاعظم من امة محمد صلى الله عليه وسلم مع اقرارهم بالشهادتين وقبولهم لشريعة نبيهم صلى الله عليه وسلم من غير موجب للتكفير وهب ان عليا افضل من ابى بكر في نفس الامر اليس القائلون بافضلية ابى بكر معذورين لانهم إنما قالوا ذلك لادلة صرحت به لهم وهم مجتهدون والمجتهد إذا اخطاء له اجر فكيف يقال حينئذ بالتكفير وهو لا يكون إلا بانكار مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة عنادا كالصلوة والصوم. وأما ما يفتقر الى نظر واستدلال فلا كفر بانكاره وان اجمع عليه على ما فيه من الخلاف وانظر الى انصافنا معشر اهل السنة والجماعة الذين طهرهم الله من الرذائل والجهالات والعناد والعصب والحمق والغباوة فاننا لم نكفر القائلين بافضلية على على أبي بكر وان كان ذلك عندنا خلاف ما اجمعنا عليه في كل عصر منا الى النبي صلى الله عليه وسلم على ما مر في اول هذا الباب بل اقمنا لهم العذر المانع من التكفير ومن كفر الرافضة من الائمة فلامور اخرى من قبائحهم انضمت الى ذلك فالحذر الحذر من اعتقاد كفر من قلبه مملو بالايمان بغير مقتض تقليدا للجهال الضلال الغلاة وتامل ما صح وثبت عن على وأهل بيته من تصريحهم بتفضيل الشيخين على على فإن هؤلاء الحمقى وان حملوه على التقية المشومة عليهم فلا اقل من ان يكون عذرا لاهل السنة في اتباعهم لعلى وأهل بيته فيجتنب اعتقاد الكفر فيهم فانهم لم يشقوا

[ 296 ]

عن قلب على حتى يعلموا ان ذلك تقية بل قرائن احواله وما كان عليه من عظم الشجاعة والاقدام وانه لا يهاب احدا ولا يخشى في الله لومة لائم قاطعة بعدم التقية فلا اقل ان يجعلوا ذلك منهم شبهة لاهل السنة مانعة عن اعتقادهم كفرهم سبحانك هذا بهتان عظيم انتهى. اقول فيه نظر من وجوه أما اولا فلانه على تقدير تسليم صحة الخبر إنما عرض على عليه السلام عيب الشيخين على ذلك لاستحبابه تكراره وليتنبه ذلك الرجل من عرض ذلك عليه على وجه غير معتاد وفى مقام محفوف بالمخالفين بان المقام مقام التقية والتوقف عن الاعتراف بما يورث توجه البلية فقد اتقى على نفسه وعلى مولاه في ذلك وأما قوله " إذ تقرر ذلك،. الى آخره " ففيه انه لم يتقرر له شئ ههنا إلا الرواية ولا دلالة لها على ما فهمه منها من كف سلف اهل البيت عليهم السلام عن الطعن في الشيخين كما عرفت فحق ان يقال له " ثبت العرش ثم انقش ". وأما ثانيا فلان تكفير من اعتقد تفضيل ابى بكر على على عليه السلام مما لم يذهب إليه جمهور الشيعة وانما الذى ذهبوا إليه الحكم بفسقهم بل لم يذهبوا الى تكفير الخلفاء الثلاثة وغيرهم من الاصحاب الذين خالفوا عليا ولم يحاربوا وإنما كفروا منهم من حاربه كالناكثين والقاسطين. وأما ما ذكره من تقرير الشيعة انه لا مؤمن غيرهم فلا يقتضى تكفير غيرهم من المسلمين لان ذلك مبنى على ما حققوه من الفرق بين المؤمن والمسلم وان غيرهم كاهل السنة مسلمون وانما المؤمنون من اعتقد خلافة على عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل وهذا الشيخ الجامد

[ 297 ]

الجاهل لما جهل ما حققه الشيعة الامامية ونظر الى ما قرره اهل السنة من اتحاد المؤمن والمسلم توهم ان حصر الشيعة الايمان في انفسهم يستلزم نفى الاسلام عن غيرهم وليس فليس. وأما ثالثا فلان ما ذكره من تادية تكفير أهل السنة الى هدم قواعد الشريعة من اهلها غير لازم اصلا وإنما يلزم ذلك ان لو لم يوجد في الامة من قام مقامهم واذ قد ذكر ان الشيعة قد حصروا المؤمنين من الامة المحمدية في انفسهم فقد ظهر انهم اعتقدوا كونهم هم الحافظين لاصول الايمان وقواعد الشريعة وانه لا يضر الحاق اهل السنة بمن عداهم من الكفار وايضا قد اتفق المحققون من الامامية على ان الخبر الذي يرويه السنى الذي تحقق عدالته، وانه لا يبيح وضع الحدث لنصرة المذهب وغيرها من المصالح الفاسدة يعتبر روايته فلا يلزم الغاء العمل بجميع الاحاديث الموجودة في اهل السنة. واما رابعا فلان الصحابة كما صرحوا به كانوا متجاوزين عن مائة الف وكان اكثرهم ممن لم يرو حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله وأما الاقلون فمنهم من روى حديثا كثيرا كعلى عليه السلام من الصادقين وابى هريرة من الكاذبين ومنهم من توسط في كثرة الرواية وقلتها ومنهم من قل روايته كابى بكر وعمر على ما ذكره أهل السنة ايضا والشيعة الامامية إنما يقدحون في بعض رواة الصحابة لا في الجميع ولا في الاكثر كيف وهم قد ذكروا في كتب الرجال من الصحابة الموثقين الذين ثبتوا على ولاية على عليه السلام اولا وآخرا والذين رجعوا إليه آخرا ما يزيد على ثلثمائة صحابي وعلى هذا فاللازم طرح رواية قليل من الصحابة ولا يلزم من طرح رواية اقل قليل خصوصا قليلى الرواية هدم الشريعة والغاء السنة نعم يطرحون روايتهم إذا كان في سلسلة الرواية عنهم من لا يوثق به من اهل السنة كما

[ 298 ]

اشرنا إليه سابقا وليس هذا طرحا لرواية الصحابي من حيث انه صحابي بل من حيث انه وضع عليه تلك الرواية. وأما خامسا فلانه ان اراد بلزوم الغاء كتب اهل السنة لزوم الغاء الكتب التي الفها أهل السنة في الحديث فبطلان اللازم غير مسلم لقيام ما هو اضعافه من كتب الشيعة الامامية مقامه وان اراد الغاء جميع الكتب المؤلفة في ذلك الباب لزعمه انحصار الكتب المؤلفة في مؤلفاتهم فبطلانه ظاهر جدا ومثله في هذا الزعم الباطل مثل ما وقع في عصرنا من ان بعض المبتدئين من فقراء الطلبة واعيانهم كان يقرأ رسالة مؤلفة في واجبات الطهارة والصلوة ولم يكن يرى كتابا آخر في الدنيا ولا سمع به فاتفق له في بعض الايام بعد فراغه عن درسه في خدمه شيخه المرور على حلقة درس شيخ آخر يباحث كتاب المطول في المعاني والبيان ولما زعم ان الكتاب منحصر في افراد نسخ تلك الرسالة وان كل احد في كل حلقة درس كل يوم يقرا ما قرا هو في ذلك اليوم عند شيخه فجلس في تلك الحلقة وفتح كتابه قصدا لتكرار سماع درسه من تلك الرسالة وإذا سمع مرارا ما قرأه قارى المطول وما افاده المدرس من المعاني ولم يجد ذلك مطابقا لما في درسه من تلك الرسالة ذلك اليوم قام عن المجلس مغتاظا معترضا على اولئك الجماعة بان كل كتبكم غلط فليضحك قليلا وليبك كثيرا على ان اصح ما اعتمدوا عليه في الرواية كتاب البخاري ثم كتاب مسلم وقد بينا فيما يتعلق بالباب الاول الذى عقده لبيان كيفية خلافة ابى بكر القدح في البخاري ومسلم وكتابيهما واوضحنا ان روايتهما فيهما عن الوضاعين المعتدين، واحتجاجهما بحديث الناصبي والغالي والمتهم في الدين، فمن كان اعتماده في الرواية والاحتجاج على مثل هذين الاصلين الضعيفين في المزاج، المتكسرين باشارة كالزجاج، كيف يرجو الرواج لقدحه على اصل عترة هم السالمون عن

[ 299 ]

الاعوجاج، وهو الواضح غرة صحته كبياض الصبح وضوء السراج. وأما سادسا فلان قوله " إذ ليس لنحو الرافضة رواية،. الى آخره " مردود بانه ان اراد بنحو الرافضة ما يشمل الامامية فهو مكابرة على المتواترات المشتهرة لأن نقل احاديث النبي صلى الله عليه واله واخبار اهل البيت عليهم السلام وآدابهم وعباداتهم وسننهم وعاداتهم ومذهبهم في اصول الفقه وفروعه ومعتقداتهم بين الشيعة الامامية اظهر من ان يخفى وقد نقلوا من ذلك ما يزيد على ما في الصحاح الست باسانيد معتبرة ونقحوا رجال الاسانيد بالجرح والتعديل غاية التنقيح ولم يقبلوا إلا رواية من ثبت ثقته أو اتفق عليه الفريقان كاكثر الاحاديث الواردة في طعن الثلاثة وائمتهم، ومجتهدوهم من لدن على بن أبي طالب عليه السلام لا يقصرون عن علماء فرقة من الفرق بل هم في كل زمان اعلم واتقى والذي يشهد عليه بعناده في نفى الرواية والدرابة عن الشيعة خصوصا الامامية ما قاله ابن الاثير الجزرى في جامع الاصول من ان مجدد مذهب الامامية في المائة الثانية على بن موسى الرضا عليهما السلام وما قاله محمد الشهرستاني في كتاب الملل والنحل عند ذكر الباقرية والجعفرية من الشيعة ان أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام وهو ذو علم غزير في الدين، وادب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد اقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض الموالين له اسرار العلوم انتهى وأما ما زعمه من قلة عدد الشيعة فلا يوجب نقصا في شانهم كما مر مرارا بل هي دليل حقيتهم إذ كلما كان في الدنيا اقل فهو اعز كالانبياء في نوع الانسان والعلماء والاتقياء ونحو ذلك كالجواهر والمسك والمعادن. واما سابعا فلان قوله " وإنما غاية امرهم ان يقع في خلال بعض الاسانيد من هو رافضي،. الى آخره " مدفوع بان عدم ذكر أهل السنة لرجال الشيعة لا يدل على قلة

[ 300 ]

روايتهم فضلا عن قلة ذكرهم اياهم ضرورة ان اقبال الخصم سيما إذا كان معاندا الى اعتبار قول الخصم وروايته وان كان حقا صدقا نادر قليل جدا مع ان ما يشعر به كلامه من غاية قلة المذكورين من الشيعة في خلال احاديث اهل السنة مكابرة لا يخفى على من تتبع كتب أهل السنة سيما كتاب الميزان للذهبي وتاريخ ابن عساكر وتاريخ الكامل لابن الاثير وتاريخ المنتظم لابن الجوزى وتاريخ القاضى ابن خلكان وتاريخ الشيخ عماد الدين ابن كثير الشامي وتاريخ اليافعي وانساب السمعاني ونظائرها فإن احوال المذكورين في هذه الكتب من علماء الشيعة يبلغ مجلدا ضخيما. وأما ثامنا فلان جمهور الشيعة لا يكفر أهل السنة في تفضيلهم لابي بكر وإنما حكم بذلك شذوذ منهم ذهابا منه الى ان المطلب ضروري ودعوى الشبهة والاشتباه تعنت وعناد أو لامور اخر انضمت الى ذلك كاعتقادهم بغض اهل السنة لعلى عليه السلام ولهذا يعبرون عن جمهور أهل السنة بالناصبة وقد ارشدهم الى ذلك كلام القاضى ابن خلكان من علماء اهل السنة في تاريخه المشهور عند بيان احوال على بن جهم القرشى حيث قال ما حاصله " ان التسنن لا يجتمع مع حب على بن أبي طالب " وما كتبه أهل ما وراء النهر في زمان السلطان الاعظم الامير تيمور وغيره من فتوى اشتراط بغض على عليه السلام بقدر شعيرة أو حبة رمانة في صحة الاسلام مشهور، وفي السنة الجمهور مذكور، واما ما يشعر به كلامه سود الله وجهه من زعمه لكون اهل السنة هم السواد الاعظم المراد من قوله صلى الله عليه وآله " عليكم بالسواد الاعظم " لا يبيض وجه دعواه اصلا فان السواد الاعظم بمعنى اكثر الناس على ما فهمه اهل السنة لا يركن الى اعتباره إلا القلوب الساذجة والانفس الخالية عن معرفة الحق واليقين الغافلة عن قوله صلى الله عليه وآله " كلهم في النار إلا واحدة " فانه دل على ان الناجى قليل بل نادر بالنسبة الى كثير من

[ 301 ]

السالكين كما مر مرارا ويؤيد ما ذكرنا ما رواه الطيبى في شرح المشكوة عن سفيان الثوري في تفسير الجماعة حيث قال لو ان فقيها على راس جبل لكان هو الجماعة والحق ان مراده صلعم بالسواد الاعظم مولانا امير المؤمنين على عليه السلام كما يشعر به كلام الزمخشري وفخر الدين الرازي في تفسيريهما لما نزل في شان على عليه السلام من قوله تعالى " وتعيها اذن واعية " فانهما قالا " فان قيل لم قال اذن واعية على التوحيد والتنكير قلنا للايذان بان الوعاة فيهم قلة ولتوبيخ الناس بقلة من يعى فيهم وللدلالة على ان الاذن الواحدة إذا وعت فهو السواد الاعظم وان ما سواها لا يلتفت إليهم وان امتلأ العالم منهم " انتهى فظهر ان الحديث النبوى صلعم لنا لا علينا. وأما تاسعا فلان قوله " وهب ان عليا افضل من أبي بكر في نفس الامر،. الى آخره " مدخول بان هذا الكلام لو تم لدل على كون الشيعة معذورين في حكمهم ببطلان خلافة الثلاثة واستحقاقهم اللعن لانهم ايضا إنما حكموا بذلك لادلة صرحت لهم وهم مجتهدون،. الى آخر ما ذكره على انا قد بينا عدم صراحة تلك الادلة بل عدم دلالتها على ما قصدوه اصلا وانهم إنما تشبثوا بذلك عنادا وافسادا على العوام كدعوى معاوية وغيره من البغاة الغاوية اجتهادهم في الخروج على الامام الحق على عليه السلام من غير جهد أو اجتهاد في تحقق ذلك المرام مع ظهور الامر على سائر الصحابة الكرام وعلماء تلك الايام. وأما عاشرا فلان ما ذكره من " ان الشيعة لم يشقوا عن قلب على حتى يعلموا ان ذلك تقية بل قرائن احواله وما كان عليه من عظم الشجاعة والاقدام،. الى آخره " مدفوع بان استعلام الامور لا يحتاج الى شق القلوب وصدع الصدور فانه ع كان يعلن لشيعته المخلصين المخصوصين به ما كان يضمره عن غيره من المخالفين وقد نصب لشيعته

[ 302 ]

في مواضع اعماله للتقية، القرائن والامارات الجلية كما مر سابقا بما لا مزيد عليه فتذكر. 97 - قال: الفصل الثاني في ذكر فضائل أبي بكر الواردة فيه وحده وفيها آيات واحاديث أما الايات فالاولى قوله تعالى سيجنبها الاتقى الذي يؤتى ماله يتزكى، وما لاحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى، ولسوف يرضى، قال ابن الجوزى اجمعوا على انها نزلت في أبي بكر ففيها التصريح بانه اتقى من سائر الامة والاتقى هو الاكرم عند الله لقوله تعالى " ان اكرمكم عند الله اتقاكم " والاكرم عند الله هو الافضل فنتج انه افضل من بقية الامة ولا يمكن حملها على على خلافا لما افتراه بعض الجهلة لأن قوله تعالى وما لاحد عنده من نعمة تجزى يصرفه عن حمله على على لأن النبي رباه فله عليه نعمة أي نعمة تجزى فإذا خرج على تعين أبى بكر للاجماع على ان ذلك الاتقى هو احدهما واخرج ابن حاتم والطبراني ان أبا بكر اعتق سبعة كلهم يعذب في الله فانزل الله قوله وسيجنبها الاتقى الذي،. الى آخر السورة انتهى. اقول: فيه نظر من وجوه اما اولا فلانا لا نسلم صحة الرواية في شان ابى بكر فضلا عن الاجماع عليه والسند ما ذكره بعضهم انها نزلت في حق أبي الدحداح وقد روى هذا أبو الحسن على بن احمد الواحدى في تفسيره الموسوم باسباب النزول باسناده المرفوع الى عكرمة وابن عباس ان رجلا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير وصاحب النخلة يصعد لياخذ منها التمر فربما سقطت تمرة فيأخذها صبيان الفقير فينزل الرجل من نخلته حتى ياخذ التمر من ايديهم فإن وجدها في في احدهم ادخل اصبعه في فيه فشكا الفقير الى النبي صلى الله عليه وآله مما يلقى من صاحب النخلة فقال النبي صلى

[ 303 ]

الله عليه واله اذهب ولقى النبي ص صاحب النخلة وقال اعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة فقال الرجل للنبى صلعم ان لي نخلا كثيرا وما فيها نخلة اعجب الى تمرة فكيف اعطيك ثم ذهب الرجل في شغله فقال رجل كان يسمع كلام النبي صلى الله عليه وآله اتعطينى ما اعطيت اعني النخلة التي في الجنة ان انا اخذتها فقال: النبي صلعم نعم فذهب الرجل ولقى صاحب النخلة فساومها منه فقال تعرف ان محمدا اعطاني نخلة في الجنة فقلت له يعجبنى تمرها وان لي نخلا كثيرا وما فيه كله نخلة اعجب الى تمرا منها ؟ فقال الرجل لصاحب النخلة اتريد بيعها ؟ قال لا الا ان اعطى ما لا اظنه اعطى قال فما مناك ؟ اربعون نخلة فقال الرجل لصاحب النخلة لقد جئت بعظيم ؟ تطلب بنخلتك المائلة اربعين نخلة ؟ ثم قال الرجل انا اعطيك اربعين نخلة فقال صاحب النخلة اشهد لي ان كنت صادقا فمر الرجل على اناس ودعاهم واشهد لصاحب النخلة ثم ذهب الى النبي صلى الله عليه وآله وقال يا رسول الله صلعم ان النخله صارت في ملكى فهى لك فذهب رسول الله صلى الله عليه وآله الى الفقير وقال له: النخلة لك ولعيالك فانزل الله تعالى " والليل إذا يغشى " السورة وعن عطاء انه قال اسم الرجل أبو الدحداح فاما من اعطى واتقى هو أبو الدحداح وأما من بخل واستغنى صاحب النخلة وهو سمرة حبيب وقوله " لا يصليها إلا الاشقى، الذي كذب وتولى " المراد به صاحب النخلة وقوله " سيجنبها الاتقى " هو أبو الدحداح ولا يخفى ان مع وجود هذه الرواية ادعاء نزوله في أبي بكر ثم حصر نزوله فيه يكون باطلا مع لا يخفى من شدة ارتباط هذه الرواية لمتن الايه بخلاف ما روى انه نزل في شان أبي بكر حين اشترى جماعة يوذيهم المشركون فاعتقهم في الله تعالى إذ لا يقال لمن يوذى عبده انه بخيل ولا انه كذب وتولى فتدبر.

[ 304 ]

وأما ثانيا فلانه يرد على استدلالهم بهذه الاية ما اورده كثير منهم كصاحب المواقف وغيره على استدلالنا بحديث الطير حيث قالوا انه لا يدل على ان عليا عليه السلام احب الخلق مطلقا بل يمكن ان يكون احب الخلق بالنظر الى شئ إذ يصح الاستفسار بان يقال احب خلقك في كل شئ أو في بعض الاشياء على غيره الزيادة لا في كل شئ بل جاز ان يكون غيره ازيد ثوابا منه في شئ آخر وذلك ان للمعارض ان يقول: ان هذه الاية لا تدل على ان أبا بكر اتقى الخلق مطلقا لجواز الترديد والاستفسار بانه اتقى الكل أو البعض ومن كل وجه أو من بعض الوجوه كما ذكرتم في حديث الطير حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. وأما ثالثا فلانا لا نسلم ان معنى قوله تعالى " ان اكرمكم عند الله اتقيكم " ما فهمه بل المراد به كما صرحه به بعض المفسرين " ان اكرمكم عند الله اعملكم بالتقية " واما رابعا فلانه ان اريد بالاتقى من كان اتقى من جميع المؤمنين عند نزول الاية فينحصر في النبي صلى الله عليه وآله وان ارتكب التخصيص وان اريد به كان اتقى من بعض المؤمنين فلا يلزم منه افضلية أبي بكر واكرميته مطلقا فضلا عن على عليه السلام لوجهين الاول انا لا نسلم حينئذ ان عليا عليه السلام داخل في ذلك البعض حتى يكون أبو بكر منه الثاني ان الاكرم عند الله هو الذي يكون اتقى جميع المؤمنين كما قال الله تعالى ان اكرمكم عند الله اتقيكم لا الاتقى من بعض المؤمنين وبالجملة إذا تطرق التخصيص في الاتقى سقط الاستدلال بظاهر المقال. وأما خامسا فلانا لا نسلم رواية الشيعة ذلك في شان على عليه السلام بل إنما ذكروا ذلك على سبيل الاحتمال في مقام البحث والجدال ولهذا لا يوجد في تفاسيرهم المتداولة

[ 305 ]

عن هذه الرواية عين ولا اثر وانما احتملوا ذلك لمناسبة قوله تعالى " ويؤتون الزكوة وهم راكعون " في حق على عليه السلام اتفاقا لقوله تعالى ههنا " الاتقى الذى يؤتى ماله يتزكى " ومناسبة ما ورد في حقه عليه السلام ايضا من قوله " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " لقوله " وما لاحد عنده من نعمة تجزى الا ابتغاء وجه ربه الاعلى " وأما سادسا فلانه ان كان المراد بقوله تعالى " وما لاحد عنده من نعمة تجزى " ان لا يكون عنده نعمة يكافئ عليها اعم من يكون ذلك الاحد من الذين آتاهم شيئا ام لا فلا نسلم ان أبا بكر كان بهذه المثابة إذ الظاهر انه لا يوجد شخص لا يكون لاحد في حقه حق نعمة من طعام أو شراب ونحوهما مع ان النبي صلى الله عليه وآله لم يسلم من ذلك لكونه في حجر تربية عمه ابى طالب رضى الله عنه ومع ان النبي صلعم كان يحرض اصحابه على التحبب والاتحاد واكل بعضهم من بيوت بعض والقول بان مثل ذلك ليس نعمة تجزى مكابرة ظاهرة وغاية الامر ان يكون جزاءه اقل ويرشد الى ما ذكرنا قول الشاعر على طبق كلام اهل العرف في محاوراتهم شعر * حق نان ونمك تبه كردن * بشكند مرد را سرو گردن * * هر آنكس بتودارد حق آبى * فراموشش مكن در هيچ بابى وان كان المراد به ان لا يكون عنده لاحد من الذين آتاهم النعمة نعمة تجزى كما هو الظاهر ويدل عليه سياق الاية أي لم يفعل الاتقى ما يفعل من ايتاء المال وانفاقه في سبيل الله إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى فلا نسلم انه لا يجوز ان يكون المراد به عليا عليه السلام خصوصا مع قيام القرائن والمناسبات التي مر ذكرها.

[ 306 ]

واما سابعا فلان استدلاله على صرف حمله عن على عليه السلام بقوله " ان النبي صلى الله عليه وآله رباه،. الى آخره " مدخول بانه مر منا انه ليس المقصود في الاية نفى مجرد نعمة النبي صلعم عن ذلك الاتقى بل نفى نعمة كل واحد من آحاد الناس وكما ان عليا عليه السلام كان في حجر تربية النبي صلعم كان أبو بكر في حجر تربية أبيه وامه والفرق بين التربيتين تحكم صرف لا يقول به إلا بليد، أو مكابر عنيد. وأما ثامنا فلان اقل الامر ان عند ابى بكر نعمة هداية النبي صلعم فكيف ينفى عنه نعمة الكل حتى النبي صلى الله عليه واله وما توهمه رئيس المشككين فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير من ان نعمة الهداية لا تجزى مستدلا عليه بقوله تعالى " قل لا اسئلكم عليه اجرا " معارض بل مخصص بقوله تعالى ايضا " قل لا اسئلكم عليه اجرا إلا المودة في القربى " ويدل على ان المراد من الاجر المنفى في هذه مثل الاية هو المال لا مطلق الاجر قوله تعالى في سورة هود حكاية عن نوح عليه السلام " ويا قوم لا اسئلكم عليه مالا ان اجرى الا على الله،. الاية " والضمير في عليه راجع الى ما سبق من قوله " انى لكم نذير مبين. " وأما تاسعا فلان قوله آخرا " للاجماع على ان ذلك الاتقى هو احدهما لا غير " يناقض ظاهر قوله اولا " اجمعوا على انها نزلت في أبي بكر " لأن الاجماع على الواحد المعين غير الاجماع على المردد بين الاثنين كما لا يخفى ولنعم ما قيل " الكذوب لا حافظة له " فاحفظ هذا. 98 - قال: الاية الثانية قوله تعالى " والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والانثى، ان سعيكم لشتى " واخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود ان ابا بكر اشترى بلالا من امية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشرة اواق فاعتقه لله فانزل الله هذه الاية أي ان سعى أبي بكر وامية وأبي لمفترق فرقا عظيما فشتان ما بينهما انتهى.

[ 307 ]

اقول: بعد تسليم صحة رواية النزول في كون معنى الاية ما ذكره هذا الشيخ النازل لا دلالة فيها إلا على الفرق بين سعى ابي بكر وسعى كافرين وليس في هذا فضيلة كما لا فضيلة بين فرعون ونحوه من كل جبار عنيد في ان يقال: انه اصلح من الشيطان المريد. 99 - قال: الاية الثالثة قوله تعالى " ثانى اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فانزل الله سكينته عليه وايده بجنود لم تروها " اجمع المسلمون على ان المراد بالصاحب ههنا أبو بكر ومن ثم من انكر صحبته كفر اجماعا. واخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ان الضمير في " فانزل الله سكينته عليه " لابي بكر ولا ينافيه " وايده بجنود " ارجاعا للضمير في كل الى ما يليق به وجلالة ابن عباس قاضية بانه لولا علم في ذلك نصا لما حمل الاية عليه مع مخالفة ظاهرها له انتهى. اقول: الاستدلال بهذة الاية على فضيلة أبي بكر وأما من حيث مجرد كونه مع النبي صلى الله عليه وآله في الغار، وأما من حيث وصفه بكونه ثانى اثنين للنبى صلعم فيه كما ذكر فخر الدين الرازي في تفسيره، أو من حيث تسميته صاحبا للنبى صلعم ولا دلالة لشئ منها على ذلك،. أما الاول فلانه شاهد عليه بالنقص والعار، واستحقاقه لسخط الملك الجبار، لا الفضيلة والاعتبار لأن النبي صلعم لم ياخذه معه للانس به كما توهموه لأن الله الله تعالى قد آنسه بالملائكة ووحيه وتصحيح اعتقاده انه تعالى ينجز له جميع ما وعده وإنما اخذه لانه لقيه في طريقه فخاف ان يظهر امره من جهته فاخذه معه احتياطا في تمام سره ولما دخل معه صلعم في الغار في حرز حريز ومكان مصون بحيث يامن الله تعالى على نبيه

[ 308 ]

صلعم مع ما ظهر له من تعشيش الطائر ونسج العنكبوت على بابه لم يثق مع هذه الامور بالسلامة ولا صدق بالاية واظهر الحزن والمخافة حتى غلبه بكاءه وتزايد قلقه واضطرابه وابتلى النبي صلى الله عليه وآله في تلك الحال بمماشاته واضطر الى مداراته ونهاه عن الحزن وزجره ونهى النبي صلى الله عليه وآله وزجره لا يتوجه في الحقيقة إلا الى القبيح ولا سبيل الى صرفه الى المجاز بغير دليل وقد ظهر من جزعه وبكاءه ما يكون في مثله فساد الحال في الاختفاء فهو إنما نهى عن استلزامه ما وقع منه ولو سكن نفسه الى ما وعد الله تعالى ونبيه صلعم وصدقه فيما اخبره به من نجاته لم يحزن حيث يجب ان يكون آمنه ولا انزعج قلبه في الموضع الذي يقتضى سكوته فتدبر. وأما الثاني فلان قوله تعالى " ثانى اثنين " بيان حال للرسول صلعم باعتبار دخوله الغار ثانيا ودخول أبي بكر اولا كما نقل في السير لا عكس ذلك كما توهموه وعلى التقديرين لا فضيله فيه لابي بكر لانه اخبار عن عدد ونحن نعلم ضرورة ان مؤمنا وكافرا اثنان كما نعلم ان مؤمنا ومؤمنا اثنان فليس في الاستدلال بذكر هذا العدد طائل يعتمد عليه وكذا الاستدلال بما يلزمه من اجتماع أبي بكر مع النبي صلعم في ذلك المكان لأن المكان يجتمع فيه المؤمنون والكفار وايضا فإن مسجد رسول الله صلى الله عليه واله اشرف من الغار وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفار وفي ذلك قوله تعالى " فما للذين كفروا قبلك مهطعين، عن اليمين وعن الشمال عزين " وايضا فإن سفينة نوح قد جمعت النبي والشيطان والبهيمة فاستدلالهم بالاية على ان ابا بكر كان ثانى رسول الله صلعم في الغار ثم التخطي عنه الى كونه ثانيا له في الشرف والفضل كما فعله فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير كما ترى، وبالجملة لفظ " ثانى اثنين " في الاية لا يستلزم كون ابى بكر ثانى اثنين للنبى في الشرف لما عرفت من انه كان متقدما في دخول الغار والحصول فيه والنبي

[ 309 ]

صلى الله عليه وآله تأخر عنه في الدخول. وأما التفاوت بحسب الشرف والرتبة فلم يستعمل الاية فيها ولا هو لازم منها والا لزم ان يكون المعنى على ما اوضحناه ان النبي صلعم مؤخر عن أبي بكر في الشرف والفضل وهذا كفر صريح كما لا يخفى فاتضح ان استعمالهم لتلك العبارة في شان أبي بكر وتداولها في مدحه على رؤوس منابرهم انما هو حيلة منهم في ايهامهم للعوام ان صريح عبارة الاية نازلة في شان أبي بكر وانه ثانى اثنين النبي صلعم في جميع الامور وقد بينا بحمد الله تعالى ضعف حيلتهم ووهن وسيلتهم. وأما الثالث فلان الصاحب المذكور في متن ما نقله من الاجماع على تقدير صحة النقل اعم من الصاحب اللغوى والاصطلاحي كالمذكور في اصل الاية وحينئذ لا فضيلة فيه لابي بكر إذ لا مانع من ان يكون صاحب النبي صلعم بالمعنى كافرا أو فاسقا كيف وقد سمى الله تعالى في محكم كتابه ايضا الكافر صاحبا لهم كما في قوله تعالى عن لسان يوسف عليه السلام " يا صاحبي السجن أارباب متفرقون خير ام الله الواحد القهار ؟ " وقد صرح القاضى البيضاوى في تفسيره وغيره بان المراد يا صاحبي في السجن وحينئذ تسمية أبي بكر بالصاحب لا تدل على اسلامه وسلامته فضلا عن ان تدل على فضله وكرامته فاى فضيلة في آية الغار يفتخر فيها لابي بكر ؟ لولا المكابرة والعناد أو البعد عن فهم المراد ولقد ظهر بما قررناه انه إنما يلزم من الاجماع المذكور بعد صحته تكفير من انكر صحبة ابى بكر مطلقا لا صحبته بالمعنى الاصطلاحي المتنازع فيه. وأما ما اخرجه ابن ابى حاتك عن ابن عباس فالمنافاة فيه ظاهرة ولو وافق فيه لابن عباس جميع من في الدنيا وانما يندفع لو لم يكن نزول السكينة على النبي صلعم لا يعاقبه مع انه قد وقع حكاية نزولها عليه في مواضع من القرآن كما سيأتي ولا ريب في ان ارتكاب انفكاك الضمير بلا قرينة ظاهرة لا يليق بفصيح الكلام فضلا عن افصح الكلام. وأما ما ذكره من " ان جلالة ابن عباس قاضية بانه لولا علم،. الى آخره "

[ 310 ]

فمدفوع بانه لا كلام في جلالة ابن عباس رضى الله عنه لكن الكلام في رداءة الراوى عنه المتهم باباحته للوضع على افضل من ابن عباس لنصرة مذهبه كابن أبي حاتم أو غيره من الوسائط المذكورة في الاسناد هذا وقد افاد بعض اجلة مشايخنا قدس سره ان الله سبحانه لم ينزل السكينة على نبيه صلعم في موطن كان معه فيه أحد من أهل الايمان الا عمهم بنزول السكينة وشملهم بذلك كما في قوله تعالى " ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين " ولما لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله في الغار إلا أبو بكر افرد الله سبحانه نبيه صلعم بالسكينة وايده بجنود لم تروها فلو كان الرجل مؤمنا يجرى مجرى المؤمنين في عموم السكينة لهم ولولا انه احدث بحزنه في الغار منكرا لاجله توجه النهى إليه عن استدامته لما حرمه الله تعالى من السكينة ما تفضل به على غيره من المؤمنين الذين كانوا مع رسول الله صلعم في المواطن على ما جاء في القرآن، ونطق به محكم الذكر بالبيان وهذا ما ابين لمن تأمله ان شاء الله وقد الفنا قبل ذلك في تحقيق هذه الاية الكريمة رسالة شريفة قد تعرضنا فيها لتشكيكات فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير لم نغادر فيها صغيرا ولا كبيرا ينفعك إليها المصير والله سبحانه نعم المولى ونعم النصير. 100 - قال: الاية الرابعة قوله تعالى " والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون " اخرج البنرار وابن عساكر ان عليا قال في تفسيرها: الذى جاء. بالحق هو محمد صلعم، والذي صدق به أبو بكر. قال ابن عساكر: هكذا الرواية بالحق ولعلها قراءة لعلى انتهى. اقول: قد نقل صاحب كشف الغمة عن الحافظ ابى بكر موسى بن مردويه

[ 311 ]

باسناده ان الذي جاء بالصدق محمد صلعم وصدق به على بن أبى طالب عليه السلام وأما نزول ذلك في شان أبي بكر فهو شئ قد تفرد به فخر الدين الرازي الصديقى بمجرد ملاحظة مناسبة التصديق المذكور في الاية لما وضع اولياء أبي بكر من لقب الصديق عليه وهذا داب الرجل في تفسير كثير من الايات كما لا يخفى على المتتبع البصير ولا ينبئك مثل خبير،. ولو حاولوا اثبات وجود رواية نزول الاية في شان أبي بكر في شئ من كتب المتقدمين على الرازي ومن تبعه كابن عساكر بلا استعمال كذب ومين، لرجعوا بخفى حنين. ومن وقاحات الرازي انه لم يكتف في ذلك بالكذب على الله تعالى حتى وضع ذلك على لسان على عليه السلام قاصدا به سد باب تجويز القاصرين من الناظرين كون ذلك واردا في على عليه السلام ثم لدفع التهمة التي غلبت على الكاذب الخائن الخائف نسب ذلك الى المفسرين على الاجمال، ولكن الذكى الفطن لا يخفى عليه حقيقة الحال، ويدل على عدم ورود الرواية في شان أبي بكر وعلى وصول الرواية الدالة على ان المراد بالاية هو على الى الرازي ما ذكره بعد ذلك حيث قال: ان هذا يتناول اسبق الناس الى التصديق واجمعوا على ان الاسبق الافضل أما أبو بكر وأما على لكن هذا اللفظ على أبي بكر اولى لأن عليا رضى الله عنه كان في وقت البعث صغيرا فكان كالولد الصغير الذي يكون في البيت ومعلوم ان اقدامه على التصديق لا يفيد لمزيد قوة وشوكة في الاسلام فكان حمل هذا اللفظ على ابى بكر اولى انتهى ووجه دلالته على الامرين بل على ما ذكرناه من انه بني على مجرد المناسبة انه لو كان هناك رواية في شان أبي بكر لذكرها ولما احتاج الى تكلف الاستدلال المذكور ولا الى ذكر على عليه السلام فيه ولو على سبيل الاحتمال،. على ان الاستدلال المذكور كسائر تشكيكاته ظاهر البطلان لأن درجه النبوة اعلى مرتبة الاسلام (خ ل: الايمان) وإذا جاز نبوة الصبى كان صحة ايمانه اجوز وقد قال تعالى

[ 312 ]

في شان يحيى عليه السلام " وآتيناه الحكم صبيا " وقال حكاية عن عيسى عليه السلام في صباه " انى عبد الله آتانى الكتاب وجعلني نبيا " وقال في شان يوسف عليه السلام في حال صباه وعند القاءه في غيابت الجب " واوحينا إليه لتنبئنهم بامرهم هذا ولا يشعرون " وقال سبحانه تعالى " ففهمناها سليمان وكلا آتيناه حكما وعلما " وكان عمره عندما جعل نبيا احدى عشر سنة وإذا جاز ان يكون الصبى صاحب النبوة والوحى جاز ان يكون صاحب الايمان بطريق اولى وايضا كما لا يقال لمن تولد مؤمنا في فطرة الاسلام انه آمن لانه تولد عليه فكذا في على لانه تولد في حضرة الرسول صلعم ولم يعبد صنما قط لكن أبو بكر قد عهد الاصنام ازيد من اربعين سنة فكان عليه الاتيان بالايمان بعد ما لم يكن مؤمنا وايضا فعند اصحابنا ان عليا عليه السلام حين آمن بالنبي صلعم كان عمره خمسة عشر سنة وقيل اربعة عشر والروايتان جائتا ايضا من طريق الخصم ذكر ذلك شارح الطوالع عن اصحابه في شرحه والعاقولي في شرحه للمصابيح قال " روى الحسن البصري ان عمره كان خمسة عشر سنة عند اسلامه " وأما شارح الطوالع فروى اربعة عشرة سنة وهذا ما جاء في صحيح البخاري قد تجاوز البلوغ لانه اول نقل عن المغيرة انه قال: احتملت وانا ابن اثنى عشرة سنة وايضا فقد روى ان النبي صلعم دعاه الى الاسلام وهو صلعم لا يدعو الى الاسلام الا من يصح منه ذلك كما قاله المأمون حين ناظر ابا العتاهية وايضا قد صح واشتهر انه عليه السلام كتب الى معاوية ابياتا من جملتها قوله عليه السلام: شعر * سبقتكم الى الاسلام طرا * غلاما ما بلغت اوان حلمي * ولم ينكر عليه معاوية مع عداوته وتعنته فكيف يزيد عليه الرازي وهو من جماعته في ذلك وايضا مرجع الاسلام الى التصديق بما جاء به

[ 313 ]

النبي صلعم وانه رسول الله وذلك من التكاليف العقلية ومعلوم ان التكليف بالعقليات إنما يتوقف على كمال العقل وان كان الرجل ابن خمس سنين أو خمسين سنة وعلى عليه السلام قد كان كاملا عقله حين اسلم والبلوغ انما هو شرط في التكاليف الشرعية الفرعية على انه لا يمتنع ان يكون من خصائصه صحة اسلامه حال الصبى والصغر كما كان ابنه الحسن عليه السلام يطالع اللوح المحفوظ في حال رضاعه كما شهد به الشيخ ابن حجر العسقلاني شارح البخاري في شرح حديث وضع الحسن في رضاعه تمرة من تمرات الصدقة في فيه سهوا واشارة النبي صلعم إليه برميها عن فيه قائلا " كخ كخ " واعتراضه بقوله: اما علمت ان الصدقة حرام علينا ؟ وبالجملة يجوز اختصاصه عليه السلام بمزيد فضيلة في الخلقة اوجبت حصول البلوغ الشرعي قبل العدد وما ذاك بعجب منه فانه مظهر العجائب ومنبع الغرائب. وأما ما ذكره الرازي " من انه لما كان لتصديق أبي بكر مزيد قوة للاسلام كان حمل هذا اللفظ عليه اولى " فمع قطع النظر عما ذكرناه وعن ان مثل هذا المزيد والزيادة قد حصل ايضا بتصديق غير ابى بكر كحمزة رضى الله عنه ورؤساء الانصار ومن شاكلهم معارض بما روى جلال الدين السيوطي الشافعي في كتاب الوجيز عن عباد بن عبد الله قال سمعت عليا يقول: انا عبد الله واخو رسوله، وانا الصديق الاكبر لا يقولها بعدى إلا كاذب. وهذا الحديث مما اخرجه النسائي وصححه الحاكم على شرط البخاري ومسلم كذا في تذكرة الموضوعات وبما قاله الرازي المذكور نفسه في تفسير قوله تعالى " وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ايمانه،. الاية " انه روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: الصديقون ثلاثة،. حبيب النجار مؤمن آل يس، ومؤمن آل فرعون الذي قال اتقتلون رجلا ان يقول ربى الله، والثالث على بن أبى طالب وهو افضلهم. انتهى ووجه المعارضة ظاهر إذ في كل الحديثين وقع التعبير

[ 314 ]

عنه عليه السلام بالصديق الاكبر أما الحديث الاول فظاهر جدا وأما الثاني فللتصريح فيه بانه افضل الصديقين الثلاثة فيكون اكبر واكمل وحمل اللفظ على الفرد الاكمل المتبادر الى الفهم عرفا اولى واجدر، على ان ما وقع في الحديث الثاني من حصر الصديقين في الثلاثة بنفى كون أبي بكر من الصديقين اصلا وراسا فضلا عن ان يكون مرادا من لفظ الاية والله ولى الصدق والتصديق، وبيده اعنة التحقيق وازمة التوفيق. 101 - قال: الاية الخامسة قوله تعالى " ولمن خاف مقام ربه جنتان " اخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب انها نزلت في أبي بكر انتهى. اقول: لا نسلم صحة ما ذكره في شان النزول لانه خبر واحد مجهول عند الخصم واقل خبر واحد يليق تلقيه بالقبول كونه مرويا عن اثنين من الفريقين كما اشرنا إليه سابقا هذا مع اقتضاء لفظ من الموصولة العموم والشمول. 102 - قال: الاية السادسة قوله تعالى " وشاورهم في الامر " اخرج الحاكم عن ابن عباس انها نزلت في ابى بكر وعمر. ويؤيده الخبر الاتى: ان الله امرني ان استشير أبا بكر وعمر انتهى. اقول: بعد تسليم صحة الخبر لا دلالة في الاية على فضل أبي بكر وصاحبه عمر لجواز ان يكون ذلك الامر لتاليف قلوبهم وتطييب خواطرهم لا للحاجة الى رأيهم فغاية ما يلزم منها ان يكونا من مؤلفة القلوب وقال بعض مشايخنا قدس الله سره: ان الله تعالى اعلم النبي صلعم ان في امته بل في صحابته الملازمين له كما مر من رواية البيهقى في دلائل النبوة وغيره من يتبغى له الغوائل، ويتربص به الدوائر، ويسر خلافه، ويبطن مقته، ويسعى في هدم امره، وينافقه في دينه، ولم يعرفه اعيانهم، ولا دله عليهم

[ 315 ]

باسمائهم، فقال تعالى: " ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم، نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم " وقال جل اسمه " وإذا ما انزلت سورة نظر بعضهم الى بعض هل يريكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بانهم قوم لا يفقهون " وقال تعالى " يحلفون لكم لترضوا عنهم فان ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين، ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون " وقال جلت عظمته " وإذا رايتهم تعجبك اجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله انى يؤفكون " وقال عز قائلا " ولا ينفقون إلا وهم كارهون " وقال جل ذكره " وإذا قاموا الى الصلوة قاموا كسالى يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا " ثم قال تبارك وتعالى بعد ان نبأ عنهم في الجملة " ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول " ثم امره بمشورتهم ليصل بما يظهر منهم الى باطنهم فإن الناصح يبدو نصيحته في مشورته والغاش المنافق يظهر ذلك في مقالته فاستشارهم صلعم لذلك ولأن الله تعالى جعل مشورتهم الطريق له الى معرفتهم، الا ترى انهم لما اشار واببدر عليه في الاسرى فصدرت مشورتهم عن نيات مشوبة في نصيحتهم كشف الله تعالى ذلك وذمهم عليه وابان عن ادغالهم فيه فقال جل قائلا " ما كان لنبى ان يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض يريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة والله عزيز حكيم، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم " فوجه التوبيخ إليهم والتعنيف على رأيهم وابان لرسول الله صلى الله عليه وآله عن حالهم فعلم ان المشورة بهم لم تكن للفقر الى آرائهم وإنما كانت لما ذكرناه. 103 - قال: الاية السابعة قوله تعالى " فان الله هو موليه وجبريل وصالح المؤمنين، اخرج الطبراني عن عمر، وابن عباس انها نزلت فيهما انتهى.

[ 316 ]

اقول: اخراج الطبراني الخارجي وحده من دون مشاركة واحد من فريق الخصم معه خارج عن الاعتبار، كما سبق التصريح به والاشعار، مع انه نقل صاحب كشف الغمة رواية نزولها في شان على عليه السلام عن عز الدين عبد الرزاق المحدث الحنبلى وعن الحافظ أبي بكر بن مردويه باسناده الى اسماء بنت عميس وهي مذكورة في تفسير ابى يوسف يعقوب بن سفيان النسوي باسناده الى ابن عباس ورواها السدى في تفسيره عن أبى مالك وعن ابن عباس ورواها الثعلبي في تفسيره باسنادين الى غير ذلك وايضا حمل لفظ صالح مفردا على رجلين اثنين مخالف للوضع والاستعمال لانه موضوع للمفرد وقد استعمل في الجمع للتعظيم وأما استعماله في اثنين فقط فلم نجده في كلام الفصحاء. وأما ما ذكره الرازي ههنا " من انه يجوز ان يراد بلفظ صالح مفردا الواحد والاثنان والجمع مستندا الى، ما قاله أبو على الفارسى من انه قد جاء فعيل مفردا يراد به الكثرة كقوله تعالى " ولا يسأل حميم حميما " فضعفه ظاهر لأن قياس فاعل على فعيل بلا سند يقيد به غير مسموع ولو سلم فحميم إنما اريد به الكثرة الشاملة للاثنين فما فوقهما بقرينة تنكيره الذى قد يكون للتكثير وربما يتعين فيه بمعاونة الحال والمقام ولا تنكير فيما نحن فيه فيكون قياس صالح في ذلك على حميم قياسا مع الفارق كما لا يخفى، هذا والذى شجع الطبراني على وضع هذا الخبر مناسبة نزول ما في الاية من العتاب في شأن عائشة وحفصة وان أبا بكر وعمر ابواهما فحمل صالح المؤمنين كحمل الجاهلين على ابى بكر وعمر وذهب كما قال غيره من اتباعه الى ان مراد الاية انهما كانا ينصحان بتقيتهما بترك الافعال التى تكون للضرات وليس الامر كما زعموه بل الوجه في التعبير ههنا بصالح المؤمنين عن علي عليه السلام ما روى ان النبي صلعم فوض ولاية طلاق نسائه الى على عليه السلام ولهذا روى انه لما بقيت عائشة على عنادها بعد انقضاء حرب الجمل

[ 317 ]

ايضا وامتنعت عن أمر على عليه السلام في مضيها الى المدينة المشرفة وكونها في بيتها الذي اسكنها الله تعالى ورسوله صلعم فيه ارسل عليه السلام ابن عباس رضى الله عنه إليها مهددا لها بانك لو لم تنتهى عن العناد والخلاف لطلقتك بما أنت تفرق من ولايتى عن رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فلا يبقى لك رجاء شفاعة اصلا فسكتت وارتحلت في الحال. 104 - قال: الاية الثامنة قوله تعالى " هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور " اخرج عبد بن حميد عن مجاهد لما نزل: ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. قال أبو بكر: يا رسول الله ما انزل الله عليك خيرا الا اشركنا فيه فنزل: هو الذى الذي يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور انتهى. اقول: ظاهر الاية عموم صلوته تعالى ورحمته لسائر عباده وان غاية ذلك في الكل اخراجهم من الظلمة الى النور لكن الكلام في ان هذه الغاية والمصلحة والغرض هل حصلت في شان ابى بكر من الفاتحة الى الخاتمة أو لا ؟ مع ان الخصم من وراء المنع على اصل الاخراج تدبر. 105 - قال: الاية التاسعة قوله تعالى " ووصينا الانسان بوالديه احسانا حملته امه كرها ووضعته كرها، وحمله وفصله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة قال رب اوزعنى ان اشكر نعمتك التي انعمت على وعلى والدى وان اعمل صالحا ترضاه واصلح لى في ذريتي انى تبت اليك واني من المسلمين، اولئك الذين نتقبل عنهم احسن ما عملوا ونتجاوز عن سيأتهم في اصحاب الجنة وعد الصدق الذى كانوا يوعدون " اخرج ابن عساكر عن ابن عباس ان ذلك جميعه نزل في أبي بكر ومن

[ 318 ]

تأمل ذلك وجد فيه من عظيم المنقبة له والمنة ما لم يوجد نظيره لاحد من الصحابة انتهى. اقول: الكلام في صحة رواية هذا الخبر ايضا كسوابقه ولا دلالة لشئ من عبارات الاية على شئ من الاوصاف والالقاب التى اثبتها اولياء ابى بكر له ولعلهم زعموا مناسبة قوله تعالى وبلغ اربعين سنة لما صححه جماعة منهم لبعض المصالح من ان عمر أبي بكر كان عند اسلامه اربعين سنة مع ان الخلاف في ذلك بالزيادة عليه مشهور بينهم ايضا وايضا لم يكن ما تضمنه الاية من قوله تعالى " رب اوزعنى،. الاية " نازلة عند اسلام أبي بكر فكيف تلاها أبو بكر وقال عند بلوغه اربعين سنة: رب اوزعنى الاية وهذا اوضح آية من آيات وضع الخبر كما لا يخفى. 106 - قال: الاية العاشرة قوله تعالى " ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين " نزلت في أبي بكر وعمر كما مر ذلك عن على بن الحسين رضى الله عنهما انتهى. اقول: قد مر منا ايضا منع صحة الرواية عن على بن الحسين عليهما السلام في ذلك وعارضناه بما في مسند أحمد بن حنبل من انها نزلت في على عليه السلام وقد تكلمنا على دلالة متن الاية على ما قصدوه بوجه ينزع غل الملال ويزيل صدأ ذهن الناظر في المقال. 107 - قال: الاية الحادية عشر قوله تعالى " ولا ياتل اولو الفضل منكم والسعة ان يؤتوا اولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا، الا تحبون ان يغفر الله لكم والله غفور رحيم " نزلت كما في البخاري وغيره عن عائشة في أبي بكر لما حلف ان لا ينفق على مسطح لكونه كان من جملة من رمى عائشة بالافك الذي تولى الله

[ 319 ]

سبحانه براءتها منه بالايات التي انزلها في شانها ولما نزلت قال أبو بكر بلى والله يا ربنا انا لنحب ان تغفر لنا وعادله بما كان يصنع أي ينفق عليه وفى رواية البخاري عنها ايضا في حديث الافك الطويل وانزل الله تعالى " ان الذين جاؤا بالافك عصبة منكم،. العشر الايات كلها. فلما انزل الله هذا في برأتي قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن اثاثة لقرابته منه وفقره والله لا انفق على مسطح شيئا ابدا بعد الذي قال في عائشة ما قال فانزل الله: ولا ياتل اولو الفضل منكم والسعة وذكرت الاية السابقة ثم قالت: قال أبو بكر: بلى والله انى لاحب ان يغفر الله لى فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا انزعها منه ابدا. 108 - قال: تنبيه، علم من حديث الافك المشار إليه ان من نسب عائشة الى الزنا كان كافرا وقد صرح بذلك ائمتنا وغيرهم لان في ذلك تكذيب النصوص القرآنية ومكذبها كافر باجماع المسلمين وبه يعلم القطع بكفر كثيرين من غلاة الرافضة لانهم ينسبونها الى ذلك قاتلهم الله انى يؤفكون. انتهى. اقول: فيه نظر من وجوه أما اولا فلان ما رواه عن البخاري في شان النزول معارض بما قال غيره من أهل السنة من انها نزلت في جمع من الصحابة حلفوا ان لا يصدقوا على من تكلم لشئ من الافك ولا يواسوهم ويؤيدهم لفظ اولوا بصيغة الجمع وعلى تقدير انه ورد في قصة مسطح ومنع أبي بكر الصدقة عنه لم لا يجوز ان يكون نزولها في شان مسطح اصالة وفى أبي بكر بالعرض وما الذي جعل القضية منعكسة مع ظهور ان المقصود الاصلى من الاية المواساة مع مسطح وسد خلته والرد على من خالف ذلك كما

[ 320 ]

لا يخفى. وأما ثانيا فلانه على التقادير لا دلالة للاية على مدح أبي بكر ولعلهم توهموا هذا من الوصف العنوانى في لفظي الفضل والسعة وجهلوا ان مثل هذا الوصف قد يعرض للكافر السخى الذي له فضل حاجة وغنى وسعة بل قد يجتمع مع الذم فيقال ان القوم الفلاني مع كونهم من اولى الفضل والسعة يبخلون بما آتيهم الله تعالى ويقال ان أبا بكر المتمول عند اهل السنة واضرابه من اصحاب النبي صلعم قد بخلوا عند نزول آية النجوى عن تقديم صدقه بين يدى النبي صلى الله عليه وآله حتى نسخت الاية فافهم ومن العجب ان فخر الدين الرازي قال في تفسيره لهذه الاية اولا ان المراد من قوله تعالى " ولا ياتل اولو الفضل " لا يقصروا في ان يحسنوا فحمل الفضل على الاحسان والاعطاء ثم نسى ذلك بعد سطور واصر في ان المراد بالفضل زيادة الثواب أو العلم مع ان الفضل بهذين المعنيين لا يظهر لهما وجه ههنا إذ كثير من اهل الفضل بمعنى زيادة الثواب أو العلم لا يقدرون على انفاق الرحم وصلتهم بل على اقل من ذلك وهو ظاهر. وأما ثالثا فلانا نترقى عن ذلك ونقول بل الاية قادحة في أبي بكر لاشتمالها على نهيه تعالى عما اتى به أبو بكر من الحلف على ان لا ينفق مسطحا ومن معه كما روى في شان النزول فدلت الاية على معصية أبي بكر وما اجاب به الرازي المتسمى بالامام في هذا المقام " من ان النهى لا يدل على وقوعه إذ قال الله تعالى لمحمد صلعم " ولا تطع الكافرين والمنافقين " ولا يدل ذلك على انه صلى الله عليه وسلم اطاعهم،. الى اخره " مدخول بان مجرد النهى وان لم يدل على ذلك إلا ان ما رواه هذا المجيب ههنا من شان النزول صريح في الوقوع حيث قال: لما نزلت آية الافك قال: أبو بكر لمسطح وقرابته: قوموا فلستم مني ولست منكم، ولا يدخلن على أحد منكم فقال انشدكم مسطح الله. والاسلام وانشدكم

[ 321 ]

القرابة والرحم ان لا يخرجنا الى أحد فما كان لنا في اول الامر من ذنب فلم يقبل عذره، وقال: انطلقوا ايها القوم فخرجوا لا يدرون اين يتوجهون من الأرض،. الى آخره " فانه صريح في ترك النفقة بل مطلق المواساة معهم ولو في يوم والانكار مكابرة،. على ان المنع عن الحلف الواقع قطعا كاف في ثبوت المعصية كما لا يخفى وحمل النهى على التنزة عن ترك الاولى كما ارتكبه من ضيق الخناق مردود بان الاصل في النهى التحريم وحمله على التنزيه من ترك الاولى في شان الانبياء عليهم السلام إنما ارتكبه العلماء بمعاونة قيام دليل عصمتهم واذ لا عصمة لابي بكر اتفاقا يكون الحمل فيه محالا تأمل. واما رابعا فلان ما ذكره هذا الشيخ الجامد الغافل في التنبيه افك محض على غلاة الشيعة الذين يحكم الامامية الاثنى عشرية من الشيعة بكفرهم وكونهم نجس العين كسائر الكفار عندهم فكيف على الامامية كما يشعر به اطلاق كلامه وان وقع منه التصريح سابقا بالفرق بين الغلاة من الشيعة والشيعة الامامية وان الرافضة هم الغلاة دون الامامية ولعله اطلق في العبارة تنفيرا للعوام عن مذهب الشيعة الامامية الاعلام وترويجا لمذهبه الزيف المموه بزخارف الاوهام. 109 - قال: الاية الثانية عشرة قوله تعالى " الا تنصروه فقد نصره الله إذ اخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما في الغار،. الاية " اخرج ابن عساكر، عن ابن عيينة قال: عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ابا بكر وحده فانه خرج من المعاتبة ثم قرأ " إلا تنصروه فقد نصره الله،. الاية. " اقول: قد مر الكلام عند ذكر استدلاله بتمام هذه الاية على فضيلة أبي بكر وأما ما ذكره ههنا " من اخراج ابن عساكر انه تعالى عاتب المسلمين كلهم في رسول الله إلا أبا بكر وحده " فمدخول بان هذا لم يعلم من الاية اصلا فان مرافقة النبي صلعم في الفرار

[ 322 ]

عما لا يطاق الى الغار لا يسمى نصرة له لغة ولا عرفا وإنما كان يتحقق نصرة أبي بكر له لو حصل منه نصرته في مكة بالغلبة على الكفار وليس فليس، ومن تصدى لاثبات دلالة الاية على النصرة فنحن في صدد الاستفادة،. على ان الحصر المستفاد من قوله " إلا أبا بكر وحده " ممنوع كيف وقد روى انه صلعم قد اتخذ عند الفرار الى الغار ثم منه الى المدينة عبد الله بن ارقط خادما وعامر بن فهيرة مع شركه دليلا فقد نصره مشرك ومسلم آخر غير أبي بكر كيف يستقيم الحصر. 110 - قال: وأما الاحاديث فهى كثيرة مشهورة وقد مر في الفصل الثالث من الباب الاول منها جملة إذ الاربعة عشر السابقة ثم، الدالة على خلافته وغيرها من رفيع شانه وقدره غاية في كماله وغرة في فضائله وافضاله فلذلك بنيت عليها في العد ههنا فقلت: الحديث الخامس عشر: اخرج الشيخان عن عمرو بن العاص انه سئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي الناس احب اليك ؟ قال: عائشة، فقلت من الرجال ؟ فقال ابوها، فقلت: ثم من ؟ فقال عمر بن الخطاب فعد رجالا. وفي رواية " لست اسالك عن اهلك انما اسالك عن اصحابك " انتهى. اقول: قد اقتصرت احترازا عن زيادة تضييع الوقت على التعرض للمشهور والمعتمد من هذه الاحاديث عندهم وتركت غيره الذي صرح هو بضعفه، أو ما وقع به التكرار لسابقه في المعنى، أو لم يكن له دلالة على فضيلة يعتد بها مع تساوى جميعها في الوضع عندنا،. ثم اقول: احتجاج هذا الشيخ الخارجي على الشيعة بما اخرجه الناكث لعهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وابنته الغازية المجاهدة في سبيل الجبت والطاغوت حقيق بان تضحك منه الثكلى بواحدها، اليائسة عن بعلها ومعاهدها،. ومما ينادى على وضع الخبر باعلى صوت انه لا يعقل ان يسال احد عن النبي صلعم أي الناس احب اليك فيتبادر

[ 323 ]

ذهنه صلعم من الناس الى النساء منهم دون الرجال فيجيب بما نسب إليه من الجواب،. على انه يحتمل ان يكون مراد السائل بالناس من عدا أهل بيته صلعم كما يرشد إليه الرواية الاخرى وحينئذ لا يلزم من ذلك اثبات فضيلة يعتد بها لابي بكر ولا نزاع للشيعة في ان يكون أبو بكر احب الى النبي صلى الله عليه وآله من عمر لانه ينزل منزلة ان يقال يزيد احب الى من فرعون، أو بالعكس، تأمل. 111 - قال: واخرج (1) ايضا عن أبي هريرة كنا معشر اصحاب رسول الله ونحن متوافرون نقول: افضل هذه الامة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على ثم نسكت والترمذي عن جابر ان عمر قال لابي بكر: يا خير الناس بعد رسول الله صلعم، فقال أبو بكر. أما انك ان قلت ذلك فلقد سمعته يقول: ما طلعت الشمس على خير من عمر. ومر انه تواتر عن على: خير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر وعمر. وانه قال: لا يفضلني احد على أبي بكر وعمر لاجلدته حد المفترى. اخرجه ابن عساكر انتهى. اقول: قد مر الكلام مستوفى في بيان كذب أبي هريرة واتهامه بذلك رواية عن الحميدى وغيره فرواية البخاري عنه كرواية الجبت والطاغوت، أو بعض القرامطة عن ملاحدة الموت، واما ما في رواية الترمذي " من قول عمر لابي بكر: يا خير الناس، وشهادة ابى بكر لعمر بان النبي صلى الله عليه وآله قال له مثل ذلك " فهو من قبيل استشهاد ابن آوى بذنبه وبالعكس فإن كلا منهما من ذوى الاذناب المعدودين في " ان شر الدواب. " وأما الحديث المفترى على على عليه السلام " من انه قال لا يفضلني أحد على أبي بكر و عمر إلا جلدته حد المفترى " فقد مر انه بعد تسليم عدم كونه مفترى، لنا لا علينا فتذكر.


(1) يعني به ابن عساكر لتقدم ذكره عند نقل الحديث الذي سبق ذكره في الصواعق وتركه المصنف ره فمن أراده فليراجع ص 40 من نسخة الصواعق المطبوعة سنة 1312 بمصر في مطبعة أحمد البابي. (*)

[ 324 ]

112 - قال: اخرج الترمذي عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما لاحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدا يكافيه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال ابى بكر انتهى. اقول: نظير هذه الرواية ما سيرويه بعد ذلك عن ابن عساكر عن عائشة وعروة ان ابا بكر اسلم يوم اسلم وله اربعون الف دينار. (وفي لفظ) اربعون الف درهم انفقها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوجه عليه العجب في روايتهم الانفاق لرجل قد عرف مذ كان بالفقر وسوء الحال ومن اطلع على النقل والاثار واشرف على السير والاخبار لم يخف عليه فقر ابى بكر وصعلكته وحاجته ومسكنته وضيق معيشته وضعف حيلته وانه كان في الجاهلية معلما وفي الاسلام خياطا كما ذكره البخاري في صحيحه وكان ابوه سئ الحال يكابد فقرا مهلكا ومعيشة ضنكا لكسبه اكثر عمره من صيد القمارى والدباسى لا يقدر على غيره فلما عمى وعجز ابنه عن القيام به التجا الى عبد الله بن جذعان أحد رؤساء مكة فنصبه ينادى على مائدته كل يوم لاحضار الاضياف وجعل له على ذلك ما يقوته من الطعام فمن اين كان لابي بكر هذا المال، وهذه حاله وحال أبيه في الفقر والاختلال قال البكري المصرى في سيره " قيل: انه لما بلغ النبي صلعم سنة ثلاث عشرة من عام الفيل خرج مع أبي طالب الى الشام فاقبل سبعة من الروم يقصدون قتله صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم بحيراء ونبههم على انه رسول من الله تعالى " فبايعوه واقاموا معه ورده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالا وفيه وهمان الاول بايعوه على أي شئ ؟ الثاني أبو بكر لم يكن حاضرا ولا كان في حال من يملك ولا ملك بلالا إلا بعد ذلك بنحو ثلاثين عاما " انتهى كلامه وايضا قد صح عندهم انه لما نزل آية النجوى لم يعمل بها من الصحابة سوى على عليه السلام فإذا بخل أبو بكر بدرهم أو درهمين يقدم بين يدى نجوى النبي صلعم

[ 325 ]

والنظر الى وجهه الكريم وما يفيده خطابه القويم مقدار عشرة ليال كما نقله ابن المرتضى من أهل السنة في تفسيره والزمحشرى الحنفي في الكشاف حتى ينزل آية اخرى ما نصب (1) على ذلك محال ان ينفق مثلا ذلك المال الذى رووه لاحد ومن عجيب مناقضتهم ما رووه بقولهم عن عبد الله بن عباس رضى الله عنه في تفسير قوله تعالى " ووجدك عائلا فاغنى " قال ابن عباس اغناه بان جعل دعوته مستجابة فلو شاء ان يصير الجبال ذهبا لصارت باذن الله تعالى " فمن يكون كذلك كيف يحتاج الى مال أبي بكر وكيف يقال نقض تفسيراتهم لهذه الاية ان أبا بكر اغناه، وايضا يتوجه ان من انفق المال العظيم على رجل محال ان لا يعرف موطنه وحيث انفقه ولسنا نعرف ان لرسول الله صلى الله عليه وآله موطنا غير مكة والمدينة فإن زعموا ان ابا بكر انفق هذا المال بمكة قبل الهجرة قيل لهم على ما انفق هذا المال ؟ وفيم صرفه ؟ هل كان لرسول الله صلعم بمكة من الحشم والعيال ما انفق عليهم هذا المال كله من زمان اسلام ابى بكر الى وقت الهجرة ؟ فهذا من ابين المحال وان قالوا: ان رسول الله صلعم جهز الجيوش في مكة بذلك المال ظهر فضائحهم لانه باجماع الامة لم يشهر سيفا بمكة ولم يامر به ولا اطلق لاصحابه محاربة أحد من المشركين بها وإنما كان اسلم معه إذ ذاك اربعون رجلا فلما اشتد عليهم الاذى من قريش وشكوا ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وآله ولى عليهم جعفر بن أبي طالب رضى الله عنه واخرجهم معه الى ارض النجاشي ملك الحبشة فكانوا هناك الى ان هاجر رسول الله صلعم وفتح كثيرا من فتوحه فقدموا عليه بعد سنين من الهجرة ولقد كان رسول الله صلعم بشهادة الخاص والعام اغنى قريش بعد تزويجه بخديجة وكانت خديجة باقية الى سنة الهجرة لا يحتاج مع مالها الى مال غيرها حتى لقد كان من استظهاره بذلك عن أبي طالب ع ان ضم على بن أبي طالب عليه السلام الى نفسه تخفيفا بذلك عن أبي طالب


(1) كذا في النسختين اللتين عندي ؟

[ 326 ]

في المؤنة وما وجدنا في شئ من الاخبار ان رسول الله صلى الله عليه وآله بعد تزويجه بخديجة رضى الله عنها احتاج الى أحد من الناس فإن أهل الاثر مجمعون على ان خديجة كانت ايسر قريش واكثرهم مالا وتجارة وأما بعد الهجرة الى المدينة فقد علم اهل الاثر ان أبا بكر ورد المدينة وهو محتاج الى مواساة الانصار في المال والدار وفتح الله تعالى على رسوله عن قريب من غنائم الكفار وبلدانهم ما كان بذلك اغنى العرب، على ان أبا اسحاق من اكابر محدثي أهل السنة قد روى ما يكذب ذلك حيث روى ان النبي صلعم لم يركب ناقة حتى قام بثمنها من ماله فمن لم يستحل ركوب ناقة غيره من غير اعطاء ثمنها فكيف يستحل غيرها ويؤيده ما سيرويه هذا الشيخ الجامد عن البخاري " من انه لم ياخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن " فتفطن. 113 - قال: اخرج الشيخان واحمد والترمذي عن ابى بكر ان رسول الله صلعم قال له بالغار: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما انتهى. اقول: اولا ان وجه التهمة فيه ظاهر لأن الراوى عن النبي صلعم هو أبو بكر فلعله اراد بوضع ذلك ان يخبر لنفسه نفعا وشرفا. وثانيا انه لو سلم صحته فلا نفع فيه ولا شرف يختص بابى بكر لأن كونهما اثنين الله ثالثهما ليس اعظم من كون الله رابعا لكل ثلاثة في قوله " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم " وهذا عام في حق كل مؤمن وكافر وكون المصاحبة موجبة لتشريفه معارض بما مر من قوله تعالى للكافرين " قال له صاحبه وهو يحاوره، اكفرت بالذى خلقك " وكما احتمل ان يقال انه استصحبه في هذا السفر لاجل الشفقة احتمل ان يكون ذلك لاجل انه خاف ان يدل الكفار عليه أو يوقفهم على اسراره لو تركه كما يقوله الشيعة واجاب فخر الدين الرازي في تفسيره عن هذا بان

[ 327 ]

كون الله رابعا لكل ثلاثة مشترك وكونه ثانى اثنين الله ثالثهما تشريف زائد اختص الله أبا بكر به،. على ان المعية هنالك بالعلم والتدبير وههنا بالصحبة والموافقة فاين احديهما من الاخرى ؟ والصحبة في قوله " له صاحبه " مقرونة بما يقتضى الاهانة والاذلال وهو قوله " اكفرت " وفي الاية مقرونة بما يوجب التعظيم والاجلال وهو قوله " ولا تحزن ان الله معنا " والعجب ان الشيعة إذا حلفوا قالوا وحق خمسة سادسهم جبرئيل، واستنكروا ان يقال: وحق اثنين الله ثالثهما. انتهى. اقول: فيه نظر أما اولا فلان ما ذكره " من ان يكون الله رابعا لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثانى اثنين تشريف زائد اختص الله تعالى أبا بكر به " مردود بان كونه ثانى اثنين انما يكون شرفا وفضيلة له لو كان ثانيا مطلقا لكنه قد قيد كونه ثانيا بكونه في الغار وهذا الشرف كان حاصلا للحية التي لسعت أبا بكر في الغار كما قال الشيخ العارف الموحد الاوحدي قدس سره: " شعر " * بشب هجرت وحمايت غار * بدم عنكبوت وصحبت مار * وان احتمل ان يكون مراده بصحبت مار صحبت ابى بكر فافهم. واما ثانيا فلان ما ذكره في العلاوة كاد ان يكون كفرا بالله ورسوله لدلالته على ان معية النبي صلعم بالصحبة والمرافقة اعظم واشرف من معية الله تعالى له بالعلم والتدبير،. على انا لا نسلم ان معية أبي بكر بالنسبة الى النبي كان بالصحبة الاصطلاحية والمرافقة المعنوية.

[ 328 ]

وأما ثالثا فلان ما ذكره " من ان الصحبة في قوله " قال له صاحبه " مقرونة بما يقتضى الاهانة،. الى آخره " مدفوع بان الكلام في دلالة لفظ الصحبة والقرينة على تقدير تسليم وجودها لا يجدى في ذلك بل اللازم من استعمال الصحبة في مقام الاهانة ان لا يكون للفظ الصحبة دلالة على التعظيم اصلا ولو سلم فنقول ان ما ذكره كلام على السند الاخص لأن ههنا آية اخرى تدل على ان يوسف عليه السلام قال لكافرين كانا معه في السجن: صاحبي، من غير ان يكون مقرونا باهانة واذلال وهى قوله تعالى حكاية عنه على نبينا وآله وعليه السلام " يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير ام الله الواحد القهار " كما مر بيانه في ذكر آية الغار. وأما رابعا فلان تعجبه عن الشيعة في حلفهم بما ذكر من اعجب الاعجب لانهم اعتقدوا ان الخمسة التي سادسهم جبرئيل يكون الله تعالى ثانى كل منهم وثالث كل اثنين منهم وهكذا فلذلك استغنوا عن الحلف بذلك المركب الوضعي الوهمي الذي لا نسبة لاحد جزئيه وهو أبو بكر الى الله تعالى بل والى رسوله ايضا. وايضا فلا حق لابي بكر من نظر الشيعة حتى يتجه لهم الحلف بحق اثنين احدهما أبو بكر بل هو عندهم ممن اضاع حق الله تعالى وحق نبيه واهل بيته عليه وعليهم السلام كما سبق فيه الكلام وكأن من يتوقع صدور هذا القسم من القسم عن الشيعة لم يسمع القصة التى ذكرها غوث الحكماء الامير غياث الدين منصور الشيرازي رحمه الله في شرح الهياكل حيث قال: ان رجلا جبانا ضعيفا يدعى بعثمان اخذ حية عظيمة اضعفها البرد فاسقطت قواها فكان يلعب بها حتى اشرق عليها الشمس فانتعشت واشتدت وعضت فهرب الصاحب منها فلما فارقها صادف شيعيا كان بينهما عداوة قديمة واخبره عن حاله وقال له خذ لي هذه الحية بحق عثمان، فقال الشيعي: انظروا أي رجل، يزاول أي صنعة، ثم يامر

[ 329 ]

أي شخص، الى أي عمل، باى قسم فليضحك قليلا وليبك كثيرا. 114 - قال: واخرج الطبراني عن معاذ ان رسول الله صلعم قال: رايت انى وضعت في كفة وامتى في كفة فعدلتها ثم وضع أبو بكر في كفة وامتى في كفة فعدلها ثم وضع عمر في كفة وامتى في كفة فعدلها ثم وضع عثمان في كفة وامتى في كفة فعدلها ثم رفع الميزان انتهى. اقول: من اللطائف المشهورة ان بعض أهل السنة ممن كان يعرف تشيع بهلول العاقل المشهور قصد ارغامه فذكر عنده هذا الحديث فقال بهلول بديهة لو صح ما في هذا الخبر من تعادل كل من أبي بكر وعمر وعثمان مع الامة في الوزن فقد كان في ذلك الميزان عين أي قصور ولهذا رفع الميزان سريعا. 115 - قال: اخرج الترمذي عن على رضى الله عنه ان رسول الله صلعم قال رحم الله ابا بكر زوجنى ابنته، وحملنى الى دار الهجرة، واعتق بلالا من ماله وما نفعني مال في الاسلام ما نفعني مال ابى بكر وقوله " وحملنى الى دار الهجرة قد ينافيه حديث البخاري انه لم ياخذ الراحلة من أبي بكر الا بالثمن الا ان يجمع بان اخذها اولا بالثمن ثم ابرا أبو بكر ذمته انتهى. اقول: يدل على وضعه اولا مع قطع النظر عن خصوصية الترمذي الراوى ومقرره الغاوى ما ذكره من منافاته لحديث البخاري ويوم التأويل ليل اليل، وان كان طبع الناصب الغاوى الى صحة الاول اميل. وثانيا قوله " زوجنى ابنته " فانه لا يظهر المنة في مثل هذا إلا الرجل المهان والخسيس الذي تكرم به الرجل المطاع الشريف بتزويج ابنته منه ومن البين انعكاس الامر فيما

[ 330 ]

نحن فيه فإن رذالة قوم أبي بكر ومهانة نفسه بشهادة ابي سفيان عليه بذلك كما مر، وكونه خياطا في الاسلام ومعلما للصبيان في الجاهلية مما لا يخفى ولنعم ما قيل: شعر * كفى المرء نقصا ان يقال بانه * معلم صبيان وان كان فاضلا * وأما نبينا صلعم فهو هو وهو الذي خطب له أبو طالب رضى الله عنه عند نكاحه بخديجة رضى الله عنها ومن شاهده من قريش حضور بقوله " الحمد لله الذي جعلنا من زرع ابراهيم وذرية اسماعيل وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ وجعلنا الحكام على الناس في بلدنا الذي نحن فيه ثم ابن اخى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لا يوزن برجل من قريش الا رجح، ولا يقاس باحد منهم الا عظم عنه،. الى آخره ". وثالثا ان اعتاق أبي بكر لبلال من ماله لا يصلح لأن يصير منة على رسول الله صلعم وكم من عبد لله اعتقه غير ابى بكر من المهاجرين والانصار في زمانه صلعم مع احتمال ان يكون اعتاقه لبلال في كفارة قسم أو صوم أو اظهار ونحو ذلك فلا منة له في ذلك على الله تعالى ولا على رسوله صلعم. ورابعا ان نفعه بمال أبي بكر مما قد ابطلناه سابقا وسياتى عليه لاحقا بما حاصله انه لم يكن ذا مال لا في الجاهلية ولا في الاسلام وكان الترمذي الراوى، وهذا الشيخ الجامد الغاوى الذين تفردا بوضع هذه الرواية وتقريرها قد اقرضا أبا بكر قرضا قد نما رباءه نمو تضعيف ببيوت الشطرنج ولم يتمكن أبو بكر من اداءه فارادا اظهاره بتصريف النبي صلعم في المال الذي اقرضه أبو بكر منهما بوضع هذه الرواية ليطالبوا ورثته من بني فاطمة عليها السلام بل عصبته من سائر بني هاشم بذلك وغفلوا عما قال أبو بكر من " ان معاشر الانبياء لا يورثون " وعن ان التعصيب عند أهل البيت عليهم السلام باطل فليضحك قليلا

[ 331 ]

وليبك كثيرا. 116 - قال: واخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الاسلمي قال: جرى بينى وبين أبي بكر كلام فقال لي كلمة كرهتها وندم، فقال لي يا ربيعة رد على مثلها حتى يكون قصاصا فقلت لا افعل فقال أبو بكر لتقولن أو لاستعدين عليك رسول الله صلعم فقلت ما انا بفاعل فانطلق أبو بكر الى النبي صلعم فانطلقت اتلوه وجاء اناس من اسلم فقالوا لى رحم الله أبا بكر في أي شئ يستعدى عليك وهو الذي قال لك ما قال ؟ - فقلت اتدرون من هذا ؟ هذا أبو بكر ثانى اثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين،. اياكم لا يلتفت، فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله صلعم فيغضب لغضبه فيغضب الله تعالى لغضبهما فيهلك ربيعة قالوا فما تأمرنا ؟ - قلت ارجعوا وانطلق أبو بكر وتبعته وحدي حتى اتى رسول الله صلعم فحدثه الحديث كما كان فرفع الى راسه فقال يا ربيعة مالك والصديق ؟ - فقلت يا رسول الله كان كذا وكذا فقال لى كلمة كرهتها فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصا فابيت فقال رسول الله صلعم اجل لا ترد عليه ولكن قل: غفر الله لك يا ابا بكر فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر. اقول: هذا يدل على جهل ابى بكر باحكام الشريعة وتناوله للربيعة لمكروه القبيح ثم تكليفه بذكر مثل ذلك القبيح قصاصا فلا فضيلة فيه اصلا بل هو نقيصة كاملة كما لا يخفى ونظير ذلك ما وقع عن بعضهم حيث سئل عن حكم من ادخل اصبعا أو خشبا في دبر انسان فأجاب بان جزاءه ان يفعل به مثل ذلك الفعل مستدلا بقوله تعالى " وجزاء سيئة سيئة مثلها " والفقيه النبيه، خبير بما فيه، فتأمل. 117 - قال: واخرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلعم عرج بى الى السماء فما مررت بسماء الا وجدت فيها اسمى محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي وورد هذا الحديث ايضا من رواية ابن عباس وابن عمر، وانس، وأبي سعيد، وأبي الدرداء

[ 332 ]

واسانيدها كلها ضعيفة لكنه ترتقى بمجموعها الى درجة الحسن انتهى. اقول: هذا الحديث مع كونه اول رواية ابى هريرة عبارته ركيكة ومفهومه غير محصل فلا يصدر عن الفصيح وكيف ينقش في السماوات التي هي الاجرام الشريفة اسم أبي بكر في ازل الا زال، مع سبق كفره على زمان الحال، ولقد انطقه الله بالحق حيث قال: ان اسانيدها كلها ضعيفة. وأما ما ذكره بقوله " لكن ترتقى بمجموعها الى درجة الحسن " فانما يسلم لو لم يكن الضعف بالغا الى درجة الوضع مع ان امارات الوضع عليه ظاهرة لفظا ومعنى واسنادا كما عرفت. ثم الظاهر انهم وضعوا هذا في مقابلة الحديث المتفق عليه الذي ذكره القاضى عياض في كتاب الشفاء عن قوله صلعم: انه مكتوب على العرش " محمد رسول الله، ايدته بعلى " انتهى واين هنا من ذاك ونعم ما قال بعض اهل الادراك: اسم على العرش مكتوب كما نقلوا * من يستطيع له محوا وترقينا (1) 118 - قال: واخرج البغوي وابن عساكر عن ابن عمر قال كنت عند النبي صلعم وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد مالى ارى ابا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال ؟ - فقال يا جبرئيل انفق ماله على قبل الفتح قال فإن الله يقرء عليه السلام ويقول قل له: اراض انت عنى في فقرك هذا ام ساخط ؟ فقال: أبو بكر اسخط على ربى ؟ انا عن ربى راض، انا عن ربى راض، انا عن ربى راض. وسنده غريب ضعيف انتهى. اقول: هذا من غرائب موضوعاتهم وذلك من وجوه أما اولا فلانه اول راويه ابن عمر الذى سمعت منا القدح فيه سابقا وان أبا حنيفة لم يعمل بحديثه ابدا.


(1) هو من قصيدة للقاضي نظام الدين محمد بن قاضي القضاة الاصفهاني على ما ذكره في مجالس المؤمنين.

[ 333 ]

وأما ثانيا فلان بعد هجرة النبي صلعم الى المدينة وقبل فتح مكة قد فتح الله تعالى عليه وعلى اصحابه من غنائم الكفار وبلدانهم ما ازال فقرهم فكان لبس ابى بكر للعباء المبتذل المذكور للزرق والتلبيس لا للفقر فلا وجه لسؤال الحكيم الخبير وجه فقره الى لبس تلك العباءة عنه. وأما ثالثا فلان ما نسبه الى النبي صلعم من قوله " انفق ماله على قبل الفتح " مردود بما ذكرنا سابقا من اتفاق أهل الاثر على ان أبا بكر ورد المدينة وهو محتاج الى مواساة الانصار، في المال والدار، فمن اين حصل له المال الذى انفقه على سيد الابرار ؟ ومما نقلناه عن البكحرى المصرى من ان أبا بكر لم يكن في زمان سافر النبي صلعم مع أبي طالب رضى الله عنه الى الشام بحال من يملك، ولا ملك بلالا إلا بعد ثلاثين سنة فافهم. وأما رابعا فلانه لا يعقل ما تضمنه الحديث من سؤال الله تعالى عن رضى عبده عنه ولو فرضنا ان العبد قال لربه: انى لست براض عنك هل كان جوابه غير ان يقول له: فاخرج عن ارضى وسمائي بالسرعة والبدار ؟ وهل كان علاجه غير ان يدق راسه على الجدار ؟ أو يعض كابن حجر بالاحجار. 119 - قال: واخرج ابن عساكر انه قيل لابي بكر في مجمع من الصحابة: هل شربت الخمر في الجاهلية ؟ - فقال اعوذ بالله فقيل له لم ؟ - قال وكنت اصون عرضى، واحفظ مروءتي فبلغ ذلك رسول الله صلعم فقال صدق أبو بكر، صدق أبو بكر، وهو مرسل غريب سندا ومتنا انتهى. اقول: ومع قطع النظر عن الغرابة والارسال يكذبه ما رواه هذا الشيخ الكذوب الذي لا حافظة له عن ابن عساكر ايضا متصلا في الذكر لهذه الرواية من قول عائشة ولقد ترك أبو بكر وعثمان شرب الخمر في الجاهلية فظهر ان الحديث موضوع للعصبية الجاهلية

[ 334 ]

120 - قال: واخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة قالت والله ما قال أبو بكر شعرا قط في الجاهلية والاسلام ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية انتهى. اقول: ان عدم قوله للشعر إنما كان لعدم شعوره وفقد موزونيته وجمود طبعه وخمود سليقته لا لترفعه عن النسبة الى الشعر كما هو شان النبي صلعم والا فليس مطلق الشعر مما يستحب لغير النبي صلعم الترفع عنه ولو كان كذلك لما اجتمع لامير المؤمنين عليه السلام ديوان من الشعر وكيف يتاتى ان يقال مطلق الشعر قبيح ؟ مع ما ورد من كلمه صلعم " ان من الشعر لحكمة ". 121 - قال: اخرج أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس ان رسول الله صلعم قال ما كلمت احدا في الاسلام الا ابى على وراجعني الكلام الا ابن ابى قحافة فانى لم اكلمه في شيئ إلا قبله واستقام عليه وفي رواية لابن اسحاق " ما دعوت احدا الى الاسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر الا أبا بكر ماعتم اي تلبث عنه حين ذكرته وما تردد فيه " قال البيهقى وهذا لانه كان يرى دلائل نبوة رسول الله صلعم ويسمع آثاره قبل دعوته فحين دعاه كان سبق له فيه تفكر ونظر فاسلم في الحال انتهى. اقول: إنما اسلم أو استسلم أبو بكر طمعا في جاه النبي صلعم ودولته الذي وجد الاخبار عنه عن بعض الرهابين واحبار أهل الكتاب فلسبق هذا الوجدان والطمع استسلم ولم يتردد بين يدى النبي صلعم ويؤيد ما ذكرناه ما نقله آخرا عن البيهقى فافهم. 122 - قال: واخرج الترمذي وابن حيان في صحيحه عن أبي بكر انه قال: الست احق الناس بها أي بالخلافة ؟ الست اول من اسلم ؟ الحديث والطبراني في الكبير وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الشعبى قال سالت ابن عباس أي الناس كان اول اسلاما ؟ - قال أبو بكر الم تسمع قول حسان.

[ 335 ]

شعر * إذا تذكرت شجوا من اخى ثقة * فاذكر اخاك ابا بكر بما فعلا * * خير البرية اتقاها واعدلها * الا النبي واوفاها بما حملا والثانى التالى المحمود مشهده * واول الناس منهم صدق الرسلا ومن ثم ذهب خلائق من الصحابة والتابعين وغيرهم الى انه اول الناس اسلاما بل ادعى بعضهم عليه الاجماع وجمع بين هذا وغيره من الاحاديث المنافية له بانه اول الرجال اسلاما وخديجة اول في النساء وعلى اول الصبيان وزيد اول الموالى وبلال اول الارقاء وخالف في ذلك ابن كثير فقال: ان الظاهر ان أهل بيته آمنوا قبل كل احد، زوجته خديجة ومولاه زيد وزوجته ام ايمن وعلى وورقة ويؤيده ما صح عن سعد بن أبي وقاص انه اسلم قبله اكثر من خمسة قال: ولكن كان خيرنا اسلاما. انتهى. اقول ان قول أبي بكر " الست احق الناس بها ؟ أي بالخلافة " مجرد دعوى ولهذا لم يجب عنه أحد من السامعين لها هناك بالنفى ولا الاثبات. وأما ما نقله عن الطبراني فجميع رجال اسناده عندنا مطعون سيما عامر الشعبى الذي تخلف عن الحسين عليه السلام وخرج مع عبد الرحمن بن محمد الاشعث وقال له الحجاج: أنت المعين علينا ؟ - فقال نعم، ما كنا ببررة اتقياء ولا فجرة اقوياء وهو الذى دخل بيت المال فسرق في خفه مائة درهم وأما ما ذكره من قول حسان ففيه ان قوله وبوله عندنا سواء لانه قد انحرف كغيره بعد وفات النبي صلعم عن أهل البيت عليهم السلام وظهر عداوته لعلى عليه السلام في مواضع شتى منها انه لما عزل على عليه السلام قيسا عن حكومة مصر وخرج قيس من مصر ووصل الى المدينة متوجها الى خدمة على عليه السلام واللحوق به في حرب صفين دخل عليه حسان وبالغ في دلالته الى الانحراف عن على عليه السلام واللحوق مع معاوية

[ 336 ]

حتى انكر عليه قيس رضى الله عنه ذلك فشتمه واخرجه من مجلسه وقد روى شيخنا المفيد قدس سره في كتاب الارشاد انه لما انشد حسان في غدير خم قصيدته المشهورة المتضمنة لما وقع في ذلك اليوم من نصب على عليه السلام بالخلافة والولاية بعد النبي صلى الله عليه وآله قال له الرسول صلعم: " لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك " وانما اشترط رسول الله صلعم في الدعاء له لعلمه بعاقبة امر حسان في الخلاف ولو علم سلامته في المستقبل من الاحوال لدعاله على الاطلاق ومثل ذلك ما اشترط الله في مدح ازواج النبي صلعم ولم يمدحهن من غير اشتراط لعلمه تعالى بان منهن من تتغير بعد الحال عن الصلاح الذي تستحق عليه المدح والاكرام فقال " يا نساء النبي لستن كاحد من النساء ان اتقيتن،. الاية " ولم يجعلهن في ذلك حسب ما جعل أهل بيت النبي صلعم في محل الاكرام والمدحة حيث يقول في ايثارهم المسكين واليتيم والاسير على انفسهم مع الخصاصة التي كانت بهم " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله،. الى قوله تعالى: وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا " فقطع لهم بالجزاء ولم يشرط لهم كما اشترط لغيرهم باختلاف الاحوال على ما بيناه. وأما ما ادعاه من تقدم اسلام أبي بكر مستندا الى الاخبار الموضوعة تارة، والى نقل بعضهم للاجماع في ذلك اخرى، ثم تكلف الجمع بما لا يمكن جمعهما بقنطار من الغرا، فاعماله الحيلة واختراع الوسيلة ووضع الكذب لنصرة مذهب القبيلة عليها ظاهر والحق تأخر اسلامه كما نقله عن ابن كثير وصححه عن سعد بن أبي وقاص ويؤيده ما ذكره ابن الاثير في كتاب اسد الغابة في معرفة الصحابة عن ضمرة بن ربيعة انه قال: كان اسلام أبي بكر مسببا عن اسلام خالد بن سعيد الاموى وذكر في هذا قصة طويلة. وأما غيرهم فقد قالوا انه كان ثامن الاصحاب في الايمان.

[ 337 ]

123 - قال: الفصل الثالث في ذكر فضائل ابى بكر الواردة فيه مع ضميمة غيره كعمر وعثمان وعلى وغيرهم إليه اخرج الحاكم في الكنى، وابن عدى في الكامل، والخطيب في تاريخه، عن أبي هريرة ان رسول (صلعم) قال: أبو بكر وعمر خير الاولين والاخرين، وخير أهل السموات وخير أهل الأرض الا النبين والمرسلين (انتهى). اقول: هذا الحديث موضوع في مقابلة ما روى من قوله (ص) " محمد وعلى خير البشر، من ابى فقد كفر، وقد كفى مؤنة القدح فيه ودفع ما يعرض فيه العامي من الحيرة، كون اول راويه أبا هريرة. 124 - قال: اخرج الطبراني، عن أبي الدرداء " اقتدوا بالذين من بعدى، ابى بكر وعمر فانهما حبل الله الممدود، من تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " وله طرق مرت في احاديث الخلافة انتهى. اقول: قد سبق منا الكلام على مقدمة هذا الحديث فيما ذكره هذا الشيخ الجامد من احاديث الخلافة وأما الزيادة المذكورة ههنا فقد وضعوها في مقابلة ما روى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " انى قد تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى،. الثقلين، واحدهما اكبر من الاخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي اهل بيتى، الا وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " وما رواه الزمخشري باسناده قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " فاطمة مهجة قلبى، وابناها ثمرة فؤادى، وبعلها نور بصرى، والائمة من ولدها امناء ربى، وحبل ممدود بينه وبين خلقه من اعتصم بهم نجا ومن تخلف عنهم هوى ". 125 - قال: واخرج الترمذي عن أبي سعيد ان النبي (صلعم) قال:

[ 338 ]

ما من نبى الا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فاما وزيراي من أهل السماء فجبرئيل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فابو بكر وعمر (انتهى). اقول: سنذكر بعد ذلك اخبارا اخر في هذا المعنى ايضا ويتوجه على الكل ان الوزارة في اللغة تستعمل بمعنى المعونة، ومعونة رسول الله صلى الله عليه وآله لا تكون إلا من جهتين لا ثالث لهما منهما المعونة في التادية والابلاغ الى الناس من دين الله عز وجل الذي جاء به من عنده كما قال تعالى " ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه اخاه هارون وزيرا " فكان هارون مبلغا مع موسى مؤديا معه رسالات الله تعالى معينا له على دين الله تعالى، والوجه الثاني هو المعونة بمجاهدة الكفار و محاربتهم ولم يكن أبو بكر معينا للنبى صلى الله عليه وآله بشئ من هذين الوجهين وهو ظاهر ولا نعرف في معونة الرسول وجها ثالثا وذلك ان في الوزارة لسائر الناس ما يكون معه الراى والمشاورة والتدبير وقد قدمنا الاشارة الى ان هذا مما لا يجوز ان يظن لاحد مع رسول الله (صلعم) لان الرسل لا يستعملون آراءهم وتدبيرهم دون تدبير الله وامره وإنما هم يصيرونه عن امر الله ونهيه وتدبيره في وجوه متصرفاتهم من حرب الى سلم، الى تقديم، الى تأخير، الى غير ذلك، ومن كان الله مدبره ومختارا له في متصرفاته كان مستغنيا عن مشاورة رعيته وتدبيرهم معه وهذا ما لا يجوز ان نظنه دونهم في نبى ولا رسول ولا حجة لله يحتج بها على عباده، وايضا يكذب ما ذكره من ان لكل نبى وزيرين من أهل الارض ان موسى عليه السلام مع كونه نبيا من اولى العزم لم يسمع أحد له غير هارون عليه السلام وزيرا فظهر ان في الخبر وضعا وتزويرا. 126 - قال: واخرج أحمد والترمذي عن على وابن ماجه عنه ايضا وعن أبي جحيفة وأبو يعلى في مسنده وايضا في المختار عن انس، والطبراني في الاوسط

[ 339 ]

عن جابر وعن أبي سعيد ان رسول الله (صلعم) قال هذان سيدا كهول أهل الجنة من الاولين والاخرين الا النبيين والمرسلين يعنى أبا بكر وعمر (انتهى). اقول: لعل هذا الشيخ الجاهل انما يبالغ في ذكر الكثرة من رجال هذا الحديث وتعدد طرقهم فيه اظهارا لفضله وكثرة تتبعه على المحدثين من اصحابه والا فلا يخفى على أحد ان ذلك لا ينجع في الاحتجاج على الشيعة فإن ذلك عندهم يوجب زيادة التهمة الا الظن بالصحة وهو ظاهر، على انهم كما قال صاحب كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة رووا حديثا آخر ابطلوا به هذا الحديث، وذلك انهم رووا باجماع منهم ومن غيرهم ان الرسول (صلعم) قال: " أهل الجنة يدخلون الجنة جردا مردا مكحلين " فإذا كانوا كذلك فلا كهول هناك ليكونا سيديهم ولو كان هناك ايضا كهول كما زعموا هل كانت امامة أبي بكر وعمر ورياستهما على الكهول دون الشباب والمشايخ ام كانت على الجميع ؟ فان قالوا: انها كانت على الكهول دون غيرهم بانت فضيحتهم، وان قالوا: بل كانت على جميعهم، قيل لهم: فالسيد في كلام العرب هو الرئيس وليس في الرياسة اجل من الامامة فإذا كانا امامين على الكهول وغيرهم فهما رئيسان على جميعهم وإذا كانا رئيسين على الجميع فهما سيدا الجميع وإذا كان الامر كذلك فلا فائدة في قول الرسول (صلعم) " هما سيدا كهول أهل الجنة " ولعمري لو كان ذلك منه صحيحا لبخسهما حقهما إذ قال: هما سيدا كهول أهل الجنة. وهما سيدا الكهول والمشايخ والشباب بزعمكم فهذا ما يشتغل به ذوقهم (انتهى) وقد يقال: معنى قوله " هما سيدا كهول اهل الجنة " انهما سيدا الكهول الذين يدخلون الجنة، ولا يلزم منه كون بعض أهل الجنة كهولا حين كونه في الجنة واقول يتوجه عليه مع ما مر في كلام صاحب الاستغاثة من لزوم نقص امامتهم وقصرها على الكهول وقوع التعارض بينه وبين ما روى الجمهور في صحاح نقص امامتهم وقصرها على الكهول وقوع التعارض بينه وبين ما روى الجمهور في صحاح احاديثهم ايضا ان النبي (صلعم) قال: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " وذلك

[ 340 ]

لأن اسلوب الحديثين وسوقهما بعد تكلف التقدير المذكور يقتضى وجوه مناسبة في الموضعين اعني لسيد الكهول مع الكهول في الكهول، ولسيد الشباب مع الشباب في الشباب، ولم يكن الحسن والحسين عليهما السلام شابين عند الوفاة حتى يقال: هما سيدا الشباب الذين يدخلون الجنة وأبو بكر وعمر سيدا الكهول الذين يدخلون الجنة فيلزم التعارض قطعا. وقال العاقولي في شرحه للمصابيح في تفسير حديث السبطين (ع) انه لم يرد به سن الشباب لانهما (ع) ماتا وقد كهلا بل ما يفعله الشباب من المروءة كما يقال: فلان فتى وان كان شيخا إذا كان ذا مروءة وفتوة انتهى فعلى هذا التفسير المجمع عليه يكونان هما سيدى الشباب والكهول وسيدي أبي بكر وعمر، ان كان لهما فتوة ومروءة وفيه تكذيب صريح لحديث " سيدا كهول اهل الجنة " فتدبر. 127 - قال: الباب الرابع في خلافة عمر، انا لا نحتاج في هذا الى قيام البرهان على حقية خلافة عمر لما هو معلوم عند كل ذى عقل وفهم انه يلزم من حقية خلافة ابى بكر حقية خلافة عمر فكيف وقد قام الاجماع ونصوص الكتاب والسنة على حقية خلافة ابى بكر. اقول: لقد ابطلنا بتوفيق الله تعالى ومنه جميع ما ذكره في حقية خلافة ابى بكر من الادلة القاصرة، والتحكمات الفاجرة، الناشئة عن سوء المصادرة، واثبتنا بطلان خلافته بتشييد اركان دلائل الشيعة على غصبه لها بخلافته فقد كفانا ذلك مؤنة الكلام في ابطال خلافة عمر وتضييع الوقت فيه، لأن بطلان الاول يستلزم بطلان الثاني، وكذا الكلام في خلافة عثمان، والله المستعان في كل الامور * تم الكتاب * تم طبع الكتاب بعون الله الملك الوهاب في عاشر ربيع الاول من هذه السنة 1367 الهجرية القمرية مطابقا لهذا التاريخ " 1 / 11 / 1326 " من السنة الهجرية الشمسية

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية