الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




وصول الأخيار إلى أصول الأخبار- والد البهائي العاملي

وصول الأخيار إلى أصول الأخبار

والد البهائي العاملي


[ 1 ]

المختار من التراث (8) وصول الاخيار الى اصول الاخبار تأليف العالم الفقيه المحدث الاديب الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (918 - 984) تحقيق السيد عبد اللطيف الكوهكمري

[ 2 ]

كتاب: وصول الاخيار الى اصول الاخبار تأليف: الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي تحقيق: السيد عبد اللطيف الكوهكمرى نشر: مجمع الذخائر الاسلامية طبع: مطبعة الخيام - قم التاريخ: 1041 ه‍ العدد: (2000)

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله موصل الخيرات للاشرار والاخيار، المفيض لعباده الاقران والاغيار، الذي أرسل الانبياء للهداية والدراية. ونصليي ونسلم على الانبياء والمرسلين، سيما على خاتمهم سيد الانجبين، وعلى وصيه وخليفته علي أمير المؤمنين، وعلى أولاه الطاهرين الطيبين، لا سيما على ناموس الدهر وصاحب الزمان والعصر مبير الظالمين وعون المظلومين. اللهم عجل فرجه الشريف، واملأ به الارض قسطا وعدلا. آمين يا رب العالمين. ان فضيلة الاحاديث النبوية الشريفة والاخبار الولوية الرفيعة لا تخفى على كل ذي فراسة وفهم وانصاف بعد كلام الله المجيد، لانها صدرت من منبع الرسالة وجرت عن ينبوع الولاية، وفيها صلاح الدنيا وفلاح الاخرة، وبها يدرك مراده تعالى من الايات الكريمة التي نزلت على صدر الرسول الشريف ووقعت في نفسه الكريمة، وهو صلى الله عليه وآله وسلم تحمل أثقالها وتكلف أعباءها، وعنده أسرار هذه الايات مكشوفة ومعانيها معلومة، وهو صلى الله عليه

[ 4 ]

وآله وسلم أعطى كل ما عنده من العلوم وشؤونات الرسالة - عند رحلته عن هذه الدنيا الدنية الحق علي أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، الا أنه لا نبى بعده صلى الله عليه وآله، وعلمه أبواب العلوم ودرسه فصولها كلها. وانتقلت هذه الشؤونات الى أولاده الطاهرين المعصومين عليهم السلام واحدا " بعد واحد، ولا فرق بينهم عليهم السلام في ذلك بالزيادة والنقصان، أولهم آخرهم وآخرهم أولهم - أولنا محمد وآخرنا محمد وأوسطنا محمد وكلنا محمد - فهم (ع) عدل الكتاب ومبينيوه، وهم يعرفون آياته ظاهرها وباطنها ومطلقها ومقيدها، وهم يعلمون أنها في أي وقت نزلت وأين نزلت وكيف نزلت ولم نزلت. قال السيوطي في الاتقان 2 / 187 عند ذكر طبقات المفسرين وأن في الطبقة الاولى الخلفاء الاربعة: وأما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن ابى طالب [ سلام الله وصلواته عليه ] والرواية عن الثلاثة نزرة جدا ". وقال: ولا أحفظ عن أبى بكر في التفسير الا آثارا " قليلة جدا " لا تكاد تجاوز العشرة أقول: نعم كيف يفسر القرآن من لا يعرف (ابا ") ومن أقر على أن المخدرات عرفانهن أجدر منه. قال: وأما علي [ عليه السلام ] فروي عنه الكثير، وقد روى معمر عن وهب ابن عبد الله عن ابى الطفيل قال: شهدت عليا " يخطب وهو يقول: سلوني فو الله لا تسألون عن شئ الا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله فو الله ما من آية الا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال: ان القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف الاوله ظهر وبطن، وان علي بن ابى طالب عنده منه الظاهر والباطن.

[ 5 ]

وأخرج أيضا " من طريق ابى بكر بن عياش عن نصير بن سليمان الاحمسي عن أبيه عن علي [ عليه السلام ] قال: والله ما نزلت آية الا وقد علمت فيم أنزلت وأين أنزلت، ان ربى وهب لي قلبا " عقولا ولسانا " سؤلا. انتهى ما عن السيوطي. وروى العلامة المحدث الفيض الكاشاني في الصافي عن الكافي والعياشي واكمال الدين عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول - وساق الحديث الى أن قال: ما نزلت آية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها، فأكتبها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها، ودعى الله لي أن يعلمني فهمها وحفظها، وما نسيت آية من كتاب الله ولا علما " أملاه علي فكتبته منذ دعا وما ترك شيئا " علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون من طاعة أو معصية الا علمنيه وحفظته فلم أنس منه حرفا واحدا "، ثم وضع يده على صدري ودعى الله أن يملا قلبى علما " وفهما " وحكمة ونورا "، فقلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمي مذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئا " ولم يفتني شئ لم أكتبه أو تتخوف علي النسيان فيما بعد ؟ فقال: لست أتخوف عليك نسيانا " ولا جهلا. وبهذا يظهر أن علم دراية الحديث أشرف العلوم، لانه وضع لمعرفة الاحاديث الشريفة من حيث الصحة والوثوق والحسن والضعف وغيرها من شئون الاحاديث والاخبار، والعلماء رضوان الله تعالى عليهم تصدوا الى تعليم وتعلم هذا العلم الشريف في كل عصر وزمان وكتبوا في مطويات تصنيفاتهم، وبعضهم ألف كتابا مستقلا في ذلك العلم. وكان من جيد ما ألف في موضوع الدراية كتاب (وصول الاخيار الى أصول

[ 6 ]

الاخبار) الذي هومن مؤلفات علامة زمانه ومحدث أوانه الشيخ الاديب الفاضل المحقق المدقق عز الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي. وكنت منذ أمد أفكر في احيائه واخراجه بطبع جيد، الا أن الشواغل والموانع تمنعني عن تحقق هذه الامنية، وانتظرت الفرصة حتى من الله تعالى علي بها في هذه الايام، فقابلته على نسخة مخطوطة وعلقت عليه بالضروري اللازم واكتفيت في التعاليق بالاهم الاليق. والله عز شأنه المسؤول في أن يوقفنا لما فيه الخير والصلاح ويجنبنا عن مواضع الخطأ والخطل وهو المجيب للدعوات الاخذ بأيدي عباده. قم 15 ربيع الاول 1401 عبد اللطيف الحسينى الكوهكمرى عفى عنه.

[ 7 ]

تعريف الكتاب قال في رياض العلماء: ومن مؤلفاته كتاب (وصول الاخيار الى أصول الاخبار)، وهو كتاب حسن طويل الذيل جدا " في علم الدراية، وقد ذكر في أوله أدلة الامامة وأطال البحث فيها، وقد رأيته بساري وطهران وغيرهما. وهو كثير الفوائد والمطالب، وهو ثاني مؤلف في علم الدراية من طريقة أصحابنا، وقد سبقه استاده الشهيد الثاني بذلك. انتهى. وقال ايضا " في ترجمة استاذه الشيخ زين الدين الشهيد: ثم اعلم أن الشيخ زين الدين هذا هو أول من نقل علم الدراية من كتب العامة وطريقتهم الى كتب الخاصة، وألف فيه الرسالة المشهورة ثم شرحها كما صرح به جماعة ممن تأخر عنه، ويلوح من تتبع كتب الاصحاب أيضا "، ثم ألف بعده تلميذه الشيخ حسين ابن عبد الصمد الحارثي وبعده ولده الشيخ البهائي وهكذا. ثم قال بعيد هذا: وهو - أي الشهيد الثاني - أول من صنف من الامامية

[ 8 ]

في دراية الحديث، لكنه نقل الاصطلاحات من كتب العامة كما ذكره ولده وغيره. وقال السيد الصدر رحمه الله تعالى في تأسيس الشيعة: ان أول من دون علم دراية الحديث هو أبو عبد الله الحاكم النيسابوري الامامي الشيعي، قال في كشف الظنون في باب حرف الميم: (معرفة علم الحديث) أول من تصدى له الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري المتوفى سنة 405 - الى أن قال - وتبعه ابن الصلاح. انتهى قوله. ثم السيد ذكر تصريح عدة من علماء السنة على تشيع الحاكم المزبور منهم السمعاني وابن تيمية والحافظ الذهبي وابن طاهر وابو اسماعيل الانصاري. ثم بعد هذا رد قول جلال الدين السيوطي في (الوسائل في الاوائل): انه أول من رتب أنواعه ابن الصلاح في مختصره المشهور، فقال: ان ما بين ابى عمر وعثمان بن عبد الرحمن المشهور بابن الصلاح والحاكم النيسابوري بنحو مائتي سنة، فالحاكم هو المتقدم في وضع أنواع الحديث لا ابن الصلاح التابع له في ذلك. الى أن قال: فاعلم أن أول من صنف فيه بعد الحاكم المؤسس: السيد جمال الدين احمد بن موسى بن طاوس أبو الفضائل المتقدم المتوفى سنة 673 وهو استاد العلامة ابن المطهر الحلي، وهو واضع الاصطلاح الجديد للامامية في صحيح الحديث وحسنه وموثقه وضعيفه كما نص عليه كل علماء الرجال في ترجمته. ثم ان السيد رحمه الله ذكر علماء الدراية وقال: وأما الذين صنفو ا في علم الدراية فكثيرون، منهم:

[ 9 ]

السيد علي بن عبد الحميد النجفيي، له شرح أصول دراية الحديث من علماء أول المائة الثامنة، يروي عن العلامة الحلي، وهواستاد ابن فهد الحلي - الى آخر كلام السيد رحمه الله. أقول: بعد ما سمعت هذه الاقوال فقد ظهر لك أنه ليس أول من ألف في علم الدراية هو الشهيد الثاني حتى يكون المترجم له ثانيهما وان لم نقل بتشيع الحاكم النيسابوري، فأول من ألف في علم الدراية من الشيعة الامامية هو السيد جمال الدين احمد بن طاوس، ثم بعده السيد علي بن عبد الحميد النجفي النيلي، وهكذا الى أن قام شيخنا المترجم له فألف كتابه هذا بأحسن اسلوب وأتقن طريق حري ان يكتب بالنور على خدود الحور. جمع في هذا الكتاب محاسن مسائل علم الدراية، وأدرج فيه مكارم مباحثه لا سيما في أول الكتاب - أضاف نورا " على نوره - حيث بحث عن مسألة الامامة وأثبت وجوب التبعية للائمة المعصومين عليهم السلام وأخبارهم وأحاديثهم والمنع عن غيرهم بالادلة المتقنة والبراهين المحكمة من الكتاب والسنة والعقل والاجماع.

[ 10 ]

ترجمة المؤلف هو العالم الفاضل التقي الزكي الا لمعي اللوذعي المولى الشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصمد بن شمس الدين محمد بن علي بن الحسين بن صالح الحارثي الهمداني العاملي الجبعي ثم الخراساني، والد شيخنا البهائي رحمهما الله. كان فاضلا عالما " متضلعا " متبحرا " متتبعا " اصوليا " فقيها " محدثا " متكلما " شاعرا " ماهرا " في صنعة اللغز، وله ألغاز مشهورة في بعضها خاطب بها ولده البهائي فأجابه البهائي أيضا " بلغز أحسن من لغز والده، وهما مشهوران وفي المجامع مسطوران. كلمات العلماء فيه: في أمل الامل: كان عالما " ماهرا " محققا " مدققا " متحبرا " جامعا " أديبا " منشئا " شاعرا " عظيم الشان جليل القدر، ثقة ثقة، من فضلاء تلامذة شيخنا الشهيد الثاني وقد أجازه الشيخ الشهيد الثاني اجازة مطولة مفصلة.

[ 11 ]

وفي اللؤلؤة: كان عالما " ماهرا " متبحرا " عظيم الشأن. ثم نقل ما قاله الشهيد في الاجازة الكبيرة له، قال: قال في أولها (ثم ان الاخ في الله المصطفى في الاخوة المختار في الدين المترقى عن حضيض التقليد الى أوج اليقين الشيخ العالم الاوحد ذالنفس الطاهرة الزكية والهمة الباهرة العلية والاخلاق الزاهرة الانسية) الى آخر ما قال. وقال في الرياض نقلا عن تاريخ عالم آرا: وكان من مشائخ عظام جبل عامل، وكان فاضلا كاملا في جميع العلوم، ولا سيما الفقه والتفسير والحديث لو العربية، وصرف خلاصة أيام شبابه في خدمة الشهيد الثاني، وكان في تصحيح الحديث والرجال وتحصيل مقدمات الاجتهاد وكسب الكمال مشاركا له ومساهما معه. وقال أيضا نقلا عن المولى نظام الدين التفريشي تلميذ الشيخ البهائي في كتاب نظام الاقوال: الشيخ العالم الاوحد، صاحب النفس الطاهرة الزكية والهمة الباهرة العلية، من أجلة مشائخنا، كان عالما " فاضلا مطلعا " على التواريخ ماهرا " في اللغات مستحضرا " للنوادر والامثال، وكان ممن جدد قراءة كتب الاحاديث ببلاد العجم. وقال أيضا " نقلا عن المولى مظفر علي تلميذ البهائي: قد كان في زمانه بين مشاهير فحول العلماء الاعلام والفقهاء الكرام، وكان في تحصيل العلوم والمعارف وتحقيق مطالب الاصول والفروع مشاركا " ومعاصرا " للشهيد الثاني، بل لم يكن له في علم الحديث والتفسير والفقه والرياضي عديل في عصره. الى غير ذلك من عبرات الاطراء التي قيلت في حقه.

[ 12 ]

انتقاله من وطنه الى ايران قال في الرياض نقلا عن المولى مظفر علي المذكور: وقد توجه هذا الشيخ في زمن السلطان الشاه طهماسب الصفوي من جبل عامل مع جميع توابعه وأهل بيته الى أصبهان، وأقام بها ثلاث سنين مشتغلا بافادة العلوم الدينية وافاضة المعارف اليقينية ويستفيد منه فيها علماء عراق العجم ولما اطلع الشيخ علي الملقب بالمنشار - وكان هو شيخ الاسلام باصبهان والسلطان المبرور قد كان في بلدة قزوين - عرض عليه خبر ورود هذا الشيخ بأصبهان، ثم لما سمع السلطان المذكور هذا الخبر كتب السلطان المرحوم بخط نفسه الى الشيخ حسين هذا وأرسل له الخلعة وطلب حضوره الى بلدة قزوين مقر سلطنته في تلك الاوقات، ولما توجه هذا الشيخ الى قزوين ووصل الى خدمة السلطان المبرور عظمه وبجله غاية التعظيم والتبجيل وجعله شيخ الاسلام بقزوين. واستمر على ذلك سبع سنين، وكان يقيم بها صلاة الجمعة بدل الظهر فانه ممن يعتقد وجوب صلاة الجمعة عينا " كما هو اعتقاد شيخه الشهيد الثاني المذكور أيضا، ثم بعد ذلك قد فوض إليه منصب شيخ الاسلامية والاقامة بالمشهد المقدس الرضوي، فأقام فيه مدة. ثم لما كان اكثر أهل هراة في تلك الاوقات عارين عن معرفة الائمة الاثني عشر وعن التدين بمذهب أهل البيت عليهم السلام، أمره السلطان المزبور بالتوجه الى بلدة هراة والاقامة بها لارشاد ضلال أهل الضلال لتلك الناحية وأعطاه ثلاث قرايا من قرى تلك البلدة، وقد أمر السلطان المذكور الامير شاه قلي سلطان يكان - أعني حاكم بلاد خراسان - بأن يحضر كل جمعة بعد الصلاتين

[ 13 ]

السلطان محمد خدا بنده ميرزا ولد السلطان المزبور المذكور في المسجد الجامع الكبير بهراة الى خدمة هذا الشيخ لاستماع الحديث وينقاد لا وامر هذا الشيخ ونواهيه بحيث لا يخالف أحد هذا الشيخ. فأقام هذا الشيخ بهراة ثمان سنين على هذا المنوال مشتغلا بافادة العلوم الدينية واجراء الاحكام الشرعية واظهار الامور والاوامر الملية، فتشيع لذلك خلق كثير ببركة أنفاسه قدس سره بهراة ونواحيه، ودخل في مذهب الامامية حتى تطهر تلك الناحية عن لوث المخالفين، وقد توجه الى حضرته الطلبة بل العلماء والفقهاء من الاطراف والاكناف من أهل ايران وتوران لاجل مقابلة الحديث وأخذ العلوم الدينية وتحقيق المعارف الشرعية. ثم توجه هذا الشيخ بعد مدة من الزمان من هراة الى قزوين لا دراك خدمة السلطان المذكور بها ثانيا "، واسترخص من السلطان لزيارة بيت الله ولم يرخص ولده الشيخ البهائي، ولذلك أمره باقامته هناك واشتغاله بتدريس العلوم الدينية فتوجه هذا الشيخ الى زيارة البيت، ولما تشرف بزيارة البيت وزيارة المدينة رجع من طريق بحرين وأقام بتلك البلدة وتوطن بها ثم كتب الى ولده الشيخ البهائي المذكور ما معناه: انك ان تطلب محض الدنيا تذهب الى الهند، وان كنت تريد العقبى فلابد أن تجئ الى بحرين، وان كنت لا تريد الدنيا ولا العقبى فتوطن ببلاد عراق العجم. وبالجملة فقد أقام هذا الشيخ في بلاد بحرين واشتغل بتدريس العلوم الدينية برهة من الزمان الى أن توفي بها.

[ 14 ]

ولادته ووفاته: في الرياض عن المولى نظام الدين التفريشي تلميذ ولده الشيخ البهائي قال في كتابه (نظام الاقوال) بعد ما أثنى عليه رحمه الله قال: ولد أول محرم الحرام سنة ثماني عشر وتسعمائة. وقال الافندي: ورأيت في أردبيل أيضا " على ظهر نسخة من ارشاد العلامة نقلا عن خط الشيخ حين هذا - الى أن قال -: ومولد هذا الفقير الكاتب أول يوم من محرم سنة ثماني عشر وتسعمائة. وقال أيضا " بعيد هذا: وكتب ولده الشيخ البهائي بخطه الشريف تحت مولد أبيه: انه انتقل الى دار القرار ومجاورة النبي والائمة الاطهار في ثامن ربيع الاول سنة أربع وثمانين وتسعمائة، فكان عمره ستا " وستين سنة وشهرين وسبعة أيام قدس الله روحه. وكانت وفاته بالبحرين بقرية المصلى من قرى هجر ودفن بها، ولما اتصل خبر وفاته الى ولده الشيخ البهائي رثاه بمرثية لطيفة معروفة، منها هذه الابيات: يا جيرة هجروا واستوطنوا هجرا " * واها لقلب المعنى بعد كم واها يا ثاويا " بالمصلى من قرى هجر * كسيت من حلل الرضوان أضفاها أقمت يا بحر بالبحرين فاجتمعت * ثلاثة كن أمثالا وأشباها ثلاثة أنت أنداها وأغزرها * جودا " وأعذبها طعما " وأصفاها حويت من درر العلياء ما حويا * لكن درك أعلاها وأغلاها وقال في الرياض: وأصل تلك المرثية هكذا: قف بالطلول وسلها أين سلماها * ورو من جرع الاجفان جرعاها

[ 15 ]

وردد الطرف في أطراف ساحتها * وارح الروح من أرواح أرجاها الى آخرها. وله رحمه الله أشعار وقصائد، ومن شعره قوله من قصيدة طويلة: محمد المصطفى الهادي المشفع في * يوم الجزاء وخير الناس كلهم كفاك فضلا كمالات خصصت بها * أخاك حتى دعوه بارئ النسم والبيض في كفه سود غوائلها * حمر غلائلها تدلى على القمم بيض متى ركعت في كفه سجدت * لها رؤوس هوت من قبل للصنم ولا ألومهم ان يحسدوك فقد * حلت نعالك منهم فوق هامهم مناقب ادهشت من ليس ذا نظر * وأسمعت في الورى من كان ذا صمم من لم يكن ببنى الزهراء مقتديا " * فلا نصيب له من دين جدهم أقصر حسين فلا تحصي فضائلهم * لو أن في كل عضو منك ألف فم مشائخه واساتذته: قال في اللؤلؤة: وكان الشيخ حسين المذكور يروي عن جملة من المشائخ منهم - وهو أعظمهم وأشهرهم ومن كثرت ملازمته له وقراءته عليه - الشيخ الجليل زين الدين بن علي بن احمد بن محمد بن جمال الدين بن صالح المعروف يابن الحجة والمشهور بالشهيد الثاني نور الله روحه ونور ضريحه. أقول: ومن مشائخه العظام العالم الكامل وفقيه أهل البيت عليهم السلام السيد حسين بن جعفر الكركي. تلامذته والراوون عنه: 1 - ولده العالم العارف الفقيه النبيه بهاء الملة والدين الشيخ محمد بن

[ 16 ]

الحسين المعروف بالشيخ بالهائي. 2 - السيد الجليل العالم النبيل السيد حسن بن علي بن الحسن بن الشدقم الحسيني المدني. 3 - ولده الاخر أبو تراب عبد الصمد بن الحسين بن عبد الصمد. 4 - السيد السند الحبر المعتمد المفتي ببلدة اصبهان السيد حسين بن حيدر الحسيني الكركي. 5 - السيد الامجد الحكيم الممجد الفقيه المعتمد السيد محمد باقر المشهور بالمير داماد. 6 - الشيخ العالم الفاضل أبو محمد بن عنايت الله الشهير بأبى يزيد البسطامي الثاني. 7 - العالم الكامل الميرزا تاج الدين حسين الصاعدي. 8 - العالم الفاضل المولى معاني التبريزي. 9 - السيد الحسيب السيد شجاع الدين محمود بن علي الحسيني المازندراني. 10 - السيد العالم الفاضل السيد حيدر بن علاء الدين الحسيني البيروي [ النيروبي الحسني ] التبريزي. 11 - السيد شمس الدين محمد بن علي الحسيني الموسوي الشهير بأبى الحسن. 12 - أبو منصور الشيخ حسن بن زين الدين العاملي صاحب المعالم. 13 - الشيخ العالم المولى رشيد الدين بن ابراهيم الاصبهاني. 14 - السيد علاء الدين محمد بن هدايت الله الحسيني الحسني الجيروي. 15 - العالم الكامل المولى ملك علي. لعله والد المولى ملك حسين بن

[ 17 ]

ملك علي التبريزي المجاز من الشيخ البهائي. آثاره وتآليفه: 1 - شرح القواعد للعلامة الحلي. 2 - حاشية الارشاد للعلامة الحلي، لم يوفق لا تمامها. 3 - شرح الالفية للشهيد، قال المولى النظام التفريشي: لم يعمل مثله. 4 - كتاب الاربعين حديثا ". 5 - الرسالة الوسواسية. 6 - الرسالة الطهماسبية في بعض المسائل الفقهية. 7 - الرسالة الرضاعية. 8 - رسالة في مناظرته مع بعض علماء حلب من العامة في مسألة الامامة. 9 - رسالة في مسألتي تطهير الحصر والبواري من النجاسة وفي كيفية مصرف سهم الامام الصاحب عليه السلام. في الاعيان عدهما اثنتين. 10 - رسالة في الواجبات الملكية. 11 - الغرر والدرر. قال في الرياض: نسبه إليه بعض العلماء في مسألة صلاة الجمعة. 12 - تعليقات على الصحيفة الكاملة السجادية. 13 - تعليقات على خلاصة الرجال للعلامة. 14 - شرح الالفية الشهيدية. قال في الرياض: رأيته في هراة والظاهر أنه غير الشرح السابق الذكر. وقال في الهامش: سماه (المقاصد العلية في شرح الرسالة الثمنية).

[ 18 ]

15 - رسالة التحفة الطهماسبية في المواعظ الفقهية. 16 - العقد الطهماسبي. لعله (الرسالة الطهماسبية) والله يعلم. 17 - وصول الاخيار الى أصول الاخبار. هو هذا بين يديك. 18 - رسالة تحفة أهل الايمان في قبلة أهل عراق العجم والخراسان. 19 - الرسالة الرحلتية. فيما اتفق في سفره. 20 - رسالة في عينية صلاة الجمعة. 21 - رسالة في الاعتقادات الحقة. ذكرهما في الروضات. 22 - تعليقات عديدة على كتب الفقه والحديث غير مدونة كما ذكرها في الرياض. 23 - فتاوى كثيرة متفرقة متشتتة. قال في الرياض: رأيت بعضها. 24 - اصلاح جامع البين من فوائد الشرحين. الشرحان هما (شرح تهذيب الوصول للعلامة " للسيد عميد الدين عبد المطلب واخيه السيد ضياء الدين ابني السيد ابى الفوارس، ثم جمع بينهما الشهيد الثاني فسماه (جامع البين في فوائد الشرحين) ثم أصلحه المترجم له فسماه (اصلاح جامع البين من فوائد الشرحين). 25 - جوابات الاعتراضات العشرة على قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اني أحب من دنيا كم ثلاثا " النساء والطيب وقرة عيني الصلاة). 26 - جواب كتاب السلطان سليمان العثماني الى الشاه طهماسب الصفوي يطلب منه اطلاق ولده فكتب الجواب المترجم والجواب في كتاب (فضائل السادات) موجود. 27 - ديوان الشعر.

[ 19 ]

28 - حواشي على كتب الرياضي. 29 - تعليقات أخر ومنشئات كثيرة جدا ". كذا ذكر في الرياض. 30 - وله اجازات لتلاميذه. 31 - مشائخ الشيعة. بدأ فيه بعلي بن ابراهيم بن هاشم القمي وختمه بشيخه زين الدين الشهيد، رآه صاحب مصفى المقال عند السيد حسن الصدر.

[ 20 ]

تحقيق الكتاب طبع هذا الكتاب لاول مرة على الحجر في سنة 1306 بخط احمد بن الحسين التفريشي واهتمام ميرزا حسين الكجوري المازندراني وتصحيح السيد محمد مهدي بن الحسن الموسوي التستري الجزائري، ولكن بالرغم من الجهد المبذول في تصحيحه لم يسلم من التحريفات والتصحيفات بل والسقطات الكثيرة. وقابلناه على نسخة مصححة موجودة في مكتبة سماحة آية الله العظمى السيد شهاب الدين النجفي المرعشي دام ظله الوارف، بقم برقم ()، وهي قد كتبت على نسخة كتبت على نسخة المصنف: وهي بخط حسين بن عبد السيد ابن خليفة بن احمد بن منصور كتبها في شهر ربيع الاخر سنة 1072، وجاء في آخرها (بلغت هذه النسخة بأصلها مقابلة بحسب الجهد والطاقة والحمد لله رب العالمين). هذا، وقد خرجنا الايات الكريمة والاحاديث الشريفة وعلقنا على الكتاب تعاليق لابد منها مراعين فيها الاختصار لئلا يطول الكلام وتسبب ملل القارئ الكريم.

[ 21 ]

(الصفحة الاولى من النسخة المخطوطة)

[ 22 ]

(الصفحة الاخيرة من النسخة المخطوطة)

[ 25 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله فاتح الاغلاق، مانح الاعلاق، مسبغ العطاء، مسبل الغطاء، الذي خلق الانسان فأجزل عليه الاحسان، حيث أقام من نوعه أقواما فجعلهم لملته قواما " وعلى أمته قواما "، ثم قرن طاعتهم بطاعته تفضلا بمنه الغمر، فقال عز من قائل (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر) (1). ثم أوجب على من سواهم الاهتداء بمنارهم والاقتداء بمبارهم، فاستفز ذوي الهمم للرجوع في الاحكام إليهم والاعتماد في سلوك طريق الانذار عليهم، فقال جل ثناؤه (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) (2). أحمده على من طوقه، وأمن وفقه، ويمن دفقه، وظن حققه، ونعمة أولاها ونقمة ألواها، ورحمة والاها.


(1) سورة النساء: 59. (2) سورة التوبة: 22.

[ 26 ]

وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، شهادة من صدع بالحق لسانه ونزع عن التقليد جنانه، شهادة يحظى بها الشاهد ويلظى بها الجاحد ويرغم بها المنافق ويعظم بها الخالق وأصلي على سيدنا محمد خاتم الانبياء وحاتم الاسخياء. الذي أرسله بكتاب أحكمه وصواب ألزمه، وغمرات (1) الشرك حينئذ طافحة وجمرات الشك لافحة (2)، فلم يزل بزناد الايمان قادحا " (3)، ولعباد الاوثان مكافحا " (4)، وبالحقوق طالبا "، وعن الفسوق ناكبا " (5)، حتى شد من الحق قواعده، وهد من الباطل أوابده (6)، وأظهر من الدين حقائقه، وأنور من اليقين شوارقه، فأقام بارسالة الحجة (7)، وقوم بآله وأنساله المحجة، فأنار بهم الهدى، وأبار الردى، وجعلهم الحجج على خلقه، والباب المؤدي الى معرفة حقه، ليدين بهداهم العباد، وتشرق بنورهم البلاد، وجعلهم حياة للانام، ومصابيح للظلام، ومفاتيح للكلام، ودعائم للاسلام، بعد أن اختارهم من ارجح الخليقة ميزانا "، وأوضحها بيانا "،


1. الغمرة: الانهماك في الباطل والشدة، والجمع الغمرات. وغمرات الموت: شدائده والطافح: الممتلئ المرتفع. 2. جمرة النار: القطعة المتلهبة منها. ولفحته النار: أصابت وجهه، الا أن النفح أعظم تأثيرا " منه. 3. الزند: الذى يقدح به النار، ويجمع على زناد، مثل سهم وسهام. والقادحة: مستخرج النار من الزند. 4. المكافحة: المضاربة والمدافعة تلقاء الوجه. 5. نكب عن الشئ: عدل وأعرض. 6. الابدة: الداهية تبقى على الابد، والجمع الاوايد. 7. في المطبوعة (فأقام بارسال الحجة).

[ 27 ]

وأفصحها لسانا "، وأسمحها بنانا "، وأعلاها مقاما "، وأحلاها كلاما "، وأوفاها ذماما "، وأبعدها همما ": وأظهرها شيما "، وأغزرها ديما (1)، فأوضحوا الحقيقة، ونصحوا الخليقة، وشهروا الاسلام، وكسروا الاصنام، وأضهروا الاحكام، وحظروا الحرام. فعليهم جميعا " أفضل الصلاة وأتم السلام، صلاة وسلاما " دائمين بدوام الليالي والايام. وبعد: فيقول فقير رحمة ربه الغني (حسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني) أصلح الله أعماله وبلغه آماله: لما كان التفقه في زماننا هذا واجبا على كل المكلفين، وبه تحصل السعادة في الدنيا والدين، وهو ميراث النبيين وحلية الاولياء والمقربين، فقد روينا بطريقنا الاتي ذكره وغيره عن محمد بن يعقوب الكليني (ره) عن علي بن محمد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن خالد عن عثمان بن عيسى عن علي بن ابى حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عليكم بالتفقه في دين الله، ولا تكونوا أعرابا "، فانه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة ولم يزك له عملا (2).


1. الديم كشيم جمع ديمة: مطر يكون مع سكون، وقيل المطر الذى يكون من غير رعد ولا برق، تدوم يومها. 2. الكافي 1 / 31. وقد وقع خلط بين السند والمتن، فان هذا السند للحديث السابق على هذا الحديث في المصدر، وسند هذا الحديث هكذا: الحسين بن محمد عن جعفر بن محمد عن القاسم بن الربيع عن مفضل بن عمر قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول... وروى أيضا " في المحاسن: 177.

[ 28 ]

وروينا بالطريق المذكور عنه عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسن بن علي الوشا عن حماد بن عثمان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين (1). ولا ريب أن التفقه موقوف على الاحاديث المطهرة المروية عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين عليهم السلام، إذ قد تواتر عنهم (ع) ببطلان القياس النقل وحكم بذلك أيضا " صحيح العقل، فكان الفحص عن أحاديثهم الواردة عنهم عليهم السلام في المعارف والحلال والحرام من أعظم المهمات واهمال ذلك - خصوصا في زماننا - من اكبر الملمات. ولقد روينا بطريقنا الاتي وغيره من الطرق عن محمد بن يعقوب عن محمد ابن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد عن ابى البختري عن ابى عبد الله عليه السلام قال: العلماء ورثة الانبياء، وذاك أن الانبياء لم يورثوا درهما " ولا دينارا "، وانما ورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشئ منها فقد أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فان فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين (2). وقد روينا بطريقنا عنه عن الحسين بن محمد عن احمد بن اسحاق عن سعدان بن مسلم عن معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ورجل عابد من شيعتكم ليست له هذه الرواية أيهما أفضل ؟ قال: الراوية لحديثنا


1. الكافي 1 / 32. 2. الكافي 1 / 32.

[ 29 ]

يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد (1). وروينا أيضا " بطريقنا عنه عن محمد بن الحسن عن سهل بن زياد عن ابن سنان عن محمد بن مروان العجلي عن علي بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنا (2). وروينا من غير طريق محمد بن يعقوب بسندنا المتصل الى أمير المؤمنين وامام المتقين ويعسوب الدين علي بن ابى طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: رحم الله خلفائي. قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك قال: قوم يأتون من بعدي يروون آثاري وسنتي يعلمونها الناس (3). وروينا أيضا " من غير طريقه بسندنا المتصل الى جعفر بن محمد الصادق أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سارعوا في طلب العلم فلحديث واحد صادق خير من الدنيا وما فيها (4). وجب على كل ذي لب وحمية في الدين صرف العناية الى البحث عن طرق أحاديثهم ورواتها وكيفية الاستدلال بها واصطلاح الفرقة الناجية فيها، وكنت ممن الله عليه فصرف فيها جملة من زمانه ووجه إليها عنان قلبه ويده ولسانه، ورأيت فن أصول الحديث قد اندرس فيما بيننا رسمه وانمحى اسمه، بل ذهب في زماننا هذا علمه وظنه ووهمه، ولم يزل سلفنا الماضون يعتنون


1. الكافي 1 / 33. 2. الكافي 1 / 50. 3. في منية المريد ص 24 وعنه في البحار 2 / 25: رحم الله خلفائي. فقيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك ؟ قال: الذين يحيون سنتى ويعلمونها عباد الله. وانظر أيضا كنز العمال 10 / 229. 4. بحار الانوار 2 / 146 مع زيادة فيه.

[ 30 ]

بشأنه ويبتنون افادة الاحاديث واستفادتها على قواعد بنيانه، فلقد كانت قواعده بينهم متداولة غنية عن التعريف وان لم يفردوا لها كتابا بالتأليف، لكنهم ضمنوا كتبهم الفقهية والاصولية وكتب الحديث والرجال كثيرا " من ذلك. ولبعد ما بين مظانها تتعسر الاحاطة بها على مريد سلوك هذه المسالك، مع أنهم تركوا كثيرا " من قواعده لم يكتبوها وان كانت متداولة بينهم يعرفها ذووها. فجمعت من مظان ذلك شوارد يعسر جمعها، وقيدت منه أوابد (1) يكثر نفعها فجاءت في الحقيقة أنور من نور الحديقة، وفي نظر العين أنضر من نظرة العين، قد اتضح بها علم أصول الحديث واستبان، وافتضح بها جهله واستكان، ولقد يصدق الناظر فيها المثل السائر (كم ترك الاول للاخر) وسميتها (وصول الاخيار الى أصول الاخبار). فدونك كلمات ينزر عددها ويغزر مددها، تكسيك حيلد الاولياء وتلبسك حلة الانبياء، وترشدك الى طريق النقل والتحصيل، وتخرج قوتك القريبة الى الفعل الجميل. ومما حثني على تأليف هذه الرسالة بعد هربي من أهل الطغيان والنفاق، وأوجبه علي بعد اتصالي بدولة الايمان والوفاق، ما شاهدته من اقبال أهلها على اقتباس الفقه والحديث وحسن سلوكهم، وتحققت به صدق المثل السائر (الناس على دين ملوكهم). فيا لله من دولة صافية المشارع، ضافية (2) المزارع، مايعة الظل، بحورها


1. الاوابد جمع آبد، وهو بمعنى الوحش، والمؤنث آبدة، سميت بذلك لبقائها على الابد. قال الاصمعي: لم يمت وحشى حتف أنفه قط، انما موته عن آفة، وكذلك الحية على ما زعموا. 2. الضفو: السعة والخير والكثرة، رجل ضافى الرأس: كثير شعر الرأس.

[ 31 ]

زاخرة (1)، وبدورها زاهرة. دولة ملك ترجى الركائب الى حرمه، وتوحى الرغائب من كرمه، وتنزل المطالب بساحته، وتستنزل الراحة من راحته، قد بلغ نهاية الاطوار، وبلغ غاية الاطوار، فهو قبلة الصلات ان لم يكن قبلة الصلاة، وكعبة المحتاج ان لم يكن كعبة الحجاج، ومشعر الكرام ان لم يكن مشعر الحرام، ومنى الضيف ان لم يكن منى الخيف، بابه غير مرتج (2) عن كل مرتج، ونوابه أي منهج لكل ذي منهج. إذا غلقت أبواب قوم لعلة * فبابك مفتوح وليس بمرتج وسيفك موقوف على طلب العلى * وسيبك (3) موقوف على كل مرتجي فهو للارزاق في الخصب والجدب قاسم، وللاعمار بالحرب والضرب قاصم، فمنحه رغائب ومحنه غرائب، قد أصبح لحجم الكفر ماحيا " ولحمي الايمان حاميا "، بهمته تعزل السماك الاعزل لسموها، وتجر على المجرة ذيل علوها، همم لم يزل لسهام المعالي مقلا عراؤها لا ينام، ولقد أو طأتك ذروة مجد لا تسامى ورتبته لا تسام، وفصلت هذه المساعي غير القول فضلت في وصفها الافهام. وكيف لا يكون كذلك وهو ثمرة غصن شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء (4) لدى العزيز الغفور، زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور (5)، فماذا عسى بمثلي أن يطري ويقول بعد مدح الله بهذه الشجرة والرسول، لكني أتبرك فأقول اجمالا واجلالا وان استلزم للقصور


1. زخر البحر: مد وكثر ماؤه وأرتفعت أمواجه. 2. ارتجت الباب ارتاجا: أغلقته أغلاقا وثيقا. 3. السيب العطاء. 4. سورة ابراهيم: 24. 5. سورة النور: 35.

[ 32 ]

اخلالا: هي شجرة أصولها في التخوم وفروعها في النجوم، فهم غيوث غامات في الجدب وليوث غابات في الحرب، وصدور مجالس المعالي وبدور حنادس الليالي، وجنة الخائف والجاني وجنة الحارف والخاني، وسماء السمو والعلاء وسمام السماح والعطاء، أقوالهم أشهر من يوم بدر وأفعالهم أنور من ليلة القدر. قد فتشت أنسابكم مذ * كان آدم في الوجود فرجحتمو كل الانام * بخصلتي فضل وجود كيف لاوهم معدن جهود (1).


1. في المخطوطة (وهم معدن عهدة)، ولعله (وهم معدن النبوة). وفيها بعده: والله حسبى ونعم الوكيل.

[ 33 ]

مقدمة وفيها فصول: (الفصل الاول) قد تطابق العقل وهو البرهان القاطع وانقل وهو النور الساطع على شرف العلوم بأسرها وعلى جلالة شأنها وارتفاع قدرها، إذ لم يزل العقلاء في جميع الازمان وكل الاديان يعظمون موقع العلم ويجهدون أنفسهم في استفادته وافادته ويعظمون أهله على مقدار ما لهم فيه من الخوض ويسقطون الجهال عن درجة الاعتبار بل يلحقونهم بقسم البهائم. ويكفينا شاهدا " على ذلك قوله تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (1) وقوله تعالى (انما يخشى الله من عباده العلماء) (2) وغير ذلك مما


1. سورة الزمر: 9. 2. سورة الفاطر: 28.

[ 34 ]

يدل على شرفهم وأما ما يدل على شرفه وفضله والحث عليه من السنة المطهرة فهو اكثر من أن يحصى، فقد روينا بأسانيدنا المتصلة الى محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن الحسن بن الحسين الفارسي عن عبد الرحمن بن الحسين بن زيد عن أبيه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ألا ان الله يحب بغاة العلم (1). وروينا أيضا " عن محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن حماد ابن عيسى عن القداح عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سلك طريقا " يطلب فيه علما " سلك الله به طريقا الى الجنة، وان الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به، وانه ليستغفر لطالب العلم من في السماوات ومن في الارض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وان العلماء ورثة الانبياء، ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر (2). وروينا عنه عن الحسين بن محمد عن علي بن محمد بن سعيد رفعه عن ابى حمزة عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج، ان الله تبارك وتعالى أوحى الى دانيال عليه السلام: ان أمقت عبيدي الي الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك


1. الكافي 1 / 30 وليس فيه (ومسلمة). 2. الكافي 1 / 34، وقد أخرجه بطريقين ثانيهما ما ذكره المؤلف هنا وأولهما: محمد ابن الحسن وعلى بن محمد عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى عن احمد بن محمد جميعا عن جعفر بن محمد الاشعري عن عبد الله بن ميمون القداح.

[ 35 ]

للقتداء بهم، وان أحب عبيدي الي التقي الطالب للثواب الجزيل الملازم للعلماء التابع للحكماء القابل عن الحلماء (1) وروينا عنه عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن ابى عمير ومحمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن ابن ابى عمير عن سيف بن عميرة عن ابى حمزة عن ابى جعفر عليه السلام قال: عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد (2). وروينا عنه عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن جميل عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: يغدو الناس على ثلاثة أصناف عالم ومتعلم وغثاء، فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وسائر الناس غثاء (3). وأما ما روينا من غير طريقه فقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من طلب بابا " من العلم ليعلمه الناس ابتغاء وجه الله أعطاه الله أجر سبيعن نبيا " صديقا ". وروينا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم (4). وروينا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: ان من الذنوب ذنوبا " لا يغفرها صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا حج ولا جهاد الغموم (الجد خ ل) في طلب العلم. وروينا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: العالم الواحد أشد على ابليس وجنوده من ألف عابد (5).


1. الكافي 1 / 35 وفيه (التابع للحلماء القابل عن الحكماء). 2. الكافي 1 / 33. 3. الكافي 1 / 34، بصائر الدرجات 1 / 8. 4. كنز العمال 10 / 145، منية المريد: 23. 5. كنز العمال 10 / 155 وفيه (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)، البحار

[ 36 ]

وروينا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا كان يوم القيامة يقول الله تبارك وتعالى للعباد: ادخلوا الجنة فانما كانت منفعتكم لانفسكم، ويقول للعالم: اشفع تشفع فانما كانت منفعتك للناس. وروينا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: نظرة في وجه العالم أحب الى الله تعالى من عبادة سبعين سنة صائم نهارها وقائم ليلها. ثم قال: لولا العلماء لهلكت أمتي. (الفصل الثاني) ولا شبهة أن العلوم تتفاضل أيضا " في أنفسها: وأفضلية بعضها على بعض اما بحسب شرف الموضوع أو بحسب تفاوت الغاية. ولا يخفى أن العلوم الاسلامية أفضل مما عداها: أما الكلام فلشرف موضوعة وغايته: وأما باقي العلوم الاسلامية من التفسير والحديث والفقه وما يتبع ذلك فلما يترتب عليها من المصالح والسعادة الدنيوية والاخروية. ويؤيد ذلك ما رويناه بطرقنا المتصلة الى محمد بن يعقوب عن محمد بن الحسن وعلي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن عيسى عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان عن درست الواسطي عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن موسى عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد، قال: فإذا جماعة قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا ؟ فقيل: علامه فقال: وما العلامة ؟ فقالوا: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية والاشعار العربية.


2 / 25، بصائر الدرجات 1 / 7 وفيه (متفقه في الدين أشد على الشيطان من عبادة ألف عابد).

[ 37 ]

قال: فقال النبي (ص): ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه. ثم قال النبي (ص): انما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة وما خلاهن فهو فضل (1). فعلى هذا يكون الزائد عما يحتاج إليه في العلوم الاسلامية من المنطق والحكمة والعلوم الرياضية والاديبة وغير ذلك كله فضلا لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه بنص الرسول والائمة عليهم السلام، بل يكون الاشتغال به في مثل زماننا هذا سفها " حراما " على من لم يتفقه في دينه لافضائه الى ترك الواجب كما لا يخفى على من يؤمن بالله واليوم الاخر. وان كانت هذه العلوم شريفة في أنفسها فيكون الساعي فيها لذلك التارك لما يهمه من أمر دينه من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (2). اللهم وفقنا لصرف أوقاتنا فيما يرضيك عنا، وتقبل ذلك بفضلك واحسانك منا، انك أنت الجواد الكريم. (الفصل الثالث) ولما روينا بأسانيدنا المتصلة الى محمد بن يعقوب (ره) عن الحسين بن محمد الاشعري عن المعلى بن محمد عن محمد بن جمهور عن عبد الله بن ابى نجران عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من حفظ (3) من أحاديثنا


1. الكافي 1 / 32. 2. سورة الكهف: 104. 3. قال الشيخ بهاء الدين في الاربعين: الظاهر أن المراد الحفظ عن ظهر القلب،

[ 38 ]

أربعين حديثا " بعثه الله تعالى يوم القيامة عالما " فقيها " (1). وروينا من غير طريقه بسندنا المتصل الى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من حفظ على أمتي أربعين حديثا " فيما ينفعهم من أمر دينهم بعث يوم القيامة من العلماء (2). وروينا أيضا " عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: من تعلم حديثين ينفع بهما نفسه ويعلمهما غيره فينتفع بهما كان خيرا " له من عبادة ستين عاما " (3). وروينا أيضا " بسندنا المتصل الى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من حفظ على أمتي حديثا " واحدا " كان له أجر سبعين نبيا " صديقا ". ولا شبهة أن الحديث المعتبر عند أهل النقل كافة الذي يجب العمل به هو المتصل لا المنقطع عند جمهور العامة. وقد من الله تعالى علي فاستخرجت من الكافي ما يزيد عن أربعين حديثا "، وقد تلوت عليك منها جملة بعضها يتعلق بفضل التفقه في الدين وبعضها يتعلق


فانه هو المتعارف المهود في الصدر السائف، فان مدارهم كان على النقش في الخواطر لا على الرسم في الدفاتر، حتى منع بعضهم من الاحتجاج بما لم يحفظه الراوى عن ظهر القلب. وقال: ولا يبعد أن يراد بالحفظ الحراسة عن الاندراس بما يعم الحفظ عن ظهر القلب والكتابة والنقل بين الناس ولو من كتاب وأمثال ذلك. وقد يقال: المراد بحفظ الحديث تحمله على أحد الوجوه الستة المقررة في الاصول. الى آخر ما قال. 1. الكافي 1 / 49. 2. كنز العمال 10 / 224. 3. كنز العمال 10 / 163 وفيه (أو ويعلمهما) و (سنة) بدل (عاما). البحار 2 / 152.

[ 39 ]

بفضل رواية الاحاديث وبعضها يتعلق بفضل العلم بقول مطلق، واكثر يتعلق بفن أصول الحديث التي هي المقصود من هذه الرسالة، وسأتلوه عليك في أبوابه انشاء الله تعالى. (أردت أن أذكر طريقا واحدا ") من طرقي الى محمد بن يعقوب (ره) ليتصل اسنادها وليحص لتأليف رسالتي هذه ثواب من روى أربعين حديثا " فضلا عن الحديث الواحد والحديثين: أخبرني بكتابه الكافي بتمامه الشيخان الامامان الفاضلان الورعان السيد الجليل المتأله حسن بن السيد جعفر الحسيني نور الله تربته اجازة والشيخ الجليل النبيل زين الدين علي بن احمد العاملي زين الله تعالى الوجود بوجوده وأفاض عليه من منه وجوده قراءة لبعضه وسماعا لبعضه واجازة لباقيه، كلاهما عن شيخنا الفاضل التقي الورع الشيخ علي بن عبد العالي الميسي، عن الشيخ شمس الدين محمد بن داود المؤذن الجزيني، عن الشيخ ضياء الدين علي، عن والده السعيد الشهيد محمد بن مكي، عن رضي الدين المزيدي، عن محمد ابن صالح، عن السيد فخار. (1) (ح) (2) وعن الشيخ ضياء الدين بن مكي، عن السيد تاج الدين ابن معية الحسني عن الشيخ العلامة الجليل جمال الدين ابن المطهر، عن الشيخ المحقق نجم الدين بن سعيد، عن السيد فخار، عن شاذان بن جبرئيل، عن ابى القاسم محمد بن ابى القاسم الطبري، عن الشيخ الفقيه ابى علي الحسن، عن أبيه شيخ


1. فخار مشتق من الفخر (منه). 2. علامة تحويل (منه).

[ 40 ]

الطائفة ابى جعفر محمد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ الامام الاعظم ابى عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المفيد، عن الشيخ الامام الفقيه ابى القاسم جعفر ابن قولويه، عن الشيخ الامام ابى جعفر محمد بن يعقوب الكليني. (أصل) وقد جرت عادة المؤلفين في أصول الحديث من علماء العامة بتعريف من نقلوا عنه الحديث وذكر فضائلهم وتواريخهم وتمجيد مؤلفيهم وذكر تواريخهم وفضائلهم ومؤلفاتهم ترويجا " لامرهم، فلنذكر من نقلنا عنه أحاديثنا وأخذننا معالم ديننا أو سبب العدول عما تفرد العامة بنقله، فان لنا في ذلك العذر اللائح (1) بل البرهان الواضح، ثم نذكر بعضا " من أصحاب حديثنا وبعضا " من مؤلفاتهم فيه تذكرة للطالبين وجريا " على عادات المؤلفين، فنقول: قد أخذنا أحاديثنا التي فيها معالم ديننا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأخيه علي وابنته فاطمة وولديهما الحسن والحسين وأولاده التسعة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. أما رسول الله صلى الله عليه وآله فهو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ولد بمكة في شعب ابى طالب يوم الجمعة بعبد طلوع الفجر سابع عشر شهر ربيع الاول عام الفيل، وكانت أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب قد حملت به أيام التشريق في منزل أبيه عبد الله بمنى عند الجمرة الوسطى (2)


1. اللائح: البارز الظاهر. 2. قلت: هذا ما عليه الاكثر، ويلزمه أن تكون مدة الحمل به صلوات الله عليه وآله

[ 41 ]

ونزل عليه الوحي وتحمل أعباء الرسالة في اليوم السابع والعشرين من رجب لاربعين سنة، واصطفاه ربه إليه بالمدينة يوم الاثنين لليتين بقيتا من صفر سنة احدى عشرة من الهجرة، وقيل لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول عن ثلاث وستين سنة. صلى الله عليه وآله. وأما فاطمة بنت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما فانها ولدت بعد المبعث بخمس سنين، واصطفاها ربها إليه بعد أبيها بنحو مائة يوم. وأما أمير المؤمنين وامام المتقين علي فهو أبو الحسن ابن ابى طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وابو طالب وعبد الله أخوان للابوين، وأمه فاطمة بن اسد ابن هاشم، وهو واخوته أول هاشمي ولد من هاشمين. ولد يوم الجمعة ثالث عشر رجب، وروي سابع شعبان بعد مولد رسول الله (ص) بثلاثين سنة، واصطفاه الله إليه واختار جواره قتيلا بالكوفة ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة، ودفن بالغري من نجف الكوفة بمشهده الان. وأما الحسن ابنه فهو الامام الزكي أبو محمد سيد شباب أهل الجنة، ولد


اما اكثر من سنة أشهر، وكلامها خلاف العادة والشرع، وجوز بعضهم كون أحد اللازمين من خواصه، وهو متحتم على تقدير صحته، ولكن الذى ذكره السيد الجليل المتأله على بن طاووس رحمه الله في كتاب (الاقبال على الاعمال) أن ابتداء الحمل به كان ليلة تسع عشرة من جمادى الاخرة. وذكر الشيخ الامام العلامة محمد بن بابويه رحمه الله في الجزء الرابع من كتاب (النبوة) أن الحمل به صلوات الله عليه وآله كان ليلة الجمعة لاثنتى عشرة ليلة ذهبت من جمادى الاخرة وهاتان الراويتان الشرع والعادة ويضعف معهما الاعتماد على ما عليه الاكثر (منه). هذه التعلية في النسخة المخطوطة أدرجت في المتن.

[ 42 ]

بالمدينة يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وقال المفيد سنة ثلاث (1)، واصطفاه ربه إليه مسموما " في المدينة أيضا " يوم الخميس سابع شهر صفر سنة سبع أو ثمان وأربعين وقيل سنة خمسين من الهجرة عن سبع وأربعين سنة. وأما اخوه الحسين فهو أبو عبد الله الشهيد المظلوم، ولد بالمدينة آخر شهر ربيع الاول سنة ثلاث من الهجرة، وقيل يوم الخميس ثالث عشر شهر رمضان وقال المفيد لخمس خلون من شعبان سنة أربع (2)، واصطفاه ربه إليه قتيلا بكربلا يوم السبت عاشوراء سنة احدى وستين عن ثمان وخمسين سنة. وأما أولاده التسعة صلوات الله عليه وآله وعليهم: (فالاول) الامام أبو محمد زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام، ولد بالمدينة يوم الاحد خامس شعبان سنة ثمان وثلاثين، واصطفاه الله إليه بالمدينة أيضا " يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة خمس وتسعين عن سبع وخمسين سنة وأمه شاه زنان بنت شيرويه بن كسرى، وقيل ابنة يزدجرد. (والثاني) الامام أبو جعفر محمد بن علي الباقر لعلم الدين، ولد بالمدينة يوم الاثنين ثالث صفر سنة سبع وخمسين، واصطفاه الله إليه بها يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة أربع عشرة ومائة، وروي سنة ست عشرة، أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي عليه السلام، فهو علوي بين علويين. (الثالث) الامام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق العالم، ولد بالمدينة يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الاول سنة ثلاث وثمانين، واصطفاه الله تعالى


1. الارشاد: 187. 2. الارشاد: 198.

[ 43 ]

إليه بها في شهر شوال وقيل منتصف رجب يوم الاثنين سنة ثمان وأربعين ومائة عن خمس وستين سنة، أمه فاطمة بن فروة ابنة الفقيه القاسم بن محمد النجيب ابن ابى بكر، وقبره وقبر ابيه وجده وعمه الحسن عليهم السلام بالبقيع في مكان واحد. (الرابع) الامام الكاظم أبو الحسن وابو ابراهيم وابو علي موسى بن جعفر عليه السلام، أمه حميدة البربرية، ولد بالابواء بين مكة والمدينة سنة ثمان وعشرين ومائة، وقيل تسع وعشرين ومائة، يوم الاحد سابع شهر صفر، واصطفاه الله إليه مسموما " ببغداد في حبس السندي بن شاهك لست بقين من رجب سنة احدى وثمانين ومائة، ودفن بمقابر قريش في مشهده الان. (الخامس) الامام الرضا أبو الحسن علي بن موسى عليه السلام ولي المؤمنين أمه أم البنين أم ولد، ولد بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة، وقيل يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة، واصطفاه الله إليه مسموما " بطوس في صفر سنة ثلاث ومائتين وقبره بسناباذ بمشهده الان. صلوات الله وسلامه عليه. (السادس) الامام الجواد أبو جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام، أمه الخيزران ام ولد كانت من أهل بيت مارية القبطية سرية النبي صلى الله عليه وآله ولد بالمدينة في شهر رمضان سنة خمس وتسعين ومائة، واختار الله له جواره ببغداد في آخر ذي القعدة، وقيل يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة سنة عشرين ومائتين، ودفن في ظهر جده الكاظم (ع) بمقابر قريش في مشهدهما الان. (السابع) الامام الهادي المنتجب أبو الحسن علي بن محمد، أمه سمانة أم ولد، ولد بالمدينة منتصف ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين، واختار الله تعالى له جواره بسر من رأى في يوم الاثنين رجب سنة أربع وخمسين

[ 44 ]

ومائتين ودفن بداره بها التي هي مشهده الان. (الثامن) الامام التقي الهادي أبو محمد الحسن بن علي عليه السلام، أمه حديثة أم ولد، ولد بالمدينة في شهر ربيع الاخر رابعه يوم الاثنين سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، واختاره الله بسر من رأى يوم الاحد. وقال المفيد يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الاول سنة ستين ومائتين (1)، ودفن الى جانب أبيه صلوات الله عليهما. (التاسع) الامام المهدي صاحب الزمان الحجة على أهله أبو القاسم محمد ابن الحسن العسكري عجل الله فرجه، ولد بسر من رأى يوم الجمعة ليلا خامس عشر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وأمه نرجس وقيل مريم بنت زيد العلوية (2)، وهو المتقين ظهوره وتملكه باخبار النبي (ص). اللهم انا نسألك بحقهم عليك أن تصلي عليهم أجمعين، وان تجعلنا من أتباعهم وأوليائهم وأشياعهم في الدنيا والاخرة انك حميد مجيد. (اصل) واكثر أحاديثنا الصحيحة وغيرها في أصولنا الخمسة (3) وغيرها عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الائمة الثني عشر المذكورين عليهم السلام، وكثير منها


1. الارشاد: 335. 2. قال في البحار 51 / 28: وقال الشهيد رحمه الله في الدروس: ولد عليه السلام بسر من رأى يوم الجمعة ليلا خامس عشر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وأمه صقيل وقيل نرجس وقيل مريم بنت زيد العلوية. (3) أصولنا الخمسة هي كتاب (الكافي) و (من لا يحضره الفقيه) و (مدينة العلم) و (التهذيب) و (الاستبصار)، للمحمدين الثلاثة وهم محمد بن يعقوب الكليني ومحمد بن على الصدوق ومحمد بن الحسن الطوسى رحمهم الله تعالى.

[ 45 ]

يتصل منهم بالنبي (ص)، وقل أن يتفق لنا حديث صحيح عن النبي ويكون من غير طريقهم. وهذا هو السبب في كون أحاديثنا أضعاف أحاديث العامة، حيث أن زمان أئمتنا عليهم السلام امتد زمانا " طويلا واشتهر الاسلام وكثر في زمانهم العلماء والنقلة عنهم من المخالفين والمؤالفين، مع أن زمانهم في الاكثر زمن خوف وتقية والا لظهر عنهم أضعاف ذلك أضعافا " مضاعفة. وزمن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام لما كان الخوف فيه أقل - حيث كان آخر دولة بني أمية وأول دولة بني العباس - ظهر عنه من العلوم ما لم يظهر عن أحد قبله ولا بعده. وانما تمسكنا بهذه الائمة الاثني عشر من أهل بيت النبي عليهم السلام ونقلنا أحاديثنا وأصول ديننا عنهم لما ثبت عندنا من عصمتهم، لو جوب كون الامام معصوما " ليؤمن وقوع الخطأ منه ويستقم النظام وتتم الفائدة بنصبه كما تقرر في الكلام، وغير هم ليس بمعصوم اجماعا ". ولما ثبت عندنا من نص كل سابق على لاحقه بالعصمة ووجوب الطاعة، بل لنص القرآن العزيز على طهارتهم وعصمتهم بآية التطهير التي قد احتوت من التأكيدات واللطائف على مالا يخفى على أهل المعاني والبيان. وقد تواتر النقل عندنا بكونهم هم المقصودون بهذه الاية. وقد روى الترمذي في الجامع عن عمر بن ابى سلمة ربيب رسول الله (ص) أنه قال: نزلت هذه الاية على رسول الله في بيت أم سلمة، فدعا النبي فاطمة وحسنا " وحسينا " فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ". فقالت ام سلمة: وأنا معهم

[ 46 ]

يا رسول الله. فقال: أنت على مكانك وأنت الى خير (1). وروى نحوه احمد بن حنبل في مسنده (2) بثمان طرق مختلفة الالفاظ متفقة المعنى وأنها نزلت في النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين. ونحو ذلك روى البخاري ومسلم في صحيحهما (3)، ورواه امامهم الحميدي في الجمع بين الصحيحين (4)، ورواه امامهم الثعلبي في تفسيره (5) بسبع طرق. وروى احمد بن حنبل أيضا " في مسنده عن انس بن مالك: ان رسول الله (ص) كان يمربباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج الى الفجر ويقول: الصلاة يا أهل البيت، انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (6). قال الحكام في المستدرك: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط مسلم (7). وبالجملة لا ريب عند أحد أنهم هم المقصودون بها، كما لا شبهة في أنها نص في عصمتهم، لان التطهير هو التنزه عن الاثم والقبائح كما ذكره الامام احمد ابن فارس اللغوي صاحب (المجمل). وهذا معنى العصمة، فقد أمنا وقوع الخطأ منهم ولم نأمن وقوعه من غيرهم وثبت أن ما اهتدوا إليه هو الحق، ومن كان كذلك كان أحق بالاتباع، لقوله


1. سنن الترمذي 5 / 663 وفيه (أنا معهم يا نبى الله). 2. مسند احمد بن حنبل 1 / 331 على ما في احقان الحق 2 / 502. 3. صحيح مسلم 2 / 343. 4. الجمع بين الصحيحين، الحديث 64، على ما في الاحقاق 9 / 13. 5. الثعلبي في الكشف والبيان، مخطوط على ما في الاحقاق 9 / 2 و 10. 6. مسند احمد بن حنبل 3 / 259 و 285. 7. المستدرك 3 / 158.

[ 47 ]

تعالى (أفمن يهدي الى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي الا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون) (1). (اصل) ولانهم هم المقرونون بالقرآن المجيد في قول النبي صلى الله عليه وآله: اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي. فقد رواه احمد بن حنبل في مسنده بثلاث طرق (2)، ورواه أيضا " مسلم في صحيحه بثلاث طرق (3)، ورواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين بطريقين (4) ورواه في الجمع بين الصحاح الست، ورواه الثعلبي في تفسيره، ثم روى أيضا " فيه عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: اني تارك فيكم الثقلين خليفتين ان أخذتم بهما لن تضلوا بعدي (5). فقد أمرنا النبي صلى الله عليه وآله بالاقتداء بهم الى انقطاع التكليف باعتراف خصومنا ولم يأمر بالتمسك بأبى بكر وعمر ولا بأبى حنيفة والشافعي، ولانهم مثل سفينة نوح من ركب فيها نجى ومن تخلف عنها هلك. روى الحاكم في المستدرك وحكم بصحته عن ابى ذر رضي الله عنه وأرضاه


1. سورة يونس: 35. 2. المناقب لاحمد بن حنبل مخطوط، راجع احقاق الحق 9 / 311، 322، 342. 3. صحيح مسلم 7 / 122. 4. راجع احقاق الحق 9 / 323. 5. تفسير الثعلبي عند تفسير قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا " ولا تفرقوا) آل عمران: 103 كما في غاية المرام للسيد البحراني.

[ 48 ]

وهو أخذ بباب الكعبة قال: من عرفني ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت النبي (ص) يقول: ألا ان مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك (1). ومن المعلوم أنه لم يتمسك بهم ولم يركب في سفينتهم الا الشيعة، لان الباقين قدموا أعداءهم عليهم ورفضوهم وغصبوهم وأغضبوهم وحاربوهم، فهل يكون الفرقة الناجية الا من تمسك بهم وركب معهم. وروى الحاكم في المستدرك عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: خذوا عني قبل أن تشاب الاحاديث بالاباطيل، سمعت رسول الله (ص) يقول: أنا الشجرة وفاطمة فرعها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرتها وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنة عدن وسائر ذلك في الجنة (2). ان قلت: سلمنا أن الباري طهر هؤلاء الخمسة فأمنتم وقوع الخطأ منهم وحكمتم بعصمتهم، فمن أين علمتم عصمة الائمة التسعة الباقية حتى اعتمدتم عليهم أيضا " في أمور دينكم ؟ قلت: للاجماع المركب (3)، فان كل من قال بعصمة هؤلاء الخمسة قال بعصمة الباقين ومن لافلا، فالقول بعصمة الخمسة فقط يكون خرقا " لاجماع الامة واذ قد قام الدليل على عصمة الخمسة ثبت عصمة الجميع.


1. المستدرك 3 / 150 وفيه (ومن تخلف عنها غرق). 2. المستدرك 3 / 160. 3. المراد بالاجماع المركب هو أن الفرقة قائلون بعصمة باقى الائمة عليهم السلام كما هم قائلون بعصمة هؤلاء الخمسة، وغير الشيعة والفرقة قائلون بعدم عصمة الجميع من الخمسة وغيرهم وهم المخالفون، وهذا هو الاجماع المركب، ولا ثالث للفريقين قائلين بعصمة الخمسة وعدم عصمة الباقين ليكون خرقا " لاجماع الامة (منه).

[ 49 ]

وأيضا " قد ثبت عندنا نص هؤلاء المطهرين على عصمة من بعدهم واحدا " بعد واحد، ونص كل سابق على لا حقه بما يعلم ثبوته، ولا يمترى فيه (1) الا كما يمترى في المتواترات من أحوال الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وآله. [ ولو سلمنا أنهم غير معصومين فهم مجتهدون لهم أهلية الحل والعقد كما لا ينكره مسلم، فعلى كل حال لا يقصر التمسك بمحمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام وأولادهما المجمع على عدالتهم وطهارتهم واجتهادهم عن التمسك بأبى حنيفة والشافعي، فنحن على يقين من أمرنا ولابد لخصومنا من القول بحصة معتقدنا. وهذا واضح جلي ] (2). وأما ما جاء من النص على الائمة الاثني عشر من طرق مخالفينا فقد روى البخاري في صحيحه بطريقين: أولهما - الى جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: يكون بعدي اثنا عشر أميرا ". فقال كلمة لم أسمعها، قال ابى: كلهم من قريش (3). وثانيهما - الى ابن عيينة قال: قال رسول الله (ص): لا يزال أمر الناس ماضيا " ماوليهم اثنا عشر رجلا. ثم تكلم بكلمة خفيت علي، فسألت ابى: ماذا قال رسول الله ؟ فقال: قال: كلهم من قريش (4). وقد روى مسلم أيضا " الحديث الاول بثمان طرق ألفاط متونها لا تختلف الاقليلا (5).


1. امترى في أمره: شك فيه. 2. الزيادة وقعت في النسخة المخطوطة في المتن وفى المطبوعة في الهامش. 3. صحيح البخاري 2 / 1072. 4. صحيح مسلم 6 / 3، وأخرجه في غاية المرام ص 191 عن صحيح البخاري. 5. غاية المرام ص 191 عن صحيح مسلم.

[ 50 ]

ورواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين بست طرق (1). ورواه الثعلبي في تفسيره بثلاث طرق، ورواه أيضا " في الجع بين الصحاح الست بثلاث طرق (2). وروى مسلم أيضا " الحديث الثاني بلفظه في صحيحه. و (الامير) كما في الحديث الاول و (الوالي) كما في الحديث الثاني هو الذي يجب اتباعه في أمور الدين والدنيا، لقوله تعالى (أطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (3). وغير هؤلاء الاثني عشر ممن ولي أمور الناس بالغضب والسيف اكثرهم بل كلهم علم منهم الفسق عند كل أحد بل الكفر، لمحاربتهم أهل البيت المطهرين ونصبهم العداوة والمناواة لهم، والحال أن علو قدرهم وعظم شأنهم من ضروريات الدين، ولما علم من تعظيم الله ورسوله لهما وثنائهما عليهم، فالمستخف بهم والمنكر لقدرهم والمخالف لهم والمحارب والباغض كمنكر وجوب الصوم والصلاة وغيرهما مما علم من الدين ضرورة، فمكما يكفر المنكر لذلك كذلك يكفر المستخف بهم والناصب لهم العداوة. فكيف يجب اتباعهم وطاعتهم وأخذ معالم الدين منهم وهو على الوصف المذكور، وفيهم مثل معاوية المعلن بعداوة أهل البيت وحربهم وقتل أصحاب النبي، وابنه يزيد المعلن مع ذلك بالفجور والخمور والمناكر وبنو أميه الذين ظهرت منهم المناكر والقبائح التي لم تخف على مسلم، مع أنهم ليسوا من


1. غاية المرام ص 192 عن الحميدى. 2. غاية المرام ص 192. 3. سورة النساء: 59.

[ 51 ]

أهل البيت الذين أمر النبي باتباعهم الى انقطاع التكليف وقرنهم مع الكتاب المنيف. فلما وقع النص المذكور من النبي صلى الله عليه وآله عليهم وجب الرجوع إليهم ونقل الاحكام عنهم، لعدم حصول ذلك في غيرهم، وعلمنا أنهم هم المقصودون بالنصوص بحيث لا يرتاب فيه بل ولا يرتاب فيه ذولب وانصاف. (فصل) وكيف لا نأخذ أحاديثنا ومعالم ديننا عن هؤلاء الذين جاء فيهم ما تلوناه عليك، وهم الذين جعل الله ودهم أجر الرسالة بقوله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرا " الا المودة في القربى) (1)، فانها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين، كما رواه احمد بن حنبل في مسنده (2) والبخاري في صحيحه (3) والثعلبي في تفسيره. وهم أمان الانام، لقول النبي صلى الله عليه وآله: النجوم أمان لاهل السماء إذا ذهبت ذهبوا، وأهل بيتي أمان لاهل الارض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الارض. كما رواه احمد بن حنبل في مسنده (4). وهم الذين يطعمون الطعام على حبه مسكينا " ويتيما " وأسيرا " (5)، حتى أتى


1. سورة الشورى: 20. 2. راجع احقاق الحق 9 / 98. 3. صحيح البخاري 2 / 713. 4. غاية المرام ص 274. 5. سورة الانسان: 8.

[ 52 ]

فيهم هل أتى كما لا ينكره أحد من المسلمين. وقد اتفق كل الناس على طهارتهم وشرف أصولهم ووفور عدالتهم وورعهم وغزارة علمهم وبراءتهم مما يشينهم حسابا " ونسبا " وخلفا وخلقا " كما لا يخفى على مسلم، وقصور الالسنة عن القدح فيهم واتفاقها كلها على مدحهم والاعتراف بعلو شأنهم من جميع الطوائف من قال بعصمتهم ومن لم يقل كما لا يخفى على من تتبع الاثار والنقل وتداول كتب التواريخ والسير. هذا مع اعراض سلاطين أزمنتهم عنهم كل الاعراض واظهارهم العداوة لهم وبسط أيديهم إليهم بالايذاء تارة بالقتل والسم وتارة بالحبس وحبهم للنقص من شأنهم والتعرض للوقعية فيهم، فلولا أنهم من الكمال في حد تقصر الفكر والالسن عن القدح فيهم ويتحقق كل أحد كذب الطاعن عليهم لما سلموا من قدح أعدائهم فيهم، فيكون الامر كما قيل: وهبني قلت هذا الليل صبح * أيعشى العالمون عن الضياء (فصل) وقبيح بذي اللب أن يترك أحاديث أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وفيهم أخو النبي باجماع الامة، ولو يرى أفضل منه لواخاه، ومحبوب الله ومحبوب رسوله بنص النبي يوم خيبر بقوله: لا عطين الراية غدا " رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. فقد رواه احمد بن حنبل في مسنده باثني عشر طريقا " (1)، ورواه البخاري في صحيحه بست طرق (2)، ورواه مسلم أيضا " بست


1. اخرجها في الاحقاق 4 / 461. 2. صحيح البخاري 2 / 605.

[ 53 ]

طرق (1)، ورواه في الجميع بين الصحاح الست. ومولى الانام بنص النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير الذي تواتر خبره فقد رواه احمد بن حنبل في مسنده بستة عشر طريقا " (2)، ورواه الثعلبي بأربع طرق في تفسير قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك) (3) وأنها نزلت في علي عليه السلام وأنها لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه (4). ورواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين (5)، ورواه ابن المغازلي بثلاث طرق (6) ثم قال: رواه عن النبي (ص) نحو مائة رجل. وتأويل المتوغلين في بغضه والانحراف عنه لهذا الحديث كتعطية وجه النهار. وباب مدينة العلم كما اشتهر نقل ذلك بين كل الفرق، وأقضى الصحابة بنص الرسول (ص) كما اشتهر في النقل أيضا "، وممدوح الله بآية التطهير وباقي الايات التي جاءت فيه، حتى روى مجاهد أنه نزل في حق علي عليه السلام بخصوصه سبعون آية (7). وروى احمد بن حنبل عن ابن عباس أنه قال: ما من آية فيها (الذين آمنوا)


1. احقاق الحق 4 / 461 عن صحيح مسلم 2 / 119. 2. غاية المرام ص 79 عن مسند احمد بن حنبل. 3. سورة المائدة: 67. 4. غاية المرام ص 80، وفيه من تفسير الثعالبي ولم أجده فيه، والظاهر أنه اشتبه الامر عليه بين الثعلبي والثعالبي. 5. غاية المرام ص 81. 6. مناقب ابن المغازلى 16. 7. الاحقاق 14 / 686.

[ 54 ]

الا وعلي رأسها وقائدها وأميرها وشريفها، وقد عاتب الله أصحاب محمد (ص) في القرآن وما ذكر عليا " الا بخير (1). وممدوح الرسول صلى الله عليه وآله بما قد نقلنا بعضه عن الصحاح الست وغيرها. وأحب الانام الى الله تعالى، كما يشهد به حديث الطهير الذي رواه احمد ابن حنبل في مسنده (2)، ورواه في الجمع بين الصحاح الست (3) وغيره. ونفس الرسول لقوله تعالى في آية المباهلة (وأنفسنا وأنفسكم) رواه مسلم في صحيحه بطريقين (4)، ورواه الثعلبي في تفسيره (5). ولم يصحب للمباهلة والدعاء سواه وسوى زوجته وولديه. وهذا يدل على أنه أقرب الخلق الى الله. ومن هو من النبي بمنزلة هارون من موسى، لقول النبي صلى الله عليه وآله له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي. رواه احمد ابن حنبل في مسنده باثني عشر طريقا (6)، ورواه البخاري بثلاث طرق (7)، ورواه مسلم بست طرق (8)، ورواه في الجمع بين الصحاح الست (9).


1. الاحقاق 3 / 476 عن فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل ص 186 مخطوط. 2. غاية المرام ص 471. 3. غاية المرام ص 473. 4. احقاق الحق 3 / 46 عن صحيح مسلم 7 / 120. 5. احقاق الحق 3 / 49 عن العمدة لابن البطريق ص 95 عن تفسير الثعلبي. 6. غاية المرام ص 109. 7. غاية المرام ص 110. 8. غاية المرام ص 110. 9. غاية المرام ص 111.

[ 55 ]

ومن هو مثل آدم ونوح ويحيى وموسى وعيسى، كما رواه امامهم البيهقي في صحيحه (1)، والبغوي في تفسيره في الصحيح عن ابى الحمراء قال: قال رسول الله (ص): من أراد أن ينطر الى آدم في علمه والى نوح في فهمه والى يحيى بن زكريا في زهده والى موسى في بطشه والى عيسى في عبادته فلينظر الى علي بن ابى طالب. والصديق الافضل، لقوله تعالى (والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون) (2). روى احمد بن حنبل في مسنده أنها نزلت في علي عليه السلام (3). وقوله تعالى (والذي جاء بالصدق وصدق به) (4)، رووا في تفاسيرهم عن مجاهد أنه قال: هو علي بن ابى طالب عليه السلام (5). وقوله تعالى (وكونوا مع الصادقين) (6)، روى الثعلبي وغيره من المفسرين أنها نزلت في علي بن ابى طالب عليه السلام (7). ولقول النبي صلى الله عليه وآله: الصديقون ثلاثة: حبيب بن موسى النجار وهو مؤمن آل يسين، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبى طالب


1. احقاق الحق 4 / 394 عن مناقب الشافعي والدر الثمين ودرر المناقب عن فضائل الصحابة للبيهقي. 2. سورة الحديد: 19. 3. احقاق الحق عن مناقب احمد بن حنبل. 4. سورة المزمر: 33. 5. راجع مناقب ابن المغازلى ص 269. 6. سورة التوبة: 119. 7. احقاق الحق 3 / 296 عن تفسير الثعلبي وغيره.

[ 56 ]

وهو أفضلهم. رواه احمد بن حنبل في مسنده بثلاث طرق (1)، ورواه الثعلبي في تفسيره بطريقين. والسابق الى الاسلام، فقد رواه احمد بن حنبل في مسنده بعشر طرق (2)، ورواه الثعلبي في تفسيره بطريقين (3) عند قوله تعالى (والسابقون الاولون) (4). ونظير النبي صلى الله عليه وآله في المؤاخاة والنسب، وكونه ولي الامة لقوله تعالى (انما وليكم الله) الاية (5). ومولى الامة، بحديث: من كنت مولاه (6). وفي فتح بابه الى المسجد، كما رواه احمد بن حنبل في مسنده (7) وغيره، وفي غير ذلك. وسيد الامة، بما رواه احمد بن حنبل في مسنده من قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنت سيد في الدنيا وسيد في الاخرة، من أحبك فقد أجني وحبيبك حبيب الله، وعدوك عدوي وعدو الله (8). وروى ابن المغازلي عن النبي صلى الله عليه وآله بأريع طرق أنه قال:


1. ينابيع المودة ص 124 عن مسند احمد وغيره. 2. ينابيع المودة ص 60 عن مسند احمد وغيره. 3. ينابيع المودة 61 عن الثعلبي. 4. سورة التوبة: 100. 5. سورة المائدة: 55. 6. راجع مناقب ابن المغازلى ص 16. 7. ينابيع المودة ص 87 عن مسند احمد عن زيد بن ارقم. 8. غاية المرام ص 618 عن مسند احمد عن عبد الله بن عباس.

[ 57 ]

يا علي انك سيد المسلمين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين ويعسوب المؤمنين) (1). وخير البرية بعد النبي صلى الله عليه وآله، لقوله تعالى (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) (2). روى أهل التفاسير من أهل السنة وغيرهم عن ابن عباس قال: لمنا نزلت هذه الاية قال النبي (ص): هم أنت وشيعتك يا علي، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي أعداؤك غضابا " مقمحين (3). وروي عن جابر الانصاري رضي الله عنه وقد قيل له: كيف كان علي فيكم ؟ فقال: كان من خير البشر، ماكنا نعرف المنافقين الا ببغضهم اياه (4). ومن جاء فيه قوله تعالى (ومن عنده علم الكتاب) (5). روى الثعلبي في تفسيره بطريقين أنه علي بن ابى طالب عليه السلام (6). ووارث النبي صلى الله عليه وآله لقوله: أنت وارثي وحامل لوائي. رواه أحمد بن حنبل في مسنده بأربع طرق.


1. المناقب لابن المغازلى ص 65. 2. سورة البينة: 7. 3. الاحقاق 4 / 218، 251، 253، 384 و 5 / 275، وغاية المرام ص 327 عن ابن عباس وفيه (ويأتى عدوكم غضبانا " مقمحين)، وهو الامر الشاق الذى لا يكاد يركبه أحد، وقحم الخصومات ما يحمل الانسان على ما يكرهه. والمقمح والاقماح: رفع الرأس وغض البصر، وأقحمه الغل: إذا ترك رأسه مرفوعا " من ضيقة. 4. ينابيع المودة ص 47. 5. سورة الرعد: 43. 6. الاحقاق 3 / 218 عن الثعلبي في تفسيره.

[ 58 ]

والمكتوب اسمه على باب الجنة. رواه احمد بن حنبل بطريقين (1). ومن ذكره عبادة، كما روي عن عائشة وجابر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ذكر علي عبادة (2). ومن هو من النبي والنبى منه، لقوله صلى الله عليه وآله: علي مني وأنا من علي (3). رواه احمد بن حنبل بسبع طرق، ورواه البخاري بثلاث طرق (4) ورواه في الجمع بين الصحاح الست بثلاث طرق. والذي لا يحبه الا مؤمن ولا يبغضه الا منافق. رواه احمد بثمان طرق (5)، ورواه في الجمع بين الصحيحين وفي الجمع بين الصحاح الست. ومن رقى على كتف النبي صلى الله عليه وآله وكسر الاصنام كما اشتهر (6). وولي المؤمنين، لقوله تعالى (انما وليكم الله ورسوله) (7) الاية، فقد روى الثعلبي في تفسيره: أن المراد بالذين آمنوا علي، وأنها نزلت لما تصدق بخاتمه وهو راكع (8). والحديث مشهور، ورواه في الجمع بين الصحاح الست من طريق النسائي (9)، واختصاصها به اجماعي، فقد ثبت له بالنص من الولاية ما


1. كنز العمال 13 / 138، المناقب لابن المغازلى ص 91. 2. المناقب لابن المغازلى ص 206. 3. الناقب لابن المغازلى ص 221. 4. صحيح البخاري 1 / 525 ط الهند. 5. ينابيع المودة ص 47. 6. ينابيع المودة ص 129. 7. سورة المائدة: 55. 8. غاية المرام ص 103 عن تفسير الثعلبي. 9. غاية المرام ص 104.

[ 59 ]

ثبت لله ولرسوله، وهو نص في وجوب طاعته على أبلغ وجه، فبأي دليل قصد بيته بالاحراق ليبايع أبا بكر. ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأمثال ذلك مما جاء فيه لا يمكن حصره لكثرته، ومن تتبع كتب المناقب لاهل السنة فقد علم صدق ذلك. (فصل) وممن نقلنا عنه أحاديثنا ومعالم ديننا فاطمة سيدة نساء العالمين وبضعة الرسول التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، كما رووه في صحاحهم (1). ومنهم الحسن والحسين عليهما السلام سيد الشباب أهل الجنة. (2). ومنهم السجاد زين العابدين عليه السلام، انتهى إليه العلم والزهد والعبادة كما لا يخفى على مسلم. ومنهم محمد بن علي الباقر عليه السلام، الذي سمي باقر العلم لا تساع علمه وانتشاره (3) وأخبر النبي (ص) جابر الانصاري (رض) أنه سيدركه وأن


1. صحيح البخاري 1 / 532، ينابيع المودة ص 171، المناقب لابن المغازلى ص 351، المستدرك للحاكم 3 / 153، اسد الغابة 5 / 522، كنز العمال 12 / 111. 2. كنز العمال 12 / 112، مسند احمد بن حنبل 3 / 3، المستدرك للحاكم 3 / 164، تاريخ بغداد 4 / 204. 3. قال بعض أهل اللغة: انما لقب محمد بن على بن الحسين بالباقر لتبقره وتوسعه في العلم، يقال: بقرت الشئ بقرا " أي فتحته ووسعته، وسمى الاسد باقر لانه يبقر بطن فريسته.

[ 60 ]

اسمه اسمه وأنه يبقر العلم بقرا " وقال: إذا لقيته فاقرأ عليه مني السلام (1). ولم ينكر تلقيبه بباقر العلم منكر بل اعترفوا بأنه وقع موقعه وحل محله. ومنهم جعفر الصادق عليه السلام ابنه الذي اشتهر عنه من العلوم ما بهر العقول، حتى غلافيه جماعة وأخرجوه الى حد الالهية، ودون العامة والخاصة ممن برز ومهر بتعلمه من العلماء والفقهاء أربعة آلاف رجل كزرارة بن اعين واخويه بكير وحمران وجميل بن دراج ومحمد بن مسلم ويزيد بن معاوية العجلي وهشام بن الحكم وهشام بن سالم وابى بصير وعبد الله بن سنان وابى الصباح وغيرهم من أعيان الفضلاء من أهل الحجاز والشام والعراق وخراسان من المعروفين والمشهورين من أصحاب المصنفات الكثيرة والمباحث المشهورة الذين ذكرهم العامة في كتب الرجال وأثنوا عليهم بما لا مزيد عليه، مع اعترافهم بتشيعهم وانقطاعهم الى أهل البيت، وقد كتب من أجوبة مسائلة هو فقط أربعمائة مصنف لاربعمائة مصنف تسمى (الاصول) في أنواع العلوم. ومنهم علي بن موسى الرضا عليه السلام الذي ألفت هذه الرسالة وأنا متشرف بحضرته الشريفة وسدته المنيفة، الذي أجمع أولياؤه وأعداؤه على عظم شأنه وغزارة علمه، وحاول أعداؤه من بنى الباس وغيرهم الغض منه لما رأوا ميل المأمون إليه وحبه له وأراد أن يجعله ولي عهده، فأحضروا له رؤساء العلماء في كل الفنون فأفحمهم جميعا " وأعجزهم مرارا " شتى، فكانوا يخرجون خجلين مدحورين (2) وهو يومئذ صغير السن، واعترف المأمون بفضله على كل الناس فجعله ولي عهده، كما لا يخفى على أهل النقل.


1. احقاق الحق 12 / 155، 156، 158. 2. المدحور: المطرود.

[ 61 ]

ومنهم محمد بن الحسن المهدي القائم بالحق فيملا " الارض قسطا " وعدلا كما ملئت ظلما " وجورا " باخبار النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فقد روى ذلك في الجمع بين الصحاح الست بست طرق (1) ألفاظ متونها مختلفة، ورواه في كتاب المصابيح بأربع طرق (2). وبالجملة هو مما لا يمتري فيه أحد. وباقي أحوالهم وأحوال باقيهم شهيرة غنية عن التعريف، لو فتحنا فيها باب المقال لطال واتسع المجال. والاديب البيب يعرف ما * ضمن طي الكتاب بالعنوان ولقد علم كل الخلق من العامة والخاصة أنه لم يسأل أحد منهم قط فتردد ولا توقف، ولا استشكل أحد منهم سؤالا قط، ولا عول (3) في جوابه على كتاب [ قط ] (4) ولا مباحث، مع أنهم لم يشاهدوا قط مختلفين الى معلم ولا ادعى ذلك عليهم مدع من أوليائهم ولا من أعدائهم، بل كل واحد منهم مسند عن آبائه عن رسول الله (ص). وهذا من أقوى الادلة على اختصاصهم بالمزايا التي يقطع كل ذي لب بأنها من الله تعالى ميزهم بها عن الخلق. ومعجزاتهم الباهرات واخبارهم بالمغيبات مما قد نقله الثقات واشتهرفي كل الازمنة والاوقات. أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع ثم انهم صلوات الله عليهم مع هذه الاخلاق الطاهرة والكرامات الظاهرة


1. غاية المرام ص 697 عن الجمع بين الصحاح الست بسبع طرق. 2. غاية المرام ص 698 عن المصابيح. 3. عولت على الشئ تعويلا: اعتمدت عليه. 4. الزيادة من المخطوطة.

[ 62 ]

والعلوم الباهرة يصونون شيعتهم في الاخذ عنهم والعمل بفتواهم، ولم يزالوا يعيبون على غيرهم ممن قال برأيه اعتمادا " على استحسان أو قياس وينسبونهم الى الضلال والقول في الدين بغير الحق، ويستخفون رأي من يأخذ عنهم وينسبونه الى الجهل. يعلم ذلك علما " ضروريا " صادرا " عن النقل المتواتر، ومن رام انكار ذلك كان كمن رام انكار المتواترات من سنن النبي وسيرته ومعجزاته. ولا مرية أن النقلة والنقل عنهم تزيد أضعافا " كثيرة عما نقل عن كل واحد من رؤساء العامة، ومن أنكر ذلك كان كمن أنكر الضروريات من المشاهدات. وإذا اعتبر ذو أدنى عقل وانصاف جزم بصحة نسبة ما نقل عنهم إليهم، فان أنكره كان ذلك مكابرة محضة وتعصبا " صرفا ". وحينئذ نقول: الجمع بين الاجماع على عدالتهم وتواتر هذا النقل عنهم معه بطلانه مما يأباه العقل ويبطله الاعتبار بالضرورة. وبالله التوفيق. ولقد بحثت مع بعض فضلائهم من أهل فارس وكان ذا انصاف شهير وفضل كثير ولكنه لم يكن يعرف شيئا " من أحوال الشيعة أصلا لانه هرب مع والده من الشاه اسماعيل الحسيني رحمه الله الى بلاد الهند وبها نشأ، فكان مما قال: ان جعفر الصادق وآباءه عليهم السلام لا يشك أحد في عدالتهم واجتهادهم وغزارة علمهم وان مذاهبهم كانت حقا " لكن لم ينقل مذاهبهم كما فرعوا على مذاهب هؤلاء، ولو نقلت مذاهبهمم لم نشك في تصويب من اتبعها. قلت له: ان كان مقصودك أن أهل السنة لم ينقلوا مذاهبهم فهو حق لكنه غير قادح فيما الشيعة عليه، لان أصحاب كل امام من ائمتكم لم ينقلوا فروع الامام

[ 63 ]

الاخر ولا فرعوا على مذهبه، وان كان مقصودك أن الشيعة أيضا " لم ينقلوها ولم يفرعوا عليها فهذا مكابرة في الضروريات المشاهدات، لانهم أحرص الناس على نقل مذاهبهم والتفريع عليها، ونقل مذاهبهم وتفاريعهم عليها ومؤلفاتهم في ذلك اكثر من أن تحصى لا ينكرها ذو بصيرة، لانهم يعتقدون عصمتهم وأن ما يقل لو له هو قول الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، لا كأهل السنة الذين يعتقدون أن ما يقوله امامهم بالاجتهاد، وان المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وأصولهم التي نقلوها عنهم تزيد أضعافا " كثيرة عما نقلتموه عن النبي (ص)، وعندي منها جانب ان شئت أرتكه. فقال: نعم ولكن هم الان نحو ثمانمائة والرجال والوسائط الذين نقلوه غير معروفين، فكيف يحكم بصحة ذلك عنهم. قلت: الجواب كالاول، لان رجال الائمة ومن نقل عنهم الى يومنا هذا كلهم عندنا معروفون قد ألفوا فيها كتبا " كثيرة في الجرح والتعديل ونقل الاسانيد وتقسيمها الى الصحيح والحسن والموثق والضعيف على أكمل الوجوه، بل علماؤهم لا يقبلون الا رواية من نص على توثيقه، لان الشرط عندهم علم العدالة لاعدم العلم بالقسق كما يقوله أهل السنة، وعندي من كتب رجالهم شئ ان شئت عرضته عليك. فسكت ولم يجب بشئ. (اصل) وقبيح بذي العقل أن يترك أحاديث أهل بيت نبيه ودينهم بعد ما تلوناه من شأنهم، وهو قليل من كثير اذلسنا هنا بصدد استقصائه، ويأخذ معالم دينه عن جماعة ظهر منهم الفسق والكفر، اما نبص من الله أو بنص الرسول أو شهادة بعضهم

[ 64 ]

على بعض اما اجمالا أو تفضيلا. ولنذكر من ذلك انموذجا " يسيرا " يكون عذرا " لنا في رفصهم، ونقتصر من ذلك على ما جاء في القرآن العزيز أو رووه هم في صحاحهم لتكون الحجة أو قبح دون ما نحن تقردنا بنقله. أما الا جمال فيكفينا القرآن شاهدا "، حيث أخبر سبحانه وتعالى بفرارهم من الزحف وهو من اكبر الكبائر في قوله تعالى (ويوم حنين) (1) الاية، وكانوا اكثر من أربعة آلاف رجل، فلم يتخلف معه (2) الا سبعة أنفس علي والعباس والفضل ابنه وربيعة وسفيان ابنا الحارث بن عبد المطلب واسامة بن زيد وعبيدة ابن ام أيمن، وأسلمه الباقون الى الاعداء والقتل، ولم يخشوا العار ولا النار، وآثروا الحياة الدينا، ولم يستحيوا من الله تعالى ولا من نبيه وهو يشاهدهم عيانا ". وقد فروا من الزحف في موارد أخرى كثيرة لا تخفى على أهل النقل. وقال الله تعالى (وإذا رأوا تجارة أو لهوا " انفضوا إليها وتركوك قائما ") (3)، رووا انهم كانوا إذا سمعوا بوصول تجارة تركوا الصلاة معه. فإذا كانوا معه - وهو بين أظهرهم - بهذه المثابة كيف يستعبد منهم الفسق بل الكفر بعده ميلا الى هوى أنفسهم في طلب الملك وزهرة الحياة الدينا، وقد قال تعالى (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا) (4). فلو لا علمه


1. سورة التوبة: 25. 2. أي النبي صلى الله عليه وآله. 3. سورد الجمعة: 11. 4. سورة آل عمران: 144.

[ 65 ]

تعالى بانقلابهم لم يحسن منه التوبيخ عليه. وأما ما رووه في شأن الصحابة اجمالا أيضا " فمنه: ما رواه في الجمع بين الصحيحين من سمند سهل بن سعد (1) في الحديث الثامن والعشرين من المتفق عليه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: أنا فرطكم (2) على الحوض، من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا "، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم (3): فسمع النعمان بن ابى العباس (4) وأنا أحدثهم بهذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلا يقول ؟ فقلت: نعم. فقال: أنا أشهد على ابى سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول: انهم من أمتي ؟ فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقا " سحقا " لمن يبدل بعدي (5). ومنه ما رواه في الجمع بين الصحيحين أيضا " من المتفق عليه في الحديث الستين من مسند عبد الله بن عباس قال: ان النبي (ص) قال: انه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي. فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح (وكنت عليهم شهيدا ما دمت


1. هو سهل بن سعد الساعدي الصحابي. 2. فرطكم: متقدمكم إليه. 3. هو سلمة بن دينار. 4. في صحيح البخاري (النعمان بن ابى عياش)، وفي هامشه: اسم ابى عياش زيد ابن الصامت الزرقى البصري. 5. صحيح البخاري 2 / 974، 1045، في الاول (سحقا " سحقا " لمن غير بعدى) وفي الثاني (لمن بدل بعدى). وسحقا ": أي بعدا ".

[ 66 ]

فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد * ان تعذبهم فانهم عبادك) (1). قال: فيقال لي: انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم (2). ومنه في الجمع بين الصحيحين أيضا " في الحديث الحادي والثلاثين بعد المائة من المتفق عليه من مسند انس بن مالك قال: ان النبي (ص) قال: ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا الي رؤوسهم اختلجوا (أصاحوا خ ل) فلاقولن: أي رب أصحابي أصحابي. فليقالن: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك (3). ومنه فيه أيضا " في الحديث السابع والستين بعد المائتين من المتفق عليه من مسند ابى هريرة، رواه بعدة طرق قال: قال النبي (ص): بينا أنا قائم إذا زمرد حتى إذا عرفتهم خرج رجل ببنى وبينهم فقال: هلموا. فقلت: الى أين ؟ قال: الى النار والله. قلت: ما شأنهم ؟ قال: انهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل بيني وبينهم فقال: هلموا. فقلت الى أين ؟ فقال: الى النار والله. قلت: ما شأنهم ؟ قال: انهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم الامثل ما يخلص من همل النعم (4). وقد روى الحميدي نحو ذلك من مسند عائشة من عدة طرق، ونحوه من


1. سورد المائدة: 117، 118. 2. صحيح البخاري 2 / 693. 3. صحيح البخاري 2 / 976 ط الهند. 4. صحيح البخاري 2 / 975. وهمل بفتحتين جمع هامل، وهمل النعم هي المسرحة.

[ 67 ]

مسند أسماء بنت ابى بكر من عدة طرق، ونحوه من مسند أم سلمة، ونحوه من مسند سعيد بن المسيب من عدة طرق، كل ذلك في الجمع بين الصحيحين. ومنه أيضا " في مسند ابى الدرداء في الحديث الاول من صحيح البخاري قالت أم الدرداء: دخل علي أبو درداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك ؟ فقال: والله ما أعرف من أمرامة محمد شيئا " الا أنهم يصلون جميعا " (1). وروى البغوي في كتاب المصابيح في حديث طويل في صفة الحوض قال قال رسول الله (ص): أنا فرطكم على الحوض، من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا "، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: انهم أمتي. فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقا " سحقا " لمن غير بعدي. وقد رووا في صحاحهم من شكوى النبي صلى الله عليه وآله منهم ومن مخالفتهم له أشياء كثيرة لو عددناها لطال. وأما شكوى علي عليه السلام وتظلمه من الثلاثة الاول فهو أوضح من الشمس قد نقله كل الطوائف، ونهج البلاغة مشحون به، كقوله: أما والله لقد تقمصها أخوتيم وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى (2). وقوله: وطفقت ارتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء. وقوله: أرى تراثي نهبا "، حتى إذا مضى الاول لسبيله عقدها لاخ عدي (أدلى بها الى فلان خ ل) بعده، فواعجبا " بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لاخر بعد وفاته (3).


1. صحيح البخاري 1 / 90. 2. راجع شرح النهج لابن ابى الحديد 1 / 151. 3. شرح النهج لابن ابى الحديد 1 / 162.

[ 68 ]

ونحو ذلك مما هو كثير وصريح بالتظلم، ومن المحال ادعاؤه الكذب بعدهم وقد وصلت إليه الخلافة، حيث أن الباري طهره وأجمعت الامة على زهده وورعه. وروى ابن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب عن رسول الله (ص) أنه قال لعلي: ان الامة ستغدر بك من بعدي (1). وروى أبو بكر الحافظ ابن مردويه من أكابر السند باسناده الى ابن عباس أن رسول الله (ص) بكى حتى علابكاؤه، فقال له علي: ما يبكيك يا رسول الله قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني (2). (فصل) وأما التفضيل فنذكر بعضا " مما رووه من اكبر أكابرهم: فمنهم المتخلفان عن جيش أسامة اجماعا والنبى صلى الله عليه وآله يقول: جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عن جيش أسامة (3). فكيف يقتدى بمن لعنه النبي، ولم لم نتأس به، ومن قال: ان لي شيطانا " يعترينى (4)، ومن كانت بيعته فلتة بشهادة عمر (5)، ومن طلب الاقالة عما دخل


1. غاية المرام ص 572 عن ابى الحديد والخوارزمي والحموينى. 2. الايضاح لابن شاذان ص 454، غاية المرام ص 570، 572 عن ابن ابى الحديد والضغائن جمع ضغينة: الحقد والعداوة والبغضاء. 3. شرح النهج لابن ابى الحديد 6 / 52 وفيه (أنفذوا أسامة لعن الله من تخلف عنه). 4. شرح النهج لابن ابى الحديد 6 / 20. 5. صحيح البخاري 2 / 1009 ط الهند.

[ 69 ]

فيه (1) وليس الالعلمه بعدم صلوحه له، ومن شك عند موته فقال: ليتني كنت سألت النبي (ص) هل للانصار في هذا الامر شئ (2)، وهذا شك فيما هو فيه مع أنه هو الذي دفع الانصار لما قالوا: منا أمير ومنك أمير، بقوله: الائمة من قريش. فان كان ما رواه حقا " كيف حصل له الشك والا فقد دفع بالباطل. ومن لم يوله النبي صلى الله عليه وآله شيئا " من الاعمال الابتبليغ سورة البراءة ثم نزل جبرئيل برده فقال: لا يؤديها الا أنت أو رجل منك، كما رواه احمد بن حنبل في مسنده بخمس طرق (3)، ورواه البخاري في صحيحه بطريقين (4) ورواه في الجمع بين الصحاح الست (5)، ورواه الثعلبي في تفسيره (6). وفي هذا مع قوله تعالى (فمن ابتعني فانه مني) (7) أوضح بيان لذوي العرفان، ومن لا يصلح لتبليغ سورد من القرآن كيف يسلم إليه زمام الايمان. ومن منع فاطمة عليها السلام ارثها برواية مخالفها للقرآن، وقد روى البخاري بطرقين أن فاطمة أرسلت تطالبه بميراثها فمنعها ذلك، فوجدت فاطمة على ابى بكر وهجرته فلم تكلمه حتى ماتت (8).


1. غايد المرام 546، 549 عن الترمذي، وراجع شرح النهج 1 / 168، الامامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 14. 2. العقد الفريد 4 / 269، الامامة والسياسة 1 / 18. 3. غاية المرام ص 461 عن ابن حنبل وغيره وقال: وفيه ثلاثة وعشرون حديثا ". 4. صحيح الباري 1 / 53، 2 / 671. 5. غاية المرام ص 462. 6. غاية المرام ص 461. 7. سوردة ابراهيم: 36. 8. صحيح البخاري 2 / 992، الامامة والسياسة 1 / 13.

[ 70 ]

ودفنها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر (1). ويلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قد خالف الله تعالى في قوله (وأنذر عشيرتك الاقربين) (2)، فكيف لم ينذر عليا " وفاطمة الحسن والحسين والعباس ولا أحدا " من بنى هاشم الاقربين، بل ولا أحدا " من نسائه ولا من المسلمين. وقد روى في الجمع بين الصحيحين أن فاطمة والعباس أتيا يطلبان ميراثهما من النبي صلى الله عليه وآله (3). وروى فيه أيضا " أن أزواج النبي (ص) بعثن يطلبن ميراثهن (4). وروى الحافظ ابن مردويه باسناده الى عائشة - وذكرت كلام فاطمة لابي بكر وقالت في آخره: وأنتم تزعمون أن لا ارث لنا (أفحكم الجاهلية تبغون) (5) الاية، معشر المسلمين انه لا أرث ابى، يابن ابى قحافة أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث ابى، لقد جئت شيئا " فريا "، فدونكها مرحولة مخطومة (محفوظة خ ل) تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله والغريم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون (6). ومن أخذ فدك من فاطمة وقد وهبها اياها ابوها بأمر الله تعالى، روى الواقدي


1. شرح ابن ابى الحديد 16 / 280. 2. سورة الشعراء: 214. 3. صحيح البخاري 2 / 995. 4. صحيح البخاري 2 / 996. 5. سورة المائدة: 50. 6. شرح ابن ابى الحديد 16 / 250.

[ 71 ]

وغيره منهم أن النبي صلى الله عليه وآله لما افتتح خيبر اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود، فنزل عليه جبرئيل بهذه الاية (وآت ذا القربى حقه) (1) فقال محمد: ومن ذا القربى وما حقه ؟ قال: فاطمة. فدفع إليها فدك والعوالي، فاستغلتها حتى توفي أبوها، فلما بويع أبو بكر منعها، فكلمته فقال: لا أمنعك ما دفع اليك ابوك، فأراد أن يكتب لها كتابا " فاستوقفه عمر وقال: انها امرأة فلتأت على ما ادعت ببينة. فأمرها أبو بكر فجاءت بأم أيمن وأسماء بنت عميس وعلي، فشهدوا بذلك، فكتب لها أبو بكر، فبلغ ذلك عمر فأخذ الصحيفة فمحاها فحلفت الا تكلمهما وماتت وهي ساخطة عليهما. وفي بعض الروايات: فشهد لها علي فقال: انه يجرنفعا " الى نفسه. وشهد لها الحسنان فقال: ابناك. وشهدت لها أم ايمن فقال: امرأة. فعند ذلك غضبت عليه وحلفت الا تكلمه حتى تلقى أباها وتشكو إليه. وهذا يدل على نهاية جهله بالاحكام وعلى أنهما لم يكن عندهما مثقال ذرة من الاسلام، وهل يجوز على الذين طهرهم الله بنص الكتاب أن يقدموا على غصب المسلمين أموالهم وان يدلهم أبو بكر على الصواب. فاعتبروا يا أولى الالباب. مع أنه قد روى مسلم في صحيحه بطريقين أن رسول الله (ص) قال: فاطمة بضعة مني يؤذيني من آذاها (2). وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله (ص) قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني (3).


1. سورة الاسراء: 26، سورة الروم: 38. 2. احقاق الحق 10 / 190 عن مسلم في صحيحه 7 / 140. 3. صحيح البخاري 1 / 532.

[ 72 ]

وكذلك روى هذين الحديثين في الجع بين الصحيحين، وروى في الجمع بين الصحاح الست أن رسول الله (ص) قال: فاطمة سيدة نساء العالمين (1). وروى بطريق آخر أنه قال: ألا ترضين أن تكوني سيدة المؤمنين أو سيدة نساء العالمين أو سيدة نساء هذه الامة. وكذلك رواه البخاري في صحيحه (2)، وكذلك رواه الثعلبي في تفسيره عند قوله تعالى (واني سميتها مريم) (3). وهذه الاخبار الصحيحة عندهم تدل على أن من آذى فاطمة أو أغضبها فقد آذى اباها وأغضبه، وقد قال الله تعالى (ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة) (4). وقد صححوا أن أبا بكر وعمر قد أغضباها وآذياها وهجرتهما الى أن ماتت فاعتبروا يا أولى الابصار. (فصل) ومنهم من خالف النبي صلى الله عليه وآله بل خالف الله لانه لا ينطق عن الهوى، في احضار الدواة والقرطاس ليكتب للمسلمين كتابا " لن يضلوا بعده أبدا "، وشتم النبي (ص) حينئذ فقال: دعوه فانه يهجر. وهذا لا يجوز أن يواجه به المثل لمثله فكيف هذا النبي الكريم ذوا الخلق العظيم. فقد روى ذلك مسلم


1. صحيح البخاري 1 / 532. 2. صحيح البخاري 1 / 512 وليس فيه (سيدة نساء هذه الامة). كنز العمال 13 / 107. 4. سورة الاحزاب: 37.

[ 73 ]

في صحيحه، ورواه غيره من أهل النقل، وكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب نبينا (1). ومن أوجب بيعة ابى بكر وخاصم عليا " بغير دليل وقصد بيت النبوة وذرية الرسول الذين فرض الله طاعتهم ومودتهم واكد النبي صلى الله عليه وآله في الوصية بهم بالاحراق بالنار (2). وكيف يوجب عليهم شيئا " لم يوجبه الله ولا رسوله عليهم، فهل كان أعلم من الله ورسوله ومن أهل البيت بالاحكام ومصالح العباد، والنبى (ص) قد قنع من اليهود والنصارى بالجزية ولم يوجب عليهم متابعته قهرا " ولا عاقبهم بالاحراق بالنار، فكيف استجاز احراق أهل بيت نبيه. ومن أمر برجم حامل (3) ورجم مجنونة (4) فنهاه علي عليه السلام فقال: لو لا علي لهلك عمر (5). ومن منع من المغالاة في المهر ونبهته امرأة، فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت (6). ومن أعطى حفصة وعائشة من بيت المال مالا يجوز (7).


1. صحيح البخاري 2 / 638، 846. 2. الامامة والسياسة 1 / 12. 3. الايضاح لابن شاذان ص 192. 4. الايضاح ص 193. 5. قال هذا وما يشبهه مرارا " كثيرة. 6. شرح ابن ابى الحديد 12 / 208 وفيه (كل النساء أفقه من عمر). 7. شرح ابن ابى الحديد 12 / 210.

[ 74 ]

ومن عطل حد الله في المغيرة بن شعبة ولقن الشاهد الرابع فامتنع (1) حتى كان عمر يقول إذا رآه: قد خفت أن يرميني اله بحجارة من السماء. ومن كان يتلون في أحكامه لجهله حتى قضى في الحد بسبعين قضية (2). ومن قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما (3). وهذا يقدح في ايمانه ان كان آمن. وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من عدة طرق عن جابر وغيره: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايام على عهد رسول الله (ص) وأبى بكر حتى نهانا عنها عمر لاجل عمرو بن حريث لما استمتع. وقد روى في الجمع بين الصحيحين نحو ذلك من عدة طرق. وروى احمد في مسنده عن عمران بن حصين قال: أنزلت متعة النساء في كتاب الله وعلمناها وفعلناها مع النبي (ص) ولم ينزل قرآن بحرمتها ولم ينه عنها حتى مات. وروى الترمذي في صحيحه قال: لما سئل ابن عمر عن متعة النساء فقال: هي حلال. فقيل: ان أباك قد نهى عنها. فقال: سبحان الله ان كان أبى قد نهى عنها وصنعها رسول الله (ص) نترك السنة ونتبع قول أبى. ومن أبدع في الشورى عدة بدع، فخرج بها عن النص والاختيار وحصرها في ستة وشهد على كل من سوى علي بعدم صلوحه لها وأمر بضرب رقابهم ان تأخروا اكثر من ثلاثة أيام وأمر بضرب رقاب من يخالف عبد الرحمن (4). وكل


1. شرح ابن ابى الحديد 12 / 227. 2. شرح ابن ابى الحديد 12 / 246. 3. شرح ابن ابى الحديد 12 / 251. 4. شرح ابن ابى الحديد 12 / 256.

[ 75 ]

ذلك حكم بما لم ينزل الله تعالى. وتقول في الدين وأبدع في ترتيب التراويح جماعة (1)، وقد أجمع كل الامة على أنها بدعة، حتى هو قال: بدعة ونعمت البدعة (2)، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها الى النار (3). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن عمر قال للعباس وعلي: فلما توفي رسول الله قال أبو بكر (أنا ولي رسول الله)، فجئتما أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته، فقال أبو بكر: قال رسول الله: لا نورث ما تركناه صدقة، فرأيتماه كاذبا " آثما " غادرا " خائنا "، والله انه لراشد تابع للحق، ثم لما توفي أبو بكر قال عمر (أنا ولي رسول الله وولي أبى بكر)، فرأيتماني كاذبا " آثما " خائنا " غادرا "، والله يعلم اني لصادق بار تابع للحق (4). ولم يعتذر العباس ولا علي عن هذا الاعتقاد، ولا شبهة أن اعتقادهما حق، لان الله قد طهر عليا " وجعل النبي الحق دائرا " مع علي في قوله صلى الله عليه وآله في حديث غدير خم: وأدر الحق معه كيفما دار (5). كما جاء في غيره أيضا. (فصل) ومنهم (6) من ولي أمور المسلمين لمن ظهر منه الفسق والفساد ولا علم عنده


1. شرح ابن ابى الحديد 12 / 281. 2. صحيح البخاري 1 / 269. 3. سنن ابى داود 4 / 201، سنن ابن ماجة 1 / 16. 4. صحيح البخاري 2 / 996 باختلاف في اللفظ. 5. سنن الترمذي 5 / 633. 6. في المخطوطة (وفيهم).

[ 76 ]

مراعاة لحرمة القرابة وعدولا عن مراعاة حرمة الدين، كالوليد بن عقبة فشرب الخمر حال امارته (1)، وصلى وهو سكران والتفت الى من خلفه وقال: أزيدكم في الصلاة (2). وسعيد بن العاص ظهر منه في الكوفة المناكر فتكلموا فيه وفي عثمان وأرادوا خلع عثمان فعزله عنهم قهرا " (3). وعبيد الله بن ابى سرح ظلم في مصر وعشم (4) وتكلم فيها أهل مصر فصرفه عنهم بمحمد بن ابى بكر، ثم كاتبه سرا " بأن استمر على الولاية وأمره بقتل محمد وغيره ممن يرد عليه، ولما ظفروا بذلك الكتاب كان أحد الاسباب في قتله. ومن رد الحكم بن العاص الى المدينة وقد طرده رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان قد كلم أبا بكر وعمر في رده فلم يقبلا وزبراه، ولما رده جاءه علي وطلحة والزبير وأكابر الصحابة وخوفوه من الله تعالى فلم يسمع. ومن ضرب اباذر مع تقدمه في الاسلام وعلو شأنه عند النبي صلى الله عليه وآله ونفاه الى الربذة، وذم ابى ذر لعثمان ووقائعه معه كثيرة مشهورة (5). ومن ضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر بعض أضلاعه فعهد ألا يصلي عليه عثمان، وقال عثمان له لما عاده في مرض موته: استغفر لي. فقال عبد الله:


1. شرح ابن ابى الحديد 3 / 11. 2. شرح ابن ابى الحديد 17 / 229، وانظر العقد الفريد 4 / 308. 3. انظر مروج الذهب 2 / 336. 4. كذا في النسخ بالعين بمعنى الطمع، ولعله بالغين المعجمة وهو الظلم والغضب، والغشوم الذى يخبط الناس ويأخذ كل ما قدر عليه. 5. مروج الذهب 2 / 341، شرح ابن ابى الحديد 3 / 52.

[ 77 ]

أسأل الله أن يأخذ لي حقي منك (1). ومن ضرب عمار بن ياسر حتى حدث به فتق بغير جرم منه الا أنه نهاه عن بعض المناكر، وكان عمار من اكبر المؤلبين (2) على قتله هو ومحمد بن ابى بكر وكانا يقولان: قتلناه كافرا ". وكان عمار يقول: ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر وأنا الرابع، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (3). وقيل لزيد بن أرقم: بأي شئ كفرتم عثمان ؟ فقال: بثلاث: جعل المال دولة بين الاغنياء، وجعل المهاجرين من الصحابة بمنزلة من حارب الله ورسوله، وعمل بغير كتاب الله (4). وكان حذيقة بن اليمان يقول: ما في كفر عثمان بحمد الله شك (5). ومن كان يؤثر أهله بالاموال العظيمة من بيت مال المسلمين، حتى دفع الى أربعة زوجهم بناته أربعمائة ألف دينار، وأعطى مروان مائة ألف دينار (6). ومن عطل الحد الواجب على عبيدالله بن عمر حيث قتل الهرمزان مسلما " وكان قد أوصى عمر بقتله، فدافع عثمان عنه وحمله الى الكوفة وأقطعه بها دارا " ونقم عليه المسلمون في ذلك (7).


1. شرح ابن ابى الحديد 3 / 40. 2. ألب القوم على كذا: اجتمعوا على عداوته. 3. سورة المائدة: 44. 4. شرح ابن ابى الحديد 3 / 51. 5. بحار الانوار 8 / 339. 6. شرح ابن ابى الحديد 3 / 33. 7. شرح ابن ابى الحديد 3 / 59.

[ 78 ]

ومن تبرأ منه كل الصحابة، فكانوا بين قاتل له وبين راض، حتى تركوه بعد قتله ثلاثة أيام بغير دفن ومنعوا من الصلاة عليه (1)، وحكمه بغير ما أنزل الله وبدعه أكثر من أن يحصر. (فصل) ومنهم من هو رأس الفئة الباغية باخبار النبي صلى الله عليه وآله في قتل عمار (2) وأنه يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار (3). ومن هو دعي ابن دعي. روى هشام بن السائب الكلبى قال: كان معاوية لاربعة نفر: لعمارة بن الوليد، ولمسافر بن ابى عمر، ولابي سفيان، ولرجل سماه (4). وكانت أمه هند من المغتلمات (5)، وكان أحب الرجال إليها السودان، وكانت إذا ولدت أسود قتله. وحمامة جدة معاوية كانت من ذوات الريات، أي الغايات في الزنا (6). ومن دعا عليه النبي صلى الله عليه وآله فقال: لا أشبع الله بطنه (7)، واستجبت


1. شرح ابن ابى الحديد 3 / 63. 2. كنز العمال 11 / 722، 725، 727. 3. كنز العمال 11 / 724. 4. شرح ابن ابى الحديد 1 / 336. 5. الغلمة كغرقة: شدة الشهوة. 6. شرح ابن ابى الحديد 2 / 125. 7. اسد الغابة 4 / 386.

[ 79 ]

دعوة النبي فيه واشتهر ذلك فكان لا يشبع. وكان الننبى يستغفر لقومه عموما " وخصوصا "، ولهذا جاء قوله تعالى (ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) (1)، فلو لم يكن من أشد المنافقين نفاقا " ما دعا عليه خصوصا " وهو يدعو لهم عموما ". ومن حارب عليا " عليه السلام الذي جاء فيه ما تلوناه طلبا " لزهرة الحياة الدنيا وزهدا " في الله والدار الاخرة، وتعظيم علي ثبت بضرورة الدين ووجوب طاعته ثبت لكونه مولى المؤمنين. ومن لم يزل مشركا " مدة كون النبي صلى الله عليه وآله مبعوثا " يكذب بالوحي ويهزأ بالشرع، فالتجأ الى الاسلام لما هدر النبي دمه ولم يجد ملجأ قبل موت النبي بخمسة أشهر. ومن روى عبد الله بن عمر في حقه قال: أتيت النبي (ص) فسمعته يقول: يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي، فطلع معاوية. (2). وكان النبي صلى الله عليه وآله يخطب، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة، فقال النبي: لعن الله القائد والمقود (3). ومن سن السب على علي بن ابى طالب عليه السلام (4)، وقد ثبت تعظيمه بالكتاب والسنة، وسبه بعد موته يدل على غل كامن وكفر باطن. ومن سم الحسن عليه اسلام على يد زوجته بنت الاشعث (5) ووعدها على


1. سورة التوبة: 80. 2. بحار الانوار 8 / 565 ط المكبانى. 3. بحار الانوار 8 / 565. 4. شرح ابن ابى الحديد 4 / 56. 5. اسد الغابة 2 / 15، الاستيعاب 1 / 376.

[ 80 ]

ذلك ما لا جزيلا وأن يزوجها يزيد فوفى لها بالمال فقط. ومن جعل ابنه يزيد الفاسق (1) ولي عهده على المسلمين حتى قتل الحسين عليه السلام وأصحابه وسبى نساءه (2)، وتظاهر بالمناكر والظلم وشرب الخمر وهدم الكعبة (3) ونهب المدينة (4) وأخاف أهلها وأباح نساءها ثلاثة ايام، وكسر ابوه ثنية النبي صلى الله عليه وآله وأكلت أمه كبد حمزة. ومن قتل حجر وأصحابه (5) بعد أن أعطاهم العهود والمواثيق، وقتل عمرو ابن الحمق (6) حامل راية رسول الله الذي أبلت العبادة وجهه بغير جرم الا خوفا " أن يكنكروا على منكره. ومن قتل أربعين ألفا " من الانصار والمهاجرين وأبناءهم وقد قال جل ثناؤه (من يقتل مؤمنا " متعمدا " فجزاؤه جهنم) (7) وقال النبي صلى الله عليه وآله: من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبا " على جبهته آيس من رحمة الله (8). فلا أدري بأي عقل يجوز أن يكون هذا خليفة الرسول على المسلمين


1. الامامة والسياسة 1 / 160. 2. الامامة والسياسة 1 / 7. 3. الامامة والسياسة 2 / 13. 4. الامامة والسياسة 1 / 193. 5. كنز العمال 13 / 587، اسد الغابة 1 / 385، الاصابة 1 / 328. 6. اسد الغابة 4 / 100، كنز العمال 13 / 495. 7. سورة النساء: 93. 8. كنز العمال 15 / 22، 31.

[ 81 ]

وانه كان مجتهدا " في قتال أمير المؤمنين وقتله الانصار والمهاجرين، وأنه يجوز أن يعول عليه في معالم الدين. انها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. (فصل) هذا قيل من كثير مما تقلوه من قبائح اكبر الصحابة عندهم واكبر النساء عندهم أزواج النبي (ص) واكبر هن عائشة، وقد خرجت الى قتال علي عليه السلام ومن معه من الانصار والمهاجرين بعد أن بايعه المسلمون (1) وخالفت الله تعالى في قوله (وقرن في بيوتكن) (2)، فخالفت أمر الله وهتكت حجاب رسوله وتبرجت في جيش عظيم واعتلت بدم عثمان وليست بولي الدم ولالها حكم الخلافة. مع أن ها طلبته من غير من هو عليه، لان عليا " لم يحضر قتله اجماعا " ولا أمر به كما رووه، مع أنها كانت من اكبر المؤلبين على قتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلا، قتل الله نعثلا (3)، فلما بلغها قتله فرحت به فلما بايعوا عليا " أسندت القتل إليه وقامت تطالب بدمه لبغضها عليا "، وتبعها على ذلك خلق كثير [ ثلاثون ألفا " وقاتلوا بين يديها حتى قتل من كبرائهم وشجعانهم ستة عشر ألفا " وسبعمائة وتسعون رجلا، وكان أتباع علي وجنده يومئذ عشرون ألفا " قتل منهم ألف وسبعون


1. الامامة والسياسة 1 / 49. 2. سورة الاحزاب: 33. 3. في لسان العرب 11 / 670 النعثل: الشيخ الاحمق، ونعثل رجل من أهل مصر كان طويل اللحية كان يشبه عثمان، وفي حديث عائشة (اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا) تعنى عثمان، وكان هذا منها لما غاضبته وذهبت الى مكة.

[ 82 ]

رجلا، وقد قتل بسببها من أولاد الانصار والمهاجرين واتابعين سبعة عشر ألف وثمانمائة وستون ] (1). وفاطمة عليها السلام لما جاءت تطالب بحق ارثها الذي جعله الله لها في كتابه وتطالب بنحلتها من أبيها وكانت محققة مطهرة لم يتبعها مخلوق ولم يساعدها بشر فليعتبر في ذلك ذو اللب فان فيه معتبرا ". ثم انها جعلت بيت النبي صلى الله عليه وآله مقبرة لابيها ولعمر وهما أجنبيان فان كان هذا البيت ميراثا " وجب استئذان كل الورثة ولزوم كذب أبى بكر، وان كان صدقة وجب استئذان المسلمين، وان كان ملك عائسة كذبها أنها لم يكن لها ولا لابيها في المدينة دار. وقد روى في الجمع بين الصحيحين أن النبي (ص) قال: إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتى هذا على شفير قبري. ولم يقل في الموضعين بيت عائشة. وقتل بسببها نحو ستة عشر ألفا " من المهاجرين والانصار وغيرهم، وأفشت سر النبي صلى الله عليه وآله كما حكاه الله تعالى عنها (3). ونقل الغزالي كثيرا " من سوء صحبتها للنبى (ص)، فروى أن أبا بكر دخل يوما " على النبي وقد وقع في حقه منها مكروها "، فكلفه النبي أن يسمع منها ما جرى ويدخل بينهما، فقال النبي: تتكلمين أو أتكلم. فقالت: تكلم ولا


1. الزايادة في النسخة المطبوعة فقط. 2. صحيح البخاري 1 / 195، 254، 2 / 975، 1090، سنن الترمذي 5 / 718. 3. صحيح البخاري 1 / 498 و 2 / 1050.

[ 83 ]

تقولن الا حقا ". وأيم الله لو خاطب المثل لمثله بذلك لعد مسيئا " للادب، بل هذا يدل على أنها تعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد يقول غير الحق. وروى البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر قال: قام النبي (ص) خطيبا " فأشار نحو مسكن عائشة وقال: الفتنة ههنا - ثلاثا " - حيث يطلع قرن الشيطان. وروى فيه أيضا " قال: خرج النبي (ص) من بيت عائشة وقال: رأس الكفر من ههنا حيث يطلع قرن الشيطان. (فصل) وهذا الذي نقلناه من الكتاب العزيز والسنة الصحيحة عندهم من مدائح الفريقين ومذامهما قليل من كثير ونزر حقير من جم غفير، يعلم صدق ذلك من طالع صحاحهم وصحاحنا وكتب المناقب والثالب والسير والاخبار لنا ولهم. وحيث أنهم نقلوه في صحاحهم وغيرها لم يكن لهم سبيل الى انكاره، ولهذا تمحلوا للجواب عنه بما يصغر [ عن النقل ] (1) ويحكم بفساده من له أدنى عقل، وهو في الحقيقة يفيد العلم بعدالة الفرقة الاولى وصلوحهم لاخذ معالم الدين عنهم، ويفيد العلم بفسق الفرقة الثانية أو كفرها، لانه من قبيل التواتر معنى. خصوصا " ومن ذكرناهم هم أفضل الصحابة عندهم فما ظنك بالمفضول. سلمنا أنه لا يفيد العلم فهو يفيد الظن الغالب، فكيف يعدل عنه الى الوهم بغير


1. الزيادة من المخطوطة.

[ 84 ]

دليل. سلمنا أن جميع ما نقلوه فيها كذب فكيف نصنع بالكتاب العزيز وكيف تركن النفس حينئذ الى صدق باقي ما نقلوه. ونحن بحمد الله قد أفادنا الكتاب العزيز والسنة الثابتة عندهم والاحاديث الصحيحة عندنا الكثيرة المستفيضة بل المتواترة معنى والبراهين القاطعة المقررة في الكلام علما " ضروريا " بعصمة الفرقة الاولى فضلا عن عدالتها وبكفر الفرقة الثانية فضلا عن فسقها بحيث لا نشك فيه ولا نمتري. ولو تنزلنا وسلمنا أنه في نفس الامر ليس كذلك لمن نكن مأئومين، حيث أن هذا هو الذي أدانا إليه اجتهادنا، ولا يكلف الله نفسا " الا وسعها (1). والعجب كيف جوزوا الاجتهاد في تخلف ابى بكر وعمر عن جيش أسامة وقد لعن النبي صلى الله عليه وآله من تخلف عنه، وفي احراقهما بالنار بيت علي وفيه علي وفاطمة والحسنين وهم أهل البيت الذين طهرهم الله وحث النبي على التمسك بهم واكد في الوصية بهم، وفي سفك الصحابة بعضهم دم بعض، وسفك طلحة والزبير وعائشة دماء الانصار والمهاجرين وقتال أمير المؤمنين عليه السلام، وفي قتال معاوية وسفك دمه ودم من معه من الانصار والمهاجرين ولم يجوزوا لائمتنا وأكابر علمائنا الاجتهاد في سبهم والعدول عما نقلوه من أحكام الدين الى ما نقلوه عن أهل البيت المطهرين بعد ما نقلوه في شأن الفريقين من الامر الواضح البين. وبالجملة لما رأينا الاله العظيم ورسوله الكريم قد مدحا أهل البيت وأمرا بالتمسك بهم كما ذكرناه ذما عامة أصحابه ونصا على ارتدادهم بعده بما نقلناه تمسكا " بأهل البيت المطهرين الذين أخبر النبي صلى الله عليه وآله أن المتمسك


1. سورة البقرة: 286.

[ 85 ]

بهم لن يضل أبدا " ونقلنا أحاديثهم وأخذنا معالم شرعنا عنهم ورفضنا عامة أصحابه وطرحنا منا تفردوا بنقله، الا من علمنا منه الصلاح كسلمان والمقداد وعمار بن ياسر وأبى ذر وأشباههم من أتقياء الصحابة وأجلائهم المقررين في كتب الرجال عندنا ممن لم يخل عن أهل البيت طرفة عين أو رجع إليهم عند ما ظهر له الحق، وعليهم حملنا ما جاء في القرآن العزيز والسنة المطهرة من المدح للصحابة على سبيل الاجمال، فاستقام لنا في الجمع بين مدحهم وذمهم الحال، واهتدينا بذلك من فضل الله الى سواء الطريق، والله ولي التوفيق. (اصل) وأصولنا الخمسة (الكافي) و (مدينة العلم) وكتاب (من لا يحضره الفقيه) و (التهذيب) و (الاستبصار) قد احتوت على اكثر الاحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين عليهم السلام عندنا و أهمها بحيث لا يشذ عنها الا النزر القليل. وجمعت من الاحاديث الصحيحة و غيرها مما قد اشتمل على الاحكام العلمية والعملية والسنن والاداب والمواعظ والادعية والتفسير ومكارم الاخلاق ما لا يكاد يحصى ولا يوجد في سواها. أما كتاب (الكافي) فهو للشيخ ابى جعفر محمد بن يعقوب الكليني (ره) شيخ عصره في وقته ووجه العلماء والنبلاء. كان أوثق الناس في الحديث وأنقدهم له وأعرفهم به. صنف الكافي وهذبه وبوبه في عشرين ستة، وهو مشتمل على ثلاثين كتابا "، تحتوي على ما يحتوي عليه غيره مما ذكرناه من العلوم، حتى أن فيه ما يزيد

[ 86 ]

على ما في الصحاح الست للعامة متونا " وأسانيد، وهذا لا يخفى على من نظر فيه وفيها. توفي هذا الشيخ (ره) ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وقيل سنة تسع وعشرين سنة تناثر النجوم، ودفن في باب الكوفة بمقبرتها في صراط الطائي. قال الشيخ أبو عبد الله احمد بن عبدون (ره): رأيت قبره في صراط الطائي وعليه لوح مكتوب عليه اسمه واسم أبيه. رحمه الله تعالى. وأما كتاب (مدينة العلم) و (من لا يحضره الفقيه) فهما للشيخ الجليل النبيل ابى جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ره)، وكان هذا الشيخ جليل القدر عظيم المنزلة في الخاصة والعامة، حافا " للاحاديث بصيرا " بالفقه والرجال والعلوم العقلية والنقلية ناقدا " للاخبار، شيخ الفرقة الناجية وفقيهها وجهها بخراسان وعراق العجم. وله أيضا " كتب جليلة، منها كتاب (دعائم الاسلام) وكتاب (غريب حديث النبي والائمة عليهم السلام) وكتاب (ثواب العمال وعقبها) وكتاب (التوحيد) وكتاب (دين الامامية) الى نحو ثلاثمائة مصنف. لم ير في عصره مثله في حفظه وكثيرة علمه، ورد بغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، ومات في الري سنة احدى وثمانين وثلاثمائة. رحمه الله تعالى. وأما كتاب (التهذيب) و (الاستبصار) فهما لامام وقته وشيخ عصره ورئيس هذه الطائفة وعمدتها بل رئيس العلماء كافة في وقته ابى جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي (ره). حاله وجلالة قدره أوضح من أن يوضح، اعترف بفضله وغزارة علمه

[ 87 ]

وعلو شأنه الخاصة والعامة. ولد في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وقدم العراق سنة ثمان وأربعمائة، وتوفي ليلة الاثنين ثاني عشر المحرم سنة ستين وأربعمائة بالمشهد الشريف الغروي على مشرفه السلام، ودفن بداره، وقبره الان هناك معروف. رحمه الله تعالى.

[ 88 ]

أصول (في التعريفات والتقسيمات والاصطلاحات) (في الالقاب) (اصل) موضوع هذا العلم في الاصل المقصود بالذات السنة المطهرة، وهي طريقة النبي صلى الله عليه وآله أو الامام المحكية عنه، فالنبى بالاصالة والامام بالنيابة. وهي: قول، وفعل، وتقرير. ويتبع تلك البحث عن الاثار، وهي أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم. واكثر أهل الحديث يطلقون على الكل اسم (الحديث)، ولهذا يقسمونه الى مرفوع وموقوف. وقد نشير هنا الى طريقهم في ذلك. ثم ان البحث في السنة القولية اما: في المتن، أو في السند.

[ 89 ]

أما البحث في المتن: وهو في الاصل ما اكتنف الصلب من الحيوان. ومتن الشئ: قوي، ومنه حبل متين. ومتن الشئ: ما به يتقوم ويتقوى، كما أن الحيوان يتقوى بالظهر. وفي الاصطلاح هو: ألفاظ الحديث المقصوة بالذات التي تتقوم بها المعاني. فانه ينقسم باعتبار وضوح الدلالة على المراد منه وخفائها الى (نص) و (مجمل) و (ظاهر) و (مؤل)، لان اللفظ ان كان له معنى واحد لا يحتمل غيره فهو (النص)، وان احتمل فان تساوى الاحتمالان فهو (المجمل)، وان ترجح أحدهما فان أريد المرجوح لدليل فهو (المؤل)، وان أريد الراجح فهو (الظاهر). ورجحانه اما بحسب الحقيقة الشرعية كدلالة الصوم على الامساك (1) عن المفطرات، أو بحسب العرف كدلالة الغائط على الفضلة (2). وهذان وان كانا نصين باعتبار الشرع والعرف الا أن ارادة الموضوع له الاول لم تنتف انتفاءا " يقينا ". ومن الراجح (المطلق)، وهو اللفظ الدال على تعلق الحكم بالمهية لا بقيد منضم دلالة ظاهرة. ومنه (العالم)، وهو اللفظ الدال على اثنين فصاعدا " من غير حصر، فان دلالته على استيعاب الافراد ظاهر لا قاطع. وقد ينقسم باعتبار آخر الى (حقيقة) و (مجاز) و (مشترك) و (منقول) أي يأتي في ألفاظه هذه الامور (3)، و (مطلق) و (مقيد) و (عام) و (خاص)


1. لان (الصوم) في اللغة موضوع لمطلق الامساك عن أي شئ كان (منه). 2. و (الغائط) في اللغة موضوع لموضع منخفض من الارض (منه). 3. يعنى يأتي في القابه وتسميته هذه الامور، أي هذه الالفاظ (منه).

[ 90 ]

و (مبين) في نفسه وما لحقه البيان وهو (المبين) اسم فاعل و (ناسخ) و (منسوخ). وتحقيق ذلك ونحوه من وظائف الاصولي، وانما الواجب على المحدث معرفتها من الاصول ليضع الاحاديث على مواضعها منها، فيعطي كل حديث حقه إذا أراد العمل بالاحاديث وذلك من وظائف الفقيه، فإذا عرفها وأعطى الحديث حقه من ذلك عمل به بعد صحة السند. وانما نبهنا على ذلك لئلا يجترئ بعض القاصرين عن درجة الاستنباط على العمل بما يجده من الاحدايث صحيحا "، فان دون العمل به بعد صحة سند بيداء لا تكاد تبيد. (اصل) وأما البحث في السند: وهو المقصود من هذا الباب، فاعلم: ان (السند) هو طرق المتن، أعني مجموع من رووه واحدا " عن واحد حتى يصل الى صاحبه، مأخوذ من قولهم (فلان سند) أي يستند إليه في الامور أي يعتمد عليه، فسمي الطريق سندا " لاعتماد المحديثين والفقهاء في صحة الحديث وضعفه على ذلك، والاسناد هو ذكر طريقه حتى يرتفع الى صاحبه. وقد يطلق (الاسناد) على (السند)، فيقال: اسناد هذا الحديث صحيح أو ضعيف، وذلك لان المتن إذا ورد فلابد له من طريق موصل الى قائلة، فهذا الطريق باعتبار كونه معتمدا " للعلماء في الصحة والضعف يسمى (سندا ")، وباعتبار تضمنه رفع الحديث الى القائل يسمى (اسنادا ").

[ 91 ]

ثم ان أسماء متن الحديث تختلف باعتبار اختلاف سنده في القوة والضعف والاتصال والقطع ونحو ذلك، ويترتب على ذلك فوائد: جواز العمل به وعدمه وأنواع الترجيحات المقررة في الاصول. وأما السنة الفعلية: فان فعلهم (ع) إذا وقع بيانا " تبع المبين في وجوبه وندبه واباحته، وان فعلوه ابتداءا " فلاحجة فيه على الاقوى (1) الا أن يعلم الوجه الذي وقع عليه. وأما فعلهم المجرد فانه يدل على الجواز ان كان في الافعال العرفية وعلى الرجحان ان كان في العبادات. وأما السنة التقريرية: فان النبي صلى الله عليه وآله لا يقر على منكر وكذلك الائمة المعصومون بعده صلوات الله عليهم الالتقية، فما فعل بحضرتهم أو غيرها مما علموا به ولم ينكروه من غير تقية فانه يدل على جوازه. وأما البحث في سند السنة الفعلية والتقريرية ففيه ما في سند القوالية من الاقسام والكلام، كما نبينه انشاء الله تعالى. (اصل) الخبر اما صدق قطعا " كخبر الله تعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وآله، أو كذب قطعا " كخبر مسيلمة بأنه أوحي إليه، أو مظنون الصدق كخبر العدل،


1. أي لا بيانا "، فلا حجة في كونه واجبا " أو ندبا " أو مباحا " (منه).

[ 92 ]

أو الكذب كبعض أخبار الفساق، أو مشكوك كبعض أخبار المجهولين. ثم الاخبار منها (متواتر) وهو ما رواه جماعة يحصل العلم بقولهم للقطع بعدم امكان توطئهم على الكذب عادة. ويشترط ذلك في كل طبقاته صحيحا " كان أولا، وهو مقبول لوجوب العمل بالعلم. وهذا لا يكاد يعرفه المحدثون في الاحاديث لقلته، وهو كالقرآن وظهور النبي والقبلة والصلوات وأعداد الركعات والحج ومقادير نصب الزكوات. نعم المتواتر بالمعنى كثير كشجاعة علي وكرم حاتم. ويشترط كونه: ضروريا " لا مظنونا "، مستندا " الى محسوس لا مثل حدوث العالم وصدق الانبياء، وان لا يسبق الى السامع شبهة أو تقليد ينافي موجب الخبر كما حققه السيد المرتضى (ره) وتبعه المحققون، لان حصول الشبهة والتقليد مانعان عن حصول العلم العادي من الخبر المتواتر، ولهذا أنكر الكفار ما تواتر من معاجز نبينا صلى الله عليه وآله، وأنكر المخالفون ما تواتر من النص على علي عليه السلام بالامامة. والقدر الذي يحصل به التواتر غير معلوم لنا، لكنا بحصول العلم نستدل على كمال العدد، وذلك يختلف باختلاف الاخبار والمخبرين، ويعسر تجربة ذلك. وان تكلفناه فسبيله أن نراقب أنفسنا، فإذا أخبرنا بوجود شئ خبرا " متوليا " فان قول الاول يحرك الظن وقول الثاني والثالث يؤكده، وهلم جرا " الى أن يصير ضروريا ". وحديث الغدير متواتر عندنا، وحديث (من كذب علي فليتبوأ مقعده من

[ 93 ]

النار) متواتر عند العامة لانه نقله عن النبي صلى الله عليه وآله الجم الغفير قيل أربعون وقيل اثنان وستون ثم لم يزل العدد في ازدياد على التوالي الى يومنا هذا، وحديث (انما الاعمال بالنيات) غير متواتر وان نقله الان عدد التواتر وزيادة، لان ذلك طرأ عليه في وسط اسناده. ومنها (آحاد) وهو بخلاف، وهو ينقسم أولا الى: صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف. الاول: الصحيح وهو ما اتصل سنده بالعدل الامامي الضابط عن مثله حتى يصل الى المعصوم من غير شذوذ ولاعلة. ومن رأينا كلامه من أصحابنا لم يعتبر هذين القيدين، وقد اعتبرهما اكثر محدثي العامة. وعدم اعتبار الشذوذ أوجد، إذ لا مانع أن يقال صحيح، وهو المنكر كما يأتي. وأما (المعلل) فغير صحيح: أما إذا كانت العلة في السند فظاهر، وأما إذا كانت في المتن فكذلك، لان المتن حينئذ يكون غير صحيح لما فيه من الخلل بالعلة، فيعلم أو يغلب على الظن أنه على ما هو عليه ليس من كلامهم. نعم قال فيه صحيح السند. فالصحيح على هذا ما صح سنده من الضعف والقطع ومتنه من العلة. وكيف كان هو اختلاف في الاصطلاح.

[ 94 ]

وقد يطلق عليه (المتصل) و (المعنعن) وان كان كل منهما أعم منه. وقد يطلق نادرا " الصحيح على سليم الطريق من الطعن وان اعتراه ارسال أو قطع، فيطلق على ما كان رجاله المذكورون عدولا وان اشتمل بعد ذلك على أمر آخر، فيقولون (روى ابن ابى عمير في الصحيح) وان كانت تلك الرواية مرسلة أو مقطوعة، أو كان ذلك الذي اسندت إليه ليس عدلا اماميا " ولكن صح ما سواه. وإذا قيل (صحيح) فهذا معناه لا أنه مقطوع بصحته، وإذا قيل (غير صحيح) فمعناه لم يصح اسناده لا أنه كذب. ولا شبهة في تفاوت طبقات صحة الصحيح كما تتفاوت طبقات ضعف الضعيف وحسن الحسن. وهو مقبول عند أكثر أصحابنا المتأخرين مطلقا "، وعند الكل إذا اعتضد بقطعي كفحوى الكتاب أو فحوى المتواتر أو عمومهما أو دليل العقل أو كان مقبولا بين الاصحاب. وقد يقبلون غير الصحيح أيضا " إذا اعتضد بما ذكرناه ويردون الخبر مطلقا بمخالفة مضمونه الكتاب أو السنة أو الاجماع، لامتناع ترجيح الظن على العلم، وباعراض الاكثر عنه وبمعارضته أقوى اسنادا " أو متنا أو بمرجح من المرجحات. إذا عرفت ذلك فصحاح العامة كلها وجميع ما يروونه غير صحيح، فلا يحكم بكذب كل واحد واحد من أحاديثها ولا بصدقه الا بدليل من خارج، ولهذا لم يزل علماؤنا المتقدمون والمتأخرون يتداولون نقل صحاحهم ورواياتهم بالرواية وصار ذلك متعارفا بينهم حتى اتصل الينا من طرقنا وطرقهم. وانما نقلها أصحابنا لما يترتب عليها من جواز العمل بالسنن والادب

[ 95 ]

والمواعظ وكلما لا يتعلق بالاحكام وصفات ذي الجلال والاكرام على ما اشتهر بين العلماء. ويمكن أن يستدل لذلك بحديث (من بلغه شئ من أعمال الخير فعمل به أعطاه الله ذلك وان لم يكن الامر على ما بلغه) ولما تفيده من الاعتبار والشواهد في بعض الموارد كما نبينه في موضعه انشاء الله تعالى. تنبيه: ما حذف من مبتدأ اسناده واحدا " أو اكثر أو من وسطه أو آخره كذلك: فما كان منه بصيغة الجزم ك (قال) أو (فعل) و (روى) و (ذكر فلان) فهو حكم من المسند بصحته عن المضاف إليه في الظاهر، وما ليس فيه جزم ك (يروى) و (يذكر) و (يحكى) فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه. وقد أورد الشيخ في التهذيب من القسمين أحاديث عديدة، أسند كثيرا " منها الى أصحاب الائمة عليهم السلام، فما كان ذلك مذكور السند في ضوابطه فهو متصل، وما لم يكن داخلا في ضوابطه فما كان بصيغة الجزم فهو حكم بصحته في الظاهر، وما لا فلا. فيتدبر ذلك. الثاني: الحسن وهو عندنا ما رواه الممدوح من غير نص على عدالته - كذا قاله الشهيد والمتأخرون وفيه نظر، لانه شامل لصحيح العقيدة وفاسدها ولمن كان ممدوحا " من وجه وان نص على ضعفه من وجه آخر، وشامل لاقسام الممدوح كلها وبعضها لا يخرج الممدوح بها عن قسم المجهولين، مثل (مصنف) و (كثير الرواية) و (له كتاب)

[ 96 ]

و (أخذ عنه) وشبه ذلك. والانسب ان يقال: هو ما رواه الممدوح مدحا " يقرب من التعديل، ولم يصرح بعدالته ولا ضعفه مع صحة عقيدته. والقيد الاخير لاخراج من كان فاسد العقيدة ولم ينص على ثقته ومدح، فانه من قسم الضعيف على ما قلناه ومن الحسن على ما عرفوه [ والمراد أنه رواه من هو كذلك وباقي رجاله عدولا، والا كان ضعيفا "، لان الحديث يتبع أخس ما فيه من الصفات على ما اصطلحوا عليه. واعلم أن ما تقدم في الصحيح آت هنا، وهو أن الحديث يوصف بالحسن وان اعتراه قطع أو ارسال بل أو ضعف إذا وقع الحسن بعد من النسب إليه، كما حكم العلامة وغيره بأن طريق الفقيه الى منذر بن جبير حسن مع أن منذر مجهول، وكذا طريقه الى ادريس بن زيد، وان طريقه الى سماعة حسن مع أنه واقفي وذكر جماعة أن رواية زرارة في مفسد الحج حسنة مع أنها مقطوعة ] (1) وعلى كل حال فالحسن وسط بنى الصحيح والضعيف، فهو قريب الى الصحيح، حيث أن رجاله مستورون، واحتمال الكذب أقرب إليه من الصحيح وأبعد من الضعيف. والحاصل عن شرائط الصحيح معتبرة في الحسن، لكنه لابد في الصحيح من كون العدالة ظاهرة وكون الاتقان والضبط كاملا، وليس ذلك شرطا " في الحسن. وعند العامة هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله. وقال بعضهم: هو الذي فيه ضعف قريب محتمل يصلح للعمل به. ولهم تعريفات أخرى متقاربة، وعليه مدار


1. الزيادة موضوعة في المخطوطة في المتن وفي المطبوعة في الهامش.

[ 97 ]

اكثر أحاديثهم، وقبله اكثر علمائهم وعمل به عامة فقهائهم، بناءا " على قاعدتهم من عدم اشتراط علم العدالة والاكتفاء بعدم علم الفسق في الشاهد والراوي. وأما اكثر علمائنا فلم يعملوا به بناءا " على قاعدتهم من اشتراط علم العدالة وعدم الاكتفاء بعدم علم الفسق فيهما، ولكن كثيرا " ما يحتجون به كما يحتجون بالصحيح وان كان دونه في القوة، ويعملون به إذا اعتضد بما يقويه من عموم أو حديث آخر أو شبههما، وقد عمل به الشيخ وجماعة (1). وربما قالوا (حديث حسن الاسناد) أو (صحيحه) دون قولهم (حديث حسن) أو (صحيح)، لانه قد يصح أو يحسن الاسناد دون المتن لعلة أو لشذوذ على قررناه فيما سبق. تنبيه: قد يروى الحديث من طريقين أو أكثر أحدهما صحيح والاخر حسن أو موثق أو ضعيف، فيغلب فيه الاقوى يكون الاخر شاهدا " ومقويا " له. وقد يحكم بعض علمائنا بصحة حديث والاخر بحسنه أو توثيقه أو ضعفه، اما لانه رواه بطريق صحيح لم يقف عليه الاخر، واما لاعتقاده ثقة الراوي وعدم اعتقاد الاخر ذلك، فيحكم كل واحد بحسب ما وصل إليه. الثالث: الموثق وهو من خواصنا، لان العامة يدخلونه في قسم الصحيح.


1. ممن اكتفى في العدالة بظاهر الاسلام ولم يشترط ظهورها فصل المحقق في المعتبر والشهيد، فقبلوا الحسن والموثق بل والضعيف إذا كان العمل بمضمونه مشتهرا " بين الاصحاب، حتى قدموه على الصحيح حيث لا يكون العمل بمضمونه مشتهرا " (منه).

[ 98 ]

وهو عندنا ما رواه من نص أصحابنا على ثقته مع فساد عقيدته بوقف أو عامية أو شبههما. وقد يسمى (القوي). وقد يراد بالقوي مروي الامامي غير الممدوح ولا المذموم، أو مروي المشهور في التقدم غير الموثق. والاول هو المتعارف بين الفقهاء. الرابع: الضعيف وهو ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن أو الموثق، أعني ما في سنده مذموم أو فاسد العقيدة غير منصوص على ثقته أو مجهول وان كان باقي رجاله عدولا، لان الحديث يتبع لقب أدنى رجاله. تنبيه: قد يروى الحديث من طريقين حسنين أو موثقين أو ضعيفين أو بالتفريق، أو يروى بأكثر من طريقين كذلك فيكون مستفيضا ". وكيف كان لا شبهة أنه أقوى مما روي بطريق واحد من ذلك الصنف. وهل يعادل في القوة ما فوقه من الدرجة ؟ لم أقف لاصحابنا في هذا على كلام. وبعص العامة حكم بأنه لا يبلغ، وبعضهم حكم ببلوغه. والذي أقواله: ان هذا الامر يختلف جدا " بحسب تفاوة الرواة في المدح وبحسب تكثر الطرق وقلتها وبحسب المتن من حيث موافقته لعمومات الكتاب أو السنة أو عمل العلماء أو نحو ذلك، وقد يساوي الحسن إذا تكثرت طرقه الصحيح أو يزيد عنه إذا كان ذا مرجحات أخر، لان مدارك ذلك على غلبة الظن بصدق

[ 99 ]

مضمونه التي هي مناط العمل وان كان لا يسمى في العرف صحيحا ". واعلم أن ما يقارب الصحيح عندنا في الاحتجاج ما رواه علي بن ابراهيم عن أبيه، لان أباه ممدوح جدا " ولم نر أحدا " من أصحابنا نص على ثقته ولكنهم وثقوا ابنه. بل هو عندنا من أجلاء الاصحاب، واكثر رواياته عن أبيه. (اصل) هذا التقسيم الذي قسمناه هو أصل التقسيم عند أصحابنا والعامة لكن باستثناء الموثق، وقد ينقسم الى أقسام أخر باعتبار ما يعرض له فتخلف ألقابه، وهو أنواع: الاول: المقبول وهو ما تلقاه العلماء بالقبول والعمل بمضمونه من أي الاقسام كان [ ويجب العمل بمضمونه، وذلك كحديث عمر بن حنظلة ] (1). الثاني: المشهور وهو ما زاد روايه على ثلاثة، ويسمى (المستفيض) أيضا "، وقد يطلق على ما اشتهر العمل به بين الاصحاب. وعند العامة هو ما شاع عند أهل الحديث خاصة، بأن نقله رواة كثيرون أو عندهم وعند غيرهم، نحو (انما الاعمال بالنيات) أو عند غيرهم خاصة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم (للسائل حق وان جاء على فرس) (2) و (يوم نحركم


1. الزيادة من المخطوطة. 2. سنن ابى داوود 2 / 162.

[ 100 ]

يوم صومكم). قال بعضهم: هذان حديثان يدوران في الاسواق وليس لهما أصل في الاعتبار. الثالث: المسند وهو ما اتصل سنده كائنا " من كان، أي لم يسقط منه أحد من الرواة، بأن يكون كل واحد أخذه ممن هو فوقه حتى يصل الى متنهاه كائنا " من كان. ويقال له (المتصل) و (الموصول)، ويقابله (المنقطع) مرسلا أو معلقا " أو معضلا كما يأتي. وبعض العامة يجعل (المسند) ما اتصل سنده الى النبي صلى الله عليه واله، وعندنا يكون ما اتصل بالمعصوم، فيخرج الموقوف على غيره إذا جاء بسند متصل، لانه لا يسمى في العرف مسندا "، و (المتصل) ما اتصل سنده بقائله مرفوعا " كان أو موقوفا ". والاول أضبط وأشهر. الرابع: المعنعن وهو ما يقال في سنده (فلان عن فلان). والصحيح عند العامة أنه متصل إذا أمكن اللقاء وأمن من التدليس [ بأن لا يكون معروفا " به ] (1). وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف بين المحدثين، والاصح عدم اشتراط شئ من ذلك، لحمل فعل المؤمن على الصحة. وأما عندنا فلا شبهة في اتصاله بالشرطين المذكورين. وقال بعض متأخري العامة: قد كثر في زماننا وما قاربه استعمال (عن) في


1. الزيادة من المخطوطة.

[ 101 ]

الاجازة. وأما عندنا فالذي يظهر أنه يستعمل في الاعم منها ومن القراءة والسماع. الخامس: المسلسل وهو ما تتابع رجال اسناده على صفة أو حالة تارة للرواة وتارة للرواية. قال الشيخ محيى الدين: أنا أروي ثلاثة أحاديث مسلسلة بالدمشقيين. وقد اعتنى العامة بهذا القسم، وقل أن يسلم لهم منه شئ الا بتدليس أو تجوز أو كذب يزينون به مجالسهم وأحوالهم. وهو مع ندرة اتفاقه عديم الجدوى وقد نقلنا منه عنهم أنواعا ك (المسلسل بالاولية) و (التشبيك باليد) و (العد فيها) و (الضيافة) ونحو ذلك. وقد يكون باتفاق أسماء الرجال أو صفاتهم أو بصفات الرواية ك (المسلسل بسمعت فأخبرنا) و (أخبرنا فلان والله). وقد اعترف نقادهم بأنه لا يكاد يسلم من خلل (1)، حتى حديث المسلسل بالاولية تنتهي السلسلة فيه الى سفيان بن عيينة، ومن رواه مسلسلا الى منتهاه فقد وهم، كما اعترف به نقادهم. وأما علماؤنا ومحدثونا فهم أجل شأنا " وأثقل ميزانا " من الاعتناء بمثل ذلك. السادس: المضمر وهو ما يقول فيه الصحابي أو أحد أصحاب الائمة عليهم السلام (سألته عن كذا فقال كذا) أو (أمرني بكذا) أو ما أشبه ذلك، ولم يسم المعصوم ولا ذكر


1. كما قاله امامهم الحافظ الضابط محيى الدين يحيى بن شرف المعروف بالنووى في كتابه (التقريب). انظر مقدمة شرح الكرماني 1 / 32 ط بيروت.

[ 102 ]

ما يدل على أنه هو المراد. وهذا القسم غير معروف بين العامة، وكثيرا " ما كان يفعله أصحابنا للتقية، لعلم المحديث اسم مفعول بالامام في ذلك الخطاب. وهو مضعف للحديث، لاحتمال أن يكون المراد غير الامام وان كان ارادة الامام بقرينة المقام أظهر. السابع: المجهول وهو المروي عن رجل غير موثق ولا مجروح ولا ممدوح، أو غير معروف أصلا، ومنه قولهم (عن رجل) أو (عمن حدثه) أو (عمن ذكره) أو (عن) غير واحد) أو نحو ذلك. وبعض العامة يخصه باسم (المنقطع)، والاول أشهر وأحسن. وهو قد يكون مجهول الاول أو الوسط أو الاخر أو الطرفين أو مع الوسط أيضا ". تنبيه: لو قال (عن ثقة) أو (عن بعض الثقات) أو نحو ذلك وقبلنا توثيق الواحد من غير ذكر السبب لم يكن مجهولا من هذه الحيثيه. وقال بعض العامة: لا يجزي ذلك، لانه لابد من تسمية المعدل وتعيينه، لانه قد يكون ثقة عنده وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده واضرابه عن اسمه مريب في القلوب. وليس بشئ، إذ الاصل عدم ذلك، ومثل هذا الاحتمال غير مضر ولا قادح.

[ 103 ]

الثامن: المرفوع وهو ما أضيف الى النبي صلى الله عليه وآله أو أحد الائمة عليهم السلام، من أي الاقسام كان، متصلا كان أو منقطعا "، قولا كان أو فعلا أو تقريرا "، وكل واحد من هذه الثلاثة اما أن يكون صريحا " أو في حكمه، فالاقسام ستة: 1 - المرفوع صريحا " من قولهم: مثل قول الصحابي وأصحاب الائمة عليهم السلام (سمعت رسول الله) أو (الصادق يقول كذا) أو نحوه. 2 - المرفوع من فعلهم صريحا ": مثل (رأيته يفعل كذا) أو (فعل كذا). 3 - المرفوع من تقريرهم صريحا ": مثل (فعلت بحضرته كذا) أو (فعل فلان بحضرته كذا) ولم يذكر انكارا " ولا كان موضع تقية بالنسبة الى الامام. 4 - ما له حكم المرفوع من القول: مثل أقوال الحصابة وأصحاب الائمة عليهم السلام فيما لا مدخل للاجتهاد فيه، كالاخبار عن الجنة والنار وأحوال يوم القيامة والقبر، والاخبار عما يحصل على فعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، والاخبار عن بدو الخلق إذا لم يكونوا أخذوه من الكتب القديمة وأقوال المنجمين. فهذا في حكم قولهم (قال المعصوم كذا) وكذا قولهم (أمرنا بكذا) و (نهينا عن كذا) و (من السنة كذا)، فان الارجح أنه ملحق بالمرفوع حكما. 5 - ما له حكم المرفوع من الفعل:

[ 104 ]

مثل أن يفعلوا ما لا مدخل للاجتهاد فيه، كالصلاة بالهيئة المخصوصة. 6 - ما له حكم المرفوع من التقرير: كأن يخبر الصحابي وأصحاب الائمة عليهم السلام أنهم كانوا يفعلون في زمن المعصوم كذا مما يبعد خفاؤه عنهم لتوفر دواعيهم على السؤال عن أمر دينهم، فلا يستمرون على فعل شئ الا وقد علموا به وأقروا عليه أو أمروا به ابتداءا " وان لم ينقل الامر. واعلم أن من المرفوع قول الراوي يرفعه أو ينميه أو يبلغ به الى قول النبي صلى الله عليه وآله أو أحد الائمة عليهم السلام، فمثل هذا يقال له الان (مرفوع) وان كان منقطعا " أو مرسلا أو معلقا " بالنسبة الينا الان. فقول محمد بن يعقوب مثلا في الكافي: علي بن ابراهيم رفعه الى ابى عبد الله عليه السلام قال: طلبة العلم ثلاثة - الى آخره كما ننقله فيما يأتي، يقال له مرفوع لاتصاله بالمعصوم عليه السلام وان كان منقطعا " بل معلا. وأما علي ابن ابراهيم فانه بالنسبة إليه يمكن أن يكون متصلا، وكذا بالنسبة الى محمد بن يعقوب إذا كان علي بن ابراهيم قد رواه اياه متصلا ومحمد بن يعقوب هو الذي حذف السند فقطعه. التاسع: الموقوف وهو المروي عن الحصابة أو أصحاب الائمة عليهم السلام قولا لهم أو فعلا، متصلا كان أو منقطعا " صحيحا " أو غيره. ويستعمل في غيرهم مقيدا "، فيقال (وقفه فلان على فلان) مثلا إذا لم يكن من أصحاب المعصومين.

[ 105 ]

وبعض الناس يسمي الموقوف (أثرا ") كالمقطوع الاتي، وليس بحجه وان صح سنده. واعلم أن من الموقوف قول الراوي (كنا نقول) أو (نفعل كذا) أو (كانوا لا يرون بأسا " بكذا) إذا لم يضف ذلك الى زمان المعصوم، أما إذا أضيف فقد يكون مرفوعا " إذا دلت قرائن الاحوال على أمرهم بذلك أو عدم خفائه عنهم كما تقدم. وقال بعض المحدثين: تفسير الصحابي مرفوع. وهو قريب إذا كان مما لا دخل للاجتهاد فيه، كشأن النزول ونحوه، والا فهو موقوف. العاشر المقطوع وهو المروي عن التابعين قولا لهم أو فعلا. وأصحابنا لم يفرقوا بينه وبين الموقوف فيما يظهر من كلامهم. الحادى عشر: المنقطع بالمعنى الاعم وهو ما لم يتصل اسناده الى معصوم على أي وجه كان، وهو ستة أقسام، لان الحذف اما من الاول أو من الوسط أو من الاخر اما واحد أو اكثر: 1 و 2 ما حذف من أول اسناده واحد أو اكثر: وهو (المعلق)، مأخوذ من تعليق الجدار لقطع الاتصال فيه. وقد استعمله بعضهم في حذف كل الاسناد، كقولهم (قال النبي) أو (قال الصادق كذا) أو (قال ابن عباس كذا). وقد ألحقه العامة بالصحيح، ولا يسمى عندهم تعليقا " الا إذا كان بصيغة الجزم ك (قال) و (فعل) و (أمر) و (نهى) لا مثل (يروى) و (يحكى).

[ 106 ]

تنبيه: لا تظنن ما رواه الشيخ في التهذيب والاستبصار عن الحسين بن سعيد ونحوه ممن لم يلحقهم، وكذا ما رواه في الفقيه عن أصحاب الائمة عليهم السلام وغيرهم معلقا "، بل هو متصل بهذه الحيثية، لان الرجال الذين بينهم وبين من رووا عنهم معروفة لنا، لذكرهم لها في ضوابط بينوها بحيث لم يصر فرق بين ذكرهم لهم وعدمه وانما قصدوا الاختصار. نعم ان كان شئ من ذلك غير معروف الواسطة - بأن يكون غير مذكور في ضوابطهم - فهو معلق، وقد رأيت منه شيئا " في التهذيب، لكنه قليل جدا ". 3 و 4 المنقطع بالمعنى الاخص: وهو ما حذف من وسط اسناده واحد أو أكثر. واعلم أن القطع في الاسناد قد يكون معلوما " بسهولة - كأن يعلم أن الراوي لم يلق من روى عنه - وهو واضح، وقد يكون خفيا " لا يدركه الا المتضلع بعلم الرجال ومعرفة مراتبهم، وهو المدلس. وقد يقع ذلك من سهو المصنف أو الكاتب. 5 و 6 المرسل: وهو ما رواه عن المعصوم من لم يدركه بغير واسطة أو بواسطة نسيها أو تركها عمدا " أو سهوا "، أو أبهمها ك (عن رجل) أو (بعض أصحابنا)، واحدا " كان المتروك أو اكثر. وقد اتفق علماء الطوائف كلها على أن قول كبراء التابعين (قال رسول الله كذا) أو (فعل كذا) يسمى مرسلا. وبعض العامة يخص (المرسل) بهذا ويقول: ان سقط قبل النبي اثنان فهو

[ 107 ]

منقطع وان سقط اكثر فهو معضل، والمشهور في الفقه وأصوله ان الكل يطلق عليه اسم (المرسل). وقد اختلف العماء في الاحتجاج به: فقيل يحتج به مطلقا (1)، وقيل لا مطلقا وقيل يحتج به إذا اعتضد بفحوى الكتاب أو سنة متواترة أو عمومهما أو دليل العقل أو كان مقبولا بين الاصحاب أو انضم إليه ما يؤكده، كأن جاء من وجه آخر مسندا " وان لم يكن صحيحا "، فيكون له كالشاهد، إذا لو كان صحيحا " كان العمل به دون المرسل، أو كان مرسله معلوم التحرز عن الرواية عن مجروح، ولهذا قبلت الاصحاب مراسيل ابن ابى عمير وصفوان بن يحيى واحمد بن ابى نصر البزنطي لانهم لا يرسلون الا عن ثقة. ولا بأس بذلك، وان كان في تحقق ذلك نظر، لان مستند العلم ان كان استقراء أحاديثه فوجد أنها مسندة - كما يظهر من كلام أصحابنا، وقد نازعهم صاحب البشرى ومنع دعواهم - فهذا اسناد ولا بحث فيه إذا كان الاستقراء تاما "، والا فأشكل. وان كان حسن الظن فهو غير كاف شرعا ". وان كان استنادا " الى اخباره فمرجعه الى شهادته بعدالة الراوي المجهول، وسيأتي ما فيه. وليس من المرسل عندنا ما يقال فيه (عن الصادق قال قال النبي كذا)، بل هو متصل من هذه الحيثية، لما نبينه انشاء الله تعالى. ويعلم الارسال بعدم الملاقاة، ومن ثم احتيج الى التاريخ.


1. أي سواء كان ارسله الصحابي أم غيره، وسواء كان المرسل جليلا أم لا.

[ 108 ]

تتميم: كثيرا " ما استعمل قدماء المحدثين منا ومن العامة قطع الاحاديث بالارسال ونحوه، وهو مكروه أو حرام إذا كان اختيارا " الا إذا كان لسبب كنسيان ونحوه، فقد روينا بطرقنا الى محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه وعن احمد ابن محمد بن خالد عن النوفلي عن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا حدثتم بحديث فأسندوه الى الذي حدثكم، فان كان حقا " فلكم وان كان كذبا " فعليه (1). وروينا عن ابى عبد الله عليه السلام أنه قال: اياكم والكذب المخترع. قيل له: وما الكذب المخترع ؟ قال: أن يحدثك الرجل بحديث فتتركه وترويه عن الذي حدثك عنه (2). الثاني عشر: المعضل وهو من أعضله أي صعبه، وما هو ما سقط من اسناده اثنان أو كثر من الوسط أو الاول أو الاخر، فهو عبارة عن الثلاثة الاقسام من الستة المذكورة في المنقطع. الثالث عشر: الشاذ والنادر والمنكر أما (الشاذ) و (النادر) فهو عندنا وعند الشافعي ما خالف المشهور وان كان


1. الكافي 1 / 52. 2. الكافي 1 / 52. وفيه (المفترع) بدل المخترع في الموضعين، وهو بمعنى الكذب المبتذل المتعارف بين الناس، ومن افنرع البكر: إذا افتضها.

[ 109 ]

رواية ثقة، لا أن يروي ما لا يرويه غيره. وقد عمل به بعضهم، كما اتفق للشيخين في صحيحة زرارة فيمن دخل في الصلاة بتيمم ثم أحدث: أنه يتوضوء حيث يصيب الماء ويبني على الصلاة (1). وان خصاها بحالة الحديث تأسيا ". وأما (المنكر) فما خالف المشهور وكان روايه غير ثقه. وقد يطلق (الشاذ) عندنا خاصة على ما لم يعمل بمضمونة العلماء وان صح اسناده ولم يعارضه غير أو تكرر. وقال بعض العامة: الشاذ ما ليس له الا اسناد واحد تفرد به ثقة أو غيره. وهو مشكل، فان اكثر أحاديثنا وأحاديثهم من هذا القبيل ولم يطلق عليها أحد اسم الشاذ. وقد يطلق على الشاذ اسم المنكر. وقال بعض المحدثين: انشاذ هو الفرد الذي لا يعرف متنه من غير راويه. وفصل ابن الصلاح (2) من العامة فقال: الحديث ان خالف من تفرد به أحفظ منه وأضبط فشاذ مردود، وان لم يخالف وهو عدل ضابط فصحيح، وان رواه غير عدل ضابط لكن لا يبعد عنهما فحسن، وان بعد فمنكر. فالمنكر على هذا ما يرويه الضعيف مخالفا " لما رواه الناس كما قدمناه. واعلم أن قول الفقهاء والمحدثين (هذا الحديث تفرد به فلان) أو (لم يروه سوى فلان) لا يقتضي ذلك في الحديث شذوذا " ولا نكرا "، بل يبقى له حكم المقرر


1. تهذيب الاكام 1 / 205. 2. الشيخ الحافظ المحقق أبو عمر وعثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، له كتاب في الموضوع سماه (علوم الحديث) اختصره النووي فسماه (الارشاد). 3. راجع التقريب للنووي ص 9.

[ 110 ]

وأولى بذلك ما لو قالوا: تفرد به أهل الحجاز أو العراق. تتميمان: (الاول) الشذوذ قد يكون بزيادة لفظ في الحديث قد رواه الثقات أو غيرهم ناقصا ". ومذهب الجماهير منا ومن العامة قبول الزيادة مطلقا إذا كانت على شرط ما يقبل. وقيل: تقبل ان رواها غير من رواه ناقصا " ولا يقبل ممن رواه ناقصا ". والمعتمد الاول. (الثاني) إذا روى بعض الثقات الحديث مرسلا وبعضهم رواه متصلا أو بعضهم موصلا وبعضهم موقوفا "، أو رفعه الراوي الواحد في وقت ووقفه في آخر، أو وصله في وقت وأرسله في آخر أو نحود ذلك فالصحيح أن الحكم للارفع، سواء كان المخالف له مثله أو اكثر منه وأقوى، لان ذلك زيادة ثقة وهي مقبولة. وقيل الحكم للادنى، وقيل للاكثر ومع التساوي فالاقوى بالضبط ونحوه والتحقيق ما قلناه. وليس وصل الحديث تارة وارساله أخرى مثلا قادحا " في عدالة الراوي أو في الحديث، وقال بعض العامة: يقدح في عدالته وصل ما أرسله الحفاظ وليس بشئ، فيكون لهذا الموصل حكمه من القبول ان جمع شرائطه. وكذا لو رفع ما أوقفوه، لان ذلك كالزيادة، وهي مقبولة بشروطها. ان قلت: الارسال قادح في الاتصال، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل فيقدم.

[ 111 ]

قلت: الجرح انما قدم لما فيه من زيادة العم، والزياة هنا مع الواصل. الرابع عشر: الغريب والغريز كل من يجمع الحديث ويروى عنه لعدالته وضبطه كالحسين بن سعيد وابن ابى عمير، إذا تفرد عنه بالحديث رجل سمي (غريبا ")، فان رواه اثنان أو ثلاثة سمي (غريزا) وان رواه جماعة سمي (مشهورا "). ويدخل في الغريب ما انفرد روايه بزيادة في متنه أو في سنده، وهو قد يكون صحيحا " وقد يكون غير صحيح. وهو أيضا " اما أن يكون غريبا " متنا " واسنادا " - وهو ما انفرد برواية متنه واحد أو اسنادا " لا متنا " - كحديث يعرف متنه جماعة عن رجل إذا تفرد واحد برواية متنه عن آخر. ولا يوجد ما هو غريب متنا " لا اسنادا "، الا إذا اشتهر الحديث المفرد فرواه عمن تفرد به جماعة كثيرة، فانه يصير غريبا " مشهورا "، كحديث (انما الاعمال بالنيات) (1) فان اسناده متصف بالغرابة في طرفه الاول وبالشهرة في طرفه الاخر. وكذا سائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف ثم اشتهرت. الخامس عشر: المعلل والعلة عبارة عن سبب غامض خفي مضعف للحديث اما في متنه أو في سنده مع أن ظاهره السلامة، وانما يتفطن لها غالبا " الماهر في فن الحديث طرقه ومتونه ومراتب روايته.


1. غوالى اللالى 1 / 81، سنن البيهقى 7 / 341، صحيح البخاري 1 / 2، 13، 2 / 759، 793.

[ 112 ]

ويقال للحديث الواقع فيه العلة (المعلل) بفتح اللام، ولحن من قال (معلول). أما وقوع العلة في المتن فكركة تركيبه أو مخالفته لقواعد العربية أولدليل قاطع أو بوقوع الاضطراب فيه من الراوي الواحد، فيدل على عدم ضبطه وعدم تحققه. وأما وقوعه في السند فكاشتراك الراوي بين الثقة وغيره، ورواية الراوي عمن لمن يلقه قطعا "، أو مخالفة غيره له في السند مع قرائن أخرى تنبه الحاذق على وهم بارسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو ادخال سند في سند أو نحو ذلك بحيث يغلب على ظنه الخلل فيحكم بعدم الصحة أو يتوقف فيه. وقد يطلق العلة على غير ما ذكرنا، ككذب الراوي وغفلته وقطعه الحديث وارساله ونحو ذلك مما يوجب ضعفه. السادس عشر: المضطرب [ وهو ما اختلف لفظ روايه ] (1) والاضطراب هو الاختلاف. وهو قد يكون في السند، كأن يرويه مرة عن ابن ابى عمير ومرة عن محمد ابن مسلم، وقد يكون في المتن، كأن يرويه مرة زائدا " ومرة ناقصا "، أو يرويه مرة بما يخالف المرة الاخرى (2)، وقد يكون ذلك من راو واحد وهو أقبح، وقد يكون من اكثر.


1. الزيادة من النسخة المخطوطة. 2. كخبر اعتبار الدم عند اشتباهه بالقرح بخروجه من الجانب الايمن فيكون حيضا " أو بالعكس، فرواه في الكافي بالاول، وكذا في التهذيب في كثير من النسخ، وفى

[ 113 ]

وهو يضعف الحديث، للاشعار بعدم الضبط. نعم ان رجحت احدى الروايتين بحفظ راويها وضبطه ونحو ذلك فالحكم للراجحة، ويخرج بذلك من الاضطراب. السابع عشر: المقلوب والقلب عبارة عن أن يكون الحديث عن راو فيجعل عن آخر ليرغب فيه، كأن يكون عن محمد بن قيس فيجعل عن محمد بن مسلم. وهو حرام لتضمنه الكذب، ومن عرف به سقطت عدالته. الثامن عشر: المدلس وهو ما أخفي عيبه، والتدليس مأخوذ من الدلس بالتحريك. وهو قسمان: تدليس الاستاد، وتدليس الشيوخ. أما تدليس الاستاد: فكأن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهما " سماعه، قائلا (قال فلان) أو (عن فلان)، بأن يأخذه من كتابه أو يحدثه به رجل آخر، وقصده بذلك ترويج الحديث وتحسينه أو علو الاسناد أو الترفع عن أن يرويه عمن رواعنه. وهو مكروه جدا " بين أهل الحديث، حتى قال بعضهم: من عرف به صار


بعضها بالثاني، واختلف في ذلك حتى من الفقيه الواحد، مع أن الاضطراب يمنع من العمل بمضمون الحديث، وربما قيل يترجح الثاني. ووقع الاضطراب من حيث عمل الشيخ في النهاية بمضمومة، وبأن الشيخ أضبط من الكليني وأعرف بوجوه الحديث. وفيهما معا " نظر، يعرفه من وقف على أحوال الشيخ وطرق فتواه (منه). هذه التعليقة ادمجت في النسخة المخطومة بالمتن وهى لا توجد في المطبوعة.

[ 114 ]

مجروحا " مردود الرواية. أما لو قال (سمعت) أو (حدثني) وعلم أنه ليسمع منه كان ذلك جرحا " لا محالة. ولو احتمال سماعه منه لم يحكم عليه بالتدليس حملا للمسلم على الصحة. وهذا القسم من التدليس لا يخرج عن الاقسام المتقدمة من (التعليل) و (القطع) و (الارسال). وأما تدليس الشيوخ: فبأن يسمي شيخا " أو يكنيه أو ينسبه بما لا يعرف به لغير ضرورة. وكراهته أخف من الاول، وسبب الكراهة فيه توعر (1) طريق معرفتة. ويختلف الحال في كراهته بحسب غرضه، ككون المدلس ضعيفا " أو صغيرا " أو سمع منه كثيرا " فامتنع من تكراره لئلا يسمج أو نحو ذلك. التاسع عشر: المدرج والادراج أن يذكر الراوي حديثا " ثم يتبعه كلاما " لنفسه أو لغيره فيرويه من بعده متصلا، فيتوهم أنه من الحديث. ويقال للزائد (مدرج) بفتح الراء، وللحديث (مدرج فيه). ومن أقسام الادراج أن يكون عنده حديثان باسنادين فيرويهما بأحدهما، أو يسمع حديثا " من جماعة مختلفين في اسناده أو متنه فيرويه عنهم باتفاق. وكله حرام، وانما يتفطن له الحذاق. وكثيرا " ما يقع عن غير عمد، كأن يلحق الراوي بالحديث تفسيرا " أو نحوه لقصد التوضيح فيتوهمه من بعده منه.


1. الوعر: العصب وزنا " ومعنى.

[ 115 ]

ومثل هذا يتطرق في اجازات الكتب كثيرا "، وقد وقع لنا في كتاب التهذيب مواضع حكمنا فيها بالادراج ومواضع يغلب فيها ذلك على الظن ومواضع يشك فيها. وسبب ذلك عدم فصل النساخ الحديث عن غيره بدائرة ونحوها، فإذا وقع كلام للمصنف مناسب للحديث أوهم كونه منه. المكمل عشرين: الموضوع وهو شر الاحاديث، ويحرم روايته مع العلم به، من أي الاقسام كان الا مع البيان. ويعرف الوضع باقرار واضعه أو معنى اقراره أو ركاكة لفظه أو قرينة في الواضع أو الموضوع له، كما وضعه الغلاة في حق علي عليه السلام، وكما وضع لبني أمية من الاحاديث في أن الامامة لهم. والواضعون أقسام، أعظمهم ضرارا " قوم ينتسبون الى الزهد ووضعوا أحاديث حسبة في زعمهم، فتلقى الناس موضوعاتهم بالقبول ثقة بهم. وجوزت الكرامية الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خلاف اجماع المسلمين. ومن الموضوع الاحاديث المروية عن أبى بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، كما ذكره بعض العامة حتى ضمنها أكابر المفسرين تفاسيرهم. وقد صنف ابن الجوزي من العامة في الموضوعات مجلدات، وللحسن بن محمد الصغاني (الدر الملتقط في تبيين الغلط). [ ويتبع ذلك ألقاب أخرى اصطلح عليها أهل الرواية: منها: رواية الاقران وهي بأن يستوي الراوي والمروي عنه في السن أو اللقاء، وهو الاخذ عن

[ 116 ]

المشائخ كالشيخ والمرتضى، فان الشيخ أخذ عن المرتضى وقرأ عليه مصنفاته وكلاهما أخذ عن الشيخ المفيد. سمي ذلك (رواية الاقران) لان أحدهما روى عن قرينه. ومنها: المدبج بضم الميم وفتح الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة آخر جيم. وهو أن يروي كل من القرنين عن الاخر، مأخوذ من ديباجة الوجه، كأن كلا منهما بذل ديباجة وجهه للاخر. وهو أخص من الاول، وذلك كروايات الصحابة بعضهم عن بضع. ومنها: رواية الاكابر عن الاصاغر كرواية الصحابي عن التابعي. ومن هذا القسم رواية الاباء عن الابناء، كرواية العباس بن عبد المطلب عن ابنه الفضل أن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين الصلاتين بالمزدلفة. ولكن الاكثر العكس. ثم قد تكون الرواية عن أبيه فقط، وهو كثير لا يحصر، وقد تتصاعد في الاجداد ] (1). (اصل) ينبغي للحاذق التنبه للزيادة في السند والنقص، فالزيادة أن يزيد الراوي في أول السند أو وسطه أو آخره رجلا أو اكثر والمحل مستغنى عنه، بأن يكون الراوي قد روى عن شخص بغير واسطة، فيزيد راوي الحديث بينهما رجلا أو اكثر.


1. الزيادة من النسخة المخطوطة.

[ 117 ]

وانما يتفطن له المتفطنون، وهو عندنا وعند العامة نادر الوقوع، بل لا أعلم أني وقفت مه على شئ. وأما النقص فبأن يروي الرجل عن آخر ومعلوم أنه لم يلحقه أو لحقه ولم يرو عنه، فيكون الحديث مرسلا أو منقطعا ". وانما يتفطن له المتضلع بمعرفة الرجال ومراتبهم ونسبة بعضهم الى بعض. وقد يقع من سهو الناسخ كثيرا "، كما وقع في كثير من التهذيب فتنبهنا له وأصلحناه من فهرست الشيخ الطوسي أو من باقي كتب الاحاديث. ومما يعين على ذلك معرفة أصحاب الائمة عليهم السلام واحدا " واحدا "، ومن لحق من الرواة الائمة ومن لم يلحقه. وقد صنف أصحابنا في أصحاب الائمة عليهم السلام كتبا " ذكروا فيها أصحاب كل امام ومن لحق منهم امامين أو اكثر. وكتاب ابن داود رحمه الله في الرجال مغن لنا عن جميع ما صنف في هذا الفن، وانما اعتمادنا الان في ذلك عليه. ومطالعة الفهرست للشيخ الطوسي تفيد في ذلك فائدة جليلة ويفتح فهى بابا " واسعا ". (فصل) من المهم على الفقيه في الاحاديث معرفة ناسخها ومنسوخا، فان كثيرا " من الاختلاف فيها وفي الاحكام انما نشأ من ذلك. فقد روينا بطريقنا المتصلة عن محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن ابى ايوب اخزاز عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان عن فلان

[ 118 ]

عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يتهمون بالكذب فيجئ منكم خلافه ؟ قال: ان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن (1). وروينا عنه عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى نجران عن عاصم ابن حميد عن منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن أصحاب محمد صدقوا عليه (2) أم كذبوا ؟ قال: بل صدقوا. قلت: فما بالهم اختلفوا ؟ قال: أما تعلم، ان الرجل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثم يجيبه بعد ما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الاحاديث بعضها بعضا (3). ومثل ذلك ورد عن علي عليه السلام (4). ثم منه ما عرف بتصريح الرسول صلى الله عليه وآله ك (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) (5)، ومنه ما يعلم بقول الصحابي ك (كان آخر الامرين من رسول الله ترك الوضوء مما مسته النار) (6)، ومنه ما عرف بالتاريخ، ومنه ما عرف بدلالة الاجماع. والاجماع لا ينسخ ولا ينسخ ولكنه يدل على ناسخ. وهذان النوعان لا يوجدان في أحاديث أئمتنا عليهم السلام أصلا، لعدم النسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وانما هم مثبتون لما استقر عليه الشرع


1. الكافي 1 / 65 وفيه (عن فلان وفلان عن رسول الله). 2. في المصدر (صدقوا على محمد أم كذبوا). 3. الكافي 1 / 65. 4. الظاهر أنه يريد الحديث الاول من (باب اختلاف الحديث) الذى أخرجه في الكافي 1 / 62. 5. سنن ابن ماجة 1 / 501. 6. سنن ابى داود 1 / 49، سنن الترمذي 1 / 119.

[ 119 ]

نعم قد يدل حديثهم على أن بعض الاحاديث أو بعض الاحكام المستفادة من السنة قد نسخت لا أنها هي بنفسها ناسخة. (اصل) ومن المهم أيضا " على الفقيه والمحديث معرفة (المصحف) و (المحرف) وقل أن يتنبه له الا الحذاق. ويكون في الاسناد والمتن، فمن الاسناد مثل (بريد بن معاوية) بالباء المضمومة والراء، ربما يصحف بالياء المثناة من تحت والزاي. و (العوام ابن المراجم) بالراء والجيم، صحفه بعضهم (1) بالزاي والحاء. ومن المتن نحو حديث زيد بن ثابت ان النبي صلى الله عليه وآله احتجر في المسجد. أي اتخذ حجرة من حصير صلى فيها، صحفه بعضهم فقال (احتجم). وحديث: من صام رمضان وأتبعه ستا " من شوال. صحفه الصولي (شيئا ") بالمعجمة. وقد يكون تصحيف سمع، كحديث عاصم الاحول، حوله بعضهم فقال واصل الاحدب (2). وكتاب ابن داود وايضاح الاشتباه والخلاصة للعلامة (ره) قد تكلفت بأكثر المهم من ذلك (3)، ولله الحمد والمنة.


1. هو يحيى بن معين على ما في الرواشح لميرداماد. 2. قال الدار قطني على ما في الرواشح: هذا من تصحيف السمع، لانه لا التباس ولا اشتباه بينهما في الكتابة. 3. قال السيد ميرداماد في الرواشح ص 134: وقد صحف العلامة كثيرا " من الاسماء والكنى والالقاب في خلاصة الرجال وفي ايضاح الاشتباه، فالشيخ تقى الدين حسن بن داود تولى الاعتراض عليه ونبه على كثير من ذلك واصاب اكثريا ".

[ 120 ]

[ وقد يكون التصحيف في المعنى، كما حكي عن ابى موسى محمد بن المثنى العنزي أنه قال: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، صلى الينا رسول الله صلى الله عليه وآله. يريد بذلك ما روي أنه (ص) صلى الى عنزة، وهي حربة تنصب بين يديه سترة، فتوهم أنه صلى الى قبيلته. وهو تصحيف معنوى. عجيب ] (1).


1. الزيادة من النسخة المخطوطة.

[ 121 ]

آداب المحديثين والعلماء (اصل) اعلم أن علم الحديث علم شريف جليل، ومن هو من علوم الاخرة، من حرمه حرم خيرا " عظيما ومن رزقه رزق فضلا جسيما ". قال بعض العلماء: لكل دين فرسان وفرسان هذا الدين أصحاب الاسانيد. وقال بعضهم: ليس في الدنيا مبتدع الا وهو يبغض أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل بزغت حلاوة الحديث من قلبه. وقال بعض الفضلاء: ليس أثقل على أهل الالحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته. فالواجب على مريده وحامله ملازمة التقوى ومكارم الاخلاق والتواضع ومحاسن الشيم وتصحيح النية وتطهير قلبه من مجس المباهاة والمماراة. فقد روينا بطرقنا عن محمد بن يعقوب عن محمد بن اسماعيل عن الفضل ابن شاذان عن حماد بن عيسى عن ربعي بن عبد الله عمن حدثه عن ابى جعفر

[ 122 ]

عليه السلام قال: من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف وجوه الناس إليه فليبتوأ مقعده من النار (1). وروينا بالطرق عنه عن علي بن ابراهيم رفعه الى ابى عبد الله عليه السلام قال: طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجدل والمراء وصنف يطلبه للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للفقه والعقل: فصاحب الجدل والمراء مؤذ ممار يتعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفته الحلم قد تسربل بالخشوع وتخلى من الورع فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه (2)، وصاحب الاستطالة والختل ذوخب وملق (3) يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للاغنياء من دونه فهو لحلوائهم هاضم ولدينه حاطم فأعمى الله على هذا خبره وقطع من العلماء أثره، وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة (4) وحزن وسهر قد تحنك (5) في برنسه وقام الليل في حندسه (6) يعمل ويخشى وجلا داعيا " مشفقا " مقبلا على شأنه عارفا " بأهل زمانه مستوحشا " (7) من أوثق اخوانه فشد


1. الكافي 1 / 47 وفي آخره (ان الرئاسة لا تصلح الا لاهلها). 2. الخيشوم: أقصى الانف. والحيزوم: الصدر وقيل وسط الصدر. 3. الخب بالكسر: الخدعة. ملقته وملقت له: توددته وتملقت له كذلك. 4. الكآبة: الحزن أشد الحزن. 5. تحنك فلان: إذا أدار العمامة تحت حنكه. والبرنس: كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أوجبة أو ممطر أو غيره. قيل: قلنسوة طويلة كان يلبسها الناسك في صدر الاسلام. 6. الحندس بكسر الحاء والدال وسكون النون: اليل المظلم، والظلمة أيضا ". 7. لعله بأن المرضى من الناس من كل وجه عزيز الوجود وان مجالستهم ومخالطتهم تميت القلب وتفسد الدين ويحصل للنفس بسببها ملكات مهلكة مؤدية الى الخسران المبين، فيختار الوحشة منهم والاعتزال عنهم.

[ 123 ]

الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانة (1). (أصل) ويستحب للعالم والمحديث إذا أراد حضور مجلس الدرس أو الحديث أن يتطهر ويتطيب ويلبس الثياب البيض النظيفة ويجلس بوقار تمكنا " في مجلسه. وإذا رفع أحد صوته زبره بما يناسبه، ويقبل على الحاضرين كلهم، ويجلس مستدبر القبلة ليستقبلها أصحابه لانهم في الاغلب اكثر منه، ويفتح مجلسه ويختمه بحمد الله والصلاة على نبيه وآله ودعاء يليق بالحال، ولا يسرد الحديث سردا " (2) فيمنع ذلك عن فمه، وليستنصت الناس إذا حصل في المجلس لغط (3). وكلما ذكر النبي أو أحد الائمة صلى عليه، وكذا خلص الصحابة وأصحاب الائمة واكابر العلماء ينبغي الترحم عليه أو الترضي عنهم، وان كان عنه عن أبيه ترضى عنهما. ويحسن بالمحدث وغيره الثناء على شيخه باللفظ والكتابة بما هو أهله والدعاء له، ولا بأس بذكره بلقب أو وصف أو حرفة أو ام إذا عرف بها. وإذا روى الحديث عن جماعة قدم أرجحهم، ولينبه على صحة الحديث أو ضدها وما فيه من علو أو فائدة أو ضبط مشكل. وليتجنب أن يحدث بما لا يحتمله عقول السامعين أو ما لا يفهمونه، فقد روينا بأسانيدنا عن محمد بن يعقوب عن جماعة من أصحابه عن احمد بن


1. الكافي 1 / 49. 2. سردت الحديث سردا ": أتيت به على الولاء. 3. الغط بفتح اللام والغين المعجمة: هو كلام فيه جلبة واختلاط ولا يتبين.

[ 124 ]

محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ما كلم النبي صلى الله عليه وآله العباد بكنه عقله قط، وقال: انا معاشر الانبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم (1). ويستحب أن يختم مجلس الدرس والحديث بحكايات ونوادر وانشادات تناسب الحال في الزهد والاداب ومكارم الاخلاق ونحو ذلك، فقد روينا بطرقنا عن محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن ابى عمير عن حفص ابن البختري رفعه قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: روحوا أنفسكم ببديع الحكمة، فانها تكل كما تكل الابدان (2). (أصل) وقد اختلف أهل السنة في الوقت الذي يتصدى فيه لا سماعه وافادته، فمنعه بعضهم قبل وفور العلم وكمال القوة، ومنعه بعضهم قبل الاربعين. وليس بشئ. والحق أنه متى احتيج الى ما عنده من العلم جلس له إذا كان قادرا " على آدابه بحقه وشروطه في أي سن كان. ويجب أن يمسك عنه إذا خشي التخليط لهرم أو خرف. نعم الاولى له ألا يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك، لوفور علمه وعلو سنه وحسن ضبطه إذا كان أخذ الحديث عنه متيسرا " وكانا في بلد واحد. وإذا طلب منه الحديث وهناك من هو أرجح منه فالاولى له الارشاد إليه، فان الدين النصيحة.


1. الكافي 1 / 23. 2. الكافي 1 / 48 والكل بالفتح: الثقل.

[ 125 ]

ولا ينبغي أن يمتنع من بذل الحديث لاحد لكونه غير صحيح النية، فانه يرجى له صحتها، فقد جاء في الاثار عن بعض العلماء الاخيار أنه قال: طلبنا العلم لغير الله فأبى الا أن يكون لله. وقال بعضهم: فأوصلنا الى الله. وليجتهد كل الجهد على نشره واذاعته ببذله والترغيب فيه، سيما في مثل زماننا هذا الذي كادت تندرس فيه آثار الوحي والنبوة والائمة المعصومين بالكلية، فان بذل الجهد في افادته واستفادته في يومنا هذا من أهم الواجبات، وقد روينا بطرقنا عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد ابن عيسى عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن منصور بن حازم عن طلحة بن زيد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قرأت في كتاب علي عليه السلام: ان الله لم يأخذ على الجهال عهدا " بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا " ببذل العلم للجهال. (1).


1. الكافي 1 / 41، وتمامه فيه (لان العلم كان قبل الجهل).

[ 126 ]

آداب طلاب العلم والحديث (اصل) قد قدمنا من آداب الطالب جملة، ويجب عليه أيضا " تصحيح النية والاخلاص لله تعالى في طلبه والحذر من التوصل به الى أغراض الدنيا، فقد روينا بأسانيدنا الى محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن القاسم بن محمد الاصفهاني عن المنقري عن حفص بن غياث عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الاخرة نصيب (1). وروينا عنه عن الحسين بن محمد بن عامر عن معلى بن محمد عن الحسن بن علي الوشا عن احمد بن عائد عن ابى خديجة عن ابى عبد الله عليه السام قال من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الاخرة نصيب، ومن أراد به خير الاخرة أعطاه الله خير الدنيا والاخرة (2).


1. الكافي 1 / 46. 2. الكافي 1 / 46.

[ 127 ]

ثم يسأل الله التوفيق لتحصيله، وليستعمل الاخلاق الحميدة والاداب، ثم يفرغ جهده في تحصيله ويغتنم امكانه، ويبدأ بالسماع من أعلم وأتقى من يعلمه من الشيوخ، فذا استوفى ما عنده أو غرضه منه طلب من عنده زيادة في أي قطر كان مقدما " الاقرب فالاقرب. وذلك كان يستعمله الصدر الاول، وأما الان فقد انحصر اكثر الاحاديث وأهمها في أصولنا الخمسة، فالواجب الان كتابتها وتصحيحها وتكثير روايتها عن الشيوخ ما أمكن لتكثز عنده طرقها ويكون ذلك أروج للاتصال. (اصل) وينبغي لطالب العلم والحديث أن يستعمل ما يعلمه من أحاديث العبادات والسنن والاداب، فان زينة العلم العمل، وهو زكاته وسبب لقراره، فقد روينا بأسانيدنا عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن محمد ابن سنان عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله عليه السلام قال: العلم مقرون الى العمل، فمن علم عمل ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فان أجابه والا ارتحال (1). وروينا عنه عن عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد عن علي بن محمد القاشاني عمن ذكره عن عبد الله بن القاسم الجعفري عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ان العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا (2). وروينا عنه عن الي بن ابراهيم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن سليمان


1. الكافي 1 / 44. 2. الكافي 1 / 44.

[ 128 ]

داود المنقري عن حفص بن غياث قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: من تعلم العلم وعمل به دعي في ملكوت السماوات عظيما " (1). (اصل) وينبغي لطالب العلم والحديث أن يوقر شيخه ومن يسمع منه كل التوقير، وأن يتأدب معه غايد الادب، فان ذلك من اجلال العلم وأسباب الانتفاع والترقي فقد روينا عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى الععطار عن احمد بن محمد ابن عيسى عن الحسن بن محبوب عن معاوية بن وهب قال: سمعت ابا عبد الله عليه اسلام يقول: اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم (2). وبالجملة ينبغي أن يتحرى رضاه ما أمكن، وان لا يطول عليه بحيث يضجره فقد روينا عن محمد بن يعقوب عن علي بن محمد بن عبد الله بن احمد بن محمد عن محمد بن خالد عن سليمان بن جعفر الجعفري عمن ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان يقول: ان من حق العالم ألاتكثر عليه السؤال، ولا تأخذ بثوبه، وإذا دخلت عليه وعنده قوم فلم عليهم جمعيعا " وخصه بالتحية دونهم، واجلس بين يديه ولا تجلس خلفه، ولا تغمز يعينك ولاتشر بيدك، ولا تكثر من قول (قال فلان وقال فلان) خلافا " لقوله، ولا تضجره بطول صحبته، فانما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتى يسقط عليك منها شئ، والعالم أعظم أجرا " من


1. الكافي 1 / 44، وتمامه (فقيل تعلم لله وعمل لله وعلم لله). 2. الكافي 1 / 36.

[ 129 ]

القائم الغازي في سبيل الله (1). ومن الادب أن يستشيره في أموره كلها، وخصوصا " ما يتعلق بالتحصيل. وليحذر أن يمنعه الحياء أو الكبر من أخذه ممن هو دونه في سن أو نسب أو غيرهما، وليصبر على جفاء شيخه إذا وقع، وليكتم ما عساه يعثر عليه من هفوة أو سهو، فانه لا معصوم الامن عصمه الله تعالى: وليتعن بالمهم مما يعثر عليه، وليكتبه بتمامه ولا يختصره ولا يضيع وقته فيما لا يعنيه، فان العمر جوهرة نفيسة لا خلف لها ولا ثمن. (اصل) ولا ينبغي أن يعتني بالجمع والرواية دون معرفته وفهمه ومعرفة ضعفه وصحته وفقهه ومعانيه ولغته واعرابه واسماء رجل سنده، محققا " كل ذلك بحسب الامكان معتنيا " باعراب مشكله وضبطه من كتب اللغة وتبيين غريبه، وهو ما وقع في متنه من لفظة غريبة غامضة بعيدة عن الفهم لقلة استعمالها. وهو فن مهم اعتنى به القدماء من الخاصة والعالمة، وقد ألف أبو جعفر محمد بن بابويه (ره) كتابا " في غريب أحاديث النبي والائمة (ع)، وأحسن ما ألف العامة فيه كتاب الغريبين يعني غريب القرآن والحديث. ثم ينبغي أن يذاكر بمحفوظه ويباحث أهل المعرفة ممن هو فوقه أو دونه أو مثله ما أمكن، فان حياة العلم مذاكرته، وقل أن ينكشف مجلس المباحثة والمذاكرة الا عن فائدة جديدة، ومن مارس علم صدق ذلك. وقد روينا بأسانيدنا عن محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن


1. الكافي 1 / 37.

[ 130 ]

ابن ابى عمير عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الله عزوجل يقول: تذاكر العالم بين عبادي مما تحيى عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه الى أمري (1). وروينا عنه عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن محمد ابن سنان عن ابى الجارود قال: سمعت ابا جعفر عليه اسلام يقول: رحم الله عبدا " احيى العلم. قيل: وما احياؤه ؟ قال: ان تذاكر به أهل الدين وأهل الورع (2). وروينا عنه عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن عبد الله بن محمد الحجال عن بعض أصحابه رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا، فان الحديث جلاء القلوب، ان القلوب لترين كما ترين السيف (3). وقال بعض الفضلاء: إذا لم يذاكر ذوالعلوم بعلمه * ولم يستفد علما " نسي ما تعلما وكم جامع للكتب في كل مذهب * يزيد على الايام في جمعه عمى (اصل) وإذا تأهل للتصنيف فليصنف جامعا " للناظائر مرتبا " للابواب، ليشتهر بذلك العلم والاحاديث، وليعتن بالشروح وبيان المشكل والتفاريع على الاحاديث


1. الكافي 1 / 40. والنظر شرح المولى محمد صالح لمازندرانى لاصول الكافي 1 / 127 فقد ذكر وجوها " في شرح هذا الحديث الشريف. 2. الكافي 1 / 47. 3. الكافي 1 / 47.

[ 131 ]

ما أمكنه من المسائل الفقهية وبيان ما فيه من الفصاحة واللطائف الادبية، فان ذلك باب من أبواب الجهاد في الله تعالى. ثم ليتق الله في رواية ما لم يروه من الاحاديث وترك ما يشك في صحته الا ان يبين ذلك، فقد روينا عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن علي بن النعمان عن عبد الله بن مسكان عن داود بن فرقد عن ابى سعيد الزهري عن ابى جعفر عليه السلام قال: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثا " لم تروه خير من روايتك حديثا " لم تحصه (1). وروينا عنه عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن ابى عمير عن هشام بن سالم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما حق الله عزوجل على العباد ؟ فقال: أن يقولوا ما يعلمون ويكفوا عمالا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدوا الى الله حقه (2). (اصل) (في كيفية سماع الحديث وتحمله) والذي استقر عليه البحث بين الخاصة والعامة من ذلك ثمان طرق: الاول: سماع لفظ الشيخ من حفظه أو كتابه وهو (الاملاء)، هو أرفع الاقسام عند الجماهير، لان الشيخ أعرف بوجوه تأدية الحديث، ولانه خليفة النبي والاخذ منه كالاخذ منه، والنبى قد أسمع الناس، ولان السامع أوعى قلبا " وتوزع الفكر الى القارئ أسرع.


1. الكافي 1 / 50. 2. الكافي 1 / 50.

[ 132 ]

ولا خلاف في أنه يجوز للسامع حينئذ أن يقول (حدثنا) و (أخبرنا) و (أنبأنا) و (نبأنا) و (سمعته يقول) و (قال لنا) و (ذكر لنا). هذا في الصدر الاول، ثم شاع تخصيص (أخبرنا) بالقراءة على الشيخ و (نبأنا) و (أنبأنا) بالاجازة. وقال بعضهم (حدثنا) و (أخبرنا) أرفع من (سمعت)، إذ ليس في (سمعت) دلالة على أن الشيخ رواه اياه. وأما (قال لنا) و (ذكرنا) فك (حدثنا)، غير أنه لا يقال سماع المذاكرة وهو به أشبه، وأوضع العبارات (قال) و (ذكر) من غير (لي) أو (لنا) [ لانه أعم من كونه سمعه منه بواسطة أو وسائط، لكنه محمول على السماع منه إذا تحقق القاؤه ] (1). الثاني: القراءة على الشيخ ويسميها اكثر المحديثين (عرضا ") لان القارئ عرضه على الشيخ، سواء قرأت أو قرأ غيرك وأنت تسمع من كتاب أو حفظ، سواء حفظه الشيخ أو لا إذا أمسك أصله هو أو ثقة ذو بصيرة. وهي رواية صحيحية بلا خلاف. نعم اختلفوا في مساواتها السماع من لفظ الشيخ: فبعضهم رجحها، وبعضهم رجحه، وبعضهم ساوى بينهما. والاحوط في الرواية بها (قرأته على فلان) أو (قرئ عليه وأنا أسمع فأقربه). ومنع جماعة فيها (سمعت) ومنعت أخرى (حدثنا)، ولا بأس بالمنعين نعم يجوز (أخبرنا) عند الجماهير والمتأخرين.


1. الزيادة من النسخة المخطوطة.

[ 133 ]

ومتى كان الاصل بيد غير موثوق به لم يصح السماع ان لم يحفظه الشيخ. وإذا قرئ على الشيخ قائلا (أخبرك فلان) أو نحوه والشيخ مصغ فاهم غير منكر صح السماع جازت الرواية. ولا يشترط نطق الشيخ على الاصح عند الجمهور، وقال بعضهم ليس له أن يقول (حدثني) لانه كذب، وله أن يعمل به وان يرويه قائلا (قرئ عليه وهو يسمع). والحق الاول وأنه يجوز (أخبرنا)، لان القراءة عليه والسكوت في معرض النقل عنه كالنطق. وطريق العلماء المعروف بينهم أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ أو شك هل كان معه أحد (حدثني) ومع غيره (حدثنا) وفيما قرأه عليه (أخبرني) وفيما قرئ بحضرته (أخبرنا). ولا يجوز عندهم ابدال كل من (حدثنا) و (أخبرنا) بالاخر في الكتب المؤلفة. فرع: إذا نسخ السامع حال القراءة من الشيخ أو غيره، قال بعضهم: لا يصح السماع. وهو خلاف ما عليه الصدر الاول. ولو قيل: انه ان فهم المقروء عليه صح والافلا. كان ذا وجه. على أن الجواز مطلقا - كما عليه الصدر الاول - أوجه إذا أمن السقط أو التغيير، بأن يفوته شئ من المسموع أو يحرفه، والا لم يجز جزما ". ويجري هذا الخلاف فيما لو تحدث الشيخ أو السامع، أو أفرط القارئ في السماع، أو أدغم بعض الكلمات في بعض. والحق أنه يعفى عن القليل منه

[ 134 ]

سيما مثل اليوم والكتب مضبوطة معرفة، ولكن يشترط صحة النسخة وعدم تغير المعنى. ويستحب للشيخ أن يعم الاجازة لكل السامعين برواية ذلك الكتاب ما قرئ منه وما لم يقرأ، وان كتب لاحدهم كتب (سمعه مني) أو (علي) أو (سمع بعضه وأجزت له روايته عني عن مشائخي بطرقي المتصلة الى المصنف ثم منه الى الائمة المعصومين عليهم السلام). فروع: (الاول) لو عظم مجلس الاملاء فبلغ عن الشيخ أو القارئ رجل آخر، فذهب بعضهم أنه يجوز لمن سمع المبلغ أن يروي ما بلغه اياه عن الشيخ. وهو حق ان كان المبلغ ثقة وأمن التغيير بقرائن الحال. وذهب كثير من المحققين الى أنه لا يجوز. (الثاني) يجوز السماع من وراء حجاب إذا عرف صوته أو أخبر به عدلان أو عدل واحد واعتضد بقرائن الاحوال بحيث أمن التلبيس. وكذا يجوز القراءة عليه والرواية عنه كذلك. (الثالث) إذا قال المسموع عنه بعد السماع (لا تروي عني) أو (رجعت عن اخبارك) أو نحو ذلك غير مسند ذلك الى خطأ أو شك ونحوهما لم يمتنع روايته. (الرابع) لو خص قوما " بالسمع فسمع غيرهم بغير علمه جاز لهم الرواية عنه. (الخامس) لا يشترط علم الشيخ بالسامعين: فلو أسمع من لم يعلمه بوجه جاز، وكذا لو قال: أخبركم ولا أخبر فلانا.

[ 135 ]

الثالث: الاجازة وهي كما قال الحسين بن فارس: مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية أو الحرث، تقول: ستجزته فأجازني إذا سقاك ماءا " لما شيتك أو أرضك، وكذا طالب العلم يستجيز العالم فيجيزه علمه، فعلى هذا يجوز أن يقول: أجزت فلانا " مسموعاتي، وأجزت له رواية مسموعاتي، أو الكتاب الفلاني. وهي على أضرب: (الاول) أن يجيز معينا " لمعين، ك (أجزتك الكافي) أو (ما اشتمل عليه فهرستي) وهذا أعلى أضربها المجردة عن المناولة وأعلى منها. ومن الاجازة المقرونة بالمناولة أن يقرأ عليه حديثا " من أول المجاز وحديثا " من وسطه وحديثا " من آخره ثم يجيزه ما قرأه وما بقي منه، كما ورد الامر به عن جعفر الصادق (ع)، فقد روينا بأسانيدنا المتصلة الى محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد ومحمد بن الحسين عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: يجيئنى القوم فيسمعون مني حديثكم فأضجر ولا أقوى. قال: اقرأ عليهم من أوله حديثا " ومن وسطله حديثا " ومن آخره حديثا (1). والذي استقر عليه رأي العامة والخاصة جواز الرواية باجازة المعين للمعين وان تجرد عن المناولة والقراءة. وقال بعضهم: لها حكم المرسل. وهو باطل. (الثاني) أن يجيز معينا " غير معين، ك (أجزتك مسموعاتي). والخلاف فيه أقوى من الاول، ولكن الجمهور أو جبوا العمل بها وجوزوا الرواية لكل ما ثبت عنده أنه سمعه.


1. الكافي 1 / 52. الضجر: القلق من غم وضيق نفس مع كلام.

[ 136 ]

(الثالث) أن يجيز معينا " لغير معين بل بوصف العموم، ك (أجزت هذا الحديث أو كتاب الكافي لكل أحد أو لاهل زماني أو لمن أدرك جزءا " من حياتي). وفيه خلاف، والاقوى أنه كالالولين وقد استعمله اكابر علمائنا (1). (الرابع) اجازة غير معين لغير معين بل بوصف العموم، ك (أجزت كل أحد مسموعاتي). والذي يظهر أنه جائز أيضا "، ولا شبهة أنه لو لم يكن مع العموم ك (أجزت رجلا) أو (رجلين) أو (زيدا ") وهو مشترك بين جماعة لم يجز، وان كان المجاز معينا ". وكذا لو أجاز غير معين لمعين ك (أجزتك كتاب المجالس) وهناك كتب متعددة. نعم لو أجاز رجلا يعرفه باسمه أو بوجه أو جماعة كذلك جازوان لم يعرفهم بأعيانهم. ومن الباطل (أجزت لمن يشاء فلان) أو (لمن يشاء الاجازة). وبالجملة التعليق مبطل على ما يتعارفه أهل الصناعة. [ ولو كانت في قوة المطلقة اتجه الجواز، مثل (لمن شاء الاجازة) أو (لفلان ان شاء) أو (لك ان شئت) لان متقضى كل اجازة تفويض الرواية بها الى مشيئة المجاز له، فكانت حكاية حال لا تعليقا " حقيقيا " ] (2). (الخامس) اجازة المعدوم، ك (أجزت لمن يولد لفلان). والجمهور منا


1. استعمله السيد تاج الدين ابن معية لما طلب منه شيخنا الشهيد الاجازة له ولاولاده ولجميع المسلمين ممن أدرك جزءا " من حياته فأجازهم ذلك بخطه (منه). 2. الزيادة من النسخة المخطوطة.

[ 137 ]

ومنهم لم يقبلوها. ولو عطفها على موجود ك. (أجزتك ومن يولد لك) أمكن جوازه، وقد فعله جماعة من العلماء. [ ويصح لغير المميز من المجانين والاطفال بعد انفصالهم، لا أعلم فيه خلافا ". وقد وجدت خطوط جماعة من فضلائنا بالاجازة لابنائهم عند ولادتهم، منهم السيد جمال الدين ابن طاوس لولده غياث الدين، وشيخنا الشهيد استجاز من اكثر مشائخه بالعراق لاولاده الذين ولدوا بالشام قريبا " من ولادتهم، وقد رأيت خطوطهم له ولهم بالاجازة. وذكر الشيخ جمال الدين احمد بن صالح قدس الله سره أن السيد فخار الموسوي اجتاز بولده مسافرا " الى الحجة، قال: فأوقفني والدى بين يدي السيد فحفظت منه أن قال: يا ولدي أجزت لك ما يجوز لي روايته. ثم قال: وستعلم فيما بعد حلاوة ما خصصتك به. وعلى هذا جرى السلف والخلف، وكأنهم رأو الطفل أهلا لتحمل هذا النوع ليؤدي بعد حصول أهليته، حرصا " على توسع السبيل الى بقاء الاسناد الذي اختصت به هذه الامة وتقريبه من الرسول بعلو الاسناد. وفي الاجازة للحمل قولان، الصحة نظرا " الى وجوده والعدم نظرا " الى تميزه وقد تقدم أنه غير مانع، فيتجه الجواز. وتصحح للكافر، وتظهر الفائدة إذا أسلم، وللفساق والمبتدع بطريق أولى ] (1). (السادس) اجازة ما لم يتحمله المجيز بوجه ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز وهي باطلة قطعا ".


1. الزيادة من النسخة المخطوطة.

[ 138 ]

وأما قولهم (أجزت لك ما صح أو يصح عندك من مسموعاتي) فصحيح يجوز الرواية به، لما صح عنده سماعه له قبل الاجازة لا بعدها. فعلى هذا يجب عليه البحث ليعلم أنه مما كان قد تحمله قبل الاجازة والا لم يجز له روايته. (السابع) اجازة المجاز، ك (اجزتك مجازاتي). وقد منعه بعضهم، والاصح جوازه. نعم ينبغى للراوي تأمل ما يرويه بذلك لئلا يروي ما لم يدخل تحتها. فرعان: (الاول) ينبغي للمجيز كتابة أن يتلفظ بها [ لتحقق الاجازة الذي متعلقة اللفظ أو الاذن ] (1)، فان اقتصر على الكتابة مع قصد الاجازة فقد منع بعضهم من ذلك. [ والصحة أولى، كما تصح الرواية بالقراءة على الشيخ مع أنه لم يتلفظ بما قرئ عليه، ولتحقق الاذن والاخبار بالكتابة مع القصد، كما تحقق الوكالة بها عند بعضهم، حيث أن المقصود مجرد الاباحة، وهي تتحقق بغير اللفظ كتقديم الطعام الى الضيف ورفع الثوب الى العريان ليلبسه، والاخبار يتوسع بها في غير اللفظ عرفا " ] (1). (الثاني) لا ينبغي الاجازة ولا يستحسن الا إذا علم المجيز ما يجيزه وكان المجاز له من أهل العلم والصلاحية للفهم والرواية. وقد اشترط ذلك بعضهم، وليس بمعتبر عند الفقهاء والمحدثين. الرابع: المناولة وهي ضربان: مقرونة بالاجازة، ومجردة.


1. الزيادتان من النسخة المخطوطة.

[ 139 ]

فالمقرونة على أنواع: الاجازة مطلقا "، واكمل منها أن يقرأ من أول المناول حديثا " ومن وسطه حديثا " ومن آخره حديثا "، كما ورد الامر به عن الصادق عليه السلام وقد نقلناه سابقا " (1). ومن صورها: أن يدفع الشيخ الى الطالب أصل سماعه أو مقابلاته ويقول (هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني) أو (أجزت لك روايته عني) ثم يبقيه معه تمليكا " أو لينسخه. [ وهي دون المساع لا شتمالها على ضبط الروياة وتفصيلها بما لا يتفق في المناولة. وقيل: هي مثله، لتحقق الضبط من الشيخ ] (2). ومنها: أن يدفع إليه الطالب سماعه فيتأمله وهو عارف به ثم يعيده إليه ويقول (هو حديثي أو روايتي فاروه عني) أو (أجزت لك روايته). وقد سمى بعضهم هذا (عرضا ")، وقد سبق أن القراءة عليه تسمى أيضا " عرضا "، فليسم هذا (عرض المناولة) وذاك (عرض القراءة). وهذه المناولة كالسماع في القوة عند الاكثر، والاقوى أنها منحطة عن السماع والقراءة. ومنها: أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه له ثم يمسكه الشيخ، وهذا دون ما سبق. ويجوز روايته إذا وجد الكتاب أو آخر مقابلا به موثوقا " بموافقته ما تناولته الاجازة. ولا يظهر في هذه المناولة كثير مزيد على الاجازة المجردة في معين، ولكن


1. انظر ص من هذا الكتاب. 2. الزيادة من النسخة المخطوطة.

[ 140 ]

شيوخ الحديث يرون لها ميزية. ومنها: أن يأتيه الطالب بكتاب ويقول (هذا روايتك فناولنيه وأجزني روايته) فيجيبه إليه من غير نظر فيه وتحقق لروايته. وهو غير جائز، الا أن وثق بخبر الطالب وصدقه وديانته. ولو قال (حدث عني بما فيه ان كان حديثي مع براءتي من الغلط) كان جائزا ". الضرب الثاني: المجردة وهي أن يناوله مقتصرا " على (هذا سماعي)، فلا يجوز له الرواية بها على ما صححه الفقهاء وأصحاب الاصول. وقيل بجوازها، وهو غير بعيد، لحصول العلم بكونه مرويا " له مع اشعارها بالاذن له في الرواية. ويؤيده ما رويناه بأسانيدنا عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى باسناده عن احمد بن عمر الحلال قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول اروه عني يجوز لي أن أرويه عنه قال: فقال عليه السلام: إذا علمت أن الكتاب له فاروه عنه (1). ولو صحت هذه الرواية لم يبق في المسألة اشكال. تنبيه: جوز جماعة اطلاق (حدثنا) و (أخبرنا) في الرواية بالمناولة، وهو مقتضى قول من جعلها سماعا ". وحكي عن بعض جوازهما في الاجازة المجرة أيضا ". والصحيح المنع فيها منهما وتخصيصهما بعبارة مشعرة بهما، ك (حدثنا اجازة) أو (مناولة) أو (اذنا) أو (فيما أطلق لي روايته). وبعض المتأخرين اصطلح على اطلاق (أنبأنا) في الاجازة، وبعضهم يقول


1. الكافي 1 / 52.

[ 141 ]

(أنبأنا اجازة)، وهو الاجود. وقال بعض المحدثين من العامة: المعهود بين الشيوخ أن يقول فيما عرض على الشيخ فأجازه شفاها " (أنبأني). الخامس: المكاتبة وهي أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو بأمره لثقة. وهي ضربان: مجردة عن الاجازة، ومقرونه ب‍ (أجزتك ما كتبت اليك) بأن يكتب إليه أيضا " ذلك. وهذه في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالاجازة. وأما المجردة فمنع الرواية بها قوم، [ لان الكتابة لا تقضي الاجازة، لانها اخبار أو اذن وكلاهما لفظي والكتابة ليست لفظا "، ولان الخطوط تشتبه فلا يجوز الاعتماد عليها ] (1). وأجازها الاكثر، ولهذا يوجد في مصنفاتهم (كتب الي فلان قال حدثنا فلان)، وهو معمول به عندهم معدود في الموصول لا شعاره بمعنى الاجازة [ وان لم يقترن بها لفظا "، ولان الكتابة للشخص المعين وارساله إليه قرينة قوية على الاجازة للمكتوب. وقد تقدم أن الاخبار لا ينحصر في اللفظ، ولهذا يكتفى في الفتوى بالكتابة مع أن الامر في الفتوى أخطر ] (1). ويكفي في ذلك معرفة خط الكاتب، وقد وقع للائمة عليهم السلام من ذلك الكثير الذي لا ينكر، مثل (كتبت إليه فكتب الي) و (قرأت خطه وأنا أعرفه) ولم ينكر منا جواز العمل به، ولو لا ذلك كانت مكاتباتهم وكتاباتهم عيثا ".


1. الزيادتان من النسخة المخطوطة.

[ 142 ]

وشرط بعضهم البينة. وهو ضعيف، إذ هو غير معروف، والاعتماد في ذلك على الظن الغالب: وهو حاصل مع معرفة الخط وأمن التزوير. وطريق الرواية بها (كتب الي فلان قال حدثنا فلان) أو (أخبرنا مكاتبة) أو (كتابة)، ولا يجوز اطلاق (حدثنا) و (أخبرنا) مجردين ليتميز عن السماع وشبهه، وان جوزهما كثير من المحديثن. وإذا صحت المكاتبة فهي أنزل من السماع، فيرجح ما روي به عليها مع تساويهما في الصحة. وكيف كان ف‍ (أخبرنا) هنا أقرب من (حدثنا) لانها اخبار في المعنى، وقد أطلق الاخبار لغة على ما هو أعم من اللفظ، كما قيل: * تخبرني العينان والقلب كاتم * السادس: الاعلام وهو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه مقتصرا " عليه. وقد أوجب الكل العمل به إذا صح سنده، وجوز الرواية به كثير من علماء الحديث تنزيلا له منزلة القراءة على الشيخ، فانه إذا قرأ عليه وأقر بأنه روايته عن فلان جاز له روايته عنه وان لم يسمعه من لفظه ولم يقل له (أروه عني) أو (أذنت لك روايته عني). وتنزيلا للاعلام منزلة من سمع غيره يقر بشئ، فله أن يشهد به عليه وان لم يشهده بل وان نهاه، وكذا لو سمع شاهدا " بشئ، فانه يصير شاهد فرع وان لم يشهده، ولانه يشعر باجازته له كما مر في الكتابة.

[ 143 ]

ومنعها بعضهم، لعدم وجود ما يحصل به الاذن ومنع الاشعار به بخلاف الكتابة إليه. ويؤيد الاول ما رويناه عن ابى الحسن الرضا عليه السلام سابقا " (2) وما نرويه عن ابى جعفر الثاني عليه السلام فيما يأتي. السابع: الوصية وهو أن يوصي عند سفره أو موته بكتاب يرويه فلان بعد موته. وقد جوز بعض السلف للموصى له روايته، لان فيه نوعا " من الاذن وشبها " من العرض والمناولة. ومنعه بعضهم، لبعده عن الاذن. ولا بأس به، إذ هو تعليق. الثامن: الوجادة وهو مصدر لوجد، مولد غير مسموع من العرب. وهو أن يقف الانسان على أحاديث بخط روايها أو في كتابه المروي له معاصرا " كان أو لا يرويها الواجد، فله أن يقول (وجدت) أو (قرأت بخط فلان) أو (في كتابه حدثنا فلان) ويسوق الاسناد أو المتن. هذا هو الذي استمر عليه العمل حديثا " وقديما "، وهو باب المنقطع. وفيه شوب اتصال يجوز العمل به عند كثير من المحققين عند حصول الثقة بأنه خط المذكور أو روايته، والاقال (بلغني عمن نقل عنه) أو (وجدت في كتاب أخبرني

[ 144 ]

فلان أنه خط فلان) أو (روايته) أو (أظن أنه خطه) أو (روايته)، لوجود آثار روايته له بالبلاغ ونحوه. ومنع اكثر العامة من العمل بها معه تحقق أنها روايته، لانه لم يحدث بها لفظا " ولا معنى. ويؤيد الاول ما رويناه بطرقنا المتكثرة عن محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد عن محمد بن الحسن بن ابى خالد شنيولة قال: قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك ان مشائخنا رووا عن ابى جعفر وابى عبد الله عليهما السلام وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم فلم تروعنهم فلما ماتوا صارت الكتب الينا. فقال: حدثوا بها، فانها حق (1). وإذا وجد حديثا " في تأليف شخص قال (ذكر فلان)، وهذا منقطع لاشوب فيه، وذلك إذا لم يعلم أنه رواه والا فهو كالاول. هذا إذا وثق بأنه خطه، والا قليل (بلغني عن فلان) أو (قرأت في كتاب أخبرني فلان أنه بخطه) أو (أظن أنه خطه) أو (ذكر كاتبه أنه خطه) أو (تصنيف فلان). وإذا نقل من تصنيف فلا يقول (قال فلان) الا إذا وثق بصحة النسخة، والا فليل (بلغني عن فلان) أو (وجدت في نسخة من كتاب) ونحوه. وقد تسامح الناس في هذه الازمان بالجزم في ذلك من غير تحر. فان كان الناقل متقنا " لا يخفى عليه غالبا " الساقط والمغير رجونا جواز الجزم له. والى هذا استروح (2) المصنفون في كتبهم.


1. الكافي 1 / 53. 2. استروح: وجد، وكذا أراح واستراح، يقال: استروح الفحل واستراح: وجد ريح الانثى.

[ 145 ]

تنبيه: من رأى في هذا الزمان حديثا " صحيح الاسناد صحيح الاسناد في كتاب أو جزء لم ينص على صحته علماؤنا أو بعضهم ولم يكن الكتاب معروف المؤلف ولم تكن نسخته صحيحة مروية بخصوص أو عموم لم يحكم بصحته ولم يجز الاعتماد عليه في الاحكام. لا نعلم في ذلك مخالفا ". والله ولي التوفيق. (اصل) (في الاسناد العالي والمنازل) قال بعض العلماء: ان الاسناد من خواص هذه الامة. واعلم أن طلب العلوفيه سنة مؤكدة، وهو مما عظمت رغبة المتقدمين والمتأخرين فيه، لانه أقل كلفة وأبعد عن الخطأ وأقرب الى الصحة، لانه إذا طال السند كثرت مظان التحذير وإذا قل قلت. وقد يتفق في النزول مزية ليست في العلو، كأن يكون راويه أوثق أو أحفظ أو الاتصال فيه أظهر للتصريح باللقاء واشتمال العالي على ما يحتمل اللقاء وعدمه ك (عن فلان)، فيكون النزول أولى. والعلو أقسام: أجلها: القرب من المعصوم باسناد نضيف صحيح. الثاني: القرب الى امام من أئمة الحديث وان بعد بعد ذلك (1).


1. اي وان بعد من هذا الامام الى المعصوم (منه).

[ 146 ]

الثالث: العلو بالنسبة الى رواية أحد الاصول الخمسة أو غيرها من الاصول المعتبرة. وقد اعتنى بها المتقدمون والمتأخرون، وهو: اما بالموافقة، أو الابدال أو المساواة، أو المصافحة: فالموافقة: أن يقع لك حديث عن شيخ محمد بن يعقوب مثلا بطريق من غير جهته بعدد أقل من عددك إذا رويته عن محمد بن يعقوب عنه. وأما البدل: فهو أن يقع هذا العلو عن مثل شيخ محمد بن يعقوب، وهو في الحقيقة موافقه بالنسبة الى شيخ شيخ محمد. وأما المساواة: فهي قلة عدد اسنادك بحيث يقع بينك وبين المعصوم، أو أحد أصحابه، أو من أخذ عن أحد أصحابه من العدد. مثل ما وقع الشيخ الطوسي مثلا وبينه. وهذا النوع لا يقع في مثل عصرنا أصلا. وكذا المصافحة: وهي أن تقع هذه السماواة لشيخك فيكون كأنك صافحت الشيخ فأخذت عنه. فانها أيضا " في زماننا مستحيلة. وهذا العلو تابع للنزول، فلو لم ينزل الشيخ الطوسي مثلا لم تعل أنت. الرابع: العلو بتقدم وفاة، فما ترويه عن من تقدمت وفاته أعلى (1). الخامس: العلو بتقدم السماع، وهو أن يسمع شخصان من شيخ وسماع


(1) مثاله ما نرويه باسنادنا الى شيخنا الشهيد عن السيد عميد الدين عن العلامة جمال الدين ابن المطهر، فانه أعلى مما نرويه عن الشيهد عن فخر الدين ابن المطهر عن والده جمال الدين، وان تساوى الاسناد ان في العدد تتقدم وفاة السيد عميد الدين عن وفاة فخر الدين بنحو خمس عشرة سنة (عن زين الدين الشيهد الثاني).

[ 147 ]

أحدهما أقدم. فهو أعلى وان تساوى العدد. وأما النزول فهو ضد العلو في الاقسام الخمسة، وهو مفضول. وقد فضله بعضهم إذا تميز بفائدة، كأن كانت حال الشيخ في الاخر أحسن، ولا بأس به.

[ 148 ]

اصول (في كيفية رواية الحديث) (اصل) قد شدد قوم في الرواية وأفرطوا وقالوا: لا حجة الافيما يروى من الحفظ. وهو عنت (1) بين بغير نفع ظاهر، بل ربما كان أضر وأقبح، لان الحفظ لصعوبته وعسره يلزم منه الحرج وتضييق الرواية وتقليلها، مع أنه يتطرق إليه النسيان والشك والوهم، وذلك لا يتأتى في الكتابة والمتكاتبة وان تطرق إليها التزوير لكنه شئ نادر الوقوع، ومع ذلك لا يكاد يخفى. وقال بعضهم: يجوز الرواية من الكتاب الا إذا خرج من اليد. وتساهل بعضهم فجوز الرواية من الكتب التي لم تقابل: وهذا تفريط لا يجوزه ذو مسكة بدينه. والذي يعتمده علماؤنا ومحدثونا واكثر علماء العامة جواز كتابتها والرواية


1. العنت: المشقة والخطأ.

[ 149 ]

منها إذا قام الرواي في الاخذ والتحمل بما تقدم من الشروط، فيجوز حينئذ الرواية من أصله إذا كان مصححا " مأمون التزوير وان أعاره أو غاب عن يده، لان التغيير نادر الوقوع ولا يكاد يخفى. وقد ورد الامر من أئمتنا عليهم السلام بكتابة العلوم كلها والحرص عليها، ولا شبهة أن الاحاديث من أجلها وأهمها، فقد روينا بطرقنا عن محمد بن يعقوب عن علي بن محمد بن عبد الله عن احمد بن محمد عن ابى ايوب المدني عن ابن ابى عمير عن حسين الاحمسي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: القلب يتكل على الكتابة. (1). وعنه عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسين بن علي الوشا عن عاصم بن حميد عن ابى بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أكتبوا فانكم لا تحفظون حتى تكتبوا (2). وعنه عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن فضال عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: احتفظوا بكتبكم فانكم سوف تحتاجون إليها (3). وعنه عن عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد البرقي عن بعض أصحابه عن ابى سعيد الخيبري عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اكتب وبث علمك في اخوانك، فان مت فأورث كتبك بنيك، فانه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه الا بكتبهم (4).


1. الكافي 1 / 52. 2. الكافي 1 / 52. 3. الكافي 1 / 52. 4. الكافي 1 / 52.

[ 150 ]

ولا شبهة أن كتابتها في زماننا هذا واجبة كما تقدم بيانه. فروع: (الاول) إذا وجد المحدث في كتابه خلاف حفظه، فان كان حفظه منه رجع إليه قطعا "، وان كان من فم الشيخ اعتمد على حفظه ان لم يشك. وحسن أن يجمعهما فيقول (حفظي كذا وفي كتابي كذا). وكذا ان كان حفظه من نسخة مأمونة معتمدة، وان خالفه غيره قال (حفظي كذا وقال فيه غيري كذا)، وكذا ان وجد في نسخة أخرى مثل نسخته في الصحة قال (في نسختي كذا وفي نسخة فلان كذا). (الثاني) لو وجد حديثا " في كتابه الذي سمعه كله ولم يذكر الحديث فقد ذهب بعض المحدثين الى أنه لا يجوز له روايته. والصحيح جوازها إذا كان الخط موثوقا " به والكتاب مصونا " يغلب على الظن السلامة من التغيير بحيث تسكن إليه نفسه والالم يجز. (الثالث) إذا أراد الرواية من نسخة ليس فيها سماعه ولا هي مقابلة بما قد سمعه ولكنها سمعت على شيخه أو صححت وهو قد سمع الاحاديث من غير هذه النسخة أوله بهذه الاحاديث أو هذا الكتاب اجازة، يجوز أن يروي منها إذا عرف ان هذه الاحاديث هي التي سمتها أو استجازها وسكنت نفسه الى صحتها وسلامتها. ويجوز حينئذ أن يقول (حدثنا) أو (أخبرنا) بغير قيد ان كان قد سمع الاحاديث، أو يقيد ذلك بقوله (اجازة) ان كان استجازها. (الرابع) الضرير إذا لم يحفظ ما سمعه واستعان بثقة في ضبطه وحفظ كتابه واحتاط عند القراءة عليه بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغير صحت روايته

[ 151 ]

والرواية عنه. وكذا الامي الذي لا يحسن الكتابة. (الخامس) يستحب للراوي أن يقدم الاسناد كما هو المتعارف ثم يورد الحديث فإذا أراد النقل في أثناء المتن الى حديث آخر قال (الخبر) أو (الخبر بتمامه). ويكره أن يتعمد تغيير صورة المتن والاختصار منه وابدال لفظ بمرادفه للعالم بمدلولات الالفاظ كما يأتي. وقيل بتحريم ذلك. (أصل) وإذا لم يكن المحديث عالما " بحقائق الالفاظ ومجازاتها ومنطوقها ومفهومها ومقاصدها خبيرا " بما يختل معانيها لم يجز له الرواية بالمعنى بغير خلاف، بل يتعين اللفظ الذي سمعه إذا تحققه، والا لم يجز له الرواية. وأما إذا كان عالما " بذلك فقد قال طائفة من العلماء لا يجوز الا باللفظ أيضا " وجوز بعضهم في غير حديث النبي (ص) فقط، قال: لانه أفصح من نطق بالضاد وفي تراكيبه أسرار ودقائق لا يوقف عليها الا بها كما هي، لان لكل تركيب معنى بحسب الوصل والفصل والتقديم والتأخير وغير ذلك لو لم يراع ذلك لذهبت مقاصدها، بل لكل كلمة مع صاحبتها خاصية مستقلة كالتخصيص والاهتمام وغيرهما، وكذا الالفاظ المشتركة والمترادفة، ولو وضع كل موضع الاخر لفات المعنى المقصود. ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: نضر الله عبدا " سمع مقالتي وحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه الى من هو أفقه منه (1).


1. سنن ابن ماجة 1 / 84 - 86، 2 / 1015، سنن الترمذي 5 / 34، سسن ابى داود 3 / 222 باختلاف في الالفاظ.

[ 152 ]

وكفى هذا الحديث شاهدا " بصدق ذلك. والحق أن كل ذلك خارج عن موضوع البحث، لانا انما جوزنا لمن يفهم الالفاظ ويعرف خواصها ومقاصدها ويعلم عدم اختلال المراد بها فيما أداه. وقد ذهب جمهور السلف والخلف من الطوائف كلها الى جواز الرواية بالمعنى إذا قطع بأداء المعنى بعنيه، لانه من المعلوم أن الصحابة وأصحاب الائمة عليهم السلام ما كانوا يكتبون الاحاديث عند سماعها، ويبعد بل يستحيل عادة حفظهم جميع الالفاظ على ماهي عليه وقد سمعوها مرة واحدة، خصوصا " في الاحاديث الطويلة مع تطاول الازمنة. ولهذا كثيرا " ما يروى عنهم المعنى الواحد بألفاظ مختلفة كما لا ينكر. لما رويناه بطرقنا عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن ابى عمير عن ابن أذينة عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص. قال: ان كنت تريد معانيه فلا بأس. (1). وروينا بالسند المذكور عن محمد بن الحسين عن ابن سنان عن داود بن فرقد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اني أسمع الكلام منك فأريد أن أرويه كما سمعته منك فلا يجئ. قال: فتعمد ذلك ؟ قلت: لا. قال: تريد المعاني ؟ قلت: نعم. قال: فلا بأس (2). نعم لامرية أن روايته بلفظله أولى على كل حال، ولهذا قدم الفقهاء المروي بلفظهل على المروي بمعناه.


1. الكافي 1 / 51. 2. الكافي 1 / 51.

[ 153 ]

وقد روينا بطرقنا عن محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن ابى عمير عن منصور بن يونس عن ابى بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: قول الله جل ثناؤه (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (1). قال: هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه لا يزيد فيه ولا ينقص منه (2). وبالغ بعضهم فقال: لا يجوز تغيير (قال النبي) الى (قال رسول الله) ولا عكسه. وهو عنت بين بغير ثمرة. وقد روينا بأسانيدنا عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن احمد ابن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد والقاسم بن محمد عن علي بن ابى حمزة عن ابى بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك أو أسمعه من أبيك أرويه عنك. قال: سواء، الا أنك ترويه عن ابى أحب الي. وقال أبو عبد الله عليه السلام: ما سمعته مني فاروه عن ابى (3). وروينا بطرقنا عن محمد بن يعقوب عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن احمد بن محمد عن عمربن عبد العزيز عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا: سمعنا ابا عبد الله عليه السلام يقول: حديثي حديث أبى، وحديث ابى حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن: وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله عزو جل (4).


1. سورة الزمر: 18. 2. الكافي 1 / 51. 3. الكافي 1 / 51. 4. الكافي 1 / 53.

[ 154 ]

وروينا بأسانيدنا عنه عن علي بن محمد عن محمد بن عيسى عن قتيبة قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن مسألة فأجابه فيها. فقال: ارأيت ان كان كذا وكذا ما كان يكون القول فيها. فقال له: معه ما أجبتك فهى من شئ فهو عن رسول الله صلى الله عليه وآله، لسنا (1) من رأيت في شئ (2). فهذه الاحاديث تدل على جواز أن ينسب الحديث المروي عن أحد الائمة عليهم السلام الى كل واحد منهم والى النبي صلى الله عليه وآله. وهذا أبلغ من الاتيان باللقب موضع الاسلم أو موضع الكنية، ومن وضع الالقاب بعضها موضع بعض. والذي يظهر لي أن ذلك انما يجوز إذا لم يتضمن كذبا "، فإذا روينا حديثا " عن جعفر الصادق عليه السلام جاز أن نقول على مقتضى هذه الاحاديث (عن رسول الله كذا) أو (قال كذا)، لا مثل (حدثني) و (سمعته بقول). فروع: (الاول) اختلفوا في رواية بعض الحديث إذا كان تام المعنى، فمنعه بعضهم بناءا " على منع الراواية بالمعنى. والحق جوازه إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يخل بالبيان ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جوزناها بالمعنى أم لا.


1. لسنا من الذين يخاطبون ب‍ (رأيت) مثل الشافعي وابى حنيفة وغيرهما ممن يخاطبون برأيت، فهم يقولون نعم رأينا، بل أي شئ نقول في الجواب أي مسألة كانت فهو من رسول الله صلى الله عليه وآله (منه). (2) الكافي 1 / 58.

[ 155 ]

أما تقطيع المصنفين الحديث في الابواب بحسب المواضع المناسبة فأولى بالجواز، وقد استعملوه كثيرا "، وما أظن له مانعا ". (الثاني) إذا كان عنده للحديث عن اثنين أو اكثر والسند الباقي متفق والحديث متفق المعنى مختلف اللفظ فله جمعهما في الاسناد ثم يسوق الحديث بلفظ أحدهما فيقول (أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان) أو نحو ذلك. ولو كان السند كله مختلفا " ساق السند الواحد برجاله ثم أتى باللفظ المختص بذلك السند ثم يسوق السند الاخر ويقول (نحوه)، وان كان لفظ المتن أيضا " متفقا " قال (مثله). (الثالث) ينبغي للراوي بالمعنى أن يقول بعده (أو كما قال) أو (شبه هذا) أو نحو ذلك، ليحترز عن الكذب. وكذا إذا اشتبه على القارئ كلمة فحسن أن يقول بعد قراءتها (على الشك) أو (على الظاهر) أو نحو ذلك، ليتضمن ذلك اجازة واذنا " من الشيخ للراوي لالفاظ الحديث إذا وقف عليها وللصواب في المشتبه إذ ظهر - كما قاله بعضهم. (الرابع) نقل المعنى انما جوزوه في غير المصنفات، أما المصنفات فلا يجوز حكايتها ونقلها بالمعنى ولا تغير شئ منها على ما هو المتعارف. وقد صرح به كثير من الفضلاء. (اصل) لا ينبغي أن يروي الحديث بقراءة لحان ولا مصحف، وعلى طالبه أن يتعلم من النحو والعربية ما يسلم به من اللحن. قال الاصمعي: قال اني أخوف ما أخاف على طالب الحديث إذا لم يعرف

[ 156 ]

النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وآله (من كذب علي متعمدا " فيتبوأ مقعده من النار)، لانه صلى الله عليه وآله لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت به عليه. وطريق السلامة من التصحيف والتحريف الاخذ من أفواه الرجال. وإذا وقع في رواية ما هو معلوم اللحن أو التحريف وجب أن يصلحه وأن يرويه على الصواب، ومنعه بعضهم فقال: يرويه كما سمتعه ويبين أن الصواب كذا. وهو تطويل بغير طائل، وكتابته كذلك اغراء بالجهل، سيما وقد جوزنا الراوية بالمعنى. والصواب اصلاحه في كتابه أيضا " إذا تحقق المقصود ولم يكن فيه احتمال والا تركه على حاله مع التضبيب عليه (1) وبيان الصواب على الحاشية، ثم يقرأ عند الرواية على الصواب. ولو قال (وفي روايتي كذا) لم يكن به بأس. ولو رآه صوابا " في حديث آخر أو نسخة أخرى وان لم تكن مروية له وجب الاصلاح على كل حال لتأكد القرينة في العلم بذلك، خصوصا " إذا غلب على ظنه أنه من نفسه أو من الناسخ لامن الشيخ. وهكذا إذا درس من كتابه بعض الاسندا أو المتن فانه يجوز استدراكه من كتاب غيره إذا عرف صحته وسكنت نفسه الى أن ذلك الساقط هو كذا. فروع: (الاول) الواجب على المحدث إذا كان في سماعه بعض الوهن أن يثبته حال


1. التضبيب بمعنى التمريض، وسيجئ في آدابه كتابة الحديث كيفيته.

[ 157 ]

الرواية. ومنه ما إذا وقع من شيخه شك في لفظه فليبين ذلك. وان كان قد حدثه عن حفظه حال المذاكرة فليقل (حدثنا مذاكرة) كما كان يفعله الصدر الاول. وإذا كان الحديث عن ثقة ومجروح وجب ذكرهما أو الاقتصار على الثقة. وإذا سمع بعض الحديث عن شيخه وبعضه عن آخر وجب أن يبين ما رواه عن كل واحد منهما. ولو بين اجمالا أن بعضه عن فلان وبعضه عن فلان صار كل جزء منه كأنه رواه عن أحدهما مبهما "، فلا يحتج بشئ منه ان كان فيهما مجروح. (الثاني) يجوز عند أصحاب الحديث تقدم المتن في الرواية، ك‍ (قال الصادق كذا) ثم يقول (أخبرنا به فلان عن فلان) الى آخره. ويجوز حينئذ للراوي أن يرويه كذلك وأن يقدم الاسناد. وإذا روى المحدث حديثا " باسناد ثم اتبعه اسنادا " آخر لاجل ذلك المتن قال في آخر الاخر (مثله) ان كان المتنان متفقين لفظا "، ويجوز للراوي حينئذ أن يروي المتن بالسند الثاني. وان كان بين المتنين تخالف ما قال في آخر الاخر (نحوه)، ولا يجوز حينئذ رواية المتن باسند الثاني. وقال بعضهم: إذا كان الراوي الاول من أهل الحذق والتفطن لمعاني الالفاظ وجوزنا الرواية بالمعنى جاز. وهو محل توقف. ولم يفرق بعضهم بين (مثله) و (نحوه)، وجوز رواية المتن بالسند الثاني مطلقا ". والتحقيق ما قلناه. (الثالث) إذا ذكر الاسناد وبعض المتن ثم قال (الحديث) أو ذكر الحديث الى آخره وأراد السامع روايته بكماله، فقد منعه بعض وجوزه الاكثرون إذا علم المحدث والسامع باقي الحديث أو كان حديثا " معروفا " مشهورا ".

[ 158 ]

ولو اقتصر على المذكور ثم قال (وهو هكذا) ثم ساقه بكماله كان أحسن. (اصل) ما يرويه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله في الكافي بقوله (محمد ابن يحيى) مثله، فالمراد حدثنا محمد بن يحيى أو أخبرنا قراءة أو اجازة أو نحو ذلك، أو المراد رويت عن محمد بن يحيى بنوع من أنواع الرواية. فإذا قال بعد ذلك (عن فلان) فكأنه قال ان محمدا " مثلا قال رويت عن فلان بنوع من أنواع الرواية كما قلناه، فحذف القول ومقوله وبقي متعلق القول اختصارا ". وما يرويه الشيخ الطوسي رحمه الله في الكتابين وغيره عمن لم يلقه قطعا " نحو قوله (الحسين بن سعيد)، فالمراد حدثنا الحسين بن سعيد أو أخبرنا أو روى لنا بنوع الرواية، ولكن بوسائط رجال السند المتصل به الذي قد تقرر. وهذا الاصطلاح من خواص أصحابنا، وانما اعتمدوا ذلك لكثرة أحاديثنا وكون المقصود اتصال سند الرواية بأي نوع اتلق. فأتوا بلفظ يندرج تحته الجميع روما " للاختصار، وان كان تبيين وجه المأخذ في كل راو أحسن كما يفعلونه في كثير من المواضع فوائد: (الاولى) لو تلفظ الانسان بهذا المحذوف لم يحسن عندنا، لانه إذا قال (الحسين بن سعيد عن ابن ابى عمير) مثلا لم يعلم مأخذ الحسين بن سعيد عن ابن ابى عمير بأي طريق من الطرق - أي (حدثنا) أو (أجزنا اجازة) أو

[ 159 ]

(قراءة) أو (سماعا ") أو نحو ذلك - فكيف يجزم بواحد من هذه المعاني. نعم لو تحرى لفظا " يصلح على كل حال - نحو (قال رويت عن ابن ابى عمير) لم يكن به بأس الا أنت طويل ولا ثمرة مهمة له. وأما ما في آخر السند مثل قولهم (محمد بن مسلم قال أبو عبد الله عليه السلام) فهنا لفظة (قال) محذوفة قبل لفظة قال الموجودة وفاعلها محمد بن مسلم، أي قال محمد بن مسلم قال أبو عبد الله عليه السلام. ولو تلفظ القارئ بها إذا كانت محذوفة كان أنسب مع أن حذفها قليل. اما إذا قال (عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله انه يحرم كذا أو يجب كذا) فالمراد كما تقدم رويت عن ابى عبد الله عليه السلام اما بأن سمعته يحدث أو قال لي أو نحو ذلك. وبعض محدثي العامة يجعل مثل هذا مرسلا، لانه أعم من أن يكون سمعه منه بغير واسطة أو رواه عنه بواسطة. وهو من حيث اللفظ محتمل، الا أن أصحابنا رضوان الله عليهم استعملوه في المتصل وفهموا منه عند الاطلاق الاتصال وصار ذلك متعارفا " بينهم لم يرتب فيه منهم أحد فيما أعلم. (الثانية) ما يرويه الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى في الكتابين وما يرويه غيره مما حذف أول سنده للعلم به اختصارا "، الاولى للقارئ ان كان الشيخ أن يذكر أول المجلس أو الكتاب السند تاما " ثم يقول في أول كل حديث (وبالسند المتقدم الى الحسين بن سعيد) أو (بسندي المتقدم) أي أروي لكم أو أرويكم بسندي إليه. هذا ان كان الكل عن الحسين بن سعيد، وان اختلف رجال السند المروي

[ 160 ]

عنهم فالاولى ذكر السند الى كل واحد منهم أولا ثم يقول (وبالسند المتقدم الى فلان) إذا كان قد تقدم ذكر السند. وان كان القارئ التلميذ فكذلك الاولى أن يذكر أول المجلس السند المتصل بأول السند المذكور ثم يقول (وبسندكم المتقدم الى الحسين بن سعيد)، أي أروي عنكم بسندكم إليه. ولو حذف كل ذلك أمكن صحة الرواية أيضا "، لان المراد معلوم. ولو لم يذكر في أول الكتاب أو المجلس السند وقال الشيخ أؤ القارئ (وبسندي الى فلان) أو (بسندكم الى فلان) كفى ذلك. وكذا إذا كان السند متصلا بالمصنفين كما في الكافي وكثير من التهذيب يقول الشيخ إذا قرأ (وبسندي المتصل الى محمد بن يعقوب - مثلا - قال أخبرنا عدة من أصحابنا) ولو حذف (قال) جاز للعلم به. وان كان القارئ التلميذ قال (وبسندكم الى فلان قال أخبرنا فلان) الى آخره، وان لم يكن حاضرا " في ذهنه رجال السند وتريبهم، لان العلم الاجمالي كاف، ولكن الاولى ما قدمناه من التبيين. (الثالثة) قد جرت عادة المحدثين أن يذكروا أسماء شيوخهم وأنسابهم ويعرفوهم بما يقتضيه الحال ويرفع عنهم الجهالة في أول الحديث إذا رووه مفردا ". ولو كان كتابا " تاما " جاز استيفاء ذلك في أول الكتاب والاقتصار في الباقي على ما يرفع اللبس، حتى الاضمار كاف مع أمنه. وأما باقي الشيوخ فالواجب ذكر كل شيخ بما يرفع الجهالة عنه، الا أن يكون كثير التكرر بحيث يكفي مجرد الاسم في فهمه، فان تكرير ذلك يستهجن إذ هو تطويل بغير فائدة.

[ 161 ]

ولا ينبغي متابعة الشيخ إذا كان قد أجمل والمحل يحتاج الى البيان، بل يجب بيانه بما يرفع الجهالة عنه وان كان الشيخ قد اختصر ذلك، لان الشيخ ربما اعتمد على فهمه وشهرته في ذلك الوقت. لكن ينبغي أن يميز كلامه الذي زاده عن كلام شيخه بقوله (هو فلان الفلاني) أو (نعني فلانا ") ونحو ذلك. ومنع بعضهم الزيادة بدون البيان، ولقد وقع لنا ولكثير من المتأخرين الالتباس في كثير من الرواة، لحصول الاشتراك في أسمائهم وأسماء آبائهم وترك المتقدمين تعريفهم بما يرفع اللبس عنهم. (اصل) ومن الواجب المتحتم على الفقيه معرفة الرجال في الجرح والتعديل ونحوهما، ليميز صحيح الحديث من ضعيفه، وان اشتمل على القدح في المسلم المستور، لكن يجب غاية التثبت، فقد أخطأ فيه كثير. وكذا يجب معرفة طبقاتهم في التقى والورع والعلم والضبط لاجل الترجيح عند التعارض، ومعرفة مراتبهم في التقدم والتأخر في المولد والوفاة ليأمن القطع والقلب والارسال، ومعرفة المختلف من أسمائهم والمؤتلف ليأمن التباس الثقة بالضعيف عند التصحيف والترحيف، وتصحيح أسمائهم وأسماء آبائهم وكناهم وألقابهم وما يتبع ذلك، ليضع كل واحد في موضعه. وكل ذلك من المهم الذي لابد للفقيه والمحديث منه. وقد جرت عادة مؤلفي أصول الحديث من العامة ذكر المختلف والمؤتلف والمتفق والمفترق وتصحيح المفردات والكنى والالقاب والنسب والموالي والاوطان وأشباه ذلك في كتب أصول الحديث. ونحن لو فتحنا باب ذلك هنا

[ 162 ]

لطال واتسع المجال. وقد كفانا المتقدمون البحث عن ذلك فيما ألفوه من الكتب النفيسة ككتاب الحافظ ابن عقدة وفهرست النجاشي وكتاب ابن الغضائري والشيخ ابى جعفر الطوسي وكتاب الرجال لابي عمر والكشي وكتب الشيخ ابى جعفر ابن بابويه القمي، وما بأيدينا الان من الخلاصة وايضاح الاشتباه للعلامة وفهرست الشيخ الطوسي وكتاب ابن داود قد تكفل بأكثر المهم من ذلك. لكن ينبغي للماهر تدبرما ذكروه فلعله يظفر بكثير مما أهملوه أو يطلع على توجيه قد أغفلوه، خصوصا " مع تعارض الجرح والمدح، فلا ينبغي لمن قدر على التمييز التقليد بل ينفق مما آتاه الله، فلكل مجتهد نصيب. (فصل) ولقد مات النبي صلى الله عليه وآله عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي، وآخرهم موتا " أبو الطفيل مات سنة مائة، وآخرهم قبله انس بن مالك. وقد جازف أهل السنة كل المجازفة بل وصلوا الى حد المخارفة، فحكموا بعدالة كل الصحابة، من لا بس منهم الفتن ومن لم يلابس، وقد كان فيهم المقهورون على الاسلام والداخلون على غير بصيرة والشكاك، كما وقع من فلتات ألسنتهم كثيرا ". بل كان فيهم المنافقون كما أخبر به الباري جل ثناؤه وكان فيهم شاربوا الخمر وقاتلوا النفس وفاعلوا الفسق والمناكر، كما نقلوه عنهم. ومنا نقلنا نحن بعضه فيما سبق من صحاحهم من الاحاديث المتكثرة المتواترة المعنى يدل على ارتدادهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فضلا عن فسقهم. وزاد بعضهم في المجازفة والمخارفة فحكم بأنهم كلهم كانوا مجتهدين.

[ 163 ]

وهذا يقطع من له أدنى عقل بفساده، لانه كان فيهم الاعراب ومن أسلم قبل موت النبي (ص) بيسير والاميون الذين يجهلون اكثر قواعد الاحكام وشرائع الدين فضلا عن الخوض فيه بالاستدلال. كيف والاجتهاد ملكة لا تحصل الا بعد فحص كثير وممارسة تامة بغير خلاف. وامكان حصول النفحة والاجتهاد لهم دفعة لا نمنعه، الا أنه لا يقتضي الحكم بذلك، لانه خلاف العلم العادي والذي ألجأهم الى هذا القول البارد السمج مع العصبية ما قد تحققوه من وقع الاختلاف والفتن بينهم وانه كان يفسق ويكفر بعضهم بعضا " ويضرب بعضهم رقاب بعض، فحاولوا أن يجعلوا لهم طريقا " الى التخلص. كماجوزوا الايتمام بكل بروفاجر ليروجوا أمر الفساق الجهال من خلفائهم وائمتهم. (فصل) وقد وجه أهل السنة الطعن الينا ببغض كل الصحابة وسبهم، وهذا جهل منهم أو تجاهل، لان بغضهم وسبهم جميعا " لا يرضى به على وجه الارض مسلم وانما هم عندنا على ثلاثة أقسام: معلوم العدالة، ومعلوم الفسق، ومجهول الحال. أما معلوم العدالة: فكسلمان والمقداد ممن لم يحل عن أهل البيت طرفة عين، أو أنه حال أو شك ثم رجع لما تبين له الحق. فنحن نتقرب الى الله تعالى بحبهم ونسأل الله أن يجعلنا معهم في الدنيا والاخرة. وكتب الرجال التي عددناها مملوءة مشحونة بتعديل الجم الغفير منهم والثناء عليهم بحيث لا يستطاع

[ 164 ]

انكاره ولا يخفى على ذي بصر. وأما معلوم الفسق أو الكفر: فكمن حال عن أهل البيت ونصب لهم الغض والعداوة والحرب. فهذا يدل على أنه لم يكن آمن وكان منافقا "، أو أنه ارتد بعد موت النبي (ص) كما جاء في الاخبار الصحيحة عندهم، لان من يجب النبي لا يبغض ولا يحارب أهل بيته الذين اكد الله ورسوله كل التأكيد في مدحهم والوصية والتمسك بهم. وفيما نقلناه فيما تقدم عن بعضهم من صحهاحهم كفاية. وهؤلاء نتقرب الى الله تعالى والى رسوله ببغضهم وسبهم وبغض من أحبهم. وأما مجهول الحال: فكأكثر الصحابة الذين لا نعلم خافو الله تعالى ورغبوا في ثوابه فتمسكوا بأهل بيته الذين أمر الله ورسوله بالتمسك بهم أم انحرفوا عنهم وتمسكوا بأعدائهم اتباعا " لهوى أنفسهم ورغبة في زينة الحياة الدنيا وزهدا " في الله وثوابه. فهؤلاء نكل أمرهم الى الله فهو أعلم بهم ولا نسبهم ونشتغل عن الخوض في شأنهم بما هو أهم. وأما ما ورد عندنا وعندهم من الاخبار الدالة على ارتداد كل الصحابة أو ارتدادهم بقول مطلق فانه يجب حملها على المبالغة، لان الذين ثبتوا على الاستقامة بعد الرسول كانوا قليلين، وكثير منهم رجع الى الحق بعد أن عاند أو تزلزل. ولو خفي منهم شئ لم يخف من كان مع علي عليه السلام في حرب الجمل وحرب صفين من الانصار والمهاجرين، فلقد كانوا ألوفا " متعددة، بل كانوا أعاظم عسكره ممن لم يحولوا عنه أو رجعوا إليه ممن حضر قتل عثمان أو ألب عليه أو رضي به، وكثير منهم قتلوا بين يديه حبا " له والا ظهار الدين وقدموا

[ 165 ]

على الله تعالى شهداء مرملين (1) بدمائهم لاجل اعلاء كلمة الحق من أيدي المنافقين والكفار من أعدائه. فكيف يجترئ من يؤمن بالله واليوم الاخر ويحب الله ورسوله أن يسب كل الصحابة، هذا مما لا يتوهمه عاقل في شأن مسلم. وبهذا يحصل الجمع بين ما جاء في الكتاب العزيز من مدح الصحابة في قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) (2) الاية، وبين ما جاء من النصوص عندنا وعندهم على ارتداد الصحابة وذمهم. والله ولي التوفيق. تتمة: وأما فضل خلص أصحاب الرسول (ص) بعضهم على بعض وفضل خلص أصحاب الائمة (ع) وفضل خلص أصحاب الرسول على خلص أصحاب الائمة فمما لم يقم على شئ منه دليل واضح وان كان قد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أحاديث في فضل اشخاص بخصوصهم من أصحابه وورد عن الائمة عليهم السلام أحاديث في فضل أشخاص من أصحابهم في أنفسهم وعلى غيرهم. الا أن اكثر الاحاديث قد تعارض بمثلها، وليس للبحث في تعيين ذلك كثير فائدة. ونحن نعلم أن التفاضل بينهم انما كان بحسب التقى والاعمال الصالحة، لقوله تعالى (لتعارفوا ان اكرمكم عند الله أتقاكم) (3). وكذا الكلام فيمن كان من


1. رمل الثوب: لطخه بالدم. 2. سورة الفتح: 29. 3. سورة الحجرات: 13.

[ 166 ]

الصحابة على الفسق أو الكفر بنفاق أو محاربة أمير المؤمنين أو من أصحاب الائمة عليهم السلام فاسقا " أو كافرا " بغلو أو تجسم أو شبههما، فان تفاوت مراتبهم في ذلك لا يعلمه الا الله تعالى. (اصل) أذكر فيه سبب اختلاف الاحاديث بين أهل السنة فقط، وبيننا وبينهم، وبيننا فقط. فان العامة أيضا " لم يتعرضوا الذكره مع أنه أمرهم وقد وقع بعد موت النبي صلى الله على وآله بغير فصل. وترتب هذا الاختلاف اختلاف فتاوى العلماء وآرائهم، وائمتنا عليهم السلام كشفوا القناع عن ذلك وبينوه بما لا مزيد عليه. فأنا أذكر بعضا " مما وصل الي في ذلك عنهم عليهم السلام، فان فيه مقنعا ". فقد رويت بأسانيدي المتصلة الى محمد بن يعقوب رحمه الله تعالى عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن ابراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن ابى عياش عن سليم بن قيس الهلالي قال: قلت لامير المؤمنين عليه السلام: اني سمعت من سلمان وابى ذر والمقداد شيئا " من تفسير القرآن وأحاديث عن نبى الله صلى الله عليه وآله غير ما في أيدي الناس ثم سمعت منك تصديق ما سمعته منك، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الاحاديث عن نبى الله صلى الله عليه وآله أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى يكذبون على رسول الله متعمدين ويفسرون القرآن بأرائهم ؟ قال: فأقبل علي وقال: قد سألت فافهم الجواب، ان في أيدى الناس حقا " وباطلا وصدقا " وكذبا " وناسخا " ومنسوخا " وعاما " وخاصا " ومحكما " ومتشابها " وحفظا "

[ 167 ]

ووهما "، وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله في عهده (1) حتى قام خطيبا " فقال: أيها الناس قد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمدا " فليتبوأ مقعده من النار. ثم كذب عليه من بعده. وانما اتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الايمان متصنع بالاسلام لا ينأثم (2) ولا يحترج أن يكذب على رسول الله (ص) متعمدا "، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله ورآه وسمع منه، فأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبر الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال عزوجل (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم) (3)، ثم بقوابعده فتقربوا الى أئمة الضلالة والدعاة الى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الاعمال وحملوهم على رقاب الناس واكلوا بهم الدنيا، وانما الناس مع الملوك والدنيا الامن عصمه الله. فهذا أحد الاربعة. ورجل سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا " لم يحفظه على وجهه ووهم فيه ولم يتعمد كذبا "، فهو في يده يعول به ويعمل به ويرويه ويقول أنا سمعته من رسول الله، فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه ولو علم هو أنه وهم لرفضه. ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا " ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو يسمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ


1. في المصدر (على عهده). 2. أي لا يكف نفسه عن موجب الاثم، أو لا يعد نفسه آثما " بالكذب على الرسول. وكذا (لا يتحرج) من الحرج بمعنى الضيق، أي لا يضيق صدره بالكذب. 3. سورة المنافقون: 4.

[ 168 ]

الناسخ ولو علم أنه لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه انه منسوخ لرفضوه. ورجل آخر رابع لم يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، يبغض الكذب خوفا " من الله تعالى وتعظيما " لرسوله، لم يسه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه وعلم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فان أمر النبي (ص) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله (ص) كلام له وجهان وكلام عام وكلام خاص مثل القرآن. وقال الله عزوجل في كتابه (ما آتاكم الرسول فخذوه ومانها كم عنه فانتهوا) (1)، فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله. وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسأله عن الشئ فيفهم وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى أن كانوا يحبون أن يجئ الاعرابي والطارئ فيسأل رسول الله حتى يسمعوا (2). ويدخل في قوله عليه السلام (سمع شيئا " ولم يحفظه على وجهه) مع قوله (ان في الحديث عاما " وخاصا ") ما كان عاما " مقصورا " على سببه وما كان حكما " في قضية مخصوصة فيروى على وجه يعم حكمه أو يتعدى. وروينا بطرقنا عنه عن عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن ابى ايوب الخزاز عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله صلى الله عليه


1. سورة الحشر: 7. 2. الكافي 1 / 63.

[ 169 ]

وآله لا يتهمون بالكذب فيجى ء منكم خلافه ؟ قال: ان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن (1). ونحو ذلك من الاحاديث. فهذا هو السر في اختلاف الاحاديث بين العامة وبيننا وبينهم أيضا ". لان ائمتنا عليهم السلام لم يروونا الا الحق مما قد اختلف فيه الصحابة. فخالف بعض أحاديثنا كل ما روي عنهم على غير وجهه. وأما سبب اختلاف الحديث فيما بيننا فقط، فبعضه قد يكون بعضا " مما سبق فانه كان ممن يسمي نفسه باسم الشيعة قوم غلاة ومبتدعة وفسقة، كما كان في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله المنافقون والمرتدون والفسقة كما بينه أصحابنا في كتب الرجال، فربما دسوا في أحاديثنا شيئا " مما يوافق آراءهم مما لا أصل له. وكذا كان فيهم من وهم ولم يحفظ الحديث فأداه على غير وجهه ولم يتعمد الكذب. ثم ينضاف الى ذلك من أسباب الاختلاف عندنا ماكان يخرج عن ائمتنا عليهم السلام على وجه التقية، كما اشتهر بل تواتر النقل عنهم (ع) بأنهم كانوا ربما يجيبون السائل على وفق معتقده أو معتقده بعض الحاضرين أو بعض من عساه يصل إليه الحديث من أعدائهم المناوئين (2). فقد روينا بأسانيدنا الى محمد بن يعقوب وعلي بن محمد عن سهل بن زياد عن ابن محبوب عن علي بن رئاب عن ابى عبيدة عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال لي: يا زياد ما تقول لو أفتينا رجلا ممن يتولانا بشئ من التقية ؟ قال: قلت له: أنت أعلم جعلت فداك. قال: ان أخذ به فهو خير له أو أعظم أجرا ".


1. الكافي 1 / 64. 2. نأواه: عاداه، وأصله من النوء وهو النهوض.

[ 170 ]

وفي رواية أخرى: ان أخذ به أوجر وان تركه والله أثم (1). وروينا عنه عن احمد بن ادريس عن محمد بن عبد الجبار عن الحسن بن علي عن ثعلبة بن ميمون عن زرارة بن أعين عن ابى جعفر عليه السلام قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاءه آخر فأجابه بخلاف ما أجابنى وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد بغير ما أجبت به صاحبه. فقال: يا زرارة ان هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان اقل لبقائنا وبقائكم. قال: ثم قلت لابي عبد الله عليه السلام: شيعتكم لو حملتموهم على الاسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين. قال: فأجابني مثل جواب أبيه (2). ومثل ذلك ما ورد عنهم عليهم السلام كثير، وهو مما لا شبهة فيه بين شيعتهم. وإذا تبينت ذلك اندفع به ما ربما يورده علينا بعض أهل السنة، فيقول: إذا كان أخذكم دينكم ومعالم شرائعكم عن ائمتكم المعصومين كما تزعمون، فمن أين وقع الاختلاف بين علمائكم وفي أحاديثكم، فنقول: أما الاختلاف في الاحاديث فقد عرفت سببه وأنه لا خصوصية لنا به، إذ وقع الاختلاف كذلك في الاحاديث المأخوذة عمن لا ينطق عن الهوى عندنا وعندكم، مع أن زمن ائمتنا عليهم السلام كان أطول بكثير من الزمان الذي


1. الكافي 1 / 65. 2. الكافي 1 / 65.

[ 171 ]

انتشر فيه الاسلام ووقع فيه النقل عن النبي صلى الله عليه وآله، وكان الرواة عن ائمتنا (ع) اكثر عددا " وانتشارا " في الارض واختلافا " في الاراء والاهواء فوقوع الاختلاف في أحاديثهم أولى. وأما اختلاف علمائنا في التعريفات التي لم يرد فيها نص بخصوصها فسببه اختلاف أنظارهم في مبادئها ومآخذها كما هو بين علمائكم أيضا "، بل بين كل الطوائف من أصحاب الملل والنحل. (اصل) ومن أعظم المهمات عند الفقهاء والمحدثين من كل الطوائف معرفة مختلف الحديث ومعرفة ما يترتب على الاختلاف، وإذا وردت مختلفة في الحكم فلا تخرج عن أقسام ثلاثة: (الاول) أن يقع التعادل والتضاد فيها من كل وجه. وهو قليل الوقوع، حتى منع من وقوعه بعض المخالفين. وليس بشئ. وحكمه عندنا وعند اكثر العامة التخيير، وقال بعض الفقهاء يتساقطان ويرجع الى مقتضى العقل. والصحيح الاول. وقد جاء في بعض أحاديثنا عن الصادق عليه السلام أنه قال: بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك (1). الا أنا روينا عن محمد بن يعقوب رحمه الله عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن عثمان بن عيسى والحسن بن محبوب جميعا " عن سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحمدهما بأمر يأخذه والاخر ينهاه عنه كيف يصنع ؟ قال: يرجئه


1. الكافي 1 / 66.

[ 172 ]

حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه (1). وسيأتي نحو هذا في حديث عمر بن حنظلة. وقد استفاض النقل عن النبي والائمة عليهم السلام بالامر بالتوقف عند الاشتباه، وهذا منه ولكن عمل أصحابنا وجماهير العلماء على الاول، وهو التخيير. ولعل مثل هذين الحديثين ونحوهما محمول على ما لا يضطر إليه الانسان بدليل (أرجئه)، فيكون ورودهما على سبيل الاولوية والاحوطية، أو يكون ذلك وما ورد فيه الامر بالتوقف محمولا على المبالغة والتأكيد في التثبت وكثرة الفحص عن المرجحات، أو يكون الامر بالتوقف عند الاشتباه محمولا على من ليس له درجة الاستنباط والاستدلال، أو على من يمكنه الترجيح ولم يبحث فيه، أو نحو ذلك. واعلم أن التضاد لا يجوز أن يقع في خبرين متواترين قطعا " لامتناع اجتماع النقيضين كما لا يقع بين دليلين قطعيين، ولا يكون بين متواتر وآحاد لوجوب العمل بالمتواتر. (القسم الثاني) أن يمكن الجمع بوجه، أما بأن يعمل بأحدهما عى الاطلاق وبالاخر على وجه دون وجه، أو بأن يعمل كل منهما من وجه دون آخر. وذلك كما جاء في قوله عليه السلام: ألا أنبئكم بخير الشهود ؟ قيل: نعم يا رسول الله. قال: أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد (2). وقوله عليه السلام: يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد (3).


1. الكافي 1 / 41. 2. سنن ابن ماجة 2 / 792 وفيه (خير الشهود من أدى شهادته قبل أن يسألها). 3. سنن ابن ماجة 2 / 792، سنن الترمذي 4 / 465، 549.

[ 173 ]

فيعمل بالاول في حقوقه تعالى وفي الثاني في حقوق العباد، فإذا أمكن مثل ذلك لم يجز طرح أحدهما مع صحته. وكذا لو كان لاحدهما وجه من التأويل وجب تأويله والعمل بالاخر، سيما إذا عضد التأويل دليل أو حديث آخر. وانما يكمل للجمع العلماء الجامعون بين الحديث والفقه والاصول الاذكياء الغواصون على المعاني. وأحسن ما صنف فيه عندنا كتاب الاستبصار، فانه لم يشذ عنه الا القليل. ومن تبصر في مطالعته لم يكد يخفى عنه وجه الجمع بين حديثين وان كان الشيخ رحمه الله أتى فيه بأشياء يمكن الجمع بالحمل منهما وبأشياء غير مرضية، لكنه سباق الغاية في ذلك وانما يمشي الماشي بعده على أثره ويستضئ بنوره. وقد ألف الشافعي للعامة فيه شيئا " لم يستوف ما هناك ولكنه نبههم على الطريق، وصنف لهم بعده ابن قتيبة فأتى بأشياء مرضية وغير مرضية. (القسم الثالث) أن يترجح أحدهما على الاخر بوجه من التراجيح المقررة في الاصول الراجعة الى سنده أو متنه أو زمانه أو حكمه أو نحو ذلك. وقد كفانا الاصوليون البحث عن وجوهه. وأما حقيقته فهو عبارة عن النظر والفحص عما يتقوى به كل واحد منهما ثم الموازنة بين المرجحات والحكم لما كان مرجحاته اكثر وأقوى. وهذه لجة عميقة بل مجر متسع لا يكاد يدرك قراره. وكثير من الاختلاف حصل باختلاف أنظار الفقهاء في ذلك، حيث أن بعضهم قد يتفطن لمرجحات لم يتفطن لها الاخر، أو يترجح في نفسه قوة مرجح على آخر ويترجح العكس عند آخر، أو نحو ذلك.

[ 174 ]

واعلم أن المحققين من العلماء على وجوب الفحص في الترجيح على المجتهد ليعمل بالراجح، بل كاد يكون اجماعا ". ومنع بعض المخالفين منه ليس بذي وجه، لان العرف والعقل والشرع يقتضي وجوب العمل بالراجح: أما العرف: فظاهر، لان من تتبع العمل بالاوهام وترك الامور الراجحة عد سفيها ". وأما العقل: فلانه يمنع من العمل بالمرجوح مع وجود الراجح ويحكم على فاعله أيضا " بالسفه. وأما الشرع: فلا يخفى فيه وجوب العمل بالظن الغالب في اكثر موارده من لدن نبينا صلى الله عليه وآله الى يومنا هذا. وأما ما جاء في القرآن من النهي عن اتباع الظن فالمراد به الوهم، لانه يطلق على اسم الظن لغة اما حقيقة واما مجازا "، أو المراد فيما الغرض فيه العلم من العقائد كما هو الظاهر، لان الايات وردت في حق الكفار، لانه كانوا يتركون الامور الجليلة ويتبعون الاوهام والامكانات التي توافق أهواء أنفسهم. وأحاديثنا شاهدة بوجوب الترجيح والعمل بالراجع، ومقبولة عمر بن حنظلة ترشد أيضا " الى ذلك والى فوائد اخرى، فلنوردها لكثرة نفعها: رويت بأسانيدنا المتصلة الى محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان والى القضاة أيحل ذلك ؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فانما تحاكم الى الطاغوت وما

[ 175 ]

يحكم له فانما يأخذه سحتا " وان كان حقا " ثابتا " له، لانه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفروا به، قال الله عزوجل (يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) (1). قلت: كيف يصنعان ؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما " فانني قد جعلته عليكم حاكما "، فإذا حكم بحكمه فلم يقبله منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهما على حد الشرك بالله. قلت: فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكون الناطرين في حقهما فاختلفا فيما حكما وكلاهما اختلف في حديثكم ؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت الى ما يحكم به الاخر. قال: قلت: فانهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه ؟ ؟ قال: فقال: ينظر الى ما كان من رواياتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك، فان المجمع عليه لا ريب فيه. وانما الامور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه الى الله ورسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فان كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ؟


1. سورة النساء: 60.

[ 176 ]

قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة. قلت: جعلت فداك أرأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة. ووجدنا أحد الخبرين موافقا " للعامة والاخر مخالفا " لهم بأي الخبرين يؤخذ ؟ قال: ما يخالف العامة فقيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك فان وافقهما الخبران جميعا " ؟ قال: ينظر الى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالاخر. قلت: فان وافق حكامه الخبرين جميعا " ؟. قال: إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات (1). فهذا الحديث وأمثاله تضمن وجوب الترجيح في المفتي والحديث ووجوب العمل بالراجح كما لا يخفى. (اصل) (في معرفة الاعتبار بالمتابعات والشواهد) وهو عبارة عن النظر في الحديث هل تفرد به راويه أم لا وهو (اعتبار المتابعة)، وهل جاء في الاحاديث ما يوافقه معنى أم لا وهو (اعتبار الشاهد). وهو نوع من أنواع الترجيح لم يبحث عنه الاصوليون وجرت عادة أصحاب الحديث بالبحث عنه. وهو أمرهم يتعرف به الفقهاء والمحدثون أحوال الحديث وبكثر بحثهم


1. الكافي 1 / 67.

[ 177 ]

واعتناؤهم به. مثال الاول أن يروي علي بن ابراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن ابى نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس حدثنا عن ابى جعفر عليه السلام. فيعتبر الناظر هل روى هذا الحديث ثقة آخر غير علي عن أبيه، فان لم يوجد فثقة غير أبيه عن عبد الرحمن، فان لم يوجد فثقة غير عبد الرحمن عن عاصم، فان لم يوجد فثقة غير عاصم عن محمد بن قيس، فان لم يوجد فثقة غير محمد عن ابى جعفر عليه السلام. فأي ذلك وجد كان متابعة وازداد الحديث به قوة واعتبارا "، لان ذلك يثير الظن أن له أصلا يرجع إليه. والمتابعة التامة أن يرويه غير علي عن أبيه وغير أبيه عن عبد الرحمن - الى آخر سند. وإذا رواه غير أبيه أو غير عبد الرحمن أو غير عاصم أو غير محمد سمي كل واحد من هذه الكيفيات (متابعة ناقصة) تقصر عن الاولى بقدرها بعدها عنها. وقد يطلق على المتابعة - تامة أو ناقصة - اسم الشاهد أيضا ". ومثال الشاهد أن يروي غير هؤلاء حديثا " آخر عن ابى جعفر عليه السلام أو غيره من المعصومين بمعناه، ولا يسمى هذا متابعة. وإذا قالوا (هذا مما تفرد به فلان) كان ذلك مشعرا " بانتفاء المتابعات، وإذا انتفت مع الشواهد أيضا " تمحض فردا ". وحينئذ ان كان مخالفا " لرواية من هو أحفظ منه كان ضعيفا " ويسمى (شاذا) و (منكرا ")، وان كان غير مخالف والراوي عدل ضابط كان (صحيحا ")، وان قصر عن ذلك وكان ممدوحا " كان (حسنا ")، والا كان أيضا " شاذا " منكرا " مردودا ".

[ 178 ]

ويدخل في المتابعات والشواهد رواية الضعفاء، لانها لا اعتماد عليها بل على ما جاءت هي شاهدا " أو متابعة له. ويختلف ذلك في القوة والضعف بحسب اختلاف الرواة. والله الموفق. اصول اربعة (الاول) الخبر يتأيد بدليل العقل، أي ما اقتضاه. كأن يحكم العقل بأن الاشياء قبل ورود الشرع على الاباحة والحظر فيجئ الخبر موافقا " لذلك، فيتأيد كل منهما بصاحبه، ويكون حينئذ دليل العقل مؤيدا " لهذا الخبر إذا عارضه مثله. وبعضهم يرجح الخبر المخالف لدليل العقل، لانه مؤسس لحكم شرعي. وفيه بحث، وتوقف الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى. (الثاني) إذا كان أحد الخبرين مرويا " بلفظه والاخر بمعناه، رجح بعضهم المروي باللفظ على المروي بالمعنى مطلقا ". وقال بعضهم: إذا كان كلاهما فظنا " ضابطا " عارفا " بمفهوم اللفظ ومنطوقه وما يحيل معناه فلا ترجيح بذلك، إذ قد أبيح له الرواية باللفظ والمعنى معا ". وان لم يكن الفراوي بالمعنى كذلك رجح المروي باللفظ. (الثالث) رجح اكثر العلماء المسند على المرسل، وبعضهم عكس وقال ان المرسل لم يرسل روايه الا بعد جزمه بصحته، بخلاف المسند فان راويه قد لا يجزم بصحته ويحيل أمره على سنده، والاول أقوى. نعم ان كان مرسله لا يروي الا عن ثقة فلا ترجيح، ولهذا سوى أصحابنا بين ما يرسله محمد بن ابى عمير وصفوان بن يحيى والبزنطي وبين ما يسنده غيرهم.

[ 179 ]

(الرابع) لا شبهة عندنا في تقديم الصحيح على الحسن والموثق عند التعارض إذا لم يمكن تأويلهما، وأما إذا أمكن تأويلهما أو حملهما على بعض الوجوه، فانه يجب عند من يعمل بهما ويرجح ذلك على طرحهما بالكلية. بل قد رأينا للشيخ الطوسي رحمه الله في مواضع متعددة يؤل الصحيح ويعمل بالحسن أو الموثق عند التعارض، لنوع من الاخبار أو مساعدة بعض الادلة. وأما إذا لم يعارضهما صحيح فقد قبلهما جماعة من علمائنا واحتجوا بهما كالشيخ ومن نهج نهجه، سيما إذا عضد أحدهما رواية أخرى أو دليل آخر: أما الحسن فلانه يثير ظنا " راجحا " قريبا " مما يثيره الصحيح، بل بعضه لا يكاد يقصر عنه، كما يرويه ابراهيم بن هاشم ونحوه. وأما الموثق فلان نقل المذهب قد يعلم بالفساق فضلا عن الموثقين، كما يعلم من مذهب الشافعي كذا وان لم ينقله عنه عدل، لقول الصادق عليه السلام: إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما يروى عنا فانظروا الى ما رووه عن علي عليه السلام فاعملوا به. وقد عملت الطائفة بأخبار الفطحية مثل عبد الله بن بكير، والواقفية مثل سماعة وعلي بن ابى حمزة وعثمان بن عيسى وبني فضال والطاطر بين وغيرهم فيما لم يكن عندهم فيه خلافه. وقد يحتج للعمل به وبالحسن: ان المانع من العمل بخبر الفاسق فسقه للاية فإذا لم يعلم الفسق لم يجب التثبت كما في الخبر المجهول، فكيف الموثق أو الممدوح. وبهذا احتج من قبل المراسيل.

[ 180 ]

وأجيب: بأن الفسق لما كان علة لتثبت وجب العلم بنفيه حتى يعلم وجوب انتفاء التثبت، فيجب الفحص. وفيه نظر، لان الاصل عدم وجود المانع في المسلم، ولان المجهول لا يمكن الحكم بفسقه والمراد في الاية الفاسق. وقال بعض العامة: لا يحتج برواية المبتدع مطلقا ". وقال الشافعي: يقبل ان لم يكن يستحل الكذب لنصر مذهبه. وقيل: يقبل ان لم يكن داعية الى مذهبه وبدعته. وهو الاظهر عندهم وقول الاكثر، ولهذا احتج صاحبا الصحيحين وغيرهما من أئمة الحديث عندهم بكثير من المبتدعة غير الدعاة. أما من كفر ببدعة فلا تقبل روايته اجماعا " منا ومنهم، كالغلاة والمجسمة وشبههما. وأما ترجيح الحسن عند على الموثق أو بالعكس أو التساوي مما لم يحضرني لاصحابنا فيه مقال، وللنظر فيه مجال. (اصل) إذا جاء الحديث بخلاف الدليل القاطع من الكتاب أو السنة أو الاجماع ولم يمكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه، وجب طرحه من أي الانواع كان، لان هذه الادلة تفيد العلم والخبر لا يفيده. وعلى هذا وقع الاجماع واستفاض النقل. فقد روينا عن محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه

[ 181 ]

وآله: ان على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا "، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه (1). وروينا بطرقنا عنه عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن ابى عمير عن هشام بن الحكم وغيره عن ابى عبد الله عليه السلام قال: خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى فقال: أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله (2). وروينا عنه عن عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن النظر بن سويد عن يحيى الحلبي عن ايوب بن الحر قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: كل شئ مردود الى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف (3). وروينا عنه عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن ابى يعفور. قال: وحدثني حسين بن ابى العلاء أنه حضر ابن ابى يعفور في هذا المجلس قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن اختلاف الحديث يرويه من يثق به ومنهم من لا يثق به. قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا " من كتاب الله عزوجل أو من قول رسول الله (ص) والا فالذي جاءكم به أولى به (4). ونحو ذلك من الاحاديث وهو كثير. وإذا ورد الخبر مخالفا " لهذه الادلة المذكورة لم يمكننا القطع بكذبه في


1. الكافي 1 / 69. 2. الكافي 1 / 69. 3. الكافي 1 / 69. 4. الكافي 1 / 69.

[ 182 ]

نفسه. بل قد يجوز كونه صحيحا " إذا أمكن أن يكون له وجه من التأويل، أو يكون قد خرج على سبب خفي أو واقعة بعينها أو خرج مخرج التقية، وانما يجب علينا الامتناع من العمل به. فروع: (الاول) قد يعلم كون الخبر صدقا " إذا كانت الامة قد أجمعت على العمل بمقتضاه وعلم أنهم لا دليل لهم على ذلك الا هذا الخبر. أما إذا وافق الخبر الاجماع وجوزنا كون اجماعهم لدليل آخر فانه لا يقطع بصدقه، وكذا إذا وافق الخبر نص الكتاب العزيز أو السنة المتواترة. (الثاني) الخبر الذي يكون من قبيل ما يعمل به إذا احتمل وجوها " كثيرة ولم يقم دليل على ارادة أحدهم بخصوصه وجب التوقف فيه، ولا يقطع أيضا " أنه أريد به الجمع الا بدليل. ومتى كان الخبر خاصا " أو عاما " وجب حمله على ما يقتضيه ظاهره، الا أن يقوم دليل على أنه أريد به خلاف ظاهره فيصار إليه. (الثالث) إذا كان الخبر يوافق أحد القولين للعلماء ولم نجد حديثا " يوافق القول الاخر وجب علينا العمل بالقول الموافق للخبر وطرح القول الاخر، لان مأخذه في الظاهر لا يكون الا اجتهادا "، وهو مردود لمخالفته النص، أو قياسا " أو استحسانا " ونحن لا نقول بهما. ولا يضرنا امكان كون القول الاخر موافقا " لحديث لم يصل الينا، لان الاصل عدم ذلك.

[ 183 ]

(اصل) وقد تواتر النقل عندنا عن علي عليه السلام وعن الائمة المعصومين من أبنائه وعن كبراء الصحابة بطلان القياس وذم متداوليه والتشنيع عليهم، ونحن لا نطول كتابنا هذا بنقل ذلك، إذا قد أجمع على بطلانه أصحابنا، بل قد صار بطلانه من ضروريات دين أهل البيت عليهم السلام. فجميع الاحكام يجب ردها الى السنة والكتاب والاجماع ودليل العقل. وقد حكم العقل واستفاض النقل أن الكتاب والسنة لم يشذ عنهما شئ من أحكام الشرائع وما يحتاج الناس إليه أصلا، بل في بعضها ان الكتاب العزيز وحده تضمن جميع ذلك ولكن لا تبلغه عقولنا. فقد روينا بطرقنا عن محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن عن سماعة بن مهران عن ابى الحسن موسى عليه السلام قال: قلت أصلحت الله انا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فما يرد علينا شئ الا وعندنا شئ مسطر وذلك مما أنعم الله تعالى به علينا بكم، ثم يرد علينا الشئ الصغير ليس عندنا فيه شئ فينظر بعضنا الى بعض وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه. فقال: ما لكم والقياس، انما هلك من هلك من قبلكم بالقياس. ثم قال: إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به وان جاءكم مالا تعلمون فها - وأهوى بيده الى فيه. ثم قال: لعن الله أبا حنيفة كان يقول: قال علي وقلت وقالت الصحابة وقلت. ثم قال: اكنت تجلس إليه ؟ ققلت: لا ولكن هذا كلامه. فقلت: أصلحك الله أتى رسول الله صلى الله عليه وآله الناس بما يكتفون به في عهده ؟ فقال: نعم وما يحتاجون إليه الى يوم القيامة. فقلت: فضاع من ذلك شئ ؟ فقال: لا هو عند أهله (1).


1. الكافي 1 / 57.

[ 184 ]

وروينا بالطريق المتقدم عن يونس عن أبان عن ابى شيبة قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ضل (1) علم ابن شبرمة عند الجامعة املاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده، ان الجامعة لم تدع لاحد كلاما "، فيها علم الحلال والحرام، وان أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحق الا بعدا "، ان دين الله لا يصاب بالقياس (2). وروينا بالطريق المذكور عن يونس بن عبد الرحمن عن حسين بن المنذر عن عمرو بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: ان الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا " يحتاج إليه الامة الا أنزله في كتابه وبينه لنبيه وجعل لكل شئ حدا " وجعل عليه دليلا يدل عليه، وجعل على من تعدى ذلك الحد حدا " (3). وروينا بالطريق المتقدم أيضا " عن يونس عن حماد عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من شئ الا وفيه كتاب أو سنة (4). وروينا عن محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد ابن خالد عن اسماعيل بن مهران عن سيف بن عميرة عن ابى المعزا عن سماعة عن ابى الحسن موسى عليه السلام قال: قلت له: أكل شئ في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون فيه ؟ قال: بل كل شئ في كتاب الله وسنة نبيه (5).


1. في الوافى: أي ضاع وبطل واضمحل علمه في جنب كتاب الجامعة الذى لم يدع لاحد كلاما " - انتهى. 2. الكافي 1 / 57. 3. الكافي 1 / 59. 4. الكافي 1 / 59. 5. الكافي 1 / 59.

[ 185 ]

وروينا عنه عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن ابن فضال عن ثعلبة بن ميمون عمن حدثه عن المعلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من أمر يختلف فيه اثنان الاوله أصل في كتاب الله عزوجل، ولكن لا تبلغه عقول الرجال (1). وأمثال ذلك كثير وفيما نقلناه مقنع انشاء الله تعالى. تتمة: العموم في الكتاب والسنة المتواترة والاحاديث الصحيحة يجب اجراؤه في كل فرد داخل تحت العموم، إذ قد أمر أمير المؤمنين عليه السلام بتصيير كل فرع الى أصله من الكتاب والسنة. وأيضا " لما كان القياس والاستحسان عندنا باطلين وكان ما وصل الينا من النصوص متناهيا " وكانت الحوادث غير متناهية - لانها تجدد على مرور الازمان لزم رد الفروع الى أصولها. نعم يخص العموم فيهما بأدلة العقل والكتاب العزيز والسنة المتواترة وغيرها عند كثير لئلا تتناقض الادلة. (اصل) وإذا صح الحديث ولم يعارضه أقوى منه أو مساو ولم تعرف فتاوى الاصحاب بخلافه وجب العمل به عند قاطبة متأخري أصحابنا، سواء تضمن الوجوب أو التحريم أو الاباحة أو الندب أو الكراهية.


1. الكافي 1 / 60.

[ 186 ]

وانما قلنا (ولم يعارضه أقوى منه) ليخرج ما جاء مخالفا " للكتاب العزيز أو السنة المتواترة أو قام الدليل القاطع على خلافه، كما يتضمن تكليف ما لا يطاق أو تحسين ما قطع العقل بقبحه أو بالعكس. لا مثل البراءة الاصلية، لانها ليست دليلا قاطعا "، لان العقل يجوز مجئ التكليف بخلافتها. وانما قلنا (بوجوب العمل به) لانه يثمر ظنا " راجحا " بلا مرية، والعمل بالمرجوح ممتنع عقلا. ولان المعروف من شأن الصحابة والتابعين وأصحاب الائمة عليهم السلام ومن بعدهم العمل به: يعلم ذلك علما " ضروريا " لمن تتبع آثارهم وسيرهم بحيث لا يرتاب فيه، فان نازع بعد ذلك منازع فهو مكابر. والسيد المرتضى رحمه الله تعالى وجماعة من كبار علمائنا منعوا من العمل به، محتجين بعدم الدليل الدال على وجوب العمل به. وإذا لم يقم دليل على وجوب العمل لم يعمل به، كما أنه لم يقم دليل على وجوب صلاة سادسة. قالوا: وما نقلتموه من أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يعملون بأخبار الاحاد، فهي أيضا " أخبار آحاد لا تفيد علما "، والعمل بخبر الواحد مسألة أصولية ولا يجوز أن يكون مستندها ظنا "، فكيف تعلمون أن الله تعبدكم بالعمل بخبر الواحد. وبعد تسليم صدق هذه الاحاديث انما علم لكم أن الصحابة عملوا عندها لابها، فجاز أن يكونوا تذاكروا بها نصا " أو تأيد بها عندهم دليل آخر، فتاسوي حاصل والشك والتوقف فرض من فقد الدليل القاطع. والاقوى الاول، وفيما ذكرناه سابقا " مقنع. وما ذكره رحمه الله كالمغالطة على المعلوم، والادلة من الجانبين مستوفاة في الاصول.

[ 187 ]

(اصل) (في من تقبل رواية) أجمع جماهير الفقهاء والمحدثين على اشتراط كونه مسلما " بالغا " وقت الاداء دون وقت التحمل، فيقبل روايته ما تحمله كافرا " أو صغيرا ". وكذا يشترط كونه: عاقلا عدلا، أي سليما " من الفسق وخوارم المروة. ضابطا "، أي متيقظا " ان حدث من حفظه، ضابطا " لكتابه ان حدث منه. عالما " بما يحيل المعنى ان روى به. سالما " من الشك وقت التحمل والاداء. ولا يشترط الذكورة ولا الحرية ولا البصر ولا فقهه، لان المقصود الرواية لا الدراية، ولا عربيته ولا العدد. المشهور بين أصحابنا اشتراط ايمانه، لان من عدا المؤمن فاسق. وما عملوا به من أخبار غيره اما لانجباره بالشهرة وقد تقدم الكلام فيها، واما لاعتضاده ببعض المرجحات. وحينئذ المناسب اشتراط أحد الامرين من الايمان والعدالة أو الانجبار بمرجح. ويعرف ضبطه بموافقته الثقات المتقنين غالبا "، فلا يضر النادر من المخالفة ولو كثر لم يحتج به. هذا ان رواها من حفظه أو من غير الطرق المذكورة في المصنفات، وأما الاصول المشهورة فلا يعتبر فيها ذلك. ويقبل التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح، ولا يقبل الجرح الامبين السبب (1).


1. لاختلاف الناس فيما يوجبه، فان بعضهم يجعل الكبيرة القادحة ما توعد الله تعالى

[ 188 ]

وكتب الجرح التي لم يبين فيها السبب فائدتها التوقف ليبحث عنه ويعمل بما يظهر. والصحيح أن الجرح والتعديل يثبتان بواحد، لانه من قبيل الاخبار لا الشهادة كما في أصل الرواية، فكما لا يعتبر في الاصل كذا في الفرع. وقيل: لابد من اثنين. ويثبتان أيضا " بالاستقاضة، باشتهار عدالته بين أهل النقل وغيرهم من أهل العلم، كمشائخنا من عهد شيخنا محمد بن يعقوب الى يومنا هذا، فانه لا يحتاج في هؤلاء الى تنصيص على تزكية لاشتهار ثقتهم وضبطهم. وانما نتوقف فيمن فوقهم ممن لم يشتهر. ويقبل تعديل وجرح من يقبل روايته. وإذا اجتمع الجرح والتعديل قدم الجارح، وقيل ان زاد المعدلون قدم التعديل. والاول أصح، لاخبار المعدل عن ظاهر الحال والجارح عن الباطل الخفي. وأيضا " الجارح مثبت والمعدل ناف. نعم ان وقع التعارض المحض (1) رجعا الى الترجيح بالكثرة ونحوها، فان لم يثبت المرجح وجب التوقف.


= عليها بالنار في كتابه العزيز، وبعضهم يعم التوعد، أي أعم من أن يكون توعد بالنار أو بغيرها من العذاب، وآخرون يعمون المتوعد فيه من الكبائر أو السنة، وبعضهم يجعلون جميع الذنوب كبائر وصغر الذنب وكبره عندهم اضافي، ويشكل بأن ذلك آت في باب (منه). (1) بأن يقول الجارح: رأيت اليوم الفلاني شغله بالفسق في المكان الفلاني، وشهد المعدل بأنه في ذلك اليوم كان بديار آخر في الوقت المذكور وهو مشغول بطاعة، فهذا تعارض محض (منه).

[ 189 ]

ولو قال الراوي الثقة (حدثني الثقة) أو (العدل) ونحوهما لم يكف عند بعضهم لجواز كون غيره قد اطلع على جرحه. وأصالة عدم الجارح غير كاف إذا لابد من البحث. واضرابه عن تسميته مريب، والاحتمال آت، والاصح الاكتفاء إذا كان القائل عالما " بطرق الجرح والتعديل. ولو قال (كل من رويت عنه فهو ثقة وان لم أسمه) فكذلك. وقول العالم (هذه الرواية صحيحة) تعديل لراويها إذا كان لها طريق واحد. وإذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلا عند الاكثرين. وهو الصحيح. وعمل العالم وفتياه على وفق حديث ليس حكما " بصحته وان كان لا يعمل الا بخبر العدل. وقال بعض العامة: هو حكم بصحته إذا لم يكن له شاهد ولا متابع، ولم يكن عمله به للاحتياط. وليس بشئ، لجواز أن يكون عمله لدليل آخر، وكذا ليس مخالفة عمله للحديث قدحا " في صحته ولا في روايته. فروع: (الاول) لا تقبل رواية مجهول العدالة عند الجماهير منا ومن العامة. وأما المستور - وهو عدل الظاهر خفي الباطن كالممدوح غير المنصوص على ثقته - فقد تقدم أنه يحتج بها بعضهم، وذلك كما اتفق في جماعة من الرواة تقادم العهد وتعذرت خبرتهم باطنا ". واكثر العامة أو كلهم يقبله، وعليه عملهم في كتبهم المشهورة، قالوا: لان

[ 190 ]

أمر الاخبار مبني على حسن الظن بالمسلم ونشر الحديث مطلوب ومعرفة الباطن متعذرة. (الثاني) قال بعض العامة: المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء ولا يعرف حديثه الا من جهة واحدة. وقال بعضهم: من روى عنه اثنان ارتفعت الجهالة عنه. وكل ذلك ليس عندنا بشئ، والمجهول عندنا من لم يوثق ولم يضعف ولم يمدح، ولو روى عنه الناس وعلمت نسبته واسمه. نعم لو علم صحة عقيدته ارتفعت جهالته من هذه الحيثية وكان ذلك نوعا " من المدح فربما دخل في قسم الحسن، وكذا إذا روى عنه الناس وله كتاب ونحو ذلك. وبالجملة مراتب المجهول تتفاوت كتفاوت الموثق والممدح والضعيف. (الثالث) تقبل رواية التائب من الفسق الا الكذب في أحاديث الرسول (ص) فلا تقبل أبدا " وان تاب - كذا قاله بعض العامة، وهو مخالف لقواعد مذهبنا ومذهب العامة أيضا ". والاقوى القبول، وانه لا فرق بينه وبين الشهادة. (الرابع) إذا روى حديثا " عن رجل ثم نفاه المروي عنه، فان كان جازما " بنفيه وجب رده، ولا يقدح ذلك في باقي رواياته عنه ولا عن غيره، وان كان مكذبا " لشيخه في ذلك، إذ ليس قبول جرح شيخه له بأولى من قبول جرحه لشيخه فتساقطا. كذا قيل، وفيه نظر. وان قال المروي عنه (لا أعرفه) أو (لا أذكره) أو نحو ذلك لم يقدح. (الخامس) من روى حديثا " ثم نسيه جاز له روايته عمن رواه عنه والعمل به

[ 191 ]

على الصحيح. وهو قول الجمهور من الطوائف كلها، لان الانسان عرضة النسيان والغرض أن الراوي عنه ثقة جازم، فلا ترد روايته بالاحتمال. وقد روى كثير من الاكابر أحاديث نسوها عمن أخذها عنهم فقالوا (حدثني فلان عني أني حدثته بكذا). (السادس) إذا قال الراوي (حدثني فلان أو فلان) وهما عدلان احتج به والافلا، وكذا لا يحتج به إذا قال (فلان أو غيره). (السابع) لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماعه أو اسماعه، كمن لا يبالي بالنوم في السماع، أو يحدث لامن أصل مصحح، أو عرف بكثرة السهو أو كثرة الشواذ والمناكير في حديثه. وقد بين نقاد الرجال من علمائنا في كتبهم كثيرا " ممن يتصف بهذه الصفة. (الثامن) من بين في حديثه غلط فأصبر عليه سقطت روايته ان أصر عنادا ". (التاسع) من خلط لذهاب بصر أو لخرف أو فسق أو بدع أو كفر بغلو ونحوه قبل ما حدث به قبل ذلك دون ما بعده ودون ما يشك فيه، كما في ابى الخطاب وأشباهه. (العاشر) قد أعرض الفريقان من المخالف والمؤالف في زماننا هذا عن كثير من هذه الشروط، لكون الاحاديث عندنا وعندهم قد تلخصت وهذبت وجمعت في كتب معروفة مشهورة، وقد صار المقصود ابقاء السلسلة متصلة الاسناد المختص بهذه الامة. ولا يعتبر حينئذ الا ما يليق بالمقصود، وهو كون الشيخ بالغا " عاقلا عدلا غير متساهل ولا مستخف بالاحاديث، مثبتا " أحاديثه بخط غير متهم، بروايته من أصل مصحح موافق لاصل شيخه.

[ 192 ]

وقد شرط كل ذلك أيضا " أهل السنة الا العدالة، فانهم بنوا على أصلهم من الاكتفاء بعدم التظاهر بالفسق. (اصل) (في ألفاظ التعديل والجرح) لابد في التعديل من المفظ الصريح، وأعلى مراتبه (ثقة) وقد يؤكد بالتكرار واضافة (ثبت) و (ورع) وشبههما مما يدل على علو شأنه، ثم (عدل ضابط) أو (ثبت) أو (حافظ) أو (متفن) أو (حجة). أما (عدل) فقط فغير كافية بدون انضمام ما ذكرنا انضمامه إليها ونحوه، لاشتراط هذا المعنى معها في صحة الرواية. أما ما ضمنا الى (عدل) ونحوه إذا انفرد فليس توثيقا "، لانها أعم من المطلوب فلا يدل عليه. وكذا (صدوق) و (خبر) و (عابد) و (معتقد) و (شيخ) و (صالح) و (وجه) و (لا بأس به) و (عالم) و (واسع الرواية) و (روى عنه الناس) ونحو ذلك فانه داخل في قسم الحسن، وان كان بعضها أقرب من بعض، فينقل حديثه للاعتبار والنظر ويكون مقويا " وشاهدا "، وبعضهم يحتج به كما قد مناه. أما نحو (شيخ هذه الطائفة) و (عمدتها) و (وجهها) و (رئيسها) ونحو ذلك فقد استعملها أصحابنا فيمن يستغنى عن التوثيق لشهرته، ايماءا " الى أن التوثيق دون مرتبته. وأما ألفاظ الجرح: ك‍ (متقارب الحديث) ثم (لينه) ثم (وسطه) ثم (ليس بذاك القوي) ثم (فيه أوفي حديثه ضعف) ونحو ذلك. ومثل هذا يكتب

[ 193 ]

حديثا أيضا " للنظر والاعتبار، وربما صلح شاهدا " ومقويا ". ثم (مخلط) ثم (متروك الحديث) ثم (ساقط) ثم (كذاب) ثم (غال) و (مجسم) وما أشبه ذلك مما يدل على كفره، فلا يكتب حديثه ولا يعتمر. (اصل) (في كيفية كتابة الحديث وضبطه) قد قدمنا أنه كان بعض السلف يكره كتابة الاحاديث لخوف التزوير وترك الحفظ للاتكال على الكتابة. ثم بينا أن ذلك عنت بين، وقدمنا ما يدل على وجوب كتابتها فضلا عن جوازه، وقد وقع الاجماع على ذلك، خصوصا " في زماننا هذا الذي كادت تندرس فيه آثار أهل البيت عليهم السلام، بل اندرست اكثر معالمه وعلومه وكيفيات استفادته وافادته، وكادت تنقطع روايته ويجهل قدره ونفعه. نسأل الله العصمة والتوفيق لما يحب ويرضى. فالواجب على كاتبه صرف الهمة الى ضبطه وتحقيقه شكلا ونقطا " وتبيينا " لحروفه بحيث يؤمن اللبس معه، ولا سيما شكل الملتبس ونقطه فانه أهم. وقد روينا عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد ابن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن جميل بن دراج قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أعربوا أحاديثنا فانا قوم فصحاء (1). وبعضهم يكره شكل ما عدا الملتبس. وينبغي الاعتناء بضبط الملتبس من الاسماء اكثر، فانه أهم. فان لم يتيسر


1. الكا في 1 / 52.

[ 194 ]

في نفس الكتاب كتب وضبط على الحاشية قبالته. ويستحب تحقيق الخط دون مشقه وتعليقه. ويكره تعليقه. وينبغي ضبط الحروف المهملة أيضا "، بأن يجعل نقطة كل حرف معجم تحت نظيره المهمل، وقيل يجعل فوقها كقلامة الظفر مضجعة على قفاها، وقيل تحتها حرف صغير مثلها. وكل ذلك جائز. نعم لا ينبغي أن يصطلح مع نفسه بشئ لا يعرفه الناس، فان فعل فليبين في أول الكتاب أو آخره. فوائد: (الاولى) ينبغي لكاتب الحديث أن يكتب أول الكتاب بعد البسملة اسم الشيخ المروي عنه وكنيته ونسبه ونحو ذلك من التعريف والتوضيح، وان أضاف تاريخ السماع ومحله كان اكمل كما فعله اكثر محدثينا ومحدثي العامة، ثم يجعل بين كل حديثين دائرة حمراء أو سوداء كبيرة بينة أبين من كتابة الاحاديث كما كان يفعله المتقدمون، ولو ترك مكانها بياضا " متسعا " بينا " جاز، لان القصد التمييز. وآكد من ذلك أن يفصل بين الحديث وغيره مما يتصل به من كلام المؤلف بهاء مشقوقة هكذا (ه‍) أو نحوها لئلا يختلط الحديث بغيره، كما وقع لنا في بعض أحاديث التهذيب من الالتباس بكلام المقنعة وكلام الشيخ الطوسي رحمه الله، فلم نميزه الا بعد عسر شديد وتفنيش تام. وتكون الدائرة المذكورة أولا علامة لاول الحديث، فان كان بعد الحديث حديث آخر اكتفي بها بينهما، وان كان بعده كلام تعينت الهاء.

[ 195 ]

وهذا في مثل التهذيب والاستبصار واجب، لاختلاط أحاديث التهذيب بكلام المقنعة وبكلام الشيخ، واختلاط أحاديث الاستبصار بكلام الشيخ في وجه الجمع وغيره. وقد ميزت بحمد الله في كتابي بعضا " عن بعض، بحيث لا يلتبس منه شئ بشئ. وينبغي أن تكون الدائرة المذكورة خالية الوسط. فإذا قابل نقط وسطها نقطة، ثم كلما قابل مرة نقط وسطها نقطة ليحص الاطمئنان بالنسخة. ويكره في مثل (عبد الله) و (رسول الله) و (أبو محمد) كتابة الاول في آخر السطر والثاني في آخر الاول. وأقبح من ذلك الفرق كذلك بين العاطف والمعطوف إذا كان بالواو، وقد يسهل إذا كان بغيرها. وأقبح من كل ذلك - بل لا يفعله ذو بصيرة - تفريق الكلمة الواحدة كذلك. (الثانية) يستحب أن يحافظ الكتاب على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله والائمة عليهم السلام في كل حديث كلما ذكر ولا يسأم من تكراره ومن أغفله حرم أجرا " جزيلا. ولا يتقيد بما في الاصل ان كان ناقصا "، لانه دعاء تنشئه لا شئ ترويه. وكذا الثناء على الله تعالى ب‍ (عزوجل) وشبهه كلما ذكر. وكذا الترضي والترحم على خلصاء الصحابة وأصحاب الائمة (ع) والعلماء والصالحين، الا ما يكون في نفس السند فان ذلك يوجب تطويلا مملا قد أعرض عنه العلماء رغبة في الاختصار. ويكره الرمز لذلك، كما يكره بل يحرم افراد النبي عن الال بالصلاة أو السلام كما يفعله أعداؤهم.

[ 196 ]

هذا مع ما قدرووا في صحاحهم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من صلى علي ولم يصل على آلي فقد جفاني. ورووا أيضا " في عدة أحاديث أن الصحابة لما قالوا: كيف الصلاة عليكم يا رسول الله ؟ فقال: قولوا (اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد) (1). فقد رواه البخاري بأربع طرق، ورواه أيضا " مسلم في صحيحه، ورواه امامهم الثعلبي بثلاث طرق. ولكن هذا غير عجيب بعد ما فعلوه من بغضهم ونصب العداوة والحرب لهم بعد ما نقلوه في شأنهم. (الثالثة) الواجب على ناقل الحديث أن يقابل نسخته بأصل شيخه أو أصل معتمد معلوم الصحة، ولا عبرة بكونه عتيقا " أو عليه كتابات البلاغ، فانا قد شاهدنا شيئا " من ذلك مشحونا " بالغلط. بل لابد من امتحان النسخة بمقابلة جانب منها بغيرها من النسخ ونحوه ليعلم صحتها. والافضل أن يمسك هو وشيخه كتابيهما أو ثقة ضابط ذو بصيرة غير أو غير شيخه أو ثقتين ضابطين غيرهما، فان لم يقابله بهذا الشرط لم يجز روايته ولا النقل منه. (الرابع) المختار في تخريج الساقط، وهو (اللحق) بفتح اللام والحاء: أن يخط من موضع سقوطه في السطر خطا " صاعدا " قليلا معطوفا " بين السطرين عطفة يسيرة الى جهة اللحق ويكتب اللحق قبالة العطفة في الحاشية التي تجاوز أول السطر من الصفحة اليمنى والتي تجاوز آخر السطر من اليسرى ان اتسعت لذلك والا ففي الجهة الاخرى، الا أن يسقط في آخر السطر فتخرج الى آخره


1. صحيح البخاري 2 / 708، سنن الترمذي 5 / 395، سنن ابى داود 1 / 257.

[ 197 ]

على كل حال مع السعة. ثم ان كانت في الجانب الا يسر كتبت صاعدا " الى أعلى الورقة مطلقا "، الا أن تكون كلمة أو كلمتين فتكتب على سمت الاسطر. وان كانت في الجانب الايمن كتبت صاعدا " أيضا " ان كانت سطرا " واحدا "، فان زادت كتبت الى أسفل. ثم يكتب في انتهاء اللحق (صح)، وليكتب واضحا " كخط الاصل، الا أن يخشى الضيق. وأما الحواشي من غير الاصل كشرح وبيان غلط واختلاف رواية أو نحو ذلك فليكتب على غير نسق اللحق بخط أدق من الاصل وسطوره على سمت الاسطر، لكن بانحراف يسير الى أعلى أو الى أسفل، وليعلم لها بخرجة لطيفة فوق الكلمة التى هي لها أو باء هندية أو نحو ذلك. (الخامسة) شأن المتقنين التصحيح والتضبيب، وهو التمريض، وقد يسمى التشكيك. والتصحيح: كتابة (صح) صغيرة فوق كلام صح رواية أو معنى وهو عرضة للشك أو الخلاف أو الوهم. وأما التضبيب: فان يمد خطه أوله كالصاد الصغيرة، ولا يلصق بالممدود عليه على ما فسد لفظا " أو معنى أو كان فيه نقصا " أو لبس أو نحو ذلك. هكذا كان يفعله الصدر الاول وما بعده. وأما المتأخرون فربما استعملوه قليلا، والمستعمل بين المتأخرين في عصر الشهيد وما قاربه التضبيب بباء هندية هكذا (2) فوق الكلمة ثم يكتبون باء هندية أخرى مثلها بأزائها على الحاشية ليسهل تصحيحه إذا أريد. وهو في غاية

[ 198 ]

الحسن، وعليه عملنا في كتب الاحاديث وغيرها. وبعضهم ينقط ثلاث نقط عليه ثم على الحاشية بأزائه، ولا بأس به. (السادسة) إذا وقع في الكتاب ما ليس منه نفي بالضرب أو الحك، والضرب أولى. فيخط فوق المضروب خط بين دال على ابطاله مختلط به، ولا يطمسه بالسواد ولا بغيره فيصير مستقبحا " بل يترك ممكن القراءة. وبعضهم لا يخلطه بالمضروب عليه بل يخط فوقه ويعطف على أوله وآخره وبعضهم يحوق على أوله وآخره نصف دائرة. وبعضهم يضع دائرة صورة أوله وأخرى آخره. وبعضهم يكتب (لا) في أوله و (الى) في آخره. والاول أولى من كل ذلك، لان ذلك قد يخفى فيوقع الناسخ منه في الغلط كما شاهدناه كثيرا ". وأما إذا وقع تكرار، فبعضهم يختار الضرب على الثاني، وهو جيد ان تساويا والا بقي أحسنهما صورة وأبينهما. وان كان التكرار أول السطر ضرب على الثاني، أو آخره فعلى الاول، وان كان آخر سطر وأول آخر فعلى آخر السطر. فان تكرر المضاف أو مضاف إليه أو الموصوف أو الصفة أو نحو ذلك روعي الاتصال أو يراعى الاحسن والابين. وأما الحك والكشط فهو عندهم مكروه، لانه عناء وربما أفسد الورق أو أضعفه.

[ 199 ]

خاتمة قد غلب على اكثر المحدثين منا ومن العامة الاقتصار على الرمز في (حدثنا) و (أخبرنا)، وشاع ذلك بحيث لا يخفى، فيكتبون عن حدثنا (ثنا) فقط، وقد يحذفون الثاء أيضا "، ويكتبون من أخبرنا (أنا). هذا، وأما ما فعله عامة محدثينا كابن بابويه والشيخ الطوسي رحمهما الله تعالى وأمثالهما من ذكر الرجل فقط من غير (حدثنا) ولا (أنبأنا) ولا الرمز له، فانما يفعلونه في الاكثر في أعالي السند إذا حذفوا أوله للعلم به، فيكون المعنى عن محمد بن يحيى مثلا، فيحذفون (عن) أيضا " اختصارا ". وانما فعلوا ذلك لان كيفية الاخذ في أعالي السند يخفى في الاغلب على متأخري المحدثين، وانما المقصود أن يبينوا أنه مروي عنه أعم من أن يكون بقراءة أو باجازة أو غير ذلك من طرق النقل، فلهذا اقتصروا على ذكر الراوي فقط. ومن غير الاكثر ما فعله محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله، فانه حذف

[ 200 ]

ذلك من الاول أيضا "، لما ذكرناه من أن المراد اثبات الراوية. وأما إذا اتصل بهم السند فلا يكادون يخلون بذكر (حدثنا) أو (أخبرنا) أو الرمز له، كما هو في كثير من التهذيب وباقي كتب الاحاديث. فائدتان: (الاولى) إذا كان للحديث اسنادان أو اكثر تامان أو ناقصان كتبوا عند الانتقال من سند الى آخر (ح) علامة للتحويل، فيقرأ القارئ حاء تامة ليدل على التحويل. ومنهم من قال: ان هذه الحاء رمز عن (صح)، لئلايتوهم أن متن الحديث سقط ولئلا يركب الاسناد الثاني على الاسناد الاول فيجعلهما واحدا ". والحق أنها من التحويل من اسناد الى آخر، أو من الحائل بين الاسنادين كما قدمناه. وما ذكروه من التعليل ثانيا " هو نفس ما قلناه. ومحمد بن يعقوب والشيخ الطوسي رحمهما الله وكثير من محدثينا يكتفون بحرف العطف، سواء كان السند الثاني تاما " أم ناقصا ". ولا بأس به. (الثانية) قد اصطلحوا على حذف اشياء في الكتابة دون القراءة، وجرت العادة بذلك واشتهر بحيث لا يخفى ولا ينكر: فمنها: لفظة (قال) بين رجال السند. ومنها: لفظة (وبالاسناد المذكور) أو (وبه)، وذلك عند كتابة الاجزاء المشتملة على أحاديث باسناد واحد. ومنها: همزة (أبى فلان) عند النداء، نحو (يا با سعيد). ومنها: الف (يا) في نداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

[ 201 ]

ومنها: مدة كاف التعليقة من نحو (كتبه) ونحو ذلك. ومنها ألف الوصل من (بسم الله) فقط. ومنها: ألف (الحارث) و (مالك) و (خالد) ونحو ذلك. سقط ولئلا يركب الاسناد الثاني على الاسناد الاول فيجعلهما واحدا ". والحق أنها من التحويل من اسناد الى آخر، أو من الحائل بين الاسنادين كما قدمناه. وما ذكروه من التعليل ثانيا " هو نفس ما قلناه. ومحمد بن يعقوب والشيخ الطوسي رحمهما الله وكثير من محدثينا يكتفون بحرف العطف، سواء كان السند الثاني تاما " أم ناقصا ". ولا بأس به. (الثانية) قد اصطلحوا على حذف اشياء في الكتابة دون القراءة، وجرت العادة بذلك واشتهر بحيث لا يخفى ولا ينكر: فمنها: لفظة (قال) بين رجال السند. ومنها: لفظة (وبالاسناد المذكور) أو (وبه)، وذلك عند كتابة الاجزاء المشتملة على أحاديث باسناد واحد. ومنها: همزة (أبى فلان) عند النداء، نحو (يا با سعيد). ومنها: الف (يا) في نداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

[ 201 ]

ومنها: مدة كاف التعليقة من نحو (كتبه) ونحو ذلك. ومنها ألف الوصل من (بسم الله) فقط. ومنها: ألف (الحارث) و (مالك) و (خالد) ونحو ذلك. ومنها: ألف المنصوب من نحو (رأيت أنس) و (سمعت محمد يقول). وقد اصطلحوا أيضا " على اثبات أشياء في الكتابة دون القراءة، مثل كتابة الواو ل‍ (عمرو) ليفرق عن عمر، ومثل كتابة ألف بعد واو الجمع، وقد يحلقونه أيضا " بعد الواو من صفة المذكر نحو (يغزوا) و (يدعوا)، وأمثال ذلك مما هو مقرر في فن الخط. والحمد لله أولا وآخرا " وظهرا " وباطنا "، وصلى الله على محمد وآله أجمعين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية