الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




منية المريد- الشهيد الثاني

منية المريد

الشهيد الثاني


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى الائمة من آله المعصومين، وعلى أوليائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[ 3 ]

منية المريد

[ 5 ]

منية المريد في ادب المفيد والمستفيد تأليف الشيخ زين الدين بن علي العاملي قدس سره المعروف بالشهيد الثاني (911 - 965 ه‍) تحقيق رضا المختاري

[ 6 ]

سلسلة مؤلفات الشهيد الثاني 1 هذا الكتاب هو اول كتاب ننشره من " سلسلة مؤلفات الشهيد الثاني " رحمه الله، وقد عقدنا العزم على المضي في نشر سائر مؤلفاته بهذه الحلة القشيبة في التحقيق والاخراج ان شاء الله ونرجو من الافاضل المحققين أن يمدوا لنا يد العون ويساعدونا بالدلالة على مخطوطاتها واماكن وجودها ونحو ذلك. الناشر: مكتب الاعلام الاسلامي الطبعة: الاولى، 1409 ه‍ - 1368 ه‍ - ش

[ 7 ]

الميرزا الشيرازي الكبير رحمه الله تعالى:.. - ما أحرى بأهل العلم ان يواظبوا على مطالعة هذا الكتاب الشريف وان يتأدبوا بالاداب المذكورة فيه. (انظر هذا الكتاب ص 55، مقدمة التحقيق) - يرى الناس دهنا في قوارير صافيا * ولم تدر ما يجري على رأس سمسم -

[ 9 ]

مقدمة التحقيق الفصل الاول تحقيق في تاريخ حياة الشهيد الثاني أ مصادر ترجمة الشهيد الثاني كان المرحوم الشيخ زين الدين علي بن أحمد العاملي الشامي (911 - 965 ه‍) المعروف بالشهيد الثاني من مشاهير الفقهاء المتبحرين العظام، ومن الوجوه المشرقة في التاريخ الدموي للاسلام. وقد خلف هذا الفقيد السعيد الذي حظي بفيض الشهادة في سبيل الرسالة، خلف في عمره القصير (54 سنة) زهاء سبعين كتابا ورسالة صغيرة وكبيرة في مختلف الموضوعات، كان الكثير منها ولا يزال المورد الصافي لافادة العلماء والمحققين، ولقد كانت حياته ممتزجة بالقداسة والتقوى، قد بلغ في ذلك إلى درجات سامية، حتى كانت له كرامات وخوارق عادات قد سجلها التاريخ، لا مجال هنا لذكرها، وردت ترجمة هذا العالم المجاهد الدؤوب في كثير من كتب التراجم سنأتي في هذا المقال على التعريف بها. وقد كتب الشهيد نفسه رسالة خاصة في حياته، ضمنها تلميذه العالم الجليل ابن العودي في رسالة كتبها في تاريخ حياة أستاذه سماها " بغية

[ 10 ]

المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد " ونأسف أن قد فقد أكثر فصول هذه الرسالة ولم يبق إلا بعض الفصول منها أوردها الشيخ علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين، حفيد ابن الشهيد في كتابه " الدر المنثور " وقد طبع هذا الكتاب قبل عشرة أعوام بمدينة قم المقدسة، وقد كتب ابن العودي عن دافعه إلى كتابة هذه الرسالة بشأن الشهيد يقول: ".. شيخنا ومولانا ومرجعنا ومقتدانا، ومنقذنا من الجهالة وهادينا، ومرشدنا إلى الخيرات ومربينا، بديع زمانه ونادرة أوانه، وفريد عصره وغرة دهره، الشيخ الامام الفاضل، والحبر العالم العامل، والنحرير المحقق الكامل، خلاصة الفضلاء المحققين، وزبدة العلماء المدققين، الشيخ زين المللة والدين ابن الشيخ الامام نور الدين علي ابن الشيخ الفاضل أحمد بن جمال الدين بن تقي الدين صالح تلميذ العلامة ابن مشرف العاملي أفاض الله على روحه المراحم الربانية، وأسكنه في جنانه العلية، وجعلنا الله من المقتدين باثاره، والمهتدين بأنواره بمحمد وآله عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم السلام. ولما كان هذا الضعيف الملهوف عليه، المخزون على طيب عيش من لديه، مملوكه وخادمه: محمد بن علي بن الحسن العودي الجزيني ممن حاز على حظ وافر من خدمته، وتشرف بمدة مديدة من ملازمته كان ورودي إلى خدمته في عاشر ربيع الاول سنة 945 إلى يوم انفصالي عنه بالسفر إلى خراسان في عاشر ذي القعدة سنة 965: فكأنها أحلام نوم لم تكن يا ليتها دامت ولم تتصرم وتمتعت منها القلوب ونارها من فرقة طفئت ولم تتضرم فواشوقاه إلى تلك الاوقات، وواأسفاه على ما فات وجب أن نوجه الهمة إلى جمع تاريخ يشتمل على ماتم من أمره، من حين ولادته إلى انقضاء عمره، تأدية لبعض


1 - وفي موضع آخر من نفس هذه الرساله (" الدر المنثور " ج 2 / 159 - 160) يقول: " وكنت أنا إذ ذاك في خدمته أسمع الدرس. " والكلام عن عام 942، وأيضا يقول فيها (" الدر المنثور " ج 2 / 161): " ثم ودعناه وسافر من دمشق يوم الاحد نصف ربيع الاول سنة 942. " وعلى هذا فالظاهر أن 945 في الاصل 940، وأن رقم 5 مصحف عن الصفر، كما صحفت سنة وفات المحقق الكركي في كلام ابن العودي في " الدر المنثور " ج 2 / 140، من 940 إلى 945، ومثل هذا كثيرا ما يتفق. 2 المصراع في الكتاب: " من فرقة طغيت ولم تتضرم " ورجحنا نقل المصراع عن " أعيان الشيعة " ج 7 / 146، مع إصلاح (*).

[ 11 ]

شكره، وامتثالا لما سبق إلي من أمره، فإنه قدس سره كان كثيرا ما يشر إلي بذلك على الخصوص.. فجمعت هذه النبذة اليسيرة وسميتها " بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد " ورتبتها على مقدمة وفصول وخاتمة ". وكانت رسالة ابن العودي تشتمل على عشرة فصول ومقدمة وخاتمة ولكن قد مر أن أكثر فصولها لم تصلنا. ولا ريب أنها أول وأحسن مصدر لترجمة الشيخ الشهيد، ولكن إذا جزنا هذه الرسالة فنجد ترجمته مفصلة أو مختصرة في المصادر الاتية. ومن المعلوم أننا لا نرى في أكثر هذه المصادر شيئا جديدا في ترجمة الشهيد، بل إنما هي مكررات سائر الكتب. ويكفي المحقق في ذلك مضافا إلى مراجعة " الدر المنثور " أن يراجع الارقام التالية منها: 8 1، 12، 13، 16، 19، 28. 1 - " أمل الامل " ج 1 / 85 - 91، 2 - " تكملة أمل الامل " / 212 - 217، 3 - " رياض العلماء " ج 2 / 365 - 386، 4 - " روضات الجنات " ج 3 / 352 - 387، 5 - " مستدرك الوسائل " ج / 452، 428، 6 " شهداء الفضيلة " / 132 - 164، 7 - " الكنى والالقاب " ج 2 / 381 - 391، 8 - " الفوائد الرضوية " / 186 - 192. 9 - " هدية الاحباب " / 167 - 168، 10 - " تنقيح المقال " ج 1 / 472 - 473، 11 - " معجم رجال الحديث " ج 7 / 372 - 377، 12 - " أعيان الشيعة " ج 7 / 143 - 158، 13 - " لؤلؤة البحرين " / 28 - 36، 14 - " قصص العلماء " / 248 - 263، 15 - " ريحانة الادب " ج 3 / 280 - 288، 16 - " الذريعة " في مختلف الاجزاء، سيأتي بعض مواردها قريبا في بحث


1 - " الدر المنثور " ج 2 / 150 - 152 (*).

[ 12 ]

" تاريخ استشهاد الشهيد الثاني "، 17 - " جامع الرواة " ج 1 / 346، 18 مقابص الانوار " / 15، 19 مقدمة " الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية " للشيخ محمد مهدي الاصفي، ج 1 / 194 149، ونعبر عنها في هذا المقال بمقدمة " شرح اللمعة " 20 " معجم المؤلفين " ج 4 / 193، وج 7 / 12، 21 " طرائق الحقائق " ج 1 / 228 - 248. 22 " تحفة العالم في شرح خطبة المعالم " ج 1 / 150 139، 23 " سفينة البحار " ج 1 / 723، مادة " شهد "، 24 " نقد الرجال " / 145، 25 " مصفى المقال في مصنفي علم الرجال " / 183، 26 " بهجة الامال في شرح زبدة المقال " ج 4 / 254 - 302، 27 - " الاعلام " ج 3 / 64، 28 " إحياء الداثر من القرن العاشر " (من " طبقات أعلام الشيعة ") / 90 - 92، وغير هذه الصفحات، 29 - " كشف الحجب والاستار عن أحوال الكتب والاسفار " في مختلف الصفحات. ومن المؤسف أنا نجد في تاريخ حياة الشهيد الثاني وكتبه وتاريخ تأليفها وغير ذلك أخطاء متعددة، وحيث لم يكن من المتداول سابقا التحليل والتحقيق في التاريخ لذلك كان المتأخرين إذا وجدوا موضوعا في كتاب التاريخ أو التراجم نقلوا ذلك في كتبهم بدون أي تحقيق أو تحليل أو مقارنة بالقرائن والشواهد التاريخية الاخرى، وكانت هذه الاخطاء بالتدريج تتحول إلى أغلاط مشهورة تتكرر في الكتب المتأخرة بمحض الاستناد إلى ذكرها في ذلك الكتاب السابق. وحيث قد تكفلت هذه المصادر المذكورة آنفا بترجمة الشيخ الشهيد، ولا يتحمل هذا المقال كلاما أوسع مما في تلك المصادر، لذلك فسوف أقتصر في جهدي في هذا المقال على التحقيق في بعض المسائل والموضوعات التى جاءت في تاريخ حياة الشهيد، للمذاكرة حول بعض الاغلاط المشهورة بهذا الشأن، رجاء لا تتكرر فيها سيكتب عنه بعد هذا، عسى أن نؤدي بهذا

[ 13 ]

بعض حق هذا الرجل العظيم. ومن الجدير بالذكر أن أقول: إني قد بدأت بتصنيف كتاب كبير في حياة الشهيد الثاني، أرجو أن أوفق لنشره بعناية الله ورعايته قبل عام 1411 ه‍، المصاف لمرور خمسة قرون على ميلاده (قده). وهنا الان إليكم بعض تلك الاخطاء. ب - تاريخ استشهاد الشهيد الثاني 1 - في تاريخ شهادة الشهيد الثاني قولان، وقد يذكران على الترديد، أحدهما أنها كانت في سنة 965، والاخر أنها كانت في سنة 966 ه‍، والاكثر الثاني كما في موارد متعددة من " إحياء الداثر " منها: ص 32، 55، 63، 90، 91، 102، 117، 127، 162، 181، 230، 234، 245، 277 و " الذريعة " منها: ج 1 / 22، 93، 218، ج 2 / 86، 228، 244، ج 3 / 58، 136، ج 4 / 4، 392، 433، 452، ج 5 / 196، 199، 205، 206، 278، ج 6 / 15، 23، 82، 94، 106، 243، ج 7 / 30، 31، 175، ج 8 / 76، ج 10 / 42، ج 11 / 159، 170، 275، 290، ج 12 / 124، 198، ج 15 / 109، 71، ج 16 / 68، 381، ج 17 / 100، ج 18 / 36، ج 19 / 18، 26، 35، ج 20 / 195، 209، 212، 371، 378، ج 21 / 1، 382، 400، ج 23 / 141، ج 24 / 44، 65، 439. ولم أر فيها حتى موردا واحدا يذكر فيه التاريخ الاول، مع أننا مع الالتفات إلى الشواهد والادالة التي سنذكرها نقطع بأن الصحيح هو 965 وأن 966 خطأ. وقبل أن نقيم الادلة والشواهد لمدعانا، أذكر بأن أول من ذكر سنة 966 - حسب اطلاعي هو المرحوم السيد مصطفى التفرشي في " نقد الرجال " (/ 145)، ثم نقلا عنه وتبعا له المرحوم الاردبيلي في " جامع الرواة " (ج 1 / 346)، ولم يذكر هذا التاريخ أحد من معاصري الشهيد أو تلامذته وأقر بائه، بل ذكر بعضهم عام 965 تاريخا لشهادة الشهيد الثاني كما ستلا حظون: كتب المرحوم حسن بيگ روملو، وهو من معاصري الشهيد في كتابه الفارسي " أحسن التواريخ " الذي أنهاه حوالي سنة 980 ه‍ كتب في حوادث سنة 965، يقول بالفارسية ما ترجمته:


1 - " أحسن التواريخ " / 21، المقدمة (*).

[ 14 ]

" وفي هذه السنة استشهد الشيخ الفاضل حاوي المعقول والمنقول، جامع الفروع والاصول الشيخ زين الدين الجبل عاملي. وسبب شهادته هو أن جمعا من أهل السنة قالوا لرستم پاشا الوزير الاعظم [ للدولة العثمانية ]: إن الشيخ زين الدين يدعي الاجتهاد، ويأتيه كثير من علماء الشيعة ويقرؤون عنده كتب الامامية، وغرضهم إشاعة الرفض الذي هو لدى التحقيق كفر محض ! فأرسل رستم پاشا رجالا لطلب الشيخ، وكان آنذاك - وهو أفضل الفقهاء - في مكة المكرمة، فقبضوا عليه وأتوا به إلى إسلامبول وقتلوه من دون أن يعرضوه على السلطان سليمان [ ؟ ! ]... ". وكتب القاضي أحمد الغفاري القزويني (المتوفى 975 ه‍) الذي كان هو أيضا من معاصري الشهيد، في كتابه الفارسي " تاريخ جهان آرا " الذي ألفه حوالي سنة 972 وذكر الحوادث حتى تلك السنة، كتب ضمن حوادث عام 965، يقول بالفارسية ما ترجمته: " وفي هذه السنة أخذ الروميون [ أي الاتراك العثمانيون ] في مكة المكرمة، المغفور له الشيخ زين الدين الجبل عاملي، وذهبوا به إلى استانبول، وقتلوه للعصبية المذهبية في يوم الخميس منتصف شهر رجب الحرام ". وقد ذكر تاريخ شهادة الشهيد في شهر رجب وأنه أخذ من مكة المكرمة تلميذه السيد علي الصائغ في آخر نسخة من الجزء الثالث من " المسالك " أيضا وهو يعد تأييدا لمقال صاحب " تاريخ جهان آرا ". وكتب محمود بن محمد بن علي بن حمزة اللاهجاني تلميذ الشهيد الثاني، الذي كان حين إلقاء القبض عليه معه وهو يستنسخ " المسالك " مقارنا لتأليفه تقريبا، كتب في نسخته من " المسالك " يقول: " إن الشارح قد كتب الجزء الثالث ومابعده حينما كان متخفيا خوفا من أعدائه - كما قال هو نفسه: مع تراكم صروف الحدثان - وكان خوفا منهم يلوذ من جبل إلى جبل ومن قرية إلى قرية، وأنا كتبت هذا القسم من الكتاب في هذه الحال كذلك،


1 - " أحسن التواريخ " / 520 - 521 2 - " تاريخ جهان آرا " / ح‍، المقدمة. 3 - " تاريخ جهان آرا " / 304، 4 - " الدر المنثور " ج 2 / 190 (*).

[ 15 ]

وحاولت أن أفكه من السجن فسجنوني معه، فبقي في السجن اثنين وأربعين يوما ثم بعثوا به إلى الروم [ أي تركيا ] وأطلقت في 20 / ج 1 / 965 ه‍، وهو يوم الجمعة والنيروز، فكنت أعيش في مكة متظاهرا حتى بلغني خبر شهادته في ذي القعدة من نفس هذه السنة، وأرادوا أن يقبضوا علي مرة أخرى ولكني فررت منهم واختفيت وبعد أداء الحج استنسخت هذا الشرخ متخفيا، وفي آخر شهر صفر خرجت من مكة المكرمة، وأنهيت هذا المجلد في يوم الاحد 4 / ج 1 / 966 " (1). وقد نقل كلام اللاهجاني هذا المرحوم الشيخ آقا بزرگ الطهراني قدس سره في " إحياء الداثر " (/ 242) ولكنه بذل 965 إلى 966 تصحيحا أو تصحيفا، وواضح أن هذا لا يكون نقضا لكلام اللاهجاني. وفي فهرس مخطوطات مكتبة حرم السيدة فاطمة المعصومة بقم المقدسة نقل عن خط محمد بن أحمد ابن السيد ناصر الدين الحسيني - أحد علماء القرن العاشر والمعاصر للشهيد تقريبا - على ظهر نسخة من شرح اللمعة: أنه قتل الشهيد في 17 شهر رمضان عام 965 (3). ونقل عن خط والد الشيخ البهائي تلميذ الشهيد أنه استشهد سنة 965 (4). وكتب المرحوم الشيخ يوسف البحراني صاحب " الحدائق " يقول: " وجدت في بعض الكتب المعتمدة في حكاية قتله رحمه الله تعالى ما صورته: قبض شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه بمكة المشرفة في خامس شهر ربيع الاول سنة خمس وستين وتسعمائة، وكان القبض عليه بالمسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر وأخرجوه إلى بعض دور مكة وبقى محبوسا هناك شهرا وعشرة أيام، ثم ساروا به على طريق البحر إلى قسطنطنية وقتلوه بها في تلك السنة، وبقي مطروحا ثلاثة أيام، ثم ألقوا جسده الشريف في البحر، قدس الله روحه كما شرف خاتمته " (5). ونقل ابن العودي وصاحب " الرياض " قصة رؤيا الشيخ محمد الجباني [ أو


1 - نشرة " نسخه هاي خطي "، العدد السابع / 614، النسخة المرقمة 512. 2 - راجع " إحياء الداثر " / 227، 3 - " فهرست نسخ خطي كتابخانه آستانه مقدسه قم " / 122 4 - " فهرست نسخه هاي خطي كتابخانه مركزي دانشگاه تهران " ج 16 / 409 - 410. 5 - " لؤلؤة البحرين " / 34 (*).

[ 16 ]

الحياني ] - الذي عده السيد الامين في تلامذة الشهيد (1) - بطولها، وما يرتبط من تلك القصة بما نحن فيه هو أن الشيخ محمد الجباني يصل إلى قرية جزين من جبل عامل في 22 ذي الحجة عام 965 بعد تحمل مشاق السفر وهو يقصد أن يبقى بها مدة، ولكنه يبتلى بمرض شديد، وفي ليلة 28 من شهر ذي الحجة يرى في الرؤيا أمورا منهاما يتعلق بالشهيد الثاني، ويعلم مما قاله أن الشهيد الثاني كان قد نال الشهادة قبل هذا التاريخ أي 28 ذي الحجة 965 (2). وإن فرض ورود بعض الايرادات على القصة من جهات، لا تخل بما نحن بصدده. وأحكم من الكل أن الشيخ علي حفيد الشيخ صاحب " المعالم " يقول: " رأيت بخط جدي المبرور الشيخ حسن قدس الله روحه ما صورته: ولد الوالد قدس الله نفسه في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر شوال سنة إحدى عشرة وتسعمائة، واستشهد في سنة خمس وستين وتسعمائة ". (3) وعلى هذا فواضح أنه مع الالتفات إلى كل هذه الشواهد والقرائن، وكلام ابن الشهيد واللاهيجاني تلميذه، واثنين من المؤرخين المعاصرين للشهيد ممن كانوا يهتمون بضبط الحوادث التاريخية طبق الحوادث وحسب ترتيب السنين، لا يبقى مجال لقبول قول التفرشي في " نقد الرجال " بل علينا أن نسلم بأن شهادة الشهيد قد وقعت في سنة 965 ه‍. وأما في أي شهر وفي أي يوم وقعت هذه الواقعة الهائلة ؟ فالاقوال وإن كانت مختلفة، إلا أن الذي يبدو للنظر هو صحة كلام صاحب " تاريخ جهان آرا " بوقوعها في يوم الخميس [ أو الجمعة ] من العشر الاواسط في شهر رجب الحرام، المتأيد بمقال السيد علي الصائغ تلميذ الشهيد، ولا ينافيه مقال اللاهيجاني التلميذ الاخر للشهيد بأن خبر شهادته بلغه في شهر ذي القعدة 965، كما هو واضح. ولا بأس بالتذكير بهذه النقطة: وهي أن بعض المعاصرين كتب في ترجمة الشهيد: " بما أن ابن العودي والسيد علي الصائغ وهما تلميذان من تلامذة الشهيد أرخا شهادته بسنة 966، لذا فنحن أيضا اتخذنا تاريخما سندا في هذا المورد. " وهذا المبنى باطل وكذلك المبني عليه، فإن ابن العودي - فيما هو بأيدينا من كتابه - لم يشر إلى هذا


1 - " أعيان الشيعة " ج 7 / 158. 2 - " رياض العلماء " ج 2 / 377 - 381، " الدر المنثور " ج 2 / 192 - 197 3 - " الدر المنثور " ج 2 / 189 وج 2 / 200 (*).

[ 17 ]

الموضوع بأية إشارة أبدا، والسيد علي الصائغ - كما مر - قال بوقوع هذه الواقعة في شهر رجب فحسب من دونه ذكر السنة. وقد رأينا وجود شواهد عديدة على وقوع الشهادة في سنة 965 على العكس من سنة 966 التي لم يشهد لها إلا كلام التفرشي في " نقد الرجال " الذي لا يقاوم حتى واحدة من شواهد القول الاخر فضلا عن جميعها. 2 - جاء في " لؤلؤة البحرين " (/ 34) ونقلا عنه وتبعا له في " ريحانة الادب " (ج 3 / 287) وكذلك في " فرهنگ فارسي " لمحمد معين (ج 5 / 945): " أن الشهيد قبض عليه وقتل على عهد السلطان سليم [ الثاني ] الخليفة العثماني وبأمره " ولكن الصحيح بدل السلطان سليم: السلطان السليمان القانوني العثماني، فإن السلطان سليم الثاني جلس على العرش سنة 975 ه‍ وقد استشهد الشهيد في سنة 965، وعلى هذا فالشهادة كانت في عهد السلطان سليمان القانوني والد السلطان سلم لانفسه (1). ج‍ - اسم الشهيد الثاني وكنيته ونسبه وأولاده 3 - جاء في بعض الكتب اسم الشهيد ونسبه هكذا: " زين الدين علي بن أحمد الجبعي العاملي " وهذا سهو قطعا، فإن اسمه لم يكن " عليا " جزما، بل هو اسم ابيه. بل الصحيح: " زين الدين بن علي بن أحمد الجبعي العاملي " وقد رأيت بنفسي موارد عديدة من خط نفس الشهيد أنه كتب اسمه ونسبه هكذا: " زين الدين بن علي بن أحمد... " وقد حقق الموضوع السيد الامين في " أعيان الشيعة " (ج 7 / 144) ونقل موارد عديدة من خط الشهيد ذكر اسمه ونسبه فيها كما ذكرناه. وليعلم أنه نقل من خط الشهيد أن " زين الدين " لقبه أيضا، واسمه لقبه. 4 - لقب الشهيد في بعض الكتب ب‍ " نور الدين ". وهذا أيضا سهو، بل هو لقب أبيه قطعا. 5 - جاء في بعض المصادر - منها " روضات الجنات " (ج 3 / 353) وخاتمة " مستدرك الوسائل " (ج 3 / 425)، تبعا للحر العاملي في " أمل الامل " (ج 1 / 118) -: أن والد الشهيد كان معروفا بابن الحاجة - أو ابن الحجة. بينما الذي يظهر من المصادر هو أن الشهيد نفسه كان معروفا بذلك ولا دليل على


1 - راجع " شهداء الفضيلة " / 136 - 137، الهامش، " فرهنگ فارسي " ج 5 / 795، قسم الاعلام. 2 - " بحار الانوار " ج 108 / 171، الهامش (*).

[ 18 ]

ماقاله الحر العاملي، ونحن ننكر أن يكون والده مشتهرا بهذه الكنية ولا ننكر إطلاقها عليه مطلقا فلا ننكر أن تكون قد أطلقت عليه هذه الكنية، بل الذي ننكره إنما هو شهرته وكونه معروفا بهذه الكنية، ولا ننفي أن يكون إطلاقها على والده صحيحا، ولكنه غير مشهور بها. والذي يستفاد من إجازات الشهيد ومكتوباته واجازات ومكتوبات تلامذته وسائر العلماء هو أن الشهيد كان مشتهرا بها، وسوى الاجازات قد أطلقها عليه كثير من العلماء بعده في مؤلفاتهم، منها: 1 - " رياض العلماء " ج 2 / 365، 368، 2 - " تحفة العالم " ج 1 / 139، 3 " لؤلؤة البحرين " / 28، 4 " شهداء الفضيلة " / 132، 5 - " قصص العلماء " / 249، 6 " أعيان الشيعة " ج 7 / 143، 7 - " تكملة أمل الامل " / 114، 8 " معجم المؤلفين " ج 4 / 147، ج 7 / 12. وإليكم بعض الموارد من إجازات الشهيد ومكتوباته وتلامذته وسائر العلماء، مما ذكر فيه الشهيد بعنوانه المشهور يؤمئذ: ابن الحاجة: 1 - ".. وكتب هذه الاحرف بيده الفانية زين الدين علي بن أحمد شهر بابن الحاجة " (1)، 2 ".. وذلك في سابع شهر شعبان المبارك سنة ثلاثين وتسعمائة وكت أفقر العباد زين الدين بن علي الشهير بابن الحجة " (2)، 3 - ".. مثل إجازة الشيخ السعيد والمحقق الشهيد خاتمة المجتهدين الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي شهر بابن الحاجة " (3). 4 - ".. وذلك 0 في سابع شهر شعبان المبارك سنة ثلاثين وتسعمائة، وكتب أفقر العباد زين الدين علي الشهير بابن الحجة " (4)، 5 - ".. كتبه زين الدين بن علي بن أحمد عرف بابن الحاجة العاملي في يوم الاحد 3 / ج 1 / 950 "،


1 " بحار الانوار " ج 108 / 171، من إجازة الشهيد لوالد الشيخ البهائي. 2 - " بحار الانوار " ج 108 / 136، مما كتبه الشيهد الثاني في طريق روايته ل‍ " تهذيب الاحكام ". 3 - " بحار الانوار " ج 108 / 176، من إجازة المولى محمود اللاهجاني تلميذ الشهيد للسيد الامير صدر جهان. 4 - " بحار الانوار " ج 110 / 49، مما كتبه الشهيد في طريق روايته للصحيفة السجادية. 5 - " إحياء الداثر " / 141، من إجازة الشهيد لعطاء الله بن بد الدين حسن الحسيني الموسوي (*).

[ 19 ]

6 - ".. وقد فرغ من تسويد هذه الرسالة.. زين الدين بن علي العاملي الشهير بابن الحجة، وكان زمان تأليفها ورقمها من أولها إلى آخرها في جزء يسير من يوم قصير وهو الخامس عشر من شهر شوال من شهور سنة تسع وأربعين وتسعمائة " (1)، 7 - ".. وكتب مالكه زين الدين بن علي الشهير بابن الحاجة كان الله له " (2)، 8 - ".. وكل ماروى وصنف الشيخ السعيد والفقيه النبيه الشهيد.. الشيخ زين الدين بن أحمد الشهير بابن الحجة " (3)، 9 ".. وجمع ماروى وألف الشيخ السعيد والفقيه النبيه.. الشيخ زين الدين بن أحمد شهر بابن الحاجة " (4)، 10 - ".. عن شيخ علماء المحققين زين الدين بن علي الشهير بابن الحجة " (5) 11 - ".. الشيخ السعيد المحقق زين الملة والدين عرف بابن الحجة " (7)، 12 ".. الشيخ زين الدين [ بن ] علي بن أحمد المعروف بابن الحجة والمشهور بالشهيد الثاني " (7) إن أكثر هذه الموارد - وهو ما عد الثاني والرابع والسادس والسابع والعاشر صريح في أن " ابن الحاجة " شهرة الشهيد نفسه، وبقية الموارد الخمسة وإن كانت غير صريحة إلا أن ظاهرها هو ذلك أيضا، وتكون الموارد الصريحة قرينة على حمل الموارد الخمسة على ظاهرها. فلا مجال للتشكيك في اشتهار الشهيد بهذه الكنية، والان لنرى هل لنا دليل على شهرة والده بهذه الكنية أيضا ؟ ومن الجدير بالذكر أن الشهيد كان في حياته مشتهرا بابن الحاجة، وأما بعد شهادته فقد غطى لقب " الشهيد " على هذه الكنية فقل


1 - " فهرست كتابخانه إهدائي مشكاة به كتابخانه دانشگاه تهران " ج 5 / 1957، من عبارة الشهيد في آخر رسالته في عدم جواز تقليد الاموات من المجتهدين. 2 - " فهرست نسخه هاي خطى كتابخانه مركزي دانشگاه تهران " ج 15 / 4231، مما كتبه الشهيد في نسخة من كتاب " الخلاصة " للعلامة الحلي (قده). 3 - " بحار الانوار " ج 108 / 182، من إجازة المولى محمود اللاهيجاني تلميذ الشهيد للسيد عماد الدين. 4 - " بحار الانوار " ج 108 / 186، من إجازة المولى محمود اللاهجاني تلميذ الشهيد للسيد الامير معين الدين. واعلم أن في الطبعة الحديثة ل‍ " بحار الانوار " قد صحف " اللاهجاني " ب‍ " الاهمالي " في أربعة مواضع من المجلد 108، في ص 185 و 187، وهو سهو وتصحيف بلا ريب. 5 - " بحار الانوار " ج 110 / 51، مما كتبه العلامة محمد تقي المجلسي في طريق روايته للصحيفة السجادية. 6 - " بحار الانوار " ج 108 / 129. 7 - " قاموس الرجال " ج 11، من إجازة المولى أحمد النراقي لولده (*).

[ 20 ]

إطلاقها عليه، ولعله لهذا استغرب البعض ذلك ومنهم الحر العاملي وقال: كان والده مشتهرا بهذه. وهو أول من قال هذا وتبعه الاخرون وأخذوا منه ونقلوا عنه. ولو كان والده الشهيد أيضا مشتهرا بابن الحاجة، كان ينبغي أن يشير إليه نفس الشهيد أو ابنه أو تلامذته أو صاحب " الدر المنثور " حفيد صاحب " المعالم " ولو لمرة واحدة على الاقل، فكيف لم يذكر ذلك أحد من هؤلاء وإنما التفت لذلك الشيخ الحر العاملي بعد قرن تقريبا من شهادة الشهيد ؟ ولما ذا لم يذكر الشيخ الحر والناقلون عنه كصاحب " الروضات " و " المستدرك " اشتهار الشهيد بها مع أنها شهرته قطعا ؟ كل ذلك يدل على أن الحر (ره) قد خلط بين الوالد والولد فحسب شهرة الولد للوالد، وطبق كل مورد عبر فيه عن الشهيد بابن الحاجة على أبيه. أضف إلى ذلك أن الشيخ الحر منفرد في هذا الكلام - والاخرون إنما نقلوا عنه تقليدا لا تحقيقا - وقد ارتكب في صفحات ترجمة الشهيد عدة أخطأ أخرى كبرى وعجيبة في تاريخ حياة الشهيد، وعلى هذا فلا يكون كلامه، حجة في هذا الموضوع. ولو كان لنا مجال في هذا المقال لنقلنا لكم موارد من اعتراضات وانتقادات صاحب " الرياض " على صاحب " أمل الامل " كي لاتسغربوا هذا الكلام. فتأمل في المقام. 6 - ورود في بعض المصادر: " أنه قد استشهد الشهيد وعمر ولده [ الشيخ حسن صاحب " المعالم " أربع أو سبع سنين " وقد ولد صاحب " المعالم " في 27 شهر رمضان المعظم سنة 959، وعلى هذا فيكون عمره حين شهادة والده سنة 965 ست سنين، وإذا كانت شهادته سنة 966 - على القول الاخر الباطل، كما مر - يكون لولده الشيخ حسن سبع سنين. وعلى هذا فالاحتمال الاول أعني أربع سنين على كلا الفرضين غير صحيح. 7 - جاء في " أعيان الشيعة " (ج 7 / 144، 155): " أن أم صاحب " المدارك " بعد وفاة والده تزوجها الشهيد الثاني، وكان ثمرة هذا الزواج هو الشيخ حسن صاحب " المعالم " فصاحب " المعالم " أخو صاحب " المدارك " لامه، وكان صاحب " المدارك " ربيب الشهيد " وهذا سهو، وشرح ذلك كما يلي: إن السيد علي والد صاحب " المدارك " تزوج ابنة الشهيد الثاني التي كانت من


1 - " الدر المنثور " ج 2 / 200، وراجع " ريحانة الادب " ج 3 / 394 (*).

[ 21 ]

زوجته الاولى أي بنت الشيخ علي الميسي، وولد السيد محمد صاحب " المدارك " في سنة 946 (1) من هذا الزواج، وعلى هذا فيكون الشهيد الثاني جد صاحب " المدارك " لامه. وبعد شهادة الشهيد الثاني تزوج السيد علي - صهر الشهيد ووالد صاحب " المدارك " - تزوج أم صاحب " المعالم " أي الزوجة الاخرى للشهيد، وعلى هذا فيكون صاحب " المعالم " ربيب السيد علي - والد صاحب " المدارك " - وخال صاحب " المدارك " أيضا، وولد من هذا الزواج الثاني السيد نور الدين جد العلامة السيد حسن الصدر، وعلى هذا يكون السيد نور الدين أخا لصاحب " المعالم " من ناحية أمه، وأخا لصاحب " المدارك " من ناحية أبيه. (2) وجاء في " إحياء الداثر " (/ 164): " أن السيد علي والد صاحب " المدارك " بعد شهادة الشهيد تزوج بأم صاحب " المعالم " وولد له صاحب " المدارك " وهذا أيضا غير تام، والصحيح ما مر، من أن صاحب " المدارك " أكبر من صاحب " المعالم " بعدة سنين كما رأيت. 8 - جاء في " روضات الجنات " (ج 3 / 379) و " أعيان الشيعة " (ج 7 / 156)، ومقدمة الطبعة الجديدة لكتاب " مسكن الفؤاد " (/ 6 - 7) في بيان علة كتابته: " أنه ابتلي بموت أولاده في مقتبل أعمارهم حتى أصبح لا يثق ببقاء أحد منهم ولم يسلم منهم إلا ولده الشيخ حسن الذي كان الشهيد يشك في بقائه... فألف كتابه " مسكن الفؤاد " وقلبه يقطر ألما وحسرة وهو يرى أولاده أزهارا يافعة تقطف أمام عينيه ". ويرد على هذا المقال إشكالان: الاول. أن الشيخ حسن لم يكن الولد الوحيد الباقي للشهيد بعد أوان الطفولة، بل - كما مر - إن أم صاحب " المدارك " أيضا من أولاد الشهيد وقد بقيت حتى تزوجت وأنجبت، الثاني: من المقطوع به أن تأليف " مسكن الفؤاد " انتهى في سنة 954 وأن صاحب المعالم قد ولد في 959 فكيف يمكن أن يقال: بما أنه فقد أولاده إلا الشيخ حسن لذلك كتب هذا الكتاب ؟ فتأمل.


1 - ذكر هذا التاريخ في " أعيان الشيعة " ج 10 / 6، " والفؤاد الرضوية " / 559، ويحتمل أن يكون الصحيح: 956. 2 - راجع " تكملة أمل الامل " / 138، 389، 290، 303، " إحياء الداثر " / 63 (*).

[ 22 ]

د - أساتذة الشهيد الثاني وتلامذته 9 - عد بعضهم السيد عبد الرحيم العباسي صاحب " معاهد التنصيص " في زمرة أساتذة الشهيد وقال: " هو ممن طلب العلم لديه الشهيد ". بينما لم يتلمذ الشهيد لدى السيد عبد الرحيم، أبدا بل إنما لاقاه في القسطنطنية سنة 952 (1) - وهي من سني أواخر عمر الشهيد، والطبيعي أن يكون آنذاك غنيا عن الاستاذ - وكان صديقا له ويروي عنه " القاموس ". ويقول صاحب " المعالم " في إجازته الكبيرة بهذا الشأن: " وكان اجتماعه به في قسطنطنية، ورأيت له كتابة إلى الوالد تدل على كثرة مودته له ومزيد اعتنائه بشأنه ". 10 - ورد في كتب عديدة منها " روضات الجنات " (ج 3 / 359) و " أعيان الشيعة " (ج 7 / 146) و " إحياء الداثر " (/ 229) و " الذريعة " (ج 3 / 136)، وج 8 / 76): " أن ابن العودي تلميذ الشهيد وملازمه بدأت صحبته مع الشهيد من سنة 945 ولازمه حتى سنة 962، أي ثلاث سنين قبل شهادته ". بينما يستفاد من موارد متعددة من رسالة ابن العودي أنه قد تشرف بمحضر الشهيد قبل هذا التاريخ (3) - كما مر ولهذا يبدو لنا أن 945 مصحف من 940، كما صحفت سنة وفاة المحقق الكركي في كلام ابن العودي المنقول في " الدر المنثور " (ج 2 / 140) من 940 إلى 945 ه‍. 11 - قال بعضهم " كان الشهيد الثاني من تلامذة المحقق الكركي قبل مجئ المحقق الكركي إلى إيران " وهذا أيضا لايتم، فإن الشهيد لم يتتلمذ لدى المحقق الكركي وأيضا ليست له منه إجازة، بل يروي عنه بواسطة كما صرح بهذا ابن العودي. ومن الشواهد لهذا ما جاء في إجازة الشهيد لوالد الشيخ البهائي، قال: " وعن الشيخ جمال الدين أحمد - وجماعة من الاصحاب الاخيار - عن الشيخ الامام المحقق نادرة الزمان ويتيمة الاوان الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي الكركي قدس الله تعالى


1 - " الدر المنثور " 2 / 176 - 177. 2 - " بحار الانوار " ج 109 / 79. 3 - " الدر المنثور " ج 2 / 159 - 161. 4 - " الدر المنثور " ج 2 / 160 (*).

[ 23 ]

روحه " (1). ونقرأ في نفس هذه الاجازة: " ومنها عن شيخنا الجليل المتقن الفاضل جمال الدين أحمد... عن الشيخ الامام ملك العلماء والمحققين الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي الكركي المولد الغروي الخاتمة " (2). وكتب المحدث النوري مشيرا إلى نفس هذه النقطة في خاتمة " مستدرك الوسائل " (ج 3 / 416) يقول: " إن عدم رواية الشهيد عن المحقق الثاني لم يكن لتأخر زمانه بل لعدم ملاقاته. " وجاء في " مقابس الانوار " (/ 15): " أنه روى [ يعني الشهيد ] عن الكركي بواسطة، وعن الميسي بها وبدونها ". والظاهر أن السبب في هذا السهو هو اتحاد الاسم بين المحقق الكركي والفاضل الميسي واطلاق " علي بن عبد العالي " على كليهما كثيرا. 12 - جاء في مقدمة الشيخ محمد مهدي الاصفي ل‍ " شرح اللمعة " (ج 1 / 154 - 155). بصددبيان رحلات الشهيد العلمية: " أنه طلبا لمزيد العلم رحل إلى قرية ميس وقرأ فيها على العالم الكبير الشيخ علي بن عبد العالي الكركي من سنة 925 حتى 933 كتب " الشرائع " و " الارشاد " وأكثر " القواعد "، وفي هذا التاريخ بداله أو يترك ميس إلى كرك نوح، حيث يقيم الشيخ علي الميسي، وكان الشيخ علي زوج خالة الشهيد وتزوج الشهيد بعد ذلك ابنة الشيخ علي ". وفي هذا الكلام عدة أخطاء: أولا: تصور الشيخ الاصفي أن الشيخ علي بن عبد العالي الذي قرأ الشهيد عليه " الشرائع " وأكثر " القواعد " و " الارشاد " هو غير الشيخ علي الميسي زوج خالته، بينما هو هو لا غيره، ثانيا: كان الشيخ علي بن عبد العالي الميسي شيخ الشهيد مقيما في ميس لا كرك نوح، والصحيح هو علي بن عبد العالي الميسي لا الكركي، بل علي بن عبد العالي الكركي هو المحقق الكركي المعروف بالمحقق الثاني وهو غير هذا، ثالثا: أصل الزواج وأن زواجه هذا بابنة خالته ابنة الشيخ علي الميسي كان أول


1 - " بحار الانوار " ج 108 / 151. 2 - " بحار الانوار " ج 108 / 156. وراجع " رياض العلماء " ج 2 / 367، و " مشجرة مواقع النجوم " / 23، و " مشجرة إجازات علماء الامامية " / 12 و " أعيان الشيعة " ج 7 / 158، و " بحار الانوار " ج 109 / 49، وج 108 / 176 (*).

[ 24 ]

تزوج له، متيقن مقطوع به، ولكن لا دليل على ما قال: " إنه بعد سفره هذا [ أي سفره في عام 933 ] تزوج بها " وقد عكس بعض آخر وقال " إنه تزوج بها قبل سفره في عام 933 " وهذا أيضا لادليل عليه وإن كان يرجح في النظر. 13 - كتب محقق كتاب " أحسن التواريخ " في تعاليقة على الكتاب (في ص 697) وأحد مترجمي كتاب " مسكن الفؤاد " (1) للشهيد بالفارسية، في مقدمة ترجمته عدا الشهيد من تلامذة العلامة الحلي ! والسهو في هذا الكلام أظهر من الشمس، فمحال أن يكون المولود في 911 ه‍ تلميذا للعلامة الحلي المتوفي 726 ه‍ ! والسبب في هذا السهو كأنه هو ما جاء في بعض كتب التراجم أن أحد أجداد الشهيد كان من تلامذة العلامة الحلي. وهذا مما يذكر في نسب الشهيد، إلا أن هذين الكاتبين تصورا أن هذا يرجع إلى نفس الشهيد. ه‍ - تأليفات الشهيد الثاني وما نسب إليه كتاب " جواهر الكلمات " 14 - نسب كتاب " جواهر الكلمات في صيغ العقود والايقاعات " إلى الشهيد الثاني في كتب: 1 - " روضات الجنات " ج 3 / 380، 2 - " ريحانة الادب " ج 3 / 282، 3 - " شهداء الفضيلة " / 138، 4 - مقدمة " شرح اللمعة " ج 1 / 181. وفي " إحياء الداثر " / 40 بعنوان " صيغ العقود " إلا أن ما قمنا به من تحقيق دل على


1 - قد ترجم " مسكن الفؤاد " إلى الفارسية المرحوم الميرزا إسماعيل مجد الادباء الخراساني بعنوان " تسلية العباد في ترجمة مسكن الفؤاد " وطبع في مشهد في سنة 1321 ه‍، أي قبل 87 عاما. وأخيرا ترجم أربع ترجمات وطبعت ونشرت ! وهذا نموذج من العمل المكرر غير المثمر، بل ما يبدد الطاقات والامكانات المادية والمعنوية للبلاد ! وما أكثر العلم المكرر الخفيف في ميزان الثقافة في بلادنا، وهذه فاجعة كبرى. ولنا نماذج أخرى من ذلك، منها الترجمات المتعددة لكتاب " آداب المتعلمين " إذ ترجم الكتاب باسم " هداية الطالبين " وطبعت منذ عدة أعوام، وقبل نحو ثلاث سنين ترجم مرة اخرى ترجمة أحسن من الاولى باسم " شيوه دانش پژوهي " ومع ذلك ترجم وطبع أخيرا باسم " أنيس الطالبين " وهي أدون من الثانية ولا تزيد على الاول شيئا. وكان يهون الامر لو كان الكتاب للخواجه نصير الدين الطوسي، ومع أن التحقيق يدل على أن الكتاب ليس له وانما هو " تعليم المتعلم " لبرهان الدين الزرنوجي مع تغييرات طفيفة. وللتحقيق بهذا الشأن راجع مجلة " راهنماي كتاب " السنة 19، ص 427 - 428 (*).

[ 25 ]

أن الشهيد الثاني لم يكن له كتاب بعنوان " جواهر الكلمات في صيغ العقود والايقاعات " وأن ما ورد في الكتب المذكورة من نسبة هذا الكتاب إلى الشهيد الثاني فإنما هو خطأ قطعا. والان قبل أن نعرض للدليل على هذه الدعوى نرى من الضروري أن نلفت النظر إلى عدة نقاط: من المسلم به أن للعالم الكبير المرحوم الصيمري كتابا بنفس هذا الاسم، وقد عرف المرحوم الشيخ آقا بزرگ الطهراني عدة نسخ مخطوطة منه، ورأى نسخته بخط نفس المؤلف (1). ومنها نسخ مخطوطة في مكتبة المسجد الاعظم بقم المقدسة برقم 3812، ومكتبة آية الله النجفي المرعشي العامة. ومن المسلم به أيضا أن للمحقق الكركي كتابا باسم " صيغ العقود " وهو مطبوع ضمن مجموعة باسم " كلمات المحققين " (/ 445 - 466) وقد ذكر المحقق الكركي هذا الكتاب في إجازته للقاضي صفي الدين إذ كتب يقول: " وأجزت له... أن يروي عني جميع ما صنفته وألفته... ومن ذلك المختصر المتكفل ببيان صيغ العقود والايقاعات... " (2) وقد عرف هذا الكتاب في " الذريعة " (ج 5 / 279، ج 15 / 110) وقد يسمى " جواهر الكلمات " - وإن كانت هذه التسمية خطأ كما يأتي - وهو موجود بخط نفس المؤلف في مكتبة الامام الرضا عليه السلام في مشهد برقم 278، من كتب الفقه، يبدأ بقوله: " الحمدلله حمدا كثيرا كما هو أهله... فهذه جملة كافلة ببيان صيغ العقود والايقاعات... " (3) وينتهي بقوله " صورة الحكم الحاكم الذي لا ينقض، وأن الاقرار ليس من العقود ولا الايقاعات " (4). لم يذكر الشهيد الثاني ولا أحد من تلامذته في إجازاتهم ومكتوباتهم كتابا بهذا الاسم في عداد مؤلفات الشهيد. وكذلك لم ينسبه إليه تلميذه الملازم له ابن العودي. وكذلك حفيد ابن الشهيد صاحب " الدر المنثور " بعد ذكره أسامي الكتب التي ذكرها ابن العودي في مؤلفات الشهيد، ذكر زهاء عشرين كتابا آخر للشهيد - لم يذكرها ابن


1 - " الذريعة " ج 5 / 279 - 280، ج 2 / 508، ج 15 / 109. 2 - " بحار الانوار " ج 108 / 79. 3 - " كلمات المحققين " / 445. 4 - " كلمات المحققين " / 465 - 466 (*).

[ 26 ]

العودي - ولم يذكر " جواهر الكلمات " (1). وكذلك لم ينسب هذا الكتاب إلى الشهيد في كتب: " أمل الامل " ج 1 / 85 - 91 و " معجم رجال الحديث " (ج 7 / 372 - 374) و " لؤلؤة البحرين " (/ 28 - 36) و " الفوائد الرضوية " (/ 186 - 190) و " قصص العلماء " (/ 260 - 261) وشك في ذلك الشيخ آقابزرك الطهراني في " الذريعة " (ج 5 / 278). والان وبعد أن اتضحت هذه المقدمات، نضيف أن منشأ هذا الخطأ في كلمات مؤلفي " شهداء الفضيلة " و " ريحانة الادب " ومقدمة الشيخ الاصفي ل‍ " شرح اللمعة "، إنما هو خطأ صاحب " روضات الجنات " الذي نسب هذا الكتاب إلى الشهيد، والذي طرأ له لعدم إمعانه النظر في كلام صاحب " رياض العلماء " إذ قال: " ومن مؤلفاته التي عثرنا عليها - سوى ما سبق - كتاب " جواهر الكلمات في صيغ العقود والايقاعات " رأيت منه نسخة في خزانة الحضرة الرضوية بمشهد الرضا عليه السلام. لكن الحق عندي كونه من مؤلفات غيره وهو الشيخ حسن بن مفلح الصيمري المشهور " (2). وصاحب " روضات الجنات " لم يلتفت إلى ذيل كلام صاحب " الرياض " ونقل صدره فقال: " ومن جملة مصنفاته - غير المذكورة في " الامل " أيضا - على ما ذكره صاحب " رياض العلماء "... ومنها رسالة في " تحقيق الاجماع " وكتاب " جواهر الكلمات في صيغ العقود والايقاعات " (3). تلاحظون أن صاحب " الروضات " يجعل مستنده كلام صاحب " الرياض " بينما لم ينسب صاحب " الرياض " هذا الكتاب إلى الشهيد بل قال بعد ذكره: " ولكن الحق عندي كونه من مؤلفات غيره " فنقل الاخرون كلام صاحب " الروضات " من دون تحقيق في ذلك، اللهم إلا صاحب " أعيان الشيعة " فإنه بعد ذكر عنوان الكتاب أورد عين عبارة صاحب " الرياض " المذكورة آنفا في عدم صحة هذه النسبة


1 - راجع " الدر المنثور " ج 2 / 189. 2 - " رياض العلماء " ج 2 / 384، كذا في " رياض العلماء " ج 2 / 384، ولكن الصحيح " الشيخ مفلح بن حسن الصيمري " بدل " الشيخ حسن بن مفلح الصيمري " كما في " الذريعة " ج 2 / 508، وج 3 / 335، وج 5 / 279، و " إحياء الداثر " / 66، و " رياض العلماء " ج 5 / 215. 3 - " روضات الجنات " ج 3 / 380. 4 - " أعيان الشيعة " ج 7 / 156 (*).

[ 27 ]

أما صاحب " الذريعة " فإنه يذكر هذا الكتاب في موضعين من " الذريعة " (ج 5 / 278، ج 15 / 109) ويذكر له الخصائص ما يفيد أنه هو كتاب " صيغ العقود " للمحقق الكركي، فمثلا كتب يقول: " أولها: الحمد لله كثيرا كما هو أهله... فهذه جملة كاملة [ ظ: كافلة ] ببيان صيغ العقود والايقاعات... وآخرها: صورة حكم الحاكم الذي لا يجوز رده " (1). وكذلك يذكر " صيغ العقود " للمحقق الكركي في موضعين: مرة بعنوان " جواهر الكلمات " وأخرى بعنوان " صيغ العقود " ويقول: " جواهر الكلمات، للمحقق الكركي، نسب ذلك إليه في بعض الفهارس، والظاهر أن المراد هو المعروف بصيغ العقود الموجودة نسخته بخط المولف في الخزانة الرضوية. وطبع مكررا. أوله الحمد لله [ كثيرا ] كما هو أهله... ". (2) وكتب يقول أيضا: " صيغ العقود والايقاعات للمحقق الكركي... أولها: الحمد لله [ كثيرا ] كما هو أهله. ولعلها " جواهر الكلمات " المنسوبة إليه كما مر، وطبعت... في مجموعة " كلمات المحققين "... ونسخة خط المؤلف في المكتبة الرضوية ". (3) وكتب صاحب " الرياض " في ترجمة الصيمري يقول: " وله رسالة سماها: جواهر الكلمات في العقود والايقاعات... ورأيت مكتوبا على ظهر نسخة من " جواهر الكلمات " - وكانت عتيقة في خزانة الكتب الموقوفة على الروضة الرضوية - أنه من تأليف الشهيد الثاني. ولعلهما اثنان " (4). وفي مكتبة الامام الرضا عليه السلام في مشهد نسختان من " جواهر الكلمات " للصيمري، برقم 116 و 119 من كتب الفقه، ونسخ من " صيغ العقود " للكركي، منها نسختان برقم 278، 279 من كتب الفقه، وليس فيها - على ما في فهرسها - كتاب بأحد هذين العوانين من تأليف الشهيد. فنستنتج مما مضى امورا هي: 1 - أن ليس للشهيد الثاني كتاب باسم " جواهر الكلمات ". 2 - الظاهر أن النسخة التي رأها صاحب " الرياض " من " جواهر الكلمات " في مكتبة الامام الرضا عليه السلام لم تكن للصيمري بل هي " صيغ العقود " للمحقق الكركي.


1 - " الذريعة " ج 15 / 109. 2 - " الذريعة " ج 5 / 279. 3 - " الذريعة " ج 15 / 110. 4 - " رياض العلماء " ج 5 / 215 (*).

[ 28 ]

3 - أن الصيمري قد كتب كتابا باسم جواهر الكلمات " وتوجد منه نسخ مخطوطة متعددة. 4 - الظا هر أن تسمية " صيغ العقود " للكركي ب‍ " جواهر الكلمات " خطأ، فإنه لم يذكر - في أي كتاب من كتب التراجم ولا في إجازات المحقق الكركي وتلاميذه - هذا الكتاب بهذا العنوان، وأن وجود هذا الاسم خطأ على نسخة من " صيغ العقود " في مكتبة الامام الرضا عليه السلام أو هم صاحب " الرياض " بأن ينسبه إلى الصيمري. وهنا نقطة اخرى هي أن اشتراك المحقق الكركي لقبا مع الشهيد الثاني في اسم " زين الدين " قد يكون له أثر في عروض هذا الخطأ لصاحب " الرياض " ولعله كتب على ظهر النسخة أنه للشيخ زين الدين، فتوهم صاحب " الرياض " أنه هو الشهيد الثاني، بينما كان المراد منه المحقق الكركي الملقب بزين الدين. كتاب " غاية المراد في شرح نكت الارشاد " 15 - نسب هذا الكتاب في كتاب " شهداء الفضيلة " (/ 139) إلى الشهيد الثاني، في حين أنه للشهيد الاول قطعا، واسم شرح " الارشاد " للشهيد الثاني إنما هو " روض الجنان في شرح إرشاد الاذهان " وكأن هذا السهو والمسامحة لكاتب " شهداء الفضيلة " قدس الله نفسه الزكية، إنما نشأت من أن العلامة العظيم والفقيه والمحدث الجليل المرحوم المولى محمد باقر المجلسي قدس الله نفسه الزكية، نسب هذا الكتاب إليه (1) في مقدمة كتابه الشريف " بحار الانوار " ضمن تعداده لاثار الشهيد الثاني، مع أنه في ذكره مؤلفات الشهيد الاول أيضا نسب كتاب " نكت الارشاد " - الذي هو نفس " غاير المراد " - إلى الشهيد الاول. فهو هنا بدل أن يكتب " روض الجنان " كتب " غاية المراد " سهوا، وهذا سهو قلمى كتبي لاعملي فهو قدس سره، أجل وأرفع من أن يقع في مثل هذا الاشتباه. وكتب صاحب " الرياض " بهذا الشأن يقول: " وقال الاستاذ الاستناد أيده الله تعالى، في أول " البحار "... وكتاب الروضة البهية وكتاب


1 - " بحار الانوار " ج 1 / 19. 2 - " بحار الانوار " ج 1 / 10 (*).

[ 29 ]

غاية المراد و... للشهيد الثاني. وأقول: غاية المراد للشهيد الاول في شرح الارشاد، واما شرح الشهيد الثاني عليه فقد سماه روض الجنان في شرح إرشاد الاذهان " (1). 16 - كتب الشيخ المامقاني (قده) في عداد آثار الشهيد في ترجمته: ".. وشرح الدراية، للشهيد الاول، سماه: " الرعاية في شرح الدراية " (2). وهو سهو واضح، فإن " البداية في الدراية " وشرحه كليهما الشهيد الثاني. 17 - ونسب المرحوم المحدث النوري (قده) كتاب " الدرة الباهرة من الاصداف الطاهرة " إلى الشهيد الثاني (3). هو إما خطأ مطبعي أو من سهو القلم، فإن الكتاب قطعا ليس من الشهيد الثاني وإنما هو منسوب إلى الشهيد الاول، كما في " بحار الانوار " (ج 1 / 10، 29 - 30) و " الذريعة " (ج 8 / 90) قال العلامة المجلسي عليه الرحمة "... وكتاب الدرة الباهرة من الاصداف الطاهرة، له [ أي للشهيد الاول ] قدس سره أيضا كما أظن، والاخير عندي منقولا عن خطه رحمه الله "، " ومؤلفات الشهيد مشهورة... إلا... الدرة الباهرة، فإنه لم يشتهر اشتهار وسائر كتبه... ". وعلى فرض أن لا يكون للشهيد الاول فليس للثاني قطعا. كتاب " مسالك الافهام " 18 - ورود في مقدمة " شرح اللمعة " (ج 1 / 177) وبعض الكتب الاخرى، هكذا " مسالك الافهام: شرح مزجي لشرائع الاسلام " ولا حاجة للتدليل على عدم صحة هذا الكلام، فواضح لمن ألقى نظرة على المسالك، وكوضوح النار على المنار والشمس في رابعة النهار، أن المسالك ليس شرحا مزجيا للشرائع بل هو كالحاشية له وعلى طريقة قوله... قوله، وان كان كبيرا مبسوطا في سبعة أجزاء وطبع في مجلدين كبيرين. والاسم الصحيح لهذا الكتاب كما ذكره الشهيد في أوله وصرح به


1 - " رياض العلماء " ج 2 / 368، 2 - " تنقيح المقال " ج 1 / 473. 3 - " مستدرك الوسائل " ج 1 / 177، كتاب الصلاة، 4 - " بحار الانوار " ج 1 / 10. 5 - " بحار الانوار " ج 1 / 29 - 30 (*).

[ 30 ]

في بعض إجازاته هو: " مسالك الافهام إلى تنقيح شرائع الاسلام " وليس هو " مسالك الافهام إلى شرح شرائع الاسلام " على أنه لو كان هذا اسمه مع ذلك لم يكن ليدل على الشرح المزجي. 19 - جاء في بعض الكتب منها " روضات الجنات " (ج 3 / 378) ومقدمة " شرح اللمعة " (ج 1 / 183) نقلا عن " الروضات ": أنه يقال: إنه صنف ذلك الكتاب [ أي المسالك ] أيضا في مدة تسعة أشهر ". مع أن الذي يبدو لنا من الشواهد والقرائن هو خلاف هذا أيضا. وقبل أن نأخذ في بيان أدلة دعوانا هذه، من الضروري أن نذكر بأن هذا مما لم يذكره الشهيد ولا ابنه وتلميذه، ولم يقله حتى صاحب " الدر المنثور " و " أمل الامل " و " رياض العلماء " مع أن الاول جمع إلى ما ذكره ابن العودي بعض الاضافات الاخرى مما فاته. وإنما نقله صاحب " الروضات " (ج 3 / 378) وذلك بعبارة: " ويقال إنه صنف ذلك الكتاب في مدة تسعة أشهر " مما يبدو أنه لاسند له في ذلك وإنما يستند إلى " يقال ". وفي " الذريعة " (ج 20 / 378): " وحكي عن الشيخ عن النباطي عن والده: أن مدة تصنيفه تسعة أشهر " وهو أيضا " حكي عن... " وبما أن هذا الامر موضوع مهم. فلو كان واقعا حقيقة كان ينبغي أن يذكره الشهيد في رسالته في ترجمة نفسه أو في إجازاته أو في نفس " المسالك " وكان ينبغي لابنه أو تلميذه ابن العودي أو سائر تلامذته أن يذكروا ذلك، ولو لم يكن لنا أي دليل على بطلان هذه الدعواى لم يكن لنا أن نستند إلى " يقال " كما في " الروضات " ولا إلى " حكي عن " كما في " الذريعة " على أن لنا دليلا لابطالها هو: " أن " المسالك " قد طال تأليفه على الاقل ثلاث عشرة سنة (951 - 964) فإنه في سبعة أجزاء، ويظهر من الفهارس و " الذريعة " (ج 20 / 378) ونسخها المخطوطة (1) أن الشهيد قد أنهى الجزء الاول منه في شهر رمضان 951، والجزء الثاني في أول ربيع الاول 956 والجزء الثالث في ربيع الاول سنة 963، والجزء الرابع في أواخر جمادى الاخرة 963 أيضا، وكتاب النذر في شهر رمضان 963 أيضا والجزء السادس في


1 - منها مخطوطتان في مكتبة الامام الرضا عليه السلام في مشهد، الرقم 358 و 370 من كتب الفقه، ومخطوطات في المكتبة المركزية لجامعة طهران، الرقم 762، 763 و 1121، ومخطوطات في مكتبة المدرسة الفيضية بقم المقدسة (*).

[ 31 ]

ذي الحجة 963 أيضا، والجزء الاخير في ربيع الاخر 964. وعلى هذا، فالقول بأن من الممكن أن يكون الشهيد قد توقف على العمل بعد البدء به مدة. ثم رجع إليه في سنة 961 مثلا - كما تفوه به بعض - كلام في غير محله ولا يفيد شيئا لرد دعوانا. أضف إلى ذلك أنه يستفاد من إجازة الشهيد للشيخ تاج الدين أنه لم يكن يكمل بتمامه كمالا نهائيا حتى في ربيع الاخر 964، حيث قال الشهيد في تلك الاجازة - التي تاريخها 14 شهر ذي الحجة الحرام من سنة 964 -: " فاستخرت الله تعالى وأجزته جميع ما جرى به قلمي من المصنفات المختصرة والمطولة، والحواشي والفوائد المفردة والفتاوى وهي كثيرة شهيرة لا يقتضي الحال ذكرها، ومن أهمها كتاب " مسالك الافهام في تنقيح شرائع الاسلام " - وفق الله تعالى لاكماله - في سبع مجلدات كبيرة... " (2). واما ماقاله المولى محمود بن محمد اللاهجاني - وهو من تلامذة الشهيد الملازمين له في أواخر عمره -: " إن الشهيد كتب الجزء الثالث من " المسالك " وما بعد في مدة اختفائه خوفا من أعدائه " - كما مر - فلا يكون دليلا على أن الجزء الثالث من " المسالك " وما بعده قد كتب في السنة الاخيرة من عمر الشهيد قرب شهادته، فإن الشهيد لم يكن مختفيا خوفا من أعدائه في السنة الاخيرة من عمره فقط، بل كان قبل ذلك وفي سنة 956 أيضا يعيش مختفيا كذلك، كما قال ابن العودي: " وكان في منزلي بجزين متخفيا من الاعداء ليلة الاثنين حادي عشر شهر صفر 956 " (3). وقال أيضا - إشارة إلى سنة 955 -: " وهذا التاريخ كان خاتمة أوقات الامان، والسلامة من الحدثان، ثم نزل به


1 - وقال الشيخ آقال بزرگ الطهراني قدس سره في " إحياء الداثر " / 276 في ترجمة يوسف الشامي: "... وهو تلميذ الشهيد الثاني. رأيت الجزء الثالث من " المسالك " للشهيد الذي فرغ من تأليفه 24 / ع 1 / 964، وفرغ صاحب الترجمة من كتابته 30 شعبان من تلك السنة، أي خمسة أشهر بعد تأليفه. والنسخة في مكتبة الشيخ علي كاشف الغطاء، فيظهر أنه قبل تشرفة إلى النجف كان تلميذ الشهيد في الشام، يقرأ عليه ويكتب تصانيفه شيئا فشيئا... " 2 - " بحار الانوار " ج 108 / 143 - 145. 3 - " الدر المنثور " ج 2 / 183 (*).

[ 32 ]

ما نزل... " (1). وعلى هذا فإن كتاب " المسالك " كان على الاقل من سنة 951 حتى 964 أي في طول ثلاث عشر سنة تحت قيد التأليف. ومن الواضح أننا لا نريد بذلك أن الشهيد في طول ثلاثة عشر عاما كان مشتغلا بكتابة " المسالك " من دون أن يكتب كتابا آخر، بل نقصد بهذا نفي ما قيل: إنه كتب الكتاب في مدة تسعة أشهر. وإذا قيل: إن معنى هذه العبارة هو أن مجموع المدة المتناثرة التي صرفها في تأليفه له كانت تسعة أشهر، ولو كان الكتاب قيد التأليف في مدة ثلاثة عشر عاما. فالجواب: أن هذا تأويل على خلاف ظاهر العبارة، ثم لا دليل عليه. وخلاصة الكلام: هو أن الذين يدعون أن الشهيد قد ألف " المسالك " في مدة تسعة أشهر - على فرض ثبوت الامر في الواقع - ما هو دليلهم لاثباته ؟ وكيف لهم أن يقولوا بهذا بالقطع واليقين ؟ ! " الروض " و " الروضة " 20 - جاء في كثير من المصادر أن أول تأليف الشهيد الثاني هو كتاب " روض الجنان في شرح إرشاد الاذهان "، وآخر تأليف له هي " الروضة " = " شرح اللمعة ". وبهذا المعنى تكررت في الكتب هذه الجملة " أولها الروض، وآخرها الروضة " وهي في بعض الكتب نقل نصفها الاول: " أولها الروض " وهي عبارة عن الكتب التالية: 1 - " معجم رجال الحديث " ج 7 / 373، 2 - " الدر المنثور " ج 2 / 184، 3 - " روضات الجنات " ج 3 / 373، 378، 4 - مقدمة " شرح اللمعة " ج 1 / 177، 5 - " مقابس الانوار " / 15. 6 - " أمل الامل " ج 1 / 86. والبعض الاخر من المصادر التي ذكرت الجملة كاملة هي كما يلي: 1 - " تكملة أمل الامل " / 214، 2 - " أعيان الشيعة " ج 7 / 154، 155، 3 - " ريحانة الادب " ج 3 / 280، 4 - " مستدرك الوسائل " ج 3 / 427. والجملة بشطريها في جميع هذه المصادر ترجع إلى مصدرين: " الدر المنثور " و " أمل


1 - " الدر المنثور " ج 2 / 182 (*).

[ 33 ]

الامل " وتثبت لنا الفرائن والشواهد والدلائل التاريخية أن الشطر الثاني من هذه الجملة غلط قطعا، بل الاقوى في الشطر الاول منها كذلك أيضا، ولا أقل من عدم دليل لاثباته. وقبل ذلك نرى من الضروري أن نذكر أن المصدر الاول للشطر الاول من الجملة هو مقال ابن العودي تلميذ الشهيد الثاني إذ قال: " فأول ما أفرغه في قالب التصنيف الشرخ المذكور [ يعني روض الجنان ]... خرج منه مجلد ضخم، ثم قطع منه على آخر كتاب الصلاة، والتفت إلى التعلق بأحوال الالفية " (1). هذه الدعوى لابن العودي صريحة في أن الشهيد الثاني ألف - أول ما ألف - " روض الجنان " ثم أقبل على سائر كتبه. إذا فاحتمال أن يكون مراد من قال تبعا لابن العودي: " أولها الروض " أنه شرع في تأليفه ومن الممكن أن يكون في خلال ذلك قد ألف كتبا اخرى، هذا الاحتمال منتف قطعا، بل مرادهم: أنه أنهى في أول أمره تأليف " روض الجنان " إلى آخر كتاب الصلاة - ولم يكتب منه أكثر من هذا المقدار - ثم شرع في كتابة سائر كتبه، وعلى افتراض عدم دلالة الادلة التي تقام قريبا على بطلان هذه الدعوى، فلا أقل من أنها تعارضها ولا يمكن معها الاستناد إليها وإليك أدلة هذا الكلام: أ - الدليل على عدم كون " روض الجنان " أول تأليف للشهيد هو: أولا: أن كتاب " روض الجنان " - أعني كتابي الطهارة والصلاة منه فقط، إذ لم يكتب منه أكثر من هذا المقدار (2) - انهي في يوم الجمة 25 ذي القعدة سنة 949، كما قال الشهيد في آخره - كما في نسخة الاصل بخط نفس الشهيد المحفوظة في مكتبة الامام الرضا عليه السلام برقم 2770 -: " تم الجزء الاول من كتاب " روض الجنان في شرح إرشاد الاذهان " ويتلوه في الجزء الثاني كتاب الزكاة. واتفق الفراغ منه يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة... سنه تسع وأربعين وتسعمائة على يد مصنفه... زين الدين بن علي بن أحمد العاملي، عامله الله بفضله وعفا عنهم بمنه، ووفقه لاكماله، وجعله خالصا لوجهه الكريم " (3).


1 - " الدر المنثور " ج 2 / 184. 2 - راجع " الدر المنثور " ج 2 / 183 - 184. " الذريعة " ج 11 / 275. 3 - وراجع النسخة المخطوطة من " روض الجنان " في المكتبة المزكزية لجامعة طهران. الرقم 776، والتي في مكتبة (*).

[ 34 ]

مع أن الشهيد كان قبل هذا التاريخ كتب كتبا أخرى مثل: 1 - حاشية على " الالفية " فإنه كتب على ظهر حاشيته على الالفية إجازة لحسين بن زمعة المدني، تاريخها أوائل شوال من سنة 948، فيظهر أنه ألف هذا الكتاب قبل هذا التاريخ أي أكثر من سنة قبل إنهائه لتأليف " روض الجنان " وإليك ما قاله الطهراني (قده " بشأن هذه الاجازة في ترجمة المجاز المشار إليه: " حسين المدني عز الدين: ابن زمعة المدني من تلاميذ الشهيد الثاني. وقد كتب له بخطه إجازة (" الذريعة " ج 1، الرقم 1001) على ظهر حاشية على " الالفية " بهذه الصورة: قد أجزت للشيخ الصالح التقي افتخار الاخيار الشيخ عز الدين حسين بن زمعة المدني أن يروي عني ويعمل بما تضمنه هذه الحاشية من الفتاوى والاحكام والتمست منه إجرائي على خاطره الشريف في تلك البقاع الشريفة بصالح الدعوات والزيارات حسب ما يسمع به كرمه، عسى أن يهب نسمات تلك الانوار المعظمة على هذه البرية المظلمة فيورق أغصان عودها ويطلع شمس سعودها ويقبل وارد وفودها، وذلك في أوائل شهر شوال من سنة ثمان وأربعين وتسعمائة وكتب مؤلفها الفقير إلى الله تعالى زين الدين بن علي بن الحجة تجاوز الله عن سيئاته ووفقه لمرضاته. والنسخة عند الاقا نجفي التبريزي المرعشي بقم. " (1) 2 - و " كشف الريبة " أنهاه في 13 صفر 949 كما صرح به الشهيد في آخره. 3 - رسالة في " عدم جواز تقليد الميت " التي قال عنها السيد الامين والطهراني أنها كتبت في 5 [ ظ 15 ] شوال 949 (2)، وتقدم نقل تصريح الشهيد في آخره بذلك. 4 - " شرح الالفية " الذي قال عنه السيد الامين أنه فرغ من تأليفه في 27


الامام الرضا عليه السلام في مشهد، الرقم 208 من كتب الفقه. وانظر أيضا " الذريعة ج 11 / 275. و " إحياء الداثر " / 87، قال الطهراني (قده) في " إحياء الداثر " / 63 - 64: " حسين الحسيني بن محمد بن علي بن أحمد من تلاميذ الشهيد الثاني. كتب بخطه " روض الجنان " للشهيد الثاني الذي فرغ من تأليفه يوم دحو الارض 949، وفرغ من كتابه 6 / ع 1 / 958، وكتب بخطه حواشي كثيرة من إملاء المصنف سلمه الله، يظهر أنه كتبها حين قرائته على الشهيد المصنف زين الدين في حياته، وفي آخر بعضها: " منه لا زال كاسمه " يعني من المصنف لا زال زينا للدين كاسمه زين الدين... والنسخة عند عبد الحسين الحجة بكربلاء ". 1 - " إحياء الداثر " / 72 وراجع ايضا " الذريعة " ج 1 / 193، ج 6 / 23. 2 - " أعيان الشيعة " ج 7 / 155، " الذريعة " ج 4 / 392، " إحياء الداثر " / 63 (*).

[ 35 ]

رجب 929 (1). ومن الممكن أن يكون قد وقع تصحيف في هذا التاريخ في " أعيان الشيعة " وأن يكون الصحيح فيه 939، ومهما يكن فهو أيضا شاهد لنا. ويحتمل اتحاد هذا الكتاب مع ما سبق بعنوان " حاشية الالفية ". 5 - " تفسير البسملة " فرغ منها في غرة شهر رمضان سنة 940، كما قال الشهيد في آخره، ونسخته المخطوطة توجد عند حجة الاسلام السيد محمد علي الروضاتي بإصبهان. وفي آخر هذه النسخة جاء التصريح بتاريخ الفراغ منها كما ذكرنا 6 - ومن كتب الشهيد المذكور في " الدر المنثور " (ج 2 / 188) كتاب " الرجال والنسب " الذي كتب عنه صاحب " الرياض " يقول: " وقد أخرج واختار من كل من كتاب " معالم العلماء " لابن شهر آشوب، ومن كتاب " رجال ابن داود " وكتاب " حل الاشكال في معرفة الرجال " للسيد جمال الدين ابن طاوس، جملة من الاسامي وجعل كل واحد منها رسالة مفردة. وقد كان نسخة " حل الاشكال " بخط مؤلفه عنده. وأنا رأيت تلك الرسائل، وعندنا نسخة من بعضها، وكان تاريخ اختياره من كتاب " حل الاشكال " المذكور سنة 941 " (2). وهكذا تلا حظون أن الشهيد قد كتب قسما من كتابه " الرجال والنسب " في سنة 941 أي قبل إنهاء تأليفه للروض بثمان سنين ! إن هذه الموارد خير دليل لدعوانا، وهي أنه كان قد كتب قيل إتمامه لتأليف " الروض " كتبا أخرى، ولسنا نقصد أنه لم يبدأ بكتابته للروض قبل إنهائه لهذه الكتب. ثانيا: أن نفس الشهيد الثاني - حسب تتبعي الناقص قد - أشار في ثلاثة مواضع من " روض الجنان " إلى سائر كتبه وأرجع القراء إليها، هي: " وقد أفردنا لتحقيق الاجماع في حال الغيبة رسالة تنفع في هذا المقام، من أرادها وقف عليها، وإنما أطنبنا القول في هذه المسألة لفوائد، ولشدة الحاجة إليها... " (3). وفي بحث " صلاة المسافر " كتب يقول: " إن هذه المسألة ليست من المسائل المنصوصة... ونحن قد أفردنا لتحقيقها وذكر أقسامها


1 - " أعيان الشيعة " ج 7 / 155. 2 - " رياض العلماء " ج 2 / 371 الهامش. 3 - روض الجنان " / 80 (*).

[ 36 ]

وما يتم فيه قول كل واحد من الاصحاب رسالة مفردة، من أراد الاطلاع على الحال فليقف عليها " (1). وفي بحث " صلاة القضاء فروعاتها " كتب يقول: " وقد أفردنا لتحقيق هذه المسألة رسالة مفردة، من أرادها وقف عليها " (2). فهذه الجمل صريحة أو ظاهرة في أن " الروض " ليس أول كتبه، وأن الرسائل التي أشار إليها قد كتبها قبل " الروض " أو في خلال تأليفه له، وعلى كلا الفرضين فهي شواهد لمدعانا، وإلحاق المؤلف لهذه العبارات بالروض بعد إتمام تأليفه بعيد، وعلى فرض ثبوته لا يضر بمدعانا بعد تلك الادلة. ثالثا: ومما قد يؤيد مدعانا هو أن الشهيد استشهد في سنة 956، وقد فرغ من كتابته للروض في سنة 949، فيكون بينهما ست عشرة سنة، وهذا بعيد في حد نفسه أن يكون الشهيد قد كتب نحو سبعين كتابا ورسالة في مدة ست عشرة سنة، وبعضها عدة مجلدات مثل " المسالك ". ونستنبط من مجموع ما قلناه أن لا يمكن أن نتمسك في هذا الموضوع بدعوى ابن العودي، وأن دعواه ليست بصحيحة. ب - وأما أن لا يكون " شرح اللمعة " آخر تأليف للشهيد فهو واضح جدا، وذلك لانه: أولا: أن الشهيد قد فرغ من تأليفه في سنة 957 كما كتب في آخر المجلد الثاني منه يقول: " وفرغ من تسويده مؤلفه الفقير... خاتمة ليلة السبت وهي الحادية والعشرون من شهر جمادى الاولى سنة سبع وخمسين وتسعمائة ". وقد كتب بعد هذا التاريخ عدة كتب أخرى مؤرخة في نهاياتها هي: " تمهيد القواعد " في سنة 958 (3). " شرح البداية في الدارية " في سنة 959 (4).


1 - " روض الجنان " / 339، 2 - " روض الجنان " / 357. 3 - " وكما في " أعيان الشيعة " ج 7 / 155 وعدة كتب اخرى. 4 - وكما في " أعيان الشيعة " ج 7 / 156، " الذريعة " ج 13 / 124 (*).

[ 37 ]

رسالة في " وجوب صلاة الجمعة " في سنة 962 (1). كتاب الديات من كتابه " المسالك " في سنة 964 (2). ثانيا: يعلم من إجازة الشهيد للشيخ تاج الدين الصادرة في سنة 964 (3)، أن تأليف " شرح اللمعة " كان قد انتهى في هذا التاريخ بينما لم يتم كتاب " المسالك ". ثالثا: استشهد الشهيد في سنة 965 وقد فرغ من تأليف المجلد الثاني من " شرح اللمعة " - كما مر - في سنة 957، فهل من المحتمل أن يكون قد أمسك يده في طول هذه الفترة (ثمان سنين) عن الكتابة، مع ما خلف من الكتب في عمر أقل من 55 سنة ؟ ! وليست هذه التواريخ المذكورة بشأن نهايات الكتب المذكورة محصورة على النسخ المطبوعة من هذه الكتب، بل قد ذكرت هذه التواريخ في النسخ المخطوطة منها أيضا، حتى كتب الشيخ آقا بزرگ الطهراني يقول: إنه قد زار نسخة من " شرح اللمعة " من كتاب الاقرار إلى آخره بخط نفس الشهيد، وكان قد كتب في آخره: أنه فرغ من تأليفه في شهر جمادى الاولى سنة 957 (4). وهذا النسخة موجودة في المكتبة المركزية لجامعة طهران برقم 709، من كتب السيد المشكاة المهداة إلى المكتبة المركزية لجامعة طهران، وإني أيضا رأيت خط نفس الشهيد في آخره، وهو كما نقلناه آنفا ونقله الطهراني قدس سره. أضف إلى ذلك كله: أن من لازم قول من يقول: " أو لها الروض وآخرها الروضة " مع أن " الروض " قد تم في سنة 949، و " الروضة " = " شرح اللمعة " في سنة 957: أن الشهيد إنما كان مشتغلا بأمر التأليف والكتابة في حدود ثمان سنين فقط ! وبطلان هذا الامر - حسب الدلائل الماضية والاتية كالشمس في رابعة النهار. 21 - وهناك شئ آخر يتعلق بهذا الموضوع أيضا هو أنه قد ذكر في مصادر كثيرة: أنه لما أتت الشرطة للقبض على الشهيد - وقتل الشهيد بعد ذلك بقليل - كان الشهيد في كرم له مشتغلا بتأليف " شرح اللمعة " وإليكم بعض هذه المصادر:


1 - وكما في " أعيان الشيعة " ج 7 / 155. 2 - وكما في " الذريعة " ج 20 / 378، وبعض المصادر الاخرى. 3 - راجع " بحار الانوار " ج 108 / 143 - 145. 4 - " الذريعة " ج 11 / 291 (*).

[ 38 ]

1 - " أمل الامل " ج 1 / 90، 2 - " تكملة أمل الامل " / 215. 3 - " روضات الجنات " ج 3 / 381، 4 - " مستدرك الوسائل " ج 3 / 427. 5 - " معجم رجال الحديث " ج 7 / 376، 6 - " أعيان الشيعة " ج 7 / 157، 7 - " سفينة البحار " ج 1 / 726، 8 - " ريحانة الادب " ج 3 / 286، 9 - مقدمة " شرح اللمعة " ج 1 / 193. والمصدر الاصل لهذا القول هو كتاب " أمل الامل " وعنه أخذت سائر المصادر. ومع ملاحظة الادلة الآتية يتضح المسامحة والخطأ والسهو في هذا أيضا. ومن الجدير بالذكر أن ابن العودي وهو التلميذ الملازم للشهيد لم يقل مقالا من هذا القبيل قط، وأقدم مأخذ له هو كما مر " أمل الامل ". والان إليكم الشواهد والمؤيدات على وهن هذا الموضوع: 1 - يقول صاحب " رياض العلماء " إنه رأى في آخر شرح اللمعة بخط تلميذ الشهيد الشيخ علي بن أحمد: أن تأليف الكتاب قد تم في 21 جمادى الاولى سنة 957 (1). 2 كانت في مكتبة الاستاذ الشيخ رضا الاستادي الطهراني دام تأييده نسخة مخطوطة من المجلد الثاني من " شرح اللمعة " بخط ناصر الدين... الحسيني العلوي، أنهى كتابتها في العشرين من ربيع الاول 959، أي بعد سنتين من تأليف " شرح اللمعة " وست سنين قبل شهادة الشهيد. 3 - عرف الشيخ آقا بزرگ الطهراني (قده) نسخة مخطوطة من " شرح اللمعة " كتبت في سنة 959، أي سنتين من تأليف " شرح اللمعة " وست سنين قبل شهادة الشهيد. وقال: والنسخة في مدرسة فاضلخان (الفاضلية) (2). 4 - عوف الشيخ آقا بزرگ الطهراني (قده) أيضا نسخة مخطوطة من " شرح اللمعة ". بخط الشيخ علي بن أحمد بن أبى جامع، كتبه في سنة 960 أي قبل شهادة الشهيد


1 - " رياض العلماء " ج 2 / 383. 2 - " الذريعة " ج 11 / 290، " إحياء الداثر " / 242 (*).

[ 39 ]

بخمس سنين، وقد قرأها على الشهيد، وكتب الشهيد بخطه إجازة له (1). 5 - كتب الشهيد إجازة لجمال الدين الحسن بن نور الدين علي الشهير بابن أبى الحسن على نسخة " شرح اللمعة " التي قرأها عليه، وصورتها بعد البسملة: " الحمد لله وسلامه على عباده الذين اصطفى. وبعد: فقد قرأ علي أكثر هذا الكتاب وسمع سائر المولى الاجل الفاضل الكامل، السيد السند، شرف العترة، جمال الاسرة، غرة آل الرسول، وقرة عين البتول، جمال الدين الحسن ابن السيد الجليل الصالح نور الدين علي الشهير نسبه بابن أبى الحسن الحسيني الموسوي - أدام الله تعالى شرفه وخص بالرحمة والعاطفة والرضوان رهطه وسلفه - قرأة مواتية مرعية مضبوطة، وقد أجزت له رواية الكتاب والعمل بما اشتمل عليه من الفتاوى وكذلك جميع ما صنفته وألفته... ". 6 - قال الطهراني (قده): " رأيت بخط علي بن الصائغ المجلد الاول من " الروضة البهية " فرغ من نسخة 15 / صفر / 958، وكتب أستاذه المؤلف في آخره إجازة له تاريخها 3 / ج 1 / 958، وصورة الاجازة: " أنهاه أحسن الله تعالى توفيقه وتأييده وأجزل من كل عارفة حظه ومزيده، قراءة وسماعا وفهما واستشراحا وتحقيقا في مجالس آخرها يوم الاحد لثلاثة خلت من شهر جمادى الاولى سنة 958 ". 7 - كتب الشهيد في إجازته اللسيد علي بن الصائغ في خاتمة شهر جمادى الاولى من سنة 958 ه‍، أي قبل شهادته بسبع سنين، وذلك بعد أن استنسخ السيد علي " شرح اللمعة " لنفسه بخطه وقرأه على الشهيد، كتب يقول: "... وبعد فقد قرأ علي بعض هذا الكتاب وسمع سائره المولى الاجل... نور الملة والدين علي ابن السيد الجليل النبيل الفاضل عز الدين حسين الشهير نسبه بالصائغ الحسيني الموسوي... قراءة بحث وتحقيق وتنقيح وتدقيق، جمع فيها بين توضيح المسائل وتنقيح الدلائل، وإبراز النكات، وتبين المواضع المشكلات، دلت على جودة فهمه واستنارة قريحته... وكتب هذه الاحرف بيده الفانية الفقير إلى عفو الله تعالى ورحمته


1 - " الذريعة " ج 11 / 292، وج 1 / 213. 2 - " إحياء الداثر " / 51. 3 - " إحياء الداثر " / 156، وراجع " الذريعة " ج 11 / 291 (*).

[ 40 ]

زين الدين بن علي بن أحمد الشامي مصنف الكتاب يوم الخميس خاتمة شهر جمادى الاولى سنة ثمان وخمسين وتسعمائة ". وكتب الشيخ محمد حفيد الشهيذ بهذا الشأن: " هذه إجازة كتبها جدي المبرور زين الملة والدين قدس سره، للمرحوم السيد علي الصائغ في آخر " شرح اللمعة " الذي كتبه بخطه وقرأه على المصنف رحمهما الله ". وتلا حظون أن هذا كله مضافا إلى ما تقدم آنفا من الادلة على أن " الروضة " ليس آخر تأليف للشيهد دليل على أن تأليف " الروضة " قد تمت قبل شهادة الشهيد بعده سنين، وأن تلامذة الشهيد استنسخوه وقرؤوه عليه قبل شهادته بعده سنين أيضا. ومع هذا فهل يصلح أن نقول إن الشهيد كان في أواخر عمره وقد جاءت الشرطة للقبض عليه وقتل بعده بقليل - مشتغلا بتأليفه ؟ ! 22 - إن " شرح اللمعة " كما مر ليس آخر تأليف للشهيد، وإنما هو سهو وقع فيه جماعة. ولتصحيح خطأ هؤلاء كتب بعضهم يقول: " من الممكن أن يكون تبييض الكتاب تم في آخر عمره، ويحتمل أن يكون كلام من قال ذلك ناظرا إلى هذا أيضا. " مع أنه قد تبين من ردودنا على أصل المقال عدم صحة هذا الاحتمال أيضا مائة بالمائة. 23 - كتب محقق كتاب " أحسن التواريخ " في تعاليقه على الكتاب يقول " إن الشهيد الثاني كتب " شرح اللمعة " في السجن ". وهو كلام واضح البطلان كوضوح النهار، ولم يذكر في أي مصدر كلام كهذا. 24 - جاء في مقدمة " شرح اللمعة " (ج 1 / 177) وبعض الكتب الاخرى أن " الذي يظهر من رسالة ابن العودي أن هذا الكتاب [ أي روض الجنان ] هو أول كتاب كتبه الشهيد في الفقه الاستدلالي " وقد مر أن ابن العودي يقول: إن الكتاب هو أول كتاب للشهيد، لا في خصوص الفقه الاستدلالي، 25 - نقرأ في كتب كثيرة مرجعها جميعا كتاب " أمل الآمل " (ج 1 / 90): أنه يستفاد من نسخة الاصل ل‍ " شرح اللمعة " - أي نسخة خط الشهيد - أنه ألفه في مدة


1 - " بحار الانوار " ج 108 / 139 - 143. 2 - " بحار الانوار " ج 108 / 139. 3 - " أحسن التواريخ " / 696 (*).

[ 41 ]

ستة أشهر وستة أيام، لانه كتب على ظهر النسخة تاريخ ابتداء التأليف. ومن هذه الكتب التي جاء فيها هذا الموضوع: 1 - " روضات الجنات " ج 3 / 377، 2 - خاتمة " مستدرك الوسائل " ج 3 / 427. 3 - " تكملة أمل الآمل " / 214، 4 - " ريحانة الادب " ج 3 / 282 5 - " تنقيح المقال " ج 1 / 473، 6 - " أعيان الشيعة " ج 7 / 155، 7 - مقدمة " شرح الشيعة " ج 1 / 193. وبشأن المدة التي طال فيها تأليف " شرح اللمعة " جاءت امور اخرى في الكتب وفي جميعها يدعى أنه " يظهر من نسخة الاصل " أو " يظهر مما نقل عن خطه " فمثلا: قال صاحب " رياض العلماء ". " رأيت منقولا عن خطه (ره): أنه شرع في " شرح اللمعة " مفتتح شهر ربيع الاول 956، وصرح في آخر الكتاب أنه فرغ ليلة السبت الحادية والعشرين من جمادى الاولى سنة 957. وعلى هذا فقد كان مدة تأليفه قريبا من خمسة عشر شهرا وهو غريب ". قال الطهراني (قده): " وفي نسخة موجودة عند المشكاة - وهي منقولة عن خط المؤلف - نقلا عن خط المؤلف في ظهر النسخة: أن شروعه في المجلد الاول كان في مفتتح ربيع الاول 956. فكان تمام المجلد الاول في ثلاثة أشهر وستة أيام ". أقول: هذه النسخة موجودة الآن في المكتبة المزكزية لجامعة طهران، برقم 710. قال الشيخ على حفيد صاحب " المعالم ": " كتب في أول المجلد الاول ابتداء تصنيفه، ومع تاريخ آخره يكون مدة ذلك ثلاثة أشهر وأياما ".


1 - " رياض العلماء " ج 2 / 369 - 370، الهامش، وراجع أيضا " روضات الجنات " ج 3 / 377. 2 - " الذريعة " ج 11 / 291. 3 - " الدر المنثور " ج 2 / 184، الهامش (*).

[ 42 ]

بينما كلام الحر في " أمل الآمل " (ج 1 / 90) هو أنه يقول: " ويظهر من نسخة الاصل أنه ألفه في ستة أشهر وستة أيام، لانه كتب على ظهر النسخة تاريخ ابتداء التأليف ". وهكذا تلا حظون أن خلاصة ما جاء في المصادر بهذا المصادر هو أنه: - تم المجلدان في ستة أشهر وستة أيام، كما في " أمل الآمل "، - تم المجلدان في حدود خمسة عشر شهرا، كما في " رياض العلماء "، - تم المجلد الاول فقط في ثلاثة أشهر وستة أيام، كما في " الذريعة " و " الدر المنثور " حسبما للفظه من ظهور. والذي يبدو لنا من القرائن هو أن الصحيح قول صاحب " الرياض " بأن مدة تأليف الشهيد ل‍ " شرح اللمعة " اكن خمسة عشر شهرال، لان تأليف المجلد الاول منه قد انتهى في السادس من شهر جمادى الآخرة سنة 956، والمجلد الثاني منه انتهى في 21 شهر جمادى الاولى سنة 957، كما قيد ذلك الشهيد في آخر نسخته، وكتب عنه في النسخ المخطوطة الموجودة ونقلت عنها في طبعات الكتاب. وعلى هذا فالكتاب امتد تأليفه أكثر من ستة أشهر وستة أيام. فإننا حينما نلتفت إلى أن بدء الشهيد بتأليفه كان في أول ربيع الاول 956، وانتهاؤه منه كان في 21 جمادى الاولى سنة 957، نعلم أن المدة من يوم الشروع إلى الختام كانت في حدود خمسة عشر شهرا. وهذا لا ينافي كلام صاحب " الذريعة " ولا كلام صاحب " الدر المنثور " من قبل، فإنهما إنما قالا بأن كتابة المجلد الاول فقط طالت ثلاثة أشهر وستة أيام، ولم يتكلما عن مدة تأليف المجلدين. والمصادر تؤيد أن بدء التأليف كان في أول ربيع الاول 956 ولم ينقل ما يخالفه فيما نقل. والخلاصة: أن الصحيح في المقام كلام صاحب " الرياض " ولا يتم كلام صاحب " أمل الآمل " وما نقل عنه، ولا دليل عليه. وبديهي أننا لا نريد بهذا أن الشهيد كان في جميع هذه المدة مشتغلا بتأليف هذا الشرح ولم يدع القلم جانبا حتى يوم واحد. ولا ننسى أن صاحب " أمل الآمل " القائل بهذه المدة - ستة أشهر وستة أيام - هو القائل بأن الشهيد لما جاءت الشرطة للقبض عليه كان مشتغلا بتأليف الشرح ! ومن هنا نعلم أن كلامه بهذا الشأن لا ينبغي أن يعتمد عليه.

[ 43 ]

كتاب " منار القاصدين " 26 - جاء في مقدمة " شرح اللمعة " (ج 1 / 182) وتبعا لها في بعض الكتب المتأخرة بشأن كتاب " منار القاصدين في أسرار معالم الدين " للشهيد الثاني أنه: " يبدو من اسم هذا الكتاب أنه يبحث عن أسرار الاحكام الشرعية الموضوعة على المكلفين والعلل المسببة لوضع الواجبات والمحرمات وغيرهما ". وهذا الكلام سهو أيضا قطعا، فقد ذكر الشهيد الثاني نفسه في موضعين من " منية المريد " بأن " منار القاصدين " كتاب أخلاقي يحتوي على بحوث أخلاقية مثل " منية المريد " فقال في مقدمته: "... بل لتحصيله شرائط، ولترتيبه ضوابط... وكم رأينا بغاة هذا العلم الشريف دأبوا في تحصيله... ثم بعضهم لم يجد لذلك الطلب ثمره... وما كان سبب ذلك وغيره من القواطع الصادة لهم عن بلوغ الكمال، إلا إخلالهم بمراعاة الامور المعتبرة فيه من الشرائط والآداب، وغيرها من الاحوال. وقد وفق الله سبحانه بمنه وكرمه فيما خرج من كتابنا الموسوم ب‍ " منار القاصدين في أسرار معالم الدين " لتفصيل جملة شريفة من هذه الاحكام، مغنية لمن وقف عليها من الانام، وقد رأينا في هذه الرسالة [ يعني " منية المريد " ] إفراد نبذة من شرائط العلم وآدابه، وما يتبع ذلك من وظائفه، نافعة إن شاء الله تعالى - لمن تدبرها... وسميتها " منية المريد في أدب المفيد والمستفيد ". وفي " منية المريد " أيضا في بحث المراء والجدال يقول: "... وعلاج ذلك أن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله... بالادوية النافعة في علاج الكبر والغضب من كتابنا المتقدم ذكره في " أسرار معالم الدين " أو غيره من الكتب المؤلفة في ذلك ". و - هل الشهيد الثاني أول من ألف في الدراية من الشيعة ؟ 27 - من المشهور أن الشهيد الثاني أول عالم من الشيعة كتب كتابا في


1 - راجع أيضا " فهرست كتابخانه إهدائي مشكاة به كتابخانه دانشگاه تهران " ج 5 / 682. 2 - " منية المريد " / 91 - 92، هذه الطبعة. 3 - " منية المريد " / 173، هذه الطبعة (*).

[ 44 ]

علم الدراية، ولم يكتب قبله أحد من علماء الشيعة كتابا في هذا العلم وقالوا " وهذا العلم لم يسبقه أحد من علمائنا إلى التصنيف فيه ". جاء هذا الكلام من جملة ما جاء فيه في الكتب التالية: 1 - " الدر المنثور " ج 2 / 188، 2 - " أمل الآمل " ج 1 / 85، 3 - " رياض العلماء " ج 2 / 368، 369. 4 - " روضات الجنات " ج 3 / 376، 5 - " ريحانة الادب " ج 3 / 280، 6 - " معجم رجال الحديث " ج 1 / 181، 7 - مقدمة " شرح اللمعة " ج 1 / 181. وإن المرجع الاول لكل هذه المصادر - مباشرة أو بالواسطة - هو كلام ابن العودي المنقول في " الدر المنثور " ج 2 / 188. وهذا الكلام وهم، وقد كتب بعض علماء الشيعة قبل الشهيد الثاني كتابا في هذا العلم، مثل: ابن أبى جمهور الاحسائي الذي ألف كتابه " تحفة القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين " قبل الشهيد بعدة أعوام. كتب الشيخ آقا بزرگ الطهراني يقول بهذا الشأن: " تحفة القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين، للشيخ محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الاحسائي، في آخر كتابه " كاشفة الحال " المؤلف سنة 888 عند ذكره لانواع الحديث وأقسامه: ومن أراد الاستقصاء مع ذكر الامثلة فعليه بكتابنا " تحفة القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين ". ويأتي " غنية القاصدين " للشهيد الثاني ". قال العلامة السيد حسن الصدر (قده): " إن أول من دون علم دراية الحديث هو أبو عبد الله الحاكم النيسابوري... فاعلم أن أول من صنف فيه بعد الحاكم المؤسس: السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس أبو الفضائل المتوفي سنة 673... وأما الذين صنفوا في علم الدراية فكثيرون،


1 - " الذريعة " ج 3 / 461. 2 - هذا الكلام سهو، فإنه ألف بعض العلماء قبل الحاكم النيسابوري كتابا في علم الدراية، كالرامهرمزي مؤلف كتاب " المحدث الفاصل " (*).

[ 45 ]

منهم السيد علي بن عبد الحميد الحنفي، له " شرح أصول دراية الحديث " من علماء أول المائة الثامنة، يروي عن العلامة الحلي، وهو أستاذ ابن فهد الحلي... ". "... وصنف بعد أبي عبد الله الحاكم في علم دراية الحديث جماعة من شيوخ علم الحديث من الشيعة، كالسيد جمال الدين أحمد بن طاوس أبو الفضائل... ثم صنف السيد العلامة علي بن عبد الحميد " شرح اصول دراية الحديث "... وللشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني " البداية في علم الدراية "... ". كذلك كتب آية الله النجفي المرعشي بهذا الشأن يقول: "... فلله در أصحابنا شيعة آل الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله حيث جادت أقلامهم في هذا الشأن، فكم لهم من آثار في هذين العلمين [ يعني الدراية والرجال ] كالعلامة الشيخ ابن أبى جمهور الاحسائي صاحب كتاب " المجلي " و " العوالي " والعلامة الشيخ ضياء الدين علي العاملي نجل شيخنا السعيد أبى عبد الله محمد بن مكي الشهيد الاول، والعلامة الفاضل المقداد السيوري الحلي صاحب " كنز العرفان " والعلامة السيد أبي الرضا فضل الله الحسني الراوندي الكاشاني... ". وبعد هذا، فقد نقل الشهيد في موضعين من كتاب " شرح البداية " عن السيد أحمد بن طاوس (ره) ما قد يشعر بمدعانا، فمثلا قال: "... وظاهر كلام الاصحاب في قبول مراسيل ابن أبي عمير هو المعنى الاول، ودون إثباته خرط القتاد، وقد نازعهم صاحب " البشرى " [ يعني ابن طاوس ] في ذلك، ومنع تلك الدعوى ". "... وأما تسمية صاحب " البشرى " مثل ذلك تدليسا فهو سهو أو اصطلاح غير ما يعرفه المحدثون ". وعلى فروض ورود الاشكال والتشكيك في بعض الموارد المذكورة آنفا - والظاهر أنه كذلك - فمع ذلك يثبت من مجموعها أن الشهيد الثاني لم يكن أول من ألف في ذا


1 - الذي يظهر من المصادر أنه يروي عن فخر المحققين ولد العلامة الحلي، لاعن العلامة الحلي، فلاحظ. 2 - " تأسيس الشيعة " / 294 - 295. 3 - " الشيعة وفنون الاسلام " / 40. 4 - " شرح البداية " / 10 - 11، المقدمة، الطبعة الجديدة بتحقيق بقال. 5 - " شرح البداية " / 49، ط. النجف، وص 138 من الطبعة الجديدة بتحقيق بقال. 6 - " شرح البداية " / 54 ط. النجف، وص 149 من الطبعة الجديدة بتحقيق بقال (*).

[ 46 ]

الفن من علماء الشيعة. ز - بحوث اخرى حول تاريخ حياة الشهيد الثاني 28 - جاء في كتب كثيرة ينتهي جميعها إلى " الدر المنثور " (ج 2 / 183): أن الشهيد الثاني بلغ الاجتهاد في سنة 944 وله 33 سنة. ولعل هذا غير تام، وتدل الفرائض والشواهد بخلافه، منها: أن الشهيد قد أجاز والد الشيخ البهائي في سنة 941، ويقول في هذه الاجازة: "... فقرأ على هذا الضعيف وسمع كتبا كثيرة في الفقه والاصولين والمنطق وغيرها. فمما قرأه من كتب اصول الفقه " مبادئ الوصول " و " تهذيب الوصول "... وشرحه " جامع البين من فوائد الشرحين "... ومن كتب المنطق رسائل كثيرة منها... وسمع من كتب الفقه بعض كتاب " الشرائع " و " الارشاد " وقرأ جميع كتاب " قواعد الاحكام في معرفة الحلال والحرام "... قراءه مهذبة محققة، جمعت بين تهذيب المسائل وتنقيح الدلائل، حيث ما وسعته الطاقة، واقتضاه الحال، وقرأ وسمع كتبا اخرى ". وتلاحظون أن والد الشيخ البهائي كان قد قرأ عليه وسمع منه كتبا كثيرة. ومن ناحية اخرى فقد عبر الشهيد في هذه الاجازة بتعبيرات يستفاد منها أن تلميذه كان مجتهدا في ذلك التاريخ 941، كقوله: " ثم إن الاخ في الله... والمترقي عن حضيض التقليد إلى أوج اليقين... عضد الاسلام والمسلمين، عز الدنيا والدين... ممن انقطع بكليته إلى طلب المعالي... حتى أحرز السبق في مجاري ميدانه... وصرف برهة جميلة من زمانه في تحصيل هذا العلم وحصل هذا على أكمل نصيب وأوفر سهم ". "... وآخذ عليه في ذلك بما أخذ علي من العهد بملازمة تقوى الله سبحانه فيما يأتي ويذر، ودوام مراقبته، والاخذ بالاحتياط التام في جميع اموره، خصوصا في الفتيا، فإن


1 - " بحار الانوار " ج 108 / 171. 2 - " بحار الانوار " ج 108 / 149 148. 3 - قال الطهراني في ترجمة والد الشيخ البهائي في " إحياء الداثر " / 62: "... المجاز من الشهيد الثاني بالاجازة المسطورة في آخر " البحار " تاريخها 941،... كان من أجل تلامذة الشهيد مصدقا منه بالاجتهاد في تاريخ الاجازة ". 4 - " بحار الانوار " ج 108 / 148 (*).

[ 47 ]

المفتي على شفير جهنم... " وعلى هذا فلا يمكن القول بأن الشهيد وهو شيخه وأستاذه قد بلغ الاجتهاد في سنة 944، أي بعد هذه الاجازة بثلاث سنين. فتأمل في ذلك جيدا. 29 - جاء في مقدمة " شرح اللمعة " (ج 1 / 149) وتبعا لها في بعض كتب اخرى بعدها: " فكان [ أي الشهيد الثاني ] يدرس الفقه في بعلبك على المذاهب الخمسة، ويستعرض رأي كل مذهب من المذاهب الخمسة، ويشفعه بما يستدل له، ثم يقارن فيما بينهما ". ومنشأ هذا الكلام ما نقله ابن العودي عن قول شيخه الشهيد يقول: " ثم أقمنا ببعلبك ودرسنا فيها مدة في المذاهب الخمسة وكثير من الفنون ". ونظره إلى أنه كان يدرس على المذاهب الخمسة كل على حدثه لا كالفقه المقارن. ودليلنا لدعوانا هذه هو ما أضافه ابن العودي بعد هذا فقال: " ولا أنسى وهو في أعلى مقام... ومفتي كل فرقة بما يوافق مذهبها ويدرس في المذاهب كتبها ". والدليل الآخر لكلامنا هذا هو من المحدث الجزائري، أنه كتب في كتابه " الجواهر الغوالي في شرح عوالي الآلي " يقول: " حكى لي عالم من أولاد شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه: أن بعض الناس كان يتهم الشيخ في زمن حياته بالتسنن، لانه كان يدرس في بعلبك وغيرها من بلاد المخالفين على المذاهب الاربعة نهارا، ويدرس على دين الامامية ليلا. وكان معرفته بفقه المذاهب الاربعة واطلاعه طاب ثراه على كتب أحاديثهم وفروعهم أعلى من معرفتهم بمذاهبهم ". ولا أقل من عدم دليل على تدريسه الفقه المقارن والتطبيقي. 30 - كتب بعضهم في ترجمة الشهيد يقول: " كما أن الشيخ الطوسي ابتكر في تأليف كتاب بعنوان " الخلاف في الفقه " كذلك الشهيد الثاني كان أول من درس


1 - " بحار الانوار " ج 108 / 170، 2 - " الدر المنثور " ج 2 / 182. 3 - " الدر المنثور " ج 2 / 182. 4 - " راجع " عوالي الآلي " ج 1 / 10 - 11 (*).

[ 48 ]

الفقه المقارن ". وكلا الموضوعين لاواقع لها، فقد مر آنفا أن الشهيد لم يكن يدرس الفقه المقارن في بعلبك، وعلى فرض القول بأنه كان يدرس الفقه على المذاهب الخمسة، ومع ذلك لم يكن اول من درس الفقه المقارن، بل كل من درس " الخلاف " للشيخ أو " التذكرة " للعلامة قبل الشهيد الثاني وهم كثيرون يعتبر سابقا على الشهيد في تدريس الفقه المقارن. وكذلك الشيخ الطوسي لم يكن أول من كتب في موضوع الفقه المقارن، فإن الشيخ المفيد كتب كتابا في هذا الموضوع باسم " الاعلام فيما اتفقت عليه الامامية من الاحكام " وكذلك السيد المرتضى كتاب كتابا في هذا الباب باسم " الانتصار ". وكذلك السيد الرضي كتاب في هذا الموضوع. وقد كتب المحقق الفاضل السيد محمد رضا الموسوي الخرسان بهذا الشأن يقول: "... يلوح لي أن السيد المرتضى بعمله هذا في " الانتصار " يكون أول من خطا خطوة جادة بينة في إشاعة الفقه المقارن وتعميمه، بتصنيفه كتابا تنتظم فيه كل أبواب الفقه من العبادات والمعاملات والعقود والايقاعات والحدود والديات والمواريث. كما يبدو لي أنه نمط فذمن أنماط الفقه المقارن... ". وعلى افتراض الايراد على هذه الكتب من جهة عدم استيعابها، ما يعمه ويشمله " الخلاف "، مع ذلك لا يكون الشيخ الطوسي أول من ولج الباب، إذ أن السيد المرتضى قد كتب كتابا آخر في الفقه المقارن باسم " مسائل الخلاف " - القريب في العنوان من كتاب الشيخ الطوسي - وفي مواضع عديدة من " الانتصار " يذكر كتابه ذلك ويرجع إليه، فمن تلك الموارد: " وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة فيما أفردناه من الكلام على مسائل الخلاف ورددنا على كل مخالف في هذه المسألة لنا بما يعم ويخص من أبي حنيفة والشافعي ومالك بما فيه كفاية ".


1 - كما جاء في نشرة " تراثنا "، العدد الخامس / 107. 2 - " الانتصار " / 54 - 55، المقدمة. 3 - " الانتصار " / 8 (*).

[ 49 ]

" وقد تكلمنا على هذه المسألة في " مسائل الخلاف " بما استوفيناه ". " وقد استوفينا الكلام في هذه المسألة في كتابنا المفرد المسائل الخلاف ". " وقد استقصينا أيضا الكلام على هذه المسألة في " مسائل الخلاف " ورددنا على كل مخالف لنا بما فيه كفاية ". " وهذه المسألة مما استقصينا عليها في " مسائل الخلاف " وبلغنا فيها أقصى الغايات فانتهينا في تفريع الكلام وتشعيبه إلى مالا يوجد في شئ من الكتب، غير أنا لا نخلي هذا الموضع من جملة كافية ". ونقرأ في مقالة عن الشيخ الطوسي والحقوق التطبيقية (المقارنية) من مقالات الذكرى الالفية للشيخ الطوسي في مشهد، ما ترجمة " يبدو لنا من تاريخ الفقه أن أول من كتب في باب الفقه المقارن كتابا مستقلا هو عالم القرن الرابع: ابن الجنيد الاسكافي ". من مجموع ما مر نفهم بصورة قطيعة أن الشيخ الطوسي ليس أول مؤلف في الفقه المقارن من علماء الشيعة، كما أن الشهيد الثاني - على فرض القول بأنه كان يدرس الفقه القارن - ليس أول من درس الفقه المقارن. 31 - جاء في مقدمة " شرح اللمعة " (ج 1 / 158) ضمن تعداد الكتب التي قرأها الشهيد الثاني على الشيخ أحمد الرملي الشافعي: "... ومنها شرح التصريف الغربي ". وقد جاء اسم هذا الكتاب في " الدر المنثور " (ج 2 / 162) بعنوان: " شرح تصريف العربي " وفي " روضات الجنات " (ج 8 / 133): " تصريف الغري ". وكلها خطأ، والصحيح - كما في " أعيان الشيعة " (ج 7 / 148) -: " شرح تصريف العزي ". إذ لما كان مؤلف كتاب " التصريف " هو عز الدين الزنجاني، فيعرف الكتاب ب‍ " تصريف العزي ". ولهذا " التصريف " شرح قرأه الشهيد الثاني على الرملي الشافعي.


1 - " الانتصار " / 9. 2 - " الانتصار " / 14. 3 - " الانتصار " / 15. 4 - " الانتصار " / 21، وراجع أيضا ص 16، 17، 20، 22، 23، 28، 29، 35، 151 كما في " الانتصار " / 45، مقدمة التحقيق. 5 - راجع " ريحانة الادب " ج 2 / 386 (*).

[ 50 ]

32 - نقرأ في تلك المقدمة (ج 1 / 157) أيضا وبعض الكتب الاخرى ضمن رحلات وأسفار الشهيد الثاني: " فصمم [ أي الشهيد ] سنة 943 أو 944 أن يغادر دمشق إلى مصر " ونقطع بالهسوفي التاريخين جزما، فإنه كما في تراجمه ومنها " الدر المنثور " (ج 2 / 152) - نقلا عن الشهيد نفسه عزم على السفر إلى مصر في سنة 942، ورحل إليها في هذه السنة قطعا وجزما. 33 - جاء في إحدى ترجمات " مسكن الفؤاد " الشهيد الثاني " أن الشهيد سافر مرة إلى ميس (دشت ميشان) المعروف اليوم ب‍ " دشت آزادگان " وتتلمذ لدى الشيخ علي بن عبد العالي الميسي " وكما لا يخفي القراء الاعزاء وأهل العلم والمطالعة أن " ميس " إنما هي قرية من قرى منطقة جبل عامل، ولا علاقة لها بدشت ميشان أو دشت آزادگان ! 34 - قال بعضهم في ترجمة الشهيد: " إن قاله العلامة النوري: إن الشهيد كان يكتب عشرين بل ثلاثين سطرا بغمسة واحدة في الدواة، إنما هو من عدم ملاحظة المرحوم النوري، فإنه لو كان يكتب بأي قلم وبأي مقدار من السرعة لم يكن ليتمكن أن يكتب أكثر من عدة سطور قصيرة فقط، والتجربة أكبر برهان ". أقول: أولا، قد نقل هذا قبل المرحوم النوري صاحب " المقابس " ونقلا عنه صاحب " الروضات " فإنهما كتبا يقولون " ومن كرامته المشهورة كتابته بغمسة واحدة في الدواة عشرين أو ثلاثين سطرا ". وقبل هذين قد نقل القول هذا الشيخ علي حفيد صاحب " المعالم " وهو من أهل البيت. ثانيا، لا يمكن رد هذا المقال بأن التجربة تدل على عدم إمكان كتابة أكثر من عدة أسطر قصيرة بأي قلم كان وبأية سرعة كانت، فإنهم قد عدوا هذا من كرامات الشهيد ونقلوه بهذا العنوان، وعلى هذا فلا يمكن القول بأن التجربة أكبر برهان للبطلان ! فإن هذا القول كأن يقول أحد: إن عصا موسى عليه السلام لم تكن لتتبدل


1 - " مقابس الانوار " / 15، " روضات الجنات " ج 3 / 378. 2 - " الدر المنثور " ج 2 / 204 (*).

[ 51 ]

إلى حية والتجربة أكبر بهان ! فلان بد أن يورد على هذا الموضوع بغير هذا الاسلوب، كأن يقال: لم تثبت هذه الكرامة. والظاهر أنه لا يمكن الايراد عليه، فإن هناك شواهد تدل على صحته، هي أن حفيد صاحب " المعالم " يقول: " ومما تواتر عنه رحمه الله أنه كان إذ غمس القلم في الدواة ربما يكتب عشرين سطرا أو ثلاثين سطرا، وهذا من جملة التأييدات الالهية... ". ولهذا فإن ابن العودي تلميذ الشهيد قد خصص فصلا من كتابه بهذا الامر فعنونه يقول: " [ الفصل ] الرابع: في ذكر أمره من الكتابة وماله فيها من الآيات ومحاسن الكرامات ". وعلى هذا، فإن كلام ابن العودي تلميذ الشهيد يكفي في إثبات هذه الدعوى وهي أنه كانت للشهيد كرامة في هذا الامر. ولعل ما يؤيد ذلك أن الحر العاملي (قده) يقول: " وأخبرني من أثق به أنه خلف ألفي كتاب، منها مائتا كتاب كانت بخطه من مؤلفاته وغيرها ". 35 - جاء في مقدمة " شرح اللمعة " (ج 1 / 187، 188) وتبعا لها في بعض كتب اخرى تحت عنوان " شعر الشهيد ". " وقال [ الشهيد ] حينما بشر بمولود ذكر ولد له في غيبته: وقد من مولانا الكريم بفضله عليكم بمولود غلام من البشر فيارب متعنا بطول بقائه وأحي به قلبا له الوصل قد هجر وهذا أيضا سهو واضح، وإنما نظم هذين البيتين تلميذ ابن العودي وكتبها إليه في رسالة، كما هو واضح أيضا من قوله: " عليكم بمولود " ويقول ابن العودي بهذا الشأن:


1 - " الدر المنثور " ج 2 / 204. 2 - " الدر المنثور " ج " / 152. 3 - " أمل الآمل " ج 1 / 90، " رياض العلماء " ج 2 / 374، " معجم رجال الحديث " ج 7 / 375 (*).

[ 52 ]

"... البشارة كانت في بيتين أنشأتهما في رسالة كتبتها إلى في تاريخ ولادة المولود المذكور، وهما: وقد من مولانا الكريم بفضله... ". 36 - أرجع الشيخ الآصفي في مقدمته ل‍ " شرح اللمعة " كثيرا من المواضيع إلى الرسالة المخطوطة لابن العودي في ترجمة الشهيد واستند إليه، مما قد يبعث على تصور أن الشيخ الاصفي كان يملك في حوزته رسالة ابن العودي أو قد رأها. بينما مر في صدر هذا المقال أنه - ومع الالف - لا توجد اليوم حتى نسخة واحدة من هذه الرسالة، وإنما بقي قسم منها وهو الذي نقله مؤلف كتاب " الدر المنثور " في كتابه عينا وطبع ضمن الكتاب المذكور في سنة 1398 ه‍، في قم. ولا ينبغي أن يبعث إرجاع الشيخ الآصفي إلى تلك الرسالة على التشكيك فيما قلناه في ضياع هذه الرسالة، فإني قد سألت الشيخ الآصفي عن هذا فقال في الجواب: " إني لم أر رسالة ابن العودي وإنما نقلت عنها بواسطة " الروضات " أو " أعيان الشيعة ". وفي الختام، من الضروري أن نذكر بأن هذه الاشتباهات، لا تقلل من قيمة هذه الكتب المصادر القيمة شيئا، وأن وقوع هكذا أخطاء في كتب التواريخ والتراجم أمر طبيعي تماما. وقديما قيل: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها * كفى المرء نبلا أن تعد معايبه


1 - " الدر المنثور " ج 2 / 176 (*).

[ 53 ]

الفصل الثاني حول كتاب " منية المريد " أ - القيمة الثقافية لكتاب " منية المريد " وأقول أبطال العلم بشأن الكتاب " منية المريد في أدب المفيد والمستفيد " كتاب قيم في بيان قيمة العلم وتكاليف التلامذة والاساتذة، والمفتي والمستفتي، وآداب المناظرة والكتابة، وآداب التعليم والتعلم للعلوم الاسلامية ومراتب العلوم، وعشرات المسائل القيمة مما هو مورد ابتلاء المتعلمين والمعلمين. وقد كان منذ بدء تأليفه إلى الآن محط أنظار العلماء والطلاب الاذكياء، ولازال محل عنايتهم ومراجعتهم لا بعنوان كتاب دون للقراءة مرة واحدة ثم الوضع جانبا. ولا يصل الانسان إلى خصائص هذا الكتاب إلى بالمطالعة العميقة والدقيقة والتأمل في شراشره. وفي هذه المقدمة سنقرر مواضيع بهذا الصدد كي يحصل قارئ الكتاب قبل قراءته على معرفة مقتضية بشأنه: إن الميزة المهمة لهذا الكتاب هي أن مؤلفة من القمم العالية في العلم والمعرفة، فهو من العلماء المتعمقين المتبحرين، والمتضلعين في كثير من العلوم الاسلامية، قد رأى كثيرا من الاستاتذة وأصبح عالما مجربا محنكا، ومن ناحية أخرى فهو على جانب عظيم

[ 54 ]

من التقوى، وزاهد يؤمن بالمعاد ويخشى ربه، ممن يعمل ويثبت على قوله قبل أن يقول: أنهى الشهيد الثاني تأليف هذا الكتاب في يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الاول عام 954، أي في حدود إحدى عشرة سنة قبل شهادته، وهذا بعد أن رأى كثيرا من الحوزات العلمية يومئذ واشتغل في كثير منها بالتعلم أو التعليم. إن الشهيد الثاني بالاضافة إلى تتلمذه لدى علماء الشيعة في جبل عامل وغيرها، كان قد تتلمذ لدى كبراء علماء العامة في دمشق ومصر وغيرهما وتعرف على كثير من طرقهم وأساليبهم. وبعد المطالعة والتحقيق الواسع في مختلف الكتب، وبعد النضج والتجارب الكثيرة والممارسات الطويلة كتب " منية المريد " لهداية العلماء والطلاب. وفرق بين من لا يلمس الواقع بيده ومن جرب مختلف حوادث الايام وكان وكان في صميمها وإن أسلوب تنظيم وتحرير " المنية " حسن جدا، فهو مشحون بالآيات والروايات وأقوال العلماء والابيات المناسبة لكل باب، وقد ذكر فيها الآداب والقواعد لطلب العلم بصورة طبيعية تحكي عن النظر الدقيق والفكر المنظم والمنطقي للمؤلف: فقد دون الكليات، كفضيلة العلم ومحاسنه ومحاسن العالم والمتعلم في المقدمة، وما يتعلق بالمعلم المتعلم في باب مستقل، وما يرتبط بآداب المفتي والمستفتي وأدب الكاتب وآداب المناظرة في فصول وأبواب مستقلة أيضا وبكيفية منتظمة، وجاء بالفقرات في ذيل هذه الابواب مرقمة بالاعداد، وهذا الترتيب ينتقش في ذهن القارئ أسرع، وكذلك يجد المراجع ما يحتاج إليه فيه بدون إتلاف للوقت والجهد. والخلاصة فهو كما قال بعض أهل الفضل: " هو من أحسن كتب الامامية في كيفية البلوغ إلى أقصى الغاية، والترقي إلى المقامات العالية الانسانية، وبيان فضل العلم وأهله وآداب تعليمه وتعلمه، وشرائط الفتوى والمفتي وآدابهما وشرائط المستفتي، وغير ذلك مما يتعلق بالعلم والعمل وتهذيب الاخلاق الانسانية، والوصول إلى الدرجات الملكية واللحوق بالنفوس الكاملة القدسية ". إن عناية كبار العلماء بهذا الكتاب تدل على أهميته وعظمته، وإليكم الآن نماذج


1 - " منية المرايد " / 1، طبع الهند (*).

[ 55 ]

من أقوال كبار العلماء في موضوع هذا الكتاب الكريم: كتب الميرزا الشيرازي الكبير (قده) حامل راية نهضة مقاومة مؤامرة التبغ البريطانية في تقريظه للطبعة الاولى للكتاب في سنة 1301 ه‍ أي قبل مائة وسبع سنين، يقول ما ترجمته: " ما أحرى بأهل العلم أن يواظبوا على مطالعة هذا الكتاب الشريف وأن يتأدبوا بالآداب المذكورة فيه ". وكتب العالم المتتبع المرحوم السيد محسن الامين (قده) بشأن الكتاب يقول: " منية المريد في آداب [ ظ: أدب ] المفيد والمستفيد، مشتمل على آداب فوائد جليلة. وهو نعم المهذب لاخلاق الطلاب لمن عمل به ". ويقول بشأن مؤلفه: " وتفرد بالتأليف في مواضيع لم يطرقها غيره، أو طرقها ولم يستوف الكلام فيها، مثل آداب المعلم والمتعلم... ألف " منية المريد " فلم يبق بعدها منية لمريد... وغير ذلك مما لم يسبق إليه ". وأما ابن العودي التلميذ الخاص والملازم للشهيد (قده) فهو يقول بهذا الشأن: " مجلد مشتمل على مهمات جليلة وفوائد نبيلة، تحمل على غاية الانبعاث والترغيب في اكتساب الفضائل واجتناب الرذائل، والتحلي بشيم الاخيار والعلماء الابرار ". وكتب المرحوم الشيخ عبد الله المامقاني صاحب " تنقيح المقال " في كتابه " مرآة الرشاد " الحاوي لوصاياه إلى أولاده وذريته، يقول: " وعليك بني... بمراجعة " منية المريد " التي ألقها الشهيد الثاني (قده) في آداب المفيد والمستفيد، والعمل بها، فإن كل عمل من غير آدابه ممدوح ولا مستحسن. ومن أهم ما هناك إكرام العلماء العاملين ". وكتب في " مقباس الهداية في علم الدراية " بعد ذكره لبعض آداب الرواية:


1 - " منية المريد " / 2، طبع الهند. 2 - " أعيان الشيعة " ج 7 / 156. 3 - " أعيان الشيعة " ج 7 / 145. 4 - " الدر المنثور " ج 2 / 186. 5 - " مرآة الرشاد " / 185 (*).

[ 56 ]

" ومن أراد شرح ذلك كله فليراجع " منية المريد " فإنه قد استوفي المقال واستقصى الحال جزاه الله عنا وعن الاسلام والمسلمين خيرا ". وكتب صدر المتألهين (قده) في شرحه الاصول الكافي بعد ذكره لموارد من آداب المتعلم يقول: " فهذه ست وظائف الطالب المتعلم، خصصناها بالذكر، فإن لكل من المعلم والمتعلم وظائف وآدابا كثيرة، وإنما اختصرنا وأوردنا ما هو أهم وأدق وشرف. وتركنا سائر الآداب الحسية والوظائف الفعلية، تعويلا على المذكور في كتب الاخلاق وغيرها، كرسالة... واخرى لزين الملة والدين ". وقبل أن ينقل كلاما عن " منية المريد " كتب يقول: " ومن عجيب ما ذكر في هذا الباب ما نقله الشيخ الفاضل العامل، ناهج مسلك الورع واليقين، قدوة المجتهدين، زين الملة والحقيقة والدين العاملي طاب ثراه في بعض رسائله [ أي المنية المريد ] عن بعض المحققين... ". مما يجلب الانتباه أن هذا الكتاب لم يبق غير معروف لدى الاجانب والغربيين بل قد اطلع كثير منها على أهميته. كتب بهذا الشأن الفاضل الفقيد علي أصغر حكمت. قبل أكثر من ستين عاما في 1304 ه‍ ش. يقول ما ترجمته: " لعل كثيرا من الذين افتتنوا بظواهر الحضارة الاروبية الحديثة... يظلوا غافلين عن العلوم والفنون الشرقية والاسلامية التي كان عظاؤنا طوال القرون المتوالية قد تتبعوها واستقصوها وبحثوا عنها وقرؤوا فيها وخلقوا بشأنها كتبا كثيرة. وعلى خلاف هؤلاء نرى هواة العلوم والمعارف في أصقاع بلاد الغرب ينظرون إلى بلاد الشرق وكأنها خرائب مليئة من كنوز العلوم والفنون الدفينة، فتراهم بشوق وافر ومع تحمل أنواع الشدائد يكتشفون كنوز الفضائل الشرقية في سفراتهم أو بالتتبع في مكاتبهم، فينشرونها مترجمة مشروحة. فمن ذلك ما اتفق لي أن تحدث إلي أحد فضلاء الغرب عن كتاب " منية المريد " فأثر كلامه في، فحصلت على نسخة منه وقرأته منه وقرأته فوجدته كنزا مشحوها من جواهر الحكم


1 - " مقياس الهداية " المطبوع مع " تنقيح المقال " ج 3 / 113 - 114. 2 - " شرح اصول الكافي " / 156. 3 - " شرح أصول الكافي " / 5 (*).

[ 57 ]

والمعارف مليئا من لآلي الآداب والفضائل. والكتاب المذكرو وإن كان دستورا للمعلمين والمتعلمين في العلوم الاسلامية العالية، ولا يناسب مع موضوع " علوم التربية " الذي هو بمعنى إرشاد الاطفال، وهو علم مستحدث جديد، مع ذلك فة ن له مكانة مرموقة ورفيعة ولا سيما من زاوية تاريخ العلوم التربوية. وكذلك ينبغي قراءة هذا الكتاب بالنظر إلى ما فيه من دروس أدبية وأخلاقية. فرأت من المناسب أن أكتب مذكرات عن هذا الكتاب وأقدمها إلى قراء مجلة " التعليم والتربية ". هذه نماذج من مقالات العظماء بشأن هذا التأليف المنيف والكتاب الشريف. والنقطة الاخرى التي تعكس لنا عن عظمة هذا الكتاب هي أنه أصبح في عداد المصادر المهمة لما بعده من الكتب التربوية والتعليمية والروائية، وإليكم نماذج منها: نقل الفيض الكاشاني مقاطع كثيرة منه بعين عباراتها في " المحجة البيضاء " منها في المجلد الاول ص 10 - 13، 17 - 34، 35 - 37، 99 - 101، 144 - 145، 157 - 158. ونقل المحدث الشهير السيد نعمة الله الجزائري (قده) مقاطع مهمة من هذا الكتاب في كتابه " الانوار النعمانية " ج 3 / 338 - 380، بعنوان " نو في أحوال العالم والمتعلم وكيفية آدابهما " وكتب في نهايتها: " واعلم أن ترتيب العلوم على نحو ما ذكر مأخوذ من كلام شيخنا الشهيد الثاني نور الله ضريحه، بل أكثر فوائد هذا النور مأخوذة من كلامه، ولا عيب علينا في أخذ كلامه، لانه البحر الذي غرف منه المتأخرون بأسرهم ". ونقل العالم الكبير المرحوم السيد محمد بن محمد بن الحسن بن القاسم الحسني العاملي صاحب كتاب " الاثنا عشرية في المواعظ العددية " في الفصول التاسع والعاشر والحادي عشر من الباب الثاني عشر من كتابه هذا مقاطع مهمة من الكتاب. وكتب محمد معصوم الشيرازي في " طرائق الحقائق " - بعد ترجمة الشهيد الثاني تفصيلا - ما ترجمته:


1 - مجلة " تعليم وتربيت " - بالفارسية - السنة الاولى، العدد الخامس / 20 - 21 لعام 1304 ه‍ ش. 2 - " الانوار النعمانية " ج 3 / 380 (*).

[ 58 ]

" وهنا اترجم لكم [ بالفارسية ] بعض الكلمات الحكمية التي قالها جنابه في كتابه " منية المريد " من باب التبرك بها لتكون مسك الختام لترجمته ". ثم ذكر ترجمة مقاطع من " منية المريد " بالفارسية. وبعد أن سمع على أصغر حكمت وصف " منية المريد " من أحد الغربيين - كما مر - يشتاق إلى هذا الكتاب، ويفهرس له ويترجم تلخيصا له فينشره في مجلة " تعليم وتربيت " بالفارسية، السنة الاولى، العدد الخامس / 20 - 32، لعام 1304 ه‍ ش. وأيضا نقل المحقق الاردبيلي (قده) كلاما من " منية المريد " في أواخر كتاب الاعتكاف من " مجمع الفائدة والبرهان " (ج 5 / 398 - 399) وعبر عنه ب‍ " الآدابية ". وكذلك نقل المحدث البحراني كلاما منه في أوائل كتاب التجارة من كتابه " الحدائق الناضرة " (ج 18 / 10 - 11). ومن الجدير بالكذر أن " منية المريد " من مصادر الكتاب القيم والعظيم " بحار الانوار " للعلامة المجلسي محيي أحاديث العترة وقمة العلم والمعرفة (قده) وقد كتب في أوائل الكتاب في " الفصل الاول في بيان الاصول والكتب المأخوذ منها " يقول: "... وكتاب... منية المريد... للشهيد الثاني رفع الله درجته ". وفي " الفضل الثاني في توثيق مصادر البحار " يقول: " واشتهار الشهيد الثاني والمحقق أغنانا عن التعرض لحال كتبهما نور الله ضريحهما ". وكذلك من مصادر كتاب " الجواهر السنية " للشيخ الحر العاملي (قده) ويعبر عنه ب‍ " كتاب الآداب " وقد كتب في مصادر كتابه: "... نقلت الاحاديث المودعة فيه من كتب صحيحة معتبرة، واصول معتمدة محررة "، " جامعا له من كتب متعددة وأصول ممهدة ومصنفات معتمدة، قد نص على صحتها العلماء الاخيار واشتهرت اشتهار الشمس في رابعة النهار ".


1 - " طرائق الحقائق " ج 1 / 246. 2 - " بحار الانوار " ج 1 / 19. 3 - " بحار الانوار " ج 1 / 37. 4 - " الجواهر السنية " / 7. 5 - " الجواهر السنية " / 286 (*).

[ 59 ]

ومن الجدير بالذكر أن المرحوم الشيخ عبد الرحيم بن محمد علي التستري - المتوفي سنة 1313 ه‍. في النجف الاشرف - قد نظم " منية المريد " في 1250 بيتا من الشعر، سماها " محاسن الآداب " فرغ من نظمها سنة 1290 ه‍، وهي مخطوطة لم تطبع بعد ظاهرا. وقد رأى صاحب " الذريعة " نسخة منها بخط ناظمها، وقال: " أدرج كلها المرحوم السيد محمد صادق بحر العلوم في المجموع الرائق ". يبدأ بهذه الابيات: أعوذ بالله من الشيطان * ومن شقاء النفس في الطغيان يقول بسم الله للتعظيم * لربه الرحمن الرحيم مستنصرا، نجل محمد علي * عبد الرحيم، رق طه وعلي سميتها " محاسن الآداب * للطالبين من اولي الالباب حوت لباب " منية المريد " * وهو كتاب شيخنا الشهيد وتنتهي بهاتين البيتين: وهيهنا قد تمت الرساله * في غاية السرعة والعجاله في مائين بعد ألف وقعا * بعد هما تسعون حيث اجتمعا وقد لخص الشهيد " منية المريد " وسماها " بغية المريد ". وهذا أيضا يبين اهتمام المؤلف بهذا الكتاب. وقد كتب كتابا آخر في نفس هذه المباحث بعنوان " منار القاصدين في أسرار معالم الدين " يذكره في أوائل " منية المريد " (ص 92 و، 173) والظاهر أن حوادث الايام قد أتت على " منار القاصدين " وكذلك " بغية المريد " وأتلفتهما، وحسب تتبعي الناقص في كتب التراجم والفهارس لا توجد اليوم حتى نسخة واحدة من هذين الكتابين في أي من المكاتب المفهرسة العامة والخاصة، ويذكر الشيخ علي حفيد صاحب " المعالم " بعض الحوادث المؤلمة المؤدية بكثير من كتب الشهيد وأسرته، ويقول: " جزى الله عنا سوء الجزاء من حرمنا من الكتب التي كانت عندنا، اجتمعت في زمن الشيخ زين الدين والشيخ حسن رحمهما الله، واصيف إليها كتب الشيخ محيي الدين رحمه الله، وقد وقع عليها الفتور غيره مرة، منها: قريب ألف كتاب احترقت، وأنا إذ


1 - " الذريعة " ج 20 / 124 - 125. 2 - " الذريعة " ج 20 / 124 - 125. 3 - " الدر المنثور " ج 2 / 189، " الذريعة " ج 20 / 212 " أعيان الشيعة " ج 7 / 156 (*).

[ 60 ]

ذاك ابن نحو سبع سنين أو ثمان، حرقها أهل البغي. ولما سافرت إلى العراق كان الباقي لنا في الجبل ودمشق وغيرهما ما يقرب من ألف كتاب وأكثرها [ كذا ] منه ما أخذه الناس ومنه ما تلف من النقل والوضع تحت الارض، والباقي نحو مائة كتاب وصلت إلي بعد السعي التام. ومن العجب أنه لما فارقت ما فارقت من الكتب كان فيما بقي بعد الفتور الاول ما يزيد عن مائة كتاب بخط جدي الشيخ زين الدين رحمه الله وما كان بخطه فيما تلف واحترق لا يعلم مقداره. وبالجملة فبذهاب هذه الكتب ذهب كثير من فوائده وفوائد جدي ووالدي رحمهم الله. وحرمنا الاطلاع عليها والانتفاع منها ". وبملا حظة ما تلونا عليك وما كان يقوله أحد كبار العلماء بأن على الطلاب أن يقرؤا " منية المريد " عشر مرات على الاقل ! وبملاحظة ما يمكن أن يكون لها من دور في تربية وتزكية الطلاب وإرشادهم، فمن المناسب أن يقرر الكتاب ضمن الكتب الدراسية للحوزات العلوم الدينية، وأن يدرس الكتاب لهم كسائر الكتب الدراسية الالزامية، ويبدو لي أن كثيرا من المشاكل التربوية والاخلاقية في الحوزات العلمية ستحل بالعمل بمضامين هذا الكتاب. ب - تقرير عن الطبعات المختلفة لكتاب " منية المريد " طبع " منية المريد " حتى اليوم في الهند وإيران والنجف الاشرف مرات عديدة، وقد راجعنا جميعها في هذه الطبعة وقابلنا نسختنا هذه بجميعها مع عدم الفائدة الكثيرة في بعضها، والآن نبين لكم هنا تاريخ تلك الطبعات، والتعريف بها، ورموزنا الاختصارية إليها في هذه الطبعة: 1 - طبع الاول مرة في المطبع الحسني في بمبئي الهند سنة 1301 ه‍. بالقطع الرقعي وبخط جميل، بهمة المرحوم الشيخ علي المحلاتي (ره) في 196 صفحة. وهو يفضل سائر طبعات الكتاب من حيث صحة المتن وحسن الخط، باستثناء طبعة حجة الاسلام الشيخ المصطفوي الآتي ذكره، والزمر إليها " ه‍ ".


1 - " الدر المنثور " ج 2 / 203 - 204 (*).

[ 61 ]

2 - وطبع بالقطع الكبير الرحلي في 81 صفحة، مع الكتاب الآخر للشهيد " روض الجنان " في سنة 1307 ه‍. في إيران، بهمة المرحوم الشيخ محمد رضا الطهراني. وقد صحح المصحح لهذه الطبعة - وهو الشيخ محمد رضا الطهراني (ره) - تصحيحات قياسية كثيرة، أكثرها أخطاء، والرمز إليها " ض ". 3 - وطبع بالقطع الجيي بتصحيح وهمة حجة الاسلام الشيخ حسن المصطفوي دامت تأييداته، في طهران في سنة 1366 ه‍ في 256 صفحة. وتمتاز هذه الطبعة على سائر الطبعات من حيث صحة المتن. والرمز إليها في هذه الطبعة " ط ". 4 - وطبع بالقطع الرقعي طبعة حروفية في 184 صحفة في مطبعة الغري بالنجف الاشرف، في سنة 1370 ه‍. وأخطاء هذه الطبعة كثيرة، وأعادت مكتبة الصحفي في قم هذه الطبعة بالاوفست، بالقطع الجيبي، والرمز لهذه النسخة في طبعتنا هذه " ن ". 5 - طبع بالقطع الوزيري طبعة حروفية في 213 صفحة، أعده للطبع السيد أحمد الحسيني الاشكوري، وطبعه " مجمع الذخائر الاسلامية " بمدينة قم المقدسة سنة 1402 ه‍. وهذه الطبعة أدون الطبعات وأردأها من حيث عدم صحة المتن. ويا ليته لم ينتشر هذا التأليف القيم للشهيد الثاني بهذه الوضعية الرديئة مع أنه كان قد طبع قبل هذا أحسن من هذا بعدة مرات ! ولا مجال لنا هنا أن نعد بعض الاغلاط العجيبة الموحشة لهذا الطبعة. وعلى كل حال فرمز هذه النسخة حرف الحاء " ح ". 6 - نشر بتحقيق الشيخ أحمد حبيب قصير العاملي طبعة حروفية، بالقطع الوزيري في 264 صفحة، من مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، سنة 1405 ه‍. وفي هذه الطبعة أيضا عرضت أخطاء كثيرة. وإن كانت هي تمتاز على الطبعات السابقة من حيث ذكر مصادر كثير من الاحاديث لكنا - لعلل كثيرة - لم نعتمد على ما استخرج فيها من مصادر الرويات، بل ذكرنا مصادرها بمراجعة واستخراج مباشر، وسنتحدث إليكم عن هذا الامر فيما يأتي. ورمزنا لهذه النسخة حرف العين " ع ". هذه طبعات الكتاب إلى الآن، وهي وإن كانت تخلف من حيث صحة المتن


1 - كتب خان پابامشار في كتابه " فهرست كتابهاى چاپى عربي " / 931 في بحث تعداد طبعات " منية المريد " يقول: " إنه طبع في سنة 1303 ه‍ في طهران، بالقطع المتوسط في 81 صفحة أيضا " وبالرغم من الفحص الكثير أظفر على هذه الطبعة في المكتبات، وأظن أن ماقاله مشار سهو (*).

[ 62 ]

وإتقانه، ولكنها تشترك كلها في كثيرة الاخطاء، وسنذكر فيما يأتي نماذج منها. ج‍ - ترجمات الكتاب بالفارسية حسب اطلاعي، قد ترجم الكتاب حتى اليوم ثلاث مرات إلى الفارسية بأقلام ثلاثة من الفضلاء المعاصرين، وإليكم التعريف بها حسب الترتيب الزمني: 1 - ترجمة الشيخ محمد باقر الساعدي الخراساني بعنوان " ترجمة منية المريد " أتمها قبل أربعين عاما تقريبا أي في سنة 1369 ه‍. وطبعتها المكتبة العلمية الاسلامية في طهران سنة 1372 بالقطع الرقعي في 373 صفحة، وجددت هذه الطبعة في طهران عام 1401 ه‍. 2 - ترجمة السيد محمود الدهسرخي الاصفهاني المقيم بمدينة قم المقدسة باسم " سراج المبتدئين " أتمها قبل خمس وثلاثين سنة تقريبا أي في سنة 1374 ه‍. وطبعت بإصفهان في سنة 1376 ه‍ في 232 صفحة بالقطع الرقعي. وأخيرا جددت هذه الطبعة مكتبة بصيرتي بقم المقدسة. 3 - ترجمة الدكتور السيد محمد باقر الحجتي، فرغ منها في سنة 1400 ه‍ وطبعت حتى اليوم أربع وعشرة مرة من قبل " دفتر فرهنگ إسلامي " (مكتب نشر الثقافة الاسلامية) في طهران. ونذكر بأنه توجد في هذه الترجمات الثلاث أخطاء كثيرة، أكثرها في الاوليين، مع عبارات ضعيفة، وحذف بعض المواضع الصعبة من دون إشارة إلى الحذف فيهما ! ولا مجال في هذه المقدمة لذكر نماذج من أخطائها، نوكل هذه المهمة إلى مقال مستقل في ذلك.


وكذلك عد الدكتور أحمد شلبي " منية المريد " من مصادر كتابه " تاريخ الترتبية الاسلامية " وذكر أنه طبعة القاهرة، سنة 1946 م. - انظر " تاريخ الترتبية الاسلامية " / 427، 428 - ولم أعثر أيضا بهذه الطبعة، ولم أر من أشار إليها، بالرغم من التتبع والفحص الكثير. واعلم أنه قد أدرج الدكتور عبد الامير شمس الدين كتاب " منية المريد " في كتابه الموسوم ب‍ " زين الدين بن أحمد في منية المريد في آداب المفيد والمستفيد " الذي طبعة دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة الاول مرة في بيروت، سنة 403 ه‍، وتطرقت إلى هذه الطبعة أغلاط كثيرة وأخطاء فاحشة. 1 - طبع هذا المقال في مجلة " نور علم " العدد 29، و 32 (*).

[ 63 ]

د - امتيازات هذه الطبعة من " منية المريد " نسخ الكتاب المخطوطة النسخ المخطوطة للكتاب كثيرة في المكتبات كما جاء في فهارسها، نعد هنا بعضها ونعرف بالنسخ الممتازة التي أفدنا منها في تحقيق الكتاب: 1 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 1017، للمكتبة المركزية لجامعة طهران، والتي هي من الكتب المهداة إليها من المرحوم السيد محمد المشكاة. 2 - نسخة مكتبة المرحوم الآخوند المولى محمد حسين القمشهي الكبير المتوفى سنة 1336 ه‍ في النجف الاشرف. 3 - النسخة المرقمة 1683 لمكتبة مجلس الشورى الاسلامي. 4 - النسخة المرقمة 1684 لمكتبة مجلس شورى الاسلامي. 5 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 4342 لمكتبة مجلس الشورى الاسلامي، كتبت سنه 1226 ه‍. 6 - نسخة مكتبة المرحوم السيد أحمد الزنجاني (قده). 7 - النسخة المرقمة 3490 لمكتبة الامام الرضا عليه السلام. 8 - النسخة المرقمة 6250 لمكتبة الامام الرضا عليه السلام. ليس فيها تاريخ الكتابة. 9 - النسخة المرقمة 1862 لمكتبة المدرسة الفيضية بمدينة قم المقدسة. ليس فيها تاريخ الكتابة. 10 - النسخة المرقمة 1928 لمكتبة المدرسة الفيضية بمدينة قم المقدسة، كتبت سنه 1007 ه‍. 11 - النسخة المرقمة 584 لمكتبة المسجد الاعظم بمدينة قم المقدسة، كتبت سنة 1086 ه‍. 12 - النسخة المرقمة 2953 لمكتبة المسجد الاعظم بمدينة قم المقدسة، كتبت سنة 1252 ه‍. 13 - النسخة الثانية من المجموعة المرقمة 2257 لمكتبة المسجد الاعظم بمدينة قم

[ 64 ]

المقدسة كتبت سنة 1227 ه‍. 14 - النسخة الثانية من المجموعة المرقمة 444 لمكتبة آية الله النجفي المرعشي العامة كتبت سنة 1087 ه‍. 15 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 1673 لمكتبة آية الله النجفي المرعشي العامة كتبت سنة 1264 ه‍. 16 - النسخة المرقمة 2204 لمكتبة آية الله النجفي المرعشي العامة كتبت سنة 1082 ه‍. 17 - النسخة الثانية من المجموعة المرقمة 2631 لمكتبة آية الله النجفي المرعشي العامة وليس فيها تاريخ الكتابة. 18 - النسخة الخامسة من المجموعة المرقمة 3733 لمكتبة آية الله النجفي المرعشي العامة وليس فيها تاريخ الكتابة. 19 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 5100 لمكتبة آية الله النجفي المرعشي العامة كتبت سنة 1260 ه‍. 20 - النسخة المرقمة 5568 لمكتبة آية الله النجفي المرعشي العامة كتبت في القرن 11 ه‍. 21 - نسخة مكتبة المرحوم المحدث النوري صاحب " المستدرك " ولا علم لنا بكيفية هذه النسخة ووضعها الحاضر. 22 - النخسة الاولى من المجموعة المرقمة 1059 لمكتبة الوزيري في مدينة يزد. كتب سنة 1059 ه‍. 23 - النسخة المرقمة 1656 لمكتبة الوزيري في مدينة يزد، كتبت في القرن 11 ه‍. 24 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 2305 لمكتبة الوزيري في مدينة يزد، كتبت سنة 1235 ه‍. 25 - النسخة المرقمة 2369 لمكتبة الوزيري في مدينة يزد، كتبت سنة 1109 ه‍. 26 - النسخة المرقمة 383 لمكتبة آية الله الگلپايگاني في مدينة قم المقدسة، وليس فيها تاريخ الكتابة. 27 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 7461 لمكتبة مدرسة سپهسالار في طهران، كتبت سنة 1046 ه‍.

[ 65 ]

28 - النسخة الولى من المجموعة المرقمة 7542 لمكتبة مدرسة سپهسالار في طهران، كتبت في القرن 12 ه‍، 29 - النسخة الثالثة من المجموعة المرقمة 8138 لمكتبة مدرسة سپهسالار في طهران، كتبت سنة 1292 ه‍. 30 - النسخة المرقمة 122 / أ، من فئة المرقمة 895 لمكتبة جامعة لوس أنجلس في الولايت المتحدة، كتبت سنة 988 ه‍ (كما جاء في فهرسها في نشره " نسخة هاي خطي " (= النسخ الخطية) العدد الحادي عشر والثاني عشر، ص 372). 31 - النسخة الولى من المجموعة المرقمة 136، لمكتبة الحسينية الشوشترية الواقعة في النجف الاشرف، ليس فيها تاريخ الكتابة. 32 - النسخة المرقمة 827 لمكتبة كلية الالهيات والمعارف الاسلامية في مشهد الرضا عليه السلام، كتبت سنة 1229 ه‍. 33 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 1422، لمكتبة كلية الالهيات والمعارف الاسلامية في مشهد الرضا عليه السلام كتبت سنة 1096 ه‍. 34 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 1085 لمكتبة كلية الالهيات والمعارف الاسلامية في مشهد الرضا عليه السلام ليس فيها تاريخ الكتابة. 35 - النسخة المرقمة 8025 لمكتبة الامام الرضا عليه السلام، كتبت سنة 1288 ه‍. 36 - النسخة المرقمة 1060 لمكتبة ملك في طهران. كتبت في القرن 11 ه‍. 37 - النسخة الثانية من المجموعة المرقمة 5685 لمكتبة آية الله النجفي المرعشي العامة، كتبت سنة 1034 ه‍ ظاهرا. 38 - النسخة المرقمة 901، لمكتبة جامع گوهرشاد في مشهد المقدسة، كتبت سنة 1069 ه‍. 39 - النسخة المرقمة 1128، لمكتبة جامع گوهرشاد في مشهد المقدسة، كتبت في القرن 12 ه‍. 40 - النسخة الثاني من المجموعة المرقمة 1157، لمكتبة جامع گوهر شاد في مشهد المقدسة، كتبت سنة 1073 ه‍. 41 - النسخة المرقمة 9133، لمكتبة الامام الرضا عليه السلام، كتبت سنة 1140 ه‍.

[ 66 ]

النسخة المرقمة 12900، لمكتبة الامام الرضا عليه السلام، كتبت سنة 1238 ه‍. 43 - النسخة المرقمة 13218، لمكتبة الامام الرضا عليه السلام، كتبت سنة 1057 ه‍. 44 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 841 لمكتبة المدرسة الفيضية بمدينة قم المقدسة، كتبت سنة 1293 ه‍. 45 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 1661 لمكتبة المدرسة الفيضية بمدينة قم المقدسة، كتبت سنة 1255 ه‍. 46 - النسخة المرقمة 481 لمكتبة المدرسة الحجتية بقم، كتبت في القرن 11، 12 ه‍. وقد كانت بأيدينا عشر من هذه النسخ نفيد منها في التحقيق سنقوم بتعريفها فيما يلي. النسخة الاولى والثانية من هذه النسخ أحسن النسخ وأكثرها اعتبارا، فقد كتبهما تلميذ الشهيد قليلا بعد تأليفه الكتاب، وقد سمعاه عن الشهيد وعليهما خطه وإنهاؤه. وقد كتب المرحوم الشيخ آقا بزرگ الطهراني بشأن النسخة الثانية، أي نسخة مكتبة المرحوم القمشهي (قده) ذيل ترجمة بن محمد الجبعي، العاملي من تلامذة الشهيد، كتب يقول: " سلمان بن محمد العاملي من تلامذة الشهيد الثاني، رأيت بخط الشهيد إجازته لصاحب الترجمة (راجع " الذريعة " ج 1 / 194، الرقم 1003) على ظهر " منية المريد " تاريخها يوم الخميس 2 ذي القعدة، 954 ه‍ ق، رأيته في كتب مولانا الآخوند محمد حسين بن محمد قاسم القمشهي المتوفى في النجف 1336، ضمن مجموعة خمس رسائل كلها الشهيد: أولها " نتائج الافكار " ثم " المنية " ثم " كشف الريبة " ثم " مسكن الفؤاد " ثم " مسألة في الطلاق " كلها بخط صاحب الترجمة، وصورة خط الشهيد هذه: الحمد لله حق حمده، سمع علي هذا الكتاب كاتبه المولى الاجل الفاضل خلاصة الاخيار الشيخ سلمان - أحسن الله تعالى توفيقه وسهل إلى كل خير طريقه - في مجالس آخرها: يوم الخميس ثاني شهر ذي القعدة الحرام عام أربع وخمسين وتسعمائة من الهجرة النبوية. وكتب مؤلفه العبد الفقير إلى الله تعالى زين الدين بن علي بن أحمد حامدا لله تعالى مصليا مسلما ".


1 - " إحياء الداثر " / 97، وراجع " الذريعة " ج 23 / 209 (*).

[ 67 ]

وقد انتقلت مكتبة المرحوم والقمشهي إلى مكتبة الحسينية الشوشترية الواقعة في النجف الاشرف (1) - وكانت هذه النسخة موجودة فيها ضمن المجموعة المرقمة 140 كما ذكر في فهرسها (2) - وعلى هذا فلا تصل إليها أيدينا اليوم. ولهذا فقد اخترنا من بين سائر النسخ الموجودة أحسن النسخ وأفدنا منها. وسائر النسخ من الرقم 8 - 46، و 5 ولا ميزة لها، ما عدا النسخ 21، 30، 31 التي لا تصل إليها أيدينا اليوم أيضا حتى نراجعها ونرى قيمتها واعتبارها. ومع ذلك فقد أفدنا من النسخ 9 - 13 أضف إليها خمس نسخ اخرى إليك وصفها جميعا: النسخ التي اعتمدنا عليها حسب قيمتها واعتبارها 1 - النسخة الاولى من المجموعة المرقمة 1017، للمكتبة المركزية لجامعة طهران. التي هي جملة الكتب المهداة إليها من قبل المرحوم السيد محمد المشكاة، هذه النسخة بخط حسين بن مسلم بن حسين بن محمد الشهير بابن شعير العاملي تلميذ الشهيد. أنهاها في يوم الخميس 23 شهر جمادى الاولى لسنة 954 أي بعد شهرين وثلاثة أيام بعد إتمام الشهيد لها، وقد كتب في آخرها: " وفرغ من نسخها مملوكه حقا: فقير عفو الله وكرمه المعترف بالخطأ والخلل في القول والعلم: حسين بن مسلم بن حسين بن محمد الشهير بابن شعير العاملي، عامله الله بلطفه الخفى، ضخى يوم الخميس ثالث عشر جمادى الاولى سنة أربع وخمسين وتسعمائة جعله الله تعالى ممن يمتثل بما كتب ويقوم بوظيفته ما وجب... ". وقد كتب الشهيد على الورقة الاولى بخطه: " كتاب منية المريد في أدب المفيد والمستفيد، لهذا العبد الفقير إلى الله تعالى زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي، عامله الله بلطفه الخفي، وعفا عنه بفضله ". وفي هوامش متعددة من النسخة بخط الشهيد: " بلغ سماعا وفقه الله تعالى " مثل الاوراق: 7 ب، 12 ب، 25 ألف، 32 ألف، 37 ألف، 43 ألف. وفي هامش الورقة 58 ألف، جاء بخط الشهيد:


1 - " الذريعة " ج 6 / 400. 2 - نشرة " نسخه هاي خطي " العدد الحادي عشر والثاني عشر، ص 836. 3 - راجع " فهرست كتابخانه إهدائي مشكاة به كتابخانه دانشگاه تهران " ج 3 / 682 - 683 (*).

[ 68 ]

" أنهاه - أحسن الله تعالى توفيقه وتسديده، وأجزل من كل مثوبة وخير نصيبه وتأييده ومزيده - سماعا معتبرا وتصحيحا وتدبرا، في مجالس آخرها يوم الخميس ثاني شهر ذي القعدة الحرام عام أربع وخمسين وتسعمائة. وكتب مؤلفه العبد الفقير إلى عفو الله تعالى وكرمه ومغفرته: زين الدين بن علي بن أحمد، حامدا مصليا مسلما ". وفي هذه النسخة سقطات كما يلي: من الصفحة 245 - 271، و 279 - 340، و 343 - 377 من هذه الطبعة. وهذه هي لنا النسخة الام وهي الاساس في تحقيقنا، نرمز إليها ب‍ " ة ". 2 - نسخة مكتبة المرحوم آية الله السيد أحمد الزنجاني (قده) التي أعارنا إياها نجلة الاستاذ السيد موسى الشبيري الزنجاني. وهي نسخة كاملة، فهي بعد نسخة " ة " من أكثر النسخ اعتبارا، كتبها الفضل لاخيه الشيخ خليفة بن عطاء الله بعد 12 عاما تقريبا من شهادة المؤلف، وقد قابلها السيد أبو القاسم بن فتح الله الحسيني حين خروجه من النجف الاشرف إلى الجزائر بنسخة قوبلت بنسخة الاصل في شهر جمادى الاولى سنة 977 ه‍. ورمز هذه النسخة النفيسة " ز ". 3 - " النسخة المرقمة 1683 لمكتبة مجلس الشورى الاسلامي، بخط علاء الدين محمد الحسني الحسيني الحمزوي تم كتابتها بعد خمس سنين من شهادة المؤلف أي في شهر شعبان سنة 970 ه‍. وهي بخط واضح جميل، وهي أيضا نسخة كاملة - ما عدا عدة أسطر من وسطها - وجعلنا رمزها " م ". 4 - النسخة المرقمة 1684 لمكتبة مجلس الشورى الاسلامي، بخط محمد بن مظفر بن إبراهيم المدعو بالتقي الصوفي القزويني الابهرودي، وقد أتم كتابتها في ليلة الجمعة 23، من شهر رمضان 1027 ه‍ وهو في اعتكاف في الجامع الكبير بمدينة سمنان. وهي ناقصة قد سقط منها أكثر من نصفها من السطر 18 من الصفحة 183 حتى السطر 3 من الصفحة 375 من هذه الطبعة. ولكن كاتبها كان من العلماء فكتب عليها حواشي كثيرة، ويستفاد من حاشية على الورقة 10 ألف، حيث يروي المؤلف أحاديث عن التفسير المنسوب إلى الامام الحسن العسكري عليه السلام: أن الكاتب كان مجازا من المرحوم الشيخ البهائي عليه الرحمة، فقد كتب فيها يقول: " هذا التفسير المنسوب إلى سيدنا أبي محمد الحسن العسكري سلام الله عليه... ليس من تصنيفه عليه السلام بل إنما سمع منه المحدثان محمد بن زياد ومحمد بن سنان وألفاه. روينا التفسير المذكور عن شيخنا الاعظم سلطان المفسرين بهاء الملة والدين

[ 69 ]

محمد العاملي، أدام الله ظلة البهي، إجازة عن والده الاما العارف حسين بن عبد الصمد العاملي قدس الله روحه عن الامام المصنف رحمه الله بإسناده عن الصدوق أبي جعفر محمد بن بابويه القمي، عن محمد بن القاسم الاسترآبادي، عن يوسف بن محمد بن زياد، وعلي بن محمد بن سنان، عن أبويهما عن الامام عليه السلام. " ورمز هذه النسخة " س ". 5 - النسخة المرقمة 48، قسم كتب الاخلاق (الرقم العام 3490) بمكتبة الامام الرضا عليه السلام، وحيث قد سقطت منها عدة أوراق من آخرها: من السطر 4 من الصفحة 347 إلى آخر الكتاب من طبعتنا هذه، لذلك لا يدرى متى كتبت ومن الكاتب. وعلى أي حال فهي بخط حسن قليل الخطأ، ورمزها " ق ". وقفها على مكتبة الامام الرضا عليه السلام أحد أحفاد السيد نعمة الله الجزائري عليه الرحمة في سنة 1309 ه‍. وما عدا هذه النسخ، فقد أفدنا أيضا من خمس نسخ مخطوطة لمكتبة المدرسة الفيضية المسجد الاعظم بمدينة قم المقدسة، ولا سيما في الموارد الساقطة من النسخة الاساس، للتأييد والتأكيد، ولكنها لا ميزة لها، ولذلك فقد أمسكنا عن التعريف بموارد اختلاف هقه النسخ مع الخمس السابقة. وقد قابلنا عملنا بجميع النسخ المطبوعة. وإن كان لم يترتب على كثير منها كثير فائدة. إن اسلوب علمنا في التحقيق هو أن نشخص بالسعي والجد الوافر الضبط الصحيح فندرجه فقط، واتقينا أن نذكر اختلاف النسخ المغلوطة غير المفيدة التي لا تفيد سوى تشتيت ذهن القارئ وزيادة حجم الكتاب، وإن كان ثقل هذا العمل على عاتق المحقق والمصحح أكثر بكثير، حيث يجب عليه أن يجد الضبط الصحيح بجد مجهد فينقذ بذلك القارئ من الحيرة وتشتت الذهن، ولولا رعاية هذه الجهات لكان بالامكان أن نجعل نسخة أساسا للعمل ونذكر اختلاف النسخ في الهامش، ولا نتحمل عشر ما تحملناه الآن من تعب وعناء، ولكنا نرى أن هذا الاسلوب غير صحيح ولا مطلوب كما لا يخفى على أهل الكمال. وعلى كل حال فإن ذكر جميع اختلافات النسخ يزيد في حجم الكتاب بدون أن يترتب عليه أقل ثمرة مفيدة، بل مفاسده عديدة.

[ 70 ]

تعيين مصادر المؤلف للكتاب إن المؤلف في تأليفه لهذا الكتاب القيم إضافة إلى مشاهداته وتجربياته الوافرة قد أفاد من مصادر وكتب كثيرة، صرح هو من بينها بهذه الكتب: 1 - " الكافي " للكليني قدس سره، 2 - " الامالي " للصدوق قدس سره، 3 - " الخصال " للصدوق قدس سره، 4 - " التوحيد " للصدوق قدس سره، 5 - " التفسير " المنسوب للامام الحسن العسكري عليه السلام. ولم يشر المؤلف ما عدا هذه الكتب و " شرح مسلم " في ص 108 و " معجم الادباء " في ص 248 إلى أي مصدر آخر. ولكننا بالتتبع والاستقصاء الوساع وجدنا بعض المصادر الاخرى التي قد أفاد منها المولف مباشرة مها ما تنقطع به وهي: 1 - " شرح المهذب " للنووي، في المقدمة والباب الاول والثاني المطلب الثاني من خاتمة كتب " منية المريد ". 2 - " إحياء علوم الدين " للغزالي، في الباب الاول والثالث من الكتاب، 3 - " تذكرة السامع والمتكلم " لابن جماعة الكناني، في الباب الاول والرابع منه، 4 - " تفسير الرازي " (= مفاتيح الغيب) للفخر الرازي، في المقدمة والقسم الثاني من النوع الثالث من الباب الاول منه، 5 - " فتح الباقي بشرح ألفية العراقي " لزكريا بن محمد بن أحمد الانصاري الشافعي، في الباب الرابع منه. هذه كتب أفاد منها المؤلف مباشرة وبلا واسطة. وقد عينا في هوامش الكتاب موارد الافادة منها مباشرة بعبارة " لاحظ " فمثلا نقول " لاحظ شرح المهذب " أو " لاحظ تذكرة السامع والمتكلم " مع ذكر مجلدا المأخذ وصفحته. وعرفنا بهذه الكتب ومؤلفيها في بعث " مصادر التحقيق " ولذلك لا نرى ضرورة للتعريف بها هنا. لكن من الجدير أن نذكر بأن ابن جماعة الكناني في " تذكرة السامع والمتكلم " بدوره قد استفاد كثيرا من " شرح المهذب " للنووي - أو قد استفاد كلاهما من كتاب ثالث على احتمال بعيد جدا - وقد كرر النووي بعض المواضع من " شرح المهذب " في

[ 71 ]

كتاب الآخر " التبيان في آداب حملة القران " وأرجع فيه إلى كتابه " شرح المهذب ". وقد استفاد النووي كثير من كتاب " أدب المفتي والمستفتي " لابن الصلاح، كما يظهر لمن راجع " شرح المهذب " و " أدب المفتي والمستفي " والنووي صرح بهذه النكتة حيث قال في " شرح المهذب " (ج / 67) في أول باب الفتوى والمفتي والمستفتي: " اعلم أه هذا الباب مهم جدا فأحببت تقديمة لعموم الحاجة إليه، وقد صنفت في هذا جماعة من أصحابنا، منهم أبو القاسم الصيمري شيخ صاحب " الحاوي " ثم الخطيب أبو بكر الحافظ البغدادي، ثم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، وكل منهم ذكر نفائس لم يذكرها الآخران، وقد طالعت كتب الثلاثة ولخصت منها جملة مختصرة مستوعبة لكل ما ذكروه من المهم، وضممت إليها نفائس من متفرقات كلام الاصحاب، وبالله التوفيق ". وكذلك استفاد النووي في المجلد الاول من " شرح المهذب " من بعض كتب الغزالي كما يظهر لمن راجع إليه. إن هذا الامر أي تعيين مصادر المؤلف وإن استغرق منا فرصا كثيرة، ولكنه أمر لا يخلو عن ثمرة، بل هي كثيرة جدا كما لا يخفي على أهل التحقيق. تخرج الاخبار والآثار والاشعار قد استخرجنا في الكتاب مصادر الاخبار وأقوال العلماء والعظماء وهي كثيرة من بين المصادر المتقدمة على الشهيد كما تلاحظون ذلك، بل عينا مهما أمكن القائل الكثير من الكمات التي نقلها المؤلف بتعبير " قيل " وكذلك مصادر الاشعار وناظميها، إلا ما شد وندر. ومن الضروري بشأن مصادر الكتاب أن نذكر بأنا اخترنا كل ذلك مما تقدم على الشهيد، كما أن اللازم أن يكون الامر كذلك، وإن كنا ذكرنا إلى جانب المصادر الاولية ما وجدناه في الكتب المتأخرة عنه مثل " بحار الانوار " أو " كنز العمال " لمزيد الفائدة، وإلا فنحن نعلم أنه ليس لنا أن نرد الروايات من كتاب مثل " منية المريد " إلى كتاب مثل " بحار الانوار " الذي هو متأخر عن الاول بل هو ناقل عنه ! وأن هذا الامر السهل واليسير ليس في الحقيقة استخراجا للمصادر، بل هو ذكر

[ 72 ]

لكتاب آخر جاءت فيه تلك الاخبار مثلا أيضا ! ومع ذلك نرى من المؤسف - في بعض الكتب التي هي تعد من مصادر " البحار " لم يعينوا المصدر الاصلي للاخبار بل ردوها إلى " البحار " نقلا عن نفس الكتاب وهذا - كما هو واضح - كالدور الباطل ! فمثلا نرى كثيرا في هامش " عوالي الآلي " أنهم بدل أن يتحملوا جهد الفحص والتتبع الواسع والمضني والظفر بالمصادر الاصلية، قد ردوا أخباره إلى " البحار " أو " المستدرك " أو " إثبات الهداة " نقلا عن " عوالي الآلي " ! منها في الجزء الثاني ص: 9، 16، 27، 29، 48، 103، 163، 242، 349، وفي الجزء الرابع ص 58، 60، 61، 64، 68، 69، 70، 77، 79، 85، 86. نعم قد نحتاج إلى تعيين موضع رواية في " البحار " وأضرابه مزيدا للفائدة، أو من أجل تأييد النسخة بأنها - أو النسخة المشابهة لها - هي التي اعتمدها مثل العلامة المجلسي قدس سره، وأين هذا من ذاك ؟ ! أما أنا فقد أفرغت كل جهدي وطاقتي كي أقف علي المصادر الاصلية، وبحمد الله فقد ظفرت بجميعها وذكرتها ما عدا بعض الموارد المعدودة الآتي ذكرها. وقد كان بعض المتقدمين من المحققين أبدوا اليأس من الحصول على المصدر الاصلي لبعض الروايات، فلم يكن إظهارهم لليأس يورثني يأسا أيضا، بل استمر سعيي وفحصي حتى وصلت بحمد الله فيها إلى النتائج المرجوة، فمثلا، كتب الاستاذ المحقق والمتتبع الجليل الشيخ علي أكبر الغفاري دام تأييده، في حوشيه لكتابي " المحجة البضاء " و " شرح الكافي " للمرحوم المولى صالح المازندراني (قده) بشأن بعض الروايات: " ما عثرت عليه إلا في منية المريد " منها في: 1 - حديث " كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذ انسب إليه، وكفى بالجهل ذما أن يبرأ منه من هو فيه. " وهو في ص 110 من الكتاب. 2 - حديث " العلم أفضل من المال بسعبة... السابع: العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه. " وهو في ص 110 من الكتاب. 3 - حديث " من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين... ".


1 - " المحجة البيضاء " ج 1 / 25، الهامش 4. 2 - " المحجة البيضاء " ج 1 / 26، الهامش 3. 3 - " المحجة البيضاء " ج 1 / 18، الهامش 2 (*).

[ 73 ]

وهو في ص 100 من الكتاب. 4 - حديث " إن باب من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن لو كان أبو قبيس ذهبا فانأفقه في سبيل الله " وهو في ص 100 من الكتاب. وتشاهدون أننا قد وجدنا بحمد الله تعالى جميع هذه الروايات في المصادر المتقدمة على " منية المريد " بل قد وجدنا لبعضها أكثر من مصدر وذكرنا مصادرها. بل قد راعينا أن لا نكتفي بأن نرى الحديث في الكتب المتقدمة على " المنية " حتى نجده في المصادر الاصلية للحديث لاغيره حتى ولو كان من الكتب الفقهية المعتبرة. فمثلا ورد هذا الحديث: " هو الطهور مائه الحل ميتته " - المنقولة في ص 295 من طبعتنا هذه - في كتب " الخلاف " للشيخ و " المعتبر " للمحقق الحلي " والتذكرة " للعلامة، وكان بالامكان أن نذكر هذه الكتب كصادر للحديث، لكني ذهبت لا تفقد عن المصدر الاصلي للحديث فوجدته في كتب العامة - المتقدمة على " الخلاف " و " المعتبر " و " التذكرة " - ك‍ " مسند أحمد " و " سنن أبي داود " و " سنن الدارمي " و " سنن ابن ماجة " وهي المصادر لتلك الكتب الفقهية أيضا. وإذا شاهدتم الارجاعات إلى مصادر العام أكثر من مصادر الخاصة فهذا ليس إلا لان المؤلف نقل عنهم حيث لم يجد محذورا في ذلك، كما نقل كبار العلماء المتقدمية أحاديث من هذا القبيل في جوامعهم الحديثية لنفس الملاحظة، ولم يكن ذلك من عدم اطلاعهم على المصادر الاصلية للحديث بل مع كامل اطلاعهم تعمدوا ذلك، فنرى العلامة المجلس قدس سره في موسوعته " بحار الانوار " بعد نقله لروايات من بعض كتب الشهيد كتب يقول: " أقول: هذه الاخبار أكثرها عامية، أوردناها تبعا للشيخ المتقدم ذكره قدس الله لطيفه ". وفي موضع آخر كتب يقول: " أقول: يشكل التخصيص بهذه الرواية العامية وإن قيل إن ضعفها منجبر بالشهرة. وكذا كثير من الصلوات التي أوردناها من طرق العامة تبعا للشيخ والسيد وغيرهما. حيث أورده في كتبهم، لمساهلتهم في المستحبات. ويشكل العلم بها فيما كان مخالفا


1 - " المحجة البيضاء " ج 1 / 18، الهامش 3، " شرح الكافي " ج 2 / 11 الهامش. 2 - " بحار الانوار " ج 89 / 215 (*).

[ 74 ]

للهيئات المنقولة، وإن كان الحكم بالمنع أيضا مشكلا. " وعلى هذا فلم يكن هؤلاء ليجدوا محذورا في نقل هكذا أحاديث من مصادر العامة. واستخرجنا وذكرنا - ما عدا الروايات - مصادر الآثار وأقوال العظماء والاشعار إلا ما شذ وندر، وذلك بتحمل مشقة كثيرة، وهكذا انحل كثير من مواضع الاشكال والسقط في متن الكتاب، وللنموذج نذكر موردا واحدا لا يخلو عن فائدة: نقل الشهيد في المقدمة ص 123 عن بعضهم " من جلس مع ثمانية أصناف من الناس زاده الله ثمانية أشياء " ثم يذكر سبعة أصناف ولم يذكر الصنف الآخر في أي نسخة من المخطوط والمطبوع، وبعد أن وجدنا المصدر تبين أن ذلك الصنف، أي عبارة: "... [ من اللهو والمزاح، ومع الفساق ازداد ]... " قد سقطت من جميع النسخ ولعله من سقط قلم المؤلف (قده) والعبارة الصحيحة هكذا: "... ومع الصبيان ازداد [ من اللهو والمزاح، ومع الفساق ازداد ] من الجرأة... ". ولا يفوتنا هنا أن نقول: إن الذي لم نجد مصدره من جميع الكتاب إنما هو أقل من عشرة موارد من خبر وشعر وقل مأثور في الصفحات: 148، 174، 179، 191، 220، 226، 242، 245، 258 وقد ذكرنا بها في الهوامش. ولهذا نرجو ممن يطلع على مصادرها مما تقدم على " منية المريد " أن يعلمنا بها ليتم هذا العمل ويكمل. أما في طبع " مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة " - أعني " ع " - لم تذكر مصادر الاقوال المأثورة للعظماء، وكذلك الاشعار بل وكثير من الروايات، وفيما ذكر فيه من مصادر الروايت من الاخطاء ما جعلنا لا نعتمد على شئ منها، فلم نذكر أي مصدر إلا بعد مراجعة مجددة مباشرة. وشواهد ما قلناه كثيرة إذا أردنا إيرادها طال المقال، ومن كان له إشكال على ما قلناه فأنا حاضر لاثبات ما قلته. ومن مميزات هذه الطبعة أيضا ذكر العناوين للفصول والاقسام التي لم يكن لها عنوان في المتن، جعلناها بين معقوفتين هكذا [ ]، وأعربنا الآيات والكلمات


1 - " بحار الانوار " ج 89 / 384 (*).

[ 75 ]

المشكلة من الاحاديث والآثار وغيرهما، واستفدنا في إعراب روايات الخاصة - عدا عن كتب اللغة - من شروح " الكافي " والطبعة المشكولة المعربة من " اصول الكافي " وفي إعراب روايات العامة من " الصحيح البخاري بشرح الكرماني " وفيض " القدير " وبعض كتبهم المعربة المشكولة. ومن المميزات أيضا: تدوين فهارس مختلفة في آخر الكتاب، شرح وتوضيح ما ابهم من الكتاب ووضع ما يحتاجه من علامات الترقيم الحديثة حسب المعمول بين أهل الفن، ووحدة سياق الارجاعات ورسم الخط وكذا سائر الامور. ه‍ - إشارة إلى كثرة أخطاء الطبعات السابقة للكتاب لقد مر أننا نجد أخطاء كثيرة عرضت للطبعات السابقة للكتاب، لعلها تصل في كل طبعة إلى أكثر من أربعمائة غلطة صغيرة أو كبيرة، ولا أقل من هذا العدد من الغلط في نسخة " ح " ونسخة " ع " وقد ترى في صفحة واحدة أكثر من خمسة أخطاء غير محتملة الصحة. وحيث لا فائدة في ذكر نماذج كثيرة منها هنا بل هي تسبب في تطويل هذه المقدمة أكثر من المناسب، فنحن نشير هنا إلى ثلاث نماذج من الصحفحتين الاولى والثانية اللتين هما كبيت القصيدة للكتاب، وجديرتان بعناية أكثر وأكبر: 1 - حرفت عبادة " وسميتها منية المريد في أدب المفيد والمستفيد " في ص 92 في جميع النسخة المطبوعة على الجلد وصفحة عنوان الكتاب والمقدمة، إلى "... آداب المفيد... " مع أنه إضافة إلى ضبط العبارة في نسخة " ة " وهي أضع النسخ وأكثرها اعتبارا ب‍ " أدب المفيد " فقد كتب الشهيد بخط يده اسم الكتاب كذلك على الورقة الاولى من تلك النسخة كما مر، والصحيح هو هذا قطعا، كما هو في اسم نظيره المتقدم عليه " تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ". 2 - جاء في أول " منية المريد ": " الحمدلله الذي علم بالقلم... وصلى الله على حبيبه وعبده ونبيه محمد أفضل من علم وعلم، وعلى اله وأصحابه والمتأدبين بآدابه وسلم " وقد توهم بعضهم أن في العبارة سقطا وخطأ فبدلها إلى "... وعلى آله وأصحابه المتأدبين بآدابه صلى الله عليه وسلم " ! مع أن سياق العبارة يشهد بالغلط في هذه الاضافة التحريفية، وكذلك تشهد به جميع النسخ المخطوطة التي راجعناها واستفدنا منها.

[ 76 ]

3 - في أكثر النسخ المطبوعة جاءت الآية الشريفة 12 من سورة الطلاق: " الله الذي خلق.. " في ص 93 هكذا: " وهو الذي خلق.. ". هذه نماذج ثلاثة من الصفحتين الاولى والثانية للكتاب، وهما جديرتان بعناية أكبر وأكثر. و - شكر وثناء ساعدني في تحقيق الكتاب وتصحيحه ونشره بهذه الصورة عدد من الاساتذة الكرام والاصدقاء الاعزاء، فأنا إذ أقدم لهم من الصميم شكري لجميعهم ودعائي لهم بالتوفيق المطرد والمتنامي، ازين هذه الصفحة بأسمائهم الكريمة: أعارني المحقق الرجالي المعاصر حجة الاسلام والمسلمين الاستاذ السيد موسى الشبيري الزنجاني نسخة " ز " والاستاذ المحقق حجة الاسلام والمسلمين الشيخ حسن حسن زاده الآملي نسخة " ز " والاستاذ الجليل حجة الاسلام الشيخ رضا الاستاذي نسخة " ض " وحجة الاسلام الشيخ حسن المصطفوي نسخة " ن " وأيضا نسخة " ه‍ " وتفضل بعضهم علي ببعض الارشادات القيمة، وكذلك تفضل علي الاستاذ حجة الاسلام السيد محمد رضا الحسيني الجلالي بإرشادات وإصلاحات قيمة جدا ومن علي الاخوان الفضلاء الشيخ أحمد العابدي والشيخ محمد علي المهدوي والسيد علي مير شريفي بإعارتي كتبهم. وبعض الاصدقاء لم يبخلوا علي بأية مساعدة ممكنة: الاخ الشيخ علي أكبر زماني نژاد في المقابلة بنسخة " ط " والاخ الجليل الشيخ علي المختاري في المقابلة بنسخ " ز "، " م "، " س " و " ه‍ "، والاخ السيد أبو السحن المطلبي في المقابلة بنسخة " ة ". والمسؤولون بقسم المخطوطات للمكتبة المركزية لجامعة طهران أعاروني نسخة الام: " ة " ولم يبخلوا علي بكل مساعدة ممكنة. وعلى الله أجرهم جميعا. ولقد صادف اشتغالي بكتابة هذه المقدمة هجوم أعداء الاسلام وعمال الاستعمار، أعني الصداميين البعثيين الكافرين، على مدن إيران الاسلامية ولا سيما مدينة قم وطهران، وقصفها بالطائرات الغادرة الخائنة والصواريخ المدمرة البعيدة المدى السوفياتية، وقد استشهدت بسبب ذلك المآت من أبناء الاسلام الابرياء، فنحن نهدي ثواب هذا العمل إلى أرواح شهداء نا الطاهرة، ونسأل الله تعالى أن ينصر

[ 77 ]

جيوش الاسلام في جبهات الحرب على البعثيين الصداميين الكفار، ويديم على رؤوسنا ظلال سيدنا، قائد الثورة الاسلامية في إيران، آية الله العظمى الامام الخميني، حفظه الله تعالى من الشرور والآفات. والحمد لله رب العالمين وصلى الله عليه حبيبه ونبيه وسيدنا محمد، ووصيه وخليفته مولانا أمير المؤمنين وأهل بيته أجمعين. قم المقدسة 22 شعبان المعظم 1408 ه‍ 22 / 1 / 1367 ه‍. ش. رضا المختاري

[ 78 ]

صورة الصفحة الاولى من نسخة (ة)

[ 79 ]

صورة الصفحة الثانية من نسخة (ة)

[ 80 ]

صورة الصفحة الاخيرة من نسخة (ة) ويرى في الهامش إنهاء الكتاب بخط المؤلف قدس سره

[ 81 ]

صورة الصفحة الاولى من نسخة (ز)

[ 82 ]

صورة الصفحة الاخيرة من نسخة (ز)

[ 83 ]

صورة الصفحة الاولى من نسخة (م)

[ 84 ]

صورة الصفحة الاخيرة من نسخة (م)

[ 85 ]

صورة الصفحة الاولى من نسخة (س)

[ 86 ]

صورة الصفحة الاخيرة من نسخة (س)

[ 87 ]

صورة الصفحة الاولى من نسخة (ق)

[ 88 ]

رموز النسخ قد ذكرنا العلامات الاختصارية والرموز إلى النسخ التي افدنا منها وراجعنا إليها في تصحيح وتحقيق هذا الكتاب مع التعريف بها في مقدمة التحقيق، ونكرر ذكرها هنا للتيسير:.. 1 - (ة): رمز إلى النسخة الاولى م نالمجموعة المرقمة 1017 للمكتبة المركزية لجامعة طهران، من الكتب المهداة إليها من قبل المرحوم المشكاة. 2 - (ز): رمز إلى نسخة مكتبة آية الله المرحوم السيد أحمد الزنجاني. 3 - (م) رمز إلى النسخة المرقمة 1683 لمكتبة مجلس الشورى الاسلامي. 4 - (س): رمز إلى النسخة المرقمة 1684 لمكتبة مجلس الشورى الاسلامي. 5 - (ق): رمز إلى نسخة مكتبة الامام الرضا عليه السلام في مشهد، الرقم 48 من كتب الاخلاق. 6 - (ه‍): رمز إلى (منية المريد) طبعة الهند. 7 - (ض): رمز إلى (منية المريد) الطبعة الملحقة ب‍ (روض الجنان) طبع ايران. 8 - (ط): رمز إلى (منية المريد) طبعة حجة الاسلام المصطفوي بطهران. 9 - (ن): رمز إلى (منية المريد) طبعة النجف الاشرف، مطبعة الغري. 10 - (ح): رمز إلى (منية المريد) طبعة مجمع الذخائر الاسلامية بقم المقدسة. 11 - (ع) رمز إلى (منية المريد) طبعة مؤسسة النشر الاسلامي بقم المقدسة.

[ 89 ]

منية المريد في أدب المفيد والمستفيد تأليف الشيخ زين الدين بن علي العاملي قدس سره المعروف بالهشيد الثاني (965 911 ه‍) تحقيق رضا المختاري

[ 91 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم، وصلى الله على حبيبه وعبده ونبيه محمد، أفضل من علم وعلم، وعلى آله وأصحابه المتأدبين بآدابه وسلم. أما بعد، فإن كمال الانسان هو بالعلم، الذي يضاهئ به ملائكة السماء، ويستحق به رفيع الدرجات في العقبى مع جميل الثناء في الدنيا، ويتفضل مداده على دماء الشهداء، وتضع الملائكة أجنحتها تحت رجليه إذا مشى، ويستغفر له الطير في الهواء والحيتان في الماء، ويفضل نومة ليلة من لياليه على عبادة العابد سبعين سنة. وناهيك بذلك جلالة وعظما. لكن ليس جميع العلم يوجب الزلفى، ولا تحصيله كيف اتفق يثمر الرضا، بل لتحصيله شرائط، ولترتيبه ضوابط، وللمتلبس به آداب ووظائف، ولطلبه أوضاع ومعارف، لابد لمن أراد شيئا منه من الوقوف عليها، والرجوع في مطلوبه إليها، لئلا يضيع سعيه ولا يخمد جده، وكم رأينا بغاة هذا العلم الشريف دأبوا في تحصيله، وأجهدوا نفوسهم في طلبة ونيله، ثم بعضهم لم يجد لذلك الطلب ثمرة ولا حصل منه على غاية معتبرة. وبعضهم حصل شيئا منه في مدة مديدة طويلة، كان يمكنه تحصيل أضعافه في برهة يسيرة قليلة، وبعضهم لم يزده العلم إلا بعدا عن الله تعالى وقسوة مظلما، مع قول الله سبحانه وهو أصدق القائلين: " إنما يخشى الله

[ 92 ]

من عباده العلماء " وما كان سبب ذلك وغيره من القواطع الصادة لهم عن بلوغ الكمال إلا أخلالهم بمراعاة الامو المعتبرة من الشرائط والآداب، وغيرها من الاحوال. وقد وفق الله سبحانه بمنه وكرمه فيما خرج من كتابنا الموسوم ب‍ " منار القاصدين في أسرار معالم الدين " 2 لتفصيل جملة شريفة من هذه الاحكام، مغنية لمن وقف عليه من الانام، وقد رأينا في هذه الرسالة إفراد نبذة من شرائط العلم وادابه، وما يتبع ذلك من وظائفه، نافعة إن شاء الله تعالى لمن تدبرها، موصلة له إلا بغيته إذا راعاها ونقشها على صحائف خاطره وكررها، مستنبطة من كلام الله تعالى وكلام رسوله والائمة عليهم السلام، وكان أساطين الحكمة والدين والعلماء الراسخين، وسميتها " منية المريد في أدب المفيد والمستفيد ". وأنا أسأل الله تعالى من فضله العميم، وجوده القديم أن ينفع بها نفسي وخاصتي وأحبائي، ومن يوفق لها من المسلمين، وأن يجزل عليها أجرى وثوابي ويثبت لي بها قدم صدق يوم الدين، إنه جواد كريم. وهي مرتبة على مقدمة وأبواب وخاتمة:


1 - سورة فاطر (35): 28. 2 - الظاهر أن هذا الكتاب قد فقد وذهب فيما ذهب من كتب الشهيد الثاني رحمه الله، ولم نقف على نسخة له حتى اليوم في فهارس المخطوطات. [ * ]

[ 93 ]

أما المقدمة فتشتمل على جملة من التنبيه على فضله من الكتاب والسنة والاثر ودليل العقل، وفضل حامليه ومتعلميه واهتمام الله سبحانه بشأنهم وتمييزهم عم سواهم [ فصل 1 ] [ في فصل العلم من القرآن ] إعلم أن الله سبحانه جعل العلم هو السبب الكلي لخلق هذا العالم العلوي والسفلي طرا، وكفى بذلك جلالة وفخرا، قال الله تعالى في محكم الكتاب تذكرة وتبصرة لاولي الالباب: الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما 1. وكفى بهذا الآية دليل على شرف العلم، لا سيما علم التوحيد الذي هو أساس كل علم، ومدار كل معرفة، وجعل سبحانه العلم أعلى شرف، وأول منة امتن بها


1 - سورة الطلاق (65): 12 [ * ].

[ 94 ]

على ابن آدم بعد خلقه وإبرازه من ظلمة العدم إلى ضياء الوجود فقال سبحانه في أول سورة أنزلها على نبيه محمد صلى الله عليه وآله: اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الاكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم 1. فتأمل كيف افتتح كتابه الكريم المجيد - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولامن خلقه تنزيل من حكيم حميد 2. - بنعمة الايجاد، ثم أردها بنعمة العلم، فلو كان ثم منة أو توجد نعمة بعد نعمة الايجاد هي أعلى من العلم لما خصه الله تعالى بذلك، وصدر به نور الهداية، وطريق الدلالة على الصراط المستقيم الآخذ بحجزة البراعة، ودقائق المعاني وحقائق البلاغة. وقد قيل 3 وفي وجه التناسب بين الآي المذكورة في صدر هذه السورة - التي قد اشتمل بعضها على خلق الانسان من علق، وفي بعضها تعليمه ما لم يعلم، ليحصل النظم البديع في ترتيب آياته -: إنه تعالى ذكر أول حال الانسان، وهو كونه علقه، مع أنها أخس الاشياء، وآخر حاله، في تلك الدرجة التي هي غاية الخساسة، فصرت في آخر حالك في هذه الدرجة التي هي الغاية في الشرف والنفاسة، وهذا إنما يتم لو كان العلم أشرف المراتب، إذ لو كان غير أشرف لكان ذكر ذلك الشئ في هذا المقام أولى. ووجه آخر: أنه تعالى قال: وربك الاكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم.


1 - سورة العلق (96): 1 - 5. 2 - سورة فصلت (41): 2 - 4. 3 - لاحظ " تفسير الرازي " ج 2 / 186، ج 32 / 16. 4 - أي وجه آخر في بيان دلالة الآي المذكورة في صدر سورة العلق على فضل العلم، لا حظ " تفسير الرازي " ج 2 / 186. 5 - سورة العلق (96): 3 - 5 [ * ].

[ 95 ]

وقد تقرر في أصول الفقه: " أن ترتب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة "، وهذا يدل على أن الله سبحانه اختص بوصف الاكرمية، لانه علم الانسان العلم، فلو كان شئ أفضل من العلم وأنفس لكان اقترانه بالاكرمية المؤادة بأفعل التفضيل أولى 1. وبني الله 2 سبحانه ترتب قبول الحق والاخذ به على التذكر، والتذكر على الخشية. وصر الخشية في العلماء، فقال: سيذكر من يخشى 3 و: إنما يخشى الله من عباده العلماء. وسمى الله سبحانه العلم بالحكمة، وعظم أمر الحكمة فقال: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خير كثيرا. وحاصل ما فسره في الحكمة مواعظ القرآن والعلم والفهم والنبوة في قوله تعالى: " ومن يؤت الحكمة " 6 " وآتيناه الحكم صبيا " 7 " فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة " والكل يرجع إلى العلم،. 9 ورجح العالمين على كل من سواهم، فقال سبحانه:


1 - " تفسير الرازي " ج 2 / 186. 2 - جاء في " تفسير الرازي " ج 2 / 186 في بيان فضيلة العلم من الآيات "... الثالث: قوله سبحانه: إنما يخشى الله من عباده العلماء، وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم، أحدها: دلالتها على أنهم أهل الجنة، وذلك لان العلماء من أهل الخشية، ومن كان من أهل الخشية كان من أهل الجنة فالعلماء من أهل الجنة، فبيان أن العلماء من أهل الخشية قوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء، وبيان أن أهل الخشية من أهل الجنة قوله تعالى: جنات عدن تجري من تحت الانهار - إلى قوله تعالى -: ذلك لمن خشى ربه، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان... " وتدل الآيتان 9 و 10 من سورة الاعلى (78) -: " فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى " - على ترتب قبولا لحق والاخذ به على التذكر. 3 - سورة الاعلى (87): 10. 4 - سورة فاطر (35): 28. 5 - سورة البقرة (2): 269. 6 - سورة البقرة (2): 269. 7 - سورة مريم (19): 12. 8 - سورة النساء (4): 54. 9 - هذا الكلام في بيان فضل العلم مأخوذ من " تفسير الرازي " ج 2 / 179، وحيث إن المؤلف رحمه الله لخص كلام [ * ].

[ 96 ]

هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الالباب. 1 وفرق 2 في كتابه العزيز بين عشرة: بين الخبيث والطيب -: قل لا يستوي الخبيث والطيب 3 - وبين الاعمى والبصير، والظلمة والنور، والجنة والنار، والظل والحرور 4. وإذا تأملت تفسير ذلك وجدت مرجعه جميعا إلى العلم. وقرن سبحانه أولى العلم بنفسه وملائكته، فقال:


الرازي - ولذا تعسر فهم وجه دلالة هذه الآيات على فضل العلم فإنا نأتي بنص كلامه وهو هذا: "... إن الله تعالى سمى العلم بالحكمة ثم إنه تعالى عظم أمر الحكمة وذلك يدل على عظيم شأن العلم، بيان أنه تعالى سمى العلم بالحكمة ما يروى عن مقاتل، أنه قال: تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن: قال في البقرة " وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة " يعني مواعظ القرآن، وفي النساء: " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة " يعني مواعظ القرآن، ومثلها في آل عمران، وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم الانعام: " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة " وثالثها: الحكمة بمعنى النبوة، في النساء: " فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة " يعني النبوة، وفي ص: " وآتيناه الحكمة " يعني النبوة، وفي البقرة: " وآتاه الله الملك والحكمة " ورابعها: القرآن، في النحل: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة " وفي البقرة: " ومن يؤث الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ". 1 - سورة الزمر (39): 9. 2 - في جميع النسخ المخطوطة وكذلك الكطبوعة: " قرن " بدل " فرق " والظاهر أن ما أثبتناه هو الصحيح وذلك لان هذا الكلام مأخوذ من " تفسير الرازي " ج 2 / 178، وهو دليل على ما قلناه واليك نص عبارته: "... الثاني: قوله تعالى: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وقد فرق بين سبع نفر [ كذا، ظ: بين عشرة نفر ] في كتابه: فرق بين الخبيث والطيب فقال: " لا يستوي الخبيث والطيب " يعني الحلال والحرام، وفرق بين الاعمى والبصير فقال: قل هل يستوي الاعمى والبصير " وفرق بين النور والظلمة، فقال: " أم هل تستوي الظلمات النور " وفرق بين الجنة والنار، وبين الظل والحرور، وإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذا من الفرق بين العالم والجاهل ". وانظر ايضا " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 52 و 182، و " در التاج " ج 1 / 25 - 26. واعلم أن في بعض النسخ: " بين سبعة " بدل " بين عشرة " كما في " تفسير الرازي " و " دره التاج " أيضا وهو لا يوافق مع كلام المصنف عند تعداهم، كما ترى. 3 - سورة المائدة (5): 100. 4 - إشارة إلى الآيات 19 - 22 من سورة فاطر (35): " وما يستوي الاعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الاحياء ولا الاموات " والآية 20 من سورة الحشر (59): " لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ". [ * ]

[ 97 ]

شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم 1. وزاد 2 في إكرامهم على ذلك مع الاقتران المذكور، بقوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم 3. وبقوله تعالى: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب 4. وقال تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات 5، وقد ذكر الله سبحانه الدرجات لاربعة أصناف: للمؤمنين من أهل بدر: إنما المؤمنون الذين إذ ذكر الله وجلت قلوبهم، إلى قوله: لهم درجات عند ربهم 6، وللمجاهدين: وفضل الله المجاهدين 7، ولمن عمل الصالحات:


1 - سورة آل عمران (3): 18. 2 - قال الرازي: " ثم انظر إلى هذه المرتبة فإنه تعالى ذكر العالم في موضعين من كتابه في المرتبة الثانية، قال: شهد الله أنه لا إله إلا هو الملائكة وألو العلم. وقال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم. ثم إنه سبحانه وتعالى زاذ في الاكرام، فجعلهم في المرتبة الاولى في آيتين، فقال تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. وقال: قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب ". (" تفسير الرازي " ج 2 / 179). 3 - سورة آل عمران (3): 7. 4 - سورة الرعد (13): 43. 5 - سورة المجادلة (58): 11. 6 - سورة الانفال (8): 2 - 4. 7 - سورة النساء (4): 95. [ * ]

[ 98 ]

ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى، وللعلماء: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات 2. ففضل أهد بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات، وفضل العلماء على جميع الاصناف بدرجات، فوجب كون العلماء أفضل الناس. 3 وقد خص الله سبحانه في كتابه العلماء بخمس مناقب: الاولى: الايمان: والراسخون في العلم يقولون آمنا به 4، الثانية: التوحيد: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم 5، الثالثة: البكاء والحزن: إن الذين أتوا العلم من قبله إلى قوله: ويخرون للاذقان يبكون 6، الرابعة: الخشوع: إن الذين أوتوا العلم من قبله 7 الآية، الخامسة: الخشية: إنما يخشى الله من عباده العلماء 8.


1 - سورة طه (20): 75. 2 - سورة المجادلة (58): 11. 3 - لا حظ " تفسير الرازي " ج 2 / 180 179 4 - سورة آل عمران (3): 7. 5 - سورة آل عمران (3): 18. 6 - سورة الاسراء (17): 107 - 109. 7 - سورة الاسراء (17): 107 - 109. 8 - سورة فاطر (35): 28. [ * ]

[ 99 ]

وقال تعالى مخاطبا لنبيه آمرا له مع ما آتاه من العلم والحكمة: وقل رب زدني علما وقال تعالى: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم 2. وقال تعالى: وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون 3. فهذه نبذة من فضائله التي نبه الله عليها في كتابه الكريم. فصل [ 2 ] [ فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وفي فضل العلم ] وأما السنة فهي في ذلك كثيرة تنبو عن الحصر. فمنها قول النبي صلى الله عليه وآله: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين 4. وقوله صلى الله عليه وآله: طلب العلم فريضة على كل مسلم. 5 وقوله صلى الله عليه وآله: من طلب علما فأدركه كتب الله له كفلين من الاجر، ومن طلب علما فلم يدركه


1 - سورة طه (20): 114. 2 - سورة العنكبوت (29): 49. 3 - سورة العنكبوت (29): 43. 4 - " صحيح البخاري " ج 2 / 36 - 37، كتاب العلم، الحديث 70، " سنن ابن ماجة " ج 1 / 80، المقدمة، الباب 17، الحديث 220 " سنن الترمذي " ج 5 / 28، كتاب العلم (42)، الباب 1، الحديث 2645، " سنن الدارمي " ج 2 / 297، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 25 23، " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 8 2، " مجمع الزوائد " ج 1 / 121، كتاب العلم، 5 - " سنن ابن ماجة "، ج 1 / 81، المقدمة، الباب 17، الحديث 224، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 8 - 18، " مجمع الزوائد " ج 1 / 119 - 120. وهو أيضا في " الكافي " ج 1 / 30، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم، الحديث 1 [ * ].

[ 100 ]

كتب الله له كفلا من الاجر. 1 قوله صلى الله عليه وآله: من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوالذين نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبنى الله له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الارض وهي تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفورا له، وشهدت الملائكة أنهم عتقاء الله من النار 2. وقوله صلى الله عليه وآله: من طلب علم، فهو كالصائم نهاره القائم ليله، وإن بابا من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن يكون أبو قبيس ذهبا فأنفقه في سبيل الله. 3 وقوله صلى الله عليه واله: من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الاسلام كان بينه وبين الانبياء درجة واحدة في الجنة. 4 وقوله صلى الله عليه وآله: فضل العالم على العابد سبعون 5 درجة، بين كل درجتين حضر الفرس 6 سبعين عاما، وذلك لان الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم فيزيلها، والعابد يقبل على عبادته. وقوله صلى الله عليه وآله:


1 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 96، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 53، " مجمع الزوائد " ج 1 / 123. 2 - " تفسير الرازي " ج 1 / 180، " درة التاج " ج 1 / 52 - 53، وفيهما: " باب عالم " بدل " باب العالم ". 3 - " تفسير الرازي " ج 2 / 180. 4 - " تفسير الرازي " ج 2 / 180 مطابقا لما في المتن حرفا برحف، " سنن الدارمي " ج 1 / 100، وفيه: " فبينه وبين النبيين " بدل " كان بينه وبين الانبياء ". 5 - في النسخ المعتمدة مخطوطها ومطبوعها: " سبعين " بدل " سبعون " ولعل الصواب " سبعون " - كما في " الترغيب والترهيب " ج 1 / 102 أو " بسبعين "، كما في " تفسير الرازي " ج 2 / 180. 6 - " الحضر: ارتفاع الفرس في عدوه " (" لسان العرب " ج 4 / 201، " حضر "). 7 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 102، الحديث 36 - مع اختلاف يسير في اللفظ، والمعنى واحد، والجملة الاخيرة فيه هكذا " والعابد مقبل على عبادة ربه لا يتوجه لها ولا يعرفها " -، " تفسير الرازي " ج 2 / 180 [ * ].

[ 101 ]

فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته وأهل السماوات والارض حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت في الماء ليصلوت على معلم الناس الخير. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع. 2 وقوله صلى الله عليه وآله. من خرج يطلب بابا من العلم ليرد به باطلا إلا حق، وضالا إلى هدى كان عمله كعبادة أربعين عاما. 3 لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم. 4 وقوله صلى الله عليه وآله لمعاذ: لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها. 5 وروي ذلك أنه قاله لعلي عليه السلام أيضا. 6 وقوله صلى الله عليه وآله: رحم الله خلفائي: فقيل: يا رسول الله ! ومن خلفاؤك ؟ قال: الذين يحيون سنتي


1 - " سنن الترمذي " ج 5 / 50، كتاب العلم، الباب 19، الحديث 2685، مع اختلاف يسير في اللفظ لا يضر بالمعنى. 2 - " سنن الترمذي " ج 5 / 29، كتاب العلم، الباب 2، الحديث 2647، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 66. 3 - " أمالي الطوسي " ج 2 / 231، " كنز العمال " ج 10 / 161، الحديث 28835، مع اختلاف يسير في اللفظ، والجملة الاخيرة فيهما هكذا: "... كعبادة متعبد أربعين عاما ". 4 - " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 147، " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 65، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 9، " شرح المهذب " ج 1 / 32، " الاذكار " / 278. قوله عليه السلام: " حمر النعم "، قال النووي: " هي إبل الحمر وهي انفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشئ، وأنه ليس هناك أعظم منه " (" المحجة البيضاء " ج 1 / 19، الهامش). 5 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 9. 6 - " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 147، " الجامع الصغير " ج 2 / 122، حرف اللام، وشرحه: " فيض القدير " ج 5 / 259، الحديث 7219، " تفسير الرازي " ج 2 / 180، " المستدرك على الصحيحين " ج 3 / 598. وفيها: "... مما طلعت عليه الشمس ". [ * ]

[ 102 ]

ويعلمونها عباد الله. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: إن مثل ما بعثتني الله به من الهدى والعلم كثل غيث أصاب أرضا، وكان منها طائفة طيبة، فقبلت الماء فأنبتت الكلا والعشب الكثير وكان منها أجادب 2 أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس وشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلا، فذلك مثل من فقبه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: لاحسد - يعني لا غبطة 4 - إلا في اثنين: رجل آتاه الله ما لا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها. 5 وقوله صلى الله عليه وآله: من دعا إلى هدى كان له من الاجر مثل أجور من تبعه، لا ينقض ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثام من تبعه،


1 - " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 55، " كنز العمال " ج 10 / 229، الحديث 29209. ويأتي سائر مصادر الحديث الشريف في الصفحة 371، التعليقه 3. 2 - " أجادب: هي الارض التي لا تنبت كلا، وقال الخطابي: هي الارض التي لا تمسك، الماء فلا يسرع فيها النضوب، وقالوا: هو جمع جدب على غير قياس كما قالوا في حسن الصورة: محاسن والقياس أنه جمع محسن، أو جمع جديب وهو من الجدب الذي هو القحط... " (" شرح صحيح البخاري "، ج 2 / 56). 3 - " صحيح البخاري " ج 2 / 55 - 56، كتاب العلم، الحديث 78، " جامع بيان العلم وفضله "، ج 1 / 17، مع اختلاف في اللفظ. 4 - جملة " يعني لا غبطة " ليست من الحديث، بل توضيح له، قال الراغب في " الذريعة إلى مكارم الشريعة " / 183: " قيل عنى بالحسد هنا الغبطة، وقد تسمى بالحسد من حيث إنهما الغم الذي ينال الانسان من خير يناله غيره... " وقال النووي في " شرح المهذب " ج 1 / 32، في ذيل الحديث: " والمراد بالحسد الغبطة وهي أن يتمنى مثله ". 5 - " سنن ابن ماجة " ج 2 / 1407، كتاب الزهد (37)، باب الحسد (22)، الحديث 4208، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 20، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 10 - 11 وفيها: " حكمة " بدل " الحكمة "، و: " اثنتين " بدل " اثنين ". [ * ]

[ 103 ]

لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينقع به، أو ولد صالح يدعو له. 2 وقوله صلى الله عليه وآله: خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع. 4 وقوله صلى الله عليه وآله: اطلبوا العلم ولو بالصين. 5 وقوله صلى الله عليه وآله: من غدا في طلب العلم أظلت عليه الملائكة، وبورك له في معشيته، ولم ينقص من رزقه. 6


1 - " سنن الترمذي " ج 5 / 43، كتاب العلم، الباب 15، الحديث 2674، " الترغيب والترهيب " ج 1 / 120، " سنن الدارمي " ج 1 / 130 - 131، " صحيح مسلم " ج 4 / 2060، كتاب العلم (47)، الباب 6، " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 65. 2 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 10، " الجامع الصغير " ج 1 / 35، حرف الهمزة، وشرحه: " فيض القدير " ج 1 / 437، الحديث 850، " الترغيب والترهيب " ج 1 / 110، " تفسير القرطبي " ج 1 / 3. وانظر: " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 17 - 18. 3 - " سنن ابن ماجة " ج 1 / 88، المقدمة، الباب 20، الحديث 241، " الترغيب والترهيب " ج 1 / 118. 4 - " سنن الدارمي " ج 1 / 101، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 8، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 39، وانظر " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 100 - 101. 5 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 8، " الجامع الصغير " ج 1 / 44، حرف الهمزة، وشرحه: " فيض القدير " ج 1 / 542، الحديث 1110. 6 - " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 54، " كنز العمال " ج 10 / 162، الحديث 28841، وفيه: " صلت عليه الملائكة... ". [ * ]

[ 104 ]

وقوله صلى الله عليه وآله: من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: نوم مع علم خير من صلاة على جهل. 2 وقوله صلى الله عليه وآله: فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: إن مثل العلماء في الارض كمثل النجوم في السماء. يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست أو شك أن تضل الهداة. 4 وقوله صلى الله عليه وآله: أيماناش نشأ في العلم والعبادة حتى يكبر أعطاه الله تعالى يوم القيامة ثواب اثنين وسبعين صديقا. 5 وقوله صلى الله عليه وآله: يقول الله عزوجل للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا


1 - " سنن الترمذي " ج 5 / 28، كتاب العلم، الباب 2، الحديث 2646، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 16، " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 89. 2 - " كنز العمال " ج 10 / 140، الحديث 28711، " الجامع الصغير " ج 2 / 188، حرف النون، وشرحه: " فيض القدير " ج 6 / 291، الحديث 9294، وفيها: " نوم على علم خير... ". 3 - " سنن الترمذي " ج 5 / 48، كتاب العلم، الباب 19، الحديث 2681، " أدب الاملاء والاستملاء " / 60، " سنن ابن ماجة " ج 1 / 81، المقدمة، الباب 17، الحديث 222، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 31 - 32، " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 24، " كنز العمال " ج 10 / 155، الحديث 28793. 4 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 100 - 101، " مجمع الزوائد " ج 1 / 121 " كنز العمال " ج 10 / 151 الحديث 28769 " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 70، " مسند أحمد " ج 3 / 157، مع اختلاف يسير في بعض الالفاظ. 5 - " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 98، " كنز العمال " ج 10 / 151، الحديث 28773، وفيه: " في طلب العلم " بدل " في العلم ". واعلم أن في المصدر ونسخة " ز "، " ز "، " ق "، " س "، " ض "، " ح "، " ع ": " سبعين " كما أثبتناه، ولكن في " مجمع الزوائد " ج 1 / 125، وسائر النسخ: " تسعين "، بدل " سبعين ". [ * ]

[ 105 ]

أريد أن أغفر لكم على ماكان منكم ولا أبالي. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: ما جمع شئ إلى شئ أفضل من علم إلى حلم. 2 وقوله صلى الله عليه وآله: ما تصدق الناس بصدقه مثل علم ينشر. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: وما أهدى المرء المسلم إلى أخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى، ويرده عن ردى. 4 وقوله صلى الله عليه وآله: أفضل الصدقة أن يعلم المرء علما ثم يعلمه أخاه. 5 وقوله صلى الله عليه وآله: العالم والمتعلم شريكان في الاجر، ولا خير في سائر الناس. 6 وقوله صلى الله عليه وآله: قليل العلم خير من كثير العبادة. 7


1 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 101، " مجمع الزوائد " ج 1 / 126، " كنز العمال " ج 1 / 172، الحديث 28895. وانظر " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 57. 2 - " مجمع الزوائد " ج 1 / 121، " الجامع الصغير " ج 2 / 145، حرف الميم، وشرحه: " فيض القدير " ج 5 / 439. الحديث 7887. 3 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 119، " الجمامع الصغير " ج 2 / 144، جرف الميم وشرحه: " فيض القدير " ج 5 / 437، الحديث 7875. 4 - " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 73، " الجامع الصغير " ج 2 / 143، حرف الميم، وشرحه: " فيض القدير " ج 5 / 43، الحديث 7847. 5 - " سنن ابن ماجة " ج 1 / 89، المقدمة: الباب 20، الحديث 243، " الترغيب والترهيب " ج 1 / 98 وفيهما: " المرء المسلم " بدل " المرء "، و " أخاه المسلم " بدل " أخاه ". 6 - " سنن ابن ماجة " ج 1 / 83، المقدمة، الباب 17، الحديث 227. 7 - " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 20، " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 15، " الجامع الصغير " ج 2 / 87 حرف القاف، وشرحه: " فيض القدير " ج 4 / 526، الحديث 6150، " كنز العمال " ج 10 / 177، الحديث 28922، " مجمع الزوائد " ج 1 / 120، كتاب العلم. وفي " غرر الحكم " ج 4 / 506، الحديث 6772: " قليل العلم معه العلم خير

[ 106 ]

وقوله صلى الله عليه وآله: من غدا إلى المسجد لا يريد إلى ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان له أجر معتمر تام العمرة، ومن راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعم خيرا أو ليعلمه فله أجر حاج تام الحجة. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: اغد عالما أو متعلما أو مستعما أو محبا، ولا تكن الخامسة فتهلك. 2 وقوله صلى الله عليه وآله: إذا مررتم في رياض الجنة فارتعوا. قالوا: يا رسول الله ! وما رياض الجنة ؟ قال: حلق الذكر، فإن لله سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفوا بهم. 3 قال بعض العلماء 4: حلق الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع، وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلق، وتحج وأشباه ذلك. وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا في المسجد مجلسان: مجلس يتفقهون، ومجلس يعون الله تعالى ويسألونه، فقال: كلا المجلسين إلى خير، أما هؤلاء فيدعون الله، وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل، هؤلاء أفضل، بالتعليم أرسلت. ثم قعد معهم. 5 وعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله،


من كثير بلاعمل ". 1 - " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 91، " مجمع الزوائد " ج 1 / 123، وفيه بعض الحديث. 2 - " الجامع الصغير " ج 1 / 48، حرف الهمزة، وشرحه: " فيض القدير " ج 1 / 17، الحديث 1213، " كنز العمال " ج 10 / 143، الحديث 28730. 3 - " شرح المهذب " ج 1 / 35، " الاذكار " / 8، " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 12، " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 124، وفهيا: " برياض الجنة " بدل " في ريضا الجنة " ولعله أصح. 4 - هو عطاء الخراساني كما في " شرح المهذب " ج 1 / 35، و " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 13، و " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 124، و " الاذكار " / 9 - 10. 5 - " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 11، " شرح المهذب " ج 1 / 35، وفي " سنن ابن ماجة " ج 1 / 83، المقدمة: الباب 17، الحديث 229، و " سنن الدارمي " ج 1 / 99 - 100، و " إحياء علوم الدين " ج 1 / 10، و " كنز العمال " ج 10 / 147، الحديث 28751، وج 10 / 169، الحديث 28873، ما يطابق المتن معنى ومضمونا مع اختلاف كثير في الالفاظ. [ * ]

[ 107 ]

وهو في المسجد متكي على برد على أحمر، فقلت له: يا رسول الله ! يا رسول الله ! إني جئت أطلب العلم. فقال: مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم لتحفة الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضها بعضا حتى يبلغوا سماء الدنيا من محبتهم لما يطلب. 1 وعن كثير بن قيس قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء ! إني أتيتك من المدينة، مدينة الرسول صلى الله عليه واله، الحديث بلغني عنك أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: بما جاء بك تجارة ؟ قال: لا. فقال: ولا جاء بك غيره ؟ قال: لا، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الارض، حتى الحيتان في الماء. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إن العلماء ورثة الانبياء. إن الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر. 2 وأسند بعض العلماء إلى أبي يحيى زكريا بن يحيى الساجي 3 انه قال: كنا نمشي في أزقة البصرة إلى باب بعض المحدثين، فأسرعننا في المشي، وكان معنا رجل ما جى فقال: ارفوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة. كالمستهزئ، فما زال عن مكانه حتى جفت رجلاه. 4


1 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 95. 2 - " سنن ابن ماجة " ج 1 / 81، المقدمة، الباب 17، الحديث 223، " سنن أبي داود " 3 / 317، مع اختلاف في اللفظ لا يضر بالمعنى. 3 - هو زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن دي الضبي البصري الساجي، محدث البصرة في عصره، وتوفي سنة 307 ه‍. انظر ترجمته ومصادر ترجمته في " الاعلام " ج 3 / 47، و " معجم المؤلفين " ج 4 / 184. 4 - " الرحلة في طلب الحديث " / 45، " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 68 [ * ].

[ 108 ]

وأسند أيضا إلى أبي داود السجستاني أنه قال: كان في أصحاب الحديث رجل خليع إلى أن سمع بحديث النبي صلى الله عليه وآله: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، فجعل في رجليه مسمارين من حديد، وقال: اريد أن أطأ أجنحة الملائكة. فأصابته الآكلة في رجليه. 2 وذكر أبو عبد الله محمد بن إسماعيل التميمي 3 هذه الحكاية في " شرح مسلم 4 " وقال: فشلت رجلاه وسائر أعضائه. فصل [ 3 ] [ فيما روي عن طريق الخاصة في فضل العلم ] ومن طريق الخاصة ما رويناه بالاسناد الصحيح إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم، فاطلبوا العلم في مظانه واقتبسوه من أهله، فإن تعلمه لله تعالى حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح، والعلم به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لاهله قربة إلى الله تعالى، لانه معالم الحلال


1 - هو أبو داود سليمان بن الاشعث بن إسحاف الازدي السجستاني (202 - 275 ه‍)، انظر ترجمته ومصادر ترجمته في " وفيات الاعيان " ج 2 / 404 - 405، و " الاعلام " ج 3 / 122، و " معجم المؤلفين " ج 4 / 255 - 256. 2 - " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 68. 3 - هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري المالكي المتوفى سنة 536 ه‍ - كما في " وفيات الاعيان " ج 4 / 285، و " الاعلام " ج 6 / 277، و " معجم المؤلفين " ج 11 / 32 - لا كما ذكره المصنف رحمه الله. وانظر ترجمته ومصادر ترجمته في تلك الكتب في هذه المواضع المذكورة. 4 - اسمه " المعلم بفوائد مسلم " وهذا الكتاب مخطوط ولم يطبع بعد، كما في " الاعلام " ج 6 / 277، ويظهر من " تاريخ الادب العربي " ج 3 / 180 - 181، و " تاريخ التراث العربي "، المجلد الاول، ج 1 / 264 - 265، أيضا. وانظر للاطلاع على مخطوطات الكتاب وأماكن وجودها " تاريخ الادب العربي " ج 3 / 181، و " تاريخ التراث العربي "، المجلد الاول، ج 1 / 264 - 265. [ * ]

[ 109 ]

والحرام ومنا سبيل الجنة، والمؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الاعداء، والزين عند الاخلاء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى آرائهم، ترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلواتها تبارك عليهم. ويستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه وسماع البر وأنعامه. إن العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الابصار من الظلمة، وقوة الابدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الاخيار، ومجالس الابرار، والدرجات العلا في الآخرة الاولى. الذكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الرب واليعبد، وبه توصل الارحام، ويعرف الحلال والحرام. والعلم إمام، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الاشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله من حظه 1. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب الما، إن المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم، وقد ضمنه وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله [ وقد أمرتم بطلبه من أهله ] 2 فاطلبوه 3. وعنه عليه السلام: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه 4.


1 - " أمالي الطوسي " ج 2 / 102 - 103، " بحار الانوار " ج 1 / 171، نقلا عنه، 2 - ما بين المعقوفين ساقط من جميع النسخ المخطوطة وأكثر النسخ المطبوعة وهو موجود في المصدر، والمعنى يقتضيه أيضا. 3 - " الكافي " ج 1 / 30، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، الحديث 4. 4 - " درة التاج " / 42، " إحياء علوم الدين " ج 1 - 7، " بصائر الدرجات " / 4 - 5، باب ثواب العالم والمتعلم، الحديث 10 [ * ].

[ 110 ]

وعنه عليه السلام: كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه، وكف بالجهل ذما أن يبرأ منه من هو فيه 1. وعنه عليه السلام أنه قال لكميل بن زياد: يا كميل ! العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الانفاق 2. وعنه عليه السلام أيضا: العلم أفضل من المال بسبعة: الاول: أنه ميراث الانبياء، والمال ميراث الفراعنة، الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة، والمال ينقص بها، الثالث: يحتاج المال إلى الحافظ، والعلم يحفظ صاحبه، الرابع: العلم يدخل في الكفن ويبغى المال، الخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر، والعلم لا يحصل إلا للمؤمن، السادس: جميع الناس يحتاجون إلى العالم في أمر دينهم، ولا يحتاجون إلى صاحب المال، السابع: العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه 3. وعنه عليه السلام: قيمة كل امرئ ما يعلمه، وفي لفظ آخر: ما يحسنه 5. وعن زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام:


1 - " شرح المهذب " ج 1 / 33، " تذكرة السامع " / 10، " المحاسن والمساوي " / 399، " معجم الادباء " ج 1 / 66، وفيهما: " خمولا " بدل " ذما " وفي آخره زيادة " ويغضب إذا نسب إليه "، " دستور معالم الحكم " / 24، وليس فيه الشطر الاخير أعني " وكفى بالجهل ذما أن يبرأ منه من هو فيه ". 2 - " نهج البلاغة "، ص 496، قسم الحكم، الحكمة 147، مع زيادة على ما ذكره المؤلف رحمه الله، وأيضا " تحف العقول " / 118، مع اختلاف يسير في بعض الالفاظ، ولكن ما في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 7، و " درة التاج " ج 1 / 39 - 40 مطابق لما في المتن حرفا بحرف. 3 - " تفسير الرازي " ج 2 / 182 - 183، مع اختلاف في بعض الالفاظ، واعلم أن المؤلف قد عقد هذا الفصل لاخبار التي رويت عن طريق الخاصة، والظاهر أن هذا الحديث لم يرو عن طريق الخاصة. 4 - " غرر الحكم " ج 4 / 502، الحديث 6752. 5 - " نهج البلاغة " ص 482، قسم الحكم، الحكمة 81. [ * ]

[ 111 ]

لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج، إن الله تعالى أوحى إلى دانيال: أن أمقت عبادي إلى الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك للاقتداء بهم، وأن أحب عبيدي إلي التقي الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحلماء القابل عن الحكماء 1. وعن الباقر عليه السلام قال: من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به، ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئا، ومن علم باب ضلالة كان عليه مثل أوزار من عمل به، ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا 2. وعنه عليه السلام: عالم ينتفع بعلمبه أفضل من سبعين ألف عابد 3. وعنه عليه السلام: إن الذي يعلم العلم منكم له أجر المتعلم، وله الفضل عليه، فتعلموا العلم من حملة العلم وعلموه إخوانكم كما علمكموه العلماء 4. وعنه عليه السلام: لمجلس أجلسه إلى من أثق به أوثق في نفسي من عمل سنة 5. وعن الصادق عليه السلام: من علم خيرا فله مثل أجر من عمل به. قلت: فان عملمه غيره يجري ذلك له ؟ قال: إن علمه الناس كلهم جرى له. قلت: فإن مات ؟ قال: وإن مات 6.


1 - " الكافي " ج 1 / 35، كتاب فضل العلم، باب ثواب العالم والمتعلم، الحديث 5. 2 - " الكافي " ج 1 / 35، كتاب فضلا لعلم، باب ثواب العالم والمتعلم، الحديث 4. 3 - " الكافي " ج 1 / 33، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء الحديث 8، " بصائر الدرجات " / 6، باب فضل العالم على العابد، الحديث 1. 4 - " الكافي " ج 1 / 35، كتاف فضل العلم، باب ثواب العالم والمتعلم، الحديث 2، وفيه " له أجر مثل أجر " بدل " له أجر ". 5 - " الكافي " ج 1 / 39، كتاب فضل العلم، باب مجالسة العلماء، الحديث 5. 6 - " الكافي " ج 1 / 35، كتاب فضل العلم، باب ثواب العلم والمتعلم، الحديث 11 [ * ].

[ 112 ]

وعنه عليه السلام قال: تفقهوا في الدين، فإن من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، وإن الله عزوجل يقول في كتابه: " ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " 1. وعنه عليه السلام: عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزك له عملا 2. وعنه عليه السلام: لوددت أن أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا 3. وعنه عليه السلام: إن العلماء ورثة النأبياء، إن الانبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا أحاديث من أحاديفمن أخذ بشئ منها فقد أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين 4. وعنه عليه السلام: إذا أراد الله بعد خيرا فقهه في الدين 5. وقال معاوية بنعمار للصادق عليه السلام: رجل رواية 6 لحديثكم يبث ذلك في


1 - " الكافي ج 1 / 31، كتاب فضل العلم، فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، الحديث 6. والآية في سورة التوبة (9): 122. 2 - " الكافي " ج 1 / 31، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، الحديث 7. 3 - " الكافي " ج 1 / 31، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، الحديث 8. 4 - " الكافي " ج 1 / 32، كتاب فضل العلم، بابه صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 2، " بصائر الدرجات " / 10 - 11 وفيهما " وذاك أن الانبياء " بدل: " إن الانبياء " وفي " الكافي ": " أورثا " بدل " ورثوا ". 5 - " الكافي " ج 1 / 32، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء الحديث 3. 6 - التاء في " الرواية " للمبالغة كما في العلامة والنسابة، ومعناه: كثير الرواية. [ * ]

[ 113 ]

الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم، ولعله عابدا من شيعتكم ليست له هذه الرواية أيهما أفضل ؟ قال: الرواية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد. 1 وعنه عليه السلام قال: ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى أبليس من موت فقيه 2. وعنه عليه السلام: إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الاسلام لا يسدها شئ 3. وعن الكاظم عليه السلام قال: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الارض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد منها أعماله، وثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ، لان المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام كحصن سور المدينة لها 4. وعنه عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد، فإذا جماعة قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا ؟ فقيل: علامة، فقال: وما العلامة ؟ فقالوا: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها، وأيام الجاهلية والاشعار العربية، قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله: ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادله، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل. 5


1 - " الكافي " ج 1 / 33، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 9. 2 - " الكافي " ج 1 / 38، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء، الحديث 1 و 4. 3 - " الكافي " ج 1 / 38، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء، الحديث 2. 4 - " الكافي " ج 1 / 38، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء، الحديث 3، وفيه: " كان يصعد فيها بأعماله " بدل " كان يصعد منها أعماله ". 5 - " الكافي " ج 1 / 32، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 1 [ * ].

[ 114 ]

فصل [ 4 ] [ في ماروي عن التفسير المنسوب إلى العسكري عليه السلام في فضل العلم ] من " تفسير العسكري " 1 عليه السلام في قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله إلى قوله " واليتامى " 2، قال الامام عليه السلام: وأما قوله عزوجل " واليتامى " فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: حث الله تعالى على بر اليتامى لا نقطاعهم عن آبائهم، فمن صانهم صانه الله، ومن أكرمهم أكرمه الله، ومن مسح يده برأس يتيم رفقا به جعل الله تعالى له في الجنة بكل شعرة مرت تحث يده قصرا أوسع من الدنيا بما فيها، وفيها ما تشتهي الانفس وتلذ الاعين وهم فيها خالدون. قال الامام عليه السلام: وأشد من يتم هذا اليتيم يتيم انقطع عن إمامه، لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا، فهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا، كان معنا في الرفيق الاعلى. حدثني بذلك أبي عن أبيه عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله. وقال علي عليه السلام:


1 - للاطلاع على أقوال العلماء حول هذا التفسير راجع الرسالة التي ألفها العلامة البلاغي، والرسالة التي ألفها الاستاذ الشيخ رضا الاستاذي بشأنه، وطبعت كلتاهما في مجلة " نور علم "، العدد 13. وانظر روايات هذا الفصل في " تفسير العسكري " عليه السلام، ص 135 - 138، ط. القديمة، وص 339 - 345، ط. الحديثة، و " بحار الانوار " ج 2 / 2 - 7، نقلا عنه، ونقل بعضها عن " الاحتجاج " أيضا. 2 - سورة البقرة (2): 82 [ * ].

[ 115 ]

من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا، فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور يضئ لاهل تلك العرصات، وحلة لا يقوم لاقل سلك منها الدنيا بحذا فيرها. ثم ينادي مناد: هذا عالم من بعض تلامذة آل محمد، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله، فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزه الجنان، فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيرا، أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا أو أوضح له عن شبهة. قال: وحضرت امرأت عند فاطمة الصديقة عليها السلام، فقالت: إن لي والدة ضعيفة، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شئ، وقد بعثتني إليك أسألك، فأجابتها عن ذلك، ثم ثنت فأجابت، ثم ثلثت، إلى أن عشرت فأجابت، ثم خجلت من الكثرة، وقالت: لا أشق عليك يا بنت رسول الله. قالت فاطمة عليها السلام: هاتي سلي عما بدا لك، أرأيت من اكتري 2 يصعد يوما إلى سطح بحمل ثقيل وكراه مائة ألف دينار أيثقل عليه ؟ قالت: لا. فقالت أكريت [ خ ل: اكتريت ] أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤا، فأحرى أن لا يثقل علي، سمعت أبي صلى الله عليه وآله يقول: إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم، وجدهم في إرشاد عباد الله، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعة من نور، ثم ينادي منادي ربنا عزوجل: أيها الكافلون لايتام آل محمد الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم ! هؤلاء تلامذتكم، والايتام الذين كفلتموهم، ونعشتموهم، فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدنيا، فيخلعون على كل واحد من أولئك الايتام على قدر ما أخذ عنهم من العلوم، حتى أن فيهم - يعني في الايتام - لمن يخلع عليه مائة ألف حلة،


1 - " لا يقوم، بتشديد الواو، من التقويم، أو بالتخفيف، أي لا يقاومها ولا يعاد لها " (" بحار الانوار " ج 2 / 3). 2 - في جمع النسخ المطبوعة وكذلك المخطوطة: " من الذي " بدل " من اكتري " والصواب هو الثاني كما في " تفسير العسكري " عليه السلام، ص 136، ط. القديمة، وص 340 ط. الحديثة، و " بحار الانوار " ج 2 / 3، نقلا عنه [ * ].

[ 116 ]

وكذلك يخلع هؤلاء الايتام على من تعلم منهم، ثم إن الله تعالى يقول: أعيدوا على هؤلاء العلماء الكافلين للايتام حتى تتموا لهم خلعهم وتضعفوها، فيتم لهم ماكان لهم قبل أن يخلعوا عليهم، ويضاعف لهم، وكذلك مرتبتهم ممن خلع عليهم على مرتبتهم. قالت فاطمة عليها السلام: يا أمة الله إن سلكا من تلك الخلع لافضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة، وما فضل ما طلعت عليه الشمس ؟ فإنه مشوب بالتنغيص والكدر. وقال الحسن بن علي عليهما السلام: فضل كافل يتيم آل محمد [ المنقطع ] عن مواليه الناشب في [ تيه ] الجهل، يخرجه من جهله، ويوضح له ما اشتبه عليه [ على فضل كافل يتيم ] 1 يطعمه ويسقيه، كفضل الشمس على السها. وقال الحسين بن علي عليهما السلام: من كفل لنا يتيما، قطعته عنا محنتنا باستتارنا، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده بهداه [ خ ل: وهداه ]، قال له الله عزوجل: يا أيها العبد الكريم المواسي ! إني أولى بهذا الكرم، اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر، وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعم. وقال علي بن الحسين عليهما السلام: أوحى الله عزوجل إلى موسى عليه السلام: حببني إلى خلقي، وحبب خلقي إلي. قال: يا رب كيف أفعل ؟ قال: ذكرهم الائي ونعمائي ليحبوني فلان ترد آبقا عن بابي أو ضالا عن فنائي، أفضل لك من عبادة مائة سنة صيام [ ظ بصيام ] نهارها وقيام ليلها. قال موسى عليه السلام: ومن هذا العبد الآبق منك ؟ قال:


1 - مابين المعقوفين زيادة من " تفسير العسكري " عليه السلام، ص 136، ط. القدمية، وص 341، ط. الحديثة. و " بحار الانوار " ج 2 / 3 نقلا عن التفسير المذكور، وقد سقطت من المخطوطات والمطبوعات، والمعنى يقتضيها كمالا يخفى، وأيضا قد سقطت كلمة " المنقطع " وكلمة " تيه " في جملة: " المنقطع عن مواليه الناشب في تيه الجهل " من: جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة سوى نسخة " ض "، " ح " و " ع ". [ * ]

[ 117 ]

العاصي المتمرد. قال: فمن الضال عن فنائك ؟ قال: الجاهل بإمام زمانه تعرفه، الغائب عنه بعد ما عرفه، الجاهل بشريعة دينه، تعرفه شريعته، وما يعبد به ربه ويتوصل به إلى مرضاته. قال علي [ بن الحسين ] عليهما السلام: فابشروا معاشر علماء شيعتنا بالثواب الاعظم والجزاء الاوفر. وقال محمد بن علي عليهما السلام: العالم كمن معه شمعة تضئ للناسي، فكل من أبصر بشمعته دعا له بخير، كذلك العالم معه شمعة يزيل بها ظلمة الجهل والحيرة، فكل من أضاءت له فخرج بها من حيرة، أو نجابها من جهل، فهو من عتقائه من النار، والله تعالى يعوضه عن ذلك بكل شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل به من الصدقة بمائة ألف قنطار على غير الوجه الذي أمر الله عزوجل به، بل تلك الصدقة وبال على صاحبها، ولكن يعطيه الله ما هو أفضل من مائة ألف ركعة بين يدي الكعبة. وقال جعفر بن محمد عليهما السلام: علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، ويمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لانه يدفع عن أديان محبينا، وذاك يدفع عن أبدانهم. وقال موسى بن جعفر عليهما السلام: فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا، المنقطعين عن مشاهدتنا، والتعلم من علومنا أشد على إبليس من ألف عابد، لان العابد همه ذات نفسه فقط، وهذا همه مع ذات نفسه ذات عباد الله وإمائة، لينقذهم من يد إبليس ومردته، وكذلك هو أفضل عند الله من ألف [ ألف ] عابد وألف ألف عابدة. وقال علي بن موسى عليهما السلام: يقال للعابد يوم القيامة: نعم الرجل كنت، همتك ذات نفسك، وكفيت الناس مؤونتك، فادخل الجنة. ألا إن الفقيه من أفاض على الناس خيرة، وأنقذهم من

[ 118 ]

أعدائهم وفر عليهم نعم جنان الله، وفصل [ ظ: حصل ] لهم رضوان الله تعالى. ويقال للفقيه: أيها الكافل لايتام آل محمد - الهادي لضعفاء محبيه ومواليه ! قف حتى تشفع لكل من أخذ عنك أو تعلم منك، فيقف، فيدخل الجنة معه فئام وفئام حتى قال عشرا، وهم الذين أخذوا عنه علومه، وأخذوا عمن أخذ عنه إلى يوم القيامة فانظروا كم فرق ما بين المنزلتين ؟ وقال محمد بن علي عليهما السلام: إن من تكفل بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم، المتحيرين في جهلهم، الاسراء في أيدي شياطينهم وفي أيدي النواصب من أعدائنا، فاستنقذهم منهم، وأخرجهم من حيرتهم وقهر الشياطين برد وسواسهم، وقهر الناصبين بحجج ربهم ودليل أئمتهم، ليفضلوا عند الله على العابد بأفضل المواقع، بأكثر من فضل السماء على الارض والعرش على الكرسي والججب على السماء، وفضلهم على هذا العابد 1 كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء. وقال علي بن محمد علهيما السلام: لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله - من شباك إبليس ومردته ومن فخاخ النواصب - الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك السفينة سكانها 2، لما بقي أحد إلا أرتد عن دين الله، أولئك هم الافضلون عن الله عزوجل. وقال الحسن بن علي عليهما السلام:


1 - كلمة " هذا " موجودة في جمع النسخ المخطوطة وكذلك المطبوعة و " تفسير العسكري " عليه السلام، ص 138، ط. القديمة، وص 344، ط. الحديثة، ولعلها هنا زائدة ناشئة عن علم الكاتب. 2 - في " بحار الانوار " ج 2 / 6، " والمحجة البيضاء " ج 1 / 32، و " تفسير العسكري " عليه السلام، ص 138، ط. القديمة، وص 345، ط. الحديثة: " كما يمسك صاحب السفينة سكانها " [ * ].

[ 119 ]

يأتي علماء شيعتنا القوامون بعضفاء محبينا وأهل ولا يتنا يوم القيامة، والانوار تسطع من تيجانهم، وعلى رأس كل واحد منهم تاج بهاء 1 قد انبثت تلك الانوار في عرصات القيامة، ودورها مسيرة ثلاث مائة ألف سنة، فشعاع تيجانهم ينبث، فلا يبقى هناك يتيم قد كفلوه من ظلمة الجهل وعلموه، ومن حيرة التيه أخرجوه إلا تعلق بشعبة من أنوارهم فرفعتهم إلى العلو حتى يحاذي بهم فرق الجنان، ثم ينزلونهم على منازلهم المعدة لهم في جوار أستاذيهم ومعلميهم، وبحضرة أئمتهم الذين كانوا إليهم يدعون، ولا يبقى ناصب من النواصب يصيبه من شعاع تلك التيجان إلا عميت عيناه، وصماه أدناه، وأخرس لسانه، وتحول عليه أشد من لهب النيران، فتحملهم حتى تدفعهم إلى الزبانية، فتدعوهم إلى سواء الجحيم 2. فهذه نبذة مما ورد في فضائل العلم من الحديث، اقتصرنا عليها إيثارا للاختصار ومناسبة للرسالة. فصل [ 5 ] [ في فضل العلم من الكتب السالفة والحكم القديمة ] ومن الحكمة القديمة: قال لقمان لابنه: يا بني اختر المجالس على عينك، فإن رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، فإن تكن عالما نفعك علمك وإن تكن جاهلا علموك، ولعل الله أن يظلهم برحمته فتعمك معهم، إذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم،


1 - ما أثبتناه في المتن مطابق لما في " تفسير العسكري " عليه السلام، ص 138، ط. القديمة، وص 345، ط. الحديثة، و " بحار الانوار " ج 2 / 7 نقلا عنه، و " المحجة البيضاء " ج 1 / 33، ولكن في جميع النسخ المخطوطة " وه‍ ": " بهاء تاج "، وفي النسخ المطبوعة سوى " ه‍ ": " تاج ". 2 - انظر الروايات التي نقلت من أول الفصل إلى هنا في " تفسير العسكري " عليه السلام، ص 135 - 138، ط. القديمة، وص 339 - 45، 3، ط. الحديثة، و " بحار الانوار " ج 2 / 2 - 7، نقلا عنه [ * ].

[ 120 ]

فإن تكن عالما لم ينفعك علمك، وإن كنت جاهلا يزيدوك جهلا، ولعل الله أن يظلهم بعقوبة فتعمك معهم 1. وفي التوراة: قال الله تعالى لموسى عليه السلام: عظم الحكمة، فإني لا أجعل الحكمة في قلب أحد إلا وأردت أن أغفر له، فتعلمها ثم اعمل بها، ثم ابدلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة 2. وفي الزبور: قل لاحبار بني إسرائيل ورهبانهم: حادثوا من الناس الاتقياء فإن لم تجدوا فيهم تقيا، فحادثوا العلماء، فإن لم تجدوا عالما، فحادثوا العقلاء، فإن التقى والعلم والعقل ثلاث مراتب ما جعلت واحدة منهن في خلقي، وأنا أريد هلاكه 3. قيل 4: وإنما قدم التقى، لان التقى لا يوجد بدون العلم، كما تقدم من أن الخشية لا تحصل إلا بالعلم، ولذلك قدم العلم على العقل، لان العالم لابد وأن يكون عاقلا. في الانجيل قال الله تعالى في السورة السابعة عشرة منه: ويل لمن سمع بالعلم ولم يطلبه، كيف يحشر مع الجهال إلى النار ! ؟ اطلبوا العلم وتعلموه، فإن العلم إن لم يسعد كم لم يشقكم، وإن لم يرفعكم لم يضعكم، وإن لم يغنكم لم يفقركم، وإن لم ينفعكم لم يضركم، ولا تقولوا: نخاف أن نعلم، فلا نعمل، ولكن قولوا: نرجو أن نعلم ونعمل، والعلم يشفع لصاحبه، وحق على الله أن لا يخزيه، إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا معشر العلماء ! ما ظنكم بربكم ؟ فيقولون: ظننا أن يرحمنا ويغفر لنا. فيقول تعالى: فإني قد فعلت، إني قد استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم، بل لخير أردته بكم، فادخلوا في صالح


1 - " الكافي " ج 1 / 39، كتاب فصل العلم، باب مجالسة العلماء وصحبتهم، الحديث 1، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 128 - 129. 2 - " تفسير الرازي " ج 2 / 188، " درة التاج " ج 1 / 33. 3 - " تفسير الرازي " ج 2 / 188، " درة التاج " ج 1 / 35 34. 4 - القائل الفخر الرازي. راجع " تفسير الرازي " ج 2 / 188 [ * ].

[ 121 ]

عبادي إلى جنتي برحمتي 1. وقال مقاتل بن سليمان 2. وجدت في الانجيل: أن الله تعالى قال لعيسى عليه السلام: عظم العلماء واعرف فضلهم. فإني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين، كفضل الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كل شئ 3. ومن كلام المسيح عليه السلام: من علم وعمل فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماء 4. فصل [ 6 ] [ في فضل العلم من الآثار وتحقيقات بعض العلماء ] ومن الآثار عن أبي ذر رضي الله عنه: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعا 5. وقال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول:


1 - " تفسير الشيرازي " ج 2 / 188 - 189، " درة التاج " ج 1 / 33 - 34. 2 - هو أبو الحسن مقاتل بن سيلمان بن بشير الازدي الخراساني المتوفى سنة 150 ه‍. وردت ترجمته ومصادر ترجمته في " وفيات الاعيان " ج 5 / 255 - 257، و " الاعلام " ج 7 / 281. 3 - " تفسير الرازي " ج 2 / 189. قال العلامة الطباطبائي صاحب " الميزان في تفسير القرآن " في تعليقته على " بحار الانوار " في ذيل هذا الكلام: " الجملة وإن أمكن توجيهها بتكلف، لكنها مما توهن الرواية أشد الوهن، فإن ظاهر معنى التشبيه لا يرجع إلى محصل ". (" بحار الانوار " ج 2 / 25، الهامش). 4 - " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 150 وج 2 / 6، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 9 - 10، وفيهما: " من علم وعمل وعلم " بدل " علم وعمل "، و " السماوات " بدل " السماء ". 5 - " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 16، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 30، " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 124 - 125، " مجمع الزوائد " ج 1 / 124، " تفسير كشف الاسرار " ج 10 / 20، " تذكرة السامع " / 12 - 13، " شرح المهذب " ج 1 / 36، نقلا عن أبي ذر رضي الله عنه وأبي هريرة، مع زيادة " وباب من العلم نعلمه، عمل به أو لم يعمل أحب إلينا من مائة ركعة تطوعا " [ * ].

[ 122 ]

إذا جاء الموت طالب العلم - وهو على هذه الحال - مات شهيدا 1. وعن وهب بن منبه 2: يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيا، والعز وإن كان معينا، والقرب وإن كان قصيا، والغنى وإن كان فقيرا، والنبل وإن كان حقيرا، والمهابة وان كان وضيعا، والسلامة وإن كان سقيما. 3 وقال بعض العارفين 4: أليس المريض إذا منع عنه الطعام والشراب والدواء يموت ؟ كذا القلب إذا منع عنه العلم والفكر والحكمة يموت 5. وقال آخر 6: من جلس عند العالم، ولم يطق الحفظ من علمه فله سبع كرامات: ينال فضل المتعلمين، وتحبس عنه الذنوب مادام عنده، وتنزل الرحمة عليه إذا خرج من منزله طالبا للعلم، وإذا جلس في حلقة العالم نزلت الرحمة عليه، فحصل له منها نصيب 7، وما دام في الاستماع يكتب له طاعة، وإذا استمع ولم يفهم


1 - " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 30، 53، 115، " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 16، " شرح المهذب " ج 1 / 36، " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 125، " مجمع الزوائد " ج 1 / 124، " كنز العمال " ج 10 / 137 - 138، الحديث 28693. 2 - هو أبو عبد الله وهب بن منبه الصنعاني (34 - 114 ه‍) وردت ترجمته ومصادر ترجمته في " تذكرة الحفاظ " ج 1 / 101، و " الاعلام " ج 8 / 125 - 126، و " وفيات الاعيان " ج 6 / 35 - 36. 3 - " شرح المهذب " ج 1 / 33، وفيه: " والسلامة وإن كان سفيها "، " تذكرة السامع " / 10 - 11، ولكن ليس فيها الجملة الاخيرة، أعنى " والسلامة وإن كان سقيما ". وفي " تحف العقول " / 13، عن رسول الله صلى الله عليه وآله: " وأما العلم فيتشعب منه الغنى وإن كان فقيرا، والجود وإن كان بخيلا، والمهابة وإن كان هينا، والسلامة وإن كان سقيما، والقرب وإن كان قصيا، والحياء وإن كان صليفا، والرفعة وإن كان وضيعا، والشرف وإن كان رذلا والحكمة والحظوة " وفي " رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء " ج 1 / 348، الرسالة التاسعة: " والعلم يكسب صاحبه عشر خصال محمودة: أولها الشرف وإن كان دنيا، والعز وإن كان مهينا: والغنى وإن كان فقيرا، والقوة وإن كان ضعيفا، والنبل وإن كان حقيرا، والقرب وإن كان بعيدا، والقدر وإن كان ناقصا، والجود وإن بخيلا، والحياء وإن كان صلفا، والمهابة وإن كان وضيعا، والسلامة وإن كان سقيما " وهذه المذكورات إحدى عشرة خصلة لاعشر، فتأمل. 4 - هو فتح الموصلي، كما في " تفسير الرازي " ج 2 / 181، و " إحياء علوم الدين " ج 1 / 8، و " درة التاج " ج 1 / 43. 5 - " تفسير الرازي " ج 2 / 181، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 8، " درة التاج " ج 1 / 43، " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 129، مع اختلاف يسير في اللفظ في المصادر الثلاثة الاخيرة. 6 - هو الفقيه ابو الليث كما في " تفسير الرازي " ج 2 / 183. 7 - هذه الجملة وردت في المصدر هكذا: "... وإذا جلس في حلقة العلم، فإذا نزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب ". وهي أصح مما ورد في المتن [ * ].

[ 123 ]

ضاق قلبه بحرمانه عن إدراك العلم، فيصير ذلك الغم وسيلة إلى حضرة الله تعالى، لقوله تعالى: أنا عند المنكسرة قلوبهم 1. ويرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق، فيرد قلبه عن الفسق، وتميل طبيعته إلى العلم، ولهذا أمر صلى الله عليه وآله بمجالسة الصالحين 2. وقال أيضا: من جلس مع ثمانية أصناف من الناس زاده الله ثمانية أشياء: [ 1 ] من جلس مع الاغنياء زاده الله حب الدنيا والرغبة فيها، [ 2 ] ومع الفقراء حصل له الشكر والرضا بقسم الله تعالى، [ 3 ] ومع السلطان زاده الله القسوة والكبر، [ 4 ] ومع النساء زاده الله الجهل والشهوة، [ 5 ] ومع الصبيان ازداد [ من اللهو والمزاح [ 6 ] ومع الفساق ازداد ] 3 من الجرأة على الذنوب وتسويف التوبة، [ 7 ] ومع الصالحين ازداد رغبة في الطاعات، [ 8 ] ومع العلماء ازداد من العلم 4. علم الله 5 تعالى سبعة نفر سبعة أشياء: آدم الاسماء كلها، والخضر علم الفراسة، ويوسف علم التعبير، وداود صنعة الدروع، وسليمان منطق الطير، وعيسى التوراة والانجيل: " ويعلمه الكتاب والحكمة والتورية والانجيل " 6، ومحمدا صلى الله عليه وآله علم الشرع والتوحيد [ وعلمك ما لم تكن تعلم ] 7 " ويعلمهم الكتاب


1 - روي هذا الحديث القدسي في " تفسير كشف الاسرار " ج 1 / 135، 710، وج 6 / 171، وج 9 / 283، و " تذكرة الاولياء " / 186، و " تفسير الرازي " ج 2 / 183، و " بداية الهداية " / 42، وفي " بحار الانوار " ج 73 / 157 - نقلا عن " نوادر الراوندي " -: " وسئل [ رسول الله صلى الله عليه وآله ] أين الله ؟ فقال: عند المنكسرة قلوبهم " وفي " غرر الحكم " ج 4 / 238، الحديث 5937: " طوبى للمنكسرة قلوبهم من أجل الله ". 2 - " تفسير الرازي " ج 2 / 183. 3 - مابين المعقوفين ساقط من جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة ولكن موجود في المصدر، والمعنى يقتضيه أيضا، لان المؤلف رحمه الله قال: " من جلس مع ثمانية أصناف... " ولكن ذكر سبعة أصناف، فسقط ما بين المعقوفين من قلمه الشريف أو من قلم النساخ. 4 - " تفسير الرازي " ج 2 / 183. 5 - لاحظ " تفسير الرازي " ج 2 / 183 - 184. 6 - سورة آل عمران (2): 48. 7 - ما بين المعقوفين زيادة من المصدر أعني " تفسير الرازي " ج 2 / 184 وليس في النسخ المخطوطة والمطبوعة [ * ].

[ 124 ]

والحكمة " 1، [ الرحمن علم القرآن ] 2 فعلم آدم عليه السلام كان سببا في سجود الملائكة له والرفعة عليهم، وعلم الخضر كان سببا لوجود موسى تلميذا له ويوشع عليهما السلام، وتذلله له كما يستفاد من الآيات الواردة في القصة 3، وعلم يوسف كان سببا لوجدان الاهل والمملكة والاجتباء، وعلم داود كان سببا للرئاسة والدرجة، وعلم سليمان كان سبب وجدان بلقيس والغلبة، وعلم عيسى كان سببا لزوال التهمة عن أمة، وعلم محمد صلى الله عليه وآله كان سببا في الشفاعة 4. طريق 5 الجنة في أيدي أربعة: العالم، والزاهد، والعابد، والمجاهد، فإذا صدق العالم في دعواه رزق الحكمة، والزاهد يرزق الامن، والعابد الخوف، والمجاهد الثناء. قال بعض المحققين 6: العلماء ثلاثة: عالم بالله غير عالم بأمر الله، فهو عبد استولت المعرفة الالهية على قلبه فصار مستغرفا بمشاهدة نور الجلال والكبرياء، فلا يتفرغ لتعلم علم الاحكام إلا ما لابد منه، وعالم بأمر الله غير ما لم بالله، وهو الذي عرف الحلال والحرام ودقائق الاحكام، لكنه لا يعرف أسرار جلال الله، وعالم بالله وبأمر الله، فهو جالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات، وعالم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحب له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم، كأنه لا يعرف الله، وإذا خلا بربه


1 - سورة الجمعة (62): 2. وفي جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة: " يعلمك " بدل " يعلمهم " وهو خطأ، إذا لا توجد آية بهذا النص في المصحف الشريف، وما أثبتناه مطابق للمصدر أيضا. 2 - ما بين المعقوفين زيادة من المصدر أعني " تفسير الرازي " ج 2 / 184، وليس في النسخ. وهي الآية 1 و 2 من سورة الرحمن (55). 3 - سورة الكهف (18): 60 - 82. 4 - " تفسير الرازي " ج 2 / 183 - 184، وقد نقل الرازي الآيات الدالة على تعليمه تعالى هؤلاء الانبياء هذه العلوم، وأسقطها المؤلف رحمه الله روما للاختصار. 5 - لاحظ " تفسير الرازي " ج 2 / 184. 6 - هو شقيق البلخي، كما في " تفسير الرازي " ج 2 / 181 [ * ].

[ 125 ]

مشتغلا بذكره وخدمته، فكأنه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين والصديقين، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وآله: سائل العلماء، وخالط الحكماء، وجالس الكبراء 1. فالمراد بقوله صلى الله عليه وآله " سائل العلماء " العلماء بأمر الله تعالى غير العالمين بالله، فأمر بمسائلتهم عند الحاجة إلى الاستفتاء، وأما الحكماء فهم العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر الله، فأمر بمخالطتهم، وأما الكبراء، فهم العالمون بهما، فأمر بمجالستهم، لان في مجالستهم خير الدنيا والآخرة، ولكل واحد من الثلاثة ثلاث علامات: فللعالم بأمر الله: الذكر باللسان دون القلب، والخوف من الخلق دون الرب، والاستحياء من الناس في الظاهر ولا يستحيي من الله في السر. والعالم بالله ذاكر خائف مستحي، أما الذكر فذكر القلب لا اللسان، والخوف خوف الرجاء 2 لاخوف المعصية، والحياء حياء ما يخطر على القلب لاحياء الظاهر. والعالم بالله وأمرأة له ستة أشياء: الثلاثة المذكورة للعالم بالله فقط، مع ثلاثة أخرى: كونه جالسا على الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وكونه معلما للمسلمين 3، وكونه بحيث يحتاج الفريقان الاولان إليه، وهو مستغن عنهما. فمثل العالم بالله وبأمر الله كمثل الشمس لا تزيد ولا تنقص، ومثل العالم بالله فقط، كمثل القمر يكمل تارة وينقص أخرى، ومثل العالم بأمر الله كمثل السراج يحرق نفسه ويضئ لغيره 4.


1 - " تفسير كشف الاسرار " ج 2 / 88، " مجمع الزوائد " ج 1 / 125، " كنز العمال " ج 10 / 238، الحديث 29263، " تفسير الرازي " ج 1 / 181. وفي " بحار الانوار " ج 1 / 197، وج 74 / 188 - نقلا عن " نوادر الراوندي " -: " عن موسى بن جعفر عن آبائه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سائلوا العلماء وخالطوا الحكماء وجالسوا الفقراء ". 2 - هكذا في جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة، وفي المصدر " خوف الرئاء " والظاهر أنه خطأ. 3 - ما أثبتناه مطابق لجميع النسخ المخطوطة والمطبوعة، ولكن في المصدر: " للقسمين الاولين " بدل " للمسلمين " وأيضا في " المحجة البيضاء " ج 1 / 37 نقلا عن " منية المريد ": " للقسمين " ولعل ما في المصدر أنسب. 4 - " تفسير الرازي " ج 2 / 181. وقال في " علم القلوب " / 23: " قال سفيان: العلماء ثلاثة: عالم بالله وبأمر الله، [ * ]

[ 126 ]

فصل [ 7 ] [ في دليل العقل على فضل العلم ] وأما دليل العقل فنذكر منه وجهين: أحدهما: أن المعقولات تنقسم إلى موجودة ومعدومة. والعقول السليمة تشهد بأن الموجود أشرف من المعدوم، بل لا شرف للمعدوم أصلا. ثم الموجود ينقسم إلى جماد ونام، والنامي أشرف من الجماد. ثم النامي ينقسم إلى حساس وغيره، والحساس أشرف من غيره. ثم الحساس ينقسم إلى عاقل وغير عاقل، ولا شك أن العاقل أشرف من غيره. ثم العاقل ينقسم إلى عالم وجاهل، ولا شبهة في أن العالم أشرف من الجاهل. فتبين بذلك أن العالم أشرف المعقولات والموجودات وهذا أمر يلحق بالواضحات. والثاني 1: أن الامور على أربعة أقسام: قسم يرضاه العقل، ولا ترضاه الشهوة وقسم عكسه، وقسم يرضيانه، وقسم لا يرضيانه، فالاول: كالامراض والمكاره في الدنيا، والثاني: المعاصي أجمع، والثالث: العلم، والرابع: الجهل. فمنزل العلم من الجهل بمنزلة الجنة من النار، فكما أن العقل والشهوة لا يرضيان بالنار، كذا لا يرضيان بالجهل، وكما أنهما يرضيان بالجنة، كذا يرضيان بالعلم، فمن رضي بالعلم فقد خاص في جنة حاضرة، و [ من رضي ] بالجهل فقد رضي بنار حاضرة. ثم من اختار العلم يقال له بعد الموت: تعودت المقام في الجنة فادخلها.


فذلك العالم الكامل، وعالم بالله غير عالم بأمر الله، فذلك التقي الخائف، وعالم بأمر الله غير عالم بالله، فذلك العالم الفاجر ". 1 - لاحظ " تفسير الرازي " ج 2 / 185 - 186 [ * ].

[ 127 ]

وللآخر: تعودت النار فادخلها. والدليل على أن العلم جنة، والجهل نار أن: كمال اللذة في إدراك المحبوب 1، وكمال الالم في البعد عن المحبوب، فالجراحة إنما تؤلم، لانها تبعد جزء من البدن عن جزء، والمحبوب من تلك الاجزاء هو الاجتماع. والاحراق بالنار أشد إيلاما من الجرح، لان الجرح لا يفيد 2 إلا تبعيد جزء معين عن جزء معين، والنار تغوص في جميع الاجزاء، وتقتضي تبعيد بعض الاجزاء عن بعض 3. وإذا تقرر ذلك، فكلما كان الادراك أغوص وأشد، والمدرك أشرف وأكمل، والمدرك أبقى وأنقى، فاللذة أشرف. ولا شك أن محل اللذة هو الروح، وهو أشرف من البدن، وأن إدراك العقل أغوص وأشرف، وأما المعلوم فلا شك أنه أشرف، لانه هو الله رب العالمين، وجميع مخلوقاته من الملائكة وغيرهم، وجميع تكليفاته، وأي معلوم أشرف من ذلك 4 ؟ ! فإذا قد تطابق العقل والنقل على شرف العلم، وارتفاع محله، وعظم جوهره، ونفاسة ذاته. ولنقتصر من المقدمة على هذا القدر.


1 - ما أثبتناه مطابق للمصدر، ويقتضيه نسق العبارة، ومطابق أيضا لما نقله صدر المتألهين قدس سره في " شرح أصول الكافي " / 136، عن " تفسير الرازي " ولكن في جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة " إدراك المخفيات " بدل إدراك المحبوب ". 2 - ما أثبتناه مطابق للمصدر، والمعنى يقتضيه أيضا، وفي جميع النسخ: " لا يقبل " بدل " لا يفيد " وهو لا يرجع إلى محصل. 3 - هذه الجملة وردت في المصدر هكذا: "... تبعيد جميع الاعضاء بعضها عن بعض " وهو أولى وأصح. 4 - " تفسير الرازي " ج 2 / 185 - 186، بما هو أبسط مما ذكره المؤلف [ * ].

[ 129 ]

الباب الاول في آداب المعلم والمتعلم وهي ثلاثة أنواع [ النوع الاول: آداب اشتركا فيها ] [ النوع الثاني: آداب يختص بها المعلم ] [ النوع الثالث: آداب يختص بها المتعلم ]

[ 131 ]

النوع الاول آداب اشتركا فيها وهي قسمان: آدابهما في أنفسهما، وآدابهما في مجلس الدرس. القسم الاول آدابهما في أنفسهما [ الامر الاول ] أول ما يجب عليهما إخلاص النية لله تعالى في طلبه وبذله، فإن مدار الاعمال على النيات، وبسببها يكون العمل تارة خزفة لا قيمة لها، وتارة جوهرة لا يعلم قيمتها لعظم قدرها، وتارة وبال على صاحبه، مكتوب في ديوان السيئات وإن كان بصورة الواجبات. فيجب على كل منهما أن يقصد بعمله وجه الله تعالى وامثال أمره، وإصلاح نفسه، وإرشاد عباده إلى معالم دينه، ولا يقصد بذلك غرض الدنيا من تحصيل مال أو جاه أو شهرة أو تميز عن الاشباه أو المفاخرة للاقران أو الترفع على الاخوان، ونحو ذلك من الاغراض الفاسدة التي تثمر الخذلان من الله تعالى وتوجب المقت،

[ 132 ]

وتفوت الدار الآخرة والثواب الدائم، فيصير من الاخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا 1. والامر الجامع للاخلاص تصفية السر عن ملاحظة ما سوى الله تعالى بالعبادة، قال الله تعالى: فا عبد الله مخلصا له الدين ألا الله الدين الخالص 2، وقال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء. إلى قوله: وذلك دين القيمة 3، وقال تعالى: فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا 4 قيل: نزلت في من يعمل العمل، ويحب أن يحمد عليه 5. وقال تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب 6. وقال: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا 7. وقال النبي صلى الله عليه وآله:


1 - سورة الكهف (18): 103 - 104. 2 - سورة الزمر (39): 2 - 3. 3 - سورة البينة (98): 5. 4 - سورة الكهف (18): 110. 5 - قاله ابن عباس كما في " إحياء علوم الدين " ج 4 / 321، و " تفسير مجمع البيان " ج 6 / 99. 6 - سورة الشورى (42): 20. 7 - سورة الاسراء (17): 18 [ * ].

[ 133 ]

إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه 1. وهذا الخبر من أصول الاسلام، وأحد قواعده وأول دعائمه. قيل: وهو ثلث العلم 2. ووجهه بعض الفضلاء 3 بأن كسب العبد يكون بقلبه ولسانه وبنانه، فالنية أحد أقسام كسبه الثلاثة، وهي أرجحها، لانها تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين. وكان السلف وجماعة من تابعيهم يستحبون استفتاح المصنفات بهذا الحديث تنبيها للمطلع على حسن النية وتصحيحها، واهتمامه بذلك واتنائه به 4. وقال صلى الله عليه وآله: نية المؤمن خير من عمله. وفي لفظ آخر: أبلغ من عمله 5. وقال صلى الله عليه وآله: إنما يبعث الناس على نياتهم 6. وقال صلى الله عليه وآله - مخبرا عن جبرئيل عن الله عزوجل أنه قال: الاخلاص سر من أسراري، استودعته قلب من أحببت من عبادي 7. وقال صلى الله عليه وآله:


1 - " صحيح البخاري " ج 1 / 17 - 18 باب كيف كان بدء الوحي " سنن ابن ماجة " ج 2 / 1413، كتاب الزهد، باب النية (26) الحديث 4227، " شرح المهذب " ج 1 / 28، " سنن الدار قطني " ج 1 / 51. 2 - قاله الشافعي وأحمد، كما في " شرح صحيح البخاري " ج 1 / 22، و " شرح المهذب " ج 1 / 28. 3 - هو أبو بكر البيهقي، كما في " شرح صحيح البخاري " ج 1 / 22. 4 - " الاذكار " / 6، وفيه: " للمطالع " بدل " للمطلع "، " شرح المهذب " ج 1 / 28 - 29، وفيه: " للطالب " بدل: " للمطلع ". 5 - " الكافي " ج 2 / 84، كتاب الايمان والكفر، باب النية، الحديث 2، وفيه: " خير من علمه "، " أمالي الطوسي " ج 2 / 69، وفيه: " أبلغ من عمله ". 6 - " سنن ابن ماجة " ج 2 / 1414، كتاب الزهد، باب النية (26)، الحديث 4229. 7 - " إحياء علوم الدين " ج 4 / 322 [ * ].

[ 134 ]

إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت. ولكنك قاتلت ليقال جرئ، فقد قيل ذلك. ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ القرآن، فقد قيل ذلك. ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار 1. وقال صلى الله عليه وآله: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عزوجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة 2. وقال صلى الله عليه وآله: من تعلم علما لغير الله وأراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار 3. وقال صلى الله عليه وآله: من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار 4. وفي رواية: فليتبوأ مقعده من النار 5.


1 - " شرح المهذب " ج 1 / 39، " تفسير القرطبي " ج 1 / 18، " مسند أحمد " ج 2 / 322، " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 107، مع زيادة واختلاف يسير في بعض الالفاظ في المصادر الثلاثة الاخيرة. 2 - " سنن ابن ماجة " ج 1 / 92 - 93، المقدمة، الباب 23، الحديث 252، " سنن أبي داود " ج 3 / 323، كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله، الحديث 3664، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 232، " كنز العمال " ج 10 / 193، الحديث 29020 - وفي هذه المصادر: " عرضا " بدل " غرضا "، " شرح المهذب " ج 1 / 39، " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 85، وفيهما: " غرضا " كالمتن. 3 - " سنن الترمذي " ج 5 / 33، كتاب العلم، الباب 6، الحديث 2655، " سنن ابن ماجة " ج 1 / 95، المقدمة، الباب 23، الحديث 258، وفيهما " أو أراد " بدل " وأراد " وما أثبتناه مطابق لجميع النسخ، وفي الثاني " من طلب العلم " بدل " من تعلم علما ". 4 - " سنن الترمذي " ج 5 / 33، كتاب العلم، الباب 6، الحديث 2654، " كنز العمال " ج 10 / 197، الحديث 29036، " شرح المهذب " ج 1 / 40. 5 - " كنز العمال " ج 10 / 201، الحديث 29057، " شرح المهذب " ج 1 / 40 [ * ].

[ 135 ]

قال صلى الله عليه وآله: لا تعلموا العلم لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا [ به ] وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولهكم ما عند الله فإنه يدوم ويبقى، وينفذ ما سواه. كونوا ينابيع الحكمة، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الارض 2. وقال صلى الله عليه وآله: من طلب العلم لاربع دخل النار: ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، أو يأخذ به من الامراء 3. وقال صلى الله عليه وآله: ما ازداد عبد علما، فازداد في الدنيا رغبة إلا ازداد من الله بعدا 4. وقال صلى الله عليه وآله: كل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا من عمل به 5. وقال صلى الله عليه وآله: أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه 6. وقال صلى الله عليه وآله: مثل الذي يعلم الناس الخير، وينسى نفسه مثل الفتيلة تضئ للناس وتحرق


1 - " أحلاس: جمع حلس، وهو مسح يبسط في البيت وتجلل به الدابة، ومن المجاز: كن حلس بيتك، أي الزمه ". (" أساس البلاغة " / 92، " حلس "). 2 - " سنن الدارمي " ج 1 / 80. 3 - " سنن الدارمي " ج 1 / 103. 4 - " شرح المهذب " ج 1 / 40، " سنن الدارمي " ج 1 / 107، نسباه إلى سفيان، " الجامع الصغير " ج 2 / 162، حرف الميم، وفيه: " من ازداد علما ولم يزدد في الدنيا زهدا، لم يزدد من الله إلا بعدا ". 5 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 127، الحديث 14، مع زيادة في أوله وسقوط " يوم القيامة " منه. 6 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 127، الحديث 15، " الجامع الصغير " ج 1 / 42، حرف الهمزة، " كنز العمال " ج 10 / 187، الحديث 28977، " مجمع الزوائد " ج 1 / 185 [ * ].

[ 136 ]

نفسه 1. وفي راوية: كمثل السراج 2. وقال صلى الله عليه وآله: علماء هذه الامة رجلان: رجل آتاه الله علما فبذله للناس، ولم يأخذ عليه طعما، ولم يشر به ثمنا، فذلك يستغفر له حيتان البحر، ودواب البر، والطير في جو السماء، ويقدم على الله سيدا شريفا حتى يرافق المرسلين، ورجل آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله، وأخد عليه طعما، وشرى به ثمنا فذلك يلجم يوم القيامة بلجام من نار، وينادي مناد: هذا الذي أتاه الله علما، فبخل به عن عباد الله، وأخذ عليه طعما، واشترى به ثمنا، وكذلك حتى يفرغ من الحساب 3. وقال صلى الله عليه وآله: من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار 4. وقال صلى الله عليه وآله: العلم علمان: فعلم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم 5. وقال صلى الله عليه وآله: إني لا أتخوف على أمتي مؤمنا ولا مشركا. فأما المؤمن، فيحجزه إيمانه، وأما


1 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 126، الحديث 11، " كنز العمال " ج 10 / 186، الحديث 28975، " مجمع الزوائد " ج 1 / 184. 2 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 126 - 127 الحديث 13، " مجمع الزوائد ج 1 / 184 - 185. 3 - " قوت القلوب " ج 1 / 143 - 144، " مجمع الزوائد " ج 1 / 124، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 55، " كنز العمال " ج 10 / 206، الحديث 29090، مع اختلاف يسير. واعلم أن في نسخة الاصل أعنى " ة " و " ه‍ " و " ط " و " ن ": " طعما " في ثلاثة موارد في الحديث كما أثبتناه، ولكن في سائر النسخ و " قوت القلوب " و " إحياء علوم الدين " و " كنز العمال " و " مجمع الزوائد ": طمعا بدل " طعما " ولعل ما أثبتناه أنسب. 4 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 182، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 5 " الترغيب والترهيب " ج 1 / 121، الحديث 2، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 52، " تحرير الاحكام الشرعية " ج 1 / 3، " عوالي اللآلي " ج 4 / 71، " كنز العمال " ج 10 / 217، الحديث 29147، " مجمع الزوائد " ج 1 / 163، " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 102. 5 - " سنن الدارمي " ج 1 / 102، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 52، " الجامع الصغير " ج 2 / 70، حرف العين، " كنز العمال " ج 10 / 182، الحديث 28947 [ * ].

[ 137 ]

المشرك، فيقمعه كفره. ولكن أتخوف عليكم منافقا عليم اللسان، يقول ما تعرفون، ويعمل ما تنكرون 1. وقال صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان 2. وقال صلى الله عليه وآله: ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء 3. وقال صلى الله عليه وآله: من قال أنا عالم فهو جاهل. 4 وقال صلى الله عليه وآله: يظهر الدين حتى يجاوز البحار، وتخاض البحار في سبيل الله، ثم يأتي من بعدكم أقوام يقرؤون القرآن، يقولون: قرأنا القرآن من أقرأ منا، ومن أفقه منا، ومن أعلم منا ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل في أولئك من خير ؟ قالوا: لا. قال: أولئك منكم من هذه الامة، وأولئك هم وقود النار 5. فصل [ 1 ] [ ما روي عن طريق الخاصة في لزوم الاخلاص في طلب العلم وبذله ] ومن طريق الخاصة روى الكليني بإسناده إلى علي عليه السلام قال:


1 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 127، " كنز العمال " ج 10 / 199، الحديث 29046، " مجمع الزوائد " ج 1 / 187. 2 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 128، الحديث 18، " كنز العمال " ج 10 / 176، الحديث 28970. 3 - " سنن الدارمي " ج 1 / 104، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 56. 4 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 130، الحديث 4، " كنز العمال " ج 10 / 243، الحديث 29290، عن الطبراني في " الاوسط "، " مسند الامام موسى بن جعفر " عليهما السلام / 50 الحديث 48، " مجمع الزوائد " ج 1 / 186. 5 - " تفسير القرطبي " ج 1 / 18، " الترغيب والترهيب " ج 1 / 129 - 130، الحديث 2، " كنز العمال " ج 10 / 212، الحديث 29121، " مجمع الزوائد " ج 1 / 185 - 186 [ * ].

[ 138 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: منهومان لا يشبعان: طالب دنيا، وطالب علم، فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله له سلم، ومن تناولها من غير حلها هلك، إلا أن يتوب ويراجع. ومن أخذ العلم من أهله وعمل به نجا، ومن أراد به الدنيا فهي حظه 1. وبإسناده إلى الباقر عليه السلام: من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوأ مقعده من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلا لاهلها 2. وبإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة 3. وعنه عليه السلام: إذا رأيتم العالم محبا للدنيا، فاتهموه على دينكم، فإن كل محب لشئ يحوط ما أحب. وقال: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا، فيصدك عن طريق محبتي، فإن أولئك قطاع طريق عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم 4. وعنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله ! وما دخولهم في الدنيا ؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم 5. وعنه عليه السلام قال:


1 - " الكافي " ج 1 / 46، كتاب فصل العلم، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الحديث 1. 2 - " الكافي " ج 1 / 47، كتاب فصل العلم، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الحديث 6. 3 - " الكافي " ج 1 / 46، كتاب فصل العلم، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الحديث 2. 4 - " الكافي " ج 1 / 46، كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الحديث 4. 5 - " الكافي " ج 1 / 46، كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الحديث 5 [ * ].

[ 139 ]

طلبة العلم ثلاثة، فاعرفوهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للتفقه والعمل: فصاحب الجهل والمراء مؤذ ممار، متعرض للمقال في أندية الرجال، بتذاكر العلم وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع، وتخلى من الورع، فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه. وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق، يستطيل على مثله من أشباهه، ويتواضع للاغنياء من دونه، فهو لحلوانهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله على هذا خبره، وقطع من آثار العلماءء أثره، وصاحب الفقه [ خ ل: التفقه ] والعمل ذو كابة وحزن وسهر، قد تحنك في برنسه، وقام الليل في حندسه، يعمل ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقبلا على شأنه عارفا بأهل زمانه، مستوحشا من أوثق إخوانه، فشد الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه 1. وروى الصدوق في كتاب " الخصال " بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من العلماء من يحب أن يجمع علمه، ولا يحب أن يوخذ عنه، فذاك في الدرك الاول من النار، ومن العلماء من إذا وعظ أنف، وإذا وعظ عنف، فذاك في الدرك الثاني من النار، ومن العلماء من يرى أن يضع العلم عند ذوي الثروة والشرف ولايرى له في المساكين وضعا، فذاك في الدرك الثالث من النار، ومن العلماء من يذهب في علمه مذهب الجبابرة والسلاطين، فإن رد عليه و [ خ ل: أو ] قصر في شئ من أمره غضب، فذاك في الدرك الرابع من النار، ومن العلماء من يطلب أحاديث اليهود والنصارى ليغزربه علمه ويكثر به حديثه، فذاك في الدرك الخامس من النار، ومن العلماء من يضع نفسه للفتيا ويقول: سلوني. ولعله لا يصيب حرفا واحدا، والله لا يحب المتكلفين، فذاك في الدرك السادس من


1 - " الكافي " ج 1 / 49، كتاب فضل العلم، باب النوادر، الحديث 5، وفيه: " للفقه والعقل " بدل " للتفقه والعمل " في الموضعين [ * ].

[ 140 ]

النار، ومن العلماء من يتخذ العلم مروة وعقلا فذاك في الدرك السابع من النار 1. فصل [ 2 ] [ في لزوم الاخلاص من الآثار وكلام الانبياء ] وعن النبي صلى الله عليه وآله: أن موسى عليه السلام لقي الخضر 2 عليه السلام فقال: أوصيني. فقال: الخضر: يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم، واعلم أن قلبك وعاء، فانظر ماذا تحشوبه وعاءك، واعرف الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بدار، ولا لك فيها محل قرار، وإنها جعلت بلغة للعباد ليتزودوا منها للمعاد. يا موسى ! وطن نفسك على الصبر تلق الحلم، وأشعر قلبك التقوى تنل العلم، ورض نفسك على الصبر تخلص من الاثم. يا موسى ! تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن تفرغ له، ولا تكونن مكثارا بالمنطق مهذارا، إن كثرة المنطق تشين العلماء، وتبدئ مساوئ السخفاء، ولكن عليك بذي اقتصاد، فإن ذلك من التوفيق والسداد، وأعرض عن الجهال، واحلم عن السفهاء، فإن ذلك فضل الحلماء وزين العلماء، إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه سلما، وجانبه حزما، فإن ما بقي من جهله عليك وشتمه إياك أكثر. يا ابن عمران ! لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه، ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه. يا ابن عمران ! من لا تنتهي عن الدنيا نهمته، 3 ولا تنقضي فيها رغبته كيف يكون


1 - " الخصال " ج 2 / 395، باب السبعة، الحديث 33 من الباب و 840 من الكتاب، " بحار الانوار " ج 2 / 108 - 109، نقلا عن " الخصال " وورد في " تفسير الرازي " ج 2 / 183، ونسب إلى القيل. 2 - قال الكرماني في " شرح صحيح البخاري " ج 2 / 43: " الخضر، بفتح الخاء وكسر الضاد، ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء وفتحها كما جاء في نظائره، وسبب التلقيب به ما جاء في... الخ ". 3 - " النهمة: بلوغ الهمة في الشئ " (" لسان العرب " ج 12 / 593، " نهم ") [ * ].

[ 141 ]

عابدا ؟ من يحقر حاله ويتهم الله بما قضى له كيف يكون زاهدا ؟ يا موسى ! تعلم ما تعلم لتعمل به، ولا تعلمه لتحدث به، فيكون عليك بوره، ويكون على غيرك نوره 1. ومن كلام عيسى عليه السلام: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ؟ ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل ؟ وإنكم 2 علماء السوء، الاجر تأخذون والعمل تضيعون ؟ يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه، الله تعالى نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصيام والصلاة. كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه واحتقر منزلته ؟ وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته، كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضى شيئا أصابه ؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه عنده آثر من آخرته، وهو مقبل على دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه ؟ كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبربه، ولا يطلب ليعمل به ؟ 3. ومن كلامه صلوات الله عليه: ويل لعلماء السوء تصلى عليهم النار 4. ثم قال:


1 - " مجمع الزوائد " ج 1 / 130 - 131، وج 10 / 232 - 233 ونقله العلامة المجلسي قدس سره في " بحار الانوار " ج 1 / 226 - 227 عن " منية المريد ". 2 - هكذا في جميع النسخ و " سنن الدارمي " ج 1 / 103، ولكن في " الكافي " ج 2 / 319، و " أمالي الطوسي " ج 1 / 211، و " بحار الانوار " ج 2 / 109، نقلا عنه: " ويلكم ! علماء السوء " بدل " وإنكم علماء السوء " ولعله أولى. 3 - " سنن الدارمي " ج 1 / 103. اعلم أن في " الكافي " ج 2 / 319، كتاب الايمان والكفر، باب حب الدنيا والحرص عليها، الحديث 13، و " تنبيه الخواطر " ج 2 / 169، و " أخلاق العلماء " / 101، و " أمالي الطوسي " ج 1 / 211، و " بحار الانوار " ج 2 / 109، نقلا عنه، أكثر هذه الجمل، وشطره الاخير في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 54، وتمامه في " سنن الدارمي " كما مر. 4 - " الكافي " ج 1 / 47، كتاب فضل العلم، باب لزوم الحجة على العالم وتشديد الامر عليه، الحديث 2، وفيه: [ * ].

[ 142 ]

إشتدت مؤونة الدنيا، ومؤونة الآخرة، أما مؤونة الدنيا، فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه، وأما مؤونة الآخرة، فإنك لاتجد أعوانا يعينونك عليها 1. وأوحى الله تعالى إلى داود: يا داود لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق مجتبي، فإن أولئك قطاع طريق عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم 2. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: من تعلم علما من علم الآخرة ليريد به عرضا من عرض الدنيا لم يجد ريح الجنة 3. فصل [ 3 ] [ في مكايد الشيطان وأهمية الاخلاص ] هذه الدرجة - وهي درجة الاخلاص - عظيمة المقدار كثيرة الاخطار دقيقة المعنى صعبة المرتقى، يحتاج طالبها إلى نظر دقيق، وفكر صحيح، ومجاهدة تامة. وكيف لا يكون كذلك، وهو مدار القبول، وعليه يترتب الثواب، وبه تظهر ثمرة عبادة العابد، وتعب العالم، وجد المجاهد.


" ويل للعلماء السوء كيف تلظى عليهم النار ! ". 1 - " تنبيه الخواطر " ج 2 / 146، رواه عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام، عن عيسى عليه السلام. وروي عن الامام موسى بن جعفر سلام الله عليهما في " تحف العقول " / 301. واعلم أن قوله: " اشتدت مؤونة الدنيا... الخ " حديث مفرد، وقوله: " ويل لعلماء السوء كيف تصلى عليهم النار " حديث آخر، وخلط بينهما المصنف بحيث يوهم أنهما حديث واحد. 2 - " الكافي " ج 1 / 46، كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الحديث 4. 3 - " السرائر " / 491، قسم المستطرفات، من كتاب أبي القاسم ابن قولويه، " مستطرفات السرائر " / 143، الحديث 9، " بحار الانوار " ج 2 / 33، الحديث 28، نقلا عن " السرائر ". [ * ]

[ 143 ]

ولو فكر الانسان في نفسه، وفتش عن حقيقة عمله لوجد الاخلاص فيه قليلا، وشوائب الفساد إليه متوجهة، والقواطع عليه متراكمة، سيما المتصف بالعلم وطالبه، فإن الباعث الاكثري سيما في الابتداء لباغي العلم طلب الجاه والمال والشهرة، وانتشار الصيت، ولذة الاستيلاء، والفرح بالاستتباع، واشتثارة الحمد والثناء، وربما يلبس عليهم الشيطان مع ذلك، ويقول لهم: غرضكم نشر دين الله، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وآله. والمظهر لهذه المقاصد يتبين عند ظهور أحد من الاقران أكثر علما منه وأحسن حالا، بحيث يصرف الناس عنه، فلينظر حينئذ: فإن كان حاله مع الموقر له، والمعتقد لفضله أحسن، وهو له أكثر أحتراما، وبلقائه أشد استبشارا ممن يميل إلى غيره مع كون ذلك الغير مستحقا للموالاة، فهو مغرور وعن دينه مخدوع وهو لا يدري كيف، وربما انتهى الامر بأهل العلم إلى أن يتغايروا تغاير النساء فيشق على أحدهم أن يختلف بعض تلامذته إلى غيره وإن كان يعلم أنه منتفع بغيره ومستفيد منه في دينه. وهذا رشح الصفات المهلكة المستكنة في سر القلب التي يظن العلم النجاة منها، وهو مغرور في ذلك، وإنما ينكشف بهذه العلامات ونحوها. ولو كان الباعث له على العلم هو الدين لكان إذا ظهر غيره شريكا، أو مستبدا أو معينا على التعليم لشكر الله تعالى إذ كفاه وأعانه على هذا المهم بغيره، وكثر أوتاد الارض، ومرشدي الخلق، ومعلميهم دين الله تعالى ومحيي سنن المرسلين. وربما لبس الشيطان على بعض العالمين ويقول: إنما غمك لا نقطاع الثواب عنك، لا لانصراف وجوه الناس إلى غيرك، إذ لو رجعوا إليك أو اتعظوا بقولك، وأخذوا عنك لكنت أنت المثاب، واغتمامك لفوات الثواب محمود. ولا يدري المسكين أن انقياده للحق وتسليمه الامر الافضل [ خ ل: لافضل ] أجزل ثوابا، وأعود عليه في الآخرة من انفراده. وليعلم أن أتباع الانبياء والائمة لو اغتموا من حيث فوات هذه المرتبة لهم

[ 144 ]

واختصاص أهلها بها، لكانوا مذمومين في الغاية، بل انقيادهم إلى الحق وتسليم الامر إلى أهله أفضل الاعمال بالنسبة إليهم، وأعود عليهم في الدين. وهذا كله من غرور الشيطان وخدعه، بل قد ينخدع بعض أهل العلم بغرور الشيطان، ويحدث نفسه بأنه لو ظهر من هو أولى منه لفرح به، وإخباره بذلك عن نفسه قبل التجربة والامتحان غرور، فإن النفس سهلة القياد في الوعد بأمثال ذلك قبل نزول الامر. ثم إذا دهاه الامر تغير، ورجع، ولم يف بالوعد إلا من عصمه الله تعالى وذلك لا يعرفه إلا من عرف مكايدة النفس، وطال اشتغاله بامتحانها 1. ومن أحس في نفسه بهذه الصفات المهلكة، فالواجب عليه طلب علاجها من أرباب القلوب، فإن لم يجدهم، فمن كتبهم المصنفة في ذلك. وإن كان كلا الامرين قد امتحى أثره، وذهب مخبره، ولم يبق إلا خبره، ويسأل الله المعونة والتوفيق. فإن عجز عن ذلك، فالواجب عليه الانفراد والعزلة، وطلب الخمول والمدافعة مهما سئل، إلا أن يحصل على شريطة التعلم والعلم. وربما يأتيه الشيطان هنا من وجه آخر، ويقول: هذا الباب لو فتح لاندرست العلوم، وخرب الدين من بين الخلق، لقلة الملتفت إلى الشرائط والمتلبس بالاخلاص، مع أن عمارة الدين من أعظم الطاعات. فليجبه حينئذ بأن دين الاسلام لا يندرس بسبب ذلك مادام الشيطان يحبب إلى الخلق الرئاسة، وهو لا يفتر عن عمله إلى يوم القيامة، بل ينتهض لنشر العلم أقوام لا نصيب لهم في الآخرة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لاخلاق لهم 2. وقوله صلى الله عليه وآله:


1 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 4 / 325. 2 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 43، " الجامع الصغير " ج 1 / 74، حرف الهمزة، وشرحه: " فيض القدير " ج 2 / 279، الحديث 1938، " مجمع الزوائد " ج 5 / 302، " الكافي " ج 5 / 19، كتاب الجهاد، باب من يجب عليه الجهاد ومن لا يجب، الحديث 1 [ * ].

[ 145 ]

إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر 1. فلا ينبغي أن يغتر بهذه التلبيسات، فيشتغل بمخالطة الخلق حق يتربى في قلبه حب الجاه والثناء والتعظيم، فإن ذلك بذر النفاق، وقال صلى الله عليه وآله: حب الجاه والمال ينبت النفاق في القلب كما ينبت البقل 2. وقال صلى الله عليه وآله: ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادا فيها من حب الجاه والمال في دين المرء المسلم. 3 فليكن فكره في التفطن لخفايا هذه الصفات من قلبه، وفي استنباط طريق الخلاص منها، فإن الفتنة والضرر بهذه الصفات من العالم والمتعلم أعظم منها في غيره بمراحل، فإنه مقتدى به فيما يأتي ويذر، فيقول الجاهل: لو كان ذلك مذموما لكان العلماء أولى باجتنابه منا. فيتلبسون بهذه الاخلاق الذميمة. إلا أن بين الذنبين بونا بعيدا، فإن الجاهل يأتي القيامة بذنبه، والعالم يأتي بذنبه الذي فعله وذنب من تأسى به واقتدى بطريقته إلى يوم القيامة، كما ورد في الاخبار الصحيحة 4.


1 - " صحيح مسلم " ج 1 / 106، كتاب الايمان (1)، الباب 47، " مسند أحمد " ج 2 / 309، " سنن الدارمي " ج 2 / 241، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 43، " مجمع الزوائد " ج 5 / 302، 303، ج 7 / 213. 2 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 200، 241 " تنبيه الخواطر " ج 1 / 155، 256. اعلم أن العراقي قال في " المغني " ج 3 / 200 - المطبوع بهامش " الاحياء " -: " حديث حب المال و... لم أجده بهذا اللفظ ". 3 - " سنن الدارمي " ج 2 / 304، " إحياء علوم الدين " ج 3 / 200، 241، " مسند أحمد " ج 3 / 456، " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 14 - 15 - وفي هذه المصادر الاربعة: " جائعان " بدل " ضاريان "، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 155، 183، 256. ومثله في " الكافي " - ج 2 / 297، كتاب الايمان والكفر، باب طلب الرئاسة، الحديث 1 - عن أبي الحسن عليه السلام. وانظر " مجمع الزوائد " ج 10 / 250. 4 - لعله يريد الاخبار التي وردت بهذه المضامين ونحوها: أ) " تحف العقول " / 217، عن أبي جعفر عليه السلام: " من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئا، ومن علم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا "، ب) " بحار الانوار " ج 2 / 24، الحديث 75، نقلا عن " الاختصاص ": " قال العالم عليه السلام: من استن بسنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن استن بسنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شئ "، ج) " بحار الانوار " ج 2 / 24، الحديث 76 - نقلا عن " نوادر الراوندي " -: [ * ].

[ 146 ]

وبالجملة، فمعرفة حقيقة الاخلاص، والعمل به بحر عميق يغرق فيه الجميع إلا الشاذ النادر المستثنى في قوله تعالى: إلا عبادك منهم المخلصين. 1 فليكن العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق، وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو لا يشعر 2. والامر الثاني: استعمال ما يعلمه كل منهما شيئا فشيئا، فإن العاقل همه الرعاية، والجاهل همه الرواية، وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه، فهذا ناج، وعالم تارك لعلمه، فهذا هالك. وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه. وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله تبارك وتعالى فاستجاب له وقبل منه، فأطاع الله فأدخله الجنة، وأدخل الداعي النار بتركه علمه، واتباعه الهوى، وطول الامل، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وطول الامل ينسي الآخرة 3. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا 4. وجاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام فسأله عن مسائل، فأجاب، ثم عاد ليسأل مثلها، فقال علي بن الحسين عليهما السلام: مكتوب في الانجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعملوا بما علمتم، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزد صاحبه إلا كفرا، ولم يزدد من الله إلا بعدا 5.


" بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من يشفع شفاعة حسنة، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو دل على خير، أو أشار به فهو شريك، ومن أمر بسوء، أو دل عليه، أو أشار به فهو شريك ". 1 - سورة الحجر (15): 40. 2 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 4 / 325. 3 - " الكافي " ج 1 / 44، كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، الحديث 1. 4 - " الكافي " ج 1 / 44، كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، الحديث 3. 5 - " الكافي " ج 1 / 44، كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، الحديث 4، وفيه: " لم يزدد صاحبه " بدل " لم يزد صاحبه " [ * ].

[ 147 ]

وسأل المفضل بن عمر أبا عبد الله عليه السلام فقال: بم يعرف الناجي ؟ قال: من كان فعله لقوله موافقا فأنت له بالشهادة، ومن لم يكن فعله لقوله موافقا، فإنما ذلك مستودع 1. وقال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له خطبه على المنبر: أيها الناس إذا علمتم فاعلموا بما علمتم لعلكم تهتدون، إن العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما حائر بائر، لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا، ولا ترخصوا لانفسكم فتدهنوا، ولا تدهنوا في الحق فتخسروا، وإن من الحق أن تفقهوا، ومن الفقه أن لا تغتروا، وإن من أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، وأغشكم [ لنفسه ] أعصاكم لربه، ومن يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخب ويندم 2. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله ما العلم ؟ فقال: الانصات. قال: ثم مه يا رسول الله ؟ قال ؟ الاستماع. قال: ثم مه ؟ قال: الحفظ. قال: ثم مه يا رسول الله ؟ قال: العمل به. قال: ثم مه يا رسول الله ؟ قال: نشره 3. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان لموسى بن عمران عليه السلام جليسا [ ظ: جليس ] من أصحابه قد وعى علما كثيرا، فاستأذن موسى في زيارة أقارب له، فقال له موسى: إن لصلة القرابة


1 - " الكافي " ج 1 / 45، كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، الحديث 5، وفيه: " فأثبت له الشهادة " بدل " فأنت له بالشهادة ". وانظر شرح الحديث واختلاف النسخ في " مرآة العقول " ج 1 / 144. 2 - " الكافي " ج 1 / 45، كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، الحديث 6. وفي النسخ المخطوطة و " ه‍ ": " كالجاهل الخائن " بدل " كالجاهل الحائر "، وما أثبتناه مطابق للمصدر و " ط " وبعض النسخ الآخر، وأيضا في المصدر: " وإن أنصحكم " بدل " وإن من أنصحكم ". 3 - " الكافي " ج 1 / 48، كتاب فضل العلم، باب النوادر، الحديث 4 [ * ].

[ 148 ]

لحقا، ولكن إياك أن تركن إلى الدنيا، فإن الله قد حملك علما فلا تضيعه، وتركن إلى غيره. فقال الرجل: لا يكون إلا خيرا. ومضى نحو أقاربه، فطالت غيبته، فسأل موسى عليه السلام عنه، فلم يخبره أحد بحاله، فسأل جبرئيل عليه السلام عنه فقال له: أخبرني عن جلسي فلان ألك به علم ؟ قال: نعم هوذا 1 على الباب قد مسخ قردا في عنقه سلسلة. ففزع موسى عليه السلام إلى ربه، وقام إلى مصلاه يدعو الله، ويقول: يا رب صاحبي وجليسي ؟ فأوحى الله عزوجل إليه: يا موسى لودعتني حتى تنقطع ترقوتاك ما استجبت لك فيه، إني كنت حملته علما، فضيعه، وركن إلى غيره 2. وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا طالب العلم إن العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأدنه الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة الاسباب والامور، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته السلامة، وحكمته الورع، ومستقره النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين الكلمة، وسيفه الرضا، وقوسه المداراة، وجيشه محاورة، العلماء، وماله الادب، وذخيرته اجتناب الذنوب، ورداؤه المعروف، ومأواه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه محبة الاخيار 3. وفي حديث عنوان البصري 4 الطويل عن الصادق عليه السلام:


1 - انظر معنى هذه الكلمة وتفسيرها في تعاليق الاستاذ المحقق حسن زاده الآملي على " كشف المراد " / 580 - 581. 2 - " ياقوت القلوب " ج 1 / 144، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 55، مع اختلاف كثير في الالفاظ، ولم أقف عليه بنص ألفاظه. ونقل في " بحار الانوار " ج 2 / 40، عن " منية المريد " فقط. 3 - " الكافي " ج 1 / 48، كتاب فضل العلم، باب النوادر، الحديث 2، وفيه: " وزاده المعروف " بدل " رداؤه المعروف ". 4 - حديث عنوان البصري مروي في " مشكاة الانوار " / 325 - 328، و " بحار الانوار " ج 1 / 224 - 226، ونحن ننقله هنا بطوله - لما فيه من الفائدة - " عن بحار الانوار ". قال العلامة المجلسي، قدس الله نفسه الزكية: " أقول: وجدت بخط شيخنا البهائي قدس الله روحه، وما هذا لفظه: قال الشيخ شمس الدين محمد بن مكي: نقلت من [ * ].

[ 149 ]

ليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله أن يهديه، فإذا أردت العلم، فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية. واطلب العلم باستعماله، واستفهم


خط الشيخ أحمد الفراهاني رحمه الله عن عنوان البصري - وكان شيخا كبيرا قد أتى عليه أربع وتسعون سنة - قال: كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين، فلما قدم جعفر الصادق عليه السلام المدينة، اختلفت إليه وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك. فقال لي يوما: إني رجل مطلوب ومع ذلك لي أوراد في كل ساعة من آناء الليل والنهار، فلا تشغلني عن وردي، وخذ عن مالك، واختلف إليه كما كنت تختلف إليه، فاغتممت من ذلك، وخرجت من عنده وقلت في نفسي: لو تفرس في خيرا لما زجرني عن الاختلاف إليه والاخذ عنه، فدخلت مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلمت عليه، ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصليت فيها ركعتين، وقلت أسألك يا الله يا الله ! أن تعطف علي قلب جعفر وترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صاطك المستقيم. ورجعت إلى داري مغتما ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب قلبي من حب جعفر، فما خرجت من داري إلا إلى الصلاة المكتوبة حتى عيل صبري، فلما ضاق صدري تنعلت وترديت وقصدت جعفرا وكان بعد ما صليت العصر، فلما حضرت باب داره استأذنت عليه فخرج حادم له فقال ما حاجتك ؟ فقلت: السلام على الشريف، فقال: هو قائم في مصلاه، فجلست بحذاء بابه فما لبثت إلا يسيرا إذ خرج خادم فقال: ادخل على بركة الله، فدخلت وسلمت عليه، فرد السلام وقال: اجلس غفر الله لك، فجلست فأطرق مليا، ثم رفع رأسه، وقال: أبومن ؟ قلت: أبو عبد الله، قال: ثبت الله كنيتك ووفقك، يا أبا عبد الله ما مسألتك ؟ فقلت في نفسي: لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيرا. ثم رفع رأسه، ثم قال: ما مسألتك ؟ فقلت: سألت الله أن يعطف قلبك علي ويرزقني من علمك، وأرجو أن الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته، فقال: يا أبا عبد الله ! ليس العلم بالتعلم، إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يديه، فإن أردت العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية، واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يفهمك، قلت: يا شريف ! فقال: قل يا أبا عبد الله. قلت: يا أبا عبد الله ! ما حقيقة العبودية ؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكا، لان العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به، ولا يدبر العبد لنفسه تدبيرا، وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه، فإذا لم يرد العبد لنفسه فيما خوله الله تعالى ملكا هان عليه الانفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه وإذا فوض العبد تدبير نفسه على مدبره هان عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس، فإذا أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا، وإبليس، والخلق، ولا يطلب الدنيا تكاثرا وتفاخرا، ولا يطلب ما عند الناس عزا وعلوا، ولا يدع أيامه باطلا، فهذا أول درجة التقى، قال الله تبارك وتعالى: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " [ سورة القصص (28): 83 ]. قلت: يا أبا عبد الله ! أوصني، قال: أوصيك بتسعة أشياء فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى، والله أسأل أن يوفقك لاستعماله، ثلاثة منها في رياضة النفس، وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة منها في العلم، فاحفظها وإياك والتهاون بها. قال عنوان: ففرغت قلبي له. فقال: أما اللواتي في الرياضة: فإياك أن تأكل مالا تشتهيه فإن يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إلا عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالا وسم الله، واذكر حديث الرسول الله صلى الله عليه وآله: ما ملا آدمي وعاء شرا من بطنه. فإن كلان ولا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه [ * ].

[ 150 ]

الله يفهمك 1. فصل [ 1 ] [ في أن الغرض من طلب العلم هو العمل ] اعلم أن العلم بمنزلة الشجرة، والعمل بمنزلة الثمرة، والغرض من الشجرة المثمرة ليس إلا ثمرتها، أما شجرتها بدون الاستعمال، فلا يتعلق بها غرض أصلا، فإن الانتفاع بها في أي وجه كان ضرب من الثمرة بهذا المعنى. وإنما كان الغرض الذاتي من العلم مطلقا العمل، لان العلوم كلها ترجع إلى أمرين: علم معاملة، وعلم معرفة. فعلم المعاملة هو معرفة الحلال والحرام ونظائرهما من الاحكام، ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة، وكيفية علاجها والفرار منها. وعلم المعرفة كالعلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه. وما عداهما من العلوم إما آلات لهذه العلوم أو يراد بها عمل من الاعمال في الجملة، كما لا يخفى على من تتبعها. وظاهر أن علوم المعاملة لا تراد إلا للعمل، بل لولا الحاجة إليه لم يكن لها قيمة. وحينئذ فنقول 2: المحكم للعلوم الشرعية ونحوها، إذا أهمل تفقد جوارحه وحفظها عن المعاصي، وإلزامها الطاعات، وترقيها من الفرائض إلى النوافل، ومن الواجبات إلى السنن اتكالا على اتصافه بالعلم، وأنه في نفسه هو المقصود، مغرور


وأما اللواتي في الحلم: فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشرا، فقل: إن قلت عشرا لم تسمع واحدة، ومن شتمك فقل له: إن كنت صادقا فيما تقول فأسأل الله أن يغفر لي، وإن كنت كاذبا فيما تقول فالله أسأل أن يغفر لك، ومن وعدك بالخنى فعده بالنصيحة والدعاء. وأما اللواتي في العلم: فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنتا وتجربة، وإياك أن تعمل برأيك شيئا، وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلا، واهرب من الفتيا هربك من الاسد، ولا تجعل رقبتك للناس جسرا. قم عني يا أبا عبد الله ! فقد نصحت لك ولا تفسد علي وردي، فإني امرء ضنين بنفسي، والسلام على من اتبع الهدى ". 1 مر آنفا في ضمن حديث عنوان البصري. 2 لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 3 / 334 - 335، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 219 - 221. [ * ]

[ 151 ]

في نفسه، مخدوع عن دينه، ملبس عليه عاقبة أمره، وإنما مثله مثل مريض به علة لا يزيلها إلا دواء مركب من أخلاط كثيرة، لا يعرفها إلا حذاق الاطباء، فسعى في طلب الطبيب بعد أن هاجر عن وطنه حتى عثر على طبيب حاذق، فعلمه الدواء، وفصل له الاخلاط، وأنواعها ومقاديرها، ومعادنها التي منها تجلب وعلمه كيفية دق كل واحد منها، وكيفية خلطها وعجنها، فتعلم ذلك منه، وكتب منه نسخة حسنة بحسن خط، ورجع إلى بيته، وهو يكررها ويقرأها، ويعلمها المرضى، ولم يشتغل بشربها واستعمالها، أفترى أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئا ؟ ! هيهات لو كتب منه ألف نسخة، وعلمه ألف مريض حتى شفى جميعهم، وكرره كل ليلة ألف مرة لم يغنه ذلك من مرضه شيئا إلى أن يزن الذهب، ويشتري الدواء ويخلطه كما تعلم، ويشربه، ويصبر على مرارته، ويكون شربه في وقته، وبعد تقديم الاحتماء، وجميع شروطه، وإذا فعل جميع ذلك كله، فهو على خطر من شفائه، فكيف إذا لم يشربه أصلا ؟ هكذا الفقيه إذا أحكم علم الطاعات، ولم يعمل بها، وأحكم علم المعاصي الدقيقة والجليلة، ولم يجتنبها، وأحكم على الاخلاق المذمومة، وما زكى نفسه منها، وأحكم علم الاخلاق المحمودة، ولم يتصف بها، فهو مغرور في نفسه مخدوع عن دينه، إذ قال الله تعالى: قد أفلح من زكيها. 1 ولم يقل: قد أفلح من تعلم كيفية تزكيتها، وكتب علمها، وعملها الناس. وعند هذا يقول له الشيطان: لا يغرنك هذا المثال، فإن العلم بالدواء لا يزيل المرض، وأما أنت فمطلبك القرب من الله تعالى وثوابه، والعلم يجلب الثواب، ويتلو عليه الاخبار الواردة في فضائل العلم. فإن كان المسكين معتوها مغرورا وافق ذلك هواه، فاطمان إليه وأهمل، وإن كان كيسا، فيقول للشيطان: أتذكرني فضائل العلم، وتنسيني ما ورد في العالم الذي لا يعمل بعلمه، كقوله تعالى - في وصفه مشيرا إلى بلعم بن باعورا، الذي كان في حضرته اثنا عشر ألف محبرة يكتبون عنه،


1 - سورة الشمس (91): 9. [ * ]

[ 152 ]

العلم، مع ما آتاه الله من الآيات المتعددة التي كان من جملتها أنه كان بحيث إذا نظر يرى العرش 1 كما نقله جماعة من العلماء: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. 2 وقوله تعالى في وصف العالم التارك لعلمه: مثل الذين حملوا التورية ثم لم يحملوها أي لم يفعلوا الغاية المقصودة من حملها، وهو العمل بها - كمثل الحمار يحمل أسفارا 3. فأي خزي أعظم من تمثيل حاله بالكلب والحمار ؟ ! وقد قال صلى الله عليه وآله: من ازداد علما، ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا 4. وقال صلى الله عليه وآله: يلقى العالم في النار فتندلق أقتابه 5، فيدور به [ ظ: بها ] كما يدور الحمار في الرحا 6. وكقوله عليه السلام:


1 - " تفسير القرطبي " ج 7 / 319 - 321، " تفسير البحر المحيط " ج 4 / 422. 2 - سورة الاعراف (7): 176. 3 - سورة الجمعة (62): 5. 4 " إحياء علوم الدين " ج 1 / 52، ج 3 / 334، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 220، " عدة الداعي " / 65، " بحار الانوار ج 2 / 37، الحديث 5، نقلا عنه، " ميزان العمل " / 115. 5 قال في " لسان العرب " ج 1 / 661، مادة " قتب ": " القتب والقتب: المعى، أنثى، والجمع: أقتاب،... وقيل: القتب: ما تحوى من البطن، يعني استدار، وهي الحوايا، وأما الامعاء فهي الاقصاب، وفي الحديث: فتندلق أقتاب بطنه " وقال أيضا في ج 10 / 102، مادة " دلق ": " اندلق بطنه: استرخى وخرج متقدما، وطعنه فاندلقت أقتاب بطنه: خرجت أمعاؤه، وفي الحديث... يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، قال أبو عبيد: الاندلاق: خروج الشئ من مكانه، يريد خروج أمعائه من جوفه ". وقد علق محمد مصطفى عماره محقق كتاب " الترغيب والترهيب " على الحديث بقوله: " أي أمعاؤه تخرج من بطنه ويمر عليها كما يدور الحمار برحاه " (" الترغيب والترهيب " ج 1 / 124، الهامش). 6 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 334. وفي " صحيح مسلم " ج 4 / 2291، كتاب الزهد والرقائق (53)، الباب 7، و " مسند أحمد " ج 5 / 205، 207، و " الترغيب والترهيب " ج 1 / 124،، الحديث 2، و " تفسير ابن كثير " ج 1 / 90، مثله بالمعنى وتقارب اللفظ، وفي جميع هذه المصادر: " فيدور بها " بدل " فيدور به " [ * ].

[ 153 ]

شر الناس العلماء السوء 1. وقول أبي الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة، ولو شاء الله لعلمه، وويل للذي يعلم [ ولا يعمل ] 2 سبع مرات 3. أي إن العلم حجة عليه، إذ يقال له: ما ذا عملت فيما علمت ؟ وكيف قضيت شكر الله تعالى ؟ وقال صلى الله عليه وآله: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه 4. فهذا وأمثاله مما قد أسلفناه في صدر هذا الباب وغيره أكثر من أن يحصى. والذي أخبر بفضيلة العلم هو الذي اخبر بذم العلماء المقصرين في العمل بعلمهم وأن حالهم عند الله أشد من حال الجهال، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض 5. وأما علم المعرفة بالله تعالى، وما يتوقف عليه من العلوم العقلية، فمثل العالم به المهمل للعمل المضيع لامر الله تعالى وحدوده في شدة غروره، مثل من أراد خدمة ملك، فعرف الملك، وعرف أخلاقه وأوصافه ولونه وشكله وطوله وعرضه وعادته ومجلسه، ولم يتعرف ما يحبه ويكرهه ويغضب عليه، وما يرضى به، أو عرف ذلك إلا أنه قصد خدمته، وهو ملابس لجميع ما يغضب به، وعاطل عن جميع ما يحبه من زي وهيأة وحركة وسكون، فورد على الملك، وهو يريد التقرب منه والاختصاص به، متلطخا بجميع ما يكرهه الملك، عاطلا من جميع ما يحبه، متوسلا إليه بمعرفته له، ولنسبه واسمه وبلده وشكله وصورته، وعادته في سياسة غلمانه ومعاملة رعيته.


1 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 334، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 220. 2 - زيادة لازمة من المصدر، أعني " إحياء علوم الدين " وأيضا " حلية الاولياء ". 3 - " حلية الاولياء " ج 1 / 211، " إحياء علوم الدين " ج 3 / 334، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 220، " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 6. وفي " فيض القدير " ج 5 / 510: " قال أبو الدرداء: ويل لمن لا يعلم مرة وويل لمن علم ولم يعمل ألف مرة ". 4 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 3، ج 3 / 334، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 220، " مجمع الزوائد " ج 1 / 185. " كنز العمال " ج 10 / 208، الحديث 29099. 5 - سورة البقرة (2): 85. [ * ]

[ 154 ]

بل هذا مثال العالم بالقسمين معا، التارك لما يعرفه، وهو عين الغرور، فلو ترك هذا العالم جميع ما عرفه، واشتغل بأدنى معرفته وبمعرفة ما يحبه ويكرهه، لكان ذلك أقرب إلى نيله المراد من قربته والاختصاص به. بل تقصيره في العمل، واتباعه للشهوات يدل على أنه لم ينكشف له من المعرفة إلا الاسامي دون المعاني، إذ لو عرف الله حق معرفته لخشيه واتقاه، كما نبه الله عليه بقوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء 1. ولا يتصور أن يعرف الاسد عاقل، ثم لا يتقيه ولا يخافه، وقد أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: خفني كما تخاف السبع الضاري 2. نعم من يعرف من الاسد لونه وشكله واسمه قد لا يخافه، وكأنه ما عرف الاسد. وفي فاتحة الزبور: رأس الحكمة خشية الله تعالى 3. فصل [ 2 ] [ في الغرور في طلب العلم والمغترين من أهل العلم ] وللعالم في تقصيره في العمل بعد أخذه بظواهر الشريعة، واستعمال ما دونه الفقهاء من الصلاة الصيام والدعاء وتلاوة القرآن، وغيرها من العبادات ضروب أخر، فإن الاعمال الواجبة عليه، فضلا عن غير الواجبة، غير منحصرة فيما ذكر، بل من الخارج عن الابواب التي رتبها الفقهاء ما هو أهم، ومعرفته أوجب والمطالبة به


1 - سورة فاطر (35): 28. 2 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 335، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 221. 3 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 335، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 221. وفي " كتاب من لا يحضره الفقيه " ج 4 / 272، باب النوادر، وهو آخر أبواب الكتاب، الحديث 828، عن النبي صلى الله عليه وآله: " رأس الحكمة مخافة الله عزوجل " [ * ].

[ 155 ]

والمناقشة عليه أعظم، وهو تطهير النفس عن الرذائل الخلقية: من الكبر والرئاء والحسد والحقد، وغيرها من الرذائل المهلكات، مما هو مقرر في علوم تختص به، وحراسة اللسان عن الغيبة والنميمة، وكلام ذي اللسانين، وذكر عيوب المسلمين وغيرها. وكذا القول في سائر الجوارح، فإن لها أحكاما تخصها وذنوبا مقررة في محالها، لابد لكل أحد من تعلمها وامتثال حكمها، وهي تكليفات لا توجد في كتاب البيوع والاجارات وغيرها من كتب الفقه، بل لابد من الرجوع فيها إلى علماء الحقيقة العاملين، وكتبهم المدونة في ذلك. وما أعظم اغترار العالم بالله تعالى في رضاه بالعلوم الرسمية، وإغفاله إصلاح نفسه وإرضاء ربه تبارك وتعالى. وغرور من هذا شأنه يظهر لك من حيث العلم ومن حيث العمل: 1 أما العمل، فقد ذكرنا وجه الغرور فيه، وأن مثاله مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء، واشتغل بتكراره وتعليمه، لابل مثاله مثال من به علة البواسير والبرسام، وهو مشرف على الهلاك، محتاج إلى تعلم الدواء واستعماله، فاشتغل بتعلم دواء الاستحاضة، وتكرار ذلك ليلا ونهارا، مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحيض، ولكنه يقول: ربما يقع علة الاستحاضة لامرأة، وتسألني عنه، وذلك غاية الغرور، حيث ترك تعلم الدواء النافع لعلته مع استعماله، ويشتغل بما ذكرناه. كذلك المتفقه المسكين، قد تسلط عليه اتباع الشهوات، والاخلاد إلى الارض 2، والحسد والرئاء والغضب والبغضاء والعجب بالاعمال التي يظنها من الصالحات، ولو فتش عن باطنها وجدها من المعاصي الواضحات، فليلتفت إلى قوله صلى الله عليه وآله:


1 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 3 / 338 - 339. 2 - تعبير لطيف مستفاد من الآية 176 من سورة الاعراف (7): "... ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هويه... ". [ * ].

[ 156 ]

أدنى الرئاء الشرك. 1 وإلى قوله صلى الله عليه وآله: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر 2. وإلى قوله صلى الله عليه وآله: الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب 3. وإلى قوله صلى الله عليه وآله: حب المال والشرف ينبتان النفاق كما ينبت الماء البقل 4. إلى غير ذلك من الاخبار المدونة في أبواب هذه المهلكات. وكذلك يترك استعمال الدواء لسائر المهلكات الباطنة، وربما يختطفه الموت قبل التوبة والتلافي، فيلقى الله وهو عليه غضبان، فترك ذلك كله، واشتغل بعلم النحو وتصريف الكلمات والمنطق وبحث الدلالات وفقه الحيض والاستحاضات والسلم والاجارات واللعان والجراحات والدعاوي والبينات والقصاص والديات، ولا يحتاج إلى شئ من ذلك في مدة عمره إلا نادرا، وإن احتاج إليه أو احتاج إليه غيره فهو من فروض الكفايات، وغفل مع ذلك من العلوم التي هي فرض عيني بإجماع المسلمين. فغاية تلك العلوم إذا قصد بها وجه الله تعالى العظيم، وثوابه الجسيم أنها فرض كفاية، ومرتبة فرض الكفاية بعد تحصيل فرض العين، فلو كان غرض هذا الفقيه العالم بعلمه وجه الله تعالى، لا شتغل في ترتيب العلوم بالاهم فالاهم، والانفع فالانفع، فهو إما غافل مغرور، وإما مراء في دينه مخدوع، طالب للرئاسة


1 - " المستدرك على الصحيحين " ج 3 / 270، " إحياء علوم الدين " ج 3 / 335، وفيهما: " شرك " بدل " الشرك ". 2 - " صحيح مسلم " ج 1 / 94، كتاب الايمان، الباب 40، " إحياء علوم الدين " ج 3 / 335. 3 - " الترغيب والترهيب " ج 3 / 547، " إحياء علوم الدين " ج 3 / 335، " الجامع الصغير " ج 1 / 151، حرف الحاء، " روضة الواعظين " ج 2 / 424. 4 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 200، 241، 335. " تنبيه الخواطر " ج 1 / 155، 256. قال العراقي في " المغني " ج 3 / 200، المطبوع بهامش " الاحياء ": " حديث حب المال و... لم أجده بهذا اللفظ " [ * ].

[ 157 ]

والاستعلاء، والجاه والمال، فيجب عليه التنبيه لدواء إحدى العلتين قبل أن تقوى عليه وتهلكه. وليعلم من ذلك أيضا أن مجرد تعلم هذه المسائل المدونة ليس هو الفقه عند الله تعالى وإنما الفقه عن الله 1 تعالى بإدراك جلاله وعظمته، وهو العلم الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع، ويحمل على التقوى، ومعرفة الصفات المخوفة فيجتنبها، والمحمودة فيرتكبها، ويستشعر الخوف ويستثير الحزن، كما نبه الله تعالى عليه في كتابه بقوله: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين وليندروا قومهم إذا رجعوا إليهم 2. والذي يحصل به الانذار غير هذا العلم المدون، فإن مقصود هذا العلم حفظ الاموال بشروط المعاملات، وحفظ الابدان بالاموال وبدفع القتل والجراحات، والمال في طريق الله آلة، والبدن مركب، وإنما العلم المهم هو معرفة سلوك الطريق إلى الله تعالى، وقطع عقبات القلب التي هي الصفات المدمومة، وهي الحجاب بين العبد وبين الله تعالى، فإذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن الله تعالى، ومن ثم كان العلم موجبا للخشية، بل هي منحصرة في العالم كما نبه عليه تعالى بقوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء 3. أعم من أن يكونوا فقهاء أو غير فقهاء. ومثال هذا الفقيه في الاقتصار على علم الفقه المتعارف مثال من اقتصر من سلوك طريق الحج على علم الخرز 4 الرواية والخف، ولا شك أنه لو لم يكن لتعطل


1 - كذا في أكثر النسخ ونسخة " ة " ولكن في بعضها " عند الله " بدل " عن الله ". قال الغزالي في " إحياء علوم الدين " ج 3 / 339: "... وترك علم تهذيب الاخلاق وترك الفقه عن الله تعالى بإدراك جلاله وعظمته وهو العلم الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع ويحمل على التقوى... وسبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفقه ولم يدر أن ذلك الفقه هو الفقه عن الله ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى... ". 2 - سورة التوبة (9): 122. 3 - سورة فاطر (35): 28. 4 - " خرزت الجلد خرزا، من باب ضرب وقتل، وهو كالخياطة في الثياب. والخرز معروف، الواحدة: خرزة مثل [ * ].

[ 158 ]

الحج، ولكن المقتصر عليه ليس من الحاج في شئ. كذلك هذا الرجل لو لم يتعلم هذه العلوم لتعطلت معرفة الاحكام، إلا أنها ليست المنجية بنفسها، كما حررناه بل هي مقدمة للمقصد الذاتي. وإذا كان هذا مثال حال الفقيه العارف بشرع الله ورسوله وأئمته ومعالم دين الله، فكيف حال من يصرف عمره في معرفة عالم الكون والفساد الذي مآله محض الفساد، والاشتغال بمعرفة الوجود، وهل هو نفس الموجودات أو زائد عليها أو مشترك بينها، أو غير ذلك من المطالب التي لا ثمرة لها، بل لم يحصل لهم حقيقة ما طلبوا معرفته فضلا عن غيره. وإنما مثالهم في ذلك مثال ملك اتخذ عبيدا، وأمرهم بدخول داره والاشتغال بخدمته وتكميل نفوسهم فيما يوجب الزلفى لدى حضرته واجتناب ما يبعد من جهته، فلما أدخلهم داره ليشتغلوا بما أمرهم به أخذوا ينظرون إلى جدران داره وأرضها وسقفها حتى صرفوا عمرهم في ذلك النظر وماتوا، ولم يعرفوا ما أراد منهم في تلك الدار، فكيف ترى حالهم عند سيدهم المنعم عليهم المسدي جليل إحسانه إليهم مع هذا الاهمال العظيم لطاعته، بل الانهماك الفظيع في معصيته ؟ ! واعلم 1 أن مثال هؤلاء أجمع مثال بيت مظلم باطنه، وضع السراج على سطحه حتى استنار ظاهره، بل مثال بئر الحش 2، ظاهرها جص، وباطنها نتن، أو كقبور الموتى ظاهرها مزينة وباطنها جيفة، وكمثال رجل قصد ضيافة الملك إلى داره فجصص باب داره، وترك المزابل في صدر داره، وذلك غرور واضح جلي. بل أقرب مثال إليه: رجل زرع زرعا فنبت، ونبت معه حشيش يفسده، فأمر بتنقية الزرع عن الحشيش بقلعه من أصله، فأخذ يجز رأسه ويقطعه، فلا يزال يقوى أصله


قصب وقصبة، وخرز الظهر: فقاره. " (" المصباح المنير " / 200، " خرز "). 1 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 3 / 335 - 336. 2 - " الحش: موضع قضاء الحاجة " راجع " المصباح المنير " / 165 - 166، و " لسان العرب " ج 6 / 286، " حشش ". [ * ]

[ 159 ]

وينبت، لان مغارس النقائص ومنابت الرذائل هي الاخلاق الذميمة في القلب، فمن لا يطهر القلب منها لم تتم له الطاعات الظاهرة إلى مع الآفات الكثيرة. بل كمريض ظهر به الجرب، وقد أمر بالطلاء وشرب الدواء: أما الطلاء ليزيل ما على ظاهره، والدواء ليقلع ما دته من باطنه، فقنع بالطلاء وترك الدواء، وبقي يتناول ما يزيد في المادة، فلا يزال يطلي الظاهر، والجرب دائما يتزايد في الباطن إلى أن أهلكه. نسأل الله تعالى أن يصلحنا لانفسنا، ويبصرنا بعيوبنا، وينفعنا بما علمنا ولا يجعله حجة علينا، فإن ذلك بيده، وهو أرحم الراحمين. فصل [ 3 ] ولكن واحد منهما شرائط متعددة، ووظائف متبددة بعد هذين 1 إلا أنها بأسرها ترجع إلى الثاني - أعني استعمال العلم - فإن العلم متناول لمكارم الاخلاق وحميد الافعال، والتنزه عن مساوئها، فإذا استعمله على وجهه أوصله إلى كل خير يمكن طلبه، وأبعده عن كل دنية تشينه. [ في التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه ] فمما يلزم كل واحد منهما - بعد تطهير نفسه من الرذائل المذكورة وغيرها - توجيه نفسه إلى الله تعالى والاعتماد عليه في أموره وتلقي الفيض الالهي من عنده فإن العلم - كما تقدم من كلام الصادق عليه السلام 2 - ليس بكثرة التعلم، وإنما هو نور من الله تعالى، ينزله على من يريد أن يهديه.


1 - يعني الامر الاول والثاني، وهما إخلاص النية واستعمال العلم. 2 - في الامر الثاني من القسم الاول من النوع الاول، ص 149 [ * ].

[ 160 ]

وأن يتوكل عليه ويفوض أمره إليه، ولا يعتمد على الاسباب فيوكل إليها وتكون وبالا عليه، ولا على أحد من خلق الله تعالى، بل يلقي مقاليد أمره إلى الله تعالى في أمره ورزقه وغيرهما، يظهر عليه حينئذ من نفحات قدسه، ولحظات أنسه ما يقوم به أوده 1، ويحصل مطلبه، ويصلح به أمره. وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله: أن الله تعالى قد تكفل لطالب العلم برزقه خاصة عما ضمنه لغيره 2. بمعنى أن غيره يحتاج إلى السعي على الرزق حتى يحصل غالبا وطالب العلم لا يكلفه بذلك بل بالطلب، وكفاه مؤونة الرزق إن أحسن النية، وأخلص العزيمة. وعندي في ذلك من الوقائع والدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله من حسن صنع الله تعالى بي وجميل معونته منذ اشتغلت بالعلم، وهو مبادئ عشر الثلاثين وتسع - مائة إلى يومي هذا، وهو منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وتسع مائة. وبالجملة فليس الخبر كالعيان. وروى شيخنا المتقدم محمد بن يعقوب الكليني قدس الله روحه بإسناده إلى الحسين بن علوان قال: كنا في مجلس نطلب فيه العلم، وقد نفدت نفقتي في بعض الاسفار، فقال لي بعض أصحابنا: من تؤمل لما قد نزل بك ؟ فقلت: فلانا، فقال: إذن والله لا تسعف حاجتك، ولا يبلغك أملك، ولا تنجح طلبتك. قلت: وما علمك رحمك الله ؟ قال: إن أبا عبد الله عليه السلام حدثني أنه قرأ في بعض الكتب: أن الله تبارك وتعالى يقول: وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي لاقطعن أمل كل مؤمل غيري باليأس، ولاكسونه ثوب المذلة عند الناس، ولانحينه من قربي،


1 - " فيه أود، أي عوج " (" أساس البلاغة " / 12، " أود "). 2 " الجامع الصغير " ج 2 / 175، حرف الميم، " كنز العمال " ج 10 / 139، الحديث 28701، وفيهما: " من طلب العلم تكفل الله برزقه " وفي " إحياء علوم الدين " ج 1 / 6، و " تعليم المتعلم " / 20: " من تفقه في دين الله كفاه الله تعالى ما أهمه ورزقه من حيث لا يحتسب ". [ * ]

[ 161 ]

ولابعدنه من وصلي، أيؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي، ويرجو غيري ويقرع بالفكر باب غيري ؟ ! وبيدي مفاتيح الابواب وهي مغلقه، وبابي مفتوح لمن دعاني، فمن الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها ؟ ! ومن الذي رجاني لعظيمة فقطت رجاءه مني ؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة، فلم يرضوا بحفظي، وملات سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي، وأمرتهم أن لا يغلقوا الابواب بيني وبين عبادي، فلم يثقوا بقولي، ألم يعلم من طرقته نائبه من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري، إلا من بعد إذني، فمالي أراه لاهيا عني ؟ ! أعطيته بجودي ما لم يسألني، ثم انتزعته عنه، فلم يسألني رده، وسأل غيري ! أفيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة، ثم أسأل فلا أجيب سائلي ؟ ! أبخيل أنا فيبخلني عبدي ؟ ! أو ليس الجود والكرم لي ؟ أو ليس العفو والرحمة بيدي ؟ أو ليس أنا محل الآمال ؟ فمن يقطعها دوني ؟ أفلا يخشى المؤملون أن يوملوا غيري ؟ فلو أن أهل سماواتي وأهل أرضي أملوا جميعا، ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة، وكيف ينقص ملك أنا قيمه ؟ فيابوسا للقانطين من رحمتي، ويابؤسا لمن عصاني ولم يراقبني 1. ورواه الشيخ المبرور 2 رحمة الله عليه بسند آخر عن سعيد بن عبد الرحمن، وفي آخره: فقلت يا ابن رسول الله أمل علي. فأملاه علي، فقلت: لا والله ما أسأله حاجة بعدها 3. أقول: ناهيك بهذا الكلام الجليل الساطع نوره من مطالع النبوة على أفق الامامة من الجانب القدسي حاثا على التوكل على الله تعالى، وتفويض الامر إليه والاعتماد في جميع المهمات عليه، فما عليه مزيد من جوامع الكلام في هذا المقام.


1 - " الكافي " ج 2 / 66 - 67، كتاب الايمان والكفر، باب التفويض إلى الله والتوكل عليه، الحديث 7. 2 - يعني الشيخ الكليني قدس سره. 3 - " الكافي " ج 2 / 67، كتاب الايمان والكفر، باب التفويض إلى الله والتوكل عليه، الحديث 8 [ * ].

[ 162 ]

وهذا هو الامر الثالث من الآداب. والرابع: حسن الخلق زيادة على غيرهما 1 من الناس والتواضع وتمام الرفق وبذل الوسع في تكميل النفس. روى معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين، فيذهب باطلكم بحقكم 2. وروى الحلبي في الصحيح 3 عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمه الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه في غيره، ألا لاخير في علم ليس فيه تفهم، ألا لاخير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر. 4 واعلم أن المتلبس بالعلم منظور إليه، ومتأسي بفعله وقوله وهيأته، فإذا حسن سمته، وصلحت أحواله وتواضعت نفسه، وأخلص لله تعالى عمله، وانتقلت أوصافه إلى غيره من الرعية، وفشا الخير فيهم، وانتظمت أحوالهم، ومتى لم يكن كذلك كان الناس دونه في المرتبة التي هو عليها فضلا عن مساواته، فكان مع فساد نفسه منشأ لفساد النوع وخلله. وناهيك بذلك ذنبا وطردا عن الحق وبعدا. ويا ليته إذا هلك انقطع عمله، وبطل وزره، بل هو باق ما بقي من تأسى به واستن بسنته. وقد قال بعض العارفين: إن عامة الناس أبدا دون المتلبس بالعلم


1 - يعني المعلم والمتعلم. 2 - " الكافي " ج 1 / 36، كتاب فضل العلم، باب صفه العلماء، الحديث 1. 3 - أي في الخبر الصحيح كما لا يخفى على من له أدنى دربة، ولقد توهم بعض مترجمي " منية المريد " بالفارسية توهما فاسدا، فقال: " يعني في الخبر الصحيح أو الكتاب الصحيح " ! وهذا لعمري غلط فاحش وزلل فاضح وخطأ واضح، لا ينبغي أن يصدر ممن يتصدى لترجمة " منية المريد ". 4 - " الكافي " ج 1 / 36، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 3، وفيه: " رغبة عنه إلى غيره " بدل " رغبة في غيره ". [ * ]

[ 163 ]

بمرتبة، فإذا كان ورعا تقيا صالحا تلبست العامة بالمباحات، وإذا اشتغل بالمباح تلبست العامة بالشبهات، فإن دخل في الشبهات تعلق العامي بالحرام فإن تناول الحرام كفر العامي 1. وكفى شاهدا على صدق هذه العيان وعدول الوجدان، فضلا عن نقل الاعيان، الخامس: أن يكون عفيف النفس عالي الهمة منقبضا عن الملوك وأهل الدنيا، لا يدخل إليهم طمعا ما وجد إلى الفرار منهم سبيلا، صيانة للعم عما صانه السلف. فمن فعل ذلك، فقد عرض نفسه وخان أمانته، وكثيرا ما يثمر عدم الوصول إلى البغية، وإن وصل إلى بعضها لم يكن حاله كحال المتعفف المنقبض، وشاهده مع النقل الوجدان. قال بعض الفضلاء لبعض الابدال: ما بال كبراء زماننا وملوكها لا يقبلون منا، ولا يجدون للعلم مقدارا، وقد كانوا في سالف الزمان بخلاف ذلك ؟ فقال: إن علماء ذلك الزمان كان يأتيهم الملوك والاكابر وأهل الدنيا، فيبذلون لهم دنياهم ويلتمسون منهم علمهم، فيبالغون في دفعهم ورد منتهم عنهم، فصغرت الدنيا في أعين أهلها وعظم قدر العلم عندهم، نظرا منهم إلى أن العلم لولا جلالته ونفاسته ما آثره هؤلاء الفضلاء على الدنيا، ولولا حقارة الدنيا وانحطاطها لما تركوها رغبة عنها. ولما أقبل علماء زماننا على الملوك وأبناء الدنيا وبذلوا لهم علمهم التماسا لدنياهم، عظمت الدنيا في أعينهم، وصغر العلم لديهم لعين ما تقدم 2. وقد سمعت جملة من الاخبار في ذلك سابقا، كقول النبي صلى الله عليه وآله:


1 - " تفسير الرازي " ج 2 / 185. 2 - " أخلاق العلماء " / 100، وفيه "... سمعت وهب بن منبه يقول لعطاء الخراساني: كان العلماء قبلنا استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إلى دنياهم فكان أهل الدنيا يبذلون لهم دنياهم رغبة في علمهم فأصبح أهل العلم منا اليوم يبذلون لاهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم، فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم " وعلى هذا فلعل مراد المؤلف من بعض العلماء عطاء الخراساني ومن بعض الابدال وهب بن منبه، وجاء نظير هذا الكلام في " سنن الدارمي " ج 1 / 155. وانظر أيضا " أخلاق العلماء " / 100، و " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 229، 231، و " البيان والتبيين " / 453. [ * ].

[ 164 ]

الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله ! وما دخولهم في الدنيا، قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم 1. وغيره من الاحاديث. واعلم أن القدر المذموم من ذلك ليس هو مجرد اتباع السلطان كيف اتفق، بل اتباعه ليكون توطئة له ووسيلة إلى ارتفاع الشأن، والترفع على الاقران وعظم الجاه والمقدار وحب الدنيا والرئاسة ونحو ذلك، أما لو اتبعه ليجعله وصلة إلى إقامة نظام النوع إعلاء كلمة الدين وترويج الحق وقمع أهل البدع والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك، فهو من أفضل الاعمال فضلا عن كونه مرخصا، وبهذا يجمع بين ما ورد من الذم وما ورد أيضا من الترخيص في ذلك 2، بل من فعل جماعة من الاعيان كعلي بن يقطين وعبد الله النجاشي وأبي القاسم بن روح أحد الابواب الشريفة ومحمد بن إسماعيل بن بزيع ونوح بن دراج 3، وغيرهم من أصحاب الائمة، ومن الفقهاء مثل السيدين الاجلين المرتضى والرضي وأبيهما والخواجه نصير الدين الطوسي، والعلامة بحر العلوم جمال الدين ابن المطهر وغيرهم. وقد روى محمد بن إسماعيل بن بزيع - وهو الثقة الصدوق - عن الرضا عليه السلام أنه قال: إن لله تعالى بأبواب الظالمين من نور الله به البرهان ومكن له في البلاد، ليدفع بهم عن أوليائه ويصلح الله به أمور المسلمين، لانه ملجأ المؤمنين من الضرر، وإليه يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، بهم يؤمن الله روعه المؤمن في دار الظلمة، أولئك المؤمنون حقا، أولئك أمناء الله في أرضه، أولئك نور الله تعالى في رعيتهم يوم القيامة،


1 - " الكافي " ج 1 / 46، كتاب فصل العلم، باب المستاكل بعلمه والمباهي به، الحديث 5، " بحار الانوار " ج 2 / 36. الحديث 38، نقلا عن " نوادر الراوندي ". 2 - مر آنفا بعض ما ورد من الذم، ويأتي بعيد هذا بعض ما ورد من الترخيص في ذلك. 3 - انظر ترجمة هولاء الرواة الاعاظم في " معجم رجال الحديث " ج 12 / 227 - 240، وج 10 / 358 - 362، وج 5 / 236، وج 15 / 95 - 102، وج 19 / 179 - 181، وانظر أيضا " رجال النجاشي " / 273، و 102. وللاطلاع على ترجمة وتاريخ حياة أبي القاسم بن روح راجع " الغيبة " / 223 - 241. [ * ]

[ 165 ]

ويزهر نورهم لاهل السماوات، كما تزهر الكواكب الزهرية لاهل الارض، أولئك من نورهم نور القيامة تضئ منهم القيامة، خلقوا والله للجنة وخلقت الجنة لهم، فهنيئا لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله. قال، قلت: بماذا جعلني الله فداك ؟ قال: تكون معهم فتسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمد 1. واعلم أن هذا ثواب كريم لكنه موضع الخطر الوخيم والغرور العظيم، فإن زهرة الدنيا وحب الرئاسة والاستعلاء، إذا نبتا في القلب عليه كثيرا من طرق الصواب والمقاصد الصحيحة الموجبة للثواب، فلا بد من التيقظ في هذا الباب 2. السادس: 3 أن يحافظ على القيام بشعائر الاسلام وظواهر الاحكام، كإقامة الصلوات في مساجد الجماعات محافظا على شريف الاوقات، وإفشاء السلام للخاص والعام مبتدئا ومجيبا، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الاذى بسبب ذلك، صادعا بالحق باذلا نفسه لله لا يخاف لومة لائم متسأسيا في ذلك بالنبي صلى الله عليه وآله وغيره من الانبياء، متذكرا ما نزل بهم المحن عند القيام بأوامر الله تعالى. ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها، فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع، وهم حجة الله تعالى على العوام. وقد يراقبهم للاخذ منهم من لا ينظرون إليه، ويقتدي بهم من لا يعلمون به. وإذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به، ولهذا عظمت زلة العالم لما يترتب


1 - " رجال النجاشي " / 331 - 332، في ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع، مع اختلاف يسير جدا في بعض الالفاظ، منها: " الكواكب الدرية " بدل " الكواكب الزهوية ". 2 - قال المحدث الجزائري، رحمه الله، في " الانوار النعمانية " ج 3 / 342: "... ومن هذا بعد عنه العلماء الاعلام، وقد حدثني أوثق مشايخي أن السيد الجليل محمد صاحب " المدارك " والشيخ المحقق حسن صاحب " المعالم " قد تركا زيارة المشهد الرضوي على ساكنه أفضل الصلوات، خوفا من أن يكلفهم الشاه عباس الاول بالدخول عليه... ولم يأتيا إلى بلاد العجم احترازا من ذلك المذكور ". 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 20 - 21، 23 - 24. [ * ]

[ 166 ]

عليها من المفاسد. ويتخلق بالمحاسن التي ورد بها الشرع وحث عليها، والخلال 1 الحميدة والشيم المرضية: من السخاء والجود، وطلاقة الوجه من غير خروج عن الاعتدال، وكظم الغيظ، وكف الاذى واحتماله، والصبر والمروة، والتنزه عن دني الاكتساب، والايثار وترك الاستيثار، والانصاف وترك الاستنصاف، وشكر المفضل 2، والسعي في قضاء الحاجات وبذل الجاه والشفاعات، والتلطف بالفقراء، والتحبب إلى الجيران والاقرباء، والاحسان إلى ما ملكت الايمان، ومجانبة الاكثار من الضحك والمزاح، والتزام الخوف والحزن والانكسار والاطراق والصمت بحيث يظهر أثر الخشية على هيأته وسيرته وحركته وسكونه ونطقه وسكوته. لا ينظر إليه ناظر إلا وكان نظره مذكرا لله تعالى، وصورته دليلا على علمه. وملازمة الآداب الشرعية القولية والفعلية الظاهرة والخفية. كتلاوة القرآن متفكرا في معانيه، ممتثلا لاوامره، منزجرا عند زواجره، واقفا عند وعده ووعيده، قائما بوظائفه وحدوده، وذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وكذلك ما ورد من الدعوات، والاذكار في آناء الليل والنهار ونوافل العبادات من الصلاة والصيام وحج البيت الحرام، ولا يقتصر من العبادات على مجرد العلم، فيقسو قلبه ويظلم نوره كما تقدم التنبيه عليه 3. وزيادة التنظيف بإزالة الاوساخ، وقص الاظفار وإزالة الشعور المطلوب زوالها، واجتناب الروائح الكريهة، وتسريح اللحية، مجتهدا في الاقتداء بالسنة الشريفة، والاخلاق الحميدة المنيفة.


1 - " الخلة: مثل الخصلة وزنا ومعنى، والجمع: خلال " (" المصباح المنير " / 216، " خلل "). 2 - هكذا في النسخ، ولكن في " تذكرة السامع " / 23: " شكر التفضل " بدل " شكر المفضل ". والمفضل اسم فاعل من أفضل عليه، أي أحسن إليه. 3 - لعله يريد التنبيه على لزوم العمل واستعمال العلم، وقد تقدم في الامر الثاني من القسم الاول من النوع الاول من هذا الباب، ص 159 146. [ * ]

[ 167 ]

ويطهر نفسه من مساؤى الاخلاق وذميم الاوصاف: من الحسد والرئاء والعجب واحتقار الناس، وإن كانوا دونه بدرجات، والغل والبغي والغضب لغير الله، والغش والبخل والخبث والبطر والطمع والفخر والخيلاء والتنافس في الدنيا والمباهاة بها والمداهنة والتزين للناس وحب المدح بما لم يفعل، والعمى عن عيوب النفس والاشتغال عنها بعيوب الناس، والحمية والعصبية لغير الله، والرغبة والرهبة لغيره، والغيبة والنميمة والبهتان والكذب والفحش في القول. ولهذه الاوصاف تفصيل وأدوية وترغيب وترهيب، محرر في مواضع تخصه، والغرض من ذكرها هنا تنبيه العالم والمتعلم على أصولها، ليتنبه لها ارتكابا واجتنابا على الجملة، وهي وإن اشتركت بين الجميع، إلا أنها بهما أولى، فلذلك جعلناها من وظائفهما، لان العلم كما قال بعض الاكابر 1 عبادة القلب وعمارته وصلاة السر، وكما لا تصح الصلاة - التي هي وظيفة الجوارح - إلا بعد تطهيرها من الاحداث والاخباث، فكذلك لا تصح عبادة الباطن إلا بعد تطهيره من خبائث الاخلاق. ونور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب المنجس بالكدورات النفسية والاخلاق الذميمة، كما قال الصادق عليه السلام: ليس العلم بكثرة التعلم، وإنما هو نور يقذفه الله تعالى في قلب من يريد الله أن يهديه 2. ونحوه قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم نور يقذف في القلب 3. وبهذا يعلم أن العلم ليس هو مجرد استحضار المعلومات الخاصة، وإن كانت هي العلم في العرف العامي، وإنما هو النور المذكور الناشئ من ذلك العلم


1 - هو الغزالي في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 43. 2 - تقدم في الامر الثاني من القسم الاول من النوع الاول من هذا الباب ص 149. 3 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 44. [ * ]

[ 168 ]

الموجب للبصيرة والخشيه لله تعالى كما تقدم تقريره 1. فهذه جملة الوظائف المشتركة بينهما، وأكثرها راجع إلى استعمال العلم إلا أنا أفردناها عنه اهتماما بشأنها وتنبيها على أصول الفضائل.


1 - في الامر الثاني من القسم الاول من النوع الاول من هذا الباب، ص 154 - 159. [ * ]

[ 169 ]

القسم الثاني آدابهما في درسهما واشتغالهما وهي أمور: الاول: أن لا يزال كل منهما مجتهدا في الاشتغال قراءة ومطالعة وتعليقا ومباحثة ومذاكرة وفكرا وحفظا وإقراء 1 وغيرها، وأن تكون ملازمة الاشتغال بالعلم هي مطلوبه ورأس ماله، فلا يشتغل بغيره من الامور الدنيوية مع الامكان، وبدونه يقتصر منه على قدر الضرورة. وليكن بعد قضاء وظيفته من العلم بحسب أوراده، ومن هنا قيل: أعط العلم كلك يعطك بعضه 2. وعن أبي عبد الله عليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل يقول: تذاكر العلم بين عبادي مما تحيا عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى أمري 3. وعن الباقر عليه السلام: رحم الله عبدا أحيا العلم. فقيل: وما إحياؤه ؟ قال: أن يذاكر به أهل الدين والورع 4. وعنه عليه السلام:


1 - " إذا قرأ الرجل القرآن والحديث على النسخ، يقول: أقرأني فلان، أي حملني على أن أقرأ عليه " (" لسان العرب " ج 1 / 130، " قرأ "). 2 في " محاضرات الادباء " ج 1 / 50: " قال الخليل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك " ومثله في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 44، و " ميزان العمل " / 116، ونسبه إلى القيل، 3 " الكافي " ج 1 / 40 - 41، كتاب فضل العلم، باب سؤال العالم وتذاكره، الحديث 6. 4 " الكافي " ج 1 / 41، كتاب فضل العلم، باب سؤال العالم وتذاكره، الحديث 7. [ * ]

[ 170 ]

تذاكر العلم دراسة، والدراسة صلاة حسنة 1. الثاني: أن لا يسأل أحدا تعنتا وتعجيزا، بل سؤال متعلم لله أو معلم له منبه على الخير، قاصد للارشاد أو الاسترشاد، فهناك تظهر زبدة التعليم والتعلم وتثمر شجرته، فأما إذا قصد مجرد المراء والجدل، وأحب ظهور الفلج والغلبة فإن ذلك يثمر في النفس ملكة ردية وسجية خبيثة، ومع ذلك يستوجب المقت من الله تعالى. وفيه مع ذلك عدة معاصي: كإيذاء المخاطب وتجهيل له وطعن فيه، وثناء على النفس وتزكية لها، وهذه كلها ذنوب مؤكدة، وعيوب منهي عنها في محالها من السنة المطهرة، وهو مع ذلك مشوش للعيش، فإنك لا تماري سفيها إلا ويؤذيك، ولا حليما إلا ويقليك. وقد أكد الله سبحانه على لسان نبيه وأئمته عليهم السلام تحريم المراء، قال النبي صلى الله عليه وآله: لا تمار أخاك، ولا تمازحة، ولا تعده موعدا فتخلفه 2. وقال صلى الله عليه وآله: ذروا المراء، فإنه لا تفهم حكمته، ولا تؤمن فتنته 3. وقال صلى الله عليه وآله: من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة 4. وعن ام سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أول ما عهد إلي ربي، ونهاني عنه - بعد عبادة الاوثان وشرب الخمر - ملاحاة الرجال 5.


1 - " الكافي " ج 1 / 41، كتاب فصل العلم، باب سؤال العالم وتذاكره، الحديث 9. 2 - " إحياء علوم الدين " ج 2 / 159، ج 3 / 100، " سنن الترمذي " ج 4 / 359، كتاب البر والصلة (28)، الباب 58، الحديث 1995، " عوالي اللآلي " ج 1 / 190، " الاذكار " / 290. 3 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 100. 4 - " إحياء علوم الدين " ج 2 / 158، ج 3 / 100. 5 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 100، ونظيره في " أمالي الصدوق " / 339، و " بحار الانوار " ج 2 / 127، الحديث 4، [ * ]

[ 171 ]

وقال صلى الله عليه وآله: ما ضل قوم [ بعد أن هداهم الله 1 ] إلا أوتوا الجدل 2. وقال صلى الله عليه وآله: لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى يدع المراء وإن كان محقا 3. وقال الصادق عليه السلام: المراء داء دوي، وليس في الانسان خصلة شر منه، وهو خلق أربليس ونسبته، فلا يماري في أي حال كان إلا من كان جاهلا بنفسه وبغيره، محروما من حقائق الدين 4. وروي أن رجلا قال للحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام: اجلس حتى نتناظر في الدين. فقال: يا هذا أنا بصير بديني مكشوف علي هداي، فإن كنت جاهلا بدينك فاذهب فاطلبه، مالي وللمماراة ؟ وإن الشيطان ليوسوس للرجل ويناجيه ويقول: ناظر الناس لئلا يظنوا بك العجز والجهل. ثم المراء لا يخلو من أربعة أوجه: إما أن تتمارى أنت وصاحبك فيما تعلمان، فقد تركتما بذلك النصيحة، وطلبتما الفضيحة، وأضعتما ذلك العلم، أو تجهلانه، فأظهرتما جهلا وخاصمتما جهلا، وإما تعلمه أنت فظلمت صاحبك بطلب عثرته، أو يعلمه صاحبك فتركت حرمته، ولم تنزله منزلته. وهذا كله محال، فمن أنصف وقبل الحق وترك المماراة، فقد أوثق إيمانه


نقلا عنه، عن أبي عبد الله عن رسول الله، سلام الله عليهما. 1 - زيادة من المصدر، أعني " إحياء علوم الدين " ج 1 / 37. 2 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 37، ج 3 / 100، " مسند أحمد " ج 5 / 252، " سنن الترمذي " ج 5 / 379، كتاب تفسير القرآن (48)، الباب 45، الحديث 3253، " سنن ابن ماجة " ج 1 / 19، المقدمة، الباب 7، الحديث 48. " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 230 - 231، وفي هذه المصادر الاربعة: " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه... "، وفي " إحياء علوم الدين ": "... بعد أن هداهم الله ". 3 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 100. 4 - " مصباح الشريعة " / 199، " بحار الانوار " ج 2 / 134، الحديث 31، نقلا عنه. [ * ]

[ 172 ]

وأحسن صحبة دينه وصان عقله 1. هذا كله 2 من كلام الصادق عليه السلام. واعلم 3 أن حقيقة المراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه لفظا أو معنى أو قصدا، لغير غرض ديني أمر الله به، وترك المراء يحصل بترك الانكار والاعتراض بكل كلام يسمعه، فإن كان حقا وجب التصديق به بالقلب وإظهار صدقه حيث يطلب منه، وإن كان باطلا ولم يكن متعلقا بأمور الدين، فاسكت عنه ما لم يتمحض النهي عن المنكر بشروطه. والطعن في كلام الغير إما في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو اللغة أو جهة النظم والترتيب بسبب قصور المعرفة أو طغيان اللسان، وإما في المعنى بأن يقول: ليس كما تقول، وقد أخطأت فيه لكذا وكذا، وإما في قصده مثل أن يقول: هذا الكلام حق ولكن ليس قصدك منه الحق، وما يجري مجراه، وعلامة فساد مقصد المتكلم تتحقق بكراهة ظهور الحق على غير يده ليتبين فضله ومعرفته للمسألة، والباعث عليه الترفع بإظهار الفضل والتهجم على الغير بإظهار نقصه، وهما شهوتان رديتان للنفس: اما إظهار الفضل فهو تزكية للنفس، وهو من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلو والكبرياء، وقد نهى الله تعالى عنه في محكم كتابه، فقال سبحانه: فلا تزكوا أنفسكم: وأما تنقيص الآخر فهو مقتضى طبع السبعية، فإنه يقتضي أن يمزق غيره ويصدمه ويؤذيه، وهي مهلكة. والمراء والجدال مقويان لهذه الصفات المهلكة، ولا تنفك المماراة عن الايذاء وتهييج الغضب وحمل المعترض على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق أو


1 - " مصباح الشريعة " / 199 - 201، " بحار الانوار " ج 2 / 135، الحديث 32، نقلا عنه. 2 - أي من قوله " قال الصادق عليه السلام " إلى هنا، وكله في " مصباح الشريعة " / 199 - 201، وقال العلامة الطباطبائي رحمه الله تعالى في تعاليقه على " بحار الانوار " ج 2 / 135: " ثم المراء... إلى آخر ما نقل، ليس من الرواية كما هو ظاهر ". أقول: ولكنه موجود في " مصباح الشريعة " كما عرفت. 3 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 3 / 101 - 102. 4 - سورة النجم (53): 32. [ * ]

[ 173 ]

باطل، ويقدح في قائله بكل ما يتصور، فيثور التشاجر بين المتماريين، كما يثور التهارش بين الكلبين، يقصد كل منهما، أن يعض صاحبه بما هو أعظم نكاية وأقوى في إفحاه وإنكائه. وعلاج ذلك أن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله والسبعية الباعثة له على تنقيص غيره، بالادوية النافعة في علاج الكبر والغضب من كتابنا المتقدم ذكره في أسرار معالم الدين 1 أو غيره من الكتب المؤلفة في ذلك. ولا ينبغي أن يخدعك الشيطان، ويقول لك: أظهر الحق ولا تداهن فيه. فإنه أبدا يستجر الحمقى إلى الشر في معرض الخير، فلا تكن ضحكه الشيطان يسخر بك. فإظهار الحق حسن مع من يقبل منه، إذا وقع على وجه الاخلاص، وذلك من طريق النصيحة بالتي هي أحسن لا بطريق المماراة. وللنصيحة صفة وهيأة، ويحتاج فيها إلى التلطف، وإلا صارت فضيحة، فكان فسادها أعظم من صلاحها. ومن خالط متفقهة هذا الزمان، والمتسمين بالعلم غلب على طبعه المراء والجدال، وعسر عليه الصمت إذا ألقى عليه قرناء السوء أن ذلك هو الفضل. ففر منهم فرارك من الاسد. الثالث: أن لا يستنكف من التعلم والاستفادة ممن هو دونه في منصب أو سن أو شهرة أو دين أو في علم آخر، بل يستفيد ممن يمكن الاستفادة منه، ولا يمنعه ارتفاع منصبه وشهرته من استفادة ما لا يعرفه، فتخسر صفقته ويقل علمه ويستحق المقت من الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها 2.


1 - يعني كتاب " منار القاصدين في أسرار معالم الدين " الذي تقدم ذكره في أول الكتاب، ولم نقف على نسخة له حتى اليوم. 2 - " سنن الترمذي " ج 15 / 51، كتاب العلم (42)، الباب 19، الحديث 2687، " سنن ابن ماجة " ج 2 / 1395، كتاب الزهد (37)، باب الحكمة (15)، الحديث 4169، وفيهما: " الكلمة الحكمة " بدل " الحكمة "، و " بحار الانوار " ج 2 / 99، الحديث 58، نقلا عن " أمالي الطوسي " وفيه: " كلمة الحكمة " وانظر أيضا " أمالي [ * ].

[ 174 ]

وقال سعيد بن جبير رحمه الله: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده، فهو أجهل ما يكون 1. وأنشد بعضهم في ذلك: وليس العمى طول السؤال وإنما * تمام العمى طول السكوت على الجهل 2 ومن هذا الباب أن يترك السؤال استحياء، ومن هنا قيل: من استحيا من المسألة لم يستحي الجهل منه 3. وقيل أيضا: من رق وجهه رق علمه 4.


الطوسي " ج 2 / 238. 1 - " تذكرة السامع " / 28، 135، " شرح المهذب " ج 1 / 49، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 160 وفيه: " كان أجهل " بدل " فهو أجهل " وانظر " عيون الاخبار " ج 2 / 118. 2 - في " أمالي المرتضى " ج 2 / 140: ".. قال حدثنا ابن أخي الاصمعي عن عمه قال: لقيت أعرابيا بالبادية فاستر شدته إلى مكان فأرشدني وأنشدني: ليس العمى طول السؤال وإنما * تمام العمى طول السكوت على الجهل "، وفي " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 107: " كان الاصمعي ينشد: " شفاء العمى طول السؤال وانما * تمام العمى طول السكوت على الجهل "، وفي " المحدث الفاصل " 362: " أنشدنا ثعلب عن ابن الاعرابي: تمام العمى طول السكوت وإنما * شفاء العمى يوما سؤالك من يدري "، وفي " أدب الدنيا والدين " / 66: " قال بشار بن برد: شفاء العمى طول السؤال وإنما * دوام العمى طول السكوت على الجهل فكن سائلا عما عناك فإنما * دعيت أخا عقل لتبحث بالعقل "، وفي " تذكرة السامع " / 157: " ولبعض العرب: وليس العمى طول السؤال وإنما * تمام العمى طول السكوت على الجهل "، وفي " كفاية الاثر " / 252 - 253، و " بحار الانوار " ج 36 / 359، الحديث 228 - نقلا عنه -: " عن الباقر عليه السلام: ألا إن مفتاح العلم السؤال، وأنشأ يقول: شفاء العمى طول السؤال وإنما * تمام العمى طول السكوت على الجهل ". 3 - لم أقف على قائله. 4 - قاله عمر بن الخطاب وابنه، كما في " مقدمة ابن الصلاح " / 371، و " فتح الباقي " 2 / 229، و " شرح المهذب " ج 1 / 49، أو ابنه كما في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 144، و " تذكرة السامع " / 157، و " تدريب الراوي " ج 2 / 147. وفي " سنن الدارمي " ج 1 / 137 نسبه إلى الشعبي وعمر، وفي " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 177، نسبه إلى الحسن [ البصري ]، وفي " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 125: " قالوا: من رق وجهه رق علمه " ونقله الميداني في " مجمع الامثال " ج 2 / 328، في حرف الميم من كلام " المولدين ". هذه مصادره من كتب [ * ]

[ 175 ]

وقيل أيضا: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر 1. وروى زرارة ومحمد بن مسلم وبريد العجلي، قالوا: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنما يهلك الناس، لانهم لا يسألون 2. وعنه عليه السلام: إن هذا العلم عليه قفل، ومفتاحه المسألة 3. الرابع: - وهو من أهمها - الانقياد للحق بالرجوع عند الهفوة، ولو ظهر على يد من هو أصغر منه 4، فإنه مع وجوبه من بركة العلم، والاصرار على تركه كبر مذموم عند الله تعالى، موجب للطرد والبعد، قال النبي صلى الله عليه وآله: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر. فقال بعض أصحابه: هلكنا يا رسول الله ! إن أحدنا يحب أن يكون نعله حسنا وثوبه حسنا. فقال النبي صلى الله عليه وآله: ليس هذا الكبر، إنما الكبر بطر الحق وغمص الناس 5.


العامة، ولكنه روي في " الكافي " ج 2 / 87، كتاب الايمان والفكر، باب الحياء، الحديث 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 1 - قاله مجاهد، كما في " شرح المهذب " ج 1 / 49، " صحيح البخاري " ج 2 / 158، كتاب العلم، " مقدمة ابن الصلاح " / 377، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 144، " تدريب الراوي " ج 2 / 147، " فتح الباقي " ج 2 / 229، " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 229، " سنن الدارمي " ج 1 / 138، " تذكرة السامع " / 157. وفي " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 177، نسبه إلى بعض العلماء. 2 - " الكافي " ج 1 / 40، كتاب فضل العلم، باب سؤال العالم وتذاكره، الحديث 2. 3 - " الكافي " ج 1 / 40، كتاب فضل العلم، باب سؤال العالم وتذاكره، الحديث 3. 4 - قال المحدث الجزائري في " الانوار النعمانية " ج 3 / 345: " وقد كان لي شيخ جليل قرأت عليه كثيرا من العربية والاصول، فما وجدت أحدا أنصف منه، وذلك أنه ربما أشكلت المسألة علينا وقت الدرس، فإذا طالعتها أنا وكنت أصغر الشركاء سنا قال لي ذلك الشيخ: هذا الحق وغلطت أنا وجميع هولاء. فيغلط نفسه والطلبة لاجل معرفته بصحة كلامي، ثم يقول لي: أمل علي ما خطر بخاطرك، حتى أعلقه حاشية على كتابي، فأملي أنا عليه وهو يكتبه حاشية وهو وقت تأليف هذا الكتاب في بلاد حيدر آباد من بلاد الهند واسمه الشيخ جعفر البحريني مد الله أيام سعادته. ". 5 " صحيح مسلم " ج 1 / 93، كتاب الايمان، الباب 39 - وفيه: " غمط الناس " بدل " غمص الناس " -، " عوالي اللآلي " ج 1 / 436 - 437. وورد مثل العبارة الاخيرة، في " الكافي " ج 2 / 310، كتاب الايمان والكفر، باب الكبر، الحديث 9، عن أبي عبد الله عن رسول الله صلى الله عليهما. وانظر أيضا " مجمع الزوائد " ج 1 / 98، ج 5 / 133. [ * ]

[ 176 ]

والمراد ببطر الحق رده على قائله، وعدم الاعتراف به بعد ظهوره، وذلك أعم من ظهوره على يدي الصغير والكبير والجليل والحقير، وكفى بهذا زجرا وردعا. الخامس: أن يتأمل ويهذب ما يريد أن يورده أو يسأل عنه قبل إبرازه والتفوه به ليأمن من صدور هفوة أو زلة أو وهم أو انعكاس فهم، فيصير له بذلك ملكة صالحة، وخلاف ذلك إذا اعتاد الاسراع في السؤال والجواب فيكثر سقطه ويعظم نقصه ويظهر خطاؤه، فيعرف بذلك، سيما إذا كان هناك من قرناء السوء من يخشى أن يصير ذلك عليه وصمة، ويجعله له عند نظرائه وحسدته وسمة. السادس: 1 أن لا يحضر مجلس الدرس إلا متطهرا من الحدث والخبث متنظفا متطيبا في بدنه وثوبه، لا بسا أحسن ثيابه، قاصدا بذلك تعظيم العلم وترويح الحاضرين من الجلساء والملائكة، سيما إن كان في مسجد. وجميع ما ورد من الترغيب في ذلك لمطلق الناس، 2 فهو في حق العالم والمتعلم آكد.


1 - راجع " أدب الاملاء والاستملاء " / 27، 46، " الخلاصة في أصول الحديث / 144، " المحدث الفاصل " / 585. 2 انظر بعض ما ورد في ذلك في " الكافي " ج 3 / 22 - 23، كتاب الطهارة، باب السواك، وج 3 / 70 - 72، كتاب الطهارة، باب النوادر، الحديث 10 5 وج 6 / 438 - 534، كتاب الزي والتجمل والمروءة، و " بحار الانوار " ج 80 / 237 - 238، كتاب الطهارة، باب علل الوضوء، الحديث 11 و 12، وج 83 / 384، كتاب الصلاة، باب فضل المساجد وآدابها واحكامها، الحديث 59. [ * ]

[ 177 ]

النوع الثاني آداب يختص بها المعلم اعلم أن التعليم هو الاضل الذي به قوام الدين، وبه يؤمن انمحاق العلم، فهو من أهم العبادات وآكد فروض الكفايات، قال الله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه 1. وقال الله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون 2. ومن مشاهير الاخبار قوله عليه السلام: ليبلغ الشاهد منكم الغائب 3.


1 - سورة آل عمران (3): 187. 2 سورة البقرة (2) 159. 3 " الكافي " ج 1 / 187، كتاب الحجة، باب فرض طاعة الائمة، الحديث 10، " أمالي الطوسي " ج 1 / 21، " معاني الاخبار " / 82، " تحف العقول " / 30، " صحيح البخاري " ج 2 / 102 - 107، كتاب العلم، باب تبليغ العلم، الحديث 104 و 105. [ * ]

[ 178 ]

والاخبار بمعناه كثيرة، وقد مر جملة منها 1. وآدابه تنقسم ثلاثة أقسام: آدابه في نفسه، وآدابه مع طلبته، وآدابه في مجلس درسه.


1 - قد مرت جملة منها في المقدمة، ويأتي بعضها في الفصل الاول من المطلب الاول من الخاتمة. [ * ]

[ 179 ]

القسم الاول آدابه في نفسه مضافة إلى ما تقدم وهي أمور: الاول: أن لا ينتصب للتدريس حتى تكمل أهليته، ويظهر استحقاقه لذلك على صفحات وجهه ونفحات لسانه، وتشهد له به صلحاء مشايخه، ففي الخبر المشهور: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور 1. وقال بعض الفضلاء: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه 2. وقال آخر: من طلب الرئاسة في غير حينه لم يزل في ذل ما بقي 3. وأنشد بعضهم: لا تطمحن إلى المراتب قبل أن * تتكامل الادوات والاسباب إن الثمار تمر قبل بلوغها * طعما، وهن إذا بلغن عذاب الثاني 5: أن لا يذل العلم فيبذله لغير أهله ويذهب به إلى مكان ينسب إلى من


1 - " سنن أبي داود " ج 4 / 300، كتاب الادب، الحديث 4997،، " النهاية " ج 2 / 441، وفيه: " بمالا يملك " بدل " بما لم يعط ". وانظر شرح الحديث في " لسان العرب " ج 1 / 246 - 247، " ثوب " و " مجمع الامثال " ج 2 / 150 ويأتي هذا الحديث وبعض الكلام حوله في ص 217. 2 قاله أبو بكر الشبلي الزاهد كما في " تذكرة السامع " / 45، ونسب في " طبقات الصوفية " / 584 إلى الخواجه سهل بن محمد الصعلوكي المتوفى في سنة 404 ه‍. انظر ترجمته ومصادر ترجمته في " طبقات الصوفية " / 584 - 587، و " وفيات الاعيان " ج 2 / 435 - 436، و " الاعلام " ج 3 / 143، و " معجم المؤلفين " ج 4 / 284 - 285. 3 - قاله أبو حنيفة كما في " تذكرة السامع " / 45. 4 - لم أقف على ناظمه. 5 - لاحظ " شرح المهذب " ج 1 / 48، و " تذكرة السامع " / 16، و " التبيان في آداب حملة القرآن " / 22. [ * ]

[ 180 ]

يتعلمه منه، وإن كان المتعلم كبير القدر، بل يصون العلم عن ذلك كما صانه السلف، وأخبارهم في ذلك كثيرة مشهورة مع الخلفاء وغيرهم 1. قال الزهري: هوان العلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم 2. اللهم إلا أن تدعو إليه ضرورة، وتقتضيه مصلحه دينية راجحة على مفسدة ابتذاله، ويحسن فيه نية صالحة، فلا بأس. وما أحسن ما أنشده القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني 3. لنفسه: يقولون لي فيك انقباض وإنما * رأوا رجلا عن موضع الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم * ومن أكرمته عزة النفس أكرما وما كل برق لاح لي يستفزني * ولا كل من لاقيت أرضاه منعما وإني إذا ما فاتني الامر لم أبت * أقلب كفي نحوه متندما ولم أفض حق العلم إن كان كلما * بدا طمع صيرته لي سلما إذا قيل: هذا منهل قلت: قد أرى * ولكن نفس الحر تحتمل الظما ولم ابتذل في خدمة العلم مهجتي * لاخدم من لاقيت لكن لاخدما ءأسقى به عزا وأسقيه ذلة 4 * إذا، فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أذلوه فهان ودنسوا * محياه بالاطماع حتى تجهما 5


1 - منها ما جرى للخليل بن أحمد الفراهيدي مع سليمان بن حبيب والي فارس والاهواز. انظر ذلك في " وفيات الاعيان " ج 2 / 245 - 246، " تهذيب التهذيب " ج 3 / 163، " أمالي القالي " ج 2 / 269. 2 - " تذكرة السامع " / 16. والزهري هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيدالله بن شهاب الزهري المتوفى في سنة 124 ه‍. وقيل غيرها. انظر ترجمته ومصادر ترجمته في " وفيات الاعيان " ج 4 / 177 - 179، " والاعلام " ج 7 / 97. 3 - وردت ترجمته في " وفيات الاعيان " ج 1 / 278 - 281، " طبقات الشافعية " ج 3 / 459 - 462، " المنتظم " ج 7 / 221 - 222، " يتيمة الدهر " ج 4 / 3 - 26، " معجم المؤلفين " ج 7 / 123. 4 - هذا المصراع في " أدب الدنيا والدين " / 92 و " تذكرة السامع " / 17، و " معجم الادباء " ج 14 / 18، و " طبقات الشافعية " ج 3 / 416، و " يتيمة الدهر " ج 4 / 22 وغيرها هكذا: " أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ". 5 - قال ابن خلكان في " وفيات الاعيان " ج 1 / 279 - بعد ذكر البيت الاول من هذه الابيات -: " هي أبيات طويلة ومشهورة فلا حاجة إلى ذكرها " واعلم أن هذه الاشعار كلها أو بعضها نقلت في كتب متعددة، وهي: " أدب الدنيا والدين " / 92، " معجم الادباء " ج 14 / 17 - 18، " طبقات الشافعية " ج 3 / 460 - 461، [ * ]

[ 181 ]

الثالث: أن يكون عاملا بعلمه زيادة على ما تقدم في الامر المشترك، قال الله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم... الآية 1. وعن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: إنما يخشى الله من عباده العلماء 2: من صدق فعله قوله، ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم 3. وعنه عليه السلام: العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل 4. وعنه عليه السلام: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته من القلوب كما يزل المطر عن الصفا 5. وقال علي عليه السلام: قصم ظهري عالم متهتك وجاهل متنسك، فالجاهل يغش الناس بتنسكه، والعالم ينفرهم بتهتكه 6.


" الاعجاز والايجاز " / 195، " المنتظم " ج 7 / 221، " يتيمة الدهر " ج 4 / 22، " تذكرة السامع " / 17، " محاضرات الادباء " ج 1 / 34، " تنبيه الخواطر ج 2 / 272، " كنز الفوائد " ج 1 / 138 - 139، وغيرها. 1 - سورة البقرة (2): 44. 2 - سورة فاطر (35): 28. 3 - " الكافي " ج 1 / 37، كتاب فصل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 2، وفيه: " من لم يصدق فعله قوله ". 4 - " الكافي " ج 1 / 44، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 2. ومثله في " غرر الحكم " ج 2 / 87، الحديث 1944. 5 - " الكافي " ج 1 / 44، كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، الحديث 3. 6 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 52، " ميزان العمل " / 136 وفيهما: " يغر " في الموضعين، بدل " يغش " و " ينفر "، وفي " بحار الانوار " نقلا عن " منية المريد ": " يغرهم " بدل " ينفرهم " وفي " الذريعة إلى مكارم الشريعة " / 125، كما في المتن، إلا أن فيه: " يغر " بدل " يغش "، وفي " الانوار النعمانية " ج 3 / 347 - نقلا عن " منية المريد " - كما في المتن. وفي " عوالي اللآلي " ج 4 / 71، مثله بالمعنى عن الصادق عليه السلام وفيه: " يصد الناس " في الموضعين، وأيضا مثله بنحو أبسط في " الخصال " ج 1 / 80، باب الاثنين، الحديث 103. وفي " غرر الحكم " ج 6 / 98، الحديث 9665: " ما قصم ظهري إلا رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك، هذا ينفر عن حقه بهتكه، وهذا يدعو إلى باطله بنسكه " وفي " علم القلوب " / 149: " قال علي رضى الله عنه: [ * ]

[ 182 ]

وقد أنشد ذلك بعضهم 1 فقال: فساد كبير عالم متهتك * وأكبر منه جاهل متنسك هما فتنة للعالمين عظيمة * لمن بهما في دينه يتمسك الرابع: زيادة حسن الخلق فيه والتواضع على 2 الامر المشترك، وتمام الرفق، وبذل الوسع في تكميل النفس، فإن العالم الصالح في هذا الزمان بمنزلة نبي من الانبياء، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل 3. بل هم في هذا الزمان أعظم، لان أنبياء بني إسرائيل كان يجتمع منهم في العصر الواحد ألوف والآن لا يوجد من العلماء إلا الواحد بعد الواحد، ومتى كان كذلك ؟ فليعلم أنه قد علق في عنقه أمانة عظيمة، وحمل أعباء من الدين ثقيلة، فليجتهد في الدين جهده، وليبذل في التعليم جده، عسى أن يكون من الفائزين.


ما قطع ظهري في الاسلام إلا رجلان: مبتدع ناسك وعالم فاجر، فالعالم الفاجر يزهد الناس في علمه لما يرون من فجوره، والمبتدع الناسك يرغب الناس في بدعته لما يرون من نسكه، وعمل قليل في السنة خير من عمل كثير في البدعة ". 1 - قال في " تعليم المتعلم " / 5: " وأنشدني... برهان الدين صاحب " الهداية " لبعضهم: فساد كبير... البيتين ". 2 - حرف الجر " على " متعلق ب‍ " زيادة " أي زيادة على الامر المشترك بينهما. 3 - " تحرير الاحكام الشرعية " ج 1 / 3، " تذكرة الاولياء " / 9، " عوالي اللآلي " ج 4 / 77، الحديث 67، " بحار الانوار " ج 2 / 22، الحديث 67، نقلا عن " عوالي اللآلي ". قال في " مصابيح الانوار " ج 1 / 434 - في شرح هذا الحديث -: " وهذا الحديث لم نقف عليه في أصولنا وأخبارنا بعد الفحص والتتبع، والظاهر أنه من الجزائري. وكيف كان فيمكن توجيهه بوجهين، الاول: أن المراد بالعلماء الائمة، ووجه الشبه العصمة أو الحجية على الخلق أو الفضل عند الله، وذلك لا ينافي ما ثبت من كون كل من الائمة أفضل من كل واحد من أنبياء بني إسرائيل، لان المراد التشبيه بالمجموع، ولو سلم يكون من عكس التشبيه وهو شائع، ويؤيد هذا الوجه ما تضافر من الاخبار الواردة عن الائمة الاطهار عليهم السلام، ومن قولهم (ع): نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء، الثاني... ". وقال الشهيد آية الله القاضي الطباطبائي في تعاليقه على " الانوار النعمانية " ج 3 / 347: " هذا الحديث مذكور في كثير من الكتب المتداولة ومذكور في الالسنة ولكن لم يوجد في الجوامع الحديثية للامامية من روايته وسنده عين ولا أثر، بل صرح جمع من مهرة المحدثين وأساتذتهم أنه من موضوعات العامة ". وقال في " كشف الخفاء " ج 2 / 83: " قال السيوطي: لا أصل له ". [ * ]

[ 183 ]

وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن للعالم ثلاث علامات: العلم، والحلم والصمت، وللمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه بالمعصية، ويظلم من دونه بالغلبة، ويظاهر الظلمة 1. وعن محمد بن سنان - رفعه - 2 قال: قال عيسى بن مريم عليهما السلام: يا معشر الحواريين ! لي إليكم حاجة، اقضوها لي. قالوا: قضيت حاجتك يا روح الله ! فقام فغسل أقدامهم، فقالوا: كنا نحن أحق بهذا يا روح الله ! فقال: إن أحق الناس بالخدمة العالم، إنما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم. ثم قال عيسى عليه السلام: بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر، وكذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل 3. الخامس: 4 أن لا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية، فربما عسر على كثير من المبتدئين بالاشتغال، تصحيح النية لضعف نفوسهم وانحطاطها عن إدراك السعادة الآجلة، وقلة أنسهم بموجبات تصحيحها، فالامتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثير من العلم، مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحها إذا أنس بالعلم. وقد قال بعضهم: طلبنا العلم لغير الله فأبي أن يكون إلا الله 5. معناه صارت [ ظ: كانت ] عاقبته أن صار لله. وعن الحسن: لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا به الله ولا ما عنده، فما زال بهم العلم حتى أرادوا به الله وما عنده 6.


1 - " الكافي " ج 1 / 37، كتاب فصل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 7. 2 - للاطلاع على معنى الحديث المرفوع راجع " شرح البداية " / 30 - 31. 3 - " الكافي " ج 1 / 37، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 6. 4 - لاحظ " شرح المهذب " ج 1 / 50 - 51. 5 - " أدب الدنيا والدين " / 89، حكاه عن الثوري " تذكرة السامع " / 47، " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 27 - 28، " التبيان في آداب حملة القرآن " / 21، " شرح المهذب " ج 1 / 51، " اختصار علوم الحديث " / 53. 6 - " سنن الدارمي " ج 1 / 102، " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 28. والقائل هو الحسن بن يسار البصري [ * ]

[ 184 ]

لكن يجب على المعلم إذا أشعر من المتعلم فساد النية أن يستدرجه بالموعظة الحسنة، وينبهه على خطر العلم الذي لا يراد به الله، ويتلو عليه من الاخبار الواردة في ذلك حالا فحالا، حتى يقوده إلى القصد الصحيح، فإن لم ينجع ذلك، ويئس منه قيل يتركه حينئذ ويمنعه من التعلم، فإن العلم لا يزيده إلا شرا. وإلى ذلك أشار علي عليه السلام بقوله: لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير 1. وعن الصادق عليه السلام قال: قام عيسى بن مريم عليهما السلام خطيبا في بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم 2. ولقد أحسن القائل: ومن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم 3 وفصل آخرون 4 فقالوا: إن كان فساد نيته من جهة الكبر والمراء ونحوهما، فالامر كذلك، وإن كان من جهة حب الرئاسة الدنيوية، فينبغي مع اليأس من إصلاحه أن لا يمنعه، لعدم ثوران المفسدة وتعديها، ولانه لا يكاد يخلص من هذه الرذيلة أحد في البداية، فإذا وصل إلى أصل العلم عرف أن العلم إنما يطلب للسعادة الابدية بالذات، والرئاسة لازمة له قصد أم لم يقصد.


المعروف بالحسن البصري (21 - 110 ه‍.). انظر ترجمته ومصادر ترجمته في " الاعلام " ج 2 / 226 - 227. 1 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 51، ونسبه إلى عيسى بن مريم عليهما السلام، وفي " عيون الاخبار " ج 2 / 124: " قال المسيخ عليه السلام: يا بني إسرائيل ! لا تلقوا اللؤلؤ إلى الخنازير، فإنها لا تصنع به شيئا، ولا تؤتوا الحكمة من لا يريدها، فإن الحكمة أفضل من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنازير " ومثله في " أدب الدنيا والدين " / 89، وعلى هذا فلا يبعد تصحيف عيسى بعلي صلوات الله عليه، في المتن. 2 - " الكافي " ج 1 / 52، كتاب فضل العالم، باب بذل العلم، الحديث 4. 3 - أنشأه الشافعي، كما في " طبقات الشافعية " ج 1 / 294، و " علم القلوب " / 43، و " محاضرات الادباء ج 1 / 46، ونقل في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 51، و " طبقات الشافعية " ج 1 / 294، و " علم القلوب " / 43 هذا البيت وأربعة أبيات أخر قبله. 4 - منهم الغزالي في " ميزان العمل " / 131، والماوردي في " أدب الدنيا والدين " وانظر " إحياء علوم الدين " ج 1 / 49 - 50. [ * ]

[ 185 ]

السادس: بذل العلم عند وجود المستحق وعدم البخل به، فإن الله سبحانه أخذ على العلماء من العهود والمواثيق ما أخذه على الانبياء ليبيننه للناس ولا يكتمونه. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قرأت في كتاب علي عليه السلام: إن الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال، لان العلم كان قبل الجهل 1. وعن أبي عبد الله عليه السلام في هذه الآية: ولا تصغر خدك للناس 2 قال: ليكن الناس عندك في العلم سواء 3. وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام: زكاة العلم أن تعلمه عباد الله 4. السابع: أن يحترز من مخالفة أفعاله لاقواله وإن كانت على الوجه الشرعي مثل أن يحرم شيئا ويفعله، أو يوجب شيئا ويتركه، أو يندب إلى فعل شئ ولا يفعله، وإن كان فعله ذلك مطابقا للشرع بحسب حاله، فإن الاحكام الشرعية تختلف باختلاف الاشخاص، كما لو أمر بتشييع الجنائز وباقي أحكامهم، وأمر بالصيام وقضاء حوائج المؤمنين وأفعال البر وزيارة قبور الانبياء والائمة، ولم يفعل ذلك، لاشتغاله بما هو أهم منه بحيث ينافي اشتغاله بما يأمر به ما هو فيه، والحال أنه أفضل أو متعين، وحينئذ فالواجب عليه مع خوف التباس الامر أن يبين الوجه الموجب للمخالفة دفعا للوسواس الشيطاني من قلب السامع، كما اتفق للنبي صلى الله عليه وآله حين رآه بعض أصحابه ليلا يمشي مع بعض نسائه إلى منزلها، فخاف أن


1 - " الكافي " ج 1 / 41، كتاب فضل العلم، باب بذل العلم، الحديث 1. نرجو ممن يرغب التوضيح حول هذا الحديث مراجعة " شرح أصول الكافي " / 165. 2 - سورة لقمان (31): 18. 3 - " الكافي " ج 1 / 41، كتاب فضل العلم، باب بذل العلم، الحديث 2. 4 - " الكافي " ج 1 / 41، كتاب فضل العلم، باب بذل العلم، الحديث 3. [ * ]

[ 186 ]

يتوهم أنها ليست من نسائه فقال له: إن هذه زوجتي فلانة 1 ونبهة على العلة، لخوفه عليه من تلبيس إبليس عليه. وان كان الواجب على السامع من أول الامر ترك الاعتراض عند اشتباه الحال بل عند احتمال المسوغ، إلى أن يتحقق الفساد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في آداب المتعلم 2. وبالجملة فمثل العالم والمتعلم في انتقاشه بأخلاقه وأفعاله، مثل الفص والشمع، فإنه لا ينقش في الشمع إلا ما هو منقوش في الفس. وقد شاهدنا هذا عيانا في جماعات من طلبة العلم مع مشايخهم على اختلاف أفعالهم وأخلاقهم، ولا ينبئك مثل خبير 3. الثامن: إظهار الحق بحسب الطاقة من غير مجاملة لاحد من خلق الله تعالى فإذا رأى من أحد ميلا عن الحق أو تقصيرا في الطاعة وعظه باللطف ثم بالعنف، فإن لم يقبل هجره، فإن لم ينجع توصل إلى نهيه ورده إلى الحق بمراتب الامر بالمعروف. وهذا حكم يختص بالعالم زيادة في التكليف عن غيره، وإن شاركه غيره من المكلفين في أصل الوجوب، لان العالم بمنزلة الرئيس الذي إليه الامر والنهي ولقوله أثر في القلوب، فعليه في ذلك زيادة تكليف، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله:


1 - " صحيح مسلم " ج 4 / 1712، كتاب السلام (39)، الباب 9، " إحياء علوم الدين " ج 2 / 178، وهذا نصه من " صحيح مسلم ": ".. عن أنس أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كان مع أحدى نسائه، فمر به رجل فدعاه، فجاء فقال: يا فلان ! هذه زوجتي فلانة. فقال: يا رسول الله ! من كنت أظن به فسلم أكن أظن بك. فقال رسول الله: إن الشيطان يجري من الانسان مجرى الدم ". وروي أيضا بنحو أبسط في " صحيح مسلم " ح 4 / 1712، كتاب السلام (39) الباب 9، و " سنن أبي داود " ج 4 / 298 - 299، كتاب الادب، الحديث 4994، وهذا نصه: "... عن صفية، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته وقمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الانصار. فلما رأيا النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: على رسلكما إنها صفية بنت حيى. قالا: سبحان الله يا رسول الله ! قال: إن الشيطان يجري من الانسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما، شيئا أو قال: شرا ". 2 - يأتي في الامر العاشر من القسم الثاني من النوع الثالث، ص 246. 3 - اقتباس من الآية الشريفة 14 من سورة فاطر (35): ".. يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ". [ * ]

[ 187 ]

إذا ظهرت البدع في أمتي، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنه الله 1. وما جاءت الغفلة في الغالب واستيلاء الجهالة، والتقصير عن معرفة الفرائض الدينية، والقيام بالوظائف الشرعية والسنن الحنيفية وأداء الصلوات عليه وجهها، إلا من تقصير العلماء من إظهار الحق على وجهه، وإتعاب النفس في إصلاح الخلق وردهم إلى سلوك سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. بل لا يكتفي علماء السوء بالتقصير عن ذلك حتى يمالئوهم 2 على الباطل ويؤانسوهم، فتزيد رغبة الجاهل وانهماك الفاسد، ويقل وقار العالم ويذهب ريح العلم. ولقد قال بعض العلماء 3 - ونعم ما قال -: إن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا عن المنكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم معالم الدين وحملهم على المعروف، سيما العلماء فإن أكثر الناس جاهلون بالشرع في الواجبات العينية كالصلاة وشرائطها سيما في القرى والبوادي. فيجب كفاية أن يكون في كل بلد وقرية واحد يعلم الناس دينهم، باذلا نفسه للارشاد والتعليم باللطف، متوصلا إليه بالرفق وكل ما يكون وسيلة إلى قبولهم، وأهمه قطع طمعه عنهم ومن أموالهم، فإن من علموا منه الرغبة في شئ من ذلك زهدوا فيه وفي علمه، واضمحل أمرهم بسبب ذلك، وأما إذا قصد وجه الله تعالى وامتثال أمره، وقع ذلك في قلوب الخاصة والعامة، وانقادوا لامره واستقاموا على نهج السداد. وهذا كله إذا لم يكن عليه خطر، ولا على أحد من المسلمين ضرر في ذلك وإلا فالله أحق بالعذر. روى عبد الله بن سليمان، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول، وعنده رجل


1 - " الكافي " ج 1 / 54، كتاب فضل العلم، باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث 2، " المحاسن " / 231، الحديث 176، " بحار الانوار " 2 / 72، الحديث 35 نقلا عن " المحاسن ". 2 - " مالاه على الامر: ساعده وعاونه " (" المعجم الوسيط " ج 2 / 882، " ملا "). 3 - هو الغزالي في " إحياء علوم الدين " ج 2 / 299. [ * ]

[ 188 ]

من أهل البصرة يقال له عثمان الاعمى، وهو يقول: إن الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم يوذي ريح بطونهم أهل النار، فقال أبو جعفر عليه السلام: فهلك إذا مؤمن آل فرعون، ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا، فليذهب الحسن يمينا وشمالا، فوالله لا يوجد العلم إلا ههنا 1.


1 " الكافي " ج 1 / 51، كتاب فصل، باب النوادر، الحديث 15، " بصائر الدرجات " / 10، الباب 6، الحديث 6، وانظر أيضا الحديث 7، " بحار الانوار " ج 2 / 90 - 91، الحديث 16، وانظر أيضا الحديث 17. من أراد شرح هذا الحديث الشريف وتوضيحه فليراجع " مرآة العقول " ج 1 / 172 - 173، و " شرح أصول الكافي " / 185. [ * ]

[ 189 ]

القسم الثاني آداب المعلم مع طلبته ويجمعها أمور: الاول: أن يؤدبهم على التدريج بالآداب السنية والشيم المرضية، ورياضة النفس بالآداب الدينية، والدقائق الخفية، ويعودهم الصيانة في جميع أمورهم الكامنة والجلية، سيما إذا آنس منهم رشدا، وأول ذلك أن يحرص الطالب على الاخلاص لله تعالى في عمله وسيعه، ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، وأن يكون دائما على ذلك حتى الممات، ويعرفه أن بذلك ينفتح عليه أبواب المعارف وينشرح صدره، وينفجر من قلبه ينابيع الحكمة واللطائف، ويبارك له في حاله وعلمه، ويوفق للاصابة في قوله وفعله وحكمه، ويتول عليه الآثار الواردة في ذلك ويضرب له الامثال الدالة على ما هنالك ويزهده في الدنيا، ويصرفه عن التعلق بها والركون إليها والاغترار بزخرفها ويذكره أنها فانية وأن الآخرة باقية، والتأهب للباقي والاعراض عن الفاني هو طريق الحازمين ودأب عباد الله الصالحين، وأنها إنما جعلت ظرفا ومزرعة لاقتناء الكمال ووقنا للعلم والعمل فيها، وليحرز ثمرته في دار الاقبال بصالح الاعمال. الثاني: 2 أن يرغبهم في العلم ويذكرهم بفضائله وفضائل العلماء، وأنهم ورثة الانبياء صلى الله عليهم، وأنهم على منابر من نور يعبظهم، الانبياء والشهداء، ونحو ذلك مما ورد في فضائل العلم والعلماء من الآيات والاخبار والاشعار


1 - لاحظ " شرح المهذب " ج 1 / 51. 2 - لاحظ " شرح المهذب " ج 1 / 51، " تذكرة السامع " / 48 - 49. [ * ]

[ 190 ]

والامثال، ففي الادلة الخطابية والامارات الشعرية هز عظيم للنفوس الانسانية. ويرغبهم مع ذلك بالتدريج على ما يعين عليه من الاقتصار على الميسور، وقدر الكفاية من الدنيا والقناعة بذلك عما يشغل القلب من التعلق بها، وتفريق الهم بسببها. الثالث: أن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه من الشر، فإن ذلك ما تمام الامان ومقتضى المواساة، ففي صحيح الاخبار: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه 1. ولا شك أن المتعلم أفضل الاخوان بل الاولاد كما سيأتي 2، فإن العلم قرب روحاني وهو أجل من الجسماني، وعن ابن عباس: أكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب عليه لفعلت 3. وفي رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني 3. وعن محمد بن مسلم قال: دخل رجل من أهل الجبل على أبي جعفر عليه السلام فقال له عند الوداع: أوصني. فقال: عليك بتقوى الله وبر أخاك 4 المؤمن، وأحب له كما تحب لنفسك، وأكره له ما تكره لنفسك، وإن سألك فأعطه، وإن كف عنك فاعرض عليه، ولا تمله خيرا، وإنه لا يمل لك 5، كن له عضدا، وإنه لك عضد، وإن وجد عليك فلا تفارقه حتى تسأل


1 - " صحيح البخاري " ج 1 / 95، كتاب الايمان، الحديث 12، " صحيح مسلم " ج 1 / 67، كتاب الايمان (1)، الباب 17، " الجامع الصغير " ج 2 / 204، حرف لا " التبيان في آداب حملة القرآن " / 19، " شرح المهذب " ج 1 / 51. 2 - الظاهر أن مراده ما سيأتي في الامر الرابع عشر من هذا القسم، ص 199، والامر الثاني من القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب ص 240 - 242، والامر الرابع من القسم الثالث من النوع الثاني من هذا الباب، ص 206. 3 - " عيون الاخبار " ج 1 / 307 - 308، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 111 - 112، " تذكرة السامع " / 49، التبيان في آداب حملة القرآن " / 29 " شرح المهذب " ج 1 / 51. 4 - مفعول ل‍ " بر " فعل أمر من بر، يبر، وعطف على " عليك " وفي " أمالي الطوسي " ج 1 / 94، و " بحار الانوار " ج 74 / 225: " أخيك " بدل " أخاك " وعليه فهو مضاف إليه ل‍ " بر " و " بر " مصدر مجرور عطف على " تقوى الله ". 5 " الظاهر أنه من أمليته بمعنى تركته وأخرته، والاملاء، أي الامهال، ولامه ياء، وأما الاملال من " مل " فبعيد، [ * ]

[ 191 ]

[ ظ: تسل ] سخيمته، وإن غاب فاحفظه في غيبته، وإن شهد فاكفه، واعضده وآزره وأكرمه والطفه، فإنه منك وأنت منه 1. وكل خبر ورد في حقوق الاخوان 2 آت هنا مع زيادة، الرابع: أن يزجره عن سوء الاخلاق، وارتكاب المحرمات والمكروهات، أو ما يؤدي إلى فساد حال أو ترك اشتغال أو إساءة أدب، أو كثرة كلام لغير فائدة، أو معاشرة من لا تليق به عشرته، أو نحو ذلك بطريق التعريض ما أمكن، لا بطريق التصريح مع الغنى عنه، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويهيج الحرص على الاصرار، وقد ورد: لو منع الناس عن فت البعر لفتوة، وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شئ 3. وفي المعنى أنشد بعضهم: النفس تهوى من يجور ويعتدي * والنفس ما ئلة إلى الممنوع ولكل شئ تشتهيه طلاوة * مدفوعة إلا عن الممنوع وانظر إرشاد رسول الله صلى الله عليه وآله، وتلطفه مع الاعرابي الذي بال في


كما قاله المولى صالح شارح " الكافي ". وقال الفيض في " الوافي ": قوله: لا تمله خيرا ولا يمل لك، أي لاتسأمه من جهة إكثارك الخير، لا يسأم هو من جهة إكثاره الخير لك، يقال: مللته ومللت منه، إذا سأمه " (" المحجة البيضاء " ج 3 / 355، الهامش، " الكافي " ج 2 / 170، الهامش). 1 - " أمالي الطوسي " ج 1 / 94 - 95، وفيه: " حتى تحل سخيمته "، و: " فأكنفه " بدل " فاكفه "، " بحار الانوار " ح 74 / 225، كتاب العشرة، الباب 15، الحديث 14، وفيه: " حتى تسل سخيمة " ومثل هذا الحديث مع زيادة في " الكافي " ج 2 / 170، كتاب الايمان والكفر، باب حق المؤمن على أخيه وآداء حقه، الحديث 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - راجع " مصادقة الاخوان " / 38 - 42، و " الكافي " ج 2 / 169 - 174، كتاب الايمان والكفر، باب حق المؤمن على أخيه وأداء حقه. 3 - في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 50، و " الذريعة إلى مكارم الشريعة " / 120، و " ميزان العمل " / 132، نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن قال العراقي في " المغني " ج 1 / 50 المطبوع بهامش " الاحياء " -: " حديث لو منع الناس عن فت البعر لفتوه، لم أجده. " 4 - لم أقف على ناظمه. [ * ]

[ 192 ]

المسجد 1، ومع معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة 2. فإن انزجر لذكائه بما ذكر من الاشارة فبها ونعمت، وإلا نهاه سرا، فإن لم ينته نهاه جهرا، ويغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال، لينزجر هو وغيره، ويتأدب به كل سامع، فإن لم ينته فلا بأس حينئذ بطرده والاعراض عنه إلى أن يرجع، سيما إذا خاف على بعض رفقته من الطلبة موافقته. وكذلك يتعهد ما يعامل به بعض الطلبة بعضا من إفشاء السلام وحسن التخاطب في الكلام، والتحابب والتعاون على البر والتقوى، وعلى ماهم بصدده. وبالجملة فكما يعلمهم مصالح دينهم لمعاملة الله تعالى، يعلمهم مصالح دنياهم لمعاملة الناس، فيكمل لهم فضيلة الحالتين. الخامس 3: أن لا يتعاظم على المتعلمين، بل يلين لهم ويتواضع، قال تعالى:


1 - " إحياء علوم الدين " ج 2 / 337، " سنن أبي داود " ج 1 / 103، كتاب الطهارة، الحديث 380، " سنن ابن ماجة " ج 1 / 176، كتاب الطهارة، الباب 78، الاحاديث 528 - 530، وإليك نصر واحد منها، من " سنن ابن ماجة " الحديث 529: "... دخل أعرابي المسجد رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] جالس، فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لاحد معنا. فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: لقد احتظرت واسعا. ثم ولى، حتى إذا كان في ناحية المسجد فشج يبول، فقال الاعرابي - بعد أن فقه -: فقام إلى بأبي وأمي، فلم يؤنب ولم يسب فقال: إن هذا المسجد لا يبال فيه، وإنما بني لذكر الله وللصلاة، ثم أمر بسجل من ماء فأفرغ على بوله ". 2 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 136 - 137، " سنن الدارمي " ج 1 / 353 - 354، " سنن أبي داود " ج 1 / 244 - 245، كتاب الصلاة، الحديثان 930 - 931، وإليك نص واحد منها - من " سنن أبي داود " ج 1 / 245، الحديث 931 -: "... عن معاوية بن الحكم السلمي قال: لما قدمت على رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم علمت أمورا من أمور الاسلام، فكان فيما علمت أن قال لي: إذا عطست فاحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله فقل يرحمك الله. قال: فبيما أنا قائم مع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في الصلاة إذ عطس رجل فحمد الله، فقلت: يرحمك الله رافعا بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم حتى احتملني ذلك، فقلت: ما لكم تنظرون إلي بأعين شزر ؟ قال: فسبحوا فلما قضى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الصلاة لقراءة القرآن وذكر الله عزوجل، فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك، فما رأيت معلما قط أرفق من رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ". 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 64 - 66، " شرح المهذب " ج 1 / 52. [ * ]

[ 193 ]

واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين 1. وقال صلى الله عليوآله: إن الله أوحى إلي أن تواضعوا 2. وقال صلى الله عليه وآله: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله 3. وهذا في التواضع لمطلق الناس، فكيف بهؤلاء الذين هم معه كالاولاد، مع ما هم عليه من ملازمتهم له، واعتمادهم عليه في طلب العلم النافع، ومع ماهم عليه من حق الصحبة وحرمة التردد وشرف المحبة وصدق التودد. وفي الخبر عنه صلى الله عليه وآله: علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف 4. وعنه صلى الله عليه وآله: لينوا لمن تعلمون، ولمن تتعلمون منه 5. وقد تقدم 6، خبر عيسى عليه السلام مع الحواريين وغسله أقدامهم، وغيره من الاخبار.


1 - سورة الشعراء (26): 215. 2 - " سنن أبي داود " ج 4 / 274، كتاب الادب، الحديث 4895، " الجامع الصغير " ج 1 / 68، حرف الهمزة، " الاذكار " / 311، " إحياء علوم الدين " ج 2 / 172، " شرح المهذب " ج 1 / 52. 3 - " شرح المهذب " ج 1 / 52 " مسند أحمد " ج 2 / 386 " إحياء علوم الدين " ج 2 / 172، ومثله في " الكافي " ج 2 / 121، كتاب الايمان والكفر، باب التواضع، الحديث 1، " الجامع الصغير " ج 2 / 153، حرف الميم. 4 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 137، " الجامع الصغير " ج 2 / 62، حرف العين " أدب الدنيا والدين " / 93، " كنز العمال " ج 10 / 241، الحديث 29331، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 155. 5 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 113، " التبيان في آداب حملة القرآن " / 20، " شرح المهذب " ج 1 / 52 " تذكرة السامع " / 65. وفي " إحياء علوم الدين " ج 3 / 153، و " أدب الدنيا والدين " / 93، و " محاضرات الادباء " ج 1 / 45: " وقروا " بدل " لينوا ". ومثله مع زيادة في " الكافي " ح 1 / 36، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مر في الامر الرابع من القسم الاول من النوع الثاني، ص 182 - 183، وهو في " الكافي " ج 1 / 37، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء الحديث 6 (*).

[ 194 ]

فعلى المعلم تحسين خلقه مع المتعلمين زيادة على غيرهم، والتلطف بهم إذا لقيهم، والبشاشة وطلاقة الوجه وإظهار البشر وحسن المودة وإعلام المحبة وإظهار الشفقة، والاحسان إليهم بعلمه وجاهه حسب ما يمكن. وينبغي أن يخاطب كلا منهم - سيما الفاضل المتميز - بكنيته ونحوها من أحب الاسماء إليه، وما فيه تعظيم له وتوقير، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكني أصحابه إكراما لهم 1، فإن ذلك ونحوه أشرح لصدورهم، وأبسط لسؤالهم، وأجلب لمحبتهم. ويزيد في ذلك من يرجو فلاحه ويظهر صلاحه، وليمتثل وصية رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله: إن الناس لكم تبع، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الارض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا 2. وبالجملة فالعالم بالنسبة إلى المتعلم كالطبيب للمريض، فكل ما يرجو به شفاءه فليفعله، فإن داء الجهالة النفسانية أقوى من الادواء البدنية. وقد يتفق كون خلاف ما ذكرناه هو الصلاح والدواء، كما يختلف ذلك باختلاف الامزجة والطباع. السادس 3: وهو من جنس السابق إذا غاب أحد منهم أو من ملازمي الحلقة زائدا على العادة يسأل عنه وعن أحواله وموجب انقطاعه، فإن لم يخبر عنه بشئ أرسل إليه، أو قصد منزله بنفسه، وهو أفضل كما كان يفعل رسول الله صلى الله


1 - في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 119، و " شرح المهذب " ج 1 / 52: " كان رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، يكني أصحابه إكراما لهم " وفي " إحياء علوم الدين " ج 2 / 323: " ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم إكراما لهم واستمالة لقلوبهم، ويكني من لم تكن له كنية فكان يدعى بماكناه " وراجع أيضا " المغني " - المطبوع بذيل " الاحياء " - ج 2 / 323. 2 - " سنن الترمذي " ج 5 / 30، كتاب العلم، الباب 4، الحديث 2650، " كنز العمال " ج 10 / 246، الحديث 29314، " التبيان في آداب حملة القرآن " / 18، " شرح المهذب " ج 1 / 46. 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 63 61. [ * ]

[ 195 ]

عليه وآله مع أصحابه 1، فإن كان مريضا عاده أو في غم خفض عنه، أو مسافرا تفقد أهله ومن يتعلق به ويسأل عنهم، وتعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وإن لم يحتاجوا إليه في شئ تودد ودعا. السابع: أن يستعلم أسماء طلبته وحاضري مجلسه وأنسابهم وكناهم ومواطنهم وأحوالهم، ويكثر الدعاء لهم، وفي الحديث المسلسل 2، بالسؤال عن الاسم والكنية والبلد وأين أنزل غنية في ذلك. الثامن: أن يكون سمحا ببذل ما حصله من العلم، سهلا بإلقائه إلى مبتغيه


1 - " الجامع الصغير " ج 2 / 109، حرف الكاف، " مكارم الاخلاق " / 29، وفيه: " كان رسول الله إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غالبا دعاله، وإن كان شاهدا زاره، وإن كان مريضا عاده " وقال المناوي في " فيض القدير " ج 5 / 152: ".. وأخذ منه أنه ينبغي للعالم إذا غاب بعض الطلبة فوق المعتاد أن يسأل عنه، فإن لم يخبر عنه بشئ أرسل إليه، أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل، فإن كان مريضا عاده، أو في غم حفض عليه، أو في أمر يحتاج لمعونة أعانه، أو مسافرا تفقد أهله، وتعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن وإلا تودد إليه ودعا له ". 2 - " الحديث المسلسل: ما تتابع فيه رجال الاسناد على صفة كالتشبيك بالاصابع، أو حالة كالقيام في الراوي للحديث، سواء كانت تلك الصفة أو الحالة قولا، كقوله: سمعت فلانا يقول، إلى المنتهى - أي منتهى الاسناد -، أو: أخبرنا فلان والله، قال: أخبرنا فلان والله، إلى آخر الاسناد،... أو فعلا كحديث التشبيك باليد...، أو بهما، أي بالقول والفعل... " (" شرح البداية " / 38) وعلى هذا فيريد المؤلف رحمه الله من قوله: " الحديث المسلسل بالسؤال... " الحديث الذي سنده هكذا مثلا: حدثني شيخي فلان وسألني عن اسمي وكنيتي وبلدي وأين أنزل، قال: حدثني شيخي فلان وسألني عن اسمي وكنيتي وبلدي وأين أنزل... وهكذا. وورد هذا الحديث المسلسل الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله، في " الجواهر المكللة في الاحاديث المسلسلة " / 126، في ذيل الحديث الثامن والخمسون، وفيه ".. ونحو هذا من المسلسلات ما ذكره الكتاني مسلسلا بقول: سألني عن اسمي وكنيتي ونسبي وبلدي وأين أنزل، مما اتصل للسلفي من جهة الحسين بن علي ابن يزيد الرفاعي عن أبي يعلى الموصلي الحافظ عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه، قال: لقيت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، فسألني كما سألتك، وقال: يا أنس، أكثر من الاصدقاء، فإنكم شفعاء بعضكم على بعض. وكذا أورده مسلسلا الديلمي في مسنده من طريق محمد بن النضر الموصلي عن أبي يعلى... ". وراجع " الفردوس بمأثور الخطاب " ج 5 / 365، الحديث 845. وفي " الكافي " ج 2 / 671، كتاب العشرة، باب النوادر، الحديث 3: " عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا أحب أحدكم أخاه المسلم فليسأله عن اسمه واسم أبيه واسم قبيلته وعشيرته، فإن من حقه الواجب وصدق الاخاء أن يسأله عن ذلك، وإلا فإنها معرفة حمق. " ومثله في " مسند الامام موسى بن جعفر " عليهما السلام، ص 46، الحديث 20، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. [ * ]

[ 196 ]

متلطفا في إفادة طالبيه مع رفق ونصيحة وإرشاد إلى المهمات، وتحريض على حفظ ما يبدله لهم من الفوائد النفيسات، ولا يدخر عنهم من أنواع العلم شيئا يحتاجون إليه أو يسألون إذا كان الطالب أهلا لذلك. وليكتم عنهم ما لم يتأهلوا له من المعارف، لان ذلك مما يفرق الهم ويفسد الحال، فإن سأله الطالب شيئا من ذلك نبهه على أن ذلك يضره، وأنه لم يمنعه منه شحا بل شفقه ولطفا، ثم يرغبه بعد ذلك في الاجتهاد والتحصيل، ليتأهل لذلك وغيره. وقد روي في تفسير " الرباني " أنه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره 1. التاسع: صد المتعلم أن يشتغل بغير الواجب قبله، وبفرض الكفاية قبل فرض العين، ومن فرض العين إصلاح قلبه وتطهير باطنه بالتقوى، ويقدم على ذلك مؤاخذته هو نفسه بذلك ليقتدي المتعلم أولا بأعماله، ثم يستفيد ثانيا من أقواله، وكذلك يمنعه من علم الادب قبل السنة وهكذا. العاشر 2: أن يكون حريصا على تعليمهم، باذلا وسعه في تفهيمهم وتقريب الفائدة إلى أفهامهم وأذهانهم، مهتما بذلك مؤثرا له على حوائجه ومصالحه، ما لم يكن ضرورة إلى ما هو أرجح منه، ولا يدخر من نصحهم شيئا. ويفهم كل واحد منهم بحسب فهمه وحفظه، ولا يعطيه ما لا يحتمله ذهنه، ولا يبسط الكلام بسطا لا يضبطه حفظه، ولا يقصر به عما يحتمله بلامشقة، ويخاطب كل واحد منهم على قدر درجته وبحسب فهمه، فيلقي للمتميز الحاذق الذي يفهم المسألة فهما محققا بالاشارة، ويوضح لغيره لاسيما متوقف الذهن، ويكررها لمن لا يفهمها إلا بتكرار، ويبدأ بتصوير المسألة ثم يوضحها بالامثلة إن إحتيج إليه، ويذكر الادلة والماخذ


1 - " صحيح البخاري " ج 2 / 31، كتاب العلم، ذيل الحديث 66، وفيه: " قال ابن عباس: كونوا ربانيى: حلماء فقهاء. ويقال: الرباني: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ". 2 - لا حظ " شرح المهذب " ج 1 / 52. [ * ]

[ 197 ]

لمحتملها، ويبين الدليل المعتمد ليعتمد، والضعيف لئلا يغتر به، فيقول: استدلوا بكذا، وهو ضعيف لكذا، مراعيا في ذلك ما يجب مراعاته مع من يضعف قوله من العلماء، بأن يقصد مرجد بيان الحق حيث يتوقف على ذلك، لا رفع نفسه على غيره ولا هضم غيره. ويبين أسرار حكم المسألة وعللها، وتوجيه الاقوال والاوجه الضعيفة والجواب عنه [ خ ل: عنها ] وما يتعلق بتلك المسألة من أصل وفرع، وما يبني عليها وما يشبهها وحكمه حكمها، وما يخالفها ومأخذ الحكمين والفرق بين المسألتين، وما يتعلق بالمسألة من النكت اللطيفة والالغاز الظريفة والامثال والاشعار واللغات، وما يرد عليها أو على عبارة مثلها وجوابه إن أمكن. وينبه على غلط من غلط فيها من المصنفين في حكم أو تخريج أو نقل ونحو ذلك، لغرض صحيح، لا لمجرد إظهار الخطأ والصواب، بل [ ل‍ ] النصيحة، لئلا يغتر به، كل ذلك مع أهلية الملقى إليه لذلك. الحادي عشر: 1 أن يذكر في تضاعيف الكلام ما يناسبه من قواعد الفن الكلية التي لا تنخرم، أو يضبط مستثنياتها إن كانت، كقوله: كل ركن تبطل الصلاة بزيادته ونقصانه مطلقا إلا مواضع مخصوصة، ويبينها، وكلما اجتمع سبب ومباشرة قدمت المباشرة على السبب، وكل من قبض شيئا لغرضه لا يقبل قوله في الرد إلى المالك، وأن الحدود تسقط بالشبهة، وأن الاعتبار في اليمين بالله تعالى بنية الحالف إلا أن يكون المستحلف قاضيا وقد استحلفه لدعوى اقتضته، فالاعتبار بنية القاضي أو نائبه المستحلف، وأن كل يمين على نفي فعل الغير فهي على نفي العلم، إلا من أدعي عليه أن عبده جنى - على قول - أو بهيمة [ ظ: بهيمته ] كذلك 2، وأن السيد لا يثبت له في ذمة عبده مال ابتداء، ونحو ذلك.


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 57 - 59، و " شرح المهذب " ج 1 / 53 - 56. 2 - انظر تفصيل ذلك في " القواعد والفوائد " ج 1 / 419 - 422، " وتحرير الاحكام الشرعية " ج 2 / 192، و " جواهر الكلام " ج 40 / 242 - 244. [ * ]

[ 198 ]

ويبين له جملا مما ينضبط ويحتاج إليه من أصول الفقه، كترتيب الادلة من الكتاب والسنة والاجماع والقياس على وجه والاستصحاب وأنواع الاقيسة ودرجاتها، وحدود ما ناسب تحديده، وجملة من أسماء المشهورين من الصحابة والتابعين والعلماء وتراجمهم ووفياتهم وضبط المشكل من أسمائهم وأنسابهم. والمشتبه من ذلك، والمختلف والمؤتلف 1 منه، ونحو ذلك، وجملة من الالفاظ اللغوية والعرفية المتكررة في العلم، ضبطا لمشكلها، فيقول: هي مفتوحة أو مضمونة أو مكسورة مخففه أو مشددة، ونحو ذلك، كل ذلك تدريجا شيئا فشيئا فيجتمع لهم مع طول الزمان خير عظيم. الثاني عشر: 2 أن يحرصهم على الاشتغال في كل وقت، ويطالبهم في أوقات بإعادة محفوظاتهم، ويسألهم عما ذكره لهم من المهمات والمباحث، فمن وجده حافظا مراعيا أكرمه وأثنى عليه، وأشاع ذلك ما لم يخف فساد حاله بإعجاب ونحوه، ومن وجده مقصرا عنفه في الخلفوة، وإن رأى مصلحة في الملا فعل، فإنه طبيب يضع الدواء حيث يحتاج إليه وينفع. الثالث عشر: أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل الدقيقة والنكت الغريبة، يختبر بذلك أفهامهم ويظهر فضل الفاضل، ليتدربوا بذلك ويعتادوه، ولا يعنف من غلط منهم في ذلك إلا أن يرى في ذلك مصلحة. وقد روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي ؟ فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ قال: هي النخلة، فقال له أبوه: لو قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا 3.


1 - انظر توضيح هذا الاصطلاح في " شرح البداية " / 130 - 133، و " تدريب الراوي " ج 2 / 297 - 315. 2 - لاحظ " شرح المهذب " ج 1 / 55، 58. 3 - " صحيح البخاري " ج 2 / 11 - 13، 160 - 161، كتاب العلم، الاحاديث 60، 61، 131، " سنن الترمذي " [ * ]

[ 199 ]

وكذلك إذا فرغ من شرح درس، فلا بأس أن يطرح مسائل تتعلق به على الطلبة، وإعادة ذكر ما أشكل منه لميتحن بذلك فهمهم وضبطهم، لما شرح لهم، فمن ظهر استحكام فهمه له بتكرار الاصابة في جوابه شكره، ومن لم يفهمه تلطف في إعادته له. وينبغي للشيخ أن يأمر الطلبة بالاجتماع في الدرس لما يترتب عليه من الفائدة التي لا تحصل مع الانفراد، وإعادة ما وقع من التقرير بعد فراغه فيما بينهم ليثبت في أذهانهم. الرابع عشر: أن ينصفهم في البحث، فيعترف بفائدة يقولها بعضهم وإن كان صغيرا، فإن ذلك من بركة العلم. قال بعض السلف 1: من بركة العلم وآدابه الانصاف، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم. فيلازمه في بحثه وخطابه، ويسمع السؤال من مورده على وجهه وإن كان صغيرا، ولا يترفع عن سماعه فيحرم الفائدة. ولا يحسد أحدا منهم لكثرة تحصيله أو زيادته على خاصته من ولد وغيره، فالحسد حرام فكيف بمن هو بمنزلة الولد، وفضيلته يعود إلى معلمه منها أو فر نصيب، فإنه مربيه وله في تعليمه وتخريجه في الآخرة الثواب الجزيل وفي الدنيا الدعاء المستمر والثناء الجزيل. وما رأينا ولا سمعنا بأحد من المشايخ اهتم بتفضيل ولده على غيره من الطلبة وأفلح، بل الامر بيد الله والعلم فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. الخامس عشر: 2 أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودة أو اعتناء مع تساويهم في الصفات من سن أو فضيلة أو ديانة، فإن ذلك ربما يوحش الصدر وينفر القلب. فإن كان بعضهم أكثر تحصيلا وأشد اجتهادا وأحسن أدبا، فأظهر إكرامه وتفضيله وبين أن زيادة إكرامه لتلك الاسباب، فلا بأس بذلك فإنه


ج 5 / 15، كتاب الامثال (45)، الباب 4، الحديث 2867. 1 - هو أبو عمر ابن عبد البر القرطبي، كما في " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 159. 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 59. [ * ]

[ 200 ]

ينشط، ويبعث على الاتصاف بتلك الصفات المرجحة. السادس عشر: أن يقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الاسبق فالاسبق، ولا يقدمه بأكثر من درس إلا برضا الباقين، ويختار إذا كانت الدروس في كتاب واحد باتفاق منهم وهو المسمى بالتقسيم أن يدأ في كل يوم بدرس واحد منهم، فإن الدرس المبدأ به ربما حصل فيه من النشاط في التقرير ما لا يحصل في غيره، إلا إذا علم من نفسه عدم الملالة وبقاء النشاط، فيرتب الدروس بترتيب الكتاب، فيقدم درس العبادات على درس المعاملات وهكذا، وإن رأى مع ذلك تقديم الاسبق ليحض المتأخر على التقدم كان حسنا. وينبغي أن لا يقدم أحدا في نوبة غيره، ولا يؤخره عن نوبته إلا إذا رأى في ذلك مصلحة كنحو ما ذكرنا، فإن سمح بعضهم لغيره في نوبته فلا بأس، وإن جاؤوا معا وتنازعوا أقرع بينهم بشرطه الآتي - مع بيان المسألة مفصلة - إن شاء الله تعالى في القسم الثالث من النوع الثالث. السابع عشر 1: إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو تحمله طاقته وخاف ضجره، أوصاه بالرفق بنفسه وذكره بقول النبي صلى الله عليه وآله: إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى 2.


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 55 - 57. 2 - " الكافي " ج 2 / 87، كتاب الايمان والكفر، باب الاقتصاد في العبادة، الحديث 6، ونص الحديث هكذا: " عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ! إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، [ ف‍ ] إن المنبت - يعني المفرط - لاظهرا أبقي ولا أرضا قطع، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرما، واحذر من يتخوف أن يموت غدا " واعلم أنه قال الشريف الرضي في " المجازات النبوية " / 260، في شرح هذا الحديث الشريف: " ووصف الدين بالمتانة هيهنا مجاز، والمراد أنه صعب الظهر، شديد الاسر، مأخوذ من متن الانسان وهو: ما اشتد من لحكم منكبيه، وإنما وصفه عليه والصلاة والسلام بذلك لمشقة القيام بشرائطه والاداء لوظائفه، فأمر عليه الصلاة والسلام أن يدخل الانسان أبوابه مترفقا، ويرقى هضابه متدرجا، ليستمر على تجشم متاعبه، ويمرن على امتطاء مصاعبه، وشبه عليه الصلاة والسلام العابد الذي يحسر منته، ويستنفد طاقته، بالمنبت وهو الذي يفد السير، ويكد الظهر، منقطعا من رفقته ومنفردا عن صحابته، فتحسر مطيته ولا يقطع شقته، وهذا من أحسن التمثيلات وأوقع التشبيهات، ومما يقوي المراد بهذا الخبر... ". [ * ]

[ 201 ]

ونحو ذلك مما يحمله على الاناة والاقتصاد في الاجتهاد. وكذلك إذا ظهر له منه نوع سامة أو ضجر أو مبادئ ذلك، أمره بالراحة وتخفيف الاشتغال، وليزجره عن تعلم ما لا يحتمله فهمه أو سنه، من علم أو كتاب يقصر ذهنه عن فهمه، فإن استشاره من لا يعرف حاله في الفهم والحفظ في قراءة فن أو كتاب لم يشر عليه حتى يجرب ذهنه ويعلم حاله، فإن لم يحتمل الحال التأخر أشار عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب، فإن رأى فهمه جيدا وذهنه قابلا نقله إلى كتاب يليق بذهنه، وإلا تركه، لان نقل الطالب إلى ما يدل نقله إليه على جودة ذهنه وكماله مما يزيد انبساطه ويوفر نشاطه، وإلى ما يدل على قصوره بخلاف ذلك. ولا يمكن الطالب من الاشتغال في فنين أو أكثر، إذا لم يضبطهما، بل يقدم الاهم فالاهم، كما سيذكر إن شاء الله تعالى 1. وإذا علم أو غلب على ظنه أنه لا يفلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فلاحه فيه. الثامن عشر: إذا كان متكفلا ببعض العلوم لا غير، لا ينبغي له أن يقبح في نفس الطالب العلوم التي وراءة، كما يتفق ذلك كثيرا لجهلة المعلمين، فإن المرء عدوما جهل، كمعلم العربية والمعقول إذ عادته تقبيح الفقه، ومعلم الفقه تقبيح 2 علم الحديث والتفسير، وأشباه ذلك.


وقال ابن الاثير في " النهاية " ج 1 / 92، مادة " بتت ": " وفيه [ يعني في الحديث ] فإن المنبت لاأرضا قطع ولا ظهرا أبقى. يقال للرجل إذا انقطع به في سفره وعطبت راحلته: قد أنبت، من البت: القطع، وهو مطاوع بت، يقال: بته وأبته، يريد أنه بقي في طريقه عاجزا عن مقصده لم يقض وطره وقد أعطب ظهره ". وراجع أيضا " مجمع الامثال " ج 1 / 7، و " لسان العرب " ج 2 / 7 - 8، " بتت ". وفي هذا المعنى قال سعدي - في " گلستان " / 649، الباب الثامن -: به چشم خويش ديدم در بيابان * كه آهسته سبق برد از شتابان سمند بادپاى از تك فروماند * شتربان همچنان آهسته مى راند 1 - في المطلب الثالث من الخاتمة، ص 385 - 389. 2 - هكذا في النسخ سوى " ض "، " ع " و " ح " فقد جاء فيها: "... ومعلم الفقه يقبح علم الحديث... ". وقال الغزالي في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 50: " إن المتكفل ببعض العلوم ينبغي ألا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه، كمعلم اللغة إذ عادته تقبيح عليم الفقه، ومعلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث والتفسير... ". [ * ]

[ 202 ]

وهكذا ينبغي أن يوسع على الطالب طريق التعلم في غيره، وإذا رأى مرتبة العلم الذي بيده متأخرة عما بيد غيره يرشده إلى من بيده السابق، فإن ذلك هو الواجب من نصح المسلمين وحفظ العلم والدين، وأتم الدليل على كمال المعلم، وموجب الملكة الصالحة للمتعلم. التاسع عشر 1: وهو من المهم أن لا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره أيضا لمصلحة راجعة إلى المتعلم، فإن هذه مصيبه يبتلى بها جهلة المعلمين ومن لا يريد بعلمه وجه الله تعالى، لغباوتهم وفساد نياتهم. وهو من أوضح الادلة على عدم إرادتهم بالتعليم وجه الله الكريم وثوابه الجسيم، فإنه عبد مأمور بأداء رسالة سيده إلى بعض عبيده، فإذا أرسل السيد عبدا آخر لاداء الرسالة لا ينبغي للاول الغضب، فإن ذلك لا ينقصه عند السيد، بل يزيده قدرا ورفعه عنده إذا وجده ممتثلا لا يريده منه أو من غيره. فالواجب على المعلم إذا وجد من الطالب نشاطا وقوة على تعدد الدرس، ولم يقدر على تحصيل غرضه بنفسه أن يرشده ابتداء إلى من يقرأ عليه درسا آخر، فإن ذلك من تمام النصيحة ورعاية حفظ الامانة. وهذا أمر اتفق لي مع بعض مشايخي بمصر 2 أحسن الله جزاءه. هذا كله إذا كان المعلم الآخر الذي انتقل إليه الطالب بنفسه أهلا، أما لو كان جاهلا مع عدم علم الطالب، أو فاسقا أو مبتدعا أو كثير الغلط، ونحو ذلك بحيث يفيد الطالب ملكة ردية لا يرجح عليها ما يحصله من العلم عليه، فالتحذير من الاغترار به حسن مع مراعاة المقصد الصحيح المنجح، والله يعلم المفسد من المصلح 3. العشرون: إذا تكمل الطالب وتأهل للاستقلال بالتعليم واستغنى عن التعلم،


1 - لاحظ " شرح المهذب " ج 1 / 58. 2 - تتلمذ المؤلف، قدس سره، على جماعة من العلماء بمصر في سنة 942 - 943 ه‍. مدة ثمانية عشر شهرا تقريبا، ومن أراد الاطلاع عليهم فليراجع " الدر المنثور " ج 2 / 159 - 162. 3 - اقتباس من الآية 220 من سورة البقرة (2). [ * ]

[ 203 ]

فينبغي أن يقوم المعلم بنظام أمره في ذلك، ويمدحه في المحافل، ويأمر الناس بالاشتغال عليه والاخذ عنه، فإن الجاهل بحاله قد لا يأنس ولا يطمئن به وإن تصدى للتعليم، بدون إرشاد من هو معلوم الحال. ولينبه على حاله مفصلا ومقدار معلوماته وتقواه وعدالته، ونحو ذلك مما له مدخل في إقبال الناس على التعلم منه، فإن ذلك سبب عظيم لانتظام العلم وصلاح الحال. كما أنه لو رأى منه ميلا إلى الاستبداد والتدريس ويعلم قصوره عن المرتبة واحتياجه إلى التعلم، ينبغي أن يقح ذلك عنده، ويشدد النكير عليه في الخلاء، فإن لم ينجع فليظهر ذلك على وجه صحيح المقصد حتى يرجع إلى الاشتغال ويتأهل للكمال. ومرجع الامر كله إلى أن المعلم بالنسبة إلى المتعلم بمنزلة الطبيب، فلا بد له في كل وقت من تأمل العلة المحوجة إلى الاصلاح ومداواته على الوجه الذي تقتضيه العلة، وللذكي في تفصيل الحال مالا يدخل تحت الضبط، فإن لكل مقام مقالا صالحا، ولكل مرض دواء ناجحا. والله الموفق.

[ 204 ]

القسم الثالث آدابه في درسه وهي أمور: الاول: أن لا يخرج إلى الدرس إلى كامل الاهبة، وما يوجب له الوقار والهيبة في اللباس والهيأة والنظافة في الثوب والبدن، ويختار له البياض، فإنه أفضل لباسا 1، ولا يعتني بفاخر الثياب بل بما يوجب الوقار وإقبال القلوب عليه، كما ورد النص 2 به في أئمة المحافل من الاعياد والجمعات وغيرهما. وقد اشتمل كتاب [ الزي و ] التجمل [ والمروءة ] من كتاب " الكافي " 3 على الاخبار الصحيحة في هذا الباب بما لا مزيد عليه، ويخرج التعرض له عن موضوع الرسالة. وليقصد بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة، وليتطيب ويسرح لحيته، ويزيل كل ما يشينه، كان بعض السلف 4 إذا جاءه الناس لطلب الحديث يغستل


1 - في " الكافي " ج 6 / 446، كتاب الزي والتجمل والمروءة، باب لباس البياض والقطن، الحديث 4: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: البسوا ثياب القطن، فإنها لباس رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو لباسنا ". 2 - راجع " الكافي " ج 3 / 421، كتاب الصلاة، باب تهيئة الامام للجمعة والخطبة والانصاف، الحديث 1، وج 3 / 460، كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين والخطبة فيهما، الحديث 3، وفي " كتاف من لا يحضره الفقيه " ج 1 / 274، الحديث 1256: " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان يوم الجمعة ولم يصب طيبا دعا بشوب مصبوغ يزعفران فرش عليه الماء ثم مسح بيده ثم مسح به وجهه. [ قال المؤلف: ] ويستحب أن يعتم الرجل يوم الجمعة وأن يلبس أحسن أثوابه وأنظفها ويتطيب فيدهن بأطيب دهنه ". 3 - " الكافي " ج 6 / 438 - 534، كتاب الزي والتجمل والمروءة. 4 - هو مالك بن أنس كما في " المحدث الفاصل " / 585، " وفيات الاعيان " ج 4 / 135 - 136، " تذكرة السامع " / 31، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 24. وراجع أيضا " مقدمة ابن الصلاح " / 363، و " أدب الاملاء والاستملاء " / 27، 46، و " الخلاصة في أصول الحديث " / 144. [ * ]

[ 205 ]

ويتطيب ويلبس ثيابا جددا، ويضع رداءه، على رأسه، ثم يجلس على منصة 1 ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ، ويقول: أحبأن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله. الثاني: 2 أن يدعو عند خروجه مرياد للدرس بالدعاء المروي عن النبي صلى الله عليه وآله: أللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك. تم يقول: بسم الله حسبي الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم ثبت جناني أدر الحق على لساني 3. ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى المجلس. الثالث: 4 أن يسلم على من حضر إذا وصل إلى المجلس، ويصلي ركعتين تحية [ المسجد ] إن كان مسجدا، وإلا نوى بهما الشكر لله تعالى على توفيقه وتأهيله لذلك أو الحاجة إلى تسديده وتأييده وعصمته من الخطأ، أو مطلقتين، فإن " الصلاة خير موضوع " وأما استحبابها لذلك بخصوص فلم يثبت، وإن استحيه


1 - " نص النساء العروس نصا: رفعنها على المنصة، وهي الكرسي الذي تقف عليه في جلائها، بكسر الميم لانها آلة. " (" المصباح المنير " / 744، " نص "). 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 32 31. 3 - " سنن أبي داود " ج 4 / 325، كتاب الادب، الحديثان 5094، 5095، " سنن ابن ماجة " ج 2 / 1278، كتاب الدعاء (34)، الباب 18، الحديث 3884، 3885، في كل من هذه الروايات بعض هذا الدعاء، إلا الجملة الاخيرة، وكله في " تذكرة السامع " / 30 - 31. وانظر أيضا " سنن الترمذي " ج 5 / 490، كتاب الدعوات (49)، الباب 34، 35. 4 - لاحظ " تذكرة السامع " / 32. 5 - إشارة إلى الحديث الذي روي عن الصادق عليه السلام عن رسول الله صلوات الله عليه: " الصلاة خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر " (" بحار الانوار " ج 82 / 308 - 309، الحديث 9 عن كتاب " جامع الاحاديث لا " الامامة والتبصرة " كما توهم)، أو حديث أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وآله المروي في " عوالي اللآلي " ج 1 / 90: " قلت يا رسول الله ! ما الصلاة ؟ فقال: خير موضوع، فاستكثر أو استقل " وهو مروي في " بحار الانوار " ج 82 / 307، الحديث 3، نقلا عن " معاني الاخبار " و " الخصال " وفي " طبقات الشافعية " ج 1 / 255: " عن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: الصلاة خير موضوع ". [ * ]

[ 206 ]

بعض العلماء 1. ثم يدعو بعدهما بالتوفيق والاعانة والعصمة. الرابع: أن يجلس بسكينة ووقار وتواضع وخشوع وإطراق، ثانيا رجليه أو محتبيا، غير متربع ولامقع، ولا غير ذلك من الجلسات المكروهة 2 مع الاختيار، ولا يمد رجليه ولا إحديهما من غير عذر، ولا يتكى إلى جنبه ولا وراء ظهره ونحو ذلك، كل ذلك في حال الدرس، أما في غيره فلا بأس لان الطلبة بمنزلة أولاده. الخامس: قيل 3 يجلس مستقبل القبلة، لانه أشرف ولقوله صلى الله عليه وآله: خير المجالس ما استقبل بها 4. ويمكن أن يقال باستحباب استدباره لها ليخص الطلبة بالاستقبال، لانهم أكثر، وكذا من يجلس إليهم للاستماع. ومثله ورد في القاضي 5، إلا أن لذلك مزية زائدة في ذلك، وهو كان الخصوم


1 - الظاهر أنه النووي في " التبيان في اداب حملة القرآن " / 22، وتبعه ابن جماعة الكناني في " تذكرة السامع " / 32. قال السمعاني في " أدب الاملاء والاستملاء " / 35: " ويستحب أن يصلي ركعتين قبل جلوسه " ولم يقيد بكون الموضع مسجدا. 2 - راجع " بحار الانوار " ج 75 / 469، كتاب العشرة، الباب 96. 3 - القائل ابن جماعة الكناني في " تذكرة السامع " / 32، والنووي في " شرح المهذب " ج 1 / 56. 4 - " التبيان في آداب حملة القرآن " / 43، " مجمع الزوائد " ج 8 / 59 " الترغيب والترهيب " ج 4 / 59، وفيه: " أكرم المجالس ما استقبل به القبله، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة " والحملة الاخيرة في " تحف العقول " / 26، و " بحار الانوار " ج 77 / 130، الحديث 34، نقلا عنه. وفي " بحار الانوار " ج 75 / 469، الحديث 4 - نقلا عن كتاب " الغايات " - أيضا: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لكل شئ شرفا وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة " ومثله في " أدب الاملاء والاستملاء " / 44 - 45. 5 - قال في " جواهر الكلام " ج 40 / 74، كتاب القضاء، مبحث الآداب المستحبة للقاضي: " ثم يجلس مستدبر القبلة كما عن الاكثر، ليكون وجه الخصوم إذا وقفوا بين يديه إليها، ليكون ذلك آردع لها عن كلام الباطل وخصوصا وقت الاستحلاف. وقيل والقائل الشيخ في محكى مبسوطه وابن البراج على ما حكى عنه: يستقبل القبلة، لقوله عليه السلام: خير المجالس ما استقبل به القبلة. وهو أحق من غيره، ولكن الاول أظهر لها عرفت ". وقال المصنف رحمه الله في " مسالك الافهام " ج 2 / 287: " ومنها أن يجلس مستدبر القبلة ليكون وجه الخصوم إذا وقفوا بين يديه مستقبل القبلة خصوصا في وقت استحلافهم فيكون مراعاة جانب الاستقبال فيهم أهم من مراعاة جانبه نظرا إلى عموم المصلحة، وهذا اختيار الاكثر ومنهم الشيخ في " النهاية " وقال في " المبسوط " يكون متوجها القبلة لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: خير المجالس ما استقبل به القبلة. والقاضي أحق بهذه الفضيلة... واختار المصنف الاول وهو الاظهر ". والظاهر أنه لم يرد نص بالخصوص في القاضي ولا في [ * ]

[ 207 ]

إلى القبلة تغليظا عليهم في الحذر من كلام الباطل وفي حال الحلف، ولا نص هنا على الخصوص. السادس: أن ينوي قبل شروعه بل حين خروجه من منزله تعليم العلم ونشره، وبث الفوائد الشرعية، وتبليغ الاحكام الدينية التي أو تمن علهيا وأمر ببيانها، والازدياد في العلم بالمذاكرة، وإظهار الصواب والرجوع إلى الحق، والاجتماع على ذكر الله تعالى، والدعاء للعلماء الماضين والسلف الصالحين، وغير ذلك مما يحضره من المقاصد. فإن بإحضارها بالبال وكثرتها يزيد ثواب العمل، فإنما الاعمال بالنيات. وليس المراد بالنية أن يقول: أفعل كذا لاجل كذا، ويرتب لها ألفاظا مخصوصة، بل المراد بها بعث النفس وتصميم العزم على الفعل المخصوص، لغرض التقرب إلى الله تعالى وطلب الزلفى لديه، حتى لو تلفظ وقال: أفعل ذلك الله تعالى - والله مطلع على قلبه يقصد غير ذلك كقصد الظهور في المحافل وارتفاع الصيت والترجيح على الامثال والنظراء - فهو مخادع لله تعالى مراء للناس، والله مطلع على فساد نيته وخبث طويته فيستحق العقوبة على هذه الذنوب وإن كانت بمظهر العبادة. أصلح الله تعالى بفصله وكرمه أعمالنا وسددنا في أقوالنا وأخلص سرائرنا ومقاصدنا بمنه وفضله. السابع: أن يستقر على سمت واحد مع الامكان، فيصون بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه والتقلقل، ويديه عن البعث والتشبيك بهما، وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة. ويتقي كثرة المزاح والضحك، فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحرمة، ويزيل


المعلم في مجلس درسه. نعم في " الكافي " ج 6 / 165، كتاب الطلاق، باب اللعان، الحديث 11، و " كتاب من لا يحضره الفقيه " ج 3 / 346 - 347 الحديث 1664: " عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام قلت له: أصلحك الله، كيف الملاعنة ؟ قال، فقال: يقعد الامام ويجعل ظهره إلى القبلة ويجعل الرجل عن يمينه والمرأة عن يساره. " وأيضا في " الكافي " ج 6 / 165، كتاب الطلاق، باب اللعان، الحديث 10: " عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الملاعن والملاعنة كيف يصنعان ؟ قال: يجلس الامام مستدبر القبلة، فيقيمهما بين يديه مستقبلا [ كذا ] القبلة بحذائه... ". [ * ]

[ 208 ]

الحشمة، ويذهب العزة من القلوب، وأما القليل من المزاح فمحمود، كما كان يفعله النبي صلى الله عليه وآله 1 ومن بعده من الائمة المهديين 2، تأنيسا للجلساء وتأليفا للقلوب، وقريب منه الضحك، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله يضحك حتى تبدو نواجذه 3. ولكن لا يعلو الصوت 4، والعدل التبسم. الثامن: أن يجلس في موضع يبرز وجهه فيه لجميع الحاضرين، ويلتفت إليهم التفاتا خاصا بحسب الحاجة للخطاب ويفرق النظر عليهم، ويخص من يكلمه أو يسأله أو يبحث معه على الوجه بمزيد التفات إليه وإقبال عليه، وإن كان صغيرا أو وضيعا، فإن تخصيص المترفعين من أفعال المتجبرين والمرائين. والقارئ من الحاضرين في حكم الباحث، فيخصه بما يتعلق بدرسه، ويعطي غيره من الخطاب والنظر بحسب حاله وسؤاله.


1 - " مكارم الاخلاق " / 21 " إحياء علوم الدين " ج 2 / 319. 2 - قال ابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " ج 1 / 25 - 26، في وصف مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين: " وأما سجاحة الاخلاق وبشر الوجه وطلاقه المحيا والتبسم فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه، قال عمرو بن العاص لاهل الشام: إنه ذودعابة شديدة، وقال علي عليه السلام في ذاك: عجبا لابن النابغة ! بزعم لاهل الشام أن في دعابة وأني امرؤ تلعابة، أعافس وأمارس ! وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله لما عزم على استخلافه: لله أبوك لولا دعابة فيك ! إلا أن عمر اقتصر عليها، وعمرو زاد فيها وسمجها.... قال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن، فلقد كان هشا بشا ذا فكاهة، قال قيس: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزج ويبتسم إلى أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء، وتعيبه بذلك ! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى، تلك هيبة التقوى، وليس كما يهابك طغام أهل الشام ! وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيه وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك ". 3 - " مكارم الاخلاق " / 21، " إحياء علوم الدين " ج 2 / 325. وراجع " سنن الترمذي " ج 5 / 601، كتاب المناقب، الباب 10، الحديث 3641 و 3642. وانظر الاحاديث التي حول الضحك والدعاية في " الكافي " ج 2 / 663 - 665، كتاب العشرة، باب الدعابة والضحك، و " بحار الانوار " ج 76 / 58 - 61، كتاب العشرة، الباب 106. 4 - قال أمير المؤمنين علي عليه السلام في الخطبة التي يصف فيها المتقين: "... وإن ضحك لم يعل صوته " (" نهج البلاغة " ص 306، الخطبة 193). [ * ]

[ 209 ]

التاسع: أن يحسن خلقه مع جلسائه زيادة على غيرهم، ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو صلاح أو شرف، ونحو ذلك، ويرفع مجالسهم على حسب تقديمهم في الامامة 1، ويتلطف بالباقين، ويكرمهم بحسن السلام وطلاقه الوجه والبشاشة والابتسام، وبالقيام لهم على سبيل الاحترام ولا كراهة فيه بوجه، وإن كان في بعض الاخبار ما يوهمه 2، وتحقيقه في غير هذا المحل.


1 - الظاهر أنه يريد تقديمهم في إمامة الجماعة، وهو - كما في " شرح اللمعة " ج 1 / 391 - 393 هكذا. "... ويقدم الاقرء من الائمة... فالافقه... فإن تساووا في الفقيه والقراءة فالاقدم هجرة من دار الحرب إلى دار الاسلام... وفي زماننا قبل هو السبق إلى طلب العلم... فإن تساووا في ذلك فالاسن مطلقا أو في الاسلام... فإن تساووا فيه فالاصبح وجها... ولم يذكر هنا ترجيح الهاشمي، لعدم دليل صالح لترجيحه، وجعله في " الدروس " بعد الافقه، وزاد بعضهم في المرجحات بعد ذلك الاتقى والاورع... وبعض هذه المرجحات ضعيف المستند ولكنه مشهور ". 2 - لعله يقصد بذلك - كما يظهر من " أدب الاملاء والاستملاء " / 34 - مثل ما روي في " سنن أبي داود " ج 4 / 358، كتاب الادب، الحديث 5230: " عن أبي أمامة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم متوكئا على عصا، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الاعاجم يعظم بعضها بعضا ". (ومثله في " سنن ابن ماجة " ج 2 / 1261، كتاب الدعاء، الباب 2، الحديث 3836، عن أبي أمامة)، أو ماروي في " سنن الترمذي " ج 5 / 90، كتاب الادب (44)، الباب 13، الحديث 2754 -، و " مكارم الاخلاق " / 16، و " إحياء " علوم الدين " ج 2 / 181 - عن حميد بن أنس قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك ". أو يقصد ما روى في " كتاب سليم بن قيس " - كما في " بحار الانوار " ج 75 / 466، الحديث 14 - من أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " أيها الناس ! عظموا أهل بيتى في حياتي ومن بعدي وأكرموهم وفضلوهم، فإنه لا يحل لاحد أن يقوم من مجلسه لاحد إلا لاهل بيتى ". ومما يدل على عدم الكراهة - فيما نحن فيه - ما رواه البرقي " المحاسن " / 233، الحديث 186، والعلامة المجلسي، قدس الله نفسه الزكية، في " بحار الانوار " ج 75 / 466 - 467، الحديث 13 نقلا عن " المحاسن ": " عن إسحاق بن عمار، قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: من قام من مجلسه تعظيما لرجل ؟ قال: مكروه إلا لرجل في الدين ". وقال الغزالي في " إحياء علوم الدين " ج 2 / 181: " والقيام مكروه على سبيل الاعظام لاعلى سبيل الاكرام " ولعله يجمع بذلك بين الاحاديث المتعارضة، فتأمل. وقال النووي في " شرح المهذب " ج 1 / 56: " وقد ينكر القيام من لا تحقيق عنده، وقد جمعت جزء فيه الترخيص ودلائله، والجواب عما يوهم كراهته " وقال أيضا في " الاذكار " / 239: " وأما إكرام الداخل بالقيام، فالذي نختاره أنه مستحب لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف... ويكون هذا القيام للبر والاكرام والاحترام لاللرئاء والاعظام، وعلى هذا الذي اخترناه استمر عمل السلف والخلف، وقد جمعت في ذلك جزء جمعت فيه الاحاديث والآثار وأقوال السلف وأفعالهم الدالة على ما ذكرته، ذكرت فيه ما خالفها وأوضحت الجواب عنه، فمن أشكل عليه من ذلك شئ ورغب في مطالعة ذلك الجزء رجوت أن يزول إشكاله، وإن شاء الله تعالى ". [ * ]

[ 210 ]

العاشر: 1 أن يقدم على الشروع في البحث والتدريس تلاوة ما تيسر من القرآن العظيم تيمنا وتبركا، ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين ولسائر المسلمين، ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي الله تعالى ويحمده، ويصلي ويسلم على النبي - صلى الله عليه وآله - وعلى آله وأصحابه، ثم يدعو العلماء الماضين والسلف الصالحين، ولمشايخه خاصة ولوالديه وللحاضرين وإن كان في مدرسة ونحوها دعا لواقف المكان. وهذا وإن لم يرد به نص على الخصوص، لكن فيه خير عظيم وبركة والمحل موضوع إجابة، وفيه اقتداء بالسلف من العلماء، فقد كانوا يستحبون ذلك 2. وذكر بعض العلماء 3 أنه يقول من جملة الدعاء: أللهم إني أعوذ بك أن أصل أو أصل أو أزل أو أزل أو أظللم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي. اللهم أنفعني بما علمتني وعلمني وما ينفعني وزدني علما والحمد لله على كل حال، أللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع 4. وكان بعض العلماء 5 يختار قراءة سورة الاعلى، ويزعم أنه متأس ومتفأل بما فيها من قوله الاعلى وقوله قدر فهدى وقوله سنقرئك فلا تنسى وقوله فذكر وقوله


راجع أيضا " أدب الاملاء والاستملاء " / 34 - 35، 137 - 138، " فتح الباقي " ج 2 / 209 - 210، " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 209 - 210. 1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 34 - 35، شرح المهذب " ج 1 / 56. 2 - انظر " شرح المهذب " ج 1 / 56، " مقدمة ابن الصلاح " / 365، " الخلاصة في أصول الحديث " 144. 3 - هو النووي في " شرح المهذب " ج 1 / 56. 4 - الدعاء مروي في " سنن ابن ماجة " ج 1 / 92، المقدمة، الباب 23، الحديث 250، وج 2 / 1260، كتاب الدعاء، الباب 2، الحديث 3833، و " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 195، و " نن أبي داود " ج 4 / 325، كتاب الادب، الحديث 5094، و " الجامع الصغير " ج 1 / 59، حرف الهمزة، و " المستدرك على الصحيحن " ج 1 / 104، في كل منها روي بعض هذا الدعاء، والشطر الاخير منه في " مفاتيح الجنان " / 17، في تعقيب صلاة العصر أيضا، نقلا عن " مصباح المتهجد ". 5 - قال في " فتح الباقي " ج 2 / 214: "... واختار شيخنا تبعا للناظم [ يعني العراقي ] أن تكون سورة الاعلى بمناسبة سنقرئك فلا تنسى " [ * ]

[ 211 ]

صحف إبراهيم وموسى 1. وروي أن من اجتمع مع جماعة، ودعا يكون من دعائه: أللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوينا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثارثنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل دنيانا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا 2. الحادي عشر: أن يتحرى تفهيم الدرس بأيسر الطرق وأعذب ما يمكنه من الالفاظ، مترسلا مبينا موضحا مقدما ما ينبغي تقديمه، مؤخرا مابنبغي تأخيره، مرتبا من المقدمات ما يتوقف عليها تحقيق المحل، واقفا في موضع الوقف، موصلا في موضع الوصل، مكررا ما يشكل من معايه وألفاظه مع حاجة الحاضرين أو بعضهم إليه، وإذا فرغ من تقرير المسألة سكت قليلا حتى يتكلم من في نفسه كلام عليه. ولا يذكر 3 في الدرس شبهة في الدين ويؤخر الجواب عنها إلى درس آخر، بل يذكرهما جميعا أو يؤخرهما جميعا، سيما إذا كان الدرس يجمع الخاص والعام، ومن يحتمل أن لا يعود إلى ذلك المقام، فتقع الشبهة في نفسه ولا يتفق له جوابها، فيصير سببا في فتنته. الثاني عشر 4: إذا تعددت الدروس، فليقدم منها الاشرف فالاشرف والاهم فالاهم، فيقدم أصول الدين ثم التفسير ثم الحديث ثم أصول الفقه، ثم الفقه ثم


1 - سورة الاعلى (87): 1، 3، 9، 19. 2 - الدعاء مروي في " سنن الترمذي " ج 5 / 528 كتاب الدعوات (45)، الباب 80، الحديث 3502، " أدب الاملاء والاستملاء " / 107، " عيون الاخبار " ج 2 / 279 - 280، " الاذكار " / 265 - 266، " الجامع الصغير " ج 1 / 59، حرف الهمزة، " عوالي اللآلي " ج 1 / 159 - 160، " مفاتيح الجنان " / 164 - 165، في أعمال الليلة الخامسة عشرة من شهر شعبان. 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 38. 4 - لاحظ " تذكرة السامع " / 35 - 36. [ * ]

[ 212 ]

النحو ثم المعاني، وعلى هذا قياس باقي العلوم بحسب مرتبتها، والحاجة إليها. وسيأتي 1 إن شاء الله ما يعين على هذا الترتيب في باب يخصه. الثالث عشر 2: أن لا يطول مجلسه تطويلا يملهم، أو يمنعهم فهم الدرس أو ضبطه، لان المقصود إفادتهم وضبطهم، فإذا صاروا إلى هذه الحالة فات المقصود. ولا يقصره تقصيرا يخل ببعض تقريره أو ضبطه أو فهمه، لفوات المقصود، ويراعي في ذلك مصلحة الحاضرين في الفائدة والتطويل، واستيفاء الاقسام في التقسيم إذا كانوا من أهله. الرابع عشر: أن لا يشتغل بالدرس، وبه ما يزعجه ويشوش فكره، من مرض أو جوع أو عطش أو مدافعه حدث أو شدة فرح أو غم أو غضب أو نعاس أو قلق أو برد أو حر مولمين، حذرا من أن يقصر عن استيفاء المطلوب من البحث، أو يفتي بغير الصواب. الخامس عشر: أن لا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين من دخان أو غبار أو صوت مزعج، أو شمس موجبة للحر الشديد، أو نحو ذلك مما يمنع من تأدية المطلوب، بل يكون واسعا مصونا عن كل ما يشغل الفكر ويشوش النفس ليحصل فيه الغرض المطلوب. السادس عشر 3: مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره في النهار، إذا لم يكن عليه فيه ضرورة ولا مزيد كلفة، ومن الضرورة الاشتغال في الوقت الصالح بالمطالعة والتصنيف حيث يكون الاشتغال به أولى من التدريس. السابع عشر 4: أن لا يرفع صوته زيادة على الحاجة، ولا يخفضه خفضا يمنع بعضهم من كمال فهمه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله:


1 - في المطلب الثالث من الخاتمة، 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 38. 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 44. 4 - لاحظ " تذكرة السامع " / 39. [ * ]

[ 213 ]

إن الله يحب الصوت الخفيض، ويبغض الصوت الرفيع 1. والاولى أن يا يجاوز صوته مجلسه، ولا يقصر عن سماع الحاضرين، فإن حضر فيهم ثقيل السمع، فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه، وقد روي في فضيلة ذلك حديث 2. الثامن عشر 3: أن يصون مجلسه عن اللغط، فإن الغلط تحت اللغط، وعن رفع الاصوات وسوء الادب في المباحثة، واختلاف جهات البحث، والعدول عن المسألة إلى غيرها قبل إكمالها. فإذا ظهر من أحد الباحثين شئ من مبادئ ذلك تلطف في دعفه قبل انتشاره وثوران النفوس، ويذكر لجملة الحاضرين ما يقتضي قبح الانتقال المذكور، وأن المقصود اجتماع القلوب على إظهار الحق وتحصيل الفائدة والصفاء والرفق، واستفادة البعض من البعض، ويذكرهم ما جاء في ذم المماراة والمنافسة والشحناء، سيما أهل العلم المتسمين به، وأن ذلك سبب العداوة


1 - رواه الخطيب البغدادي في " الجامع الخلاق الراوي وآداب السامع [ أو: آداب الواعي ] " كما في " تذكرة السامع " / 39. وفي " مسند الامام موسى بن جعفر " عليهما السلام، ص 43، الحديث 7: "... كان النبي صلى الله عليه وآله يعجبه (ظ) أن يكون الرجل خفيف الصوت ويكره أن يكون الرجل جهير الصوت ". وفي " الجامع الصغير " ج 2 / 120 حرف الكاف، وشرحه: " فيض القدير " ج 5 / 242، الحديث 7147: " كان صلى الله عليه وآله يكره أن يرى الرجل جهيرا رفيع الصوت، وكان يحب أن يراه خفيض الصوت ". قال المناوي في شرح الحديث في " فيض القدير " ج 5 / 242: " أخذ منه أنه يسن للعالم صوت مجلسه عن اللغط ورفع الاصوات وغوغاء الطلبة وأنه لا يرفع صوته بالتقرير فوق الحاجة... " ومثله في " كشف الخفاء " ج 1 / 292. وفي " كنز العمال " ج 3 / 569، الحديث 7944: " إن الله ليكره الرجل الرفيع الصوت، ويجب الرجل الخفيض الصوت ". 2 - في " ثواب الاعمال " / 168، الحديث 5، و " بحار الانوار " ج 74 / 388، الباب 25، نقلا عنه " عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إسماع الاصم من غير تضجر صدقة هنيئة. " ولم أجد غير هذا حديثا في ذلك، وقال في " تذكرة السامع " / 39 كالمتن: " وروي في فضيلة ذلك حديث " ولم يذكر نص الحديث. نعم قال السمعاني في " أدب الاملاء والاستملاء " / 49: " ثم يرفع صوته بما يريد أن يميله. " واحتج لذلك بهذا الحديث: "... عن عبد الله بن عمر قال: تخلف عنا النبي في سفرة سفرناها فأدركنا وقد رهقتنا الصلاة صلاة العصر، ونحن نتوضا فجعلنا نمسح أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للاعقاب من النار مرتين أو ثلاثا ". وانظر شرح هذا الحديث في " فيض القدير " ج 6 / 367 366، الحديث 9643، وانظر أيضا " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 169. 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 40 - 41 " شرح المهذب " ج 1 / 57. [ * ]

[ 214 ]

والبغضاء الموجبين [ ظ: الموجبتين ] لتشويش الفكر وذهاب الدين، وأن الواجب كون الاجتماع خالصا لله تعالى ليثمر الفائدة في الدنيا والسعادة في الاخرى. التاسع عشر: أن يزجر من تعدى في بحثه أو ظهر منه لدد أو سوء أدب أو ترك إنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع على من هو أولى منه في المجلس، أو نام أو تحدث مع غيره حالة الدرس بما لا ينبغي، أو ضحك أو استهزأ بأحد أو فعل ما يخل بأدب الطالب في الحلقة، وسيأتي تفصيله 1 إن شاء الله تعالى. هذا كله إذا لم يترتب على ذلك مفسدة تربو عليه، وهذا النوع مغاير لما مر من زجرهم وكفهم عن مساوئ الاخلاق، لان هذا خاص بالدرس وذاك بما يتعلق بشأن أنفسهم، وإن كان يمكن إدراجه فيه، إلا أن الاهتمام بشأنه حسن ذكره على الخصوص. العشرون: أن يلازم الارفاق بهم في خطابهم وسماع سؤالهم، وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده أو تحرير العبارة فيه، لحياء أو قصور ووقع على المعنى، عبر عن مراده أولا وبين وجه إيراده، وأجاب بما عنده. وإن اشتبه عليه مراده سأله عن الامور التي يحتمل إرادته لها، فيقول له: أتريد بقولك كذا ؟ فان قال: نعم. أجابه، وإلا ذكر محتملا آخر. وإن سأل عن شئ ركيك فلا يستهزئ به ولا يحتقر السائل، فإن ذلك أمر لا حيلة فيه، ويتذكر أن الجميع كانوا كذلك ثم تعلموا وتفقهوا. الحادي والعشرون 2: أن يتودد لغريب حضر عنده، وينبسط له لينشرح صدره، فإن للقادم دهشة سيما بين يدي العلماء. ولا يكثر النظر والالتفات إليه استغرابا له، فإن ذلك يخجله ويمنعه من المسألة [ خ ل: المسألة ] والمشاركة في البحث إن كان من أهله.


1 - يعني تفصيل أدب الطالب، وسيأتي في النوع الثالث من هذا الباب. 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 44 43. [ * ]

[ 215 ]

الثاني والعشرون: إذا أقبل بعض الفضلاء، وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتى يجلس، وإن جاء - وهو - يبحث أعادها له أو مقصودها، وإذا أقبل وقد بقي للفراغ وقيام الجماعة بقدر ما يصل إلى المجلس، فليؤخر تلك البقية، ويشتغل عنها ببحث أو غيره إلى أن يجلس ثم يعيدها أو يتمم تلك البقية، كيلا يخجل المقبل بقيامهم عند جلوسه. الثالث والعشرون: 1 - وهو من أهم الآداب - إذا سئل عن شئ لا يعرفه، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه، فليقل: لا أعرفه أو لا أتحققه أولا أدري أو حتى أراجع النظر في ذلك. ولا يستنكف عن ذلك، فمن علم العالم أن يقول فيما لا يعلم: " لا أعلم والله أعلم ". قال علي عليه السلام: إذا سئلتم عما لا تعلمون فاهربوا، قالوا: وكيف الهرب ؟ قال: تقولون: الله أعلم 2. وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا: الله أعلم. إن الرجل ليسرع [ خ ل: ليشرع ] بالآية من القرآن يخر فيها أبعد ما بين السماء [ والارض ] 3. وعن زرارة بن أعين قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: ما حق الله على العباد ؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند ما لا يعلمون 4. وعن الصادق عليه السلام:


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 42 - 43، " شرح المهذب " ج 1 / 57 - 58. 2 - " سنن الدارمي " ج 1 / 63. 3 - " الكافي " ج 1 / 42، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 4، وفيه: " لينتزع الآية " بدل " ليسرع بالآية "، " بحار الانوار " ج 2 / 119، الحديث 25 - نقلا عن " المحاسن " - وفيه " لينتزع بالآية ". 4 - " الكافي " ج 1 / 43، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 7، " بحار الانوار " ج 2 / 113. الحديث 2، عن " أمالي الصدوق ". [ * ]

[ 216 ]

إن الله خص عباده بآيتين من كتابه: أن لا يقولوا حتى يعلموا، ولا يردوا ما لم يعلموا، قال الله عزوجل: " ألم يوخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق " وقال: " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله " 2. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إذا ترك العالم " لا أدري " أصيبت مقاتله 3. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: إذا سئل أحدكم عما لا يدري، فليقل: لا أدري، فإنه ثلث العلم 4. وقال آخر: لا أدري ثلث العلم 5. وقال بعض الفضلاء: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه " لا أدري " 6. ومعناه أن يكثر منها لتسهل عليهم ويعتادوها، فيستعملوها في وقت الحاجة. وقال آخر: تعلم " لا أدري "، فإنك إن قلت: لاأدري، علموك حتى تدري، وإن قلت: أدري، سألوك حتى لا تدري 7.


1 - سورة الاعراف (7): 169. 2 - سوة يونس (10): 39. والحديث في " الكافي " ج 1 / 43، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 8، " بحار الانوار " ج 2 / 113، الحديث 3 نقلا عن " أمالي الصدوق " وفيه: " عير " بدل " خص ". 3 - هذا الكلام نسب إلى ابن عباس في " البيان والتبيين " / 207، و " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 172، و " تذكرة السامع / 42، و " صفة الفتوى " / 7، و " أدب الدنيا والدين " / 82، وغيرها. وفي " قوت القلوب " ج 1 / 136: " قال على بن الحسين ومحمد بن عجلان: إذا أخطأ العالم قول لا أدري أصيبت مقالته " وفي " إحياء علوم الدين " ج 1 / 61: " قال ابن مسعود:.. جنة العالم لا أدري فإن أخطاها فقد أصيبت مقاتله " ونسب إلى محمد بن عجلان في " صفة الفتوى " / 7 و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 10 و " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 173 أيضا، ولكن هذا كلام مولانا ومولى الموحدين يعسوب الدين أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، روي في " نهج البلاغة " ص 482، قسم الحكم، الحكمة 85، و " غرر الحكم " ج 5 / 377، الحديث 8835، و " بحار الانوار " ج 2 / 122 الحديث 41، نقلا عن " نهج البلاغة " وهذا نصه: " من ترك قول لا أدري أصيبت مقاتله ". 4 - تذكرة السامع " / 42، " مجمع الزوائد " ج 1 / 180. 5 - " تذكرة السامع " / 42. 6 - " تفسير القرطبي " ج 1 / 286، " شرح المهذب " ج 1 / 57، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 173 وفيه:... أخبرني مالك ابن أنس أنه سمع عبد الله بن يزيد ابن هرمز، يقول: ينبغى للعالم... الخ ". 7 - " قوت القلوب " ج 1 / 96، " أعلام الموقعين " ج 4 / 278، " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 68، " صفة الفتوى " / 9، والقائل أبو الذيال، كما في المصدرين الاخيرين. [ * ]

[ 217 ]

واعلم أن قول العالم: " لاأدري " لا يضع منزلته، بل يزيدها رفعة ويزيده في قلوب الناس عظمة، تفضلا من الله تعالى عليه، وتعويضا له بالتزامه الحق، وهو دليل واضح على عظمة محله وتقواه وكمال معرفته. لا يقدح في المعرفة الجهل بمسائل معدودة. وإنما يستدل بقوله: " لا أدري " على تقواه، وأنه لا يجازف في فتواه، وأن المسألة من مشكلات المسائل. وإنما يمتنع من " لاأدري " من قل علمه وعدمت تقواه وديانته، لانه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الناس، وهذه جهالة أخرى منه، فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلم يبوء بالاثم العظيم، ولا يصرفه عما عرف به من القصور، بل يستدل به على قصوره، ويظهر الله تعالى عليه ذلك بسبب جرأته على التقول في الدين، تصديقا لما ورد في الحديث القدسي: من أفسد جوانية أفسد الله برانيه 1. ومن المعلوم أنه إذا رؤي المحققون يقولون في كثير من الاوقات: " لا أدري " وهذا المسكين لا يقولها أبدا، يعلم أنهم يتورعون لدينهم وتقواهم، وأنه يجازف لجهله وقلة دينه، فيقع فيما فر منه، واتصف بما احترز عنه لفساد نيته وسوء طويته. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور 2.


1 - في " مشكاة الانوار " / 321: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من عبد إلا وله جواني وبراني، فمن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، ومن أفسد جوانيه أفسد الله عليه برانيه... " وفي " النهاية " ج 1 / 319: " وفي حديث سلمان رضي الله عنه: إن لكل امرئ جوانيا وبرانيا، فمن يصلح جوانيه يصلح الله برانيه، ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه، أي باطنا وظاهرا، وسرا وعلانيه، وهو منسوب إلى جو البيت وهو داخله، وزيادة الالف والنون للتأكيد " وقال في 1 / 117: ".. أراد بالبراني العلانية، والالف والنون من زيادات النسب كما قالوا في صنعاء، صنعاني. وأصله من قولهم خرج فلان برا، أي خرج إلى البر والصحراء، وليس من قديم الكلام وفصيحه ". وانظر أيضا " لسان العرب " ج 14 / 157، " جوا " وج 4 / 54 " برر ". 2 - " شرح المهذب " ج 1 / 58 " سنن أبي داود " ج 4 / 300، كتاب الادب، الحديث 4997، " النهاية " ج 2 / 441، وفيه: " لا يملك " بدل " لم يعط " قال ابن الاثير في توضيح الحديث: " أي المتكثر بأكثر مما عنده يتحمل بذلك، كالذي يري أنه شبعان، وليس كذلك، ومن فعله فإنما يسخر من نفسه. وهو من أفعال ذوي الزور، بل هو في نفسه زور، أي كذب " وانظر " مجمع الامثال " ج 2 / 150. [ * ]

[ 218 ]

وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى والخضر عليهما السلام حين لم يرد موسى عليه السلام العلم إلى الله تعالى لما سئل هل أحد أعلم منك ؟ 1 بما حكاه الله عنهما من الآيات المؤذنة 2 بغاية الذل من موسى عليه السلام وغاية العظمة من الخضر عليه السلام. وسيأتي 3 إن شاء الله تعالى في هذه الرسالة جملة من نكت القصة. الرابع والعشرون: أنه إذا اتفق له تقرير أو جواب توهمه صوابا، يبادر إلى التنبيه على فساده وتبيين خطائه قبل تفرق الحاضرين، ولا يمنعه الحياء أو غيره من المبادرة، وتحمله النفس الامارة بالسوء على التأخير إلى وقت آخر خال، فإنه من خدع النفس وتلبيس إبليس لعنه الله. وفيه ضرر عظيم من وجوه كثيرة: منها: استقرار الخطأ في قلوب الطلبة، ومنها: تأخير بيان الحق مع الحاجة إليه، ومنها: خوف عدم حضور بعض أهل المجلس في الوقت الآخر فيستمر الخطأ في فهمه، ومنها: طاعة الشيطان في الاستمرار على الخطأ، وهو موجب لطعمه فيه مرة ثانية وهلم جرا. ومع تأديته للواجب من ذلك يفيد الطالبين ملكة صالحة تعقب خيرا عظيما يكون الراجع سببا فيه، فيشارك في أجره، مضافا إلى ما استحقه من الاجر بفعل ما يجب عليه، فقد غنمت حركته وربحت تجارته برجوعه إلى الحق، ويرفعه الله تعالى بسبب ذلك، خلاف ما يظنه، الجاهل ويتوهمه الاحمق الغافل.


1 - " صحيح البخاري " ج 2 / 46 - 47، كتاب العلم، الحديث 73، وج 2 / 54 الحديث 77، وج 2 / 141 - 145، الحديث 123، " تفسير مجمع البيان " ج 6 / 481، " مسند أحمد " ج 5 / 116، 117، 118، " صحيح مسلم " ج 4 / 1847 - 1853، كتاب الفضائل (43) الباب 46، " الترغيب والترهيب " ج 1 / 129، الحديث 1، وإليك نص واحد منها مع التلخيص: "... سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول: بينما موسى في ملامن بني إسرائيل، جاءه رجل فقال له: هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه. الخ ". ومثله روي في " تفسير العياشي " ج 2 / 334، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - سورة الكهف (18): 65 - 82. 3 - في القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 235 - 239 (*).

[ 219 ]

الخامس والعشرون: 1 التنبيه عند فراغ الدرس أو إرادته بما يدل عليه إن لم يعرفه القارئ، وقد جرت عادة السلف أن يقولوا حينئذ: " والله أعلم " 2. وقال بعض العلماء: 3 الاولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختمه الدرس، كقوله: هذا آخره، أو: ما بعده يأتي إن شاء الله تعالى، ونحو ذلك، ليكون قوله " والله أعلم " خالصا لذكر الله تعالى ولقصد معناه. ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس ببسم الله الرحمن الرحيم، ليكون ذاكرا لله تعالى في بدايته وخاتمته، وإذا جعل الذكر دليلا على الفراغ لم يتمحض له. السادس والعشرون: أن يختم الدرس بذكر شئ من الرقائق والحكم والمواعظ وتطهير الباطن، ليتفرقوا على الخشوع والخضوع والاخلاص، فإن البحث البحت يورث في القلوب قوة، وربما أعقب قسوة، فليحركه في كل وقت إلى الاقبال، ويلاحظه بالاستكمال، ولا شئ أصلح من تلك الحالة. هذا كله إذا لم يكن بعد ذلك دروس حاضرة بحيث يكون الاشتغال بها أولى، فيؤخر ذلك إلى الآخر حسب ما يقتضيه الحال. السابع والعشرون: أن يختم المجلس بالدعاء كما بدأ به، بل هو الآن أولى وأقرب إلى الاجابة، لما قد غشيهم من الرحمة وخصهم من المثوبة، وليتضمن دعاؤهم الائمة الراشدين والعلماء السابقين، وتعميم جماعة المسلمين، وأن يجعل أعمالهم خالصة لوجه الله، مقربة إلى مرضاته. وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله كان يختم مجلسه بالدعاء. وفيه حديث مسلسل 4 بختمه به مشهور، ومتنه:


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 44 - 45. 2 - " تذكرة السامع " / 44. 3 - هو ابن جماعة الكناني في " تذكرة السامع " / 44 - 45. 4 - تقدم معنى الحديث المسلسل في الصفحة 195 التعليقة 2. اعلم أنه قد عنى علماء الحديث بهذا النوع جدا فصنفوا فيه مصنفات خاصة، ذكر بعضها محمد عبد الحي الكتاني في " فهرس الفهارس والاثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات " المطبوع في مدينة فاس بالمغرب الاقصى، وجاء اسم بعضها في " الدر [ * ].

[ 220 ]

أنه صلى الله عليه وآله كان إذا فرغ من حديثه، وأراد أن يقوم من مجلسه يقول: أللهم اغفر لنا ما أخطأنا وما تعمدنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت 1. الثامن والعشرون: 2 أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة، فإن فيه فوائد وآدابا له ولهم: منها إن كان في نفس أحد منهم بقايا سؤال تأخر، ومنها إن كان لاحد به حاجة، وقد صبر عليها حتى فرغ يذكرها له، ومنها عدم مزاحمتهم ورفع الكلفة عنهم بخروجه قبلهم، وخفق النعال خلفه، وهو آفة عظيمة خطرة، ومنها عدم ركوبه بينهم إن كان يركب إلى غير ذلك. التاسع والعشرون: 3 أن ينصب لهم نقيبا فطنا كيسا يرتب الحاظرين، ومن يدخل عليه على قدر منازلهم، ويوقط النائم وينبه الغافل، ويشير إلى ما ينبغي فعله وتركه، ويأمر بسماع الدروس والانصات إليها لمن لا يعرف، وكذلك ينصب لهم رئيسا آخر يعلم الجاهل، ويعيد درس من أراد، ويرجع إليه في كثير ما يستحيى أن يلقى به العالم من مسألة أو درس، فإن فيه ضبطا لوفت العالم، وصلاحا لحال المتعلم الثلاثون: 4 أن يقول إذا قام من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.


الفريد " / 133 - 134، منها " عقد اللآلي في الاحاديث المسلسلة الغوالي "، و " المسلسلات الكبرى ". ورويت في " الدر الفريد " / 133 - 237، خمسة وأربعون حديثا مسلسلا. ولكن لم أجد فيه هذا الحديث المسلسل الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله، ولا في " الجواهر المكللة في الاحاديث المسلسلة " ولا في " المسلسلات ". 1 - هذا الدعاء روي في " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 528، 536 - 537، مع اختلاف في اللفظ، إلا أنه لم يروه مسلسلا. 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 45. 3 - لا حظ " تذكرة السامع " / 41. 4 - لاحظ " تذكرة السامع " / 45. [ * ]

[ 221 ]

رواه جماعة من فعل النبي صلى الله عليه وآله 1. وفي بعض الروايات أن الثلاث آيات كفارة المجلس 2. وكما يستحب ذلك العالم يستحب لكل قائم لكنه في حقه آكد.


1 - روي إلى قوله " وأتوب إليك " في " سنن أبي داود " ج 4 / 265، كتاب الادب، الحديث 4859، " سنن الدارمي " ج 2 / 283، " مسند أحمد " ج 2 / 369، ج 4 / 420، ج 6 / 77 " الاذكار " / 265، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 127 " تذكرة السامع " 45 / 236 " الجامع الصغير " ج 2 / 113 حرف الكاف، وفيها: " كان رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] إذا جلس في المجلس فأراد أن يقوم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقالوا: يا رسول الله ! إنك لتقول الآن كلاما ما كنت تقول فيما خلا. فقال: هذا كفارة لما يكون في المجالس "، وقال في " فيض القدير " ج 5 / 189: " وكان السلف يواظبون عليه ويسمى ذلك كفارة المجلس ". 2 - يريد الآيات الثلاث الاخيرة من سورة الصافات (37) وهي " سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين " ورواية التي أشار إليها مؤلف رحمه الله رويت في " كتاب من لا يحضره الفقيه " ج 3 / 238 - 239، الحديث 1132، وهذا نصه: " قال الصادق عليه السلام: كفارات المجالس أن تقول عند قيامك منها: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين " وفي " الكافي " ج 2 / 469 كتاب الدعاء، باب ما يجب من ذكر الله عزوجل في كل مجلس، الحديث 3، " تفسير مجمع البيان " 8 / 463، " تفسير الكشاف " ج 4 / 69، " الاذكار " / 265، " تفسير أبي الفتوح الرازي " ج 8 / 330، " عوالي الآلي " ج 2 / 26 " بحار الانوار " ج 75 / 468، الحديث 20 نقلا عن " عدة الداعي " وغيرها عدة روايات بهذا المضمون: " من أراد أن يكتال بالمكيال الاوفى، فليقل إذا أراد أن يقوم من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. " وفي " الجامع الصغير " ج 2 / 107، حرف الكاف " كان إذا سلم من الصلاة قال ثلاث مرات: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ". [ * ]

[ 223 ]

النوع الثالث في الآداب المختصة بالمتعلم وهي تنقسم كما مر 1 ثلاثة أقسام: آدابه في نفسه، وآدابه مع شيخه، وآدابه في مجلس درسه.


1 يعني أن الآداب المختصة بالمتعلم تنقسم ثلاثة أقسام كما أن الآداب المختصة بالمعلم أيضا كذلك، وإلا فلم يذكر رحمه الله فيما مضى تقسيم الآداب المختصة بالمتعلم إلا ثلاثة أقسام. [ * ]

[ 224 ]

القسم الاول آدابه في نفسه وهي أمور: الاول: أن يحسن نيته، ويطهر قلبه من الادناس، ليصلح لقبول العلم وحفظه واستمراره، وقد تقدم ما يدل عليه، 1 ولكن أعيد هنا لينبه على كونه من أسباب التحصيل، وهناك من أسباب الفائدة الاخروية: قال بعض الكاملين: تطييب القلب للعلم كتطييب الارض للزراعة، فبدونه لا تنمو ولا تكثر بركته ولا يزكو، كالزرع في أرض بائرة غير مطيبة. 2 وقال النبي صلى الله عليه وآله: إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. 3 وقال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يدخله النور، وفيه شئ مما يكرهه الله عزوجل. 4 وقال علي بن خشرم: شكوت إلى وكيع 5 قلة الحفظ، فقال: استعن على


1 - تقدم في أول هذا الباب، أعني الباب الاول. 2 - " التبيان في آداب حملة القرآن " / 23، " شرح المهذب " ج 1 / 59 58. 3 - " صحيح البخاري " ج 1 / 204 - 205، كتاب الايمان، الحديث 49، " مسند أحمد " ج 4 / 270، 274، " الترغيب والترهيب " ج 2 / 554، الحديث 1، " التبيان في آداب حملة القرآن " / 23. 4 - " تذكرة السامع " / 67. وسهل بن عبد الله هو أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التستري (200 / 203 283 / 273 ه‍) انظر ترجمته ومصادر ترجمته في " وفيات الاعيان " ج 2 / 429 - 430، و " طبقات الصوفية " / 133 - 138 و " الاعلام " ج 3 / 143 و " معجم المؤلفين " ج 4 / 284. 5 - هو وكيع بن الجراح بين مليح (129 - 197 ه‍)، تجد ترجمته ومصادر ترجمته في " تهذيب التهذيب " [ * ].

[ 225 ]

الحفظ بقلة الذنوب 1 وقد نظم بعضهم ذلك في بيتين فقال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي * فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم فضل * وفضل الله لايؤتاه عاصي 2 الثاني: أن يغتنم التحصيل في الفراغ والنشاط وحالة الشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر وسلامة والحواس وقلة الشواغل وتراكم العوارض، سيما قبل ارتفاع المنزلة والاتسام بالفضل والعلم، فإنه أعظم صاد عن درك الكمال، بل سبب تام في النقصان والاختلال. قال بعضهم: تفقهوا قبل أن تسودوا 3. أي تصيروا سادة فتأنفوا من التعلم أو تستحيوا منه بسبب المنزلة فيفوتكم العلم. وقال آخر: تفقه قبل أن تترأس، فإذا رأست، فلا سبل إلى التفقه. 4 وجاء في الخبر: مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنفش على الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم في


ج 11 / 123، و " الاعلام " ج 8 / 117، و " تذكرة الحفاظ " ج 1 / 306 - 309. قال ابن حجر في ترجمته في " تهذيب التهذيب ": " قيل: ما رأيت أحدا أحفظ من وكيع ". 1 - " تهذيب التهذيب " ج 11 / 129، وفيه: " قال علي بن خشرم [ بزنة جعفر ]: رأيت وكيعا وما رأيت بيده كتابا قط، إنما هو يحفظ، فسألته عن دواء الحفظ، فقال: ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ " وانظر " روضة العقلاء " / 39. واعلم أن في جميع نسخ " منية المريد ": " علي بن حشرم " بالحاء المهملة، والصواب " علي بن خشرم " بالخاء المعجمة، كما في " تهذيب التهذيب " ج 11 / 129، ج 7 / 317 316، و " تدريب الراوي " ج 1 / 224. وانظر ترجمة علي بن خشرم (165 - 257 ه‍) في " تهذيب التهذيب " ج 7 / 316 - 317. 2 - " تعليم والمتعلم " / 26، والبيت الثاني فيه هكذا: " فإن الحفظ فضل من إله * وفضل الله لا يهدى لعاصي " 3 - قاله عمر، كما في " صحيح البخاري " ج 2 / 41، كتاب العلم، " سنن الدارمي " ج 1 / 79، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 103، " مختصر نصيحة أهل الحديث " / 29 " أدب الدنيا والدين " / 58 " المحاسن والمساوئ " / 11 " التبيان في آداب حملة القرآن " / 1، " شرح المهذب " ج 1 / 64. 4 - قاله الشافعي، كما في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 78، 79، " تذكرة السامع " / 134، " التبيان في آداب حملة القرآن " / 27، " شرح المهذب " ج 1 / 64. [ * ]

[ 226 ]

كبره كالذي يكتب على الماء 1. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما أوتي عالم علما إلا وهو شاب 2 وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: وآتيناه الحكم صبيا. 3 وهذا باعتبار الغالب، وإلا فمن كبر لا ينبغي له أن يحجم عن الطلب، فإن الفضل واسع والكرم وافر والجود فائض، وأبواب الرحمة والهبات مفتحة، فإذا كان المحل قابلا تمت النعمة وحصل المطلوب، قال الله تعالى " واتقوا الله ويعلمكم الله 4 وقال تعالى: ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما 5. وقال تعالى - حكاية عن موسى عليه السلام -: ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما 6. إلى غير ذلك، وقد اشتغل جماعه من السلف 7 في حال كبرهم فتفقهوا وصاروا أساطين في الدين وعلماء مصنفين في الفقه وغيره، فليغتنم العاقل عمره، وليحرز شبابه عن التضييع، فإن بقية العمر لا ثمن لها كما قيل: بقية العمر عندي ما لها ثمن * وما مضى غير محمود من الزمن يستدرك المرء فيها ما أفات ويحيا ما أمات ويمحو السوء بالحسن 8 الثالث: 9 أن يقطع ما يقدر عليه من العوائق الشاغلة، والعلائق المانعة عن تمام الطلب وكمال الاجتهاد، وقوة الجد في التحصيل، ويرضى بما تيسر من القوت وإن


1 - " الجامع الصغير " ج 2 / 154، حرف الميم، وشرحه " فيض القدير " ج ط 5 / 509، الحديث 8138، " أدب الدنيا والدين " / 57. 2 - " مجمع الزوائد " ج 1 / 125، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 89، وقبله فيهما: " ما بعث الله نبيا إلا وهو شاب... ". 3 - سورة مريم (19): 12. 4 - سورة البقرة (2): 282. 5 - سورة القصص (28): 14. 6 - سورة الشعراء (26): 21. 7 - منهم السكاكي صاحب " مفتاح العلوم " كما يقال: وفي " فيض القدير " ج 5 / 509: "... قد تفقه القفال والقدوري بعد الشيب ففاقوا الشاب ". 8 - لم أقف على ناظم البيتين. 9 - لاحظ " تذكرة السامع " / 71 - 72. [ * ]

[ 227 ]

كان يسيرا، وبما يستر مثله من اللباس وإن كان خلقا، فبالصبر على ضيق العيش تنال سعة العلم، ويجمع شمل القلب عن مفترقات الآمال، ليتفجر عنه ينابيع الحكمة والكمال. قال بعض السلف 1: لا يطلب أحد هذا العلم بعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح. وقال أيضا: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس. فقيل: ولا الغني المكفي. فقال: ولا الغني المكفي 2. وقال آخر: 3 لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر، ويؤثره على كل شئ. وقال بعضهم: 4 لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته. وهذا كله وإن كان فيه مبالغة، فالمقصود به أنه لا بد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر. وبالغ بعض المشايخ فقال لبعض طلبته: اصبغ ثوبك حتى لا يشغلك فكر غسله. 5 ومن هنا قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك. 6 الرابع: أن يترك التزوج حتى يقضي وطره من العلم، فإنه أكبر شاغل


1 - هو الشافعي كما في " المحدث الفاصل " / 220 و " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 93، و " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 117 و " تدريب الراوي " ج 2 / 141 - 142 و " تذكرة السامع " / 71 - 72، و " فتح الباقي " ج 2 / 224، و " شرح المهذب " ج 1 / 59. 2 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 94، " تذكرة السامع " / 72، " فيض القدير " ج 6 / 175، " شرح المهذب " ج 1 / 59. وراجع أيضا " حلية الاولياء " ج 9 / 119. 3 - هو مالك بن أنس، كما في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 92، و " تذكرة السامع " / 72، " شرح المهذب " ج 1 / 59. 4 - نقله الخطيب البغدادي عن بعضهم في " الجامع لاخلاق الراوي وآداب الواعي [ أو السامع ] كما في " تذكرة السامع " / 71. 5 - " تذكرة السامع " / 71. قال الذهبي في ترجمة شعبة بن الحجاج: " وكانت ثيابه لونها كالتراب " (" تذكرة الحفاظ " ج 1 / 194). 6 - قاله الخليل بن أحمد، كما في " محاضرات الادباء " ج 1 / 50. ونسب إلى القيل في " الذريعة إلى مكارم الشريعة " / 117، و " ميزان العمل " / 116. [ * ]

[ 228 ]

وأعظم مانع، بل هو المانع جملة، حتى قال بعضهم: ذبح العلم في فروج النساء. 1 وعن إبراهيم بن أدهم: من تعود أفخاذ النساء لم يفلح 2. يعني اشتغل بهن عن الكمال. وهذا أمر وجداني مجرب واضح، لا يحتاج إلى الشواهد، كيف مع ما يترتب عليه على تقدير السلامة فيه من تشويش الفكر بهم الاولاد والاسباب، ومن المثل السائر " لو كلفت بصلة ما فهمت مسألة ". 3 ولا يغتر الطالب بما ورد في النكاح من الترغيب، 4 فإن ذلك حيث لا يعارضه واجب أولى منه، ولا شئ أولى ولا أفضل ولا واجب أضيق من العلم. سيما في


1 - لم أقف على قائله ومصدره، نعم نقل في " الانوار النعمانية " ج 4 / 312، و " جواهر الكلام " ج 29 / 32، ولكن لم ينسب فيهما إلى قائل معين، وقال في " كشف الخفاء " ج 1 / 370: " قال بعض العلماء: ضاع العلم بين أفخاذ النساء ". وقال فيه ج 1 / 500 أيضا: " ذبح العلم بين أفخاذ النساء، ليس بحديث " وفيه ج 2 / 44: " ضاع العلم بين أفخاذ النساء، ليس بحديث، بل روي بمعناه عن بشر الحافي، فقال: لا يفلح من ألف أفخاذ النساء ". 2 - " قوت القلوب " ج 2 / 239 " شرح المهذب " ج 1 / 59. وفي " إحياء علوم الدين " ج 2 / 31: " قال ابراهيم ابن أدهم: من تعود أفخاذ النساء لم يجئ منه شئ " وفي " حلية الاولياء " ج 8 / 11، عن إبراهيم بن أدهم: " من أحب اتخاذ [ كذا ] النساء لم يفلح " وفيه أيضا ج 7 / 12 عن الثوري: " من أحب أفخاذ النساء لم يفلح ". وإبراهيم بن أدهم هو أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي. انظر ترجمته ومصادر ترجمته في " الاعلام " ج 1 / 31. 3 - في " تذكرة السامع " / 71: " ومما يقال عن الشافعي أنه قال: لو كلفت شراء (خ ل: إلى شراء) بصلة لما فهمت مسألة ". والظاهر أنه ليس بمثل سائر، بل هي كلمة هو أعني الشافعي قائلها. 4 - " الكافي " ج 5 / 328 - 331، كتاب النكاح، وغيره. قال صاحب " الجواهر " قدس سره: ".. نعم ربما قيل بالتفصيل بين من كانت عبادته من الاعمال، فالتزويج أفضل منها، لاطلاق ما دل على ذلك، وبين من كانت عبادته تحصيل العلوم الدينية، فهي أفضل منه، لان كمال الانسان العلم الذي هو الغرض الاصلي من خلقته - وساق الكلام في فضيلة العلم إلى أن قال قده: إلى غير ذلك من الفضائل التي لا تحصى كثرة على وجه يقطع ذو الفطرة السليمة الواقف على تمام ما ورد في فضيلة العلم والعلماء أنه أفضل السعادات وأشرف الكمالات، وأنه ينبغي تقديمه على كل فضيلة، وإيثاره على كل طاعة، سواء في ذلك التزوجى وغيره، وما ورد في الاخبار من فضل النكاح ليس مما يداني فضيلة العلم ولا مما يقاربه، فلا يصلح المعارضة به، ولا الشك في أفضلية العلم بسببه، وإن لم يذكر ذلك صريحا فيما ورد به، كما هو واضح بأدنى تأمل، فالواجب حينئذ تقديمه على ما يضاده ويعارضه، والاجتهاد في قطع ما يقدر عليه من العوائق الشاغلة والعلائق المانعة عن تحصيله، أو عن الاستكمال فيه، ولا ريب التزويج من أكبر الشواغل وأعظم الموانع، حتى اشتهر " أن العلم ذبح في فروج النساء ". لكن قد يناقش هنا بأن النزاع هنا... إلخ " (" جواهر الكلام " ج 29 / 31 - 32). [ * ]

[ 229 ]

زماننا هذا، فإنه وإن وجب على الاعيان والكفاية على تفصيل، فقد وجب في زماننا هذا على الاعيان مطلقا، لان فرض الكفاية إذا لم يقم به من فيه كفاية، يصير كالواجب العيني في مخاطبة الكل به، وتأثيمهم بتركه، كما هو محقق في الاصول. الخامس: 1 أن يترك العشرة مع من يشغله عن مطلوبه، فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم، ولا سيما لغير الجنس، وخصوصا لمن قلت فكرته، وكثر تعبه وبطالته، فإن الطبع سراق، وأعظم آفات العشرة ضياع العمر بغير فائدة، وذهاب العرض والدين إذا كانت لغير أهل. والذي ينبغي لطالب العلم، أن لا يخالط إلا لمن يفيده أو يستفيد منه، فإن احتاج إلى صاحب، فليختر الصاحب الصالح الدين التقي الذكي، الذي إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبره، فيستفيد من خلقه ملكة صالحة فإن لم يتفق مثل هذا، فالوحدة ولاقرين السوء، السادس: 2 أن يكون حريصا عن التعلم، مواظبا عليه في جميع أوقاته: ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، ولا يذهب شيئا من أوقاته في غير طالب العلم إلا بقدر الضرورة لما لابد منه من أكل ونوم واستراحة يسيرة، لازالة الملل ومؤانسة زائر وتحصيل قوت، وغيره مما يحتاج إليه، أو لالم وغيره، مما يتعذر معه الاشتغال، فإن بقية العمر لا ثمن لها و من استوى يوماه فهو مغبون. 3


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 83 - 84. 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 26 - 27، " شرح المهذب " ج 1 / 62 - 63. 3 - حديث نبوي مروي في " إرشاد القلوب " ج 1 / 87، و " تفسير كشف الاسرار " ج 4 / 459، و " عوالي اللآلي " ج 1 / 284. وهو أيضا مروي عن موسى بن جعفر عليهما السلام في " بحار الانوار " ج 78 / 327، باب مواعظ أبي الحسن موسى - نقلا عن " كشف الغمة " -. وفي " بحار الانوار " ج 78 / 277 عن الصادق عليه السلام: " من اعتدل يوماه فهو مغبون " وأيضا فيه ج 1 / 173، الحديث 5 - نقلا عن " أمالي الصدوق " - عن الصادق عليه السلام " من استوى يوماه فهو مغبون ". [ * ]

[ 230 ]

وليس بعاقل من أمكنه الحصول على درجة ورثها الانبياء ثم فوتها، ومن هنا قيل: لا يستطاع العلم براحة الجسد. 1 وقيل: الجنة حفت بالمكاره. 2 وقيل: " ولابد دون الشهد من ألم النحل " 3. وقيل: لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا 4 السابع: أن يكون عالي الهمة، فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير، ولا يسوف في اشتغاله، ولا يؤخر تحصيل فائدة وإن قلت تمكن منها، وإن أمن فوات حصولها بعد ساعة، لان للتأخير آفات، ولانه في الزمن التالي يحصل غيرها، حتى لو عرض له مانع عن الدرس، فليشتغل بالمطالعة والحفظ بجهده، ولا يربط شيئا بشئ. وليعلم أنه إن أراد التأخير إلى زمن يكمل فيه الفراغ، فهذا زمن لم يخلقه الله تعالى بعد بل لابد في كل وقت من موانع وعوائق وقواطع، فقاطع ما أمكنت منها قبل أن يقطعك كلها، كما ورد في الخبر: الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك. 5


1 - " المحدث الفاصل " / 202، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 109، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 103، " شرح المهذب " ج 1 / 63، " تدريب الراوي " ج 2 / 141، " فتح الباقي " ج 2 / 224، " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 224، " تذكرة السامع " / 27، قاله يحيى بن أبي كثير. وجاء في " تذكرة السامع " / 27: " الجسم " بدل " الجسد "، وهو أنسب. 2 - عن أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين: "... إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: إن الجنة حفت بالمكاره، وإن النار حفت بالشهوات " (" نهج البلاغة " ص 251، قسم الخطب، الخطبة 176). 3 - هذا عجز بيت للمتنبي، والبيت ورد في " ديوان المتنبي " / 214 هكذا: تريدين لقيان المعالي رخيصة * ولابد دون الشهد من إبر النحل وانظر " تذكرة السامع " / 27 و " الامثال والحكم " / 49. 4 - " أمالي القالي " ج 1 / 146، رواه عن أبي بكر بن دريد عن بعض العرب " شرح دوان الحماسة " ج 3 / 1511، رواه عن رجل من بنى أسد. وفي " لسان العرب " ج 4 / 442، " صبر ": " الصبر: عصارة شجر مر، واحدته: صبرة، وجمعه: صبور... ولا يسكن في ضرورة الشعر " وراجع " الامثال والحكم " / 49. 5 - اعلم أنى لم أجد هذا الكلام في جوامع الحديث للشيعة ولاهل السنة، وليس حديثا من أحاديث المعصومين سلام الله عليهم أجمعين، بل يعد من كلمات مشايخ الصوفية. وإليك ما قال بعضهم في ذلك: في " كشف المحجوب " / 482: " ومشايخ گفته اند: الوقت سيف قاطع، ازآنك صفت شمشير بريدن است وصفت وقت بريدن، كي وقت بيخ مستقبل وماضي را ببرد. "، وفي " مشارق الدراري " / 214: "... پس از اين جهت أو را به شمشير نسبت كرده اند وگفته اند. كه: الوقت سيف، يعني زود از ميان مي گذرد چنانكه شمشير. " وفي " تذكرة الاولياء " / 254 - نقلا عن الشافعي -: "... علم من در علم صوفيان نرسيد و علم ايشان در علم يك سخن پير من نرسيد كه گفت: الوقت سيف قاطع " [ * ].

[ 231 ]

وإلى هذا المعنى أشار بعض الاولياء الفضلاء 1 مشيرا إلى الحث على مقامات العارفين: وكن صارما كالوقت فالمقت في " عسى " * وإياك " علي " فهي أخطر علة 2 وسرزمنا وانهض كسيرا فحظك البطاله ما أخرت عزما لصحة واقدم وقدم ما قعدت له مع الخوالف واخرج عن قيود التلفت وجد بسيف العزم " سوف " فإن تجد * تجد نفسا، فالنفس إن جدت جدت 3


وقال سعدي الشيرازي في " بوستان " / 185، الباب 9: مكن عمر ضايع به افسوس وحيف * كه فرصت عزيز است والوقت سيف وقال العارف الرومي: قال أطعمني فإني جائع * واعتجل فالوقت سيف قاطع وعلى هذا، فالجملة من كلمات مشايخ الصوفية وليس من أحاديث المعصومين عليهم السلام، وصرح بذلك في " كشف الخفاء " ج 2 / 457 وقال: " ليس بحديث وهو من كلام بعض الحكماء ". والمؤلف رحمه الله، إنما عبر عنه في المتن بالخبر، والخبر، كما في " شرح البداية " / 6 - 7، " أعلم من أن يكون قول الرسول أو الامام والصحابي والتابعي وغيرهم من العلماء والصلحاء، وقد يخص الحديث بما جاء عن المعصوم عليه السلام، ويخص الخبر بما جاء عن غيره، أو يجعل الحديث أعم من الخبر مطلقا ". وجاء في " إرشاد القلوب " ج 1 / 51 - نقلا عن بعض العلماء -: " الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيها ". 1 - هو ابن الفارض في تائيته الكبرى المعروفة، انظر " ديوان ابن الفارض " / 63 - 64، " مشارق الدراري " / 214 - 219. 2 - ورد في المصدر: " علا " بدل " علي "، وعل لغة في لعل. 3 - قال في " كشف الوجوه الغر لمعاني نظم الدر " ج 1 / 142 - 146، في شرح هذه الابيات: "... ونصب زمنا وكسيرا على الحال من الضمير في سروا نهض... أي سر للحج في حالكونت زمنا، وانهض وقم إلى الصلاة في حالكونك كسيرا مريضا، لانك مادمت أخرت عزم العمل إلى زمان الصحة لم تخط بشئ سوى البطالة. -... يعني تقدم في السلوك، وقدم سبيلك كل ما قعدت لاجله في بيت الهوى من الحظوظ النفسانية والعصيان، واخرج عن قيود الالتفات إلى الموانع ليفتح عليك أبواب العزائم. " فإن تجد ": من جاد بنفسه يجود جودا: إذا مات، وقوله " تجد نفسا ": من وجد يجد وجدانا: إذا صادف وقوله " إن جدث " من جاد الفرس يجود جودة، إذا سار جيدا، وقوله " جدت ": من جد يجد جدا: إذا جهد، والفاء في " فالنفس " للتعليل يتعلق بقوله " وجد " أي واقطع بسيف العزم الصحيح " سوف أفعل " يعني تسويف النفس، واشتغل بوظيفة الوقت، فإن تمت بعد ذلك تجد نفسا صالحا وذلك هو الوقت الذي أدركته بالطاعة وأمرت بها، لان النفس إن سرت سيرا جيدا صارت مجدة ساعية في العمل، فإنها إذا بعثت على الطاعة مدربت فيها وانتزعت الكراهة عنها، وحينئذ ينبعث منها داعية العمل ". وشرح سعيد الدين الفرغاني هذه الابيات شرحا وافيا في شرحه على تائية ابن الفارض الموسوم ب‍ " مشارق [ * ].

[ 232 ]

الثامن: أن يأخذ في ترتيب التعلم بما هو الاولى، ويبدأ فيه بالاهم فالاهم فلا يشتغل في النتائج قبل المقدمات، ولا في اختلاف العلماء - في العقليات والسمعيات - قبل إتقان الاعتقاديات، فإن ذلك يحير الذهن ويدهش العقل. وإذا اشتغل في فن، فلا ينتقل عنه حتى يتقن فيه كتابا، أو كتبا إن أمكن وهكذا القول في كل فن. وليحذر التنقل من كتاب إلى كتاب، ومن فن إلى غيره من غير موجب، فإن ذلك علامة الضجر وعدم الفلاح، فإذا تحققت أهليته، وتأكدت معرفته، فالاولى له أن لا يدع فنا من العلوم المحمودة، ونوعا من أنواعها إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على مقاصده وغايته، ثم إن ساعده العمر وأنهضه التوفيق، طلب التبحر فيه، وإلا اشتغل بالاهم فالاهم، فإن العلوم متقاربة وبعضها مرتبط ببعض غالبا. واعلم أن العمر لا يتسع لجميع العلوم، فالحزم أن يأخذ من كل علم أحسنه،


الدراري " / 214 - 220 ونحن ننقل هنا بعض كلامه ونحيل من أراد التفصيل إليه: أ - " وبباش شمشير برنده همچون وقت، أعني زمان حاضر، كه دشمن داشتن حق مر نفس تو را، در گفتار " اگر " توست: ودورباش از آنكه گوئى: " مگر من فردا چنين وچنين كنم " كه اين كلمهء لعل خطرناكترين علتى است مر نفس مرا. ب - وراه مى رو همچنان كه بر جاى مانده أي، وبر خيز در حال شكسته پايى كه نصيب توبى كارى است مادام كه در تأخير مى دارى عزيمت خود را تا به وقت درست شدن و. وهمين معنى را بعينه بعضى از مشايخ به اين عبارت گفته اند كه " سيروا إلى الله عرجا ومكاسير " پس كأنه شيخ ناظم ابن معنى ايشان را به نظم آورده است. ج‍ - وپيش آى وپيش آور، أعني ترك كن هرچه را كه تو از براى آن باز پس نشته أي در خانهء تن بازنان يا خسيسان، أعني نفس وقواى حسى أو، وبيرون آى از بندهاى واپس نگرستيها. د - وببربه شمشير عزم صحيح، تسويف وتسويل نفس را، پس اگر تو نيكو وتيز روى در راه عشق و فنا، آنگاه بيابى دمى خوش، چه نفس را اگر فدا كنى وبه معشوق بخشى، بختيار شود يا وجودي نو يابد. در اين بيت تجنيس الفاظ به كار برده است، اول: جد، از جد است به معنى فطع از باب مضاعف، و دوم: فإن تجد، از جودت است به معنى نيكرفتار شدن اسب از أجوف، نعت أو جواد آيد، سوم: تجد، از وجدان به معنى يافتن است از معتل فاء، وچهارم: جدت، از جود به معنى جان دادن است از أجوف، نعت ازوى جائد، وپنجم: جدت، از جد به معنى بختيار شدن، يا از جدة به معنى نوشدن است هم از باب مضاعف ". ولا يخفى بعض الاختلاف بين الشرحين في تفسير بعض الكلمات. [ * ]

[ 233 ]

ويصرف جمام قويه في العلم الذي هو أشرف العلوم، وهو العلم النافع في الآخرة مما يوجب كمال النفس وتزكيتها بالاخلاق الفاضلة والاعمال الصالحة، ومرجعه إلى معرفة الكتاب والسنة، وعلم مكارم الاخلاق وما ناسبه.

[ 234 ]

القسم الثاني آدابه مع شيخه وقدوته وما يجب عليه من تعظيم حرمته قال الصادق عليه السلام: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال، ولا تأخذ بثوبه، وإذا دخلت عليه - وعنده قوم - فسلم عليهم جميعا، وخصه بالتحية دونهم، واجلس بين يديه ولا تجلس خلفه، ولا تغمز بعينك، ولا تشر بيدك، ولا تكثر من القول: قال فلان وقال فلان، خلافا لقوله، ولا تضجر لطول صحبته، وإنما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها متى يسقط عليك منها شئ، والعالم أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله. 1 وفي حديث الحقوق الطويل المروي عن سيد العابدين عليه السلام: 2 وحق سائسك بالعلم التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والاقبال عليه، وألا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحدا يسأله عن شئ حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدث في مجلسه أحدا، ولا تغتاب عنده أحدا، وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدوا، ولا ثعادي له وليا، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله عزوجل بأنك قصدته، وتعلمت


1 - " الكافي " ج 1 / 37، كتاب فضل العلم، باب حق العالم، الحديث 1، وفيه: " بطول " بدل " لطول " و: " فإنما " بدل " وإنما " و: " حتى يسقط " بدل " متى يسقط "، " المحاسن " / 233، الحديث 185، " بحار الانوار " ج 2 / 43 الحديث 9، نقلا عنه، " دستور معالم الحكم " / 131 - 132. 2 - حديث الحقوق مروي في " كتاب من لا يحضره الفقيه " 2 / 376 - 381، الحديث 1626، و " مكارم " الاخلاق " / 419 - 424، و " تحف العقول " / 195 184. [ * ]

[ 235 ]

علمه لله جل اسمه لا للناس. 1 وفيما حكاه الله عزوجل عن موسى عليه السلام حين خاطب الخضر عليه السلام بقوله: هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا، 2 وفي قوله: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا، 3 جملة جليلة من الآداب الواقعة من المتعلم لمعلمه، مع جلالة قدر موسى عليه السلام وعظم شأنه، وكونه من أولي العزم من المرسل، ثم لم يمنعه ذلك من استعمال الآداب اللائقة بالمعلم، وإن كان المتعلم أكمل منه من جهات أخرى. ولو أردنا استقصاء ما اشتمل عليه تخاطبهما من الآداب والدقائق، لخرجنا عن وضع الرسالة، لكنا نشير إلى ما يتعلق بالكلمة الاولى، وهي قوله: هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا. 4 فقد ذلت على اثنتي عشرة فائدة من فوائد الادب: 5 الاولى: جعل نفسه تبعا له، المقتضي لا نحطاط المنزلة في جانب المتبوع. 6 الثانية: الاستيذان ب‍ " هل " أي هل تأذن لي في اتباعك، وهو مبالغة عظيمة في التواضع.


1 - " مكارم الاخلاق " / 420 " كتاب من لا يحضره الفقيه " ج 2 / 377، الحديث 1626، " بحار الانوار " ج 2 / 42، الحديث 6، نقلا عن " روضة الواعظين " و " الخصال " و " أمالي الصدوق ". 2 - سورة الكهف (18): 66. 3 - سورة الكهف (18): 69. 4 - سورة الكهف (18): 66. 5 - لاحظ " تفسير الرازي " ج 21 / 151 - 152. 6 - هكذا في النسخ المخطوطة ونسخة " ه‍ "، " ط " و " ن " وهو الصحيح قطعا، وحرف الجر " في " متعلق ب‍ " انحطاط المنزلة "، أي انحطاط منزلة التابع في جانب المتبوع، والجانب يكون بمعنى الجهة والناحية، من قولك " قعدت إلى جانب فلان ". وجاء في نسخة " ص "، " ح " و " ع ": " التابع "، بدل " المتبوع "، وهو خطأ قطعا. [ * ]

[ 236 ]

الثالثة: تجهيل نفسه والاعتراف لمعلمه بالعلم بقوله " على أن تعلمن ". الرابعة: الاعتراف له بعظيم النعمة بالتعليم، لانه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله تعالى به، أي يكون إنعامك علي كإنعام الله عليك. ولهذا المعنى قيل: أنا عبد من تعلمت منه 1. و: من علم إنسانا مسألة ملك رقه. 2 الخامسة: أن المتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير، لكونه فعله لا لوجه آخر، ودل ذلك على أن المتعلم يجب عليه من أول الامر التسليم، وترك المنازعة. السادسة: الاتيان بالمتابعة من غير تقييد بشئ بل اتباعا مطلقا، لا يقيد عليه فيه بقيد، 3 وهو غاية التواضع. السابعة: الابتداء بالاتباع، ثم بالتعليم، ثم بالخدمة، ثم بطلب العلم. الثامنة: أنه قال: هل أتبعك على أن تعلمن: أي لم أطلب على تلك المتابعة إلى التعليم، كأنه قال: لا أطلب منك على تلك المتابعة مالا ولا جاها. التاسعة: مما علمت إشارة إلى بعض ما علم، أي لا أطلب منك المساواة بل بعض ما علمت، فأنت أبدا مرتفع علي زائد القدر. العاشرة: قوله: مما علمت اعتراف بأن الله علمه، وفيه تعظيم للمعلم والعلم وتفخيم لشأنهما. الحادية عشرة: قوله " رشدا " طلب الارشاد، وهو ما لولا حصوله لغوى وضل، وفيه اعتراف بشدة الحاجة إلى التعلم، وهضم عظيم لنفسه، واحتياج بين لعلمه.


1 - " تفسير الرازي " ج 21 / 151. وفي " تذكرة السامع " / 90 - نقلا عن شعبة بن الحجاج -: " كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبدا ما يحيى " وفي " تذكرة الاولياء " / 253، نقلا عن الشافعي " گفت: من بندهء كسى ام كه مرا يك حرف از آداب تعليم كرده است ". 2 - في إجازة الشيخ محمد بن أبي جمهور الاحسائي للسيد محمود بن علاء الدين الطالقاني: " قال سيد العالمين: من علم شخصا مسألة ملك رقه، فقيل له: أيبيعه ؟ قال: لا، ولكن يأمره وينهاه " (" بحار الانوار " ج 108 / 16). 3 - كذا في النسخ سوى نسخة " ض "، " ح " و " ع " فقد جاء فيها: " لا تقييد فيه بقيد " بدل " لا يقيد عليه فيه بقيد " ولعله أصلح وفي " تفسير الرازي " ج 21 / 151: " تاسعها: أن قوله " أتبعك " يدل على طلب متابعته مطلقا في جميع الامور غير مقيد بشئ دون شئ. " [ * ]

[ 237 ]

الثانية عشرة: ورد 1 أن الخضر عليه السلام علم أولا أنه نبي بني إسرائيل، موسى عليه السلام صاحب التوراة الذي كلمه الله عزوجل بغير واسطة، وخصه بالمعجزات، وقد أتى - مع هذا المنصب - بهذا التواضع العظيم بأعظم أبواب المبالغة، فدل على أن هذا هو الاليق، لان من كانت إحاطته بالعلوم أكثر، كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فيشتد طلبه لها، ويكون تعظيمه لاهل العلم أكمل. ثم مع هذه المعرفة من الخضر عليه السلام وهذه الغاية من الادب والتواضع من موسى عليه السلام أجابه بجواب رفيع وكلام منيع، مشتمل على العظمة والقوة، وعدم الادب مع موسى عليه السلام بل وصفه بالعجز وعدم الصبر، بقوله: إنك لن تستطيع معصي صبرا. 2 وقد دلت هذه الكلمة الوجيزة أيضا على فوائد كثيرة من أدب المعلم وإعزازه للعلم وإجلاله لمقامه، على وجه يقتضي التأسي به، ولا دخل له بهذا الباب، لكنا نذكر جملة منه لمناسبة المقام، وله مدخل واضح في أصل الرسالة: الاولى: وصفه بعدم الصبر على تعلم العلم، المقتضي لا نحطاط قدره وسقوط محله، بالاضافة إلى مقام الصابرين الذين وعدهم الله تعالى بالكرامة، وبشرهم بالصلاة والرحمة. 3 الثانية: نفيه عنه الاستطاعة على الصبر، الموجب لقطع قطمعه في السعي عليه والاتصاف به وتحصيل أسبابه، وهو في الاغلب أمر مقدور للبشر، وكان غاية ما يقتضي الحال من المعلم توصيته بالصبر لا تعجيزه عنه.


1 - في " تفسير الرازي " ج 21 / 149: " روي أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال: السلام عليك. فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. فقال موسى عليه السلام: من عرفك هذا ؟ قال: الذي بعثك إلي " وفي " تفسير مجمع البيان " ج 6 / 483: " وقيل: إنه رآه على طنفسة خضراء، فسلم عليه فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. فقال له موسى: وما أدراك من أنا ومن أخبرك أني نبي ؟ قال: من دلك علي ". 2 - سورة الكهف (18): 67. 3 - في قوله تعالى في سورة البقرة (2): 155 - 157: " وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون ". [ * ]

[ 238 ]

الثالثة: نفي الاستطاعة ب‍ " لن " المقتضية للنفي المؤبد على رأي جماعة من المحققين منهم الزمخشري، 1 وهو موجب لليأس منه، لوقوع الاخبار به من معلم متبوع صادق. الرابعة: توكيد الجملة ب‍ " إن "، واسمية الجملة، والنفي ب‍ " لن " وغيرها من المؤكدات، وهو غاية عظيمة في التعجيز والتضعيف الخامسة: الاشارة إلى أنك إن تخيل لك أنك صابر على حسب ما تجده من نفسك، فأنت لا تعلم حالك عند صحبتي، لانك لم تصحبني بعد، والصبر الذي أنفيه عنك هو الصبر معي، وهذا أمر أنا أعلم به، لعلمي بمقدار ما تطلب تعلمه، وجهلك به. السادسة: التنبيه على عظم قدر العلم وجلالة شأنه وتفخيم أمره، وأنه أمر يحتاج إلى الصبر العظيم، الخارج عن عادات البشر، إذ لا شك أن موسى كليم الله ونبيه أعظم شأنا وأكبر نفسا وأقوى صبرا وأعظم كمالا من غيره من الناس. السابعة: التنبيه على أنه لا ينبغي أن يبذل العلم إلا لمن كان ذا صبر قوي، ورأي سوي، ونفس مستقيمة، فإنه نور من الله تعالى، لا ينبغي وضعه كيف اتفق، وبذله لمن أراد، بل لابد من ممارسته قبل ذلك واختباره، وقابليته له بكل وجه. الثامنة: التنبيه على أن علم الباطن أقوى مرتبة من علم الظاهر، وأحوج إلى قوة الجنان وعزيمة الصبر، فمن ثم كان موسى عليه السلام محيطا بعلم الظاهر على حسب استعداده، وحاملا له بقوة، وخوفه الخضر عليه السلام مع ذلك من عجزه من الصبر على تحمل العلم الباطني، وحذره من قلة الصبر، وأراد عليه السلام بهذه المبالغة في نفيه أنه مما يشق تحمله عليك، ويعسر تجشمه، على جهة التأكيد في أمثال هذه


1 - في " الانموذج " / 292 المطبوع ضمن " جامع المقدمات " حيث قال: " ولن نظيرة لافي نفي المستقبل ولكن على التأبيد [ خ ل: على التأكيد ] "، هذا، ولكن قال المحقق الرضي الاسترآبادي قدس سره في " شرح الكافية " ج 2 / 235: " لن معناها نفي المستقبل، هي تنفي المستقبل نفيا مؤكدا، وليس للدوام والتأبيد كما قال بعضهم ". وقال ابن هشام في " مغني اللبيب " / 148، الباب الاول، حرف اللام، ذيل كلمة " لن ": " ولا تفيد لن توكيد النفي خلافا للزمخشري في كشافه، ولا تأبيده خلافا له في أنموذجه، وكلاهما دعوى بلا دليل، قيل: ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في " فلن أكلم اليوم إنسيا " ولكان ذكر الابد في " ولن يتمنوه أبدا " تكرارا والاصل عدمه ". [ * ]

[ 239 ]

الخطابيات، لا أنه غير مقدور البتة، وإلا لما قال له موسى عليه السلام بعد ذلك: ستجدني إن شاء الله صابرا. 1 وقس على ما أشرنا إليه من الآداب والوظائف ما تحتمله بقية الآيات، فهي متقاربة في إفادة المعنى في هذا المقام، وبه يترقى من أراد التوصل إلى باقي المرام. إذا تقرر ذلك، فلنعد إلى ذكر الآداب المختصة بالمتعلم مع شيخه، حسب ما قرره العلماء، تفريعا على المنصوص منها، وهي أمور: الاول: 2 وهو أهمها أن يقدم النظر فيمن يأخذ عنه العلم، ويكتسب حسن الاخلاق والآداب منه، فإن تربية الشيخ لتلميذه، ونسبة إخراجه لاخلاقه الذميمة وجعل مكانها خلقا حسنا، كفعل الفلاح الذي يقلع الشوك من الارض، ويخرج منها النباتات الخبيثة من بين الزرع، ليحسن نباته ويكمل ريعه، وليس كل شيخ يتصف بهذا الوصف، بل ما أقل ذلك، فإنه في الحقيقة نائب عن الرسول الله صلى الله عليه وآله، وليس كل عالم يصلح للنيابة، فليختر من كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته وسيادته، وظهرت مروته، وحسن تعليمه، وجاد تفهيمه، وقد تقدم جملة أوصافه. 3 ولا يغتر الطالب بمن زاد علمه مع نقص في ورعه أو دينه أو خلقه، فإن ضرره في خلق المتعلم ودينه أصعب من الجهل الذي يطلب زواله، وأشد ضررا، وعن جماعة من السلف: هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. 4 ومما يؤنس به أن يكون له مع مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع وزيادة


1 - سورة الكهف (18): 69. 2 - لا حظ " تذكرة السامع " / 85 - 87، " شرح المهذب " ج 1 / 60. 3 - في النوع الثاني من هذا الباب. 4 - " سنن الدارمي " ج 1 / 112 - 113، " صحيح مسلم " ج 1 / 14، المقدمة، الباب 5، " المحدث الفاصل " / 304، 416، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 96، 98، 178، " تذكرة السامع " / 85 " التبيان في آداب حملة القرآن " / 23. [ * ]

[ 240 ]

ممارسته وثناء منهم على سمته وخلقه وبحثه، وليحترز ممن أخذ علمه من بطون الكتب من غير قراءة على الشيوخ، خوفا من وقوعه في التصحيف والغلط والتحريف. قال بعض السلف: من تفقه من بطون الكتب ضيع الاحكام. 1 وقال آخر: إياكم والصحفيون 2 الذين يأخذون علمهم من الصحف، فإن ما يفسدون أكثر مما يصلحون 3. وليحذر من التفييد بالمشهورين، وترك الاخذ من الخاملين، فإن ذلك من الكبر على العلم، وهو عين الحماقة، لان الحكمة ضالة المؤمن، ويلتقطها حيث وجدها 4 ويغتنمها حيث ظفر به، ويتقلد المنة ممن ساقها إليه، وربما يكون الخامل ممن ترجى بركته فيكون النفع به أعم، والتحصيل من جهته أتم. وإذا سبرت أحوال السلف والخلف لم تجد النفع غالبا إلا إذا كان للشيخ من التقوى والنصح والشفقه للطلبة نصيب وافر، وكذلك إذا اعتبرت المصنفات، وجدت الانتفاع بتصنيف الاتقى أوفر، والفلاح بالاشتغال به أكثر، وبالعكس حال العالم المجرد. الثاني: أن يعتقد في شيخه أنه الاب الحقيقي والوالد الروحاني، هو أعظم من الوالد الجسماني، فيبالغ - بعد الاب في حقه كما تقدم - في رعاية حق أبوته ووفاء حق


1 - قاله الشافعي كما في " تذكرة السامع " / 87، " شرح المهذب " ج 1 / 64. 2 - هكذا في النسخ المخطوطة ولعله من باب الحكاية، وإلا فالصحيح " والصحفيين " بالنصب، كما لا يخفى، 3 - في " تحرير الاحكام الشرعية " ج 1 / 3، و " عوالي اللآلي " ج 4 / 78: " قال صلى الله عليه وآله: خذ العلم من أفواه الرجال. ونهى عن الاخذ ممن أخذ علمه من الدفاتر وقال: لا يغرنكم الصحفيون " وفي " الكفاية في علم الرواية " / 194، نقلا عن بعضهم " لا تأخذوا العلم من الصحفيين " وفي " محاضرات الادباء " ج 1 / 106: " قيل: لا تأخذوا العلم من صحفي " وفي " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 97: "... لا تأخذوا العلم من الصحفيين... لا يفتي الناس الصحفيون، وقال أبو زرعة: لا يفتي الناس صحفي ولا يقرئهم مصحفي " وفي " تذكرة السامع " / 87 نقلا عن بعضهم: " من أعظم البلية تشيخ الصحيفة. أي الذين تعلموا من الصحف ". 4 - عن أمير المؤمنين عليه السلام: " الحكمة ضالة المؤمن، فخذا الحكمة ولو من أهل النفاق " (" نهج البلاغة "، ص 481، قسم الحكم، الحكمة 80)، وفي " محاضرات الادباء " ج 1 / 50: " قال النبي صلى الله عليه وآله: الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها قيدها ". 5 - في أول القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 234 - 235. [ * ]

[ 241 ]

تربيته، وقد سئل الاسكندر عليه السلام: ما بالك توقر معلمك أكثر من والدك ؟ فقال: لان المعلم سبب لحياتي الباقية، ووالدي لحياتي الفانية. 1 وأيضا لم يقصد الوالد في الاغلب في مقاربة والدته وجوده، ولاكمال وجوده وإنما قصد لذة نفسه فوجد هو، وعلى تقدير قصده لذلك، فالقصد المقترن بالفعل أولى من القصد الخالي عنه، وأما المعلم فقصد تكميل وجوده، وسببه وبذل فيه جهده، ولا شرف لاصل الوجود إلا بالاضافة إلى العدم، فإنه حاصل للديدان والخنافس، وإنما الشرف في كماله، وسببه المعلم. وقد روي أن السيد الرضي الموسوي قدس الله روحه 2 كان عظيم النفس عالي الهمة أبي الطبع لا يقبل لاحد منة، 3 وله في ذلك قصص غريبة مع الخليفة العباسي حين أراد صلته بسبب مولود ولد له، 4 وغيره، ومنها أن بعض مشايخه 5 قال له يوما: بلغني أن دارك ضيقة لا تليق بحالك، ولي دار واسعة صالحة لك، قد وهبتها لك فانتقل إليها. فأبى، فأعاد عليه الكلام، فقال: يا شيخ أنا لم أقبل بر أبي قط، فكيف


1 - " محاضرات الادباء " ج 1 / 45، " أخلاق ناصري " / 271، " الذريعة إلى مكارم الشريعة " / 119. 2 - نرجو من يرغب التفصيل عن حياة الرضي وآثاره القيمة أن يراجع نشرة " تراثنا " العدد الخامس، 3 - قال ابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " ج 1 / 33: " وكان عفيفا شريف النفس، عالي الهمة ملتزما بالدين وقوانينه، ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة، حتى أنه رد صلات أبيه، وناهيك بذلك شرف نفسي وشدة ظلف، فأما بنوبويه فإنهم اجتهدوا على قبوله صلاتهم فلم يقبل ". 4 - " شرح نهج البلاغة " ج 1 / 39 - 40، قال فيه: " وقرأت بخط محمد بن إدريس الحلي الفقيه الامامي، قال: حكى أبو حامد أحمد بن محمد الاسفراييني الفقيه الشافعي، قال: كنت يوما عند فخر الملك أبي غالب محمد ابن خلف وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة، فدخل عليه الرضي أبو الحسن، فأعظمه وأجله ورفع من منزله، وخلى ماكان بيده من الرقاع والقصص وأقبل عليه يحادثه إلى أن اتصرف... فقال [ يعني فخر الملك ]: هذا كتاب الرضي، اتصل بي أنه قد ولد له ولد، فأنفذت إليه ألف دينار، قلت له: هذه للقابلة فقد جرت العادة أن يحمل الاصدقاء إلى أخلائهم وذوي مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال، فردها وكتب إلي هذا الكتاب فاقرأه. قال [ يعني أبا حامد الاسفراييني ]: فقرأته، وهو اعتذار عن الرد وفي جملته: إننا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة، وإنما عجائزنا يتولين هذا الامر من نسائنا ولسن ممن يأخذن أجرة ولا يقبلن صلة... " وانظر لنقد وتزييف بعض هذه الحكاية - الذي لم ننقله - مقالة " الرضي والمرتضى كوكبان "، المطبوع في نشرة " تراثنا " العدد الخامس، ص 248 - 262. 5 - هو الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن احمد بن محمد الطبري الفقيه المالكي كما في " شرح نهج البلاغة " ج 1 / 34. [ * ]

[ 242 ]

من غيره ؟ فقال له الشيخ: إن حقي عليك أعظم من حق أبيك، لاني أبوك الروحاني، وهو أبوك الجسماني. فقال السيد رحمه الله: قد قبلت الدار. 1 ومن هنا قال بعض الفضلاء: من علم العلم كان خير أب * ذاك أبو الروح لا أبوالنطف 2 الثالث: أن يعتقد أنه مريض النفس، لان المرض هو الانحراف عن المجرى الطبيعي. وطبع النفس العلم، وإنما خرجت عن طبعها بسبب غلبة أخلاط القوى البدنية. ويعتقد أن شيخه طبيب مرضه، لانه يرده إلى المجرى الطبيعي. فلا ينبغي أن يخالفه فيما يشير عليه، كأن يقول له: اقرأ الكتاب الفلاني، أو اكتف بهذا القدر من الدرس، لانه إن خالفه كان بمنزلة المريض يرد على طبيبه في وجه علاجه. وقد قيل في الحكم: مراجعة المريض طبيبه توجب تعذيبه. 3 وكما أن الواجب على المريض ترك تناول المؤذيات، والاغذية المفسدة للدواء في حضرة الطبيب وغيبته، كذلك المتعلم، فيجب أن يطهر نفسه من النجاسة المعنوية، التي غاية المعلم النهي عنها: من الحقد والحسد والغضب والشره والكبر والعجب، وغيرها من الرذائل، ويقطع مادة المرض رأسا لينتفع بالطبيب. الرابع: 4 أن ينظره بعين الاحترام والاجلال والاكرام. ويضرب صفحا عن عيوبه، فإن ذلك أقرب إلى انتفاعه به، ورسوخ ما يسمعه منه في ذهنه. ولقد كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشئ، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب ببركة علمه مني. 5


1 - " شرح نهج البلاغة " ج 1 / 34. 2 - " أدب الدنيا والدين " / 77، وقبله: " آباء أجسادنا هم سبب * لان جعلنا عرائض التلف " وفي البيت الثاني: " علم الناس " بدل " علم العلم ". 3 - لم أجده في كثير من كتب الحكم والامثال الذي راجعته وتصفحته. 4 - لاحظ " تذكرة السامع " / 88 - 89، " شرح المهذب " ج 1 / 60 - 61. 5 - " تذكرة السامع " / 88، " التبيان في آداب حملة القرآن " / 121، " شرح المهذب " ج 1 / 61. [ * ]

[ 243 ]

وقال آخر: كنت أصفح الورقة بين يدي شيخي صفحا رفيقا، هيبة له لئلا يسمع وقعها، أو قال: رفعها. 1 وقال آخر: والله ما أجترأت أن أشرب الماء وشيخي ينظر إلي، هيبة له. 2 وقال حمدان الاصفهاني: كنت عند شريك، 3 فأتاه بعض أولاد الخليفة المهدي، 4 فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث، فلم يلتفت إليه وأقبل علينا، ثم عاد، فعاد شريك لمثل ذلك، فقال: أتستخف بأولاد الخلفاء ؟ قال: لا، ولكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه. فجثا على ركبتيه، فقال شريك: هكذا يطلب العلم. 5 الخامس: أن يتواضع له زيادة على ما أمر به من التواضع للعلماء وغيرهم، ويتواضع للعلم، فبتواضعه له يناله، وليعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر وتواضعه له رفعة، وتعظيم حرمته مثوبة، والتشمر في خدمته شرف. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تعلمون منه. 6 وقال صلى الله عليه وآله: من علم أحدا مسألة ملك رقه. قيل: أيبيعه ويشتريه ؟ قال: بل يأمره وينهاه. 7


1 - قاله الشافعي وأراد من شيخه مالك بن أنس، كما في " تذكرة السامع " / 88، و " شرح المهذب " ج 1 / 61، و " فيض القدير " ج 3 / 253، وفيه: " قال الشافعي: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك برفق لئلا يسمع وقعها ". 2 - قاله الربيع وأراد من شيخه الشافعي، كما في " تذكرة السامع " / 88، و " التبيان في آداب حملة القرآن " / 23 - 24، و " شرح المهذب " ج 1 / 61، و " فيض القدير " ج 3 / 253، وفيه " قال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر ". 3 - هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي المتوفى سنة 177 ه‍. انظر ترجمته ومصادر ترجمته في " الاعلام " ج 3 / 163، و " تذكرة الحفاظ " ج 1 / 232، و " وفيات الاعيان " ج 2 / 468 464. 4 - هو محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي العباسي، من خلفاء الدولة العباسية، مات سنة 169 ه‍ انظر ترجمته ومصادر ترجمته في " الاعلام " ج 6 / 221. 5 - " شرح المهذب " ج 1 / 61، " أدب الاملاء والاستملاء " / 133. 6 - " الجامع الصغير " ج 1 / 131، حرف التاء، وشرحه: " فيض القدير " ج 3 / 253، الحديث 3322، " قوت القلوب " ج 1 / 140، " كنز العمال " ج 10 / 141، الحديث 28717. 7 - في إجازة الشيخ محمد بن أبي جمهور الاحسائي للسيد محمود بن علاء الدين الطالقاني: " قال سيد العالمين: من علم [ * ]

[ 244 ]

وأنشد بعض العلماء: أهين لهم نفسي لكي يكرمونها * ولكن تكرم النفس التي لا تهينها 1 السادس: أن لا ينكر عليه، ولا يتآمر ولا يشير عليه بخلاف برأيه، فيرى أنه أعلم بالصواب منه، بل ينقاد إليه في أموره كلها، ويلقي إليه زمام أمره رأسا، ويذعن لنصحه، ويتحرى رضاه وإن خالف رأي نفسه، ولا يستبق معه رأيا ولا اختيارا، ويشاوره في أموره كلها، ويأتمر بأمره، ولا يخرج عن رأيه وتدبيره باللسان والقلب. قال بعض العلماء: 2 خطأ المرشد أنفع للمسترشد من صوابه في نفسه. وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام تنبيه على ذلك. 3.


شخصا مسألة ملك رقه، فقيل له: أيبيعه ؟ قال: لا، ولكن يأمره وينهاه " (" بحار الانوار " ج 108 / 16). وفي " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 154: "... سمعت شعبة يقول: كل من سمعت منه حديثا فأنا له عبد ". 1 - في " أمالي المرتضى " ج 1 / 205: " وقيل لابي دؤاد الابادي - ونظر إلى بنته تسوس فرسه -: أهنتها يا أبا دؤاد ! فقال: أهنتها بكرامتي، كما أكرمتها بهواني، ومثل ذلك قول أعرابي لحقه ذل على باب السلطان: أهين لهم نفسي لاكرمها بهم * ولن تكرم النفس التي لا تهينها "، وفي " محاضرات الادباء ج 1 / 300: " ويروى عن الشافعي: أهين لهم... البيت " وفي " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 142: "... فأنشأ الشافعي: أهين لهم... البيت " وفي " قوت القلوب " ج 2 / 228: "... قال: كثيرا ما كنت أسمع الشافعي يقول: أهين لهم نفسي لكي يكرمونها * ولن تكرم النفس التي لا تهينها "، وفي " طبقات الشافعية " ج 2 / 165: " قال الربيع: كتب إلى البويطي أن اصبر نفسك للغرباء وحسن خلقك لاهل حلقتك، فإني لم أزل أسمع الشافعي يكثر أن يتمثل بهذا البيت: أهين لهم نفسي لكي يكرمونها * ولن تكرم النفس التي لا تهينها "، وفي " تذكرة السامع " / 87: " يقال: إن الشافعي عوتب على تواضعه للعلماء فقال: أهين لهم نفسي فهم يكرمونها * ولن... البيت " ومثل هذا البيت ما في " تعليم المتعلم " / 24: أرى لك نفسا تشتهي أن تعزها * فلست تنال العز حتى تذلها ". 2 - هو الغزالي، قاله في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 45. وانظر أيضا " تذكرة السامع " / 88، و " ميزان العمل " / 116. 3 - في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 45: "... وقد نبه الله تعالى بقصة الخضر وموسى عليهما السلام، حيث قال الخضر: " إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا " ثم شرط عليه السكوت والتسليم، فقال: " فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا " ثم لم يصبر ولم يزل في مراددته إلى أن كان ذلك سبب الفراق بينهما. وبالجملة كل متعلم استبقى لنفسه رأيا واختيارا دون اختيار المعلم، فاحكم عليه بالاخفاق والخسران ". [ * ]

[ 245 ]

ونقل بعض الافاضل عن بعض مشايخه، قال: حكيت لشيخي مناما لي فقلت: رأيت أنك قلت في كذا وكذا، فقلت لك لم ذاك ؟ قال: فهجرني شهرا ولم يكلمني، وقال: لو لا أنه كان في باطنك تجويز المطالبة وإنكار ما أقول لك، لما جرى ذلك على لسانك في المنام. 1 والامر كما قال، إذ قلما يرى الانسان في منامه خلاف ما يغلب في اليقظة على قلبه. السابع: أن يبجله في خطابه وجوابه، في غيبته وحضوره، ولا يخاطبه بتاء الخطاب وكافه، ولا يناديه من بعد، بل يقول: " يا سيدي " و " يا أستاذ " وما أشبه ذلك، ويخاطبه بصيغ الجمع تعظيما نحو " ما تقولون في كذا " و " ما رأيكم في كذا " و " قلتم رضي الله عنكم " أو " تقبل الله منكم " أو " رحمكم الله ". ولا يسميه في غيبته باسمه إلا مقرونا بما يشعر بتعظيمه، كقوله: قال الشيخ، أو الاستاذ، أو شيخنا، أو شيخ الاسلام، ونحو ذلك. الثامن: 2 تعظيم حرمته في نفسه واقتداؤه به، ومراعاة هديه 3 في غيبته وبعد موته، فلا يغفل عن الدعاء له مدة حياته، ويرد غيبته، ويغضب لها 4 زيادة عما يجب رعايته في غيره، فإن عجز عن ذلك قام وفارق المجلس. ويرعى ذريته وأقاربه، وأوداءه ومحبيه في حياته وبعد موته، ويتعاهد زيارة قبره والاستغفار له، والترحم عليه والصدقة عنه، ويسلك في السمت والهدي مسلكه، ويراعي في العلم والدين عادته، ويقتدي بحركاته وسكناته في عباداته وعاداته، ويتأدب بآدابه، ومن ثم كان الاهم تحصيل شيخ صالح ليحسن الاقتداء به. ثم إن قدر على الزيادة عليه بعد الاتصاف بصفته فعل، وإلا اقتصر على


1 - لم أظفر بناقل الحكاية ومصدرها. 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 90. 3 - هكذا في النسخ المخطوطة و " ه‍ "، وهو بمعنى: سيرته، قال في " المصباح المنير " / 783، مادة " هدي ": " والهدي مثال فلس: السيرة " وفي النسخ المطبوعة سوى " ه‍ ": " هذه " بدل " هديه " وهو خطأ كما لا يخفى، ويحتمل بعيدا أن يكون الصواب " هذين " إشارة إلى تعظيم حرمته في نفسه واقتدائه به. فتأمل. 4 - أي لحرمته كما في هامش " ة " ويمكن أن يكون الضمير عائدا إلى غيبته. [ * ]

[ 246 ]

التأسي، فبه يظهر أثر الصحبة. التاسع: 1 أن يشكر الشيخ على توقيفه [ خ ل: توفيقه ] له على ما فيه فضيلة، وعلى توبيخه له على ما فيه نقيصة، أو كسل يعتريه، أو قصور يعانيه، أو غير ذلك مما في ايقافه عليه، وتوبيخه إرشاد، وصلاحه، 2 ويعد ذلك من الشيخ من جملة النعم عليه باعتناء الشيخ به ونظره إليه، فإن ذلك أميل لقلب الشيخ، وأبعث له على الاعتناء بمصالحه. وإذا وقفه الشيخ على دقيقة من أدب، أو نقيصة صدرت منه، وكان يعرف ذلك من قبل، فلا يظهر أنه كان عارفا به وغفل عنه، بل يشكر الشيخ على إفادته ذلك واعتنائه بأمره، ليكون بذلك مستدعيا للعود إلى النصيحة في وقت الحاجة، فإن كان له في ذلك عذر، وكان إعلام الشيخ به أصلح، فلا بأس به وإلا فيتركه، إلا أن يترتب على ترك بيان العذر مفسدة، فيتعين إعلامه به. العاشر: 3 أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه، أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته واعتقاد كماله، ويتأول أفعاله - التي ظاهرها مذموم - على أحسن تأويل وأصحه، فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق. ويبدأ هو عند جفوة شيخه بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وينسب الموجب إليه، ويجعل العتب فيه عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع للطالب في آخرته ودنياه. وعن بعض السلف: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة. ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة. 4


1 - لا حظ " تذكرة السامع " / 92 - 93. 2 - هكذا في " ه‍ "، " ط "، " ن " و " تذكرة السامع " / 93، وفي " ز "، " م " و " ق ": " أو غير ذلك مما فيه إشفاقه عليه وتوبيخه وإرشاده وصلاحه ". وفي " ض " و " ح ": " أو غير ذلك مما فيه إشفاقه عليه، وتوبيخه إرشاده وصلاحه " وكيف ما كان فلا تخلو العبارة من الاضطراب. 3 - لا حظ " تذكرة السامع " / 91 - 92، " شرح المهذب " ج 1 / 63. 4 - " تذكرة السامع " / 91 " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 118، " أدب الدنيا والدين " / 75، " عدة [ * ]

[ 247 ]

ومنه الاثر المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما: ذللت طالبا، فعززت مطلوبا. 1 وقال بعضهم: مثل الذي يغضب على العالم مثل الذي يغضب على أساطين الجامع. 2 وقيل لسفيان بن عيينة: إن قوما يأتونك من أقطار الارض تغضب عليهم، يوشك أن يذهبوا ويتركوك. فقال للقائل: هم حمقى إذا مثلك، إن يتركوا ما ينفعهم لسوء خلقي. 3 ولبعضهم: اصبر لدائك إن جفوت طبيبه * واصبر لجهلك إن جفوت معلما 4


الداعي " / 71 " التبيان في آداب حملة القرآن " / 26، " شرح المهذب " ج 1 / 63. وفي " غرر الحكم " ج 5 / 411، الحديث 8971: " من لم يصبر على مضض التعليم بقي في ذل الجهل ". 1 - " عيون الاخبار " ج 2 / 122، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 142، " أدب الدنيا والدين " / 75، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 9، " عدة الداعي " / 71، " التبيان في آداب حملة القرآن " / 26، " شرح المهذب " ج 1 / 63. 2 - قاله معافى بن عمران كما في " أدب الاملاء والاستملاء " / 146 و " تذكرة السامع " 91. 3 - " تذكرة السامع " / 91 - 92. وانظر " أدب الاملاء والاستملاء " / 145 4 - في " أدب الدنيا والدين " / 75: " قال بعض الشعراء: إن المعلم والطبيب كلاهما * لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن أهنت طبيبه * واصبر لجهلك إن جفوك معلما " ومثله في " محاضرات الادباء " ج 1 / 53، و " تعليم المتعلم " / 9، إلا أن فيهما: " جفوت طبيبه " بدل " أهنت طبيبه " وفي " كليله ودمنه " تحقيق مجتبى مينوي، ص 94: " فاصبر لدائك إن جفوت معالجا * واقنع بجهلك إن جفوت معلما " وفي " كليله ودمنه " تحقيق الاستاذ حسن زاده الآملي، ص 138: " إن المعلم والطبيب كلاهما * لا ينصحان إذا هما لا يكرما فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه * واقنع بجهلك إن أهنت معلما " وعلق الاستاذ دام تأييده هنا بقوله - نقلا عن بعضهم -: " والشعر من أبي العلاء المعري ". أقول: ولكني راجعت إلى بعض كتب المعري - أعني " ديوان سقط الزند "، و " اللزوميات أو لزوم مالا يلزم " - وتصفحتهما فلم أجده فيهما. نعم، أنشأ المعري - كما في " اللزوميات أو لزوم ما لا يلزم " / 206، " وإحياء علوم الدين " ج 4 / 52 - هذين البيتين: قال المنجم والطبيب كلاهما * لا تحشر الاجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر * أو صح قولي فالخسار عليكما ويحتمل بعيدا اشتباه هذا بذاك لمن نسبهما إلى المعري، وكيف ما كان، فضمير طبيبه عائد إلى الداء، وأيضا، [ * ]

[ 248 ]

وللسلف الصالح في صبرهم مع مشايخهم أقاصيص غريبة، 1 لو أتينا عليها الطال الخطب، الحادي عشر: أن يجتهد على أن يسبق بالحضور إلى المجلس قبل حضور الشيخ، ويحمل على ذلك نفسه، وإن انتظره على باب داره ليخرج ويمشي معه إلى المجلس، فهو أولى مع تيسره. ويحترز عن 2 أن يتأخر في الحضور عن حضور الشيخ، فيدع الشيخ في انتظاره، فإن فاعل ذلك من غير ضرورة أكيدة معرض نفسه للمقت والذم. نسأل الله العافية. حكى ياقوت 3 في معجمه 4 عن هارون بن موسى القيسي


" كلاهما " في قوله " إن المعلم والطبيب كلاهما " بالرفع صحيح، فلا يذهب عليك أن الصواب " كليهما " بالنصب والرفع خطأ، وانظر للاطلاع على هذا البحث " مغني اللبيب " / 106، حرف الكاف، ذيل " كلاو كلتا ". 1 - أقول: منها ما وقع للمحدث الجزائري مع بعض أساتذته، انظر لمزيد الاطلاع " الانوار النعمانية " ج 4 / 303، 305. 2 - في " ز "، " م "، " ه‍ "، " ق "، " ط " و " ن ": " ويحرص عن " بدل " يحترز عن "، وما أثبتناه مطابق لسائر النسخ ولعله الصواب، إلا أن يكون " يحرص عن " بمعنى " يرغب ويحترز عن ". 3 - هو ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي المتوفى سنة 626 ه‍. وردت ترجمته ومصادر ترجمته في " وفيات الاعيان " ج 6 / 127 - 139، و " الاعلام " ج 8 / 131، " ومعجم المؤلفين " ج 3 / 178 - 179. 4 - اعلم أني تصفحت وتتبعت جميع " معجم الادباء " و " معجم البلدان " لياقوت الحموي وتورقتهما مرتين، وبذلت جهدي في ذلك ليالي وأياما بما لا يتحمل عادة، فلم أجد هذه الحكاية في هذين الكتابين، نعم قال ياقوت في كتابه " معجم البلدان " ج 5 / 58، مادة " مجر ". " مجريط... بلدة بالاندلس، ينسب إليها هارون بن موسى بن صالح بن جندل القيسي الاديب القرطبي، أصله من مجريط، يكنى أبا نصر، سمع من أبي عيسى الليثي وأبي على القالي، روى عنه الخولاني، وكان رجلا صالحا صحيح الادب، وله قصة مع القالي ذكرتها في أخباره من كتاب الادباء [ يعني " معجم الادباء " ]. ومات المجريطي لاربع بقين من ذي القعدة سنة 401. قاله ابن بشكوال ". ولكن ليس في " معجم الادباء " المطبوع ترجمة هارون بن موسى أصلا، ولم يذكر ياقوت هذه القصة في ترجمة إسماعيل بن قاسم المعروف بأبي علي القالي في " معجم الادباء " ج 7 / 25 - 33، ولا في ترجمة أحمد بن موسى بن عباس بن مجاهد في ج 5 / 65 - 73، فلا بد أن نقول: جاءت هذه القصة وترجمة هارون بن موسى في " معجم الادباء " كما قال الشهيد وياقوت نفسه في " معجم البلدان " ج 5 / 58، ولكن لم يطبع إلى الآن جميع " معجم الادباء " كما قال مؤلف " الاعلام في معجم البلدان " في مقدمة كتابه هذا، ص 11، بشأن " معجم [ * ]

[ 249 ]

القرطبي، 1 قال: كنا نختلف إلى أبي علي القالي [ وقت أملائه " النوادر " بجامع الزهراء ] 2، ونحن في فصل الربيع، فبينما أنا يوما في بعض الطريق إذا أخذتني سحابة، فما وصلت إلى مجلسه حتى ابتلت ثيابي كلها، وحول أبي علي أعلام أهل البلد، فأمرني بالدنو منه، وقال لي: مهلا يا أبا نصر، لا تأسف على ما عرض، فهذا شئ يضمحل ويزول بسرعة بثياب غيرها تبدلها. ثم قال 3: كنت أختلف إلى ابن مجاهد، فادلجت عليه، لاتقرب منه، فلما انتهيت إلى الدرب الذي كنت أخرج منه إلى منزله ألفيته مغلقا وتعسر علي فتحه، فقلت: سبحان الله ! أبكر


الادباء " نقلا عن كتاب " تاريخ آداب اللغة العربية " ج 3 / 93: " يدخل في مجلدات عدة متفرقة في مكاتب أروبا والآستانة، لا يطمع في الحصول على نسخة كاملة منها، فنشط الاستاذ مرجليوث للاشتغال بجمع شتات هذا الكتاب والوقوف على طبعه، واهتمت لجنة تذكار حبيب بنشر ما يمكن العثور عليه من أجزائه، فوفقا حتى الآن إلى نشر خمسة أجزاء منه، وهي: الاول والثاني ونصف الثالث من مكتبة آكسفورد والخامس من مكتبة كوبرلي بالآستانة، والسادس تحت الطبع ينقص القسم الاخير منه، والسعي متواصل في البحث عن مظان سائر الاجزاء. وأخبرنا الاستاذ المشار إليه أنه ساع في البحث عن أجزاء أخرى يتوقع وجودها في لكنا والهند، ثم جاءنا كتابه... أنه لم يوفق إلى وجود شئ هناك، ولا في مكان آخر، لكن ذلك لا يمنع أن يكون منه شئ في بعض المكتبات الخصوصية التي لم يصله خبرها... " نعم ظفرت على هذه الحكاية في " إنباه الرواة " ج 3 / 362 - 363، و " الصلة " ج 2 / 656 - 657، وعبارات المؤلف رحمه الله، أكثر انطباقا على ما في " إنباه الرواة " مما في " الصلة ". 1 - هو أبو نصر هارون بن موسى بن صالح بن جندل القيسي القرطبي، المجريطي الاصل، توفي في سنة 401 ه‍. وردت ترجمته ومصادر ترجمته في " الصلة " ج 2 / 656 - 657، و " إنباه الرواة " ج 3 / 362 - 363، و " الاعلام " ج 8 / 63، و " معجم المؤلفين " ج 13 / 131. 2 - تكملة حسنة من المصدر أعني " إنباه الرواة " و " الصلة " وأبو علي القالي هو إسماعيل بن قاسم بن عيذون بن هارون المعروف بالقالي، المتوفي في سنة 356 ه‍. وردت ترجمته ومصادر ترجمته في " وفيات الاعيان " ج 1 / 226 - 228، و " معجم الادباء " ج 7 / 25 - 33، و " معجم المؤلفين " ج 2 / 286 - 287. 3 - يعني أبا علي القالي. 4 - هو أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد التميمي البغدادي المعروف بابن مجاهد (245 - 324 ه‍.) وردت ترجمته ومصادر ترجمته في " الاعلام " ج 1 / 261، و " معجم المؤلفين " ج 2 / 188. 5 - ادلج - بتشديد الدال -: سار في آخر الليل. " أساس البلاغة " / 133، " مختار الصحاح " / 164، " المصباح المنير " / 236، " دلج "). [ * ]

[ 250 ]

هذا البكور، وأغلب على القرب منه، فنظرت إلى سرب 1 بجنب الدرب فاقتحمته، فلما توسطت ضاق بي، ولم أقدر على الخروج، ولا على الدخول فاقتحمته أشد اقتحام، حتى تخلصت بعد أن تخرفت ثيابي وأثر السرب في لحمي حتى انكشف العظم، ومن الله بالخروج، فوافيت مجلس الشيخ على تلك الحال. ثم قال 2: فأين أنت مما عرض لي ؟ ثم أنشد بيت الحماسة: 3 دببت للمجد والساعون قد بلغوا * جهد النفوس وألقوا دونه الازرا وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم * وفاز بالمجد من وافى ومن صبرا 4 لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا 5


1 - السرب: الطريق، يقال: خل سربه، أي طريقه. (" أساس البلاغة " / 207، " المصباح المنير " / 322، " سرب ".) 2 - يعني أبا علي القالي. 3 - هكذا في جميع النسخ، ولكن في " الصلة " و " إنباه الرواة ": " ثم أنشدنا " بدل " ثم أنشد بيت الحماسة "، وكلاهما صحيح، لان هذه الابيات أيضا مروية في كتاب " الحماسة " لابي تمام، وقد جرت عادتهم إذا نقلوا شيئا مما فيه أن يقولوا: بيت الحماسة، أو قال الحماسي ونحوه. قال البغدادي في " شرح شواهد شرح الشافية ": " والحماسي: منسوب إلى كتاب الحماسة، وهو مجموعة أشعار من شعر الجاهلية والاسلام، انتقاها واختارها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر المشهور،... وقد رتب أبو تمام ما اختاره على عدة أبواب: أولها باب الحماسة... وقد اشتهر تسميته بالجزء الاول منه، والحماسة: الشجاعة. وقد جرت عادة المصنفين إذا استشهدوا بشئ مما فيه أن يقولوا: قال الحماسي، ونحوه، والمراد الشاعر المذكور في كتاب الحماسة... " (" شرح شافية ابن الحاجب " ج 4 / 8)، وانظر أيضا ما يأتي في تعاليقنا على المطلب الثاني من الخاتمة، ص 382، التعليقة 1، و " شرح ديوان الحماسة " ج 1 / 4 3، 7، 10. وهذه الابيات الثلاثة مذكورة في باب الهجاء من كتاب " الحماسة " لابي تمام، انظر " شرح ديوان الحماسة " ج 3 / 1511. وراجع للاطلاع على كتاب الحماسة وطبعاته ومخطوطاته وشروحه " تاريخ الادب العربي " ج 1 / 77 - 80. 4 - في جميع النسخ: " قل " بدل " مل " والصواب ما أثبتناه كما في " أمالي القالي " ج 1 / 146، و " " الصلة "، و " إنباه الرواة " و " شرح ديوان الحماسة " ج 3 / 1511. وأيضا في هذه المصادر الاربعة: " وعانق المجد من أوفى... " بدل " وفاز بالمجد من وافى... " وأيضا في " شرح ديوان الحماسة ": " فكابروا المجد " بدل " وكابدوا المجد ". 5 - هذه الابيات في " أمالي القالي " ج 1 / 146، رواها عن أبي بكر بن دريد عن بعض العرب و " شرح ديوان الحماسة " ج 3 / 1511، عن رجل من بني أسد. وتمام الحكاية في " إنباه الرواة " ج 3 / 362 - 363، و " الصلة " ج 2 / 656 - 657 - كما قلنا، و " تلخيص ابن مكتوم "، المخطوط بعد، كما في " إنباه الرواة " ج 3 / 363، الهامش. وزاد ابن بشكوال في " الصلة " ج 2 / 657: " قال أبو نصر: فكتبناها عنه من قبل أن يأتي موضعها في نوادره، [ * ]

[ 251 ]

الثاني عشر: 1 أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام بغير إذنه، سواء كان الشيخ وحده أم معه غيره، فإن استأذن بحيث يعلم الشيخ ولم يأذن، انصرف ولا يكرر الاستيذان، وإن شك في علم الشيخ به كرره ثلاثا، ولا يزيد في الاستيذان عليها، أو ثلاث طرقات بالباب أو بالحلقة، وليكن طرق الباب خفيا بأظفار الاصابع 2، ثم بالاصابع، ثم بالحلقة قليلا قليلا، فإن كان الموضع بعيدا عن الباب، فلا بأس برفع ذلك ابتداء بقدر ما يسمع لا غير، وإن أذن وكانوا جماعة تقدم أفضلهم فأسنهم بالدخول والسلام عليه، ثم يسلم عليه الافضل فالافضل. الثالث عشر: أن يدخل على الشيخ كامل الهيأة فارغ القلب من الشواغل، نشيطا منشرح الصدر صافي الذهن، لافي حال نعاس أو غضب أو جوع أو عطش، ونحو ذلك، متطهرا متنظفا، بعد استعمال ما يحتاج إليه من سواك وأخذ ظفر وشعر، وإزالة رائحة كريهة، لا بسا أحسن ملبوسه، سيما إذا كان يقصد مجلس العلم، فإنه مجلس ذكر، واجتماع في عبادة، وهذه الامور من آدابها. الرابع عشر: أن لا يقرأ على الشيخ عند شغل قلبه وملله ونعاسه وجوعه وعطشه واستيفازه وألمه وقائلته، ونحو ذلك مما يشق عليه فيه البحث. اللهم إلا أن يبتدئه الشيخ بطلب القراءة فليجبه كيف كان.


وسلاني بما حكاه، وهان عندي ما عرض لي من تلك الثياب واستكثرت من الاختلاف إليه ولم أفارقه حتى مات ". وقال المرزوقي في " شرح ديوان الحماسة " ج 3 / 1512 - في شرح هذه الابيات -: " يقول: تباطأ سعيك للمجد، ولما سعيت كان سعيك دبيبا وطلاب المجد قد جهدوا أنفسهم، وألقوا الازر دونه، تخفيفا عن أنفسهم وتشهيرا في طلبهم، وهذا مثل. والمراد أن ما يفعله الساعي في سعيه إذا طلب شيئا من التجرد والتخفف ليدرك مطلوبة، قد فعلوه [ كذا ]. ثم أخذ يفصل مجهودهم من بعد، فقال: كابروا المجد، أي جاهدوه ليبلغوه قسرا لاختلا فمن صبر وأوفى ناله واحتواه ظافرا به معانقا له، ومن مل وقصر - وهم الاكثر - خاب وأخفق ورجع نادما لاهيا عنه، وقوله: لا تحسب المجد، تقريع، والمراد: لا تظنن المجد يدرك بالسعي القصير واستعمال التعذير، وعلى ملازمة الراحة دون توطين النفس على الكد الشديد والمجاهدة، فإنه لن ينال إلا بتجرع المرارات دونه، واقتحام المعاطب بسببه، ويقال: لعقت الصبر لعقا. واسم ما يلعق هو اللعوق ". 1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 93 - 95، " التبيان في آداب حملة القرآن " / 25 - 26. 2 - " عن أنس بن مالك: أن أبواب النبي صلى الله عليه وآله كانت تقرع بالاظافير " (" تذكرة السامع " / 94، الهامش، " مجمع الزوائد " ج 8 / 43). [ * ]

[ 252 ]

الخامس عشر: 1 إذا دخل على الشيخ في غير المجلس العام، وعنده من يتحدث معه فسكتوا عن الحديث، أو دخل والشيخ وحده يصلي أو يقرأ أو يذكر أو يطالع أو يكتب، فترك ذلك ولم يبدأ بكلام أو بسط حديث، فليسلم ويخرج سريعا، إلا أن يحثه الشيخ على المكث، فإذا مكث فلا يطيل، إلا أن يأمره بذلك، خشية أن يدخل في عداد من أشغل مشغولا بالله أدركه المقت في الوقت. السادس عشر: إذا حضر مكان الشيخ فلم يجده انتظره، ولا يفوت على نفسه درسه، فإن كل درس يفوت لاعوض له، ولا يطرق عليه ليخرج إليه. وإن كان نائما صبر حتى يستقيظ، أو ينصرف ثم يعود، والصبر خير له، ولا يوقظه ولا يأمر به. هكذا كان السلف يفعلون، ونقل عن ابن عباس مثله. 2 السابع عشر: أن لا يطلب من الشيخ إقراء في وقت يشق عليه فيه أو لم تجر عادته بالاقراء فيه، ولا يخترع 3 عليه وقتا خاصا به دون غيره وإن كان رئيسا، لما فيه من الترفع والحمق على الشيخ والطلبة واللعم. وربما استحيا الشيخ منه، فيترك لاجله ما هو أهم عنده في ذلك الوقت، فلا يفلح الطالب. فإن بدأه الشيخ بوقت معين أو خاص لعذر عائق له عن الحضور مع الجماعة، أو لمصلحة رآها فلا بأس. الثامن عشر: أن يجلس بين يديه جلسه الادب بسكون وخضوع وإطراق رأس وتواضع وخشوع. والاولى له الافتراش أو التورك. قيل: ويحسن هنا الاقعاء. وهو أن يفرش قدميه، ويجلس على بطونهما، ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثابه. 4 التاسع عشر: 5 - وهو من جنس ما قبله - أن لا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 95 - 97. 2 - " التبيان في آداب حملة القرآن " / 26، " شرح المهذب " ج 1 / 64، " تذكرة السامع " / 96، قال فيه: " فقد روي عن ابن عباس: كان يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت حتى يستيقظ، فيقال له: ألا نوقطه لك ؟ فيقول: لا. وربما طال مقامه وقرعته الشمس. وكذلك كان السلف يفعلون ". 3 - في " تذكرة السامع " / 96، الهامش: " كذا في الاصول، ولعله يقترح ". 4 - " تذكرة السامع " / 97، 99. 5 - لاحظ " تذكرة السامع " / 98، 100. [ * ]

[ 253 ]

ومخدة أو درابزين، 1 ونحو ذلك، أو يجعل يده عليه، ولا يعطي الشيخ جنبه أو ظهره، ولا يعتمد على يده إلى ورائه أو جنبه أو ظهره، ولا يضع رجله أو يده أو شيئا من بدنه أو ثيابه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته. قال بعضهم: ومن تعظيم الشيخ أن لا يجلس إلى جانبه ولا على مصلاه أو وسادته. وإن أمره الشيخ بذلك، فلا يفعل إلا إذا جزم به جزما يشق عليه مخالفته، فلا بأس مامتثال أمره في تلك الحال، ثم يعود إلى ما يقتضيه الادب. انتهى. 2 وقد تكلم الناس في أي الامرين أولى: امتثال الامر، أو سلوك الادب، فذهب إلى كل من الامرين فريق من الصحابة على ما نقل عنهم، فضلا عمن بعدهم والتفصيل موجه. 3 العشرون: 4 وهو من أهمها أن يصغي إلى الشيخ ناظرا إليه، ويقبل بكليته عليه، متعقلا لقوله: بحيث لا يحوجه إلى إعادة الكلام، ولا يلتفت من غير ضرورة وينظر إلى يمينه أو شماله أو فوقه أو أمامه لغير حاجة، ولا سيما عند بحثه معه أو كلامه له، فلا ينبغي أن ينظر إلا إليه، ولا يضطرب لضجة يسمعها، ولا يلتفت إليها سيما عند بحثه. ولا ينفض كميه، ولا يحسر عن ذراعيه، ولا يومى بيده إلى وجه الشيخ أو صدره، ولا يمس بها شيئا من بدنه أو ثيابه، ولا يعبث بيديه أو رجليه، أو غيرهما من أعضائه، ولا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في أنفه، ولا يفتح فاه،


1 - قال بعض اللغويين: " الدر بزين والدرابزين والدرابزون ج: درابزونات: قوائم منتظمة يعلوها متكا. يونانية ". وفي " فرهنگ فارسي " ج 2 / 1481، مادة " دارافزين ": " درابزين... يونانى:... تكيه گاه طارمي ". ويوجد تصويره في تلك الصفحة. وقال أيضا في ج 2 / 2195: " طارمي: نرده چوبى يا آهنى كه اطراف محوطه يا باغى نصب كنند ". 2 - " تذكرة السامع " / 100. 3 - والتفصيل كما في " تذكرة السامع " / 100 هكذا: " فإن جزم بما أمره به بحيث يشق عليه مخالفته، فامتثال الامر أولى وإلا فسلوك الادب أولى لجواز أن يقصد الشيخ إظهار احترامه والاعتناء به، فيقابل هو ذلك بما يجب من تعظيم الشيخ والادب معه ". 4 - لاحظ " تذكرة السامع " / 97 - 99. [ * ]

[ 254 ]

ولا يقرع سنه، ولا يضرب الارض براحته، أو يخط عليها بأصابعه، ولا يشبك بيديه ولا يعبث بأزراره، ولا يفرقع أصابعه، بل يلزم سكون بدنه، ولا يكثر التنحنح من غير حاجة، ولا يبصق ولا يمتخط، ولا يتنخع ما أمكنه، ولا يلفظ النخامة من فيه بل يأخذها منه بمنديل ونحوه، ولا يتجشأ، ولا يتمطى، ولا يكثر التثاؤب، وإذا تثاءت سترفاه بعد رده جهده، وإذا عطس حفظ صوته جهده، وستر وجهه بمنديل ونحوه. وذلك كله مما يقتضيه النظر المستقيم والذوق السليم. الحادي والعشرون: 1 - وهو من جنس ما قبله - أن لا يرفع صوته رفعا بليغا من غير حاجة، ولا يسار في مجلسه، ولا يغمز أحدا، ولا يكثر كلامه بغير ضرورة، ولا يحكي ما يضحك منه، أو ما فيه بذاءة، أو يتضمن سوء مخاطبة أو سوء أدب، بل ولا يتكلم بما لم يسأله، ولا يتكلم ما لم يستأذنه أولا، ولا يضحك لغير عجب، ولا لعجب دون الشيخ، فإن غلبه تبسم تبسما بغير صوت البتة. وليحذر كل الحذر من أن يغتاب أحدا في مجلسه، أو ينم له عن أحد، أو يوقع بينه وبين أحد بنقل ما يسوؤه عنه، كاستنقاص به أو تكلم فيه ورد ماقاله، أو يقول - كالحاث له على الاعتناء بأمره -: فلان يود أن أقرأ عليه، أو أردت أن أقرأ على فلان وتركت لاجلك، أو نحو ذلك، ففاعل ذلك وأمثاله مع كونه ارتكب مكروها أو حراما أو كبيرة، مستحق للزجر والاهانة والطرد والبعد، لحماقته ورئائه، وقد تقدم في حديث علي عليه السلام 2 ما يدل على ذلك. الثاني والعشرون: 3 أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الامكان، ولا يقول له: لم ؟ و: لا نسلم، ولا: من نقل هذا، ولا: أين موضعه ؟ ولا يقل: المحفوظ، أو المنقول غير هذا. وشبه ذلك، فإن أراد استفادة أصله أو من نقله، تلطف في


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 98. 2 - مر في أول القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، الصفحة 234، والحديث في " الكافي " ج 1 / 37، كتاب فضل العلم، باب حق العالم، الحديث 1. 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 101 - 102، 104. [ * ]

[ 255 ]

الوصول إلى ذلك، ثم هو في مجلس آخر أولى على سبيل الاستفادة. وكذلك ينبغي أن يقول - في موضع لم ؟ ولا أسلم -: فإن قيل لنا كذا ؟ أو فإن منعنا كذا ؟ أو فإن سئلنا عن كذا ؟ أو فإن أورد كذا، وشبهه، ليكون مستفهما للجواب سائلا له بحسن أدب ولطف عبارة. وإذا أصر الشيخ على قول أو دليل ولم يظهر له، أو على خلاف صواب سهوا، فلا يغير وجهه أو عينيه، ولا يشير إلى غيره كالمنكر لما قال، بل يأخذه ببشر ظاهر، وإن لم يكن الشيخ مصيبا، لغفلة أو سهو أو قصور نظر في تلك الحال، فإن العصمة في البشر للانبياء والاوصياء عليهم السلام. وليحذر من مفاجأة الشيخ بصورة رد عليه، فإنه يقع ممن لا يحسن الادب من الناس كثيرا، مثل أن يقول له الشيخ: أنت قلت كذا ؟ فيقول: ما قلت كذا، أو يقول له الشيخ: مرادك في سؤالك كذا، أو خطر لك كذا ؟ فيقول: لا، أو ماهذا مرادي، أو ما خطر لي هذا، وشبه ذلك، بل طريقه أن يتلطف بالمكاشرة على المقصود في الجواب. وكذلك إذا استفهمه الشيخ استفهام تقرير وجزم كقوله: ألم تقل كذا ؟ أو أليس مرادك كذا ؟ فلا يبادر بالرد عليه بقوله: لا، ونحو ذلك، بل يسكت أو يوري عن ذلك بكلام لطيف يفهم الشيخ قصده منه، فإن لم يكن بد من تحرير قصده وقوله، فليقل: الآن أقول كذا، أو أعود إلى قصد كذا. ويعيد كلامه، ولا يقول: الذي قلته، أو الذي قصدته، لتضمنه الرد عليه. الثالث والعشرون: - وهو من جنس ما قبله - إذا ذكر الشيخ تعليلا وعليه تعقب، ولم يتعقبه، أو بحثا وفيه إشكال، ولم يستشكله، أو إشكالا وعنه جواب، ولم يذكره، فلا يبادر إلى ذكر ذلك، ولا إلى التعقب على الشيخ بسبب إهماله له، بل له أن يشير إلى ذلك بألطف إشارة، كقوله: " ما لمحتم عن الاشكال جوابا " مثلا، ونحو ذلك، فإن تذكر الشيخ فبها ونعمت، وإلا فالاولى السكوت عن ذلك إلا أن يأذن الشيخ، أو يعلم منه أنه يؤثر ذلك منه.

[ 256 ]

الرابع والعشرون 1: وهو من جنس ما قبله أيضا أن يتحفظ من مخاطبة الشيخ بما يعتاده بعض الناس في كلامه ولا يليق خطابه به، مثل أيش 2 بك ؟ وفهمت ؟ وسمعت ؟ وتدري ؟ ويا رجل مبارك ؟ ونحو ذلك. وكذلك لا يحكي ما خوطب به غيره مما لا يليق خطاب الشيخ به، وإن كان حاكيا، مثل قال فلان لفلان: " أنت قليل الحياء، أنت قليل البر، وما عندك خير، و [ أنت ] قليل الفهم " ونحو ذلك، بل يقول: إذا أراد الحكاية ما جرت العادة بالكناية به، مثل قال فلان لفلان: الابعد قليل الخير، وما عند الابعد خير، ومثل هذه الكناية وردت في بعض الاخبار 3 أيضا، أو يأتي بضمير الغائب مكان ضمير المخاطب، وشبه ذلك. الخامس والعشرون: إذا سبق لسان الشيخ إلى تحريف كلمة يكون لها توجيه مستهجن، أو نحو ذلك، أن لا يضحك ولا يستهزئ، ولا يعيدها كأنه يتبادر بها عليه، ولا يغمز غيره ولا يشير إليه، بل ولا يتأمل ما صدر منه، ولا يدخله قلبه ولا يصغي إليه سمعه، ولا يحكيه لاحد، فإن اللسان سباق، والانسان غير معصوم، لاسيما فيما هو فيه معذور، وفاعل شئ مما ذكر مع شيخه معرض نفسه للحرمان والبلاء والخسران، مستحق للزجر والتأديب والهجر والتأنيب، مع ما يستوجبه من مقت الله سبحانه له وملائكته وأنبيائه وخاصته. السادس والعشرون: 4 أن لا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال 5 منه أو من غيره، لا سيما إذا كان من غيره وتوقف، ولا يساوقه فيه، ولا يظهر معرفته به


1 - لا حظ " تذكرة السامع " / 102. 2 - يعني أي شئ بك ؟ 3 - في " النهاية " ج 1 / 139، و " لسان العرب " ج 3 / 91، مادة " بعد ": " وفيه: إن رجلا جاء فقال: إن الابعد قد زنى، معناه: المتباعد عن الخير والعصمة، وأراد القائل من " الابعد " نفسه ". فتأمل 4 - لاحظ " تذكرة السامع " / 106. وفي " شرح المهذب " ج 1 / 62: " ولا يسبقه إلى شرح مسألة أو جواب سؤال إلا أن يعلم من حال الشيخ إيثار ذلك ليستدل به على فضيلة المتعلم ". 5 - في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 35: " قال أبو عمرو بن العلاء ليس من الادب أن تجيب من لا يسألك، أو تسأل من لا يجيبك، أو تحدث من لا ينصت لك... قال ابن المقفع: كانت الحكماء تقول: ليس للعاقل أن يجيب عما يسأل عنه غيره ". [ * ]

[ 257 ]

أو إدراكه له قبل الشيخ، إلا أن يعلم من الشيخ إيثار ذلك منه، أو عرض الشيخ عليه ذلك ابتداء والتمسه منه، فلا بأس به حينئذ. السابع والعشرون: 1 أن لا يقطع على الشيخ كلامه أي كلام كان، ولا يسابقه فيه ولا يساوقه به بل يصبر حتى يفرغ الشيخ من كلامه ثم يتكلم. ولا يتحدث مع غيره والشيخ يتحدث معه أو مع جماعة المجلس، بل لا يجعل همه سوى الاصغاء إلى قول الشيخ وفهمه. الثامن والعشرون: إذا سمع الشيخ يذكر حكما في مسألة، أو فائدة مستغربة أو يحكي حكاية، أو ينشد شعرا، وهو يحفظ ذلك، أن يصغي إليه إصغاء مستفيد له في الحال، متعطش إليه فرح به، كأنه لم يسمعه قط. قال بعض السلف: 2 إني لاسمع الحديث من الرجل، وأنا أعلم به منه، فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئا. وقال أيضا: إن الشاب ليتحدث بحديث، فأستمع له كأني لم أسمعه ولقد سمعته قبل أن يولد. 3 فإن سأله الشيخ عند - الشروع في ذلك - عن حفظه له، فلا يجيب ب‍ " نعم " لما فيه من الاستغناء عن الشيخ فيه، ولا يقول: " لا " لما فيه من الكذب، بل يقول: أحب أن أستفيده من الشيخ، أو: أسمعه منه، أو: بعد عهدي به، أو: هو من جهتكم أصح، ونحو ذلك. فإن علم من حال الشيخ أنه يؤثر العلم بحفظه له مسرة به، أو أشار إليه بإتمامه امتحانا لضبطه أو حفظه أو لاظهار تحصيله، فلا بأس باتباع غرض الشيخ ابتغاء لمرضاته وازديادا لرغبته فيه. التاسع والعشرون: أنه لا ينبغي له أن يكرر سؤال ما يعلمه، ولا استفهام ما يفهمه، فإنه يضيع الزمان وربما الشيخ، قال بعض السلف: إعادة الحديث أشد من


1 - لا حظ " تذكرة السامع " / 104، 106، 107. 2 - هو عطاء بن أبي رباح، كما في " تذكرة السامع " / 105. 3 - " تذكرة السامع " / 105. [ * ]

[ 258 ]

نقل الصخر. 1 وينبغي أن لا يقصر في الاصغاء والتفهم، أو يشغل ذهنه بفكر أو حديث ثم يستعيد الشيخ ما قاله، لان ذلك إساءة أدب، بل يكون كما مر مصغيا لكلامه حاضر الذهن لما يسمعه من أول مرة. وكان بعض المشايخ لا يعيد لمثل هذا إذا استعاده ويزبره عقوبة له. 2 أما إذا لم يسمع كلام الشيخ لبعده، أو لم يفهمه مع الاصغاء إليه والاقبال عليه، فله أن يسأل الشيخ إعادته أو تفهيمه بعد بيان عذره بسؤال لطيف. الثلاثون: أن لا يسأل عن شئ لي غير موضعه، ففاعل ذلك لا يستحق جوابا. إلا أن يعلم من حال الشيخ أنه لا يكره ذلك، ومع ذلك فالاولى أن لا يفعل، ولا يلح عليه في السؤال إلحاحا مضجرا، ولا يسأله في طريقه إلى أن يبلغ مقصده. وقد حكي عن بعض الاجلاء 3 أنه أوصى بعض طلبته فقال: لا تسألني عن أمر الدين وأنا ماش، ولا وأنا أتحدث مع الناس، ولا وأنا قائم، ولا وأنا متكئ، فإن هذه أماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل، لا تسألني إلا وقت اجتماع العقول. الحادي والثلاثون: أن يغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه، ويتلطف في سؤاله، ويحسن في جوابه، قال صلي الله عليه وآله: الاقتصاد في النفقه نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم. 4


1 - قال الزهري كما في " المحدث الفاصل " / 566، و " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 169، و " عيون الاخبار " ج 2 / 179 و " تذكرة السامع " / 106. وعلق الدكتور محمد عجاج الخطيب - الذي حقق " المحدث الفاصل " بأحن وجه - هنا بقوله: " إنما كانوا يستشقلون إعادة الحديث لانه لا يطلب إعادته إلا من غفل عن استماعه أول الامر، وأما إعادته لبيانه وشرحه فلا استثقال فيها ". وفي " أدب الاملاء والاستملاء " / 80: " إعادة الحديث أثقل من نقل الصخر ". 2 - " تذكرة السامع " / 106. " زبره زبرا من باب قتل زجره ونهره ". (" المصباح المنير " / 296، " زبر "). 3 - لم أقف عليه ولا على حاكي هذه الحكاية ومصدرها. 4 - " مجمع الزوائد " ج 1 / 160 " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 33. وفي " بحار الانوار " ج 1 / 224، الحديث 14 - نفلا عن " كنز الفوائد " -: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " التودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال [ * ].

[ 259 ]

الثاني والثلاثون: أن لا يستحيي من السؤال عما أشكل عليه، بل يستوضحه أكمل استيضاح، فمن رق وجهه رق علمه، ومن رق وجهه عند السؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرجال. 1 قال الصادق عليه السلام: إن هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة. 2 الثالث والثلاثون: 3 إذا قال له الشيخ: أفهمت ؟ فلا يقول: نعم، قبل أن يتضح له المقصود اتضاحا [ خ ل: إيضاحا ] جليا، لئلا يكذب ويفوته الفهم، ولا يستحيي من قوله: لم أفهم، لان استثباته يحصل له مصالح عاجلة وآجلة، فمن العاجة حفظ المسألة وسلامته من الكذب والنفاق بإظهار فهم ما لم يكن فهمه، واعتقاد الشيخ اعتناؤه ورغبته وكمال عقله وورعه وملكته لنفهس، ومن الآجلة ثبوت الصواب في قلبه دائما، واعتياده هذه الطريقة المرضية والاخلاق الرضية. قال الخليل بن أحمد العروضي رحمه الله: منزلة الجهل بين الحياء والانفة. 4 الرابع والثلاثون: 5 أن يكون ذهنه حاضرا في جهة الشيخ، بحيث إذا أمره بشئ، أو سأله عن شئ، أو أشار إليه لم يحوجه إلى إعادته ثانيا، بل يبادر إليه مسرعا ولم يعاوده فيه.


نصف العلم، والتقدير في النفقه نصف العيش ". وفي أدب الدنيا والدين " / 79: " إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال. حسن السؤال نصف العلم ". 1 - في " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 109: " من رق وجهه عن السؤال رق علمه عند الرجال، ومن ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حقه ". 2 - " الكافي " ج 1 / 40، كتاب فصل العلم، باب سؤال العالم وتذاكره، الحديث 3. 3 - لا حظ " تذكرة السامع " / 156 - 158، " شرح المهذب " ج 1 / 62. 4 - " عيون الاخبار " ج 2 / 123، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 109، " مفتاح دار السعادة " ج 1 / 177، " شرح المهذب " ج 1 / 62، " تذكرة السامع " / 157. وفي " أدب الدنيا والدين " / 58: " قال الخليل بن أحمد: يرتع الجهل بين الحياء والكبر في العلم ". وانظر ترجمة ومصادر ترجمة الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الازدي (170 100 ه‍) في " الاعلام " ج 2 / ظ ! ط، و " وفيات الاعيان " ج 2 / 244 - 248، و " معجم المؤلفين " ج 4 / 112 - 113. 5 - لاحظ " تذكرة السامع " / 107 - 110. [ * ]

[ 260 ]

الخامس والثلاثون: إذا ناوله الشيخ شيئا تناوله بالميني، وإذا ناوله هو شيئا ناوله إياه باليمنى، فإن كان ورقة يقرأها أو قصة مثلا نشرها، ثم دفعها إليه، ولا يدفعها إليه مطوية إلا إذا علم أو ظن إيثار الشيخ لذلك، وإذا أخذ من الشيخ ورقة بادر إلى أخذها منشورة قبل أن يطويها أو يتربها، ثم يطويها أو يتربها هو. وإذا ناول الشيخ كتابا ناوله إياه مهيا لفتحه والقراءة فيه، من غير احتياج إلى إدارته، فإن كان للنظر في موضع معين، فليكن مفتوحا كذلك، ويعين له المكان. ولا يرمي إليه الشئ رميا من كتاب أو ورقة أو غيرهما، ولا يمد يده إليه إذا كان بعيدا، ولا يحوج الشيخ إلى مد يده أيضا لاخذه منه أو إعطائه، بل يقوم إليه قائما، ولا يزحف زحفا، وإذا قام أو جلس بين يديه لشئ من ذلك، فلا يقرب منه كل القرب، ولا يضع رجله أو يده أو شيئا من بدنه أو ثيابه على ثياب الشيخ أو وسادته ونحوهما كما تقدم. 1 السادس والثلاثون: إذا ناوله قلما ليكتب به، فليعده 2 - قبل إعطائه إياه - للكتابة، ويتفقد أوصافه، ويفرق بين سنيه إن كانتا ملتصقتين. وإن وضع بين يديه دواة، فلتكن مفتوحة الاغطية مهيأة للكتابة منها. وإن ناوله سكينا فلا يصوب إليه شفرتها ولا نصابها ويده قابضة على الشفرة، بل يكون عرضا وحد شفرتها إلى جهته، قابضا على طرف النصاب مما يلي النصل جاعلا نصابها على يمين الآخذ. السابع والثلاثون: إذا ناوله سجادة ليصلي عليها نشرها أولا، وأولى منه أن يفرشها هو عند قصد ذلك. قال بعض العلماء: 3 وإذا فرشها، وكان فيها صورة محراب تحرى به القبلة إن أمكن، وإن كانت مثنية جعل طرفيها إلى يسار المصلي. انتهى.


1 - في الامر التاسع عشر من القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 252 - 253. 2 - في " تذكرة السامع " / 109: " فليمده " بدل " فليعده ". 3 - هو ابن جماعة الكناني في " تذكرة السامع " / 109. [ * ]

[ 261 ]

ولا يجلس بحضرة الشيخ على سجادة، ولا يصلي عليها إذا كان المكان طاهرا إلا إذا اطردت العادة باستصحابها واستعمالها بحيث لا يكون شعارا على الاكابر والمترفعين، كما يتفق ذلك ببعض البلاد. الثامن والثلاثون: إذا قام الشيخ بادر القوم إلى أخذ السجادة إن كانت مما تنقل له، وإلى الاخذ بيده أو عضده إن احتاج إليه، وإلى تقديم نعله إن لم يشق ذلك على الشيخ، ويقصد بذلك كله التقرب إلى الله تعالى بخدمته والقيام بحاجته، وقد قيل: أربعة لا يأنف الشريف منهن، وان كان أميرا: قيامه من مجلسه لابيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم، وخدمته للضيف. 1 التاسع والثلاثون: أن يقوم لقيام الشيخ، ولا يجلس وهو قائم، ولا يضطجع وهو قائم أو قاعد، بل لا يضطجع بحضرته مطلقا، إلا أن يكون في وقت نوم ويأذن له، والاجود حينئذ أن لا ينام حتى ينام الشيخ إلا أن يأمره بالنوم فيطيعه. الاربعون: 2 إذا مشى مع شيخه، فليكن أمامه بالليل ووراءه بالنهار، إلا أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها، أو يأمره الشيخ بحالة فيمتثلها. ويتعين أن يتقدم عليه في المواطئ المجهولة الحال لوحل أو حوض مثلا، والمواطئ الخطرة، ويحترز من ترشيش ثياب الشيخ، وإذا كان في زحمة صانه عنها بيديه إما من قدامه أو من ورائه. وإذا مشى أمامه التفت إليه بعد كل قليل، فإن كان وحده والشيخ يكلمه، حالة المشي، وهما في ظل، فليكن عن يمينه كالمأموم مع الامام، ويخلي له الجانب اليسار، لعله يبصق أو يمتخط، وقيل: عن يساره متقدما عليه قليلا ملتفتا إليه، ويعلم الشيخ بمن قرب منه أو قصده من الاعيان إن لم يعلم الشيخ به. 3


1 - " تفسير الرازي " ج 2 / 185، " تذكرة السامع " / 110، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 164، " عيون الاخبار " ج 2 / 128. ونظيرها في " البيان والتبيين " / 249، 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 110 - 112. 3 - " تذكرة السامع " / 110 وفيه: " كوحل " بدل " لوحل ". وفي أكثر النسخ: " أو الشيخ " بدل " والشيخ ". [ * ]

[ 262 ]

ولا يمشي إلى جانبه إلا لحاجة أو إشارة منه، ويحترز من مزاحمته بكتفه أو بركابه إن كانا راكبين، وملاصفة ثيابه، ويؤثره بجهة الظل في الصيف، وبجهة الشمس في الشتاء، وبجهة الجدار في الرصافات 1 ونحوها، وبالجهة التي لا تقرع الشمس فيها وجهه إذا التفت إليه. ولا يمشي بينه وبين من يحدثه، ويتأخر عنهما إذا تحدثا، أو يتقدم، ولا يقرب ولا يستمع ولا يلتفت، فإن أدخلاه في الحديث فليأت من جانب آخر ولا يشق بينهما. وإذا مشى مع الشيخ اثنان، فاكتنفاه فالاولى أن يكون أكبرهما عن يمينه، وإن لم يكتنفاه تقدم أكبرهما وتأخر الاصغر. وإذا صادف الشيخ في طريقه بدأه بالسلام، ويقصده إن كان بعيدا، ولا يناديه، ولا يسلم عليه من بعيد ولا من ورائه، بل يقرب منه ثم يسلم، ولا يشير، ابتداء بالاخذ في طريق حتى يستشيره، ويبادر 2 فيما يستشيره فيه مطلقا بالرد إلى رأيه إلا أن يلزمه بإظهار ما عنده، أو يكون ما رآه الشيخ خطأ، فيظهر ما عنده بتلطف وحسن أدب، كقوله: يظهر أن المصلحة في كذا، ولا يقول: الرأي عندي كذا، أو الصواب كذا ونحو ذلك. واعلم أن هذه الآداب مما قد دل النص على جملة منها، بل على أشرفها وأهمها، والباقي مما يستنبط منه بإحدى الطرق التي تبني عليها الاحكام التي أحدها مراعاة العادة المحكمة في مثل ذلك. والله الموفق.


1 - قال في " لسان العرب " ج 9 / 120 مادة " رصف ": " الرصف: حجارة مرصوف بعضها إلى بعض... الرصفة - بالتحريك -: واحدة الرصف، وهي الحجارة التي يرصف بعضها إلى بعض في مسيل فيجتمع فيها ماء المطر ". 2 - في " تذكرة السامع " / 110: " يتأدب " بدل " يبادر ". [ * ]

[ 263 ]

القسم الثالث آدابه في درسه وقراءته، وما يعتمده حينئذ مع شيخه ورفقته وهو أمور: الاول: 1 وهو أهمها أن يبتدئ أولا بحفظ كتاب الله تعالى العزيز حفظا متقنا، فهو أصل العلوم وأهمها، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن. 2 وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بغيره اشتغالا يؤدي إلى نسيان شئ منه أو تعريضه للنسيان، بل يتعهد دراسته وملازمة ورد منه كل يوم ثم أيام ثم جمعة دائما أبدا. ويجتهد بعد حفظه على إتقان تفسيره وسائر علوم، ثم يحفظ من كل فن مختصرا يجمع فيه بين طرفيه، ويقدم الاهم فالاهم على ما يأتي تفصيله - إن شاء الله - في الخاتمة. ثم يشتغل باستشراح محفوظاته على المشايخ، وليعتمد في كل فن أكثرهم تحقيقا فيه وتحصيلا له، وإن أمكن شرح دروس في كل يوم فعل، وإلا اقتصر عليه الممكن من درس فأقل، وقد تقدمت الاشارة إليه. الثاني: أن يقتصر من المطالعة على ما يحتمله فهمه، وينساق إليه ذهنه، ولا يمجه طبعه، وليحذر من الاشتغال بما يبدد الفكر، ويحير الذهن من الكتب الكثيرة وتفاريق التصانيف، فإنه يضيع زمانه ويفرق ذهنه.


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 112 - 114، " شرح المهذب " ج 1 / 64 - 65. 2 - " شرح المهذب " ج 1 / 64. وانظر " تذكرة السامع " / 112 - 113، الهامش. [ * ]

[ 264 ]

وليعط الكتاب الذي يقرؤه والفن الذي يأخذه كليته، حتى يتقنه، حذرا من الخبط والانتقال المؤدي إلى التضييع وعدم الفلاح، ومن هذا الباب الاشتغال بكتب الخلاف في العقليات ونحوها، قبل أن يصح فهمه، ويستقر رأيه على الحق، ويحسن ذهنه في فهم الجواب، وهذا أمر يختلف باختلاف النفوس، والانسان فيه على نفسه بصيرة. الثالث: 1 أن يعتني بتصحيح درسه الذي يحفظه قبل حفظه تصحيحا متقنا على الشيخ أو على غيره ممن يعينه، ثم يحفظه حفظا محكما، ثم يكرره بعد حفظه تكرارا جيدا، ثم يتعاهده في أوقات يقررها لمواظبته 2، ليرسخ رسوخا متأكدا، ويراعيه بحيث لا يزال محفوظا جيدا، ولا يحفظ ابتداء من الكتب استقلالا من غير تصحيح، لادائه إلى التصحيف والتحريف، وقد تقدم 3 أن العلم لا يؤخذ من الكتب، فإنه من أضر المفاسد سيما الفقه. الرابع: أن يحضر معه الدواة والقلم والسكين للتصحيح، ويضبط ما يصححه لغة وإعرابا وإذا رد الشيخ عليه لفظة، فظن أو علم أن رده خلاف الصواب كرر اللفظة مع ما قبلها ليتنبه لها الشيخ، أو يأتي بلفظ الصواب على وجه الاستفهام، فربما وقع ذلك سهوا أو سبق لسان لغفلة، ولا يقل بل هي كذا، فإن رجع الشيخ إلى الصواب فذاك، وإلا ترك تحقيقها إلى مجلس آخر بتلطف، ولا يبادر إلى إصلاحها على الوجه الذي عرفه، مع اطلاع الشيخ أو أحد الحاضرين على المخالفة، وكذلك إذا تحقق خطأ الشيخ في جواب مسألة، وكان لا يفوت تحقيقه، ولا يعسر تداركه، فإن كان كذلك 4.


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 121 - 126، " شرح المهذب " ج 1 / 64 - 65. 2 - هكذا في نسخة " ص "، " ح "، " ع "، " ن ". وفي سائر النسخ و " تذكرة السامع " / 122: " مواضيه " بدل " مواظبته ". 3 - في الامر الاول من القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 240. 4 - أي يفوت تحقيقه ويعسر تداركه. وقوله " كذلك إذا تحقق خطأ... الخ " أي يترك تحقيقها إلى مجلس آخر بتلطف، إذا تحقق خطأ الشيخ ولا يفوت تحقيقه ولا يعسر تداركه. [ * ]

[ 265 ]

كالكتابة في رقاع الاستفتاء، وكون السائل غريبا، أو بعيد الدار أو مشنعا تعين تنبيه الشيخ على ذلك - في الحال - بالاشارة ثم بالتصريح، فإن ترك ذلك خيانة للشيخ: فيجب نصحه بما أمكن من تلطف أو غيره. وإذا وقف على مكان في التصحيح كتب قبالته " بلغ العرض " أو " [ بلغ ] التصحيح ". 1 الخامس: بعد أن يرتب الاهم فالاهم في الحفظ التصحيح والمطالعة وينقنها فليذاكر بمحفوظاته ويديم الفكر فيها، ويعتني بما يحصل فيها من الفوائد، ويذاكر بها بعض حاضري حلقة شيخه كما سيأتي تفصيله. السادس: 2 أن يقسم أوقات ليله ونهاره على ما يحصله، فإن الاوراد توجب الازدياد، ويغتنم ما بقي من عمره، فإن بقية العمر لا قيمة لها. وأجود الاوقات للحفظ الاسحار، وللبحث الابكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل وبقايا النهار. ومما قالوه - 3 ودلت عليه التجربة - أن حفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، والمكان البعيد 4 عن الملهيات كالاصوات والخضرة والنبات والانهار الجاريات، وقوارع الطرق التي تكثر فيها الحركات، لانها تمنع من خلو القلب، وتقسمه على حسب تلك الحالات. 5 السابع: أن يبكر بدرسه لخبر:


1 - هكذا في النسخ، ولكن جاء في " تذكرة السامع " / 126: " بلغ العرض والتصحيح " بدل " بلغ العرض أو التصحيح ". 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 72 - 73. 3 - قاله الخطيب البغدادي، كما في " تذكرة السامع " / 73. 4 - في هامش " ض ": " يمكن علي بعد عطفه على مفعول يقسم، وإلا ففي العبارة سقط ". أقول: لابد من تقدير مبتدأ وجعل " المكان البعيد... الخ " خبرا له حتى يستقيم الكلام، ولعل الصواب تقدير " أجود أماكن الحفظ " بعنوان المبتدأ ل‍ " المكان البعيد... الخ " كما في " شرح المهذب " ج 1 / 63 - وإلا فلا يستقيم الكلام. 5 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 104، وإليك نص عبارته: " وأجود أماكن الحفظ الغرف دون السفل، وكل موضع بعيد مما يلهي وخلا القلب فيه مما يفزعه فيشغله، أو يغلب عليه فيمنعه، وليس بالمحمود أن يتحفظ الرجل بحضرة النبات والخضرة، ولا على شطوط الانهار ولا على قوارع الطرق، فليس يعدم في هذه المواضع غالبا ما يمنع من خلو القلب وصفاء السر "، وانظر أيضا " الفقه والمتفقه " ج 2 / 128. [ * ]

[ 266 ]

بورك لامتي في بكورها. 1 ولخبر: اغدوا في طلب العلم، فإني سألت ربي أن يبارك لامتي في بكورها. 2 ويجعل ابتداءه الخميس، 3 وفي رواية: يوم السبت أو الخميس، 4 وفي خبر آخر عنه صلى الله عليه وآله: أطلبوا العلم يوم الاثنين فإنه ييسر [ خ له: يتيسر [ لطالبه 5. وروي في يوم الاربعاء خبر: ما من شئ بدئ يوم الاربعاء إلا وقد تم. 6


1 - " الجامع الصغير " ج 1 / 126، حرف الباء، " مجمع الزوائد " ج 4 / 62، " صبح الاعشى " ج 14 / 168. 2 - المحدث الفاصل " / 339، 343 " مجمع الزوائد ج 1 / 132، " كنز العمال " ج 10 / 250، الحديث 29341 نقلا عن الطبراني في " الاوسط " وفيهما زيادة " ويجعل ذلك يوم الخميس ". وفي " مسند أحمد " ج 3 / 416، 417، 431، 432، ج 4 / 384، 390، و " سنن الدارمي " ج 2 / 214، و " أدب الاملاء والاستملاء " / 111، و " إحياء علوم الدين " ج 2 / 225، و " مجمع الزوائد " ج 4 / 61: " اللهم بارك لامتي في بكورها ". 3 - روي في " تحف العقول " / 80 عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر فيها يوم الخميس، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: اللهم بارك لامتي في بكرتها يوم الخميس ". وفي " سنن الدارمي " ج 2 / 214، و " إحياء علوم الدين " ج 2 / 225: " قلما كان رسول الله يخرج إذا أراد سفرا إلا يوم الخميس ". وقال المناوي في " فيض القدير " ج 1 / 543: " ويشاركه [ يعنى يوم الاثنين ] في ندب الطلب فيه الخميس لحديث ابن عدي عن جابر: اطلبوا العلم لكل اثنين وخميس، فإنه ميسر لمن طلب ". 4 - في " كتاب من لا يحضره الفقيه " ج 1 / 274، الحديث 1254، و " بحار الانوار " ج 103 / 41 الحديث 1: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم بارك لامتي في بكورها يوم سبتها وخميسها " وفي " إحياء علوم الدين " ج 2 / 224: " روى أنس أنه صلى الله عليه وآله قال: إللهم بارك لامتي في بكورها يوم السبت، وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، أنه قال: اللهم بارك لامتي في بكورها يوم خميسها " والخبر الثاني من قول أيضا في " مجمع الزوائد " ج 4 / 61، 62. وفي " غرر الحكم " ج 3 / 259، الحديث 4422: " بكر السبت والخميس بركة ". 5 - " الجامع الصغير " ج 1 / 44، حرف الهمزة، " كنز العمال " ج 10 / 20، الحديث 293، وفيهما: " فإنه ميسر لطالبه ". قال المناوي في " فيض القدير " ج 1 / 543: " أي يتيسر له أسباب تحصيله بدفع الموانع وتهيئة الاسباب إذا طلبه فيه وذلك لانه اليوم الذي ولد فيه المصطفى صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، وجاء الوحي فيه ". فتأمل في ذلك. 6 - " تعليم المتعلم " / 15. قال في " كشف الخفاء " ج 2 / 237 - نقلا عن بعضهم -: " لم أقف له على أصل، ولكم ذكر برهان الاسلام في كتابه " تعليم المتعلم " عن شيخه صاحب " الهداية " أنه كان يروي ذلك حديثا، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من شئ بدي به يوم الاربعاء إلا وقدتم ". [ * ]

[ 267 ]

وربما اختار بعض العلماء الابتداء يوم الاحد، ولم نقف على مأخذه. الثامن: 1 أن يبكر بسماع الحديث ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه، والنظر في إسناده ورجاله ومعانيه وأحكامه وفوائده ولغته وتواريخه وصحيحه وحسنه وضعيفه ومسنده ومرسله، وسائر أنواع، ه فإنه أحد جناحي العالم بالشريعة والمبين للاحكام، والجناح الآخر القرآن 2. ولا يقنع من الحديث بمجرد السماع، بل يعتني بالدراية أكثر من الرواية، فإنه المقصود من نقل الحديث وتبليغه. التاسع: أن يعتني برواية كتبه التي قرأها أو طالعها سيما محفوظاته، فإن الاسانيد أنساب الكتب. وأن يحترص على كلمة يسمعها من شيخه أو شعر ينشده أو ينشئه أو مؤلف يؤلفه، ويجتهد على رواية الامور المهمة، ومعرفة من أخذ شيخه عنه وأسناده، ونحو ذلك. العاشر: إذا بحث محفوظاته أو غيرها من المختصرات، وضبط ما فيها من الاشكالات والفوائد المهمات، أن ينتقل إلى بحث المبوسطات وما هو أكبر مما بحثه أولا، مع المطالعة المتقنة والعناية الدائمة المحكمة، وتعليق ما مر به في المطالبعة أو سمعه من الشيخ من الفوائد النفيسة والمسائل الدقيقة والفروع الغريبة وحل المشكلات، والفرق بين أحكام المتشابهات من جميع أنواع العلوم التي يذاكره فيها، ولا يحتقر فائدة يراها أو يسمعها في أي فن كانت، بل يبادر إلى كتابتها وحفظها. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: فيدوا العلم. قيل: وما تقييده ؟ قال: كتابته. 3 وروي أن رجلا من الانصار كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وآله، فيسمع منه الحديث، فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال له


1 - لا حظ " تذكرة السامع " / 126، 130 - 133. 2 - في أكثر النسخ: " القراءة " بدل " القرآن "، والصحيح ما أثبتنا كما في " تذكرة السامع " / 131. 3 - " المحدث الفاصل " / 364، " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 106، " عوالي اللآلي " ج 1 / 68. [ * ]

[ 268 ]

رسول الله: استعن بيمينك، وأومأ بيده أي خط. 1 ومن هنا قيل: من لم يكتب علمه لم يعد علمه علما، " وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الكتابة أخبار أخر في ذلك. الحادي عشر: 2 أن يبالغ في الجد والطلب والتشمير، ولا يقنع من إرث الانبياء باليسير، ويغتنم وقت الفراغ والنشاط وشرخ الشباب 4 قبل عوارض البطالة وموانع الرئاسة، فإنها أدوى الادواء وأعضل الامراض. وليحذر كل الحذر من نظر نفسه بعين الكمال والاستغناء عن المشايخ، فإن ذلك عين النقص وحقيقة الجهل وعنوان الحماقة ودليل قلة العلم والمعرفة لو تدبر. الثاني عشر: أن يلازم حلقة شيخه بل جميع مجالسه إذا أمكن، فإن ذلك لا يزيده إلا خيرا وتحصيلا وأدبا، واطلاعا على فوائد متبدده لا يكاد يجدها في الدفاتر، كما أشار إليه علي عليه السلام في حديثه السابق بقوله: ولا تمل من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة. 5 ولا يقتصر على سماع درس نفسه فقط، فإن ذلك علامة قصور الهمة، بل يعتني بسائر الدروس، فإنها كنوز مختلفة وجواهر متعدده، فليغتنم ما فتح له منها إن احتمل ذهنه ذلك، فيشارك أصحابها حتى كأن كل درس له، فإن عجز عن ضبط جميعها اعتنى بالاهم فالاهم. هذا في الدروس المفرقة، وأما درس التقاسيم فشأنها كدرس واحد، فمن لم يطق


1 - " سنن الترمذي " ج 5 / 39، كتاب العلم، الحديث 2666، تقييد العلم " / 65 - 68، " تدريب الراوي " ج 2 / 66. 2 - قاله معاوية بن قرة، كما في " حلية الاولياء " ج 1 / 301، و " تقييد العلم " / 109 وفي " تقييد العلم " / 96: " قال أنس: كما لا نعد علم من لم يكتب علمه علما ". 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 133 - 135، 142 - 143. 4 - " شرح الشباب: أوله ونضارته وقوته " (" لسان العرب " ج 3 / 29، " شرخ "). 5 - " الكافي " ج 1 / 37، كتاب فضل العلم، باب حق العالم، الحديث 1، وقد سبق في أول القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 234، ونقله هنا بالمعنى. [ * ]

[ 269 ]

ضبطها لا يصلح لدخوله فيها، 1 الثالث عشر: 2 إذا حضر مجلس الشيخ، فليسلم على الحاضرين بصوت يسمعهم. ويخص الشيخ بزيادة تحية وإكرام. وعد بعضهم حلق العلم حال أخذهم في البحث من المواضع التي لا يسلم فيها. 3 واختاره جماعة من الافاضل، 4 وهو متجه حيث يشغلهم رد السلام عما هم فيه من البحث وحضور القلب كما هو الغالب، سيما إذا كان في أثناء تقرير مسألة، فإن قطعه عليهم أضر من كثير من الموارد التي ورد أنله لا يسم فيها. 5 لكن متى أريد ذلك، فليجلس الداخل عليهم على بعد من مقابلة الشيخ، بحيث لا يشعر حتى يفرغ إن أمكن، جمعا بين حق الادب معه وحق البحث في دفع الشواغل عنه. الرابع عشر: إذا سلم لا يتخطى رقاب الحاضرين إلى قرب الشيخ إن لم يكن منزلته كذلك، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس كما ورد في الحديث 6، فإن صرح له الشيخ أو الحاضرون بالتقدم أو كانت منزلته أو كان يعلم أيثار الشيخ والجماعة لذلك، وكان جلوسه بقرب مصلحة كأن يذاكره مذاكرة ينتفع


1 - مر في الامر السادس عشر من القسم الثاني من النوع الثاني من هذا الباب ص 200 معنى درس التقاسيم، فيعلم معنى الدروس المفرقة بالمقابلة 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 146 - 147، " التبيان في آداب حملة القرآن " / 24 - 25، " شرح المهذب " ج 1 / 61. 3 - " تذكرة السامع " / 146. 4 - منهم ابن جماعة الكناني في " تذكرة السامع " / 146، مع تفصيل. 5 - في " الكافي " ج 2 / 645 - 646، كتاب العشرة، باب التسليم، الحديث 11، " كان أبو عبد الله عليه السلام يقول: ثلاثة لا يسلمون: الماشي مع الجنازة والماشي إلى الجمعة، وفي بيت الحمام "، وفي " الخصال " ج 2 / 571 - 572، باب الاثني عشر، و " بحار الانوار " ج 76 / 9، الحديث 39 نقلا عن " الخصال ": " لا تسلموا على... ولا على المصلي، وذلك لان المصلي لا يستطيع أن يرد السلام... ولا على رجل جالس على غائط، ولا على الذي في الحمام... " وانظر روايات الباب في " بحار الانوار " ج 76 / 8 - 9، وراجع " الاذكار " / 27، 224 6 - في " أمالي الطوسي " ج 1 / 310 " قال أبو عبد الله عليه السلام: لا ينبغي للمؤمن أن يجلس إلا حيث ينتهي به الجلوس، فإن تخطي أعناق الرجل سخافة " راجع أيضا " مكارم الاخلاق " / 26، " الترغيب والترهيب " ج 4 / 51، " سنن أبي داود " ج 4 / 258، كتاب الادب، الحديث 4825، " أدب الاملاء والاستملاء " / 123. [ * ]

[ 270 ]

بها الحاضرون أو لكونه كبير السن أو كثير الفضيلة والصلاح فلا بأس. الخامس عشر: أن يحرص على قربه من الشيخ حيث يكون منزلته، ليفهم كلامه فهما كاملا بلامشقة، ولكن لا يقرب منه قربا ينسب فيه إلى سوء الادب، ولا يضع شيئا من ثيابه أو بدنه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته كما مر 1 واعلم أنه متى سبق إلى مكان من مجلس الدرس كان أحق به، فليس لغيره أن يزعجه منه وإن كان أحق به بحسب الادب، قيل: ويبقى بعد ذلك أحق به كالمحترف إذا ألف مكانا من السوق أو الشارع، فلا يسقط حقه منه لمفارقته، وإن انقطع عن الدرس يوما أو يومين إذا حضر بعد ذلك. 2 وهذا البحث آت في مكان المصلي المشتمل على فائدة في الصلاة كالذكر ونحوه. السادس عشر: 3 أن يتأدب مع رفقته وحاضري المجلس، فإن تأدبه معهم تأدب مع الشيخ واحترام لمجلسه، وليحترم كبراءه وأقرانه ورفقته. السابع عشر: أن لا يزاحم أحدا في مجلسه، ولا يؤثر قيام أحد له من محله، فإن آثره غيره بمجلسه لم يقبله، لنهي النبي صلى الله عليه وآله عن أن يقام الرجل من مجلسه، ويجلس فيه آخر، قال صلى الله عليه وآله: ولكن تفسحوا وتوسعوا. 4 نعم لو كان جلوسه في مجلس من آثره مصلحة للحاضرين، وعلم من خاطر المؤثر حب الايثار بالقرائن، فلا بأس.


1 - في الامر التاسع عشر من القسم الثاني من الوع الثالث، ص 252 - 253. 2 - للتفصيل والاطلاع على آراء وأقوال الفقهاء حول المسألة راجع الكتب الفقهية، كتاب إحياء الموات. 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 152 - 156، " التبيان في آداب حملة القرآن " / 25، " شرح المهذب " ج 1 / 62. 4 - " صحيح مسلم " ج 4 / 1714 - 1715، كتاب السلام (39)، الباب 11، " مسند أحمد " ج 2 / 22، 102، " سنن أبي داود " ج 4 / 258، كتاب الادب، الحديثان 4828 4827، " سنن الدارمي " ج 2 / 281 - 282، " الترغيب والترهيب " ج 4 / 51، " أدب الاملاء والاستملاء " / 126، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 166، ج 2 / 181، " عوالي اللآلي " ج 1 / 143، وإليك نص واحدة من روايات الباب من " صحيح مسلم ": " عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، قال: لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا ". [ * ]

[ 271 ]

الثامن عشر: أن لا يجلس في وسط الحلقة، ولا قدام أحد لغير ضرورة، لما روي من: أن النبي صلى الله عليه وآله، لعن من جلس وسط الحلقة 1. نعم لو كان لضرورة - كضيق المجلس وكثرة الزحام واستلزام تركه عدم السماع - فلا بأس به. التاسع عشر: أن لا يجلس بين أخوين أو أب وابن أو قريبين أو متصاحبين إلا برضاهما معا، لما روي: أن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يجلس الرجل بين الرجلين إلا بإذنهما. 2 العشرون: ينبغي للحاضرين إذا جاء القادم أن يرحبوا به، ويوسعوا له ويتفسحوا لاجله، ويكرموه بما يكرم به مثله، وإذا فسح له في المجس وكان حرجا ضم نفسه ولا يتوسع، ولا يعطي أحدا منهم جنبه ولا ظهره، ويتحفظ من ذلك ويتعهد عند بحث الشيخ له، ولا يجنح على جاره، أو يجعل مرفقه قائما في جنبه، أو يخرج من بنية الحلقة أو تأخر. الحادي والعشرون: أن لا يتكلم في أثناء درس غيره بما لا يتعلق به أو بما يقطع عليه بحثه، وإذا شرع بعضهم في درس، فلا يتكلم بكلام في درس فرغ ولا بغيره مما لا تفوت فائدته، إلا بإذن من الشيخ وصاحب الدرس. الثاني والعشرون: أن لا يشارك أحد من الجماعة أحدا في حديثه مع الشيخ، ولا سيما مشاركة الشيخ. قال بعض الحكماء: من الادب أن لا يشارك الرجل في حديثه. 3 وأنشد بعضهم 4 في ذلك:


1 - " سنن أبي داود ج 4 / 258، كتاب الادب، الحديث 4826، " الترغيب والترهيب " ج 4 / 50، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 30، " أدب الاملاء والاستملاء " / 127. 2 - " سنن أبي داود " ج 4 / 262، كتاب الادب، الحديث 4844، 4845، " الترغيب والترهيب " ج 4 / 51، " أدب الاملاء والاستملاء " / 129. 3 - " تذكرة السامع " / 156 وفيه زيادة " وإن كان أعلم به منه ". 4 - هو الخطيب البغدادي كما في " تذكرة السامع " / 156. [ * ]

[ 272 ]

ولا تشارك في الحديث أهله * وإن عرفت فرعه وأصله فإن علم إيثار المتكلم بذلك فلا بأس. الثالث والعشرون: إذا أساء بعض الطلبة أدبا على غيره لم ينهه [ خ ل: لم ينهره ] غير الشيخ إلا بإشارته، أو سرا بينهما على سبيل النصحية. وإن أساء أحد أدبا على الشيخ تعين على الجماعة انتهارة وردعه والانتصار للشيخ بقدر الامكان وإن أظهر الشيخ المسامحة، وفاء لحقه. الرابع والعشرون: 1 إذا أراد القراءة على الشيخ، فليراع نوبته تقديما وتأخيرا. فلا يتقدم عليها بغير رضا من هي له. وروي أن أنصاريا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله يسأله، وجاء رجل من ثقيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أخا ثقيف إن الانصاري قد سبقك بالمسألة، فاجلس كيما نبدأ بحاجة الانصاري قبل حاجتك. 2 قيل: ولا يؤثر بنوبته، فإن الايثار بالقرب نقص، فإن رأى الشيخ المصلحة في ذلك في وقت فأشار به، امتثل أمره معتقدا كمال رأيه وتصويب غرضه في ذلك. 3 قيل: يستحب للسابق أن يقدم على نفسه من كان غريبا لتأكد حرمته ووجوب ذمته. 4 وروي في ذلك حديث عن ابن عباس رضي الله عنه 5 وكذلك


1 - لا حظ " تذكرة السامع " / 158 - 162. 2 - " تذكرة السامع " / 158، ونقل مضمونه الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 122. 2 - تذكرة السامع " 159 - 160، والقائل النووي في " التبيان في آداب حملة القرآن " / 27، " وشرح المهذب " ج 1 / 65. 4 - قاله الخطيب البغدادي كما في " تذكرة السامع " / 159. 5 - في " الجامع الصغير " ج 1 / 16، حرف الهمزة: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " " إذا أتاكم الزائر فأكرموه "، والحديث الاول مروي في " مجمع الزوائد " ج 8 / 15، 16 و " مكارم الاخلاق " / 24 أيضا. وفي " الكافي " ج 2 / 659، كتاب العشرة، باب إكرام الكريم، الحديث 1: " عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل رجلان على أمير المؤمنين عليه السلام، فألقى لكل واحد منهما وسادة فقعد عليها أحدهما وأبى الآخر، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أقعد عليها، فإنه لا يأبى الكرامة إلا حمار، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ". وقال الذهبي في " تذكرة الحفاظ " ج 3 / 993 - نقلا عن الخطيب البغدادي -: " حدثنا العتيقي، قال: حضرت مجلس الدار قطني وجاءه أبو الحسن البيضاوي برجل غريب، وسأله [ * ]

[ 273 ]

إذا كان للمتأخر حاجة ضرورية وعلمها المتقدم. وتحصل النوبة بتقدم الحضور في مجلس الشيخ، وإن ذهب بعده لضرورة، كقضاء حاجة وتجديد وضوء إذا لم يطل الزمان عادة، وإذا تساويا أقرع بينهما. هذا إذا كان العلم مما يجب تعليمه وإلا تخير، ويستحب له حينئذ مراعاة الترتيب ثم القرعة. ولو جمعهم على درس مع تقارب أفهامهم جاز أيضا، ومعيد 1 المدرسة ومدرسها إذا شرط عليه إقراء أهلها في وقت معين، ولا يجوز له تقديم غيرهم علهيم بغير إذنهم وإن سبق، مع عدم وجوب التعليم، أو مع وجوب الجميع، أما لو وجب درس الخارج دون أهل المدرسة، ففي استثنائه أو وجوب إقرائه، وترك ما يخصه من العوض ذلك اليوم، أو تقديم أهل المدرسة أوجه. والاوسط أوسط. الخامس والعشرون: أن يكون جلوسه بين يدي الشيخ على ما تقدم تفصيله وهيأته


أن يملي عليه أحاديث، فأملى عليه من حفظه مجلسا يزيد أحاديثه على العشرين، متون جميعها: نعم الشئ الهدية أمام الحاجة، فانصرف الرجل ثم جاءه بعد وقد أهدى له شيئا فقربه إليه، فأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثا متونها: إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه ": وأيضا هذه الحكاية منقولة في " طبقات الشافعية " ج 3 / 465. وفي " إحياء علوم الدين " ج 2 / 175: " وروي أنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم دخل بعض بيوته، فدخل عليه أصحابه حتى غص المجلس وامتلا، فجاء جرير بن عبد الله البجلي فلم يجد مكانا فقعد على الباب، فلف رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم رداءه، فألقاه إليه وقال له: اجلس على هذا، فأخذه جرير ووضعه على وجهه وجعل يقبله ويبكي، ثم لفه ورمى به إلى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، وقال: ما كنت لاجلس على ثوبك، أكرمك الله كما أكرمتني. فنظر النبي يمينا وشمالا ثم قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ". 1 - قال في " تذكرة السامع " / 150، الهامش: " المعيد: الذي يعيد الدرس بعد إلقاء الشيخ الخطبة على الطلبة، كأنه يعين الشيخ على نشر علمه وتثبيت خطباته وإملائه في أذهان الطلبة " وقال في ص 204: " وينبغي للمعيد بالمدرسة... أن يعلم المدرس أو الناظر بمن يرجى فلاحه ليزاد ما يستعين به ويشرح صدره، وأن يطالبهم بعرض محفوظاتهم إن لم يعين لذلك غيره، ويعيد لهم ما توقف فهمه عليهم من دروس المدارس ولهذا يسمى معيدا " قال ابن خلكان في ترجمة أبي إسحاق الشيرازي: "... تفقه على جماعة من الاعيان وصحب القاضي أبا الطيب الطبري كثيرا وانتفع به، وناب عنه في مجلسه، ورتبه معيدا في حلقته " (" وفيات الاعيان " ج 1 / 29). وقال السبكي في " طبقات الشافعية " ج 7 / 240، في ترجمة أبي حفص عمر بن أحمد بن الليث الطالقاني: " من أهل بلخ، فيه أصولي صوفي.. وكان معيد المدرسة النظامية ببلخ، توفي في شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة ". [ * ]

[ 274 ]

في أدبه مع شيخه، ويحضر كتابه الذي يقرأ فيه معه، ويحمله بنفسه، ولا يضعه حال القراءة على الارض مفتوحا بل يحمله بيديه ويقرأ منه. السادس والعشرون: أن لا يقرأ حتى يستأذن الشيخ، ذكره جماعة من العلماء، 1 فإذا أذن له استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم سمى الله تعالى وحمده وصلى على النبي وآله صلى الله عليهم، ثم يدعو للشيخ ولوالديه ولمشايخه، وللعلماء ولنفسه ولسائر المسملين، وإن خص مصنف الكتاب أيضا بدعوة كان حسنا. وكذلك يفعل كلما شرع في قراءة درس أو تكراره أو مطالعته أو مقابلته في حضور الشيخ أو في غيبته، إلا أنه يخص الشيخ بذكره في الدعاء عند قراءته عليه، ويترحم على مصنف الكتاب كما ذكرناه. وإذا دعا الطالب للشيخ قال: " ورضي الله عنكم أو عن شيخنا وإمامنا " ونحو ذلك قاصدا به الشيخ. وإذا فرغ من الدرس دعا الشيخ أيضا. ويدعو الشيخ للطالب كلما دعا له، فإن ترك الطالب الاستفتاح بما ذكرناه جهلا أو نسيانا نبهه عليه وعلمه إياه وذكره به، فإنه من أهم الآداب، وقد ورد الحديث بالامر في الابتداء بالامور المهمة بتسمية الله وتحميده، 2 وهذا من أهمها. السابع والعشرون: 3 ينبغي أن يذاكر من يرافقه من مواظبي مجلس الشيخ بما وقع فيه من الفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك، ويعيدوا كلام الشيخ فيما بينهم، فإن في المذاكرة نفعا عظيما قدم على نفع الحفظ.


1 - ذكره الخطيب البغدادي عن جماعة من السلف، كما في " تذكرة السامع " 161. 2 - في " سنن ابى ماجة " ج 1 / 610، كتاب النكاح (9)، الباب 19، الحديث 1894، و " النهاية " ج 1 / 93، و " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " ج 1 / 12، و " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 123، و " سنن الدار قطني " ج 1 / 229 و " تفسير كشف الاسرار " ج 1 / 11: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع ". وفي " تفسير الرازي " ج 1 / 208. و " تفسير كشف الاسرار " ج 10 / 78، و " تفسير الكشاف " ج 1 / 3 - 4، و " إحياء علوم الدين " ج 1 / 185: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر " وفي " مسند أحمد " ج 2 / 359: " كل كلام - أو أمر - ذي بال لا يفتح بذكر الله عزوجل فهو أبتر، أو قال: أقطع " وانظر " الاذكار " / 103. وراجع " طبقات الشافعية " ج 1 / 24 تجد شرحا مشبعا حول ذلك. 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 143، 145. [ * ]

[ 275 ]

وينبغي الاسراع بها بعد القيام من المجلس قبل تفرق أذهانهم، وتشتت خواطرهم، وشذوذ بعض ما سمعوه عن أفهامهم، ثم يتذاكروه في بعض الاوقات فلا شئ يتخرج 1 به الطالب في العلم مثل المذاكرة. فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه، وكرر معنى ما سمعه ولفظه على قلبه، ليعلق ذلك بخاطره، فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان، وقل أن يفلح من اقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ خاصة، ثم يتركه ويقوم ولا يعاوده. الثامن والعشرون: أن تكون المذاكرة المذكورة في غير مجلس الشيخ، أو فيه بعد انصرافه بحيث لا يسمع لهم صوتا، فإن اشتغالهم بذلك وإسماعهم له قلة أدب وجرأة، سيما إذا كان لهم معيد، فإن تصدره للاعادة في مجلس الشيخ من أقبح الصفات وأبعدها عن الآداب، اللهم إلا أن يأمره الشيخ بذلك لمصلحة يراها. التاسع والعشرون: على الطلبة مراعاة الادب المتقدم أو قريبا منه مع كبيرهم ومعيدهم، فلا ينازعوه فيما يقوله لهم إذا وقع منهم فيه شك، بل يترفقوا في تحقيق الحال ويتوصلوا إلى بيان الحق بحسب الامكان، فإذا بقي الحق مشتبها راجعوا الشيخ فيه بلطف من غير بيان من خالف ومن وافق، مقتصرين على إرادة بيان الصواب كيف كان. الثلاثون: 2 يجب على من علم منهم بنوع من العلم وضرب من الكمال أن يرشد رفقته ويرغبهم في الاجتماع والتذاكر والتحصيل، ويهون عليهم مؤونته، ويذكر لهم ما استفاده من الفوائد والقواعد والغرائب على جهة النصيحة والمذاكرة، فبإرشادهم يبارك الله له في علمه ويستنير قلبه، وتتأكد المسائل عنده مع ما فيه من جزيل ثواب الله تعالى وجميل نظره وعطفه.


1 - قال في " لسان العرب " ج 2 / 250، مادة " خرج ": " معنى خرجها: أدبها كما يخرج المعلم تلميذه، وقد خرجه في الادب فتخرج ". 2 - لا حظ " تذكرة السامع " / 162 - 163، " شرح المهذب " ج 1 / 65. [ * ]

[ 276 ]

ومن بخل عليهم بشئ من ذلك كان بضد ما ذكر، ولم يثبت علمه وإن ثبت لم يثمر، ولم يبارك الله له فيه. وقد جرب ذلك لجماعة من السلف والخلف. ولا يحسد أحدا منهم ولا يحتقره، ولا يفتخر عليه ولا يعجب بفهم نفسه وسبقه لهم، فقد كان مثلهم ثم من الله تعالى عليه، فليحمد الله تعالى على ذلك ويستزيده منه بدوام الشكر، فإذا امتثل ذلك وتكاملت أهليته واشتهرت فضيلته ارتقى إلى ما بعده من المراتب. والله ولي التوفيق.

[ 277 ]

الباب الثاني في آداب الفتوى والمفتي والمستفتي [ ويشتمل على مقدمة وأربعة أنواع ] [ المقدمة في أهمية الافتاء ] [ النوع الاول في الامور المعتبرة في كل مفت ] [ النوع الثاني في أحكام المفتي وآدابه ] [ النوع الثالث في آداب الفتوى ] [ النوع الرابع في أحكام المستفتي وآدابه وصفته ]

[ 279 ]

[ المقدمة ] [ في أهمية الافتاء ] ولنذكر من ذلك المهم، فإنه باب متسع، ولنقدم على ذلك مقدمة فنقول: 1 اعلم أن الافتاء عظيم الخطر كثير الاجر كبير الفضل جليل الموقع، لان المفتي وارث الانبياء صلوات الله عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ والخطر، ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى. 2 فلينظر كيف يقول. وقد ورد فيه وفي آدابه والتوقف فيه والتحذير منه من الآيات والاخبار والآثار أشياء كثيرة نورد جملة من عيونها: قال الله تعالى: يستفتونك قل الله يفتيكم. 3 وقال تعالى:


1 - لاحظ " شرح المهذب " ج 1 / 6967. 2 - " شرح المهذب " ج 1 / 67. قال ابن قيم الجوزية في " أعلام الموقعين " ج 4 / 241: " فخطر المفتي عظيم فإنه موقع عن الله ورسوله.. " وقال فيه ج 4 / 223 أيضا: " فالحاكم والمفتي والشاهد، كل منهم مخبر عن حكم الله.. ". 3 - سورة النساء (4): 176. [ * ]

[ 280 ]

ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق. 1 وقال تعالى: يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان. 2 وقال تعالى في التحذير: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب... 3 الآية. وقال تعالى: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. 4 وقال تعالى: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون. 5 فانظر كيف قسم مستند الحكم إلى القسمين، فما لم يتحقق الاذن فأنت مفتر. وانظر إلى قوله تعالى حكاية عن رسوله صلى الله عليه وآله - أكرم خلقه عليه -: ولو تقول علينا بعض الاقاويل * لاخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين 6


1 - سورة يونس (10): 53. 2 - سورة يوسف (12): 46. 3 - سورة النحل (16): 116. 4 - سورة البقرة (2): 169. 5 - سورة يونس (10): 59. 6 - سورة الحاقة (69): 46 44. قال رضي الدين علي بن طاوس قدس سره في كتاب " الاجازات لكشف طرق المفازات فيما يحصى من الاجازات ": " واعلم أنني إنما اقتصرت على تأليف كتاب " غياث سلطان الورى لسكان الثرى " من كتب الفقه في قضاء الصلوات من الاموات، وما صنفت غير ذلك من الفقه وتقرير المسائل والجوابات، لاني كنت قد رأيت مصلحتي ومعاذي في دنياي وآخرتي في التفرغ عن الفتوى في الاحكام الشرعية، لاجل ما وجدت من الاختلاف في الرواية بين فقهاء أصحابنا في التكاليف الفعلية، وسمعت كلام الله جل جلاله يقول عن أعز موجود من الخلائق عليه محمد صلى الله عليه وآله: ولو تقول علينا بعض الاقاويل، لاخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين. فلو صنفت كتبا في الفقه يعمل بعدي عليها، كان ذلك نقضا لتورعي عن الفتوى، ودخولا تحت خطر الآية المشار إليها، لانه جل جلاله إذا كان هذا تهديده للرسول العزيز الاعلم لو تقول عليه، فكيف يكون حالي إذا تقولت عليه [ * ]

[ 281 ]

فإذا كان هذا تهديده لاكرم خلقه عليه، فيكف حال غيره إذا تقول عليه عند حضوره بين يديه ؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. 1 وقال صلى الله عليه وآله: من أفتي بفتيا من غير تثبت وفي لفظ: بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه. 2 وقال صلى الله عليه وآله: أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار. 3 وقال صلى الله عليه وآله: أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي، أو رجل يضل الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل. 4 ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام: إن من أبغض الخلق إلى الله عزوجل لرجلين: رجل وكله الله تعالى إلى نفسه، فهو


جل جلاله وأفتيت أو صنفت خطأ أو غلطا يوم حضوري بين يديه " (" بحار الانوار " ج 107 / 42). 1 - " أمالي المفيد " / 20 - 21، " بحار الانوار " ج 2 / 121، الحديث 37، نقلا عنه، وج 2 / 110، الحديث 19، نقلا عن " كنز الفوائد " وفيهما: " لم يبق عالم " بدل " لم يبق عالما "، " سنن الدارمي " ج 1 / 77، " صحيح البخاري " ج 2 / 97 - 98، كتاب العلم، الحديث 99، " سنن ابن ماجة " ج 1 / 20، المقدمة، الباب 8، الحديث 52، " صحيح مسلم " ج 4 / 2058، كتاب العلم، الباب 5، " صفة الفتوى " / 7. 2 - " سنن ابن ماجة " ج 1 / 20، المقدمة، الباب 8، الحديث 53، " صفة الفتوى " ج / 6، " سنن الدارمي " ج 1 / 57، " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 103، " كنز العمال " ج 10 / 193، الحديث 29019، وفي هذه المصادر الخمسة: " ثبت " بدل " تثبت "، " الجامع الصغير " ج " / 166، حرف الميم، وشرحه " فيض القدير " ج 6 / 77، الحديث 8490، " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 103 أيضا وفيها: " بغير علم ". 3 - " سنن الدارمي " ج 1 / 57، " الجامع الصغير " ج 1 / 10، حرف الهمزة، وشرحه: " فيض القدير " ج 1 / 158، الحديث 183، " كنز العمال " ج 10 / 184، الحديث 28961. 4 - " مسند أحمد " ج 1 / 407. [ * ]

[ 282 ]

حائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة قد لهج بالصوم والصلاة، فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد موته، حمال خطايا غيره، [ رهن بخطيته ]: 1 ورجل قمش جهلا، في جهال الناس، عان بأغباش الفتنة، قد سماه أشباه الناس عالما ولم يغن فيه يوما سالما، بكر فاستكثر، ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، [ وإن خالف قاضيا سبقه لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله و ] 2 إن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع [ به ]، 3 فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت: لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شئ مما أنكر، ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا، [ إن قاس شيئا شئ لم يكذب نظره، وإن اظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، لكيلا يقال له: لا يعلم، ثم جسر فقضى، ] 4 فهو مفتاح عشوات، ركاب شبهات، خباط جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذرو الروايات ذرو [ الريح ] 5 الهشيم، تبكي منه المواريث، وتصرخ منه الدماء، يستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بقضائه الفرج الحلال، لاملئ بإصدار ما عليه ورد، ولا هو أهل لما منه فرط من ادعائه علم الحق. 6 وروى زرارة بن أعين عن الباقر عليه السلام قال: سألته ما حق الله تعالى على العباد ؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند مالا يعلمون. 7


1 - 5 - ما بين المعقوفين في هذه المواضع الخمسة زيادات من المصدر أعني " الكافي " وليس في النسخ المخطوطة. 6 - " الكافي " ج 1 / 55 - 56، كتاب فضل العلم، باب البدع والرأي والمقابيس، الحديث 6. اعلم أن المؤلف (ره) نقل هذا الحديث من " الكافي " ونحن قد قابلناه به أيضا - مضافا إلى النسخ المخطوطة - كما في سائر المواضع. وجاء مضمونه أيضا مع اختلاف كثير في الالفاظ في " نهج البلاغة " / 59 - 60، الخطبة 17، " أمالي الطوسي " ج 1 / 240، " الاحتجاج " ج 1 / 390، " دستور معالم الحكم " / 122 - 123، 141 - 144. 7 - " الكافي " ج 1 / 43، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 7، ومثله عن أبي عبد الله [ * ]

[ 283 ]

وعن أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر الباقر عليهما السلام يقول: من أفتى الناس بغير علم ولا هدى، لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه. 1 وعن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال: أن تدين الله بالبالطل، وتفتي الناس بمالا تعلم. 2 وعن ابن شبرمة 3 الفقيه العامي، قال: ما ذكرت حديثا سمعته من جعفر بن محمد عليما السلام إلا كاد أن يتصدع قلبي، قال: حدثني أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ابن شبرمة: وأقسم بالله ما كذب أبوه على جده، ولا جده على رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عمل بالمقابيس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى الناس، وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك. 4 وعن بعض التابعين 5 قال: أدركت عشرين ومائة من الانصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يسأل أحدهم عن مسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الاول. 6


عليه السلام في " الكافي " ج 1 / 50، كتاب فضل العلم، باب النوادر، الحديث 12. 1 - " الكافي " ج 1 / 42، كتاب الفضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 3، وج 7 / 409، كتاب القضاء والاحكام، باب أن المفتي ضامن، الحديث 2. 2 - " الكافي " ج 1 / 42، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 1. 3 - قال العلامة المجلسي قدس الله نفسه الزكية في " مرآة العقول " ج 1 / 140: " ابن شبرمة هو عبد الله بن شبرمة الكوفي - بضم المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء - كان قاضيا لابي جعفر المنصور على سواد الكوفة ". أقول: توفي في سنة 144 ه‍. انظر ترجمته في " معجم رجال الحديث " ج 10 / 214 - 216. 4 - " الكافي " ج 1 / 43، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 9. 5 - هو عبد الرحمن بن أبي ليلى كما في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 12، " قوت القلوب " ج 1 / 131، " وتلبيس إبليس " / 120، و " إحياء علوم الدين " ج 1 / 62، و " سنن الدارمي " ج 1 / 53، و " شرح المهذب " ج 1 / 68، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 9. 6 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 12، " تلبيس إبليس " / 121، " أعلام الموقعين " ج 1 / 34، " قوت القلوب " ج 1 / 131، [ * ]

[ 284 ]

وعنه قال: لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، ما أحد منهم يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. 1 وقال البراء: لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا. 2 وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون. 3 وعن بعض السلف: 4 إن العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم. 5 وقال بعض الاكابر لبعض المفتين: أراك تفتي الناس ! فإذا جاءك الرجل يسألك، فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه، ولتكن همتك أن تتخلص مما يسألك عنه. 6


" شرح المهذب " ج 1 / 68، " صفة الفتوى " / 7، " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 9. 1 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 12 - 13، " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 200، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 62، " قوت القلوب " ج 1 / 131، 133، " سنن الدارمي " ج 1 / 53، " تلبيس إبليس " / 121، " أعلام الموقعين " ج 1 / 34، " شرح المهذب " ج 1 / 68، " صفة الفتوى " / 7، " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 9. 2 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 165، " صفة الفتوى " / 7. 3 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 197، 198، " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 201، 202. وفي " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 68، 203، و " إحياء علوم الدين " ج 1 / 61، و " قوت القلوب " ج 1 / 131، و " مجمع الزوائد " ج 1 / 183، و " سنن الدارمي " ج 1 / 61، و " أعلام الموقعين " ج 4 / 263، نسب هذا الكلام إلى ابن مسعود، وفي " شرح المهذب " ج 1 / 68، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 9، و " صفة الفتوى " / 7، نسب إلى ابن مسعود وابن عباس. 4 - هو محمد بن المنكدر، كما في " سنن الدارمي " ج 1 / 53، و " حلية الاولياء " ج 3 / 153، و " شرح المهذب " ج 1 / 67، و " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 153، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 7. 5 - " شرح المهذب " ج 1 / 67، " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 8 " الكفاية في علم الرواية " / 201، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 168، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 11، " سنن الدارمي " ج 1 / 53، وفيه: "... فليطلب لنفسه المخرج ". 6 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 169. [ * ]

[ 285 ]

وعن عطاء بن السائب التابعي: أدركت أقواما يسأل أحدهم عن الشئ وإنه ليرعد. 1 وعن ثوبان مرفوعا: سيكون أقوام من أمتي يتعاطى فقهاؤهم عضل المسائل أولئك شرار أمتي. 2 وعن ابن مسعود رضي الله عنه: عسى رجل أن يقول: إن الله أمر بكذا، فيقول الله له: كذبت. 3 وعن يحيى بن سعيد قال: كان ابن المسيب لا يفتي فتيا إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني. 4 وعن مالك بن أنس أنه سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين [ منها ] لا أدري. 5 وفي رواية أخرى: أنه سئل عن خمسين مسألة، فلم يجب في واحدة منها. 6 وكان يقول: من أجاب في مسألة، فينبغي قبل الجواب أن يعرض


1 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 167، " أعلام الموقعين " ج 4 / 278، " صفة الفتوى " / 9، " شرح المهذب " ج 1 / 68. وانظر ترجمة عطاء بن السائب في " معجم رجال الحديث " ج 11 / 145 144. 2 - " مجمع الزوائد " ج 1 / 155، " أخلاق العلماء " / 116، مطابقا لما في المتن حرفا بحرف، " كنز العمال " ج 10 / 211، الحديث 29115، وفيه " يغلطون فقهاؤهم بعض المسائل " بدل " يتعاطى فقهاؤهم عضل المسائل " والظاهر أن ما في " مجمع الزوائد " و " أخلاق العلماء " أصح وأولى. وللاطلاع على معنى الحديث المرفوع راجع " شرح البداية " / 30 - 31. وثوبان يكنى أبا عبد الله وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله. ورد اسمه في " معجم رجال الحديث " ج 3 / 413. وترجمته ومصادر ترجمته وردت في " الاعلام " ج 2 / 102. 3 - " مجمع الزوائد " ج 1 / 177، وراجع " أعلام الموقعين " ج 4 / 226. 4 - " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 15، " صفة الفتوى " / 10، " أعلام الموقعين " ج 4 / 278. ويحيى بن سعيد هو أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الانصاري من أهل المدينة المتوفى سنة 143 ه‍. انظر ترجمة ومصادر ترجمته في " الاعلام " ج 8 / 147. وابن المسيب هو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي (13 - 94 ه‍). انظر ترجمته ومصادر ترجمته في " وفيات الاعيان " ج 2 / 375 - 378: و " الاعلام " ج 3 / 102. 5 - " شرح المهذب " ج 1 / 68، " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 13، " صفة الفتوى " / 8، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 24 " تفسير القرطبي " ج 1 / 286. ومالك بن أنس هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك، إمام المالكية المتوفى سنة 179 ه‍. وردت ترجمته ومصادر ترجمته في " وفيات الاعيان " ج 5 / 135 - 139، و " معجم المؤلفين " ج 8 / 168 - 169. 6 - " شرح المهذب " ج 1 / 68، " صفة الفتوى " / 8، " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 13. [ * ]

[ 286 ]

نفسه على الجنة والنار، وكيف خلاصه ثم يجيب. 1 وسئل يوما عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس من العلم شئ خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا، 2 فالعلم كله ثقيل. 3 وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر 4 أحد فقهاء المدينة المتفق على علمه وفقهه بين المسلمين أنه سئل عن شئ فقال: لا أحسنه، فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه. فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك مثل اليوم. فقال القاسم: والله لان يقطع لساني أحب إلي أن أتكلم بما لا علم لي به. 5 وعن الحسن بن محمد بن شرفشاه الاسترآبادي 6 أنه دخلت عليه يوما امرأة فسألته عن أشياء مشكلة في الحيض، فعجز عن الجواب، فقالت له المرأة: أنت عذبتك واصلته إلى وسطك وتعجز عن جواب امرأة. فقال: يا خالة ! لو علمت كل مسألة يسأل عنها لوصلت عذبتي إلى قرن الثور. 7


1 - " أعلام الموقعين " ج 4 / 277، " شرح المهذب " ج 1 / 68، " صفة الفتوى " / 8، " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 13. 2 - سورة المزمل (73): 5. 3 - " أعلام الموقعين " ج 4 / 277، " شرح المهذب " ج 1 / 68، " صفة الفتوى " / 8، " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 13 - 14. 4 - هو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة توفي سنة 107، أو 101، أو 102، أو 108، أو 112 ه‍. وردت ترجمته ومصادر ترجمته في " وفيات الاعيان " ج 4 / 59 - 60. 5 - " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 66، " أعلام الموقعين " ج 4 / 278 - 279، " صفة الفتوى " / 7 - 8، " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 11. 6 توفي في سنة 71 ه‍. وردت ترجمته ومصادر ترجمته في " روضات الجنات " ج 3 / 96 - 97، و " معجم المؤلفين " ج 3 / 283، و " طبقات الشافعية " ج 9 / 407 - 408، و " الاعلام " ج 2 / 215. 7 - " طبقات الشافعية " ج 9 / 408، الرقم 1347، وفي أولها زيادة " حكي أنه كان مدرسا بماردين بمدرسة هناك تسمى مدرسة الشهيد، فدخلت عليه يوما امرأة... إلخ ". [ * ]

[ 287 ]

وأقوالهم في هذا كثيرة فلنقتصر على هذا القدر، ولنشرع في الانواع التي ينقسم إليها الباب.

[ 289 ]

النوع الاول الامور المعتبرة في كل مفت اعلم أن شرط المفتي كونه مسلما مكلفا عدلا فقيها، وإنما يحصل له الفقه إذا كان قيما بمعرفة الاحكام الشرعية، مستنبطا لها من أدلتها التفصيلية من الكتاب والسنة والاجماع وأدلة العقل، وغيرها مما هو محقق في محله. ولا تتم معرفة ذلك إلا بمعرفة ما يتوقف عليه إثبات الصانع وصفاته التي يتم بها الايمان، والنبوة والامامة والمعاد، من علم الكلام، ومعرفة ما يكتسب به الادلة من النحو والتصريف واللغة، من العربية. وشرائط الحد والبرهان من علم المنطق. ومعرفة أصول الفقه. وما يتعلق بالاحكام الشرعية من آيات القرآن، ومعرفة الحديث المتعلق بها، وعلومه متنا وإسنادا، ولو بوجود أصل صحيح يرجع إليه عند الحاجة إلى شئ منه. ومعرفة مواضع الخلاف والوفاق بمعنى أن يعرف في المسألة التي يفتي بها أن قوله فيها لا يخالف الاجماع، بل يعلم أنه وافق بعض المتقدمين أو يغلب على ظنه أن المسألة لم يتكلم فيها الاولون، بل تولدت في عصره أو ما قاربه. وأن يكون له ملكة نفسانية وقوة قدسية يقتدر بها على اقتناص الفروع من أصولها، ورد كل قضية إلى

[ 290 ]

ما يناسبها من الادلة. وهذه شرائط المفتي المطلق المستقل، أوردناها على طريق الاجمال، وتفصيلها موكول إلى أصول الفقه. فإذا اجتمعت هذه الاوصاف في شخص، وجب عليه في كل مسألة فقهية فرعية يحتاج إليها، أو يسأل عنها استفراغ الوسع في تحصيل حكمها بالدليل التفصيلي، ولا يجوز له تقليد غيره في إفتاء غيره، ولا لنفسه مع سعة وقت الفعل الذي تدخل فيه المسألة، بحيث يمكنه فيه استنباطها بحيث لا ينافي الفعل، ومع ضيقه جوز له تقليد مجتهد حي. وفي الميت وجهان. ومنهم من منع مطلقا.

[ 291 ]

النوع الثاني في أحكام المفتي وآدابه وفيه مسائل: الاولى: 1 الافتاء فرض كفاية، وكذا تحصيل مرتبته، فإذا سئل وليس هناك غيره تعين عليه الجواب، وإن كان ثم غيره وحضر، فالجواب في حقهما فرض كفاية، وإن لم يحضر إلى واحد مع عدم المشقة في السعي إلى الآخر، ففي تعيين الجواب على الحاضر وجهان. وإذا لم يكن في الناحية مفت وجب السعي على كل مكلف بها يمكنه تحصيل شرائطها، كفاية، فإن أخلوا جميعا بالسعي، اشتركوا جميعا في الاثم والفسق. ولا يسقط هذا الوجوب عن البعض باشتغال البعض، بل بوصوله إلى المرتبة، لجواز أن لا يصل المشتغل إليها لموت وغيره. ولا يكفي في سقوط الوجوب ظن الوصول وإن قلنا بالاكتفاء به في القيام بفرض الكفاية، مع احتماله. الثانية: ينبغي ألا يفتي في حال تغير خلقه وشغل قلبه، وحصل ما يمنعه من


1 - لاحظ " شرح المهذب " ج 1 / 75 - 79. [ * ]

[ 292 ]

كمال التأمل كغضب وجوع وعطش وحزن وفرح غالب ونعاس وملالة ومرض مقلق وحر مزعج، وبرد مؤلم ومدافعة الاخبثين، ونحو ذلك، ما لم يتضيق وجوبه، فإن أفتى في بعض هذه الاحوال معتقدا أنه لم يمنعه ذلك من إدراك الصواب، صحت فتواه على كراهة، لما فيه من المخاطراة. الثالثة: إذا أفتى في واقعة، ثم تغير اجتهاده، وعلم المقلد برجوعه، من مستفت أو غيره عمل بقوله الثاني، فإن لم يكن عمل بالقول الاول لم يجز العمل به، وإن كان قد عمل به قبل علمه بالرجوع لم ينقض. ولو لم يعلم المستفتي برجوع المفتي، فكأنه لم يرجع في حقه، ويلزم المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل وبعده، ليرجع عنه في عمل آخر. الرابعة: إذا أفتى في حادثة ثم حدث مثلها، فإن ذكر الفتوى الاولى ودليلها أفتى بذلك ثانيا بلانظر. وإن ذكرها ولم يذكر دليلها، ولا طرأ ما يوجب رجوعه، ففي جواز إفتائه بالاولى، أو وجوب إعادة الاجتهاد قولان. 1 ومثله تجديد الطلب في التيمم، والاجتهاد في القبلة، والقاضي إذا حكم بالاجتهاد ثم وقعت المسألة. الخامسة: لا يجوز أن يفتي بما يتعلق بألفاظ الايمان والاقارير والوصايا، ونحوها إلا من كان من أهل بلد اللافظ، أو خبيرا بمرادهم في العادة. فتنبه له فإنه مهم. 2


1 - " شرح المهذب " ج 1 / 78. 2 - راجع " أعلام الموقعين " ج 4 / 289 - 291، " صفة الفتوى " / 36. [ * ]

[ 293 ]

النوع الثالث في آداب الفتوى وفيه مسائل: 1 الاولى: يلزم المفتي أن يبين الجواب بيانا يزيل الاشكال، ثم له الاقتصار على الجواب شفاها، فإن لم يعرف لسان المستفتي 2 كفاه ترجمة عدلين، وقيل يكفي الواحد، لانه خبر. 3 وله الجواب كتابة، وإن كانت على خطر، وكان بعض السلف 4 كثير الهرب من الفتوى في الرقاع لما يتطرق إليها من الاحتمالات، فإن لكل حرف من لفظ


1 لاحظ " شرح المهذب " ج 1 / 79 - 87. 2 - يعني لم يعرف المفتي لسان المستفتي، ويأتي أيضا في أحكام المستفتي وآدابه، المسألة السابعة، الصفحة 306، قول المؤلف: " ولم لم يعرف لغة المفتي افتقر إلى المترجم العدل، وهل يكفي الواحد أم يشترط عدلان ؟ وجهان، أجودهما الثاني " وعلى هذا فالصحيح هنا: " لسان المستفتي " كما في المخطوطات و " شرح المهذب " ج 1 / 79، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 72 ولكن في المطبوعات إلا " ع ": " لسان المفتي " بدل " لسان المستفتي " وهو غلط قطعا. 3 - قاله النووي في " شرح المهذب " ج 1 / 79 وابن الصلاح في " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 72. 4 - هو القاضي أبو حامد المرورودي، كما في " شرح المهذب " ج 1 / 79، " وأدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 72. [ * ]

[ 294 ]

السائل مزية في الجواب، وكثيرا ما شاهدنا سائلا برقعة يكون لفظه مخالفا لما في رقعته، فنرجع إلى لفظه بعد أن نكون كتبنا له الجواب ونخرق الرقعة. الثانية: أن تكون عبارته واضحة صحيحة، يفهمها العامة، ولا يزدريها الخاصة، وليحترز من القلاقة والاستهجان فيها، وإعراب غريب أو ضعيف، وذكر غريب لغة، ونحو ذلك. الثالثة: إذا كان في المسألة تفصيل، لا يطلق الجواب، فإنه خطأ، ثم له أن يستفصل السائل إن حضر، ويعيد السؤال في رقعة أخرى إن كان السؤال في رقعة ثم يجيب. وهذا أولى وأسلم. وله أن يقتصر على جواب أحد الاقسام إذا علم أنه الواقع للسائل، ثم يقول: " هذا إن كان الامر كذا، أو والحال ما ذكر "، ونحو ذلك. وله أن يفصل الاقسام في جوابه، ويذكر حكم كل قسم، لكن هذا كرهه بعضهم، 1 وقال: هذا يعلم الناس الفجور بسبب إطلاعهم على حكم ما يضر من الاقسام وينفع. الرابعة: إذا كان في الرقعة مسائل، فالاحسن ترتيب الجواب على ترتيب السؤال، ولو ترك الترتيب مع التنبيه على متعلق الجواب فلا بأس، ويكون من قبيل قوله تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم... الآيتين. 2 الخامسة: قال بعضهم: ليس من الادب كون السؤال بخط المفتي، فأما بإملائه وتهذيبه فواسع. 3 السادسة: ليس له أن يكتب السؤال على ما علمه من صورة الواقعة إذا لم يكن في الرقعة تعرض له، بل على ما في الرقعة، فإن أراد خلافه، قال: إن كان الامر


1 - هو أبو الحسن القابسي من أئمة المالكية، كما في " شرح المهذب " ج 1 / 79، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 72، وانظر " أعلام الموقعين " ج 4 / 322. 2 - سورة آل عمران (3): 106 - 107. 3 - قاله أبو القاسم الصميري كما في " شرح المهذب " ج 1 / 79، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 72. وانظر " صفة الفتوى " / 63، ولتوضيح المقام انظر " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 78 - 79. [ * ]

[ 295 ]

كذا فجوابه كذا. واستحبوا 1 أن يزيد على ما في الرقعة تعلق بها مما يحتاج إليه السائل، الحديث: هو الطهور ماؤه الحل ميتته. 2 السابعة: إذا كان المستفتي بعيد الفهم، فليرفق به ويصبر على تفهم سؤاله وتفهيم جوابه، فإن ثوابه جزيل. الثامنة: ليتأمل الرقعة كلمة كلمة تأملا شافيا، وليكن اعتناؤه بآخر الكلام أشد، فإن السؤال في آخرها، وقد يتقيد الجميع به ويغفل عنه. 3 قال بعض العلماء: 4 وينبغي أن يكون توقفه في المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده. التاسعة: إذا وجد فيها كلمة مشتبهة سأل المستفتي عنها ونقطها وشكلها. وكذا إن وجد لحنا أو خطأ يحيل المعنى، أصلحه. وإ رأى بياضا في أثناء سطر أو


1 - " شرح المهذب " ج 1 / 80، " أعلام الموقعين " ج 4 / 205. 2 - " سنن الدارمي " ج 1 / 186 " سنن ابن ماجة " ج 1 / 136 - 137، كتاب الطهارة وسننها (1)، الباب 38. الاحاديث 386 - 388، " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 141 - 143، " تفسير كشف الاسرار " ج 3 / 231، ج 7 / 46، " مسند أحمد " ج 2 / 361، ج 3 / 373 ج 5 / 365، " سنن أبي داود " ج 1 / 21، كتاب الطهارة، الحديث 83، " سنن الدار قطني " ج 1 / 34 - 37. واعلم أن وجه الاستدلال بهذا الحديث على استحباب زيادة المفتي على ما في الرقعة مما يحتاج إليه السائل هو أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن التوضؤ بماء البحر، فأجاب صلى الله عليه وآله " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " فزاد في جواب السائل جملة " الحل ميتته " لعلمه بأنه محتاج إليه، فاستنبط الفقهاء من هذا الامر أنه يستحب في الجواب أن يزيد على سؤال السائل ماله تعلق بها مما يحتاج إليه. و " ميتة البحر " أي سمكه، قال صاحب " الجواهر " قدس سره في بيان وجه إطلاق الميتة على السمك: "... إن تذكية السمك إثبات اليد عليه على أن لا يموت في الماء... لا المعنى الذي هو التذكية المخصوصة، ولعله هذا المعنى أطلق عليه أنه ذكي، بل أطلق عليه في بعض النصوص اسم الميتة، كقوله عليه السلام في البحر: الطهور ماؤه، الحل ميتة. إذ ليست تذكيته كتذكية الحيوان المشتملة على فري الاوداج ونحوها. " (" جواهر الكلام " ج 36 / 156.) 3 - قال الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 183: " فأول ما يجب على المفتي أن يتأمل رقعة الاستفتاء تأملا شافيا... وتكون عنايته باستقصاء آخر الكلام أتم منها في أوله، فإن السؤال يكون بيانه عند آخر الكلام، وقد يتقيد جميع السؤال ويترتب كل الاستفتاء بكلمة في آخر الرقعة ". وانظر " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 73. 4 - هو الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 186. وفي " شرح المهذب " ج 1 / 80، نقله عن أبي القاسم الصيمري عن بعض العلماء. 5 - يحيل المعنى، أي يفسده. (" لسان العرب " ج 11 / 186، " حول ".) [ * ]

[ 296 ]

آخره خط عليه أو شغله، لانه ربما قصد المفتي بالايذاء، فكتب في البياض بعد فتواه ما يفسدها، كما نقل أن ذلك وقع لبعض الاعيان. 1 العاشرة: يستحب أن يقرأها على حاضريه ممن هو أهل لذلك ويستشيرهم ويباحثهم برفق وإنصاف، وإن كانوا دونه وتلامذته، للاقتداء بالسلف، 2 ورجاء ظهور ما قد يخفى عليه، فإن لكل خاطر نصيبا من فيض الله تعالى، إلا أن يكون فيها ما يقبح إبداؤه، أو يؤثر السائل كتمانه، أو في إشاعته مفسدة. الحادية عشرة: ليكتب الجواب بخط واضح وسط، لا دقيق خاف، ولا غليظ جاف، 3 ويتوسط في سطوره بين توسعتها وتضييقها. واستحب بعضهم أن لا تختلف أقلامه وخطه، خوفا من التزوير ولئلا يشتبه خطه. 4 الثانية عشرة: إذا كتب الجواب أعاد نظره فيه وتأمله، خوفا من اختلال وقع فيه أو إخلال ببعض المسؤول عنه، ويختار أن يكون ذلك قبل كتابة اسمه وختم الجواب. الثالثة عشرة: إذا كان هو المبتدئ، 5 فالعادة قديما وحديثا أن يكتب في الناحية اليسرى من الرقعة، ولا يكتب فوق البسملة أو نحوه بحال. الرابعة عشرة: يستحب عند إرادة الافتاء أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي الله تعالى ويحمده، ويصلي على النبي وآله صلى الله عليه وآله، ويدعو ويقول: رب اشرح لي صدري... الآية 6 [ كذا، ظ: الآيات ].


1 - قال الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 183 بهذا الصدد: " وبلغني أن القاضي أبا حامد المروروذي بلي بمثل ذلك عن قصد بعض الناس، فإنه كتب... إلخ " وقال النووي في " شرح المهذب " ج 1 / 80، وابن الصلاح في " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 74: "... بلي به القاضي أبو حامد المروروذي ". 2 - راجع " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 184 - 186، " صفة الفتوى " / 58 - 59. 3 - جاف - كقاض - أي غليظ، من " جفا " أي غلظ. (" لسان العرب " ج 14 / 148 - 149، " جفا "). 4 - " شرح المهذب " ج 1 / 80، " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 74. 5 - يعني المبتدئ في الجواب، بأن لا يكون في الرقعة فتوى مفت آخر غيره، كما يظهر من " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 74. 6 - سورة طه (20): 25 - 28. [ * ]

[ 297 ]

وكان بعضهم 1 يقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا 2 ففهمناها سليمان... الآية 3 اللهم صل على محمد وآله، وصحبه وسائر النبيين والصالحين، اللهم وفقني واهدني وسددني واجمع لي بين الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان " 4. الخامسة عشرة: أن يكتب في أول فتواه: " الحمد لله " أو " الله الموفق " أو " حسبنا الله " أو " حسبي الله " أو " الجواب وبالله التوفيق " أو نحو ذلك. وأحسنه الابتداء بالتحميد، للحديث. 5 وينبغي أن يقوله بلسانه ويكتبه، ثم يختمه بقوله: " والله أعلم " أو " وبالله التوفيق "، ويكتب بعده: " قاله أو كتبه فلان بن فلان الفلاني " فينتسب إلى ما يعرف به من قبيلة أو بلد أو صفة، ونحوها. السادسة عشرة: قال بعضهم: وينبغي أن يكتب المفتي بالمداد دون الحبر، خوفا من الحك، بخلاف كتب العلم فالاولى فيها الحبر، لانها تراد للبقاء والحبر أبقى. 6 السابعة عشرة: ينبغي أن يختصر جوابه غالبا، ويكون بحيث يفهمه العامة فهما جليا، حتى كان بعضهم 7 يكتب [ تحت أيجوز ] 8: " يجوز "، و: " لا يجوز " وتحت أم لا ؟: " لا " أو: " نعم " ونحوها. الثامنة عشرة: قال بعضهم: 9 إذا سئل عمن قال: أنا أصدق من محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله أو: الصلاة لعب، ونحوهما مما ينبغي إراقة دمه،


1 - هو ابن الصلاح كما في " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 76. 2 - سورة البقرة (2): 32. 3 - سورة الانبياء (21): 79. 4 - " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 76. وراجع " أعلام الموقعين " ج 4 / 326، " صفة الفتوى " / 59 - 60. 5 - تقدم الحديث ومصادره في تعاليق الصفحة 274، التعليقة 2. 6 - " شرح المهذب " ج 1 / 81. وانظر " أدب الاملاء والاستملاء " / 147 - 149. وللاطلاع على كيفية صنعة المداد والحبر وأنواعهما راجع " صبح الاعشي " ج 2 / 475 - 477. 7 - هو القاضي أبو حامد كما في " شرح المهذب " ج 1 / 82 و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 77. 8 - زيادة يقتضيها المعنى وليست في المخطوطات والمطبوعات، بل هي في " الانوار النعمانية " ج 3 / 367، نقلا عن " منية المريد ". وانظر " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 76 - 77. 9 - هو الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 190، وأبو القاسم الصيمري، كما في " شرح المهذب " ج 1 / 82. [ * ]

[ 298 ]

فلا يبادر بقوله: هذا حلال الدم أو عليه القتل، بل يقول: إن ثبت ذا بإقراره أو بينة كان الحكم كذا. وإذا سئل عمن تكلم بشئ يحتمل الكفر وعدمه، قال: يسأل هذا القائل، فإن قال: أردت كذا، فالجواب كذا وكذا. وإن سئل عمن قتل أو قلع عينا أو غيرهما، احتاط وذكر شروط القصاص. وإن سئل عمن فعل ما يقتضي تعزيرا ذكر ما يعزر به، فيقول: يضرب كذا وكذا، ولا يزاد على كذا. 1 التاسعة عشرة: 2 إذا سئل عن ميراث، فليست العادة أن يشترط في الارث عدم الرق والكفر وغيرهما من موانع الميراث، بل المطلق محمول على ذلك، بخلاف ما إذا أطلق الاخوة والاخوات والاعمام وبنيهم، فلا بد أن يقول في الجواب: من أبوين، أو أب، أو أم. وإن كان في المذكورين في رقعة الاستفتاء من لا يرث، أفصح بسقوطه، فيقول: وسقط فلان. وإن كان يسقط بحال دون حال، قال: وسقط فلان في هذه الحالة. أو نحو ذلك، لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال، وإذا سئل عن إخوة وأخوات وبنين وبنات، فلا ينبغي أن يقول: للذكر مثل حظ الانثيين، 3 فإن ذلك قد يشكل على العامي، بل يقول: " يقتسمون التركة على كذاوكذا سهما، لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم " مثلا. ولو أتى بلفظ القرآن، فلا بأس أيضا لقلة خفاء معناه، وإن كان الاول أوضح. 4 وينبغي أن يقول أولا: تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من وصية أو دين إن كانا... إلى آخره.


1 انظر " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 190، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 177. 2 راجع " أعلام الموقعين " ج 4 / 248. 3 - سورة النساء (4): 11. 4 - قال النووي في " شرح المهذب " ج 1 / 84: " وإذا سئل عن إخوة وأخوات أو بنين وبنات، فلا ينبغي أن يقول: للذكر مثل حظ الانثيين، فإن ذلك قد يشكل على العامي، بل يقول: يفتسمون التركة... قال الشيخ: ونحن نجد في تعتمد العدول عنه حزازة في النفس لكونه لفظ القرآن العزيز، وأنه فلما يخفى معناه على أحد " وانظر " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 78. [ * ]

[ 299 ]

العشرون: ينبغي أن يلصق الجواب بآخر الاستفتاء ولا يدع فرجة، لئلا يزيد السائل شيئا يفسدها، وإذا كان موضع الجواب ملصقا كتب على وضع الالصاق. وإذا ضاق موضع الجواب، فلا يكتبه في ورقة أخرى، بل في ظهرها أو حاشيتها، وإذا كتبه في ظهرها كتبه في أعلاها، إلا أن يبتدئ من أسفلها متصلا بالاستفتاء فيضيق الموضع فيتمم في أسفل ظهرها ليصل جوابه. الحادية والعشرون: إذا ظهر للمفتي أن الجواب خلاف غرض المستفتي، وأنه لا يرضى بكتابته في ورقته، فليقتصر على مشافهته بالجواب، وليحذر أن يميل في فتواه أن خصمه بحيل شرعية، فإنه من أقبح العيوب وأشنع الخلال. ومن وجوه الميل: أن يكتب في جوابه ما هو له ويترك ما هو عليه. وليس له أن يبدأ في مسائل الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها، ولا أ يعلم أحدهما بما يدفع به حجة صاحبه، كيلا يتوصل بذلك إلى إبطال حق. ويبنغي للمفتي إذا رأى للسائل طريقا ينفعه، ولا يضر غيره ضررا بغير حق، أن يرشده إليه، كمن حلف لا ينفق على زوجته شهرا حيث ينعقد اليمين، فيقول: أعطها من صداقها أو قرضا أو بيعا، ثم أبرأها منه. 1 وكما حكي أن رجلا قال لبعض العلماء: حلفت أن أطأ أمرأتي في نهار رمضان، ولا أكفر ولا أعصي. فقال: سافر بها. 2 الثانية والعشرون: إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ وتشديد - وهو مما لا يعتقد ظاهره، وله فيه تأويل جاز ذلك، زجرا وتهديدا في مواضع الحاجة، حيث لا يترتب عليه مفسدة، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سأله رجل عن توبة القاتل، فقال: لا توبة له. وسأله آخر فقال: له توبة. ثم قال: أما الاول فرأيت في عينه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني، فجاء مسكينا قد قتل


1 - راجع " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 194 - 196، " شرح المهذب " ج 1 / 83. 2 - " شرح المهذب " ج 1 / 83، " تفسير الرازي " ج 2 / 196، وأراد من " بعض العلماء " أبا حنيفة، كما في " تفسير الرازي "، و " شرح المهذب ". ونقل الخطيب نظير هذه الحكاية في " الفقه والمتفقه " ج 2 / 194. [ * ]

[ 300 ]

فلم أقنطه. 1 لكن يجب عليه التورية في ذلك، فيقول: لا توبة له، أي في حالة إصراره على الذنب، أو وهو يريد القتل ونحو ذلك. الثالثة والعشرون: يجب على المفتي عند اجتماع رقاع بحضرته أن يقدم الاسبق فالاسبق، كما يفعله القاضي في الخصوم، وهذا فيما يجب فيه الافتاء، فإن تساووا أو جهل السابق أقرع. قيل: 2 وتقدم امرأة ومسافر شد رحلة، ويتضرر بتخلفه عن الرفقة ونحوهما، إلا إذا كثروا بحيث يتضرر غيرهم تضررا ظاهرا، فيعود إلى التقديم بالسبق أو القرعة، ثم لا يقدم أحدا إلا في فتيا واحدة. الرابعة والعشرون: 3 إذا رأى المفتي رقعة الاستفتاء، وفيها خط غيره ممن هو أهل للفتوى وإن كان دونه، ووافق ما عنده، كتب تحت خطه: الجواب صحيح، أو هذا جواب صحيح، أو جوابي كذلك، أو مثل هذا، أو بهذا أقول، ونحو ذلك. وله أن يذكر الحكم بعبارة أخصر وأرشق. وأما إذا رأى فيها خط من ليس أهلا للفتوى، فلا يفتي معه، لان في ذلك تقريرا منه لمنكر، بل له أن يضرب عليه، وإن لم يأذن له صاحب الرقعة، لكن لا يحبسها عنده إلا بإذنه. وله نهي السائل وزجره وتعريفه فبح ما فعله وأنه كان يجب عليه البحث عن أهل الفتوى. وإن رأى فيها اسم من لا يعرفه سأل عنه، فإن لم يعرفه فله الامتناع من الفتوى معه، خوفا مما قلناه. والاولى في هذا الموضع أن يشار إلى صاحبها بإبدالها، فإن أبى ذلك أجابه شفاها. ولو خاف فتنة من الضرب على فتيا عادم الاهلية، ولم يكن خطأ، عدل إلى الامتناع من الفتيا معه. وأما إذا كانت خطأ، وجب التنبيه عليه وحرم عليه الامتناع من الافتاء تاركا للتنبيه على خطئها، بل يجب عليه الضرب عليها عند


1 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 192، " شرح المهذب " ج 1 / 83. 2 - القائل ابن الصلاح في " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 83. 3 - راجع " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 191، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 79. [ * ]

[ 301 ]

تيسره أو الابدال ويقطع الرقعة بإذن صاحبها. وإذا تعذر ذلك وما يقوم مقامه، كتب صواب جوابه عند ذلك الخطأ. ويحسن أن تعاد للمفتي المذكور بإذن صاحبها. وأما إذا وجد فتيا الاهل، وهي على خلاف ما يراه هو، غير أنه لا يقطع بخطئها، فليقتصر على كتب جواب نفسه، ولا يتعرض لفتيا غيره بتخطئة ولا اعتراض. الخامسة والعشرون: إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلا، ولم يحضر صاحب الواقعة، قيل: 1 يكتب: يزاد في الشرح لنجيب عنه، أو: لم أفهم ما فيها. وعلى تقدير أن يكتب. فلتكن الكتابة في محل لا يضر بحال الرقعة: وإذا فهم من السؤال صورة، وهو يحتمل غيرها، فلينص عليها في أول جوابه. فيقول: إن كان قال كذا، أو: فعل كذا، وما أشبه ذلك، فالامر كذا وكذا، أو يزيد: وإلا فكذا وكذا. السادسة: والعشرون: ليس بمنكر أن يذكر المفتي في فتواه حجة مختصرة، قريبة من آية أو حديث، ومنعه بعضهم، 2 ليفرق بين الفتيا والتصنيف، وفصل بعضهم، 3 فقال: إن أفتى عاميا لم يذكر الحجة، وإن أفتى فقيها ذكرها. وهو حسن. بل قد يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد ويبالغ، فيقول: هذا إجماع المسلمين، أو: لا أعلم في هذا خلافا، أو: من خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب، أو الاجماع، أو فقد أثم أو فسق، أو: وعلى ولي الامر أن يأخذ بهذا، أو لا يهمل الامر، وما أشبه هذه الالفاظ، على حسب ما تقتضيه المصلحة، وتوجبه الحال.


1 - القائل أبو القاسم الصيمري كما في " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 81، و " شرح المهذب " ج 1 / 87. 2 - هو صاحب " الحاوي " كما في " شرح المهذب " ج 1 / 87، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 76 - 77. 3 - هو الصيمري كما في " شرح المهذب " ج 1 / 86، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 82. [ * ]

[ 303 ]

النوع الرابع في أحكام المستفتي وآدابه وصفته وفيه مسائل: 1 الاولى: في صفته: كل من لم يبلغ درجة المفتي الجامع للعلوم المتقدمة، فهو فيما يسأل عنه من الاحكام مستفت، ويعبر عنه بالعامي أيضا وإن كان من أفاضل عصره، بل ربما كان أعلم من المفتي في علوم أخر لا يتوقف عليها الافتاء، فإن العامية الاصطلاحية تقابل الخاصية بأي معنى اعتبرت، فهاهنا يراد بالخاص المجتهدون، وبالعام من دونهم. ويقال له أيضا: مقلد، والمراد بالتقليد قبول قول من يجوز عليه الخطأ، بغير حجة على عين ما قبل قوله فيه، تفعيل من القلادة، كأنه يجعل ما يعتقده من الاحكام قلادة في عنق من قلده. ويجب على من ذكر، الاستفتاء إذا نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها،


1 - لا حظ " شرح المهذب " ج 1 / 89 - 95، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 85 - 92. [ * ]

[ 304 ]

فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه، وإن بعدت داره. وقد رحل 1 خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي والايام، وفي بعضها من العراق إلى الحجاز، وقد تقدم رحلة رجل من الحجاز إلى الشام في حديث أبي الدرداء. 2 الثانية: يلزم المقلد أن لا يستفتي إلا من عرف، أو غلب على ظنه علمه بما يصير به أهلا للافتاء وعدالته فإن جهل علمه لزمه البحث عما يحصل به أحد الامرين. إما بالممارسة المطلعة له على حاله، أو بشهادة عدلين به، أو بشياع حاله بكونه متصفا بذلك، أو بإذعان جماعة من العلماء العالمين بالطريق وإن لم يكونوا عدولا، بحيث يثمر قولهم الظن، وإن جهلت عدالته، رجع فيها إلى العشرة المفيدة لها أو الشياع أو شهادة عدلين. الثالثة: إذا اجتمع اثنان فأكثر ممن يجوز استفتاؤهم، فإن اتفقوا في الفتوى أخذ بها، وإن اختلفوا وجب عليه الرجوع إلى الاعلم الاتقى، فإن اختلفوا في الوصفين رجع إلى أعلم الورعين وأورع العالمين، فإن تعارض الاعلم والاورع، قلد الاعلم، فإن جهل الحال أو تساووا في الوصف تخير، وإن بعد الفرض. وربما قيل بالتخيير مطلقا، لاشتراك الجميع في الاهلية، وهو قول أكثر العامة، 3 ولا نعلم به قائلا منا، بل المنصوص 4 عندنا هو الاول.


1 - راجع " الرحلة في طلب الحديث " / 53 - 72، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 177، " شرح المهذب " ج 1 / 89. 2 - تقدم في المقدمة، ص 107. 3 - راجع " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 86 - 87، و " المستصفى من علم الاصول " ج 2 / 390 - 392، و " شرح المهذب " ج 1 / 90 و " صفة الفتوى " / 56. 4 - إن أراد نص علماءنا على ذلك - لا أنه ورد بذلك حديث أو آية - فانظر ذلك، حول المسألة في " الذريعة إلى أصول الشريعة " ج 2 / 801، و " معارج الاصول " / 201 وإن أراد من النص الحديث فلا محالة هو مقبولة عمر بن حنظلة المروية في " الكافي " ج 1 / 67 - 68، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، الحديث 10 كما يستفاد من كلامه في " تمهيد القواعد " / 46، حيث قال: " مسألة: قال في " المحصول ": اتفقوا على أن العامي لا يجوز له أن يستفتي إلا من غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد والورع، وذلك بأن يراه منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق، ويرى إجماع المسلمين على سؤاله، فإن سأل جماعة فاختلفت فتاواهم، فقال [ * ].

[ 305 ]

الرابعة: في جواز تقليد المجتهد الميت مع وجود الحي أو لامعه، للجمهور أقوال: 1 أصحها عندهم جوازه مطلقا، لان المذاهب لا تموت بموت أصحابها، وهلهذا يعتد بها بعدهم في الاجماع والخلاف، ولان موت الشاهد قبل الحكم لايمنع الحكم بشهادته بخلاف فسقه. والثاني: لا يجوز مطلقا، لفوات أهليته بالموت، ولهذا ينعقد الاجماع بعده ولا ينعقد في حياته - عى خلافه. وهذا هو المشهور بين أصحابنا، خصوصا المتأخرين منهم، بل لا نعلم قائلا بخلافه صريحا ممن يعتد بقوله. لكن هذا الدليل لا يتم على أصولنا، من أن العبرة في الاجماع إنما هو بدخول المعصوم، كما لا يخفى. والثالث: المنع منه مع وجود الحي لا مع عدمه، وتحقيق المقام في غير هذه الرسالة. 2 الخامسة: لو تعدد المفتي وتساووا في العلم والدين، أو قلنا بتخييره مطلقا، قلد من شاء فيما نزل به، ثم إذا حضرت واقعة أخرى، فهل يجب عليه الرجوع فيها إلى الاول ؟ وجهان، وعدمه أوجه، وكذا القول في تلك الواقعة في وقت آخر. السادسة: إذا استفتى فأجيب، ثم حدثت تلك الواقعة مرة أخرى، فهل يلزمه تجديد السؤال ؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لا حتمال تغير رأي المفتي، والثاني: لا، وهو الاقوى، لثبوت الحكم، والاصل استمرار المفتي عليه وهذا يأتي في تقليد


قوم: لا يجب عليه البحث عن أورعهم وأعلمهم، وقال آخرون: يجب عليه ذلك. وهذا هو الحق عندنا وهو مروي في مقبول عمر بن حنظلة المشهور.. ". 1 - راجع " صفة الفتوى " / 70 - 71، و " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 87، و " أعلام الموقعين " ج 4 / 274 - 275، ج 4 / 329 - 330، " شرح المهذب " ج 1 / 90. 2 - ألف المصنف رحمه الله رسالة خاصة في عدم جواز تقليد الاموات من المجتهدين، برسم الفاضل الصالح السيد حسين بن أبي الحسن، وفي آخرها: " قد فرغ من تسويد هذه الرسالة.. زين الدين بن علي العاملي الشهير بابن الحجة، وكان زمان تأليفها ورقمها من أولها إلى آخرها في جزء يسير من يوم قصير وهو الخامس عشر من شهر شوال من شهور سنة تسع وأربعين وتسعمائة " (" فهرست كتابخانه إهدائي مشكاة به كتابخانهء دانشگاه تهران " = " فهرس مكتبة المشكاة المهداة إلى المكتبة المركزية لجامعة طهران " ج 5 / 1956 - 1957). وهذه الرسالة مخطوطة إلى اليوم ولم تطبع بعد. [ * ]

[ 306 ]

الحي، أما الميت فلا. السابعة: له أن يستفتي بنفسه، وأن يبعث ثقة يعتمد خبره أو رقعة، وله الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره عدل أنه خطه، أو كان يعرف خطه ولم يشك في كون ذلك الجواب بخطه. ولو لم يعرف لغة المفتي افتقر إلى المترجم العدل، وهل يكفي الواحد أم يشترط عدلان ؟ وجهان: أجودهما الثاني. الثامنة: ينبغي للمستفتي أن يتأدب مع المفتي ويبجله في خطابه وجوابه ونحو ذلك، ولا يومئ بيده إلى وجهه. ولا يقل له: ما تحفظه في كذا، ولا إذا أجابه: هكذا فهمت، أو: وقع لي، أو نحو ذلك، ولا: أفتاني فالن، أو: غيرك بهذا، أو: بخلافه، ولا: ان كان جوابك موافقا لما كتب فاكتب وإلا فلا. ولا يسأله وهو قائم ولا مستوفز، 1 ولا مشغول بما يمنعه من تمام الفكر. ولا يطالبه بدليل، ولا يقل: لم قلت كذا ؟ فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة، طلبها في مجلس آخر، أو في ذلك المجلس بعد قبول الفتوى مجردة. التاسعة: إذا أراد جمع خط مفتيين في ورقة واحدة، فالاولى البدأة بالاعلم فالاعلم، ثم بالاورع ثم بالاعدل ثم بالاسن، وهكذا على ترتيب المرجحات في الامامة. 2 ولو أراد إفراد الاجوبة في رقاع بدأ بمن شاء. ولتكن رقعة الاستفتاء واسعة، ليتمكن المفتي من استيفاء الجواب واضحا لا مختصرا مضرا بالمستفتي. العاشرة: 3 ينبغي أن يكون كاتب الرقعة ممن يحسن السؤال، ويضعه على الغرض مع إبانة الخط واللفظ، وصيانتهما عما يتعرض للتصحيف، ويبين مواضع


1 - في " لسان العرب " ج 5 / 430، مادة " وفز ": " استوفز في قعدته، إذا قعد قعودا منتصبا غير مطمئن.. الوفزه: أن ترى الانسان مستوفزا قد استقل على رجليه ولما يستو قائما وقد تهيأ للافز والوثوب والمضي، يقال له: اطمئن فإنى أراك مستوفزا " وانظر " المعجم الوسيط " ج 2 / 1046، " وفز ". 2 - يريد المرجحات في إمامة الجماعة، وقد تقدمت في تعاليق الصفحة 209، التعليقة 1. 3 - راجع " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 181، " صفة الفتوى " / 83 - 84، ولا حظ " شرح المهذب " ج 1 / 94. [ * ]

[ 307 ]

السؤال وينقط مواضع الاشتباه ويضبطها، وإن كان من أهل العلم فهو أجود، وكان بعض العلماء لا يكتب فتواه إلا في رقعة كتبها رجل من أهل العلم. 1 الحادية عشرة: لا يدع الدعاء في الرقعة للمفتي، فإن اقتصر على فتوى واحد، قال: " ما تقول رحمك الله، أو رضي الله عنك، أو وفقك الله، أو أيدك، أو سددك ورضي الله عن والديك ؟ " ونحو ذلك، ولا يحسن أن يدخل نفسه في الدعاء. وإن أراد جواب جماعة قال: " ما تقولون رضي الله عنكم ؟ أو ما قولكم أو ما قول الفقهاء، سددهم الله، أو أيدهم ؟ " 2 ونحو، وإن أتى بعبارة الجمع لتعظيم الواحد، فهو أولى. ويدفع الرقعة إلى المفتي منشورة ويأخذها منشورة، ولا يحوجه إلى نشرها ولا إلى طيها. الثانية عشرة: إذا لم يجد صاحب الواقعة مفتيا في البلد، وجب عليه الرحلة إليه مع وجوب الحكم عليه كما تقدم 3 فإن لم يجده في بلده ولا في غيرها بناء على أن الميت لا قول له، وأن الزمان يجوز خلوه من المجتهد، نعوذ بالله تعالى من ذلك وجب عليه الاخذ بالاحتياط في أمره ما أمكن، فإن لم يتفق الاحتياط، فهل يكون مكلفا بشئ يصنعه في واقعته ؟ فيه نظر.


1 - " شرح المهذب " ج 1 / 94 " صفة الفتوى " / 84، " أدب المفتي والمستفتي " ج 1 / 92. 2 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 180، " شرح المهذب " ج 1 / 94. 3 - تقدم آنفا في المسألة الاولى من أحكام المستفتي وآدابه وصفته، ص 303 - 304. [ * ]

[ 309 ]

الباب الثالث في المناظرة وشروطها وآدابها وآفاتها وفيه فصلان: [ الفصل الاول في شروطها وآدابها ] [ الفصل الثاني في آفاتها وما يتولد منها من مهلكات الاخلاق ]

[ 311 ]

[ الفصل ] الاول في شروطها وآدابها اعلم أن المناظرة في أحكام الدين من الدين، ولكن لها شروط ومحل ووقت، فمن اشتغل بها على وجهها وقام بشروطها، فقد قام بحدودها واقتدى بالسلف فيها، فإنهم تناظروا في مسائل، وما تناظروا إلا الله، ولطلب ما هو حق عند الله تعالى. ولمن يناظر الله وفي الله علامات، بها تتبين الشروط والآداب: الاولى: أن يقصد بها إصابة الحق وطلب ظهوره كيف اتفق، لا ظهور صوابه وغزارة علمه وصحة نظره، فإن ذلك مراء، قد عرفت ما فيه من القبائح والنهي الاكيد. 1 ومن آيات هذا القصد أن لا يوقعها إلا مع رجاء التأثير، فأما إذا علم عدم قبول المناظر للحق، وأنه لا يرجع عن رأيه وإن تبين له خطاؤه، فمناظرته غير جائزة، لترتب الآفات الآتية وعدم حصول الغاية المطلوبة منها.


1 - في الامر الثاني من القسم الثاني من النوع الاول من الباب الاول ص 170 - 173. [ * ]

[ 312 ]

الثانية: أن لا يكون ثم ما هو أهم من المناظرة، فإن المناظرة إذا وقعت على وجهها الشرعي وكانت في واجب، فهي من فروض الكفايات، فإذا كان ثم واجب عيني أوكفائي هو أهم منها، لم يكن الاشتغال بها سائغا. ومن جملة الفروض التي لا قائم بها - في هذا الزمان - الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يكون المناظر في مجلس مناظرته مصابحا لعدة مناكير، 1 كما لا يخفى على من سبر الاحوال المفروضة والمحرمة. ثم هو يناظر فيما لا يتفق أو يتفق نادرا من الدقائق العلمية والفروع الشرعية، بل يجري منه ومن غيره في مجلس المناظرة من الايحاش والافحاش والايذاء والتقصير فيما يجب رعايته من النصيحة للمسلمين والمحبة والموادة، ما يعصي به القائل والمستمع، ولا يلتفت قلبه إلى شئ من ذلك، ثم يزعم أنه يناظر لله تعالى. الثالثة: 2 أن يكون المناظر في الدين مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب أحد، حتى إذا بان له الحق على لسان خصمه انتقل إليه، فأما من لا يجتهد، فليس له مخالفة مذهب من يقلده فأي فائدة له في المناظرة، وهو لا يقدر على تركه إن ظهر ضعفه ؟ ثم على تقدير أن يباحث مجتهدا ويظهر له ضعف دليله ماذا يضر المجتهد ؟ فإن فرضه الاخذ بما بترجح عنده، وإن كان في نفسه ضعيفا، كما اتفق ذلك لسائر المجتهدين، فإنهم يتمسكون بأدلة ثم يظهر لهم أو لغيرهم أنها في غاية الضعف. فتتغير فتواهم لذلك حتى في المصنف الواحد، بل في الورقة الواحدة. 3


1 - قال في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 38: " وربما يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهدا للحرير ملبوسا ومفروشا وهو ساكت، ويناظر في مسألة لا يتفق وقوعها... ". 2 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 38 - 39. 3 - قال الغزالي في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 38: " الثالث: أن يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي وأفتي بما ظهر له، كما كان يفعله الصحابة والائمة، فأما من ليس له رتبة الاجتهاد... وإنما يفتي فيما يسأل عنه ناقلا عن مذهب صاحبه، فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه فأي فائدة له في المناظرة، ومذهبه معلوم وليس له الفتوى بغيره ؟ وما يشكل عليه يلزمه أن يقول: لعل عند صاحب مذهبي جوابا عن هذا، فإني لست مستقلا بالاجتهاد في أصل الشرع. ولو كانت مباحثته عن المسائل التى فيها وجهان أو قولان لصاحبه لكان أشبه، فانه [ * ]

[ 313 ]

الرابعة: أن يناظر في واقعة مهمة أو في مسألة قريبة من الوقوع، وأن يهتم بمثل ذلك. والمهم أن يبين الحق، ولا يطول الكلام زيادة على ما يحتاج إليه في تحقيق الحق. ولا يغتر بأن المناظرة في تلك المسائل النادرة توجب رياضة الفكر وملكة الاستدلال والتحقيق، كما يتفق ذلك كثيرا لقاصدي حظ النفوس من إظهار المعرفة، فيتناظرون في التعريفات، وما تشتمل عليه من النقوض والتزييفات، وفي المغالطات ونحو، ولو اختبر حالهم حق الاختبار لوجد مقصدهم على غير ذلك الاعتبار. الخامسة: 1 أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه منها في المحفل والصدور، فإن الخلوة أجمع للهم وأحرى لصفاء الفكرو درك الحق، وفي حضور الخلق ما يحرك دواعي الرئاء والحرص على الافحام ولو بالباطل. وقد يتفق لاصحاب المقاصد الفاسدة الكسل عن الجواب عن المسألة في الخلوة، وتنافسهم في المسألة في المحافل، واحتيالهم على الاستيثار بها في المجامع. السادسة: أن يكون في طلب الحق كمنشد ضالة، يكون شاكرا متى وجدها، ولا يفرق بين أن يظهر على يده، أو يد غيره، فيرى رفيقه معينا لا خصما، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق، كما أو أخذ طريقا في طلب ضالة، فنبهه غيه على ضالته في طريق آخر، والحق ضالة المؤمن يطلبه كذلك، فحقه إذا ظهر الحق على لسان خصمه أن يفرح به ويشكره، لاأنه يخجل ويسود وجهه ويربد 2 لونه، ويجتهد في مجاهدته ومدافعته جهده.


ربما يفتي بأحدهما فيستفيد من البحث ميلا إلى أحد الجانبين... ". 1 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 39. 2 - في " لسان العرب " ج 3 / 170، مادة " ربد ": " اربد وجهه وتربد، احمر حمرة فيها سواد عند الغضب... ويتربد لونه من الغضب، أي يتلون... ويقال: اربد لونه كما يقال احمر واحمار، وإذا غضب الانسان تربد وجهه كأنه يسود منه مواضع ". هذا، وفي بعض النسخ: " يزبد " وفي بعضها: " يزيل " بدل " يربد " وكلاهما خطأ. واعلم أن في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 39: " في مجاحدته " بدل " في مجاهدته " ولعله أولى. [ * ]

[ 314 ]

السابعة: 1 أن لا يمنع معينه من الانتقال من دليل إلى دليل ومن سؤال إلى سوآل، بل يمكنه من إيراد ما يحضره، ويخرج من كلامه ما يحتاج إليه في إصابة الحق، فإن وجده في جملته أو استلزمه وإن كان غافلا عن اللزوم فليقبله، ويحمد الله تعالى، فإن الغرض إصابة الحق، وإن كان في كلام متهافت إذا حصل منه المطلوب. فأما قوله: " هذا لا يلزمني، فقد تركت كلامك الاول وليس لك ذلك " ونحو ذلك من أراجيف المناظرين، فهو محض العناد والخروج عن نهج السداد. وكثيرا ما ترى المناظرات في المحافل تنقضي بمحض المجادلات حتى يطلب المعترض الدليل عليه، ويمنع المدعى وهو عالم به، وينقضي المجلس على ذلك الانكار والاصرار على العناد، وذلك عين الفساد والخيانة للشرع المطهر، والدخول في ذم من كتم علمه. الثامنة: 2 أن يناظر مع من هو مستقل بالعلم، ليستفيد منه إن كان يطلب الحق، والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول والاكابر، خوفا من ظهور الحق على لسانهم، ويرغبون فيمن دونهم طمعا في ترويج الباطل عليهم. ووراء هذه الشروط والآداب شروط أخر وآداب دقيقة، لكن فيما ذكر ما يديك إلى معرفة المناظرة لله، ومن يناظر لله 3 أو لعلة.


1 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 39. 2 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 40 3 - في بعض النسخ: " لها " وفي بعضها " له " والصواب " لله " كما في " إحياء علوم الدين " ج 1 / 40، و " المحجة البيضاء " ج 1 / 101 أو " له ". [ * ]

[ 315 ]

الفصل الثاني في آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الاخلاق اعلم أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والافحام والمباهاة والتشوق، لاظهار الفضل، هي منبع جميع الاخلاق المذمومة عند الله تعالى، المحمودة عند عدوه إبليس، ونسبتها إلى الفواحض الباطنة من الكبر والعجب والرئاء والحسد والمنافسة وتزكية النفس وحب الجاه وغيره، نسبة الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقتل والقذف. وكما أن من خير بين الشرب، وبين سائر الفواحش، فاختار الشرب استصغارا له، فدعاه ذلك إلى ارتكاب سائر الفواحش، فكذلك من غلب عليه حب الافحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة، دعاه ذلك إلى إظهار الخبائث كلها. 1 فأولها: 2 الاستكبار عن الحق وكراهته، والحرص على مدافعته بالمماراة فيه، حتى أن أبغض الاشياء إلى المناظر أن يظهر الحق على لسان خصمه، ومهما ظهر


1 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 40 - 43. 2 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 42. [ * ]

[ 316 ]

يشمر لجحده بما قدر عليه من التلبيس والمخادعة والمكر والحيلة، ثم تصير المماراة له عادة وطبيعة، حتى لا يسمع كلاما إلا وتنبعث داعيته للاعتراض عليه، إظهارا للفضل واستنقاصا بالخصم وإن كان محقا، قاصدا إظهار نفسه لا إظهار الحق. وقد تلونا عليك بعض ما في المراء من الذم، وما يترتب عليه من المفاسد، 1 وقد سوى الله تعالى بين من افترى على الله كذبا، وبين من كذب بالحق، فقال تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه. 2 وهو كبر أيضا، لما تقدم 3 من أنه عبارة عن رد الحق على قائله، والمراء يستلزم ذلك، وروي عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة وأنس قالوا: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه واله يوما، ونحن نتمارى في شئ من أمر الدين، فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله، ثم قال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ذروا المراء، فإن المؤمن لا يماري، ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته، ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء، فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة: في رباضها [ ظ: ربضها ] وأوسطها وأعلاها، لمن ترك المراء وهو صادق، ذروا المراء فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الاوثان المراء. 5 وعنه صلى الله عليه وآله: ثلاث من لقي الله عزوجل بهن دخل الجنة من أي باب شاء: من حسن خلقه.


1 - قد تقدم بعض الكلام في ذم المراء في الامر الثاني من القسم الثاني من النوع الاول من الباب الاول، ص 170 - 173. 2 - سورة العنكبوت (29): 68. 3 - تقدم في الامر الرابع من القسم الثاني من النوع الاول من الباب الاول، ص 175 - 176. 4 - قال المنذري في " الترغيب والترهيب " ج 1 / 131: " ربص الجنة - بفتح الراء والباء الموحدة وبالضاد المعجمة -: ما حولها " وفي " لسان العرب " ج 7 / 152، مادة " ربض ": " وفي الحديث: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، هو بفتح الباء: ما حولها خالجا عنها تشبيها بالابنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع ". 5 " الترغيب والترهيب " ج 1 / 131، باب الترهيب من المراء والجدال، الحديث 2، " مجمع الزوائد " ج 1 / 156. روياه عن الطبراني في " الكبير " وفيهما " في رباضها " كالمتن. [ * ]

[ 317 ]

وخشي الله في المغيب والمحضر، وترك المراء وإن كان محقا. 1 وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إياكم والمراء والخصومة، فإنهما يمرضان القلوب على الاخوان، وينبت عليهما النفاق. 2 وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله: إياك وملاحاة الرجال. 3 وثانيها: 4 الرئاء، وملاحظة الخلق والجهد في استمالة قلوبهم، وصرف وجوههم نحو ليصوبوا نظره، وينصروه على خصمه. وهذا هو عين الرئاء بل بعضه، 5 والرئاء هو الداء العضال والمرض المخوف والعلة المهلكة، قال الله تعالى: والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور 6 قيل: هم أهل الرئاء. 7 وقال تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. 8 والرئاء هو الشرك الخفي، وقال صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر. قالوا: وما الشرك الاصغر يا رسول الله ؟ قال: هو الرئاء يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى


1 - " الكافي " ج 2 / 300 كتاب الايمان والكفر، باب المراء والخصومة ومعاداة الرجال، الحديث 2. 2 - " الكافي " ج 2 / 300، كتاب الايمان والكفر، باب المراء والخصومة ومعاداة الرجال، الحديث 1 " الكافي " ج 2 / 301، كتاب الايمان والكفر، باب المراء ومعاداة الرجال، الحديث 6. قال في " مرآة العقول " ج 10 / 139: " ملاحاة الرجال، أو مقاولتهم ومخاصمتهم، يقال: لحيت الرجل ألحاه، إذا لمته وعذلته، ولا حيته ملاحاة ولحاء إذا نازعته ". 4 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 42. 5 - هكذا في أكثر النسخ، ولكن في " ض " و " ع " و " خ " ليس قوله: " بل بعضه " بل فيها: " وهذا هو عين الرئاء، والرئاء هو الداء.. ". 6 - سورة فاطر (35): 10. 7 - قاله مجاهد، كما في " إحياء علوم الدين " ج 3 / 253. 8 - سورة الكهف (18): 110. [ * ]

[ 318 ]

الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء ؟ 1 وقال صلى الله عليه وآله: استعيذوا بالله من جب الخزي، قيل: وما هو يا رسول الله ؟ قال: واد في جهنم أعد للمرائين. 2 وقال صلى الله عليه وآله: إن المرائي ينادى يوم القيامة: يا فاجر يا غادر يا مرائي ! ضل عملك وبطل أجرك، اذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له. 3 وروى جراح المدائني 4 عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا 5 قال: الرجل يعمل شيئا من الثواب، لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشترك بعبادة ربه. 6 وعنه عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به، فإذا صعد بحسناته يقول الله عزوجل: اجعلوها في سجين إنه ليس إياي أراد به. 7 وعن أمير المؤمنين عليه السلام:


1 - " مسند أحمد " ج 5 / 428، " الترغيب والترهيب " ج 1 / 68 - 69، الحديث 23. 2 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 66 - 67، الحديث 16، وانظر أيضا الحديث 17، " كنز العمال " ج 10 / 274، الحديث 29429، " إحياء علوم الدين " ج 3 / 254، " سنن ابن ماجة " ج 1 / 94، المقدمة، الباب 23، الحديث: 256، وفيها: " جب الحزن " بدل " جب الخزي "، و: " للقراء المرائين " بدل " للمرائين ". ومع اختلاف يسير في بعض الالفاظ الآخر. 3 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 254. 4 - انظر ترجمته في " معجم رجال الحديث " ج 4 / 38 - 39. 5 - سورة الكهف (18): 110. 6 - " الكافي " ج 2 / 293 - 294، كتاب الايمان والكفر، باب الرئاء، الحديث 4. 7 - " الكافي " ج 2 / 294 - 295، كتاب الايمان والكفر، باب الرئاء، الحديث 7، وفيه: " أراد بها " بدل " أراد به ". [ * ]

[ 319 ]

ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع أموره. 1 وثالثها: الغضب، والمناظر لا ينفك منه غالبا، سيما إذا رد عليه كلامه، أو اعترض على قوله وزيف دليله بمشهد من الناس، فإنه يغضب لذلك لا محالة، وغضبه قد يكون بحق، وقد يكون بغير حق، وقد ذم الله تعالى ورسوله الغضب كيف كان، وأكثرا من التوعد عليه: قال الله تعالى: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله... 2 الآية، فذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب، ومدح المؤمنين بما أنعم عليهم من السكينة. وعن عكرمة في قوله تعالى: سيدا وحصورا 3 قال: السيد: الذي لا يغلبه الغضب. 4 وروي: أن رجلا قال: يا رسول الله مرني بعمل وأقل. قال: لا تغضب، ثم أعاد عليه فقال: لا تغضب. 5 وسئل عليه السلام: ما يبعد من غضب الله تعالى ؟ قال: لا تغضب. 6 وعنه صلى الله عليه وآله: من كف غضبه ستر الله عورته. 7


1 - " الكافي " ج 2 / 295، كتاب الايمان والكفر، باب الرئاء، الحديث 8. 2 - سورة الفتح (48): 26. 3 - سورة آل عمران (3): 39. 4 - " تفسير ابن كثير " ج 1 / 369، " إحياء علوم الدين " ج 3 / 143. 5 - " تنبيه الخواطر " ج 1 / 122، " إحياء علوم الدين " ج 3 / 143، وفيه وفي " المحجة البيضاء ج 5 / 290 - 291: " وأقلل " بدل " وأقل " 6 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 143. 7 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 143، وعن أبي عبد الله عليه السلام أيضا في " الكافي " ج 2 / 303، كتاب الايمان [ * ]

[ 320 ]

وقال أبو الدرداء. قلت: يا رسول الله ! دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: لا تغضب. 1 وقال صلى الله عليه وآله: الغضب يفسد الايمان، كما يفسد الصبر العسل. 2 وقال صلى الله عليه وآله: ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم. 3 وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعت أبي يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله رجل بدوي، فقال: إني أسكن البادية، فعلمني جوامع الكلام. فقال: آمرك أن لا تغضب، فأعاد عليه الاعرابي المسألة ثلاث مرات حتى رجع الرجل إلى نفسه، فقال: لا أسأل عن شئ بعد هذا، ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله إلا بالخير. 4 وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل. 5 وذكر الغضب عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال: إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار. 6 وعنه عليه السلام قال: مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عزوجل به موسى عليه السلام: يا موسى !


والكفر، باب الغضب، الحديث 6. 1 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 143. 2 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 143. 3 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 143 4 - " الكافي " ج 2 / 303، كتاب الايمان والكفر، باب الغضب، الحديث 4. 5 - " الكافي " ج 2 / 302، كتاب الايمان والكفر، باب الغضب، الحديث 1. 6 - " الكافي " ج 2 / 302، كتاب الايمان والكفر، باب الغضب، الحديث 2. [ * ]

[ 321 ]

أمسك غضبك عمن ملكتك عليه أكف عنك غضبي. 1 وعن أبي حمزة الثمالي قال: أبو جعفر عليه السلام: إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه، ودخل الشيطان فيه. 2 والاخبار في ذلك كثيرة، وفي الاخبار القديمة: قال نبي من الانبياء لمن معه: من يكفل لي أن لا يغضب يكون معي في درجتي، ويكون بعدي خليفتي. فقال شاب من القوم: أنا. ثم أعاد عليه. فقال الشاب: أنا. ووفى به، 3 فلما مات كان في منزلته بعده، وهو ذو الكفل لانه كفل له بالغضب، ووفى به. 4 ورابعها: 5 الحقد، وهو نتيجة الغضب، فإن الغضب إذا لزم كظمه، لعجزه عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا. ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغض له والنفار منه، وقد قال صلى الله عليه وآله: المؤمن ليس بحقود. 6 فالحقد ثمرة الغضب، والحقد يثمر أمورا فاحشة: كالحسد والشماته بما يصيبه من البلاء، والهجر والقطيعة والكلام فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر، وهتك ستر وغيره، والحكاية لما يقع منه المؤدي إلى الاستهزاء والسخرية منه،


1 - " الكافي " ج 2 / 302، كتاب الايمان والكفر، باب الغضب، الحديث 7. 2 - " الكافي " ج 2 / 304 - 305، كتاب الايمان والكفر، باب الغضب، الحديث 12. 3 - في " إحياء علوم الدين " ج 3 / 144، و " المحجة البيضاء " ج 5 / 295: " أنا أوفي به " بدل " أنا ووفى به " ولعله أولى مما في المتن. 4 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 144، " تنبيه الخواطر ج 1 / 122 - 123 ومثله في " بحار الانوار " ج 13 / 407، نقلا عن " سعد السعود " لابن طاوس. 5 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 3 / 157 - 158، 6 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 157، ج 1 / 41، قال في " المغني " ج 1 / 40 المطبوع بذيل " إحياء علوم الدين ": " لم أقف لهذا الحديث على أصل ". أقول: روي مضمونه عن أمير المؤمنين، عليه أفضل صلوات المصلين في " الكافي " ج 2 / 226 - 227، كتاب الايمان والكفر، باب المؤمن وعلاماته وصفاته، الحديث 1، حيث قال عليه السلام: " يا همام ! المؤمن.. لاحقود ولا حسود ". [ * ]

[ 322 ]

والايذاء بالقول والفعل حيث يمكن، وكل هذه الامور بعض نتائج الحقد. وأقل درجات الحقد مع الاحتراز عن هذه الآفات المحرمة أن تستثقله في الباطن، ولا تنهى قلبك عن بغضه حتى تمتنع عما كنت تتطوع به من البشاشة والرفق والعناية، والقيام على بره ومواساته، وهذا كله ينقص درجتك في الدين، ويحول بينك وبين فضل عظيم وثواب جزيل، وإن كان لا يعرضك لعقاب. واعلم أن للحقود عند القدرة على الجزاء ثلاثة أحوال: أحدها أن يستوفي حقه الذي يستحقه من غير زيادة ولا نقصان، وهو العدل، والثاني أن يحسن إليه بالعفو، وذلك هو الفضل، والثالث أن يظلمه بما لا يستحقه، وذلك هو الجور، وهو اختيار الارذال، والثاني هو اختيار الصديقين، والاول هو منتهى درجة الصالحين. فليتسم المؤمن بهذه الخصلة إن لم يمكنه تحصيل فضيلة العفو التي قد أمر الله تعالى بها، وحض عليها رسوله والائمة عليهم السلام: قال الله تعالى: خذ العفو... 1 الآية. وقال تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى. 2 وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث - والذي نفسي بيده - إن كنت لحالفا 3 عليهن: ما نقصت صدقة من مال فتصدقوا، ولا عفارجل عن مظلمة يبتغي بها وجه الله تعالى إلا زاده الله تعالى بها عزا يوم القيامة، ولا فتح رجل باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر. 4 وقال صلى الله عليه وآله: التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، والعفو لا يزيد العبد إلا عزا، فاعفوا يعزكم الله، والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة، فتصدقا يرحمكم الله. 5


1 - سورة الاعراف (7): 199. 2 - سورة البقرة (2): 237. 3 - في " إحياء علوم الدين " ج 3 / 157: " لو كنت حلافا لحلفت عليهن ". 4 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 157 - 158، " مسند أحمد " ج 1 / 193، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 125 - 126، " مجمع الزوائد " ج 3 / 105. 5 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 158، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 126، " الجامع الصغير " ج 1 / 135، حرف التاء، وشرحه: " فيض القدير " ج 3 / 284 - 285، الحديث 3411. [ * ]

[ 323 ]

وقال صلى الله عليه وآله: قال موسى عليه السلام: يا رب ! أي عبادك أعز عليك ؟ قال: الذي إذا قدر عفا. 1 وروى ابن أبي عمير عن عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبته: ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة ؟: العفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك والاحسان إلى من أساء إليك وإعطاء من حرمك. 2 والاخبار في هذا الباب كثيرة، لا تقتضي الرسالة ذكرها. وخامسها: 3 الحسد، وهو نتيجة الحقد، والحقد نتيجة الغضب كما مر. والمناظر لا ينفك منه غالبا، فإنه تارة يغلب، وتارة يغلب، وتارة يحمد في كلامه، وتارة يحمد كلام غيره، ومتى لم يكن الغلب والحمد له تمناه لنفسه دون صاحبه، وهو عين الحسد، فإن العلم من أكبر النعم، فإذا تمنى أحد كون ذلك الغلب ولوازمه له فقد حسد صاحبه. وهذا أمر واقع بالمتناظرين إلا من عصمه الله تعالى، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: خذوا العلم حيث وجدتموه، ولا تقبلوا أقوال الفقهاء بعضهم في بعض، فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في الزريبة. 4 وأما ما جاء في ذم الحسد والوعيد عليه فهو خارج عن حد الحصر، وكفاك في ذمه أن جميع ما وقع من الذنوب والفساد في الارض من أول الدهر إلى آخره، كان من الحسد لما حسد إبليس آدم، فصار أمره إلى أن طرده الله ولعنه، وأعدله عذاب جهنم خالدا فيها، وتسلط بعد ذلك على بني آدم، وجرى فيهم مجرى الدم


1 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 158، " الجامع الصغير " ج 2 / 85، حرف القاف، وشرحه: " فيض القدير " ج 4 / 501، الحديث 6080. 2 - " الكافي " ج 1 / 107، كتاب الايمان والكفر، باب العفو، الحديث 1. 3 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 40. 4 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 40، " جامع بيان العلم وفضله " ج 2 / 185. [ * ]

[ 324 ]

والروح في أبدانهم، وصار سبب الفساد على الآباء، وهو أول خطيئة وقعت بعد خلق آدم، وهو الذي أوجب قتل ابن آدم أخاه، كما حكاه الله تعالى عنهما في كتابه الكريم. 1 وقد قرن الله تعالى الحاسد بالشيطان والساحر، فقال: ومن شر غاسق إذا وقت * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد. 2 وقال صلى الله عليه وآله: الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. 3 وقال صلى الله عليه وآله: دب إليكم داء الامم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين، والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا. 4 وقال صلى الله عليه وآله: ستة يدخلون النار قبل الحساب بستة. قيل: يا رسول الله ! من هم ؟ قال: الامراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد. 5 وروى محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام أنه قال:


1 - سورة المائدة (5): 27 - 32. 2 - سورة الفلق (113): 5 3. 3 - " سنن ابن ماجة " ج 2 / 1408، كتاب الزاهد، باب الحسد، الحديث 4210، " الجامع الصغير " ج 1 / 151، حرف الحاء وشرحه: " فيض القدير " ج 3 / 413، الحديث 3817، ونظيره في " الكافي " ج 2 / 306، كتاب الايمان والكفر، باب الحسد، الحديث 1 عن أبي جعفر، والحديث 2 عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 " أدب الدنيا والدين " / 260، " إحياء علوم الدين " ج 3 / 163، " مسند أحمد " ج 1 / 165، 167، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 127، " كنز العمال " ج 3 / 462، الحديث 7443. 5 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 163، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 127، ومثله عن أمير المؤمنين عليه السلام في " بحار الانوار " ج 2 / 108، الحديث 1، نقلا عن " الخصال ". [ * ]

[ 325 ]

إن الرجل ليأتي [ بأي ] 1 بادرة فيكفر، وإن الحسد ليأكل الايمان، كما تأكل النار الحطب. 2 وعن أبي عبد الله عليه السلام: آفة الدين: الحسد، والعجب، والفخر. 3 وعنه عليه السلام قال: قال الله عزوجل لموسى عليه السلام: يا ابن عمران ! لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي، ولا تمدن عينيك إلى ذلك، ولا تتبعة نفسك، فإن الحاسد ساخط لنعمي صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي، ومن يك كذلك فلست منه وليس مني. 4 وعنه عليه السلام قال: إن المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط. 5 وسادسها: الهجر والقطيعة، وهو أيضا من لوازم الحقد، فإن المتناظرين إذا ثارت بينهما المنافرة وظهر منهما الغضب وادعى كل منهما أنه المصيب، وأن صاحبه المخطئ واعتقد وأظهر أنه مصر على باطله مزمع على خلافه، لزم من حقده عليه وغضبه هجره وقطيعته، وذلك من عظائم الذنوب وكبائر المعاصي، روى داود بن كثير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثا، لا يصطلحان، إلا كانا خارجين من الاسلام، 6 ولم يكن بينهما ولاية، وأيهما سبق إلى


1 - ما بين المعقوفين زيادة من المصدر، وليس في النسخ المخطوطة والمطبوعة سوى " ض "، " ح " و " ع ". 2 - " الكافي " ج 2 / 306، كتاب الايمان والكفر، باب الحسد، الحديث 1. 3 - " الكافي " ج 2 / 307، كتاب الايمان والكفر، باب الحسد، الحديث 5. 4 - " الكافي " ج 2 / 307، كتاب الايمان والكفر، باب الحسد، الحديث 6. 5 - " الكافي " ج 2 / 307، كتاب الايمان والكفر، باب الحسد، الحديث 7. 6 - في " مرآة العقول " ج 10 / 362: " كأن الاستثناء من مقدر، أي لم يفعلا ذلك إلا كانا خارجين، وهذا النوع من الاستقناء شائع في الاخبار، ويحتمل أن يكون إلا هنا زائدة ". [ * ]

[ 326 ]

كلام أخيه كان السابق إلى الجنة يوم الحساب (1). وعن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال: لا يفترق رجلان على الهجران إلا استوجب أحدهما البراءة واللعنة، وربما استحق كلاهما. فقال له معتب: (2) جعلني الله فداك هذا الظالم، فما بال المظلوم ؟ قال لانه لا يدعو أخاه إلى صلته، ولا يتغامس له عن كلامه، سمعت أبي يقول: إذا تنازع اثنان فعاز أحدهما الآخر، فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول لصاحبه: أي أخي أنا الظالم، حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه، فإن الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم. (3) وروى زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: إن الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وتمدد ثم قال: فزت. فرحم الله امرء ألف بين وليين لنا، يا معشر المؤمنين تألفوا وتعاطفوا. (4) وعن أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام قال: لا يزال إبليس فرحا ما اهتجر المسلمان، فإذا التقيا اصطكت ركبتاه، وتخلعت أوصاله، ونادى يا ويله ما لقي من الثبور. 5 وسابعها: الكلام فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وغيرهما، وهو من لوازم الحقد، بل من نتيجة المناظرة، فإن المناظر لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين، والذم والتوهين فيكون مغتابا، وربما يحرف كلامه، فيكون كاذبا


1 - " الكافي " ج 2 / 345، كتاب الايمان والكفر، باب الهجرة، الحديث 5. 2 - في " مرآة العقول " ج 10 / 359: " معتب، بضم الميم وفتح العين وتشديد التاء المكسورة، وكان من خيار موالي الصادق عليه السلام، بل خيرهم كما روي فيه ". 3 - " الكافي " ج 2 / 344، كتاب الايمان والكفر، باب الهجرة، الحديث 1. 4 - " الكافي " ج 2 / 345، كتاب الايمان والكفر، باب الهجرة، الحديث 1. 5 - " الكافي " ج 2 / 346، كتاب الايمان والكفر، باب الهجرة، الحديث 7. [ * ]

[ 327 ]

مباهتا ملبسا، وقد يصرح باستجهاله واستحماقه، فيكون متنقصا مسببا. 1 وكل واحد من هذه الامور ذنب كبير، والوعيد عليه في الكتاب والسنة كثير، يخرج عن أحد الحصر. وكفاك في ذم الغيبة أن الله تعالى شبهها بأكل الميتة، فقال تعالى: لا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه. 2 وقال النبي صلى الله عليه وآله: كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه. 3 والغيبة تتناول العرض. وقال صلى الله عليه وآله: إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا، إن الرجل قد يزني فيتوب، فيتوب الله على، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه. 4 وقال البراء: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله أسمع العواتق في بيوتها، فقال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه ! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته. 5 وعن أبي عبد الله عليه السلام: ما من مؤمن قال في مؤمن ما رأته عيناه، وسمعته أذناه، فهو من الذين قال الله عزوجل: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم. 6


1 - اسم فاعل من " سببه " أي، أكثر سبه، راجع " لسان العرب " ج 1 / 455، مادة " سبب ". 2 - سورة الحجرات (49): 12. 3 - " سنن أبي داود " ج 4 / 270، كتاب الادب باب في الغيبة، الحديث 4882. 4 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 123، " الترغيب والترهيب " ج 3 / 511، " مكارم الاخلاق " / 470 " كنز العمال " ج 3 / 586، الحديث 8026، وج 3 / 589، الحديث 8043. 5 - " إحياء علوم الدين " ج 3 / 123، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 115، وانظر " سنن أبي داود " ج 4 / 270، كتاب الادب، باب في الغيبة، الحديث 4880، " كنز العمال " ج 3 / 585، الحديث 8021. 6 - سورة النور (24): 19، والحديث في " الكافي " ج 2 / 351، كتاب الايمان والكفر، باب الغيبة والبهت، [ * ].

[ 328 ]

وعن النبي صلى الله عليه وآله: إن الغيبة أشد من ثلاثين زنية، 1 وفي حديث آخر: من ستة وثلاثين زنية. 2 والكلام في الغيبة يطول، والغرض هنا الاشارة إلى أصول هذه الرذائل. وروى المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه، وهدم مروءته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان. 3 وعنه عليه السلام في حديث: عورة المؤمن على المؤمن حرام، قال: ما هو أن ينكشف فترى منه شيئا، إنما هو أن تروي عنه أو تعيبه. 4 وروى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال [ ظ: قالا ]: أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرجل على الدين، فيحصي عليه عثراته وزلاته. 5 وروى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه


الحديث 2، وفيه " من قال في مؤمن.. إلخ ". 1 - قال الغزالي في " بداية الهداية " / 31: "... الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الاسلام. كذلك ورد في الخبر ". 2 - لم أقف عليها بهذه العبارة، نعم في " إحياء علوم الدين " ج 3 / 124، و " تنبيه الخواطر " ج 1 / 116: " وقال أنس: خطبنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فذكر الربا وعظم شأنه، فقال: إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، الربا عرض الرجل المسلم. " ونقلها المؤلف رحمه الله، بالمعنى. 3 - " الكافي " ج 2 / 359، كتاب الايمان والكفر، باب الرواية على المؤمن، الحديث 1. 4 - " الكافي " ج 2 / 359، كتاب الايمان والكفر، باب الرواية على المؤمن، الحديث 3. " عليه " بدل " عنه ". 5 - " الكافي " ج 2 / 354، كتاب الايمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم، الحديث 1. [ * ]

[ 329 ]

معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه 1 وعن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا قال المؤمن لاخيه: أف، خرج من ولايته، وإذا قال: أنت عدوي، كفرا أحدهما، ولا يقبل الله تعالى من مؤمن عملا، وهو مضمر على أخيه المؤمن سوء. 2 وروى الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما من إنسان يطعن في عين مؤمن إلا مات بشرميته، وكان قمنا أن لا يرجع إلى خير. 2 وثامنها: الكبر والترفع، والمناظرة لا تنفك عن التكبر على الاقران والامثال، والترفع فوق المقدار في الهيئات والمجالس، وعن إنكار كلام خصمهم، وإن لاح كونه حقا، حذرا من ظهور غلبتهم. ولا يصرحون عند ظهور الفلج عليهم بأنا مخطئون وأن الحق قد ظهر في جانب خصمنا. وهذا عين الكبر الذي قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وآله بأنه لا يدخل الجنة من في قلبه منه مثقال، وقد فسره صلى الله عليه وآله في الحديث السابق 5 بأنه بطر الحق وغمص الناس. والمراد ب‍ " بطر الحق ": رده على قائله وعدم الاعتراف به بعد ظهوره، و " غمص الناس " بالصاد المهملة بعد الميم والغين المعجمة: احتقارهم. وهذا المناظر قد رد الحق على قائله بعد ظهوره له، وإن خفي على غيره، وربما احتقره حيث يزعم أنه محق، وأن خصمه هو المبطل الذي لم يعرف الحق، ولاله ملكة العلم والقوانين المؤدية إليه.


1 - " الكافي " ج 2 / 360، كتاب الايمان والكفر، باب السباب، الحديث 2. 2 - " الكافي " ج 2 / 361، كتاب الايمان والكفر، باب السباب، الحديث 8. 3 - " الكافي " ج 2 / 361، كتاب الايمان والكفر، باب السباب، الحديث 9. 4 - " صحيح مسلم " ج 1 / 94، كتاب الايمان، الباب 40 " إحياء علوم الدين " ج 3 / 335. 5 - سبق الحديث في الامر الرابع من القسم الثاني من النوع الاول من الباب الاول، الصفحة 175، وهو في " صحيح مسلم " ج 1 / 93، كتاب الايمان، الباب 39 - وفيه: " غلط الناس " بدل " غمص الناس " -، " عوالي " اللآلي " ج 1 / 436 - 437. [ * ]

[ 330 ]

وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال حاكيا عن الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته. 1 وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أعظم الكبر غمص الخلق، وسفه الحق. قال: قلت: وما غمص الخلق وسفه الحق ؟ قال: يجهل الحق ويطعن على أهله، فمن فعل ذلك، فقد نازع الله عزوجل رداءه. 2 وروى الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول: الكبر قد يكون في شرار الناس من كل جنس، والكبر رداء الله، فمن نازع الله عز وجل رداءه لم يزده الله عزوج إلا سفالا. 3 وسئل عليه السلام عن أدنى الالحاد. قال: إن الكبر أدناه. 4 وروى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر. 5 وعمن عمر بن يزيد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني آكل الطعام الطيب، وأشم الرائحة الطيبة، وأركب الدابة الفارهة، ويتبعني الغلام، فترى في هذا شيئا من التجبر، فلا أفعله. فأطرق أبو عبد الله عليه السلام ثم قال: إنما الجبار الملعون من غمص الناس، وجهل الحق. قال عمر: فقلت أما الحق فلا أجهله، والغمص لا أدري ما هو ؟ قال: من حقر الناس وتجبر عليهم فذلك الجبار. 6


1 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 40، ج 3 / 290، " سنن ابن ماجة " ج 2 / 1397، كتاب الزهد، الحديث 4174، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 198. 2 - " الكافي " ج 2 / 310، كتاب الايمان والكفر، باب الكبر، الحديث 9. 3 - " الكافي " ج 2 / 309، كتاب الايمان والكفر، باب الكبر، الحديث 2. 4 - " الكافي " ج 2 / 309، كتاب الايمان والكفر، باب الكبر، الحديث 1. 5 - " الكافي " ج 2 / 310، كتاب الايمان والكفر، باب الكبر، الحديث 6. 6 - " الكافي " ج 2 / 311، كتاب الايمان والكفر، باب الكبر، الحديث 13. [ * ]

[ 331 ]

وعن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، وعدمنهم الجبار. 1 وتاسعها: 2 التجسس وتتبع العورات، والمناظر لا يكاد يخلو عن طلب عثرات مناظره في كلامه وغيره ليجعله ذخيرة لنفسه، ووسيلة إلى تسديده وبراءته أو دفع منقصته، حتى أن ذلك قد يتمادى بأهل الغفلة ومن يطلب علمه للدنيا، فيتفحص عن أحوال خصمه وعيوبه، ثم إنه قد يعرض به في حضرته، أو يشافهه بها، وربما يتبجح به 3 ويقول: كيف أخملته وأخجلته، إلى غير ذلك مما يفعله الغافلون عن الدين وأتباع الشياطين، وقد قال الله تعالى: ولا تجسسوا. 4 وقال صلى الله عليه وآله: يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه ! لا تتبعوا عورات المسلمين، فمن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه، ولو في جوف بيته. 5 وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام: أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرجل الرجل على الدين فيحصي عليه زلاته ليعيره بها يوماما. 6 وعن أبي عبد الله عليه السلام: أبعد ما يكون العبد من الله أن يكون الرجل يؤاخي الرجل وهو يحفظ زلاته ليعيره بها يوماما. 7 وعنه عليه السلام قال:


1 " الكافي " ج 2 / 311، كتاب الايمان والكفر، باب الكبر، الحديث 14، وتمام الحديث: "... أليم: شيخ زان وملك جبار ومقل مختال ". 2 لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 41. 3 - " بحج بالشئ من بابي نفع وتعب، إذا فخربه، وتبجح به كذلك " (" المصباح المنير " / 47، " بحج "). 4 - سورة الحجرات (49): 12. 5 - " الكافي " ج 2 / 354 - 355، كتاب الايمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم، الحديثان 2 و 4. 6 - " الكافي " ج 2 / 355، كتاب الايمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم، الحديث 6. 7 - " الكافي " ج 2 / 355، كتاب الايمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم، الحديث 7. [ * ]

[ 332 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أذاع فاحشة كان كمبتدئها، ومن عير مؤمنا بشئ لم يمت حتى يركبه. 1 وعنه عليه السلام: من لقي أخاه بما يؤنبه أنبه الله في الدنيا والآخرة. 2 وعنه عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير محملا. 3 وعاشرها: 4 الفرح بمساءة الناس والغم بسرورهم، ومن لا يحب لاخيه المسلم ما يحب لنفسه، فهو ناقص الايمان بعيد عن أخلاق أهل الدين. وهذا غالب بين من غلب على قلبهم محبة إفحام الاقران وظهور الفضل على الاخوان، وقد ورد في أحاديث كثيرة 5 أن للمسلم على المسلم حقوقا إن ضيع منها واحدا خرج من ولاية الله وطاعته، ومن جملتها ذلك. روى محمد بن يعقوب الكليني، قدس الله روحه، بإسناده إلى المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما حق المسلم على المسلم ؟ قال: له سبع حقوق واجبات ما منهن حق إلا وهو واجب عليه إن ضيع منها حقا خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن الله فيه نصيب، قلت له: جعلت فداك وماهي ؟ قال: يا معلى ! إني عليك شفيق أخاف


1 - " الكافي " ج 2 / 356، كتاب الايمان والكفر، باب التعبير، الحديث 2. 2 - " الكافي " ج 2 / 356، كتاب الايمان والكفر، باب التعبير، الحديث 4. 3 - " الكافي " ج 2 / 362، كتاب الايمان والكفر، باب التهمة وسوء الظن، الحديث 3، والشطر الاخير منه في " نهج البلاغة " ص 538، قسم الحكم، الحكمة 360. 4 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 41. 5 - راجع " الكافي " ج 2 / 169 - 174، كتاب الايمان والكفر، باب حق المؤمن على أخيه وأداء حقه، الحديث 2، 5، 7 و 14. [ * ]

[ 333 ]

أن تضيع ولا تحفظ، وتعلم ولا تعمل، قال: قلت له: لا قوة إلا بالله، قال: أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك، والحق الثاني: أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره، والحق الثالث: أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك، والحق الرابع: أن تكون عينه ودليله ومرآته، والحق الخامس: أن لا تشبع ويجوع، ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى، والحق السادس: أن يكون لك خادم وليس لاخيك خادم، فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثيابه ويصنع طعامه ويمهد فراشه، والحق السابع: أن تبر قسمه، وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته، وإذا عملت أن لا حاجة تبادره إلى قضائها، ولا تلجئه أن يسألكها، ولكن تبادره مبادرة، فإذا فعلت ذلك وصلت ولا يتك بولايته وولايته بولايتك. 1 والاخبار في هذا الباب كثيرة. 2 وحادي عشرها: 3 تزكية النفس والثناء عليها، ولا يخلو المناظر من الثناء على نفسه إما تصريحا، أو تلويحا وتعريضا، بتصويب كلامه وتهجين كالم خصمه. وكثيرا ما يصرح بقوله " لست ممن يخفى عليه أمثال هذا " ونحو، وقد قال الله تعالى: فلا تزكوا أنفسكم: 4 وقيل لبعض العلماء: ما الصدق القبيح ؟ قال: ثناء المرء على نفسه 5. واعلم أن ثناءك على نفسك مع قبحه ونهي الله تعالى عنه، ينقص قدرك عند الناس، ويوجب مقتك عند الله تعالى، وإذا أردت أن تعرف أن ثناءك على نفسك لا يزيد في قدرك عند غيرك، فانظر إلى أقرانك إذا أثنوا على أنفسهم


1 " الكافي " ج 2 / 169، كتاب الايمان والكفر، باب حق المؤمن على أخيه وأداء حقه، لحديث 2. 2 - روي في " الكافي " ج 2 / 169 - 174، كتاب الايمان والكفر، باب حق المؤمن على أخيه وأداء حقه، 16 حديثا في ذلك. 3 - لاحظ " إحياء علوم الدين " ج 1 / 41. 4 - سورة النجم (52): 32. 5 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 41، " بداية الهداية " / 32. [ * ]

[ 334 ]

بالفضل كيف يستنكره قلبك، ويستثقله طبعك، وكيف تذمهم عليه إذا فارقتهم، فاعلم أنهم أيضا في حال تزكيتك نفسك يذمونك يقلوبهم ناجزا، ويظهرونه بألسنتهم إذا فارقتهم. وثاني عشرها: النفاق، والمتناظرون يضطرون إليه، فإنهم يلقون الخصوم والاقران وأتباعهم بوجه مسالم، وقلب منازع، وربما يظهرون الحب والشوق إلى لقائهم، وفرائصهم مرتعدة في الحال من بغضهم، ويعلم كل واحد من صاحبه أنه كاذب فيما يبديه، مضمر خلاف ما يظهره. وقد قال صلى الله عليه وآله: إذا تعلم الناس العلم، وتركوا العمل، وتحابوا بالالسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الارحام، لعنهم الله عند ذلك. فأصمهم وأعمى أبصارهم. 1 نسأل الله العافية. فهذه اثنتا عشرة خصلة مهلكة، أولها الكبر المحرم للجنة، وآخرها النفاق الموجب للنار، والمتناظرون يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم، ولا ينفك أعظمهم دينا، وأكثرهم عقلا من جملة مواد هذه الاخلاق، وإنما غايتهم إخفاؤها ومجاهدة النفس عن ظهورها للناس وعدم اشتغالهم بدوائها، والامر الجامع لها طلب العلم لغير الله. وبالجملة فالعلم لا يهمل العالم أبدا، بل إما أن يهلكه ويشقيه، أو يسعده ويقربه من الله تعالى ويدنيه. فإن قلت: في المناظرة فائدتان: إحداهما ترغيب الناس في العلم، إذ لولا حب الرئاسة لا ندرست العلوم، وفي سد بابها ما يفتر هذه الرغبة، والثانية: أن فيها تشحيذ الخاطر وتقوية النفس لدرك مآخذ العلم. قلنا: صدقت، ولم نذكر ما ذكرناه لسد باب المناظرة، بل ذكرنا لها ثمانية


1 " إحياء علوم الدين " ج 1 / 42. [ * ]

[ 335 ]

شروط واثنتي عشرة آفة ليراعي المناظر شروطها، ويحترز عن آفاتها ثم يستدر فوائدها من الرغبة في العلم وتشحيذ الخاطر، فإن كان غرضك أنه ينبغي أن يرخص في هذه الآفات، وتحتمل بأجمعها لاجل الرغبة في العلم وتشحيذ الخاطر، فبئس ما حكمت، فإن الله تعالى ورسوله وأصفياءه رغبوا الخلق في العلم بما وعدوا من ثواب الآخرة لا بالرئاسة. نعم الرئاسة باعث طبيعي، والشيطان موكل بتحريكه والترغيب فيه، وهو مستغن عن نيابتك عنه ومعاونتك. واعلم أن من تحركت رغبته في العلم بتحريك الشيطان، فهو ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، 1 وبأقوام لاخلاق لهم، 2 ومن تحركت رغبته بتحريك الانبياء عليهم السلام وترغيبهم في ثواب الله تعالى، فهو من ورثة الانبياء وخلفاء الرسل وأمناء الله تعالى على عباده. وأما تشحيذ الخاطر فقد صدقت، فليشحذ الخاطر وليجتنب هذه الآفات التي ذكرناها، فإن كان لا يقدر على اجتنابها فليتركه، وليلزم المواظبة على الطعم وطول التفكر فيه وتصيفة القلب عن كدورات الاخلاق، فإن ذلك أبلغ في التشحيذ، وقد تشحذت خواطر أهل الدين بدون هذه المناظرة. والشئ إذا كانت له منفعة واحدة وآفات كثيرة، لا يجوز التعرض لآفاته لاجل تلك المنفعة الواحدة، بل حكمه في ذلك حكم الخمر والميسر، قال الله تعالى:


1 - " صحيح مسلم " ج 1 / 106، كتاب الايمان (1)، الباب 47، " مسند أحمد " ج 2 / 309، " سنن الدارمي " ج 2 / 241، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 43، " مجمع الزوائد " ج 5 / 302، 303، ج 7 / 213. 2 - " إحياء علوم الدين " ج 1 / 43، " الجامع الصغير " ج 1 / 74، وشرحه: " فيض القدير " ج 2 / 279، الحديث 1938، " مجمع الزوائد " ج 5 / 19، كتاب الجهاد، باب من يجب عليه الجهاد ومن لا يجب، الحديث 1. [ * ]

[ 336 ]

يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما. 1 فحرمهما لذلك وأكد تحريمهما. والله الموفق.


1 - سورة البقرة (2): 219.

[ 337 ]

الباب الرابع في آداب الكتابة والكتب التي هي آلة العلم وما يتعلق بتصحيحها وضبطها ووضعها وحملها وشرائطها وعاريتها وغير ذلك.

[ 339 ]

[ آداب الكتابة والكتب وما يتعلق بها ] وفيه مسائل: الاولى: الكتابة من أجل المطالب الدينية، وأكبر أسباب الملة الحنيفية من الكتاب والسنة، وما يتبعهما من العلوم الشرعية، و [ ما ] يتوقفان عليه من المعارف العقلية. وهي منقسمة في الاحكام حسب العلم المكتوب: فإن كان واجبا على الاعيان فهي كذلك، حيث يتوقف حفظه عليها، وإن كان واجبا على الكفاية فهي كذلك، وإن كان مستحبا فكتابته مستحبة. وهي في زماننا هذا بالنسبة إلى الكتاب والسنة موصوفة بالوجوب مطلقا، إذ لا يوجد من كتب الدين ما يقوم بفرض الكفاية بالنسبة إلى الاقطار، سيما كتب التفسير والحديث، فإن معالمهما قد أشرفت على الاندراس، ورايات أعلامهما قد آذنت بالانتكاس، فيجب على كل مسلم الاهتمام بحالهما كتابة وحفظا وتصحيحا ورواية، كفاية. ومن القواعد المعلومة أن فرض الكفاية إذا لم يقم به من فيه كفاية يخاطب

[ 340 ]

به كل مكلف، ويأثم بالتقصير فيه كل مكلف به، فيكون في ذلك كالواجب العيني إلى أن يوجد ما فيه كفاية. وقد ورد مع ذلك في الحث على الكتابة والوعد بالثواب الجزيل على فعلها كثير من الآثار: فمنه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: قيدوا العلم، قيل: وما تقييده ؟ قال: كتابته. 1 وروي: أن رجلا من الانصار كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وآله يستمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال له النبي: استعن بيمينك، وأومأ بيده أي خط. 2 وعن الحسن بن علي عليهما السلام: أنه دعا بنيه وبني أخيه، فقال: إنكم صغار قوم، ويوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته. 3 وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا. 4 وعنه عليه السلام قال: القلب يتكل على الكتابة. 5 وعن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:


1 - " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 106، " المحدث الفاصل " / 364، " عوالي اللآلي " ج 1 / 68، " مجمع الزوائد " ج 1 / 196. 2 - " سنن الترمذي " ج 5 / 39، كتاب العلم، الباب 12، الحديث 2666، " تقييد العلم " / 65 - 68، " تدريب الراوي " ج 2 / 66. 3 - " سنن الدارمي " ج 1 / 130، " تقييد العلم " / 91، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 82. 4 - " الكافي " ج 1 / 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب، الحديث 9. 5 - " الكافي " ج 1 / 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب، الحديث 8. [ * ]

[ 341 ]

احتفظوا بكتبكم، فإنكم سوف تحتاجون إليها. 1 وعن المفضل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن مت فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم. 2 وروى الصدوق في أماليه بإسناده إلى النبي، صلى الله عليه وآله أنه قال: إن المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم كانت الورقة سترا فيما بينه وبين النار، وأعطاه الله تعالى بكل حرف مدينة أوسع من الدنيا وما فيها، ومن جلس عند العالم ساعة ناداه الملك: جلست إلى عبدي، وعزتي وجلالي لاسكننك الجنة معه ولا أبالي. 3 الثانية: يجب على الكاتب إخلاص النية لله تعالى في كتابته، كما يجب إخلاصها في طلبه العلم، لانها عبادة وضرب من تحصيل العلم وحفظه، والقصد بها لغير الله تعالى من حفوظ النفس والدنيا كالقصد بالعلم، وقد تقدم 4 من ذمه ووعيده ما فيه كفاية. ويزيد عنه - خيرا أو شرا - أنه موقع بيده ما يكون يوم القيامة حجة له أو عليه، فلينظر ما يوقعه، ويترتب على خطه ما يترتب من خير أو شر، ومن سنة أو بدعة يعمل بها في حياته وبعد موته دهرا طويلا، فهو شريك في أجر من ينتفع به أو وزره، فلينظر ما يسببه. ويعلم من ذلك أن ثواب الكتابة ربما زاد على ثواب العلم في بعض الموارد، بسبب كثرة الانتفاع به ودوامه، ومن هنا جاء تفضيل مداد العلماء على دماء


1 - " الكافي " ج 1 / 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب، الحديث 10. 2 - " الكافي " ج 1 / 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث، وفضل الكتابة والتمسك بالكتب، الحديث 11. 3 - " أمالي الصدوق " / 40 - 41 باختلاف يسير. 4 - تقدم في أول الباب الاول. [ * ]

[ 342 ]

الشهداء 1 حيث إن مدادهم ينفع بعد موتهم، ودماء الشهداء لا تنفع بعد موتهم. 2 الثالثة: 3 ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها في العلوم النافعة ما أمكنه بكتابة أو شراء، وإلا فبإجارة أو عارية، لانها آلة التحصيل، وكثيرا ما تدرب بها الافاضل في الازمنة السابقة، وحصل لهم بواسطتها ترق زائد على من لم يتمكن منها، ولهم في ذلك أقاصيص يطول الامر بشرحها. 4 ولا ينبغي للطالب أن يجعل تحصيها وجمعها وكثرتها حظه من العلم، ونصيبه من الفهم، بل يحتاج مع ذلك إلى التعب والجد والجلوس بين يدي المشايخ. ولقد أحسن القائل: 5 إذا لم تكن حافظا واعيا * فجمعك للكتب لا ينفع الرابعة: أن لا يشتغل بنسخها إن أمكنه تحصيلها بشراء ونحوه، لان الاشتغال بتحصيل العلم أهم. نعم لو تعذر الشراء لعدم الثمن أو لعزة الكاتب، فليكتب لنفسه، ولا يرضى بالاستعارة مع إمكان تملكه.


1 - " كتاب من لا يحضره الفقيه " ج 4 / 284، الحديث 849، " بحار الانوار " ج 2 / 14، نقلا عن " أمالي الصدوق "، " عدة الداعي " / 67. 2 - نقله في " عدة الداعي " / 67، عن بعض العلماء. ونقل ابن أبي جمهور الاحسائي في " عوالي اللآلي " ج 4 / 61. الهامش وجها آخر في تفضيل مداد العلماء على دماء الشهداء، عن العلامة الحلي رحمة الله عليه. 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 164. 4 - ومن ذلك ما نقله القفطي في " تاريخ الحكماء " / 415 - 416، عن أبي علي ابن سينا: "... ثم عدت إلى العلم الالهي وقرأت كتاب " ما بعد الطبيعة " فما كنت أفهم ما فيه والتبس علي غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظا وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به وأيست من نفسي، وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه. فإذا أنا في يوم من الايام حضرت وقت العصر في الوراقين وبيد دلال مجلد ينادي عليه، فعرضه علي فرردته رد متبرم معتقد أن لا فائدة في هذا العلم، فقال لي: اشتر مني هذا، فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم وصاحبه محتاج إلى ثمنه. فاشتريته فإذا هو كتاب لابي نصر الفارابي في أغراض ما بعد الطبيعة، فرجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته، فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه قد صار لي على ظهر القلب وفرحت بذلك وتصدقت ثاني يومه بشئ كثير على الفقراء شكرا لله تعالى ". 5 - هو محمد بن بشير الازدي كما في " المحدث الفاصل " / 388، و " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 82، و " محاضرات الادباء " ج 1 / 49، و " روضة العقلاء " / 38، وقبله: أأشهد بالجهل في مجلس * وعلمي في الكتب مستودع [ * ]

[ 343 ]

ومتى آل الحال إلى النسخ فليشمر له، فإن الله يعينه ولا يضيع به حظه من العلم، ولا يفوت الحظ إلا بالكسل. ومن ضبط وقته حصل مطلبه، وقد تقدم 1 جملة صالحة في ذلك. الخامسة: 2 يستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها ممن لا ضرر منه بها استحباب مؤكدا، لما فيه من الاعانة على العلم والمعاضدة على الخير والمساعدة على البر والتقوى، مع ما في مطلق العارية من الفضل والاجر. وقد قال بعض السلف: بركة العلم إعارة الكتب. 3 وقال آخر: من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو يموت فلا ينتفع به، أو تذهب كتبه، 4 وينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك لاحسانه ويجزيه خيرا. السادسإ: إذا استعار كتابا وجب عليه حفظه من التلف والتعيب، وأن لا يلط به ولا يطل مقامه عنده، بل يرده إذا قضى حاجته، ولا يحبسه إذا استغنى عنه، لئلا يفوت الانتفاع به على صاحبه، ولئلا يكسل عن تحصيل الفائدة منه، ولئلا يمنع صاحبه من إعارة غيره إياه. 5 وأما إذا طلبه المالك حرم عليه حبسه ويصير ضامنا له، وقد جاء في ذم الابطاء برد الكتب عن السلف أشياء كثيرة نظما ونثرا، 6 وبسبب حبسها والتقصير في حفظها امتنع غير واحد من إعارتها.


1 - لعله يريد ما تقدم في القسم الاول من النوع الثالث من الباب الاول، ص 224 - 231. 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 167 - 168، " شرح المهذب " ج 1 / 67. 3 - " أدب الاملاء والاستملاء " / 175، " تدريب الراوي " ج 2 / 90. وفي " شرح المهذب " ج 1 / 67 نسب إلى وكيع. 4 - قاله سفيان الثوري كما في " تدريب الراوي " ج 2 / 90، " شرح المهذب " ج 1 / 67. قال المحدث الجزائري رحمه الله في " الانوار النعمانية " ج 3 / 371: " وهذا شئ شاهدناه مرارا كثيرة، وقد كان لنا شيخ يحصل منه بعض البخل بالكتب، فبقيت كتبه بعده، قد باعتها بناته في الاسواق بأبخس قيمة، وان لنا شيخ آخر إذا طلبنا نحن أو غيرنا منه كتابا وكان له حاجة إليه قلع الاوراق التي يحتاج إليها وأعطى الباقي، فنمت كتبه وانتفع العلماء بها وأعطاه الله تعالى أولادا قابلين للعلم وفهمه ". 5 - انظر " تقييد العلم " / 146 - 150 في " من سلك في إعارة الكتاب طريق البخل وضن به عمن ليس له بأهل ". 6 - راجع " تقييد العلم " / 146 - 150، " أدب الاملاء والاستملاء " / 176 - 179. [ * ]

[ 344 ]

السابعة: 1 لا يجوز أن يصلح كتاب غيره المستعار أو المستأجر بغير إذن صاحبه، ولا يحشيه، ولا يكتب شيئا في بياض فواتحه وخواتمه، إلا إذا علم رضا مالكه، وهو كما يكتبه المحدث على جزء سمعه، 2 ولا يسوده، ولا يعيره غيره، ولا يودعه لغير ضرورة حيث يجوز شرعا، ولا ينسخ منه بغير إذن صاحبه، فإن النسخ انتفاع زائد على الانتفاع بالمطالعة وأشق. فإن كان الكتاب وقفا على من ينتفع به غير معين، فلا بأس بالنسخ منه لمن يجوز له إمساكه والانتفاع به مع الاحتياط. ولا بأس بإصلاحه ممن هو أهل لذلك من الناظر فيه أو من يأذن له، بل قد يجب، فإن لم يكن له ناظر خاص فالنظر فيه إلى الحاكم الشرعي. وإذا نسخ منه بإذن صاحبه أو ناظره، فلا يكتب منه والقرطاس في بطنه، ولا يضع المحبرة عليه، ولا يمر بالقلم الممدود 3 فوق الكتابة. وبالجملة فيجب حفظه من كل ما يعد عرفا تقصيرا، وهو أمر زائد على حفظ الانسان كتابه، فقد يجوز فيه ما لا يجوز في المستعار. خصوصا المتهاون بحفظ الكتب، فإن كثيرا من الناس بمتهن كتابه في الغاية بسبب الطبع البارد، وهذا الامر لا يسوغ في المستعار بوجه. الثامنة: 4 إذا نسخ من الكتاب أو طالعه، فلا يضعه على الارض مفروشا منشورا، بل يجعله بين كتابين مثلا، أو كرسي على الوجه المعروف، 5 لئلا يسرع تقطيع حبكه وورقه وجلده.


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 168 - 169. 2 - هكذا في " تذكرة السامع " / 169، و " ه‍ " و " ن " ولكن في سائر النسخ: " على حسب ما سمعه " بدل " على جزء سمعه " وكيف ما كان فلا تخلو العبارة من الابهام والاجمال. 3 - يعني القلم الذي غمس في الدواة وبه مداد، قال في " المصباح المنير " / 68، مادة " مدد ": " المداد ما يكتب به، ومددت من الدواة واستمددت منها: أخذت منها بالقلم للكتابة ". 4 - لاحظ " تذكرة السامع " / 170. 5 - " كرسي الكتب هو الرحل للكتاب، وحبك الكتاب: شد أوراقه " (" تذكرة السامع " / 170، الهامش). [ * ]

[ 345 ]

التاسعة: 1 إذا وضع الكتب مصفوفة، فلتكن على كرسي، أو تحتها خشب أو رق ونحو ذلك، والاولى أن يكون بينها وبين الارض خلو، ولا يضعها على الارض كي لا تتندى أو تبلى. وإذا وضعها على خشب أو نحوه جعل فوقها وتحتها ما يمنع من تأكل جلودها به، وكذلك يجعل بينها وبين ما يصادمها أو يسندها من حائط أو غيره. ويراعي الادب في وضع الكتب باعتبار علومها وشرفها وشرف مصنفها، فيضع الاشرف أعلى الكل، ثم يراعي التدريج، فإن كان فيها المصحف الكريم جعله أعلى الكل والاولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار أو وتد في حائط طاهر نظيف في صدر المجلس، ثم كتب الحديث الصرف، ثم تفسير القرآن، ثم تفسير الحديث، ثم أصول الدين، ثن أصول الفقه، ثم الفقه، ثم العربية. ولا يضع ذات القطع الكبير فوق دوات الصغير، لئلا يكثر تساقطها، ولا يكثر وضع الردة 2 في أثنائه لئلا يسرع تكسرها. وينبغي أن يكتب اسم الكتاب عليه في جانب آخر الصفحات من أسفل، 3 وفائدته معرفة الكتاب وتيسر إخراجه من بين الكتب. العاشرة: 4 أن لا يجعل الكتاب خزانة للكراريس أو غيرها، ولا مخدة ولا مروحة ولا مكنسا 5 ولا مسندا [ خ ل: ولا مستندا ] ولا متكا ولا مقتلة للبراغيث وغيرها، لاسيما في الورق. ولا يطوي حاشية الورقة أو زاويتها، ولا يعلم بعود أو بشئ جاف، بل بورقة لطيفة ونحوها، وإذا ظفر فلا يكبس ظفره قويا.


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 170 - 172. 2 - " الردة هي القطعة الزائدة من الجلد فوق الدفة اليسرى " (" تذكرة السامع " / 172، الهامش). 3 - يعني ما يطلق عليه اليوم " عطف الكتاب "، وزاد في " تذكرة السامع " / 172، هنا: " ويجعل رؤوس حروف هذه الترجمة إلى الغاشية التى من جانب البسملة ". 4 - لاحظ " تذكرة السامع " / 172 - 173. 5 - هكذا في جميع النسخ المخطوطة، ويحتمل أن يكون الصواب " ولا مكبسا " كما في " تذكرة السامع " / 172. والمكبس - كما في " المعجم الوسيط " ج 2 / 773، مادة " كبس ": " آلة لكبس الصوف والورق وما أشبه ". [ * ]

[ 346 ]

الحادية عشرة: 1 إذا استعار كتابا ينبغي له أن يتفقده عند أخذه ورده، وإذا اشترى كتابا تعهد أوله وآخره ووسطه، وترتيب أبوابه وكراريسه، وتصفح أوراقه واعتبر صحته، ومما يغلب على ظنه صحته إذا ضاق الزمان عن تفتيشه أن يرى إلحاقا أو إصلاحا، فإنه من شواهد الصحة، حتى قال بعضهم: لا يضئ الكتاب حتى يظلم. 2 يريد إصلاحه بالضرب والكشط، والالحاق ونحوها. الثانية عشرة: 3 إذا نسخ شيئا من كتب العلم الشرعية، فينبغي أن يكون على طهارة مستقبلا طاهر البدن والثياب والحبر والورق، ويبتدئ الكتاب بكتابة " بسم الله الرحمن الرحيم " و " الحمد الله والصلاة على رسوله وآله " وإن لم يكن المصنف قد كتبها، لكن إن لم تكن من كلام المصنف أشعر بذلك، بأن يقول بعد ذلك: قال المصنف أو الشيخ، ونحو ذلك. وكذلك يختم الكتاب بالحمد لة والصلاة والسلام، بعدما يكتب: " آخر الجزء الفلاني، ويتلوه كذا وكذا " إن لم يكن كمل الكتاب، ويكتب إذا كمل: " تم الكتاب الفلاني، أو الجزء الفلاني، وبتمامه تم الكتاب " ونحو ذلك، ففيه فوائد كثيرة. وكلما كتب اسم الله تعالى أتبعه بالتعظيم، مثل: تعالى، أو سبحانه، أو عز وجل، أو تقدس ونحو ذلك، ويتلفظ بذلك أيضا، وكلما كتب اسم النبي صلى الله عليه وآله كتب بعده الصلاة عليه وعلى آله والسلام، ويصلي ويسم هو بلسانه أيضا. ولا يختصر الصلاة في الكتاب، ولا يسأم من تكريرها ولو وقعت في السطر مرارا كما يفعل بعض المحرومين المتخلفين من كتابة " صلعم " أو " صلم " أو " صم " أو " صلسم " أو " صله " فإن ذلك كله خلاف الاولى والمنصوص، بل قال بعض


1 - لاحظ " تذكرة السامع " / 173 172. 2 - " تذكرة السامع " / 173. 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 173، " فتح الباقي " ج 2 / 128 - 132. [ * ]

[ 347 ]

العلماء: إن أول من كتب " صلعم " قطعت يده. 1 وأقل ما في الاخلال بإكمالها تفويت الثاب العظيم عليها، فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له مادام اسمي في ذلك الكتاب. 2 وإذا مر بذكر أحد من الصحابة سيما الاكابر كتب " رضي الله عنه " أو " رضوان الله عليه " أو بذكر أحد من السلف الاعلام كتب " رحمه الله " أو " تغمده الله برحمته " ونحو ذلك. وقد جرت العادة باختصاص الصلاة والسلام بالانبياء، وينبغي أن يجعل لائمة عليهم السلام السلام، وإن جاز خلاف ذلك كله، بل يجوز الصلاة على كل مؤمن، كما دل عليه القرآن والحديث. 3


1 - " فتح الباقي ج 2 / 132، " تدريب الراوي " ج 2 / 77. 2 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 110 - 111، الحديث 8، " أدب الاملاء والاستملاء " / 64، " شرف أصحاب الحديث " / 36، 111، " مجمع الزوائد " ج 1 / 136 - 137، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 279، " تدريب الراوي " ج 2 / 74 - 75. وراجع للتوسع " الكافي " ج 2 / 491 - 495، كتاب الدعاء، باب الصلاة على النبي محمد وأهل بيته عليهم السلام. 3 - دل عليه من القرآن الآية 157 من سورة البقرة (2): "... أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " والآية 103 من سورة التوبة (9): "... وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم "، ومن الحديث: ما روي في " جامع الفوائد " المطبوع في أول " إيضاح الفوائد " ج 1 / 6، و " تفسير ابن كثير " ج 2 / 400، و " صحيح مسلم " ج 2 / 757، كتاب الزكاة (12)، الباب 54، و " تفسير كشف الاسرار " ج 4 / 196، و " صبح الاعشى " ج 6 / 228، و " عوالي اللآلي " ج 2 / 39 - 40، ج 2 / 232، من أن النبي " صلى الله عليه وآله قال: " اللهم صل عليه آل أبي أوفى " وفي " سنن ابن ماجة " ج 1 / 572، كتاب الزكاة (8) الباب 8، الحديث 1796: " عن عبد الله بن أبي أوفى: كان رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] إذا أتاه الرجل بصدقة ماله صلى عليه، فأتيته بصدقة مالي، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى " وفي " الجامع الصغير " ج 2 / 100، حرف الكاف، وشرحه: " فيض القدير " ج 5 / 88، الحديث 6527، و " تفسير ابن كثير " ج 2 / 400: " كان [ النبي صلى الله عليه وآله ] إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليه آل أبي فلان. كناية عمن ينبسون إليه " وفي " سنن أبي داود " ج 2 / 88 - 89، كتاب الصلاة، الحديث 1533: " أن امرأة قالت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: صل علي وعلى زوجي. فقال النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: صلى الله عليك وعلى زوجك ". ونقل فخر المحققين عن كتاب " نهاية الاحكام " لوالده قدس سرهما أنه قال: "... وذهبت الامامية إلى [ * ]

[ 348 ]

وكتابة ما ذكر من الثناء ونحوه هو دعاء ينشئه لا كلام يرويه، فلا يتقيد فيه بالرواية ولا بإثبات المصنف. بل يكتبه وإن سقط من الاصل المنقول أو المسموع منه. وإذا وجد شيئا من ذلك قد جاءت به الرواية أو مذكورا في التصنيف كانت العناية بإثباته وضبطه أكثر. هذا هو الراجح ومختار الاكثر، وذهب بعض العلماء 1 إلى إسقاط ذلك كله من الكتابة مع النطق بذلك. وينبغي أن يذكر السلام على النبي مع الصلاة عملا بظاهر الآية، 2 ولو اقتصر على الصلاة لم يكن به بأس. الثالثة عشرة: لا يهتم المشتغل بالعلم بالمبالغة في حسن الخط، وإنما يهتم بصحته وتصحيحه. ويجتنب التعليق جدا، وهو خلط الحروف التي ينبغي تقريقها، والمشق وهو سرعة الكتابة مع بعثرة الحروف. وقال بعضهم: وزن الخط وزن القراءة: أجود القراءة أبينها، وأجود الخط أبينه. 3 وينبغي أن يجتنب الكتابة الدقيقة، لانه لا ينتفع بها، أو لا يكمل الانتفاع بها لمن ضعف نظره، وربما ضعف نظر الكاتب نفسه بعد ذلك، فلا ينتفع بها. قال بعض السلف 4 لكاتب - وقد رآه يكتب خطا دقيقا -: لا تفعل فإنه يخونك أحوج


جواز إطلاق صيغة " رضي الله عنه " على كل مؤمن ومؤمنة، لانه لا دليل على الاختصاص، فالقول به يكون إدخالا في الدين ما ليس منه " (" جامع الفوائد " المطبوع بعد " إيضاح الفوائد " ج 1 / 6). وقال ابن أبي جمهور الاحسائي (ره) في " عوالي اللآلي " ج 2 / 40، الهامش: " وهذا الحديث [ يعني: اللهم صل عليه آل أبى أوفى ] دال على جواز الصلاة لغير النبي صلى الله عليه واله، من سائر المؤمنين، تبعا له، فإنه صلى عليه آل أبي أوفى، وهو نص في الباب... ". وقال المحدث الجزائري (5) في " الجواهر الغوالي في شرح العوالي ": " لم يجوز العامة الصلاة على آل محمد وحده، مع جوازه على آحاد المؤمنين، وعلى آل أبي أوفى، والعذر ماقاله الزمخشري: إنه صار شعارا للرافضة فلا ينبغي التشبه بهم ! " (" عوالي اللآلي " ج 2 / 40، الهامش). 1 - هو أحمد بن حنبل، كما في " فتح الباقي " ج 2 / 129 - 131، و " مقدمة ابن الصلاح " / 308، و " تدريب الراوي " ج 2 / 76، و " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 129. 2 - يعني الآية 56 من سورة الاحزاب (33): " إن الله وملائكته يصلون على النبي الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ". 3 - " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 122، " صبح الاعشى " ج 3 / 21، وفي الاول: " ذكر ابن قتيبة عن ابن إبراهيم بن العباس: وزن الخط وزن... ". 4 - هو أحمد بن حنبل، قاله لابن عمه حنبل بن اسحاق، كما في " فتح الباقي " ج 2 / 121، و " تدريب الراوي " [ * ]

[ 349 ]

ما تكون إليه. وقال بعضهم: اكتب ما ينفعك وقت احتياجك إليه، ولا تكتب ما تنتفع به وقت الحاجة أي وقت الكبر وضعف البصر. 1 وهذا كله في غير مسودات المصنفين. فإن تأنيهم في الكتابة يفوت كثيرا من أغراضهم التي هي أهم من تجويد الكتابة، فمن ثم نراها غالبا عسرة القراءة مشتبكة الحروف والكلمات، لسرعة الكتابة واشتغال الفكر بأمر آخر. الرابعة عشرة: 2 قالوا: لا ينبغي أن يكون القلم صلبا جدا فيمنع سرعة الجري، أو رخوا فيسرع إليه الحفا. قال بعضهم: 3 إذا أردت أن تجود خطك، فأطل جلفتك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها. وليكن السكين حادة جدا لبراية الاقلام وكشط الورق، خاصة لا تستعمل في غير ذلك، وليكن ما يقط 4 عليه القلم صلبا، ويحمدون في ذلك القصب الفارسي اليابس جدا، والآبنوس 6 الصلب الصقيل. الخامسة عشرة: ينبغي أن لا يقرمط الحروف ويأتي بها مشتبهة بغيرها، بل يعطي كل حرف حقه، وكل كلمة حقها، ويراعي من الآداب الواردة في ذلك ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لبعض كتابه:


ج 2 / 71، " وأدب الاملاء والاستملاء " / 167، و " مقدمة ابن الصلاح " / 304، وفي هذه المصادر الثلاثة الاخيرة: " لا تفعل أحوج ما تكون إليه يخونك ". 1 - " الخلاصة في أصول الحديث " / 148، " تذكرة السامع " / 177. 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 179 - 180. وانظر " أدب الاملاء والاستملاء " / 157 - 158. 3 - هو عبد الحميد الكاتب، قاله لسلم بن قتيبة ورآه يكتب رديئا، قال سلم بن قتيبة: ففعلت فجاد خطي. كما في " الافصاح في فقه اللغة " ج 1 / 218. 4 - " قططت القلم قطا، من باب قتل: قطعت رأسه عرضا في بريه " (" المصباح المنير " / 613، " قطط "). 5 - "... قصب السكر معروف، والقصب الفارسي منه صلب غليظ يعمل منه المزامير ويسقف به البيوت ومنه ما تتخذ منه الاقلام " (" المصباح المنير " / 608، " قصب "). 6 - " الآبنوس، بضم الباء: خشب معروف، وهو معرب ويجلب من الهند واسمه بالعربية سأسم، بهمزة وزان جعفر، والآبنس بحذف الواو لغة فيه " (" المصباح المنير " / 6، " ابن "). [ * ]

[ 350 ]

ألق 1 الدواة، وحرف القلم، 2 وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنه أذكر لك. 3 وعن زيد بن ثابت أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كتبت " بسم الله الرحمن الرحيم " فبين السين فيه. 4 وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تمد الباء إلى الميم حتى ترفع السين. 5 وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كتب أحدكم " بسم الله الرحمن الرحيم " فليمد الرحمن. 6 وعنه أيضا:


1 - " لاقت الدواة يليقها ليقها وليقة، وألاقها: جعل لها ليقة. والليقة: صوفة الدواة " (" الافصاح في فقه اللغة " ج 1 / 219). 2 - " تحريف القلم: قطه محرفا " (" مختار الصحاح " / 99، " حرف "). 3 - " أدب الاملاء والاستملاء " / 170، وليس فيه الجملة الاخيرة، " كنز العمال " ج 10 / 314، الحديث 29566. وفي " صبح الاعشى " ج 3 / 39: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لمعاوية: إذا كتبت كتابا فضع القلم على أذنك. وقال لكاتبه: ضع القلم على أذنك يكن أذكر لك. وقال لزيد بن ثابت: ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك. " وراجع أيضا " مجمع الزوائد " ج 7 / 107، " الجامع الصغير " ج 1 / 34، حرف الهمزة: وفي " نهج البلاغة " ص 530، قسم الحكم، الحكمة 315: " قال عليه السلام لكتابه عبيد الله بن أبي رافع: ألف دواتك، وأطل جلفة قلمك، وفرج بين السطور، وقرمط بين الحروف، فإن ذلك أجدر بصباحة الخط. " ومثله في " غرر الحكم " ج 2 / 232، الحديث 2459. 4 - " الجامع الصغير " ج 1 / 34، حرف الهمزة، وشرحه: " فيض القدير " ج 1 / 433، الحديث 835، " كنز العمال " ج 10 / 244، الحديث 29300. 5 - في " صبح الاعشى " ج 6 / 221: " ولا يمد الباء قبل السين ثم يكتب السين بعد المدة، فروي... أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فلا يمدها قبل السين. يعني الباء " وفي " الكافي " ج 2 / 672، كتاب العشرة، باب بدون العنوان قبل الباب الآخر، الحديث 2، عن أبي عبد الله عليه السلام: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم من أجود كتابك ولا تمد الباء حتى ترفع السين ". 6 - " الجامع الصغير " ج 1 / 34، حرف الهمزة، وشرحه: " فيض القدير " ج 1 / 433، الحديث 834. عن أنس، " كنز العمال " ج 10 / 244، الحديث 29299. [ * ]

[ 351 ]

من كتب " بسم الله الرحمن الرحيم " فجوده تعظيما لله غفر الله له. 1 وعن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: تنوق رجل في " بسم الله الرحمن الرحيم " فغفر له. 2 وعن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه، فإنه أنجح. 3 السادسة عشرة: 4 كرهوا في الكتابة فصل مضاف اسم الله تعالى منه كعبد الله، أو رسول الله صلى اله عليه وآله، فلا يكتب عبدا ورسولا في آخر سطر، والله مع ما بعده أول سطر آخر، لقبح الصورة. وهذا الكراهة للتنزيه. ويلتحق بذلك أسماء النبي صلى الله عليه وآله وأسماء الصحابة رضي الله عنهم، ونحوها الموهم لخلل، كقوله " ساب النبي صلى الله عليه وآله كافر "، فلا يكتب " ساب " مثلا في آخر سطر، وما بعده في أول آخر. بل ولا اختصاص للكراهة بالفصل بين المتضايفين، فغيرهما مما يستقبح فيه الفصل كذلك. وكذلك كرهوا جعل بعض الكلمة في آخر سطر، وبعضها في أول آخر.


1 - " الاتقان " ج 4 / 182 عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيه: " مجودة " بدل " فجودة ". وفي " تفسير كشف الاسرار " ج 1 / 8 - 9، و " صبح الاعشى " ج 6 / 221: " من كتب بسم الله الرحمن الرحيم فحسنه أحسن الله إليه ". 2 - " الاتقان " ج 4 / 182. وفي " تفسير القرطبى ج 1 / 91، " كنز العمال " ج 10 / 311، الحديث 29558: "... ان على بن أبي طالب رضي الله عنه نظر إلى رجل يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له: جودها فإن رجلا جودها فغفر له ". 3 - " سنن الترمذي " ج 5 / 66. الحديث 2713، " أدب الاملاء والاستملاء " / 174، " محاضرات الادباء " ج ! / 103، " البيان التبيين " ج 487، " كنز العمال " ج 10 / 245، الحديث 29306، " صبح الاعشى " ج 6 / 271. وفي " الكافي " ج 2 / 673، كتاب العشرة، باب بدون العنوان قبل الباب الآخر، الحديث 8، و " تحف العقول " ج 326، " عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، أنه كان يترب الكتاب وقال لا بأس به "، وفي " بحار الانوار " ج 103 / 41، - نقلا عن " الخصال " - عن رسول الله صلوات الله عليه وآله: " تربوا الكتاب فإنه أنجح للحاجة... "، 4 - لاحظ " فتح الباقي " ج 2 / 126 - 127، وانظر " مقدمة ابن الصلاح " / 306، " تدريب الراوي " ج 2 / 74، " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 127، " صبح الاعشى " ج 3 / 148. [ * ]

[ 352 ]

السابعة عشرة: 1 عليه مقابلة كتابه بأصل صحيح موثوق به، وأولاده ما كان مع مصنفه، ثم ماكان مع غيره من أصل بخط المصنف، ثم بأصل قوبل معه إذا كان عليه خطه، ثما قوبل به مع غيره مما هو صحيح مجرب، 2 لان الغرض المطلوب أن يكون كتابه مطابقا لاصل المصنف. 3 وبالجملة فمقابلة الكتاب الذي يرام النفع منه على أي وجه كان مما يفيد الصحة - متعينة، فينبغي مزيد الاهتمام بها. وقد قال بعض السلف 4 لابنه: كتبت ؟ قال: نعم. قال: عرضت كتابك ؟ قال: لا. قال: لم تكتب، وعن الاخفش 5 قال: إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميا. 6 وقد سقه إليه الخليل بن أحمد رحمه الله فقال: إذا نسخ الكتاب ثلاث مرات ولم يعارض تحول بالفارسية. 7 إلا أن الاخفش اقتصر على مرتين.


1 - راجع " تدريب الراوي " ج 2 / 77. 2 - هكذا في نسخة " م "، " ز "، " ض "، " ح "، " ع " ولكن في " ه‍ "، " ط " و " ن ": " مجرد " بدل " مجرب " ولعل الصواب " مجرد " فيكون المراد مجردا عن خط المصنف. فتأمل. 3 - في " مقدمة ابن الصلاح " / 311، جاء بعد هذه الجملة "... فسواء حصل ذلك بواسطة أو بغير واسطة ". 4 - هو عروة بن الزبير، قال لابنه هشام كما في " المحدث الفاصل " / 544، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 93، " مقدمة ابن الصلاح " / 310، " تدريب الراوي " ج 2 / 77، " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 134، " الكفاية في علم الرواية " / 273. 5 - اعلم أن المعروفين بالاخفش أحد عشر شخصا، وإذا أطلق الاخفش فالمراد به الاخفش الاوسط سعيد بن مسعدة - المتوفى سنة 215 ه‍ - كما في " الكنى والالقاب " ج 2 / 16، و " هدية الاحباب " / 111. فيكون قائل هذا الكلام الاخفش الاوسط. ونقل عن الاخفش هذا الكلام عبد الله بن محمد بن هانئ، كما في " الكفاية في علم الرواية " / 273. ويظهر من فهارس " مقدمة ابن الصلاح " / 683، أن قائل هذا الكلام هو الاخفش المحدث أحمد بن عمران البصري النحوي المتوفى قبل سنة 250 ه‍، ولعله بعيد عن الصواب. وعلى أي حال انظر ترجمة الاخفش الاوسط ومصادر ترجمته في " الاعلام " ج 3 / 101 - 102، و " وفيات الاعيان " ج 2 / 380 - 381، و " معجم المؤلفين " ج 4 / 231 - 232. وانظر ترجمة الاخفش المحدث، أحمد بن عمران البصري ومصادر ترجمته في " الاعلام " ج 1 / 189. 6 - " مقدمة ابن الصلاح " / 310 " تدريب الراوي " ج 2 / 77، " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 134، " الكفاية في علم الرواية " / 273. 7 - " تنبيه الخواطر " ج 1 / 84. [ * ]

[ 353 ]

الثامنة عشرة: إذا صحح الكتاب بالمقابلة، فينبغي أن يضبط مواضع الحاجة فيعجم المعجم، ويشكل المشكل، ويضبط المشتبه، ويتفقد مواضع التصحيف. أما ما يفهم بلا نقط وشكل، فلا ينبغي الاعتناء بنقطه وشكله، لانه اشتغال بما غيره أولى منه، وتعب بلا فائدة، وربما يحصل للكتاب به إظلام، ولكن ينتفع به المبتدئ وكثير من الناس. 1 وروى جميل بن دراج قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء. 2 ومن مهمات الضبط ما يقع بسببه اختلاف المعنى كحديث ذكاة الجنين ذكاة أمة. 3 وكذلك ضبط الملتبس من الاسماء، إذ هي سماعية. وإن احتاج إلى ضبطه في الحاشية قبالته فعل، لانه أبعد من الالتباس سيما عند


1 - لاحظ " فتح الباقي " ج 2 / 119 - 120 2 - " الكافي " ج 1 / 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب، الحديث 13. قال العلامة الحاج الميرزا أبو الحسن الشعراني رحمه الله في تعاليقه على " شرح الكافي " للمولى محمد صالح المازندراني رحمه الله، في ذيل هذا الحديث: "... الاظهر أن المراد من الاعراب معناه اللغوي، وهو الافصاح والبيان، فمعنى الحديث: إنا قوم فصحاء لا نتكلم بألفاظ مشتبهة وعبارات قاصرة الدلالة، فإذا نقلتم حديثنا لا تغيروا ألفاظها وعباراتها بألفاظ مبهمة يختل بها فهم المعنى ويشتبه المقصود، كما يتفق كثيرا في النقل بالمعنى (" شرح الكافي " ج 2 / 270 - 271). 3 - " الجامع الصغير " ج 2 / 19، حرف الذال، " الكافي " ج 6 / 234 - 235، كتاب الذبائح، باب الاجنة التي تخرج من بطون التاريخ، الحديث 1 و 4، " كتاب من لا يحضره الفقيه " ج 3 / 209، الحديث 965 و 966، " مجمع الزوائد " ج 4 / 35، " سنن الدار قطني " ج 4 / 274 - 275. قال الشهيد الثاني في " شرح اللمعة " ج 7 / 248 252، كتاب الذباحة: ".. هذا لفظ الحديث النبوي صلى الله عليه وآله وعن أهل البيت عليهم السلام مثله، والصحيح رواية وفتوى أن ذكاة الثانية مرفوعة خبرا عن الاولى، فتنحصر ذكاته في ذكاتها، لوجوب انحصار المبتدأ في خبره، فإنه إما مساو أو أعم وكلاهما يقتضي الحصر، والمراد بالذكاة هنا السبب المحلل للحيوان كذكاة السمك والجراد... وربما أعربها بعضهم بالنصب على المصدر، أي ذكاته كذكاة أمه، فحذف الجار ونصب مفعولا، وحينئذ فتجب تذكيته كتذكيتها، وفيه مع التعسف مخالفة لرواية الرفع دون العكس، لامكان كون الجار المحذوف " في " أي داخلة في ذكاة أمه، جمعا بين الروايتين، مع أنه الموافق لرواية أهل البيت عليهم السلام، وهم أدرى بما في البيت، وهو في أخبارهم كثير صريح فيه... " [ * ]

[ 354 ]

دقة الخط وضيق الاسطر. وإذا أوضحه في الحاشية كتب عليه فيها " بيان " أو حرف " ن ". وقد جرت العادة في ضبط الاحرف بضبط الحروف المعجمة بالنقط، وأما المهملة، فلهم في ضبطها طرق: منها: أن لا يتعرض لها ويجعل الاهمال علامة عليها، ولم يرتضه جماعة، فقد يغفل المعجم سهوا ونحوه، فيشتبه بالمهمل. ومنها: 1 أن ينقطها من أسفل بنحو نقط نظيرها المعجم من أعلى، فينقط الراء والدال مثلا من أسفل نقطة، والسين من أسفل ثلاثا وهكذا. واستثني منها الحاء، فلا ينقط من أسفل لئلا يلتبس بالجيم. ومنها: أن يكتب مثل ذلك الحرف منفردا، والاولى أن يكون تحته، وأن يكون أصغر مما في الاصل. ومنها: أن يكتب على المهمل شكلة صغيرة كالهلال أو كالقلامة 2 مضطجعة على قفاها [ هكذا: س ]. ومها: أن يخط عليها خطا صغيرا، وهو موجود في كثير من الكتب القديمة، ولا يفظن له كثير لخفائه. ومن الضبط أن يكتب في باطن الكاف المعلقة 3 كاف


1 - لاحظ " فتح الباقي " ج 2 / 123 - 124، وراجع " تدريب الراوي " ج 2 / 71، " مقدمة ابن الصلاح " / 305. 2 - القلامة، بالضم: هي المقلومة من طرف الظفر " (" المصباح المنير " / 623، " قلم ". اعلم أنه قال في " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 123: "... الثالثة أن يجعل فوق الحرف المهمل صورة هلال كقلالة الظفر، مضجعة على قفاها " وفي " فتح الباقي " ج 2 / 123: "... أو يكتب فوقه قلامة أي صورة هلال كقلامة الظفر مضجعة على قفاها لتكون فرجتها إلى فوق ". 3 - في " تدريب الراوي " ج 2 / 72: "... فالكاف إذا لم تكتب مبسوطة، تكتب في بطنها كاف صغيرة أو همزة. " وفي " صبح الاعشى " ج 3 / 155: "... وإن كانت معراة رسم عليها كاف صغيرة مبسوطة لانها ربما التبست باللام " وفيه أيضا ج 3 / 80، 81: " وأما المعراة فلا تكون، إلا ظرفا أخيرا وهذه الكاف لا تجمع أبدا، فإن مواضعها أواخر السطور... وأما المشكولة فلا تكون إلا مركبة وموضعها الابتدا آت والوسط، ولا تنفرد ألبتة... فأما المبسوطة فتكون مفردة ومركبة، وإفرادها قليل، والمركبة موضعها الابتدا آت والوسط، ولا تكون طرفا أخيرا بحال... وإنما سميت مشكولة للجرة التي عليها ". وعلى هذا. فالكاف المعلقة هي التي لم تكن مشكولة ولا مبسوطة وكانت طرفا أخيرا أو مفردة، وهي الشبيهة باللام. [ * ]

[ 355 ]

صغيرة أو همزة، وفي باطن اللام لام صغيرة. 1 التاسعة عشرة: 2 ينبغي أن يكتب على ما صححه وضبطه في الكتاب وهو في محل شك عند مطالعته أو تطرق احتمال: " صحة " [ ظ: " صح " ] صغيرة. ويكتب فوق ما وقع في التصنيف أو في النسخ وهو خطأ: " كذا " صغيرة، ويكتب في الحاشية: " صوابه كذا " إن كان يتحققه، أو " لعله كذا " إن غلب على ظنه أنه كذلك، أو يكتب على ما أشكل عليه ولم يظهر له وجهه " ص‍ " وهي صورة رأس صاد مهملة مختصرة من " صح ". - قال بعضهم: 3 ويجوز أن تكون معجمة، مختصرة من " ضبة " - وتكتب فوق الكتابة غير متصلة بها لئلا يظن ضربا أو غيره، فإذا تحققه هو أو غيره بعذ لك، وكان المنقول صوابا زاد تلك الصاد حاء فيصير " صح ". قيل: 4 وأشاروا إلى أن الضبة نصف " صح " وأن الصحة لم تكمل فيها هي فوقه مع صحة روايته ومقابلته مثلا، وإلى تنبيه الناظر فيه على أنه منقب في


1 - في " تدريب الراوي " ج 2 / 72: " واللام يكتب في بطنها لام، أي هذه الكلمة بحروفها الثلاة لاصورة ل، هكذا: ل ". 2 - لاحظ " تذكرة السامع " / 182. 3 - هو زكريا بن محمد الانصاري الازهري الشافعي قاله في " فتح الباقي " ج 2 / 143. 4 - القائل زكريا بن محمد الانصاري في كتابه " فتح الباقي " ج 2 / 144. وقوله: " إن الضبة نصف صح " ليس المراد به أن الضبة نصف كلمة " صح " كما هو ظاهر، بل المراد أن هذه العلامة -: " ص‍ " التي تسمى بالتضبيب والضبة تشعر بأن الكلام الذي هي فوقها صح وروده كذلك، غير أنه فاسد لفظا أو معنى، أو ضعيف أو ناقص. قال ياقوت الحموي في " معجم الادباء " ج 2 / 5 - 6، في ترجمة إبراهيم بن محمد بن زكريا: " حكي عنه أنه قال: كان شيوخنا من أهل الادب يتعالمون أن الحرف إذا كتب عليه صح - بصاد وحاء - كان ذلك علامة لصحة الحرف، لئلا يتوهم متوهم عليه خللا أو نقصا، فوضع حرف كامل على حرف صحيح، وإذا كان عليه صاد ممدودة دون حاء، كان علامة أن الحرف سقيم، إذ وضع عليه حرف غير تام، ليدل نقص الحرف على اختلاف الحرف، ويسمى ذلك الحرف أيضا ضبة، أي أن الحرف مقفل بها، لم يتجه لقراءة كما أن الضبة مقفل بها. قال المؤلف: وهذا كلام على طلاوة من غير فائدة تامة، وإنما قصدوا بكتبهم على الحرف " صح " أنه كان شاكا في صحة اللفظة، فلما صحت له بالبحث خشي أن يعاوده الشك، فكتب عليها " صح " ليزول شكه فيما بعد، ويعلم هو أنه لم يكتب عليها صح إلا وقد انقضى اجتهاده في تصحيحها. وأما الضبة التي صورتها " ص‍ " فإنما هو نصف صح، كتبه على شئ فيه شك ليبحث عنه فيما يستأنفه، فإذا صحت له أتمها بحاء، فتصير صح، ولو علم عليها بغير هذه العلامة لتكلف الكشط وإعادة صح مكانها " [ * ].

[ 356 ]

نقله غير غافل، فلا يظن أنه غلط فيصلحه. وقد يتجاسر بعضهم فيغير ما الصواب إبقاؤه. واستعير لتلك الصورة اسم الضبة لشبهها بضبة الاناء التي يصلح بها خلله، بجامع أن كلا منهما جعل على ما فيه خلل، أو بضبة الباب لكون المحل مقفلا بها لا يتجه قراءته، كما أن الضبة يقفل بها 1. العشرون: 2 إذا وقع في الكتاب زيادة أو كتب فيه شئ على غير وجهه تخير فيه بين ثلاثة أمور: الاول: الكشط، وهو سلح الورق بسكين ونحوها، ويعبر عنه بالبشر - بالباء الموحدة - وبالحك، وسيأتي 3 أن غيره أولى منه، وهو أولى في إزالة نقطة أو شكلة أو نحو ذلك. الثاني: المحو، وهو الازالة بغير سلخ إن أمكن، بأن تكون الكتابة في ورق صقيل جدا في حال طراوة المكتوب وأمن نفوذ الحبر، وهو أولى من الكشط لانه أقرب زمنا وأسلم من فساد المحل غالبا. ومن الحيل الجيدة عليه لعقه رطبا بخفة ولطافة. ومن هنا قال بعض السلف: من المروة أن يرى في ثوب الرجل وشفتيه مداد. 4 والثالث: الضرب عليه، وهو أجود من الكشط والمحو، لا سيما في كتب الحديث، لان كلا منهما يضعف الكتاب، ويحرك تهمة، 5 وربما أفسد الورق. وعن بعض المشايخ أنه كان يقول: كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس السماع حتى لا يبشر شئ، 6 ولانه ربما يصح في رواية أخرى، وقد يسمع الكتاب مرة أخرى على شيخ آخر يكون ما بشر صحيحا في روايته، فيحتاج إلى


1 - لاحظ " فتح الباقي " ج 2 / 143 - 144، وانظر للمزيد " مقدمة ابن الصلاح " / 316، و " تدريب الراوي " ج 2 / 83. 2 - لاحظ " فتح الباقي " ج 2 / 146 - 151. 3 - يأتي بعد عدة سطور. 4 - قاله إبراهيم النخعي كما في " مقدمة ابن الصلاح " / 319. 5 - في " المحدث الفاصل " / 606، و " مقدمة ابن الصلاح / 319، " قال: أصحابنا: الحك تهمة ". 6 - " فتح الباقي " ج 2 / 147، " مقدمة ابن الصلاح " / 317. [ * ]

[ 357 ]

إلحاقه بعد بشره. ولو خط عليه في رواية الاول، وصح عند الآخر اكتفي بعلامة الآخر عليه بصحته. وفي كيفية الضرب خمسة أقوال: 1 أحدها: أن يصل بالحروف المضروب عليها ويخط بها خطا ممتدا، ويسمى عند المغاربة بالشق، 2 وأجوده ماكان دقيقا بينا يدل على المقصود، ولا يسود الورق، ولا يطمس الحروف، ولا يمنع قراءة ما تحته. وثانيها: أن يجعل الخط فوق الحروف منفصلا عنها منعطفا طرفاه على أول المبطل وآخره ومثال هكذا " [...... ] " وثالثها: أن يكتب لفظة " لا " أو لفظة " من " فوق أوله ولفظة " إلى " فوق آخره، ومعناه: من هنا ساقط إلى هنا، أو: لا يصح مثلا هذا إلى هنا: ومثل هذا يحسن فيما صح في رواية، وسبط في أخرى، ومثاله هكذا: " لا.. إلى " أو هكذا " من.. إلى ". ورابعها: أن يكتب في أول الكلام المبطل وفي آخره نصف دائرة، ومثاله هكذا: " (..) " فإن ضاق المحل جعله في أعلى كل جانب. وخامسها: أن يكتب في أول المبطل وفي آخره صفرا، وهو دائرة صغيرة سميت بذلك لخلو ما أشير إليه بها من الصحة كتسمية الحساب لها بذلك، لخلو موضعها من عدد، مثاله هكذا " ه... ه "، فإن ضاق المحل جعل ذلك في أعلى كل جانب. ومنهم من يصل بين المبطل مكان الخط نقطا متتالية. ولو كان المبطل أكثر من سطر فإن شئت علم بما ذكر في الثلاثة الاخيرة من الخمسة في أول كل سطر وآخره، وإن شئت علم بها في طرف الزائد فقط. وإذا تكررت كلمة أو أكثر سهوا ضرب على الثانية لوقوع الاولى صوابا في موضعها، إلا إذا كانت الثانية أجود صورة أو أدل على القراءة. وكذا إذا كانت


1 لاحظ " فتح الباقي " ج 2 / 148، " وراجع " مقدمة ابن الصلاح " / 317، " تدريب الراوي " ج 2 / 84. 2 - قال في " تدريب الراوي " ج 2 / 84: " والشق عند أهل المغرب - وهو بفتح المعجمة وتشديد القاف -: من الشق وهو الصدع، أو من شق العصا، وهو التفريق، كأنه فرق بين الزائد وما قبله وبعده من الثابت بالضرب.. ". [ * ]

[ 358 ]

الاولى آخر سطر، فإن الضرب عليها أولى، صيانة لاول السطر. وإذا كان في المكرر مضاف ومضاف إليه أو صفة وموصوف أو متعاطفان أو مبتدأ وخبر، فمراعاة عدم التفريق بين ما ذكرنا والضرب على المتطرف من المتكرر لا على المتوسط، لئلا يفصل بالضرب بين شيئين بينهما ارتباط أولى من مراعاة الاول أو الاخير أو الاجود، 1 إذ مراعاة المعاني أحق من تحسين الصورة في الخط. 2 وإذا ضرب على شئ ثم تبين له أنه كان صحيحا، وأراد عود إثباته كتب في أوله وآخره: " صح " صغيره، وله أن يكررها عليه ما لم يؤد إلى تسويد الورق. ويختار التكرار فيما إذا ضرب بالخط المتصل أو المنفصل أو النقط المتتالية، وعدمه فيما إذا ضرب بغير ذلك من العلامات، ويحسن حينئذ أن يضرب على العلامة من " من " و " لا " و " إلى " ونصف الدائرة، والصفر، ويكتب لفظ " صح ". الحادية والعشرون: 3 إذا أراد تخريج شئ سقط، ويسمى اللحق بفتح الحاء مشتق من اللحاق بالفتح أي الادراك، فليخرجه في الحاشية وهو أولى من جعله بين السطور لسلامته من تضييقها وتغليس ما يقرأ، سيما إذا كانت السطور ضيقة متلاصقة، قالا: وجهة اليمين من الحواشي أولى إن أمكن بأن اتسعت، لشرفها ولا حتمال سقط آخر فيخرجه إلى جهة اليسار، فلو خرج الاول إلى اليسار، ثم ظهر سقط آخر في السطر، فإن خرج له إلى اليسار إيضا اشتبه محل [ أحد ] السقطين بمحل الآخر، أو إلى اليمين تقابل طرف 4 التخريجين، وربما التقيا لقرب السقطين، 5


1 - يعني الاجود منهما صورة أو أدل على القراءة، وعلى هذا فلا يضرب على المتكرر بينهما، بل على الاول في المضاف والموصوف والمبتدأ، وعلى الآخر في المضاف إليه والصفة والخبر. 2 - ولا حظ " فتح الباقي " ج 2 / 150 - 151. وانظر للمزيد " مقدمة ابن الصلاح " / 318. 3 - لاحظ " فتح الباقي " ج 2 / 137 - 141. وانظر " مقدمة ابن الصلاح " / 313، " تدريب الراوي " ج 2 / 80. 4 - في " فتح الباقي " ج 2 / 137، و " تدريب الراوي " ج 2 / 80: " طرفا " بدل " طرف " وهو أولى. 5 - عبارة ابن الصلاح هنا أوضح، فلننقلها مزيد للفائدة، قال: "... وقلنا أيضا يخرجه في جهة اليمين، لانه لو خرجه إلى جهة الشمال فربما ظهر بعده في السطر نفسه نقص آخر، فإن خرجه قدامه إلى جهة الشمال أيضا وقع بين التخريجين إشكال، وإن خرج الثاني إلى جهة اليمين التقت عطفة تخريج جهة الشمال وعطفة تخريج جهة اليمين أو تقابلنا، فأشبه ذلك الضرب على ما بينهما، بخلاف ما إذا خرج الاول إلى جهة اليمين، فإنه حينئذ [ * ]

[ 359 ]

فيظن أن ذلك ضرب على ما بينهما على مافر في كيفية الضرب، فالابتداء باليمين وجعله ضابطا يزيل الاشتباه إلا أن يكثر السقط في السطر الواحد وهو نادر. نعم إن كان الساقط آخر سطر ألحقة بآخره مطلقا للامن حينئذ [ من نقص فيه بعده ]، 1 وليكن متصلا بالاصل، ولا يكتبه في أول السطر بعده ولا يلحقه في الحاشية اليمنى، نعم إن ضاق المحل لقرب الكتابة من طرف الورقة أو للتجليد خرج إلى الجهة الاخرى. وليكن كتب الساقط، من أي جهة كان التخريج، صاعدا لفوق إلى أعلى الورقة، 2 لا نازلا به إلى أسفلها، لاحتمال تخريج آخر بعده، فلا يجد له محلا مقابله. ويجعل رؤوس الحروف إلى جهة اليمين، سواء كان في جهة يمين الكتابة أم يسارها. وينبغي أن يحسب الساقط، وما يجئ منه من الاسطر قبل أن يكتبها، فإن كان سطرين أو أكثر جعل السطور أعلى الطرة 3 نازلا بها إلى أسفل، بحيث تنتهي السطور إلى جهة الكتابة إن كان التخريج عن يمينها، وإن كان عن يسارها ابتدأ الاسطر من جانب الكتابة بحيث تنتهي سطوره إلى طرف الورقة فإن انتهى الهامش قبل فراغ الساقط كمل في أعلى الورقة أو أسفلها بحسب ما يكون من الجهتين. ولا يوصل الكتابة والاسطر بحاشية الورقة من أي جهة كانت، بل يدع مقدارا يحتمل الحك عند حاجته مرات. ثم كيفية التخريجة للساقط أن يجعل في محله من السطر خطا صاعدا إلى تحت السطر الذي فوقه منعطفا قليلا إلى جهة التخريج من الحاشية ليكون إشارة إليه، [ هكذا:.. [.. أو... ]... ].


يخرج الثاني إلى جهة الشمال، فلا يلتقيان ولا يلزم إشكال ". (" مقدمة ابن الصلاح " / 313). ولاحظ " فتح الباقي " ج 2 / 137 - 138. 1 - زيادة لازمة لتوضيح المراد من " فتح الباقي " ج 2 / 138، وليست في المخطوطات والمطبوعات 2 - راجع لتوضيح المراد " فتح الباقي " ج 2 / 138، " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 139. 3 - " الطرة: حاشية الكتاب "، انظر " المعجم الوسيط " ج 2 / 544، و " لسان العرب " ج 4 / 500. [ * ]

[ 360 ]

واختار جماعة من العلماء 1 أن يصل بين الخط وأول الساقط بخط ممتد بينهما [ هكذا:. ].. أو.. [.. ] وهو غير مرضي عند الباقي، 2 لاشتماله على تسويد الكتاب، سيما إن كثر التخريج. نعم إن لم يكن ما يقابل محل السقوط خاليا، واضطر إلى كتابته بمحل آخر اختير مد الخط إلى أول الساقط، أو كتب قبالة المحل: " يتلوه كذا في المحل الفلاني " أو نحوه مما يزيل اللبس. وإذا كتب الساقط في التخريج وانتهى منه كتب في آخره: " صح "، وتصغيرها أولى، وبعضهم يكتب " صح رجع " وبعضهم يقتصر على " رجع " 3. الثانية والعشرون: إذا صحح الكتاب على الشيخ، أو في المقابلة علم على موضع وقوفه ب‍ " بلغ " و " بلغت " أو بلغ العرض " أو نحو ذاك مما يفيد معناه، وإن كان ذلك بخط الشيخ فهو أولى، ففيه فوائد جمة من أهمها الوثوق بالنسخة والاعتماد عليها على تطاول الازمنة إذا كان الشيخ أو المقابل معروفا بالثقة والضبط، فإن ذلك مما يحتاج إليه سيما في هذا الزمان، لضعف الهمة وفتور العزيمة في الازمنة المتقاربة لزماننا عن مباشرة التصحيح والضبط خصوصا لكتب الحديث، فالاعتماد على تصحيح الثقات السابقين مع الاجتهاد في تحقيق الحق بحسب الامكان. الثالثة والعشرون: ينبغي أن يفصل بين كل كلامين أو حديثين بدائرة أو ترجمة أو قلم غليظ، ولا يوصل الكتابة كلها على طريقة واحدة، لما فيه من عسر استخراج المقصود وتضييع الزمان فيه.


1 - منهم ابن خلاد، كما في " مقدمة ابن الصلاح " / 313، " تدريب الراوي " ج 2 / 80. ولا حظ أيضا " فتح الباقي " ج 2 / 140. 2 - منهم ابن الصلاح في " مقدمة ابن الصلاح " / 313. 3 - راجع " مقدمة ابن الصلاح " / 313، " تدريب الراوي " ج 2 / 81، " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 141، " فتح الباقي " ج 2 / 141. [ * ]

[ 361 ]

ورجحوا الدائرة على غيرها، وعمل عليها غالب المحدثين، 1 واختار بعضهم 2 إغفال الدائرة حتى يقابل، وكل كلام يفرغ منه ينقط في الدائرة التي تليه نقطة وفي المقابلة الثانية ثانية، وهكذا. الرابعة والعشرون: 3 لا بأس بكتابة الحواشي والفوائد والتنبيهات المهمة على غلط أو اختلاف رواية أو نسخة، أو نحو ذلك، على حواشي كتاب يملكه، أو لا يملكه بالاذن، ولا يكتب في آخر ذلك " صح ". ويخرج لها بأعلى وسط كلمة المحل التي كتبت الحاشية لاجلها لابين الكلمتين، 4 أو يجعل بدل التخريجة إشارة بالهندي، 5 وكل ذلك ليتميز هذا عن تخريج الساقط في الاصل. وبعضهم يكتب على أول المكتوب من ذلك: " حاشية " أو " فائدة " مثلا أو صورة " حشة " وبعضهم يكتب ذلك في آخره. 6 ولا ينبغي أن يكتب إلا الفوائد المهمة المتعلقة بذلك المحل، ولا يسوده بنقل المباحث والفروع الغريبة، كما اتفق لبعض غفلة أهل هذا العصر الذين لم يقفوا على مصطلح العلماء، فأفسدوا أكثر الكتب. ولا ينبغي الكتابة في الاسطر مطلقا. الخامسة والعشرون: ينبغي كتابة التراجم والابواب والفصول، ونحو ذلك


1 - راجع " مقدمة ابن الصلاح " / 306، " تدريب الراوي " ج 2 / 73. 2 - هو الخطيب البغدادي كما في " مقدمة ابن الصلاح " و " فتح الباقي " ج 2 / 126، و " شرح ألفية العراقي " ج 2 / 125 - 126، و " الخلاصة في أصول الحديث " / 148، و " تدريب الراوي " ج 2 / 73. والمراد بإغفال الدائرة، تركها من النقط بحيث يكون غفلا لا أثر بها، لا تركها رأسا، كما لا يخفي، قال السيوطي: " واستحب الخطيب أن تكون الدائرات غفلا، فإذا قابل نقط وسطها، أي نقط وسط كل دائرة عقب الحديث الذي يفرغ منه " (" تدريب الراوي " ج 2 / 73)، وفي " فتح الباقي " ج 2 / 126: " إغفالها، أي تركها من النقط بحيث تكون غفلا لا أثر بها إلى أن يقابل كتابه بالاصل أو نحوه... ". 3 - لاحظ " تذكرة السامع " / 186 - 191، " فتح الباقي " ج 2 / 142. 4 - راجع لتوضيح المراد " فتح الباقي " ج 2 / 141 - 142. 5 - أي بالارقام الهندية، وهي علامات الاعداد المعروفة: 1، 2، 3، 4، 5، 6، الخ، ويقال إن منشأها من الهند، انظر في ذلك " فرهنگ فارسي " ج ! / 204، " أرقام ". 6 - راجع " فتح الباقي " ج 2 / 142، " تذكرة السامع " / 186 - 191. [ * ]

[ 362 ]

بالحمرة ونحوها، فإنه أظهر في البيان وفي فواصل الكلام. ولك في كتابة شرح ممزوج بالمتن أن تميز المتن بكتابته بالحمرة، أو تخط عليه بها خطا منفصلا عنه ممتدا عليه كالصورة الثانية من صور الضرب المارة، لكن تميزه عن الضرب بترك انعطاف الخط من طرفيه. وكتابة جميع المتن بالحمرة أجود، لانه قد يمتزج بحرف واحد، وقد تكون الكلمة الواحدة بعضها متن وبعضها شرح، فلا يوضح ذلك بالخط إيضاحه بالحمرة. والله الموفق.

[ 363 ]

وأما الخاتمة فتشتمل على مطالب مهمة: [ المطلب الاول في أقسام العلوم الشرعية وما تتوقف عليه ] [ المطلب الثاني في مراتب أحكام العلم الشرعي وما ألحق به ] [ المطلب الثالث في ترتيب العلوم بالنظر إلى المتعلم ]

[ 365 ]

المطلب الاول في أقسام العلوم الشرعية وما تتوقف عليه من العلوم العقلية والادبية وفيه فصلان: [ الفصل ] الاول في أقسام العلوم الشرعية الاصلية وهي أربعة: علم الكلام، وعلم الكتاب العزيز، وعلم الاحاديث وعلم الاحاديث النبوية، وعلم الاحكام الشرعية المعبر عنها بالفقه. فأما علم الكلام: ويعبر عنه بأصول الدين، هو أساس العلوم الشرعية وقاعدتها، لان به يعرف الله تعالى ورسوله وخليفته، وغيرها [ خ ل: غيرهما ؟ ] مما يشتمل عليه، وبه يعرف صحيح الآراء من فاسدها وحقها من باطلها، وقد جاء في الحث على تعلمه وفضله كثير من الكتاب والسنة: قال الله تعالى:

[ 366 ]

فاعلم أنه لا إله إلا الله. 1 وقال تعالى: أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والارض وما بينهما إلا بالحق. 2 وقال تعالى: أولم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شئ. 3 ومرجع ذلك إلى الامر بالنظر والاستدلال بالصنعة المحكمة والآثار المتقنة، على الصانع الواحد القادر العالم الحكيم. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما قلت: ولا قال القائلون قبلي مثل " لا إله إلا الله ". 4 وعن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. 5 وعنه عليه السلام عن آبائه عن علي عليه السلام في قول الله عزوجل: هل جزاء الاحسان إلا الاحسان. 6 قال علي عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله عزوجل قال: ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة. 7 وعن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله علمني من غرائب


1 - سورة محمد (47): 19. 2 - سورة الروم (30): 8. 3 - سورة الاعراف (7): 185. 4 - " التوحيد " / 18، باب ثواب الموحدين والعارفين (1)، الحديث 1. 5 - " التوحيد " / 19، باب ثواب الموحدين والعارفين (1)، الحديث 5، وفيه: "... لا يشرك بالله شيئا أحسن أو أساء دخل الجنة ". 6 - سورة الرحمن (54): 60. 7 - " التوحيد " / 28، باب ثواب الموحدين والعارفين (1)، الحديث 29، وراجع " أمالي الطوسي " ج 2 / 182. [ * ]

[ 367 ]

العلم. قال: ما صنعت في رأس العلم حتى تسأل عن غرائبه ؟ قال الرجل: ما رأس العلم يا رسول الله ؟ قال: معرفة الله حق معرفته. قال الاعرابي: وما معرفة الله حق معرفته ؟ قال: تعرفه بلا مثل ولا شبه ولا ند، وأنه واحد أحد ظاهر باطن أول آخر، لا كفوله ولا نظير، فذلك حق معرفته. 1 والاثر في ذلك عن أهل البيت عليهم السلام كثير جدا، ومن أراده فليقف على كتابي التوحيد للكليني، 2 والصدوق ابن بابويه رحمهما الله تعالى. وأما علم الكتاب: فقد استقر الاصطلاح فيه على ثلاثة فنون قد أفردت بالتصنيف وأطلق عليها اسم العلم: أحدها: علم التجويد، وفائدته معرفة أوضاع حروفه وكلماته مفردة ومركبة، فيدخل فيه معرفة مخارج الحروف وصفاتها ومدها وإظهارها وإخفائها وإدغامها إمالتها وتفخيمها، ونحو ذلك. وثانيها: علم القراءة، وفائدته معرفة الوجوه الاعرابية والبنائية التي نزل القرآن بها، ونقلت عن الني صلى الله عليه وآله تواترا، ويندرج فيه بعض ما سبق في الفن الاول، وقد يطلق عليهما علم واحد، ويجمعهما تصنيف واحد، وثالثها: علم التفسير، وفائدته معرفة معانيه واستخراج أحكامه وحكمه، ليترتب عليه استعماله في الاحكام والمواعظ والامر والنهي وغيرها، ويندرج فيه غالبا معرفة ناسخة ومنسوخة ومحكمة ومتشابهه، وغيرها. وقد يفرد الناسخ والمنسوخ، ويخص بعلم آخر إلا أن أكثر التفاسير مشتملة على المقصود منهما. وقد ورد في فضله وآدابه والحث على تعلمه أخبار كثيرة وآثار، فروي عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعا 3 في قوله تعالى:


1 - " التوحيد " ج 284 / 285، باب أدنى ما يجزي من معرفة التوحيد (40)، الحديث 5. 2 - راجع " الكافي " ج 1 / 72 - 167، كتاب التوحيد. 3 - للاطلاع على معنى الحديث المرفوع راجع " شرح البداية " / 30 - 31. [ * ]

[ 368 ]

يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. 1 قال: الحكمة، القرآن. 2 وروي عنه رضي الله عنه أنه يعني تفسيره، فإنه قد قرأه البرو الفاجر. 3 وعنه رضي الله عنه في تفسير الآية أنه قال: الحكمة: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. 4 وقال صلى الله عليه وآله: أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه. 5 وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من الصحابة أنهم كانوا يأخذون من رسول الله صلى الله عليه وآله عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الاخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل. 6 وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالاعرابي يهذ الشعر هذا. 7 وعن النبي صلى الله عليه وآله: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. 8


1 - سورة البقرة (2): 269. 2 - " الاتقان " ج 4 / 197، " تفسير ابن كثير " ج 1 / 329. 3 - " الاتقان " ج 4 / 197، و 249، " تفسير ابن كثير " ج 1 / 329، وفيهما: "... عن ابن عباس مرفوعا: " يؤتي الحكمة " قال: القرآن، قال ابن عباس: يعني تفسيره، فإنه قد قرأه البر والفاجر ". 4 - " الاتقان " ج 4 / 197، " تفسير التبيان " ج 2 / 348 " تفسير مجمع البيان " ج 2 / 382، " تفسير ابن كثير " ج 1 / 329 " علم القلوب " / 19. 5 - " تفسير مجمع البيان " ج 1 / 13، " الاتقان " ج 4 / 189، " تفسير القرطبي " ج 1 / 23، " المستدرك على الصحيحين " ج 2 / 439، " تفسير كشف الاسرار " ج 10 / 679، " مجمع الزوائد " ج 7 / 163. 6 - " تفسير الطبري " ج 1 / 28، " تفسير ابن كثير " ج 1 / 4، " الاتقان " ج 4 / 202، " تفسير أبي الفتوح الرازي " ج 1 / 14، " تفسير القرطبي " ج 1 / 39 " مجمع الزوائد " ج 1 / 165، " تفسير التبيان " ج 1 / 17. 7 - الاتقان ج 4 / 198، " تفسير أبي الفتوح الرازي " ج 1 / 14. 8 - " سنن الترمذي " ج 5 / 199، كتاب تفسير القرآن، الباب 1، الحديث 2950، " مسند أحمد " ج 1 / 233، " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 57، " تفسير الطبري " ج 1 / 27. وللاطلاع على معنى " فليتبوأ مقعده من النار " وإعرابها راجع " مرآة العقول " ج 1 / 150، و " فيض القدير " [ * ]

[ 369 ]

وقال صلى الله عليه وآله: من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ. 1 وقال صلى الله عليه وآله: من قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار. 2 وقال صلى الله عليه وآله: أكثر ما أخاف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن يضعه على غير مواضعه. 3 وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبي: ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر. 4 يعني تفسيره برأيه من غير علم. وقد تقدم 5 حديث العلامة الذي قيل للنبي صلى الله عليه وآله أنه أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية والاشعار العربية، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه، ثم قال صلى الله عليه وآله: إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما سواهن فهو فضل. 6 والكلام في جملة ذلك مما يطول ويخرج من وضع الرسالة، فلنقتصر منه على هذا القدر. وأما علم الحديث: فهو أجل العلوم قدرا وأعلاها رتبة وأعظمها مثوبة بعد


ج 6 / 214، و " سنن ابن ماجة " ج 1 / 14 13، الهامش، و " شرح أصول الكافي " ج 126. 1 - " سنن الترمذي " ج 5 / 200، كتاب تفسير القرآن، الباب 1، الحديث 2952، " تفسير الطبري " ج 1 / 27، " تفسير القرطبي " ج 1 / 32، " تفسير التبيان " ج 1 / 4، " تفسير مجمع البيان " ج 1 / 13، " تفسير أبي الفتوح " تفسير أبي الفتوح الرازي " ج 1 / 5. 2 - " الترغيب والترهيب " ج 1 / 121، الحديث 3، " مجمع الزوائد " ج 1 / 163. 3 - " الجامع الصغير " ج 1 / 53، حرف الهمزة، وشرحه: " فيض القدير " ج 2 / 80، الحديث 1383، " كنز العمال " ج 10 / 187، الحديث 28978، وج 10 / 200، الحديث 29052 مع اختلاف يسير في اللفظ. 4 - " الكافي " ج 2 / 633، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، الحديثان 17، 25. 5 - تقدم في المقدمة، ص 113. 6 - " الكافي " ج 1 / 32، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء الحديث 1. [ * ]

[ 370 ]

القرآن، وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله أو إل الائمة المعصومين عليهم السلام قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة، حتى الحركات والسكنات واليقظة والنوم. وهو ضربان: رواية، ودراية. فالاول: العلم بما ذكر. والثاني: - وهو المراد بعلم الحديث عند الاطلاق - وهو علم يعرف به معاني ما ذكر، ومتنه وطرقه وصحيحه وسقيمه، وما يحتاج إليه من شروط الرواية. وأصناف المرويات، ليعرف المقبول منه والمردود، ليعمل به أو يجتنب. وهو أفضل العلمين، فإن الغرض الذاتي منهما هو العمل، والدراية هي السبب القريب له. وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: خير تدريه خير من ألف ترويه. 1 وقال عليه السلام: عليكم بالدرايات لا الروايات. 2 وعن طلحة بن زيد، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: رواة الكتاب كثير، ورعاته قليل، فكم مستنسخ للحديث مستغش للكتاب، والعلماء تجزيهم الدراية والجهال تجزيهم الرواية. 3 ومما جاء في فضل علم الحديث مطلقا من الاخبار والآثار قول النبي صلى الله عليه وآله: ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه. 4


1 - " السرائر " / 492، قسم المستطرفات " مستطرفات السرائر " / 149، الحديث 4، " بحار الانوار " ج " / 206، نقلا عنه. 2 - " السرائر " ج 492، قسم المستطرفات، " مستطرفات السرائر " / 150، الحديث 5، " بحار الانوار " ج 2 / 206، نقلا عنه، 3 - " السرائر " / 492، قسم المستطرفات، " مستطرفات السرائر " / 150، الحديث 6، " بحار الانوار " ج 2 / 206، نقلا عنه. 4 - " سنن ابن ماجة " ج 1 / 85، الباب 18، الحديث 233، " شرف أصحاب الحديث " / 17 16، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 48. [ * ]

[ 371 ]

وقوله صلى الله عليه وآله: نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: من أدى إلى أمتي حديثا يقام به سنة أو يثلم به بدعة، فله الجنة. 2 وقوله صلى الله عليه وآله: رحم الله خلفائي. قيل: ومن خلفاؤك ؟ قال: الذين يأتون من بعدي فيروون أحاديثي ويعلمونها الناس. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها، وكنت له شافعا وشهيدا. 4 هذا بعض ما ورد من ألفاظ هذا الحديث.


1 - " سنن أبي داود " ج 3 / 322، كتاب العلم، الحديث 3660، " تحف العقول " / 36، " سنن الترمذي " ج 5 / 34، كتاب العلم، الباب 7، الحديث 2656، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 46، " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 71. وراجع " المحدث الفاصل " / 164، " المستدرك على الصحيحين " ج 1 / 87 - 88، " شرف أصحاب الحديث " / 18 - 19، " مجمع الزوائد " ج 1 / 1371 - 140، 2 " الجامع الصغير " ج 2 / 161، حرف الميم، وشرحه " فيض القدير " ج 6 / 46، الحديث 8363، " شرف أصحاب الحديث " / 80. 3 - " كتاب من لا يحضره الفقيه " ج 4 / 30، باب النوادر وهو آخر أبواب الكتاب الحديث 915، " الترغيب والترهيب " ج 1 / 110، " المحدث الفاصل " / 163، " شرف أصحاب الحديث " / 31، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 55، " تحرير الاحكام الشرعية " ج 1 / 2، " كنز العمال " ج 10 / 229، الحديث 29208، و 29209، وج 10 / 221، الحديث 29167، " مجمع الزوائد " ج 1 / 126، " أمالي الصدوق " / 152، " معاني الاخبار " / 374 - 375، " بحار الانوار " ج 2 / 144 - 145، نقلا عن " أمالي الصدوق " و " معاني الاخبار " و " عيون أخبار الرضا " عليه السلام، وج 2 / 25، نقلا عن " منية المريد ". 4 - " تحرير الاحكام الشرعية " ج 1 / 4، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 6، " عوالي اللآلي " ج 4 / 79 - 80، " الخصال " ج 2 / 643 - 644، الاحاديث 15 - 17، " كنز العمال " ج 10 / 224، الحديث 29184، وراجع " المحدث الفاصل " / 172 - 174، " شرف أصحاب الحديث " / 19 - 20، والحديث مشهور نقل بألفاظ مختلفته، ولاجله ألف الكثير من العلماء كتبا فيها أربعون حديثا، كالشهيد الاول، والعلامة المجلسي، والشيخ البهائي، وابن زهرة الحلبي قدس سرهم، وغيرهم، وانظر في ذلك " الذريعة " ج 1 / 409 - 436. [ * ]

[ 372 ]

وقوله صلى الله عليه وآله: من تعلم حديثين اثنين ينفع بهما نفسه، أو يعلمهما غيره، فينتفع بهما كان خيرا له من عبادة ستين سنة. 1 وقوله صلى الله عليه وآله: من رد حديثا بلغه عني فأنا مخاصمه يوم القيامة، فإذا بلغكم عني حديث لم تعرفوه فقولوا: الله أعلم. 2 وقوله صلى الله عليه وآله: من كذب علي متعمدا أو رد شيئا أمرت به، فليتبوأ بيتا في جهنم. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: من بلغه عني حديث فكذب به، فقد كذب ثلاثة: الله ورسوله، والذي حدث به. 4 وقوله صلى الله عليه وآله: تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا، فإن الحديث جلاء القلوب، إن القلوب لترين كما يرين السيف، جلاؤها الحديث. 5 وروى علي بن حنظلة قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنا. 6 وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العلماء ورثة الانبياء، وذاك أن الانبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا


1 - " شرف أصحاب الحديث " / 80، " كنز العمال " ج 10 / 164 163، الحديث 28849. 2 - " مجمع الزوائد " ج 1 / 147، " كنز العمال " ج 10 / 236، الحديث 29249. 3 - " مجمع الزوائد " ج 1 / 142، " كنز العمال " ج 10 / 234 الحديث 29236. 4 - " مجمع الزوائد " ج 1 / 148 - 149. 5 - " الكافي " ج 1 / 41، كتاب فضل العلم، باب سؤال العلم وتذاكره، الحديث 8. وفي جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة: " جلاؤه "، والصواب " جلاؤها " كما في " الكافي ". 6 - " الكافي " ج 1 / 50، كتاب فضل العلم، باب النوادر، الحديث 13. [ * ]

[ 373 ]

أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشئ منها فقد أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. 1 وعن معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل رواية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوبهم وقلبو شيعتكم، ولعل عابدا من شيعتكم ليس له هذه الرواية، أيهما أفضل ؟ قال: الرواية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد. 2 وعن أبي بصير قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: قول الله جل ثناؤه: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. 3 قال: هو الرجل يسمع الحديث. فيحدث به كما سمعه، لا يزيد فيه ولا ينقص منه. 4 وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا حدثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدثكم، فإن كان حقا فلكم، وإن كان كذبا فعليه. 5 وروى هشام بن سالم وحماد بن عثمان، وغيرهما قالوا: سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين،


1 - " الكافي " ج 1 / 32، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 2. 2 - " الكافي " ج 1 / 33، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 9. 3 - سورة الزمر (39): 18. 4 - " الكافي " ج 1 / 51، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب، الحديث 1. 5 - " الكافي " ج 1 / 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب. الحديث 7. [ * ]

[ 374 ]

وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله قول الله عزوجل. 1 وأما الفقه: فأصله في اللغة: الفهم أو فهم الاشياء الدقيقة، وفي الاصطلاح: علم بحكم شرعي فرعي مكتسب من دليل تفصيلي، سواء كان من قصه أم استنباطا منه. وفائدته امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه المحصلان للفوائد الدنيوية والاخروية. ومما ورد في فضله وآدابه خبر: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. 2 وخبر: فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد. 3 وقوله صلى الله عليه وآله: خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت وفقه في الدين. 4 وقوله صلى الله عليه وآله: أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع. 5 وخبر أبي سعيد قال:


1 - " الكافي " ج 1 / 53، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب. الحديث 14. 2 - " صحيح البخاري " ج 2 / 37 36، كتاب العلم، الحديث 70، " سنن الترمذي " ج 5 / 28، كتاب العلم (42). الحديث 220، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 23 - 25، " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 2 - 8. 3 - " سنن الترمذي " ج 5 / 48، كتاب العلم، الحديث 2681، " سنن ابن ماجة " ج 1 / 81، المقدمة، الباب 17، الحديث 222، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 31 - 32، " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 24، " كنز العمال " ج 10 / 155، الحديث 28793. 4 - " سنن الترمذي " ج 5 / 49 - 50، كتاب العلم، الحديث 2684، " إحياء علوم الدين " ج 1 / 6. 5 - " الجامع الصغير " ج 1 / 50، حرف الهمزة، وشرحه: " فيض القدير " ج 2 / 43، الحديث 1280، " كنز العمال " ج 10 / 150، الحديث 28763. [ * ]

[ 375 ]

كان النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه إذا جلسوا كان حديثهم الفقه، إلا أن يقرأ رجل سورة، أو يأمر رجلا بقراءة سورة. 1 وروى حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أراد الله بعيد خيرا فقهه في الدين. 2 وروى بشير الدهان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لاخير في من لا يتفقه من أصحابنا، يا بشير ! إن الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم، وهو لا يعلم. 3 وعن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عليكم بالتفقه في دين الله، ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزك له عملا 4. وروى أبان بن تغلب عنه عليه السلام قال: لوددت أن أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا. 5 وروي عنه عليه السلام أنه قال له رجل: جعلت فداك، رجل عرف هذا الامر، لزم بيته ولم يتعرف إلى أحد من إخوانه ؟ قال: فقال: كيف يتفقه هذا في دينه ؟. 6 وعن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:


1 " المستدرك على الصحيحين " ج ! / 94، " الطبقات الكبير " ج 2 / 374، ولفظ الحديث في الثاني هكذا: "... عن أبي سعيد الخدري قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، إذا قعدوا يتحدثون كان حديثهم الفقه إلا أن يأمروا رجلا فيقرأ عليهم سورة أو يقرأ رجل سورة من القرآن " وفي " ز "، " م "، " ض "، " ح " و " ع ": " يقرى رجلا سورة " بدل " يقرأ رجل سورة " وما أثبتناه مطابق لسائر النسخ وللمصدر، والظاهر أنه أصح وأنسب. 2 - " الكافي " ج 1 / 32، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 3. 3 - " الكافي " ج 1 / 33، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 6. 4 - " الكافي ج 1 / 31، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، الحديث 7. 5 - " الكافي " ج 1 / 31، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، الحديث 8. 6 - " الكافي " ج 1 / 31، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، الحديث 9. [ * ]

[ 376 ]

تفقهوا في الدين، فإنه من لم يتفقه منكم في الدين، فهو أعرابي، إن الله تعالى يقول في كتابه: ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. 1 وعن أبي جعفر عليه السلام قال: الكمال كل الكمال التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة. 2 وروى سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه. 3 وعنه عليه السلام، قال: إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ. 4 وعن علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الارض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ، لان المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام، كحصن سور المدينة لها. 5 وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا ويعرفوا إمامهم، ويسعهم أن يأخذوا بما يقول وإن كان تقية. 6 فهذه نبذة من الاخبار المختصة بالعلوم الشرعية مضافة إلى ما ورد في مطلق


1 - " الكافي " ج 1 / 31، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، الحديث 6، والآية في سورة التوبة (9): 122. 2 - " الكافي " ج 1 / 32، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله، وفضل العلماء، الحديث 4. 3 - " الكافي " ج 1 / 38، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء، الحديث 1 و 4. 4 - " الكافي " ج 1 / 38، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء، الحديث 2. 5 - " الكافي " ج 1 / 38، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء، الحديث 3. 6 - " الكافي " ج 1 / 40، كتاب فضل العلم، باب سؤال العالم وتذاكره، الحديث 4، وفي جميع النسخ: " كانت تقية " بدل " كان تقية " وما أثبتناه مطابق للمصدر. [ * ]

[ 377 ]

العلم، وقد تقدم جملة منه. 1 الفصل الثاني في العلوم الفرعية وهي التي تتوقف معرفة العلوم الشرعية عليها، أما المعرفة بالله تعالى وما يتبعه فلا يتوقف أصل تحققه على شئ من العلوم، بل يكفي فيه مجرد النظر، وهو أمر عقلي يجب على كل مكلف، وهو أول الواجبات بالذات، وإن كان الخوض في مباحثه وتحقيق مطالبه، ودفع شبه المبطلين فيه يتوقف على بعض العلوم العقلية كالمنطق وغيره. وأما الكتاب العزيز فإنه بلسان عربي مبين، فيتوقف معرفته على علوم العربية من النحو والتصريف والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع ولغة العرب، وأصول الفقه ليعرف به حكم عامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، ومحكمه ومتشابهه، وغيرها من ضروبه. فمعرفة ما يتوقف عليه من هذه العلوم واجب كوجوبه: فإن كان عينيا فهي عينية، وإن كان كفائيا فهي كفائية، وسيأتي تفصيله 2 إن شاء الله تعالى. وأما الحديث النبوي فالكلام فيه كالكلام في الكتاب، وعلومه علومه، ويزيد الحديث عنه بمعرفة أحوال رواته من حيث الجرح والتعديل، ليعرف ما يجب قبوله منها وما يجب رده، وهو علم خاص بالرجال. 3 وأما الفقه فيتوقف معرفته على جميع ما ذكر من العلوم الفرعية والاصلية: أما الكلام، فلتوقف معرفة الشرع على شارعه وعدله وحكمته، ومعرفة مبلغه وحافظه. [ * ]


1 - تقدم في المقدمة. 2 - سيأتي في المطلب الثاني. 3 - يعني علم الرجال، والمراد أن علم الرجال خاص بالبحث عن معرفة أحوال رواة الحديث من حيث الجرح والتعديل. [ * ]

[ 378 ]

وأما الكتاب ففيه نحو خمس مائة آية تشتمل على أحكام شرعية، 1 فلا بد من معرفتها لمن يريد التفقه بطريق الاستدلال. وأما الحديث، فلابد من معرفة ما يشتمل منه على الاحكام ليستنبطها منه ومن الآيات القرآنية، فإن لم يمكن استنباطها منهما رجع إلى بقية الادلة التي يمكن استفادتها منها من الاجماع، ودليل العقل على الوجه المقرر في أصول الفقه. والمنطق آلة شريفة لتحقيق الادلة مطلقا، ومعرفة الموصل منها إلى المطلوب من غيره. فهذه عشرة علوم 2 يتوقف عليها العلوم الشرعية، وجملة ما يتوقف عليه الفقه اثنا عشر، 3 وهي ترجع بحسب ما استقر عليه تدوين العلماء إلى ثمانية، فإن علم الاشتقاق قد أدرج في أصول الفقه غالبا، وفي بعض العلوم العربية، وعلم المعاني والبيان والبديع قد صار علما واحدا في أكثر الكتب الموضوعة لها، والتصريف داخل مع النحو في أكثر الكتب، وقل من أفرده علما، خصوصا كتب المتقدمين. فتدبر ذلك موفقا. 1 - في " الاتقان " ج 4 / 40 - 41: " قال الغزالي وغيره: آيات الاحكام خمسمائة آية. وقال بعضهم: مائة وخمسون. قيل: ولعل مرادهم المصرح به، فإن آيات القصص والامثال وغيرها يستنبط منها كثير من الاحكام. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتاب " الامام في أدلة الاحكام ": معظم آي القرآن لا يخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة وأخلاق جميلة... ". 2 - وهي: علم التصريف، والنحو، واللغة، والاشتقاق، والمعاني، والبيان، والبديع، وأصول الفقه، والمنطق، والرجال. 3 - وهي العلوم العشرة المذكورة آنفا مع علم الحديث وتفسير آيات الاحكام. [ * ]

[ 379 ]

المطلب الثاني في مراتب أحكام العلم الشرعي وما ألحق به وهي ثلاثة: فرض عين، وفرض كفاية، وسنة. فالاول 1 ما لا يتأدى الواجب عينا إلا به، وعليه حمل 2 حديث طلب العلم فريضة علم كل مسلم. 3 وهو يرجع إلى اعتقاد وفعل وترك. فالاول: اعتقاد كلمتي الشهادتين، وما يجب لله ويمتنع عليه والاذعان بالامامة للامام، والتصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله من أحوال الدنيا والآخرة مما ثبت عنه تواترا. كل ذلك بدليل تسكن النفس إليه ويحصل به الجزم.


1 - لاحظ " شرح المهذب " ج 1 / 41 - 46. 2 - " شرح المهذب " ج 1 / 41، " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 46 43. 3 - " الكافي " ج 1 / 30، كتاب فضل العلم، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه، الحديث 1، 2 و 5، " أمالي الطوسي " ج 2 / 182، " مجمع الزوائد " ج 1 / 191 - 120، " سنن ابن ماجة " ج 1 / 81، المقدمة. الباب 17، الحديث 224، " جامع بيان العلم وفضله " ج 1 / 8 - 11. [ * ]

[ 380 ]

وما زاد على ذلك من أدلة المتكلمين والخوض في دقائق الكلام، فهو فرض كفاية، لصيانة الدين ودفع شبه المبطلين، وأم الفعل: فتعلم واجب الصلاة عند التكليف بها ودخول وقتها، أو قبله بحيث يتوقف التعلم عليه، ومثلها الزكاة والصوم والحج والجهاد والامر بالمعروف. وأما باقي أبواب الفقه من العقود والايقاعات فيجب تعلم أحكامها حيث يجب على المكلف بأحد الاسباب المذكورة في كتب الفقه، وإلا فهي واجبة كفاية. ومنه تعلم ما يحل ويحرم، من المأكول والمشروب والملبوس، ونحوها مما لا غنى عنه، وكذلك أحكام عشرة النساء لمن له زوجة، وحقوق المماليك لمن له شئ منها. وأما الترك: فيدخل في بعض ما ذكر، ليجتنب، ومما يلحق به بل هو أهمه، كما أسلفناه في صدر الكتاب 1 تعليم ما يحصل به تطهير القلب من الصفات المهلكة كالرئاء والحسد والعجب والكبر، ونحوها، مما تحقق في علم مفرد، وهو من أجل العلوم قدرا، إلا أنه قد اندرس بحيث لا يكاد ترى له أثرا. ولو توقف تعلم بعض هذه الواجبات على الاشتغال به قبل البلوغ لضيق وقته بعده ونحوه، وجب على الولي تعليم الولد ذلك قبله من باب الحسبة، بل ورد الامر بتعليم مطلق الاهل ما يحصل به النجاة من النار، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا. 2 معناه: علموهم ما ينجون به من النار. 3


1 - في القسم الاول من النوع من الباب الاول. 2 - سورة التحريم (66): 6. 3 - " شرح المهذب " ج 1 / 43. في " المستدرك على الصحيحين " ج 2 / 494، و " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " ج 6 / 244: " عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم نارا [ سورة التحريم (66): 6 [ قال: علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم. " وفي " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " ج 6 / 244، أيضا: "... عن ابن عباس، قال: اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر ينجكم من النارو... عن ابن عباس، قال: أدبوا [ * ]

[ 381 ]

وقال صلى الله عليه وآله: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. 1 وأما فرض الكفاية: فما لا بد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية: كحفظ القرآن والاحاديث وعلومهما والفقه والاصول والعربية ومعرفة رواة الحديث وأحوالهم والاجماع، وما يحتاج إليه في قوام أمر المعاش كالطب والحساب، وتعلم الصنائع الضرورية كالخياطة والفلاحة حتى الحجامة، ونحوها. فرع: قال بعض العلماء 2: فرض الكفاية أفضل من فرض العين، لانه يصان بقيام البعض به جميع المكلفين عن إثمهم المترتب على تركهم له، بخلاف فرض العين فإنما يصان به عن الاثم القائم به فقط. وأما السنة: فكتعلم نفل العبادات، والآداب الدينية، ومكارم الاخلاق وشبه ذلك، وهو كثير ومنه تعلم الهيأة للاطلاع على عظمة، الله تعالى، وما يترتب عليه من الهندسة وغيرها. وبقي علوم أخر بعضها محرم مطلقا، كالسحر والشعبذة وبعض الفلسفة، وكل ما يترتب عليه إثارة الشكوك. وبعضها محرم على وجه دون آخر كأحكام النجوم والرمل، فإنه يحرم تعلمها مع اعتقاد تأثيرها وتحقيق وقوعها، ومباح مع اعتقاد كون الامر مستندا إلى الله تعالى، وأنه أجرى العادة بكونها سببا في بعض الآثار وعلى


أهليكم. وعن مجاهد.. قال: أوصوا أهليكم بتقوى الله. وعن قتادة.. قال: مروهم بطاعة الله وانهوهم عن معصية الله. " والجملة الاخيرة منقولة عن مجاهد وقتادة في " تفسير التبيان " ج 10 / 50. وروي عن مقاتل في " تفسير مجمع البيان " ج 10 / 318، و " تفسير الرازي " ج 30 / 46: " هو أن يؤدب الرجل المسلم نفسه وأهله ويعلمهم الخير وينهاهم عن الشر. " وانظر " تفسير ابن كثير " ج 4 / 417، و " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 47. 1 - " صحيح مسلم " ج 3 / 1459، كتاب الامارة (33)، " مسند أحمد " ج 2 / 5، 54 ش، 11، " الفقيه والمتفقه " ج 1 / 47، " شرح المهذب " ج 1 / 44، " مجمع الزوائد " ج 5 / 207، " تنبيه الخواطر " ج 1 / 6. 2 - هو امام الحرمين كما في " شرح المهذب " ج 1 / 37، 45. [ * ]

[ 382 ]

سبيل التفاؤل، وبعضها مكروه كأشعار المولدين 1 المشتملة على الغزل وتزجية 3 الوقت بالبطالة، وتضييع العمر بغير فائدة. وبعضها مباح كمعرفة التواريخ والوقائع والاشعار الخالية عما ذكر، مما لا يدخل في الواجب كأشعار العرب العاربة 3 التي تصلح للاحتجاج بها في الكتاب والسنة، فإنها ملحقة باللغة. 4 وباقي العلوم من الطبيعي والرياضي والصناعي أكثره موصوف بالاباجة


1 - قال البغدادي في " خزانة الادب " ج 1 / 20 - 21: " كلام الذي يستشهد به نوعان. شعر وغيره، فقائل الاول قد قسمه العلماء طبقات أربع: الطبعة الاولى: الشعراء الجاهليون وهم قبل الاسلام كامرئ القيس والاعشى، والثانية: والمخصرمون وهم الذين أدركوا الجاهلية والاسلام كلبيد وحسان، والثالثة: المتقدمون ويقال لهم الاسلاميون وهم الذين كانوا في صدر الاسلام كجرير والفرزدق، والرابعة: المولدون ويقال لهم المحدثون وهم من بعدهم إلى زماننا، كبشار بن برد وأبي نواس، فالطبقتان الاوليان يستشهد بشعرهما إجماعا، وأما الثالثة فالصحيح صحه الاستشهاد بكلامها... أما الرابعة فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقا. وقيل: يستشهد بكلام من يوثق به منهم، واختاره الزمخشري وتبعه الشارح المحقق [ يعني الرضي رحمه الله ]، فإنه استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من هذا الشرح، واستهشد المزمخشري أيضا في تفسير أوائل البقرة بيت من شعره، وقال: هو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية، فأجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قوله العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه. واعترض عليه.. الخ ". وقال السيوطي في " الاقتراح في علم أصول النحو " / 70: " أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين في اللغة والعربية وفي " الكشاف " ما يقتضي تخصيص ذلك بغير أئمة اللغة ورواتها، فإنه استشهد على مسألة بقول حبيب من أوس، ثم قال: وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بضعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فأجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة فيقتنعون بذلك لتوثقهم بروايته وإتقانه ". 2 - " التزجية: دفع الشئ، يقال: كيف تزجي الايام ؟ أي كيف تدافعها " (" لسان العرب " ج 14 / 354 - 355 " زجا "). 3 - " العرب العاربة هم الخلص منهم، وأخذ من لفظه فأكذبه، كقولك: ليل لائل " (" لسان العرب " ج 1 / 586 " عرب ")، وهم الجاهليون والمخضرمون والمتقدمون على رأي الذين يصح الاحتجاج بأشعارهم لاثبات قوعد الادب والعربية. 4 - فاتضح مما ذكرناه في هذه التعاليق أنه يريد المصنف رحمه الله من " أشعار من " أشعار المولدين " أشعار الطبقة الرابعة: وحيث لا يجوز الاستشهاد بأشعار المولدين لاثبات القواعد الادبية فلافائدة في تعلمها، فلا تلحق باللغة التي يجب تعلمها. وبعض هذه الاشعار المشتمل على الغزل وتضييع العمر بغير فائدة، مكروه تعمله، وما لم يكن مشتملا على ذلك فتعلمه مباح. وبعبارة أخرى: قد قسم المصنف الاشعار من حيث حكمها الشرعي إلى ثلاثة أقسام، الاول: أشعار العرب العارية وهي أشعار الطبقة الاولى والثانية والثالثة على قول فإنها ملحقة باللغة وحكمها اللغة، الثاني: أشعار المولدين المشتملة على الغزل وتضييع العمر بغير فائدة، فإن تعلمها مكروه، الثالث: أشعار المولدين الخالية، مما ذكر، فتعلمها مباح. [ * ]

[ 383 ]

بالنظر إلى ذاته، وقد يمكن جعله مندوبا لتكميل النفس، وإعدادها لغيره من العلوم الشرعية بتقويتها في القوة النظرية، وقد يكون حراما إذا استلزم التقصير في العلم الواجب عينا أو كفاية، كما يتفق كثيرا في زماننا هذا لبعض المحرومين الغافلين عن حقائق الدين. ومن هذا الباب الاشتغال في العلوم التي هي آلة العلم الشرعي زيادة عن القدر المعتبر منها في الآلية مع وجوب الاشتغال بالعلم الشرعي، لعدم قيام من فيه الكفاية به، ونحوه. ولتحرير أقسام العلوم وبيان أحكمامها على التفصيل محل آخر، فإن ذكره هنا يخرج عن موضوع الرسالة. واعلم أن تخصيص العلوم الاربعة 1 بالشرعية مصطلح جماعة من العلماء، وربما خصه بعضهم بالثلاثة الاخيرة، ويمكن رد كل علم واجب أو مندوب إليه. 2 ولا حرج في ذلك. فإنه مجرد اصطلاح لمناسبة، والله أعلم.


1 - وهي: علم الكلام وأصول الدين، وعلم الكتاب العزيز، وعلم الاحاديث، وعلم الاحكام الشرعية المعبر عنها بالفقه. 2 - أي إلى هذا المصطلح. [ * ]

[ 385 ]

المطلب الثالث في ترتيب العلوم بالنظر إلى المتعلم اعلم أن لكل علم من هذه العلوم مرتبة من التعلم، لابد لطالبه من مراعاتها لئلا يضيع سعيه أو يعسر عليه طلبه، وليصل إلى بغيته بسرعة، وكم قدرأينا طلابا للعلم سنين كثيرة، لم يحصلوا منه إلا على القليل، وآخرين حصلوا منه كثيرا في مدة قليلة بسبب مراعاة ترتيبه وعدمه. وليعلم أيضا أن الغرض الذاتي ليس هو مجرد العلم بهذه العلوم، بل الغرض موافقه مراد الله تعالى منها: إما بالآلية، أو بالعلم، أو بالعمل، أو بإقامة نظام الوجود، أو إرشاد عباده إلى ما يراد منهم، أو غير ذلك من المطالب، وبسبب ذلك يختلف ترتيب التعلم. فمن كان تعلمه في ابتداء أمره وريعان شبيته وهو قابل للترقي إلى مراتب العلوم والتأهل للتفقه في الدين بطريق الاستدلال والبراهين فينبغي أن يشتغل في أول أمره بحفظ كتاب الله تعالى وتجويده على الوجه المعتبر، ليكون مفتاحا صالحا ومعينا ناجحا، وليستنير القلب به، ويستعد بسببه إلى درك باقي العلوم.

[ 386 ]

فإذا فرغ منه اشتغل بتعلم العلوم العربية، فإنها أول آلات الفهم، وأعظم أسباب العلم الشرعي، فيقرأ أولا علم التصريف، ويتدرج في كتبه من الاسهل إلى الاصعب، والاصغر إلى الاكبر حتى ينقنه ويحيط به علما. ثم ينقل إلى النحو، فيشتغل فيه على هذا النهج ويزيد فيه بالجد والحفظ فإن له أثرا عظيما في فهم المعاني، ومدخلا جليلا في إتقان الكتاب والسنة، لانهما عربيان. ثم ينتقل منه إلى بقية العلوم العربية: فإذا فرغ منها أجمع اشتغل بالمنطق. وحقق مقاصده على النمط الاوسط، ولا يبالغ فيه مبالغته في غيره، لان المقصود منه يحصل بدونه، وفي الزيادة تضييع للوقت غالبا. ثم ينقل منه إلى علم الكلام، ويتدرج فيه كذلك، ويطلع على طبيعياته ليحصل له بذلك ملكة البحث والاطلاع على مزايا العوالم وخواصها. ثم ينتقل منه إلى أصول الفقه، متدرجا في كتبه ومباحثه كذلك، وهذا العلم أولى العلوم بالتحرير، وأحقها بالتحقيق بعد علم النحو لمن يريد التفقه في دين الله تعالى، فلا يقتصر منه على القليل، فبقدر ما يحققه تتحقق عنده المباحث الفقهية والادلة الشرعية. ثم ينتقل منه إلى علم دراية الحديث، فيطالعه ويحيط بقواعده ومصطلحاته وليس من العلوم الدقيقة، وإنما هو مصطلحات مدونة وفوائد مجموعة. فإذا وقف على مقاصده انتقل إلى قراءة الحديث بالرواية والتفسير والبحث والتصحيح على حسب ما يقتضيه الحال ويسعه الوقت، ولا أقل من أصل 1 منه يشتمل على أبواب الفقه وأحاديثه. ثم ينتقل منه إلى البحث عن الآيات القرآنية المتعلقة بالاحكام الشرعية، وقد


1 - يريد من " الاصل " جامعا روائيا ك‍ " التهذيب " و " الاستبصار " و " كتاب من لا يحضره الفقيه ". لا الاصل بمعناه الاصطلاحي، الذي منه الاصول الاربعمائة المشهورة. [ * ]

[ 387 ]

أفردها العلماء 1 رضوان الله عليهم بالبحث وخصوها بالتصنيف، فليطالع فيها كتابا، وليبحث عن أسرارها، وليمعن النظر في كشف أغوارها، فليس لها حد تقف عليه الافهام، إذ ليست كغيرها من كلام الانام، وإنما هي كلام الملك العلام، وفهم الناس لها على حسب ما تصل إليه عقولهم وتدركه أفهامهم. فإذا فرغ منها انتقل بعدها إلى قراءة الكتب الفقهية، فيقرأ منها أولا كتابا يطلع فيه على مطالبه ورؤوس مسائله، وعلى مصطلحات الفهاء وقواعدهم، فإنها لا تكاد تستفاد إلا من أفواه المشايخ بخلاف غيره من العلوم، ثم يشرع ثانيا في قرائة كتاب آخر بالبحث والاستدلال، واستنباط الفرع من أصوله، ورده إلى ما يليق به من العلوم، واستفادة الحكم من كتاب أو سنة من جهة النص أو الاستنباط من عموم لفظ أو إطلاقه، ومن حديث صحيح أو حسن أو غيرهما ليتدرب على هذه المطالب على التدريج، فليس من العلوم شئ أشد ارتباطا بغيره، ولا أعم احتياجا إليها منه، فليبذل فيه جهده وليعظم فيه جده، فإنه المقصد الاقصى والمطلب الاسنى ووارثه الانبياء، ولا يكفي ذلك كله إلا بهبة من الله تعالى إلهية وقوة منه قدسيه 2 توصله إلى هذه البغية، وتبلغه هذه الرتبة، وهي العمدة في فقه دين الله تعلاى، ولا حيلة للعبد فيها، بل هي منحة الهية ونفحة ربانية يخص بها من يشاء من عباده، إلا أن للجد والمجاهد والتوجه إلى الله تعالى، والانقطاع إليه أثرا بينا في إفاضتها من الجناب القدسي: والذين جاهدوا فينا لندينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين. 3


1 - منهم الفاضل المقداد والقطب الراوندي، ومن المتأخرين عن المصنف. المحقق الاردبيلي والفاضل الجواد رحمه الله تعالى، انظر تفصيل ذلك في " الذريعة " ج 1 / 40 - 43. 2 - قال المصنف رحمه الله في " شرح اللمعة " ج 3 / 66، في بيان شرائط الافتاء "... نعم يشترط مع ذلك كله أن يكون له قوة يتمكن بها من رد الفروع إلى أصولها واستنباطها منها، وهذه هي العمدة في هذا الباب، وإلا فتحصيل تلك المقدمات قد صارت في زماننا سهلة، لكثرة ما حققه العلماء والفقهاء فيها وفي بيان استعمالها، وإنما تلك القوة بيد الله تعالى يؤتيها من يشاء من عباده على وفق حكمته ومراده، ولكثرة المجاهدة والممارسة لاهلها مدخل عظيم في تحصيلها، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [ سورة العنكبوت (2): 69 ] ". 3 - سورة العنكبوت (29): 69. [ * ]

[ 388 ]

فإذا فرغ من ذلك كله شرع في تفسير الكتاب العزيز بأسره، فكل هذه العلوم له مقدمة، وإذا وفق له، فلا يقتصر على ما استخرجه المفسرون بأنظارهم فيه، بل يكثر من التفكر في معانيه، ويصفي نفسه للتطلع على خوافيه، ويبتهل إلى الله تعالى في أن يمنحه من لدنه فهم كتابه وأسرار خطابه، فحينئذ يظهر عليه من الحقائق ما لم يصل إليه غيره من المفسرين، لان الكتاب العزيز بحر لجي في قعره درر وفي ظاهره خير، والناس في التقاط فرره، والاطلاع على بعض حقائقه على مراتب حسب ما تبلغه قوتهم ويفتح الله به عليهم، ومن ثم نرى التفاسير مختلفة حسب اختلاف أهلها فيما يغلب عليهم من العلم: فمنها ما يغلب عليه العربية كالكشاف للزمخشري، ومنها ما يغلب عليه الحكمة والبرهان الكلامي كمفاتح [ أو: مفاتيح ] الغيب للرازي، ومنها ما يغلب عليه القصص كتفسير الثعلبي، 1 ومنها ما يسلط على تأويل الحقائق دون تفسير الظاهر كتأويل عبد الرزاق القاشي.. 2 إلى غير ذلك من المظاهر. ومن المشهور ما روي من: أن للقرآن تفسيرا وتأويلا وحقائق ودقائق، وأن له ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا. 3 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. 4


1 - الموسوم ب‍ " الكشف والبيان "، انظر وصفه في " الذريعة " ج 18 / 66 - 67. 2 - " تأويل الآيات " أو " التأويلات "، انظر وصفه في " الذريعة " ج 3 / 303. 3 - في " تفسير الطبري " ج 1 / 9، و " إحياء علوم الدين " ج 1 / 88، 260: " قال صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: " إن للقرآن ظاهرا وباطنا وحدا ومطلعا " وفي " تفسير العياي " ج 1 / 11، الحديث 5، و " بصائر الدرجات / 196. الحديث 7: " عن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الرواية: ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع ما يعني بقوله: لها ظهر وبطن ؟ قال ظهره وبطنه تأويله.. " وفي " المحاسن " / 270، الحديث 360 ".. قلت: وللقرآن بطن وظهر ؟ فقال: نعم لان لكتاب الله ظاهرا وباطنا ومعاينا وناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وسننا وأمثالا وفصلا ووصلا وأحرفا وتصريفا.. " وراجع أيضا " بحار الانوار " ج 92 / 78 - 106، " الاتقان " ج 4 / 225. وأما قوله " وحقائق ودقائق " فلم أجده في الاحاديث والروايات: نعم قال المكي في " علم القلوب " / 27: " وقيل: ما من آية في القرآن إلا ولها سبع معان: ظاهر وباطن وإشارات وأمارات ولطائف ودقائق وحقائق، فالظاهر للعوام، والباطن للخواص، والاشارات لخاص الخواص، والامارات لاولياء وللطائف للصديقين، والدقائق للمحبين، والحقائق للنبيين ". 4 سورة الجمعة (62): 4. [ * ]

[ 389 ]

فإذا فرغ من ذلك وأراد الترقي وتكميل النفس، فليطالع كتب الحكمة من الطبعي والرياضي والحكمة والعملية والمشتملة على تهذيب الاخلاق في النفس وما خرج عنها من ضرورات دار الفناء، ثم ينتقل بعده إلى العلوم الحقيقية والفنون الحقية، فإنها لباب هذه العلوم ونتيجة كل معلوم، وبها يصل إلى درجة المقربين ويحصل على مقاعد الواصلين، أوصلنا الله وإياكم إلى ذلك الجناب إنه كريم وهاب. هذا كله يرتيب من هو أهل لهذه العلوم، وله استعداد لتحصيلها، ونفس قابلة لفهمها. فأما القاصرون عن درك هذا المقام، والممنوعون بالعوائق عن الوصول إلى هذا المرام، فليقتصروا منها على ما يمكنهم الوصول إليه متدرجين فيه حيب ما دللنا عليه. فإن لم يكن لهم بد من الاقتصار، فلا أقل من الاكتفاء بالعلوم الشرعية والاحكام الدينية. فإن ضاق الوقت أو ضعفت النفس عن ذلك، فالفقه أولى من الجميع، فبه قامت النبوات، وانتظم أمر المعاش والمعاد، مضيفا إليه ما يجب مراعاته من تهذيب النفس وإصلاح القلب من علم الطب النفسي، ليترتب عليه العدالة التي بها قامت السماوات والارض والتقوى التي هي ملاك الامر. فإذا فرغ عما خلق له من العلوم فليشتغل بالعمل الذي هو زبدة العلم وعلة الخق، قال الله تعالى: وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون. 1 وهذه العلوم بمنزلة الآلات القريبة أو البعيدة للعمل، كما حققناه في الباب الاول. 2 وما أجهل وأخسر وأحمق من يتعلم صنعة لينتفع بها في أمر معاشه، ثم يصرف عمره، ويجعل كده في تحصيل آلاتها من غير أن يشتغل بها اشتغالا يحصل به الغرض منها. فتدبر ذلك موفقا إن شاء الله تعالى.


1 - سورة الذاريات (51): 56. 2 - في الامر الثاني من القسم الاول من النوع الاول من ذلك الباب. [ * ]

[ 391 ]

تتمة الكتاب اعلم وفقك الله تعالى أني قد أو صحت لك السبيل، وعلمتك كيفية المسير، وبينت لك كمال الآداب، وحثثنك على دخول هذا الباب، فعليك بالجد والتشمير، واغتنام أيام عمرك القصير، في اقتناء الفضائل النفسانية، والحصول على الملكات العلمية، فإنها سبب لسعادتك المؤبدة، وموجبه لكمال النعمة المخلدة، فإنها من كمالات نفسك الانسانية، وهي باقية أبدا لا تعدم كما تحقق في العلوم الحكمية، ودلت عليه الآيات القرآنية والاخبار النبوية، فتقصيرك في تحصيل الكمال في أيام هذه المهلة القليلة موجب لدوام حسرتك الطويلة. واعتبر في نفسك الآن إن كنت ذا بصرة أنك لا ترضى بالقصور عن أبناء نوعك من بلدك أو محلتك، وتتألم بزيادة علمهم على علمك وارتفاع شأنهم على شأنك، مع أنك وهم في دار خسيسة، وعيشة دنية زائلة علما قليل، ولا يكاد يطلع على نقصك من الخارجين عنك إلا القليل، فكيف ترضى لنفسك إن كنت عاقلا بأن تكون غدا في دار البقاء عند اجتماع جميع العوالم من الانبياء والمرسلين، والشهداء، والصالحين، والعلماء الراسخين، والملائكة المقربين، ومنازلهم في تلك

[ 392 ]

الدار على قدر كمالاتهم التي حصولها في هذه الدار الفانية، والمدة الزائلة في موقف صف النعال، 1 وأنت الآن قادر على درك الكمال، ما هذا إلا قصور في العقل أو سبات. نعوذ بالله من سنة الغفلة وسوء الزلة. وهذا كله على تقدير سلامتك في تلك الدار من عظيم الاخطار وعذاب النار، وأنى لك بالامان من ذلك ؟ وقد عرفت أن أكثر هذه العلوم واجب إما على الاعيان أو الكفاية، وأن الواجب الكفائي إذا لم يقم به من فيه كفاية يأثم الجميع بتركه، ويصير حكمه في ذلك كالواجب العيني. وأين القائم في هذا الزمان بل في أكثر الازمان بالواجب من تحصيل هذه العلوم الشرعية، والحاصل على درجتها المرضية ؟ سيما التفقه في الدين، فإن أقل مراتبه وجوبه على الكفاية، وأدنى ما يتأدى به هذا الواجب أن يكون في كل قطر منه قائم به ممن فيه كفاية، وهذا لا يحصل إلا مع وجود خلق كثير من الفقهاء في أقطار الارض ومتى اتفق ذلك في هذه الازمنة ؟ هذا مع القيام بما يلزمه من العلوم، والكتب التي يتوقف عليها من الحديث وغيره، وتصحيحها وضبطها، وكل هذا أمر معدوم في هذا الزمان، فالتقاعد عنه والاشتغال بغير العلم، ومقدماته، قد صار من أعلم العصيان، وإن كان بصورة العبادة من دعاء أو قرائة قرآن، فأين السلامة من أهوال القيامة للقاعد عن الاشتغال بالعلوم الشرعية على تقدير رضاه بهمته الخسيسة عن ارتقاء مقام أهل الدرجة العلية ؟ ! واعتبر ثالثا [ ظ: ثانيا ] على تقدير السلامة من ذلك كله أن امتيازك عن سائر جنسك من الحيوانات ليس إلا بهذه القوة العاقلة، التي قد خصك الله بها من بينها، [ المميزة ] بين الخطأ والصواب، الموجبة لتحصيل العلوم النافعة لك في هذه الدار وفي دار المآب، فقعودك عن استعمالها فيما خلقت له، وانهما كل في مهلكك


1 " في موقف النعال " خبر ل‍ " تكون ". [ * ]

[ 393 ]

من المأكل والمشرب، وغيرهما من الاعمال التي يشاركك فيها سائر الحيوانات حتى الديدان والخنافس فإنها تأكل وتشرب وتجمع القوت وتتناكح وتتوالد مع أنك قادر على أن تصير من جملة الملائكة المقربين باستعمال قوتك في العلم والعمل بل أعظم من الملائكة، عين الخسران المبين 1 فتنبهوا معشر إخواني وأحبائي أيقظنا الله وإياكم من غفلتكم واغتنموا أيام مهلتكم، وتلافوا تفريطكم، قبل زوال الامكان وفوت الاوان والحصول في حيز ان، فيالها حسرة لا يتدارك فارطها، وندامة وتخلد محنتها ! نبهنا الله وإياكم من مراقد الطبيعة، وجعل ما بقي من أيام هذه المهلة مصروفا على علوم الشريعة، وأحلنا جميعا في دار كرامته بمنازلها الرفيعة. إنه أكرم الاكرمين وأجود الاجودين. وعلى هذا القدر نختم الرسالة، حامدين لله تعالى، مصلين على خاتم الرسالة، وعلى آله أهل العصمة والعدالة، مسلمين مستغفرين من ذنوبنا إنه غفور رحيم، وفرغ منه مؤلفها الفقير إلى عفو الله تعالى ورحمته: زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي ضحى يوم الخميس يوم العشرين من شهر ربيع الاول سنة أربع وخمسين وتسع مائة. وتقبلها الله برحمته، وتلقاها بيد كره ورأفته إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين. 2


1 - " عين الخسران المبين " خبر لقوله: " فقعودك ". 2 - قد فرغت بحول الله وقوته، من مقابلة هذا الاثر الشريف والسفر والمنيف والكتاب القيم، مع ست نسخ مطبوعة وأكثر من خمس نسخ مخطوطة، منها النسخة التي كتبها تلميذ المؤلف رحمه الله وسمعها منه وعليها خطه وتحقيقه وتخريج مصادر الروايات وأقوال الصحابة والعلماء وأكثر الاشعار، والتعلبيق عليه واعراب مواضعه المشكلة، في شهر جمادى الاولى من سنة 409 ه‍. في بلدة قم المشرفة وكان شروعي في ذلك في شهر شعبان المعظم من سنة 407 ه‍. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وأنا العبد رضا المختاري، غفر الله ولوالديه

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية